حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي

الشهاب الخفاجي

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المقدمة يا مفيض البركات ومنزل الآيات البينات، افتح عيون بصائرنا لمشاهدة أنوارك، وارزقنا من موائد كرمك ذوق حلاوة أسرارك، ووفقنا لشكر آلائك، والتوفيق له من جملة نعمائك، واجعلنا ممن تمسك بعرا اليقين، واعتصم بحبلك المتين، من كتابك الكريم المنزل نجوماً مشرقة بنور الهدى، ورجوماً لشياطين الغواية المسترقة لسمع التحدّي في ظلمات الردي، فقطع علاقتهم عن طريق الحقيقة، فلم يهتدوا إلى المجاز، حتى تصغى أسماعهم إلى هيمنة الإعجاز، فظل كل شاعر في واد يهيم لا يجد شعوراً، وكل خطيب لسن يرى أسجاعه هباء منثورا، إلا من لمعت له أنوار ذاته، من خلف سرادقات صفاته، قد حل عكاظ الحقائق، وفاز بمتاع أسرار الدّقائق، بالوساطة المحمدية لا زالت الملائكة تهدي منا إليه كل حين أنفس صلاة وسلام وتحية، فإنه جزاه الله عنا خير الجزاء ختمت به الأديان، وفتحت به أبواب الرحمة وقصور الجنان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه عرانين الكرم ومصابيح الدجى والظلم، حماة بيضة الهدى، وكماة حومة الوغى، ما لمعت بروق البراهين، من مطالع اليقين. (هذا) وإنّ الله تعالى لما خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، خط على مهارق البسيطة آيات توحيده معربة بالنبات منقوطة بالزهوره والأرض طرس والرياض سطوره والزهر شكل بينها وحروف وجعل أديم الخضراء المحيط بالستور لأوراقها جلد مذهباً بالشموس والبدور، بعدما خاط دفاتر الرياض بإبر الطل وخيوط الوسمي الفياض، ثم نشر صحفها على كراسي الروابي، بأيدي الصبا والقبول حتى درسنها بمكتب الهيولي أطفال الطبائع والعقول، فردّدها خرير الماء الجاري، وخطبت بسجعها على منابر القصب فصحاء القماري، فآذان الزهور لها مصغية، ورؤوس الجبال مطرقة، وعيون سيارة الزهر لها حائرة باهتة محدقة، فلم تهتد لها قلوب ميتة ظلت أجسامها لها قبورا: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44] فسبحان ما أوضح دلائل توحيده، وما أفصح ألسنة

مصنف هذا الكتاب

الكائنات الناطقة بتمجيده، كما أبداه ترجمة الحضرة القدسية، دوحة جرثومة المجد الأبطحية، من قرع هامة العز والشرف، وشنف مسامع الدهر بدرر لا تعرف آذان الصدف، من كتاب تدفقت مياه البلاغة من حياضه، وتفجرت ينابيع الإعجاز خلال رياضه، فشرقت بها المصاقع حدا، وغصت بعريض العجز كمداً. كما قال الوليد وقد أصاخ له: " والله إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة وإنّ أسفله لمغدق وان أعلاه لمثمر وما هذا بقول بشر ". والفضل ما شهدت به الأعداء، فكل من ينعم النظر فيه ويمعنه يقول هذا طراز ما أحسنه، وهم ما هم في الجلاد والجدال، وفتح أكمام الأفواه عن أنوار المقال من كل من ساجل الدهر حتى مل ساجلتة، وصبر حتى وجد صبره من الفرج ضالتة، وكانت مناهل تفسيره تردها سابلة الأفهام، والمورد العذب كثير الزحام، وتفسير البيضاوي له من بينها اليد البيضاء لاقتناصه رواتع الأصلين وبدائع الشريعة الغرّاء، وقد تقدم رتبة وأن جاز منه أخيرا، فلسان حاله يتلو {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] وإن أمعنت في تأويله نظراً ليس حسيرا ولا كليلاً، فهو خير وأحسن تأويلاَ. أتيت بها يدا بيضاء حتى ~ كأنك في الذي أبدعت موسى وقد أحييت موتى الفضل فيها ~ كما قد كان يحيى الميت عيسى له فيه وفور حظ وسلاسة لفظ كما قال البحتري: قد ركبن اللفظ القريب فأدرك ~ ن به غاية المرام البعيد بل لفظه قريب لكنه أمنع من معشوق له رقيب، وشاؤه بعيد، ولكن ليس لنفس الفكر وراءه تصعيد فيه أنضر روض طابت ثماره، وتفتحت بيد النسيم أنواره، سقاه من صيب البلاغة هتونه، حتى تشعبت فروعه وتهدلت غصونه، نجوه بصوب الوحي مغدق، ودوحه في ربيع المعاني مثمر مورق وكنت ممن اجتنى باكورة أبكاره، وتمشت في حدائقه أحداق أفكاره، وقد كثرت حواشيه، ونمّ على ضمائر أسراره وأشيه، وتبرّج القليب بعذب ماؤه، وبإنفاق المال يزكو نماؤه، وبصقل الفرند يبدو جوهره وعنقه، ويزيد في عطر المسك الذكي سحقه، راقت محاسنه فالعيون والأذان تهواها، فلو مني الحسن أمانيّ ما تعدّاها. إذا امتحنت محاسنه أتته ~ غرائب جمة من كل باب وكيف تتشبث يد المحجن بأهداب سحره، أو يصل غائص النظر إلى قرار فكره، والتفاسير جداول تنصبّ في لجة بحره ولكني رأيت البغاث ربما تفكهت بأعذب الثمار، ووردت قبل الضواري غير الأنهار فحداني ذلك إلى موارده ومصادره، وحثني على الغوص على فرائد جواهره، وأن أكتب عليه حواشي تكون سياجا لثماره، ومقدمات لنتائج أفكاره، التي تحير فيها البيان، ونادت الفضل للمتقدم في كل زمان، ولما ثقبت دررها من الأقلام المثاقب، وكان فكر الشهاب لها هو الثاقب. ولاح نور من سنا أفقها ~ لا يدعيه البدر والشمس نظمتها في سلك التحرير عقودا، واجتهدت في أن أقلد بها جيد هذا العصر العاطل تقليداً، فجاءت مواردها صافية من الكدر، ورياضها محروسة بعين القضاء والقدر، لا زالت وجوهها ناضرة، وعيون معانيها إلى ربها ناظرة، ما انجلى صدأ القلوب والأفهام بتدبر ما في الذكر الحكيم من الأحكام فرحم الله من استصبح من نور القرآن، واستضاء بقبس البيان، وجعل ذلك مطية إلى سبل الجنان. أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومد من القرع للأبواب أن يلجأ ولما وقفت دهم الأقلام على ساحل التمام، سميتها " عناية القاضي وكفاية الراضي "، وها أنا أقول مستعطياً بكف الضراعة القبول. (مصنف هذا الكتاب) أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد بن علي أبو الخير القاضي ناصر الدين البيضاوي نسبة إلى البيضاء قرية من أعمال شيراز كان إماماً في فقه الشافعيّ رحمه الله تعالى

والتفسير والأصلين والعربية، والمنطق نظارا زاهدا متعبدا، ومن مصنفاته هذا التفسير وهو أجلها ومنهاج الأصول وشرحه، وشرح مختصر ابن الحاجب ومتن في علم الهيئة وشرح المنتخب للرازي والطوالع والإيضاح في أصول الدين، والغاية القصوى في فقه الشافمي وشرح المصابيح ومختصر الكافية وتاريخ الدول الفارسية الذي سماه نظام التواريخ، وتوفي سنة خمس وثمانين وستمائة بتبريز وقال السبكي: سنة إحدى وتسعين وستمائة قدس الله روحه، ونوّر ضريحه. أقول هذا هو المشهور والذي اعتمده وصححه المؤرّخون في التواريخ الفارسية أنه توفي في شهر جمادى الأول سنة تسع عشرة وسبعمائة تقريبا ويشهد له ما في آخر تاريخه نظام التواريخ وهو المعتمد: قوله: (الحمد لله الخ) براعة استهلال وفي نسخة القرآن بدل الفرقان والأولى موافقة للتنزيل إن فسر بما يكون مفرّقاً في النزول لا بالفارق بين الحق والباطل ونحوه بحسب الظاهر بناء على الفرق بين التنزيل والإنزال بأن الأول التدريجي والثاني الدفعيّ، وهل هو أكثريّ أو كليّ أو عند القابل وضعيّ مستفاد مما يدلّ عليه التكثير أولاً ذهب إلى كل طائفة. وسيأتي في محله ولا يرد هنا السؤال الوارد على النظم في سورة الفرقان بأنّ الموصول يقتضي سبق العلم بالصلة ليتعرّف بها وهذا ليس كذلك، فيجاب بأنه نزل منزلة المعلوم لسطوع برهانه ونحوه لأنه علم بعد ذلك فضلاً عن زمان التصنيف، والنزول وإن استعمل في الأجسام، والأعراض لا يوصف به إلا باعتبار محالها والقرآن من الأعراض الغير القارّة فلا يتصوّر إنزاله ولو بتبعية المحل فهو مجاز متعارف لوقوعه على مبلغه كما يقال نزل حكم الأمير من القصر، أو التنزيل مجاز عن إيحائه من الأعلى رتبة إلى عبده تدريجاً كالتجوّز في الطرف أو الإسناد، والقرآن مصدر قرأ قراءة وقرآناً صار حقيقة في المقروء وهو كلام الله الذي بين دفتي المصحف ويطلق على المجموع، وعلى المشترك بينه وبين الأجزاء المختصة به، وعلى تلك الأجزاء، وعلى الكلام النفسيّ القائم بذاته، والظاهر اشتراكه بينها خلافاً لمن جعله حقيقة في أحدها، وقيل: المعرّف مخصوص بالجميع بخلاف المنكر حتى لو حلف لا يقرأ القرآن لا يحنث إلاً بقراءة الجميع بخلاف ما لو حلف لا يقرأ قراناً ثم إنّ المصنف رحمه الله تعالى لم يقل تبارك مع أنه الموافق للنظم والمناسب للاقتباس المتعارف فيه ترجيحاً لمقتضي المقام من التصريح بالحمد. وقيل: لا حاجة إلى العذر لأنه عند ارتكاب خلاف الظاهر إلا أن يقال إنه هو الظاهر بعد قصد الاقتباس، فإذا عارضه مقتضى المقام فرعايته أولى لأنّ مبنى البلاغة على مطابقته والاقتباس من المحسنات، وفيه نظر ثم إنه رتب استحقاق الحمد على تنزيل القرآن لبراعة الاستهلال مع أنه من أعظم النعم لأنّ به نظام المعاش والمعاد وقال على عبده موافقة للنظم، ولأنه أشرف الأوصاف لاقتضائه التمحيض لجانب الحق بخلاف النبوّة والرسالة، ولذا قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] كما قال الشاعر: لاتدعني إلا بياعبدها ~ فإنه أشرف أسمائي وإضافته لله للتشريف وفي كيفية نزوله كلام فقيل نزل جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وأمرت السفرة بانتساخه، ثم نزل إلى الأرض منجّما في ثلاث وعشرين سنة على حسب المصالح وإنّ جبريل تلقاه في مقامه عند سدرة المنتهى من حضرة القدس إمّا بسماعه بلا صوت ولا حرف أو بصوت من جميع الجهات على خلاف العادة أو من جهة بصوت غير مكتسب للعباد، وقيل: أخذ المعنى وخلق فيه علم ضروري بعبارته، وقيل: تلقاه بلفظه ومعناه بالذات أو بواسطة ملك آخر كما فصل في محله وقوله: (ليكون) فيه ضمير مستتر للعبد وهو الأظهر أو للقرآن، وقد جوّز أن يكون لله، ونذير بمعنى منذر أو مصدر بمعنى الإنذار كالنكير والاقتصار على الإنذار إمّا اكتفاء والمعطوف مقدّر أي وبشيراً، وحذف لتوافق النظم وفيل لأنه يعمّ الكل بخلاف البشير، والأوجه أن يقال اقتصر عليه ليوافق قوله فتحدّي إلخ إذ المعارضة إنما صدرت من الكفرة واللائق بهم الإنذار لا التبشير، وعلى تقدير عمومه فهو للبشر أو للثقلين، وهو المناسب للعالمين، لا يشمل الملائكة إلا بتكلف أنّ إنذار الثقلين إنذار لهم وما قيل من أنه إن كان المراد بالإنذار

والبشارة ما هو بطريق التعيين مثل فلان يدخل الجنة وفلان يدخل النار، فلا عموم في شيء منهما وإلا فهما سيان في العموم نحو من اتصف بكذا يثاب، أو يعاقب فليس بشيء إذا المراد الثاني والعصاة، والكفرة من حيث العصيان والكفر منذرون غير مبشرين بلا شبهة، وتحقيق الحمد ومعنى العالمين سيأتي في محله، ولام ليكون تعليلية، وهو ظاهر على رأي من جوّز تعليل أفعاله تعالى، ومن منعه يقول لها ثمرات وحكم نزلت منزلة العلل أو هي لام العاقبة، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى قوله: (فتحذّي الخ) التحدّي طلب المعارضة ويكون بمعنى المعارضة نفسها كما صرّح به أهل اللغة لكنه غير مناسب هنا كما توهم إلا بتعسف لا حاجة إليه وأصله من الحداء، وهو التغني لحث الإبل على سرعة السير، ثم توسعوا فيه وصار حقيقة لما مرّ، ولذا قيل إن فيه إيماء إلى اختصاصه بالإنس بل العرب لأنهم أصحاب إبل فيكون تمهيدا لما بعده، وجملة تحدّي لا تحتاج إلى رابط وإن عطفت على جملة الصلة، وكان الضمير فيها عائدا إلى العبد كما هو الظاهر لتكلف عوده إلى القرآن من غير حاجة إليه إذ الفاء تجعلهما كجملة واحدة، فيكتفي بالضمير الواقع في إحداهما مثل الذي يطير الذباب فيغضب عمرو كما قرّره النحاة سواء قلنا الفاء سببية فقط، أو سببية وعاطفة كما ارتضاه الرضى فإن كان الضمير لله فهو ظاهر، والتحدّي كما ينسب للنبيّ صلى الله عليه وسلم لقوله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسورة مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23] وهذا مما لا مرية فيه وإنما الكلام في أنه إن أريد بالقرآن المجموع لم يصح دخول الفاء لأنّ التحدّي لم يكن بعد نزول المجموع وإن لم يرد لم يصح رجوع الضمير في من سورة إليه إذ هي بعض من الأوّل دون الثاني، كما في بعض الحواشي، وقد أجيب عنه بوجوه: الأوّل: أنّ المراد المجموع لكنه تجوّز به عن الإرادة كما في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] ولا يلائمه ما بعده لأنّ الإنذار بما نزل لا بما أريد إنزاله اللهمّ إلا أن يقال إرادة إنزال الكل لا تنافي إنزال مقدار يتحدّى به وينذر ولا يظهر أيضاً كونه محمودا عليه، وإن كان الأمر فيه سهلاً. الثاني: أنّ المراد به الثاني والتفريع باعتباره، وإرجاع الضمير إليه باعتبار المجموع استخداماً، ولا يخفي ما فيه، فإنّ المقام لا يناسبه، وإرجاع الضمير إليه لأنه من جنسه كعندي درهم، ونصفه أقرب وإن قيل إنه استخدام أيضاً. الثالث: أنّ الفاء للترتيب الرتبيّ لا الوجوديّ كما في يرحم الله المحلقين فالمقصرين لأنّ التنزيل أعلى وأشرف رتبة من التحدّي لأنه من أعظم النعم في هداية المؤمنين ولذا جعل محموداً عليه أو للترتيب في الوجود لكنه بالنسبة إلى إنزال بعض القرآن لكون التحدي في أثناء التنزيل قاله الفاضل الليثيّ في حواشيه، ثم اعترف ببعده ونوّره بقوله وهو وان كان بحسب الظاهر بعيداً لكنهم اعتبروا مثله فإنهم ذكروا أنّ المعطوف إذا كان ذا أجزاء تحصل بتمامه في زمان طويل جاز عطفه بالفاء إذا كان أوّل أجزائه متعقبا وجاز عطفه بثم نظرا إلى تمامه، وعلى هذا إذا كان المعطوف عليه كذلك والمعطوف متعقباً لآخره جاز الفاء نظرا إلى آخره وثم نظراً لأوّله كما قرّره التفتازاني في " شرح المفتاح " في قوله: فأصح ثم اختل في الالتفات، وان ردّه الشريف، فدل على أنّ تراخي المعطوف لا يجب أن يكون عن جميع المعطوف عليه بل يجوز أن يكون مجتمعاً مع بعض أجزائه متراخيا عن بعض فلا يبعد تجويز مثله في التعقيب والمقصود مجرّد التمثيل لاعتبارهم في الترتيب بين المعطوف والمعطوف عليه بعض الأجزاء، ولا ينافي ذلك الاعتبار تعقيب الأمر الممتدّ المتعقب أوّل أجزائه بالمعطوف عليه، ووصفه بكونه عقيبه لأنه كذلك حقيقة، أو في العرف نظراً إلى عدم تخلل زمان بين زمان وجوده وزمان المعطوف عليه بخلاف ما ذكرنا لأنا نذعي أنّ ذلك متعارف. والرابع: أنّ المراد بالقرآن الجنس من حيث الوجود لا المجموع ولا المفهوم الكلي، وهو أقرب إذ به يصح التفريع وعود الضمير بلا تكلف وتأوّل، لكنه لا يخلو عن نظر وكون المتحدي به اقصر سورة يؤخذ من التنوين في قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسورة مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23] وقوله من سوره احتراز عن سور غيره من الكتب السماوية، فإن فيها سورا أيضاً كما صرّحوا به. قوله: (مصاقع الخطباء (جمع خطيب وهو من يأتي بالخطبة وهي الكلام البليغ المقول على رؤوس الأشهاد وأن لم يكن على الوجه المتعارف الآن، ولا يشترط فيه السجع أيضاً كما توهم والمصقع

بكسر الميم بزنة منبر البليغ ومن لا يرتج عليه كلامه، والجهير صوته، ومثله لفظا ومعنى مجهر من صقع الديك إذا صاح، أو من الصقع بمعنى الجانب لأنه يأخذ في كل جانب من الكلام، أو من صقعه إذا ضرب صوقعته وهي وسط رأسه، والعرباء كالعاربة الخلص الصريح، وقال ابن قتيبة: العرب العاربة ولد اسماعيل والمتعرّبة غيرهم وهذا معنى آخر غير مراد هنا لأنه للتأكيد من لفظه كليل أليل وظل ظليل كما هو دأبهم إذا ارادوا المبالغة ومن في قوله: من العرب الخ تبعيضية سواء أريد ما هو أعمّ من الفصحاء او خص بهم بقرينة ما بعده لأن منهم خطيبا وشاعر وغيره وليس خاصا بالخطباء، ويجوز أن تكون بيانية بتاويله بما من شأنه ذلك وقيل هي على الأوّل تبعيضية، وعلى الثاني بيانية. وقيل: الأوجه على التقديرين أن تجعل بيانية لأنّ مصاقع الخطباء أخص من مطلق الفصحاء، ولا يخفى أنّ فيه ما هو غنيّ عن البيان. قوله: (فلم يجد به قديرا) قيل أي لم يجدهم أو لم يصب إشارة إلى ما في الرضى من أنّ وجد لإصابة الشيء على صفة ومن خصائص أفعال القلوب أنك إذا وجدته على صفة لزم أن تعلمه عليها بعد أن لم يكن معلوما انتهى يعني أنّ أصل معناها الإصابة كوجد ضالتة فيتعدّى لواحد قال المتنبي: والظلم من شيم النفوس فإن تجد~ذاعفة فلعله لا يظلم ثم إنها إذا دلت على الوجدان العلمي، كانت مثله في التعدي لاثنين، وهذا يخالف ما في التسهيل من أنّ كلا منهما معنى على حدة، وليس هذا محل تفصيله، والوجهان جائزان هنا، ولو قيل إنه على تعديه لاثنين مفعوله الأوّل تقديره هنا فلم يجد المتحدي بصيغة المفعول وبه صلتة لتعديه بالباء والضمير للفرقان لم يبعد، وهو أقرب من تعلقه بيجد على أنّ الباء للسببية، أو الملابسة أو بمعنى مع، والضمير للفرقان أولاً قصر سورة أو للتحدي لا للعبد لما فيه من البعد أو هو متعلق بقدير قدم للفاصلة أو للقصر لقدرتهم على غيره والباء بمعنى على كما قال النحاة في قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ} [آل عمران: 75] وقوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: 30] أو على ظاهرها لأنه في معنى لاطاقة له به، فلا يعترض عليه بأنّ صلتة على لا الباء لا يقال لا يلزم من نفي كامل القدرة الخاص نفي من له قدرة ما العام لما قيل من أنّ قديرا هنا بمعنى قادر جرّد عن قيد المبالغة أو هو كقوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] أحد الوجوه، وهو أنّ المبالغة في النفي لا المنفيّ على ما فيه، وقيل: إن المبالغة في وصف العبد به لا تضرّ لأنها باعتبار تعلمه وكسبه. وقيل: إنه لا ضير فيه إذا الآتي بالكامل في البلاغة لا بد من كونه كاملاً كما ستراه في سورة الأنبياء في تفسير قوله: {لَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] على أن المراد بمثله نفى أصل الفعل وعبر بهذا للدلالة على أنه يقتضي الغاية من ذلك، وقيل الباء للملابسة فيصح أن يكون نفي قدير نفي الكامل على ظاهره بلا تكلف، والباء متعلقة بقدير أي لم يجد من يقدر عليه فضلاً عن وجوده، فعدم الوجدان لعالم الغيب والشهادة كناية عن نفي الوجود، وأيضا المبالغة ليست لازمة لفعيل إلا إذا كان من فعل بضم العين، وليس هذا كذلك حتى يلزم أن عدم وجدان القدير لا ينافي ثبوت من يقدر عليه في الجملة، ولو سلم أنه من نفس الصيغة فلا ضير فيه كما مرّ آنفاً، وقيل: عليه أنّ القول بالنقل إنما هو في الصغة المشبهة من المتعدي ولزوم الضرر بعد التعدي ظاهر إذ الآتي بالكامل في البلاغة لا يلزم أن يكون كامل القدرة في ذلك الإتيان وإن كان كاملاً في الجملة فلا يلزم من نفي كامل القدرة نفي الآتي مطلقاً، ولا يخفي ما فيه من الخبط فإن هذا القائل أرجع ضمير يجد لله ليستلزم نفيه نفي الوجود وتصح الكناية، وما ذكر ليس بلازم حتى يرتكب مخالفة الظاهر، وما ذكره في الصيغة لا وجه له كما بينه المعترض مع أنه لم يقف على المراد فإنه عين ما حققه المصنف رحمه الله كغيره في سورة الأنبياء وستعرفه، والأوجه أن الباء بمعنى في الظرفية متعلقة بيجد كقولك خطب إذا نزل لم نجد فيه معينا أي في شأنه وحاله والضمير للتحدّي، وإذا لم يوجد إذا تحدّى بأقله ذو قدرة تامّة فغيره بالطريق الأولى، وأولى من هذا كله ما قرّره العز بن عبد السلام في الأسئلة القرآنية أن المبالغة كما تكون في الكيف تكون في الكمّ، فالمراد كثرة العجزة عن إعجازه. واعلم أن الإمام الراغب قال: إن القدير لا يطلق على غير الله تعالى بخلاف المقتدر ففي إطلاقه هنا نظر لا يخفى فتأمّل

قوله: (وأفحم الخ) وفي نسخ أفحم بدون عاطف لأنه بيان أو توكيد لقوله: لم يجديه قديرا، فالعطف إمّا لعدم قصد ذلك أو لعطفه على جملة تحدّى ويجوز كونه استئنافاً بيانيا حينئذ أيضا والإفحام إسكات الخصم عجزاً حتى كانه لافتضاحه اسودّ وجهه وصار كالفحم كما قيل: *فتعجبوا لسواد وجه الكاذب* وتصدّى بمعنى تعرّض، وأصله تصدّد، فأبدلت الدال الأخيرة حرف علة هرباً من ثقل التكرار، كما قالوا في تقضض تقضي، فالمراد أسكتهم للعجز لا للصرفة كما يشهد له السياق، وهذا يدلّ على وجود التصدّي للمعارضة وقوله في) الكشاف) : فلم يتصدّ للاتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم يدلّ على عدمه وكلام المصنف رحمه الله هو الموافق للواقع وما في الكشاف أمّا محمول على نفي القيد أي لم يأتوا وإن تصدّوا بموازيه، أو على تنزيل تصدّيهم منزلة العدم لعدم ثمرته، وأمّا كون من تصدّي غير فصيح، فليس بشيء، وقد اعترف به الوليد مع بلاغتة ومبالغته في كفره في كلامه المعروف في السير، وقول قريش له صباً والله فإن قلت لم خالفه المصنف رحمه الله، وهو أبلغ كما قيل من وجهين، لأن عدم التصدّي مع كمال الحرص عليه أدل على العجز من عدم الإتيان بعد التصدّي كما أن عدم تصدّي واحد للإتيان بما يدانيه فضلاَ عن مساويه كذلك، ولا احتمال أن ذلك لقلة المبالاة. قلت: هو كما ذكرت في إلا بلغية لكنه مخالف للواقع وموهم للصرفة إيهاماً قوياً فلذا رجحه المصنف رحمه الله تعالى فاختر لنفسك ما يحلو فاثباته للتصدّي يدلّ على أنه ليس للصرفة أو الإخبار بالمغيبات، قيل: ولو قال أفحم به اندفع توهم أن الإفحام بالصرفة لا للبلاغة، وفيه أن السياق يدفعه مع أنه لا مجال له هنا إذا الصرف فعله تعالى وإلا فحام مسند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعبارة الكشاف توهمه لإسناده الإفحام إلى الله تعالى، فلذا زاد به مع أنه لولا دلالة السياق أيضاً لم يفهم أنه بالبلاغة لاحتمال أنه لاشتماله على المغيبات والسلامة من التناقض والاختلاف، ولا يخفى أن زيادة به تدفعه لأن مقدار أقصر سورة لا يجري فيه ذلك نعم لو قيل: هو لا يدفع كونه بالنظم الغريب المخالف لغيره أو بمجموع النظم والبلاغة، كما ذهب إليه الباقلانيّ لم يبعد ولا يخفى ما فيه من التعسف. وفي تهذيب الأزهريّ. اختلف الناس في العرب، ولم سموا عرباً فقال بعضهم أوّل من نطق بالعربية يعرب بن قحطان أبو اليمن وهم العرب العاربة ونشأ إسماعيل عليه الصلاة والسلام معهم فتكلم بلسانهم وأولاده العرب المستعرية، وقال آخرون: نشأ بعربة وهي بلدة من تهامة فنسبوا إلى بلدهم وفي الحديث " خمسة أنبياء من العرب إسماعيل ومحمد وشعيب وصالح وهود، وهذا يدلّ على أن لسان العرب قديم وكل من يسكن جزيرة العرب وتكلم بلسانهم فهو منهم انتهى فقوله عدنان وقحطان إشارة إلى قسمي العرب العارية والمستعربة وكناية عن جميعهم، وعدنان أبو معدّ أحد أجداده صلى الله عليه وسلم، وإضافة الفصاحة إلى عدنان، والبلاغة إلى قحطان إمّا تفنن أو بناء على المتعارف من إطلاق الفصاحة على الكلام العذب السهل، والبلاغة المتين الجزيل، وهو الغالب في اللغة القديمة، والإضافة لهما لأنهما من أولادهما أو لأنهما أريد بهما القبيلة كما يقال تميم لأولاده، وهو مجاز مشهور، ثم إن المراد بالفصحاء هنا ما يشمل البلغاء، والشيخ في الدلائل كثيراً ما يستعمل الفصاحة بمعنى البلاغة فلا يقال إن الفصاحة لا دخل لها في الإعجاز مع ما يرد عليه من المنع الظاهر قوله: (حتى حسبوا الخ) السحر كل ما لطف ماخذه ورق وما يخيل شيأ ليس بواقع واقعاً وفعله سحر مخففاً ومشدّدا وقد يمدح به نحو إنّ من البيان لسحرا على أحد الوجهين فيه وحسبوا بمعنى ظنوا، وقد يرد بمعنى اليقين نادراً كقوله: ~ حسبت التقى والجود خير تجارة وليس بمراد هنا، وفيه إشارة إلى أنه ظن فاسد، وتوهم كاسد إذ ليس عجزهم لسحر ونحوه وحسبانهم لعدم الفرق بين المعجزة والسحر وسيأتي تحقيقه وليس في هذا إشعار بالصرفة لأن جعل المانع عن الإتيان بمثله السحر يشعر بأن لهم قدرة في حد ذاتهم، ولذا قيل إن إظهار الحسبان لدفع الخجالة والتليس على سفهائهم لعلمهم بأنه ليس بساحر وان نسبوه له مكابرة وعنادا، ولو اعترفوا بصرف الله عن معارضتة اعترفوا بأنه من عنده فمثل هذا الخيال الفارغ لا يضرّنا، وقيل في عبارة الحسبان ردّ على معتقدي الصرفة لدلالتة على أنه مجرّد توهم وفيه نظر

وسحروا مبنى للمجهول، وحسبوا معلوم، ويصح فيه بناء المجهول، والمعنى على الأول حسبوا أنفسهم، وعلى الثاني حسبهم من رآهم من الناس، وقد قيل: إنه أبلغ قوله: (ثم بين للناس الخ) ثم لتفاوت ما بين مرتبتي المنكر المتحدّي والمؤمن المتدبر أو للتراخي لأنه أمر ممتدّ فعطف بثم باعتبار أوّله وإن قارنه ويعقبه بعض منه حتى جاز فيه الفاء أيضاً كما مرّ وقيل هو للإشارة إلى جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وإن لم يجز عن وقت الحاجة، وفيه نظر ولام للناس صلة أو تعليلية والعموم لا يقتضي ثبوته لكل فرد فرد، وكذا قوله ليدبروا. ونزوله إليهم بواسطة الرسول، وهم المقصودون بالذات والجن بالتبع، وأمّا تفسير الناس بالإنس والجن كما في الصحاح فمع كونه خلاف الظاهر لا يوافق ما ارتضاه المصنف رحمه الله في سورة الناس وسيأتي ما فيه فإن قلت هل نسبة التنزيل إليهم مجاز ونسبته إلى الرسول حقيقة لأنها له أوّلاً وبالذات ولامّته ثانياً وبالعرض كحركة السفينة وراكبها كما في بعض الحواشي. قلت: لا فإن الأصل الحقيقة وقوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [سورة الأنبياء: 10] يتبادر منه ذلك لأن المراد بإنزاله إليهم إيصاله لهم ليأتمروا بأوامره، وينتهوا بنواهيه لا الوحي وخطاب جبريل عليه الصلاة والسلام، فإن فسر بهذا لزم اختصاص معناه الحقيقي بالرسول ولا حاجة تدعو إليه. قوله: (حسبما عن الخ (أي بمقدار أو على مقدار ما سنح وعرض من قولهم لا أفعله ما عن في السماء نجم أي طلع وظهر وما موصولة أو موصوفة عبارة عن الأمور والحوادث التي لها أحكام بينها الشارع وحسب منصوب على نزع الخافض أو على الظرفية لأنه بمعنى وقت الحاجة وعامله بين أو نزل أو هو حال أي بقدر ما عن لهم وسينه مفتوحة، وقد تسكن وتبيينه كما قيل يشمل القياس، ودليل العقل لارشاده إلى ما يدلّ عليه فما رجع إليه رجع في الحقيقة إلى بيان الرسول، وفي هذا تلميح إلى قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] قيل وظاهره أن القرآن كله محتاج للبيان ولذا قال الإمام: المراد بيان ما يحتاج إلى البيان من مجمله ونحوه ولا حاجة لهذا إن فسر البيان بالإعلام والتبليغ الذي لولاه لم يعرف وقد ورد هذا المعنى في القرآن كقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] الآية ولذا عمم في تفسيره يقوله فكشف الخ ليشمل جميع الأقسام ورعايته لمصالحهم تفضل منه لا بطريق الوجوب كما ذهب إليه المعتزلة، والتدبر النظر في عواقب الأمور وأدبارها، والتذكر الإيقاظ و (لمحالحظة عليها لحفظها والألباب جمع لبّ وهو العقل فانه لبّ الإنسان والبدن قشره واللباس قشر القشر، وبما ذكرناه من تفسير البيان اندفع ما أورد عليه من أنه بعد البيان لا يحتاج إلى التفكر لمعرفة ما ذكر حتى يجاب باً نه لم يبين جميع الآيات بل البعض ليتفكر في نظائره ويستنبط منها وقد يكون اللفظ بحيث لا يمكن التفكر فيه إلا بعد البيان في الجملة لكمال صعوبتة قوله: (تذكيرا (مصدر من غير فعله أو مصدر فعل مقدّر أو مصدر المجهول فيؤل إلى معنى التذكير قيل وفيه دقة لأنّ المراد تذكيرهم أنفسهم، فالتذكر تذكير بهذا الاعتبار فقصد هذا وان جاز أن يرأد تذكير الغير لأجل السجع، ويجوز أن يكون من ذكره الشيء فتذكر أي ليستحضروا ويذكروا ما هو مركوز في عقولهم مع تمكنهم من معرفتة للدلائل المنصوبة عليه، فان القرآن بيان لما لا يعرف إلا من الشرع وارشاد إلى ما يستقل به العقل ولعل التدبر للأوّل والتذكر للثاني وفيه اقتباس مع تغيير مّا وقد جوّزوه إذا لم يقصد به التلاوة (وألوا) وفي (ليدبروا) ضمير) أولى الألباب) على التنازع وأعمال الثاني أو للناس قوله: (فكشف قناع الانغلاق) الكشف إزالة ما يستر الشيء عن المستور به والقناع بالكسر ما يستر به الرأس وهو أوسع من المقنعة والانغلاق انفعال من غلق الباب إذا سده وضرب عليه ما يمنع فتحه كالقفل وقد شاع فيما يشق الوصول إليه وما يشتد خفاؤه فيقال استغلق عليه الكلام وكلام مغلق وضده الفتح والإضافة فيه من قبيل لجين الماء، فالتقدير كشف انغلاقاً كالقناع، ولما كان المناسب للانغلاق الفتح والكشف يناسب القناع يقال كشفت قناعها وألقت جلبابها كما في الأساس جعلوا الكشف هنا ترجيحا للتشبيه وفيه ما فيه، وفي الحواشي أنه يحتمل المكنية والتخييل والترشيح تشبيها لهذا الخفاء بخفاء ما تحت القناع، وقيل: شبه الآيات تارة بمخزونات النفائس، وأخرى بمحتجبات العرائس

على طريق الكناية وأثبت للأولى الانغلاق وللثانية القناع ففيه استعارتان مكنيتان وتخييليتان وهو وجه وجيه ذكر أهل المعاني نظيره في قوله تعالى: {جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [سورة الأنبياء: 5 ا] كما في شرح المفتاح فمن ظن أنه لم يسبق إليه فقد وهم إلا أنّ ما في الآية من أعلى طبقات البلاغة وما هنا أضيف أحد التخييلين للآخر والمعروف فيه عدم الإضافة كما في هذه الآية، أو إضافة التخييل مكنية، كإظفار المنية فلو كان النظم جعلناهم في حصاد الخمود كان مما نحن فيه لا يقال الانغلاق من لوازم الخزانة دون المخزونات والقناع أثبت للإنغلاق لا للآيات لأنا نقول إذا كان من لوازم الخزانة كان من لوازم المخزون بواسطة ومثله كثير، ولما شبه الانغلاق بالقناع تشبيهاً بليغا صيره من جنسه كزيد أسد كان ثابتا لللآيات ادّعاء إن كان على هذا الوجه من قبيل لجين الماء أيضا إلا أنه يكون القناع مسوقاً للتشبيه فيبعد جعله تخييلاَ واثبات الكشف له كما مرّ. وعلى كل حال فركاكته ظاهرة والقوم صرّحوا بجواز أجتماع المصرّحة والمكنية في لفظ واحد كما في قوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [النحل: 112] فلو حمل ما هنا عليه كان أوجه وأقرب مما ذكر فيقال استعير الانغلاق لخفاء المعاني وصعوبة فهمها ثم لما شاع في الاستعمال استعير مرّة أخرى على طريق الكناية فشبه خفاء المعاني في ألفاظها باحتجاب العرائس، وتسترها بقناعها وأثبت ذلك لها تخييلاً فتدبر قوله: (عن آيات محكمات الخ (فسر المصنف رحمه الله في سورة آل عمران المحكم بما أحكمت عبارته بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه والمتشابه بخلافه فيندرج في المحكم النص والظاهر وفي المتشابه ما يخالفه كالمجمل والمؤوّل، وهو مصطلح الشافعية في أصولهم، فيشملان جميع أقسام النظم وعند الحنفية المحكم ما زاد ظهوره حتى سذ احتمال النسخ معنى وإن احتمله لفظا وتلاوة والمتشابه ما خفي بنفسه فلا يدري أصلاً فلا يشمل الأقسام، ويرد عليه أن كشف قناع الانغلاق يقتضي سبق الاستتار فيه، وهو غير ظاهر في المحكم، وأجيب عنه بأنّ معاني المحكمات قبل نزول الوحي والقائه على الناس كانت مخفية، وبالقاء النبيّ الكلمات ظهرت معانيها، وزال خفاؤها لبروزها من فناع الكمون إلى تجلي الظهور قوله: (تأويلاَ وتقسيرا) لف ونشر غير مرتب وهما منصوبان على المصدرية لأنهما نوعان من الكشف أو على التمييز أو الحالية أي مؤوّلاً ومفسرا، فالأوّل للتشابهات، والثاني للمحكمات كما في التفسير، وتسميتة تفسيراً على هذا بالنظر إلى المعنى اللغويّ، وهو التبيين والمراد به ما يتناول التلبيغ، أو المراد ما يتناول التعبير عن مراد الله بعبارة أوضح بالنسبة إلى متفاهم العامة وحينئذ الانغلاق عبارة عن خفائها بالنسبة إلى متفاهمهم أيضاً، وقيل: لما كانت في عرضة الانغلاق كالمتشابهات، وحفظت عنه جعلها مكشوفة عنها على حدّ قولهم ضيق فم الركية، ولا يخفي ما فيه من التكلف ومنافاته لقوله تفسيرا مع تكلف الجمع بين الحقيقة والمجاز، وإن قال به المصنف رحمه الله تعالى، ومع أنه لا يناسب نسبة الكشف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا قيل إنه على تقدير إرجاع الضمائر لله تعالى، وأمّا على ارجاعها للعبد كما هو المتبادر من الإفحام وقرائنه فالوجه أن يراد بالمحكم غير ما ذكره المصنف ثمة وفي الدرّ المنثور المحكم ما عرف المراد منه إمّا بالظهور وإمّا بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعمله، وقيل ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحد والمتشابه ما احتمل أوجهاً، وقيل ما كان معقول المعنى وما خالفه وفيه ما فيه، ومن قال في شرحه كشف لثام الانغلاق عن آيات محكمات واضحات لا تقبل النسخ فقد غفل عن مذهب المصنف رحمه الله تعالى، والمراد بكونها أمّ الكتاب أنها أصله الذي يردّ إليه وأفردها لأن المراد كل واحدة منها أو لأنها بمنزلة شيء واحد لاشتراكها كلها في الظهور وللمتشابه أسباب مختلفة، والرمز الإشارة بشفة أو حاجب والمراد ما أفيد لا بطريق الظهور، فلا يرد أنه يناسب ما فسر به الحنفية المتشابه والخطاب توجيه الكلام نحو الغير للافهام ويطلق على الكلام الموجه نفسه والتأويل من الأول وهو الرجوع لأنه بيان ما يرجع إليه بمقتضى القواعد والنظر الصحيح؛ أو بيان عاقبة الأمر كما سيأتيء ولينى هو التفسير بالرأي المنهي عنه في حديث:) من فسر القرآن برأيه فليتبوّأ

مقعده من النار لأنه ما كان بمجرّد التشهي وما يتكلف فيه أو يجزم فيه بأنه مراد الله تعالى، والتفسير ما كان برواية معتبرة، وفد يراد به مطلق التبيين ولهما معان أخر، ومن السلف من أنكر هذا الحديث لما رأى السلف والخلف على خلافه، ولا حاجة إليه كما عرفت، وما قيل من أنّ نسبة المتشابه إلى غيره تعالى تدلّ على أنّ المصنف رحمه الله تعالى لا يقف على إلا الله فيه أنّ من وقف فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه كوقت الساعة ومن لم يقف لا يفسر بذلك كما يسأتي قوله: (وأبرز غوامض الحقائق) أبرز بمعنى أخرج وأظهر لأنه جعله في براز من الأرض أي مرتفع وغوامض جمع غامضة أو غامض بمعنى خفي لأن فاعلاً في الأسماء وصفات غير العقلاء يجمع على فواعل، واللطيف ضدّ الكثيف والحقيقة ماهية الشيء وكنهه ولا يخفي مناسبتها للغموض، لأن حقائق الأشياء تخفي معرفتها حتى تحتاج للنظر التام بخلاف المعرفة بوجه ومناسبة الدفائق وهي الأمور المحتاجة لدقة النظر للطائف في غاية الظهور أيضاً ومنهم من فسر الحقائق بعالم الشهادة الدقائق بعالم الغيب، أو نفس العوالم وأحوالها، والإضافة لامية، أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، وعطفه بالواو لأنه لم يقصد به تفسير ما قبله ولو قصده لصح، أو لجعل مجموع الكشف والإبراز بياناً للتبيين قوله: (لتنجلي لهم خقايا الملك والملكوت الخ) متعلق بقوله أبرز والإنجلاء الظهور والانكشاف، والملك بالضم التصرف في الأمور، وميأني تحقيقه والفرق بينه، وبين الملك بالكسر في سورة الفاتحة، وخفايا جمع خفية وهي ضدّ الظاهرة والملكوت عظيم الملك، لأنه مبالغة فيه كالرهبوت ولذا فسر الملك بعالم الشهادة، والملكوت بعالم الغيب، وهو عالم الأمر، وقيل: الملك ما يدرك بالحس والملكوت ما لا يدرك به، والخبايا جمع خبية من خبأته إذا سترته، وفي أمالي الغزالي: عالم الملك ما ظهر للحواس تميز بعضه من بعض بقدرته تعالى، والملكوت ما أوجده بالأمر الأزليّ بلا تدريج، وبقاؤه فوق الأوّل، وعالم الجبروت ما بينهما مما يصح أن يلحق بكل منهما انتهى، والقدس بضم القاف والدال، وتسكن الطهارة والتنزه عن دنس النقص وشوائبه، والجبروت القهر والكبرياء والعظمة ويقابله الرأفة، وفي القاموس: إنه تكبر من ليس لأحد عليه حق، وإضافة القدس له لأنّ جبروت الله متنزه عن النقص بخلاف العباد فإن تجبرهم ظلم وتعدو في نسخة القدس، والجبروت بالعطف وهو أنسب بما قبله، والمراد أن تعرّفوا ما في قهره من الحكم والمصالح، فإنه بسورة باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، وفي الحواشي الليثية المراد بخبايا قدس الجبروت صفات الله تعالى، وذكرها بعد خفايا الملك والملكوت تخصيص بعد تعميم لزيادة شرفها، ويجوز عطف خبايا قدس الجبروت على غوامض الحقائق، والتخصيص لما ذكرنا، وجوّز أن يكون المراد بخبايا قدس الجبروت صفات الأفعال، ويؤيده قوله: (ليتفكروا) فإنّ المناسب بحسب المعنى أن يكون الإبراز باعتبار تعلقه بالغوامض واللطائف معللاً بالتجلي، وباعتبار تعلقه بخبايا قدس الجبروت معللاً بالتفكر وان كان المناسب بحسب اللفظ عطفه على خفايا وحينئذ، فقوله ليتفكروا متعلق بتنجلي، وانما قلنا المناسب ذلك لأنّ صفات الذات وجمال الحضرة الإلهية، كما قاله حجة الإسلام في نهاية الإشراق والعقول لا تطيق النظر إليها إلا من آثار الصفات كما ترى الشمس إذا انكشف بعضها في طشت فيه ماء فكذا الأفعال واسطة لمشاهدة صفات الفاعل لئلا تبهر أنوار ذاته، وهذا سرّ قوله في الحديث " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته ") (ولذا قال الأصفهانيّ في شرح قول المصنف في المطالع إبراز أسرار اللاهوت عن أستار الجبروت أنّ أسرار اللاهوت صفات الذات، وأستار الجبروت صفات الأفعال انتهى. ولذا قال الدواتي في شرح الهياكل المراد بالجبروت عالم العقول ويسمى أيضا بالملكوت الأعلى والأعظم ذكره الشيخ في كتاب برنونامه. قيل: وإنما سمي به لأنها مجبورة على كمالاتها النظرية، ولأنه حفظها وجبر نقصها الإمكاني بحصول ما يمكن لها بالعقل انتهى، وقال القرطبيّ في " شرح الأسماء الحسنى) : الجبروت التكبر وا العظمة ولما وقع هذا الاسم بين العزيز والمتكبر علم أن المراد به ذو الجبروت، وفي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال في ركوعه وسجوده ص سبحان ذي الملك والملكوت سبحان ذي العزة

والجبروت " فجاء في الحديث بعد الملك والملكوت والعزة على ترتيب الأسماء فمعنى الجبار ذو الجبروت أي المستعلي المتعاظم، وقيل: هو الصفات السلبية، وقيل: الجبروت الملأ الأعلى لأنه جبر به نقص الإمكان بالكمال بالفعل، أو لأنهم مجبورون على حفظ كمالاتهم وهو بعيد رواية ودراية، فإن قلت انجلاء الخفايا والخبايا بحسب المآل هو ابراز الغوامض، فكيف يجعل غاية وعلة له، وهل هذا إلا كتعليل الشيء بنفسه ولا يخفي ما فيه. قلت إبراز غوامض الحقائق والدقائق المراد به إظهار حقائق الموجودات المحسوسة والمعاني المعقولة بقدر ما تسعه الطاقة البشرية، وانجلاء خفايا عالم الغيب والشهادة في الملك والملكوت معرفة الصانع والعقائد الحقة، والحاصل أنه أوجد العالم ليدل على موجده، ويصدق بكل مّا جاء منه فما قيل من أنّ قوله لتنجلي غاية للإبراز، وترتب الغاية على ذي الغاية غير لازم، ولذا قالوا غاية العلوم الغير الآلية أنفسها تعسف من غير داع له. قوله: (ليتفكروا فيها تفكيرا) التفكير بمعنى التفكر واختياره لرعاية السجع كما مرّ. وقيل المراد بالتفكر حصول العقل المستفاد منه، وفيه إشارة إلى أصول علم الكلام فتدبر قوله: (ومهد لهم قواعد الآحكام وأوضاعها) التمهيد وضع المهاد، وهو البساط استعير للتهيئة والإعداد والقواعد جمع قاعدة وهي المسائل والقضايا الكلية، والأحكام جمع حكم، وهو النسبة التامّة وخطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين عملاً واعتقادا، والمراد بالأوضاع جمع وضع أئا بالمعنى للغوي من وضع كذا في كذا أو عليه إذا كان في داخله أو متمكنا عليه والمعنى أنه بين الأحكام وأحوالها أو مصطلح أهل الأصول المسمي بخطاب الوضع، وهو بيان أسباب الأحكام وشروطها ونحوهما، والضمير للقوإعد أو للأحكام والنصوص جمع نص، وهو ما كان معناه صريحا غير محتمل لمعنى آخر، والإلماع جمع لمع كضوء وأضواء، وهو لمعان الضوء ونحوه والمراد به إشارة النص، وليس جمع لامع كما قيل. قوله: (ليذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا) علة لقوله مهد أو لجميع ما مرّ والرجس اسم لما يستقذر والتطهير إزالته والمراد إزالة الأقذار الحسية والمعنوية لتكفل الشريعة بالطهارتين، واكثر على أنّ المراد الثاني فإن قلت معنى الطهارة إزالة الحدث أو الخبث، وكونها بمعنى إزالة دنس الذنوب مجاز على طريق تشبيهها بالطهارة الحسية والتأكيد بالمصدر ينافي المجازية. قلت: هكذا قرّره بعض أهل العربية لكن ذهب بعض المحققين إلى أنّ الفعل المؤكد بالمصدر لا يتعين استعماله في معناه الحقيقي، لما ورد في كلام العرب مما يدلّ على خلافه، كما فصل شرّاح التسهيل، ولك أن توفق بينهما بأنه إذا لم تقم قرينة تعينت الحقيقة والا فلا أو أنه إذا اشتهر المجاز جاز كما هنا لالتحاقه بالحقيقة، فإن الطهارة. كذلك ولذا ورد) الصدقة أوساخ الناس) (1 (وسمي المشركون نجسا، وفيه اقتباس مع تغيير يسير، والمراد بالرجس هنا الجهل والذنب وتطهيره بالعلوم والملكات الفاضلة قيل: وهو مناسب لما قيل في الآية من أنّ المراد بأهل البيت الأمّة لأنهم أهل بيت الشريعة، والقرينة الأولى للإشارة إلى إفادة القرآن للمسائل الكلامية، والثابة لبيان إفادته للمسائل الأصولية والفرعية كما أنّ ما قبلهما لبيان كشفه تعالى للمعاني القرآنية بالقرآن وغيره والكل للحمد الذاتي وغيره قوله: (فمن كان له قلب الخ) نكر القلب لتفخيمه، وللإشعار بأن كل قلب لا يتفكر ولا يتدبر أي من كان له قلب واع يتفكر في حقائق القرآن، وما بين له فيه، أو أصغي لسماعه، وهو حاضر بذهنه ليفهم معانيه أو شاهد بصدقه فيتعظ بمواعظه، وينزجر بزواجره فهو حميد محمود في الدنيا سعيد في الآخرة، وهذا على اللف والنشر التقديري أو فيهما وهذا اقتباس من قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] وفي بعض رسائل الرازي أنه إشارة إلى أنّ المدرك هو القلب لا الدماغ كما بين في محله، فإن قلت العطف بالواو هنا أليق من أو الفارقة لأن القلب محل الإدراك وإلقاء السمع عبارة عن الجدّ في تحصيل المدرك ولا بدّ من الأمرين. قلت: إن أريد به ظاهره فالمراد بالأوّل من له كماد في معرفته وقلبه مشتغل باستخرأج حقائقه ودقائقه وبالثاني من سواه، وقريب منه ما قيل: إنّ المراد بمن له قلب ذوو الأنفس القدسية الغنية عن الكسب والتعلم، وبمن ألقى السمع المحتاج إلى ذلك وقيل الأوّل

إشارة إلى رتبة الاجتهاد والثاني إلى التقليد، وعلى كل تقدير فأوفى موقعها، وعلى التأويل، فالأمر أظهر وهذا بيان لحال المكلفين بما بين فيه والمأمورين بالاهتداء بنوره المبين والفاء تفريعية أو قصيحة قوله: (ومن لم يرفع إليه رأسه الخ) يعش مجزوم في جواب الشرط، ويصل سعيراً مجزوم بعطفه عليه وفي نسخة وسيصلى سعيرا بالرفع على الاستئناف والقطع، ولذا قيل عرّاه عن الجزم ليفيد الجزم لأنّ دخوله النار محقق، ولذا أتي بالسين الدالة على التأكيد والتحقيق عند الزمخشريّ، كما فصل في المغني وشروحه بخلاف معيشتة مذموماً فإنه قد لا يقع في الدنيا وهو بيان لحاله في الدارين كمقابله فإن المراد بكونه في عيشة مذمومة أنها مستحقة للذم، أو هي كذلك عند الله، وعند المؤمنين، وهذا محقق أيضاً وعدم رفع الرأس عبارة عن تركه أو عدم الالتفات له والاعتداد به وقد يكنى به أيضاً عن الحياء والخجل وليس بمراد هنا كقوله: خجل البنفسج حين لاح عذاره ~ أو ما تراه ليس يرفع رأسه وهمزة رأسه لسكونها بعد فتحة يجوز إبدالها ألفاً وهو المناسب هنا ليشاكل قوله نبراسه، وأطفأ مهموز من قولهم أطفأت النار، وقد يرد معتلاَ وضمير إليه للنبي صلى الله عليه وسلم وللقرآن، والنبراس المصباح وبزنته، والضمير المضاف إليه إن عاد إلى من، فالمراد به نور العقل أو الفطرة التي يولد كل مولود عليها وإطفاؤه بريح الجهل والعناد، وعوده إلى النبيّ أو القرآن على معنى أراد إطفاءه بعيد جدا. قوله: (ذميماً) بالذال المعجمة بمعنى مذموم في الدنيا ما دام حياً وكونه بالدال المهملة بمعنى قبيح غير مناسب هنا، وإن جوّزه بعضهم ويصل سعيرا أي يدخل جهنم في الآخرة، ويقابله ما في الفقرة السابقة، فإن أريد بمن له قلب صاحب القوة القدسية، وبمن ألقى المسمع صاحب العقل المستفاد فمن لم يرفع رأسه ذو الغباوة والغواية وان أريد بالأول المجتهد، وبالثاني المقلد فهذا هو المنهمل في الجهل والضلال، وقيل: الأوّل صاحب التأويل والثاني صاحب التفسير وهذا الجاهل البحت وفي قوله: (نبراسه) إشارة إلى مكنية فإن فهمت فنور على نور وفي قوله يرفع إليه رأسه إشارة إلى علوّ مرتبتة ورفعة منزلته لأنّ الناظر إنما يرفع رأسه لما كان عالياً عليه مرتفعاً فوقه، وهكذا هو يعلو ولا يعلى عليه فوله: (فيا واجب الوجودا لما كان جميع ما سبق إلى هنا يدل على ان كلامه المعجز الذي بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدّى به، وأبرز فيه خفايا الملك والملكوت، وخبايا قدس الجبروت من الصفات القدسية الدالة على وجوب وجوده، وإنعامه بجلائل النعم بواسطة ما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يصدع به فبذل طاقته في تبليغه وتبيينه على أحسن وجه يرتسم في مرآة البصائر والعقول صار كأنه مشاهد لذلك في حضرة قدسه واقف بين يدبه مناج له فلهذا التفت بعد الغيبة وفرع النداء بالفاء على ما مرّ، كما سبأني في الفاتحة، فقال: فيا واجب الخ. وقيل: لما لزم من كون القرآن معجزا كون المتكلم به واجب الوجود إذ الممكن الوجود، لو قدر على مثله لم يكن ذلك معجزاً ومن كونه مكملاَ للناس بحسب القوّتين كونه فائض الوجود، وكان المقصود الأصلي والغرض الأولي لكل من استكمل بالكمالين تحصيل الرضوان، ومشاهدة جمال الرحمن فرّع عليه قوله: فيا واجب الوجود الخ. وقيل: إن هذه الفاء سببية رابطة لما بعدها بشرط مفهوم من الكلام السابق أي، من كان بهذه المثابة من السعي في أعلاء كلمتك، والشفقة على خلقك فصل عليه يا واجب الوجود الغنيّ بالذات، وهذا يناسب كون الأفعال السابقة مسندة للعبد كما لا يخفى، وستسمع عن قريب توجيهاً آخر اخترناه فيه كفاية عن القيل والقال، ووجوب الوجود كون ذاته مقتضية لوجوده، أو كونه عين وجوده، وهو يقابل الامتناع والإمكان، فإن كان ذاتياً فمعناه ما لا يمكن عدمه، كما فصل في علم الكلام، وإطلاق واجب الوجود على الله مبني على ما ذهب إليه الغزالي رحمه الله تعالى من جواز إطلاق ما علم اتصافه تعالى به على طريق التوصيف دون التسمية لأنّ إجراء الصفة إخبار بثبوت مدلولها فيجوز إذا تحقق بدون مانع بخلاف التسمية، فإنها تصرّف في المسمى لمن له الولاية، وهو منزه عن ذلك. قوله: (ويا فائض الجود) فسر الحكماء الفيض بفعل فاعل يفعل دائماً لا لعوض ولا لغرض، والجود بإفادة ما ينبغي لمن يبغي لا لعوض

لأن من فعل لعوض يناله فهو فقير، أو متجر والغنيّ هو الذي لا يحتاج في ذاته وكماله إلى غيره، والغنيّ المطلق هو الذي وجوده من ذاته، وهو نور الأنوار ولا غرض له في صنعه بل ذاته فياضة للرحمة، وهو الملك المطلق كما في هياكل النور، وأصل الفيض سيلان الماء من جوانب ما هو فيه لزيادته، ووجه الثبه كثرة المنافع، أو هو من فاض الخبر إذا شاع فيكون حقيقة كما فصل في حواشي شرح المطالع، وفائض الجواد وصف بحال المتعلق كواجب الوجود أي فائض جوده وواجب وجوده. قوله: (ويا غاية كل مقصود) أي كل مطلوب يطلبه كل طالب لا بدّ أن ينتهي إليك، فإنك المفيض للخير لا سواك من الوسايط، فالمراد بالغاية معناها اللغوي وهو المنتهى، وهذا هو الظاهر، أو هو من العلة الغائية، ومعنى كونه العلة الغائية أنّ ذاته كافية في وجود ما يوجد، ويصدر عنه، فهو بذاته علة فاعلية من حيث التأثير، وعلة غائية من حيث كونه المقتضي لفاعليته على نحو ما حقق في كون صفاته تعالى عين ذاته، كما قاله الدواني في " شرح هياكل النور " فتأمّل في الوجهين، واختر لنفسك ما يحلو، ويحتمل أن يكون المعنى أنه أسنى المقاصد وأعلاها فإن جميع الموجودات وسيلة لمعرفته التي هي نهاية المآرب، وقبلة وجوه المطالب. لمانما أنت مغناطيس أنفسنا فحيثما كنت دارت نحوك الصور وإطلاق الغاية وقع في كلام الحكماء كالمبدإ، ولما كان غاية الغايات دعا بعد التوجه إليه للواسطة بيننا وبينه، فقال: صلى عليه أي على عبدك ونبيك السابق ذكره. قوله: (توازي غناءه الخ (سيأتي معنى الصلاة، وتوازى بمعنى تقابل، وتساوى وماضيه آزى، وتبدل همزته واواً في المضارع فيقال: يوازي ولا يبدل في الماضي، فيقال: وازى، وهي مولدة عند بعض أهل اللغة، وقال التبريزي: يجوز حملاَ على المضارع وتجازى تكون جزاء وعوضا، والغناء بفتح الغين المعجمة والمد النفع، وقيل: معناه اقامته للدين لقوله في القاموس: ما فيه غناء ذاك أي إقامته، ولا يخفى ما فيه من الركاكة، والعناء بالمهملة التعب، ونفعه عليه الصلاة والسلام في الدارين أجلى من البيان، وتعبه في تبليغ الرسالة، واعلاء كلمة الله على ما فصل في السير مما لا تفي به طاقة البشر، والمعنى صل عليه صلاة لا تحصى ولا تعد، كما أنّ منافعه وما تحمله من اعباء الرسالة كذلك، والغناء بالمعجمة في الأوّل، وبالمهملة في الثاني، وأجاز بعضهم عكسه، وجزالة المعنى تأباه، وفي قوله توازى وتجازى جناس مضارع، وفي قوله غناءه وعناءه جناس مصحف، وهذا مأخوذ مما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا من أن من قال: جزى اثبما عنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أهله، أتعب سبعين كاتبا ألف صباح. قوله: (وعلى من أعانه الخ) الإعانة المساعدة قولاً وفعلاً، والمراد بهم الصحابة رضي الله عنهم، وبما يعده من خلفهم من التابعين وعلماء الدين والتقرير والتقوية والتثبت، وتبيانه بكسر التاء المثناة الفوقية مصدر بمعنى البيان، وفي وزن تفعال بالكسر كلام سيأتي في محله، وفي نسخة بنيانه بضم الباء الموحدة مصدر بناه يبنيه، وهو استعارة لما أتى به من الشرع وأحكامه كما في الحديث) بني الإسلام على خمس " (1 (والتقرير على النسخة الأولى من قرّر المسألة حققها وبينها فجعلها قارّة في الأذهان أو في نفسها، وعلى الثانية من القرار والبقاء ترشيحا لاستعارة البناء، لأنه من شأنه أو استعارة أخرى تبعية، وتقريرا مصدر مؤكد. قوله: (وأفض علينا من بركاتهم الخ) قد مرّ تحقيق الإفاضة، وما يدلّ على أنها الإحسان الكثير والبركة للزيادة والنماء، وهي هنا زيادة معنوية، والمعنى حصل لنا الخيرات بالتوسل بهم إليك حتى كان ذلك من نفس خيراتهم، أو علمنا علومهم، وأفض علينا من معارفهم. قوله: (واسلك بنا مسالك كرامائهم) أي أدخلنا في الطريق التي أوصلتهم إلى إكرامك لهم بنيل المراتب العلية عندك، وبما أعددته لهم مما هو، كالمنزل لهم في دار البقاء، وهذا أحد معاني الكرامة، وقال بعض الفضلاء ذكرهما بين صل وسلم لكونه أقرب إلى الاستجابة لوقوعهما بين المستجابين، ولو بالنسبة إلى بعض المدعوّ لهم، والباء في بنا للدلالة على التكرير والدوام، فإنّ السلك بالفتح بمعنى الإدخال متعد قال تعالى: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [الشعراء: 200] وفي لغة أخرى يقال أسلك فيه، وأدرج دعاء التسليم على من أراده بضمير علينا في دعاء التسليم على النبي صلى الله

عليه وسلم ومن أعانه حيث أخر سليما رجاء استجابتة مع رعاية السجع فيه انتهى. وقيل إن الدوام فهم من الملابسة المحمولة على الكمال فتدبر. واعلم أكرمك الله أنّ زبدة ما قصده المصنف رحمه الله من أوّل الخطبة إلى هنا مع رعاية براعة الاستهلال أنه حمد الله بعد حمد. الذاتي على نعمه التي من أجلها تنزيل معجز كلامه على أعظم رسله المرشد. لكافة الاً نام بما بلغه من الأحكام، كما أومأ إليه بقوله، ثم بين الخ وبما قرّره من حقائق العلوم اللدنية، ودقائقها المشار إليه بقوله: وأبرز الخ. وبما أبداه من العقائد الحقة الدالة على التحميد والتمجيد بصفات الذات والأفعال المرموز إليه بقوله لينجلي إلى آخره، وأدرج فيه بعدما أفاضه بالوساطة المحمدية من جلائل النعم ما قاساه في حمل اً عباء الرسالة في مغازاة الجاهلية من الشدائد والمهالك المكنى عنه بقوله: فتحدى، ومن لم يرفع إليه رأسه، ونحوه ليتفكر العارف تفكيرا وتشرق به مشكاة قلبه، وتنفتح عين بصيرته حتى يشاهد جمال ذاته من مشرق صفاته قائما في مقام الإحسان كأنه يراه، وهذا هو السبب في التفاته لخطابه والتماس الفيض من جنابه، فلهذا فرّعه عليه بالفاء واصفاً له بوجوب الوجود وافاضة الجود اللذين هما أصل صفات الذات والأفعال، والتمس منه غاية مناه من سعادة الدارين بعد الدعاء للواسطة في ذلك والثناء عليه، واذا عرفت هذا فاعلم أيضا أنّ المناسب لمغزاه أن يرجع الضمائر ويسند الأفعال السابقة عليها للنبي صلى الله عليه وسلم ليدل ذلك صراحة على غنائه، ونفعه بإرشاده وتعليمه، وغير ذلك مما أثمر السعادة العظمى، وعلى عنائه وتعبه في تحدّيه وعناد أعدائه الداعي للقتل والقتال، فيأخذ الكلام بعضه بحجز بعض ويضمخ بمسك ختامه مفارق افتتاحه، وهذا مما من الله به بفيض كرمه. قوله: (وبعد فإن أعظم العلوم مقدارا) الكلام على بعد وكون الفاء لتوهم أمّا أو تقديرها أشهر من قفا فيك فإعادته تعدّ من الففمول والمقدار والقد وبمعنى والمراد به هنا المنزلة والشرف الرقبيّ والعلوم إن كان المراد بها صا العلوم الشرعية، وهي التفسير والحديث والفقه على أنّ تعريفها عهدي، وهو المتبادر منه إذا أطلق، ولذا اختاره بعض المحشين فلا شبهة في كونه أعظمها وإن كان الصراد ما يشصل سائرها، فكذلك لأنه عظم بشرف موضوعه، وشرف معلومه وغايتة، وئذّة الاحتياج إليه، وهو حائز لجميعها، فإنّ موضوعه كلام الله الذي هو معدن الحكم ولا شك في أت أشرف الموضوعات، ومعلومه أشرف المعلومات مع أنه مراد الله تعالى الدالى عليه كلامه الجامع للعقائد الحقة والأحكام الشرعية وغير دّلك مما لا بدّ منه كما قألا تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38] وغايته الاعتصام بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والوصول إلى سعادة الدارين وشدّة الاحتياج إليه ظاهرة لتوقف الأدلة والأمحمال والأحكام علبه، فإن قلت: موضوع علم الكلام دّات الله وصفاته، وس أشرف من كل شيء فيكون علم الكلام أشرف منه. فلت: المتقدّمون على أنّ موضوع علم الكلام المعلوم " وقيل: الموجود من حبث يتعلق به إثبات العقائد الدينية على ما فصلوه، وحينئذ لا يلزم ى ن موضوعه أشرف، وذهب القاضي الأرمويّ من المتأخرين إلى أنّ موضوعه ذات الله، وذهب صأحب الصحائف إلى أنه ذات الله من حيث هي، وذات الممكنات من حيث اسننادها إليه، وردّ يأنه لو كان كذلك ما كان اثبات من المطالب الكلامية كما في شرح المقاصد، وليى هذا محل تفصيله إلا أنا إذا سلمناه نقول كلام الله مشتمل على التوحيد والعقائد الحقة يختد وج في موضوعه موضوع الكلام، وزيادة الخير خير أو فقول مجموع الثلاثة لا تجتمع في غيره هـ وقال بعض الفضلاء رحمه الله تعالى: فإن قيل قد ذكروا أن علم الكلام أساص العلوم الشرعية ت وعليه مبنى الثرائع والأحكام إذ لولا ثبوت الصانع وصفلايه لم يتصوّر علم العنسير والحديث وكذا الفقه والأصول، وكلام المصنف رحمه الله تعألى يدلّ على خلافه وتخصيصه بما سوى الأحكام خلاف الظاهر. فلنا: السمعيات من الكلام دليلها القرآق أو ما يتوقف حجيته عليه وما يستقل بإثباته العقل لا يعتدّ به ما لم يؤخذ من الشرع، فيستند إليه أيضاً من حيث الاعتداد به والاستدلال به يتوتف على علم المكسير، وهذا لا ينافي كون الكلام أساسه باعتار القسم الأخير صن حيث التصديق لا من حيث الاعتداد به أنتهى. قلت: قد علمت مما مرّ عدم ورود هذا السؤال، وأمّا كون

ما يستقل به العقل كالإيمان بوجود الباري يوخذ من الشرع فهو بناء على ما قاله بعض الأشرية وخالفه بعضهم، وبعض الماتريدية قال في التلويح وغيره إن ثبوت الشرع موقوف على الإيمان به وجود الباري وعلمه وقدرته وكلامه، وعلى التصديق بنبوّة النبي صلى الله عليه وسلم بدلالة معجزأته، فلو توقف شيء من هده الأحكام على الشرع لزم الدور انتهى وفيه كلام ليى هذا محله، وما يل، من أن المراد أنه من أعظمها لكن قصد المبالغة في مقام الخطابة بعيد. فوله: (وأرفعها شرفاً ومنارا) الشرف علوّ القدر والمكان العالي والمراد الأوّل أو الثاني على أنه استعار لئلا يتكرّر مع ما فبله، وهو الأنسب لما بعده أيضاً، ومن فسره بالعلماء لم يصب والمنار كالمنارة ويقال منورة على الأصل موضع النار وجمعه مناور ومناير كما في كتاب النبات وشاع في كل بناء عال يهتدى به سالك الطريق، ولما يوضع عليه السراج وشاع في العرف لمحل الأذان المعروف وفسر هنا بالدليل ولا وجه له إلا أن يريد به بيان حاله فإنّ المراد أنه أعلى العلوم من جهة شرفه، ودلالتة على طرق النجاح، والكسير يطلق على بيان معنى كلام الله رواية ويقابله التاويل، وهو ما كان بطريق الدارية ويطلق على بيان معناه مطلقا وعلى ذكر ما يتوقف ذلك عليه، وهو المراد هنا وموضوعة القرآن بمعنى الكل أو الكلي، والحنسير تفعيل من الفسر وهو الكشف، ومنه التفسير لما يعرف به الطبيب المرض، وفيل: إنه مقلوب من السفر ومنه أسفر الصحيح. فوله: (رئيس العلوم الدينية ورأسها) الرئيس سيد القوم ومقدّمهم والرأس عضو معروف، ويكون بمعنى الرئيس أيضاً وهو هنا استعارة، أو تشبيه بليغ فجعله رئيساً لنفاذ حكمه عليها وتوقفها عليه، لأنّ مرجع أدلتها إليه ورأصاً لأن به بقاء البدن، وبحواسه يتصرّف في مهماته وبه يتم غيره من العلوم ويتمشى معتمدا عليه لما فيه من الحقائق، وهمزته مبدلة ألفاً لما مرّ والمبني موضع البناء، والأساس ما يوضع عليه غيره، وهو المراد لما فيه من الأدلة التي يبنى عليها، والقواعد جمع قاعدة، وهي الأساس وساق البناء والصف الأوّل منه أيضاً، وهو معطوف على المبني عطف تفسير لا على القواعد لئلا يلزم اختلاف حركة ما هو كالرويّ المعيب لا التكرار كما توهم قوله: (لا يليق لتعاطيه الخ) التعاطي في أصل اللغة تفاعل من العطاء، ثم أطلق على الأخذ والتناول وهو المراد، وخص في عرف الفقهاء بالأخذ من غير إيجاب ولا قبول، وفي عرف الناس بالسؤال، والتصدّي التعرّض، وبرع بفتح الموحدة وفتح الراء المهملة. وضمها، وعين مهملة براعة وبروعاً فاق غيره في علم وغيره، والدينية ما له انتساب وتعلق بالدين كالفقه والحديث والأصلين، وأصولها وفروعها بدل قصد به التعميم أي كلها، فإن قلت في كلامه هنا اختلال ظاهر، فإنّ كونه رئيس العلوم الدينية ورأسها، يستلزم توقف البراعة، والتفوّق فيها عليه، فتتوقف على تعاطيه والتكلم قيه أيضا، فكيف يتوقف تعاطيه والتصدّي للتكلم فيه على وجه اللياقة على البراعة فيها قلت: المراد بتعاطيه والتكلم فيه أخذه من كتب التفسير والتكلم بكلامهم فيها، فإنه يتوقف على البراعة في العلوم الدينية، كما قيل: فالأوّل بالنظر إلى السلف المقتبسين لأنوار التنزيل من مشكاة النبوّة بواسطة، أو بدونها، وأصحاب الأنفس القدسية والسليقة العربية، والثاني ما عداهم. وقيل تقدّمه بالذات إذ ما من علم من العلوم الدينية إلا وهو محتاج إلى كلام الله تعالى الذي لا يتحصل بدون علم التفسير، وأمّا تاخره فمن حيث التعلم لأنّ العلماء بينوه بها وهو قريب مما مرّ فليس جواباً مستقلاَ كما توهم وقد قال بعض الفضلاء المتأخرين: إنه لا طائل تحت السؤال إذ دعوى الاستلزام غير ظاهرة لما مرّ أنّ المتوقف عليه الاعتداد بها أي لا يعتد بها ما لم تؤخذ من الشرع، وكذا الأوجه للقول بأنّ الأوّل بالنسبة للسلف، والأصحاب والثاني بالنسبة لغيرهم، لأن المراد بالعلوم العلوم المدوّنة المشهورة، وهي بعد الصدر الأوّل والمقصود الترغيب فيه من بينها لتبقى علوم السلف خارجة انتهى. وفيه دخل يعلم مما قذمناه ولبعضهم هنا كلام تركه أتم فاثدة من ذكره. قوله: (وفاق في الصناعات العربية الخ) قيل: العلم إن لم يتعلق بكيفية عمل كان مقصوداً في نفسه، ويختمى باسم العلم، وإذا تعلق بها، وكان المقصود منه ذلك العمل يسمى صناعة في عرف الخاصة، وينقسم إلى قسمين قسم يكون حصوله بمجرّد النظر والاستدلال كالطب، وقسم لا يحصل إلا بمزاولة العمل كالخياطة، وهذا القسم يختص باسم الصناعة في عرف العامة، والظاهر أنه لا يطلق العلم على مثل الخياطة والحياكة إلا أن يراد أنه علم لغة، وعلم الأدب عرّفوه بعلم يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا أو كتابة وقسموه إلى اثني عشر قسماً على ما في شرح المفتاح. وسميت أدبية لتوقف أدب النفس والدرس عليها بقي أنه قيل إن بعض فنون الأدب لا يستمد منه التفسير، وهو العروض والقافية وقرض الشعر والإنشاء فمراده بأنواعها أنواعها الكاملة المعتبرة، ولا شك أن من أراد النظر فيه على أتمّ الوجوه يحتاج إليها، أمّا الخط فإن الرسم العثمانيّ يحتاج إليه فيه، فلا بد من معرفتة ليعلم ما جرى على وفقه ووجه مخالفة ما خالفه، وكذلك قرض الشعر والعروض والقافية لو لم ينظر فيها لم يفرق بينه وبين الشعر حتى يعرف معنى قوله {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [يس: 69] مع وقوع أنواع من الموزون فيه، وكذا الإنشاء ينظر فيه ليعرف مخالفة النظم المعجز له كما قيل: عرفت الشرّ لا للشرّ لكن لتوقيه، ثم قال: إن علم القراآت لا بد منه أيضاً في التفسير ولم يعد من العلوم الأدبية فإمّا أن يدرج في الدينية لاختصاصه بالفرآن، أو في علم التفسير كما يشعر به كلام المصنف رحمه الله فيما سيأتي ويعرّف التفسير حينئذ بما يعرف به معاني كلام الله وألفاظه بحسب الطاقة البشرية، وتكون تسميته بالتفسير تسمية له بأشرف أجزائه، ولا يخفى ما فيه فإن أحداً لم يعدّ القرا آت من التفسير مع أن أكثر مسائله المتعلقة بالأداء لم يذكر فيه، والمصنف لم يحصر ما يتوقف عليه التفسير فيما ذكره فكم من أمور تلزم فيه أحيانا ولم يذكرها، ثم إنّ المصنف رحمه الله أن جعل قوله بأنواعها قافية لفروعها فلا يخفى ما فيه من اختلاف الردف فكأنه لم يقصد التقفية فيه، وفي تعبيره عن الشرعيات بالعلوم وعن غيرها بالصناعة حسن أدب لطيف. تنبيه: قال الجواليقيّ في) شرح أدب الكاتب ": الأدب في اللغة حسن الأخلاق، وفعل المكارم، واطلاقه على علوم العربية المذكورة مولد حدث في الإسلام، وكذا قاله الإمام المطرزيّ رحمه الله. قوله: (ولطالما أحدِّث نفسي الخ) هذه اللام زائدة للتأكيد أو جواب قسم مقدّر وليست توطئة وما كافة عن طلب الفاعل، فإن قل وكثر وطال تكف بها ولا تتصل ما الكافة بفعل غير هذه الأفعال الثلاثة، أو هي مصدرية فترسم منفصلة، والموجود في أكثر النسخ اتصالها ويليها الماضي في اكثر نحو طالما دار في خلدي والمضارع كقوله: فلمما يبرح الحبيب إلى ما~يورث المجد داعياً ومجيبا وتقديره هنا بنحو طالما كنت أحدث الخ تكلف لا داعي له، ويحتوي بمعنى يشتمل والصفوة مثلث الصاد المهملة بمعنى الخالص، والصحابة بفتح الصاد بمعنى الأصحاب وكذا الصحبة، وقال المرزوقيّ في شرح الفصيح: صحابة مصدر بمعنى صحبة لكنه وصف به، وقد يجعل الصحبة جمعا كالرفقة، وفي التسهيل: صحبة اسم جمع لصاحبة، وكذا صحابة اسم جمع كلراية اسم جمع للقريب. والصحابي كل مسلم لتى النبي صلى الله عليه وسلم أو اجتمع معه وهو يعقل وهذا أحسن من قولهم رأى لشموله الأعمى ولا يشترط طول الصحبة ولا الرواية عنه ولا يثترط بقاؤ. على الإسلام أيضا وانما يشترط موته عليه، وعظماؤهم كابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم والتابعين: جمع تابع، وهو من لقي الصحابي، واشترط بعضهم فيه طول الصحبة بخلاف الصحابيّ لأن نور النبوّة مؤثر فيمن لمحه طرفة عين، ومن دونهم من بعد التابعين، والمرويّ عنه التفسير من الصحابة كثير والمعروف منهم الخلفاء وابن عباس، وقد كثر عنه ذلك حتى سمي ترجمان القرآن، وكذا يروى عن ابن مسعود ما لا يحصى، والمشهور من التابعين مجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وطاوس وزيد بن أسلم وبعد هؤلاء ألفت تفاسير جمع فيها أقوال الصحابة والتابعين، كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع وشعبة وعبد الرزاق وزيد بن هرون، وبعد هؤلاء أبن جرير وتفسيره أجل تفسير للمتقدّمين ثم استفاض التأليف حتى انتهى للزجاج والرماني، ومنهما أخذ الزمخشريّ، ثم جاء بعدهم من كثر السواد بأقوال الحكماء والصوفية كالرازي حتى قيل في تفسيره كل شيء إلا التفسير، وقوله أحدث نفسي حديث النفس هنا مستعار للخواطر والأماني استعارة مشهورة كقوله:

فاتحة الكتاب

أكذب النفس إذا حدثتها ... إنّ صدق النفس يزري بالأمل قوله: (وينطوي على نكث الخ) انطوى مطاوع طواه ضد نشره وضمن معنى الاشتمال فعدّاه بعلى أي ينطوي مشتملاً على النكت وهو جمع نكتة بضم النون، وهي اللطيفة المستخرجة بقوّة الفكر من نكت في الأرض إذا نبشها بإصبع، أو قضيب ونحوه سميت بها لمقارنتها لذلك غالباً، أو لأنّ تأثير الفكر كالنكت في القلب، ويصح أن ينقل من نكتة الأديم والثوب، وهي ما تخالف لونه لكونها تخالف غيرها بلطافتها، وبارعة بمعنى فائقة، ورائعة من الروع بفتح الراء، وهو الإعجاب يقال راعني الشيء إذا أعجبني ورافني أو من راعه إذا أفزعه كان الرائع الجميل يفرط حتى يروع من يراه قاله السهيلي في) الروض الأنف) : وقيل إنه من الريع بمعنى الزيادة والنماء، والاستنباط أصل معناه إستخرج ماء البئر ونحوه، فاستعير لاستخراج المعاتي بجدّ واجتهاد وفيه تشبيه المعاني بالماء للطفه، وصفائه، أو لأنه سبب الحياة، ومراده رحمه الله بالأفاضل الزمخشريّ والراغب والرازي، فإنّ معوّل المصنف رحمه الله على هؤلاء في الأثر حتى قيل: إنّ كل ما فيه من العربية وما فيه من اللغة من الراغب، وما فيه من الكلام من التفسير الكبير. قوله: (ويعرب عن وجوه القراآث الخ) المعزية ويقال: معزوّة بمعنى منسوبة، وفعله عزيتة وعزوته، والثاني كثر والثمانية هم القرّاء السبعة المشهورون، والثامن يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري وراوياه روح بفتح الراء وروشى بالتصغير، والشاذ ما وراء السبعة والأصح أنه ما فوق العشرة، وأحكامه مبسوطة في محلها قوله: (الثمانية الخ) إشارة إلى وجه اختياره الثامنة دون باقيها لأنها اشتهرت حتى قيل إنها الشائعة في الصدر الأوّل إلى رأس الثلثمائة، ثم أسقطها منها ابن مجاهد وأثبت بدلها قراءة الكسائي، وقد قالوا: إنّ يعقوب كان أعلم أهل عصره بالعربية، ووجوه القراآت كما في الإتقان وغيره. قوله: " لا أن قصور بضاعتي الخ) في الأساص قصر عنه قصورا عجز عنه، ولم ينله والبضاعة المتاع المجلوب،. فنسبة القصور إليه مجازية، والأصل قصوري عن تكثير بضاعتي، أو ترويجها وهو استعارة شبه العلم والاشتغال به بالمال الذي يتجر فيه أهله، وقلة معلوماته بقلة رأس مال التجارة، وثبطه عن الأمر عوقه عنه، وأبطأه عتة، قوله: (ويمنعني عن الانتصاب في هذا المقام) ويعني به مقام تأليف ما ذكره. وقوله: (أن أوسمه) أي أجعل سمة وعلامة والمعروف فيه وسمه يسمه كوعده يعده، وأمّا وسم المشدّد، فإنه بمعنى حضر الوسم، فإن صح روايته هنا، فهو لأجل الازدواج مع قوله أتممه، وصمم على صيغة المبني للفاعل أي خلص عن التردّد، وموجب التوقف وصار ماضياً لا فتور فيه. يقال صمم في السفر ونحوه أي مضى، وصمم السيف نفذ للعظم وقطعه، وصمم أي عض ونشب فلم يرسل ما عضه ويجوز كون صمم مبنياً للمفعول من هذه اللغة أي أخذ عزمي ولم يرسله قوله: (بأنوار التنزيل الخ) النور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره فإن فهمت، فهو نور والسر ما يلزم كتمانه ولب الشيء ولا يخفى مناسبته للتأويل، والسول السؤل أبدلت همزته واوا على القياس، وفي بعض النسخ مسؤل بدله، وأقول هنا نزل منزل اللازم فلا سول له، أو سوله ومقوله ما بعده على الحكاية. سورة فاتحة الكتاب السورة مهموزة وغير مهموزة بإبدال إن كانت من السؤر وهو البقية، لأن بقية كل شيء بعضه، وبدونه إن كانت من سور البناء، وهي المنزلة منه أو من سور المدينة لإحاطتها بآياتها، ومته السوار المحيط أو من التسوّر، وهو العلوّ والارتفاع نقلت إلى مقدار من القرآن يشتمل على آيات ذي فاتحة، وخاتمة أقلها ثلاث آيات، وقيل: السورة الطائفة المترجمة، والترجمة في الأصل تفسير لغة بأخرى وتطلق على التبليغ مطلقا كما في قوله: إنّ الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وتطلق على التسمية كثيراً في كلام المصنفين وهو المراد هنا وأسماء السور كلها توقيفية ثابتة بالأحاديث

والآثار، والمراد بالطائفة قطعة مستقلة أو آيات مخصوصة منه فلا يراد آية الكرسي لأنها غير مستقلة إذ هي بعض من سورة البقرة وآية واحدة أيضا، ودفعه بأنّ المراد بالترجمة أنها مسماة بالسورة ضعفه غنيّ عن البيان، وإنما جعل القرآن سورا لأنه أسهلى للحفظ وأ نشط. وقال الشريف قدس سره: الفاتحة مصدر كالكاذبة بمعنى الكذب، ثم أطلق على أوّل الشيء تسمية للمفعول بالمصدر لأنّ الفتح يتعلق به أوّلاً، ثم بواسطته يتعلق بالمجموع، فهو المفتوح الأوّل، وهذا بالنسبة للمقروء، والمكتوب مطلقاً، فقول بعض المتصلفين من أهل العصر أنه إنما يتحقق في المكتوب إذا كان كالطومار من خمود الفكر وجموده، وقيل: الفاتحة صفة جعلت اسماً لأوّل الشيء إذ به يتعلق الفتح مجموعه، كالباعث على الفتح فالتاء علامة للنقل من الوصفية إلى الإسمية، وقيل: للمبالغة ولا اختصاص لها بزنة علامة كما توهم، وهذا أقرب لقلة فاعلة في المصادر قيل، ولم يجعل آلة، وأن أطلق عليها فاعل كالقاطع والقاتل لأنّ الآلة لا تتصف بالفعل، وهذه متلبسة بالفتح، ولا باعثاً لأنه لا يقارن الفعل، وهذه قارنت الفتح، وفيه أنه إن ادّعى كلية ما ذكر، فليس كذلك فإنّ الصبغ آلة للصباغ يصبغ أيضاً، وفي نحو قعدت عن الحرب جبناً الجبن باعث على القعود،، وهو مقارن وإن ادّعى الأغلبية لم يفد لأنه يقال له هذا من غير الغالب، اللهمّ إلا أن يقال كفى بالندرة باعثاً على الترك أو المراد أنه لا يقصد اتصافها به، وما ذكر لا يعد باعثا مع أنّ جعل بعض القرآن آلة غير مناسب لإيهام أنه غير مقصود منه وحيسئذ يتمّ هذا وجهاً، والحاصل أنه مفتوح من جهة، وفاتح من أخرى، فنظر كل فريق إلى جانب، وجوّز أن يكون للنسبة أي ذات فتح مع وجوه أخرى مرجوحة لم نكثر بها السواد، ثم قال: الكتاب بمعنى المكتوب والمصحف يطلق على المجموع وعلى جزئه وعلى المشترك بينه وبين أجزائه، وفاتحة الكتاب صارت علما بالغلبة لهذه السورة، فالفاتحة علم آخر، والألف واللام عوض عن الإضافة وفيه نظر، وذكر بعضهم أنّ هذه الإضافة بمعنى من لأنّ أوّل الشيء بعضه، ورد بأن البعض يراد به الجزئي كزيد للإنسان، والجزء كاليد لزيد واضافة الأوّل بيانية بمعنى من، وإضافة الثاني على معنى اللام وليس الكتاب جنسا شاملاً هنا لأنّ فتح الفاتحة بالقياس إلى المجموع لا إلى الكل الذي هو القدر المشترك، فإن قيل في الكشاف أن معنى إضافة اللهو إلى الحديث التبيين، وهي الإضافة بمعنى من أي من يشتري اللهو من الحديث، فبين اللهو بالحديث لأنه قد يكون من الحديث، وقد يكون من غيره والمراد بالحديث المنكر كما ورد) الحديث في المسجد يأكل الحسنات ") 1 (ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى من التبعيضية، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي اللهو منه، فعلى التقدير الثاني إن أريد بالحديث مطلقه كان جنسا للهو صادقا عليه، كما يطلق عليه الحديث المنكر، فتكون الإضافة بيانية لا مقابلة لها وإت أريد العموم والاستغراق، كان لهو الحديث جزأ منه، فقد ثبت أنّ إضافة الجزء إلى كله بمعنى من التبعيضية وإن لم تكن مشهورة قيل الظاهر أنّ المراد مطلق الحديث، لكن العلامة دقق النظر في إضافة الشيء إلى ما هو صادق عليه، فإن حسن فيه جعل المضاف إليه بياناً وتمييزاً للمضاف كالساج للباب، والحديث المنكر للهو جعلها بيانية، وان لم يحسن ذلك فيه كالحديث المطلق للهو جعلها تبعيضية ميلاً إلى جانب المعنى. أقول هذا ردّ لما في الكشاف تبع فيه الشارح المحقق، وليس بوارد عليه وما ذكره المدقق مخالف لكلام قدماء النحاة كشرّاح الكتاب، ومن حذا حذوهم، فإن إضافة نحو يذ زيد على معنى اللام، وقال قوم منهم كابن كيسان والسيرافي: إن إضافة ما هو جزء من المضاف إليه بمعنى من التبعيضية، واستدلوا عليه بفصله عن الإضافة بمن كقوله: كأنّ على الكتفين منه إذا انتحى ~ مداك عروس أو صلاية حنظل وهو شائع كما فصله أبو حيان في شرح التسهيل، ومنهم من ذهب إلى أنّ من المقذرة في الإضافة مطلقا تبعيضية من غير فرق بين الجزء والجزئي، كما في لمع ابن جني وشرحه للثمانين، وعبارته: إن كان الأوّل جزأ من الثاني كانت الإضافة بمعنى من نحو باب ساج، ودار آجرّ وجبة صوف، وتقديره باب من ساح ودار من آجرّ

والأوّل في هذا جزء من الثاني ومن فيه للتبعيض انتهى. فادعاء أنها غير موجودة، أو غير مشهورة مكابرة لمخالفته ما سطر في كتبهم المعوّل عليها، وفيما ذكره في توجيه كلام الكشف دقة لا يتحملها نظر أهل العربية، ثم إنّ للناظرين في كلام الشريف وجوهاً شتى كلها خارجة عن قانون العربية، لاقتصارهم على ما لا يغني، ولا يسمن من كلام المتأخرين ولذا أضربنا عنهما صفحا، وأمّا إضافة السورة فحن إضافة المسمى إلى الاسم كيوم الأحد وهي مشهورة، ثم إنهم أطلقوا كون الإضافة إلى الجزئي بيانية، وهو مخالف لما صرّح به كثير من المتقدمين والمتأخرين من أنها إنما تكون كذلك إذا كان بينهما عموم وخصوص وجهيّ، كخاتم فضة، فإن كان مطلقاً كمدينة بغداد فهي لامية، وذهب شاوح الهادي إلى أنها بيانية أيضا، ولذا تراهم يجعلون شجر الأراك من الإضافة اللامية تارة، ومن البيانية أخرى، وهذا مما غفل عته كثير من الناس فاحفظه. قوله: (وتسمى أمّ القرآن) عطف على مقذر رأى تسمى بفاتحة، أو على سورة الفاتحة باعتبار المعنى، أو التقدير هذه سورة فاتحة الكتاب وتسمى الخ وعطف الفعلية على الاسمية شائع كعكسه، والمراد بالتسمية وضع العلم لا الإطلاق. وتال الفاضل الشريف: فاتحة ألكتاب صارت علما بالغلبة للسورة وقد ذكر. في الكشف أيضاً، وفي اجتماع الغلبة والتجوّز نظر مع أنه مناف لما مرّ من النقل قيل: وفيه خفاء أيضاً لأنّ القول بعلمية الجنس ضروريّ لمنع الصرف ونحوه من الأحكام ويجب في العلمية الشخصية تشخص المعنى ولا تشخص هنا، والأصح أن أسماء السور موضوعة لتلك الألفاظ المقروأة، فتكون واحدة بالنوع كما في التلويح وشرح المقاصد إلا أن يقال مثل هذا المؤلف بحسب العرف يعد شخصا، وأمّا جعلها وأمثالها من قبيل أسماء الإشارة في عموم الوضع وخصوص الموضوع له فبعيد جداً، وما ذكر من السبب في عدم اعتباوه فيها من أنها لو كانت موضوعة لشيء من الخصوصيات كانت في غيره مجازيات، وإن كانت موضوعة لكل منها كانت مشتركة بين معان غير محصووة، وإن كانت. موضوعة لمعان كلية لزم كونها مجازات لا حقائق لها، والكل فاسد لا يتاتى هنا إذ قلما تستعمل في شخص، والأكثر استعمالها في الكل، فلا يلزم ما ذكر وتفصيله في شرج الرسالة الوضعية. ، أقول الذي عليه المعوّل في أسماء السور وأسماء الكتب والعلوم، ونحوها أنها أعلام شخصية لتلك الألفاظ المخصوصة لا للصور الذهنية، ولا للنقوس، ولا للمركب منها وهي تعد في العرف شيأ واحدا شخصا، واختلاف اللافظ، وتعدّده كتعدد أمكنة زيد لا يغير تشخصه، لأنها غير معتبرة فيه، ومما يشهد له شهادة يزكيها الاستقراء تسميتها بالجمل ك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ومثله معهود معروف في الاعلام كتأبط شرّا وبرق نحره وصردر دون اسم الجنس، فإئه وان لم يكن مفقوداً فيها نادر، وأمّا الاسندلال بدخول اللام عليه كالكافية والثافية، فليس بشيء، لأنه ليس مما يستدلّ بمثله، وما قيل من أنّ العلمية الجنسية ضرورية مما تفرّد به الرضيّ، وهو غير مسلم عند النحاة، ودلالة الموصول على ماهية نوعية أو جنسية لا ترد عليه نقضا. وفي شرح الفوائد العتابية لشيخ مشايخنا أسماء العلوم كأسماء الكتب أعلام أجناس عند التحقيق وضعت لأنواع وأعراض تتعدد بتعدد محالها القائمة بها كزيد وعمرو، وقد تجعل أعلاما شخصية باعتبار أن المتعدد باعتبار المحل يعد واحداً في العرف، وهو إنما يتتم إذا لم تكن موضوعة للمفهوم الاجماليّ وتردّد السبكيّ في أسماء العلوم هل هي أعلام بالغلبة أو منقولات عرفية كالدابة ورجح الثانية، وسيأتي تتمة لهذا المبحث في تعريف الجلالة الكريمة. قوله: (لأنها مفتتحه ومبدؤه الخ) الأمّ في اللغة الأصل والوالدة ثم أطلق على الفاتحة ومحكم القرآن قال تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [اس عمران: 7] ومفتتح اسم مفعول أو اسم مكان أو مصدر ميمي، وقال صاحب القاموس في شرح الديباجة المفتتح لغة شائعة فصيحة يقال فتحه وافتتحه نقيض أغلقه، وأمّا المختتم فغير فصيحة، ولا تكاد توجد عند لغويّ ثبت، والمراد به غير الأوّل ولذا عطف عليه قوله ومبدؤه عطفاً تفسيرياً، ولما كان افتتاحه وابتداؤه بها في كتابة المصاحف، أو في التلاوة، أو في الصلاة أو في النزول بناء على أنها أوّل سورة نزلت ويتلوها ما عداها في ذلك جعلت أمّا وأصلاَ له

ومنشأ بطريق التسبب لأنّ الولد يتكوّن ويوجد بعه أمّه، ولذلك سميت أساساً لتوقف بقية البناء وابتنائه عليه، ووجوده بعده وبهذا التقرير سقط ما في بعض الحواشي من الأوهام مثل ما قيل من أنّ المبدأ يقال للجزء الأوّل، ولما منه ذلك الشيء، والفاتحة مبدأ بالمعنى الأوّل، وأمّ بالمعنى الثاني، فجعل هذا وجها لتسميتها أمّا غير مرضي، وكذا ما قيل أنه لا فائدة لذكر الأصالة والمنشئية إذ ليس في الفاتحة سوى المبدئية، وان كانتا موجودتين في المنقول عنه، وهي الوالدة والأمّ في اللغة الأصل، ومنه قيل للوالدة: أصل وحينئذ لا يناسب ذكر كان، لأن الجزء الأوّل من الشيء أصل ينبني عليه باقي الأجزاء من حيث أنها أجزاء متأخرة انتهى. وقيل: إنها سميت اماً لجمعها كل خير كأمّ الدماغ الجامعة للحوأس، أو لأنها مفزع أهل الإيمان كما تسمى الراية أمّا وركاكته ظاهرة، فإن قلت: زعم بعض فضلاء العصر أنّ قوله في الكشاف، وتسمى أمّ القرآن لأنّ أم الشيء أصله وهي مشتمدف على كليات معاني القرآن أولى مما ذكره المصنف، لأنّ الاشتمال أنسب بالأمّ من الافتتاح، والمبتدئية بمعنى الابتداء، وان كان ما ذكره صحيحا أيضاً. قلت: هذا وهم منه فإنّ المصنف ذكر ما في الكشاف بعينه وزاد عليه وجها آخر قدمه عليه إشارة لأرجحيته عنده لأنّ أصل معنى القرآن والكتاب الألفاظ لا المعاني، وهو فيما اختاره باق على أصله بخلافه في الوجه الثاني فإنه محتاج إلى التجوّز أو التقدير. أي أمّ معاني القرآن، وهو بعيد كحمل القرآن على المعاني، وهذا لم ينبه عليه أحد وتنبه له. واعلم أنّ في كلام المصنف هنا وجهين: أحدهما: أن يكون قوله مفتتحه بيانا لوجه التسمية بفاتحة الكتاب، ومبدؤه لأمّ القرآن لفا ونشراً. وقوله: (فكأنها الخ) بيان لمشابهته للمعنى الأصلي للامّ في المبتدئية حقيقة للمعنى العرفي وهو الوالدة فيما له زيادة خصوصية واشتهار به أعني المبتدئية، والمنشئية ادّعاء دون المتبدئية الأوّلية، وكونه مفتتحاً غنيّ عن البيان. والثاني: أن يكون مبدؤه عطفا تفسيرياً وهما علة لقوله أمّ القرآن، وترك تسميتها بالفاتحة لظهوره. قال الفاضل الليثيّ: وهو وجه وجيه إلا أنه مخالف لما نقل عن المصنف في حواشيه من أنّ قوله لأنها مفتتحه تعليل لما تضمنه قوله سورة فاتحة الكتاب من الجملة الخبرية التي تقديرها تسمى فاتحة الكتاب، في هذا الوجه يكون المنقول عته بالمعنى العرفيّ أنسب، كما أنّ الوجه الأوّل بالأصليّ أنسب، وان جرى كل منهما في كل منهما. وقوله: (ولذلك) أي لكونها أصلاَ وهو ظاهر، ثم أنها تسمى أيضاً أمّ الكتاب، وفاتحة القرآن ووجهه يعلم مما مرّ، ثم أنه قيل: إن في كلام المصنف إشارة إلى أنّ التسمية بفاتحة الكتاب من قبيل تسمية المكان باسم الفاعل، وهي من فروع الإسناد إليه، واذا كان مصدراً كالعافية، فمن فروع تسمية المكان بالمصدر وجعلها من تسمية المفعول بالمصدر إذ فاتحة الشيء أوّله والفتح يتعلق به أوّلاً وبتبعيته للمجموع، فهو المفتوح الأوّل بعيد إذ تسمية المفعول بالمصدر غير مشهورة، وقيل: فاتحة الشيء، وأوّله آلة لفتحه، وهو من تسمية الآلة بالفاعل كالباصرة والسامعة، وعلى اشتقاقها تاؤها للنقل لا للتأنيث بتقدير طائفة فاتحة ولا للمبالغة لقلة مجيئه في غير صيغ المبالغة، وعدم مناسبته هنا وجعله من النسب كتامر بعيد غير مسموع إذ هو مقصور على السماع انتهى. ولا يخفى ما فيه من التعسف، لأنه ليس بمكان حقيقيّ، فنقل اسم الفاعل إلى المكان المتجوز به عن الأوّل مع صحة تسمية الأوّل فاتحاً لحصول الفتح به تطويل بغير طائل، وقد مز ما فيه غنية عنه، والذي حمله على هذا قوله مفتتحه. قوله: (أو لأنها تشتمل على ما فيه الخ (في بعض الحواشي أن المراد جميع ما فيه يعني ادّعاء واجمالاً ويأباه قوله فيما بعد أو على جملة معانيه إلا أن يكون تفنناً في التعبير، والذي في الحواشي الشريفية وغيرها تفسيره بأصول ما فيه، ومقاصده، وهو الظاهر فلا يرد عليه أن فيه القصص وغيرها، وان قيل إنها ترجع لما ذكر لما فيها من العبرة والإتعاظ، وهذا هو الوجه الثاني لكونها اً مّا. وعليه اقتصر في الكشاف كما مرّ. قوله: (والتعبد بأمره ونهيه (أي التكليف، وهو في إياك نعبد لأن العبادة قيام العبد بما تعبد به من امتثال الأوامر واجتناب النواهي كما قيل، وأورد عليه أق في قوله إياك نعبد التنسك الذي هو وصف العبد لا التكليف، وأجيب بأنه بناء على أنه على لسان العباد تعليما لهم

وطلبا لعبادتهم فهو تكليف، ثم إنّ تفسير التعبد بالتكليف لا تساعده اللغة إلا أن يقال هو تفسير له بلازم معناه، وحقيقته اتخذه عبداً، أو تضمين لتعذيه بالباء كذا قيل. (وأنا أقول) الذي دعا الشريف وغيره لتفسير التعبد بما ذكر أنه ليس المراد مطلق التنسك لتقييده بأمر الله ونهيه، بل تعبد المرء تنسكه بما كلفه الشارع به، فتفسيره بالتكليف إمّا لأنه أظهر في العبادة المقصودة هنا سواء كانت الآية تعليماً للعباد أم لا نعم إذا كانت تعليما كانت أظهر وأنور فهو كقولهم حصول الصورة أو هو حقيقة لغة قال السمين في " مفرداته ": قوله تعالى: {أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 22] أي اتخذتهم عبيداً وقيل ذللتهم ذلة العبيد وقيل كلفتهم الأعمال الشاقة التي يكلف مثلها العباد، وبهذا وقفت على ما في كلام هذا القائل، وأن قوله لا تساعده اللغة من قصور الباع وعدم الإطلاع، ثم إنّ الإيمان بالله ورسله داخل في التعبد، لأنه مع توقف العبادة عليه مأمور به في آمنوا بالله ورسله، فلا يتوهم أنه خارج وهو أجل المقاصد، واشتمالها على الثناء من الحمد واجراء الصفات المذكورة، والتعبد في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} كما مرّ وفي قوله: {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} إن أريد به ملة الإسلام، وقيل: هو في قوله الحمد لله لأنه بتقدير قولوا وفيه نظر، وأمّا الوعد والوعيد، ففي قوله: {أَنعَمتَ} و {المَغضُوبِ} عليهم أو في يوم الدين والجزاء لتناوله الثواب والعقاب، ولما كانت مقاصد الأمور نتائجها والنسل أعظم المقاصد ونتيجة مقذمات الأعمار شبهت بالولد، ولذا سمي نتاجا ووجه الشبه ظاهر كما قيل: لنامن بنات الفكر نسل بهانسلو وإنما كانت هذ. مقاصد وأصولاً، لأنه أنزل إرشاداً للعباد، إلى معرفة المبدإ والمعاد ليؤدّوا حق المبدإ بامتثال أوامره ونواهيه، ويدّخروا للمعاد مثوبة كبرى، ولأنه كافل لسعادة الإنسان، وذلك بمعرفة مولاه، والتوصل بما يقرّ به والتنصل عما يبعده منه، والباعث عليه الوعد والزاجر عنه الوعيد، والا حجب عن نور الأنوار، وهوى في ظلمات بعضها فوق بعض، وأمّا الدعاء والسؤال، فوسيلة يعتبر منها ما تعلق بالمعاد، ولا يرد اشتمال غير هذه السورة على مثل ما ذكر لأن وجه التسمية لا يلزم اطراده ولأنها استحقته بالسبق إليه، والترتيب الخاص والإجمال المفصل في غيرها فضاهت مكة في تسميتها أمّ القرى لما تقذمت، ودحيت الأرض عنها، وتمام تفصيله في شروج الكشاف، وفي بعض الحواشي أنّ ابن سيرين كره تسميتها أمّ القرآن والحسن البصري تسميتها أمّ الكتاب، وردّ بثبوته في الصحيحين وغيرهما كحديث " الحمد لله أمّ القرآن وأمّ الكتاب " (1 (قوله: (أو على جملة معانيه الخ) الجملة بمعنى الجميع، وبمعنى الإجمال والمراد الثاني، والحكم جمع حكمة وهي لغة العلم الحق المحكم عن قبول الشبه، ولذا فسرها ابن عباس في قوله عز وجل: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] بعلم القرآن وفسرها الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية، وهو قريب مما قبله، والنظرية نسبة للنظر بمعنى الفكر والمراد ما لا تعلق له بالعمل من العقائد الحقة الشاملة لأمر المعاد والنبوّة وسائر الإلهيات ونحوها مما المقصود منه بالذات العلم دون العمل، والأحكام مرّ تفسيرها، والعملية منها العبادات، وكل ما ذكر في الفروع، والأوّل مستفاد من أوّل السورة إلى قوله: {يَوْمِ الدِّينِ} والثاني من قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وما بعده، وسلوك الطريق المستقيم من قوله اهدنا الصراط، والإطلاع بتشديد الطاء افتعال من طلع ظهر، وبسكونها أفعال منه والأوّل أظهر وهو من قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} الخ وفيه، وعد ووعيد فدخلا فيه، والأمثال والقصص المقصود بها الاتعاظ، وكذا الدعاء واك اء فهذه جملة المعاني القرآنية إجمالاً مطابقة، والتزاما فقوله من الحكم بيان لجملة وقوله: (التي الخ) في موصوفه احتمالات، لأنه يحتمل أن يكون صفة جملة أو معان أيضاً المبينة بالحكم، والأحكام فيكون في المعنى صفة لهما من غير تكلف، كما في القول بأنه صفة لهما معا وليس صفة للأحكام وحدها كما في بعض الحواشي قيل: لأن السلوك شامل للنظرية والعملية، وقيل لأنه لا يصح الحكم عليها بأنها سلوك الطريق المستقيم، لأنه العمل لا الحكم يخحتاج إلى تقدير مضاف أي أحكام الخ، وكلاهما على طرف الثمام، ومنهم من جعل المشير إلى الأحكام العملية الصراط المستقيم، وإلى النظرية ذكر السعداء والأشقياء على أنه لف ونشر غير مرتب مع أنّ ذكر الصفات دال على ما هو من الحكم

النظرية أيضا، وقوله والإطلاع الخ إن قرىء بالجرّ على أنه معطوف على الحكم في قوله من الحكم فالأقسام ثلاثة، والإطلاع على مراتب السعداء للإقتداء، وعلى منازل الأشقياء للإتقاء، والأوّل من قوله: {أَنْعَمْتُ} والثاني من {غَيرِ المَغضُوبِ} الخ وهذا لا يختص بالنظرية، ولا بالعملية بل هو من آثارهما وثمراتهما، وان رفع فهو معطوف على قوله سلوك الطريق على أن التي صفة للحكم، والأحكام معنى أو حقيقة لا للثاني، ولذا قيل الإطلاع ناظر إلى الحكم النظرية، ولم يراع ترتيب اللف محافظة على ما عليه التنزيل من تقديم الأوّل أعني {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} وتاخير الثاني أعني الذين أنعمت الخ. وقد قيل عليه أيضا: إنه محتاج إلى التقدير أي بعيد سلوك الخ أو أصله التي غايتها أي المقصود منها، فلما حذف المضاف ارتفع الضمير، وانفصل أو هو محمول عليه مبالغة وادّعاء، وليس هذا مخصوصاً بكونه صفة للأحكام فقط كما توهم.) قلت (نقل هنا بعض أهل العصر عن المصنف حاشية قال فيها: الحكم النظرية معرفة الله تعالى بصفات الكمال المشتمل عليها الحمد لله إلى قوله {يَوْمِ الدِّينِ} والأحكام العملية هي سلوك الطريق المستقيم، والإطلاع على مراتب السعداء والأشقياء المشتمل عليها {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} إلى آخر السورة انتهى. فإن صح عنه ما ذكر فهو مخالف لما مرّ، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه تدبر، وعبر في السعداء بالمراتب لاشعاره بالعلوّ والرفعة لأنه من رتب بمعنى انتصب قائماً كما في الفائق، وفي الأشقياء بالمنازل لاً نه من النزول، وهو الانحطاط المقابل به كما قيل: درج الجنة ودرك النار، والفرق بين التوجيهين قد مرّ، وقيل: مبنى الأوّل على اشتمال ألفاظه باعتباره جميع أجزائها والثاني على اشتمالها باعتبار ما هو دعامتها ولو عكس كان أظهر، ولذا قيل: إنّ الأوّل بيان لاشتمالها على ما يستفاد منه أصول المعاني القرآنية وأساس مقاصدها. والثاني لاشتمالها على جملة مقاصده المستفادة من تلك الأصول وكونها أماً على هذا لتأخر التفصيل عن الإجمال تأخر الولد عن الأمّ، كما قيل في أمّ القرى وقيل إنّ هذا التوجيه متضمن لوجه تسميتها فاتحة أيضاً لأن ما يدلّ على الشيء إجمالاً حقه أن يكون فاتحة، كعنوان الكتاب الدال على ما فيه، ويدل عليه عطف قوله وتسمى، وذكر المبدأ بعد المفتتح والمنشأ بعد الأصل، والتأسيس أولى من التكيد مع مناسبة ألفاظه للفتح لفظاً ومعنى، والمبدأ لللامّ، ولا يخفى ما فيه من التكلف مع أنه قد اعترف بما ينافيه وقد علم مما ذكرناه ضعف ما قيل: من أنّ ما ذكر هنا مستفاد من الوجه السابق لأنّ الحكم، وهي الأحكام الاعتقادية تستفاد من إجراء صفات الكمالى عليه تعالى، والأحكام العملية من تفاصيل التكاليف المشار إليها بالتعبد، والإطلاع المذكور من الوعد والوعيد، ونوقش بأن الإطلاع من قبيل العلم والمعاني معلومات فكيف يعد منها، ودفع بأنّ المراد به الاطلاع بقرينة السياق وقال بعض المدققين: لا يخفى ما في جعل الثناء مقابلاً للتعبد أي التكليف بالعبادة، والوعد والوعيد من عدم المناسبة، وأيضا لا يظهر من الدليل جعل الثناء مقصوداً أصليا من الكتاب بل المقصود معرفته تعالى وقد أشير إليها بقوله {رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي موجدهم ومربيهم، وأبعد منه جعل الوعد والوعيد مقصودين وهما مقحمان باعثان على العبادة، وقد عرفت مما قدمناه الجواب عنه، وبقي هنا وجوه أخر لم نسودّ بها وجه القرطاس، فإن قلت اشتمال الفاتحة على جميع المعاني القرآنية مناف لما في الحديث من أنها تعدل ثلثي (1) القرآن قلت: إن صح فلا منافاة، لأنّ الإجمال لا يساوي التفصيل فزيادة مبانيه تنزل منزلة ثلث آخر في الثواب، ومن العجب ما قيل هنا من أنّ ذلك لاشتمالها على دلالة التضمن والالتزام، وهما ثلثا الدلالات، وقيل الحقوق ثلاثة حق الحق على العبد وعكسه، وحق العبد على العبد، وقد تضمنت الأوّلين فلذا جعلت ثلثيه. قوله: (وسورة الكئز الخ الذلك أي لاشتمالها على مقاصد القرآن، أو جملة معانيه التي هي كالجواهر النفيسة المكنوزة لأنها ذخر المعاد، والسعادة الأبدية فتفي، وتكفي في ذلك، وقيل سميت وافية لأنها لا تنصف في الصلاة كغيرها وكافية لأنها تكفي المصلي دون غيرها، وهذه الألفاظ كلها منصوبة عطفا على قوله أمّ القرآن، وهو الموافق لتصريحهم بأنّ الوافية والكافية بدون إضافة سورة من أسمائها، وإن وقع في كلام بعضهم خلافه وجرهما يستلزم حذف جزء العلم، أو العطف عليه، وقد قيل حذفه جائز إذا أمن اللبس كما سيأتي في شهر

رمضان وان كان من قبيل حذف بعض الكلمة نظراً لأصله إلا أنه قيل عليه أنه في مقام بيان الاسم لا يؤمن الإلباس وانما يلزم ما ذكر لو لم يكن كل منهما بدون السورة، وقد قيل به، ويؤيده ما جاء في الحديث مما يدل على أنه يطلق عليها الكنز بدون السورة وهو قوله عليه الصلاة والسلام " إن الله قال فيما من به على رسوله إتي أعطيتك فاتحة الكتاب وهي كنز من كنوز عرشي " وقد قالوا إنه سبب تسميتها به ثم إنّ كونها كنزا أو من كنز استعارة وتمثيل لعظم ما فيها وهو أنفس من الجواهر بل هي عنده من الحجارة، أو أخس وجعل العرس، والسموات مهبطه، لأنها محل ابتداء ظهوره وفيضه، ولذا رفعت الأيدي في الدعاء نحوها وان تنزه الله عن المحل والجهة وقيل: إنه من المتشابه الذي استأثر به وهو أسلم. قوله: (سورة الحمد والشكر الخ الاشتمالها عليها أي على المذكورات أمّا اشتمالها على الحمد فظاهر، وكذا على الشكر لأنه في مقابلة نعمة الربوبية والرحمة الشاملة كما سيأني، وليس هذا مبنيا على تقدير قل كما قيل واستشكل بأنه في مقابلة النعمة بل النعمة الواصلة للشاكر، وأين ذلك هنا إلا أن يقال إنّ توصيفه برب العالمين يشعر بالعلمية وأنّ الحمد لذلك كما صرّح به الإمام، وهذا لا يتم إذا جعل حمداً من الله لذاته الأقدس، ولذا قيل إنه شكر إذا قرأه العبد في مقابلة نعمة، وهو تكلف ولا يخفى سقوطه، لأنه سواء قدر قل، أولا فإن كل قارىء منعم عليه فإذا حمد كان في مقابلة ذلك، ولا حاجة إلى ما قيل إنه يؤخذ من قوله: (أنست الخ (بل لا وجه له، فإنها مشتملة على الحمد وهو أعم من الشكر والحمد الحقيقي شكر لغوفي فتدبر. وقوله: (والدعاءا لوقوعه فيها وتعليم المسألة بأن يثنى ويبظم المسؤول، ثم يتوجه إليه بصفاته، والمسألة هنا مصدر ميمي بمعنى السؤال، والمراد تعليم كيفية السؤال، وطريقه وليس محل السؤال لاحتياجه إلى التكلف، والشكر وما بعده مجرورات، وفيه ما مرّ من حذف جزء العلم أو العطف عليه، وكون التسمية بمعنى الإطلاق لا وضع العلم، ونصبها على أنّ العلم الشكر وما بعده بعيد، وفي التفسير الكبير الاسم العاشر السؤال يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن رب العزة سبحانه وتعالى قال: من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " (2) وقد فعل الخليل عليه الصلاة والسلام ذلك حيث قال: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] إلى قوله: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعرأء: 83] ففي هذه السورة وقعت البداءة بالثناء عليه تعالى، ثم ذكر العبودية، ثم ذكر الاستعانة، ثم وقع الختم على طلب الهداية. وأورد عليه أنه لا يتحصل مما ذكره الدلالة على تسميتها بالسؤال الذي أراده، ثم مقتضى الحديث تجرّد الذكر عن السؤال والسورة جامعة بينهما، فلا مناسبة لهذا الحديث هنا، وليس كما توهمه المعترض بل المراد أنّ تسميتها بالسؤال، لأنها مشتملة على تعليمه وبيان كيفيته اللائقة بالكاملين كما مرّ، ويشهد له قصة الخليل عليه الصلاة والسلام، وكذلك هذا الحديث القدسي أيضا بناء على أنّ المراد منه اشتغاله بذكره في ابتداء توجهه للسؤال لأنه نصب عينيه وقبلة اقباله، ومن أحب شيأ أكثر من ذكره ويؤيده ما ذكره بعده نعم هو لا يخلو من الخفاء وكون المراد بالحديث ما ذكر غير مسلم، وقد سئل بعض التابعين عما ورد في الحديث " أفضل ما دعاني به عبدي، لا إله إلاً الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ") 1 (فقيل كيف سمي هذا دعاء، وهو صرف ذكر، فقال هو دعاء أيضاً لحديث " من شغله ذكري " الخ ثم نقل هذا الجواب لبعض السلف فقال: هو كما قال فإنّ الثناء على الكريم سؤال وطلب، فقيل: هل عرف مثله فقال: نعم أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان في قصيدته المشهور ة: " ذكرحاجتي أم قدكفاني حياؤك إنّ سميتك الحياء إذا أثنى عليك المرءيوما كفاه من تعرّضك الثناء ونحوه قول الغنوي: واذا طلبت إلى كريم حاجة فلقاؤه يكفيك والتسليم وهو معنى بديع سيأتي بيانه. قوله: (لاشتمالها عليها) أي على المسألة، وكيفية تعليمها ولو قال: عليه بإرجاع الضمير للتعليم كان أظهر وفي تفسير ابن برحان من آداب الدعاء وحلية السؤال، والضراعة إلى الملك

الملك الأمر كله أن يقدم العبد بين يدي دعائه التوحيد والتعظيم والإجلال، ثم يحمد الله بمحامده التي هو لها أهل، ويثني عليه ويمجده ويتبرأ إليه من حوله وقوّته، ثم يسأل الله الهداية إلى ما يرضيه، وحسن العون على ذكره، ئم يسأل الله بعدما ما يشاء، لعموم قوله الحق: " ولعبدي ما سأل " ومن قدم أمر الآخرة على أمر الدنيا نظمه الله في نظام الاقتداء بأمّ القرآن وإنّ المطلوب الأعظم لفي أمّ القرآن مجملاً ويحق ما قال بعضهم: لو قرئت أمّ القرآن على ميت فحي ما كان ذلك بعجب لأنّ الحمد اسم من أسماء الله وكذلك سائر الحروف كلها فافهم انتهى. قوله: (والصلاة لوجوب قراءتها الخ الفعل الصلاة يجوز جرّ. ونصبه هنا لأنها كما تسمى سورة الصلاة، تسمى الصلاة أيضاً، وهو من تسمية الجزء باسم كله، أو تسمية أحد المتلازمين باسم الآخر والصلاة بمعنى العبادة المعروفة. قوله. (واستحبابها) قيل عليه إنه لا قائل بالاستحباب لأنها فرض عند الشافعي وواجبة عند أبي حنيفة، وانما تبع صاحب الكشاف في قوله لأنها تكون فاضلة أو مجزئة بقراءتها فيها، وما ذكروا رد عليه أيضاً، ولذا قال في المدارك لأنها واجبة أو فريضة، وهو أحسن لأنه لا قائل بالاستحباب كما عرفت هذا زبدة ما في جميع الحواشي، وهو لا يسمن ولا يغني من جوع (وأنا أقول) كون المذاهب الأربعة متفقة على عدم الاستحباب، وأنه لا صلاة بدونها مما اتفق عليه هنا لما رووه في كتب الفقه المشهورة خصوصا كتب الحنفية، وليس كذلك، فإنّ المصنف شافعي المذهب، وفي كتبهم المعتمدة ما يخالفه، وعبارة الإمام الغزالي في شرح الوجيز الفاتحة متعينة في الصلاة خلافا لأبي حنيفة حيث قال: فرض الصلاة قراءة آية ما طويلة أو قصيرة، وان كان ترك الفاتحة مكروها انتهى. وعليه اعتمد المصنف رحمه الله، فالاستحباب عنده مذهب أبي حنيفة، ولو سلم عدم صحة ما ذكر فالسلف لهم في أكثر الأحكام أقول شتى، ومذاهب مختلفة، وان لم يرخص لنا العمل بها، وقد نقل الإمام الجصاص رحمه الله في كتاب أحكام القرآن مذهب ابن عباس رضي الله عنهما أنه يجزىء في الصلاة قراءة شيء ما من القرآن، ولا تتعين الفاتحة، وبه فسر قوله تعالى: إ فاقرؤا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] فإن أردت تفصيله فراجعه فإذا ثبت عن بعض الصحاية ومجتهدي السلف أنها غير واجبة في الصلاة مطلقا، وأنّ المراد بقوله في الحديث " لا صلاة إلاً بفاتحة الكتاب " (1 (نفي الكمال لا الصحة، فمراد المصنف والزمخشرفي الإشارة إلى مذهب هؤلاء لا إلى شيء من المذاهب الأربعة حتى يحتاج إلى ما قالوه من التعسف هنا: من أنّ استحبابها إشارة إلى مذهب أبي حنيفة رحمه الله بناء على تفسير المستحب بما يشمل الواجب والسنة لا المستحب المتعارف على أنّ الواجب بمعنى الفرض والمستحب ما يقابله، أو هو مبني على أنّ الوجوب في الكل عند الشافعي رحمه الله أو الركعتين الأوليين عند أبي حنيفة والاستحباب فيما عداهما عنده، أو في صلاة النفل في رواية عن الشافعي، وأبعد منه ما قيل من أنه مذهب ابن حنبل، وأنه لورعه كان لا يطلق الواجب على ما لم يتواتر عن السلف إطلاقه عليه، وقد جوز أن يكون المراد بالصلاة هنا الدعاء فيكون كتسميتها بسورة الدعاء، فإن قلت هل لما قيل من تعين الجرّ هنا وجه وان كان النصب بناء على تسميتها صلاة الحديث " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين الحديث " (11 لأن تعليل المصنف يناسب معنى الجرّ لا النصب، لأنّ تسميتها في الحديث بالصلاة من إطلاق اسم الكل، وارادة الجزء الذي هو ركن تنتفي الحقيقة بانتفائه، وهو غير منايسب لقوله، أو استحبابه مع أن بعضهم قدر في الحديث مضافا أي قراءة الصلاة، أو ذكر الصلاة قلت لا، فإنّ ما ذكره من الشرط غير مسلم عند المحققين من أهل الأصول، مع عدم تعين التجوّز أيضاً فتدبر. قوله: (الشافية والشفاء الخ) بالنصب أي تسمى الشافية الخ. كما صرّحوا به ويجوز جرّه. وفي الكشاف أنها تسمى سورة الشفاء. وقيل: إنّ المصنف ذهب إلى أئه يطلق عليها هذا بدون سورة، ولولاه لقدّم الشفاء على الشافية وفيه نظر، وقد ورد في البخاري أيضا تسميتها سورة الرقية، وهو قريب مما هنا والحديث الذي ذكره المصنف (2) صحيح أخرجه البيهقي، والدارميّ، وغيرهما، إلا أنه قيل عليه إنه لا يدل على تسميتها بذلك إذ لا يدل قولنا زيد كاتب على غير اتصافه، وصدق كاتب عليه، وأمّا تسميته به فلا، وقريب منه ما قيل

الحديث إنما يدل على أنها شفاء في نفس الأمر وأنه أطلق عليها الشفاء شرعا، وليست التسمية هنا بمعنى الإطلاق إلا أن يقال وضمع الاسم ثبت بالنقل عن الثقات، ولا حاجة لدعوى الاجماع كما قيل، فالحديث إنما ذكر لبيان سند ما نقل ولا ثبات الباعث على التسمية به. قوله: (والسبع المثاني الخ) السبع منصوب. وقوله: (لآنها الخ) علة لتسميتها سبعا، وفيه أنه ذكر في التيسير أنها ثمان آيات عند الحسن البصريّ وست آيات في قول الحسن الجعفي، وقد نقل عن بعضهم أنها تسع أيضا فكيف يتأتي دعوى الإتفاق أو الإجماع المذكور في كثير من التفاسير وعليه المصنف فقيل أراد اتفاق الجمهور ومن يعتد به فخلاف غيرهم بمنزلة العدم، ومخالفة واحد أو اثنين تسمى خلافا لا اختلافاً، فلا يخرج بها الحكم بكونه متفقا عليه، وقيل المراد اتفاق القرّاء، وقيل اتفاق الحنفية، والشافعية وما له لما مرّ فلا وجه لردّه به، وقيل: إنه لا خلاف فيه والزيادة وأخرجه الديلمي 4385 والبيهقي في الشعب كما في الدر 1 / 22 من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ " فاتحة الكتاب شفاء من السم ". وللحديث شواهد أخرى انظر الدر المنثور 1 / 22- 23. والنقص وهم من الراوي لأنه لما رأى عد {أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} آية ظن أنه في الباقي مع غيره ولما رأى عدّ التسمية فيه كذلك، وهو مراد المصنف بقوله إلا أنّ الخ وفي قوله: {أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} تسامح أي {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ} الخ لظهور أنّ الموصول بدون صلته، والمضاف بدون المضاف إليه لا يعد آية فمبدؤها معلوم وانما الخلاف في آخرها قوله: (ومنهم من عكس) أي عد أنعمت عليهم آية دون التسمية والمناسب لما جعل عكسا له أن يكون المراد أنه جعل التسمية جزأ من آية كما ذهب إليه البعض، فيلزمه عدم التعرّض لمذهب الحنفية وهو أنّ التسمية خارجة عن السورة. وقوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} آية وقوله {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} آية أخرى، وان لم يحمل عليه يلزم عدم التعرّض لبعض المذاهب وأمره سهل إذ ليس في كلامه ما يدل على الانحصار قيل: ولا يبعد أن يجعل قوله: ومنهم من عكس إشارة إليهما على أنّ المراد بعدم جعل التسمية آية ما يتناول خروجها عنها وجعلها جزأ منها وليس في القرآن سورة آياتها سبع غير الفاتحة، وسورة أرأيت. قوله: (وتثني في الصلاة الخ) أي تكرّر وأصل معنى ثني الشيء ردّ بعضه على بعض. قال الراغب سمي القرآن مثاني لأنه يثني على مرور الأوقات، ويكزر فلا يدرس وينقطع، ولا تنقضي عجائبه، ويصح أن يكون من الثناء لأنه يثنى عليه، وعلى من يتلوه ويعمل به وجوّز فيه أن يكون جمع مثنى كمرمى أو مثنى مشدّد النون أو مثنى مخففاً مته، وكلها مع هاء التأنيث وبدونها، والجمع بالنظر للآيات، وهذا بيان لإطلاق المثاني عليها وهي من التثنية، وقد فسرت هنا بالتكرير ولا يرد أنها تثلث في المغرب، وتربع في الرباعية مع أنه اقتصار على الأقل، فلا ينفي الزيادة، ولا ترد الركعة الواحدة، وصلاة الجنازة لأنّ المراد المتعارف الأغلب من الصلاة، وغير المصنف عبارة الكشاف وهي قوله: تثني في كل ركعة وهي عبارة مأثورة عن عمر بن الخطاب رضي الله عته، وقد أورد عليها أنها تثني في الصلاة لا في الركعة وأجيب عنه بأنه مجاز مبالغة في أنّ كل صلاة فعلة واحدة كركعة أو أنها تكرّر في كل ركعة بالقياس إلى أخرى، وقيل: في للمصاحبة أي تثني مع كل ركعة، ويفهم منه عرفا أنّ كل ركعة تثني معها كما إذا قيل فلان يأكل مع كل أحد لا يفهم مته إلا أنه يأكل مع كل أحد يأكل معه، وهذا مع كونه تكلفا بارداً زعم قائله أنه أحسن الوجوه وأولاها، وقيل الأشبه أن يراد بيان محل التكرير على معنى أنّ الفاتحة تكرّر في كل الصلاة بحسب الركعة لا بحسب أركانها كلها، كالطمأنينة ولا بحسب ركعتين ركعتين كالتشهد في الرباعية ولا بحسب كل صلاة كالتسليم، فإن تعددت الركعة تعدّدت الفاتحة والا فلا كأنه قيل تثني باعتبار الركعة واعترض عليه بأنّ هذا المعنى، وان كان واضحاً في نفسه إلا أنّ دلالة هذه العبارة عليه في غاية الخفاء ويردّ بأنّ مراده أنّ لفظ في ههنا، كما في قولهم يستعمل في وضع الشرع لكذا بمعنى أنه مستعمل بحسبه، واعتباره وهو واضح، وان خفي عن الفاضل المعترض (وأقول) هو لم يخف عليه كيف وهو أبو عذرته كما حققه في شرح العضد في قول ابن الحاجب الحقيقة اللفظ المستعمل في وضع أوّل حيث قال: هذا يحتاج لتمهيد مقدمة وهي أنّ في ليس ظرفاً للاستعمال تحقيقا، بل تقديراً، فإنه لما تعلق بالمعنى تعلقا مخصوصا صار كأنه ظرف للاستعمال محيط به، ولا شك أنّ الاستعمال متعلق بالوضع ناشىء عنه بحيث يتصوّر فيه ظرفية تقديرية، فكما يقال

استعمل اللفظ في معنى كذا بناء عليها يقال استعمل في وضع كذا أيضاً لأنّ مآل الظرفية هنا إلى تعلق خاص تستعمل فيه اللام كثيراً وان كان في أكثر وههنا أيضاً ما لها إلى السببية والباء فيه أكثر وفي تستعمل فيه أيضاً نتهى وليس إنكار خفائه وتكلفه مسموعا وان لم تنكر صحته فكيف يعترض عليه بما مرّ وليس الغافل إلا المعترض، ثم إنّ، الظرفية المجازية به إنما تظهر وتحسن إذا لم يكن مقارن في صالحاً للظرفية الحقيقية كما في التوضيح فليس وزان في كل ركعة وزانها في قوله المستعمل في وضع أول فتأمل، ثم قال: والذي أدّى إليه الخاطر القاصر أن اضطرابهم في هذه العبارة إنما نشأ من حمل الظرفية على اللغوية المتعلقة بتثني وهو مستقرّ، والتقدير تثني واقعة في كل ركعة، وقال بعض علماء العصر: لا يخفي ما فيه. أمّا أوّلاً: فلأنه مع التقدير فيه لا فائدة فيه بالنظر لهذا المقام لتعزضه للوقوع في الركعة والكلام في بيان تكرارها وليس هذا قيد للتكرار بل خارج عنه. وأمّ ثانياً: فلأنه لا يصح قوله باعتبار كل ركعة إذ الصحيح أن تكرارها باعتبار تعذد كل ركعة وفهمه من هذه العبارة في غاية الخفاء كما قاله السيد السند رحمه الله والمعترض لم يفهم مراده وفيه بحث وقيل إنه لا يبعد حمل العبارة على التضمين أي تثني مقروأة في كل ركعة وقيل يرد عليه أنه مع الاستغناء عنه فاسد لظهور أنّ التكرار ليس في حال القراءة في كل ركعة، بل في حال القراءة في الركعة الثانية والثالثة والرابعة، فإذا قلنا زيد يقوم في زمان قيام كل واحد من القوم لا يفهم منه إلا أن يكون قيام زيد مقارنا لزمان قيام كل واحد لا لزمان قيام المجموع من حيث هو مجموع فافهم. قوله: (أو الإنزال) عطف على الصلاة إلا أنّ العامل وهو تثني لا يظهر تعلقه به لأن تثنية الإنزال قد وقعت فعاملها فعل ماض لا مضارع، ففي هذه العبارة خلل ظاهر، ولذا قيل إنّ تثني للاستمرار بالنسبة إلى الصلاة وماض بالنسبة إلى الإنزال والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة وحكاية الحال الماضية بناء على وأي المصنص رحمه الله في جواز إرادة معني اللفظ معاً أو على عموم المجاز بأن يراد مطلق الزمان الشامل للماضي وغيره يعني أنّ المضارع لدلالته على الحال الحاضر الذي من شأنه أن يشاهد قد يذكر ليستحضر به ما مضى، فيستمر وتثني لاستحضار التسمية المعللة بالتثنية ولا يفعل ذلك إلا بما يهتم بمشاهدته لغرابته أو فظاعته، كما ذكره أهل المعاني، وهو مجاز، ولذا لما لزم المصنف الجمع بين الحقيقة، والمجاز أشار المحشي إلى دفعه بما ذكر ولا يخفى بعده لاختصاصه بما يستغرب ولا غرابة هنا، والأقرب عندي أن يقال إنّ المراعى تحقق الاستقبال وغيره زمان الحكم لا زمان التكلم كما حقق في كتب الأصول والتسمية مقدمة على تثنيتها في الصلاة، وكذا على تكرار الإنزال لأنها توقيفية، فإن كان الواضع هو الله في الأزل فاستقبال الإنزال ظاهر وان كان الرسول صلى الله عليه وسلم، فالتسمية في أوّل النزولين وتكرر النزول إنما يتحقق بالثاني فهو مستقبل من غير تكلف لتقدير متعلق أو عطف معمول ماض على معمول مستقبل، وأمّا كونه من قبيل. *علفتها تبناً وماء باردا* فلا يخفى برودته وركاكته مع أنهم لم يذكروه إلا مع اختلاف الحدثين دون الزمانين وان كان القياس لا يأباه فتدبر. قوله: (إن صح أنها نزلت بمكة) هذا بناء على جواز تكرّر النزول وهو في الآيات متفق عليه وفي السورة مختلف فيه، فأنكره بعضهم مطلقاً لعدم الفائدة فيه قيل ولذا قال المصنف: إن صح واستدل المنكر له بأنّ نزوله ظهوره من عالم الغيب إلى الشهادة والظهور به لا يقبل التكرر فإن ظهور الظاهر ظاهر البطلان كتحصيل الحاصل وايجاد الموجود ويرد بأنه ليس من هذا القبيل، وفي منازل السائرين من توإضع للدين لم يعارض بمعقول منقولاً، ولم يتهم دليلاً، ولم ير إلى الخلاف سبيلاً، وقال الزركشي في البرهان: قد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه وتذكيرا عند حدوث سببه خوفاً لنسيانه وفي جمال القراء للسخاوي فائدة نزول الفاتحة مرتين أنها نزلت أوّلاً على حرف، وبعده على آخر كملك ومالك، ويجري هذا في وجوه القرا آت وقد قيل إنها نزلت مرّة أخرى بعد تحويل القبلة ليعلم أنها ركن في الصلاة كما كانت وقيل: نزلت مرّة بالبسملة، وأخرى بدونها، واستحسنه ابن حجر والجزري، وبه جمع بين المذاهب، والروايات وسقط ما قاله المعترض من أنه لا فائدة في تكرر النزول، وذهب الغزالي رحمه الله إلى أنه ليس في القرآن

مكرر أصلاً لأنه يفسر بمعان مختلفة وما توهم من أنه لو تكرّر نزولها كانت أربع عشرة آية توهم باطل ومعنى قوله إن صح الخ إن صح مجموع هذين الأمرين لأنه لا تردّد في نزولها بمكة ولذا قيل لو قال إن صح أنها نزلت بالمدينة لما حوّلت القبلة وقد صح الخ كان أوضح وأخصر، وقد علم مما مرّ أنّ في تكرّر النزول مذاهب. قوله: (وقد صح أنها مكية الخ) هذا قول ابن عباس وأكثر الصحابة والمفسرين والمراد بكونها مكية أنها نزلت بمكة لأنه أشهر معانيه كما سيأني وقيل: إنه لم يقل نزلت بمكة لأنه ليس بصدد إثبات ما في الشرطية بل بصدد بيان كون السورة مكية باصطلاح المفسرين وأمّا القول بأنها مدنية وهو قول مجاهد فقد قيل إنه هفوة منه والقول بأنّ بعضها مكي وبعضها مدنيّ في غاية الضعف، وكون المراد بالسبع المثاني في الحجر الفاتحة عليه أكثر المفسرين، وقد ورد التفسير به مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري وقيل هي السبع الطوال وقيل الحواميم وقيل غير ذلك، فإن قيل اسمها السبع المثاني والواقع في الآية سبعا من المثاني فلم جعلت عين المثاني قيل من في الآية بيانية فمؤداهما واحد لأن الجار والمجرور صفة والمعنى سبعاً هي المثاني مع أنّ كونها مثاني مخصوصة لا ينافي كونها بعضا من مطلق المثاني وكونها مكية بالنص على ما في بعض النسخ وقد سقط من بعضها، وأورد عليه أنّ المكية والمدنية إنما يعلم من الصحابة والتابعين لا بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أمر لم يؤمر به ولا يلزم بيانه؟ " ضاسخ والمنسوخ كما نقله في الإتقان، وفيه أنه لا مانع من نقله عنه عليه الصلاة والسلام كان يقول بمكة أو بالمدينة بملا من الصحابة (أنزل علئ اليوم أو الساعة كذا) ثم ينقل ذلك عنه عليه الصلاة والسلام وقد وقع مثله وقيل المراد بالنص هنا نص العلماء أي تصريحهم بأنها مكية فهو بالمعنى اللغوي، والنص له معان منها اللفظ المفيد لمعنى لا يحتل غيره ويقابله الظاهر، ومنها ما يقابل القياس والإجماع والاستنباط فيراد به أدلة الكتاب والسنة، ويطلق في الفروع على ما يقابل التخريج أي القول المأخوذ من النعى، كما قاله ابن أبي شريف رحمه الله، وقيل إنه هنا بمعناه المتعارف، فإنّ ما قبلها وما بعدها إلى آخر السورة في حق أهل مكة، وظاهر أن الله لم يمن على النبي صلى الله عليه وسلم بإتيانه السبع المثاني بمكة ثم نزلها بالمدينة، وما قيل عليه من أنه لا بعد في الإمتنان بما هو محقق الوقوع قبل وقوعه لبيان شأنه، وقد وقع قوله. {إِنَّا فَتَحْنَا} [الفتح: ا، الآية والمجاز المتعارف يساوي الحقيقة في جواز الإرادة فلا يعترض عليه بأنّ الأصل الحقيقة سقوطه في غاية الظهور لأنه لا يدفع الظهور، وأمّا بعد صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب، وفرض الصلاة كان بمكة ففيه أنه أمر ظني مستقل في إثبات مكيتها خارج عن الاستدلال بالآية والكلام فيه، وقيل المراد بالنص صريح النقل عن الصحابة لأنه ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكلام الصحابة فيما لا اجتهاد فيه له حكم المرفوع، فلذا أطلق عليه النص، وبما ذكرناه علم حال ما قيل من أنا لا نسلم أنّ المراد بالسبع المثاني في الآية الفاتحة للاختلاف في تفسيرها وكون آتيناك فيها من قبل، ونادى أصحاب الجنة، وأنه لو سلم لا ينافي نزولها مرة أخرى بالمدينة ولا يخفى عليك أنّ كون ما قبلها، وما بعدها في حق أهل مكة إنما يكون مؤيداً على القول بأنّ المكي ما كان في حق أهل مكة، والمشهور خلافه، وكون سورة الحجر نزلت بمكة بعد الفتح لم يقل به أحد، وفيه نظر، وفي الوجيزأنّ ترتيب السور، ووضع الشملة في أوّلها بوحي له عليه الصلاة والسلام، ولو كان من الصحابة لكان بحسب النزول، ولا خلاف في ترتيب الآيات، وقال ابن عطية: إن زيدا رضي الله عنه لما جمع القرآن في المرة الأولى جمعه غير مرتب السور، ونقل عن القاضي أن ترتيب السور اليوم من تلقاء زيد رضي الله عنه مع مشاركة عثمان رضي الله عنه، ومن معه في المرة الثانية، وذكر نحوه مكي أيضا والصحيح أنه بوحي له عليه الصلاة والسلام في العرضة الأخيرة. بسم الله الرحمن الرحيم ويقال لمن قال بسم الله الرحمن الرحيم: بسمل بالنحت كحمدل وحوقل، وهو كثير في كلام العرب إلا أنه قيل إن بسمل لغة مولدة لم تسمع من النبيّ لمجيرو، ولا من فصحاء العرب والمشهور خلافه، وقد أثبتها

كثير من أهل اللغة كابن السكيت والمطرزي، ووردت في قول عمر بن أبي ربيعة: لقد بسملت ليلى غداة لقيتها فياحبذاذاك الحديث المبسمل قوله: (من الفاتحة الخ) في البسملة في غير النمل، فإنها فيها بعض آية بالاتفاق أقول عشرة. الأوّل: أنها ليست آية من السور أصلأ. الثاني: أنها آية من جميعها غير براءة. والثالث: أنها آية من الفاتحة دون غيرها. الرابع: أنها بعض آية منها فقط. الخامس: أنها آية فذة أنزلت لبيان رؤوس السور تيمنا، وللفصل بينها وهذا وإن ارتضاه متأخرو الحنفية لا نظير له إذ ليس لنا قرآن كير سورة، ولا بعض منها. السادس: أنه يجوز جعلها آية منها وجعلها ليست منها بناء على أنها نزلت بعضاً منها مرّة، ولم تنزل أخرى لتكرّر النزول استقلالاً أو لمدارسة جبريل له عليه الصلاة والسلام في كل عام، وهكذا سانر القراآت وهو المشار إليه في حديث: أنزل القرآن على سبعة احرف كلها كاف شاف وهذا أغربها، وكان ابن حجر يرتضيه، ويقرّره في دروسه، ويدفع به الاعتراض بأنّ القرآن فطعيّ التواتر، فكيف يصح إثباته، أو نفيه، بدونه، فيقول: إثباتها ونفيها حينئذ متواتران كسائر القراآت، وقد نقله القرّاء كأبي شامة وغيره، وأطنب في تحسينه السيوطي في حواشيه، فإن قلت لو سلم هذا لجاز على سائر المذاهب الجهر بها وعدمه ولا قائل به، وأيضا لم يعهد في وجوه القرا آت اختلاف في الآيات بل في الحروف وهيآتها، ووقع في بعض حروف المعاني، وهذا سرّ التعبير عن القرا آت بالأحرف في الحديث وتقليلها، وان اندفع به الاعتراض بأنه قرىء بالبسملة في السبعة، وهي متواترة فيما عدا الأدأء، فكيف صح تركها قلت: هذا غير وارد، فإنه يجوز ترجيح أحد المتواترين، وان لم يبلغ غيره مرتبته مع تواتره كما في وجوه القرا آت السبعة، وكونه خلاف المعروف يبعده ولا يبطله. والسابع أنها بعض آية من جميع السور كما نقله السيد رحمه الله والثامن أنها آية من الفاتحة وجزء آية من السور. والتا سع: عكسه. والعاشر: أنها آية فذ وان أنزلت مراراً، وعلى هذا اختلف الأداء وبنوا علية فصلها ووصلها وتركها، فابن كثير وعاصم والكسائي يعتقدون أنّ البسملة آية من كل سورة الفاتحة وغيرها وقرّاء المدينة، وأبو عمرو يرونها آية من الأوائل وحمزة يراها آية من الفاتحة فقط كما تاله الجعبري. والمصنف سكت عن سائر السور، فلا ينافيه أنّ قزاء مكة ومن تبعهم ذهبوا إلى أنها آية من كل سورة مصدرة بها، وكلامه شامل لكونها آية وبعض آية، وقرّاء مكة ابن كثير ورواته، والكوفة عاصم وحمزة والكسائي ورواتهم، والمدينة نافع ورواته، والبصرة أبو عمرو ويعقوب ورواتهما والشام ابن عامر ورواته، ومالك من فقهاء المدينة، والأوزاعي هو الإمام عبد الرحمن الشامي منسوب للأوزاع، وهي قبيلة معروفة، وذكر مالك والأوزاعي من ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على جلالته. قوله: (وفقهاؤهما) كذا هو في كثير من النسخ بالتثنية رجوعا إلى البصرة، والشام فقط دون المدينة. وفي الكشاف: وفقهاؤها بضمير الجمع للجميع، وتعقبه البلقيني بأنه يقتضي اتفاق أهل المدينة عليه وليس كذلك، فإنّ جماعة من فقهاء المدينة من الصحابة والتابعين كابن عمر والزهري وغيرهما يرونها آية من الفاتحة وغيرها، فكأن المصنف رحمه الله غير عبارته إشارة إلى إصلاحها بذلك، وفي بعض النسخ فقهاؤها كما في الكشاف، وقدّم كونها من الفاتحة على خلافه ترجيحاً لمذهبه، ولذا عكسه الزمخشري. قوله: (ولم ينص أبو حتيفة الخ) ضمير فيه يرجع إلى كونها من الفاتحة المعلوم من السياق، وهي المراد بالسورة لحضورها أو كل سورة، ولما كان المصنف رحمه الله شافعيا قائلاً بمفهوم المخالفة مع أنه مراعى في الروايات وعبارات المصنفين، ومفهوم قوله لم ينص أي لم يصرّح أنّ في كلامه إشارة، وتلويحا يورث الظن كاخفائها في قراءة الصلاة، فصح تفريع قوله فظن عليه فلا يرد عليه أنّ عدم النص على الشيء نفيا واثباتا لا يتسبب ويتفزع عليه ظن عدمه، ولا حاجة إلى ما قيل إنه بناء على أنه من أهل الكوفة الذاهبين إلى كونها من الفاتحة كما مر، فسكوته يشعر بمخالفته لهم لما تقرّر في الأصول من أنّ السكوت في موضع الحاجة إلى البيان بيان ولا مرية في أنّ هذا موضعه، وأورد عليه أن سكوته يجوز أن يكون احترازاً عن الخوض فيما لا دليل عليه كما ذهب إليه الإمام أو لتعارض أدلته، واقتصر على الظن دون

نفي القرآنية رأسا لأنه أدنى مراتب الخلاف مع قيام الأدلة على قرآنيتها، وكذا ذهب بعض الحنفية إلى أن الصحيح أنها آية فذة أنزلت للفصل أو لبيان أوائل السور فلا يرد عليه الفاتحة حتى يقال هو بالنسبة لعود الخاتم إلى الصدر. وقوله: (ليست من السورة عنده) يحتمل القولين وقيل الفاء لمجرّد تأخر الظن عن عدم النص، وسبب الظن أمر بالإسرار بها، وقال الكرخي: لا أعرف هذا المسألة بعينها لمتقدمي أصحابنا إلا أن أمرهم باخفائها يدل على أنها ليست من السورة، وقيل: إنه لم ينص فيها بشيء ظن أنه أبقاها على أصلها من العدم حتى يظهر الثبوت وقيل: ظن في هذه العبارة ليس فعلاَ مجهولاً بل مصدر منوّن مرفوع لأنه خبر أنّ مقدم والمراد تزييف نسبته إليه، والردّ على الزمخشري في قوله: إنه مذهب أبي حنيفة تلميحاً لقوله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (قلت) وهو من بعض الظن أيضا. وما في الكشاف: إن لم نقل أنه ظفر برواية عنه بناء على إطلاق مذهب أبي حنيفة على ما يشمل كلام أصحابه كما هو المتداول بينهم. فمان قلت: كيف يصح القول بأنها ليست منها وأن أبا حنيفة لم ينص فيها بشيء مع أنّ محمد بن القاسم، والبرهان الكافي وغيرهما نقلوا عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى إيجابها في الصلاة، حتى قال الزيلعي رحمه الله: يجب سجود السهو بتركها، ونقل عن المجتبى وجوبها في كل ركعة قلت: قال أستاذي المقدسي في كتاب الرمز عن شرح المختار لشيخه السمديسي: إنها ليست بواجبة فقد حكى المحققون كالإمام أبي بكر الرازي والكاشافي وغيرهما أن الخلاف في السنية لا في الوجوب، وقال بعض المحققين: القول بوجوب البسماة ليس له أصل في الرواية وما نسب إلى أبي حنيفة من الخلاف في الوجوب من طغيان اليراع، وكذا ما ذكره الزيلعي ويلزم مما ذكر أنها ليست آية من غيرها أيضاً إذ لا قائل بأنها آية من غير الفاتحة فقط قوله: (وسئل محمد الخ) الدف والدفة بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء الجنب من كل شيء، ودفتا المصحف جانبا جلده المتضمن له ونحوه وهو أيضاً لم ينص على نفي، وإثبات تأدّيا وان كان المراد قرآنيتها، والمراد المصاحف العثمانية القديمة المتداولة، فلا يرد كتابة القنوت في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه. فإدط قلت: ما بين دفتي المصحف صور الألفاظ ونقوشها وكلام الله إمّا لفظيّ أو نفسيّ فما وجه إطلاقه عليها. قلت: في المواقف أنّ الكلام يطلق بالاشتراك عليها وعلى صور الألفاظ، والصور دلائل ألفاظ القرآن، ولشذة الامتزاج يقال لها قرآن انتهى وأورد عليه أنه كلام متناقض، لأنّ قوله بالاشتراك يقتضي أنه حقيقة، وقوله لشدة الامتزاج يدل على أنه مجاز، وهو من إطلاق الدال على مدلوله، وفي قوله لشذة الامتزاج تسامح ظاهر، ورذ بأنه لا منافاة لأنه مجاز بالعلاقة المذكورة شاع فصار حقيقة عرفية، ولما قال محمد: هذا قيل له لم نسرّ بها فلم يجب إشارة إلى أنه أمر تعبدي لا ينبغي الخوض فيه، وما قيل في توجيهه من أنّ نزولها للفصل والتبرك ولا يلزم أن يثبت لها سائر أحكام القرآن، أو هي لقوّة الشبهة في قرآنيتها في أوائل السور ألحقت بالأذكار، والأصل فيها استحباب الإسرار فسكوت محمد رحمه الله أبلغ منه، فإنها كيف تكون للفصل، وهي في الابتداء، ولو قيل بالتبرك وحده، فهو لا يدري مع الإخفاء، والحاق القرآن بالأذكار فيه عبرة لأولى الأبصار فتدبر. قوله: النا أحاديث كثيرة الخ) أي يدل لنا، والأحاديث جمع حديث لا أحدوثة على خلاف القياس والضمير لأصحاب المذهب الأوّل، وقد عرف اًن منهم من يقول بكونهم بعض آية من السور، وان لم يذكره المصنف، كما أنّ منهم من يقول بكونها آية من كل سورة وهم المذكورون على ما في الكشاف وشروحه. فمجموع الفريقين يستدل على المدعى الأعمّ المشترك بالحديثين على التوزيع أي من يقول بكونها آية من كل سورة يستدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه على جزء دعواه وهو المعنى الأعم، ومن يقول بكونها بعض آية من السورة يستدل بحديث أم سلمة رضي الله عنها عليه، وما قيل. من أنّ الاستدلال على جزء المدعى بما ينافي الكل غير مستحسن خصوصا عند الحاجة إلى ارتكابه لا وجه له إذ عدم المنافاة ظاهر، وأما الإجماع والوفاق مع المبالغة في التجريد فلنمي مذهب المخالف إذ لا يلزم من كونها كلام الله بل من القرآن كونها من الفاتحة، ونقل عن المصنف هنا حاشية، وهي هذان الدليلان يدلان على أنها من القرآن

لا أنها من الفاتحة اللهم إلا أن يضم إلى الدليل الأوّل في كل محل أثبتت فيه، والى الثاني عما ليس بقرآن في محله والقيدان في حيز المنع انتهى. وأنت تعلم أنه على تقدير تسليم القيدين لا يلزم كونها جزأ من الفاتحة لجواز كونها قرانأ في صدر السورة، وليست جزأ منها، وكون القرآن مفصلاً سورا وسوره آيات فإذا كانت من القرآن كانت من سوره قطعاً ممنوع عند الخصم واذا حمل قوله ليست من السورة عنده على.، ذهب إليه المتقدمون لم يكن المصنف رحمه الله متعرّضا إلا لخلاف من قال: إنها ليست ص، القرآن أصلاً لا لمن قال إنها آية فذة فيلزم من قرآنيتها كونها من الفاتحة لعدم القاثل بالفصل إلا أنه إنما ينفع في إلزام الخصم لا في إثبات المدّعى وهذا تحقيق حقيق بالقبول، وإن كان هـ أعلى أنّ المراد بالسورة في كلام المصنف رحمه الله الجنس لا الفاتحة بقرينة مقابلة وتد مز، وتفصيله في المطوّلات، فاستدل الشافعيّ رحمه الله بهذا الحديث، وما ضاهاه، وتد قيل عاء4 إنه موقوف، وفي سنده ضعف، وهو معارض بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أ / " تعالى قال: < قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله حمدتي عبدي >) 3) الحديث. وما ذكر خبر واحد والمسألة مما يطلب هـ " اليقين. وأجيب بأنه روى من طرف أخرى تقوّى بها وأنّ له حكم المرفوع لأنّ مثله لا يقال. من قبل الرأي، وما رووه من الحديث القدسي مداره على العلاء بن عبد الرحمن وقد ضعمه الم، معين، وهو انفرد بروايته مع احتماله التأويل بأنّ التقسيم لما يخص الفاتحة والبسملة مشتركة بينها وبين غيرها، وردّه ابن عبد السلام رحمه الله بأنّ ظاهره ليس بمراد، لأنّ الصلاة ليست مقسومة بالإجماع بدليل السورة المضمومة بل بعض القراءة، فالتقدير قسمت بعض قراءة الصلاة، وبعض قراءة الصلاة لا يستلزم الفاتحة فالمقسوم بعض الفاتحة، ونحن نقول به انتهى. وفيه نظر بعد، وكونه مما يطلب فيه اليقين قول القاضي أبي بكر الباقلاني، وقد خالفوه حتى قال القرطبي رحمه الله المسألة اجتهادية ظنية لا قطعية، كما ظنه بعض الجهلة من المتفقهة. ) أقول (فيه إنّ القرآن على المشهور إنما ثبت بالتواتر وهو قطعي، فكيف يقال إنّ المسألة ظنية ويجهل من قال بقطعيتها وقد أجيب بأنّ المتواتر كونه منزلاً من عند الفه للإعجاز بنوعه وقرآنيته وأمّا كونه جزأ منه في بعض معين فليس بمتواتر والا لم يسمع الاختلاف فيه، وتحقيقه كما في تفسير السمين المسمى بالوجيز أنّ الأحاديث تدل على أنّ البسملة آية من الفاتحة، وهي متعاضدة محصلة للظن القوي بكونها قرآنآ والمطلوب هنا الظن لا القطع خلافاً لأبي بكر الباقلاني حيث قال: لا يكتفى هنا بالظن، وشنع على الشافعية، وقال: كيف يثبت القرآن بالظن، وأنكر عليه الغزالي رحمه الله، وأقام الدليل على الإكتفاء بالظن، فيما نحن فيه كحديث كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف ختم السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم (1 (والقاضي معترف بهذا، ويتأوّل على أنها كانت تنزل، ولم تكن قرآناً، وليى كل منزل قرآنا قال الغزالي رحمه الله ما من منصف إلا وششبرد هدّا التأويل ويضعفه انتهى. (أقول (هذه مسألة أصولية اختلف فيها وحاصلها أنه هل يكفي فيما نحن فيه الظن لأنّ التواتر إنما يشترط فيما يثبت قرآناً على سبيل القطع كغيرها من القرآن فأما ما يثبت قرآنا على سبيل الحكم فيكفي فيه الظن كما مرّ عن الغزالي ومعنى كونه على سبيل الحكم أنّ له حكم القرآن مبن الكتابة بين الدفتين ووجوب القراءة وهو الأصح عند الشافعية وذهبت الحنفية إلى أن كل ما يشمى قرآنا لا بد فيه من القطع والتواتر في نفسه ومحله كما في سورة النمل، وما بين السور ليس كذلك فحيث انتفى ذلك انتفت القرآنية والشافعية مختلفون في هذه المسألة، فمن ذاهب إلى المنع على الأصح عندهم، ومن ذاهب إلى التسليم مذع لثبوت موجبه لأنّ اثباتها في جميع المصاحف في معنى التواتر وانما لم يتواتر تسميتها قرآنا، وآية بالنقل عنه عليه الصلاة والسلام إذ لو تواتر لكفر جاحدها، وهو لا يكفر بالاتفاق بينهم، ولا ضير فيه إذ لا يلزم من انتفاء تحققه تحقق انتفائه، وهو المذعى لهم. قوله:) وقول أمّ سلمة الخ) هي أمّ المؤمنين رضي الله عنها من كبار الصحابة وسلمة بفتح السين المهملة واللام والميم، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الطبراني وابن مردوية والبيهقي وصحح الدارقطني ما يفيد معناه وحديث أمّ سلمة رضي

الله عنها لم يثبت بهذا اللفعل، وانما الوارد في طرقه أنه عد البسلمة آية وصحح البيهقي بعض طرقه، وتفصيله في حاشية السيوطي رحمه الله، وقد طعن الطحاوي فيه بأنه رواه ابن مليكة ولم يثبت سماعه منها مع أنه روى عنها ما يخالفه. وأجيب: بأنّ له حكم الاتصال لأنه تإبعي أدركها وعدم السماع خلاف الأصل وقد روى الشيخان ما يعارضه من حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح القراءة بالحمد لله رلث العالمين وتأويله بأنّ معناه يفتتح القراءة بهذه السورة لأنه علم لها خلاف الظاهر، وقد رووا أحاديث كثيرة تؤيده، وقد حمل النفي الواود على نفي السماع والجهر، وقيلى: إنّ عليا رضي الله عنه كان مبالغاً في الجهر فشدد بنو أمية في المنع منه إبطالاً لآثاره، واضطراب رواية أنس فيه لا يبعد أن يكون لخوف بني أمية، ولا يخفى فساده لما فيه من سوء الظن بالسلف، وقول الدارقطني: لم يصح في الجهر حديث يشهد على فساده وما قيل من أن الخلاف في التسمية ينفي تواتر القرآن، فلا بد من القول بعدم جزئيتها حتى يكون القرآن متواتراً ردّ بما في النشر من أنّ هذا الاختلاف كاختلاف القراآت بالزيادة والنقص، ولكنها عند الجمهور ليس لها حكم القرا آت في جواز الترك احتياطا ليحصل الخروح من فرض الصلاة يقينا. قوله: (ومن أجله الخ (بإفراد الضمير أي من أجل اختلاف الرواية، أو من أجل ما ذكر، وفي بعض النسخ من أجلهما بضمير التثنية أي من أجل الروايتين أو الحديثين، فإن قلت: الحديثان متعارضان، وليس هذا مما يقع فيه النسخ حتى يقال: المتأخر ناسخ للمتقدّم ما لم يمكن الجمع بينهما. قلت: قد جمع بينهما بأنّ أمّ سلمة فهمت كونها بعض آية من الوصل والوقف على العالمين، وهو لا يدل على ذلك مع أنّ حديث أمّ سلمة لم يصح بهذا اللفظ، كما في الإتقان. قوله: (والإجماع على أنّ الخ) هو مرفوع لعطفه على أحاديث أو لأنه مبتدأ خبره على أنّ الخ. قيل: من المخالفين من نفي كونها من الفاتحة، ومنهم من نفى كونها في أوّل السورة قرآنا، والمصنف أراد أن يصرح برد كل منهما فأتى بالأحاديث لرد الأوّل وبالإجماع لردّ الثاني والإجماع المشهور قول وفعل، والأوّل أقوى ولذا قدّمه وعبر عن الثاني بالوفاق، وأورد عليه أنهما لا يثبتان كونها جزأ من الفاتحة لما مرّ، وجوابه يعلم مما قدمناه، والمراد بالمصحف هنا المصحف العثماني، وما جرى على وسمه من المصاحف القديمة، وهي مجردة عن أسماء السورة وغيرها فلا يرد أنه يكتب في المصاحف أسماء السور وعدد آياتها، وكونها مكية أو مدنية ولو أطلق، فالمراد بما فيه ما فيه احتمال القرآنية، وهذه خارجة بالإتفافي، والمخصص عقلي فبقي الثاني على عمومه قطعاً وثبت بحجة قطعية أو أمر ظني كما مرّ، فلا يرد أنّ العام إذا خص منه البعض لم يبق حجة قطعا ولا حاجة إلى الجواب بأنه مميز بكتابته بلون آخر أو خط آخر، وما نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه من أنّ الفاتحة والمعوّذتين ليست من القرآن لا أصل له، وأن اذكر في مطاعن القرآن من الكلام. قوله: (مع المبالنة في تجريد القرآن الخ) يعني أنّ الإجماع والإتفاق المذكورين مع المبالغة ني تجريده بحسب الظاهر يقتضي أنها من القرآن في ذلك المحل، والمخالف فيه لا يسلمه ويقول: إنه إنما يقتضي أنها قرآن وأمّا كونها من السورة، فلا ولا يرد أنه لا نزاع في هذا الإجماع، فكيف جاز للحنفية مخالفته، وقد روى عن ابن مسعود رضي الله عنه جرّدوا القرآن، ويروى جرّدوا المصاحف أخرجه عبد الرزاق والطبراني عن ابن عباس وعن ابن مسعود أنه كان يكره التعشير في المصاحف، وقال البيهقي: المراد لا تخالطوا به غيره وعن قرظة بن كعب أنه قال لما خرجنا إلى العراق قيل: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدوقي النحل، فلا تشغلوهم بالأحاديث، فتصدوهم وجرّدوا القرآن كما في غريب الحديث. وفيه أنه يحتمل أمرين التجريد في التلاوة وأن لا يخلط به غيره والتجريد في الخط، والنقط والتعشير حتى قيل يكره نقطه وشكله وأوّل من فعل الأوّل أبو الأسود الدؤلي، وأوّل من فعل الثاني الخليل بن أحمد، والمتأخرون على أنه بدعة حسنة، وقيل: هو أمر بتعليم القرآن وحده دون غيره من كتب الله لتحريفها. قوله: (حتى لم يكتب آمين) غاية لتجريد القرآن عن غيره، لأنها أبعد أفراد ما ليس بقرآن عن عدم الكتابة لأنها مأمور بذكرها بعدها، ولذا قيل إنه دليل على السلب الكلي المستفاد من المبالغة في التجريد، وهو لا شيء مما ليس من

القرآن أذن في كتابته لأنّ أنسب الأشياء بالإذن آمين، فإذا لم يؤذن فيه كان غيره أولى، وقد قيل عليه لا نسلم هذا بل أنسب الأشياء مما ليس من القرآن البسملة، فإنّ من ذهب إلى أنها ليست من القرآن يقول أثبتت فيه للتبرك والفصل، والإذن من الشارع إلى غير ذلك مما لا يوجد في آمين ولا يخفى أنه محل النزاع 0 قوله: (والياء متعلقة بمحذوف الخ (تقديره أي تقدير المحذوف وحروف الجرّ تسمى حروث- الإضافة أيضاً وهي تفضي بمعاني الأفعال وما أشبهها، وما يفضي بمعناه يسمى متعلقا لها بفتح اللام وهي متعلقة بكسرها وقد يعكس ذلك، ثم قال: وسائر الظروف منها ما هو لغو، وما هو مستقرّ بفتح القاف لأن معنى العامل استقرّ فيه فهو من الحذف والإيصال، واختلف في تفسيرهما فقيل: اللغو ما يكون عامله مذكوراً، والمستقرّ ما يكون محذوفا مطلقاً، وقيل: المستقرّ ما يكون عامله عامّا من معنى الحصول والاستقرار، وهو مقدّر واللغو بخلافه كما في اللب، ويسمى مستقرّ التقدير معنى الاستقرار، والمفهوم من اللب وشرحه أنّ اللغو ما يكون عامله خارجا عن الظرف غير مفهوم منه سواء ذكر أو لا والمستقرّ ما فهم منه معنى عامله المقدر الذي هو من الأفعال العامة، ولما كان تقدير الأفعال العامة مطرداً اعتبره النحاة، وفسروا المستقرّ بما عامله محذوف عام وكائن المقذر هنا من كان التامة، وإلا تسلسلت التقديرات، كما قاله الفاضل الشارح، وتقديره خاصاً هنا لأنه أولى عند قيام قرينة الخصوص، وأتم فائدة وكون هذا لغواً أو مستقرّا علم مما ذكر، والحاصل أنّ متعلقه أما مذكور أو محذوف، وعلى الثاني مؤخر أو مقدم عام أو خاص، فعل أو اسم، مفرد أو جملة، ويضم له معاني الباء فتزيد احتمالاته على ثلاثين، واختار المصنف منها كونه فعلاً خاصاً مؤخرا، وفي الكشاف تقديره أقرأ أو أتلو إشارة إلى أنه لا يتعين هنا لفظ بل كل ما يؤذي هذا المعنى ولظهوره تركه المصخف فلا يتوهم أنّ الأحسن ذكره كما قيل. قوله: (بسم الله أقر " بلفظ المضارع ورجح بعضهم تقديره ماضيا لوروده كذلك كما في الحديث " باسم ربي وضعت جنبي " (1 (ومنهم من قدره أمرا وعن الفراء أنه قال المقدّر فعل أمر لأنه تعالى قدم التسمية حثا 4 للعباد على فعل ذلك، فالتقدير ابدؤا أو اقرؤا ورواه السيوطي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو المناسب لتعليم العباد الآتي. قوله: (لأن الذي يتلوه مقروء الخ) ضمير يتلوه للفظ التسمية، ومقروّ بتشديد الواو وتخفيفها قبل همزة لأنه يقال: صحيفة مقروّة ومقروأة ومقرية، والمراد بما يتلوه ما جعل التسمية مبدأ له، وفي الحواشي الشريفية فإن قلت: الأولى أن يقال لأنّ الذي يتلوه قراءة لأنّ المقصود افتتاح القراءة بالتسمية كما يدل عليه قوله وكذلك يضمر كل فاعل الخ قلت: المراد بتلو المقروّ تلو القراءة لاستلزامه إياه وانما ترك ذكره ودلّ عليه يتلو المقروّ رعاية للمجانسة بين التالي والمتلو إذا أمكنت، وبيانه أنّ البسملة يتلوها فيما نحن فيه شيئان. أحدهما: من جنسها ويتلو ذكره ذكرها وهو المقروّ. والثاني: من غير جنسها، ويتلو وجوده ذكرها، وهو القراءة، وتلو كل واحد منهما مستلزم تلو الآخر، فصرّح بتلوّ الأوّل ليفهم الثاني مع المحافظة على التجانس، وإنما قلنا إذا أمكنت الرعاية، لأن تسمية الذابح مثلاً لا يتلوها إلا الذبح لتبع وجوده لذكرها، وأمّا المذبوح فلا يتغ ذكرها لا في الوجود ولا في الذكر فلا يستقيم أن يقال ما يتلو التسمية مذبوح انتهى. فإن قلت على تقدير كونها من القرآن أو السورة كيف يتأتى تقدير أقرأ فعل المتكلم وهي متقدمة على قراءة هذا القارىء بل على وجوده وكيف يتأتى أن يقال القراءة قرينة لهذا المقدر، فينبغي أن يقدر اقرؤا من أمر الله للعباد ليتحد قائل الملفوظ، والمقدر، ويكون على نسق ما نطق به التنزيل. قلت: الظاهر أنه على هذا يقدر قبل قراءة كل قارىء ويكون إخباراً منه تعالى عما يصدر من عباده وليس المراد باقرأ متكلما مخصوصا، بل من يصح منه التكلم على حد قوله: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ} [الأنعام: 27] وبعد الوقوع ينوي كل بالضمير نفسه كما في الاستفتاح بقوله: " وجهت وجهي " الخ ومن هنا يتبين لك وجه جعل القرينة المقروّ دون القراءة، لأن ذلك القدر اقتضى تقديره في الأزل يدل عليه المقروّ قبل وجود القراءة، فعبر به المصنف رحمه الله بناء على مذهبه، والزمخشري ليشمل المذاهب فلا حاجة لما ذكره قدس سره ولا للاعتذار بأنّ القرينة اللفظية أظهر، ثم قوله إنّ المذبوح الخ إن أراد به

الشاة وإن لم تذبح، فمثله لا يسمى مذبوحا حقيقة، وان أراد بعد تعلق الذبح به، فكونه لا يليه في الوجود غير مسلم إذ المذبوح من حيث هو مذبوح تال له بلا مرية، فإن قلت مقدّرات القرآن هل هي منه حتى يطلق عليها كلام الله أم لا قلت: معانيها مما يدل عليها لفظ الكتاب التزاما للزومها في متعارف اللسان فهي من المعاني القرآنية، وأمّا ألفاظها فليست منه لأنها معدومة، ومنها ما لا يجوز التلفظ به أصلاً كالضمائر المستترة وجوبا، وأمّا جعلها مقدرة فامر اصطلاحي ادّعاه النحاة تقريبا للفهم، فانظره فإنه من الحور المقصورات في الخيام، ثم إنّ في جريان هذا التقدير على القول بأنها آية فذة، ولذا وقف عليها بعض القراء نظر أو بتفسير ما يتلوها بما مر مما قصد جعله تالياً لها، وجعلت مبدأ له، وان كان يقارنه غيره سقط ما قيل من أنّ الذي يتلوها، كما وقع عليه القراءة وقع كثير من الأفعال، ككونه ملفوظا ومحدثا ومؤلفا وغير ذلك، والمراد بقوله: كل فاعل الفاعل الذي جعل التسمية مبدأ لفعله بقرينة السياق لسقوط غيره عن درجة الاعتبار، والمراد بالإضمار معناه اللغوي أي أنّ كل فاعل يتصوّر ما هو بصدده من الأفعال، فالظاهر أن يقدر بحسب الصناعة ما يليق به، فلا يرد عليه ما قيل لا نسلم أنّ كل فاعل يضمر اللفظ المذكور بل يقصد المعنى، وينويه ولا حاجة إلى الجواب: بأن النفس تعوّدت ملاحظة المعاني، وأخذها من الألفاظ حتى تناجي نفسها بألفاظ متخيلة كما نقله السيد عن ابن سينا، وان كان هذا أمراً عقليا وجدانياً لا منطقيا اصطلاحيا كما توهم، ثم اختار مقروّا على متلوّ مع ما فيه من التجنيس حتى قيل: إنّ تقديره أحسن لما فيه من الإبهام المشوس لذهن السامع فما اختاره أظهر، وبمقام التفسير أنسب قوله:) وكذب يضمر الخ) أي كالقارىء الذي يضمر القراءة التي جعلت التسمية مبدأ لها يضمر الخ، وهذا تتميم للفائدة بوضع قاعدة مطردة كلية في تقدير كل متعلق باسم الله، وقد تبع 10 لمصنف في هذه العبارة الزمخشري، وفيها تسامح كما في عامة حواشيه، فإنّ التسمية جعلت مبدأ للفعل الحقيقي كالقراءة والحلول والإرتحال، والمضمر الفعل النحوي الدال عليه فلا بد من تقدير في الكلام في آخره بأن يقدر ما جعل التسمية مبدأ لمعناه أي معنى مصدره، وهو معناه التضمني أو في أوّله بأن يقدر لفظ ما تجعل التسمية مبدأ له وهذا مختار الشريف تبعا للشارح المحقق، وتبعه المحشون للكشاف وهذا الكتاب، وقد قيل عليه إنّ اعتبار الحذف قبل مسيس الحاجة إليه غير مرضي وهنا كما يحتمل أن يكون المراد بكلمة ما في عبارتهم المذكورة المعنى يحتمل أن يكون اللفظ، ووقوعها بعد قوله يضمر الخ يقتضي الثاني، فالأول الحمل عليه بلا تقدير، فإذا جاء قوله ما جعل التسمية الخ مست الحاجة للتقدير فيقدر فيه معنى، ويؤيده أنّ ما جعل التسمية مبدأ له الفعل الحقيقي أي القراءة، والمضمر فعل اصطلاحي، وهو أقرأ والقول بأن أقرأ لفظ للقراءة، كما اقتضاه تقديرهم غير متعارف بخلاف القول بأن القراءة معنى أقرأ اللازم لتقديرنا، فإن معنى اللفظ يراد به المعنى التضمني كثيرا، وقيل عليه أيضا إن هذا الإضمار إنما يحسن لو كان المقدر مصدراً، وقد يقال يجوز أن يراد بالإضمار الإخفاء في القلب لا الحذف، فيتعلق بالمعنى لكنه لا يلائم المشبه به، أو يجعل ما مفعولاً لفاعل، وفيه أنّ المقصود بالبيان التقدير، ولم يحصل إلا أن يقال علم من التشبيه، وقد يوجه بالاستخدام بأن يراد بلفظ ما اللفظ وبضميرة المعنى. (أقول) : ما ذهب إليه الشراح هو الأظهر، وكونه قثل الاحتياج إليه أمر سهل، فإنّ المبادرة إلى الإصلاح أصلح وأوضح، واذا كان جزء المعنى يطلق عليه معنى فلا بعد في جعل اللفظ له، وما ذكر من كون المقدّر مصدرا غير صحيح لما عرفت من أنه معنى تضمني لا مطابقي، فإن قلت: الذابح مثلاً إذا ذكر البسملة يريد التيمن بالقرآن وتقدير أذبح لا يناسب كونها قرآنا، وتقدير أقرأ لا يناسب فعله قلت: هذا تخيل فاسد تخيله بعض الناس، وليس بشيء، فإن كالاقتباس لفظه منقول من لفظ القرآن إلى معنى آخر كما نبه عليه علماء البديع، فإن قلت كيف قيل هنا بالاستخدام، وتعريفه لا يصدق عليه، لأنه ليس هنا معنيان برجع الضمير لأحدهما قلت: هو كقولك بعته بدرهم ونصفه، وسيأتي بيانه في قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} [فاطر: اا] الآية ولفظ ما عام عموما بدليا، وقد أريد به أحد ما يصدق علبه، وأرجع إليه الضمير باعتبار الآخر مع أن

أبا عذرته لم يصرح بالاستخدام ومن لم يقف على مراده قال إنه غير صحيح، وغاية توجيهه أنّ كل لفظ إذا أطلق يصح أن يراد به معناه الموضوع له ونفس لفظه كما في نحو ضرب فعل فما عبارة عن الفعل باعتبار لفظه أو باعتبار معناه ولا يخفى فساده، فإنه لم يؤت بلفظ الفعل ولا بما يصدق عليه بل بما المكنيّ به عنه فتدبر. قوله: (وذلك أولى الخ) ردّ على من زعم أن تقدير الإبتداء أولى لأنهم يقدرون متعلق الظرف المستقرّ عاما كالكون والحصول، ولأنه مسثقل بما قصد بالتسمية من وقوعها مبتدأ بها، فتقديره أوقع في المعنى ولا يرد عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} لأنّ الأهم هنا فعل القراءة لا الابتداء لوقوعه في أوّل البعثة قبل أن يألف القراءة المطلوبة منه، ولذا صرح به وقدم، وردّه صاحب الإنصاف بأن تقدير الخصوصيات أحسن وأليق بالمقام، وأولى بتأدية المرام لأن تقدير أقرأ يدل على تلبس القراءة كلها بالتسمية على وجه التبرك والإستعانة وابتدىء يفيد تلبس ابتدائها، وتقدير النحاة لا يجد به لأنه تمثيل، وتقريب اقتصروا عليه لإطراده، وأذا قامت قرينة الخصوص نحو زيد على الفرس، فلا شك في أنها أولى، وأمّا قوله إنّ الغرض وقوع التسمية مبتدأ بها فمسلم لكن معناه أن يجعل في الأوائل سواء قدز لفظ الابتداء أو لا، وقد قيل إن في تقدير أقرأ امتثالاً للحديث فعلاً فقط، وفي تقدير أبدأ امتثالاً له قولاً وفعلاً، ولا شك أنه أولى. (قلت) هذه مغالطة لا يلتفت إليها بعد ما نوّر. شراح الكشاف لأن الامتثال القوليّ إن أراد به أنّ معنى قوله لا يبدأ فيه باسم الله لا يقدر فيه أبدأ فغير صحيح لأنه أمر اصطلاحي حادث بعد عصر النبوّة فلا يصح حمله عليه وان أراد مجرّد الموافقة اللفظية، فيعارض بما يرجح مقابله كإفادة تلبس الفعل كله بالتبرك ونحوه، وفي بعض الحوإشي فإن قلت الحديث المشهور المستدعي للابتداء بالبسملة، ووقوعها في الابتداء قرينة ظاهرة على تقدير أبدأ قلت: لا يصلح شيء منهما لذلك أمّا الحديث، فلأنه يستدعي تقدّم البسملة على الأمر ذي البال، والتلفظ بها في ابتداء ذلك الأمر ولا يستدعي تقدير ابتدىء أو فعل آخر، وأمّا الوقوع في الابتداء، فإنه وان صلح مع حث الشارع على وقوعه فيه قرينة لكنها ليست بظاهرة لأنه لو كفى قرينة على تقدير أبدأ لكفى الوقوع في النهاية والوسط على تقدير الانتهاء والتوسط، وليس كذلك، وهو كلام حسن، وفي قول المصنف رحمه الله لعدم ما يطابقه إشارة ما إليه إذ معناه أنّ كل ما صرح فيه بالمتعلق ذكر مخصوصاً نحو باسمك ربي وضعت جنبي وغيره مما ضاهاه، وقيل: المراد عدم ما يطابقه في القرآن لوقوع القراءة مستعلقاً في قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: ا] ولم تقع الباء فيه متعلقة بإبدأ، وردّ بأنه في الآية ليس تعلقه به متعيناً، ولو سلم فلا يلزم كون ما في أوائل السور مثله، ولذا قيل: إنّ المطابقة بهذا الاعتبار لا تصلح مرجحاً بدون ملاحظة ما ذكر عند وجود القرينة الدالة على تعيين المحذوف في محل التكلم، فلا يلتفت إليها فيصلح لأن يعتبر ضميمة لا استقلالاً. (بقي ههنا بحث) وهو أنّ الشريف كغيره قال في تقرر تقديره عاماً زعم بعض النحاة أنّ تقدير الابتداء أولى فيقال بسم الله ابتدىء القراءة مثلاَ، ولا يخفى أنّ ابتداء القراءة أخص من القراءة لا أعم لصدقها على قراءة الأوّل والوسط والآخر واختصاص ابتداء القراءة بالأوّل وليس هذا هو الكون، والحصول الذي قدره النحاة حتى يحتاج إلى الجواب وما قيل من عموم ابتدئ باعتبار أنه منزل منزلة اللازم لكته يعلم بقرينة المقام أنّ المبتدأ به هو القراءة، أو باعتبار أصل العامل في الجميع لا يخفى فساده، فإنه إذا دل المقام على إرادته ما معنى تنزيله منزلة اللازبم حينئذ وكونه باعتبار الأصل لا يدفع السؤال باعتبار الحال فتدبر. قوله: (لعدم ما يطابقه وما يدل عليه) وفي نسخة ويدل عليه بدون ما والضمير المرفوع للموصول والمنصوب لأبدأ، والمراد بما يدل عليه القرينة الدالة عليه دلالة ظاهرة، وإن وجد الدليل في الجملة، فلا يرد عليه أنه يدل على عدم صحة إضمار أبدأ لا على مرجوحيته، وقوله أولى يدل على خلافه فإنّ ابتداءه بالبسملة قرينة لإرادة البدء لكنها في الظهور ليست بمنزلة الأولى، فسقط أنّ وقوعه في الابتداء دال عليه كغيره من الدلالات الحالية إذ لا قرينة إلا مقارنة الفعل وهي داعية إلى تقدير شيء من جنسه لا إلى تقدير الابتداء وقيل معنى قوله: وذلك أولى أن إضمار كل فاعل ما جعل التسمية مبدأ له أولى من إضماراً بدأ لعدم ما يطابقه فيما إذا كان

الفعل الواقع بعده غير ممتدّ، ولا يخفى بعده. وأمّا كون تالي التسمية ما يصدق عليه مقروء لأنفسه فسهل لأنّ تحقق ما يصدق عليه الشيء تحقق له، وقد يقال يمكن اعتبار مثله عند تقدير ابدا لأن الفعل المبدوء بالتسمية يصدق عليه المبدوء بها، وقد أجيب عته بأنّ عنوان القراءة أقرب إلى الفهم لأنه المقصود من التصدير بالتسمية، وفيه نظر ظاهر. قوله: (أو ابتدائي لزيادة إضمار فيه) ومو إضمار المصدر وفاعله والخبر سواء جعل الجار والمجرور متعلقاً بالمصدر المذكور أو خبراً، وسواء قدر ابتدائي أو بدئي وهذه احتمالات عقلية والا فكلامه مقتض لتعلق الجار بابتدائي والسياق صريح فيه، ويلاحظ هذا مع ما مر من عدم المطابقة والدلالة، وأقرأ وان كان جملة فعلية والفاعل مستترة، وأقل لما مرّ ودلالة الإسمية على الثبوت معارضة بدلالة المضارع على الاستمرار التجددي المناسب للمقام، وقيل زيادة الحذف هنا باعتبار زيادة الحروف فلا بد أن حذف الجملة ليس أقل من حذف المضاف والمضاف إليه، وأورد عليه أن النظر هنا متوجه إلى المعنى كما مرّ في كلام الكشاف في ذكر أقرأ وأتلو، وهنا لو قذر بدئي لا زيادة له في الحروف وانما ارتكب هذا التكلف بناء على أنّ أهل المعاني لا يطلقون الحذف على إضمار العام، وأنت تعلم أن كلا منا في زيادة الإضمار سواء أطلق عليه الحذف عند أهل المعاني أم لا، ثم إنّ المصنف رحمه الله لما أتمّ الكلام على تقديره فعلاً خاصاً شرع في بيان تقديمه. قوله: (وتقديم السول ههنا أوقع الخ) هنا إشارة إلى البسملة في أوائل السور، وأوقع بمعنى أحسن مرقعاً وأنسب بمقامه يقال: إنه ليقع مني في موقع مسرة وله موقع حسن كما في الأساس، وقيل: أوقع بمعنى أثبت وأمكن من وقع الحق إذا ثبت وثباته باعتبار وقوعه في محل يقتضيه الحال، وفي نسخة بدل المعمول المفعول أي المفعول بواسطة حرف الجر وقوله ههنا للاحتراز عن نحو: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: أ] مما يقتضي المقام تقديم عامله لأنه أوّل نازل من الآيات اهتماما بثأن القراءة وان كان اسم الله أهم في ذاته كما سيأتي. قوله: كما في قوله: {بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا} [هود: 41] تنظير له باعتبار المتبادر لا استشهاد ونقل الفاضل الليثي هنا حاشية عن المصنف رحمه الله وهي أي على تقدير أن يكون معناه مجراها وفي نسخة مجراة بالنصب والتنوين باسم الله وجوز فيه غير هذا الوجه انتهى. يعني أن التمثيل به على تقدير أن يكون عاملاَ في باسم الله بناء على وجواز تقديم معمول المصدر عليه مطلقا، واذا كان جاراً ومجروراً لأنه مصدر ميمي بمعنى الإجراء والإرساء أي ذلك باسم الله لا بهبوب الرياح والقاء المرساة بكسر الميم وقيل إنه إشارة إلى وجه كون الجملة الإسمية حالاً بدون الواو لأنها في تأويل المفرد كما في قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] أي متعادين وفيه نظر ستراه ثمة، وقيل: هو تنظير لمجرّد التوضيح حيث قذم فيه هذا الظرف بعينه إلا أنه مستقز، وفيما نحن فيه لغو فدل على تقدم المتعلق هنا خصوصاً على القول بأنّ المبتدأ عامل في الخبر والاستشهاد أيضا، إنما يتأتى إذا جعل اسم الله خبرا لمجراها لا متعلقا باركبوا كما أشار إليه المصنف رحمه الله حيث قال إنه حال من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين باسم الله وقت إجرائها وإرسائها أو مكانهما على أنّ المجرى والمرسي للوقت أو المكان أو المصدر والمضاف محذوف كقولك آتيك خفوق النجم وانتصابهما بما قدر حالاً أو جملة اسمية من مبتدأ وخبر انتهى. وقيل عليه: إنّ الاستشهاد ليس بصحيح على الوجوه كلها لأنها منافية له، ودفعه يعلم مما مرّ، واياك نعبد مثال لتقديم مطلق المعمول. قوله: (لآنه أهم الخ) الظاهر أنّ الضمير للمعمول فإن أهميته تقتضي التقديم حتى صار قولهم المهم المقدم كالمثل كما قال: فقلت له هاتيك نعمى أتمها ودع غيرها إنّ المهم المقدم لكن قوله أدل وما بعده يقتضي كون الضمير للتقديم لأنها من صفاته إلا أن يكون فيه تقدير تقديمه ولذا قيل إنّ الضمير للتقديم وإن كان أهميته باعتبار ما أضيف إليه لأنّ قوله أدل وما بعده معطوف على أهم ولا يصح أن يقال المعمول أدل إلا بتكلف أن يكون المراد وتقديمه أدل بحذف المضاف واقامة المضاف إليه مقامه وفيه ما فيه، وأهميته ذاتية لاشتماله على اسم الذات الأقدس المعبود بحق لأن الاستعانة نصب خاطره في كل أمر خطر، ولظهوره لم يصرح بوجه الأهمية فيه، فلا يرد عليه ما قيل إنه لا يكفي أن يقال

قدم كذا للأهمية من غير بيان وجه الاهتمام كما صرح به الشيخ عبد القاهر، فالظاهر أن يقول لأنه أدل على الاختصاص ولا يجوز أن يكون عطفاً تفسيريا لأنه لا يحسن تفسير الشيء بما يوجبه، وكلام المصنف رحمه أدلّه صريح في خلافه أيضا فسقط ما قيل من أنّ الردّ على المشركين المبتدئين بأسماء الأصنام منوط على الاختصاص المستفاد من التقديم وقيل عليه إنه من فوائد الاختصاص المذكور، فلا وجه لجعله من نكات التقديم نعم لو قلنا إن المشركين يبتدؤن أفعالهم بذكر آلهتهم الباطلة، فالمنأنسب لنا الابتداء بذكره سبحانه لكان وجها انتهى. وقد عرفت مما قدمناه ما يغنيك عنه ومن الناس من جعل أدل وما بعده معطوفا على أوتع، وقال: لما كان دليل الوسطين معلوما، ودليل الطرفين غير معلوم تعرّض للأوّل بقوله لأنه أهم وللرابع بقوله فإنّ اسمه الخ واكتفى بذلك لأنّ دليلهما دليل الوسط بعينه، وقول عبد القاهر، إنهم لم يعتمدوا في التقديم شيأ يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، ونقله عن سيبويه ليس لإبطال إفادته الحصر كما توهمه ابن الحاجب وأبو حيان بل إشارة إلى أنّ العناية أمر كلي مجملى لا بد له من وجه كالتعظيم والاختصاص، ولذا قيل إن قوله وأدل الخ بيان وتفصيل للأهم لكنه كان الأظهر أن يقول لأنه أدل، واعتذر له بأنه إشارة إلى تمييز الأهمية الناشئة من ذاته عن غيرها، وحذف متعلق اسم التفضيل لمعلوميته والقصد لأهميته أي أهم من غيره كالعامل، وقيل: إنه مجرّد عن التفضيل مؤوّل باسم الفاعل أو الصفة المشبهة. قوله: (وأدل على الاختصاص) أمّا الاختصاص فلابتداء المشركين بأسماء آلهتهم استعانة وتبركا فقطع الموحد عرق الشرك باختصاصه ردّاً عليهم وقوله أدل يستدعي وجود أصل الدلالة بدون التقديم ووجه بأنّ التخصيص بالذكر قد يفيد الحصر بمعونة السياق وتعليق الحكم بالأوصاف يشعر بالعلية وانتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلول في المقام الخطابي إذا لم تطهر علة أخرى فيفيد الاختصاص أيضاً، فكأنه قيل باسمه أقرا لأنه الرحمن الرحيم لا سيما عند القائل بمفهوم الصفة لإشعاره بأنّ من لم يتصف بها لا يتبرك باسمه وقيل: الظاهر أنّ المراد بالاختصاص مطلق التعلق لا الحصر، فيكون التقديم المفيد للحصر دلالته أظهر على اختصاص القراءة باسم الله وتكلفه غني عن البيان، ثم إنّ هذا القصر كما قالوه قصر إفراد لأنهم لا ينكرون التبرك باسم الله تعالى، فإن قلت: المعروف في قصر الإفراد أنّ المخاطب بالكلام الواقع فيه يعتقد أن المتكلم مشرك لصفتين، أو أكثر في موصوف واحد، أو لموصوفين فأكثر في صفة واحدة، والمخاطب بقصر القلب يعتقد أن المتكلم بعكس الحكم، وما نحن فيه ليس كذلك كما لا يخفى قلت: هذا مما اعترف بوروده بعض الفضلاء وفي شرج الفاضل المحقق ما يشير إلى الجواب عنه بأنه غير لازم، وإن ترك القوم بيانه في كتبهم، والشارج المحقق جعل قصره قصر إفراد وتبعه فيه السيد السند ولم يجزم به لاحتمال كونه قصر قلب لأنّ ابتداءهم بأسماء آلهتهم لما كثر وقوعه منهم على الإنفراد قلبه الموحد، ثم إنّ اعتبار مخاطب لكل موحد غير من خاطبه في غاية التكلف وتوجيه السعد رحمه الله له بأن المشركين لما كانوا يبتدؤن بأسماء آلهتهم كان مظنة أن يتوهم المخاطب أن سائر الناس كذلك تعسف بعيد، وقال قدس سره: التقديم من المشركين لمجرّد الاهتمام لا للإختصاص، فوجب على الموحد أن يقصد قطع شركة الأصنام لئلا يتوهم تجويز الابتداء بأسمائها، وكتب في حواشيه أنه لردّ السؤال السابق وهذا القدر كاف في قصر الأفراد إذ لا يجب أن يكون معتقداً للشركة بل ربما كان متوهما وهنا مظنة توهم الشركة، وأورد عليه أنه ادّعاء منه مخالف لما صرح به أهل المعاني إلا أن يقال أنه ليس قصر أفراد على الحقيقة بل على التشبيه، وتنزيله منزلته. (وأنا أقول) : ليت شعري ما الداعي لما ارتكبوه من التكلفات مع إمكان جعله قصرآ حقيقيا ولو ادّعائيا حتى لا يحتاج فيه إلى مخاطب ولا إلى اعتقاده فمرد الموحد التبرك في أفعاله باسم الله لا اسم غيره وهو يتضمن الردّ على المشركين فإياك من الوقوف في حضيض التقليد إذأ أمكنك الصعود لقصر التحقيق المشيد، وأمّا توهم التنافي بين قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وبين الاستعانة باسمه في البسملة الكريمة بناء على أنّ الباء للاستعانة فما لا ينبغي أن يذكر وان تكلف له بعض المتأخرين بأنه هنا استعانة توسل، والمنفي ثمة استعانة تحصل المستعان فيه، ثم إنه قال

في الكشاف: فوجب على الموحد أن يقصد معنى اختصاص اسم الله بالابتداء، وذلك بتقديمه، فأورد عليه أنه لا يناسب ما هو بصدده من ترجيح تقدير أقرأ مؤخرأ ولذا قيل إنّ المصنف حذفه لذلك وان وجه بأنه إشارة إلى جواز تقدير ابتدىء أيضا، وبأنه أراد ابتداء الفعل الذي شرع فيه كالقراءة لا مفهومه الحقيقي وقد قيل إنه إيماء إلى دفع مناقشة أخرى وهي كيف يكون قصر الموحد ابتداء قراءته، ونحوها باسمه تعالى ردا على المشرك الذي لا يقرأ أبدا وانما يصير ردّاً عليه لو حصر مطلق الابتداء، وقد مرّ أنه يكفي فيه التوهم فيذكره ثم إنه أورد على قول الزمخشري وغيره أنّ تقديم الفعل في قوله: (اقرأ باسم ربك) أوقع لأنها أوّل ما نزل، فالأمر بالقراءة فيه أهم كما مر أنّ هذا العارض وان كان يقتضي أن يكون الأمر بالقراءة أهم إلا أنّ العارض الأوّل وهو ابتداء المشركين باسماء اكهتهم يقتضي أن يكون اسم الله تعالى أهم، فأنى يرجح هذا على ذاك وكان السكاكي نظر إلى هذا حيث جعله متعلقاً باقرأ الثاني، ويمكن أن يقال لما تعارض العارضان قدّم العامل على المعمول بحكم الأصالة انتهى. (قلت) : الظاهر أنّ المراد أنه نازل أوّلاً على النبيّ الأميّ صلى الله عليه وسلم فأمر فيه بالقراءة ليتدرّب لتلقي الوحي من غير قصد إلى أمره بتبليغ ولا إنذار حنى يقصد فيه الردّ على من خالفه ولذا قال صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارىء) 1 (فلا حاجة إلى ما ادّعاه مما لا يقتضيه المقام ولا فحوى الكلام فتدبر. قوله: (وأدخل في التعظيم الخ) من قولهم هو حسن الدخلة، والمدخل أي المذهب في أموره من دخل بمعنى جاز، والمعنى أنّ دلالة وتسببا في تعظيمه، وأتى بأفعل لأنّ الابتداء به والتبرك فيه تعظيم له فإذا قدم على متعلقه المقدر كان أقوى في ذلك وقيل في تعظيم الاسم تعظيم المسمى. وقوله: (وأوفق للوجود من وفق أمره) أي وجد موافقا أو حسن كما في شرح أدب الكاتب لا من وافقه حتى يكون على خلاف القياس، والمراد بكونه أكثر موافقة للوجود أي لما في الخارج أو نفس الأمر أنّ اسمه تعالى مقدم على القراءة والمقروء، فتقديمه على عامله المقدر أوفق من تأخيره تقديرا، وقيل: لأنّ ذات واجب الوجود قبل كل موجود واسم السابق سابق فتدبر فإن قوله إن اسمه تعالى مقدّم على القراءة يأباه، ثم إنه أيد ذلك بوجه يدل على مغنى الباء ويدخل به لتفسيرها، وهو قوله كيف لا الخ ولفظة لا سقطت من بعفى النسخ فقدّرها بعضهم أي كيف لا يكون اسمه تعالى مقدما على القراءة، وقد تقدم عليها بالذات، ومن حيث الكمال والاعتداد بها شرعا لأنها جعلت آلة، وهي لا بد من تقدمها في الوجود. وقوله:) من حيث الخ) بيان لجعلها آلة على أنّ الباء للإستعانة والظرف لغو باعتبار أنّ الفعل لا يتم ويعتد به شرعا ما لم يصدر بالتسمية أي تجعل في أوّله لأنّ الصدر إستعير للأوّل اسنعارة مشهورة حتى صار كأنه حقيقة فيه فمعنى كونه ا-لة له توقفه عليه حتى كأنه فعل به، فلا يرد عليه أنّ مذهب الشافعية أنها من الفاتحة فلا يناسب جعلها للآلة المغايرة لما يستعان بها فيه ولا أنّ الآلية تقتضي الامتهان فلا يلائم التعظيم والآلة هي الواسطة بين الفاعل ومنفعله في وصول الأثر إليه وقوله ما لم يصدر أي جميع أوقات عدم التصدير فتدبر. قوله: (لقوله عليه الصلاة والسلام كل أمر الخ) الأبتر هو الناقص الآخر والمقطوع الذنب ولذا قيل لمن لا عقب له أبتر واستدل بالحديث على ترجيح الآلة لدلالته على عدم التمام بدونها التزاما بخلاف المصاحبة فإنها لا دلالة لها على ذلك فلا توافق معنى الحديث وفي طبقات السبكي رحمه الله روى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو، دطع " (2) ورواه البغوي بحمد الله والكل بلفظ " أ-دطع) وعن ابن شهاب " أجذم " وأدخل الفاء في الخبر وليس في أكثر الروايات، وقد يروى " كل كلام " وجاء موضع أقطع أجذم وأبتر، وجاء الجمع بينهما، وجاء موضع يبدأ يفتتح، وموضع الحمد الذكر، ويروى أيضا ببسم الله الرحمن الرحيم، وقد وقع الاضطراب في هذا الحديث سنداً ومتناً، ثم قال: والحمل على الذكر الأعم أولى لأنّ المطلق إذا قيد بقيدين متنافيين لم يحمل على واحد منهما ويردّ إلى أصل الإطلاق، ثم إنّ الحديث في فضائل الأعمال فيغتفر فيه ذلك لا سيما وقد تقوّى بالمتابعة معنى إلى آخر ما فصله، فقول ابن حجر رحمه الله: إنا لم نجده بهذا اللفظ، فكأنه رواية بالمعنى وقريب منه

ما في الكشف لا يلتفت إليه، فإنّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، وفي لفظ أبتر مبالغة في نقصانه حتى كأنه سرى لآخره وقيل فيه ترك للمبالغة فإنّ الحيوان المقطوع الرأس منتف بالكلية لا المقطوع الآخر والبال الشأن والحال وأمر ذو بال أي شريف عظيم يهتم به والبال القلب في الأصل كأنّ الأمر ملك قلب صاحبه لاشتغاله به، وقيل: شبه الأمر العظيم بذي قلب على الاستعارة المكنية والتخييلية، والوصف به تقييدي لتعظيم اسمه تعالى حيث ابتدىء به في الأمور المعتد بها دون غيرها، وللتيسير على الناس في محقرات الأمور، والتصدير عرفي أو شامل للحقيقي، والإضافي فلا تعارض بين الروايات، وشهرته تغني عن ذكره. قوله: (وقيل الباء للمصاحبة) اختار كونها للاستعانة مخالفا للزمخشريّ في ترجيح المصاحبة لأنها أعرب وأحسن. قال قدس سره: أمّا أنها أعرب أي أدخل في لغة العرب أو أفصح أو أبين فلأن باء المصاحبة والملابسة أكثر في الاستعمال من باء الاستعانة لا سيما في المعاني وما يجري مجراها من الأفعال وأمّا أنها أحسن أي أوفق لمقتضى المقام، فإن التبرك باسم الله تعالى تأدّب معه وتعظيم له بخلاف جعله آلة فإنها مبتذلة غير مقصودة بذاتها، ولأنّ ابتداء المشركين بأسماء آلهتهم كان على وجه التبرك فينبغي أن يردّ عليهم في ذلك ولأن الباء إذا حملت على المصاحبة كانت أدل على ملابسة جميع أجزاء الفعل لاسم الله منها إذا جعلت داخلة على الآلة، ولأنّ التبرك باسم الله معنى ظاهر يفهمه كل أحد ممن يبتدىء به والتأويل المذكور في كونه آلة لا يهتدى إليه إلا بنظر دقيق، ولأنّ كون اسم الله تعالى آلة للفعل ليس إلا باعتبار أنه متوسل إليه ببركته فقد رجع بالآخرة إلى معنى التبرك، وقد أيد الوجه الأوّل بأنّ جعله آلة يشعر بأن له زيادة مدخل في الفعل ويشتمل على جعل الموجود لفوات كما له بمنزلة المعدوم ومثله يعد من محسنات الكلام انتهى، وقد أيد الثاني أيضا بأن جعل اسمه آلة لقراءة الفاتحة لا يتأتي على مذهب من يقول بأنّ البسملة من السورة، ومنهم المصنف رحمه الله فاللائق جعل الباء للمصاحبة ومما يستأنس به للمصاحبة كما ذكره البلقيني في تفسيره ما روى في السنن عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: " باسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ") 1 (. فإنّ قوله مع اسمه صريح في إرادة المصاحبة. (أقول) : كل ما ذكر أمور اقناعية غير مسلمة ولذا كرّ عليها بالإبطال في الحواشي 0 فقيل: على الأول: إثبات الأكثرية دونها خرط القتاد وباء الاستعانة تدخل كثيراً على المعاني كما في قوله:) اسنعينوا بالصبر والصلاة (اسورة البقرة: 153] وإنما نشأ هذا التوهم من تمثيلهم في الآلة بالمحسوسات، وليس كل استعانة بآلة ممتهنة ولا شك في صحة استعنت بالله، وقد ورد في لسان الشرع وهو إذن في إطلاقه، فلا يقال إنه موهم للنقصى فلا يصح هنا وقد يقال إنّ اكثرية علمت بنقل الثقات وقد قال سيبويه رحمه الله تعالى أصل معاني الباء الإلصاق وجميع معانيها ترجع له وهو إن لم يكن عين المصاحبة فليس ببعيد منها فتأمله. وأمّا الثاني: وهو أنّ التبرك باسم الله تعالى تأذب الخ فردّ بأنّ جهة الابتذال غير ملحوظة هنا بل الملحوظ كون الفعل غير معتد به شرعا ما لم يصدر باسمه تعالى كما مرّ وهو يعارض التبرك بل أرجح منه، وفي الانتصاف أنّ معناها اعتراف العبد في أوّل فعله بأنه جار على يديه وأنّ وجود فعله بقدرة الله وايجاده لا بفعله تسليما لله من أوّل الأمر والزمخشرفي لا يستطيع هذا لنزعات الشيطان الاعتزالية، وليت شعري ما يصنع بقوله: {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إذ المراد أنه لا يطلب المعونة إلا من الله والتوفيق على عبادته في جميع أحواله ولا يلزم من كون الله معينا ما تصوّر في القلم كأنه يقول اقرأ باستظهاره ومكانته عند مسماه، وفي الحقيقة هو المعين في كل جزء كما قاله الطيبي رحمه الله ولا يتوهم اتحاد المستعان والمستعان به، أو عدم الفرق بينهما كما قيل، وقيل عليه: إنه تعصب لأنه يريد أنّ في التبرك تعظيما وتكريما ليس في الآلة وان لم يدل على التحقير واللفظ الدال على التعظيم في حقه تعالى أولى من غيره مما لا يدل عليه أو يوهم خلافه، وإن كان معناه صحيحاً ثابتاً له ألا ترى أنه لا يقال خالق الخنازير وان كان خالق كل شيء، ولك أن تقول التبرك ليس معنى الباء كما سيأتي، وما ذكر إنما هو فيما يدل على الآلة وضحعا بالمادّة، كلفظ ا-لة أو بالهيئة كمفتاح، فإنه لا يطلق عليه تعالى، ولذا استقبح ابن رشيق في العمدة

قول أبي تمام: والله مفتاح باب المعقل الأشب أمّا الحروف الداخلة على الآلة إذا دخلت على ما يتعلق به تعالى بطريق المشابهة المكنية، وقامت القرينة على وجه الشبه لا نقص فيه فلا مانع من الحمل عليه إذا قصد به ما يدل على التعظيم، وايهام ما لا يليق وان كفى مرجحا إلا أنه مغتفر لبعده وظهور قرينة ضده فإذا ساعده المرجح رجح. وأما الثالث: وهو أنّ المشركين كانوا يبدؤن بأسماء اكهتهم للتبرك الخ فغير مسلم بل كانوا يقصدون الاستعانة أيضا لعدها وسايط يتقرّب بها إليه تعالى وهذا شبيه بالآلة. وأما الرابع: وهو إنّ المصاحبة أدل على ملابسة جميع أجزاء الفعل الىخ فقد مر أنّ اقرأ يدل على ذلك دون ابتدىء ولا يلزم من مصاحبة شيء لشيء ملابسته لجميع أجزائه في جميع أزمانه، والآلة لا بد من وجودها إلى آخر الفعل والا لم يتم، وفيه أن تقدير أقر، إذا دل على ذلك فمع ما يدل على المصاحبة يكون أظهر ولذلك قال أدل وأمّا الخامس وهو أن التيرك معنى ظاهر الخ فإن أراد أنّ المصاحبة معنا. التبرك، فظاهر البطلان لأنه لا تبرك في نحو دخلت عليه ا / م هـ بثياب السفر وقد مثلوا لها برجع بخفي حتين ومعناها خائباً كما صرحوا به فكيف يتوهم التبرك فيما هو بمعنى الخيبة، وإن أراد أنه يفهم منها بالقرينة إذ لا معنى لمصاحبتها لجميع الفعل إلا مصاحبة بركتها فلك أن تقول تلك القرينة باقية بعينها، فتفيده إذا قصد الآلة لتوقف الاعتداد بها شرعا عليها، وأما كون التبرك معنى ظاهراً لكل أحد، فغير مسلم أنه مأخوذ من خصوص معنى المصاحبة كما عرفت فما قيل عليه من أن العمدة والنظر للخواص، والعوامّ كالهوامّ، والدقة من أسباب الترجيح لا الرد مما لا حاجة إليه وإن ردّ بأنه ذهول عن المراد فإنه ينادي على أنّ كل أحد من الخواص والعوام والبله والحذاق مأمورون بذلك من الشارع فلو لم يكن معناه مكشوفا لكل أحد لكانوا مأمورين بما لم يعرفوه وهو بعيد جداً. وأمّا السادص: فإنّ ما يفتح به الشيء لا مانع من كونه جزأ له كالطومار والكتاب يفتح بأوّل أجزائه، وقد مرّ أنّ الفاتحة مفتتح القرآن مع كونها جزأ بلا خلاف، ولو سلم فجعلها مفتتحاً ومبدأ بالنسبة لما عداها وأمّا الاستئناس بالحديث فقد قيل عليه: إن المراد بما في الحديث الإخبار عن أنه لا يضر مع ذكر اسمه شيء من مخلوق، والمصاحبة تستدعي أمراً حاصلاَ عندها نحو جاءكم الرسول بالحق والقراءة لم تحصل حينئذ فتعذرت حقيقة المصاحبة فيه، ولا وجه له فإن المصاحبة هنا ليست محسوسة، وكونها إخباراً بنفي صحبة الضرر يفهم منه صحبة النفع والبركة كما لا يخفى، والمراد بالبركة دفع الوسوسة عن القارىء مع جزيل الثواب كما قاله ابن عبد السلام رحمه الله، فلا يتوهم أنّ القرآن أشرف من البسملة فكيف يطلب له بركتها، وقيل: الباء للإلصاق، وقيل: بمعنى على وقيل زائدة ومن الغريب ما قيل إنها قسمية. (وأعلم) : أنّ الجمهور على أنّ الظرف إذا كانت الباء للملابسة والمصاحبة ظرف مستقرّ فإذا كانت للاسنعانة والآلية لغو لأنّ مدخونها سبب للفعل متعلق به بواسطة الباء من غير اعتبار معنى فعل آخر عامل في الظرف وجوّز الرضى، وصاحب اللباب اللغوية على الأوّل أيضاً قال في اللباب: ولا صادّ عندي من الإلغاء كما في باء الاستعانة وقال الفاضل الليثي: إنه إذا قصد بباء المصاحبة مجرّد كون سول الفعل مصاحبا لمجرورها زمان تعلقه به من غير مشاركة في معنى العامل، فمستقرّ ني موضع الحال وان قصد مشاركته فيه فلغو ويؤيده التمثيل بإشترى الفرس بسرجه لاحتماله لكلا المعنيين، فعلى أحد الوجهين يكون مشترى دون الآخر بخلاف نحو نمت بالعمامة، فإنه لا يحتمل اللغوية وكذا ما نحن فيه إذ لم يقصد إيقاع القراءة على اسم الله وفيه نظر ظاهر لمنعه خصوصاً على مذهب المصنف وقد قيل عليه أيضاً أنّ المصاحبة إفما هي المعنى الأوّل، وأما الثاني فهو معنى الإلصاق وليس بشيء إذ الإلصاق لا ينافي المصاحبة خصوصاً على مذهب القائل بعدم انفكاكه عنها وقولهم متبركاً ليس لبيان المتعلق بل بيان لمعنى الملابسة، وعلى الد صاحبة تعنقه بالفعل إلمقذر معنويّ لا صناعيّ، فهو متعلق بحال هو قيد له فكأنه متعلق به إلا أنه لا يلائم ظاهر كلامهم، واختلافهم في تقدير عامل عام أو خاص كما مرّ، وكيف يتأتى هذا في قول الكشاف تعلقت الباء بمحذوف تقديره بسم الله اقرأ انتهى. وليس المقصود بالحصر حينئذ التبرك

على معنى أني لا أبدأ إلا متبركا بل حصر التبرك في اسمه تعالى لأنّ دخول الحصر على مقيد كدخول النفي في وجوهه. قوله: (والمعنى متبركاً الخ) هو بيان للمعنى على الثاني لأن المصاحبة وإن كان معناها مجرّد لملابسة لكنها بمعونة قرائن المقام محمولة على الملابسة بطريق التبرك، ولا يصح رجوعه إليهما بناء على أنّ كونه اسم اكة ليس إلا باعتبار التوسل ببركتة فيرجع بالآخرة إلى هذا كما يعلم من الكشاف وشروحه: وليس المراد أنّ الباء صلة التبرك كما توهم بل هو تصوير للمعنى، وبيان للملابسة فإنها تكون على وجوه شتى فلا يرد أنّ التبرك لم يعد من معاني الباء أصلاً، وما قيل من أنّ الباء موضوعة لجزئيات الملابسة، ومنها التبرك فحملت على بعض معانيها بقرينة المقام بشيء لأنه لا يلزم من 6لصاف بعض جزئياتها بالتبرك كون التبرك موضوعا له لأنه وضع لذوات الجزئيات لا لصفاتها كما لا يخفى، ثم إنّ الشارح المحقق قال في شرح قول الزمخشري هنا على معنى متبركا يعني أنّ التقدير ملتبساً باسم الله ليكون المقدر من الأفعال العامة لكن المعنى بحسب القرينة على هذا، فلهذا يجعل الظرف مستقراً إلا لغواً انتهى. فقيل عليه: إنه مبنيّ على أنّ المقدر في الظرف المستقرّ عام البتة وان كان المعنى على الخصوص، فيناقض ما سبق مته من أنّ النحويين إنما يقدرون متعلق الظرف المستقرّ عاما إذا لم توجد قرينة الخصوص، ودفع بأنه لا مناقضة لأنّ العموم الذي نفى لزومه في متعلق الظرف المستقرّ هو العموم المطلق البالغ الغاية، كما أنّ الكون والحصول الذي دل كلامه هنا على لزومه هو العموم بالإضافة إلى متبركاً ونور، بأنّ هذا القسم من الظروف سمي مستقرّاً لاستقرار معنى المتعلق فيه وانفهامه منه وكل ظرف يفهم مته حصول شيء ما فيه، فبعضها ما لا يفهم منه إلا ذلك كزيد في الدار وبعضها يفهم مته خصوصيته بوجه كزيد على الفرس، وفيما نحن فيه ليس للظرف نفسه دلالة على التبرك فلو قدر متعلقه متبركا خرج عن كونه مستقرّاً بخلاف ما إذا قدّر ملتبساً مع أنّ فيه أيضاً خصوصية بالنسبة إلى كائن وحاصل، فإنه لا يخرج عن كونه مستقرّ الانفهام معنى ملتبساً منه، ويدل عليه جعله ملتبساً من الأفعال العامة انتهى ولا يخفى أنّ هذا وإن حصل به التوفيق بين كلاميه إلا أنه معنى معقد من غير فائدة ولذا اعترف بعض الفضلاء بأنه واود غير مندفع فتدبر. قوله: (وهذا وما بعده الخ) هذا راجع إلى الوجهين السابقين كما نبه عليه كثير من أصحاب الحواشي وهو الأظهر، فإن خص بالثاني لذكر التبرك ونحوه على أنه من مقول قيل، فالوجه الأول يعلم أمره بالمقايسة على الثاني إلا أنّ بيان متعلقات ما مرّضه وترك ما اختاره بعيد، وهذا جواب سؤال نشأ مما مرّ، فإنه بحسب الظاهر لا يليق بجناب العزة أن يقول أقرأ متبركا وكذا الاستعانة ونحوها، والتبرك مفهوم من البسملة لأن الاستعانة لا تخلو عنه أيضاً والحمد من قوله الحمد لله وكونه على نعمه من قوله رب العالمين الرحمن الرحيم لا لأن الحمد في مقابلة النعمة والسؤال من فضله من قوله: {اهْدِنَا} الخ ويعلم منه أيضاً بقية ما فيها، فلا يرد عليه أنه لم يتعرّض لقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} حتى يتكلف ادخاله فيما ذكر. قوله: {لِيَعْلَمُواْ} الظاهر أنه بالتخفيف من العلم، ويجوز أن يكون من التعليم ونقل الطيبيّ رحمه الله تعالى عن الزمخشرفي أنه قال: مثاله إذا أمرك إنسان أن تكتب رسالة من جهته إلى غيره فإنك تكتب كتبت هذه الاً حرف، وانما تفعله على لسان آمرك، وليس فيه قل مقدرة كما يتوهم إذ المراد أنه تعالى حمد نفسه ليقتدى به ومدح النفس، وان استقبح من العباد يحسن منه تعالى كما قيل: ويقبح من سواك الشيء عندي وتفعله فيحسن منه ذاكا مع أنه ليس كذلك مطلقا ولذا قال يوسف عليه الصلاة السلام: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] وقال البلقيني رحمه الله: إنّ جعله مقولاً على آلسنة العباد نزغة اعتزالية لم يتنبه لها من اتبعه، فقيل: إنه باطل وقيل: وجهه أنّ المعتزلة يقولون أنه يكلم الله خلقه الكلام على لسان غيره فتدبر، وقوله في الكشاف هنا: فكيف قال الله متبركا باسم الله الخ وهي ليست من السورة عنده ظاهر لمن له أذن واعية. قوله: (كيف يتبرك الخ) يتبرك بصيغة المجهول أي يتبرك العباد، ومعنى كيف يتبرك كما قاله الشريف بأي عبارة يتبركون فلا يرد أنّ ما ذكر تعليم للتبرك باسمه لا لكيفية التبرك به انتهى. يعني أنّ الإستفهام هنا حقيقي

وهو عن التبرك، فإنه إنما يكون في كلام العبد لا في كلام الله تعالى، فكيف استفهم عن كيفيته دونه، فأشار إلى أنّ المراد بالكيفية العبارة المخصوصة لأنها لباسه الذي يبرز فيه، فكأنها كيفية وحالة، فما قيل من أنه استفهام إنكارفي استعيرت صيغته للاستبعاد لأنّ الإنكار مجاز مشهور، وتعلق الإستفهام سواء كان إنكارا أو استبعادا بمدخول كيف واقحامه للمبالغة بطريق الكناية عن انتفاء الشيء بانتفاء كيفيته إذ لا بد لكل ماله خطر- من الوقوع على كيفية مّا على ما حقق في تفسير قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة: 28] ومن لم يتنبه لهذا اعترض بأنه تعليم للتبرك لا لكيفيته، كما سمعته آنفا ليس بشيء لأنه استفهام حقيقيّ لا إنكاريّ حتى يحتاج لما ذكر، وكذا ما قيل من أنه ليس المراد بالكيفية العبارة بل أي كيفية متبرك بها من اعتبار تقديم المتعلق وتأخيره، والدلالة على الاختصاص وغيره، وفيه أنّ ذلك التقديم والتأخير في النص ليس بحسب اللفظ، فإن علم العباد ما يوجب اعتبار هذا التقديم والتأخير، فلا حاجة إلى تعليم تلك الكيفية، وان لم يعلموه لم يعلموا ذلك التقديم والتأخير، فكيف يكون فيه تعليم لهم، فإنه تعسف من غير داع له، وقريب مته ما قيل: من أنه لا خفاء في أنّ ما ذكره يشتمل على التبرك باسمه تعالى بملى وجه معين وكيفية مخصوصة، وبهذا الإعتبار يصح أن يقع جوابا للسؤال عن كيفية التبرك من غير احتياج لاعتبار العبارة، وصرفه للسؤال عنها وهذا غريب منه فإنه عين ما أفاده الشريف إلا أنه كما قيل: إذا محاسني اللاتي أدلّ بها كانت عيوبي فقل لي كيف أعتذر ثم إنّ التبرك بتقديم اسمه لا ينافي تقدّم لفظ اسم إذ المراد منه بعد الإضافة اسمه تعالى إذ الإضافة إن كانت لمطلق الاختصاص شمل أسماء الذات والصفات فيفيد التبرك بجميع أسمائه، ويعلم منه وجه إقحامه ورجحه بعضهم، وإن كانت للاختصاص الوضعي الكامل يختص بلفظ الله لأنه اسم وضع للذات، وما عداه أسماء صفات وأما الباء فهي وسيلة إلى ذكره على وجه يؤدّي إلى جعله مبدأ للفعل فهي تتمة لذكره على الوجه المطلوب. قوله: (وإنما كسرت الخ) أي حروف المعاني الموضوعة على حرف واحد، وحروف المعاني ما يقابل الأسماء والأفعال، وحروف المباني ما تركب وبني منه الكلم، ولما كان البناء لا يختلف بتعاقب العوامل كان أصله السكون لخفته، فإنّ الدائم بالخفيف أولى، وأيضا أصل الإعراب أن يكون وجوديا لكونه أثر العامل وعلما للمعاني، فحق مقابله أن يكون عدميا، وقد امتنع البناء على السكون في الحروف التي جاءت على حرف واحد لأنها من حيث كونها كلمة برأسها مظنة للابتداء بها، وقد رفضوا الابتداء بالساكن لتعذره أو تعسر. كما سيأتي بيانه فحقها أن تبني على الفتحة التي هي أخت السكون في الخفة، وان كانت الكسرة أختا له في المخرج لأنها اً دوات كثيرة الدور على الألسنة فاستحقت الأخف كما قاله الشارح المحقق، وبقوله كثيرة الدور الخ اندفع عنه ما قيل من أنه معارض بأنّ الكسر يناسب العدم بقلته، والساكن إذا حرك حرك بالكسر إلا أنه قيل عليه أن لا مخرج للسكون يوأخى فيه فقيل: إن أراد أنّ السكون ليس له مخرج، ومخرج الكسرة لضعفه قريب من العدم مناسب له أو المراد أنّ مخرج الحرف الساكن يناسب مخرج الحرف المكسور، ولا يخفى عليك ضعف الجواب الأوّل وفساد الثاني ولو قيل: المخرج في كلامه مصدر ميمي بمعنى الخروج لا المخرح المعروف يعني أنّ الأصل في الخروج من السكون والتخلص منه أن يكون بالكسر كما صرح به النحاة لم يبعد فتدبر. قوله: (لاختصاصها بلزوم الحرفية الخ) في الكشاف لكونها لازمة للحرفية والجر والمصنف رحمه الله عدل عنه لما ذكره فزاد الاختصاص وغير لازمة بلزوم الخ كما رأيته ومناسبة الحرفية للكسر لأنّ الأصل فيها البناء وأصله السكون الذي هو عدم الحركة والكسر قليل، والقلة أخت العدم، وأما الجرّ فلمناسبته لعمله وأثره، وقد اقتصر بعضهم على الثاني قيل: وهو الأظهر. وقد اعترض على ما في الكشاف بأنها ليست لازمة لهما بل ملزومة فالصواب أن يقال ملزومة للحرفية والجر، ولذلك غير المصنف رحمه الله عبارته لأنّ اللزوم مصدر مضاف لفاعله، فالحرفية والجر لازم لا ملزوم، ومن لم يتنبه له أوّل عبارته أيضاً بناء على أنه مضاف إلى

المفعول ثم قال: ويحتمل أن تكون الإضافة للفاعل، وتبعه القائل بأن إضافة اللزوم للمفعول، فالحرفية والجر ملزومة واللازم الباء ولم يضف اللزوم للباء إذ بعد إضافته إليها لا يحس القصر عليها لأنه لا يتصور أن يتجاوز لزوم الباء إياهما عن الباء، فيحتاج إلى التكنف والتجريد عن تلك الإضافة بأن يراد أنّ عدم الإنفكاك عن الأمرين مقصور على الباء، وقيل: إلى الفاعل ونظيره ما ضرب زيد إلا لعمرو، وهو من قصر الفعل المسند إلى الفاعل على المفعول، وردّ بأن القصر منحصر في قصر الموصوف على الصفة، والصفة على الموصوف، والضرب المسند إلى زيد وإن اعتبر تعلقه بالمفعول ليس صفة لعمرو وإلا أن يقال: إنّ الضرب المذكور صفة لزيد لكنه بحسب تعلقه بعمر ويحصل له صفة اعتبارية، كما في الوصف بحال المتعلق والقصر باعتباره، وسيأني ما في الاختصاص الذي زاده المصنف رحمه الله، وقد أجيب عما ذكر من اللزوم بأنّ المراد باللازم للشيء هنا ما لا يفارقه كما يدل عليه تقسيمهم العارض إلى لازم ومفارق، ومعنى عدم مفارقة شيء لآخر أن لا يوجد الثاني بدونه لا العكس، ولذا صح انقسام اللازم إلى الأعم والمساوي، وكتب اللغة ناطقة به كما في الصحاح والأساس وعليه قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26] فمرجع اللزوم لغة إلى عدم الإنفكاك، وهم يقولون لزم فلان بيته إذا لم يفارقه، فلا يخلو البيت منه، ويلزمه عدم خروجه عنه، وهو معنى كنائيّ، ومنه قولهم أم المتصلة لازمة لهمزة الإستفهام فمن قال: إنّ ما ذكر معنى اللازم الاصطلاحي، وله معنى آخر لغويّ فقد وهم، وما قيل: إنّ ما ذكر لا يدفع الإعتراض، وإن الصواب في دفعه أن يقال: إنّ اللازم بمعنى الملزوم مجازا مبالغة في اللزوم، وقد نبه عليه السعد بتفسيره لازمة بملاصقة غير منفكة عنهما، فلا توجد بدونهما كما هو معنى اللزوم في اصطلاح الحكمة إلا أنه لم يصب في زعمه أنه معنى اصطلاحيّ لا لغويّ ليس بشيء لأنّ عدم الدنع مكابرة معلومة مما نوّرناه والمجازية هنا فاسدة لعدم القرينة المصححة له، ولا حاجة له مع أنه مآل المعنى اللغوي الحقيقي، كما اعترف به، والتخريج على متعارف أهل اللغة أنسب مع أنه قيل عليه: إنه غير مطابق لمصطلح الحكمة لأنه لا يلزم أن يكون كل حرف جار باء لأنهئم إذا قالوا الكتابة لازمة للإنسان، أرادوا أنه كلما وجد الإنسان وجدت الكتابة، وهو فاسد هنا، وتكلف بعضهم توجيهه بما نحن في غنية عنه. (والذي نصححه) : ما في حواشي بعض الفضلاء العصريين من أنّ الصحيح من نسخ شرح الفاضل التفتازاني على ما هو معنى الملزوم في اصطلاح الحكماء بصيغة المفعول، وما في بعض النسخ من معنى اللزوم بصيغة المصدر لا صحة له وواية ودراية فإن قلت: إن الباء تكفّ بما عن العمل كما في حرف الميم من مغنى اللبيب فكيف يتم أمر اللزوم قلت: كأنه لقلته بالنسبة لعملها جعل كالمعدوم، أو أنه الأصل ما لم يعارضه معارض فتدبر واللزوم أحد المصادر التي جاءت على فعول للمتعذي وهي محفوظة، وأمّا قيد الاختصاص الذي زاده المصنف على الكشاف فذهب ناس إلى أنها زيادة ضارة فتركها أولى وآخرون إلى لزومها أو حسنها لأنّ اللزوم قد يكون عرفياً غير كليّ عقليّ، فأشار بإقحامه إلى أنه كليّ عقليّ، وما قيل في توجيهه من أنه لا يطلق حرف الجر على غير الباء لا يسمن ولا يغني من جوع وقيل: إنه زيد لئلا يتوجه عليه شيء من النقوض الآتية إذ معناه لامتيازها من بين الحروف باللزوم وظاهر أنه إنما يصح إذا اعتبرت صووة الحرف من حيث دلالتها على معنى مع قطع النظر عن خصوصية نشأت من الإضافة أو غيرها، فإن شيأ من حروف الجر المفردة من حيث هو حرف لا ينفك عن الحرفية والجر فيلزم أن تكون كلها مكسورة، فلا بد من قطع النظر عن الخصوصية والباء داخلة على المقصور كما هو المشهور وكل من الحرفية والجر مناسب للكسر كما مرّ ثم إنه قيل إنهما وجهان ونقص الأوّل بواو والعطف وفائه اللازمتين للحرفية والثاني بكاف التشبيه اللازمة للجر، وقيل: هما وجه واحد فاندفع النقضان لكن بقي النقض بواو القسم وتائه ودفع بأنّ عملهما بالنيابة عن الباء فكان الجر ليس أثرهما واحترز بلزوم الحرفية عن كاف التشبيه، وقيل هو مستدرك لأنها لا تعمل الجر إذا كانت اسما إلا أن يقال إنه على قول قوله: (كما كسرت لام الأمر الخ) التثبيه في أنها خالفت الحروف المفردة التي حقها الفتح لعلة اقتضت المخالفة، وهي هنا دفع اللبس المذكور ولام

الإضافة هي لام الجر، وبعض النحاة يسمى حروف الجر حروف الإضافة لأن الإضافة إفضاء لإيصالها معاني متعلقها إلى مجرورها ولام الابتداء هي الداخلة على بعض أجزاء الجملة الإسمية سميت بها لدخولها في الابتداء بحسب الأصل كما بينه، وما ذكر لا ينافي فتح غيرها كلام الجواب والقسمية، وكسرت لام الجر لما ذكر مع مناسبة عملها أيضاً وكسرت لام الأمر حملاً عليها لأنها مشابهة لها في مطلق العمل أو في الاختصاص بنوع من الكلم وأثرها يثبه أثرها في كونه من خواص بعض الكلمات، وفتحت الجارة للضمير على الأصل من غير نظر للفرق المذكور لأنه حاصل بجوهر المدخول عليه، ولم ينظر لإعراب مدخولها لأنه قد لا يظهر كما في حالة الوقف ونحوها، وهذا كلام غير مطرد مجمل إذ اللام الداخلة على الضمير قد تكسر إذا دخلت على ياء المتكلم واللام غير العاملة مفتوحة وان لم تكن لام ابتداء كما مرّ ولام الاستغانة والتعجب مفتوحة مع جرها للمظهر، وان وجهوها بأنها واقعة في موقع اللام الجارة للمضمر وهو كاف أدعوك لكن هذه علل نحوية بعد الوقوع كما قيل. عهدالذي أهوى وميثاقه أضعف من حجة نحويّ فلا نطيل الكلام فيها. قوله: (والاسم عند أصحابنا الخ) عند ظرف متعلق بالثبوت المفهوم من نسبة الخبر إلى المبتدأ والإعجاز جمع عجز وهو الآخر، وفيه لغات أي هو عندهم محذوف اللام مثتق من السمو وهو الرفعة لأن المسمى يرتفع ذكره باسمه، فيعرف به، واذا جهل اسمه كان خاملاَ، وفي الأمالي الشجرية يقال فلان له اسم إذا كان شهيراً، وأصل اسم سمو كجأع وأجذاع أو فعل كقفل وأقفال أو فعلى كرطب وأرطاب، ومن قال: اسم حذف لامه وسكن فاءه وعوّض همزة الوصل كما في ابق ومن قال سم لم يعوض وقوله أصحابنا إشارة إلى أنه يقول بقول البصريين بعد من يوافق رأيه رأيه صاحباً له كما يقول الحنفي أصحابنا الحنفية يقولون كذا، وخالفهم الكوفيون، فزعموا أنّ المحذوف فاؤه ومن الوسم والسمة، وهي العلامة وأصله وسم بالكسر أو وسم بالفتح، ويدل عليه تصغيره وتكسيره وفعله وأنك لا تجد في العربية اسما حذفت فاؤه وعوّض عنها همزة الوصل وانما عوّضوا من حذف الفاء تاء التأنيث في عدة وثقة ونظائرهما. قوله: (لكثرة الاستعمال) يعني به أنه حذف لمجرّد التخفيف الذي أوجبه كثرة الاستعمال، فصار نسيا منسيا وما قبله محل للإعراب، وليس حذفا إعلاليا حتى يكون الحرف الأخير منونا والإعراب مقدر عليه واجتلاب الهمزة لا ينافي التخفيف لسقوطها درجا. قوله: (وبنيت أوائلها على السكون الخ) أي استعملت هكذا تخفيفا وان كانت متحركة بحسب الأصل وأصله سمو بالضم أو الكسر، وهذا أحد مذهبي البصريين والآخر أنهم أدخلوا الهمزة على المتحرك، ثم سكنوه تخفيفا ومعنى بنيت صيغت ووضعت لأن البناء في اصطلاح النحاة يطلق على هذا، وعلى ما يقابل الإعراب وليس المراد الثاني لأنه يختص بالآخر وقوله: (وأدخل الخ) لأنّ من دأبهم الابتداء بالمتحرك، وقوله: (مبتد " أي واقعاً في الابتداء منصوب على الحال من ضمير عليها أو من الهمزة لأنهم لما احتاجوا إلى حرف يثبت في الابتداء ويسقط في الدرج دفعا للضرورة بمقدارها لم يجدوا ما يصلح له غيرها وخصوها لقوّتها من بين حروف الزوائد وكونها من ابتداء المخارج وفي قوله دأبهم أي عادتهم إشارة إلى أنّ الابتداء بالساكن ممكن، لكن ترك لما فيه من اللكنة والبشاعة وقد قيل: إنه موجود في لغة العجم وانما ترك لتعسره ولا لتعذره واختاره الشريف وقال غيره الحق أنّ وجوده في الفارسية غير ثابت وان لم يقم الدليل على استحالته والاستدلال على هذا، وعلى كون الحركة مع الحرف أو قبله أو بعده مما لا طائل تحته، وقيل: إن كان السكون ذاتياً كسكون الألف امتنع والا أمكن فالأقوال فيه ثلاثة وانما كان الوقف على الساكن لأنه ضد الابتداء فأعطى ضد وصفه، ولأنه انتهاء وعدم فناسب السكون، والأسماء المذكورة على ما في المفصل أحد عشر اسما ابن وابنة بزيادة الميم للتأكيد، وتيل: هي بدل من اللام واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وايم الله وأيمن الله واسم واست والكلام عليه مشروح في المطوّلات، ولاختلافهم في عددها لاختلاف النظر فيه لم يذكره المصنف رحمه

الله كما في الكشاف. والحركة والسكون حقيقة من صفات الأجسام، وهما هنا صفة اللسان وصف الحرف بهما مجازاً، ثم شاع حتى صار حقيقة عرفية أيص. قوله: (ويشهد له تصريفه الخ) بإفراد الضمير للاسم وفي نسخة تصريفهم بضمير الجمع للعرب والتصريف الخويل ومنه تصريف الرياح والمرإد نقله وتحويله إلى صيغ وأبنية مختلفة وأسامي جمع أسماء فهو جمع الجمع ويأوه في الأصل مشددة، ويجوز تخفيفها قياساً مطردا في نحوه كأماني وأثافي، ولهذا رسم بالياء في النسخ، فلا وجه لما قيلى: من أنّ الأصح رسمه بدون ياء كما ني ياء قاضى إلا أن يكون جمع أسماء فإنه أفاعيل بياءين وهذه اللفظة غير مذكور في الكشاف، وفي نسخ تفسير القاضي كتبت بالياء انتهى. وسمي مصغر، ولو لم يكن كذلك قيل أوسام ووسيم ووسمت ونحوه وقوله: (ومجيء سمى الخ) معطوف على قوله تصريفه ولغة بالنصب على أنه حال من سمى أو بنزع الخافض أي في اللغة ففي الاسم لغات اسم بالضمّ والكسر وسم بالضم والكسر أيضا وسمة وسماة مثلثين كما في القاموس وسمى كهدى ورضى ووزن اسم أفع. قوله: (والله أسماك سمى مباركاً الخ البيت) هو لأبي خالد القتاني نسبة إلى قتان بن سلمة بن مذحج وأسماك لغة في سماك المشدد بمعناه، وروى مشذدا أيضا ومعناه وضع له اسماً ويكون بمعنى دعاه باسمه كما في شرج الشواهد، وسمى مفعول أسماك، وهو يتعدى بنفسه وبالباء وآثرك بالمد بمعنى اختصك باسم مبارك أي متبرك به تفاؤلاً كغانم وسعيد وفي شرح الإصلاح لابن جني رحمه الله المعنى آثرك الله بالتسمية الفاضلة، كما آثرك بالفضل، وهو مفعول مطلق للتشبيه كضربت ضرب الأمير، وقيل: إيثارك للمعالي والذكر الحسن، وهو مفعول مطلق على هذا أيضا وقيل هو مفعول لأجله، وقيل: منصوب بنزع الخافض أي كإيثارك، واستشهد به على أنّ سمى كهدى لغ في الاسم، ولا دليل فيه لاحتمال أن يكون على لغة من يقول سما بضم السين غير مقصورة ونصب على أنه مفعول ثان لأسماك، وفي شرح كتاب سيبويه أنه يجوز أن يكون سمى غير مقصورة فألفه ألف تنوين بدليل إنه روى سما بالكسر، ور وى بدل إيثارك تبارك، وهو بيت من أرجوزة لم أقف عليها. قوله: (والقلب بعيدا لأنه خلاف الظاهر وقوله غير مطرد محتمل لمعنيين أحدهما أن يراد أنه شاذ لا يقاس عليه، فلا ينبغي تخريج ما ذكر عليه والثاني أن يراد أنه غير مطرد في جميع تصاريف الكلمة إذ لا تكون كلمة مقلوبة خولف الأصل فيها بالتقديم والتأخير في جميع تصاريفها حتى لو وجد مثله قيل هما مادّتان مختلفتان ليس أحدهما مقلوب الآخر كما في جبذ وجذب كيف، وشأن الجمع والتصغير ونحوهما رذا لشيء إلى أصله، وهذا ردّ الجواب الكوفيين عما ذكر مما استدل به البصريون، وحينئذ لا يرد أنه لم يعهد دخول الهمزة على ما حذف صدره لأنه حينئذ مما حذف عجزه وما قيل من أنه يحتمل أن يراد قلب الواو همزة في أسماء لما في المفصل وغيره، ومن أن إبدال الهمزة من حروف اللين مطرد في المضمومة وغير مطرد في غيرها كما في إشاح، واعاء لا يلتفت إليه أصلاً. قوله:) من السموّ) مشددا كالعلو وزنا ومعنى أي مأخوذ منه على هذا الوجه، والشعار بكسر الشين المعجمة وفتحها أصلها ما يلي شعر الجسد من اللباس، وهو عطف على الرفعة أي لكونه زينة، ومعدا لما يعتني به مما يقصد تعريفه، فاندفع عنه ما قيل عليه: من أنّ الشعار يناسب الوسم والعلامة، فينبغي ذكره معه وقيل العلامات الحسية مرتفعة في اكثر والاسم يرفع مسماه من حضيض الخفاء إلى الأوح والظهور والجلاء فظهر مناسبته له مناسبة معنوية تراعى في الاشتقاق والاسم ليس هو المقابل للفعل والحرف، بل هو بالمعنى اللغوي الأعم، ولو خص به لم يبعد أيضاً. قوله: (ومن السمة) بكسر السين وهي العلامة والاسم علامة على مسماه حذفت الواو وعوض عنها الهمزة وقيل قلبت همزة على خلاف القياس، ثم جعلت همزة وصل تخفيفاً وقوله ليقل أعلاله علة لكونه من السمة أو للحكم في قوله وأصله وسم أو علة للتعويض، والإعلال هنا بمعنى مطلق التغيير لا الإصطلاحي، وهو تغيير حرف العلة بالقلب أو الحذف أو الإسكان، وقلة تغييره لأنه ليس فيه إلا حذف الواو، وسينه كانت ساكنة وقيل كان الأحسن أن يقول من الوسم لأنّ سين سمة محركة وإنما ذكرها لأنها أشهر في معنى العلامة وليغاير بين المشتق والمشتق منه، ومن قال: إنه

من الوسم تسامح أو كسر الواو كما قيل ليتغايرا والمعترض لم يفرق بينهما، وفيل إنّ قوله ليقل إعلاله متعلق بقوله عوض عنها همزة الوصل أي عوضت الهمزة من الواو المحذوفة ليقل تغييره إذ بزيادة الهمزة يجبر نقصان الحذف. وتلخيصه: أنّ الحذف يجبر نقصان كمية ما يتركب منه الكلمة وانعدام خصوصية حرف منه وبالتعويض ينتفي الأوّل فيقل التغيير، أو بقوله من السمة والمراد قلة إعلاله بالنسبة إلى كونه من السموّ فإنه على الأول الإعلال في أوّله فقط، وعلى الثاني في أوّله وآخره معاً وفيه تكلف ظاهر انتهى. ولا يخفى أنّ ما ظنه تكلفاً هو المراد، وما قذمه مشترك بين القولين، فلا وجه لذكره هنا فتدبر. قؤله: (ورذ الخ) قدّم جوابهم عنه وما فيه فتذكره، ولغاته مرّ تفصيلها وأنها تزيد على العشرة، يعني أنّ ارتكاب زيادة الإعلال أحسن من عدم النظير لأنّ المعروف تعويض الهمزة عن اللام المحذوفة، والهاء عن الفاء كعدة وسعة وزنة. قوله: (باسم الذي في كل سورة سمه الخ) هو بيت أو مصراع باعتبار أنه من مشطور الرجز أو تمامه وهو من أرجوزة لرؤبة بن العجاج وبعده: أرسل فيها بازلاً ضث مه فهوبهاينحوطريقاً يعلمه الخ والباء متعلقة بأرسل والضمير للراعي أي أرسل الراعي في الإبل جملاً بازلاً للنتاج متبركاً باسم الله الذي برّك به في أوّل كل سورة، ويقرّمه بمعنى ترك استعماله في الركوب والحمل ليقوى الفحل، وهو من التقريم لا الإقرام كما توهم والجملة صفة بازلاً، وقيل: حال من المرسل فهو أي البازل ينحو أي يقصد بتلك إلا بل طريقاً يعلمه لاعتياد سلوكه، وذكره للإشارة إلى ما في جعل الهمزة عوضاً لما فيه من حذف العو ضوالمعوّض إلا أن يقال من يحذفها لا يقول بأنها عوض، واليه يشير قول المصنف إنها لغة، والبازل البعير الذي انشق نابه وهو في السنة التاسعة وسمه كما في شرح المفصل بكسر السين وضمها كما في سمى البيت السابق ويجوز فتحها، كما في كتب اللغة فسينه مثلثة. قوله: (والاسم إن أريد به الخ) قد اشتهر في كتب الأصول ذكر الخلاف في أنّ الاسم هو عين المسمى أو التسمية أو هو غيرهما، وقد تحير الناس في المراد من ذلك وذكروا له تأويلات لم تظهر لها ثمرة، ولم يتحرّر إلى الآن محل الخلاف ومقطعه، وأشار إلى ذلك المصنف رحمه الله ولم يذكر القول بأنه عين التسمية أو غيرها وإن كان قولاً لبعض المعتزلة لأنه في غاية الضعف والبعد والمراد بالتسمية أيضاً العبارة المعبر بها عن المسمى كما نقل عن الأشعري رحمه الله. وقوله: (فنير المسمى) يعني به أنه لم يتحرّر له محل النزاع لأنه إن أريد بالاسم لفظه فهو غير المسمى بلا نزاع لأنه يتألف من أصوات غير تارة أو من هيآت وكيفيات للأصوات يتميز بها كل صوت من غيره على ما حققه الرئيس في بعض رسائله، والمسمى ليس كذلك دائما، وان اتفق ذلك له في بعضها كالقرآن ونحوه مما اسمه ومسماه لفظاً أيضاً، وان أريد به ذات الشيء، فهو المسمى لكنه لا يصلح محلاً للنزاع، ولا يناسبه ما ذكر في الاستدلال وان أريد به الصفة أو الأعم لا يصح الجزم بأحد طرفيه، وقد أراد السيد السند في شرح المواقف تحرير المبحث فلم يتم له الدست، وقد ذكره برمته وما له وما عليه هنا بعض أرباب الحواشي، فأعرضنا عنه لعدم الفائدة فيه. قوله: (لأنه يتألف من أصوات الخ) الصوت كما قال الرئيس كيفية تحدث من تموّج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع، وزعم النظام أنه جسم، وفي التفسير الكبير بعد ما ذكره إبطاله وما أبطلوه به أقول: النظام كان من أذكياء الناس، ويبعد أن يذهب إلى أنّ الصوت نفس الجسم إلا أنه لما ذهب إلى أنّ سبب حدوث الصوت تموّج الهواء ظن الجهال أنه يقول: إنه عين ذلك الهواء انتهى (وأنا أقول) الظاهر أنه إن ذهب إلى أن الصوت هو الهواء المتموّج المنضغط، فلا يرد عليه شيء مما زعمه، وأي مانع يمنع عنه إلا التحكم البحت، وقول المصنف رحمه الله أنّ الاسم مؤلف من الأصوات ظاهر فيه فاندفع عنه ما قيل من أنه تسمح أو رجوع عما اختاره في الطوالع من أنّ الصوت عارض للحرف. قوله: (ويتعذّد) أي الاسم مع إتحاد المسمى كما في المترادفات، واجتماع العلم والكنية واللقب واتحاد الاسم مع تعدد المسمى كما في المشتركات، وهذا كله إثبات لتغايرهما إن أريد بالاسم اللفظ.

ق

وله: (والمسمى لا يكون كذلك (قيل هو رفع للإيجاب الكليّ كما مرّت الإشارة إليه، والا فسمى القصيدة والشعر يتألف من أصوات مقطعة غير قارّة، وأورد عليه أنّ الإيجاب الكليّ لا يصدق في حق الاسم أيضاً إذ ليس اختلافه باختلاف الاسم أمرا مطردا، وأجيب بأنّ قوله والمسمى الخ يمكن أن يكون حالاً من الجمل الثلاث يعني يتألف الخ حال كون مسماه ليس كذلك، وهكذا يختلف، ويتعدد الاسم والأحسن أن يقال معنى الكلام إن اسم باعتبار نوعه، وان تحقق فيه بعض منها، فذلك من خصوصية المادّة. قوله: وقوله تعالى ة {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرحمن: 78] في نسخة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} [سررة الأعلى: ا] وهو إمّا إشارة إلى جواب سؤال مقدّر، ورد على قوله لكنه لم يشتهر بهذا المعنى أو إلى الردّ على من ادّعى أنّ الاسم هو الذات مستدلاً بما ذكر كما نجصله الإمام وأشار إليه المصنف رحمه الله لأنّ المتبارك والمسبح هو الذات لا اللفظ الدال عليها فدفعه بأنّ الاسم هنا المراد به لفظه وكما يجب تعظيم ذاته تعالى يجب تعظيم أسمائه وتنزيهها عما لا يليق بها. وقوله: (عن الرفث) أي الفحش، وما يستهجن ذكره، ولا يليق كالتأويلات الفاسدة، واطلاقها على غيره وقيل الاسم مجازفيه عن الذات، وقيل: هو كناية عن تسبيح ذاته كما يقال سلام على المجلس الشريف والنادي الرفيع. قوله: (أو الاسم فيه مقحم الخ) في الأصل اسم مفعول من أقحمه إذا أرما. أو أدخله في شيء ثم تجوز به عن الزيادة وشاع فيها فقيل لكل مزيد مقحم، ولا شعاره بالتحقير تحاشوا عن إطلاق الزيادة والإقحام على ما وقع في كلام الله تأدّبا فسموا الزائد صلة، وتفسيره بما أدخل تعسف من غير ضرورة واحتياج وغير مناسب هنا إلا أن يريد بيان ما وضع له بي نفسه وهذا جواب آخر عما استدلوا به من أن الاسم هو المسمى بما ورد في النص من نحو قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} [، الأعلئ الآية: ا] وتأخيره إشارة إلى أنّ الأصل عدم الزيادة فالمراد باسم السلام السلام نفسه، وهو مسماه فأضيف الاسم إلى مسماه كما يضاف المسمى إلى الاسم في يوم الأحد ونحوه والإقحام كثير في كلام العرب، ومقبول إذا كان لنكته كما في الآيات لأنه إذا نزه اسمه، فكيف بذاته. قوله: " لى الحول الخ) هو من شعر لبيد بن ربيعة بن مالك الشاعر المشهور وأوّله: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر فقوما وقولا بالذي تعلمانه ولاتخمشا وجها ولا تكشفا شعر وقولا هو المرء الذي لا صديقه أضاع ولا خان الخليل ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكم ومن يبك حولا كاملاَفقد اعتذر قاله قبيل موته وكان من المعمرين عاس مائة وثلاثين سنة. وقوله: (إلى الحول) متعلق يقوله قولاً أو بما يفهم مما قبله، وتقديره أفعلا جميع ما ذكر إلى الحول أي إلى تمام الحول وهو السنة، والمراد سنة موته، وقوله وهل أنا إلا من ربيعة الخ يعني أنه من البشر والنوع الذي لا بدّ له من ورود حوض المنية، فأنا من أمّة قد خلت، وأنا ماض على أثرهم كما قال أبو نواس: وهل أنا إلا هالك وابن هالك وذو نسب في الهالكين عريق وقوله ولا تخمشا بالخاء والشين المعجمتين من خمش وجهه إذا لطمه لطمياً يدميه، ويخدشه بأظفاره فنهاهما عن ذلك، وكان العزاء، البكاء في الجاهلية إلى حول، والسلام هنا سلام متاركة، وهو كناية عن أمرهما بترك ما كان قد أمرهما به، وثم هنا للتراخي بين أوّل الفعل والترك، واقحام الاسم هنا في غاية الحسن لأنه ليس بسلام حقيقيّ فما لهم منه إلا اسمه كماقيل: قال السلام مودّعا لمحبه هيهات هيهات السلامة بعده ومن في البيت شرطية ووقع لبعض شرّاح الأبيات أنه قدر هنا بكيت بكسر التاء وجعل إلى الحول متعلقا به والخطاب لزوجته وهي غفلة نشأت من عدم الوقوف على الشعر وحرّف بعضهم ثم بالمثلثة بتم بالمثناة الفوقية وهو غلط منه. قوله: (وإن أريد به الصفة الخ (الصفة لها إطلاقات النعت النحويّ وما يدل على معنى قائم بالغير كالعلم والحلم والمشتق كاسم الفاعل والصفة المشبهة وما شاكلهما وقول

الآمديّ ذهب الأشعري، وعامة الأصحاب إلا أنّ من الصفات ما هو عين الموصوف كالوجود وما هو غيره. وهو كل صفة أمكن مفارقتها عن الموصوف كصفات الأفعال من كونه خالقا ورازقا. ومنها ما يقال إنه لا عين ولا غير، وهو ما يمتنع انفكاكه كالعلم والقدرة يدلّ على أنه أراد بالصفة المعنى الثاني ومدلول الاسم المدلول التضمني وبعد ما فسر الغير بما ذكر لا يرد عليه أنّ الصفة أمر خارج عن الذات، فكيف تكون عينه وأنه يلزمه تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره، وقوله في شرح المواقف أنه قد اشتهر الخلاف في أنّ الاسم هل هو نفس المسمى أو غيره ولا يشك عاقل في أنه ليس النزاع في لفظ فرس أنه الحيوان المخصوص أو غيره بل في مدلول الاسم أهو الذات من حيث هي أم باعتبار أمر آخر عارض له صادق عليه، فلذلك قال الشيخ قد يكون الاسم عين المسمى نحو الله، وقد يكون غيره كالخالق والرازق، وقد يكون لا هو ولا غيره كالعالم والقادر يقتضي أنه أراد المعنى الأخير، وأنّ الكلام في الاسم مطلقا صفة أو جامداً وصريح في أنه أراد بالمدلول المطابقي، وقد أورد عليه أنّ ما ذكره الشيخ من أنّ الاسم قد يكون عين المسمى الخ لا يتفرع على ما ذكره من أنّ مدلول الاسم هو الذات من حيث هي أم باعتبار أمر صادق عليه إذ لو كان الذات باعتبار أمر صادق عليه مدلول الاسم لكان لا محالة بهذا الاعتبار مسماه، فيكون الاسم عين المسمى كما إذا كان مدلوله هو الذات من حيث هي هي، وما نقل عن الشيخ من أنّ اسم الله علم للذات من غير اعتبار معنى فيه ممنوع، إذ قد اعتبر فيه المعبودية بحق، أو الاتصاف بجميع صفات الكمال كيف لا وذاته من حيث هي هي غير معقولة لنا كما لا يخفي، ثم إنّ ما نقله مخالف لما في الكتاب من أنّ الاسم الذي هو عين المسمى مدلوله الذات من حيث هي، ومن أنه أن أريد بالاسم الصفة فقد تكون عين الذات وغير. ولا عينه ولا غنره. والجواب أمّا عن الأوّل فهو أنّ تفريعه ظاهر لأن مراده بالمسمى ذات المسمى، وعينه لا مدلول الاسم مطلقا، وقد يستعمل ويراد به كل منهما والقرينة قائمة على أنّ المراد الأول. وأمّ الجواب عن الثاني فسيأني في عملية الجلالة الكريمة. وأمّا عن الثالث فالمخالفة إنما نشأت من الاختلاف في معنى كلام الشيخ أو من اختلاف الروأية عنه. ثم أنّ للقوم في تحرير محل الخلاف هنا وجوها أخر منها أنّ الاسم يطلق ويراد به اللفظ كما في كتبت زيد أو يطلق ويراد به المسمى كما في كتب زيد فإذا ورد ما يحتملهما من غير قرينة مرجحة كرأيت زيد فالقائل بالغيرية يحمله على اللفظ، وبالعينية على المسمى قيل وهو أحسن الوجوه ولا يخفي أنّ الموضوع له قمحداً المسمى، وأرادة اللفظ مجاز بوضمع غير قصدى مع أنّ ما ذكر لا مساس له بالأصول. ". ومنها ما ذكره الإمام وادّعى لطفه ودقته وهو أنّ لفظ الاسم اسم لك لفظ دال على معنى في نفسه غير مقترن بزمان ولفظ الاسم كذلك فيكون الاسم اسما لنفسه وعين مسماه وهذا إنما يصح لو كان النزاع في لفظ اسم ولا يصلح محلاً للخلاف حتى ينكره المعتزلة مع أنه مبنيّ على أق الاسم موضوع بإزاء كل فرد منه لا بإزاء المفهوم الكليّ أو على حمل المسمى على ما يطلق عليه عيناً كان أو فرداً وهذا لا يخص الاسم بل يجري في غيره كلفظ لفظ وككلمة كلمة ولفظ موضوع ونحوه، فلا حاجة إلى ما تكلف به بعضهم فمثله بضمير الغائب إذا عاد على مثله نحو هو زيد وهو ضمير غائب وهو تكلف بارد، ولو قيل أنه مخصوص بأسماء صفات الله، ولذا أطبقوا على ذكرها في الأصول وأنّ المراد أنّ وضعها هل هو للذات المقدسة أولاً وبالذات، والمعنى الوضعيّ مقصود بالتبع، أو وضعت لأمر كليّ، وهو ذات مّا متصفة بما دل عليه مأخذ اشتقاقها على ما حقق في الوضعيات، فعلى الأوّل يكون المقصود بالوضع أوّلا عين المسمى وذاته وعلى الثاني غيره لمغايرة الكلي للجزئيّ حقيقة، وليس المراد بالغيرة مصطلح الأشعري، وبعد كل كلام فلم نر في هذه المسألة ما فيه ثلج الصدور وشفاء الغليل. وللسهيليّ فيها كلام ادّعى أنه الحق وصنف في ردّه ابن السيد رسالة مستقلة لا يسع تفصيلها هذا المقام. وقوله: (كما هو الخ) إن كان نقل عن الشيخ في هذه المسألة أن المراد بالاسم الصفة فالكاف تتعلق بأريد كما في بعض الحواشي، والا فهو قيد للصفة كما ارتضاه كثر أرباب الحواشي، لكن قال بعض الفضلاء أن الظاهر أنّ الظرف متعلق بالإرادة دون الصفة، وهو

الموافق لما نمى عليه الشيخ في كتاب الصفات من أنّ الاسم هو الصفة، فما ذكروه مردود لأنه ناشىء من عدم الإطلاع، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وبقي هنا أمور كثيرة قصر مسافتها أليق بالرأي السديد ثم إنّ السبكي رحمه الله قال في كتاب القواعد: إنهم بنوا على هذه المسألة فروعا فقهية منها ما إذا قال اسملث طالق هل يقع به الطلاق أم لا. ومنها ما لو قال باسم الله لأفعلن كذا هل يكون يميناً أم لا، ومنه عرفت نكتة في تعقيب المصنف رحمه الله تعالى لهذه المسألة بما بعدها وهو. قوله: (وإنما قال بسم الله الخ) قيل إنه محتمل لوجهين: أحدهما: أن يراد لم يبدا باسم خاص من أسمائه تعالى، وبدأ بما يدلّ عليها اجمالاً. والثاني: أنه لم يتبرك بذاته تعالى بل تبرّك باسمه، وفيه أنّ قوله لأن التبرّك الخ يعين الثاني، وعلل بأنه الذي يتلبس به الفاعل ويأتي به دون الذات لتنزهها عن أن يتلبس بها أحد ويأتي بها، وقيل عليه، إنّ التلبس بالذات من حيث هي هي غير ممكن لكنه من حيث الاستحضار بالذكر ممكن، وردّ بأنّ مرجعه أيضا إلى الإتيان بالاسم، وهو أولى بالاعتبار، وظواهر النصوص دالة على أنّ الابتدأء بالاسم، وأمّا الاستعانة بالذات المقدس نحو بك استعين، فأكثر من أن تحصر وحقيقة الاستعانة كما مرج التوسل بمد خولها لتشريف المشروع فيه والاعتداد بشأنه، ولو كان فيه ترك أدب لم ينسب للاسم أيضا غايته أنه احترز عن إطلاق لفظ الآلة وتخلص منه بأنّ الشرع عين الاسم لذلك فاتغ، وتعين الاسم له ليس بصحيح ألا ترى قوله تعالى: {اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُواْ} [الأعراف: 128] وانما جاءهم هذا من عدم الفرق بين الاستعانة والآلية، وإنما يقتضيان الابتذال وهو غلط نشأ من التمثيل بكتبت بالقلم، والصواب أنّ الاستعانة طلب العون، وهي تتعدى بنفسها كما في {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وبالباء كما في اسنعينوا بالله، والاستعانة تسند إلى الله تعالى حقيقة، فيقال أعانني الله، وهو خير معين وسيأني تحقيقه في قوله: و {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فاحفظه فإنه معين على ما مرّ، وفي قوله لأنّ التبرّك الخ لف ونشر غير مرتب لأن التبرّك بناء لى أن الباء للمصاحبة والاستعانة على الوجه الأوّل وقدم المصاحبة وان كانت مرجوحة عنده لأنها أظهر فلا يقال كان الظاهر العكس، وبين اليمين والتيمن تجنيس، والتيمن تفعل من اليمن بالضم وهو البركة، وهو من اليمن لأنّ العرب تنسب الخير إلى اليمين والشرّ إلى الشمال، وبه فسر قوله تعالى: {تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} [الصافات: 28] أي تصدوننا عن فعل الخير، وقال قدس سرّه: لفظ ذكر في قوله بذكر اسمه للتصريح بالمراد، فإنّ تصدير الفعل باسم الله إنما يقع بذكره، ويقع على وجهين. أحدهما: أن يذكر اسم خاص من أسمائه تعالى كلفظ الله مثلاً. والثاني: أن يذكر لفظ دالّ على اسمه كما في التسمية، فإنّ لفظ اسم مضاف إلى الله يراد به اسمه تعالى، فقد ذكر هنا اسم لا بخصوصه بل بلفظ دال عليه مطلقاً فيستفاد أنّ التبرّك والاستعانة بجميع أسمائه والباء وسيلة لذكره على وجه يؤذن بجعله مبدأ للفعل، فهو من تتمته فبطل توهم أنّ الابتداء بالتسمية ليس ابتداء باسم الله، ثم قال: إن فائدة لفظ اسم تعميم التبرّك بأسمائه وتمييز التيمن عن اليمين فإنّ التيمن إنما يكون باسمه لا بذاته واسمه آلة لا ذاته واليمين إنما يكون به لا بأسمائه التي هي ألفاظ انتهى. وأورد عليه أمور منها أق بعض الأسماء لم يعهد فيها ذلك كالقهار والمذل والمتكبر ويدفعه أنه لا يلزم من التبرّك ونحوه بجميع أسمائه جملة أن يتأتى أو يحسن ذلك بها فرداً فرداً، ويدلّ عليه أنّ الأوّل واقع دون الثاني، فإنه ورد في الحديث: " أسألك بكل اسم هو لك أظهرت عليه أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك " (1 (وهو ظاهر ومنها أنّ اليمين أيضا باسمه تعالى لا بذاته كما في عامة كتب الفقه، وفي الهداية اليمين باسم الله، وقال الشرّاح: أي بهذا الاسم أو باسم آخر كالرحمن أو بصفة، من صفاته كالعزة والكبرياء وقد صرّحوا بأنّ الكفارة شرعت لدفع هتك حرمة اسم الله وهو شاهد لأنّ اليمين باسمه لا بذاته، فلا يتم الفرق المذكور وفيه ما فيه، وأيضا لفظ باسم الله يمين إذ نوى به اليمين وفي رواية ابن رستم عن محمد رحمه الله أنه يمين وأن لم ينو فلا يتم ما ذكر وهو قول للشافعيّ أيضاً رحمه الله بهما في قواعد السبكي، فلا يتوهم أنه غير وارد على المصنف رحمه الله لأنه ليس من مذهبه، وبقوله واسمه آلة لا ذاته على ما بيناه لك يسقط ما قيل من أنّ التبرّك، وان سلم أنه لا يكون

إلا بالاسم فالاستعانة لا تكون حقيقة إلا بالذات كيف لا وقد قال تعالى: {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فحصر مطلق التلبس، والاستعانة في الاسم ممنوع فلا أقل مما قاله بعض الفضلاء من أنّ الاستعانة، وإن كانت حقيقة بالذات إلا أنّ الطريق إلى تحصيلها لما كان ذكر اسمه جعل مستعانا به تعظيماً وان لم يكن مراد، فإنه ناشىء من عدم الفرق بين استعنت المتعدي بنفسه الذي معناه طلب المعونة منه، وبين المتعد بالباء المتعلق بغير ذوي العلم غالباً نحو: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البفرة: 153] . ومنها أن قوله فيستفاد أنّ التبرّك والاستعانة بجميع أسمائه ليس بمسلم وقد قال التفتازاني في شرح تلخيص جامع الخلأطي معنى إضافة الاسم إلى الله إن كان الاختصاص شمل أسماءه كلها، وأن كان الاختصاص وصفا نذاته المتصف بالكمالات المستجمع له الصفات فهو لفظ الله خاصة للإتفاق على أنّ ما سواه معان وصفات، وفي التبرك بالإسم غاية التعظيم للمسمى، وقيل إثالاسم صلة أتى به للتبرك وللفرق بينه وبين القسم قليل الجدوى، لأن الابتداء إنما هو بالاسم لا بالذات انتهى. وأمّا تصلف المورد على السيد السند هنا والبحث معه، بأنه إن أراد بالابتداء الذي ذكره الابتداء الحقيقي فلا يتم بما ذكره وان أراد الإضافي أو الأعم، فالتوهم باطل ولا يتفرّع بطلانه على ما ذكر مع أنه لا يتمّ أيضا إذا دلت البسملة على الاستعانة والتبرك بجميع أسمائه وبالله الرحمن الرحيم على وقوعه باسم واحد وهو ممنوع، ولا يصح إرادة اللفظ مع وصفه بالرحمن الرحيم، فالأولى أنه لم يقل بالله الخ لما فيه من إساءة الأدب بجعله تعالى آلة أو مصاحبا لفعل العبد فسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيأ لأنّ المراد الابتداء الحقيقي وعدم تمامه مكابرة ودلالته على جميع الأسماء من عموم الاسم المضاف أظهر من الشمس، والوحدة في مقابلة العموم واساءة الأدب لا تتوهم مع ما مرّ من أنّ معنى الآلية توقف الفعل أو الاعتداد به عليها وماكها التبرك والمصاحبة لا تنكر بعد التصريح بها في قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] فقد وضح الصبح لذي عينين وما على الأعمى من حرج. قوله: (ولم تكتب الألف) أي لم ترسم ألف اسم بعد الباء على ما هو مقتضى الظاهر من الرسم إذ الأصل في كل كلمة أن تكتب باعتبار ما يتلفظ بها في الوقف والابتداء، وفي الابتداء هنا يلفظ بالهمزة، وهي ألف لأنّ الألف كما في الصحاح لينة وغير لينة، وهي الهمزة فلا حاجة لما قيل من أنها سميت ألفا لأنها تكتب بصورتها قال أبو حيان رحمه الله: إن قلت باسم زيد، أو تبركت باسم الله تعالى ترسم الألف لأنّ الأوّل لم يضف إلى الله تعالى، والثاني ذكر فيه متعلق الباء وقال الدمامينيّ ما حاصله: إنه لا بد لحذف الألف من أمرين عدم ذكر المتغفق، واضافة لفظ اسم للجلالة وهل يثترط تمام البسملة فيه تردّد وظاهر كلام التسهيل اشتراطه قيل: وإنما طوّلت الباء عوضا عنها لتكون الباء بمنزلة ألف اسم الله، فيكون الابتداء ببسم الله ابتداء باسمّ الله فاعرفه، فإنه ليس من عمل الأفهام بل من مبذولات الإلهام، وهو من مبتذلات الأوهام وخصت هذ. الأسماء بالابتداء لأنّ الذات مقدّمة على سائر الموجودات فناسب الابتداء باسمها وهو الله كما مرّ وكذا الرحمن الرحيم لقوله: " سبقت رحمتي) (1) وهذه نكتة حسنة، وتحذف ألف الرحمن مع أل وبدونها وفي الكشاف قال عمر بن عبد العزيز لكاتبه طوّل الباء وأظهر السينات ودور الميم قال فدّس سره (2) : تحسيناً للخط ومحافظة على تفخيم اللفظ الذي أريد به الأسماء المعظمة ييهبرياء سيماها وهو إيماء إلى أنه لا دليل فيه على التعويض حتى يعترض عليه بذلك كما توهم والموجود في النسخ السينات بدل السنات وفيه مبالغة، كائنه جعل كل سِنَّة كسين في الظهور، وهو دفع لما قيل من أنه ليس في البسملة سينات بل سِنات لسين واحدة ولو أراد تعددها باعتبار أفراد البسملة لقال الباآت والميمات أيضاً. وأجيبّ بأنّ المراد من السين السئة تسمية للجزء باسم كله إذا ما عداه مطروح خطاً قيل وهو على طرف الئمام ومبناه على حرف واحد وهو أنّ السئات هنا جمع السّن لا جمع السين فإنه لا يقال في جمع سٍنّة سينات حذراً من الالتباس بالمصادر التي تجىء على يخغال كما قال الجوهريّ في دينار أصله دنار بالتشديد فأبدل من حرف التضعيف ياء لئلا يلتبس بالمصادر التي تجيء على يخغال نحو جمذب، ثم أنّ هذا القائل تجج وقال: هذا ما عنلإي في تحقق المقام، ولعمري إنّ اشتباه السين على هؤلاء الفضلاء شين تام فنعم

الكلائم كلائم أبي تمام كم ترك الأول للأخر، ولعمري إن في زوايا الأفكار خبايا، وفي أبكار الخواطر سبايا لكن قد تقاصرت الهمم، ونكصت العزائم فصار قصارى الآخر أن يتبع الأول، وهذا كما قيل في الياسمين لا يساوي تجفغة وقد قال عليه بعض فضلاء عصره الإبدال المذكور مخصوص بمغال الاسم بدون هاء وسنات يخغلات لا يخغال فما افتخر به ليس بصواب، وهذا كله صيد مق المفلاة ففي حواشي المالول الحسنية بعدما تنبه لهذا الاعتراض دفعه بقوله أبدل فيه أحد حرفي التضعيف لوقوعه في بناء ممتد ولما لم يتنبه شارحوه لهذه الدقيقة التجؤ إلى المجاز، وأنت خبير بأنه مشروطاً بالقرينة الصارفة والا ارتفع الوثوق، وأشار بقوله بناء ممتد إلى أنّ فعلات تشبه فعالاً في الامتداد والوزن العروضي، وأيده بقول الزمخشري في سورة الحديد في قراءة الحسن تيلآ بفتح اللام، وسكون الياء وحكاه قطرب بكسر اللام، ووجه بأنه حذفت فيه همزة أن وأدغمت نونها في لام لا فصار للإثم أبدل من اللام المدغمة كما في ديوان انتهى. ولا يخفى أنه بعد الإبدال يلتبس جمع السين بجمع السن، فإن قامت عليه قرينة، فهي بعينها قرينة المجاز، وهو مع بلاغته لاشتماله على نكتة أسهل مما تكلفه من ذلك الأمر الغير القياسي والقرينة هنا حالية، وهو أنّ في البسملة سنات لا سينات والجواب الممرض أظهر وإنما جمعها دون أخويها لأنّ لها أجزاء في الخط. قوله: (لكئرة الاستعمال) قيل الظاهر أنّ المراد كثرة الكتابة، فلما كثرت كتابته حذف تخفيفا على الكاتب كما خفف تلفظه به، وكثرة التلفظ لا دخل لها في الحذف الخطي فما قيل في شرحه لكثرة الاستعمال بحسب اللفعل والكتابة، وفيه نظر لأنه لا دخل للأوّل هنا ليس بشيء، فإنهما كالمتلازمين، وكل يناسب الآخر، فمثله لا ينبغي ذكره، والعلل لا يلزم إطرادها حتى يقال هذا يقتضي حذف ألف الله، قيجاب بأنها عوض، أو أنه لئلا يلزم الإجحاف لحذف ألفه الثانية خطاً، أو لئلا يلتيس بقولك لله مجرورا، وبشدّة الامتزاج به، وما ذكر هو المشهور، وهو منقول عن مكي (1) رحمه الله وقيل إنه لا حذف فيه وإنّ الباء داخلة على ييمم بكسر السين أو ضمها أحد لغات اسم كما مرّ، ثم سكنت سينه هربا من توالي كسرتين، أو انتقال من كسرة لضمة، وهو بعيد. قوله: (والله أصله إله الخ) اعلم أنّ في لفظ الجلالة باعتبار أصلها واشتقاقها وكونها عربية أو غير عربية أقوالاً واختلافالب كثير؟ حتى قالوا: كما تاهت العقلاء في ذاته وصفاته لاحتجابها بنور العظمة تحيروا في لفظ الله لأنه انعكس له من تلك الأنوار أشعة بهرت أعين المستبصرين، وقد قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه دون صفاته تخئز الصفات وضل هناك تصاريف اللغات ففيه أقوال لا تحصر اختار المصنف رحمه الله منها أربعة، وقال في الكشاف: الله أصله الإله قال: معاذ الإله أن يكون كظبية فحذفت الهمزة، وعوض عنها حرف التعريف فقيل عليه: إن كان أصله الإله معرفاً باللام لم يكن حرف التعريف عوض الهمزة، لما يلزمه من الجمع بين العوض والمعوض، ولذا قال أبو عليّ إنه كالعوض. وأجيب بأنّ حرف التعريف في الإله من الحكاية لا من المحكى فهو يعني أنّ أصله إله وإنما أدخل عليه حرف التعريف للحصر رداً على من قال أنّ أصله لاه إذ لم ئقل لاه إلا نادرا، ولو شلم أنها من المحكي ففيه مضاف مقدر أي لزوئم أو لازمية حرف التعريف، فلما رأى المصنف ما ورد عليه عدل عنه إلى قول أصله إله لأنه أسلم، ومعنى التعويض على رأي جماعة منهم المصنف أن يورد ما يكون عوضاً وعلى المشهور جعله عوضا وقيل المراد به اعتباره عوضا لا إيراده وهل حذث هذه الهمزة اعتباط على غير القياس، فلذا لم يمنع الإدغام وعوض عنها أل أو هو قياس بأن نقلت حركتها إلى ما قبلها ثم حذفت لالتقاء الساكنين الهمزة بعد نقل الحركة إلى اللام قبلها فلزوم الحذف والتعويض، وعدم منع الإدغام مع أنّ المحذوف لعله كالموجود من الأمور الشاذة التي اختص بها هذا الاسم الأعظم قولان أظهرهما الأوّل والمراد بالأصل هنا الأصل الإعلالي لا الإشتقاقي وعدل المصنف رحمه الله عن قول الزمخشريّ حرف التعريف إلى قوله الألف واللام، ليكون نصاً في تعويض الحرفين معا فيقتضي القطع، لأنه على القول بأنه اللام فقط يحتاج إلى أن يقال وتبغتة الهمزة كما في شروج الكشاف. هذا زبدة ما هنا من القيل والقال بعد طرح مقذمات منتجة للملال، وفيه

أنّ ما أجابوا به عن الزمخشري ليس بشيء أمّا كونه من الحكاية، فكيف يتأتى مع أن إنشا إه الشعر المذكور لإثبات تعريف المنقول عنه، ولو كان من الحكاية كان يضرب عنه صفحاً، وكذا ما زعموه من أنّ المعوض اللزوم، فإنه مع كونه خلاف الظاهر لأنّ تعويض الأمور المعنوية عما حذف لم يعهد، ويأباه أيضاً قوله إن المعرف باللام من الإعلام الغالبة، واللام لازمة في مثله كما صرحوا به، فالمحذور باق. فالصواب أن يقال إنّ المراد بالعوضية اعتبارها جزأ من الكلمة وعوضاً عن الهمزة لا الإيراد للعوضمية فاللام قبل الحذف للتعريف، ثم جردت عنه وصارت عوضاً، فلا عوضية قبل الحذف، ولا جمعية بعده كما في قولهم عدة أصله وعدة، ثم إنّ تعريفه بأل جار على القياس المطزد لكنه بعد الغلبة والشيوع الذي نزل منزلة العلم الشخص خفف، واستغني بمخمفه وهو الله عن الإله حتى صار كالفضالت المرفوض فما قيل من أنّ الشاعر اضطر فيه والضرورة تردّ الأشياء لأصولها، وفي إوادته العلم المردود إلى الأصل بحث لا مكان إرادة المعنى الوضعي وأيضاً في جعل الإله المعرف من الإعلام الغالبة خفاء إذ اسنعماله لا يوجد إلا قليلاَ، فكيف يكون من الإعلام الغالبة، ودعوى أنه كان منها قبل شهرة الله أيضاً غير ظاهرة من ترّهات الأوهام، ولغو الكلام الذي أوقعه فيه جمود الأفهام. قوله: (ولذلك قيل يا أدلّه بالقطع) أي لكونها عوضاً عن المحذوف قيل يا ألله بقطع الهمزة لأنها جزء من عوض الحرف الأصليّ مع أنّ كون المعوض عنه همزة قطع فيه تمائم المناسبة بينهما قطعاً. وتوفم أبو علي أنها أيضاً عوض فيئ- الناس إذ لا يقال الأناس في السغة وزدّ بكثرة استعمال ناسق ئنكراً دون لاه، وبامتناع يا ألناس دون يا ألله كذا قال المحقق ودفع الأخير بقول الرضى: إنما جاز يا ألله بالقطع لاجتماع شيئين في هدّا لزومها الكلمة إلا نادراً كما في لافة الكتار، وكونها بدل همزة إله، وأمّا النجم وأمثاله فلامها لازمة لكنها ليست بدلاً من الفاء وأمّا الناس، فاللام عو ضمن الفاء إلا أنها ليست لازمة إذ يقال في السعة ناس هذا وانما اختص القطع بالنداء إذ هناك يتمحض الحرف للعوضية بلا شائبة تعريف للاحتراز عن اجتماع أداتي التعريف وفي غير النداء يجري الحرف على أصله، ثم أنه قيل أنّ كلام المصنف رحمه الله يحتمل أن يكون بياناً لعلة اجتماع أداتي التعريف والقطع معاً وأن يكون للقطع وحده والأول أوجه وان كان الثاني هو الظاهر من العبارة يعني أنه كان القياس أن لا يدخل عليها بالعدم اجتماع التي التعريف، واذا دخلت تسقط الهمزة في الدرج كما في غير هذه الكلمة لكن أدخل عليها حرف النداء، ولم تسقط الهمزة لأنه صار عوضا، فيضمحل عنه معنى التعريف والعوض لا يحذف غالباً إن صار جزأ والجزأ لا يحذف في الدرج كاكرم وتجغل المصنف العوضية علة إذ المراد العوضية على سبيل الجزئية كما فحن فيه، وان سلم فالمراد أنه علة ناقصة لا علة نامة، ولا يتوهم أنّ الأصل عدم الجمع والقطع، فاذكر يعارض الأصل فتساقطاً فلم رجح ذلك لما عرفت من أنّ فيه نكتتين على أنّ ذلك غير متوجه إذ لا يلزم الترجيح بين النكات بل يكفي الإرادة، ولذا قد يراعي الأصل مع وجود تلك النكتة ولا مقتضى للعدول فإن قلت كان يجب القطع في غير النداء لوجود علته. قلت: قد روعي فيه جانب الزيادة والأصالة فروعى الأصل تارة والتعويض أخرى، فإن فلت قد مرّ أنّ فيه نكتتين لعدم الحذف، فكيف رجحوا جانب الأصل المرجوح. قلت: قيل إنه لا يلزم البليغ رعاية الأرجح والأبلغ وله العدول عنه كما في شرح الفوائد النياثية وفيه أنّ قول أهل المعاني إن كذا يذكر لكونه أصلاً ولا يقتضي العدول يقتضي أنه لا يجوز مع وجود العارض رعاية الأصل لضعفه، فكيف جوز ذلك إلا أن يحمل على أن المراد ان لم يخالف مقتضى الحال، وقال المحقق التفتازاني رحمه الله: قد يقال في قطع الهمزة إنه نوى فيه الوقف على حرف النداء تفخيما للاسم الشريف، ونقله بعضهم عن سيبويه رحمه الله وقيل في توجيهه إنّ المعالم الجليل القدر ئغذ نداؤه باسمه من سوء الأدب، فلذا جعل النداء " لمحالمنقطع عما بعده والاسم الكريم كأنه غير منادى لا يقال إنه قد ورد نداء الله تعالى في الحديث الشريف كثيراً وفي المأثور يا رحمن الدنيا والآخرة (11 لأنّ النداء بالوصف المادح ليس كالنداء بالعلم المجرد والمقصود من النداء كالخطاب التوجه إلى الله بقلبه وقالبه، ليقبل عليه يإحسانه، ولطفه فالمراد بالتفخيم إمّا تعظيم مسماه

بالتأني في دعائه أو اسمه بإثبات حرف المد وتفخيم لامه وإبقاء حروفه، ولو وصل فات بعض هذا والثاني هو المراد والأمر فيه يختلف باختلاف المقام، والعبارة ناطقة بخلاف ما قاله القائل، ثم قطع الهمزة في النداء أكثري كما ذكره الرضى، وتجغل عقة القطع العوضية لا اللزوم لأنه غير كاف بدليل قوله: بحقك يا التي حيرت قلبي بالوصل وبعضهم جعل العلة العوضية واللزوم فتدبر. قوله: (إلا أنه يختص بالمعبود ، لحق الخ) يعني أنه بعد التغيير والحذف اختص بالمعبود بالحق بحيث لم يستعمل في غيره أصلاً وصار المراد به الذات كما في سائر الإعلام فصح التوحيد والغلبة كما قال الشارح المحقق أن يكون لففظ عموم فيحصل له بحسب الاستعمال خصوصية لشيء بمعنى زيادة اختصاص إمّا إلى حد التشخص فيصير علما كالنجم أو لا فيصير اسما غالبا كالسنة أو صفة غلابة كالرحمن ثم أنّ الغلبة بحسب الاصطلاح أعم من أن تستعمل أوّلاً في غيره أو لا تستعمل أصلاً وهي في الأول تحقيقية كالإله والنجم وفي الثاني تقديرية، وقياسية كالذترّان (1) والله ولا عبرة بما قاله الأستاذ الخال من أن غلبة ألله تحقيقية، وان اسندل عليه بما لا يجديه وكلام المصنف رحمه الله مخالف لما في الكشاف من جعله اسم جنس لا وصفاً، فمن توهم أنه بمعناه، وأنّ قوله المعبود لم يرد به أن مرادف له ليكون صفة فينا في أنه اسم غير صفة فقد غفل عما ذكر ولا ينافي غلبة الإله قلة الاسنعمال فإنه يكفي أن يكون غيره أقل منه، فسقط ما قيل من أنّ في الغلبة مع ندرة الاسنعمال خفاء. ثم إنّ كلام المصنف رحمه الله محتمل لأن يكون المراد أنّ الإله المعرف باللام يقع على كل معبود وغلب على المعبود بحق أي على ذاته المخصوصة فصار علماً بالغلبة ينصرف إليه عند الإطلاق، ثم أكد الاختصاص بالتغيير فصار مختصاً به فالإله المعرّف قبل الهمزة وبعده علم لتلك الذات إلا أنه قبل الحذف قد يطلق على غيره وبعده لا يطلق أصلاً وهذا ما اختاره فذس سره، ويحتمل أن تكون اللام للعهد إشارة إلى الأصل المذكور أوّلاً فيكون المراد أنّ إلهاً المنكر مستعمل للمعبود مطلقاً والمعرف صار بالغلبة مختصاً بالمعبود بالحق بدون أن يصير علماً والله علم لذات معين هو المعبود بالحق سبحانه وتعالى وهذا ما اختاره السعد وحمل عليه كلام الكشاف، واستشهد له بتنكيره الحق في الأوّل وتعريفه في الثاني وذكر أنّ الإله اسم لفهوم كليّ هو المعبود بحق والله علم لذات معين هو المعبود بالحق تبارك وتعالى وبهذا الاعتبار كان قولنا لا إله إلا الله كلمة توحيد وقال قدّس سره أنّ الاستشهاد المذكور لا يجديه نفعاً لأن المفيد لتعين ذات المعبود أو عدم تعينه تعريفه أو تنكيره، ولا مدخل في ذلك لتعريف الحق ولا تنكيره كما في قولك جاء الذي له عليك الحق أو الذي له عليك حق، وتأييد بكلمة التوحيد في غاية الضعف لاقتضائه اختصاص المنكر بذلك المفهوم الأخص، وبطلانه ظاهر قال ولا يشتبه على أحد أنّ المقصود من قوله على كل معبود هو الذاهت المعبودة لا المفهوم المتبادر لها، واللام في قوله على المعبود بحق إشارة إلى بعض تلك الذات المعبودة لا إلى مفهوم أخص من مفهومه الأصليّ، ولما كان المراد بلفظ الحق مفهومه المقابل للباطل، ولا تعدّد فيه فلا حاجة إلى تعريفه ذكره ثانياً منكراً أيضاً، وعرفه ثالثا تفنناً فكان الثالث أولى لتقدم ذكره مرتين وئو عرف الأوّل وقال: على كل معبود بالحق لم يتعين المقصود من المعبود انتهى ولا يخفى عليك أنّ الباء في قوله بالحق باء الملابسة وملابسة العبادة للحقية بمعنى اتصافها بها وكون العبادة حقة تستلزم حقية المعبود، وهي المراد هنا بطريق الكناية، فإن المقصود منه أنه المعبود الحق وتغيراً لحق بتعريفه تعين للمعبود وهو تشخصه فيقتضي أنّ المراد منه الذات المقدّس الموجود في الخارج وتنكيره بقرينة المقابلة يقتضي إرادة المفهوم لأن المعبود الحق واجب التوحيد فكليته باعتبار مفهومه لا باعتبار أفراده وهو لا غبار عليه ويؤيده ما نبه عليه المحقق رحمه الله من تمثيله له بالسنة ولا شبهة في عدم علميتها، ولذا قال رحمه الله: وأمّا تشبيه الإله بالنجم وغيره من الأعلام فليس في العلمية بل في مجرّد الغلبة سواء انتهت إلى حد العلمية أو لا. ألا ترى أنّ السنة ليست علماً شخصيا ولا جنسياً إذ لا ضرورة تدعو إليه، وجواب الشريف عنه بقوله أما السنة فظاهر التثبيه يقتضي كونه علماً كسائر أخواته، إلا أن فيه مانعا مخصوصاً يخرجها عن ذلك إذ لا يفهم منها معنى شخصي حتى تجعل من أعلام الأشخاص، وليست

فيها ضرورة ملجئة إلى جعلها علماً جنسياً اعتراف منه بوروده، فذكره في صدد الجواب من العجب العجاب وأما ما ذكره في تفسير كلمة التوحيد من قوله: أي لا معبود بحق إلا ذلك الواحد، فلا يقتضي ما أورده عليه لأنه تأييد لعلمية الله وهو لا يقتضي اختصاص المنكر، وهو من قبيل العام المخصوص بقرينة، ولذا فسره بذلك كما بين في محله، وما ذكره في توجيه التنكير غير لائق بنظره اللطيف، ومقامه الشريف، وقيل في الجواب عما قاله الشريف إنّ ما قاله السعد في غاية القؤة والمتانة، وتقريره أنّ الشارع جعل هذه كلمة توحيد وهو مستلزم لكون الله علما لما ذكرنا مما لا مجال لمنعه كما سيأتي تحقيقه وإشارة تعريفه وتنكيره لما ذكره ليست مبنية على الوضع اللغوي والمعنى الأصلي بل هي من نكات البلاغة والاعتبارات المناسبة فحيث لم يكن في المعنى تعين بوجه لم يورد في الكلام تعريفاً أصلاً، فقلت اسم الله يقع على كل معبود بحق أو باطل فإذا حصل بالعلمية تعين ما أورد في الكلام المعبر عنه تعريفاً، فقال: ثم غلب على المعبود بحق، فإذا ازداد التعريف زاد فيه تعريفاً، ولا يخفى على المنصف أنه اعتبار مناسب صالح لكونه، إشارة لما ذكره ولا يرد عليه ما أورده قدس سره نظراً إلى الوضع اللغويّ مع أنّ قوله لا مدخل في ذلك لتعريف الحق، وتنكيره محل نظر إذ تعريفه إذا كان إشارة إلى الحق المختص بالله تعالى يفيد تعين ذات المعبود إفادة تامّة واضحة، فلا يصح القول بأنه لا مدخل لتعريفه وتنكيره في ذلك، ولا يخفى أنه لا معنى له، فإنّ نكات البلاغة لا بد لها من دليل في الكلام وضعي أو تابع له، فلا تثبت بمجرّد التشهي، وقد عرفت ما يغنيك عن مثله، ثم إنّ قوله: إن مفهومه المقابل للباطل لا تعدّد فيه ممنوع سواء أراد في نفس الأمر، أو في الذهن وعند العقل* تنبيه: كان عندي فيما قاله الشيخان هنا في لفظ الله، وما فيه للشراح من قيل، وقال شبه لم أبدها تأدّبا حنى رأيت ابن مالك رحمه الله في شرح التسهيل صرّح بها حيث قال الله من الأعلام التي قارن وضعها أل، وليس أصله الإله كما زعموا بل هو علم جامع لمعاني الأسماء الحسنى كلها، ولذا يقال لكل ما سواه الله بلا عكس، ولو لم يرد على من قال أصله إلا له إلا انه ادّعى ما لا دليل عليه لكان ذلك كافياً لأن الله، والإله مختلفان لفظاً ومعنى، أمّا لفظاً فلأنّ احدهما معتل العين والثاني مهموز الفاء صحيح العين واللام، فهما من مادّتين فرذهما إلى أصل واحد تحكم من سوء التصريف، وأمّا معنى فلأنّ الله خاص به تعالى جاهلية واسلاما والإله ليس كذلك لأنه اسم لكل معبود ويوضحه قول الأنصاري: باسم الإله وبه بدينا ولوعبدناغيره شقينا ومن قال: أصله الإله لا يخلو حاله من أمرين لأنه إمّا أن يقول الهمزة حذفت ابتداء ثم أدغمت اللام، أو يقول نقلت حركة الهمزة إلى اللام وحذفت على القياس، وهو باطل لأنه ادعاء حذف بلا سبب ولا مشابهة ذي سبب من ثلاثيّ فذكر الفاء تنبيه على أنّ حذفها ابتداء أشد استبعاداً من حذف العين واللام لأنّ الأواخر وما يتصل بها أحق بالتغيير، وقولي بلا سبب تنبين على أنّ الفاء قد تحذف لسبب كواو عدة مصدر يعد حمل المصدر على الفعل فحذف للتشاكل، وقولي ولا مشابهة ذي سبب كرقة بمعنى ورق حذفت فاؤه بلا سبب لشبهه بعدة وزنا، إعلالاً ولو أنّ رقة بمعنى ورقة لتعين الحاقة بالثنائي المحذوف اللام نحو لغة، فإن قيل قد حذفت الفاء بلا سبب في الناس فإن أصله أناس، قلنا لو صح أنّ الناس مفرع على أناص لم يجز أن يحمل عليه غيره لأن الحمل عليه زيادة في الشذوذ وكثرة مخالفة الأصل بلا سبب ملجىء لذلك، فكيف والصحيح أن ناسا في أناس بمعنى من مادّتين مختلفتين نوس وأنس كاوقية ورقية وأمثاله كثيرة، وأمّا ادّعاء نقل حركة همزة إله إلى اللام فأحق بالبطلان لأنه يستلزم مخالفة الأصل من وجوه. أحدها: نقل حركة من كلمتين على سبيل اللزوم ولا نظير له. والثاني: نقل حركة همزة إلى مثل ما بعدها فيوجب اجتماع مثلين متحرّكين، وهو أثقل من تحقيق الهمزة بعد ساكن لأنّ اجتنابه في الكلام آكد، وهو ملتزم إلا في أفعال الروية لأنّ العرب تلتزمه إلا تيم اللات. ، الثالث: من مخالفة الأصل تسكين المنقول إليه الحركة فيوجب كونه عملاَ كلا عمل وهو بمنزلة من نقل في بض، ولا يخفى ما فيه من القبح مع كونه في كلمة، فما هو في كلمتين أمكن في الاستقباح

وأحق بالإطراح. الرابع: إدغام المنقول إليه فيما بعد الهمزة، وهو بمعزل عن القياس لأن الهمزة المنقولة الحركة في تقدير الثبوت فإدغام ما قبلها فيما بعدها، كادغام أحد المنفصلين وقد اعتبر أبو عمرو رحمه الله في الإدغام الكبير الفصل بواجب الحذف نحو يتبع غير فلم يدغم فاعتبار غير واجب الحذف أولى، ولأجل الاعتداد بالمحذوف تخفيفاً جاز أن يقول في إغدودن من وأل وول بتقدير واوين، وأصله وأوأل ثم نقلت حركة الهمزتين إلى الواوين واغتفر تقديرهما دون قلب أولاهما همزة لانفصالهما بالهمزة تقديراً وهذا مثل ما ندر في لكن أنا إذ قيل فيه لكنا إلا أنّ هذا ليس ملتزما، ثم زعم أن أصل الله إله يقول الألف واللام عوض من الهمزة، ولو كان كذلك لم يحذفا في لاه أبوك أي دلّه أبوك إذ لا يحذف عوض ومعوض في حالة واحدة، وقالوا لهي أيضاً فحذفوا لام الجرّ والألف واللام وقدّموا الهاء وسكنوها فصارت الألف ياء، وعلم بذلك أنّ الألف كانت منقلبة لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فلما وليت ساكنا عادت إلى أصلها، وفتحتها فتحة بناء، وسبب البناء تضمين معنى التعريف، هذا قول أبي علي وهو عندي ضعيف لأنّ الألف واللام في الله زائدة مع التسمية مستغنى عن معناها بالعلمية، واذا حذفت لم يبق لها معنى يتضمن، والذي أراه أنّ لهي مبنى لتضمن معنى حرف التعجب وإن لم يكن له حرف موضوع كما قالوه في اسم الإشارة يعني أنه من المعاني التي حقها أن يوضع لها حرف إذ لا ئقع لهي في غير التعجب، وهو مع بنائه في موضع جرّ باللام المحذوفة واللام ومجرورها في موضع رفع خبر، وأبوك مبتدأ انتهى. ما قاله ابن مالك ملخصا، وفي شرح ناظر الجيش أنه لا مريد عليه في الحسن والتحقيق إلا أنّ في ردّه على أبي علي في سبب بناء لهي أبوك نظراً لأنه حكم بزيادة الألف واللام، وليس القول بزيادتها متعينا عند أبي علي فيلزمه ما ألزم به بناء مثل انتهى. وبهذا علم أنّ كلامهم مع مخالفة القياس مبنيّ على غير أساص فأعرفه. (أقول) : هذا زبدة ما قالوه. وأنا أقول إنّ الخلاف فيه مبنيّ على خلاف آخر ذكره ابن الشجري في أماليه، وهو أن جمهور البصريين ذهبوا إلى أنّ أناساً وناسا من مادّة واحدة وهي أنس لاً نس بعضهم ببعض، وناس وزنه عال وبنوا عليه ما تقدّم تبعا لسيبويه، والقول الآخر ما ارتضاه الكسائي والفرّاء، وكثير من النحاة أنهما ماذتان مختلفتان معنى ومبنى فأناس من أنس وناس من نوس بمعنى تحرّك، واستدلوا بتصغيره على نويس دون أنيس، وعليه بنى ما قاله ابن مالك ومن تبعه وهو عندي أوضح معنى وأقوى دليلاً، وجوابهم بأن ألفه لوقوعها ثانية عوملت معاملة الزائدة في التصغير تكلف لا داعي له عندي، وهو الحق الحقيق بالقبول. قوله: (واشتقاقه من أله الخ) ما مرّ بيان لأصله الإعلاليّ، وما يترتب عليه، وهذا شروع في بيان أصله الاشتقاقي، وقد اختلفوا فيه فقيل إنه غير مشتق، وقيل مثتق، وفي المشتق منه أقوال اختار منها المصنف أنه من أله بفتح الهمزة واللام، فإن قلنا بأن المشتق مته الفعل فهو على ظاهره، والا فهو بتقدير مضاف أي من مصدر إله أو المراد أنه مأخوذ من هذه المادة ومصدره إلاهة بزنة عبارة، وألوهة بالضم كنبوّة، وألوهية بالضم والياء المشددة كعبودية وتأله واستأله بمعنى تعبد وانقطع إلى الله، وضمير اشتقاقه المضاف إليه راجع لأصل الجلالة، وعبد بفتحتين كما قيد في نسخ الجوهري او هو مجهول، كما قيل لأن الظاهر من كلامهم أنه متعد لالازم يعين أنّ إلها فعال بمعنى مألوه اي معبود فهو صفة مشبهة ككتاب بمعنى مكتوب، وامام بمعنى مؤتم به، وهذا منقول عن المصنف هنا، وفعال قد يكون اسم ا-لة سماعاً كركاب لما يركب به وهو كثير وخالف المصنف رحمه الله الزمخشري فيما اختاره من أنّ الفعل وبقية المادّة هنا مشتقة من ازله اسم العين كاستجمر واستنوق وتجوهر لأنه على خلاف القياس لا سيما في الثلاثيّ، كأبل إذا أحسن رعي الإبل والقيام عليها، والمعروف كون معنى المشتق منه مراعى في المشتق، وهذا بالعكس إلى غير ذلك مما فصل في شرّاح الكشاف وذهب الإمام المرزوقي وصاحب المدارك إلى أنّ الإله مصدر كالإلاهة، وهو خلاف المشهور، ولا وجه لما قيل عليه من أنه لم يوجد في اللغة مع أنّ المرزوقي أمام أهلها فكفى به مقتدى. قوله: (وقيل من إله إذا تحير الخ) أله يأله في هذا وفيما بعده

كفرح يفرح، وضعفه إمّ لأنّ الأصل في الإشتقاق أن يكون لمعنى قائم بالمشتق، والحيرة قائمة هنا بالخلق لتحيرهم في ذاته وصفاته أو لكون أله بهذا المعنى واوي عند أهل اللغة كالجوهريّ وغيره، فعدّه أصلاَ آخر لا وجه له لأنّ همزته مبدلة من الواو، وإن ذهب بعض أهل اللغة إلى أنها أصلية، وعليه صاحب القاموس حيث ذكره بهذا المعنى في المادّتين، والقول بأنه اشتقاق كبير بعيد إذا النزاع في الصغير فإن سلم إبدالها من الواو اتحد الوجهان، ومن حاول إثبات التغاير بينهما زاد في الشطرنج بعلة، وقوله: (في معرفته) أي في معرفة الله، والظاهر في معرفة الأله لأن الكلام في اشتقاق أصل الجلالة، إذ لا وجه لكون الأصل مشتقاً من غير ما اشتق منه الفرع، ولا لكونهما من أصل واحد كما قيل، فتحير العقول في مطلق المعبود لاتخاذ اكهة شتى وزعم كل أنه على الحق، أو المراد التحير في معرفته تعالى والكفرة، وإن أثبتوا شركاء معترفون بأنه إله الآلهة وأعظمها. قوله: (أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه) سكن إليه بمعنى استأنس من السكون، وعدم الإضطراب، أو هو مجاز من السكنى، ومته السكن بفتحتين، فإنه ما يؤلف من نحو الصديق والأهل والحبيب والمنزل قال: ". سا بارقا أذكرالحشى سكنه منزلنا بالعقيق من سكنه ويقال ألهنا بمكان كذا أي أقمنا قال: ألهنا بدار ما تبيد رسومها كأنّ بقاياها وشام على يد وقيل: إنه ذكر في اللباب بعد ذكر السكون الثبات، واستشهد له بهذا البيت، فاللائق للمصنف ذكر الثبات أيضاً بعد السكون ليكون الإطمثنان مرتبطاً بالأول والسكون وبالثاني، ولا وجه له رواية ودراية والهنا في البيت بمعنى سكنا فهو لغو من القول. قوله: (لأن القلوب تطمئن بذكوه والأرواح تسكن لمعرفتة) يقال اطمأن يطمئن اطمئنانا وطمأنينة بمعنى سكن، وهو مطمئن إلى كذا وذاك مطمأنّ إليه، فهو حقيقة في المكان واطمئنان القلب، والنفس مجاز كما في الأساس، ومنه النغس المطمئنة إلا أنة شاع حتى صار حقيقة في استقرارها بزوال القلق والاضطراب، وهو لا يتاتى تعالى الله، فلذا قدم المتعلق للحصر في قوله: {أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] أي لا بغيره فإن الطمأنينة لما عداه غرور والثقة به مجز واستهداف للبلاء، وطمانينة القلب والنفس بمعرفة الله والتسليم له منقادة بزمام الطاعة وحينئذ تصل الروح بنور المعرفة إلى مستقرّها في مقعد صدق، فإن قلت كيف يتأتى هذا الوجه فى الآلهة الباطلة وصرفه إلى إطلاق الإله عليه تعالى غير مناسب للسياق والسباق قلت: قد قيل فى دفعه إنه لا يبعد أن يكون ملحوظ واضع اللغة في وضع الإله للمعبود اطمئنان القلوب بذكر المعبود الحق لما مرّ من الحصر، ثم استعمل في الآلهة الباطلة بعد عبادتها على زعمهم أو لاعتراف الكل به كما قيل، ومن العجب ما قيل إنّ الأحسن أن يقال كل شيء يطمئن تحت فغائه، ولا يستطيع أن يضطرب في دفع امضائه، وقيل: إنّ هذا بالنسبة إلى المعبود بحق لعد ما سواه كالعدم وفيه نظر لا يخفى. قوله: (أو من أله إذا فزع الخ) في الأساس فزعت إليه فأفزعني أي أزال فزعي، وفزع عن قلوبهم كشف، وقال الراغب: الفزع انقباض، ونفار يعترى الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الفزع، ولا يقال فزعت من الله كما يقال خفت منه، وفزع إليه استغاث به عند الفزع وفزع له أغاثه انتهى. ففزع إليه بمعنى لجأ واله فعال بمعنى مفعول أي مفزوع إليه، وأفزعه وفزعه يكونان للسلب وآلهة بالمد مزيد أله وأصله " لهه بمهمزتين أبدلت الثانية ألفاً علي القياس قيل وفي ذكره آلهه المزيد إشارة إلى صحة اشتقاق الإله منه، فيكون فعالاً من الأفعال بمعنى الفاعل، وكلاهما منظور فيه وليس بشيء إذ الظاهر أنه لم يقصد ما ذكره، وإنما أشار إلى كثرة مجيء مادّته ني معنى الفزع، وما يتبعه كالسلب وقيل إنه يعني أنه مأخوذ منه أخذ الوجه من المواجهة باعتبار اللزوم، وحاصله تحقق العلاقة بين الإله وإله ولازمه أيضا ولا يخفى ما فيه، وانما قال حقيقة أو بزعمه ليشمل الإله الحق والباطل، لأنّ الزعم بتثليث أوّله، وان كان بمعنى الظن غلب امتعماله في الباطل، ولم يصرّح به فيما قبله إمّا لظهور أنه جار ذلك فيه بطريق

المقايسة، أو لأنّ ذاك واقع بخلاف الإغاثة، فإنها غير واقعة، وفيه نظر لما مرّ قيل: ويمكن أن يكون كلاهما ناظرا للحق بناء على ارجاع ضمير اشتقاقه لله، فإنه تعالى لا يجبر كل أحد لكن كل أحد يزعم ؤلك، ثم إن إيراد المصنف لهذا في مقابلة وله الواوي مشعر بأنّ الهمزة فيه أصلية كما في القاموس، وهو مخالف لما في التيسير من تفسيره، وله بفزع إلا أن يثبت الترادف. وقوله: (إذ العائذ) تعليل وتوجيه لاشتقاقه وهو من العوذ بالعين المهملة والذالط المعجمة بمعنى الالتجاء، وإنما ذكره توضحيا وتحقيقاً له إذ من شأن من يفزع من أمر أن يلتجىء لمن يخلصه منه وهو كبيره، فما قيل من أنه لا دخل لوصف العياذة هنا، وإنّ قوله يفزع إليه ناظر إلى المعنى الأوّل، وهو يجرّه إلى الثاني من ضيق العطن فتدبر. قوله: (أو من إله الفصيل الخ (الفصيل هو رضيع الإبل، وأولع وولع بمعنى لازم محبتها وألح في اتباعها وأله بمعناه إذا أسند إلى الفصيل والعباد الظاهر أنه بكسر العين وفتح الباء المخففة جمع عبد، وجوّ ز بعضهم ضم عينه وتشديد بائه على أنه جمع عابد، ومولعون جمع مولع بضم الميم وفتح اللام قال في الصحاح: أولع به فهو مولع به بفتح اللام أي مغرى به، فلا يفارق جنابه والتضرّع التذلل والخضوع والشدائد جمع شديدة، وهي المصيبة وكل ما يصعب ويشتد، وأولع في بعض النسخ بالهمزة من المزيد ووقع في بعض الحواشي ولع بدونها قال: وكان المناسب أن يقول إذ العباد والعون لكنه لم يستعمل والع بل مولع والباء صلة مولع ولا حاجة إلى ما قيل من أنها سببية لمن له أدنى تأمّل وضمير إليه إن رجع إلى الإله مطلقاً كان شاملاً للفريقين، ولا مانع منه وان رجع إلى الله كما هو المتبادر فقدم ذكره لما مرّ من كونه حقيقة أو على زعمهم، وعلى الوجه الأوّل فيه إشارة إلى هذا التخصيص لأنهم كانوا إذ أنزل بهم ما يدهشهم لا يلجؤن إلا إلى الله كما قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ} [الأنعام: 40] وقيل: فيه اكتفاء عن عبدة غير الله تعالى للعلم بحالهم، ولا يخفى بعده. قوله: (أو من وله إذا تحير إلخ الم يذكر وجهه لعلمه مما مرّ وفيه تصريح بأنّ أله ووله لغتان لا أنّ أصل أله وله كما ذكره الجوهريّ رحمه الله، ولا أنّ بينهما فرقا لأن هذا التحير من تخبط العقل أي اختلاله، وذاك لكماله حيث دهش في عظمته لأنه خلاف الظاهر، وان ارتضاه بعض المتأخرين، والتخبط تفعل من الخبط، وهو الضرب بالأرض ونحوه أريد به فساد العقل من الخباطة بالضم، وهي شيء كالجنون قال تعالى: {الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] وسيأني تحقيقه. قوله: (وكأنّ أصله ولاه الأن إبدال الواو المكسورة في أوّل الكلم همرة مطرد في لغة هذيل، كما في التسهيل، ولم يجزم به لعدم سماع ولاه إن كانت العبارة كأنّ بفتح الكاف والهمزة وتشديد النون، ويجوز أن يكون مخففاً بالألف ماضي كان الناقصة وما قيل من أنه لا يصح لأنه يجب حينثذ نصب ولاه ورسمه بألف وليس كذلك هو في النسخ ليس بشيء لأنه يجوز حكاية لفظه كما في بعض الحواشي فيمنع صرفه، وقوله وقيل إله عطف على قوله فقلبت وتقديره فقلبت ثم حذفت إن كان الضمير لله كما مرّ. قوله: (ويردّه الجمع الخ (يعني لو كان أصله ذلك سمع فيه أولهة كأوعية لأنّ الجمع يردّ الأشياء إلى أصولها، ويبعد قلب الواو ألفا إذا لم تتحرّك لمخالفته القياس، فلا وجه للتوجيه به كما قيل وما قيل من أنه لتوهم كون الهمزة أصلاَ لعدم استعمال ولاه، وشيوع إله لا يدفعه، بل يحققه لأنه خلاف الظاهر. قوله: (وقيل أصله لاه الخ (هذا معطوف على قوله والله أصله إله الخ والضمير راجع إلى الله لا إلى الإله، وان جاز لأنه إذا كان هذا أصل إله لزم كونه أصل الجلالة أيضا، لأن أصل الأصل أصل ولاه مصدر، وفي بعض كتب اللغة لا يليه ليها إذا احتجب ولاه يلوه إذا ارتفع والمصنف رحمه الله جعلهما أي الارتفاع، والاحتجاب معنيين من مادّة واحدة، وبينهما على طريق اللف والنشر وهو ظاهر، وليس المراد أنه مستعمل فيهما معا بناء على مذهبه في المشترك بل صحة النقل من كل منهما، وهذا المذهب منقول عن سيبويه رحمه الله بناء على ما حقق في كتب اللغة، وقال ابن خروف: إنه منقول من لفظ متوهم كباب، وهو مقلوب من وله لأن باب لوه وليه ليس في كلام العرب كما قاله السيوطي، وقيل: لاه يليه بمعنى ارتفع ليس بلغة. قوله: (لآنه تعالى محجوب الخ) هو بيان للأوّل قال:

لاهت فما عرفت يوماً بجارحة يا ليتها خرجت حتى رأيناها وقد اعترض عليه بما قاله الإمام من أنّ حقيقة الصمدية محتجبة عن العقول، ولا يجوز أن يقال محجوبة لأنّ المحجوب مقهور وهو العبد، وأمّا الحق فقاهر ففي عبارة المصنف رحمه الله قصور أو خطأ، والصواب محتجب كما في بعض النسخ، وهكذا قاله الفاضل الليثي وغيره (وأئا أقول) في حكم ابن عطاء الله نفعنا الله به الحق ليس بمحجوب إنما يحتجب عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو لوجوده قاهر، وهو القاهر فوق عباده انتهى. وفي الشفاء ما وقع في حديث الإسراء من ذكر الحجاب هو في حق المخلوق لا في حق الخالق، فهم المحجوبون والباري جل اسمه منزه عما يحجبه، والحجب إنما يحيط بمقدر محسوس، ولكن حجبه عن أبصار خلقه وبصائرهم، وإدراكاتهم بما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء لقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 5 ا] انتهى. يعني أنّ الحجاب حقيقته المنع والستر، وانما يكون في الأجرام المحدودة، والله تعالى منزه عن ذلك، فهو إمّا تمثيل لمجرّد المنع عن رؤيته تعالى مشاهدة، وإحاطة أو هو في حق المخلوق دونه، حينئذ فالمحجوب يطلق على الخلق حقيقة، لأنهم حجبوا عن رؤيته أو قربه، أو نحو ذلك كما في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} فإن أسند إليه تعالى كما ورد في الأحاديث، فهو تمثيل لارتفاع شأنه وعظمته كما صرحوا به، أو مجارّ عن منعه لهم فهو مانع وممنوع وانما الممنوع منع ما سواه له وفي الدرر والغرر لعلم الهدى قذس سرّه في قوله تعالى: {مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الشورى: 51] أنه تعالى يوصف بالحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور والعرب تستعمله بهذا المعنى فتقول بيني وبين هذا الأمر حجاب أي مانع وساتر انتهى. وفي شرج المواقف المحجوب مقهور، وهو عز شأنه منزه عنه وهو كما يصدق عليه أنه محتجب يصدق عليه أنه جعل ذاته محجوبا لأن الخفاء من فرط الظهور، فلا غبار على كلام المصنف كما سمعته، وقوله لها بفتحهما سان لأصله، وقيل: أصل لوها أولوها كما في الدرّ المصون فلا حاجة إلى القول بأن قلب ياء لبها الساكنة الفا على خلاف القياس، وقد أثبت الكرماني ما ذكر بأنه قرىء في الشواذ وهو الذي في السماء لاه، والمصنف رحمه الله ثقة يعتمد نقله فلا يلتفت لما قيل أنّ لاه يليه لم يثبت في اللغة، وكذا كون لاه مصدرا، وقوله: مرتفع أي عال منز؟ عنا لا يليق بجانب كبريائه بيان للمعنى الثاني. قوله: (ويشهد له قول الثاعر: كحلفة من أبي رباح يشهدها لاهه الكبار) أنشده الفرّاء ولم يبين قائله وهو الأعشى كما في شروح الكتاب والشواهد، والأعشى اسمه ميمون بن قيس وهو من قصيدة أوّلها: ألم تروا ارما وعادا أفناهم الليل والنهار وهي في ديوانه، وحلفة بفتح فسكون وفاء المرة من الحلف وهو اليمين، وهو شاهد للاه بمعنى إله. وروى كدعوة، وأبو رباح براء مهملة مفتوحة وموحدة مفتوحة، وآخره حاء مهملة اسم رجل من بني ضبيعة، وهو حصن بن عمرو بن بدر، وكان قتل رجلاً من بني سعد بن ثعلبة، فسألوه أن يحلف أو يدي، فحلف ثم قتل بعد حلفته، فضربته العرب مثلاً لما لا يغني من الحلف كما قاله ابن دريد في شرح ديوان الأعشى، ويشهدها بمعنى يحضرها ويطلع عليها، وروى يسمعها الواحد الكبار، وهو بضم الكاف، وتخفيف الباء هنا، ويجوز تشديدها في غيره كما قرىء به، وهو مبالغة في الكبير، والمراد بلاهه الكبار ضمه، وروى أيضاً لأهم الكبار بضم الميم، واستشهد به النحاة على مجيء لاهم في اللهم مخفف الميم في غير النداء لأنه فاعل، فلا يكون على بعض الوجوه شاهداً لما ذكره المصنف رحمه الله قيلى: والاستشهاد بما مرّ من اثقراءة الشاذة أولى. قوله: (وقيل علم لذاته الخ) هذا معطوف على قوله: والله أصله إله أي هو علم بحسب أصله وضع ابتداء لذات مخصوصة، وليس باسم جنس، أو صفة غلب عليه حتى صار علماً كما مرّ قيل: ولا يخفى أنّ الأدلة المذكورة لا تفيد ذلك أصلاً، فلا يبعد أن يكون مراده بيان القول بالعلمية مع قطع النظر عن أنه مشتق

أولاً فقد ثبت القول بالعلمية مع الاشتقاق أيضاً، فالمصنف بجد ما ذكر أنّ أصله له بمعنى المعبود، واشتقاقه نقل قولاً بالعلمية بعبارة جامعة بينهما، واستدل عليه ثم نفاه مطلتما، وقال: الحق إنه ليس كذلك بل هو باق على ما قلناه من المعنى واختص بالغلبة لا بالعلمية، ولو لم يحمل كلام المصنف على ذلك لم يكن في كلامه ذكر القول بالعلمية مع الاشتقاق والأصالة مع أنه المذهب المختار عند صاحب الكشاف وغيره، وهذا تكلف لا حاجة إليه، وستعرف انطباق الأدلة على المدعى مع أنه لا يهم المصنف ذلك لأنه ليس مختاراً له حتى يضرّه الخلل في أدلته وقوله: (لذاته) إشارة إلى أنّ هذا القائل لم يعتبر فيه صفة أصلاً، وبه صرّحوا وإن قال العلامة أنه ممنوع بل اعتبر فيه صفة كالذات المستجمعة للكمالات، أو المستحق لجميع المحامد، وسيأتي ما له وعليه فتدبر. قوله: (لأنه يوصف الخ) قيل عليه إنّ هذا إنما يدلّ على كونه اسماً على كونه علماً مع أنّ الزمخشريّ صرّح في سورة فاطر بجواز كون لفظ الله صفة اسم الإشارة وودّ بأن الاختلاف وقع فيه بعد تسليم اختصاصه به تعالى، فموصوفيتة تقتضي ذلك اقتضاء راجحاً يكفي في مثله، وأمّا وصفه اسم الإشارة فعلى خلاف القياس لوقوعه بالجوامد في نحو ذلك الرجل وهذا الكتاب، ونيس المنظور فيه سوى رفع الإبهام فهو مستثنى مما ذكر، والزمخشريّ تفرّد بقياس العلم عليها فلا وجه لما ذكره، وأمّا قراءة العزيز الحميد الله بالجرّ، فقيل إنه عطف بيان لا صفة، وقوله لذاته المخصوصة استعمل الذات فيه تعالى بمعنى العين والحقيقة لأنه ورد إطلاقه عليه في الأحاديث الصحيحة نحو: " لا تتفكروا في ذات الله " فلا عبرة بمن أنكر إطلاقه على الله لأنه مؤنث وتفصيله في شرح الكشاف وغيره. قوله: (ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه الخ) أي يجعلها جارية عليه بأن تكون نعتاً له لأن العرب لم تاع شيئاً إلا وضعت له اسماً كما هو دأبهم وعادتهم، وليس هذا محالاً لأنّ المحال هو وجود صفة بدون موصوف لا بدون ما وضع له، وإنما هو أمر استقرائي استحساني، وكونه اسم جنس معرّفاً بأل، وإن كفى لكن الظاهر أن يكون خاصاً به وضعاً، وهو العلم وكونه علما منقولاً من الوصفية لا يكفي إذ عليه لم يكن له اسم في أصل الوضع تجري عليه صفاته. قوله: (ولأنه لو كان وصفاً الخ الأنه حينئذ موضوع لأمر كليّ، وكذا لو كان اسم جنس لأن ثبوت الأعم لا يقتضي ثبوت الأخص بقي أنه قيل عليه أنه لو كفى في التوحيد اختصاص المستثنى بذاته في الواقع فلا إله إلا الرحمن كذلك لاختصاصه به، وإن لم يكف واقتضى ما يعينه بحيث لا تجوز فيه الشركة لم يكن لا إله إلا الله كذلك لأنه لا يحضر ذاته لنا على وجه التشخص، وأجيب بأنّ الألفاظ تنوب في الشرع عن المعاني الموضوعة لها ألا ترى أنّ أنت طالق يفيد الطلاق، وإن لم يقصد فالله تعالى، وإن لم يمكن احضاره بذاته، لكن لفظة الله تنوب مناب احضاره، فنزل ذكوه في التوحيد منزلتة بخلاف الرحمن انتهى. وردّ بأنه لا وجه للحكم بإيمان أحد بمجرّد لفظ لا يعرف معناه، وما توهمه في مسألة الطلاق فاسد إذ لا بدّ فيه من استعمال اللفظ واستحضار المعنى، ولذ لا يقع بسبق اللسان به ولا من النائم والأعجمي الذي لا يعرف مدلوله، نعم لا يعتبر فيه قصد إيقاع الطلاق لمن تلفظ به اختياراً مع علم معناه، وإن لم ينو إيقاعه، والقائل لم يفرق بين عدم اعتبار المعنى وعدم اعتبار قصده، والأقرب أن يقال إنه توحيد بالنظر للمشركين القائلين إنّ غير تعالى مستحق للعبادة لقطعه هذا الاستحقاق، وأمّا من اعتقد الشركة في وجوب الوجود، فلا نسلم الحكم بتوحيده بمجرّد تكدسه بهذه الكلمة، ولم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام ذلك، وأمّا معاوضته بقل هو الله أحد بأنه لو دلّ على التوحيد لم يكن لذكر الأحدية فائدة معه، فسيأتي ما يدفعه ثمة من تفسير الأحدية بعدم قبول التعدد بوجه من الوجوه وهو ليس من لوازم العلمية وأما ما قيل عليه من أنه لا يخفى ما فيه من الركاكة لأنّ وضع العلم لإحضار المسمى على ما وضع له، ولا شك في أن الله علم، وعدم حضور الله تعالى بشخصه لا ينافي علميته، والعجب كيف خفي عليه هذا مع ظهوره، فلا محصل له والعجب من ابن أمّه، وقد نقل عن المصنف هنا حاشية قال فيها نظر لجواز أن يكون التوحيد مستفادا من الشرع انتهى. وغير خاف أن سرّ ما أفاده الشرع هو هذا، فإن فرقه بين إلا الله والا الرحمن لا بدّ له من وجه، ولذا قيل كون لا إله إلا الله

مفيداً بنفسه ثبوت ذلك الفرد الواجب وعدم كون لا إله إلاً الرحمن كذلك سر أن الشارع جعل لا إله إلا الله توحيدا دون لا إله إلا الرحمن وأورد أيضا أنه لا يثبت عدم الاشتقاق، والأصل لجواز الاشتقاق من مثتق منه عرضيّ اعتبر مرجحاً للتسمية، ويكون له أصل كما في الكشاف إلا أنه لما غيره الواضع جعله علماً فالأدلة الثلاثة لا تفيد المدعى إن جعلناه خاصا على ما مرّ ولا يخفى أنه لو كان مشتقا لكان كلياً بحسب الأصل وجزئيته الآن ثابتة، فالظاهر أنه كان قبل ذلك كذلك، فيتمّ الدليل على ضعفه عند المصنف رحمه الله، وقد مرّ ما فيه وسيأتي تنويره، وقيل: الحق أنّ إيجاب إحضاره سبحانه على الوجه المذكور تكليف بما لا يطاق فالمطلوب إنما هو إحضاره على وجه كلي منحصر في فرد، وعدم حصول التوحيد بالرحمن لإطلاقه مضافا على غيره كرحمن اليمامة، فإن قلت: إن قدر الخبر هنا موجود لم يفد نفي إمكان آخر وأن قدر ممكن لم يلزم منه وجود المستثنى بل إمكانه، قلت أجابوا عنه بأنه يقدر موجود ولا يلزم أن يفهم من هذه الكلمة نفي الإمكان لإله آخر فإنه للردّ على المشركين في إثبات الشركاء، قيل: ويمكن أن يستنبط منها نفي إمكان إله آخر على تقدير موجود أيضا لأنّ المراد بالإله المعبود بحق والكلمة إذا دلت على نفي معبود بالحق غيره تعالى دلت غلى نفي إمكانه، إذ لو كان معبود بحق غيره تعالى ممكنا كان موجودا، إذ من استحق أن يكون معبود يجب اتصافه بصفات الكمال، فلم يكن له نقص وكيف يستحق الناقعى العبادة مع وجود الكامل من جميع الوجوه فيكون واجباً موجودا، وهذا ظاهر لمن له حدس صائب، ومن هذا يعلم أنه لو قيل بتقدير الخبر ممكن، فالمطلوب حاصل أيضاً لأنه لما كان المستثنى معبودا بحق وجب أن يكون موجوداً لما مرّ وقيل عليه أنه تكلف والحصول لا يلزم الخصم، وفيه نظر، ولو قدر الخبر إله اندفع ذلك، ويكون المعنى لا إله إله إلا الله أي ليس ما يعتقد أنه معبود معبود بالحق إلا الذات الفرد الصمد. ونقل عن الشريف أنه قال: إنه تحقق بديع وصنف فيه مقالة مستقلة، ولم نره لغيره ومنع احتياج لا إلى الخبر بناء على ما نقل عن ابن الحاجب من أن بني تميم لا يثبتون خبرها مما لا يعوّل عليه، وقد قال الأندلسي: لا أدري من أين نقله والحق أنّ بني تميم يحذفونه وجوبا، إذا وقع في جواب سؤال، وقامت عليه قرينة، وإلا فلا يحذفونه مع أنه يدل على حذفه لا على عدم تقديره، فإن قلت هذه كلمة لا تصدق إلا إذا أريد بالإله المنفيّ المعبود بحق وهو أعم قلت هو مخصوص بقرينة عقلية قائمة عليه وهي أنّ المعبود بغير حق موجود متعدد، وهو لشهرته لا يخفي على أحد، فلا يصح نفيه من عاقل. قوله:) والأظهر أنه وصف الخ) في نسخة والحق بدله، ثم إنه قيل: إنه مذهب ثالث وقيل: بل هو المذهب الأوّل، وهو أنّ ألله مثتق إلا أنه مختص بالمعبود بحق، فأشار إلى تأييده، وبطلان الثاني، وربط بتحرير المدعي ما يردّ به الوجوه السالفة، ثم أنه قدص سرّه حقق في هذا المقام أنّ الاسم قد يوضمع لذات مبهمة باعتباره معنى يقوم به، فيكون مدلوله مركبا من ذات مبهمة لم يلاحظ معه خصوصية أصلاً، ومن صفة معينة، فيصح إطلاقه على كل متصل بتلك الصفة، ومثل ذلك الاسم يسمى صفة، وذلك المعنى المعتبر فيه يسمى مصححا للإطلاق كالمعبود مثلاً، وقد يوضحع لذات معينة بلا ملاحظة قيام معنى بها، فيكون إسما لأ يشتبه قطعا بالصفة كالفرس، وقد يوضع لها ويلاحظ في الوضع معنى له نوع تعلق بها، وهو على قسمين: الآوّل: ما يكون ذلك المعنى خارجا عن الموضوع له، وسببا باعثا على تعيين الاسم بإزائه، كأحمر إذا جعل علماً لمولود فيه حمرة، وكالدابة إذا جعلت اسما لذوات الأربع في أنفسها، وجعل الدبيب سببا لوضع هذا الاسم بازائها لآجزأ من مفهوم اللفظ. الثاني: أن يكون ذلك المعنى داخلاً في الموضوع له، فيتركب مفهومه من ذات معينة، ومعنى مخصوص كأسماء الآلة والزمان والمكان، وكالدابة إذا جعلت اسما لذوات الأربع مع دبيبها. وهذان القسمان أيضا من الأسماء لكن ربما يشتبهان بالصفات، والقسم الأخير أشد التباساً بها، لأنّ المعنى المعتبر في الوضع داخل في كل منهما، ومعيار الفرق أنهما يوصفان بشيء، ولا يوصف بهما شيء على عكس الصفات، ولما وجد لي الاستعمال إله واحد ولم يوجد شيء إله مع كثرة دورانه على الألسنة علم أنه من الأسماء دون الصفات وهكذا حكم كتاب وإمام، وسائر ما اعتبر فيه المعاني مع خصوصية الذوات انتهى. وهو برمّته مأخوذ من

كلام العضد، وفيه على فرض تسليمه للبحث مجال. أمّا أوّلاً: فإنّ الفرق بين الصمفة وأسماء المكان وما جرى مجراها بأن الذات في الأوّل مبهمة دون الثاني مما لم يقم عليه دليل فإن ضاربا كما أنه ذات صدر عنها الضرب كذا مضرب مكان مّا وقع فيه الضرب حنى لو اعتبر خصوصيته كمدرسة، ومقبرة خرج عن بابه وألحق بأسماء الأجناس كما صرّحوا به، لا يقال لم يعتبر فيه مطلق الذات بل خصوصية كونه مكانا دثبة الشهاب / ج ا / م 7 لأنا نقول يلزم على هذا أنّ الصفات المخصوصة ببعض العقلاء أو بغيرهم خارجة عنها كمرضع وحائض وبازل ولا قائل به لا يقال لما أعلموا القسم الأوّل دون الثاني، واستتر فيه الضمير دلنا ذلك على أنهم لاحظوا خصوص الوصفية فيه، لأنا نقول يجوز أن يكون الثاني لما دل على المكان، وما ضاهاه ألحقوه بالجوامد مع أنّ ما ذكر أمور سماعية لا يلزم الوقوف على أسرارها، وقد استدلّ له بعض المحققين بأنّ شخصا لو فتح القفل بإصبعه لم يقل له مفتاح لأنه اعتبر فيه هيئة متعارفة وفيه نظر. وأمّا ثانياً: فلان وصفه وعدم الوصف به يجوز أن يكون لإجرائه مجرى الأسماء كأجرع وأبطح وهو كثير في كلامهم. وأمّا ثالثاً: فلأن الدابة بمعنى ما يدب مطلقاً لا شهة في أنها صفة وتخصيص العرف لها ببعض أفرادها لا يخرجها عن الوصفية ألا ترى أنّ مملوكا صفة لكل متصف بالمملوكية، وتخصيصه بالرقيق لا يخرجه عن الوصفية لاستتار الضمير فيه، وعمله في الظاهر نحو عندي رقيق مملوك نصفه، وليس هذا مناقشة في المثال ألا ترى قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ} [الأنعام: 38] حيث تعلق بها الجارّ والمجرور، ولا نقول قارورة في الدار متعلق الجارّ فقول المصنف وحمه الله إنه وصف لا يتأتى على تحقيق الشريف، إلا أن يكون غير مسلم عنده، ولذا قال بعضهم: يحتمل أن يكون مراده بالوصفية اعتباره المعنى مع الذات، وإن كانت الذات معينة، فيكون اسما اصطلاحيا، وهذا إذا لم يمتنع فهو بعيد جدّاً. قوله: (لكنه لما غلب عليه بحيث الخ) الغلبة كما مرّ أن يكون للفعل عموم بحسب المعنى، فيحصل له بحسب الاستعمال تخصيص ببعض إفراده إمّا إلى حدّ التشخص، فيصير علماً كالنجم أولا فيصير اسماً غالباً كالكتاب للقرآن أو صفة غالبة كالرحمن وهو أعم من أن يستعمل في غيره نادرا أو لا، وتسمى غلبة تقديرية، وهذا جواب عما مز من أدلة العلمية وظاهره أنه استعمل في غيره ث ولفظ الله لم يستعمل في غيره اتفاقا، ويردّ بجعل مجموع المعطوف والمعطوف عليه، وهو قوله: (وصار الخ) مدخول حيث، فاللازم عدم تحقق المجموع قبل العلمية، وانتفاء المجموع يتحقق بانتفاء المعطوف فقط إلا أنّ ظاهر قوله: صاو كالعلم إنه عنده ليس من الأعلام الغالبة أيضاً، ولا يجوز أن يكون مراده من العلم العلم الابتدائي لتبادره عند الإطلاق كما ذهب إليه بعض أرباب الحواشي، وادّعى أنّ المصنف رحمه الله ذهب إلى أنه من الأعلام الغالبة، ويبعده أنّ ما ذكر في نفي علميته مشترك بين الابتداء وغيره ولذا اختلف في قوله: كالثريا فعلى الأوّل هو تمثيل للعلم، وعلى هذا لما صار كالعلم، وسيأتي ما ينوّره. قوله: (مثل الثريا والصعق) الثريا تصغير ثروي مؤنث ثرو إن جعل اسماً للنجم لكثرة كواكبه، ونقل علماً لامرأة أيضاً وكواكبها ستة أو سبعة كما قال: خليلي إني للثريا لحاسه واني على ريب الزمان لواجد تجمع فيها شملها وهي سبعة وأفقدمن أحببته وهوواحد والصعق بفتح العين شدّة الصوت، وبكسر العين الشديد الصوت، والمتوقع للصاعقة والنازلة عليه، ولقب خويلد بن نفيل فارس بني كلاب، وتسكن عيته ويقال صعق كإبل لقب به لأنّ تميما أصابوا رأسه بضربة، فكان إذا سمع صوتا صعق أو لأنه اتخذ طعاماً فكفأت الريح قدره، فلعنها فأرسل الله عليه صاعقة، وهما وصفان في الأصل صارا علماً بالغلبة، والغلبة في الله، والثريا تقديرية، وفي الصعق تحقيقية. وقوله: (أجرى مجراه الخ) فسره المصنف رحمه الله بما فيه غني عن غيره، وقد علمت حالة مما مرّ، وهذا جواب عن دليل العلمية بأنه يوصف ولا يوصف به، ومنه يعلم جواب ما معه برمته لأنه صار اسماً تجري عليه صفاته وتعين تعينا قطع الشركة وصح به التوحيد ويرد عليه أنه قبل العلمية لم يوصف به أصلاً إذا لم يسمع شيء إله فتدبر.

قوله: (لأنّ ذاته من حيث هو الخ (ظاهره عدم صحة العلمية فيه بطريق الوضع القصدي وفي شرح المواقف من ذهب إلى جواز تعقل ذاته تعالى جوّز أن يكون له اسم بإزاء حقيقته المخصوصة، ومن ذهب إلى امتناع تعقل ذاته تعالى لم يجوّزه، لأنّ وضع الاسم لمعنى فرع تعقله ووسيلة إلى تفهمه فإذا لم يمكن أن يعقل ويفهم لم يتصوّر وضع اسم بإزائه، وفيه بحث لأن الخلاف في تعقل كنه ذاته ووضع الاسم بإزائه لا يتوقف عليه، إذ يجوز تعقل ذات بوجه من وجوهها، ويوضع الاسم لخصوصها، ويقصد تفهيمها باعتبار ما لا يكنهها، ويكون ذلك مصححا للوضع وخارجا عن مفهوم الاسم على ما عرف أنّ لفظ الله اسم علم موضوع لذاته من غير اعتبار فيه انتهى. قال شيخ مشايخنا السيد عيسى قدس يى س هـ: إعلم أنهم عرفوا العلم بما وضع لشخص بعينه، والمتبادر منه أن يكون التشخص ملاحظا للواضع، وأورد يهليه صدر الأفاضل أنه يلزم أن لا يمكن تسمية ما لا نعرت بعينه كالولد والمملوك الغائبين، وأن لا نعلم معاني الأسماء الموضوعة لما لا نعرفه كالله والملائكة والأنبياء، وعليه يترتب أنه لا يمكن لغير الله وضع لفظ له، والجواب أنه ليس المراد الشخص، والتشخص بعينه، وملاحظته حين الوضع بل يجوز الوضع له، وان كنا نلاحظه بوجه مساوله في الواقع، ومن المعلرم أنّ الوضمع لشيء لا يستلزم معرفة الموضوع له بالكنه، ولا بوجه مشخص بل مساو كما تقرّر في المبهما. ت، فاندفع الأوّل والمعلوم في الأشخاص المذكورين هو بوجوه مساوية ولا خلف في الجهل بالشخص، والكنه إلا أنه يبقى على الأوّل أنه ذكر في الرسالة الوضعية عند تقسيم الموضعات إلى الإعلام وغيرها أنّ اللفظ الذي مدلوله مشخص إن كان وضعه شخصيا فهو علم وان كان كليا فغيره من المبهمات ونحوها، وعرف الوضع الشخصيّ بأن يكون الموضوع له ملاحظا بخصوصه مقصوداً بعينه، والوضع الكليّ بأن يكون الموضوع له متصوّراً بوجه كليّ، فوضع لكل من الجزئيات ووافقه غيره، والحق أنه كلام مموّه ومؤوّل وليس العلم منحصراً فيما ذكر لما مرّ من كلام شرح المواقف، وقد صرّحوا في تفسير العلم بما وضع لشيء مع جميع مشخصاته بأنّ المراد أن تكون ملاحظتها بوجه مختص وضعه لفرد المخصوص بل في كثير من المواضع اضطرّوا لذلك، كما في أعلام الكتب والعلوم إن لم نقل بانها أعلام جنسية بل جميع المشخصات قلما تكون ملاحظة بالذات كما في الإنسان المتولد المتغيرة تشخصاته من الولادة إلى الموت فالتشخص المستمر الباقي من الأوّل إلى الآخر قلما يعرفه أحد إلا بوجه مجمل صادق عليه، فعند التحقيق يجب القول بذلك، وحيث تحقق هذا لم يبق في المقام إشكال بعون الملك المتعال، فظهر أنّ ما توهمه الفاضل المرشدي في هذا المقام من أنّ الوضع في العلم الشخصي شخصيّ إن أراد بالتشخص الجزئي الحقيقي بحسب المفهوم، فهو توهم ناشىء من ظاهر عبارة الرسالة وغيرها، والتحقيق خلافه، وإن أراد أنه أمر مخصوص مشخص في نفس الأمر، فله وجه لكن لا يضرنا، ثم إن أردت تحقيق هذا المقام، فلا بد من النظر في أنه هل يجب في العلم أن يكون الملاحظ أمرا خاصا بشخص في نفس الأمر فيوضع لذلك الشخص، وفي المبهمات أمرا كلياً في نفس الأمر يوضع لكل فرد، فيكون ذلك مدار الفرق، وهو الأظهر أو لا يلزم ذلك بل يمكن ملاحظة الكليّ، والوضع العلمي لكل واحد من أفراده على ما قيل في أسماء الكتب والعلوم ونحوها محل نظر، وحنيئذ إثبات الفرق بين المبهمات والأعلام على تحقيق السيد مشكل فلا بدّ من نظر دقيق، وبعد فالمقام لا يخلو من كلام، والغلبة التي ذهب إليها المصنف رحمه الله أسلم الطرق، ومما مرّ عن شرح المواقف علم جواب ما أورده وأمّا إن العرب وضعت لكل شيء اسماً تجري عليه صفاته، فقد قيل إنه فيما تعرف حقيقته، وأمّا ما ليس كذلك فعدم الوقوف عليه سبب لعدم الوضع له، وتقرير الدليل بأنّ ذاته من حيث هو بلا ملاخظة صفة غير معقول للبشر، والعلم ما وضع للذات من غير صفة، فلو كان علما كان دالاً على الذات، والذات لا يكون مدلولاً عليه بلفظ، فلا يكون علما له: قيل: وهو مبني على مقدمات ضعيفة، أمّ الأولى فلا نسلم أنّ ذاته من غير صفة غير معقول للبشر بل مذهب أهل السنة جواز معرفة الله بالكنة لغير الله، وان سلم فلم لا يجوز أن يكون الواضع هو، وهو يعلم كنهه، وان كان الواضمع غيره وقلنا هو على التفصيل غير واقع، فلم لا يجوز

ملاحظته على الإجمال، ولا نسلم أنّ ملاحظة المجمل إنما هي بوجه وصفة خارجة بل هو نوع من التعقل للذات انتهى. وقيل: عليه إنّ القائل به هو عنده غير واقع فلا يكفي به الجواز، ولأنه لو كان الواضع هو الله علم من تتبع موارد الاستعمال، وهو يتوقف على فهم ما أرد ولأنه لا معنى للإجمال في البسيط، إلا ما ذكر وقد قيل أيضاً إنّ الظاهر أن واضع اللغة لا يفعل إلا ما فيه فائدة معتدّ بها، بل كل عاقل كذلك والشيء الذي له صفات وجهات كثير يعلم بوضع أسماء الصفات فوضع العلم إنما تكون فائدته معرفة الذات من غير صفة إذ لو قصد ما يحصل بوضع الصفات لم يكن في وضع العلم فائدة يعتدّ بها، فإذا فرض أن تلك الذات من حيث هي لا يمكن تفهيمها واعلامها للمخاطب لا يبقى لوضع العلم فائدة أصلاً، وهو غير مسلم أيضا عند الذاهب إلى العلمية لأنه يقول لها فوائد أخرى، كإجراء الصفات، وهو لا ينفي أيضا كونه اسم جنس، فهو اقناعي لا يحسم عرق النزاع، وقد نقل هنا عن المصنف حاشية قال فيها ما نصه فيه نظر إذ يكفي في وضع العلم تعقله بوجه يمتاز به عن غيره من غير أن يعتبر ما به الامتياز في المسمى، فيمكن وضع العلم لمجرّد الذات المعقولة في ضمن بعض الصفات، وقد تقرّر في الكلام أنه يمكن أن يخلق الله العلم بكنه ذاته في البشر، ولأنه إنما يتمشى إذا لم يكن الواضع هو الله، والتحقيق أن تصور الموضوع له بوجه ما كاف في وضع العلم، وكذا في فهم السامع عند استعماله انتهى. ويعلم أمره مما مرّ، وانما أطلنا الكلام هنا لكثرة ما فيه من القيل والقال، فربما ظن أنا لم نحط بما تالوا خبرا، وقد بينا علمية الاسم الشريف في رسالة مستقلة حققنا فيها معنى التشخص فمن أراد تحقيق هذا المقام فلينظر ما كتبناه فيها. واعلم أنّ علمية العلم بالغلبة بالوضع أيضا كما صرّح به بعض أرباب الحواشي، وعند الرضى أنها لا تحتاج إلى وضع قال: وقد يصير بعض الأعلام اتفاقيا أي يصيرعلما لا بوضع واضع معين بل لأجل الغلبة، وكثرة الاستعمال في فرد، وقيل: فيه وضع غير قصدى، وبه يندفع ما قيل من أنّ ما ذكره المصنف على تقدير تمامه يفيد أنه ليس من الإعلام الغالبة أيضا إذ الإعلام بها صارت موضوعات لأشخاص معينة يدل بها عليه، وهو ليس كذلك. قوله: (فلا يمكن أن يدل عليه) بالبناء للمجهول وفي بعض النسخ، فلا يمكته أن يدل بصيغة المعلوم أي لا يمكن البشر أن يدل عليه غيره، وهو على تقدير كون الواضع البشر. قوله: (لما أفاد ظاهر الخ) فإنّ ظاهره أنه متعلق به باعتبار معناه الوضمي كمعبود ونحو.، وانما قال ظاهر لأنه يحتمل تعلقه بيعلم في قوله تعالى: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ} [الأنعام: 3] الخ ويحتمل تعلقه به باعتبار معنى خارج عته لازم له أو مشتهر به اشتهار حاتم بالجود كقوله: أسد عليّ وفي الحروب نعامة وأمّا كون الاسمية لا تقتضي الدلالة على مجرّد الذات كما في أسماء الزمان والآلة، يلم يلتفت إليه المعكحنف رحمه الله، وسيأتي تفصيله في سورة الأنعام فاندفع ما قيل عليه إن صحة معناه كما تكون متعلقة بلفظ الله مع العلمية بالغلبة، تكون باعتبار تضمنه معنى المعبودية، أو اشتهاره بها. قوله: (لأنّ معنى الاشتقاق هو كون أحد اللفظين مشاركاً للاخر الخ) الاشتقاق إن اعتبر فيه الحروف الأصول مع الترتيب وموافقة الأصل في المعنى فهو الاشتقاق الصغير، وإلا فإن اعتبر الحروف الأصول مع عدم الترتيب فالكبير، وإلا فإن اعتبر مناسبة الحروف في النوعية أو المخرج مع عدم الموافقة في جميع الحروف الأصول فاكبر ولا بد من تناسب المعنيين في الجملة وزيادة معنى أحدهما على الآخر ويعتبر في لفظه أن يتغاير المشتق والمشتق منه، وهو يعرّف باعتبار العلم، فيقال: هو أن تجد بين اللفظين تناسبا وباعتبار العمل، فيقال: هو أن تأخذ من اللفظ ما يناسبه، وباعتبار حال اللفظ، فيعرف بما ذكره المصنف فلا يرد عليه ما توهم من أن تعريف بالمباين، ويقال هو مسامحة منه، وظاهر أنه ليس باسم زمان، ولا مكان وباب قارورة وأحمر نادر، والمدعى ظني فيكفي هذا في إثبات وصفيته على ضعف فيه فاندفع ما أورد عليه من أنه لا يستلزم الوصفية إذ لا يسمى الزمان والمكان اشتقاقا بهذا المعنى من غير وصفية، وأيضا الكتاب والإمام من المشتقات بهذأ المعنى ولا وصفية فيهما، والمنكر لاشتقاقه لا يسلم التوافق في المعنى. قوله: (وقيل أصله لاها الخ) فهي على هذا غير عربية سريانية كما ذكره المصنف وغيره، أوءجرانية كما ذكره الإمام

والعبري والعبراني بكسر العين لغة بني إسرائيل من اليهود، والسريانية لغة آدم. وقال ابن حبيب: كان اللسان الذي نزل به آدم من الجنة عربياً، ثم حرّف وصار سريانيا، وهو منسوب إلى أرض سريانة وهي جزيرة كان بها نوح عليها السلام، وقومه قبل الغرق وهو يشاكل اللسان العربي إلا أنه محرّف، وكان لسان جميع من في الأرض إلا رجلاَ واحدة يقال له: حر فلسانه عربيّ كذا في الزاهر لابن الأنباري رحمه الله، وهم يلحقون ألفاً في أواخر الكلم، فيقولون لاها رحمانا كما في الفارسية ومعناه ذو القدرة، ويحتمل أنه من توافق اللغات كما ذكره الإمام رحمه الله، وأخر هذا القول لضعفه إذ لا وجه للذهاب إلى العجمة من غير دليل مع أنّ قولهم تأله وأله ياباه، فلا وجه لما قيل من أنه كان ينبغي ذكره مع الأقوال السالفة لبيان أصله مع أنّ تلك مبنية على عربيته، وليس هو من عدادها قيل: والتصرف فيه يدل على أنه لم يكن علماً في غير العربية ألا تراهم اشترطوا في منع صرف العجمة كون الأعجمي علماً في العجمية لما مرّ من تصرّف العرب فيه المضعف ليجمته. قوله: (فعرّب بحذف الألف الأخيرة وإدخال اللام عليه) يقال عرب اللفظ با أضشديد، وأعرب أي نقل إلى لغة العرب، وهل يشترط فيه تغيير اللفظ أم لا فيه اختلاف، والأصح أنه أكثريّ، وفي كلام المصنف ميل إلى القول الأوّل قوله: (وتفخيم لامه (أي لام الله وفي كلامه ما يوهم اختصاص التفخيم بهذا الاسم، وليس كذلك لأنّ من القرّاء من يغلظ اللام المفتوحة إذا تقدّمها صاد أو طاء أو ظاء مفتوحة أو ساكنة، والتفخيم هنا ضدّ الترقيق، ويطلق على ما يقابل الإمالة، وعلى إمالة الألف نحو مخرج الواو كما يعرفه أهل الأداء في الصلاة، واشتهر في لسمان القراء التفخيم في الراء، والتغليظ في اللام، وضدهما الترقيق والتفخيم بعد الضم والفتح أمر لازم يكاد ينعقد الإجماع عليه، إلا ما نقله الداني وتبعه في الإقناع في رواية شاذة عن السوسيّ، وروح من ترقيقها وقد ردّها الجمهور، وقالوا: إنها لم تصح رواية ودارية، وأمّا التفخيم بعد الكسر، فقال ابن الجزريّ: إنه متفق على تركه ولم يقله غير الزجاج، ونقله الشيخان والقراء لم يلتفتوا إليه ولم يعدوه خارقا للإجماع ولذا مرضه، واضطرب فيه كلام الكشاف، فقول السيد والسعد قد أطبقوا على أنه لا تفخيم عند كسر ما قبلها فيه نظر وقد يقال أنهما لم يعتد بالشاذ فإن قلت إذا أميلت الفتحة هل ترقق اللام معها أو تفخم قلت فيه وجهان كما في نرى الله بالإمالة، والتفخيم لتعظيم اسمه، وقيل: للفرق بينه وبين اللات إذا وقف عيها بالهاء وتفصيله في كتب القراآت وقوله سنة أي طريقة معروفة عند الناس والقراء. تنبيه: الترقيق انحاف الحرف عن صوته ويقابله التفخيم وعبر عنه القراء في اللام بالتغليط فإن خص باللام فالتفخيم، وقال الجعبري: هما مترادفان والحروف بالنسبة للتفخيم والترقيق أربعة أقسام: مفخم وهو حروف الإطباق الضاد والطاء والظاء والصاد ونحوها، ومرقق وهو ما عداها، وله تفصيل في علم القراآت. قوله: (وحذف ألفه (أي ألف الله التي بعد اللام لحن أي خطأ في اللغة وفسر في القاموس اللحن بالخطا في القراءة، فلا وجه لما قيل من أن اللحن مخالفة صواب الإعراب وما هنا ليس منه، وقال الأسنويّ رحمه الله: إنه لغة حكاها ابن الصلاح عن الزجاجي فلا لحن فيه حينئذ، وفي التيسير إنه لغة جائزة في الوقف دون الوصل، والأفصح إثباتها، وإن تملح به المولدون في أشعارهم كثيرا كقوله: أيها المستبيح قتلى خف الله وأت عينيك للدم المستحقة قوله: (ولا ينعقد به صريح اليمين) يشير إلى أنه تنعقد به الكتابة مع النية كما ذكره الجويني والغزالي من الشافعية، وان قال النوويّ منهم: إنه ينبغي أن لا يكون يميناً أصلاً لأنّ بله يحتمل أن يكون يخعذ من البلل، وهو الرطوبة، ولذا فسدت به الصلاة لتغييره المعنى، ونقل ما ذكر أرباب الحواشي من كتب الشافعية ولم ينقلوه عن الحنفية، وقد نقلى شيخنا المقدسيّ في الرمز عن كتب المذهب، أنه إذا قال بله لا يكون يميناً إلا إذا أعرب الهاء بالكسر أو نوى اليمين انتهى. وقوله: (تفسد به الصلاة) أي إذا وقع في لفظ القرآن كما في الحمد لله، أو في البسملة إذا قلنا أنها من السوإة، كما هو مذهب المصنف، وفي التفسير الكبير أنه في التكبيرة.

قوله: (ألا لأبارك الله في سهيل الخ الم أقف على تانله، وهو دعاء على رجل اسمه سهيل بعدم البركة والله مرفوع فاعل بارك وما زائدة، وروى إذا ما بارك الله في الرجال، فالتمثيل به في موضعين. قوله: (والوحمن الرحيم اسمان بنيا الخ) أي لأجل المبالغة والذي ذكره النحاة ير باب اسم الفاعل أنّ منه صيغا بنيت للمبالغة، ونقلت من فاعل إلى فعال كضراب، وفعول كشروب، ومفعال كمنحار، وفعيل كسميع، وفعل كعمل، وهي تعمل عمل اسم الفاعل رفعاً ونصباً. كقوله: ضروب بنصل السيف سوق سمانها ومنع الكوفيون عملها مطلقاً لأنها لا تجاري الفعل وزنا، ولزيادة المبالغة فيها لا تساويه معنى فقدروا للمنصوب بعدها عاملاً، وسيبويه جوّز أعمال الخمسة وخالفه كثر البصريين في أعمال فعيل وفعل دون غيرهما إلا أنهم لم يذكروا موازن رحمن فيها ولم يشترط أحد من النحاة لزوم فعلها وانما اشترطوه في الصفة المشبهة لأنها لا بذ لها من ملاقاة فعل لازم ومن ثبوت معناها، ولذا قال في شرح التسهيل: إنّ ربا وملكا ورحمن ليست منها التعدّي أفعالها، ولم يقل أحد بنقل فعل ما تعدى منها الفعل المضموم العين، والمسطرفي المتون المعوّل عليها أنّ فعل بفتح العين وكسرها إذا قصد به التعجب يحوّل إلى فعل المضمون كقصو الرجل بمعنى ما أقصاه، وحيحئذ فيه اختلاف هل يعطي حكم نعم أو فعل التعجب كما فصلوه ثمة والحاقهم له بنعم كالصريح في عدم تصرّفه، وأنه لا يؤخذ منه صفة أصلأ، فما نقلوه عن الفائق في فقير ورفيع مع أني راجعتة، فلم أجده فيه وان كانت الثقة بناتله تأبى سوء الظن به مخالف لما صرّح به الزمخشريّ في غيره، كالمفصل بل لا صحة له لأنّ قولهم رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما بالإضافة للمفعول دون الفاعل يقتضي عدم اللزوم وأنه ليس بصفة مشبهة، وقد يقال: إنّ تمثيل المصنف له بعليم دون مريض وسقيم فيه إيماء إلى ما ذكر إلا أنّ كلام النحاة لا يخلو عن شيء لعدم ذكر نحو رحمن في أبنية المبالغة حتى صار باعثا لاذعاء العلمية فيه لبعض أهل العربية، فقد ظهر مما مرّأن فيهما وجهين. أحدهما: وهو الأصح أنهما من أبنية المبالغة الملحقة باسم الفاعل فهما من فعل متعد بلا تردّد. وثانيهما: أنهما صفة مشبهة على ما فيه. وقول الشريف تبعاً للشارح الفاضل، فإن قيل الرحمن صفة مشئهة فكيف يشتق من رحم، وكذا القول في رب وملك حيث عدا صفة مشبهة، وأمّا الرحيم فإن جعل صيغة مبالغة كمأ نص عليه سيبويه في قولهم هو رحيم فلاناً، فلا إشكال فيه، وان جعل من الصفات المشبهة، كما يشعر به تمثيلهم بمريض وسقيم اتجه عليه السؤال أيضا وأجيب بأنّ الفعل المتعدي قد يجعل لازما بمنزلة الغرائز فينقل إلى فعل بضم العين، ثم يشتق منه الصفة المشبهة، وهذا مطرد في باب المدح والذم كما نص عليه في تصريف المفتاح، وذكره المصنف في فقير ورفيع ومن ثمة قيل معنى رفيع الدرجات رفيع درجاته لا رافع الدرجات أنتهى كلام مموّه مختل من وجوه: الأوّل: أنه ذكر في شرح التسهيل إنّ رباً ليس صفة مشبهة بل اسبم فاعل لأنّ أصله رابب فقصر منه أو ربب كحذر فهو من صيغ المبالغة الملحقة باسم الفاعل. الثاني: أنّ نقل الفعل الذي ذكروه لا وجه له رواية ودراية، كما عرفته. الثالث: أنّ ما نقل عن تصريف المفتاح على ما بيناه لك لا يطابق مدعاه، ولا داعي لهذه التخيلات سوى ادّعاء أنه صفة مشبهة ودونه خرط القتاد. الرابع: أن استناده لما ذكر في رفيع الدرجات لا يجدي وانما فسروه بما ذكر لأنّ المراد درجات عزه وجبروته ليناسب المراد من. قوله: {ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} [غافر- الآية 15] وهي بسطة ملكه وسعة ملكوته، وتلك الدرجات ليست مرفوعة بفعل كما نبه عليه بعض الفضلاء والمبالغة في الكمّ والكيف، وفيه الدوام والثبات. فإن قلت قد قال الدمامينيّ رحمة الله. إنّ صفاته تعالى التي على صيغ المبالغة كرحيم مجازية إذ لا مبالغة في صفاته تعالى لأنها تنسب للشيء أكثر مما له، أو تدل على الزيادة فيما يقبلها وصفات الباري منزهة عن ذلك. قلت: هو ليس بشيء لأنّ صفات الأفعال قابلة للزيادة، وكذا صفات الذات باعتبار متعلقاتها وان لم تقبله في ذاتها كما صرحوا به. قوله: {مَن رَّحِمَ} بكسر الحاء لا بضمها لنقله لفعل المضموأ العين كما توهم لما مرّ. وقوله: {غَضْبَانَ} قيل في هذه التشبيه سوء أدب، والأولى التشبيه بالمنان من المن وليس بشيء لأنه مثله في اشتقاق فعلان

من فعل بكسر العين ومن ليس من هذا الباب بل من باب حسن مع أنّ إطلاق غضبان عليه تعالى وارد وفي الحديث " سبقت رحمتي غضبي " (1 (فأين سوء الآدب، ولذا لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى سكران الذي مثل به الزمخشرقي، وفي تمثيله لرحيم بعليم مريض وسقيم الذي مثل الزمخشريّ إشارة إلى أنه من المتعدّي لإلحاقه باسم الفاعل دون الصفة المشبهة، وما قيل: من أنه جعل لازما بالنقل وهم، وما قيل من أنّ الرحمن معرّب وهو بالعبرية رخمانا بالمعجمة، ويدل عليه قولهم ما الرحمن لما سمعوه قول واه وما ذكر تعنت في الكفر كما بين في محله. قوله: (والرحمة في اللغة وقة القلب الخ) قيل الانعطاف المقتضي للإحسان أمر روحاني، وانعطاف الرحم على ما فيه جسمانيّ وبينهما مباينة تنافي أخذ أحدهما من الآخر فلا وجه قوله ومنه الرحم. وأجيب بأنّ الانعطافين سببان للحفظ، فاستعيرت الرحمة لانعطاف الرحم، واشتق منها اسم لها، وقيل: أنه أراد هنا بالانعطاف الميل الروحاني أعني الشفقة والرقة لا الجسماني لأنه ليس مفى الرحمة، وان كان مسبباً عنه ومشابها له، ومدلولاً لبعض ما يلاقيه في الاشتقاق كالرحم والميل الروحاني هو المقتضى للتفضل والإحسان يعني أنّ وصفه بالاقتضاء المذكور للاحتراز عن الجسماني، فإنه ليس معنى الرحمة كما صرح به بعضهم، وهذا كله واه، فاصغ لما يتلي عليك، فإنه ورد في الحديمف الصحيح) الرحم شجنة من الرحمن " (1) . وقال الإمام القرطبيّ: إنه نص في الاشتقاق فلا مجال للشقاق. وقال الراغب في معنى الحديث أنه تعالى لما جعل بين نفسه وبين عباده سبباً كما أنه كتب على نفسه الرحمة لهم وأوجب في مقابلتها شكر نعمته لما كان هو السبب الأوّل في وجودهم وخلق قواهم، وقدرهم وسائر خيراتهم كذلك جعل بين ذوي اللحمة بعضهم مع بعض سببا أوجب على الأعلى التوقر على الأدنى، وعلى الأدنى توقير الأعلى فصار بين الرحم والرحمة مناسبة معنوية كما أنّ بينهما مناسبة لفظية، ولذا عظم شكر الوالدين، وقرنه بشكره لأنهما السبب الأخير في الوجود يعني أنّ بين الرحمة والرحم مع الاشتراك في الحروف مناسبة ومثابهة معنوية، وذلك كاف في صحة الاشتقاق كما يرشدك إليه تعريفه السابق، فإن لنا حالة روحانية تثبت للنفس وكيفية أخرى للقلب وحالة ثالثة جسمانية تشابه الأولى في الحفظ، وقد تنشأ وتتسبب شنها كما يثاهد في اعتناق الأحباب، وهؤلاء توهموا أنه لا بد من اتحاد معناهما، وهو من قصور النظر فلا يغرّنك ما هنا من الأوهام الناشئة من عدم، فهم المرام كقول بعض علماء اأحصر أنّ المصنف إنما فصلها بقوله: ومنه إشارة إلى أنه مشترك مع الرحمة في المادّة لأ. أنه مشتق منها فافهم. قوله: (ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها) الرحم بفتح الراء وكسر الحاء موضمع يكون الولد فيه، وقد يخفف بتسكين الحاء مع فتح الراء وكسرها في لغة، وفي لغة بكسر الحاء اتباعاً للراء ثم سميت القرابة رحماً، وهي مؤنثة وقد تذكر. وقوله: (لانعطافها الخ) إشارة إلى س ابينهما من المشابهة، والمناسبة الكافية في صحة الاشتقاق كما عرفته. قوله: (وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ الخ) قيل المراد مطلق أسماء الله تعالى، أو المأخوذة من الرحمة، كالرحمن الرحيم وأرحم الراحمين، وكان المراد الثاني لكن سياق المصنف رحمه الله حيسئذ ركيك مخالف للظاهر. وأمّا الأوّل: فغير صحيح لأنّ من أسمائه ما هو حقيقة من غير تأويل كالله الحيّ القاهر العليم ونحوها، ومنها ما أطلق عليه استعارة ثم صار كالحقيقة فيه، ومنها ما هو مجاز بطريق آخر يعرفه من نظر في أسمائه الحسنى وشروحها وقيل إنه يعني أنه إذا أخذ اسم له تعالى مما ينبىء عن الانفعال المنزه هو عنه يؤخذ باعتبار غايته، وحاصله أنه يجعل مجازاً عنها بعلاقة السببية، نالرحمة والرقة سبب للتفضل والإحسان، ولو جعل مجازاً لمحن إرادة الإنعام لجاز، فإنها سبب للإرادة أولاً وللإنعام. ثانياً: كما جعل الزمخشري الغضب مجازاً عن إرادة الانتقام فيما سيأتي فالحصر في قوله: إنما تؤخذ الخ إضافيّ بالنسبة إلى المبادي أو المراد هي أفعال مثلاً، فإنّ إرادتها أيضاً من الغايات أو المراد بها المسببات وهي مسببة عن تلك الانفعالات انتهى. قيل وإنما اعتبر التجوّز في مبدأ الاشتقاق دون المشتق لئلا يحتاج إلى بيان التجوّز في كل فا يطلق عليه تعالى من المشتقات. أقول: (ما ذكره المصنف برمته من التفسير الكبير) ، فالعهدة عليه إلا أنه كلام غير مهذب، ولذا

اضطرب فيه كلام الحواشي، فإنه أطلق في الأسماء وليس على إطلاقه، وذكر أنّ مباديها انفعالات وغايتها المقصودة منها أفعال، وليس كذلك في كل اسم مؤوّل منها حتى ما نحن فيه، فإنّ الرحمة الشفقة والرقة وهي في الحقيقة كيفية لا انفعال، ولذا قيل إنّ الانفعال لازم لها لأنّ حصولها بتبعية المزأج الذي هو كيفية حاصلة من تفاعل البسائط بين فاعل ومنفعل، والله تعالى منزه عن ذلك كله، وقيل المراد بالإنفعال ما ليس بفعل الكيفيات، وليس هو بالمعنى المشهور، ثم إنه إذا جعل التأويل والتصرّف في مأخذ تلك الأفعال ومصادرها، كما قرّره أهل المعاني في الاستعارة التبعية، فهو غير جار هنا لأنه مجاز مرسل لا يحتاج للتبعية كما صرحوا به، فلذا اعتذر عنه بما مرّ مما لا يخلو عن شيء، وأيضاً من الأسماء ما أخذ باعتبار المبدأ كالسلام بمعنى معطى السلامة فيما قيل، فلذا قيل: إنّ المراد أن ما احتاج منها للتأويل يؤول بما يليق بجلاله، وأذا ظهر المراد سقط الإيراد، وما قيل من أنّ الأقرب هنا أن يقال أنه حقيقة شرعية لأنه يراد سنه الإنعام من غير أن تخطر رقة القلب بالبال لا ينافي ما ذكره باعتبار حقيقته اللغوية كما لا يخفى، وقوله قدس سره: إنه يجوز فيه أن يكون استعارة على سبيل التمثيل كما في الغضب فيه ما سيأتي بيانه. قوله (أبلغ من الرحيم) أي أكثر مبالغة، فهو أفعل من المزيد على خلاف القياس، لأنه سمع من العرب أو هو على قول الأخفش الذي جوّزه، وليس من البلاغة على القياس بمعنى أزيد بلاغة لأنّ البلاغة لا يوصف بها المفرد كما صرّحوا به إلا أن يقال: إنه اصطلاحيّ أو أغلبيّ، وأمّا إنّ المراد بغير المفرد المركب من الغير أو مع الغير كما قيل فتكلف، وقيل الرحيم أبلغ لتأخره. وأنه يؤيده قول ابن المبارك الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسأل غضب وفيه نظر، وقيل هما سواء وقيل كل أبلغ من وجه. قوله: (لأن زيادة البناء الخ) هذه القاعدة أوّل من أسسها ابن جنى في الخصائص وقرّرها في المثل السائر بما حاصله أنّ اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان، ثم نقل إلى وزن آخر أكثر منه لا لغرض آخر لفظيّ، كالإلحاق فلا بد أن يتضمن المنقول إليه معنى أكثر مما تضمنه الأوّل لأنّ الألفاظ ظروف المعاني، فإفراغها في ظرف أوسع مما كانت فيه من غير فائدة عبث، وهذا مما لا نزاع فيه نحو خشن واخشوشن وقال: إنه لا بدّ أن يكون ذلك في فعل أو مشتق، وظنه بعضهم مطلقاً، فأورد عليه أنّ عليماً أبلغ من عالم مع تساويهما وأورد غيره نحو رجل ورجيل ثم اعتذر عنه بأنه زيادة نقص لا مبالغة كما قال بعض الشعراء يذم صديقاً له: صحبته ولم يكن نظيري ~ نقصت إذا جعلته تكثيري كما تزاد الياء للتصغير وله نظائر من كلام الأدباء المتظرفين وأطال فيه بما نحن في غنية عنه، وأنت إذا تنبهت لأنّ القاعدة مخصوصة باكثر الذي نقلته العرب عن الأقل وغيرته عنه علمت أنّ أكثر ما أورد مدفوع بالتي هي أحسن وأنّ قوله قدس سره كغيره: إنه منقوض بمثل حذر وحاذر، وجوابه بأنّ شرطه بعد تلاقي الكلمتين في الاشتقاق اتحادهما في النوع كفرح فرحا وأنه أكثريّ، فلا نقض وبأن حذراً إنما كان أبلغ لإلحاقه في الثبوت بالأمور الجبلية كشره وفطن فجاز أن يكون حاذر أبلغ من حذر لدلالته على زيادة الحذر وان لم يدل على ثبوته ولزومه مع اندفاعه لا يخلو من الكدو فإنهم صرحوا بأنه قد كثر استعمال فعيل في الغرائز كشريف وكريم وفعلان في غيرها كغضبان وسكران، فيقتضي أنّ عليماً أبلغ، ولو من وجه وأن قوله أنّ حذرا يدل على الثبوت يقتضي أق حذرا صفة مشبهة، وقد صرح ابن الحاجب وغيره بأنه من أبنية المبالغة المعدودة من اسم الفاعل فهما متحدان نوعا، وعلى تسليم تخصيصه بالمشتقات لا يرد عليه شقدف وشقنداف للمحمل الصغير والكبير كما في الكشاف حتى يقال إنه أغلبيّ لما في القاموس من أنّ الشقدف مركب معروف بالحجاز وأمّا الشقنداف فليس من كلامهم، " ولا ينافيه نقل الزمخشريّ له عن بعض الإعراب لأنه قاله هزلاً وتمليحاً، ومثله لا تثبت به اللغة كما قيل لبعضهم لم صار الدينار خيراً من الدرهم والدرهم خيراً من الفلس فقال: لأنّ الفلس ثلاثة أحرف، والدرهم أوبعة والدينار خمسة، وقطع في كلام المصنف الأوّل مخفف الطاء، والثاني مشدد وكبار الأوّل بضم الكاف وتخفيف الموحدة،

والثاني بتشديدها مبالغة في كبير بمعنى عظيم. قوله: (وذلك إنما ثؤخذ الخ) إشارة إلى الزيادة المدلول عليها بزيادة البناء المستلزمة للأبلغية، وهي أمّا باعتبار الكمية في مبدأ الاشتقاق، وهو الرحمة والكمية العدد نسبة إلى كم بعد ما شدّدت ميمه جريا على القاعدة المعروفة في باب النسب والكيفية نسبة إلى كيف التي يسأل بها عن الحال الذي يسمونه مقولة الكيف، وكيفيتها جلالتها وعظمتها ونفاستها، وكثرة كميتها إمّ باعتبار كثرة افراد متعلقها من المرحومين، أو بتعدد ما تتعلق فيه من الدنيا والآخرة أو باعتبار كثرة ما يحصل به من النعم أو بكثرة زمانه الواقع فيه كزمان الآخرة المؤبد، فهذه وجوه أربعة سيأتي شرحها وتمثيلها. قوله: (فعلى الأوّل قيل يا رحمن الدنيا الخ) أي على اعتبار المبالغة في الكمية خص الرحمن بالدنيا دون الرحيم، فإنه خص بالآخرة لكثرة المرحومين فيها كما بينه المصنف رحمه الله، وهذا بناء على أنّ النعم فيها تعم المؤمن والكافر والبر والفاجر، وان كانت النعمة التامّة مخصوصة بالمؤمنين لاتصالها بسعادة الأبد، وقيل لا نعمة لله على كافر والصواب ما مرّ، فإن فلت كيف تختص رحمة الآخرة بالمؤمنين، وفد ورد في الحديث الشريف شفاعته صلى الله عليه وسلم لعامّة الناس من هول الموقف) 1) وأدهـ يخفف عنهم العذاب في الآخرة كما ورد في حق أبي طالب (2 (وارتضاه المصنف رحمه الله في سورة الزلزلة، فلو قال: لعموم رحمة الدنيا لجميع المؤمنين والكافرين خفت المؤنة قلت: قد أورد هذا بعضهم، وأجاب عنه بأنّ الكفار في الأوّل تبع غير مقصودين كيف، وهم بعد الموقف يلاقون ما هو أشد من هو له، فليس ذلك رحمة في حقهم، وتخفيف العذاب سما تردّد فيه المصنف رحمه الله، وعلى فرض تخفيفه قيل أنه ينزل من مرتبة من مراتب الغضب إلى مرتبة دونها، فليس رحمة من كل الوجوه، ولا ينافي العذاب فتدبر. قوله:) وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا) أي على اعتبار المبالغة في الكيفية قيل ذلك وبين بأن كثرة الجلائل تستلزم كثرة الجلالة، وهي كيفية النعم إلا أنه قيل عليه إنّ هذا يصح أن يكون بالاعتبار الأوّل لأنّ نعم الدنيا والآخرة تزيد على نعم الدنيا، وردّ بأنه يلزم أن يكون ذكر رحيم الدنيا بعده لغواً إذا لمراد معطى نعمهما كليهما، وقد حصل بإضافة الرحمن إليهما. وأجيب عنه بأن لا نسلم أنّ المراد مجرّد ذلك بل مقصود القائل التوسل بكلا الاسمين المشتقين من الرحمة في مقام طلبها مشيراً إلى عموم الأوّل وخصوص الثاني، ويحصل في ضمته الاهتمام برحمته الدنيوية الواصلة إليه بالباعثة لمزيد شكره، وقد اعترض عليه بأنّ الوارد في الأحاديث المرفوعة كما رواه الترمذي والحاكم في دعاء مأثور فيه: " الهم فارج الهئم ى ف النمّ مجيب دعوة المضطر رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ترحمني فارحمني وحمة تغنيني بها عمن سواك " وليس الآخران مرويين ولا صحيحين حتى يستدل بهما والقول بأنّ المصنف لم يذكر أنهما واردان في الحديث، فيكفي كونهما من كلام السلف الأخيار ليس بشيء، وأمّا احتمال أن يراد في الأوّل جلائل النعم، وفي الثاني دقائقها فلا يجدي. قوله: (لأنّ النعم الأخروية الخ) الجسام جمع جسيم بمعنى عظيم ومعناه في الأصل عظيم الجسم، فاستعير لما ذكر أو أطلق عليه إطلاق المشفر والمرسن يعني أنّ إضافة الرحمن للدارين باعتبار ما فيهما من الجلائل، وإضافة الرحيم للدنيا، وان اشتملت على حلائل النعم ودقائقها باعتبار الثاني لأنه متمم لما قبله، ولذا أخر عنه كما سيأتي وقد عرفت ما فيه رواية ودراية فتدبر. قوله: (وإنما قذّم الخ) أي قياس نظائره مما جمع فيه بين وصفين أحدهما أبلغ والقياس هنا بمعنى القاعدة أو اللائق المعقول قال قدس سره الأبلغ إذا كان أخصر مما دونه، ومشتملاً على مفهومه تعين في الإثبات الترقي وفي النفي عكسه، إذا لو قدّم كان ذكر الآخر عارياً عن الفائدة كما في عالم تحرير، واذا لم يكن الأبلغ مشتملاً على مفهوم الأدنى كالرحمن والرحيم إذا أريد بالأوّل جلائل النعم وبالثاني دقائقها يجوز كل من طريقي التتميم والترقي نظرا لمقتضى الحال، ولما كان الملتفت إليه بالقصد الأوّل في مقام العظمة والكبرياء عظائم النعم دون دقائقها قدم الرحمة وأردفه بالرحيم كالتتمة تنبيها على أن الكل منه لشمول عنايته ذرّات الوجود ير لا يتوهم أنّ المحقرات لا تليق به، فيستحيا أن يسألها

وقد توهم أنّ تأخير الرحيم للترقي، وأنه أبلغ من الرحمن لأنّ فعيلاَ للأمور الغريزية كشريف وكريم وفعلان للعارضة كسكران وغضبان، وأبطل بأنه من باب فعل بالضم لا من صيغة فعيل انتهى. وهذا بعينه كلام المدقق في الكشف وفيه بحث من وجوه: منها أنه لا يلزم أن يكون الأبلغ مشتملاً على معنى الأدنى بل يكفي أن يستلزم وجوده وجود الآخر بالطريق الأولى، وكذا عكسه في النفي بحيث يكون ذكر الآخر بعده لغواً لا يليق بكلام البليغ وبليغ الكلام، ألا تراك تقول فلان يهب المئات والألوف، ولو عكست قبح وقد اعتبر الزمخشريّ الترقي في قوله تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] وفي قوله: ". وما مثله ممن يجاور حاتم ولا البحر ذو الأمواج يلتج زاخره مع أنّ الملائكة والبحر ليسا من جنس ما قبلهما كما في شرح الطيبي طيب الله ثراه. ومنها أنّ قوله واذا لم يكن الأبلغ مشتملاَ على مفهوم الأدنى الخ تبع فيه صاحب التقريب حيث قال: إنّ ذلك فيما إذا كان الثاني فيه من جنس الأوّل وفيه زيادة عليه، والرحمن لجلائل النعم وأصولها، والرحيم لدقائقها وفروعها فلما لم يكن في الثاني زيادة على الأوّل كان كائنه من جنس آخر، وقد ردّه الكرماني في حواشيه بقوله إن أراد إن الجنسية تعتبر فيما يجري فيه الترقي، فلم قال: إنها مفقودة في هاتين الصيغتين مع اشتمالهما على معنى الرحمة وأحدهما أبلغ من الآخر وان أراد أنّ الصيغتين لا بد أن يتفقا في خصوص المعنى كجواد وفياض فغير مسلم لما بيناه في البحث الأوّل فهو لا يوافق كلام العلامة، ولو اقتصر على ما بعده كان وجهاً وجيهاً لأنّ المراد أنهما ذكر الإفادة الشمول والعموم كما تقول الكبير والصغير يعرفا، ولو عكست صح وكالط المعنى بحاله، ومثله لا يلزم فيه الترتيب كما فصله في المثل السائر، ولولا خوف الإطالة لا وردناه برمتة ومنها أنّ قوله وأبطل الخ فيه ما مرّ فإنّ من النحاة وشرّاح الكشاف من ذهب إلى أنّ (الرحيم والرحمن) صفتان مشبهتان، فلا بدّ من لزوم فعلهما معاً فلا يصح الفرق والنقل لباب فعل بالضم، وذهب ابن ما لك وغيره إلى أنهما من مبالغة اسم الفاعل فلا كلزم اللزوم ولا يتأتى ما ذكره، فإن قلت كيف يدّعي اللزوم، وقد ورد رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما بالإضافة إلى المفعول. قلت: من يدعيه يقول: إنه على التوسع، كما بينه النحاة في باب الظروف، ثم أنّ المدقق قال في الكشف: والتحقيق يقتضي أن يرد النظم على هذا الوجه، ولا يجوز غيره لأنّ الله اسم للذات الإلهية باعتبار أنّ الكل منه واليه وجوداً ورتبة وماهية، والرحمن اسم له باعتبار تخصيص كل ممكن بحصة من الرحمة، وهي الوجود الخاص، وما يتبعه من وجود كمالاته فلو لم يورد كذلك لم يكن على النهج الواقع المحقق ذوقا وشهودا عقلاَ ووجوداً، وأيضاً لما كان المقصود تعليم وجه التيمن بأسمائه الحسنى وتقديمها عند كل مسلم كان المناسب أن يبدأ من الأعلى فالأعلى إرشادا لمن يقتصر على واحد أن يقتصر على الأولى فالأولى وتقريراً في ذهن السامع لوجه التنزل أوّلاً فأوّلاً انتهى. (قلت) : يؤيده أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتب بسم الله الرحمن حتى نزلت سورة النمل فدقق النظر ليتم الظفر، وما قيل على هذه القاعدة من أنها غير مطردة لقوله تعالى: {رَسُولًا نَّبِيًّا} [مريم: 51] ليس بوارد لما ذكر ثمة من أنهما بالمعنى اللغويّ أو كل أبلغ من وجه أو هو لرعاية الفاصلة. قوله: (لتقذّم رحمة الدنيا الخ) أي تقدما زمانيا وجوديا فروعي ذلك في لفظه على كلا الاعتبارين لإضافته فيهما الدنيا، وقيل إنما هو إذا قصد المبالغة في الرحمن باعتبار المرحومين، والظاهر أنه باعتبار ما ذكره أوّلاً من قوله رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، وما قيل من أنّ الرحمن يتناول رحمة الدنيا على كل حال سواء اعتبر الكمية أو الكيفية بخلاف الرحيم ورحمة الدنيا مقدّمة في الوجود، فناسب تقديم ما يدل عليها ففيه أنّ الرحمن بالاعتبار الثاني لا تعلق له بالثاني فتقديمه أولى قوله: (ولآنه صار كالعلم الخ) أي أشبه في اختصاصه به استعمالاً ومعنى إلا لتعنت في الكفر كقولهم لمسيلمة رحمن اليمامة، فناسب مقارنة العلم، وتقدمه على الوصف المحض، ولأنه بمنزلة الموصوف لمحض الوصف، واقتضاء السياق تقديمه باعتبار المعنى الوصفي، وبهذه المشابهة ضعف فيه ذلك، فلم يعلم به، وله مناسبة بالعلم والوصف، فناسب توسطه بينهما، وما قيل: على هذه الوجوه

من أنها مبنية على كون الرحيم وصفاً محضا لا غالباً وهو إذا عرف باللام من الأوصاف الغالبة أيضاً ليس بشيء لأن القائل بذلك لا ينكر إطلاقه على غير الله فكيف يدّعي الغلبة فيه، وذهب الأعلم وتبعه ابن هشام وغيره إلى أنه علم وأنه بدل لا نعت، واستدل باختصاصه به ومجيثه غير تابع نحو الرحمن على العرس استوى، ولا يخفى ما فيه وأنّ استفاضة إضافته نحو رحمن الدنيا تنافيه، وفي شرح الكتاب لابن خروف أنّ الرحمن صفة غالبة ولم يقع تابعاً إلا لله في بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، ولذا حكم. عليه بغلبة الإسمية وقل استعماله منكر أو مضافاً فوجب كونه بدلاً لا صفة لكون لفظ الله أعرف المعارف انتهى. وقد نبهنا عليه في السوانح. قوله: (لا يوصف به غيره الاختصاصه به معرفاً ومنكراً حتى صار علما أو كالعلم وأمّا قول الشاعر في مسيلمة لعنه الله: سموت بالمجد يا ابن اكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا فقد قالوا: إنّ إطلاقه عليه غير صحيحي لغة وشرعا، وهذا من غلوّهم في الكفر إذ سموا المخلوق باسم الخالق كما سموا الحجارة آلهة، وفيه أنه إذا كان إطلاقه على الله مجازا أو بالغلبة فكيف يقال إنّ استعماله في حقيقته وأصل معناه خطأ لغة، وقد ذهب السبكيّ رحمه الله إلى أنّ المخصوص به تعالى هو المعرّف بأل دون المنكر والمضاف لو روده لغيره في اللغة، ورذ به على القول بأنه مجاز لا حقيقة له، وإن صحة المجاز إنما تقتضي الوضع للحقيقة لا الاستعمال، نعم هو في لسان الشرع يمتنع إطلاقه على غيره مطلقا، وان جاز لغة كالصلاة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلا اوهو كلام سديد وبه صرّح ابن عبد السلام وقال إنه صحيح مطلقا لغة وأنما منع شرعا. قوله: (لأنّ معناه المنعم الحقيقئ الخ) قيل الحقيقيّ هو الذي لا يستند إنعامه إلى غيره فهو الحقيق باسم المنعم بخلاف العبد فإنه كالواسطة، فالنسبة في قوله الحقيقي إلى الحقيق بمعنى الحرى للمبالغة كأحمري ودواري، أو هو من حق بمعنى ثبت أي من ثبتت فيه صفة الإنعام غير متجاوزة لغيره، كالعبد الذي يستند إنعامه إلى غيره وهو الله فليس ثابتاً متقرّرا فيه، والذي دعاه لما ذكر ما سيأني ولذا لم نجعله منسوبا للحقيقة المقابلة للمجاز مع أنه المعروف المتبادر إذ هو المنعم بلا عوض، ولاءس ض وهو الغني المطلق الخالق للنعمة والمنعم عليه فلما أريد به المبالغة إلى النهاية دل على إرأدة أعظم أفراده، فقوله البالغ في الرحمة غايتها يحتمل أن يكون تفسيرا لما قبله وأن يكون معنى آخر ودلالته على ذلك بقرينة الاختصاص وتبا إر الفرد ا! مل من صيغ المبالغة فلا يرد عليه أنّ معناه اللغوي المبالغ في الرحمة، وأمّا وصوله إلى الغاية القصوى فليس مقتضى وضمع اللغة إلا أن يقال إنه معنى عرفي ولا أنه صفة مى ششقة فلا فرق بينها وبين غيرها إلا بالمبالغة، فلا يدل على كونه منعما حقيقياً مع أنّ اعتباره ينافي الوصفية، إذ هي تستلزم الدلالة على ذات مبهمة وهذا موجب لتعينها، وأيضا أنه يفهم مته أن لفظ المنعم لا يطلق على غيره إلا مجازاً وهو غير ظاهر لاقتضائه أنّ نسبة سائر الأفعال إلى العباد مجازية ولا يخفى أنه غير وارد إذا فسر الحقيقي بما مرّ وهو الداعي إلى تفسير. به، وقوله إنه لا يفيده مكابرة مع أنه لفا اختص به تعالى، وألحق بالإعلام خرج عن نظائره، وألحق بالأسماء واختصاصه به لإرادة أكمل أفراده فلا يلزم اختصاص المنعم أيضا كما توهمه فتدبر. قوله: (وذلك لا يصدق على غيره (أي ذلك المعنى المذكور وان كان بحسب الوضع مفهوما كلياً، فهو منحصر في فرد كالشمس، والصدق ضد الكذب تجوّز به أو نقل للدلالة على بعض أفراد معناه كما هو معروف في كلامهم أي لا يطلق عليه وقوله مستعيض بالعين المهملة أي طالب للعوض! لا بالفاء، وان صح هنا بتكلف وهو تعليل لكون المنعم الحقيقي لا يصدق على غيره أو لكون المنعم الحقيقي هو البالغ نهاية ذلك لأنّ الإنعام والجود إفادة ما ينبغي سمن ينبغي لا لعوض كما في الإشارات حتى قالوا من جاد لعوض، فهو فقير كما في الهياكل وفيه تأمّل. قوله: (يريد) تفسير لكونه مستعيضا ولما لم يكن المراد به العوض المالي، لأن طالبه تاجر لا واهب بل المنافع المعنوية بينه بما ذكر. وقوله: (جزيل ثواب الخ) من إضافة الصفة للموصوف أي الثواب الجزيل، والثناء الجميل

وهو لبيان الواقع إذ الثناء لا يكون إلا جميلاَ، والثواب سصكماعف كما وعد الكريم به فهو جزيل بالنسبة بما أعطاه أبدا، فلا وجه لما قيل من أنّ الأظهر أن يقول يريد به ثوابا إذ العموم أنسب، فيعتذر بأنه لموازنة ما بعده، ويزيح بزاي معجمة وحاء مهملة مضارع أزاج بمعنى أزال، وفي نسخة مزيح بصيغة اسم الفاعل منه معطوف على مستعيض وهذه أعواض سلبية بخلاف ما قبلها. وقوله: (أنفة الخسة) الأنفة كثمرة ما يستنكف من عاره، والخسة بالخاء المعجمة الدناءة أي يقصد بما يعطيه ذلك أو عدم لحوق عار الخسة، وفي نسخة رقة الجنسية وهي الأصح رواية عند الفاضل الليثي، والمراد ألم رقة الجنسية كما وقع كذلك في عبارة الغزالي، ونقله هذا الفاضل في حواشيه يعني أنه يرق قلبه، ويتأثر بما يشاهد. من احتياج أبناء جنسه وسوء حالهم فيزيل ذلك الألم عنه بإحسانه، وهذا عوض وفائدة عائدة عليه ولو قيل الرقة هنا بمعنى الضعف، كما في قوله عجبت من قلة ماله، ورقة حاله، كما في الأساس لم يبعد فسقط ما قيل من أنه وقع بهذه العبارة في كتب الكلام في مبحث الحسن والقبح، وليس لها كبير معنى. قوله: (ثم إنه كالواسطة الخ أقيل: إنّ ما قبله تعليل لعدم صدق البالغ في الرحمة غايتها على غير.، وهذا تعليل لعدم صدق المنعم الحقيقي على غيره، وقيل: إنه بيان لكونه منعما حقيقيا إذ لولاه لم يكن محسن، ولا إحسان، والأظهر أنه بيان لأنه لا منعم غيره مطلقا وهو أبلغ مما قبله، ولذا عطف بثم لتفاوت رتبتهما لأنه في الأوّل أثبت لغيره إنعاما وهنا نفاه، وقال: كالواسطة دون واسطة لأنها ما يتوقف عليه فعل الفاعل وفعله تعالى لا يتوقف على شيء، وقيل: لأنّ كل ما له دخل في الإنعام فهو بخلقه تعالى حتى الكسب على رأي الأشعري. . قوله: (لأن ذات النعم الخ) أي ذات النعم حاصلة من خلقه لها، ومعنى كون وجودهاً من خلقه أنّ ثبوته لها مستند له أيضاً، فلا وبر4 لما قيل من أنّ نسبة الخلق إلى الوجود غير ظاهرة وأنه بناء على أن الماهيات مجعولة، والداعية هي الخاطر المشوّق للفعل حتى كأنه يدعوه. قوله: (الباعثة الخ) تفسير له، والقوى جمع قوّة، وهي معروفة شاملة للباطنة والظاهرة المبينة في الحكمة. قوله: (أو لأن الرحمن الخ) يعني أنّ الوجوه السابقة مبنية على أنّ الأب! خ مشتمل على معنى ما بعده، وهذا ليس كذلك على هذا، لأنّ الرحمن المنعم بجلائل النعم وأصولها كالإيجاد، والرحيم المنعم بما عداها، فأردف به ليتناول ما بقي منها كالتتميم وذكر الرديف وهو البالغ المتمم وإنما يتعين الترتيب المذكور على الأوّل، إذ لو عكس عراً عن الفائدة، وعلى هذا ليس كذلك فلذا أردف الرحيم تنبيها على شمول عنايته ذرات الوجود لئلا يتوهم أنه لا تطلب منه المحقرات لعظيم جنابه كما أفاده الشريف، وفيه ما مرّ فتدبر. قوله: (أو للمحافظة الخ) الآي جمع آية ورؤوسها أواخرها التي تنتهي بها سميت رأساً مجازاً تشبيهاً لها برأس الجبل والنخلة، ونهايتها التي ينتهي إليها الصاعد من أسفلها، وئذا يقال رأس السنة لآخرها وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم بعث على رأس الأربعين أي آخرها كما بين في السير، وقيل: لأنها عليها مباني الآيات كما أنّ الرأس مبني الإنسان وفيل: عبر عن الآخر بالرأس للتعظيم تأدّبا والمحافظة عليها بمجانسة ما قبل الآخر من الرويّ وحرف اللين وهذا بناء على أنّ في القرآن سجعاً، وفيه كلام سيأني في سورة يس، وقيل وؤوس الآي أوائلها والمعنى لتكون رؤوس الآي بعد كلمات متناسبة، ولا يخفي ما فيه من التكلف، ثم إنّ المحافظة لا تجري في كل سورة بل فيها ما يقتضي خلاف هذا كورة الرحمن ولهذا قيل: إنّ هذا في غاية الضعف لابتنائه على أنّ الفاتحة أوّل نازل! فروعي فيها ذلك، ثم طرد في غيرها وعلى أنها آية من السورة. قوله: (والأظهر أنه غير مصروف الخ) في التسهيل وشروحه ؤمنع صفة على فعلان ذي فعلى بإجماع النحاة، كسكران سكرى للصفة، والزيادتين المشابهتين لألفي التأنيث في عدم قبولها التأنيث، فلو قبلها انصرف كندمان ندمانة، واختلف فيما لزم تذكيره كلحيان بمعنى كبير اللحية فمن منعه ألحقه بباب سكران لأنه أكثر ومن صرفه رأى أنه ضعيف وادّعى منعه والأصل الصرف انتهى. وقال ابن الحاجب: الألف والنون إن كانا في اسم، فشرطه العلمية، أو في صفة انتفاء فعلانة، وقيل: وجود فعلي ومن ثمت اختلف في رحمن دون سكران وندمان، وبنو أسد يصرفون

جميع فعلان لأنهم-قولون في كل مؤنث له فعلانة انتهى. وقيل: أحسن ما قيل في تقريره إنّ شرط كون مؤنثه فعلي إنما اعتبر لتحقق انتفاء فعلانة إذ به تتحقق مضارعتها لألفي التأنيث والاختصاص العارض كما منع وجود فعلي منع وجود فعلانة فإن نظر إلى انتفاء فعلي وجب أن لا يمنع صرفه لأنّ وجودها شرط للمنع ومناط له في الحقيقة إلا أنه لخفائه جعل وجود فعلى علامة له، فاعتبار الاختصاص العارض يوجب امتناع الصرف وعدمه، وهو محال فلزم أن يعتبر انتفاؤهما لسببه وأن يرجع إلى أصل هذه الكلمة قبل الاختصاص، ويتعرّف حالها قبله، وذلك بالقياس على نظائرها من باب فعلي بالفتح، وإذا كانت كلها، وأكثرها ممنوعة من الصرف لتحقق وجود فعلي فيها علم أنّ هذه الكلمة أيضا مما لولا المانع تحقق فيها وجود فعلي فيمتنع صرفها مثلها، وأورد عليه أنه لا يصح حينئذ ما ذكر من أنه اختلف في الرحمن، فمن اشترط وجود فعلي صرفه على الإطلاق ويمنعه من الصرف من اشترط انتفاء فعلانة قال الرضى: إذا كان المقصود من وجود فعلي انتفاء فعلانة، وقد حصل هذا المقصود في الرحمن يجب أن يكون غير منصرف ولشرّاح الكشاف هنا مناقضات وكلام لا تحتمل العربية دقته، وأنما عدلوا إلى الاستدلال لأنه لم يسمع إلا مضافا أو معرفاً بأل أو منادى، وقد شذ قوله: وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا مع أنه لا يصلح شاهدا للصرف ولا لعدمه لاحتمال أن يكون ممنوعاً وألفه للإطلاق ومصروفا، وألفه بدل من تنوين المنصوب كقوله: تبارك رحمانا رحيماً وموئلا ولا يرد هنا ما قيل من أنّ ما مرّ يستلزم كون الحمل على النظائر من علل الصرف، ولا ما قيل من أنا لا نسلم أنّ الأصل في فعلان منع الصرف سلمناه لكن كون الأصل في الاسم الصرف مطلقا وان لم يترجح عليه يعارضه فتدبره، وفي الكتاب وشروحه هنا كلام مخالف لما قالوه ذكرناه في حواشي الرضى. قوله: (إن حظر اختصاصه الخ) حظر بالحاء المهملة، والظاء المعجمة بمعنى منع، وهذا إشارة إلى أنه إن لم يحظر كلاهما بل الثاني فقط كان عدم الإنصراف أولر،، أو إلى أنه إن لم يحظر الاختصاص العارض إياهما بل كان انتفاء فعلانة مع قطع النظر عنه، وكان فعلي موجود أو منتفيا لهذا العارض كاز عدم الانصراف أو أظهريته أولى، وعلى كلا التقديرين فالأولى بالاستلزام للجزاء أخص من نقيض الشرط ولا يخفى أنه بعيد عن مواطن استعمال إن الوصلية أمّا على الأوّل فلأن نقيض الشرط يتناول حظر وجود فعلي دون فعلانة وعدم حظر شيء منهما ولا استلزام لهما للجزاء، وأمّا على الثاني فلأدأ نقيض الشرط يتناول انتفاء فعلي ل! ختصاص أو مع قطع النظر عنه ووجودها، وليس شيء منهما أولى بالالتزام للجزاء هكذا قاله وارتضاه بعض المدققين يعني أنّ الوصلية موجبها ثبوت الحكم بالطريق الأولى عند نقيض شرطها والحكم هنا أظهرية منع صرف رحمن والشرط منع اختصاص وجود مؤنث له مطلقا كما تفيده كلمة أو بعد المنع الذي هو نفي معنى والنقض عدم ذلك المنع وهو يتحقق بوجهين: أحلدم! ما: أن لا يكون فيه اختصاص، فلا منع وحينئذ، أمّ أن ينتفي فعلي فقط، فيجب الصرف أو فعلانة، فيجب منع الصرف، وعلى التقديرين لا تتحقق الأظهرية فضلاَ عن أولويتها وأمّا أن ينتفيا فثبوت الحكم عنده مثل ثبوته عند الشرط بل دونه إذ عند الشرط دليل انتفاء فعلانة، وهو الاختصاص موجود. وثانيهما أن يكون فيه الإختصاص، ولا يمنع وجود شيء من المؤنثين فتجىء الترديدات الثلاثة أو يمنع فعلانة فقط، وحينئذاً أمّا أن توجد فعلي فيجب منع الصرف أو لا توجد، فالحكم فيه كما في صورة الشرط أو ئمفع فعلي فقط، فأمّا أن توجد فعلانة، فيجب الصرف أو لا فكما في صورة الشرط، فالأولوية لا تتحقق في شيء من صور النقيض كما قرّره بعض الفضلاء، وهذا كله تطويل نلا طائل أوردناه لئلا يتوهم من يراه غفلتنا عنه وهو مندفع بأدنى تأمّل فإنّ قوله وان حظر اختصاصه الخ كناية المقصود منها إنه لم يتحقق شرط المنع على المذهبين ولا شك أنّ نقيضه أنّ ذلك محقق، والأظهرية عليه ثابته بالطريق الأولى فإن قلت: لو سلم ما ذكرت لم يسلم أنّ مغ الصرف حينئذ للإلحاق بالأغلب بل هو واجب لوجود شرطه قلت: لا يلزم النظر لذلك، بل يكفي النظر لنفس الشرط على أنا نلتزمه، ونقول إذا وجد الشرط الأغلب منع

صرفه أيضاً لأنه قد يصرف نادراً مع وجود شرط آخر لضرورة أو تناسب أو لأمر آخر على خلاف القياس في بابه. قوله: (على فعلي) بغير تنوين وفعلانة يجوز صرفه، وعدمه على ما بين في محله. قوله: (بما هو الغالب في بابه) يعني بباب فعلان الذي مؤنثة، فعلى بفتح العين، فإنّ الغالب فيه أنه غير منصرف، ومؤنثه على فعلي إلا ماشد كخشيان، فإنه منصرف ومؤنثه خشيانة كما ذكره المرزوقي، ولذا تيده المنصف بالغالب وخالف قول الزمخشركيئ إلحاقاً بإخوانه من غير ذكر للغالب فيه، وان قيل إن الذي في الصحاح أنّ خشيان مؤنثه خشي على القياس، وهو الذي ارتضاه العلامة، ثم إنه قيل إنّ العمل بالغالب وان كان الأصل يعارضه إذ الأصل في الأسماء مطلقاً الصرف مخالف لما عليه الفقهاء من ترجيح الأصل، على الغالب إلا أنّ رجحان الغالب أظهر لأنّ الغالب يقتضي إلحاقه بنوعه، وهو أولى من إلحاقه بما هو الأصل في جنسه، وهو مطلق الاسم، وليس ما نقل عن الفقهاء صحيحا بل المصرّح به خلافه كما في أء ول الشافعية الذين منهم المصنف، وقد قال السبكي رحمه الله في قواعده إنما يرجح الأصل جزما إذا عارضه احتمال مجرّد، والا فقد يرجح غيره كما فصله. قوله: (وتخصيص! التسمية بهذه الأسماء الثلاثة) وهي الله والرحمن والرحيم والمراد بالتسمية البسملة لأنها تطلق عليها أو المعنى المصدري، وهو إطلاق الاسم وأل عهدية، وخصى العارف بالذكر لأنه الذي يتأتى منه ما بعده، ومعرفته بما ذكر من تعلق الإستعانة بالوصف المشعر بالعلية، ومجامع الأمور المهمة المعزوم عليها أو جميعها. قوله: (المعبود الحقيقي) إشارة إلى الجلالة الكريمة، ومولى لنعم بضم الميم بزنة اسم الفاعل وما بعده مشير لما مرّ، وجليل النعم وحقيرها، لف ونشر للاسمين، أو كناية عن الكل على نهج قوله ولا صغيرة ولا كبيرة. قوله: (فيتوجه بشراشره) جمع شرشرة بالفتح وتستعمل بمعنى النفس والجسد فيقال ألقى عليه شراشره اي نفسه حرصا ومحبة قال ذو الرمة: وكائن ترى من شدة ومحبة ومن عته تلقي عليها الشراشر وتكون بمعنى الانتقال والثبات وهدب الإزار وقطعه، وتحقيقه أنه في الأصل أطراف الأجنحة والذنب، وفي كتاب النبات أنّ شرشرة الطائر تعريثه قال ابن هرمة: فعوين يستعجلنه ولقينه يضربنه بشراشر الأذناب فكنى به عن الجملة كما يقال أخذه بأطرافه، ويمثل به لمن يتوجه بكليته فيقال: ألقى عليه شراشره كما قال الأصمعي كأنه لتهالكه طرح عليه نفسه بكليته، وهو الذي عناه المصنف رحمه الله إذ مراده التوجه ظاهر أو باطناً ولذا خصه بالعارف. وفي الكشف أنّ من مذهب صاحب الكشاف أن يجعل تكرار الشيء للمبالغة كما في زلزل ودمدم، وكأنه لنقل الشر في الأصل، ثم استعمل في الإلقاء بالكلية مطلقاً شرا كان أو غيره واعترض عليه صاحب القاموس رحمه الله في شرح ديباجة الكشاف بأنه غير جيد لأنّ مادّة شرشر ليست مونحموعة لضد الخير وانما هي موضوعة للتفرّق والانتشار وسميت الأثقال شراشر لتفرّقها انتهى. وفيه نظر. قوله: (إلى جناب القدس) أي إلى الله المنزه المقدس جنابه عز وعلا وحبل التوفيق كلجين الماء أو مكنية أو تخييلية أو الكلام بجملته تمثيل، كأنه لتوجهه إلى عالي جنابه وتقرّبه منه كمن يترقى بحبل إلى العلو، والسرّ في الأصل الخفي وما يكتم وكنى به هنا عن الباطن، وقيل: هي حالة للمعارف تكون سببا للفيض، وفي كتاب البدائع لابن القيم نقلاَ عن ابن عقيل: أنّ من قال بين الله وفلان سرّ فقد كفر وكذبك وقولهم أسالك بالسرّ الذي بينك وبين أنبيائك وأوليائك حماقة، وأي سرّ بين الله وعبده وردّه ابن الجوزي رحمه الله بأنهم يعنون به العبادة المستورة عن الخلق ونحوها انتهى. والذي يظهر لي من السرّ أنه أسماء الله وصفاته ونحوها مما وقف الله عليها بعض خلص! عباده وأعلمهم أنه متى سئل بها أجاب كما ورد في الآثار الصحيحة أسألك بكل اسم هو لك استأثرت به أو علمته أحداً من خلقك، وقد اشتهر أن اسمه الأعظم الذي يجاب به الدعاء لا يعلمه كل أحد وعن متعلقه بيشغل أو بحال مقدرة أي معرضاً محن غيره، وقيل عن هنا بدلية قيد للاستمداد وهو تعسف. وقوله:) فيتوجه الخ) إشارة إلى ما سيأني في الفاتحة

في الإلتفات فتدبر. قوله: (الحمد هو الثناء الخ) اختلف أهل اللغة في الثناء فقال ابن القطاع: إنه يستعمل في الخير والشرّ، والأصح كما قاله ابن السيد أنه لا يستعمل إلا في الخير وإنّ العام هو الثناء بتقديم النون عى المثلثة، وما ورد على خلافه على ضرب من التأويل والتجوّز كالمشاكلة والتهكم، فهو ذكرى الجميل، وهل يشترط فيه اللسان أم لا فقيل لا، وحقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية سواء كان ذلك باللسان أم لا، ومن ذكر اللسان لم يرد العضو المخصوص، والا لم يكن الله حامداً لنفسه ولا لغيره حقيقة، وهو ظاهر البطلان بل قوّة التكلم وليس حقيقة التكلم إلا الإفاضة والإعلام مع شعور الفيض، وارادته وبؤيده حديث " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " (1 (وإن حمل على المشاكلة أو التجوّز فالمعنى عظمت نفسك أو ذكرت نفسك بكلامك القديم بناء على مذهب الشهرستاتي، أو التخصيص باللسان بالنسبة لحمد العباد، وقيل عليه إنّ قوله والا لم يكن حامدا الخ لا يخلو عن شيء لأنه إن أراد أنه لا يكون كذلك على هذا القول حقيقة فمسلم، لكن قوله ظاهر البطلان في حيز المنع بل هو باطل لأنّ صريح إطلاقهم يدل على خلافه كقول الزمخشريّ والحمد هو الثناء باللسان وحده، وقال في الحواشي الشريفية: ادّعى اختصاصه باللسان لكونه أشبع وأدلّ، فظهر أنّ المراد العضو المخصوص ولو سلم أنه ليس بمراد فليس بمعنى قوة التكلم المذكورة أي لعدم لزوم الإفاضة في حمده لنفسه، وان أراد أنه لاث كون حامد إلا حقيقة ولا مجازا فغير مسلم لجواز إطلاق عليه مجازا كالرحمة، ففي عدم الاحتياج إلى قيد اللسان مناقشة ظاهرة كما أشار إليه الخطابي، وزاد بعضهم فيه على جهة التعظيم ليخرج الهزؤ والسخرية، وقيل لا حاجة إليه أصلاً أما على تعريف الحمد الأول، فلاستغنائه عنه بلفظ اأشناء إذ المتبادر منه ما طابق فيه اللسان الجنان، وأمّا على الثاني فلأن إظهار الصفات الكمالية معتبر فيه قيد الحيثية كما في سائر التعاريف فيخرج ما ذكر، وما قيل أن لفظ الثناء لا يأباه لأنهم فسروه بمطلق الذكر بالخير ليس بشيء على أنه قيل إنّ الوصف على طريقة الاستهزاء ليس وصفة بالجميل حقيقة إذ المستهزىء يريد ضذه على نهج الاستعارة التهكمية وقد يوصف بالجميل ظاهرا بلا قصد للتعظيم ولا للاستهزاء بل حكاية لما يزعمه الموصوف تعريفاً له، وقد فيل أنّ قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49] يحتملهما وهو أيضاً خارج فتدبر. قوله: (على الجميل الاختياري الخ) الجميل ضفة مشبهة من جمل الرجل بالضم والكسر جمالاً فهو جميل وامرأة جميلة وقال سيبويه رحمه الله: الجمال دقة الحسن والأصل جمالة بالهاء كصباحة فخفف لكثرة الاستعمال، وتجمل تجملاً بمعنى تزين وتحسن فالجميل بمعنى الحسن، فتوصف به الذوات والأفعال كما عليه أهل اللغة قاطبة، فما قيل أنّ الجميل هنا صفة للفعل، ولذا ترك في الكشاف قيد الاختياري يرد عليه أنّ معناه اللغوي أعم، ولذا قال بعض الفضلاء في حواشيه لا دليل على أنه صفة الفعل إلا أن يقال إنه أخذه من الأمثلة، وفبه بحث. وقال قدّس سره: إذا خص الحمد بالأفعال الإختيارية لزم أن لا يحمد الله سبحانه على صفاته الذاتية كالعلم والقدرة سواء جعلت عين ذاته، أو زائدة عليها بل على انعاماته الصادرة عنه باختبار؟ ، اللهم إلا أن تجعل تلك الصفات لكون ذاته كافية فيها بمنزلة أفعال اختيارية، وقيل إنّ الاختياري كما يجيء بمعنى ما صدر بالإختيار يجيء بمعنى ما صدر من المختار، وهو المراد هنا على ما فيه، وقيل إنها صادرة بالاختيار بمعنى إن شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل لا بمعنى صحة الفعل والترك فيشمل ما صدر بالاختيار وبالايجاب فالاختيار بالمعنى الأعم، وهو الأوّل والثاني أخص أو هو بالمعنى الأخص، ولا نسلم كون الصفات الذاتية غير صادرة بالاختيار لجواز أن يكون سبق الاختيار عليها ذاتياً كسبق الوجود على الوجوب لا زمانياً حتى يلزم حدوثها، وقيل إنه بالنظر إلى حمد البشر فالمراد ما جنسه اختياريّ كما قيل في قيد اللسان في الثناء، وإن لم يثترط فيه الاختيارية فالأمر ظاهر ولا يخفى عليك ما يتوجه على ما ذكر، أما أوّلها فإنه مع كونه خلاف الظاهر إنما يحسن إذا كان المعتاد في الأفعال الإختيارية كون فاعلها مستقلاً في إيجادها من غير احتياج إلى شيء آخر من آلة وغيرها

ليظهر استقامة تثبيه الصفات الذاتية بها، وتنزيلها منزلتها لذلك وليس كذلك، فإن كل فعل اختياري يحتاج إلى علم فاعله وقدرته، وأكثرها محتاج إلى آلات وأسباب أخر كما ذكر. بعض الفضلاء، وانه على تسليم استعمال الاختياري بالمعنى الثاني لا نسلم اتصاف الصفات الذاتية بالصدور إلا بتكلف يأباه لفظه، وأمّا كونها صادرة بالاختيار بالمعنى الأخص على ما قرّر في الكلام من أنّ الفلاسفة ادّعوا إيجاد العالم بطريق الإيجاب فلزمهم أن لا يكون لموجده إرادة واختيار، وقيل بانهم يقولون بأنه فاعل مختار بمعنى إن شاء فعل الخ. وصدق الشرطية لا يقتضي وجود مقدمها ولا عدمه، فقدم الشرطية الأولى بالنسبة إلى وجود العالم دائم الوقوع ومقدّم الثانية دائم اللا وقوع، ولهذا أطلق عليه الصانع وهو من له الإرادة بالإتفاق وهذا وأن ارتضوه ففي نهاية الطوسي إنه كلام لا تحقيق له لأنّ الواقع بالإرادة والاختيار ما يصح وجوده بالنظر إلى ذات الفاعلى، فإن أريد بالدوام واللا دوام المذكورين أنه مع صحة وقوع نقيضهما فهو مخالف لما صرحوا به من أنه موجب بالذات للعالم بحيث لا يصح عدم وقوعه منه، وان اريد دوامهما مع امتناع نقيضهما فليس هناك حقيقة الإرادة، والاختيار بل مجرّد اللفظ، ومتعلق الإوادة لا محيص عن حدوثه، والعالم عندهم قديم، فما هذا إلا تمويه وتلبيس انتهى. وأيضا ما ذكر من تفسير الاختيار بمختار المتكلمين لا الفلاسفة، مع أنه قد قيل عليه هنا أنه لا يجري في صفة المشيئة، وما يسبق عليها من الحياة والعلم والقدرة، ولذا قال في رسالة الحمد: إنه تكلف لا يتأتى في صفة القدرة، لأنّ صدورها ليس بالاختيار والألزم تقدّم الشيء على نفسه، فما ذكر ليس بحاسم للسؤال، ولا قاطع لمادّة الإشكال ولك أن تدفع ما ذكر باختيار الشق الأوّل، فتقول الصادر عن الموجب بالذات ليس واجبا بالدّات بل باعتبار صدوره عن الواجب بالذات، وهو في حد ذاته ممكن، وقوله: إنه قديم ليس المراد به القدم الذاتي، فنقول بصحة وقوع نقيضيما وان لم يقع لأنّ صحة الوقوع أعمّ من الوقوع، فإن قلت هذا ظاهر في العالم فما حال الصفات الذاتية، قلت: هي وان لم تكن مخلوقة لأنّ الخلق الإيجاد بعد العدم، فهي ممكنة في حد ذاتها عند بعض المحققين لأنها مستندة للذات ومحتاجة لها، وكل محتاج لغيره ممكن، فليست واجبة بالذات، وان كانت قديمة حتى يلزم تعدد الواجب، وان قيل بعدم امتناعه إذ الممتنع تعدّد ذوات واجبة، وفي التفسير الكبير الذات كالمبدأ للصفات، وهو صريح فيما ذكر، ثم إنه قيل على قول الشريف يلزم أن لا يحمد الله الخ أنه إن أراد أنه يلزم أن لا يحمد مطلقاً عليها حقيقة أو مجازا، فالشرطية بينة البطلان إذ التخصيص بالأفعال الاختيارية إنما هو في المعنى الحقيقيّ، وان أراد أنه يلزم أن لا يحمد حقيقة، فليس لقوله اللهم الخ وجه لأنه يقتضي أنّ هذا الجعل مما يصحح الحمد الحقيقيّ، وليس بصحيح، إذ عليه يكون الحمد مجازيا لأنّ الحقيقيّ ما يكون على الاختيار حقيقة، وهو غير وارد لأنّ مراده قدّس سر. أنه يحمد عليها، وهي غير داخلة في التعريف، فليس بجامع فأدخلها فيه بهذا التأويل، فالتجوّز في التعريف لا المعرّف، ولما كان المجاز في التعاريف فيه ما فيه أشار إلى ضعفه بقوله اللهم، وقد خطأ الرازي في هذا بعض علماء المغرب وأشبعنا الكلام فيه في شرح الشفاء. واعلم أنّ ما عرّفه المصنف هو الحمد اللغوفي، مورده ص اهـ ومتعلقه عامّ، والشكر اللغويّ ما ينبىء عن تعظيم المنعم على الشاكر فعلاً أو قولاً أو غير ذلك ومورده عام ومتعلقه خاص، والحمد عرفا فعل ما يشعر بتعظيم المنعم من حيث أنه منعم على الحامد أو غيره، والشكر عرفا صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه به لما خلق لأجله والنسبة بينها معروفة، والمراد بالعرف هنا عرف اللغة المستعمل، والحق الحقيق بالاتباع أن الحمد اللغويّ لا يكون إلا بالأفعال الاختيارية قال تعالى: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} أسورة آل عمران: 1188 فالحمد بالصفات الذاتية حمد عرفيّ لدلالته على تعظيمه. قوله:) من نعمة أو غيرها (قيل في فذا وفي قوله على علمه إشارة إلى أنه ليس المراد بالجميل الفعل بالمعنى المصدريّ اللهم إلا أن يقال المراد بالنعمة الإنعام بها والعلم بمعناه المصدريّ انتهى. قيل: وفي قوله اللهم إشارة إلى بعد هذا المراد كيف والمنظور إليه في مقام حمد العالم والكريم ما لهما من الكمال الذي تميزا به، وهو الملكة

لا المعنى المصدريّ وان كان له تعلق بذلك الكمال وهو ممنوع ثم إنه استشكل التقييد بالاختيار بقوله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: 79] وأجيب بأنه حال من قوله يبعثك أو نعت لمقاما، والمعنى محموداً فيه إليه بشفاعته أو الله لتفضله عليه بالإذن في الشفاعة على الحذف والإيصال، أو هو مما يدّعى فيه قيد الاختيار، وسيأني ما فيه، وقيل: المراد بالنعمة الإنعام مجازاً أو حقيقة لورودها بمعناه أيضاً أو المراد إنعام نعمه بتقدير مضاف. واعلم أنّ الفاضل ابن المعز قال في بعض تعليقاته إن الاختيار في اللغة كما في المحكم وغيره بمعنى الانتقاء والاصطفاء يقال خاره واختاره وتخيره فهو مختار والاسم منه الخيرة إذا ارتضاه لكونه خيراً عنده، وأمّا كونه بمعنى الإرادة كما هنا فلم يرد في اللغة، وانما هو من اصطلاح المتكلمين، والمعنى اللغويّ أخص منه ومن لم يتفطن لهذا فسر به قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] وسيأني تحقيقه في سورة القصص. قوله: (والمدح الخ) يعني أنّ الحمد يختص بالثناء على الفعل الاختياري لذوي العلم، والمدح يكون في الاختياري وغيره وفي ذوي العلم وغيرهم كما يقال مدحت اللؤلؤة على صفائها، وفي بدائع ابن القيم الفرق بينهما بأنّ الحمد يتضمن العلم بما يثني به على الكمال بخلاف المدح فهو أعم منه، ولذا لم يرد في الكتاب والسنة حمد الله فلانا كما جاء مدحه وأثنى عليه، فهو لا يحمد إلا نفسه، وردّ بأنه غير مسلم، وقد ورد ما أنكره كما في الأثر أنه صلى الله عليه وسلم شضيّ محمدا لأن الله وملائكته حمدوه، فالصحيح أنّ الأخبار عن محاسن الغير إن أفرد بالصحبة والإجلال فحمد، والا فمدح، ولذا كان الحمد خبرا يتضمن إنشاء، والمدح خبر محض وتسمح من فسره بالرضا والمحبة وان لم يمنع حمد الله لعباده، فإن ذلك بحسب ما يضاف له فهو من الله إكراما وإلقاء لإجلاله في قلوب خلقه انتهى. وكون العلم اختياريا لحصوله باستعمال الحواس ونحوها وكذا الكرم إن كان بمعنى الإعطاء، وكذا إن كان بمعنى السخاء بناء على أن الملكات كسبية فإن كان بمعنى الشرف كما ورد إطلاقه عليه فلا يلزم كونه اختياريا إلا بتكلف، ولذا حمل هنا على الأوّلين، وما قيل من أنّ المراد بالاختياري هنا ما للاختيار مدخل في تحققه في بعض المواد وما من شأنه ذلك، ويؤيده ما ذكره المصنف رحمه الله فإنّ العلم كيفية انفعالية فائضة بفضل الله وليست من الأفعال الاختيارية لنفس، وكذا الكرم فأنه غريزة مجبول عليها لا يناسب المقام لعوده على الفرق بما ينافيه فتدبر. قوله: (ولا تقول حمدته على حسنه بل مدحته) فلا يلزم أن يكون المدح اختياريا ولم يتعرض لوقوعه في الاختياري لأنه ليس محلاَ للنزاع قيل: ثبوت مدعاه من عدم الترادف متوقف على صدور ما ذكر عن البلغاء الموثوق يهم، وهو غير ظاهر مع أنّ الترداف لا يقتضي استعمال كل منهما حيث يستعمل الآخر وليس بلازم كما صرحوا به، ولا يخفى أنه ناف لا مثبت حتى يطالب بالاستعمال، وعدم وقوع أحد المترادفين موقع الآخر من غير مانع ما غير ظاهر، ولا يرد عليه الحمد الذاتي لله لأنه بمعنى استحقاقه له بجميع صفاته من غير تعيين، ولما كانت ذاته كافية في اتصافه بها جعل ذاتياً كما ذكره الشريف وسيأتي تحقيقه إن شاء الله. قوله: (وقيل هما أخوان) هذا ردّ على الزمخشري: بناء على فهمه منه، وقد قال السعد في شرحه إنّ الشائع في كتب العلامة أنه يريد بكون اللفظين أخوين أن يكون بينهما اشتقاق كبير بأن يشتركا في الحروف الأصول من غير ترتيب أو أكبر، بأن يشتركا في أكثر الحروف مع اتحاد في المعنى، أو تناسب كما مرّ، وقال الشريف: المراد أنهما مترادفان، والترادف بعدم اعتبار قيد الاختياو فيهما أو باعتباره فيهما، وهذا هو المراد وإن ذهب بعضهم إلى الأوّل ويدلّ على ذلك أنه قال في الفائق الحمد هو المدح والوصف بالجميل، وأنه جعل ههنا نقيض المدح أعني الذمّ نقيضاً للحمد، فإن قيل نقيض المدح هو الهجو دون الذمّ قلنا المدح يطلق على الثناء الخاص، وهو الوصف بالجميل ويقابله الذمّ، وقد يخص بعدّ المآثر ويقابله الهجو أي عدّ المثالب وكلامنا في المعنى الأوّل ثم أيده بأنّ ما ذكره أوجب حمل الأخوة على الترادف وبأنه قال في الكشاف في تفسير قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ} [الحجرات: 7] إنّ المدح لا يكون بفعل الغير، وتأوّل التمدح بإجمال وصباحة الوجه، فالمدح أيضاً

مخصوص بالاختياري عنده وتركه اعتماداً على الأمثلة، والجميل الفعل وهو ما يكون بالاختيار، وقد نوقش بأنّ الأدباء يجوّزون التعريف بالأعم، والنقيض في كلامه بمعناه اللغويّ، ويجوز أن يكون شيء واحد نقيضاً لشيئين بينهما عموم وخصوص بهذا المعنى، وهذا مراد القاضي رحمه الله بقوله الذم نقيض المدح مع أنه أخص من المدح عنده فئهون الذمّ نقيضاً لهما لا يدل على إتحادهما إلا أنها مع سوق كلام الكشاف قرينة ظنية على الترادف كافية في المطلوب، وقيل على هذا إنّ الواجب أن يحافظ في كل مبحث على ما هو وظيفته فلا يطالب في الظنيات باليقين، ولا يكتفي في اليقينيات بالظن، ومثل هذا المقام من الظنيات، والظاهر الغالب من التعريف بيان أصل المفهوم والتعريف بالأعئم، دمان كان جائزاً لكنه نادر بالنسبة لغيره، فالمطلق لا ينصرف إلا لبيان تمام المفهوم والنقيض وإن كان بالمعنى اللغويّ بمعنى المقابل الذي لا يجتمع مع الشيء فالظاهر عدم كون شيء مقابلاَ للأمرين ولولا هذا لأمكن أن يكون مراد الزمخشريّ بالأخوين المتشابهين فإن الأخوّة شاعت في المشابهة كما في الفائق أيضاً، وما ذكر من مقابلة المدح بالذمّ لا يعارضه قول أبي تمام: كريم متى أمدحه أمدحه والورى ~ معي ومتى ما لمته لمته وحدي فإنه مدخول وعدل عن مقابلته به إشارة إلى أنه لا يمكن ذمه، فإن قلت كيف ينكر المدح على غير الاختياري، وقد قال البحتري في مدح شفيع، وهو ممن يستشهد بكلامه في المعاني: حاز شكري وللرياح اللواتي ~ تحلب الغيث مثل مدح الغيوم وقال آخر: أرح المسك مدحة الغزلان ومثله أكثر من أن يحصى، فكيف يسمع ما قيل من أنّ مثال اللؤلؤة مصنوع. (قلت) وروده في كلام الموثوق به لا يمكن إنكاره، فمن أنكره يقول إنه وأمثاله من قبيل التمثيل والتنزيل، نعم هو مخالف لما قاله علماء البلاغة، فقد قال الآمديّ في الموازنة وناهيك به ما نصه: جمال الوجه وحسنه مما يتمدح به لأنه يتيمن به، ويدل على الخصال الممدوحة، والدمامة يذمّ بها لعكس ذلك، وقد غلط فيه من ظن أنه لا ينبغي أن يذكر في مدح العظماء انتهى. مع أنه يقتضي أنه لم ينكر مطلقا وإنما أنكر مدح عظماء الرجال به دون النساء ونحوهن فتفطن له، وانما مرّض المصنف رحمه الله قول الزمخشري إنهما أخوان لجزمه بأنه أراد الترادف كما ذهب إليه السيد السند. قوله: (والشكر الخ) الواقع في النسخ عطف العمل وقرينه بالواو، وهو المرويّ عن المصنف رحمه الله في الحواشي، وقيل إنه وقع في بعضها أو بدل الواو، وهما بمعنى لأنّ الواو بمعنى أو هنا كما يدل عليه قوله بعده أعمّ إذ المعنى أنّ الشكر كل ما أنبأ عن تعظيمه سواء كان ثناء باللسان وخضوعاً بالأركان أو محبة واعتقادا بالجنان وقولاً منصوب بنزع الخافض أي بالقول، وما قيل من أنه كان الظاهر أن يقول المصنف مقابلة القول، والعمل والاعتقاد بالنعمة إذ يقال قابلت كتابي بكتابه لا وجه له، وما مثل به ليس من كلام العرب الموثوق بهم بل من استعمال المولدين والمفاعلة تنسب لكل من الطرفين على حدّ سواء، ولو سلم ما ذكره فلك أن تقول إضافنه للنعمة لأدنى ملابسة. وقولا مفعوله وأصله مقابلة القول بالنعمة ويجوز أن يكون تمييزاً أو خبر كان مقدرة، والتقدير سواء كانت قولاً الخ ثم إنه قال: المراد بالقول، وأخويه الحاصل بالمصدر فيوأفق ما قيل إنه فعل ينبىء عن تعظيم المنعم سواء كان عملاً أو لا، فإن المراد بالقول والعمل فيه المعنى المصدري وأمّا الاعتقاد فجعله شكرا على التسامح والمراد تحصيله ويصدق على المعنى المصدريّ أنه مقابلة النعمة بالمعنى الحاصل بالمصدر، والواو بمعنى أو لما مرّ ولأنه لا يقال لأجزاء الشيء شعبه بل لأقسامه ومعنى مقابلة النعمة الخ أنه يثنى على المنعم بلسانه ويدأب في الطاعة له ويعتقد أنه وليّ النعمة، وقيل لا يكفي الاعتقاد بل لا بد من انبعاث محبته وتعظيمه له في القلب انتهى. وقيل عليه أنّ صيغة المصدر تطلق حقيقة على كون الذات بحيث صدر عنها الحدث، وبهذا الاعتبار يسمى المبنيّ للفاعل، وعلى كونها بحيث وقع عليها، وبهذا الاعتبار يسمى المبنيّ للمفعول، وعلى نفس ذلك الحدث الصادر عنها، وبهذا الاعتبار

يسمى الحاصل بالمصدر، وهو المفعول المطلق كما في الرضى. وحاصل كلامه أنه حمل هذا التعريف على التعريف المشهور بحمل القول والعمل في كلام المصنف رحمه الله على الحاصل بالمصدر، وفي المشهور على المصدر المبنيّ للفاعل، واذعى كون المقابلة بالفعل والقول صادقة على المعنى المصدرفي، ويرد عليه أنّ تفسير الفعل المنبىء عن تعظيم المنعم بالكون الذي هو من الاعتبارات العقلية، والعدول عن الحاصل بالمصدر الذي هو أمر موجود في الخارج مشاهد واضح الدلالة على التعظيم غير مرضيّ، فما معنى قوله ويصدق الخ. وحمل المقابلة بالفعل والقول على أضدادها خروج عن الجادّة من غير ضرورة، ولا فائدة، والمعتبر في الشكر اللغويّ وصول النعمة إلى الشاكر، ولذا قالوا: إنه عين الحمد العرفي لو اعتبر فيه أيضا وصول النعمة للحامد، وأخص منه إن لم يعتبر، ويشترط فيه موافقة القول والعمل للاعتقاد، والشكر الجنانيّ كما قال قدّس سره: إنه اعتقاد اتصاف المنعم بصفات الكمال، وهو من حيث إظهاره أو إظهار ما يدل عليه تعظيم للمنعم مستلزم لمحبته ظاهراً فلا يرد عليه ما قيل من أنّ الظاهر أن يقال: إنه محبة المنعم لإنعامه إذ العدوّ قد يعتقد اتصاف عدوّه بالكمال، ولا يعد بمجرّد ذلك شاكراً. (أقول) ما ذكره القائل مبنيّ على ما أسسه في مقالته المعقودة لبيان المصدر، والحاصل بالمصدر، وهو كلام مموّه بينا ما له، وما عليه ثمة، والذي عناه الفاضل الليثيّ أنّ مدلول المصدر الفعل، والتأثير نفسه، ويطلق حقيقة على أثره، وهو الحاصل بالمصدر، فإنهما كشيء واحد تعدد بتعدّد محله فباعتبار تعلقه بالفاعل تأثير، وبالمفعول تأثر وأثر، ونظيره ما قيل إنّ التعليم والتعلم واحد، وبهذا عرفت سقوط ما أورد عليه برمّته نعم في كلامه نظر آخر، لأنّ قوله إنه لا يقال لأجزاء الشيء شعبه غير مسلم، وما ذكره من التسامح منشؤه، كما قيل ذكر الفعل في تعريفه، وقد قيل إنهم أرادوا به الأمر الحادث لا التأثير، فيشمل الاعتقاد وفيه تأمّل. قوله: (أفادتكم النعماء الخ) هذا البيت لم يذكر أصحاب الشواهد قائله ولا ما قبله وما بعده، وفي بعض الحواشي أنه لأعرابيّ أتى علياً رضي الله عنه سائلاَ، فأعطاه درهماً فلما استقله ولم يكن عند غير درع له ناوله إياها فامتدحه بشعر هذا من جملته، ولست على ثقة منه، وأفاد من الفائدة، وهي الزيادة تحصل للإنسان، ومعناه أعطى يقال أفدته ما لا إذا أعطيته، وأفدت منه ما لا أخذت، وكرهوا أن يقال أفاد الرجل ما لا إفادة إذا استفاده، وبعض العرب تقوله كما في المصباح، والنعماء بفتح النون والمد بمعنى النعمة فاعل أفاد وثلاثة مفعوله ويدي وما عطف عليه بدل منه، ومني متعلق بأفاد أو حال من ثلاثة متقدمة عليها لكونها نكرة واليد واللسان معروفتان ويتجوّر بهما عن معان مشهورة أيضا، وضمير الإنسان قلبه وباطنه ونيته المضمرة في قلبه، ويجمع على ضمائر على التشبيه بسريرة وسرائر، وحقه أن لا يجمع عليها والمحجب بمعنى الخفي وسيأتي معنى توصيف الضمير به، وقال الشارح المحقق: المراد التمثيل لجميع شعب الشكر لا الاستشهاد والاستدلال على أنّ لفظ الشكر يطلق عليها. وقال قدس سره: هو استشهاد معنويّ على أنّ الشكر يطلق على أفعال الموارد الثلاثة، وبيانه أنه جعلها بإزاء النعمة جزاء لها متفرعا عليها، وكل ما هو جزاء للنعمة عرفا يطلق عليه الشكر لغة، ومن لم يتنبه لذلك زعم أنّ المقصود مجرّد التمثيل لجميع شعب الشكر لا الاستشهاد على أن لفظ الشكر يطلق عليها، فإنه غير مذكور، وما يقال من أن الشاعر جعل مجموعها بإزاء النعمة، فيستفاد منه أنه يطلق عليه لا على كل واحد منها، فجوابه أنه لا شبهة في إطلاقه على فعل اللسان حتى توهم كثير اختصاص الشكر لغة به، وإنما الاشتباه في إطلاقه على فعل القلب والجوارح فلما جمع مع الأوّل علم أن كلا شكر على حدة، فكأنه قيل كثرت نعماؤكم عندي وعظمت، فاقتضت استيفاء أنواع الشكر، وبولغ في ذلك حتى جعلت مواردها واقعة بإزاء النعماء ملكا لأصحابها مستفاداً منها، وفي وصف الضمير بالحجب إشارة إلى أنهم ملكوا ظاهره وباطنه انتهى. وقد قيل عليه إنّ المقدمة الأولى ظاهرة لا تحتاج لإثبات بمثل هذا الشعر والثانية غير مسلمة لما في التيسير وغيره في الفرق بين الحمد والشكر من أنّ الأوّل بالقول، والثاني بالعمل وقيل الأوّل على النعم الظاهرة، والثاني على الباطنة، وقال الراغب:

الشكر هو الثناء على المحسن كيف، وقد ذكر هو أنّ كثيراً من الناس ذهب إلى تخصيص الشكر باللسان، ومثله لا يندفع بمجرّد دعوى القائل من غير دليل، ويرد عليه أيضاً أنّ كون المقدمة الأولى ظاهرة في غاية الخفاء لاحتمال أن يكون مراد الشاعر أنكم ملكتم بإحسانكم ظاهري، وباطني، وأسرتموني جملة، فلا قدرة لي على مفارقتكم كقول بعض العرب علي يدا مطلقها، وأرق رقبة معتقها، ومنه أخذ أبو تمام قوله: هممي معلقة عليك رقابها ~ مغلولة إنّ العطاء أسار وسرق منه السارق أبو الطيب فقال: ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا وأيضا قوله يدي لا يدل على مدعاه من تعظيم الأركان والجوارح لأنها إن كانت بالمعنى الحقيقيّ لم يفده، فإنه تجوّز بها عن الإنعام على أنّ المراد مكافأة نعمهم كما قيل، فمثله قد لا يعد شكرا ألا ترى أنّ من وهبك برداً، فأعطيته ضعف ثمنه لا يقال إنك شكرته بل ربما يشعر ذلك بعدم قبول منته وارتضائه منعما، ولذا عد الفقهاء الهبة المعوّضة بيعاً، وقيل ابتغاء العوض ربا وتجارة، ولا يكون كذلك إلا إذا كانت مجازاً عن القوة أو التصرف، كقوله تعالى: {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] والمراد المنع والدفع عن المنعم والثناء عليه، والعزيمة على ذلك من صميم فؤاده لخلوص طويته فيكون حينئذ شاكراً له فتنبه له، فإنهم لم يتعرّضوا لتفسير اليد بما يؤيدهم، فإن كان المجموع تمثيلاً أو كناية عن تملكه بأسره، فإن الإنسان عبد الإحسان، كانت على ظاهرها وفي ترتيبه نكتة حسنة حيث بدأ باليد التي هي من الأعضاء الظإهرة وثنى باللسان الذي هو واسطة بين الظاهر والباطن، وأتبعه القلب الخفيّ، ووصفه بما يدل على ذلك، ففي كون اليد والاعتقاد والعمل مما اعتبره الشاعر جزاء للنعمة نظر لا يخفى، وقد قيل عليه أيضا إنّ المدعى هنا إطلاق الشكر على الموارد الثلاثة، وقد جعل هذا المذعى جزأ من إثبات الاستشهاد، وهو دور ظاهر وقيل عليه مصادرة أيضا، ؤردّا بأن ما جعل جزأ لإثبات الاستشهاد كلية مشتملة على الدعوى اشتمال الكبرى الكلية في الشكل الأوّل على المطلوب، ومثله لا ضير فيه كما توهم، وقيل الدعوى يتوقف ثباتها على الاستشهاد وجعلها جزا لإثباته لا يستلزم الدور نعم جعلها جزأ لنفس الاستشهاد أي ذكرها فيه لا في إثباته يستلزم الدور، والفرق واضح على أنه لم يجعل الدعوى جزأ لإثبات الاستشهاد أيضا إثباته بأنّ البيت ذكر لإثبات إطلاق الشكر على الأفعال المذكورة وكل ما هو كذلك يكون استشهاداً، أقا الكبرى فظاهرة، وأمّا الصغرى فلأن كلا من الثلاثة جزاء للنعمة، وكل ما هو جزاء لها شكر، فالدعوى مقدّمة لدليل صغرى إثبات الاسنشهاد، وأمّا العلاوة فمندفعة كيف، وكون الشكر عبارة عن مقابلة النعمة أظهر من أن ينكر، ولو سلم فغاية ما لزم العلامة إيراد النقل وقول الطيبي مع ورود هذا المعنى في اللغة وشيوعه غير مسموع. وقوله: (توهم كثيرا الخ) كيف يصير منثأ للتعجب مع تصريحه بأنه مردود عنده بل ربما يعلم منه عدم صحة الاستشهاد بقول الطيبي أيضاً، وقيل فيه نظر. أمّا أوّلاً: فقوله وجعلها جزا لإثبات الاستشهاد لا يستلزم الدور باطل كيف، والاستشهاد موقوف على جعله والدعوى متوقفة على الاستشهاد والمتوقف على المتوقف متوقف. وأما ثانياً: فلان قوله نعم الخ فاسد إذ لا فرق بينهما في استلزام الدور غايته أنه يزيل مرتبة التوقف على الأوّل. وأمّا ثالثاً: فلانّ قوله على أنه لم يجعل الدعوى الخ تطويل بغير طائل، إذ غايته أن يكون المدّعى جزا لإثبات مقدّمة من دليل الاستشهاد، وهو لا يدفع الدور إذ معنى الدور متحقق بل يحصل التوقف مرّة أخرى. وأمّا رابعاً: فلما في قوله وأمّا العلاوة الخ إذ اندفاعها لا يظهر مما ذكر. وأما خامساً: فلما في قوله كيف، وكون الشكر الخ لأنه إن أريد أنه بديهيّ، وهو أمر لغويّ نقليّ لا مجال للعقل فيه فهو مما لا يقوله عاقل ودعوى ظهوره بعد مخالفة كثير من العلماء كصاحب التيسير والمرزوقي في شرج الحماسة وغيرهم من العلماء الأعلام محل تعجب، وجعل السيد له توهماً لا يوجب عدم الاعتداد به في الواقع، وفيه كلام تركناه لطوله، وسنورده في تعليقه مستقلة فتدبر. قوله: (فهو أعغ الخ) أي الشكر أعم من الحمد والمدح من وجه، وهو المورد وأخص من وجه آخر وهو المتعلق فبينه وبينهما عموم وخصوص وجهيّ، ثم لما جعل في الحديث " الحمد رأس الشكر " (1) وهي جزء يتبادر مته كونه

أعمّ منه أو مساويا له كما هو شأن الخبر، وكذا قوله ما شكر الله عبد لم يحمده لأق الأعنم من وجه لا يلزم من انتفائه انتفاؤه أشار إلى دفعه بقوله: ولما كان الخ. فهذا جواب عن سؤال مقذر. قوله: (من شعب الشكر) جمع شعبة كغرف جمع غرفة من تشعب بمعنى تفرق ويكون بمعنى تجمع فهو من الأضداد وأصل الشعبة الخشبة المشعبة وقال شمر: الشعبة من كل شيء القطعة، والطائفة فهي لغة تكون للأجزاء، والأقسام، فتخصيصها هنا بالثاني إن كان عرفياً فمسلم. قال قدّس سره: وهو إحدى شعب الشكر باعتبار المورد وإن كان الشكر إحدى شعبه باعتبار المتعلق، وعبر عن الأقسام بالشعب لتشعبها من مقسمها، فإذا لم يعترف العبد بإنعام المولى، ولم يبن عليه ما دلّ على تعظيمه لم يظهر مته شكر ظهورا كاملاَ، وان اعتقد وعمل لم يعدّ شاكرا، لأن حقيقة الشكر إظهار النعمة والكشف عنها، كما أنّ كفرانها إخفاؤها وسترها، والاعتقاد أمر خفيّ في نفسه وعمل الجوارح، وإن كان ظاهراً إلا أنه يحتمل خلاف ما يقصد به إذا لم يعين له بخلاف النطق، فإنه ظاهر في نفسه، ومعين لما أربد وضعا فهو الذي يفصح عن كل خفيّ، فلا خفاء فيه، وعلى كل نسبة، فلا احتمال له، وكما أنّ الرأس أظهر الأعضاء، وأعلاها وعمدة لبقائها كذلك الحمد أظهر أنواع الشكر وأشملها على حقيقته، حتى إذا فقد كان ما عداه بمنزلة العدم انتهى. فجعل أنواع الشكر بمنزلة الجسد والحمد بمنزلة رأسه لما ذكره، ولما كان المقصود بالتشبيه كونه عمدة البقاء مع العلوّ والظهور خص دون القلب كما لا يخفى، فلا يرد عليه ما قيل إنّ العمدة القلب إذ لو لم يوافقه اللسان لا يكون القول معتبراً ولا يعتدّ به، ولا حاجة إلى قوله ويمكن أن يقال جنس الحمد رأس الشكر لكونه من اللسان الذي اعتبره الشارع في مقام الإظهار، وقيل إنه عليه الصلاة والسلام شبه الشكر بشجرة لأنه مشتمل على أمر خفيّ به قوامه وصلاحه وهو الاعتقاد، وعلى أمر ظاهر وهو القول، وعلى متوسط بينهما وهو العمل فقال " الحمد رأس الشكر " فذكر الشكر استعارة بالكناية واثبات الرأس تخييل، فقصد الردّ عليه لملاءمة الشعب لما ذكره، وهو لم يقع في الحديث مع أنه يطلق على ما بين القدمين أيضاً، والحديث يدل على عدم وجود الشكر بدون الحمد، وما ذكره لا يناسبه، وفي قوله ذكر الشكر الخ تسامح ظاهر، فلا وجه لتخطثته فيه والقول بأنه اصطلاح جديد. قوله: (أشيع للنعمة وأدلّ على مكانها) أشيع بمعنى أكثر إشاعة، وإظهاراً من بقية شعبه وأقسامه، وهذا بناء على مذهب سيبويه في جواز أخذ أفعل التفضيل من الأفعال المزيدة، وعليه الرضى لكثرته استعمالاً والجمهور على أنه نادر موقوف على السماع، ولك أن تقول لا حاجة لهذا لأنه من شعت الشيء كبعته ة ذا أظهرته كما في القاموس، ولم يتعد بالباء بل باللام لأنه أفعل تفضيل يطرد تعديته بها كما فصله النحاة وكان الأظهر أن يقول للتعظيم بدل قوله للنعمة لأن الحمد لا يلزم أن يكون في مقابلتها، وأدلّ بمعنى أظهر دلا أت، ومكان النعمة المراد به النعمة على طريق الكناية، كما يقال المجلس العالي كناية عمن هو فيه، ولفظة مكان مقحمة لورودها كذلك في كلام العرب كقول الشماخ: وماء قد نقيت به بكوراً ~ مكان الذنب كالرجل اللعين أو مكان النعمة المنعم عليه، وأمّا كونه مصدراً ميمياً بمعنى الكون، والثبوت فبعيد وبين الأظهرية بقوله لخفاء الخ. قوله: (وما في إدآب الجوارح من الاحتمال) الإدآب بالهمزة والدال المهملة، وآخره موحدة كالاتعاب وزناً ومعنى، والدأب بمعنى العادة منه، والجوارح أعضاء الإنسان لأنه بها يكتسب مأخوذ من جرح بمعنى اكتسب، ومنه جوارح الطير لما تصيد منه، وهذا صريح في أنّ دلالة الألفاظ على المعاني أقوى من دلالة الأفعال عليها لما ذكره قيل وفيه نظر لأنّ من الأفعال ما يدل على المعنى المراد منه دلالة قطعية لا يتطرّق لها شبهة، واحتمال فطعاً، فإن حمل الشخص مراراً للثقيل يدل على قدرته على ذلك قطعا واشتغاله بصنعة يدل على علمه بها وادارتها بلا احتمال، ويشهد له المثل لسان الحال أنطق من لسان المقال بخلاف الألفاظ، فإنه ليس شيء منها يخلو من احتمال الاشتراك ولتجوّز والزيادة والنقصان نعم يصير بعضها قطعيا فيما يراد منه بواسطة قرينة فأمّا ينفسها فلا، وكذا قيل إنّ المدلول يتخلف عن الدال

في القول ولا يتخلف في الفعل ولا يخفى أنّ ما ذكر من احتمال التجوّز خلاف الظاهر كالاستهزاء، وأمّا الأفعال فقلما يخلو شيء منها من الاحتمال، وما ذكر من الأمثلة إنما صار قطعياً لط احتف به من قرائن الأحوال، وكيف يدعى أنّ الأفعال أدلّ من الأقوال، والمرإد من المدلول هنا تعظيم المنعم ونحوه، وأعظم أفراده تعظيم الله بحمده وشكره، وأعظم أفعاله العبادة، وكلها موافقة للعادة كقيام الصلاة، وجلوسها والذهاب للحج ومباشرة أركانه، وما منها إلا والاحتمال فيه أظهر من أن يخفى بخلاف حمدت الله وشكرته وعظمته ومجدته، ولا احتمال فيه لولا التعنت والمكابرة، وما ذكر من المثل أمر ادّعائي كما هو المعروف في أمثاله، ولذا قال بعض المتأخرين في دفع ما ذكر أنّ دلالة القول على التعظيم الذي منشؤه الإنعام أظهر، فإنّ الة حل، وإن دل على التعظيم لكنه لا يدل من هذه الحيثية، والأظهر أنّ الحمد اللساني لما تحقق بذكر النعمة دون غيره، وذكر النعمة أتم في إشاعتها كان أدل انتهى. والاحتثال افتعال من الحمل تقول حملتة المتاع فاحتمله تجوّزوا به عن جواز أمرين، أو معنيين فكثر، وليس من كلام العرب، وفي الأساس من المجاز هذه الآية تحتمل وجهين، وفي المصباح الاحتمال في اصطلاح الفقهاء والمتكلمين بجواز استعماله بمعنى الوهم، والجواز فيكون لازماً وبمعنى الاقتضاء، والتضمن فيكون متعديا مثل احتمل أن يكون كذا واحتمال الحال وجوها كثيرة انتهى. قوله: (فقال عليه الصلاة والسلام الحمد رأس الشكر الخ) هذا الحا. يث رواه عبد الرزاق من طريقة الديلمي عت معمر عن قتادة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وانكار الطيبي له، وقوله لم يوجد في الأصول لا يلتفت إليه، وفيه دليل على أنّ الشكر يكون بغير القول كما في قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13] فلا عبرة بما قيل إنه غير لغويّ، ومنه علم وجه كونه أعمّ من وجه كما مرّ فتدبر. وقوله: <ما شكر الله من لم يحمده> أي لتفويته ما هو العمدة في الشكر مع تيسير مع غير تعب، ولأنه إذا لم يعترف العبد بإنعام مولاه ويثنى عليه لم يظهر منه شكر ظهوراً تاما، وإن اعتقد أو عمل لا يعذ شاكرأ لأن حقيقة الشكر إظهار النعمة، كما أن الكفران سترها. ) قلت) سئل عن الحديث السخاوي فقال بعدما مرّ إن فيه القطاعا بين قتادة وابن عمر، ولكن له شاهد عند ابن السني والديلمي أيضا من طريق يزيد بن الحباب عن عمر بن عبد الله بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي كثير عن أنس قال: قال رسول الله كلاقي: " إنّ إبراهيم سأل ربه فقال يا رب ما جزاء من حمدك قال الحمد مفتاح الشكر والشكر يعرج به إلى عرس رب العالمين قال فما جزاء من سبحك قال لا يعلم تأويل التسبيح إلا رب العالمين ") 1 (وهو منقطع أيضا. واعلم أنّ في قوله رأس الحمد استعارة مكنية وتخييدية لأنه حقيقة الشكر إشاعة النعم والكشف عنها، فجعل بمنزلة شخص يعاون وظهوره برأسه، ونظيره مفتاح الشكر فاعرفه. قوله: (والذمّ نقيض الحمد الخ) أمّ الثاني: فظاهر قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] لأنه إظهار النعمة والكفران جحودها وسترها وهذا بناء على أن أصل معناه أظهر كمقلوبه كشر إذا أظهر أنيابه، وقيل: معناه الإمتلاء. ومنه عين شكرى أي ممتلئة، وأمّا الأوّل فلأنه الثناء بالجميل، وذكر المحاسن والذمّ ذكر القبائح وكذا المدح، فإطلاق الذمّ في مقابلته مشهور، وأمّا المدح بمعنى عد المناقب فمقابله الهجو بمعنى عذ المعايب والمراد بالنقيض المنافي، ومنافي العام منافي للخاص، فلا يرد أنه مقابل للمدح، والمثشف رحمه الله غير قائل بترادف المدح والحمد، فكيف ذكر أنه نقيض الحمد، ومن وهم أنّ اشتهار الذمّ في مقابلة المدح يبطل كونه نقيض الحمد، أو كون المدح أعنم من الحمد فقد وهم، وقد مال قدس سره إلى أنّ اتحاد نقيضهما يقتضي ترادفهما كما مرّ، وقد قيل عليه أيضا إنه إن أراد بالنقيض متعارف أرباب الميزان، فظاهر أنّ الذم ليس نقيضا للحمد بذلك المعنى إذا ليس هو رفعه لوجود رفعه في صورة السكوت بدون الذمّ، وان أراد معنى الضد، فلا يلزم أن يكون للشيء ضد واحد غير متعدد البتة إن أراد به الضد المشهور، وان أراد الضد الحقيقي المعتبر فيه غاية الخلاف، فلا نسلم ذلك أيضا، وما ذكره الحكماء من أنّ ضدّ الواحد إذا كان حقيقيا يكون واد غير مسلم عند المتكلمين والحكماء

لا يقولون بثبوته بالبرهان القاطع بل يدعون فيه الإستقراء، وهذا كله تعسف وتنزيل كلام اللغويين على مدعي الحكماء حرزة، والنقيض عند اللغويين كما مرّ المقابل المنافي، فلا حاجة لشيء مما ذكر. قوله:) ورفعه بالابتداء الخ) كون العامل الإبتداء هو القول الأصح المشهور، وذكر هذا الإعراب مع ظهوره إمّا لدفع ما يتوهم من أنّ المجرور معمول المصدر واللام للتقوية، فذكر رفعه بالابتداء ليتعين لشهاب لم ج ا / م 9 أنّ لله خبره و) يربط به ما بعده، وقيل إنه لدفع توهم رفعه بفعل محذوف مجهول أي حمد الحمد مع أنه أوفق بأصله، ولا يخفى فساده وقيل الأولى أن يقال إنه للتنبيه على أنّ الحمد يستحق التقديم على لله باعتبار الحال والأصل، وتوهم كون الظرف أو المجرور معمولاً للحمد يرتفع ببيان كون لله خبراً ولا دخل للتعرّض لرفع الحمد إلا أن يقال التعرّض لرفعه لتوطئة بيان الخبرية، وهي لدفع التوهم المذكور، وكله على طرف التمام. قوله: (وأصله النصب الخ) قال سيبويه: من العرب من ينصب المصادر بالألف واللام، ومن ذلك الحمد لله ينصبها عامّة بني تميم وكثير من العرب، وسمعنا العرب الموثوق بهم يقولون العجب لك، فتفسير نصب هذا كتفسيره حيث كان نكرة، كأنك قلت حمداً وعجباً، ثم جئت بلك لتبيين معنى من يعني، ولم تجعله مبنياً عليه فتبتدىء به، وقولك الحمد لله والعجب لك والويل لك، إنما استحق الرفع لأنه صار معرفة، فقوي في الابتداء بمنزل عبد الذ انتهى. وفي شرح السيرافي دخل الألف واللام المصدر حسن الابتداء به، كما في الحمد لله والويل لك، فإذا أنكر ضعف الابتداء به، إلا أن يكون فيه معنى المنصوب نحو سلام عليكم، وخيبة لزيد مما يدعى به، ويجوز فيه النصب والرفع ويجري مجرى المنصوب في حسنه، وان كان الابتداء بنكرة، وليس كل ظرف يفعل به ذلك، كما أنه ليس كل حرف يدخله الألف واللام، فلو قلت السقي لك والرعي لك لم يجز إلا عند الجرمي والمبرد لأنه لم يسمع، والحمد دلّه وان ابتدىء به ففيه معنى المنصوب وهو إخبار فإذا نصب فمعناه أحمد الله حمداً، واذا رفع فكأنه قال: أمري وشأتي فيما أفعله الحمد لله هذا زبدة ما في الكتاب وشرحه في باب كسره عليه، وهو مأخذ الزمخشريّ وعليه اعتماده. وقال قدّس سوه: إنما كان أصله النصب، لأنّ المصادر أحداث متعلقة بمحالها، فيقتضي أن تدل على نسبتها إليها، والأصل في بيان النسب والتعلقات هو الأفعال، فهذه مناسبة تستدفي أن يلاحظ مع المصادر أفعالها لفظاً، فتسدّ مسدّها وتستوفي حقها لفظاً، ومعنى فلا يستعملونهما معا ويجعلون ذكر أفعالها، كالشريغة المنسوخة في أنه خروج عن طريقة معهودة إلى طريقة مهجورة يستنكرها المتدين بعقائد اللغة، ولا يرد عليه ما قيل من أنه لا يدل على أنّ أصله النصب بل على أنّ المقام مقام الأتيان بالجملة الفعلية لأنه حينئذ إذا أتى بمصادرها كان حقها النصب كما سمعته عن سيبويه، وقراءة النصب هنا شاذة منسوبة لهرون بن موسى العتكي، والقراءة الشاذة يستدل بها النحاة، والنصب على المصدرية بفعل محذوف تقديره نحمد بنون الجماعة لأنه مقول على ألسنة العباد ومناسب. لقوله: (نعبد ونستعين الا بنون العظمة لعدم مناسبته لمقام العبادة المقتضي لغاية التذلل والخضوع وليس مفعولاً به بتقدير اقرؤا، وأن جوّزه بعضهم لما مرّ، وقراءة الرفع أولى لدلالة الجملة الإسمية على الدوام والثبوت بقرينة المقام بخلاف الفعلية فإنها تدل على التجذد والحدوث، واذا كان الخبر ظرفاً فإن قدّر متعلقه اسماً فهو ظاهر، وإلا فقيل الخبر الفعل إنما يفيد الحدوث إذا كان مصرّحاً به مع إنه قيل إنّ المعدولة تفيد ذلك مطلقاً فيفيد العدول، والتعريف بلام الاستغراق ثبوت الحمد الشامل لجميع أفراده لله تعالى، وإلى هذا أشار المصنف فيما بعده، وهو قوله وإنما عدل عنه إلى الرفع الخ. وقد شرحناه على وجه يعلم منه مراده إجمالاً وسنفصله ونحققه على أتم وجه. قوله: (على عموم الحمد) قيل إنّ هذا على تقدير أن تكون اللام في المبتدأ للعموم، وفيه نظر لأنه أريد به معناه الذي يفيده النصب من إنشاء الحمد من نفس الحامد، واللام في النصب متعينة للجنسية إذ يمتنع إنشاء الحمد الذي يقوم بغيره، فكذا في حالة الرفع كذا نقل عن المصنف في حاشية كتبها هنا، وقيل على ما نقل عنه أنّ الإنشائية

غير متعينة لجواز أن تكون خبرا، وأن يريد أنّ معنى قوله نحمد ننشىء الحمد، فإن كان هذا خبراً والمفعول المطلق ما أوجده فاعل الفعل المذكور، فلا شك أنه ههنا لا توجد جميع أفراد الحمد حتى الصادر عن غيره مثل الملائكة ومن حمده قبله وحتى ما لم يأت به أحد من أفراده الممكنة عقلاً، فإن جميع ما ذكر مندرج في الحمد على تقدير الإستغراق كما صرّج به الإمام، وفيه نظر لأنه لا يجب أن يكون المراد بالحمد حال الرفع ما أريد به حال النصب إذ المانع من حمله على الاستغراق حال النصب منتف حال الرفع، وان حمل كلامه على أنه في حال النصب إنشاء، والجملة أيضا إنشائية فهو ممنوع لأنّ كلام الكشاف صريح في خبريتة، وقيل المشهور أنّ جملة الحمد إنشائية وأن كانت خبرية في الأصل والاستغراق لا ينافيه، ولا يستلزم كونه منشئا لكل حمد وموجدا له، بل يكفي كونه منشئاً للأخبار بأنّ كل حمد ثابت له وهو محمود به، وليس العموم الذي ذكره المصنف بحسب الأزمنة، لأنّ قوله بعده وثباته يخلو عن الفائدة، ودلالة العدول على ما ذكر لأنه إذا جرّد عن التجدد والحدوث ناسب قصد الدوام بمعونة المقام، ولذا قيل إن عمومه شموله لكل حمد لا حمد المتكلم وحده كما جمو مدلول حمدت حمدا وردّ بأنه يقدر الفعل نحمد، كما في الكشاف فيفيد عموم الحمد إذ المراد به كل من يصلح لأن يكون حامدا، وفيه أن نحمد يدل على عموم صدور الحمد لا على عموم نفس الحمد إذ يجوز أن يكون الثابت له تعالى فردا من حمد كل حامد، وقد يحمل العموم على عموم مفهومه بأن لا يلاحظ فيه زمان بوجه لا خاصا ولا عاما، والثبات وإن دل على شمول الأزمنة لكنه مدلول الجملة الاسمية لا الحمد وفيه نظر، وقد يحمل العموم على الاستغراق الصريح والتضمني على تقدير كون اللام للاستغراق أو الجنس، وأورد عليه أن يستفاد من اللام لا من العدول، وهو حاصل على تقدير النصب أيضا، وأمّا أنه إنشاء فلا وجه للاستغراق فيه ففد مرّ ما فيه: وقد يحمل على شمول جميع الأزمنة فالثبات تفسير له وأيد بتعرّضه للتجدّد المقابل للثبوت دون مقابل العموم، وقيل العدول يدل على أنّ الحمد بالمعنى المصدري والدلالة على الثبات لا تناسبه لتجدده بل تنالسب الحاصل بالمصدر إلا أن يقال بعد العدول لا يلزم اعتبار ما كان بحسب الأصل من التجدّد، وفيه أنا لا نسلم أنّ المصدر متجدد، فالدلالة على الثبات لا تناسبه بل التجدد في الفعل لمقارنة حدثه للزمان كما ستعرفه عن قريب. قوله: (وثباته له ثرن تجتده وحدوثه (وفي نسخة دون التجذد والحدوث والثبات اسم مصدر من ثبت الشيء يثبت ثبوتاً إذا دام واستغرق كما في المصباح، ولما كان الرفع دالاً على الثبوت المجرّد عن قيد التجذد والحدوث قصد به ما ذكر بمعونة المقام كما مرّ بخلاف النصب لتقدير الفعل الدال على التجدد والحدوث وضعاً معه، وقولهم المضارع يفيد الإستمرار المراد به الإستمرار التجددي في المستقبل لا في جميع الأزمنة، فلا ينافيه وكون الخبر الظرف تصير به الإسمية كالفعلية في التجدّد مرّ بياكه مع أنه قيل إنه لا تقدير فيه، وما ذكره النحاة لأمر صناعي اقتضاه وقولهم الظرفية اختصار الفعلية كذلك، وعطف الحدوث تفسيرى إشارة إلى أنّ التجدّد بمعنى الحدوث لا التقضي شيأ فشيأ، فإن الفعل لا يفيده إلا من قرينة خارجية واستعماله في الأمور الثابتة، كعلم الله قيل إنه مجازيّ ولا شعار النصب بالتجدد اختار سيبويه النصب في إذا له صوت صوت حمار، لأنّ الصوت عرض غير قارّ والرفع في فإذا له علم علم الفقهاء. واعلم أن الشيخ قال في دلائل الإعجاز أنه لا دلالة لقولنا زيد منطلق على أكثر من ثبوت الإنطلاق لزيد وهو مناف لما ذكر هنا، وقد وفق بينهما بأنّ الجملة الاسمية بمجرّدها لا تدل على الدوام والثبوت بل مع انضمام العدول وغيره تفيدهما، وهذا هو المفهوم من كلامه قدس سره في شرح المفتاح، والظاهر عندي أنّ كلام الكشاف والمفتاح على خلاف كلام الشيخ، فإنهما قالا إنّ المنافقين أخبروا عن إيمانهم بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث لرواج الحدوث دون الثبات منهم، وعن كفرهم بالإسمية المفيدة للثبوت، فإنّ دوام ذلك راسخ فيهم، وفي المفتاح في الحالة المقتضية لذكر المسند أنه قد يذكر لتعين كونه ظرفا، فيحتمل الثبوت والتجدد بحسب التقديرين، فالظاهر أنهما جعلا الأصل في الإسمية الثبوت لأنهما اعتبرا ذلك فائدتها على وجه الإطلاق بلا تقييد، فالاسمية الجامدة الخبر مفيدة للثبوت والظرفية

الخبر محتملة عندهما وقد صرحوا به في مواضع كثيرة. (أقول) قد ذكر الفاضل الحفيد هذا في أكثر تأليفه اعتناء به وحاول بعضهم الجواب عنه وكله ناشىء من عدم تدبر كلام الشيخ رحمه الله، فإنه قال في بحث الحال من الدلائل فرق لطيف تصمق الحاجة في علم البلاغة، إليه بيانه أق موضوع الإسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدد شيأ فشيأ، وأمّا الفعل فموضوعه على أن يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيأ بعد شيء، فإذا قلت زيد منطلق فقد أثبت الانطلاق فعلاَ له من غير أن تجعله يتجدّد، ويحدث منه شيأ فشيأ، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك زيد طويل وعمرو قصير فكما لا تقصد ههنا إلى أن تجعل الطول والقصر يتجددان ويحدثان، بل توجبهما وتثبتهما فقط، وتقضي بوجودهما على الإطلاق كذلك لا تتعرّض في قولك زيد منطلق لأكثر من إثباته لزيد، وأما الفعل فإنك تقصد فيه إلى ذلك، فإذا قلت زيد ينطلق فقد زعمت أنّ الإنطلاق يقع منه جزأ فجزأ وجعلته يزاوله ويوجبه انتهى. فمعنى قوله لا دلالة له على أكثر من ثبوت الانطلاق أراد به أنه يدل على الثبوت دون التجدد، وإذا كان ذلك بالفحوى صح اعتباره تارة وعدم اعتباره أخرى كما حققه قدّس سرّه. ومن هنا ظهرت فائدة هي إنّ حذف المعمول كما يدل على العموم يدل عليه أيضاً حذف العامل، فليست على ذكر منك. (وههنا بحث) وهو أنّ أهل المعاني قاطبة قالوا: إنّ الاسم يدل على الثبوت مطلقا وهو مخالف لقول النحاة إنّ الصفة المشبهة تدل على ثبات معناها، واستمراره بغير تجدد بخلاف اسم الفاعل، فإنه دال على ذلك، فإذا أريد الثبوت قيل صدره ضيق، واذا لم يرد قيل ضائق ولذا قال تعالى: {ضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود 2 ا] وخالفهم فيه الرضى فقال الذي أرى أن الصفة المشبهة كما أنها ليست موضوعة للحدوث ليسست موضوعة للاستمرار في جميع الأزمنة ما لم تقم قرينة على خلافه، فانظر التوفيق بينهما، وما مرّ من معنى التجدد هو الظاهر لكن ما نقلناه عن الشيخ في الدلائل يخالفه فتدئر، وهذا البحث ذكره بعض النحاة ولم يجب عنه، ثم رأيت في بعض كتب المعاني التعرّض له والجواب عنه بأنّ دلالة اسم الفاعل على الحدوث بالعرض دون جوهر اللفظ، وانما جاز ذلك في اسم الفاعل دون الصفة المشئهة لأنه على عدد حروف المضارع وزنته في حركاته وسكناته، بخلاف الصفة المشبهة، فلا تدل وضعا إلآ على الثبوت المجردّ أو عليه مع الدوام بمعونة المقام، وفيه أنّ الصفة المشبهة تكون موازنة لاسم الفاعل كثيرا، فلا يتم ما ذكر من الفرق ولعل الجواب ما أشير إليه في قولهم أنّ اسم الفاعل حقيقة في الحال من أنه باعتبار العمل فتدبز قوله: (وهو من المصادر إلخ) في الكشاف أنه من المصادر التي تنصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الأخبار كقولهم شكراً وكفرا وعجبا وما أشبه ذلك، ومنها سبحانك ومعاذ الله ينزلونها منزلة أفعالها، ويسدون بها مسدّها ولذلك لا يستعملونها معها ويجعلون استعمالها معها كالشريعة المنسوخة انتهى وفي التسهيل هذا في ذكر المصدر الذي يحذف عامله وجوبا لكونه بدلاً من لفظ الفعل وفي خبر بحسب الصيغة إنشاء بحسب المعنى وفي شرحه للدمامينيّ تمثيلاَ للثاني نحو حمداً وشكراً صرّح به الشلويين، وأورد عليه سؤالاً وهو أنه يجوز أن يقول حمدت الله حمداً أو أحمده حمدا فكيف يقال أنّ هذا لا يظهر فعله وأجاب بأنه مع التلقظ بالفعل يكون خبراً لا إنشاء، واذا كان إنشاء كان المصدر والفعل متعافيئ يريد أنهما لا يجتمعان ولكن إن أتيت بالمصدر تركت الفعل وجوبا وان أتيت بالفعل لم يجز أن تذكر المصدر انتهى، وقال الرضى: يجب حذف الفعل قياساً، والمراد بالقياس أن يكون هناك ضابط كليّ يحذف الفعل حيث حصل ذلك الضابط والضابط ههنا ما ذكرنا من ذكر الفاعل أو المفعول بعد المصدر مضافا إليه أو بحرف الجرّ لا لبيان النوع انتهى، وفصله بتفصيل يطول، وحاصله أنّ من المصادر ما يجب حذف عامله مطلقاً، ومنها ما يجب حذف عامله إذا بين فاعله أو مفعوله بحرف جرّ نحو سقيا لك، أو لإضافة نحو صبغة الله ووعد الله لأنّ حق الفاعل والمفعول أن يتصلا بالفعل، فلما حذف لداع بين المصدر المبهم لإضافة أو بحرف جز، فلو ظهر الفعل ورجع الفاعل والمفعول لمركزهما انتقض الغرض المذكور، فوزانه وزان أن امرؤ هلك، واذا أصخت لما تلونا عرفت أنّ كلامهم في حذف فعل هذا المصدر مختلف مضطرب، وظاهر كلام بعض أنه ليس

بواجب الحذف مطلقاً وظاهر كلام آخرين أنه واجب مطلقا، وذهب ابن مالك والشلويين إلى أنه يجب في الإنشاء دون الخبر وفي كلام الكشاف ميل له، ولذا قال المدقق في الكشف في قوله في معنى الإخبار لا الإنشاء، ولذا فضل عنه سبحان الله ونحوه لأنه في معنى الإنشاء، وقيل: لأنه غير متصرّف انتهى وذهب الرضى تبعاً لغيره أنه يجب إذا بين فاعله أو مفعوله باللام أو بالإضافة، ويفهم منه أنه يذكر في غير ذلك من غير تعرّض لقلّته أو كثرته، لأنه إنما يوقف عليه بالاستقراء والتامّ منه متعذر والناقص لا يفيد فقول المصنف رحمه الله (لا تكاد إلخ أليس بكلام منقح وعدوله عما في الكشاف وهو كلام مهذب لا يخلو من الخلل، ولذا قال بعض علماء العصر في حواشيه إنّ ما ذكره المصتف إنما يتحقق فيما يستعمل باللام نحو عفوآلك على ما صرّح به في العربية بخلاف نحو سقاك الله سقيا لكن قوله أنه مراد المصتف رحمه الله وترك للعلم به، ولأن ما نحن فيه كذلك غير صحيح، ومن قال بعدما ذكر كلام الرضى يحتمل أن يكون المصئف رحمه الله يشير بهذه العبارة إلى قلة استعمالها بدون معمول فعلها، ويحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى الحمد المخصوص المذكور مع معمول العامل فلا تكاد إلخ إشارة إلى عدم استعماله مع العامل انتهى كلام مغ اختلاله لا معنى له أصلاً، وكذا ما في بعض الحواشي من أنه دل بتغيير الأسلوب على أنّ الجفلة إنشاء لا إخبار على ما شاع في أصله، ونبه بقوله لا تكاد إلخ على ضعف قول من قال: لا يجب حذف عامل الحمد لثبوت حمدت حمدا انتهى. وقوله: (لا تكاد تستعمل إلخ) أي المصادر مع الأفعال أو الأفعال مع المصادر قوله: (والتعريف فيه للجنس إلخ) ذهب المحققون كالشريف وغيره إلى أنّ التعريف يقصد به معين عند السامع من حيث هو معين، فهو إشارة إلى تعيين معنى اللفظ وحضوره في الذهن، فإذا دخلت اللام على اسم الجنس فإمّا أن يشار بها إلى حصة معينة فرداً كان أو أفراداً، وتسمى لام العهد الخارجي، وامّا أن يشار بها إلى الجنس نفسه وحينئذ فإمّا أن يقصد الجنس من حيث هو كما في التعريفات، فاللام حينئذ تسمى لام الحقيقة والطبيعة، وقد تسمى لام الجنس ونظيره العلم الجنسي،، وامّا أن يقصد الجنس من حيث هو موجود في ضمن جميع الأفراد وتسمى لام الإستغراق أو في ضمن بعض الأفراد الغير المعينة، وتسمى لام العهد الذهني، ولى جعل العهد الخارجي قسيما للجنسي والذهني والاستغراق قسماً منه، وكان في وجهه خفاء جعله بعضهم تحكما وخلاف التحقيق، وذهب إلى أنّ التحقيق أنّ اللام موضوعة للإشارة إلى الماهية بشرط شيء ويتشعب منها أربع شعب، لأنه إن اكتفى بأصل الموضوع له، ولم يقصد معنى زائد تسمى لام الحقيقة، وان قصد به الماهية في ضمن فرد وبشرط شيء فإنّ عين ذلك الفرد لسبق ذكر أو علم أو غير ذلك تسمى لام العهد الخارجي، وإن لم تقم قرينة معينة لذلك البعض، وكانت قائمة على إرادة بعض مّا كأدخل السوق، فإنّ الدخول قرينة له، فهو العهد الذهني، وهو كالنكرة في الإثبات، وأن وجدت قرينة العموم فهي لام الاستغراق والقصد إلى الماهية من حيث هي لم يعتبر لأنه لا يقع في المحاورات، فجميع أقسام اللام ترجع إلى الجنس والإستغراق والفرد المعين، وما عداها أمور زائدة على الموضوع له، ولا يلزم أن يكون اللفظ فيها مجازا لأنها إنما تستفاد من القرائن واللفظ مستعمل في الموضوع له، فقولهم قصد به البعض يعنونه بمعونة المقام وما ينضمّ إليه، وفي المطوّل احتمال ثالث وهو جعل الأقسام أربعة وهي أصول متقابلة وقدم الجنس ترجيحا له بتبالره إلى الفهم بخلاف الفرد المعين وجميع الأفراد، والإشارة بمعنى الإشارة الذهنية التي هي كناية عن حضوره في الذهن، وهو معنى التعريف ثم إنّ المصتف رحمه الله أختار تبعا للزمخشري أنّ التعريف هنا للجنس والمراد به الحقيقة، وانما ترجح لأنّ مدخول اللام حمد وهو اسم جنس واللام لتعيينه، ولذا قيل إن الاستغراق إنما يستفاد بمعونة المقام، وثبوت جميع المحامد له تعالى على هذا التقدير ثابت بالطريق البرهاني، إذ لو خرج فرد منه خرجت الحقيقة في ضمنه أيضا، فيلزم عدم اختصاص الحقيقة وهدّا مبني على أنّ الاختصاص المستفاد من اللام بمعنى الحصر، وسيأتي ما فيه قوله: (ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد) أي معنى تعريف جنس الحمد وقد بيئا لك المراد بالإشارة هنا

ومعنى التعريف كما اختاره بعض المحققين الإشارة إلى أنّ مدلول اللفظ معلوم حاضر في ذهن السامع، فمعنى التعريف هنا الإشارة إلى معلومية مفهوم الحمد لا الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أنّ الحمد ما هو ففي العبارة تسامح، وكأنه على حذف مضاف أي معلومية ما يعرفه كل أحد، وبيانه بأنّ الحمد ما هو تسامح والمراد جواب هذا السؤال وما يقع جوابا لماهية الحمد، ولما كانت اللام في الأصل للإشارة، وكان المخاطب في هذا المقام عاما كانت إشارة إلى ما يعرفه كل أحد أي كل أحد عالم بالوضع، فتعريفه كتعريف الخطاب العام قوله: (أو للإستنراق) وفي نسخة وقيل للا ستغراق. وفي الكشاف هو نحو التعريف في أرسلها العراك، وهو ته ريف الجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أنّ الحمد ما هو، والعراك ما هو من بين أجناس الأفعال، والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم انتهى. وفي كتاب سيبويه في باب ما جاء من المصدر بالألف واللام وذلك قولك أرسلها العراك قال لبيد: فأرسلها العراك ولم يذدها ولم يشفق على بعض الدخال كأنه قال اعتراكا. وليس كل المصادر في هذا الباب تدخله الألف واللام، كما أنه ليس كل مصدر في باب الحمد دلّه والعجب لك تدخله الألف واللام، وانما شبه هذا بهذا حيث كان مصدراً، وكان غير الأوّل انتهى. وفي شرج السيرافي العراك المزاحمة، وقد جعل العراك في موضع الحال وهو معرفة، وذلك شاذ وإنما يجوز هذا لأنه مصدر ولو كان اسم فاعل ما جاز إذ لم تقل العرب مثل أرسلها المعارك، وانما وضعوا بعض المصادر المعارف في موضع الحال، فمنها مصادر بالألف واللام، ومنها مصادر مضافة إلى معارف نحو فعلته جهدي وطاقتي أي مجتهداً انتهى. فإذا قرّطت سمعك بما تلوناه علصت معزاه ومرمى سهام الأنظار فيه من أنّ المصدر المعرف يقع حالاً ومفعولاً مطلقاً غير نوقي، وهو حيمئذ في المعنى نكرة لأنها الأصل فيه وما عرف منه على خلاف القياس مقصور على السماع، والنكرة لا دلالة لها على غير الجنس ولا يصح فيها الاستغراق في الإثبات، فأحمد الحمد بمعنى أحمد حمداً، وكذا ما عدل عته، وانما يفهم ذلك منه بقرينة السياق، ولذا قيل إنّ الاستغراق ليس من التعريف في شيء، وكفاك شاهداً استغراق لا رجل، وتمرة خير من جرادة، فلا بد معه من تعيين ذهنيّ أو خارجيّ، وهو مسمى التعريف ولذا حصر في المفصل معنى اللام في التعريف والتعريف في العهد والجنس، وقد صرّح به صاحب اللباب في إعراب الفاتحة، وهو معنى ما نقل عن المصثف رحمه الله في حواشيه من أنّ اللام لا تفيد سوى التعريف، والإشارة إلى حضوره، والاسم لا يدل إلآ على مسماه، وقد وقع في الشروح هنا كلمات كلها مجروحة مرجوحة، كما قيل إنّ الوهم في كون الاستغراق معنى تعريف الجنس لا كونه مستفاداً من المعرّف باللام بمعونة المقام، فقوله بتوهمه أي بوهم أنه معنى تعريف الجنس بدليل قوله ما معنى التعريف، وقيل: إنه مبنيّ على مسئلة خلق الأعمال فإن أفعال العباد لما كانت مخلوقة لهم عند المعتزلة، كانت المحامد عليها راجعة إليهم، فلا يصح تخصيص المحامد كلها به تعالى، وفساده ظاهر لأنّ اختصاص الجنس به يستلزم اختصاص أفراد. أيضا إذ لو وجد فرد منه لغيره ثبت الجنس له في ضمنه وصح هذا عندهم، لأنّ الأفعال الحسنة التي يستحق بها الحمد عندهم إنما هي بتمكين الله واقداره عليها، فبهذا الاعتبار رجع الحمد كله إليه، وأمّا حمد غيره فاعتداد بأنّ النعمة جرت على يده، وقد قيل إنه جعل الجنس في المقام الخطابيّ منصرفا إلى الكامل كأنه كل الحقيقة كما في ذلك الكتاب، ومنه ظهر أنّ في الحمل على الجنس محافظة على مذهبه، ويردّ بأنه يجوز في الاستغراق أيضاً بأن يجعل ما عدا محامده منزلاً منزلة العدم بالقياس إلى محامده فلا فرق بين اختصحاص الجنس والاستغراق في أنهما ظاهرا منافيان مذهب الاعتزال، وتدفع المنافاة بالتأويل نعم فرق بين مذهب أهل الحق والمعتزلة بأنّ كل فعل جميل سواء كان من الله تعالى محضا أو بكسب العبد يصلح أن يحمد الله عليه بالحقيقة باعتبار خلقه له على المذهب الحق لا على مذهب المعتزلة، وأيضاً المحامد الراجعة إلى العباد لما كانت أنفسها بخلقه تعالى على المذصب الحق كان القول بكون جميع المحامد مختصة به تعالى أقرب، وأظهر منه على مذهب المعتزلة، وقيل مبناه على

أنّ المصادر نائبة مناب الأفعال سادّة مسدها والأفعال لا تعد ودلالتها عن الحقيقة إلى الاستغراق وردّ بأنّ ذلك لا ينافي قصد الاستغراق بمعونة قرائن الأحوال، وقيل إنما اختاره بناء على أنّ الجنس هو المتبادر إلى الفهم الشائع في الاستعمال لا سيما في المصادر، وعند خفاء القرائن وردّ بأنّ المحلي بلام الجنس في المقامات الخطابية يتبادر منه الاستغراق، وهو الشائع في الاستعمال هناك مصدرا كان أو غيره وأي مقام أولى بملاحظة الشمول والاستغراق من مقام تخصيص الحمد به سبحانه تعظيما، فقرينة الاستغراق كنار على علم، والحق أنّ سبب الاختيار هو أنّ اختصاص الجنس مستفاد من جوهر الكلام، ومستلزم لاختصاص جميع الأفراد فلا حاجة في تأدية المقصود الذي هو ثبوت الحمد له تعالى، وانتفاؤه عن غيره إلى أن يلاحظ الشمول والإحاطة، ويستعان فيه بالأمور الخارجية بل نقول على ما اختاره يكون اختصاص جميع الأفراد ثابت بطريق برهاني، فيكون أقوى من إثباته ابتداء انتهى. وفيه أنّ ملخص ما ذكره من أنّ اختصاص الجنس يستفاد من جوهر الكلام من غير حاجة إلى الإستعانة فيه بأمور خارجية أنّ الجنس هو المتبادر إلى الفهم لأنه لا معنى للتبادر إلاً التسارع، واذا كان فهمه من جوهره قبل ملاحظة أعرا منه فلا شبهة في سرعته إلى الفهم قبل كل شيء، وقد ردّه آنفا واذا كان اختصاص جميع الأفراد بطريق برهاني، فلا شبهة في خفائه، فكيف يقال إنه كنار على علم. ونوله أي مقام أولى إلخ فيه بحث ظاهر مع أنّ الاختصاص المدعى مبنيّ على أنّ مدلول اللام الاختصاص بمعنى القصر وهو غير ثابت، وكلامهم فيما يفيد الاختصاص هنا مضطرب، كما فصله بعض الفضلاء ولولا خوف السآمة أوردناه برمته، ولما رأى المصتف رحمه الله أنّ كل ما ذكر من الوجوه مقتض لمرجوحية الاستغراق دون كونه، وهما عدل عن عبارته في الكشاف ومبناه على أنّ معاني اللام كل منها أصل برأسه كما مرّ، فاندفع عنه ما قيل إنه إن أراد المصتف رحمه الله أنّ التعريف للاستغراق في مقابلة كونه للجنس، فهو ظاهر البطلان إذ اللام لتعريف مدخولها قطعاً، وليس مدلول لام الجنس الاستغراق، وان أراد أنّ الحمد محمول على الاستغراق بمعونة المقام، فصحيح إلاً أنه لا يقابل قوله والتعريف للجنس، إلاً أن يحمل على أنّ التعريف للجنس بلا انضمام استغراق معه قوله: (إذ الحمد في الحقيقة كله له) المصنفون يستعملون قولهم في الحقيقة كما بينه شراح الهداية فيما إذا دل أمر بحسب ظاهره على شيء، فإذا دقق النظر فيه علم أنه يؤل إلى شيء آخر هو المراد منه، فليس المراد بها مقابل المجاز كما قد يتوهم قيل ويرد على ما قاله المصتف أنّ حمد العبد بصفته الجميلة على الجميل الاختياري القائم به ليس حمد الله تعالى لامتناع وصفه بصفات العباد وان خلقها، والمتبادر من كون الحمد لله أنه المستحق له وأنه محمود له إلاً أن يراد بالحمد المحمدة، فإنّ كل محمدة له تعالى إما لكونها صفة له أو صادرة منه أو يراد بكون الحمد له أعم من كونه متعلقا به تعقق الفعل بالمفعول به، أو مستند إليه باعتبار استناد المحمود به أو المحمود عليه إليه خلقاً، أو يقال لما كان كل جميل إمّا له أو منه فاذا حمد العبد على فعل الجميل، فكأنه حمد الله على خلقه فيه ووصفه بما يليق بشأنه ويأباه قوله في الحقيقة وقد ذكر في سبأ ما يدلّ على أنّ بعض أفراد الحمد يستحقه العبد حيث قال ثمة إنّ تقديم الصلة للاختصاص، فإنّ النعم الدنيوية قد يتوسط فيها من يستحق الحمد لأجلها بخلاف نعم الآخرة انتهى. وقد اعترض عليه بأنّ ظاهره أنّ شيئاً من حمد العبد لا يحمد به الله تعالى، ولا يخفى أنّ المحمود به وعليه إذا كان وصفاً بيته وبين عباده، كالعلم والجود يصح أن يقال إنه المستحق له إذا جرّد عن إضات، للعبد إلاً أن يكون ذلك مما تنره عنه سبحانه اللهتم إلاً أن يقال هذا على رأي من يقول لا اشتراك بين الله وغيره في شيء من الصفات إلأ بحسب اللفظ، فالوجه أن يقال أنه لم يرد بكون الحمد كله لله جعله محمودا بعين تلك المحامد موصوفا بئلمك الأوصاف نفسها، ويدل عليه قوله: (ما من خير إلخ) إذ الإيلاء لا يقتضي الاتصاف بل يريد أنّ كل حمد لسواه مستلزم لحمد الله وهو أنه مولى لتلك النعمة وموصلها فهو حامد بلسان الحال، والأوّل كالمعدوم في جنب الثاني بمنزلة الواسطة إلى المقصود ففي الحقيقة لا وجود

لمحامد الغير، وانما الموجود في كل حمد حمده، وأيضا حمل الحمد على المحمدة، قيل إنه لا يفيد لأنّ الكلام في الحمد بمعناه الحقيقيّ لا بمعنى المحمدة، والأولى أن يقال الحصر بناء على عدم الاعتداد بحمد العبد باعتبار كسبه، وأيضاً قوله ويأباه قوله في الحقيقة ليس بمسلم على ما مرّ من معناه. (أقول) ما ذكره المصتف هنا برمّته مأخوذ من الإمام وقد قدم طرفا منه في تفسير لفظ الرحمن زحاصله أنّ كل ما هو في الوجود موجود مما هو ممدوح ومحمود صفات وأفعالاً بخلقه تعالى ابتداء أو بوسط كلا وسط، إذ هو خالق لفاعله وممكن له من فعله وموجد لدواعيه، وهذا لا ينكره أحد من العقلاء فإنّ إنكاره تعطيل فحينئذ إذا حصر الحمد فيه، وقيل إنه لا يحمد سواه نظراً لهذا أي ضير فيه، وهذا مما يجري في المقام الخطابي ادّعاء ومبالغة لا سيما إذا انسلخت الأخبار من الخبرية إلى الإنثاء، فإن أراد هؤلاء أنه لا يتأتى باعتبار اللغة، وعرف التخاعب حقيقة فقد وقع في كلامهم مرّة بعد أخرى ما يدفعه، فتذكره ولا تكن من الغافلين، وأمّا كون ما ذكره في سورة سبأ مما ينافيه مع أنه صريح فيه فغنيئ عن الجواب. وقوله: " ذ الحمد إلخ) تعليل للاستغراق، وأفرده بالتعليل لأنّ الجنس معنى ظاهر أصليّ وما جاء على الأصل مستغن عن بيان وجهه وعلته كما قيل ويحتمل أنه تعليل لهما أي لم يجعل لفرد معين لما ذكر، والأوّل هو الظاهر، والمولى بضم الميم وكسر اللام كالمعطى زنة ومعنى، فالوسايط بمنزلة الشروط والآلات ولا مؤثر سواه، وهو مذهب المشايخ والحكماء أيضاً كما في الإشارات قوله: كما قال تعالى {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل 53] ) ذكر. مؤيد الكون كل خير منه إذ لا فرق بين الخيرات المتعدية والقاصرة أو أنعم هنا بمعنى أعطاه الله وأوجده مطلقا وفي هذه الآية إشكال سيأني في كلام المصثف دفعه قال ابن الحاجب في إيضاح المفصل: الشرط وما شبه به الأوّل فيه شرط للثاني نحو أسلم تدخل الجنة وهنا على العكس، وهو أنّ الأوّل استقرار النعمة بالمخاطبين، والثاني كونها من الله عز وجل، ولا يستقيم أن يكون الأوّل فيه سببا للثاني لكونه فرعا عته، وتأويله أنّ الآية جيء بها لإخبار قوم استقرّت بهيم نعم جهلوا معطيها وشكوا فيه فاستقرارها مشكوكة أو مجهولة سبب للإخبار بكونها من الله عز وجل، وجواب الشرط جملة قصد تبيين مضمونها، أو الإعلام بها فيصير الشرط سبباً للمشروط ومن ثمة وهم من قال إنّ الشرط قد يكون مسببا انتهى قيل: ويمكن أن يقال وجود النعمة بهم سبب لكونها من عند الله إذ كونها من عند الله متوقف على أصل الكون، وقد ذكر الرضى أنّ الشرط يدلّ على لزوم الجزاء للشرط ولا يخفى ما فيه من التعسف، وما نقله عن الرضى هو ما قال ابن الحاجب إنه وهم وسيأتي فيه كلام في محله قوله: (وقيه إشعار إلخ) أي في قوله الحمد لله، أو في إثبات الحمد له، وهو من اعتبار الاختيار فيه، ولذا قيل إنّ فيه إشارة إلى إيثار الحمد على المدح أيضا لا في اختصاص جميع المحامد به تعالى كما توهم لما فيه من التكلف، وقيل بل فيه إشعار بثبوت جميع الكمالات له تعالى، إذ يفهم منه اختصاص جميع أفراد الحمد، وكل كمال يصلح لأن يقع في مقابلة حمد، فالمستحق لجميع المحامد متصف بجميع الكمالات، والإشعار الذي ذكره بناء على أنّ المحمود لا بذ له من أن يكون مختاراً، والمختار يتصف بتلك الصفات، وقدرته تعالى عند أهل الحق كونه بحيث يصح منه صدور الفعل وعدم صدوره بالقصد، والقدرة في الحيوان مصححة للفعل وعدمه، وارادته تعالى صفة مخصصمة لأحد المقدورين، وقيل هي في الحيوان شوق يؤدّي إلى حصول المراد، وقيل إنها مغايرة للشوق إذ هي ميل اختياريّ، والشوق ميل طبيعي، وإرادة الله عند الحكماء علمه بنظام الكل على الوجه الأكمل، فإنّ العلم عندهم من حيث أنه كاف، ومرجح لطرف وجوده على عدمه إرادة، والحياة في الحيوان صفة تقتضي الحس والإرادة، وحياة الله عند المتكلمين صفة مصححة للقدرة والإرادة وتال الحكماء الحيّ الدرّاك الفقال وفي إشعار الحمد باتصافه بالحياة والعلم والقدرة، والإرادة على مذهب المتكلمين نظر إلاً أن يقال الحمد مشعر بأصل الإتصاف، وكيفيته معلومة من خارح، والحق أنه يفهم من اتصاف إنسان ما بالاختيار اتصافه بهذه الصفات، فمن يعتقد اتصافه بالاختيار أيضا يعتقد تلك الصفات في حقه لكن مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الإنسان، واليه أشار

بقوله إذ الحمد إلخ قوله: (وقرىء إلخ) الأولى قراءة الحسن البصري والثانية قراءة إبراهيم بن أبي عبلة وقوله: (تنزيلاَ إلخ) إشارة إلى قول الزمخشري الذي جسرهم على ذلك والاتباع إنما يكون في كلمة واحدة كقولهم منحدر الجبل ومغيرة تنزل الكلمتين منزلة كلمة لكثرة استعمالهما مقترنتين، وأشف القراءتين أي أفضلهما قراءة إبراهيم حيث جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى، وعدل عنه المصنف رحمه الله لما فيه من الإشارة إلى أنّ القراءة تكون بالرأي، وسيأتي ردّه مع أنّ ما ذكره قد ردّ بأنّ الأكثر في اللغة جعل الثاني متبوعا وكون غير اللازمة تابعة أولى، وكون الحركة الإعرابية أقوى غير مسلم والإتباع يتعدّى إلى مفعول واحد وإلى اثنين واختلفوا في أنّ ما كان فاعلاَ له قبل الهمزة هل يصير مفعولاً أوّلاً أو ثانياً فيحتمل كون الدال تابعاً وعكسه فتدبر (بقي هنا شيء شريف) وهو أنّ الماتريدي في التأويلات جعل هذا حمداً من الله لنفسه قال: وانما حمد نفسه ليعلم الخلق فإن قيل كيف يجوز ومثله في الخلق غير محمود. قيل إنه لوجهين: أحدهما أنه استحق بذاته لا بأحد فيكون في ذلك تعريف الخلق لما يزلفهم لديه بما أثنى على نفسه ليثنوا عليه وغير. إنما يكون ذلك لرئه عز وجل، فعليه توجيه الحمد إليه لا إلى نفسه إذ نفسه لا تستوجبه بها بل بالله تعالى. والثاني أنه تعالى حقيق بذلك إذ لا عيب يمسه ولا آفة تحل به، فيدخل نقصاناً في ذلك، ولا هو خاص بشيء والعبد لا يخلو عن عيوب تمسه، وآفات تحل به ويمدح بالايتمار ويذم بتركه وفي ذلك تمكن النقصان انتهى. يعني أنه لا يقاس على غيره فإنه تعالى متصف بالمحامد من ذاته فله أن يحمد ذاته بذاته، وأيضاً مدح النفس نهي عنه لما فيه من النقص والغرور والافتخار على الغير المؤذي لانكساره وهو منزه عنه، ولهذا لا يذمّ إذا سلم من ذلك كأن يكون تحدثا بالنعمة أو سبباً للاقتداء به، والحث على مثله مثلاً، فعلى الأوّل لا يسمى مادح نفسه حامداً، وعلى الثاني يصح والزمخشريّ لم يجعله حمداً لنفسه فقال: والمعنى تحمد الله حمداً، ولذلك قيل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنه بيان لحمدهم له كأنه قيل كيف تحمدون فقيل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} إلخ وقد قيل عليه إنه تعكيس، لأنّ جعل صدر الكلام متبوعا أولى من العكس والمحققون على تعميم الحمد، وانما ترك العاطف في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنّ الكلام الأوّل جار على مدح الغائب لاستحقاقه كل حمد، والثاني حكاية عن نفس الحامد من بيان أحواله بين يدي ذلك الغائب، فترك العاطف للفرق بين الحالتين لا للبيان وبدلّ عليه أنّ الالتفات إنما يكون في سياق واحد لمعلوم واحد وكأنه حين قرّر الالتفات نسي هذا. وما بالعهد من قدم. وفي هذا كلام طويل تركناه خوف السآمة، وكأنّ المصتف لم يتعرّض لهذا رأساً لما رأى فيه من الاضطراب والخفاء، ولعل التوبة تفضي إلى بيانه أتم بيان إن شاء الله تعالى قوله: (الرث في الأصل إلخ) المراد بالأصل حالة وضعه الأوّل، فهو فيه مصدر أطلق على الفاعل مبالغة كما يقال: عدل بمعنى عادل بدون تأويل، ولا تقدير مضاف لأنه يفوتها، فالرب والتربية مترادفان، وربه يربه ورباه تربية بمعنى والتربية من ربى الصغير بالتخفيف كعلا يعلو إذا نشأ فعدى بالتضعيف، وقيل أصل رباه رببه فجعلت إحدى البا آت ياء والرت كما يكون بمعنى المربى يكون بمعنى المالك وقد فسر بهما، وعلى الأوّل قوله: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} معنى جديد، وعلى الثاني تخصيص بعد تعميم قيل، وكلامه في الكشاف يميل إلى اختيار الثاني قوله: (وهي تبليغ الشيء إلى كماله إلخ) المراد بكماله ما يتمّ به الشيء في صفاته، ويطلق على الخروج من القوّة إلى الفعل والفرق بينه وبين المقام أنّ الثاني يشعر بالانقطاع كما قال: إذا تم أمر بدا نقصه تيقن زوالاً إذا قيل تم وقوله تعالى: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ} [الانفطار 6] تفصيل لما دلّ عليه الرث فلا يقال إجراء هذه الصفات على الرت يقتضي عدم تضمنه لمعناها كما توهم وقوله: (شيئا فشيئاً) منصوب على الحال لأنّ المراد منه متدرجاً أو مترتباً وفيه إشارة إلى أنّ التفعيل يدلّ على التدريج كما صرّج به الزمخشري في قوله تعالى: {يَتَسَاءلُونَ} [النور 3 آ] فقال أي قليلاً قليلاً، ونظيره تدرج وتدخل، وفي المثل درّج

الأيام تندرج، وعلى هذا فإضافته معنوية وجعله بمعنى الصفة المشبهة أو اسم الفاعل غير مرضيّ، كما حقق في شرج التلخيص، وقوله ثم وصف به للمبالغة بصميغة المجهول المسند للجار والمجرور أو هو مسند لضمير الله وهو بمعنى المالك مأخوذ من هذا، أو منقول منه كما سيأتي بيانه قوله: (وقيل هو نعت إلخ) المراد بالنعت الصفة المشتقة التي من شأنها أن ينعت بها، وهو صالح للصفة المشبهة وغيرها، وشراح الكشاف قالوا المراد أنه صفة مشبهة. وفي شرح التسهيل كونه صفة مشبهة ممنوع، والظاهر أنه من مبالغة اسم الفاعل، أو هو اسم فاعل وأصله رإت فخفف، وكلام ابن مالك في التصريف يشهد له، ويؤيده قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} فإنه متعد مضاف إلى المفعول والصفة المشبهة تضاف لل نماعل، وقال قدس سرّه: لما كان مجيء الصفة على فعل من باب فعل يفعل بفتح الماضي وضتم المضارع عزيزاً استشهد له، فقال: نمّ ينئم بالضم والكسر فهو نمّ، ولا بد فيه من النقل أيضا، وفي ترك المفعول إشارة إليه وفي التمثيل به أيضا غاية المناسبة للممثل له حيث وصف بالمصدر، وهو النم كالرث، وفي نظر لا يخفى، فإنه يجوز أن لا يكون نمّ من مضموم العين بل من مكسورها، وكلام القاموس على أنه يجيء من كل منهما، ونمّ متعذ بنفسه للحديث، ويعلي واللام للمنقول عنه كما في من نمّ لك نمّ عليك، والنميمة نقل الكلام على وجه الإفساد وقوله مجيء الصفة على فعل إن كان على أنه محرّك العين فغير صحيح، وان كان بسكونها فغير مسلم. قال ابن الصائغ في حواشيه على الكشاف: ومن خطه نقلت لم يتعرّضوا لوزنه، وينبغي أن يكون فعلاَ بكسر العين، فأدغم لا فعلاً لأنه جمع على أرباب، وأفعال لا يقاس فيه فتدبر قوله: (ثم سمي به المالك إلخ) أي نقل له بعدما كان مصدراً بمعنى التربية، أو نعتاً بمعنى المربي ولما كان تبليغ الشيء لكماله من شأن المالك سمي به وأيضاً هو لا يسمى بدون حفظه، فلذا أطلق على الحافظ، وهذه المناسبة لا تنافي كونه حقيقة إذ هي تراعى في المنقولات وغيرها من الموضوعات، فمن قال إنه ردّ على الواحديّ حيث قال: الرب في اللغة له معنيان التربية والمالك لم يات بشيء مع أنّ كلام الواحدي لا يقتضيه أيضاً، وفي بعض التفاسير أنه يطلق على المالك والشهيد والمربي والمدبر والمنعم والمصلح والمعبود، وقال ابن عبد السلام حمله على المصلح أولى لعمومه قوله: (لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه) معطوف على يحفظ أو يملك، وقد مرّ بيانه قيل هو إشارة إلى أنّ معنى الحفظ معتبر في أصل معناه إذ لا يتصوّر التبليغ إلى الكمال بدونه لكن في كونه جزءاً من معناه نظر، وقيل في ردّه إنّ الحفعل من جملة التربية بل تبليغ الشيء إلى كماله مستلزم لحفظه، فلا خفاء في كون معنى الحفظ جزءاً لمعنى الرب بحسب الأصل وليس برمته شيئاً قوله: (ولا يطلق على غيره تعالى الآ مقيداً) بإضافة ونحوها مما يدل على ربوبية مخصوصة سواء كان إضافة أولاً قال في المصباح: الرث يطلق على الله تعالى معرّفاً بالألف واللام ومضافا، ويطلق على مالك الشيء الذي لا يعقل مضافا إليه، فيقال رب الدين، ورب المال، وفي التنزيل {فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف 41] قالوا ولا يجوز استعماله بالألف واللام للمخلوق بمعنى المالك لأنّ اللام للعموم، والمخلوق لا يملك جميع المخلوقات، وربما جاء باللام عوضاً عن الإضافة إذا كان بمعنى السيد قال الحارث بن حلزة: فهو الرب والشهيد على يوم الجبارين والبلاء بلاء ومنع بعضهم أن يقال: هذا رب العبد، وأن يقول العبد هذا ربي وقوله عليه الصلاة والسلام: " حتى تلد الأمة ربتها " (1) في رواية حجة عليه انتهى. وحاصل ما قالوه أنه إذا كان بمعنى المالك لا يطلق على غيره تعالى إلاً مقيداً بإضافة، وما هو بمعناها لأنّ المالك الحقيقي هو الله والملك المطلق له، ولو كان بمعنى غير المالك جاز مع القرينة إطلاقه على غيره وكذا إذا أضيف لفظ كرث الدار أو معنى كزيد رب الإبل والرب يتصرّف كما يريد وكذا إذا كانت اللام عوضاً عن الإضافة كما مرّ، فلا وجه لما قيل في القاموس مز، أنه لا يطلق باللام إلاً على الله لأنّ ما ذكر يرذه ولا حاجة إلى ما قيل من أنه كان في الجاهلية، وقد نسخه الإسلاه أو هو جهل بالحكم الإسلاميّ، وهذا أيضاً إذا كان مفردا فإذا جمع كالأرباب جاز إطلاقه على الله، وعلى غيره إذ لم يطلق على الله أو على الله وحده، وكان حقه أن لا يجمع لكنه ورد جمعاً كما في قوله تعالى: {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ} [يوسف 39]

وهذا وارد على زعمهم، وما قيل من أنه يجوز إطلاقه كما في هذه الآية، وتقييده كما في رب الأرباب قيل: إنه سهو لأن المقيد الرب لا الأرباب ولك أن تقول إنّ المراد التقييد المعنوي كما مرّ لأنه بإضافة الرث إليه علم أنّ المقصود به ما سوى الله من الآلهة، وقوله كقوله تعالى: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} [يوشف 50] عدل عن تمثيل الزمخشري بقوله: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف 23] لأنه قيل إنه عنى به الله تعالى، وقيل عنى الملك الذي رتاه كما قاله الراغب. وأما هذه الآية فالمراد فيها الملك ولا وجه لما قيل من أنّ استشهاده بما حكي عن يوسف عليه الصلاة والسلام يشعر بأنّ كلامه غير مختص بالإسلام لأنّ ما قمق علينا من شرع من قبلنا من غير إنكار، ولا إشعار باختصاص بتلك الأمة فهو شرع لنا كما صرّحوا به، والقول بأنه يزعم المخاطب به لا يناسب الاستشهاد به. وأمّا قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يقل أحدكم أسق ربك " فهو نهي تنزيه، وقد قال النوويّ رحمه الله إنه مكروه مطلقاً وقيل إنه منسوخ قوله:) والعالم اسم لما يعلم به إلخ) أي يكون وسيلة للعلم به، وهو شامل للأشخاص وغيرها كما سيأتي، وهو اسم آلة مشتقة من العلم كالخاتم من الختم لكنه غير مطرد، ولذا لم يذكر في علم التصريف، وقالب بفتح اللام ويجوز كسرها آلة معروفة يفرغ فيها الجواهر المذابة، وهو في الأصل غير عربيّ معرّب كالب كما في بعض كتب اللغة، وقيل عربيّ اسم لما يقلب به الشيء، فإنه يقلب الشيء من شكله الأصليّ إلى شكله نفسه، وقدم المصتف رحمه الله هذا الوجه لأنه أدخل في المدح، والزمخشري أخره، والمراد بالصانع الله تعالى، وإطلاقه عليه قد ورد في حديث صحيح رواه الحاكم والبيهقي عن حذيفة ولفظه: " إنّ الله تعالى صانع كل صانع وصنعته " (1 (ولا يتوهم أنه مشاكلة فلا يجوز إطلاقه عليه منفردا لما سيأتي، وسئل السبكي رحمه الله عن إطلاق المتكلمين الصانع على الله عز وجل مع أئه لم يرد في أسمائه الحسنى، فأجاب بأنه ورد في القرآن {صُنْعَ اللَّهِ} [النمل 88] وقرىء في {صبغة الله} [البقرة 138] صنعة الله بالعين المهملة، وفي طبقات النحاة أنه إنما يتمشى على رأي من يكتفي في صحة الإطلاق عليه تعالى بورود الماذة، والأصل ولا حاجة إليه لما سمعته، وأيضا روى الطبرانيّ في حديث آخر: " اتقوا الله فإنّ الله فاتح وصانع " قوله: (وهو كل ما سواه إلخ الما ذكر أنه اسم جنس غلب على ما يعلم به الصانع سواء كان من ذوي العلم أو لا فسره بكوله وهو إلخ. ولما كان ظاهره يوهم أنه اسم لمجموع ما سواه بحيث لا يطلق على أنواعه وأجناسه، قالوا إنّ المراد به القدر المشترك من أجناس ما سوا. تعالى، فإنه يطلق على كل جنس مما يعلم به الخالق أعني غيره جل وعلا كما يطلق أيضا على جنسين منه فصاعداً فيقال عالم الملك، وعالم الإنس وعالم الجن وعالم الأفلاك إلى غير ذلك، ويطلق على مجموعها أيضاً لأنّ مجموعها فرد من جملة ما يعلم به الصانع، فهو مشترك بين المجموع، وما تحته من الأجناس والأنواع والأصناف، ولا يطلق على فرد كزيد مثلاً كما سيأتي أو كل ما يعلم به الصانع من الأجناس، فكلمة ما على الأوّل عبارة عما وضع له لفظ العالم بالغلبة، وعلى الثاني عما يطلق عليه بها وليس اسما للمجموع فقط، والاً استحال جمعه وكونه من قبيل قوله نحن الغالبون في إطلاق الجمع تعظيماً على فرد واحد خلاف الظاهر، وغير مناسب للمقام وقوله: (من الجواهر إلخ) الجوهر ما يقابل العرض، وهو مما اصطلحوا عليه وليس معنى لغويا لكنه حقيقة عرفية، وقد قيل إنّ عبارة المصتف رحمه الله أحسن من قول صاحب الكشاف من الأجسام والأعراض لأنه لا يتناول الجواهر الفردة ولا المركب من جوهرين منها على رأي المعتزلة، واعتذر عنه بأنّ الاستدلال إنما هو بما يشاهد وهو الأجسام والأعراض فلذا لا يضرّ خروج المجردات، وصفات الله والأمور المعقولة منه قوله: (فإنها إلخ) الضمير المؤنث لما باعتبار معناها أو للجواهر والأعراض، وهما بمعنى واحد والدليل عند أهل المعقول القياس المنطقي وهو محمول على أقوال يؤدّي التصديق بها إلى التصديق بقول آخر وهو النتيجة وأهل الأصول يطلقونه على ما يدل وقوعه، أو وقوع شيء من أحواله وصفاته على وقوع غيره من ذالب أو صفة، فيقولون العالم دليل على وجود الصانع قالعالم بفسه عندهم دليل لأن صفاته وهي الحدوث، أو الإمكان تدل على الصانع وهو المدلول فقول المصتف رحمه الله تدلّ على ظاهره وقيل: إنه إشارة إلى مقدمتي دليل ثبوت الصانع أعني العالم ممكن، وكل ممكن له موجد مؤثر، وفيه إشارة إلى

ما تقرّر في الكلام من أنّ الممكن محتاج إلى السبب إلاً أنّ ذلك عند الفلاسفة، وبعض المتكلمين لا مكانه، وعند قدماء المتكلمين لحدوثه، وهو عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم، وليس هو نفس الوجود كما يتوهم وقيل هو الإمكان مع الحدوث، وقيل بشرط الحدوث وأدلتهم وابطال كل فريق ما ذهب إليه غير. مبسوطة في المطوّلات، وستأتي أيضا في محلّها وفي شرح المقاصد أنّ ما ذكر علة بحسب العقل بمعنى أنه ملاحظ الإمكان أو الحدوث فنحكم بالاحتياج كما يقال علة الحصول في التحيز هو التحيز لا بحسب الخارج بأن يتحقق الإمكان أو الحدوث فيوجد الاحتياج، فما ذكروه في الإبطالات مغالطة، والقول بأنه الإمكان أظهر وبالقبول أجدر، واعترض بأنه لو كان علة الاحتياج إلى المؤثر هو الإمكان أو الحدوث، وهما لازء، ن للممكن والحادث لزم احتياجهما حالة البقاء له لدوام المعلول بدوام العلة واللازم باطل لأنّ التأثير حينئذ إمّا في الوجود وقد حصل بمجرّد وجود المؤثر فيلزم تحصيل الحاصل بحصول سابق، وأما في البقاء أو في أمر آخر متجدد وهو التأثير في غير الثاني أعني الممكن والحادث، فيلزم استغناؤهما عن المؤثر وفي كون الإمكان علة الاحتياج فساد آخر، وهو احتياح الممكن إلى المؤثر حال عدمه السابق مع أنه نفي محض أزليّ لا يعقل له مؤثر، وأجيب بأنّ معنى احتياج الممكن أو الحادث إلى المؤثر توقف حصول الوجود له أو العدم أو استمرارهما على تحقق أمر أو انتفائه بمعنى امتناعه بدون ذلك، وهو معنى دوام الأثر بدوام المؤثر، واذا تحققت فاستمرار الوجود أعني البقاء ليس إلاً وجودا مأخوذاً بالإضافة إلى الزمان الثاني، وصحة قولنا وجد ولم يبق ولم يستمر لا يدلّ على مغايرة البقاء لمطلق الوجود ولا نزاع في ذلك فتدبر قوله: (واجب لذاته) أي واجب ولازم وجوده من ذاته لذاته بحيث لا يستند لغيره، ويحتاج إليه قيل: هذا بناء على ما يقال بعد هذا الدليل، وهو مؤثر العالم إن كان واجب الوجود فهو المطلوب، والاً كان ممكنا فله مؤثر، ويعود الكلام فيه ويلزم الدور أو التسلسل أو الأنتهاء إلى مؤثر واجب الوجود. والأوّلان باطلان فتعين الثالث وهو مبنيّ على كون المحوج هو الإمكان وهو مختار المصثف رحمه الله تعالى في الطوالع، ومن حكم بأنه الحدوث، أو الإمكان معه، أو بشرطه انسدّ عليه باب إثبات الوأجب لجواز أن يكون علة الحوادث ممكنا قديما، ولا حاجة إلى سبب على هذا التقدير، ولذا من تمسك نجالحدوث في إثبات الصانع، ولم يجعل الإمكان وحده محوجا للمؤثر ما أثبت إلآ قديماً تنتهي إليه الحوادث كما صرّحوا به، وبهذا يظهر ضعف ما نقل هنا عن المصئف رحمه الله تعالى، وهو قوله لو قال بدل قوله لإمكانها لحدوثها، أو ضم له الحدوث كان أحسن لأنّ علة الافتقار هي الحدوث، أو الإمكان بشرط الحدوث أو كلاهما، ويجوز على بعد حمل كلام المصتف رحمه الله على ما يوافق مذهب المتكلمين بأن يقال أراد بالافتقار سببه المستلزم له وهو الحدوث، أو يقال جعل جهة الدلالة الإمكان والافتقار ولم يجعل الافتقار مسببا عنه وحده فلعله مسبب عنهما، والوجه ما تقذم. (أقول (فيه بحث من وجوه: الأوّل أنّ قوله ويلزم الدور إلخ. الأولى تركه لأنّ إثبات الواجب لا يتوقف برهانه على ذلك كما فصل في الرسالة الجلالية وشروحها، إذ على تقدير التسلسل يقال مجموع الممكنات أيضا ممكن محتاج إلى مؤثر واجب الوجود لذاته، والحاصل أنّ كل فرد من الجوهر والعرض يدلّ على وجود الواجب، وهو ممكن مفتقر إلى مؤثر والمؤثر لا بذ أن يكون واجباً بلا واسطة، أو معه والأ تسلسل، وكل سلسلة أيضا ممكنة تحتاج إلى الواجب، وإلاً يلزم علة الشيءلنفسه. اشية الشهاب / ج ا / م 10 الثافي أنّ ادّعاءه انسداد باب إثبات الصانع الواجب الوجود على ما ذكره غير مسلم لما مرّ من كلام المحقق في شرح المقاصد أنّ هذ. العلة بحسب التعقل والتصديق لا بحسب الخارح فالمعلول، وهو قدم الصانع كذلك والقدم المتقرّر في العقل لا يتخلف فيقتضي وجوب الوجود. ولذا قالوا ما ثبت قدمه استحال عدمه فهذه مغالطة أيضا. الثالث أنّ ما نقله عن المصئف رحمه الله في حواشيه وادّعى سقوطه لقوّة ضعفه الظاهر أنه ليس كما اذعاه، وأنّ المصتف رحمه الله مراده غير ما فهمه عنه، فإنّ مراده أنّ ما ذكره لا يناسب شيئاً من المذاهب المقرّرة في الكلام كما تلوناه عليك لأنّ أحداً لم يقل أنّ العلة الإمكان والافتقار، فلو بدل الإمكان بالحدوث، وعطف عليه الافتقار على أنه تفسير له

ولو ادّعا أو بدل الافتقار بالحدوث، وضم إلى الإمكان كان أظهر إلا أنه يبقى ما الداعي للمصنف إلى تعبيره بما ذكر حتى احتاج إلى التاويل والتبديل فتدبر ثم إنّ هذه النكتة مصححة للإطلاق لا موجبة حتى يقال إنه يلزمه أن يطلق على الأشخاص لجريانها فيها. قوله: (وإنما جمعه إلخ) في الكشاف، فإن قلت لم جمع قلت ليشمل كل جنس مما سمى به انتهى. وفي شرحه للمحقق يعني أنّ الإفراد هو الأصل وهو مع اللام يفيد الشمول بل ربما يكون أشمل، وتوجيه الجواب أنه لو أفرد ربما يتبادر إلى انفهم أنه إشارة إلى هذا العالم المشاهد بشهادة العرف أو إلى الجنس والحقيقة لظهوره عند عدم العهد، فجمع ليشمل كل جنس سمى بالعالم لأنه لا عهد، وفي الجمع إشارة إلى أق القصد إلى الإفراد دون الحقيقة وما زعموه من إبطال الجمعية إنما هو حيث لا عهد ولا استغراق، وما قيل من أنه لو أفرد ما دل على أجناس مختلفة تشملها الربوبية فجمع ليدل على ذلك، كالطهارات معناه أنه موضوع للأجناس، فدل جمعه على عموم الأجناسق بخلاف ما لو أفرد فانه ربما يكون لعموم أفراد جنس واحد لكنه إنما يتتم إذا صح إطلاق العالم على فرد كزيد وكون استغراق الفرد إشمل يأني مفصلاً في محله. وقال قذس سرّه: إنّ معناه أنّ الإفراد هو الأصل الأخف ولو أفرد مع اللام توهم أن القصد إلى استغراق الإفراد فزال التوهم بلا شبهة، وما قاله الشارح مردود أما أوّلاً فلأنّ المقام يقتضي ملاحظة شمول آحاد الأشياء المخلوقة كلها كما يشهد به قوله هنا مالكاً للعالمين لا يخرج منهم شيئء من ملكوته، وقوله في تفسيره {وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 98 ا] نكر ظلما وجمع العالمين على معنى ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه، وقد اتضح لك وجه الشمول وأمّا ثانياً فلأنّ المقابل للعالم المشاهد هو العالم الغائب فإذا أوهم الإفراد القصد لأ الأوّل ناسب أن يثني ليتناولهما معاً، فانّ الكل مندرج فيهما قطعا، وهذا يدل أنّ الجمعية باقية في الجمع المعزف باللام إذا أريد بها الاستغرأق، فالحكم على جماعة جماعة ولا يلزم عدم شمول الحكم لكل فرد لأنه لو خرج عنه فرد فهذا الفرد مع كل فردين آخرين جماعة لم يثبت لها الحكم، سواء ثبت لبعضهم أم لا، فلا يصح الحكم بشمول ذلك الحكم لكل جماعة لاستلزامه الثبوت لكل فرد، واعتراض الفاضل على كون الحكم على كل جماعة باستلزامه التكراو في مفهوم الجمع المستغرق لأنّ الثلاثة مثلاً جماعة مندرجة فيه بنفسها، وهي جزء من الأربعة والخمسة، وما فوقها فيندرج فيه أيضاً في ضمنها بل نقول الكل من حيث هو كل جماعة، فيكون معتبراً في الجمع المستغرق، وما عداه من الجماعات مندرج فيه، فلو اعتبر كل واحدة منها كان أيضا تكرارا محضاً مدفوع بأنه لو لزم ما ذكر لزم أيضاً في مثل قوله تعالى {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53] وقوله {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} [التوبة: 22 ا] وأن لم يلزم منه فساد فتدبر وأيضا إن كان مراده لزوم التكرار له ذهنا، فهو ممنوع إذ المفهوم منه أمر مجمل ليس فيه ملاحظة فرد مما صدق عليه أصلاً فضلاً عن تكراره، وكذا إن أريد لزمه خارجاً لأنّ ثبوت الحكم فيه لكل جماعة ولكل فرد واحد لا يتفاوت بأيّ عبارة يعبر بها عنه بلا مرية. أقول العالم اسم جمع لكونه على زنة المفردات كخاتم وقالب، وقد حقق النحاة كما في شرح ألفية ابن مالك أنّ الاسم الداذ على أكثر من اثنين إن كان موضوعا للأحاد المجتمعة دالاً عليها دلالة تكرار الواحد بالعطف فهو الجمع، وإن كان موضوعا للحقيقة ملغى فيه اعتبار الفردية، فهو اسم الجنس الجمعي كتمر وتمرة، وإن كان موضوعا لمجموع الآحاد فهو اسم جمع سواء كان له واحد كركب أو لا كرهط ومنه العالم، وأما عالمون فقال ابن هشام هو اسم جمع على وزن جمع السلامة ولا نظير له وفيه نظر، وقال ابن مالك: ليس جمعاً لعالم لأنه يعم العقلاء، وغيرهم وعالمون خاص بالعقلاء وضعا، وردّ بكونه جمعاً له بعد تخصيصه بالعقلاء، وفي الكشف لو قيل عالم وعالمون كعرفة وعرفات لم يبعد وأنت إذا فهمت ما ذكر عرفت أنّ كلام السعد هو الموافق لكلام النحاة، وعبارة الشيخين صريحة فيه بغير شك لمن تدبر فقوله قدس سرّه في ردّه إنّ ملاحظة المقام تقتضي شموله للآحاد إن أراد وضعا فلا ضير فيه وان أراد ما هو أعمّ منه كدلالته عليه بالالتزام ونحوه كما مرّ فممنوع للزومه له، كما سمعتة آنفاً وفرق بين الإطلاق والشمول، فكما أنّ الجمع إذا عرّف استغرق آحاد مفردة، وان لم يصدق عليها كذا عالم إذا

عرّف شمل أفراد جنسه، فالعالمون كجمع الجمع كالأقاويل يتناول كل فرد كذلك يتناول العالمين. وقوله المقابل للعالم المشاهد إلخ. يجاب عنه بأنه لو ثنى تبادر الذهن إلى مجرّد الجنسين وربوبيتهما لا تستلزم ربوبية ما تحتهما، والجمع في إفاد 9 استغراقه لجميع ما تحتهما أظهر من التثنية، وإن صح إرادة ذلك منهما أيضا، وما أورد عليه من أنّ اللام إذا كانت لاستغراق آحاد الجنس والجمع لا يفيد إلا تعدّد الجنس، فاستغراق الأجناس من أين يفهم فجوابه أنّ استغراق الآحاد إنما جاء من استغراق الجموع، وانما سكت عنه لظهوره إذ اللام الاستغراقية تدل على استغراق أفراد ما دخلت عليه وهو الأجناس، والبحث فيه بأنّ التوهم الحاصل في صورة الإفراد وان انتفى عن الجمع لكن فيه إيهام آخر، وهو أنّ المراد منه الجنس دون الاستغراق كالأنهار في قوله تعالى {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [البقرة: 25، مدفوع بأنّ التوهم في الافراد أقوى منه في الجمع لأنّ المتبادر منه الاستغم- اق فإنه من صيغ العموم كما تقرّر في الأصول، وسيأتي في قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] تتمة له، وقد بقي هنا مباحث أخر مذكرة في شروج المفتاح وحواشي المطوّل يضيق عنها هنا نطاق البيان. قوله: (وغلب العقلاء منهم (لما كان هذا الجمع مخصوصاً بما هو علم أو صفة لممذكر عاقل بشروطه المذكورة في كتب النحو وقد جمع هنا عالم مع عدم استيفائه شروطه نبه على ذلك بما ذكره إشارة إلى تصحيح جمعيته، ولذا قيل إنما يجمع بالياء والنون صفات العقلاء أو ما هو في حكمها من الأعلام فإنها تؤوّل بمسمى به، وتقديم فائدة الجمع مطلقاً على صحة الجمعية المفيدة لأنّ بيان فائدة المطلق مقذم على بيان وجه صحة المقيد، أو للاهتمام بشأن الفوائد والمعاني والاحتياج إلى بيان وجه صحته بانتفاء شرطيه معا فإنه اسم لا صفة شامل لغير العقلاء، وتعرّض المصنف للأخير إنما هو لظهور الأوّل تنزيلاَ لا تحقيقأ فإنه اسم يشابه الصفة لاعتبار معنى فيه وهو العلم به، وصاحب الكشاف تعرّض للأوّل دون الأخير لظهوره أيضاً أو لأنه عنده صفة وليس المراد بالاسم هنا ما يقابل الصفة بدليل قوله كسائر أوصافهيم إلا أن يراد بالأوصاف ما يتناول الحقيقية والتنزيلية، ولا يخفى أنه غلب فيه الذكور أيضاً وان في قوله منهم تغليبين، وفيه نظر لأنّ تأويل العلم المسمى به ليس لما ذكره، كما فصل في كتب العربية ولأنّ كونه وصفا لا يصح لأق قوله ما يعلم به، وتمثيله السابق صريح في أنه اسم آلة، وهي لا تسمى وصفاً كما لا يخفى. قوله: (كسائر أوصافهم) أي كباقي أوصافهم فإنها غبى الصحيح بمعنى الباقي لا الجميع، وقال بالياء والنون ولم يقل بالواو والنون كما في الكشاف لموافقته للنظم وهو اعتبر أوّل أحواله وأشرفها. قوله: (وقيل اسم وضع إلخ) أي هو اسم يطلق على كل جنس من أجناس ذوي العلم لا على كل فرد أو للقدر المشترك بين ذلك فيقال عالم الملك وعالم الإنس وعالم الجن، ولم يرتض المصنف هذا لما يأتي، والمراد بالاستتباع تبعية غير هؤلاء لهم، فتدل ربوبيتهم على ربوبيتهم كدلالة قولك جاء السلطان على مجيء أتباعه وجنده أو مستتبعات اك راكيب، وهي ما يدل عليه بالالتزام، وهو دلالة النص أو إشارته عند الأصوليين إذ من رت أشرف الموجودات رب غيرهم، وهذا جواب عما يخطر بالبال من أنه تخصيص غير مناسب للمقام، وحيحئذ لا تغليب ولا تجوّز فيه والظاهر أنّ القائل بهذا لا يوجه به الجمعية لأنه ليس بصفة عنده، وانما جرى مجراها، كما مرّ فما قيل من أنه مرضه لأنّ هذه الصيغة لم تسمع إلا اسم ا-لة لا اسم فاعل ليس بشيء لأنّ من يرجحه كالزمخشريّ لم يرد ذلك كما بينه شراحه فإن وهم من قوله لذوي العلم، فوهم على وهم إذ لا يلزم من كون معناه ذوي العلم كونه اسم فاعل، وانما مرض لأنه إن قيل إنه حقيقة خالف اللغة وإن قيل إنه مجاز لم يفد فائدة، قيل وجمع جمع قلة على الأصح لقلتهم في جنب عظمة قدرته أو بالنسبة لما عداهم وفيه نظر ولفظ اسم بمعنى مقابل الفعل أو مقابل الصفة، وما قيل من أنه على هذا مأخوذ من العلم وعلى ما مرّ من العلامة دعوى بلا دليل. قوله:) من الملاتكة إلخ) بيان لذوي العلم، والثقلان الجن والإنس لأنهما ثقلا الأرض والاستدلال به على تجسم الجن في غاية الوهن. قوله: (وقيل عنى به الناس ههنا إلخ) عنى بمعنى قصد مبنيّ للمجهول أو للمعلوم، والضمير المستتر فيه لله تعالى لأنه معلوم بقرينة المقام والتعبير به إشارة إلى أنه معنى مجازيّ، وهذا القول

نسب إلى الحسين بن فضل، واحتج بآيات منها قوله تعالى {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 165] وهو منقول عن أهل البيت أيضاً، ونقله الراغب عن جعفر الصادق،: عبارته عبارة المصنف بعينها، والمراد أنه في الأصل والحقيقة كل ما سوى الله من الجواهر والأعراض، وقصد به هنا الناس خاصة لتنزيله منزلة جميع الموجودات لأنه فذلكة جميع الموجودات ونسخة كل الكائنات المنقولة من اللوح الرباني بالقلم كما أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله من حيث إلخ واياه عنى القائل: وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر وهو منزع صوفيّ، فمن قال في شرحه: إنّ تخصيصه بهم لأنّ المقصود بالذات من التكليف بالأحكام من الحلال والحرام وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام، وانزال الكتب هو الإنسان قال الله تعالى {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: ا] لم يقف على مراده، ولم يحم حول مرامه، وعلى هذا هو شائع في أفي اد البشر مشترك بينها اشتراكا معنويا فكل فرد منه بمنزلة جنس من تلك الأجناس، ومرّضه المصنف رحمه الله لمخالفته لأصله من غير مقتض، ولا دليل يدل عليه إذ المناسب للمقام التعميم، فلا يرد عليه أنه قد يختص بهؤلاء كما في قوله تعالى {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الجاثية: 116. قوله: (من حيث أنه يشتمل إلخ) قيد الحيثية في كلام المصنفين يستعمل على وجوه هي الإطلاق كمايقال إنّ الإنسان من حيث هو إنسان مدرك للكليات والجزئيات، والتقييد كما يقال دلالة التضمن دلالة اللفظ على جزء معناه من حيث هو جزؤه، والتعليل كما يقال الأفيون من حيث إخراجه للحرارة الغريزية يسخن ظاهر البدن وهذا هو المقصود هنا، ويشتمل افتعال من الشمول وهو الإحاطة والفرق بين الاشتمال، والشمول أنّ الشمول يوصف به المفهوم الكليّ بالنسبة إلى جزئياته، والاشتمال يوصف به الكل بالنسبة لأجزائه وهذا أغلبيّ، فلا يرد عليه ما يخالفه، والمراد بالعالم الكبير عالم الملك وهو السماء، وما تحويه بأسره، واشتماله كما في حاشية متقولة عنه لأنّ ما في ذلك العالم من شيء إلا وفي الإنسان نظيره مما يحكيه، ويفيد ما يفيده في الجملة إذ بدن الإنسان بمنزلة العالم السفليّ، وأخلاطه كعناصره، فالسوداء كالأرض والتراب لكونها باردة يابسة، والبلغم كالماء لكونه باردا رطباً، والدم كالهواء حارّ رطب، والصفراء كالنار حار يابس، ورأسه بما فيه من الحواس الظاهرة والباطنة على رأى، كالعالم العلوي لأنه منبت للأعضاء التي هي محل الحس، والحركة كما أنّ العالم العلوي منوط به أمر السفليات على ما قال تعالى {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ} [السجدة: 5] ما مع انفرد به من الكمالات المتنوّعة، والهيئات النافعة، والمناظر البهية، والتراكيب العجيبة المبنية في علم التشريح ونحوه مما لا يحصى، كالتمكن من الأفعال الغريبة، واستنباط الصنائع المختلفة، فسبحان من زوّج الآباء العلوية بالأمّهات السفلية، ونقل نسخ الوجود بقلم قدرته العلية إلى الصحف المكرّمة الإنسانية. قوله: (من الجواهو والأعراض) يجوز أن يكون بيانا للنظائر، ولما أضيف إليه، قيل والأوّل أظهر ليكون قوله يعلم بها متعلقا بما هو أقرب وفي قوله بما أبدعه في العالم إشعار بأنّ المشبه به مبدع بخلاف المشبه لنكتة، وهي أنه لما جعله نظيراً للعالم الكبير كان مسبوقا بالمثل في الجملة، وان كان نوعه باعتبار صورته الخاصة به مبدعا على أحسن تقويم. ومن لم يتنبه له أورد عليه أنّ الإبداع إيجاد الشيء من غير سبق مثال وهذا متحقق بالنسبة إلى العالم الصغير والكبير. قوله: (ولذلك سوّى إلخ) ذلك إشارة إلى الاشتمال على النظائر المعلوم مما قبله، والنظر بمعنى الابصار بالعين، وبمعنى التفكر، والتفات النفس بالبصيرة للمعاني، وهو المراد هنا لتعديه بفي، وهو في الأصل مصدر شامل للقليل والكثير، وحقه أن لا يثنى، ولا يجمع فلذا أفرده، فلا وجه لما قيل من أنّ الظاهر أن يقال بين النظرين لاقتضاء بين التعدّد، فكأنه اكتفى بالتعدد المعنوقي من قوله فيهما ضرورة أن النظر فني أحدهما عين النظر في الآخر انتهى، وضمير فيهما عائد على العالم الكبير والصغير، وهو الإنسان والتسوية واقعة في النظم، أمّا في قوله تعالى {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20- 21] وهو الظاهر أو في قوله {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} [صورة فصلت: 53] وقوله: (وقال إلخ (معطوف على

قوله سوّي عطف تفسيريّ، فتكون التسوية إشارة إلى الآية الأولى أو هو أمر مستقل مغاير لما عطف عليه، فالتسوية بما في الآية الثانية وهي سنيريهم إله. وقوله وفي الأرض إن أريد به ظاهره فتخصيصها من بين دلائل الآفاق لظهورها لمن على ظهورها، وفي قوله {أَفَلَا تُبْصِرُونَ} من غير تمييز بين الإبصار المتعلق بالأنفس، والمتعلق بما يقابلها إشارة إلى شذة ظهورها إذ سوّى بين المحسوس وغيره حتى، كأنّ الجميع محسوس. قوله: (وقرىء رث العالمين بالنصب إلخ) مثل هذا النصب على ا) قطع، وكونه على المدح مستفاد من المقام إذا قدر أمدح وليس بمتعين فقد يقدر غيره كاذم وأذكر وأعني ونحوه وفي شرح العمدة لابن مالك أنّ المنعوت إذا كان متعيناً لم يقدر أعني بل أذكر، وهذه قراءة زيد بن عليّ، وهي من الشواذ وضعفت بالاتباع بعد القطع إلا أنه قيل إنّ زيداً قرأ بنصب الرحمن الرحيم أيضاً فلا ضعف فيها، وقال أبو حيان قرىء بالنصب، وهي فصيحة لولا خفض الصمفات بعدها، لأنهم نصوا على أنّ الاتباع بعد القطع في النعوت غير جائز، إلا أن يقال الرحمن بدل لا نعت وهو مبنيّ على وجوب تقديم المتبع، وهو غير متفق عليه فإنّ صاحب البسيط جوّزه، وروى شواهد تدل عليه ونصبه على النداء ظاهر لكته، كما في الدرّ المصون أضعف الوجوه لما فيه من الليس والفصل بين الصفة والموصوف، وفيه أيضاً التفات إلا أنه لا يجري فيه ما سيأتي. قوله: (أو بالفعل الذي دل عليه الحمد) فهو منصوب بفعل مقدر هو أحمد أو نحمد لدلالة الحمد عليه، ليس على التوهم، فقول أبي حيان إنه ضعيف لأنه للتوهم، وهو من خصائص العطف توهم غير صحيح مع أنه لا يختص بالعطف أيضاً كما بين في محله، ونصبه به صادق بأن يكون مفعوله أو صفة مفعوله، فإنّ صاحب الكشاف قدر. نحمد الله رب العالمين لأنّ رث صفة لا بد له من موصوف يجري عليه في الأفصح، ولم يجعل الحمد المذكور عاملاً فيه لقلة أعماله محلى باللام، ولأنه يلزم الفصل بين العامل ومعموله بالخبر، وهو أجنبيّ كما قيل وأورد عليه في بعض الحواشي أنّ الزمخشري ذكر في قوله تعالى {وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة: 240] في قراءة أبيّ أنّ متاعاً نصب بمتاع، لأنه في معنى التمتع كقولك الحمد لله حمد الشاكرين فقال التفتازانيّ جاز نصب حمد الشاكرين بالحمد، وهو مصدر معرّف أيضا مع الفصل بالخبر لأنه في الأصل معمول للحمد في موضع المفعول كما تقول حمداً له فجاز لذلك، وكذا كل مصدر جعل متعلقه خبراً عنه، ويؤيده أنّ صاحب الكشاف والمصنف قالا في قوله تعالى {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي} [مريم: 46] إنّ راغب خبر مقدم مع تعلق عن اكهتي به، وفي الكشف جاز هذا بناء على أنّ المبتدأ ليس أجنبيا من كل وجه فالمبتدأ والخبر لاتحادهما معنى كشيء واحد لا يعد الفصل بأحدهما من الفصل بالأجنبيّ، وهو قدس سره عده منه. وأنا أقول فيما ذكر اختلاف للنحاة، أمّا أعماله معزفاً ففيه أربعة مذاصب إجازته مطلقا وهو مذهب سيبويه، ومنعه مطلقا وهو مذهب الكوفيين، وجوازه على قبح، وهو مذهب الفارسيّ، وبعض البصريين، والتفصيل بين أن يعاقب فيه أل الضمير فيجوز أولاً فيمتنع، وكذا اعماله مع الفصل مطلقا سواء كان بأجنبيّ أو لا فمنعه بعض النحاة وأجازه بعضهم لقوله تعالى {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق: 8] لتعلق يوم برجعه، ومن منعه قدر عاملاً على أنّ منهم من تساهل في الظروف، وقيل الأظهر في توجيه هذه القراءة أنه مفتوح فتحة بناء لأنه ماض يقال ربه يربه إذا ملكه، ولا يخفى بعده وتكلفه فإنّ هذه الجملة لا بد لها من موضع ولا يصح أن يكون هنا صفة، والحالية غير مناسبة معنى مع أنه قرىء بنصب الرحمن الرحيم، فالمناسب كون ما قبله منصوباً، فما اذعى أظهريتة ليس بظاهر. قوله: (وفيه دليل إلخ) أي في توصيف الله برب العالمين دليل على ما ذكر، ومن حكم بأن المحوج إلى المؤثر هو الإمكان قال: إنّ اتصاف الممكن بالوجود ليس من مقتضى ذاته حدوثا وبقاء، فهو في ابتداء وجوده، واستمراره محتاج إليه، ومن قال بأنّ المحوج له هو الحدوث لزمه استغناؤه عنه حال بقائه، ودفع بأن شرط بقاء الجوهر العرض، وهو متجدد محتاج إلى المؤثر في كل حين، فكان الجوهر محتاجا إليه حال بقائه بواسطة احتياج شرطه، فلا استغناء له أصلاً فرجع إلى المذهب المنصور بلا اختلاف في احتياجه إليه في البقاء

وانما الخلاف في أنه بالذات أولاً وهو سهل، وكذلك افتقار. إلى المبقي في كلام المصنف رحمه الله، ووجه الدلالة أنّ التربية تبليغ الأشياء إلى كمالها شيئاً فشيئا إلى انقضائها فيلزم استنادها إليه بقاء وحدوثا، وأيضا العالم ما يعلم به الصانع ولا يكون ذلك إلاً بعد وجوده وهو ظاهر، وكذا الملك لما يلزم من الحفظ والاستناد إلى المالك فسقط ما قيل من أنّ الدلالة فيها كلام، فإنّ التربية والمالكية تجامعان استغناء الممكنات عن المبقى، وان دفعه القائل بأنه يمكن أن يقال إنّ الحفظ معتبر في معنى الرب أو لازم له إذ معناه إدامة وجود الممكنات وإبقاؤها كما ذكره الغزاليّ، وأورد عليه أنّ الحفظ له معنيان كما صرّح به الإمام أحدهما ما ذكر، والآخر صيانة المتعاديات والمتضادّات بعضها عن بعض، ففي كون المعتبر في مفهومه، أو لازمه هو الأوّل نظر إلا أن يراد بالمبقى أعمّ مما يديم الوجود أو يصونه، وما قيل من أنّ بقاء الممكنات من جملة بلوغها إلى الكمال، واحتياجها في بلوغ الكمال إلى المؤثر يدل على احتياجها إليه مطلقاً، فالرب من حيث تبليغها إلى البقاء مبق كما أنه من حيث إخراجها من العدم إلى الوجود مبدع لا محصل له، وقد عرفت ما يغنيك عن أمثاله، فإنّ البقاء ليس إلا وجوداً مأخوذاً بالإضافة إلى الزمان الثاني، والوجود في الزمان الثاني متوقف على ما قبله ومحتاج والمحتاج إلى المحتاج محتاج بديهة، فإنّ اتصافه بالوجود لما لم يكن ذأقياً أوّلاً كان كذلك فيما بعده لاستواء نسبته إلى الوجود في سائر الأزمان وتجدد الوجود له في كل حين هو التربية الإلهية ولا حاجة إلى أن يقال الدليل في كلامه ليس بمعنى البرهان القطعيّ بل ما يقتضيه الفحوى ويشهد به الذوق، والمصنف رحمه الله كثيراً ما يريد به هذا. قوله: (كرّره إلخ) ما سيذكره هو قوله وإجراء إلخ. فان ترتب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، فهذا تعليل لاستحقاقه للحمد وأنه لاتصافه تعالى بهما، كما أنّ ذكرهما في البسملة تعليل للابتداء باسمه والتبرّك به، وهذا بناء على مذهبه من أنّ البسملة من الفاتحة أو جواب عما قيل أنّ البسملة ليست من السورة، والا لزم تكرار الاسمين من غير فائدة وفي التفسير الكبير الحكمة في تكريره أنه في التقدير، كأنه قيل اذكر أني إله رب مرة، واذكر أني رحمن رحيم مرّتين ليعلم أنّ العناية بالرحمة أكثر من سواها، ثم لما بين تضاعف الرحمة قال: لا تغترّ بذلك فإني مالك يوم الدين فهو كقوله {غَافِرِ الذَّنبِ} [غافر: 3] إلخ وفيه أنّ الألوهية مكرّرة أيضاً فتدبر. قوله: (قرأه عاصم إلخ (ضمير قرأه راجع إلى مالك بالألف لأنه معلوم من تقدّم ذكره، ويعضده بمعنى يؤيد. ويقوّيه، يقال عضده إذا صار له عضدا أي معينا وناصرا، وأصل العضد في اليد من المرفق إلى الكتف فاشعير للمعنى المذكور ثم شاع حتى صار حقيقة فيه وجعل هذه الآية مؤيدة لهذه القراءة لأنها مأخوذة من الملك بالكسر، وسيأتي الفرق بيته وبين الملك بالضم، فإنّ المراد باليوم فيها يوم القيامة، وهو يوم الدين أيضا، ونفى المالكية عما سواه يقتضي إثباتها له إذ السياق لبيان عظمتة تعالى، ومجرّد نفي المالكية عن غيره لا يقتضيها بشهادة الفحوى والذوق، وتنكير الأسماء الثلاثة للتعميم، وتعميم الأخير لشموله الضرّ والنفع والقليل والكثير، وأورد عليه أنّ قوله {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] ظاهره يعضد قراءة ملك لمناسبته للأمر مناسبة تامّة، وقد فسره في التيسير وغيره بأنّ الحكم حكمه ولا قاضي سواه، وهو صريح في إثبات الملك بالضم له، ولذا قيل إنه يؤيد خلاقه وقيل إنها مقوّية، ومؤيدة لا نص موجب لمدّعاه فيكفي موافقة معناه لأوّلها مع أنّ آخرها موافق له اً يضا فإنّ المراد بالأمر المالكية فلما نفاها أوّلاً عن غيره صرّح بعده بإثباتها على العموم له كما هو المعروف في أمثاله من التذييل، نعم هو على هذا بمنطوقه مؤكد لمفهوم ما قبله، ولو فسر الأمر بالحملك بالضم كما مرّ أو بالأعمّ منه كان تأسيسا متضمناً للتأكيد على وجه أبلغ، ومن هنا ظهر ضعف ما قيل أنه تعالى لما نفى مالكية أحد لشيء على العموم أثبت بعده أنّ جميع الأمور مملوكة له تعالى في ذلك اليوم، فلا يشاركه أحد في مالكية شيء منها، وهو معنى مالك يوم الدين ولا وجه لكونه مشتقا من الملك بالضم، لأنّ المقام يقتضي نفي التصرّف مطلقا لا نفي التصرّف بطريق التكليف فقط، والقرآن يفسر بعضه بعضا، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري هو التاسع من القرّاء العشرة. قوله: (وقرأ الباقون ملك) أورد

عليه أنّ قراءة خلف بن هشام توافق الة راءة الأولى، وردّ بأنّ المراد بالباقين هنا باقي الثمانية الذين قدم المصنف ذكرهم بقوله الأئمة الثمانية المشهورون، وقوله وهو المختار قيل عليه قد رجح كل فريق إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقط مقابلتها وهو غير مرضيّ لتواترهما، وقد زوي عن ثعلب أنه تال: إذا اختلف إعراب القراءات السبعة لا أفضل إعرابا على إعراب في القرآن بخلاف ما إذا وقع في كلام الناس، وقريب منه ما قيل لو أبدل المختار بالأبلغ، كان أولى لتواترهما ووصف إحداهما بالمختار يوهم أنّ الأخرى بخلافه. وأنا أقول في الفقه الأكبر أنّ الآيات لا يكون بعضها أفضل من بعض باعتبار التلاوة إنما يكون باعتبار المعنى، فسورة الإخلاص مثلاً أفضل معنى من سورة تبت لأنّ معنى الأولى توحيد وهذه في صفة بعض الكفار، والأوّل أفضل من هذه الجهة كآية الكرسي، ولا شبهة أيضاً في أنّ بعض القراءات أفصح من بعض كقراءة ابن عامر {قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} [ الأنعام: 137] لا يخفى على ذي تمييز أنّ قراءة الجمهور أفصح منها وأنّ بعض القراءات أشهر من الأخرى، كالقراءة المتفرّد بها راو وغيرها المتفق عليها الباقي وكبعض القراءات الجارية على مقتضى الظاهر، ومقابلها الجاري على خلافه لنكتة، فعلى هذا ما المانع من أن يقال أنّ بعضها مختار لبعض العلماء أو الرواة، ولا يلزم من كونه مختاراً نقص مقابله، والقرّاء يقولونه من غير إنكار فهذا الإمام الجعبري يقول دائماً ومختاري، كذا من غير تردّد منه. قوله: (لأنه قراءة أهل الحرمين) قيل عليه أنه لو سلم كون أوائلهم أعلم بالقرآن لا نسلم ذلك ني عهد القرّاء المشهورين ألا ترى صحيح البخاري يقدّم على موطأ مالك، وهو عالم المدينة على أنّ القراءات المشهورة كلها متواترة، وبعد التواتر المفيد للقطع لا يلتفت إلى أحوال الرواة، اللهتم إلا أن يريد زيادة الفصاحة فإنّ لغتهم أفصح، وقد وافقهم قرّاء البصرة، والثأم وحمزة من الكوفيين أيضاً، ولذا قيل هم أولى الناس بأن يقرؤا القرآن غضاً طريا ما أنزل وهم الأعلون فصاحة ورواية وعليه أرباب الحواشي بأسرهم، والمصنف رحمه الله تغ الزمخشريّ في ذلك، ولم يعترضوا عليه بل أوردوه مسلماً، وقال الفاضل لعلوّ رتبة القاري رواية وفصاحة. قلت: لا يخفى أنّ أهل الحرمين قديما وحديثاً أعلم بالقرآن والأحكام، ولذا استدل بعض الفقهاء بعمل أهل المدينة، وأمّ مجرّد فصاحتهم التي توكأ عليها ذلك القائل، فلا يجد به نفعاً لأنّ القراءة سماعية لا دخل للراوي، والفصاحة في روايتها أصلاَ. قوله: (ولقوله تعالى إلخ) فقد وصف ذاته بأنه الملك يوم القيامة، وهو يوم الدين والقرآن يفسر بعضه بعضاً، والآية السابقة لا تعارضه لأنها ليست نصاً في المالكية كما مرّ، وكل منها مقوّ لا دليل قاطع، ولم يذكر قوله تعالى {مَلِكِ النَّاسِ} [الناس: 2] مؤيداً كما في الكشاف لمغايرة معناها لما هنا لئلا يتكرّر مع قوله رب الناس، وأمّا رب العالمين، فلا تكرار فيه لأنه فسر بما يدل على صئانعه، فيختص بالدنيا وما بعده في الآخرة، ولو فسر بالأعئم أيضاً يكون ذكر الخاص بعده اعتناء بشأنه غير مكرّر، ولو سلم فمثله كثير وباب التأكيد مشهور. قوله: (ولما فيه من التعظيم) فإنّ لفظ الملك كالسلطان فيه دلالة على العظمة، لأنّ الناس قلما يخلو أحد منهم من كونه مالكاً، ولا يكون الملك إلا أعلاهم، فهو ما بينهم عزيز قليل، وتصرّفه عام قويّ كما سيأتي، فلذا أردفه المصنف رحمه الله ببيانه فقال: والمالك هو المتصرّف إلخ، وفي الكشاف أنّ الملك بالضم يعغ وبالكسر يخص فقال المدقق في الكشف لم يرد به العموم والخصوص المصطلحين لأنّ أحدهما لا يدخل في مفهوم الآخر، فلا يفرص شاملاَ له، وهذا بحسب العرف الطارىء في الملك بالكسر، وفي التحقيق الملك بالكسر جنس للملك بالضم، والمم اد أنّ ما تحت حياطة الملك من حيث كونه ملكاً والعموم والخصوص لغة يقع على مثل هذا، وجاز أن يراد أنّ شمول سياسته فوق سياسة المانك، والتحقيق أنّ الملك بالضم نسبة بين من قام به ومن تعلق، وان شئت قلت صفة قائمة بذاته متعلقة بالغير تعلق التصرف التام المقتضي استغناء المتصرف، وافتقار المتصرف فيه، ولذا لم يصح على الإطلاق إلا لله وهو أخص من الملك بالكسر لأنه تعلق الاستيلاء مع ضبط، وتمكن من التصغيئ في الموضوع اللغويّ، وبزيادة كونه حقاً في الشرع من غير نظر إلى استغناء وافتقار، وانّ ما يملكه الملك من المتملك عليه أعنى

سياسته الخاصة ملكه فيه أتتم مما ملكه المالك أمّا ما لا يملكه الملك ويملكه المالك، فليس موود البحث كعكسه، فقد لاح أنّ ما يتوهمه بعض العامّة من أنّ تصرّف المالك في الملوك أتمّ من تصرّف الملك في الرعايا منشؤه من عدم فرض اتحاد المورد والنظر إلى العرف الفقهيّ، والكلام في الموضوع اللغويّ بل المعنى الأصليّ المشترك بين اللغات كلها، وقولهم الملك بالضم التصرّف بالأمر والنهي في الجمهور، ويختص بسياسة الناطقين، والملك بالكسر ضبط الشيء المتصرّف فيه بالحكم بناء على العرف العامي، ولذا قلنا لا يدخل أحدهما في مفهوم الآخر، ويرجح هذه القراءة تكرار الرث بمعنى المالك، ووصفه تعالى ذاته بالملكية عند المبالغة دون المالكية في قوله تعالى {مَالِكَ الْمُلْكِ} [آل عمران: 26] انتهى. أقول هذا مما تلقوه بالقبول ولخصه قذس سره من غير تصرّف فيه، وهو مأخوذ من كلام الراغب، وقد قال السمين في مفرداته أنه مخصوص بصفات الآدميين، وأمّا في صفته تعالى فالمالك والملك بمعنى واحد، والظاهر أنّ بين المالك والملك عموما وخصوصا وجهيا لغة وعرفاً، فيوسف الصديق عليه الصلاة والسلام بناء على أنه ملك رقاب أهل مصر في القحط بناء على شرعهم ملك ومالك، والتاجر مالك غيره ملك والسلطان على بلد لا ملك له فيها ملك غير مالك وأمّا ما مرّ ففيه نظر من وجوه: الأوّل أنّ قوله إنّ أحدهما لا يدخل في مفهوم الآخر غير مسلم لأنّ الظاهر أنّ الملك بالضم هو التصرّف في كل ما في مملكته كما يرى وبالكسر تصرّف خاص فيما تحت يده فالأول أعمّ وكذا الملك وا اصالك وما ذكره من معنى العموم والخصوص اللغويّ خلاف المتبادر ولا يذهب لمثله من غير داع وان صح في نفسه. . قوله: (والتحقيق إلخ) مؤيد لما قلنا. والثاتي أنّ قوله من غير نظر إلى استغناء وافتقار فيه نظر لأنّ ذلك من شأن المالك والمملوك فلو نظر إلى ما يخالفه نادراً كان الأوّل كذلك من غير فرق. والثالث أنّ قوله التصرف بالأمر والنهي إلخ غير مسلم أيضا لأنّ المعروف خلافه، فإنّ الملك يملك بالسلطنة الحصون، والبلاد وغيرها مما لا يعقل، وله التصرّف فيها أيضا فلا وجه لهذا التخصيص فأعرفه. قوله: (والمالك هو المتصرّف إلخ) قيل عليه أنه لا يناسب المقام وإنما يلائم كون المالك أولى لأنّ المالكية سبب لإطلاق التصرّف دون الملكية، ويمكن أن يقال مراده أنّ المالك هو المتصرّف فىب الأعيان المملوكة له كيف شاء، والملك هو المتصرّف بالأمر والنهي في المأمورين الذين هم رعيتة جميعاً، فيتناول تصرّف الأعيان المملوكة وغيرها من المالكين لها وغيرهم، فالمالك من حيث هو مالك دون الملك، وما ذكر من أنّ الملك هو المتصرف بالأمر والنهي في المامورين بناء على أنّ الملك يضاف عرفا إلى ما ينفذ فيه التصرّف بالأمر والنهي، ولا ينافي كونه أكثر حياطة وتصرفا هذا، وما ذكر إنما هو بالنظر إلى اللفظ والى مجرّد مفهومي الفردين، وأمّا بعد الإضافة إلى الأمور كلها، فكونه مالكاً للأمور كلها في يوم الدين في قوّة كونه ملكاً، ولذا قال مالكاً لأمورهم يوم الثواب والعقاب بعد اختيار الملك. أقول هذا غريب منه مع دقة نظره، فانّ مراد المصنف أنّ الملك بالكسر مختص بالأعيان من غير العقلاء كالثياب والأنعام، والرقيق أيضاً له حكمها لالحاقه بما لا يعقل، والملك بالضم مختص بالعقلاء، وتملكهم أشرف وأقوى، ومن يملكهم يملك غيرهم بالطريق الأولى، فكيف يكون هذا مرجحا للمالك، وهذا معنى لغويّ لا عرفيّ كما قيل. قولى: (وقرىء ملك بالتخفيف) أي بفتح الميم وسكون اللام بعد كسرها، ولذا سماه تخفيفاً، فإنّ السكون أخف من الكسر، وفعل المكسور والمضموم عينه يجوز تسكينه قياسا بخلاف المفتوح، وهي قراءة شاذة، وظاهر. أنه ليس لغة أصلية، وقد ذهب بعض أهل اللغة إلى أنه غير مخفف وأنه صفة بزنة صعب أو مصدر وصف به مبالغة كما في القاموس. وقوله. (بلفظ الفعل) أي الماضي المفتوح العين واللام ونصب اليوم وفي الكشاف قرأ أبو حنيفة رضي الله عنه ملك يوم الدين بلفظ الفعل إلخ وفي نشر ابن الجزري القراءات المنسوبة لأبي حنيفة التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي وغيره لا أصل لها، قال أبو العلاء الواسطيّ: إنّ الخزاعي وضع هذا الكتاب ونسبه إلى أبي حنيفة، فأخذت خطوط الدارقطني وجماعة على أن هذا الكتاب موضوع لا أصل له قلت وقد

رأيت الكتاب المذكور، وفيه {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] برفع الهاء ونصب الهمزة، وقد راح ذلك على أكثر المفسرين، ونسبوها إليه، وتكلفوا توجيهها، وأبو حنيفة رضي الله عنه بريء منها انتهى. فإيراد هذه القراءة غير لائق من الشيخين، ومن قال إنها قراءة حسنة لاحتمالها معنى القراءتين لجواز كونه من الملك والملك، وهذه الجملة صفة لموصوف تقديره اله ملك إلخ وهو بدل من المعرفة لوصفه، فقد زاد في الطنبور نغمة وذكر ما يحسن تركه، وقال أبو حيان: إنها جملة لا موضع لها، ويجوز أن تكون حالاً. قوله: (ومالكاً بالنصب على المدح إلخ) وفي بعض النسخ وملكا بدون ألف، وهي قراءة أيضا كما في حواشي الليثي، وقيل نصبه على الحال وفي التيسير أنه على النداء وهو بعيد، ولذا قيل أنّ غيره أولى منه لإفادته علية هذه الصفات للعبادة، فلذا تركه الأكثر، والمراد بالمدح تقدير أمدح ونحوه، وهو في عرف النحاة في النعت بمعنى القطع إلا أنّ النكرة لا توصف بها المعرفة، فهو تسامح منه أو بناء على ما ذكره بعض النحاة من أنّ النعت المقطوع لا يلزم فيه موافقة منعوتة تعريفا وتنكيراً، وانما يلزم لو تبع منعوته وعلى تنوينه يوم ظرف أو مفعول به، وما قيل من أنه إذا نوّن رفعا ونصبا بألف ودونها منصوب على الظرفية لا غير لأنّ الصفة لا تعمل النصب، واسم الفاعل إنما يعمل بمعنى الحال أو الاستقبال، وصفاته تعالى أزلية ليس بشيء لأنّ نصبه على التوسع فيجوز عطلقا، وأيضا الأزلية لا تنافي العمل لشمولها للحال والاستقبال، وما ذكر غير متفق عليه. قوله: (ويوم الدين إلخ) الدين له معان كالعبادة والملة وسيأتي وقيل بين الدين والجزاء فرق، فإنّ الدين ما كان بقدر فعل المجازي والجزاء أعئم، واختار يوم الدين على غيره من أسماء القيامة رعاية للفاصلة وافادة للعموم، فإنّ الجزاء يتناول جميع أحوال الآخرة إلى الأبد وكما تدين تدان معناه كما تفعل تجازى، وهو من المشاكلة إلا أنه قذم فيه المشاكل وهو جائز وان كان المشهور خلافه كما في البيت، وقد قرّره شرّاج المفتاح في قوله: أوما إلى الكوماء هذاطارق نحرتني الأعداء إن لم تنحر وقيل معناه كما تجازي غيرك تجازى، فلا مشاكلة فيه، وهو مثل أوّل من قاله خالد بن نفيل، وله قصة في مجمع الأمثال، وقد تمثل به النبيّ تعليم في حديث رواه أبو الدرداء وهو " البرّ لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت فكن كما شئت كما تدين تدان ") 1 (. وفي التوراة ما معناه كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد وفي الإنجيل كما تدين تدان وكما تكيل تكتال، والجارّ والمجرور أو الكاف فيه صفة مصدر مقدّر أي دينا مثل دينك. قوله: (وبيت الحماسة إلخ) أي ومنه بيت الحماسة وأصل معنى الحماسة الشدة والشجاعة وهو اسم الكتاب المعروف لأبي تمام الطائي والشعر المذكور من قصيدة في حرب البسوس لشاعر يسمى الفند الزماني وأوّلها: صفحنا عن أبي ذهل ولخا القوم إخوان ولم يبق سوى العدوا ~ ن دناهم كما دانوا وقوله دناهم جواب لما، والعدوان بضم العين الظلم، وبقية القصيدة، والكلام عليها في شرح المرزوقي وغيره. قوله: (وأضاف اسم الفاعل إلخ) الظرف إمّا متصرّف، وهو الذي لا يلزم الظرفية، أو غير متصرّف، وهو مقابله، والأوّل كيوم والليلة فلك أن تتوسع فيهما بأن ترفع، أو تجرّأ وتنصب من غير أن يقدر فيه معنى في، فيجري مجرى المفعول به لتساويهما في عدم تقدبر في فيهما، فإذا قلت سرت اليوم كان منصوباً انتصاب زيد في نحو ضربت زيدا ويجري سرت مجرى ضربت في التعدي مجازا، لأنّ السير لا يؤثر في اليوم تأثير الضرب في زيد، ولا يخرج بذلك عن معنى الظرفية، ولذا يتعذى إليه الفعل اللازم ولا يظهر الفرق في الاسم الظاهر، وإنما يظهر في الضمير لأنك إذا أضمرت في قلت سرت فيه، والا قلت سرته كما في بيت الكتاب: ويوم شهدناه سليما وعامرا قليل سوى طعن النهار نوافله واذا توسع في الظرف إن كان فعله غير متعد صار متعديا، وان كان متعدّيا إلى واحد صار متعذيا إلى اثنين

كحفرت بئر اليوم. وان كان متعذيا إلى مفعولين فمن النحويين من أبى الإتساع فيه لأنه يصير متعدياً إلى ثلاثة وهو قليل، ومنهم من جوّزه وان كان متعدياً إلى ثلاثة لم يجز، لأنه يصير متعدّيا إلى أربعة ولا نظير له، وحكى ابن السراج عن بعضهم جوازه هذا خلاصة مذاهب جميع النحاة كما في شرح الهادي، وهذا نصه وتحقيقه أنّ التوسع في الظروف جعل نسبة الفعل إليها وتلقه بها باعتبار كونه واقعا فيها بمنزلة نسبته إلى المفعول به الواقع عليه لما بيبهما من الملازمة والمشابهة لأنّ نحو زيداً المفعول، كمحل الفعل لظهور أثره فيه، فالتوسع هنا تجوّز حكمي في النسبة الظرفية الواقعة بعد نسبة المفعول به الحقيقيّ وأثره يظهر في الإضمار كما مرّ، فلذا كان اللازم معه متعدّيا والمتعدي متعديا لأكثر مما كان يتعدى له فالمتعدي قبله باق على حاله، حتى إذا لم يذكر مفعوله قدر أو نزل منزلة اللازم، ومنه عرفت أنّ الجمع بين الحقيقة والمجاز في المجاز الحكميّ ليس محل الخلاف، ولذا قال الرضيّ: اتفقوا على أنّ معنى الظرف متوسعا فيه وغير متوسع فيه سواء لا ما توهمه بعض أرباب الحواشي، وهذا مما يعض عليه بالنواجذ لكثرة جدواه كما ستراه، وفي قوله اسم الفاعل دون مالك مع أنه أخصر دقيقة وهو أنه على القراءة الأخرى إن قيل أنه صيغة مبالغة كحذر كان ملحقا باسم الفاعل، وله حكمه فيدخل فيه على ألطف وجه، وأخصره وإلا فهو إمّا صفة مشبهة أو ملحق بأسماء الأجناس الجامدة كسلطان، فلا كلام في إضافته، قويل إنه تعرّض لإضافة مالك مع أنه غير مختار عنده، لأنه لا إشكال فيه إذ هو صفة مشبهة مضافة إلى غير معمولها، فإضافته معنوية، فيوصف به المعرفة، وفي إضافة اسم الفاعل خفاء، فلذا تعرّض لتخصيصها، ونص على ظرفية يوم الدين لإفادة أنّ مملوكيته غير حقيقية، واليوم من الفجر الصادق أو من طلوع الشمس إلى الغروب ويطلق على مطلق الوقت قليلاً أو كثيرا، ويوم القيامة حقيقة شرعية في معناه المعروف ومجرى بضم الميم من الإجراء، وهو اسم مكان مجازفي ويجوز فتح الميم أيضاً قيل: وقد يتوهم أنّ مجرى بزنة موسى دون مرض ليناسب الإجراء، ونحن نجعله على وزن مرضى بفتح الميم ليدل على أنّ المفعول به يجري في هذا المكان بنفسه بخلاف الظرف، فإنه يجري بإجراء المتكلم لأنه ليس مذهبه، نعم لو جعل مجرى مفعولاً مطلقاً كان الأظهر جعله كموسى، وأورد عليه أنّ المفعول المطلق من المصدر لم يسمع وليس معه فعل يكون هو مفعوله وهو غفلة منه، فإنه مصرّح بخلافه في متون النحو، وقد مرّ قريبا ما في الكشاف من أنّ متاعا في قوله تعالى {؟ متاعاً إلى الحول} [البقرة: 245] منصوب بمتاع الأوّل. قوله: (يا سارق الليلة أهل الدار) يقال سرقه مالاً يسرقه من باب ضرب، وسرق منه مالاً يتعدى إلى الأوّل بنفسه، والى الثاني بالحرف، وقد يحذف فيتعدى له بنفسه كما في المصباح، وهذا شاهد على أنّ هذه الإضافة للمفعول المجازيّ كما مرّ، وهو بيان لحكمه في نفس الأمر كما بينه النحاة لا تصحيح لوصف المعرفة به، لأنّ المعمولية غير مناسبة له، ولو كان كذلك لم يصرحوا به بعده، فما قيل من أنه جواب لسؤال مقدر، وهو أنّ هذه الإضافة لفظية إذ هي من إضافة الصفة لمعمولها فكيف وصف به المعرفة، فأجيب بما ذكره المصنف رحمه الله لا وجه له، ثم إنك قد عرفت مما تلوناه عليك أنّ هذا المفعول لا بدّ من زيادته على مفعوله الأوّل إن كان متعدّيا وأكثر أرباب الحواشي هنا لم يقفوا على تفصيله فخبطوا خبط عشواء، فمنهم من قال أنّ انتصاب أهل الدار بمقدر أي احدّر، وقد يجعل مفعولاً أوّل لسارق لأنه قد ينصب مفعولين كما مرّ، فتوهم أنه ينافي نصب المفعول، فاحتاج إلى التقدير أو تعديه لاثنين، وكذا من قال إنّ المفعول الذي صرف النسبة مته إلى الظرف في هذا البيت محذوف كما في مالك يوم الدين وأهل الدار غير ذلك المفعول، فإنه يقال سرقه مالاً وسرق منه مالاً كما مرّ وعلى الثاني أهل الدار منصوب بنزع الخافض، فلا يرد أنه ينافي كونه مجازاً حكميا ذكر المفعول لأنّ المفعول المجازيّ لا يجتمع مع المفعول الحقيقيّ، ولا مع مفعول آخر مجازفي، فلا يقال أجرى النهر الماء، ولا أجريت النهر الزرع انتهى. وهو كله من ضيق العطن لما مرّ فتدبر، وقوله قدس سره: من قال الإضافة في مالك يوم الدين مجاز حكمي، ثم زعم أنّ المفعول به محذوف عامّ يشهد لعمومه الحذف بلا قرينة خصوص، ويرد عليه أنّ

مثل هذا المحذوف المقدر في حكم الملفوظ فلا مجاز حكمي، كما في نحو واسأل القرية إذا كان الأهل مقدراً انتهى ناشىء من عدم تحرير المبحث، ثم قال وأمّا إضافة ملك فلا إشكال فيها لأنها إضافة الصفة المشبة إلى غير معمولها كما في رث العالمين، فهي حقيقية فإنها تضاف إلى الفاعل دون المفعول، لأنها لا تعمل النصب أصلاً، واذا توسع فيه نصب الظرف نصب المفعول به أو إضيف إليه على معنى اللام، ولم يعتد بالإضافة بمعنى في، وأن رفعت مؤنة الإتساع وما يتبعه من الإشكال إمّالأنّ الاتساع محقق في الضمائر المنصوبة لأنها لا تنصب على الظرفية، فحمل على ما هو محقق، وامّا لأنّ في الاتساع قخامة المعنى فكان أولى بالاعتبار ومن أثبتها نظر إلى الظاهر من غير تحقيق، وأهل الدار منصوب بسراق لاعتماد. على حرف النداء كقولك يا ضاربا زيداً ويا طالعا جبلاً، وتحقيقه أنّ النداء يناسب الذات، فاقتضى تقدير موصوف أي يا رجلاَ ضارباً انتهى. وفيه يحث كا وجوه: الأوّل أن قوله إنّ الصفة المشبهة لا تعمل النصب مخالف لما صرّحوا به من أنها تنصب معمولها على التشبيه بالمفعول به، فإن قيل المراد أنهالا تنصب حقيقة فهذا المفعول هنا غير حقيقيّ أيضاً فكأنه أراد أنها لا تعمل النصب في محل المضاف إليه لأنه فاعل واذا نصب نصب على التسمح، واذا أضيف ردّ لأصله إذ لا داعي لمخالفته، وهذا من الكشف، وعبارته لأنّ الصفة المشبهة لا تعمل النصب أبدا، ألا ترى إلى قولهم إنّ الصفة المشبهة تضاف إلى فاعلها في بحث الإضافة، وهي ناطة ة بهذا. الثاني أنّ النحاة صرّحوا بأنّ إضافة الصفة المشبهة غير محضة ليست على معنى حرف، والفرق بين معمول ومعمول تحكم محتاج لنقل. الثالث أنّ ابن مالك لما ذكر الاعتماد على النداء تبعاً لبعضهم اعترضوا عليه بأنه ليس كالاستفهام والنفي في التقريب من الفعل لاختصا عالنداء بالأسماء، فكيف يكون مقرّباً من الفعل. ". فأجيب بأنّ الاعتماد في مثله على موصوف مقذر، واليه جنح قدس سرّه، إلا أن الرضمى قال في باب الموصول إنّ تقدير الموصوف فيه لا سند له في كلام العرب ولا شاهد لهم على ما ادّعوه هنا، وقال بعض حذاق العصر حرف النداء قام مقام أدهو وهذا يكفي في التقرب، ولو أجيز الاعتماد على المقدر لفات شرط الاعتماد، إذ لا بد للصفة من موصوف تجري عليه ملفوظ أو مقدّر وليس بشيء لأنّ كون يا بمعنى أدعو يقتض ي كون المنإدى مفعولاً، والأصل فيه الاسمية فلا تقريب فيه أيضاً، وليس كل مكان يقذر فيه الموصوف نا لم يكن يقتضيه ويتقاضاه، ثم إنه جعل هنا التوسع والإضافة لأدنى ملابسة مجازاً لغويا وبينهما مخالفة ظاهرة وسيأتي تحقيقه في محله. بقي هنا فائدة وهي أنّ السعد رحمه الله تعالى صرّح بأنّ الإضافة بمعنى في معنوية وتبعه قدّس سرّه، وقد ذكر الرضى أنّ إضافة مالك يوم الدين سواء كانت بمعنى في أو متوسعا فيها لفظية لأنّ المضاف إليه إمّا مفعول فيه أو به، وعلى أيّ تقدير هو معمول الصفة، ووفق بينهما بأنّ الأوّل محمول على ما إذا كان معنى في مدلولاً للإضافة، ومالك يوم الدين إذا لم يرد به الماضي أو الاستمرار بل الاستقبال وتعمل الصفة في اليوم لا يكون معنى في فيه مدلولاً للإضافة لأنه قد كان حاصلاَ قبلها، وتأثير الإضافة في اللفظ فتدبر. قوله: (ومعناه ملك الأمور يوم الدين) قوله معناه صريح في أنه لم يرد تقدير الأمور في النظم حتى يلزم كون اليوم ظرفا محضا، فيفوت تنزيله منزلة المفعول به وعموم الأمر يفهم من حذف المفعول بلا قرينة الخصوص لتأ هب النفس كل مذهب، أو من جعل مالكيته ليوم الدين كناية عن كونه مالكا للأمر كله لأنّ تملك الزمان كتملك المكان يستلزم تملك جميع ما فيه بناء على أنه لا يلزم في الكناية إمكان المعنى الحقيقيّ، فإنّ الزمان عند بعض المتكلمين معدوم وتملك المعدوم ممتنع، وعلى أنّ الاستلزام بمعنى الانتقال في الجملة لا بمعنى امتناع الانفكاك، فلا يرد منع الاستلزام. قوله: (على طريقة ونادى أصحاب الجنة إلخ) يعني أنّ اسم الفاعل كالمفعول يخالف الصفة المشبهة الدالة على الثبوت، فهو حقيقة في الحال إلا أنه منزل منزلة الماضي في تحقق الوقوع، فاستعير له استعارة تبعية كما في قوله تعالى {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 44] فإنه بمعنى ينادي، وارادة الماضي منه، ولو بالتنزيل مانعة عن العمل كما أإرادة الحال ولو حكاية كما في قوله تعالى {وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} [الكهف: 8 ا] كافية فيه هذا هو المشهور

وقيل إنه حقيقة فيه، وفي الماضي أيضاً، وأمّا في المستقبل فمجاز اتفاقاً ونقل عن المصنف رحمه الله أنه مجاز في الماضي المنقطع لا مطلقا وهو مخالف للمشهور وبنى عليه أن مالك يوم الدين حقيقة عنده، وان لم يعتبر استمراره وكيف يتأتى هذا مع قوله إنه على طريقة ونادى أصحاب الجنة، وهذا مقرّر في الأصول الفقهية، والمعاني وذكره بعض النحاة وفيه إشكال ظاهر، لأنّ الدال على الزمان وضعا بالاتفاق، إنما هو الفعل وما قالوه مخالف له وليس كالصبوح والغبوق، ولذا ذهب بعض الأصوليين إلى أنه لا دلالة له على الزمان أصلاً وفي شرح المصنف أنه اأحق، ثم إنه قيل إذا كان مجازا في الماضي كما في التلويح كان اسم الفاعلى هنا على تقدير كونه بمعنى الماضي، وقد كان مستعملاً في المستقبل مجازا في المرتبة الثانية وهو مما حرّره السيد في تفسير قوله تعالى {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم} [البقرة: 9] والطيبي. (أقول) هذا زبدة أنظار من كتب الحواشي من المدققين هنا، وفيه نظر أ 14 أؤلأ فانّ قولهم إنه في المستقبل مجاز اتفاقا غير صحيح لأنّ من أهل الأصول من ذهب إلى أنه حقيقة في الحال والمستقبل، وأمّ ثانياً فما ادّعوه من أنه مجاز في المرتبة الثانية مع ما فيه من التعسف غير مسلم كما يعلم مما سيأتي في تقريره مع أنّ شرط ذلك المجاز المشهور غير مقرّر هنا، وأمّا ثالثاً فالتجوز المذكور إذا كان كالتجوز في نادي مما ذكروه في أكثر الكتب، وأورد نحوه ابن هشام في رب من المغني، وقد أورد عليه شارحه أنه يقتضي أنّ المستقبل حينئذ عبر به عن ماض متجوّز به عن المستقبل، وهو مع تكلفه ني صحته تردد لا يخفى وجهه فتدبر.، وهذا مأخوذ من الكشف وسيأتي تحقيقه، وأمّا الإشكال فدفعه أنّ الوصف لما كان موضوعاً لذات متصفة بحدث سواء كان في الماضي أو الحال أو الإسنقبال خصه العرف بأحد أفراده تخصيص الداية فصار حقيقة عرفية إمّا لتبادره منه مطلقا أو في حال العمل لأنه يتمّ به مشابهة المضارع، وقوله في المطوّل إنه حقيقة في الحال بالإتفاق غير مرضيّ وليست دلالة التزام لأنه لا يلزمه زمان معين، وقول نجم الأئمة الرض إنه مدلول العمل كأنه أراد به مدلوله في حال العمل وسيأتي تفسير قوله ة {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] ما يتممه. قوله: (أوله الملك في هذا اليوم إلخ) عطف على قوله ملك إلخ يعني أنه بمعنى الماضي، أو المراد به الاستمرار لا الحال، أو الاستقبال لتكون إضافته حقيقية فيوصف به المعرفة كما فصله المصتف رحمه الله بعد. (وههنا بحث) مشهور وهو أن الشيخين في سورة الأنعام جعلا إضافة جاعل إلى الليل في قوله تعالى: {؟ وتجعل الليل سكناً} [الأنعام: 96] لفظية لأنه دال على جعل مستمرّ، وهنا جعلا الإضافة حقيقية إذا قصد الاستمرار، وبينهما تناف ظاهر، وقد وفق بينهما بوجوه منها أنّ الزمان المستمرّ شامل للأزمنة الثلاثة، فيجوز النظر فيه إلى الماضي، فلا يعمل وتكون إضافته حقيقية، والنظر لمقابله فيعمل، وتكون إضافته لفظية فيراعى ما يقتضيه المقام، فروعي الثاني في الأنعام لئلا يلزم مخالفة الظاهر بنصب سكنا بمقدر، وروعي الأوّل هنا لئلا يقطع مالك عن الوصفية إلى البدلية، ولا يأباه ما في نحو المفتاح من أنّ اسم الفاعل يعمل عمل فعله المبنيّ للفاعل إذا كان على أحد زماني ما يجري عليه، وهو المضارع دون الماضي والاسبتمرار، فإنّ اتباع مذهبه غير لازم وسيأتي ما فيه، ومنها أنّ المذكور ثمة عمله دون إضافتة، فلا منافاة بينهما لجواز أن يكون الوصف عاملاً واضافته حقيقية، لأنّ المستمرّ لما احتوى على الماضي ومقابليه روعي الجهتان معاً فجعلت الإضاءة حقيقية نظراً إلى الأولى، واسم الفاعل عاملاً نظراً إلى الثانية، وليس بشيء لأنّ مدار كون إضافته حقيقية، أو غيرها على كونه عاملاً أو غير عامل، ومنها أنّ الاسنمرار ههنا ثبوتيّ وثمة تجددي متعاقب الافراد، فعمل الثاني لورود المضارع بمعناه دون الأوّل، قيل: والمراد بالثبوت ما لم يعتبر معه الحدوث في زمان لا ما ينافي التجدّد حتى يرد أنّ ما وقع في يوم الدين متجدّد، ومالكية الشيء تتوقف على وجوده واستمرارها يكون متجذدا قطعاً، والباعث على اعتبار التجدّد في جاعل الليل لا هنا عدم مخالفة الظاهر فيهما، فاندفع ما قيل أنّ المصنف جعل إضافة {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} [دورة غافر: 3] حقيقية لأنه لم يرد بهما زمان مخصوصر، ولا شك أنّ استمرارها تجددئ فإن أريد بمالكية يوم الدين القدرة ضلى تصرّف الإيجاد والإعدام والنقل من صفة إلى صفة، كقا ذكره الإمام لم يبق خفاء في أنّ استمرار مالك ثبوتيّ، وستراه عن

قريب مع ما فيه والملك كالملك قال الراغب: يكون بمعنى قوّة التصرّف، وقدرته ويكون بمعنى التصرّف نفسه، وقال الإمام: هو القدرة على التصرّف، والله تعالى مالك الموجودات أي قادر على نقلها من الوجود إلى العدم، وعلى نقلها من صفة إلى أخرى، ومعنى مالك الملك القادر على القدرة آي كل ما يقدر عليه الخلق فهو بإقداره وملك يوم الدين بإحياء الموتى، وليس هذا كله إلاً لله، فهو الملك الحق، فإن قيل المالك لا يكون مالكاً للشيء إلاً إذا كان المملوك موجوداً والقيامة غير موجودة في اكحال، فالواجب أن يقال ملك يوم الدين لا مالكه، ولهذا قالوا لو قال أنا قاتل زيد بالإضافة فهو إقرار، ولو قال قاتل زبداً بالعمل والتنوين فهو وعيد، قيل هذا حق إلاً أنّ قيام القيامة لما كان محققا جعل كالقائم في الحال، وأيضا من مات فقد قامت قيامته فكانت القيامة حاصلة في الحال، فزال السؤال اتتهى. وقد قيل عليه إنّ اسم الفاعل ليس حقيقة في المستمرّ، فيكون مجازا على المجاز، وإنّ معنى الاستمرار هو الثبات من غير أن يعتبر معه الحدوث في أحد الأزمنة، وذلك ممكن في المستقبل كأنه قيل هو ثابت المالكية في يوم الدين، واذا لم يعتبر في مفهومه الحدوث لا يعمل لانتفاء مشابهة الفعل على أنه إذا إريد بالمالكية القدرة على التصرّف لا يبقى في الاستمرار خفاء كما مرّ. بخلاف ما إذا كان مالك بمعنى ملك إذ لا يراد هنا المالكية المستمرّة الغير الحادثة، وهي تتوقف على وجود المملوك، فلذلك يحتاح إلى التأويل. (أقول) هذا زبدة ما قرّروه وكرروه وزعموا أنهم حققوه وحرّروه، وللنظر فيه مجال، فإنّ الاستمرار اسنفعال من المرور، ولذا ورد بمعنى الذهاب، وعدم البقاء كما في قوله تعالى: {سحر مستمرّ} [القمر: 2] على وجه، وبمعنى الدرام والثبات، وهو المراد هنا إلآ أنه على وجوهـ، فإنه يكون بمعنى الوجود في جميع الأزمنة الثلاثة، وبمعنى عدم اعتبار الحدوث، وماتارنة الزمان له كالأمور الجبلية وعدم الانقطاع أزلم لأ وأبداً كما في الصفات الذاتية، وجاعل ومالك وصفان ثبوتيان، والجعل من صفات الأفعال، وكذا الملك إن فسر بالتصرّف، فإن فسر بالقدرة، كما هو رأي الإمام كان من الصفات الذاتية، واتصافه تعالى بالثانية أزلاً وأبداً متفق عليه، وأمّ الأولى فذهب الماتريدية إلى أنها مثلها من غير فرق فنقل عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: كان الله خالقاً قبلى أن يخلق ورازقاً قبل أن يرزق، ووافقهم عليه بعض الأشعرية. قال الزركشيّ رحمه الله في البحر: إطلاق الخالق والرازق ونحوهما فى حقه تعالى قبل وجود الخلق والرزق حقيقة، وان قلنا صفات الفعل من الخلق والرزق ونحوهما حادثة ورده ابن شريف: بأنه ممنوع عند الأشعرية القائلين بحدوثها، وفيه بحث فحينئذ يقال لا شك أنّ النحاة بأسرهم اشترطوا في عمل اسم الفاعل غير صلة أل، وفي كون إضافته لفظية أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال ليتمّ شبه المضارع له، فيعمل عمله ولم يخالف فيه غير الكسائيّ، فالاستمرار بالمعاني الثلاثة يقتضي عدم العمل وأنّ الإضافة حقيقية لتخلف شرطه، فلا غباو على ما نحن فيه، ولا يأباه كونه من صفاته تعالى مطلقاً، وأمّا ما في سورة الأنعام فمشكل، وان لم يكن له تعنق بالإضافة فإنه لا يصح فيه شرط العمل، أمّا على الأوّل فلأنّ الأزمنة الثلاثة تشمل الماضي، وهو مناف لعمله عند الجمهور، وقد صرّح به صاحب المفتاح كما مرّ، وأما على الثاني فلأنه إما أن يلحق بالصفة المشبهة كما صرّحوا به في طاهر القلب ونحوه، أو بالأسماء الجامدة كما قالوه في نحو والد وكاهل، فلا يعمل النصب أو لا يعمل أصلاً، وكذا هو على الثالث بالطريق الأولى مع أنه برمته لا يتسنى لسلامة الأمر في صفاته تعالى كما سمعته ولك أن تقول المراد به الأوّل ثمة فاستمراره بالنظر إلى الحال المستمرة في المستقبل، ولما كان الحال أجزاء من الماضي والمستقبل شمل حكمه الماضي مطلقاً لعدم الفارق والمضارع يستعمل بهذا المعنى أيضا، وبه صرّج السيرافي في شرح الكتاب فقال يجوز أن يكون جاعل في معنى فعل ماض، ويجوز أن يكون في معنى فعل مستقبل، فإذا جعلته في معنى الفعل الماضي ة فتقديره ومعناه قدّر الليل لهذا، وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، وهو أظهر الوجهين، وينصب الشمس والقمر بإضمار فعل ومن جعله بمعنى المستقبل، فهو على تقدير يجعل وذلك لأته فعل لم ينقطع لأن الليالي يتصل بها ما قد كان، وما يكون منها

فهو بمنزلة زبد ياكل إذا كان في حال كله قد تقضى بعضه وبقي بعضه انتهى. وهذا قريب من الجواب الأوّل إذا دقق فيه النظر، وقال أبو حيان في البحر: اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال، أو الاستقبال جاز فيه وجهان: أحدهما ما قدمناه من أنه لا يتعرّف بالإضافة لأنه منويّ الانفصال، فكأنه عمل النصب والثاني أن يتعرّف بها إذا كان صفة معرّفة فيلحظ أنّ الموصوف صار معروفا بهذا الوصف، فكان تقييده بالزمان غير معتبر، وهذا الوجه غريب لا يعرفه إلآ من له اطلاع على كتاب سيبويه وتنقيب عن لطائفه وقد قال فيه ما نصه: زعم يونس والخليل أنّ الصافات المضافة التي صارت صفة للنكرة قد يجوز فيهن كلهن أن يكن معرفة، وذلك معروف في كلام العرب انتهى. وهو كلام يض، ج إلى تأمّل تامّ. قوله: (لتكون الإضافة حقيقية) قد عرفته وما له وما عليه، فإن قلت: كون الظرف هنا مفعولاً به على التوسع يقتضي أن اسم الفاعل مضاف لمفعوله، وهو يأبى كون الإضافة حقيقية قلت قال الشريف: كون الإضافة معنوية لا ينافي التوشع في الظرف لأنّ المراد أنه مفعول من حيث المعنى لا من حيث الإعراب، أي يتعلق المالك به تعقق المملوكية حتى لو كانت شرائط العمل حاصلة عمل فيه وفيه تأمّل، وقد بقي في كلام شروج الكشاف كلام كنا ذكرناه هنا ثم طويناه لطوله وسيأتي تتمته في الأنعام إن شاء الله. قوله: (وقيل الدين الشريعة إلخ) قال الراغب الدين الطاعة والجزاء واستعير للشريعة، والدين كالملة لكنه يقال اعتبارا بالطاعة والانقياد للشريعة انتهى. والشريعة وضع إلهيّ سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات كذا عرفها الأصوليون، والدين كما سمعته يكون بمعنى الملة، وهي أعم من الدين لشمولها الدين الحق وغيره، وهو مقول عليهما بالاشتراك اللفظيّ كما قال تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] وهو كثير في الفرآن، ومن عرّفه بما عرفت به الشريعة نظر لمعناه الغالب المتبادر منه عند الإطلاق فلا وجه للاعتراض عليه، ومرضه المصتف رحمه الله لأنه معنى مجازيّ، ومحتاج للتقدير عنده كما أشار إليه قوله: (والمعنى يوم جزاء الدين) قدّره لأنه ليس يوماً للتكاليف، وانما هو للجزاء وهو على التفسيرين قيل، وهو على الأوّل بتقدير مضاف آي جزاء أحكام الشريعة أو جزاء قبول الدين وترك قبوله أو جزاء العمل به من الثواب والعقاب، ويجوز أن تكون إضافته لما بينهما من الملابسة باعتبار الجزاء من غير تقدير، وقيل البلاغة تحكم بأولوية عدم التقدير إذ يقال في يوم ظهور سلطان أحد وغلبة ما يتعلق به إنّ اليوم يوم فلان، فبذلك الاعتبار يقال يوم الشريعة أيضا، وقيل أيضاً إن كان المراد بالطاعة العبادة احتاج إلى التقدير، فإن أريد الانقياد المطلق كما فسر به في كتب اللغة، فلا حاجة للتقدير، فإنّ الناس في الدنيا بين منقاد وغير منقاد بخلافهم في ذلك اليوم لانقياد الكل ظاهرا وباطنا وهو وجه وجيه. قوله: (وتخصيص اليوم بالإضافة إلخ) الإضمافة مصدر المبنيّ للمفعول أي إضافة مالك أو ملك إلى يوم الدين مع كونه مالكاً للأيام كلها ولجميع الأمور وهذا هو المراد، وقد قيل إنه محتمل لوجوه أربعة لأنه إمّا بمعنى كونه مضافاً إليه أو كونه مضافا إلى الدين وعليهما مدخول الباء مقصور أو مقصور عليه، وقوله: (لتعظيمه) أي لتعظيم اليوم المستلزم لتعظيم مالكه، ويجوز أن يكون الضمير لله للعلم به من السياق، وقوله: (بنفوذ الآمر فيه) يقال: نفذ الأمر نفوذا ونفاذاً بالذال المعجمة بمعنى مضى وقيل على الفور بلا تردّد وأصله من نفذ السهم في الرمية إذا خرقها، وأمّا نفذ بالمهملة فمعناه فني وانقطع والأمر هنا مقابل النهي، وفي نسخة الأمور بالجمع. قال الليثيّ في حواشيه: الظاهر الأوامر به له أي خص لتفرده بالتصرّف فيه إذ الأمر يومئذ لله الواحد القفار، ولا ملك لأحد سواه بخلاف أيام الدنيا فإنّ لغيره فيها أمراً ونفوذا ظاهراً وان كان المنفذ له في الحقيقة هو الله، وما ادّعى ظهوره بناء على ما تعارفوه، ووقع في كلام الأصوليين من أنّ الأمر بمعنى القول المخصوص يجمع على أوامر، وبمعنى الفعل والشأن على اً مور وهو مما تفرّد به الجوهريّ واللغة وقواعد العربية لا تساعده وفيه كلام طويل، قيل والأحسن أن يقال: إنه. للإشارة إلى المعاد بعد الإشارة إلى المبدأ بقوله رب العالمين، وبما بينهما لما بين النشأتين كأنه قيل الحمد لمن منه الابداء وباحسانه البقاء وبحكمته إليه الانتهاء، وهو غفلة عما بعده، فإنّ ما ذكر مأخوذ من إجراء

تلك الصفات كما أشار إليه المصثف رحمه الله، فهذا أتم فائدة، وأطلق الإضافة ليشمل القراءتين وقيل الأوّل علة لكونه مالكاً، وهذا لكونه ملكا كقوله تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان: 26] واليوم معروف كما مرّ واطلاقه هنا على التشبيه لأنه زمان له مبدأ ومنتهى كما قال تعالى، وإن يوماً عند ربك كألف سنة، وقيل خص لإفادة ملكه لجميع الأمور لدلالة تملك الزمان والمكان على تملك ما فيه كما مرّ وهو يرجح كون الإضافة لامية لا على معنى في لأنّ كونه مالكا في يوم الدين لا يقتضي العموم كما قاله قدس سرّه. قوله: (وإجراء هذه الأوصاف إلخ) الإجراء هنا مستعار من إجراء الماء إلى ما يستقى به أو من إجراء الوظيفة على من يأخذها بمعنى إيصالها إليه من غير انقطاع، وهو حقيقة عرفية، وإن استعير من الأوّل لجعله صفة تابعة لموصوفها وصار هذا حقيقة عند المصنفين أيضاً، وهذا ملخص ما في الكشاف كما بئنه شراحه. وقوله من كونه ربا هكذا هو في أكثر النسخ من كونه رباً للعالمين موجداً لهم، وفي نسخة موجدا للعالمين رباً لهم وفي أخرى ربا موجداً للعالمين ربا لهم، وهذه أقلها ولا معول عليها والكل متقاربة ولا خفاء فيه، والتربية دالة على الإيجاد تضمناً أو التزاما فتقديم كونه موجداً رعاية للترتيب في الوجود وتأخيره لتقدم ما يدل عليه رتبة، وقيل إنه لما كانت تربيته للعالمين أنه رقاهم في مدارج الكما اط فإفاضة الوجود واعداد أسباب الكمالات وكان الإيجاد مبدأ التربية جعله كأنه خارج عنها، والأحسن ما قيل من أنّ قوله موجدا وما بعده تفصيل لربوبيته، وقوله رباًيهم تعميم بعد تخصيص لمزيد الاهتمام لأنّ الكمال الأوّل الذي هو أساس جميع الكمالات لا ينبغي إخراجه من مفهوم الربوبية مع أنّ ربوبيته لهم بإضافة سائر الكمالات لا تستلزم كونه موجداً لهم، ولا حاجة إلى أن يقال إنه مبنيّ على كون الرب بمعنى المالك وموجداً، وربا خبراً كون، أو أحدهما خبر والآخر حال. قوله: (منعماً عليهم إلخ) هذا تفصيل لمعنى الرحمن الرحيم فقوله: بالنعم كلي من فحوى كونه المعطي للجلائل والدقائق، فإنه عبارة عن العموم والشمول كما مرّ، وفصل عمومه وفسره بقوله ظاهرها وباطنها. وقوله:) عاجلها وآجلها) من كونه رحمن الدنيا والآخرة، فلا وجه لما قيل من أنّ ما ذكر فهم من قرينة ذكرهما في مقام المدح وانّ الأنسب ذكر جليلها وحقيرها بدل قوله ظاهرها وباطنها، فإنه مذكور في تفسير الرحمن الرحيم، وقد تبع الزمخشريّ في الظاهر والباطن، وزاد عليه العاجل والآجل تفسيراً لهما، فإن النعم الدنيوية ظاهرة والأخروبة باطنة، ومما هو مشهور معروف أنّ الدنيا ظاهر والآخرة باطن قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [صورة الروم: 7] ولم يعد لفظ من كونه كما في الكشاف لأنّ المجموع عنده وجه واحد وإعادته تشعر بالاستقلال وقال قدس سرّه: إنّ الوصف الأوّل متعقق بالإبداء والثاني والثالث بالبقاء والرابع بالإعادة وهو ثماأ هر، وليس مبنياً على أنه فسر الرت بالمالك كما توهم. قوله:) مالكاً إلخ) الثواب والعقاب من الدين كما مرّ، وهو تفسير له على القراءتين لأنّ كلاً منهما يؤدّي مؤدّى الآخر إذ لا منافاة بينهما ألا ترى قوله تعالى: {مَالِكَ الْمُلْكِ} [آل عمران: 26] فليس على إحدى القراءتين كما توهم حتى يقال إنّ المناسب لما اختاره أن يقول ملكاً الأ أنه اختاره لكون أصل التفسير عليه وقوله للدلالة خبر قوله إجراء. قوله: (للدلالة على أنه الحقيق إلخ) في الكشاف، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، وأنه به حقيق في قوله الحمد لله دليل على أنّ من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله انتهى. فقال الفاضل الليثيّ رحمه الله إنّ قول المصئف رحمه الله للدلالة إن كان مصدر الدليل بمعنى الحجة وافق ما في الكشاف، والاً وهو الظاهر خالفه لأنّ إفادة الحمد لله الحصر محل خفاء واشتباه، فإنّ المقيد للحصر إمّ اللام الجنسية أو اللام الجارّة وارادة الجنس من حيث هو لا تفيد الحصر في مثل المنطلق زيد وفي مثل الحمد لله إفادته الحصر تتوقف على استلزام استحقاقه تعالى حمداً باعتبار عدم استحقاق غيره له باعتبار آخر وهو محل نظر على أنّ المختار حمل الحمد على الجنس من حيث هو، وأمّا اللام الجارّة ففي مواضع من الكشاف ما يدل على إفادتها الحصر دلالة واضحة وبه صرّح المحقق السعد والسيد السند، وقالا لام الاختصاص

للحصر وقوله قذس سرّه في الحمد لله: دل بلام التعريف والاختصاص على أنّ جنس الحمد مختص به تعالى دال على أنّ لام التعريف للجنس ولام الاختصاص للحصر، ولم يرد أنهما دليلان على الحصر بناء على أنّ تعريف الجنس يفيد الحصر لأنّ إفادته على تقدير الحمل على الاستغراق، والحمد محمول على الجنس نفسه، ولو كان لام الجنس مفيداً للحصر كلام الاختصاص أفاد قوله الحمد لله قصر الحمد على المختص بالله غير متجاوز إلى المختص بغير. أو غير المختص به وهو غير مراد، وذكر السعد رحمه الله في قوله تعالى: {الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً} [المائدة: 48، أنّ دلالة لام الجرّ على الاختضاص الحصري ممنوع، وذكر الشريف مثله في تقديم المسند من المفتاح، ويعضده أنها لو كانت للحصر كان نحو ما المال إلأ لزيد مفيداً لحصر المال في الاختصاص بزيد لا حصره في زيد لحصوله قبل ورود النفي والاستثناء، وقولك الحمد لله مفيداً لقصر الحمد على الاختصاص بالله وكذا قوله الحمد لله على تقدير الحمل على الاستغراق، أو كانت اللام فيها مجردة عن معنى الاختصاص للتعقق الخاص مجازاً والأوّل إفادة ما ليس بمقصود، والثاني يستلزم اشتمال الكلام على المجاوز وزيادة ما والاً وتقديم ما حقه التأخير لإنادة معنى يحصل بدودن ارتكاب شيء منها، وقال الزمخشريّ في سورة التغابن في قوله تعالى: {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ} [التغأبن: ا] قدّم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله وهو يدل على أنّ هذا الحصر غير مستفاد من الكلام عند التاخير والآ لم يكن التقديم للدلالة عليه ولم يكن للتقديم وهو خلاف الأصل وجه إلاً أنه لما دل كلامه في مواضح اخر على إفادة اللام الحصر. قال في الكشف: أراد تاكيد الاختصاص المدلول عليه بلامي التعريف والتخصيص، ووجه إفادته تأكيد ذلك الاختصاص مع أنّ المستفاد من التقديم هو حصر الملك والحمدش الاختصاص بالله المدلول عليه باللامين أي اختصاص الملك والحمد بالله تعالى أنّ حصرهما في الاختصاص بالله يتضمن إثبات الإختصاص به تعالى لهما، وهو حاصل على تقدير التأخير أيضا ونفى مقابله عنهما، وهو يتضمن إثبات الاختصاص، فإن نفى أحد الوصفين المسلم س ثبوت أحدهما على ما هو مقتضى القصر يستلزم ثبوت الآخر سيما إذا كان أحدهما سلبا للآخر، لكن الظاهر أنّ هذا الحصر غير مقصود، ويعضدّه جعل الرضى إضافة العام للخاص مطلقا واضافة المظروف للظرف كضرب اليوم بمعنى اللام المفيدة للاختصاص واللام في نحو لأوّل ليلة باقية على اختصاصها الأصلي، والأوّل اختصاص الفعل بالزمان لوقوعه فيه، والثاني اختصاصه بوقوعه بعده، وبالجملة فالظاهر أنّ زيدا ثبت له القيام، وقائم متساويان في عدم إفادة القصر، وأما عدم عدهم اللام من طرق الحصر كسائر الحروف المشعرة به فلأنه في اصطلاحهم كما في شرح المفتاح جعل أحد طرفي النسبة مخصوصا بالآخر بطرق معهودة واللام ليست مفيدة لجعل أحد إلخ لكونها جزءاً من أحد الطرفين، ولذا لم يعد لفظ الاختصاص، ونحوه من طرق القصر، والحق أنّ معناها التعقق الخاص، وأنها قد تفيد الحصر بحسب المقام وقرائن الحال، وتمثيل النحاة شاهد صدق عليه، فحيث كان المقام مقتضيا للحصر، ولم يكن فيه ما يدل عليه غيرها نسب القصر لها، وحيث لم يقتض ذلك أو كان فيه ما هو أدل عليه منها استراحت من الحصر، فلذا ترى العلامة الزمخشريّ نسبه لها في موضع دون موضع من غير تعارض في كلامه كما يوهمه كلام هذا الفاضل رحمه الله، وأمّا كون طرقه خارجة عن طرفي النسبة طارئة عليهما فليس بلازم، ألا ترى أنّ ضمير الفصل منها، وقد قيل إنه مبتدأ نعم ما يدل عليه بصريح الوضع كلفظ خص وحصر لا يعد منها لأنه من وظائف اللغة دون المعاني الناشئة عن خواص التراكيب كما لا يخفى، وقد حرّرنا هذا المبحث بما لا مزيد عليه، فليكن على ذكر منك إذا مست الخاجة له. قوله: (لا أحد أحق به منه) أراد بقوله إنه الحقيق الحصر والمفيد له تقديم المسند إليه أو تعريف الخبر على أنّ المراد به الاستغراق، وظاهر عبارة الكشاف تدلّ على أنّ الحمد حقيق به لا بغيره، حيث قال بعد الدلالة على اختصاص الحمد به وأنه به حقيق، ويفهم من كون المحامد حقيقة به كونه حقيقا بها. فلم تك تصلح إلا له. ولم يك يصلح الآلها فلذا قال: لم يكن أحد أحق منه يعني أنه أحق من كل أحد ونسب الزمخشريّ الدلالة إلر، الحمد لله

والمصتف نظر إلى أنّ جملة الحمد إنما تدل على ثبوت المحامد له تعالى على قصر الحقيقة، فنسب الدلالة إلى إجراء الأوصاف، واكتفى بثبوت الحقيقة، أوّلاً نظراً إلى جل النظر، ثم ترقى فقال لا أحد إلخ. ثم ترقى في النظر فالأوّل تدافع بين قوله أنه الحقيق النافي استحقاق غيره بتعريف الخبر وقوله لا أحد أحق إلخ المفيد لمشاركة غيره في الاستحقاق لكن الحصر ادّعائي بتنزيل استحقاق الغير منزلة العدم، وقيل إنه لم يرد به الحصر لئلا ينافي كونه أحق ولئلا يصير قوله بل لا يستحقه إلخ. لغوا وكون تنزيل استحقاق الغير منزلة العدم بالنسبة إلى استحقاقه لا يستلزم عدم استحقاقه في الحقيقة لا يضرنا إذا دققنا النظر فيه، وقيل: إنه لم يكتف بالقصمر المستفاد منه فزاد هذا للتاكيد والمبالغة ولما فهم من ظاهر نفي الأحقية عن الغير أصل استحقاقه نفاه بقوله بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، وقال: على الحقيقة، لأن استحقاقه في الجملة ثابت لا ينكر، وقال قدّس سرّه. المناسب لكون الحمد حقيقا به دون غيره أن يقال: لم يكن غيره حقيقاً بالحمد لأن قوله أحق يدل على أنّ غيره حقيق في الجملة، فكأنه لما أشار أوّلأ إلى انحصار الحمد فيه تعالى نبه هنا كلى أنه ادعائي على ما سبق من التأويل إيماء إلى مذهبه انتهى. والمصنف لما تبعه في أوّل كلامه أضرب عن ذلك بما يدل على أنّ الحصر حقيقي لا ادعائي إيماء إلى مخالفته وفيه نظر، ولا أحق منه كقولهم لا أفضل في البلد من زيد ومعناه أنه أضمل من الكل بحسب العرف إذ يستفاد منه نفي المساواة، وفي شرج المقاصد في بحث تفضيل الصحابة السر فيه أنّ الغالب فيما بين كل شخصين الأفضلية، / أو المفضولية لا التساوي، فلهذا نفى الأفضلية دون المساواة، وانما لم يستحقه سواه على الحقيقة لما قيل من أنّ الأفعال الاختيارية للعباد مخلوقة له تعالى ولا تأثير بل لا مدخل لاختيارهم فيها أصلاً، فلا يستحقون الحمد عليهيا ومعنى الاستحقاق المنفي كونه حقا لازما لهم، وأها الاستحقاق بمعنى ترتبه عليها عقلاً وعادة، فلا نزاع فيه كاستحقاق الئواب، ولا يلزم من نفي الاستحقاق بالمعنى المذكور كون حمد غيرهم مجازاً لأنه لغة الثناء على الجميل الاختياري أي المنسوب إلى الاختيار ونسبته إليه بكونه مسبباً عنه، وله مدخل في حقيقته أو مقارنته له، وأمّا كونه لا اختيار لغير الله عند أهل الحق فيختص الحمد به حقيقة لاختصاصه بالجميل الاختياري، فيلزم أن يكون إطلاقه في حق غيره مجازا ففيه أنه إن أريد نفي الاختيار الذي له مدخل في الفعل، فانمكاؤه مسلم لكن لا يتجه القول بمجازية الحمد إذ أطلق على غيره تعالى، فإنهم قائلون بوجود الاختيار للعبادو بانتساب أفعال العباد إلى الاختيار بالمقارنة، وفي شرح المواتف ليس لقدرة البشر تأثير في أفعالهم بل الله أجرى عادته بأن يوجد في العباد قدرة، واختياراً فإن لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما وساغ إطلاق الاختياري في كلام أهل الحق على أفعالهم، واد أريد نفي الاختيار مطلقا فممنوع. (أتول) ما ذكره في معنى الاستحقاق تساعده اللغة. قال في المصباح: قولهم هو أحق بكذا له معنيان أحدهما اختصاصه بذلك من غير مشاركة نحو زيد أحق بماله أي لا حق لغيره فيه. والثاتي أن يكون أفعل تفضيل، فيقتضي اشتراكه مع غيره وترجيحه عليه قاله الأزهريّ واستحق فلان الأمر استوجبه قاله الفارابي وجماعة انتهى. وكذا ما حكاه من كون حمد العباد ليس بمجازي الأ أنّ الذي نراه أنّ كلام المصنف أظهر مما يذكر فتدبر فيما بعده. قوله: (فإن ترتب الحكم إلخ الما ذكر أنه الحقيق ولا أحق منه، ثم أضرب عن الأحقية إلى نفي استحقاق الغير رأسا أشار إلى وجه ذلك، والحكم هو ثبوت الحمد لله المعلوم من جملة الحمد لله، والترتب المذكور معنويّ فإنك إذا قلت كرم هذا الرجل العالم فهم منه أنّ سبب إكرامه علمه، ولذا قيل إنّ في قوله تعالى: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6] تلقينا للحجة وهو من ألطف الكرم، والوصف وإنّ تأخر عن موصوفه لفظاً، وكذا عن الحكم عليه فهو مقدم عليه رتبة لتقدم العلة على المعلول والسبب على المسبب بالذات والاضتبار فلا يقال إنه ليس من ترتب الحكم على الوصف بل الأمر بالعكس كما توهم وهذا ما وعده قبل بقوله كرّره للتعليل على ما سنذكره، والظاهر أنّ كل واحد من هذه الأوصاف المذكورة علة لاستقلاله في إيجاب الحمد عقلاً كما ستراه لا المجموع كما قيل، وقد قيل عليه إنّ انحصار العلة في المذكورات إنما يتم إن كان الحكم ثبوت

جنس الحمد على وجه الاسنحقاق الحقيقي، والأ فالعلل كثير وفيه نظر وأيضا الإشعار بالعلية لا يفيد حصر الاستحقاق فيه تعالى، وأنما يفيد حصر العلية في الوصف وقد ردّ هذا بأنّ ثبوت العلية مع عدم ظهور علة أخرى يقيد الظن بحصر العلية، وهو كاف في مثله قيل: ولاحتياح ما اختاره المصتف إلى العناية قال في الكشاف: بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، فجعل الاستحقاق مستفاداً من اللامين، وفيما مرّ غني عنه، فإن قلت كيف يصح ذلك وله تعالى صفات ذاتية وفعلية موجبة للاستحقاق غير ما ذكر قلت أجابوا بأنّ الصفات الذاتية لا تصلح لأن تكون محموداً عليها بالحقيقة لكونها غير اختيارية، وأما الصفات الفعلية الموجبة للحمد، فليس شيء منها خارجا عما ذكر فيما قيل وقيل: للحصر جزآن، وهذا دليل جزء منه ويدل على عدم استحقاق الغير بمفهوم المخالفة لانتفاء تلك الأوصاف فيه، وفيه أنّ ما بعده يدل على عدم اعتبار المفهوم أوّلاً. (أقول) ولا يخفى عليك أنا سواء قلنا كل من هذه الأوصاف أو المجموع علة للحمد سواء كان جنسه أو جميع إفراده، وكل منها لا يوجد في غيره تعالى لزم أن لا يوجد الحمد في أحد سوى الله المحمود في كل أفعاله وأنه لا يستحقه غيره حقيقة، وفرق بين هذه الحقيقة والحقيقة اللغوية التي يذكرها النحاة، وسائر أهل العربية واللغة، فإنها مبنية على المتعارف في التخاطب، ويسمى السبب العادي فيه فاعلاً حقيقياً كمن يقوم به الفعل والوصف دون من أوجده، والمتكلمون والمشايخ لا يطلقون الحقيقي على غير من أوجده ولعدم الفرق بيت الفاعلى اللغوي والفاعل في نفس الأمر وبين الحقيقتين غلطوا في أمور كثيرة كما نبه عليه الأبهري في شرح العضد، وكل جميل هو فعل الله وهو الفاعل له دون من عداه فكيف يحمد غيره عليه أيحبون اًن يحمدوا بما لم يفعلوا، وهو له في الدنيا والآخرة فالحمد لله حمداً يليق بجنابه. قوله: (وللإشعار من طريق المفهوم) معطوف على قوله للدلالة، وفي نسخة أو بدل الواو إشارة إلى أنّ كلاً منهما نكتة مستقلة، والإشعار على ما ذكره أهل اللغة قاطبة الإعلام يقال أشعرته الأمر وأشعرته به والمصنفون يستعملونه لما ليس بصريح فهو عندهم كالإيماء والإشارة وهو الذي عناه المصتف رحمه الله، فكأنه في اصطلاحهم من أشعر الهدي إذا جعل فيه علامة فهو استعارة مشهورة بمنزلة الحقيقة قيل: ولا يخفى أنّ مؤدّى الإشعار المذكور هو مؤدّى الدلالة السابقة فعطفه عليه ليس بظاهر، وزيادة قوله من طريق المفهوم غير مقيدة لزيادة تسوّغ العطف، فإن فيه تعليق الحكم بالأوصاف المذكورة أيضاً وما ذكر من أن ترتب الحكم إلخ وجه لإفادته انتفاء الحكم عند عدمه، ويمكن أن يقال إنه جعل الإشعار مستندا أيضا لعلة مفهوم المخالفة، وهي أن تعليق الحكم بالوصف يفيد انتفاءه عند عدمه والدلالة بوجه آخر من الدلالة وأيضاف لم يجعل متعلق الإشعار مجرّد استحقاق الغير للحمد بل عدم استحقاقه للعبادة بالطريق الأولى انتهى. وهذا الأخير هو الذي عوّل عليه بعض المتأخرين، فقال إنه ذكر للإجراء فائدتين الآولى أنّ الكلام بمنطوقه دليل على اختصاص الحمد به بواسطة إشعاره بعلية تلك الأوصاف للحكم وبالعلم الضروري بانتفائها عما سواه تعالى. والثانية أنه بمفهوم المخالفة دال على اختصاص العبادة به تعالى لأنّ من لم يتصف بها لا يليق به الحمد فعدم كونه أهلاً لأن يعبد أولى، فالأوّل تأييد لما قبله، وهذا تمهيد لما بعده، فيأخذ الكلام بعضه بحجز بعض، وسياق الكلام لا يلائمه، وتصريحه بالدلالة في الأوّل، وبالمفهوم في الثاتي ينادي على أنّ مراده أنّ الأوّل مبنى إفادته لحصر الحمد، أو استحقاقه فيه تعالى بواسطة الألف واللام ولام الاختصاص، ودلالته على انتفائه عما سواه من توابع المنطوق الملحق به والإجراء تأييد له، أو حجة وبرهان عليه وهذا مأخوذ من طريق المفهوم، فلذا جعل الأوّل دلالة وهذا إشعارا، وصرّح بأنه مفهوم لا منطوق، ودلالة فتدبر. قوله: (لا يستأهل لأن يحمد إلخ) بالهمزة والألف المبدلة منها استفعال من الأهل أي لا يستحق وشوجب وقال الحريري: إنه بهذا المعنى مولد لم يسمع من العرب والمسموع استأهل بمعنى أخذ الإهالة وهي الشحم المذاب، وليس كما زعم فقد قال الأزهري: خطأ بعضهم من يقوله، فأمّا أنا فلا أنكره، ولا أخطىء من قاله لأني سمعت أعرابيا فصيحاً من بني أسد يقول لرجل شكر عنده يداً أولاها تستأهل أبا حازم بمحضر

جماعة من الأعرأب فما أنكروها وأنكره المازني، وقال يستأهل لا يدل على معنى يستوجب لأنّ معناه أن يطلب أن يكون من أهل كذا، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح الدرّة، وقوله فضلا مصدر يتوسط بين أدنى وأعلى للتنبيه بنفي الأدنى واستبعاده عن الوقوع على نفي الأعلى، واستحالته عادة وفيه كلام طويل في شروح الكشاف والمفتاح، وصثف فيه ابن هشام رسالة مستقلة، وقوله ليكون بالياء التحتية أو التاء الفوقية أي لتكون الأوصاف المذكورة أو كل واحد منها أو أجزاؤها، وأفرد دليلا لأنه على وزن فعيل أو في عداد الأسماء أو جعلها كشيء واحد، وهذا مما زاده المصئف رحمه الله على الكشاف. قوله: (فالوصف الأوّل إيخ) قيل عليه إنّ- كلامه أوّلاً يشعر بأنّ الأوصاف المذكورة علل الحمد ويشعر بعليتها ترتب الحكم جمليها وهذا يدل على أن الموجب للحمد مدلول الوصف الأوّل وذكر الأوصافي الأخر لفوائد أخر فكأنه جعل ما يفهم من الأوصاف الآخر مندرجا في معنى الرب إجمالاً اكن اندراج غقاب الكافر في معنى الرب غير ظاهر. وأجيب بأنه يوفق بينهما بأنّ علية امملربوبية مشروطة بالاتجتيإرأ المستفاد منها، فإن نظر إلى ذات العلية خكم بأنها الربوبية وإن نظر إلى أنّ الذات بدون الشرط لا تؤثر قيل: كل واحد منهما علة، لأنّ له مدخلاَ في العلية، فأوّل الكلام إجمال وآخره تفصيل، وما مرّ من الجواب فيه ما فيه وعدم اندراج عقاب الكافر مع تضمن المالك له يجاب عنه بأنّ تربيته للمؤمن لا يجابه زيادة الشكر ومعرفة قدر الإيمان ونحوه، وقيل: خذا البيان الموجب لثبوت. المحمد فلا ينافي ما تقدم من أنّ علة حصره هو المجموع، وقيل هذا شروع في بيان فائدة كل واحدة منها بعد بيان فائدة مجموعها، ولذا فرعه بالفاء التفصيلية لتفرّع التفصيل على الإجمال كما بينه المصتف رحمه الله. (أقول) قد جعلوا الفاء- هنا. تفصيلية، ولما فيه من الخفاء قيل ما قيل والظاهر أنها فصيحة جواب لسؤال نشا مما مرّ، فكأنه لما بين أنّ استحقاق جميع المحامد مختص به، وأنّ إجراء تلك الصفات مجموعها أو كل واحدة منها أو الأعمّ منهما دال على علته منطوفاً ومفهومأ قيل هل هذا واجب وما يوجبه فأجيب بما ذكر فهي واقعة في جواب شرط تقديره إذا اختص به، ووجب فالمبين لإيجابه ما ذكر من الصفات أيضاً ففيها مع ما سبق من الفوائد بيان لما يوجبه أو هي تفريعية كأنّ ذلك لما كان ثابتاً للذات بالذات قبل وجود الكائنات تفرع عليه وجوبه عليهم بعد البروز لساحة الوجود فالصفة الأولى لبيان الموجب، وما بعدها تحقيق للإيجاب، فإنه لو كان صدوره عنه بإيجاب، أو وجوب عليه لم يتحقهق الاستحقاق أو كماله لأنه يكون كالملجأ فلا يحمد ويحمد من ألجأه؟ كما قيل: وكنا كالسهام متى أصابت ~ مراميها فراميها أصابا ومن وجب عليه دين فأدّاه لا يحمد أو لا يعتدّ بحمده، ولما تمت الفائدة بما ذكر بين أنّ فائدة ما بعده من تحقيقه تحقيقه للاختصاص الحث على أداء ما وجب بوعده ووعيده، وهذا أمر آخر غير ماتقدم أتمّ فائدة وأحسن عائدة. واعلم أنّ الإمام رحمه الله قال: إنّ من ذهب إلى وجوب الشكر عقلاَ قبل مجيء الشرع استدل بقوله الحمد لله لأنه يدل على أنّ الحمد حقه وملكه على الإطلاق فيدل على ثبوته قبل الشرع ولأنه قال رب العالمين، وقد ثبت أنّ ترتب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون الحكم معللاً بالوصف فلما أثبت الحمد لنفسه ووصفه بكونه رباً للعالمين رحمانا رحيما بهم مالكاً لعاقبة أمرهم في القيامة دذ على ثبوت الحمد له قبل الشرع وبعده، فكأنّ المصثف رحمه الله أشار بما ذكر إلى الردّ عليه، فإنه بيان من الله لإيجابه فهو سمعيّ لا عقليّ فما ذكر دليل عليه لا له فتدبر. قوله:) متفضل بذلك) المذكور من الإيجاد والتربية، ودلالتهما عليه لأنّ المراد بالرحمة في حقه تعالى أثرها من التفضل والإحسان الاختياريين وضمير يصدر راجع إلى ذلك، وانتفاء الإيجاب بالذإت يلزم من كونه مختارا إن فسر الاختيار بصحة الفعل والترك، فإن كان المختار من إن شاء فعل وان شاء ترك لم يلزمه إنتفاء الإيجاب، ففيما ذكره المصنف رحمه الله نظر، وجوابه يعلم مما مرّ، وهو رذ على الفلاسفة وتحقيقه في الأصول. وقوله أو وجوب عليه ردّ على المعتزلة فإنهم يزعمون وجوب أمور عليه تعالى كثواب المطيع ورعاية الأصلح، وما قيل في بيانه من أنّ الأعمال

السابقة من العبد توجب على الله الآلاء اللاحقة به كما قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] وما أورد عليه من أنّ المعتزلة لا يقولون بالوجوب عليه تعالى في غير الثواب والعقاب، كما بين في الكلام ليس بشيء، وقوله قضية مصدر أو اسم مصدو بمعنى القضاء كالعطية بمعنى العطاء والقضاء بمعنى الأداء، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ} [النساء: 03 ا] أي أديتموها وقيل الحكم. وفي المصباج إنّ استعمال الفقهاء القضاء لما يفعل خارج الوقت مقابلاَ للأدأء اصطلاح مخالف للوضع اللغويّ، وهو تعليل للوجوب يعني أنّ الوجوب عندهم لقضاء حق الأعمال السابقة من العبد وأدائها، وهو منصوب على أن مفعول لأجله لقوله وجوب، وقيل ليصدر من حيق التعلق بالوجوب واللام متعلقة بقضية، ونصبه مع أنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل لأنه في الحقيقة علة لما هو مضاف إليه الوجوب معنى، وهو الإيجاد والتربية على أنّ الرضمى لم يرض اشتراط ذلك، والمراد بقضاء سوابق الأعمال الإتيان بمثلها من الجزاء، وهذا علة لبعض ما يوجبونه عليه، ومعنى الوجوب عليه اللزوم في موجب الحكمة بحيث يحكم العقل بامتناع عدم صدور الفعل منه، وقد يضم له أنه لو لم يفعل يستحق الذم بمخالفته الحكم، وانتفاؤه يلزم منه كونه متفضلاً كذا قيل، وأورد عليه أنه يصير المعنى حينئذ ليس إيجاد. وتربيته لقضاء سوابق الأعمال، وهو وان تصوّر في بعض أفراده القريبة لا يتصوّر في الإيجاد أن يكون لقضائها، وقد علمت سقوطه مما مرّ وان كانت العبارة لا تخلو عن قصور مّا. قوله: (حتى يستحق به الحمد) هو غاية لقوله متفضل بذلك مختار ومستقبل بالنسبة إليه، فيجوز فيه الرفع والنصب كما في قوله تعالى: {وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة: 214، وقيل حتى استئنافية ويستحق مرفوع مسبب عما قبله وقصد به حكاية الحال الماضية وفيه نظر أي لو لما يكن متفضلاً مختاراً لم يستحق الحمد كما مرّ، وهو في الحقيقة متعلق بالتفضل دون الاختيار إذ من أدّى ما يجب عليه لا يحمد أو لا يعتد بحمده، ولذا قال الفقهاء إنّ الهبة بعوض بيع معنى، فلا يرد عليه أنّ الوجوب بالمعنى المذكور يجامع القدرة على الترك والتمكن منه نعم الوجوب بمعنى منافي الاختيار ينافي الاستحقاق، وليس كالوجوب على العبد كما قيل لا لما ذكر من أنّ هذا الوجوب بمعنى عدم قدرته على الترك إذ هو واقع كما عرفت بل لأنّ الوجوب الشرعي عدم منافاته للاختيار ظاهر جدا، فلا يناسب التشبيه إلا أن يكون باعتبار إرادة المبالغة في عدم استلزام الوجوب عليه لسلب الاختيار، وقد عرفت ما يرده واذا ظهر المراد سقط الإيراد. قوله: (لتحقيق الاختصاص) أي اختصاص الحمد بالله وعدم قبول مالكية يوم الدين للشركة فيه ظاهر بخلاف الربوبية والرحمة فإنها بحسب الظاهر بتصوّر فيها الشركة، وان كانت بالنظر للمعنى المراد كما مرّ لا تقبلها أيضاً واختصاص الحمد لاختصاص المحمود به أو عليه، وتضمين إلخ بالجرّ معطوف على تحقيق، والوعد والوعيد من الدين بمعنى الجزاء، وما قيل عليه من أنّ اختصاص الأمور به في يوم الدين لا يوجب اختصاص الحمد لجواز أن يحمد على غير ما في هذا اليوم وأنه لا دخل لتضمين الوعد والوعيد فيما هو بصدده من بيان وجه إجراء الصفات عليه، فكان ينبغي أن يقول واجراء هذه الصفات للدلالة إلخ وللحث على الحمد والنهي عن الإعراض ليرتبط الكلام لا يرد لأنّ الحمد على ما في غيره، واختصاصه أيضاً علم من رب العالمين وقرينيه، وأكد بهذا الظهور اختصاصه، ووعد الحامدين يقتضي استحقاق الحمد وينبه على لزومه فمناسبته للمقام ظاهرة، وعبر بالتضمين لما فيه من زيادة الوعيد مع أنه وعد للمؤمنين أيضا كما قيل: مصائب قوم عند قوم فوائد وقوله للمعرضين أي عن حمده أو عنه وعن عبادته. قوله: (ثم إنه لما ذكر إلخ) ثم للعطف مع مهلة، وهي هنا للانتقال من كلام إلى آخر، ولما كانت العبادة أهمّ عطفها بها للدلالة على تفاوت الرتبة أو هو إشارة إلى بعد طريق الخطاب عن طريق الغيبة والضمير للشأن وخالف الزمخشريّ في تقديم ما ذكر لأنه المقصود بالذات قيل: ولو قال بدل ذكر حمد كان أولى وهو اشتغال بما لا يعني وتميز صفة لصفات وعظام جمع عظيمة هنا ويكون جمع عظيم، وجمع عظم أيضاً كما صرّح به صدر الأفاضل، فمن قصره على الأخير فقد وهم وتعفق عطف على تميز بحذف العائد، ووقع في بعض النسخ بدون

واو فهو جواب لما وعلى الأوّل خوطب جوابها وفي نسخة فخوطب بالفاء، وباء بذلك سببية أو ا-لية فالإشارة للتميز أو للفظه قيل والذكر يحتمل أنه ذكر الله ذلك حكاية عن العباد تعليما لهم، فحصول التميز والتعلّق على ظاهره لكن قوله خوطب ليس على ظاهر إذ هو تعالى ليس بمخاطب في تلك المرتبة بل المراد منه حكاية خطابه تعليماً، ويحتمل أن يراد ذكر العباد ذلك في مقام الحمد والقراءة كما علمهم، فحصول التمييز والتعلق بالنسبة إلى من عنده التمييز والعلم باعتبار التفات جديد لازم للقراءة والخطاب على ظاهره، وقيل وجه سببية الذكر والوصف المستلزمين للتميز والعلم التنزيل الغائب بواسطة أوصافه المذكورة التي أوجبت تميزه وانكشافه حتى صار كأنه يبدل خفاء غيبته بجلاء حضوره منزلة المخاطب في التميز والظهور فيصح إطلاق ما هو موضوع للمخاطب عليه، وظاهره أنّ الحق سبحانه لا يخاطب حقيقة ولا يظهر وجه لصحته كيف ولا يثترط في الخطاب إلاً السماع لا المشاهدة والعيان، والآ يلزم أن لا يخاطب الأعمى حقيقة ولا من هو خارج الدار من في داخلها ولم يقل به أحد انتهى. (أقول) هذا مشكل من أهمّ المهمات بيانه وكلام كتب المعاني كلها أو جلّها ناطق بمثل باردة، فلا بدّ من بيان معنى الخطاب المدلول عليه بضمائره ونحوها فإنه إن قيل إنّ حقيقته توجد إذا اجتمع المتخاطبان بجث يرى كل منهما الآخر، ويسمعه لم يكن خطاب الداعين لله حقيقيا، وكذا خطاب الأعمى ومن هو خارج الدار ونحوه والبدإهة شاهدة بخلافه، فإن لم يشترط ذلك لزم أنّ كل من وجه له الخطاب غائبا كان أو حاضراً مخاطب حقيقة، وفساده ظاهر فلا بدّ من بيان المراد منه حتى تتميز حقيقته من مجازه، والذي لاح لي بعد إمعان النظر فيه أنّ كل شيء له تحقق في الخارج ونفس الأمر وتحقق ذهناً باعتبار دلالة العبارة عليه، ولا تلازم بينهما فتحقق الخطاب في الأوّل بحيث يعدّ حقيقة يكفي فيه سماع المخاطب ووجوده عنده، وإن لم يحوهما مكان واحد ولم يركل منهما الآخر فالعبد يخاطب الله في دعائه حقيقة لسماعه دعاءنا وهو معنا، وأمّا باعتبار استعمال ما وضع للخطاب كضمائره، فإن وقع ذلك ابتداء في حال التكلّم كان مدلولها مخاطباً حقيقة، والاً فلا، وإن وقع في أثناء الكلام ينظر لما قبله فإن كان لفظاً موضوعاً للمخاطب، فكذلك هو حقيقيّ حتى يعد ما خالفه التفاتا، والاً فهو مجازي، لأنّ الحكم وقع عليه أوّلاً من غير دلالة على توجه النفس إليه توجه الخطاب سواء كان كذلك أو لا حسبما يقتضيه الحال ألا ترى الرجل بين يدي الملك لمهانته يخاطب بعض خدامه، ويقول أنا راج أن يحسن إليّ السلطان ويخلصني بعدله من العدوان، ولا يعدّ التعبير بالغيبة فيه مجازاً والتفاتاً مع أنه بمسمع منه ومرأى، وهكذا جرى القياس ومتعارف الناس، ولما كان الغالب المتعارف كون المخاطب حاضراً محسوساً وغيره ليس كذلك جعلوه معيار الحقيقة والمجاز، ولما ذكر الله هنا بطريق الغيبة جعل إجراء الأوصاف المعينة لتميزه في قوّة التعبير عنه بما يدل على الخطاب، ولما لم يكن كذلك حقيقة جعل التفاتا وهو الذي عناه ذلك الفاضل، فبيته وبين ما أورد عليه بعد المشرقين، وقد وضح الصبح لذي عينين، وهذا سرّ حديث: " الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه " كما قال الشاعر: واني لأرجو الله حتى كأنما أرى بجميل الظن ما الله صانع قوله: (أي يا من هذا شأنه إلخ) فيه إشارة إلى المرجح بعد المصحح، وكأنّ الخطاب المعلل بهذه الفوائد مسبب عما تقدّم، ولما كان في إطلاقه عليه ملاحظة لتلك الأوصاف صار الحكم مرتبا على الوصف المناسب، فكأنه قيل يا من اتصف بتلك الأوصاف، وتميز بها نعبدك فيشعر من طريق المفهوم باختصاص العبادة به، فيكون ما خوطب به أدل على الاختصاص من إياه نعبد لاشتراكهما في الدلالة على الاختصاص بالتقديم، واختصاص الأوّل بالدلالة من طريق المفهوم أو المعنى ليكون الخطاب أدل على الاختصاص من الغيبة، لأنه ربما يفهم من الصفات السابقة معه لا به، وقال قذس سرّه: حاصل ما ذكر أنه لو قيل إياه نعبد واياه نستعين كما يقتضيه السياق ظاهراً لم يكن فيه دلالة على أنّ العبادة له والاستعانة به لأجل اتصافه بتلك الصفات المجراة عليه وتميزه بها عن غيره، لأنّ ذلك الضمير

راجع إلى ذاته بمقتضى وصفه، وليس فيه ملاحظة لأوصافه، وان اتصف بها فالحكم متعقق بذاته فلا يفهم منه تسببه عرفا، واذا قيل إياك بدله نزل الغائب بواسطة أوصافه المذكورة الكاشفة له كما مرّ منزلة المخاطب في التميز والحضور، وأطلق عليه ما هو موضوع له، ففهم منه عرفا أن ذلك لتميزه بتلك الصفات ونظير إياك هنا اسم الإشارة الآتي في قوله أولئك على هدى، فإثبته له في الخطاب بطريق برهاني بخلاف الغيبة فلذا قال أدل. قوله: (نخصك بالعبادة إلخ) قال الفاضل الليثي: فيه تصريح بفائدة التقديم والخطاب والباء داخلة على المقصور لأنّ الاختصاص والتخصيص والخصوص يقتضي بحسب مفهومه الأصلي دخول الباء في المقصور عليه كقوله مخصوص بالمعبود يالحق، وهذا عربي كثير إلآ أن الأكثر في الاستعمال دخولها على المقصور ووجهه استعمال ماذة التخصيص في معنى التمييز أو التميز لكون تخصيص شيء بآخر في قوّة تمييز الآخر به أو تميز. به، وقد تبع في الشريف قدّس سرّه كما حققه في حواشيه على المطوّل حيث قال معنى نخصك بالعبادة نميزك، ونفردك من بين المعبودين فتكون العبادة مقصورة عليه تعالى، وكذأ قوله واختص بوا أي ميز المندوب عن المنادي بوا فتكون مختصة بالمندوب وكذا قوله تعالى: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء} أسورة آل عمران سا الآية: 74] وبالجملة تخصيص شيء بآخر في قوّة تمييز الآخر، وأمّا أن يجعل التخصيص مجازاً عن التمييز مشهوراً في العرف حتى صار كأنه حقيقة فيه، وأمّا أن يجعل من باب التضمين، فيلاحظ المعنيان معا وتكون الباء المذكورة صلة المضمن، ويقدر للمضمن فيه أخرى فيقال ونخصك بالعبادة مثلاً نميزك بها مخصصين إياها لك (وههنا بحثان (: الآوّل أنّ المصرّح به في كتب اللغة أنّ الباء تدخل على المقصور قال في الأساس خصه بكذا فاختص به، وفي مفردات الراغب: التخصيص تفرّد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وكذا قال الجوهرفي خصه بالشيء فاتفقوا كلهم على تفسيره بالتفرّد والتميز وعلى إدخال الباء على المقصور، وهو الوارد في القرآن المجيد كقوله تعالى: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء} [آل عمران: 74] فما الداير إلى ارتكاب التجوّز والتضمين مع ما في الثاني من التكلّف المخالف للمعهود في أمثاله وهو يكون لازما ومتعديا لمفعول بنفسه وللآخر بالباء، وقد يتعدى لمفعولين كقوله: إن أمر أخصني عمدا مودّته ويحتمل الحذف والإيصال، فقول الشارح المحقق: المعنى نخصك بالعبادة أي نجعلك منفرداً بها لا نعبد غيرك وهذا هو الاستعمال العربي ولو قال: نخص العبادة، لكان استعمالاً عرفياً انتهى هو الصواب فلله دره والعجب من المدقق بعدما سمع هذا قال ما قال {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [يونس: 32] الثاني: القصر هنا حقيقيّ، فلا يتوهم أنه يكون لردّ خطأ المخاطب، ولا مجال له هنا لأنه في القصر الإضافي ومن لم يفرق بينهما فقد سها، وأعجب منه ما قيل إنه اعترض بأنّ المعنى نخص العبادة، وطلب المعونة بك لا نخصك بالعبادة، وكأنه نظر إلى أنهم علموا أنّ ذلك يكون لغير الله أو له ولغيره فقال: نخص العبادة بك قصر قلب على الأوّل، وافراد على الثاني، فوجب حمل كلام المصتف على القلب، وفيه أن ردّ الخطأ في القصر على المخاطب وهو هنا محال، وأجيب بأنه على سبيل التعريض، وهو غير صحيح كما سيأتي، وهو من قصر الفعل على المفعول قلبا لكن النظر في دفع الخطأ لم يندفع انتهى. قوله: (والترقي من البرهان إلى العيان) الترقي في أكثر النسخ بدون لام، ووقع في بعضها وللترقي مصرحا بها كما في بعض الحواشي، فلذا احتمل أن يكون معطوفا على قوله ليكون أو على الاختصاص، أو على أدل وهذا أبعدها، ولما ذكر أوّلأ المصحح للخطاب والالتفات أتبعه بالمرجح له، وهو أنه أدل على الاختصاص به تعالى كما مرّ، وفيه الترقي المذكور مع فوائد ونكات أخر مفصلة في المعاني قيل وكون ما خوطب به أو الخطاب أدل على الترقي، والانتقال محل نظر، فالوجه أن يعطف على مدخول اللام فيكون ين فوائد الخطاب لكن ترتبهما عليه ليس في الوجود الخارجي بل في الوجود العلمي فإن الترقي والانتقال المذكورين متقدمان على الخطاب، وهذا إذا أريد به الحالتان الداعيتان للخطاب، وأمّا إذا أريد بهما الترقي، والانتفال من حيث التعبير بالعبارة الدالة على الحالين فليسا بمتقذمين عليه، والعيان بكسر العين وفتحها خطأ هو مشاهدة العين

والذات. قوله: (والانتقال إلخ) قيل ب / بم ا / م 1 حضوراً بنى أوّل الكلام على ما هو مبادىء حال العارف من الذكو والفكر والتأمّل في أسمائه، والنظر في آلائه، والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه، وباهر سلطانه ثم قفي بما هو منتهى أمره، وهو أن يخوض لجة الوصول، ويصيره من أهل المشاهدة، فيراه عيانا إنه عطف تفسيريّ وليس المراد بالشهود الرؤية الحقيقية لعدم وقوعها وإن لم يمتنع بل التوجه التامّ لحضرة القدس والإعراض عما سواه: وثمّ وراء الذوق معنى يدق عن مدارك أرباب العقول السليمة وقوله بنى أوّل الكلام إلخ جملة مستأنفة استئنافا بيانياً، أو مفسرة ومبينة لما قبلها فلذا لم تعطف، وقيل: الأولى أن يذكر في مبادي حاله تهذيب الظاهر بوظائف العبادات المستفاد من الحمد إن كان بمعناه العرفي ودلالتة إن حمل على المعنى اللغوي لأنّ من عرف أنّ جميع النعم له يلزمه أن ث ممره بجميع الموارد وقيل أواسط حاله الإيمان بالشرع وما لا طريق للعقل إليه إلاً من جهة الوحي رجاء وعده ووعيده وقد تضمنه {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فلم يفت النظم أواسط حاله وفيه نظر إذ كيف يكون الإيمان بالشرع من أواسط حال العارف بل أواسط حاله تزكية البطن عن الأخلاق الرديئة، والملكات الذميمة وتخلقه بأضدادها والجتة والنار صورة تلك الأخلاق، فمالك يوم الدير، فيه إشارة إليها لكن لا كما توهم، ويمكن أن يقال التحلي بالأخلاق الفاضلة والتخلي عن الملكات الرديئة من مقتض الرحمة الرحمانية لأنه من النعم الجليلة الدنيوية، وجزاؤه في الآخرة من مقتضيات الرحمة الرحيمية فالاسمان يشعران بأواسط حاله، وهذا كله تكلف ناشىء من الغفلة عن قوله العارف فإنه في اصطلاحهم من أشهده الله ذاته وصفاته، وأسماءه وأفعاله والعارف تكفيه الإشارة. قوله: (من الذكر إلخ) الذكر من الجلالة أو من جملة الحمد لله لأنه ذكر للأوصاف الجميلة إجمالاً والفكر في الآفاق والأنفس من رب العالمين، والتأمّل التدبز دماعادة النظر مرّة بعد أخرى في الشيء حتى تعرفه من الأمل، وهو الرجاء كأنك كنت ترجوه والآلاء بالفتح والمد جمع إلى بكسرة الهمزة وفتحها مع فتح اللام، وئبسكونها بمعنى النعمة من الرحمن الرحيم، والاستدلال من مالك يوم الدين، والظاهر أنه من الرحمن الرحيم أيضاً والمشاهدة المذكورة من الخطاب والصنائع جمع صنيعة وهي الإحسان، أو صناعة والتعبير بالتأمّل في الأسماء والنظر في الآلاء ظاهر، والباهر من بهر بمعنى فضل وغلب، السلطان الحجة والولاية والسلطنة وكل منها صحيح هنا، وهو إشارة إلى مقامات العارفين في السلوك والسير إلى الله فتدبر. قوله: (ثم قفى إلخ) قفى بالتخفيف بمعنى تبع وبالتشديد بمعنى أتبعه كأنه جعله خلف قفاه. قيل وفيه بحث أمّا أوّلاً فلأنّ منتهى حال العارف مرتبة حق اليقين والظاهر أنّ ما ذكره إشارة إلى مرتبة عين اليقين وامّ ثانياً فلما ذكره بعض العلماء من أنّ الخطاب لا يقتضي إلآ كون المتكلم بحيث يراه المخاطب، ويسمع صوته لا كونه رائيا للمخاطب ومشاهداً له، وفيه نظر لأنه لا يفهم من كلام المصتف استدعاء الخطاب مطلقا شهود المتكلم بل يفهم أنّ الخطاب الواقع بعد إجراء الصفات الموجبة لليقين يوجب كون المخاطب كأنه مشاهد ولا شبهة في صحة هذا الكلام، والجواب عن الأوّل أنّ هذا منتهى السير إلى الله فلذا عدت منتهى حاله، وفب نظر لا يخفى، ومنتهى اسم مفعول أو مصدر ميمي بمعنى النهاية والخوص الدخول في الماء، والمجة الماء المجتمع من البحار ونحوها وهو استعارة تمثيلية أو يخوض استعارة تبعية بمعنى يشرع، واللجة ترشيح له أو لجة الوصول من قبيل لجين الماء، والمراد من العين الذات المعاينة، والأثر فسر هنا بالخبر، وهو المناسب للسمع ولمراده إذ المراد الدعاء بأن يكون ممن كثف له الغطاء فلم يقف على السماع والمعروف في الأثر المقابل للعين أنه بمعنى العلامة، وفي المثل لا أثر بعد عين، والمناجاة المكالمة، والشفاه مصدر بمعنى المشافهة. قوله: (ومن عادة العرب إلخ) قدّم المصنف رحمه الله نكتة إلالتفات الخاصة بهذا المقام لشدة ارتباطها بتفسيره، وللاهتمام بها. 3 أشار إلى فائدته العامّة من جهة المتكلم وهي التصرّف في وجوه الكلام واظهار القدرة عليها، ولذا قال ابن جني رحمه الله إنه شجاعة العربية، وأردفها بفائدة أخرى من جهة الكلام، وهي التطرية أي تجديد أسلوبه وابراز عرائس المعاني في حلة بعد حلة، وفائدة أخرى من جهة السامع وهي تنشيطه وله فوائد خاصة بكل مقام كما أشار إليه أوّلاً بقوله ليكون إلخ. والتفنن ط لإفتنان الإتيان بفنون، وأنواع من الكلام

وهو أعمّ من ألالتفات لشموله اختلاف وجوه الإعراب في النعوت المقطوعة، والأسلوب بضم الهمزة الطريق والفن ويصمح إرادة كل وإحد منهما هنا، والتطرئة بهمزة بعد الراء أو ياء فهو مهموز وغير مهموز وقيل بمعنى التجديد، إمّا من الطراوة أو من طرأ بمعنى ورد وحدث، وفي المصباح طرو بالواو بزنة قرب فهو طريّ بين الطراوة وطري وزان تعب لغة، وطرأ فلان علينا يطرأ مهموز بفتحتين طرو أصلع فهو طارىء، وطرأ الشيء يطرأ أيضا طرآنا مهموز حصل بغتة وأطريته بالياء والهمزة مدحته اهـ وتنشيط السامع ترغيبه في الاستماع واذهاب كسله وملله من قولهم رجل نثيط أي طيب النفس للعمل، والمصنف رحمه الله جعل التنشيط علة للعدول، والمفهوم من كتب المعاني أنه غرض التطرية والأمر فيه سهل. قوله: (فتعدل من الخطاب إلخ) فأقسامه ستة وهي ظاهرة، وهو عند السكاكي مخالفة الظاهر في التعبير عن الشيء بالعدول عن إحدى الطرق الثلاث إلى غيرها تحقيقاً أو تقديرا، ومنهم من اشترط سبق تعبير بطريق آخر معدول عنه وهو ظاهر كلام الممتف، ويقرب منه التجريد المذكور في البديع، والفرق بينهما بين في محله، ووضع الظاهر موضح المفمر قد يكون التفاتا وقد لا يكون، وهل الالتفات حقيقة أو مجاز والحق أنه قد يكون جمقة وقد يكون مجازاً، ولذا ذكر في المعاني، وقيل إنه حقيقة حيث كان معه تجريد وهو كلام سطحيّ، وقد اتفقوا على أنّ ما نحن فيه من الالتفات، وأنّ فيه التفاتاً واحداً، وفي شرح التلخيص للسبكي فيه نظر لأنّ الالتفات خلاف الظاهر مطلقاً، فإن كان التقدير قولوا الحمد لله إلخ ففي الكلام المامور به التفاتان أحدهما في الجلالة، وأصله الحمد لك لأنه تعالى حاضر والثاني في إياك لمجيئه على خلاف أسلوب ما قبله، وان لم يقدّر كان في الحمد لله التفات من التكلم للغيبة، لأنه تعالى حمد نفسه، ولا يكون في إياك التفات لتقدير قولوا معها قطعاً، فيلزم الشيخين العلامة والسكاكيّ أحد أمرين، إمّا أن يكون هنا التفاتان أو لا يكون التفات أصلاَ إن قلنا برأي السكاكي، وهو مقتضى كلام الزمخشريّ لجعله في الشعر ثلاث التفاتات، وان قلنا برأي الجمهور ولم نقدّر قولوا فلا التفات لأنا نقدر قولوا إياك نعبد فإن قدر قولوا قبل الحمد لله كان فيه التفات واحد في إياك، وبطل قول الزمخشريّ: إنّ في الشعر ثلاث التفاتات اهـ وهذا كلام مشوّس، ويعلم حاله مما قرّروه، فلا يلتفت له فتدئر. قوله: (وبالعكس كقوله تعالى إلخ) متعلق بجميع ما سبق وسكت عن قسمي العدول من الخطاب إلى التكلم، وبالعكس قيل لقلة وقوعهما في التراكيب، أو لأنهما يعلمان بالمقايسة إلى ما ذكر بل بالأولى إذ القرب بين التكلم والخطاب أشد قيل: وفي الوجهين نظر إذ الأوّل غير ظاهر، والثاني لا يختصى بالوجهين، وكون القرب بين التكلم والخطاب أشد من قرب التكلم من الغيبة غير ظاهر، وقد يفال. المصمراع الأوّل من الأبيات إشارة إلى النقل من التكلم إلى الخطاب على طريقة السكاكي، وانكاره القرب بين التكلم والخطاب سهو أو مكابرة، فإنّ بينهما تلازماً ظاهراً بخلاف ائثكلم والغيبة. قوله: (وقوط امرىء القيس إلخ) قائله امرؤ القيس بن عانس بالنون والسين المهملة ابن المنذر بن امرىء القيس بن السمط الكندي على الأصح المعروف عند الرواة، وهو صحابيّ وفد كلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأسلم وكان نزل الكوفة، وفي الصحابة عذة رجال يسمون بامرىء القيس غيره، وقيل: إنّ قائله امرؤ القيس بن حجر الكندي الشاعر الجاهليّ المعروف وهذا هو الثابت في كتاب أشعار الشعراء الستة، وعليه صاحب المفتاح وأكثر أهل المعاني، ونص ابن دريد على أنه وهم. وقال ابن الكلبي: هو لعمرو بن معد يكرب في قتله بني مازن بأخيه عبد الله واخراجهم عن بلادهم وأثمد اسم موضع وهو بفتح الهمزة وسكون المثلثة وضم الميم وروي فتحها أيضا، وروي بكسر الهمزة والميم كاسم الكحل والعائر كالعوار القذى الرطب الذي تلفظه العين في الوجع، وبمعنى الرمد أيضأ ويطلق على محله فيحتاج إلى تقدير أي ذي الجفن العائر، والمراد تشبيه نفسه بذي العائرللأرمد في القلق والاضطراب، وتشبيه ليلته بليلته في الطول، والخليّ الخالي من الحزن وأبو الأسود صاحب له نعاه أو من بلغه خبر أبيه، وأبو الأسود كنيته واسمه ظالم بن عمرو من بني الجون أكل المرار، وهو

ابن عمّ امرىء القيس رثاه بهذه القصيدة، وقيل أبى أب مضاف لياء المتكلم والأسود صفته وهو أفعل من السودر أو السواد، والنبأ الخبر أو خبرس فيه فائدة عظيمة وعما له شالط فهو أخص مته، والشعر هو-هلى ا: تطاول ليلك بالإثمد ونام الخليّ ولم ترقد وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبا جاءني ونبئته عن أبي الأسود ولو عن نبأ غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد لقلت من القول مايلايزال يؤثرعني يدالمسند بأقي علاقتنا يزعمون أعن دم عمروعلى مرثد فإن تدفنوا الهداء لانخفه وأن تبعثوا الداء لا نقعد وإن تقتلونا نقتلكم وان تقصدوا الدم لم نقصد متى عهدنا بطعان الكما ة والمجد والحمد والسودد وملء القباب وملء الجفان والنار والحطب الموقد وأعددت للحرب وثابة جواد المجيئة والمورد سبوخاجموحاواحصارها كمعمعة السعف الموقد ومطرد كرشاء الجزو رمن جلب النخلة الأجرد وذي شطب غامض كله إذاصاب بالعظم لم يتأد ومسدودة السبك موضونة تضاءل بالطرّ بالمبرد تفيض على المرء أردانها كفيض الأنيئ على الخدخد وهي مشروحة في كتب الشواهد، وقال قدس سرّه: اعلم أنّ قوله تطاول ليلك إن حمل على الالتفات لم يكن تجريداً وان عد تجريداً كقوله: وهل تطيق وداعا أيها الرجل لم يكن التفاتا لأنّ مبنى التجريد على مغايرة المنتزع للمنتزع منه حتى ترتب عليه ما قصد به من المبالغة في الوصف، ومدار الالتفات على اتحاد المعنى ليحصل به ما أريد من إرادة إبراز المعنى في صورة أخرى مغايرة لما يستحقه بحسب الظاهر، فالقول بأنّ أحد أقسام التجريد، وهو مخاطبة الإنسان نفسه التفات مما لا يعتد به، وهذا لم يرتضه بعض الفضلاء وقال فإن قيل مبنى الالتفات على ملاحظة اتحاد المعنى، والافتتنان في التعبير عن معنى واحد بطرق مختلفة، ومبنى التجريد على اعتبار التغاير ادّعاء قلنا يكفي في الالتفات، والافتتان اتحاد المعنى في نفس الأمر، ولا ينافيه اعتبار التغاير ادّعاء ألا ترى أنّ صاحب المفتاج جوّز أن يكون فائدة الالتفات في مثل تطاول ليلك أنّ المتكلم لشدّة المصيبة وقع شاكاً في اتحاده مع نفسه، فأقامها مقام مكروب يخاطبها فلا ينافي الالتفات أن تعتبر المغايرة أيضا بحيث ينزع منه مصاب آخر نعم لا تلزم المغايرة والانتزاع في الالتفات. (وأنا أقول) الظاهر أنّ المقصود بالذات في التجريد التغاير لابتنائه على المبالغة الحاصلة به، وفي الالتفات الاتحاد لابتنائه على تلوين الخطاب المقتضي لاتحاد المعنى، فلا ينافي إيهام خلافه لنكتة ألا ترى أنّ صاحب المفتاح لما نزله منزلة المصاب جعل ذلك لذهوله، فكأنه لو لم يقدر نفسه ذاهلا لا يتأتى التغاير ثم إنه نقل عن المصنف رحمه الله هنا أنه قال إنّ ليلك بفتح الكاف وان كان خطابا لنفسه لأنه أقامها مقام مكروب ذي حرقة، أو مقام المستحق للعقاب على ما صرّح به في المفتاج بدليل الخطاب في لم ترقد، فإنه مذكر والاً قيل لم ترقدي بإظهار الضمير وقيل عليه إنّ ضعف هذا الدليل غنيّ عن التفصيل وسيأني تحقيقه وما فيه، وقد اختلفوا في عدد الالتفات في هذه الأبيات فعذها الزمخشرقي ثلاثة في ليلك لأنّ حقه أن يقول ليلي، وفي بات لعدوله إلى الغيبة بعد الخطاب، وفي جاءني لعدوله بعدها إلى التكلم، واكثر على

أنّ فيها التفاتين فقط، وأنّ الأوّل ليس بالتفات بل تجريد، وقيل إنّ الثاني والثالث ذلك وجاءني ورجحه في الإيضاح أو ذلك وخبرته ورجحه في عروس الأفراح، وقيل فيه أربع التفاتات، وقيل هي سبع في ليلك وترقد وبات وله وذلك وجاءني وخبرته. قوله: (وأيا ضمير منصوب إلخ) ذكر صاحب البسيط فيه أقوالاً سبعة وبينها وأدلتها فذهب الزجاج إلى أنّ أيا اسم مظهر مبهم مضاف للضمائر بعده، والخليل إلى أنه ضمير مضاف للضمير بعده، وكون الضمير يضاف ردّه النحاة، وذهب ابن كيسان وغيره إلى أنّ أياً دعامة وما بعدها هو الضمير، وقوم إلى أنّ إياك بجملته ضمير وآخرون إلى أنّ أيا هو الضمير وما بعده حروف مبنية للمراد به وهو الأصح وقد ارتضاه المصتف رحمه الله تعالى. قوله: (كالتاء في أنت إلخ) أمّا الكاف في أرأيتك بمعنى أخبرني فحرف بلا خلاف في المشهور وأما تاء أنت ففيها خلاف، فمنهم من ذهب إلى أنها ضمير وما قبلها دعامة فلا يصح جعلها مقيسا عليها، وان كان ذلك مما سبق المصتف رحمه الله إليه ابن الحاجب ووجهه أنّ الخلاف فيها ضعيف لم يعتدوا به، ولذا قال في شرح اللب أنها حرف بالإجماع. قوله: (واحتج إلخ) أي الخليل احتج لما قاله من أنه ضمير مضاف بسماع إضافته للاسم الظاهر، وجره له وكون الضمائر لا تضاف غير مسلم عنده أو هو يقول لا مانع من إضافة هذا النوع منها لأنّ الأحكام العامّة قد تتخفف في بعض الصور كتخلف لدن عن جر غدوة وتخلف لولا عن وقوع الضمير المرفوع بعدها، فكذا هذا تخلف عن حكم المضمرات في منع الإضافة. قوله: (أيضاً واحتج إلخ) قال سيبويه: وحذثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول فذكره، والشوالت بالتشديد جمع شابة كدواث جمع دابة الفتية من النساء بالغ في التحذير، فأدخل أيا على الثواب كأنه توفم أنّ كلا منهما محذر من الآخر أي عليه أن يقي نفسه عن التعرّض للشواب، ونهين عن التعرّض له فعليهن مثل ذلك وهذا شاذ لا يرد على المخالف واعترض عليه بأنه وان كان شاذاً لا يقاس عليه، لكنه لا ينكر شهادته لإضافة أيا إلى ما بعده ولا يصح دفعه بأنه لم يصدر عمن يعتد به مع نقل سيبويه السابق، ومعناه نهيه إذا بلغ هذا السن عن الشواب لأنهن يرغبنه في الجماع وهو مفن له، وفي حواشي الكشاف لابن الصائغ من رواه السوآت بالمهملة والتاء الفوقية جمع سوأة وهي الفعل القبيح فقد صحف ولا خصوصية لبالغ الستين بذلك، وردّ بأنه رواه كذلك صاحب البسيط وقال: إنه أبلغ في التحذير من الجماع عند الكبر، والمعنى ينبغي للشيخ العفة عن كل قبيح، وقال الزركشيّ رحمه إلله تعالى أنه يبطل دعوى التصحيف فيه وفي إياك لغات فتح الهمزة وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها وابدال الهمزة هاء وواواً. قوله: (والعبادة أقصى غاية الخضوع) أقصى بمعنى أبعد والمراد البعد المعنوي ففيه إستعارة ويجوز أن يكون تمثيلا والغاية النهاية ولما كان الخضوع والتذلل نهايات ولفظ الغاية شامل لها لكونه اسم جنس مضافا صح إضافة أقصى إليه، كأنه قيل أقص غاياته كما قال قدس سرّه: فاندفع أنّ الغاية والنهاية لا تنقسم لأقصى وأقرب وأوسط إلأ بتجوّز، وليس هنا قرينة تدل عليه، وأنّ أفعل التفضيل لا يضاف إلاً إلى ما هو بعضه مما يصدق عليه، فهو إمّا مفرد نكرة نحو أفضل رجل، أو معرفة مجموعة، أو في معناها نحو البرني أفضل التمر على ما قرّر. النحاة واسم الجنس المضاف هنا في معنى الجمع لكن قيل عليه إنه لا وجه للفرق بينه، وبين اسم الجنس المعرّف باللام إذا لم يقصد به العهد، وفيه نظر فتامّل. قوله: (ومنه طريق معبد إلخ (المذلل هنا إمّا من الذل بالضم بمعنى الإهانة أو من الذل بالكسر وهو السهولة واللين ومعبد كمكرّم بمعنى مذلل بالفتح في كل منهما لكثرة وطئه، وثوب ذو عبدة بفتحتين أي متانة ومثله يكثر لبسه فيذلل، وقيل لما فيه من اللين أو هو ضد والصفاقة بالصاد المهملة والفاء والقاف ضد السخافة، وفي القاموس ثوب سخيف قليل الغزل. قوله: (ولذلك إلخ) 3 ي لكون معنى العبادة ما ذكر اختص بالله سواء كان ذلك بالتسخير أو بالاختيار كما فصله الراغب والاستعمال استفعال من العمل، وفي المصباح استعملته جعلته عاملا واستعملته سألته أن يعمل، واستعمدت الثوب ونحوه أعملته فيما يعدّ له اهـ فالعبادة لما كانت أقصى غايات الخضوع لم تستعمل إلآ في الخضوع لله

المستحق لذلك، لأنه المولى لأعظم النعم، كالوجود والحياة وما يتبعهما، وأورد عليه أنّ دليله لا يفيد انحصار أقصى غاية الخضوع في الخضوع دلّه إلاً أن يقال أنّ ما لا يقع في موقعه غير معتبر، فهو بمنزلة العدم فناسب أن لا يستعمل ذلك لغيره، وهو منتقض بقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 98] وغيره مما تكرّر في القرآن، ولسان الشرع إلاً أن يقال العبادة عند عدم التقييد بالمفعول، لا تستعمل إلاً في الخضوع له تعالى، ونقل عن المصئف رحمه الله هنا حاشية لا يرد عليها هذا، وهي قوله أي لا يجوز شرعا ولا عقلاً فعل العبادة إلآ لله تعالى لأنّ المستحق لأقصى غاية الخضوع من كان موليا لأعظم النعم من الوجود، والحياة وتوابعهما، ولنهلك يحرم السجود لغير الله قعالى لأن وضع أشرف الأعضاء على أهون الأشياء، وهو التراب غاية الخضوع اهـ. قيل وهو مبنيّ على أنّ المراد بقوله لا يستعمل لا يفعل ويأباه قوله إلا في الخضوع دثه إذ الواجب حينئذ إلا لله وليس بشيء لأن مراده أنه لم يستعمل في لسان الشرع ولغة العرب المعتد بها مطلقا لغيره تعالى بخلاف العبودية والخضوع والتواضع ونحوه وما ورد في القرآن ونحوه وارد على زعمهم تعريضا لهم ونداء على غباوتهم ولذا حرم السجود لغير الله وخص التحريم به لغاية ظهوره في قصد العبادة، فلا حاجة لأن يقال إنه لا مانع من أن يراد لا يجوز فعل أقصى غاية الخضوع، إلاة في ضمن خضوعه لله تعالى، وسخافته تغني عن ردّه وبتفسير غاية الخضوع بما ذكرناه سقط ما قيل: إنّ العبادة إذا كانت أقصى غايات الخضوع يلزم أن لا يكون أكثر الناس بل أكثر المؤمنين عابدين لله. قوله: (والاستعانة طلب المعونة إلخ) العون الظهير على الأمر والجمع أعوان، واستعان به فأعانه، وقد يتعدى بنفسه فيقال: استعانه والاسم المعونة والمعانة أيضاً بالفتح، ووزن المعونة مفعلة بضم العين فنقلت ضمته لثقلها على الواو، وقيل الميم أصلية مأخوذة من الماعون، فوزنها فعولة على هذا، والمراد بها المعنى اللغوي،. وهو الإعانة مطلقاً لا ما اصطلح عليه أهل الكلام من أنه بمعنى القدرة، وهي الصفة المؤثرة على وفق الإرادة العدم صدقها على شيء مما ذكره المصتف رحمه الله سوى اقتدار الفاعل، ولا القدرة بمعنى ما يتمكن به العبد من أداء ما لزمه بقسميه من الممكنة والميسرة على ما فصله الحنفية في كتب الأصول، وفي بعض الحواشي أنه المراد قيل: وهو مردود من وجوه. أمّ أؤلاً فلعدم صدقه على شيء مما سيذكره. وأمّ ثانياً فلأنّ القسم الأوّل من الفدرة يتوقف عليه صحة التكليف كما سيذكره المصئف رحمه الله بطريق المفهوم، فتتوقف عليها العبادة فتتقدم عليها بالضرورة، وطلبه في عامة المهمات الداخلة فيها العبادة بخصوصها يقتضي تأخره عنها فيلزم التنافي، والقسم الثاني وان لم يتوقف عليه صحة التكليف لكن العبادة الواجبة على تقدير كونها ميسرة بالمعنى الاصطلاحي متوقفة عليه فتتقدم عليه وطلبه فيها يقتضي لتاخر عنها فيلزم التنافي أيضاً. وأمّا ثالمثاً فلأنّ طلب قدرة قجب بها العبادة ممكنة كانت أو ميسرة، مما لا معنى له إذ حاصله طلب الوجوب عليه والمقصود طلب الإعانة في تبرئة الذمم عما يجب عليها. وأمّا رابعا فلأنّ قوله اهدنا إلخ لا يصح أن يكون بيانا للمعونة بهذا المعنى، وألمصئف جعله بيانا ولعمري لقد أطال بما لم يفد غير الملال والداعى له ما وقع لهم من الاضطراب والاختلال، والحق أنّ المصنف رحمه الله لم يرد شيئا مما قالوه أمّ القدرة فلأنها عند المصتف لها معنى غير ما ذكروه، وهو شافعيّ أشعريّ فلا يليق تفسير كلامه بما في أصول الحنفية مع أنّ ما ذكره المصتف لا يوافقه كما سنذكره، وأمّا المعنى اللغويّ فكذلك لأنّ المعاونة في اللغة والعرف العام المساعدة والمظاهرة بالأمور المحسوسة كالمال والرجال وتكون بالبدن كرفع الحمل الثقيل معه، وبالمقال كبيان حجة، والمطلوب هنا لا يختص بما ذكر ألا ترى إلى قوله: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة: 153] ونحوه مما يعد استعانة فيهما، فالمراد كما أشار إليه الإمام ومته أخذ المصتف تيسير الله له ما يريده على وفق رضاه وهو معنى لا حول ولا قوّة إلآ. بالله أي لا حول عن معصيته، ولا طاقة لطاعته إلاً بتوفيقه فيشمل الأسباب البعيدة والقريبةاالضرورية وغيرها وتندرىء به الشبهات كما سترأه إن شاء الله تعالى. قوله: (والضرورية إلخ) سميت ضرورية لتوقف الفعل عليها ضرورة، وهي مناط التكليف بالاتفاق

ولا يصح تفسيرها هنا بالقدرة الممكنة كما في بعض الحواشي لأنها مما يتمكن به المأمور من أدإء ما أمر به بدنيا أو ماليا من غير حرج غالمبا قال صدر الشريعة: إفما قيدفا بهذا لأنهم جعلوا الزاد والراحلة في الحبئ من قبيل القدرة المصكنة على ما بين ثمة، والمصئف رحمه الله سيصرّح نجلافه. قوله: (كاقتدار الفاعل الخ) - قيل عليه لا شبهة في أنّ ما ذكر ليس من إفرأد المعونة وكأنه أراد به مباديه من الأقدار والتصبوير والتحصيل بقرينة تمثيل الثاني بالتحصيل ولذا فسر الاقتدار بإعطاء الاقتدار في بعض الحواشي، ففي كلامه تسامح ووقع في بعض النسخ كإقدار ووجهه ظاهر، وقيل المراد بالمعونة ما يعان به وفيه نظر وضرورية التصوّرلأنّ طلب المجهول وتكليفه لا يتأتى، وتوقفه على المادّة والآلة ظاهر لأنّ الفعل الموقوف عليهما لا يتأتى بدونهما وضمير بها للألة، وفيها للمادّة والجملة مستانفة لا صفة. قوله: (وعند استجماعها إلخ) أي حصولها والمصدر مضاف للفاعل. قال في المصباح: اجتمع القوم واستجمعوا بمعنى تجمعوا واستجمعت شرائط الإمامة واجتمعت بمعنى حصلت فالفعلان لازمان اهـ. والاستطاعة عند الأشعرية بمعنى القدرة وهو المعنى اللغوي عند بعض أهل اللغة أيضا وقال الراغب في مفرداته: الاستطاعة استفعالة من الطوع وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتياً، وهي عند المحققين اسم للمعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل، وهي أربعة أشياء بنية مخصوصة للفاعل، وتصوّر للفعل، ومادّة قإبلة لتأثيره وآلة إن كان الفعل آليا كالكتابة اهـ وهو مأخذ كلام المصتف وبه يقتدى في المعاني اللغوية في كتابه هذا غالباً. قوله: (يوصف الرجل بالاستطاعة) في نسخة ويصلح أن أي لأن يوصف بالاستطاعة والطاقة المعبر بها عن سلامة الأسباب والآلات إلاً أنّ الاستطاعة لكونها من الطاعة تخص الإنسان دون الطاقة فيقال البعير يطيق الحمل ولا يقال يستطيعه، وقوله بالفعل إن أراد به مقابل القوّة، فظاهر لأنّ تكليف ما لا يطاق وان صح عند الأشعري لكنه غير واقع كما ستراه وان أراد الحدث وواحد الأفعال، فالمراد الصحة المقارنة للوجود وهي تستلزم الوقوع ولذا أخرها عن الاستطاعة، والقدرة عندهم مع الفعل لا قبله فلا يقال إنه لا قرينة على أن المصنف رحمه الله أراد هذا، ولا يرد عليه أنه يجوز تكليف العاجز، وإن لم يقع لا تتوقف صحة التكليف على ما ذكر لأنّ الصحة فيه غير مقارنة للفعل، إن قلت لا بد من رفع المانع وقصد الفاعل، والعزم والشوق إن كان مغايرا للإرادة والتصديق بالفائدة إن لم نقل الإرادة كافية في الترجيح لأنها مما يصح به أصل التكليف فيما قيل قلت: هذه داخلة في الاقتدار والتصوّر من غير احتياح لما قيل من أنّ المصنف أتى بأداة التشبيه إشارة إلى عدم الانحصار فيما ذكره، وأمّا البلوغ فيفهم من التكليف بطريق الاقتضاء، كما يشير إليه ذكر الرجل في عبارته، وإن قيل: الأولى ذكر الشخمى بدله ليشمل المرأة فتأمّل. قوله: (وغير الضرورية إلخ) قيل المراد بالتحصيل تحصيله للفاعل لا تحصيل الفاعل وهذا الفاعل متصف عنده عرفا بالتوفيق والجد. وقوله: (كالراحلة) مثال لما يتيسر به الفعل والمراد بتحصيلها ملكها ذاتا أو منفعة، وهذا من القدرة الممكنة عند الأصولين فإنّ القدرة على السفر لا تتحقق بدونه عادة اهـ وهذا ليس بشيء لأنه على مصطلح الحنفية والشابعية لم يحدّوا القدرة، ولم يقولوا بتقسيمها لما ذكر كما مرّت الإشارة إليه وعطف يسهل على يتيسر عطف تفسيري والمراد بقربه معرفة فائدته المترتبة عليه والداعية الباعثة على الفعل بناء على ما تقرّر في أصولهم قال الأسنوي في شرح منهاج المصنف رحمه الله: مجموع القدرة والداعية يسمى بالعلة التامّة، فإذا وجدت يجب وقوع الفعل وقيل: لا يجب بل يصير الفعل أولى، وإذا عدمت الداعية امتنع وقوعه على المختار الذي جزم به الإمام، ونقل الأصفهانيّ في شرح المحصول أنّ أكثر المتكلمين على أنّ الفعل لا يتوقف عليها. اهـ. قوله: (والمراد طلب المعونة إلخ) العموم من الإطلاق مع خفاء قرينة التقييد ولزوم الترجيح بلا مرجح في الحمل على البعض وقدّمه المصنف رحمه الله لأنه الراجح عنده لما ذكر، ولأنه المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وأمّا تقييده بأداء العبادات (1) بحذف متعلق خاص يقدر هنا بقرينة مقارنة العبادة، ويظهر تناسب

الجمل وشدة ارتباطها ويظهر كون اهدنا بيانا للمعونة فيتم الاتصال بين الجملتين ووجه التخصيص كمال احتياج والعبادة إلى طلب الإعانة لكونها على خلاف مقتضى النفس، وبكون العموم من حذف المتعلق وتنزيل الفعل بالنسبة إليه منزلة اللازم سقط ما يتوهم من أنّ الفعل لا عموم له كمصدره. قوله: (والضمير المستكن إلخ) المستكن بتشديد النون اسم فاعل من استكن بمعنى استتر هو بمعنى المستتر، وهو ضمير المتكلم مع الغير، ويكون للمعظم نفسه لتنزيله منزلة الجمع الكثير: فالف س ألف منهموكواحد وواحد كالألف إن أمر عنا ولكون هذا غير مناسب هنا قال المصئف رحمه الله: إنه له ولمن معه من الحفظة أي الملائكة جمع حافظ وليس المراد حفظة القرآن كما توهم أو للجماعة في الصلاة أو لسائر الموحدين، وأمّا تعميمه لسائر الخلق أو العقلاء فلا يناسب المقام وان قيل إنه الأقرب، لأنّ المشركين أيضا يعبدونه ويستعينون به، ولذا قيل إنه غفلة عما فيه من الحصر إذ هو غير متحقق في المشرك، وهو نكتة اختيار المصتف رحمه الله لفظ الموحدين على المؤمنين لى، فيه من الإشارة إلى توجيه الحصر، فلله دره ما أبعد مرماه وهذه الوجوه بعضها بالنسبة إلى المصلى وقراءتها في الصلاة، وهي المقدّمة اهتماما بها وبعضها بالنسبة لغيره، وقيل هي جميعها للمصلي الآ أنّ بعضها بالنسبة للمصلي مع الجماعة، وبعضها للمنفرد ثم بين وجهه والنكتة فيه. قوله: (أدرج عبادنه في تضاعيف عبادتهم) أي أدخلها في جملتها وأثنائها، وفي الأساس من المجاز هو في أضعاف الكتاب وتضاعيفه في أثنائه وأوساطه قال رؤبة: والله بين القلب والاضعاف يريد بواطن الإنسان وأحشاء. اهـ. ولم يفصح عن المراد بالتضاعيف، وأن مرد. ما هو، وقد ذكره في شرح مقاماته قال التضاعيف جمع تضعيف بمعنى ضعيف وسمى الضعف بالتضعيف كما يسمى النبت بالتنبيت قال رؤبة: وبلدة ليس بها تنبيت اهـ وقد أوضحناه في كتابنا شفء الغليل ومن لم يقف على ما فصلناه قال بعدما فسره بما مرّ لم يذكر في القاموس هذا المعنى للتضاعيف، ثم فسر أضعاف الكتاب بأثناء سطوره وحواشيه، فالظاهر أنه جمع تضعيف فإنه يدل على الكثرة والجمع للمبالغة والمقام يستدعيها، فالمعنى أدرج عبادته في عبادتهم الموصوفة بغاية الكثرة، إذ كلما كان المدرج فيه أكثر كان رجاء القبول ببركة الاندراج أكثر. قوله: (لعلها تقبل ببركتها (قيل ضمير لعلها لمجموع العبادة والحاجة تنزيلاً لهما منزلة أمر واحد لتمام مناسبتهما فإنّ العبادة ما يتقرّب به العباد إلى ربهم وحاجتهم ما يطلبونه منه من الإعانة، وأيضاً العبادة وسيلة إلى حاجتهم في الجملة، وحاجتهم وسيلة إليها الجملة أيضاً، وهذا على تقدير تعميم الاستعانة، فإن خصت بالعبادة، فحاجتهم وسيلة إلى العبادة دون العكس، وضمير تقبل لعبادته، وضمير بركتها لعبادتهم، وضمير تجاب بصيغة المؤنث وبناء المفعول لحاجته وضمير إليها أي منضمة إليها لحاجتهم على طريق اللف والنثر المرتب، ويجوز أن يكون ضمير إليها لحاجته والظرف قائم مقام الفاعل، فإن إلى قد تكون صلة الإجابة كما في قول صاحب الكشاف ليستوجبوا الإجابة إليها، وقيل عليه: إن تكلفه ظاهر ؤقبول الحاجة مما لا صحة له بظاهره وليس بشيء فإنّ ما ذكره ظاهر لمن تأمّله، والحاجة هنا لما كانت دعاء كان قبولها ظاهرا، وما ذكر من تعدي الجواب بإلى كثير في كلام العرب كقوله: وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب فلا حاجة لإثباته بعبارة الزمخشريّ يعني أنه لما خلط أموره بأمور غيره ممن يقبل منه ذلك كان ذلك أدعى لقبولها، فإنّ كرمه تعالى يأبى قبول بعض وردّ بعض ونظروا له بما إذا اشترى أحد ثيابا في صفقة واحدة ووجد بعضها معيبا، فليس له ردّ المعيب بل إنما يردّ الجميع، أو يقبل الجميع، فكأنه يقول إلهي رفعت حاجتي مع حاجة خلص عبادك، فاقبلها مني ببركتهم وجملة لعلها مستأنفة أو حال من ضمير إدرج، وخلط أي راجياً ذلك وأيضا في تغليب المخلصين على غيرهم تحاس عن وصمة الكذب بين يدي مالك الملك لأنه قصر الاستعانة عليه تعالى وكثيراً ما يستعان بغيره فيكون فيه مظنة الكذب، وبهذا يسلم منها حتى قال مالك بن دينار

لولا أن الآية مأمور بقراءتها ما قرأتها لعدم صدقي فيها، وروي أنّ العبد إذا قرأها يقول الله تبارك وبعالى كذبت لو كنت إياي تعبد لم تطع غيري، ولو كنت بي تستعين لم ترفع حوائجك إلى ذليك مثلك، ولم تسكن لمالك وكسبك. قوله: (ولهذا شرعت الجماعة) أي مشروعية الجماعة في الصلإة والجمع، ووقوف عرفة والاستسقاء ونحوه رجاء لإجابة دعائهم لا لغير ذلك من الآراء، ولذا شرعت صلاة النوافل في المنازل فسقط ما قيل من أنه لا وجه لتقديم الظرف المشعر بالحصر. قوله: (وقدّم المفعول إلخ) المراد بالتعظيم تعظيمه لشرفه، فهو ذاتيئ والاهتمام ما نشأ من المقام لكونه نصب عينه لا مطلق الاعتناء، فلا يرد عليه ما قيل من أنّ هذا يدلّ على أنّ مجرّد الاهتمام به نكتة مستقلة غير التعظيم والحصر، وليس كذلك بل لا بذ أن يكون بطريق من الطرق المعتبرة كما قال الشيخ عبد ابقاهر لا يكفي أن يقال قدم الشيء للاهتمام به بل لا بد من بيان وجه الأهمية، فحق العبارة أن يقال للاهتمام وهو إمّا للتعظيم أو للحصر اهـ. قوله: (والدلالة على الحصر (أنكر أبو حيان وابن الحاجب وكثير من النحاة دلالة التقديم على الحصر لقوله في الكتاب إذا قلت ضربت زيداً وزيداً ضربت فالتقديم والتأخير سواء، وردّه في الانتصاف بأنه ليس في كلام سيبويه ما ينفيه بل هو مسكوت عنه، وقد زاده أصحاب المعاني، وكم لهم من دقائق زادوها على النحاة والذي في الكشاف الاختصاص والمصنف رحمه الله عبر بالحصر، والمشهور أنهما بمعنى وفرق بينهما السبكيّ رحمه الله وأفرد لذلك رسالة سماها الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص قيل: فلا خلاف بين الزمخشريّ وأبي حيان والاختصاص عنده افتعال من الخصوص والخصوص في نحو ضربت زيداً كون مطلق الضرب واقعا منك على زيد فقد يكون قصد المتكلم لهذه الثلاثة على السواء، وقد يترجح عت ده بعضها ويعرف ذلك بابتدائه فإنّ الابتداء بالشيء يدل على الاعتناء به، من غير قصد لغيره بإثبات أو نفي، ومعنى الحصر نفي غير المذكور، واثبات المذكور ويدل عليه بما والاً وانما، وهو معنى زائد على الاختصاص، وقد استشهد لمدّعاهم بشواهد كثيرة، كقوله ونوحاً هدينا وأنه لو دل على الحصر لم يكن غيره من الرسل مهديا وليس بصحيح، وردّه في الفلك الدائر بأنهم لم يدعوا اللزوم بل الغلبة. (أقول) : الحق أنّ ما ذكر من الفرق بين الحصر والاختصاص مسلم، فإنّ اختصاص شيء بشيء ثبوته له على وجه خاص به، فلا يقتضي القصر، وان كان لا ينافيه، ولذا حمل عليه في كثير من المواضع، وكون التقديم دالاً على الحصر وضعا غير صحيح، فإنه لا يمكن أن يقال إنه مدلول وضعي للفظ المقدّم كإياك هنا، فإنّ مدلوله ذات المخاطب لا غير، ولا للتقديم أيضا، فإنه قد يكون لأمور أخر لا سيما في الشعر والإنشاء، وهو أمر معنوي لا معنى لوضعه أيضا فلا يوصف بالدلالة بمعناها المعروف ولا فرق بينه وبين الاختصاص والعناية والاهتمام، فلم يبق إلاً أن يقال إنّ عدول البليغ عما هو الأصل من غير ضرورة لا بد له من وجه، وقد فهم منه أهل اللسان أنه الاهتمام، واهتمام العاقل بشر، ء لا يكون إلأ لمعنى وهو مختلف باختلاف المقامات فقد يكون ذلك المعنى اختصاص المقدّم بما بعده من حكم ونحوه، فان قلت الاختصاص من حيث هو لا يعقل اقتضاؤه للتقديم ألا تراهم التزموا في غيره من الطرق تاخير المقصور عليه كأنما قلت: هذا لو سلم لم يضرّنا، فكم في لسان العرب من أمور متواترة لا يعقلى معناها كالأمور التعبدية في الوضع الشرعي، أو نقول كون الشيء لم يلزم من سواه يقتضي غالبا شهرة انتسابه له، فلذا لم نجعل إة، دته مقصودة بالذت وأخر، ومما ذكرت عرفت أنّ الاختلاف فيه لفظيّ فاعرفه، وما قيل هنا من أنّ في الحصر أشكالاً إذ قل من يصدق في دعواه إلآ أن ئدعي تغليب المخلصين الصادقين على غيرهم جوابه ظاهر مما أسلفناه. قوله: (ولذلك قا ا، ابن عبّاس رضي الله عنهما إلخ) إشارة إلى ما استدل به على إفادة التقديم للحصر كالأثر الذي يرويه عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو صحيح مأثور عنه كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحاك، وعن أبي عبيد أنه قال لامرأة شتمته في جمع من تعني فقالت إئاك أعني فقال خصتني بالشتم، وأورد عليه أنّ تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لا يدل على أنّ الحصر مستفاد من التقديم بل يكفي كون الجملة دالة على الحصر من طريق

الخطاب فإنه لدلالته على الأوصاف يدل على الحصر كما مرّ، ولا يندفع هذا بأن يقال إنه إسناد له إلى أقوى شيء يمكن استناده إليه وأظهره إذ هذه الدعوى غير ظاهرة، وغير مسلمة عند بعضى النحاة كما بيناه، ولذا قيل: إنه ليس باستدلال بل استثناس له، وتقديم لذلك ليس للحصر بل للاهتمام لكون الدلالة مقصودة، وكون لعلة متقدمة في الوجوه. قوله: (وتقديم ما هو مقدّم في الوجود) وفي نسخة المقدم بالتعريف، والمقدم في الوجود مدلول إياك لأنه القديم الواجب وجوده قبل كل موجود فجعل لفظه موافقا لمعناه وهذا إمّا معطوف على التعظيم أو الدلالة ويجوز أيضا عطفه على الحصر ولكونه خلاف الظاهر لم يذهب إليه أرباب الحواشي مع أنه أورد على ما قبله أنّ التقديم المذكور ليس علة للتقديم حقيقة، وانما العلة كونه ضدّماً في الوجود، أو تقدم ما هو مقدم في الوجود في العبارة وهذا أبعد من نحو ضربته للتأديب، وإن اشتركا في أنّ المعلل والعلة واحد في الحقيقة والعلة في الحقيقة أثر المذكور أي التقدم، والتأدب لنوع اشتراك في المفهوم إلاً أن يقال التقديم هنا بمعنى التقدم على أنه مصدر المبنيّ للمفعول أي لكونه مقذما، أو يؤخر من قدم بمعنى تقدم لوروده في اللغة إذ حصول تقديم ما هو مقذم في الوجود غاية لتقدم المفعول أو يحصل ضمنه كما إذا قدم زيد العالم في مجلس يقال قذم زيد على غيره لتقديم العالم، وقيل أيضاً تقديم ما هو المقدم عليه لتقدم المفعول لا العكس كما يقتضيه التركيب الآ أن يقال: إنه من قبيل ضربته للتأديب لا من قبيل قعدت عن الحرب جبناً، والمعنى قدم المفعول ليتحقق تقا- يم ما هو المقدّم في الوجود فتأمّل. قوله: (بل من حيث " أنها نسبة شريفة إليه) النسبة معناها في اللغة الوصلة بالقرابة فتجوّز بها هنا عن مطلق الوصلة ولذا عطفها المصنف رحمه الله عليها عطفا تفسيريا، فالمراد بها التقرّب إلى الله بطاعته وهو وصلة معنوية، وحقيقة العبادة كما في كتاب النثأتين للراغب فعل اختياري مناف للشهوات البدنية يصدر عن نية يراد بها التقرّب إلى الله طاعة للشريعة، وجعلها نفس النسبة، والوصلة مبالغة في تقريبها إلى الله، فما قيل من أنّ في النسبة هنا استعارة فشبه ما بين العابد والمعبود، بما بين الطرفين من الارتباط تكلف مستغنى عت "، وكذا ما قيل من أنّ التنبيه عليه حصل من هيئة تركب الفعل مع المفعول به. قوله: (فإن العارف إنما يحق وصوله إلخ) العارف عند أهل السلوك من أشهده الله ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وأمّا في اللغة والعرف فأشهر من أن يذكر، ويحق بفتح ألياء وضم الحاء وكسرها بصيغة المعلوم بمعنى يثبت، ويتحقق ويقع بلا شك، وفعله لازم أو هو من حق بمعنى أوجب، فالوصرل مفعوله واستغرق بمعنى تمحض معرضاً عن غير ما استغرق أ، وهو إمّا من الاستغراق بمعنى الاستيعاب لاستيعاب أوفاته، أو نظره في ذلك، أو بمعنى اشتغل به، وتفرّغ عن غيره، وفي القاموس فلأنه تغترق نظرهم أي تشغلهم بالنظر إليها عن النظر إلى غيرها لحسنها، والملاحظة من لاحظته ملاحظة، ولحاظا بمعنى رأقبته وأصله النظر باللحظ وهو مؤخر العين يقال لحظته بالعين ولحظت إليه لحظا، والجناب بالفتح الفناء والجانب والقدس بضم القاف والدال وتسكن في اكثر الأفصح بمعنى النزاهة والطهارة، وجناب النزاهة عبارة عنه سبحانه وتعالى بمعنى المقدس، وحظيرة القدس الجثة كما قاله الراغب. وقوله: (حتى أنه إلخ) غاية لاستغراقه لأنه إذا استغرق غاب عن ذهنه كل شيء حتى نفسه. قوله: (1 لأ من حيث إلخ الما كان قوله: فإنّ العارف إلخ تعليلاً لقوله: ينبغي لأنّ العابد إمّا عارف أو بصدد أن يكون عارفاً وعلى الأوّل الاستغراق مقتضى حاله وعلى الثاني هو طالب لأن يكون حاله. وقوله: (من حيث أنها إلخ) ملاحظة إن كان بكسر الحاء اسم فاعل فضمير إنها راجع للنفس وضمير له للجناب كما في بعض الحواشي، وإن كان بفتحها فهو مصدر وفسمير أنها للملاحظة المفهومة من يلاحظ كما ذهب إليه بعض المحشن، وما ارتكبه دعاه إليه تصحيح الحمل والمعنى حينئذ لا يلاحظ نفسه وأحوالها إلاً من حيث أنّ ملاحظتها ملاحظة للمعبود واستبعده بعضهم وقال الأولى أنّ المعنى إلاً من حيث أنّ النفس، وأحوالها اكة ملاحظة له تعالى، ومرآة تشاهد فيها، كما هو شأن كل مصنوع غايته أنه جعل آلة الشيء نفسه مبالغة في كونه آلة ومثله شائع وهو تكلف، وقوله ومنتسبة بالواو

العاطفة وفي بعض النسخ بدونها لأنه كالتفسير لما قبله. قوله: (ولذلك إلخ) أي لأنّ العارف إنما يحق وصوله إلخ أو لأنّ العابد ينبغي أن يكون نظره إلخ فضل لما فيه من ملاحظة الحق قبل نفسه بالتقديم عليها قيل، والوجه هو الثاني لأنّ المحكيّ عن الحبيب فيه النظر إلى المعبود أوّلاً بخلاف المحكيّ عن الكليم، وأمّا من حيث الاستغراق في جناب القدس لا يظهر به وجه التفضيل بل صيغة المتكلم مع الغير في الأوّل والمتكلم وحده في الثاني توهم خلافه إلاً أن يقال شأن المستغرق تقديم ما استغرق فيه ولئن سلم، فالوجه الثاني أظهر في المقصود، ولا يخفى أنه إذا غابت نفسه عنه، وأحوالها من جملة ما تضمنه قوله نعبد كان مقتضاه أن لا يذكر ذلك فضلاً عن أن يقدّم وهذا أبلغ ولذا قدمه، وأمّا ذكر المتكلم مع الغير ثمة وهنا، هو المطابق للواقع فلا وجه لما ادّعاه، ثم إنه قيل هنا لكل وجهة فالحبيب قدّم الاسم لأنه في مقام تسكين روع الصديق بالإرشاد إلى ملاحظة الحق والاعتماد عليه والرجوع في كل مهمّ إليه، والكليم عليه السلام قدّم الظرف في جواب قول قومه {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] تنبيهاً على اختصاصه ومن تبعه بالمعية، كأنه قال: إنّ معي واتباعي ربي لا معهم فالهداية إلى طريق النجاة لي لا لهم، فإن قيل الكليم أيضا في مقام التسكين لروع قومه قيل: هو وإن كان كذلك إلأ أنه غير منظور إليه أوّلاً بل إلى ملزومه وهو اختصاصه بالمعية الموجبة للنجاة ردّ للقوم لما جزموا بلحوقهم، ثم إن تعليقه المعية باسم الذات دون الوصف، كما فعله الكليم عليه السلام ما لا يخفى من علوّ شرفه في موارد النبوّة، فإنّ ما حكاه الله عن حبيبه عليه الصلاة والسلام، وان كان أفضل مما حكى عن كليمه صلى الله عليه وسلم من الجهة المذكورة لكن الأمر بالعكس من حيث إفادة الثاني للحصر دون الأوّل قيل إنّ الحصر فيه أيضاً مستفاد من نفس النسبة لامتناع كونه مع المعاندين ناصرا لهم، فإنّ معنى قوله تعالى عنه {إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] أنه تعالى معنا بالعصمة والمعونة، ثم إنّ في تعبيره بالحبيب والكليم دون محمد وموسى نكتة لطيفة وهي مناسية ذلك للمعية لأنّ المرء مع من أحب، واقتضاء المكالمة للاجتماع ظاهر أيضاً. قوله: (وكرّر الضمير إلخ الاحتمال تقديره مؤخرا عند الحذف، وعذم نصوصية الخطاب في الحصر وعلى تقدير تقديره مقدما وعدم اعتبار تقديره مؤخراً أنّ التصريح بتقديمه تنصيص بخلاف نصب القرينة على تقديمه، وأيضاً يختمل تعلق الحصر بالمجموع وبالتكرار يرتفع ذلك، وفي قوله المستعان به إيماء إلى أنه يتعدى بنفسه وبالباء وأنهما بمعنى. وقوله لتوافق رؤوس الآي ظاهره أنّ القرآن فيه سجع وسيأتي ما فيه. قوله: (ويعلم إلخ) يعلم مرفوع ويجوز نصبه أيضا، ويؤيده أنه وقع في نسخة وليعلم، والوسيلة كل ما يتقرّب به يقال توسل إلى الله بوسيلة أي تقرّب إليه بعمل كذا في المصباح: وأدعى أفعل تفضيل من دعاه إلى كذا إذا حثه على قصده أي تقديم السائل على سؤاله شيئاً يرضاه المسؤول منه كهدية أو تعظيم أو ثناء، ونحوه يقتضي إجابتة، ولذا قدمت العبادة على الدعاء في الواقع. وسن الدعاء عقب الصلوات، فقدم هنا لفظ العبادة على الإستعانة ليوافق ترتيب الألفاظ ترتيب معانيها، فيرشد الترتيب الذكري للترتيب الخارجيّ، ومن خصوصية المادّة يتفطن أنه لكونه أدعى إلى الإجابة، وهذا مراد المصتف رحمه الله تبعا للزمخشريّ في توجيه الترتيب، وهو جواب عن سؤال تقديره إنّ العبادة تقرّبهم لمولاهم، والاستعانة طلب الفعل المولى، فكان ينبغي تقديمه، فلم عكس ذلك، ثم إنهم قالوا قد مرّ أنّ الاستعانة المذكورة طلب المعونة في المهمات كلها، أو في أداء العبادات، وعلى الثاني العبادة مقصودة لذاتها، والإعانة وسيلة لها دون العكسى، فهذا على الوجه الأول فقط، وهو الراجح عند المصنف رحمه الله، فصنيعه أحسن مما في الكشاف لا يقال جائز أن يكون بعض العبادات وسيلة إلى الإعانة على البعض لأنا نقول لا اختصاص، لقوله نعبد ونستعين ببعضها لإطلاقهما، فحينئذ ينبغي أن يقال وجه تقديم العبادة أنّ الإعانة مطلوبة لتكميل العبادة بالزيادة أو الثبات، ويؤيده كون اهدنا بيانا لها، وطلب ما يزداد به الشيء، أو يدوم متأخر عنه، وإن جعلت الإعانة مطلوبة لتحصيل العبادة ابتداء، فالتقديم لأنها مقصودة بالنسبة إلى الاستعانة وعلى الأوّل إن أريد بالمهمات ما لا يتناول العبادة، لتبادره مع أنه المعروف المناسب على ما اختاره قذس سرّه فكون العبادة وسيلة إلى الإعانة ظاهر، ووجه التقديم

ما ذكره المصتف رحمه الله كما بيناه لك، وان أريد ما يتناولها لعدم قيام القرينة على التقييد يقال: الإعانة المطلقة وان كان بعض أفرادها وسيلة إلى العبادة إلاً أنّ كثيرا من أفرادها يتوسل بالعبادة إليه وهو ما يترتب على العبادة، ويكون نتيجة لها فكونها وسيلة معتبر بالقياس إلى بعض أفراد الإعانة لا إلى جميعها، وتقديمها في الذكر للإشارة لما مّر من أنّ تقديم الوسيلة أدعى للإجابة، وفيه تكلف ظاهر، ولو قيل العبادة وسيلة إلى بعض أفراد الإعانة، ومقصودة من البعض، فتقديمه بالنسبة إلى الأوّل لما ذكر، وبالنسبة إلى الثاني لما سبق كان وجهاً هكذا قرّره الفاضل الليثيّ تبعاً للسيد السند، وهو حاصل ما في شروح الكشاف، ومن لغو القول هنا ما قيل إنّ كلام المصتف رحمه الله مناف لما سيأتي منه في سورة هود في تفسير قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} [هود: 90] ولا يليق الاشتغال به إلاً أنّ فيما قاله هؤلاء هنا بحثاً، وهو أنّ هذا كما لا يتأتى على الثاني أصلاً، أو بغير تكقف لا يتأتى على الأوّل أيضاً على ما يقتضيه كلام المصتف رحمه الله لأنه قسم المعونة إلى ضرورية يتوقف عليها صحة التكليف، وغير ضرورية يتيسر بها الفعل مطلقاً، فإن بنى كلامه هنا على أنّ المراد مجموع المعونتين، أو الأولى أو الأعنم لزم توقفها على العبادة لتوقف التكليف عليها، فلا يتأتى ما ذكر على الأوّل أيضاً إلأ إذا أريد بالمعونة غير الضرورية، وبالمهمات المهمات الدنيوية لا الدينية، ولا ما يشملهما، فيندرج فيه العبادة، وانما نشأ هذا من توهم اتحاد كلام المصنف وكلام الزمخشريّ، وقد عرفت معنى الوسيلة، وأنها ليست بمعنى السبب كما يتوهم وحينثذ، فالظاهر أنّ المراد بالمهمات كلها مهمات كل عبد في أمور دنياه، فإنه المتبادر منها والمعونة كل ما له مساعدة على فعل، أو تحصيل غرض مّا من الأمور المحسوسة فهي بالمعنى اللغوي فإن قلنا إنها عامة شاملة للعبادة، وكذا إن قلنا إنها إعانة على أداء العبادة، فالجواب ما قيل من أن العبادة مع العلم بأنها مما يتوّسل به إلى إجابة طلب الحاجة، وذكر الاسنعانة المطلوب منها المعونة في العبادة المستلزم كونها وسيلة للعبادة قرينة على أنّ العبادة باعتبار بعض أفرادها وسيلة، وباعتبار بعض آخر يتوسل إليها بالاستعانة فلا إشكال، وعلى ما ذهب إليه المصنف رحمه الله لا بد في الخلاص عما مرّ من التزام ما ذكر إلاً أنه محتاج إلى تكقف فتأمّل. قوله: (وأقول لما نسب إلخ) اعترض عليه بأنّ المتبادر منه أنه من خواصه التي تفرّد بها، وهو بعينه مذكور في التفسير الكبير، والحمل على التوارد، أو أنه دل بذلك عمى اختياره له، كما قيل بعيد كما لا يخفى. وقوله: (تبجحاً) تفعل من البجح بالباء الموحدة الشهاب / ج ا / والجيم والحاء المهملة، ومعناه الفرح والسرور كما في الصحاح، وقد فشر بالافتخار الناشىء من العجب والكبر، وهو أنسب بالمقام، ويستتبّ بسين مهملة وتاءين فوقيتين من استتمث الأمر إذا تهيأ واستقام كما في الصحاح، أو هو من التباب بمعنى الهلاك وهو يتبع التمام فكان ما تمّ يطلبه كما في الأساس، وهو منزع حسن وعليه قوله: إذا تم أمر بدا نقصه ~ تيقن زوالاً إذا قيل تم وفسر أيضاً بيستمرّ أو يستقل. وقال الراغب: التبب الخسار وتببته قلت له ذلك، وقضمنه الاستمرار قيل: استتب لفلان كذا إذا استمرّ اهـ. وما قيل من أنه لم يثبت عند صاحب القاموس، فلذا لم يذكره من قصره باع الاطلاع، وفي كلامه تصريح بأنّ المراد بالمعونة التوفيق، وبه يتمّ التوفيق. (فإن قلت) : هل هذا جاو على الوجهين أو مخصوص بأنّ الاستعانة في أدأء العبادة على الوجه الراجح المستحسن كما قيل، وعلى كل حال كيف يفهم هذا من قصر الاستعانة على الله وإنما يفيده لو قيل لا يصدر منا أمر الأ باستعانة منك قلت: هذا من قبيل الاحترام، واتباع الكلام يما يزيل إبهامه كقوله: فسقى ديارك غير مفسدها وهو من ذكره بعد مطلقاً ومقتض لتأخيره فما ذكر لا وجه له مع أنّ قوله: إنه الراجح من عدم الفرق بين كلام الثيخين بل هو على مقابله أوضح والمعنى المذكور يؤخذ من عدم تقييده بمتعلق ظاهر ولك أن تقول إنه مغاير لما مرّ أيضاً. قوله: (وقيل الواو إلخ) ليس هذا من قبيل قمت واصك وجهه بناء على تجويزه شذوذا، أو تقدير مبتدأ فيه أي، ونحن إياك نستعين كما توهم حتى يورد عليه أنه غير فصيح، أو ينازع في المثال، وان كان الاشتغال

بمثله ليس من دأب المحصلين، فيقال: إنّ الزمخشرفي جعل أصك حكاية حال ماضية، والواو معه عاطفة وتقديره قمت، وصككت وجهه، فابرز في صورة المسمقبل حكاية لتلك الحالة العجيبة الشأن، فإنّ ما ذكره النحاة إذا كان المضارع في صدر جملة أمّا إذا تقدم عليه شيء من متعلقاته، فيجوز اقترانه بالواو لمشابهته للاسمية صورة، وقد أشار إلى ما ذكر ابن مالك في تسهيله، وأمّا تجوبز الزمخشريّ الحالية من غير تقدير فيه، فمعترض عليه كما ستراه، فاحفظه فإنه مما خفي على أرباب الحواشي. قوله: (وقوئ بكسو النون الخ) هي قراءة الأعمش ونسبت لغيره، وهي لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وهذيل، وهي مطردة عندهم بشرط أن لا يكون ياء مثناة تحتية لثقل الكسرة على الياء على أنّ بعضهم قال: يجل بكسر ياء المضارع من وجل وقركأ أيضا فإنهم يعلمون، وهذا مما يقتض عدم صحة ذلك الاستثاء، وأن يكون ماضيه مكسور العين كعلم أوفى أوّله همزة وصل كنستعين أو تاء مطاوعة نحو تتكلم، فلا يجوز في نضرب، ونقتل كسر حرف المضارعة ونحوها من الأفعال بشرط أن لا ينضم ما بعدها لاستثقال الخروج من الكسرة إلى الضمة فإن توسط حرف وإن كان ساكنا جاز. وأعلم أنه قرىء وإياك يعبد بصيغة المجهول بوضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع والالتفات وهو غريب نادر لة ول بعض أهل المعاني إنّ وقوع الملتفت والملتفت عنه في جملة واحدة لم يعهد. قوله: (بيان للمعونة إلخ) هو بيان لتناسب الجمل، وارتباطها لا لترك العاطف كما قيل لاختلافها خبراً وانشاء، والقول بأن نستعين لدلالتة على الطلب بمعنى أعنا، فهو إنشاء معنى تبرع لمن لا يقبل وفي الكشاف، والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله اهدنا بياناً للمطلوب من المعونة كأنه قيل كيف أعينكم فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام، وأخذ بعضه بحجز بعض، وقال قدس سرّه: أي لتناسب الجمل الواقعة فيه، وانتظام بعضها مع بعض حيث دلّ إياك نستعين على طلب الإعانة على العبادة، وصار اهدنا بياناً للإعانة المطلوبة، فكملت الملاءمة بين الجمل الثلاث لمزيد ارتباط بينها، وربما يقال إتاك نعبد بيان للحمد، واستئناف نشا من إجراء تلك الأوصاف على ما مرّ، فتكون الجمل الأربع التي في الفاتحة متلاصقة متلاحقة وأذا جعلت الاستعانة عامّة، لم يكن اهدنا بياناً للمعونة المطلوبة، ولا المعونة مخصوصة بالعبادة، فلم يكن الاتصال بين الجمل بتلك المثاية اهـ. فالبيان بمعناه اللغوي لأنه استئناف بياني في جواب سؤال متدّر تقديره ما ذكر فعليه ترك العاطف، لأنه مستأنف لا لكمال الاتصال كما توفم فإنّ تقدير السؤال يأباه، وقيل: إنّ المصثف وحمه الله عنى أنّ ترك الواو إمّا لكمال الاتصال، كما في الوجه الأوّل، أو الانقطاع كما في الثاتي، وفساده ظاهر وسوف يرى إذا انجلى الغبار. قوله: (كانه قال كيف أعينكم) قيل: المناسب لكونه بيانا للمعونة أن يقدر أيّ إعانة تطلبون يعني أنّ البيان حقه أن يكون عين الميين لا فرد منه، وإن كان قد يكون المطلوب منه بيان الكيفية، ولا يخفى أنه مع قيام القرينة على أنّ المراد المعونة في المهمات كلها أو في أداء العبادة يتعين الإعانة، فلا يبقى لهذا السؤال وجه، وإنما يحتاج إلى بيان كيفيته ولذا اتفق الشيخان على تقدير ما ذكر فلا تغفل ثم إنه أورد على ما مرّ من أنّ قوله إياك إلخ بيان للحمد كأنه قيل كيف تحمدونه، فقيل: إتاك نعبد إلخ مع أنه لا حاجة إلي، لا صحة له في نفسه، فإن السؤال المقدر لا بذ أن يكون بحيث يقتضيه انتظام الكلام وتنساق إليه الأذهان والأفهام، ولا ريب في أنّ الحامد بعد ما ساق حمده تعالى على تلك الكيفية اللائقة لا يخطر ببال أحد أن يسأل عن كيفيته على أنّ ما قدر من السؤال غير مطابز، للجواب، فإنه مسوق لتعيين المعبود لا لبيان العبادة حتى يتوهم كونه بياناً لحمدهم، والاعتذار بأنّ المعنى نخصك بالعبادة، وبه يتبين كيفية الحمد تعكيس للأمر، وتمحل لتوفيق المنزل المقرّر بالموهوم المقدّو، وبعد اللتيا والتي إن فرض السؤال من جهته عز وجل فاتت نكتة الالتفات التي أجمع عليها السلف والخلف، وان فرض من جهة الغير يختل النظام لابتناء الجواب على خطابه تعالى، وبهذا يتضح فساد ما قيل من أنه استئناف جواب لسؤال يقتضيه إجراء تلك الصفات العظام على الموصوف بها، فكأنه قيل ما شأنكم معه، وكيف توجهتم إليه، فأجيب بحصر العبادة والإستعانة فيه، فإن تناسى جانب السائل

بالكلية، وبناء الجواب على خطابه عز وعلا مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله، والحق الذي لا محيد عنه أنه استئناف صدر عن إلحاقه بمحض ملاحظة اتصافه تعالى بما ذكر من النعوت الجليلة الموجبة للإقبال الكلي عليه من غير أن يتوسط هناك شيء آخر كما ستحيط به خبراً. (أقول) هذا مع أنه على طرف التمام مسروق من حواشي الطيبي، وليس أوّل سار غرّه القمر، فإنّ هذا السؤال ليس محققاً ولا مقدراً في النظم حتى يلزم ما توهموه وانما هو أمر ينساق إليه الكلام السابق حتى نزل منزلة السؤال، وماكه إلى اقتضاء ما قبله للخطاب، وحينئذ يكون أشذ اتصالاً به سواء قدر من جهة الله أو لا، ولو جعل استئنافا حقيقيا لم يرتبط به لكونه في حكم كلامين والإلتفات فيه لا يلتفت إليه، ولكون العبادة أجل تعظيم وأظهره صح أن تجعل كالمبين للحمد لأنه أخو الشكر، فتبين أنه ليس بمجرّد اللسان بل ظاهره مطابق لباطنه فيه، ولا يلزم من الالتفات اتحاد الخطاب كما صرح به ابن الأثير، وأشار إليه السكاكي، فما ذكره من التعكيس وغيره ساقط. قوله: (أو أفراد إلخ) وقع في نسخة بالواو يعني أفرد بالذكر كبدل البعض من الكل في الجملة نحو أمدّكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين، ولا ينافيه اختلافهما خبرا وانشاء ولا حاجة لتأويل نستعين بأعنا، وقيل إنه توجيه لتخصيص الهداية بالطلب في مقام الجواب عن قوله كيف أعينكم وليس بيانا لكونه من ذكر الخاص بعد العامّ كما في قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] لأنّ الطريقة المسلوكة فيه العطف بالواو، وكون الهداية للصراط مقصودة لا يضره كونه طريقا وفيه ما فيه ط وأمّا ما قيل من أنه ابتداء دعاء وسؤال حينئذ إذ لم يجعل مربوطا فيكون ترك الواو لكمال الانقطاع بين الجملتين لاختلافهما في الخبرية والإنشائية، فغير سديد كما أشرنا إليه، وقيل: إن كان المراد بالاستعانة طلب المعونة في المهمات كلها، فإن كان المراد بالصراط المستقيم طريق الوصول إليها كان اهدنا بيانا للمعونة المطلوبة، وان كان المراد به ما يخص العبادات كان إفراداً لما هو المقصود الأعظم منها والأوّل وان كان خلاف المتبادر لكنه محتمل، وبه يلتثم الكلامان، وينتظمان أشدّ انتظام، وان كان المراد بالاستعانة طلب المعونة في أداء العبادات كان اهدنا بيانا للمعونة المطلوبة لكون الصراط ما يوصل إلى العبادة، كما هو الظاهر فيتلاءم الكلام وتنتظم جمله أشد انتظام وحكم السيد بأنه على عموم الاستعانة لا يكون اهدنا بيانا للمعونة بناء على حمل الزمخشريّ الصراط المستقيم على ملة الإسلام، فإن قلت: كيف يكون اهدنا بياناً للمعونة المطلوبة، وخلق القدرة ممكة كانت أو ميسرة من المعونة المطلوبة ولا تندرح في الهداية قلت بتقييد اللطف في تعريف الهداية تندرج فيها لإنه عندنا خلق القدرة على الطاعة كما في شرح المقاصد، فإذا اندرج فيها جاز أن تكون المعونة المطلوبة هي الهداية إلى طريق الوصول إلى المهمات على الأوّل، والى العبادات على الثاني، فيحمل عليه الكلام ليتلاءم، ويجوز أن يقال المراد أنّ المعونة المطلوبة إن كانت الهداية، فاهدنا بيان لها، وان كانت ما يتناولها، فافراد لما هو إلخ ثم إنه سيجيء أنّ المطلوب إمّ زيادة الهدى أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المترتبة عليه، فكون اهدنا بياناً بناء على أنّ زيادة الهدى أو الثبات عليه إعانة على بعض ما يستعان فيه قطعاً، وانّ الإعانة على البعض إعانة على الكل لتوقفه عليه، أو على أنّ المستعان فيه تكميل العبادات، أو المهمات بأحد الوجهين الازدياد، أو الثبات وأمّا الهداية إلى المراتب المترتبة عليه، وكونها بيانا للمعونة على أداء العبادات، فإنما يصح إذا كانت وسيلة إلى العبادة، وقد قيل عليه إنّ قوله في صدر كلامه إن كان إلخ غير متأت هنا لأنّ الأوّل يأباه ما في الدرّ المنثور عن ابن عباس وضي الله عنهما من تفسير الهداية إلى الصراط المستقيم بالهام الدين الحق، ولذا فنره في الكشاف، وغيره بملة الإسلام، فهو مخالف لما عليه المفسرون، وكذا كون صراط الذين أنعمت عليهم بدلاً منه. وقوله وا ن كان المراد بالاستعانة طلب المعونة في أداء العبادات كان اهدنا بيانا للمعونة المطلوبة لكون الصراط ما يوصل إلى العبادة مخالف للمتبادر من كلام المصتف، فإنه يفهم منه إنّ البيان على تقدير تخصيص الاستعانة بالعبادات، والافراد على تقدير تعميمها، وعليه أكثر أرباب الحواشي بل كلهم، وقوله

فإن قلت إلخ قد يجاب أيضا بأنه يمكن أن يقدر متعلق الاستعانة ما ينطبق أحد هذه الأمور عليه، فليتأمّل انتهى وفيه ما فيه. قوله: (والهداية دلالة إلخ (هذا برمته مأخوذ من كلام الرإغب رحمه الله في مفرداته، إلاً أنه وقع في نسخة بدل قوله بلطف بتلطف، والأولى أولى رواية ودراية، وانما قيده به لدلالة اشتقاقه وماذته عليه ولذا أطلق على المشي برفق تهاد وسميت الهداية لطفا، ومن لم يدر هذا قال لاً نها في اللغة الإرشاد، وهو عين اللطف، ولذا قال ابن عطية إنها لغة الإرشاد، وهل يعتبر في هذه الدلالة الإيصال أم لا فيه خلاف سيأتي تحقيقه، ونعني باللطف كما في الصحاح وغيره من كتب اللغة الرفق المقابل للعنف وهو في صفة الأجسام مقابل للغلظ والكثافة، ويكون اللطف واللطافة أيضاً عبارة عن الحركة الخفية، وتعاطي الأمور الدقيقة وقد يعبر به عما لا تدركه الحاسة كما قاله الراغب وهذا تحقيقه باعتبار الوضع اللغوي مطلقا. وأمّا هو في صفاته تعالى، فمعناه كما قاله الراغب أيضاً إمّ العالم بدقائق الأمور والخفيات أو الرفيق بالعباد في هدايتهم وغيرها انتهى. وفي شرج الأسماء الحسنى للشيخ بهاء الدين قدس سرّه، اللطيف الذي يعامل عباده معاملة اللطف لأنّ ألطافه في الدارين لا تتناهى، والله لطيف بعباده يرزق من يشاء فيهيىء مصالح الناس من حيث لا يشعرون وتيل اللطيف العليم بالغوامض والدقائق ولذا قيل لكل حاذق لطيف ويحتمل أن يكون من اللطافة مقابل الكثافة، وهو وأن وصفت به الأجسام ظاهراً إلاً أنّ الجسمية لا تنفك عن الكثافة، ولطافتها إضافية، فاللطافة المطلقة لا يوصف بها الآ نور الأنوار المتعالي عن إدراك البصائر والأبصار، ووصف غيره بها بالإضافة لما هو دونه، فهو من الأسماء الدالة على الصفات الذاتية، وعلى الأولين يرجع إلى الفعل ويقاربه اسم الكريم انتهى. وسيأتي في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 53 ا] ما يشير لما ذكر، فما نقل هنا عن السيد السند من أنّ اللطف عندنا خلق قدرة الطاعة في العبد وعند المعتزلة اللطف ما يختار المكلف عنده الطاعة، أو يقرب منها ولا يفضي إلى القسر والإلجاء إن كان تفسيرا لما وصف به العباد، فهو مخالف لما حققه أهل اللغة وإن كان لما وصف به الباري، فهو مخالف أيضاً لما في النظم ولما عليه أئمة التفسير فتدبر. قوله: (ولذلك تستعمل في الخيرا لأنه المناسب للطف كما سمعته. وقوله: (على التهكم) إشارة إلى أنّ ما ذكر ونحوه لا يرد نقضاً، على أنه إنما يستعمل في الخير لأنه معتبر في معناه الحقيقي، وهذا مجاز استعارة تمثيلية أو تبعية، فلا يرد نقضاً، وقيل: ليس هذا من الهداية بمعنى الدلالة بل من الهداية بمعنى التقديم والتخوز أحسن وأبلغ وقوله ومنه الهدية فصله لأنه مغاير له بحسب المعنى واللفظ، لأنّ فعل الأوّل هدى، وفعل الثاني بمعنى الإعطاء أهدى كأهديت الهدية والهدى إلا أنه يشاركه في أصل المعنى والمادّة كما مرّ. قوله: (وهوادي الوحش إلخ) الهوادي جمع هاد وهو العنق، وأوّل القطيع من الظباء ونحوها والوحش بفتح الواو، وسكون الحاء المهملة، والشين المعجمة الوحوس، وهي حيوان البر الواحد وحش ويقال حمار وحش بالإضافة وحمار وحش، فالوحش يكون للواحد والجمع، ولا تختص الهوادي بالوحش كما يوهمه كلام المصنف رحمه الله، وفي الصحاح والهادي العنق، وأقبلت هوادي الخيل إذا بدت أعناقها ويقال أوّل رعيل منها وقول امرىء القيس: ". كأنّ دماء الهاديات بنحره يعني به أوائل الوحش انتهى. وظاهر كلام أهل اللغة أنه حقيقة في العنق، وإطلاقه على الأوّل مجاز وإن اشتهر فيه كما في الأساس فقوله لمقدّماتها بفتح الدال المتقدمة منها في الورود ونحوه، أو أعضاؤها المتقدمة كالرأس والعنق لأنها تسمى هوادي أيضاً كما سمعته. قوله: (والفعل منه) أي من الهداية المقصودة بالذكر هنا لا من مجموع ما مرّ فلا يرد عليه أنّ فعل الهدية أهدى كما مرّ. وقوله: (وأصله أن يعدى إلخ) أي إلى المفعول الثاني وقد يحذف منه الحرف فيتعدّى إليه بنفسه كاختار فإنه يتعدى لأحد المفعولين بنفسه وللآخر بمن وقد يتعدى له بنفسه، كقوله: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] على الحذف، وا لإيصال هذا ما قاله المصنف تبعاً للزمخشري وقيل: هما لغتان كما في الصحاح هديته الطريق لغة أهل الحجاز وإليه لغة غيرهم، والفاء في قوله فعومل فصيحة، وقيل: إنه إذا عدّي باللام مصدره الهدي، وإذا عدّي بإلى مصدره الهداية كما في الديوان وغيره

ومنهم من فرق بينهما كما قال قدّس سرّه: ونقل عن المصئف رحمه الله إن هداه لكذا أو إلى كذا إنما يقال إذا لم يكن في ذلك فيصل بالهداية إليه، وهداه كذا لمن يكون فيه، فيزداد أو يثبت، ومن لا يكون فيه فيصل. قيل: ولا نزاع في الاستعمالات الثلاثة إلاً أنّ منهم من فرق بينهما بأنّ المتعدّي بنفسه هو الإيصال إلى المطلوب، ولا يكون إلاً فعل الله، فلا يسند لغيره كقوله: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ومعنى المتعدّي بالحرف الدلالة على الموصل، فيسند له وللقرآن والبيّ صلى الله عليه وسلم انتهى. قيل: وعلى الفرق الأوّل يظهر الجواب عن النقض المشهور على تعريف الهداية بالدلالة الموصلة بقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17] إلخ إذ يجوز أن يكون التعريف للهداية المتعدّية بنفسها، والهداية في الآية متعدّية بالحرف، فترك المفعول بواسطة اختصاراً من غير احتياج إلى تجوّز ونحوه، وقيل: الهداية تتضمن معاني يقتضي بعضها تعديتها بنفسها وبعضها التعدية بالحرف، كالإرادة والإشارة والتلويح، وليس بشيء وسيأتي تتمته، واعترض على الفرق الثاني بقوله تعالى حكاية عن الخليل عليه الصلاة والسلام {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم، الآية؟ 43] ونحوه، ودفعه بأنه إسناد مجازيّ مخالف للظاهر. قوله: (لا يحصيها عدّ) أي لا يحصى إفرادها الجزئية أحد يعدّ، وأصل الإحصاء العد بالحصى، ثم صار حقيقة في مطلق العدّ كما هنا، فإسناده إلى العدّ مجاز للمبالغة، ولما كان إطلاق نفيه يوهم عدم انحصار أنواعها وأجناسها استدرك ما يدفع ذلك الإيهام وقيل إنّ المصنف رحمه الله تعالى فسر الهداية المطلوبة بقوله اهدنا بالدلالة السالفة ثم قال وهداية الله إلخ ولم يقل، وهي تتنوّع لأنّ ما ذكر من الإفاضة والنصب والإرسال والإنزال، لا تصدق عليه الدلالة إلاً بضرب من التأويل، ولو سلم فالمقسم لهذه الأجناس خصوص هداية الله تعالى، فالوجه أن يقال المقسم ما يطلق عليه هداية الله بوجه، أو فيه مضاف مقدّر أي أسباب هداية الله. (أ+دول) الظاهر أنّ الدلالة الساباتة أعمّ من هذه، كما ينطق به وينادي عليه فحوى كلامه، فكون ما ذكر لا يطلق عليه الدلالة غير مستقيم، فإنّ إطلاقه الهداية عليه يأباه والإظهار في مقام يقتضي ظاهره الإضمار إشارة إلى أنه ليس عين ما قدّمه، والمر1د بكونها هداية الله أنها بخلقه وإحسانه، فلا ينافي إسنادها لغيره كما يشهد له ما ذكره من قوله: {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73] فافهم. قوله: (1 لأوّل إفاضة القوى إلخ) المراد بالإفاضة الإيجاد بالفيض، وهو الإحسان والجود الإلهي، والقوى جمع قوّة وهي لغة بمعنى القدرة، والتهيؤ كما فاله الراغب وفي اصطلاح الحكماء كما قالوه مبدأ التغير من أمر إلى آخر من حيث هو آخر، وهذا هو المراد هنا، وهي عند الأطباء ثلاثة أجناس لأنّ فعلها إمّا مع شعور أو لا، والأوّل يسمى فوّة نفسانية، والثاني إن اختص بالحيوان فقوّة حيوانية والاً فهي طبيعية، وعند الفلاسفة أربعة لأنّ كل قوّة إمّا أن يصدر عنها فعل واحد أو أكثر، وعلى التقديرين إمّا مع شعور أو لا، فالتي فعلها متغير مع الشعور قوّة حيوانية والتي فعلها متغير بدونه قوّة نباتية، والتي فعلها غير متغير مع الشعور قوّة فلكية، والتي بلا شعور طبيعية إن كانت في البسائط كالنار وخاصية في المركب كتخدير الأفيون، وهذه هداية إلى طريق التعقل والإحساس وفيها ما لا يختص بالإنسان، وإلى العامّ منها الإشارة بقوله تعالى: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] واثبات الحواس الباطنة وإن كان رأي الفلاسفة، فقد ذهب إليه كثير من أهل السنة، وقال الغزاليّ: الذي أبطلوه استقلالها بالإدراك والتأثير وما أثبتوه لها مما هو مبنيّ على أصولهم الواهية ومجرّدها لا ضير فيه لما فيه من الحكم البديعة والقدرة الباهرة. وفي شرح المقاصد: لا يخفى إنا إذا جعلنا القوى الجسمانية ا-لة للإحساس، وادراك الجزئيات والمدرك هو النفس ارتفع النزاع، فلا وجه لما قيل: من أنّ اللائق بالمصتف أن لا يذكرها لابتنائها على هذيانات الفلاسفة، ونفصيلها في مطوّلات الكلام، وكتب الحكمة، والمشاعر الحواس الظاهرة جمع مشعر جعلت محلاً للشعور، وهو الإحساس، وجعل الأولى حواس والثانية مشاعر تفنناً. قوله: (والثاتي نصب الدلائل إلخ) الظاهر أنّ المراد بهذه القوّة النظرية والفكر في الأنفس، والآفاق حتى يعلم أنّ له صانعا ورباً قديراً، ولأجل هذا أوح الله فيه العقل والقوى

الظاهرة والباطنة، فظهر من هذا كونه مترتباً على ما قبله، وما قيل من أنّ الحق والباطل إشارة إلى الكمال بجسب القوّة النظرية والصلاح والفساد بحسب القوّة العملية لا وجه له، وقيل: من جملة هذه. الدلائل المعجزات المفضية إلى ثبوت الشرع الموقوف عليه الأدلة السمعية، وفيه نظر. قوله: (وإليه أشار إلخ) أي إلى نصب الدلائل العقلية أشير في هذه الآية الكريمة، والنجد المكان الغليظ المرتفع، وهو مثل لطريقي الحق والباطل في الاعتقاد، والصدق والكذب في المقال، والجميل والقبيح ني الفعال فبين أنه عرفهما كقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] قيل وما ذكره المصتف تبع فيه الزمخشريّ، والهداية فيه متعدّية بنفسها وليست بمعنى الإيصال بل بمعنى الإراءة ألا ترى إلى قوله: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} قال المصنف: فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة فإنّ الإيصال إلى طريق الشرّ ليس من الأيادي بخلاف إراءته من حيث أنه طريق شر يحترز عنه فإنه يكون خيراً في حقه، وعلى ما يفهم من كلامه أوّلاً من اختصاصها بالخير في قوله: {هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] تغليب انتهى. ولا يخفى ما فيه من الاضطراب، فإنّ المصتف رحمه الله لم يقل هنا أنّ المتعدي بنفسه يفيد الإيصال حنى ينافيه ما وقع في النظم، ثم إنه على ما ذكره لا يحتاج إلى التغليب فكان عليه أن لا يذكره أو يجعله وجهاً آخر فتدئر. قوله: (وقال وأمّا ثمود إلخ) قيل إنّ كلامه في تفسيره يدل على أنّ المراد بالهداية فيه ليس الجنس الثاني فقط حيث قال: فدللناهم على الحق بنصب الحجج، وارسال الرسل، ولعله أولى لأنه أدل على شقاوتهم، والرسل هنا رسل الله من البشر. قوله: (والثالث إلخ) قيل الظاهر أنّ المراد بالرسل ما يعم الملائكة ليتناول هذا الجنس من الهداية الأنبياء، ثم جعل المنحصر في الأجناس هداية الله يقتضي أن يكون المراد هداية الله تعالى بإرسال الرسل، وانزال الكتب والعبارة أيضا تفيد هذا المعنى، وعلى هذا في قوله واياها عنى إلخ نظر، فإن قيل الهداية فيها صفته تعالى أسندت إليهم والى القرآن مجازاً كما يقال قطع السكين قلنا لو سلم ذلك في الثاني فلا نسلمه في الأوّل، وقد قال المصئف في تفسير.: وجعلناهم أئمة يقتدى بهم يهدون الناس إلى الحق بأمرنا لهم بذلك، وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين نعم جعلهم أئمة يهدون بأمره هداية منه تعالى بإرسال الرسل لكن ظاهر قوله واياها عنى بقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} [الأنبياء: 73] إلخ يشعر بأنه إياها عنى بالهداية المذكورة فيه، وقد يتكلف له فيقال المراد بهداية الله المنحصرة في الأجناس الهداية المنتسبة إليه تعالى بوجه، وهداية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كذلك لكونها بأمره تعالى، وارساله وبالهداية لإرسال الرسل وانزال الكتب الهداية الحاصلة بهما سواء كانت قائمة بالرسل والمنزل، أو بمن هداه وأمره بالهداية، وقس عليها هداية القرآن إن كان متصفا بها حقيقة، وقال الغزالي: الهادي من العباد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والعلماء المرشدون للسعادة الأخروية، والدالون على الصراط المستقيم بل الله الهادي بهم، وعلى اً لسنتهم، وهم مسخرون بقدرته وتدبيره، فالهداية المسندة لهم من هداية الله، ومندرجة- تحت جنس الهداية بإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذا الاعتبار. (أقول الك أن تجعله شاملاً للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من غير تأويل بما ذكره، فإنهم مأمورون أيضاً بما أوحي إليهم كما لا يخفى، وأمّا أمر الحصر والتوفيق بينه، وبين ما ذكر فغير محتاج إلى تكلف ادّعاء مجازية الإسناد مع أنّ الظاهر الحقيقة، ولا موجب للعدول عنها في الآية الأولى بخلاف الثانية، وان توهموا العكس فإنّ قوله تعالى بأمرنا صريح في أنّ الله هداهم حيث أمرهم بالعمل والتبليغ، وهذا مراد المصتف رحمه الله ومحل استشهاده، وأمّا القرآن في نفسه فليس هو الهادي حقيقة فتدبر. وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي} [الإسراء: 9] أي يدل على خصلة، أو ملة أقوم مما عداها. قوله: (والرابع أن يكشف إلخ) مغايرته لما قبله ظاهرة لاختصاصه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء إذ المراد بالوحي كشف الحقائق وإظهارها لهم بغير الطرق المعهودة ولا وجه لتعميمه والإلهام إلقاء الخير في القلب إذ غيره يقال له وسوسة وأمّا قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] فمؤوّل كما سيأتي في محله، والمنامات الصادقة هي

الميشرات وهي جزء من أجزاء اليحوّة كما ورد في الحديث المشهور (1) ، وانكشاف الحقائق بها يقيناً مخصوص برؤياهم سواء أوّلت، أو وقعت بعينها. وقوله: (كما هي) أي كما هي هي في نفس الأمر، كقولهم من حيث هو هو وإعرابه مشهور. وقوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ} [الأنعام: 90] الآية الشاهد فيها في الهداية الأولى أو فيهما والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد، وأصول الدين كما سيأتي في سورة الأنعام تحقيقه، فلا وجه لما قيل من أنه يمكن حملها على الثالث حتى توهم بعضهم أنه أظهر وأولى، وعدى المصتف رحمه الله الكشف بعلى، لأنه مضمن أو متجوّز به عن معنى جلا وأظهر، وان لم يخل من ركاكة العجمة والنيل الوصول. قوله: (والذين جاهدوا إلخ) قال المصتف رحمه الله في تفسيره: والذين جاهدوا في حقنا، واطلاق المجاهدة ليعمّ جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعه {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [صورة العنكبوت: 69] سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير وتوفيقاً لسلوكها إهـ. ولعل هداية سبيل السير إليه تعالى أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي، وقال الطيبيّ: طيب الله ثراه الاستشهاد فيه أنه تعالى أثبت لهم الجهاد على لفظ الماضي، وأوقع ضمير التعظيم ظرفاً له على المبالغة أي في سبيلنا ووجهنا مخلصين لنا ولا يكون مثل هذا الجهاد إلاً هداية لا غاية بعدها، ثم قال: لنهدينهم سبلنا على الاستقبال، وصرّح بلفظ سبلنا ولا يستقيم تأويله إلآ بما ذكر من طلب الزيادة بمنح الألطاف اهـ. والسرائر جمع سريرة، وهي ما يسره المرء في قلبه وأواد بها المصتف رحمه الله السرّ الإلهيّ، وليس ببعيد وان كان خلاف المعروف من استعماله. قوله: (أمّا زيادة ما منحوه إلخ) منح بمعنى أعطى يتعدى لمفعولين وهو مبنيّ للمجهول هنا والزيادة نزول الآيات وظهور الأحاديث في زمانه عليه الصلاة والسلام وظهور طرق الاحتياط والأخذ عن أهل العلم بعده، وقال قدس سرّه: إنه يعني أنّ من خص الحمد به تعالى وأجرى عليه تلك الصفات فهو مهتد فكيف طلب الهداية. فالمطلوب لزيادة أو الثبات أو ثمرة ذلك من سعادة الدارين، ثم إن حمل لفظ الهداية على التثبيت، كان مجازاً وان حمل على الزيادة فإن كان مفهوم الزيادة داخلاَ في المعنى المستعمل فيه كان مجازا أيضاً وان جعل خارجاً عنه مدلولاً عليه بالقرائن كان حقيقة لأنّ الهداية الزائدة هداية كما أنّ العبادة الزائدة عبادة فلا يلزم الجمع بين الحقيقة، والمجاز وإن جاز كما سيأتي بيانه وتبعه أرباب الحواشي هنا برمّتهم كما قيل إنه جواب عما يقال من أنّ ما قبله منزل على ألسنة العباد الذين حمدوه وخصوا الحمد به تعالى، ووصفوه بغاية الكمال وخصوه بالعبادة، والاستعانة ومثل هؤلاء لا يصح منهم طلب الهداية إلى الصراط المستقيم بمعنييه لحصوله لهم، ففيه تحصيل الحاصل فأجاب عنه بقوله فالمطلوب إلخ. فهو جواب شرط مقدّر أي إذا انقسمت الهداية لما ذكر، وكثره حاصل لهم فالمطلوب الزيادة والثبات أي مجموعهما، وفي نسخة أو الثبات بأو بدل الواو، وهي الموافقة لما في الكشاف والحاصل أنّ الهداية مطلقة، فتصرف للكمال، وهو بما ذكر من الزيادة أو الثبات أو حصول مراتب أخرى من جنسها، وقد قيل عليه أنه إن أريد بالإيصال المفهوم من الدلالة الإيصال القريب، وبالصراط المستقيم ما يشمل العقائد الحقة والأعمال الصالحة، فلا مرية في أنّ من خص الحمد به تعالى وأجرى عليه تلك الصفات لا يلزم أن يكون مهتدياً بهذا المعنى لأنّ الموصل القريب لها الأدلة وإن أريد البعيد صح ولكن لا يتعين الحمل عليه، وأيضاً جزمه بالتجؤز إذا أريد الثبات وتفصيله في الزيادة فيه بأنه إن جعل الثبات داخلاً في المعنى المستعمل فيه كان مجازا وإلاً فهو حقيقة من غير فرق بينهما تحكم ورد بأنّ الموصل القريب لا ينحصر فيما ذكر، إذ يكون بما عرف سماعا من الشرع، وبالعقل السليم والثبات ليس كالزيادة لخروجه عن مفهومه بغير شك (أقول والهداية منه وإليه أليس كلام المصنف رحمه الله مطابقاً لما في الكشاف حتى يشرح بما شرح به ويورد عليه ما أورد عليه، فإنه في الكشاف لم يتعرّض لشيء مما ذكره المصتف أصلاً، فالحق أن يقال في بيان ما هنا إنه لما فسر الهداية المطلقة بالدلالة بلطف ونوّع منها هداية الله تعالى، وفسر الصراط بما ذكر، صار المعنى يا ربنا دلنا على طريق الحق بسلامة

القوى ووقفنا على أدلة الآفاق والأنفس ووفقنا لتلقي الأدلة السمعية من الرسل عليهم الصلاة والسلام والكتب حتى نصل لها فالتفريع هنا على ما قبله من تنويع الهداية الربانية إذ المطلوب هدايته لما يوصل إليه منها وكلها أو جلها حاصل لهم، فالمطلوب الزيادة إلخ والفاء فصيحة أي إذا تنوّعت الهداية لما هو معلوم الحصول، فالمطلوب ما ذكر وتفريعه على ما في النظم كما في الحواشي أبعد بعيد فعليك بالنظر السديد إذا صعدت من صعيد التقليد. قوله: (من الهدى) قال بعض الفضلاء: الهدى جاء لازماً بمعنى الاهتداء ومتعدّياً بمعنى الدلالة والأوّل هو المراد بقرينة قوله منحوه. والمراد بزيادة الهدى إمّا زيادة الله إياهم الهدى كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [ئحمد: 17] أو ازدياد الهدى على أنّ المراد بالمطلوب المطلوب الأصليّ الذي يطلب ما أريد بمصدر اهد لأجله، وهو زيادة الله إياهم الهدى أو الهداية، أو زيادة الهدى والهداية الزائدة والمراد بالثبات، أمّ ثباته تعالى على الهدى بمعنى الهداية على سبيل الاستخدام، أو ثباتهم على الهدى على قياس ما عرفت في زيادة الهدى، وعلى الثاني المراد بالهداية تثبتهم على الهدى أو ثباته تعالى على هدايتهم أي دوامه. (بقي) هنا أنه قد يقال الصراط بمعنييه لا يخلو إثا أن يراد جميعه أو بعض منه معين أو غير معين لا سبيل إلى الأوّل لأنّ هؤلاء لم يحصلوا جميع طرقه، وجميع الأعمال الصالحة والعقائد الحقة والبعض المعين لا بد له من قرينة تعيينه ولا قرينة هنا فإن أريد بعض غير معين، فلا ريب في صحة طلب البعض لآخر من غير تأويل أو تجوّز فتأمّل. قوله: (فإذا قاله العارف إلخ) الظاهر أنه تفريع على قوله حصول المراتب المترتبة عليه وأنّ هذا من جملتها، ولذا قالوا إنّ العارف لا يزال مسافرا فكلما ألقى عصاه بدا له سفر، فهو من معنى الهداية المترتبة على أحد الأربعة، وقيل: الحصر فيها بالنسبة إلى السالك، وهذا متفرع عليها بعد التكميل، فلا يرد عليه ما قيل لا يخفى إنّ الإرشاد المذكور جنس خاسى من الهداية، فإنّ الرابع هو هداية السير إلى الله كما سبق، فالحصر في الأجناس الأربعة غير مستقيم، وقد رد أيضا بأنه قد قيل إنّ الفناء عبارة عن نهاية السير إلى الله عر وجل، والبقاء عبارة عن بداية المسير في الله سبحانه والسير إنما ينتهي إذا قطع بادية الوجود بالكلية، وبعده يتحقق السير فيه بالإتصاف بالأوصاف الإلهية، والتخلق بالأخلاق الربانية، وقطع بادية الوجود عبارة عن فناء الحظوظ الدنيوية والأخروية، ويلزمه بقاء طلب الحق سبحانه بل يندرج فيه السير إليه أيضا، كما أنّ قوله تعالى: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] يشملهما فالحصر مستقيم، والعارف الواقف على الأسرار الإلهية، والسير في الفتوحات أن يكشف له عجائب الملكوت، فتنتقش في جوهر نفسه فيفرّ إلى الله مسافرا عما سواه إلى أن يراه في كل شيء ويطلق عندهم أيضاً على الانتقال من اسم إلهيّ إلى. آخر: فيا دارها بالخيف إنّ مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوال قوله: (أوشدنا) عذاه بنفسه على الحذف والإيصال، أو ضمنه معنى أرنا لأنه يتعدى بالحرف وفي المصباح أرشدني إلى الشيء وعليه وله قاله أبو زيد، ونمحو بالنون والتاء الفوقية والياء التحتية، وكذا نميط في الوجوه الثلاثة ونمحو بمعنى نزيل، ونميط بمعنى نبعد وننحى، والغواشي جمع غاشية بمعجمتين ما يغشى أي يعرض ويكون بمعنى الغطاء، ومنه غاشية السرج لغلافه فغواشي الأبدان المراد بها هي بأنفسها، أو ما يطرأ عليها من كدورات البشرية وظلمات الهيولى، ونور قدسه الملكات الفاضلة أو الفيوض الإلهية. وقوله: (فنزاك بنورك) أي نشاهدك بما أودعته في سثمكاة قلوبنا من الأنوار، والله نور السموات والأرض، فإذا فهمت فنور على نور. قوله: (والأمر والدعاء) المراد بهما مفهوما هما، أو ما صدقا عليه، كصم وصل أو المعنى المصدري، وقيل: هذا تكلف من غير حاجة داعية له، فإنّ صيغة افعل لا تدل على مصدر أمر ودعا، وان تحقق عند تحققها وفيه نظر، والمنقول في أصول الشافعية كما في شروح جمع الجوامع أنه لا يعتبر في مسمى الأمر ولا في حدّه علو ولا استعلاء، واعتبر فيه المعتزلة وهو المشهور عنهم، وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والسمعانيّ العلو، وأبو الحسين من المعتزلة، والإمام الرازي والآمدي، وابن الحاجب الاستعلاء،

وتابعهم المصنف وحمه الله هنا وخالفهم في منهاج الأصول، ورذ مذهب المعتزلة المشهور من اشتراط العلوّ قي الأمر وضد. في الدعاء، وقيل بالرتبة وهو مختار الزمخشريّ والاشتراك اللفظي بينهما كونهما بصيغة واحدة في الأكثر، وهي أفعل والمعنوي إنّ فيهما معنى الطلب الذي هو كالجنس لهما. وقوله: (ويتفاوقان) أي يتغايران ويفترقان بأنّ الطلب إن كان استعلاء فأمر، وان سفلا فدعاء والاً فيسمى التماساً وقال بعض المعتزلة: إن كان عالي الرتبة فأمر وان كان سافلها فدعاء هذا ما أراده المصتف رحمه الله، فمن توهم أنه لا مغايرة بين القول الأوّل والثاني فقد وهم لأنّ الاستفعال قد يكون لعد الشيء متصفا بشيء، وان لم يكن كذلك كاستحسنه، وان لم يكن حسناً وكذا التفعل كتحلم وان يكن حليماً فالاستعلاء والتسفل يقابل العلو، والسفل وتفصيله في الأصول. قوله: (والسراط إلخ) السراط هو الطريق السهل، أو الواضح المستوي من سرط الطعام، كفرح ونصر ابتلعه وزرده فقيل: إنه يتصوّر أن يبلعه سالكه، أو يبتلع هو سالكه ألا تراهم قالوا قتل أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها وعلى النظرين قال أبو تمام: رعته الفيافي بعدما كان حقبة رعاها وماء المزن ينهل ساكبه فقوله: كأنه يسترط السابلة تتبع فيه الزمخشريّ، وفي الكشف لو قال لأنهم يسترطون السبل، وهي تسترطهم كان أولى، وفي نسخة يسرط من الثلاثي وهذا بيان لوجه أخذه منه، والسابلة الطريق ومن يسلكها والمراد الثاني. وقوله: (ولذلك) باللام وفي نسخة بالكاف، وهي صحيحة أيضا، واللقم بفتحتين معظم الطريق أو طرفه أو وسطه من الالتقام، وهو الابتلاع ففعل بمعنى فاعل أو مفعول كالسراط، والمصنف رحمه الله اقتصر على الأوّل لوضوحه، وعن الأزهري أكلته لمفازة إذا نهكته لسيره فيها، وأكل المفازة إذا قطعها بسهولة، وقيل: إنّ السابلة إذا ذهبوا من عندنا، فحالهم بالنسبة إلينا شبيهة بابتلاع الطريق، فإذا جاؤوا إلينا، فكأنهم يبتلعون الطريق ويلتقمونه. قوله: (والصراط من قلب السين إلخ) إنما قلبت السين صادا لمناسبة الطاء في الإطباق، وفي انخة اض السين مع تفخيم الراء استثقال للانتقال من سفل إلى علو بخلاف العكس نحو طست لأنّ الأوّل عمل والثاتي ترك كما قرّره أهل الأداء. وقوله: (ليطابق) أي ليوافق مجانسه مع الأطباق والصاد والضاد والطاء والظاء مطبقة، ويقال منطبقة لانطباق اللسان معها على الحنك. وقوله: (وقد يشئم إلخ اليكون أقرب إلى المبدل منه لأنّ الزاي والسين من المنخفضة المنفتحة، ولأنّ مخرجهما من بين الثنايا، وقيل: ليكتسب بذلك نوع جهر ويزداد قربها من الطاء، والإشمام هنا خلط الصاد بالزاي وعرفه الفرّاء بخلط حرف بآخر وكل وفي الوقف ضم الشفتين مع انفراج بينهما، ولا يدركه إلاً البصير، وله معان أخر سيأني تفصيلها ني سورة يوسف والزاي اسم هذا الحرف المعجم بياء بعد الألف، للفرق يينها وبين الراء المهملة، وفي النشر يقال زاء معجمة بالمد، وزاي بالف وياء وزيّ بالكسئر والتشديد اهـ وعامّة بلادنا يقولون زين، وهو غلط وشين. قوله: (والباقون بالصاد إلخ الغة قريش إبدال السين صادا هنا، وفي كل موضع بعدها عين أو خاء أو قاف باطراد، وقول الجوهري السراط لغة في الصراط لا يقتضي أصالتها، ولذا رسمت صادا لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش، فإنّ القرآن نزل بها وقرىء بالزاي الخالصة أيضا. قوله: (والثابت في الإمام) أي المثبت كتابة وخطأ في مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه المسمى إماماً عند القرّاء والمفسرين وغيرهم، فإنّ الإمام لغة ما يؤتم ويقتدى به، فيتبع وان لم يكن من العقلاء، ولهذا أطلق على اللوح والكتاب كما فال تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [الأحقاف: 2 ا] فسمى الكتاب إماماً على وجه، وقد كان في سنة ثلانين لما سار حذيفة رضي الله عنه لبعض الغزوات وعاد قال لعثمان رضي الله عنه: إني رأيت أمراً عجيباً رأيت الناس يقول بعضهم لبعض قراءتي خير من قراءتك، فإن تركوا ليختلفوا في القرآن، فيكون لذلك أمر، فجمع عثمان الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم، فأشاروا عليه بجمعهم على مصحف واحد، فارسل إلى حفصة أمّ المؤمنين رضي الله عنها لترسل الصحف لتنسخ، وكان أبو بكر رضي الله عنه جمعها لما كثر قتل الصحابة رضي

الله عنهم باليمامة، وهو الجمع الأوّل، فأرسلتها إليه، فامر عثمان رضي الله عنه زيد بن ثابت وابن الزبير وسعيد بن العاصن. وعبد الرحمن بن الحارث، فنسخوها في مصاحف اختلف في عددها كما في شرح الرائبة للسخاوي رحمه الله وأرسل إلى كل مصر مصحفا، وحرّق ما سواها، فسمي كل من تلك المصاحف إماماً لا المصحف الذي كان عند عثمان وحده كما قيل. فإن قلت: قد قيل على ما ذكره المصتف رحمه الله أنّ جميع القراءات السبعة بل العشرة ثابتة في الإمام لأنهم قالوا: لا بد فيها من أمور ثلاثة صحة السند وموافقة قواعد العربية، ومطابقة الرسم العثماني الثابت في الإمام. قلت: المراد بالثبوت فيه الثبوت، ولو تقديراً كما فصله في النشر وقال: انظر كيف كتبوا الصراط، والمصيطرون باله ماد المبدلة من السين وعدلوا عن السين التي هي الأصل لتكون قراءة السين، وان خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة ولو كتب بالسين على الأصل فات وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم، فلا إشكال. قوله: (وجمعه شزط الخ) ظاهره أنّ هذا الجمع يكون له مطلقاً سواء ذكر أم أنث ولذا قدّمه، وقد قيل إنه إن ذكر جمع على أفعلة في القلة وعلى فعل في الكثرة كحمار وحمر وأحمرة وان أنث فقياسه أن يجمع على أفعل كذراع وأذرع، وفسر المستقيم وهو الذي لا اعوجاح فيه بالمستوى، وهو من قولهم سوّى الأرض والمكان فاستوى هو بأن لا يكون في سطحه وحدوده اختلاف، ومته قوله تعالى: {لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ} [النساء: 42] أي يوضع عليهم ترابها ويسطح. وقيل: وصف الطريق به له معنيان: أحدهما أنه مستو بنفسه. والآخر أنّ سالكه يستقيم فيه. وقوله: (كالطريق إلخ) هو مثله معنى وقيل: بينهما فرق، فإنّ الطريق ما يسلك مطلقاً، والسبيل ما هو معتاد السلوك والسراط ما لا عوجاح فيه يمنة، ويسرة فهو أخصها، فإن قيل فما فائدة وصفه حينئذ بالمستقيم قيل: لأنّ الصراط يطلق على ما فيه صعود أو هبوط، والمستقيم ما لا ميل فيه إلى شيء من الجوانب، وأصل الاستقامة في الشخص القائم. قوله: (والمراد به طريق الحق إلخ) هذان التفسيران رواهما ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكرهما المصنف والزمخشريّ إلاً أنّ الزمخشريّ قال المراد به طريق الحق وهو ملة الإسلام قجعلهما متحدين والمصتف رحمه الله تعالى أشار إلى الرد عليه وجعلهما متغايرين، وقد ذهب بعض أرباب الحواشي إلى أنّ الحق ما فهمه الزمخشريّ وقال ابن تيمية الخلاف بين السلف في التفسير قليل جدّا، وهو في الأحكام أكثر وغالب ما روي عنهم من الأوّل راجع إلى تنوّع العبارة وإليه أشار الزمخشريّ، وعلى ما فهمه المصئف هما متغايران إمّا لأنّ ملة الإسلام تختص بالأصول والإعتقاد، وطريق الحق أعمّ لشموله الفروع والأصول سواء فسر الحق هنا بما يخالف الباطل أو بأنه اسم الله فإنه ورد إطلاقه عليه، وهو مخالف لقوله قدس سرّه: إن ملة الإسلام تشمل الأحكام الأصلية والفرعية، وإن قيل: إنه مبني على مسلك الزمخشريّ. وقيل: طريق الحق مطلقاً تتناول ملة الإسلام، وما فيها من العبادة كما هو المناسب لتنوّع الهد اية. وقيل: طريق الحق أخصى لشمول ملة الإسلام للفرق الضالة كالقدرية. وقيل: اصحق أعمية الحق لشموله السير في الله، وما يترتب على الهداية من المراتب كما مرّ وقيل الطريق المستقيم هنا العبادة، لقوله تعالى: {وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 61] والقرآن يفسر بعضه بعضاً وفيه نظر، وقول الفاضل الليثي: إنه ليس المراد تعفق الهداية بجميع ملة الإسلام، بل ببعضها سواء أريد به التثبت أو الزيادة ناشىء من عدم النظر للوقوع، وعموم الطلب فتأمّل. قوله: (بدل من الأوّل الخ) بدل خبر مبتدأ مقدر أي هذا بدل من الصراط الأوّل. وقوله: (بدل الكل من الكل) بدل من البدل، وهو من حسن الإتفاق الذي سماه المتأخرون في البديع تسمية النوع، وقد عاب ابن مالك رحمه الله في بعض كتبه هذه العبارة على النحويين لأنّ الكلية لا تصح في مثل {صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. اللهِ} [إبراهيم: ا- 2] فإنها إنما تقال فيما ينقسم ويتجزئ، والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، فالأولى أن يقال فيه البدل الموافق أو المطابق. والورع البارد في نحوه يغنيك عنه النظرالحامي

وقوله: (وهو في حكم تكرير العامل) هذه عبارة مهذبة صادقة على مذهبي التقدير وعدمه فلا وجه لما قيل إنّ هذا مذهب الأخفش والرمّاني والفارسي وأكثر المتأخرين، وبدل عليه كلام صاحب الكشاف في بحث البدل من المفصل، لكن ذهب جماعة إلى أنّ العامل في البدل هو العامل في المبف ل منه، وعد الرضي صاحب الكشف منهم. قوله: (من حيث إنه المقصود إلخ) قيل: إنه إشارة إلى ما استدل به الفريق الأوّل على تقدير عامل من جنس الأوّل لكونه مستقلاً أو مقصودا بالذكر، واذا لم يشترط مطابقتة للمبدل منه تعريفا وتنكيراً. وأجيب: بأنّ استقلال الثاني، وكونه مقصودا يوذنان بأنّ العامل هو الأوّل لا مقدّر آخر لأنّ المتبوع أذن كالساقط، فكأنّ العامل لم يعمل في الأوّل، ولم يباشره بل عمل في الثاتي والمعتى أنه مهصود بالنسبة دون متبوعه، وبهذا فارق العطف، وأورد عليه أنّ صرف العامل عن المبدل منه إلى البدل ينافي تكريره. وأجيب عنه بأنه في حكم تكريره مع كلمة بل، وأورد عليه أنه لا يفهم من التكرير إلأ تقرير الأوّل وكلمة بل إضراب عنه، والحق أنّ الإضراب إنما هو من صرف خصوص نسبة العامل إلى خصوص آخر، ىأصل النسبة باق، فإن قلت النسبة تتغير بتغير أحد طرفيها قلت: إذا لم يكن " البدل أجنبيا عن المبدل مته لم تتغير بالكلية خصوصا في بدل الكل، فإنّ الإضراب فيه إنما هو باعتبار الوصف لا الذات، ثم إنما ذكر إنما يتأتى إذا كان للمبدل منه نسبة، فلا ينتقض بإبدال الجمل التي لا محل لها من الإعراب من مثلها، وقد جوّزه النحاة، وأهل المعاني، وترك المصئف رحمه الله ما استدل به في الكشاف لما فيه، كما لا يخفى على من له بصيرة نقادة. قوله: (وفأئدته التثيد إلخ) في الكشاف فائدة البدل التوكيد، لما فيه من التثنية والتكرير والإشعار بأنّ الطريق المستقيم بيانه، وتفسيره صراط المسلمين ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه، وآكده كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك ئنيت ذكره مجملاً أوّلاً، ومفصلاً ثانيا وأوقعت فلانا تفسيرا، وايضاحا للأكرم الأفضل فجعلته علما في الكرم والفضل، فكأنك قلت: من أراد رجلاً جامعاً للخصلتين فعليه بفلان، فهو المشخص المعين لاجتماعهما فيه من غير مدافع ولا منازع اهـ. وهو جواب عن نكتة التكرار والعدول عن الاختصار بأنه لفائدتين إحداهما قصده بالنسبة، وتكرير العامل حكما، والثانية تفسيره وبيانه به، ومذه مشتركة بينه وبين عطف البيان أو هي أظهر في الثاني، ومن دأب المصنف رحمه الله أنه إذا غير عبارة الكشاف، أو أسقط منها شيثاً أنه يشير بذلك إلى ردّ ضمني أو أنه غير مرضيّ، فلذا أسقط هنا تمثيله للبدل بالمنعوت المتقدم عليه نعته نحو أدلك على أكرم الناس زيد لأنه غير مسلم عند علماء المعاني، وفي المطوّل كل صفة أجرى عليها الموصوف نحو جاءني الفاضل الكامل زيد، فالأحسن أنّ الموصوف فيه عطف بيان لما فيه من إيضاح الصفة المبهمة، وفيه إشعار بكونه علما في هذه الصفة، وفي الحواشي الثريفية أنه أشار إلى أن جعله عطف بيان أحسن من جعله بدلاً من وجهين: أحدهما أنه يوضح تلك الصفة المبهمة، والإيضاح من شأن عطف البيان دون البدل والثاتي أنّ الإشعانة بكونه علما فيما ذكر إنما تتفرّع من جعل فلان تفسيرا للأكرم الأفضل، وايضاحا له فجعلته علماً في الكرم والفضل، ولا شك أنّ إيضاج المتبوع وتفسيره فائدة عطف البيان دون البدل، ولك أن تقول أنه اختار البدل في الآية وذكر له فائدتين الأولى تأكيد النسبة بناء على أنّ البدل في حكم تكرير العامل والثانية الإشعار بأنّ الطريق المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين فيكون ذلك شهادة لصراطهم بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، ولا خفاء في أنّ هاتين الفائدتين مطلوبتان في الآية الكريمة، فوجب أن يختار فيها البدل لأنّ الفائدة الأولى مختصة به، وأمّا الثانية فتحصل منه أيضا إذ قد يقصد ببدل الكل تفسير المتبوع، وايضاحه كما سيأتي إلآ أن ذلك لا يكون مقصودا أصليا منه كما في عطف البيان، وانما شبهه بقولك: هل أدلك إلخ إذا ورد في مقام ية صحمد فيه تكرير النسبة، وايضاح المتبوع معاً لا مطلقاً، وهناك يتعين البدل ولا يجوز عطف

البيان فضلاً عن أن يكون أحسن، ولا بد من اعتبار هذا التقييد في التشبيه به ليوافق المشبه، ويتحصل به غرضه اهـ. والحاصل أنّ المبدل منه إذا كان وصفاً لفظاً أو تقديرا أثر في العناية بالبدل والقصد إليه فجعله في نية الطرح وجعل اسم الذات تابعاً له يومىء إلى أنّ تلك الصفات كمشخصاته التي يدل عليها اسمه، وانّ ثبوتها له أمر ظاهر مسفم وهي نكتة بديعة يشعر بها الكلام. وبالغ المصتف رحمه الله في ذلك فجعله نصا فيها إلاً أنهم اختلفوا فيها، وفي منشئها فمنهم من جعله توضيح الموصوف باسم الذات، وجعله مشتركا بين البدل وعطف البيان، والمرجح للبدلية أمر خارج، وهو الفائدة الأولى المخصوصة به، وجعله قدس سرّه مجموع الفائدتين، فيختص بالبدل لأنّ الثانية متفرّعة على التأكيد بالوجهين، والإشعاو بأنّ الطريق المستقيم بيانه، وتفسيره صراط المسلمين، كما أوضحوه والتفصيل بعد الإجمال أبين وأقوى في الشهادة، وتكرير العامل يوذن بالقصد فيجب أن يكون علماً في الصفة المذكورة ليكون، أوفى بتأدية ما قصد من اتصافه بالصفة المذكورة، فيستحق أن يستأنف القصد إليه، ولذا رجح المدقق في الكشف كونه بدلاً في الآية، والمثال مطلقاً على كونه عطف بيان، لأنّ استئناف القصد يدل على أنه أوضح من الأوّل في إفادة المقصود، فيلزم أن يكون هو الشخص غير مدافع ولا منازع اهـ. وما أورد على الشريف من أنه يأباه عدم تعرّض الزمخشريّ في بيانها لتكرير العامل والنسبة كما ترى ليس بشيء، فإنه قدس سرّه إنما جزم بما ذكره لقوله في الكشاف لما فيه من التثنية والتكرير لأن جعلهما بمعنى قليل الجدوى، فحمل التثية على تكرير لفظه لتبادره منه وحمل التكرير على تكرير العامل والنسبة، وقرينة الأوّل ظاهرة، وقرينة الثاني اشتهاره في البدل. وقوله: (المشهود عليه) عداه بعلى لتضمته معنى المحكوم أو المجمع، وفي الكشاف المشهود له قيل: وتعبيره أوّلاً بالمسلمين، وثانياً بالمؤمنين إيماء لترادف الإيمان والإسلام وقيل: لاتحادهما صدقا فلا ينافيه تصريحه في شرح المصابيح بتباينهما وأنّ {الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} المؤمنون، وأن النعمة الإيمان إذ لا نعمة أعظم منه، ولذا أطلق لأنّ المنعم عليه بها كانه منعم عليه بجميع النعم. وقوله: (لأنه جعل إلخ) تعليل للتنصيص. وقيل: إنه تعليل لقوله على آكد وجه. قوله: (من البين الذي لا خفاء فيه إلخ) قيل: عليه جعله بيانا، وتفسيراً للطريق المستقيم يقتضي أن لا يكون كون الطريق المستقيم طريق المؤمنين كالبين الذي لا خفاء فيه بل إنما يقتضي كون طريق المؤمنين علماً في الاستقامة متعينا ليصح تفسير المبهم به، وقيل: إنه إنما يرد إذا كان المقصود من التفسير دفع الإبهام، وأمّا إذا لم يقصد مته ذلك، وقصد كون المذكور في معرض التفسير علماً بيناً متعيناً على ما ذكره بقرينة كمال ظهوره فلا يرد ذلك، فإن فلت: سلمتا أنّ التفسير حينئذ لا يقتضي ذلك لكن كونه من البين الذي لا خفاء فيه من أين يفهم قلت: إذا تقرّر كون طريق المؤمنين كالعلم المتعين في الاستقامة مع ادّعائه أنّ هذه العلمية والتعين مشهود عليه معلوم عند كل أحد يفهم منه ذلك بلا شبهة. قوله: (وقيل الذين أنعمت عليهم الأنبياء إلخ) عطف على ما فهم مما سبق من انه طريق المؤنين مطلقاً وهو المنقول عن السدّي وقتادة، وصراطهم المطلوب هدايتنا إليه ما توافقوا عليه من التوحيد، وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها فإنها ليست صراطاً مضافا للكل، أو ما اشتمل على التوحيد والعبادة والعدل واجتناب المعاصي والعمليات التي لم تنسخ، والنبوّة أجل النعم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأمم، وفي الدر المنثور عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسره بطريق من أنعمت عليهم من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين، ومن أطاعه وعبده، وهو يشمل الأقوال الثلاثة، ويوافق قوله تعالى {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ} [مريم، الآية: 58] الآية. قوله: (وقيل أصحاب موسى الخ) أي المصدقون بهما وبما جاءا به قبل ما صدر من بعضهم من التحريف وقبل نسخ شيء مما جاءا به وهذا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وخصوا لشهرة أمرهم وكثرتهم ووجودهم في عصر نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام والتحريف تغيير ما في الكتابين كذكر نبئنا صلى الله عليه وسلم حيث أرادوا إخفاءه ويابى الله إلاً أن يتم نوره، ولو كره الكافرون، والنسخ رفع بعض الأحكام من شريعتهم وانتهاؤها، قيل: وفيه لف ونشر

مرتب، فالأوّل بالنسبة لأصحاب موسى عليه الصلاة والسلام، والثاني بالنسبة لأصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام، والظاهر أن كلاً منهما بالنسبة إلى كل منهما وقيل: هم مؤمنو الأمم السابقة وقيل: هم المؤمنون مطلقاً، وهو الأولى والأنسب، وليس بزائد على ما مرّ كما توهم. واعلم أنّ التوراة والإنجيل اللذين عند اليهود والنصارى الآن اختلف فيهما هل هما مبدلان ومحرّفان لفظا أو تأويلاً، فأمّا التوراة فأفرط فيها قوم وقالوا كلها أو جلها مبدل حتى جوّزوا الاستنجاء بها، فليست المنزلة على موسى عليه الصلاة والسلام، وذهبت طائفة من الفقهاء والمحدّثين إلى أنّ ذلك إنما وقع في التأويل فقط كما صرّح به البخاري، واختاره الفخر الرازي وغيره لقوله تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [أل عمران: 93] وهو أمر للنبيّ عليه الصلاة والسلام بالاحتجاج بها والمبدّل لا يحتج به، ولما اختلفوا في الرجم لم يمكنهم تغيير آيته منها، وتوسطت طائفة وهو الحق فقالوا: بدل بعض منها وحرف لفظه، وأوّل بعض منها بغير المراد منه، وإنه لم يعط منها موسى عليه الصلاة والسلام لبني إسرائيل غير سورة واحدة، وجعل ما عداها عند أولاد هارون، فلم تزل عندهم حتى قتلوا عن آخرهم في وقعة بختنصر، وبعد ذلك جمع عزير بعضاً منها ممن حفظها، فهو الذي عندهم اليوم وليس أصلها وفيه زيادة ونقص، واختلاف ترجمة وتأويل، وأمّا الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاظه ومعانيه، وهو مختلف النسخ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه المفيد في التوحيد. قوله: (صراط من أنعمت) فيه دليل على جواز إطلاق الأسماء المبهمة كمن على الله كما ورد في الأحاديث المشهورة يا من بيده الخير ونحوه، فلا يغرنك ما نقله الحفيد عن صاحب المتوسط من منعه. قوله: (والإنعام للصال النعمة إلخ) قال الراغب: النعمة الحالة الحسنة، لأنّ بناء الفعلة بالكسر للهيئة كالجلسة والركبة والنعمة بالفتح للمرّة كالضربة، وهو بمعنى التنعم، ولذا قيل كم ذي نعمة لا نعمة له أي لا يتنعم بما رزقه الله، والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير من العقلاء كما قاله الراغب فلا يقال: أنعم على فرسه، ولذا قيل إنّ النعمة نفع الإنسان من هو دونه لغير عوض، والنعماء إزالة الضراء، والنعمى ضد البؤسى ونعمه بالتشديد جعله في نعيم، ولين عيش وناعم وناعمة من نعومة المسلمين، وأصل معناه لغة من النعمة بالفتح، وأصله في المستلذات الحسية، ثم أطلقت على المعنوية، كنعمة الإسلام لأنّ اللذة عند المحققين أمر تحمد عاقبته، ولذا خصها بعضهم بالمعارف، وقيل: لا نعمة لله على كافر، ولما فيها من الإيصال والإنهاء كان حقها أن تعدّى بإلى لكنها عديت بعلى إشارة لعلو المنعم، ولذا قيل اليد العليا خير من اليد السفلى فقوله: من النعمة بالفتح، وهي اللين ظاهر، وفي نسخة من نعمة الإسلام؟ وهي الدين وهي صحيحة أيضا، وليست تحريفا لأنّ إضافته بيانية قال تعالى: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ} [سورة البقرة: 211] وكذا ما في بعضها من النعهمة، وهي الدين مع ما فيه من الركاكة، ولا ينافي تخصيصها بنعمة الإسلام الإطلاق المستفاد من ظاهره لشمول الإسلام لكل نعمة، وششلذ. بمعنى يجده لذيذاً وقد يعدى بالباء، وعدى الإطلاق باللام، وهو معدّى بعلى لكونه بمعنى الاسنعمال أي استعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة، فهو من إطلاق المسبب على السبب. وقوله: (لا تحصى) أي لا تعد أنواعها فضلاً عن أفرادها قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} [النحل: 8 ا] أي نعمه تعالى، لأنّ الإضافة تفيد ما تفيده اللام قيل: وقيه نكتة حيث قال: نعمة دون نعم مع أنّ عدّ الواحد هين بل ليس هو بعدد لاشتمال كل فرد منها على نعم لا تحص كنعمة الصحة مثلاً، لو أريد تفصيلها جزءاً جزءا ظاهرا وباطنا أعجزت العادّ، وفسرها بعض الفضلاء بقوله: إن تشرعوا في عد أفراد نعمة من نعمه لا تطيقوه فتدبر. قوله: (روحانئ كنفخ الروح إلخ) تحقيق التسوية ونفخ الروح على ما نقله في كتاب الروح عن حجة الإسلام أنّ التسوية تهيئة المحل القابل للروح، كطينة آدم عليه الصلاة والسلام ونطفة بنيه، لأن يقبلها كالفتيلة التي تتقد بشرب الدهن لتعلق النار بها، وأصل النفخ إخراح هواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ، وهو غير متصوّر في حقه تعالى، إلاً أنّ النفخ لما كان سبباً لاشتعال النار في بعض الأجساد، ويعذ ذلك نتيجة له عبر عن نتيجة النفخ بالنفخ وان لم يكن على صورة النفخ، والسبب الذي اشتعل به نور الروح في فتيلة النطفة

صفة في الفاعل وصفة في المحل القابل، فالأوّل الجود الإلهيّ الذي هو ينبوع الوجود على ما يقبله وصفة القابل هو الاعتدال الحاصل بالتسوية، كما قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] وهو في الأصل استعارة تمثيلية أو تصريحية أو مجاز مرسل، ثم صار حقيقة شرعية في فيض الأرواح على ذويها، وسيأني إن شاء الله تعالى تفصيله في سورة الحجر وما قاله المصئف فيه، ثم إنّ المصتف رحمه الله قسم ومثل بالأنعام تسمحاً، أو المراد الحاصل بالمصدر وتقسيمه على سبيل منع الخلو، فلا يرد عليه أنّ معرفة الله تعالى دنيوية وأخروية، ولا حاجة إلى ادّعاء تغايرهما ونحوه، وبدؤه بما ذكر إشارة إلى أنّ الحياة أصل النعم وأنها نعمة في ذاتها ويتوقف جمليها الانتفاع بغيرها والشيء لا يكمل إلآ إذا أمكن الانتفاع به، وما قيل نقلاً عن التأويلات النهجة أنّ النعم. إمّا ظاهرة كإرسال الرسل وانزال الكتب والتوفيق لقبوله وإتيانه به والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية. وإمّا باطنة وهي ما أصاب الأرواح في عالم الذرّ من رشاس نور النور: وأوّل الغيث قطر ثم ينسكب فكان على المصنف أن يدخله في تقسيمه ليس بشيء لدخول ما ذكر في الروحاني، إذ نعمة العقل والفهم إنما تعد نعمة إذا اهتدى بها للتصديق بما ذكر، وقيل: إنه لم يتعرّض لها لأنه لم يلتزم تعداد جزئيات النعم، وانما حصر أجناسها وهذه داخلة في النعم الدنيوية الموهبية، وقد جعل أيضا قسمي الموهبية من الدنيوية نظرا إلى أنها موهبة في الدنيا حالاً، وان كانت من الأخروية مالاً، والروحاني بضم الراء ما فيه الروح، وكذلك النسبة إلى الملك والجن، وهي نسبة على خلاف القياس، وأراد به هنا ما يقابل الجسماني مما يتعفق بالروح، وجسماني بالضم نسبة إلى الجسمان وهو الجسم، والجثمان بالثاء المثلثة بمعناه أيضا، ولك أن تقول إنه الروح لمشاكلته الجسماني. قوله: (وإشراقه بالعقل) ضمير إشراقه للمنفوخ فيه المعلوم من النفخ، وفيل: هو للإنسان أو للبدن كضمير فيه لفهمه من السياق وأرجعه بعضهم للروح لتأويله بمذكر، فإنها مؤنث سماعيّ، والعقل قوّة للنفس تدرك بها الكليات والجزئيات المجردة، ويتبعها ذلك الإدراك ويسمى نطقا وهو المراد بالناطق في تعريف الإنسان، ويكون بمعنى ما يعبر به عما في الضمير، وهذا معناه الحقيقي في اللغة والعرف العامّ، والفكر ترتيب أمور معلومة لتؤدّي إلى مجهول، والكلام عليه مفصل في محله وعلم ما أدى إليه الفكر هو الفهم وهذه أمور كسبية، والقوى جمع قوّة والمراد بها النفسانية التي هي مبدأ النطق وأخويه قيل: وهي عين العقل ومتحدة بقوّة الفهم ويتبعها أيضا سرعة الانتقال إلى المطالب، ويمكن أن يطلق عليه الفهم والذكر، وهو العلم بالشيء بعد ذهابه عن النفس ويطلق عليه الفكر والتعبير عما في النفس نطق، والآخر كسبيّ، والأولان قد يكونان فيما للاختيار دخل فيه، ومباديها قوى موهبية تابعة للعقل، فينبغي أن يحمل عليها إذا عرفت هذا، فالتمثيل بالنطق لا يخفى ما فيه لأنه بمعنى إدراك الكليات كسبيّ، كما برهن عليه في المنطق والقوّة التي هي مبدؤه عين العقل، وهو بمعنى التكقم أو مبدئه جسمانيّ، وجعل للعقل إشراقا على طريق التمثيل لأنه نور إلهيّ، وقد عرّف بذلك وقيل القوى تعم الحواس الظاهرة والباطنة لكن قوله كالفهم إلخ يقتضي تعميمه بحيث يشملهما، وادراكهما وادراك العقل وما يترتب عليه، والفهم المطلق بمعنى الإدراك، والفكر ترتيب المعلومات والنطق إدراك الكليات أو ما يعبر به عنها والقوى البدنية كالنامية وأخواتها، ويحتمل أن يراد بها ما يعم الحواس، ويراد بالأولى الإدراكات، فإنها يقوى بها العقل فتدبر. قوله: (كتخليق البدن إلخ) البدن والجسد بمعنى، وقد يفرق بينهما وتخليقه إعطاؤه خلقه، وتكميل بنيته والقوى الحالة فيه معطوف على تخليق، والمراد بها القوى الطبيعية التي قسمها الحكماء والأطباء إلى خادمة ومخدومة متصرّفة لأجل التشخص أو لأجل النوع كالنامية والغاذية والجاذبة والدافعة، والهيئات العارضة جمع هيئة، وهي عندهم مرادفة للعرض فقوله العارضة أي للبدن صفة مفسرة. وقوله: (من الصحة إلخ) بيان لها، فإنّ الصحة عندهم هيئة بدنية تكون الأفعال بها سليمة لذاتها ويقابلها المرض، وكمال الأعضاء ظاهر. قوله: (والكسبي إلخ) الظاهر أنّ الكسبي أعمّ من أن يكون ووحانياً كتزكية النفس، أو جسمانياً كتزيين البدن، أو خارجا عنهما وسيلة

إليهما كحصول المال، وقيل: إن الكسبيّ ينقسم أيضاً إلى روحانيّ وجسماني، والمصتف رحمه الله أشار إلى الأوّل بتزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق والملكات الفاضلة، وإلى الثاني بتزيين البدن إلخ وأورد عليه أن جعل حصول المال والجاه من الجسماني تكلّف، والمراد بالكسبيّ ما للكسب مدخل فيه، وإن لم يستقل به، ولا يرد عليه الصحة لأنها قد تحصل بمعالجات طبية كما توهم لأنّ أصل الصحة لا دخل للكسب فيها والمعالجات إنما هي لدفع ما يضادّها كما صرّحوا به، وتزكية النفس تطهيرها من دنس النقائمى، وفي كلامه إشارة إلى أنّ التخلية بالإعجام مقدّمة على انتحلية بالمهملة، والملكات شاملة للصانع، والمطبوعة بمعنى المقبولة الراجحة في ميزان الطبيعة، وقد وقع هذا اللفظ بهذا المعنى في كلام من يوثق به كالثعالبي، وقال المرزوقي: الشعر منه مصنوع ومطبوع، فلا عبرة بإنكار بعضهم له. وقوله: إنه لم يوجد في اللغة، وفي مفردات السمين، ومن خطه نقلت طبعت البكيال ملأته لكون الملء، كالعلامة المانعة عن تناول ما فيه، والطبع المطبوع أي المملوء اهـ وكذا قال الراغب. وفي كلام علي رضي الله عنه العقل عقلان مطبوع ومسموع، وهو فيه بمعنى الجبليّ، وفسر هنا بالعارضة لنفس البدن كتطهيره من الأوساخ وقمى الشارب ونحوه مما يورث البدن زينة والحلي بكسر الحاء مقصور جمع حلية، وهي الزينة المجاورة للبدن كاللباس، وجوّز فيه ضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء. قوله: (أن ينفر إلخ الم يتعرّض لتقسيمه، كما مرّ لعدم تعفق الغرض به، وقد قسم إلى روحاني كعلم ما لهم من الرضوان وجسمانيّ، كنعيم الجنة المحسوس، ووهبي كمغفرة الله وعفوه، وكسبي كجزاء الأعمال، وقيل: ليس فيها كسبي لأنه لا يجب على الله شيء ولكل وجهة، ويبوّئه مضارع بوّأه بباء موحدة، ثم واو مشددة وهمزة من التبوئة، وهي الإسكان، وعليين أعلى الجتة، أو موضع في السماء السابعة تصعد إليه أرواح المؤمنين، وهو في الأصل جمع علية أو عليّ بمعنى الغرفة أو لا واحد له، وجمعه جمع سلامة على خلاف القياس، وأبد الآبف ين كدهر الداهرين يستعمل للتأبيد والخلود. وفي القاموس: الأبد محركة الدهر والجمع آباد وأبود، والدائم والقديم الأزليّ، والولد الذي أتت عليه سنة، ولا آتيه أبد الأبدية، وأبد الآبدين وأبد الأبدين، كأرضين، وأبد الأبد محرّكة، وأبد الأبيد وأبد الآباد وأبد الدهر، وأبيد الأبيد بمعنى اهـ فالآبدين جمع آبد وهو مبالغة الأبد كما أنّ الداهر مبالغة الدهر لزيادة المبالغة بالياء والنون على خلاف القياس أو المراد بالآبد الدائم جمع بهما تغليباً للعقلاء كالعالمين وإضافة الأبد للمبالغة. وقوله: (فرط منه) بالفاء وتخفيف الراء يقال فرط من باب قتلى إذا تقدّم، والمراد ما فعله قبل من الذنوب، وهو إشارة إلى ما فيه من التخلية والتحلية. قوله: (والمراد هو القسم الأخير إلخ) أي المراد بالإنعام المدلول عليه بقوله: أنعمت النعم الأخروية، وما يتوصل بها إليها من الدنيوية، كتزكية النفس وما معها لا ما قبله لأنه لا يخص المؤمن، فلا وجه لإدراجه في الدعاء بنيله ولا يرد عليه أنه داخل في الوصلة، وإن لم يختص، فلا حاجة إلى حمل ألوصلة على ما يشمل القريبة والبعيدة ويتكلف تاويله والتعبير بالماضي لتغليب ما مضى منه لتوقف النعم الأخروية عليه، وإن كانت أجل، وقيل: إنه لتحققه أو لأن المراد أنعمت عليهم في علمك ففيه استعارة تبعية، والأوّل أحسن وأولى، وفي كلامه إشارة إلى ما ارتضاه من تفسير الذين أنعمت عليهم بالمؤمنين لا أنه شامل لجميع المكلفين كما توهم، وقيل: إنه يلزمه جعل ترك الأولى من الأولياء والأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الزلات المغتفرة إلاً أن يجعل الأوّل للمذنب والأخيران للمعصوم مع أنه، وإن خالف صريح كلامه غير محتاج إليه رأساً ولا مخالفة بين المصنف والزمخشريّ، كما توهمه السيوطي، وعبارته في الكشاف: الذين أنعمت عليهم هم المؤمنون، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام لأنّ من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلاً أصابته واشتملت عليه، وإنما عدل عنه المصتف رحمه الله إلى ما هو أخصر وأظهر لما يوهم من مخالفة ما تقرّر في الأصول، إذ لم يفرق فيه بين المطلق والعامّ مع ظهور الفرق بينهما، وهذا إنما نشأ من عدم الفرق بين المطلق اللغوي والأصولي، والمراد الأوّل كما أشار إليه في الكشف، وأوضحه قدس سرّه فقال: المراد أنه لم يقيده بشيء معين مما يتعدى إليه بالباء ليستغرق بمعونة

المقام كل إنعام بنعمة ولما كان هذا الشمول ادّعائياً قال: لأنّ من أنعم إلخ ومن لم يفهم ما قالوه هنا قال بعدما أورد من كلامهم أقول ينافي هذا التأويل إسناد العموم إلى الإطلاق إذ لو قيد وقيل: أنعمت عليهم بنعمة الإسلام، أو الذين أنعمتة عليهم يستفاد منه العموم، ولا دخل للإطلاق في إفادة العموم فحينئذ يكون الحذف للاختصار، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد أنّ مفعول أنعمت المحذوف هو نعمة الإسلام حتى يرد عليه ما ذكر بل هو عام، وجعل المطلوب باهدنا الذي هو سلوك طريق الإسلام عامّا إنما استفيد من تقييد الطلب بصراط من أنعمت، وتعليقه به على ادّعاء إن الإسلام كل نعمة، وقد خبط خبط عشواء، ولم يهتد للصراط المستقيم وهو أظهر من أن يخفى. قوله: (يشترك إلخ (في بدائع ابن القيم اختلف السلف هل لله على كافر نعمة فقيل: لا نعمة له عليه لظاهر قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ} [مريم: 58] الآية وقيل: قد يكون منعماً عليه، والصواب إنّ مطلق النعم يعم البرّ والفاجر والنعم التامّة مختصة بالمؤمنين لاتصالها بسعادة الأبد وهو الحق اهـ وهو ملخص كلام الإمام هنا. قوله: (بدل من الذين أو صفة إلخ) قدم البدلية إشارة لترجيحها لما فيها من وجوه المبالغة والنكت السالفة، وهو بدل كل من كل ولم يجعله بدلاً من ضمير عليهم لا لأنه يلزم خلو الصلة عن الضمير لأنّ المبدل منه ليس في نية الطرح حقيقة، كما يتوهم بل لأنه لا يخلو من الركاكة بحسب المعنى، وهذا مختار أبي عليّ، وقول أبي حيان: إنه ضعيف لأنّ غير في أصل وضعه صفة بمعنى مغاير والبدل بالوصف ضعيف ولذا أعربه سيبوبه صفة غير متجه لأنّ غير أغلبت عليه الإسمية، ولذا كان في الأكثر غير مجرى وقدم الصفة المبينة، وهي الكاشفة المنزلة منزلة التعريف كما صرّحوا به، لأنّ المنعم عليهم بالإسلام المهتدين لطريق الاستقامة لا يكونون من أهل الغضب، واذا أريد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالأمر ظاهر، ولذا لم يبينه صريحاً لأنّ قوله على إلخ يحتمل رجوعه إلى الوجوه الثلاثة أماة الآوّل فلكونه عينه ولأنّ الصفة والموصوف كشيء واحد لما مز، ومنهم من أرجعه إلى الأوّل فقط وجعل قوله هم الذين سلموا نظير ما مرّ من قوله فهو المشخص المعين، وهذا بناء على ما وقع في بعض النسخ، وهو بدل من الذين على معنى أنّ المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال، أو صفة له مبينة أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من الغضب والضلال اهـ وهذه عبارة الكشاف بعينها وفي بعض الحواشي هنا تصخيح هذا الوجه أيضا فيتجه حينئذ وقال قدس سرّه: إذا جعل غير المغضوب بدلاً من الذين أريد بالثاني الذات مع قصد تكرير العامل وتفسير المبهم، فيؤخذ منه تلك المبالغات، فقوله: هم الذين سلموا نظير لقوله: فهو المشخص المعين، وبذلك يظهر أن الإبدال أوقع، وإن جعل صفة كان المعنى أنهم جمعوا بين النعم المطلقة التي أثبتت لهم بطريق الصلة وبين السلامة التي أثبتت لهم بطريق الصفة، وفي قوله: ههنا نعمة الإيمان إشاوة إلى أنّ الإيمان متحد بالإسلام ومشتمل على الأعمال كما هو مذهبه، وحينئذ يكون الوصف بالسلامة من الغضب والضلال بعد إثبات ألإيمان تأكيداً لا تقييداً وتخصيصا، وهو المراد بالصفة المقيدة إلآ إذا حمل الإيمان على التصمديق وحده أو مع الإقرار كما ذهب إليه غيره اهـ. ومما مرّ علم معنى المبينة والمقيدة وأنّ الإيمان إن شمل الأعمال فالصفة مبينة والآ فهي مقيدة، وقد أورد على ما في الحواشي الشريفية أنّ قوله، فهو المشخص المعين حكم على البدل بالتشخص والتعين بما يشتمل عليه المبدل منه من الصفة الذي هو كالعلم فيها، وقوله: هم الذين سلموا حكم على المبدل منه بالبدل وانحصار الأوّل في الثاني، أو عكسه بل هو حكم بالاتحاد، وهو المناسب لكون الثاني تفسيرا للأوّل فكيف يكون نظيراً له، ويمكن أن يقال إذا أريد به قصر المسند إليه على المسند أفاد ما يفيده. قوله: فهو المشخص المعين إلخ من الحصر. وهذه العبارة في كلام المصتف رحمه الله نظير قوله الطريق المستقيم ما يكون طريق المؤمنين لا نظير قوله: طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة، ثم جعله بدلاً على تقدير كون الموصول عبارة عن كمل المؤمنين المشتمل إيمانهم على الأعمال والمراد بالمغضوب عليهم والضالين مطلقهما كما يشعر به

قوله سلموا من الغضب والضلال، ليكون ذات البدل عين ذات المبدل منه، وان اكتفى في اتحادهما ذاتا بمجرد صدق أحدهما على ما صدق عليه الآخر، فلا يخفى أن ما ذكر من الفائدة يتوقف على ما ذكرنا وتعقب هذا بأنه صح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما في الدرّ المنثور وغيره أن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى، فلو كان الموصول عبارة عن مطلق المؤمنين وأبدل منه غير الفريقين كان حسناً بلا محذور وحينئذ يفسر قول المصنف رحمه الله سلموا إلخ بالسلامة عن مثل الغضب والضلال الكائن فيهما، ومنهم من قال في تفسيره: إنه قد سبق أنّ المراد بالموصول المؤمنون، وقيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل أصحاب موسى وعيسى إلخ فإن كان الأوّل، فالمراد بالمغضوب عليهم والضالين إن كان الذين أريد الانتقام منهم والعادلين عن الطريق السويّ، أو العصاة والجاهلين بالله فالصفة مقيدة إلاً أن يراد المؤمنون إيمانا كاملاَ كما يدل عليه قوله فيما سيأتي لأنّ المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة الحق لذاته والخير للعمل به، وإن كان اليهود والنصارى فمبينة بل مؤكدة وان كان الثاني فمبينة على أي تفسير فسر المغضوب عليهم والضالين، وإن كان الثالث فكالأوّل، ثم إنّ قوله فيما سبق والمراد هو القسم الأخير إلخ يشير إلى وجه آخر، وهو أنّ المراد بالموصول المنعم عليهم بالنعم الأخروية، وما يتوصل به إليها من الدنيوية فإن حمل على المنعم عليه بجميع ذلك فالصفة مبينة، وان حمل على المنعم عليه في الجملة فمقيدة على المعنى الأوّل والثاني للمغضوب عليهم والضالين، ومبينة على المعنى الثالث. قوله: (على معنى أنّ المنعم إلخ) قيل فيما مرّ دلالة على أنّ الإيمان ينافي العصيان. وقوله: (على معنى إلخ) إنما يلائم الابدال والوصف الكاشف لا الوصف المقيد المخصص لأنّ المنعم عليه على هذا التقدير يكون أعمّ، فلا يصح الحمل هو هو إذ لا يقال الحيوان هو الإنسان، فكان عليه أن يؤخر قوله أو مقيدة عن هذا التفسير لثلا يقع الفصل بالأجنبي بين المفسر والمفسر، وهذا مع أنه غير مسلم إنما يرد على غير ما في النسخة الأولى، وقيل إنه إشارة إلى حمل الموصول على المؤمنين والنعمة على الإيمان والمغضوب عليهم والضالين على الأوّل أو الثاني، ويجوز أن يراد أيضاً أنها مبينة بحسب الظاهر، ومقيدة بحسب العاقبة والنظر إلى الموافاة، ثم إنّ لفظ الذين يقع صفة وموصوفاً بخلاف من وما من الموصولات فإنهما لا يوصف بهما كما في الرضى وغيره من كتب العريية، وفي نسخة بين النعم المطلقة التي أثبتت لهم بطريق الصلة، وبين السلامة من الغضب والضلالة التي أثبتت لهم بطريق الصفة وسمي الإيمان نعمة مطلقة لاشتماله على سعادة النشأتين، فكأنه مشتمل على جميع النعم فينصرف المطلق إليه. قوله: (وذلك إنما يصح الخ) إشارة إلى الوصفية أو اصا سبق، وهو جواب عن سؤال مقدّر وهو أن غير أو مثلاَ ونحوهما من الأسماء المتوغلة في الإبهام قال النحاة: إنها لا تتعرّف بالإضافة، فلا يوصف بها المعرفة ولا يبدل على المشهور من مغ إبدال النكرة من المعرفة كما سيأتي، فما وجه ما مرّ من تجويز ما ينافيه فأجاب بوجهين إمّا من جانب الموصوف أو من جانب الصفة، فالأوّل أنّ الموصوف هنا معنى كالنكرة، فيصح أن يوصف بها لأنه لم يرد بالذين أنعمت عليهم قوم بأعيانهم ولا جميعهم، فهو عهد ذهني وحكمه حكم النكرة وإن جاز مراعاة لفظه، وظاهره بمعاملته معاملة المعرفة والموصول حكمه حكم المعرف باللام، فتجري فيه أقسامه وأحكامه هذا محصل ما قرّروه هنا، ولما وود عليه أنّ الموصول حمل أوّلاً على المؤمنين أو أصحاب موسى وعيسى أو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو معهود خارجيّ ولو سلم عدم العهدية في الأوّل، فلا ينبغي سلبها على الإطلاق لعدم جربه على جميع الوجوه أشار الشارح المحقق إلى دفعه بأنه جواب جدليّ أي لا نسلم أنّ غير المغضوب على تقدير الوصفية صفة للمعرفة، ولو سلم فلا نسلم أنه نكرة ومعوّل الزمخشريّ على تعريف غير، ولذا أخره وقال قدّس سرّه: يجوز أن يريد بما ذكره أو لا طائفة من المؤمنين لا بأعيانهم وإذا حمل على الاستغراق المتبادر من العبارة تعين أن يكون ما ذكر في الجواب وجهاً رابعاً لتلك الثلاثة، وهو العهد الذهني كما يشهد له. تشبيهه بقول الشاعر، وذكر بعضهم أنّ المستغرق لا يحيط العلم بحصره لكثرته فاشبه النكرة، وعومل معاملتها، وهذا مع كدم اشتهاره في الاسنعمال يدفعه

ذلك التثبيه دفعاً ظاهراً، واعترض عليه بأنه تعسف يأباه النظر الصحيح، وحمل الموصول على ما ذكر مع بعده غير مناسب لجعل طريقهم مشهودا عليه بالإشقامة علماً فيها مع أنه يؤل بالآخرة لذلك، ولا فرق بين كونه جدلياً، وكونه وجها آخر غير ما قدّمه (بقي ههنا بحبث ينبني التنببه له) : فإنّ أهل الأصول جعلوا الموصول من صيغ العموم. والنحويون وأهل المعاني، جعلوه معرفة، وقالوا تعريفه بالعهد الذي في الصلة على ما حقق في شرح الرسالة الوضعية وكلامهم هنا على أنّ المقصود من الموصول أما المعهود الذي هو حصة معينة من الجنس أو الجنس من حيث تحققه في ضمن فرد مّا، وهذه مسالك متباعدة أو متنافية متنافرة، وقول المحقق هنا بعدما قرّر الجواب نعم يتجه أن يقال: جواز الوصف بالنكرة إنما يكون إذا أريد البعض المبهم كاللثيم ولا كذلك الموصول ههنا فكأنه مال إلى تعريف غير وعول عليه، ولذا أخره ليس بشاف فليحرّر وقوله كالمحلي باللام هذه عبارة مشهورة لأهل العربية، فيقولون للمعرف باللام محلي جعلوا التعريف حلة للنكرة، فهو استعارة صار حقيقة اصطلاحية فيما ذكر، وقيل إن التعبير إشارة إلى أن اللام لمجرّد تزيين اللفظ من غير زيادة معنى فيه. وفيه نظر. قوله: (ولقد أمرّ على اللئيم إلخ) هذا الشعر لرجل من بني سلول وهو هكذا: ولقدأمرّعلى اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لايعنيني غضبان ممتلئاعليّ إهابه إني وربك سخطه يرضيني وروى فأعف ثم أقول وكون جملة يسبني صفة أظهر دلالة على المعنى المقصود منه، وهو التمدّح بالوقار لأنّ المعنى على لئيم عادته المستمرّة سبه لي، وهو اقعد وأدل على ما أراد ولا شك أنه لم يرد كل لئيم ولا لئيماً معينا وأمرّ بمعنى مررت، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية كما في خصائص ابن جني أو للاستمرار التجددي وهذا أولى من جعل قوله: فمضيت قرينة على أنّ المراد بأمر مررت فمضيت بمعنى أمضي، وعبر به للدلالة على تحقق إعراضه عنه، ولم يرتضوا الحالية في جملة يسبني لأنّ المعنى ليس على تقييد المرور بحال السب بل على أنّ مروراً مستمرّا في أوقات متعاقبة على لئيم مّا من اللئام اتخذ سبه دأبا له، وهو يضرب عنه صفحا لاغضائه عن السفهاء وقد قالوا ما تساث اثنان الآ غلب ألامهما فالسكوت أجمل، وقال بعض الأعراب: لايغضب الحرّعلى سفلة ~ والحرّ لا يغضبه النذل إذا لئيم سبني جهده ~ أقول زدني فلي الفضل ولذا قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] ولا يعنيني بمعنى لا يريدني أو لا يهمني الاشتغال به، والانتقام منه وقيل: كأنه يسب نفسه في تصوّرها بصورة أخرى وثمت، ثم العاطفة، وتختص زيادة التاء فيها بعطف الجمل عند المازني وخالفه بعض النحاة فيه، وهي هنا للتراخي في الرتبة. قوله: (إني لامرّ إلخ) مثال آخر لما لا يتعرّف بالإضافة، وقد وصف به المعرفة لأنها في معنى النكرة، وهو أظهر في الوصفية من البيت لاحتمال الحال فيه، وذهب الأخفش إلى أنّ اللام في هذا المثال زائدة، وارتضاه أبو علي وابن جني ورده غيرهم من النحاة، وفي الدرّ المصون: إنّ الموصول لإبهامه يشبه النكرة فيصح أن يوصف بالنكرة وإن لم يؤوّل وفيه نظر. قوله: (أو جعل غير معرفة بالإضافة إلخ) قال صدر الأفاضل: غير لها ثلاثة مواضع أحدها أن تقع موقعاً لا تكون فيه معرفة وذلك إذا أريد بها النفي الساذج نحو مررت برجل غير زيد الثاني أن تقع موقعا لا تكون فيه إلأ معرفة، وذلك إذا أريد بها شيء قد عرف بمضادّة المضاف إليه في معنى لا يضاده فيه إلاً هو، كما إذا قلت مررت بغيرك أي بالمعروف بمضادّتك إلاً أنه في هذا لا يجري صفة، فتذكر غير جارية على موصوف الثالث أن تقع موقعاً تكون فيه نكرة تارة ومعرفة أخرى كقولك مررت برجل كريم غير لئيم اهـ قيل ومن هنا تبين أنّ من قال: إنها لا تتعرّف أصلاً لم يصب، وكذا ما قاله المصتف هنا لأنّ ما ذكر لم يعرف بمضادة المضاف إليه، وهو الشرط فلا تعرف وان سلم فهي لا يوصف بها فلا يفيده ما ادعاه شيئاً، وليس بشيء فإن المغضوب عليه ضد للمنعم عليه، وانكاره مكابرة، وأمّا كونه لا يقع صفة، فلا بدّ له من دليل وكلام صدر

الأفاضل لا يعارض ما قاله مثل الزمخشريّ، وابن السراج، وقد نقله أبو علي في التذكرة عن الفراء، وناهيك به إلآ أنّ أبا عليّ ردّه في التذكرة بقوله تعالى: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37] وأجاب عنه ابن الصائغ في حواشيه على الكشاف بأنّ صالحا حال قدّمت على صاحبها، وهو غير الذي أو غير الذي بدل من صالحا، ولو قيل: ضد الصالح الطالح، والذي كانوا يعملون فرد من أفراده، فليس بضد لم يبعد، ثم إنّ ما ذهبوا إليه من عدم تعرّف مثل وغير وحسب وسوى اختلفوا في وجهه فقال ابن السراج والسيرافيّ: هو شدّة الإبهام لأنّ غير صالح لكل مغاير. وقال سيبويه والمبرد: هو كونه بمعنى اسم الفاعل، وهو مغاير ومماثل وكاف وما ذكره المصثف رحمه الله كما في الدرّ المصون إنما يتمشى على مذهب ابن السراج، وهو مرجوح أمّا على مذهب سيبويه فلا لأنّ ما إضافته غير محضة إذا قصد به الثبوت يتعرف بالإضافة كما مرّ، وأحد الضدين هنا المنعم عليه لأنّ المراد به المؤمنون الكاملون علماً وعملاً، والآخر المغضوب عليهم إن اتحدوا مع الف لين أو مجموعهما إن لم يتحدوا فلا يرد أنه ليس له ضد وإحد بل ضمدان، وضمير هو للضد والضمير في يتعين لغير وقوله تعين الحركة غير السكون في نسخة من غير السكون بمعنى تبينها بها وغيرها. وبضدها تتبين الأشياء والبحث هنا بأنه كما لا يجوز وصف المعرفة بالنكرة لا يجوز إبدالها منها. والجواب عنه بأنّ ذلك إنما هو إذا لم يفد البدل معنى زائدا على المبدل منه، فإن أفاده جاز كمررت بابنك خير منك غير متجه لما عرفته من أنه توجيه للبدلية والوصفية معا صراحة وضمنا لاتحادهما على ما ذكر تعريفا وتنكيراً، وفي جوابه أيضا شيء، فإنهم صرحوا بجوازه مطلقاً، واشترط الكوفيون في إبدال النكرة من المعرفة شرطين اتحاد اللفظ، وأن تكون النثرة موصوفة نحو لنسفعاً بالناصية ناصية كاذبة، ووافقهم ابن أبي الربيع على الثاني وما ذكر لا يوافق شيئاً من المذاهب فتأمّل. قوله: (وعن ابن كثير نصبه على الحال) قال قدس سرّه فلا بدّ أن يكون نكرة على الوجه الذي أشرنا إليه، وقد يجعل بمعنى مغاير لتكون إضافته لفظية، كما يشهد له إدخال اللام عليه في عبارة كثير من العلماء لكنه مما لا يرتضيه الأدباء، وقالوا لم نجد له شاهدا في كلام يستشهد به اهـ وما أشار إليه هو كون التضاد ليس بمحقق، فيكون نكرة على أصله من مذهب ابن السراح وكونه بمعنى مغاير مذهب سيبويه كما مرّ، وفي قوله لتكون إضافته لفظية قصور ظاهر مما أسلفناه، وأيضا إذا لم يكن دخول اللام عليه مرضيا للأدباء وهم علماء العربية ومنهم أهل اللغة كيف يتأتى استشهاده به. وفي المصباح لم يسمع دخول اللام عليه واجترأ بعضهم، فأدخلها عليه لأنه لما شابه المعرفة بإضافته إلى المعرفة جاز أن يدخل عليه ما يعاقب الإضافة وهو الألف واللام، ولك أن تمنع الاستدلال وتقول الإضافة هنا ليست للتعريف بل للتخصيص والألف واللام لا تفيد تخصيصاً، فلا تعاقب إضافة التخصيص مثل سوى وحسب فإنه يضاف للتخصيص ولا تدخله الألف واللام اهـ وفي الدرّ المصون تعريفه باللام خطأ وجعله حالاً من الذين ضعيف لأنه ليس من مواضع الحال من المضاف إليه، وصرح بأنّ العامل أنعمت مع ظهوره إشارة إلى اتحاد عامل الحال وذيها، فإنّ المشهور لزومه ومنهم من جوز اختلاف العامل في الحال وصاحبها كما نقله الرضى عن المالكيّ، أمّا الأوّل فظاهر، وأمّ الثاني فلأنّ الذي في محل نصب أو رفع عند التحقيق هو المجرور، وقولهم الجارّ والمجرور في محل كذا تسامح، قيل: وهو في غير الخبر وتقدير أعني مذهب الخليل، قيل: وعليه فالمراد بالذين أنعمت عليهم المؤمنون الكاملون كما إذا كان بدلاً أو صفة كاشفة، وهو بناء على ما يتبادر من أنه للتفسير، والمفسر عين المفسر، وقيل عليه: إنه غير لازم لأنه قد يراد أعني منهم، فلا ينافي العموم، وقد قال شيخنا في الآيات البينات إنّ الغالب في كلام المصنفين استعمال أي فيما هو ظاهر وأعني فيما فيه نوع خفاء وقد يستعملان بمعنى قيل وهذه الرواية عن ابن كثير شاذة خارجة عن السبعة. قوله: (أو بالاستثناء إلخ) قد تقرّر في النحو أنّ غيرا يستثنى بها، فتكون منصوبة عن تمام الكلام عند المغاربة، كانتصاب الاسم بعد إلاً عندهم واختاره ابن عصفور، وعلى الحال عند الفارسيّ، واختاره ابن مالك، وعلى التشبيه بظرف المكان عند جماعة، واختار. ابن الباذس وقوله

بالاستثناء يجري على الأقوال والظاهر أنه على الأول منها، والمراد بالقبيلين في كلامه المؤمن والكافر لأنّ مطلق النعم على ما مرّ يشملهما، وقيل: المغضوب عليهم والضالين، والأوّل هو الصحيح وإنما قيده بذلك ليكون الاستثناء متصلاً على الأصل وليس بلازم، وقد ذهب جماعة هنا إلى أنه منقطع فلا حاجة له غير بيان الراجح عنده، وقد اعترض الفراء على الاستثناء بأنّ لا لا تزاد إلاً إذا تقدمها نفي كقوله: ما كان ب رضى رسول الله فعلتها والطيبان أبو بكر ولا عمر ومنع مستندا إلى أنها وردت زائدة من غير تقدّم نفي كقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف، الآية: 12] وقوله: وتلحفني في اللهو أن لا أحبه وللهو داع دائب غير غافل وغيره مما لا يحصى من الشواهد، وكأنه أراد أنها لا تزاد بعد الواو العاطفة، وحينئذ لا يتم السند فتأمّل. قوله: (والنضب إلخ) الثوران بفتحات كهيجان لفظاً، ومعنى من ثار يثور إذا تحرّك بسرعة، والنفس تطلق على معان منها الذات والروح، والدم والقوى الحيوانية المقابلة للقوى العقلية، كما قاله الغزالي رحمه الله في كتاب معارج القدس. والمراد هنا إمّا النفس الناطقة لأن الغضب من كيفياتها أو الدم كما قال الراغب الغضب ثوران دم القلب لأنه يكون من تحرّك الحرارة الغريزية لحركة النفس ولذا ورد في الحديث: " اتقوا النضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم " ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه، والدم مركب الروح الحيواني، فلذا احمرّ الوجه وانتفخت العروق حينئذ، ويجوز أن يراد بها القوى الحيوانية، والانتقام افتعال من النقمة وهي العقوية قال تعالى: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الأعراف: 136] أي عاقبناهم أشد عقوبة، وقوله إرادة منصوب على أنه مفعول له، والغضب فسر تارة بحركة للنفس مبدؤها إرادة الانتقام كما في شرح المفتاح للسعد وتارة بإرادة الانتقام كما في شرح الكشاف له، وتارة بكيفية تعرض للنفس، فيتبعها حركة الروح إلى خارج طلباً للانتقام كما في شرح المقاصد، ويقرب منه ما قيل إنه تغير يحدث عند غليان دم القلب وقال قدّس سرّه: إنه سبب قريب لإرادة الانتقام، وسبب بعيد لنفس الانتقام، وأمّا شهوة القلب للانتقام وميله إليه فمتقدّمة على الغضب، ولذا وفق بعض المحققين بين جعل إرإدة الانتقام متقدمة تارة ومتأخرة أخرى بأن قال: إرادة الانتقام سبب الغضب إرادة بالإرادة الشهوة، وغايته إرادة الضرر، فقول المصتف رحمه الله أرادة الانتقام إمّا علة متقدّمة أو غاية متأخرة، وعلى الأوّل فمراده بالمنتهى الانتقام، وعلى الثاني إرادته أو نفسه إطلاقا لاسم السبب على مسببه القريب أو البعيد. قوله: (على ما مرّ) أي في أسمائه تعالى قال العلامة القرافي في كتاب القواعد: كل ما يستحيل حقيقة عليه تعالى، فهو محمول على المجاز كالرحمة والغضب، واختلف السلف فيه فقال الأشعريّ: المراد به إرادة الإحسان، وارادة العقاب. وقال أبو بكر الباقلاتي: المراد أنه يعاملهم معاملة الراحم والغضبان، فيراد بالأوّل الإحسان نفسه، وبالثاني العقاب نفسه وقس عليه، وفي القرآن مواضع منها ما يشهد للأوّل كقوله تعالى: {وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: ) 1 (أخرجه الترمذي 92 1 2 وأحمد 3 لم 319 وأبو يعلى 1 0 1 1 من حديث أبي سعيد الخدري مطولاً، قال الترمذي: حسن صحيح اهـ. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وأخرجه الديلمي 4313 من حديث أنس. 7] فإن الاقتران بالعلم والوصف بالسعة لعموم تعلق الإرادة، ومنها ما يشهد للثاتي كقوله: {هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي} [000:. . .] فإنّ الإشارة للسدّ وهو إحسان منه، ومنها ما يحتملهما كما في الفاتحة اهـ. وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أخذه بحروفه من التفسير الكبير، وقولهم إنما يؤخذ باعتبار الغايات دون المبادي الحصر فيه إضافيّ، والمراد بالمبادي مبادبه المخصوصة المستحيلة على الله كرقة القلب وثورإن النفس، فلا يرد عليه أنه قد يؤخذ باعتبار الأسباب كما اختاره التفتازاني، وقد يجعل اسنعارة من غير نظر للمباديء والغايات كما سيأني وما في الكشاف من أن معنى غضب الله إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده حمله الشارح المحقق على أنّ الغضب مجاز عن سببه، وهو إرادة الانتقام وضبط إنزال العقوبة بكسر اللام عطفاً على الانتقام، وكذا وأن يفعل، وقال قدّس سرّه: الغضب والرحمة من الأعراض النفسانية المستحيل إطلاقها عليه تعالى، فيصرف الكلام عن ظاهره، وذلك من وجوه الأوّل أن تجعل الرحمة إرادة الإنعام والغضب إرادة الانتقام إطلاقا لاسم السبب. على المسبب القريب

الثاتي أن يجعلا مجازاً عن الإنعام والانتقام إطلاقا لاسم السبب على المسبب البعيد الثالث أن يحمل الكلام على الاستعارة التمثيلية، والمصنف اختار في الرحمة الثاني وفي الغضب التمثيلية بأن تشبه حاله تعالى مع العصاة في عصيانهم له، وإرادته الانتقام منهم وإنزاله العقوية بهم بحال الملك إذا غضب على من عصاه فأراد أن ينتقم منه ويعاقبه ألا ترى إلى قوله: وأن يفعل بهم إلخ فإنه نبه به على علاقة المشابهة، وإلى اعتبار التركيب حيث قال: هو إرادة الانتقام، وإنزال العقوية برفع اللام كما في النسخ المعوّل عليها فقوله، وان يفعل مرفوع المحل أيضاً، وتوهم الجر لجعل الغضب مجازاً عن الإرادة لا الانتقام والرحمة الإنعام دون إرادته إشارة إلى سبق رحمته غضبه مخالف للنسخ ولا يكون لقوله: وإنزال العقوبة فائدة وعليه، فالتعرّض للتشبيه مستدوك فالواجب أن يقال لأنّ الملك إذا غضب على من عصاه أراد أن ينتقم منه ونكتة السبق مجرّد تخيل، فإنّ إرادته تعالى إذا تعلقت بأفعاله أفضت إليها إجماعا، والوصف بالإنعام والانتقام أقوى في الترغيب والترهيب من الوصف بإرادتهما، وقال ابن جني: إنه صرح بإسناد النعمة إليه تقرباً وروى عنه إسناد الغضب تأدّباً كأنه قيل: الإنعام فائض من جنابك، وأمّ أولئك فيستحقون أن يغضب عليهم. (أقول) لنا فيه كلام من وجوه: (الأوّل) إنّ تأييد الرفع الذي بنى عليه بعض مدّعاه بصحتة رواية لأنه الموجود في النسخ المعتمدة مع أنه ضبط قلم معارض بأن قوام الدين الاتقاني ضبطه بكسر اللام، وقال فيما كتبه عليه: هكذا هو بخط المصنف، كما في بعض الحواشي. (الثاني، اًنّ قوله: ولا يكون لقوله: وانزال العقوبة فائدة ليس كما قال بل له فائدة أحسن مما ذكره، وهو تفسير الانتقام إذا وصف به العزيز المنتقم لأنه قد يكون بمعنى الإنكار كما في قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ} [البروج: 8، وتشفي النفس كعطفه عليه عطفاً تفسيريا للاحتراز وأقي فائدة أتتم من هذه. (الثالث) أنّ ما عوّل عليه من استدراك التشبيه غير وارد لأنّ هذه عبارة السلف كما أسلفناه وفيها معنى دقيق، وهو الإشارة إلى أنّ هذه السببية معروفة مشهورة، وأنها باعتبار غضب العظماء، فإنّ غضب غيرهم لا يلزمه ما ذكر وأن أفعاله تعالى لا ترتبط بالأسباب وانما هو جار على نهج كلامهم فتدبر. (الرابع (أنه يلزمه أن تكون هذه الاستعارة التمثيلية مما اقتصر فيه على ذكر بعض ألفاظ الهيئة المشبه بها كما سيأتي في قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى} [ممورة البقرة: 5] وأنه إنما يكون إذا كان مدلوله هو العمدة في تلك الهيئة كما حققه ثمة ولا شك أنّ معنى الغضب ليس كذلك بل قيل: إنه ليس من أجزاء الهيئة المشبه بها إذ لا نظير له في الهيئة المشبهة وأمّا قوله وأن يفعل إلخ فظاهر مما مرّ وقيل إنه إشارة إلى أنّ علاقة السحبية في نوع المعنى المجازي كما ذكر أنّ الرحمة مجاز عن إنعامه لأنّ الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وانعامه. وقوله هو أي غضب الله إرادة الانتقام لا يلائم الاستعارة التمثيلية فإنها جميع الألفاظ الدالة على الهيئة المشبه بها ولا شيء منها بمستعمل في غير ما وضع له وانما يراد بالمجموع الهيئة المشبهة، فلا يكون معنى غضب الله ما ذكره والآ لكان مستعملاَ فيه، وليس كذلك كما عرفته فاعرفه ترشد. (الخاس) أنّ قوله: ونكتة السبق مجرّد تخيل إلى السبق المذكور ورد في الحديث الصحيح،، فلا يصح أن يقال فيه أنه تخيل وانما أراد أنّ ابتناء تفسير الرحمة بالإنعام، والغضب بإرادة الانتقام عليه مجرّد تخيل لا يدل عليه كلام الزمخشريّ، ولا يقتضيه النظم القرآني، ومثله الغاز لا يليق ببلاغة القرآن، فإن أردت توضيحه فاصح لما يتلى عليك فنقول السبق فسر في الحديث بمعنا. الظاهر، وهو التقدّم، وبالغلبة أي الزيادة الكثيرة، فلما جعلت الرحمة، والغضب تارة من صفات الأفعال وأخرى من صفات الذات جاز حملهما معا على أحدهما، وحمل أحدهما على وجه دون لآخر، فالاحتمالات أربعة والظاهر كونهما على نهج واحد، ولا يعدل عنه إلاً لنكتة يخصصها المقام فيجعل اقتضاؤه قرينة على تغايرهما، والزمخشريّ لما فسر الأول بالإنعام الذي هو صفة فعل، والثاني بالإرادة التي هي صفة ذاتية، ومثله لا يقرع له العصا علم أنه أنسب بالنظم، وهو كذلك لأنه قدم لفظاً وكرر معنى، وص هح بوقوعه في قوله أنعمت، فناسب ذلك تفسيره بالإنعام، لأنه وصف جميل وهو في مقام المدح والامتنان يقتضي الوقوع عاجلاً وخير البرّ عاجله، فينبغي تفسيره بما يدل على ذلك

وهو الإنعام والانتقام العقاب، فهو وعيد تمدّح بخلفه ولذا قال الطيبي رحمه الله غضبه تعالى على عباده وعيد، وهو كريم يتجاوز عنه بفضله كما قال: واني وان أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فلا يرد عليه أنّ الإرادة صفة ذاتية قديمة، فتفسير الرحمة بالإرادة أوفق للحديث، وأمّا كونه أنسب بمقام الترغيب والترهيب فقد يقال: المقام مقام ترغيب لا غير فنفي إرادة الانتقام أبلغ من نفيه، وأنسب لحال المؤمنين المقصودين بالذات هنا، ثم إق الغضب وان كان منفيا صريحا فهو مثبت ضمناً، وقد أسند إليه في غير هذه الآية فلا يرد أن ادخمضب منفيّ فلا حاجة للتجوّز فيه، وسيأتي تحقيقه في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي} [البقرة: 26] الآية وأمّا ما قيل: من أنّ الغضب مشترك بين ما ذكرو.، وبين ما يصح إطلاقه عليه تعالى كالإرادة المذكورة فإطلاقه على الله حقيقة كغيره من الصفات التي تطلق على العباد كالسميع البصير إن أراد أنه كذلك في الوضع اللغوي، فمخالف للمعقول والمنقول، وان أراد في عرف الشرع ولسانه جاز لكنه لا يرد على من حقق مجازيته، ونحن أطلنا هنا فإنه لا يسأم من الخير. قوله: (وعليهاً في محل رفع إلخ (لا يخفى أنّ معنى الإعراب المحليّ أن يكون فيما لا يقبل الإعراب لفظاً، كالمبني والجمل بحيث لو حل محله اسم مفرد خال من موانع الإعراب كلها مستوف لشرائطه أعرب بذلك الإعراب، ولا يشترط أن يكون قابلاً للإتصاف به بالفعل، إذ لا يتصوّر فيما مرّ مع اتفاقهم على إعرابه محلاً، فلا معنى لما قالوه هنا من أنّ في هذا تسمحا إذ ليس في محل الرفع إلاً المجرور، إلاً أنّ الخبر إذا كان ظرفا أو جاراً ومجرورا فهو كله في محل رفع لأنه القائم مقام الخبر عندهم، وفي الحجة أنّ حروف الجر تنزل منزلة بعض حروف الفعل فباء ذهب به بمنزلة همزة أذهبه، وقد تنزل منزلة بعض حروف الاسم المجرور بها في حكم الإعراب، وما قيل من أنّ نائب الفاعل فاعل عند نحاة البصرة ومن تبعهم، وليس بفاعل عند ابن الحاجب وغيره من النحاة، وكلام المصتف بناء على المذهب الثاني إلأ أنه خالفه في سورة الجن في إعراب قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ} [الجن: ا] فأعربه فاعلاً الأمر فيه سهل لمن تدبز. وقوله: (بخلاف الأوّل) هو عليهم في أنعمت عليهم، فإنه في محل نصب على المفعولية. قوله: (ولا مزيدة إلخ) قيل كلمة لا في ولا الضالين مزيدة عند أهل البصرة بل وانما تزاد بعد الواو العاطفة في سياق النفي للتأكيد وا أضصريح، لشمول النفي لكل واحد من المعطوف والمعطوف عليه لئلا يتوهم أنّ النفي هو المجموع من حيث هو مجموع، فليست زيادتها مؤدّية إلى لغويتها وانما ذلك بحسب أصل المعنى المراد والكوفيون يجعلونها هنا بمعنى غير، وقد مرّ أ+نه لم يقل غير الذين غضبت تأذبا فتذكره. قوله: (فكأنه قيل لا المغضوب عليهم ولا الضالين) . قيل على هذا أنّ كلمة لا في قول المصتف رحمه الله لا لث! اب / ج / م هـ ا المغضوب عليهم ليست عاطفة، إذ لم يرد اهدنا صراط المنعم عليهم لا صراط المغضوب عليهم، فيتعين كونها بمعنى غير، وهو مقرّر عند النحاة حتى قال السخاوي: إنّ لا فد تكون اسماً مراد، فا أنحير لكنه يظهر إعرابه فيما بعده، لكونه على صورة الحرف، ولذا جاز تقديم معمول ما بعدها عليها كما سيأتي، فلا فائدة في تبديل غير بلا هنا في تصوير المعنى. وأجيب عنه بأنه لما كانت موضوعة للنفي مشتهرة فيه فهي أمّ بابه والعلم في الدلالة عليه صارت أظهر في إفادة معناه، وهذا هو فائدة التبديل هنا، ثم إنهم قالوا إنّ معنى النفي إمّا لازم معناها كما يفيده كلام السيد السند وإمّا جزء معناها، كما يدل عليه كلام المحقق التفتازاني وعليهما، فإثبات المغايرة متضمن للنفي، فيجوز تكبده بلا، وقد ترد لصريح النفي، ولك أن تقول إنّ الأوّل بحسب معناها الوضعيّ، والثاني بحسب ما يفهم من موارد استعمالها فلا مخالفة بين الوجهين. قوله: (ولذلك جاز أنا زيدا غير ضارب إلخ) أي لأنّ غير لتضمنه معنى النفي صار بمنزلة لا في جواز تقديم ما في حيزه عليه، وإن كان السول إنما يجوز تقدمه إذا جاز تقدّم عامله، والمضاف إليه لا يجوز تقدمه على المضاف، فكذا سوله إلاً أنه لما ذكر صارت إضافته كلا إضافة وانما يمنع النفي تقدم ما بعده عليه إذا كان بما لان، فإنهما لدخولهما على الفعل والاسم أشبها الاستفهام، فطلبا صدر الكلام بخلاف لم، ولن فإنهما اختصا

بالفعل وعملا فيه وصارا كالجزء منه فجاز أن يقال زيدا لم أضرب وعمراً لن أضرب، وأمّ لا فإنها مع دخولها على القبيلين جاز التقديم معها لأنها حرف متصرّف فيه حيث أعمل ما قبلها فيما بعدها، كما في أريد أن لا تخرج وجئت بلا طائل، فجاز أيضاً أن يتقدم عليها سول ما بعدها بخلاف ما إذ لا يتخطاها العامل أصلاً، وإن جوّز الكوفيون تقديم ما في حيزها عليها قياساً على أخواتها. (أقول) هذا ما قاله قدس سرّه وارتصاه هنا ولا يخفى ما فيه، فإنه لما حقق أنّ صدارة أدوات الئفي إنما هي إذا لم تختص بقبيل، وكانت لا كذلك استشعر منافاته لما هو المقصود فدفعه بأنه جاز فيها ذلك لتخطي العامل رقبتها، وهو مصادرة منافية لما أراد فإنّ تخطيه لها إنما هو لعدم صدارتها وهذا غريب منه، وقد قال أبو حيان رحمه الله بعدما ذكر ما في الكشاف: أورد الزمخشريّ هذه المسئلة على أنها مسئلة مقرّرة مفروغ عنها ليقوّي بها التناسب بين غير، ولا إذ لم يذكر فيها خلافاً، وما ذهب إليه مذهب ضعيف جدّا، وقد بناه على جواز أنا زيدأ لا ضارب، وفي تقديم معمول ما بعد لا عليها ثلاثة مذاهب، وكون اللفظ يقارب اللفظ في المعنى لا يقضي له أن تجري أحكامه عليه، ولا يثبت تركيب إلاً بسماع من العرب، ولم يسمع أنا زيدا غير ضارب، وقد ذكر النحاة قول من جوّزه وردّوه اهـ. قوله: (وإن امتنع أنا زيدا مثل ضارب) تبع المصتف رحمه الله فيه الزمخشريّ وهو أخذه برمته من تفسير الزجاح كما نقله الطيبي، وقد مرّ اعتراض أبي حيان عليه. (فإن قلت) إذا كان تاويل المضاف بحرف مختلف في صدارته مجوّزاً لتقديم ما في حيزه عليه، فلم امتغ أنا زيداً مثل ضارب مع أنّ مثل بمعنى الكاف، وان كانت العلل النحوية لا يلزم إطرادها (قلت) هذا وارد بغير شبهة، وفي حواشي ابن الصائغ أنّ أبا الفتح بن جني أجازه أيضا لأنّ معنى مثل ضارب أشبه ضارباً أو كضارب، ومنعه ابن السراح على تقدير عمل المضاف إليه، وأجازه على تقدير عمل ما يدل عليه، وبه أخذ أكثر المتأخرين وابن مالك، وذكر الجرجاني في نظم القرآن أنّ فائدة دخول لا في، ولا الضالين نفي توهم عطف الضالين على الذين، وقراءة غير الضالين نسبها السجاوندي إلى عمر وعليّ وأبي بكر رضي الله عنهم، وهي تؤيد كون لا وغير بمعنى لتعاقبهما ولذا أوردها المصنف وحمه الله هنا، وفي القاموس وأمّا قراءة غير الضالين فمحمولة ععى أنّ ذلدث على وجه التفسير، وفيه نظر ظاهر. قوله: (والضلال العدول إلخ) هذا كلام الراغب بعينه، والسوفي والمستوي بمعنى المستقيم، والمراد المسلوك الموصل وفسره بعنصهم بفقدان الطريق السويّ سواء وجده أو لا وهو قريب مما ذكره المصتف. وقوله:) وله عرض عريض) ذكر الأدباء كالمرزوقي وصاحب الموازنة أنّ العرض على ضربين في المجسمات وفي غيرها، وفي الثاني يراد اتساع الشيء وامتداد وقته، وأكثر ما يستعمل فيه العرض دون الطول كنعمة عريضة، وجنة عرضها السموأت والأرض فذو دعاء عريض، وربما جمعوا بينهما فقالوا عشنا زمانا طويلاً عريضا، والدهر العريض الطويل فيراد الكمال والاتساع قال كثير: بطاحيّ له نسب مصفى وأخلاف لها عرض وطول فهذا على التشبيه بالمجسمات والقصد إلى السعة، وقد عيب على أبي تمام قوله: بيوم كطول الدهر في عرض مثله ووجدي 3 ص هذا وهذاك أطول وقيل جعل للزمان عرضا مع أنه لا حاجة إليه إذ كان بذكر الطول قد استوفى المعنى، وهذا من قائله ظلم لأنه سلك مثل طريقه كثير من التشبيه بالمجسمة، وهذا كما قال في الأخلاق: لي عرض وطول وكذا في الزمان له كذا في عرض مثله ولا فصل. (واعلم) أق في هذه العبارة منزعاً بديعا لم ينبهوا عليه، وهو كما أشار إليه في الأساس أنّ حقيقة الضلال في الطريق المحسوس المسلوك لفقده، حتى لا يصل لقص ره ثم استعير لفقد العلم والعمل الموصل للسعادة، وشاع ذلك حتى صار حقيقة في عرف اللغة والشرع فقوله العدول إلخ إن أريد به ظاهره فهو بيان لمعناه الأصلي، وان أريد ما يطلق عليه الطريق القويم، والصراط المستقيم فهو بيان لمعناه الثاني المراد في النظم وعرض عريض صالح لهما كما مرّ، وان كان ما بعده ظاهراً في الثاني

ويقابله الهداية، ولما كان ما مرّ من تنويع مراتبها يقتضي تنوع ما هنا أيضاً أشار إلى أنه لا ينضبط، ولا يعتنى به مع أنه قد يهتدي له من التقابل، وفي قوله عرض عريض مبالغة ليل أليل حيث أثبت للعرض عرضاً وما في قوله ما بين زائدة، وأدنى الضلال أقله إثماً كالزلات وأقصاه أعظمه، وهو الكفر قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] . قوله: (وقيل المنضوب إلخ) قيل هذا ضعيف لأنّ منكري الصانع والمشركين أخبث ديناً من اليهود والنصارى، فكان الاحتراز عن دينهم أولى. (وأتول) الغضب والضلال، وردا جميعاً في القرآن لجميع الكفار على العموم حيث قال: {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ} [ادنساء: 671] وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [النساء: 167] ولليهود والنصارى جميعا على الخصوص حيث قال في حق اليهود من لعنه الله وغضب عليه إلخ. وفي حق النصارى {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ} [المائدة: 77] كما في التيسير فالاستشهاد بهاتين الآيتين على أنّ المراد بالمغضوب عليهم اليهود وبالضالين النصارى ليس بسديد انتهى. وقد قيل: على ما ذكره أوّلاً أن ابن أبي حاتم رحمه الله قال: لا أعلم خلافاً بين المفسرين في تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى (1) كما صححه ابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي، وأخرجه جم غفير من المحدّثين كما قاله في الدرّ المنثور فهذا لا يصدر إلاً ممن لا إطلاع له على أقوال المفسرين والمحدّثين أعاذنا الله من الجراءة على تفسير كتابه، وقد يقال أيضا: من لا ملة له لا اعتداد به وهؤلاء أشدّ في الكفر والعناد وأعظم في الخبث والفساد، ولذا ضربت عليهم الذلة، وخص النصارى بالضلال لفرط جهلهم في التثليث ولكونهبم أقرب من اليهود للإسلام وصفوا بالضلال لأنّ الضالّ قد يهتدي. قوله: (لقوله تعالى فيهم {مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة: 60] فيهم ليس من لفظ التلاوة بل من كلام المصتف رحمه الله ومعناه في حقهم وشأنهم وهكذا صحح في النسخ كما قاله بعض الفضلاء، ووقع في بعضها منهم بدل فيهم وهو تحريف من الناسخ، فلذا اعترض عليه بأنّ الآية في سورة المائدة وليس فيها منهم، فهو غلط في التلاوة والاستشهاد بالآيتين بناء على أنه ورد عن السلف تفسيرهما بذلك لما مرّ، فلا وجه للاعتراض على المصئف رحمه الله بأنّ الغضب والضلال مما وصف به الكفرة مطلقاً في مواضع كثيرة من القرآن كما في بعض الحواشي. وقوله: (وقيل إلخ) وقع في بعض النسخ بدون واو عاطفة، على أنها جملة مستأنفة لنقل بعض الأقاويل، وفي بعضها بها عطفا على ما علم من السياق من الإطلاق لوقوعه في مقابلة من أنعم عليه بالنعمة المطلقة، وهي نعمة*الإيمان كما مرّ وفي بدائع ابن القيم ليس المراد بهذا التفسير التخصيص، فإنّ اليهود ضالون والنصارى مغضوبون، وإنما ذكر كل طائفة بأشهر صفاتها، وأخصها وفيه نظر. قوله: (وقد روي مرفوعاً إلخ) أخرجه أحمد في مسنده وحسنه ابن حبان في صحيحه عن عدفي بن حاتم وأخرجه ابن مردوية عن أبي ذرّ رضي الله عنهما بلفظ سالت وسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله غير المغضوب عليهم قال: " هم اليهود ولا الضالين قال النصارى " (1) وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما وابن مسعود رضي الله عنه وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم فيه خلافا عن المفسرين، فهذه حكاية إجماع منهم فكيف يعدل عنه بالرأي. قوله: (ويتجه إلخ) أي يسنح، ويظهر ظهوراً موجها وقيل معناه أنه لو فسر بهذا كان كلاماً موجها، وأن خالف ما عليه الجمهور ففيه إيماء إلى أنه ليس أولى كما قاله الإمام رحمه الله، فإنه اختاره في تفسيره فالمنعم عليه العالم العامل وأراد بالحق العقائد الثابتة في نفس الأمر المطابقة للواقع، وعبر عنها بذلك لأنها مقصودة لذاتها والتصديق بها لا للعمل كالفروع الشرعية، وتسمية هذه خيراً ظاهر، وفي ترك التعبير عنها بالحق إشعار بانها خير، وإن أخطأ المجتهد فيها إذ يثاب على العمل بها، ولم يذكر الشرّ للاجتناب عته كما في قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} أسورة البدد: 10] أي طريقي الخير والشر لدخوله في الخير بهذا الاعتبار واستلزام معرفته وقيل المراد بالحق ذاته تعالى وصفاته والذي عناه المصنف رحمه الله ما مرّ، وهو الموافق للأية الآتية وقوله لذاته متعلّق بالمعرفة، والمراد من كون المخل بالعمل مغضوباً عليه أنه مستحق لذلك عدلاً، فلا ينافي العفو تفضلاً وكرما، فسقط ما توهم من أنّ الغضب الانتقام أو إرادته، وإرادة الله لا تتخلف عن المراد، فيلزمه القطع

بتعذيب المؤمن العاصي، وهو مخالف لما عليه أهل الحق. قوله: (والمخل بالعمل إلخ) في نسخة بالعقل والتقابل في الأولى أظهر. وقوله: (وقرىء ولا الضالين) أي بهمزة مفتوحة مبدلة من الألف اللينة وهذه قراءة أيوب السختياني كما قاله ابن جني، وهي شاذة وهي لغة فاشية، ولا يلزم أن يكون بعد الألف ساكن، فإنه سمع في غيره كقوله: وخندف هامة هذا العألم بهمز العالم وقالوا في قراءة ابن ذكوان: منسأته بهمزة ساكنة أنّ أصلها ألف فقلبت بهمزة ساكنة. وقوله: (من جذ) أي اجتهد وبالغ، والهرب من التقاء الساكنين لأنّ التقاءهما إذا كان أولهما حرف لين والثاني مدغماً مغتفر ومن ترك الجائز فقد بالغ في الترك، والهرب مجاز عن الترك هنا، وفي التعبير به لطف لا يخفى. (فائدة وتكميل) وقد مرّ قول ابن جني رحمه الله أنه أسند النعمة إليه في قوله تعالى {أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} تقرباً وانحرف عن ذلك عند ذكر الغضب إلى الغيبة تأدّباً وقال الشارح المحقق: هو كلام حسن ومعنى الغيبة ترك الخطاب، فكأنه فسره مع ظهوره إيماء إلى أنه افتنان لا التفات وفي المثل السائر وعلى نحو من الالتفات جاء قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ} إلخ فصرح بالخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال غير المغضوب عليهم، ولم يقل الذين غضبت عليهم، لأنّ الأوّل موضع التقرّب إلى الله بذكر نعمته، فلما صار إلى ذكر الغضب زوى عنه لفظه تحنناً ولطفاً، فانظر إلى هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني الشريفة التي الأقدام لا تكاد تطؤها والأفهام مع قربها صافحة عنها، وهذه السورة قد انتقل في أوّلها من الغيبة إلى الخطاب لتعظيم شأن المخاطب، ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة لتلك العلة بعينها، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا لأن مخاطبة الرب تعالى بإسناد النعمة إليه تعظيم لشأنه، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه، فينبغي أن يكون صاحب هذا الفن من الفصاحة والبلاغة عالماً بوضع أنواعه في مواضعها اهـ وفي عروس الأفراح ذكر التنوخي في الأقصى القريب، وابن الأثير في كنز البلاغة، وابن الغلس في طرق الفصاحة نوعا غريبا من الالتفات، وهو بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله كقوله تعالى: {غَيرِ المَغضُوبِ} إلخ وفيه نظر. ولا نظر فيه عندي بل إمّا على رأي الأدباء والمتقذمين في اسنعمال الالتفات بمعنى الافتنان، فلا غبار عليه وأمّ على المتعارف فلك أن تقول على طريق السكاكي الذي لا يشترط تعدد التعبير بل مخالفة مقتضى الطا*ص أنّ المخاطب إذا ترك خطابه، وبنى ما أسند إليه للمفعول، والمحذوف كالغائب، فلا مانع من أن يسمى التفاتا، فكما يجري في الانتقال من مقدّر إلى محقق يجري في عكسه وهو معنى بديع ينبغي التنبه له. قوله: (لقوله تعالى إلخ) قيل عليه إنّ الاستشهاد بما ذكر لا يتم، نإنّ الغضب في المخل بالاعتفاد أيضاً على أنه لا يقتضي كون كل من أخل بالعمل مغضوبا عليه، ويدفعه ما قيل من أنّ مقابلة الضالين بالمغضوب عليهم تقتضي أن يراد بالضالين غير ما أريد بالمغضوب عليهم، ولما ورد الغضب في حق لمفاسق، والضلال في حق المخل بالاعتقاد ناسب أن يراد بالأوّل العصاة وبالثاني الجاهلون بالله تعالى، وليس مبنياً على عدم ورود الضلال في حق الفاسق فتأمّل. قوله:) اسم الفعل إلخ) ءدل عن قوله في الكشاف آمين اسم صوت لأنه غير ظاهر حتى أوّله شراحه بأنه تجوّز لقرب أسماء الأفعال من أسماء الأصوات، ولذا أوردهما النحاة في فصل واحد، أو لأنه اصطلح على أنّ الأسماء التي لا يعرف وجه وضعها يعبر عنها بالأصوات وأسماء الأفعال مفروغ عنها في كتب النحو ومذهب البصريين أنها أسماء لتنوينها ووجود بعض علامات الأسماء فيها، وقال الكوفيون: أفعال نظرا لمعناها. وقيل: إنها خارجة عن أقسام الكلمة الثلاثة وتسمى عند هؤلاء خالفة وعلى الأوّل الجمهور، وهل هي اسم لمعنى الفعل، أو للفظه قولان، ولا محل لها من الإعراب وقيل: محلها النصب على المصدرية وقيل: في محل رفع على الابتداء، ولا خبر لها لسدّ معمولها مسده وحكمها حكم أفعالها في التعدي واللزوم غالبا ولا علامة للمضمر المرتفع بها قيل: وخرج بقيد الغلبة آمين فإنه بمعنى استجب المتعدي ولم يسمع له مفعول (أقول) قال النحاة: إنه كفعله غالبا ومن غير الغالب آمين وايه بمعنى زد، فإنه لم يسمع له مفعول وقيل لما لم يقع الأ بعد دعاء متقدّم، وكذا بعد حديث أريد به زيادته استغنى عن ذكر مفعوله، فهو إمّا معدى، أو منزل منزلة اللازم وسينه ليست للطلب، وانما هي مؤكدة ومعناه أجب وقال

العصام إنه ليس متعديا، وانما وضع لحدث متعد وهو استجابة الدعاء كالادلاج لسير الليل، ولا يقال أدلج الليل إذا سار ليلاً، فمعناه استجب دعاني والمفعول داخل في معناه، وهو معنى قول ابن مالك رحمه الله إنه لازم في معنى المتعدّي. وقوله: (الذي هو استجب) توضيح لما أراده من أنه اسم مسماه ألفاظ الأفعال، وإن قيل إنه تكلف لأنّ قائل آمين لا يخطر بباله لفظ استجب ولأنه لم يعهد فيما وضع للألفاظ الدالة على معانيها. وقيل: إنها موضوعة للمصادر السادة مسدّ أفعالها وردوه بوجوه مفصلة في شرح الكشاف والخلاف بين الفاضلين والانتصار لكل من الجانبين معروف مشهور، وقيل: إنه أعجمي معرب همين لأنّ فاعيل كقابيل ليس من أوزان العرب وردّ بأنه يكون وزنا لا نظير له ونظائره كثيرة ولذا قيل: إنه في الأصل مقصور وزنه فعيل فأشبع، ومن الغريب ما قيل أنه اسم الله، وتأويله بأنّ الضمير المستتر فيه لما كان راجعاً على الله قيل: إنه من أسمائه أغرب منه. قوله: (وعن ابن عبّاس (1) إلخ) قال الزيلمي رحمه الله في تخريج أحاديث الكشاف: إنه واه جدا، وأخرجه الثعلبي عن أبي صانح عنه، وهو مع مخالفته للمشهور لا يصح في كل مقام نحو لا تعذبنا وليس فيه تأييد لأنه اسم للفظ كما قيل، ولذا قيل إنّ المصنف رحمه الله جعل تفسيره باستجب أصلاً لعدم الثقة بهذه الرواية مع مخالفتها لتفسيره المشهور، وما قيل: من أنّ ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما يدل على أنّ النهي لطلب الكف، لا لطلب عدم الفعل، وإلاً لكان آمين في مثل لا تهلكنا بمعنى لا تفعل مردود بأن افعل فيه طلب لتعلق الإرادة بما هو المطلوب سواء كان فعلاَ أو تركاً لا إيجاد لأثرها، كما يوهمه ظاهر اللفظ وقيل كلمة آمين مثلاً ليست موضوعة للفظ استجب وحده بل لما هو أعمّ مته، ومن مرادفه أو لكل واحد منهما على الوضع العام للموضوع له الخاص، على أنّ كلام ابن عباس رضي الله عنهما يدل على أنه ليس موضوعا لمجردّ استجب، ولا لأعثم منه، ومن مرادفه فقط، ولا لكل واحد منهما بل للأعمّ منهما ومن لفظ افعل أو لكل منهما، وأما جعل افعل وحده موضوعا له، فبعيد وهو تعسف وتكلف فتدبر. قوله: (بني على الفتح الخفته وثقل الكسر مع الياء ولم يصرح به لظهوره مما نظره به، وما قيل: من أنّ علته إنما ئقتضي البناء على الحركة، فاختيار الفتح للخفة فيما يكثر استعماله أضعف من علة نحويّ فأين هو من قوله كأين واختلف في مده، وقصره أيهما الأصل فذهب إلى كل طائفة وأمّا تشديد ميمه فذكر الواحديّ رحمه الله أنه لغة فيه وقيل: إنه جمع آمّ بمعنى قاصد منصوب باجعلنا، ونحوه مقدراً وقيل إنه خطأ ولحن إلآ أنه لا تفسد به الصلاة وبه يفتي كما قاله شيخنا المقدسي رحمه الله، ولا وجه للفساد، فإنه ليس من القرآن بل دعاء ومعناه صحيح. قوله: (ويرحم الله إلخ) هذا من شعر رواه الأدباء لصاحب الحماسة البصرية لمجنون عامر، وهو قيس بن معاذ المعروف بالملوج وشعره وديوانه مشهور، وفيه من فنون الفنون ما يقول راويه وراثيه أساحر هو أم مجنون، فمنه ما قيل إنه حبئ مع أبيه فقال له تعلق بأستار الكعبة واح الله أن يريحك من حب ليلى فقال: اللهمّ زدني من حبها، فضربه فبكى، وأنشد يقول: يارب إنك ذو قن ومغفرة بيت بعافية ليلى المحبينا الذاكرين الهوى والناس قد رقدوا والساهرين على الأيدي مكبينا باتف رقودا وسار الركب مدلجا وما الأوانس في فكر كسارينا كأنّ ريقتهامسك على ضرب شيبت بأصهب من بيع الشآمينا يارب لاتسلبني حبها أبداً ويرحم الله عبداً قال آمينا وهذا شاهد على المدّ، وقد بسطنا الكلام فيه في الروض النضير في شرح شواهد التفسير. قوله: (أمين فزاد الله إلخ) قال في شرح الفصيح: هو من شعر قائله جبير بن الأضبط، وكان سأل الأسديّ جماله فحرمه، والأسدي اسمه فطحل بفتح الفاء، وسكون الطاء المهملة، وفتح الحاء المهملة، واللام كجعفر، وروى بضمهما والمعنى تباعد لأن سألته، وما زائدة أو موصولة، وأمين مقدّم من تأخير للاهتمام بالإجابة، أو هو تأمين على دعاء مقدّر لعلمه من فحواه وتقديره أبعده الله عني فلا حاجة لما قيل: إنّ حقه التأخير عن قوله فزاد الله إلخ وإن

هذا لضرورة الوزن، وقال ابن درستويه في شرح الفصيح: القصر ليس بمعروف وإنما قصره الشاعر للضرورة، وقد قيل: تلجىء الضرورات في الأمور إلى سلوك ما لا يليق بالأدب وقيل الرواية فيه المدّ أيضاً وما هنا محرّف وهو هكذا: تباعد مني فطحل وابن أمه فآمين زاد الله ما بيننا بعدا ويروى سألته، ولقيتة بدل قوله دعوته. قوله: (وليس من القرآن) أي بالإجماع، وما نقل في بعض الكتب لا ينبغي نقله كما في التيسير أنها من السورة عند ابن مجاهد ولعدم اعتداد المصئف رحمه الله به قال: وفاقاً فلا حاجة لما قيل: إنه محمول على إجماع من بعد عصر مجاهد، ولذا سن الفصل بيته وبين السورة، ولم يكتب في الإمام، ولا في غيره من المصاحف أصلاً. قوله: (لقوله عليه الصلاة والسلام " علمني جبريل (1) " إلخ) هو تعليل لكونه سنة، ويجوز أن يكون تعليلاً أيضاً لكونه ليس من القرآن لقوله عند فراكي من قراءة الفاتحة، فإنه صريح في أنه ليس منها، وإن كان الأول هو الظاهر، وقد روى ابن شيبة في مصنفه، والبيهقيّ في الدلائل عن أي ميسرة أنّ جبريل عليه السلام أقرأ النبيّ صلّى الله عليه وسقم فاتحة الكتاب، فلما قال: ولا الضالين قال له: قل آمين فقاله (2 (. وروى أبو داود في سننه عن أبي زهير النميري أحد الصحابة أنه قا اط: آمين سثل الطابع على الصحيفة أخبركم عن ذلك خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسأ3 ذات ليلة، فأتينا على رجل قد ألخ في المسئلة لحقال عليه الصلاة والسلام: " أوجب إن ختم " فقال رجل من القوم: بأفي شيء يختم؟ فقال: " بآمين " (3) وفي نواهد الأبكار أنه عرف بهذا أنّ المصتف رحمه الله أورد حديثين لا حديثاً واحدا، وأنّ الضمير في قوله وقال للنبيّ صقى الله عليه وسقم لا لجبريل عليه السلام كما يتوهم، وفي الكشاف لقنني بدل قوله عفمني وهما بمعنى، وقوله كالختم وجه الشبه فيه أنه لا يعتد بالدعاء بدونه كما أنّ الكتاب لا يعتد به إذا لم يختم لا ما قيل من أنّ معناه أنه يوجب الاعتداد بالدعاء، كما أنّ ختم القاضي على الكتاب يوجب الاعتداد به لأنه أمر حادث وما للقاضي وكئابه هنا، وفي أكثر الحواشي أنّ معناه أنه يمنعه عن الخيبة وعدم القبول أو يمنغه عن أن يضيع ما فيه لأنّ غير المختوم يطلع الناس على أسراره فيضيع، ولك أن تقول إنّ المراد أنه علامة الإجابة كما تعارفه الناس وهو معنى ما ورد في الأثر أنّ الدراهم خواتيم الله في أرضه. قوله: (وفي معناه قول علئ إلخ) جعله لقربه منه في معناه وقول الصحابي فيما لا يقال مثله بالرأي في حكم المرفوع لكنه يدل على تشبيهه بالخاتم نفسه وقد قيل الظاهر أنّ قراءته كالختم ونفسه كالخاتم، وفي تخريج أحاديث الكشاف إنّ هذا لم يوجد في شيء من كتب الأحاديث وقال الحافظ السيوطيّ: لم أقف عليه عن عليّ رضي الله عنه وانما خرّجه الطبراني في الدعاء وابن عديّ في الكامل وابن مردوية في التفسير بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين) (1) والخاتم والطابع بالفتح بمعنى، وهو ما يطبع به أي يختم. قوله: (يقوله الإمام ويجهر به إلخ) عند الحنفية أنه يؤمّن الإمام والمأموم سرّا ومذهب المصتف وغيره من الشافعية كما في شرح الوجيز أنه يستحب لكل من قرأ الفاتحة خارج الصلاة أو فيها أن يقول عقبها آمين بعد سكتة لطيفة ليتميز القرآن عن غيره ويستوي في استحبابها الإمام والمأموم والمنفرد ويجهر بها الإمام والمنفرد في الجهرية تبعاً للقراءة لحديث وائل المذكور، وأما المأموم ففي القديم يؤمّن جهراً أيضاً وفي الجديد لا يجهر واختلفوا فقال الأكثرون في المسئلة قولان: أحدهما أنه لا يجهر كما لا يجهر بالتكبير وان جهر الإمام والأصح، وبه قال الإمام أحمد رضي الله عنه أنه يجهر لما روي عن عطاء وغيره: كنت أسمع الأئمة، ومن خلفهم يقولون آمين حنى إنّ للمسجد ضجة، ومنهم من أثبت في المسئلة قولين إذا جهر الإمام أمّا إذا لم يجهر، فيجهر المأموم لينبه الإمام وغيره، ومنهم من حمل النصين على أنّ قوله لا يجهر الماموم إذا قلوا أو صغر المسجد وبلغ صوت الإمام القوم، وألا يجهروا حتى يبلغ الكل، والأحب أن يكون تأمين الإمام والمأموم معاً، فإن لم يتفق ذلك أمّن عقب تأمينه وعن مالك في أحد قوليه أنه لا يسن التامين للمصلي أصلاً انتهى وهل يقولها الإمام والمأموم أو المأموم فقط لحديث " إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين " (2) وهو رواية عن أبي حنيفة، وبي رواية أخرى " يؤمّنان معاً "، وتفصيله في الفروع وكتب

الحديث، وأجاب الحنفية عما قالوه نجأنه عليه الصلاة والسلام جهر بها للتعليم، ثم خافت أو أنّ ذلك إذا كان فذاً ولأنه دعاء ومن شأنه الإخفاء والجهر به مع القرآن يوهم أنه منه وفيه نظر. قوله: (لما روي عن وائل (3) إلخ) هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والدارقطنيّ، وصححه ابن حبان، ووائل بهمزة بعد الألف يليها لام، وهو وائل بن حجر بضم الحاء المهملة، وسكون الجيم ابن ربيعة الحضرمي الصحابي كان أبوه من أقيال اليمن أي ملوكها، فإنّ الملك يسمى عندهم قيلاَ، ووفد على النبيّ صفى الله عليه وسقم واستقطعه أرضاً فأقطعه إياها وقال: هذا وائل سيد الأقيال، وله مع معاوية رضي الله عته قصة ولما صار خليفة قدم عليه فاستقبله وأكرمه وتوفي رضي الله عنه في عهده، وقد سمعت ما أجيب به عن هذا الحديث. وقوله: (وعن أبي حتيفة إلخ) هدّه رواية عنه ضعيفة جداً موافقة لأحد قولي مالك والذي صححوه عنه ما مرّ كما أشار إليه المصتف رحمه الله. وقوله: (ووفع بها صوته) قد مرّ جواب الحنفية عنه أنه تعليم، ثم خافت وخافتوا وأوود عليه أنّ الصلاة مقام مناجاة فلا يناسب التوجه إلى الغير لقصد العليم، وجوابه ظاهر. وقوله: (لا يقوله) قيل: لأنه داع بقوله: اهدنا ولا يخفى أنه لا تنافي بين كونه داعياً وطالباً للإجابة فتدبر. قوله: (كما روا 0 عبد الله بن مغفل إلخ) العراقي وتبعه من بعده من الحفاظ لم أقف على هذا الحديث من هذه الطريق، وأخرج الطبرانيّ في الكبير عن أبي وائل قال: كان عليّ وعبد الذ بن مسعود لا يجهران بالتأمين، وعبد الذ بن مغفل بن غنم من مشاهير الصحابة توفي بالبصرة سنة ستين ومغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة، وتشديد الفاء المفتوحة وبعدها لام بزنة اسم المفعول. قوله: (إذا قال الإمام (1)) الحديث أخرجه البخارفي ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ووقع في أمالي الجرجاني في آخر هذا الحديث زيادة " وما تأخر " وعليها اعتمد الغزاليّ رحمه الله تعالى في الوسيط، وأحسن ما فسر به هذا الحديث ما رواه عبد الرزاق عن عكرمة رضي الله عنه قال: صفوف أهل الأرض تلي صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد قال ابن حجر رحمه الله: مثل هذا لا يقال بالرأي فالمصير إليه أولى وفي بعض النسخ كما في وسيط الواحديّ إذا قال الإمام ولا الضايىن فقولوا إلخ وأورد عليه أن الدليل لا يوافق المدعى وهو تأمين الإمام والمأموم معا لا يراده بعد قوله والمأموم يؤمن معه، وليس في الحديث غير تامين المؤتم، وما قيل: إن تأميبئ الإمام قد علم من الأحاديث الأخر لا وجه له وفي أكثر النسخ كما في التيسير والمعالم هكذا، فإنّ الملائكة تقول آمين والإمام يقول آمين: فمن وافق تأمينه إلخ وعليه فلا إشكال أصلاَ. (أقول) وقد وقع نحو من هذا في البخاري فقال ابن بطال في شرحه بعدما أورد هذا الحديث أنه يعلم مته تأمين الإمام لأنّ المأموم مامور بالاقتداء بالإمام، وقد ثبت في الحديث سابقاً أنّ الإمام يجهر بالتأمين فلزم جهره بجهره، وتعقب بأنه يلزمه أن يجهر الماموم باً لقراءة لأنّ الإمام جهر بها. وأجيب عته بأن الجهر بالقراءة خلف الإمام نهي عنه فبقى التأمين داخلاَ تحت عموم الأمر باتباع الإمام واستدل بقوله فأمنوا على تأخير تاسين المأموم عن تأمين الإمام لترتبه عليه بالفاء وفيه كلام في كتب الأصول، فذهب بعضهم إلى أنها تدل على التسبب دون التعقيب، وقيل المعنى إ 16 أراد الإمام، وقال الجمهور الفاء في جواب الشرط تدل على المقارنة، والمراد بالملائكة جميعهم وقيل: الحفظة، وقيل: الذين يتعاقبون إن قيل: إنهم غير الحفظة، فالمراد بموافقة الملائكة وقوع تأمين المصلي والملائكة في وقت واحد وقيل المراد الموافقة في الإخلاص والخشوع لأنه المناسب للمغفرة، وقال ابن حجر رحمه الله: المراد الأوّل لما رواه عبد الرزاق عن عكرمة قال صفوف أهل الأرض إلخ وهذا يدل على أنّ المراد بالملائكة غير ما مرّ، وقال بعض فضلاء العصر في حواشيه: المخاطب بقوله عليه الصلاة والسلام قولوا آمين الإمام والمأموم جميعاً، والمعنى أيها المصلون 1 قولوا جميعاً إمامكم ومأمومكم آمين، ويؤيد. أنّ تعليق المغفرة بالموافقة ترغيب، وحث على ما ينبغي أن يعم الإمام والمأموم جميعا، فلا يحرم الإمام هذه الفضيلة ومثله لا يتم بسلامة الأمير فتدبر. قوله: (وعن أبي هريرة إلخ) هو صحابيّ مشهور، - اسمه عبد الرحمن على " الأصح وهريرة تصغير هرّة وهي معروفة، وهو غير منوّن لأنه جزء العلم وتحقيقه مشهور في

محله وابيّ بصيغدة المصغر هو أبيّ بن كعب الصحابي المعروف، وهدّا الحديث صحيح وليس بموضوع كما توهم وان كان آكثر الأحاديث المروية عن أبيّ في فضائل السور موضوعة وضعها رجل من عبادان من الكرامية وهم يرون جواز وضع الحديث للترغيب ويجيبون عن الاستدلال جديث " من كذب علئ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار " (1) بأنه كذب له لا عليه، وقد اعترف به واضعه وقال رأيت رغبة الناس عن حفظ القرآن وتلاوته فوضعته، والمفسرون منهم من ذكره في أوائل السور حثاً على تلاوتها ومنهم من أخره لأنه صفة لها فحقها التأخير عن موصوفها كما نقل عن الزمخشريّ. وقوله: (ينزل) بالياء التحتية وهو ظاهر وروي بالمثناة الفوقية مع تذكير مثل فقيل: إنه بتقدير سورة مثلها أو لأنّ المراد بالمثل السورة، فروعي معناه وقيل لاكتساب المضاف التأنيث مما أضيف إليه، ورد بأنّ الرضى وغبره صرحوا بأنّ شرط الاكتساب المذكور أن يكون المضاف بعضاً من المضاف إليه، أو كالبعض وهذا لا بد فيه من صحة المعنى مع سقوطه وهذا ليس كذلك وفيه أنه ليس بمسلم، فإن مثل يصح إسقاطها من الكلام مع بقاء المعنى بحاله فتقول في نحو زيد هو مثل الأسد هو الأسد فيؤذي المعنى على وجه أبلغ، كما تقرّر في المعاني على أنّ صاحب الكشاف ذكر في قوله تعالى: {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} [الأنعام: 58 ا] على قراءة التاء الفوقية أنها لإضافة الإبمان إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه وقال الشارج المحقق: ثمة أنهم يعنون بالبعض ما هو أعمّ من الأجزاء أو الصفات القائمة بها وسيأتي تفصيله في سورة الأنعام، وما قيل من أن ما نقل عن الرضى شرط لوجوب الاكتساب غنيّ عن الرذ وخصى التوراة والإنجيل لأنهما أعظم الكتب السماوية، وقيل لأنها لم تتل تلاوتهما أو لأن منها ما هو تابع للتوراة لا ناسخ لها. قوله: (قلت بلى إلخ) في الكشاف ما لفظه هكذا، وعن النبيّ صقى الله عليه وسلّم أنه قال لأبيّ بن كعب: " ألا " خبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها قلت: بلى يا رسول الله قال: فاتحة الكتاب " (1) إلخ اهـ قال الشارح المحقق: فيه حذف أيّ قال أبيّ رضي الله عنه: قلت بلى وقال قدس سرّه: ظاهر سياق الكلام يقتضي أن يقال قال: بلى يا رسول الله أي قال أبيئ ذلك في جوابه فلذا احتيج إلى تقدير وعن أبيّ رضي الله عنه أنه قال: قلت لكنه اختصر في العبارة، ولا يكفي تقدير قال وحده كما توهم إذ يصير المعنى قال أبيّ في جواب رسول الله صقى الله عليه وسلّم قلت: بلى وفساده ظاهر بين ورده المدقق الليثي بأنه إن كان المراد نقل ما وقع في مجلس النبيئ صقى الله عليه وسلّم من المكالمة بينه وبين أبيّ، فكما لا يصح تقدير قال وحده كذلك لا يصح تقدير، وعن أبيّ أنه قال إذ يصير المعنى على كل تقدير قال أبيّ في جواب الرسول صلّى الله عليه وسفم قلت بلى، وان أريد نقل كلامه عليه الصلاة والسلام وما وقع من أبيّ رضي الله عنه في غير مجلسه من حكاية قوله، فكلاهما صحيح غايته أنّ ما ذكره الشريف أظهر دلالة على المقصود قيل: ولما كانت عبارة الكشاف تحتاج إلى تكلف كثير عدل عنها المصئف رحمه الله وصرح باسم الراوي حيث قال: وعن أبي هريرة إلخ لئلا يرد عليه ما مرّ لأنّ الظاهر أنّ أبا هريرة رضي الله عنه هو المجيب بقوله بلى إلخ تشوّفا إلى بيانه عليه الصلاة والسلام وان كان المخاطب له عليه الصلاة والسلام في مثله غير متعين فحاصله أنه روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام لما قال لأبي رضي الله عنه: ألا أخبرك إلخ بادرت إلى الجواب وقلت: بلى إلخ وهو كلام لا يرد عليه شيء، ولم يفرق كثير بين كلام الكشاف والقاضي ولم ينبهوا على وجه عدول المصنف رحمه الله بناء على أن أبا هريرة رضي الله عنه روى ما وقع في مجلسه عليه الصلاة والسلام من المكالمة بين أبيّ وبينه والسياق يقتضي أن يقول قال دون قلت: وأورد عليه أنه حينئذ لا فائدة في عدول المصئف رحمه الله إلأ تقوية الإيراد، لأنه يرد عليه ما لا يدفع بما مرّ، إذ رواية أبي هريرة تكون قاصرة عن إفادة المقصود وهو ظاهر وفي بعض نسخ المصتف قال: بدل قلت والمشهور الثاني حتى قيل إن الأولى من تصرّف النساخ ثم إنّ قوله بلى في الحديث مخالف لما اتفق عليه النحاة من أنّ بلى إنما يجاب بها النفي، لكنه وقع في كثير من الأحاديث ما يخالفه كما ورد في مسلم أنت الذي لقيتني بمكة فقال بلى، فلا يلتفت لما خالفه وان اعترض عليه في المغني، وينزل بضم الياء وفتحها.

قوله: (إنها السبع المثاني إلخ) إشارة إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87] الآية وسيأتي تتمة في محله والقرآن بالرفع عطف على خبر إن والموصول صفته وأوتيته بضم التاء قيل: في الحديث ما يدل على أنّ القرآن العظيم في الآية بمعنى الفاتحة وأنه اسم لها ولم يذكروه هنا ولا في سورة الحجر ولم يعده أحد من أسمائها كالسبع المثاني وأم القرآن، ولا يخفى أنّ القرآن العظيم يطلق على الفاتحة بالمعنى الكلي ولا يطلق عليها بمعنى الكل إلاً مبالغة نحو أنت الرجل، فإن أريد هذا فلا مانع منه، وأمّا كونه اسماً فلا وجه له لأنه لا يلزم من الحمل المساواة. قوله: (وعن ابن عباس رضي الله عنهما (1) إلخ) هو حديث رواه مسلم بمعناه ووسول الله مرفوع مبتدأ خبره مقدر أي جالس ونحوه، ويقال بينا وبينما وتقع بعدها إذا وإذ الفجائيتين وقال الرض اكثر في جواب بينما إذ وفي جواب بينا إذا وما زعمه الحريري من أنه خطأ خطأ وألف بينا للإشباع أو كافة أو بعض من ما، وقال الرضى ة لما قصد إضافة بين إلى جملة ومثله يلزم الإضافة إلى المفرد والإضافة إلى الجمل كلا إضافة زادوا عليها ما تارة وأشبعوها أخرى، وقيل: أصله بين أوقات كذا والجمل مما يضاف إليها أسماء الزمان ثم حذف المضاف الذي هو وقت، وأقيم بين مقامه، والملك في الحديث غير جبريل عليه السلام لما في مسلم بينا جبريل عنده عليه الصلاة والسلام إذ سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه وتال: " هذا باب من السماء فتح لم يفتح إلاً اليوم نزل مته ملك لم ينزل إلاً اليوم فسقم " (2) إلخ والنقيض بمعجمات هنا صرير الباب، وأبشر كأكرم بمعنى صر ذا بشارة وخبر سارّ، وقوله بنورين أي أمرين عظيمين من الكلام الموحى إليك يدلان على علمين عظيمين من العلوم اللدنية، والعلم والوحي يطلق عليه النور كص تطلق الظلمة على مقابله قال تعالى: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} [الحديد: 13] . وقوله: (لم يؤتهما) إلخ أي هو مخصوص به صلّى الله عليه وسلّم من بين الأنبياء، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وفاتحة الكتاب وما عطف عليه بالجرّ عطف بيان أو بدل مما قبله ويجوز رفعه ونصبه، وخواتم سورة البقر من قوله: ولمن الرسول} [البقرة: 285] إلخ وخواتم بميم بعد المثناة وفي نسخة خواتيم بياء تحتية جمع خاتمة على خلاف القياس وهو مسموع كما نقله الثقات وفي الحديث: " الآعمال بخواتيمها " (1 (وقيل سميا نورين لاشتمالهما على الحروف النورانية، وهي أربعة عشر حرفا مذكورة في أوائل السورة وهو بعيد، والمخاطب النبيّ عليه الصلاة والسلام حقيقة وإن شمل أمّته معنى. قوله: (لن تقرأ حرفاً إلخ) الحرف واحد الحروف المعروفة، ويكون بمعنى الكلمة وكل محتمل هنا وضمير أعطيته راجع له وقيل إنه راجع لما وعده أي أعطيت ما وعدته من الثواب، وقيل إنه راجع للنور الشامل للنورين، وما قيل من أنّ المراد أعطيت ثوابا لأجل قراءة ذلك الحرف سوى ثواب كلماتها وثواب المجموع المؤلف منها أو المراد أعطيت به ما لا يحصيه إلاً الله، أو لن تدعو بحرف منها وفيه دعاء كاهدنا إلاً أجبت، أو المراد أعفيت ذلك الحرف بأن تتصرف به فيما تشاء، لأنّ الملك مظهر الأسماء ومتصرف الحروف العالية التي هي الملائكة لا يدفع ما أورد عليه من أنّ ما ذكر مشترك بينه وبين سائر القرآن الكريم، وان تشبث به ذلك القائل بزعمه. قوله: (وعن حذيفة بن اليمان (2) إلخ) حذيفة بن اليمان العبسي من كبار الصحابة وكان أبوه يسمى حنبلاً، فأصاب دماً وهرب إلى المدينة فخالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليماني لكونه حالف اليمانية، وهو نسبة إلى اليمن وأصله يمنيّ، فعوض عن إحدى ياءيه ألف ورسم بغير ياء كما هو معروف في علم الرسم وكان يقال له صاحب السرّ لقوله حذثني رسول الله صلّى الله عليه وسفم عما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة ومات بالمدائن في ست وثلاثين، وكان عمر رضي إلله عنه استعمله عليها، وهذا الحديث أسند. الثعلبي، وقال العراقي: إنه موضوع. وقيل: إنه ضعيف. والمعنى أن من الناس من يبعث عليه بشؤم معاصيه الموجبة للعقاب عذاب، ثم يؤخر عنهم ببركة قراءة صبيانهم ما ذكر وحتماً بمعنى واجباً ومقضياً بمعنى أنه تعلق به قضاء الله أزلاً أو قدر، وسطر في اللوج المحفوظ، وفيه دليل على أنّ القضاء يكون غير مبرم فيغير أو يؤخر والمعنيّ برفعه تأخيره لا إزالته لقوله أربعين سنة ولولاه صار حشواً، والكتاب بوزن رمّان هنا بمعنى المكتب، وقد أثبته الجوهريّ واستفاض استعماله بهذا اله سنى كقوله:

البقرة

وأتوا بكتاب لو انبسطت يدي فيهم رددتهم إلى الكتاب وأصله جمع كاتب مثل كتبة، فأطلق على محله مجازا للمجاورة وليس موضوعا له ابتداء كما قيل، وقال الأزهريّ عن الليث: إنه لغة، وعن المبرّد الموضحع المكتب والكتاب الصبيان ومن جعله الموضع فقد أخطأ، وفي الكشف الاعتماد على نقل الليث لترجيحه من وجوه. وقوله: (الحمد لله إلخ) منصوب مفعول ليقرأ، أو مرفوع على الحكاية لأنّ المراد به السورة، والعذاب بالنصب مفعول يرفع (تمت) السورة الكريمة بحمد الله، ومنه نفع الله بأسرارها، وأشرق في مشكاة قلوبنا ساطع أنوارها وأعاد علينا شامل بركاتها إنه قريب مجيب، وحسبنا الله ونعم الوكيل. سورة البقرة بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (مدنية وآيها إلخ (مرّ الكلام في المدني والمكي والأقوال فيه مشهورة وكونها مدنية قيل إنه بالإجماع، وقيل فيها آخر آية نزلت {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} [البقرة: 281، الآية وقيل هذه الآية ليست بمدنية نزلت في حجة الوداع يوم النحر وهو كلام واه وآي بالمد والتخفيف جمع آية أو اسم جنس جمعيّ لها كتمر وتمرة، وفي وزنها وأصلها كلام معروف في اللغة والتصريف وهي في اللغة العلامة والجماعة والرسالة والمناسبة ظاهرة، وفي عددها اختلاف فقيل مائتان وست وقيل سبع أو خمس وثمانون، والسورة تهمز ولا تهمز كما قاله ابن قتيبة، فمن همز جعلها من السؤر وهو ما بقي من الطعام في الإناء لأنها قطعة من القرآن ومن لم يهمزها أبدل همزتها واوا لسكونها وضم ما قبلها، أو جعلها منقولة من السورة بمعنى المنزلة كأنّ السور منازل، فهي منزلة بعد منزلة، ويؤيده ما في الحديث من استعارة الحال المرتحل للقارىء وهي للمنزلة الحسية والمعنوية، كالمرتبة المرتفعة قال النابغة: ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ترى كل ملك حولها يتذبذب وقيل: إنها من سور المدينة لإحاطتها بآياتها واجتماعها فيها اجتماع البيوت في الحصن، ومنه السوار لإحاطته بالساعد أو لارتفاعها بأنها كلام الله، أو لتركب بعضها على بعض من التسوّر بمعنى التصاعد ومنه {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} أسررة ص: 21] وفي شرج الشاطبية حد السورة ما يشتمل على آي ذات فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات وقيل: السورة الطائفة المترجمة توقيفا أي المسماة باسم خاص، وبهذا خرج العشر والحزب والآية وآية الكرسيّ لأنه مجرّد إضافة لا تسمية وتلقيب وفيه نظر، إذ لا بد من قيد كونها مستقلة أو مفصولة من غيرها بالبسملة إذ لولاه دخلت آية الكرسي. وقوله لأنه مجرّد إضافة لا يجدي، فإنّ سورة البقرة بل أكثر السور إضافات، وأسماء السور كلها توقيفية ثابتة بالحديث كما في الإتقان، وسيأتي بيانه وكره بعضهم أن يقال سورة البقرة ونحوه، لما روى البيهقيّ وغيره عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً " لا تقولوا سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذا القرآن كله، ولكن قولوا السورة التي تذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها أل عمران وهكذا " واسناده ضعيف وادّعى ابن الجوزي أنه موضوع، وردّه ابن حجر رحمه الله بأنّ البيهقيّ رواه بسند صحيح موقوف عن عليّ رضي الله عنه، وقد صح إطلاق سورة البقرة وغيرها مما منع في هذا الأثر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، وهو معارض له، ومن ثمة أجازه الجمهور من صير كراهة، ولك أن توفق بينهما بأنه كمان مكروهاً في بدء الإسلام وقبل الهجرة لاستهزاء كفار قريش بذلك، وقد أخرح ابن أبي حاتم عن عكرمة أنّ المشركين قالوا سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزؤن بهما فنزل {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95] ثم بعد سطوع نور الإسلام نسخ النهي عنه، فشاع من غير نكير، وورد في الحديث بيانا لجوازه. قوله: (ألم وسائر الألفاظ إلخ) أي هذه وباقيها فإنّ سائر بمعنى باق أو جميعها إن قلنا به، والخلاف فيه معروف بين أهل اللغة

وسيأتي تفصيله. وقولى:) يتهجى بها (قال في الأساس: هجا الحروف وهجاها وتهجاها وهو يهجوها ويتهجاها ولتهجوها يعددها وقيل لرجل من قيس: أتهجو القرآن فقال: والله ما أهجو منه حرفا، ومن المجاز فلان يهجو فلاناً هجاء يعدد معايبه ونحوه في الصحاح، وفي التهذيب الهجو والهجاء الض اءة فيقال أتقرأ القرآن فيقال: لا أهجو فيه حرفاً أي لا أقرأ، وكنت أروي القصيدة، فلا أهر اليوم منها بيتين أي لا أروي وفي القاموس الهجاء ككساء تقطيع اللفظة بحروفها وهجيت الحروف وتهجيتها، ونقل عن الزمخشرفي في حواشيه المروية عته أنّ التهجي تعداد حروف الهجماء بأشياء منها ألف باء تاء، فإذا وعيت ما ذكرناه لك عن أئمة اللغة، وعرفت أنّ هذا الفعل متعد بنفسه ومفعوله لا يخلو من أن يكون الكلم المنظومة والكلام المركب منها أو الحروف المركبما منها بأنفسها أو أسمائها الدالة عليها، ومعناه على الأوّل القراءة وعلى الأخيرين تعداد الثروف بأنفسها وهو التقطيع أو بأسمائها، وهو ظاهر أو مطلق التعديد، وكلام الأساس ظافر في الأخير وكلام الحواشي فيما قبله، وكلام القاموس في الثاني وكلام الأزهرفي في الأوّل، فإمّا أن نقول هو مشترك بين هذه المعاني المتغايرة، أو هو حقيقة في بعضها مجاز مسموع من العرب في غيره لأنه هو الذي يعتني به اللغويون، وعلى كل حال فمفعوله كالكلم، والحروف ليس داخلاً في مسماه والا لم يكن متعدياً، كأثمر الشجر بمعنى أطلع الثمر، فإنّ الثمر لما دخل في مسماه لم نقل أثمر الشجر الثمر حتى أنّ السكاكيّ لما استعمله متعديا أوّله الشراح، وهو مثل ما تقدم في آمين، وذكر أئمة اللغة له كما سمعته دالّ على ذلك وإنما الكلام في دخول متعلقه المجرور بالباء سواء قلنا إنها للصلة، أو للآلة فيحتمل دخوله فيه دخول البصر في أبصرت زيداً أي شاهدته ببصري فلا يذكر إلا على ضرب من التأويل أو المسامحة أو خروجه خروجا العصا في ضربته بالعصا، فإنه قيد خارج قد يذكر وقد يترك، ولما قال العلامة: الألفاظ التي يتهجى بها أسماء ذكر المدقق في الكشف ما مرّ من كلام اللغويين، وقال إنه المناسب المطرد في العرف، ونقله سلمه الله عن الأساس وكلام الجوهريّ والأزهريّ ينزل عليه، والباء في قوله بها لتضمين معنى الإتيان أي يؤتى بها مهجوّة اهـ يعني أنه موضوع لتعداد مخصوص، وهو تعداد الحروف المركب منها الكلم بأسمائها وقيد بأسمائها داخل في مسماه، فلذا أوّل ذكره في عبارة الكشاف بالتضمين والشارح المحقق لم يرتضه وجعله خارجا والباء للصلة والآلة، والمعنى يتهجى بها الحروف أي تعدد على حذف المفعول بلا واسطة وقال: إنّ حملها على التضمين أي يؤتى بها مهجوة سهو لأنّ المهجوة المسميات لا الأسماء، وقيل: التهجي مجرّد عن قيد الأسماء، فهو بمعنى عد الحروف مطلقاً، فالمفعول بلا واسطة محذوف والجارّ والمجرور قائم مقام الفاعل، والباء فيه للآلة أو هو مضمن معنى الإتيان أي يؤتى بها مهجوة مسمياتها، أو هو من قبيل أبصرته بعيني، فيبني الفعل للمفعول بواسطة كأبصر بالعين وفيه بعد فأوّل العبارة بوجوه منها ما مرّ ودفع السهو الذي مرّ بتقدير مضاف، كما في قوله أيضاً والسبب في أن قصرت متهجاه، فإنّ المراد متهجى مسمياتها، وقيل عليه: إنه ليس في اللفظ ما يدل عليه، فهو سهو بلا مرية وتمسكه بعبارته الآتية مع احتمالها التأويل لا يجدي، وقوله: إنّ أمثال أبصرته بعيني مستبعد لا ينبغي افإنه كثير في كلامهم، وقد ورد في النظم يقولون بأفواههم مع أنه ليس أبعد مما ارتضاه. (بقي هنا) أنه على تقدير تسليم أنّ القيد داخل في مفهومه، فالتهجي من المعاني النسبية، كالوضع فيوصف به اللافظ ويقال: هو متهج والحرف نفسه فيقال متهجي بصيغة المفعول، فإذا وصف به اسمه الذي به التهجي، فلا بد من توسط الحرف وذكره فضلاً عن أن يكون زائدا محتاجاً للتأويل كما أنّ الوضع إذا وصف به اللفظ قيل موضوع، فإن وصف به المعنى قيل موضوع له ذلك اللفظ، فإنما يكون كذلك إذا جرى على ما هو له، فأمّا إذا جرى على غيره مما هو لسببية فلا بد من الصلة والعجب أنّ هذا مع وضوحه كيف خفي على هؤلاء الفحول فتدبر. قوله: (لدخولها في حدّ الاسم إلخ (لدلالتها على معنى، وهو حروف المباني دون اقتران بأحد الأزمنة، والاعتوار في الأصل الأخذ باليد ويكون بمعنى التعاقب أيضا، كما في الأساس الاسم تعتوره حركات الإعراب، وتعاورت الرياج

رسم الدار فلا حاجة إلى تكلف أن يقال كأنّ ما ذكر يأخذ هذه الألفاظ على التعاقب، وهو متعد بنفسه والنحاة تعدية بعلى إمّا لتضمته معنى التعاقب، أو لحمله عليه لأنه بمعناه ولتوهم بعضهم أنها حروف أيده المصنف رحمه الله بالنقل عن إمامي العربية الخليل وأبي عليّ الفارسي في كتاب الحخة، وتقديم قوله به للاهتمام لا للحصر وان صح، وفيه من علامات الاسم غير ما ذكر وتركه المصنف رحمه الله لظهوره كما ترك قول الزمخشريّ كالإمالة والتفخيم لأنه غنر مسلم اختصاصه بالاسيم، وقد كفانا المصنف مؤنثه، فلا حاجة للجواب عما أورد عليه، والمراد بالحد التعريف الجامع المانع، أو مصطلح أهل المنطق. قوله: (وما روى ابن مسعود إلخ (هذا الحديث رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " وروى ابن أبي شيبة والبزار في مسنديهما عن عوف بن مالك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: " من قرأ حرفاً من كتاب الله كتبت له به حسنة لا أقول ألم حرف وكن الحروف المقطعة الآلف حرف واللام حرف والميم حرف ". قال الحافظ مدار إسناده على موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف ورواه الطبراني في الكبير من غير طريقه ولفظه " من قرأ حرفاً من القرآن كتبت له حسنة ولا أقول ألم ذلك الكتاب حرف ولكن الآلف حرف واللام حرف والميم حرف والذال حرف والكاف حرف " (3 (. وقال أبو عمرو الداني في كتاب العدد: إنا على صور الكلم في الرسم دون اللفظ ألا ترى أن صورة ألم في الكتابة ثلاثة أحرف، وهي في التلاوة تسعة أحرف، فلو كانت الكلمة إنما تعدّ حروفها على حال استقرارها في اللفظ دون الرسم، لوجب أن يكون لقارىء ألم تسعون حسنة، فلما قال: إنها ثلاثة أحرف ولقارئها ثلاثون حسنة بكل حرف عشر حسنات ثبت انّ حروف الكلمة، إنما تعدّ على صورة الكتابة دون ايلاوة والثواب جار على ذلك اهـ. وأورد عليه صاحب مصاعد النظر أنّ العامل إنما يثاب على أله لا على عمل غيره، فالقارىء يثاب على نطقه بالحروف سواء كتبت أم لا ثبت ما يكتب في الرسم أم لا، وما قاله يلزمه تعطيل بعض الحروف التي نطق بها بلسانه وهو لا يرضاه أحد، فإن ثوابه على بعض عمله دون بعض تحكم والذي يكشف لك معنى الحديث حمل الحرف على الكلمة، ولما رسمت ألم بصورة كلمة واحدة بين في الحديث أنها ثلاث كلمات، فإنّ المنطوق به أسماء الحروف لا مسمياتها، وكل اسم منها كلمة بلا شك، وهذا ما ارتضاه صاحب النشر وهو حسن وبما ذكرناه سقط ما قيل: إن ما ذكره المصنف لم يوجد في كتب الحديث، فإنه مروقي كما في الترمذي والطبراني، وكثير من كتب الحديث وصححه الحاكم وإن كان فيه اختلاف يسير لا يحوجنا إلى القول بأنه رواية بالمعنى. وقوله: (بعشر أمثالها) متعلق بمقدر أي يجازى بعشر إلخ. قوله: (فالمراد به إلخ) هذا خبر ما في قوله ما روي فإنها موصول اسميّ مرفوع محلاً بالابتداء، والموصول إذا وقع مبتدأ يجوز أن يقرن خبره بالفاء، لكونه في معنى الشرط، كما قرره النحاة، وهذا جواب عن سؤال تقديره إنّ ابن مسعود رضي الله عنه من كبار الصحابة، وأهل اللسان، وقد أطلق عليها الحرف، وهذا مناف لما قلت فأجاب بأنه إنما يعارضه لو قصد به المعنى المصطلح بين النحاة وهو الكلمة الدالة على معنى، حفي غيرها، وليس بمراد بل لا يصح إرادته هنا فإنّ حقيقة الحرف لغة كما قاله الجوهري طرف كل شيء، وواحد حروف التهجي، وحروف المباني التي تركب منها الكلم، وما ذكر هو حروف المعاني واطلاق الحروف عليها عرف جديد أحدثه النحاة بعد العصر الأوّل، فكيف يصح إرادته في الحديث وتفسيره به، ويكون بمعنى الكلمة كما في قول بعض العرب، وقد قيل له: أتقرأ القرآن فقال: والله لا أهجو منه حرفا، أي لا أقرأ منه كلمة كما ذكره الأزهريّ، وان أهمله الجوهريّ، وصاحب القاموس، وهو معنى حقيقيّ أو مجازفي مسموع من العرب أي مجاز مرسل من إطلاق الجزء على الكل، أو استعارة لأنها من الكلام بمنزلة الحرف من الكلمة، وقوله في الأساس من المجاز، هو على حرف من أمره أي طرف لا يعارض ما قاله الجوهرفي، لأنّ حقيقته الطرف الحسي، ولولا هذا الحمل تناقض كلامه. قوله: (فإنّ تخصيص الحرف به (أي بالمعنى الذي اصطلح عليه

النحاة إن كان المراد بالمعنى الآتي الكلمة، فكونه تخصيصاً ظاهر لأنه قسم منه، ولذا اختاره كثير من أرباب الحواشي فإن لم يرد فالتخصيص ليس في مفابلة الإطلاق بل بمعنى التعيين مطلقاً، كما في قولهم الوضع تخصيص شيء بشيء، فلا حاجة إلى التكفف في توجيهه مثل ما قيل: من أنّ مراد المصنف بالمعنى اللغويّ الطرف وهو متناول لجميع حروف المباني، وأقسام الكلمة لخروج أصواتها من طرف اللسان، فهي حروف بالمعنى المذكور. قوله: (بل المعنى اللنويّ) وهو الكلمات كما مرّ تحقيقه، فقوله ولعله سماه إلخ جواب آخر إذ المراد منه حينئذ حروف المباني، فإن أريد بالمعنى اللغويّ ما ذكر من الحروف المقطعة، وهي حروف المباني بالتحتية فهما جواب واحد، وليس المراد به الطرف كما توهم. قوله: (ولعله سماه باسم مدلوله (هذا ما ذكره الإمام في تفسيره، وعبارته توهم أنه من بنات فكره، وعلى هذا فالحكم على ما ذكر بالحرفية باعتبار مدلوله فهو معنى حقيقي له لا مجازيّ، وما قاله الإمام ومن حذا حذوه من أنه سماه حرفا مجازاً لكونه اسم الحرف واطلاق أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور ليس بشيء ويعلم مما ذكر غيره مما يشاركه في معناه ولا يرد عليه أنه إذا كان في الحديث بالمعنى اللغويّ يصير معناه من قرأ كلمة من كتاب الله أيّ كلمة كانت بدليل أنه ضم إليه في رواية، كما مرّ ذلك الكتاب، وليست كل كلماته مسماها الحروف حتى يصح تسميته باسم مدلوله فالظاهر أن يقال إنه جعل الكلمات بمنزلة حروفه، ولا يخفى ما فيه من التعسف لأنه على ما ذكر لا يراد بالحروف الكلمات بل حروف التهجي كما بيناه، فهذا تخليط منه وان كان ما ذكره من الرواية ينبو عنه إلا بتوفيق من بيده التوفيق، والحاصل أنّ ما ذكر إنما يدل على حرفية المسميات لا على حرفية هذه الألفاظ لما اشتهر من أنّ الحكم في القضية على مدلولى الموضوع لا على عنوانه، ولا كلام في حرفية المسمى هنا، والعجب من بعض الناس إذ توهم هذا وجهاً آخر ثمّ قال إنّ المصنف رحمه الله لم يلتفت إليه لأنه غير قطعيّ في سقوط المعارضة، فإنّ كلام المعارض مبنيّ على أنّ ما ذكر من نحو ألف ولام وميم إعلام لا نفسها فيصح أن يطلق كل واحد منها، ويراد به ذلك اللفظ ويحكم عليه بأنه حرف، كما في قولك من حرف جر وضرب فعل ماض ونحوه وهذا لمن له بصيرة نقاذة خلط، وخبط نثر. خير من نشره فإنه ليس من قبيل الألفاظ الموضوعة لا نفسها إذ مدلول لام ل، وهو مغاير لاسمه الدال عليه وان أتفق كونه جزءاً له كلفظ كلمة كلمة الذي هو من جزئياتها كما مرّ نعم عبارة المصنف لا تخلو من الركاكة وهذا هو الذي أوقعه فيما وقع فيه، فإن قلت المقصود من الحديث تكثير الحسنات، وهو لا يناسب جعل ألف حرفا وهي ثلاثة أحرف قلت أجيب بأنّ المراد مسماه وهو بسيط، وفيه أنّ المقروء هنا الاسم والحسنة باعتبار القراءة إلا أن يقال قراءة الأسماء تقتضي قراءة المسميات وفيه نظر، فإن قيل المراد بسائط هو المركب أعني أنه اكتفى بذكر بسيط واحد عن كل واحد من الأسامي الثلاثة اختصاراً فهو بعيد، ولذا قيل إن الأوجه أن يراد بالحرف الكلمة. قوله: (ولما كانت مسمياتها حروفاً وحداناً) وحدان بضم الواو جمع واحد كراكب وركبان وهذا زبدة ما في الكشاف من أنه ووعيت في هذه التسمية لطيفة، وهي أنّ المسميات لما كانت اً لفاظا كأساميها وهي حروف وحدان، والأسامي عدد حروفها مرتق إلى الثلاثة اتجه لهم أن يدلوا في التسمية على المسمى، فلم يغفلوها وجعلوا المسمى صدر كل اسم منها، كما ترى إلا الألف، فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكنا، ومما يضاهيه في إيداع اللفظ دلالة على المعنى التهليل والحوقلة، وتسميه النحاة نحتا، والمصنف رحمه الله تبعه في ذلك، إلا أنه عدل عن قوله، والأسامي عدد حروفها مرتق إلى الثلاثة إلى قوله وهي مركبة لأنه أخصر وأظهر، وفيه إشارة إلى أنّ ارتقاءه لذلك لا تتوقف عليه هذه اللطيفة، وإنما هو بيان للواقع، وفي شروح الكشاف كلام لا مساس له بعبارة المصنف رحمه الله، وهذا برمّته من كلام ابن جني في سرّ الصناعة حيث قال فيه: كل حرف يقرأ أوّل حروف تسميته لفظه بعينه ألا ترى أنك إذا قلت جيم، فأوّل حروفه ج وإذا قلت: ألف فأوّل الحروف التي نطقت بها همزة، ولما لم يمكن الواضع أن يبتدىء بالألف التي هي مذة ساكنة دعمها باللام قبلها متحرّكة ليتمكن من الابتداء بها

فقالوا لا بزنة ما، فلا تقل كما يقول المعلمون لام ألف فانه خطأ، وخص اللام بالدعامة لأنهم توصلوا للنطق بلام التعريف بأن جعلوا قبلها الهمزة التي هي أختها، فتوصلوا فيها باللام لضرب من المعاوضة بين الحرفين فالألف التي هي أوّل حروف المعجم صورة الهمزة في الحقيقة اهـ. وقال ابن فارس في كتابه فقه اللغة: يزعم قوم أنّ العرب لا تعرف الحروف بأسمائها، والدليل على ذلك ما حكاه عن بعض الأعراب إنه قيل له أتهمز إسرائيل فقال إني إذاً لرجل سوء لأنه لا يعرف من الهمز إلا الضغط، والعصر ويرده أنهم أهل مدر ووبر، ومنهم من يعرف الكتابة سورة البقرة / الآية 2431 السمع، واستعيرت الهمزة مكان الألف لتعذر الابتداء بها، وهي ما لم تلها العوامل موقوفة والحروف ومنهم من لا يعرفها كالإعرإب اهـ فقول الزمخشريّ ومن تبعه هنا إلاً الألف مخالف لكلام ابن جني، فإنها عنده اسم الهمزة، والألف اللينة اسمها لا التي يعبر عنها المعلمون بلام ألف، كما سيأتي فاللطيفة تامّة بلا توجهية، والهمزة صفة لها لأنها تسهل وتبدل، وذلك كالعصر لها وليس اسما مستحدثاً كما قيل، وذهب غيره إلى أنّ الألف اسم للينة إلا أنها أبدلت همزة لتعذر الابتداء بها وهو المرإد بالاستعارة هنا، فاللطيفة جارية فيها باعتبار أصلها ولم تتخلف اضطراراً. (تنبيه) قول معلمي الصبيان لام ألف خطأ فإنّ اسمها لا وقول بشار: يخط في الطريق لام ألف ليس معناه هذا فإنه في وصف السكران يجرّ رجليه في التراب فأثرهما فيه معوجاً يعود شكل لام، ومستقيما شكل ألف. (وأقول) الشعر صريح فيه. قوله: (ليكون تأديتها بالمسمى أوّل ما يقرع السمع) قيل الباء زائدة، كما في قولهم أخذت بالخطام، وأنه ليس المراد بالتأدية الدلالة حتى يقال: كان الأنسب ذكر المسميات في الآخر لأنّ فهم المعنى بعد فهم اللفظ بل إحضار المسمى بذاته لأنهم لما قصدوا أن يضعوا لهذه البسائط أسامي مركبة لمصلحة راعوا هذه اللطيفة في التسمية بأن ركبوا كل اسم من مسماه مع غيره، وقدموا المسمى ليكون أوّل ما يقرع السمع لزيادة مناسبة وللإشارة إلى أنّ هذه التأدية ليست من جنس تلك التأدية، فلو لم يكن الاسم مركبا من عدة حروف والمسمى حرف مفرد لم تتيسر هذه النكتة فيه، فانظر فائدة هذه القيود، ووقوع كل منها في محزه. (أقول الا يخفى أن تأويله بالإحضار وحده لا يدفع ما ذكر، ولا يكفي في أداء ما قصده بدون قيد بذاته، ولا قرينة على تقديره هنا، فالظاهر أنّ ضمير تأديتها راجع لقوله: حروفها وحدانا والباء للملابسة لا زائدة، لأن زيادتها في المفعول غير مقيسة كما صرّحوا به أي إيصال المتكلم لتلك الحروف من جهة كونها مسمى، ومدلولاً عليها أوّل إلخ وأصل معنى التأدية الإيصال، فإنها تفعلة من الأداء قال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] ومنه أداء الدين من الدين، وفي عرف الفقهاء يكون بمعنى إيقاع الفعل في وقته، ويقابله القضاء وهو مضاف للمفعول لأنه متعد بنفسه، والقرع مس جسم باخر بحيث يسمع له صوت والصوت يسمع بوصول الهواء إلى مقعر الأذن شبه وصوله بالقرع، وصار حقيقة فيه، فلذا تال يقرع السمع دون يسمع مع أنه أخصر. قوله:) واستعيرت الهمزة) أي جعلت أوّلاً في مكانها لتعذر الابتداء بها كما مرّ، فالاستعارة ههنا بمعناها اللغويّ على ضرب من التوسع، وهذا إذا لم تكن الألف موضوعة في الأصل للهمزة، واستعمالها في المدة على التوسع كما نقل عن ابن جني لأنها تد تصير مدة، أو هي مشتركة بينهما كما ذهب إليه بعض أهل اللخة. قوله: (وهي ما لم تلها العوامل إلخ) المراد بكونها تليها أن تتصل وتفترن بها سواء كانت مقدمة أو مؤخرة لأنّ الولي يكون بمعنى الاتصال، كما يكون بمعنى وقوعها بعدها ومنه التالي، وليس هذا مراداً والاً كان الظاهر العكس، وهذا إمّا بناء على الأصل أو المراد به ما كان كذلك حقيقة أو حكماً، فلا يضره فصل الجملة المحترضهه ونحوها، ولا يرد عليه العوامل المعنوية، حتى يقال إنه باعتبار اكثر والعوامل جمع عامل وهو مشهور. قوله: (موقوفة خالية عن الإعراب (قال أبو حيان في شرح التسهيلى الأسماء المتمكنة قبل التركيب كحروف الهجاء المسرودة ألف باء تاء ثاء، وأسماء العدد نحو واحد اثنان ثلاثة أربعة فيها للنحاة ثلاثة أقوال، فاختار ابن مالك رحمه الله أنها مبنية على السكون لشبهها بالحروف في كونها غير عامله ولا معمولة، وهذا عتك. يسمى بالشبه الإهمالي، وذهب غيره إلى أنها ليست معربة لعدم تركبها مع العامل ولا مبنية لسكون آخرها في حالة الوصل، وما قبله ساكن

وليس في المبنيات ما هو كذلك وذهب بعضهم إلى أنها معربة يعني حكما لا لفظا، والمراد به قابلية الإعراب، وائه بالقوّة كذلك ولولاه لم يعل فتى لتحرّكه وانفتاح ما قبله، وهذا الخلاف مبنيّ على اختلافهم في تفسير المعروب والمبني، فإن فسر المعرب بالمركب الذي لم يشبه مبنيّ الأصل شبها تافآ، والمبنيّ بما خالفه فهي مبنية، وان فسرا بما شابهه وخلافه، ولم نقل بالشبه الإهمالي، فهي معربة تنزيلاً لما هو بالقوّة منزلة ما هو بالفعل، وان قلنا المعرب ما سلم من الشبه وتركب مع العامل والمبني ما شابهه فهي واسطة: وللناس فيما يعشقون مذاهب فالخلاف لفظيّ، والأمر فيه سهل، وكلام الكشاف مبنيّ على الثاني وكلام المصنف محتمل له ولما، حده وان كان الأوّل أظهر، ثم إنه قيل إنّ المحققين حصروا سبب بناء الأسماء في مناسبة ما لا تمكن له أصلاً، وسموا الأسماء الخالية عنها معربة، وجعلوا سكون أعجازها قبل التركيب وقفاً لا بناء، واستدلوا على ذلك بأنّ العرب جوّزت في الأسماء قبل التراكيب التقاء الساكنين كما في الوقف، فقالوا زيد عمر وصاد قاف، ولو كان سكونها بناء لما جمعوا بينهما، كما في سائر الأسماء المبنية نحو كيف وأخواتها لا يقال ربما عددت الأسماء مساكنة الإعجاز متصلاً بعضها ببعض، فلا يكون سكونها، وقفاً بل بناء لأنا نقول هي قبل التركيب في حكم الوقف سواء كانت متفاصلة، أو متواصلة إذ ليس فيها قبله ما يوجب الوصلة، فالمتواصلة منها في نية الوقف، فتكون ساكنة بخلاف كيف، وأين وحيث وجير إذا عذدت وصلاً، فإن حركتها لكونها لازمة لا تزول إلا بوجود الوقف حقيقة اهـ (أقول) ما ذكر وان كاد زهرة لا يحتمل إلا أنه يرد عليه أنّ صاحب المذهب الآخر يقول: إنّ ما استدلوا به من التقاء الساكنين فيها، وهو لا يجوز في المبنيّ غير تائم لأنه بناء عارض، كبناء المنادي واسم لا والتقاء الساكنين يغتفر فيه لمشابهته للمعرب في أنه على معرض الزوال، وليس هذا بأبعد من نية الوقف فيما لا يوقف عليه كألف في ألم. وقوله لا يصح الوصل بنية الوقف، في نحو جير غير مسلم أيضاً مع أنه قائل بأن فيها مناسبة لغير المتمكن لمشابهتها للحرف، كما مرّ عن ابن مالك ثم إنّ المصنف رحمه الله عدل في الكشاف لنكتة، كما هو دأبه إذا غير عبارته فأتى مع الإيجاز بعبارة محتملة للمذهبين سالمة عما في قوله: هي أسماء معربة، وإنما سكنت سكون زيد وعمرو وغيرهما من الأسماء حيث لا يمسها إعراب إلخ من شبه التناقض، وان كان مدفوعاً بأنّ المثبت الإعراب بالقوّة، والمنفي ما هو بالفعل فمن توخم أنه عينه فردّ ذلك التوفيق، فهو ممن حرم نعمة التوفيق، ثم إنّ الوقف له معان يكون بحسبها متعديا ولازما، فيكون بمعنى التأخير كقولهم يوقف الميراث لوضع الحمل، وبمعنى الإمساك والمنع، وبمعنى تسكين آخر الكلمة دون بناء لقطعها عما بعدها حقيقة، أو حكماً وهذا هو المراد هنا لا كونها غر معربة ولا مبنية وان صح كما أشرنا إليه، فلذا أورد عليه بعض المتأخرين أنه بهذا المعنى لا يمكن في نحو قولك صيم امرىء ولام الرجل، وهكذا كل مضاف. ذكر على سبيل التعداد، وأجيب بأنه مخصوص بما إذا لم يمنع منه مانع، وفيه نظر لأنه لا تعرف هذه الحركة فيه، كما لا يعرف علامة الإعراب الحرفية، وحال النعت في الأسماء، كما إذا قلت: اثنان ثلاثة وقلت: الفصل الأوّل الفصل الثاني. قوله: (معرّضة له) بزنة اسم المفعول من التعريض أي مهياة له، ومستعدة لقابليتهاءله، كما يقال فلان عرضة للوائم إذا استحق اللوم، وقيل: معناه محل لعروض الإعراب بمعنى الحركات الإعرابية لا بمعنى كونه بحيث لو اختلفت عليه العوامل اختلف آخره، وموجبه أي موجب الإعراب بكسر الجيم، وهو العامل ومقتضيه، وهو المعاني المعتورة عليه من نحو ألفاً علية والمفعولية، والإضافة وليسا بمعنى واحد وهو العامل لأنّ ما ذكر أتم فائدة. قوله: (إذ لم تناسب إلخ) تعليل لكونها معرّضة للإعراب وقابلة له وليس استدلالاً مبنياً على انحصار علة البناء في المناسبة المذكورة، كما قيل لأنّ كلامه غير متعين له كما قدّمناه وكذا ما قيل من أنه أشار إلى أنّ الاسم يبنى تارة لعدم الموجب وتارة لمناسبته مبنيّ الأصل، وان وجد الموجب وما نحن فيه من الأوّل إن حمل على ما ذهب إليه الجمهور من أنّ المبني ما ناسب مبني الأصل أو وقع غير مركب، فان حمل على أنه ما شابه مبني الأصل، وما عداه معرب فالمراد بقوله خالية عن الإعراب خلوّها من ظهور الإعراب لفظا أو تقديرا، فإنه محل نظر ويرد على المصنف رحمه الله أنها مناسبة لمبنى الأصلي عند ابن

مالك لما فيها من الشبه الإهمالي فتدبر. قوله: (ولذلك إلخ) قد عرفت أنه تعليل لكونها غير مبنية وهذا ما ذهب إليه من تقدمه من أهل العربية، فإنهم جوّزوا التقاء الساكنين في الوقف، ولو على غير حدة ولم يجوّزوه في غيره كحالة البناء فسكون هذه الأسماء سكون وقف لا بناء، ولا يرد عليه حيث وجير وغيرهما من المبنيات مما إذا وقف عليه سكن نعم من يقول إنه بناء عارض وهو يجوز فيه ذلك لاشيقول بما ذكره المصنف كما مرّ، والاعتراض على هذا بأنه قياس بغيو جامع في اللغة ظاهر السقوط. قوله: (ثم إنّ مسمياتها إلخ) شروع في تفسيرها وتوجيه افتتاح السور بها، وقد ذكر في الكشاف وجوهاً ثلاثة أوّلها أنها أسماء للسور، والثاني الإيقاظ، والثالث أنها مقدمة لدلائل الإعجاز، والمصنف وحمه الله ذكر الأخيرين وأخر الأوّل، وأورده بقيل، ثم أورد بلا يقال وجوها أربعة مزيفة، ثم أورد أربعة أخرى بصيغة التمريض فالوجوه أحد عشر، وما ذكر من الوجهين يشتركان في الإشارة إلى أمارة الإعجاز ويفترقان بأنّ الأوّل بالنظر إلى حال الكلام المنزل، والثاني بالنظر إلى حال المتكلم به، والعنصر بضم العين وسكون النون وضم الصاد المهملة، وقد يفتح للتخفيف ووزنه فنعل، ويحتمل أن يكون فعلل على ما بين فالصرف ومعناه الأصل وهو المراد هنا، وبسائط جمع بسيطة وهي الحروف المفردة فقوله التي تركب منها تفسير له فمن قال إنه جمع بسيطة بمعنى مبسوطة وهي المنثورة لم يصب المحز، وعطف بسائطه تفسيري أيضاً، وقوله بطائفة منها أي من الأسماء إذ هي المفتتح بها، وليس فيه تفكيك الضمائر المحذور لظهور القرينة عليه، وتعريف السور للعهد أي التي افتتحت بالحروف، وفي نسخة السورة بتاء الوحدة والأولى أولى رواية ودراية، وأمّا على الثانية فقيل تعريفها للعهد الخارجي، والمعهود سورة البقرة لا للاستغراق لأنّ من السور ما لم يفتتح بطائفة منها مثل ص وق. ويحتمل العهد الذهني على تقدير أنّ المصنف قدّم هذا الوجه لأنه الأصل الأظهر ولطوله فلو أخر أتى بعد ذهاب النشاط فقد لا يحيط به السامع خبرا، وحاصله أنّ المراد بها إمّا مسماها من الحروف المقطعة أو لا، وعلى الأوّل فالافتتاح بها وتخصيص البعض به في أبلغ الكلام لا بد له من وجه فوجه الأوّل بوجهين ولم يجعل كلاً منهما تأويلاً مستقلاً كما فعله الزمخشريّ قصرا للمسافة لتقاربهما واتحادهما مآلا، ثم إنّ بعض أرباب الحواشي أورد هنا ما في الكشاف من السؤال عن رسمها على صور الحروف بأنفسها دون صور أساميها وما أجاب به من أنه مبنيّ على ما. جرت به العادة المألوفة من أنه يقال للكاتب إذا أملى عليه اكتب باء جيم فيكتب مسماها هكذاب ح. ولكونه مع اختصاره مأمون الليس، ولأنّ خط المصحف كخط العروضيين سنة متبعة لا يلتزم أن يجري على قياس الرسم، ولم يتنبه لأنّ هذا إنما يتجه على الوجه الآتي وهو كونها اسماً للسورة، فإنها إذا قصد بها الحروف أنفسها فالمعروف أن تكتب كما هنا إلا أنها في غير المصحف تكتب غير متصلة، فيقال هجاء ضرب ض رب وغفل أيضاً عن إيراد العلامة له ثمة وقوله: استمرّت العادة لمن تهجى أن يلفظ بالأسماء، وتقع في الكتابة الحروف أنفسها. قوله: (إيقاظاً لمن تحدّى بالقرآن) الإيقاظ مصدر أيقظه إذا نبهه من نومه والتنبه منه يقظة بفتحات وتسكين القاف في قوله: فالعمرنوم والمنية يقظة والمرءبينهما خيال ساري ضرورة وقيل إنه جائز سعة، وتحدى بصيغة المجهول من التحدي وهو طلب المعارصة أو المعارضة نفسها كما تقدم أي ليوقظ من تحداه، وعارضه من نومة الغفلة، فينبهه على أنّ ما تلي عليه منظم مما تركب منه كلامهم فعجزهم عن معارضته مع علوّ كعبهم في صناعة الكلام ليس إلا لأنه من غير جنس كلام البشر لأنّ ما فيه من الخواص، والمزايا خارج عن طوقهم، والتظاهر التعاون وأصله أن يسند كل إلى ظهر آخر، ويدانيه بمعنى يقاربه، فإن قيل إعجاز القرآن ليس بتركيب الحروف بل بتركيب الكلمات التي يكون المركب منها معجزاً بمطابقته لمقتضى الحال، فاللائق بما ذكر سرد ما يتركب منه الكلام، وهو الكلمات لا الحروف قيل المراد أن يذكر المادّة التي تتركب منها الكلمة وهي الحروف ومادة الكلام، وهي الكلم أنفسها معاً غير أنه اكتفي بالأول لظهور أن القدرة على الحروف وحدها لا تفي بأداء ما هو بصدده من الإتيان بكلام بليغ

معجز لا يقال حينئذ ينبغي الاكتفاء بالكلمات عن الحروف، لأنّ التركيب من الكلمات يستلزم التركيب من الحروف بلا عكس لأنا نقول هو كما ذكرت إلا أنه لا يحصل بهذه الإيقاظ لأنه لو سردت كلماته موضوعة على هذا النمط توجه الذهب إلى تحصيل معناها وطلب ارتباطها لا إلى ما ذكر من الإشارة فتدبر. قوله: (وتنبيهاً على أن المتلوّ عليهم إلخ) هذا وما عطف هو عليه منصوب على أنه مفعول له، فإن قلت دلالة اللفظ كغيره إمّا وضعية أو عقلية أو طبيعية، والمراد بالوضعية ما للوضع مدخل فيه، فيشمل الدلالات الثلاث والمجاز والكناية، وهذه الألفاظ موضوعة للحروف المقطعة، فكيف تدل على الإيقاظ، وعلى ما يتيقظ له من الإعجاز، ولا يظهر في طريق من طرق الدلالة المذكورة. قلت: هو مما يحتاج للتنبيه عليه والإيقاظ ولم يتعرّض له أحد من أرباب الحواشي والشروح (والذي ظهر لي) بالتأمّل الصادق أنه من الدلالة العقلية، وهي قد تدل على أمور متعددة كصوت غناء من وراء جدار يدل على أن خلفه ناساً في لهو ولعب، واجتماع لما يسرّهم وهنا لما صذر الكلام بهذه الحروف، وليس المراد إفادة مسماها والمتكلم بليغ يصون كلامه عن العبث دل عقلاً على أنّ المراد به الإشارة إلى أنّ ما بعده كلام مركب، ونحن إذا سمعنا المعلم يهجي طفلأ علمنا منه أنه سيقرئه والتنبيه على هذا بخصوصه مع أنه كلام مركب منها لا بد له من وجه، فإذا أصاخ له اللبيب تفطن لما ذكر ولله در العلامة خطيب المفسرين إذ أشار لما ذكر بقوله كالإيقاظ وقرع العصا، فجعله كقرع العصا إيماء إلى أنّ دلالته عقلية صرفة موكولة لفطنة السامع إذ دلالة قرع العصا لذي الحلم المضروب به المثل في قوله: إن العصا قرعت لذي الحلم لكونها على خلاف المعتاد تدل على خطئه كما نبه قرع الأسماع هنا على خطا هؤلاء، وتال في الكبير: بيانه أنه عليه الصلاة والسلام كان يتحداهم بالقرآن فلما ذكر هذه الحروف دتت قرينة الحال على أنّ مراده من ذكرها أن يقول لهم هذا القرآن إنما نزل بهذه الحروف التي أنتم قادرون عليها فلو كان هذا من فعل البشر لوجب أن تقدروا على الإتيان بمثله اه. قوله: (عن آخرهم) هذه عبارة مشهورة مسموعة من العرب قديماً أي عبارة عن الاستيعاب والشمول. وقال العلامة هو أبلغ من جميعهم لأن عن للمجاوزة، فالمراد عجزوا عجزاً متجاوزاً عن آخرهم وإذا تجاوز العجز عن آخرهم شملهم كلهم أوّلاً وتجاوز عنهم ثانيا، فهو أبلغ من عجزوا جميعا، وقيل عليه بل المعنى عجزاً صادراً عن آخرهم لا متجاوزاً عنه، لأنّ معنى تجاوز عنه عفا عنه، وغفروا ما بمعنى التعدّي فالمجاوزة فيه متعدّية بنفسها، ودفع بتضمين معنى التباعد بمعونة المقام إذ لا محل للعفو هنا مع أنه تعدى بكلمة عن أيضا في كلام من يوثق به، وقيل المعنى حينئذ عجزاً صادراً عن آخرهم إلى أوّلهم، وفيه أن مقابل كلمة إلى من الابتدائية لا عن، فإن قيل هذا تطويل بغير فائدة، إذ قدر التجاوز وضمنه معنى التباعد فهلا قدر التباعد ابتداء، فإنه يتعدّى بعن في كلام العرب كما مرّ في قوله: تباعد عني فطحل إذ دعوته قيل بل فيه فائدة، وهي أنّ التباعد عن الآخر هنا بطريق المجاوزة لا بطريق عدم الوصول إلى الآخر أو المحاذاة، فلو لم يقدّر كذلك توهم هذا، وإن كان المقام قد يأباه، وقيل إنه غير وارد لأن مراد ذلك القائل بيان معنى عن واظهار وجه تعلقه بالفعل، ونظيره قول ابن الحاجب في معنى جلست عن يمينه متراخيا عنه، كأنه متجاوز عن موضعه إلى الموضع الذي بحيال يمينه، وله نظائر ولا يخفى عليك أنه إذا تعلّقت عن بالفعل لا تفيد هذا المعنى الذي ادعاه هذا القائل لأنّ معنى العجز عن الآخر أنهم لا يقدرون على الآخر لا أنّ الآخر عجز وتجاوزه العجز، ولو كان مراده ذلك لقال متجاوزا الآخر، ولا يخفى ما فيه من الخلل، ثم أنهم لم يستندوا في التعدية المذكورة إلى نقل، وقول الشريف من يوثق به أراد به الرضى كما أشار إليه في حواشيه عليه (وأنا أقول) إنه وقع بهذا المعنى معذى بعن في قول أبي تمام: فلا ملك فرد المواهب واللها ~ تجاوز لي عنه ولا رشأ فرد قال التبريزي في شرحه: لا نفي لتجاوز الملك، والتقدير لا تجاوز لي عنه الملك الفرد، ولا الرشأ أي متى ملكني لم يقدر على تنحيتي عنه ملك بذال ولا رشأ فرد اهـ فمثل أبي تمام إذا استعمله، وما يقول بمنزلة ما يرويه كما سيأتي

ومثل التبريزي من أئمة اللغة، وناهيك به لم يعترضه، وأشار إلى تعديه بعن لما فنه من معنى التنحية المعذاة بها كفى دليلاً عليه، وقيل عن بمعنى من مع وجوه أخر متكلفة ضربنا عنها صفحا لركاكتها. قوله:) وليكون أوّل ما يقرع الأسماع إلخ) عطف على قوله: إيقاظا وأظهر اللام تفننا، وللإشارة إلى أنه وجه آخر وحذفت من الأوّل دونه لوجود شرط النصب، وهو كون المفعول له فعلاً لفاعل الفعل المعلل إلا أنه قيل عليه أنه إذا عطف على إيقاظا تعلق بافتتحت، وسببية عنصرية المسميات للكلام للافتتاح المعلل بكون أول ما يقرع الأسماع مستقلاً بنوع من الإعجاز غير ظاهرة فلا يجعل المعطوف في حكم المعطوف عليه من حيث كونه جواب السائل في مجرّد افتتاح السورة بطائفة منها وفيه ما فيه، اللهمّ إلا أن يقال عنصريتها للكلام تستدعي تقديمها، فناسبه أن يكون ذكر أساميها المستقلة بنوع من الإعجاز أول ما يقرع السمع، ثم إن هذا ظاهر إن كانت البسملة ليست من السورة، والأ فالمراد أنه أوّل ما يقرعه مما يختص بها. وقال قدس سرّه: إشارة إلى أنّ المقصود من الأغراب في أوائل السور أن يكون دليلأ على إعجاز ما يرد بعدها ومقدّمة منبهة عليه، فالفواتح على ما قبله نبه بها على أنّ هذا المتلوّ لتركبه مما يتركب منه كلامهم على قواعدهم ليس إعجازه ببلاغته الفائقة إلا لكونه من الله، وعلى هذا نبه بها على أنها لاستقلالها بوجه من الاغراب من حيث صدورها ممن يستبعد منه أمارة على إعجاز ما بعدها بالنسبة إلى حال من ظهر على لسانه اغتراب بكلمة مما يستغرب منه إشارة إلى تكلمه بما يعد منه معجزا، فالوجهان ناظران إلى الوجهين في تفسير قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسورة مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23] وفيه أنّ قوله أمارة على إعجاز ما بعدها مع قوله قبله لاستقلالها بوجه من الاغراب فيه تناف يحتاج إلى التوفيق، واعترض بأنه يمكن تعلم أسماء الحروف، ولو بسماع من صبيّ في أقصر مدة فلا إغراب فيه، وأجيب بأنه وإن أمكن ذلك لكن صدوره ممن لم يشتهر أنه تعلم، وهو بين قوم أمّيين مستبعد جدا، وفيه بحث وأما ما يذكر بعده من لطائف تلك الحروف فمع كونه لا يختص بهذا الوجه يبعد كونه من تتمة الجواب، لأنه لا يتفطن له إلاً الماهر في أوصاف الحروف فضلاً عمن لا يقرأ ولا يدرس فكيف يعجزهم، ويتحذاهم بما لا يفهمونه، فلا وجه للجواب عنه بأنه ليس المستغرب مجزد التلفظ بها بل مع رعاية اللطائف التي ذكرت متصلة بها، وقول المصنف رحمه الله سيما إشارة إلى هذا الجواب، والكتاب بضم فتشديد جمع كاتب لا بمعنى المكتب لأنه غير مناسب هنا وان أثبته بعض أهل اللغة، والأميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب نسبة إلى الأمّ لأنه خرج من بطن أت أو نسبة إلى أمة العرب لأنهم كانوا كذلك، أو إلى أمّ القرى لأنّ أهلها كذلك والحاصل أنّ ذكرها يدل على إعجازه في نفسه أو بالنسبة إلى من أنزل عليه. قوله: (كالكتابة والتلاوة (إدراجه الكتابة بين تلفظه بأسماء الحروف، والتلاوة الواقعين منه على خرق العادة يقتضي اً نه صلى الله عليه وسلم كتب من غير تعلم بل على خرق العادة وسيأتي فيه كلام في قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبرت: 48، فعلى المشهور التمثيل لمجرّد استغرابه وإن لم يقع. وقوله: (سيما إلخ (الكلام على سيما ومعنى قول بعض النحاة أنه للاستثناء مفصل في حواشينا على الرضى وحاصله أن سيّ بمعنى مثل يقال هما سيان أي مثلان، فمعنى لا سيما لا مثل ما، وما زائدة أو موصولة أو موصوفة، وعدهم له من كلمات الاستثناء لأنه للاستثناء عن الحكم المتقدم ليحكم عليه على وجه أتمّ من جنس الحكم السابق، والمعروف ذكر اسم بعده معرب بالوجوه الثلاثة كما في قول امرىء القيس: ولا سما يوم بدارة جلجل وايقاع الجملة الحالية بعده كما وقع في عبارة المصنف رحمه الله وان كثر في كلام المصنفين إلا أنّ النحاة لم يذكروه، كما ننه عليه بعض المتأخرين، وحكى الرض أنه يقال سيما بالتشديد والتخفيف مع حذف لا كما هنا، وقال الدماميني في شرح التسهيل: لم أقف عليه لغيره، وهو كثير في كلام المصنفين، وقال أبو حيان ما يوجد في كلام المولدين من حذف لا لا يوجد في كلام من يوثق به، ونص عليه أبو عليّ الفارسيّ وقال حذفها غير جائز، وكذا في البارع والتهذيب، وقال في المصباح: ربما حذفت لا في الشعر وهي مرادة للعلم بها، والأديب العارف بفنون العربية، وما يلحق بها مما فصل في أوّل شرح المفتاح، وتسميتها أدباً

والعارف بها أديباً من الاصطلاحات المولدة، ومعناه في لغة العرب الأخلاق والصفات الحميدة كما ورد في الحديث " أذبني ربي فأحسن تأديبي " أا (قال المطرزي في شرح المقامات: والأريب بالراء العاقل وجملة وقد راعى حالية. قوله: (وهو أنه أورد إلخ) الضمير راجع إلى ما في قوله ما يعجز وكونها نصفا بإسقاط المكرّر ظاهر ولم يورد الكل لأن أداء ما ذكر تام بدونه، فاقتصر منه على ما هو بمنزلته، وحروف المعجم ليس من إضافة الموصوف للصفة إن كان المعجم مصدراً ميمياً بمعنى الإعجام، أو هو منها إن كان اسم مفعول وقلنا بذلك كصلاة الأولى، أو هو مؤوّل أي حروف الخط المعجم وصلاة الفريضة الأولى أي الذي من شأنه ذلك والإعجام من العجم بمعنى النقط، وقد شاع في كلام المصنفين تخصيص المعجمة بالمنقوطة وتسمية غيرها مهملة، أو هو بمعنى الإبهام والإخفاء، ومنه عجم الزبيبة لاستتاره، والعجم وان كان هنا للإيضاح لا للإبهام، فإنما جاءه هذا من جهة كون همزته للسلب كاشكيته إذا أزلت شكايته، وأشكلت ا. لكتاب أزلت إشكاله، وقالوا أيضا: عجمت الكتاب على التفعيل للسلب كمرّضته بمعنى داويته، وأزلت مرضه، وقذيت عينه أزلت عنها القذى، وهذا رأي أبي عليّ الفارسيّ، وهو حسن ومن لم يقف عليه اعترض بأنّ السلب غير مقيس، وإذا سمع هذا اللفظ بعينه من العرب ودل بفحواه على ما ذكر كان هذا من فضول الكلام ولا يقال عجم مخففاً بل عجم وأعجم. قوله: (إن لم يعدّ الألف إلخ) ضمحر فيها المؤنث لحروف المعجم، وفي بعضها فيه وهو تحريف من الناسخ قال ابن جني في سر الصناعة: أعلم أنّ أصول حروف المعجم عند الكافة تسعة وعشرون حرفاً، أوّلها الألف، وآخرها الياء على المشهور من ترتيب حروف المعجم إلا أبا العباس، فمانه كان يعدها ثمانية وعثرين حرفا أوّلها الباء الموحدة، ويدع الألف من أوّلها ويقول هي همزة لا تثبت على صورة واحدة، وليس لها صورة مستقرّة فلا أعدها مع الحروف التي أشكالها معروفة محفوظة، وهو غير مرضيّ عندنا اهـ. فإن كان هذا مراد المصنف ليوافق النقل المذكور، فالمراد بالألف الهمزة لأنها غير مستقلة لتبعيتها لغيرها لفظاً وخطاً، وان كان المراد بها المدّة التي هي حرف لين كما قيل: فمعنى عدم عذها برأسها درجها مع الهمزة تحت الألف، أو بأن لا تعتبر أصلاً بناء على أنها مدة منقلبة غالباً عن الواو والياء، وهو المناسب إذ المراد بالألف المعدودة الهمزة ومعنى قوله برأسها مستقلة غير مندرجة مع غيرها تحت اسم واحد، والرأس حقيقتها معروفة ثم إنهم توسعوا فيها لمعان كالأول في قولهم رأس السنة، والرئيس في قوله هو رأسهم أي رئيسهم وهي هنا بمعنى الاستقلال وهو في كلام المولدين مشهور، والعلاقة فيه اللزوم لأنه لا يستقل بدونها. قوله: (بعددها إذا عدّ فيها الألف إلخ) إشارة إلى أنه سلك في الأوّل طريقا فيه عدم عذها ثم سلك في الثاني طريق عدّها اعتباراً لكل منهما واحترازاً عن تعطيل واحد منهما، وقوله مشتملة بالنصب صفة أربعة عشر أو حال منها وكون المذكورات إنصافاً تقريبيّ، لأنّ في بعضها زيادة يسيرة ونقصا يسيرا يجبر كل منهما الآخر. وقيل: قد مرّ أنّ الهمزة اسم مستحدث، فلو جعل الألف حرفا برأسه أيضا، فلا اسم لمسمى الهمزة في زمان نزول القرآن، فالواقع في الفواتح نصف أسامي الحروف على كل حال، وأجيب بأن مراده نصف أسامي جميع الحروف وعلى تقدير عد الألف حرفا برأسه لا يتحقق لجميع الحروف أسامي، وهذا يستلزم عدم تحقق نصف أسامي الجميع وقيل الألف مثترك بين الخاص، وهو المدة والعام الشامل لها وللهمزة وهذا مبيّ على عدها حرفا برأسها، وهو تكلف مبنيّ على أنّ لفظ الهمزة بهذا المعنى لم يثبت عن العرب، وقد مرّ أنه لا أصل له لا يقال ما ذكر من الأنواع اصطلاحات أحدثها أرباب العربية حتى دوّنوها، فكيف تقصد حين نزول القرآن المتقدّم عليها، لأنا نقول المستحدث الأسامي والعبارات لا المعاني المرادة بها، وهي المقصودة ههنا وقيل: إن كون المذكور أنصافا لها باعتبار الأكثر وإلا فقد يشتمل على ثلثي بعض الأنواع كما في حروف الصفير، وهي الصاد والزاي والسين والحلقية وقد يشتمل على تمام النوع كحروف الغنة، وهي الميم والنون الساكنة والحرف المكرّر وهو الراء وأراد بالأنواع مشاهيرها المعتبرة لأنّ بعضهم زاد فيها إلى ما يبلغ أربعة وأربعين إلى غير ذلك. قوله: (وهي ما يضعف إلخ) وقع في بعض النسخ هو بدل هي فذكره باعتبار

الخبر أو لتأويلها بالنوع، والمهموسة اسم مفعول من همست الكلام، وهو متعد من باب ضرب ومصدر. الهمس، وهو في اللغة مقابل للجهر وفسر بالإخفاء كما فسر الجهر بالإعلان، وقيل معناه الخفاء وفي الصحاح الهمس الصوت الخفيّ، والظاهر أنّ حقيقته إخفاء الصوت لا المطلق ثم توسع فيه فأطلق على الخفاء، وتجوّز فيه فأطلق على المهموس نفسه وصار حقيقة فيه، ويوصف به الكلام والحروف، وتقول العرب ما سمعت له همسا ولا خرساً وهما الخفيّ من الصوت لأنه المسموع قال تعالى: {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108] وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف بقوله ما يضعف إلخ وعليه النحاة وأهل الأداء تبعا لما في كتاب سيبويه حيث قال المهموس حرف ضعيف الاعتماد في موضعه حتى جرى معه النفس، ولم ينقطع جريه حتى أمكن أن يتلفظ به ويتنفس فلذا سميت بذلك لجريان النفس معها لضعفها، وضعف الاعتماد عليها في مخارجها قيل وجعل الضعفين علة للجريان أولى من ضمهما إليه وجعل المجموع علة للتسمية ومن ضم الأول خاصة وجعل الثاني بانفراده علة للجريان فتأمّلء قوله: (ستثحثك خصفه) هو تركيب لجمع الحروف المذكورة وضبطها ليسهل استحضارها كقولهم: فحثه شخص سكت ونحوه والسين هنا حرف تنفيس ويشحث بمعنى يلح في السؤال ومثله يكدي وبه فسر في حواشي الكشاف والمكدي السائل وليس لحنا أو مغيراً من محدي، وهو طالب الحداء كما توهمه الحريريّ في الدرة ولا معربا من كدال كردن كما توهمه بعض فضلاء العصر بل هو عربيّ صحيح استعمله من يوثق به، وذكر. الراغب في مفرفى اته، ومن قولهم يستحث أخذ شحاث للسائل الملح وسمي شحاثة برنة ثلاثة، وقال ابن برّي: كغيره أنه محرف من شحاذ فالعلم شحاذة أيضا، وفي القاموس الشحاث للشحاذ من لحن العوام، وأصل الشحذ السن فاسنعير لإلحاح السائل، وقد صحح لغة على أنه من الأبدال، فإنّ الذال تبدل ثاء فلا غلط فيه، وخصفه بفتحات علم ويكون بمعنى سلة التمر وورد في الحديث بمعنى الحصير، وهو المعروف في الاستعمال اليوم، ولو فسر بما ذكر هنا كان أظهر أي ستطلب منك ما ذكر، وما قيل من أنه لا يبعد أن يكون يشحث ماخوذا من شحثاً، وهي كلمة سريانية يفتح بها المغاليق بغير مفتاح أي ستفتح مغاليقك بلا مفتاح خصفه تعسف غير محتاج له، وقوله نصفها بالنصب مفعول لقوله ذكر وقوله الحاء بدل منه، أو عطف بيان تفسير له. قوله: (ومن البواقي المجهورة) معطوف على قوله من المهموسة إلخ والمجهورة اسم مفعول من جهر الشيء يجهر بفتحتين ظهر، وأجهرته بالألف أظهرته يتعدى بنفسه، وبالباء أيضاً فيقال: جهرته وجهرت به كما في المصباح، ولم يعرّف المصنف المجهورة لأنّ ذلك عرف من جعلها مقابلة للمهموسة، فهي ما يقوي الاعتماد على مخرجه ولذلك كان مجهورا لأنه لا يخرج إلا بصوت قويّ يمنع النفس من الجري معه، وهي ثمانية عشر حرفاً، رالمذكور منها نصفها تحقيقاً وهي تسعة أحرف معروفة، وبهذا علم حدها وعدها. قوله: (ومن الشديدة الثمانية) الذي ذكره النحاة، وأهل الأداء من القراء إنّ الحروف إمّا شديدة أو رخوة أو متوسطة بينهما، وسموها بينية نسبة إلى بين بمعنى التوسط وقالوا معنى الشدة على ما ذكره سيبويه امتناع الصوت أن يجري في الحروف، فلو رمت مد صوتك في القاف والجيم مثلاً نحو الحق والحج لامتنع عليك، والشديدة هي ثمانية المذكورة والمتوسطة بين الشديدة والرخوة فيها خلاف بين النحاة والقراء، فأكثر النحاة على أنها ثمانية يجمعها لم يروعنا أو ولينا عمر، وأكثر القراء على أنها خمسة وهي حروف لن عمر أي كن لينا يا عمر وما عداهما رخوة والرخوة صفة مشبهة مصدرها الرخاوة، ومعناها اللين الذي هو ضدّ الشذة، وقالوا الرخوة حروف ضعف الاعتماد عليها في مواضعها، فجرى معها الصوت فكأنها تلين عند النطق بها، وفي البينية يجري بعض الصوت معها وينحصر بعضه فإن قلت هل بين المجهورة، والشديدة فرق أم لا قلت: قد فرقوا بينهما باعتبار عدم جري النفس في المجهورة وعدم جري الصوت في الشديدة، وكذا الف ق بين الهمس والرخاوة أنّ الجاري في الهمس النفس، وفي الرخاوة الصوت كما في شروح التسهيل والثافية، وقد يجري النفس ولا يجري الصوت كما في الكاف والتاء، وقد يجري الصوت، ولا يجري النفس كالغين والضاد المعجمتين

وما وقع في بعض شروح الجزرية من أنّ الشدّة تمنع النفس من الجري غير صحيح، فظهر أنّ بين المجهور والشديد عموما من وجه إذ ليس كل شديد مجهوراً ولا كل مجهور شديداً وقيل: بينهما عموم مطلق فكلى شديد مجهور، فالشدة تؤكد الجهر ولا عكس، ومادّة الاجتماع على الأوّل حروف أجد قط بكت إلاً الكاف والتاء، ومادتا الإفتراق أحداهما الكاف والتاء، والأخرى جميع المجهورة إلا مادّة الاجتماع المذكورة فظهر لك مما قررناه أنّ ما محره المصنف رحمه الله هنا غير موافق لما عليه الجمهور. وقوله:) عشرة (بناء على أن الألف ليس حرفا برأسه، وأجدت من الإجادة والطبق معروف، والأقط بفتح الهمزة وكسر القاف ثم طاء مهملة طعام يتخذ من اللبن، والحمس بزنة حمر مهمل الحروف جمع أحمس، وهو المشدد في دينه ولذا قيل لقريش الحمس، ومنه الحماسة ويعدى بعلى أي هم أشداء على نصره. قوله: (ومن المطبقة التي هي الصاد إلخ) حروف الأطباق الأربعة المذكورة هي بعضى من المستعلية الآتية، وسميت بها لإطباق بعض اللسان عند خروجها على ما يحاذيه من الحنك الأعلى. ولذا قال الجعبريّ: الإطباق تلاقي طائفتي اللسان والحنك الأعلى عند لفظها وكون المطبق طائفة من اللسان لا ينافي تسمية الحرف مطبقا مجازا بأن يكون الأصل مطبق عنده أي عند خروجه فاخحصر وقيل مطبق كما قيل للمشترك فيه مشترك، وجوّز بعض شراح الجزرية في بائه الكسر على التجوّز فيه كالتجوّز في المستعلي، والإطباق لغة بمعنى الإلصاق، ويقابله المنفتحة بصيغة اسم الفاعل لا غير من الانفتاج وهو الافتراق سميت بها لانفتاج ما بين اللسان، والحنك عند خروجها والنطق بها، وهو في الأصل مجاز لأن الحروف نفسها لا تنفتح، د ة نما ينفتح عندها اللسان عن الحنك. قوله: (ومن القلقلة وهي إلخ) فيه مضاف مقدر أي حروف الشهاب / ج ا / م 97 القلقلة أو سماها بالمصدر توسعا، ومثله سهل ويقال لها حروف القلقلة، واللقلقة وكلاهما بمعنى الحركة، وإليه أشار المصنف بقوله تضطرب لأنه افتعال من الضرب معناه ما ذكر قال في المصباح: يقال رميته، فما اضطرب أي ما تحرّك، ومنه اضطراب الأمور بمعنى اختلافها لما يلزمها من ذلك، وإنما سميت بها لأنّ صوتها لا يكاد يتبين به سكونها ما لم يخرج إلى شبه المتحرّك لثدة أمرها، وإنما حصل لها ذلك لكونها شديدة مجهورة، فالجهر يمنع النفس أن يجري معها والشدة تمنع الصوت من جريه معها فاحتاح بيانها إلى تكلف، وحصل ما حصل من الضغط للمتكلم عند النطق بها ساكنة حتى تخرج إلى شبه تحريكها لقصد بيانها، ومنهم من عللها بأنها حين سكونها تتقلقل عند خروجها حتى يسمع لها صوت ونبرة، وفيه تجوز لأنه أراد بتقلقلها مثابهتها للمتقلقل لا تحرّكها حقيقة، وإلا لزم اجتماع السكون، والتحرّك في حالة واحدة، ومن علل بأنها إذا وقف عليها تقلقل اللسان بها عند خروجها فقد سها لأنّ الباء منها، وهي شفوية لا يتحرّك اللسان بها، وقد حرف تحقيق وطبج ماض من الطبج، وهو الضرب على شيء مجوف، وله معان أخر وفي قوله نصفها الأقل تسامح، والمراد أقل من نصفها لأنها لا نصف لها صحيح ولم يزد لقلتها وثقلها. وقوله: (ومن اللينتين إلخ) أنثه لأن أسماء الحروف مؤنثة سماعية وأراد الياء والواو ولم يذكر الألف لما مرّ، وهذا بناء على أنه ليس المراد باللينة الألف، وما يشملها وخصت الياء لأنها أخف وأكثر من أختها، وحروف اللين هذان والألف واللين أعم من المدّ لأنه لا يطلق عليها في المشهور إلا إذا سكنت، وجانسها ما قبلها من الحركة، وسميت بذلك لأنها تخرج بلين، وعدم كلفة على اللسان. قوله: (ومن المستعلية الخ) سميت هذه الحروف مستعلية لاستعلاء اللسان عند النطق بها إلى الحنك الأعلى لأن حقيقة الاستعلاء لغة طلب العلو، وهو الارتفاع وقد يطلق على الارتفاع نفسه، فلذا سمي مقابلها منخفضاً ومستفلاً بالفاء والحنك بحاء مهملة مفتوحة ونون وكاف إن كان حقيقته سقف أعلى الفم، كما في الأساس أو باطن أعلى الفم من داخل فالأعلى صفة كاشفة مؤكدة، وان أطلق على اللحيين فهي مقيدة وتوصيف الحروف بأنها مستعلية قالوا: إنه مجاز في النسبة أو في الطرف لأنّ المستعلي حقيقة اللسان، والظاهر أنّ وقوعه صفة للصوت كما في عبارة المصنف حقيقة، وان كان بتبعية اللسان وقد يقال: إنه مجاز، وفي بعض الحواشي أنّ ما ذكره المصنف رحمه الله أحسن من تعريفها بما يرتفع به اللسان

إلى الحنك لما فيه من الاشتباه بالمنطبقة، وليس بشيء لأنهم صرحوا بأنّ الاستعلاء المذكور قد يكون مع انطباق اللسان على الحنك الأعلى، وقد لا يكون فعلى الأوّل يسمى الحرف مستعليا ومطبقاً، وعلى الثاني يسمى مستعليا فقط، فكل مطبق مستعل وليس كل مستعل مطبقا لأنّ الإطباق يستلزم الاستعلاء والاستعلاء لا يستلزم الإطباق، فهذا أعم ولا ضير في صدقه عليه، واسمهما صريح في ذلك، فإن قلت الخاء المعجمة من المستعلية، وهي من الحروف الحلقية، فكيف يقال إنّ اللسان يستعلي بها قلت: هذا مما استشكله بعض القراء. فأجيب بأنه يستعلي عند ذلك تبعا وان لم يكن مخرجا لها كما يشهد به الحس وقد يقال: إنّ المصنف لأجل ذلك عدل عن قولهم يستعلي اللسان إلى قوله يتصعد الصوت كما في بعض شروح التسهيل: إنّ الريح يخرج مستعليا، ولذا منع من الإمالة فتدبر. وقوله: (نصفها الأقل ومن البواقي المنخفضة اليتعادلا، وما وقع هنا في بعض النسخ نصفها الأكثر سبق قلم. قوله: (ومن حروف البدل إلخ) باب الإبدال واسع وقد أطالوا فيه في المفصلات، حخى إنّ ابن السكيت أفرد. بتأليف وقد اختلفوا في عدد حروفه، وزادوا فيها لنحو خمسة وعشرين، والذي ارتضاه النحاة أن حروفه الشائعة في غير الإدغام لأنّ بدل الإدغام يجري في الحروف كلها غير الألف اثنان وعشرون اللام والجيم والدال، والصاد والراء والفاء والشين والكاف، والسين والهمزة والألف والميم والنون والطاء والياء والتاء، والواو والباء والعين والزاي والثاء والهاء، وما بقي منها لا يبدل، وقسموا الابدال إلى ضروريّ لازم وجائز وقالوا: خرج بقيد الشائعة إبدال الذال من الدالى في قرأءة الأعمش " فشرذبهم " وذكر في المفصل أنها ثلاثة عشر، والخلاف فيه كاللفظيّ لأنّ منيم من اقتصر على الاً شهر، ومنهم من استقصاه لكل وجهة، والمراد الحروف التي تبدل من غيرها كالتي يبدل منها غيرها، وأشار بقوله على ما ذكره سيبويه إلى أنّ فيها اختلافا، وأنّ ما ذكر هو الشائع المقيس، وما زاد منه قليل ومنه نادر شاذ ومنه ما وقع ضرورة لقافية ونحوها، والفرق بين البدل والقلب يعلم من كلامهم فيه، وابن جني الإمام أبو الفتح المشهور، وليس منسوبا إلى الجن، وإنما هو معرب كني كما في شرح المغني. وقوله: (الستة) معطوف على مفعول ذكر في أوّل الكلام. وقوله: (أجد إلخ) مثال لما يجمع حروفها واجد أمر من الإجادة، وطويت فعل من الطيّ مسند للضمير ومنها منها، وما ذكر لأجل جمع الحروف تقرؤه كيفما شئت، ولا حاجة لتفسيره حتى يتكلف كما قيل إن اهطمين من الهطم، وهو الكسر. قوله: (وقد زاد بعضهم) ظاهر سياقه أنّ هذه الزيادة على ما ذكر سيبوبه في الكتاب، وليس كذلك فإنّ سيبويه قال في باب الإبدال: وقد أبدلوا اللام وذلك قليل جدا قالوا: أصيلال، وإنما هو أصيلان اهـ وأصيلال اللام فيه مبدلة من النون، فإنّ الأصيل وهو الوقت الذي بين العصر والمغرب جمعه أصل وآصال وأصائل، وقد يجمع على أصلان مثل بعير وبعران، ثم صغروا الجمع فقالوا: أصيلان ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا أصيلال، وفي تذكرة أبي عليّ الفارسيّ إن قيل: في أصيلال كيف زعمتم أنّ اللام بدل من النون في أصيلان، وهلا قلتم إنّ اللام مكرّرة والنون بدل منها قيل: إنه لا يجوز لأنّ اللام لو كانت أصلاً لم تثبت في التحقير الألف قبل اللام، ولا تقلب ياء ألا ترى أنه لا يجوز في شملال شمليل، فلو كان الأصل اللام كان مثل شمليل في التحقير، ولا يكون أصيلال جمعا لأنّ هذا الضرب من الجمع لا يحقر ولكنه اسم اختص به التحقير كسائر الأسماء التي لم تستعمل في التحقير، وفي شرح المعلقات لابن النحاس في قول النابغة: وقفت فيها أصيلانا أسائلها أصيلان تصغير أصلان جمع أصيل وقيل: هو مفرد بمنزلة غفران، وهذا أصلح لأن الجمع لا يصغر إلا أن يردّ إلى أقل العدد اهـ. قوله: (والصاد والزاي في صراط إلخ) يعني أنّ سينه أبدلت صاداً وزايا معجمة خالصة أو بالإشمام كما مرّ، وقوله والفاء في أجداف بالجيم ودال مهملة وألف وفاء جمع جدف، وأصله جدث بالثاء المثلثة ومعناه القبر فأبدلت ثاؤه فاء، وقوله والثاء في ثروغ الدلو تعني أنّ ثاءه بدل من الفاء وأصله فروغ، وهو جمع فرخ والفرغ مخرج الماء من الدلو من بين العراقي، وقد دل كلامه على أنّ بين الثاء والفاء تقارضا. قوله: (والعين في أعن) أي العين تبدل من الهمزة، وفي شرح

التسهيل عن الخليل أنّ لغة تميم وقبائل من قيس إبدال العين من الهمزة والهمزة من العين فيتقارضان وهذه اللغة تسمى العنعنة، وهي مشهورة فيقولون في أنّ المشددة المفتوحة والمكسورة عن، وفي أن المصدرية عن، وفي إن الشرطية عن قال ذو الرمة: أعن توسمت من خرقاءمنزلة ماءالصبابة من عينيك مسجوم فقول المصنف رحمه الله أعن يجوز فيه فتح العين وكسرها ونونه ساكنة مخففة، والهمزة مفتوحة ووقع في نسخة بفتح الهمزة، وكسر العين وتشديد النون وأصله أانّ. قوله: (والباء في با اسملث) أي تبدل الميم بالموحدة لتقاربهما مخرجا وما استفهامية والاسم معروف، وسمع إبدال ميمه باء أيضا با اسبك بباءين وهذه لغة بني مازن فيبدلونها كذلك قال المازنيّ: دخلت على الخليفة الواثق بالله فقال لي: ممن الداخل فقلت: من مازن فقال لي: با اسبك يريد ما اسمك بلغة قومي في قصة مشهورة، فصارت ثمانية عشر، وقد ذكر منها نصفها وهو تسعة. قوله: (ومما يدغم في مثله إلخ) الإدغام في عبارة الكوفيين أفعال بسكون الدال، وفي عبارة سيبويه ادّغام بتشديدها افتعال، وهو لا يكون إلا في المثلين أو المتقاربين مع أنه يرجع في المتقاربين إلى المثلين، لأنّ المقارب يقلب من جنس الحرف الآخر، وأوّل المثلين يدغم وجوبا إن سكن وفيه تفصيل في المفصلات فيه موافقة للمصنف من وجه ومخالفة من وجه. وقوله: (والهاء إلخ (أورد عليه أنّ النحاة قالوا كما في شرح التسهيل والمفصل: إنّ الهاء تدغم في الحاء نحو أحبه حاتماً وعغسه نحو أمدح هذا إلا أن سيبويه نص على أنه لا تدغم الحاء في الهاء. وقوله: (لما في الإدغام من الخفة والفصاحة) إشارة إلى وجه اختيار النصف اكثز في هذا والأقل فيما قبله وان أردت بسط هذا وما له وعليه فراجع شروح الكتاب. وقوله: (نصفها) متصوب كما مرّ. وقوله-: (ومن الأربعة إلخ) في النسخ بعد الألف الزاي ياء، فهي معجمة لا غير والسين مهملة فظهر أنّ المذكور نصفها وسقط ما قيل عليه من أنه غير صحيح إن كان الزاء والشين في عبارته معجمتين وكذا إن كانتا مهملتين. قوله: (ولما كانت الحروف الذلقية إلخ) هذه الحروف يقالط لها: ذلقية وذولقية ومذلقة وما عداها مصمتة وفي التمهيد المصمتة غير هذه وغير الألف، فهي اثنان وعشرون حرفاً وفي شرح التسهيل لابن عقيل بعدما نقل هذا إنه يقتضي دخول الهمزة، والواو والياء فيها، وهي طريقة وأسقط الخليل هذه من المصمتة، وسميت مذلقة لخروجها من طرف أسلة اللسان، وهي ذلقة بالسكون كما في التهذيب والتحقيق ما في شرح الشاطبية للجعبري من أنها سميت به لخروجها من ذلق اللسان والشفة والمراد كما حققه بعض فضلاء العصر أنّ بعضها يخرج من ذلق اللسان، وهو طرفه وبعضها من الشفلة التي هي ذلق المخارج، فالذلق مطلق الطرف ثم خص هنا بمطلق طرف المخارج بقرينة المقام، فلا يختص باللسان كما يوهمه قول أهل العربية، كصاحب المفصل حروف الذلاقة ما في قولك مر بنفل والذلاقة الاعتماد بها على ذلق اللسان وذولقه وهو طرفه، ويقابله الإصمات لأنه لم يكد توجد كلمة رباعية أو خماسية معراة من حروف الذلاقة، فكأنها هي المنطوق بها ومقابلها لأنه كالمسكوت عنه مصمت وقال ابن الحاجب في إ يضاحه: هذا غير مستقيم من جهتها في نفسها، ومن جهة أمر مضادها من المصمتة أما من جهتها فلأنها لا يعتمد على طرف اللسان إلا بعضها فالميم والباء والفاء لا مدخل لها في طرف اللسان، فكيف يصح تسميتها بذلك مع خروج بعضها عن ذلك المعنى ومن جهة القسم الآخر المضاد لها فلأنه إنما سمي مصمتا لأنه كالمسكوت عنه، فلا ينبغي أن يقابل المنطوق بطرف اللسان، وإنما الأولى أن يقال: سميت حروف ذلاقة أي سهولة من قولهم لسان ذلق من الذلق الذي هو مجرى الحبل في البكرة لسهولة جريه فيه، فلما كانت كذلك ألزموا أن لا يخلو رباعي أو خماسي منها وكان هذا هو الحكم المعتبر في تسميتها إلا أنهم استغنوا بسببه، وهو الذلاقة فأضافوها إليه، والمصمتة على هذا المعنى تكون ضدها، وهي الحروف التي لا يتركب منها على انفرادها رباعي أو خماسي لكونها ليست مثلها في الخفة، فكأنها صمت عنها لقلتها ولم يقصد في تفسيره إلا إلى ذلك، وإنما وقع الوهم من أخذ الذلاقة من الطرف، وجعها من طرف اللسان

لما ذكرناه اه. (أقول (ما في المفصل هو بعينه كلام ابن جني في سر الصناعة، وبعيد من مثل هؤلاء الفحول الغفلة كما أورده ابن الحاجب والذي دعاه لما ذكر ما فهمه من اختصاص الذلاقة بطرف اللسان، وقد عرفت أنه لا يختص به، فلا يرد عليه ما ذكر، ولو سلم بناء على أن أئمة اللغة كالأزهريّ والجوهريّ ذكروا ما يقتضيه، فيجاب عما ذكره على فرض تسليمه بأنه غلب فيه طرف اللسان على طرف الشفة مع أنّ في قولهم الاعتماد على طرف اللسان إشارة إلى أنّ المراد أنه آلة للنطق عليها الاعتماد فيه، وهو لا ينافي مشاركة غيره فيه، وقد قال: إنّ الحروف تنسب تارة إلى مخارجها وأخرى إلى ما يجاورها، والأوّل كحرف حلقيّ والثاني كهوائيّ، وقريب منه ما قيل: إنه أراد بالاعتماد على ذلق اللسان الاعتماد عليه حقيقة أو حكما، فإنّ الشفويّ، والمعتمد عليه متقاربان ولتقاربهما سميا ذولقية، ومر أمر منه، والنفل من الغنيمة معروف ومن يعطاه منفل وكثر الحلقية والذولقية معروفة بالاستقراء وصريح أئمة اللغة، ولذا قالوا إنه لا يخلو من الذولقية كلمة رباعية أو خماسية إلا أن تكون معرّبة أو دخيلة او شاذة أو فيها ما يقرب منها فيسد مسدها كالعسجد بمعنى الذهب والدهدقة بدالين منهملتين مفتوحتين وهاء وقاف بمعنى الكسر كما قاله الجاربردي، والزهزقة بزاءين معجمتين بمعنى شدة الضحك، والعسطوس بفتح العين والسين المهملتين اسم لشجر، ولكثرتها ذكر ثلثاها ومن مقابلها أقل من نصفها (بقي هنا بحث) وهو أنّ ما قرّرناه متفق عليه في كتب العربية والقراءات إلا أنه يخالفه ما في الكشاف في سورة التكوير من قوله: إنّ الظاء المعجمة من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا وهي أحد الأحرف الذولقية أخت الذال والثاء اهـ فجعله الظاء ثمة بل وأختيها ذولقية ينافي ما تقرّر هنا، وقول أهل العربية والأداء أن مخرج هذه الثلاثة من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا ويقال: لها الثوية نسبة للثة وهي اللحم النابت حول الأسنان لمجاورتها إياها لا أنها مخرج كما قيل يقتفخيه أيضا، فإذا كانت من طرف اللسان كما يشهد به الحس، فكيف لا تكون ذولقية كما قاله العلامة في سورة التكوير، وما وجه تركهم لذكرها، وقول المدقق في الكشف كون الظاء ذولقية مخالف لما في المفصل وغيره، وأمّا الاشتقاق من ذلق اللسان وذولقه أي حده فلا يخالف ما في الكشاف أيضا إلخ يشير لما ذكرناه أيضا فتدبر. قوله: (ذكر ثلثيها إلخ) هو جواب لما، وهو من كل منهما أربعة كما لا يخفى. وقوله: (ولما كانت أبنية المزيد إلخ (قال في التسهيل: بعدما قسم الكلم المتمكنة إلى مجرّد، ومزيد فيه ولا يتجاوز المجرد خمسة أحرف إن كان اسما، ولا أربعة إن كان فعلاً ولا ينقصان عن ثلاثة والمزيد فيه إن كان اسما لم يتجاوز سبعة إلا بهاء التأنيث، أو زيادتي التثنية، أو التصحيح أو النسب، وان كان فعلاَ لم يتجاوز ستة إلا بحرف التنفيس، أو تاء التأنيث، أو نون التوكيد اهـ وفي شرحه لأبي حيان أنه باعتبار المشهور الأكثر إذ قد ورد من الاسم المزيد ما هو ثماني نحو كذبذبان بتشديد الذال الأولى، ووزنه فعلعلان مع ألفاظ أخر ذكرها فقوله: لا تتجاوز عن السباعية هنا باعتبار الأغلب أيضاً وتعديته للتجاوز بعن، وليس بمعنى المغفرة قد علمته قريباً وإن منهم من قال إنه لم يرد عن العرب فتذكره. قوله: (اليوم تنساه) وبعضهم جمعها في قوله سألتمونيها وبعضهم في قوله أمان وتسهيل، وهو ألطف وما أحسن قول القيراطي في قصيدته النبوية التي عارض بها بانت سعاد: وفارغ ما له شغل سوى عذلي والناس بالناس في الدنيا مشاغيل فأين تصريف ألفاظ زوائدها فيها أمان لذي خوف وتسهيل وقوله على ذلك الإشارة إلى عدم تجاوزها ما ذكر المفهوم مما قبله، فإن قيل كون المذكور سبعة مبيّ على عد الهمزة والاً لف واحدا وكونها عثرة مبنيّ على خلافه، فلا يناسبه قيل: إنها في نفس الأمر عثرة فلذا بني أوّل كلامه عليه، ولما لم يذكر الألف والهمزة معا في أسماء السور ناسب عدّهما واحداً لأنه أمر اعتباريّ بني عليه آخر الكلام إشارة إلى الوجهين كما قيل. قوله: (ولو استقريت) الاستقراء استفعال من القراءة يقال استقرأت بالهمزة، وقد تبدل ياء فيقال استقريت كما وقع في النسخ هنا، ومعناه تتبع

الأشباه لمعرفة أحوالها، والكلم واحده كلمة، وهي معروفة ولما ذكر المصنف رحمه الله أنّ المذكور من أنواعها أنصافها تقريبا أشار هنا إلى أنه، وإن كان بحسب الظاهر كذلك، وهذا أدخل في الإيقاظ إلا أنه لو دتق النظر عرف أن ما ذكر في الحقيقة أكثرها، وجلها فهو منزل منزلة الكل حتى كأنه عدد لهم جميع حروف المباني مشتملة على هذه اللطائف لما ذكر من الإعجاز. وقوله: (مكثورة) أي زائدة عليها، وغالبة لها في الكثرة يقال كاثرته فكثرته إذا غلبته في الكثرة فهو مكثور أي مغلوب، فلا يتوهم أنّ كثر بضم الثاء المخففة كقل لازم، فكيف بني منه اسم مفعول بغير واسطة، ثم إنه لما بين التشارك في المادّة أشار بقوله ثم إلخ إلى أنها تشاركها في الصورة أيضاً ليكون الإلزام أتمّ وأقوى، وتوله إيذانا أي إعلاماً تعليل لذكرها كذلك أو هو تفنن على عادتهم. وقوله: (إلى الخمسة) هذا باعتبار الأصل في المفرد المجرّد كما مرّ. قوله: (وذكر ثلاث مفردات) هي ص ق ن. وقوله: (في الأقسام الثلاثة) ففي الاسم ككاف الضمير وتائه، وفي الفعل نحوق فعل أمر من الوقاية، وهكذا كل أمر من ثلاثيّ معتل الطرفين كوعى وع، وفي الحرف كثير كواو العطف، وقد قيل عليه إنه لا يتصوّر ذكر ثلاث مفردة فيما دون سور، فالبنية موقوف عليها لا تقال بدونها فتدبر، والأربع الثنائية هي طه طس يس حم. وقوله: (لأنها إلخ) تعليل لكونها أربعة، وفيه تسامح لأنه مع عدم ظهوره يرد أنها تكون في الحرف بدون حذف نحو من، وبه نحو ان المخففة فن الثقيلة بالفتح والكسر كما هو معروف، فالتربيع لهم يتمكبئ له والحواميم ست بإسقاط الشورى، فلو أسقط ما زاده على الكشاف كان أولى وأولى. وقوله: (على ثلاثة أوجه) هي فتح الأوّل وكسره وضممه، والحاصل من ضربها في مثلها تسعة، وفي تسع متعلق بذكر المقدر أو المتقدم، وهو الظاهر. وقوله: (على لغة من جرّبها) احتراز عن غيره فإنها حينئذ تكرن اسما كما فصله النحاة، والثلاثيات الم الر طسم. قوله: (تنبيهاً على أنّ أجمول الأبنية إلخ) هي جمع بناء، وله كما في شرح الهادي ثلاثة " معان الهيئة والصيغة، كقولنا بناء فعل للسجايا وتحويل صيغة إلى أخرى كقول الصرفي ابن لي مثال جعفر، وثبوت أواخر الكلم على حالة واحدة ووجه الضبط أنّ الأوّل لا يكون إلا متحرّكا بثلاث حركات والآخر- غير معتبر، والوسط متحرّك بثلاث حركات أو ساكن، والحاصل من ضرب ثلاثة في أربعة اثنا عشر سقط منها اثنان فعل بضم الفاء، وكسر العين وعكسه؟ لثقلهما وأوّل أصل الأفعال، وهو الماضي مفتوح لا غير، وعينه لا تكون ساكنة فأبنيته ثلاثة ولم يعتبر المجهول لأنه فرع المعلوم فخرج بقوله أصول، ولهذا أقحمه ولم يقل إنّ الأبنية، وقد أورد عليه دئل ونحوه وأجيب عنه في محله والرباعيتان المر في سورتين والخماسيتان كهيعص وحمعسق. قوله: (أصلاَ إلخ) المراد بالأصل ما وضعت عليه الكلمة ابتداء، *والملحق الكلمة التي فيها زيادة لم يقصد بها إلا جعل ثلاثي أو رباعي موازنا، لما فوقه محكوماً له بحكم مقابله غالبا ومساوياً له مطلقاً في تجرّده من غير ما يحصل به الإلحاق وفي تضمن زيادته إن كان مزيداً فيه، وفي حكمه ووزن مصدره الشائع إن كان فعلاً نحو علقي الملحق بجعفر، وهو لا يكون إلا في الأسماء والأفعال، فلزم كون هذه القسمة رباعية، والإلحاق له باب مستقل فصك فيه أحكامه، وما قيل من أنّ الكلمة المركبة من أربعة أحرف أو خمسة لا توجد في الحرف بل في الاسم، وليس في الأصول ما هو مركب من خمسة أحرف سهو لوجود لكن المشدّدة ونحوها مما لا حاجة إلى تعداده، وجعفر اسم للنهر وعلم شخص وسفرجل معروف، وتردد بزنة جعفر ملحق به ولذا لم يدغم كمهدد، وهو الجبل أو ما ارتفع من الأرض ويجمع على قرادد وقراديد، وقولهم اركب من الأمر قراديده أي ما شق منه استعارة، وجحنفل بزنة سفرجل ملحق به لأنه من الجحفلة ومعناه ما هو بمنزلة الشفة من الخيل والبغال والحمير، فلذا قيل: جحنفل للغليظ الشفة. قوله: (ولعلها فرّقت إلخ) جواب عن سؤال مقدر تقدير. " إتها إذا ذكرت ألفاظ لإعجاز ما تركب منها أو مبلغها، فلم لم تذكر جملتها أو ما اختير منها دفعة في أوّل التنزيل، فأجاب بأنها فرقت لتدل على ما ذكره بقوله، ثم إنه ذكرها مفردة إلخ ولو جمعت لم يتنبه لهذا وهو الفائدة المشار إليها بقوله لهذه الفائدة. وقوله: (مع ما فيه إلخ) إمارة إلى جواب ثان، وهو أن فيما ذكر

قوّة ليست في جمعها في محل واحد، وهكذا كل تكريير جاء في القرآن كالواقع في سورة الرحمن. وقوله: (وتكرير الثنبيه) عطف على قوله إمحادة التحدي للتفسير وبيان المراد منه، فإنّ في كل منها إشارة إلى إعجازه المقتضي لطلب التحدي. قوله:) والمعنى أنّ هذا المتحدي به إلخ (كذا هنا كناية عن كونه متحدى به قيل إنه يعني أنّ تقدير الكلام هكذا على أنه جملة اسمية بتقدير مبتدأ لهذه الحروف المكنى بها عن المؤلف المركب منها أو تقدير خبر لها بتأويلها بالمركص من هذه الخروف، والخبر متحدى به، ولا يخفى أنّ " نظم التعداد مستغن عن هذا التأويل مميد لما قصد به من غير تأويل وتقدير، وهو المفهوم من الكشاف فإنها إنما يكون لها حظ من الإعراب عنده إذا كانت أسماء للسور، وقيل إنّ المصنف لم يقصد ما ذكر، وإنما هو بيان لما في المعنى ومحصله من غير نظر لإعرابه وعدمه فلا مخالفة بين كلام الشيخين فيه إلا أد تصريحه بوجهي الكدير ينبو عنه، وإن قيل إنّ مقصوده أنّ المقصود من سياق التعداد مجمل يمكن أن يعبر عنه بكل من الوجهين، وقيل إنه كما يجوز أن لا يكون لها محل من الإعراب كسائر الأسماء المسرودة على نمط التعديد كدإر غلام جارية يجوز أيضاً أن يكون لها محل بتأويلها بالمؤلف منها على ما مر من الوجهين وكلام المصنف محتمل لهما، وإن كان المتبادر منه الأوّل، وفيه إنه سيصرّج بخلاف هذا كله. قوله: (وقيل هي أسماء للسور إلخ (هو عطف على ما تضمنه قوله ثم إنّ مسمياتها إلخ. فكأنه قال: هذه الفواتح أسماء حروف ذكرت لما مر وقيل هي إلخ. وقوله: (وعليه أطباق الأكثر (أي من المفسرين اتفقوا عليه يقال: أطبق الناس على كذا إذا اجتمعوا واتفقوا عليه وأصل معنى أطبق وضع الطبق، ثم الستعمل لما دكر بملاحظة ما فيه من معنى الإحاطة والشمول كما يستعمل للدوام في إطباق الحمى والجنرن، وأتى بصيغة التمريض لأن الأوّل أرجح عنده، ولذا قدمه وقد قيل إنه عنى أنه في غابه الضعف، وإنما ذكره هنا لانتسابه للأكثر وقيل إنه تبع في هذه النسبة الإمام إلا أنّ عبارته هكدأ هو قول أكثر المتكلمين، واختاره الخليل وسيبويه ونعما هي فإق الأكثر لم يذهبوا إليه، ولد أورد عليه ما سيأتي وأقوى ما عليه وان لم يذكروه أنّ أسماء السور توقيفية، ولم ينقل تسميحها بها عن أحد من الصحابة- والتابعين لا مرفوعا ولا موقوفا، فوجب إلغاء القول به وهذا كله. كا ضيق العطن لأنه توهم أنّ مراد الإمام بالمتكلمين أهل الكلام ولا وجه له إذ ليس لأهل الكلام هنا مقال أصلاً وانجما أراد بالمتكلمين المفسرين الذين تكلموا على الآية وبحثوا فيها وما مهـ*اأوّلاً غني غن الردّ، ثم إنه كيف يقول: إنهم لم يذكروه، وقد قال الإمام معترضا هنا: لو كانت أسماء للسور وجب اشتهارها بها وليس كذلك لاشتهارها بخلافها كسورة البقرة وآل عمران وغير ذلك، ثم إنه كيف يتأتى له ما قاله على سعة حفظه، وقد ورد عن النبيّ عليه الصلاة والسلام: " يس قلب القرآن ومن قرأ حم حفظ إلى أن يصبح) (1) وقال ابن مسعود حم ديباج القرآن، وفي السنن روي حديثا فيه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سجد في ص فكيف يدعي عدم الورود وإذا ثبت في البعض ثبت في الجميع إذ لا فارق بينها فقوله إنه لم يشتهر غير صحيح مع أن شهرة أحد علمين لا يضر علمية الآخر فكم من مسمى لا يعرف اسمه لاشتهاره بكنيته أو لقبه كأبي هريرة رضي الله عنه وعدم اشتهار بعضها لكونه مشتركا بينها وبين غيرها، فترك استعماله لعدم تمييزه واحتياجه لضميمة كالم هنا. قوله: (إشعارا بأنها كلمات إلخ) هذا بيان لوجه التسمية وهو الدلالة على أنها كلمات عربية من جنس كلامهم مادّة وصورة كما مرّ وقد قال قدس سرّه الأولى في الاعلام المنقولة أن يراعى مناسبة معانيها الأصلية عند التسمية، وربما تراعى عند الإطلاق باقتضاء المقام ولما كانت هذه السور مركبة من حروف مخصوصة لها أسماء في لغتهم وجعلت تلك الأسماء أعلاما لها كان ذلك لتركبها من تلك الحروف على قاعدة لغتهم فإذا أطلقت عليها لوحظ هذا المعنى لاقتضا التحدي له وحيث كان القرآن نوعاً واحدا، فالإشعار في بعضه إشعار بأنّ المجموع كذلك. (قلت) وللإشعار بذلك اتضح جعلها لقبا كما سيأتي لدلالتها على أقصى ما يمدح به الكلام، وهو الإعجاز فلا وجه للتوقف فيه، والمقدرة مثلثة الدال مصدر ميمي بمعنى القدرة، ودون معارضتها بمعنى قبل أو عند معارضتها، وتتساقط بمعنى تساقط مبالغة وبما

ذكر فهم أنّ في هذا الوجه إيقاظا للأعجاز أيضاً، كما في الأول إلا أنه كما قيل مقصود إفادته بالذات فيه، وهنا بالعرض لأنّ الإشعار به جاء من لمح الأصل المنقول عنه لترجيح التسمية به دون غيره، وقد قالوا إنّ العرب سصت بها أيضاً غير الحروف المقطعة كلام اسم رجل من طيىء وعين للماء، وغين للسحاب وقاف للجبل وقد نقله بعض اللغويين في جميع أسمائها وأفرده بالتدوين ابن خالويه، والضمير في قوله بأنها للسور. قوله: (بأنها لو لم تكن مفهمة إلخ) فهم كتعب متعد لواحد ويتعدى بالهمزة، والتضعيف لمفعولين فيقال أفهمته المسئلة، ويكون أفهم متعذيا لوأحد أيضا ولا يقال: انفهم، فإنه لحن فمفهمة في كلامه إما بكسر الهاء اسم فاعل من المتعدّي لواحد بمعنى دالة على شيء أو بفتحها اسم مفعول من الافهام أي معلومة المراد منها بحسب العلم بالوضعفكأنّ الواضع أفهمنا المعنى المراد بها. وفيه تنبيه على أنه لا دخل للرأي في معرفتها بل يجب استفادتها من الغير كما قيل، والمراد بكونها مفهمة أن يراد بها ما يكون طرف نسبة مقصودة في الخطاب، فلا يرد أنها موضوعة لحروف الهجاء والإفهام لازم للعلم بالوضع، وحاصله أنها إما مفهمة أولاً وعلى الثاني تكون كالرطانة وعلى الأوّل إما أن تفهم منها السور لأنها أعلام لها أولاً والثاني باطل لأنها إما أن تفيد ما وضعت له في لغتهم وهو الحروف ولا معنى له أو غيره ولا يصح لأنهم لا يخاطبون بغير لغتهم فتعين أنها أعلام ولا يخفى ضعفه ووجهه أنه يصح أن يراد بها الحروف، ومعناه أنّ المتحدى به من جنسها كما مرّ ثم إنّ قوله لم تكن مفهمة إن أراد إفهام جميع الناس، فلا نسلم أنه موجود في العلمية، وإن أراد إفهام المخاطب بها وهو هنا الرسول فيجوز أن يكون سرا بينه وبين ربه فلا ينافي كونه عربيا مبينا، ونحوه لأنه كذلك بالنسبة إليه وأما التحدي فليس بجميع أجزائه، وكون أوّل السور ينبغي أن يكون مما يتحدى به ليس بمسلّم. قوله: (كالخطاب بالمهمل) المهمل بزنة اسم مفعول الأبل ونحوها تترك بغير راع، ثم استعير لما لم يوضع أو جعل مجازاً مرسلاَ عن مطلق الترك وصار هذا حقيقة في الاصطلاح، ووجه الشبه هنا عدم الدلالة إلا أنّ ما يترتب عليه من عدم الصحة ليس بصحيح لأنه يجوز أن يكون من المتشابه الذي لا يوقف عليه، وان أمرنا بتلاوته فإنه ليس كل ما أمرنا به معقولاً لنا وقوله العربي أي المتكلم بالكلام العربي. وقوله: (بيانا) أي معربا عما في الضمير، وقوله وهدى لأنّ الهداية فرع الدلالة. وقوله ولما أمكن التحدي به أي بما ذكر أو بالقرآن كله إذ ظهور النقص دليل على أنه من عند غير الله فيردّ بلا معارضة. قوله: (التي هي مستهلها) المستهل بفتح الهاء وتشديد اللام على صيغة المفعول وأصله من طلوع الهلال، ولما كان الهلال إنما يسمى هلالاً في أوّل الشهر، ثم هو بعده قمر وبدر قيل لكل أوّل مستهل، ثم شاع حتى صار فيه حقيقة فيقال: مستهل القصيدة لأوّلها ومطلعها، وقد أولع بعضهم بكسر هائه على زنة اسم الفاعل، وهو خطأ كما قاله الدماميني في شرح التسهيل، وخطأ بعض الشعراء في قوله: أنا من أدمعي ووجهك أرّكأت غرامي بمستهل وغرّه فإنّ التورية إنما تتم له بما ذكر، فليس هذا استعارة من قولهم استهل الصبيّ إذا صاح عند الولادة، فشبهت السورة بالصبيّ الصائح كما قيل، ولا من استهل المطر إذا نزل. قوله: (على أنها ألقابها) قد قدمنا لك بيانه، فإنه يدل على الإعجاز وناهيك به من صفة مادحة، فإنّ اللقب ما أشعر بمدح كمحمد أو ذم كأبي جهل، فإن اشترط فيه أن يدل على ذلك بحسب معناه الوضعي، فتسميتها ألقابا على طريق الادعاء والتشبيه، وهي أعلام منقولة على هذا لا أعلام بالغلبة فلا يرد عليه ما قيل: من أنّ الإشعار هنا خفيّ، ولعل وجهه ما مرّ من أنها كلمات معروفة التركيب، وأما اشتراط الإضافة، أو دخول أل فهو في الاعلام الغالبة لا المنقولة مع أنه، وان اشقر فيه خلاف إذ لم، يشترطه بعض أئمة العربية. كما في شرح التسهيل. وقوله وظاهر أنه ليس كذلك يبطله ما مرّ في بيان الوجه الأوّل. وقوله: (لقولمه قعالى) تعليل لما قبله، ويحتمل أن يكون تعليلاَ لجميع ما سبق، والأوّل أظهر. قوله: (لا يقال إلخ) منع للاستدلال بأنها لو لم تكن أعلاما يلزم ما ذكر مستنداً إلى جواز الزيادة للدلالة على الاستئناف، ونقله عن قطرب لغرابتة إذ لم يعهد الاسخئناف بمثله بل بقولهم دع ذا ونحوه، كما ذكره الأدباء

والبسملة مغنية عنه مع أنه لا يتأتى على القول بأنها آية من كل سورة وقطرب لقب لإمام في العربية، وهو صحمد بن المستنير تلميذ سيبويه، وهو الذي لقبه به لما كان يبكر إليه فيقول له ما أنت إلا قطرب ليل والقطرب اسم دويبة لا تزال تمشي ليلاً وتسكن نهارا، ولذا أطلقه الأطباء على نوع من الجنون. قوله: (اقتصرت عليها، ألخ) هكذا وقع في النسخ وقد قيل: إنه سهو لأنه مجهول وعليها قائم مقام فاعله أي وقع الاقتصار عليها اقتصار الشاعر في قوله إلخ ولا يصح أن يقال مرّت بهند بتأنيث المجهول لتأنيث المجرور وقد سبقه إلى هذا في المطوّل في قول الخطيب في بحث الفصاحة صوحبت معها، فذكر ما هنا بعينه، وليس كما قالوه فإنّ مثله جائز، ولم يشتهر استعماله وقد قرآه مجاهد في قراءة شاذة: في توله تعالى {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً} [التوبة: 66] كما سيأتي تفصيله ثمة قال ابن جني في المحتسب: عن مجاهد إن تعف عن طائفة بالتاء في تعف، والوجه يعف بالياء لتذكير الظرف ولقولك قصدت هند وقصد إليها لكنه حمل على. المعنى كإنه قال: تسامح وترحم وزاد في الأنس تأنيث تعذب بعده اهـ وهنا أيضاً يحمل على معنى أفردت، وفيه دليل على أنّ المحل للمجرور وأنه المسند إليه في الحقيقة وإذا اكتسب المضاف التأنيث من المضاف إليه، فلا يعد في اكتساب الظرف التأنيث من مجروره والمعترض غافل عن هذا كله، وهذا شروع في إيراده وجوه ضعيفة وردها والمراد بقوله للتنبيه تنبيه المخاطب للكلام الملقى إليه حتى يصغي له مثل ألا وأما في حروف الاستفتاج. وقوله ملى انقطاع كلام متعفق بالدلالة، وقيل بالتنبيه وعطف الدلالة تفسيرفي، ولا يبعد تنازعهما له، وما نقله المصنف عن ضقطرب نقل عنه في البحر ما يخالفه، أو إشارة معطوفة على مزيدة. قوله: (قلت لها قفي فقالت قاف) هذا من أبيات الكتاب، وهو من رجز للوليد بن المغيرة عامل عثمان بن عفان رضي الله عنه قاله يخاطب به عديّ بن حاتم، وقد نزل معه لما امتحصه عثمان رضي الله عنه، وقد اتهم بشرب الخمر في قصة مشهورة في التواريغ فقال: قلت لهاقفي فقالت قاف لاخباشدنسينا الإيجاف والنشوات من معتق صاف وعزف قينات علينا عزاف إلخ وقيل إنّ الصواب ما أورده ابن جني رحمه الله في الخصائص وهو هكذا. قلت لها قفي لنا قالت قاف فإنّ ما في نسخ القاضي محزف، وغير موزون وليس كما قاله فإنّ عروض هذا لت قاف وزنه فعلن، وهو أحد أعاريض الرجز، وهم يكثرون زحافه، ولا يبالون به حتى ذهب كثيرون إلى أنّ الرجز ليس بشعر، وليس هذا محل تفصيله، والإيجاف سرعة سير الخيل. قوله: (كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما) قيل هذا إنما روي عن أبي العالية كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وروايته عن أبي العالية لا تمنع روايته عن غيره، والآلاء بوزن أفعال ممدود مهموز الأوّل والآخر، ومعناه النعم وهو جمع واحده إلى، وفيه لغات فتح الهمزة وسكون اللام، وكسرها وسكون اللام وألو بالفتح والسكون أيضا والى بكسر الهمزة وفتح اللام والقصر كإلى الجازة وقد جوز هذا في قوله تعالى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 123 كما سيأتي واللطف معروف. وقوله: (ملكه) بضم الميم ويحتمل الكسر قيل المعنى على هذا: أن القرآن يشتمل على آلاء الله ولطفه وملكه، وقيل إنه يحتمل أن يكون المعنى اذكر آلاء الله ولطفه وملكه لتعلم أنّ القرآن من أعظمها إذ لطف بإنزاله على مماليكه رحمة عليهم، وهذا بطريق الرمز والإيماء. قوله: (وعتة أنّ الر إلخ) في الوجه السابق كل حرف إشارة إلى كلمة، وفي هذا فرّقت حروف الكلمة ونظر إلى المرسوم منها دون الملفوظ فلذا أسقطت الألف، وقد قيل إن المعنى المراد منه أنه إذا جمعت هذه الحروف في الكتابة استنبط منها اسم الرحمن لا إنه إذا تلفظ بها تلفظ بالرحمن إذ لشى هنا همزة بعدها راء مشدّدة تليها حاء ساكنة بعدها ميم مفتوحة وألف ونون، ولبعده أخره المصنف رحمه الله وقد أخرجه مسنداً إلى ابن عباس رضمي الله عنهما ابن أبي حاتم كما قاله السيوطي رحمه الله. قوله:) وعنه أنّ الم معناه إلخ) أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عنه، وهذا كالأوّل في أنه حروف مقطعة من الكلم إلا أنه روعي في الأوّل كون الحرف المأخوذ أوّلاً من كل كلمة، وهذا لم يلاحظ فيه ذلك وقوله ونحو ذلك إلخ كما قيل في الر أنا الله أرى، وفي الممأنا الله أفصل، وهو مروقي عن سعيد بن

جبير واستحسنه الزجاج. وقوله: (وعنه إلخ) قيل إن هذا لم يعرف عن ابن عباس، ولا عن غيره من السلف. وقوله: (أي القرآن إلخ) يعني أنه رمز باقتطاع هذه الحروف من هذه الكلمات إلى ما ذكر، ولا يخفى بعده. قوله: (أو إلى مدد أقوام وآجال) وفي نسخة إلى مدد آجال أقوام وهذا معطوف على قوله إلى كلمات المتعلق بالإشارة وأقوام جمع قوم اسم جمع، وله حكم المفرد في اطراد جمعه، وآجال بالمد جمع أجل وهو العمر أو نهايته والحساب بمعنى العد معروف والجمل بضم الجيم وفتح الميم المشددة يليها لام حساب حروف المعجم وهو كبير وصغير كما هو معروف عند أهله وجوّز بعض تخفيف ميمه، وقال أبو منصور الجواليقي: هو عربيّ صحيح، وما روي عن أبي العالية أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقوله: (بما روي أنه عليه الصلاة والسلام) هذا الحديث أخرجه البخاريّ في تاريخه وابن جرير من طريق ابن إسحاق عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن وثاب وسنده ضعيف، وجابر المذكور صحابيّ آخر غير جابر المشهور كما في الاستيعاب. وفي الإصابة أنه أنصاريّ وروايته قليلة جدا وقصته هي أنه مرّ أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو سورة البقرة الم ذلك الكتاب ثم أتى أخوه حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه صلّى الله عليه وسلم عن ألم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو الحق أنها أتتك من السصاء، فقال عليه الصلاة والسلام: " نعم كذلك أنزلت " فقال حييّ: إن كنت صادقا إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على منتهى أجل مدته إحدى وسبعون سنة، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال حييّ: فهل غير هذا فقال: " نعم المص " فقال حييّ هذا أكثر من الأوّل هذا مائة واحدى وستون سنة فهل غير هذا قال: " نعم الر ". تال حييّ: هذا أكثر من الأول والثاني، فنحن نشهدك إن كنت صادقا ما ملك أمّتك إلا مائتان واحدى وثلاثون سنة، فهل غير هذا قال: " نعم المر " قال: فنحن نشهدك أنا من الذين لا يؤمنون، ولا ندري بأفي أقوالك نأخذ فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أنّ أنبياءنا أخبرونا عن ملك هذه الأمة، ولم ئتئنوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صادقاً فيما يقول: فإني لأراه يستجمع له ذلك كله فقام اليهود وقالوا: اشتبه علينا أمرك فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير (1) اهـ وهذا تفصيل ما ذكره المصنف رحمه الله. وقوله: (فحسبوه) بزنة ضربوه ماض من الحساب. قوله: (دليل على ذلك إلخ) ذلك إشارة إلى المدد والآجال المارّة وهذا جواب عن سؤال تقدير. كيف يكون قول اليهود حجة فأجيب بأنّ الدليل هو عدم إنكاره وتقريره لهم على ما ذكروه، وتبسمه صلى الله عليه وسلم ليس للإنكار بل إشارة إلى غلطهم في تعيينهم للمعدود المذكور، وهذا لا يقتضي إنكار أصله وفيه نظر. قوله: (وهذه الدلالة وإن لم تكن عربية إلخ) جواب عما يقال من أنّ هذه الدلالة إن سلم صحتها، فهي غير عربية لانتفاء الوضع العربي فيها والقرآن نزل بلسان عربيّ مبين، فأجاب بأنّ هذه الدلالة لاشتهارها ألحقت بالمعرّبات التي عدت بعد التعريب عربية، فكذا ما ألحق بها، وتلحق مسند للدلالة إسناداً مجازياً. وقوله: (كالمشكاة إلخ) تمثيل للمعرّب وهي الكوّة، وسجيل كسكيت معرّب سنك، وكل أي حجر وطين، والقسطاس بالضم والكسر الميزان وسيأتي بيانها، وظاهره أنها موضوعة في غير لغة العرب، وقد قيل إنه معروف في اللغات القديمة كالعبرانية وهو كثير في التوراة كما في رسالة فضائح اليهود للغزالي، وفي كتاب الملل والنحل أنّ طائفة من الفيثاغورسية ذهبوا إلى أنّ المبادىء هي التأليفات الهندسية على مناسبات عددية حتى سارت طائفة منهم إلى أنّ المباديء هي الحروف المجرّدة عن المادّة، وأوقعوا الألف في مقابلة الواحد والباء في مقابلة الاثنين، ولست أدري لم قدروها ولا على أفي لسان ولغة هي اهـ ولو قيل: إنها مجازية روعي فيها ترتيب أبجد في مراتب الآحاد وما بعدها فهي من دلالة الحالّ على محله ثم على صفته من الأوّلية ونحوها لم يبعد، ولم نر من وجه هذه الدلالة بما يشفي الصدور. قوله: (أو دالة (عطف على قوله مزيدة وهذا قول الأخفش رحمه الله وعبارته أقسم الله تعالى بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها، لأنها مباني كتبه المنزلة على الألسنة المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم بها يتعارفون وبذكرون الله ويوحدونه. قوله: (وما " خطابه

هذا) قيل هذا بيان لخطابه والإشارة إلى القرآن، وقيل: إنه ابتداء كلام أي خذ هذا المذكور من أنه لا يقال لم لا يجوز إلخ وهذا في هذا التركيب، ونحوه مرفوع المحل خبر مبتدأ مقدر أي الأمر والشأن هذا أو مبتدأ خبره مقدر أي هذا كما ذكر أو مفعول لفعل تقديره خذ هذا ونحوه، وقيل ها اسم فعل بمعنى خذ وذا مفعوله ويبعده رسمه متصلاً في جميع النسخ والواو بعده واو الحال لا عاطفة لئلا يلزم عطف الخبر على الإنثاء في بعض الوجوه، وقيل: إنه عطف على قوله لم لا يجوز أي لا يقال هذا في تضعيف ذلك القول وهو كقوله تعالى: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} [ص: 55] وهو فيه مبتدأ وقال في المثل السائر: لفظ هذا في هذا المقام من الفصل الذي هو أحسن من الوصل، وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى كلام آخر وذلك من فصل الخطاب الذي هو أحسن موقعاً من التخلّص، وعندي أنه منصوب بدع مقدرة لأن عادة العرب في مثله أن يقولواح ذا كما قال: فاع ذا وسل الهتم عنك بحسرة دمول إذا صام النهار وهجرا وهذا شروع في إبطال مدعي العلمية بعدما بين ما في دليله أو هو معارضة للاستدلال المذكور بعد المناقضة والمنع للملازمة بين عدم كون الفواتح مفهمة، وكون الخطاب بها بالخطاب بالمهمل مسنداً لما ذكر من الوجوه المروية. قوله: (لأنّ التسمية بثلاثة أسماء فصاعدا إلخ) قال تدس سزه التسمية بأسماء معدودة لم توجد في كلامهم، وما ذكره سيبويه كما سنبينه مجرّد قياس، ولذا قال المصنف رحمه الله مستنكر، ولم يقل باطل ولا غير واقع ونحوه، والمستنكر ما ينكره الناس لكونه غير معروف بخصوصه، وإن كان معروفا بتلاوة ألفاظ نحو سرّ من رأى وشاب قرناها وغيره مما ذكر من الجمل، ولذا قال: أسماء، ولم يقل ألفاظا إلا أنّ الفرق بينهما محتاج للتأمّل الصادق وأمّا ما قيل من أنهم لم يسموا السور بهذه الأسماء ويبعد أن تهمل أسماء سماها الله تعالى في كتابه، فتخيل لا أصل له كما مرّ. قوله:) ويؤذي إلى اتحاد الاسم إلخ البعض أرباب الحواشي هنا تطويل بغير طائل كما قيل: إنّ الاسم هنا جزء من المسمى والجزء لا يغاير الكل وإلا لصار غير نفسه وقيل: الاسم جزء خارجيّ من الكل غير ممتاز عنه في الوجود مثلاً إذا قلت سورة البقرة {الم ذلك الكتاب} إلخ واسم هذه السورة ألم اتجه أن يقال: الاسم متحد مع المسمى بالمعنى المذكور لا بمعنى كونه نفسه، فإذا كان موضوعا للكل كان موضوعاً لنفسه، والمراد أنّ الم مثلاً لو كان علما للسورة كان مسماه المجموع الداخل فيه جميع الأجزاء، فكان اسما للجزء أيضا ويلزمه اتحاد الاسم، وسيأتي بيانه وما فيه. قوله: (ويستدعي تأخر الجزء عن الكل إلخ (أي يستدعي تأخر الجزء مع تقدمه عليه فيلزم توقف الشيء على نفسه لتوتفه على ما يتوقف عليه وهو دور، وفيه ما سيأتي بيانه وهذه الشبهة لا تختص بالإعلام بل تأتي في لفظ القرآن، ولفظ سورة الواقعين في النظم وقد أوردها خاتمة المحققين السيد عيسى الصفوي على بعض الألفاظ القرآنية كالضمائر في نحو قوله تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} [يوسف: 2] ، فإنها إخبار عن إنزال القرآن وهذه الجملة من جملته والضمير للقرآن ومنه الضمير نفسه، فيعود حينئذ على نفسه حتى اضطز في دفعها إلى جواز كون الكلام خبراً عن نفسه نحو قول القائل: كل كلامي صادق إذا لم يتكلم بغير هذا اللفظ بناء على ما ذكروه في دفع المغالطة المعروفة بالجزء الأصم فتدبر. قوله: (يتأخر عن المسمى بالرتبة (المعروف أنّ التقدم على خمسة أوجه تقدم بالزمان وهو ظاهر، وتقدم بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين، وتقدم بالشرف كتقدم أبي بكر على عمر رضي الله عنهما، وبالعلية للفاعل المستقل بالتأثير كتقدم حركة اليد على حركة القلم، وتقدم بالرتبة وعرفوه بما كان أقرب من مبدأ محدود كتقدم بعض صفوف المسجد، وقد زادوا سادسا وهو التقدّم بالذات، وهنا بعض من النقض والإيراد مذكور في الحكمة، وفي كون هذا التقدّم رتبيا بالمعنى المصطلح نظر. وقوله: الم تعهد إلخ) أي لم تعرف رتشتهر بما ذكر، وهذا كرّ على رد قول قطرب، وما بعده صريحا بعدما رذه ضمنا، ولما دخل النفي هنا على قيد ومقيد، والقرينة قائمة على نفيهما قيل: إنه نفي لما سبق من وجوه إذ لم تعهد مزيدة للتنبيه على انقطاع كلام واستئناف آخر، فما قيل عليه من أنه ليس مدلول

الكلام صريحا وان أمكن استنباطه بضرب من التأويل ليس بوارد، وزاد على هذا أيضا أنه لم يعهد في الكلام زيادة أكثر من اسم، وأمّا ما قيل من أنّ قائل هذا الوجه لا يقول إنها مزيدة بل يقول إنها تفيد بطريق الرمز والإيماء إلى معنى التحدي كما صرّحوا به ولذا فرقت على السور لهذه الفائدة ولإعادة التنبيه على التحدي والمعنى هذا المتحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف فليس بشيء لأنه ليس فيما نقله المصنف رحمه الله تعالى عن قطرب شيء مما ذكر بل لا يصح، لأنه يكون قولاً آخر فتدبر. قوله:) والدلالة على الانقطاع إلخ (الدلالة هنا إمّا مجرور بالعطف على ما قبله أو مرفوع بالابتداء يعني أنّ الدلالة على الانقطاع لم تعهد بها وأمثالها وأمّا الاستئناف فحاصل بكل ما وقع في الابتداء، ولا يلزم أن لا يكون له معنى في حيزه وموقعه غير الدلالة على الانقطاع فلم حكم بأنها مزيدة صرفة وليست مما عهد زيادته للاستفتاح نحو ألا، وأما وان رجحه الطيبي. وقوله:) من حيث أنها فواتح السور (بكسر همزة إن، لأنّ حيث لا تطرد إضافتها لغير الجمل وجوّز بعضهم فتحها وخطىء فيه على ما فصله في المغني وشروحه، وقيل عليه: بل يلزمها ذلك من حيث إنها كلمات غير مفهومة المعنى، فيجوز أن لا تدخل في شيء من السورتين المفصولتين بها، فيجوز كون دلالتها على ما ذكر باعتبار عدم الإفهام من غير أن تكون فاتحة السورة أو جزأها، وأجيب بأن احتمال كونها خارجة منها غير متجه لكتابة التسمية قبلها فتعين كونها فاتحة، وبقي الكلام في أنّ دلالتها على ما ذكر من حيث أنها غير مفهمة أو من حيث أنها فاتحة بالمعنى الأوّل لوجود الدلالة على ما ذكر فيما يفهم أيضاً، نعم هو في غير المفهم أظهر إذ لا فائدة فيه غيرها فتدبر. قوله: (ولا يقتضي ذلك إلخ) قيل المطلوب هنا صحة أن لا يكون لها معنى فيستغي عن تكلف جعلها أسماء للسور بلا دليل، فلا طائل لنفي اقتضاء ذلك إذ يكفي لنا ما يصحح وقوع ما ليس فيه إفهام، وقيل التنبيه على ما ذكر إذا لم يتوقف على أن لا يكون لها معنى وتحقق على تقدير أن يكون لها معنى، وكون القرآن هدى وبيانا مع ما هو المتعارف في الخطاب يدل على أن يكون لها معنى فالقول: بأنها ليس لها معنى ترجيح بلا مرجح للمرجوح، وهو غير جائز. نعم لو لم يحصل التنبيه على تقدير كونه مفهماً كان له وجه، وهذا كله تعسف فالحق أنّ مراده أنّ ما ذكر مخالف للمعهود، ومثله لا يرتكب بغير مقتض، ولا مقتضى له هنا فلا وجه لارتكابه فاعرفه، هاب / ج ا / م 18 وما قيل من أنّ القرآن كلام لا يشبه كلاماً فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد ليكون أبلغ في قرع السمع، فهو غنيّ عن الردّ. قوله: (ولم تستعمل للاختصار إلخ) جواب عما مرّ أنها مختصرة من كلمات وسنده المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما بأنه لم يرد مثله في كلام العرب والشعر المذكور شاذ، وبؤيده أن حذف بعض الكلم في غير الترخيم لا يجوز عند النحاة، وأمّا ما حمل عليه كلام ابن عباس رضي الله عنهما فيأباه سياقه وما قيل: من أن قاف في البيت أمر من قافاه بمعنى تبعه وبيان معنى البيت بما نقله بعضهم، فمثله من المزخرفات مما لا ينبغي أن تشحن به الدفاتر. قوله: (وأمّا قول ابن عباس رضي الله عنهما إلخ) قيل عليه: إنه يأباه كل الإباء. قوله معناه أنا الله إلخ وليس في كلامه ما يدل على ما ذكره المصنف هنا بوجه من وجوه الدلالة الثلاثة فحمله عليه خروج عن طريق التحقيق ولو كان مقصوده مجزد كون هذه مواد الأسماء لكان ما ذكر من التركيب لا وجه له ولذا منع بعض المتأخرين صحة الرواية وقال: لو صحت لكانت من الرموز التي لا يفهمها إلا صاحب الوحي، أو من تلقى عنه بواسطة أو بدونها كابن عباس رضي الله عنهما. قوله: (ألا ترى أنه عدّ كل حرف إلخ (تقرير لمدعاه بأنه عدها من كلمات متباينة فعدّ الألف تارة من أنا، وتارة من الله وتارة من الآلاء واللام تارة من جبريل، وتارة من لطفه والميم تارة من أعلم وتارة من محمد، وتارة من ملكه واللفظ الواحد لا يمكن أن يكون كذلك. وقوله: (لا تفسير إلخ) عطف على قوله تنبيه. قوله: (ولا لحساب الجمل إلخ) باللام الجازة في أكثر النسخ وهو معطوف على قوله للاختصار ولا لتأكيد النفئي يعني أنّ إلحاتها بالمعزبات فرع استعمال العرب إياها في ذلك ولم يتحقق وفي نسخة بحساب بالباء بدل اللام، وهو معطوف أيضاً على ما عطف عليه ما قبله، واحتمال عطفه على قوله بهذه بعيد، وان قرب، وفي المصباح، واستعملته جعلته عاملاً، واستعملته سألته أن يعمل

واستعملت الثوب ونحوه أعملته فيما يعد له اهـ. واستعمال الألفاظ في معانيها مأخوذ من الأخير وهو محدث ويقال استعمل لفظ الضرب بمعنى السير، وفي معنى السير ولمعنى السير والكل شائع في كلامهم فما قيل من أنّ هذه الباء سهو من قلم الناسخ لأنه لم يقل لم يستعمل به بل له سهو من ابن أخث خالته. قوله: (لجواز أنه عليه الصلاة والسلام تبسم تعجباً من جهلهم) قيل جهلهم لتفسيرهم النازل بلسان عربيّ بما ليس من معاني لغة العرب أو لأنهم بعدما سلموا كونه شرع الله لا وجه لعدم دخولهم فيه لقصر مدّته، ويرد بأنّ كلامهم لا يدل على تسليم كونه دين الله في نفس الأمر لجواز أن يكون قولهم في دين مبنيا على ما يدعيه النبيّ عليه الصلاة والسلام وهو مما لا شبهة فيه، ثم إنّ أبا العالية رحمه الله لم يستدل بتبسمه المفيد للتقرير بل بما بعد التبسم من تلاوته صثى الله عليه وسغ إياها عليهم بالتريب المخصوص، وتقريرهم على استنباطهم وكما جاز كون التبسم لما ذكر جاز أيضا كونه تعجبا من إطلاعهم على المراد، ولهذا مرجحات عند بعضهم والظاهر أنه صلّى الله عليه وسلّم فعل ذلك مجاراة معهم ليلزمهم بما يعرفونه فتأمّل. قوله: (وجعلها مقسماً بها إلخ) جواب عن قوله أو دلالة على الحروف المبسوطة مقسما بها والمضمر حينئذ فعل القسم وفاعله، وحرفه وجوابه لخلوّ ذلك الكتاب مما يتلقى به القسم من أنّ واللام، فلا يصلح لكونه جواباً، وأورد عليه أنهم ارتضوا كونها مقسما بها إذا كانت أسماء لله أو القرآن أو السور، ولم يستضعفوه، لما ذكر وتبعهم في ذلك المصنف رحمه الله فإن قيل إنه لشرف معانيها المناسبة للقسم قيل: هذه أيضا شريفة لأنها منبع أسماء الله وخطابه مع أنّ وجه التضعيف وأورد ثمة بلا فرق، والجواب عنه أنها إذا كانت من أسماء الله أو من صفاته كالقرآن كانت صالحة لأن يقسم بها في نفسها فارتكاب تلك الإضمارات شائع في الجملة أمّا ما لا يصلح لذلك، كأسماء الحروف المقطعة، فيبعد ذلك عنه بمراحل، وما ذكره من التأويل إن سلم أنه يصححه لا يقربه، وقول المصنف رحمه الله غير ممتنع إلخ يشير لما ذكرناه وقوله لا دليل عليها أي دليلاً معينا لها فلا يرد أنّ عطفه المجرور في مثل {قاف والقرآن} دليل فمطرد لأنّ واو والقرآن تحتمل التسمية فلا دليل فيها أيضاً. قوله: (والتسمية بثلانة أسماء إلخ) جواب عن أنّ التسمية بثلاثة أسماء مستنكر في لغة العرب بأنّ المستنكر تركيب ثلاثة أسماء تركيبا مزجياً كحضرموت، وأمّا التسمية بها منثورة غير مركبة كذلك بل مسرودة سرد الاعداد فليس بمنكر، وإذا سموا بنحو شاب قرناها وجاز جعل الجمل علماً كما ذكره سيبويه كيف يستنكر هذا، فإن قلت كيف سلموا هنا أنّ تركيب ثلاثة أسماء ممتنع، وغير ثابت من غير نزاع فيه، وقد ورد في اسم المدينة دارابجرد فإنها في الأصل من دار ومن آب ومن جرد قلت قال قدس سرّه في شرح الكشاف: لما مثل به الزمخشريّ دارابجرد علم بلدة بفارس معرب دارابكرد، وهو مركب من كلمتين إحداهما دارا اسم ملك بناها والثانية بكرد، وقيل هو معرّب دراب كرد فيكون ثلاث كلمات في الأعجمية لأن دراب معناه درآب سمي بذلك لأنه وجد في الماء، وصار بالغلبة اسما واحدا فضمت إليه كلمة أخرى وصار المجموع كبعلبك وعلى هذا تتأكد المشابهة بينه، وبين طسم وقد وجد في نسخة المصنف رحمه الله داربجرد بلا ألف بعد الدال، وهو سهو من طغيان القلم والآفات المقصود وهو إثبات موازن له في كلامهم اهـ. أقول إنما تركه المصنف رحمه الله وغيره، وان ذكره سيبويه رحمه الله وتابعه الزمخشرفي لأنه ليس بعربي والمدعى أنه لا يوجد مثله في كلام العرب إلا أنّ ما ذكره الشريف غير تام رواية ودراية. أقا الأؤل فقد قال ياقوت في معجم البلدان: دارإبجرد بألفين بعد الألف الثانية ياء موحدة ثم جيم ثم راء ودال مهملة ولاية بفارس وداربجرد بدون ألف كورة بفارس عمرها داراب، وهي معرّب داراب كردود اراب اسم رجل وكرد بمعنى عمل قال الأيادي: يقاتل من قصور درابجرد ويحمي للمغيرة والرفاد وهي أكبر من دارابجرد اهـ. فما وقع في خط العلامة صحيح والموازنة فيه ثابتة بحسب الأصل لأنّ دراب بمنزلة طس، وهو ظاهر لا غبار عليه نعم التسمية بأسماء منثورة لم توجد في كلامهم، وما ذكره سيبويه مجزد قياس محتاج للإثبات كما ذكره السيد أيضاً. وقوله: (نثرت (بنون وثاء مثلثة وراء مهملة من النثر ضد النظم

والمراد لم تركب أصلاً. قوله: (وناهيك إلبئ) ناهيك بمعنى حسبك، ويكفيك تقول هذا رجل ناهيك من رجل وتأويله أنه بجده وغنائه ينهاك عن تطلب غيره، وهذه امرأة ناهيتك من امرأة تذكر وتؤنث وتثنى وتجمع لأنه اسم فاعل فإذا قلت نهيك أو نهاك لم تثن، ولم تجمع لأنه مصدر في الأصل، وهو مستعمل في المدح لأنه لغاية كفايته كأنه ينهاه عن طلب غيره، وهو كالدليل الآخر هنا، والباء متعلقة به لأنه بمعنى اكتف، وهكذا نقل سماعه عن الثقات قال ابن الأنباري: رحمه الله في الزاهر قولهم ناهيك بفلان معناه كافيك به من تولهم قد نهى الرجل باللحم، وأنهى إذا اكتفى به وشبع اهـ. فلا حاجة لما في بعض الحواشي من أنها زائدة أو متعلقة به نظراً لمآل المعنى، وقيل إنها زائدة في المبتدأ وناهيك خبر مقدم له وربما توهم عكسه، وهو فاسد معنى وصناعة، وفيه نظر، وقيل إنها متعلقة بالتمسك أي ناهيك التمسك بتسوية سيبويه، وأنت في غنية عنه بما مرّ، وتسويته هو قوله في بالب العلم وباب الترخيم لو رخمت تأبط شرّاً من الأسماء لرخمت رجلأ مسمى بقول عنترة:. يا دار عبلة بالجواء تكلمي اهـ وهو أظهر من أن يذكر. قوله:) والمسمى هو مجموع السورة إلخ (جواب عن أنه يؤدّي إلى اتحاد الاسم، والمسمى قال العلامة: ليست هذه التسمية تصير الاسم والمسمى واحد لأنها تسمية مؤلف بمفرد، والمؤلف غير المفرد ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف مؤلفا منه ومن حرفين مضمومين إليه نحو صاد يعني أنهما متغايران ذاتا، وصفة فلا يلزم من تسمية المؤلف بالمفرد اتحاد الاسم، والمسمى كما لا يلزم ذلك من عكسها في أسماء الحروف، وما ذكر من الشبهة مندفع لأن مغايرة الكل لجزئه لا تستلزم مغايرته لكل جزء منه حتى يلزم المحذور فسقط ما قيل من أنّ الجواب المذكور لا يرد لزوم تسمي الشيء باسم نفسه لأن لهذا الجزء حظاً في المسمى بالاسم، ولو مقرونا بسائر الأجزاء. قوله:) وهو مقدّم من حيث ذاته إلخ) جواب عن شبهة الدور الذي أوردوه، ودفع فساده لإفساد وجود الكل بدون الجزء، وان استلزمه يعني أنّ ذات الجزء متقدمة على ذات الكل، وأمّا ذات الاسم فلا يجب تأخره عن ذات المسمى بل ربما كان جر اً كما في الفواطح فيتقتمه، وربما انعكس الحال فيجب تأخره عن المسمى كما في أسماء الحروف، وإذا لم يكن الاسم جزءاً من المسمى، ولا كلاً له لم يوصف بالتقدم، ولا بالتأخر بأحد الاعتبارين المذكورين نعم وصف الاسمية متأخر عن ذات المسمى لا يقال وقوع الفواتح أجزاء للسور من حيث أنها أسماء لها فإذا كانت الاسمية متأخرة لزم تأخر الجزء أيضا لأنا نقول اللازم على*ذهلد الئقدير تأخر وصف الجزئية عن ذات الكل، ولا استحالة فيه كما حققه خاتمة المدققين فسقط ما قيل من أنّ هذا " الجواب مدخول لأنه إنما وقع جزءا من حيث أنه اسم للسورة على ما هو المفروض فالأولى أن يجاب بمنع لزوم تأخر الاسم عن المسمى بحسب الوجود العيني كما سمعته، وجعله اسما يتوقف على تصوّر الكل لا على تحققه ألا تراك تسمي ولدك قبل أن يولد، وجعله جزءا عند التحقق لا عند التصوّر، وما قيل من أنّ تسمية من سيولد ليست بتسمية حقيقية بل تعليق لها أي إذا ولد كان هذا اسما له. رذ بقوله تعالى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] فالبعدية باعتبار الإتيان، والرسالة، والتسمية، ولا يجوز صرف القرآن عن ظاهره بلا موجب، ونظائره كثيرة كيف، وتصوّر الموضوع- له بتشخصه عند الوضع ليس بشرط بل يكفي تصوّر، بوجه مّا على ما مرّ بيانه. قوله: (فلا دور) بطلان الدور واستحالته على ما قزروه، لأنه يستلزم تقدم الشيء على نفسه، وهو ضرورفي الاستحالة على ما بين، وبرهن عليه في الكلام، وهنا لما قال أنّ الاسم مؤخبر عن المسمى، والمسمى- هو الكل، وما تأخر عن الكل تأخر عن جميع أجزائه ضرورة، فإذا كان الاسم جزءا لزم تأخر الاسم عنه، فيلزم تأخره عن نفسه، وتأخر الشيء عن نفسه مستلزم لتقدّمه على نفسه، وهو ظاهر البطلان، وحاصل جوابه أنّ الجزء مقدّم من حيث ذاته مؤخر من حيث وصفه، وهو الاسمية فانفك الدور باختلاف الجهة والشيء الواحد يجوز أن يتقدم من جهة، ويتأخر من أخرى (ومما يتعجب منه هنا) ما قيل من أنّ المحذور المذكور لزوم تأخر الجزء عن الكل حال كونه جزءا متقدما على الكل لا لزوم الدور حتى يحتاج إلى دفعه باختلاف الجهة فلعله أراد أنّ لزوم تأخر الجزء عن الكل على تقدير اسمية الجزء لا يخلو عن

لزوم الدور فإن اسمية الجزء للكل موقوفة على وجود الكل، ووجود الكل موقوف على وجود الأجزاء، ومن جملتها الجبزء الذي هو اسم الكل، وهذا دور لأنه توقف الشيء على ما يتوقف عليه فحاصل الجواب ط أن توقف الجزء على الكل إنما هو في وصف الاسمية فيتأخر عن الكل وضعا، وتوقف الكل إنما هو على ذات الجزء لا على وصف اسميته فيتقدم على الكل ذاتا فلا دور. قوله: (والوجه الأؤل أقرب إلخ) يعني به الوجهين الأوّلين لأنهما عنده وجه واحد كما مرّ لاتحادهما بحسب المراد والفال كما مرّ، وصاحب الكشاف جعل كلاً منهما وجهاً على حدته، وله وجه، وكونه أقرب إلى التحقيق لظهوره، وعدم التجوّز فيه، وسلامته مما يرد على غيره، ولأنّ كونها أسماء الحروف المقطعة محقق لا محالة بخلاف غير.، وقيل المراد تحقيق إعجاز القرآن لأنّ الدلالة فيه على التحدي بالقصد الأوّلي بخلاف غيره، وقوله وأوفق للطائف التنزيل لدلالته على الإعجاز قصداً، وعداه باللام، وفي بعضها بلطائف معدّى بالباء، وكل منهما صحيح، وأورد عليه أنّ كل ما ذكر من النكات على الوجه الأوّل ينافي العلمية أيضا، وأجيب بأنّ الانتقال إلى اللطائف على كونها تعدادا للحروف أسرع إذ على تقدير كونها أسماء للسور يتوجه الذهن ابتداء إلى مسماها فربما غفل عن تلك اللطائف لوجوب التوجه إلى المسمى ابتداء، وليس ذلك موجودا على الأوّل لأنّ احتمال الغفلة عنها منتف هناك إذ لا تحصل بدونها فائدة الخطاب فتأمّل. قوله: (وأسلم من لزوم التقل إلخ (الذي هو الأصل لا سيما في ألفاظ القرآن، وكلمة من هنا للتعليل، ومن التفضيلية مقدّرة، والمعنى أسلم من الوجه الآخر لأجل لزوم النقل في الثاني وليست صلة والاً يلزم سلامة الوجه الثاني أيضا كما أشار إليه بعض الفضلاء فسقط ما قيل من أنه كان الظاهر أن يقول سالم لأنه يقتضي أنّ في الأوّل نقلاَ، وليس كذلك، وكون من غير تفضيلية ظاهر، وأمّا كونها تعليلية فلا حاجة إليه إذ الظاهر أنها صلة لأن سلم يتعدّى بمن فيقال سلم من العيوب، وإذا بنى أفعل مما يتعدّى بمن قد تذكر صلته وتترك من التفضيلية كما وقع في الحديث أقربهما منه لأنّ قرب يتعدى بمن أيضا فتأمّله، وقوله وقوع معطوف على لزوم، وقوله من واضع واحد إشارة إلى أنّ الاشتراك مع تعدد الواضعلا محذور فيه، والاشتراك واقع في بعضها كالم، وهو مناف لمقصود العلمية، وهو التمييز، ثم إنّ الألفاظ وتلك اللطائف، وان وجدت في العلمية لكنها بطريق التبع لا بالقصد الأوّل كما في مختاره فلا ينافي قوله في العلمية سميت بها إشعاراً إلخ، وأمّا كونه مذهب سيبويه، وغيره من المتقدّمين فما صدر عنهم ليس نجص فيه لاحتمال أنهم أرادوا أنها جارية مجراها كما يقولون قرأت بانت سعاد ورويت قفا نبك، وقرأت {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وإنما نعني ما أوّله واستهلاله ذلك فلما غلب جريانها على الألسنة صارت بمنزلة الاعلام الغالبة فذكرت في باب العلم وأثبت لها أحكامه. قوله: (وقيل إنها أسماء القرآن إلخ) هذا معطوف على ما عطف عليه قيل الأوّل والمراد بالقرآن مجموعه لا القدر المشترك لاتحاد الاسم فيه، والمسمى بحيث لا يدفع ولا ضير في تعذد الاسم لأنه يدلّ على شرف المسمى، وهذا أخرجه ابن جرير عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد عن تتادة، ولذا قيل إنه أرجح مما اختاره المصنف رحمه الله فإنه لم ينقل عن أحد من السلف. وقوله: (ولذلك أخبر عنها إلخ (لأنّ المتبادر منهما إرادة الجميع، وأنه عين المبتدأ وان احتمل خلافه والإخبار بالكتاب ظاهر كما في قوله: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: ا] ونحوه، وأمّا القرآن فقيل إنه عطف تفسيريّ، وفيل إنه إشارة إلى قوله: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ} [النمل: ا] أو إلى ما في قوله: {الر الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر: ا] وفيه نظر لأنه لم يخبر بالقرآن صريحا كما في الكتاب، وإنما جعلت من آياته في الأوّل، وفي الثاني عطف على ما أضيف إليه الخبر لا على الخبر. قوله: (وقيل إنها أسماء الله إلخ (أخرجه ابن جرير، وإبن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما بسند صحيح فالمعنى هنا يا الم، وما بعده مستأنف، وقوله: (وبدل عليه أن علياً رضي الثه عتة إلخ (أخرجه ابن ماجه في تفسيره من طريق نافع بن أبي نعيم القارىء عن فاطمة بنت عليّ بن أبي طالب أنها سمعت علياً رضي الله عنه يقول يا كهيعص اغفر لي، وقوله: (ولعله أراد إلخ) تأويل له بتقدير مضاف فيه إذ لا يظهر له معنى مناسب كسائر أسمائه

وأسماؤه توقيفية، وقيل: إنما المقدر يا عالمهما لاختصاصه بذلك العلم على حقيقته، وقيل إنّ هذا التأويل يرده ويأباه ما ورد في الأحاديث مثل ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: كهيعص قال: معناه يا من يجير ولا يجار عليه فتدبر. قوله: (وقيل الألف إلخ) هذا مع اختصاصه بألم ليس واقعا في محله فهو كالدخول بين العصا ولحائها، وما قيل من أنه تأويل من استغرق في ذكر الله بحيث لا يشغله عن ذكره شاغل حسيّ، أو عقليّ لا يسمن ولا يغني من جوع، وقيل: إنه تتمة لما قبله وهو توجيه لتسميته تعالى به ولا يخفى بعده، ولذا قيل: ليس هذا تعليلاً لأنها أسماء الله متمما لما قبله كما يقتضيه ظاهر الكلام، وسياقه إلا أنه متصل به لقربه، وان كان الإيماء المذكور جاريا فيه وفي غيره، وهو قليل الجدوى. وقوله: (من أقصى الحلق) أي أبعده مما يلي الصدر والمراد بالألف الهمزة، فإنه مخرجها أو الألف اللينة فإنه مخرجها في قول أيضا وقيل: إنها من الجوف أي جوف الفم أو ما يشملهما. قوله: (إنه سر استأثر الله بعلمه) استأثر بالشيء استبد به أو اختص، وهو لازم كما في كتب اللغة وعليه ما هنا في أكثر النسخ وفي الحديث: " من ملك استأثر " وهو مثل أي من قدر آثر نفسه بالدنيا، وأصله أنّ داود عليه الصلاة والسلام، لما أمره الله تبارك وتعالى ببناء بيت المقدس بنى لنفسه بيتاً مثله، فأوحى الله عز وجل له قد أمرتك ببيت لي، فبنيت لنفسك مثله فقاله ووقع في بعض النسخ استأثره الله بعلمه بتعديته للضمير فذهب أرباب الحواشي إلى أنّ حقه أن يتركه لمخالفته للاستعمال وكتب اللغة، وقيل: إنه حمله على خصه، فعداه تعديته والضمير للرسول صلى الله عليه وسلم والياء داخلة على المقصور وقيل: إنه يقال آثره الله بكذا أي أكرمه، وهذا استفعال منه والضمير للرسول صلى الله عليه وسلم أيضا أي أكرمه الله بعلمه دون غيره، وهذا القول ارتضاه كثير من السلف والمحققين وسئل الشعبي رحمه الله عنها فقال: إن لكل كتاب سرّاً وسر القرآن فواتح السور، فدعها وسل عما بدا لك، فهي من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلاً الله. قوله: (وقد روي عن الخلفاء إلخ) فعن الصدّيق رضي الله عنه في كل كتاب سر وسز الله في القرآن أوائل السور، وعن عمر وعثمان رضي الله عنهما الحروف المقطعة من السرّ المكتوم الذي لا يفسر، وعن عليّ رضي الله عنه أيضاً ما هو بمعناه، والحاصل أنه تفسير مأثور عن أكثر السلف فهو أرجحها ولذا اقتصر عليه بعض المفسرين. وقوله: (ولعلهم إلخ (ضمير أرادوا للحلفاء أولهم وللذاهبين إلى هذا القول، وإنما أوّل بما ذكر اقتداء بالإمام وانتصاراً لمذهب الشافعي رضي الله عنه في المتشابه وأن الله والراسخين يعلمونه كما سيأتي تحقيقه في آل عمران والذي اختص الله تعالى به من علم الغيب هو علمه تفصيلاَ ذاتا وزمانا من غير واسطة أصلا فلا ينافيه علم بعض الأولياء والأنبياء عليهم الصلاة والسلام له بواسطة ذلك أو إلهام من الله. وقوله: (إذ يبعد الخطاب إلخ (هو دليل الشافعية في تفسير المتشابه والمخالف فيه يقول لا حاجة إلى هذا التأويل ولا يلزم اللغو والعبث لجواز كون بعض القرآن لا للإفهام بل للتنبيه على اختصاص بعض الأسرار بعلمه تعالى على أنّ فيه فائدة، وهي الثواب في تلاوته وابتلاء الراسخين بمنعهم عن التفكر فيما يوصلهم إلى مبلغهم من العلم كما يبتلى الجهلة بتحصيله، ولكل وجهة فتأمل. قوله: (فإن جعلتها إلخ) شروع في بيان إعرابها بعدما بين معانيها واستوفى الأقوال المشهورة منها وما لها وعليها، وحظها في الوجوه الثلاثة ظاهر لأنها أسماء منقولة من مفرد أو مركب وإعرابها بالوجوه الثلاثة، فالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي الله أو القرآن أو السور الم، أو على الابتداء وتقدير ما ذكر مؤخراً وهذا إن لم يكن بعدها ما يصلح للحمل عليها نحو (الم الله) و {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 1] فإن كان جاز عدم التقدير كما فصلوه. وقوله على الابتداء أو الخبر والخبر مصدر بمعنى الخبرية لعطفه على الابتداء الصريح في المصدرية أو الابتداء مؤول بالمبتدأ كضرب الأمير بمعنى مضروبه. قوله: (أو النصب بتقدير فعل القسم إلخ) فالنصب بفعل القسم المقدر بعد حذف حرفه، وإيصاله للمقسم به نحو الله لأفعلن كما قالوا استغفر الله ذنبا، لكن في القسم لا يحذف حرفه إلا مع حذف الفعل، فلا يقال حلفت الله في فصيح الكلام وظاهر تقديم المصنف رحمه الله النصب ترجيحه على الجز، لأنه يضعف عند بعض النحاة حذف حرف الجرّ

وإبقاء عمله من غير عوض عنه وان لم يضمر القسم أضمر اذكر ونحوه مما يناسب المقام فقوله: أو غيره بالجرّ معطوف على فعل القسم، وذكره النصب من غير إيماء لمرجوحيته في بعض المواضع مخالف لما في الكشاف فإنه زيفه لعدم استقامته في {ن وَالْقَلَمِ} [القلم: 1] و {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 1] لاستكراه أئمة العربية له لما فيه من اجتماع قسمين على مقسم واحد، ولا يجوز كون الواو عاطفة للمخالفة في الإعراب، ولذا جاز على تقدير الجرّ فيه، وقيل: لا مخالفة بينهما فإنّ مبنى وكلام المصنف رحمه الله على التوزيع والتفصيل دون التعميم فتجري كلها فيما يصح فيه وبعضها فيما يصح فيه البعض دون البعض إذ لم يدع جريان جميع الوجوه في كل واحدة منها حتى يمتنع حمل كلامه على ما ذكر، فإن قلت كيف منعوا أو استكرهوا توارد قسمين على مقسم عليه واحد من غير عطف لأحد القسمين على الآخر،، فلم يقولوا والله والرسول لأفعلن كذا- مع أن القسم مقوّ ومؤكد للجواب ولا مانع من ورود تأكيدين بل تأكيدات بغير عطف على مؤكد واحد نحو قام القوم كلهم أجمعون أكتعون، وأيضاً إذا اجتمع القسم والشرط على جواب واحد يجعل ذلك الجواب لأحدهما لفظاً ومعنى، وللآخر معنى فقط من غير استكراه أصلاً، فلم لا يجوزون ذلك هنا من غير استكراه، وما السرّ فيه قلت: - قد- صرحوا بأنه المسموع من العرب ووجهه، كما قاله السيد السند تبعاً للسراج قصور العبارة عما قصد من التشريك في المقسم عليه لإيهامه أن كل قسم يقتضي جوابا برأسه، وقيل: إنه لو جعل الواو للقسم كان كل واحد قسماً مستقلاَ بقصد يقتضي ارتباط الجواب به ارتباط الجزاء بالشرط، فينتقل من كلام إلى آخر قبل تمامه، فإن القسم الأوّل إنما يتمّ بالمقسم عليه، وقد فصل بينهما بالقسم الثاني فاقتضى القياس منعه إلا أنّ الثاني لما توجه لما توجه له الأوّل لم يكن احتياجا من كل الوجوه، فجار على استكراه، ولا يخفى ما فيه، فإنه لا مانع- من جعل أحد القسمين مؤكدا للآخر من غير عطف فيكتفي بجواب واحد، أو يقال: هما لما كانا مؤكدين لشيء واحد وهو الجواب جاز ذلك، فأي وجه للاستكراه إلا أن لما قاله سيبويه والخليل رحمهما الله تلقوه بالقبول، فليس على مستمع هذا الكلام غير تصديق حذام، وكأنّ هذا هو الداعي للمصنف رحمه الله غلى ترك ما في الكشاف فتدبر. قوله: (أو الجرّ الخ) قال في المغني: من الوهم قول كثير من المعربين والمفسرين في فوقح السور أنه يجوز كونها في موضع جرّ بإسقاط حرف القسم، وهذا مردود، فإنّ ذلك مختص عند البصريين باسم الله سبحانه، وبأنه لا أجوبة؟ - " للقسم في سورة البقرة وآل عمران، ويونس، وهود ونحوهن، ولا يصح أن يقال قدر ذلك الكتاب في البقرة و {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 2] في آل عمران جوابا وحذفت اللام من الجملة الاسمية كحذفها في قوله: ورب السموات العلا وبروجها ~ والأرض وما فيها المقدر كائن لأنّ ذلك على قلته مخصوص باستطالة القسم اهـ، ولعمري قد استسمن ذا ورم، وفد وهمهم وهم الواهم وقد ساقه هنا بعضهم ظنا منه أنه وارد غير مندفع، وهو كلام واه فإنّ إتباع البصريين ليس بفرض، فكفى لصحة ما ذكر كونه على مذهب الكوفيين، وأمّا اعتراضه الثاني بأنه ليس في تلك السور أجوبة، فجوابه ظاهر لأنه كثيراً ما يستغني عن الجواب بما يدل عليه كمتعلقه في قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} [النازعات: 6] أي ليبعثن وهنا المقسم عليه مضمون ما بعده، فهو قرينة قريبة وقد صرح بهذا في التسهيل وشروحه، وأمّا حديث الاستطالة، وهو حذف اللام الجوابية لطول القسم كقول بعض العرب أقسم بمن بعث النبيين مبشرين ومنذرين، وختمهم بالمرسل رحمة للعالمين هو سيدهم أجمعين فهو إلخ جواب حذفت لامه لما ذكر، فليس بلازم بل هو الأغلب كما صرّح به ابن مالك رحمه الله وإن قال أبو حيان في شرح التسهيل: لم يذكر أصحابنا لاستغناء عن اللام وعن إنّ في الجملة الاسمية، فينبغي أن يحمل على الندور بحيث لا يقاس عليه، ولم يخص المصنف رحمه الله الإضمار بالباء، كما في الكشاف حتى يحتاج إلى الاعتذار له بأصالتها في القسم وكثرة استعمالها فيه دون الواو والتاء، وأخر هذا الوجه لما فيه مما سمعته، وعبر بالإضمار دون الحذف، لأنهم فرقوا بينهما بأنّ الإضمار الحذف مع بقاء الأثر لأنه يشعر بوجود مقدّر له، والحذف أعم منه، وقد يستعمل كل

منهما بمعنى الآخر كما يعلم بالاستقراء. قوله: (ويتأتى الإعراب إلخ) أي يجوز من غير محذور ويتسهل قال في المصباح: وتأتى له الأمر تسهل وتهيأ، وتأتى في أمره ترنق، وهو قريب منه، ولما بين الإعراب فيها تممه ببيان كونه لفظاً أو محلاً فقال: إنه في المفرد والمركب الذي على وزن المفردات كحم بزنة قابيل يكون ملفوظا أو محكيا بأن يسكن حكاية لحاله قبله ويقدر إعرابه، وما خالفهما نحو كهيعص يحكي لا غير لأنه ليس مفرداً ولا بزنته. وقوله: (والحكاية) هي أن يجيء باللفظ بعد نقله على صورته الأولى، وقد تبع المصنف رحمه الله الزمخشريّ فيما ذكره، وأورد عليه أنّ الحكاية في الاعلام إنما تجري في الجمل كتأبط شرا الرعاية صورها المنبئة عن أسباب نقلها إلى العلمية وفي الألفاظ التي وقعت إعلاماً لأنفسها، كقولك ضرب فعل ماض لحفظ المجانسة مع المسمى والإشعار بأنها لم تنقل عن أصلها بالكلية، وأمّا في غيرهما، فلا وجه للحكاية سواء كان مفرداً أو مركباً إضافياً أو مزجياً، ألا ترى ضرب إذا سميت به مجرّدا عن الضمير لم يحك، وما نحن فيه من هذا القبيل، فيتعين فيه الإعراب لا الحكاية والنوع الأوّل لا يمكن فيه الإعراب، فوجب أن يحكي ضرورة ولا ضرورة في الثاني. وأجيب بأنّ أسماء الحروف كثر استعمالها مقدرة ساكنة الإعجاز موقوفة حتى صارت هذه الحالة كأنها أصل فيها، وما عداها عارض لها، فلما جعلت أسماء للسور جازت حكايتها على تلك الهيئة الراسخة فيها تنبيهاً على أنّ فيها شبهاً من ملاحظة الأصل لأنّ مسمياتها مركبة من مدلولاتها الأصلية أعني الحروف المبسوطة، والمقصود من التسمية بها الألفاظ وقرع العصا، فتجويز الحكاية مخصوص بهذه الأسماء إعلاماً للسور، فلو سمى رجل بصاد، أو بسورة الفاتحة لم تجز الحكاية، وكذا غاق علماً معرب لا محكيّ على بنائه، وأمّا غاق حكاية صوت الغراب فقد أريد به لفظه فلذا حكي بناؤه. (أقول (هذا ما حققه قدس سرّه، وهو زبدة ما في شروح الكشاف، والذي في الكشاف برمّته من كتاب سيبويه حرفاً بحرف، ولا غبار عليه، وما اتفقوا عليه من أنّ الحكاية تختص بالاعلام المنقولة كدرّاج وبالألفاظ التي جعلت أسماء لأنفسها نحو من حرف جرّ غير متجه لمخالفته لما صرّح به في باب الحكاية كما في التسهيل وغيره، فإنهم أطبقوا على أنّ المفردات تحكى بعد من وأيّ الاستفهاميتين كما تقول لمن قال: رأيت زيداً من زيداً وبدونهما أيضا كقولهم دعنا من تمرتان، فكيف يختص هذا باسم السور، ويعلل بما ذكر وأنت إذا راجعت الكتاب وشروحه اتضح لك ما قلناه، فلا تكن من الغافلين. قوله: (والحكاية ليس إلخ) في نسخة ليست أي ما لم يكن مفرداً، ولا موازيا لمفرد ليس فيه غير الحكاية لما كان عليه ولا يعرب نحو كهيعص لأنه موقوف على تركيبه وجعله اسما واحدا، وهو فيما فوق الاسمين خروج عن قانون العرب ولا خفاء في امتناع إعراب عذة كلمات بإعراب واحد قيل: الحكاية مبتدأ خبره ما بعده أي الحكاية ليس يتأتى إلا هي فيما عدا ذلك. وقوله: (فيما عدا ذلك) أي ما يجاوز المفرد، وما وازنه وزاد عليه، وهو خبر ليس والأولى تقديم الخبر لأنه من تتمة الصفة، وقد منع كثير قصر الصفة قبل تمامها وأراد بالموصوف الحكاية، وبالصفة الكون فيما عدا ذلك، وبالقصر أن لا يتصف بهذا، لكون غيرها، وهذا صريح في أنّ ضمير ليس لا يرجع إلى الحكاية بل إلى يتأتى، وكلام المصنف صريح في رجوع الضمير إلى الحكاية، وكون فيما عدا خبر ليس غير ظاهر بل هو ظرف للحصر والتقدير الحكاية ليست الحالة المتأتية إلا إياها فيما عدا المفرد، وموازنه كما يقال في جاء زيد ليس إلا المعنى ليس الجائي إلا زيدا فالمعنى ليس المتأتي إلا إياها، فحذف المستثنى لفهم المعنى، وقد جوزه النحاة بشرط كون أداة الاستثناء إلأ، أو غير وتقدم النفي بليس وأجازه بعضهم مع لا يكون وتفسيره بفقط بيان لحاصل المعنى. قوله: (وإن أبقيتها على معانيها إلخ) عطف على قوله: فإن جعلتها أسماء، وأبقيتها بالألف بمعنى جعلتها باقية وفي نسخة وبقيتها بدونها مشددة القاف، وفيه مخالفة لما في الكشاف من قوله: ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصوّر أن يكون لها محل من الإعراب، فردّه بأنها إنما تكون كذلك إذا كانت مسرودة على نمط التعديد فإنها لا تعرب لعدم المقتضى، والعامل كما في قولنا دار غلام جارية، وهذا لا يستلزم نفي محلية الإعراب عند إبقائها على معانيها مطلقاً إلا أن ما ذكره الزمخشريّ بناء على الظاهر قبل

التأويل. وقوله: (فإن قدرت إلخ) إشارة إلى التأويل الذي صارت به مبتدأ أو خبراً. وقوله على ما مرّ إشارة إلى قوله سابقاً، والمعنى هذا المتحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف، أو المؤلف منها، ومن هنا تبين المراد به ثمة، فان قلت: موجب كون هذه الأسامي معرضة للإعراب لعدم مناسبتها مبنى الأصل أن يكون إعرابها لفظياً لا محليا قلت: إذا أوّلت بما ذكر كانت واقعة في التركيب معرضة لما ذكر إلا أنه لما تعذر فيها الإعراب اللفظيّ. لاشتغال آخرها بالسكون المحكيّ قدر إعرابها لأنّ الحكاية تستلزم إبقاء صورته الأولى. قوله: (وإن جعلتها مقسماً بها إلخ) إشارة إلى ما قدّمه من جعل الحروف، المبسوطة مقسماً بها لشرفها من حيث أنها بسائط أسماء الله ومادّة خطابه. وقوله علىء الالغتين ة لعد حذف حرف الجرّ وتقدير. فإنّ فيه لغتين النصب والجر. وقوله: (تكون كل كلمة منها منصوبة أو مجرورة) وفي نسخة منصوبا أو مجروراً والظاهر أنّ المحل لمجموع الاسم لا لأجزائه، 1. لذا قيل إنّ المراد بالكلمة ما وقع في افتتاح كل سورة دمالاً فمجموع المذكورة مقسم به لأزا 4 تعدد القسم على مقسم عليه واحد مستكره كما مرّ، وامّا أنّ المجموع استحق إعرابا وكل- فىء منه صالح له فيقدر الإعراب في كل جزء نحو جاؤوا ثلاثة ثلاهلة حيث أجرى إعراب الحالى " 3 على كل منهما والحال واحدة بتأويل مفصلاً بهذا التفصيل، فتكلف بعيد لا يرتكب من غير داع هو ثمة موجود لظهور إعرابه على أجزائه، وقيل الرفع بالابتداء أيضا جائز على تقدير القسب ها بأن يقدر ألم قسمي كما ذكروه في لعمرك لأفعلن ورد بما صرح به الرضى وغيره من أن هذا الى " ررير مخصوص بما إذا كان المبتدأ صريحا في القسمية ومتعينا لها. (بقي ههنا) أنّ جعل بعض الفواتح منصوبة نحو {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [. . . .:. . . .] مع جرّ ما عطف عليه مستلزم لمخالفة المعطوف للمعطوف عليه أو لاجتماع قسمين علرلأ مقسم عليه واحد ولذا قيل إنه مقيد بما إذا لم يمنع منه مانع كأحد هذين المحذورين " ءحينئذ يتعين الجرّ ولا يأباه تفسير كل كلمة بما مز فتدبر. قوله: (وإن جعلتها أبعاض كلمات إلخ) الأبعاض جمع بعض، والمراد به الحروف المقتصر عليها، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما والمناقشة في هذا بأنه يجوز أن يكون لها محل بتنزيلها منزلة ما هي أبعاض له واهية جدّاً، وإن ذهب إليه صاحب الدرّ المصون وقال: إنه يجري عليها إعراب كلها، كالأسماء المرخمة نعم في التعليل قصور، لأنها ليست أبعاضا حقيقية حتى يقال: إنّ أبعاض الكد أت لا يتصوّر أن تعرب لأنها أسماء أبعاض فلا يتمّ ما ذكر ألا ترى أنّ قاف في قلت لها قاف " لها محل لأنها مفعول القول والمراد بكونها أصواتا كونها مزيدة للفصل ونحوه لمشابهتها لاسماء الأصوات وترك قول أبي العالية أو أدخله في الأصوات، فإنّ بعض أرباب الحواشي قال: إنه يدخل فيها ستة وجوه الأوّلان، وهما الألفاظ وكونها أسماء، وما قاله قطرب وأبو العالية وما حكاه بقيل من أن الألف من أقصى الحلق إلخ وما روي عن الخلفاء وان كان الظاهر- لأفه، والجمل المبتدآت هي المستأنفة التي لا محل لها من الإعراب، والمفردات المعدودة هي االمسرودة على نمط التعديد، ولا إعراب لها أيضاً لفظا ومحلاً وأورد مثالين ليطابق الممثل له من الفواتح، فإنّ بعضها مركب كالجمل وبعضها مفرد، وقد أشرنا إلى أنّ تفصيل المصنف رحمه الله مخالف لما في الكشاف من قوله ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل في مذهبه. (فائدة) قال ابن القيم في بدائع الفوائد: ألم مشتملة على الهمزة من أوّل المخارج من لحروف اعتمادا على اللسان، والميم من آخر الحروف لبداية والوسط والنهاية، وكل سورة افتتحت بها، فهي لمبدأ والمعاد وعلى الوسط من التشريع والأوامر فتأملها وتأمل الحروف المفردة فإن سورها مبنية عليها نحو ق إذ ذكر فيها القرآن والخلق، وتكرير القول ومراجعته والقرب وتلقي الملك قول العبد السائق والقرين والإلقاء في جهنم والتقدم بالوعيد وذكر المتقين والقلب والقرون والتنقيب والقيل، وتشقيق الأرض، وإلقاء الرواسي، عيد، ومعانيها مناسبة لشدة القاف، وجهرها وعلوها وانفتاحها وص ذكر فيها الخصومات مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

والاختصام عند داود صلّى الله عليه وسلّم، فإذا تأملت علمت أنه يليق بكل سورة ما بدئت به وهو سرّ من الأسرار البديعة اهـ. قوله: (ويوقف عليها وقف التمام إلخ) التمام بفتح التاء وميمين هذا هو الصحيح الموافق حدة فإن صحت، فالمعنى كوقف الكلام التامّ والوقف قطع من أهل الأداء إلى كامل وتام وحسن وناقص، وهو الذي رسموه قبيحا لأنه إما أن يتم الكلام عنده أم لا، والثاني الناقص نحو بسم ورب والأوّل إما أن يستغني عن تاليه أم لا، والثاني إما أن يتعلق به من جهة المعنى، فالكافي أو من جهة اللفظ، فالحسن والأول إما أن يكون استغناؤه استغناء كلياً أو لا، فالأوّل الكامل كأواخر السور والمفلحون في أول البقرة، والثاني التام كنستعين، وأحوال الوقف القرآني مفردة بالتاليف، وهي معلومة عند أهلها. قوله: (إذا قدرت بحيث لا تحتاج إلى ما بعدها) في الكشاف يوقف على جميعها وقف التمام إذا حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ونعق بها كما ينعق بالأصوات، أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله عز قائلا: {الم اللهُ} [عمران: 1] ، أي هذه ألم ثم ابتدأ فقال {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} اهـ فأشار إلى شرطي الوقف التام وهما كون الموقوف عليه غير محتاج لما بعده، وكون ما بعده أيضا مستقلا بنفسه غير مرتبط بما أصلاً والمصنف رحمه الله أخل بالشرط الثاني، فورد عليه أنه يصدق على الوقف على ألم إذا قدر قبله مبتدأ له خبران أحدهما ألم والثاني الله، وعنه احترز الزمخشري بقوله جعلت وحدها اخبار ابتداء محذوف مع أنّ الوقف حينئذ ليس بتام لفقد أحد شرطيه، والزمخشري أشار بالتمثيل إلى اعتبار الأمرين معا والمصنف رحمه الله لم يذكره فورد عليه ما ورد، وقول بعضهم: تركه اعتماداً على ما أشار إليه من الأمثلة المستقل ما بعدها بقوله إذا قدرت لا يخفى بعده، وكذا ما قيل: من أنّ مراد المصنف رحمه الله من الاحتياج التعلق بينهما بوجه مّا. قوله: (وليس شيء منها آية) هذا هو الصحيح كما في مصاعد النظر للبقاعي فما نقل عن المرشد من أنّ الفواتح في السور كلها آيات عند الكوفيين من غير تفرقة، وكذا ما في الكشف عن بعض الحواشي من أن ألم في آل عمران ليست بآية لا يعارض النقل الصحيح. قوله: (وهذا توقيف لا مجال للقياس فيه) في الكشاف هذا أي عد الآيات القرآنية علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور اهـ (أقول) أمّا عدد الآيات ففيه مذاهب خمسة مدنيّ ومكيّ وكوفيّ، وبصرفي وشاميّ، فالمدنيّ رواه شيبة المدنيئ مولى أمّ سلمة عنها، ويزيد بن القعقاع المدنيّ، والمكيّ رواه ابن كثير وغيره من أهل مكة عن أبيئ وابن عباس رضي الله عنهم، والكوفي عن حمزة بن حبيب الزيات مسنداً إلى عليّ رضي الله عنه، والبصريّ عن المعلى بن عيسى عن عاصم والشاميّ عن ابن ذكوان وابن عامر ومن ثمة اعترض الكوراني في كشف الأسرار بأنّ التوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوجد في الآيات إذ لو كان كذلك لم يقع فيها اختلاف وليس كذلك لاتفاق أهل الأداء على نقل هذه المذاهب، وقد نقل ابن الصائغ في حواشي الكشاف عن شيخه الجعبريّ ما يقرب منه والجواب عنه ما في مصاعد النظر من أنّ موجب اختلافهم في هذا التوقيف كالقراءة قال أبو عمرو: وهذه الأعداد وان كانت موقوفة على هؤلاء الأئمة، فإن لها لا شك مادّة تتصل بها وإن لم نعلمها إذ كل واحد منهم لقي غير واحد من الصحابة وسمع منه، أو لقي من لقي الصحابة مع أنهم لم يكونوا أهل رأي واخترع بل أهل تمسك واتباع، وقال السخاوي رحمه الله: لو كان ذلك راجعاً إلى الرأي لعذ الكوفيون) الر " آية كما عدوا " ألم " ومثله كثير، وأمّا السور فقالوا إنّ عددها علم توقيفاً من رسول الله صلّى الله عليه وسلم على ما روى أبيئ رضي الله عنه ما كنا نعلم آخر السورة إلا إذا قال عليه الصلاة والسلام: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ") 1 (. وأمّا ترتيبها الذي في مصاحفنا، وهو الذي في المصحف العثمانيّ المنقول من مصحف الصديق المنقول مما كتب بين يدي النبيّ عليه الصلاة والسلام وعليه القراء فهو توقيفي أيضا إلا أنه أورد عليه ما في صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت يركع

بها، ثم افتتح سورة النساء، ققرأها ثم افتغ آل عمران فقرأها (1) إلخ فإنه كما قال القاضي عياض وحمه الله: يدل لما قيل من أنّ ترتيب السور وقع باجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف لا من النبيّ صلى الله عليه وسلم بل وكله لأمته بعده، وهو قول مالك رحمه الله وجمهور العلماء، وقال أبو بكر الباقلاني: هو أصح القولين مع احتمالهما، فليس بواجب في الكتابة والقراءة في الصلاة وغيرها، ومن قال بأنه توقيفيّ يؤوّل ذلك على أنه كان قبل التوقيف في العرضة الأخيرة، ولا خلاف في أنّ ترتيب آيات كل سورة على ما هو عليه الآن توقيفيّ كما فصله في شرح طيبة النثر. قوله: (ذلك إشارة إلخ الما لم تصح الإشارة إلى لفعل ألم على بعض الوجوه بين حينئذ أنه اسم للسورة أو ما يؤوّل بالمؤلف على الوجهين الأوّلين أو القرآن ولا يتأتى على بقية الاحتمالات السابقة المذكورة لعدم صحة الحمل والوصف الذي هو في معناه، وذلك في قول المصنف ذلك إشارة فيه إبهام ولطف ظاهر، وقيل: إنه يحتمل أن يراد به نفسه، وأن يراد به الإشارة إلى ما في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: ا] ولا يخفى أنه يحتاج حينئذ إلى تكلف في اعتبار البعد، وهو بريء من التكلف. قوله: (أو فسر بالسورة إلخ) الكتاب كالقرآن يطلق على المجموع وعلى القدر الشاثع بين الكل والجزء، وهو معنى حقيقيّ لغويّ إذ الكتاب بمعنى مطلق المكتوب فيصح إطلاقه على السورة بلا تكلف، فإذا كان تعريفه للعهد الحضوري أي هذا المقدار الحاضر منه تمّ المراد، فما قيل من أنّ السورة حينئذ يراد بها جميع القرآن مع مخالفته لما عليه اكثر من تفسيرها بالسورة يأباه كل ذوق سليم وكذا كون الكتاب اسم الكل تجوز به عن البعض منه، فإنه تعسف مستغنى عنه. قوله: (فإنه لما تكلاً به وتقضى إلخ) اختلف النحاة فيما وضعله اسم الإشارة فقيل: منها ما وضع للقريب ومنها ما وضح للمتوسط، ومنها ما وضع للبعيد وقيل إنما هي على قسمين بعيد وقريب دون توسط، وكلام المصنف رحمه الله تعالى محتمل للمذهبين ولما كانت الإشارة هنا لألم، وقد ذكر آنفاً فليس ببعيد تبادر الذمن للسؤال عنه، فبينه بوجهين أردفهما الزمخشريّ بثالث هو من تتمة الثاني كما ستراه قريباً، فالأوّل أنّ ذلك لتقضي ذكره، والمتقضي كالمتباعد والإشارة إليه بما يشار به إليه مشهور جار في كل كلام، ولذا قيل: ما أبعد ما مض، وما قد ناتا وفي المثل أبعد من أمس فهو لكونه متقضياً معداً للعدم في حكم البعيد لا بعيد عن الوجود كما قيل، وليس المراد أنه لفظ من قبيل الأعراض السيالة الغير القارّة فكل ما وجد منه اضمحل، وتلاشى وصار صتقضيا غائبا عن الحس وما هو كذلك في حكم البعيد كما توهمه بعضهم، فإن هذا ناشىء من عدم فهم المراد، وسيأتي توضيحه وأنه لا يختص بالألفاظ بل يجري فيها، وفي المعاني والأجسام القارّة ألا ترى تمثيل العلامة لهذا بقوله تعالى: {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] فافهم ترشد والثاني أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حذ البعد كما تقول لصاحبك، وقد أعطيته شيئا احتفظ بذلك وهذا أمر مطرد في العرف أيضا واعترض عليه بأنه قبل الوصول إلى المرسل إليه كان كذلك. وأجيب بأنّ المتكلم إذا ألف كلاماً ليلقيه إلى غيره فربما لاحظ في تركيبه وصوله إليه وبنى كلامه عليه، وقيل: لم يرد بالمرسل إليه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بل من وصل إليه حال إيجاده بمنزلة السامع لكلامك كملك الوحي، وردّ بأنه مخالف لما يفهم من العبارة، وأيضا إن أراد باللفظ الذي وصل للسامع لفظ ألم، فذلك ليس إشارة إليه وان أراد لفظ جميع السور أو المنزل فقبل أن يصل إليه الجميع كان ذلك على حاله كذا قال قدس سرّه تبعا للفاضل المحقق، ثم قال: ذكر بعضهم إنّ السؤال مخصوص بكون ألم اسما للسورة، وهو عام ويؤيده قوله أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل ونحوه، ويمكن أن يقال لما كان مجموع المنزل مرموزا إليه غر مصرح به كالسورة نزل لذلك منزلة البعيد أيضاً، ثم إنّ اسم الإشارة موضوع للمشار - إليه إشارة حسية، ولا يستعمل كي غيره إلا بتنزيله منزلته كما قال السكاكيّ المشار إليه باسم الإشارة امّا مدرك بالبصر أو منزل منزلته، فذلك إن كان إشارة إلى ألم فمدلوله سواء كان اسما للسورة، أو رمزاً لجملة المنزل ليس مبصرا بل منزل منزلته، فإن نظر إلى ابتداء نزوله كان كمعنى حاضر يجعل كالمشاهد لذكره، وفي حكم ألبعيد لزوال ذكره وتقضيه، وان نظر إلى أنه لم ينزل كلتمامه

كان كتائب ضمير يجعل كالمشاهد البعيد لما ذكر، وجاز أن تعلل مثاهدته بالذكر وبعده بتقدير وصوله إلى المرسل إليه ووقوعه في حال البعد، وقد توهم بعضهم أنّ المشار إليه إذا كان مذكورا مع اسم الإشارة صفة له لم يلزم أن يكون محسوساً فضلاَ عن أن يكون مشاهدا فلا حاجة لتأويله، وليس بشيء لأنّ المعتبر هنا الإشارة الحسية التي لا تتصوّر في غير مشاهد، فغيره منزل منبزلته فإنّ كل غائب عينا أو معنى إذا ذكر يشار إليه بالقريب نظرا لذكره، وبالبعيد لتقضيه نحو بالله الغالب الطالب في ذلك أو وهذا قسم عظيم لأفعلن كذا، والأغلب أن يؤتى بالقريب اهـ. (أقول) : ما في الكشاف، وكلام المصنف مأخوذ من أئمة العربية وتحقيقه كما نقله أبو حيان في شرح قوله في التسهيل: قد يتعاقب صيغة البعيد والقريب مثارا بهما إلى ما ولياه كقوله تعالى في: قصة عيسى عليه الصلاة والسلام {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} [آل عمرأن: 58] ثم قال {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 62] وله نظائر في الكتاب الكريم ونقله الجرجاني وطائفة من النحويين وأنشدوا تأمّل حقاً إنني أنا ذلكا. وقال السهيلي: إنه باطل لأنّ الشاعر إنما أراد ذلك الذي كنت تحدث عنه، وتسمع به هو أنا، والذي حداهم إليه قوله تعالى {ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: ا] فإنّ معناه هذا الكتاب ألا تراه قال في آية أخرى، وهذا كتاب أنزلناه فهذا وذلك فيه بمعنى، وليس كذلك لأنّ الإشارة في هدّه الآية إلى ما حصل بحضرتنا وانفصل عن حضرة الربوبية بالتنزيل، فصار مكتوبا مقروءا، فالمعنى ذلك الكتاب الذي عندك يا محمد والمتكلم يقول هذا لما عنده وذلك لما عند المخاطب أو غيره، وقوله: ألم بحروف التهجي التي تقطع بها الحروف، وتكتب حرفا حرفا، والكتابة والتلفظ إنما هو في حقنا وإذا لم تذكر هذه الحروف قيل هذا كتاب أنزلناه، لأنه عنده سبحانه على ما هو عليه حقيقة، وعندنا هو متلوّ مكتوب كما يليق به، فاقتضته البلاغة والإعجاز فصلاً بين المقامين وتفرقة بين الإشارتين اهـ. (أ-دول) هذا معنى بديع ونظر لطيف رفيع علم منه معنى الوجهين المذكورين هنا أمّ الأوّل فقد مرّ ما يكفيك مؤنة بيانه، والمراد من الثاني أنّ من أعطى غيره شيئا أو أوصله إليه، ثم ذكره فإن ى ن عنده، أو لاحظ كونه عنده عبر بهذه لأنه في حضرة القرب منه، فإذا أوصله لغيره أو لاحظ وصوله له عبر بذلك لأنه بانفصاله عنه بعيد، أو في حكمه كما قيل: كل ما ليس في يديك بعيد. وليس هذا هو البعد والقرب الرتبي كما يوهمه كلام الشرّاح هنا، ولما لم يتفطن له بعض أرباب الحوإشي صرح به لظنه أنه اهتدى له ومن لم يهد الله فما له من هاد، وقول المعترض: إنه كان قبل الوصول كذلك مبنيّ عليه، فالاعتراض وجوابه ليس بشيء وتخصيصه بالألفاظ لا يطابق قول العلامة، كما تقول لصاحبك، وقد أعطيته شيئا: احتفظ بذلك. وكون المراد بالمرسل إليه ليس هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا مرية في صحته لمن تحقق ما حكيناه عن النحاة آنفا وكونه مخالفا لما يفهم من العبارة دعوى قام الدليل على خلافها. وقوله وأيضاً إلخ كلام فارغ لا حاصل له، وقد قيل عليه إنه إن أراد أنّ ألم ليس بمشار إليه مطلقا، فممنوع، وان أراد من حيث لفظه فمسلم، لكن المدعي أنه مشار إليه من حيث كونه رمزا للمؤلف من الحروف، وما قيل: من أنّ رجوعه له من هذه الحيثية رجوع لمسماه فيرد عليه ما يرد عليه لا يخفى ما فيه، وأمّا ردّه على الفاضل، فغير وارد لما في شرحه للمفتاج من أن وضع أسماء الإشارة للإشارة إلى محسوس وان كان استعمالها في غيره أكثر من أن يحصر وإذا شاع مثله وقارنه الوصف الدال على المشار إليه تقوى بذلك حتى صح أن يقال إن مثله حقيقة في عرت التخاطب، وله شواهد " لولا خوف الإطالة أوردناها والعجب منه أنه أنكر هذا أشد إنكار، ورجح ما هنا على ما في المفتاح بأنه صار حقيقة فيه فما الفرق بين اللفظ المتقدم والمتأخر، ثم إنّ صاحب المفتاح ومن تبعه من أهل المعاني ذهبوا إلى أنّ نكتة الإشارة هنا تعظيم المشار إليه بالبعد تنزيلاً لبعد درجته، ورفعة محله منزلة بعد المسافة، وقد يقصد به تعظيم المشير كقول الأمير لبعض حاضريه ذلك قال: كذا ولم يذكروا ما في الكشاف لظنهم أنه مصحح لا مرجح، كما ذهب إليه بعضهم، فلا مخالفة بين المسلكين وكلام المطوّل يميل له، وأمّا كونه محصل الوجه الثاني لأنه بعد رتبي مآله التعظيم فتعسف ياباه النظر السديد، فالحق أنّ المصحح هنا كونه محسوساً أو منزلاً

منزلته والمرجح تقضي لفظه وتقدّمه ملاصقاً له أو وصوله من المرسل، وقد قالوا: إنّ ما في الكشاف أرجح لأنه أشهر في العرف، وأجدى في المراد، حتى ادعوا انه صار حقيقة وقد سمعت قول الإمام السهيلي رحمه الله أنه مقتضى المقام والإعجاز. وقوله بالله الطالب الغالب وقع كذا من النحاة والفقهاء، وقد قيل عليه إنّ إطلاق الغالب على الله قد ورد في القرآن في قوله تعالى {غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف: 21] وأمّا الطالب فلم يسمع إلا في حديث ضعيف قاله السيوطي رحمه الله تعالى، وهذه مشاحة في المثال. قوله: (وتذكيره متى أريد إلخ) جواب عن سؤال مقدر، وهو إذا كانت ألم اسم السورة فلم لم يؤنث وأمّا كون ألم علماً لمنزل مخصوص ولا تانيث في لفظه فحقه أن يشار إليه بمذكر واطلاق السورة لا يقتضي تأنيثه إلا إذا عبر به عته كما إذا عبر عن زيد بالتسمية، فقد أجيب عنه بأنه لما اشتهر التعبير عن ذلك المنزل بالسورة، واستمرّ ذلك حتى صار كأن حقه أن يعبر عنه بها، فيقال سورة البقرة مثلاَ، وقصد بوضع العلم تمييزه عن سائر السور كان اعتبار كونه سورة ملحوظا في وضعه له، وكان قوله ألم في قوّة قوله هذه السورة، فحقه أن يؤنث بخلاف إعلام الأماكن والقبائل التي يعبر عنها تارة بألفاظ مذكرة، واخرى بالفاظ مؤنثة ولم يستمرّ فيها شيء منهما فإنه يجوز تذكيرها وتانيثها، فكون مسماه لا يعرف إلا بلفظ مؤنث يقتضي أنه مؤنث سماعيّ، وسيأتثي تحقيقه في سورة آل عمران، فما قيل من أنه لا حاجة لتوجيه التذكير لأنّ الإشارة إمّا للفظ ألم أو لمسماه، وليس واحد منهما بمؤنث غنيّ عن الجواب، وما قيل عليه: من أنه لا وجه لاعتبار الكتاب صفة، وجعل ذلك إشارة إليه إلا أن يحمل الكتاب على المعنى اللغوي أي المكتوب، واللام على الجنس، فإن جعلت للعهد لا يظهر هذا، وأنه يبعد تذكير العائد إلى المذكور بلفظ مؤنث خاص به بمجرّد أنه يجوز التعبير عته بلفظ مذكر غير خاص به مع أنّ الكلام في ابتداء النزول قبل الاشتهار، اللهمّ إلا أن يلاحظ حال الانتهاء كما مرّ نظيره، ليس بوارد عليه لأنّ وصف الإشارة بمذكر هو عينه لتبيينه به لا محذور فيه، كما إذا قلت مكة ذلك المكان الذي شرّفه الله، وليس هذا كتذكير الضمير حتى يرد عليه ما سيأتي عن ابن الحاجب رحمه الله، وما قيل: من أنّ كلام المصنف رحمه الله يدلّ على أنه إذا لم يرد به السورة بل المؤلف، أو المتحدى به لم يحتج تذكيره لتاويل ردّ بأنّ ما ذكر لا يصلح وحد. لأن يكون مسمى السورة لصدقه على الجميع وما قيل من أنّ لفظ تذكير في قوله لتذكير الكتاب فيه لطف لإيهامه إرادة الموعظة بعيد عن السياق جدّاً. قوله: (فإنه صفته إلخ الا ياباه كونه جامدا لأنه جائز في اسم الإشارة كما ذكر النحاة، وقيل: إنه عطف بيان وعلى هذا ذلك الكتاب خبر (ألم) وإذا كان خبرا، فالجملة خبره واسم الإشارة سادّ مسد العائد وهذا إشارة إلى ما قاله ابن الحاجب في الإيضاح: من أنّ كل لفظتين وضعتا لمعنى واحد واحدهما مؤنثة والأخرى مذكرة، وتوسطهما ضمير، أو ما يجري مجراه كاسم الإشارة، لأنه يوضمع موضع الضمير كما صرح به النحاة جاز تأنيثه، وتذكيره واعتبار الخبر أولى لأنه محط الفائدة، وأمّا الاستشهاد له بمن كانت أمّك فغير مسقم لأنه لا يتعين رجوع الضمير لأمّك لاحتمال رجوعه لمن باعتبار معناه، ولذا تركه المصنف رحمه الله وقد قيل إنّ القاعدة المتقولة عن ابن الحاجب إنما هي في الخبر، ولم يذكرها النحاة في الصفة، فكأنهم قاسوها عليه، لكن تعليل ابن الحاجب يقتضي الفرق بين الصفة والخبر. وأجيب بأنّ قولهم الأوصاف قبل العلم بها اخبار تصريح بذلك مع أنّ المثبت مقدم على النافي. وقال الزمخشريّ: إذا جعل الكتاب صفة، فاسم الإشارة إنما يشار به إلى الجنس الواقع صفة له، والذي هو هو صفة الخبر أي عينه ويعلم منه حال الصفة بالمقايسة عليه. قوله: (أو إلى الكتاب الخ) فتكون صفته، وهي الكتاب هي المشار إليه حقيقة لا ما قبله لأنّ اسم الإشارة مبهم إلذات وإنما يتغير ذاته ويرتفع إبهامه بالإشارة الحسية أو بالصفة ولذا التزم في نعته أن يكون معرفا بأل أو موصولاً لأنه بمعناه، وأوجبوا فيه المطابقة وعدم الفصل، وظاهر كلام الزمخشريّ أنّ تعريفه للجنس كما مرّ. وقيل: إنه إشارة إلى الكتاب الحاضر، فاللام للعهد الحضوري وقال ابن عصفور كل لام واقعة بعد اسم الإشارة، او أيّ في النداء، أو إذا الفجائية فهي للعهد الحضوري

فالكتاب مثار إليه صريحا لا ضمناً كما في الوجه الأول فوجب أن يطابقه في تذكيره، وان كان بمعنى المؤنث، وأمّا أنّ السورة مسماة بالكتاب، فجاز أن تذكر الإشارة إليها لذلك مع قطع النظر عن الخبر، فهو وجه آخر توهم بعضهم إنّ قول الزمخشريّ صريحاً إشارة إليه، كما قال قدس سرّه والإشارة إلى الصفة لا غير والمصنف رحمه الله جوّز أن يشار إليه، والى ألم فتدبر. قوله: (والمراد به الكتاب إلخ) ظاهر. أنه على هذا أعني الوصفية الكتاب هو الموعود وتعريفه للعهد الخارجي وهو مخالف لما في الكشاف فإنه جعله وجهاً مستقلاً فقال: وقيل: معناه ذلك الكتاب الذي وعدوا به، وقال شراحه: إنه جواب آخر بأنه ليس إشارة إلى ألم بل إلى الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أو بقوله {سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] لتقدم نزوله، لكن قيل: الأنسب على هذا وعد به، ولما لم يكن هذا الجواب مختارا أخر. وان اقتضى ترتيب البحث تقديمه بأن يقال ليس ذلك إشارة إلى ألم وان حمل عليه فهو في حكم البعيد لجعل بعد ذكره في العدة بمنزلة بعده نفسه، وقيل: جعل كالمحسوس بناء على صدق الوعد والموعود إذا حمل على ما في التوراة والإنجيل، وهو القرآن فلا يصح حينئذ أن يكون ذلك الكتاب خبرا لا لم، لكونه جزأه لا هو إلا أن يراد بألم القرآن كله أو يجعل موعوداً في ضمن كله، أو يجعل مبالغة كانت الرجل علماً، وإذا حمل على الموعود الآخر صح، وفيه نظر، لأنّ الموعود هو النبيّ عليه الصلاة والسلام لا الأنبياء السابقون، وإنما هم مبشرون أو واعدون لتبليغهم الوعد فالجمع على كل حال للنبيّ عليه الصلاة والسلام وأمّته ثم إنّ كلام المصنف رحمه الله مخالف للكشاف، لأنه جعل الوعد توجيهاً للبعد والمصنف رحمه الله جعله توجيها للتذكير، ولم يخصه بالوصفية والمصنف خصه، ولا يخفى أنّ مسلك العلامة أظهر، فلا وجه للعدول عنه. قوله: (وهو مصدر إلخ) فهو كالخطاب سمي به المكتوب كالضرب بمعنى المضروب جعل لكمال تعلقه به كأنه عينه للمبالغة قال الراغب: الكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة يقال: كتبت السقاء وفي المتعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض، والأصل في الكتابة النظم بالخط، وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ لكن قد يستعار كل واحد للآخر، ولذا سمي كتاب الله وإن لم يكن كتابا والكتاب في الأصل مصدر ثم سمي المكتوب كتاباً، والمكتوب فيه كالكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيها اهـ، وهو مأخذ المصنف رحمه الله وحاصله أنّ أصل حقيقته في اللغة مطلق الضم، ثم خصى بفرد منه وهو ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط، وصار حقيقة فيه لغة أيضاً، ثم شاع في عرف اللغة إطلاقه على الخط والصحيفة المكتوب فيها، فلا يسمى قبل الكتابة كتابا وليس هذا مجازاً من إطلاق الحال على المحل فمن نقل عن الراغب ما اعتوض به على المصنف رحمه الله لم يصب. قوله: (وقيل فعال بمعنى المفعول إلخ) هو على هذا التقدير وما قبله بمعنى المكتوب خطا إلا أنه على الأوّل مجاز وعلى هذا حقيقة، ثم عبر به عن المنظوم عبارة قبل أن تنضم حروفه التي يتألف منها في الخط تسمية له بما يؤول إليه مع المناسبة، والانضمام الاجتماع لانضمام الحروف لفظا أو خطاً، ولا وجه لما قيل من أنه فيهما مجاز غير أنّ التجوّز في الأوّل في الإسناد وفي الثاني في تفسير الكلمة. وقوله: (وأصل الكتب الجمع) بيان للعلاقة بين الكتاب والعبارة في ضمن بيان ما وضع له أو لا، والأصل له معان في اللغة فيكون بمعنى ما يبني عليه غيره، وبمعنى المحتاج إليه كما في المحصول، وبمعنى ما يستند تحقق الشيء إليه كما في المنتهى، وما منه الشيء ومنشؤه، والمراد هنا الأخير وله في الاصطلاح أيضا معان الدليل والراجح والقاعدة الكلية والصورة المقيس عليها وقوله ومنه الكتيبة هي الجيش، أو جماعة الخيل المغيرة من مائة لألف، وفصله بقوله منه على عادة أهل اللغة في بيان ما يؤخذ من الأصل لمناسبة معنوية وان لم تكن ظاهرة. واعلم أنه على خبرية الكتاب معناه أنّ ذلك هو الكتاب الكامل كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص وهو المستأهل لأن يسمى كتاباً كقوله: هم القوم كل القوم يا أمّ خالد لإفادة هذا التركيب الحصر لأنه لا عهد فلامه جنسية ووصف بالكامل تنبيها على أنّ المقصود من حصر الجنس حصر الكمال، وإلا لم يصح إلى آخر ما فصل في الكشاف وشروحه

والمصنف رحمه الله لم يتعرّض له لما فيه من الخفاء والإبهام، وقوله: بمعنى المفعول ظاهر، وفي بعض النسخ بني للمفعول، وهو إن صح فبنى معناه صيغ لبيان معنى المفعول، وهو أحد معاني البناء المارة. وقوله: (ثم أطلق على الننظوم إلخ) ولم ينظر حينئذ إلى أنه حروف مجموعة وأصله الجمع مطلقا لأنه أصل مهجور هنا فلا يقال إنه مضيّ إلى المجاز بلا ضرورة كما توفم. قوله: (معناه أنه لوضوحه إلخ (جواب عن أنه كيف نفى الريب استغراقا مع كثرة المرتابين والريب، أي هو لوضوح شأنه، ونير برهانه لا يرتاب فيه ذو نظر صحيح فتعين أنه وحي معجز وما سواه بمنزلة العدم لا يعتد به، ولا بارتيابه فمعنى نفيه عنه أنه ليس محلاً له، ولا مظنة عند العاقل المنصف ولذا قيل إنه لنفي اللياقة، والسطوع ظهور النار والنور، وارتفاعهما استعير لغاية الظهور وقوله بحيث خبر أن وما بينهما اعتراض، وحد الإعجاز له معنياه نهايته ومرتبته والإضافة بيانية أي النهاية التي هي الإعجاز، أو مرتبة هي الإعجاز، وسيأتي تنويره في تفسير قوله تعالى {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82] وقد قيل عليه: إن بلوغه حذ الإعجاز هو برهانه الساطع، فالأولى أن يقتصر على كونه وحيا، ولا يذكر قوله بالغا حد الإعجاز، وقيل السطوع إجمال والبلوغ المذكور تفصيل له، والإجمال لا يغني عن التفصيل، على انّ قوله بالغاً إلخ من تتمة بيان محل الارتياب المنفي بعد النظر الصحيح وتلخيصه أنّ ظهور برهانه بحسب نفس الأمر يوجب نفي الارتياب بعد النظر الصحيح في كونه بالغا حذ الإعجاز، فهذا كالعلة لعدم الارتياب في كونه وحياً، فليس في الكلام ما يستغنى عنه حتى يقال: إن الأولى تركه والأحسن أن يقال: إنّ قوله لوضوحه أي لظهور أحواله المخصوصة به علة لكونه وحيا وسطوع برهانه أي كونه في القوّة والنور المبين غير خفيّ علة لبلوغه حد الإعجاز، ففيه لف ونشر. قوله: (لا أنّ أحداً لا يرتاب فيه إلخ) عطف على معناه أي المعنى هذا لا هذا، وقوله: ألا ترى بتاء الخطاب تأييد للنفي وعبر بما ذكر للدلالة على أنه لغاية وضوحه كالمحسوس الذي يرى وبعض الطلبة يقرؤه بالياء التحتية المضمومة تأدبا، والرواية بخلافه أو عدل عن قوله في الكشاف ما نفى أن أحداً لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب، ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة، وسطوع البرهان، بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه إلخ. فغير العبارة وقدم وأخر إشارة إلى ما فيه مما لا يرتضيه لأنه كما اتفق عليه شراحه كان الظاهر أن يترك لا من قوله إنّ أحدا لا يرتاب إلخ لثلا يفسد المعنى لأنّ نفي نفي الريب إثبات له، وقد وجه بما لم يصف من الكدر فقيل: لا زإئدة وليس بشيء، وقيل: في نفي ضمير مستتر راجع للريب بقرينة السؤال وقيل: إن قبل أنّ حرف جرّ مفدّر، لأنها مفتوحة رواية ودراية، فكسرها توهم فارغ وتقديره ما نفى الريب بأنّ أحدا، أو لأنّ أحداً، أو على معنى أنّ أحداً لا يرتاب فيه، وردّ بأنّ المنفي حينئذ العلة، والتفسير فلا يقابله قوله وإنما المنفي إلخ. فالواجب أن يقال: وإنما نفي لعلة، أو على معنى آخر، وفيه نظر والأحسن ما قاله المحقق من أنّ في الكلام نقصا نوّه عنه لما أشار إليه بعض الفضلاء من أنّ المقابلة نظرا لمآل المعنى، ومحصله أو هو وارد على خلاف مقتضى الظاهر مثلاً بل المعنى ومثله أكثر من أن يحصر، وقيل: معناه ليست القضية الماتي بها سالبة هي هذه فالنفي بمعنى الإتيان بالخبر سالباً لا بمعنى الإعدام، فتصح المقابلة لا أنّ الكلام في استعمال النفي بهذا المعنى مع أنّ الحكم بزيادة لا أقل تكلفا منه كما قال قدس سرّه: والظاهر أنّ النفي بهذا المعنى في كلام المصنف، وعرف التخاطب غير عزيز، وما ذكره من المقابلة غير مسلم، فإنّ المنفي في قوله: إنما المنفي ليس بذلك المعنى، فلا تصح المقابلة ظاهرا والتكلف في تصحيح الأوّلين أقل من التكلف في هذا، ثم قال قدس سرّه: وفي مبالغته في الحصر بقوله وإنما إلخ إشارة إلى أنه ليس المنفي ههنا إلا كون القرآن محلاً صالحا في نفسه لتعلق الريب به، ومظنة له بل هو لوضوج الدلالة وسطوع البرهان على كونه حقا منزلاً من عند الله بحيث لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه، وهذا معنى صحيح لا يقدح في صدقه ارتياب جميع الناس فضلاً عن ارتياب بعضهم "، وفي اختيار إنما إشعار بأنّ كون المنفي ما ذكره أمر مكشوف، كما تقول بعد تلخيص مسئلة على وجه صواب هذا مما لا شك، ولا شبهة فيه مع تردّد المخاطب فيها تريد أنها يقينية لا يليق بأحد أن يشك فيها

وتقول لمن ينكر أمراً لا إنكار فيه أي ليس هو محلاً للإنكار وخليقا به هذا زبدة ما حققه السيد السند وفيه مؤاخذات مفصلة في حواشي المطول لا حاجة لإيرادها هنا، والحق كما قاله بعض الفضلاء أنّ في عبارة الكشاف تعسفا على سائر الوجوه فلذا عدل عنها المصنف رحمه الله، فلفه دره. قوله: ( {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة: 23] ) قيل: إنّ مراد المصنف أنّ وجود الريب وان تحقق إلا أنه منزل منزلة العدم لأنه لا يصدر عن عاقل تدبره، وما يصدر عن غيره لا عبرة به، فكأنه غير موجود رأسا فنفيه عنه نفي لكونه محلاَ له، ومظنة لثبوته والدليل على أنه أراد هذا تأييده ما مرّ بقوله ألا ترى إلخ، فليس حاصل جوابه تخصيصا لنفي الريب، كما توهم بل يثير إلى ما نقل هنا عن بعض الفضلاء من أنّ ما في الكشاف معناه ليس القرآن مظنة للريب، ولا ينبغي أن يرتاب فيه، فقيل عليه: إنه مثنة لريب المرتابين ومع تحقق المئنة كيف يصح نفي المظنة وقول المصنف لا يرتاب العاقل بعد النظر الصحيح تخصيص لنفي الريب العام، ولو صح هذا ما أشكل على أحد، وقد استشكله مهرة المفسرين، فالأصح أنّ معنى ما في الكشاف أنّ الريب بمعنى جنسه منفي على عمومه، وإن كان المتقي في الحقيقة استحقاق الريب ولياقته به لا هو نفسه، وليس المراد تقدير الاستحقاق فيه، ولا أنّ المنفي وجوده بل تعلقه بالقرآن تعلق الوقوع من غير نظر إلى تعلقه بالمرتاب فضلاَ عن أن يكون المنفي هو التعلق الثاني، وذلك أنّ الارتياب له نسبة إلى الطرفين، وكل ما هو كذلك يجوز أن يكون مناط إيجابه، وسلبه تعلقه بأحد الطرفين ليس إلا كما بين في محله، فإن قلت إنهم قالوا قراءة لا ريب بالفتح نص في الاستغراق لأنّ نفي الجنس مستلزم له قطعا، فكيف يتأتى ادّعاء التخصيص قلت: هذا غير مسلم لما قاله بعض المدققين: من أن الموجبة الجزئية والسالبة الجزئية لا يتناقضان، فيجوز أن ينتفي الجنس في ضمن فرد ويثبت في ضمن فرد آخر، إلا أن يقال المفهوم بحسب العرف من نفي الجنس بلا تقييد نفيه بالكلية، وأيضا لا يظهر الكلام على رأي من جعل اسم الجنس موضوعا بازاء فرد، ومن ههنا تبين لك أنه لا فرق بين كلام الشيخين لمن كان صادق النظر. قوله: (فإنه ما أبعد عنهم الريب إلخ) أي لم يجعل الريب بعيداً عنهم فما نافية لا تعجبية وقد أورد عليه أنّ قوله ما أبعد إلخ لا يناسب ما قبله بل المناسب له أن يقول إنّ إن الشرطية هنا بمعنى إذا إلا أنه قصد توبيخهم على الإرتياب، فصوّر بصورة ما لا يثبت إلا على سبيل الفرض والتردد لوجود ما يقلعه من أصله، أو على من لم يقطع بارتيابه على المرتابين وأيضاً إنّ ظاهر قوله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} [البقرة: 23] الآية لا يفيد القطع بوجود الريب فلا يلائم قوله: لا أن أحداً لا يرتاب إلخ ليحصل التأييد، فالمناسب أن يؤيد بقوله: {مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى} [سبأ: 43] ونحوه وأجيب بأنّ القطع بوجود الريب كما أنه ينافي القطع بانتفائه كذلك تجويز الريب ينافي القطع بانتفائه واختيار هذه الآية لوجود لفظ الريب فيها وليس بشيء لمن تدبر السياق، لأنّ المصنف رحمه الله قصد بما ذكر. تنوير أمرين أحدهما إنّ معناه نفي ارتياب العاقل بعد النظر الصحيح. والثاني عدم إرادة نفي الإرتياب مطلقاً بقوله ما أبعد الريب إلخ أي جوّزه بكلمة الشك وان كان تجويزه لا يستلزم نفي إبعاده لجواز أن يجوز أمر بعيد لأنه إنما يتأتى إذا كانت كلمة الشك على حقيقتها، وليس كذلك فإنه عبر هنا بصورة الشك عن ريب محقق قطعاً إشعاراً بأنه ليس في محله لسطوع برهانه، وبقوله بل عرفهم الطريق المزيح إلخ فإنه يفيد نفي الارتياب بعد الإزاحة، فظهر أن لا ريب نفي لجنس الريب، رآلمراد منه نفي الريب الخاص، كما مرّ للعلم بوجود جنس الريب بدليل العقل والنقل، وتعيين هذا المعنى المجازي بسطوع البرهان، فلا وجه لما تكلف من البيان. قوله: (عرّفهم الطريق المزيح الخ) المزيح بضم الميم وكسر الزاي المعجمة والياء المثناة التحتية، ثم حاء مهملة كالمزيل لفظاً ومعنى وضمير له للريب وهو للطريق، لأنه يذكر ويؤنث أو للمزيج، لأنه ففسر له، والاجتهاد في الأمر أن يأتي به على أبلغ ما في وسعه وطاقته، ومنه الاجتهاد في الأمور الشرعية، والنجم المقدار عنه الذي يحصل به التحدي، والنجوم المقادير المفرقة والقرآن نزل نجوما، ونجم عليه الك ين نجعله نجوماً أي مقادير معينة يقال: نجمت المال إذا وزعته، كأنك فرضت أن تدفع إليه عند طلوع كل نجم نصيبا، - ثم صار

متعارفا في تقدير دفعه بأي شيء قدرت ذلك كما قاله الراغب والجهد بالضمّ الطاقة وما يقدرون عليه. وقوله: (أن ليس فيه مجال للشبهة) هذا ناظر لقوله لا يرتاب العاقل بعد النظر الصحيح، وأصل المجال محل الجولان، وهو الحركة في الجوانب، وهو كناية عن نفي الشبهة على أبلغ وجه كما يقال لا محل له. قوله: (وقيل معناه إلخ) هذا معطوف على معناه السابق، وهو جواب آخر عن السؤال السابق في توجيه نفي الريب والمرتابين كما مرّ، وعلى هذا فيه صفة لاسم لا وللمتقين خبر لا، ومرّضه المصنف رحمه الله الما قيل عليه من أنّ المعروف في الظرف الواقع بعد لا أن يكون خبراً لا صفة، والمناسب لمقام المدح نفي الريب مطلقا مع أنه ينبو عن وصل المتقين بالذين إذ المعنى حينئذ لا شك في حقيته للمتقين المصدقين بحقيته، ولا يخفى ما فيه، والظاهر توجه النفي إلى القيد حينئذ فيختل المعنى إذ يلزمه وجود الريب إذا لم يكن هاديا مع تنافي القيد، والمقيد ظاهراً وما قيل: من أنه قيد للنفي لا للمنفي حتى لا يرد ما مرّ لا يدفعه، لأنه إثبات لما هو منشأ الإشكال، ونفي لما لم- يصدر عن صاحب هذا المقال، فإن أريد الرذ على غيره، فلا مشاحة ولا جدال. (أقول) ما توهمه من أنّ منشأ الإشكال كونه قيدا للنفي ليس بصحيح إنما منشؤه أنه إذا لم يكن هديا اقتضى ثبوت الريب فيه للمتقين، وهو فاسد لأنّ المتقي لا يرتاب أصلاً، ولذا قيل إنّ الحال على هذا الأزمة، فلا يبقى للإشكال مجال، وأمّا جعله قيدا للنفي، كما في قوله تعالى: {فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} [الطور: 29] وقوله ونجي التلخيص لم أبالغ في اختصاره تقريبا فهو مستقيم لكنه لا يدفع الإشكال، وكونه لا يقول به صاحب هذا المقال دعوى غير مسموعة نعم تمريض المصنف له ظاهر لعدم املاءمته للسياق، وقلة جدواه، فإنّ المتقي لا يتصوّر منه الريب حتى ينفي. قوله: (وهدي حال من الضمير المجرور) نفي الراجع على القرآن والمصدر يقع حالاً مبالغة بجعله عين الهدي أو مؤوّلاً بالتأويل المشهور. وقوله: (والعامل فيه) أي في الحال، لأنها تذكر وتؤثث والمراد بالظرف لفظ فيه لأنّ الظرف يطلق على أسماء الظروف نحو عند وحيث، وعلى الجارّ والمجرور لا سيما وفي الجارّة هنا ظرفية وفيه تسامح لأنه أراد بالظرف متعلقه وهو حاصل أو استقرّ، لأنه هو الصفة والعامل حقيقة في الضمير محلاً فلا يرد عليه أنّ العامل في الحال، وهو متعلق الظرف غير العامل في ذيها، وهو في الجارّة حتى يقال إنه على رأي من لم يثترط إتحاد عاملهما قيل: وهذا هو السرّ في إطناب المصنف هنا بقوله والعامل إلخ وأما تعلق فيه بريب، فردّ بأنه يكون مطوّلا، فيتعين نصبه على اللغة الفصيحة، وإن وجه بأن المراد أنه معمول لما دلّ عليه الريب لا له نفسه كما في الدرّ المصون. قوله: (والريب في الأصل) أي هذا معناه في أصل اللغة ثم استعمل في الشك والكذب والتهمة، وهو مصدر أيضا لكنه بحسب أصل اللغة مجاز من استعمال المسبب في السبب كما أيثحار إليه بقوله: لأنه يقلق قال أبو زيد: يقال رابني من فلان أمر إذا كنت مستيقنا منه بالريب، فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن منه بالريب قلت: أرابني من فلان أمر هو فيه إرابة وقد أبان الفرق بين راب وأراب بشار في قوله: أخوك الذي إن ربته قال إنما ~ أراب وان عاتبته لان جانبه والارتياب يجري مجرى الإرابة كما قاله الراغب. وقوله. حصل بتشديد الصاد المهملة من التحصيل، والريبة بكسر الراء، وقلق النفس أصله عدم السكون والقرار كتقلب المريض على فراشه، والإضطراب بمعناه لأنه افتعال من الضرب ويقابله الإطمئنان، ثم عمّ الحركات الحسية والمعنوية. قوله: (سمي به الشك إلخ (ظاهر قوله سمي أنه حقيقة في معنى الشك ويشهد له ظاهر كلام الأساس وغبره من كتب اللغة إلا أن سياقه. وقوله. (لأنه يقلق إلخ (يأباه، ولذا قال: أرباب الحواشي إنّ المصنف رحمه الله أراد أنه عدل به عن معناه المصدري واستعمل في معنى الشك مجازا بعلاقة السببية بذكر المسبب وإرادة السبب، ولو أريد معناه الأصلي لقيل لا ريب له فسمي هنا بمعنى استعمل وهو كثيراً ما يستعمل بهذا المعنى، وان كان الأكثر أنه بمعنى وضع الاسم العلم أو مطلق الوضع، وقيل عليه: إن القرآن لا يتوهم أن يكون رائباً حتى يقال: لا ريب له بل لو كان مصدراً كان الواجب لا ريب فيه، وهو على كل حال مصدر لأنه تجوّز في فعله أيضاً، وهذا من عدم

الوقوف على مراده فإنّ مراده بالمصدر المصدر الحقيقي أي القلق، وهو يتعدّى باللام يقال قلق له وان تعدى الشك بقي، وفيه إشارة إلى أنه مجاز في الأصل صار حقيقة في الاستعمال، وعوف اللغة وظاهر. ترادف الشك والريب إلا أنه قيل عليه أنه ليس كذلك لأنّ الريب شك مع تهمة، ولذا قال الإمام: الريب قريب من الشك وفيه زيادة كأنه ظن سيء وقال الراغب الشك وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة، والمرية التردد في المتقابلين، وطلب الإمارة مأخوذ من مري الضرع إذا مسحه للدّرّ، فكأنه يحصل مع الشك تردد في طلب ما يقتضي غلبة الظن، والريب أن يتوهم في الشيء أمر مّا ثم ينكشف عما توهم فيه، وقال الحوي: يقال الشك لما استوى فيه الاعتقادان، أو لم يستويا ولكن لم ينته أحدهما لدرجة الظهور الذي تنبني عليه الأمور، والريب لما لم يبلغ درجة اليقين، وان ظهر نوع ظهور ولذا حسن هنا لا ريب فيه للإشارة إلى أنه لا يحصل فيه ريب فضلاً عن شك، وعلى هذا ينبني ما في كتب الأصول من الفرق بين الشك والظن إلا أنّ المصنفين يفسرون بالأعمّ ونحوه كثيراً من غير مبالاة منهم ومثله تعاريف لفظية مبنية على التسامح. وقوله: (لأنه) أي الشك إشارة للعلاقة والطمأنينة السكون ويقابلها القلق وهو الحركة يقال: اطمأنّ القلب إذا سكن، ولم يقلق والاسم الطمأنينة، وأطمأنّ بالموضع أقام به واتخذه وطنا وقال بعضهم: الأصل في اطمأنّ القلب إذا سكن، ولم يقلق والاسم الطمأنينة، واطمأنّ بالموضع أقام به واتخذه وطنا وقال بعضهم: الأصل في اطمأنّ الألف مثل احمارّ واسوادّ، فهمزوه فرارا من الساكنين وقيل الأصل همزة متقدمة على الميم، فقلب على غير القياس بدليل قولهم طأ من الرجل ظهره إذا حناه، والهمزة يجوز تسهيلها. قوله: (وفي الحديث دع ما يريبك الخ (1)) استشهد به على أنّ الريب له معنى غير الشك، وهو القلق كما مرّ إذ لو اتحدا لكان قوله فإنّ الشك بمنزلة قولك فإنّ الأسد غضنفر، وهو من لغو الحديث وقد قالوا: إنّ هذا الحديث رواه الترمذيّ، والنسائيّ وحسناه، وصححه الحاكم هكذا: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإنّ الصدق طمأنينة والكذب ريبة) 2 (والمعنى دع ذلك إلى ذلك أي استبدله به أو دع ذلك ذاهباً إلى غيره على التقدير أو التضمين. وقوله: (فإق إلخ) معلل، وممهد لما تقدمه. قيل: والمعنى إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه فإنّ نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق، وترتاب في الكذب، فارتيابك في الشيء ينبىء عن كونه باطلأ، فاحذره واطمئنانك إلى الشيء يشعر بكونه حقاً فاستمسك به، وهذا خاص بذوي النفوس القدسية الطاهرة من وسخ الطبائع، فظهر أنّ قوله: فإنّ الشك ريبة لا يستقيم رواية ودراية، وردّ بأنهما ممنوعان أمّا الدراية، فلأنّ الشيخين بيناه بما لا مزيد عليه، وأمّا الرواية فإنّ إحدى الروايتين لا تبطل الأخرى وكان عليه أن يبين الأخرى التي ادّعاها فإنّ مثله لا يقال بالتشهي، وقد صحح الحافظ ابن حجر ما في الكتاب بعينه وقال: إنه رواه الطبرانيّ، وروى البيهقي " فإن الشرّ ريبة والخير طمأنينة " (3 (فاستشهد به كما مرّ على أنّ الريبة غير الشك، والاً لم يفد الكلام وبمقابلتها للطمأنيثة علم أنها موضوعة للقلق، فانطبق الاستشهاد على تمام المدعى ويريبك في الحديث روي بضمّ الياء وفتحها والثاني هو المناسب هنا. (بقي) إنّ الظاهر أنه ليس معنى الحديث ما قاله وتبعه فيه الشرّاح بل معنا. كما قاله المحدثون خذ ما تيقنت حله وحسنه، واترك ما شككت في حله وحسته، كما ورد في الحديث الصحيح " اتقوا الشبهات فإنّ من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " (1) ومما هو صريح في ذلك ما روي أنّ وابصة بن معبد رضي الله عنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " جئت تسال عن البرّ والإثم ". فقال: نعم فجمع أصابعه فضرب بها صدره وقال له: " استفت نفسك يا وابصة ثلاثاً، البرّ مات اطمأنت إليه النفس، واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردّد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) (2) فلا وجه لما زعموه من اختصاصه بالأنفس القدسية فتدبر. قوله: (ومنه ريب الزمان) أي مما نقل من القلق إلى ما هو سببه من الشدائد وفصله بقوله: ومنه والضمير للريب المتجوّز فيه مطلقاً، لأنه ليس بمعنى الشك وإنما شاركه فإنّ أصله القلق فسمي به ما هو سبب له كما قال الهذلي: أمن المنون وريبه تتوجع وقال الرازي: إنّ هذا قد يرجع إلى معنى الشك، لأنّ ما يخاف من الحوادث محتمل، فهو كالمشكوك فيه وكذا ما يختلج بالقلب وفيه نظر، والنوائب جمع نائبة، وهي الحادثة من حوادث

الدهر خيراً كانت أو شرّاً كما في حديث مسلم نوائب الحق وقال لبيد: نوائب من خير وشرّكلاهما شلا الشيم ممدود ولا الشرّ لازب لكن خصت بما يحدث من الشرّ والمصائب وهو المراد هنا وهو المناسب للقلق. قوله: (يهديهم إلى الحق) إشارة إلى أنه مصدر في الأصل، والمراد به هنا الهادي بأحد الوجوه المعروفة في أمثاله وعبر بالمضارع إشارة إلى الاستمرار التجدّدي، فإنه وان كان مما يدلّ عليه غير المضارع إلا أنّ اسم الفاعل والمفعول يدلان على ذلك في الجملة. وقوله: (في الأصل) إشارة إلى أنه هنا ليس المراد به ذلك، كما عرفته، وهذا وزن نادر في المصادر لم يرد منه فيما قيل إلاً الهدي والتقى والسري والبكي بالقصر في لغة، وزاد الشاطبيّ لغي بالضمّ في لغة أيضا، ولذا قال كالسري إلخ إشارة إلى أنه ليس من أوزان المصادر المطردة المشهورة، وما قيل من أنّ كلام سيبويه مضطرب فيه، فمرّة قال: هو عوض من المصدر لأذ فعلاً: لا يكون مصدراً وأخرى يقول هو مصدر هدي يدفع بأنّ مراده أنه اسم مصدر لا مصدر لمخالفته لصيغ المصادر، واسم المصدر مصدر عند اللغويين. قوله:. (ومعناه الدلاله إلخ) اختلف السلف في الهداية فقيل: هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب وقيل هي الدلالة الموصلة إلى المطلوب، ورجح كثير الأوّل ومنهم المصنف، وقيل: مراده الدلالة بلطف بقرينة ما: قدمه في الفاتحة، وإلا كان بين كلاميه مخالفة مّا وليس بشيء، ونسب، الثاني إلى البعض ونقض بقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى} [فصدت: 17] والأوّل منقوض بقوله {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} واحتمال التجوز مشترك وللمناقشة في امتناع حمله على هك االمعنى مجال لإمكان أنّ الهداية فيمن لا يهتدي بمعنى الدلالة على ما يوصل أي أنت لا تتمكن من إراءة الطريق، لكل من أحببت، وإنما نحن نمكنك لمن أردنا كقوله {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] وما قيل / عليه:. من أنه يأباه ما قاله الجمهور من أنها نزلت في أبي طالب وطلب النبيّ صلى الله عليه وسلم إيمانه عند وفاته،، واعراضه لتعيير قريش، وسؤق الاية إذ لا فائدة يعتد بها حينئذ، والهداية بهذا المعنى أي الدلالة واقعة منه بلا خفاء، والكلام في الإيصال ليس بوارد لأنّ المراد تسليته صلى الله عليه وسلم، فكأنه قيل له ليس لك من الأمر شيء فلا تحزن، ويؤيده التمثيل بقوله وماءرمت ولا يتوهم أنّ للمناقشة في امتناع حمل الأية الأولى على المعنى الثاني أيضا مجالاً بأن يقال: معناها أوصلناهم إلى المطلوب فتركوه، فإنه خلاف الواقع وخلاف ما عليه المفسرون ولفظ الاستحباب مناد على خلافه، ووقاءل الفاضل المحقق: إنها تتعدّى بنفسها وبإلى واللام ومعناها على الأوّل الإيصال وعلى غيره إراءة الطريق، ولذا أسند الأوّل لله، والثاني للنبيّ صلى الله عليه وسلم تارة وللقرآن أخرى نحو {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] فيندفع النقض وفيه أنه ينتقض حصر إسناد الفتعدي ينفسه إلى الله بقوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] وحصر المتعذي بالحرف في غيره بقوله: {يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] إلا أن يقال إنه أغلبيّ أو مخصوص بالإثبات كما قيل: ولا يخفى ما فيه. وقال الجلال الدواني: إنّ المذكور في كلام الأشاعرة أنّ المختار عندهم هو القببرل الثاني وعند المعتزلة القول الأوّل، والمشهور هو العكس. وقيل: يمكن التوفيق بينهما بأنّ كلام الأشاعرة في المعنى الشرفي المراد في أغلب استعمالات الشارع، والمشهور مبني على المعنى اللغوي أو العرفي ويخدشه أنّ صاحب الكشاف مع تصلبه في الاعتزال اختارا الثاني هنا مع أن الظاهر في القرآن هو المعنى الشريئ فالأظهر التوفيق بعكس ما ذكر وأما عند أهل الحق فالهداية مشتركة بين المعنيين المذكورين وعدم الإهلاك فيندفع ما مرّ كما ذكره بعض مدققي أهل الكلام وفيه تفاصيل أخرى تركناها خوف الملل. وقوله: (إلى البغية) بالموحدة والمعجمة بمعنى المطلوب، والمقصود ويجوز في بائها الكسر والضمّ قال في المصباح: ولي عند. بغية بالكسر، وهي الحاجة التي تبغيها وضمها لغة. وقيل: بالكسر الهيئة، وبالضمّ الحاجة اهـ. قوله: (لأنه جعل مقابل الضلالة إلخ) هذا شروع في مرجحات الثاني الذي ارتضاه الزمخشريّ، واقتصر عليه والمصنف أخره، ومرّضه مخالفاً له وطوى بعضه لما سيأتي عن قريب وهذا هو الدليل الأوّل على ترجيح الثاني، وحاصله أنه مقابل في القرآن والإستعمال بالضلالة

والضلال، ولا شك أنّ عدم الوصول معتبر في مفهوم الضلال، فلو لم يعتبر الوصول في مفهوم الضلال لم يتقابلا، وأورد عليه أنّ المقابل للضلال هو الهدي اللازم الذي بمعنى الاهتداء مجازا، أو اشتراكا وكلامنا في المتعدي، ومقابله الإضلال، ولا استدلال به إذ ربما يفسر بالدلالة على ما لا يوصل لا بجعله ضالاً أي غير واصل وأجيب بأنه لا فرق بين اللازم والمتعدّي في باب المطاوعة إلا بأنّ الأوّل تأثر، والثاني تأثير فإذا اعتبر الوصول في اللازم كان معتبراً في المتعدي أيضاً وحينئذ يكون الضمير في مقابله راجعا إلى اللازم على طريق الاستخدام، وهو فاسد لأنّ التمسك بالمطاوعة وجه مستقل، فذكر المقابلة حينئذ مستدرك، فإنّ اعتبار الوصول في الاهتداء مستغن عن الدليل كذا قاله قدس سرّه، وقيل: عليه اعتبار عدم الوصول في مفهوم الضلال ليس لكونه فقدان المطلوب بل فقدان طريق من شأنه الإيصال إليه، كما صرّح به الثقات، وفي الإضلال لاراءة ضده، فمقتضاه كون معنى الهداية اللازمة وجدان طريق من شأنه الإيصال، ومعنى الهداية المتعدية الدلالة على ذلك الطريق، ولو سلمناه، فاستعمال الهداية في أحد فرديها بقرينة المقابلة والكلام في مطلقها. وههنا أبحاث: (الأوّل) أنه إذا فسرت بمطلق الدلالة على ما من شأنه الإيصال أوصل أم لا، وفسر الضلال المقابل لها تقابل الإيجاب والسلب بعدم تلك الدلالة المطلقة لزم منه عدم الوصول لأنّ سلب الدلالة المطلقة سلب للدلالة المقيدة بالموصلة إذ سلب الأعمّ يستلزم سلب الأخص كالحيوان، والإنسان، فليس في هذا التقابل ما يرجح الثاني كما لا يخفى، وقوله: فلو لم يعتبر الوصول لم يقع في حيز القبول. (الثاني) أنّ قوله لا فرق بين اللازم والمتعدي في باب المطاوعة مبنيّ على أنّ المعنى المصدري أمر نسبي بين الفاعل والمفعول متحد بالذات مختلف بالاعتبار كالتعليم والتعلم، وهو وأن اشتهر مشكل لأنّ الأوّل صفة قائمة بالأستاذ، والثاني صفة قائمة بالتلميذ فيلزم أمّا قيام الصفة الواحدة بمحلين متغايرين أو اتحاد، وصفين ونسبتين متغايرتين وكلاهما ظاهر الفساد وقد أجاب عنه بعض الفضلاء بأنّ معنى كونهما واحداً أنّ في المتعلم حالة مخصوصة يسمى قبولها تعلماً، وتحصيلها له تعليما ولا استحالة في قيام صفة واحدة بالذات بمحل يكون لمباينة معها تعلق التحصيل والتأثير كما هو الواقع في جميع تاء المطاوعة، ولم يريدوا أنّ النسبتين واحدة لأنهما بالضرورة متغايرتان، ففي كل طرف غير ما في الطرف الآخر، ولكن متعلقهما صفة واحدة قائمة بطرف واحد فلا يرد عليه شيء. (الثالث) إنّ القول بفساد الجواب لاستدراك المقابلة، ولأنّ التمسك بالمطاوعة وجه مستقل مدفوع بأنهما متغايران بالإعتبار، فإنّ مقابلة الضلال المعتبر فيه عدم الوصول تدل على اعتبار الوصول في الهدي أخذاً من مقابله وضده: وبضدها تتبين الأشياء والمطاوعة الدالة على الوصول تدلّ على اعتباره فيه باعتبار أنه لازم له لا ينفك عنه، فالفرق مثل الصبح ظاهر. قوله: (ولأنه لا يقال مهديّ إلخ) وفي الكشاف: ويقال: مهديّ في موضع المدح كمهتد، ولا يمدح إلا بالوصول إلى الكمال، واعترض بأنّ التمكن من الوصول أيضا فضيلة يصح أن يمدح بها، وبانّ المهدي فيما ذكر أريد به المنتفع بالهدي مجازاً، ودفع الأوّل بأنّ التمكن مع عدم الوصول نقيصة يذمّ بها كما قيل: ولم أر في عيوب الناس عيبا كنقصالقادرين على التمام والثاني بأنّ الأصل في الإطلاق الحقيقة، كما حققه قدس سرّه، والمراد بقول الزمخشريّ في موضع المدح أنها صفة مادحة وضعاً، وإنما يتمدح بها بهذا المعنى فلا يرد عليه أنّ مقام المدح قرينة لذلك، وانّ المصنف لدّلك عدل عنه، فبين كلاميهما مخالفة، وقيل: عليه إنّ التمكن مع عدم الوصول ليس بنقيصة لمن هو بصدده مجد في بلوغه، وكون الأصل في الإطلاق الحقيقيّ إنما يفيد إذا اسنعمل بلا قرينة والمدح قرينة، وقد مرّ ما يعارضه من الآيات، وما قيل من أنه مجاز عن إفاضة أسباب الاهتداء، وازاحة العلل ردّ بأنّ الأصل الحقيقة، ولولا قرينة الضدح والمقابلة لم يتبادر منه إلا مطلق الدلالة وعليه أكثر أئمة اللغة والتفسير ولا يضرّ. مخالفة الزمخشريّ، فلذا أخره ومرّضه، وكون المهدي لا يستعمل إلا بمعنى المهتدي غير مسفم عندهم. (بقي هنا دليل) تركه المصنف، وهو إن اهتدى مطاوع هدي، والمطاوعة حصول الأثر في المفعول

بسبب تعلق الفعل المتعدي به، فلا يكون المتعدي مخالفاً لأصله إلا في الأثر والتاثر كما مرّ، فلو لم يكن في الهدي إيصال لم يكن في الاهتداء وصول، ونقض بنحو أمرته فلم يأتمر وعلمته فلم يتعلم، وردّ بأنّ حقيقة الائتمار صيرورته مأموراً، وهو بهذا المعنى مطاوع للأمر ثم اسنعمل في الامتثال مجازا وشاع حتى صار حقيقة عرفية وليس مطاوعا بهذا المعنى، وان ترتب عليه في الجملة على صورة المطاوعة وأمّا نحو علمته فلم يرد به حقيقته أعني حصلت فيه العلم بل المعنى المجازيّ وهو وجهت إليه ما قد يفضي إلى العلم وليس التعلم مطاوعاً إلا لمعناه الحقيقيّ، فلا حاجة إلى ما قيل: من أنّ المتأثران كان مختار ألم يجب أن يوافق المطاوع أصله والاً وجب نعم كثر في المختار استعمال الأصل في معناه المجازيّ، ولهم في هذه المسئلة أقوال لا يلزم من وجود الفعل وجود مطاوعه مطلقاً يلزم مطلقاً التفصيل بين المختار وغيره، وارتضاه السبكيّ واستشهد لوجوده بدون المطاوع بقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] وبقوله: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا} [الإسراء: 60] لوجود التخويف بدون الخوف وأنه يقال علمته فما تعلم، ولا يقال كسرته فما انكسر، والفرق بينهما مفصل في كتاب عروس الأفراح، والمصنف رحمه الله لم يلتفت لهذا الدليل إمّا لأنّ مذهبه تخلف فعل المطاوعة، أو لأنه مختلف فيه، أو لأنّ الدليل الأوّل، وهو مقابلته بالضلال مبنيّ على المطاوعة، فالأدلة ثلاثة وهي عند التحقيق اثنان كما قيل، وأعلم أنهم اختلفوا في الهداية هل هي حقيقة في الدلالة المطلقة مجاز في غيرها أو العكس، أو هي مشتركة بينهما، أو موضوعة لقدر مشترك ذهب إلى كل طائفة، والمصنف رحمه الله اختار الأوّل إلا أنّ فيه بحثاً لأنه فسر الهداية بما يخالف ما هنا بحسب الظاهر، ونوّعها إلى أنواع رابعها كشف الأمور بوحي ونحوه، مما يختص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء، وهي دلالة موصلة بغير شك، والجواب عنه ظاهر لمن تدبر. قوله: (واختصاصه بالمتقين إلخ) قيل: إن أراد بالمتقين المتقين عن الشرك وجعل الذين ابتداء كلام فقصر الاهتداء ظاهر، وان أراد الكاملين في التقوى، والموصول موصول بالمتقين، فالقصر باعتبار كمال الاهتداء، وهذا جواب عن سؤال مقدّر تقديره ظاهر على الوجهين، لأنّ الهدي سواء كان مطلق الدلالة، أو الموصلى منها حاصل بل غير خاص بالمتقي إن أريد المتقي غير الكامل، أو الكامل نعم هو على الأوّل أظهر، فمن قدره بقوله لم خص الهدى بالمتقين مع أنه الدلالة وهي عامة، وقال: صرح به الإمام قصر في فهم المرام، والمراد بالاختصاص في كلام المصنف وحمه الله تعالى التخصيص الذكري الواقع في النظم المستفاد من اللام كالانتفاع في قوله: المنتفعون لأنّ اللام للانتفاع، وعلى للمضرّة في نحو دعا له، وعليه لأنّ هذه اللام زائدة للتقوية، والقول بأنها تفيده في الجملة تكلف لا حاجة إليه مع أنّ مدلول اللام ليس الاختصاص بمعنى الحصر كما حقق في محله، والحاصل أنّ هنا أمرين يختلجان في الصدر إذا سمع النظم الكريم. الأوّل أنّ المتقي مهتد فما فائدة جعله هدي له وهو تحصيل الحاصل. الثاني أنّ هداية القرآن عامة للناس، فلم خصت بهؤلاء. واذا فسرت بالدلالة الموصلة، ورد محذور آخر وهو المهتدي لمقصوده دلالته على ما يوصله إليه لغو، والعلامة اقتصر في الكشاف على دفع الأوّل وقال: هو كقولك للعزيز المكرّم أعزك الله، وكرمك تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه، واستدامته كقوله {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [صررة الفاتحة: 6] ووجه آخر، وهو أنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قتل قتيلاَ فله سلبه "، ولم يقل الضالين لأنهم فريقان فريق علم بقاؤه على ضلاله ولا يهتدي وما ليس كذلك حق التعبير عنه الصائرين إلى التقوى، فاختصر ليكون سلما لتصدير أولى الزهراوين التي هي سنام القرآن بذكر المرتضى من عباده، وقال قدس سرّه: لا بد من أحد أمرين إمّا أن يراد بالهدي زيادة الهدي إلى مطالب أخر غير حاصلة والتثبيت على ما كان حاصلاَ، كما في اهدنا أو يراد بالمتقين المشارفون للتقوى والأوّل مختاره فإن قلت قد ثبت أنّ الهدي في التثبيت مجاز قطعاً، وفي الزيادة إمّا مجاز، أو حقيقة فكيف جمع بينهما قلت أراد أنّ اللفظ مستعمل في الزيادة فقط والتثبيت لازم له تبعا لا يقال تأويل نحو أعزك الله لازم لأنه طلب مختص بالاستقبال، فلو لم يؤول كان تحصيل الحاصل بخلاف

{هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} إذ يجوز أن يكون معناه هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ المهديين بذلك الهدى، كما في السلاج عصمة للمعتصم أي سبب لها إذ لم يفهم منه أن هناك عصمة أخرى مغايرة لما كان معتصماً به، لأنا نقول إذا عبرت عن شيء بما فيه معنى الوصفية، وعلقت به معنى مصدرياً مطلقا فهم منه في عرف اللغة أن ذلك الشيء موصوف بتلك الصفة حال تعلق ذلك المعنى به لا بسببه، فإذا قلت ضربت مضروباً فهم منه أنه موصوف بالمضروبية بضرب آخر حال تعلق ضربك به لا بسبب ضربك إياه، فأخذت مضروبيته على أنها صفة مقزرة له وان لم يضرب، فإذا أردت أنه مضروب بضربك هذا كان مخالفاً للظاهر مجازاً باعتبار الأوّل، فقولك هدي لزيد أو للضالّ واضلال لبكر، أو للمهتدي جار على ظاهره بخلاف هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ واضلالى للضالّ، وحديث العصمة لا يجدي إذ لم يرد معناها المصدري المتضمن للحدوث بل الحاصل بالمصدر، وهو معنى مستقرّ ثابت يضاف للمعتصم فإن أريد المعنى المصدري احتيج لأحد التأويلين، وما يتوهم من أنّ متعلقات الأفعال، وأطراف النسب حقها على الإطلاق أن يعبر عنها بما يستحق التعبير به حال التعفق والنسبة لا حال الحكم بالنسبة حتى لو خولف ذلك كان مجازاً منظوراً فيه، لأنّ قولك عصرت هذا الخل في السنة الماضية مشيراً إلى خل بين يديك لا مجاز فيه مع أنه لم يكن خلاَ زمان العصر، وقولك سأشرب هذا الخل مشيراً إلى عصير عندك مجاز باعتبار المآل، وان كان خلاَ حال الشرب، فالواجب في ذلك كما قال قدّس سرّه أن ترجع إلى وضمع الكلام، وطريقته فإنه كثيراً ما يعتبر زمان النسبة، كما في الأمثلة المتقدّمة، وربما يعتبر زمان إثباتها كما في هذين المثالين، ثم المجاز باعتبار المآل قد يكون بطريق المشارفة، كما في " من قتل قتيلآ " فإنه قتيل حقيقة عقيب تعلق القتل به بلا تراخ كما في تمريض المريض، وقد يكون بطريق الصيرورة مجرّدة عن المشارفة، كما في قوله: {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [سورة نوح: 27] فإنّ الإتصاف بالفجور والكفر متراخ عن الولادة. (أقول) اختلف أهل العربية، والأصول في الوصف المشتق هل هو حقيقة في الحال، أو الاستقبال، وهل المراد زمان النسبة، أو التكلم من غير واسطة بينهما وما ذكره هنا مخالف للفريقين، والذي عليه المحققون أنه زمان النسبة، فما ذكر. الشارح الفاضل هنا وفي التلويح موافق لما قاله الجمهور، وهو الذي ارتضاه في الكشف، ويرد على ما ادّعاه من أنّ تعلق المعنى المصدري يقتضي- كون اتصافه بالمعنى الوصفي مقرّر مستحقاً له قبل التعلّق أنّ اسم الفاعل نحو السلاج عصمة للمعتصم يكون حقيقة في الماضي، وهو مرجوح، فإن قلت إنه لو لم يكن كذلك يكون لغوا من الكلام إذ لا مفاد لإثبات القتل لمقتول به في من قتل قتيلاً. وما ضاهاه، وهو الداعي لارتكاب ما ارتكبه كما أشار إليه قلت: نعم لو صدر من غير بليغ قصد ظاهره كان كما زعمت أنا إذا قصد أنّ القتل المتصف به صادر عن هذا الفاعل دون غيره فكأنه قيل لم يشاركه في قتله غيره، فسلبه له دون غيره، كما يشير إليه تقدّم له كان كلاما بليغا يفيد الحصر بقرينة عقلية فمعنى المال غنى للغنيّ، لا غنى له إلا بالمال، وكذا إذا قلت الذليل من أذثه الله، فالمعنى هنا لا هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ إلا بكتاب الله المتلألىء نور هدأيته، وإذا وعيت هذا عرفت أنّ الحق مع الفاضلين السعد، وصاحب الكشف، ولا خلاف بينهما إلا في أنّ من قتل قتيلاً حقيقة أم لا، وقد ذهب إلى أنّ الحق هو الأوّل الكرماني والسبكي حتى خطآ من قال: إنه مجاز وأمّا الشبهة الموردة بنحو عصرت هذا الخل، فليست بواردة ولذا قال بعض المدققين بعدما ساق كلام السيد: السند إذا وجد اسم الإشارة مثل أن يقول عصرت هذا الخل، أو هذا المتصف بالخمرية، أو الخلية فالمعتبر زمان الإشارة لا زمان الحكم السابق، فإن صح إطلاق الخل على المشار إليه، وا-لصافه بالخلية مثلاً في زمان الإشارة مع قطع النظر عن الحكم السابق كان حقيقة ولا فمجاز، والحاصل أنه إذا علق حكم على اسم الإشارة الموصوف بما مرّ ففي الحقيقة هنا تعليقان تعليق الحكم السابق بذات المشار إليه وتعليق الإشارة به فالمعتبر زمان الإشارة لا زمان الحكم السابق، وهكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام المشتبه على كثير من الأقوام ولذا بسطنا الكلام فيه لأنه يحتاج إليه في مواضع مهمة ستراها في محلها إن شاء الله تعالى، فما نحن فيه غير محتاج للتأويل وليس من المجاز إذ المتقي مهتد بهذا الهدي حقيقة، وهذا ما جنح إليه المصنف رحمه الله ودفع

السؤال بوجهين الأوّل أنّ الهداية بمعنى مطلق الدلالة والإرشاد، وان عمت جميع الناس كما صرّح به في قوله تعالى: {هُدًى لِّلنَّاسِ} [البقرة: 85 ا] لكن غيرهم لما لم ينتفع بها كانت هدايتهم كالعدم، فلذا أضرب عنهم صفحا لتنزيلهم منزلة الجماد. وأعلم أنّ الهداية على مراتب أربعة مرّت في الفاتحة، والتقوى أيضا على مراتب ثلاثة توقي الشرك، وتجنب المعاصي، واجتناب ما عاق عن الحق، وإذا ضربت أنواع الهداية في التقوى فهي اثنا عشر إلا أنّ الهداية بالمعنى الأوّل لا دخل للكتاب فيها، والرابعة وان كانت تتصوّر فيه لو أريدت، فالمراد بالمتقين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو صحيح ويراد حينئذ من التقوى المرتبة الثالثة، لكنه غير مناسب ومنه يعلم أنّ التقوى بالمعنى الثالث غير مرادة، فبقي من الهداية قسمان نصب مطلق الدلائل، أو السمعي منها وهما يحصلان بالقرآن ومن الهداية قسمان تجنب الشرك وتجنب الآثام، فالصور الباقية أربع، وكلام المصنف رحمه الله في هذا الوجه محتمل لها والمعنى لا ينتفع بالدلائل مطلقاً، أو الدلائل القرآنية إلا المسلمون، أو إلا المجتنبون للمعاصي لعلمهم بما ظهر منها، والأولى أوفق بكلامه، ولا مجاز في النظم على هذا كما توهم. قوله: (بنصبه) قيل هو بضمتين كل ما جعل علامة كما في القاموس، وليس جمعاً هنا وان كان في غير هذا المحل يكون جمعاً لنصاب بمعنى الأصل، وقيل: إنه بفتح النون وسكون الصاد المهملة والباء الموحدة مصدر والمعنى نصب الله تعالى إياه دليلاَ على ذلك لهم دون غيرهم، وفي بعض النسخ بنصه على أنه واحد النصوص، وعليه اقصر بعض أرباب الحواشي، وقال في تفسيره: أي بنص من نصوصه وآية من آياته وليس هذا بتحريف كما قيل، فإنه أقرب مما فالوه نعم هو المناسب للمقام كما سيأتي، وهو الحامل للقائل على ادعاء تحريفه قيل: وهنا نكتة لأنه يؤخذ من قوله {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وقوله: {هُدًى لِّلنَّاسِ} [البقرة: 185] أنّ المتقين هم الناس كما قال: وما الناس إلا أنتمو لا سواكمو (وههنا بحث) وهو أنه إذا حكم على الوصف بضده وما يقتضي زوال معناه سواء كان ذلك حمليا كبلغ اليتيم، أو شرطيا كأعط اليتيم ما له إذا بلغ وإذا شفي المريض عرف قيمة العافية، فالوصف ليس متصفاً بمعناه حال تعفق ذلك الحكم به، فهل هو حقيقة أو مجاز، والظاهر أنه حقيقة إمّا لأن اتصافه بمعناه لما لاصق الاتصاف بضده، وقرب منه كان زمانهما في حكم زمان واحد، فيراد اتصافه في زمان الحكم حقيقة أو حكماً، أو لأنه يعتبر الزمانان المتلاصقان زماناً واحداً ممتداً تصف بهما على التعاقب فيه فالحقيقة بالنظر إلى أوّله، والحكم ناظر إلى جزئه الأخير، والظاهر أنّ هذا لا محيد عنه، كما سيأتي في أوّل سورة النساء في {آتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] حيث جعله المصنف رحمه الله حقيقة بالنظر إلى أصل اللغة، أو بتقدير إذا بلغوا وهو لا يخالف ما في التلويح كما قيل لأنّ كلام المصنف مبنيّ على تقدير الشرط بقرينة الآية الأخرى {فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا} [النساء: 6، وما في التلويح مبنيّ على إرادة معنى ذلك من غير تصمريح، ولا تقدير. وقوله: (وإن كانت دلالته عامة) أي على المختار عنده، وكذا قوله وبهذا الإعتبار، فلا منافاة بين قوله هنا {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وقوله في أخرى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ} [البقرة: 85 ا] فلا حاجة لتخصيص الناس فيه. قوله: (أو لآنه لا ينتفع بالتأمّل فيه إلخ) التأمّل بمعنى التدبر والتفكر كما في كتب اللغة يقال: تأمّلته إذا تدبرته، وفي المصباح هو إعادتك النظر فيه مرة بعد أخرى حتى تعرفه اهـ. فكان معرفته مما تؤمله وترجوه، وصقل بالتخفيف بمعنى جلا من صقل السيف والمرآة، وقد يكون في غيره كالثوب والورق فشبه العقل بالمرآة وجعل النظر والفكر مرارا بمنزلة صقله وهو ظاهر، وضمير لأنه راجع للكتاب والتأمّل النظر الصحيح في معانيه فإنه دليل إذ به الإرشاد، ويمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب، واستعمله بمعنى أعمله فيما ذكر والضمير للعقل. وقوله ة (في تدبر الآيات) التدبر أصله النظر في أدبار الأمور وعواقبها، والآيات هنا العلامات، والأدلة الدالة على وجود الصانع ووحدانيته، واتصافه بصفات الكمال، وتنزهه عن سمات النقصان كما قال: وفي كل شيء له آية ~ تدل على أنه الواحد ولا يصح حملها هنا على آيات القرآن لمن تدبر. وقوله: (والنظر في المعجزات) أي معجزات النبيّ صلّى الله عليه وسلم وتعرّف النبوّات بالأدلة الدالة على ثبوتها، وثبوت ما لا بد منه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليصدق به، وثبوته

بالأدلة العقلية المثبتة لها وقد أجاب المصنف رحمه الله عما أورد على تخصيص الهدى بالمتقين بوجهين استصعب الناظرون فيه الفرق بينهما حتى قيل: إنّ هذا الجواب الثاني هو الأوّل بعينه لأنّ معنى صقل العقل صونه عن طوارق الثبه، وصد الآراء الفاسدة، وتجريده عن انتقاش الصور الباطلة الشاغلة له عن ارتسام الصور الحقة، وهو عين التقوى فلا يحسن عطفه عليه بأو، إلا أن يقال هذا بحسب التقوى في القوّة النظرية، والأوّل بحسبها في القوّة العقلية، فعطف بأو نظرا للقوّتين، وقريب منه ما قيل حاصل الأوّل اختصاصهم بهداه بسبب اختصاصهم بالعمل به، والثاني بحسب معرفة معانيه وإسراره لأنّ غير المتقي لا يصقل عقله باستعماله في تدبر آياته المفضي إلى المعرفة (وقد أعملت بريد النظر هنا) ووقفت على ما في الحواشي، فرأيته دائرا بين أمرين الخطأ في فهم كلام المصنف، كالذي ذكر آنفا والتدليس بالإجمال الغير المفيد مثل ما قيل: إن الفرق بين الوجهين أنّ محصل الأوّل إنّ دلالة الكتاب، وان عمت المتقي وغيره والمسلم والكافر إلا أنّ دلالته نزلت منزلة العدم بالنسبة لمن لم ينتفع بها، والثاني أنّ دلالته عامّة لكل ناظر وإنما يكون حجة بالنسبة للمسلم المصدق بوحدانية الباري وصفاته، وبالرسالة وحقوقها، وهذا إنما يكون لمن صقل عقله عما يمنعه عن الوصول للحق، واستعمله في التفكر فيه وفي دلائله، فلا يكون هدى إلا للمتقي عن الكفر وما يؤدّي إليه (وإن أردت تحقيق هذا المقام) فاعلم أنّ المصنف رحمه الله اقتدى بالإمام حيث قال القرآن كما هو هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ودلالة لهم على وجود الصانع وعلى دينه وعلى صدق رسوله صلّى الله عليه وسلّم فهو أيضا دلالة للكافرين إلا أنه تعالى ذكر المتقين مدحا ليبين أنهم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} [النازعات: 45] مع عموم إنذاره ومن فسر الهداية بالدلالة الموصلة فالسؤال زائل عته لأنّ إيصال القرآن ليس إلا للمتقين ثم قال كل ما يتوفف صحة كون القرآن حجة على صحته لا يكون القرآن هدى فيه كمعرقة ذات الله وصفاته ومعرفة النبوّة فليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء كتعريف الشرائع، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول وهذا أقوى دليل على أنّ المطلق لا يقتضي العموم، فإنه تعالى وصفه بكونه هدى من غير تقييد لفظاً مع استحالة أن يكون هدى في إثبات الصانع وصفاته، وإثبات النبوّة فثبت أنّ المطلق لا يفيد العموم اهـ ومنه أخذ المصنف رحمه الله ما هنا برمّته، فمعنى الجواب الأوّل أنّ الهداية مطلق الدلالة، وهي لا تختص بالمتقين وإنما خصوا بالذكر، لأنهم أكمل الأفراد وأشرفهم إذ هم المنتفعون بالدلالة وثمرة الإيصال لا أنها مختصة بهم فهي هنا على الحقيقة وكذا التقوى حقيقة في المرتبة الثانية ومعنى الثاني أنّ المراد بهداية " القرآن أيضا دلالته حقيقة، والتقوى حقيقة بمعنى التبري عن الشرك في المرتبة الأولى، ودلالة القرآن أي كونه دليلاً على ما فيه لا يكون إلا بعد الإيمان بالله ورسله وبما جاؤا به عليهم الصلاة والسلام بناء على ما ذهب إليه الماتريدية وبعض الأشعرية من أنّ ثبوت الشرع موقوف على الإيمان بوجود الباري وعلمه وقدرته، وكلامه وعلى التصديق بنبوّة النبيّ صلى الله عليه وسلم بدلالة معجزاته، ولو توقف شيء من هذه الأحكام على الشرع لزم الدور كما قرّر في الأصلين، فدّكر المتقين على المعنى الثاني لأنّ دلالة القرآن موقوفة على التقوى بهذا المعنى، لأنها إنما تثبت بالعقل على المشهور، والانتفاع المذكور في كلام المصنف أوّلاً الانتفاع بالهداية، وهو الاهتداء والانتفاع الثاني الانتفاع بالقرآن، وما فيه من الدلالة بعد وجود ما يتوقف عليه من التصديق، وهم توهموا الانتفاعين بمعنى فخبطوا خبط عشواء فلذا عطفه بأو وأخره لأنه خلاف المشهور عن الأشاعرة كما سيأتي، وبهذا ظهر أنّ ما قيل: إن المعنى أنه مرشد للمؤمنين منتفعون به في تحصيل سائر مراتب التقوى ليس له وجه فظهر وجه التخصيص وعلم فائدة التعلق كما مرّ، ويتبين بطلان ما قيل أنّ تقرير الثاني أنّ المراد به التثبت على ما كان حاصلاً من التقوى فيختصى بهم، ولا يتخطاهم وانّ الحاصل أنّ الهدى حقيقة على الجواب الأوّل، ومجاز على الجواب الثاني ولا حاصل له ولا طائل وقيل: إنّ الثاني فيه المتقي مجاز بمعنى العاقل المتدبر المشارف لها لأنها جلاء عقله عن صد الغفلة، والفساد فانطبع فيها الأدلة

السمعية وقيل حاصل الأوّل إن اختصاصه بالمتقين لاختصاصهم بالاهتداء والانتفاع بالقرآن، وحاصل الثاني أن الاختصاص بهم، لأجل أن العلم بأسرار الآيات ودقائقها والاستدلال على صفات الصانع وآثاره كما ينبغي يختص بالمتقين وقد عرفت حقيقة الحال المغنية عن القيل والقال. قوله: (لأنه كالفذاء إلخ) كما قال أبقراط: البدن الغير التقيّ، كلما غذوته إنما تزيده شرّا ومنه أخذ المتنبي قوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وان أنت أكرمت اللئيم تمزدا ولم يقل- كالدواء س لأنّ الغذاء الحافظ للصحة دواء أيضا، ويزيد عليه أنه يلزم دائماً، كالهداية بخلاف الدواء، فإنه يكون أحياناً للضرورة، فلا يقال الظاهر أن يقول دواء ليطابق ذكر الشفاء في الآية، وسمي شفاء لأنه يشفي من مرض الجهل والعلم يسمى حياة وشفاء، وليس المراد أنه يستشفى به في الرقى، كما توهم فالكتاب لا يجلب نفعا ما لم يكن الإيمان بالله ورسله حاصلاً. قوله: (قوله كمالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء} الآية [الإسراء: 82] ) من بيانية مبينة لما لجوار تقدمها على المبين على ما بين في النحو لا تبعيضية على أنّ المعنى أن منه ما يستشفى به كالفاتحة، وآيات الشفاء، لأنه غير مناسب للسياق إذ المراد أنه شفاء من مرض الجهل والضلال في الدنيا، كما هو رحمة في الآخرة أو في الدارين، وخص الشفاء بالمؤمنين، كما خص الهدى بالمتقين هنا والمراد بالظالمين الكفرة لقوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ، والخسار لتكذيبهم به، وعدم قبولهم لما جاء به كالمريض الذي لا يفيده العلاج وربما كان الدواء زيادة في الداء. قيل فالوجه الثاني هو المختار إذ علنى الأوّل لا يحسن جعل الذينء يؤمنون صفة، ولا مخصوصا بالمدح رفعا ونصباً، ولا استئنافا لأنّ الضالين الصائرين إلى التقوى ليسوا متصفين بشيء مما ذكر وحمل الكلي على الاستقبال، والمشارفة يأباه سياق الكلام وفيه نظر. قوله: (ولا يقدح ما فيه إلخ) القدح الطعن من قدح الزناد، وهو ضرب بعضه ببعض والمراد به الاعتراض، وهذا جواب عن سؤال تقديره جميف يكون الكتاب هدى ودالاً، وفيه ما لا يفهم من المجمل والمتشابه، كما قاله الإمام وأجاب عنه بما ذكره المصنف، وهو على مذهب الشافعية القائلين بأنّ المتشابه يعلمه غير الله من الراسخين في العلم، كما سيأتي نن سورة آل عمران، وأمّا عند غيرهم، فينبغي أن يقال: إنه لا يستليزم كونه هدى هدايته باعتبار كل جزء منه، وإنما ذكر فيه ذلك ابتلاء لذوي الألباب بما لا تصل إليه العقول، ولما لم يخل عند المصنف من مبين يعين المراد منه كان بعد التبيين فيه هدى ودلالة، وتوقف هدايته على شيء لا يضر فيها، كما أنه على رأي متوقف على تقدم الإيمان بالله ورسله، ومن هنا عرف وجه تأخير ما هنا لتوقفه على ما قبله وارتباطه به، والمعين العقل أو السمع كما صرّحوا به، فسقط ما قيل إذا بين ذلك المراد منه لم يكن هدى في نفسه، وإنما يكون كذلك لو أفاد ابتداء ما يفيده الكتاب. وقوله: (لما لم إلخ) بكسر اللام الجارّة وتخفيف الميم من ما المصدرية أي لعدم انفكاكه إلخ ويجوز فتح اللام مع تشديد الميم إلا أنّ قوله لا يقدح ينبو عنه في الجصلة. قوله: (والمتقي إلخ (أي هو اسم فاعل اتقى مطاوع وقي أبدلت واوه تاء على القاعدة المعروفة، وما ذكر مذهب الزمخشرفي، وخالفه في لباب التفاسير والدرّ المصون، وهو ظاهر كلام أهل اللغة لأنّ الافتعال " له معان: منها الإيجاد قالوا ومنه اتقى، وقد بين معناه لغة وشرعا، وذكر له مراتب وأراد بالشرك مطلق الكفر، وهو شائع فيه حتى صار كأنه حقيقة، فلا يقال حقه أن يبدل الثرك بالكفر، ولا إلى الجواب بأنّ المراد هذا وما في حكمه مما يوجب العذاب المخلد من وجوه الكفر. وقوله: (والوقاية إلخ) مثلث الواو والفرط بفتح الفاء وسكون الراء المهملة والطاء المهملة بمعنى الزيادة والمبالغة لأنه يكون بمعنى مجاوزة الحدّ كما في القاموس وفيما قاله شيء، لأن المذكور في كتب اللغة تفسيرها بالحفظ والصيانة، وما ذكره من الزيادة زيادة كأنه أخذها من المادّة وما قاله بعض الفضلاء من أن ما ذكر. المصنف لا يوجد في شيء من كتب اللغة المشهورة لا وجه له. وقوله: (في عرف الشرع) أي نقلت لصيانة مخصوصة لها مراتب والمعنى اللغوي شامل لها كما لا يخفى، وإن لم يكن ذلك لازماً. وقوله: (بقي نفسه) في بعض النسخ يتقي عما إلخ بالتاء، وبإسقاط لفظ نفسه وما ذكره بيان للمتقي، ويعلم منه التقوى. قوله: (1 لتجنب عن كل ما يؤثم) التجنب الترك

والاحتراز، وأصل معناه الأخذ في جانب غير الجانب الذي هو فيه ويؤثم تفعيل من الإثم أي يوجب استحقاق الإثم أو يوقع فيه. وقوله: (من فعل أو ترك) لأنّ ما به حصول الإثم عام يتناولهما معاً، ولذا قيل إنّ حق العبارة وترك بالعطف بالواو وترك أو، وقد أجيب عنه بأنه مطلق مفسر بأحدهما لكنه وقع بعد ما يتضمن النفي فيفيد الإستغراق كأنه قيل: لا يفعل ما يؤثم من فعل أو ترك أي لا يفعل واحدا منهما كما في قوله: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في محله، والمراد بكلمة التقوى في قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26] كلمة التوحيد، وهي لا إله إلاً الله، وسيأتي بيانها، وكون التقوى فيها بمعنى الإيمان ظاهر. قوله: (حتى الصغائر) في كون اجتناب الصغائر مشثروطاً في وجود التقوى وتحققها قولان فإذا لم يجتنبها هل يقال له متق أم لا، والكلام فيما إذا لم يصرّ عليها وتغلب على حسناته، كما ذكره الفقهاء في كتاب الشهادة، وقالوا: إنه حينئذ تسقط العدالة، وقيل: إنّ هدّا الاختلاف مبني على أن ما يستحق العقوبة بسببه هل يتناول الصغائر أم لا، فمن ذهب إلى تناولها قال احتياجها للتكفير دلّ على أنها سبب لاستحقاق العقوبة، ومن اختار عدمه تمسك بأنها وقعت مكفرة فلم يظهر للاستحقاق بها أثر، فكأنه لا استحقاق فلا تندرج فيما يستحق به العقوبة عند الإطلاق، وقيل: إن فرط الصيانة مقتض لاجتناب الصغائر وكذا حديث: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى ياع ما لا بأس به حذرا مما به باس) (1) إن صح وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إلى أنّ المختار أنّ اجتنابها غير معتبر في مفهوم التقوى لا لما مرّ قبيله فإنه رأي المعتزلة بل لأنها لا تنافي التقوى ومرتكبها لا يخرج عن زمرة المتقين والاً لخرج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لعدم عصمتهم عنها عند الجمهور ولأنه قلما يخلو عنها أحد متق والحديث محمول على أكمل المراتب، وهي المرتبة الثالثة، وما زعمه من أنه مذهب المعتزلة ليس كذلك فإنه عليه كثير من المحدثين، وأهل السنة، ولا وجه لتردّده في صحة الحديث مع رواية الترمذي له، وورود ما يعضده مما هو بمعناه في الأحاديث الصحيحة. وقوله: (والمعنئ إلخ) المعنيّ بكسر النون وتشديد الياء اسم مفعول أي المقصود لأنّ عطف اتقوا على آمنوا يؤذن بأنّ المراد بالتقوى فيه الإتيان بالأعمال الصالحة وتجنب المعاصي. قوله: (أن يتنزه عما يشغل سرّه إلخ) أي يبعد نفسه عن ذلك، لأن أصل معنى التنزه البعد كما حقق في اللغة، ويشغل سرّه بمعنى يلهيه يقال شغله الأمر شغلاً من باب نفع، والاسم منه الشغل بالضم وشغلت به أي تلهيت، والسرّ الحديث المكتوم في النفس قال تعالى: {يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [صورة التوبة: 78] والمراد به محله من القلب أو الفكر، والحق الظاهر أن المراد به هنا الله تعالى. قال الراغب: الحق الموجد للشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى هو الحق، ويجوز أن يراد به معناه المعروف إلا أنّ المنايسب للتبتل هو الأوّل لأنه الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة، واخلاص النية انقطاعاً يختص بالله لأنّ معنى البتل القطع كالبت. قوله: (بشراشره) أي ينقطع إليه بكليته ونفسه قال صاحب القاموس في شرح الديباجة: الشراشر الأثقال الواحدة شرشرة يقال: ألقى عليه شراً شره أي نفسه حرصا ومحبة وشراشر الذنب ذباذبه، وقد مرّ الكلام فيه مفصلاً في آخر شرح الديباجة. قوله: (وهو التقوى الحقيقي إلخ أليس المراد بالحقيقي مقابل المجازي، بل هو مبالغة في الحقيق كدواريّ أي الأحق بتسميته تقوى، لأنه تقوى خواص الخواص، وإنما فسر هذه الآية به لأن مقتضى النظم المبالغة في التقوى، كما في حق اليقين والأمر فيه للندب لا للوجوب حينئذ، لأنه يلزم أن يأثم كثير من المؤمنين بل هو للحث على تكميل النفس وقطع المراتب ومثله كثير، ولا ينافيه تفسير المصنف رحمه الله هذه الآية بقوله: {حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] حق تقواه وما يجب منها، وهو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب، والاجتناب عن المحارم وقيل إنها منسوخة بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وفي الكشاف يطلق على الرجل اسم المؤمن لظاهر الحال والمتقي لا يطلق إلا عن خبرة كما لا يجوز إطلاق العدل إلا على المختبر. قوله: (وقد فسر إلخ) فمعناه على الأوّل ذلك الكتاب هدى لمن اتقى الشرك فأمن، وعلى الثاني هدى لمن اتقى جميع الآثام، وعلى الثالث هدى لمن لم يشتغل عن مولاه وانقطع عما سواه، ويجوز أن يفسر بما يعمها، وهذا كله مأخوذ من

تفسير الراغب وقيل: وجه تعلق الهدى بهم على الأوّل أنّ المراد به الهدى الذي حصل به ذلك التقوى، أو الزائد عليه من المرتبتين الباقيتين وكذا الثاني، وأمّا الثالث فعلى التفسيرية يتعين إرادة الهدى الذي حصل به ذلك التقوى إذ لا مرتبة بعدها، ولا يخفى ما فيه وأنه لا يتنزل على كلام المصنف بعد التأمّل. قوله: (وأعلم إلخ) هذا معطوف على مقدر أي احفظ ما ذكرناه هـ وأعلم أو استئناف وعادة المصنفين أن يأتوا به في صدر الكلام الذي يهم للدلالة على الشروع في أمر غير ما قبله حثاً عليه وتحريضا، وقد استعمله العرب قديما قال: وأعلم فعلم المرء ينفعه ~ أن سوف يأتي كل ما قدرا والأوجه جمع وجه ومعناه الحقيقي معروف، وله معان أخر مجازية، وشاعت حتى صارت كالحقيقي منها النوع وفي الأساس لهذا الكلام وجه صحة أي نوع وضرب منها. وقوله: (ألم مبتدأ إلخ (لم يذكر بقية الاحتمالات السابقة لأنها غير ملائمة لقوله (وذلك إلخ) وجوّز في) ألم) ثلاثة أوجه، فإذا كان اسم السورة فالألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد به السورة أو القرآن بالمعنى الكلي، وهو الوحي المقروء وكونه بمعنى الكلي يحتاج إلى تأويل، وإذا أريد به القرآن فهو ظاهر، وإن أريد به المؤلف منها كما سيأتي، فهو أعم من القرآن والمحمول لا بد أن يكون أعم، أو مساوياً ولا يجوز أن يكون أخص، فلذا أوّله بأنّ المراد به مؤلف معجزاً، وهو يخصى القرآن فتساويا، ولا يضرّه كونه أعمّ بحسب الأصل، والأصل له معان مرت والمراد منها القاعدة الكلية، أو الأغلب لا ما يبتنى عليه غيره. قوله: (أو مقدّر إلخ) يعني أنه مؤوّل بهذا بقرينة المقام، وليس المراد التقدير اللفظي، وان أوهمه اللفظ بأن يحذف الجار ومتعلقه، ويقام المجرور مقامه، كما توهم لأنه مع بعده فيه تعسف ظاهر. قوله: (وإن كان أخص إلخ) إشارة لما ترّر في المعقول من أنّ معنى القضية الحملية صدق المحمول على ما اتصف بمعنى الموضوع، فلو كان أعم لزم صدق الأخصى عليه، فلا يكون الأعم أعم والأخص أخصى، ووجهه ما ذكره المصنف بعد*ـ، فهو مثل الإنسان زيد، فإنّ معناه الإنسان الكامل ولولاه لم يصح الحمل، وما قيل: من أنّ الأحسن الأبلغ أن يراد في مثله بالمحكوم عليه الجنس على إطلاقه، ويحمل عليه فرد خاص من افراده بادّعاء أنّ الجنس منحصر فيه، كما يقال زيد هو الإنسان، وهو الرجل كل الرجل كأنّ ما عداه لا يدخل تحت الجنس، ولا يسمى باسمه لعدم الاعتداد به بالنسب إليه غير موافق لما نحن فيه، فإنّ المحمول هنا ذلك، وهو اسم لجزئي لا لجنس، ولو. كان الكتاب بدونه أمكن ذلك مع أنّ ما ادّعاه من وجه الأبلغية موجود بعينه فيما ذكره المصنف رحمه الله، فالخبر المذكور أخص من المبتدأ ظاهراً، وبحسب الإرادة مساو له. كوله: (الكامل في تأليفه البالغ إلخ) المراد بكونه في أقصى درجاتها أنه أقصى ما وجد منها في الخارج، وأعلى-ما خرج من القوّة إلى الفعل، فلا يرد عليه ما قيل من أن كون القرآن، أو السورة في أقصى درجات البلاغة، والفصاحة غير مسلم، لأنه تعالى قادر " على أن يوجد ما هو أعلى منه، وذلك وإن كان. إشارة لجزئي، فالصفات المذكورة كلية،، وضم الكليّ للكلي لا يفيد نكتة إلا أنه يفيد انحصار موصوفها في شخصه بحسب الخارج، لأنه معلوم نزول بعضه، وتعجيزه لهم، فكأنه قال المؤلف المعلوم عندهم بصفاته ذلك إلخ والدرجات المراقي كالسلم واحدها درجة والمراتب جمع مرتبة وهي محل الرتوب وهو الاستقرار استعير للشرف، كالمنزلة والمكانة والرتبة كما يخاطب العظيم بالمجلس السامي تأدّبا، وليس ما هنا مجرّد تفنن لأنّ المرقاة توصل للرتبة فهي أعلى منها، فلذا أتى بها في البلاغة، إشارة إلى أنها أشرف من الفصاحة، كما تقرّر في محله. قوله: (والكتاب صفة ذلك) هذا حكم الاسم الواقع بعد كل اسم إشارة على المشهور ولا يكون إلا معرفا بأل، وقال ابن مالك إن كان جامدا محضا فهو عطف بيان، وأكثر المتأخرين يقلد بعضهم بعضا في أنه نعت ودعاهم إليه أنّ عطف البيان لا يكون إلا أخص من متبوعه، وهو غير صحيح وممن ذهب إلى أنه عطف بيان الزجاج وابن س جني، وقال ابن عصفور: من حمله على النعت لحظ- فيه محنى الاشتقاق كأنه قال الحاضر والمحسوس، وهو مبني على " أنّ النعت لا يكون إلا بمشتق أو مؤول به، وقد قال ابن الحاجب: إن التحقيق خلافه فما ذهب إليه المصنف أحد الآراء في هذه المسئلة، وأل فيه إذا كان صفة عهدية، وإذا كان عطف

بيان حضورية وهي قسم منها، وهذا مما جزم به النحاة، وبعض الناس قال هنا اللام فيه عهدية لأنه المتبادر أيضا لا فائدة في الإخبار عن السورة، أو القرآن بأنه أي المؤلف المخصوص يصدق عليه جنس الكتاب فإنّ قصد الحصر في اسم الإشارة، ثم حمل ذلك الكتاب على القرآن ظاهر، وأمّا على السورة أو المؤلف، فباعتبار صحة إطلاق الكتاب علة الكل والجزء بالاشتراك، فأثبته بالدليل، وهو غني عنه ما في دليله عن المنع الظاهر. قوله: (وأن يكون ألم خبر مبتدأ) قيل تقديره القرآن أو السورة أو المتحدي به ألم أي المؤلف من نجنس طذه الحروف التي ألفوا منها كلامهم، والمقصود من الإخبار الإلزام والتبكيت، وقيل تقديره هذه ألم وصحة الإخبار عن هذه بألم على معنى أن هذه السورة المشهورة بالفضل، والكمال بلاغة وهداية أو على أنها مسماة بهذا الاسم،: ولا يخفى قصوره فإن هذا الإعراب عند المصنف على الوجوه الثلاثة، كما صرّح به في أوّل كلامه إلا أن يكون صرح ببعض الوجوه وأحال الباقي على القياس. قوله: (ولا رب في المشهورة إلخ) المشهورة صفة لمقدّر أي القراءة المشهورة المتواترة، وهي قراءة الفتح على البناء عليه. وقوله: (لتضمنه) معنى من هو مذهب محققي النحاة فعلة البناء تضمن معنى الحرف الذي هو من الاستغراقية، كما أنّ ما جاءني من رجل نص في الاستغراق بخلاف ما إذا رفع ما بعدها سواء أعملت أو ألغيت، وقيل: إنما بني لتركب لا مع اسمها تركيب خمسة عشر، وقيل إنه معرب حذف تنوينه، وهو ظاهر كلام سيبويه في الكتاب ومنهم من أوّله ومنهم من ردّه، وقالوا: إنّ قراءة الفتح إنما كانت نصاً في الاستغراق، لأنّ نفي الجنس مستلزم له قطعاً وأورد عليه أنّ الموجبة الجزئية، والسالبة الجزئية لا تتناقضان فيجوز أن ينتفي الجنس في ضمن فرد، ويثبت في ضمن فرد آخر إلا أن يقال المفهوم عرفا من نفي الجنس بلا تقييد نفيه بالكلية، وأيضا لا يظهر الكلام على من جعل اسم الجنس بازاء فرد مّا، وليس بوارد لأنّ من ذهب إلى أنها نص في الاستغراق يقول إنها لعموم النفي لا لنفي العموم كما صرّحوا به، وقالوا: لا يجوز لا رجل في الدار بل رجلان ورجال، فكيف تكون سالبة جزئية. قوله: (لأنها نقيضتها) بهاء التأنيث في بعض النسخ، وفي بعضها نقيضها بدون هاء يعني أنها حملت على أنّ في العمل، كما يحمل النقيض على النقيض، لأنّ لا لتأكيد النفي العامّ، وإنّ لتاكيد الإثبات، أو تلك موضوعة للنفي، وهذه للإثبات، أو هو من حمل النظير على النظير استعمالاً لملازمة لا العاطفة لا مطلق لا للأسماء كانّ، وأبو الشعثاء بشين معجمة مفتوحة وعين مهملة ساكنة وثاء مثلة تليها ألف ممدودة، وهو سليم بن الأسود المحاربي التابعي راوي هذه القراءة الثاذة. قوله: (مرفوع بلا إلخ) هذا هو المشهور بين النحاة في رفع ما بعدها على أنها عاملة عمل ليس، وقال ابن مالك: لو ذهب ذاهب إلى أنها لا تعمل عمل ليس كان حسناً إذ لا يحفظ في نظم ولا نثر سوى قوله: تعزفلا شيء على الأرض باقياً ولا وزرمما قضى الله واقيا وبالجملة في ذلك ثلاثة أقوال الجواز وهو مذهب سيبويه، والمنع وهو مذهب الأخفش والمبرّد، والثالث أنها عاملة في الاسم، وهما جميعا في موضعالابتداء ولا تعمل في الخبر، وحكي عن الزجاح، وسماع نصب الخبر قاض بالمذهب الأوّل. قوله: (وفيه خبره) ضمير خبره راجع للأعلى المذهب المشهور من أنها العاملة الرافعة للخبر وذكر باعتبار اللفظ، أو إلى ريب لأنه مبتدأ بحسب الأصل، فالخبر له واختلفوا في رافع الخبر هل هو لا وحدها أو مع الاسم أو المبتدأ وعلى هذا، فضمير صفته الآتي راجع إليه كضمير خبره من غير تفكيك أو تقدير مضاف أي صفة اسم والمراد على قراءة الرفع أيضاً الاستغراق، لأنه لم يرد نفي ريب واحد كما في البحر، وعلى كونه خبراً على القراءتين محله مختلف، فإن قلت من هذه زائدة كما في المغني وغيره، فكيف يتأتى دلالتها على الاستغراق والزائد لا معنى له وأيضاً الزائد إذا لم يذكر لا يقدر، فكيف قالوا بالبناء والاستغراق لتضمته معناها، وفي كلام الشريف ما يقتضي الفرق بين ذكرها وعدمه وهو مناف لذلك ظاهراً قلت: الزائد في فصيح الكلام ليس زائداً من كل الوجو.، ولذا يسمى صلة تأدّباً وتحاشيا عن إيهام اللغوية، والفرق بين التضمين، والتقدير ظاهر فيفيد التأكيد لما يدل عليه الكلام والنكرة في سياق النفي

ظاهرة في العموم فإذا أكدت تقوى ذلك فصار نصاً في العموم فتدبر. قوله: (ولاً يقدم إلخ) قال قدس سرّه: لما كان المقصود بالنفي ليس هو الريب بل كونه متعلقا له كان مظة لتوهم أن النفي ليس متوجها إلى أصل الريب بل إلى متعلقه الذي هو الظرف فكان ذكره أهمّ، فهلا قدم أجاب العلامة بأن النفي متوجه إلى الريب لا إلى متعلقه، لكن لم يقصد بنفي الريب عته أنه لم يرتب فيه أحد بل قصد إثبات أنه حق وصدق، وأن الريب فيه غير واقع موقعه، ومن المعلوم أنّ هذا القصد لا يقتضي تقديم الظرف، على أن ثمة مانعا منه وهو أنه لو قدم لأفاد معنى بعيداً عن المراد، وهو أنّ الريب ثابت في كتاب آخر لا في هذا الكتاب، وهذا المعنى سواء استقام أو لا لا يناسب المقام إذ لا منازعة فيه، وفي المفتاج أنه لو قدم لدل على أنّ ريباً في سائر كتب الله تعالى، وهو باطل ولا خفاء في اً نه توجيه آخر، وأما لا فيها غول، فإن نظر إلى حاصل المعنى كان قصر الصفة الاغتيال على خمور الدنيا وان روعي القاعدة القائلة بأنّ تقديم المسند يفيد الحصر المستدير قصراً للموصوف على الصفة أي الغول مقصور على عدم الحصول في خمر الجتة لا يتجاوزه إلى عدم الحصول فيما يقابلها أي عدم الغول مقصور على الحصول فيها لا يتجاوزه إلى الحصول في هذه الخمور، والغول الصداع أو مصدر غاله إذا أهلكه، وقد بقي هنا أمور لعل النوبة تفضي إلى بيانها بإذن الله تعالى، وقد أورد على الزمخشريّ أنه لا محذور فيما ذكره لوقوع الريب في كثير من الكتب، وأجيب بأنّ المراد لزوم الريب في الكتب السماوية، وقيل عليه: إنها لما فيها من التحريف محل ريب فلا محذور أيضا وفيه بحث، وقيل: لو قدم لزم نفي حصر الريب فيه فيلزم مشاركته لغيره في الريب، وهذا بناء على أنّ ملاحظة الحصر قبل دخول النفي والأمر بالعكس كما صرّحوا به (وههنا بحث) أورده بعض المتأخرين، وهو أنّ لا ريب فيه لا يصح تقديم الخبر فيه إذ لا يجوز لا فيه ويب من غير تكرار لا لأنه إذا فصلى بينها وبين اسمها وجب الرفع والتكرير ولا عديل للمنفي هنا حتى يصح تكريرها أو يقدر، وهذا وان صح في قراءة أبي الشعثاء، فالزمخشريّ ذكره في المشهورة وسوق القاضي على العموم، ورد بأن وجوب تكريرها فيما ذكر ليس متفقاً عليه لذهاب المبرد وابن كيسان إلى جوازه ولا يخفى أنه قول مرجوح عند النحاة، فإنه عندهم ضرورة، على أنه على فرض جوازه غير فصيح، وانكار أبي حيان إفادة تقديم الخبر للحصر هنا مما لا يلتفت إليه، وان أورد في بعض الحواشي. قرله: (أو صفتة إلخ) معطوف على قوله خبره، وما قيل عليه: من أنّ فيه تفكيك الضمائر، ولو قال: صفة بدون ضمير كان أوجه لسلامته مما ذكر ليس بشيء لإمكان اتحاد مرجعها كما مرّ، مع / أنّ التفكيك لا محذور فيه إذا ظهر المراد، وذكر في الخبر ثلاثة اأوجه تقريرها ظاهر من كلام المصنف رحمه الله، وحذف الخبر كما في لا ضير أي فيه هو الأفصح الأكثر وقد التزمه بعض العرب وجعله لازما مع القرينة، وحينئذ يصح الوقف على ريب لتط م اللفظة والمعنى قال في المرشد: إن جعلت (لا ريب) بمعنى حقا، فالوقف عليه تامّ، ولا حاجة لتقدير فيه ولولاه كان قبيحاً، وقال الإمام: الأولى الوقف على فيه ليكون الكتاب نفسه هدى وقد ورد في آيات كثيرة وصفه بأنه نور أو هدى وفيه نظر، وهذا الوقف لنافع وعاصم، وقوله على أنّ فيه خبر هدى أي لفظ فيه المذكور وخبر لا فيه أخرى مقدرة. قوله: (وهدى نصب إلخ) ذو الحال ذلك أو الكتاب والعامل على كلا التقديرين اسم الإشارة، ويجوز أن ويكون حالاً من الضمير المجرور في فيه والعامل ما في الظرف من معنى الفعل، وجعل المصدر حالاً على الأوجه المشهورة في أمثاله، وإذا كان العامل فيه ما في هذا من معنى الإشارة فاتحاد عامل الحال وذيها على اشتراطه موجود فيه، وسيأتي إن شاء الله تحقيقه في قوله تعالى: {هَذَا بَعْلِي شَيْخًا} [هود: 72] فلا نطيل الكلام بذكره. قوله: (وأن يكون ذلك مبتدأ إلخ) وصف الكتاب بالكامل إيماء إلى أن المقصود من حصر الجنس حصر الكمال، وإلا لم يصح أي لأنه لكماله في بابه ونقصان ما سواه يستحق دون غيره أن يسمى كتابا، كأنه الجنس كله نحو هو الرجل، وهم القوم، وقد مرّ تحقيقه في تقديم الخبر، وأمّا لزوم نقصان غيره من الكتب السماوية فدفع بأنه لعدم الإعجاز، أو استكمال الأحكام الشرعية، ونقصان الفاضل عن الأفضل لا يخرجه عن كونه فاضلاً خصوصاً إذا اقتضى ذلك حكما ومصالح بخلاف الريب، وهو التردّد في أنها من عند الله

فإنه لا يليق، وقد مرّ وجه آخر فتذكره، وإنما لم يقدم هذا على قوله ولا ريب، وينظمه في سلك الوجهين السابقين، لأنهما يعمان الاحتمالات، وهذا خاص بما إذا أريد بألم القرآن كما تنطق به عبارته، وفصله وقيل: إنه أخره إيماء إلى ضعفه، لأنّ ألم إذا كان اسما للسورة، وذلك إشارة إليها كان حصر الكمال فيها إثباتاً للنقصان في سائر السور، فإنها المقابلة لها دون الكتب السالفة، فأما ملاحظة الحصر في السورة باعتبار قرآنيتها لا خصوص كونها سورة، وأن يراد بالسورة القرآن مجازاً، فخلاف الظاهر، ويستأهل بمعنى يصير أهلا المراد به يستحق كما مرّ تفصيله، ولك أن تقول أخره لأنّ ما يليه مبني عليه. قوله: (والأولى أن يقال إلخ) متناسقة بمعنى متناسبة مرتبطة بدون عاطف من نسقت الدر إذا نظمته، ومنه عطف النسق ففي قوله متناسقة إيهام نسق العطف وليس بمراد لأن اللاحقة تقرّر ألسابقة وتؤكدها، ولما بين المؤكد والمؤكد من الاتصال لا يعطف أحدهما على الآخر كما اتفق عليه أهل المعاني، وإن صرّح النحاة بخلافه في نحو {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 4- 5] كما سيأتي، ولما ذكر ما ذكره من الإعراب الناظر للمفردات، وكان المتبادر منه أنها جملة واحدة، أو في حكمها كما سيظهر للنظر الصادق فيما قدمه أشار إلى أنه لا يليق بجزالة البلاغة، وفخامة المعنى، ومقتضاها أن تجعل جملاً متعددة، فبين ذلك بوجهين وقال فالم إلخ، بالفاء التفصيلية. قوله: (جملة دلت إلخ (كونه جملة اصطلاحية حقيقة إن قدّر خبراً أو مبتدأ، وجعل علما، فإن أريد به طائفة من الحروف للإيقاظ، وأولت بما مرّ فهي في حكم ذلك إن قلنا لها محل من الإعراب، فإن لم نقل به لا يتأتى ما ذكر وإليه أشار بقوله على أنّ المتحدي به هو المؤلف وفي الكشاف نبه على أنه أي (ألم) الكلام المتحدّى به فجعل ألم هو المبتدأ والمتحدي به خبره المقدر والمصنف عكسه، ففيل في وجهه إنه نظر إلى أنّ اتصاف الكتاب بأنه المتحدى به معلوم مكشوف دون اتصافه بأنه المؤلف من جنس ما يركبون منه كلامهم، ولا يخفى ما فيه، فإنّ كونه مؤلفاً من جنس الحروف لا غطاء عليه حتى يكشف بل الظاهر أنه غير مفيد فائدة تامة لظهوره، فلذا أخبر عنه بما ذكر ليجدي، وهذا اظاهر محلى إرادة الحروف، وعلى العلمية لإشعارها بذلك كما مرّ، ولم يلتفت لبقية الأقوال لضعفها عنده. قوله: (مقرّرة لجهة التحدي إلخ) بأنه متعلق بقوله مقرّرة، واتصافه بغاية الكمال في لفظه، ومعناه فهو هاد بالمعنى، والعبارة بخلاف غيره من الكتب، فلا يقال: كيف يفضل بكماله في التحدي على غيره من الكتب ولا إعجاز لها، وفي شرح التلخيص معنى ذلك الكتاب أنه الكامل في الهداية لأنّ الكتب السماوية إنما تتفاوت بحسنها لا غير، فإن قلت: قد تتفاوت الكتب بجزالة النظم وبلاغته كالقرآن الفائق على جميع الكتب بإعجاز نظمه فلت: هذا داخل في الهداية لأنه إرشاد إلى التصديق به ودليل عليه. (أقول) الحروف المقطعة دالة على الأعجاز الدال على أنه ليس من صنيع البشر بل من كلام خالق القوى والقدر على ما مرّ وهو المراد بجهة التحدي هنا، فالمقرّر المؤكد له هو كونه هاديا لجميع العباد لخيري المعاس والمعاد، فإنه مقتض أيضا لأنه أمر إلهي، فلا حاجة لإدخال الإعجاز فيما تدل عليه الجملة الثانية بل لا وجه له إذ هو مع أنه كالمصادرة غير مثترك بين الكتب، فلا يلتفت لما قيل في بعض حواشي المطوّل من أنه كلام على السند الأخص، وأن كون البلاغة سبباً في نفسها مما لا يمكق إنكاره غاية الأمر أنه صار سببا لكمال آخر هو الهداية انتهى، وفي نسخ القاضي هنا اختلاف بالزيادة والنقصان. قوله:) ثم سجل إلخ) أي قرّره وأثبته، وفسره الشريف رحمه الله بحكم به حكماً قطعيا ويقال سجل مشددا وأسجل قال المعري: طويت الصبا في السجل وزادني ~ زمان له بالشيب حكم وأسجال وفي شرح مقامات الزمخشريّ له يقال سجل عليه بكذا إذا شهره كأنه كتب به عليه سجلاً اهـ. فهو استعارة للتشهير والنداء والمصنف رحمه الله استعاره للإثبات وهو قريب منه ولا حجر في المجاز وتعديه بعلى وبالباء ووجهه يعلم مما مرّ أي أظهر كماله بنفي الريب عنه فإن المعجز المرتدي بالكمال لا يرتاب فيه عاقل، وعطف هذا بثم لما بينهما من التفاوت الرتبي فإنّ ما قبله دال على الإعجاز وبلوغ غاية الكمال، وهما صفتان جليلتان

لازمتان له وهذا نفي للريب وإثبات للحقيقة، وبينهما بون بعيد. قوله: (لأنه لا كمال أعلى إلخ) في الكشاف لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة، وقيل لبعض العلماء فيم لذتك فقال في حجة تتبختر اتضاحا، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا وقوله لا يحوم الشك حوله مبالغة في كونه يقينا لا تعتريه شبهة أصلاً لأنه إذا نفى قربه منه علم نفيه عنه بالطريق الأولى، ويحوم مضارع حام الطائر حول الماء إذا دار به، وفي الحديث: " من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " أي من قارب المعاصي ودنا منها قرب وقوعه فيها وهذه استعارة مكنية بتشبيه اليقين بعين عذبة والشك بطائر يريد الشرب منه، ولا يصل إليه، واثبات الحومان تخييل أو هو استعارة تمثيلية وقيل هو كناية كقوله: فما جازه جود ولا حل دونه ~ ولكن يصير الجود حيث يصير فيفيد مبالغة مأخوذة من جعله نفس الهدى. وأعلم أنّ المصنف تبعاً للزمخشريّ ذكر أنّ هنا جملاً أربعا كل منها مؤكد لما قبله والسكاكي خالفه في ذلك بعدما وافقه في أصل التأكيد، فقال: إنّ بعضها منزل منزلة التأكيد المعنوي لاختلاف معناهما، وبعضها منزلة التأكيد اللفظي لاتحاده، فلا ريب بالنسبة إلى ذلك الكتاب بمنزلة التأكيد المعنوي ولما بولغ في وصف الكتاب بأنه بلغ أقصى الكمال بجعل المبتدأ ذلك، وتعريف الخبر باللام الجنسية المفيد للحصر حقيقة أو ادعاء، أفاد أنّ ما سواه ناقص، وأنه المستحق لأن يسمى كتابا فجاز أن يتوهم أنه رمي به جزء مّا، فاتبع ذلك الكتاب بلا ريب فيه، لنفي ذلك التوهم ووزانه وزان نفسه و {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} معناه إن ذلك الكتاب بلغ في الهداية درجة لا يدرك كنهها، فهو كزيد زيد إلخ ما فصلى في شروحه وحواشيه، وقال قدس سرّه: لا إشكال فيما سلكه الزمخشريّ، ومن تابعه وما في المفتاح، وكتب المعاني يتجه عليه أنّ الأنسب أن يعطف هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ على لا ريب فيه لاشتراكهما في أنهما تأكيد لذلك الكتاب عندهم ولا امتناع فيه إنما الممتنع عطف التوكيد على المؤكد لا عطف أحد التأكيدين على الآخر والتفصي عنه أن يقال لما كان لا ريب فيه مؤكداً للجملة الأولى اتحد بها، فالجملة السابقة التي يتوهم العطف عليها هي ذلك الكتاب معتبرا معه ما هو من تتمته، واليه أشار في المفتاح. (أقول) قد استحسن هذا بعض الفضلاء، وقال: إنه يظهر منه وجه عدم العطف في نحو قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] مع اتحاد كلهم وأجمعون في التأكيد به للملائكة، وليس الاستحسان بحسن فإنّ التأكيد إذا تعدد سواء كان من نوع أو لا لا يصح عطفه إذ لم يسمع، ولم يقل به أحد من النحاة ثم إنه قيل عليه أنه يقتضي أن يكون من أسباب الفصل كون الثانية مؤكدة لما أكد بالجملة الأولى، ولو قيل أنه لم يعطف على لا ريب فيه لئلا يتوهم عطفه على ذلك الكتاب جاز، وهو أحسن مما ذكره السيد وأقرب ولا يلزمه اختراع سبب آخر للفصل، ثم إنه قيل إنّ سبب عدول صاحب المفتاح عما في الكشاف أنه لا يجوز أن يكون للتأكيد تأكيد في المفرد المقيس عليه، وان ترك العطف فيما اختاره لأنّ بين اللفظي والمعنوي مباينة تقتضي الفصل، وأنه لا يصح العطف على أمر هو من تتمة أمر آخر، ولا يخفى أنه يرد عليه أنه مخالف لذلك أيضاً في الجملة الأولى، وفي تقديم التأكيد المعنوي على اللفظي، والمعروف خلافه، وقد وجه بما تركه أحسن من ذكره، فالحق أنّ ما ينزل منزلة الشيء لا يلزم أن يكون مثله من جميع الوجوه وما استصعبوه أهون من أن يستصعب فافهم ترشد. قوله: (أو تستتبع كل واحدة إلخ) هذا معطوف على قوله تقرّر اللاحقة منها السابقة. وقوله: (استتباع) بالنصب مفعول مطلق وعامله تستتبع، وهو إمّا نوعي أو تشبيهي كخبط خبط عشواء لأنّ الاستتباع طلب التبعية، والمراد به الاستلزام، وهو على ضروب منها استلزام الدليل لمدلوله أو المراد ما يقرب منه، ويشبهه لما بينهما من التلازم لاستلزام الإعجاز غاية الكمال، وغاية كمال الكلام البليغ ببعده من الريب والشبه لظهور حقيقته، وذلك مقتض لهدايته، وإرشاده فإن نظر إلى اتحاد المعاني بحسب المآل كان الثاني مقرّرا للأوّل، فيترك عطفه وهو الوجه الأوّل، وان نظر لأنّ الأوّل مقتض لما بعده للزومه له بعد التأمّل الصادق، فالأوّل لاستلزامه لما يليه، وكونه في قوّته بجعله منزلاً منه منزلة

بدل الاشتمال لما بينهما من الملابسة، والملازمة فوازنه وزان حسنها في أعجبتني الجارية حسنها، فيترك العطف لشدّة الاتصال، كما قرّره أهل المعاني في قوله: أقول له ارحل لا تقيمن عندنا وهذا مراد المصنف رحمه لملا لا أنّ الثاني مترتب على الأوّل ترتب المدلول على الدليل، كما توهموه لقصور النظر، فورد عليهم أنّ المعروف في مثله اقتران الثاني بالفاء التفريعية كما عقال العالم متغير وكل متغير حادث، فالعالم حادث وهى وإن لم تكن عاطفة فهي أداة وصل كواو الحال، لأنّ المعتبر عندهم في مثله كونه عاطفا بحسب الأصل والصورة، فدفع بأنّ الظاهر أنه من القسم ااثانن من الاستئناف البياني، وهو أن يكون جوابا عن سؤال عن غير السبب المطلق والخاص، كأنه لما قيل إنه متحدي به مع أنه من جنس كلامكم قيل: فما يلزم من هذا قال إنه يكون هو الكامل دون غيره، وهكذا يقدر فيما بعده إلى أن ينتهي السؤال وينقطع الجواب، ولا يخفى أنه ليس في كلامه ما يدل على ما ذكره وإنما يريد أنه لكون الجملة الثانية معناها لازم للأولى حتى كأنه مستفاد منها اقتضى ترك العطف، كما عرفته آنفا، ولم ينظر إلى تفريعه عليه حتى يقال أيضاً: إنّ الظاهر الفاء، كما في قوله ضرب فانفجرت، وقيل: إن نكتة الفصل على هذا أنّ اللاحق نتيجة السابق، فبينهما كمال الاتصال ففي هذا الوجه كل سابق مقرّر للاحق على عكس التوجيه السابق، وهو لطيف جداً إلا أنا لم نعثر عليه في كلام القوم، والمطابقة لقواعدهم جعل اللاحق مقرّراً للسابق، لأنه لكونه نتجا له متضمنا له، فذكره يتضمن ذكره والفصل على هذا الوجه، لكون اللاحقة مقرّرة للسابقة، فان قلت لم يعهد ذكر النتيجة بلا رابطة فحسن هذا التوجيه، وقبوله يتوقف على استغناء النتيجة عن الرابطة نعم لا تعطف النتيجة، لكن تربط بحرف التعقيب أوالتفريع فقد أحوجه هذا الوجه إلى نكتة ترك حرف التفريع بل إلى وجه صحته قلت: إذا قصد الاستدلال والاستنتاج، فلا بدّ من حرف التفريع، ولم يقصد هتا بل قصد الإخبار بكل جملة استقلالاً إلا أنه كان كل لاحق نتيجة للسابق، فلهذا لم يحسن العطف لعدم صحة عطف النتيجة على الدليل ولما لم يقصد الاستدلال لم يكن لإيراد حرف التفريع معنى اهـ. ولا يخفى ما فيه من الخبط، والخلط فعليك بض النواجذ على ما قدمناه والمراد بالاستتباع هنا الاستلزام كما مرّ، وفي اصطلاح أهل البديع أن يساق الكلام لمدح ونحوه ثم يلوّح ب لمعان أخر كما في قوله: نهبت من الأعمارما لو حويته ~ لهنئت الدنيا بأنك خالد وهو قريب منه، ويتشبث بمعنى يتعلق وهو استعارة هنا، ولا محالة بفتح الميم والبناء على الفتح بمعنى لا بد. قوله: (وفي كل واحدة منها إلخ) يعني أنّ هذه الجمل المتناسقة مع ما تضمنته من الفوائد الجمة في نظمها بدائع أخر، والنكتة الدقيقة اللطيفة معنوية كانت أو لفظية، والمراد الثانية وأصلها من نكت في الأرض بقضيب ونحوه يؤثر فيها، والجزالة مصدر جزل الحطب بالضم إذا عظم وغلظ فهو جزل، ثم استعير في العطاء فقيل أجزل له العطاء إذا وسعه وفي الرأي، فيقال: رأي جزل أي قويّ محكم ومنه ما هنا. وقوله: (ففي الأولى) أي الجملة الأولى وهي ألم على تقدير التقدير هذه ألم إن جعلت اسماً للسورة، أو أولت نكتة، وهي ما يقتضيه الحذف، وهو من الإيجاز المستحسن، وجعله نفسه نكتة تسمحا والرمز الإشارة الخفية إلى إعجازه لتحديهم بما هو من جنس كلامهم وأصله الإشارة بالشفة أو الحاجب، وهو في الاصطلاح كناية مخصوصة، وهو المراد والمقصود هر التحدي، والتعليل هو أنهم إنما عجزوا عنه لأنه كلام الله، وليس هذا التعليل البديعي المسمى بحسن التعليل، لأنهم اشترطوا فيه أن لا يكون علة في الواقع بل أمر تخييليّ ادعائي كما في قول ابن الرومي: رأيت خضاب المرء بعد مشيبه ~ حدادا على شرخ الشيبة يلبس والجملة الثانية ذلك الكتاب، وفخامة التعريف الجنسي لإفادته للحصر لكماله، كما مرّ وإيهام الباطل في الثالثة، وهو كون غيره من الكتب السماوية محلاً للويب وهي منؤهة عنه كما هو مسلك السكاكي، فإن حملت قوله فيما مضى لأنه لم يقصد تخصيص نفي الريب بة على هذا، فالأمر ظاهر، والاً فلما كان فيه وجثان بين أحدهما فيما مضى، والآخر هنا استيفاء للنكات، وقيل: المراد بإيهام الباطل إيهام ما ليس بمقصود، وكل ما ليس بمقصود

باطل أو إبهام الريب في كتب الله أو في بعض الصور وهو باطل، وهذا هو الحامل على الوجه الأوّل لئلا يخالف ما مرّ، ومن لم يتنبه لهذا فسر. بالثاني، وفسر السابق بما مرّ، ولك أن تقول ما نحاه الزمخشريّ هو المقصود الأعظم من النظم، وما نحاه السكاكي دفعا لما يوهمه عرض الكلام، فلا منافاة بينهما وأمر الرابعة ظاهر. قوله: (وتخصيص الهدى بالمتقين إلخ) معطوف على قوله الحذف، فهو من جملة نكات الرابعة والاستئناف فيه بعيد وهذا لا ينافي قوله: وفي كل واحدة منها نكتة بالتوحيد لتعدد لنكات في كل واحدة منها، لأنه جعل مجموع ما في كل واحد واحداً لتعلقه بأمر واحد، وقيل: المعنى أنّ شيئا من تلك الجمل لا يخلو عن نكتة واحدة البتة، وهو لا ينافي الزيادة والمراد بالغاية غاية الهدى وفائدته، وهو الانتفاع به كما مر وقيل المراد بالغاية المآل ومجاز الصيرورة كتسمية العصير خمراً والفرق بينه وبين المشارفة أن مجاز الأول إن حصل على الفور نحو: من قتل قتيلاً فهو مجاز المشارفة، وإن كان بعد زمان فهو مجاز الصيرورة، فمآل الوجهين إلى أنّ المتقي مهتد لكنه علق به الهدى باعتبار المآل مشارفة، أو صيرورة إلا أنه كان الظاهر حينئذ العطف بأو دون الواو، وكونها بمعنى أو بعيد، قيل هما وجه واحد وإنّ قوله باعتبار الغاية بيان لعلاقة المجاز لشموله الصيرورة والمشارفة وتسمية إلخ بيان صنفها، وقيل: إنه حقيقة عنده والمجاز على تقدير حمل المتقين على الدرجة الثالثة للتقوى، لأنه يتقي بذلك الهدى، وقيل أوّله بناء على أنه حقيقة وما بعده مجاز فتدبر. قوله: (إيجازاً وتفخيماً إلخ) مع ما فيه من حسن المطلع بتصدير سنام القرآن، وأولى الزهراوين بأشرف عبارة وعبادة، والإيجاز لأنّ أصله الضالين الصائرين للتقوى، وهذه نكتة تجري في كل مجاز، وقيل لأنّ أصله ينفع هداه ولا وجه له، وضمير لشانه للهدى تعظيما له بأنه لا يليق أن يشد إلا إلى أشرف المخلوقين، ومنهم من أرجعه للمتقي بمعنى من هو بصدد التقوى لمدحه وجعله، كأنه متق بالفعل، ولا يرد عليه أنه لا يليق حينئذ إجراء الذين يؤمنون إلخ عليه لأنّ من هو بصدده نزل منزلة المتصف بالفعل مع أن يؤمنون وما بعده مستقبل وفي بعض شروح الكشاف البحث عن مناسبة الكلم المفرد، وان كان أرسخ في البلاغة إلا أنّ ملاحظة الإرتباط فيما بين الجمل أدق، وألطف لأنها في الأغلب بين الجمل باعتبار المعاني العقلية، وفي المفردات باعتبار المعاني الوضعية، ولا شك أنّ الأولى ألطف، وأخفى وهذا منه بناء على أنّ أحكام الفصل، والوصل تجري في المفردات، كما صرّح به عبد القاهر وأن تبادر من كتب المعاني خلافه فتأمّل. قوله: (أمّا موصول بالمتقين إلخ) ذكر فيه وجوها معلومة من كلامه، والذين يحتمل الرفع والنصب والجرّ على أنه نعت تابع للمتقين، وجوز فيه البدل وعطف البيان، والرفع والنصب على القطع المدحي بتقديرهم، أو أعني ونحوه والابتداء على الاستئناف وأولئك خبره، ثم إنّ الوصف يذكو لأمور كالكشف والتعريف وذلك إذا اتحد مفهومه بمفهوم الموصوف، كالجسم الطويل العريض العميق متحيز، والتمييز إذا كان مفهومها غير مفهوم الموصوف نحو زيد التاجر عندنا، والمدح كما في صفات الباري الذي لا يخفى على أحد ولا يشاركه شيء فيميز عنه، وقد يقصد مدح الصفة نفسها، والدلالة على أنها خصت بالذكر، لأنها أشرف من سائر الصفات كما سيأتي، وفرقوا بين المدح صفة والمدح اختصاصاً بأنّ الوصف في الأوّل أصل، والمدح تبع والثاني بالعكس، وبأنّ المقصود الأصلي من الأوّل إظهار كمال الممدوح، والاستلذاذ بذكره ومن الثاني إظهار أنّ تلك الصفة أحق باستقلال المدح من غيرها إمّا مطلقا أو بحسب المقام، والمصنف قسمها إلى مقيدة وهي ما أفادت قيداً، ومعنى لا يفهم من الموصوف وموضحة وهي بخلافها ومادحة وهي ما لا يقصد به التقييد، ولا الإيضاح وقدم الأولى لأنها الأصل الأغلب. وقوله: (موصول) أي متصل معنى يدخل فيه النعت المقطوع لأنه تابع حقيقة ومعنى، وإن خرج صورة بخلاف المستأنف، وفي تعبيره بالموصول هنا لطافة لا تخفى لما فيه من التورية. قوله: (إن فسر التقوى إلخ) قد مرّ أنّ للتقوى معنى لغويا وهو الصيانة أو فرطها وشرعيا، وله مراتب مرّ تحقيقها، وما ذكر هنا خارج عنها بحسب الظاهر، فأمّا أن يكون معنى آخر عرفياً لها، كما ذهب إليه العلامة في شرح الكشاف، والمراد بالعرف فيه عرف أهل اللغة، أو العرف العام

لا عرف الشرع حتى يعود الاستشكال، أو يقال هو من الشرعي، وان لم يكن داخلاً في قسم من الأقسام السابقة على التعيين لأنّ المقصود من تلك المراتب بيان حدّها الأدنى والأوسط والأعلى، فلا ينافي أن يكون بينها مراتب أخر مركبة أو مفردة منها، فسقط ما قيل من أنه إن حمل هذا على المرتبة الأولى، فالصفة مقيدة باعتبار الصلاة فيما بعدها، لكن لا يتعين فيه ترتيب التحلية على التخلية لأنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فتقتضي اجتناب المنكرات كلها وهي تحلية أيضاً إلا أن يتكفف وان حمل على المرتبتين الأخيرتين فليست بمقيدة، أو هو لغويّ، لأنّ التقوى في اللغة الاحتراز، وأورد عليه أنّ المراد هنا احتراز خاص فلا يكون حقيقة لغوية، ولذا قيل إنها مقيدة إن فسرت التقوى بما يناسب معناها اللغوي الذي هو الاجتناب أعني ترك ما لا ينبغي شرعاً من المعاصي والمنهيات، ولا يخفى أنه مع ما فيه لا يجدي نفعاً، كالقول بأنه نوع من اللغوي خص لاقتضاء المقام له، والحق اًنّ هذا معنى حقيقي شرعي، أو لغوي كما في الكشف، وهو الأظهر ولا يرد عليه ما مرّ، لأنه إنما يكون كذلك إذا لم يخص بتعريف بأل، أو إضافة وأمّا في ذلك، فلا مرية في أنه معنى حقيقي فرجل وغلام عام أو مطلق لو أريد به زيد وعمرو كان مجازا، ولو قيل الرجل والغلام بالتعريف العهدي وأريد ذلك، فلا وهو أشهر من أن يذكر، والمراد بالمتقي هنا من يتجنب القبائح والمنهيات سواء امتثل لأوامر وأتى بالحسنات أم لا، فالصفة مخصصة كزيد التاجر لدلالتها على ما هو خارج عن معنى الموصوف فإن قيل اجتناب المعاصي لا يتصوّر بدون فعل الطاعات لأنّ ترك الطاعة معصية، كما قال تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} [التحريم: 6] قيل إن مبنى هذا على أنّ المعصية فعل ما نهى الله عنه وأنّ الترك ليس بفعل، وقيل المراد بالمعاصي ما تعلق به صريح النهي، وترك المأمور به منهي عنه ضممناً، وأورد عليه أنّ الأوّل ضعيف لأن السائل استدل على أن ترك الطاعة معصية بآية {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} [التحريم: 6] فلا يدفعه مجرّد أن يقال إنّ المعصية مخصوصة بغير الترك على أن ترك الطاعة بمعنى الكف عنها مما يعاقب عليه، فيكون حراما والكف عن المعصية مما يثاب عليه فيكون واجبا كما تقرّر في الأصول، ويلزم الثاني أن لا تبطل التقوى بارتكاب المنهيات الضمنية المستفادة بإشارة النص أو الاقتضاء، والدلالة وليس كذلك مع أنه يختل بالواجب الذي وقع الوعيد على تركه صريحا فإنه يدخل هذا الترك في المعصية، وبالجملة لا يظهر تخصيص التقوى بما يتعلق صريح النهي به، فإنها الاحتراز عن المعصية مطلقا، وليس بوارد، لأنه ليس الكلام في أنّ هذه الأمور معصية، وان ترك المنهيات، والمعاصي مطلقاً تقوى إنما الكلام في أنها داخلة في مفهوم هذه التقوى أم لا وعلى الثاني، فلزوم اجتنابها مفهوم من الصفة المقيدة، وعلى كل حال فلا بدّ من اجتنابها، ولكن هل يؤخذ هذا من الموصوف، أو من الصفة وعلى كل لا محذور فيه حتى يرد على ما أورده. قوله: (بترك ما لا ينبغي الخ) ينبغي مطاوع بغاه يبغيه إذا طلبه، ويكون لا ينبغي بمعنى لا يصح، ولا يجوز وبمعنى لا يحسن، وهو بهذا المعنى غير متصرف لم يسمع من العرب إلا مضارعه، كما في قوله تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ} [يس: 40] وقد قيل إنه يدخل فيه ترك الكفر، وترك العقائد الفاسدة، وجميع المناهي والإخلال بالأعمال الصالحة، وترك الكفر عين الإيمان، وإلا لزم ثبوت المنزلة بين المنزلتين، وأمّا دخول جميع الأعمال فقد مرّ مع جوابه، ومن تخلى عما ذكر يجوز تحليه بالطاعات وعدم تحليه بها فلهذا كانت هذه الصفة على هذا مقيدة وقد علم مما مرّ أنه مما ينبغي فكان عليه أن يقتصر على المناهي فافهم ترشد. (تنبيه في فائدة مهمة) قال الآمدي رحمه الله في ابكار الأفكار: الترك في اللغة يطلق على عدم الفعل يقال ترك كذا إذا لم يفعله سواء تعرّض لضده أم لا، سواء كان له قصد أم لا كالنائم والغافل، ولا مانع منه لغة وخالفه بعض المتكلمين فشرط أن يكون الفعل مقدوراً له في العادة، فلا يقال ترك خلق الأجسام، وقد يطلق الترك على مقدور مضاف لمقدور آخر عادة نحو ترك الحركة بالسكون وعكسه وعلى هذا إن أوجبنا ربط الثواب، والعقاب بالأفعال، فلا يكون مرتبطا بالترك بمعنى عدم الفعل بالاصطلاح الأصولي، وان لم نوجب ارتباطه بالفعل بل جوزنا نصب العدم علامة على الثواب والعقاب، فلا مانع من ارتباطه بالترك بالمعنى اللغوي على كلا الاصطلاحين فيمتنع إطلاق ترك خلق العالم في الأزل

عليه تعالى إذ تحقق أنه في الأزل غير مقدور، ويخصى امتناع ذلك على الاصطلاح الأصولي إذ الترك لذلك فعل مضاف لخلق العالم، وتقدير فعل الله تعالى في الأزل اهـ ومنه علم أنّ الترك فيه خلاف هل هو عدم صرف أم لا، فليكن هذا على ذكر منك، فإنه ينفعك في مواضع كثيرة. قوله: (ترتب التحلية على التخلية) الترتب في كلام المصنفين التفرّع على الشيء، ووقوعه بعده مطلقا أو بحيث يكون الأوّل مقتضياً للثاني بسببية ونحوها، والذي في كتب اللغة رتب رتوباً إذا ثبت، ولم يتحرّك كترتب، فهذا مجاز يظهر وجه التجوّز فيه بالتأمّل، والتحلية الأولى بالحاء المهملة بمعنى التزين من الحلي، والثانية بخاء معجمة من الخلوّ والتفريغ هذا هو الصحيح رواية ودراية، لأنّ ما أريد تزييته، بنقش ونحوه ينظف ويفرغ، ثم يزين وما في بعض الحواشي من أنّ هذه تجلية بالجيم، وأنّ التجلية بالجيم داخلة في التخلية بالمعجمة، لأنه تنظيف الصدإ وما ضاهاه وفسرها بتصفية الباطن عن الكدورات ورذائل الأخلاق، والتوجه إليه تعالى فمن صقل باطنه تحلى بالصور الحقة الفائضة من المبدأ الفياض، وهو بالخاء المعجمة المرتبة الأولى، وهي تهذيب الظاهر عما لا ينبغي، والتصوير والتصقيل إشارة إلى مرتبة التجلية بالجيم، فتجتمع المراتب الثلاث اهـ تعسف نشأ من لفظ التصقيل لاتحاد الصفاء، والجلاء وإنما أراد المصنف تالتخلية ترك ما لا ينبغي، وبالتحلية فعل ما ينبغي، وهو معنى قول الإماء كمال السعادة لا يحصك إلا لترك ما لا ينبغي، وفعل ما ينبغي، فالترك هو التقوى، والفعل إمّا فعل القلب، وهو الإيمان أو فعل الجوارح، وهو الصلاة والزكاة، وقدم التقوى لأنّ القلب كاللوح ألقابل لنقوش العقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة، واللوح يجب تطهيره أوّلا عن النقوش الفاسدة نتمكن إثبات النقوش الفاضلة، فلهذا قدم ترك ما لا ينبغي على فعل ما ينبغي اهـ فالتصوير والتصقيل بيان للتحلية، والتخلية إلا أنا لم نر التفعيل من الصقل في كتب اللغة، ولا في كلام من يوثق به، وقد يقال: إنه للازدواج والمشاكلة، وقيل نقل لباب التفعيل ليفيد المبالغة. قوله: (أو موضحة إلخ) يجوز فيه تخفيف الضاد وتشديدها على أنه من الأفعال أو التفعيل، وهو مرفوع معطوف على قوله مقيدة، والضمير المستتر ثمة في إن فسر للتقوى وذكره نظرا للفظ أو الاتقاء وهذا هو المرتبة الثانية من المراتب الشرعية وفي الكشاف يحتمل أن ترد على طريق البيان والكشف، وهو مراد المصنف أيضاً إذ الموضح يطلق على مقابلة المخصمى، ولا يلزم فيه المساواة وعلى الكاشف الذي هو كالتعريف ولا بدّ فيه من المساواة تصريحاً أو تلويحا، وهو المراد هنا، كما في شروح الكشاف، فمن قال لا حاجة في كونه موضحاً إلى جعل الإيمان والصلاة والصدقة مشتملة على جميع العبادات، لأنه يكون أعم، والوصف بالأعم كالوصف بالمساوي يفيد التوضيح كزيد التاجر فقد غفل عن الفرق بين الاصطلاح واللغة، وفي شرح المفتاح الشريفي إن حمل المتقي على معناه الشرعي أعني الذي يفعل الواجبات بأسرها، وترك السيئات برمتها، فإن كان المخاطب جاهلاَ بذلك المعنى كان الوصف كاشفاً وان كان عالماً كان مادحاً وان حمل على ما يقرب من معناه اللغوي كان مخصصاً. قوله: (لاشتماله على ما هو أصل الأعمال) ضمير اشتماله للوصف، وهذا جواب عن سؤال تقديره أنّ الصفة الموضحة كالتعريف فينبغي أن تستوفي الطاعات والاجتنابات كلها وتقريره ظاهر، وهذا معنى ما في الكشاف من قوله لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من فعل الحسنات وترك السيئات أمّا الفعل فقد انطوى تحت ذكر الإيمان الذي هو أساس الحسنات ومنصبها، وذكر الصلاة والصدقة لأنّ هاتين أمّا العبادات البدنية والمالية، وهما العيار على غيرهما إلا أنه قيل إنّ في الكشاف لطيفة خلا عنها كلام المصنف رحمه الله، وهي أنه جعل الإيمان أصل العبادة، وأساسها لتوقف صحتها عليه مع عدم انفكاكه عنها وجعل الصلاة والصدقة أمي العبادات البدنية، والمالية لا أساسها، فإنهما وان كانا أصلين لها لا يتوقف صحتها على صحتهما لعدم توقف الولد على الأم بقاء بخلاف الأساس، وهذه النكتة صاحب الكشاف أبو عذرتها وتبعه من بعده كالشريف في شرح المفتاح وغيره، وقيل: إنّ الإيمان بيان لأساس الحسنات، والصلاة والصدقة بيان للأصل بمعنى الأمّ على اللف والنشر غير المرتب، فهو مشتمل على تلك النكتة ولا

يخفى أنه خفيّ مشوّس، وعلى هذا فالأساس مغاير للاصل وعلى الأوّل هما بمعنى، ويؤيده قوله: فإنها أمّهات جمع أمّ، وهي يتجوّز بها عن المبدأ، والمتقدّم وعن المشتمل المحتوي لمشابهته لها في ذلك، وعن الأصل والمعزف لأنّ الشيء يعرف بأصله، ونسبه وعما يتوقف عليه الوجود، أو يضاهيه كالصحة، وهو المراد هنا وقال الطيبي رحمه الله: الأعمال إمّا قلبية: وأعظمها اعتقاد حقية التوحيد، والنبوّة والمعاد إذ لولاه كان كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، أو بدنية: وأصلها الصلاة لأنها الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي عمود الدين والأمّ التي تتشعب منها سائر الخيرات، والمبرات أو مالية، وهي الإنفاق لوجه الله وهي التي إذا وجدت علم الثبات على الإيمان، والنفسانية نسبة للنفس على خلاف القياس كما يقال روحاني، وكثيراً ما يزاد في النسب ألف ونون للمبالغة أو الفرق، والأعمال جمع عمل، وهو الفعل الصادر بالقصد فلذا لا ينسب للجماد والغالب فيه استعماله في أفعال الجوارح الظاهرة وقد يطلق على غيرها كما هنا. قوله: (المستتبعة لسائر الطاعات) الاستتباع هنا بمعنى اللزوم العرفي المقتضي لوقوع غيره تبعا له كالفروع للأصول وهذا بيان لاشتماله على جميع العبادات قلبياً وقالبياً فعلاً وتركا حتى يتم كونه كاشفاً ومحددا لموصوفه، وقيل لأنه كناية عن فعل جميع الحسنات، وترك جميع السيئات كما قرّروه، وقيل: في ذكر هاتين العبادتين وجعلهما دليلاً فائدتان الاختصار والإفصاح عن فضلهما بانهما أصلان تبعهما ما سواهما، فلا حاجة إلى ذكره معهما فسائر العبادات مفهومة تبعا لا داخلة فيما استعمل فيه اللفظ، وكذا ترك السيئات ومنهم من زعم أنه كناية وحينئذ تكون الطاعات بأسرها مذكورة بلفظ بعضها، فلا ينحصر المذكور فيما هو عنوان لها، وهو مخالف لما يتبادر من عبارة الكشاف ولا حاجة إليه فإنّ المعاني التبعية لم تستعمل فيها الألفاظ، وليست أيضا أجزاء لما استعملت هي فيها وردّ بأنّ اعتبار الكناية غير مناف لما ذكره المصنف من أنّ المذكور في الآية، كالعنوان لسائر العبادات، فتجرّها وتستتبعها فإن ذلك بالنظر إلى أصل الوضع والمعنى المكنى عنه (لا يقال الا حاجة إلى اعتبار الكناية، فيكفي فهم سائر العبادات تبعاً بلا استعمال (لأنا نقول الا يخفى أنّ الكشف عن مفهوم المتقين يحصل بجميع الصفات بلا مزية لبعض على الباقي في ذلك الكشف، وان كان بعضها أكمل في نفسه من سائرها، وهذا البعض يستلزم الباقي في الوياقع، ولا يخفى إنّ المتبادر من الاستتباع اللزوم وليس بمجاز فيكون كناية، وكلامه لا ينافيه لأنه كالعنوان لا عنوان فلا حاجة لتأويله بما ذكره، وكلامه قدس سرّه مبني على دلالة الكلام بغير الطرق الثلاثة الحقيقة، والمجاز والكناية وسيأتي ما فيه ومن هنا علم حال ما قيل من أنّ ذكر الصلاة، والزكاة من باب إطلاق البعض على الكل وشرط مثله من المجاز إيراد أشرف ما في ذلك الشيء لأنّ معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله لتضمن هذا المعنى أفضلية هاتين العبادتين، ولهذا قال مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين أي لزم من ذلك هذا على سبيل الادماج، وامنا على الثاني، فلم يذكر المذكورات لاستجلاب الغير بل هي المرادة أوّلاً وإنما ترجح ذكرها لفضلها على غيرها اهـ وعبر بالصدقة ليعمّ الزكاة وغيرها. وقوله: (غالباً) قيد للمستتبعة للأمرين، فإنّ استتباع الأصول للبواقي ليس أمراً كلياً تحقيقيا، كما لا يخفى. قوله: (ألا ترى إلى قوله تعالى إلخ) هو بيان لاستتباع التجنب وقدمه وان كان المبين به مؤخراً، لظهور دلالته على ما قصد، ولشرف الآية-- اد الحديث وفيه إيماء إلى ضعفه كما سيأتي وسيأتي معنى الآية في محلها. وقوله: (الصلاة عماد الدين (1) إلخ) بيان لاستتباع سائر الطاعات، ففيه لف ونشر غير مرتب، وليس هذا حديثاً واحدا، وان أوهمه كلام المصنف لا بل حديثان، وقال الإمام النوويّ في شرح الوسيط: إنّ الأوّل حديث منكر باطل وقال ابن حجر ليس كذلك فقد أخرجه أبو نعيم عن بلال بن يحيى مرفوعاً، وهو مرسل وسنده رجال ثقات إلا أنّ لفظه " الصلاة عمود الدين) وأخرجه بلفظ " الصلاة عماد الدين " البيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعاً بسند فيه انقطاع، وقال الحافظ العراقي: أخرجه الديلمي أيضاً في الفردوس عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عته، وفي معناه حديث الترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه

" رأس الأمر الإصلام وعموده الصلاة " (2) وأمّا حديث " الزكاة قنطرة الإسلام " (3 (فأخرجه الطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً بسند ضعيف، والعماد الدعامة من عمدت الحائط إذا دعمته والعمود معروف والقنطرة الجسر، وما ارتفع من الأرض وفي كتب الفقه أنّ الجسر ما يوضع ويرفع، والقنطرة ما يحكم كما في فتاوى قاضيخان، فكأنه معنى عرفيّ عندهم والدين الشريعة والإسلام، والإيمان متقاربان والكلام عليهما مفصل في الكتب الكلامية، وكون " الصلاة عماد الدين على التشبيه أو الاستعارة لأنها أشرف أعماله التي لا تسقط فرضيتها إلا نادراً) الزكاة قنطرة لأنّ مؤدّيها طهر ماله ونفسه وبين خلوصه، والقنطرة كالجسر يستعار للموصل كما قال أبو تمام: لا يطمع المرء أن يجتاب لجته ~ بالقول ما لم يكن جسراً له العمل فإن قلت: وقع في الحديث الصحيح المشهور " بني الإسلام على خمس " وعدّ منها الزكاة فيه، فجعلت ثمة عمادا داخلة وهنا قنطرة خارجة عنه فما النكتة فيه قلت: هو تجوّز لا حجر فيه، فمن حيث أنها من شعائر الإسلام تعدّ ركنا منه ومن حيث أنّ المال بصرفه يجعل بازله داخلاً في الإسلام تعد قنطرة أو ذاك باعتبار من رسخ إصلامه وقدم، وهذا باعتبار من حدث إيمانه فتأمّل. قوله: (أو مسوقة للمدح بما تضمته) أي المتقون وفي نسخة أو مادحة بما تضمنه، والمعنى واحد وهو معطوف على مقيدة أو موضحة، وترك كونها مؤكدة كنفخة واحدة لأنّ التاسيس أولى لا سيما إذا اشمل على نكتة. وقوله: (وتخصيص الإيمان إلخ) إشارة إلى جواب سؤال تقديره لم اختص المدح بهذه دون غيرها مما تضمنه. وقوله: (إظهار) أقحم لفظ الإظهار الحماء إلى أنها في الواقع كذلك، وأنّ في الوجه الأوّل إشارة إليه أيضا، وإنما الفرق بينهما بالقصد وعدمه، فلا يقال إنه يجوز جعل وجه التخصيص ما مرّ من كونها أمهات وأصولاً، مع أنه مناسب للاستتباع دون المدح كما لا يخفى وقيل إنّ في قوله مسوقة إشارة إلى أنه أقل من أخوبه، ولذا أخر. لأنّ لفظ السوق يشعر بأنه لا يفيده بنفسه ولذا غير الأسلوب. وأعلم أنّ من الناس من قال: إنّ كون الذين يؤمنون مادحاً إنما يحسن إذا حمل المتقين على حقيقته دون المشارفة إذ ليس الإيمان، وما بعده حاصلاَ للضالين الصائرين للتقوى فجعل الصفة كاشفة إذا أريد بالتقوى ما في المرتبة الثانية، وجعلها مخصصة على الأولى وإذا جعلت مادحة فالمراد ما هو في المرتبة الثالثة. وقيل: إن كان المخاطب جاهلاَ بالمعنى فالصفة موضحة والاً فهي مادحة، وفيه ما فيه كما سيأتي قريبا فتدبر. قوله: (أو على أنه ماخ منصوب إلخ) الجاز والمجرور معطوف على الجارّ والمجرور السابقين في قوله على أنه صفة مجرورة وجعل المصنف رحمه الله المنصوب والمرفوع موصولاً بما قبله كالمجروو، لأنهما تابعان له معنى وصفة له بحسب الأصل، وان خرجا صورة ولفظا، ولذأ سماه النحاة قطعا بخلاف المستأنف، ووجه دلالته على ما قصد به في الاتباع، والقطع من المدح ونحوه أنه صفة حميدة علم ثبوتها فيفهم عها ذلئا، وقيل: إنّ هذا علم من تغييو الإعراب لأنّ تغيير المألوف يدل على زيادة ترغيب في استماعه ومزيدى اهتمام لشأنه لا سيما مع التؤام حذف الغععل، أو إ أحبتدأ ولا يخفى أنّ دلالة الإعواب المقدّو على ذلك غير ظاهرة مع أنها مادحة على الاتباع أيضا كما صرحت به أيضاً متون العربية، وفي قوله هم الذين تسامع لأن المقدر هم فقط*قوله:) وإمّا مفصول إلخ) معطوف على قوله موصولى، وإنما انفصك لأنه قصد الإخبار عنه بما بعده لا إثباته لما قبله وان فهم ذلك ضمنا فهو، وان لم يجر عليه كالجاري ويكفي هذا في ارتباط الكلام سواء كان الاستئناف نحوياً أو بيانياً، فيكون جواباً عن سؤال تقديره ما بال المتقين خصوا بذلك الهدى، فلا يتوهم ضعف هذا الوجه لعدم الارتباط فيه كما نقل عن أبي حيان، ولا إنّ الظاهر على هذا إنّ بينهما كمال الانفصال، وتقدير السؤال يقتضي الاتصال وكونه كالجاري عليه لا ينافي كون الوقف تاماً كما ستسمعه قريبا، وقال قدس سرّه: حاصل ما قرّره من الاحتمالات أنّ المتقي إن حمل على المعنى الشرعي، فإن كان خطاباً لمن عرف مفهومه مفصلاَ كانت الصفة مادحة، والاً كاشفة وأن حمل على مجتنب المعاصي كانت مخصصة، ولما كان الاستئناف أرجح لم يكن في الترجيح بين هذه الأقسام

فائدة، ثم إنّ المتقين إن أريد بهم المشارفون لم يحسن أن يجعل الذين يؤمنون بالغيب صفة، ولا مخصوصاً بالمدح نصباً أو رفعاً ولا استئنافاً أيضا، لأن الضالين الصائرين إلى التقوى ليسوا متصفين بشيء مما ذكر، وحمل الكلام على الاستقبال والمشارفة يأبا. سياق الكلام عند من له ذوق سليم اهـ. وقيل: يمكن دفعه بأنّ في هذا النوع من المجاز زمانين زمان النسبة وزمان إئبات النسبة، واعتبار المشارفة بالنظر إلى زمان نسبة الهدى واعتبار حقيقة التقوى بالنظر إلى زمان إثبات الهدى فلا إشكال، ونظيره أن يقال قتلت قتيلاً كفن في ثوب كذا ودفن بموضع كذا، فإنّ اعتبار المشارفة بالنظر إلى زمان نسبة القتل واعتبار حقيقة القتل، والتكفين والدفن بالنظر إلى زمان إثبات نسبة القتل، وقيل: أيضاً يمكن أن يكون المتقين مجازاً بالمشارفة، والصفة ترشيحاً له بلا مشارفة، ولا تجوّز أصلأ كما هو المعهود في ترشيح المجاز والاستعارة. (أقول الا يخفى ما في هذا أمّا الآوّل فلأنّ أهل الأصول اختلفوا في أنّ المعتبر زمان الحكم، أو زمان التكلم، ورجحوا الأوّل، وما ذكره هذا المجيب منتحت من القولين، فهو بناء على غير أساس، وسقوطه ظاهر بلا التباس. وأمّا الثاني فهو إن لم يبعد عن الصواب إلا أنه مسلم للإشكال وتوجه وروده وليس كذلك لأنا إن حملنا المتقين على حقيقته فظاهر وان حملناه على المشارفة فالمشارفة ثابتة في الحال والتقوى الحقيقية عقبه، كما هو شأن المشارفة فلتعقبها لها، كأنها واقعة فيمدح صاحبها بما يتصف به بعد ذلك في المستقبل من غير محذور، وإذا علم المخاطب ثبوت وصف حميد في المستقبل لموصوف، فما المانع من المدح به كما يقول المؤمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الشفيع في المحشر، فالإشكال ليس بوارد أصلاً. قوله: (فيكون الوقف إلخ) قال السخاوندي: الوقف إمّا لازم، وهو الذي إذا وصل غير المعنى المراد نحو وما هم بمؤمنين يخادعون الله لأنّ القصد نفي الإيمان ولو اتصل لم يفد.، ومطلق وهو ما يحسن الابتداء به وهو الذي عناه العلامة بقوله مقتطع، وجائز وهو ما استوى وصله وفصله وهو المراد بقوله حسن غير تامّ لأنّ اعتبار الوصفية يقتضي الوصل، واعتبار الفاصلة يقتضي الفصل، وفي الكشف اعتبار الفاصلة في الوقف لا يقول به السخاوندي والكواشي، والظاهر أنّ مثله يجوز في الآيات إذا قصد البيان خاصة لما مرّ من أنّ التامّ عند القرّاء والزمخشريّ هو الوقف على جملة مستقلة لا ترتبط بما بعدها، وأمّا الحسن فقيل: هو الوقف على جملة لها ارتباطاً بما بعدها ارتباطاً لا يمنع الاستقلال، وقيل الوقف على كلام مستقل بعده ما لا يستقل كالحمد لله وفي تسميته حسناً نظر، وعلى القطع هو في المعنى وصف، فلذا كان الوقف غير تامّ واعترض بأنه على تقدير كونه مبتدأ خبر. أولئك ينبغي أن يكون الوقف غير تامّ أيضاً لأنه استئناف على تقدير سؤال نشأ عما قبله فهو كالجاري عليه معنى، فلا فرق بينه وبين النعت المقطوع وأجيب بأنه لم يتغير في المقطوع ما قصد من إجرائه عليه في المعنى بخلاف الاسنئناف، فإنّ المقصود فيه الاخبار عنه بما بعده وان فهم وصفه به ضمنا فليس جاريا عليه معنى ورذ بأنّ ما فهم عن الزمخشريّ في تعريف التامّ، ونقل عن القرّاء كما مرّ غير صادق على المستأنف فإنه مرتبط بالمستأنف عنه معنى كما صرّح به المجيب، ولا يخفى أنّ الارتباط من الثاني لا الأوّل، والمعتبر في التامّ عكسه فتأمل. قوله: (والإيمان في اللغة التصديق) وفي نسخة عبارة عن التصديق، فالإيمان أفعال من الأمن، وقد كان متعدياً فتعدى بالهمزة لاثنين كامنته غيري أي جعلت غيري آمناً منه، وقيل إنّ همزته تحتمل أن تكون للصيرورة كاغد البعير إذا صار ذا غدة وقول المصنف رحمه الله كأنّ المصدق إلخ يشير إلى الأوّل، وقوله بعده صار ذا أمن يشير إلى الثاني، واستعماله متعدياً لاثنين يأباه، وما توهمه وهم فإنه معنى آخر، وهمزة التعدية فيها معنى الصيرورة بمعنى الجعل كما لا يخفى، واستعماله في التصديق إمّا مجاز لغوي لاستلزامه إيا. لأنّ من صدقك أمنك تكذيبه كما يشعر به كلام الكشاف أو حقيقة لغوية، كما في الأساس ووفق بينهما بأنّ كلامه في المعنى الحقيقيّ الذي وضع له اللفظ أوّلاً في اللغة، ثم وضع فيها لمعنى آخر يناسبه، وهو دأبه في تحقيق الأوضاع الأصلية وبيان مناسبات المعاني اللغوية بعضها لبعض مع كون اللفظ حقيقة لغوية في كل منهما

فلا خلاف بين كلاميه وهو الحق ولذا قال المحقق في شرح المختصر: إنه في اللغة التصديق بالإجماع، وقال الراغب: الإيمان التصديق الذي معه أمن، وإذا كان مجازا فالمناسبة بينه وبين المعنى الأصليّ مراعاة وكذا إذا كان منقولاً، ولذا قال المصنف رحمه الله مأخوذ من الأمن. قوله: (كأنّ المصدّق) بكسر الدال أمن المصدق بفتحها، وأتى بكأنّ إشارة إلى أنه قطع فيه النظر عن معناه الأصليّ فلا يخطر ببال من يستعمله إلا نادرا، وهذا دأبهم فيما لا يظهر فيه مراعاة المعنى الأصلي، ولخفائه هنا أنكره بعضهم ولا وجه له وبهذا التقرير سقط ما قيل: هنا من أنه إن أريد به الأمن من تكذيب المصدّق فهو محقق فلا وجه لقوله: كأنّ وان أريد الأمن من تكذيب غيره فهو غير صحيح، وقد يقال ة الأمن في الحال لا يستلزم الأمن في الاستقبال، فيجوز أن يكون ذكر كأنّ باعتباره أو إشارة إلى أنّ الظن في مثله كاف. وقوله:) وقد يجيء بمعنى الوثوق) وفي نسخة " وقد يطلق) وهما بمعنى وهذا أيضاً مأخوذ من المعنى الأوّل. وقوله بمعنى الباء صلة أو بمعنى في وقيل إنّ الجار والمجرور حال لأنّ الإطلاق لا يتعدى بالباء، وهذا المعنى محتمل لأن يكون مجازاً أو حقيقة، وقد ذهب إلى كل منهما بعض الشراح والظاهر الثاني وقوله ما أمنث أن أجد صحابة حكاه أبو زيد عن العرب، وأنه يقوله ناوي السفر إذأ عوّقه عنه عدئم الرفيق أي ما وثقت أن أظفر بمن أرافقه فأمنت فيه بالمدّ لازم أو متعدّ لواحد، وأن أجد منصوب محلاً والظاهر أنه على نزع الخافض أي بأن أجد، فإنّ حذفه فيه مطرد وهذا هو الصحيح وصحابة بفتح الصاد ويجوز كسرها في الأصل مصدر يقال صحبه صحابة وصحبة ثم جعل جمع صاحب، أو اسم جمع له على الأصح وهو المراد هنا. قوله: (من التكذيب والمخالفة) تبع فيه الزمخشريّ وقال السكوتي في كتاب التمييز الذي بين فيه ما في الكشاف من الدسائس الاعتزالية إنّ قوله المخالفة المراد به مخالفة الشرع بالكفر، وارتكاب الكبائر فإنّ مرتكبها عندهم غير مؤمن مخلد في النار وان لم يطلقوا عليه أنه كافر، ولك أن تقول إنه عطف تفسيري والمراد به مخالفة خاصة بالكفر، فلا يرد عليه ما ذكر، ولو تركه كان أولى. قوله: (وتعديته بالباء إلخ الما ذكر أنه بمعنى التصديق، وهو متعدّ بنفسه وجه تعديته بالباء بما ذكر، وتضمنه يكون بمعنى يدل عليه ضمنا وبمعنى التضمين المصطلح عليه، وكلامه محتمل لهما إلا أنهم اقتصروا على الثاني هنا لتبادره، والتضمين المصطلح كما قال السيد السند أن يقصد بلفظ فعل معناه الحقيقيّ، ويلاحظ معه معنى فعل آخريناسبه ويدل عليه بذكر صلته كأحمد إليك فلاناً أي أنهى حمده إليك، وفائدة التضمين إعطاء مجموع المعنيين فالفعلان مقصودان معاً قصداً وتبعاً قال المصنف رحمه الله: من شأنهم أن يضمنوا الفعل معنى فعل آخر فيجرونه مجراه فيقولون هيجني شوقا معدّى إلى مفعولين، وان كان معدى بإلى لتضمنه معنى ذكر المشدّد واختلفوا فيه فذهب بعضهم إلى أنّ المضمن مراد بلفظ محذوف يدل عليه ذكر متعلقه، فتارة يجعل المذكور أصلاً في الكلام، والمحذوف قيدا فيه على أنه حال كقوله: {وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] أي حامدين وتارة يعكس فيجعل المحذوف أصلاً، والمذكور مفعولاً كما مرّ في أنهي حمده، أو حالاً كما في {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أي يعترفون مؤمنين به، ولما كانت مناسبته للمذكور بمعونة ذكر صلته قرينة على اعتباره جعل كأنه في ضمنه، ومن ثمة كان جعله حالاً وتبعا للمذكور أولى من عكسه، وما توهم من أنّ ذكر صلة المتروك يدل على أنه المقصود أصالة مدفوع بأنّ ذكرها إنما يدل على كونه مرادا في الجملة إذ لولاه لم يكن مراداً أصلاً، وذهب آخرون إلى أنّ كلا المعنيين مراد بلفظ واحد على طريق الكناية إذ يراد بها معناها الأصلي ليتوسل بفهمه إلى ما هو المقصود الحقيقيّ، فلا حاجة للتقدير إلا لتصوير المعنى، وفيه أنّ المعنى المكنى به قد لا يقصد ثبوته وفي التضمين يجب القصد إليهما والأظهر أنّ اللفظ مستعمل في معناه الأصلي قصداً وأصالة لكن قصد بتبعيته معنى آخر يناسبه من غير أن يستعمل فيه اللفظ، أو يقدر له لفظ آخر فلا يكون إضمارا ولا كناية بل حقيقة قصد بمعناها الحقيقيّ معنى آخر يناسبه، ويتبعه في الإرادة وحينئذ يكون معنى التضمين واضحاً بلا تكلف إلى هنا ما أفاده قدس سرّه. (وفيه بحث حا وجوه) : (الأؤل)

أنّ اعتراضه بقوله إنّ المعنى المكنى إلخ لا اتجاه له إذ لا يبعد أن يلتزم في بعض الكنايات شيء، ولذا سمي باسم خاص ومنه علم أصاً أنه لا يرد على الوجه الأوّل إنه من قبيل الحذف لقرينة، فلا معنى لتسميته تضميناً. (الثاني) أنّ ما استظهر. بعيد لجعل المتعلق معمولاً من غير تقدير عامل لمجرّد فهم معناه لا سيما نصب المفعول، واعمال المذكور فيه من غير استعماله في معناه، ألا ترى أنه لا ينصب بحرف التنبيه فهذا أولى. (الثالث) أنه يرد على الوجه الأوّل في صورة جعله مفعولاً أنّ فيه جعل الجملة مفعولاً ومعمولاً لما لا يعمل في الجمل، وتاويله بالمصدر من غير سابك مخالف لأحكام العربية، ثم كون المقدّر تابعا للمذكور أولى عنده وقد عكسه المدقق في الكشف وناهيك به، وقد تبعه هو في شرح المفتاح في أوّل القانون الأوّل، وتخصيص التضمين بالفعل في عبارته لا ينبغي فكأنه الأصل الغالب وهكذا الناس مع الغالب، وأيضا هو لا ينحصر في الطرق المذكورة ألا ترى إلى تقديرهم التضمين في قوله: {الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187] بالرفث، والإفضاء بالعطف وهو لم يذكر في طرقه، ومن تتبع موارد الاستعمال وجد له طرقا كثيرة، وقد ذكرنا طرفا منها في كتابنا طراز المجالى، وما قيل: من أنّ الأحسن أن يقال ويدل على الثاني إئا بذكر شيء من متعلقاته كما مرّ، أو حذف شيء من متعلقات الأوّل كما في قوله: هيجني شوقاً بحذف إلى ليس بشيء لأنّ المفعول الصريح معمول المحذوف، ومعمول المذكور لم يتعرّض له وليس من مهمات التضمين. (الرابع) أنّ ما ارتضاه مبنيّ على أنّ اللفظ قد يدل على معنى دلالة صحيحة بغير الطرق الثلاثة الحقيقة والمجاز والكناية، وفيه ما لا يخفى من أنّ مستتبعات التراكيب لا يمكن إنكارها، فإنها الشمس في وسط النهار إنما النظر في كونها مقصودة منه بدون الطرق الثلاث، وكونها عاملة في المتعلقات مما لا يعهد مثله في بليغ الكلام، فإن قلت كيف يكون مضمنا معنى الاعتراف، وقلما يوجد في الكلام آمنت الله بل لم يسمع أصلاً للزوم الباء فيه، وقد قال نجم الأئمة الرضى أنه إذا كان الغالب في فعل التعدية بحرف فهو لازم متعد بالحرف وأيضاً اعتبار الاعتراف يشعر بلزوم الإقرار باللسان في الإيمان شرعا على ما سيأتي بيانه فيه قلت: هذا ما أورد. بعض الفضلاء، ولم يجب عنه ولا يخفى اندفاعه فإنه مجاز وقد أجازوا فيه أن يلتؤم، وتهجر الحقيقة فأيّ مانع هنا مما ذكر خصوصاً واللزوم إنما نشأ من نقله شرعا إلى هذا المعنى مع أنه غير مسلم، ولزوم الإقرار فيه مما ذهبوا إليه في بعض المذاهب فتأمّل. قوله: (وكلا الوجهين حسن في يؤمنون بالغيب (أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق، فالوثوق بمعنى اعتقاد حقيته وهذا بالنظر إلى المعنى اللغوي، وأمّا بالنظر إلى المعنى الشرعي، فالحمل على التصديق ظاهر الجرحان للإجماع على أنّ الإيمان المعتبر نفس التصديق، أو هو داخل فيه كما في الكشف. قوله: (وأمّ في الشرع إلخ) لما كان المعنى الشرقي منقولاً من اللغوي قدمه، وبين أنّ حقيقته الأصلية جعله آمنا وقد يكون بمعنى الوثوق حقيقة، ثم إنه صار في عرف اللغة حقيقة في التصديق، وضمن معنى الاعتراف، وأمّا الشرقي فاختلف فيه أهل القبلة على عشرة أقوال أصحابها فرق أربع على ما فصله الإمام، فهو منقول من مطلق التصديق إلى التصديق بأمور مخصوصة، كما عرف في مثله من الحقائق الشرعية، والتصديق هو الإذعان والتسليم والرضا به من غير تردد وشك فيه لا مجرّد العلم والمعرفة، إذ من الكفار من يعرف الحق ولا يقرّ به عناداً، والضرورة ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال بحيث تعلمه العامّة، وهو العلم الضرورفي المراد هنا فكونه من الدين ضروريّ، وأن كان في نفسه يتوقف على النظر والاستدلال، ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالاً ولا يشترط التفصيل إلا فيما يلاحظ تفصيلاً حتى لو لم يصدق بوجوب الصلاة عند السؤال عنه، ومجرمة الخمر إذا سئل عنها كان كماقراً، وقيل: هو التصديق بالقلب واللسان، وهو منقول عن أبي حنيفة، ومشهور عن أصحابه ومحققي الأشاعرة فهما ركنان له إلا عند العجز قال ابن الهمان: والاحتياط واقع عليه، وذهبت الكرّامية إلى أنه الإقرار باللسان فقط، فإن طابق القلب فهو ناج والأ فهو مخلد في النار، فإن قلت ما المراد من التصديق بما اشتهر كونه من الدين بحيث تعلمه العاثة من غير نظر واستدلال، فإن أريد

التصديق بجميع ذلك لزم أنّ من صدق بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ولم يصدّق بغير ذلك لأنه لم يبلغه لأنه في دار الكفر أو لقوب عهده بالإسلام لا يكون مؤمناً، وهو مؤمن بالإجماع، وإنما الخلاف في الإيمان المجمل، وهو أن يقول آمنت بالله كما هو بأسمائه وصفاته وقبلت جميع أحكامه، وان أريد التصديق في الجملة، ولو ببعضه كالتوحيد فهو غير كاف بالإجماع قلت قد أورد هذا بعض الفضلاء، وأجاب عنه بأنّ المراد التصديق بجميع ذلك بشرط بلوغ الخير إليه وعلمه بكونه من ضروريات الدين، وفيه بحث فتدبر. قوله: (ومجموع ثلانة أمور إلخ) هو مرفوع معطوف على التصديق في قوله فالتصديق إلخ وأن المراد بالحق هنا هو الله بل خلاف الباطل وتعريفه للعهد لأنّ المراد به ما مز، وهو المعلوم من الدين بالضرورة، وقيل: هو الحكم الثابت بالشرع علميا كان او عمليا، ولا يخفى أنه لا يصح على إطلاقه، فلا بد مما قلناه والاعتقاد افتعال من العقد، وهو عقد القلب أي الجزم به، وهو مجاز صار حقيقة عرفية وفي بعض النسخ ومجموعة ثلاثة أمور بالإضافة إلى الضمير الراجع للإيمان وليست سهواً كما توهم. نعم الأولى أولى رواية ودراية، والمراد بالإقرار ما يعتبر شرعاً وهو كلمة الشهادة والعمل فيما إذا كان عملياً ولم يقيد به لظهوره، فإن قلت إن أراد أن أصل الإيمان ما ذكر فمذمب السلف من المحدثين ليس كذلك لعدم تكفيرهم لمن أخل ببعضها، ولا واسطة والاً كان عين المذهبين الآخرين وان أراد أنه الكامل منه لم يتفرع عليه ما ذكر، ولذا قيل الظاهر أن يأتي المصنف بالواو مكان الفاء قلت قال: بعض المدققين أنّ من جعل الأعمال جزءاً من الإيمان منهم من جعلها داخلة في حقيقته حتى يلزم من عدمها عدمه وهم المعتزلة، ومنهم من جعلها أجزاء عرفية لا يلزم من عدمها عدمه كما يعد في العرف الشعر والظفر واليد والرجل أجزاء لزيد مثلاً، ومع ذلك لا يعدم بعدمها، وهو مذهب السلف كما في الحديث " الإيمان بضع وستون شعبة " إلخ فلفظ الإيمان عندهم موضوع للقدر المشترك بين التصديق والأعمال، فإطلاقه على التصديق فقط، وعلى مجموع التصديق والأعمال حقيقي كما أنّ المعتبر في الشجرة بحسب العرف القدر المشترك بين ساقها فقط، ومجموع الساق مع الأوراق والشعب ولا يتطرّق إليها الانعدام ما بقي الساق، وكذا حال زبد فالتصديق بمنزلة أصل الشجرة، والأعمال بمنزلة عروقها وأغصانها، فما دام الأصل باقيا يكون الإيمان باقيا وان انعدصت الشعب، ومن قال: إنها خارجة عنه لا يمنع من إطلاق الإيمان عليها كما في الحديث مجازاً، فلا مخالفة بينهم إلا في أنّ الإطلاق حقيقي أو مجازي، وهو بحث لفظي، ومن هنا علم لطف إطلاق الشعب في الحديث لما فيه من الإيماء إلى ما ذكر، وفي شرح المقاصد أنّ الإيمان يطلق على ما هو الأصل والأساس في دخول الجنة، وهو التصديق وحده أو مع الإقرار وعلى ما هو الكامل المنجي بلا خلاف، وهو التصديق مع الإقرار والعمل على ما أشير إليه بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] إلى قوله: " {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال، الآبة: 74] وموضع الخلاف أنّ مطلق الاسم للأوّل أو للثاني وهذا لا ينافي كونه لفظياً لأنه يرجع بالآخرة إليه وما قيل من أنّ المراد اتفاق هذه الفرق في هذه العبارة يعني مجموع الثلاثة لا يسمن ولا يغني من جوع. قوله: (فمن أخل بالاعتقاد إلخ) يقال أخل إذا افتقر لأنه صار ذا خلة أي فقر، وأخل بالشيء إذا تركه، أو قصر فيه وهو المراد هنا وعبر به لإخراح العجز في أخويه لأنه لا يضرّ واشارة الأخرس المفهمة في حكم الإقرار فتدخل فيه، وقيل عليه: إنّ من أخل بالاعتقاد والعمل أيضا منافق، فينبغي ترك قوله وحده كما في بعض النسخ، ولذا قال في الكشاف: فمن أخل بالاعتقاد، بأنّ شهد وعمل، فهو منافق ولم يقيد الإقراو والعمل به لأنّ المخل بالإقرار كافر مطلقاً والمخل بالعمل فاسق مطلقا، ولشى بوارد لأنّ المخل بالاعتقاد والعمل ليس بمنافق وفاقا لأنه كافر عند الخوارج، وخارج من الإيمان عند المعتزلة والمنافق من يظهر الإيمان ويبطن الكفر، فإذا جعل قوله وفاقا قيد الجميع ما قبله اندفع ما ذكر بلا مرية، وقد قيل: إذا ظهر المراد، فلا إيراد وعدل عما في الكشاف تنبيها على ما قصده لا لغفلة منه كما توهم، وقد يقال: إنّ من ينافق قد يتركهما خفية

وهذا لا يخرجه عن النفاق كما قال تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ وإذا ختوا إلى شياطينهم قالوا إتا معكم إنما نحن مستهزؤن} [البقرة: 14] وهو لا يرد هنا. قوله: (ومن أخل بالإقرار إلخ) أي من أخل بالإقرار عامداً معانداً متمكنا منه، وقد تقدم أنّ إشارة الأخرس المفهمة إقرار والمراد بقوله كافر أنه كافر مجاهر بكفره بخلاف المنافق لإخفائه للكفر، وما قيل: من أنّ في هذا نظر لما قاله الإمام من أنّ من عرف الله بالدليل ولم يجد من الوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة هل يحكم بإيمانه وكذا لو وجد من الوقت ما أمكنه التلفظ به فيه، فعن الغزالي فيهما: أنه مؤمن والامتناع من النطق يجري مجرى المعاصي التي مع الإيمان والأحاديث الصحيحة شاهدة له كحديث " يدخل الجنة من في قلبه خردلة من للمان " والذي يعتذر له أنّ المراد بالإخلال هو أن يقصد به الجحود والعناد مدفوع بأنه الراجح عند الأشاعرة، فإنّ الراجح عندهم إنّ الإيمان مجرّد التصديق، والقول الآخر أنه التصديق مع الإقرار، وهو الراجح عندنا معاشر الحنفية الماتريدية إلا أنّ الشفي رحمه الله قال في العمدة على ما نقله ابن الهمام في المسايرة إنّ الإيمان هو التصديق، فمن صدق الرسول صلى الله عليه وسلّم فيما جاء به فهو مؤمن بينه وبين الله تعالى والإقرار شرط الأحكام وهو بعينه القول المختار عند الأشاعرة، والمراد بالأحكام أحكام الدنيا من الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ونحو ذلك قال ابن الهمام رحمه الله: واتفق القائلون بعدم اعتبار الإقرار على أنه يلزم أن يعتقد أنه متى طلب منه أتى به فإن طولب فلم يقرّ فهو كفر عناد اهـ فاعتراضه بما ذكر على الزمخشريّ وهو من الحنفية أو المعتزلة لا وجه له، وأمّا من أورده على المصنف فله ذلك فتأمل. قوله: (ومن أخل بالعمل ففاسق إلخ) أي أنه مؤمن فاسق، وعند بعضهم كافر فاسق لأنّ الفسق يطلب على الكفر أيضا. قال تعالى: {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] لأنه من فسق الرطب إذا خرج عن قشره وهو أعمّ من الكفر وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع، وأخل ببعض أحكامه والفرق بين مذهب الخوارج والمعتزلة أنه لا واسطة بين الكفر والإيمان عند الخوارج، وبينهما واسطة عند المعتزلة إذ شرط الإيمان، أو شطره ترك الكبائر أو الذنوب مطلقاً عندهم، وما قيل: من أنه يفهم من كلام المصنف أنّ المخل بالعمل وحده مؤمن فاسق وليس بكافر عند جمهور المحدّثين أيضاً فينا في ما قالوه من أنه مجموع الثلاثة ساقط لما مرّ. قوله: (والذي يدلّ على أنه التصديق إلخ) أي مما يدل على أنه وضع في الشرع لتصديق القلب دون عمل اللسان والجوارح، والإضافة في اصصلاج النحاة مشهورة، وكذا في اصطلاح غيرهم والمراد بها هنا معناها اللغوي، وهو في الأصل الإمالة وتطلق على تعلق خاص، وهو كونه صفة له وملابأ ملابسة تامّة، فإنه جعل في هذه الآيات مظروفا تارة، وأسند إليه أخرى فيكون من أحواله لا من أحوال الجوأرج، وهو لا يضاف إليها إلا بتأويل، وعطف العمل عليه يدل على التغاير، وكونه من قبيل حافظوأ على الضلوات والصلاة إنوسطى خلاف الظاص يائماه كثرته، وكذا تخصيصه بالنوأفل بناء على خروجي، وقرنه بالمعاصي وأس دن على الطاعة لم يقرن بضدها وهذا وإن دلّ على خروج ألأعمال دون الإقرار كاف في ردّ القول؟ نه مجموع الثلاثة وفيه تظر، واسنشهاده بآية {لَمْ يَلْبِسُواْ} إلخ لأن اللبس لا يقتضي وفعه بك مخالطته وهو مبني على ما يقتضيه ظاهرها من أنه مطلق القلم الشامل لجميع المعاصي حتى الشرك فإن خصص بالشرك كما سيأتي في تفسيرها، فإن صت أشرك عنادا سمي تصديقه إيماناً، وان لم يعتبر شرعا لعدم شرطه، فلا يرد على المصنف وحمه الله أنه لا يصح إيراد هذه الآية هنا لأنّ الظلم فيها بمعنى الشرك ثم إنه أورد على المصنف أنه تبع فيما ذكر الإمام، وهو مخالف لمذهبه فإنه صح عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وقد تقدم ما يدفعه، والمراد بالكتابة في الآية إثباته، والإقرار والعمل غير مثبت فيها وقد قيل: إنّ كؤ واحمي من هذه الأدلة، وان كان محلاً للمناقشة، لكن بالمجموع تحصل الطمأنينة والاستدلال بآية، وان طائفتان لأنه سماهم مؤمنين مع عصب ن أحد الفريقين. قوله: (فع ما فيه من قلّة التغيير إلخ (هذا ما وقع في بعض النسخ، ومعناه أنه في اللغة مطلق التصديق، وعلى هذا هو تصديق خاص

والإطلاق والتقييد تفاوت ما بينهما قليل، وهو المعروف في المنقولات بخلاف قولهم إذ فيه مع التغيير زيادة الإقرار والعمل، وليس معنى هذه العبارة ما قيل: من أنّ المراد بالتصديق الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وهو قلما يقبل التغيير بتشكيك مشكك يخلاف القول والعمل لأنه متغير، وغير دائم فإنه تكلف وعدول عن جادّة الطريق. وقوله: (وإنه إلخ) المراد بالأصل المعنى اللغوي المنقول عنه وفي بعض النسخ فإنه بالفاء على أنه تعليل لما قبله، قيل سر هذا الاختلاف، وترجيح ما ذكر راجع إلى أن المكلف الروج فقط والبدن آلة لها ومركب أو البدن أو مجموعهما، فإن قلنا بالأوّل وهو الأظهر فهو التصديق وان قلنا بغيره يعتبر عمل اللسان والجوارج. قوله:) وهو متعين الإرادة إلخ) الظاهر أن هذه جملة حالية والواو واو الحال لا عاطفة على ما قبله، كما قيل لما فيه من التعسف وكذا قوله مع ما فيه أيضاً أي يدلّ على مجرّد التصديق ت ذكر مقرونا بما فيه إلخ والوفاق المذكور بيننا وبين المعتزلة، والقصر إضافي ناظر لإرادة المجموع لا حقيقيّ والتعين بالنسبة إلى ألمعنى الشرفي، فلا يرد عليه ما مرّ من قوله وكلا الوجهين حسن في يؤمنون بالغيب لتعدي وثق بالباء أيضاً، وقد قيل إنه إنما يتم لو تعين أنّ الباء للتعدية وسيجيء أنّ فيها احتمالات أخر مع أنه على التضمين يتعدى بالباء لتقديره بمعترفين بالغيب كما مرّ، وأيضا ظاهر عبارته أنه يراد التصديق على أنه معنى شرقي كما بينا لك، وليس كذلك لقول الإمام أجمعنا على أنّ الإيمان المعدى بالباء يجري على طريقة أصل اللغة أمّا إذا ذكر مطلقا غير معدّي، فقد اتفقوا على أنه منقول عن المسمى اللغوي، وهو التصديق إلى معنى آخر والجواب أنّ التعدية هي الأصل المتبادر، ولذا قدمها المصنف فيما سيأتي فلا يلتفت لما يخالفها، وما ذكر الإمام مخالف للجمهور وليس مما يعوّل عليه فعليك بالتتبع والنظر السديد إن أردت أن تميط لثام الشبه، ومن الناس من قال: إنّ الضمير في قول المصنف، وهو متعين رأحر إلى الأصل فهو عين كلام الإمام وبنى على ما فهمه ما تركه خير من ذكره. قوله: (ثم اختلف في أنّ مجرد التصديق إلخ) هذا مترتب على أنه التصديق وحده الدال عليه قوله والذي يدلّ إلخ أي اختلف القائلون بأن حقيقته التصديق لا غير هل يكفي ذلك التصديق وحده في كونه مؤمنا، فإنه حقيقته الموضوع لها لفظه أو يثترط له شرط خارج عن مسماه، وهو الإقرار بالنطق بكلمة الشهادة للتمكن منها كما مرّ تحقيقه، وان المعتبر منه حقيقة ذلك أو ما هو في حكمه كإشارة الأخرس وليس الخلاف في الحكم بإيمانه ظاهرا، واجراء أحكام الإسلام بل في كونه كذلك في الآخرة ناجيا من العذاب المخلد كما أنّ المصز على عدم الإقرار مع طلبه بلا مانع منه كافر اتفاقاً كما مرّ، ولم يجزم المصنف رحمه الله باشتراطه إذ قال ولعل إلخ لتعارض الأدلة كما مرّ، وبما ذكر من كون الاختلاف في الشرط الخارج عن ماهيته علم أنه مذهب آخر فلا يصح تفريعه على ما قبله. وقوله: (لا بذ من انضمام الإقرار) ينافي قوله وحده، والتمكن القدرة يقال مكنته وأمكنته من الأمر، فتمكن واستمكن إذا قدر، والمعاند هو الذي عرفه وصذق به وامتني من الإقرار به، والتشنيع عليه وقع في آيات كثيرة كقوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ} [النمل: 14] والجاهل هو الذي لا يعرف ذلك لقصور. وتقصيره في النظر الصحيح. وقوله: (للإنكار) أي لكون سكوته عن الإقرار مع تمكنه ومطالبته به دليل الإنكار القلبيّ وعدم التصديق به، فيؤل لما ذكر فتدبر. قوله: (والغيب مصدر وصف به إلخ) أي أقيم مقام الوصف، وهو غائب للمبالغة بجعله كأنه هو وقيل إنه بمعنى المغيب، فأطلق المصدر وأريد به المفعول نحو خلق الله ودرهم ضرب الأمير، وردّه أبو حيان في البحر بأنّ الغيب مصدر غاب، وهو لازم فلا يبني منه اسم مفعول وكونه تفسيراً بالمعنى لأنّ الغائب يغيب بنفسه تكلف من غير داع، والشهادة ما يقابل الغيب لأنها ما يحس ويشاهد فهي مثله في المصدرية والوصفية. قوله: (والعرب تسمي المطمئن إلخ) روي بكسر الهمزة وفتحها فبالكسر اسم فاعل، وبالفتح اسم مكان وهو الوهدة المنخفضة في الأرض، والخمصة بفتح الخاء وسكون الميم وفتح الصاد المهملة وهاء تأنيث تليها النقرة والحفرة، وما يشبهها في ظاهر الجسد

أو باطنه، ويقال للجوع أيضاً لانخفاض البطن به كما في قولهم ليس للبطنة خير من خمصة تتبعها، والبطنة هي الامتلاء من الطعام والكلية بالضم ويقال كلي بطنه عند الخاصرة، وقيل تسمية الأرنها مطمئنة مجاز وتذكير اسم الفاعل باعتبار المكان كأنه قيل المكان المطمئن من الأرض والأظهر جعله صفة لبعض كما يشعر به من التبعيضية، وشهادة تسمية الأرض ليست بينة لاحتمال أن يكون فيه فيعلاَ وليس بشيء لأنّ من بيانية وان جاز فيها أن تكون تبعيضية أيضاً، وليس مراده الاستشهاد بل الاستئناس، والإشارة إلى أنه استعمل اسماً جابدا بمعنى قريب مما نحن فيه. قوله: (أو فيعل خفف إلخ) القيل بفتح القاف وسكون الياء المخففة واحد أقيال وأقوال وهو ملك حمير، ويقال يقول لأنه يقول ما شاء، فينفذ قوله أو هو من دون الملك، وأصله قيل مثدّداً قال أبو حيان: لا ينبغي أن يدعى في قيل وأمثاله ذلك حتى يسمع من العرب مثقلاَ كنظائره من نحو ميت وهين فإنها سمعت مخففة ومثقلة، ويبعد أن يقال التزم تخفيف هذا خاصة مع أنه غير مقيس عند بعض النحاة مطلقاً أو في الثاني وحده، ولا يخفى أنّ قيلاً وان لم يسمع مشذداً إلا أنّ أئمة اللغة صرحوا بأنه أصله كما قاله بعضهم في سيف، وريحان لكن بينهما فرق فإنه واوي فلولا ادّجماء ما ذكر لم يكن لقلب الواو ياء وجه فتأمّل. قوله: (والمراد به إلخ) بديهة العقل والرأي ما لا تحتاج إلى فكر ونظر من بده بدها، وبداهة إذا بغت وفاجأ، وفي الكشاف المراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم نحن منه ما أعلمناه أو نصب لنا دليلاً عليه، ولهذا لا يجوز أن يطلق، فيقال: فلإن يعلم الغيب اهـ وهذا بعينه ما ذكره المصنف، ومن الناس من توهم أنه غيره لأنه بظاهره يدل على أنه مطلقاً لا يتعلق به علم أحد سوى الله، وهو افتراء عليه لما سمعته، وهو بعينه مأخوذ من الراغب قال في مفرداته: الغيب ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداهة العقول وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اهـ. والمراد إدخال البديهي الغير المحسوس فيما ليس بغيب في الظهور، فلا يرد عليه ما قيل من أنه لا تقابل بين الحس، وبديهة العقل إلا أن يراد به البديهي الأولي للعقلى فيبقى كثير من الضروريات داخلة في الغيب اهـ. لأن ما يدركه العقل من غير نظر وفكر، ولا يدركه الحس مقابل لما يدركه الحس تقابل الشيء لما هو أخص من نقيضه، كما إذا أريد البديهي الأوّلي للعقل وإدخال الضروريات التي لا يدركها الحس، وفيها خفاء في الغيب لا محذور فيه بل هو أمر مستحسن. قوله: (وهو المعني بقوله تعالى إلخ) قيل: إنه جعل كون مفاتح الغيب عنده كناية عن اختصاص غيب لا دليل عليه به تعالى، وهو مبني على أن المفاتح جمع مفتح بالكسر بمعنى مفتاح أمّا إذا كان جمع مفتح بالفتح، وفسرت بالمخازن، فلا حاجة لادّعاء الكناية لأن قوله لا يعلمها إلا هو صريح في ذلك الاختصاص، وسيأتي بيانه في تفسير هذه الآية، والمراد بهذا كل ما استأثر الله بعلمه. قوله: (وقسم نصب إلخ) نصب الدليل واقامته عبارة عن بيانه على الوجه المعروف، وهو مجاز في الأصل صار حقيقة اصطلاحية فيه. وقوله: (كالصانع) أي كإثبات وجود الصانع وهو الله عر وجل، واطلاقه على الله تعالى ورد في حديث مسند وهو " إن الله صانع كل صانع وصنعته " (1) فلا حاجة لقول السبكي جواز إطلاقه لوروده في قوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] فإنه إنما يتمشى على رأي من يكتفي بورود المادّة ولا حاجة إليه وما ورد إطلاقه على الله وثبت بإخبار الآحاد يجوز تسميته به على خلاؤ، فيه في شروح الصحيحين وقوله وهو المراد إلخ فالغيب الذي آمنوا به الله وصفاته وما يجب اعتقاده، فإن قلت على هذا يشمل الغيب الله، ويطلق عليه ضمنا والغيب والغائب ما يجوز عليه الحضور والغيبة واطلاق المتكلمين في قولهم قياس الغائب على الشاهد لا يصح سنداً له. قلت: السلف مطبقون على تفسيرها بما ذكر، وليس فيها إطلاقه عليه بخصوصه فليس هذا من تبيل التسمية، وفي بعض الحواشي فرق بعض أهل العلم بين الغيب والغائب فيقولون الله غيب وليس بغائب ويعنون بالغائب ما لا يراك ولا تراه، وبالغيب ما لا تراه أنت فتدبره. قوله: (هذا إذا جعلته إلخ) الصلة في اصطلاح النحاة صلة الموصول والمفعول به بواسطة الحرف، وتطلق على الزائد كما مرّ

فقوله وأوقعته إلخ تفسير له بالثاني لأنه المقصود، وهذا إشارة إلى المراد أي كون المراد بالغيب القسم الثاني من الخفيّ المذكور على هذا التقدير لا إلى كونه بمعنى الغائب، أو الخفيّ على التقديرين كما قيل، لأنّ القسم الأوّل ليس مما يلزم الإيمان به إلا إجمالاً بأن يعتقد غيباً لا يعلمه إلاً الله فتأمّل. قوله: (وإن جعلته حالأ إلخ) فالإيمان على الأوّل مضمن معنى الإقرار والاعتراف أو مجاز عن الوثوق، ومعنى الغيبة صفة للمؤمن به أي يؤمنون بما هو غائب عنهم، وعلى هذا هو بمعنى التصديق بلا تضمين ولا تجوّز والغيبة صفة للمؤمنين والمؤمن به محذوف للتعميم والمبالغة أي يؤمنون بجميع ما يؤمن به في حال غيبتهم كما يؤمنون حال حضورهم لا كالمنافقين، وهذا الوجه يختص بغير الصحابة رضي الله عنهم لمشاهدتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلّم ومعجزاته، وهو مما يجب الإيمان به، فليس إيمانهم كله بالغيب، وكذا في الوجه الأوّل ويجوز أن لا يخصص أمّا على أنه من إسناد ما للبعض إلى الكل مجازاً كبنو فلان قتلوا قتيلاً، وهو المناسب لظاهر الحصر في أولئك هم المفلحون لئلا ينتفي الفلاح عنهم، أو التخصيص بالغيب نظرا كثر. كالله وصفاته وأحوال الآخرة من الحشر وتحوه، ولفضل الإيمان بالغيب أو خروج الرسول، ونعته عنه لا ضير فيه لأنه معلوم بدلالة النص والطريق الأولى، أو المراد أنهم يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، فهو للدلالة على قوّة إيمانهم، وأنهم استوى عندهم المشاهد وغيره. قوله: (أو عن المؤمن به) المؤمن بفتح الميم الثانية اسم مفعول وهذا معطوف على قوله: عنكم والمؤمن به النبيّ عليه الصلاة والسلام كما في كلام ابن مسعود رضي الله عنه، وهذا هو الظاهر أو الأعئم الشامل. وقوله: (لما روي أنّ ابن مسعود إلخ) هو عبد الفه بن مسعود الصحابي المشهور رضي الله عنه، وهذا أثر صحيح عنه مخرج في السنن موقوفاً عليه وقد قال له الحارث بن قيس: عند الله نحتسب ما سبقتمونا به من رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال ابن مسعود: عند الله نحتسب إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلّم، ولم تروه إنّ أمر محمد صلى الله عليه وسلّم كان بينا لمن رآه، والذي لا إله إلا هو ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ {ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} إلى قوله: {الْمُفْلِحُونَ} كذا أخرجه الدارمي في سننه وصححه الحاكم، وقراءته للآية مستشهدا بها على ما ذكره تدلّ على أنها محمولة عنده على هذا المعنى وبمعناه ما روي مرفوعاً في السنن أيضا أنّ أبا عبيدة بن الجزاح قال: يا رسول الله أحد خير منا أسلمنا وجاهدنا معك قال: " نعم قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني ") 1 (وما قيل: من أنه يفضي إلى أن الصحابة أجمعين غير داخلين في الآية، وأنها مخصوصة بغيرهم ومعنى كونهم أفضل إنهم أعجب حالاً ليس بشيء لأنهم خارجون على تفسير ابن مسعود ولا محذور فيه وليس معنى الخيرية ما ذكر لأنها تختلف بحسب الإضافات، والاعتبارات فالصحابة خير الناس لنيلهم شرف القرب من الرسول صلى الله عليه وسلّم واشراق باطنهم وظاهرهم بنور النبوّة ولزوم سيرة العدل والصدق والتنز. عن دنس المعاصي، وهو المراد بحديث " خير القرون قرتي) (1) إلخ وخيرية غيرهم بإيمانه بالغيب، ورغبته ومحبته لله ورسوله مع انقضاء مشاهدة الوحي وآثار. وفساد الزمان كما قال القائل لله درّه: رأيت عبيد الذ أكرم من مشى وأكرم من فضل بن يحيى بن خالد أولئك جادوا والزمان مساعد وقد جاد ذا والدهر غير مساعد وكذا ما قيل: من أنّ في عبارة المصنف رحمه الله إيجازا مخل لجواز أن يراد به الغيب عن المؤمنين، فكأنه اعتمد على ما في الكشاف من أنّ أصحاب عبد الفه ذكروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وايمانهم فقال ابن مسعود رضي الله عنه: إنّ أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم كان بينا إلخ. قوله: (وقيل المراد بالغيب القلب إلخ) فالغيب القلب لأنه غائب مخفيّ قيل: ويعضده التعبير بالمضارع، لأنّ إيمان القلب مستمرّ. وقوله: (والمعنى يؤمنون بقلوبهم) في بعض النسخ بدله والمؤمنون بقلوبهم. قوله: (قالباء على الآوّل إلخ) قيل يراد بها تصيير الفعل اللازم متعدياً أي مساويا له معنى، فمعنى ذهب بزيد أذهبه، وقد يراد بها ما هو لازم لكل حرف جر، وهو إفضاء معنى متعلقها إلى مدخولها، وهو متعين للإرادة هنا، وحينئذ لا تحس

ن مقابلة الآلة لها إذ التعدية بالمعنى الثاني موجودة فيها، إلا أن يقال المراد إفضاء معناها بحيث يصير مفعولاً به وفي الآلة ليس كذلك، وهو كلام مشوّس لأنّ ما بعد إلا هو عين ما ادّعى تعين خلافه، فالحق أنّ التعدية هنا بالمعنى الأوّل لأنّ معنى قوله يؤمنون بالغيب على الأوّل يصدّقونه، ويتيقنونه فهو مفعول به. قوله: (وعلى الثاني للمصاحبة) قيل إذا جعلت الباء للمصاحبة لا يلزم أن يكون المتعلق محذوفاً حتى يكون حالاً لأنك إذا قلت: دخلت عليه بثياب السفر ليس معناه دخلت مصحوباً بثياب السفر لتعلق الباء بالدخول بل معنى الصحبة يدل عليه الباء، فالوجه تعلق الباء بالإيمان، وما مرّ من تقدير الحال معنى انسحابي لا من حاق اللفظ. (قلت) قالط نجم الأئمة الرض تكون الباء بمعنى مع، وهي التي يقال لها باء المصاحبة نحو، وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به، واشترى النار بآلاتها قيل ولا تكون بمعنى مع إلا مستقراً، والظاهر أنه لا مانع من كونها لغواً اهـ. وما ذكره هو الذي ارتضاه النحاة، وما استظهر. بطريق البحث هو مختاره، وعليه شارح اللباب أيضاً فالحالية في كلام المصنف محمولة على ظاهره، وما ظنه تحقيقا حاله في الضعف ظاهر. قوله: (أي يعدّلون أركانها إلخ) فسرت الإقامة بأربعة أوجه، وهي كما في شروح الكشاف على الأوّلين استعارة تبعية، وعلى الأخيرين مجاز مرسل، وقيل: هي في بعض الوجوه كناية وستسمع ذلك وما له وعليه وأركان جمع ركن كقفل وأقفال وركن الشيء جانبه ولذا اصطلحوا على عد أجزاء الماهية أركانا بخلاف ما توقف الصحة عليه ولم يكن داخلا فيها والتعديل التسوبة، وتعديل الأركان إيقاعها مستجمعة للفرائض والواجبات، أولها مع الآداب والسنن، والأوّل أوسع دائرة للمهتدين بهداية الكتاب والثاني 31 فائدة وأنسب بشأن الصلاح والمدح والزيغ الميل عن الاستقامة. وقوله: (من أقام العود إلخ) إشارة إلى أنه استعارة تبعية شبه تعديل أركان الصلاة وحفظها بتقويم العود وتسويته بازالة اعوجاجه فهو قويم تشبيها له بالقائم، ثم استعير من تسوية الأجسام لتسوية المعاني كتعديل الأركان، وأخذ منه الثاني لزيادة المناسبة بين المعاني وقيل حقيقته جعلها قائمة أو قويمة، واسنعمال أقام العود بمعنى سوّاه أكثر من أقام زيداً إذا جعله منتصباً وان رجع القويم لمعنى المنتصب والحق أنه حقيقة فيما مرّ لأنّ التقويم يقع على الأجسام والمعاني على السواء بل وصف نحو الدين والرأي بالتقويم أكثر، فلا حاجة إلى الاستعارة، فكأنهم جعلوا النقل من المحسوس، وهو الانتصاب إلى المحسوس، وهو تسوية العود ونحو. ثم منه إلى المعقول وهذا ما آثره الزمخشريّ، ولا يخفى ما فيه فإنّ مجازيته في المعاني لا شبهة فيها رواية ودراية، وما ذكره لا يثبت إلا كثرة استعمالها فيها، فهو مجاز مشهور أو حقيقة عرفية وقيل إن ما استند إليه من أنّ التقويم عامّ للقبيلين من الأعيان، والمعاني وحقيقة فيهما لا يستلزم كون الإقامة كذلك إذ معناها جعل غير المستقيم مستقيما بإزالة اعوجاجه ولا شك أنّ التسوية المتعلقة بالمعاني معناها الإتيان بالمعنى على ما ينبغي لا جعلها مستقيمة بعد أن لم تكن، وقد قيل على هذا الوجه إنه غير متجه ولا يفهم من إقامة الصلاة إلا أداؤها، وايقاعها من غير نظر للتقويم المذكور، وهذا مع أنّ مآله ترجيح الوجه الأخير قد رذ بأنه لو أريد ذلك قيل يصلون والعدول عن الأخصر الأظهر بلا فائدة لا يتجه في كلام بليغ فضلاً عن أبلغ الكلام ومن هنا علمت وجه تأخير الأخير فتأمّل. قوله: (أو يواظبون عليها إلخ) وظب على الأمر وظبا ووظوباً وواظب عليه لازمه وداومه وفيه على هذا استعارة تبعية أيضا كما يدلّ عليه تصريحهم بالتشبيه وهذا معنى قول الزمخشريّ أو الدوام عليها والمحافظة عليها كما قال عز وعلا: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23] ، {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9] من قامت السوق إذا نفقت إلخ ونفاق السوق رواح ما فيها من الأمتعة، وكثرة الطلاب فيها يقال نفقت السلعة والمرأة نفاقا بالفتح كثر طلابها وخطابها كما بين في كتب اللغة، وهذا المعنى كما في بعض الحواشي يحتمل أن يكون معنى أصلياً في اللغة، وأن يكون من قام العود تشبيهاً للنفاق بالانتصاب في حسن الحال والظهور، وقال الطيبي: إنها في هذأ الوجه كناية تلويحية عبر عن الدوام بالإقامة، فإن إقامة الصلاة بمعنى تعديل أركانها وحفظها من الزيغ مشعر بكونها

مرغوبا فيها، وإضاعتها في تعطيلها تدلّ على ابتذالها كالسوق إذا شوهدت قائمة دلت على نفاق سلعتها ونفاقها يدلّ على توجه الرغبات إليها، وتوجه الرغبات يستدعي الاستدامة بخلافها إذا لم تكن قائمة، فالمراد بقوله من قامت السوق أنه من بابه فهو مثله لا منقول منه، وردّ بأنه مخالف لصريح لفظه ولا يبقى حينئذ للاستشهاد بالبيت معنى، لأنّ إقامة الصلاة بمعنى التعديل إذا صارت شائعة جاز أن تجعل كناية كيف والكلام فيه، وقال قدّس سرّه: نفاق السوق كانتصاب الشخص في حسن الحال، والظهور التام فاستعمل القيام فيه والإقامة في إنفاقها أي جعلها نافقة، ثم استعيرت منه للمداومة على الشيء، فإنّ كلاً من الإنفاق والمداومة يجعل متعلقه مرغوبا متنافسا فيه متوجها إليه، وقد أورد عليه أنّ هذه المشابهة خفية جداً، وأيضا الأصل أعني أقام السوق مجاز فالتجوّز منه ضعيف، ودفع الأوّل بالحمل على المجاز المرسل بعلاقة اللزوم فإنّ الإنفاق يستلزم المداومة عادة، وأنت تعلم أنّ هذا الحمل على تقدير صحته خلاف ما في الكتاب والثاني بأنه صار بمنزلة الحقيقة اهـ وقيل في دفع الأوّل أيضاً: بأنّ في ذلك الخفاء دقة لا تفضي إلى التعقيد المعنويّ بل تجعله غير عامي مبتذل للطفه حتى لا يقف عليه إلاً الخواص، وهذا موجب للمدح لا مقتض للقدح، فإن قلت: إذا كان بمعنى المداومة والمحافظة والمواظبة ينبغي أن يتعدى بعلى لأنها تتعدّى بها، كما قال تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23] قلت إذا تجوّز بلفظ عن بمعنى آخر، وكان عملهما في الحرف الذي تعدّيا به مختلفاً يجوز فيه إعماله عمل لفظ الحقيقة، وعمل لفظ المجاز ويكون ذلك كالتجريد والترشيح ألا ترى أن نطقت الحال بكذا بمعنى دلت وتعديه بعلى، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. قوله: (أقامت غزالة إلخ) غزالة علم امرأة شبيب الخارجي الذي قتله الحجاج، وهي من شجعان النساء لما قتل زوجها خرجت بعسكر على الحجاح تطلب دمه، وحاربته سنة كاملة وهجمت عليه، فهرب فصلت في جامعه صلاة الصبح بسورة البقرة إظهاراً لامتهانه، وقصتها مشهورة كما في كامل المبرد واليها يشير القائل يهجو الحجاج: أسدعليّ وفي الحروب نعامة فتخاءتنفرمن صفيرالصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى إذ كان قلبك في جناحي طائر وهذا البيت من قصيدة طويلة من بحر المتقارب، لأيمن بن خريم الأنصاري أوّلها: أبى الجبناء من أهل العراق على الله والناس إلا سقوطا أيهزمهم مائتا فارس من السافكين الحرام العبيطا وخمسون من مارقات النسا يجرّون للمندبات المروطا وهم مائتا ألف ذي قونس) 1 (يئط العراقان منه أطيطا رأيت غزالة إذ طرّحت بمكة هودجهاوالغبيطا سمت للعراقين من سومها فلاقى العراقان منها البطيطا (2 ( ألا يتقي الله أهل العراق إذا قلدوا الغانيات السموطا وخيل غزالة تغتالهم فيقتل كهل الوفاءالوسيطا وخيل غزالة تحوي النهاب وتسبي السبايا وتجبي النبيطا أقامت غزالة سوق الضراب أهل العراقين حولاً قميطا وسوق الضراب استعارة مكنية وتخييلية أو تمثيلية أو تصريحية في السوق، وفي الأساس رأيته يكر في سوق الحرب في حومة القتال ووسطه، والعراقان البصرة والكوفة، وقميط بالطاء المهملة بمعنى تامّ وقيل إنه كناية عن التمام كأنه شدّ في قماط أي حبل، وترك في جانب والضراب كالقتال لفظاً، ومعنى والحول والعام والسنة بمعنى. قوله: (فإنه إذا حوفظ إلخ) إشارة إلى وجه الشبه فيهما وهو الرغبة كما مرّ بيانه. قوله: (أو يتشمرون إلخ) قال في المصباح: التشمر في الأمر السرعة فيه والخفة، ومنه قيل شمر في العبادة

إذا اجتهد وبالغ وشمر ثوبه رفعه، وشمرت السهم أرسلته مصوباً على الصيد والأداء في اللغة حقيقته دفع ما يحق دفعه، وتوفيته كأداء الدين والأمانة قال تعالى: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283] ، وأصله على ما قاله الراغب من الأداة وهي ما يتوصل بها إلى الشيء كالحبل للاستقا من البئر، وهو في الاصطلاح أخص منه لأنه فعل الشيء الذي عين له الشارع وقتا معيناً فيئ وقته أوّلاً، ويقابله القضاء والإعادة على ما تقرّر في الأصول لأنّ ما عين له وقت كالصلوات الخمس إن وقع في وقته المعين ولم يسبق بأداء غير مختل فأداء والاً فإعادة، فإن وقع بعده ووجد فيه سببه فقضاء، والأداء هنا بمعناه اللغوي أو الشرعي ولا محذور فيه، والتجلد المبالغة في إظهار الجلد والقوّة لا تكلفه كما في قوله: وتجلدي للشامتين أريهم وفي الكشاف او التجلد والتشمر لأدائها وأن لا يكون في مؤدّيها، فتور عنها ولا توان من قولهم قام بالأمر وقامت الحرب على ساقها، وفي ضدّه قعد عن الأمر وتقاعد عنه إذا تقاعس وتثبط اهـ (والكلام هنا في أمرين الأوّل) أنّ ما ذكره المصنف رحمه الله هل هو بعينه ما في الكشاف أم بينهما فرق (الثاني) أنّ الباء في قام بالأمر هل هي للتعدية ليلزم الجدّ لأن جعل الأمر قائما لا يتأتى بدون جد، أو للملابسة فإنه لا يقال عرفا قام بالأمر إلا إذا تلبس به على وجه الاهتمام قال قدس سزه: حقيقته قام متلبساً بالأمر والقيام له يدل على الاعتناء بشأنه ويلزمه التجلد والتشمر، وأطلقوا القيام على لازمه فهو مجاز مرسل كما مرّ، ومنه قاصت الحرب على ساقها إذا اشتدت كأنها تشمرت لسلب الأرواح وتخريب الأبدان، واعترض عليه بأنّ الإقامة إذا كانت مأخوذة مما ذكر كان معناها على قياس التعدية جعل الصلاة متجلدة متشمرة لا كون المصلي متشمرا في أدائها بلا فتور كما ذكر، ووصف الصلاة بالتجلد إنما يصح بوصفها بما لفاعليها كجد جدّه، ولا يخفى بعده وليس لك أدن تقول باء قام بالأمر للتعدية، فالمستعمل بمعنى التجلد والاجتهاد هو الإقامة في الحقيقة لأنّ قولهم في ضده قعد وتقاعد عن الأمر يبطله، وأيضا القيام يناسب التشمر لا الإقامة كما أنّ القعود يلائم الكسل لا الإقعاد اهـ. ومنه يعلم أنّ ما أورد على الكشاف من أنّ كلامه لا يشعر بوجه التجوّز والعلاقة، ودفعه بأنه ليس بلازم ساقط من درجة الاعتبار، وقيل: إنّ المصنف عدل عما في الكشاف، وضمّ إليه إقامة إشارة إلى أن قام بالأمر وأقامه بمعنى جد فيه، فأقامه من باب الحذف، والإيصال والقيام بالشيء يدلّ على التشمر له فكذا الإقامة، وزعم هذا القائل أنه جواب عما أورد على المصنف من أنّ كلامه يدلّ على أنّ معنى قام بالأمر وأقامه واحد، وليس كذلك لأنّ الباء في قام به ليست للتعدية، فلا يكون بمعنى أقامه، واقامة الأمر ليست بمعنى التجلد أيضاً ولو كان أقام من القيام بمعنى الجد لكانت الصلاة مجدة، ولا يخفى فساده لأن أقام متعد، وعلى الحذف والإيصال إمّا أن يكون لازما أو مفعوله مقدر، وكلاهما غنيّ عن الردّ، وقيل: إنه أشار بضمّ الإقامة إلى أنّ الباء للتعدية، وبقوله إذا جد فيه وتجلد إنى أنّ الجد والتجلد على تقدير كون الباء للتعدية أيضاً صفة المصلي دون الصلاة بطريق اللزوم فإن معناه نصبه بعد انخفاضه أو سوّاه بعد اعوجاجه، فيكون مسببا عق الجد والتجلد، ويؤيده قول عين المعاني والكواشي قام بالأكحر إذا قوّمه وأتمه هذا زبدة القال والقيل. (وأنا أقول) معتمدا على من بيده الهداية إلى سواء السبيل. اعلم أنّ قول المصنفين من قولهم كذا أو من كذا قد يريدون به بيان حقيقة المجاز أو أصله، ومأخذه المنقول عنه، فتكون من ابتدائية وقد يريدون أنه من قبيله، وأمثاله فتكون من بيانية وما نحن فيه من الثاني لا من الأوّل على ما سيأتي، وقام بالأمر معناه جد فيه، وخرج عن عهدته بلا تأخير ولا تقصير، فكأنه قام بنفسه لذلك الأمر، وأقامه أو رفعه على كاهله بجملته كما قال: شديدا بأعباء الخلافة كاهله فقد قام وأقام وحينثذ يصح فيه أن يكون استعارة تمثيلية أو مكنية أو تصريحية، وحقيقته ما ذكرناه، ويجوز أن يكون مجازا مرسلاً لأنّ من قام لأمر على أقدام الاقدام، ورفعه على كاهل الجدّ فقد بذل جهد.، وتمثيله بقامت الحرب على ساقها إلى الأوّل أميل إلا أنّ كلام الشريف رحمه الله لا يخلو من الإشكال لأنّ قوله ملتبساً لا يفيد ما ذكرناه على أنه لو كان معناه قام له كان الأنسب جعل الباء سببية، فكلامه بفحواه

شاهد على خلاف مدّعاه. وقوله: (كأنها تشمرت إلخ) يناسب الاستعارة لا المجاز المرسل الذي أطبقوا عليه، وكان هذا هو الباعث للمصنف رحمه الله على إهمال ذلك المثال وما ذكره من الاعتراض غير وارد لما عرفت من أنّ معنى فام به أقامه، والتشمير والجد لازمه أو حاو معناه وهو المعنيّ بقوله، وليس لك أن تقول إلخ وهو معناه بعد التعدي بالباء أو الهمزة، وما اعتمد عليه من أنه لا يتأتى في ضدّه لتعيينه لأنه معنى الثلاثيّ بدون تعدية مدفوع لأنه توهم أنّ عن ليست للتعدية، فكذا الباء وهو تخيل فارغ فإنها تأتي للتعدية كما في رضي الله عنه وأرضاه، فأيّ مانع من جعل قعد عته بمعنى أقعده أي تركه وأهمله، أو جعل ضد القيام المتعدّي القعود اللازم على أنا نبهناك قبل عن أنّ اللفظ المتجوّز فيه يعمل بكلا العملين عمل المعنى الحقيقي والمعنى المجازيّ، وأمّا حديث التجوّز في الإسناد، فنحن في غنية عنه. واذا تامّلت ما قصصناه عليك عرفت أنّ منهم من لم يفصح عن المراد، ومنهم من لم يحم حول موارد السداد، وقد أوردناه بعرضه وطوله، لتفرق بين فضله وفضوله. قوله: (وضذّه إلخ) أي ضد قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه وتجلد والضدية باعتبار أصل المعنى، وهو القيام والقعود ولازمه وهو الاجتهاد والتكاسل، وقيل إنما هي باعتبار المعنى اللازم لهما، فاذا كان ذلك في الأوّل الجذ، والتجلد يكون في الثاني التكاسل، والتهاون بالضرورة والمصنف لم يذكر الثأني اكتفاء بالأوّل وصاحب الكشاف عكس ذلك. قوله: (أو يؤذونها إلخ) يعني أنّ الإقامة هنا عبارة عن مجرّد الأداء أي فعل الصلاة وايقاعها، كما عبر عنها بالقنوت في قوله وكانت من القانتين أي المصلين إذ القنوت يطلق على القيام في الصلاة، ويسمى السكوت فيها قنوتاً أيضاً كما في قوله: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [مورة البقرة: 238] والركوع معروف، ويطلق على الصلاة كما في قوله: {وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] أي صلوا معهم، والسجود كذلك كما في قوله {وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 98] وكذا التسبيح كقوله {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143] واطلاق هذا يدل على إطلاق غيره بالطريق الأولى كما سيجيء وقد مرّ أنّ المحقق السعد قال إنه لا يفهم من إقامة الصلاة إلا أداؤها وايقاعها دون غيره من المعاني السابقة ويؤيده عندي تعينه في كثير من الأحاديث الصحيحة كحديث البخاري " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الأ الله وأنّ محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم الأ بحق الإسلام " ولا يخفى على ذي لب تعينه فيه. وفي الكشاف عبر عن الأداء بالإقامة لأنّ القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت إلخ قال قدّس سرّه تبعاً للشراح إن أراد أنّ القيام يطلق على الصلاة لكونه بعض أركانها ثم يؤخذ منه الإقامة ورد عليه أنّ الهمزة إن جعلت للتعدية، كان معنى إقامة الصلاة جعل الصلاة مصلية، وان جعلت للصيرورة كان معنى أقام صار ذا صلاة، فلا يصح ذكر الصلاة معه إلا أن يجعلها مفعولاً مطلقاً والكل مما لا يرتضيه طبع سليم، وان أراد أنّ القيام لما كان ركناً منها كان فعله، وايجاده أعني الإقامة ركنا لها أيضا توجه عليه أنّ ركنها فعل القيام بمعنى تحصيل هيئة القيام في المصلي حال الصلاة لا بمعنى تحصيلها في الصلاة وجعلها قائمة، فإن قيل لعله أراد أنّ القيام جزء منها فيكون إيجاده أي الإقامة جزءا من إيجاد جميع أجزائها الذي هو أداؤها فعبر عن أدائها بجزئه، قلنا فمعنى يقيمون حينئذ يؤدّون الصلاة (فيحتاج في ذكر الصلاة معه إلى ارتكاب كونها مفعولأ مطلقا، ولا إشكال في استعمال قنت ونحوه بمعنى صلى إذ لا يذكر معه الصلاة، وفي قوله لوجود التسبيح فيها إشارة إلى أنه ليس ركنا منها فإذا جاز أن يعبر به عن الصلاة، فالتعبير عنها باركانها أولى، وذكر بعضهم أنّ الإقامة تستعمل بمعنى جعل الشيء قائماً في الخارج أي حاصلاً فيه، فإنّ القيام بمعنى الحصول في الخارح شائع الاستعمال، ومنه القيوم وهو الحاصل بنفسه المحصل لغيره، فأقيموا الصلاة من الإقامة بهذا المعنى أي حصلوها وأتوا بها على الوجه المجزيء شرعاً وهو معنى الأداء اهـ. وهذا على أنه مجاز مرسل من إطلاق الجزء على الكل. (وقد أمعنت النظر) ، فرأيت ما ذكروه لا يخلو من الكدر بل فيه عبرة لمن اعتبر، فإنه كله ناشىء من عدم تدبر كلام الشيخين، وتنويره أنهما جعلا الإقامة مجازا، وعبارة عن الأداء، ومعنى يقيم يؤذي لا يصلي حتى يلزم ما لزم، وبينهما

بعد المشرقين، وقد بينا لك أنّ معنى الأداء لغة واصطلاحا الفعل، فيؤدّي الصلاة بمعنى يفعلها مطلقا، أو في وقتها المعين فلا إشكال في كون الصلاة مفعولاً به بل لا بد منه ووجه التجوّز حينئذ أنّ الأداء المراد به فعل الصلاة والقيد خارج خروج البصر عن العمى عبر عنه بالإقامة بعلاقة اللزوم إذ يلزم من تأدية الصلاة، وايجادها كلها فعل القيام، وهو الإقامة لأنّ فعل الشيء فعل لأجزائه، أو العلاقة الجزئية لأنّ الإقامة جزء أو جزئي لمطلق الفعل، ويجوز أن يكون استعارة لمشابهة الأداء للإقامة في أنّ. ور منهما فعل متعلق بالصلاة، فإن قلت إذا كان التجوّز في التعبير عن الأداء بالإقامة فلم قال الزمخشريّ: لأنّ القيام بعض أركانها، وهل ترك المصنف رحمه الله له، وتعبيره بالاشتمال لمخالفته له، أو هو مجرّد تفنن في الطريق قلت: لما كان فعل الأداء الصلاة الإقامة فعل القيام بين أنه من أركانها ليكون فعله لازماً لفعلها كما بينا. وعدول المصنف ليشمل التسبيح من أوّل الأمر إن حمل على ظاهره لأنه ليس ركناً، ولذا عطفه الزمخشريّ عليه وقال: وقالوا إلخ كما سيجيء، وهذا مما يرجح كون العلاقة اللزوم لأنه يكفي فيه اللزوم العرفي، فلا يرد عليه ما قيل من أن هذا الكل لا يستلزم الجزء هنا، وأجيب بأنّ المراد القيام في الصلاة، وهو يستلزمه قطعاً ولما ذهبوا بأسرهم إلى علاقة الجزئية، وأنّ معنى يقيمون يصلون لزمهم ما لزم فتفرّقوا أيدي سبأ، فمن قائل لما كان القيام جزءاً من الصلاة كانت الإقامة التي هي إيجاد القيام جزءا من إيجاد الصلاة الذي هو أداؤها فعبر عن الأداء بالإقامة وعلق بالصلاة لتعيين المؤدى، وتلك العلاقة لا يلزم إطرادها إلى آخر ما تكلفه مما لا يجدي، ومن قائل معنى إقامتها جعلها قائمة أي ذات قيام كعيشة راضية، ثم جعل ذات قيام كناية عن أدائها، وعبر بالقيام لأنه ركن يشتمل على أشرف الأركان، وهو قراءة القرآن، وقيل الإقامة كناية عن الأداء، ومنهم من رأى أنّ ما حاولوه لا يتم بحال ولا يخلص من الإشكال، فاختار شقاً آخر وزعم أنه أحسن مما ذهبوا إليه فقال: إنه استعارة، وأنه شبه الصلاة المركبة من القيام الذي هو صفة المصلي بشخص قائم لاشتراكهما في القيام؟ فتولد منه تشبيه من يوقع الصلاة بمن يجعل الشخص قائما، وأطال من غير طائل. قوله: (والتسبيح) قال الراغب: التسبيح تنزيه الله تعالى، وأصله المرّ السريع في عبادة الله تعالى، وجعل ذلك في فعل الخير كما فعل في الإبعاد للنشر فقيل أبعده الله، وجعل التسبيح عاما في العبادات قولآ كان أو فعلاً أو نية وقوله، فلولا أنه كان من المسبحين قيل من المصلين والأولى أن يحمل على نيتها اهـ وقد قدمنا ما قاله الشريف، وفي التجوّز به كلام سيأتي في محله. قوله: (والأوّل أظهر) أي حمل النظم الكريم على تعديلهاوحفظها عن العدول عن اللائق بها أظهر من بقية الوجوه، لأنه المروقي عن سيد مفسري السلف، وهو ابن عباس رضي الله عنهما كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه. قال قدس سرّه: لما كان يقيمون الصلاة في معرض المدح بلا دلالة على إيجاب، كان حمله على تعديل الأركان كما قرّره أوّلاً أولى، فإنه المناسب لترتيب الهدي الكامل والفلاح التام الشامل، وهذا معنى قول الإمام الأولى حمل الكلام على ما يحصل معه الثناء العظيم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعلها من غير خلل في أركانها وشرائطها، فإنّ عدم ذلك الخلل هو عين التعديل المذكور، وأمّا إدامة فعلها فهو من صيغة المضارع والاستمرار التجددي فيه، أو من لازمه لأنّ من لم يخل بركن منها كيف يحل بجملتها بتركها أحياناً فليس هذا هو المعنى الثاني، كما توهمه الطيبي فقال: هذا أولى من قول القاضي لما مز في تقرير الكناية فإنها جامعة جميع المعاني المطلوبة فيها، ومن هنا علم وجه آخر لترجيحه على الثاني لأنه متضمن له، فهو أفيد منه مع ما ذكره وهو معنى كلام الراغب لا ما فهمه بعضهم عنه من أنه الوجه، وإنما غرّهم لفظة الإدامة، وقد عرفت المراد منها. وقوله: (أشهر) إشارة إلى اشتهار هذا التفسير بين السلف كما مرّ، والى شهرة الإقامة بهذا المعنى في لسان الشارع والقرآن قال الراغب في مفرداته: إقامة الشيء توفية حقه قال تعالى: {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [المائدة: 68] أي توفوا حقهما بالعلم والعمل ولم يأمر تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مدح بها حيثما مدح إلا بلفظ الإقامة تنبيها على أنّ المقصود منها

توفية شروطها لا الإتيان بهيئاتها وقوله: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ} [إبراهيم: 40] أي وفقني لتوفية شرائطها اهـ وقول المحقق في شرحه هنا أنت خبير بأنّ المفهوم من إطلاق إقامة الصلاة ليس إلا أداؤها، وايقاعها في الخارج من غر إشعار بما اعتبره من التقوّم على الوجه المذكور إلخ لا وجه له لما عرفت من أنّ المفهوم من النظم الكريم خلافه، كما بينه الراغب مع أنّ حقيقة الإقامة المتقدمة جعل الشيء قائما وارادة ما ذكر منها والعدول عن يصلون الأخصر الأظهر لا بد له من وجه، ومثله لا يسلم بسلامة الأمير، ولذا لم يعرج السيد عليه. قوله: (وإلى الحقيقة أقرب) لأنّ حقيقته إقامة العوج وتسويته في الأجسام كما في قوله تعالى فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، وتعديل المعاني والأركان أقرب شيء لهذا لظهور اشتراكهما في وجه الشبه، وقد مرّ قول المدقق في الكشف إن أقام العود بمعنى سوّاه أكثر استعمالاً من إقامه إذا جعله منتصباً، وقوله: إنّ استعماله في تعديل الأجسام، والمعاني على السواء بل التقويم في نحو الدين والرأي أكثر، وفي كلام المصنف رحمه الله إشارة إليه إذ جعل مأخذ الأوّل أقام العود ولا مرية في أنه أقرب إلى الحقيقة من قامت السوق الذي هو مأخذ الثاني، ومن قام بالأمر الذي هو مأخذ الثالث إذ لا قيام فيه على الحقيقة بل هو مأخوذ منه، واعتبار قيام الصلاة نفسها فيه ما مرّ. قوله: (وأفيد) أفيد بالياء وأفود بالواو أفعل تفضيل من الفائدة لأنه واويّ ويائيّ، كما في القاموس وغيره والأوّل أشهر، ولذا اقتصر عليه بعض أهل اللغة وقال: يقال هما يتفايدان ولا يقال يتفاودان، والفائدة ما استفدت من علم أو مال، وتخص في العرف العام بالربح. وقوله: (لتضمنه إلخ) أي لتضمن قوله (يقيمون) على هذا التفسير التنبيه على ما سيمدحون به من قوله أولئك إلخ فهو توطئة، وبها يأخذ بعض الكلام بحجز بعض، ويحتمل أن يريد كما قيل إنّ هذه الجملة تفيد المدح فإذا حمل على ما ذكر كانت منبهة على وجه استحقاق المدح فيرجح بهذا كونها صفة مادحة، وحدودها بمعنى أوصافها وأحكامها المختصة بها شبهت بالحد الذي لا يجوز تجاوزه. قوله: (ولذلك ذكر في سياق المدح إلخ) أي لما مرّ من كونه أشهر وأقرب وأفيد، أو للتنبيه المذكور لأنّ من راعى حدودها لا يتركها فهو داخل فيه أو مفهوم بالطريق الأولى فلا يرد عليه أنه لا يدل على مدعاه من أن الأوّل أولى إذ يمكن أن تكون الإقامة بمعنى المواظبة والمداومة، والساهون عن الصلاة كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما المنافقون الذين يتركونها إذا غابوا عن الناس، ويؤدّونها إذا حضروا والمصنف رحمه الله بنى تفسيره على الحقيقة الظاهرة، والمعرض ضبطه في شرح الشافية بفتح الميم وكسر الراء وهو موضع العرض أو العروض، والمشهور كسر الميم وفتح الراء وهو الذي صرح به أئمة اللغة كما في شرح الفصيح للمرزوقي ومعناه اللباس الذي تتزين به الجارية إذا عرضت للبيع، فاستعير للسياق أو للعبارة الواقعة فيه. قوله: (والصلاة فعلة من صلى) فعلة بفتح العين على الظاهر المشهور وجوّز بعضهم سكونها فتكون حركة العين منقولة من اللام وشبهها بالزكاة المأخوذة من التزكية وهي التنمية أو التطهير لمشابهتها لها لفظا ومأخذاً ورسماً. وقوله: (من صلى إذا دعا) أي مأخوذة ودائرة الأخذ أوسع من دائرة الاشتقاق أو هو بناء على أنّ أصل الاشتقاق الفعل لا المصدر على المذهبين المشهورين في التصريف، فالصلاة لغة الدعاء، ونقلت في الشرع إلى العبادة المخصوصة والدعاء يكون بمعنى النداء والتسمية والسؤال مطلقاً أو من الأدنى للأعلى وهذا هو المراد، فإن قلت: سيذكر المصنف رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] صلى الله عليه وسلم أنّ الصلاة مشتركة بين الرحمة والاستغفار والدعاء، وهو المشهور في أصول الفقه قلت: قال في المصباح المنير: إنه قول لبعض أهل اللغة فمشى المصنف رحمه الله على قول هنا، وعلى قول ثمة وسيأتي تحقيقه في محله. قوله: (كتبتا بالواو إلخ) التفخيم له ثلاث معان ترك الإمالة، واخراح اللام مغلظة من أسفل اللسان كلام الله إذا لم تل كسرة، والإمالة إلى الواو.، وهذا هو المراد هنا كما ذكره شراح الكشاف لا أن تمال فتحة اللام نحو الضمة لمناسبة الواو الأصلية كما توهم، لأنه لا وجه شخصيصه باللام، كما هو أحد الوجوه المروية عن ورش لأنّ ذكر زكى يأباه، وكون التفخيم علة لذلك

ليس بمرضيّ عند المحققين من القراء قال الإمام الجعبري في شرح الرائية: اتفقت المصاحف على رسم الواو مكان الألف في مشكاة ونحاة ومناة وصلاة وزكاة وحياة، حيث كن موحدات مفردات محلاة باللام، وعلى رسم المضاف منها كصلاتي بالألف وحذفت من بعض المصاحف العراقية، واتفقوا على رسم المجموع منها بالواو على اللفظ ووبمظ كتابة الواو الدلالة على أنّ أصلها المنقلبة عنه واو وهو اتباع للتفخيم، وهذا معنى قول ابن قتيبة بعض العرب يميل لفظ الألف إلى الواو، ولم اختر التعليل به لعدم وقوعه في القرآن العظيم وكلام الفصحاء اهـ ولفظ المفخم ضبطه أرباب الحواشي هنا تبعاً لشراح الكشاف بكسر الخاء المعجمة المشددة على زنة اسم الفاعل، ولا مانع من الفتح على زنة اسم المفعول على أنه من إضافة الموصوف للصفة، فإنه كعكسه وارد في كلام العرب، وان كان لا ينقاس. وقوله: (لاشتماله على الدعاء) فهو من إطلاق الحال على المحل، وهو الظاهر لا من إطلاق الجزء على الكل، وان جاز إن لم نقل بأنه مثروط بأن يكون مما يزول الكل بزواله كالرأس والرقبة على ما سيأتي. قوله: (وقيل أصل صلى إلخ) تمريض لقوله في الكشاف وحقيقة صلى حرّك الصلوين لأنّ المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ونظيره كفر اليهوديّ إذا طاطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه لاً نه ينثني على الكاذتين وهما الكافرتان، وقيل للدّاعي مصل تشبيهاً له في تخشعه بالراكع والساجد اهـ. وقال الفاضلان في شرحه إنه يريد أنّ صلى ماخوذ من الصلا بمعنى حرك الصلوين وهما العظمان الناتئان في أعالي الفخذين يقال: ضرب الفرس صلويه بذنبه أي ما عن يمينه وشماله ثم استعمل صلى بمعنى فعل الهيئات المخصوصة مجازا لغوياً لأنّ المصلي يحرّك صلويه في ركوعه وسجود.، ولما اشتهر في هذا المعنى استعير منه لمعنى دعا تشبيهاً للداعي بالمصلي في خضوعه وتخشعه وفيه ضعف من وجهين. الأوّل إنّ الاشتقاق مما ليس بحدث قليل الثاني أنّ الصلاة بمعنى الدعاء شائعة في أشعار الجاهلية، ولم يرد عنهم إطلاقها على ذات الأركان بل ما كانوا يعرفونها، فأنى يتصوّر لهم التجوّز عنها فالصواب ما ذهب إليه الجمهور من أنّ لفظ الصلاة حقيقة في الدعاء مجاز لغويّ في الهيئات المخصوصة المشتملة عليها كما حقق في أصول الفقه، فإن قيل إذا ثبت صلى بمعنى حرّك الصلوين كان الأنسب أن يؤخذ منه لفظ الصلاة بمعنى الهيئة المخصوصة، ثم يشتق منه صلى بمعنى أحدثها، فلماذا عكس المصنف رحمه الله قلنا: لأنّ المناسبة بين تحريك العضو وإحداث الهيئة أقوى منها بين تحريكه ونفس الهيئة، ولذلك أيضاً جعل الزكاة من زكى الشرعي المأخوذ من زكى اللغوي على أنّ قوله الصلاة من صلى قد يراد به أنها من جنسه أي يتلاقيان في الاشتقاق بلا تعيين للمشتق منه فجاز أن يحمل على اشتقاق صلى من الصلاة، وكذا الحال في الزكاة، وأورد عليه في الكشف أيضاً أنه مخالف لمذهب المعتزلة فإنها عندهم حقائق مخترعة شرعية وليست منقولة من معان لغوية، والقائلون بالنقل، وهم الجمهور قالوا: إنها منقولة من الدعاء، وفي الروض الأنف: الصلاة أصلها انحناء وانعطاف من الصلوين وهما عرقان في الظهر إلى الفخذين، ثم قالوا: صلى عليه أي انحنى عليه رحمة وسمواً الرحمة حنوّا وصلاة وعطفاً وأصله في المحسوسات فجعل في المعاني مبالغة وتأكيدا، ولذلك لا تكون الصلاة بمعنى الدعاء على الإطلاق، فلا تقول صليت على العدوّ أي دعوت عليه إنما يقال صليت عليه في الرحمة والتعطف لأنها في الأصل الإنعطاف، ولذا عديت بعلى، ولا تقول في الدعاء إلا دعوت له باللام فهذا فرق مّا بين الصلاة والدعاء، وأهل اللغة لم يفرقوا بينهما. (أقول) ما تقدّم هو الشائع أمّا ما اختاره العلامة فهو ما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة والعربية فقال أبو عليّ الفارسيّ الصلاة من الصلوين لأنّ أول ما يشاهد من أحوال الصلاة تحريك الصلوين للرّكوع، فأفا القيام فلا يختص بها قال ابن جني وهو قول حسن وكذا رجحه السهيليّ في الروض كما سمعته، وما قاله شراح الكشاف مردود على ما فيه من المؤاخذات، وما ذكر. من معنى الصلويق أحد الأقوال فيه فقيل: عظمان ناتئان في جانبي الذنب. وقيل: أعلى الفخذين. وقيل: عرقان في الظهو. وقيل: في الفخذين. وقوله: (ولما اشتهر إلخ) توجيه لنقلى المجاز عن المجاز، لأنّ شرطه شهرة الأوّل حتى ينزل منزلة الحقيقة، وقوله إنّ

الاشتقاق مما ليس بحدث قليل مردود لأنه وان إشتهر، ومثلوا له باستنوق الجمل وأبك إذا أحسن رعي الإبل وسبقه إليه غيره إلا أنه غير تام لأنهم إن أرادوا به ملاحظة معنى اسم الجنس في الفعل ومتصرّفاته مطلقا، فهو أكثر من أن يحصى ويحصر كطين الحائط إذا طلاه بالطين، وأترب الكتاب إذا وضع عليه التراب وزفت الإناء وقيره واثبات القلة النسبية موقوف على الاستقراء التام وهو متعذر وان أرادوا أنّ اسم الجنس وضعه الواضع أوّلاً، ثم أخذ منه الفعل ومتصرفاته كاستنوق والناقة فهو وان كان الوقوف عليه لغير الواضع عسيراً إلا أنه يستدذ عليه بشهرة الجامد دون ما أخذ كالإبل وابل، وهذا ليس كذلك لشهرة صلى والمصلي دون الصلا والصلوين وفيه نظر. وقوله إنّ الصلاة بمعنى الدعاء شائعة مسلم، وعدم ورود إطلاق الصلاة على ذات الأركان من العرب باطل، وان تبع غيره هنا وهو ظاهر كلام السيوطي في المزهر في الفصل الذي عقده للألفاظ الإسلامية لأنهم إن أرادوا أنّ الصلاة بمعنى العبادة المخصوصة ولم يكن قبل شرعنا مسمى، واسم فليس كذلك لورود ما يخالفه في آيات كثيرة كقوله تعائى حكاية عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40] والاستدلال عليه بظاهر قوله {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] أي المصلين من ضيق العطق، والمخصوص خصوص هذه الأقوال والأفعال وان أرادوا أنها لم تسم صخلاة قبل شرعنا وأنه لم ينقل عن العرب قبل الإسلام، فليس كذلك لنقل أئمة اللغة كالجوهرفي ما يخالفه، وان اختلف في أنه حقيقة لغوية أم لا، ولا خلاف في أنه حقيقة شرعية وتحقيقه ما قاله ابن فارس في كتابه فقه اللغة، وعبارته كانت العوب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم، فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال، ونقلت ألفاظ مبن مواضع إلى مواضع أخر بزيادات، ومما جاء في الشرع الصلاغ، وأصله في لغتهم الدعاء، وقد كانوا عرفوا الركوع والسجود، وإن لم يكن على هذه الهيثة فقالوا: أو درّة صدفية غواصها ~ بهج متى يرها يهلى ويسجد (وقال الأعشى: يراوح من صلوات الملي ~ ك طوراً سجوداً وطوواً جؤارا وهذا وان كان كذا، فإن العرب لم تعرفه بمثل ما أتت به الشريعة من الإعداد، والمواقيت والتحريم للصلاة والتحليل منها وكذلك الصيام والحج والزكاة اهـ. فقد عرفت أنّ العرب سمتها بذلك قديما وأنّ قوله لم يرد عنهم إطلاقها على ذات الأركان وأنهم ما كانوا يعرفونها لا أصل له، وما ذكره من السؤال والجواب قد قيل في توجيهه أيضاً: إنه إنما جعل الصلاة من صلى لعدم استعمال التصلية بمعنى الدعاء، وفي القاموس يقال: صلى صلاة ولا يقال تصلية اهـ وما في القاموس تبع فيه الجوهريّ وبعض أهل اللغة، وليس بصحيح وان اشتهر قال الإمام الزوزني في أفعاله: التصلية غازكرون، وفي أمالي ثعلب إمام أهل اللغة أنشد لبعض العرب: تركت القيان وعزف القيان وأدمنت تصلية وابتهالا وقال في تفسيره يقال صليت صلاة وتصلية ههـ وكذا في العقد لابن عبد ربه، وإنما تركه أهل اللغة لأنه من المصادر القياسية، وعادتهم تركها وأخذ الصلاة من الصلوين، واطلاق المصلي على ثاني خيل الحلبة مما لا يثك فيه أحد من أهل اللغة وقول المصنف رحمه الله حرّك الصلوين وقع في بعض النسخ الصلا مفردا بدله، وما أورده صاحب الكشف عليه من أنه مخالف لمذهب المعتزلة وأهل السنة إشارة إلى ما تقرّر في أصول الفقه من أنّ الألفاظ المستفادة من الشرع هل لها حقيقة شرعية أم لا فقال القاضحي أبو بكر رحمه الله: إنّ الشرع لم يستعملها إلا في الحقائق اللغوية، فالمراد بالصلاة المأمور بها الدعاء إلا أنّ الشرع أقام أدلة على أنّ الدعاء لا يقبل إلا بشرائط مضمومة إليها، وأثبتها المعتزلة وقالوا نقل الشارع هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية، وابتدأ وضعها لهذه لا لمناسبة، فليست حقائق لغوية، ولا مجازات عنها، والحق أنها مجازات اشتهرت، فصارت حقيقة شرعية والزمخشريّ ليس بمقلد للمعتزلة

في كل ما يقولونه خصوصا فيما يتعلق بالعربية والكلام على هذه المسئلة مع أدلته مفصل في الأصول. قوله: (واشتهار هذا اللفظ إلخ) هو رذ لما في التفسير الكبير من أنّ ما اختاره الزمخشريّ من الاشتقاق يفضي إلى الطعن في كون القرآن حجة، لأنّ الصلاة من أشهر الألفاظ، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء معرفة فلو جوّزنا ذلك وقلنا: إنه خفي واندرس بحيث لا تعرفه إلاً الآحاد لجاز مثله في سائر الألفاظ ولو جاز ما قطعنا بأنّ مراد الله من هذه الألفاظ ما يتبادر إلى أفهامنا لاحتمال إرادة تلك المعاني المندرسة ولما كان مبناه على أنّ ما اشتهر لا ينقل من الخفيّ أجاب عنه بما ذكر مع أنه غير مسلّم مطلقا أيضاً لأنه إن أراد بهذا اللفظ لفظ الصلاة، فهو كذلك وان أرأد لفظ صلى أو مادّته فغير مسقم ديمانّ المصلي بمعنى السابق، وثاني خيل الحلبة مشهور مستفيض بل قد يقال إنه قبل الشرع أشهر منه، والمراد بالمعنى الثاني العبادة ذات الأركان المعلومة الدال عليها قوله لأن المصلي يفعله، وقيل إنه أراد بالثاني المنقول إليه المتنوّع إلى نوعين الدعاء والفعل المخصوص، وردّ بأنّ قوله وإنما سمى إلخ مرتبط بقوله لأنّ المصلي يفعله إلخ وحينئذ يكون هذا فصلاَ بين العصا ولحائها، والظاهر أنه تكلف مستغن عن الردّ وأنه كله مقول القول فإنه بعينه كلام الكشاف. وقوله: (لا يقاخ) أي لا يضرّه، وهو مجاز من قولهم قدح في عرضه ونسبه إذا عابه هذا هو المراد بنوع تسمح، والقدح بمعنى العيب كما في الأساس من قدح الدود في العود إذا وقع فيه، والقدح في عرف الأطباء إدخال الميل في العين إذا انصب فيها مادّة تمنع النظر ومنه قال بعض المتأخرين من الشعراء: إذا انصبّ ماء اليأس في مقلة الرجا فليس لها عند اللبيب سوى القدح قوله: (وإنما سمي الداص إلخ) قد علمت أنه من مقول قوله قيل: فإنه برمته كلام الكشاف، وهو بيان لما في الواقع عنده من أنها في الدعاء استعاوة من الصلاة المشهورة لا أصل لها واطلاقها عليها مجاز من إطلاق الحال على المحل أو الجزء على الكل، وقد أورد عليهم أنهم اشترطوا فيه أن يعدم الكل بعدمه وأن يكون الجزء مقصودا من الكل، وأنه لا يصح حينئذ إطلاقه على صلاة الأخرس، وهو كله مخالف للواقع وقيل إنه معنى متعلق بالأخير وهو كون الصلاة من تحريك الصلوين، فكأنه جواب عن سؤال تقديره ما وجه استعمالها على هذا في الدعاء إلى آخر ما فصله مما لا حاجة إليه. قوله: (الرزق في اللغة الحفظ إلخ) هذه الجملة معطوفة على الصلة وما موصولة أو موصوفة أو مصدرية وقوله في اللغة الحظ وقيل: العطاء. وقيل: الملك تبع فيه، وفي استشهاده بهذه الآية الراغب كما هو دأبه وقال في تفسيرها: تجعلون نصيبكم من النعم تحرّي الكذب اهـ. وقيل الرزق في لغة أزد يكون بصعنى الشكر وهو المراد في هذه الآية وقيل شكر فيها مقدّر له هو مع أنه خلاف الظاهر محتاج إلى التأويل والتجوّز إذ لا يكون التكذيب شكرا إلا على التنزيل منزلته والتهكم، فلا يرد على المصنف رحمه الله ما قيل: من أنه لا استشهاد في الآية وقيل: الظاهر من الحظ الاسم بمعنى الجدّ والنصيب لا المصدر من حظظ الشيء بالكسر بمعنى بهر منه شدّة، وإن جاء في اللغة لكليهما، ويؤيده استدلاله بالآي، ولا يخفى أنّ المناسب أن يفسر الرزق بالمعنى المصدري لأنّ المذكور فيها أن والفعل. قوله: (والعرف خصصه بتخصيص الشيء إلخ) هذا يناسب المعني المصدري إلا أن يقال المراد بالشيء المخصض إلخ لأنّ تخصيص الشيء إنما يكون ببعض أفراده والتض عيص ليس من أفراد الحظ، والرزق بالفتح لغة الإعطاء لما ينتفع الحيوان به، وقيل إنه يعمّ غيره كالنبات، والرزق بالكسر اسم منه ومصدر أيضاً بمعناه، لكن المفهوم من كلامهم أنه ليس بمصدر، ثم إنّ المعنى اللغوي وهو النصيب شامل للغذاء ولغيره وللأمور الحسية والمعنوية وللحلال والحرام، ولذا قال: والعرف خصصه والتخصيص جعله خاصاً به لا يتعذاه، وتمكينه من الانتفاع به بحيث لا يمنعه مانع منه يقال مكنته من الشيء أي جعلت له عليه قدوة فتمكن منه، واستمكن وكذا أمكنته، ويقال أمكنه الأمر إذا سهل وتيسر، والانتفاع به بأكله وشربه ولبسه ونحوه والمراد بالعرف عرف اللغة، أو الشرع وشتعمل الرزق بمعنى المرزوق المنتفع به، وهو النصيب المعطى لأنه يتعدّى لمفعولين، فيصح تسمية كل منهما مفعولاً

إلا أنّ المتبادر منه الثاني إذا أطلق لأنّ الأوّل آخذ فهو فاعل معنى كما صرّح به النحاة، فمن قال الظاهر أنّ المرزوق الشخمى الذي وصل إليه الرزق لا نفس الحظ فقد خلط وخبط، وتمكن الانتفاع صحته منه، وإن لم يكن بالفعل فهو بمعنى ما قيل من أنه سوق الله إلى الحيوان ما ينتفع به كما هو عند الجميع، والفرق ما سيأتي من فسره بما ساقه إلى العبد ليأكله فهو باعتبار الأغلب أو التغليب، وما أعطاه الناس لغيرهم داخل فيه لتمكنهم منه أو هو رزق نظراً للغير الواصل إليه كما قال: لم لا أحبّ الضيف أو أرتاح من طرب إليه والضيف يثل رزقه عندي ويشكرني عليه- وقيل هو ما به قيام الحيوان وبقاؤه. قوله: (والمعتزلة لما استحالوا إلخ) ردّ على الزمخشريّ، وقد اختلفوا في أنّ الحرام رزق أم لا وليس الخلاف في معناه اللغوي، فإنه ما ينتفع به مطلقاً كما صرّحوا به وليس هو مما ينبغي ذكره في علم الكلام وليس أيضاً نزاعا لفظياً راجعا لتفسيره بل النزاع في معناه شرعا بعد الاتفاق على أنّ الإضافة إلى الله الرازق معتبرة في مفهومه، ولذا فسر تارة بما أعطاه الله عبده ومكنه من التصرّف فيه بحيث لا يكون لغيره المنع منه، فلا يكون الحرام رزقاً وتارة بما أعطاه الله لقوامه وبقائه خاصة فقالت المعتزلة: لما كانت الإضافة إليه تعالى معتبرة فيه لزم أن لا يصدق على الحرام بناء على أصلهم الفاسد في عدم إسناد القبائح إليه تعالى وأهل السنة قالوا كل من عند الله، والإضافة لا تمنع كون الحرام رزقا وفي الكشف الاتفاق على أنه من فضل الله عليهم كما تفضل بالى ئجاد وسائر أسباب التمكين، فليس عدم الاستناد لكونه ليس من فعله تعالى، كما توهم بعضهم بل لأنهم يقولون لا يحسن أن يسند إليه تعظيماً له ولأنّ فيه شوباً من فعل العباد، لأنهم أكسبوه وصف الحرمة فنقول التعظيم في إسناده إلى الله تعالى لئلا يوهم إيجاد العبد ما لا يستقل به اتفاقا، وأمّا وصف الحرمة، فلو سلم أنه ليس بإيجاده لم يفد كيف، وقد ثبت بالقاطح العقل والنقل أنّ الكل منه وبه واليه، نعم لا يوصف الفعل بالصفات الخمس إلا من حيث قيامه بالى مملف لا من حيث صدوره عنه تعالى، وهذا أصل نافع وقد ذهب إلى مذهب المعتزلة بعض أهل السنة بناء على أنه لا يملكه لخبثه كما قال النسفي، وفي أحكام القرآن للجصاص: إطلاق اسم الرزق إنما يتناول المباح دون المحظور، وما اغتصب وأخذ بالظلم لم يجعله الله رزقا له لأنه لو كان رزقاً جاز إنفاقه، والتصدّق والتقرّب به إليه تعالى، ولا خلاف بين المسلمين في أنّ الغاصب محظور عليه الصدقة بما اغتصبه وفي الحديث: " لا يقبل الله صدقة من غلول " اهـ. (أقول) ما ذكره من عدم الخلاف لا يخفى ما فيه قال ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد لو عمل الخير بمال مغصوب اختلف فيه فقال ابن عقيل رحمه الله: لا ثواب للغاصب لأنه آثم مستحق للعقوبة ولا لرب المال لأنه لا نية له ولا ثواب بدون فصد ونية، وإنما يأخذ من حسنات الغاصب بقدر ماله، وقيل إنه نفع حصل بماله وتولد منه، ومثله يثاب عليه كمن له ولد برّ يؤجر به وان لم يقصده والمصائب إذا ولدت خيرا الظاهر أنه يؤجر عليها وعلى ما تولد منها، وكذا الغاصب فإنه وأن تعدّى واقتص من حسناته فما كان يعمله يؤجر عليه لأنه لو فسق به عوقب مرّتين على الغصب والفسق، فإذا عمل به خيراً ينبغي أن يثاب عليه فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره، ومعنى استحالوا عدّوه محالاً لأنّ الإقدار على القبيح قبيح كخلقه عندهم، واعترض على المصنف رحمه الله بأنّ وصف التمكين ليس معتبرا عند أهل الستة وبأنّ التمكين لا ينافي المنع والزجر كما في سائر المعاصي، ألا ترى أنهم قالوا بإرجاع المحامد إليه تعالى دون القبائح باعتبار أنّ الأقدار على الحسن حسن والتمكين من القبيح ليس بقبيح، وقد اشتهر أنه تعالى خالق القوى والقدر وأجيب بأنّ الأقدار والتصكين على وجهين: الأؤل إعطاء القدرة الصالحة لصرفها إلى الخير والشرّ، وذلك غير قبيح وحاصل منه تعالى على زعمهم. والثاني جعل الشيء خاصاً بأحدهما داخلاً تحت تصرّفه قريبا من الانتفاع بالفعل، وذلك غير واقع في زعمهم فلا إشكال. قوله: (ألا ترى إلخ) في الكشاف وأسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال الطلق الذي يستاهل أن يضاف إلى

الله تعالى ويسمى رزقاً منه وقال قدس سرّه: تمسك بالإسناد فقط نظرا إلى أنّ الرزق لغة يتناول الحرام أيضا وتخصيصه بما عداه عرف شرعي كما ينبىء عنه قوله رزقا منه، وقد يقال بنى كلامه على التقدير أي إن قدر أنّ الحرام يسمى وزقا شرعا أو لغة فالإسناد إلى نفسه يخرجه قطعا، وهو إشارة إلى ما قيل من أنه إذا أسند 10 لى الله تعالى فالمراد به الحلأل بالإتفاق فلا يكون هذا مؤيدا لمذهبه، ولم يرتض الجواب بأنّ المؤيد له قوله ويسمى رزقا، لأنّ الظاهر من قوله منه أنه للتقييد، فلا يصلح أيضا له وحمله على أنه تجريد بناء على أنّ الإضافة إليه معتبرة في مفهومه خلاف الظاهر والطلق بكسر الطاء وسكون اللام وقاف الحلال كما في النهاية يقال أعطيته من طلق مالي أي من صفوته وطيبه فالوصف للمبالغة، والأولى تفسيره بالخالص وفي المصباح وشيء طلق وزان حمل أي حلال، وافعل هذا طلقاً لك هـ أي حلالاً ويقال الطلق المطلق الذي يتمكن صاحبه فيه من جميع التصرّفات فيكون فعل بمعنى مفعول مثل الذبح بمعنى المذبوح اهـ. قوله: (فإنّ انفاق الحرام إلخ) بيان وتعليل للإيذان، ولا يرد عليه قول الفقهاء إذا اجتمع عند أحد مال لا يعرف صاحبه ينبغي له أن يتصدّق به، فإذا وجد صاحبه دفع قيمته أو مثله إليه، فهذا الإنفاق مما يثاب عليه لأنه لما فعله بإذن الشارع اسنحق المدح لأنه لما لم يعرف صاحبه كان في يده وله التصرّف فيه، وانتقل بالضمان إلى ملكه وتبدلت الحرمة إلى ثمنه فتامل. قوله: (وذمّ المشركين إلخ) عطف على قوله وأسند إلخ وهذا دليل ثان لهم بأنهم ذموا على جعل بعض الحرام رزقا فيقتضي أنه ليس كذلك، ولا يخفى ضعفه فإنهم إنما ذموا على جرأتهم على التحريم والتحليل وهو لا يليق بغير الشارع وسيأتي ما فيه. قوله: (وأصحابنا إلخ) حاصله منع كون الإسناد للإيذان المذكور بل لأمر آخر، وهو تعظيم الرزق لأنه جل وعلا إنما يضاف إليه، وينسب ما عظم كبيت الله، وقال تعالى حكاية {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] فإنه إنما يضاف إليه الأفضل فالأفضل وتعظيم الرزق يتضمن معرفة قدر النعمة وهو أوّل مراتب الشكر وأمّا التحريض وهو الحث على الإنفاق فلأنّ الرزق إذا كان منه وله لا ينبغي الإمساك، وقد قيل الجود بالموجود ثقة بالمعبود، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية، ومن تحقق أنّ معطيه ذو الجلال والإكرام كيف يضن بما لديه من الحطام ولذا قال عليه الصلاة والسلام: " أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً " (1) . وقيل إنه لتعظيم حق الإنفاق بأن يعرف أنه معط من مال الله لعبيده فلا يضيفه لنفسه لأنه أمين يصرف ماله لمستحقه، وهذا مع ظهوره خفي على من قال إنّ التحريض غير ظاهر، وهو إنما يفهم من المدح، وقد يوجه بأنّ الرزق والإنفاق يشتركان في أنهما صرف الشيء إلى الغير، فإذا كان الرزق صفة كمال لنسبتة إلى الله تعالى كان الإنفاق كذلك وهذا مما يقضي منه العجب. قوله: (والذم لتحريم ما لم يحرّم) مبني للفاعل ##########

#######كونه أهمّ كأنه قال: ويخصمون بعض المال الحلال بالتصدّق به، وقال قدّس سرّه: الجارّ والمجرور مفعول للفعل على الإطلاق تنبيهاً على أنه بحسب المعنى مفعول به أي بعض ما رزقناهم، وان كان بحسب اللفظ صفة مفعول مقدّر أي شيئاً مما رزقناهم وأمّا كونه أهمّ فلقصد الاختصاص مع رعاية الفاصلة لا يقال إدخال من التبعيضية يغني عن التقديم للتخصيص، فإنّ إنفاق البعض يتبادر منه عدم الشمول ومن ثمة كان فيه صيانة وكف لأنا نقول يجوز مع إنفاق البعض الشمول بأن يكون الباقي مسكوتا عنه، وان كان احتمالاً مرجوحاً، فإذا قدم زال ذلك الاحتمال بالكلية لظهور الفرق بين بعض مالي أنفقت وأنفقت بعض مالي، فإن قلت: تخصيص الإنفاق بالزكاة إذا فسرت به نفي لما يقابلها من التطوّع، والمقام يأباه قلت: لما عبر عنها ببعض ما رزقناهم كانت بهذا الاعتبار مقابلة لجميع المال، فالنفي. توجه نحوه، وقد عرفت غير مرّة وجه صلوح المطلق لتناول. الكل، ومن البين أنّ مقام المدح يناسب العموم (أقول) المذكور في كلام القوم أنّ تقديم المعمول يفيد الحصر فيما يدل عليه صريحا وأنه المقصور عليه فإذا قلت من التمر أكلت كان المعنى ماكولي التمر دون الزبيب لا بعض التمر دون كله فادّعاء الحصر فيما يفيده المفهوم وجعله

قيدا يتوجه إليه النفي الذي هو فبه بالقوّة لأنه بمعنى ما، وإلا على تقدير صحته لا يخفى بده وتكلفه وكأنّ الداعي له إلى ارتكابه أنه إنما يناسب مذهب أهل السنة فإنه إذا عمّ الرزق الحلال والحرام كان الإنفاق الممدوح به بعضه، وهو الحلال دون البعض الآخر، فيتأتى الحصر بلا تكلف أمّا على مذهبه، فلا ينبغي تفسير الاهتمام بالحصر، ولذا قيل إنه لشرف المكتسب بإسناده إليه تعالى، وقيل تقديمه لأنّ المكتسب مقدّم على الإنفاق في الخارج. قوله: (والمحافظة على رؤوس الآي) بالمد جمع آية وهي في الأصل العلامة والمراء بها بعض مخصوص من القرآن، وهذا بناء على أنّ في القرآن سجعا، وقال البقاعي في كتاب فصاعد النظر: اختلف فيه السلف فقال أبو بكر الباقلاني في كتاب الإعجاز: ذهب أصحابنا الأشاعرة كلهم إلى نفي السجع عن القرآن كما ذكره أبو الحسن الأشعريّ في غير موضع من كتبه، وذهب كثير ممن خالفهم إلى إثباته اهـ. والقول الثاني فاسد لما في القرآن من اختلاف أكثر فواصله في الوزن والرويّ، ولا ينبغي الاغترار بما ذكره بعض الأماثل كالبيضاوي والتفتازاني من إثبات الفواصل والسجع فيه، وأنّ مخالفة النظم في مثل هارون وموسى بحسبه، ونقل أبو حيان في قوله تعالى: {وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} [فاطر: 21] في فاطر أنه لا يقال في القرآن قدم كذا أو أخر كذا للسجع لأنّ الإعجاز ليس في مجرّد اللفظ بل فيه، وفي المعنى ومتى حوّل اللفظ لأجل السجع عما كان لا يتمّ به المعنى بدون سجع نقض المعنى، وقيل عليه إنه نسي ما قاله في الصافات من أنّ التعبير بما رد ومريد للفاصلة، ثم أنه قال لو كان في القرآن سجع لم يخرج عن أساليب كلأمهم ولم يقع به إعجاز ولو جاز أن يقال سجع معجز جاز أن يقال شعر معجز، والسجع مما تألفه الكهان، وقد أنكر النبيّ صئى الله عليه وسلّم على من سجع عند 5 (1) على ما عرف في كتب الحديث، ولو كان سجعا كان قبيحا لتقارب أوزانه واختلاف طرقه فيخرح عن نهجه المعروف، ويكون كشعر غير موزون وما احتجوا به من التقديم والتأخير ليس ببئميء فإنه لذكر القصة بطرق مختلفة (أقول) أطال بلا طائل لتوهمه أنّ السجع كالشعر لالتزام تقفيتة ينافي جزالة المعنى. وبلاغتة لاستتباعه للحشو المخل وأنّ الإعحاز بمخالفته لأساليب الكلام فثغ على هؤلاء الاعلا 3، وليس بشيء، والعجب منه أنه ذكر كلام الباقلاني مع التصريح فيه بأنّ من السلف من ذهب إليه، والحق أنه في القرآن من غير التزام له في الأكثر وكأنّ من نفاه نفى التزامه أو أكثريته، ومن أثبته أراد وروده فيه في الجملة، فاحفظه ولا تلتفت لما سواه، وهذا مما ينفعك فيما سيأتي ولت افصلناه هنا لتكون على ثبت منه، والذي عليه العلماء أنه تطلق الفواصمل عليه دونل السجع. قوله: (وإدخال من إلخ) قد مرّ أنّ الجارّ والمجرور في محل نصب لأنه صفة مفعول 1 مقدر قد قام مقامه لا مفعول حقيقة ميلاً مع المعنى لأنه اسم تأويلاَ كما سياتي في قوله (ومن الناس) وقد قيل: إنّ هذه النكتة مبنية على أنّ المراد بالإنفاق مطلقه 1 الأعئم إذ الزكاة لا تكون بجميع المال، واً نه مخصوص بمن لم يصبر على الفاقة ويتجرّع مرارة الإضا- قه، وقد تصدّق بعضهم بجميع ماله، ولم ينيهره- عليه النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وما في بعض الحواشي من أنّ المصئف تبع في هذا الزمخشريّ، وهو نزغة اعتزالية وهم فاسد. قوله: (ويحتمهل إلخ) المعاون بوزن المساجد جمع معونة، وهي ما يستعان به وينعكع من العون، وهو المساعدة والمظاهرة ويقال: استعانه واستعان به، والاسم منه المعونة والمعانة بالفتح، ووزن المعونة مفعلة بضم العين، وبعضهم يجعل الميم. أصلية، فوزنها فعولة وجمعها على معاون قياس، فلا يقال إنه لم يوجد في كتب اللغة المشهورة، وأنه ركيك وهي عامّة لما ينتفع به في قوام البدن وبقاء الروح، فيشمل المال والعلوم والمعارف، والإنفاق حينئذ بمعنى الإيصال مطلقا بالبذل والتعليم وغير ذلك، فهو مجاز من استعمال المقيد في المطلق فليس فيه جمع بين الحقيقة والمجاز كما توهم، والرزق رزق الأبدان وهو معلوم، ورزق القلوب وهو المعارف، وأجلها معرفة الله تعالى، ومقام المدح يقتضي التعميم، لكنه خلاف الظاهر المعروف في استعمال الرزق والإنفاق، ولذا أخره والإنفاق من المعارف يزيدها ومن الأموال ينقصها وهذا من كلام الراغب. وعبارته: الإنفاق كما يكون من المال والنعم الظاهرة يكون من النعم الباطنة كالعلم والقوّة والجاه، والجود التامّ بذل العلم ومتاع

الدنيا عرض زائل، وقال بعض المحققين في الآية: ومما خصصناهم به من أنوار المعرفة يفيضون قيل في بعض النسخ معادن بالدال بدل الواو جمع معدن، وهو موضع العدن بمعنى الإقامة، ومعدن كل شيء مركزه، وهو تحريف من جهلة النساخ نشأ من لفظ الكنز، فلا ينبغي ذكره. قوله: (ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام إنّ علماً لا يقال به (1) إلخ) هذا هو الصحيح الموافق للحديث كما سيأتي وفي نسخة يقاد وفي نسخة يقال فيه وهذا حديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر مرفوعاً وأخرج الطبراني في الأوسط " مثل العلم الذي يتعلم به، ثم لا يحدث به كمثل الكنز الذي لا ينفق منه)) 2 (وأخرح ابن أبي شيبة عن سلمان علم لا يقال به كنز لا ينفق منه، ومعنى يقال به يحدث ولذا عداه بالباء كما يقال: قال بيده إذا أهوى بها، وقال برأسه إذا أشار بها. وقوله: (وإليه ذهب إلخ) ففسره هذا القائل بإفاضة أنوار المعرفة، وخصها لشرفها أو لأنها غير متبادرة فلا يرد عليه أنه غير مطابق لما قبله لأنه خص الرزق بالمعرفة ولم يعمم، وأنوار المعرفة كلجين الماء لأنّ النور ظاهر بنفسه مظهر لغيره، فأطلق على كل مظهر، ولذا سمي العلم والكتب الإلهية والرسل نورا وافاضة الأنوار انتشار أشعتها مستعارة من إفاضة الماء، وما في مما رزقناهم تحتمل المصدرية والموصوفة والموصولة، وأقربها الأخير، وعليه فالعائد محذوف تقديره على ما قاله أبو البقاء رزقناهموه أو رزقناهم إياه وأورد عليه في الدرّ المصون أنه على الأوّل يلزم اتصال ضميرين متحدي الرتبة والانفصال في مثله واجب، وعلى الثاني يمتنع حذفه، لأنّ العائد متى كان منفصلاً لزم ذكره كما نصوا عليه وعللوه بأنه لم ينفصل إلاً لغرض، وإذا حذف فاتت الدلالة عليه، وأجاب عن الأوّل بأنه لما اختلف الضميران جمعاً وافراداً جاز اتصالهما، وإن اتحدا رتبة كقوله: وقدجعلت نفسي تطيب لضغمة لضغمهماهايقرع العظم نابها وردضاً فإنه لا يلزم من منع ذلك ملفوظاً به منعه مقدّر الزوال القبح اللفظي، وعن الثاني بأنه إنما يمنع لأجل الليس ولا لبس هنا اهـ. (وأنا أقول) هذا غير مسقم لأنّ الذي يمنع حذفه ما كان انفحماله لغرض معنويّ كالحصر لا مطلقا، كما قاله ابن هشام في الجامع الصغير، وقال الرضيّ: شرط حذفه أن لا يكون منفصلاً بعد إلاً نحو ما جاءني الذي ما ضربت إلا إياه، وأما في غيره فلا منع نحو ضيع الزيدان الذي أعطيتما أي إياه واعترض عليه الأستاذ الخال رحمه الله بأنه كان ينبغي له أن يقول إلاً لغرض معنويّ، ولا يقيده بإلاً فتأمّل. قوله: (ومما خصصناهم به من أنوار المعرفة يفيضون) قد مرّ بيانه، وقد أورد عليه أنه تفسير للقرآن بخلاف ظاهر اللفظ من غير ضرورة ومثله لا يجوز نعم يجوز أن يقال: إنّ مثله يستفاد بطريق الإشارة، وأصل الفيض ما فاض من الماء لامتلاء الإناء ونحوه، ثم استعير لغيره كالحديث فيقال: حديث مستفيض أي شائع وهو المراد لما في التعليم من الإشاعة. قوله: (هم مؤمنو أهل الكتاب إلخ) قدّم هذا الوجه لرجحانه رواية ودراية لأنه مأثور عن الصحابة، كابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، ولأنّ التغاير هو الأصل في العطف، والحاصل أنّ المعطوف إمّا أن يكون مقابلاً للمعطوف عليه ومباينا له أو لا وعلى الأوّل المعطوف عليه الذين يؤمنون بالغيب أو المتقين وعلى الثاني، إمّا أن يكون المعطوف متحدا بالمعطوف عليه بالذات أو طائفة منه، فالوجوه فيه أربعة وسيأتي بيانها، وعبد الله بن سلام بتخفيف اللام، وهي مثددة في غيره من الأعلام صحابيّ أنصاريّ بطريق الحلف وهو من اليهود وبني إسرائيل من بني قينقاع من ولد يوسف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكان اسمه الحصين فسماه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عبد الذ وكان صلّى الله عليه وسلم كثيرا ما يغير الأسماء، وقد جمع السيوطيّ رحمه الله من غير النيّ عليه الصلاة والسلام اسمه في جزء له، وقد شهد له النبيّ صقى الله عليه وسلّم بالجتة، ونزلت فيه آيات كقوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف: 10] وقوله: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43] واختلف في زمان إسلامه دون وفاته فإنه توفي بالمدينة سنة ثلاث وأربعين من الهجرة النبوية وله قصة مع اليهود مذكورة في كتب الحديث والأضراب جمع ضرب بفتح الضاد وكسرها ورجح الزمخشريّ الثاني، وقيل جمع ضريب كشريف وأشراف، وقال النوويّ أضرأب أشباه جمع ضرب وبمعناه ضريب، وجمعه ضرباء ككريم وكرماء وانكار القاضي عياض له وهم

وأصله كما في الفائق من يضرب قداح الميسر، ثم تجوّز به عن كل نظير وشاع فيه، وفي الأساس ضرب القدح، وهو ضريبي لمن يضربها معك وهم ضربائي، ومنه ضرب وضريب وقوله قدّس سرّه: أضرابه أمثاله والجمهور على أنه جمع ضرب بالفتح وعند المصنف رحمه الله بكسرها فعل بمعنى مفعول كالطحن وهو الذي يضرب به المثل، ولا بد أن يكون مماثلاَ للمضروب فيه، ويعضده مثل وشبه، وهو مخالف لما حقق في اللغة كما سمعته، وفي بعض النسخ أصحابه أي الذين صاحبوه في الإيمان من أهل الكتاب. قوله: (معطوفون على الذين إلخ) أي سواء كان منقطعا عن المتقين أو موصولاً به، وهذا بخلاف عطف، والذين يؤمنون على المتقين كما في الوجه الآني، فإنما يصح على تقدير الوصل دون الانقطاع كما صرّح به الفاضل المحقق، وذلك لما- فيه من الفصل بين المعطوفين بأجنبيّ كما سيأتي ومعطوفون خبر ثان للفظ هم وكذا داخلون، ودخول أخصين بالنصب على أنه مفعول مطلق، وأخصين يجوز فيه كسر، الصاد وفتحها على أنه جمع مذكر سالم لا خمى باعتبار المعنى أو مثنى باعتبار أنهم فريقان، وأعتم بالإفراد المراد به المتقون وأفرده لوقوعه في مقابلة الجمع أو المثنى. وقوله: (إذ المراد إلخ) تعليل لما يدل عليه المقام من تغاير المتعاطفين بالذات، وأولئك إشارة إلى الذين يؤمنون بالغيب المعطوف عليه، والذين. آمنوا خبر لقوله: المراد وآمنوا بمد ألف بعد الهمزة، وعن الشرك والإنكار وقع في نسخة عن شرك وإنكار منكرين أي آمنوا إيماناً منتقلاَ أو متباعداً عن ذلك، وهم من لم يكن من أهل الكتاب ويجوز قصرها، وليس هذا الوجه مقطوعا به حتى يرد عليه ما قيل: لأنه لا ينبغي والظاهر أن يبدل ما ذكر بقوله على أنّ المراد إلخ لأنّ ذكر ما يقابله يأباه قطعاً، وأما القول بأنّ التغاير بالصفات لا بالذات أرجح لاشتراك الفريقين في الإيمان بالمنزلين، فقد دفع بأنّ المتبادر من العطف أنّ الإيمان بكل منهما على طريق الاستقلال، وهو مختص بأهل الكتاب لأنّ إيمان غيرهم بما. أنزل من قبل إنما هو على طريق الإجمال والتبع للإيمان بالقراًن لا سيما في مقام المدح كما هنا، وقد قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [الأنعام: 20] إلى قوله: {يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} [القصص: 54] كما ورد في الصحيح أنّ لأهل الكتاب أجرين بواسطة ذلك إلاً أنه قيل عليه أنّ قوله تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 136] الآية بالعطف مع عمومها لسائر المسلمين يمنع التبادر لخفاء التغاير الذاتي بينهما، وقيل: التغاير باعتبار آخر وهو أنّ الإيمان الأوّل بالعقل، وهذا بالنقل، وأمن الفريق الأوّل عن الشرك أنّ شأنهم ذلك، وجلهم كذلك وان كان فيهم من لم يشرك أصلاَ كعليّ رضي الله عنه، فلا يرد ما قيل إنه يخرج عن الطائفتين من نشأ على الإسلام، ولم يتدنس بشرك إلاً أن يقال الإيمان المتضمن للاعراض عن الشكر لا يوجب سبقه، ثم قال: الأوجه أنّ المراد بالذين يؤمنون بالغيب من عدا أهل الكتاب لأنّ إيمانهم بما عرفوه كما يعرفون أبناءهم، وإنّ أولئك على هدى إشارة إلى الطائفة الأولى لأنّ إيمانهم بمحض الهداية الربانية، {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} إشارة إلى الثانية لفوزهم بما كانوا ينتظرونه، وهم يقاتلونهم. لأنهم لم يشركوا ولم ينكروا، والمراد لجالفريقإ الأوّل مجموعهم لا جمصهم إذ هم ليسوا كذلك، فلا يرد النقض بمن مرّ مع أنه مغمور بينهم، فيدخل على حد بنو فلان قتلوا قتيلاً، وتقديم الإيمان بالغيب لسبقه ذاتا وزمانا وعدم شرك أهل الكتاب ظاهر، وأمّا ما ذكره المصئف رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى ما كان إبراهيم يهودياً فستراه وما فيه. قوله: (وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما إلخ) أخرجه ابن جرير مسنداً، فلا وجه للتردّد فيه، والقول بأنه إن صح عنه فهو تفسير للموصول الثاني بالسمع، ويؤيده أنّ صدور الإيمان عنهم مرّتين سابقاً قبل ظهور الإسلام، ولاحقاً بعده أدخل في المدح والعطف لا يقتضي المباينة الكلية لجواز أن يراد بالموصول الأوّل ما يعم الثاني، وعطف الأخص على الأعمّ لمزيد الاهتمام شائع وفيه ما فيه. قوله: (أو على المتقين) هذا هو الوجه الثاني وهو مشارك للأوّل في أنه أريد فيهما بالذين يؤمنون بما أنزل إليك مؤمنو أهل الكتاب ولذا قدمه على ما بعده. وقوله: (وكأنه قال هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ عن الشرك إلخ) إشارة إلى وجه التغاير بيم، المتعاطفين، نإنّ المراد بالمعطوف عليه من آمن من العرب الذين ليسوا بأهل كتاب وبالمعطوف من آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، وإنما بينا هذا مع ظهوره، لأنه قيل: إنه

لتخصيص الذين يؤمنون بمن آمن عن الثرك، لتكون الصفة مقيدة للمتقين، وهو تكلف لا حاجة إليه وبهذا علم أنه لا وجه لما قيل هنا من أنه لا معنى لإخراجهم من المتقين مع اتصافهم بالتقوى إلاً أن يحمل على المشارفين، فيتعين العطف عليه لتعذر الحمل على المشارقة في المعطوف، وكذا ما قيل إنه كان على المصنف رحمه الله أن يؤخر هذا عن الاحتمال الذي بعده لئلا يفصل بين الوجهين المتناسبين بأجنبي، فإنّ الاحتمال من عطف الذين على الذين بتوسيط العطف على المتقين بينهما لا ينبغي، وقد مرّ ما قاله الفاضل المحقق من أنّ العطف على المتقين إنما يصح على تقدير الوصل دون الانقطاع لما يلزمه من الفصل بالأجنبي بين المبتدأ، وهو الذين يؤمنون بالغيب وخبره أعني أولئك أو بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبيّ، وهو الذين يؤمنون بالغيب أيضا، وقد قيل إنّ هذا ليس بممتنع لأنّ المستأنف مرتبط بالمستأنف عنه، فليس بأجنبي من كل الوجوه وفيه نظر. قوله: (ويحتمل أن يراد إلخ) أشاروا بالتعبير بيحتمل هنا إلى أنّ هذا التفسير غير مأثور وأنه من بنات الأفكار، وأورد عليه قدس سرّه أنّ الإيمان بالكتب المنزلة مندرح في الإيمان بالغيب، وأجاب بأنه للاعتناء بشأنه كأنه العمدة، وأورده هنا بعض أرباب الحواشي، وهو غير ملاق لكلام المصنف رحمه الله لأنه بين عقبه أنّ المراد عنده بالإيمان بالغيب الإيمان بما يدرك بالعقل، كالإيمان بالله وصفات جلاله واليوم الآخر وأحواله، والإيمان بما أنزل إليه وأنزل من قبله الإيمان بما يدرك بالسمع كالكتب، وبما تضمنته فبينهما تغاير باعتبار المفهوم والصفات، لا أنه من قبيل عطف ملائكته وجبريل، وهذا إن لم يرد على الشريف لعدم تصريح الزمخشريّ بما ذكوه يرد على من أورده هنا من أرباب الحواشي والأعيان جمع عين بمعنى الذات أي ما صدقت عليه الأسماء الموصولة في النظم متحد بحسب الذات متغاير بحسب المفهوم والصفات كما سيأتي. قوله: (ووصط العاطف إفي) جواب عن سؤال مقدّر، وهو أنّ العطف يقتضي المغايرة واتحاد الأعيان ينافيه، وعدد الشواهد إشارة إلى أنه يجري في الأسماء والصفات باعتبار تغاير المفهومات ويكون بالواو والفاء، وثم باعتبار تعاقب الانتقال في الأحوال. وقوله: (إلى الملك إلخ) بيت من قصيدة من المتقارب، والقرم بفتح فسكون أصله الفحل، ثم قيل للسيد والهمام العظيم، وإنما تصف العرب به الملوك لعظم هممهم أو لأنهم يفعلون ما يهمون به لما عرف من عزائمهم، والكتيبة بالتاء المثناة الفوقية الجيش، والمزدحم موضع الازدحام وهو التدافع لضيق المجلس بكثرة من فيه، ومنه استعير ازدحام الغرماء على المال والمراد به هنا المعركة. قوله: (يا لهف إلخ) هو من شعر لابن زيابة التيمي أجاب به عن شعر قاله الحارث بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان وهو: أيا ابن زيابة إن تلقني لاتلقني في النعم العازب وتلقني يشتد بي أجرد مستقدم البركة كالراكب (فاجابه بقوله) : يا لهف زيابة للحارث الصابح فالغانم فالآيب والله لولا لاقيته خالياً لآب سيفانا مع الغالب أنا ابن زيابة إن تدعني آتك واللعن على الكاذب والعازب البعيد في المرعى، والنعم الإبل أي تلقني حاضرا، وهذا تعريض له بأنه راعي الإبل لا سيد في قومه والأجرد الفرس القصير الشعر، وهو ممدوح في الخيل والبركة، بكسر الموحدة وسكون الراء المهملة بمعنى الصدر هنا، وزيابة اسم أبي الشاعر وقيل اسم أمّه كما في شروح إلحماسة، وما قيل من أنّ قول الطيبي أنه اسم أبي الشاعر وهم هو الوهم أي يا حسرة أبي أو أمي من أجل ذلك الرجل، والصابح بالباء الموحدة المغير صباحاً ويكون بمعنى الآتي صباحاً كالمصبح يتأسف على أنه فعل ذلك وهو غائب، فيقول: ليتني أدركته أو أنه قدّر ذلك في نفسه، ويجوز أن يكون تهكما، وسيفاناً تثنية سيف مضافا للمتكلم مع الغير، وقوله مع الغالب التفات أي معي، أو هو من الكلام الصصمى بالأسلوب النصف أي يقتل أحدنا صاحبه، فيرجع

كذلك كما قاله التبريزيّ، ولما كانت الغنيمة تعقب الغارة والإياب يعقبها عطف بالفاء، وإن كان موصوفها واحداً. قوله: (على معنى إلخ) متعلق بقوله وسط وعداه بعلى إلى ما وقع التوسط عليه من الوجه المخصوص به، كما يقال بنيت الدار على طبقتين، فيعدّى بعلى لأسلوبه الخاص كما حققه الفاضل الدواني في حواشي الشمسية في تعدّي الترتيب بعلى، وهو بيان لأنّ التغاير بحسب المفهوم والصفات، وأنّ الجمع المستفاد من العاطف واقع بين معاني الصفات المفهومة من المتعاطفين، وهي في المعطوف عليه التصديق بالغيب مع الإتيان باماراته، وفي المعطوف التصديق بما أنزل إليه وإلى من قبله. وقوله: (جملة) أي مجملاً، وهو منصوب بنزع الخافض أو على الحالية، وخصه بهذا لأنه كما مرّ الإيمان بالله وصفاته والآخرة وأحوالها، وذلك لا يمكن الوقوف على كنهه وتفصيله. وقوله: (والإتيان إلخ) مجرور معطوف على الإيمان والضمير في يصدّقه راجع إليه، فأثبت التغاير بينهما بعد تغاير مفهوميهما بوجهين. الأوّل: أنّ الإيمان بالأوّل إجمالي وبالثاني تفصيلي. والثاني: أنّ الأوّل عقل والثاني نقل والمصدّق العبادات البدنية والمالية المفهومة من قوله: {يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} إلخ فإن قلت: الإتيان بهذا المصدق فرع الإتيان بما لا طريق إليه غير السمع، لأنه يعلم بالوحي والكتب المنزلة، فعلى هذا ينبغي أن يقدّم الإيمان المنزلين على الإتيان بالصلاة والزكاة، قلت الإيمان بالغيب أهم وأعظم، ولخفائه احتياجه للمصدّق أقوى، ولذا جعله بعضهم داخلاً في الإيمان، وينبغي اتصاله به. وقوله: (غير السمع) قيل: إنه أتى فيه بالحصر، ولم يأت به فيما قبله لأنّ ما قبله يجوز أن يدرك بالسمع أيضاً بخلاف هذا، فإته لا يدرك ابتداء بغير السمع، وفيه أنه قد يدرك بالعقل فيعرف أنه كلام الله بالإعجاز المدرك بالعقل والذوق فتأمّل. قوله: (وكرّر الموصول إلخ) جوأب عما يقال كان يكفي فيما ذكر عطف الصلات بعضها على بعض وهو ظاهر، وأمّ إعادة الموصل فيما أنزل فغير محتاح للتوجيه، لما فيه من التغاير الحقيقيّ، فلا يرد عليه أنه يحتاج أيضاً إلى نكتة كما قيل: والمراد بالقبيلين قسما الإيمان المذكوران في النظم والسبيلين طريقا الإدراك من العقل والنقل، ووجه دلالة إعادة الموصول على ذلك ما فيه من الإشارة إلى استقلال كل من الوصفين وتنزيل تغاير الوصفين منزلة تغاير الذاتين، وفائدة العطف ما مرّ من معنى الجمع، وقال قدس سرّه: رجح هذا الاحتمال على الأوّل بأنّ الإيمان بالمنزلين مثترك بين المؤمنين قاطبة، فلا وجه لتخصيصه بمؤمني أهل الكتاب، ولا دلالة للأفراد بالذكر في الآية على أنّ الإيمان بكل منهما بطريق الاستقلال ألا ترى إلى قوله تعالى {قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 136] صلى الله عليه وسلم فقد أفرد فيه الكتب المنزلة من قبل، ولم يقتض الإيمان بها على الانفراد وبأنّ ما ذكر في تقديم بالآخرة، وبناء يوقنون على هم إنما يقع موقعه إذا عمّ المؤمنين، وإلاً أوهم نفيه عن الطائفة الأولى، فإنّ أهل الكتاب لم يكونوا مؤمنين بجميع ما أنزل من قبل، فإنّ اليهود لم يؤمنوا بالإنجيل، وما يقال: من أنّ اشتمال إيمانهم على كل وحي إنما هو بالنظر إلى جميعهم، فاليهود اشتمل إيمانهم على القرآن والتوراة والنصارى اشتمل إيمانهم على القرآن والإنجيل مردود بأنّ المفهوم المتبادر من استعمال ما نحن فيه ثبوت الحكم لكل واحد، وبأنّ الصفات السابقة ثابتة لمن آمن من أهل الكتاب، فتخصيصها بمن عداهم تحكم وجعل الكلام من قبيل عطف الخاص على العامّ لا يلائم المقام، وقد يرجح الاحتمال الأوّل بأنّ الأصل في العطف التغاير بالذات، ويجاب بأنّ هناك تفصيلاً هو أنّ أداة العطف إن توسطت بين الذوات اقتضت تغايرها بالذات، وان توسطت بين الصفات اقتضت تغايرها بحسب المفهومات وكذا الحكم في التأكيد والبدل ونحوهما، وان وقعت فيما يحتملهما على سواء كان الحمل على التغاير بالذات أولى، فلا يحكم في مثل زيد عالم وعاقل فأن الحمل على تغاير الذات أظهر، وقد رجح في الآية الكريمة الحمل على عطف الصفة بأن وضع الذين على أن يكون صفة، فالظاهر عطفه على الموصول الأوّل على أنه صفة أخرى للمتقين بلا تقسيم مع أنّ ما تقدم من وجوه الترجيح شاهد له (أقول) المتبادر من السياق استقلال كل منهما لا سيما في مقام المدح، لأنهم يؤتون أجرهم مرتين كما مرّ

من الإشارة إلى التصريح في الآيات والأحاديث وأمّا قوله تعالى {قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ} [البقرة: 136] الآية ففيها صارف عما ذكر معنى ولفظا. أمّا الأوّل فلأنّ الخطاب للمسلمين فلا يقتضي الإيمان بكل منها على الانفراد. وقوله: (قولوا) دالّ عليه، فإنه تكليف بقوله دفعة واحدة. وأمّا الثاني فلأنه لم يعد فيه الإيمان، والمؤمن بل جعل ذلك إيمانا واحداً لعدم الاستقلال، فلا يرد نقضا كما لا يخفى، والإيهام المتوهم من قوله {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} مدفوع بأنّ مدح الفريق الأوّل بالإيمان الكامل، ودخول الآخرة في الإيمان بالغيب دخولاً أوّليا صارف عنه بغير شبهة، وإنما هو تعريض بأهل الكتاب، وما كانوا مليه قبل الإيمان بما أنزل إلينا، فإذا كمل إيمانهم بهذا علم كمال إيمان غيرهم بالطريق الأولى، وأمّا أنّ اليهود لم يؤمنوا بالإنجيل، وكون دينهم منسوخاً حتى قيل: المراد باهل الكتاب هنا أهل الإنجيل فقط، فقد أجيب عنه فأن الإنجيل ليس بناسخ للتوراة بل مبين لها كما في الملل والنحل وغيره وسيأتي بيانه، أو الكلام على التوزيع، وليس خلاف المتبادر كما لا يخفى، وأمّا كون إقامة الصلاة، وما معه. مشتركا بين القبيلين، فمسلم لكنه لا يضرنا لأنه مذكور في الأوّل صريحا وفي الثاني التزاماً لاستلزام الإيمان بما أنزل له وأمّا جعل الصفة الثانية داخلة تحت الأولى صريحاً وفي الثاني التزاماً لاستلزام الإيمان بما أنزل له وأمّا جعل الصفة الثانية داخلة تحت الأولى ومنفردة بالذكر، فغير ظاهر إلاً أن يقال الإيمان بالله وان كان أصلاً لكن طريق سعادة الدارين مستفاد من الكتب، وجعل الإيمان بالآخرة مقصوداً أصلياً من ملة الإسلام ظاهر، فإن قلت كيف يكون تعويضاً بأهل الكتاب والمفهوم منه إنّ الإيقان بالآخرة حقيقة مختص بأهل القرآن دون أهل الكتب السماوية السالفة، فالمستفاد منها خلاف حقية الآخرة، وهو غير صحيح فانّ أهل الحق من أهل الإسلام، وأهل الكتاب يعتقدون حقيتها، وأهل الباطل منهم جميعاً، كالملاحدة والمحرّفين ليسوا كذلك، فلت قد أجاب عن هذا بعض المدققين بأنّ الكتب السالفة لم تتعرّض لتفصيل أحوال الآخرة، فلذا ظن أهلها ظنونا فارغة بخلاف القرآن الناطق بتفصيلها وبيانها، أو وفي شرح الطوالع: أنّ موسى عليه الصلاة والسلام لم يذكر المعاد الجسماني، ولم يذكر في التوراة، وإنما ذكر في كتب حزقيل وشعيا والمذكور في الإنجيل إنما هو المعاد الروحاني فتدبر. قوله: (أو طائفة منهم الخ) معطوف على قوله الأوّلون وضمير منهم لهم، والمراد بالطائفة مؤمنو أهل الكتاب والأوّل عامّ عطف عليه بعضه، وأفرد بالذكر لنكتة أشار إليها بقوله تعظيما لشأنهم إلخ وفي نسخة بدله إشادة بذكرهم، وهو بالدال المهملة معناه رفع الصوت بالنداء تجوّز به عن التعظيم ورفع القدر، والترغيب فيه ظاهر قيل وكونه كذكر جبريل وميكائيل عليهما السلام بعد الملائكة في مجرّد ذكر الخاص بعد العامّ لنكتة، وهي ترغيب أهل الكتاب في الدخول في الإسلام وفيه نظر، إذ الظاهر اشتراكهما في التعظيم والأفضلية باعتباو أنهم يعطون أجرهم مرّتين، وقد يكون في المفضول ما ليس في الفاضل، كما قيل في أفرضكم زيد فلا يرد عليه أنه لا تتمّ فيه النكتة المذكورة فيما استشهد به من التنبيه على أنهم لشرفهم كأنهم لم يدخلوا في العامّ لئلا يلزم تفضيلهم على الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، والتشبيه في مجرّد التخصيص، ولذا مرّض هذا الوجه وأخر، وقال قدس سرّه: إنه غير مناسب للمقام إذ ليس في السياق ما يقتضي التخصيص، وفيه نظر يعلم مما مرّ، وقيل في قول المصنف ذكرهم إلخ ما يدفعه وفيه نظر. قوله: (والإنزال إلخ) كون هذا حقيقة النزول وأصل معناه مما لا شبهة فيه وليس هو في الإقامة أصلاً أيضاً كما توهم إلا أنه شاع فيه حتى صار حقيقة فيه في عرف اللغة، فإن كان هذا مراده لم يرد عليه شيء، وكونه صفة للذات بالذات، ولغيرها بالعرض مما لا غبار عليه أيضا فاستعماله فيما هنا ونحوه مجاز حكمي لجعل ما للمحل للحال أو لغويّ على أنه استعارة، أو جعل بمعنى أوصلها وأظهرها. قوله: (ولعل نزول الكتب إلخ الما ذكر أنّ نزول القرآن عبارة عن نزول الملك المبلغ له، كما يقال نزل أمر الأمير من القصر إذا نزل به بعض خدامه، وهذا ملخص من قول الإمام حيث قال: المراد من إنزال القرآن أنّ جبريل عليه السلام في السماء سمع كلام الله، فنزل به على الرسول صقى الله عليه وسلّم، كما يقال نزلت رسالة الأمير من القصر، والرسالة لا تنزل، ولكن كان المستمع في علو، فنزل وأدى في سفل، وقول

الأمير لا يفارق ذاته، فإن قيل كيف يستمع جبريل عليه السلام كلام الله عر وجل، وكلامه ليس من الحروف والأصوات، قلنا يحتمل أن الله تعالى يخلق له سماعا لكلامه يقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم فيسمع له كلام بلا صوت، كما يرى بلا كم وكيف عند الأشعريّ رحمه الله، ويجوز أن يكون الله عز وجل خلق في اللوح المحفوظ كتابه بهذا النظم المخصوص، فقرأه جبريل عاجه السلام، فحفظه ويجوز أن يخلق أصواتا مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص، فيتلقفه جبريل عليه السلام ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدّية لذلك المعنى القديم اهـ. وإنما عبر عنه بقوله ولعل وعادة المصنفين أن يعبروا به فيما اخترعوه للإشارة إلى أنه ليس بمأثور، فلا ينبغي الجزم بأنه مراد الله تأدّباً منه، وهذا دأبه فاحفظه ولذا ذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه أي يجزم بالنزول من غير معرفة بكيفيتة، وهو الحق إذ مثل هدّا من التدقيقات الفلسفية لا ينبغي ذكره في التفسير، كقول بعض الحكماء: إنّ نفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام زكية نقية فتقوى على الاتصال بالملأ الأعلى، فينتقش فيها من الصور ما ينتقل إلى القوّة المتخيلة، والحسن المشترك فيرى كالمشاهد وهو الوحي، وربما يعلو فيسمع كلاماً منظوما، ويشبه أنّ نزول الكتب من هذا والتلقف بالقاف والفاء الأخذ بسرعة ويلقنه من التلقين، وهو معروف وفي نسخة فيلقيه بالتحتيتين والروحاني بضم الراء، وقد تفتح منسوب إلى الروح على خلاف القياس والمراد بكونه روحانياً أنه يلقى في قلبه من غير صوت، وأوود عليه أنه غير صادق على ما نزل صحفاً وألواحاً ولا ضير فيه كما لا يخفى. قوله: (والمراد بما أنزل إلخ) معنى بأسره بجملته، والأسر ما يشدّ به الأسير وإذا أعطي الأسير بقيده فقط أعطي بكليته ثم أريد به ذلك مطلقاً. وقوله: (عن آخرها) بمعنى إلى آخرها وقد مرّ تحقيقه، والمراد بجملتة ما نزل، وما سينزل سواء كان وحياً متلوّاً أو لا لأنه المطابق لمقتضى الحال، فإنه يلزم المؤمن أن يؤمن بما نزل، وبأنّ كل ما سينزل حق وان لم يجب تفصيله وتعيينه، وهذا هو المناسب للهدى والفلاح فلا يقال إنه يصح حمله على ما أنزل قبل وقت الخلاب بلا تأويل لأنّ من آمن ببعضه مؤمن بكله لعدم القائل بالفارق، وما قيل: من أنّ الإيمان بما سينزل ليس بواجب إلاً أنّ حمله على الجميع أكمل، فلذا اقتصر عليه لا وجه له، وأمّا كون الوحي ما هو خفيّ، فالتغليب لازم على كل حال إلاً أن يلتزم أنه بواسطة ملك أيضاً، فبمعزل عما نحن فيه. قوله: (وإنما عبر عنه بلفظ المضئ إلخ الما تعين أنّ المنزل عليه المراد به جميعه لاقتضاء السياق، والسياق له من ترتيب الهدى والفلاح الكاملين عليه، ولوقوعه في مقابلة ما أنزل قبل ولدلالة يؤمنون على الاستمرار المقتضي له، وكان جميعه لم ينزل وقت نزول هذه الآية وجهوه بوجهين الأوّل أنه تغليب لما وجد نزوله على ما لم يوجد، وتحقيقه أنّ إنزال جميع القرآن معنى واحد يشتمل على ما حقه صيغة الماضي، وما حقه الاستقبال فعبر عنهما معاً بالماضي، ولم يعكس تغليبا للموجود على ما لم يوجد فهو من قبيل إطلاق اسم الجزء على الكل، والثاني تشبيه جميع المنزل بشيء نزل في تحقق النزول لأنّ بعضه نزل، وبعضه منتظر سينزل قطعاً، فيصير إنزال مجموعه مشبهاً بإنزال ذلك الشيء الذي نزل، فتستعار صيغة الماضي من إنزاله لإنزال المجموع، فاضمحل بهذا ما توهم من لزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز في كل واحد من الوجهين، ولا يشتبه عليك أنّ المجاز المرسل، والاستعارة المذكورين يتعلقان بصيغة أنزل وحدها بلا اعتبار لمادّته، هذا ما حققه قدّس سرّه وقد تبع في هذا الشارح المحقق حيث قال: يرد على كلا الوجهين. أوّلا أنه جمع بين الحقيقة والمجاز، ولا يتصوّر معنى مجازي يعمهما ليكون من عموم المجاز، وأجاب بأنّ الجمع هو أن يراد باللفظ معناه الحقيقي والمجازي على أنّ كلا منهما مراد باللفظ، وهنا أريد المعنى الذي بعض أجزائه من إفراد الحقيقة دون البعض. وثانياً إنّ وجوب اشتمال الإيمان على السالف والمترقب لا ينافي الإخبار عنهم في ذلك الوقت بأنهم

يؤمنون بالفعل بالسالف إذ الإيمان بالمترقب إنما يكون عند تحققه، وإن أريد الإيمان بأنّ كل ما نزل، فهو حق فهذا حاصل الآن من غير حاجة إلى اعتبار تحقق نزوله، وأجاب بأنه لما وجب ذلك وجب في مقام الإخبار عنهم بأنهم يؤمنون بكل ما يجب الإيمان به أن يتعرّض لذلك سيما، ولفظ يؤمنون المضارع منبىء عن الاستمرار بلا اقتصار على المضيّ وهذا ظاهر إن أريد بالذين يؤمنون مطلق المؤمنين، فإن أريد مؤمنو أهل الكتاب فلا يخلو عن تكلف، وكأنّ وجه التكلف أنّ من آمن منهم الآن لا يعرف ما نزل، حتى يتحقق عنده ويجب عليه الإيمان به تعيينا، وقد خفي وجهه على الناظرين فوجهوه بما هو أشد تكلفاً منه، وكانوا فيه كمن فرّ من السحاب، فوقف تحت الميزان ققيل إنّ وجهه أنّ إيمان أهل الكتاب بالسالف قد تحقق من قبل، فلا يظهر فيه الاستمرار وعدم المضيّ وقيل وجهه أنّ بعض المؤمنين من أهل الكتاب لم يدرك جميع القرآن بل بعضه فلا يحسن أن يحكم بانهم مؤمنون على الاستمرار التجددي بحسب تجدّد المنزل عليه، وفيه أنّ مطلقهم يدركه كمطلق المؤمنين على الإطلاق، وإن اعتبر الاستغراق لم يصح ذلك في الفريقين وقيل: إنه لا تتمشى حينئذ المقدمة الخطابية، لأن تمدحهم بجمعهم بين الكتابين في الإيمان بكل واحد على الخصوص بخلاف سائر المؤمنين، فلا تروج هذه المقدّمة، ولا يخفى ضعفه لمن له أدنى تأمّل، وفي الكشف فإن قلت: فهلا قيل ينزل ليطابق يؤمنون. قلت: لمطابقة ما أنزل من قبلك وللتنبيه على أنّ المترقب كائن لا محالة ولأنّ إيمانهم يتعلق بشيء قد أنزل بعضه، وسينزل باقيه فلو قيل بما ينزل لم يشمل الماضي، وفسد المعنى، ولو ذكر الم يطابق البلاغة القرآنية واختصاراتها. (أقول) هذا زبدة ما ذكره القوم، وفيه أنّ التغليب باب واحد وما دفع به الشبهة لا يتأتى في مثل قولهم حكم العمران وضي الله عنهما بكذا، فإنّ المقصود الإسناد إلى كل منهما استقلالاً لا إلى المجموع من حيث هو حتى يكون كل منهما جزءا ملحوظا على وجه الإجمال، وأمّا الجواب عنه بأنّ التجوّز في مثله في الفرد وليس في إطلاقه استقلال، وإنما الاستقلال والتفصيل مستفاد من التثنية فلا يصح فإنه لو كان التجوّز في عمر فإن قيل إنه تجوز به عن الشيخين فلا يخفى بعده، وإن قيل تجوز به عن أبي بكر يكون كتثنية العينين للباصرة والذهبية، ومثله ليس من باب التغليب وادّعاء أنه بمعنى صدر الخلفاء من غير اعتبار تفصيل فيه مع ركاكته أقرب من هذا على أنهم كما في التلويح وغيره، اشترطوا في إطلاق اسم الجزء على الكل أن يكون التركيب حقيقياً له اسم على حدة وأن يكون الكل يعدم بعدم ذلك الجزء حقيقة، أو ادعاء كالرأس للإنسان والعين للربيئة، وهذا ليس كذلك مع أنه لم يعهد تشبيه الجزء بالكل، لما يلزمه من تشبيه الشيء بنفسه وهو كما قيل: وشاعر أوقد الطبع الذكي له ~ وشبه الماء بعد الجهد بالماء واستعارة الهيئة دون المادّة الذي أشار إليه بقوله بلا اعتبار لمادّته في الاستعارة التبعية فيه كلام في حواشي المطوّل، وفي كلام الكشف إشارة إلى أنه يجوز أن يجعل من المشاكلة لوقوع غير المتحقق في صحبة المتحقق وان ذكره بعضهم على أنه من بنات أفكاره إلاً أنه لا يصفو من الكدر، ولو قيل: إنّ المراد به الماضي حقيقة، ويدل على الإيمان بالمستقبل بدلالة النص كان أحسن من هذا كله. قوله: (ونظيره قوله إلخ) عدل عن قوله في الكشاف، ويدل عليه قوله {إِنَّا سَمِعْنَا} إلخ فجعله دليلاَ لما ذكر من وجهي التعبير بصيغة المضيّ، لأن إرادة مجموع الكتاب متبادرة عند الإطلاق خصوصا، وقد قيد بكونه منزلاً من بعد موسى صلى الله عليه وسلم لا بعضه، ولا القدر المشترك بينه وبين كله، وهو عبر عن إنزاله بلفظ المضيّ مع أنّ بعضه كان حينئذ مترقباً فوجب تأويله بأحد هذين التأويلين، وأما سمعنا ففيه تغليب للمسموع على غيره مما لم يسمع قي إيقاع السماع على أنّ الكتاب المراد به الكل مع أنه لم يسمع إلاً بعضه، وإنما عدل المصنف رحمه الله عما في الكشاف من جعل هذه الآية دليلاً إلى جعلها نظيراً لأنه لا فرق بينهما في احتياج كل منهما إلى التأويل بل هذه أحوج له، ولذا قال الفاضل في شرحه في قوله تعالى {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ} [الأحقاف: 30] الآية إشكال قويّ، فإنّ السماع لم يتعلق إلاً بما تحقق إنزاله بالحقيقة، فكيف يكون سبيله سبيل ما ذكر في جعله غير المتحقق بمنزلة المتحقق غاية الأمر أنّ الكتاب اسم للمجموع فيجب أن يراد به البعض، أو يحمل على المفهوم الكلي الصادق على الكل والبعض، فوجب التأويل في هذه الآية أيضا، ولم يمثل للتغليب بأنا، وأنت فعلنا لما

فيه من الإشكال أيضاً وسيأتي تفسير هذه الآية في محلها وبيان قوله {مِن بَعْدِ مُوسَى} مع أنه من بعد عيسى أيضاً صلى الله عليهما وسلم. قوله: (وبما أنزل من قبلك إلخ) معطوف على قوله {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} في قوله والمراد {بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} إلخ ولم يذكر الشريعة هنا اكتفاء بما في ضمن الكتب، وللإشارة إلى أنها منسوخة. وقوله بهما بضمير التثنية، والمراد ما أنزل إليه وما أنزل من قبله، وجملة بمعنى إجمالاً وكونه فرض عين أي فرض على كل أحد بعينه ظاهر، والمراد بالأوّل ما أنزل إليك والعلم به تفصيلاً فرض كفاية أي فرض على بعض غير معين، فإذا قام به سقط عن الباقي لأنه لوكان فرض عين شغلهم عن معاشهم مع ما فيه من الحرج والمشقة وعدم تيسره لكل أحد، وقال جلال الملة والدين في شرح العقائد العضدية: يجب على الكفاية تفصيل الدلائل الأصولية بحيث يتمكن معه من إزالة الشبه والزام المعاندين، وإرشاد المسترشدين وقد ذكر الفقهاء أنه لا بد أن يكون في كل حدّ من مسافة القصر شخص متصف بهذه الصفة، ويسمى المنصوب للذب، ويحرم على الإمام إخلاء مسافة القصر عن مثل هذا الشخمى كما يحرم إخلاء مسافة العدو عن العالم بظواهر الشريعة والأحكام التي يحتاج إليها العامّة، وإلى الله المشتكى من زمان انطمس فيه معالم العلم والفضل، وعمر فيه مرابط الجهل وتصدّى لرياسة أهل العلم والتمييز. بينهم من عرّي عن العلم والتمييز متوسلاً في ذلك بالحوم حول الظلمة سعياً لتحصيل مرامهم خذلهم الله ودمّرهم تدميرا وأوصلهم قريباً إلى جهنم وساءت مصيرا: إلى الله أشكو أنّ في الصدر حاجة ~ تمرّ بها الأيام وهي كما هيا وقيل: إنه لا بدّ من شخص كذلك في كل إقليم، وقيل يكفي وجوده في جميع البلاد المعمورة الإسلامية والمعاس بفتح الميم تكسب الناس الذي يعيشون به أي يبقون لأنه من العيش وهو الحياة وهو في الأصل مصدر ميمي كالمعيشة، وقد يكون اسم زمان ومكان. وقوله: (متعبدون) بفتح الباء وكسرها أي مكلفوق. قوله: (أي يوقنون لمقاناً إلخ) هذا بناء على ما رجحه من لحفسير الموصول الثاني بمؤمني أهل الكتاب خاصة، وما ذكره يفهم من قصر الإيمان بالآخرة عليهم مع أنّ جميع أهل الكتاب يؤمنون بالآخرة، فلو لم يخص بما ذكر بطل الحصر، ووصف الإيقان بقوله زال معه اإلمخ إشارة إلى ما سيأتي في معنى اليقين، واختلافهم بالرفع عطف على ما كانوا أو بالجرّ على أنّ الجنة، ومن قاًل بأنه ليس من جنس هذا ااضعيم منهم من قال: إنهم لا يتناكحون ولا ياكلون ولا يشربون، وإنما يتلذذون بالروائح الطيبة والأصوات الحسنة والسرور، فإن غيره لأجل النماء والبقاء، وهي في غنية عنه فألحصر على أنّ المراد به إيقاد خاص لا يوجد في سائرهم. قوله: (وفي تقديم الصلة إلخ) هذا معنى ما في الكشاف وهو قوله وفي تقديم الآخرة وبناء يوقنون على هم تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان وأنّ اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، فهنا تقديمان: تقديم الصلة وهي الجارّ والمجرور، وهو يفيد تخصيص إيقانهم بالآخرة، فإن قلت: هذا التقديم يفيد أنهم يؤمنون بالآخرة لا بغيرها وهو غير صحيح هنا ولا يفيد التعريض المراد. قلت: المراد بغير الآخرة المتقيّ عنهم إيمانهم بالآخرة التي يزعمها أهل الكتاب، فالمعنى أنّ إيقانهم مقصور على حقيقة الآخرة لا يتعداها إلى ما هو خلاف حقيقتها ففيه تعريض بأنّ ما عليه مقابلوهم ليس من حقيقة الآخرة في شيء كأنه قيل يوقنون بالآخرة لا بخلافها كبقية أهل الكتاب. الثاني تقديم المسند إليه الذي أخبر عنه بجملة يوقنون، وهو يفيد التخصيص، وأنّ الإيقان بالآخرة منحصر فيهم لا يتجاوزهم إلى أهل الكتاب وفيه تعريض بأنّ اعتقادهم في الآخرة جهل محض وتخيل فارغ، فإنّ الضمير المقدّم أو المزيد المنفيّ يأتي لإفادة الحصر وقد يأتي للتقوّي أيضاً كما حقق في المعاني ففي النظم قصران، وتعريضان لا قصر واحد كما قيل، وتفصيل ردّه في شروح الكشاف والمراد بالبناء جعله خبرا لا خبرا مؤخراً، كما قيل إلاً أن يراد بيان الواقع هنا، فإنّ البناء كما مرّ يكون مقابل الإعراب وصوغ الكلمة والبنية والاخبار، لأنّ المحمول كأئه مبنيّ على الموضوع، كما يشعر به

تعبير المحمول والموضوع أيضا وما نقل هنا من أنه قال بناء يوقنون دون تقديم هم لأنّ التقديم يكون عن تاخير واعتباره ليس بلازم هنا نقض للبناء لأنه لو لم يقدر ذلك لم يفد الحصر المدّعي. وقوله: (بمن عداهم إلخ) توطئة لما عطف عليه، وهو المقصود على نهج أعجبني زيد وكرمه وفيه لف ونشر مرتب لأنّ قوله غير مطابق ناظر إلى تقديم الصلة وقوله ولا صادر ناظر إلى بناء يوقنون وجوّز بعضهم فيه أن يكون نشرا على خلاف الترتيب. قوله: (واليقين إتقان العلم إلخ) قيل عليه: إنّ المذكور في كتب الأصولط، والكلام أنّ اليقين متناول للضروري فإنهم عرّفوا اليقين بالاعتقاد الجازم الثابت بحيث لا يزول بتشكيك مشكك المطابق للواقع وهو يشمله، ويكفي في الإتقان عدم تطرق الشك والشبهة، ولذا لم يعتبر صاحب الكشاف غيره إلا أنّ المف مرين اختلفوا فيه فذهب الإمام الرازي والواحدي وجماعة وتبعهم المصنف رحمه الله إلى أنه ما يكون عن نظر واستدلال فلا يوصف به الضروري ولا علم الله تعالى، وذهب الإمام النسفي وبعض الأئمة إلى خلافه وقالوا: هو العلم الذي لا يحتمل النقيض مطلقاً. وقال الإمام القشيري في كتاب مقامات الصوفية: اليقين علم لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف، ولا يطلق في وصف الحق سبحانه وتعالى لعدم التوقيف اهـ. (أقول) إذا كان فيه طريقان ومذهبان، فكيف يعترض على إحدى الطريقتين بالأخرى وعدم إطلاقه على الله على الأوّل ظاهر، وعلى الثاني لعدم التوقيف كما سمعته، وأمّا الضروري فقد قال الإمام: لا يقال بيقين إنّ الكل أعظم من الجزء وذكره قدّس سرّه من غير نكر، والمراد بالضروري البديهي الأوّلي فإنه قد يفسر به كما في شرح المطالع وإن كان الضروري يعمّ جميع اليقينيات وهي الحدسيات والمتواترات والمحسوسات الظاهرية والباطنية، كالتجربيات والأوّليات، وهي قضايا مجرّد تصوّر طرفيها كاف في الجزم بنسبتها، والمراد بنفي الشك والشبهة بالاستدلال أن يكون قابلاً لذلك في حال من الأحوال، ولا يلزم كون ذلك بالفعل، أو دائما فيدخل بعض المشاهدات إذ قد يرد عليها الشك، فعين اليقين عين ما كان متيقنا فسقط ما مرّ من أنهم فسروا اليقين بالاعتقاد الجازم إلخ مما يشمل الضروري والمصنف رحمه الله غيم عبارة الكشاف، فوقع فيما وقع إلاً أن يقال له معنيان وقد أيد هذا بأنه صرّح به في الإحياء حيث قال: اليقين مشترك بين معنيين. الأول عدم الشك، فيطلق على كل ما لا شك فيه سواء حصل بنظر أو حس أو غريزة عقل أو بتواتر كوجود مكة أو دليل، وهذا لا يتفاوت قوّة وضعفاً. الثاني وهو ما صرّح به الفقهاء والصوفية وكثير من العلماء، وهو ما لا ينظر فيه إلى التجويز والشك بل إلى غلبته على القلب حتى يقال فلان ضعيف اليقين بالموت، وقويّ اليقين بإثبات الرزق، فكل ما غلب على القلب، واستولى عليه فهو يقين وتفاوت هذا قوّة وضعفا ظاهر، ومما قيل عليه أيضاً إنه مناف لما ذكره في تفسير قوله تعالى {لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 7] أي الرؤية التي هي نفس اليقين، فإنّ علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين فجعل المشاهد المحسوس يقينا وهو من الضروريّ، فناقض نفسه وليس بوارد أما على القول الآخر فظاهر، وأما على ما اختاره هنا فيدفع أيضاً بأنّ الشيء قبل رؤيته يكون يقينا، فإذا شوهد وصاو ضرورياً انتقل إلى مرتبة من العلم أعلى من الأولى والمعلوم شيء واحد أحواله متعدّدة، كأحوال الآخرة في الدنيا والآخرة غايته أنّ في قوله أعلى مراتب اليقين تسمحاً على أنه بمعنى أعلى من جميع مراتب اليقين، كيوسف أحسن اخوته وظق الفرق بين اليقين والإيقان وهم. قال الجوهريّ رحمه الله: اليقين والعلم وزوال الشك يقال منه يقنت الأمر بالكسر يقنا وأيقنت واستيقنت وتيقنت كلها بمعنى، وما ذكوه المصنف رحمه الله مطابق له ولما في الكشاف فتدبر. قوله: (والآخرة تأنيث الآخر) أي الآخرة تأنيث آخر اسم فاعل من أخر الثلاثي بمعنى تأخر وإن لم يستعمل ويسمع من العرب كما أنّ الآخر بفتح الخاء اسم تفضيل منه، والآخرة صفة في الأصل كالدنيا، فإنها فعلى صفة أيضاً من الدنوّ وهو القرب فغلبت على ما يقابل الآخرة قال الزمخشريّ: الغلبة تكون في الأسماء كالبيت على الكعبة والكتاب وفي الصفات كالرحمن، وفي المعاني كالخوض بمعنى مطلق الشروع غلب على الشروع في الباطل خاصة، وقد قرق بين ما غلب من الصفات على موصوف معين

لكثرة جريه عليه وبذلك خرح عن الوصفية في الجملة كأسماء المكان والزمان لأنّ أصل الصفة أدط توضع لمعنى قام بذات غير معينة وبين ما جرى مجرى الأسماء، كالأجرع والأبطح بحذف الموصوف وعدم جريه عليه حتى يتيادر منه الذات، فضاهى الأسماء الجامدة، ومنها ما اشتدت غلبته حتى الحق بالأعلام، وما لم يصر علماً قد يلمح أصله، فيوصف به وقد يترك كما يقال: الدار الآخرة والحياة الدنيا، إلاً أنه قليل كذا قرّره قدّس سره تيعاً لغيره فيه، وقال الرضى: الغلبة تخصيص اللفظ ببعض ما وضح له فلا يخرح بها عن مطلق الوصف بل عن الوصف العامّ، فلا يطلق على كل ما وضع له، ولا يتبع الموصوف، فلا يقال فيد أدهم وفي حواشيه للشريف السرّ فيه أنّ خصوصية الموصوف صارت بالغلبة داخلة في مفهوم الوصف مع ملاحظة اتصافه بمفهوم المشتق منه، فلا يصح إجراؤه على غيره ولا على عيته أيضاً إذ- يصير معنى أدهم قيد فيه دهمة، وهذا منه يقمفمي امتناع إجرائمه على الموصوف، وما مرّ عنه يقتضي جوازه فبين كلامية تعارض ولذا اعترض به عليه، وأجيب بأن ما هنا هو الواقع في نفس الأمر وأما ثمة فلعدم الاعتداد بالناثر وتنزيله منزلة العدم فلا تعارض، وهو تلفيق بارد والحق أنه لا تعارض رأساً فإنّ المذكور هنا غلبة الوصفية وثمة غلبة الاسمية والفرق بينهما ظاهر، والأدهم من القبيل الثاني لأنه يسيحمله من لا يخطر بباله معنى الدهمة أصلاً فلا يجري إلاً على خلاف الأصل بضرب من التأويل كرجل أسد. قوله: (فغلبت كالدنيا) غلبت بفتح اللام وتخفيفها، والدنيا حقيقتها ما على الأرض من الهواء والجوّ، وقيل كل المخلوقات من الجواهر والأعراض مما قبل قيام الساعة، وهو الراجح وتطلق على أجزائها مجازا، وهي صفة من الدنوّ أي القرب لسبقها الأخرى أو لقربها من الزوال " وكونها صفة للدار ليس بلازم فقد وصف بها النشأة أيضا كقوله تعالى {يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} [العنكبوت: 20] وقد تضاف الدار لها، كقوله تعالى {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ} [يوسف: 109] أي دار الحياة الآخرة، وقد تقابل الآخرة بالأولى كقوله {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ} [القصص: 70] . قوله: (وعن نافع إلخ) التخفيف هنا نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، واسقاطها وهو نوع من أنواع تضيفد الفمزة المفردة، وهو لغة لبعض العرب اختص بروايته ورش بشروطه كما في كتب القراءات، ونقله السفاقسي هنا، فنقل المصنف له عن نافع فيه مخالفة، إلاً أن يقال أنه ظفر بروايته عنه، ثم أنّ الواو إذا ضمت ضمة غير عارضة، كما فصل في العربية يجوز باطراد إبدالها همزة كما قيل في وجوه جمع أجوه وأما إبدال الواو هنا همزة فلمجاورتها للمضموم أعطيت حكمه وهو من أحكام الجوار كما قيل: قد يؤخذ الجار بظلم الجار على ما فصله ابن جني في كتاب الخصائص، واستشهد له بما ذكر من البيت، ومحل الشاهد فيه المؤقدان ومؤسسي، فإنهما رويا بالهمزة كما صرّح به ابن جني، والبيت من قصيدة طويلة من الوافر لجرير مدح بها هشام بن عبد الملك أوّلها: عفا النسران بعدك فالوحيد ~ ولا يبقى لجدّته جديد (ومنها) : نظرنا نار جعدة هل نراها ~ علاها بعد ضوء أم همود لحمب المؤقدان إليّ مؤسى ~ وجعدة إذا أضاءهما الوقود (ومنها) : تعرّضت الهموم لنا فقالت ~ جعادة أيّ مرتحل تريد فقلت لها الخليفة غير شك هو المهديّ والحكم الرشيد (ومنها) : هشام الملك والحكم المصفى ~ يطيب إذا نزلت به الصعيد يعم على البرية منك فضل ~ وتطرف من مخافتك الأسود وإن أهل الضلالة خالفوكم ~ أصابهم كما لقيت ثمود وأمّا من أطاعكم فيرضى ~ وذو الأضغان يخضع مستفيد والقول بأنّ الشعر لأبي. حية النميري غلط نشأ من إنّ هذه القراءة معزوّة له، وموسى وجعدة ابناه، والشاهد فيه في موضعين كما مرّ واللام في قوله لدبئ لام القسم وحب فعل ماض أصله حبب بزنة كرم فادغم، ويجوز فيه نقل ضمة العين إلى الفاء، فتكون الحاء مضمومة، ويجوز إبقاؤها على الأصل من الفتح، وقد روي

بالوجهين هذا البيت وغيره كما في كتب العربية، وهو من أفعال المدح بمعنى ما أحبه وهو جامد في حكم نعم، ولذا لم يؤت بقد بعد لام القسم والنار نار القري أو السفر قيل: والأولى أولى لأنها التي يمدح بها وكنى بإضاءة الوقود عن الاشتهار والوقود بضم الواو مصدر وبالفتح ما يوقد، وقد رويا هنا، ومؤسي وجعدة عطفا بيان، أو، بدل من المؤدين المثنى الواقع فاعلاَ لحب كذا قالوا، والظاهر أن مؤسي هنا هو المخصوص بالمدح وإعرابه معروف، وإذ أضاءهما بدل من مؤسي وجعدة أيضا كقوله تعالى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ} [مريم: 16] . قوله: (الجملة في محل الرفع إلخ) أولئك مبتدأ خبره الجار والمجرور، وهذه الجملة إمّا مستأنفة وإمّا خبر عن الذين الأوّل أو الثاني، وجؤز أن يكون أولئك وحده خبرا وعلى هدى حال وأن يكون أولئك بدلاً من الذين والظرف خبر وأولئك اسم إشارة يمدّ ويقصر، ويزاد في رسمه الواو وللفرق بينه وبين إليك الجار والمجرور، وكلام المصنف رحمه الله ظاهر غنيّ عن الشرح، وقيده بالفصل لأنه على الوصل ليس بمبتدأ كما مرّ. وفوله: (خبر له) خبر بعد خبر عن لفظ الجملة، وعدل عن قول الزمخشريّ {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} إلخ إلى قوله أحد الموصولين إشارة إلى منا فيه من الإهمال، وإن اعتذر له بأنه اقتصر على الأقوى، وأشار إلى الوجه الآخر فيما بعده لأنه أخصر وأفيد، ولا وجه لما قيل من أنّ قول المصئف وكأنه إلخ إنما ينتظم على غير مسلكه كما لا يخفى وهذا أيضاً وإن كان علم بما مرّ الآ أنه ذكر توطئة لما بعده من تحقيق الاستئناف وأحد الموصولين وإن شمل الأوّل بدون الثاني كعكسه، لكنه لما كان فصل الأوّل يستلزم فصل الثاني بحسب الظاهر، إذ لا يقطع المعطوف عليه دون المعطوف تركه لظهوره لأنّ القرينة العقلية قائمة على المراد مع ما فيه من الإشارة إلى أنّ الفصل أولاً، وبالذات إنما يعلق بأحد الموصولين، والثاني منفصل بتبعيته وفي التعبير بالموصول لطف كما مرّ. قوله: (وكأنه لما قيل) عبر بكأنّ إشارة إلى أنه أمر فرض غير محقق أي لما خصهم بالهدى فقط، أو بالهدى والإيمان بالغيب، كما تدلّ عليه اللام الجارة نشأ منه سؤال هو ما بالهم إلخ. فأجيب بقوله الذين إلخ أي جيء بما له استحقوا أن يلطف بهم ويخصوا بالتكريم العاجل والآجل لأنهم استحقوا ذلك لعقائدهم وأعمالهم، فالسبب تلك الأوصاف، ولا يخفى عليك أنّ قول المصنف خصوا بذلك مبهم، فالمراد به هداية أهل التقوى أو هداية المتقين المؤمنين بالغيب، وكذا قوله {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} إلخ محتمل للموصولين، وللثاني فقط لعدم ذكره لصلة يؤمنون، فأجمله ليشمل ما أشار إليه من الوجهين، وإن اقتصر على الموصوف في قوله كأنه لما قيل هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ لأنه العمدة في منشأ السؤال خصوصاً إذا كان الوصف مؤكدا، فلا يرد عليه ما توهم أنّ مدعاه شامل لوجهين وما ذكره قاصر على جعل الذين يؤمنون بالغيب فقط مبتدأ فيحتاج إلى أن يعتذر له بما قيل من أنّ في جعل الذين الثاني مبتدأ تكلفاً لا يرتضيه المحققون، ولذلك أخره الزمخشبريّ وأشار في تقريره إلى أنه مجرّد احتمال والمصنف أدخله في صدر كلامه للإيجاز إشارة إلى جوازه، وتركه في التفصيل والبيان إيماء إلى أنه غير مقبول عنده لأنّ الموصول الثاني إن اتحد بالأوّل حينثذ بحسب الذات فحقه أن يجري على ما جرى عليه الأوّل، فإن قطع وجعل مبتدأ، فإن لم يجعل الاختصاص الحاصل من تعلق الحكم بالوصف الذي يتضمنه المبتدأ تعريضاً بما ذكره، فقد قطع عن حقه وضيعت فائدة الاسنئناف أيضاً بلا داع مع تكراره، وإن جعل تعريضاً به كان فائدة مطلوبة يرتكب لها خلاف الظاهر، والوجه فيه أنه لما عبر عن المؤمنين بأنهم جامعون في الإيمان بين المنزلتين قابلهم بهذا الاعتبار من انفرد بأحدهما، وهم كفار أهل الكتاب، فعرّض بأنّ ظنهم أنهم على الهدى ظن كاذب، وطمعهم في نيل الفلاح تخيل فارغ، ومعنى الكلام إنّ الكتاب هدى للذين آمنوا به، والذين لم يؤمنوا به ليسوا على هدى وإن ظنوه ولا فلاح وإن طمعوا فيه، فالجملنان بحسب المعنى، وإن تقابلنا في إثبات الإيمان وسلبه وتوافقتا في الظرف ليسا على حذ يحسن العطف بينهما، فإنّ الأولى في وصف الكتاب بكمال الهداية للمؤمنين، والثانية لسلب الاهتداء عن طائفة أخرى لم يؤمنوا به، وقيل المعنى على التعريض أنّ الكتاب

هدى للمتقين وليس هدى لمن عداهم، فالجملتان متناسبتان غاية التناسب، وفيه أنّ سلب كونه ليس هدى لغيرهم ليس صفة كمال له، فلا يناسب ما مرّ من أوصافه الفاضلة التي يشدّ بعضها بعضاً بخلاف سلب الاهتداء عمن لم يؤمن به لما فيه من الإشارة إلى كماله، وإن اختلف الموصولان بالذات كان الأولى بالثاني أن يعطف على الأوّل تقسيماً للمتقين، فإن جعل مبتدأ بلا تعريض فقد ترك الأولى بلا سبب، وفات أيضاً نكتة السؤال المقدّر وكان التخصيص المستفاد من المعطوف منافياً في الظاهر لما استفيد من المعطوف عليه، وإن قصد التعريض كان أظهر، ولم يكن التخصيص قي المعطوف مقصودا بل وسيلة إلى التعريض، ويتعين أن يكون بالقياس إلى المعرّض بهم والحال في العطف، كما سلف وجعل الواو اعتراضية خلاف الظاهر، وهذا زبدة ما حققه شراح الكشاف وارتضوه. (وفيه بحث الما سيأتي مما يأباه ولأنه إذا عطف على أوّل الكلام من قوله ألم إلخ على أنه من الأوّل إلى هنا في وصف الكتاب، وكماله والمعطوف عليه في صفة من آمن به، وبما فيه من حيازة خير الدارين كما إذا قلت هذا كتاب السلطان والذي يمتثل في الخير والأمان، فإنّ المناسبة بين الرسالة والمرسل إليه إن لم تكن تامّة، فليست بخفية وإنما جاء هذا من جعله معطوفاً على صفات الكتاب وما بعده بأن يعطف على جملة {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} كما صرّحوا به، وأمّ قول العلامة في هذا الوجه: إنه يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضا باهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوّته عليه الصلاة والسلام، وهم ظانون أنهم على الهدى طامعون في نيل الفلاح فقد يقال إنه لدفع التكرار بين هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ وعلى هدى لا تأويل له بجعله من صفات الكتاب، ولو سلم فليس ما-له أنه ليس هاديا لهم حتى يلزم أنها ليست بصفة كمال بل إنّ معناه لا ينالون هدى وفلاحاً بدونه وإن قرءوا الكتب السالفة، ومحصله أنه لا نافع سواه، وكونها صفة كمال أظهر من أن يخفى وأمّا جعله من عطف القصة من غير ملاحظة خصوصية، فيأباه أنّ الأنسب حينئذ عطف إنّ الذين كفروا عليه كما في {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [ألانفطار: 13-14] كما في الكشف. قوله: (ما بالهاً خصوا بذلك إلخ) البال يكون بمعنى القلب والخاطر والشأن والحال، والمراد الأخير وما استفهامية خبر أو مبتدأ، وبالهم خبر أو مبتدأ أي ما الحال والثأن الذي خصصهم فجملة خصوا مفسرة أو عطف بيالط، أو بدل من البال أو حال وذكر الفاضل في سورة آل عمران أنها حال لا غير وأنها لا يجوز اقترانها بالواو لأنه لم يسمع كما في قوله: ما بال عينك منها الكحل ينسكب واعترض على الزمخشريّ في قوله ما باله وهو امن، ويرده قول جرير: ما بال جهلك بعد الحلم والدين ~ وقد علاك مشيب حين لاحين وسيأتي منا تحقيقه إن شاء الله إذا اقتضاه الحال، وخصوا مبني للمجهول وأبهم قوله بذلك لما مرّ. وقال قدس سرّه أي ما بالهم مختصين بذلك، وهل هم أحقاء به فمآل السؤال إلى أنهم هل يستحقون ما أثبت لهم من الاختصاص، والجواب مشتمل على هذا الحكم المطلوب مع تلخيص موجبه، وقد ضمّ فبه إلى الهدى نتيجته تقوية للمحبالغة التي تضمنها تنكيره كأنه قيل: هم مستحقون للاختصاص والسبب فيه تلك الأوصاف التي رتب عليها الحكم، فاستغنى عن تأكيد النسبة ببيان علتها، وقد يقال المقصود من السؤال هو السبب فقط أي ما سبب اختصاصهم، واستحقاقهم إلاً أنه بين في الجواب مرتباً عليه مسببه، فإنّ ذلك أوصل إلى معرفة السبب، فلا حاجة أصلاً إلى تأكيد الجملة، وربما قيل قصد به مجموع الأمرين أي هل هم أحقاء بذلك وما السبب فيه حتى يكونوا كذلك، وقال في شرح المفتاح: فإن قلت إذا قدر السؤال هكذا ما للمتقين اختصوا أو ما بالهم اختصوا كان معناه أيّ أسباب تأخذت في شأنهم حتى استحقوا تلك الهداية، واختصوا بها فكان سؤالاً عن السبب، فلا يطابقه الجواب إذ لا دلالة له على السبب قلت: الكلام السابق مشتمل على تفصيل السبب إلا أنّ السامع لم يتنبه له، فنبه عليه إجمالاً باسم الإشارة الدالة على ذوات المتقين باعتبار تميزهم بتلك الصفات حتى صاروا كالمحسوس، واليه أشار بقوله وأجيب إلخ وأورد عليه أنّ بين كلاميه تعارضاً، فإنه جعل هذه العبارة في شرح المفتاح سؤالاً عن

سبب الاستحقاق، وهنا جعلها سؤالاً عن وجود الاستحقاق وجعل الجواب لاشتماله على علة الاستحقاق مستغنياً عن التأكيد وهو، وإن كان معقول المعنى غير معروف بين أهل المعاني أنّ الجواب جملة اسمية، وهي من جملة المؤكدات عندهم. (أقول) ما في شرح المفتاح هو الحق الحقيق بالقبول لأنّ منطوق السؤال الذي قدّروه صريح فيه بل لا يحتمل غيره بوجه من الوجوه، وقد يقال: إنه ذكر الوجوه المحتملة التي تضمنها كلامهم واقتصر في شرح المفتاح على ما هو الحق عنده فتدبر. قوله: (فأجيب إلخ (أورد عليه أنه إذا فصل الموصول الثاني تكون الجملة معطوفة على ما سبق لا جواباً لسؤال والاً يجب الفصل، وردّ بأنه لا يرد عليه لأنّ قوله أجيب إلخ ينادي بأنّ مراده بيان حاصل المعنى على تقدير مفصولية الموصول الأوّل وحاصل الجواب لأنّ تمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه بتوفيق من ربهم متميزين عما سواهم خصهم بهداية الكتاب على الوجه الأتم وقد عرفت أنّ عبارته شاملة للوجهين إلاً أنّ ما ذكره بناء على ما وقع في نسخته كما حكاه، وهو وأجيب بقوله {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} والذي عندنا الذين يؤمنون فقط بدون ذكر بالغيب فالإيراد باق مجاله، وإن كانت الواو غون استئنافا، فيصدر بها الكلام المستأنف، كما ذكره في المغني ومثل له بقوله تعالى {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء} [الحج: 5] ونحو لا تكل السمك وتشرب اللبن فيمن رفع إلاً أنّ المراد به الاستئناف النحوي لا البياني كما لا يخفى، ومن هنا ظهر حسن صنيع الزمخشريّ إذ ضعف هذا الوجه وأخره، والمصنف رحمه الله لما خلطه وقع فيما وقع فيه. قوله: (وإلا فاستئناف الخ) أي إن لم يجعل أحد الموصولين مفصولاً فوصلا بما قبلهما فالجملة حينئذ مستأنفة إمّا استئنافاً نحويا لا يقدّر فيه سؤال أصلاً أو بيانياً وفيه نظر، ولما كان ما قبله مستلزما له فهو مستفاد مته، وفي ضمنه حتى كأنّ نتيجة له كان بينهما كمال الاتصال المقتضي لترك العطف، والمراد بالأحكايم ما وصف به الكتاب وبالصفات صفات المؤمنين الدال عليها بالموصولين، فلا يرد عليه إن كونه نتيجة ليس من جهات الفصل بل هي مقتضية للرّبط بالفاء، وهذا غفلة عن قوله كانه بالتذكير أي الكلام، وفي نسخة كأنها أي الجملة. قوله: (أو جواب سائل قال إلخ) هو معطوفءلمى قوله نتيجة أي ما سبب اختصاص الموصوفين بهذه الصفات بهدى الكتاب الكامل، فاجيب بأنه تمام روخهم على كمال الهدى منه تعالى والهدى منه توفيق وإعانة بلا مرية والظاهر أن يقال في تقريره: إنّ سبب اختصاصهم بالانتفاع بهداية الكتاب أنه تعالى قدّر في الأزل سعادتهم وهدايتهم، فجبلتهم مطبوعة على الهداية، والسعيد سعيد في بطن أمّه لا سيما إذا انضم إليه الفلاح الأخروي الذي هو أعظم المطالب فيندفع س قيل عليه في شرح الكشاف من أنّ هذا مجرّد احتمال لظهور أن ليس لهذا السؤال أعني ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى زيادة توجه، ولا للجواب بأنّ اختصاصهم بالفوز بالهدى غير مستبعد كبير فائدة وزيادة بيان، بل هو إعادة للدّعوى بعينها، وكذا ما قيل من أنه لا وجه للسؤال لأنّ الأوصاف التي أجريت عليهم مقتضية، لذلك الاختصاص اقتضاء ظاهرا لكن السائل كأنه قد غفل عن اقتضائها فسال، فلذا أجيب بإعادة المدعى بعيته تنبيها على أنّ التامّل فيه يرفع مؤنة السؤال إلاً أنه غير وجه النسبة بين الهدى والمتقين، وزيد التصريح بالنتيجة دفعاً لبشاعة التكرار وهذا زبدة ما قاله الفضلاء تبعاً للمدقق في الكشف، وعلى ما ذكوناه لا يرد ما قالوه نعم هو لخفائه لا ينافي مرجوحيته وسياتيك عن قريب إن شاء الله تعالى ما يثلج صدوك ويقرّ عينك، وقيل أيضاً إنّ المعنى الشرعي للتقوى مشتمل على الجواب ومغن عن السؤال فتدبر. قوله: (ونظيره أحسنت إلى زيد الخ) هذا خلاصة ما في الكشاف حيث قال: واعلم أنّ هذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث كقولك: قد أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان، وتارة بإعادة صفته كقولك أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك، فيكون الاستئناف بإعادة الصفة أحسن وأبلغ لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه، وتبعه السكاكي وغيره من أهل المعاني قال المحقق: يعني النوع المشتمل على إعادة ما عنه الحديث جواباً عن سؤال سبب الحكم، بخلاف النوع الذي لا يكون كذلك

كقوله: قال لي كيف أنت قلت عليل سهر دائم وحزن طويل فإن قلت: الإعادة باسم الإشارة من أيّ قبيل أمن هذا النوع قلت: الظاهر إنه من قبيل الإعادة بالصفة لأنه إشارة إلى الموصوف بالصفات لا إلى نفس الذات، فالاستئناف ههنا سواء وقع على الذين أو على أولئك وارد على الوجه الأحسن، لكن الثاني لا يزيد على إعادة الدعوى، وودّه المدقق وقال: أراد أنه جواب عن سؤال اسنحقاقه لما نسب إليه، فإذا قيل أحسنت إلى زيد اتجه أن يقال: هل هو حقيق بذلك فإن أجيب بذكر اسمه فقد ترك تأكيد الجملة على خلاف مقتض الظاهر، وإن أجيب بذكر صفته أفاد الحكم المطلوب مع بيان سببه القائم مقام تكيده، وليس ما مرّ بشيء لأنه إذا فيل ما سبب الإحسان إليه، واستحقافه إياه كان ذلك طلباً لتصوير سبب مخصوص بعد العلم بأن هناك سبباً في الجملة، فلا يصح في جوابه زيد حقيق بالإحسان إذ لا يفهم منه سبب مخصوص أصلاً، وقد يتوهم أنه على الثاني من إعادة الاسم ولذلك كان مرجوحاً ويدفعه قوله فأجيب إلخ، وقوله وفي اسم الإشارة إلخ، وقال في حواشي المطوّل: إنه كلام مختل فإن الحكما المثبت لزيد في المثال المذكور هو إحسان المخاطب إليه، وليس يقدّر هنا سؤال من المخاطب عن سبب إحسانه كيف وهو أعلم من غيره باسباب أفعاله الاختيارية نعم يتصوّر ذلك إذا نسي، أو أراد أن يمتحن غيره هل يعرف ذلك، لكنه عما نحن فيه بمراحل، فالصواب تقدير هل هو حقيق بالإحسان. (أقول) هذا تتحير فيه البصيرة التقادة، فإنّ ما ذكره قدس سرّه من الإيراد وارد عليه بعينه، لأنّ ما ارتضى تقديره إن كان من المخاطب بأحسنت أعني المحسن ورد عليه ما أورده وردّت بضاعته إليه، فيحتاج إلى ادّعاء النسيان أو قصد الامتحان، وإن كان من سامع غيرهما صح أيضأ قصذه فيما ذكره الفاضل، وهو لماذا أحسن إليه على أن يكون أحسن ماضياً مجهولاً لا مضارعا معلوماً، وقد جوّز. هو فيه فادّعاء أنه غير صحيح غير صحيح كما لا يخفى، وقول بعض الفضلاء ربما يتكفف في دفع ما أورده الشريف، ويقال يجوز أن يكون السائل هو السامع لا المخاطب، فيكون الاستئناف جوابا لسؤاله حينئذ لا وجه له، وأمّ اذعاء أنه تكلف فكأنه نشأ من الخطاب في قوله صديقك إذ هذا يقتضي ترك الخطاب، وأن يقال صديقه ونحوه، ويوجه بأنّ السؤال لعدم التصريح به لم ينظر إليه وطبق آخر. على أوّله، وقد أورد مثله بعض المتأخرين على الالتفات في سورة الفاتحة ومرّ ما فيه، ثم إنّ ما أورده قدّس سرّه هنا مندفع أيضماً بأنّ السؤال عن سبب الإحسان لا الاستحقاق والإحسان، فلا شك في أنّ كونه حقيقاً به سبب معين من أسبابه غاية الأمر أنّ هذا السبب له سبب، ولا ضرر فيه على أنّ لك أن تقول إنّ قوله أحسنت إلى زيد لم يقصد به فائدة الخبر لأنه من لغو القول بل لازمها وهو علمه بذلك، فالسؤال المقدّر من المخاطب سؤال عن علمه، ومعرفتة أيضاً من غير نسيان ولا امتحان كما لا يخفى على الفطرة السليمة، أو يقال إنّ هذا السؤال يلوح به عرض الكلام من غير نظر لسائل معين، والنظر لمثله تكلف يجرّ تكلفات أخرى ألا ترى أنّ ما في هذه الآية الكريمة لا يصح أن يقدّر السؤال فيها من رب الكلام، وهو الله مسبب الأسباب العالم بسائر الخفيات ولا من الملقى إ ايه الكلام أوّلاً، وهو النيّ عليه الصلاة والسلام، والمؤمنون لعلمهم بأنه لا يسأل عما يفعله مع ظهور ذلك عندهم، ومن عداهم لا يسلم الهداية من أصلها فلا يسئل عن سببها، ولذا لم يعرج عليه المفسرون فتدبر ترشد. قوله: (فإنّ اسم الإشارة ههنا الخ) في الكشاف وفي اسم الإشارة الذي هو أولئك إيذان بأن ما يرد عقيبه فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عدّدت لها كما قال حاتم: ولله صعلوك مناه وهمه ثم عدد له خصالاً فاضلة، ثم عقب تعديدها بقوله: فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه وإن عامى لم يقعد ضعيفاً مذمماً قال قدّس سرّه تبعاً للشارح المحقق: قد توهم أنّ الإيذان المذكور مختص بما إذا وقع الاستئناف على أولئك، والصواب أنه جار على الأوجه الثلاثة، وذلك أنّ أسماء الإشارة حقها أن يشار يها إلى محسوس مشاهد، أو إلى ما ينزل منزلته في تميزه وظهوره، ولما كانت الصفات المجراة على المتقين مميزة لهم جاعلة إياهم

كانهم حاضرون مشاهدون وضع أولئك موضمع الضمير إشارة إليهم من حيث أنهم موصوفون بها، كأنه قيل: أولئك المتميزون بتلك الصفات، فيكون الكلام من ترتب الحكم على الأوصاف المنامبة، ومفيدا للعلية بخلاف الضمير، فإنه راجع إلى الذات وليس فيه ملاحظة أوصافها، فإن قلت قد تقدّم منك في قوله ليكون الخطاب أدل على أنّ العبادة له لذلك التميز ما يدل على أن في الضمير إيذاناً في الجملة، وسياق الكلام هنا ينافيه قلت: إذا حمل التنوين في إيذاناً على التعظيم زالت المنافاة اهـ. وفي شرحه للمفتاح أنّ من اللطائف الداعية لأن يورد اسم الإشارة التنبيه على أنّ المشار إليه إنما استحق ما ذكر بعده لأجل الصفات السابقة إلاً أنه من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر، وقد قيل عليه أنه من لطائف كون المسند إليه اسم الإشارة لا من اللطائف الداعية إليه لأنّ الإيذان المذكور يحصل بالموصول أيضاً، ولذا لم يعدّه السكاكي من الدواعي وذكر في المثال المذكور داعياً آخر يعني كمال العناية بتمييزه وتعيينه لما اف ف به من المحامد هذا زبدة ما ذكروه. وفيه بحث كا وجوه (الأول) إنّ ما ادّعوه من أنه جار على الأوجه الثلانة، وتخصيصه توهم غير ظاهر، لأنه على وجهي الابتداء بالموصول الذي هو معنى الوصف المفيد للعلية، كما صرّحوا به لا وجه حينئذ للعدول إلى اسم الإشارة لأجل ذلك لسبق ما يفيده ولا يقتضي التأكيد فيتعين أنه لكمال العناية به كما في المفتاح، فما عدّوه توهماً هو النظر السديد. (الثاني) أنّ سؤاله قدّس سرّه وجوابه ليس بقويّ لأنّ ما مرّ في الفاتحة من العدول إلى الخطاب لا إلى الضمير مطلقا وفي أولئك خطاب أيضاً فتأمّل. (الثالث) أن ما أورد عليه مدفوع بما ذكر في حالة الإضافة من أنّ الداعي إليها أن لا يكون إلى إحضاره طريق سواها أصلاً أو طرق سواها أخصر، واسم الإشارة أخصر من الموصول فترجيحه ظاهر على أنّ ما ذكر ليس بوارد رأساً فتدبر. قوله. (كإعادة الموصوف بصفاته إلخ) الجار والمجرور أعني ض له بصفاته متعلق بإعادة لا بالموصوف أي إعادة المستأنف عنه المذكور أولاً بواسطة صفاته الدالة عليه ضمناً، وهذه العبارة أخصر وأحسن من قوله في الكشاف بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث، أو إعادة صفته لما يرد عليه من أنّ الصفة لم تذكر أوّلاً حتى تعاد وإن اعتذر له بأنه أراد به إعادة ذكر من استؤنف عنه الحديث باسمه أو بصفته إذ هو مشاكلة، ومن لم يتنبه لهذا قال بعدما ذكر قسمي الاستئناف، ومثل لما يجيء بإعادته بصفته بأحسنت إلى زيد الكريم الفاضل ذلك الموصوف بتلك الصفات حقيق بالإحسان معترضاً على المصئف إنّ مثاله لا يناسب الممثل له، فالمناسب له أن يمثل بما؟ كر. قوله: (لما فيه) أي لما في الاستئناف بإعادة الصفة الدال عليها اسم الإشارة من البيان لمقتضى الحكبم، وهو الوصف المناسب المشعر بالعلية لترتب الحكم عليه. وقوله: (وتلخيصه) بالجرّ معطوف على بيان، والتلخيص هما بمعنى الاختصار لأنّ اسم الإشارة أخصر من تلك الصفات لو أعيدت. وقوله: (الموجب له) أي المقتضي لاستحقاقه تفضلاَ منه، كما قال تعالى {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] وهذا لا كلام فيه إنما الكلام في الإيجاب عليه تعالى بمعنى لحوق الذمّ الذي ذهب إليه المعتزلة، وليس بمراد. قوله: (ومعنى الاستعلاء إلخ) الاستعارة فى الحرف بتبعية متعلقة وهو المعنى الكلي الشامل له كما حققوه، فلذا قال: معنى الاستعلاء دون معنى على والتمثيل ضرب المثل والإتيان بمثال، ومطلق التشبيه والمركب منه، وهذا ظاهر لا نزاع فيه وإنما النزاع في الاستعارة التبعية هل تكون تمثيلية أم لا، فذهب الفاضل المحقق إلى جوازه متمسكاً بما صرح به العلامة في مواضع من كشافه كما صرّح به هنا، وقد سبقه إليه الطيبي وقال: إنه مسلك الشيخين الزمخشريّ والسكاكي، ولم يرتضه المدقق في الكشف، وأوّل ما في عباراتهم، وتبعه فيه السيد وشنع على الفاضل حتى كأنه أبو عذرته وهي المعركة العظمى التي عقدت لها المجالس وصنفت الرسائل مما هو أشهر من قفا نبك. قال قدس سرّه بعدما ذكر قول الزمخشريّ: ومعنى الاستعلاء في قوله على هدى مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه وتمسكهم به شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه إلخ يريد أنه استعارة تبعية شبه فيها تمسك المتقين بالهدى باستعلاء الراكب على مركوبه في التمكن والاستقرار، فاستعير له الحرف الموضوع

للاستعلاء، وقوله مثل أي تصوير فإن المقصود من الاستعارة تصوير المشبه بصورة المشبه به إبرازا لوجه الشبه بصورته في المشبه به، ثم إنه قدم تصوير وجه الشبه أعني التمكن والاستقرار على تصوير المشبه الذي هو التمسك، لأنه المقصود الأصلي بالقياس إليه، ومن الناس من زعم أنّ الاستعارة في على تبعية تمثيلية، وانّ كونها تبعية لجريانها في متعلق معنى الحرف، وكونها تمثيلية لكون كل من طرفي التشبيه حالة منتزعة من عدة أمور، فورد عليه إنّ انتزاع كل من طرفيه من عدة أمور يستلزم تركيبه من معان متعددة، ومن البين أنّ متعلق كلمة على، وهو الاستعلاء معنى مفرد كالضرب، فلا يكون مشبها له في تشبيه تركب طرفاه، وإن ضم إليه معنى آخر وجعل المجموع مشبها له لم يكن معنى الاستعلاء مشبهاً به في هذا التشبيه، فكيف يسري التشبيه والاستعارة إلى معنى الحرف، والحاصل إن استعارة على استعارة تبعية تستلزم كون الاستعلاء مشبها به، وتركب الطرفين يستلزم أن لا يكون مشبهاً به، فلا يجتمعان وقد أجيب لأنّ انتزاع كل من طرفيه من عدة أمور لا يوجب تركبه بل يقتضي تعددا في مأخذه وردّ بأنّ المشبه مثلا إذا كان منتزعا من أشياء متعددة، فلا يخلو من أن ينتزع بتمامه من كل واحد منها وهو باطل، فإنه إذا أخذ كذلك من واحد منها كان أخذه مرّة ثانية من آخر لغوا وتحصيلاً للحاصل، أو ينتزع من كل واحد منها بعض منه فيكون ضرورة مركبا أو لا يكون لا هذا ولا ذاك، وهو أيضا باطل إذ لا معنى حينئذ لانتزاعه من تلك الأمور المتعددة على أنه صرح بخلافه في قوله تعالى {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} [البقرة: 17] وهو لا يشتبه على ذي مسكة. (واعلم) أنّ على هدى محتمل لثلاثة وجوه: (الأوّل) لثيه تمسكهم بالهدى باعتلاء الراكب. (الثاني) تشبيه هيئة منتزعة من المتقى والهدى وتمسكه به بهيئة منتزعة من الراكب والمركوب، واعتلائه عليه فتكون تمثيلية تركب كل من طرفيها لكن لم يصرح من الألفاظ التي بإزاء المشبه به إلا بكلمة على فإنّ مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة، وما عداه تابع له ملاحظ في ضمن ألفاظ منوية، وأن لم يقدر في نظم الكلام وبينهما فرق، فليس في على استعارة أصلاً بل هي على حالها لو صرّح بتلك الألفاظ. (الثالث) أن يشبه الهدى بالمركوب فعلى قرينة التخييلية هذا زبدة ما ارتضاه، ومن الفضلاء من ردّه وانتصر للسعد سعد جدّه فقال: هو ممنوع أمّا المقدمة الثانية، فإنّ الاستعلاء المطلق متعلق لمعنى مطلق كلمة على لكن خصوصياتها متعلقات خاصة مثلاً هنا استعلاء الراكب على المركوب استعلاء ملتبس بوجه التمكن والاستقرار، وذلك لأنّ متعلق معنى الحرف ما يرجع إليه بنوع استلزام، وقد يعبر عن ذلك المعنى في العرف به وهذا الاستعلاء الخاص لازم لمعنى على هنا لزوم العامّ للخاص ويجوز تفسيره بذلك عرفاً، ولا شك أنّ المشبه به هنا ليس مطلق الاستعلاء بل الاستعلاء الخاص، فإن قيل إنه مقيد لا مركب قيل نعم لكن في حواشي المطوّل له ردّ كون الترشيح خارجا عن الاستعارة بواسطة كون المستعار مقيدا به بدون تركيب، لأنه إذا كان المشبه به هو المقيد من حيث هو مقيد، فلا بدّ أن يستعار منه ما يدلّ عليه من حيث هو كذلك فلا تتض تلك الاستعارة بدون ذلك القيد، فلا يكون متعلق معنى الحرف مدلولاً بلفظ مفرد وكذا معنى الحرف نفسه لا يدلّ عليه بلفظ مفرد وإن كان معنى واحدا مقيدا بقيود غاية الأمر أن يكون الموضوع بإزائه لفظا مفردا، والحاصل أنّ معنى الحرف في أدائه يحتاج إلى ألفاظ متعددة كالمعنى المركب إلا أنّ المقصود الأصلي فيه تشبيه المقيد دون القيد وفي المركب المجموع، وأمّا المقدّمة الأولى، فهو أنّ مبنى التمثيل هنا على تشبيه الحالة المنتزعة من أمور متعددة بمثلها، ومعنى انتزاعها حصولها منها عند وجودها على وجه اللزوم وقيامها بها، ولا يخفى أنه يجوز أن يكون شيء بتمامه منتزعا من مجموع قائماً به بدون التركيب والتكرار وبلا قيام بكل جزء كالنقطة في الخط، والإضافة في محلها عند القائل بوجودهما، وكذا جميع الأعراض التي لا تسري في محالها: كما حقق فالكلام، فعلى هذا يجوز أن تسري الاستعارة التمثيلية في معنى الحرف المفرد بهذا الوجه وينتزع منه الأمور المتعدّدة كما مرّ، فإنّ معنى على هنا نسبة بين الراكب والمركوب على وجه الاستقرار قائمة بينهما مسببة عنهما

ولا يضره أنه لم يلاحظ الأمور المتعددة قصداً بألفاظ كثيرة، أو التفصيل والتركيب في المأخذ لا في نفسه وما ذكروه من أنّ الوجه مركب في التمثيل، فباعتبار المأخذ، وعلى هذا يحمل ما قيل إنه لا معنى للتشبيه المركب إلاً أن ينتزع كيفية من أمور متعدّدة، فتشبه بكيفية أخرى مثلها نعم لا تجري الاستعارة التمثيلية بالمعنى المشهور في الحرف، فإنها في مجموع الكلام المركب من ألفاظ متعددة مفصلة بلا تصرّف في الأجزاء كما في أراك تقدم رجلاَ، وتؤخر أخرى إذ يراد بمجموعه أراك متردّدا في أمر كذا، وقد اعترف بذلك جدي والحاصل أنه يجري في الحرف التمثيل بمعنى انتزاع الحالة من الأمور المتعددة ولا يجري فيه معنى التشبيه في المفصل المركب قصدا على أنه ينبغي أن يعلم أنّ معنى الاستعارة التمثيلية بالمعنى المشهور في الآية بعيد غير ظاهر، فإنه لا يقصد بها تشبيه حال المجموع بل تشبيه التمسك بالهدى بتلبس الراكب بالمركوب في استقراره عليه، وأيضاً لا وجه لاعتبار ألفاظ المشبه به في هذا التركيب بعد دخول على على الهدى وجعله خبراً عن أولئك المشار به للمتقين مع أنّ الهدى، وأولئك من أجزاء المشبه، فإن قلت: قد يطوى ذكر المشبه في التشبيه، كما يطوى في الاستعارة بحيث لا يكون في حكم المذكور، ولا يحتاج إلى تقديره في النظم إلاً أنه يكون منسياً في الاستعارة منويا في التشبيه كما في قوله تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ} [فاطر: 2 ا] الآية فإنّ البحرين مستعملان في معناهما الحقيقيّ، وقد أريد تشبيه الإسلام والكفر بهما، ولا يقدر اللفظ إلاً في مجرّد الإرادة فكذا بالنسبة إلى المشبه به في الاستعارة، قلت الفرق ظاهر فإنّ التشبيه قد يكون ضمنياً مكنياً كما في قوله: فإن تفق الأنام وأنت منهم إلخ إذ مجموعه مفيد لتشبيه المخاطب إ، لمسك في الانفراد عن بني جنسه فقوله {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ} إلخ أيضا مفيد للتشبيه غاية الأمر أنّ اعتبار لفظ المشبه فيهما يغير نظم الكلام بخلاف قوله {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى} فإنّ المجموع ليس كناية عن الاستعارة، ووجود أجزاء المشبه فيه ينافي اعتبار ألفاظ الاستعارة، فإنّ التشبيه ينسى فيها أصلا، وبالجملة لا وجه لدخول على على الهدى وأيضاً الاستعارة مجاز أي كلمة مستعملة في غير معناها لعلاقة التشبيه، وإذا لم تذكر ألفاظها ولم تقدّر يبعد اعتبار التجوّز (بقي هنا إشكال) على اعتبار الاستعارة التمثيلية في المركب مطلقاً، فإنّ المقصود فيه التشبيه بين الحالتين المنتزعتين من الأمور المتعدّدة الواقعة في الطرفين ولم يظهر وضع أمر بإزاء حالة، حتى يصرف عنها إلى أخرى بعلاقة التشبيه، وبالجملة لا يظهر في تلك إلاستعارة ما يتصرف فيه بالتجوّز وأمّا الهيئة التركيبية فموضوعة بإزاء الإثبات أو النفي، وظاهر أنه لم يقصد التشبيه فيها، فلا تجوز فيه إذا عرفت ما تلونا. عليك، وهو زبدة ما في هذا المقام فالذي يخطر بالبال بعد طيّ شقة القيل والقال، إنّ الخلاف بينهم في حرف واحد إذ لا خلاف في أنّ التمثيل التفصيليّ المعروف يستدعي تركب الطرفين حقيقة وإنّ التمثيل الآخر الذي هو محل النزاع هل يشترط فيه التركيب بعد الاتفاق على أنه لا يلزم التصريح بأجزائه لفظاً ولا تقديرا، فذهب الشريف إلى أنه يشترط فيه أن تكون أجزاؤه مرادة منوية، فلا يكون ما اقتصر عليه من الحرف، ونحوه مما هو عمدة المعنى المجازي مستعملا في معنى مجازي بل حقيقة والأكان مجازا مفردا لا تمثيلاً. أو لا يشترط فيه ذلك بل يكفي تركب المأخذ المنتزع منه ذلك، ويكون الحرف المذكور مع ما يدلّ عليه بالالتزام من طرفي التشبيه، وما يتممها متجوّزا فيه، وإلا لم يصح دخول على على الهدى كما مشى عليه السعد ومن مشى على جادّته، فالنزاع كاللفظيّ وأمّا الإشكال الذي أورده ولم يجب بم ضه فقد استصعبه بعض المتأخرين، فيدفعه أنّ اللفظ المركب له هيئة ومادّة دالة على معنى مجموع مركب موجود في الخارج ومجموع المادّة والهيئة موضوع له بالوضعالنوعي أو بأوضاع مفرداته على الخلاف المعروف فيه، وهو المتصرف فيه لا الهيئة فقط، ولا المفردات وسنحققه في محله إن شاء الله نعم يرد على ما مرّ من أنّ الاستعلاء الخاص المقيد تمثيل أنه لو اقتضى ذلك لم يكن لنا استعارة تبعية أصلاَ لاستلزامها لهذا التركيب، والمراد بالاستعلاء العلو لا طلبه، وهي قد اشتهرت بهذا المعنى وتمكنهم بمعنى ثباتهم ودوامهم، فعطف الاستقرار عليه لتفسيره وتوضيحه. قوله ة (بحال من اعتلى

الشيء إلخ) فيه تسمح والأصل تمثيل حالهم في تمكنهم، واستقرارهم بحال من اعتلى إلخ إن قلنا: إنّ التمثيل بمعناه المشهور أو تمثيل تمكنهم بالاعتلاء على المركوب إن كان التمثيل بمعنى مطلق التشبيه، فالاستعارة تبعية على ما أسلفناه، ووجه الشبه إيصاله إلى المقصد الاً عظم في الدارين. قوله: (وقد صرحوا به إلخ) أي صرّحوا بالتمثيل، فإنه استعارة لم يصرح فيها به وان كانت مبنية عليه، أو المراد صرّح فيه بالمركوب المرموز إليه في التبعية لأنّ معنى امتطى ركب كما سيأتي، وقال قذس سرّه: إنه لما ذكر استعارة على للتمسك بالهدى رام منه تشبيه الهدى ونظائره بالمركوب، وقد يتبادر إلى الوهم أنه استعارة، فأزاله بأنّ هذا التشبيه فيما ذكرناه ضمني غير مقصود من الكلام، وقد صرّحوا به وجعلوه مقصوداً في مواضع أخرى وعدل عن قوله في الكشف، وفيه إشارة إلى أنّ التشبيه هنالك ضمني لأنّ الاستعلاء لازم الحرف لا نفس معناه لما فيه من الخفاء كما لا يخفى. قوله: (امتطى الجهل وغوى) هذا هو الصحيح وغوى فيه فعل ماض كنوى بمعنى ضل وفي بعض النسخ، والغوى معرفا بالألف واللام، وكأنها تحريف لأق الغوي كالهوى فساد الجوف فجعله بمعنى الغواية وان كان له وجه تكلف، والجهل هنا بمعنى البغي والتجاوز، وهو أصله الشائع في كلام الفصحاء قال: ألالايجهلن أحدعلينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وورد أيضا فيما يقابل العلم كما هو المستعمل، والتصريح بما ذكر إتا في صورة التشبيه كقولهم: جعل الغواية مركبا، فإنه في قوّة قولك الغواية مركب، أي كالمركب وإمّا في صورة الاستعارة كقولهم اقتعد غارب الهوى إذ شبه فيه الهوى بالمطية على طريقة الاستعارة المكنية، وخيل بإثبات الغارب ورشح بذكر الاقتعاد، فإنه من اقتعد بمعنى ركب، وهو في الأصل افتعال من القعود، والغارب له كما في كتب اللغة معان ما بين السنام، والعنق ومنه استعير حبلك على غاربك ومقدم السنام، وما يعلوه راكب البعير من مطلق الظهر، وهو المراد المناسب هنا فمن فسره بما قبله وقال: إنّ فيه إشارة إلى إشراف مرتكب الهوى على السقوط لم يصب، وأنا قولهم امتطى الجهل، فإن جعل بمنزلة قولك ركب مطا الجهل كان استعارة بالكناية، وان جعل في قوّة قولك اتخذ الجهل مطية كان تشبيها، وأياً ما كان فثبيه الجهل بالمطية مقصود منه كما في قوله: إنّ الشباب مطية الجهل وذلك إنما يحصل باسنفراغ الفكر، وادامة النظر فيما نصب من الحجج؟ والمواظبة على محاسبة النفس في العمل، ونكر هدى للتعظيم، فكأت أريد به خير لا يبلغ كنهه، ولا في رواية وهو المراد بكونه مصرحا به، وقيل: امتطى استعارة تبعية شبه اتصافه بالجهل، واستقراره عليه بامتطاء المطية، واستعير لفظ المشبه به للمشبه، فسرت الاستعارة إلى الفعل وذكر المفعول قرينة لها- وفيه بحث إذ لا فرق حينئذ بينه وبين قوله {عَلَى هُدًى} في أن تشبيه الهدى والجهل ليس مقصوداً فيهما، فكيف يجعل مصرّحا به ة ب أحدهما دون الآخر، ولا يخفى أنّ دلالة الفعل على الحدث، وهو الركوب والإمتطاء ليست كالحرف فتدبر، وفي الكشف عدّ امتطىء الجهل تشبيهاً خطأ بين سواء كان معناه ركب مطاه فيكون كغارب الهوى، وقد سلم فيه الاستعارة، أو اتخذه مطية فيكون نظير قوله: قتل البخل وأحيا السماحا نعم لو ذكر ترجمته كان تشبيها ومنه أتى على من أتى وقد نوّر هذا بأنّ معنى امتطى الجهل اتخذه مطية على سبيل الحقيقة دون التشبيه، فلا بد من الاستعارة إذ لا يمكن تقدير الأد اة. نعم إذا ذكرت الترجمة يمكن جعله تشبيهاً والتصريح بحسب الأصل لا يقتضي القصد بل مجرّد الظهور دون استبعاد ولا شك في أنّ تشبيهه الجهل بالمركب في هذا المثال أظهر من تشبيه الهدى به بحيث لا يخفى على أحد سواء اعتبر فيه الاستعارة بالكناية أو التبعية أو التشبيه بل نقول اسم الإشارة في قوله: صرّحوا بذلك إشارة إلى تشبيه حال المهتدي بحال الراكب، فإنّ ذلك خفيّ يحتاج إلى النظر والتوضيح: وقدبقيت يا صاح في النفس حاجة لعل بفضل الله يوما أقضيها قوله (وذلك إنما يحصل إلخ) إشارة إلى التمكن والاستقرار المار أي لا يحصل إلا بتكميل القوّتين النظرية والعلمية، فاستفراغ الفكر، وادإمة النظر إشارة إلى الأولى ومحاسبة النفس إلخ إشارة إلى الثانية، وفي قوله استفراغ إيماء إلى تشبيه الذهن بقليب يستقى منه، وتشبيه ما يفيده بماء عذب ومحاسبة

النفس بجعلها كعامل أو وكيل واعمالها بمنزلة أموال عندها والعقل حاكم عليها يحاسبها، وفيه لطف لا يخفى. قوله: (ونكر هدى إلخ) إنما أفاد التنكير التعظيم لما فيه من الإبهام الذي يفيده نحو الحاقة ما الحاقة لأنه في معنى هدى أيّ هدى أي هدى عظيم لعظمته لا تعرف حقيقته ومقداره، واليه أشار المصنف بقوله خير وفي نسخة ضرب أي نوع منه وهو الصحيح الموافق لما في الكشاف. وقوله: (لا يبلغ) ببناء المجهول أي لا يدرك، والكنه الحقيقة والنهاية كما في كتب اللغة أي لا يصل أحد إلى حقيقته أو نهايته، ويقادر بضم الياء وفتح الدال المهملة مجهول من قادره بالقاف كضاربه، وقدره بسكون الدال ويجوز فتحها أي لا يعرف مقداره، وفي الأساس قدرت الشيء قدره وهذا شيء لا يقادر قدره، وهو من قولهم تقادر الرجلان إذا طلب كل منهما مساواة الآخر في المقدار قيل: ويحتمل أن يكون التنكجر للإفراد أي على هدى واحد ألا لا هدى إلاً هدى ما أنزل إليك لنسخه ما قبله. وفي الكشاف تفسير من ربهم بقوله أي منحوه من عنده وأوتوه من قبله وغيره المصنف لما فيه من الركاكة بزيادة أي التفسيرية بين المبتدأ والخبر وتقدير ما لم يدل عليه دليل والقصد أن من ابتدائية {وَمِّن رَّبِّهِمْ} صفة وتفسيره الهدى باللطف والتوفيق، لأنه مذهب المعتزلة، وعندنا هو خلق الاهتداء وقا. قدم ما يغني عنه وسيأتي تتمته. قوله: (ونظيره إلخ) في نسخة ومثله قول الهذلي: وفي نواهد الأبكار أنه في الديوان المجموع لشعر هذيل قطعة لا قصيدة، وهي ثلاثة أبيات لا رابع لها وقد روي لها رابع وهي بجملتها على ما صححه الرواة وارتضاه الفاضل في شرحه: لعمرأبي الطيوالمربة غدوة على خالدلقد وقعت على لحم فلاوأبي لاتأكل الطيرمثله عشية أمسى لايبين من السلم وانك لو أبصرت مصرع خالد بجنب الثنار بين أبرق فالحزم لأيقنت أن البكرغيررذية ولا الناب لا ضمت يداك على غنم والشعر لأبي خراس وهو خويلد بن مرّة الهذلي يرثي به خالد بن زهير الهذلي، وقد قتل في وقعة مشهورة مذكورة في شرح أشعار هذيل وأبو خراس كان من فرسان العرب وفصحاء شعرائها، وكان يعدو على قدميه فيسبق الخيل، ثم أسلم وحسن إسلامه ومات في زمن عمر رضي الله عنه من نهش حية وخالد المرثي كان رفيع الشأن في هذيل، والمربة بضم الميم وكسر إلراء المهملة، وتشديد الباء الموحدة والهاء بمعنى الملازمة من أرث وألب باللام أقام بالمكان، وقد نقل أنّ الزمخشريّ كان يقول ما أفصحك من بيت إذا أنشده فإنه استعظم لحمه ولذا نكره وسبب استعظامه له أنه استعظم الطير الواقعة عليه حيث أقسم بأبيها، أو بها إن قلنا إنّ لفظ الأب مقحم كما ذهب إليه بعضهم، والطير مجرورة بإضافة الأب إليه، فإن قيل إنه مضاف لياء المتكلم فهو مرفوع على أنه ناعل فعل مقدر مفسر بما بعده وعلى الأوّل التكنية والقسم لتعظيمه ولا ردّ لما يتوهم من تحقيره بأكل الطير له أو زائدة وجواب القسم لقد إلخ. وقوله: (وقعت) بكسر التاء المثناة خطاب للطير على أنه التفات على هذه الرواية، وقد روي وقعن، وعلقن أيضاً فلا التفات فيه، والإقسام بها لوقوعها على اللحم العظيم فيه تعظيم للمقسم عليه نفسه كما في قول الطاني: وثناياك إنها اغريض وقوله تعالى {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 2] وقيل أبو الطير خالد نفسه لوفوعها عليه كما يقال أبو تراب وأبو الزند لصاحب الملازمة له ولا حاجة إلى جعل أبي جمعاً وأصله أبين، فسقطت نونه للإضافة كما قيل: وإنشاد المصنف له، فلا وأبي الطير المربة بالضحى إلخ تبع فيه الزمخشريّ وقال السعد هو في ديوان الهذليين هكذا: لعمرأبي الطيرالمربة غدوة على خالدلقدعلقن على لحم إلخ وفي حواشي الكشاف لابن الصائغ، ومن خطه نقلت نقلاً عن الرضى الشاطبي أنه هو الصواب، وهو كما قال وإنما استدل به لأنه لو لم يقصد التعظيم كان لغواً من القول فتأمل. قوله: (وكد تعظيمه إلخ) قيل: إنه لما توهم أنّ الهدى لا يكون إلا من الله، فما فائدة قوله من ربهم بين أنه تأكيد لتعظيمه بإسناده إليه تعالى كما يستفاد من فحو بيت الله، والتوفيق هو اللطف الداعي إلى أعمال الخير كما أنّ العصمة هي اللطف المانع

عن أعمال الشر، وقيل: معنى كونهم على هدى من ربهم خلق الهدى فيهم وإعطاؤه لهم لا اللطف والتوفيق كما هو رأي المعتزلة، وهذا من ضيق العطن، فإنه لم يفسر الهدى به كما فعله الزمخشريّ على أنه لو قاله لم يكن به بأس فتدبر. قوله: (وقد أدغمت إلخ) الغنة صوت يخرج من الخيشوم والنون أشدّ الحروف غنة والأغن الذي يتكلم من قبل خياشيمه، وقد قال القراء: إنه يجب إدغام النون الساكنة والتنوين في اللام والراء بلا غنة عند الجمهور، وعليه العمل كما في الشاطبية وشروحها، وذهب كثير من أهل الأداء إلى الإدغام مع بقاء الغنة ورووه عن نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب. وقال الإمام ابن الجزري رحمه الله: وردت الغنة وصحت من طرق كتابنا عن أهل الحجاز والشام، وأطال في تقريره في النشر وقد أظهر النون والتنوين عند الراء واللام ابن عون عن قالون وأبو حاتم عن يعقوب، وأوجب غيرهم الإدغام كما قاله الجعبريّ ففيها عند أهل الأداء ثلاثة وجوه، ووجه الإدغام تلاصق المخرح أو تجاوره، ووجه وجوبه عند الجمهور كثرة الدور ووجه حذف الغنة المبالغة في التخفيف واتباع الصفة الموصوف، أو تنزيلهما لشدّة لمناسبة منزلة المثلين النائب أحدهما مناب الآخر ووجه بقاء الغنة أنّ الأصح بقاء الصوت المدغم، كما في شرح الطيبة ومنه علم أنه لا غبار على ما قاله الشيخان، وإنّ ما في شرح الفاضل المحقق من أنه بحسب العربية وأمّا بحسب الرواية عن القراء فاكثر أنه لا غنة مع الراء واللام لا وجه له وإن اقتفوا أثره فيه. قوله: (كرر فيه اسم الإشارة إلخ) هذا بعينه ما في الكشاف من قوله وفي تكرير أولئك تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأ. لرة بالهدى فهي ثابتة لهم بالفلاح إلخ. والأثرة بفتح الهمزة وفتح الثاء المثلثة وراء مهملة، وهاء لغة بمعنى الاستئثار والاستبداد وقيل هي التقدم والاختصاص من الإيثار ويجوز فيه ضم الهمزة وسكون المثلثة وفسرها بعفنهم بالمكرمة المتوارثة وقال: إنها إشارة إلى أنه تعالى أكرم بها آدم عليه الصلاة والسلام وخواص بنيه، فكأنها انتقلت لهم إرثا وهو تكلف، والمراد بالأثرتين تمكنهحم من الهدى في الدنيا وفوزهم بالفلاح في العقبى مما دل عليه محمول القضيتين في النظم. يعني أنّ هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات يستحقون بذلك الاستقلال بالتمكن في الهدى والاستبداد بالفلاح. والاختصاص بكل منهما، ولو لم يعد أولئك لربما توهم أنّ الاستقلال بالمجموع لا بكل واحد منهما، وإنما أفاد ذلك الاختصاص لدلالته على الصفات، وأنه في المشتق كما مرّ فيفيد العلية لثبوتهما لهم والعلة لا تخلف عن المعلول فيقتضي الاختصاص بهما والتميز. وفي الإشارة ما يغني عن الكلم. ومن غفل عن هذا قال: إنّ هذا الوجه إنما يستقيم إذا أفاد مجرّد تعريف المسند إليه التخصيص ليحصل في الجملة الأولى أيضا وهو مختلف فيه، فكأنه تبع صاحب الكشاف في القول بالحصر في نحو {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء} [الرعد: 26] وقد تجعل أولئك الثانية إشارة إلى المتقين الموصوفين بكونهم على هدى من ربهم وبجعل الفلاح مترتبا على كونهم على تلك الهداية الواصلة إليهم من ربهم المترتبة على الأوصاف السابقة، فلا تكرأر حينئذ إلا بحسب الظاهر، وقد أشار قدس سرّه إلى أنّ كلام الكشاف محتمل له فإنه قال: وفي تكرير أولئك تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى فهي ثابتة لهم بالفلاح، فإنّ الفاء في قوله: فهي تحتملى الزيادة، والدلالة على أنّ الأثرة بالهدى سبب الأثرة الأخرى، والمصنف عدل عنه. وقوله: (وأنّ إلخ) كالعطف التفسيري، وما ذكر هنا قريب من الإيماء إلى وجه بناء الخبر المذكور في المعاني في تعريف المسند إليه بالموصولية فتدبر. قوله: (ووسط العاطف إلخ) هذا جواب سؤال مقدّر يلوح به ما قبله من التكرير في المبتدأ أو كفاية كل من الأثرتين، فإنه يوهم أنّ المقام يقتضي عدم العطف كما في الآية الأخرى يعني أنّ على هدى والمفلحون مع تناسبهما معنى مختلفان مفهوماً ووجودا فإنّ الهدى في الدنيا والفلاح في العقبى، واثبات كل منهما على حدة أمر مقصود في نفسه، فالجملتان المشتملتان عليهما المتحدتان في المخبر عنه بين كمال الاتصال والانفصال فلذا عطفت إحداهما على الأخرى، وأمّا كالأنعام والغافلون، وان اختلفا مفهوما فقد اتحدا مقصودا إذ المراد بالتشبيه بالانعام المبالغة في الغفلة فالجملة

الثانية مع مشاركتها للأولى في المحكوم عليه مؤكدة لها فلا مجال للعطف. (فإن قلت) إن أريد الاختلاف والاتحاد بحسب أصل المعنى وباعتبار اللوازم فلا فرق (قلت) نعم يجوز إجراء كل منهما فيهما إلا أنّ الأوّل أظهر في الأوّل والثاني أظهر في الثاني كما لا يضنى، وقيل الفصل في الثانية لأنها كالمتصلة بالأولى لأنها جواب سؤال نئأ من قوله بل هم أضل كأنه قيل لم كانوا أضل، فاجيب بأنهم غافلون عن رعي مهمات مصالحهم، فالأنعام لا تفوتهم رعايتها، وهذا أنسب وأظهر وفيه نظر، والتسجيل أصله كتابة- السجل والصك ويتجوّز به عن إثبات الحكم القطعي والتشهير، وهذا هو المراد وقيل معنا. رميهم بالغفله وفي القاموس سجل به رمى به من فوق على أنه مأخوذ من التسجيل بمعنى الحجارة والأوّل أنسب وأقرب. قوله: (وهم فصل إلخ) ضمير الفصل، ويسمى عماداً له فوائد فصل الخبر، وتميزه عن النعت فلذا سمي فصلاً، وهو أغلبيّ لأنه قد يتوسط بين غيرهما كما ذكر النحاة ويؤكد ألنسبة والحكم الخبري، وقيل إنه لتأكيد المحكوم عليه لمطابقتة له، وضعف بأنه لو كان كذلك لم يفد التخصيص كما لا يفيده زيد نفسه أكرم الناس، وادخال اللام عليه في نحو إن زيدا لهو الظريف ربما دل كلى أنه من تتمة المحكوم به، ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه لا عكسه كما ذهب إليه بعض شراح المفتاح، وهذا مما أطلقوه وأثبتوه بقوله تعالى {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 17 ا] وهو إنما يتم إذا ثبت القصر في مثل كان زيد هو أفضل من عمرو مما الخبر فيه نكرة، والاً فتعريف الخبر بلام الجنس يفيد قصره على المبتدأ، وان لم يكن فصل كزيد الأمير، وتعريف المبتدأ بلام الجنس يفيد قصره على الخبر وان كان مع ضمير الفصل نحو الكرم هو التقوى أي لا كرم إلا التقوى، وفي الفائق ما يشعر بأنّ مثله يفيد قصر المبتدأ كلى الخبر سواء عرف المبتدأ والخبر أو لا لأنه صرح بأنّ معنى، فإنّ الدهر هو الله أن جالب الحوادث هو الله لا غيره، وفي المفتاح ما يخالفه، وقال الفاضل المحقق: التحقيق أنّ الفصل قد يكون للتخصيص بقصر المسند على المسند إليه نحو زيد هو أفضل من عمرو وزيد هو يقاوم الأسد وفي الكشاف في قوله تعالى {أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ} [التوبة: 104] هو للتخصيص والتوكيد، وقد يكون لمجرّد التأكيد إذا كان التخصيص حاصلاً بدونه بأن يكون في الكلام ما يفيد قصر المسند على المسند إليه نحو أنّ الله هو الرزاق أي لا رزاق إلاً هو أو قصر المسند إليه على المسند نحو الكرم هو التقوى، والحسب هو المال أي لا كرم إلا التقوى إلخ ولذا قيل إنّ كلامه محتمل لأمرين أن يكون إشارة إلى المدعى، وهو الحق والا يتعارض كلاماه وأن يكون إشارة إلى الدليل وهو فاسد وفيه نظر. قوله: (أومبتد " جعله قسيماً للفصل بناء على ما اشتهر من أنّ ضمير الفصل لا محل له من الإعراب وذهب بعضهم إلى أنه رابطة، وحرف فلا يرد عليه أنّ فيه جعل الشيء قسيما لنفسه لأنّ من النحاة من ذهب إلى أنّ ضمير الفصل في محل رفع على الابتداء. قوله: (والمفلحون خبره) قال الطيبي: فعلى هذا تكون الحملة من باب تقوّي الحكم أو من باب التخصيص على نحو هو عارف قلت: المراد الأخير لتطابق الوجوه في إفادة الحصر، ولا حاجة لما ذكره لما تقدّم من أنّ أولئك في معنى الصفة المشتقة، ومثله يفيد علية مبدأ الاشتقاق ويفيد الحصر. قوله: (والمفلح بالحاء والجيم إلخ) هذا بناء على ما عليه قدماء أهل اللغة من أنّ المشاركة في أكثر الحروف اشتقاق يدور عليه معنى المادّة، فيتحد أصل معناها ويتغاير من بعض الوجوه كما يعرفه من طالع التهذيب والعين ونحوهما من كتب اللغة القديمة، ولذا اعتبروا ني الترتيب الأوّل، وما يليه ولم ينظروا إلى الأخير كما فعله الجوهريّ، والمراد بقوله بالحاء والجيم تفسير اللفظ من حيت اللغة وإلا فالقراءة بالحاء المهملة لا غير ولم يقرأ بالجيم في شيء من الشواذ والفلح بالحاء بمعنى الشق والفتح، وكذا الفلج بالجيم أيضاً كما في كتب اللغة، والظاهر أنهما معنيان فإنّ الشق قد يقع من غير فرجة والفتح قد يكون بغير شق كفتح الباب والكتاب، فبينهما عموم وخصوص وجهي وقوله الفائز بالمطلوب هذا هو المعنى العرفي المعروف في الاستعمال والشق والفتح معناه الحقيقي الأصلي. وقوله: (كأنه إلخ) بيان للملابسة والمناسبة بينهما واكتفى بذكر الفتح فيه لاشتماله على الشق في الغالب فلا يقال المناسب لما بعده أن يذكره، لكنه لو صرّح به كان أحسن والوجوه جمع وجه، ومعناه النوع أو الطريق

فقوله وجوه الظفر كما في بعض النسخ أنواعها أو طرقها، وفي نسخة وجوه اللطف وهو بضم فسكون معروف، وهو الرفق والتوفيق وبفتح اللام والطاء ويقال بالهاء لطفة أيضا، وهو اسم بمعنى البرّ ولم يشتهر في الهداية قال الزمخشريّ في شرح مقاماته الألطاف بمعنى الهدايا واحدها لطف قال: كمن له عندنا التكريم واللطف وغبارة المصئف رحمه الله تحتملهما والظاهر الأوّل وأفلح بمعنى فاز ببغيته دنيوية وأخروية وهي سعادة الدإرين، وما قيل من أنّ قوله انفتحت يدل على أنّ همزة أفلح للصيرورة فيه نظر ظاهر. قوله: (وهذا التركيب) أي تركيب فلح، وهو ظاهر وفلق بمعنى شق وفلذ بالذال المعجمة بمعنى قطع، وفلى بالفاء من فليت الشعر إذا فتحته لتنظر ما تحته من الهوام، أو من فلوته بالسيف إذا ضربته، وفي الضرب معنى الشق هنا أو من فلوته عن أمّه إذا فطمته. قوله: (وتعريف المفلحين إلخ) هذا زبدة قوله في الكشاف، ومعنى التعريف في المفلحون الدلالة على أنّ المتقين هم الناس الذين عنهم بلغك أنهم مفلحون في الآخرة، كما إذا بلغك أنّ إنسانا قد تاب من أهل بلدك، فاستخبرت من هو فقيل زيد التائب أي هو الذي أخبرت بتوبته، فاللام حينئذ لتعريف العهد الخارجي، ولا حاجة إلى اعتبار قصر كما إذا قلت الزيدون هم المنطلقون إشارة إلى معهودين بالانطلاق ولك أن تعتبر كلمة هم فصلاً، وتقصد قصر المسند على المسند إليه افرادا نفياً لما عسى يتوهم من أنّ المعهودين بالفلاح يندرج فيهم غير المتقين أيضاً. وقوله: (كما إذا يلنك إلخ) تركه المصئف رحمه الله اختصاراً لا لما قيل: من أنه لأجل أنه اعترض عليه بأنّ المطابق للسؤال أن يقال: التائب زيد حتى لو اقتصر على زيد كان خبر المبتدأ محذوف، ورد فأن الضمير في من هو راجع إلى التائب أي من التائب، فمن مبتدأ والتاثب خبره، كما هو مذهب سيبويه والمعنى أزيد التائب أم عمرو فالمطلوب بالسؤال أن يحكم بالتائب على شيء من تلك الخصوصيات، فالصواب ما في الكتاب ليكون الجواب مطابقا للسؤال، والمثال موافقا للتنزيل في تعريف الخبر العهدي فإن جعل من خبراً مقدما، فالحق ما ذكره المعترض فتفوت موافقة المثال، وهذا مع ظهوره خفي على جماعة حتى زعم من لم يتنبه له أنّ دعوى رعاية المطابقة منقوضة بأنّ من قام جملة اسمية، ويجاب بفعلية، ولم يدر أنّ السائل بمن قام لطلب الحكم بالقيام على زيد أو عمرو، فإذا أجيب بقام زيد طابق سؤاله في المعنى، وان خالفه لفظا بفعلية لسرّ ستراه بخلاف ما نحن فيه، فإنّ التقديم فيه يوجب اختلاف المحكوم عليه فتفوت المطابقة المعنوية التي تجب رعايتها في نحو زبد أخوك وأخوك زيد. هذا ملخص ما ارتضاه قدّس سرّه مخالفاً فيه للفاضل المحقق وتبجح به في غير موضوع وسلمه له عامة الفضلاء إلاً من رمى ربقة التقليد من جيد فكره كما قال بعض الفضلاء: إنه مردود لمخالفته لكلام القوم، فإنهم صرّحوا بأنّ من لطلب التصوّر لا لضلب الحكم والتصديق، فتأويله لا يجدي في مقابلة خرق إجماعهم ولذا قيل إنّ من يسأل بها عن تشخيص ذي العلم وتعيينه، فالمقصود بمن قام تعيين الفاعل مع تقرير الفعل بحيث لا يشك فيه، وليس لطلب مطلق الحكم بالقيام، فالمطابق في الجواب أن يقال: زيد قام إذ المقصود الفاعل وتقرير الفعل أمر ذكره مجرّد اعتبار نحوي، ولذا قالوا إنّ قوله تعالى {أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا} [الأنبياء: 62] لو كان لتقرير الفعل كان الجواب فعلت أو لم أفعل، والحاصل أنّ في قام زيد إبهاما لتردّد السائل في الفعل، وتقرير المجيب إياه، وقد قال محققو أهل المعاني: إنّ الهمزة يليها المسؤول عنه ذاتا أو غيرها فيقال أضربت زيدا إذا كان الشك في نفس الفعل، وأأنت ضربت إذا كان في الفاعل مع تقرير الفعل، ولا شك في أن خلق السموات والأرض مقرّر لا مرية فيه، والتردّد إنما هو في تعيين الفال فلا يكون من خلق السموات والأرض جملة فعلية معنى بل اسمية لفظا ومعنى، ولا ينبغي أن يكون من قام في معنى أقام زيد أم عمرو بل في معنى أزيد أم عمرو قام لما عرفته، والنكتة في ذكر الجملة الفعلية في جواب من خلق أنه على خلإف مقتضى الظاهر للتعريض بغباوة المخاطبين، وأنهم لا ينبغي لهم التردّد في الفاعل أصلاً، كما وقع فلو كان هنا تردّد كان في أصل الفعل وقيل الضابط هنا أنّ الشيء إذا كان له صفتان تعرّفانه، وقد عرف السامع اتصمافه بإحداهما دون الأخرى

فأيهما عرف اتصاف الذات بها، وهو طالب لأن يحكم عليه بالأخرى يجب تقديم الدال عليه وجعله مبتدأ وتأخير غيره فإذا عرف مثلاً زيدا بعيته واسمه دون اتصافه بالأخوّة وطلب أن تعرّفه ذلك قلت: زيد أخوك وإذا عرف أخا لم يعينه بذاته قلت أخوك زيد، ولا يصح. غيزه وهذا موافق لقوله في الدلائل

إنك في قولك زيد منطلق وزيد المنطلق تثبيت فعل الانطلاق لزيد لكته في الأوّل لم يسمع السامع أنه كان وفي الثاني سسه، ولكنه لم يعلمه لزيد فإذا بلغك أنه كان من إنسان انطلاق مخصوص وجوّزت أن يكون من زيد ثم قيل زيد المنطلق انقلب الجواز وجوبا بحصوله منه، فإذا قصد تاكيده قيل زيد هو النطلق وإذا قيل المنطلق زيد، فالمعنى أنك رأيت منطلقاً لم تعلم أزيد هو أم عمرو فيقال لك المنطلق زيد أي ما تراه من بعيد هو زيد وهكذا ما نحن فيه، فإنك عرفت المتقين وبلغك أنّ قوما مفلحون في الآخرة وجوّزت كونهم المتقين فطلبت الحكم عليه بالفلاح، وهذا مراد الزمخشريّ بعبارته السالمه نجأفى يبهون معنى من هو أزيد هو وافراده بالذكر لما يقتضي الاهتصام به، ولما كان ظاهره أنّ معناه أزيد التائب أم عمرو إلخ ورد عليه الاعتراض فأن المناسب التائب زيد لأنك عرفت أنّ إنساناً قد تاب، وطلبت الحكم عليه بأنه زيد أو غيره، فمقتضى تلك الضابطة أنك إذا عرفت التائب، وقلت من هو كان معناه أزيد التائب أم عمرو إلخ، فالترديد إنما هو في الخصوصيات والمطلوب الحكم حمبى التائب بواحدة منها، كما ذكره الثخ في المنطلق زيد فلا يصح حينئذ زيد التائب بل التائب زيد فظهر فساد الجواب بأنّ الضمير للتائب كما مرّ، فإنه لا يدفع الاعتراض لعدم مطابقته للضابطة المقرّرة قيل: وبهذا ظهر ما في كلام الشارحين من الاختلال وتبين التوفيق بين كلامي الشيخ فإنّ كل مقام ر " مقال (أقول) هذا جملة ما يعتد به مما وقع هنا من القيل والقال (وها أنا بأذل) لك جهد المقول مما بقي فيه فأقول راجيا من الله القبول المطابقة المتفق عليها هي جعل مطلوب المخاطب محكوما به ومحط الفائدة، وهي كما قاله الشيخ والسكاكي إنما تخفى إذا تعرّف إلطرفان والجملة اسمية لأنه إدّا نكر أحدهما يكون هو الخبر إذ هو من شأنه أن يكون غير معلوم، فإذا تعرّفا كان معلوما بطريق من طرق التعريف ليصح التعريف والاً عرف حينئذ محكوم عليه والمعروف من وجه المجهول من وجه محكوم به لأنه لو عرف من كل و. جه لم يطلب، فإذا بلغك أنّ قوما معينين من أهل بلدة أو محلة انطلؤ / منهم واحد وأنت تعلمهم بمشخصاتهم، وتعلم السنطلق بوجه مّا وتجهله من غير ذلك الوجه تعين في جواب من المنطلق زيد المنطلق ولا يصح عكسه، ولو شاهدت من بعيد شخصاً منطلقاً، ولمم تعرفه بذاته ومشخصاته وقلت من المنطلق كنت عارفا بالمنطلق. بمشاهدته، والمجهول لك ما يشخصه، فتعين حينئذ المنطلق زيد وهذا مرادهم كما ستسمعه في الدلائل فقوله في الكشاف: إذا بلغك أنّ شخصا قد تاب إلخ إشارة إلى ما يصحح تعريفه وهو كونه معلوما بوجه لا من كل الوجوه حتى يتعين أنه مبتدأ كما توهموه، فإنه فرية بلا مرية ومن هنا نثا الاعتراض، وليس هذا مبنيا على إعراب من مبتدأ أو خبراً لأنّ من شاهد المنطلق إذا قال: من المنطلق، فمطلوبه ما يشخصه، فحق المنطلق أن يكون مبتدأ ومن خبره، وأنما عكسه سيبوبه لأنه يراه ملتزم التقديم، والمسؤول عنه أهم بالذكر وادّعاء التقديم عن تأخير خلاف الظاهر مع أنه فكرة، والكلام ليس فيه وجملته إنشائية لا خبرية حتى يلاحظ فيه الملقى إليه الخبر، فليس مما نحن فيه، وليس الاختلاف فيه مبنيا على هذا قطعاً، فلا حاجة إلى تكلف ادّعاء أنه مبتدا لأنه معرفة تأويلاَ لأنه في معنى أزيد أم عمرو إلخ مع أنه لا يتم لأنّ التأويل المذكور لا يتأتى في أفعل التفضيل، وكم في نحوكم مالك لأنها في معنى أمائة أم ألف أم أكثر، فقول السعد هنا إنّ المناسب حينثذ التائب زيد إلخ مردود بما مرّ من أنّ قوله بلغك إلخ مصحح لتعريف التائب، وجعله معهودا كما أشار إليه بقوله الذي أخبرت بتوبته، ولا يقتضي أن لا يكون مجهولاً ومطلوبا من وجه، فما ذكر ليس بشيء، وقوله قدس سرّه: حتى زعم إلخ ردّ له كما فصله وهو وارد عليه كما يعلم مما قدمناه، وقول الشارح الفاضل: أورد الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز كلاما يؤيد أوّله كلام المصنف، وآخره كلام المعترض ليس بشيء، فإنهما متفقان وهو غفلة عما حققوه، وعبارة الدلائل إنك في قولك زبد منطلق وزيد المنطلق تثبت فعل الانطلاق لزيد لكنك تثبت في الأوّل فعلاً لم يسمع السامع من أصله أنه كان وفي الثاني فعلاً قد علم السامع أنه كان، ولكن لم يعلمه لزيد فإذا بلغك أنه كان من إنسان انطلاق مخصوص وجوّزت أن يكون ذلك من زيد، ثم فيل لك زيد المنطلق انقلب ذلك الجواز وجوابا وزال الشك، وحصل القطع بأنه كان من زيد اهـ. يعني أنّ المخاطب لما علم زيداً بمشخصاته وبلغه أنّ إنسانا انطلق كان المنطلق حاضرا في ذهنه فيصح أن يعرف بالتعريف العهدي، ولكنه لما لم يتعين كان مطلوبا لتردده فيه فتعين جعله خبراً، لكونه هو المجهول عنده من وجه بخلاف الصورة الآتية، وهذا بعينه ما في الكشاف، إلا أنّ المعتر ضومن سلم اعتراضه لم يهتد لتطبيقه، ثم قال الشيخ: وإذا قيل: المنطلق زيد فالمعنى على أنك رأيت إنسانا منطلقا بالبعد منك، فلم يثبت ولم تعلم أزيد هو أم عمرو فقال: لك صاحبك المنطلق زيد أي هذا الشخصى الذي تراه من بعد هو زيد، وقد تشاهد لابس ديباج وقد كنت تعرفه فنسيته، فيقال لك اللابس الديباج صاحبك الذي كان معك في وقت كذا، فيكون الغرض إثبات أنه ذلك الشخص المعهود لا إثبات لبس الديباج لأنه شاهده يعني أنك لما شاهدت انطلاقه ولبسه الديباج كان اللابس والمنطلق محسوسا عندك لا تردّد فيه، ولا تطلبه وإنما تطلب تشخيصه، وتعيينه فتعين جعله مبتدأ وزيدا خبراً بخلاف ما مرّ من عكسه لأنّ زيدا محسور أو بمنزلته، والمنطلق لم تعرفه إلا بأنّ ثمة شخصاً صدر منه انطلاق، فأنت لم تشاهده ولم يعينه المخبر عندك، فلذا جعل خبرا فقد وافق أوّل كلامه آخره من غير شبهة، وهو بعينه ما في الكشاف فقد انكشف لك المراد بما لا مزيد عليه، وتبين أنّ ما ارتضاه الشريف المرتضى، وادّعى أنه لا يتزلزل فيه من له رسوخ قدم في علم المعاني غنيّ عن البيان الهادم لما أسسه من البنيان لما عرفت من أنّ المراد أنك شاهدت شخصا منطلقا، ولم تعرفه بعيته وقلت من هذا المنطلق تعين أن يقال لك المنطلق زيد سواء كان من مبتدأ أو خبراً، فإنك إذا لم تشاهده نأخبرت بأنّ شخصاً من قوم معلومين لك بأعيانهم انطلق فقلت من المنطلق يقال: زيد المنطلق على القولين في باب من لأنّ مبنى الخلاف أمر آخر غير ما توهمو.، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذه المطابقة في محله، فإنه هنا جملة معترضة لا محل لها لم يتعرّض لها شراح الكشاف، وهذا من الحور المقصورات في الخيام التي من بها الملك العلام. قوله: (أو الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد إلخ) في الكشاف أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المتقين وتحققوا ما هم، وتصوّروا بصورتهم الحقيقية فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة، كما تقول لصاحبك هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إنّ زيدا هو هو اهـ. وهذا بعينه ما ذكره الشيخ في دلائل الإعجاز فقال اعلم أن للخبر المعرّف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك وله مسلك دقيق، ولمحة كالسحر يكون التأمّل عندها، كما يقال تعرف دينك وذلك قولك هو البطل الحامي، وهو المتقى المرتجى وأنت لا تقصد شيثا مما تقدّم، فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان ولم يعلم ممن كان كما مض في قولك زيد هو المنطلق، ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال، كما كان في قولك هو الشجاع ولا تقول ظاهر أنه بهذه الصفة كما كان في قوله، ووالدك العبد ولكنك تريد أن تقول لصاحبك هل سمعت بالبطل الحامي، وهل حصل معنى هذه الصفة، وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه، فإن كنت قلته علما وتصوّرته حق تصوّره فعليك صاحبك، واشدد به يدك فهو ضالتك وعنده بغيتك، وطريقه طريق قولك هل سمعت بالأسد وهل تعرف ما هو، فإن كنت تعرفه فزيد هو هو بعينه اهـ المقصود منه، وهذه قصة في شرحها طول، وقد وقع النزاع في مراد الشيخ بين الفاضلين فقال المحقق: السعده نجوّر الله مرقده أطلق الناظرون في الكشاف على أنه يريد بذلك تعريف الجنس، وتعيين الحقيقة المسه ى بالعهد الذهني، ثم منهم من زعم أنه لقصر المبتدأ على الخبر نظرا إلى قوله لا يعدون تلك الحقيقة على عكس ما تحقق، وتقرّر في مثل زيد الأمير وعمرو الشجاع، ومنهم من ذهب إلى أنه لقصر المسند إليه قصر قلب وعلى تقدير العهد قصر إفراد وينبغي أن تعلم أنه إشارة إلى معنى آخر لتعريف الجنس، وقال قدس سرّه:

يرد عليه في ادّعائه أنّ مراد الثيخ معنى غير تعريف الجنس أز، اللام حينئذ لتعريف الجنس المسمى بتعيين الحقيقة، والمعرّف بلام الجنس قد يقصد به تارة حصره في المبتدأ إمّا حقيقة أو ادّعاء نحو زيد الأمير إذا انحصرت الإمارة فيه أو كان كاملاً فيها كأنه قيل زيد كل الأمير، وقد يقصد به أخرى أنّ المبتدأ هو عين ذاث الجنس ومتحد به، فكأنه تجسم منه لا أنّ ذلك الجنس مفهوم مغاير للمبتدأ منحصر فيه على أحد الوجهين، فهذا معنى آخر للخبر المعرّف بلام الجنس غير الحصر وهو مراد الشيخ بالعبارة المذكورة، وقد وضحه وكثر أمثلته، وقال: هذا كله على معنى الوهم والتقدير وأن يتصوّر في خاطره شيئاً لم يره، ولم يعلمه ثم يجريه مجرى ما علمه، وإنما قال ذلك لأنّ دعوى كون زيد عين حقيقة الأسدية مثلاً إنما تتأتى إذا صوّرت تلك الحقيقة في الوهم بصورة تناسب تلك الدعوى، فإنها لو تركت على حالها لم يكن ادّعاء كون زيد متحدا بها مستحسناً فتبين أنّ تعريف الخبر بهذا المعنى تعريف جنسي اعتبر معه تصوّر الحقيقة بصورة وهمية توصلاَ إلى دعوى الاقحاد فهو من فروع الجنس كما يحمل على الكمال كيف لا، وتعريف اللام منحصر في العهد والجنس. (فإن قلت) ظهور الاتصاف بمض صمون الخبر ليس شيثا منهما. (قك) هو راجع إلى الجنس أيضا كأنه بعدما جعل خبرا عرّفه باللام إشارة إلى حضور الجنس في الذهن من حيث أنه صفة للمخبر عته، وهذا معنى ظهور اتصافه به واختار المصئف رحمه الله في المفلحين دعوى الاتحاد على حصر الجنس لأنه ألطف وأبلغ. وقوله: (لا يعدون إلخ) تأكيد للاتحاد لا بيان لحصر المبتدأ في الخبر، كما توهم فإنه مخالف للقاعدة المقرّرة من أنّ تعريف الخبر الجنسي يفيد قصره على المبتدأ لا عكسه، وان أشعر به كلام الفائق في تفسير، فإنّ الله هو الدهر بأنّ الله هو الجالب للحوادث لا غيره الجالب (فإن قيل) إن ادّعى أنّ المتقين عين حقيقة المفلحين لم يتصوّر هناك حصر أصلاً، فكيف يستعمل فيه الفصل (قلنا) يجرّد حينئذ لتمييز الخبر عن النعت وتأكيد الحكم معاً أو لأحدهما، وكذا الكرم هو التقوى أي لا كرم إلا التقوى. (أقول) هذا المقام قد انسحبت فيه أذيال الكلام، ونم يكشف عن وجوه مخدراته اللثام، فإنّ السعد لما خالف الشراح وادعى أنه نوع آخر من التعريف لم يعينه، ولم يبين أنه أيّ معنى هو من معاني أل المحصورة في العربية، والشريف لما قال إنه لتعريف الجنس إلاً أنه حصر فيه لم يعرج على مراد الشيخ، فإنه بالغ في وصفه بالدقة وقال: إنه سن عجيب الشأن له مكان من الفخامة والنبل، وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه ومجرّد تعريف الجنس معنى مكشوف ينادي عليه في الطرق ادخل السوق واشتر اللحم، وهو أوّل ما يشترى وأيضا تمثيلهم بهل عرفت الأسد خفاؤه أشد وأشدّ، وهذا مما لم يظهر لي حاله، ولم يتضح مع إمعان النظر إشكاله. (فاعلم) أنّ الثيخ نوّر الله مرقده ذكر قبيله أنّ الخبر المعرّف بلام الجنس فيه ثلاثة وجوه. (الأؤل) أن يقصر الجنس على المخبر عنه لقصد المبالغة نحو زيد هو الجواد أي الكامل في الجود إلاً أنك تخرجه في صورة توهم أنه لا يوجد إلاً فيه لعدم الاعتداد بغيره. (الثاني) أن يقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه، لا على عدم الاعتداد بغيره بل على دعوى أنه لا يوجد إلاً منه ولا يكون إلاً إذا قيد بشيء يخصصه، ويجعله في حكم نوع برأسه نحو هو الوفيّ حين لا تظن نفس بنفس خيرا. (الثالث) أن يقصد قصره في جنسه لا على ما ذكر بل على وجه آخر جاء في قول الخنساء: إذا قبح البكاء على قتيل ~ فإنّ بركاءك الحس الجميل أرادت أنه قد قرّ في جنس ما حسته الحس الظاهر الذي لا ينكر ولا يشك فيه شاك، ثم لما فصل هذه الأقسام قال: للخبر المعرّف باللام معنى آخر غير ما ذكرت لك، وله مسلك دقيق إلخ وقد مرّ بعضه فوص فه بالحسن والدقة الزائدة وصرّح بأنه غير الوجوه الثلاثة السابقة، والمغايرة لها يحتملى أنها في النوع فلا يكون من تعريف الجنس، وهو ما ذهب إليه الفاضل التفتازاني، وهو السابق إلى الفهم، ويحتمل المغايرة في المفاد والوصف أعني الحصر، لأن الأقسام الثلاثة منها ما يفيده عنده، وهذا يغايرها بعدم إفادته وهذا ما ارتضاه الشريف المرتضى وفي كلامه ما يؤيده بحسب الظاهر، كقوله: ولا تريد أن تقصر معنى عليه

ونحوه مما يظهر لمن أحاط به خبراً وهذا منشأ الخلاف فيه، فأمّا تصفيته من غش الخفاء وكدر الشقاق فالحق أن يقال إنّ الشيخ أراد بالتعريف هنا الحقيقة والماهية، وإذا جعل فرد من أفرادها عينها كان ذلك ادّعاء وتقديراً، ولما كان هذا أظهر في زيد هو الأسد أتى به تنويرا له لأنّ اتحاد المباين إذا صح وأفاد المبالغة، فهذا أظهر وجعل الفرد عين ماهية وصفه يقتضي تحقق اتصافه به، وأنه جدير به ومستحق له وو-4 الدقة المحتاجة إلى زيادة التأمّل إنّ أهل المعقول، وان ذهب كثير منهم إلى وجود الماهية في ضمن أفرادها إلاً أن جعلها عين فرد فيه من المبالغة ما لا يخفى لجعلها محسوسة ث اهدة، ولهذا صار ضربا من السحر ولام الطبيعة والحقيقة من أقسام الجنس لافحصارها عند الجمهور في العهد والجنس، كما أشار إليه قدس سرّه إلا أنه بقي ههنا أمران: الأوّل إنّ الثارح الفاضل لم يصرّح فر، كتبه بأنها على هذا ليست من الجنس، رأسا عند الشيخ بل قال: إنه تعريف آخر للجنس عنده، فلك أن تقول مراده بقوله آخر أنه مغاير لأفراد التعريف الجنسي الذي قدّمه، وهو الأقسام الثلاثة التي قرّرناها فمآله إلى ما ذكره الشريف فلا وجه لتشنيعه عليه فهوكما قيل: ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ~ بين الرجال ولوكانوا ذوي رحم الثاني أنّ في كلام الشيخ نظراً ظاهراً، فإنّ تشبيهه بالموصول يقتضي أنّ ما نحن فيه تعريف عهديّ، وقد أشار في حواشي المطوّل إلى دفعه، ومن ذهب إلى القصر تمسك بما يقتضيه من قوله لا حقيقة لهم وراء ذلك وقوله (لا يعدون) تلك الحقيقة، وقد اعترف الشريف في حواشي المطوّل بأنها موهمة لذلك، وعبارة الدلائل لما فيها من التصريح بعدم القصر فيه تدفع ما ذكر وأمّ كلام الكشاف فليس فيها ما يمنعه، ولذا قيل لا وجه لتخطئة من ذهب إليه من شراح الكشاف، وقد قيل إنه لما شبه معنى التعريف بقولك هل سمعت بالأسد وهل تعرف حقيقته فزيد هو هو بعينه وهذا لم يقصد فيه الحصر أصلاً علم إن ما توهمه عبارته ليس بمراد أيضاً وبما قرّرناه لك علم سقوط ما قيل إنّ قول الشيخ لا حقيقة له وراء ذلك لا يوهم القصر وإنما معناه اتحاد الحقيقة معه بخلاف قول الزمخشريّ: لا يعدون تلك الحقيقة إذ معناه أنهم غير متجاوزين لها وهو معنى القصرة وقد بقي هنا أمور مفصلة في حواشي كتب المعاني من أرادها فليرجع إليها. قوله:) من حقيقة المفلحين) إشارة إلى أنها على هذا لام الطبيعة والحقيقة، كما قرّرناه آنفا. وقوله: (وخصوصياثهم) عطفه على الحقيقة عطف تفسير إشارة إلى أنّ المراد بالحقيقة المفهوم المختصى بهؤلاء لا ما علمه أهل المعقول وخصوصيات جمع خصوصية من خصه بكذا إذا أفرده به فاختص أي انفرد. قال الجوهرفي خضه بالشيء خصوصاً وخصوصية بالضم والفتح والفتح أفصح. واعلم أنّ في الخصوصية وأمثالها طريقين إحداهما أنها مصدر وضع هكذا كالطفولية والرجولية وهو كثير فيئ المصادر المأخوذة من أسماء الأجناس فياؤه كياء كرسيّ كما في التسهيل والارتثاف الثانية أن الفعولة بالضم كثرت في المصادر المأخوذة من الجوامد كالأبوّة والبنوّة والفعولة بالفتح نادرة فيها، فلما ضعفت في باب المصدرية ألحق بها ياء المصدرية تأكيدا وايذانا بأنها جارية مجرى أسماء الأجناس في قلة تصرفها وبناء الأفعال منها كما قاله المرزوقي في شرح الفصيح وعليهما فالتاء للتأنيث اللفظي كتاء أبوّة ولا بد منها على الطريقة الثانية لأنها تلزم المصدر الذي بواسطة الياء فيقال عالمية لا عالمي كما نص عليه الرضي في بحث الحروف المشبهة بالفعل والمرأوقي في شرحه للفصيح أو هي تاء النقل إلى المصدرية، فلا وجه لما قيل من أنها للمبالغة، فإن قلت الضم هو اكثر فيه لشيوعه في نحو رجولية وطفولية وعبودية وغيرها، فكيف يكون الفتح أفصح. قلت: قال المرزوقي في شرح الفصيح الضم في هذه أكثر وحكى الفتح في النصوصية والخصرصية والحرورية بمعنى الحرية لكن الفتح هو المستفصح في هذه الأحرف الثلاثة: ولا يمتنع أن يكون الأقيس أقل استعمالاً فلا يستفصح اهـ فقد علمت أنّ فتح خصوصية أفصح سماعا، ومن ردّ على الجوهريّ فقد وهم، ثم إنّ ما ذكره المصنف رحمه الله تلخيص لما في الكشاف من غير مخالفة، ومن الناس من ظن أنه مخالف، وأنه إشارة إلى أنها لتعريف الجنس

الشامل للإفراد وأنه مفيد للقصر عنده، وقيل إنه يحتمله ويحتمل ما ذهب إليه العلامة وقيل إنه أراد أنها للاستغراق والذي غرّة لفظ الخصوصيات، وقد مرّ بيانها حتى قيل إنها هنا ليس لها وجه ظاهر (واعلم) أنهم أطبقوا على أنّ الألف واللام حرف تعريف هنا مع أن الداخلة على اسم الفاعل موصولة عند الجمهور، وهذا إذا لم تكن للعهد، أمّا إذا كانت له كما في قولك جاءني ضارب، فأكرمت الضارب فلا كلام في حرفيتها، ولا خلاف فيه كما في أكثر نسخ الرضي، ولا يسمع إنكاره كما في بعض شروح المغني فكأنه لأنّ المراد الثبات على الفلاح، فهو حينثذ مما غلب عليه الاسمية أو ألحق بالصفة المشبهة، وتخريجه على مذهب المازتي بعيد، وما ذكر صرح به المبرد في الكامل كما بيناه في نكت المغني. قوله: (تنبيه تأمّل إلخ) التنبيه مصدر نبهه من نومه إذا أيقظه، وهو في اصطلاح المصنفين ترجمة كالمسئلة لما يعلم مما قبله لا بطريق التصريح أو لما يدرك بأدنى إشارة والتفات إليه حتى كأنه مما غفل عنه، وهو إمّا معرب خبر مبتدأ مقدّر ونحوه أو ساكن موقوف غير معرب كالأسماء المعدودة لأنه لم يقصد تركيبه، وتاقل أمر من التأمّل يقال تأمّلت الشيء إذا تدبرته، وهو إعادتك النظر فيه مرّة بعد أخرى حتى تعرفه وقوله كيف نبه كيف في الأصل للاستفهام عن الأحوال، فيقال: كيف زيد أي على أيّ حال، وقال الأستاذ ابن كمال قد تكون كيف أسما للحال من غير معنى السؤال فتجرّد لجزء معناها وهو المراد هنا، ومنه ما حكاه قطرب عن بعض العرب انظر إلى كيف تصنع أي إلى حال صنعك اهـ. ويتجوّز بها أيضاً عن التعجب كقوله {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة: 28] وقد يقال إنه المراد هنا أي ما أحسن ما نبه فتكون معمولة لنبه مقدّمة عليه باقية على صدارتها، وقد جوّز بعض النحاة في أمثاله خروجه عن الصدارة، فهو حينئذ معمول لتأمّل ولذا قيل معناه تأمّل كيفية تنبيه الله تعالى، فانسلخ عنها معنى الاستفهام للظرفية، أو هي مفعول به كما وقعت مضافا إليها في قول البخاري رحمه الله باب كيف كان بدء الوحي، وعبارة الكشاف، فانظر كيف فقال قدس سرّه: لما كان النظر وسيلة إلى العلم كان متضمنا لمعناه فجاز إيقاعه على الإستفهام، وكذا التأمّل هنا أنه معلق هنا كما يعلق العلم إلا أنه تسمح في العبارة، وقوله بنيل متعلق باختصاص، من وجوه متعلق بنيل، وشتى بمعنى متفرّقة مفرد أو جمع شتيت والوجوه أربعة: الأول منها متعلق بالجملتين والباقي مختص بالجملة الثانية، وقيل كلها متعلقة بالجملة الثانية، ويصح في قوله بناء الجرّ والرفع والنصب، وافادة اسم الإشارة للتعليل بدخول الصفات فيه كما مرّ وبناء الخبر على الصفة ونحوها قد يشعر بالعلية، والإيجاز بدلالتها على ما فصل قبلها ويفيد أيضاً الاختصاص وقوله وتكريره معطوف على بناء، ويجوز في هذا أن يكون مشتركا أيضاً لأنّ التكرير يكون بمعنى مجموع الذكرين أيضاً كما يكون للثاني والأوّل وقد سبق تفصيله، وتعريف الخبر الدال على الحصر أو المبالغة بجعلهم عين الحقيقة، وتوسيط الفصل الدال على الحصر أو التأكيد. قوله: (لإظهار قدرهم) تعليل للتعريف والتوسيط، وقدر بسكون الدال وهو اكثر وتفتح، وهو الموازن لأثرهم الواقع في أكثر النسخ وفي بعضها آثارهم بالجمع والمراد بالقدر شرفهم وأصله مقدار الشيء ومبلغه قال في المصباح: قدر الشيء ساكن الدال والفتح لغة سبلغه يقا اط: هذا قدر هذا وقدره أي مماثله ويقال ما له عندي قدر، ولا قدر أي حرمة ووقار اهـ والاقتفاء الإتباع والاقتداء. وقوله: (في اقتفاء) متعلق بالترغيب، أو بقوله نبه وما قبل هذا بالنسبة إليهم أنفسهم وهذا بالنسبة إلى غيرهم، وبقي هنا أمور أخر تعلم مما مرّ كالتمكن واضافة التشريف والترغيب بذكر ما يرغب فيه من الهدى والظفر. قوله: (وقد تشبث به الوعيدية إلخ) أي تمسكوا واستدلوا بما في هذه الآية كما سيأتي بيانه إلاً أنه تمسك ضعيف جدا، ولذا عبر بالتشبث بالمثناة والشين المعجمة والموحدة والثاء المثلثة وحقيقه التعلق مع ضعف، ولذا قيل للعنكبوت شبث فهو استعارة يشير إلى أنه أوهن من بيت العنكبوت، وضمير به لما ذكر من الآيات أو لقوله {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وقيل للاختصاص، وفيل للإخباو بنيل ما ذكر، والوعيدية نسبة إلى الوعيد لتمسكهم بظاهر آيات الوعيد، والأحاديث الواردة فيه على خلود الفساق في النار، وهذه العبارة في غاية الإيجاز لدلالتها على سبب التسمية، وشمولها للمعتزلة والخوارج

ومن قصرها على الأوّل فقد قصر، وتقريره كما في التفسير الكبير أنّ المفلح من اتصف بهذه الصفات فغير. ليس بمفلح فيخلد في النار أو يحرم النعيم، وترتب الحكم على الوصف، وما في معناه يشعر بعليته للحكم فعلة الفلاح الإيمان وفعل الصلاة والزكاة فمن أخل بشيء منها لم يفلح، والقبلة بالكسر في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابل كالجلسة والقعدة، وفي التعارف صار اسماً للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة وإذا أطلق يراد به الكعبة كقوله تعالى {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144] وأهل القبلة كناية عن المسلمين، وهو المراد. قوله: (وردّ بأنّ المراد إلخ) الرادّ هو الإمام في تفسيره يعني أنّ المراد بالمفلحين هنا الكاملون في الفلاح والنجاة، فمن عداهم ليس بكاملا لا غير مفلح، وكذا ما ذكر من العلية علة لكماله لا لأصله، فلا يرد عليه شيء وقيل نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي المسبب لجواز أن يكون له سبب آخر كعفو الله هنا، وما قيل من أنّ الأحسن في الجواب أنّ المراد بالمتقين المجتنبون للشرك ليدخل العاصي فيهم، فإن قلت كيف جاز أن يسمى العاصي مفلحاً قلت: كما جاز أن يكون مصطفى في قوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا} [فاطر: 32] إ أخ اهـ فلا يخفى ما فيه، فإنه ليس إشارة إلى المتقين فقط، ولذا تركه الشريف وغيره، وكون الصفة مادحة لا يجدي ولذا قيل إنه جواب جدليّ، وفي الكشف لا استدلال للمعتزلة فيه على خلود الفساق، كما عرّض به المصنف لأنّ الفلاح عدم الدخول، أو لأنّ انتفاء كمال الفلاح لا يقتضي انتفاءه مطلقاً على الوجهين في اللام اهـ. قوله: (لا عدم الفلاح لهم رأساً) أي أصلاً لاستلزام الرأس لوجود الحيوان فإذا أنتفت انتفى وهو منصوب بنزع الخافض، وأصله لا عدمه برأسه أي بجملته. قوله: (خاصة عباده وخالصة أوليائه إلخ) الخاصة خلاف العامة والتاء للتأكيد، وعن الكسائيّ الخاص والخاصة واحد كذا في المصباح فخاصة العباد أكرمهم عند الله والخالص في الأصل كالصافي. وقال الراغب: الخالص في الأصل ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، والصافي قد يقال لما لا شوب فيه، ويقال: هذا خالص وخالصة نحو واهبة وواقية اهـ. فالتاء فيه للمبالغة، وخالصة أوليائه من اشتد إخلاصه لله من صالح عباده المتقين وفي نسخة خلاصة وهو قريب منه، والمراد بصفاتهم ما تضمنته الآية من قوله المتقين إلى قوله أولئك وأهله أي جعله أهلاَ أي مستحقاً من قولهم هو أهل لكذا أي خليق وجدير، والهدى في الدنيا والفلاح في العقبى لأنهم السعداء في الدارين، وهذا معنى قوله {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى} إلخ. قوله: (عقبهم بأضدادهم إلخ) جواب لما يقال عقبه تعقيباً إذا جاء بعده من العقب وهو مؤخر القدم، والأضداد جمع ضد والضدان المتنافيان اللذان تحت جنس واحد كالبياض والسواد، فإن لم يندرجا تحت جنس كالحلاوة والحركة لم يكونا متضادّين قال الراغب: الضد أحد المتقابلين المختلفين اللذين كل واحد منهما قبالة الآخر ولا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد، وذلك أربعة أشياء الضدّان كالبياض والسواد والمتضايفان كالضعف والنصف، والوجود والعدم كالبصر والعمى، والإيجاب والسلب، وكثير من المتكلمين، وأهل اللغة يجعلونها كلها متضادّة إلى آخر ما فصله، والعتاة جمع عات من عتا إذا استكبر وجاوز الحد والمردة كفسقة جمع مارد، وقد فسروه بالعاتي والظاهر أن يفسر بما هو شديد العتوّ حتى يكون من الترقي. وقوله الذين لا ينفعهم إلخ بيان لما به التضاد لأنّ الأوّلين على هدى مؤمنين بالآيات، وهؤلاء بخلافه واجمال لحال هؤلاء توطئة لما بعده مع ما فيه من الإشارة إلى ارتباطه بم قبله حتى جاء على عقبه من غير فاصل فإنه لا بد منه، وان لم يكن مصححاً للعطف، والنذو بضمتين جمع نذير. قوله: (ولم يعطف قصتهم إلخ) في الكشاف ليس وزان ما هنا وزان نحو قوله {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13] لأنّ الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، وسيقت الثانية لأنّ الكفار من صفتهم كيت وكيت فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف فيه، وهذا إذا كان الذين يؤمنون جاريا على المتقين، وكذا إذا كان مبتدأ فالاستئناف مبنيّ على تقدير سؤال، فذلك إدراج له في حكم المتقين وجعله تابعا له في المعنى، وإن كان مبتدأ في اللفظ، فهو في الحقيقة كالجاري عليه، وذكر السكاكي

في الفصل والوصل فيما ترك عطفه للانقطاع، وإن كان بينهما جامع غير ملتفت إليه لبعد المقام عنه فقال من هذا القبيل قطع إنّ الذين كفروا عما قبله، ليكون ما قبله حديثا عن القرآن، وأنّ من شأنه كيت وكيت وهذا حديث عن الكفار وتصميمهم في كفرهم، والفصل لازم للانقطاع فالعطف في مثله برز في معرض التوخي للجمع بين الضث والنون، وقال قدس سرّه: تباينهما في الفرض لأنّ المقصود من الجملة الأولى بيان اتصاف الكتاب بغاية الكمال في الهداية تقريرا لكونه يقيناً لا مجال للشك فيه، وتحقيقا لكماله في جنس المتحدي لإعجازه، ومن الجملة الثانية بيان اتصاف الكفار بالإصرار على الكفر والضلال بحيث لا يجدي فيهم الإنذار، وفي الأسلوب وهو الفن والطريق لأنّ طريق الأداء في الأوّل الحكم على الكتاب مع حذفه لفظاً بما جعل المتقين قيدا له، وفي الثانية أن يحكم على الكفار، ضدا مع ذكرهم لفظاً لإصرار لا إقلاع معه أصلاَ مصدرا بأنّ المؤذنة بالانقطاع والشروع في نوع آخر من الكلام، لا يقال هما مسوقتان لبيان حال الكتاب وأنه هدى لطائفة، وليس هدى لضدهم فيحسن العطف لأنا نقول إنّ الثانية سيقت لبيان إصرار الكفار وأنّ وجود الإنذار وعدمه سواء عليهم، وأمّا كون الكتاب لا يفيدهم هدى فمفهوم تبعا، ولو كان مقصودا أيضا لم يحسن العطف لأنّ الانتفاع به صفة كمال له يؤيد ما سبق من تفخيم شأنه، واعلاء مكانه بخلاف عدم الانتفاع، وعلى الاستئناف وان انقطع عنه ظاهراً فهو مرتبط به ارتباطا معنوش صار به متصلاَ بما قبله اتصال التابع بمتبوعه لعدم استقلاله لأنه مبنيّ على سؤال مبنيّ على ما نثا منه، فهو من مستتبعاته، فإذا لم يصلح المنشأ وهو هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، لأن يعطف عليه إنّ الذين كفروا لم يصلح لذلك ما هو من توابعه، وأمّا على الوجه الأخير، وهو جعل {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} مبتدأ خبره {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى} فهو وان كان جملة مستقلة معطوفة على ما قبلها، فلا مانع من أن يعطف عليها جملة وصف الكفار كما في الآيات اللاحقة لكنه وجه مرجوح لم يلتفت إليه وبنى الكلام على ما ارتضاد، وربما يستدل بهذا على ضحفه، وأيضا قد عرفت أنّ هذه الجملة محمولة على التعريض، ومعناها يناسب وصف الكتاب بالكمال، ولذا جاز عطفها على سابقتها، ومن الظاهر أنّ جملة إنّ الذين كفروا لا مدخل لها في ذلك، ومنهم من زعم أنّ خلاصة جواب هذا الكتاب أن الذين يؤمنون بالغيب إلخ استئناف جواب سؤال وأنّ قوله {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} لا يصلح للجوابية، فلذا امتنع العطف، ورذ بأنه مغار لكلام المصئف وغير مستقيم فإنه إذا قيل ما بال المتقين مخصوصين بكون الكتاب هدى لهم حسن أن يقال إنّ الموصوفين بتلك الصفات أحقاء بذلك، والكفار المصرّون لا ينتفعون به بل يستوي عليهم وجوده وعدمه، فيكون هذا المعطوف مؤكدا لاختصاصه بالمتقين عن غيرهم وتوهم جماعة أنّ ترك العاطف في الآية لأنه استئناف آخر كأنه قيل ثانيا: ما بال غيرهم لم يهتدوا به فأجيب بأنهم لأعراضهم، وزوال استعدادهم لم ينجع فيهم دعوة الكتاب إلى الإيمان، وليس بشيء لأنه بعد ما تقرر أنّ تلك الأوصاف المختصة هي للمقتضية لم يبق لهذا السؤال وجه، وتخيل آخرون أنّ تركه لغاية الاتصال والاتحاد وهو فاسد جداً لأنّ شرح تمرّد الكفار لا يؤكد كون الكتاب كاملاً في الهداية هذا زبدة ما في الشروح وكتب المعاني. (أقول) ما ذكره قدس سرّه: من أنه على الوجه الثالث يصح العطف لا وجه له، ولا معنى للتردّد فيما نحن فيه من كمال الانقطاع، لأنه لا بد فيه من قصد التعريض كما مرّ وكفى به مانعا، فاستدلاله به على ضعفه صلح لم يرضه الخصمان على أنه لو لم يقصد التعريض لم يصح أيضا لأنّ قوله {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} مبين لما اتصف به الكتاب، ومقرّر لعلوّ شأنه وهذه الجملة إمّ معطوفة عليها أو قيد لها وحال منها فكيف يعطف عليها ما يباينها أتم مباينة، وقد جزم به في شرحه للمفتاح فقال: فإن قلت كيف يصح هذا العطف مع أنّ الجملة الأولى بيان حال الكتاب والثانية ليست كذلك قلت: من حيث إنّ المراد بالثانية التعريض المذكور، فكأنه قيل: هو هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، وليس هدى لليهود فالثانية في حكم صفة الكتاب وقيل: الواو للحال وليس بظاهر، وإذا جعلت هذه الجملة من مستتبعات وصف الكتاب امتنع عطف {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ} على ما قبله في هذا الوجه أيضا، كما في الوجهين السابقين لا يقال. إذا كان

تعريضا بكفار أهل الكتاب يكون التشنيع على الكفار مناسبا لأنا نقول المقصود حينثذ التعريض بأنهم لما لم يؤمنوا بما أنزل عليه لم يصح إيمانهم، وهذا غير مناسب لما بعده، وأمّا قوله تعالى {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82] فشيء آخر وهو تصريح لا تعريض فتدبر (ثم إنه بقي ههنا أمر لا بدّ من التعرّض له) وهو إنّ المباينة في أسلوب الأداء وطريق التعبير السابق تقريره جعلها الزمخشريّ مقتضية لترك العطف، ولم ينوّره أحد منهم ووجهه أنّ قوله {إن الذين كفروا} إلخ يتضمن عدم انتفاع هؤلاء الكفار بالآيات والنذر، وهو في قوّة أن يقال إنهم لم يهتدوا بهدى هذا الكتاب وهذه جهة جامعة لو لوحظت جاز العطف كما تقول إنّ المتقين اهتدوا بنور الكتاب وانّ الكافرين هاموا في مهامة العقاب إلاً أنه لم يلتفت لهذا، وأنما قفصد أن ينعي حالهم ويشنع عليهم، فنزه قدر التنزيل عن النظر إلى تعاميهم عنه، فإنه ذنب عقابه فيهم، وقد جعل العلامة مباينة الأسلوب كناية عن عدم الالتفات لهذه الجهة الجامعة واليه أشار السكاكيّ بقوله، وان كان بينهما جامع غير ملتفت إليه لبعد المقام عنه فلذ درّه ما أبعد مرماه وأحسن مغزاه، فمباينة الأسلوب متممة لمباينة الغرض، ولذا أدرجها المصنف فيها ولو صرّح بها كان أحسن، فما قيل من أنه لم يذكر التباين بي الأسلوب كما في الكشاف لأنّ التباين في الغرض هو الأصل في الفصل والتباين في الأسلوب من توابعه، ولوازمه كما لا يخفى على المتأمّل، ولهذا فرع صاحب الكشاف التباين في الغرض والأسلوب معاً على ما يوجب التباين في الغرض فقط، وهذا مما لم يتعرّضوا له مع لزومه ليس مما يشفي الغليل، وإنما سكت عن تغاير الأسلوب لظهوره، وقيل إنما لم يتعرّض له المصنف لأنه نظر إلى أنّ العمدة في وصل الجملتين بالواو، وهو وجود الجامع المعنوي بينهما وتناسب الجملتين في الغرض جامع معنويّ معتد به يحسن به عطف الثانية على الأولى بخلاف الأسلوب، فإنه أمر لفظيّ وكثيراً ما يغيرون أسلوب المعطوف عن سنن المعطوف عليه لنكتة داعية إليه، ولما كان التباين في الأسلوب غير ضارّ في العطف إذا كان بينهما جامع مصحح للعطف لم يجعل من أسلوب القطع وهذا كله غفلة عما حققنا، فاشدد يدك عليه ولا تنظر لما بين يديه. قوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13] سيأتي تفسيرها واتحاد الأسلوب فيها ظاهر وأما الجامع، فلأنها سيقت فيها الجملة الأولى لبيان ثواب الأخيار والثانية لذكر جزاء الأشرار مع ما فيها من الترصيع والتقابل، لتضادّ كل من طرفي الجملتين، وقد عد أهل المعاني التضادّ وشبهه جامعاً يقتضي العطف، لأنّ الوهم ينزل المتضادين منزلة المتضايفين، فيجتهد في الجمع بينهما في الذهن حتى قالوا: إنّ الضد أترب خطورا بالبال مع الضد من الأمثال. قوله: (وإنّ من الحروف التي إلخ) يعني أنها شابهت الفعل الذي هو أصل العوامل فعملت لشبهها له مادّة وهيئة ومدخولاً ومعنى وعمله هو الرفع والنصب، إلاً أنه قدم من معمولاته المرفوع لأنه عمدة وأخر المنصوب لأنه فضلة على مقتضى الأصل وعكس فيها تنبيها على فرعيتها وحطاً لرتبتها وعدد الحروف ثلاثة، وهي أقل ما ينبني عليه الفعل وبنى على الفتح آخرها، ولزمت الأسماء ولها معان مثله كالتأكيد والاستدراك، وهو ظاهر. وقوله: (والمتعذي) بالنصب معطوف على الفعل أي وشابهت الفعل المتعدي فيما ذكر، وما قبله في مشابهة الفعل مطلقا، والإيذان الإعلام، وضمير بأنه راجع إلى الحرف المعلوم مما قبله ودخيل فيه أي ليس بأصيل في العمل لأنه عمل لمشابهته للفعل يقال هو دخيل في بني فلان إذا انتسب إليهم ولم يكن منهم، وقال: حروف دون أحرف لأنه المشهور في جمع حرف بمعنى كلمة أو جزئها وأحرف مشهورة في الحرف بمعنى اللغة كما في الحديث " أنزل القرآن على سبعة أحرف ") 1) وهو وان كان جمع كثرة وهي ستة إلاً أنه بعد دخول الألف واللام بطلت جمعيته فجاز استعماله في القليل والكثير. قوله: (كان مرفوعاً بالخبرية إلخ) فيه تسمح لأنّ العامل فيه عند الكوفيين المبتدأ أو الابتداء والباء للسببية واعتمد على شهرته وظهور المراد منه، فاندفع ما قيل عليه من أنه لم يقل أحد إنّ العامل في الخبر الخبرية بل من نحاة الكوفة من قال: العامل في الخبر المبتدأ كما إنّ العامل في المبتدأ الخبر إذ المعنى المقتضي للرفع فيه

الخبرية والعامل المبتدأ أو بقاء الخبرية باعتبار كون اسم إنّ كان مبتدأ، وهو الآن كذلك محلاً بناء على أنه لا يشترط فيه بقاء المحرز قال ابن يعيش في شرح المفصل: ذهب الكوفيون إلى أنّ هذه الحروف لم تعمل في الخبر الرفع، وإنما تعمل في الاسم النصب لا غير والخبر مرفوع على حاله كما كان مع المبتدأ، وهو فاسد لأنّ الابتداء قد زال وبه وبالمبتدأ كان يرتفع الخبر فلما زال العامل بطل أن يكون هذا معمولا فيه ومع ذلك فإنا وجدنا كل ما عمل في المبتدأ عمل في خبره نحو كان وأخواتها وظننت وأخواتها لما عملت في المبتدأ عملت في الخبر وليس فيه تسوية بين الأصل والفرع، لأنه قد حصلت المخالفة بتقديم المنصوب على المرفوع اهـ. فقوله ة وهي أي الخبرية باقية على حالها قبلها، فيعمل ما كان عاملاَ فيها استصحابا له أي إبقاء له مصاحباً له كما كان، لأنّ أصل ما اتصف بشيء أن تبقى صفته، ويعمل بمقتضاها حتى يتحقق ضده، والاستصحاب من جملة الأدلة عند بعضهم كالشافعية ومنهم المصنف، وأدلة الأحكام الفقهية تجري في العربية حتى إنّ بعض المتأخرين دوّن للنحو أصولاً كأصول الفقه، وهذا تقرير لدليل الكوفيين. وقوله: (قضية) بالنصب مفعول له على أنه مصدر لقضى بمعنى حكم أي حكماً للاستصحاب، وابقاء الأثر أو مفعول مطلق أي مقتضية للرفع اقتضاء، ولام الاستصحاب لام التقوية. قوله: (فلا يرفعه الحرف) أي لا يرفع استصحاب ما كان من العمل الأوّل ويزيله لضعفه، فالرفع بمعنى الإزالة، أو لا يرفع الخبر فالرفع بالمعنى المصطلح. وقوله: (بأنّ اقتضاء الخبرية إلخ) جواب عما استدلّ به الكوفيون من أن إنّ ليست هي العاملة، كما مرّ وفي قوله الخبرية ما مرّ من التساهل وتخلفه في خبر كان لنصبه بها، فلو كان رفع الخبر بلا شرط شيء دام ما دامت الخبرية مطلقاً، فلما تخلف علم أنه مشروط بالتجرّد من العوامل اللفظية. وقوله: (وفائدتها إلخ الم يقل معناها لأنه ليس كغيره من المعاني الوضعية المعبر عنها، ولذا توهم بعضهم زيادتها في كلام

العرب والتأكيد والتوكيد تقوية الشيء، فلذا عطف عليه قوله وتحقيقها عطفاً تفسيرياً لاً نه من حققت الأمر أحقه إذا تيقنته، أو جعلته ثابتا لازما وفي لغة بني تميم أحققته بالألف، وحققته بالتشديد مبالغة، وفيه إشارة إلى أنّ التوكيد هنا ليس بمعناه المصطلح، وجعلها مؤكدة للنسبة الحكمية دون أحد الطرفين لتأثيرها فيها، واستدلّ عليه بوقوعها في جواب القسم لأنّ القسم، كما قال النحاة جملة إنشائية يؤكد بها جملة أخرى، فئاذا كان الجواب جملة اسمية يصدّر في الإثبات إذا كان القسم غير طلبي بلام مفتوحة أو أن مثقلة أو مخففة، ولا يستغني عنها دون استطالة إلاً شذوذاً. وهذا مراد المصنف، ولا يرد عليه شيء لأنه لم يدع الكلية، وأمّا ذكرها في الجواب فلأنّ السائل متردد فيحسن تأكيد جوابه، كما تقرّر في علم المعاني، والأجوبة جمع جواب، وهو معروف إلا أن ابن الجوزي قال في كتاب غلط العوامّ: قال العسكري: العامّة تقول في جمع الجواب جوابات وأجوبة، وهو خطأ لأنّ الجواب مثل الذهاب لا يجمع، وقد قال سيبويه: الجواب لا يجمع وقولهم جوابات وأجوبة كتبي مولد اهـ 0 ولم أر من ذكره غير صاحب المصباح إلا أنه لم ينقله ومشبه للوثوق به لا يطالب بالنقل. قوله: (وتذكو في معرض الشك (أي تذكر أنّ لتأكيد ما فيه شك للمخاطب أو لغيره، ومعرض بفتح الميم وكسر الراء محل عروض الشك كذا في شرح الشافية، فهو كالمظنة والمئنة وضبطه شراح الفصيح بكسر الميم وفتح الراء كاسم الآلة وأصله ثوب تلبسه الجارية المعروضة للبيع، فيكون من العرض والأوّل من العروض، وهو على هذا المعنى ما يظهر الشك ويبرزه لمن يريده، وفي لو المصباح يقال: عرفته في معرض كلامه قال بعض العلماء: هو استعارة من المعرض وهو الثوب الذي تجلى فيه الجواري، وكانه قيل في هيئته وزيه وقالبه، وهذا لا يطرد في جميع أساليب الكلام فإنه لا يحسن أن يقال ذلك في موضمع السبّ والشتم بل يقبح أن يستعار ثوب الزينة الذي هو أحسن هيثة للشتم الذي هو أقبح هيئة، فالوجه أنه مقصور من معرا ضواحد المعاريض وهو التورية وأصله الستر اهـ. وهو كلام واه وضثعفه ظاهر لمن له معرفة بالبغة، ولم يذكر الإنكار لأنه وان علم بالطريق الأولى، فشهرته تغني عن ذكره وسيأتي التصريح به في كلام المبرد جوإبا لأبي إسحاق المتفلسف الكندي لما قال له: إني أجد في كلام العرب كما فصله في المفتاح، وقد تذكر أنّ لمعان أخر كما في شرح المفتاح. وقوله: (ويسئلونك) إلخ مثال للأجوبة، ويجوز أن يكون للشك أيضا، ولم يذكر القسم لوضوحه. قوله: (وتعريف الموصول إلخ) كذا في الكشاف، وفي الحواشي الشريفية تعريف الذي وتصاريفه ص من بين الموصولات كتعريف ذي اللام في كونه للعهد تارة، - وللجنس أخرى سواء جدلت من المعرّف باللام كما ذهبت إليه شرذمة أو لا كما عليه المحققون والوجه في العهد إنّ هؤلاء أعلام الكفر المشهورون به فهم لذلك كالحاضرين في الأذهان، ولا يخفى ما فيه، فإنّ تخصيص الذي وتصماريفه دون من، وما مما ليس فيه أل لا وجه له، وإنما دعاه له ظاهر قول الكشاف تعريف الذين، ولذا عدل عنه المصنف إلى قوله تعريف الموصول إشارة إلى أنّ الزمخشريّ إنما اقتصر عليها لأنها أمّ الباب، وهذا مما ينبغي التنبيه عليه، وهم مطبقون على أنّ تعريف الموصول بالعهد الذي في الصلة، والقول بأنه بأل واه لا يلتفت إليه سواء قلنا إنه موضوع للخصوصيات بوضع عام أو لأمر عام بشرط استعماله فيها، وستسمع تحقيقه عن قريب، وقدم التعريف العهدي لأنه الأصح رواية ودراية، وما قيل من أنّ الماثور ما رواه ابن جرير بسند متصل إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنّ المراد به هنا كفار اليهود خاصة، وهو الظاهر لأن السورة مدنية، وما قبلها في أهل الكتاب فالمراد اليهود وقد ورد مثله في سورة يس في كفار قريش عجيب منه، فإنه ذكر عقبه إنّ أبا نعيم قال في دلائل النبوّة: إنها في كفار قريش، ورواه عن ابن عباس أيضاً، فإنّ الروايتين تؤيدان ما ذكره المصنف،؟ وإلا كان بينهما تناف فوجه العهد أنّ المراد بالموصول هنا من شافههم بالإنذار في عهده، وهو مصر على كفره وهذا أوجه مما مرّ. قوله: (أو للجنس متناولأ من صمم على الكفر وكيرهم) هذا بناء على ما بينه شراح المفتاح من أنّ تعريف الموصول كتعريف الألف واللام، فيكون تارة للعهد وتارة للجنس والاستغراق، وقد صرّح به بعض النحاة أيضاً فقال ابن مالك في شرح التسهيل المشهور عند النحويين تقييد جملة الصلة بكونها معهودة، وذلك غير لازم، وذلك لأنّ الموصول قد يراد به معهود فتكون صلته معهودة، وقد يراد به الجنس فتوافقه صلته كقوله تعالى {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ} [البقرة: 171] وكقول الشاعر: وأسعى إذا يبني ليهدم صالحي ~ وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم وقد يقصد تعظيم الموصول فتبهم صلته كقوله: فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى ~ فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه اهـ وهذا مخالف لما في الرسالة الوضعية مما اتفق عليه شراحها من أنّ الموصول موضوع بوضع عام لمعنى مشخص معين بنسبة جملة خبرية إليه، وأنه لا بد من كون انتسابها معهوداً بين المخاطب والمتكلم، فإن أريد به معنى كليّ، فإنما هو لتنزيله منزلته كما في اسم الإشارة، وعلى هذا فهذا معنى مجازي وهو ظاهر كلام أهل المعاني، وهو الموافق لما اشتهر عند النحاة، كما قاله ابن مالك وظاهر كلام ابن مالك والزمخشريّ أنه ليس بمجاز، فلا خلاف في استعماله، وإنما الخلاف في تعيين الحقيقة وهذا أمر سهل، وقد قيل إنه ليس المراد بالعهد في كلام النحاة معناه المشهور بل مطلق الحضور الذهني بايّ وجه كان وهو جار في جميع المعارف، ولذا حصر بعض الخاة معنى أل في العهد والجنس، وهو منشأ الخلاف بينهم وقول أهل الأصول الموصول من صيغ العموم مؤيد للثاني (وهذا مما من الله به) وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فاحفظه، وصمم على الكفر بمعنى استمرّ عليه إلى موته، ونقله لسجن سجين وحقيقة صمم مضى في السير فتجوّز به عما ذكر للزومه له، وليس من الصميم بمعنى الخالص احترازا عن المنافقين كما توهم. قوله: (فخص منهم غير المصرّين بما أسند إليهم إلخ) ضمن خص معنى أخرح أو تجوّز به عته، وإلاً لقال خص المصرّون والأوّل أولى لتعديته بالباء في قوله بما أسند، وفي نسخة بدل منهم عنهم، وضمير غيرهم وما بعده لمن باعتبار معناه وكذا إليهم، وفي نسخة إليه باعتبار لفظه أو هو عائد إلى الموصول، وفي قوله خص تصريح بأنه عام مخصوص لا مطلق مقيد، وهو الموافق لمذهبه وفيه مخالفة للزمخشريّ في تعبيره حيث قال: وأن يكون

للجنس متناولاً كل من صمم على كفره تصميما لا يرعوي بعده وغيرهم، ودل على تناوله للمصرّين الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم اهـ. وقال قدس سرّه: إذا حمل على الجنس عمّ الكفار إلا أنّ الاخبار عنهم بما يدلّ على الإصرار دال على أن المراد هم المصرّون فقط، فيكون اللفظ عاماً مقصورا على بعض إفراده فإن قيل: كيف يجعله عاما مخصوصاً مع أنه لم يذهب إلى أنّ الجمع المحلى بلام الجنس للاستغراق حيث قال في قوله تعالى {إِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء} [البقرة: 231] لا عموم ولا خصوص في النساء ولكنه اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك فإذا قيل لعدتهن علم أنه أطلق على بعضهن وهن المدخول بهن من المعتدّات بالحيض، وقال في قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228] إنّ اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله، وبعضه فجاء في أحد ما يصلح له يعني في ذوات الأقراء كالاسم المشترك قلنا هو لا يمنع صلوحه للعموم بل ظهوره فيه كما ذهب إليه أصحاب الأصول فاختار ههنا أنّ هذا الصالح للعموم مستعمل ومقصور على البعض بواسطة القرينة، ويرد عليه أنه تطويل للمسافة بلا طائل، وزعم بعضهم أنّ المختار عنده هو أنّ مثل هذا الجمع للعموم، وأمّا كونه للإطلاق، فشيء ذكره في بعض مواضع هذا الكتاب، وفيه أنه مناف لما نقلناه من نصه على عدم العموم وأمّا تفسيره للجموع المعرّفة باللام للاستغراق فذلك لاستفادته منها بمعونة المقام، ولا معونة للمقام ههنا، فالصحيح أنه أراد كون الذين كفروا مطلقاً في تناول الجنس صالحا بحسب مفهومه، لأن يراد به كله وبعضه لكن الخبر دلّ على تقييده فقوله متنا ولا إلخ لم يرد به الشمول بل التناول بحسب الإطلاق نظرا إلى اللفظ وحده وإذا اعتبرت القرينة دلت، على تناوله بحسب الإرادة للمصرّين فقط اهـ. (أقول) فيه خلل لا يخفى، وبيانه يتوقف على تقديم مقدمة في الفرق بين العموم والإطلاق والتخصيص، والتقييد) فالعامّ الفظ يستغرق الصالح له من غير حصر، ويشمل النادر وغير المقصود على الأصح وفخر الإسلام لم يشترط فيه الاستغراق فعرّفه بما ينتظم بعض المسميات (والمطلق) ما دل على فرد شائع وقيل ما دلّ على الماهية بلا قيد، وتوخم بعضهم أنه مرادف للنكرة، وهو خطأ أو تساهل للاعتماد على ظهور المراد (والتخصيض) قصر العامّ على بعض ما صدق عليه (والتقييد) يقرب منه وألفاظ العموم مفصلة في مبسوطات الأصول وفي بعضها اختلاف كالجمع المحلى بالألف واللام، ففي جمع اأجوامع أنّ الجمهور على أنه للعموم خلافا لأبي هاشم من المعتزلة، فإنه ذهب إلى نفي العموم عنه مطلقا، فيكو 1 غ مطلقا عنده ولإمام الحرمين وافادة العموم كما ذكره المصنف في منهاجه تكون بحسب الوضع اللغوي والعرفي والعرف ودلالة العقل والموصول مفردا وجمعا من ألفاظ العموم حتى قال القرافيّ رحمه الله: إنه بالإجماع وليس هو من قبيل الجمع المحلى باللام، فإنّ لامه كبعض حروف الكلمة، وتعريفه ليس بها على الصحيح إذا عرفت هذا فقياس ما هنا على ما ذكره في صريح الجموع في غير هذا المحل لا وجه به، وما صرّح به في كتابه على مذهبه من أنه من المطلق لا من العامّ وتاويله من فضول الفضلاء. وقوله: إنه لا يمنع صلوحه للعموم بل ظهوره فيه أيضاً لا وجه له فإنه لو صلح للعموم كان عاماً وهو مناف لما صرّح به. وقوله: تطويل للمسافة بلا طائل غير متوجه لأنه من ألفاظ العموم، وهو نص فيه فحمل عليه، ثم خص وهو طائل وأيّ طائل، فإن قلت كيف يكون الخبر مخصصاً إذا سلم فيه العموم والخصوص والأصوليون حصروا المخصص الغير المستقل في الاستثناء والصفة والغاية والبدل والشرط، وقد أوردوا عليه أن تعين المخبر عنه بمفهوم الخبرينافي ما تقرّر من أنّ المخبر عنه لا بذ أن يكون متعينا عند المخاطب إذا حكم عليه ليقيد الكلام فإثبات مفهنوم الخبر له متوقف على تعين المخبر عته عند المخاطب قبل ورود الخبر، فلو توقف تعين المخبر عنده على الخبر لزم الدور حتى قيل إنه من إسناد ما للبعض إلى الكل على حد بنو فلان قتلوا فتيلاَ، والقاتل واحد منهم. (قلت) أمّا أن يقال على هذا المخصص العقل والاخبار بما ذكر قرينة عليه أو المخصص عود ضمير خاص عليه من الخبر لا الخبر نفسه، فإنّ أهل الأصول قالوا عود ضمير خاص على العامّ فيه أقواد ثلاثة: فقيل يخصصه وقيل

لا يخصصه وقيل بالوقف ومثلوه بقوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228] فإنّ الضمير في قوله {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] للرجعيات فقط وكذا قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} [الطلاق: ا] فإنّ قوله تعالى {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: ا] المراد به الرغبة في مراجعتهن، وهي لا تتأتى في البائن وما قيل من أنّ المصنف أحسن حيث أسقط لفظة كل التي في الكشاف في قوله كل من صمم إلخ إذ يفهم منه الاستغراق الذي اضطربوا في توجيهه غفلة عما قرّوناه، ومن الخلط والخبط ما قيل هنا أنه على الأول يكون الذين كفروا من قبيل إطلاق لفظ المطلق العامّ المستغرق وارادة الخاص، وعلى الثاني من قبيل إطلاق لفظ المطلق المتناول لكل بعض على سبيل البدل، وارادة المقيد بقيد الإصرار من حيث أن الخبر يدل على التقييد، وهو أظهر من الأوّل لأنه على الأوّل خاص، وعلى الثاني عامّ مخصوص. قوله: (والكفر لغة ستر النعمة إلخ؟ أي الكفر بالضم مقابل الإيمان، وأصله المأخوذ منه الكفر بالفتح مصدر بمعنى الستر يقال كفر يكفر من باب قتل وقول الجوهريّ تبعاً للفارابي من باب ضرب الظاهر أنه غلط ولم ينبه عليه في القاموس، ثم شاع في ستر النعمة خاصة وفي مقابل الإيمان لأنّ الكفر فيه ستر الحق وستر نعم فياض النعم ويقالط لليل: كافر لستر ظلامه لوجه الأرض وقد تلطف العارف بالله حيث قال: يا ليل طل أو لا تطل إني على الحالين صابر لي فيك أجر مجاهد إن صح أنّ الليل كافر والكمام جمع كمّ بالكسر، وهو غطاء النور والثمر، والكافور أيضاً اسم طيب معروف إلاً أنّ ما ذكره المصمنف هو المعروف في اللغة الفصيحة القديمة، ولذا اقتصر عليه وهو اسم جنس جامد ومن قال: إنه مبالغة الكافر فقد وهم. قوله: (وفي الشرع إنكار ما علم إلخ) هذا مذهب الشافعي، والمراد بالضروريّ ما اشتهر حتى عرفه الخواص والعوام. قال النووقي في الروضة: ليس يكفر جاحد المجمع عليه على إطلاقه بل من جحد مجمعاً عليه فيه نص، وهو من الأمور الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام، كالصلاة وتحريم الخمر ونحوهما فهو كافر، ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلاً الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب ونحوه فليس بكافر، ومن جحد مجمعاً عليه ظاهرا لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف اهـ. وقال ابن الهمام في المسايرة: الحنفية لم يثترطوا في الإكفار سوى القطع بثبوت ذلك الأمر، الذي تعلق به الإنكار لا بلوغ العلم به حد الضرورة، ويجب حمله على ما إذا علم المنكر ثبوته قطعا لأن مناط التكفير التكذيب أو الاستخفاف إلخ وأورد على ما قالوه أنّ الخالي عن التصديق والتكذيب كافر، والشاك وكفره ليس بإنكار فيخرح عن التعريف، وأجاب عنه الإمام بأنّ من جملة ما جاء به النبيّ عليه الصلاة والسلام أنه يجب تصديقه في كل ما جاء به فمن لم يصدقه في ذلك فقد كذبه، وردّ بظهور منعه وانّ الصواب أن يقال الكفر عدم الإيمان عمن هوشأنه فيشمل التكذيب، وترك التصديق بعد وجوبه عليه، وقيل الأنكار ههنا الجهل من قولهم أنكرت الشيء إذا جهلته وليس بمعنى الجحود حتى يكون قولاً بالمنزلة بين المنزلتين لأنّ من تشكك، أو لم يخطر النبيّ عليه الصلاة والسلام بباله ليس بمقرّ مصدق ولا منكر جاجد، وهو باطل عند أهل السنة، ولا يخفي أنه يأباه ما بعد. من قوله يدلّ على التكذيب، فإنه صريح في أنّ الإنكار ههنا بمعنى الجحد والتكذيب، وفي المواقف الكفر عدم تصديق الرسول صلّى الله عليه وسغ في بعض ما علم مجيئه به بالضرورة وخرح بالضرورة ما علم بالاستدلال وخبر الآحاد، ولا يرد على الإنكار ما قاله الزنجاني من أنه يختص بالقول والكفر قد يحصل بالفعل لما ذكره المصنف بعده. قوله: (وإنما عذّ ليس الغيار) بكسر الغين المعجمة وفتح الياء المثناة التحتية تليها ألف وآخره راء مهملة. قال في الحهذب أهل الذمّة يلزمهم الإمام الغيار والزنار، وفي شرحه الغيار أن يخيطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها وتكون الخياطة على خارج الكتف دون الذيل والأشبه أنه لا يختص حالكتف، والزنار كتفاح خيط غليظ يشد على أوساطهم خارج الثياب اهـ. وسمى غيار المغايرة لونه للون ما خيط عليه، أو لأنه يتغاير به أهل الذمّة، ومن قال:

الغيار قلنسوة طويلة كانت تلبس قبل الإسلام، وهرت من شعار الكفرة لم يدر حقيقته وفي تعبيره باللبس والشد ما يشير إلى تغايرهما، والزنار كان حزإما مخصوصا بالنصارى والمجوس. قوله: (لأنها تدلّ على التكذيب إلخ) أي تكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلم فيما جاء به، وهذا جواب سؤال مقدر تقديره أنّ أهل الشرع حكموا على بعض الأفعال والأقوال بأنها كفر وليست إنكاراً من فاعلها ظاهراً، فأجاب بأنها ليست كفراً، وإنما هي دالة عليه فأقيم الدال مقام مدلوله حماية لحريم الدين، وذبا عن حماه حتى لا يحوم حوله أحد ويجتريء عليه، وليس بعض المنهيات التي تقتضيها الشهوة النفسانية كذلك، ولذا ورد في الحديث: " وإن زنى وإن سرق " (1) فلا يرد على ما ذكر الاعتراض فأن ارتكاب المنهيّ إذا دل على التكذيب بطل طرده بغير المكفر من الفسق حتى يحتاج إلى أن يقال يجوز جعل الشارع بعض المنهيات علامة للتكذيب فيحكم بكفر مرتكبه، وقال ابن الهمام: اعتبروا في الإيمان لوازم يترب على عدمها ضده كتعظيم الله سبحانه وتعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام وكتبه، ولاعتبار التعظيم المنافي للاستخفاف كفروا بألفاظ، وأفعال كثيرة وأمّا لبس شعار الكفر سخرية بهم، وهزلاً ففي بعض الحواشي أنه ليس بكفر وليس ببعيد إذا قامت القرينة ولا يلزم مما مرّ تكفير أهل الباع من الفرق الإسلامية كما توهم. قوله: (واحتجت المعتزلة إلخ) اتفق المليون على أنه تعالى متكلم، ثم اختلفوا في المراد بالكلام وقدمه وحدوثه، لما رأوا قياسين متعارضين انتاجا وهما كلام الله صفة له، وكل ما هو صفة له قديم فكلام الله قديم، وكلام الله أي القرآن مؤلف من حروف مترتبة متعاقبة وكل ما هو كذلك حادث ضرورة فكلامه حادث، فاضطرّوا إلى القدح في أحدهما لامتناع حقيقة النقيضين، فمنعت كل طائفة مقدّمة فالحنابلة ذهبوا إلى أنه حروف، وأصوأت تديمة فمنعوا اقتضاء التعاقب للحدوث حتى لزمهم قدم الورق والجلد بل الكاتب والمجلد ونحوه، مما هو بين البطلان فقيل مرادهم التأدّب للاحتراز عن سريانه للنفسي، كما صرّح بعض الأشاعرة بمنع أن يقال القرآن مخلوق، والمعتزلة ذهبوا لحدوثه لتركبه من الحروف والأصوات، فقالوا هو قائم بغيره ومعنى كونه متكلما أنه موجد للكلام في جسم كاللوح أو جبريل أو النبيّ عليه الصلاة والسلام أو غيره كشجرة موسى عليه السلام ومنعوا اتصاف الله به رأساً، والكرامية لما رأوا الجنابلة خالفوا الضرورة، وهو مكابرة والمعتزلة خالفوا العرف واللغة في جعل المتكلم موجد الكلام قالوا: هو حادث ويجوز قيامه بذاته، والأشاعرة قالوا كلامه قديم نفسيّ قائم بذاته لا بأصوات وحروف، ولا نزاع بينهم وبين المعتزلة في حدوث الكلام اللفظي إنما النزاع في إثبات النفسي، وذهب العضد تبعاً للشهرستاني إلى أنّ مذهب الشيخ أنه ألفاظ قديمة وأفرد لتحقيقه مقالة ذكر فيها أنّ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ وعلى القائم بالغير، والشيخ لما قال الكلام هو المعنى النفسيب فهموا منه أنّ مراده مدلول اللفظ، وأنه القديم عنده والعبارات إنما تسمى كلاما مجازاً لدلالتها على الكلام الحقيقي حتى صرحوا بأنّ الاً لفاظ حادثة عنده، ولكنها ليست بكلام حقيقيّ، وقد قيل عليه أنّ له لوازم كثيرة الفساد كعدم تكفير من أنكر كلامية ما بين الدفتين لله مع أنه معلوم من الدين بالضرورة، وكوقوع التحدّي بغير كلام الله تعالى حقيقة، وعدم كون المقروء المحفوظ كلام الله حقيقة وغير ذلك، فوجب حمل كلامه على إرادة المعنى الثاني فيكون الكلام النفسي عنده شاملاً للفظ، والمعنى معاً قائما بذاته تعالى والترتب والتعاقب إنما هو في اللفظ لعدم مساعدة الآلة ونظيره وقوع الحروف دفعة في الختم وأدلة الحدوث يجب حملها على الصفات المتعلقة بالكلام دونه جمعاً بين الأدلة. وقال الدواني: مبدأ الكلام النفسي فيناصفه نتمكن بها من نظم الحروف وترتيبها على ما ينطبق على المقصود، وهي صفة ضد الخرس مبدأ للكلام النفسي، وهي غير العلم إذ قد تتخلف عنه فإنّ في الناس من قد يعلم الكلام للغير ولا يقال إنه كلامه بل كلام من رتبه في نفسه، فكلامه تعالى الكلام المرتب في علمه الأزليّ الذي هو مبدأ للنظم وتاليفه، وهو صفة قديمة وكذا الكلمات بحسب وجودها العلمي، وليس كلاماً له إلاً ما أوجده مرتباً بغير واسطة، ولا تعاقب فيه قبل الوجود الخارجيّ، وهذا مما لا محذور فيه، ومن هنا علم أنّ المعتزلة أنكروا الكلام وقدم الألفاظ

وقالوا: معنى تكلم الله خلقه الكلام، فالمراد بما ذكره المصنف أنّ ما عبر عنه بالماضي إمّا أن يحدث بعد مضيه أو لا، وعلى الثاني يلزم الكذب لأنه أخبر أزلاً عما لم يمض بأنه مضى، وهو محال فلزم حدوثه والحادث لا يقوم به، فالمراد بتكلمه خلقه له والمواد بالمخبر عنه النسبة التي يصدق بها لا المحكوم عليه، فأجيب عنه بأنّ المضيّ، ونحوه بالنسبة إلى بعض المتعلقات مع بعض آخر، ومعنى إنّ الذين كفروا مثلاَ بعد إرسالك من أصر على الكفر كذا، والمضيّ بالنسبة إلى الإرسال ونحوه ولا يلزم من حدوث التعفق حدوث المتعلق بالكسر كما أنّ حدوث المعلوم وتعلق العلم به لا يلزم منه حدوث نفس العلم، ومما يثير إليه قول الأصوليين المضيّ وغيره بالنسبة إلى زمان الحكم، لا إلى زمان التكلم كذا ينبغي أن يفهم كلام المصنف من غير نظر لبعض الأوهام كما قيل من أنه ذهب إلى قدم الألفاظ تبعاً للشهرستاني، وما قيل: من أنه إشارة إلى جواب الغزالي عن هذه الشبهة بأنّ نحو {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} [نوح: ا] قائم بذاته ومعناه قبل إرساله إنا نرسله وبعده إنا أرسلناه واختلاف اللفظ باختلاف الأحوال ولا محمل له غير هذا مع أن ما ذكره الغزاليّ لا يظهر له وجه مع أنهم قالوا: مدلول اللفظيّ بعينه هو النفسيّ فتأمّل، فإن قلت ليس هذا أوّل ماض وقع في التنزيل وقد سبق أنعمت ورزقنا فلم ذكره هنا 0 قلت: قد أشرنا إلى أنه بالنسبة إلى زمان الحكم لا التكلم وأنعمت ماض بالنسبة للهداية وكذا رزقنا بالنسبة للإنفاق، وكذا أنزل بالنسبة إلى الإيمان فلا يتأتى الاحتجاج به بخلاف ما هنا فإنه كلام مبتدأ وزمان الحكم والتكلم فيه واحد، ولأرباب الحواشي هنا كلمات رأينا الضرب عنها صفحاً أنفع من ذكرها. قوله: (خبر إنّ إلخ) هو جار على الوجهين أمّا إذا كان مبتدأ وخبرا فظاهر، وأمّا إذا كان ما بعده فاعله، فكذلك لكن أجرى الإعراب على جزئه الأوّل، كما في إنّ زيدا قائم أبوه لصلاحيته له بخلاف زيد يقوم وقام، فإنّ الخبر الجملة لا الفعل وحده. قوله: (اسم بمعنى الاستواء إلخ) أراد بالاسم اسم المصدر وهو المراد منه إذا قرن بالمصدر كما هنا، وفي غيره يراد به الجامد أو العلم واسم المصدر ما دل على معناه ولم يجر على وفق أبنية المصادر كالكلام، وللنحويين خلاف في أعماله عمل مصدره والأصح الجواز. وقوله: (نعت به كما نعت بالمصادر) أي المصادر القياسية، والاً فهو مصدر بحسب الأصل كما قاله الراغب، ونعت به بمعنى وصف به، والنعت والوصف بمعنى وقد فرق بينهما بعضهم فقال النعت لا يقال إلا في غير الله، كنعت الثوب والفرس، والرجلى ولا يقال نعوت الله بخلاف الوصف والصفة، وهما يكونان بمعنى التابم النحوي وبمعنى إثبات صفة لشيء مطلقاً سواء كان تابعاً أم لا، وهو المراد هنا لأنّ ما نحن فيه كذلك، فإنّ إرادة الأوّل لقوله يعده إلى كلمة سواء لأنه نعت نحوي، ويعلم حكم غيره بالقياس عليه تكلف من غير داع إليه، وأشار بقوله كما نعت بالمصادر إلى إفادته المبالغة، ولا ينافيه تفسيره بمستو لأنه بيان لحاصل المعنى المراد منه. وفي الكشاف اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر إلخ فقال قدس سره: أي كما تجري المصادر على ما اتصف بها كذلك تجري سواء على ما يتصف بالاستواء أي يجعل وصفاً له معنوياً إمّا نعتا / نحويا كما في كلمة سواء وأمّا غيره كما في هذه الآية فإن سواء هنا في موقع مستو إمّا حنبرا عما قبله ومسندا لما بعده كما يسند الفعل إلى فاعله فيجب حينئذ توحيده وامّا خبراً عما بعده فيكون ترك تثنيته لجهة المصدرية وكأنه نبه على ذلك حيث قال: أوّلاً مستو عليهم، وثانيا سواء عليهم، واختار بعضهم الوجه الثاني، لأنه اسم غير صفة فالأصل فيه أن لا يعمل، وأيضا المقصود من ايوصف بالمصادر المبالغة في شأن محالها كأنها صارت عين ما قام بها، فزيد عدل كأنه تجسم منه، فإذا أولت باسم الفاعل، أو بتقدير مضاف فات المقصود إهـ. وفيه بحث لأنّ ما نقله من الاختيار وأقرّه ليس بشيء لأنّ قوله إنّ الأصل فيه أن لا يعمل لا وجه له لأنه مصدر والأصل فيه العمل على القول الأصح، فكأنّ هذا القائل توهم أن معنى الاسم في كلامهم اسم الجنس الجامد، وقد علمت أنه غير مراد. وقوله: (المقصود من الوصف إلخ) هو هنا أيضاً كذلك كما ستسمعه عن ابن الحاجب، وصرّج به الطيبي رحمه الله، وقد مرّ توجيهه فلا حاجة إلى ما قيل من أنه إذا أسند إلى الفاعل لا يفيد المبالغة، وان كان له وجه، وكذا ما قيل من أنّ المبالغة تكون بحسب اللفظ وبحسب المعنى، وهو يفيد الأولى كحذف أداة

التشبيه وإذا كان خبرا فقال في المفصل تقديمه على سبيل الوجوب، وفي إيضاح ابن الحاجب الظاهر أنه مما التزم فيه التقديم لأنه لم يسمع خلافه مع كثرته وسرّه ما فهم من المبالغة في معنى الاسنواء حتى فعلوا ما ذكرنا. من التعبير، فناسب تقديمه تنبيها على المبالغة، وقول أبي عليّ: سواء مبتدا لأنّ الجملة لا تكون مبتدأ مردود فأن المعنى سواء عليهم الاستغفار وعدمه، وبأنه كان يلزم عود ضمير إليه ولا ضمير يعود في هذا الباب كله اهـ. وما قيل من أنه لا يحتاج إلى رابط لأنّ الجملة عين المبتدأ قيل إنه لا وجه له لأنه مخصوص بضمير الشأن كما في كتب العربية وليس كذلك، فإنهم صرّحوا بسماعه في غيره كقوله تعالى {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [يس: 37] وسيأتي فيه كلام في سورة يس إن شاء الله تعالى. قوله: (رفع بأنه خبر إنّ إلخ) هذا أحد الوجوه في مثل هذا التركيب وتقديمه يوذن بترجيحه. وقد اعترض عليه أبو حيان بأنّ فيه وقوع الجملة فاعلاً والجمهور على أنّ الفاعل لا يكون إلاً اسماً مفردا، وستسمع ما يدفعه عن قريب ومن الناس من لم يتنبه له فجزم بوروده. وقوله في هذا الوجه مستو وفي الثاني سيان إشارة إلى أنّ حقه في الأوّل الإفراد وأن يؤوّل بمشتق، وفي الثاني التثنية إلا أنها تركت لأنه في الأصل لا يثنى ولا يجمع، ولذا قالوا إنّ العرب لم تثنه اسنغناء بثنية سيان عنه إلاً شذوذاً، وفي قول المصنف سيان إيماء إليه وهمزة سواء مبدلة من ياء وأصله سواي. قوله: (والفعل إنما يمتنع إلخ) شروع في دفع ما أورد على ما ذكر وهو أمور. الأوّل أنّ الفعل لا يكون مخبراً عنه. الثاني أنه مبطل لصدارة الإستفهام. الثالث أنّ الهمزة وأم موضوعان لأحد الأمرين، وسواء وكل ما يدل على الاستواء لا يسند إلاً إلى متعدد، فلذا يقال استوى وجوده وعدمه ولا يصح أن يقال أو عدمه. ولذا اختار الرضي وجها رابعاً وقال الذي يظهر لي أنّ سواء في مثله خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمران سواء ثم بين الأمرين بقوله أقمت أم قعدت كما في قوله {فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ} [الطور: 6 ا] أي الأمران سواء عليكم، وسواء لا يثنى ولا يجمع وكأنه في الأصل مصدر اهـ. فقوله والفعل إلخ جواب عن الأوّل، ولو بدل الإخبار بالإسناد وقال: يمتنع الإسناد إليه كان أحسن ليدفع ما يرد على ما قبله أيضا لكنه خصه لأنّ الكلام فيه، وكون الفاعل مثله يعلم بالمقايسة أيضاً واليه يشير قوله بعد هذا والإسناد إليه وقيل عليه المخبر عنه الجملة لا الفعل وحده، واعتذر له بأن جعل الفعل مع فاعله المضمر فرلأتسمح شائع، ولا حاجة إليه لأنّ الاخباو في الحقيقة عن الفعل المقيد بالفاعل فهو قيد للمسند إليه لا جزء منه فإن قلت: على تقدير كون سواء خبراً كيف صح تقديمه مع التباسه بالفاعل قلت: قد صرّج النحاة بتخصيصه بالخبر الفعلي نحو زيد قام دون الصفة فإذا لم يمتنع في صريح الصفة فعدم امتناعه هنا أولى على كلام فيه سيأتي قي محله. وقوله: (تمام ما وضع له إلخ) تمام ما وضع له هو الحدث والزمان، والنسبة إلى شيء مّا وهو الفاعل، وأمّا نفس الفاعل فلا يدلّ عليه وضعاً، فما قيل تمام ما وضع له مجموع ثلاثة أمور معنى المصدر وذات الفاعل وزمان مخصوص من الأزمنة الثلاثة غفلة عما حقق في الرسالة الوضعية وإطلاقه بمعنى استعماله وهو أعم من الوضع، والمراد بمطلق الحدث الحدث المجرّد عن الزمان لا الحدث الغير المنسوب إلى فاعل، فلا يرد عليه ما قيل من أنّ المراد في قوله تسمع بالمعيدي، وفي قوله يوم ينفع ليس مطلق السمع والنفع بل سماعك ونفع الصدق وهو وهم ظاهر، وإذا لم يرد تمام معناه فإمّا أن يراد جزؤه وهو مدلوله الضمني المشار إليه بقوله ضمناً أو معنى آخر لم يوضع له، وهو لفظه سواء جرد عن المعنى نحو زعموا مطية الكذب أو لا كما في {قُولُوا آمَنَّا} [البقرة: 136] فإنّ المراد هذا اللفظ المراد معناه، وكون اللفظ لم يوضعلنفسه كما هو ظاهر كلام المصنف أو وضع له بوضع غير قصدّي مشهور، وقد مرّ في آخر الفاتحة، والمراد من الوضع إذا أطلق القصديّ فلا يرد عليه شيء على هذا أيضاً، والاتساع كالتوسع المراد به التجوّز، وهو أعم منه لأنه ة د يتوسع في بعض الألفاظ بنحو تقديم وتأخير من غير تجوّز، وكون الفعل في الإضافة بمعنى المصدر صرّح به النحاة وهو مراد المصنف قال ابن السراج في كتاب الأصول: القياس أن لا يضاف اسم إلى فعل ولكن العرب اتسعت في بعض المواضمع، فخصت أسماء الزمان بالإضافة إلى الأفعال لأنّ الزمان مضارع للفعل، لأنّ الفعل

بني له وصارت إضافة الزمان له كإضافته إلى مصدره، ومما يدل عليه ما قرّره ابن جني في قول طرفة: من سديف يوم هاح الضبر (أقول) عدل المصنف رحمه الله عما في الكشاف من تصحيح الإسناد إلى الفعل بقوله هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلاَ بيناً من ذلك قولهم لا تثل السمك وتشرب اللبن معناه لا يكن منك كل السمك وشرب اللبن وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل اهـ. وما في الكشاف هو المطابق للمنقول، والحق الحقيق بالقبول، وما ذكره المصئف لا وجه له لأنه أدّعى أنه استعمل فيه اللفظ في جزء معناه، وهو الحدث تجوّزا فلذا صح الاخبار عنه كما يجوز الإخبار عما يراد به مجرّد لفظه نحو ضرب ماض مفتوح الباء، وهو مما صرّحوا به لكن قوله إنّ نحو {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ} [البقرة: 13] منه يقتضي أنّ كل مقول للقوق مما قصد به مجرّد لفظه، ساعا، وليس بصحيح فإنه أريد به معناه الموضوع له ولفظه إنما يدلّ على إرادة القول لا نفسه كما في المثال السابق ألا ترى قوله تعالى {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] فلو لم يرد معناه الخبري لم يكذبوا (وما قيل) أنّ فوله على الاتساع متعلق بإرادة مطلق الحدث، فإنها هي المبنية على التوسع والتجوّز لا إرادة اللفظ فإنها لا تجوّز فيها عند التفتازاني {لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ} [الغاشية: 7] لمن له أدنى تدبر وكذا قوله إنّ الفعل المضاف إليه في قوله {يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ} [المائدة: 119] جرد للحدث اتساعا، فإنّ ينفع أريد به نفع فيما يستقبل من يوم القيامة فكيف لا يدل على الزمان وادّعاء مثله مكابرة، ألا ترى قود {يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ} [مريم: 33] وقوله {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} [القارعة: 5] فإنها ناطقة بإرادة الزمان والذي ذكره القوم إنه نظر فيه إلى المصدر ولوحظ لا أنه خص به، وهو كالتغليب ولا يلزم من التأويل خروجه عن حقيقته كما سياتي، وهذا هو الميل مع المعنى ففي كلام المصنف خال ظاهر يصدق قولهم كم ترك الأول للآخر، والعجب أنه لم يتنبه له شراح هذأ الكتاب وقال قدّس سرّه: الفعل إذا نظر إلى لفظه واعتبر معناه على ما يقتضيه ظاهره امتنع الاخبار عنه لكن هجر ههنا مقتضى لفظه، وأول بمعنى مصدر مضاف إلى فاعله فصح الإخبار عنه، ولو أجرى لا تاكل السمك إلخ على ظاهره لزم عطف الاسم وهو تشرب المنصوب على الفعل بل المفرد على جملة لا محل لها، فهو من قبيل ما هجر فيه جانب لفظه إلى معناه من حيث أنه أوّل لا تأكل السمك بما فيه اسم يصلح أن يعطف عليه أن تشرب أي لا يكن منك أكل السماث وشرب اللبن لا من حيث أنه جعل في تأويل مصدر على حدّ قوله {؟ لأنذرتهم} إلخ فإنّ الفرق بين (فإن قيل) هذه الواو بمعنى مع إذ المنهيّ هو الجمع فلو جعل ما بعدها مفعولاً معه كما في ما صنعت، وأباك استغنى عن التأويل. (قلنا) بل يحتاج إليه لأنّ ما بعد الواو لا يصلح لمصاحبة معمول لا تأكل بل لمصاحبة معمول فعل يمال إليه أي لا يكن منك أكل السمك مع شرب اللبن يعني أنه نظر إلى المصدر في الآية، وفي لا تأكل إلخ وإن كان بينهما بون، فإن ما نحن فيه تركت فيه الحقيقة من كل وجه وفي ذاك الجملة باقية على حالها مستعملة في معناها، لكن هجر الأصل نظرا إلى العطف لا إلى نفسها كما في الكشف، وهذا مما اتفق عليه الشرّاح وما ذكره من السؤال وجوابه مما سبقه إليه الفاضل المحقق وهو مخالف لما حققه الرضي في بحث الحروف حيث قال تبعا لما في ضوء المصباح: لما قصدوا معنى الجمعية فيما بعد واو الصرف نصبوا المضارع بعدها، ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدّم مرشدا من أوّل الأمر إلى أنها ليست للعطف، فهي إذن إما واو الحال وأكثر دخولها على الاسمية، فالمضارع بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر، وإمّا بمعنى مع، وهي لا تدخل إلا على الاسم فقصدوا ههنا مصاحبة الفعل للفعل فنصبوا ما بعدها ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر على ملكمدر متصيده من الفعل قبله كما قاله النحاة لم يكن فيه نصوصية على معنى الجمع، وكون واو العطف للجمعية قليل نحو كل رجل وضيعته، والأولى في قصد النصوصية في شيء على معنى أن يجعل على وجه يكون ظاهراً فيما قصد النصوصية عليه اهـ والثقة بالفاضلين تأبى غفلتهما عما قاله نجم الأئمة نوّر الله مثواه، فكأنهما لم يرتضياه لأنّ ما قرّره النحاة

في باب المفعول معه ينافيه بحسب الظاهر، وليس هذا محل تفصيله ثم إنّ ما ذكره المصنف أيضاً يرد عليه إنّ ما ذكره من التجوّز في الفعل بإرادة جزء معناه، وهو الحدث لا يتأتى فيما إذا كان المعاد لأن بعد همزة التسوية أو أحدهما جملة اسمية كما في قوله {سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193] لكته يدخل في الميل مع المعنى، وقد نقل ابن جني في إعراب الحماسة عن أبي علي رحمه الله أنه قال: الجملة المركبة من المبتدأ والخبر تقع موقع الفعل المنصوب بأن إذا انتصب وانصرف القول به، والرأي فيه إلى مذهب المصدر كقوله تعالى {هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء} [الروم: 28] (ووجدت أن في التنزيل) موضعاً لم يذكره، وهو قوله تعالى {أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} [النجم 35] أي فيرى ألا ترى أنّ الفاء جواب الإستفهام وهي تصرف الفعل بعدها إلى الانتصاب بأن مضمرة، وأن والفعل المنه صوب مصدر لا محالة، حتى كأنه قال أعنده غلم الغيب فرؤيته كما أنّ قوله تعالى {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء} [الروم: 28] في معنى هل بينكم شركة فاستواء هذا وجه السماع اهـ وهذا من نفيس الفوائد وستأتي تتمته في محله إن شاء الله تعالى. قوله: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) فتسمع فيه بمعنى السماع على ما مرّ، وهو مبتدأ وخير خبر وما قالوه هنا إنما يتاتى على رفع تسمع من غير تقدير أن المصدرية فيه وهو رواية، وفيه روايات أخر نصب تسمع بأن مقدرة فيه. وفي شرح الفصيح روي لا أن تراه وكان الكساتي يقول أن تسمع ويدخل فيه أن والعامّة لا تدجلها وقال أبو عبيد: حذف أن أشهر، ويقولون تسمع بالرفع والنصب. وقال الأستاذ: ليس فيه إسناد إلى الفعل كما ظنه بعضهم مستدلاً به وبقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ يريكم البرق} [الروم: 24] وقول الشاعر: وحق لمثلي يا بثينة يجزع جعله مسندا إليه مبتدأ ونائب فاعل وهو فاسد لأنّ الفعل وضع لأن يخبر به لا عنه وما ذكروه أن مقدرة فيه، فهو اسم وقال الفرّاء تسمع بالمعيدي لا أن تراه لغة بني أسد وهي العليا وقيس تقول لأن تسمع بالمعيدي إلخ والمعيدي قال الكسائي تصغير معدي منسوب إلى معد بالتشديد وكان يروى المعيديّ بالتشديد ولم يسمع من غيره وقال سيبويه: خفف لكثرة دوره ولو حقر معدفي في غير المثل شدد، والمثل يضرب لمن تراه حقيراً وقدره خطير وخبره أجل من مرآه وأوّل من قاله النعمان بن المنذر، وقيل المنذر بن ماء السماء والمعيدي رجل من بني فهد، وقيل من بني كنانة واختلفط في اسمه فقيل صقعب بن عمرو، وقيل شقة بن ضمرة، وقيل ضمرة التميي، وكان صغير الجثة عظيم الهيئة، ولما قيل له ذلك قال أبيت اللعن إن الرجال ليسوا بجزر يراد بها الأجسام، وإنما المرء بأصغريه وقال الميداني: عدي تسمع بالباء لتضمته معنى تحدّث، وظاهر كلامهم أنه يعدّي بها حقيقة وقال قدس سرّه في بعض كتبه الفعل كضرب يشتمل على حدث، ونسبة مخصوصة بينه وبين فاعله، وتلك النسبة ملحوظة بينهما على أنها ا-لة لملاحظتهما على قياس معنى الحرف، فلا يصح أن يحكم عليه بشيء ولا أن يحكم به نعم جزؤه، وهو الحدث مأخوذ من مفهوم الفعل على أنه مسند إلى شيء آخر، فصار الفعل باعتبار جزئه محكوما به وأمّا باعتبار مجموع معناه فلا يكون محكوماً عليه ولا به أصلاَ اهـ. وفيه بحث لا يخفى، وهو لا ينافي قول العلامة الفعل أبداً خبر فتدبر. قوله: (وإنما عدل هنا إلخ) جواب عن سؤال تقديره إذا صح الإسناد إليه لتجرده لمعنى الحدث وكونه بمعنى المصدر قيل، فلم لم يؤت بالمصدر على الأصل والحقيقة، فقال عدل عنه لنكتة ومعنى وسبب العدول وجه واحد وهو إيهام التجدد أو وجهان معنويّ، وهو المذكور ولفظيّ وهو حسن دخول الهمزة وأم لأنّ الإستفهام بالفعل أولى وقد اختار الثاني كثير من أوباب الحواشي بناء على أنّ قول المصئف رحمه الله وحسن دخول الهمزة حسن فيه اسم مجرور لعطفه على مجرور من قبله، وهو إيهام التجدّد، وفيه احتمالان آخران كما سيأتي بناء على أنّ السبب واحد وهو المطابق لما قاله الإمام، فإنه الذي أبدى هذه النكتة فقال في جواب السؤال معناه سواء عليك إنذارك لهم وعدمه بعد ذلك لأنّ القوم كانوا بالغوا في الإصرار واللجاج والإعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم البتة رجاء القبول بوجه وقبل ذلك ما كانوا كذلك، ولو قال إنذارك وعدم إنذارك لما أفاد أنّ هذا المعنى إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله، ولما قال " نذرتهم إلخ أفاد أنّ هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت فكان

ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم والمقصود من هذه الآية ذلك اهـ. فإن قلت: التجدّد له معنيانا مطلق الحدوث، وهو الموجود في كل ماضمياً كان أو غير. لأنّ المفيد له مقارنة الزمان والحدوث في المستقبل مطلقاً، وهو الاستمرار التجذدي ويختص بالمضارع والأوّل محقق والثاني لا وجود له رأساً فما الذي أراده المصنف قلت: قيل أراد الأوّل والفعل إنما يدلّ عليه إذا بقي على أصل معناه أمّا إذا جرّد عن الزمان للحدث كما هو هنا، فلم يتحقق فيه ذلك وإنما يتوهم نظر الظاهر الصيغة، وقيل المراد الثاني لأنّ الماضي بمعنى المضارع بقرينة قوله لا يؤمنون لكنه نظر إلى ظاهر الصيغة، فذكر الإيهام والأوّل أوفق بالمقام وكلام المصئف، والثاني مناسب للاقتداء بالإمام إلاً أنه لا يحلو من شيء لأنّ القول بأنه بمعنى المضارع مع القول بتجرّده للحدث جمع بين الضب والنون، فإن قلت ما وجه إيهام التجدّد هنا، قلت الدلالة على أنه أحدث ذلك، وأوجده فادّى الأمانة وبلغ الرسالة وإنما لم يؤمنوا لسبق الشضاء، ودرك القضاء لا لتقصيرء "، فهو وإن أفاد اليأس فيه تسلية للنبيّ عليه الصلاة والسلام أيضا فلا يخفى ما فيه من الفوائد السنية. قوله: (وحسن دخول الهمزة وأم إلخ) حسن بفتح الحاء وضم السين ماض أو بضم الحاء وسكون السين اسبم مجرور كما تقدم أو مرفوع بالابتداء والجار والمجرور خبره وعلى الأوّل هو متعلق بحسن أو بدخول وعلى الثاني بحسن أو بقوله لتقرير، وكلام الإمام الذي هو مأخذه يبعد الأوّل وخير الأمور أوسطها والتقرير التحقيق والتئبيت، وهو قريب من التوكيد فهو كالتفسير له، وإنما عدل المصنف رحمه الله عن تقرير الاستواء الأخصر الأظهر إلى قوله تقرير معنى الاستواء، لأنه أراد به مجرّد مفهومه بقطع النظر عن الذهن والخارج، لأنه المتبادر من المعنى لأنه مطلق المفهوم وهو المراد بقوله أوّلاً اسم بمعنى الاستواء، فأعاد المعرفة برمّتها ليدلّ على أنها عينها ولا يصح أن يريد به مدلول سواء هنا لأنهما متغايران ومقتض التغاير التأسيس فتأكيده لما في ضمنها من المطلق، وما قيل من أنّ إقحام معنى لأنّ أصل معنى الاستواء قد حصل في علم المستفهم الذي قدر منه أن يستفهم بقوله {؟ لانذرتهم أم لا} لا معنى له أصلاً وبتقرير التقرير سقط ما قيل إنه ظاهر على تقدير الفاعلية، وأمّ على الابتداء فالوجه أنه لما تاخر المبتدأ لفظاً فذكر ما تضمنه الخبر المتقدم مع المبتدأ المتأخر لا يجعل الخبر لغواً بل مقرّواً ومؤكدا، وظن بعضهم أنّ ما ذكره المصنف رحمه الله عين ما في شروح الكشاف، وليس كذلك لأنّ الاستواء المستفاد من أم والهمزة عندهم غير ما يستفاد من سواء، فلا تأكيد ولا تقرير على تقريرهم اهـ. قوله: (فإنهما جرّدتا عن معنى الإستفهام إلخ) كلام المصنف رحمه الله هنا منتخب مما نقله الزمخشريّ عن سيبويه رحمه الله، وما على الرسول إلاً البلاغ، وعبارة سيبويه في باب ترجمته باب ما جرى على حرف النداء وصفاً له، وليس بمنادى يعني الاختضاص قال: أجري هذا على حرف النداء كما أنّ التسوية أجرت ما ليس باستخبار ولا اسنفهام على حرف الإستفهام، لأنك تسوّي فيه كما تسوي في الإستفهام، وذلك قولك ما أدري أفعل أم لم يفعل فجرى هذا كقولك أزيد عندك أم عمرو إذا استفهمت لأنّ علمك قد استوى فيهما، كما استوى عليك الأمرإن في الأوّل فهذا نظير الذي جرى على حرف النداء اهـ. قال السيرافيّ: يعني بحرف النداء أيها لأنها لا تستعمل إلاً في النداء وليس هنا بمنادى ولا يجوز دخول حرف النداء عليه، ولكنه استعمل للتخصيص لأنك تخص المنادي من بين من يحضرك بامرك ونهيك وغير ذلك، فاستعير لفظ أحدهما للآخر حيث شاركه في الاختصاص كما جعل حرف الاسنفهام لما ليس باستفهام لما اشتركا في التسوية إلخ. وكذا قال أبو عليّ؟ كما رأيناه في تأليفه وزبدة س مخصة الإفهام أنّ أم المعادلة للهمزة حقيقتها هنا الاستفهام عن أحد أمرين، فمعنى أكان كذا أم كذا أيّ الأمرين كان، ولا يستفهم عنهما إلاً من تصوّرهما فقد استويا في علمه واستوت أقدامهما على سطح فهمه من غير تقديم رجل على أخرى، وهذا مما يلزم الإستفهام لزوما بيناً فلما لم يرد بهمزة التسوية ومعادلها حقيقتهما من الإستفهام تجوّز بهما عن معنى الواو العاطفة الدالة على اجتماع متعاطفيها في نسبة مّا من غير دلالة على تقدّم أو تأخر، وهذا مراد سيبويه بالتساوي والمعادلة، كما أشار إليه السيرافي

في شرحه ومثل هذا المعنى وان كان مرادا ولازما إلاً أنه لا يلاحظ في عنوان الموضوع بعد السبك كما لا يلاحظ معنى العاطف، فلا يقال في الترجمة هنا إلاً الإنذار وعدمه سواء من غير نظر إلى التساوي حتى يقال إنه إذا كان تقدير المبتدأ المتساويان يلغو حمل سواء عليه كما لغا سيد الجارية مالكها، فيدفع بأنّ التساوي فيه تساو في علم المستفهم وتساوي المحكوم به في عدم الفائدة في الخارج كما قالوا، ولو. كان ما ذكر لهذا لم يصح ذكره في نحو ما أدري وما أبالي أقمت أم قعدت ولا حمل فيه لسواء، وقد حام حول الحمى المولى الفناري فيما قاله من أنّ التجريد لمعنى الاستواء، لحديث اللغوية على ما يفهم من ظاهر قول المصنف أنه مقرّر، ومؤكد وفيه أنه لا يحصل المقصود بدون الحكم به فإنّ قوله {؟ لأنلرتهم أم لم تنذرهم} بدون سواء لا يفهم منه حقيقته، وما فهمه الشراح من الكشاف أنّ الاستواء الذي تضمنه الهمزة وأم استواء في علم المستفهم وما بعده في نفس الأمر، فالمعنى الإنذاو، وعدمه المستويان في علم المستفهم مستويان في نفس الأمر كما ذكره الرازي، وقال التفتازاني: معناه المستويان في علم المستفهم مستويان في عدم الفائدة، وقال الجمال الأقسراني: إنّ هذا كله تكلف لا يلائمه المقام إذ لا وجه للتعرّض لعلم المستفهم فضلاً عن التعرّض لاستواء الأمرين فيه وإنما الكلام في أنّ الهمزة وأم لما انسلخا عن معنى الإستفهام عن أحد الأمرين، وكانا مستويين في علم المستفهم جعلا مستويين في تعلق الحكم بكليهما، فانتقل قوله أأنذرتهم إلخ عن أن يكون المقصود أحدهما إلى أن يكون المراد كليهما، وهذا معنى الاستواء الموجود فيه فالحكم بالاسنواء في عدم النفع لم يحصل إلا من قوله {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ} وظفرت بمثله عن أبي عليّ الفارسي اهـ. وقال قدس سرّه: إن صاحب الكشاف أراد أنّ هذا معناهما في أصلهما ليظهر تضمنهما للاسنواء فيصح الحكم بتجريدهما لا أنّ الاستواء في علم المستفهم مقصود هنا كيف، وهما بعد التجريد لم يقعا في كلام مستفهم، وقيل أراد به أنّ الاستواء الذي جرّدتا له استواؤهما في علم المستفهم عند استعمالهما في الإستفهام وهنا قد ذهب، وبقي الاستواء في العلم وهذا أقرب إلى الحقيقة وأليق بقولهم جرّدتا لمعنى الاستواء منسلخاً عنهما الإستفهام لاقتضائه أنّ المراد بالاستواء هو الذي كان والاً لم يكن تجريداً، والمستفاد من سواء الاستواء فيما سيق الكلام له كأنه قيل المستوياظ في علمك مستويان في عدم الجدوى، وهذا معنى ما نقل عن المصنف ومحصوله من أنّ هنا سؤالاً مقدرا وقع هذا عقبه فلأشير إلى الاستواء في علم ذلك المستفهم كأنه سال ربه لأنذرتهم أم لا، وعن أبي عليّ رحمه الله أنّ الفعلين مع الحرفين في تأويل اسمين معطوفين بالواو وهما الواقعان موقع الفاعل أو المبتدأ، ثم اختار أنّ سواء خبر مبتدأ محذوف أي الأمران سواء عليّ ثم بينهما بقوله أقمت أم قعدت، والفعلان في مة ضى الشرط والاسمية قبله دالة على جوابه أي إن قمت أو قعدت فالأمران سواء. ولذا كان الماضي في معنى المستقبل لتضمن معنى الشرط، واستهجن الأخفش كما في الحجة أن يقع بعدهما جملة ابتدائية ولولا تقدم الفعلية في قوله تعالى {سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193] لم يجز واستقبح المضارع بعدهما أيضا ويؤيده أنه في التنزيل ماض، وإنما أفادت الهمزة الشرط لأن ان في المفروض! في الأغلب والإستفهام يستعمل فيما لم يتيقن فقامت مقامهما، ولذا جعلت أم بمعنى أو لأنها مثلها في إفادة أحد الشيئين ط ومما يرشد إلى أنّ سواء في مقام جواب ال! شرط لا خبر أنّ معنى سواء أقمت أم قعدت ولا أبالي معنى واحد وليس خبراً فيه ب! ، بمعنى إن قمت أو قعدت لا أبالي بهما وكذا قوله: سيان عندي إن برّوا وإن فجروا ~ فليس يجري على أمثالهم قلم وانما اختصت الهمزة وأم في التسوية بما بعد سواء وما أبالي وما يجري مجراهما، لأنّ المراد التسوية في الشرط بين أمرين، فاشترط فيما يقع خبرا أن يشتمل على معنى الاستواء قضاء لحق المناسبة ولذا وجب تكرير الشرط وعلى هذا الجملة الشرطية خبر إنّ اهـ. (أقول) قد عرفت المراد بالتسوية هنا على وجه يزيل هذه التكلفات، وأنّ قولهم التجريد يوهم أنه مجاز مرسل استعمل فيه الكل في جزئه، وهو

إمّا استعارة أو مستعمل في لازم معناه فرية بلا مرية، وما ذكر من السؤال لا وجه له خصوصا والسورة مدنية وهو صقى الله عليه وسلم قد أمر بالتبليغ قبل الهجرة فكيف يتأتى السؤال، وما نقل عن أبي عليّ صرّح في القصريات بخلافه وقال إنه لا يجوز العطف بأو بعدها حتى قال في المغني إنه من لحن الفقهاء وقال السيرافي في شرح الكتاب سواء إذا دخلت بعدها ألف الإستفهام لزمت أم كقولك سواء عليّ أقمت أم قعدث فإذا عطف بعدها أحد اسمين على آخر عطف بالواو لا غير نحو سواء عندي زيد وعمرو، فإذا كان بعدها فعلان بغير اسنفهام عطف أحدهما على الآخر بأو كقولك سواء عليّ قمت أو قعدت، فإن كان بعدها مصدران نحو سواء عليّ قيامك وقعودك فلك العطف بالواو وبأو وإنما دخلت في الفعلين بغير استفهام لما فيهما من معنى المجازاة فإذا قلت سواء عليّ قمت أو قعدت، ثتقديره إن قمت أو قعدت فهما عليّ سواء اهـ، وهذا مخالف لما نقل عن أبي عليّ رحمه الله، وقوله واستهجن الأخفش إلخ يعارضه قول السيرافي أيضاً البدء بالفعل ههنا أحسن وقد يعادل بالفعلى والفاعل المبتدأ والخبر لاستواء المعنى في ذلك كقوله تعالى {سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193] وان شئت قلت سواء عليكم أنتم داعون لهم أم أنتم صامتون عنهم وسواء عليكم أهم مدعوّون لكم أم هم متروكون اهـ وما ذكر. من العطف بأو يأباه تصريحهم بخلافه، وأنّ معنى الشرط إنما يلاحظ إذا لم يكن استفهام وما ذكره من البيت لا حجة فيه، لأنه كما صرّح به في أواخر شرح الكافية لابن سينا وكلام مثله لا يستأنس به فضلاً عن أن يحتج به، وهو في الحقيقة له من قصيدة أوّلها: يا ربع نكرك الأحداث والقدم ~ فصار عينك كالآثار تتهم قوله (كما جرّدت حروف النداء عن الطلب إلخ) المراد بالطلب طلب إقبال المنادى، لأنّ النداء إنشاء إذ ليس المراد إخبار المتكلم بأنه ينادي وأنث جرّدت لتأنيث الجمع، وهو حروف جمع حرف وفي نسخة حرف بالإفراد فيقرأ جرّدت بتاء الفاعل المخاطب، وهذه وان كانت أقل فهي أقعد، والمراد بحرف النداء أيها لأنها لا تستعمل إلاً في النداء فالحرف بيمعنى الكلمة، وآثر المصنف هذه العبارة تبرّكا لأنها عبارة سيبويه والمتقدمين، فجمعها باعتبار أفرادها، وأيتها بضم التاء مؤنث أيّ وهي يجوز تأنيثها إذا وصفت بمؤنث كقوله تعالى {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} [الفجر: 27] وقد كان منادى مبنيا وها بعده حرف تنبيه ويلزم وصفه بمعرّف بأل أو بموصول أو اسم إشارة كما ذكر النحاة ويلزم رفع صفتها، كما في النداء لأن منقول منه إلى الاختصاص ومجموع أيتها العصابة في محل نصب لوقوعه موقع الحال أي مختصا من بين الرجال والطوائف ونحوه، مما يقتضيه لفظه والعصابة صفته ومعناه طائفة من الناس، وقيل هو من العشرة إلى الأربعين كالعصبة ويختص بالرجال، وجمعه عصب كغرفة وغرف والاختصاص والتخصيص لغة الانفراد والإفراد، وفي اصطلاج النحاة قصد المتكلم بعد ضمير ونحوه إلى ذكر اسم ليخصه بحكم ينسبه إليه فيأتي به على صورة المنادى مجرياً عليه أحكامه إلا ذكر حرفه لما بينهما من المناسبة إذ المنادى يختص بالخطاب من بين أمثاله، فنقل من الاختصاص بالخطاب إلى الاختصاص بالحكم كما نقلت الهمزة وأم من الإستفهام إلى التسوية كما مرّ والمراد بالتخصيص الاختصاص في الإثبات والذكر، وهو أعمّ من الحصر، فما قيل من أنّ استعمال النداء في الاختصاص محل خفاء بناء على أنه فهم منه الحصر ليس بشيء. (واعلم) أنّ على هنا باعتبار أصل معناه لأنه يتعذى بعلى فيقال استوى على الأرض قال تعالى {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 45] وقيل: إنها بمعنى عند وفي المغني على تجيء للظرفية، ولذا فسره في اللباب: بمستو عندهم وقيل على هنا للمضرّة كدعا عليه، وليس بشيء لأنّ سواء استعمل مع على مطلقاً فتقول مودّني دائمة سواء عليّ أزرت أم لم تزر، وبما مرّ علم أنه ليس في قوله حرف النداء خلل كما قيل: إنه غير مطابق لنفس الأمر لأنّ باب الاختصاص لم تجرّد فيه حروف النداء بل لا وجود لحرف النداء فيه أصلاَ لا لفظا ولا تقديراً كما اتفق النحاة عليه، وعبارة الكشاف في غاية الحسن لسلامتها مما ذكر، وقد تؤوّل العبارة على أنه أراد بالحروف الكلمات الجارية في الاختصاص، وهي الأسماء التي على صورة المنادى لا الحروف التي هي يا وأخواتها

اهـ. قوله: (والإنذار التخويف الخ) كون معناه لغة التخويف قول هشهور، وقيل معناه فيها الإبلاغ قال في المصباح وأنذرت الرجل كذا إنذارا أبلغته يتعدّى إلى مفعولين، وكثر ما يستعمل في التخويف وأمّا استعماله في القرآن بمعنى التخويف من عذاب الله، فإمّا أن يجعل منقولاً من العذاب أو بطريق النقل والتخصيص في عرف الشرع أو لأنه في تأويل مصدر معرّف بتعريف عهديّ، وقيل إنه من استعمال المطلق في بعض أفراده مجازاً، وقال ابن عطية رحمه الله: لا يكاد يكون الآ في زمان يسع الاحتراز فإن لم يسعه فهو إشعار لا إنذار، والمفعول الثاني هنا محذوف تقديره " نذرتهم العذاب أم لم تنذرهم إياه والأحسن أن لا يقدر له مفعول ليعمّ كما في الدرّ المصون وغيره، فقوله من عذاب الله كما مرّ إشارة للمفعول أو التأويل والأوّل أقرب وأولى. وقوله: (اقتصر إلخ) قيل مراده محتمل لعدم ذكر البشارة بطريق الاقتصار عليها أو بالاشتراك بأن يذكرا معاً لأنها تفهم بطريق دلالة النص، لأنّ الإنذار أوقع وأولى كما أشار إليه المصنف فاندفع ما قيل من أنّ هذه النكتة لا تفيد ترك الجمع، فالوجه أن يقال الكافر ليسى أهلاً للبشارة فتأمّل. قوله: (وقرىء لأنذرتهم إلخ) قالوا تحقيق الهمزتين لغة تميم، فلا عبرة بمن أنكرها، وتخفيف الثانية بين بين لغة الحجاز وكذا إدخال الألف بين الهمزتين تحقيقاً وتسهيلاً كقوله: فياظبية الوعساء بين حلاحل وبين النقاآ أنت أم أمّ سالم وروي عن ورس إبدال الثانية ألفاً محضة فقال الزمخشريّ وتبعه المصنف: إنها لحن لأنّ الهمزة المتحرّكة لا تبدل ألفا ولأنه يؤذي إلى جمع الساكنين على غير حده، وهو خطا لثبوتها تواتراً في القراءات السبعة كما ذكرناه وما طعنوا به ليس بشيء لأنه وود عن فصحاء العرب إبدال الهمزة المتحرّكة وان كان أقل من إبدال الساكنة كما في قوله لا هناك المرتع وقوله: سألت هذيل رسول الله فاحشة والتقاء الساكنين على حده في اصطلاج أهل العربية، والأداء أن يكون الأوّل حرف لين والثاني مدغماً نحو الضالين وخويصة ثم خصوا الوقف بجواز التقائهما مطلقا لكونه عارضا فتلخص من كلامهم أنه لا يجمع بين ساكنين وصلا في غير ما ذكر، وإنما اغتفر في الإدغام لعروضه ولأنّ المدغم والمدغم فيه كحرف واحد، فكأنه متحرّك وضمير على حدّة للجمع، والحد بمعنى حكمه الذي لا يتعداه ويجوزه جوازا، كما في قوله وأجدر {أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ} [التوبة: 97] أي أحكامه اللائقة به. وأجيب عن التقاء الساكنين بأنّ من قلبها ألفاً أشبع مد الألف بزيادة ألف أو ألفين ليكون ذلك فاصلاً بين الساكنين، كما ذكروه في قراءة محياي بسكون الياء وصلا وهذا مما اتفق عليه القرّاء، وقالوا التخلمى من التقاء الساكنين إذا كان على غير حده بالتحريك أو الحذف أو زيادة ألف في المد، ولا يخلو من إشكال وان سلموه لهم هنا لأنّ الألف المزيدة ساكنة أيضاً، فكيف يتخلص بها من التقاء الساكنين وقد زيد ساكن ثالث. وقال أبو حيان القراءة المتواترة لا تدفع ببعض المذاهب وكون حد التقاء الساكنين ما مرّ مذهب البصريين ولا يجب اتباعه مع أنه في المطرد المقيس، وكلام الله مما يقاس عليه لا مما يقاس على غيره، فإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل على أنه عارض، والأصل أنه لا يعتدّ به، ثم إنّ هذه القراءة من قبيل الأداء ورواية البغداديين عن ورش التسهيل بين بين على القياس فليس الطعن فيها طعناً في القرآن المتواتر بل في كيفيته أو في روايته على أنه لا يبالي بذلك وما ذكره المصنف رحمه الله أحسن من قوله في الكشاف: وقرىء بتحقيق الهمزتين والتخفيف أعرب، وأكثر أي أدخل في العربية وأفصح والشرّاح على أنّ هذه جملة معترضة بين المتعاطفين قدمت اهتماما وأصلها التأخير قيل وهو مبنيّ على أنّ التخفيف بمعنى جعلها بين بين، وليس هذا مراده بل مراده التخفيف بإسقاط إحداهما، فمرتبته بعد التخفيف كما يشهد به الذوق، وليس بشيء لأنّ الحذف شأتي في عبارته أيضا والتأخير لا يدفع التكرير، ولو قيل التخفيف المراد به هنا أعمّ من الحذف والتسهيل بين بين على أنّ ما بعده تحقيق للتخفيف، وتفصيل له كان أحسن فتأمّل. قوله: (بين بين) ظرف مكان مبهم وهما اسمان ركبا وبنيا على الفتح كخمسة عشر وجعلا اسما واحداً بتقدير بين التخفيف والإبدال أو بين الهمزة والهاء. وقوله: (وبحذف

الاستفهامية إلخ) في الكشاف وبحذف حرف الإستفهام وبحذفه، والقاء حركته على الساكن قبله كما قرىء {قَدْ أَفْلَحَ} اهـ 0 وتبعه المصنف رحمه الله، وقد أشكل على شرّاحه بأسرهم. قال قدس سرّه هذه القراءة والتي بعدها من الشواذ والباقية متواترة، وأنما جعل المحذوف همزة الإستفهام، لكثرة حذفها كما في قوله: بسبع رمين الجمر أم بثمان دون حذف همزة الأفعال في الماضي والظاهر أنّ الضمير في قوله حركته راجع إلى حرف الإستفهام المحذوف، فالقراءة بفتح الميم والهمزة معاً، وهي مع كونها غير مروية عن أحد مخالفة للقياس موجبة للثقل، فلذا قيل الضمير راجع للحرف الذي بعد حرف الاستفهام، فالقراءة عليهم نذرتهم بلا همزة أصلاً وبشهد له قوله {قَدْ أَفْلَحَ} [المؤمنين: ا] اهـ. وقد اختلف الناس بعدهم إلى مسلم ومجيب كما قيل إنّ أبا شامة نقل عن ابن مهران أنّ للقرّاء في الهمزة بعد ميم الجمع ثلاثة مذاهب. الأول نقل حركتها للميم مطلقا فتحة كانت أو ضمة أو كسرة. والثاني ضمها مطلقا لأنه حركتها الأصلية. والثالث نقل الضمة والكسرة دون الفتحة فقولهم غير مروية عن أحد مندفع. وفي شرح الشاطبية أنّ لحمزة في الهمزة بعد ميم الجمع وجوها منها النقل، وقد قرأ أأنذرتهم ونحوه بنقل الأولى وتسهيل الثانية فلك أن تحمل هذه العبارة على ظاهرها مرت غير ارتكاب تعسف أو شذوذ غايته أنهم تركوا التصريح بالتسهيل وهو سهل فتدبر. قوله: (جملة مفسرة إلخ) الجارّ والمجرور أعني لإجمال متعلق بقوله مفسرة وهو الظاهر وقيل إنه مستقرّ أي مسوقة لإجمال إلخ والإجمال لغة الإتيان بجملة الشيء من غير تفصيل، ويكون بمعيى فعل الجميل كما في قول المتنبي: إنا لفي زمن ترك القبيح به من أكثر الناس إحسان واجمال والمفسرة جملة مبينة لجملة سابقة أو لبعض مفرداتها ولا محل لها من الإعرإب على القول المشهور بين النحاة قيل: هذا بالنظر إلى مفهوم اللفظ مع قطع النظر عن أنه إخبار عن الكفار المصرّين فإنه حينئذ لا يبقى إجمال والعجب من بعض شرّاج الكشاف إذ ذهب إلى أنّ لها محلاً من الإعراب، وليس بشيء لأنّ كفرهم وعدم نفع الإنذار في الماضي بحسب الظاهر مسكوت فيه عن الاستمرار والدوام وقوله {لَا يُؤْمِنُونَ} دال عليه ومبين له وأما كون الجملة المفسرة لها محل من الإعراب الذي عده من العجب فهو من العجب لأنه مذهب الشلويين كما في المغني لاً نها عنده عطف بيان، ولذا قال قدس سرّه: لها محل من الإعراب إذا جعلت بيانا للجملة وأجريت مجرى التوابع، ومعنى استواء الإنذار وعدمه في؟ عدم النفع أنهم لا يتصوّر منهم إيمان أبدا والمراد بالمحل أنه لو حل محلها اسم مفرد أعرب بذلك الإعراب. قوله: (أو حال موّكدة إلخ) الحال المؤكدة عندهم إذا أطلقت فالمراد بها نحو زيد أبوك عطوفا، وقد اشترط النحاة فيها الوقوع بعد جملة اسمية طرفاها معرفتان جامدان وعاملها محذوف أبدا، وقد يرإد بها ما يؤكد شيئا مّا قبله، وهو المراد ومن توهم أنّ المراد الأوّل فقد خبط خبط عشواء، وصاحب الحال الضمير في عليهم أو أنذرتهم والبدل إمّا بدل اشتمال لاشتمال عدم نفع ما مز على عدم الإيمان أو بدل كل من كل لأنه عيته بحسب المآل. وقال أبو حيان: {لَا يُؤْمِنُونَ} له محل من الإعراب خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أي هم لا يؤمنون، وقد جوّز فيه أن يكون حالاً وهو بعيد، ويحتمل أن لا يكون له محل على أنّ الجملة تفسيرية أو دعائية وهو بعيد، وما قيل من أنّ عبارة الكشاف إما أن يكون جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبر الآن ولم يذكر الحالية وكلام المصنف منسوح على منواله، فكأنّ النساخ حرفوا الجملة بالحال تركه أولى من ذكره. قوله: (أو خبر إق والجملة إلخ) في الكشف كونه جملة مؤكدة أولى من المقابل سواء جعل لا يؤمنون تاكيداً كما ذكره أو بيانا لعدم الاجداء المقصود من الكلام، لأن جعل سواء الجملة اعتراضاً، وان حسن فيه أنّ من حق الاعتراض أن يساق مساق التأكيد لما عسى يختلج في وهم، وأن يتم المقصود دونه لفظاً ومعنى ولا كذلك ما نحن فيه لأنه أقوى في الإبانة عما سيق له الكلام من قوله {لَا يُؤْمِنُونَ} على ما لا يخفى وأمّا جعل لا يؤمنون خبرا بعد خبر أو حالاً مؤكدة، فلا يخفى ما فيه من فوت فخامة المعنى وتبعه قذس سرّه هنا وارتضى ما ارتضاه يعني أنّ جملة التسوية أدل على ما قصد من النظم في السباق بالموحدة، وهو أنّ المؤمنين

بما جاء به، وبما أنزل إليه وأنزل من قبله هم المهديون الفائزون بخير الدارين، وحق هؤلاء أن يقابلوا بكفار مصرين إنذار الرسل والكتب، سواء لديهم والعدم وكذا سياق ما بعده من ختم المشاعر، وتغطية البصائر إنما يأخذ بحجزه عدم الانتفاع بالآيات والنذر على ما لا يخفى، وأمّا ما قيل عليه من أنه أراد بما سيق له الكلام وصف الكتاب بما هو شأنه فكما أنّ في الحكم بالاستواء إدماجا لوصف الكتاب بأنه لا يجدي، فكذا هو في قوله {لَا يُؤْمِنُونَ} فهما متساويان والثانية أبين دلالة على المراد فهو أظهر وأقوى، وجعله ركناً من الكلام أوجه وأولى، وان أراد به عدم نفع الدعوة كقوله تعالى {سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193] فنفي الإيمان أيضاً أدل عليه خصوصا وما قبله معلل ومؤكد له، فسواء والعدم على من دقق النظر وأحسن الورد والصدر، وقيل: الاعتراض أن يؤتى في أثناء كلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة لا محل لها من الإعراب لنكتة سوى دفع الإيهام، وجوز بعضهم كونه لدفع الإيهام وكونه في آخر الكلام وأمّا اشتراط كونه للتأكيد فمما لم نسمعه، وهذا إن كان ما قبله جملة فإن كان اسم فاعل وفاعلا تعين أن يكون {لَا يُؤْمِنُونَ} بيانا وتقريراً له لأنّ الاعتراض لا يكون إلاً جملة وهو يرد على عامّة الشراح، وقد اغترّ به المولى ابن كمال والحق معهم دراية ورواية أمّا الأوّل فلأنه لو لم يؤكد كان ترقيعاً للديباج بالخيش. وأمّا الثاني فلقوله في الكشاف في سورة الزمر حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبيته، وقال ابن مالك في التسهيل: الجملة الاعتراضية هي الجملة المفيدة تقوية، وبعد هذا المقال ما بعد الحق إلاً الضلال، وقول المصنف رحمه الله بما هو علة الحكم فيه إشارة إليه ووجهه أنه يدل على قسوة قلوبهم وعدم تأثرهم بالإنذار وهو مقتض لعدم الإيمان، وما قيل من أنه ليس في الاخبار عن الذين كفروا بعدم الإيمان فائدة إلاً أن يقيد بقيد وهو خلاف الظاهر قد دفع بأنّ الموضوع دل على عدم إيمان في الماضي، والمحمول على استمراره في المستقبل وما أورد عليه من أنّ مراد المعترض أنه لا فائدة تناسب ما سيق له الكلام، لأنه إذا جعل بيانا أفاد أنّ عدم إيمانهم لقصور فيهم لا في كمال الكتاب الذي سيقت الآية لبيانه غير مسلّم، وما روي من الوقف على قوله {أَمْ لَمْ تُنذِرْ} والابتداء بقوله {هُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} على أنه مبتدأ وخبر مردود لا يلتفت إليه وإن نقله الهذلي رحمه الله في كتاب الوقف والابتداء كما في الدرّ المصون. قوله: (والآية مما احتج به إلخ) هذا مما زاده المصنف على ما في الكشاف، وهو من أمّهات المسائل الأصولية وله أدلة منها ما ذكر كما يثير إليه قوله مما، واطلاقه التكليف يتناول الوجوب وغيره وتقريرهم ظاهر في أنّ الخلاف في الوجوب، وفي الآيات البينات لا مانع من إ-هـ ائه في غير.، وفي تحرير ابن الهمام القدرة شرط التكليف بالعقل عند الحنفية والمعتزلة لقبح التكليف بما لا يطاق، واستحالة نسبة القبيح إليه تعالى، وبالشرع عند الأشاعرة في الممكن لذاته كحمل جبل، واختلف في المحال لذاته، فقيل عدم جوازه شرعي لأنه تعالى قال {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]

فلو كلف الجمع بين النقيضين جاز عقلاً، وهدّا منسوب للأشعري، وقيل: عقليّ وتحرير محل النزاع أنّ مراتب ما لا يطاق ثلاث أدناها ما يمتنع لعلم الله بعدم وقوعه أو لإرادته ذلك، أو لإخباره به ولا نزاع في وقوع التكليف به فضلاً عن الجواز فإنّ من مات على كفره ممن أخبر الله تعالى بعدم إيمانه يعدّ عاصيا إجماعاً يعني بإجماع أهل الإسلام وفرقه فإنّ الآمديّ نقل عن بعض الثنوية أنه منع جوازه كما في شرح منهاج المصنف رحمه الله وأقصاها ما يمتنع لذاته كجمع الضدّين، وفي بخواز التكليف به تردّد بناء على أنه يستدعي تصوّر المكلف به واقعاً وتصوّر الممتنع واقعاً فيه تردّد ليس هذا محل تفصيمه والحق جوازه لا وقوعه وإن قيل به أيضاً، والمرتبة الوسملى ما أمكن في نفسه لكنه لم يتعلق بوقوعه قدرة العبد أصلاً كخلق الجسم أو عادة كصعود السماء، وهذا هو الوإقع فيه الخلاف على المشهور عند المحققين، والمراد بالتكليف هنا طلب تحقيق الفعل والإتيان به، واستحقاق العقاب على تركه لا مطلق الطلب، ولا الطلب قصداً للتعجيز واظيار عدم الاقتدار على الفعل كما في طلب معارضة القرآن للتحثي، ثم إنّ النزاع في هذا إنما هو في الجواز، وأمّا الوقوع فممتنع بحكم الاستقراء الشاهد عليه اننصوص كقوله تعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] الآية وبهذا ظهر أنّ كثيرا من تمسكات الفريقين لم يرد على المتنازع فيه هذا محصل ما في شرح المقاصد وكله مما طبق فيه المفصل إلا قوله أخيرا إنّ النزاع إنما هو في الجواز، فإنه صرّح في كثير من كتب الأصول بخلافه إلاً أن يقال إنه لم يعتد بالخلاف في الوقوع، ثم إنّ بعض أهل الأصول فرق بين التكليف بالمحال بالباء الموحدة وتكليف المحال بدونها، وقال: الكلإم هنا في الأوّل وفي الثاني أيضا خلاف الأشعريّ على ما في شرح منهاج المصئف. قوله: (فإنه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم إلخ) بيان لوجه الاحتجاج ودفع لما يرد عليه من أنّ ما نحن فيه ليس محالاً لذاته ولا عادة بل عقلاً فقط، وهو واقع بالاتفاق كما مرّ فقرّره على وجه يبينه ويدفع ما يرد عليه، وإن جاز ووقع وهو مستلزم لاجتماع الضدّين لزم منه وقوع المحال لذاته وما يستلزم المحال لذاته محال لذاته فالمستحيل لذاته قد وقع لأنّ أبا لهب مثلاً قد أمر بالإيمان بكل ما أنزله تعالى وبالتصديق به، ومنه أنه لا يؤمن فصاو مكلفاً بأنه يؤمن بأنه لا يؤمن، أو بأنه يؤمن وبأنه لا يؤمن، وهو جمع بين النقيضين، وحاصله أنّ التكليف بالشيء تكليف بلوازمه، وردّ بالمنع لا سيما اللوازم العدمية، وهذا يحتمل أن يكون دليلاً للقائلين بالوقوع، فيدل على الجواز الذي ذكره المصنف بالطريق الأولى، ويحتمل أن يكون نقضاً لاستدلالهم بالاستقراء المقرّر في كلام القوم. وقوله: (فلو آمنوا إلخ الما صوّره بالاخبار المناسب للمقام قرّره بانقلاب نجره كذباً ومن المتكلمين من قرّره بلزوم انقلاب علمه جهلاً وهو قريب منه، وفي شرح المقاصد لا يقال لا نسلم أنه لو آمن لزم انقلاب العلم جهلاً بل يلزم أن يكون العلم المتعلق به أزلاً أنه لا يموت مؤمنا، فإنّ العلم تابع للمعلوم فيكون هذا تقدير علم مكان علم لا تغيير علم إلى جهل كما إذا قدر من يأتي بالقبيح آتيا بالحسن، فإنه يكون من أوّل الاً مر مستحقا للمدح لا منقلباً من استحقاق الذم لاستحقاق المدح، لأنا نقول الكلام فيمن تحقق العلم بأنه يموت كانرا فعلى تقدير الإيمان يكون الانقلاب ضروريا، وكذا من أخبر تعالى بأنه لا يؤمن كأبي جهل، وقد عرف أنه ليس محل النزاع فليس الدليل في محله، وعلى تقرير أكثر المحققين هو يدل على وقويم التكليف بالمحال لذاته لجمع النقيضين وفي إرشاد إمام الحرمين رحمه الله، فإن قيل: ما جوّزتموه عقلاَ من تكليف المحال هل اتفق وقوعه شرعاً قلنا: قال شيخنا ذلك واقع شرعا فإنه تعالى أمر أبا لهب بأنّ يصدق ويؤمن بجميع ما أخبر عنه، ومنه أنه لا يؤمن فقد أمره أن يصدّقه بأن لا يصدقه وذلك جمع بين التقيضين، وكذا في المطالب العالية للرازي، وقال أيضاً إنّ الأمر بتحصيل الإيمان مع حصول العلم بعدمه أمر بجمع الوجود والعدم لأنّ وجود الإيمان مستحيل أن يحصل مع العلم بعدمه بمقتضى المطابقة، وهي بحصول عدم الإيمان، وقيل ما ذكر لا يدل على أنّ المكلف به هو الجمع بل تحصيل الإيمان، وهو ممكن في نفسه مقدور للعبد بحسب أصله وإن امتنع لسابق علم أو إخباو من الرسول صلّى الله عليه وسلم بأنه لا يؤمن فيكون مما هو جائز بل واقع، وفيه أنّ الكلام فيمن وصل إليه هذا الخبر وطلب بالتصديق به على التعيين، وقيل المطلوب من مثل أبي لهب التصديق بما عدا هذا ألاخبار وهو في غاية السقوط اهـ. وقال شيخنا رحمه الله في الآيات البينات أنّ الاستحالة باعتبار الانقلاب في العلم القديم وخبر الصادق عقليّ لا دخل للعادة فيه والجواز العاديّ باعتبار كون الشيء مما يقع نوعه متكررا كإيمان الكافر فلا مخالفة بين كونه ممكناً عقلاً ومحالاً عقلاً لذاته أو لغيره، فإنه بخصوصه بعد قيام الدليل ممتنع عقلاً وعادة، فإن نظر لكون الدليل غير لازم لزوما بينا فهو ممتنع لغيره وان قطع النظر عن الدليل كان ممكنا عقلاً وعادة نظرا لنوعه، وهو نظر دقيق إن ساعده التوفيق. قوله: (فيجتمع الضدّان) هذه عبارة الإمام في المحصول، ومن تبعه من أهل الأصول وعبر في الحاصل وفي شرح المقاصد وغيره بنقيضين بدل ضدين، وكذا عبر به المصنف في المنهاج ووجهه أنّ من نظر إلى الإيمان وعدمه جعلهما نقيضين، وهو الظاهر فإن نظر إلى أنّ العدم غير مكلف به وأنه إنما يكلف بنفس الكف، وهو فعل وجودي فهما ضدان بهذا الاعتبار والحاصل أنّ تصديقه في أن لا يصدقه محال ممتنع لذاته لأنّ فرض وقوعه مستلزم لعدم وقوعه، وكل ما يلزم من فرض وقوعه لا وقوعه فهو ممتنع بالذات، فيكون ممتنعاً عادة بالطريق الأولى، وبهذا استدلّ

بعضهم على أنّ التكليف بالممتنع لذاته واقع، فاذا كان التكليف بهذا التصديق واقعا كان التكليف بالمحال واقعا فتدبر. قوله: (والحق أنّ التكليف إلخ) هذا إشارة إلى أنّ القائل بعدم التكليف به من المعتزلة مأخذه أنه لا فائدة في طلب المحال، وفي شرح مختصر ابن الحاجب أنّ مأخذه أنّ الآمر يريد وقوع المأمور به والجمع بين علمه بعدم وقوعه وارادة وقوعه كالتناقض، وهذا بناء على أنّ الأمر عندهم هو الإرادة وأنّ أفعال الله تعالى معللة بالاغراض، والى هذا أشار المصنف رحمه الله بقوله لا تستدعي غرضاً أي لا تقتضيه يعني أنه إنما يستحيل الأمر بما لا يقدر عليه المكلف إذا كان غرض الآمر حصول المأمور به وحكم الله لا يكون لغرض، وان ترتب عليه فوائد ومصالح كلها نافعة لأنه الحكيم المتعالي وقال إمام الحرمين: الأمر بهذا ليس للطلب بل إن كان ممتنعاً لذاته فالأمر به للإعلام بأنه معاقب لا محالة لأنه تعالى له أن يعذب من يشاء، وان كان ممتنعا لغيره، فالأمر به لفائدة الأخذ في المقدمات كما قرروه في أصولهم وعليه أنه لا يتوجه على المعتزلة، لأنهم يمنعون هذه القاعد 6، وقد مرّ في شرح المقاصد أنّ الطلب التكليفي للإتيان بالفعل، واستحقاق تاركه العذاب واندفاعه ظاهر. قوله: (سيما الامتثال إلخ) الامتثال هو الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب شرعا، كما في كتب الاً صول فالمراد أنّ الامتثال أحق شيء بعدم الاستدعاء لأن يكون غرضا للأمر، ولذا جاز النسخ قبل الفعل، ولو كان الامتثال مقصعا لم يجز والمذكور بعد سيما منبه على أولويته بالحكم لا مستثنى خلافا لبعض النحاة، ووجهه أنه كأنه أخرج عما قبله من حيث أولويته بالحكم قيل استعماله بدون لا كما في عبارة ثمصتف لحن غير جائز فما في عبارة المصنف كما في شرح المفصل، والمغني خطأ وهو غير وارد لأن الحذف لقرينة جائز والقرينة أنه شاع استعماله معها، وقد قال الرضي أنه يجوز تثقيل ياث وتخفيفها مع ذكر لا وحذفها، وهو ثقة فقول الدماميني أنه لم يقله غيره، وأنه لم يستعمله بدونها إلا العجم سوء ظن بالثقة وليس مثله من الحزم، ويجوز في الامتثال الرفع والنصب والجرّ كما قالوه في يوم في قوله: ولا سيما يوم بدارة جلجل وقوله للاستقراء هو ما ذكره القوم في أستدلالهم ولم يذكر النص وهو قوله {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] الآية لأنه غير صريح فيه كما سيأتي بيانه والاستقراء وهو السبر والتقسيم الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات على ثبوته للكلي الشامل لها مأخوذ من قرأت بمعنى جمعت وسينه للطلب لأنّ المستقرىء طالب للافراد التي يجمعها لينظر اتفاقها يعني أنّ التكاليف تتبعت فلم يوجد فيها محال لذانه قد وقع. قوله: (والإخبار بوقوع الشيء إلخ) يعني أنّ الإخبار بوقوع شيء أو عدمه لا ينفي القدرة التي هي شرط التكليف وصحته ولا ينافي كون الإيمان وعدمه مقدورين في حد ذاتهما، وإن لزم امتناع الإيمان في بعض الأشخاص لمانع آخر لتخلف ما أخبر به الله أو وجود ما يخالف علمه أو اجتماع ضدّين إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عنه فلا يقتضي الامتناع الذاتي فيه لأنّ علمه بعدم الشيء واخباره عنه لا يجعله ممتنعا كما أنّ علمه بوجوده واخباره به لا يجعله واجباً كما ستراه، وهذا جواب عما احتج به من خالف المذهب الحق، وقد مرّ في توجيه الاحتجاج بهذه الآية أمران الأوّل أنه تعالى أخبر بعدم إيمانهم وأمرهم بالإيمان، فلو آمنوا انقلب خبره كذبا والثاني لزوم اجتماع ضدّين لما مرّ أو لأنّ تصديقه للرسول صلّى أدلّه عليه وسلّم في أن لا يصدقه تصديق له في نحو قوله {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ} الآية فلو صدر منه تصديقه للرسول صلى الله عليه وسلّم في هذا الخبر علم وقوع فرد من أفراد تصديقه للرسول صقى الله عليه وسلم، وهو خلاف مضمون الخبم الذي صدق الرسول صقى الله عليه وسلم فيه وهو أنه لا يصدقه في شيء أصلاً، والعلم بوقوع ما يناقض مضمون الخبر مستلزم لتكذيب المخبر فيه، فإنّ العلم بوقوع الخسوف في ساعة كذا من سنة كذا مستلزم عادة لتكذيب من قال لا خسوف في تلك السنة أصلاً فيكون تصديقه الرسول صلى الله عليه وسلم في أن لا يصدقه مستلزما، لتكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلم في أن لا يصدّقه أصلاً، وتكذيبه فيه مستلزم لعدم تصديقه فيه لامتناع اجتماع التصديق والتكذيب في شيء واحد فيستلزم عين كل منهما نقيض الآخر، فتصديقه

في أن لا يصدقه مستلزم لعدم تصديقه فيه كما قرّره بعض الفضلاء هذا، ثم إنه قيل إنّ هذا جواب عن الأمرين أمّا الأوّل فظاهر لأنّ الكذب إنما يلزم إذا وقع خلاف المخبر به، والتكليف بالشيء لا يقتضي إيقاعه بالفعل بل القدرة عليه والإخبار بطرفي الشيء لا ينفيها وأمّا الثاني فبأن يقال إنهم لم يكلفوا إلا بتصديقه، وهو ممكن في نفسه مقصود وقوعه إلاً أنه مما علم الله أنهم لا يصدقونه لعلمه بالعاصين وأخباره لرسوله صلّى الله عليه وسلم كإخباره لنوح عليه الصلاة والسلام بقوله {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ} [هود: 36] الآية لا أنه أخبرهم بذلك ولا يخرج الممكن عن الإمكان بعلم، أو خبر، ولا ينفيان القدرة عليه إلخ كما أفاده المحقق عضد الملة والدين يعني لا يلزم التكليف بما يستلزم نقيضه لأنهم كلفوا بتصديق الرسول صلّى الله عليه وستم في جميع ما جاء د 4 إجمالاً، وفيما علموا مجيئه به تفصيلاَ وقوله سواء عليهم إلخ ليس مما علموا مجيئه به لأنه إخبار للرّسول صلّى الله عليه وسلّم بحالهم، وليس من الأحكام المتعلقة بأفعالهم حتى يجب تبليغه إليهم، فلا يكلفون بتصديقه والتصديق بغيره مما جاء به ممكن وقوعه منهم عادة، فلا يكون التكليف به تكليفاً بالمحال وتعلق العلم أو الإخبار بعدم صدوره منهم لا يخرجه عن الإمكان لأنهما تابعان للوقوع لا سببان له على أنا لا نسلم أنهم أمروا به بعدما أنزل أنهم لا يؤمنون. قوله: (كإخباره إلخ) هذا تلخيص لما قاله الإمام من أنّ ما يدل على العلم بعدم الإيمان لا يمنع من وجود الإيمان لأنه لو كان كذلك وجب أن لا يكون الله قادراً على شيء لأنّ ما علم وقوعه يكون حينئذ واجباً فليس للقدرة فيه أثر وأمّا الممتنع فلا قدرة عليه، فلا يكون تعالى قادرا على شيء أصلاً، وهو كفر فثبت أنّ العلم بعدم الشيء لا يمنع من وجوده، والعلم متعلق بالمعلوم على ما هو عليه فإن كان ممكناً فعلمه به ممكن، وان كان واجباً كان واجباً ولا شك أنّ الإيمان والكفر في حد ذاته ممكن، فلو وجب بسبب العلم كان العلم مؤثراً في المعلوم، وقد ثبت أنه محال، وأيضا لو كان العلم والخبر مانعا لم يكن العبد قادرا على شيء أصلاَ كالجماد، وأفعاله كلها اضطرارية ونحن نعلم بالبديهة خلافه فدل على أنّ كلا منهما غير مانع من الفعل والترك، ولو مغ العلم بالعدم عن الوجود كان أمره تعالى الكافر بالإيمان أمراً بإعدام علمه، وهو غير معقول والإيمان في نفسه من الممكنات، فيجب أن يعلمه الله كذلك لئلا ينقلب علمه سبحانه جهلاً، أو يجتمع في شيء واحد كونه واجباً وممكناً وهو محال وقوله باختيار. قيد لفعل العبد إشارة لما تقرّر في الأصول من أنّ الإكرا. الملجىء يمنع التكليف، لزوال القدرة عليه بالاتفاق وأمّ غير الملجىء ففيه خلاف والأصح عند المصنف أنه لا يمنعه بهما ذكره في المنهاج. قوله: (وفائدة الإنذار إلخ) هذات مة لما قبله فإنّ المنكرين له كما في التفسير الكبير قالوا لا يجوز ورود الأمر بالمحال في الشرع لأنه كأمر الأعمى بنقط المصاحف والمقعد بالطيران، وهو كبعثة الرسل للجماد فأشار إلى جوابه بما ذكر، وينجع مضارع نجع بنون وجيم وعين مهملة بمعنى أفاد ونفع وأصله من نجع الدواء إذا نفع المريض ففيه تشبيه لإنذار الرسل بالدواء النافع ولطفه ظاهر كما قال تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة والزام الحجة أن لا يبقى لهم شبهة يجيبون بها، أو يقولون ما جاءنا من نذير، وحيازة الرسول صلّى الله عليه وسلّم أي تحصيله ووصوله لها من حازه إذا ضمه وجمعه كما في القاموس وغيره، وتفسيره بالإحاطة على أنه من الحيز وهو المكان تكلف، ولم يقل سواء عليك لأق الإنذار وعدمه ليس سواء لديه لفوات فضيلة الإنذار الواجب عليه على تركه وإذا أربد بالموصول ناس معينون على أنّ تعريفه عهديّ، كما هو الأصل فيه كان فيه معجزة لأخبار. بالغيب وهو موت هؤلاء على الكفر كما كانوا بخلاف ما لو كان للجنس لعدم التعيين وهو ظاهر. قوله: (تعليل للحكم السابق إلخ) إشارة إلى أنه ترك عطفه، لأنه مستأنف في جواب سؤال عن مطلق سبب الاستواء، وإصرارهم على كفرهم كانه قيل ما بالهم إستوى لديهم الإنذار، وعدمه فاجيب بأنهم ختم الله إلخ وهذا لا ينافي كونه له سبب آخر كالانهماك الآتي، وإن علل هذا أيضاً بما دل عليه استواء الأمرين من التصميم على الكفر ولذا قيل إنّ هذا الاستئناف ورد لبيان علة تلك العلة، سواء أريد بالحكم ما تضمنه لا يؤمنون أو الاستوإء أو مجموع ما مرّ. وقوله: (وبيان إلخ) عطف تفسيري وكونه نتيجة لما قبله خلاف الظاهر

مع أنّ النتيجة تستعمل بالفاء كما اعترف به هذا القائل وكون عطف ولهم عذاب عظيم عليه يعينه إذ لا يصلح للعطف سبأتي بيانه. قوله: (والختم الكتم إلخ) في الكشاف الختم والكتم أخوان أي بينهما مف سبة معنوية مع التوافق في العين واللام وكثر الحروف، وهو نوع من الاشتقاق عندهم يسمونه الاشتقاق الأكبر، وهو المراد بالأخوّة في مثله وهذا أحسن من تفسيره به كما فعله المصنف رحمه الله فإنّ حقيقة الختم الوسم بطابع ونحوه والأثر الحاصل من ذلك وحقيقة الكتم الستر والإخفاء، وهما متغايران فلا وجه لتفسيره به لكنه لما لزمه ذلك جعله كأنه عينه مبالغة وهو ظاهر فلا غبار عليه كما قيل، وسمي به بمعنى أطلق عليه واستعمل فيه والتسمية تكون بهذا المعنى وبمعنى وضع العلم والمراد الأوّل، والاستيثاق استفعال من الوثوق، ومعناه سد الأبواب والإقة، ل على ما وراءها لحفظه والمنع، ومن فعل ذلك صار ذا وثوق، فالاستفعال للصيرورة كاستحجر الطين وهو أحد معانيه المعروفة. قال الراغب في مفرداته الختم رالطبع يقال على وجهين مصدر ختمت وطبعت وهو تأثر الشيء بنقش الخاتم والطابع، والثاني الأثر الحاصل عن الشيء، ويتجوّز بذلك تارة في الاستيثاق من الشيء والمنع منه اعتبارا بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب نحو قوله تعالى {خَتَمَ اللهُ} إلخ وتارة في تحصيل أثر عن شيء اعتبارا بالنقش الحاصل وتارة يعتبر منه بلوغ الآخر، ومنه ختمت القرآن إذا انتهيت إلى آخره اهـ. وهذا تفصيل لما أجمله المصنف وغيره من معناه لغة فقوله والبلوغ بالرفع معطوف على الاستيثاق عطف قسيم على تسيم، وليس معطوفاً على الكتم فيكون من جملة تفسيره ومعناه الحقيقي كما توهم وهو مراد لما نقل إليه مطلقاً لا لما أريد به ههنا حتى يرد عليه أنّ ختم الكتاب متعد بنفسه، وما هنا متعدّ بعلى مع أنه لا أصل له فإنه يقال ختمت الكتاب وعلى الكتاب كما صرّحوا به. قوله: (بضرب الخاتم إلخ) الضرب إيقاع جسم على آخر وضرب الخاتم إيقاعه على ما يؤثر فيه من شمع ونحوه كما سيأتي. وقوله: (لأنه كتم له) أي لأنه يؤدّي إلى الإخفاء والستر، وهو الغرض منه فجعل عينه مبالغة كما مرّ، وهذا بيان للمناسبة بينهما وبلوغ الآخر الوصول إليه وآخره مفعوله من بلغت المنزل ونحوه لا منصوب بنزع الخافض على أنّ أصله إلى آخره. وقوله: (نظرا إلخ) تعليل لإطلاق الختم على بلوغ الآخر والإحراز جعل الشيء في الحرز وهو ما يحفظه، ولذا سمت العامّة ما يكتب ويعلق عوذة حرزاً يعني أنّ من أتمّ شيئاً فقد حازه بما يحاز به مثله كحفظ القرآن إلى آخره، فكأنه استوثقه وني كلام المصنف رحمه الله نظر من وجهين، فإنه يقتضي أنّ إطلاق الختم على بلوغ الآخر معنى مجازي، وهو خلاف المعروف في الاستعمال، ولأنه يقتضي أيضاً أنه ماخوذ من الاستيثاق، وكلام الراغب الذي هو مأخذه صريح في أنه مجاز برأسه كما سمعته آنفاً. وما في الكشاف سالم من هذه لأنه قال: الختم والكتم أخوان لأنّ في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتما له وتغطيه لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه اهـ. والجواب أمّا عن الأوّل، فإنّ اشتهاره حتى صار حقيقة في عرف اللغة لا ينافي كونه مجازاً بحسب أصل اللغة وقد عدّه من المجاز في الأساس. وأمّا عن الثاني فالذي ذكره الراغب أنه مجاز عن مطلق المنع كالمشفر فلا ينافي كونه حقيقة في المنع بضرب الخاتم عليه ويؤخذ منه غيره فتدبر. قوله: (والغشاوة فعالة) نقل بعض الأفاضل عن جار الله أنّ فعالة هنا غير منصرفة وكذا هو في نسخ الكشاف، وقال إنّ الأصل في أمثاله أنّ ما كان موزونه غير منصرف فإنه يستعمل غير منصرف البتة، وما كان موزونه منصرفا ففيه وجهان الصرف، وتركه بشرط أن لا تدخل عليه رلت، وله تفصيل في الإيضاح والرضى وذهب بعض علماء اللغة إلى أنّ هيآت الكلم قد تدلّ على معاني مخصوصة، وان لم تكن مشتقة ومته ما هنا فإنّ فعال بكسر الفاء إن لم تلحقه هاء التأنيث فهو اسم لما يفعل به الشيء، كالآلة كإمام وركاب وحزام لمن يؤتم به ولما يركب به، ويحزم ويشد به كما مرّ في كتاب فإن لحقته الهاء فهو اسم لما يشتمل على الشيء ويحيط به كاللفافة والعمامة والقلادة، وهذا في غير المصادر " وأمّ فيها ففي الحجة لأبي عليّ في سورة الكهف فعالة بالكسر في المصادر يجيء لما كان صفة، ومعنى متقلداً كالكتابة والأمارة، والخلافة والولاية وما أشبه

ذلك وبالفتح في غيره اهـ. وقول الزجاج كل ما اشتمل على شيء مبنيّ على فعالة نحو العمامة والقلادة، وكذا أسماء الصناعات، فانّ الصناعة مشتملة على ما فيها نحو الخياطة والقصارة، وكذلك ما استولى على شيء نحو الخلافة والأمارة يقتضي عدم الفرق بينهما، ونقل عن الراغب أنّ فعالة لما يفعل به ذلك الفعل كاللف في اللفافة، فإن استعملت في غيره فعلى التشبيه كالخلافة والأمارة، وهو يقتضي أنه كالمجرّد من الهاء وهو مخالف لهما والظاهر هو الأوّل. والفضل للمتقدّم. وسلمت واو الغشاوة لعدم تطرّفها ولو تطرّفت قلبت همزة كالغشاء وقال أبو عليّ رحمه الله لم يسمع منها فعل إلاً يائي فالواو مبدلة من الياء وردّ بأنه لا مقتضى للقلب فلعل له مادّتين وغشى كغطى لفظا ومعنى والعصابة ما يعصب على الرأس ويدار عليها قليلاً فإن زاد فعمامة وهي معروفة. قوله: (ولا ختم ولا تغشية إلخ) توطئة لبيان المراد واشارة إلى قرينة المجاز العقلية والى ضعف حمله على الحقيقة كما نقله الراغب عن الجبائي من أنه تعالى جعل ختماً على قلوب الكفار ليكون دليلاً للملائكة على كفرهم، فلا يدعون لهم وليس بشيء، لأن هذه الغشاوة إن كانت محسوسة، فمن حقها أن تدركها أصحاب التشريح وإلاً فهم باطلاعهم على اعتقادهم، وأحوالهم مستغنون عنها وسيأتي في كلام المصئف رحمه الله ما يشير إليه، وما قيل من أنه لم يحمل على الحقيقة تحاشياً عن نسبة الظلم والقبيح ليس بشيء لأنه ليس مذهب أهل السنة، وكذا ما قيل إنه لا يرتصوّر في شأنه وحمله على حقيقته غنيّ عن الردّ وما روي عن الحسن من أنّ الكافر إذا بلغ في الغواية غايتها رين في قلبه الكفر وعلم الله منه أنه لا يؤمن فذلك هو الختم دليل على المجاز لا الحقيقة كما توهم وأمّا إسناده بعد التجوّز فحقيقة عند أهل السنة مجاز عند المعتزلة لمنعهم من إسناد القبيح إلى الله تعالى كما نقل مفصلاً عن الكمال القاشاني. قوله: (وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم إلخ الما لم تصح الحقيقة علم امتناع الكناية أيضاً والكناية المتفرّع عليها المجاز مجاز بحسب نفس الأمر، فبقي أنه مجاز مرسل أو استعارة كما ستراه، والإحداث والإيجاد بمعنى والمراد بالنفوس الذوات المشتملة على الجوارح والمشاعر، والهيئة الصفة والحال التي هم عليها والتمرّن الاعتياد يقال: مرن على الشيء مرونا من باب قعد ومرانة بالفتح إذا اعتاده وداومه وأصله التليين وبسبب متعلق بيحدث، ويجوز تعلفه باستحباب واستقباح وتنازعهما فيه، والغيّ الضلال، والانهماك التوغل واللجاج، وتعاف بمعنى تكره وتنفر ويحدث بضم الياء التحتية وكسر الدال، فهيئة منصوب والمحث هو الله تعالى ويجرز قراءته بفتح التاء الفوقية وضم الدال ورفع هيئة على الفاعلية، وجملة تمرّنهم صفة لهيئة. وقوله: (فتجعل) بالمثناة الفوقية مرفوع معطوف على قوله تمرّنهم والضمير المستتر فيه للهيئة والإسناد مجازيّ أو بالتحتية، وهو منصوب معطوف على يحدث على الأوّل وفاعله المستتر لله والإسناد حقيقيّ وقوله فتصير ضميره للاسماع والقلوب. وقوله: (وأبصارهم) معطوف على أسماعهم أو قاوبهم وتجتلي بمعنى تنظر أو بمعنى تراها مجلوّة عليها كالعروس ففيه استعارة مكنية وتخييلية. وقوله:) كأنها) بدل من قوله لا تجتلي وفي نسخة فتصير كأنها وحيل مجهول بمعنى وقعت الحيلولة. وقوله: (كأنها مستوثق إلخ) بيان للمناسبة بين ما أريد به ومعناه الحقيقي كما مرّ، وليس هذا معنى مجازيا حتى يكون المراد مجازاً بمرتبتين محتاجا للتوجيه المشهور، وقد مرّ أنه لا خلاف بين أهل السنة والمعتزلة في المجازية وإنما الخلاف في الإسناد بعد التجوّز. وقال الإمام الراغب: أجرى الله العادة أنّ الإنسان إذا تناهى في اعتقاد باطل وارتكاب محظور فلا يكون منه تلفت بوجه إلى الحق يورثه ذلك هيئة تمرّنه على استحسان المعاصي، وكأنما يختم بذلك على قلبه وعلى ذلك قوله تعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [النحل: 108] وعلى هذا النحو استعارة الإغفال في قوله {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} [الكهف: 28] واستعارة الكن في قوله {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} [الأنعام: 25] واستعارة القساوة في قوله {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13] اهـ وهو كلام حسن ومنه أخذ المصنف رحمه الله، ثم اعلم أن البزار روى حديثا مرفوعا عن ابن عمر فيه أنّ الطابع معلق بقائمة العرس فإذا عمل العبد بالمعاصي، واجترأ على الله بعث الله الطابع فيطبع على قلبه، فلا يعقل بعد ذلك شيئاً فقيل: إنه روي مثله في كثير من الأحاديث فحملها

من لم يتضلع من الحديث على المجاز، والأقوى كما في شرح السنة للبغوي إجراؤها على الحقيقة إذ لا مانع منها والتأويل خلاف الأصل ولا يخفى أنه مذهب الظاهرية والحس والعقل شاهدان للتأويل، فلا يغرّنك كثرة القال والقيل. قوله: (وسماه) بتذكير الضمير كما في أكثر النسخ، وهو راجع إلى الاحداث أو الحدوث وفي بعض النسخ سماها بتأنيثه والظاهر رجوعه للهيثة، وهي الكيفية والحالة محسوسة كانت أو لا فإمّا أن يكون بتقدير مضاف أي إحداثها أو لا يقدر لما سيأتي من أنّ الهيئة مستعار لها أيضاً في بعضى الوجوه. قوله: (على الاستعارة إلخ) الاستعارة تستعمل بمعنى المجاز مطلقاً، وبمعنى مجاز علاقته المشابهة مفرداً كان أو مركباً وقد تخص بالمفرد منه، وتقابل بالتمثيل كما في مواضع كثيرة من الكشاف والتمثيل وإن كان مطلق التشبيه غلب على الاستعارة المركبة ولا مشاحة في الاصطلاح، وحاصل ما قرّروه هنا أنّ الختم استعير نن ضرب الخاتم على الأواني ونحوها لأحداث هيئة في القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما كما يمنع الختم فهي استعارة محسوس لمعقول بجامع عقليّ هو الاشتمال على مغ القابل عما من حقه أن يقبله ثم اشتق منه الماضي ففيه استعارة تصريحية تبعية، ويلزم من التشبيه الذي تتضمنه هذه الاستعارة تشبيه القلوب والأسماع بالأواني كما في جوامع الكلم بل بالاقماع المقفلة إلاً أنه، ضا تابع لذلك التشبيه لم يقصد ابتداء، فبطل ما توهم من أنّ في القلوب والاسماع مكنية مخيلة بالختم إذ ردّ التبعية في مثله إلى المكنية غير مرضيّ، ومنه تعلم أنّ ما في العبارة من قوله بجعل قلوبهم وأسماعهم كأنها مستوثق منها بالختم لا يدل عليه كما تخيلوه وهو كقولهم في نطقت الحال أنها جعلت لكونها دالة كأنها ناطقة مع أنّ المراد تشبيه دلالتها بالنطق لا تشبيهها بالناطق فهو بيان لحاصل الكلام، ولذا قيل لفظة كأنّ كثيراً ما تستعمل عند عدم الجزم بالشيء من غير قصد إلى تشبيه نحو كأنّ زيداً أخوك، فكنى بها هنا عن عدم القصد من الفحوى وهو كلام حسن، وكثيرا ما تراه في كلامهم ولفظ الغشاوة استعير من معناه الأصلي لحالة في أبصارهم مقتضية لعدم اجتلاء الآيات والدلائل، فهي استعاوة أصلية مصرّحة من محسوس لمعقول كما مرّ لا تبعية كما سيأني، ودعوى أنّ الأبصار مكنية لا يأباه الحكم بأنّ الختم والتغشية مجاز، وقد عرفت أنه غير مقبول، ويوضحه ما ذكره المدقق في الكشف من أنه إنما يكون إذا اتضح كون التخييل من روادف المسكوت عنه، وكان شائعاً لائحاً تشبيهه بالمستعار منه، كما في نحو {يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27] وعالم يغترف منه الناس إذ لا فرق بينهما سوى أنّ النقض تمهيد لكون المنقوض حبلاً والاغتراف منه لكونه بحرا، وأنّ لهما مزيد اختصاص بالحبل والبحر وتشبيه العهد والعالم بهما مستفيض لا كتشبيه القلوب بالاً واني، فإنه إنما يؤخذ من إيقاع الختم عليها والمشبه أحداث ذلك والمشبه به ضرب الخاتم وقيل شبه عدم نفوذ الحق في القلوب وتحقيق نبوّ الاسماع عن قبوله بكونها مختوماً عليها ومغطى عليها تثبثا بقوله كأنها مستوثق منها بالختم، واعترض عليه بأنه إذا كان المشبه به المختومية كان استعارة في المصدر المبنيّ للمفعول. وأجيب فأن مصدر الفعل المتعدّي يشتمل على معنى المصدر المبنيّ للمفعول كما صرّح به قدّس سرّه في بحث متعلقات الفعل من شرح المفتاح: والمقصود هنا استعارة المختومية لحالة القلوب والاسماع، واظهار المشابه بينهما ويلزم ذلك استعارة خاتميته تعالى بالتبعية فالمستعار لفظ المصدر المبنيّ للفاعل المتعدي، لكن المقصود نسبته إلى المفعول التي هي جزء منه والتشبيه به بل التشبيه يلازم هذا الجزء الذي هو الهيئة والحالة، لكن أداؤه بالفعل لا يمكن إلاً بإحدى النسبتين، فالظاهر حينئذ أن يجعل المشبه الهيئة التي يلزمها عدم نفوذ الحق لكن المقصود ما ذكرنا، وبهذا علم ما وعدته في تأنيث ضمير سماها. قوله: (وتغشية) قد قدمنا لك أنّ هذه الاستعارة أصلية تصريحية لا تبعية، وقد قيل إنه ظاهر تقرير المصنف والزمخشريّ حيث جعلا المشابهة بين عدم اجتلاء الأبصار والتغشية، وحيث قالا لا ختم ولا تغشية وإليه ذهب الرازي في شرح الكشاف وتابعه بعضهم فيه، وأيده بعض المدققين بأنهم جعلوا الاستعارة تبعية في أسماء الزمان والآلة، وسائر المشتقات

لأنّ المقصود الأهم فيها هو المعنى القائم بالذات لا نفسر الذات، فينبغي أن يعتبر التشبيه فيما هو الأهم فتكون تبعية، فإن جعلنا الغشاوة اسم ا-لة كما ذكر في لفظ الإزار والإمام فيجب أن تكون تبعية، وإلا فلا يخلو عن خفاء اهـ. وقيل المفهوم من هذا أنّ في قوله تعالى {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} استعارة تبعية كما في ختم، فكأنهم جعلوه بمعنى غشى الماضي، كما يدلّ عليه قوله ما معنى الختم على القلوب والأسماع، وتغشية الأبصار ويؤيده قراءة النصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة فيوافق ما في سورة الجاثية وهو قوله تعالى {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] أو على حذف الجارّ كما سيأتي وهو مخالف لما في شرح الكشاف من أنه استعارة أصلية لا تبعية (والذي خطر بالخاطر الفاتر) أنّ الجملة باقية على اسميتها والنكتة في تغيير الأسلوب إفادة الدوام والثبات الذي يقتضيه المقام لما تقرّر في الأصول من أنّ سبب الإيمان حدوث العالم وتغيره المدرك بالبصر فكل عاقل شاهده بعين الاستبصار والاعتبار استدل به، وترك الأفكار، ومن لم يؤمن كأنه لم يبصره لغشاوة خلقية على بصره وهو معنى الثبات والدوام، وأمّا ما في سورة الجاثية، فالمقام مقتض لبيان عدم قبولهم النصح، ومبالاتهم بالمواعظ المتعاقبة عليهم حيناً بعد حين، فيناسبه الفعل الدال على التجدّد وهذا مما تفرّدت به، ثم قال: والحاصل أنّ استعارة الختم تبعية كما مرّ بيانه، وكذا ما في قوله وعلى أبصارهم غشاوة لكن بالتأويل الذي سمعته فظهر أنّ كلام شراح الكشاف بالنظر لظاهر الآية، وكلام المصئف ومن حذا حذوه بالنظر للتأويل. (أقول) لو كان المقام مقتضيا للثبات والدوام لم يكن لتصدير. بالفعلية هنا وجه أصلاَ لأنّ الاستبصار والاعتبار بالقلب، فإذا تجدّد لزمه تجدد الختم أيضاً، وأمّا قراءة النصب على الوجهين، فالغشاوة فيها مصدر، فكيف تكون استعارة تبعية بمقتضى النظر السديد، ولو سلم أنّ المقام يقتضي الثبات في الجملة الثانية تكون قراءة النصب مخالفة لمقتض المقام، ومثله من وساوس الأوهام فالحق أنّ العدول إنما هو للإيجاز، واًنّ منشأ الخلاف إنما هو أنّ الاسم الجامد إذا أوّل بمشتق هل ينظر لأصله فتجعل استعارته أصلية أو لما قصد به لأنه بمعنى الشيء المغشي فتجعل تبعية، وأمّا كونه اسم آلة كالإزار فصلح من غير تراض للخصمين لأنّ الذي ادّعوه هنا أنه اسم لما يشتمل على الشيء كالعمامة، وان ذهب له الراغب كما مرّ، فالحمد دلّه الذي هدانا بفضله لتوفيقه. قوله: (أو مثل قلوبهم ومشاعرهم إلخ) مثل فعل ماض من التمثيل والظاهر أنه معطوف على سماه لقربه منه، وتناسب جملتيهما في الفعلية والمراد بالاستعارة المقابلة للتمثيل المجاز في المفرد كما مرّ، وفي الحواشي أنه معطوف على قوله المراد وهو بعيد لفظا ومعنى، وان قيل: إنه بنى معناه على التمثيل ولو بناه على الأوّل لم يتعرّض له وفيه نظر، وهو بيان لكونه استعارة تمثيلية بأن يشبه حالة قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم مع الهيئة الحادثة فيها المانعة من الاستنفاع بها في الأغراض الدينية التي خلقت هذه الآلات لها بحال أشياء معدة للانتفاع بها في مصالح مهمة مع المنع من ذلك بالختم والتغشية، ثم يستعار للمشبه اللفظ الدال على المشبه به، فيكون كل واحد من طرفي التشبيه مركباً من عدّة أمور والجامع عدم الانتفاع بما أعدّ له بسبب عروض مانع يمكن فيه كالمانع الأصلي، وهو أمر عقليّ ينتزع من تلك العدّة فتكون الاستعارة حينئذ تمثيلية وليس للإسناد إلى الختم والتغشية في هاتين الفعليتين مدخل في هذا التمثيل كما لا مدخل له في قولك أراك تقدم رجلاَ وتؤخر أخرى، وهل هذا التمثيل تبعيّ في الفعل وحده أو في لفظ مركب ملحوظ بعضه ومنويّ في الإرادة ارتضى الشريف المرتضى الثاني وغيره الأوّل، وعليه إنما صرّح بالختم والتغشية لأنهما الأصل والعمدة في تلك الحالة المركبة، فيلاحظ باقي الأجزاء بألفاظ متخيلة إذ لا بد في التركيب من ملاحظات قصدية متعلقة بتلك الأجزاء، ولا سبيل إلى ذلك إلاً بتخيل ألفاظ بإزائها، وقد قدمنا لك ما له وعليه في تحقيق الاستعارة في قوله تعالى {عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} فليكن على ذكر منك، وقد يتوهم من ظاهر العبارة أنّ المشبه القلوب والأسماع، وأنّ الختم تخييل كما ذهب إليه بعضهم، ولله درّ القائل جزاه الله خيرا أنه إذا كان الغرض الأصليّ الواضح الجليّ تشبيه المصدر وذكر المتعلقات بالتبع، فالاستعارة تبعية كما في قوله:

تقري الرياح رياض الحزن مزهرة ~ إذا جرى النوم في الأجفان إيقاظا فإنّ حسن التشبيه بحسب الأصالة إنما هو فيمابن هبوب الرياح والقرى لا فيما بين الرياض والضيف أو الإيقاظ والطعام، وإذا كان في المتعلق وذكر الفعل تبعا كما في ينقضون عهد الله، فاستعارة بالكناية لشيوع طشبيه العهد بالحبل، وان كان الأمران على السواء كما في نطقت الحال، فمحتمل إذ كل من تشبيه الدلالة بالنطق والحال بالناطق حسن كما مرّ. قوله: (ومشاعرهم المؤفة إلخ) المشاعر الحواس، وقوله {وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} معناه لا تدركون بالحواس وهو جمع مشعر بفتح الميم وكسرها لأنه محل الشعور أو آلته إلا أنه لا يعرف في الاستعمال كالجمع، والمؤفة بزنة معونة بفتح فتضم يليه واو ونون وهاء أي التي أصابها ما أفسدها وأبطل إحساسها، وهي اسم مفعول من الآفة بمعنى العاهة أعل إعلال مقولة إلا أنّ فعله لازم وهو آف الزرع إذا اً صابته آفة وقد سمع قعديه في قولهم ايف الزرع بزنة قيل فصيغة المفعول على هذا مقيسة، وعلى ما قبله على خلاف القياس ولذا أنكره بعض اللغويين. وفي كتاب الأفعال للسرقسطي آف القوم أوفا إذا دخلت عليهم مشقة، ويقال في لغة ايفوا وتال الكسائيّ: طعام مؤف إذا أصابته آفة، وأنكر أبو حاتم طعام مؤف اهـ وضمير بها للنفوس، وقد سقط من بعض النسخ والباء بمعنى في وعوده على الهيئة والباء للسببية جائز، وبأشياء متعلق بمثل والاستنفاع طلب النفع، وكأنه آثره على الانتفاع مع أنه المعروف في الاستعمال لأنه أبلغ فإنه إذا حيل بينه وبين طلب النفع فقد حيل بينه وبين الانتفاع بالطريق الأولى وختما وتغشيه منصوبان على التمييز، ومنه تعلم أنه يجوز أن يثون مجازا مرسلاَ باستعماله في لازم معناه وهو المنع والحيلولة ولم يتعرّضوا له لأنّ الاستعارة أكسب وأبلغ. قوله: (وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة إلخ) هذا مأخوذ من كلام الراغب بعينه كما قدمناه يعني أنه كما عبر عن إحداث هذه الهيئة بالختم عبر عنه بما ذكر، فالطبع تصوير الشيء إصورة مّ كطبع السكة وطبع الدراهم، فهو أعمّ من الختم وأخص من التقش، والطابع الخاتم، وقد يفسر الطبع بالختم والطبع أيضا الجبلة التي خلق عليها كالطبيعة يقال طبعت الكتاب، وعليه إذا ختمته، ويجري في الطبع ما مرّ بعينه، وأمّ الإغفال، فهو استعارة من إغفال الكتاب أي تركه غفلاَ بزنة قفل أي غير منقوط ومشكول، وهو ضدّ المعجم وقوله تعالى {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} [الكهف: 28] معناه تركناه غير مكتوب فيه الإيمان كما قاله الراغب رحمه الله، فلا إشكال في كلام المصنف رحمه الله، ومنهم من فسره بجعل الشخمى غافلاً فاعترض عليه بأنه غير إحداث الهيئة المذكورة وغير مستلزم لها فاعتذر عنه بعضهم وهو غفلة لا إغفال، وأمّا القسوة فهي من قولهم درهم قسيّ أي مغشوس، فهو استعارة أيضاً كما ذكره الراغب، وسيأتي تحقيقه في سورة المائدة والإقساء ذكر لحاصل معنى جعلها قاسية فلا يتوهم أنه ليس في النظم الأقساء بل القسوة إلاً أنها لغة غير فصيحة، ولذا عدل عنها في القرآن مع أنها أخصر. قوله: (وهي من حيث أنّ الممكنات إلخ) هذا ردّ على قوله في الكشاف القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها، وأمّا إسناد الختم إلى الله عز وجل فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضيّ ثم قال وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم وسماجة (1) حالهم ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم فصرف الإسناد إلى الله تعالى عن ظاهره وجعله غير حقيقيّ بناء على مذهبه من أنّ أفعال العباد مخلوقة لهم، لئلا تسند المعاصي وا اغبائح إلى الله سبحانه وتعالى على ما تقرّر في الكلام وضمير هي راجع إلى الأمور المذكورة المعلومة من السياق من ختم القلوب والغشاوة وتابعهما ويجوز إرجاعه إلى الهيئة، وهو مبتدأ خبره جملة أسندت إليه أي إلى الله والرابط الضمير المستتر في أسندت، ومن حيث الأوّل متعلق بأسندت مقدم عليه للاهتمام أو للحصر بالنسبة إلى قبحها وحيث مضافة إلى الجملة المصدّرة بأنّ المكسورة والممكنات اسمها، ومستندة وواقعة خبر ان لها بغير عطف لما بينهما من شبه الاتحاد أو الثاني بدل أو عطف بيان، والواو الداخلة على من حيث الثانية عاطفة لجملة

وردت على أسندت، ومن حيث متعلق به مقدّم لما مرّ، والرابط لهذه الجملة ضمير إنها وقيد الحيثية هنا للتعليل، وله معنيان آخران الإطلاق نحو الماء من حيث هو بارد بالطبع والتقييد نحو الإنسان من حيث أنه نشأ بدارنا لا يصح تملكه، وهذا مع أنه أمر مكشوف ذكرته لما قيل عليه من أنّ في تركيبه إشكالاً لأنّ الظاهر أنّ قوله، ومن حيث أنها معطوف على من حيث أنّ الممكنات، فيلزم أن يكون قوله وردت الآية إلخ خبر إلهي ولا مجال له لخلوّه عن الرابط، ويمكن أن يقال الواو داخلة في الحقيقة على وردت وهو مع ما تقدّمه من قوله من حيث إلخ معطوف على مجموع وهي من إلخ. وهو مما يقضى منه العجب، وأعجب منه ما قيل في توجيهه من أنّ الآية منصوب على الظرفية، والتقدير من حيث أنها مسببة عما اقترفوه وردت في الآية ناعية عليهم فاستسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم وحاصل ما ردّ به المصنف رحمه الله عليه أنّ الممكنات كلها واقعة بإيجاده وقدرته وان كانت معاصي قبيحة لأنه لا قبح في إيجادها بل في كسبها والاتصاف بها، كالمصوّر لصورة قبيحة إذا تمّ محاكاتها فإنه يدلّ على جودة تصوّره وتصويره والقبح إنما هو في ذي الصورة لا في التصوير. قوله: (مسببة عما اقترفوه إلخ) اقترفوه بمعنى اكتسبو. من القبائح لأنه من القرف، وهو قشر اللحاء عن العود والجليدة عن الجرح، ثم استعير للاكتساب مطلقاً إلاً أنه متعارف في القبيح والإساءة كما قيل: الاعتراف يزيل الاقتراف، وهو المراد هنا وفيه إشارة إلى أنّ الباء في الآيتين سببية كما سيأتي في محله، وناعية بمعنى مظهرة ومنادية بتشهير قبائحهم وفيه إيماء إلى أنّ قبائحهم كأنها مهلكة، وقاتلة لهم كانهم قتلوا بها أنفسهم: قتل المسيءبماجنته نفسه حقاوقاتل نفسه في النار وفي الأساس عن الفراء النعي رفع الصوت بذكر الموت وكانت العرب إذا مات من له قدر ركب راكب وساش في الأرض قائلاَ نعاء فلانا ثم قيل مجازا نعى عليه هفوته إذ أشهرها، والشناعة كالقباحة وزناً، ومعنى والوخامة بفتح الواو والخاء المعجمة كالوخام مصدر وخم البلد والمرعى بالضم إذا كان فيه وباء وفساد هواء يضرّ ساكنه، فاستعير هنا لكون العاقبة غير حميدة وهو إشارة لقوله ولهم عذاب عظيم كما أنّ ما قبله لما قبله، وهذا ردّ على ما ادّعاه من أنّ القباحة ونعيها يأبى إسناده إلى الله على الحقيقة، فإنّ الإسناد للاحداث والإيجاد والنعي لاتصافهم بما اقترفوه من الفساد ولا منافاة بينهما. قوله: (واضطربت المعتزلة إلخ) أي تخالفت أقوالهم فيما أسند إليه تعالى مما مرّ ونحوه لمخالفته لما ادّعوه مما نحن في غنية عن إعادته لشهرته في كتب الأصول، والاضطراب افتعال من الضرب يقال: اضطرب أمره وفي أمره إذا اختلف اختلافا يؤدّي إلى الاختلال. قوله: (الأوّل أنّ القوم لما أعرضوا إلخ) هذا ما ذكره الزمخشريّ بقوله القصد إلى صفة القلوب إلخ كما ذكرناه آنفا، وقد قال قدس سرّه: إنه يعني أنّ الإسناد إليه تعالى كناية عن فرط تمكن هذه الصفة التي هي- الهيثة الحادثة المانعة، وثبات رسوخها في قلوبهم وأسماعهم، فإن كونها كذلك يستلزم كونها مخلوقة لله صادرة عنه فذكر اللازم لينتقل منه إلى الملزوم المقصود فيصدق به ألا تراهم يقولون هو مجبول على كذا ولا يعنون خلقه عليه بل ثباته وتمكنه فيه ولما لم تمكن حقيقة الإسناد على مذهبه وجب عده مجازا متفرّعا على الكناية كما ذكره في قوله تعالى {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمرأن: 77] وأنّ أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية، ثم جرّد في غيره لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عته فيمن يجوز عليه فظهر أنه إذا أمكن المعنى الأصلي كان كناية والاً فمجاز مبنيّ على الكناية فيجوز إطلاق الكناية عليه باعتبار أصله وان انقلب مجاز التغاير اعتباريّ، ولذا جعل بسط اليد وغلها في المائدة مجازاً وفي طه كناية كالاستواء على العرس، ولا منافاة بين قوليه ولا حاجة إلى الدفع بأنه قد يشترط في الكناية إمكان المعنى لأصليّ وقد لا يشترط، وقد سبق إلى بعض الأوهام من قوله كالمختوم عليها، ومستوثق منها بالختم أنّ المشبه به الختم المبنيّ للمفعول دون الفاعل، ولذا قيل إنّ المشبه عدم نفوذ الحق في القلوب والاسماع لا إحداث الهيئة المانعة فيها، وفساده ظاهر لأنه إذا استعير المصدر المبنيّ للمفعول اشتق منه فعل مبنيّ له كما يشتق

من المبني للفاعل ما بنى له، فينبغي أن يقال: ختم على قلوبهم إلخ وأيضاً كون الشيء مختوماً عليه مستلزم لعدم النفوذ فيه استلزاما ظاهراً، فهو مجاز مرسل وجعله استعارة تعسف نعم قد يشبه كون القلب مثلأ قد أحدث فيه هيئة مانعة من أن ينفذ فيه الحق بكون الشيء مختوما عليه، وتنقيحه أنّ المشابهة التامّة إنما هي بين النقش الحاصل في الخاتم والهيئة المانعة الحادثة في القلوب، والأسماع لمنعهما من النفوذ فحينئذ جاز أن يشبه أحداث هذه الهيئة باحداث ذلك النقش، ويبنى منه الفعل للفاعل، وأن يشبه كون القلب محدثا فيه هذه الهيئة بكون الشيء محدثا فيه ذلك النقش، ويبنى منه الفعل للمفعول وعدم النفوذ من تتمة وجه الشبه لا مشبه ولا مشبه به، والمقصود بالصفة التي نبه بإسنادها إليه تعالى على ثبات قدمها، وتمكنها هو الهيئة الحادثة لا إحداثها فتبصر اهـ. (أقول) اتفقت كلمة محققي الشراح هنا على أنّ مراده أنه كناية في الإثبات لا نعت لذاته إلا أنه وقع النراع بينهم فيما ستراه عين اليقين (ويرد على ما قاله الشريف) مما حذا فيه حذوهم أمور.، (منها) أنّ الزمخشريّ، لما لزمه بناء على مذهبه أن لا يسند الختم إلى الله حقيقة وقال: بأنّ أفعال العباد مخلوقة لهم، وإنما خلق الله فيهم أجسامهم، وطبائعهم، وقواهم، ونحوها من الأجرام والأمور القارّة فأسند إليه أفعالهم للدّلالة على الرسوخ والثبات فيها، لجعلها بمنزلتها فهو إسناد مجازيّ أحد طرفيه مجاز كأحيا الربيع الأرض فأقي داع إلى اذعاء الكناية المؤدّي إلى التعب والنزاع والشغب، وليس في كلامه ما يقتضيه أصلاَ، وهو من الإسناد إلى المضاهى أو إلى السبب البعيد لأنها بإقداره وتمكينه، كما لا يخفى والتمثيل له بمجبول يؤيد ما قلناه، والداعي لارتكابه ما سيأتي من عذه الإسناد المجازقي وجهاً آخر وستعرفه إن شاء الله تعالى. (ومنها (أنّ ما ذكره من المجاز المتفرّع على الكناية، وان تبع فيه غيره لا يخفى ما فيه من التكلف من غير داع، فإنّ الجمع بين المجاز والكناية في شيء واحد مما لم يعهد مثله، وما ذكره الفاضل المحقق في التوفيق بين كلامي العلامة ليس بابعد مما ارتكبوه بل لو دقق النظر في أمثلة الكنابة شوهد فيها ما يؤيده والنظر السديد، لا يسجد للتقليد على أنه ذكره في الكناية التي وقع التلازم فيها في المعنى الوضمي كالنظر لا في النسبة والإثبات وبينهما بون بعيد فتدبر. (ومنها) أنّ ما خطأ فيه الفاضل المحقق، وادّعى ظهور فساده في المصدر المبنيّ للمفعول فهو وإن ترا أى في النظرة الأولى ورود. إذا أمعن فيه النظر علم أنه غير وارد إلاً أنه يستدعي تقديم مقدمة هي أنّ المصدر إمّا مصرّح به، أو في ضمن الفعل والأوّل قد ذكروا فيه أنه يكون مبنيا للفاعل وللمفعول ولقد ماء النحاة فيه اختلاف فذهب البصريون إلى أنه مشترك بينهما وقالوا إنه إذا أضيف لمفعوله يجوز أن يتبع بالجرّ والنصب والرفع على تقديره بأن والفعل المجهول كما في الحديث " أمر بقتل الأبتر وذو الطفيتين " (1) بالرفع أي بأن يقتل الأبتر وذو الطفيتين، فيجوز عندهم أن ينحل بحرف مصدريّ وفعل مجهول فيرفع به نائب الفاعل وهو ثمرة الخلاف فيه، وارتضاه ابن مالك كما في شرح التسهيل لأبي حيان وخالفهم فيه بقية النحاة، لأنه لم يسمع وإنما معناه الحدث بقطع النظر عن ذلك، وهو التأثير وقد يراد أثره تسمحاً فيظن مبنياً للمفعول، وعليه الشارح المحقق في شرحه، ولذا قال بعض المتأخرين أنّ صيغ المصادر حقيقة في أصل النسبة مجاز في الهيئة الحاصلة منها للمتعلق معنوية كانت أو حسية للفاعل في اللازم كالمتحركية وله، وللمفعول في المتعدي كالعالمية والمعلومية، وقولهم المصدر مبنيّ للفاعل أو للمفعول تسامح يعنون به الهيئتين اللتين هما معنيا الحاصل بالمصدر، وقد قال قدس سرّه: في حواشي الرضى أنّ النحاة جعلوا المفعول الحقيقي الذي هو الأثر عين الفعل الذي هو التأثير بناء على أنهم لا يميزون بينهما إلى آخره، ذكره بعض المتأخرين في تعليقة له في الفرق بين المصدر والحاصل بالمصدر، وهذا في صريح المصدر أمّا معناه الذي تضمنه الفعل فلا مانع من ملاحظة المعيين في كلا الصيغتين إذا كان الفعل متعديا كما هنا فدلالة ختم المبنيّ للفاعل على المصدر المبنيّ للمفعول جارية على السداد من غير فساد وقد حام حول الحمى من قال الفعل المتعدّي، كما يشتمل على نسبة مصدره إلى فاعل ما يشتمل على نسبته إلى مفعول مّا كما في شرح المفتاح، والمقصود هنا استعارة مختومية الأواني لحالة الكفار واظهار تشابههما ويلزمه

استعارة خاتمية الله إياهما وابراز المناسبة بينهما على طريق القصد، فالمستعار لفظ المصدر المبنيّ للفاعل المتعدي لكن القصد الأصليّ التشبيه بجزء معناه أي النسبة المفعولية لا الفاعلية بل بلازم الجزء أي هيثة المختوم وحالته عند الختم، وأداء هذا المقصود في ضمن الفعل لا يمكن إلا باعتبار الاستعارة في إحدى النسبتين ولا يخفى أنه لا يقصد أصالة عند أدائه إلى اعتبار الاستعارة ني النسبة الفاعلية بل يكفي في النسبة المفعولية ولا بحد في اعتبار الاستعارة نظراً إلى الجزء كما في استعارة الأفعال باعتبار الزمان أو الحدث دون النسبة فاندفع اعتراضه تدس سرّه. وأمّا ما قيل في دفعه بأنه تحاصحى العلامة عن تشبيه فعل العبد بفعله تعالى صريحاً وأوجب أن يشبه عدم نفوذ الإيمان في قلوبهم بكون الشيء مجبولاً عليه، فلزم منه تشبيه إحداث العبد الهيئة في نفسه بختم الله فعمل بهذا اللازم، وقيل ختم ولم يعمل بمقتضى صريح التشبيه لأنه لو لم يذكر الفاعل لم يفهم جعل فعل العبد بمنزلة الأمر الخلقي، ولا يخفى اضطرابهم في هذا التوجيه فتعسف لا طائل تحته. (ومنها) أنّ قوله: إنّ كون الشيء مختوما عليه مستلزم لعدم النفوذ فيه قيقتضي أن يكون مجازاً مرسلاً وجعله استعارة تعسف لا وجه له، لأنّ اللزوم لا بدّ منه في جميع المجازات ألا ترى أنّ استعارة الطيران لشدة العدو استعارة لا شبهة في حسنها، والجامع بينهما السرعة اللازمة للطيران لزوماً ظاهراً ولم يقل أحد أنه ينبغي أن يكون مجازاً مرسلاَ عن السرعة اللازمة له، وكما في النطق والدلالة على ما بين في المعاني. قوله: (شبه بالوصف الخلقي المجبول صليه الم يرد بالتشبيه التشبيه الذي يفاد بنحو الكاف بل الجهة التي راعاها المتكلم حين أعطى الوصف الذي أوجده العبد حكم الخلقي في إسناده إلى الخالق كما تال في دلائل الإعجاز أنّ لشبيه الربغ بالقادر في تعلق وجود الفعل به ليس هو التشبيه الذي يفاد بكأنّ والكاف ونحوهما هانما هو عبارة عن الجهة التي راعاها المتكلم وإذا جاز أن يشبه الفاعل من حيث هو فاعل بالفاعل استلزم أن يشبه فعله بفعله في أمرمّ، وقد ذكر في شرح التلخيص أنّ المجاز الإسنادي ليس بمقصور على ما ذكروه، فأيّ مانع من أن يقصد في الإسناد تشبيه الفعل بالفعل خصوصا إذا تضئن معنى بديعاً، فلو قلت في عدم تحرّك عطيم، وقيامه إلاً إذا غزا فيتحرّك بحركته ما سواه إنما تتحرّك الأرض إذا زلزلت شبهة حركته بحركتها وأسندت ما له إلى محله من غير نظر لتتشبيهه بالأرض، فهنا أيضاً شبه فعل العبد بفعل الله في الثبات والرسوخ، ولم ينظر إلى الفاعل تأدّبا عن تشبيه السيد بعبيده، وإن لزم كما قيل كل ما يصلح للمولى على العبد حرام فبطل ما قيل من أنّ المراد أنه استعارة تبعية شبه إعراضهم عن الحق المانع عن نفوذه بالوصف الخلقي للشيء المانع عما هو مطلوب منه في التمكن والاستقرار، ولم يصرّح بالمشبه بل كنى عنه بالختم المسند إلى الله، وهذا مقتضى عبارة الكتاب، وسقط ما قيل: من أنه مضطرب من وجوه. أمّ أوّلاً فلأنّ المجاز في الإسناد إنما يكون بالإسناد إلى ملابس غير ملابس هوله بتنزيل الملابس منزلة ما هو له ولم يجىء الإسناد لتنزيل الفعل منزلة فعل غير الملابس الذي هو له، على أن الزمخشريّ جعل هذا الوجه مقابلاَ للوجه الثالث الذي ذكره المصنف وصرّح فيه بأنه إسناد مجازيّ، فلو كان هذا من المب ز الإسنادي كان ذلك لتفصيل ما هنا لتقدّمه. وأمّا ثانياً فلأنّ إسناد الختم إلبه تعالى إنما يفيد كون الإعراض عن الحق متمكناً في قلوبهم، لو كان كل ما يحدثه الله في العبد خلقياً لازماً له وليس كذلك. وأمّا ثالثاً فلأنّ إسناد القبيح إليه تعالى، وإن كان مجازا مما لا يقدم عليه عاقل ومجبول بمعنى مطبوع مخلوق من الجبلة بكسرتين وتثقيل اللام وهي الطبيعة والخليقة والغريزة بمعنى، وجبلة الله على كذا فطره فهو مجبول. قوله: (الثاني أنّ المراد به تمثيل حال قلوبها إلخ) هذا ملخص قوله في الكشاف: ويجوز أن تضرب الجملة كما هي وهي ختم الله على قلوبهم مثلاً كقولهم سال به الوادي إذا هلك، وطارت به العنقاء إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعتقاء عمل في هلاكه، ولا في طول غيبته وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليها نحو قلوب الاغتام التي هي في خلوها عن الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدر ختم الله عليها

حتى لا تعي شيئاً ولا تفقه وليس له عز وجل فعل في تجافيها عن الحق ونبوّها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك اهـ وفي قوله تضرب الجملة إشارة إلى الفرق بين هذا التهثيل والتمثيلى السابق، وهو أنّ العمدة ثمة والتصرّف في الختم وهنا في مجموع الجملة وتحقيقه أنه لما ذهب إلى أنّ القبائح الصادرة من العباد مخلوقة لهم، ولا يجوز صدورها عنه تعالى بناء على قاعدة الحسن والقبح، فلا يجوز حينئذ أن تنسب-قيقة إلى الله تعالى على زعمهم كما فصل قبولاً وردا في الأصلين وشهرته تغني عن ذكره توجه السؤال على إسناده في الآية، فأجاب أولاً بأنه إنما يمتنع حقيقة، وهو هنا إسناد مجازيّ للدلالة على تنزيله منزلة الجبليّ المطبوع عليه، وثانياً بأنه لو سلم إسناده إليه على الحقيقة فليس الختم فيه بالمعنى السابق حتى يلزم المحذوو على زعمهم إذ المراد به خلقهم على فطرة خالية عن الفطنة غير قابلة لانتقاش صور كثيرة من المدركات كالبله المجاذيب، أو البهائم الغلف ومثله مما ينسب إلى الله بالإتفاق لخلقه الذكيّ والأحمق، والمعتزلة يؤوّلون ما يدل على خلقه تعالى للأفعال بجعلها عبارة عن التوفيق، ومنح الألطاف في الحسن والخذلان ومنعها في ضده، ونحو ذلك من إفاضة الاستعداد وعدمها، ثم شبهت حال هؤلاء في الاعراض عن الحق، والإصرار على عدم النظر والإصغاء له بحال أغتام، أو أنعام ختم الله على مشاعرها بخلقها كذلك، فالختم بمعنى ذلك الختم مجاز لكنه مسند إلى الله حقيقة لصدور ذلك المعنى المجازي عنه ومجموع ختم الله مجاز مركب قد تجوّز في بعض مفرداته، ومثله مشهور لا تكلف فيه، أو شبهت حالهم بحال مخلوق لا نعرفه قد ختم الله على قلبه من غير واسطة بطابع حقيقيّ فالاستعارة تمثيلية لا تجوّز في شيء من مفرداتها إلاً أنّ المشبه به أمر متخيل لا تحقق له في الخارج، وسيأتي في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأحزاب: 72] ومنه ما يحكى عن ألسنة الجماد والحيوان والتمثيل يكون بالأمور المحققة نحو أراك ققدم رجلاً وتؤخر أخرى ويسمى تمثيلاً تحقيقيا وبالأمور المفروضة كما في الآية السابقة، ويسمى تمثيلاً تخييلياً كما فصله العلامة في سورة الزمر، وقال قدّس سرّه: إنّ هذا الجواب تغيير للمدّعي، وهو أق لا يحمل الختم على الاستعارة، ولا على التمثيل المذكور بل على تمثيل آخر يكون وجهاً ثالثاً وهو أن تشبه حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي، والنبوّ عن الحق بحال قلوب محقق ختم الله عليها كقلوب الاغتام أو البهائم، أو بحال قلوب مقدر ختمه عليها، ثم تستعار الجملة أعني ختم الله على القلوب كما هي بتمام الجملة مع إسنادها من المشبه به للمشبه إمّا على سبيل التمثيل التحقيقي أو التخييلي، فيكون المسند إلى الله سبحانه إسناداً حقيقياً ختم تلك القلوب المحققة، أو المقدرة حتى لا تعي شيئاً ولا قبح فيه أصلاَ سواء كان ختما حقيقياً أو مجازيا، كما هو الظاهر لا ختم قلوب الكفار، لأنّ الإسناد إليه تعالى داخل في المشبه به فلا مدخل له تعالى في تجافي قلوبهم، ونبوّها كما لا مدخل للمتردّد في أراك تقدم رجلاَ، وتؤخر أخرى في تقديم الرجل وتأخيرها إذ كل منهما داخل في المشبه به، وان فرض أنه عبر عنهما أو عن أحدهما بلفظ مجازيّ كالختم إذا حمل على المجاز الذي هو المختار. (أقول) ما حققه تبعا لما في الكشف تحقيق حقيق بالقبول إلاً أنّ ما ذكره من تغيير المدّعي أمر سهل، لأنه ليس على حقيقته، لأنه تمثيل، لران اختلف وجه التمثيل، والمعنى متقارب فيهما وإنما غيره ليثبت ما ادّعاه من أنّ الإسناد لا يجري على الحقيقة الظاهرة منه، وقد تحققت مما مرّ أن الختم في الأوّل مجاز، وفي الثاني حقيقة، فلا وجه للتردّد فيه تبعا للكشف، وقد انكشف لك أتم كشف وأمّا ما أورد عليه من أنه خلاف المتبادر من العبارة بل هو استعارة تمثيلية متفرّعة على الاستعارة الأولى فلا بعد فيه لأنه شاع مجاز ا " لمجاز كما عرف تفزع المجاز على الكناية في الوجه الأوّل وبيانه أنّ حقيقة الكلام ضرب الخاتم على الأواني بحيث يمنع الوصول إلى ما فيها، ثم استعير لأحداث الهيئة المعلومة في القلوب، ثم أريد حال قلوب الكفار فيما كانت عليه من النبوّ عن الحق، فالمقصود تشبيه تلك الحال بحال من تلبس بالأحداث المشبه بضرب الخاتم، لا حال من يتصف بضرب الخاتم حقيقة ففيه مبالغة كاملة اهـ. ولا يخفى أنّ ما ادّعى تبادره مع أنه أبعد مما ارتضاه الشريف المرتضى، لا يلاقي عبارة الكتاب ولا يجدي نفعاً فيما قصده من توجيه الإسناد إلى الله تعالى مع أنه لا يسند مثله إليه على زعمهم، لأنّ الأحداث المذكور من

أفعال العباد القبيحة فلا يصح إسناده إلى الله تعالى وحال قلوب الكفار أيضا من هذا القبيل، فأيّ فائدة فيما ارتكبه بل هذا مما يكاد أن يكون غفلة عن مرمى أنظارهم، ومغزى أفكارهم. وقوله مقدر مجرور نعت سببيّ لقلوب، وختم الله يصيغة المصدر نائب فاعله وجعل القلوب قلوب بهائم لا يجري عليها التكليف أسلم من المحذور الذي ادّعوه وإنما أخروه لأنّ إضافته إلى ضمير العقلاء يأباه إلا أن يدعي أنه من قبيل التجريد. قوله: (ونظيره سال به الوادي إلخ) قد سمعت آنفاً تفصيل الجواب الثاني وعرفت أنّ التمثيل على فسمين تحقيقيّ وتخييليّ وأنهما محتملان هنا في النظم فعلى تقدير القلوب قلوب الاغتام أو الأنعام يكون محققاً وسال به لوادي مثاله لأنّ السيل وإهلاكه للناس أمر محقق، وعلى تقديرها قلوباً مقدّرة مفروضة يكون تخييلياً، ونظيره طارت به العتقاء، ففي كلامه لف ونشر، وسال به الوادي مثل يضرب لمن هلك كما قاله الزمخشريّ وقال الميداني يقال لمن وقع في أمر شديد والظاهر الأوّل وكذا طارت به العنقاء أيضاً مثل لما هلك، أو لمن طالت غيبته، والعنقاء بألف لتأنيث الممدودة في آخره اسم طائر سمي به لأنه في عنقه بياض كالطوق، ويقال عنقاء مغرب كمبعد لفظاً، ومعنى بالإضافة والتوصيف فيل إنه كان بأرض الرس جبل مرتفع قدر ميل فيه طيور كثيرة منها، العنقاء، وكانت عظيمة لخلق جدّا ولها وجه كوجه الإنسان وأجنحة كثيرة، وفيها من كل حيوان شبه وكانت تأكل الطير ثم جاعت فاختطفت صبياً ثم جارية، فشكوها لنبيّ كان ثمة قيل اسمه حنظلة بن صفوان، وقيل: خالد بن سنان فدعا عليها فهلكت وقطع الله نسلها، وقيل غير ذلك، وقيل: إنها لا حقيقة لها، ولم توجد أصلاً كالغول ولذا قال الصفيّ الحلي: لما رأيت بني الزمان وما بهم ~ خل وفيّ للشدائد أصطفى أيقنت أنّ المستحيل ثلاثة ~ الغول والعنقاء والخل الوفي وما قيل: من أنها اسم ملك فضعيف جدّا. (تنبيه) أسقط المصنف رحمه الله قول الزمخشريّ نحو قلوب الأغتام إشارة إلى أنه مع ما بعده وجه واحد لا وجه مستقل كما توهمه عبارته، ولأنّ الثاني أنسب بمدعاه كما بيناه لك، ولذا قيل القلوب المقدّر ختمها قلوب العقلاء، لأنه لا يجوز عند المعتزلة ختم الله عليها إلا يطريق الفرض بخلاف قلوب البهائم، والزمخشريّ جعل الأغتام ممن ختم على قلبه وهم الجهال أو من لا يفصح وهو خرم لمذهبه لأنه منع للطف عن العبد وهم لا يجوّزونه، وقد عرفت مما قرّرناه لك سقوطه، وإن كان إسقاطه أولى فعبارته أخصر وأظهر، وهذا مما ينبغي أن يتفطن له فإنّ المصنف قدّس سرّه لا يعدل عن شيء مما في الكشاف إلاً لنكتة، ونحن إن شاء الله لا نهمل شيئاً منها. قوله: (الثالث أنّ ذلك في الحقيقة فعل الشيطان إلخ) يعني أنه إسناد مجازيّ من إسناد الفعل إلى السبب، كبنى الأمير المدينة والمسند مجاز فيه نحو أحيا الأرض الربيع وفاعله حقيقة الشيطان أو الكافر، وأورد عليه أنه يلزمه إسناد أفعال الكفرة والشياطين وقبائح الشرور كلها إليه تعالى، فإن. قيل قد أسندتموها أنتم إليه حقيقة، فلم تنكرون إسنادها مجازا قيل نحن نسند خلقها إليه لا نفسها، ولو سلم فلا قبح في إيجادها عندنا بل في الاتصاف بها، كما مرّ وأنتم تدّعون قبحها، ولك أن تقول هو غير وارد رأساً فإنهم لم يقولوا بجوازه دهانما قالوا ما ورد منه موهما للقبح تؤوّله، كما اتفقوا على تاويل اليد ونحوها مما يوهم التجسيم وان لم يجز إطلاقنا الجارحة عليه تعالى نعم الاقدار والتمكين من القبيح قالوا إنه قبيح أيضا كما منع الشرع من بيع آلات القتال من أهل الحرب فما كان جوابهم فهو جوابنا، فإن قلت على ما ارتضيناه من الوجه السابق فيه مجاز في الإسناد أيضاً كهذا، فهو تكرار محض وهو الداعي لشراح الكشاف بأسرهم على جعله كناية إيمائية في الإثبات كما مرّ، وان كان تكلفاً لكنه كما قيل: تدعو الضرورات في الأمور إلى سلوك ما لا يليق بالأدب قلت: التجوّز في الإسناد على وجهين لأنه يكون بجعل الفعل كالفعل في معنى كالثبات والرسوخ السابقين، أو الفاعل كالفاعل للملابسة بينهما، وكل منهما مجاز حكمي إلا أنّ الأوّل فيه حشمة وأدب عندهم، فلذا قدم لا يقال لم يجيء الإسناد لتنزيل الفعل منزلة الفعل، ولم يتعرّض له أحد من أهل المعاني، وإنما جاء لتنزيل

الفاعل، لأنا نقول هذه شهادة نفي لا تسمع، ولو قبلت قلنا إذا شبه الفعل بالفعل لزم منه تشبيه الفاعل بالفاعل، والملابسات لا تنحصركمامرّ. فلا تظن السراب بحراً وأيّ بأس في جعل وجهي المجاز الحكمي جوابين، وقد فعل مثله في التمثيل من غير أن يستبعده أحد من شراحه وما قيل هنا-ت أنه بقي وجه آخر لم يذكر، وهو أن يستعار الختم للأقذار والتمكين من الاعراض الكليّ عن الحق الموجب لعدم نفوذه ووصوله إلى محال القبول تشبيهاً لإعطاء القدرة على ذلك الاعراض السادّ لطرق النفاذ بالختم، وهو من الله لأنّ الأقدار، والتمكين لا يقبح عندنا وعندهم ليس بشيء لأنه يصير المعنى حينئذ أقدرهم الله على الختم ومراده أنه أقدرهم على إحداث الكفر والمعاصي، فإن قيل المعنى أقدرهم على الختم المتجوّز به عن إحداث ذلك فهو تعسف بلا قرينة، ثم إنّ المصنف رحمه الله. أسقط تمثيله في الكشاف بناقة ضبوث وقوله: إذا ردّعا في القدر من يستعيرها لأنه غير. ضعين لما مثل له كما في شروحه مع أنّ شهرة المجاز الحكمي تغني عن التمثيل، ولذا أسقط ما فيه من التفصيل، ثم إنّ قوله فعل الشيطان أو الكافر تبع فيه الزمخشريّ، وهو مناف لمذهب المعتزنة، لأنهم قالوا لو لم تكن العباد خالقين لا " فعالهم، لكان إثابة بعضهم بالإيمان وتعذيب بعضهم بالكفر قبيحاً والله تعالى منزه عن فعله، فالظاهر أنّ إحداث ما يمنع عن قبول الحق من نفس العبد لكنه نقل عنهم أنّ الإضلال، والإغواء من فعل الشيطان كما نقله الحفيد فتنبه. قوله: (الرابع أق أعراقهم إلخ) الذي يظهر بعد إمعان النظر أنّ المراد بهذا أنه لما ذكر في الآية السابقة كفرهم، وغلوّهم فيه بحيث لا تنجع فيهم الآيات والنذر ونحوه مما يقتضي الإعراض عن الحق، وعدم قبول الإيمان علم منه أنه لم يبق طريق إلى إيمانهم غير القصر والإلجاء إليه، وهو مناف للتكليف فدل السياق والسباق على أنه شبه ترك الإلجاء والقسر بختم وطبع، فرضي على مشاعرهم لأنّ الختم يمغ من الوصول إلى ما ختم عليه والنفوذ فيه، وفي الإلجاء للإيمان رفع للمانع عنه، وفي تركه إبقاء له وابقاء المانع من القادر على رفعه مانع معنى كما قيل: إنّ السفيه إذا لم ينه مأمور وهذا وان لم يخل من البعد ليس بمستبعد منهم فإنهم يركبون أطراف الأسنة في سلوك طرق الضلالة. وقال قدّس سرّه: الختم عبارة عن ترك القسر والإلجاء إلى الإيمان فيجوز إسناده إلى الله حقيقة، وتحريره أنّ الختم على القلوب يستلزم ترك القسر، والإلجاء إلى الإيمان فمعنى ختم الله على قلوبهم أنه لم يقسرهم عليه، وليس هذا المعنى أعني ترك القسر مقصودا في نفسه بل لينتقل منه إلى أنّ مقتضى حالهم الإلجاء لولا ابتناء التكليف على الاختيار، وينتقل من هذا المقتضى إلا أنّ الآيات والنذر لا تغني عنهم، وأنّ الألطاف لا تجدي عليهم، وينتقل من عدم الإغناء والإجداء إلى تناهيهم في الإصرار على الضلال، فأطلق الختم على ترك القسر مجازا مرسلاً، ثم كنى به عن ذلك التناهي، فيكون هذا وجها مستقلاً في الآية كالجواب الثاني، وهذا ما يقتضيه ظاهر قوله عبر عن ترك القسر إلخ، ومنهم من قال حاصلهإنالختم المستعار لما مرّ جعل مجازاً عن ذلك الترك بعلاقة اللزوم فهو مجاز بمرتبتين، ولا يجوز أن يستعار الختم من معناه الأصلي، لترك القسر المشابه له في المنع عن وصول الحق في شأن هؤلاء خاصة، لأنّ الختم إحداث مانع محسوس، وترك القسر ترك رفع مانع معقول، واستعارة الأحداث للعدم بعيدة على أنّ معنى المنع في ترك القسر غير ظاهر إلا بعد سبق العلم بحالهم والآية لبيانها. (أقول) ما ذكره من أنّ الختم على القلوب يستلزم ترك القسر، والإلجاء إلى الإيمان إن أراد به أنّ الختم الحقيقيّ الفرضي يستلزمه فلا استلزام فيه بوجا من الوجوه وان أراد الختم المجازي السابق فهو المجاز بمرتبتين الذي لم يرضه هنا. وقوله ينتقل منه إلى أنّ الآيات والنذر لا تغني عنهم إلخ لا يخفى أنه صريح معنى قوله {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} كما مرّ تقريره، فما معنى تكلف الكناية عنه بعد التصريح به وما المقتضى لهذا التكلف بعد النداء عليه، وهذا لم يظهر له وجه أصلاً وقوله ولا يجوز أن يستعار الختم إلخ إذا تدبرت ما فرّرته لك آنفاً ظهر ما فيه فتدبر، فإنّ هذا المقام من مزالق أقدام الأفهام ولهم فيه ما يتحير الناظر فيه، كما قيل إنّ هذا ليس وجهاً مستقلاً كما هو الظاهر، وان قال به الشارحون بل

مبنيّ على الاستعارة السابقة فإنّ الختم الحسي بمعنى ضرب الخاتم الحسي لا يستلزم ترك القسر، والإلجاء إلى الإيمان بل إحداث الهيئة المانعة عن قبول الحق على القطع يستلزم ترك الإلجاء إلى الإلمان، فإنّ الإلجاء والإحداث متنافيان فلا يليق ذلك بشأنه تعالى على زعم المعتزلة. قوله: (لم يقسرهم) يقال: قسره على الأمر قسرا من باب ضرب بمعنى قهره وألجأه والترامي تفاعل من الرمي والمراد به التزايد والترقي فيه يقال رميت على الخمسين، وأرميت إذا زدت كما في الأساس وصيغة التفاعل للمبالغة، وهو المناسب لما بعده لأنّ فرط الزيادة يؤدّي إلى التناهي أي بلوغ النهاية والوصول إلى الغاية، وقيل: هو مجاز عن التناهي، لأنّ المتناظرين في الرمي يبذلان جهدهما فيه فهو مكرّر مع ما بعده، ورسوخ الأعراق، كما في كتب القوم كناية عن الثبات والتصميم كما يقال له أعراق في اللوم قال: جرى طلقاً حتى إذا قيل قدجرى تداركه أعراق سوء تبلدا ومن فسره بضمائرهم المحتجبة بأبدانهم لم يصب، وعرق الشجر والنبات أصله ومنبته، وجمعه عروق وأعراق وقوله إبقاء على غرض التكليف إشارة لما تقرّر في الأصول من أنّ الإلجاء والإكراه الملجىء يمنع صحة التكليف بالمكره عليه لأنه لا يبقى للشخص معه قدرة واخت! ار والتكليف مبنيّ على ذلك، فإنّ القادر هو الذي إن شاء فعل، وإن شاء ترك، واستخكمت بمعنى قويت وأصله بمعنى أتقنت يقال: أحكمت الأمر إذا أتقنته، فاستحكم. وقوله: (إشعار على إلخ) الإشعار بمعنى الاعلام، ويتعدّى بالباء والمصنف عداه بعلى لأنه ضمنه معنى التنبيه، وهم يتساهلون في الصلات. قوله: (حكاية لما كانت الكفرة إلخ) يحتمل أنه حكاية له بلفظه إذ لا مانع من أن يقولوه بعينه، وحينئذ يقطع النظر فيه عن كونه حقيقة أو مجازا، لكنهم أطبقوا هنا على أنه حكاية بالمعنى، فإن كون القلوب في كنة هو معنى الختم عليها، كما أنّ وقر الآذان ختم عليها وثبوت الحجاب تغشية الأبصار، فتكون عبارة المحكيّ ما في الآية الأخرى قال الشارح الفاضل رحمه الله: هو حكاية لكلام الكفرة لا يعبارتهم فإن قولهم {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5] إلخ هو معنى ختم الله إلخ وكون إسناد الختم إليه تعالى حقيقياً معلوم من حال الكفرة، وأما أنّ الختم على هذا حقيقة أو مجاز ففيه تردّد ذكر في قوله وقالوا قلوبنا غلف أرادوا أنها في أغطية جبلة، وفطرة وفي قوله {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} [فصلت: 5] أنها تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن الحق اهـ. وقال قدّس سرّه: الإسناد إلى الله حينثذ حقيقة لأنهم يجوزون إسناد القبيح إليه تعالى فإن جعل الختم حقيقة كان هذا وجهاً مستقلاً، وإن جعل مجازاً، كما هو الأولى كان راجعاً إلى ما تقدّم، وقوله معلوم من حال الكفرة مع إجماله أتم من ادعاء أنهم يجوزون إسناد القبيح إليه فإنه لا دليل عليه بل على خلات، فإنهم لما ادّعوا بطلان ما جاء به لم يكن الإعراض عنه وعدم قبوله قبيحاً بل مستحسناً كما لا يخفى ثم إنه يرد عليهم أنّ الختم هنا مجاز قطعا لأنّ معناه ضرب الخاتم كما مرّ وهو مففود بناء على أنّ معناه ما في الآية الأخرى وكونها أغطية جبلية لا يشعر بذلك بل بخلافه، ثم إنه ليس في عبارة المحكي إسناد إلى الله أصلاَ والكلام مسوق لتوجيه الإسناد، وكون الكلام تمثيلاَ لا ينافي حقيقة الأطراف، والجواب بأنّ مجازية الختم أعمّ من كون التجوّز فيه نفسه ومن كونه في الكلام المشتمل عليه كما قيل لا يجدي نفعاً، وأورد على هذا الجواب أنّ المقصود من هذه الآية تأكيد ما قبلها ولذا لم يعطف وعلى تقدير الحكاية يفوت هذا وقيل في رده: إنّ قولهم هذا يدل على كمال إصرارهم على الكفر فيؤكد عدم إيمانهم وعدم نفع الإنذار فيهم وهذا بين وإن خفي على السعد والسيد وكم من بين يخفى لدقتة، وهذا غريب فإنّ الذي في شرح الفاضل اعتراض على الوجه الثالث دون هذا والذي في شرح السيد ما نصه اعتراض على الخامس بأنه ياباه سوق الكلام، فإنّ القصد بختم الله إلى تقرير ما تقدّم من حال الكفار، وتأكيده سواء جعل استئنافا أو لا اهـ ومراده أنه ليس فيه ما يدل على الحكاية لعدم لفظ القول ونحوه، وقصد الاستهزاء والتهكم غير قصد التقرير والتكيد وإن كان مآل معناه إليه فتدبر. قوله: (تهكماً واستهزاء إلخ) التهكم والاستهزاء بمعنى هنا وهو ظاهر وفي شروح الكشاف أنه يفهم بالذوق السليم ووجه بأنه إذا نقل كلام أحد مع ظهور بطلانه يفهم منه

الاستهزاء وهذا كما في قوله تعالى {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً} [البينة: 1] لأنّ الكفار كانوا يقولون قبل مبعث النيّ صلّى الله عليه وسثم لا ننفك عما نحن فيه حتى يأتينا النبيّ الموعود به في التوراة والإنجيل، فلما جاءهم كفروا به، فحكى الله كلامهم ثمة على سبيل الوعيد والتهديد، ولو كان إخبارا لزم تخلفه والتشبيه في الحكاية فقط أو في الحكاية والتهكم كما في شروح الكشاف، وسيأتي معنى هذه الآية في محله. قوله: (إند ذلك في الآخرة إلخ) وهذا ليس بقبيح لأنّ الآخرة ليست بدار تكليف، ولأنه حينئذ وقع جزاء لأعمالهم قي الدنيا، فليس بظلم بل عدل ويؤيده معنى قوله تعالى {وَنَحْشُرُهُمْ} [الإسراء: 97] إلخ وكذا عطف قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} لأنّ المراد به عذاب الآخرة، وفي الاستشهاد بالآية إشارة إلى أنّ الختم مجاز عن إبطال المشاعر ففيه حينئذ تجوز أن في المادة لما ذكرنا وفي الهيئة لأنه مستقبل عبر عنه بالماضي لتحققه فهو كقولك قتل بمعنى يضرب، وقد أورد عليه ما أورد على الخامس أيضا ويدفع بالعناية فتأمل. قوله: (إنّ المراد بالختم وسم قلوبهم إلخ) يعني ليس المراد به ما مرّ حتى يمتنع إسناده إلى الله بل هو سمة وعلامة في قلوبهم لتعرفهم الملائكة، فلا يدعون لهم ولا يخفى ضعفه، وان نقل عن الحسن البصري، واختاره الجبائيا ووضمع العلامة على القبيح ليجتنب غير قبيح بل حسن كما قيل عرفت الشرّ لا للشرّ، لكن لتوقيه والختم على هذا ليس بحقيقة بل استعارة تبعية، ويحتمل أن يكون مجازا مرسلاً كالمشفر بمعنى مطلق العلامة إذ الختم علامة مخصوصة. وقوله في الدر المصون: الختم لغة الوسم بطابع أو غيره إن أراد هذا فمسقم وإلا فلا وجه له. وقوله لغة لا يأباه والقول بأنّ الختم كناية عن الوسم لأنّ الشيء عند بلوغ آخره توضع عليه علامة يتميز بها بعيد وقد ردّ هذا بأنه غير مناسب لقوله {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] أيضا وقوله وعلى هذا إلخ المنهاج كالمنهج الطريق أي جرى على هذا الأسلوب الخلاف بيننا وبين المعتزلة في كل ما ينسب إليه تعالى من هذا القبيل فنحن نقول هومسند إليه حقيقة ولا قبح فيه كما قيل: من عرف الله أزال التهمه ~ وقال كل فعله لحكمه وهم يتكلفون تأويله بما مرّ، ونحوه على ما هو معروف في الأصول، وأنما أشبع الكلام فيه هنا لأنه أوّل آية وقع فيها ذلك. قوله: (وعلى سمعهم معطوف إلخ) لما احتمل أن يكون على سمعهم وما عطف عليه خبراً مقدما لغشاوة أو عاملان فيه على التنازع مع أنّ عطفه على قلوبهم أولى وأحسن معنى لتعينه في الآية التي ذكرها بينه، لأنّ القرآن يفسر بعضه بعضا، وأمّا تقديم القلب هنا وتأخيره هناك، فلأنّ المراد هنا بيان إصرارهم على الكفر وعدم قبول الإيمان الذي معناه، أو عمدة معناه التصديق وهو متعلق بالقلب فمقتضى هذا المقام تقديمه، والمقصود هناك بيان عدم قبول النصح والعظة، وهي مما يتعلق بالسمع فالمناسب ثمة تقديمه، وقيل في توجيهه أنّ الختم على السمع مقدمة لمنع القلب عن الفهم، فلذا قدم في النظم ولكون القلب، وأحواله مقصودة بالذات أخر في محل آخر وهو مع ما فيه من الإبهام غير مخل بالتمام، والوفاق وهو اتفاق القراء على الوقف على سمعهم يقتضي دخوله تحت الختم وهو ظاهر، وفي قول المصنف على قلوبهم إيهام لاحتمال عطف مجموع الجار والمجرور على مثله، كما هو الظاهر المتبادر وعطف المجرور فقط لأنّ الجار لتكرّره في حكم الساقط، ولذا لم يقل على قوله على قلوبهم مع أن صنيعه أخصر ويفهم مما ذكره أن قوله {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] ابتداء لا تعلق له بما قبله، كما في الآية المذكورة، وقد صرّح به في الكشاف وادعاء أنّ المصنف قصر في تركه من قصور النظر وكيف يتوهم هذا وقد صرّح به فيما سيأتي حيث جعله مبتدأ وقال إنه من عطف الجمل فلو ذكره هنا كان تكريراً بلا فائدة. قوله: (ولأنهما لما اشتركا) هذا وجه آخر لاتصاله بما قبله متضمناً لسببه، ومعناه أنّ فعل القلب، وهو الإدراك لا يختص بجهة فمانعه يمنعه من جميع الجهات أيضا، وان اختص وقوعه بجانب إلاً أنه لا يتعين فجعل الختم عاماً، كمنعه وقارن السمع لأنه يدرك الأصوات من جميع الجهات: وكل قرين بالمقارن يقتدي وأمّ إدراك البصر، فلا يكون إلاً بالمحاذاة والمقابلة فجعل المانع له ما يمنع منها أيضاً، وهو الغشاوة لأنها في الغالب كذلك كغاشية السرج، كما قال

تعالى {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41] فخصها بجهة العلوّ المقابلة، ومثله يكفي في النكات، ولا يضره ستره لجميع الجوانب كالإزار وقيل الغشاوة إنما تكون بين الرائي والمرئي، فتختص بالمقابلة وهو واضح لا سترة فيه وقوله في الكشف فيه نظر لأنّ لفظ الغطاء والغشاوة لا ينبىء عن خصوص جهة المحاذاة، فالوجه أن الغشاوة مشهورة في أمراض العين فهي أنسب بالبصر من غير حاجة لما تكلفوه يعلم ما فيه مما قدمناه وقال: في القلب والسمع خاص فعلهما دون العين لما سيأتي وفي الانتصاف الأسماع والقلوب لما كانت مجوّفة كان استعارة الختم لها أولى والأبصار لما كانت بارزة، وادراكها متعلقاً بظاهرها كان الغشاء بها أليق والنكات لا تتزاحم. قوله: (وكرّر الجأر إلخ) الشدة لأنّ الختم على الشيء وعلى ما يوصل إليه أشدّ من الختم عليه وحده أو عليهما معاً فإنّ ما يوضع في خزانة إذا ختمت خزانته، وختمت داره كان أقوى في المنع منه وأمّا الاستقلال، فلأنّ إعادته تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدى به حتى كأنه ذكر مرّتين، ولذا فرق النحاة بين مررت بزيد وعمرو، ومررت بزيد وبعمرؤ بأنّ في الأوّل مروراً واحدا، وفي الثاني مرورين والعطف، وأن كان في قوّة إعادة العامل ليس ظاهرا في إفادته كإعادته، لما فيه من الى*حتمال وهذا معنى ما في الكشاف مع أنّ هذا أوضح وأظهر، لأنه قال فيه: لو لم يكرر لكان انتظاماً للقلوب والأسماع في تعدية واحدة وحين اسنجد للأسماع تعدية على حدة كان أدل على شدة الختم في الموضعين اهـ فإنّ قوله في الموضعين إشارة إلى الاستقلال الذي صرّح به المصنف، وقيل: ختم يستعمل تارة متعدّيا بنفسه يقال ختمه فهو مختوم وأخرى بعلى، فإذا عدي بعلى دل على شدة الختم، لأنّ زيادة اللفظ تدل على زيادة المعنى، وليس هنا معنى مناسب سوى الشدة، والاستقلال لما مرّ هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام، والعجب أنّ صاحب الكشاف ذكر الفائدة الأولى دون الثانية ولم يتعرّض لحلها جميس ر الشراح وبعض أفاضل المتأخرين بينها بما هو بيان للثانية اهـ. يعني الشريف حيث قال في شرحه ة لقوله أدل على شدّة الختم لأنّ ملاحظة معنى الجار في كل منهما تقتضي أن يلاحظ مع كل واحد معنى الفعل المعدى به، فكأنّ الفعل مذكور مرّتين اهـ. ولا يخفى ما فيه، فإنه إن أراد بزيادة المعنى زيادة الكتم، فهو بعينه ما بعده فيقع فيما فرّ مته، وإن أراد زيادة الكيف، فليس فيما ذكره ما يدل عليه والحكم في كلام المصنف النسبة أو المحكوم به، وهو الختم هـ قوله: (ووحد السمع للامن إلخ) رفيم لما يخطر في الخواطر من أنّ مقتضى انتظام الكلام أن تجري المذكورات على نمط واحد، فيؤتى بها كلها مفردة أو مجموعة فلم أفرد هذا دون أخويه، فوجه بأنه يطرد إفراد ما حقه الجمع إذا أمن الليس كما في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا ~ فإنّ زمانكم زمن خميص فذكر بطنكم في موضع بطونكم لذلك، فلو ألبس مثله لم يجز كما في نحو ثوبهم، وفرشهم في محل يحتمل الاشتراك، وهو غير مراد أو لأنه مصدر في الأصل والأصل فيه الإفراد لصدقه على القليل والكثير، فلا يجمع ما لم يرد تنوّعه لمحاً لأصله، وهذا مصحح، وقيل: إنه مر] ح لأنه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه وفيه أنه عند السائل له مقتضى لا ينكر، وهو مجانسة أخويه وتعدّده في الواقع. فالظاهر ما فيل من أنّ المرجح الاختصار والتفنن مع الإشارة إلى نكتة هي أنّ مدركاته نوع واحد ومدركاتهما أنواع مختلفة وقيل الجوإب أنه إذا نساويا، فتعيين الطريق ساقط، ودلالة إفراده على وحدة متعلقه لا تعلم من أيّ الدلالات هي ورد بأنها دلالة التزامية وهي يكتفى فيها بأيّ لزوم كان ولو بحسب الاعتقاد في اعتبارات البلغاء أو على تقدير مضاف مثل وعلى حواس سمعهم أو مواضع سمعهم، فالسمع بالمعنى المصدري لأنه كما قال الراغب قؤة في الأذن تدرك بها الأصوات، وفعله يقال له: السمع أيضاً ويعبر تارة بالسمع عن الأذن وتارة عن فعله نحو {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 212] والحواس جمع حاسة، وهي القوّة التي تدرك بها الأغراض الجسمية والحواس هي المشاعر الخمس اهـ فما قيل عليه من أنه مجرّد تجويز نحويّ لأنّ حمل السمع على المعنى المصدري بدون ذكر هذا المضاف بعيد، وفي تقديره نظر لا وجه له، وقرأ ابن أبي عبلة في الشواذ وعلى أسماعهم

واستشهد له بقوله: قالت ولم تقصدلقيل الخنا مهلاً لقدأبلغت أسماعي وما قيل في توجيه الإفراد أنّ المراد سمع كل واحد، وهذا وإن كان حقه الإفراد إلا أنّ حمل الجمع على كل فرد فرد جائز لا واجب كما قيل في قوله تعالى {يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} [غافر: 67] على وجه. واعلم أنه قال في المثل السائر إنّ مما هو من صناعة البلاغة بمنزلة عليته اختلاف الألفاظ، فمنها ما لا يحسن استماعه الآ مجموعاً كاللب، فلذا لم ترد في القرآن مفردة لأنّ الجمع فيها أحسن وبضدّه ما ورد مفرداً ولم يرد مجموعا كالأرض، وأمّا المصادر فالإفراد فيها هو الأحسن ومما جاء منها مجموعاً قول عَنترة: فإن يبرأ فلن أنفث عليه ~ وإن يفقد فحق له الفقود فهذا غير شائع، ولا لذيذ وإن كان جائزا وكله يرجع إلى حاكم الذوق السليم، فإن قلت: الدلالة الالتزامية من توابع الوضعية، واللزوم معتبر فيها بالنسبة لمدلول اللفظ وضعاً سواء كان لزوماً عقليا، كما اعتبره أهل الميزان أو أعمّ منه فيشمل العرفي وغيره، كما هو عند الأدباء وأهل المعاني، ومدلول السمع الحاسة أو فعلها كما مرّ ولا دلالة لذلك على وحدة المتعلق أو تعدّده وهذا هو الذي قصده المدقق في الكشف فما وجه ردّه قدّس سرّه. قلت: أراد أنّ الكلام البليغ الملقى للمخاطب إذا قصد به ما اتضح دلالته عليه يعدّ تصريحا، فإن قصد ما يستلزمه يكون كناية لزومية، وإن لم ينشأ ذلك مما وضمع له كما قرّر في شرح قول السكاكيّ إنّ إخراح الكلام لا على مقتضى الظاهر يسمى كناية، وهو مما خفي على بعض شراحه، أو نقول وحدة اللفظ تدلّ على وحدة مسماه، وهو الحاسة ووحدتها تدلّ على قلة مدركاتها قي بادىء النظر، ومثله يكفي في اللزوم عرفاً، وقيل اعتبار البلغاء دلالة رابعة، كما أنّ العادة طبيعة خامسة وهذا مخالف لما قرّره في شرح المفتاح فليحرّر التوفيق بينهما فإنه محتاج لمزيد تدفيق ومنه يتنبه لوجه جمع القلوب كثرة والأبصار قلة وإن كان ذلك هو المعروف في استعمال الفقهاء في جمعهما. قوله: (والآيصار جمع يصر إلخ) في الكشاف والبصر نور العين وهو ما يبصر به الراني ويدرك المرئيات كما أنّ البصيرة نور القلب وهو ما به يستبصر ويتأمّل وكانهما جوهران لطيفان خلقهما الله فيهما اكتين للأبصار والاسنبصار اهـ. وعدل المصنف عته لما فيه من التطويل والخفاء، والبصر في الأصل مصدر بمعنى إدراك العين وإحساسها، كما في كتب اللغة، ثم تجوّز به عن القوّة التي هي سببه وعن العين التي هي محله وشاع هذا حتى صار حقيقة في العرف لتبادره، وهو المناسب للختم والغشاوة لتعلقهما بالأعيان، والقوّة واحدة القوى، وهي في العرف العام معنى يصدر به عن الحيوان أفعال شاقة وضدّها الضعف، وعند الحكماء معنى راسخ هو مبدأ للتغيير وصدور الآثار والقوّة البصرية عندهم معنى في ملتقى العصبتين الواصلتين من الدماغ إلى الحدقتين من شانه إدراك الألوان والأشكال وتفصيله معروف في محله، وتحمل هذه القوى أجسام لطيفة بخارية تتكوّن من لطيف الأخلاط، وتسمى أرواحاً عند الأطباء، واشتهر إطلاق النور عليها فيقولون في الأعشى ضعف نور بصره وفي الأعمى فقد نور بصره. وقال الإمام الغزالي في كتاب المشكاة اسم النور بالنور الباصر أحق منه بالنور المبصر وهذا مراد الزمخشريّ، وفيه كلام في الشروح إيراده هنا من الفضول، وقد كفانا المصنف رحمه الله مؤنته بتركه. قوله: (ولعل المراد بهما في الآية إلخ) العضو بضم العين ويجوز كسرها، وبضاد معجمة ساكنة يليها واو الظاهر أنه أراد به جزءاً من أجزاء البدن مطلقا إلاً أنّ أهل اللغة كما في العين وغيره قالوا: إنه مخصوص بالجزء المشتمل على لحم وعلى عظم كاليد والرجل، فعلى هذا هو هنا مجاز، ولا ضمير فيه وفي قوله أشد إشارة إلى أنّ في الآخر مناسبة أيضاً باعتبار محله أو التقدير فيه كما مرّ إلا أنه يتوجه عليه إذا كان البصر مصدرا أنه كيف يتم ما مرّ في توجيه إفراد السمع بأنه لمح أصله ووجه المناسبة تقدم تقريره وهو جار على التجوّز نظراً لأصله، أو لأنّ إحداث الهيئة يكون فيها، وأتى بلعل لعدم جزمه به والظاهر أنه تأدّب منه في التفسير بغير المأثور وهذا دأبه، ودأب السلف نفعنا الله ببركاتهم، وفي الكشف أنّ الزمخشريّ

يعبر بكأن فيما لم يسبق فيه بنقل، ولذا قال: كان هنا وقيل إنما عبر بكأن فيه لأنه ناشىء عن ظن وتخمين كسائر الأمور العقلية التي يدعونها، وأمّا كيفية الإبصار فليس هذا محلها، وقوله وبالقلب ما هو محل العلم إلخ الظاهر أنه الجسم الصنوبري المعروف، لأنه اشتهر في الآيأت والأحاديث، ولسان الشرع أنه محل العلم وكونه في الدماغ أو مثتركا بينهما مبنيّ على إثبات الحواس الباطنة التي لم يثبتها الشرع والكلام فيها مشهور، وقيل: إنما قال ما هو إلخ ليشمل الدماغ ولا يخفى ضعفه والقلب، في الأصل مصدر سمي به لتقلبه أو لأنه لبه، ولذا سمي العقل لباً أيضاً. قوله: (وقد يطلق ويراد به العقل والمعرفة) الإطلاق لغة فك القيد والعقال ونحوهما، والمراد به هنا الاستعمال، وقد يراد به استعمال بدون قيد وشرط، وهو فيهما حقيقة عرفية، والعقل يقال للقوّة المتهيئة لقبول العلم وللعلم المستفاد بها وأصل معنا. الإمساك بعقال ونحوه كما قال: قد عقلنا والعقل أيّ وثاق وصبرنا والصبر مرّ المذاق وفي جمع المصنف بين يطلق، والعقل إيهام تضاد، وفيه لطف لا يخفى، والعقل هنا إن كان العلم بالكليات والمعرفة العلم بالجزئيات، كما هو أحد معانيها، فذكره للتعميم، وان كان مطلق الإدراك، فهو المراد بالمعرفة أيضاً، وقيل العقل بمعنى التعقل وعطف المعرفة عليه عطف تفسيرقي، لثلا يراد به القوّة العاقلة، واستشهد بالآية على أنّ المراد بالقلب فيها العقل بعلاقة الحالية والمحلية، كما أشار إليه قبيله، وقد قيل عليه إنه مخالف لما فسره به في سورة ق من قوله أي قلب واع يتفكر في حقائقه وتنكيره وابهامه تفخيم واشعار بأنّ كل قلب لا يتفكر ولا يتدبر. وقال الشيخ في الدلائل بعدما نقل تفسيرهم: القلب في الآية بالعقل منكراً على من فسره به أنّ المرجع إليه لكن ذهب عليه أنه كلام مبنز، على تخييل أن من لا ينتفع بقلبه فلا ينظر ولا يعي بمنزلة من عدم قلبه جملة، كما في قول الرجل: غاب عني عقلي، ولم يحضرني يريد أن يخيل إلى السامع أنه غابءخه قلبه بجملته، ويريد أنه لم يكن علمه هناك، وكذا إذا قال: لم أكن هناك يريد غفلته عن شيء فهو يضع كلامه على التخييل، وفي الإيضاح: كلام الشيخ حق لأنّ المراد بالآية الحث على النظر والتقريع على تركه فإن أريد بهذا التفسير أن المعنى، لمن كان له عقل مطلقاً، فهو ظاهر الفساد، وان أراد أنّ المعنى لمن كان له عقل ينتفع به، ويعمله فيما خلق له من النظر فتفسير القلب بالعقل ثم تقييده بما قيد به عار عن الفائدة لصحة وصف القلب بذلك بدليل قوله تعالى {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] . (أقول) هذا ليس بشيء لأنّ المقصود بصدد بيان معاني القلب لغة وبيان وجو. استعماله في النظم، فذكر أحدها هنا تبعاً لغير. كالراغب تتميماً للفائدة فلا ينافي ذكره لوجه آخر ثمة وتفسيره به هـ هذا بحسب جليّ النظر وأمّا بحسب دقيقه، فالمآل واحد، لأنّ من فسره بالعقل وسكت عن توصيفه جنح أيضاً إلى ما جنح إليه الشيخ من تنزيل الموجود منزلة المعدوم لعدم غنائه، فكأنّ من لم يتدبر لا عقل له رأسا كما أنّ الشيخ لما أبقاه على أصله وحقيقته أشار إلى أنّ من لا يعي ولا يفهم بمنزلة الجماد الذي لا قلب له، ومن قدر الصفة نظر إلى الظاهر، وسلك الطريق الواسع فما في الإيضاح لا وجه له نعم كلام الشيخ فيه من لطف التخييل والجري في ميدان البلاغة العربية ما لا يلحق وقد ألنم بمثله ااشعراء وعدوه من لطيف المعاني كماقيل: قالت وقد سألت عنها كل من ~ لاقيته من حاضر أو بادي أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ~ ترني فقلت لها وأين فؤادي وفي ذريعة الشريعة لما كان تأثير هذه القوى من الدماغ قيل مسكن الفكرة وسط الدماغ، ومسكن الخيال مقدّمه، ومسكن الحفظ والذكر مؤخره، ولما كان قوام الدماغ بل الجسم كله من القلب الذي هو منشأ الحرارة الغريزية عبر الناس عن هذه القوى مرّة بالدماغ، فقيل لمن قويت قواه المدركة له دماغ، ولمن ضعفت فيه خالي الدماغ وتارة بالقلب، وهو أكثر وعليه قوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37] اهـ. قوله: (وإنما جاز إمالتها إلخ) يعني أنّ الصاد حرف مستعل، وهو عند النحاة وأهل الأداء مناف

للإمالة فيمنع منها لأنها إن ينحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء وذلك مقتض لتسفل الصوت، والاستعلاء مقتض لخلافه، فوجهوه بأنّ سببه هنا الكسرة الواقعة على الراء وهو كما بينوه في مباحث مخارج الحروف، وصفاتها حرف مكرر، لتكرّره على اللسان في النطق به فإنه يرتعد وأظهر ما يكون التكرير إذا شدد أو وقف عليه فكسرته بمنزلة كسرتين، فقوي السبب حتى أزال المانع وهذا معنى ما في الكشاف من أنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير كأنّ فيها كسرتين، وذلك أعون شيء على الإمالة وأن يمال له ما لا يمال، ولم يرتض هذا الإمام الجعبري في شرح الشاطبية والرائية فقال: وجه الإمالة مناسبة الكسرة واعتبرت الكسرة على الراء دون غيرها لمناسبة الإمالة الترقيق لا ما توهمه المعللون لقوّتها بالتكرير لعدمه، يعني أنّ طائفة فهموا من قولهم إنّ الراء حرف مكرّر إنه حقيقة وليس معناه إلاً أنّ اللافظ بها يجب عليه المحافظة عليها لئلا يقع تكرير، وهو خطأ عظيم، إذ لم يقل أحد بأنّ في نحو ضرب راآن اهـ. ولا يخفى أن فيها تكرارا مّا، كما يدركه الطبع السليم وإن كان في الوقف والتشديد أظهر وما ذكره العلامة مما اتفق عليه أهل العربية، وأيده الوجدان فتدبر. قوله: (رفع بالابتداء عند سيبويه إلخ) هذا مذهب الجمهور وخص سيبوبه لأنه مقتداهم، والأخفش يجعله فاعلاً بالظرف وإن لم يعنمد على ما يجب الاعتماد عليه من النفي والإستفهام وأخواتهما، وهو محل الخلاف، والأخفش لا يمنع صحة كونه مبتدأ، كما توهم والالتباس مخصوص بالخبر الفعلي، كما مرّ فلهذا كان فيه الوجهان إذا اعتمد بالاتفاق، وإن اختلف في الأرجح لأنه إجمال لا ليس والفرق بينهما مما خفي على كثير حتى توهم اتحادهما وهو فاسد قطعاً، والفرق بينهما أنّ في الإلباس فهم خلاف المراد وفي الإجمال عدم الفهم مطلقاً، لأنه لا يفهم من المجمل شيء بدون بيان، ولا ضرر في عدم الفهم إنما الضرر في فهم غير المراد، كذا أفاده شيخنا في حواشي شرح التسهيك، وقيل: الرفع بالابتداء لا يختص بسيبور لاتفاق ما عدا الأخفش عليه إذا لم يعتمد على ما يجب اعتماد اسم الفاعل عليه حتى يعمل، والذي اختص به سيبويه أنه لا يكتفى بالاعتماد على ما سوى الموصول، ويشترط كون المرفوع حدثا، وقال الرضي: إذا لم يعتمد الظرف على أحد الأشياء الستة، ولم يقع بعده أن المصدرية، فالمرفوع مبتدأ مقدّم الخبر وعند الكوفيين والأخفش في أحد قوليه هو فاعل الظرف، لأنّ الكوفيين لا يجوزون تقديم الخبر على المبتدأ، وأمّا الأخفش، فيجوّز ارتفاعه على الابتداء أيضاً لتجويزه عمل الصفة بلا اعتماد،. وله في الظرف قولان. قوله: (ويؤيده العطف على الجملة الفعلية) أي يؤيد رأي الأخفش عطفه على جملة ختم الفعلية، لأنّ الأصل الأقوى في متعلقه أن يقدر فعلا لا سيما إذا وجد ما يقضتيه كالعطف على مثله، وما قيل: من أنه لو قدر وصفاً ضعف من وجهين عمل اسم الفاعل والظرف من غير اعتماد ضعفه أقوى منه، وحينئذ فقوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} [اس عمران: 176] مثله وقد أيد أيضاً بنصب غشاوة وقيل إنّ التحقيق أن تجعل اسمية معطوفة على الفعلية، وعدل عن فعليتها للدلالة على الثبوت، والدوام الذي اقتضاه المقام لأنّ سبب الإيماذ على ما تقرر حدوث العالم وتغيره، وهو لا يدرك الآ بحاسة البصر وكون الجملتين دعائيتين ليس بشيء هذا، والظاهر أنا إن لم نقل بأنّ هذه الجملة وما عطف عليها حالية ثابتة على كل حال وعليه لا إشكال، فوجه العدول عن الفعلية إلى الاسمية، وترك التناسب المطلوب أنه قصد فيه إلى أنّ غشاوة البصر ثابتة جبلية فيهم، كما قال تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} [آلى عمران: 90 ا] فمن لا لبّ له لا ينظر نظر استبصار في الأنفس، والآفاق بخلاف عدم التصديق وعدم الإصغاء للنذر فإنه متجدّد فيهم قديماً وحديثاً، فدل النظم على أنهم، كما لم يمتثلوا أوامر الرسول لم يجروا على مقتض العقول لخبث طينتهم والطبع على طويتهم، وهذا هو السر في التعبير بالغشاوة الخلقية في العين، وهذا من بدئع التنزيل، التي ينبغي العض عليها بنواجذ التعويل. قوله: (وقرىء بالنصب إلخ) هذه القراءات كلها شواذ الآ المشهورة منها، وهي غشاوة بكسر الغين المعجمة مع الألف بعد الشين والرفع ولذا عبر المصنف بقرىء المجهول، والنصب نصب غشاوة المكسور أوّله. وقال قدّس

سرّه لا بدّ في النصب مطلقاً من تقدير فعل كجعل وأحدث على طريقة قوله: علفتها تبناً وماء بارداً وفيه مناقشات منها أنه قيل عليه: إنه يدفعه قول المصئف وغيره أنه على حذف الجار، وأيضاً أنه يحتمل كما في البحر أن يكون غثاوة اسماً وضع موضع مصدر من معنى ختم، كقعدت جلوساً لأنّ معنى ختم غشي وستر، فكأنه قيل تغشية على سبيل التأكيد ويكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة، وأيضاً ليس هو من قبيل، علفتها تبناً وماء باردا، سواء قدر فيه جعل أو انتصب على نزع الخافض لأنّ الغشاوة ليست مما يختم عليه كالقلب والسمع بل مما يختم به وبين المختوم عليه والمختوم به فرق ظاهر وقد صرّج به في الجاثية في قوله تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] فجعل البصر مختوماً عليه بالغشاوة، فإن قلت هل في تغاير أسلوب ما هنا، وثمة نكتة غير التفنن، فإنه عكازة أعمى. قلت: لما ذكر هنا الكتب السماوية وهداية من اهتدى بها من المؤمنين، وهم السعداء أزلاً وأبدا، ثم عقبهم بأضدادهم الذين لم يفدهم الإنذار أصلاَ بين ذلك وعلله فأن مشاعرهم مجبولة على الغواية، وعدم قبول الحق وأفاد أنّ بصرهم وبصيرتهم مستمرّة ثابتة على عدم نظر الآيات البينات قبل الدعوة وبعدها، فلذا عدل فيها إلى الاسمية، أو ترك التصريح بالفعل، وثمة ذكر من عرف الحق، ثم عدل عنه كأهل الكتاب الذين لما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فناسب التصريح بتجدّد الغشاوة ولذا صدرت بقوله أفرأيت وقدم السمع فيها، وما قيل من أنه في الجاثية قصد بيان عدم قبول النصح وعدم المبالاة بالمواعظ الواصلة إليهم حينا بعد حين فناسب الفعل الدال على التجدّد لا يصلح وجهاً لمدعاه، فإن قوله تعالى {سَوَاء عَلَيْهِمْ} إلخ أدلّ على ما ذكره لصراحته في 4، كما لا يخفى فهذا غفلة أو تغافل. (أقول) ما ذكره قدس سرّه من قوله علفتها تبنا وماء بارداً، كقوله متقلداً سيفاً ورمحا. وقوله: فزججن الحواجب والعيونا، وهو أصل من أصول العربية معناه أنه إذا عطف على معمول عامل معمول آخر لا يليق عطفه عليه بحسب الظاهر لمانع منه معنويّ أو صناقي، ففيه طرق أحدها التقدير، والثانية أن يضمن العامل المذكور معنى عامل عام لهما، أو يتجوز به عنه كأنلتها في الأؤل وحاملاَ، وحسن فيما بعده، وذكر الثعالبي رحمه الله أنه من المشاكلة، ووجه ما قاله من أنه يتعين كون ما هنا من هذا القبيل إنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، وقد صرّح في غير هذه الآية بإخراح الإبصار عن حكم ألختم إلى التغشية المغايرة له بمعنييه، وهذا يأبى جعله مصدر الختم من معناه، كما في البحر ويقتضي عدم انتصابه بنزع الخافض لأنه إن لم يقدر له فعل اقتضى اشتراك القلوب والأسماع فيه، والاً كان فيه تعسف لأنه إذا ارتكب التقدير فليقدر فعل متعد بنفسه، وقد قيل عليه إنه يزيفه الوفاق على الوقف على سمعهم، وفوت نكتة تخصيص الختم بما عدا الأبصار، ويحتمل أن تكون غشاوة مفعول ختم والظروف أحوال أي ختم غشاوة كائنة على هذه الأمور لثلا يتصرّف فيها بالرفع والإزالة اهـ وفيه نظر. قوله: (وقرىء بالضم والرفع إلخ) أي قرىء في الشواذ بضم الغين، ورفعه وبفتح الغين المعجمة ونصمبه، وضم الغين وفتحها لغتان، وقرىء غشوة بكسر المعجمة مرفوعا، وبفتحها مرفوعا، وعنصوبا، والتخصيص في مثله نقليّ لا يسئل عن وجهه، وغشاوة بفتح المهملة والرفع وجوّز فيه الكسر والنصب من العشي بالفتح والقصر، وهو الرؤية بالنهار دون الليل ومنه الأعشى والمعنى أنهم يبصرون الأشياء ابصار غفلة لا تنظر غير الواضح لا إبصار عبرة، أو أنهم لا يرثون آيات الله في ظلمات كفرهم، ولو زالت تلك الظلمات أبصروها، وقال الراغب: العشاء كللتي تعرض في العين وعشى عن كذا عمي قال تعالى {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} [الزخرف: 36] وعلى هذا معناه ظاهر. قوله: (وعيد وبيان لما يستحقونه إلخ) الظاهر أنه معطوف على ما قبله فيكون بيانا لإصراوهم بأنّ مشاعرهم ختمت وأنّ الشقوة في الدارين عليهم حتمت، وهو غنيّ عن البيان، وليس استئنافاً ولا حالاً، وقيل إنه دفع لما يتوهم من عدم استحقاقهم العقاب على كفرهم لأنه بختم الله وتغشيته وفي استعمال اللام المفيدة للنفع وجعل فائدتهم ونفعهم العذاب العظيم تهكم بهم، ولا وجه له فإنّ اللام إنما تفيد النفع وتقع في مقابلة

على في الدعاء وما يقاربه ولم يقل به أحد هنا ولا يقال عليهم العذاب فلا تهكم فيه، وهي لام الاستحقاق وفي المغني لام الاستحقاق هي الواقعة بين معنى وذات نحو {الْحَمْدُ للهِ} [الفاتحة: ا] والأمر لله و {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: أ] و {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ خزي} [البقرة: 114] ومنه وللكافرين النار أي عذابها اهـ وهذه الجملة اسمية قدم خبرها استحسانا لأنّ النكرة موصوفة ولو أخر جاز كما في قوله تعالى {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} [صورة الأنعام: 2] وسيأتي تفصيله ويجوز أن يقال تقديمه للتخصيص، وقيل إنه تهويل لما يستحقونه من القتل والأسر في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى، ومن وجوه تهويله بيان أنّ ما يستحقونه من العذاب مخصوص بهم فلا يعذب عذابهم أحد، ولا يوثق وثاقهم أحد. قوله: (والعذاب كالنكال إلخ) أمّا اتحادهما في البناء، وهو الوزن فظاهر، وأما في المعنى فبينه بقوله تقول إلخ. وقد اختلفوا في أصله، فقيل إنه من قولهم عذب الرجل إذا ترك اكل والشرب والنوم، فالتعذيب حمله على أن يجوع ويظمأ ويسهر، وحاصله الإمساك ومنه العذب لمنعه من العطش كما قيل: مابال ريقك ليس ملحاطعمه ويزيدني عطشا إذا ماذقته ويقمع بمعنى يزيل، وأصل معنى القمع الكف والرح والمنع والزجر، ونقاخ كغراب الماء البارد العذب الصافي بنون وقاف وخاء معجمة آخره وكذا الفرات، وفي الكشاف ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخا لأنه ينقخ العطش أي يكسره، وفراتا لأنه يرفته على القلب أي يفتته ويكسره، وعلى القلب وزنه عفال إلاً أنه قيل عليه إنه تعسف لأنه لم يرد رفات بمعنى فرات قط، وقد يقال مراده أنه يلاحظ فيه معنى اعتبره الواضع حتى إذا لم يوجد صريحاً تصرفوا في مادّته بتقدير التقديم والتأخير، فليس قلباً حقيقياً وهذا كثيراً ما يذكره في العين والتهذيب، ولبعده توهم بعضهم أنّ القلب فيه بمعنى الجارحة، ولا وجه له وقال ابن الصائغ: إنه لم يرده ولكنه أوهمه، كما يقال للثقيل خفيف على القلب، وأمّا كون الرفت الكسر والمذكور أوّلاً المنع وبينهما فرق فقد دفع بأن الكسر يعبر به عن المنع كما يقال 3 سر سورته إذا كفها، فبينهما مناسبة أو الرح مؤثر، ولا تأثير أعظم من الكسر. قوله: (ثم يسع فأطلق على كل ألم فاح إلخ) اتسع مبنيّ للمجهول وأصله اتسع فيه فهو كمشترك، ولو قرىء معلوماً جاز لكن الأؤل أولى والفادح اسم فاعل من فدج بفاء، ودال وحاء مهملتين بمعنى مثقل، والمرأد مؤلم شاق مطلقا وإن لم يكن مانعاً رادعا. وقال السخاوندي العذاب إيصال الألم إلى الحيّ مع الهوان فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب. وقوله: (قهو أعنم منهما) ذهب كثير إلى أنّ ضمير التثنية للنكال والعقاب، لأنّ النكال ما كان رادعا، والعقاب بمعناه، أو هو ما يجازى به كعقاب الآخرة والعذاب أعم إذ هو ما يؤلم مطلقاً فيشمل عذاب البهائم والأطفال وغيرهما وقيل معناه أعم مما يكون نكالاً وما لا يكون نكالاً لوجوده في كل منهما بدون الآخر، ومن أرجع الضمير إلى العقاب فقد زاغ عن سنن الصواب اهـ. يعني لأنّ العقاب لم يذكر قصدا بل للتفسير، وأنه على هذا الثفسير مطابق لكلام الكشاف، ولكنه ليس ما ذكره أقرب عند الإنصاف، حتى يدعي أنه خطأ. قوله: (وقيل اشتقاقه من التعذيب إلخ) قال الراغب في مفرداته: قيل أصل التعذيب من العذب فعذبته أزلت عذب حياته على بناء مرّضته وقذيته، وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب يعذبة السوط، وقيل من قولهم بئر عذية فيها قذى وكدر فعذبته بمعنى كدّرت عيشه، وقال أيضاً التمريض القيام على المريض، وتحقيقه إزالة المرض عن المريض كالتقذية في إزالة القذى عن العين اهـ. والقذى ما يسقط في العين، فيؤلمها أو الشراب فيعاف وأقذاه أوقع فيه القذى وقذاه أزاله وأوقعه فيه، فهو ضدّ هذا تحقيقه على ما بيناه، ومنه علم ما أراده المصنف رحمه الله وأنّ التفعيل فيه للسلب كالأفعال، ومعنى عذبه أزال ما يستعذبه كمرضه وقذاه وإنما أوضحناه مع وضوحه لما وقع فيه من الخبط، حتى قيل: إنّ التمريض التوهين، وحسن القيام على المريض فكأنه جعل حسن القيام على المريض إزالة للمرض عنه وقيل لعله وحده بمعنى الإزالة وقد سمعت التصريح به من أهل اللغة، وإنما جعل العذاب مشتقا من التعذيب، فالمراد أنه مأخودّ منه في الأصل، ثم استعمل في الإيلام مطلقا وقطع النظر فيه عن الإزالة، وما قيل من أنّ الثلاثيّ لا يشتق من المزيد

في الأصل الأكثر، وقد يجعلونه مشتقاً ومأخوذا منه إذا كان أظهر وأشهر، كما قالوا إنّ الوجه مشتق من المواجهة وفيه أنّ العذاب ليس ثلاثياً لأنه اسم مصدر للتعذيب، ولو قيل أصله العذب كما قيل اتضح ما قاله. قوله: (والعظيم نقيض الحقير إلخ) التناقض عند المنطقيين اختلاف القضيتين بحيث يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، وبالعكس والنقيضان الدالان على معنى وعدمه، والمراد بالنقيض هنا ما يرفع الشيء عرفاً كما قاله قدّس سرّه، فإذا قيل هذا كبير أو عظيم رفع الأوّل بأنه صغير، والثاني بأنه حقير ولا اختلاف بينهما بالإيخاب والسلب، فهو بمعنى المقابل هنا، وفسروه بما يعلم منه وجه اختيار العظيم على الكبير في التوصيف به، ولما كان الحقير دون الصغير كان العظيم فوق الكبير لأنّ كل وحد من الحقير والصغير خسيسان والحقير أخسهما، كما أنّ كل واحد من العظيم والكبير شريفان، والعظيم أشرفهما فتوصيف العذاب به كثر في تهويل شانه من توصيفه بالكبير، ألا ترى إلى جريان العادة بأنّ الأخ يقابل بالأشرف والخسيس بالشريف، فما يتوهم من أنّ نقيض الأخص أعم مما لا يلتفت إليه في أمثال هذه المباحث، وقال الراغب: عظم الرجل كبر عظمه ثم استعير لكل كبير وأجرى مجراه محسوسا كان أو معقولاً معنى كان، أو عينا والعظيم إذا استعمل في الأعيان، فأصله أن يقال في الأجزاء المتصلة والكثير يقال في المنفصلة وقد يقال في المنفصلة عظيم نحو جيش عظيم، ومال عظيم وذلك في معنى الكثير. (أقول) محصل ما قالوه هنا أنّ العظيم والكبير يستعملان في الأجرام، والمعاني والعظيم فيهما فوق البهير، فناسب الوصف به دونه وقد تبعهم الإمام في تفسيره هنا، وهو مخالف لما ذكره في أوائله في قوله في الحديث القدسي: " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري " حيث جعل الكبرياء قائمة مقام الرداء والعظمة مقام الإزار، وقد علم أنّ الرداء أرفع من الإزار فوجب أن يكون صفة الكبر أرفع من العظمة لأنّ الكبير هو الكبير في ذاته سواء استكبره غيره أم لا، وأمّا العظمة فعبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره، وإذا كان كذلك كانت الصفة الأولى ذاتية وأشرف من الثانية، وهو مناف لما ارتضاه هنا فتدبر. قوله: (ومعنى التنكير الخ) زاد قوله في الآية إشارة إلى شمول ما ذكره المصنف رحمه الله تبعاً للعلامة لتنكير غشاوة وعذاب فهو توطئة لما بعده، فالتنكير فيهما للنوعية والمعنى أنّ عذاب الآخرة نوع من العذاب غير متعارف كعذاب الدنيا، وجعل صاحب المفتاح التنوين للتهولل، وفسره بالتعظيم وقد رجح كلاً من المسلكين طائفة وكل حزب بما لديهم فرحون، وقد قيل الأقسام أربعة هي أنّ التنوين إمّا للنوعية أو للتهويل، وهما شديدا التناسب، وامّا أن يكون الأوّل للنوعية والثاني للتهوبل، وهو أيضاً بليغ، أو على العكس وهو مرجوح، وأختار التعامي على العمى تنبيهاً على أنّ ذلك من سوء اختيارهم وشآمة إصرارهم على إنكارهم، لأنه كتجاهل إذا أظهر من نفسه الجهل، وعلى التعظيم معناه غشاوة أيّ غشاوة، والقول بأنه أنسب بقوله عظيم معارض بالمثل، لأنّ حمله على التنويع أظهر لاستفادة التعظيم من صريحه وحمله على التأكيد لا حاجة إليه، والآلام بالمدّ جمع ألم إشارة إلى العذاب، كما أنّ العظام جمع عظيم إشارة لصفته. وقوله: (لا يعلم إلخ) إشارة إلى أنّ عظمه، وتفخيمه لإيهامه حتى كانه مما لا يوقف على كنهه كما في {الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة: ا] . قوله: (نوع غشاء) هذا معنى قوله في الكشاف: نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهذا النوع هو المعنى المجازي الذي مز تقريره، وقيل الظاهر منه أن براد بالغشاوة بواسطة التنكير نوع من المعنى المجازي أي غطاء التعامي وكأنّ وجهه أن تحمل الغشاوة على عموم المجاز وفيه بعد جدّا، والظاهر أن يراد مجازا بالغشاوة غطاء الله تعالى فيراد بالتنكير نوع منه، ثم الظاهر أن يحمل التنكير على النوعية والتعظيم معاً، كما حمل على التكثير والتعظيم معاً في قوله تعالى {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ} [فاطر: 4] اهـ. ولا يخفى أنّ ما ذكره تكلف لما لا حاجة إليه، وأمّا حمل التنكير عليهما فمتجه لأنّ مآل التنويع للتعظيم أيضاً لإفادته الإبهام الدال ص ليه، ولا فرق بين المسلكين إلاً في العبارة وفي كلامهم إيماء إليه فتأمّل. قوله: (لما افتتح سبحانه وتعالى كتابه إلخ) في الكشاف افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا إلخ والمصنف رحمه الله لخصه وزاد فيه التصريح بالكتاب، والظاهر أنّ المراد منه القرآن فيقتضي أنّ سورة البقرة أوّله وافتتاحه

وهو بناء على أنّ سورة الفاتحة بمنزلة الخطبة والثناء والدعاء يقدم على مقاصد الكتاب ولا ضير فيه، ولو أريد بالكتاب اإسورة استغنى عن التوجيه، ولذا قال بشرح حال الكتاب، ولم يقل بشرحه وإعادة المعرفة معرفة في مقام ربما اقتضت المغايرة والقاعدة المشهورة غير كلية، كما قاله العراقي، وان وقع خلافه في القرآن كقوله {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء} [آل عمران: 26] وعلى الأوّل وهو جار عليها والشرح أصله لغة بسط اللحم ونحوه، ومنه شرح الصدر أي بسطه بنور إلهي، وروح من الله وشرح الكلام، والكتاب إظهار ما يخفى من حاله ومعانيه وهو المراد هنا لأنه وان كان مجازاً صار حقيقة عرفية. وقوله: (وساق بيانه ذكر المؤمنين إلخ) بيان فاعل ساق وأصل السوق تسيير الدواب فتجوّز به هنا عن اقتضاء ذكره كما يقال سياق الكلام لما ينجرّ له وواطات بمعنى وافقت وطابقت. قوله: (وثنى بأضدادهم إلخ) قيل إنه يتمشى على العهد، ولا يتمشى على كون تعريف الذين كفروا للجنس متناولاً للخلص وغيرهم، كالمنافقين سواء جعل عاماً خمى بالخبر أو مطلقا قيد به كما مرّ وأجيب بأنه إذا اختص قوله: ومن الناس بالمنافقين، وهم بعضهم دل على أنّ الباقين هم الخلص ضرورة لا لأنّ اللفظ خاص بهم، لأنّ افراد بعض الافراد بحكم خاص يدل على بقاء الباقي على أصل الحكم، كما إذا قلت رأيت بني فلان الكرماء، وبنو فلان منهم العلماء دل على اشتراك الكل في الكرم وأنّ بعضهم علماء، فلو قلت ذكر أو لا من ليس منهم عالماً ثم ثانياً العلماء منهم كان كلاما جاريا على الصحة، وقيل عليه إنّ ضعفه ظاهر لأنه لا يدل على اختصاص الذكر بالأخص غايته أنه حكم على الجنس بحكم يتناول الفزيقين، ثم على البعض منهم بحكم خاص به كما يقال بنو فلان كلهم علماء ومنهم فقهاء، فإنه لا يكون الأوّل ذكرا لغير الفقهاء بالخصوص لا يقال المراد إنّ المقصود الأصلي من ذكر الحكم المشترك المجاهرون بالكفر لمقابلته بالمنافقين لأنا نقول ذلك أيضاً ممنوع، فإنّ إفراد بعض الافراد كالمنافقين لا يراد الأحوال المختصة بهم لا لأنه غير مقصود أصالة من الحكم السابق والفاضل الشريف لم يلتفت لهذا إشارة إلى عدم ارتضائه له، وفي بعض الحواشي إنّ الوجه أنّ مراد العلامة بقوله إنّ الذين كفروا إذا كانت اللام للعهد، أو للجنس الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، أمّا على الأوّل فظاهر، وأمّا على الثاني فلأنّ الجنس مطلق والمطلق ينصرف إلى الكامل ولا شك أنّ المتمحضين للكفر ظاهراً وباطناً هم الكاملون في الكفر، فإن قيل لا يرد هذا رأسا على الزمخشريّ حتى يتكلف لدفعه لما مرّ من قوله: إن الإيمان الصحيح أن يعتقد الحق ويعرب عته بلسانه ويصدقه بعمله، فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر ومن أخل بالعمل فهو فاسق، فإذا كان الكافر عنده مقابلاً للمنافق كيف يتوجه عليه اعتراض لكنه وارد على المصنف رحمه الله، وقيل: إنه أشار إلى أنّ المراد بالذين كفروا الماحضون المجاهرون بالكفر بقرينة السياق، وهو ذكر المؤمنين ظاهرا وباطنا والسباق، وهو ذكر المنافقين وحالهم، وقد أطلق الكافر على ما يعم الماحض والمنافق إمّ بالاشتراك أو التجوّز حيث قال: الكفر جمع الفريقين معا وصيرهم جنسا واحداً وكون المنافقين نوعاً من نوعي هذا الجنس مغايراً للنوع الآخر بزيادة قيد كالخديعة والاستهزاء لا يخرجهم عن أن يكونوا بعضا من الجنس. (أقول) هذا زبدة ما في الشروح من القيل والقال والحق الذي لا محيد عنه أنه لا إشكال فيه أمّا على العهد، فظامر غنيّ عن البيان وأمّا على غيره فالجنس، ومسمى اللفظ كما يكون بحسب اللغة والوضع الأوّل يكون بحسب العرف سواء أكان عاما أو خاصا والكافر في عرف الشرع والعرف العامّ إنما يقال لمن أظهر جحده، وانكاره سواء كان عن صميم اعتقاد أو عتوّ وعناد، كما أنّ المؤمن من وافق ظاهره باطنه في التصديق، وأمّا إطلاقه على هذا وعلى ما يشمل المنافق، وهو من أظهر الإسلام وأبطن الكفر فبحسب نفس الأمر وحقيقة اللغة، فالمراد هنا الأوّل على ما يشهد له السياق والسباق ولله درّ الفاضل الشريف ما أبعد مرماه، وأسعد مغزاه حيث طوى هذا من البين فتدبر. قوله: (محضوا الكفر) بتشديد الحاء وتخفيفها بمعنى أخلصوه، وأصل المحض اللبن الذي لا ماء فيه، ثم تجوّز به عما ذكر واشتهر حتى صار حقيقة فيه. وقوله: (ولم يلتفتوا لفتة) الالتفات الانصراف من جانب إلى آخر، واللفت بكسر

فسكون بمعنى الجانب فنصبه على الغلرفية تسمحا أو على نزع الخافض أي إلى جانبه، ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً وعدم الالتفات إلى جانبه أبلغ من عدم الالتفات إليه والضمير للإيمان المعلوم من السياق والنظم وكونه لله بعيد وأبعد منه وان قرب لفظه كونه للكفر ظاهراً وباطنا على أنّ المعنى لم ينظروا إلى الكفر حتى يظهر لهم قبحه، ورأساً بمعنى أصلاَ وبالكلية و في ذكرها مع الالتفات لطف لا يخفى. قوله: (ثلث إلخ) بتشديد اللام جواب لما أي أتى به ثالثا، وأصل الذبذبة حكاية صوت الشيء المعلق به ثم استعير لكل حركة واضطراب، وتذبذب المنافقين تردّدهم بين الإيمان والكفر أو اضطرابهم بميلهم تارة إلى المؤمنين وتارة إلى الكافرين وانحصمار الأقسام في الثلاثة ظاهر، وقوله تكميلاً للتقسيم علة له، ووجهه أنّ الناس بحسب الاعتقاد إمّا مؤمن ظاهراً وباطناً أو كافر كذلك أو كافر باطناً مؤمن ظاهرا، ولا يرد عليه مبطن الإيمان ومظهر الكفر كعمار لأنه مؤمن لقوله تعالى {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 06 ا] ثم إنّ هذا كله بقطع النظر عما مرّ من الإصرار وعدمه وعن خصوص التعريف، فسقط ما قيل من أنه إنه، يتم إذا لم يعتبر في الكفر التصميم والختم إذ لو اعتبر لم يكمل التقسيم لخروج من لم يصمم على الكفر عن التقسيم، وأن لم يعتبر أشكل إدخال المنافقين المصممين على أنّ اعتباره لا بدّ منه لقوله سواء إلخ وقد صرّح بدخولهم، ولذا قيل إنه إنما يلزم على اعتبار العدم لا على عدم الاعتبار، والفرق ظاهر. قوله: (وهم أخبث الكفرة) كونهم أخبث وأبغض لما ذكره بقوله لأنهم إلخ لا ينافي كون غيرهم أخبث باعتبار آخر، والخلاف المذكور في كلام الإمام لفظيّ قال: اختلفوا في كفر المنافق، والكفر الأصلي أيهما أقبح فقيل الأصلي أقبح لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان، وقيل غيره لأنّ المنافق كاذب أيضاً مع زيادة أمور أخر منكرة، ومن الناس من لم يتنبه له فظنه مخالف لكلام المصنف وليس بشيءه وقوله: (أبغضهم إلى الله) هو كما في الكشاف، وقيل عليه استعمل أفعل من غير الثلاثي وللمفعول وليس بقياسيّ ولا يرد اعتراضاً لأنه سمع من العرب قديماً كما في القاموس وغيره. وقوله: (موهوا الكفر إلخ) في المصباح موهت الشيء طليته بماء الذهب والفضة، وقول مموّه أي مزخرف أو ممزوج من الحق والباطل اهـ. والمراد هـ، لتمويه هنا الستر إمّا استعارة أو مجازاً مرسلاَ لأنهم ستروا الكفر وأظهروا الإسلام. وقوله: (ولذلك إلخ) بيان لما جاء في حقهم إجمالاً وهو ظاهر كما ستراه عن قريب، وهذا بحسب الظاهر يدل على أنهم أعظم جرماً من الكفار، والعمه في البصيرة كالعمى في البصر والتطويل لذكره الأول في أربع آيات، والثاني في آيتين ثم نعى حال هؤلاء في ثلاث عشرة آية بذكر ادعائهم الإيمان ثم تكذيبهم، وذكر مخادعتهم وتلبيسهم، ومرض قلوبهم وتسفيههم للمؤمنين الذين هم أرجح الناس أحلامأ. وقولى: (وجهلهم) بميغة ط ضي التجهيل عطف على طوّل، وهو من قوله {لَّا يَشْعُرُونَ} و {لَا يَعْلَمُونَ} واستهزأ بالماضي من الاستهزاء، وبهم جار ومجرور متعلق به، وهو معطوف على طوّل أو جهل إشارة لقوله {؟ الله يستفزىء بهم} والتهكم في قوله اشتروا إلخ وقوله {؟ ولم تؤمن قلويهم} قال الطيبي الإيمان إن كان مجرد تصديق الجنان ينسب إلى القلب حقيقة وإلخ غيره مجازا، ولذا فسر آمنوا بأفواههم بأظهروا كلمة الإيمان، وإن كان مجموع التصديق، والأعمال فنسبتة إلى الشخص حقيقة وإلى الجوارح مجاز وقوله سجل على عمههم وفي بعض النسخ على غيهم وهو مناسب للغطيان، وهذا إشارة إلى قوله {يَمُدُّهُمْ} إلخ والمراد بالتسجيل الحكم القطعي وأصله كتابة السجل، وهو الكتاب الحكمي قيل: وقد توهم أنّ قوله جهلهم وقوله استهزأ بهم بصيغة المصدر المضاف إلى الضمير فيهما وهو خطأ لعدم التطويل في بيان جهلهم واستهزائهم وليس بشيء، وإن كان الأوّل أرجح رواية ودراية لأنه على هذا التطويل بالنسبة إلى المجصوع لا إلى كل على حدة وهو ظاهر وضرب الأمثال في قوله مثلهم إلخ وطوّل بمعنى أطنب فما قيل من أنّ التعبير بالاطناب أنسب ببلاغة القرآن لا وجه له. وقوله: (وأنزل) معطوف على طوّل. قوله: (وقصتهم عن آخرها إلخ) هذا معنى قوله في الكشاف، وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا، كما تعطف الجملة على الجملة، يعني كما قاله المدقق في الكشف، وتبعه الفاضلان أنه ليس من باب عطف جملة على جملة

ليطلب مناسبة الثانية مع السابقة بل من باب ضم جمل مسوقة لغرض إلى أخرى مسوقة لآخر، والمعنى بالعطف المجموع وشرطه المناسبة بين الغرضين، فكلما كانت المناسبة بين القصتين أشد وأمكن كان العطف بينهما أشدّ وأحسن، ولا يتكلف لخصوص كل جملة تناسب خاص، وهذا أصل في العطف لم يصرّح به الإمام السكاكي، ولذلك أشكل عليه العطف في نحو {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [ابقرة: 25] على الوجه المذكور وسيجيء له مزيد تقرير، وهو ردّ ضمنيّ على الطيبي في قوله إنّ كلام الكشاف هنا يحتمل وجهين. أحدهما أن يعطف من حيث حصول مضمون الجملتين في الوجود. وثانيهما أنّ الجهة الجامعة بين من محض الكفر ظاهرا وباطناً. وبين من أظهر الإيمان وأبطن الكفر التوافق في الكفر، فإنه لم يحم حول المراد، وأمّا من اعترض على الكشف وإرجاع ما هنا إليه بأنه ذهول عن التعبير عنهم بلفظ المصرّين في قوله معطوفة على قصة المصرين إيماء إلى الجامع بين القصتين المصحح للعطف، وهو تناسب التضادّ بين الإصرار والذبذبة، وكذا من قال معترضاً على المدقق لا بدّ في ضم الجمل من التناسب بينهما، فهو لظهور سقوطه غنيّ عن الرد، فإنه ناشىء من عدم التدبر، ولولا أنّ لكل ساقطة لاقطة لم أورده هنا. وقوله: (عن آخرها) معناه جميعها وجملتها وقد مرّ الكلام عليه مفصلاً، وتناسب الغرضين ظاهر لما فيهما من النعي على أهل الضلال من الكفار والمنافقين. قوله: (والناس أصله أناس إلخ) اختلف النحاة في ناس فذهب سيبويه والجمهور إلى أنّ أصله أناس، وهو جمع أو اسم جمع لإنسان حذفت فاؤه، فوزنه عال ونقصه وإتمامه جائزان إذا نكر فإذا عرف بال فالأكثر نقصه ويجوز على قلة إتمامه كما ستراه، واشتقاقه من الإنس ضد الوحثة أو من أنس بمعنى ظهر أو علم، وذهب الكسائي إلى أنه اسم تامّ، وعينه واو من نوس إذا تحرّك بدليل تصغيره على نوشى وقال سلمة بن عاصم كل من ناس وأناس مادّة مستقلة. قوله: (لقولهم إنسان الخ) استدلال لحذف الهمزة منه بثبوتها في مفرده من إنسان، وإنسيّ بكسر فسكون، وأنسيّ بفتحتين بمعناه ولا دليل فيه على القول بأنهما مادّتان مستقلتان، وإنّ ناساً اسم جمع لا مفرد له من لفظه كقوم ورهط. وقوله: (أناسي) بتخفيف الياء وتشديدها جمع إنسيّ أو إنسان، وأصله أناسين، فأبدلت نونه ياء، وأدغمت كظرابي، واقاحي وعلى هذا، فالإبدل فيه غير لازم لقول الشاعر: وبالأناسيّ إبدال الأناسين فحذفت الهمزة حذفها في لوقة وعوّض عنها حرف التعريف، ولذلك لا يكاد يجمع بينهما وقوله: إن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا شاذ وهو اسم جمع كرخال إذ لم يثبت فعال في أبنية الجمع مأخذو من أنس، لأنهم وبه يردّ على ابن عصفور حيث ادّعى لزومه، والإنسان يقال للذكر والأنثى، وانسانة عامية مولدة والشعر الذي نقله فيه وهو: لقدكستني في الهوى ملابس الضث الغزل إت نة فتانة بدرالدجى منهاخجل للثعالبي كما صرّح به في عامّة كتبه، فلا وجه للاستدلال به ولا لإيراد صاحب القاموس له، وتشككه فيه. قوله: (حذفها في لوقة) فقيل ألوقة ولوقة، وفي الصحاح اللوقة بالضم الزبدة عن الكساتي، وقد لوّق طعامه إذا أصلحه بالزبد يقال لا آكل إلا ما لوّق لي أي لين لي حتى يصير كالزبد في لينه. وقال ابن الكلبي: هو الزبد بالرطب وفيه لغتان لوقه وألوقة، ولذا ذكروه في مادّة لوق وألق وذهب بعضهم إلى أنهما لغتان وأصلان ولوق بالتشديد دليل عليه، وقيل إنه لم يثبت عند القائلين بالحذف وفي الحذف ودخول اللام والتعويض وعدمه ما مرّ في لفظ الله. وقوله: (لا يكاد يجمع بينهما) إشارة إلى ما اشتهر من أنّ العوض والمعوّض عنه لا يجتمعان ولا يرتفعان وقد اجتمعا في قول العرب الأناس، وارتفعا في مثل قولهم إذ الناس ناس والزمان زمان. وهذا كثير في كلام العرب، فصيح فذهب بعضهم إلى أنّ مقتضى العوضية عدم الاجتماع في الفصيح الشائع لا في النادر الشاذ، فتأمّل وقد تقدم تفصيله في الفاتحة. قوله: " ن المنايا يطلعن البيت) هو بيت من مجزوء الكامل قال ابن يعيش: قائله مجهول فالاستشهاد به على الجمح مردود وبعده: فتذرهم شتى وقد كانوا جميعاً وافرينا وقيل هو من قصيدة لعبيد بن الأبرص طويلة يخاطب بها أمرأ القيس، وأوّلها كما في الحصاسة البصرية: نحن الأولى فاجمع جمو ~ عك ثم وجههم إلينا

يا ذا المخوّفنا بقت ~ ل أبيه إذلالا وجبنا ويطلعن بتشديد الطاء بمعنى ينظرن ويشرفن وقد تجوّز به عن القرب والمنايا جمع منية، وهي الموت وآمنينا جمع آمن وألفه للإطلاق في القافية. قوله: (وهو اسم جمع) الفرق بين الجمع واسم الجمع كما سيأتي تفصيله إنّ اسم الجمع ما دل على ما فوق الاثنين، ولم يكن على أوزان الجموع سواء كان له مفرد أو لا، ويشترط فيه أيضا أن لا يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة ولا بالياء كزنج وزنجيّ، فإنه اسم جنس جمعيّ ويعرف بإطراد تصغيره من غير ردّ إلى المفرد وقد يراد باسم الجمع الجمع الوارد على خلاف القياس، وهذا عرف النحاة، وأمّا أهل اللغة فاسم الجمع عندهم يسمى جمعاً حقيقة. وقوله: " ذ لم يثبت إلخ) إشارة إلى ما قلنا. في تعريفه وفيه إشارة إلى الردّ على من قال أنه جمع لأنّ ما سمع منه قالوا إنه اسم جمع لا جمع، واطلاق الجمع عليه قالوا: إنه إمّا تجوّز، وإمّا بناء على اصطلاح اللغويين فلا يعترض عليه، وذهب بعضهم إلى أنّ أصله الكسر، وهو جمع تكسير حقيقة لأنّ فعالاً بالكسر من أبنية الجمع، فأبدل كسره ضماً كما أبدلت ضمة سكارى من الفتحة، وقد ذهب إلى هذا الزمخشريّ، ورده أبو حيان في البحر وشنع عليه في ذلك وقد نقلوا كلمات جاءت على هذا الوزن منظومة في أبيات عزيت للزمخئ! ريّ، والأصح أنها لصدر الأفاضل، وهي: ماسمعنا كلما غير ثمان ~ هي جمع وهي في الوزن فعال فتؤام ورباب وفرار ~ وعراق وعرام ورخال وظؤار جمع ظئر وبساط ~ جمع بسط هكذافيمايقال فتؤام واحدة توأم، وهو المولود مع أخيه، ورباب براء مهملة وموحدتين واحده ربى، وهي شاة حديثة عهد بنتاج، وفرار بفاء وراءين مهملتين جمع لفرير ولد البقرة الوحشية، وعراق بعين وراء مهملتين وقاف لعرق وهو عظم عليه لحم وعرام مثله معنى واهمالاً، ورخال براء مهملة وخاء معجمة ولام واحدة رخل أو رخلة وهي أنثى ولد الضأن، وظؤار لظئر وهي المرضعة، وبساط لبسط بكسر الباء للناقة تخلي مع ولدها، ولا وجه لهذا الحصر، فإني وجدت في كتب اللغة وغيرها ألفاظا جاءت على هذا الوزن، فمنها أناس وظباء بالضم لغة في ظباء المكسور ونفاس بالضم لنفساء، ونذال لنذل ورذال لرذل وكباب بمعنى كثير متراكب وملاء بالضم لملاءة ذكره أبو عليّ وقماس وظهار لظهر، وسحاح لشاة ساح، وبراء لبريء في قول وثناء ورعاء لراع ورجال لراجل مع أخوات له، وقد أشبعنا الكلام فيه في شرح الدرّة للحريري. قوله: (مأخوذ من أنس إلخ) أنس كفرح من الأنس ضد الوحشة لأنسه بجنسه لأنه مدني بالطبع كما قيل: وما سمي الإنسان إلاً لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلب وقوله آنس بالمد بمعنى أبصر قال تعالى: {آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص، الآية: 29] وهو محتمل للأفعال والمفاعلة، وجاء بمعنى سمع وعلم فسمي به لأنه ظاهر محسوس وقد مرّ ما قيل من أنه من نوس، وقيل إنه من نسي بالقلب لقوله تعالى في آدم {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115] وهذا مرويّ عن ابن عباس رضي الله عنهما رقد لمحه الشعراء كثيراً كما قيل: نسيت وعدك والنسيان مغتفر فاغفر فأوّل ناس أوّل الناس ووزنه على الأوّل عال، وعلى الثاني فعل وعلى الثالث فلع، وأمّا الاستدلال بنويس فعورض بأشياء على كلام فيه في كتب اللغة، والأخذ أعثم من الاشتقاق، وهو كما في خصائص ابن جني صوغ الكلمة سواء كانت مشتقة أو جامدة من مادة توجد في تصاريفها، ويدور عليها المعنى، فلا يرد على المصنف أنّ الاشتقاق يكون في الأفعال والصفات، وهذا جامد ولا أنّ الفعل لا يشتق منه على الأصح، وعلم منه سقوط قول الإمام لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقاً من شيء آخر وإلا لزم التسلسل، فلا حاجة إلى جعل الإنسان مشتقاً. وقوله: (ولذلك سموا بشرا) أي لظهور جلودهم، ومنه البشرة لظاهر الجلد والأدم لباطنه لخلوها من ستر الشعر ونحوه مما هو في سائر الحيوانات، ويستوي في لفظ البشر الواحد وغيره في الأكثر، وحيث ورد في القرآن فالمراد ما يتعلق بجثته كقوله {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا} [الفرفان: 54] والجن مقابل به

وسمي به لاجتنانه واستتاره، وكذا كل ما تدور عليه هذه المادّة. قوله: (واللام فيه للجنس إلخ) هذا تلخيص لما في الكشاف من قوله، ولام التعريف فيه للجنس، ويجوز أن تكون للعهد والإشارة إلى الذين كفروا المارّ ذكرهم، كأنه قيل ومن هؤلاء من يقول وهم عبد الذ بن أبيّ وأصحابه، ومن كان في حالهم من أهل التصميم على النفاق، ونظير موقعه موقع القوم في قولك نزلت ببني فلان فلم يقروني والقوم لئأم، ومن في من يقول موصوفة كأنه قيل، ومن الناس ناس يقولون كذا كقوله {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} [الأحزاب: 23] إن جعلت اللام للجنس وإن جعلتها للعهد فموصولة كقوله ومنهم الذين يؤذون النبيّ فإن قيل أيّ فائدة في الإخبار عمن يقول: بأنه من الناس أجيب بأنّ فائدته التنبيه على أنّ الصفات المذكورة تنافي الإنسانية، فيتعجب منها ومن كون المتصف بها منهم، وردّ بأنّ مثل هذا التركيب يجيء في مواضع لا يتأتى فيها مثل هذا الاعتبار فلا يقصد فيها ألاً الاخبار بأنّ من هذا الجنس طائفة متصفة بكذا كقوله {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} [الأحزاب: 23] فالأولى أن يجعل مضمون الجار والمجرور مبتدأ على معنى، وبعض الناس أو بعض منهم من اتصف بما ذكر، فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأوّل معناه مبتدأ، ويرشدك إليه قول الحماسي: منهم ليوث لاترام وبعضهم مما قمشت وضمّ حبل الحاطب حيث قابل لفظة منهم بما هو مبتدأ، وهو لفظ بعضهم، وقوله تعالى {مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] وقد يقع الظرف فيه موقع المبتدأ بتقدير موصوف، كقوله تعالى {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصفات: 164] فالقوم قدر والموصوف في الظرف الثاني، وجعلوه مبتدأ والظرف الأوّل خبرا، وعكسه أولى بحسب المعنى أي جمع منا دون ذلك، وما أحد منا إلاً له مقام معلوم لكن وقوع الاستعمال على أنّ من الناس رجالاً كذا وكذا دون رجال يشهد لهم، وقد مرّ نبذ من هذا في قوله {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} . (أقول) إذا أطبقوا على نصب ما بعد الظرف بعد دخول إنّ تعين كونه مبتدأ بلا تكلف لما مرّ من جعل الحرف مبتدأ ميلاَ مع المعنى، وإن كان الرضي نقله عن العلامة، ولو كانت من بمعنى بعض كانت اسماً، ولم يقل به أحد من النحاة كما في غيره من الحروف فالأولى أن يقال إنّ بعض الناس كناية عن معنى مفيد مثل منحصر ومنقسم إذا وقع في محل التقسيم، ومثل معلوم لكنه يخفى ويستر لئلا يفتضحوا، وقد جنح إليه القائل انه تفصيل معنويّ لأنه تقدّم ذكر المؤمنين ثم ذكر الكافرين، ثم عقب بالمنافقين فصار نظير التفصيل اللفظي نحو ومن الناس من يعجبك قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي} [لقمان: 6] فهو في قوّة تفصيل الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق ولك أن تحمله على الثاني فالمعنى من يختفي من المنافقين معلوم لنا ولولا أنّ من الكرم الستر عليه فضحناه فيكون مفيدا وملوّحا إلى تهديدمّ وقد أبرز هذا القائل: وأقول بعض الناس عنك كناية خوف الوشاة وأنت كلى الناس والتبعيض يكون للتعظيم وللتحقير وللتقليل وللتكثير، ولذا قيل المراد بكونهم من الناس أنهم لا صفة لهم تميزهم سوى صورة الإنسانية أو المراد أنّ تلك تنافي الإنسانية كما مرّ، وأمّا ما استشهدوا به، فلا دليل فيه لأنّ قوله {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} ليس مما نحن فيه لأنّ شهادة الله للصادقين بالإيمان مفيدة، وليست كجعلهم من الناس وكذا بيت الحماسة والآية أمّا البيت، فلأنه يريد أنّ الأسود المعروفون بالجراءة من الرجال مع أنّ بعضهم كالهشيم المحتطب، وكذا الآية لما قال: إنّ المؤمنين المتقين قليل منهم من صدق وقع في الذهن التردّد في أكثرهم فبينه وصياتي لهذا تتمة، وأمّا تقديرهم الموصوف في الظرف الثاني، فلأنه إنما يقام مقام موصوفه إذا كان بعض اسم مجرور بمن أوفى قبله قال في التسهيل يقام النعت مقام المنعوت بظرف أو جملة بشرط كون المنعوت نعض ما قبله من مجرور بمن، أو في وإذا لم يكن كذلك لم يقم الظرف والجملة مقامه الآ في الشعر، فلا حاجة لما قيل من أنّ مناط الفائدة البعضية، وردّه بأنّ البعضية أوضح من أن يفيد الاخبار بها أو أنّ مناطها الوجود أي أنهم موجودون بينهم، أو أنهم من الناس لا من الجن لأنّ النفاق لا يكون منهم، أو المراد بالناس المسلمون، لأنه حيث ورد يراد به ذلك، والمعنى أنهم يعدونهم مسلمين أو أنهم

يعاملونهم معاملة المسلمين فيما لهم، وعليهم لما فيه من التعسف. قوله: (ومن موصوفة إذ لا عهد إلخ) هذا برمّته من الكشاف كما سمعته آنفاً، وحاصله أنّ اللام في الناس إمّ للجنس، أو للعهد الخارجي لا الذهني، فإن كانت للجنس، فمن نكرة موصوفة وإن كانت للعهد فهي موصولة، واستشكله الناس قديماً وحديثاً بأنه لا وجه لهذا التخصيص لجواز أن تكون موصولة على تقدير الجنس، وموصوفة على تقدير العهد، وتبعهم ابن هشام في المغني، ثم اختلفوا فمعترف بالورود لأنّ بعض الجنس قد يتعين بوجه مّا، وبعض القوم المعينين المعهودين قد يجعل باعتبار حال من أحواله كأهل محلة محصورين فيهم قاتل لم يعلم بعيتهءص نه قاتلاً، وان عرف شخص " فنقول في هؤلاء قاتل لهذا القتيل، ومجيب موجه لما ذكر على وجوه شتى، فقيل: إن هذا هو الأنسب فإذا اقتضاه المقام تعين في كلام البليغ، لأنّ المعرّف بلام الجنس لعدم التوقيت فيه قريب من النكرة وبعض النكرة نكرة فناسب من الموصوفة للطباق، والأمر بخلافه في العهد، ويدلّ عليه وروده على هذا الأسلوب نصاً في القرآن ففي قوله {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} لما أريد الجنس جعل بعضهم رجا لاً موصوفين، وفي قوله عز وجل {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ} [التوبة: 61] لما كان مرجع الضمير طائفة معينة من المنافقين قيل الذين يؤذون، وتحقيق السرّ فيه أنّ قولك من هذا الجنس طائفة من شانها كذا يفيد التقييد بالجنس فائدة زائدة، أمّا إذا قلت من هذا الجنس الطائفة الفاعلة كذا فمن عرفهم عرف كونهم من الجنس أو لا وإذا قلت من هؤلاء الفاعل كذا حسن، لأنه زيادة تعريف، ولا يحسن فاعل كذا لأنه عرفهم كلهم إلاً إذا كان غرض في التنكير كستر عليه أو تجهيل، والكلام الآن في الأصل اهـ وتابعه السيد السند مع تمريضه ما حققه في غيره، وكذا الفاضل التفتازاني إلاً أنه استشهد له بكلام للإمام المرزوقي لم يزك شاهده، ثم قال: وقد يقال إنّ العلم بالجنس لا يستلزم العلم بابعاضه، فتكون باقية على التنكير فتكون من المعبر بها عن البعض نكرة موصوفة وعهدية الكل تستلزم عهدية أبعاضه، فتكون من موصولة، وهذا بعد تسليمه إنما يتم بما ذكر من وجه المناسبة، والاً فلا امتناع في أن يعبر عن المعين بنكرة لعدم القصد إلى تعيينه، وفي أن يعين بعض من الجنس الشائع فيعبر عنه بلفظ المعرفة اهـ. (أقول) هذا زبدة ما ارتضوه، وقد وقع في بعض الشروح كلام طويل بغير طائل، ولذا أضرلب عنه المدقق في الكث ف ولم يلتفت لفته الفاضلان إيماء إلى ما فيه فاقتصروا على ما قصصناة لك وفيه بحث من وجوه. (1 لأوّل) أنّ قوله في الكشف إنّ التقييد بالجنس يفيد إذا كانت من نكرة موصوفة فائدة زائدة فيه أنّ كون كل قائل من جنى الناس، كالسماء فوقنا فأيّ فائدة فيه فتأمّل. (الثاني) أنّ قوله ولا يحسن فاعل كذا لأنه عرفهم ليس بتام، لأنّ معرفنه لهم بأعيانهم لا تنافي جهل الفاعل من حيث كونه فاعلاَ، كما أوضحناه لك أو لا، وادّعاء الندرة لا يصمفو من كدر الإنكار. (الثالث) قد علم مما ذكر أنّ قوله وعهدية الكل تستلزم عهدية أبعاضه غير ظاهر ولا حاجة لقول الفاضل فلا امتناع إلخ، وفي قوله بعد تسليمه إيماء إليه وبعد كل كلام مآل ما حاموا حوله أنه أنسب لا قطعيّ، كما صرّح به المدقق في الكشف، وان قيل عليه إنّ لفظ الزمخشريّ يشعر بالوجوب لا الأنسبية، وإن كان مدعي بلا بينة فلا بد من الرجوع إليها، وكلهم حولها يدندن، ومطالب العربية يكتفي فيها بمثل هذه الأمور الخطابية وما جوّزه الشيخان واختاره أبو البقاء من كونها موصوفة قيل عليه أنها لا تكون موصوفة في الأكثر إلاً في موضع يختص بالنكرة كما في قوله: رب من أنضجت غيظا صدره بل ذهب الكسائي رحمه الله وهو الإيمان المقتدى به إلى أنها لا تكون موصوفة إلاً في ذلك الموضع، فالوجه أنها موصولة وبه جزم في البحر، فلا ينبغي أن يخرّح كلام الله على وجه نادر أو منكر وهو كلام واه جدا، وقول المصنف إذ لا عهد تعليل لإرادة الجنس أو لمجموع الأمرين أي لم يجر لهؤلاء ذكر قبل حتى تكون الألف واللام عهدية ومن موصولة لعهد خارجيّ، أو ذكرفي وسيأتي منه ما يعلم جوابه، وقوله ناس تفسير لمن لأنها هنا مفردة لفظاً مجموعة معنى. قوله: (او للعهد إلخ) في بعض النسخ وقيل للعهد، وهو مناسب لتأخيره، والمعهود منهم ناس من

المنافقين كانوا على عهده صلى الله عليه وسلم للعهد الذي في الموصول، والكفرة المصرّين مطلقا للإطلاق الذي في الناس، وقد مرّ بيان وجه اختيار الموصولية على هذا وما له وعليه، وجواز كونها موصوفة على تقدير العهدية، وقول أبي البقاء: إنّ هذا ضعيف بناء على اختياره إنّ الذين يتناول قوماً بأعيانهم والمعنى هنا على الإبهام، وقد ردّ بالمنع فإنها نزلت في عبد الله بن أبيّ وأضرابه، وابن أبيّ بصيغة التصغير كان رأس المنافقين بالمدينة وأصحابه أتباعه، فإنه كان رئيسا، وإنما حمله على النفاق حب الرياسة كما ذكره أصحاب السير ونظراؤ. أقرانه من أعلام النفاق وهو جمع نظير ككريم وكرماء. قوله: (فإنهم من حيث أنهم صمموا إلخ) جواب سؤال مصرّح به في الكشاف، وهو: فإن قلت: كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم إلخ وقد اتفق شرّاحه على أن السؤال وجوابه على تقدير كون التعريف للعهد لا للجنس، أي كيف يجعل أهل التصميم على النفاق بعض الكفرة الموصوفين بالختم، وهم محضوا الكفر ظاهرا وباطنا كما يدل عليه قوله، ثم ثنى والمنافقون المذكورون غيرهم، نأجيب بأنّ الكفر المصمم بالإصرار المختوم به، والمغشى على القلوب والأبصار جمع الفريقين من الماحضين المصرّين والمنافقين المصممين معاً وصيرهما جنسا واحدا وهو من لا ينتهي عن الكفر أصلاَ، والمنافقون قد امتازوا عن الماحضين بما ذكر من الزيادة لكن ذلك لا يخرجهم عن الجنس الجامع بينهما وحاصله أنّ المراد بالذين كفروا على تقدير الجنس المصرون مطلقا، فيندرج فيهم المصممون على النفاق، وقوله ثنى بذكر الماحضين حملوه على أنّ الدنافقين لما أفردوا بالذكر كان المقصود بالذات من الحكم المشترك بيان حال الماحضين لا على أنهم المراد به مطلقاً فلا إشكال، وخروج المنافق الذي لا يصرّ لا يضرّ كالكافر الذي لم يدم على كفره وكصاحب الكبيرة بالنسبة للمتقين، فالمذكور من الأقسام الثلاثة أعلى أعلامهم، وقد ذهب بعضهم في تقريره إلى خلافه فزيفوه كما في الحواشي الشريفية وإليه ذهب في الكشف، ثم قال: ولقد تعمق بعضهم في هذا المقام إلى أن جرّه صلفه إلى أن جعل اللام في المتقين للعهد زاعماً أنّ القسمة المثلثة تقتضي تقابل الثلاثة جنسا أو عهدا، وقد ضل عنه أنّ التقابل لا على الحقيقة، وإلاً لوجب عطف إنّ الذين كفروا على سالفه وقد سبق ذلك مستوفى في تقريره، ولا بدّ للجواد من كبوة فإن قلت على العهد إمّا أن يراد العهد الذهني، أو الذكري والخارجي، وليس المراد الأوّل كما لا يخفى ويرد على الثاني أنه لم يتقدم له ذكر قلت: لا يلزم في العهد الذكري أن يذكر بلفظه بل بما يساوبه، كما قرّووه في قوله تعالى {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [آل عمران: 36] فإنّ قولها قبله نذرت لك ما في بطني محرّرا بمعنى الذكر، لأنهم لم يكونوا يحرّرون لخدمة بيت المقدس إلاً الذكور فلذا كان التعريف فيه عهدياً، ومن هذا القبيل ما نحن فيه إذ لا يشترط اتحاد اللفظ بل المعنى. وقوله قدّس سرّه ولما كان المعهود هنا مذكورا بلفظ آخر أشار إلى ذلك الزمخشريّ بقوله: ونظير موقعه أي موقع الناس موقع القوم في قولك نزلت ببني فلان والقوم لئام إشارة لذلك، وفيما ذكره مخالفة لقول الشارح الفاضل الناس على تقدير العهد إشارة إلى ذلك الجنس لا إلى المصرّين المخصوصين بواسطة الاخبار عنهم باستواء الإنذار وعدمه، ولا إلى الخلص الذين كفروا ظاهرا وباطناً على ما ينساق إليه الكلام بعد امتياز المنافقين منهم، ففيه ردّ ضمني له وبوافقه ما في حواشيه على شرح التلخيص من أنّ المعهود الخارجي كضمير الغائب في تقدّم الذكر تحقيقاً أو تقديراً، وقد جوزوا عود الضمير إلى المطلق المذكور في ضمن المصرّح الحاضر فتدبر. وقوله: (في عداد) بكسر العين أي دخلوا في جملتهم، فيعدون منهم. وقوله: (واختصاصهم الخ) يعني أنّ هذه الضميمة صيرتهم نوعاً، كما يصير الحيوان بانضمام النطق إليه نوعاً منه. قوله: (فعلى هذا تكون الآية الكريمة تقسيماً للقسم الثاني) قيل: إنه ردّ لما يفهم من ظاهر الكشاف من جريان وجهي التعريف على تثليث القسمة لأنّ التثليث إنما يتأتى بجعل الذين كفروا ماحضين للكفر ظاهراً وباطناً، وحينئذ لا يصح جعل المنافقين منهم، أو توجيه له بأنّ قوله ويجوز أن يكون للعهد ليس عديلاً لقوله: ولام التعم يف فيه للجنس، فليسا معاً من تتمة تثليث القسمة بل العهد عديل لتثليث القسمة والجنس من تتمته، والحق معه

وإن لم يتنبه له شارحو الكشاف وتكلفوا لتصحيحه بما لم ترض أن نلقي عليك شيئاً منه، وقد قدّمناه لك وجعلناه بمرأى منك ومسمع، ومن الناس من فسر كلام المصنف رحمه الله بقوله أي فعلى أن تكون اللام في الناس للعهد يكون قوله عز وجل {وَمِنَ النَّاسِ} إلخ تقسيماً للقسم الثاني، وهم الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، وفيه ما فيه من ركاكة المفى المشار إليه آنفاً لعدم صدق المقسم على القسم هنا مع وجوب صدق الجنس على النوع والمقسم على القسم وهذا يشير إلى أنه اعتراض على الزمخشريّ في التثليث، وأنه على هذا ينبغي أن تجعل القسمة ثنائية وليس هذا كله بشيء ولو سلم أنّ مراده الاعتراض كان واردا عليه، فإنه ثلث القسمة وأتى بما ذكره افي مخشريّ أولاً على أنه مرضيّ له وليس في سياقه ما يدل على أنه اعتراض، فالحق أن يقال إنّ مراده أنّ القسمة ثنائية بحسب الحقيقة ثلاثية بعد اعتبار التقييد والتقابل، كما تقدّمت الإشارة إليه لأنهم ذكروه بعد التقسيم وسكتوا عنه، فالظاهر جريانه على الوجوه، وهذا إنما يتأتى إذا لم يكن الذين كفروا للعهد على أنّ المراد به ناس باعيانهم فتدبر. قوا 4: (واختصاص الإيمان بالله الخ) أي فائدة اختصاص الإيمان بالله واليوم الآخر بالذكر أو سببه تخصيص إلخ. والمراد بيان وجه تخصيص الإيمان بهما بالذكر من بين جملة ما يجب الإلمان به بأربعة أوجه بعضها ناظر إلى الحكاية، وبعضها ناظر إلى المحكيّ وقوله بالذكر إشارة إلى أنّ التخصيص ليس بمعنى الحصر، وهو أحد معنييه، ويسمى تخصيصاً ذكرياً وتخصيصاً بالإثبات، وهذا صريح في أنّ بالله وباليوم الآخر صلة الإيمان لما مرّ من أنه يتعدّى بالباء، وما قيل: من أنه لا تخصيص هنا لأنّ قوله بالله إلخ قسم منهم أو منه تعالى عدول عن جادّة الصواب بلا داع كما لا يخفى وما تكلفه لتوجيهه غنيّ عن الردّ وكون الإيمان بالله والحشر والنشر أعظم المقاصد الاعتقادية وأجلها ظاهر مع أنّ من آمن بالله على ما يليق يجلال ذاته آمن بكتبه ورسله وشرائعه، ومن علم أنّ إليه المصير استعدّ لذلك بالأعمال الصالحة. قوله: (اجتاؤوا الإيمان من جانببه إلخ) أي جمعوه من أوّله وآخره من الحيازة وهي الضم والجمع ومنه تحيز وتجوز إذا صار في حيز وأصله في كلام العرب العدول من جهة إلى أخرى كما قال تعالى {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} [الأنفال: 6 ا] كما سيأتي بيانه، والقطر بضم القاف وسكون الطاء المهملة تليها راء مهملة بمعنى الجانب، والإحاطة بقطربه وحيازته من جانبيه كناية عن جميعه كما يقال من أوله إلى آخره، والإيمان بهما إيمان بالمبدأ والمعاد اللذين هما طرفا الوجود، وهذا هو الوجه الثاني، وهو بالنظر إلى المحكي كما يشير إليه قوله ادّعاء. وأمّ ما قيل من أنه على هذا ينبغي أن يقالى أو رد ذان، لأنّ الوجهين الأخيرين لا يجامعانه بوجه وجعلهما جانبي الإيمان إنما يصح لو كان اليوم الآخر آخر أركان الإيمان، وليس كذلك لأن آخر أركانه البعث بعد الموت كما اشتهر في تفصيل الإيمان، فليس بشيء لما بيناه لك فتدبر. قوله: (وإءلذان بأنهم منافقون إلخ) الإيذان الإعلام إعلاما ظاهرا لأنه ذكر في معرض 474 ذمّهم وهو حق فعلم أنّ ظاهره غير مراد وهذا هو الوجه الثالث، وهو بالنظر إلى الحكاية، ولذا صدّره بالإيذان ونفاقهم فيما ذكر لأنهم أظهروا الإيمان بما ذكر وظنوا الإخلاص فيه، وما في ضمائرهم لا يوافق ما أظهروه، فهو ضرب من النفاق لعدم موافقة ظاهره لباطنه لأنهم كانوا قبل إظهار الإسلام يهودا فإيمانهم كلا إيمان لقولهم بتشبيه الله بغيره المستلزم للتجسيم، وقول آبائهم {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] ونسبة الولد له بقولهم عزير ابن الله فإقرارهم بالآخرة كلا إقرار لزعمهم أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وأنّ النار لن تمسهم إلا أياما معدودة قليلة، واعتقادهم أنّ أهل الجنة يتنعمون باستنشاق نسيم الروائح بدون أكل وشرب، ومع ذلك يظهرون أنهم يؤمنون، كما نؤمن فإخلاصهم بحسب زعمهم ونفاقهم باعتبار نفس الأمر، لأنّ النفاق مخالفة الباطن للظاهر فلا يتوهم أنه لا يتصوّر اجتماع الإخلاص والنفاق، وهم منافقون حقيقة ويهود اسم جنس جمعيّ ليهوديّ، وهو مما يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة أو بياء النسبة كزنج وزنجيّ، وأمّا يهود مفردا فعلم للقبيلة غير منصرف ويرون بضم الياء من الإراءة أي يظهرون لهم. قوله: (وبيان لتضاعف خبثهم إلخ) التضاعف والإفراط الزيادة، وهذا الوجه هو الرابع، وهو متعلق بالحكاية ويجوز تعلقه بالمحكي أيضا، والمراد أنهم قصدوا

بتخصيص الإيمان بهما التعريض بعدم الإيمان بغيرهما من رسالة خاتم الرسل صتى ألله عليه وسلم وما بلغه ولذا سماه كفراً، ومن خلط فيه أنهم مع إثبات الصانع يصفونه بما هو منزه عنه لم يصب لأنه يوّل بالآخرة لما قبله، وهذا حينئذ لو قصد حقيقتة لم يكن إيمانا لأنه لا بد من الإقرار بنبوّته صلى الله عليه وسلم وإبطال ما كانوا عليه فكيف، وهو مخادعة وتلبيس منهم. وقوله: (وعقيدتهم عقيدتهم إلخ) جملة حالية أي معروفة مشهورة كقوله شعري شعري وجوز نصب الأوّل عطفا على اسم أنّ والظاهر الأوّل، وتمويه بمعنى تلبيس وإظهار لما لا حقيقة له من قولهم موهت الشيء إذا طليته بماء الذهب أو الفضة، وقول مموّه أي مزخرف ممزوج من الحق والباطل. قوله: (وفي تكرير الباء إلخ) يعني أنهءررل عن الظاهر، وهو عدم إعادة الجار إذ! عطف على اسم ظاهر مثله، وهو الأظهر الأخصر، لأنهم لمخادعتهم وتلبيسهم أظهروا أنّ إيمانهم إيمان تفصيليّ مؤكد قوي، لأنّ إعادة العامل تقتضي أن متعلقه كالمعد، كما قاله سيبوبه في نحو مررت بزيد وبعمرو، فيفيد ما ذكر وهو ظاهر. قوله: (والقول إلخ) هو في الأصل مصدر كما أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله التلفظ، وأمّا تخصيصه بالمفيد، فهو أحد الأقوال في مسماه لغة فإن أريد بها مطلق الإفادة يكون بمعنى الموضوع احترازا عن المهمل كدير فلا يسمى قولا وإن سمي لفظاً فالقول أعم منه، وهذا ما اختاره ابن مالك رحمه الله، فيعمّ الكلام والكلمة والكلم، وان أريد الفائدة التامّة أي ما شانه ذلك فهو احتراز عن الكلمة والمركب الناقص فلا يسمى مثله قولا وقد صرّح به الحوفي في تفسيره وقال: القول حقيقة المركب المفيد وإطلاقه على المفرد والمركب الذي لا يفيد مجاز مشهور، وقال ابن معطي: إنه حقيقة في المفرد واطلاقه على المركب مجاز، وقيل حقيقته المركب مطلقاً أفاد أم لم يفد وهو مجاز في غيره وقيل إنه مرادف للفظ حقيقة فيعمّ الموضوع مركباً ومفردا، والمهمل كما حكاه أبو حيان في شرح التسهيل، وقال الرضي: القول والكلام واللفظ من حيث أصل اللغة بمعنى يطلق على كل حرف من حروف المعاني والمباني وعلى ما هو كثر منه مفيدا كان أو لا لكن القول اشتهر في المفيد بخلاف اللفظ، واشتهر الكلام في المركب، من جزأين فصاعدا فالأقوال خمسة، ثم تجوّز به عن المقول كالخلق بمعنى المخلوق مجازا اشتهر حتى صار حقيقة عرفية، فلا يرد على المصنف أنّ قوله وللرأي والمذهب مجا أايفهم منه أنّ ما قبله حقيقة، وتفسيره له بالتلفظ يخالفه، وهذا إن جعل قيدا لما عنده، فإن جعل قيداً لما يعد يقال فلا قيل ولا قال ويستعمل في المعنى المتصوّر في الذهن المعبر عنه باللفظ، وهو المسمى بالكلام النفسيّ في عرف الناس، وبه فسر قوله تعالى {يَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ} [المجادلة: 8] وقد صرّح بعض أهك الكلام بأنّ إطلاق الكلام والقول على النفسيّ حقيقة وان خالفهم فيه كثير، وأوّله بعضهم ويطلق على الرأي والمذهب فيقال قال: بكذا إذا ذهب إليه، والرأي قريب من المذهب وقد يفرق بينهما بأنّ الرأي أعتم من المذهب، لأنه يكون في الشرعيات فقط، وأصله مكان الذهاب أو نفس الذهاب، ثم نقل عرفا لمعناه المشهور، واطلاقه على الرأي مجاز علاقته السببية، لأنه سبب لإظهاره والإعلام به كما قاله ابن أبان. قوله: (والمراد باليوم الآخر إلخ) هو على الأوّل من الحشر إلى ما شاء الله وسماه آخراً لأنه ليس بعده يوم آخر كما قال ابن شبل في رائيته المشهورة في صفة الدنيا: فمن يوم بلا أمس ليوم بغيرغد إليه مايسار يعني بالأوّل يوم الولادة وبالثاني يوم الموت، أو لتأخره عن الأيام المنقضية من أيام الدنيا، وفي قوله إلى ما لا ينتهي تسامح مشهور كما في قولهم إلى ما شاء الله، فسقط ما قيل من أنّ ما لا ينتهي ليس نهاية اليوم الآخر فالواضح أن يقول ما لا ينتهي من وقت الحشر والأمر فيه سهل، وعلى الثاني هو من وقت الحشر إلى مستقر أهله وسمي آخراً لأنه آخر وقت له حد وطرفان، لأنّ أيام الدنيا محدودة، لأنّ اليوم عرفا من طلوع الشمس إلى غروبها، وشرعا من طلوع الفجر إلى الغروب، وعند المنجمين من نصف النهار إلى نصف الليل، ويكون اليوم بمعنى مطلق المدّة، ويوم الحشر له ابتداء وانتهاء، فهو محدود أيضا كما قال تعالى {وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47] وما بعده مما لا يتناهى، وهو المسمى بالأبد المطلق. قوله: " نكار ما اذعوه إلخ) هو قولهم

آمنا إلخ والانتحال بالحاء المهملة أن تنسب لنفسك ما ليس لك، وماكه إلى الكذب من النحلة، وهي الدعوى وهي عند الإطلاق يتبادر منها الدعوى الباطلة، والظاهر أنّ قوله إنكار ما ادعوه ناظر إلى ادّعائهم الإخلاص وإحاطة عقائدهم بالإيمان من جميع جهاته. وقوله: (ونفي ما التحلوا) ناظر إلى ما أشار النظم إليه من حشو عقائدهم الفاسدة بالتشبيه وما يضاهيه ومن لم يدقق النظر فيه قال: إنه عطف تفسيريّ فلم يحم حول الحمى: فيا دا- ها بالخيف إنّ مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوال ولذا عدل عن قوله في الكشاف القصد إلى إنكار ما ادّعوه ونفيه، وهو أخصر. قوله: (لكنه عكس إلخ) لأنّ ما قالوه في مأن الفعل لا الفاعل، وما هنا في شأن الفاعل لا الفعل أي في بيان أنه بحيث لم يصدر عنه ذلك الفعل سواء قصد بذلك اختصاصه بنفي الفعل، كما سيأتي في قوله تعالى {وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] أو لم يقصد فإنه لا يطابق ردّ دعواهم، والمطابق أن يقال: وما آمنوا. والجواب أنّ العدول إلى الاسمية لسلوك طريق الكناية في ردّ دعواهم الكاذبة فإنّ انخراطهم في سلك المؤمنين و 5 ونهم طائفة من طوائفهم من لوازم ثبوت الإيمان الحقيقي لهم وانتفاء اللازم أعدل شاهد على انتفاء ملزومه ففيه من التوكيد، والمبالغة ما ليس في نفي الملزوم ابتداء، وكيف لا وقد بولغ في نفي اللازم بالدلالة على دوامه المستلزم لانتفاء حدوث الملزوم مطلقا وكد ذلك النفي بالباء أيضاً فليس في هذه الاسمية تقديم لقصد الاختصاص أصلاَ ولا لجعل الكلام في شأن الفاعل أنه كذا، أو ليس كذا قطعاً بل المقصود بها ما ذكرناه من سلوك طريق هو أبلغ وأقوى في ردّ تلك الدعوى، ونظيرها في سلوك " فذه الطريقة وما هم بخارجين منها كذا أفاده الشراح، وزاد السعد روّح الله روحه قوله: لا يقال: الاسمية تدل على الثبات فنفيها يفيد حينئذ نفي الثبات لإثبات النفي وتأكده لأنا نقول ذلك إذا اعتبر إثبات بطريق التأكيد والدوام ونحو ذلك، ثم نفي وهنا اعتبر النفي أو لا، ثم أكد وجعل بحيث يفيد الثبات، أو الدوام وذلك، كما أنّ ما أنا سعيت في حاجتك لاختصاص النفي لا لنفي الاختصاص وبالجملة فرق بين تقييد النفي ونفي التقييد، وقد قيل في تقرير هذا الجواب أنّ الكلام من قبيل الكناية الإيمائية للتلاجد لأنّ الضمير لما أولى حرف النفي وحكم على الكفار بإخراج ذواتهم عن طوائف المؤمنين لزم من ذلك نفي ما ادّعوه من الإيمان على القطع والبت، وقيل: يمكن أن يجري الكلام على التخصيص ويكون الكلام في الفاعل، فإنّ الكفار لما رأوا أنفسهم أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي وادّعوا موافقتهم قيل في جوابهم، وما هم بمؤمنين على قصر الإفراد لأنهم ادّعوا الشركة فرد قولهم باختصاص المؤمنين بذلك، وقرّره بعض الأفاضل بأنّ إثبات الإيمان بالجملة الفعلية لا يطابقه نفيه بالجملة الاسمية والجواب أنّ المقصود نفي ما ادّعوه، وهو يحصل بهما والاسمية أبلغ، ولا يخفى ما فيه من القصور والفضل للمتقدّم. (أقول) هذا ملخص القيل والقال لا مخلص الإفهام من شرك الإشكال، وتلخيص تخليصمه أنه يرد أولا على ما قيل: من أنّ انخراطهم في سلك إلخ ما سمعته آنفا أنه إنما يصح لو قيل: وما هم من المؤمنين إذ ليس قوله {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] مثل قوله: وما هم من المؤمنين لأنّ هذا يفيد أنهم ليسوا من عدادهم، وجملتهم على ما قرّروه في مثل قوله {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] حيث عدل عن كانت قانتة الأخصر الأظهر إليه لما ذكر على ما في شرح المفتاح ويجاب عنه بأنّ المبالغة من تقديم الفاعل وإيلائه حرف النفي لأنّ نفي فاعليتهم يستلزم نفي صدور الفعل منهم على أبلغ وجه سواء جرّ الوصف بالباء أو بمن فلا يرد عليهم شيء كما توهم ويرد عليه ثانياً أنه قال: فليس في هذه الاسمية تقديم لقصد الاختصاص أصلاً، وقد عرفت أنه في النظم أثبت الإيمان للمؤمنين على أتم حال ونفي عن هؤلاء ذلك بأبلغ وجه ولا اختصاص أقوى مصتفهذا، ولا بدّ من القول به للزومه لتثليث القسمة السابق، ويدفع بأنّ المراد أنه لم يقصد الحصر، وإنما قصد تأكيد نفي الإيمان عن هؤلاء وهو لا ينافي صحة الحصر في نفسه لأنّ الكلام البليع كثيرا ما يلوح بأمور لازمة للمقام، وإن لم تقصد منه بالذات، ويرد هنا ثالثا أنه قال في الكشاف فقد انطوى تحت الشهادة عليهم بذلك نفي ما انتحلوا إثباته

لأنفسهم على سبيل القطع والبت ونحوه قوله تعالى {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة: 37] هو أبلغ من قولك وما يخرجون منها، ولما صرح في تفسير هذه الآية حيث قال ثمة هم هنا بمنزلتها في قوله هم يفرشون اللبد كل طمرّة. في دلالته على قوّة أمرهم لا على الاختصاص، اهـ. علم أنه لا اختصاص هنا أيضاً، كما صرّح به الفاضلان في شرحه، وأنّ من حمله عليه لم يصب لغفلته عما هناك، والمصنف رحمه الله لما ترك هذا رأساً علم أنه ذاهب إلى الاختصاص، أو مجوز له وقد تردد فيه بعض أرباب الحواشي هنا إلا أنه رمية من غير رام، وفي عروس الأفراح: أنّ ما ذكره الزمخشرقي في قوله تعالى {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [الماثدة: 37] دسيسة اعتزالية لأنه لو جعل للاختصاص لزمه تخصيص عدم الخروج من النار بالكفار، فيلزم خروج أص! ، ب الكبائر كما هو مذهب أهل السنة والزمخشريّ أكثر الناس أخذاً بالاختصاص في مثله، فإذا عارضه الاعتزال فزع منه اهـ ويحتمل أنّ المصنف إنما طرحه لهذه النكتة ولم يتنبه له أحد من أرباب الحواشي مع أنّ دأبه أنه لا يعدل عما في الكشاف إلا لمقتضى. قوله: الأنّ إخراج ذواتهم من عداد المؤمنين إلخ) العداد بكسر العين ما يعد يقال هو عديد بني فلان وفي عدادهم أي يعد فيهم وهذا الإخراج مستفاد من إيلاء الضمير حرف النفي، كما قرّرناه لك فلا يرد عليه أنه إنما يفيد ذلك لو كان النظم من المؤمنين وليس كذلك وبينهما فرق ظاهر. وقوله في التفسير الكبير: نظيره أنّ من قال: فلان ناظر في المسئلة الفلانية، فإن قلت: إنه لم يناظر فيها فقد كذبته، وأمّا لو قلت أنه ليس من المناظرين فقد بالغت في تكذيبه يعني أنه ليس من هذا الجنس، فكيف يظن به ذلك، فكذا ههنا إن أراد أنهما سواء معنى لم يصح وان أراد أنه يشبهه، وإن لم يكن منه صح ومن لم يتنبه له أورده هنا فتدبر. قوله: (وأطلق الإيمان إلخ) الظاهر المطابق لما في الكشاف أنه ابتداء كلام لفائدة مستقلة ويجوز جعله متعلقاً بقوله ولذلك أي لأجل التأكيد أتى به مطلقاً عما قيدوه من الإيمان بالله واليوم الآخر، لأنّ نفي المطلق يستزلم نفي المقيد لعمومه، كما أشار إليه بقوله ليسوا من الإيمان في شيء فهو أبلغ وآكد وحينئذ إمّا أن ينزل منزلة اللازم أو يحذف مفعوله للعموم المذكور، ولما كان التقدير محتملا هنا بقرينة وقوعه في جواب المقيد ذكره مؤخراً إيماء لمرجوحيته، ثم إنّ من الإطلاق أيضا ذكره باسم الفاعل الذي ليس بمقيد بزمان، فيشمل نفيه جميع الأزمان، ولو قيل ما آمنوا كان لنفي الإيمان في الماضي، والمقصود أنهم ليسوا متلبسين بشيء من الإيمان في شيء من الأوقات، وفي كلام المصنف رحمه الله إشارة إلى هذا ولم يصرّج به كما في البحر لظهوره. وقوله: (بما قيدوا به) الظاهر أنّ لفظ قيدوا مبنيّ للمعلوم، وتقييدهم بناء على الظاهر المتبادر منه من أنه للتخصيص، فإذا كان ادّعاء لحيازة جميع أجزاء الإيمان من جوانبه فهو بحسب ظاهره تقييد، أو هو تقييد بجميع ما صدق عليه، فلا وجه لما قيل من أنه حينئذ ليس بتقييد مطلقاً، فإنه إطلاق على إطلاق وتقييد على تقييد، فالأولى أن يقرأ قوله بما قيدوا به على صيغة المجهول، ولا يخفى ما فيه فتأمّل. قوله: (والآية تدلّ عفى أن من اذص الإيمان إلخ) مذهب الكرامية أنّ الإيمان هو التصديق باللسان فقط، لكنهم قالوا: إن طابق القلب، فهو مؤمن ناج، والا فهو مؤمن مخلد في النار ولذا قيل ليس للكرامية خلاف في المعنى، والإمام تبعاً للماتريدي في التأويلات استدل بهذه الآية على إبطال مذهبهم لأنها إخبار عنهم بأنهم قالوا ذلك بألسنتهم وأظهروا خلاف ما في قلوبهم، وقد قال تعالى إنهم ليسوا بمؤمنين فهذه الآية ونحوها تدل على أنّ الإيمان تصديق القلب وحده، أو مع اللسان فكيف يقول الكرامية إنه التصديق اللساني فقط ورذه المصنف رحمه الله بأنّ الآية إنما تدل على أنّ من ادّعى الإيمان بلسانه، وخالف لسانه قلبه ليس مؤمنا أمّا على تقدير كون تعريف الناس للعها-، فظاهر لأنهم من المختوم على قلوبهم وأمّا على أنها للجنس فلأنّ الله كذبهم وليس ذلك إلا لعدم مطابقة التصديق القلبي للساني، فلا يدل على أنّ من أقرّ بلسانه، وليس في قلبه ما يوافقه، أو ينافيه ليس بمؤمن وهو محل النزاع، فكيف يكون حجة عليهم وقد أورد عليه أنّ المذكور في المقاصد، وغيره من كتب الكلام أنّ مذهبهم القول بأنّ من أضمر الكفر وأظهر الإيمان مؤمن عندهم مطلقا، والآية حجة عليهم بلا شبهة، وقد نقل الإمام كغيره عنهم

أنّ المنافق مؤمن عندهم، ومن مذهبهم أنّ الإيمان لا يلزم أن يكون منجياً من العذإب المخلد وذهب غيرهم إلى أنه لا يسمى إيمانا إلا المنجي وقيل: إنّ المصنف رحمه الله دقق النظر في مذهبهم فرأى أنّ المناق مخلد في النار عندنا وعندهم وأمّا في الدنيا فأحكام الإسلام جاربة عليهم عندنا وعندهم، فليس بيننا وبينهم اختلاف إلا فيمن تلفظ بالشهادتين فارغ القلب عن النفي والإثبات، فعندهم هو مؤمن ناج وعندنا ليس بمؤمن وهو كلام حسن. قوله: (الكرامية) هم فرقة معروفة منسوبة إلى رئيسهم أبي عبد الفه محمد بن كرام النيسابوري واختلف في اسم أبيه فقيل: إنه بفتح الكاف وتشديد الراء، لأنّ أباه كان يحفظ الكرم، ويقال لحافظه كرام كما قاله السمعاني، وقال المطرزي أخبرني الثقات أنه بفتح الكاف، وتخفيف الراء بزنة حذام وقطام، وكذا صححه الذهبيّ وابن المرحل واستشهدوا بقول أبي الفتح البستي رحمه الله تعالى: إنّ الذين بجمعهم لم يقتدوا بمحمد بن كرام غيركرام الرأي رأي أبي حنيفة وحده والدين دين محمد بن كرام قوله (الخدع أن! ومم غيرك إلخ) كذا في أكثر النسخ بغير ألف وفي بعضها الخداع بالألف والخداع والخدع بكسر الخاء وفتحها بمعنى، وفي المصباح خدعته خدعاً والخدع بالكسر الاسم منه يعني أنه اسم مصدر بمعناه والخديعة مثله، وفي الكشاف والخدع أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه، وزاد المصنف تبعاً للراغب في مفرداته قوله: لتنزله عما هو فيه، أو عما هو بصدده كما هو في النسخ الصحيحة بالخطاب مضارع من التنزيل أو الإنزال، وهو مجاز عن صرفه عما هو متصد له، وهو بمعنى ما في بعض النسخ وهو قوله لتزله من الأزلال وقد فسر هنا بالإسقاط والإزالة، وهو تفسير له بلازم معناه وسيأتي تحقيقه في قوله تعالى {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ} [البقرة: 36] وقال الإمام: هو إظهار ما يوهم السلامة، وابطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه فقيل إنه إشارة إلى أنّ ما في الكشاف غير جامع، وقال الطيبي: لعل توله من المكروه يشمل التخلص منه لأنّ العدوّ يكره خلاص عدوّه، وقال قدس سرّه: هو أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من إ أصكروه، ويصيبه به كما يدل عليه تفسير أعحله المأخوذ منه ويؤيده قوله مخدوعا ومصاباً بالمكروه من وجه خفيّ، وهذا معنى لغويّ لا عرفيّ كما قيل، وقال المدقق في الكشف: التحقيق أنّ الخاع صفة فعلية قائمة بالنفس عقيب اسنحضار مقدمات في الذهن متوصل بها توصلا يستهجن شرعا، أو عقلاَ أو عادة إلى استجرار منفعة من نيل معروف لنفسه، أو إصاية مكروه لغيره مع خفائهما على الموجه نحوه القصد بحيث لا يتأتى ذلك النيل أو الإصابة بدونه إذ لو تأتى لزم فوت غرض آخر حسب تصوّره والغنيّ عن كل نيل وإصابة واستجرار منفعة لنفسه لا يصح عليه ذلك، وهو متعال عن العمل واستحضار المقدّمات، وأمّا أنه لا يخاع، فهو أظهر لأنه جل عن أن يحوم حول سرادقات جلاله نقمى الانفعال وخفاء معلوم مّا عليه اهـ. فعلى هذا يكون الحرب خدعة وخدعة الأب البار لولاه هـ واستدراج بعض الناس إلى الخير مجاز، وهذا ردّ على ما قيل من أنّ من الخداع ما يكون حسناً. قوله: (عما هو فبه أو عما هو بصدده) هكذا صححه أرباب الحواشي ووقع في نسخة عندي عما هو بصدده، وكانه من إسقاط النساخ وصدد بفتحتين بمعنى القرب يقال هو بصدد كذا إذا تصدّى لفعله وقرب من تناوله أي لتصرفه عن مطلوبه الحاصل له، أو عن مطلوبه الذي هو بصدد تحصيله فمعنى الخداع الإيهام المذكور مع قصد الإزلال سواء حصل إزلاله أم لا، ولا يرد عليه ما قيل من أنّ الظاهر أنّ الإزلال بالفعل معتبر في معنى الخداع في عرف العامّة، كما يدل عليه ما بعده لأنّ ما ذكره على تقدير صحته لا ينافي ما ذكره المصنف رحمه الله في معناه لغة وحقيقة، كما لا يخفى وأوهم يتعدى إلى مفعولين يقال: أوهمته الشيء أهمه أوقعته في خلده، وأوهمنيه غيري ووهمنيه. قوله: (من قولهم خدع الض! ب إذا إلخ) الضبّ حيوان: صروف، وخدع الضبّ بمعنى توارى واختفى وضب خادع وخاع بفتح فكسر بزنة حذر وكتف مبالغة خادع، والحارس من الحرس، وهو صيد الضب خاصة وخارش الضباب يحرك يده على حجره ليظته حية فيخرج ذنبه ليضربها فيؤخذ. وقولهم: هو يحترس لعياله أي يكتسب مجاز منه فلا

يرد يرد عليه كما توهم وخداع الضب لأنه يتخذ لحجره منافذ يسترها، ويرقق سترها فإذا رأى حارشه أوهمه أنه يقبل عليه، ثم يخرق إحدى منافذه ويخرج منها، وفي الصحاح والنافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها، وهو ئوضع يرققه فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه، فانتفق أي خرج والجمع النوافق والنفقة أيضا مثال الهمزة النافقاء تقول منه نفق اليربوع تنفيقا ونافق أي أخذ في نافقائه ومنه اشتقاق المنافق في الدين اهـ. وبهذا عرفت موضع الخداع من المنافق فإنّ له هنا موقعا يذوقه من شمّ رائحة الإعجاز وقال الراغب خاع الضب استتر في جحره، واستعمال ذلك فيه لصا اعتقدوا من أنه يعدّ عقرباً يلدغ من يدخل يده في جحره حتى قيل العقرب بوّاب الضب وحاجبه، ولاعتقاد الخديعة فيه قيل أخدع من ضبّ، وقوله من باب آخر إشارة إلى ما ذكرناه من أنه يتخذ لجحره منافذ متعدّدة وقلت فيه: خدام المرء وصاحبه في لؤم الطبع يناسبه والعقرب قالوا في مثل بوّاب الضث وحاجبه وقوله: وأصله الإخفاء يعني أنّ معن! الخداع لغة ما مرّ وأصل معناه بحسب اشتقاقه ما ذكر، وهو الإخفاء لتعدبه في أكثر معانيه فإنّ المنافق يخفي مقصده والضبّ يخفي مخرجه، وما قيل من أنّ الظاهر أن يقول الخفاء فإنّ أهل اللغة يقولون: أخاع إخداعا بمعنى أخفى إخفاء، فيكون خاع بمعنى خفي لا وجه له أصلا وقال ابن عطية: أصله الفساد، وحكى ما ذكوه المصنف رحمه الله بصيغة التمريض، وكلام الراغب يوهم أنّ أصل معناه التلوّن. وقوله: (ومنه المخاع للخزانة) أي مما أخذ من الخاع بمعنى الإخفاء المخاع بتثليث الميم كما في المصباح وفتح الدال، وقال الراغب: المخاع بيت في بيت كأنّ بانيه جعله خادعاً لمن رام تناول ما فيه وقالوا أصله الضم وكسر لتوهم أنه آلة، والخزانة بكسر أوّله ما يخبأ فيه المتاع، ولذا قيل الخزانة لا تفتح، والأخدعان تثنية أخاع، وهما عرقان في جانبي العنق وشعبة من الوريد تخفي وتظهر، فلذا توهم فيهما الخداع فسميا بذلك ويطلق على جانب العنق مجازاً. قوله: (والمخادعة تكون بين اثنين إلخ) المعروف في المفاعلة أن يفعل كل أحد بالآخر مثر ما يفعله به، فصيغة المخادعة تقتضي أن يصدر من كل واحد من الجانبين فعل يتعلق بالآخر، وخاع المنافقين لله، وهو أن يوقعوا في علمه خلاف ما يريدونه به من المكروه، ويصيبونه مما لا خفاء في استحالته لأنه لا تخفى عليه خافية، وخاع الله إياهم بأنّ يوقع في أوهامهم خلاف ما يريدون من المكاره ليغتروا، ثم يصيبهم به لا يصدر منه تعالى أمّا عند المعتزلة، فلأنه قبيح بناء على أصلهم الفاسد، ولذا ترك المصنف رحمه الله التعرّض له وأمّا عندنا معاشر أهل السنة فلأنه يمتنع أن ينسب إليه تعالى حقيقة لما يوهمه ظاهره من أنه إنما يكون عن عجز عن المكافحة، وإظهار المكتوم لأنه المعهود منه في الإطلاق كما ذكره في الانتصاف، ولذا زبد في تفسير الخاع مع استشعار خوف، أو استحياء من المجاهرة، وأيضا من المعلوم أنّ حاله تعالى مع المنافقين لم يكن حقيقة هذا المعنى المذكور، وأنّ المؤمنين وإن جاز أن يخدعوا من غير أن يرجع إليهم في ذلك نقصان لم يجز أن يقصدوا خدعهم، فإنه غير مستحسن بل مذموم مستهجن وقوله وخداعهم لم يقل فخداعهم بالفاء التفريعية لأنه ليس علة لما قبله، كما لا يخفى ولا معلولا له لأنه علله بقوله لأنه إلخ فلا وجه لما قيل من أنه كان الظاهر أن يقول: فخداعهم لتفرّعه على ما قبله مع أنه لو صح، فالمصنف رحمه الله لم يقصده لخفائه. قوله: (لأنه لا يخفى عليه خافية إلخ الما اقتضت المفاعلة أنّ المنافقين يخدعون الله وأنّ الله يخدعهم، وكل منهما غير مراد وغير مستقيم أمّا الثاني فظاهر، وأمّ الأوّل فلأنه تعالى لا يخفى عليه خافية، فكيف يخدعه غيره، والمنافقون عالمون بذلك أيضاً لأنهم من أهل الكتاب. وقوله: (ولأنهم لم يقصدوا خديعته) إشارة لهذا فإنهم إذا تحققوا أنه لا يخاع بالضم لم يقصدوه إذ العاقل لا يقصد ما تحقق امتناعه ولذا قال في شرح التأويلات لا أحد يقصد مخادعة الله مع إقراره بأنه خالقه، ولئن سألتهم من خلقهم ليقولهن الله، وهذا كما قاله بعض الفضلاء ردّ على ما قاله الزمخشريّ في الجواب الثاني من الأربعة حيث قال أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم، وظنهم أن الله تعالى ممن يصح خداعه لأنّ من

كان ادّعاؤه الإيمان بالله نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، ولا أنّ لذاته تعلقاً بكل معلوم، ولا أنه غنيّ عن فعل القبائح فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعا! ومصابا /. بالمكروه من وجه خفيّ، ويجوز أن يدلس على عباده، ويخدعهم لأنه في غاية البعد إذ لا ينكر جاهل علم الله تعالى بجميع الأشياء، حتى المشركون الجاهلون، فكيف يخفى على المنافقين الذين هم من أهل الكتاب، فإن قلت: الحكماء عقلاء وقد ذهبوا إلى أنّ علم الله تعالى لا يتعلق بالجزئيات قلت: الحكماء لا يقولون بهذا، كما نص عليه الطوسي ولو سلم فحينئذ لا يتصوّر الخديعة لأنها فرع العلم بالجزئيات مع ما في. قؤله لأنّ لذته تعالقاً بكل معلوم من! إلاعتزال لإسناده العلم لذاته أ! ماء ففي صفة العلم، فهو من دس السمّ في الدسم، وقد سبقه لهذا بعض المدققين وقال إصابته تعالى بالمكروه للخداع بعيدة جداً إذ في نفافهم اعتراف بعلمه تعالى بالأقوال الظاهرة الجزئية المفضية إلى ما هو تاعث على الخداع من جلب المنافع، ودفع المضار، فلا يتصوّر هذا منهم، وبالجملة ففساد هذا الجواب أظهر من أن يخفى،. ولذا أسقطه المصنف زحمه الله، وان لم يتنبه له بعض أرباب الحواضي. قوله: (بل المراد إما مخادعة رسوله صلى الله عليه وسلّم على حذف المضاف) قيل: إنه نبه بقوله حذف المضاف على أنه لا يصح أن يراد بلفظ الله ورسوله مجازاً، كما هو ظاهر عبارة الكشاف، لأنه لا يصح إطلاق لفظ الله على غيره، ولو " نجازاً كما صرّحوا (قلت أليس الأمر كما زعمه فإنّ صاحب الكشاف لم يرد ما قاله، كما أوضحه شرّاحه، وما في الكشاف بعيته هو بعينه ما ذكره المصنف بقوله، أو على أنّ معاملة الرسول صلى الله عليه وسبم معاملة الله وهو ت! جوّز في الإسناد لا في لفظة الله، كما سنقصه عليك وبعض الناس لم يفرق نجين الجوابين، فذكر كلام الراغب في تقرير الجواب الآتي هنا، وليس هذا من أوّل طبخه للحبوب. قوله: (أو على أنّ معاملة الوسول صئى الله عليه وسنم إلخ الا بأن يطلق مجازاً لفظ الجلالة الكريمة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما سمعتة آنفاً بل بالتجوّز في النسبة الإيقاعية لأنه يجري فيها، كما يجري في الإسنادية على ما تقرّر في المعاني، فإن قلت ظاهر كلامه أنّ هذين الوجهين يبتنيان على أن يخادعون ليس بمعنى يخدعون لقوله بعده ويحتمل إلخ وليس كذلك إذ لا خاع من الرسول، ولا من المؤمنين ولا مجال لأن يكون الخاع من أحد الجانبين حقيقة، ومن الآخر مجازا لاتحاد اللفظ، وان جعل مجازا منهما لم يبق إلاً الاحتبال الذي في قوله: وامّ أنّ صورة صنيعهم إلخ كما قيل: قلت: هذا مقتضى كلام الكشاف، والمصنف رحمه الله لا يسلمه إمّا بناء على أنّ اللفظ الواحد يجوز أن يكون حقيقة ومجازاً عنده، لأنه ممن يجوّز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وامّا على أنه حقيقة لأنّ الخدع من المنافقين محقق، ولا مانع من صدوره من الرسول صلى الله عليه وسقم، والمؤمنين بإغفالهم حتى يتأتى لهم ما يريدون منهم، ولذا أسقط قوله في الكشاف: والمؤمنون وإن جاز أن يخدعوا لم يجز أن يخدعوا ألا ترى إلى قوله: واستمفروا من قريش كل منخاع إلخ وهذان جوابان باعتبارين وجواب واحد باعتبار آخر فلا بأس بعدّهما وجهين ولا سهو فيه كما توهم وما وقع في بعض الحواشي من أنّ هذا الوجه من إطلاق اسم المسبب على السبب فليس بشيء. قوله: (كما قال {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80] إلخ) هذا تأييد لكونه خليفة الله ولكون معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم معاملة مع الله، لأنّ كل ما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم عائد بالآخرة إلى الله وإلى دينه، ولا يرد عليه أنّ إطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم تستلزم إطاعة الله ومبايعته صلى الله عليه وسلم تستلزم مبايعة الله، لأنهم إذا عاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلّم أن يعاونوه فقد عاهدوا الله أن يؤيدوا ديته كما توهم، فإن قلت: الإسناد في جانب المشبه عقليّ، وفي جانب المشبه به حقيقيّ لأنّ إطاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم إطاعة الله حقيقة. قلت: التشبيه باعتبار ظاهر المشبه وهو ادّعاء الاتحاد بينهما مبالغة فتدبر. قوله: (وإمّا أنّ صورة صنيعهم إلخ) يعني أنّ هذا فعل صادر عنهم بالقياس إلى الله والمؤمنين يشبه الخدع بحسب الصورة وكذا الحال في صنع الله والمؤمنين معهم، فبينهم من الجانبين معاملة شبيهة بالمخادعة، فهو إمّا استعارة تبعية في لفظ يخادعون وحده أو تمثيلية في الجملة، وما قيل من أنه ليس فيه اعتبار هيئة مركبة من الجانبين، وما يجري فيهما مشبهة بهيئة أخرى مركبة من

الخاح والمخدوع ليحمل الكلام على الاستعارة التمثيلية على قياس ما في ختم الله، لا خفاء في أنه ناشىء من العصبية، ولا خفاء فيه كما قيل والاسنبطان الإخفاء في الباطن من بفنه خلاف أظهره، واجراء أحكام المسلمين كحفظ المال والدم والتوريث، واعطاء سهم من المغنم والدوك خلاف الدرج لأنه ما يكون أسفل والدرح ما يكون أعلى، والاستدراح الإدناء على التدريج، كأنه يصعده إليه درجة درجة وهو منصوب على أنه مفعول له للإخفاء أو الإجراء أو الامتثال. وقوله: (صورة صنع إلخ) بالرفع خبر إنّ والمخادعين جمع مخادع وقيل: إنه مثنى والمفاعلة على هذا من الجانبين مجازية. واعلم أنّ المصنف ترك وجهين آخرين ذكرهما الزمخشريّ الأوّل أنه ترجمةء! ن معتقدهبم، وظنهم أنه تعالى ممن يصح خداعه، وقد عرفت أنه لا وجه له فتركه أولى والثاني أنه من قبيل قولهم أعجبني زيد، وكرمه في إفادة قوّة الاختصاص، فذكر الله ليس لتعليق الخإع به بل لمجرّد التوطئة، وفائدتها هنا التنبيه على قوّة اختصاص المؤمنين بالله وقربهم منه حتى كان الفعل المتعلق بهم دونه يصح أن يعلق به أيضا وكذا الحال في أعجبني زيد وكرمه، فإن ذكر زيد توطئة، وتنبيه على أنّ الكرم قد شاع فيه، وتمكن بحيث يصح أن يسند إليه أيضا الإعجاب الذي هو لكرمه، وهو عطف تفسيريّ أو جار مجرى التفسير، وأمّا قولك أعجبني زيد كرمه على الابدال فليس في تلك المرتبة من إفادة التليس بينهما لدلالته على أنّ المقصود بالنسبة هو الثاني فقط، وإنما ذكر الأوّل سلوكاً لطريقة الإجمال وا اخفصيل، وفي صورة العطف قد دل بحسب الظاهر على قصد النسبة إليهما معاً، فيكون أدل على قوّة التمكن، كذا أفاده السيد السند وقال صاحب الكشف: والفاضل اليمني الشرط في هذا الباب أن يكون في الكلام دلالة ظاهرة على التمهيد، والا صار من قبيل الألغاز، ثم إنه قدس سرّه ترك قوله في الكشف: إذا أدخلت العاطف، فقد آذنت بالمغايرة وأنه كرم غير الأوّل أوكد منه عطف عليه عطف جبرائيل على الملائكة في ال! ثال، وعطف مستقلين في الآية وعوّل في إزالة الإبهام على شهادة العقل، ومن هذأ القبيل ما يقال له واو التفسير لما فيه مما سنتلوه عليك وهذا محصل ما في الكشاف وشروحه، وقد قالوا إنّ المصنف رحمه الله تركه لبعده ولأنّ مداره كما قيل على قوّة الاختصاص، وهي ظاهرة بالنظر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام دون سائر المؤمنين، فليس هذا مثل قوله تعالى {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] . (أ. دول) حاصل ما ذكره العلامة أن يكون المعطوف عليه إنما ذكر توطئة لما عطف عليه لادّعاء. الاتحاد بينهما بحيث إذا ذكر الأوّل فهم منه الثاني، ولم يكتف بأحدهما للدلالة على قوّة الاختصاص بينهما فيعدل عن مقتضى الظاهر من البدلية إلى العطف تنبيها على ذلك، كما في المثال المذكور، ولذا اشترطوا فيه ظهور دلالة الكلام على التمهيد (وفيما ذكروه أمور منها) أنّ قوله: إنّ الابدال ليس في تلك المرتبة من إفادة التليس بينهما غير مسلم لمنافاته، لما قرّره النحاة، وأهل المعاني في بدل الاشتمال من أنّ المبدل منه يدل على المبدل إجمالا بحيث تصير النفس متشوّفة ومنتظرة له، فيجيء هوب ناً وملخصا لما أجمل، ولولا الملابسة التامّة لم يكن كذلك، وكيف يكون العطف المبنيّ على المغايرة دالا على الملابسة دون البدل. (ومنها) أنّ قول المدقق في الكشف: إنه كعطف جبرائيل، أو عطف مستقلين مناف للمعنى الادّعائي الذي بنى عليه هذا الأمر ومناف لقوله بعده: إنّ من هذا القبيل ما يقال له واو التفسير، وكأنه لهذا تركه من بعده من الشراح. (ومنها) أنّ قول المعترض قوّة الاختصاص ظاهرة بالنظر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام دون سائر المؤمنين لا يخفى ما فيه، فإنّ المؤمنين لا سيما الصحاية المكرّمين رضي الله عنهم اختصاصهم وتعلقهم بجناب رت العزة بئ وعلا في غاية الظهور، وإن كان الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أتمّ اختصاصاً ولذا جعل إطاعتهم إطاعة لله في قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59] فإنكاره مماثلة ما هنا لقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه لا يتمّ له بسلامة الأمير، وعلى كل حال، فلا يخفى ما في هذا الجواب من الاختلال وأنّ نظر المصنف رحمه الله في تركه، وعدم الالتفات إليه في غاية السداد فاعرفه، ثم إنّ قوله تعالى {وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] شاهد لهذا الوجه، لأنه لما وجد ضميره دل على أنّ المقصود إرضاء الرسول صتى

الله عليه وسئم، وذكر الله للإشعار بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم من الله بمنزلة عظيمة، واختصاص قوي حتى سرى الإرضاء ت 4 إليه، وأمّا ما قيل على هذا التوجيه من أنه لا يرتضيه الذوق السليم، لأنّ مقتضى المقام إيراد حالهم خاصة، وتصويرها بما يليق بها من الصورة المستهجنة، وبيان أنّ غائلتها آيلة إليهم من حيث لا يحتسبون كما يعرب عته ما بعده، فهو من أحاديث خرافة لأنّ استدراج الله لهم، ومجازاة الرسول صلّى الله عليه وسلم والمؤمنين مما يختص بهم، ويؤل بالآخرة إلى بيان سوء حالهم، كما لا يخفى فتدبر. قوله: (ويحتمل أن يراد إلخ) هذه الجملة معطوفة على ما تقدّم من قوله، والمخادعة تكون بين اثنين، وهو ظاهر قيل، وعلى هذا لا يحتاج إلى تأويل خداع الله تعالى، أو المؤمنين بما مرّ، فإن أراد أنه جواب عن سؤال المخادعة ووجه رابع، فليس كذلك إذ السؤال وارد على هذا التقدير، والجواب الجواب، وجعله بيانا أو استئنافا غير مختص بهذا الاحتمال كما لا يخفى، وقيل: إنه مقابل لما سبق، لأنه لا باس بخداع الرسول صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين إياهم لإعلاء الدين ومصالحه، ويحتم أنه تتميم لما قبله، فليس بمقابل له، وهو الظاهر الموافق لما في الكشاف، فلا مخالفة بينهما، وستسمع عن قريب ما يتممه. قوله: (لأنه بيان لبقول إلخ) المراد بالبيان التفسير فعلى كلا الوجهين لا محل لهذه الجملة من الإعراب، وليس المراد بالبيان عطف البيان، لأنه لا يجري في الجمل عند النحاة، وان كان كلام أهل المعاني في الفصل والوصل يوهمه، والاستئناف هنا استئناف بيانيّ في جواب سؤال مقدر كأنه قيل لم يدعون الإيمان كاذبين وما نفعهم في ذلك فقيل: يخادعون إلخ. وعلى تقدير السؤال هو أيضاً مبين، فالمآل واحد فيهما والمناسبة تامّة لكون يخادعون بمعنى يخدعون، لاختصاصهم به كاختصاص القول المذكوو، وان كان لا بقاء المخادعة على ظاهرها وجه أيضاً، لأنّ ابتداء الفعل في باب المفاعلة من جانب الفاعل وهو صريحه، وإن كان المفعول يأتي بمثل فعله، فهو مدلول عليه من عرض الكلام. وقال قدس سرّه تبعاً للمدقق في الكشف: جعل يخادعون بيانا ليقول أولى من جعله مستأنفاً لأنه إيضاح لما سبق، وتصريح بأنّ اقولهم كان مجرّد خداع، وأيضاً ليست المخادعة أمرا مطلوبا لذاته فلا يكون الجواب شافياً بل يحتاج إلى سؤال آخر كما ذكره، وتعبير. بيجوز وما بعده ناطق بها، وما قيل: من أنه بيان للتعجب من كونهم من الناس لا يخفي ما فيه كما يعلم مما مرّ، وقد جوّز في البحر كون هذه الجملة بدلا من صلة من بدق اشتمال، فلا محل لها أيضاً أو حالا من الضمير المستكن في يقول! لي. مخادعين، وأجاز أبو البقاء أن تكون حالا من الضمير المستتر في مؤمنين، والعامل فيها اسم الفاعل، ويرد بأنه حينئذ نظير ما زيد أقبل ضاحكاً وللعرب في مثله طريقان أحدهما نفي القيد وحده، واثبات أصل الفعل، وهو الأكثر فيكون الإقبال ثابتا والضحك منفيا، ولا يتصوّر في الآية نفي الخداع، وثبوت الإيمان والثاني أن ينتفي القيد ومقيده، وهو العاملءفالمعنى لم يقبل ولم يضحك، وهذا غير مراد هنا أيضاً أعني نفي الإيم! الط! والخداع معا بل المعنى على نفي الإيمان، وثبوت الخداع ففسد جعلها حالا من ضمير المؤمنين والع! جب من أبي البقاء رحمه الله كيف استشعر هذا الإشكال، فمنع من جعل هذه الجملة في محل جرّ صفة مؤ! نيق،! لأنه يوجب نفي خداعهم والمعنى على إثباته، ثم جعلها حالا من ضمير المؤمنين ولا فرق بين الحال والصفة كما قيل. . (أقول) هذا غفلة منهم فإنّ الجملة الحالية بل الحال مطلقاً إذا وقعت بعد نفي، وهي حال من مدخوله إنما يلزم انتفاء مقارنتها لا نفيها نفسها لأنه لا يلزم من نفي الشيء في حال نفي تلك الحال ألا تراك تقول ما جاءني! زيد " وقد طلع الفجر، فينتفي مجيئه مقارناً لطلوعه ولا يقصد نفي طلوعه، وتعتذر لترك زيارة صديقك لضيق ذات يده، فتقول لا أزورك مملقاً ولا أرى هذا يثتبه على أحد وفي الكتاب المجيد {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] وهي حالية جوزوا فيها الوجهين، والعجب من هؤلاء أنهم صرّحوا بهذا في سورة الأنفال من غير تردّد فيه، وأمّا الصفة فليس لها مثل هذه الحال، س وما ذكروه من الوجهين جار فيها، ولا يجري في كل قيد وقد تجعل الحال ونحوها في مثله قيدا للنفي لا للمنفيّ، كما قرّروه في قوله ألم أبالغ في اختصاره تقريباً، ومنه ا! لم تضيق مثل هذه الضابطة، وأنها ليست على إطلاقها، كما توهم وسيأتي في سورة آل عمران تفصيله. قوله: (بذكر

ما هو النر ضإلخ) بيان للاستئناف وأنه جواب لسؤال مر بيانه، ويحتمل أنه راجع لهما يعني أنّ الغرض من الباين والاستئناف بيان حالهم فقط على ما بيناه لك. قوله: (1 لأ أنه أخرج في رّنة الخ) مستثنى من قوله يراد بيخادعون إلخ والزنة كالعدة بمعنى الوزن أي أنّ هذا المعنى، أو مطلق هذا اللفظ أتى به على س وزن المفاعلة للمقابلة أي لأن يقابل كل الآخر بمثل فعله، وفي نسخة للمعارضة وهي بمعناها من قولمهم عارضت الكتاب إذا قابلته كما ذكر في كتب الفة، فليس تصحيفا كما توهم، والمتغلبان يبذل كل منهما جهده ويبالغ فيه، فتجوّز به عن لازم معناه، وهو المبالغة وبقي على ما- كان عليه، ولم يزل، وهو معنى قوله استصحبت أي الزنة، وفي نسخة استصحب لأنها بمعنى الوزن وفي نسخة بدل قوله: لما كانت للمغالبة للعبالغة، وهو من طغيان القلم، والخدع مجاز أيضاً يجري فيه الكلام السابق لا الثالث لاحتياجه للتكلف، فصيغة المفاعلة المحوّلة عن الثلاثي يتجوّز بها عن المبالغة في الفعل لما قرّره المصف وغيره هنا، وقد يتجوّز بها أيضاً عن إيجاد، فعل فيما يقبله بتنزيل قبوله منزلة فعله، كما في قولهم: عالج الطبيب المريض وسيأتي تفصيله، والمباراةء بالموحدة والراء المهصلة عق قولهم باراه إفا فعل مثلى فعله وعارضه قيه ليغلبه، وحينئذ تقوي دواعي الفعل فيجيء6لم وأقوى. وقوله: (ويعصقه) أي يؤيده ويقوّبه من عضدته بمعنى أعنته، وأصله صرت له عضد اً وا! قوا- المذكورة مروية عن ابن مسعود وأبي حيوة. قوله: (وكان غرضهم إلخ) بين ا! عرض من ج! ة " لمتافقين، وهو صونهم أنفسهم وتحصيل منافعهم، والاطلاع على أحوالهم واسرارهم، وقر! الجاتب ة الآخر، وقد يينه في الكشاف بأنّ؟ فيه مصالح وحكماً إلهية بحيث لو قو! اخى!! ى عغلاسدد كثيرة، وما يطرق به ما عبارة عن القتل وا الخلرة ونحوهما، وضمير به الهللعوصواله، وعن مغعولى يطرق أو فاعل، والمفعول محذوف أي يطرقهم، أو هو مجهول من طوف الؤعاقه يعصلثيه إذا أصايه بها وأصله الإتيان ليلاَ، والإذاعة بالذال المعجمة والعين المهملة ال!! هلر، والعنلي! اتة إظهار العداوة كأنّ كلاَ ينبذ لصاحبه ما في قلبه من العداوة أو ينبذ إليه عهده- قواله-امريى فافع) أي يخادعون بالألف هنا كالسابقة قراءة هؤلاء، فقرأه بضمير الغيبة للقظ يخادعودة المعلوم لفظاً ووسما أو بتاء تأنيث أي هذه قراءة إلخ. قوله: (والمعن! أنّ دائرة! خدع ثخ) الداءلرة اسم لعا يحيط بالشيء ويدور حوله، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسعية، لأن الد، لرة في الأص اسبم فاعل أو لتأنيث والمراد بها هنا ما يترتب على، خداعهم من الضرر، لأن الدائرة تقال في العكروه عقابلة للدولة قال تعالى {نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} [المائدة: 52] قيل كما أنّ العحاط لا يتجاوز المحيط كذلك العلة لا تتجاوز عن المعلول فقوله وضررها إلخ تفسير له، ويحيق بمعنى يصيب، وينزل وهو إثمارة إلى قوله {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] ولما كان معنى يخادعون السابق ما مرّ خطر ببال الواقف عليه، أنّ هذا الخداع هل هو كذلك على الوجوه السابقة أم لا، وكيف يكون المرء مخادعا لنفسه وما معناه فوجهه المصنف رحمه الله بقولي والمعنى إلخ وهو معنى ما في الكشاف من أنّ المراد، وما يعاملون تلك الم! املة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأنّ ضررها يلحقهم ومكرها يحيق بهم، كما تقول فلان يضارّ فلانا، وما يضارّ إلا نفسه أي دائرة الضرر راجعة إليه وغير متخطية إياه إلى آخر ما ذكره من الوجوه الثلاثة، وفي التعبير بالدائرة لطف لأنها خط مستدير تتساوى جميع الخطوط الخارجة عن مركزه إليه، وإذا رسم يختم من حيث ابتدىء، ولما كان الخداع ابتداء منهم ثم عاد إليهم كان كالدائرة الرسمية، وعلى هذا يجوز أن تكون دائرة الخداع استعارة مكنية مخيلة، لأنّ خداعهم كانه دائرة آخرها أوّلها، وهذا مما أغفلوه فلا تكن من الغافلين، وقد اختلف شراح الكشاف في مراده، فقيل إنه مشاكلة للمستعار السابق كما نقلى عن الواحديّ أي لما كان خداع أنفسهم بمعنى إيصال الضرر إليها مسببا عن تلك المخادعة المشبهة بمعاملة المخادعين ومصاحبا لها قيل: يخادعون، فجاء باللفظ على اللفظ، ولا يخفى أنّ كون المشاكل، والمشاكل مجازاً بعيد جداً وقيل جعل مخادعة الصاحب عين مخادعة نفسه نظرا إلى المآل، وهذا نوع من المجاز كثير الدور في كلام العرب وغيرهم، ولا يختص بباب المفاعلة كقولهم قصد مساءة زيد، وما قصد إلا نفسه، وهو من باب تسمية

الشيء باسم ما يؤدى إليه، وفيه ملاحظة السببية والانتهاء إليه، ففي الكلام مجاز على مجاز، وليس المجاز هنا بمعنى مجاز الأول المشهور بل الغاية المسببة لا أنه يؤل إليه، كما نبه عليه بعض الفضلاء، وقيل: إنه إشارة إلى تطبيقه على أوّل الوجوه الأربعة، وتلخيصه أنّ المخادعة استعيرت للمعاملة الجارية فيما بينهم وبين الله والمؤمنين المشبهة بمعاملة المخادعين، فقصرت هذه المعاملة ههنا على أنفسهم بعد تعليقها بما علقت به سابقا بناء على أنّ ضررها عائد إليهم لا يتعداهم، ونظيرها فلان يضار فلانا وما يضار إلا نفسه، ولا يختص هذا بالمفاعلة ولا بلغة العرب، فالعبارة الدالة على قصر تلك المعاملة مجاز أو كناية عن انحصار ضررها فيهم، أو يجعلى لفظ الخداع المستعار مجازاً مرسلا عن ضرره في المرتبة الثانية، ويمكن أن يقال لما انحصرت نتيجة تلك المعاملة فيهم جاز أن يدعى أنّ نفس تلك المعاملة مقصورة عليهم، ويكون حينئذ انحصار ضررها فيهم مفهوماً تبعاً لا قصداً، فلا حاجة إلى تجوّز أو كناية، وفي كلامه إشارة إليه ولك أن تطبقه على الوجوه الباقية، وأورد عليه أنه لا فائدة في انحصار المعاملة فيهم بل في انحصار الضرر، فجعل الثاني مقصودا تبعا والأوّل ملحوظا قصدا تحكم، ألا ترى أنّ المحققين اعتبروا في الكناية تبعية القصد في المكنى به، وأصالته في المكنى عنه فتامل حق التأمل لتعرف أنه غير وارد عليه، فإن قلت إنهم جوّزوا هنا المجاز بمرتبتين من غير نكير وقد اشترطوا فيه أن يشتهر المجاز الأوّل حتى يلتحق با! حقيقة ليصح الانتقال عنه بدون الغاز قلت: الظاهر أنّ الاشتراط المذكور وإنما هو إذا لم يكن المجاز الأوّل مذكوراً صريحاً في الكلام، فإنّ ذكر. يغني عن شهرته لحصول المراد به، ولم يلتفتوا هنا للمشاكلة مع ظهورها، وسهولة مأخذها حتى رجحها بعضهم على بقية الوجوه لما مرّ، فإن لم تر ذلك محذوراً، فقل كل يعمل على شاكلته، وأن شئت على مشاكلته. قوله: (أو أنهم في ذلك إلخ) الوجه الماضي 489 مبنيّ على أنه خداع آخر جار بينهم وبين أنفسهم الأباطيل وا! اذيب، وأنه سيتفرع على ذلك أمور لك وتطمئن حتى تخدعهم بخرافات الأماني، والفارغة بمعنى الخالية عن الفائدة مجازا، فكانوا فارغا ليرويه، والخاء فيه بمعنى الخفية، وغير قوله نّ حقيقة الخداع إنما تكون بين اثنين بإيهام الغير بصدده كما مرّ، ولا يمكن اعتبارها بين الشخص لحقيقية إلى غير ذلك من التكلفات التي ارتكبوها في لمعنى على سبيل التجوّز، ومنهم من فسر النظم سوله صلّى الله عليه و، صلّم والمؤمنين، لأنه كما لا حداعه لها يمتنع خداع الله لأنه لا يخفى عليه خافية، منين، لأنه تعالى يخبرهم به، أو هو كناية عن أنّ الله عليه وسلم والمؤمنين معاملة مع أنفسهم، لأنّ ينفعونهم كأنفسهم، ولا يخفى بعده. قوله: (لأن مفاعلة تقتضي حقيقة اثنين مخاح ومخاع، ولا كما مرّ، وما قيل عليه: من أنّ الخاع بل كل متعدّ ق بدون فارق ودفعه بأنه لا بدّ للشركة في الخداع نه يكفي فيه المغايرة بين الفاعل والمفعول بالاعتبار لسحص بنفسه ليس بشيء أمّا السؤال، فلأنّ مراده أنّ باب تغاير الفاعل والمفعول فليس وضعيا، وأنما هو لملوب، وما ألحق بها اتحاد الفاعل والمفعول، وأمّا لى التأويل كما مز، والعلم مستثنى من هذه القاعدة من هذا بيان ترجيح هذه القراءة على الأخرى واختيار ##

#الصحيحة فيهما فلا يرد عليه أنّ القراءة إنما هي بالرأي ومقتضى العقل وحسن الظن بالسلف يدفع لال في تقرير قوله خدعوا أنفسهم: أنه على طريقة تحديث كل منهما صاحبه بالأحاديث، فيجرّدون من لغير ويخاطبونهم كقول المتنبي: فليسعد النطق إن لم يسعد الحال والفرق بين هذا وبين الالتفات قد مرّ، وقد قيل: إنّ قراءة يخادعون مبنية على التجريد من الجانبين، وهذه مبنية عليه من جانب واحد، وقال قدس سرّه: إنه تكلف بارد والمراد بالباقين من بقي من القرّاء السبعة غير من ذكر أوّلا وما عدا القراءتين شاذ. قوله: (وقرىء يخدّعون من خذّع إلخ) أي قرىء يخدعون بتشديد الدال مع ضم الياء وفتح الخاء، ويخدعون بفتح الياء والخاء وتشديد الدال مع الكسر وكلاهما على البناء للفاعل، ويخدعون من الاخداع، ويخادعون كلاهما على البناء للمفعول والتشديد لأنه افتعال وأصله يختدعون بنقل حركة الدال، وادغامها في التاء لقرب مخرجهما، واختدع جاء عن العرب متعديا كما في الأساس وغيره يقال خدعه، واختدعه إذا ختله فانخدع وما قيل على هذا من أنه ينبغي أن يكون النصب بنزع الخافض إلا إن ثبت اختدع بمعنى خدع من عدم الوقوف عليه، وفي محتسب ابن جني والبحر قراءة المجهول لابن شدّاد والجارود بن أبي سبرة، وهذا على معنى خدعت زيداً نفسه أي عن نفسه على أنّ نصبه على الحذف والإيصال كاختاو موسى قومه، أو هو متعدّ حملا على ما هو بمعناه أو ضمن معنى ينتقصون، ويسلبون أو هو على التشبيه بالمفعول أو على جواز تعريف التمييز، كما قيل في غبن زيد رأيه، وأمّا كون ضمير يخادعون لجميع من ذكر من الله والرسول صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين والمنافقين، والمستثنى منهم أنفس المنافقين، والمعنى ليس من وقع بينهم النفاق إلا نفس المنافقين، فتكلف لا يليق بالنظم الكريم. قوله: (والنفس ذات طشيء إلخ) هذا باعتبار المعنى العام الشامل لكل شيء، وهو على هذا لا يختص بالأجسام، ولا بذوات الأ- واح كما يقال: هو في نفسه كذا وحقيقة الشيء وعينه، وذاته بمعنى في العرف العامّ، فليس المراد بالشيء الحيوان كما قيل بناء على أنّ تقريره في بيان مناسبات المعاني يقتضيه إلا أنّ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فسر الذات في السرّ المصون بأمر شامل للروح والجسد، أو هو الجسد القائم به الروح، وعند أهل المعقول بمعنى الحقيقة، وهي وهو جوهر يحل به المعقولات، وهو من عالم الأمر اهـ فإن أراد به هذا اختص بالحيوان بل بالإنسان، وقد قال في كتاب الروح: إنه حقيقة عرفية فيه. وقال بعض الفضلاء: الظاهر أنّ الشيء على عمومه كما يشعر به ما في الصحاح من أنّ النفس الجسد، وعين الشيء، فلا يلائم تعليل إطلاقه على القلب بأنّ النفس به، فإنه لا يجدي إلا في بعض أفراده، والمناسب أن نعتبر المناسبة بين نفس المفهوم الحقيقي، والمعنى المجازي لا بينه وبين بعض أفراده، فالوجه أن يخصص الشيء بالحيوان كما يدل عليه قوله قدس سرّه لأنّ ذات الحيوان به، وما ذكره ملخص ما في الكشاف. وهو كما قال قدس سرّه: يتبادر منه أنّ لفظ النفس حقيقة في الذات مجاز فيما عد 51، وذلك ظاهر في الدم والماء والرأي واطلاق النفس على الرأي والداعي من قبيل تسمية المسبب باسم السبب أو استعارة مبنية على المشابهة، والثاني أنسب بالمقام وأظهر كما أشار إليه المصنف رحمه الله. وقوله: (لأن نفس الحئ به) أي لأنّ ذاته تقوم وتحيا، وتبقى به، وقد ذهب كثير إلى أنّ النفس حقيقة في الروح، ويوفق بينهما بما نقلناه من كتاب الروح، ويؤيده أنّ النفس لا تطلق على الله دائما أو غالبا إلا بطريق المشاكلة، كما سيأتي تحقيقه في تفسير قوله تعالى {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] . قوله: (وللقلب لآنه محل الروح) القلب عضو صنوبريّ معروف واطلاق النفس عليه من قبيل ذكر المسبب وارادة السبب أو من إطلاق اللازم على ملزومه لأنّ النفس ذات الشيء وذات الحيوان بالقلب تتقوّم لأنّ القلب مبدأ الحياة، ومحل الروح الحيواني، ولذلك خلق في وسط الصدر لأنه أحرز المواضع في البدن إذ العظام سور حصين له والعضلات حرس له، والمراد بالروح التي تحله

بخار لطيف في تجويفه الأيسر وتسميه الأطباء بالروح الحيوافي، وهو الطف ما في البدن وأكثره مناسبة للروح المجردة. وقوله: (أو متعلقه) بناء على أنّ المراد بالروح الجوهر المجرّد المتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرّف، فإنه مما يطلق على الروح أيضا كما صرحوا به، ففي كلامه شبه استخدام وقد اختلفوا في أوّل ما يتعلق به النفس الناطقة هل هو القلب أو الدماغ، ورجح ابن سينا الأوّل وتبعه المصنف رحمه الله. قوله: (وللدم إلخ) ومنه قولهم لا نفس له سائلة أي دم يجري وتسميته لما ذكر، والقوام بالكسر ما به يقوم ويبقى والنفس تؤنث بمعنى الروح وتذكر بمعنى الشخص كما في المصباح. وقوله: (وللماء إلخ) هذا مما تبع فيه الزمخشريّ، وهو إمام يقتدى به إلا أنّ ابن الصائغ رحمه الله أشار في حاشيته على الكشاف إلى أنه لم يوجد في كتب اللغة والذي فيها النفس بفتحتين كما نقله كراع، واستشهد له بما ثبت في كلامهم، وفي الصحاح النفس الجرعة قال جرير: تعلل وهي ساغبة بنيها بأنفاس من الشبم القراج وترك ما في الكشاف من الاستشهاد عليه بقوله تعالى {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] لأنه لا يثبت المدعى وأنما يؤيد التعليل. وقوله: (يؤامر نفسيه) بالتثنية أي يتردد بين رأيين له، فمؤامرة النفس كناية عن التردّد والمؤامرة المشاورة، كالائتمار لقبول بعضهم أمر بعض فيما يشير به عليه فأبدلت الهمزة واواً، وقد مرّ بيان العلاقة فيه. قوله: (والمراد بالأنفس إلخ) في الكشاف والمراد بالأنفس هنا ذواتهم والمعنى بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم ولا يتخطاهم إلى من سواهم، ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم اهـ فإذا أريد بالأنفس الذوات كان المراد بالمخادعة أنّ خداعهم لا يتجاوزهم، ويرجحه أنه المعنى الحقيقيّ المتبادر ولا مانع يمنعه هنا، وأمّا إرادة الآخرين فيضعفها أنّ المتبادر من المخادعة أن تكون بين شخصين متغايرين حقيقة، وهذا فيه مغايرة لكنها غير حقيقية وفيه نظر، وقيل إنّ الأوّل ناظر إلى قوله دائرة الخداع إلخ. وما بعده إلى قوله أو أنهم إلخ. وعدل عن قول الزمخشريّ قلوبهم إلى قوله أرواحهم، لأنه أظهر في المغايرة. وقد قال قدّس سرّه: إنه على الأوّل يتعين أن يراد بحصر خداعهم في ذواتهم قصر ضروه عليهم كما ني الجواب الأوّل، وعلى ما بعده ذكر القلوب تمهيدا لذكر الدواعي، والآراء لا أنه ونجه آخر، وإذا أريد بالأنفس الدواعي تعين الجوابان الأخيران، وكان اعتبار المشابهة أولى كما لا يخفى فبيان المراد بالأنفس تتمة للأجوبة. (وفيه بحث الأنه لا مانع من جعل ذكر القلوب في كلام العلامة إشارة إلى وجه آخر لأنّ القلوب ينسب إليها الإدراك كما قال تعالى {لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46] ويؤيده إبدال المصنف لها بالأرواح فما ذكره عدول عن الظاهر من غير داع. (تنبيه) بقي للنفس هنا معان أخر لم يذكرها المصنف رحمه الله كالعين المصيبة والقوى الحيوانية الجامعة للصفات المذمومة المضادة للقوى العقلية، وباختلاف هذه الصفات والأحوال تسمى النفس تارة أمارة وتارة لوامة وتارة مطمئنة، وليست هذه نفوساً متغايرة كما سيأتي تحقيقه. قوله: (لا يحسون إلخ) يشير إلى أنّ الشعور معناه الإدراك بالمشاعر، وهي الحواس الظاهرة في الأصل، وإن ورد بمعنى لا يعقلون مطلقاً إلا أنّ حمله على هذا أولى لأنه أصل معناه وأبلغ لأنّ عدم الشعوو بالمحسوس في غاية القبح لكون المحسوسات من البديهيات، ومن لا يشعر باله ديهيّ المحسوس مرتبته أدنى من مرتبة البهائم، فنفي الشعور يدلّ على التهكم بهم وعلى نفي العلم بالطريق الأولى فهو أبلغ من لا يعلمون هنا وأنسب بما مرّ من قوله {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ} إلخ. وقوله: (لتمادي غفلتهم) من قولهم تمادى في الأمر إذا تمادّ فيه إلى الغاية جمما في الأساس، فتمادي الغفلة بمعنى امتدادها على ظاهره وحقيقتة، أو هو بمعنى تماديهنم في غفلتهم، فالتمادي من المدد وأصله تمادد كقصيت بمعنى قصصت، ويجوز أن يكون من المدى بدون إبدال. قوله: (جعل لحوق وبال الخداع إلخ) يشير به إلى المعنى الأوّل من معنى خداعهم لأنفسهم كما في الكشاف، واقتصر عليه لأنه الأرجح الأظهر وغيره يعلم بالمقايسة عليه أيضا، ولذا أمر الشريف رحمه الله بالتدبر فيه، وفيه إشارة إلى أنّ قوله {وَمَا يَشْعُرُونَ} مرتبط بقوله {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم}

ولذا قال الزجاج في تفسيره: وما يشعرون أنهم يخدعونها، وهو أقرب لفظاً ومعنى من جعله متصلا بقوله يخادعون الله على أنّ المعنى، وما يشعرون أنّ الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ومن لم يشعر بهذا جعله من فوائده الزوائد هنا، والوبال سوء العاقبة وأصله وخامة المرعى، فتجوّز به عما ذكر ثم صار حقيقة عرفية فيه، وقد يراد به الإثم وهو قريب منه، فمن فسره بالوخامة فقد تسمح فيه هنا، ومؤفة أصابتها آفة وهي العاهة يقال: أيفت الأشياء فهي مؤفة كما يقال ايلت فهي مؤلة، وفي عبث الوليد للمعرّي لو جيء به على الأصل فقيل: ما ووفة بوزن مضروبة جاز عند بعض الناس، وكذا استعمله البحتري في شعره. قوله: (والشعور الإحساس إلخ) أي الإدراك بالحوإس الخصس الظاهرة، وقد يكون بمعنى العلم وصرّح الراغب بأنه مشترك بينهما، وذهب بعضهم إلى أنّ هذا أصله، وذاك مجاز منه صار لشهرته فيه حقيقة عرفية، وهو ظاهر كلامهم هنا، والمشاعر الحواس، ولها معان أخر كمناسك الحج وشعائره، وقوله الشعر بكسر الشين وسكون العين لأنه اسم للعلم الدقيق، كما في قولهم ليت شعري. ثم نقل في عرف اللغة للكلام الموزون المقفى، فهو مصدر أخذ منه الفعل وتصاريفه، ولو قرىء بفتحتين صح أيضاً لقول الراغب في مفرداته شعرت أصبت الشعر ومنه استعير شعرت، كذا أي علمت علماً في الدقة كإصابة الشعر اهـ. ولذا فسر الشعور بالفطنة ودقة المعرفة. وقوله: (ومنه الشعار) ضمير منه راجع للشعر والشعار يكون بمعنى الثوب الذي يلي الجسد لمماستة الشعر، ويكون بمعنى العلامة وبمعنى ما يتنادى به في الحرب ليعرف بعضهم بعضا، فإن كان الشعر بالفتحتين فالمناسب! فسيره بالمعنى الأوّل وإلا فبالثاني، وجملة ما يشعرون مستانفة أو معطوفة أو حال من فاعل يخدعون، ومفعول يشعرون مقدّر أي لحوق الضرر بهم، وأنّ وبال خداعهم راجع إليهم ونحوه أو غير مقدر للعموم وتنزيله منزلة اللازم، وقوله بذلك ورجوع ضرره يشير إلى الأول وجعلهم في حواسهم آفة يشير إلى الثاني، وهو أبلغ كما مرّ. قوله: (المرض حقيقة فيما يعرض للبدن إلخ) من الأطباء من ذهب إلى أنّ أحوال الإنسان ثلاث صحة ومرض وحال لا صحة، ولا مرض كجالينوس، وعند الرثيس أنّ له حالتين صحة ومرض بغير واسطة، والصحة تصدر عنها الأفعال سليمة، والمرض يقابلها، وذهب أهل اللغة كما في المصباح إلى أنه حالة خارجة عن الطبع ضارّة بالفعل، والفرق بينه وبين ما ذهب إليه الأطباء ظاهر، فإنهم يسمون نحو الحول والحدب مرضا بخلاف أهل اللغة، ثم إنّ المصنف رحمه الله عدل عن قوله في الكشاف: فالحقيقة أي حقيقة المرض أن يراد الألم كما تقول: في جوفه مزض لما فيه، لأنّ الألم أثر المرض لا عينه لغة واصطلاحا كما لا يخفى، وما قيل من أنّ كون الألم مرضا من أظهر القضايا عند أهل اللغة والعرف، وأمّا كونه عرضا لا مرضا فمن تدقيقات الأطباء على أنّ استعماله في المرض! شائع فيما بينهم أيضاً كقولهم الصدع ألم في أعضاء الرأس فيه ما لا يخفى، والمراد بالأفعال ليست الأفعال المتعارفة كالضرب بل متعارف الحكماء، وهي إمّا طبيعية كالنمو أو حيوانية كالنفس، أو نفسانية كجودة الفكر والألم ما يتألم، ويتوجه به وهو أعمّ من المرض، والاعتدال توسط حال بين حالين، وكل ما تناسب فقد اعتدل كما في القاموس. قوله: (ومجاز في الأعراض النفسانية إلخ) الأعراض جمع عرض كسبب وأسباب، وهو ما يعرض ويطرأ على المرء ثم ضمير كمالها للنفس التي تفهم من نفسانية، والنفساني منسوب للنفس على خلاف القياس كووحاني، وقد أثبته أهل اللغة وله معنى آخر في الكشف، وهذا برمته مأخوذ من كلام الراغب، والجهل ضد العلم، وقيل المراد به البسيط، لأنّ سوء العقيدة جهل مركب، والحسد تمني زوال نعمة الغير والغبطة تمني نيل مثلها من غير زوال، والضغينة كالضغن بمعجمات الحقد واضمار العداوة، والحياة الحقيقية هي الأخروية، لأنها السعادة الأبدية والحياة الدنيوية، لأنها في معرض الزوال كلا شيء، كما قال تعالى {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أسورة العنكبوت: 64] ولما كان المرض الحقيقي يؤدي إلى اختلال البدن ثم إذا تناهى أدى إلى الموت أشار المصنف رحمه الله إلى أنّ وجه الشبه فيه من هذين الوجهين الأوّل مغ الفضائل والكمالات المشابهة لاختلال البدن المانع عن الملاذ، والثاني زوال الحياة الأبدية الذي هو

كهلاك المريض والمراد بالحياة الأبدية السعادة المخلدة لأنّ حياة المخلد في النار لا يعتد بها فلا يرد عليه ما قيل من أنه كان عليه أن يبدل الحياة بالسعادة لأنّ الحياة الأبدية مشتركة بين المسلمين وغيرهم. قوله: (والآية الكريمة تحتملهما إلخ) مخالف لما في الكشاف من تعين المعنى المجازي حيث قال فيه: المراد في الآية المعنى المجازي الذي هو آفة في الإدراك كسوء الاعتقاد والكفر أو حالة تبعث على ارتكاب الرذائل كالحسد أو مانعة عن اكتساب القضائل كالجبن إلخ. وقد غفل عن هذا من توهم أنّ صاحب الكشاف قائل بما ذهب إليه المصنف رحمه الله، فقال حمل الآية على المجاز هو المنقول عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة، وسائر السلف من غير اختلاف فيه، والتفسير مرجعه إلى النقل والعجب من الزمخشريّ والقاضي أنهما يحملان ما ظاهره الحقيقة على المجاز من غير داع إليه لأنه أبلغ، وهنا ورد التفسير عن الصحابة والتابعين بالمجاز ليس إلا فلم يقتصروا عليه إلى آخر ما فصله، ولا وجة له والمصنف تبع فيما ذكره الإمام حيث قال: الإنسان إذا ابتلي بالأخلاق الرديئة كالحسد والنفاق والكفر، ودام به ذلك ربما أدّاه إلى تغير مزاجه وقلبه واليه أشار المصنف، وقال بعضهم: إنه الأرجح لأنه مع كونه حقيقة أبلغ والمجاز إنما يرتكب لبلاغته، وفيه من الخلل ما لا يخفى فإنه مع ابتناء ظاهره على أنّ المرض الألم وقد صرّح الإمام بعدم ارتضائه كما مرّ مفصلا وصبعه المصنف رحمه الله لأنّ الألم مسبب عن المرض لا نفسه لا وجه له سواء قلنا: إنّ قوله فانّ قلوبهم كانت متألمة إلخ بيان للحقيقة. وقوله: (ونفوسهم كانت مؤفة إلخ) بيان للمجازءلمى اللف والنثر المرتب، أولا فإنّ مآله إلى التألم بفوت الرياسة والحسد، وأنّ نفوسهم مؤفة بالفساد وسوء الاعتقاد، وليس في ذلك رائحة من الحقيقة وكون المرض الحقيقي كناية عما ذكر والكناية يكفي فيها صحة إرادة الحقيقة تكلف لا يفيد، وقد أشار شرّاح الكشاف إلى أنه لا يصح إرادة المعنى الحقيقي، وهو الحق الحقيق بالقبول رواية ودراية، وما قيل من ير قلوبهم ألماً عظيماً بواسطة شوكة أهل الإسلام، نّ حقيقة المرض الألم الذي يسوء المزاج، وهو ية مطلق الألم الذي هو أقرب إلى الحقيقة أو نظراً اج في غاية الركاكة والبعد ولا داعي لارتكابه كما صهم) وفي نسخة عما فات عنهم والتخق تفعل من لإنّ الحديد بالحديد يفلح، واستعير لحك بعض له عن شدّة الغيظ والغضب، وهو المراد هنا وليس محرق كالنار كما قيل: د فإنّ صبرك قاتله إن لم تجد ما تأكله لس! هذا بقاطع عرق الاحتمال خصوصاً في عبارة سبهة في أنه المراد، ولا وجه لما قيل من أنّ الأولى على الاحتراق مناسب جذاً، وتعدى فات بعن لتضمنه من الرياسة) إشارة إلى قصة ابن أبيّ المشهورة في لحسدهم، وقولهم في دولة الإسلام إنها ريح لهبوبها لى غير ذلك من ظنونهم التي خيبها الله، واشارة الإشادة الرفع ففيه إشارة إلى قوله تعالى {وَرَفَعْنَا} بالدال المهملة. قوله: (فزاد الله إلخ) هذا وما عمهم إشارة إلى تفسير قوله {فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً} ولا له تعالى {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [التوبة: ####

### ، وقد اختلف في هذه الجملة هل هي خبرية أم لا معترضة مصدرة بالفاء، وقد صرّح النحاة بأنها تكون أن سوف يقضي كل ما قدرا التلويح وغيره فلا وجه لما قيل إنّ الأنسب حينئذ نّ قوله فزادهم الله إلخ إخبار وعطف الماضي على الاسمية لنكتة إن أريد في الأولى أعني في قلوبهم مرض أنّ ذلك لم يزل غضاً طرياً إلى زمن الإخبار، وفي الثانية أن ذلك مسبب لازدياد مرضهم المحقق إذ لولا تدنس الفطرة لازدادوا بزيادة إمداد الإسلام ونزول الآيات شفاء. وقوله تعالى {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [التوية: 125] جملة مستأنفة لبيان الموجب لخداعهم وما هم فيه من النفاق، ويحتمل أن تكوق مقرّرة لعدم شعورهم والأوّل أنسب لأنّ قوله وما يشعرون سبيله سبيل الاعتراض وما قيل في ترجيح الاعتراض على الإخبار بأنّ الثاني مكرّر مع قوله تعالى {يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ} ليس بشيء للفرق الظاهر بين زيادة المرض وزيادة الطغيان، على أنه لا مانع من التأكيد مع بعد المسافة، ثم إنّ كلام الشيخين لا ينافيه لأنّ الدعاء من الله إيجاب مؤكد ولولاه لم يكن للدعاء من الله معنى كما لا يخفى فتدبر. وقوله: (ونفوسهم) بالنصب عطف على قلوبهم لبيان المعنى المجازي كما مرّ، ومؤفة هو وجه الشبه، والمرض الأوّل والآلام ومنشؤها وهي تزداد بزيادة الغموم: والغم يخترم النفوس نحافة ويشيب ناصية الصبيّ ويهرم والثاني تلك الآفات، وازديادها بالطبع والختم الذي يثبتها والثبات، أو بما بعده. قوله: (أو بازدياد التكالبف إلخ) أورد عليه أمران الأوّل أنّ المشهور في الازدياد أنه مصدر ازداد اللازم، وقد اسنعمله متعديا تبعاً لما في الكشاف، فإنّ قوله فيه ما ازدادوه يدل على أنه عداه لمفعول واحد كما بينه شرّاحه، والثاني أنّ المنافقين في إجراء الأحكام عليهم كالمؤمنين الخلص، ولا مزية لهم في التكاليف لأنّ المراد بها ما كلف به لا المعنى المصدري، ولو قيل إنه في حق ماحضي الكفر، وازدياد تكاليفهم بشرعية القتل والأسر والجزية تفكك النظم لأنّ ما قبله وما بعده في المنافقيق، وقد أورده بعضهم على أنه وارد غير مندفع (أقول) هذا زبدة القيل والقال، وليس بوارد بوجه من الوجوه. أمّا الأول فلأن زاد يتعدى لمفعول واحد وتارة يتعدى لمفعولين وازداد مطاوعه، والمطاوع ينقص عن مطاوعه مفعولا واحداً، فإذا كان مطاوع المتعدي لمفعولين تعدى لواحد من غير شبهة، وعليه قوله تعالى {نَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} [يوسف: 65] وفي الأساس ازددت مالا وازداد الأمر صعوبة، وازداد من الخير ازدياد فالقول بأنه لازم وان اتفق عليه الشراح لا وجه له وكذا قول الراغب: يقال زدته فازداد، وقوله {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ} نحو ازددت فضلا أي ازداد فضلي، فهو من باب سفه نفسه اهـ. فحمل ما ورد من منصوبه على التمييز ولا حاجة إليه، وهذا هو الذي غرّ المعترض. وأمّا الثاني فسقوطه ظاهر، لأنّ ما ذكره المصنف رحمه الله أخذه بحروفه من التفسير الكبير ومعناه أنّ التكاليف والأحكام كلما تكرّرت تكرّر بسببها كفرهم المضمر وسوء عقائدهم، فيزداد مرضهم بسبب ذلك، ويجوز أن يراد بالتكليف معناه اللغوي، وهو تكليف النبيّ صلى الله عليه وسغ لهم في بعض الأمور وتخلفهم عنه، وتعللهم كما وقع في بعض الغزوات من تخلف المنافقين ونحو ذلك، وهذا مما لا مرية فيه. وأمّا ما ذكره من الجواب ففي غاية الفساد، وتضاعف النصر تكراره وتواليه، ولا وجه لما قيل من أنّ الظاهر أن يبدل التضاعف بالتضعيف، لأنه لازم مضاف لفاعله، كما أنّ الازدياد يجوز فيه أن يكون مضافاً للفاعل على أنه مصدر اللازم، وإن كان متعديا كما مرّ، ومن العجب ما قيل أنّ الازدياد والتضاعف كناية عن الزيادة، والضعف لكونهما لازمين. قوله: (وكان إسناد الزيادة إلى الله إلخ) قيل عليه: إنه لا حاجة هنا إلى ارتكاب الجاز العقليّ لصحة إرادة الحقيقة بل هي متعينة، وإنما يحتاج إلى هذا التاويل المعتزلة لأنهم ينزهون الله تعالى عن حقيقة الختم والطبع لزعمهم قبحه، ولا قبح ني إيجاده عندنا بل في الاتصاف به والزمخشريّ رحمه الله إنما ارتكبه بناء على مذهبه فلا ينبغي للمصنف رحمه الله أن يتبعه فيما ذكر، وقد صرّح صاحب التاويلات، ومن بعده بأنه مبنيّ على أصلهم الفاسد وذهب الفاضل المحقق إلى أنّ مرادهم بما ذكر أنه ليس هناك من يزيدهم مرضاً، حقيقة على رأي الشيخ عبد القاهر في أنه لا يلزم

في الإسناد المجازي أن يكون للفعل فاعل يكون الإسناد إليه حقيقة مثل: يزيدك وجهه حسنا إذا ما زدته نظرا وتابعه قدّس سرّه عليه، وأومأ إلى تأييده فقال هو إسناد مجازي سواء فسر المرض بالكفر، أو الحسد والغل، أو الضعف والخور كما صرحت به عبارته، وان جاز إسناد زيادة المعنى الأخير إلى الله تعالى حقيقة على رأبه أيضاً، والمراد بالمعنى الأخير الجبن والخور لا الحسد كما توهمه بعضهم فقال عدم كون حسد نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم والمؤمنين بطلب زوال ما أنعم الله به عليهم قبيحاً غير صحيح، وهو غفلة عن مرادهم نعم يرد عليه ما قيل من أنّ الظاهر أنّ الحسد كما هو قبيح، فكذا الجبن والخور، لأنّ كلا منهما من الملكات الرديئة المستلزمة للأثار الغير السنية، فالفرق بينهما بأنّ الأوّل قبيح والثاني حسن حتى جاز إسناد الأخير إليه تعالى دون السابق تحكم إلا أنّ الأخير قد يترتب عليه آثار حسنة بالنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلّم والمؤمنين كتباعد الكفار عن محاربتهم ونحوه اهـ. فعلم أنّ ما ذكر ليس مبنيا على الاعتزال، وان خفي على كثير من الناس، ونطاق البيان يقصر عنه هنا، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وأمّا ما قيل من أنّ ما ذكره المصنف جواب عما يقال من أنّ المسند إلى الله تعالى زيادة مرضهم وهو صحيح بالنظر إلى الطبع دون ازدياد التكاليف وأخويه لأنّ الزائد يجب أن يكون من جنس المزيد عليه، أو ملائماً له وتقريره أنّ المراد بإسناد زيادة مرضهم إليه تعالى ليس إسنادا للزيادة من حيث نفسها بل من حيث أنها مسببة عن فعله تعالى وهو ما ذكر من ازدياد التكاليف، وما بعده فإنّ كلا منهما سبب لزيادة مرضهم على ما مرّ إلى آخر ما أطال به من غير طائل وتبعه من بعده ممن كتب على هذا الكتاب، من غير فرق بين البحر والسراب وضمير أنه للزيادة مراعاة للخبر أو نظراً لأنها بمعنى الازدياد أو لعدم الاعتداد بتأنيث المصادر، ولا فرق بين ما ذكره المصنف رحمه الله، والزمخشريّ على ما يتوهم من تغيير العبارة فتدبر. قوله: (ويحتمل أن يرادب لمرض إلخ) احتمل معناه الحقيقي العفو والإغضاء، وفي اصطلاح المصنفين يستعمل بمعنى الجواز فيكون لازما وبمعنى الاقتضاء، والتضمن فيكون متعدياً مثل إحتمل أن يكون كذا، واحتمل الحال وجوهاً كثيرة وتداخل كيدخل بمعنى دخل بطريق التعانب، والتف ريج ولذا اختاره على دخل مع أنه أخصر وأظهر، والجبن ضعف القلب عما يحق أن يقوى فيه، ورجل جبان وامرأة جبان، والخور بخاء معجمة وواو وراء مهملة أصله رخاوة في العصب ونحوه، ثم تجوّز به عن الجبن وشاع فيه حتى صار حقيقة عرفية فيه والشوكة معروفة وتستعار لهلقوّة في الحرب فيقال: فلان ذو شوكة ومنه شاكي السلاح على قول كأنهم شبهوا الأسلحة بالشوك ولذا قيل: ورد الخدود ودونه شوك القنا أبداً بغير لحاف لا يجتنى والبسط التوسعة كما قال تعالى {؟ ولو تج! ط القة الرزق لعبا؟ هـ} [الشورى: 27] أي وسعه فالتبسط في البلاد بمعنى سعة ممالكهم أو انتثارهم فيها وهدّا معنى آخر مجازيّ، لكنه قريب إلى معناه الحقيقي جداً لأنّ الجبن وضعف القلب أخوان. قوله: (أي مؤلم إلخ) ذهب أرباب الحواشي هنا إلى أنّ مؤلم بفتح اللام اسم مفعول من الإيلام المزيد لأنه الموافق لما في الكشاف ولأنه الأبلغ لجعل العذاب نفسه متألماً، ومعذبا بزنة المفول ولو كان بالكسر كما ذهب إليه بعضهم لم يكن فيه تجوّز في الإسناد كجد جده فلا يوافق أوّل كلامه آخره وليس بشيء فإنّ الكسر إن لم يتعين لا شبهة في صحته كما ذكره بعض فضلاء العصر في حواشيه فيكون ما فسره به المصنف، أولا بيانا لحاصل المعنى المراد منه، ثم صرّح بقوله يقال ألم إلخ إشارة إلى أنه فعيل من ألم الثلاثي كوجيع من وجع فإنه الفصيح المطرد، وفعيل بمعنى مفعل ليس بثبت عند الزمخشريّ والمصنف، وان خالفه فيه لا يمكنه أن ينكر قلته، وعدم إطراده كما ستسمعه مفصلاَ عن قريب في تفسير قوله تعالى {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة: 17 ا] ولا حاجة إلى ارتكابه ليكون المعنى أبلغ لأنه إذا جعل الإسناد مجازياً رجع بالآخرة إلى صرب وجيع) هو من قصيدة طويلة لعمرو بن

معد يؤرقني وأصحابي هجوع تحية بينهم ضرب وجيع هنا الفرسان، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: لمهملة واللام والفاء بمعنى دنوت وزحفت، والتحية سياتي والباء للتعدية، وبينهم مضاف إليه مجرور د مبنيا لإضافته إلى المبني، والأوّل أصح وان قيل لمعنى على أن ضربهم الوجغ كتحية بينهم على تفسير قوله تعالى {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} . قوله: لكشاف هنا على أنّ المراد أنه على طريقته في أنه سناد إلى مصدر المسند كما في ضرب وجيع بل هو ألم أليم ووجع وجيع، وسنكشف لك؟ أنّ الإسناد إلى مصدر ذلك الفعل أو زمانه أو مكانه أو سببه، والضرب أي المضروبية هو الوجع، ولا حاجة إليه قاله الفاضل المحقق. قوله: (قرأها عاصم إلخ) لمرينة المقابلة. وقوله: (بسبب كذبهم) إشارة إلى أنّ لى أنه يجوز أن تكون للبدلية كما في قوله: شنوا الإغارة فرساناً وركبانا ل! حو وما مصدرية مؤوّلة بمصدر كان إن قيل بوجود.، أبو البقاء: الموصولية هنا أظهر لأنّ الضمير المقدر ، وقيل المناسب هنا ذكر المقابلة بدل البدلية، فإن روال المبدل عته وقيام البدل مقامه بدليل قوله جزاء عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر بن حزم للعسكري من حديث أنس ولابن عائذ عن قتادة مرسلاَ. لهم، ثم إنّ الباء في قوله بسببه وببدله كالباء في قولهم معنى كتبت بالقلم باستعانته ومعنى دخلت علييما بثياب السفر بمصاحبة ثيابه إلى غير ذلك، فإنهم كثيراً ما يجعلون الباء بين الحرف وبين ما يدل عليه. (قلت) البدلية والمقابلة متقاربان، والثانية تدخل على الأثمان وما في معناها وجعل كذبهم بمنزلة الثمن مبنيّ على التهكم ولا يخفى خفاؤه هنا، وأمّا دخول الباء بين الحرف ومدلوله فالظاهر أنه للملابسة بينهما، فلا يتوهم أنه معنى آخر حتى يقال لم يقل أحد أنّ من معاني الباء التفسير، ثم إنّ قوله بما كانوا يكذبون صفة لعذاب لا لأليم، كما قاله أبو البقاء رحمه الله، لأنّ الأصل في الصفة أن لا توصف. وقال قدس سرّه: كلمة كان في النظم للدلالة على الاستمرار في الأزمنة، وقولهم آمنا إخبار بإحداثهم الإيمان فيما مض ولو جعل إنشاء للإيمان كان متضمناً للاخبار بصدوره عنهم. فقيلى: الدلالة على الاستمرار والانقطاع ليست بمعتبرة وضعاً في معنى كان بل هو مستفاد من القرينة، والمقصود دفع ما يتوهم من المنافاة بين لفظي كان، لكذبون لدلالة الأوّل على انتساب الكذب إليهم في الماضي والثاني على انتسابه في الحال والاستقبال، فالزمان فيهما مختلف فما وجه الجمع بينهما، فدفعت 4 ن كان دالة على الاستمرار في جميع الأزمنة ويكذبون دلّ على الاستمرار التجددي الداخل في جميع الأزمنة اهـ، وما ذكره من المنافاة توهم فاسد فإنه مستفيض في أخبار الأفعال الناقصة، كأصبح يقول كذا أو كادت تزيغ قلوب فريق منهم والاسنعمال مستمر عليه لأنّ معناه أنه في الماضي كان مستمرا متجدّداً بتعاقب الأمثال، وللمضي والاستقبال بالنسبة لزمان الحكم، وقد عذ العلماء الاستمرار من معاني كان، كما في التسهيل فتدبر. قوله: (وقرأ الباقون إلخ) أي قرأه باقي السبعة بالتشديد من كذبه المتعدي والتضعيف للتعدية ومفعوله مقدّر وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر إجلالا له عن أن يواجهه بالت!! يب، وقيل إنه

لرعاية الفاصلة، أو لقصد التعميم إذ كان التقدير يكذبون ما جاء به أي جميع ما جاء به مما يلزم تصديقه فيه أو للاختصار، أو لأنّ العناد وتكذيب الرسول كانا من شأن اليهود، ولما كانوا غير مجاهرين بالتكذيب والكفر وإلا لم يكونوا منافقين حمله على التكذيب بقلوبهم، أو بدون مواجهة المؤمنين بل مع شياطينهم وهو مجاز عن رؤسائهم وعقلائهم، وفي نسخة شطارهم جمع شاطر وهو من أعيا أهله خبثاً والمراد به ما ذكر مجازاً أيضاً أو كناية أي يكذبونه بقلوبهم دائماً وبألسنتهم {إِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} فقوله وإذا خلوا معطوف على قوله: بقلوبهم بتقدير وبألسنتهم إذا إلخ. قوله: (أو من كذب الذي هو للمبالنة إلخ) فهو لازم بلا تقدير والتفعيل حينئذ إمّا للمبالغة لقوة كذبهم وتصميمهم عليه كبين بمعنى تبين الوارد في كلامهم بمعنى كمال ظهور الشيء واتضاحه، أو للتكثير دلالة على كثرة الفاعل كما في قولهم موتت البهائم جمع بهيمة وهي معروفة، وقيل إنهم ذهبوا إلى أنّ الكثرة في موتت لتعذر تكثر الفعل بالنسبة لكل واحد، وهنا ليس كذلك فيرح إلى الوجه الذي قبله من المبالغة إلا أن يقال المبالغة بالنسبة إلى ذات الكذب في نفسه، والكثرة بالشبة لتعدده، فحقيقة الأمرين راجعة إلى القوّة والكثرة، وتغايرهما ظاهر فسقط ما قيل من أنّ عطف التكثير على المبالغة بأو الفاصلة ليس كما ينبغي، وقد يكون التكثير في المفعول كقطعت الأثواب، وكذب الوحشي قيل إنه. على هذا مجاز مأخوذ من كذب المتعدي، كأنه يكذب رأيه وظنه، فيقف لينظر ما وراءه ولما كثر استعماله في هذا المعنى وكانت حالة المنافق شبيهة بهذا جاز أن يستعار منه لها، ولا يخفى ما فيه من التكلف، وأنّ كونه متعديا بحسب الأصل غير موافق لما نحن بصدده فتدبر. قوله: (الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به) الخبر هنا بمعنى الاخبار، وهو أحد معنييه قال الراغب في كتاب الذريعة: ذهب كثير من المتكلمين إلى أنّ الصدق يحسن لعينه، والكذب يقبح لعينه. وقال كثير من الحكماء والمتصوّفة أنّ الكذب يقبح لما يتعلق به من المضارّ الخالصة، والصدق يحسن لما يتعلق به من المنافع الخالصة لأنّ شيئاً من الأقول والأفعال لا يقبح ويحسن لذاته اهـ. وقوله: (على خلاف ما هو به) أي ما هو متليس به في نفسه وحد ذاته في الواقع ونفس الأمر، أو في اعتقاد المخاطب، وفي ذهنه فكلامه صادق على المذاهب ففيه إيجاز حسن. قوله: (وهو حرام كله إلخ) قيل عليه إنه تبع فيه الزمخشريّ، وهو مبنيّ على مذهب المعتزلة في التحسين والتقبيح المقتضي لأن يكون حراما لعينه كما مرّ، ولذا قال: وهو قبيح كله وعدل عنه المصنف والمصزح به في كتب الافعية المعتمدة أنّ من الكذب ما هو حرام وما هو مباح، وما هو مندوب وما هو واجب وقد ورد الحديث بجوازه في ثلاثة مواطن في الحرب، واصلاح ذات البين وكذب الرجل لامرأته ليرضيها (1 (وهو مرويّ في الصحيحين، والسنن كما فصله النووي في أذكاره، وفيه تفصيل قاله الغزاليّ وهو أن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً، فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة إليه فإن لم يمكن إلا بالكذب، فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مبا-حا وواجب إن كان واجباً فلو اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه وكذا لو سأل عن ماله ليأخذه ولو استحلفه لزمه أن يحلف، ويوري في يمينه، وكذا في كل مقصود، فلا يختص بالصور الثلاث الواردة في الحديث بل ينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب، والمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت المفسدة في الصدق أشذ ضررا فله الكذب، وإن كان عكسه أو شك حرم عليه الكذب اهـ ونحوه في كتاب الذريعة للراغب، فما قيل في الجواب عنه بأنه مذهب الشافعية من قصور النظر، فإنه متفق عليه في جميع المذاهب كما صرحوا به، وقيل إنّ معنى الكلية في كلام المصنف أنّ الكذب حرام مز حيث ذاته مطلقاً وقد يكون مباحاً من حيث وصفه كما في الصور المذكورة، وهو وهم على وهم، فإنه مع مخالفته لمذهبه مبنيّ على الاعتزال. قوله: (لأنه علل به استحقاق العذاب إلخ) في الكشاف وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخييل أنّ العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم ونحوه قوله تعالى {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} [نوح: 25] والقوم كفرة وإنما خصت الخطيآت استعظاماً لها، وتنفيراً عن ارتكابها يعني أنّ فيه تعريضاً يتضمن تحريضاً للمؤمنين على ما هم

عليه من الصدق والتصديق، فإنّ المؤمن إذا سمع ترتب العذاب على الكذب دون النفاق الذي هو أخبث الكفر وصاحبه في الدرك الأسفل تخيل في نفسه تغليظ اسم الكذب، وتصوّر سماجته فانزجر أعظم انزجار فسقط ما قيل من أنّ قبحه لا سيما عندهم تحقيق لا تخييل، لما عرفته من معنى التخييل والزجر وهذا من قبيل ما في قوله تعالى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر: 7] من ذكر الوصف سواء كان نعتاً أولا لمدح ذلك الوصف في نفسه، أو ذمه ترغيباً فيه أو تنفيراً، كما يكون الوصف لمدح الموصوف أو ذمه، وهذا كما صرّج به السكاكيّ والخطيب، ومن الناس من حسبه من البديع الغريب وسيأتي في كثير من النظم الكريم، والمراد بترتبه عليه أنه مسبب عنه، فهو مؤخر رتبة وما ذكره ظاهر على قراءة التخفيف وكذا في غيرها لأنّ نسبة الصادق إلى الكذب كذب، وكذا كثرته ونحوها فتدبر. قوله: (وما روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلخ) إشارة إلى ما روي في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة فيقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام إني كذبت ثلاث كذبات على روايات مختلفة في بعضها أنه عذها فذكر قوله في الكوكب {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 78] وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] وقوله {إِنِّي سَقِيمٌ} (1 ( [الصافات: 89] وروى الترمذفي رحمه الله في حديث الشفاعة أنهم يأتون إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيقولون له اشفع لنا فيقول: لست لها إني كذبت ثلاث كذبات، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ما منها كذبة إلا ما حل بها وفي رواية جادل بها عن دين الله وفي رواية أحمد رحمه الله إنها قوله {إنّي سَقِيم} [سورة الصافات، الآية: 89] وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [سورة الأنبياء، الآية: 63] وقوله للتيك في جواب سؤاله عن امرأته سارة هي أختي حين أراد الملك غصبها وكان من طريق السياسة التعرّض لذوات الأزواج دون غيرهن بدون رضاهن، وقيل: هي قوله ثلاث مرات هذا ربي والحديث بطوله مشهور في كتب الحديث، وكذبات قال القاضي عياض في مشارق اللغة: هو بفتح الكاف والذال جمع كذبة بفتح الكاف الواحدة من الكذب اهـ. فليس جمع كذبة بكسر الكاف، وسكون الذال المعجمة بمعنى الكذب لمخالفته للرواية فيه. قوله: (فا المراد التعريض إلخ) قد عرفت أنّ الحديث صحيح وما في بعض الحواشي نقلاً عن الرازي من أنه يجب القطع بكذب رواته، وان يكذب الرواة حتى يصدق إبراهيم أولى لا أصله له عنه، فإن صح فهو خطأ، ونحن ننظر لما قيل لا لمن قال، وسيأتي ما الحامل له على مثله من الشبهة ودفعه، والمراد بالتعريض هنا معناه اللغوي وهو ما يقابل التصريح والتصريح أن يكون اللفظ نصاً في معناه لا يحتمل! معنى آخر احتمالاً معتدا به والتعريض خلافه، وهو أن يكون اللفظ محتملا لمعنيين سواء كانا حقيقيين كما في إني سقيم أولاً وسواء كان أحدهما أظهر من الآخر كما في الإبهام البديعي أولاً كما في التوجيه، فهو أعمّ من التعريض الاصطلاحي لاختصاصه بالمجاز والكناية كما ذكره السكاكيّ في آخر البيان، وكذا من الكناية والتورية والابهام والتوجيه في الاصطلاح، ويسمى في اللغة أيضا كناية وتورية وليست هذه الكناية بيانية وليست التورية بديعية، والتعريض تفعيل من عرض كذا إذا اعترض وطرأ، والكناية من كنى إذا ستر والتورية إمّا من الوراء على ما اختاره ابن الأثير كأنه ألقى البيان وراء ظهره أو من أورى القابس إذا أظهر نوراً وفي النهاية الأثيرية في الحديث المرفوع عن عمران بن حصين " إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب " المعاريض جمع معراض من التعريض، وهو خلاف التصريح يقال عرفت ذلك في معراض كلامه ومعرض كلامه بحذف الألف، وفي حديث عمر رضي الله عنه " أما في المعاريض ما يغني المسلم عن الكذب " وتسمية المعاريض كذبا من حيث مظنة السامع وهي صدق من حيث يقوله القائل وهي التورية والكناية اهـ ومن الناس من ظن أنّ التعريض هنا بمعناه المصطلح، فخبط خبط عشواء وأطال من غير طائل، وفي كلام الشريف ما يوهمه ولله در المحقق حيث فسره بأن يشار بالكلام إلى جانب ويعرض منه جانب آخر ومن لم يتفطن له قال ذكر المحقق الشريف أنّ الكلام لا يكون مستعملاَ في المعنى التعريضي أصلا بل في غيره مع إشارة إليه بقرينة السوق، وعليه ظاهر تفسير قوله تعالى {فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ} [البقرة: 235] الآية فإذا أريد بقوله {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] ساسقم لا يتحقق التعريض، فإنه لا يمكن أرادة ذلك إلا بطريق الاستعمال، نإنه لا دلالة لسياق الكلام

وسباقه عليه كما في صورة التعريض، وكذا الحال فيما إذا حمل قوله هذه أختي عنى الأخوة في الدين لا في النسب، اللهم إلا أن لا يراد بالتعريض هنا ما هو المصطلح المشهور بين الجمهور بل ما فيه خفاء في أداء المراد من الكلام على ما في الأذكار من أنّ التورية، والتعريض معناهما أن تطلق لفظاً ظاهرا في معنى، وتريد معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ، ولكنه خلاف ظاهره اهـ. قوله: (لما شابه الكذب في صورته سمي به) ، فإطلاق الكذب بطريق الاستعارة لمشابهتها الكذب من حيث كونها في الظاهر إخبارا غير مطابقة للواقع لا، كما تسمى صورة الإنسان المنقوشة إنسانا لكنها في التحقيق تعريضات، والغرض من قوله {إِنِّي سَقِيمٌ} أنه سيسقم لما علم من ذلك بأمارة النجوم، أو أنه سقيم أي متألم بما يجد من الغيظ، والحنق باتخاذهم النجوم آلهة، ومن قوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} التنبيه على أنّ من لم يقدر على دفع المضرّة عن نفسه كيف يدفعها عن غيره فكيف يصلح إلها، ومن هذه أختي إخوة الدين تخلصاً من الظالم، ومن {هَذَا رَبِّي} الفرض، أو الحكاية تنبيهاً على خطيئتهم في ادعاء ألوهيتها مع قيام دليل الحدوث، وسيأتي تحقيقه في محله. (فإن قلت) كيف يقول الخليل عليه الصلاة والسلام يوم القيامة إني كذبت وأنا لما صدر مني الذنب أستحيي من أن أقوم شافعاً بين يدي الله، فإنّ ما في الدنيا إن كان من المعاريض فليس بكذب، ويكون قوله ثلاث كذبات مخالفا للواقع، ومثله لا يستحيا مته، فيقعوا فيما فرّوا منه وإن لم يكن كذلك يكن وقع منه الكذب في الدنيا، وهو مناف لعصمته صلّى الله عليه وسلم، ولا بد من أحد هذين الأمرين، وهذا هو الذي جسر الإمام على الطعن في الحديث وتكذيب راويه لتوهمه لأنه أ] ف من نسبة الكذب إلى الخليل عليه الصلاة والسلام. (قلت) هذه شبهة قوية ويؤيدها أنّ مثل هذه المعاريض صدرت منه عليه الصلاة والسلام في مواضع كقوله " من ماء " ولم يقل أحد إنه مشكل محتاح للتأويل ويمكن دفعها بأن يقال هي من المعاريض الصادقة ولكنها لما كانت مبنية على لين العريكة مع الأعداء دفعاً لضررهم، ومثله ممن تكفل الله بعصمتة وحمايته يناسبه مبارزة أعدائه بالمكروه بذلا لنفسه في سبيل الله أو دخولا في حفظ حصن الله، فلعدوله عما يليق بمقامه ثمة عذ ذلك لشدة خوفه، أو تواضعه ذنبا وسما. كذباً لأنه على صورة الكذب خوفا من وخامة مداراة أعدائه، وما وقع من النبيّ عليه الصلاة والسلام لم يقع في مثل هذا المقام حتى يستحيى منه، فإنّ لكل مقام مقالا وقد حام حول الحمى من قال: إنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام قصد براةء ساحة الخليل صلى الله عليه وسلم، فجعلها معاريض جادل بها عن الدين والخليل لمح برتبة الشفاعة وأنها مختصة بالحبيب صنى الله عليه وسلّم، فتجوز في الكذبات، أو هو من هول ذلك اليوم واهتمامهم بشأن أنفسهم دفعهم بدّلك، فتامله. (فإن قلت) إذا كان للفظ معنيان سواء كانا حقيقيين، أو لا وهو باعتبار أحدهما مطابق مطابقة تصيره صادقا على أيّ الأقوإل اعتبرته فيه، وباعتبار الآخر غير مطابق، فهل المعتبر من ذلك ما قصده المتكلم أو ما ظهر منه أو أيهما كان، أو هو يوصف بالصدق والكذب باعتبارين، أو لا يوصف فتثبت الواسطة. (قلت) الظاهر أنّ المعتبر ما قصده المتكلم قصدا جاريا على قانون التكلم، ولذا قال السكافي مرجع الخبرية واحتمال الصدق والكذب إلى حكم المخبر الذي يحكمه في خبره، سواء كان فائدة الخبر أو لازمها، فإذا طابق حكمه الواقع كان صدقا على الأصح لا على مذهب النظام كما يسبق إلى بعض الأوهام. واعلم أنّ ظاهر كلام المصنف، وغيره هنا أنّ المعاريض لا تعد كذباً، وهو الموافق لما مز في الحديث من أنّ فيها مندوحة عن الكذب، وحينئذ فلا بد فيها من قرينة على المراد وإن كانت خفية لأنها الفارقة بين الكذب وغيره، كما صرّح به السكاقي، إلا أنّ قول الزمخشريّ في سورة الصافات الصحيح أنّ الكذب حرام إلا إذا عرّض ظاهر في أنه من الكذب المستثنى إلا أن يجعل منقطعا، وما في شرح الآثار للطحاوي أنّ ما روي في الحديث " لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: إصلاح يين الناس، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها، وكذب في الحرب " (1) في روايته ض عف وان صح كان المراد به المعاريض أيضا لأنها في صورة الكذب، ويؤيده حديث أم كلثوم من أنه عليه الصلاة والسلام " لم يرخص في شيء من الكذب مما يقوله الناس إنما يصلح في ثلاث " (1) إلخ

فصرّح بنقي الكذب في هذه الثلاثة، وهو حديث صحيح لا علة فيه والترخيص في الثلاث لم يصح، فإن ثبت فهو من قول الراوي، وقد قال تعالى {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] وقال: {اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 35] على العموم اهـ وهذا مخالف لما مرّ عن الفقهاء فتدبر. قوله: (عطف على يكذبون) فهو جملة في محل نصب لعطفها على خبر كان وجملة كان صلة ما، وقد تقدّم أنها يجوز أن تكون موصولة، ومصدرية على الخلاف في الترجيح، وقد قالوا بجواز الوجهين على الاحتمالين، كما صرّح به أبو البقاء رحمه الله واعترض عليه أبو حيان بأت على الموصولية خطا! لعدم العائد على ما من تلك الجملة، فيصير التقدير، ولهم عذاب أليم بالذي كانوا إذا قيل لهم {لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} و. هو كلام غير منتظم وكذا على المصدرية على القول باسميتها، وأمّا على مذهب الجمهور، فهو سائغ وقيل عليه إنّ لزوم الضمير هنا غير مسفم، وأنّ النحاة لم يذكروا وصمل ما! المصدرية بالجملة الشرطتة فتأمل. قوله: (أو يقول) واذا خلصت الماضي للاستقبال، فلذا حسن عطف الماضي على المضارع في الوجهين إلا أنه على هذا لا محل لهذه الجلة لعطفها على الصلة، وفي الكشاف الوجه الأوّل أوجه وتقديم المصنف له يشعر بموافقته، وإن احتمل عدم التصريح لأنه ذهب إلى التساوي بينهما لما سيأتي، وقال قدّس سرّه: تبعا لمن قبله من الشراح وجه الأوجهية قربه في إفادته تسبب الفساد للعذاب، فيدل على صحته ووجوب الاحتراز عنه كالكذب، ولخلوّه عن تخلل ابي ن أو الاستئناف، وما يتعلق به بين أجزاء الصلة أو الصفة، وقد يرجح الثاني بكون الآيات حينئذ على نمط تعديد قبائحهم وافادتها اتصافهم بكل من تلك الأوصاف استقلالا وقصدا، ودلالتها على لحوق العذاب الأليم بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم في كفرهم ونفاقهم، فما ظنك بسائرها. (أقول) هذا مناف لما قدّمه قبله من قوله: إنه جعل عذابهم مسبباً لكذبهم رمزاً إلى قبح الكذب حيث خص بالذكر من بين جهات استحقاقهم إياه مع كثرتها، وفيه تخييل أنّ لحوق العذاب بهم، إنما كان لأجل كذبهم نظرا إلى ظاهر العبارة المقتصرة على ذكره واختار لفظ التخييل بناء على أنّ السامع يعلم أنّ ذلك اللحوق لجهات كثيرة، وأنّ الاقتصار على ذكره رمز إلى سماجته وتنفير عن ارتكابه كما سيأتي، ووجه إفادته لتسبب الفساد للعذاب أنه داخل في حيز صلة الموعول الواقع سبباً إذ المعنى في قولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} إنكار اذعائهم أنّ ما نسب لهم منه صلاح، وهو عناد واصرار على الفساد، والإصرار على ذلك فساد واثم، فلا وجه لما قيل عليه من أنّ العطف على يكذبون يقتضي أن يكون المعنى، ولهم عذاب أليم بقولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض فيفيد تسبب هذا القول للعذاب لا تسبب الفساد له، وكذا ما قيل من أنه لا دلالة له على تسبب الفساد بل على تسبب الكذب، وهو قوله إنما نحن مصلحون، وأمّ تخلل ألا انهم هم المفسدون بين إذا قيل وإذا قيل وهما من أجزاء الصلة، فيرد على هذا ما ورد أوّلاً، فليس بشيء لمن له نظر سديد، وسيأتي تتمته نعم قوله {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} كذب فيؤل المعنى إلى استحقاق العذاب بالكذب لا غير، وهذا مما يأبى الأوجهية لأنه تأكيد لا يليق عطفه، وعطف التفسير بالواو في الجمل خلاف الظاهر، وأمّا ما ذكر من ترجيح الثاني فيرد عليه أنه في المآل كذب كما أشرنا إليه، ولو سلم تغايرهما بالاعتبار وضم القيود، فهو جزء من الصلة أو الصفة وكلاهما يقتضي عدم الاستقلال، وإنما يكون مستقلا على ما اختاره المدقق في الكشف حيث قال لو قيل إنه معطوف على. قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ} لبيان حالهم في ادعاء الإيمان، وكذبهم فيه أوّلا ثم لبيان حالهم في انهماكهم في باطلهم ورؤية القبيح حسنا والفساد صلاحا ثانيا ويجعل المعتمد بالعطف مجموع الأحوال، وان لزم فيه عطف الفعلية على الاسمية كان أرجح بحسب السياق، ونمط تعديد القبائح وهذا قريب مما اختاره صاحب البحر، وقال الذي نختاره أنه من عطف الجمل وأنّ هذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب لأنها وما بعدها من تفاصيل الكذب، ونتائج التكذيب ألا ترى أنّ قولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} وأنؤمن إلخ وقولهم آمنا كذب محض، فناسب جعلها جملا مستقلة لإظهار كذبهم ونفاقهم وتكثير ذمهم والردّ عليهم، وهذا أولى من جعلها صلة وجزءا من الكلام، لأنها لا تكون مقصودة لذاتها

والمراد باستئنافها عطفها على الجملة المستأنفة، وقول الشارحين الفاضلين في ردّه إنه ليس مما يعتد به وان توهم كونه أوفى بتأدية هذه المعاني، وذلك لعدم دلالته على اندراج هذه الصفة، وما بعدها في قصة المنافقين وبيان أحوالهم إذ لا يحسن عود الضمائر التي فيها إليهم كما يشهد به سلامة الفطرة لمن له أدنى درية باساليب الكلام لا يظهر له وجه عندي، فإنّ عود الضمائر رابط للصفات بهم، وسوق الكلام مناد عليه، وقد يأتي في الصفة الواحدة جمل مستأنفة بغير عطف كما مرّ فإذا لم ينافه الاستئناف رأسا كيف ينافيه العطف على أوّله المستأنف، والعطف إنما يقتضي مغايرة الأحوال لا مغايرة القصص، وأصحابها ألا ترى أنه لو قال قائل لولا الحمقى لخربت البلدان، ولولاهم لم يحتج لحاكم ولا سلطان، فالجملة الثانية معطوفة على أوّل الكلام وهما صفة لشيء واحد بغير مرية، ومن الناس من سرد الوجوه هنا من غير تفطن لما بينهما من المنافاة، وفي شرح الكشاف للرازي الثاني أوجه، لأنّ قوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ} [البقرة، الآية: 91] وقوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ} [البقرة: 76] معطوفان على قوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ} فلو عطف على يكذبون كانا أيضاً معطوفين عليه فيدخلان في سبب العذاب، فتنتفي فائدة اختصاص الكذب بالذكر المبنيّ عليه ما مرّ، وقيل عليه إنّ الثلاثة حينئذ معطوفة على يكذبون عطفاً تفسيرياً لكذبهم لأنّ قولهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} و {أَنُؤْمِنُ} إلخ وآمنا كذب فلا يقابل الكذب حتى يبطل الاختصاص وفائدته. وأجيب عنه بأنّ جعل العطف تفسيريا يأباه تصريحه بأنّ المراد بكذبهم قولهم ولمنا بالثه واليوم الآخر} وقوله {أَنُؤْمِنُ} إنشاء لا يلحقه الكذب وفائدة الاختصاص تفهم من تقديمه، والتصريح بكونه سبباً أوّل وهلة، ثم إنه اختار مسلكا آخر، وهو أنّ الأوّل أوجه على قراءة يكذبون بالتشديد والثاني أنسب بالتخفيف لأنه يكون سبباً للجمع بين ذمهم بالكذب والتكذيب، وعلى الثاني يكون تأكيدا والتأسيس أولى، وفيه نظر فتدبر. قوله: (وما روي عن سلمان الخ) هذا أثر روي عن سلمان الفارسيّ الصحابي المشهور رضي الله عنه كما أخرجه ابن جرير عنه وكذا تأويله الذي ذكره المصنف عنه، وعبارته كما نقله عنه خاتمة الحفاظ السيوطي لعله قال ذلك بعد فناء الناس الذين كانوا بهذه الصفة على عهده صلّى الله عليه وسلم خبراً منه عمن هو جاء منهم بعدهم، وإن لم يجيء وقوله بعد مبنيّ على الضم، وهذا الاستعمال معروف يقال لم يكن كذا بعد أي إلى الآن لأنّ التقدير بعدما مضى من الزمان، وتفسيره بأنه بعد هؤلاء، أو بعد زمانه عليه الصلاة والسلام ليس بتام، والمراد بأهل الآية من ذكر فيها ووصف بها، فسموا أهلها توسعاً لظهور معناه. قوله: (فلعله أراد به إلخ) قد مرّ أنّ المصنف دأبه أن يعبر بلعل عما لم يجزم به لا لما هو من نتائج قريحته كما يريده غيره بهذه العبارة، وما ذكره من الأثر وتوجيهه حاصله أنّ الآية في المنافقين مطلقاً لا تختص بمنافقي عصره أو منافقي المدينة، وان نزلت فيهم لأنّ خصوص السبب لا ينافي عموم النظم كما هو مشهور، فالآية عامة تشملهم، وتشمل من ياني بعدهم عن جنسهم ولا يريد أنها مخصوصة بقوم آخرين مباينين لهؤلاء بالكلية حتى يقال إنه مناف لظاهر النظم وعود الضمير على ما بعد، ولذا قيل إنّ المرويّ يدل بظاهره على أنّ المراد بهذه الآية غير المراد بما قبلها فلا يكون عطفا على يقول أو يكذبون، ولا يمكن أن يراد به ظاهره، فلعله أراد به أنّ أهل هذه الآية ليسوا الذين كانوا موجودين عند نزولها فقط بل وسيكون من بعد من حاله حالهم، وإنما له يمكن إرادة ظاهره لأنّ الآية متصلة بما قبلها بالضمير الذي هو في لهم، وقالوا فيقتضي أن يراد بهذه الآية الناس المذكورون في الآية المتقدّمة، وإلا لم يحسن محود الضمير على من قبل كما يشهد به سلامة الفطرة، وأمّا ما قيل من أنّ توجيه المصنف رحمه الله لا يخفى بعده، والأوجه أنّ المراد أهل الاتعاظ بهذه الآية من مفسدي الأرض من المسلمين لأنه لم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلام من المؤمنين مفسدون، فغفلة عما أراده، وعدول إلى ما هو أبعد منه. قوله: (والفساد خروج الشيء عن الاعثدال إلخ) هذا معناه اللغوي المضاد للصلاح ويقرب منه البطلان، ولذا فسر به والط كان للفقهاء فرق بين الفاسد، والباطل على ما فصلوه يقال فسد فسادا وفسوداً، وأفسده غيره، وقوله في الأرض قيل: إنّ ذكره للدلالة على الاستغراق، وفيه إيماء إلى

تعظيم الشريعة، والرسول صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين بأنهم صلاج الدنيا كلها والإفساد الضارّ بهم ضمار بالدنيا كلها، فما الناس والدنيا سواهم، أو جعلى ما عدا أرض المدينة لتمحض الكفر فيها إذ ذاك ملحقاً بالعدم، وأرضها كأنها الدنيا. قوله: (وكلاهما يعمان كل ضار ونافع وكان من فسادهم إلخ) أي الفساد والصلاج يشمل كل منهما ما يضرّ وما ينفع، هذا بحسب الظاهر مخالف لما في الكشاف وفي العدول عنه إشارة إلى عدم ارتضائه له وعبارته هكذا، والفساد خروج الشيء عن حال استقامته، وكونه منتفعا به ونقيضه الصلاج، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة اهـ. وهكذا هو في التفسير الكبير، وقد يقال إنه لا منافاة بينهما لأنّ ما ذكره المصنف رحمه الله باعتبار الحقيقة، والمآل وهو الذي ارتضاه الراغب، وما ذكره الزمخشريّ باعتباره في أصله وما هو من شأنه، وما قيل: من أنّ الضارّ منتفع به لمن يقصد الإضرار تكلف لا حاجة إليه، ومقابلة الفساد بالصلاح هو المشهور كما قال تعالى {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} أسورة الأعرأف: 56] وقد يقال: في مقابلة السيء كما قال تعالى {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: 02 ا] وقد يجعل مقابل الصحة وهو مختص في الأكثر بالأفعال وقوله وكان من فسادهم إلخ من إمّا ابتدائية أي وكان ينشأ من فسادهم ما ذكر فهو توطئة لما بعده، وتحتمل التبعيضية، ولذا قيل إنه أشار بادراجها إلى أنّ الفساد لا ينحصر في هذه الأمور التي في الكش! اف بل منه ما ذكره غير. من تغيير الملة، وتحريف الكتاب، ودعوة الكفار في السرّ إلى تكذيب ال! صلمين، ومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين، فيكون كلام المصنف رحمه الله مخالفا لما في الكشاف، والذي في حواشي غيره أنهما متحدان، وفي الحواشي الشريفية تفسير فساد المنافقين بالفساد الناشىء من جهلهم لإفسادهم في أنفسهم، والأولى أن يقال إفسادهم لأنّ ممالأتهم لإفشاء الأسرار إفساد، ولما كان حقيقة الإفساد جعل الشيء فاسداً، ولم يكن صنيعهم كذلك جعلوه من قبيل مجاز الأوّل أي لا تفعلوا ما يؤذي إلى الفساد، وقد يقال: ما كانوا فيه عين الفساد في أنفسهم ومعنى {لاَ تُفْسِدُواْ} لا تأتوا بالفساد، ولا تفعلوه، فلا حاجة إلى المجاز، وليس بشيء إذ ليس إتيان الشيء بفساد نفسه حقيقة الإفساد، وفائدة في الأرض التنبيه على أنّ فسادهم يؤدّي إلى فساد عامّ من الحروب والفتن واختلال الدين والدنيا كما مرّ، ولم يحمل إفسادهم على تحريف الكتاب والأحكام، ودعوة الكفار سر التكذيب المؤمنين، كما حمله عليه غيره، لأنه لا ظهور حي! عذ لتلك الفائدة. (أقول) تبع في هذا من قبله من الشراح، وفي بعض الشروح أنه وهم، لأنّ ممايلتهم وممالأتهم لما كانا مفضيين إلى هيج الحروب والفتن فساد بالتفسير المذكور باعتبار ما يترتب عليهما، وكونه إفسادا للأمور والمصالح لا ينافي كونه فسادا بالتفسير المذكور، ولا وجه له إلا أنّ ما ذكروه غير متجه لأمور فيه أكسبته خللا منها أنّ قولهم إنّ الأولى أن يقال إفسادهم بدل فسادهم فيه فساد، لأنّ الفساد ورد بمعنى الإفساد فالأولى تفسيره به ألا ترى قوله تعالى في سورة المائدة {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 64] فإنه بمعنى الإفساد وبه فسر كما في أنبتكم من الأر ضنباتاً والذي دعاهم، لما ذكر ظنهم أنه مصدر فسد اللازم وليس بلازم، ومنها أنهم زيفوا ما في الكشف وتلقاه من بعدهم بالقبول، وليس بوارد أيضا لأنه يريد أنّ الداعي لتأويله، وجعله مجازا أنه لم يقع منهم الإفساد، وإنما صدر منهم الفساد، فلو نزل منزلة اللازم وأريد منه أنه يفعل الفساد ويتصف به بقطع النظر عن تعدي إفساده لغيره، كما في يعطي ويمنع تم المراد، ولم يقل إنّ فساد نفسه حقيقة الإفساد ولم ينظر لحقيقة ولا مجاز فيه، ومنها أنّ قولهم لا ظهور لتلك الفائدة غير مسفم أيضاً لأنّ التحريف المذكور، والدعوة للتكذيب يؤدّي إلى الفتن، والاختلال في الدين والدنيا بغير مرية فتدبر. قوله: (هيج الحروب والفتن) يقال: هاجت الحرب هيجا وهياجا وهيجاناً إذا ثارت، ووقع القتال وغيره مما يفعل بالعدوّ، ويقال هاجها أيضاً، فهو متعد ولازم كما ذكره اللغويون من غير تفرقة بينهما غير أنّ اللازم كثر استعمالاً، وفي حواشي الكشاف لابن الصائغ نقلا عن أفعال ابن طريف أنّ مصدر اللازم الهياج ومصدو المتعدي الهيج قال: فهيج الحروب مصدر مضاف للمفعول، ولو قال هياج كان مضافا للفاعل

اهـ والممالأه بميمين ولام ثم همزة كالمعاونة لفظاً ومعنى. ، ومنه قول عليّ رضي الله عنه ما مالأت على قتل عثمان أي ما ساعدتهم، ولا وافقتهم كما زعمه بعضهم، وأصل معناه ما كنت من الملأ الذين فعلوا ذلك، ثم تجوّز به عما ذكر، وفي الأساس مالأه عاونه، وأصله المعاونة في الملء، ثم عمّ كالاجلاب. وقال قدّس سرّه تبعاً لغيره: المراد بقوله هيج الحروب هو اللازم، لأنّ المتعدي إفساد لا فساد، وقد عرفت ما فيه وأنه يجوز فيه التعدي بالنظر إلى الماس كما يجوز اللزوم نظرا لأصله، والعجب ممن ارتضى تبعاً له لزوم اللزوم، ثم قال والقول بأنّ الأنسب من إفسادهم لأنّ الهيج ههنا متعد بقرينة قوله بمخادعة المسلمين، وممالأة الكفار أي معاونتهم على المسلمين إفساد وفساد كما لا يخفى على أهل السداد، وغفلة عن قوله: فإنّ ذلك إلخ. ولا يخفى ما فيه من الخللى الغني عن البيان. قوله: (فإن ذلك يؤدّي إلى فساد ما في الأرض إلخ) في قوله يؤدّي إشارة إلى ما فيه من مجاز الأوّل كما مز تقريره، وقيل المراد من الفساد في الأرض هيج الحروب، والفتن بطريق الكناية الرمزية، لأنّ هيجها يستلزم خروج الأرض عن اعتدالها واستقامتها، فذكر اللازم وهو الخروح عن ذلك وأريد الملزوم وهو الهيج، ثم أنهم ما كانوا يهيجونها بل يفعلون ما يؤدّي إلى ذلك، فهو مجاز مرتب على الكناية وقيل إنه مجاز عما يلزمه من ذلك وهو غير بعيد. وقوله: (من الناس والدواب والحرث) إشارة إلى قوله تعالى {سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205] والحرث إلقاء البذر في الأرض وتهيئتها للزرع ويسمى المحروث حرثاً أيضاً تصورّ منه العمارة التي تحمل عنه في كون الدنيا محرثا ونحوه، وقيل: إطلاق اسم الفساد على هيجان الحروب من إطلاق اسم المسبب على السبب مجازاً، ومعنى لا تفسدوا لا تهيجوا الفتن المؤدّية إلى فساد ما في الأرض، ولا يخفى ما فيه من التخليط والتخبيط. قوله: (ومنه إظهار المعاصي إلخ) أي من الفساد في الأرض ما ذكر، وهذه معطوفة على ما قبلها، أو على قوله من فسادهم في الأرض، وضمن الإهانة معنى الاستخفاف أو حملها عليه، فلذا عداه بالباء، وهو متعد بنفسه وبينه بقوله فإنّ إلخ. وقيل: إنه ردّ لما يقال من أنّ الزمخشريّ خص هذا الفساد لأنّ فيه زيادة بيان لفائدة قوله في الأرض لأنّ غير ما ذكره أيضاً يعود إلى فساد الأرض، والهرج والمرج بمعنى القلق والاضطراب قيل: وإنما يسكن المرج مع الهرج للإزدواح، فإذا لم يقارنه فتحت راؤه وفي بعض كتب اللغة ما يخالفه فالهرج بالسكون وقوع الناس في فتنة واختلاط والمرح قريب منه ويكون موضح الخضرة، ولذا تظرّف بعض المحدثين فقال: حمى مرج العذاربمقلتيه فبات الناس في هرج ومرج وإنما قال: ومنه إلخ لأنه نقل عن ابن عباس رضي الله ش! ما تفسيره به أشار إلى أنه لم يقصد به الحصر ونظام العالم ما ينتظم ويتمّ به، وهو بالشرائع فلو عطلت والعياذ بالله كان تعطيلها يجرّيء الناس على ما يفني الحرث والنسل، ويخرب العالم. قوله: (والقائل هو الله إلخ) هذا من كلام الإمام في التفسير الكبير قال: وكل ذلك محتمل، ولا يجوز أن يكون القائل لذلك من لا يختمى بالدين والنصيحة، وان كان الأقرب هو أنّ القائل من يشافههم بذلك، فإمّا أن يكون الرسول صلّى الله عليه وسلم بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم، فأجابوه بما يحقق إيمانهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين، وامّا أن يقال إنّ بعض من كانوا يلقون إليه الفساد لا يقبله فهم فينقلب، واعظاً لهم قائلاَ لا تفسدوا أو يخبرون الرسول صلى الله عليه وسلّم بذلك فتدبر. قوله: (جواب لاذا إلخ) عبر بالناصح دون الناهي إشارة إلى أنّ هذا من القائل شفقة عليهم، ومعاملة بلطف من غير مبارزة وعنف منه، ووحه المبالغة ذكر الاسمية المؤكدة المحصورة والتمحض الخلوص من قولهم لبن منحض أي لم يخالطه ماء، والشوائب جمع شائبة، وهو ما يخالط الشيء، فيمنعه من الخلوص والعرب تسمي العسل شوبا لأنه عندهم مزاج الأشربة، وفي المصباح وقولهم ليس فيه شائبة ملك يجوز أن يكون مأخوذاً من هذا ومعناه ليس فيه شيء مختلط به، وان قل كما قيل: ليس فيه علقة ولا شبهة وأن تكون فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية هكذا استعمله الفقهاء ولم أجد فيه نصا. نعم قال الجوهريّ

الشائبة واحدة الشوائب وهي الأدناس والأقذار، وفيه إشارة إلى أنّ القصر فيه إفراديّ، فإنهم لما نهوا عن الفساد، والإفساد توهموا بأنهم حكموا عليهم بأنهم خلطوا عملا صالحاً وآخر سيثا، فاجابوهم بأنهم مقصورون على محض الإصلاح الذي لم يشبه شيء من وجوه الفساد، واختاروا إنما إيماء إلى أنّ ذلك مكشوف لا سترة عليه، ولا ينبغي أن يشك فيه، واحتمال القلب الذي ذهب إليه بعض شراح الكشاف لأن المسلمين لما وصفوهم بالإفساد فقط دون الإصلاح خصوا أنفسهم بعكسه، وان صح خلاف الظاهر من كلام الشيخين. وفي قوله ما دخله أي دخل عليه حذف، وايصال والمراد بما بعده الجزء الأخير، ولم يصرّح به استغناء بشهرته عن ذكره. قوله: (وإنما قالوا ذلك إلخ) قصر قولهم على ما ذكر ولم ينظر إلى غيره من الاحتمالات ككوز " كذبا محضا من غير تأويل لخوفهم من المؤمنين، لأنّ العاقل " إذا كان له مخلص من الكذب بزعمه يقصده لدفع ضرر الخصم، بما يفيده ظاهر الكلام إذ الكذب يقبح عند المؤمن والكافر فلا يرتكب بغير ضرورة ولا يرتضي تعمده بغير تأويل خصوصاً إذا كان بحيث يسبق إليه بغير تصنع وذلك لما أفاده بقوله لما في قلوبهم إلخ أو كونه مخادعة، كما قيل لأنه لا يناسب قوله {وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} وهذا اً حد احتمالات ذكرها الإمام، واختار. المصنف رحمه الله لأنه أظهرها وأتمها، وزاد الإمام أنه إن فسر لا تفسدوا بمداراة الكفار كان معنى قوله مصلحون إنّ هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار كقوله {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 62] وأيده بعضهم بأنه الوارد عن ابن عباس رضي الله عنهما فقد أخرج عنه ابن جرير أنه قال في تفسيره إنما يريد الإصلاج بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب والمصنف رحمه الله لم يلتفت إليه مع اعتنائه باً لتفسير المأثور لأنه غير مناسب للواقع، والسياق والسباق مع إرجاعه إلى صورة الصلاح التي ذكرها. قوله: (رذ لما اذعوه أبلغ رذ إلخ الما بولغ في كونهم مصلحين بولغ في رذه، وتقرير ضدّه من جهات، كالاستئناف البياني، فإنه يقصد به زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع لوروده عليه بعد السؤال والطلب، وما فيه من كلمتي ألا وأنّ من تأكيد الحكم وتحقيفه، وفي قوله {لاَ يَشْعُرُونَ} من الدلالة على أنّ كونهم مفسدين قد ظهر ظهور المحسوس بالمشاعر، وان لم يدركوه ووجه إفادة ألا وأما أختها ذلك بناء على تركبها من همزة الإستفهام الإنكاري الذي هو نفي معنى، ولا النافية فهي نفي نفي يفيد الإثبات بطريق برهاني أبلغ من غيره، وارتضى كثير من النحاة أنها بسيطة غير مركبة، وارتضاه أبو حيان رحمه الله وأبطل مقابله بدخولها على أنّ المشددة، ولا النافية لا تدخل عليها، فبين تركبها وتلقيها بما يتلقى به القسم منافاة ظاهرة، وردّ بأنها بعد التركيب انتسخ حكمها الأصلي، واستدلوا على إفادتها التحقيق بتلقيها بما يتلقى به القسم أي وقوع فا! يضدر به جواب القسم بعدما- كأنّ واللام وحرفي النفي، وردّه أبو حيان رحمه الله بأنها قد دخلت على رب وحبذا ويا الندائية كقوله: ألا رب يوم صالح لك منهما وقوله: ألا حبذا هند وأرض بها هند وقوله: ألا يا قيس والضحاك سيرا فقوله لا تكاد إلخ غير صحيح وهو وارد عليه وعلى من تلقاه بالقبول، كصاحب المغني والمصنف وادّعاء العلة فيه لا يصلح بسلامة الأمير وقوله ألا المنبهة بدل من حرفي التأكيد، أو بتقديرهما أو أعني. وقوله: (وإن إلخ) عطف عليه، وتعريف الخبر عطف على قوله للإستئناف. قوله: (وأختها أما إلخ) أي أما المفتوحة الهمزة المخففة الميم حرف استفتاح مثلها في إفادة التحقيق لا في جمبع ما ذكره، كما أشار إليه بقوله التي هي من طلائع القسم، لأنّ معناه تدخل على القسم كثيراً، وهذا مما فارقت به ألا أما قال في التسهيل وشرحه كثر ألا قبل النداء كقوله ألا يا اسجدوا، وأما قبل القسم، كقول إبن صخر الهذلي: أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر قال العلامة التفتازانيّ جوابه: لقد تركتني أحسد الوحش إن أرى أليفين منها لا يروعهما الذعر وفي بعض تصانيف ابن هشام ما يخالفه، فإنه أنشد الشعر هكذا:

أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها بتاتا لأخرى الدهر ما طلع الفجر 515 وما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر والدّي ذكره السعد هو المرويّ في الفضليات وشعر هذيل، ولولا خوف الإطالة أوردت القصيدة بتمامها والطلائع جمع طليعة، وأصلها مقدمة الجيش التي تطلع قبله، وهو استعارة أو مجاز مرسل لمطلق المقدم أريد به هنا أنها تقع قبل القسم، كما في البيت المذكور ونظائره. قوله: (وتعريف الخبر إلخ) هو وما عطف عليه مجرور لما مرّ. ووجه المبالغة على ما قالوه إنّ الأوّل يفيد حصر المسند إليه في المسند، والثاني يفيد تأكيد هذا الحصر، وهذا وإن كان مناسباً لردّ دعواهم الكاذبة، فإنهم لما قصروا أنفسهم على الإصلاح قصر إفراد ناسب في ردّهم أن يقصروا على الإفساد قصر قلب فهم مقصورون على الإفساد لا حظ لهم في الإصلاح، وأورد عليه أنّ تعريف الخبر بلام الجنس يفيد حصر المسند إليه في المسند، كما في المفتاح والمشهور أنّ ضمير الفصل يفيده أيضا أو يؤكده. وأجيب بأنّ تعريف المسند يفيد حصر المسند إليه فيه كما ذكره الزمخشرفي في الفائق في قوله " إنّ الله هو الدهر " وان ردّ بأنه إنما ورد للنهي عن سبّ الدهر (1) وهو يقتضي أن يقال إن الدهر الذي يظن أنه جالب الحوادث لا يجاوز الله لا أنّ الله لا يب، وزه كما لا يخفى، وقيل: إنّ الوجه أن يقال إنّ المبالغة في تعريف المفسدين على قياس ما مرّ في المفلحين من أنه إن حصلت صفة المفسدين وتحققوا ما هم، وتصوّروا بصورهم، فالمنافقون هم هم لا يعدون تلك الحقيقة، فالفصل مؤكد لنسبة الاتحاد الذي هو أقوى من القصر في إفادة المقصود، ولما مرّ من الإشكال عدل المصنف رحمه الله عما في الكشاف من قوله ردّ الله ما ادّعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم وجعله ردّاً لما في قولهم من التعريض للمؤمنين كأنهم قالوا أنتم المفسدون وقصروا الإفساد على المؤمنين فأجيبوا بقصره عليهم، وهذا مستفاد من مساق الكلام في مقام الجدال ومن فحواه فلا يتوهم أنّ التعريض إنما يستفاد منه لو قيل إنما المصلحون نحن. قوله: (والاستدراك بلا يشعرون) فإن قلت لم ذكر ما يشعرون بعد يخادعون بدون استدراك وههنا به. قلت المخادعة تقتضي في الجملة الإخفاء وعدم الشعور بخلاف ما هنا فانهم لما نهوا عما تعاطوه من الفساد فأجابوا بادّعاء أنهم على خلافه وأخبر تعالى بفسادهم كانوا حقيقين بالعلم به مع أنهبم ليسوا كذلك فكان محلا للاستدراك لأنه يقع بين الأمور المتخالفة، وما يقال لما يذمّ من أفسد عن علم والجواب لا يشعرون} أنّ أمرهم يظهر للنبيّ لهم مفسدون فقوله {؟ ألا إنهم هم الفساد صلاحا أو المراد أنهم لا كما ذكره السمرقنديّ في تفسيره. ل! مكن منه مذموم أيضاً، بل قد يقال 5 الآية حجة على المعتزلة في أنّ للزم بدون المعرفة، فإنّ الله أخبر أنّ حصقة العلم شرطا للتكليف، ولا علم عنه، فإذا لم يكن النهي قائما عليهم ليام آلة العلم، والتمكن من المعرفة عة على مسئلة مقارنة القدرة للفعل ممام النصح والإرشاد إلخ) فيه إشارة لطهر منه أنّ القائل المؤمنون لا الله شارة إلى التخلية بالخاء المعجمة على أنّ الأعمال داخلة في كمال###

### لنه على التكذيب المنافي للإيمان، لعص المنافقين لبعض لأنه المناسب لقائل المؤمنين والمجيب المنافقين موا لا يتصوّر بدون الملاقاة، وقوله فما وجه التوفيق حينئذ، وهذا هو سسشكله وأجاب عنه كثير من الفضلاء لهم {أَنُؤْمِنُ} إلخ مقول فيما بينهم سن،! انما يتعذر هذا لو قيل: وإذا أنؤمن} إلخ كما أشار إليه الفاضل م لو قيد قول المنافقين بكونه في لحصيص الجواب بوقت الشرط لكونه هذأ الوقت، والإشكال متوجه على لى السفه لأنه صريح ني مجاهرة لكفر منافية لما بعده من قوله تعالى {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ} إلخ. وردّ بأنه لا إشكال فيه لأنه لم يصرّح بأنّ المنافقين جاهروا المؤمنين بل في عبارته ما يوهمه، وهو قوله من جوابهم بناء على أنّ الجواب ما يقال مواجهة، وكونه كذلك موقوف على السماع من أهل اللغة وهو لم يوجد، ويدل على خلافه ما استفاض من إطلاق االخلف لفظ الجواب على ردّ كلام السلف مع بعد العهد من غير نكير، وقيل إذا هنا بمعنى لو تحقيقا لنفاقهم وأنهم على حال تقتضي أنهم لو قيل لهم كذا قالوا كذا كما قيل مثله في قوله: واذ! ما لمته لمته وحدي واستشهد له بقول الزمخشريّ: إنّ مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير، لأنّ تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه من المؤمنين من التكذيب لهم، والاستهزاء بهم، ولقائهم بوجوه المصادقين وايهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم شاهد صدق عليه، فهو ضرب من التقدير والتمثيل، وقيل: يجوز أن يقول المنافقون ذلك إذا انفردوا عن المؤمنين خالين من مشهدهم، فلا يكون مجاهرة لتمكنهم من الإنكار، كما سيأتي في سورة المنافقين في قصة زيد بن أرقم رضي إلله عنه، وقيل: إنه كان بحضرة المسلمين لكن مسارّة بينهم هذا ما ذكروه من القيل والقال، وحلوا به شكال الإشكال ليفرّوا من غائلة الاختلالء (والذي عندي) أنه لا يرد رأسا فإنّ المؤمنين أمروهم بالإيمان المطابق لإيمان خلص الناس والأمر كالنفي ينصب على القيد، فكأنهم قالوا لهم أخلصوا الإيمان، وفيه اعتراف بأصل إيمانهم وهو مطابق لقوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا} [البقرة: 8] فأجابوهم وجاط وثسفاها بقولهم {أَنُؤْمِنُ} إلخ أي نحن مؤمنون متصفون بصفات، وسمات للإيمان لا يخالفها إلا من كان سفيهاً وهذه موأجهة بالإيمان لا بالكفر كما ادّعاه السائل وان كان هذا سماً في شهد، لأنهم قصدوا به عدم إيمانهم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلّم، وتسفيه من اتبعه لكنه خلاف ظاهر الكلام، والشرع إنما ينظر للظاهر، وعند الله علم السرائر، ولهذا قال العلامة سفهوهم، ولا يلزم من هذا عدم مطابقة جوابهم نصح الناصح، لأنه كناية عن كمال إيمانهم وان كان في قلب تلك الكناية نكاية وبعدما كتبت هذا رأيت لبعض فضلاء العصر ما يقاربه، فقلت مرحبا بالوفاق وترك المصنف لما في الكشف وشروحه هنا من توجيه إسناد قيل: إلى جملة آمنوا بأنه أريد به لفظه فهو اسم وهو مفعول به ساد مسد الفاعل، وهو مقول القول، فلا حاجة إلى ادعاء أنه مسند لضمير المصدر والجملة بدل منه، ولا إلى الجار والمجرور لظهوره. قوله: (فإنّ كمال الإيمان إلض) المواد بكماله ما به يتمّ ويتحقق وهو بحسب الاستعمال يتناول الاجزاء وغيرها ك! اقيا! : وما تنفع الآداب والعلم والحجى وصاحبها عند الكمال يموت

فلا يشعر كلامه بدخول الأعمال في الإيمان كما قيل. وقوله: (وهو المقصود) قيل: إنه جعل ولمنوا} كناية عن طلب الإتيان بما ينبغي، ويمكن أن يراد بالنهي عن الإفساد النهي عن الشرك، ويكون الأمر بالإيمان بعد النهي عن الشرك على طبق كلمة التوحيد والأظهر حمل النهي عن الإفساد علي! النهي عن الئفاق، والأمر بالإيمان على إخلاصه ظاهرا وباطنا ولا حاجة لمثله. قوله: (في حيز النصب إلخ) كما بعد الجمل في الأكثر إمّا نعت لمححدر، وائا حال كما صرح به النحاة والثاني مذهب سيبويه لأنّ الصفة لا تقوم مقام موصوفها إلا في مواضع مخصوصة، فهي عنده حال من المصدر ال! مضمر المفهوم من الفعل ولم تجعل متعلقة بآمنوا على أنّ الظرف لغو بناء على أنّ الكاف لا تكون كذلك، وإذا كانت ما كافة للكاف عن العمل مصححة لدخولها على الجمل، فالتقدير حققوا إيمانكم كما تحقق إيمانهم وان كانت مصدرية، فالمعنى آمنوا إيماناً مثابها لإيمانهم، ولم تجعل موصولة لما فيه من التكلف، وتقديم المصنف للمصدرية، لأنها أرجح لإبقاء الكاف على ما لها من العمل الأصلي، وقيل: الثاني أرجح والأمر فيه سهل. قوله: (واللام في الناس للجنس إلخ) قدم هذا على عكس ما فيءالكشاف إمّا لأنه الأصل المتبادر، أو لأنه أحسن هنا عند. كما قاله الراغب وتبعه المصنف وحمه الله، وما ذكر. برمّته مأخوذ من تفسيره بنوع من الاختصار. وقوله: (والمراد به إلخ) في الكشاف أو للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداه! كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل اهـ. ولما كان المعرّف الجنسي قد يقصد به بعض الأفراد من غير اعتبار وصف فيه، كما في أمرّ على اللئيم، وقد يقصد البعض باعتبار وصف الكمال كما في ذلك الكتاب وقد يقصد الجنس بأسره، كما في قوله تعالى {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} أسورة العصر: 2] والأوّل لقلة جدواه يصار إليه إذا تعذر الأخيران س فسر الناس بالكاملين في الإنسانية، أو بمن هم الناس في الحقيقة حتى كأنّ من عداهم في عداد البهائم وهذا إنما هو على تتمدير كونه مقول المؤمنين لا المنافقين بعضهم لبعض، كذا أفاده الشارح المحقق والظاهر منه أنّ المراد من الجنس الجنس من حيث هو، ومن قوله: أو جعل المؤمنون إلخ! الاستغراق كما يتبادر من الكشاف، لأنّ المعرّف بلام الجنس من حيث هو يفيد الحصر، كما في شرح التلخيص فيناسب أن يعبر عن الكاملين بلفظ الجنس، لادّعاء انحصاره فيهم، والشريف هنا اختار أنّ المفيد لذلك لام الاستغراق لا غير فلذا حمل الوجهين هنا على الاستغراق وجعل الأوّل ناظرا إلى كمال المقصور عليه والثاني إلى قصور من عداه، وقد قيل إنه لا يحسن حمل الناس على الجنس، وإخراج المنافقين عنه على تقدير أن يعطف قوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ} على صلة من يقول اهـ. (قلت) ما بين الفاضلين من الخلاف منشؤه ما فصل في المعاتي في بحث التعريف، وليس هذا محله، فالعارف تكفيه الإشارة، كما أنّ الغبيّ لا تشفيه العبارة، والحاصل أنّ الحصر إمّا لأنهم الكاملون المستجمعون لمعانيه، فكأنهم جميع أفراده أو بملاحظة أنّ غيرهم كالبهائم لفقد التمييز بين الحق والباطل، فلا يندرجون في الناس والأوّل يشبه القصر الحقيقي والثاني الإفرادي، والمصنف رحمه الله صرّح بالأوّل لدلالته على كمالهم المقصود، واشارة إلى أنه مستلزم للثاني بقوله: ولذلك يسلب عن غيره إلخ، ومن غفل عن هذا قال إنّ عبارة المصنف ناظرة إلى الأوّل فقط فما قيل من أنّ الئاني أبلغ في هذا المقام، وأنه على الأوّل تخصيص وعلى الثاني استعارة لقول العلامة: كانهم الناس على الحقيقة ليس بشيء. قوله: (بقضية العقل) أي بحكم العقل أو بمقتضاه، وهما متقاربان. وقوله: (فإنّ اسم الجنس إلخ) المراد باسم الجنس الاسم الجامد الموضوع لمعنى عام سواء كان معرفة أو نكرة، وإذا عرف دلّ التعريف على تعيين معناه قال الراغب: كل اسم نوع يستعمل على وجهين. أحدهما دلالتة على مسماه فصلا بينه وبين غيره. والثاني لوجود المعنى المختص به، وذلك هو الذي يمدح به لأنّ كل ما أوجده الله في العالم جعله سالحاً لفعل خاص به لا يصلح له سواه كالفرس للعدو، والبعير لقطع الفلاة البعيدة، وعلى ذلك الجوارح كاليد والعين والناس أوجدوا ليعلموا فيعملوا، فكل ما لم يوجد فيه المعنى الذي خلق لأجله لم يستحق اسمه مطلقاً بل ينفي عنه، فيقال زيد ليس لإنسان اهـ. وهذا ما أشار إليه المصنف

رحمه الله. قوله: (ولذلك يسلب عن غيره) أي لأجل استعماله فيما استجمع المعاني المقصودة منه سلب عمن لم يستجمعها فيقال: ليس بإنسان. ولولا هذا لكان كذباً مع أنه صدق مستحسن كما قال: يا قارع الباب على عبد الصمد لاتقرع البا ب فماثمّ أحد وقد مرّ لك أنّ هذا مستلزم لجعل الناقص بمنزلة العدم، فليس مغايراً له كما قيل فتدبر واستجمع بمعنى جمع، فهو متعد كما يشعر به كلام الصحاح، وفي المصباح أنه لازم كتجمع فعليه يكون تضميناً أو مجازا. قوله: (وفد جمعهما الشاعر) أي جمع استعمال اللفظ في مسماه مطلقا واستعماله فيما يستجمع المعاني المقصودة مته، فإنّ المراد من الناس الأوّل الجنس ومن الثاني الكاملون في الإنسانية، وقس عليه الزمان والديار فيما سيأتي، وقد عرفت أنّ منشأ هذا اسم الجنس نفسه بقطع النظر عن تعريفه، وتعريفه إنما يفيد تعيينه كما صرّح به المصنف رحمه الله والراغب آنفاً، فمن قال ومن هما يعلم أنّ دعوى الكمال يجوز اعتبارها في النكرة أيضاً فقد أجمل إذا أهمل، ثم إنّ أخذه من نفس اللفظ معرفة كان أو نكرة لا ينافي إفادة التعريف له عند من له أدنى بصيرة نقادة. وقوله: (ومن هذا الباب) أي نفي اسم الجنس عمن لم توجد فيه خواصه المقصودة منه، فإنه في الآية الآتية جعل المسامع صماحين لم تسمع الحق والعيون عميا إذ لم تر الصواب لانتفاء فوائدها وثمراتها المقصودة منها وهو ظاهر، وقيل: إنّ التمثيل به مبنيّ على أنه الاستعارة لا على التشبيه، فإنّ الصم وما معه عليه حقيقة، والشعر المذكور مشهور في كتب الأدب، الآ أنه وقع على وجوه: ففي بعضها: إذ الناس ناس والبلاد بلاد وفي آخر: إذ الناس ناس والزمان زمان وفي آخر: إذ الناس ناس والديار ديار وأنشده في الحماسة البصرية هكذا: ألا هل إلى أحبال سلمى بذي اللوى لوى الرمل من قبل الممات معاد بلادبها كنا وكنا نحبها إذ الناس ناس والبلاد بلاد ولم يسم قائله، وفي الأغاني أنه لرجل من عاد وله حكاية ذكرها هكذا في بعض الحواشي، وفيه ما فيه وقيل: صدر المصرع المذكور: لقد كنت ذا حظ من الجود والعلى وقيل: ديار بها كنا وكنا نحبها قوله (أو للعهد والمراد به الرسول صنى الله عليه وسغ إلخ) قدم هذا صاحب الكشاف، وذهب صاحب البحر إلى أنه أولى، وأيده بعضهم بأنه الماثور، لأنه مرويّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما أخرجه ابن جرير، والمعهود أمّا النبيّ عليه الصلاة والسلام، ومن معه ممن اتبعه من المؤمنين، لأنهم نصب عينهم دائما وقد مرّ ذكرهم أيضا بقوله الذين يؤمنون لأنهم داخلون فيه دخولا أوليا وان عمّ فالعهد خارجيّ أو خارجيّ ذكريّ، لأنّ بينهما عموماً وخصوصاً فقولك: أكرم هذا الرجل فيه تعريف خارجي، ولم يجر له ذكر كما لا يخفى، وتشبيه الإيمان المطلوب منهم ب! يمان هؤلاء لا يقتضي مساواته له من جميع الوجوه، كما أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله والمعنى إلخ. فلا وجه لما قيل: من أنّ الظاهر أنّ المراد على تقدير العهد مطلق المؤمنين فقط إذ المطلوب مجرد إيمانهم لا الإيمان المشابه لإيمان النبيّ وأصحابه في الكمال ولا المشابه لإيمان النبيّ وأصحابه في الكمال ولا المشابه لإيمان من آمن منهم كعبد الله بن سلام وفي بعض شروح الكشاف وتبعه بعض أرباب الحواشي هنا العهد الخارجي باعتبار كونهم كالمذكورين سابقا بوجه خطابي وهو أنّ الرسول! ك! نرو ومن محه- من المؤمنين كانوا نصب أعينهم وملتفت خواطرهم لأنهم كانوا متألمين منهم لإظهار المعجزات، وتلاوة القرآن عليهم أو عبد الله بن سلام وأشياعه، فانهم أيضاً محل التفات خواطرهم لأنهم من جلدتهم، ولا يغيبون عن خواطرهم لشدة! غيظهم بسبب إيمانهم وشدة تألمهم بسببهم والتقدير، كما آمن أصحابكم واخوانكم، ولا يخفى ما فيه. قوله: (أو من آمن من أهل جلدتهم إلخ) الجلدة والجلد بكسر الجيم، وسكون اللام التي تليها دال مهملة هو من الحيوان ظاهر بشرته، وقال الأزهريّ: الجلد غشاء جسد الحيوان والجمع جلود وقد يجمع على أجلاد كحمول، وأحمال، وجلدة الرجل، وأهل جلدته أبناء جنسه، أو قومه وعشيرته وبهما فسره! أهل اللغة، وورد استعماله والمناسب هنا الثاني وقد ورد في الحديث " قوم من جلدتنا " (1 (أي من أنفسنا وعشيرتنا

كما في نهاية ابن الأثير، وفي كتب العربية في باب أفعل التفضيل استشهدوا على صحة يوسف أحسن إخوته بما سمع من العرب من قولهم نصيب أشعر أهل جلدته، فقد عرفت أن استعماله مع لفظ أهل كما في المثال وبدونها كما في الحديث " صحيح فصيح) (2 (فمن! قال: لفظ الأهل زائد والظاهر حذفه كما في الكشاف من جلدتهم، ومن أبناء جنسهم لم يطلع على موارد استعماله؟ لقصوره، أو إهماله ومعناه ما تقدّم، وفي بعض شروح الكشاف عطف أبناء جنسهم تفسيريّ قال الجوهريّ رحمه الله: أجلاد! الرجل جسمه، وبدنه.، ؤوملاحظة المعنى الأصليّ تدعي أن يكون كناية عن المبالغة في القرب، كقولهم هو بضعة مني والظاهر أنه شبه الجنس أو العشيرة بالجلد، وظاهر البدن لجعل القوم كجسد واحد، فأهل جلدته كلجين الماء، ثم قد يجعل مجازاً، ووجه الشبه إلاتصاءل، فإذا أريد زيادته أتى بما يدل عليه كقوله: وجلدة بين العين والأنف سالم والمراد بأهل جلدتهم إليهود، لأنّ منافقي المدينة منهم. قوله: لأجمابق سلام) هو عبد الفه بن سلام بن الحرث أبو يوسف من ذرية يوسف المنبيّ عليه الصلاة والسلام حليف القوافل من الخزرح الإسرائيلي، ثم الأنصاري كان حليفا لهم وكان من بني قينقاع من اليهود، واسمه الحصين فغير النبيّ صلى الله عليه وسلم اسمه وسماه عبد الذ لما أسلم أوّل ما قدم المدينة، وقيل تأخر إسلامه إلى سنة ثمان وشهد له رسول إدلّه صلّى الله عليه وسلم بالجنة، وهو من كابر الصحابة روى عنه أبو هريرة رضي الله عنه وغيره، وله مناقب وأموره مع اليهود مشهورة في كتب الحديث، وتوفي بالمدينة في سنة ثلاث وأربعين من الهجرة وسلام بفتحتين مخفف اللام وغيره من الأعلام مشدد اللام، والمراد بأصحابه من آمن من بني إسرائيل. وقوله: (والمعنى إلخ) هو على الوجهين، لأنه شبه الإيمان المأمور به بإيمان خلص المؤمنين، أو بعض من الخلص المعهودين وايمانهم كذلك. قوله: (واستدل به إلخ) قال الجصاص في أحكام القرآن: احتج به في استتابة الزنديق الذي اطلع منه على الكفر متى أظهر الإيمان لأنه تعالى أخبر عنهم بذلك، ولم يأمر بقتلهم، وهي نزلت بعد فرض القتال اهـ. والزنديق بوزن إكليل معرب ومعناه الملحد، وفسره في المقاصد بالمنافق، وهما متقاربان وبهذا المعنى استعملته العرب كما قال: ظللت حيران أمشي في أزقتها كأنني مصحف في بيت زنديق وهو معرب زنده أي يقول ببقاء الدهر أو زندا، وهو كتاب مزدك المجوسي، أو زن دين أو زندي وجمعه زنادقة، وفسره الفقهاء بمن يبطن الكفر ويظهر الإسلام كالمنافق، وقد فرق بينه وبين الملحد والمرتد في الفروع وما قيل من أنه لا دلالة فيه على قبول توبة الزنديق، لأنّ النفاق غير الزندقة كيف لا، والزنديق يقتل دون المنافق، ولم يقل أحد أن في عدم قتل الرسول صلّى الله عليه وسلم المنافق دلالة على عدم قتل الزنديق واه جذأ لأن الزنديق إن فسر بالمنافق فظاهر، وألا فهو مثله، وقد طلبت منه التوبة والإيمان، ولو لم يكن ذلك مقبولا لم يطلب منه إلا أنه قيل: على هذا إنه إنما يتمّ لو كان طلب الإيمان لدفع القتل، وليس كذلك لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بإجراء أحكام الإسلام عليهم مع علمه عليه الصلاة والسلام بنفاقهم، فلم يطلب الإيمان منهم إلا لنجاتهم عند الله والزنديق ليس كذلك، وفيه نظر لا يخفى، وحكم الزنديق على المختار المفتي به بعد الاختلاف في قبول توبته بعد الأخذ عند الشافعية والحنفية أنه إن كان معروفا بذلك داعيا إليه، فإن تاب قبل الأخذ قبلت توبته وبعدها لا، ويقتل كالساحر وان لم يكن داعياً للضلال فهو كالمرتد كما قاله أبو الليث وعليه الفتوى، وله تفصيل في الفروع. قوله: (وإن الإقرار باللسان إيمان إلخ) يعني أنّ الإيمان يكون إيمانا صحيحا بمجرّد التلفظ سواء واطأ القلب أم لا إذ لو لم يكن كذلك لم يكن للتقييد في الآية. بقوله {كَمَا آمَنَ النَّاسُ} فائدة لكفاية آمنوا فيه، لأنه موضوع للتصديق القلبي المقارن للإقرار اللساني للقادر كما مرّ، واحتمال كون ذكره للترغيب، أو للتأكيد لاقتضاء المقام له كما قيل خلاف الظاهر وهذا مأخوذ من التفسير الكبير، وأجاب عنه بأنّ الإيمان الحقيقي عند الله هو الذي يقترن به الإخلاص أمّا في الظاهر، فلا سبيل إليه إلا بالإقرار الظاهر، فلا جرم افتقر إلى تأكيده بقوله {كَمَا آمَنَ النَّاسُ} والمصنف

رحمه الله لم يذكر الجواب، لأنه أراد أنّ المعتبر في ضسمى الإيمان لغة وبحسب ظاهر الشرع هذا، وأمّا مطابقة ما في القلب فمعتبر في الإيمان المنجي من الخلود في النار عند الله، فما ذكره مذهب الفقهاء وغيرهم فما قيل من أنّ المستدل به على هذا الكرامية، وقد مرّ أنّ الخلاف معهم، فيمن تفوّه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه، وأمّا من ادعى الإيمان، وخالف قلبه لسانه كالمنافقين فكافر بالاتفاق، وهو يصير عدم تعرّض المصنف للجواب بمعزل عن الصواب. قوله: (الهمزة فيه للأئكار) الإنكار قسمان إبطاليّ بمعنى لم يقع وتوبيخي بمعنى لم وقع، والمراد الأوّل، ولذا فسر بلا يكون. وقوله: (مشار بها إلى الناس) أي المراد بها ذلك، والإشارة ذهنية لا حسية يعني أنها في السفهاء للعهد، والمراد بهم الناس السابق ذكرهم بوجهيه، والعهد الذكري قد يكون بإعادة المتقدم بعينه، وقد يكون بإعادة لازمه ووصفه وإن لم يجر له صريح ذكر ويسمى العهد التقديري، وذلك بأن يسند إلى الموصوف ما يستدعي تلك الصفة، فتذكر الصفة معرفة كأنها جرى ذكرها، كما إذا قيل لك شتمك زيد فتقول: أفعل السفيه، فإنّ الشتم تنبيه على سفاهتة، حتى كأنه فيل اعترض لك سفيه، أو أن يكون الموصوف علماً في تلك الصفة حقيقة، أو ادّعاء فمتى ذكر علمت صفته والعهد هنا إمّا لأنّ الإيمان بزعمهم مستلزم للسفه، ولأنّ المؤمنين فيما بينهم معروفون به. قوله: (أو الجنس بأسره إلخ) أي للجنس في ضمن جميع الأفراد، وهو والاستغراق بمعنى وبأسره عبارة عن جميعه، والأسر في الأصل ما يشد به الأسير، فإذا سلم بوثاقه فقد سلم بجملته، ثم صار عبارة عن كل ما يراد جميعه، ومندرجون فيه بمعنى داخلين من درجه إذا طواه وضمير فيه للجنس، أو للفظ السفهاء وضميرهم للرسول صلى الله عليه وسلم، " ومن معه الثامل لابن سلام، وأضرابه رضي الله عنهم، وهم كمل الناس وأعقلهم، فجعلهم سفهاء بزعمهم الفاسد، وهو مخالف للواقع والسفهاء، وإن شملهم وغيرهم لكنهم داخلون فيه دخولا أوّلياً عندهم وهو أبلغ لما فيه من الكناية كما قال تعالى {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] وقد قيل على هذا أنه إنما يصح بادّعاء انحصار مفهوم السفهاء في المؤمنين المذكورين في قوله {كَمَا آمَنَ النَّاسُ} إذ لا يصح إسناد الإيمان إلى جميع السفهاء، فإن من لم يؤمن من السفهاء لا يحصر، لكن يرد على هذا أنّ معنى الاستغراق لا يلائم مقام إنكار موافقة السفهاء، لأنّ اتباع بعض السفهاء أقبح وليس بشيء، فإنه سواء أريد الاستغراق الحقيقيّ الادّعائيّ أو العرفيّ، كما في جمع الأمير الصاغة إذ لم يكن في المدينة حين نجم النفاق إلا مؤمن، أو منافق موافق للمقام على أتمّ الوجوه وأبلغها، كما لا يخفى فتدبر. قوله: (وإنما س! هوها إلخ) أي دعوهم سفهاء، أو نسبوهم للسفه بناء على اعتقادهم أنهم سفهاء أو تحقيرا لهم، فإنّ قيهم فقراء والموالي بمعنى العبيد، فإنه أحد معانيه وصهيب وبلال الصحابيان رضي الله عنهما كذلك، كما هو معروف في محله، والتجلد والتحمل والتصبر وأصل معناه إظهار الجلد والقوّة، والمبالاة بالشيء الاعتداد والاعتناء به وعدم المبالاة بهم، لأنهم كانوا من أهل الكتاب. قوله: (والسفه إلخ) السفه في اللغة الخفة والتحرّك والاضطراب يقال زمام سفيه أي مضطرب، وسفهت الرياح الرماح والنار إذا حرّكتها بخفة ثم استعمل في عرف اللغة والشرع، وشاع حتى صار حقيقة فيه لنقمى العقل والرأي، وقال الراغب: استعمل في خفة النفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدنيوية والأخروية، ومنه أخذ المصنف رحمه الله ما ذك ره، وفي شرح التأويلات حد بعضهم السفه بأنه ترك العمل بمقتضى العقل مع قيام العقل، وقيل العمل بموجب الجهل على علم بأنه مبطل، وسخافة الرأي والعقل خفته وعدم استحكامه، وفي المصباح سخف الثوب سخفاً، وزان قرب قربا وسخافة بالفتح رق لقلة غزله، ومته قيل رجل سخيف وفي عقله سخف أي نقمى وقال الخليل السخف في العقل خاصة والسخافة عامّة في كل شيء اهـ. وقوله: (والحلم) بكسر الحاء، وسكون اللام هو الأناة والوقار، ويقابله أي يقع في مقابلته لأنه ضدّه على عادة اللغويين في الإيضاح بذكر الأضداد كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء قوله (ردّ ومبالغة في تجهيلهم إلخ) فيه مع النظم لف، ونشر مرتب فالردّ لتسفيههم المؤمنين ناظر لقوله {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء} والمبالغة في التجهيلى من قوله {وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} كما ستراه

عن قريب ويحتمل أنه راجع لقوله {إِلاَّ أَنَّهُمْ} إلخ من غير لف فيه واليه ذهب بعض أرباب الحواشي أو أنه من قوله {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء} لأنه المقصود بالذات فلذا أتى فيه بألا وإن، ووسط ضمير الفصلى، وعرف الخبر وذيل بالاستدراك المؤكد له لاستلزام السفه للجهل، أو دلالته عليه لأنه خفة العقل، ونقصه وفي الدرّ المصون السفه خفة العقل والجهل بالأمور قال السموأل: نخاف أن تسفه أحلامنا فنجهل الجهل مع الجاهل وقوله (فإنّ الجاهل إلخ) تفسير للمبالغة في التجهيل، وتعليل له بناء على أحد الوجهين في تفسير قوله {لاَّ يَعْلَمُونَ} وهو أنّ معناه لا يعلمون أنهم هم السفهاء حقيقة لقلة تأمّلهم في الدلائل القائمة على أنّ الكفر سفه لا ما قيل من أنّ معناه لا يعلمون ما يحل بهم من العذاب، لأجل السفه في الآخرة، وعلى هذا جهلهم بالسفه الذي هو جهل جهل بالجهل، فهو جهل مركب، فكأنه قيل: إنهم جهلاء، ولكن لا يعلمون أنهم جهلاء. وقوله: (بجهله) صفة الجاهل والجازم صفته، ويصح كونه صفة الجهل، وبما قرّرناه علم أنه لا يرد على المصنف رحمه الله ما قيل من أنه لا يفهم من قوله {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء} لاعتقاد الباطل، لأنّ السفه وخفة العقل قد يكون سبباً للشك، وكذا عدم العلم لا يستلزم الجهل المركب، ولا حاجة إلى الجواب بأن المراد بالسفه هنا اعتقاد الباطل، وبعدم العلم الجهل المركب بقرينة المقام، لأنه ناشىء من عدم الوقوف على المرام، وتعدّي الجازم بعلى وهو متعد بالباء لتضمنه معنى المصرّ، فإن قلت إنما يفهم من السفاهة، ونفي العلم الجهل وأمّا الجزم بخلاف الواقع فليس هنا ما يدلّ عليه، لأنّ عدم العلم بالجهل محتمل للتحقيق في ضمن عدم العلم بشيء من النقيضين، وفي ضمن الجزم بمقتضى الجهل، قلت: هو كما ذكرت إلا أنّ مقام المبالغة يعين الاحتمال الثاني مع أنّ حالهم يقتضيه لأنّ الجراءة على تسفيه المؤمنين، والسعي في أذيتهم لا يصدر من العاقل إلا إذا جزم بذلك فتأمل. قوله: (وأتئم جهالة من المتوقف إلخ) قيل عليه مراتب الجهل أربع: أحدها ما وصفه المصنف رحمه الله بالأتمية، وبعدها الظان لخلاف الواقع، وبعدها المتوقف عن التصديق بأحد الطرفين المتردّد بينهما من غير اعتراف بجهله، ورابعها المتوقف المعترف، فكان ينبغي أن يقول أتم جهالة من غير الجازم، ليشمل الصور الثلاث أو يكتفي بالثاني لتلزم الأتمية بالنسبة إلى الثالث والرابع بطريق الأولى غير أنه ذكر المعترف ليتصل به قوله: فإنه ربما يعذر كمن أسلم في دار الحرب، أو نشأ في بادية، أو على رأس جبل لاعترافه بجهله، واستعداده لقبولا لىلحق، فينتفع بالآيات والنذر، كما يعذر المؤمن المعترف بذنبه بخلاف الجاهل الجازم بجهله الآبي عن الحق والنذر جمع نذير. قوله: (وإنما صلت الآية إلخ) فصلت مجهول من ال! كصيل، فهو مثدد الصاد أي أتى بفاصلة كقفي إذا أتى بقافية والفاصلة في النثر بمنزلة القافية في الشعر، وهذا بناء على أنه يجوز أن يقال في القرآن سجع وفواصل، وفيه تفصيل ذكرناه في غير هذا المحل، وفي بعض شروح الكشاف فصلت بتشديد الصاد المهملة من التفصيل، وفي بعض النسخ بتخفيفها من الفصل، فجوّز فيه وجهين أي ختمت هذه الآية بلا يعلمون دون لا يشعرون لما ذكر. وقوله: (كثر طباقاً (الطباق كالمطابقة من الأسماء المتضايفة، وهو أن يجعل شيء فوق آخر هو بقدره، ومنه طابق النعل النعل لكونه فوقه يقابله، ولكونه بقدره يوافقه فلذا أطلق الطباق في اللغة على الموافقة، والمناسبة وأطلق في الإصطلاج البديعي على الجمع بين المتضادّين لتقابلهما في الجملة، ولذا ذهب الأكثر هنا إلى أنّ المراد الثاني لأنّ في السفه جهلاً، كما مرّ فذكر العلم معه جمع بين متضادّين في الجملة فالطباق بديعي، وقيل: المراد لمناسب عدم العلم والسفاهة فهو لغوفي يرجع إلى مراعاة النظير قال الطيبي: هو من باب المعنوية إذ لو كانت لفظية لقيل: لا يرشدون فإنّ الرشد مقابل للسفه، أو قيل ألا إنهم ليقابل لا يعلمون اهـ. وفيه نظر لأنه لا منافاة بينهما، فإنه إن نظر للعلم والجهل من لطر لغيره فهو بديعيّ، وان نظر له منفيا فلغويّ ولكل وجهة وإنما قال أكثر لأنّ الشعور ونفيه جهل وسفه، أو ذلك مما يستلزمه، ويؤل إليه إن فسر الشعور بإدراك الحواس ففيه مطابقة للسفه أيضا إلا أنّ ما ذكر أظهر وأقوى، ثم بين له نكتة أخرى، وهي أنّ لدينية غير

محسوسة، فيحتاج إلى فكر ودقة نظر، فلهذا فصلت آية الإيمان بلا يعلمون والفساد الدنيويّ محسوس مشاهد، أو منزل منزلته، فلذا فصلت آيته بلا يشعرون وجعل وجها مستقلاً، وهذا وجها آخر والزمخشريّ جعلهما وجهاً واحدا، فلذا قيل إنّ كلامه مي أنّ التلباق مراعاة النظير، ولو جعل العطف في كلام المصنف تفسيريا عاد إليه لكنه لظاهر، وذهب الراغب كما أشرنا إليه أوّلا إلى أنّ أصل الشعور إدراك المشاعر وهي س الظاهرة، ونفيه أبلغ من نفي العلم، ثم إنه شاع بعد ذلك في الإدراك وقد يخص منه، كما قالوا: فلان نسق الشعر إذا دقق النظر، فالشعور يستعمل بمعنى الإحساس، الإدراك وبمعنى الفطنة، فقوله أوّلا وما يشعرون نفي للإحساس وثانياً لنفي الفطنة ح معرفة الصلاح والفساد لها، ثم نفي عنهم العلم تنبيها على نكتة دقيقة، وهي انّ في لهم الخديعة نهاية الجهل الدالة على عدم الحس، ثم قال: إ أ! م لا يفطنون تنبيها على أنّ زم لهم لأنّ من لا جس له لا فطنة له، ثم قال: لا يعلمون تنبيها على أنّ ذلك لازم، لا فطنة له لا علم له، ثم أنه قرن ذلك بأداة الاستدراك المعطوفة، وقد تستعمل بدون والفرق بينهما دقيق لدفع ما يتوهم من أنهم يعلمون بما هم عليه، ولكنهم يتجاهلون!! دبر. قوله: (بيان لمعاملتهم إلخ (دفع لما توهم من أنّ هذا مكرّر مع ما مرّ في أوّل وليس منه في شيء لأنّ الأوّل لبيان معتقدهم، وادّعائهم حيازة الإيمان من قطريه، منه في شيء، والثاني لبيان سلوكهم مع المؤمنين ومع شيعتهم، وهما أمران مختلفان، يكن هذا لم يلزم تكرار أيضا، لأنّ المعنى ومن الناس من يتفوّه بالإيمان نفاقا للخداع، لتفوّ. عند لقاء المؤمنين، وليس هذا بتكرار لما فيه من التقييد وزيادة البيان وأنهم ضموا لحداع الاستهزاء، وأنهم لا يتفوّهون بذلك إلا عند الحاجة، وقد قيل أيضاً إنّ المراد آمنا أوّلاً الإخبار عن أحداث الإيمان، وهنا عن احداث إخلاص الإيمان وهذا ما ارتضاه وأيده بأنّ الإقرار اللساني كان معلوما منهم غير محتاج للبيان، وإنما المشكوك ص القلبي، فيجب إرادته هنا، وقولهم للمؤمنين يقتضي ما يظهرونه لشياطينهم من د! م الصادر عن صميم القلب، فيجب أن يريدوا بما ذكروه للمؤمنين التصمديق القلبي أيضا، بعضهم كلام المصنف رحمه الله عليه، وقال: إنه لا ينافيه ما سيأتي من أنهم قصدوا بآمنا أحداث الإيمان، لأنّ النراد به الإيمان على وجه الإخلاص، ولا يخفى أنّ كلامه مناد على خلافه لمن له أدنى بصيرة فتدبر. قوله: (روي أنّ ابن أفى إلخ) هذا سبب نزول هذه الآية، وقد أخرجه الواحديّ رحمه الله، وروي أنّ عليا رضي الله عته قال له: يا عبد الله اتق الله ولا تنافق فإنّ المنافقين شرّ خلق الله فقال له: مهلاَ يا أبا الحسن أنى تقول هذا والله إنّ إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم، ثم افترقا فقال ابن أبيّ لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم، فافعلوا مثل ما فعلت، فاثنوا عليه خيراً وقالوا: ما نزال بخير ما عشت فينا فرجع المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأخبروه بذلك فنزلت هذه الآية (1) وقال ابن حجر: إنّ هذا الحديث منكر وذكر إسناده، ثم قال هو سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب وآثار الوضع عليه لائحة ومما يدلّ على ذلك أنّ سورة البقرة نزلت أوّل ما قدم النبيّ صلّى الله عليه وسغ المدينة على ما صححه المحدّثون وعليّ رضي الله عنه إنما تزوّج فاطمة رضي الله عنها في السنة الثانية من الهجرة فكيف يدعوه ختنا، فإن قلت: ليس فيما ذكر من سبب النزول أنهم قالوا آمنا قلت: سبب النزول أمر مناسب تنزل الآية عقبه، ولا يخفى مناسبته مع ما فيه من إظهار الاستهزاء، وابن أبيّ رأس المنافقين، وهم أصحابه واسمه عبد الله. قوله: (انظروا كيف أرذ إلخ) كأنهم كانوا جاؤوا بجمعهم لينصحوهم أو ليردوا دبيب عقارب بغضائهم وقوله بالصديق سيد بني تيم الصديق صيغة مبالغة من الصدق لقب به في الجاهلية، لأنه كان معروفاً بالصدق، وقيل في الإسلام لما صدق النبيّ عليه الصلاة والسلام في قصة الإسراء، واسمه عبد الذ بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤقي بن غالمث القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرّة فتيم جدّ. الأعلى وبه سمي البطن من قريش الذي ينسب إليه، فلذا قال له سيد بني تيم، وما وقع في

بعض نسخ القاضي والكشاف تميم بدله خطا وسهو من قلم الناسخ وهو بفتح المثناة الفوقية وسكون التحتية. قوله: (وشيخ الإسلام) هو كان في زمن الصحابة رضي الله عنهم يطلق على أبي بكر رضي الله عنه وعمر، وهما الشيخان قال السخاوي في كتاب الجواهر في مناقب العلامة ابن حجر شيخ الإسلام: أطلقه السلف على المتبع لكتاب الله، وسنة رسوله مع التبحر في العلوم لمعقول والمنقول، وربما وصف به من بلغ درجة الولاية، وقد يوصف به من طال عمره سلام، فدخل في عداد " من شاب شيبة في الإسلام، كانت له نوراً " (1) ولم تكن هذه مشهورة بين القدماء بعد الشيخين الصديق، والفاروق رضي الله عنهما فأنه ورد وصفهما وعن عليّ فيما رواه الطبريّ في الرياض النضرة عن أنس أنّ وجلاَ جاء إلى عليّ رضي فقال: يا أمير المؤمنين سمعتك تقول على المنبر: اللهمّ أصلحني بما أصلحت به الراشدين المهديين، فمن هم فاغرورقت عيناه وأهملهما، ثم قال: أبو بكر وعمر إماما وشيخا الإسلام، ورجلا قريش المقتدى بهما بعد رسول الله صلّى الله عليه وسئم إلخ. سحهر بها جماعة من علماء السلف حتى ابتذلت على رأس المائة الثامنة، فوصف بها من لا، وصارت لقباً لمن ولي القضاء اكبر ولو عري عن العلم والسن إنا لله وإنا إليه د اهـ. قلت) ثم صارت الآن لقباً لمن تولى منصب الفتوى، وإن عري عن لباس العلم ى: لقدهزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامهاكل مفلس موله (وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ) هو ما اشتهر في السير من دخوله رضي غار ثور معه عليه الصلاة والسلام في الهجرة، وبذله لنفسه وماله معروف أمّا الأوّل وأمّا الثاني فلأنه رضي الله عنه، كان له مال عظيم من التجارة أنفقه كله في سبيل الله، ل! جاوة ال! ابحة. وقوله: (بسيد بني عديّ) كغنيّ بطن من قريش أعظمهم، وأشهرهم عمر لله عنه، فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن قرط بن رزاح بن لن كعب بن لؤيّ أمير المؤمنين أبي حفص القرشيّ العدويّ، ولقبه النبيّ صلى الله عليه لالفاووق، لما أظهر الإسلام، فاعز الله به الدين، وفرق بين الحق والباطل، وهو الترياق! رضي الله عنه. وقوله: (وختنه) مرّ ما فيه وهو بفتحتين، وفي المصباح هو عند العرب كان من قبل المرأة كالأب والأخ والجمع أختان، وختن الرجل عند العامّة زوج ابنته لأزهريّ: الختن أبو المرأة والختنة أمّها، فالأختان من قبل المرأة، والأحماء من قبل والأصهار يعمهما اهـ. فاستعماله هنا على متعارف العامّة مما يدل على الوضمع أيضا، وما خلا بمعنى إلاً الاستثنائية. قوله: (واللقاء المصادفة إلخ) قال الراغب: اللقاء مقابلة الشيء ومصادنته معاً، وقد يعبر به عن كل واحد منهما، وقال الإمام: اللقاء أن يستقبل الشيء قريباً منه والمصادفة بالفاء من صادفه إذا وجده فبينها، وبين الملاقاة عموم وخصوص وجهيّ، وفي كلام المصنف رحمه الله مسامحة ظاهرة. وقوله: (يقال إلخ) هو قريب من قول الزمخشريّ يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، وفي شرح الهادي، وقد يفسر الكلام بإذا لكنك إذا فسرت جملة مسندة إلى ضمير الحاضر باي ضممت تاء الضمير فتقول: استكتمته الحديث، أي سألته كتمانه بضم التاء فيهما، واذ! فسرتها بإذا فتحت التاء الثانية فقلت: إذا سألته ونظمه القائل: إذاكنيت بأي فعلا / تفسره فضم تاءك فيه ضم معترف وان تكن ب! ذايوماً تفسره ففتحة التاءأمرغيرمختلف وسرّه كما في شرح المفصل أنّ أي تفسيرية، فينبغي أن يطابق ما بعدها ما قبلها، والأوّل مضموم، فالثاني مثله، وأذ شرطية، وإنما جعلت تفسيرية نظر المآل المعنى، فتعلق قول المخاطب على فعله الذي ألحقه بالضمير، فيستحيل فيه الضم والتعبير بيقال وقع في الكشاف، وتفسير الراغب فقال الشارح العلامة: إنه غير مستقيم لأن يقال غائب، فالصواب تقول: وقال بعض الفضلاء: فيه بحث لأنه إن أراد بعدم الاستقامة فوت المناسبة فالتعبير به غير مستقيم، وان أراد عدم صحة المعنى فممنوع لأن يقال لازم يقول، وكل موضع يصح فيه وضع الملزوم يصح فيه وضع اللازم، وفي بعض شروح الكشاف ما قاله الشارح صحيح بالاعتبارين لأنّ الاستقامة

ليست بمعناها الحقيقيّ الذي هو ضد الإعوجاج، فهي مجاز عن المناسبة ولفظ يقال مباين لتقول لا ملازم له وقوله كل موضع يصح إلخ ممنوع لأنه يصح كل إنسان ناطق دون كل حيوان، " والجواب أنّ ذكر أستقبلته بضمير الخطاب لرعاية التفسير بإذا للجملة الفعلية قاعدة، ولا يلزم مناسبة ما تقدم من الفعل له، وعلى تقدير التسليم يقال هو التفات على مذهب اهـ وفيه نظر لا يخفى، والذي في شرح الفاضلين أنّ حق العبارة تقول لما مرّ من القاعدة في التفسير بأي واذا، فإنه إذا فسر بأي وجب أن يتطابقا في الإسناد إلى المتكلم وجاز في الصدر تقول ويقال: وإذا جيء بإذا، فالواجب أن يكون الشرط، وتقول بصيغة الخطاب أي إذا استقبلته تقول لقيته ولا يصح يقال: إلا بتعسف، وهو بتقدير كون القائل نفس المخاطب، وهو قلق جداً وقد قيل عليه أنه إنما يتوجه إذا ضم تاء لقيته ولاقيته، وليس بمتعين لجواز فتحها وكونه بصيغة الخطاب دون التكلم، ولا تكلف في قولك إذا استقبلته فقد لاقيته إلا أنه قيل إنّ الرواية، وصحيح النسخ على ضم تائه. (أقول) هذا سهل استصعبوه، ولا مانع مما منعوه، فإنّ الخطاب هنا فرضيّ لغير معين، ، فهو في معنى الغائب والمتعدّد كما سمعتة في نحو قوله تعالى {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ} [السجدة: 12] فإذا قيل: يقال لقيته إذا استقبلته على أنّ المراد من يقال تقول وبني للمجهول إشارة إلى أنه، وان تعين بحسب الظاهر في الحقيقة غير متعين جاز، ودعوى القلاقة والتعسف فيه غير مسلمة، ولما كان الشرط والجزاء متغايرين تغاير السبب والمسبب جعلوا االقول جوابا دون المقول لإيجاد. به! مع عدم صحة إذا استقبلته أنت يقول غيرك لقيته ألا فإذا فتحت صح بتقدير إذا استقبلته يقول غيرك أنك لقيته أنت، وفي قول الزمخشريّ: يقال لقيته ولاقيته إشارة إلى أنّ المفاعلة فيه لأصل الفعل. قوله: (بحيث يلقى) قال الراغب: الإلقاء طرح الشيء بحيث يلقى، ثم صار في التعارف اسماً لكل طرح قال تعالى {أَلْقِهَا يَا مُوسَى} [طه: 9 ا] فأصله جعل الشيء ملقى مقابلا بحيث يجده ويستقبله الملقى له وهو حينئذ حقيقة فإذا استعمل لمطلق الطرح كان مجازاً مرسلاَ لكه صار حقيقة في عرف اللغة وعليه استعمأل الفصحاء وهمزته للصيرورة وهي المراد من الجعل في عبارة المصنف رحمه الله لا للتعدية لتعديه قبلها وبعدها لواحد. قوله: (من خلوت بفلان وإليه إلخ) ذكر وجوها في خلا كما ذهب إليه عامّة أهل اللغة، وفي الأساس خلا المكان خلاء وخلا من أهله وعن أهله، وخلوت بفلان واليه ومعه خلوة وخلا بنفسه انفرد، وقال الراغب: الخلاء المكان الذي لا ساتر فيه من بناء ومساكن وغيرهما، والخلو يستعمل في الزمان والمكان، لكن لما تصوّر في الزمان المضيّ فسر أهل اللغة خلا الزمان بمضى وذهب وخلا فلان بفلان صار معه في خلاء، وخلا إليه في خلوة اهـ والحاصل أنّ أصل معناه الحقيقي فراغ المكان، والحيز عن شاغل وكذا الزمان وليس بمعنى مضى، فإذا أريد به ذلك فمجاز عند الراغب وظاهر كلام غيره أنه حقيقة، وهو غير متعد بالمعنى المشهور، فإنّ التعدية لها معنيان كما قاله ابن الحاجب رحمه الله في الإيضاح أحدهما أن لا يعقل معنى الفعل، وما أشبهه إلا بمتعلقه لأنه من المعاني النسبية، فكل معنى نسبي لا يعقل إلا بما هو منسوب إليه فهو المتعدّي، وغير المتعدي ما لا يتوقف تعقله على متعلق له والثاني كل جارّ تعلق بفعل، فإنه يقال له متعد بذلك الحرف، وإن لم يكن نسبته ولا بمعنى التصيير كما يقال خلا المكان من كذا وعن كذا، وقد يتعدّى هذا بالباء أو بإلى كما صرّحوا به هنا، وهو بمعنى انفرد معه أو اجتمع معه كما في الصحاح وليس قولهم معه للإشارة إلى أنّ إلى بمعنى مع، كما قالوه في قوله تعالى {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} [أك! عمران: 52] وكذا قول. الراغب في خلا إليه: إنه بمعنى المضي إليه ليس إشارة إلى التضمين الآتي. قوله: (أو من خلاك دمّ إلخ) قال الرضي: خلا في الأصل لازم يتعدّى إلى المفعول بمن نحو خلت الدار من الأنيس، وقد يتضمن معنى جاوز فيتعدى بنفسه كقولهم: افعل هذا وخلاك ذم، وألزموها هذا التضمن في باب الإستثناء اهـ. وفي شرح الفصيح قال أبو عبيد: قولهم افعل هذا وخلاك ذمّ مثل لقصير بن سعد اللخمي، قاله لعمرو بن عدي حين أمره أن يطلب الزباء بثأر خاله جذيمة بن مالك فقال: أخاف أن لا أقدر عليها فقال له اطلب الأمر، وخلاك ذمّ فذهب مثلاَ أي إنما عليك أن تجتهد في الطلب، وإن لم تقض الحاجة، فتعذر ولا تذم، ومبلغ نفس عذرها

مثل صحيح كما قال: على المرء أن يسعى لما هو قصده ... وليس عليه أن يساعده الدهر وعن يعقوب المعنى خلا منك الذم أي لا تذم فأسقط الحرف، وعداه مثل واختار موسى قومه سبعين رجلا وقال ابن أغلب المرسي: المعنى وخلوت من الذم وجعل الفعل للذم لأنك إن خلوت منه فقد خلا منك، وقال التدفري: هو من المقلوب أي خلوت من الذمّ، ثم قلب وأسقط الجار منه وقال ابن درستويه العامة تقول خلاك ذم والمعنى صحيح لكن العرب لم تستعمله كذا اهـ وعلى ما ذكر أولا إذا انفردوا واجتمعوا بثياطينهم، وقدم هذا لأنه أظهر الوجوه، وعلى الثاني فهو بمعنى مضوا، وهو على هذا متعد بإلى أيضا، والمراد بمضيهم اجتماعهم معهم لأنّ المضيّ، والذهاب يستعمل بهذا المعنى، كما قال تعالى {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ} [كله: 43] إذ ليس المراد به مجرّد الخروج إلا أنّ في ذكرهم خلاك ذم خفاءسواء. (قلنا) أنه متعد حقيقة كما هو ظاهر سياقهم أولا كما ذكرناه لك عن الرضي وغيره، فالظاهر الاقتصاو على تفسيره بمضى، لأنه مشهور وقيل إنه على هذا المعنى أنهم إذا جاوزوا المؤمنين وذهبوا عنهم إلى شياطينهه، فعلى هذا هو في النظم متعد، ولا يخفى ما فيه وقوله ومنه القرون الخالية أي الذاهبة من منازل الوجود إلى صحراء العدم، فالخلو فيه بصعنى المضيّ والذهاب إلا أنه فرق بين الذهابين، ولذا فصله بقوله ومنه فتدبر. قوله: (أو من خلوت به إذا سخرت منه) في الكشاف وهو من قولك خلا فلان بعرض فلان يعبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها، كما تقول أحمد إليك فلانا، وأذمه إليك اهـ. وفي الأساس من المجاز خلا به سخر منه وخدعه، لأنّ الساخر والخاح يخلوان به يريانه النصح والخصوصية اهـ. وقال قدس سرّه تبعاً لغيره من الشراح: إنّ ما في الكشاف إشارة إلى أنّ استعمال خلا بهذا المعنى مع إلى بناء على تضمينه معنى الإنهاء، كما في أحمده إليك أي أنهي حمده وهذا بيان لحاصل المعنى وأمّا تقدير الكلام فهكذا، وإذا خلوا أي سخروا منهين إليهم، وأحمده منهياً إليك كما سلف. (أقول) يعني أنّ المضمن يقدر حالا لا مفعولا به، كما صنعوه هنا، وليس هذا بمسلم وقد مرّ الكلام عليه مفصلا في بحث التضمين في قوله تعالى {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] وليس هذا مما يهمنا هنا، وإنما المهم هنا أنّ خلا بمعنى سخر وان ذكره الزمخشريّ وتبعه غيره كصاحب القاموس لم يقع صريحاً في كلام من يوثق به حتى يخرّج عليه كلام رب العزة وما مثلوا به ليس مطابقا للمدعي فإنّ الدال على السخرية فيه قوله يعبث به وخلا إمّا على حمقته فيه، أوبمعنى تمكن منه كما لا يخفى، ثم لايخفى ما فيه من التكلف فعليك بالنظر السديد والترقي عن حضيض التقليد، والتضمين إنما هو على الوجه الأخير لا عليه وعلى الثاني لأنّ مضى يتعدى بإلى، فمن ذهب إليه، وقال: الأنسب تضمين معنى الانتهاء فقد وهم. قوله: (والمراد بثياطينهم إلخ) يعني أنه استعارة تصريحية لتشبيه الكفرة الذين يشيرون إليهم، أو كبار أصحابهم بمردة الشياطين، والقرينة الإضافة على ما نيه كما فصل في بعض شروح الكشاف. وقوله: (والقائلون صنارهم) فيه نبوة عن سبب النزول السابق لأنّ ابن أبيّ من رؤسائهم، ولذا قيل إنه مبنيّ على غير تلك الرواية وذكر في اشتقاقه وجهين، واستدل على الأصالة بقولهم تشيطن، لأنه لو لم تكن النون أصلية سقطت من فعله، واحتمال أخذه من الشيطان لا من أصله على أنّ المعنى فعل فعل الشيطان خلاف الظاهر وأن ارتضاه بعضهم، وشاط بمعنى بطل ورد في كلامهم كقوله: وقد يشيط على أرماحنا البطل وقال الراغب: إنه من شاط بمعنى احترق غضباً والشيطان مخلوق من النار فلذا اختص بفرط الغضب وهو جمع تكسير واجراؤه مجرى جمع التصحيح، كما في بعض القراءات الشاذة تنزلت به الشياطون لغة رديئة، والتمرّد العتوّ والتجبر ومنه مردة الشياطين وقيل: المراد بهم الكهنة لأتباعهم الشياطين فسموا بملا يلإزمهم كما يقال بسمل إذا ذبح اهـ. وقوله من أسمائه الباطل أي من أسماء الشيطان، وهذا يدل على ما ذكر في الجملة وان قيل إنّ تسميته بأسماء كل منها ماخونر من لفظ آخر بمعنى آخر أرجح، لأنه تأسيس. قوله: (في الدين والاعتقاد إلخ) يعني أنّ المعية هنا معنوية، وهي مساواتهم لهم في الاعتقاد لا الصحبة الحسية، لأنها غير مرادة ولا محتاجة للبيان وقوله (خاطبوا المؤمنين إلخ) جواب عما يقال لم ترك التأكيد فيما ألقي إلى المؤمنين المنكرين لما هم عليه أو المتردّدين

وأتى بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث، وأكد مع شياطينهم الذين ليسوا كذلك وأتى بالجملة الاسمية الثبوتية فقيل إنه أجيب عنه بوجهين وقيل بثلاثة. أحدها أنهم بصدد دعوى إحداث الإيمان فهو كلام ابتدائي متجدد مناسب للفعلية، وترك التأكيد بحسب زعمهم وقصدهم، وهم لم ينظروا الإنكار أحد أو تردّده فيه بخلاف ما خاطبوا به شطارهم، فإن القصد فيه إلى إفادة الثبات على ما كانوا عليه دفعا لما يختلج بخواطرهم من مخالطة المؤمنين، ومخاطبتهم بالإيمان من أنهم وافقوهم ظاهراً وباطناً، وتركوا اليهود رأساً فيناسب الثبوت والاسمية المؤكدة لدفع التردّد الظاهر من حالهم. والثاني أن ترك التأكيد كما يكون لإزالة الإنكار والشك يكون لصدق الرغبة، ووفور النشاط من المتكلم، كما في قول المؤمنين {رَبَّنَا آمَنَّا} [المؤمنون: 09 ا] فلذا جرّدت الأولى، وأكدت الثانية. والثالث أنهم لو قالوا: إنا مؤمنون كان ادّعاء لكمال الإيمان وثباته وهو أمر لا يروج عند خلص المؤمنين، وهم ما هم في رزانة العقل وحدة الذكما " ولا كذلك الشطار، وفي شرح الكشاف للعلامة طاب ثراه: التو! يكون لبيان حال المخاطب تارة، وأخرى لبيان حال المتكلم، والخبر إمّا أن يورده المتكلم لنفسه أو لمخاطبه، فإن أورده للمخاطب فلا بدّ من أن يقصد به فائدة الخبر أو لازمها وتأكيده حينئذ لنفي الإنكار أو الشك، وان أورده لنفسه لا يلزمه أح! الفائدتين، فيقصد به معاني أخر كالتحسر والتضرّع وغير ذلك، وبهذا ظهر اندفاع ما أورد على السكاكي، لما حصر فائدة الخبر في الحكم، ولازمه مع وروده كثيراً لغير ذلك، وما قيل عليه فى قوله: إنّ حكم العقل عند إطلاق اللسان أن يفرغ المتكلم ما ينطق به قي قالب الإفادة تحاشيأ عن وصمة اللاغية مع إنه يأتي بخلاف ذلك، ولا يعدّ لغواً لأنّ ذلك كله في الخبر الملقى د لمخاطب لا فيما يورده المتكغ لنفسه، ولذلك قال: ومرجع كون الخبر مفيداً للمخاطب إلى فائدة الخبر أو لازمها فقيده بقوله للمخاطب تنبيهاً على هذا وهذا من نفائس المعاني ". ولذا أوردته برمته فعليك بحفظه، ومن لم يتفطن له قال: ليس المقصود هنا فائدة الخبر، ولا لازمها بل الأمان، أو الاستئمان من المؤمنين والخبر لا ينحصر المقصود منه في الفائدة ولا لازمها، وهذا مما استنبط من الكشاف، وأخذ منه أنّ التكيد يكون للرواج عند المخاطب وصدق الرغبة من المتكلم، وتركه لعدمه كما يكون لإزالة الإنكار والتردّد وقوله توقع رواح معطوف على قوله باعث. وقوله: (على المؤمنين) متعلق برواج لا بادعاء وان جوّزه بعضهم قوله تأكيد لما قبله إلخ توجيه لعدم العطف وذكر له ثلاثة أوجه: الأوّل أنه مؤكد له فبينهما كمال الاتصال الموجب للقطع، لأنّ معنى قوله: إنا معكم إنا على دينكم لا على دين أولئك، كما مرّ لا انا معكم بالنصر والمعونة، كما ذهب إليه بعض المفسرين، وان كانا متقاربين، ولما كانا متغايرين لأنّ معنى إنا معكم هو الثبات على اليهودية، وليس {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ} بمعناه حتى يكون بظاهره تقريراً، وتأكيداً لهذا المعنى اعتبر لسيخان في الثاني لازما يؤكده، وهو أنه ردّ ونفي للإسلام، فيكون مقرّرا للثبات عليها لأنّ دفع لصض الشيء- ثأكيد لثباته، وقد عكنس صاحب المفتاح، فاعتبر لازم الأوّل حيث قال معنى انا معكم انا معكم قلوبا ومعناه إنا نوهم أصحاب محمد الإيمان فوقع مقرّراً لقوله إنا مستهزؤن! مكون الاستخفاف بهم وبدينهم تأكيداً لذلك اللازم، وما ذكره المصنف رحمه الله أولى كما ل! لحفى، كذا قرّره الشريف قدس سرّه تبعا لما في الكشف حيث قال بعد تقريره: وما هنا أولى مما في المفتاح، وان كان حسناً أيضاً فإنه يؤكد الكلام المذكور لا لوازمه وان جاز أن يعدّ كيدا للوازم تأكيداً له أيضا من وجه، مع أنّ التأويل عند الحاجة أعذب، واعترض عليه بأنه ر هما مسلك السكاكي بأنه تأوّل الأوّل فقط، وهو مخالف لقوله في شرح المفتاح: إنه لا بد أخذ اللازم من الأوّل، ومق الثاني حيث قال: إنّ إيهام الإيمان يتضمن نفيه والاستهزاء هله يتضمنه " أيضا، كما إنّ الثاني تقرير للأوّل والظاهر أنه لا حاجة إلى ذلك، فإنّ قول لمنافقين بغير جد، وصدور من القلب استهزاء وسخرية، ويجوز أن يكون ترك العطف في قوله نما نحن مستهزؤن} لكونه علة للأوّل من غير نظر إلى تأكيد أو بدل أو استئناف اهـ. (أقول) حاصل ما ذهب إليه شرّاج الكشاف والمفتاح على أنه تأكيد سواء قلنا وزانه، ان جاء زيد زيد، أو وزان جاء زيد نفسه أنهما لما بينهما من

المغايرة لفظا ومعنى لا بدّ من ويلهما، أو تأويل الأوّل أو الثاني، فذهب إلى كل واحد من الاحتمالات الثلاث طائفة كما سمعته آنفا. واختلفوا في الأرجح ورجحوا برمتهم هنا تأويل الثاني لما مرّ، وقد قيل عليه: إنّ صله أنه لمما أفاد إنا معكم إنا مجدون في دينكم مصرون عليه، وأنا مستهزؤن يؤكد. بلازم معناه إلا أن هذا التأويل إنما يتأتى على كونه تأكيدا لفظيا والأوجه أن يجعل تأكيدا معنويا ليكون لحقيقا للمدعي بدليله، فإنّ مدّعاهم بأنا معكهأ الثبات على الكفر، حقق بدليل هو تحقير ما عداه، فإنّ المستخف بشيء منكر له غير معتد به ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته لئلا يلزم ارتفاع ل! قيضين، وعكسه السكاكي وهذا ليس بشيء إذ ليس هنا ما يشعر بتنزيله منزلة التأكيد اللفظي لل فحوى الكلام منادية على خلافه، فما ذكره خيال فارغ. (وههنا بحث) . ينبغي التنبيه عليه وهو أنّ الظاهر الأرجح ما ذهب إليه السكاكي لأنهم لما قالوا لشطارهم ثابتون على دينكم لم نتغير عنه، وهم عرفوا قولهم للناس آمنا لاشتهارهم بذلك في ظهور يّ الإسلام عليهم، ولولا ذلك لم يكونوا منافقين، وتلك المقالة من طرف اللسان دون اعتقاد لجنان، وقد صرّحوا بتسفيه المؤمنين قبل ذلك، وهذا إن لم يكن صريحا في الاستهزاء، فليس سعيد منه، فجعل إنا معكم، وقد أ! يدب4 إنا على حق دينكم ثا! ش ن لا مع ال! سفهاء المبطلين، ن قلنا لهم! ! اعلى إسنلا! كاحناقي ممن الا! م! هزاء أظهر 5 ش تأويق إنا ورمحتوؤن بمإنا م! وون على الكفر، فهو كالتفسير الذي حقه التأخير، وأمّ جعله تعليلا بغير الاستئناف البياني بعده مغايراً له فغفلة أو تغافل، ثم إنه قد يقال إنه لا مخالفة بين كلامي السيد، وإيهام الإيمان في كلامه ليس تأويلا لقوله {أَنَاْ مَعَكُم} بل إشارة إلى أنه يدلّ على أنّ قولهم آمنا مخادعة لم يصدر عن صميم قلب كما يدلّ عليه السياق، ومصت الكلام، وهذا هو الداعي لعدول السكاكي عما في الكشاف فتدبر. وقوله: (المستخف به) أي المحقر والتعبير به في غاية الحسن لانطلاقه على معناه الحقيقي. قوله: (أو بدل منه إلخ) تحقير الإسلام من قوله {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ} وتعظيم الكفر هو مدلول قوله {أَنَاْ مَعَكُم} قال ابن الصائغ: للنحاة في إبدل الجملة من الجملة خلاف، وجعل منه ابن فلاج قوله: ذكرتك والخطيّ ب خطربيننا وقد نهلت منا المثقفة السمر على كلام فيه، وتقرير البدلية بأن من حقر الإسلام إلخ لأنّ البدل إمّا اشتمال وذلك يقتضي المغايرة، أو بدل كل من كل وهو، وإن اقتضى التساوي، فمن حيث الصدق لا من حيث المدلول، ثم إن أستاذه أبا حيان في النهر اشترط في صحة وقوع البدل في الجمل كونهما فعليتين حيث قال لا يظهر لي صحة إبدال قوله تعالى {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] من قوله {؟ مثلها كمثل الذي} إلخلأنّ البدل لا يكون في الجمل إلا إذا كانت فعلية من فعلية، وأمّا أنّ تبدل فعلية من اسمية فلا أعلم أحدا أجازه، والبدل على نية تكرار العامل والجملة الأولى لا موضع لها من الإعراب، فلا يمكن أن تكون الثانية على نية تكرار العامل إذ لا عامل في الأولى، فيتكرّر في الثانية فبطلت جهة البدلية اهـ. وقال الفاضل المحقق هنا: البدل لا يحتاج إلى اعتبار أحد اللازمين ويكفي تصادق الثابت على الباطل، والمستهزىء بالحق مع كون الثاني، أوفى بالمقصود لما في الأوّل من بعض القصور حيث يوافقون المسلمين في بعض الأمور، ثم الظاهر أنه بمنزلة بدل الكل، وأرباب البيان لا يقولون بذلك في الجمل التي لا مخل لها ويعنون بما لا محل له ما لا يكون خبرا أو صفة أو حالاً، وإن كان في موقع المفعول للقول، فلذا كان الاستثناف هنا أوجه، وقال قدّس سرّه: إنهم قصدوا تصلبهم في دينهم وكان في الكلام الأوّل نوع قصور عن إفادته إذ كانوا في الظاهر يوافقون المؤمنين في بعض الأمور، فاستأنفوا القصد إلى ذلك بأنهم يعظمون كفرهم بتحقير الإسلام وأهله فهم أرسخ قدماً فيه من شياطينهم، وفي بعض الحواشي نقلاَ أنّ المراد بالبدل هئا ليس أحد التوابع المشهووة، فإنه لا يكون في الجمل الاسمية، وقد جاء في الفعلية كقوله تعالى {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} [الفرقان: 68] فالمراد بالبدل هنا أنّ الجملة الثانية تسدّ مسد الأولى وتغني عنها غناء البدل عن المبدل منه. (أ! دول) هذا جملة ما قالوه، وهو كلام لم ينضج والحق الحقيق بالقبول أنّ البدل بأنواشه يقع في الجمل مطلقا سواء كان) كا محل من الإعراب أو لا، وهو مقتض إطلاق

كلام النحاة والمفسرين، وأهل البيان وتشهد له أمثلتهم، ولا يختص بالفعلية بل كما يكون فيها يكون في الاسمية، وفي الاسمية والفعلية إذ لا فارق يعوّل عليه، وما أوقعهم في هذا المضيق غير قول النحاة أنّ البدل هو التابع المقصود بالنسبة، ولا نسبة لما لا محل له من الإعراب، فإمّا أن يكون هذا تعريفاً لبدل المفردات وما في حكمهما، أو هو باعتبار الأصل الأغلب كما عرفوا التابع بكل ثان أعرب بإعراب متبوعه مع أنّ من أقسامه التوكيد، وهو يقع في الحروف والجمل التي لا محل لها بالاتفاق، نحو لا لا وجاء زيد جاء زيد أو يؤوّل بأنّ المراد من قولهم: مقصود بالنسبة أنه مقصود بالغرض المسوق له الكلام، فلذا نراهم يقولون في توجيهه أنه أوفى بتأدية المرام، وقد اختلفوا ة ي البدل هل هو بدل كل أو اشتمال، أو بعض لأنّ كونهم معهم عام في المعية الشاملة للاستهزاء والسخرية، وبما قرّرناه لك علم أنه يرد على ما قالوه أمور. منها أنّ قول أبي حيان البدل على نية تكرار العامل إلخ كلام مموّه ليس بشيء، وان ذكره النحاة على ظاهره. ومنها أنّ قول الفاضل المحقق أنّ البدل لا يحتاج إلى اعتبار أحد اللازمين بخلاف التاكيد السابق ممنوع أيضا لأنا قد بينا لك أوّلا أنهما متغايران متباينان بحسب الظاهر، فلا تتأتى البدلية المعتبرة فيه بدون الاتحاد كلا أو جزءاً أو اشتمال أحدهما على الآخر وتحقير الإسلام وتعظيم الكفر إن لم يتحدا فأحدهما متضمن ومستلزم للأخر كما لا يخفى، ولهذا اتفق الشيخان على تأويله بما ذكر. ومنها أنّ قوله إنّ أرباب البيان لا يقولون بذلك في الجمل التي لا محل لها من الإعراب إلخ لا وجه له أيضاً، لأنّ أهل المعاني استشهدوا له بقوله {الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ} [الشعراء: 132- 133] وقوله {؟ اثبعوا ال! هـ سلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا} [يى، 1 لآية: 21] وقوله: أقول له ارحل لا تقيمن عندنا وهذا كله مخالف لما ادّعاه فليت شعري من أرباب البيان، ثم إنّ ما فسر به ما لا محل له لا سند له فيه لأنه يدخل فيه جواب الشرط، والمفعول الثاني من باب علم ولا قائل بأنه لا محل له فتأمّل. ومنها أنّ قول الشريف في تقرير البدلية فاستأنفوا إلخ غير مناسب لتقرير البدلية فتأمّل. ومنها أنّ ما نقل عن بعض الحواشي من ذكر يضاعف له العذاب في البدل من الجملة لا وجه له، لأنه بدل من الفعل المجزوم وحده لا من الجملة، والفرق بينهما ظاهر، وما أوّل به البدل ظاهر الخلل فاعرفه. قوله: (أو اسنئناف إلخ) قال قدس سرّه: الحمل على الاستنئاف أوجه لكثرة الفائدة وقوّة المحرّك للسؤال والوجوه بيان لترك العاطف بين الجملتين في كلامهم وأمّا تركه في حكايته فللموافقة فيما هو بمنزلة كلام واحد وعلى هذ " ا " المتوجيح جرى غيره من الشرّاح حتى قيل إنه أبمغ من الأوّلين والثاني من الأوّل، فذكر الوجوه على نهج الترقي وهذا تعكيس للصنيع منهم من غير داع إليه، وقد قال الشيخ في دلائل الإعجاز: في فصل عقده لأنما موضوع إنما أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب، ولا يدفع صحته، وهذا يقتضي أنّ تقدير السؤال هنا أمر مرجوح، وما بالكم بمعنى ما شأنكم وحالكم وقوله (توافقون) جملة حالية وهي المسؤول عنها في الحقيقة، كما في قوله: مابال عينك منها الماءينسكب وسيأتي بيانه. قوله: (والاستهزاء السخرية إلخ) هزئت به من باب تعب، ونفع والاسم الهزؤ بضم الزاي وسكونها وهو مهموز والاسنخفاف إستفعال من الخفة ضد الثقل، والمراد به الاستهانة لأنّ معنى السخرية والاستهزاء كما قاله الغزالي الإستحقار والإستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء، وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يسم غيبة اهـ فقول الإمام إنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطاق ما يجري مجرى السوء على طريقة السخرية غير موافق للغة والعرف، وقوله: يقال هزأت واستهزأت بمعنى يعني كما قال الراغب: إنّ الاستهزاء طلب الهزؤ وقد يعبر به عن تعاطي الهزؤ كالإستجابة في كونها إرشاد للإجابة، وان كانت قد تجري مجرى الإجابة قال تعالى {قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ} [التوبة: 65] أي تهزؤن والهزؤ مزح في حقه اهـ. قوله: (وأصله الخفة إلخ) أي المعنى الذي اعتبر في هذه المادّة بحسب أصله المنقول عنه الخفة، فإنّ الاستهزاء من الهزء وهو القتل السريع وفي الكشاف، وأصل الباب الخفة من الهزء، وهو القتل السريع وهزأ يهزأ مات على المكان عن بعض العرب مشيت، فلغبت فظننت لا هزأنّ على مكاني، وناقته تهزأ به أي تسرع وتخف قال ابن الصائغ

ومن خطه نقله قونه على المكان: كأنه أخذه من قول العربي لأهزأنّ على مكاني، وهذا لا يقتضي أنّ المكان داخل في تفسير هذا وأدخل نون التأكيد لأنّ هذه الأفعال تتلقى بما يتلقى به القسم قال: ولقد علمت لتأتين منيتي. وظن كعلم اهـ. والهزء في قوله: من الهزء بزنة الضرب، وما اعترض به من عدم التدبر، فإن قوله على مكانه بمعنى فجاة كأنه لم يمهل حتى ينتقل عن مكانه إلى محل آخر، خلا بد من دخوله في تفسيره وهو كأاية كما ذكر. قوله: (يجازيهم على استهزائهم) بيان لحاصل المعنى والمجازاة المكافأة والمقابلة ويتعدى بالباء وعلى، وقال الراغب: جزيته بكذا وجازيته ولم يجيء في القرآن إلا جزى دون جازى وذلك لأنّ المجازاة هي المكافاة والمكافاة مقابلة نعمة بنعمة هي كفؤها ونعمة الله تتعالى عن ذلك، ولهذا لا يستحمل لفظ المكافة في الله تعالى. اهـ ويرد عليه قوله تعالى {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ: 7 ا] وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. قوله: (سمى جزاء الاستهزاء باسمه إلخ) قيل لما كان الاستهزاء بمعنى السخرية محالا على الله تعالى لكونه جهلا لقول موسى عليه الصلاة والسلام {أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] في جواب {؟ أتتخذنا هزؤا} [القرة: 67] أحتيج إلى التأويل، فذكر المصنف رحمه الله وجوها مدار الأوّلين منها على اعتبار الاستهزاء في جانب المستهزأ بهم، وجعل المذكور جزاء له على الأوّل، وارجاع وباله عليهم على الثاني، ومدار الأخيرين على اعتبار الاستهزاء المذكور في جانب المستهزىء وجعله مجازاً عن إنزال الغرض! منه بهم على الأوّل وعن المعاملة معهم معاملة المستهزىء على الثاني. (أقول) تبع في هذا الإمام ومن حذا حدّوه وفي مدعاه ودليله ما لا يخفى أمّا الأول: فلأنّ حقيقة الاستهزاء التحقير على وجه من شأنه أنّ من اطلع عليه غيره يتعجب منه ويضحك، وأيّ استح لله لة في وقوع هذا من الله وأمّا الثاني: فلأنه لا وجه لكونه جهلاً، وأمّا الآية فسيأتي تأويلها ولو سلم فامتناعه من البشر لا يقتضي إمتناعه من الله على ما فصله علم الهدى في التاويلات، وقال السمرقندي في تفسيره ذهب الحسين بن النجار، وطائفة من أهل التأويل أنّ الاستهزاء هنا على حقيقته وهو مما يوصف به الله من غير مانع واليه ذهب أهل الحديث قالوا: وإنما لم يجز من الخلق لما فيه من النقص والجهل، وهذا مما لا يتصوّر في حقه، فليس في الوصف به ضير كالتكبر، ومنعه من قياس الغائب على الشاهد، وذهب كثير من أهل السنة والجماعة إلى أنه لا يوصف به الله تعالى حقيقة لما فيه من تقرير المستهزأ به على الجهل الذي فيه ومقتضى الحكمة والرحمة أن يريه الصواب، فإن كان عنده أنه ليس متصفاً بالمستهزأ به، فهو لهو ولعب لا يليق بكبريائه فلذا أولوا هذه الآية بما ذكره المصنف كغيره. قوله: (إمّا لمقابلة اللفظ باللفظ إلخ) هذا بناء على أنّ الاستهزاء لا يليق به تعالى ولا يجري عليه حقيقته، ولا بذ من تأويله واقترانه بمسوغ له كأن يقال أطلق على مجازاة الله لهم لما بين الفعل وجزائه من الملابسة القوية، ولما في الأوّل من السببية مع وجود المشاكلة المحسنة، ولذا تعدى بما تعدى به الآخر، فالمراد بالمقابلة المشاكلة، وأمّا تحقيقها من أي أنواع المجاز هي وهل تجامع الاسنعارة أم لا فسيأتي عن قريب، وهذا هو الوجه الأوّل من وجوه التأويل. قوله: (أو لكونه مماثلاَ له (يعني أنه استعارة تبعية بعلاقة المشابهة في المقدار، وقيل: إنه مجاز مرسل بجعل جزاء الاستهزا، تابعاً له مترتبا عليه مناسباً له في القدر وفيه نظر وعليهما فقد أطلق عليه تنبيها على عدله في الجزاء كما قال تعالى {جَزَاء وِفَاقًا} [النبأ: 26] وهذا هو الوجه الثاني. قوله: (أو يرجع وبالى الاستهزاء عليهم) يرجع بضم الياء من الإرجاع مبنياً للفاعل أو المفعول، أو بفتحها من الرجع أو الرجوع، لأنّ رجع يكون متعدّيا ولازما كما ذكره شراح الحماسة في قوله: عسى الأيام أن يرج! ش قوماً كالذي كانوا وقيل: إنه من المتعدي وليس بلازم. وقوله: (فيكون افلأ تقدس وتعالى كالمستهزىء بهم) في صدوا ما يترتب على الاستهزاء فيكون الاستهزاء استعارة لردّ وخامة استهزائهم عليهم للمشابهة في ترتب الأثر، فيكون يستهزىء استعارة تبعية أيضا لكن بوجه يغاير الوجه الأوّل، فبطل ما قيل إنّ العطف بأو في قوله: أو يرجع ليس كما ينبغي لأنّ مؤدّى المعطوفين واحد اللهمّ إلا أن يحمل الأوّل على الجزاء الأخروي، والثاني على الدنيوي

لما تحققت من الفرق الذي بينهما كذا قيل، ومن الناس من اتبعه فيما ذكر الآ أنه جعله مع ما قبله وجهاً واحداً ولا وجه له، وقيل يرجع معطوف على يجازيهم والاستعارة معتبرة في المسند إليه بأن شبه بالمستهزىء بسبب رجوع وبال الاستهزاء إليهم، ويجوز أن يكون من المجاز المرسل لإطلاق اسم السبب على المسبب فإنّ استهزاءهم سبب لرجوع وباله عليهم، وقيل: إنه كناية عن اختصاص ضرر الاستهزاء بهم كما في قوله تعالى {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم} [البقرة: 9] وقيل: هدّا تجوّز في الإسناد وما قبله في المسند، فالاستهزاء مجاز فيه، وفي هذا على حقيقته غير أنه أسند إلى غير ما هو له تشبيهاً لمن يردّ وبال الاستهزاء على المستهزىء بالمستهزىء، لكن قوله: أو ينزل بهم الحقارة إلخ لا يلائص4 لأنه أيضا تجوز في المسند فيجعل ردّ وبال الاستهزاء أيضا معنى مجازياً للاستهزاء لشبهه به، والحق أنه على هذا فيه استعارة مكنية، وتخييلية بجعل الله جل جلاله كالمستهزىء بهم، واثبات الاستهزاء له تخييلاً، وعبارة المصنف رحمه الله نص فيه، ولا بأس عليه وهذا أحسن مما ذكروه لما فيه من التكلف والتعسف، فإن قلت: إذا لم يتصف البارىء بالاستهزاء حقيقة لا يطلق عليه المستهزىء وتشبيهه تعالى بغيره لا يخلو من الكدر قلت: إذا صح تشبيه، فعله تعالى، وهو العقاب ورد وبال الأفعال الرديئة على أصحابها بالاستهزاء، فلا مانع من إطلاق المستهزىء عليه، كما أطلق الخادع ونحوه في قوله {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] {اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] ورب شيء يصح تبعاً ولا يصح قصدا، وله تعالى أن يطلق على ذاته المقدسة ما يثاء تفهيما للعباد وتجليا لعيون المعاني في مرائي الألفاظ. وقوله: (يرجع) معطوف على فوله مقابلة اللفظ باللفظ كما في قوله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} [الملك: 9 ا] والوبال بالفتح من وبل المربع بالضم إذا وخم ولما كان عاقبة المرعى الوخيم إلى الشرّ صار خقيقة في؟ ل شرّ وسوء عاقبة وهو المراد. قوله: (أو ينزل بهم الحقارة إلخ) البوار كالهلاك وزنا ومعنى، وينزل مضارع انزل الغائب، وعلى هذا هو مجاز مرسل بعلاقة انلزوم العادي، أو السببية في التصوّر والمسببية في الوجود وفائدته التنبيه على أنّ حالهم حقيق بأن يسخر منه ويهزأ به. وقوله: (والنرض! منه الخ) وجه آخر وعلاقة أخر! ، أو هو تفسير للازم وهو الأظهر الذي مشى عليه ا! ئر، فسمي لازم الاسنهزاء استهزاء وعطف هذا كالذي فبله، وفي شرح الكشاف يعني أنه مجاز عما هو بمنزلة الغاية للاستهزاء، فيكون من إطلاق المسبب على السبب نظرا إلى التصوّر وبالعكس نظرا إلى الوجود. قوله: (أو يعاملهم معاملة المستهزىء إلخ) أي يفعل بهم فعله وأصل المعاملة التصرّف في الأمور، وهذا هو الجواب الأخير وهو الذي ذكره في انكشاف بقوله، ويجوز أن يراد به ما مرّ في يخادعون من أنه يجري عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادّخار ما يراد بهم، وهو محتمل للاستعارة التبعية والتمثيلية، وأمّا كلام المصنف فنص في التمثيل لا يكاد يحتمل خلافه لذكره أوّلاً التجوّز في الطرفين، ومن لم يتنبه لهذا اغتر بقول بعض شرّاح الكشاف أنّ الاستعارة تبعية، فتوهم اتحاد كلام المصنف، وما في الكشاف فقال: إنها استعارة تمثيلية، أو تبعية تخييلية شبه صورة صنع الله معهم في الدنيا بإجراء أحكام الإسلام واستدراجهم بإدرار النعم، والإمهال مع أنهم من أهل الدرك الأسفل بالاستهزاء إلى آخر ما ذكروه والاستدراج الإدناء من الشيء درجة، وسيأتي تحقيقه في قوله تعالى {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [القلم: 44] وقوله بالإمهال متعلق بقوله بالاستدراج، والزيادة بالجر معطوف عليه. وقوله: (على التمادي إلخ) ظرف مستقرّ في موضع الحال قال المرزوقي: قولهم على أنه يكون كذا يجري في كلام العرب مجرى الاستدراك، وهو في موضع نصب على الحال وهذا كما تقول ما أترك حقه على ظلع بي أي أؤدّيه ظالعاً فمن قال: إنه متعلق باستدراجهم لم يصب، والتمادي في الشيء اللجاج والمداومة عليه، وأصله تمادد فأبدل أحد المثلين حرف علة للتخفيف وقيل: المدى الغاية والتمادي بلوغها. قوله: (فبأن يفتح لهم الخ) بيان لاسنهزاء الله بهم في الآخرة، وقد مرّ أن الاستهزاء والسخرية، كما يكون بالكلام يكون بالفعل، وهذا من الثاني، وهذا مأخوذ من حديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت عن الحسن قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " إنّ المستهزئين بالناس يفتح لأحدمم باب إلى الجنة فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا جاء

أغلق ثونه ثم يفتح له باب آخو فيقال له هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كدلك حتى إن الرجل ليفتح له باب قيقال هلم هلم فما يأئيه) (1) قال السيوطي: وهذا حديث مرسل جيد الإسناد، وكذا روي ما يقرب منه القرطبي في تذكرته عن ابن المبارك وقوله (وذلك قوله) أي هو معنى هذه الآية وتفسيرها، ففيه مضاف مقدر. قوله: (وإنما استؤنف به إلخ) اختلف شراح الكشاف في هذا الاستئناف هل هو الاستئناف البياني، فهو جواب سؤال مقدر أولاً، أو هو محتمل لهما، فذهب إلى كل بعض من الشرّاح وأرباب الحواشي وقال بعضهم: إنّ الثاني متعين هنا لقول الزمخشريّ ابتدىء قوله {اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} وهذا بناء منه على أنّ الابتداء يختص بالاستئناف النحوي، وهي دعوى منه بلا دليل والمحققون من شراح الكشاف والمفتاح على تقدير السؤال، وذهب السكاكي إلى أنّ فيه مانعاً من العطف، لأنّ المعطوف عليه إمّا جملة قالوا واما جملة إنا معكم إنما نحن مستهزؤن، ولو عطف لكان مقولا لهم أو مقيدا بالشرط، وليس بمراد ثم قال ولك أن تحمله على الاستثناف من حيث أنّ حكاية الله حال المنافقين قبله تحرّك السامعبن أن يسألوا ما مصير أمرهم وعقبى حالهم، وكيف معاملة الله إياهم، فلم يكن من البلاغة أن يعرى الكلام عن الجواب، فلزم المصير إلى الاستئناف، وأنما أخره ومرّضه لما قيل من أنه يفهم منه كون المقام صالحا للعطف بل هو مقتضى الظاهر ولا يظهر ما يحسن عطفه عليه إلا قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ} إلخ وهو بعيد لفظا ومعنى. وقال قدس سرّه في شرح قول العلامة إنه استئناف في غاية الجزالة والفخامة إلخ أي ليس ترك العطف فيه لدفع توهم كونه معطوفا على (إنا معكم) فيندرج حينئذ في مقول المنافقين، أو على قالوا فيتقيد بالظرف أعني وإذا خلوا بل هو لكونه استئنافا، وإنما كان في غاية الجزالة والفخامة لدلالته على أنهم بالغوا ني استهزائهم مبالغة تامّة ظهر بها شناعة ما ارتكبوه، وتعاظمه على الأسماع على وجه يحرّك السامع أن يقول: هؤلاء الذين هذا شأنهم ما مصير أمرهم إلخ ثم إنّ هذا إلاستئناف لم يصدر إلا بذكره تعالى لفائدتين الأولى التنبيه على أنّ الاستهزاء بالمنافقين هو الاستهزاء الأبلغ الذي لا اعتداد معه باستهزائهم لصدوره عمن يضمحل علمهم وقدرتهم في جانب علمه، وقدرته الثانية الدلالة على أنه تعالى يكفي مؤنة عبادة المؤمنين وينتقم لهم، ولا يحوجهم إلى معارضة المنافقين تعظيما لشأنهم، وفي هاتين الفائدتين تأييد لجزالة الاستئناف وفخامته وأورد صيغة الحصر في قوله: وفيه إنّ الله عز وجل هو الذي يستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ تنبيها على ما هو مدلول الكلام من أنّ بناء الفعل على الم! - أمطلقا عنده للاختصاص، ودلّ بقوله ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله على أنّ الحصر بالقياس إليهم أي هو المستهزىء دون المؤمنين لا يقال الاستهزاء بمعنى السخرية لا يتصوّر منه! تعالى، وبالمعنى المراد من إنزال الهوان والذل لا يتصوّر من المؤمنين، فكيف يتصوّر الحصمر لأنا نقول معناه أنمه تعالى يتولى الاستهزاء بالمعنى الذي يليق به، ولا يتولاه المؤمنون بالمعنى الذي يليق بهم، ويماثل أستهزإء المنافقين وفي كلامه إشارة إليه، فلا إشكال حيمئذ. (أقول) سبقه إلى هذا الفاضل المحقق حيث قال: ليس ترك العطف لمجرّد دفع أن يتوهم العطف إلخ وفي قوله لمجرّد إيماء إلى أنّ كلام الزمخشرقي غير مناف لكلام السكاكي إذ يجوز أن يقال ترك العطف لما فيه من المانع، ولجزالة الاستثناف وفخامته، وكونه مقتضيا لصلاحية المقام للعطف غير مسلم ولا أدري لم لم يجر قدس سرّه على سننه، وفي المانع المذكور كلام في كتب المعاني لا يهمنا الآن، فمن أراده فعليه بها إذا عرفت هذا ففيما قصصناه عليك أمور. (منها) أنّ ئوله إن ترك العطف ليس للمانع المذكور بل هو لكونه استئنافاً في غاية الجزالة إلخ يقتضي أنّ بين المسلكين تنافيا وليس كذلك لما سمعته آنفاً. (ومنها) أنّ ما ذكره من الفائدتين، وانّ فخامة الاستئناف بواسطتهما لا وجه له، فإنهما ما جاآ من الإسناد إلى ألله تعالى وتصدير اسمه الكريم، فالفائدتان متحققتان على تقديري الاستئناف وعدمه وفي كلام الفاضل ألمحقق إشارة إليه وقد ردّه بعضهم بما في عبارة العلامة وإيراده الواو في قوله: وفيه أنّ الله عز وجل هو الذي إلخ وسياتي ما يدفعه. (ومنها) أنّ ما ذكره تبعاً للشارح المحقق من السؤال والجواب، وقال: إنه لا إشكال فيه، لم يتضح لي حل عقدة الإشكال بما ذكروه، فإنه من قصر الصفة على

الموصوف، والمعنى ما المستهزىء بهم الآ الله سواء كان قصر قلب، أو إفراد والمذكوو في المعاني أنه لا بد أن تكون الصفة واحدة من الجانبين، وأمّا تغايرها فيهما ودعوى اتحادها فلم نر له نظيراً في كلامهم، وما هو إلأ كأن يقول زيد ضارب لا عمرو والثابت لزيد ضربه بسيفه، والمنفيّ عن عمرو ضربه بسوطه، وإن قيل إنّ الاستهزاء على هذا محمول على ما يطلق عليه الاستهزاء على طريقة عموم المجاز، فيتحقق مفهوم عام يضاف إلى الله تعالى، وألى المؤمنين، ولذا ترك المصنف الحصر، وعدل عما في الكشاف لابتنائه على خلاف المرضى من إفادة مطلق البناء على الفعل له، ولما -. . ر، ثم أنه وقع هنا في لعض الحواشي كلام طويل لغير طائلى، فلذا ليه من العسص المدكو. ضربنا عنه صفحا تجاوز إلله عنه. قوله: (ليدلّ على أن الله ئعالى إلخ) قيل: إنّ للاستئناف مطلقا هنا نكتة، وهي الإشارة إلى أنّ ما ارتكبوه من الاستهزاء أبلغ في الشناع والتعاظم على الأسماع إلى حد يقول كل سامع له ما مصير هؤلاء وعقبى أمرهم، وكيف عاملهم الله تعالى، والمصنف رحمه الله لم يتعرّض لها بل لما في الاسيتئناف من النكتتين حيث لم يصدر بذكر المؤمنين الذين كان ينبغي أن يعارضوهم بقوله ليدل إلخ. ولا يخفى ما فيه من الخلل لعدم التدبر فيما قالوه، فإنّ ما ذكره ليس نكتة للاستئناف بل بيانا للسؤال المقدر، ومنشئه والقرينة الدالة عليه هنا مع ما في تقريره مما لا يخفى، ثم أنه يرد عليه، وعلى المصنف رحمه الله ما قدّمناه من أنّ ما ذكر يؤخذ من إسناد الاستهزاء إلى الله وتصدير الجملة بذكرهـ سواء! (نت مستأنفة أم لا، والمصنف رحمه الله غير عبارذ الكشاف فوقع فيما وقع فيه، رلد أن تتكلول لو! حش--، إ / ن! - لم خ 9 لمءه 3 عطف لم يكن جواباً للسؤال المذكور، ولا جزاء لاسنهزائهم لأنه يصير المعنى أنهم قالوا: إنما نحن مستهزؤن. وهم هزأة في أنفسهم الله مستهزىء بهم، وإذا كان جواباً وجزاء فقد تولى الله جوابهم بنفسه تعظيماً وتكريماً للمؤمنين، ولم يكل الجواب إلى المستهز! بهم كما هو مقتضى الظاهر إشارة إلى أنه يجازيهم بما لا يقدر عليه البثر، وهذا إنما نشأ من الاستئناف، وتغيير الأسلوب بفحوى المقام كما لا يخفى على من له نظر سديد. وقوله: (لا يؤبه به) بضم الياء التحتية وهمزة ساكنة يجوز أن تبدل واو أو باء موحدة مفتوحة، وهاء أي لا يعتدّ به لحقارته، ومثله يعبأ به، وهو متعد بالباء وعدّي في الحديث باللام وهذا إنما يتأتى على غير الوجه الثاني في معاني الاستهزاء. فتأمّل. قوله: (ولعله لم يقل الله مستهزىء إلخ) قال الفاضل المخقق في بيان ما في الكشاف من أنه لم يقل الله مستهزىء بهم ليطابق قوله إنما نحن مستهزؤن. كما هو مقتضى الظاهر لأن يستهزىء يفيد حدوث الاسنهزاء وتجدده، وقتاً بعد وقت يعني أنه لكونه فعلا يفيد التجدّد والحدوث، ولكونه مضارعاً صالحاً للحال يفيد الحدوث حالاً، وكونه مستعملا في مقام لا يناسب التقييد بحال دون حال يفيد التجدد حالا بعد حال وهو معنى الاستمرار، وهذا كما صرّحوا به يفيده المضارع مطلقاً، لا إذا قدم المسند إليه، فصار جملة اسمية حتى يصل التجدّد من الفعل، والاستمرار من كون الجملة اسمية على ما توهمه البعض ألا ترى أنّ في قوله تعالى {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] وقوله تعالى {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ} [الحجرات: 7] وغير ذلك قد دل المضارع على التجدّد والاسنمرار من غير تقديم للمسند إليه، وينبغي أن يعلم أنّ هذا غير مستفاد من الجملة الاسمية، فإنه متأت واستقرار لا استمرار بمعنى الحدوث حالا فحالا ومرّة بعد أخرى، وفي شرح الطيبي أنه من اقتضاء المقام، فإنك إذا قلت فلان يقري الضيف عنيت أنه اعتاده واستمرّ عليه لأ. أنه يفعله أو سيفعله، وقد يقال إنّ هذا أبلغ من الاستمرار الثبوتي الذي تفيده الاسمية لأنّ البلاء إذا استمرّ قد يهون وتألفه النفس كما قال المتنبي: حلفت ألوفا لو رجعت إلى ا! ب لفارقت شيبي موجع القلب باكيا وكما قلت أنا: ألفت البكاء فلو زال عن عيوني بكته جميع الجوارح وقوله: (ليطابق تعليل للمنفي وارساء) تعليل للنفي وعداه بالباء، وهو يتعدّى بإلى أو اللام تسمحاً، أو لتضمنه معنى الاعتناء، والنكايات جمع نكاية بمعنى العقوبة، وفعله نكأت ونكيت، وهو من نكأت العدوّ إذا أكثرت

فيه الجرح والقتل حتى وهن، كما في النهاية الأثيرية. قوله: (يحدث حالا فحالا ويتجذّد حيناً بعد حبن) إشارة إلى أنه مستفاد من المضارع، وأنه غير الاستمرار المستفاد من الجمنة الاسمية كما مرّ، وما في شرح الكشاف للعلامة الرازي من توجيه الجواب بأنه لو قال الله مستهزىء بهم حتى تكون الجملة اسمية لزم أن يكون استهزاء الله تعالى بهم ثابتا دائما، وهو لا يليق بالحكيم العليم، ولو قال: يستهزىء الله دل على أنّ الاستهزاء ينتقل عنهم، وهو ليس بمراد فقال تعالى {اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} حتى يفيد تجدّد الاستهزاء بحسب الفعل، وإنّ ذلك المتجدد ثابت دأئماً بحسب الجملة الاسمية فهذأ لا يتم لأنّ المسند إذا كان اسماً دل على الثبوت، وان كان فعلا دلّ على التجدد سواء تقدم المسند إليه أو تاخر كما لا يخفى وقد مرّ ما فيه، وقيل فيه بحث لأنا لو سلمنا إنّ المسند إذا كان فعلاَ دل على التجدد سواء تقدّم المسند إليه 4 أو تأخر لكن لم لا يجوز أن يدل تقدم المسند إليه على الثبوت لصيرورة الجملة اسمية والجمع بين الدلالتين بأن يراد استمرار التجدد، وهو أن يتجدد فرد وينقضي ثم يتجدّد فرد آخر، فالاستمرار في النوع والتجدّد في الافراد، وقيل في التفصي عنه أنّ الجملة الاسمية الدالة على الثبات هي التي كل واحد من جزأيها اسم وأمّا التي الجزء الثاني منها فعل فلا كما صرّح به الكاشي في شرح المفتاح، فالوجه إنه يستفاد من المضارع كما حققناه لك، ثم إنّ قوله إنّ استهزاء الله بهم دائما لا يليق بالحكيم العليم قيل عليه انه لا وجه له، فإنّ الاستهزاء بمعنى إنزال الهوان، والحقارة بأعداء الدين ولا ضرر في دوامه بل قيل إنّ دوامه هو اللائق بالحكيم، ودفع بأنّ المراد بعدم اللياقة أنّ مقتضى الحكمة أن لا يديم الهوان والنكال حتى يألفوه، ويتمرّنوا على مقاساته، فيخف عليهم وقعه، ولا يخفى أنّ سياق كلامه يأبا. فليحرّر. قوله: (من مدّ الجيش إلخ) مد وأمد بمعنى وبهما قرىء هنا، وفي الأعراف في قوله تعالى {يَمُدُّونَهُمْ} [الأعراف: 202] بضم الياء وكسر الميم وبفتح الياء وضم الميم وفي الدر المصون المشهور فتح الياء من يمدهم وقرىء شاذاً بضمها، وفيه نظر لأنّ المصنف رحمه الله عزى الضم لابن كثير لكنها لم تثبت عنه في السبعة، واستدل بها لما ادعاه فإنّ القراءات يعضد بعضها بعضا، وهذه من الإمداد، وهو لم يرد بمعنى الإمهال عنده قال أبو عليّ في الحجة: عامّة ما جاء في التنزيل فيما يحمد وششحب أمددت على أفعلت كقوله تعالى {أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} [المؤمنون: 55] وقوله {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} [النمل: 36] وما كان خلافه يجيء على مددت كما هنا وقال أبو زيد أمددت القائد بالجند وأمددت الدواة، وأمددت القوم بمال ورجال وقال أبو عبيدة: يمدونهم في الغي أي يزينون لهم يقال: مد له! ي غيه، وهكذا يتكلمون بهذا، فهذا مما يدل على أنّ الوجه فتح الياء، كما ذهب إليه أكثر ووجه ضمها أنه بمنزلة قوله فبشرهم بعذاب أليم. اهـ وما ذكره المصنف رحمه الله تغ فيه الزمخشريّ حيث قال: إنه من م! د الجيش، وأمده إذا زاده والحق به ما يقويه، ويكثره فهو من المدد دون المد في العمر وهو الإملاء، والإمهال وكفاك دليلا على أنه من المدد دون المد قراءة يمدّونهم بضم الياء على أنّ الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كاملى له يعني أنّ هذه المادّة وودت مستعملة بمعنيين في مقامين أحدهما إلحاق الشيء بما يقوّيه، ويكثره وذلك الملحق يسمى مدداً، وثانيهما الإمهال ومنه مد العمر ومدّ الله في الغي والواقع في النظم من الأوّل دون الثاني لوجهين أحدهما أنه قرىء بضم الياء من المزيد، وهو لم يسمع في الثاني وثانيهما أنه متعد بنفسه، والثاني متعد باللام والحذف والإيصال خلاف الأصل فلا يرتكب بغير داع، ودليل وغيره من أهل اللغة لا يسلمه، فورد عندهم كل منهما ثلاثيا ومزيداً ومعدى بنفسه وباللام، وكلاهما من أصل واحد ومعناهما يرجع إلى الزيادة وتعدّى هذا باللام منقول عن أبي عبيدة والأخفش، وقال الجوهريّ: مددت الشيء، فامتذ والمادّة الزيادة المتصلة ومد الله في عمره ومده في غيه أي أمهله وطوّل له، والفرق بين الثلاثي والمزيد إنما هو بكثرة استعمال أحدهما في المكروه والآخر في المحبوب فمدّ في الشرّ وأمدّ في الخير عكس وعدوا وعد، وقيل مده زاده وأمده من غيره. وقوله: (بالزيت والسمادا لف وششر مرتب للسراج والأرض! والسماد بفتح السين، وتخفيف الميم وآخره دال مهملة قال في المصباح السماد وزان سلام ما يصلح به الزرع من تراب وسرقين، أي زبل وسمدت الأرض تسميدا أصلحتها

بالسماد وقوله لا من المد إلخ، قد عرفت ما له وعليه، وانه تبع فيه الزمخشريّ. قوله: (والمعتزلة لما تعذر عليهم إلخ) إنما تعذر لأنهم قالوا بقبح إيجاد القبيح وخلقه وبوجوب ما هو الأصلح للعباد على الله تعالى، والآية بظاهرها تنافي ذلك لأنّ الطغيان قبيح كزيادته، ومثله لا يصدر عنه تعالى على زعمهم فأوّلوه بوجوه بناء على زعمهم الفاسد من أنه لا يصدر عته ولو صدر عنه كيف يذمّهم عليه، ولذلك فسره بعضهم بالإمهال لكنيم لم يرتضوه لأنّ اللغة لا تساعده. وقوله: (منعهم الله تعائى ألطافه إلخ) إشارة إلى أوّل وجوه التأويل، وهو أنه تعالى منعهم ألطافه التي منحها غيرهم وخذلهم لكفرهم وما هم عليه فتزايد رين قلوبهم وظلمتها فسمي ذلك الزإئد مددا في الطغيان وأسند إليه تعالى ففيه مجاز لغوي في المسند وعقلي في الإسناد باسناد الفعل لمسببه، وفاعله في الحقيقة الكفرة، وألطافه جمع لطف كقفل وأقفال، وهو عند المتكلمين ما يختار عنده المكلف الطاعة تركا واثباتا وينقسم إلى توفيق وعصمة. وقال القشيري اللطف قدوة الطاعة على الصحيح، ويسمى ما يقرّب العبد إلى الطاعة، وبوصله إلى ا) خير أيضاً لطفاً كما سيأتي، ومنح بمعنى أعطى والخذلان ترك المساعدة، والرين صدأ يعلو الحلي استعير لما يمنع قبول الحق، والاهتداء له كالظلمة يعني أنهم لما أصروا على الكفر لم يساعدهم الله لمنعهم لطفه عنهم فتزايد رين قلوبهم فسمي ذلك التزايد مدداً، وأسند إلى الله لأنه المسبب لسببه فهو السبب إلبعيد ففيه تجوّزالن كما مز، والكفر والرين ومدده من أفعال الكفرة عندهم، وقوله يسبب كفرهم متعلق بمنعهم أو خذلهم، وهو جواب عن سؤال مقدر أي لم منع بعض عباده، ومنح أخرين والكل عباده، ومثله لا يحسن عقلا عندهم فأجيب بأنهم تسببوا لذلك بالكفر والإصرار، وردّ بأنّ المتبادر من كونه مسببا أنه خالق السبب، ومنع الألطاف عدميّ لا يتعلق به الخلق، فإن قيل يدفعه قوله خذلهم فإنّ الخذلان تيسير أسباب الغواية كما إنّ اللطف تيسير أسباب الهداية، وقعوا فيما فرّوا منه فإنّ تسبيب القبيح قبيح، وأن كان قبحه دون قبح إيجاده، ثم إنه ينقل الكلام إلى ما قبل الكفر والإصرار فإن قالوا بوجود الألطاف عندها كان مكابرة لأنها لو كانت ما كفروا، ولا أصرّوا فالحق ما ذهب إليه أهل الحق فتدبر. قوله: (فتزايدت بسببه قلوبهم) الظاهر أنه ماض معطوف على منعهم لا جواب لما مع الفاء، وان كاد جائزا أيضا فإنّ جوابها يكون ماضيا بلا فاء، وقد يكون معها وبكون مضارعا وجملة اسمية مع إذا الفجائية، والفاء كما فصله شراح التسهيل، وقوله تزايد قلوب المؤمنين مصدر منصوب على إنه مفعول مطلق لقوله تزايدت تشبيهيّ كما تقول وقيته وقى الكتاب، وأمّا كونه ماضيا جواباً للما هربا من اقتران الجواب بالفاء فمع أنه لا حاجة إليه بعيد بحسب المعنى لأنه لا تعرض له في الآية، وان لزم معناها. قوله: (أو مكن الشيطان من إغوائهم) إلخ عطف على منعهم، وأسند جواب لما الثانية كما مرّ، وهو مجهول وهذا هو الوجه الثاني من تأويلات المعتزلة، وحاصلها كما قال قدس سرّه إنه إمّا أن يكون سمي ما تزايد من الرين مدداً في الطغيان، وفيه تجوّز إن كما مرّ أو أريد بالمد في الطغيان ترك القسر والإلجاء إلى الإيمان وهو فعله تعالى واسناده إليه حقيقة والمسند مجاز أو المراد معناه الحقيقي، وهو فعل الشيطان لكنه أسند إليه تعالى مجازا على مذهبه لأنه بتمكيته واقداره، وقد يتوهم أنّ إيقاع المد عليهم تجوّز لازم على كل مدّهب لأنّ حقيقته أن يوقع على الطغيان، ونحوه مما يقع فيه الزيادة، ودفع بأنّ المفهوم من مدّ طغيانهم ومذهم في طغيانهم واحد. (وههنا مباحث جليلة) : (الأوّل (أنه أورد على ما في الكشاف، وشروحه كما سمعته آنفا إنه جعل منع الألطاف سبب الإصرار على الكفر، ولا شك أنّ الكفر والإصرار عليه سبب لمنع الألطاف ففيه دور، وقد مرّ إيماء إليه، ثم إنه جعله فعلاَ للشيطان في الوجه الثاني، والشيطان لا يقدر على خلق شيء في العبد باتفاق منا ومنهم، وإنما هر مغو بوسوسته وتزيينه ولا يقدر على غير ذلك كما حكاه الله عنه في قوله {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} [إبراهيم: 22] فتعين إن محدثه العبد عندهم، وقول المعتزلة كما حكاه الزمخشريّ إنه فعل الشيطان لا يقوله شيطان أصلا كما قيل: ما أقبح الشيطان لكنه ليس كما قالوا وما صوّروا

وقد أجيب عن هذا بأنّ منع الألطاف سبب الكفر، والإصرار عليه، ثم بعد ذلك يكون الكفر المستمرّ مانعاً لألطاف أخر فلا دور فيه والمراد بكونه فعل الشيطان إنه حدث من العبد بوسوسته فهو مجاز في الإسناد والأول صحيح، وأمّا الثاني فغير صحيح كما لا يخفى، وقد صرح الشراح بخلافه. (الثاني) أنه أورد على الأوّل، وكونه مجازا في المسند والإسناد إنه إن كان المدد وإعطاؤه مختصا بالأجسام كما يتبدر من كلام الأساس لا يصح إنه لا تجوّز في الوجه الأخير إلا في الإسناد، لأنّ الشيطان لا يعطي المنافقين حبة يتقوى، ويتكثر بها طغيانهم إذ ليس منه إلا الوسواس وان كان أعمّ يتناول الذوات والصفات كالرين، والظلم لا يكون في المسند تجوز أصلاَ، وأجيب عنه بإختيار الشق الثاني لكنه وإن عئم مخصوص بالمحسوس. (الثالث) إنه على إرادة تمكين الشيطان قيل إنّ الإسناد إلى الشيطان أيضا مجازي، لأنّ أصل الطغيان وزيادته من فعل الكفرة عندهم إلا أنه لما صدر منهم بإغواء الشيطان أسند إليه لكونه موجدا لسببه إذ لا قدرة له على غير الوسوسة كما مرّ لكن لما حصل ذلك بإغواء الشيطان، وكان إغواؤه بإقدار الله له عليه، وتمكينه منه فالله سبب بعيد، ولذا أسند إليه لأنه مسبب له بصيغة اسم الفاعل، ولا يخفى ما فيه من الخبط والخلل، وكيف يتوهم إسناده مجازا إلى الشيطان هنا، وهو مسند في النظم إلى الله تعالى فالظاهر أنّ المد تجوّز به عن تزيين الشيطان واغوائه لأنه سبب للزيادة إلا أنه لما شاع ذلك وكثر منه صار كأنه موجد له حقيقة، واسناده إلى الله تعالى مجازي أيضاً فهو كالأوّل في التجوز في المسند، والإسناد إلا أنه يغايره لمغايرة المتجوّز به فيهما، ثم أنّ المصنف رحمه الله خالف الزمخشريّ فطوى التجوّز بالمد في الطغيان عن ترك القسر والإلجاء الذي هو فعل الله وإسناده إليه حقيقة، وإن كان المسند مجازا لقربه من الأوّل لأن منع الألطاف وترك القسر كشيء واحد، ثم إنّ الظاهر أنه اختار أنه مجاز عن منع الألطاف، في الأوّل لا عما تزايد من الرين، ولذا ترك قول الزمخشريّ فسمي ذلك التزايد مددا فهو عنده مجاز في الطرف فقط، وأسناده حقيقيّ عنده فعدل عما في الكشاف لما فيه من تطويل المسافة وزيادة التجوّز، وهذا مما لم يتنبه له شراح هذا الكتاب، وهو من منح الكريم الوهاب، ثم إنّ السمرقندي رحمه الله قال في تفسيره هنا مدهم في الطغيان بمعنى خلق فعل الطغيان لأنّ المدّ متى أضيف إلى الأعيان يراد به الطول والعرض! للعين، والجسم وأن أضيف إلى الفعل يراد به الامتداد، وهو تجذد الفعل بتجدد الزمان، وهذا معنى قول الفقهاء أنّ للفعل الممتد حكم الابتداء نحو السكون والركوب ونحوهما، اهـ. فقد عرفت منه أنه لا يختص بالمحسوس صفة كان أو ذاتا وأنه يختلف باختلاف ما يضاف إليه، ومنه علم ما في كلام بعض الشراح الذي سمعته آنفا. قوله: (وأضاف الطفيان إلخ) هذا وما بعده كله من كلام المعتزلة، وتأ! د أوهامهم الفارغة. وقال قدس سرّه- لم ئيردّ الزمخشريّ-: إنّ هذه الإضافة تدل وضعاً على أنّ الطغيالط بإيجاد العبد لا بإيجاده تعالى حتى يرد عليه أنّ الأمور المخلوقة له تعالى إذا قامت بالعباد كالبياض تضاف إليهم إضافة حقيقية لا مجازية لأدنى ملابسة كما توهم فلا دلالة للإضافة على إيجاد العباد لها بل أراد أنّ الطغيان من الأفعال التي اكتسبوها باختيارهم استقلالاً، ولا تعلق لها به تعالى فحقه أن يضاف إليهم لا إله إشعارا بهذا الاختصاص لا بالاختصاص باعتار المحلية والاتصاف فإنه معلوم لا حاجة فيه إلى الإضافة، ولولا قصد هذا عريت عن الفائدة، ومثله معتبر في الخطابيات عند البلغاء، وردّ بأنّ هذه الخطابيات لا تعارض البراهين القاطعة بأنه لا خالق سواه وأنه لا يقع إلا ما أراده، وقيل عليه: إنّ الزمخشرقي عنى أنّ إثبات اللغو في كلام الله تعالى وترك اعتبار الدلالات الخطابية المعتبرة عند البلغاء مما لا يليق بمقام الإعجاز، وإن بنى عليه تأييد مذهبه وردّ مذهب أهل السئة لئلا يلزم هذان الأمران المنافيان لأسلوب الحكيم فلا يكفي في دفعه أنّ الدلالات الخطابية لا تعتبر مع الدليل القاطع الذي ذكره، فالجواب أنّ فائدة الإضافة الإشارة إلى أنّ نسبة الطغيان إلى العباد ليست بمجرّد المحلية بل باعتبار كسبهم إياه، وإن كان بخلق الله تعالى وارادته، وأيضاً يجوز أن تكون الإضافة للعهد على أنّ المراد بطغيانهم الطغيان الكاملى، ولا يخفى أنه فرّ من السحاب، ووقف تحت

الميزاب، فإنّ الإضافة لا تدل على الكسب ولا على عدمه، ألا ترى أنك تقول عبد زيد وبلدة فإنّ موضوعها إنما هو الاختصاص التام بايّ طريق كان فالظاهر أن يقال أنه للإشارة إلى أنّ طغيان غيرهم في جنبهم كلا شيء لادّعاء اختصاصهم به، وهذا أنسب بطريق البلاغة، ومصداق الشيء ما يصدقه أي يحققه ويدلّ على إنه أمر واقع وهو بكسر الميم صيغة مبالغة كما يقال فلان منحار ومطعام، وقد يكون مصدراً واسم مكان وزمان كميعاد وميقات، وليس هذا بشيء فإنّ تعريف اللام والإضافة متقاربان وهو تفنن وسيأتي تفسير هذه الآية في سورة الأعرإف. قوله: (أو كان أصله يمد لهم إلخ) عطف على لما منعهم إلخ، وقيل أنه عطف على قوله من مدّ الجيش، ولا يخفى بعده وهو قول الجبائي من المعتزلة، وهو أحد التأويلات لما تعذر عنده إبقاؤه على ظاهره كما مرّ، وإليه ذهب الزجاج وتبعه البغوي، وغيره من المفسرين ورجح كونه بمعنى الإمهال لأنه في حد ذاته إحسان وخير وهو تعالى لا يمدّهم في الشرّ وقد مرّ ما فيه وإنّ الحذف والإيصال خلاف لأصل وإنّ كونه لا يتعدّى إلا بالحرف غير مسلم عند أهل اللغة فتذكره هـ قوله: (كي يتنبهوا ويطيعوا إلخ) هذا أيضاً من تتمة التأويل، وكلام المعتزلة فإنّ المدّ في العمر فعل الله تعالى حقيقة، وهو عندهم معلل بالإغراض! ، وجار على الوجه الأصلح الواجب عليه ليجري على وفق مصالح العباد فإمهالهم ليس للازدياد في المعاصي القبيحة حتى لا يسند إلى الله، وهذا وما بعده بناء على أنّ في طغيانهم ليس لغواً متعلقا بيمدّهم بل حال من ضميره أو متعلق بيعمهون مقدم عليه والجملة حالية، والمعنى أنه يمهلهم لينتبهوا وهم يزدادون طغيانا وعمى أو بمدهم من المدد أي يمدهم بالمال والبنين لأجل أن يصلحوا والحال أنهم بخلافه، وقد قيل على قوله كي ينتبهوا إلخ أنه لا يدل عليه اللفظ ولا السياق بل يدل على خلافه لأنّ قوله يمدهم معطوف على قوله يستهزىء بهم كالبيان له على أنّ الإمهال يكون للتنبيه والاسندراج والسياق يؤيد هذأ دون ذاك، والله تعالى عالم بعواقب أمورهم وأنهم لا ينتبهون فكيف يقصد خلاف ما يعلمه فإن أراد الاعتراض على المصنف فليس بوارد عليه لأنه ناقل لما قاله المعتزلة وان أراد بيان ما في نفس الأمر فلا ضير فيه، وقوله فيما ازدادوا إلخ الحصر مستفاد من المقام لا من حاق النظم. قوله: (أو التقدير يمدّهم إلخ) هذا جواب رابع للمعتزلة على أن يمدهم من المدد بإرشادهم للأدلة العقلية والنقلية، وافاضة ما يحتاجون إليه ليصلح حالهم واستصلاحا مبنيّ على مذهبهم في التعيل بالإغراض، والإستصلاح إرادة الصلاح، وقد قيل عليه إنه يلزم تخلف مراده تعالى، وهو مذهب المعتزلة وأمّا عندنا فمحال والكلام في تقرير مذهبهم فلا يضرنا، وأمّا أنه وارد على قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [صورة الذاريات: 56] إلا أن يراد البعض منهم، وهم السعداء فهو ساقط ولك أن تفسر الإستصلاح بطلب الصلاح، والطلب غير الإرادة عندنا، وأمّا الآية فلا يرد عليها شيء كما توهم لأنّ ما خلق له الجن! غير ما أريد منهم وسيأتي تفسيرها في محلها فلا حاجة لتلقي الركبان وقوله وهم مع ذلك إلخ قيل إنه إشارة إلى أنّ يعمهون خبر مبتدأ محذوف، وفي طغيانهم متعلق به أو بيمدهم والظاهر أنه بيان لحاصل المعنى من غير تقدير فيه، ويعمهون حال من منصوب يمدهم أو من مجرور طغيانهم أو هما حالان من ضمير يمدهم وان منعه بعضهم وقيل إنه إشارة إلى تقدير مبتدأ، وأنّ الجملة مستأنفة لبيان عدم انتفاعهم بما أمدهم الله تعالى به. قوله: (والطيغان إلخ) المصدر يكون مضموماً كشكران ومكسوراً كحرمان، وقد سمعا في مصدر اللقاء كما أشار إليه المصنف، وقال الراغب: الفرق بين الطغيان والعدوان أنّ العدوان تجاوز المقدار المأمور بالانتهاء إليه، والوقوف عنده، والطغيان تجاوز المكان الذي وقفت فيه، ومن أخل بما عين من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فيما يتعاطاه فقد طغى ومنه طغى الماء أي تجاوز الحد المعروف فيه قيل، وابغي طلب تجاوز قدر الاستحقاق تجاوزه أو لم يتجاوزه وأصله الطلب ويستعمل في التكبر لأنّ المتكبر طالب منزلة ليست له، وقوله عن مكانه عدى التجاوز بعن، وقد وقع مثله في كلامهم كما في عبارة الرضي والزمخشريّ السكاكيّ وقد اعترض! عليه السيد في حواشي الرضي فقال: جاوزت الشيء وتجاوزته بمعنى، وتجاوز عنه بمعنى عفا يعني أنّ المتعدي بعن، إنما هو بمعنى العفو والمغفرة

فهذه العبارة وأمثالها مخالفة لكلام العرب، وكأنه ضمن التجاوز معنى التباعد واليه ذهب كثير من الفضلاء، وقد وقع مثله في شعر من يوثق به ويجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه كقول أبي تمام في بعض قصائده: فلا ملك فرد المواهب واللها تجاوز لي عنه ولا رشأدفرد وقد تعرّض له الإمام التبريزي في شرحه، ولم ينتقده عليه وهو من أئمة اللغة وهذا مما لم يقف عليه المعترضون كما بيناه في حواشي الرضي تجاوز الله عنه. قوله: (والعمه في البصيرة كالعمى في البصر (ظاهره إنهما متباينان لاختصاص أحدهما بالباطن والآخر بالظاهر، وهو مخالف لقول الزمخشريّ العمى عام في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة لأنه جعل بينهما عموماً وخصوصا مطلقاً وهو المشهور، وقد أيد بقوله تعالى {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ولك أن تقول في التوفيق بينهما إن العمه مخصوص بالقلب والعمى بالبصر بل بالعينين إذ لا يقال لفاقد أحدهما أعمى بل أعور، ثم تجوّز به لما في القلب وشاع حتى صار حقيقة عرفية لغوية، ولذا لم يذكره في الأساس في المجاز فإن نظرنا لأصل الوضع كانا متغايرين كما ذكره المصنف وان نظرنا للاستعمال، والحقيقة الثانية كان كما ذكره الزمخشريّ ولذا كان له صفتان أعمى وعم كحذر وتحقيقه كما في المصباح عمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيراً، وتعامه مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها إمارات تدل على النجاة فهو عمه، وأعمه وعمى عمى فقد بصره فهو أعمى، والمرأة عمياء والجمع عمى من باب أحمر، وعميان أيضا ويعدى بالهمزة فيقال أعميته ولا يقع العمى إلا على العينين جميعا ويستعار العمى للقلب كناية عن الضلالة والعلاقة عدم الاهتداء فهو عم وأعمى القلب، اهـ. وما قيل في التوفيق إنّ المصنف رحمه الله لم يرد اختصاص العمى بالبصر بل أراد بيان العمه بأنه صفة للبصيرة بمنزلة العمى في البصر لا طائل تحته، والدهر يرضى العمى بالعور. قوله: (وهو التحير إلخ) تحقيقه كما عرفته أنّ أصل العمه عدم الإمارات في الطرق التي تنصب لتدلهم من حجارة وتراب ونحوهما، وهو المنار، ثم تجوّز به عن التردّد والتحير مطلقا وصار هذا حقيقة ثانية واليه أشار ا! شيخان كغيرهما فأشارا بالتحير إلى المعنى المستعمل فيه وأشار بقوله وأرض إلخ إلى وصفه الأصلي فمن قال إنّ هذا من توصيف المحل بوصف من فيه لم يصب، وقوله: أعمى الهدى بالجاهلين العمه مصراع أو بيت من الرجز من أرجوزة طويل لرؤبة بن العجاج الراجز المشهور وقبله: ومخفق من أهله ونهله من مهمه أطرافه في مهمه وهو في وصف مفازة، وفي شرح الكشاف أي رلت مفازة لا تنتهي سعة بل أطرافها من جوانبها في مفازة أخرى أعمى الهدى أي أخفى المنار بالقياس إلى من لا دراية له بالمسالك جعل خفاء العلم عمى له بطريق الاستعارة، وقيل: أعمى صفة من عمى عليه الأمر التب! أي ملتيس الهداية إلى طرقها على من يجهل ويتحير فيها، وقد يقال أعمى فعل ماض أي أخفى طرق الاهتداء، والعمه بضم العين وتشديد الميم جمع عامه، وقال الطيبي رحمه الله: إنه جمع عمه أو عامه أي المهمة طريقه مشتبهة على الغيّ إذ ليس فيه جادّة أو منار يهتدي به، وقوله إنه جمع عمه أي أثبته أهل اللغة على خلاف القياس فيها وإلا فمفرده المطرد فاعل وفاعلة كركع، ولذا تركه غيره من الشراح. قوله: (تعالى أولئك الذبن إلخ) موقع هذا كموقع أولئك على هدى ومقابله لأنه بعد ذكر المنافقين وصفاتهم القبيحة المفصلة كأنه قيل من أين دخل عليهم هذه القبائح، ولم ينفعهم النذر والنصائح فأجيب بأنهم وإن استعدوا لغير ذلك فإنما خسر أولئك على ما مرّ لأنهم أبطلوا استعدادهم الفطري فاستبدلوا الهداية بالضلالة حتى خسرت صفقتهم، وفقدوا الاهتداء للطريق المستقيم ووقعوا في تيه الحيرة والضلال، ثم لا يخفى موقع الضلالة بعد العمه الذي أصله الضلال في القفار التي لا منار لها. وقال قدّس سرّه: إنّ هذه الآية تعليل لاستحقاقهم الاستهزاء الأبلغ والمد في الطغيان على سبيل الاستئناف أو هي جملة مقرّرة لقوله ويمدهم فتأمّل. قوله: (اختاروها عليه واستبدلوها إلخ) أدخل الاستبدال على المتروك الذي كأنه كان في يده فتركه وعدى الإشتراء بنفسه

للنأخوذ المختار، وسيأتي تفصيله وحرك واو اشتروا لالتقاء الساكنين، وجعلت الحركة ضمة لمناسبة الواو فهي عليها أخف من الكسرة، وقال الفرّاء: إنها حركت بحركة المحذوف قبلها والاشتراء مجاز، وهو أمّا مجاز مرسل لأنّ الإشتراء استبدال خاص أريد به المطلق أو استعمل في لازمه، ويجوز أن يكون هذا مراد الزمخشريّ بالاستعارة لأنها تستعمل بمعنى المجاز مطلقاً، وتسمى استعارة لغوية، وذهب بعض شراح الكشاف إلى أنها ألاستعارة المتعارفة لتشابههما في الإعطاء والأخذ، ولا يضر كونه جزء المعنى كما توهم لأنّ وجه الشبه كما يكون خارجا يكون داخلا كما صرّج به أهل المعاني، وجوّز فيه بعضهم أن يكون استعارة مكنية وتخييلية بأن تشبه الضلالة بالمبيع والهدى بالثمن تشبيهاً مضمراً في النفس بجامع الاختيار فيهما، ويجعل الإشتراء قرينة له تخييلية، ثم إنّ ما ذكره المصنف رحمه الله هو ما في الكشاف بعينه حيث قال: ومعنى إشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به على سبيل الاستعارة، وما قيل، عليه من أنه كان الأحسن والأليق بما سيأتي أن يقول المصنف إسنبدلوها به أو أختاروها عليه بالعكس، واستعمال أو مكان الواو ليس بشيء لأنّ المراد أنهم جمعوا بين الإختيار والإستبدال فلا وجه للعطف بأو، وقدّم الاختيار لأنه المراد في الحقيقة وما سيأتي شيء آخر سيأتي بيانه. قوله: (وأصله بذل الثمن إلخ) الثمن العوض، وهو أعمّ من القيم لأنها المثل المقاوم له وإن استعملت بمعناه أيضا، والناض بنون وضاد معجمة مشدّدة المراد به النقد وهو الدراهم والدنانير، ويستعمل بمعنى الناجز قال ابن القوطية: نض الشيء حصل والناض من المال ما له مدة وبقاء، وأهل الحجاز يسمون الدراهم والدنانير نضاً وناضاً، والأصل في عبارة المصنف رحمه الله بمعنى الحقيقة لأنه أحد معانيه المستعه لى فيها وفيه إشارة إلى أنّ ما فسره به أولا معنى مجازي له والأوّل أولى، وهذه قضية اتفاقية فإن وجود النقد في أحد الجانبين يعينه للثمنية والإشتراء عرفا وشرعا، فما قيل عليه من أنّ كون أحدهما ناضاً لا مدخل له في تسميته بذل الناض إشتراء لإبتنائه على وضع الشراء لبذل الثمن من ترك ما يعني للاشتغال بما لا يعني، وقوله: من حيث إنه لا يطلب إلخ تعليل لثمنيته أي لكونه غير مقصود لذاته إذ لا ينتفع به في نفسه، ولذا جاء في الحديث الدراهم والدنانير خواتيم الله في أرضه وهو من جوامع الكلم، وقوله وبذله إشتراء بنصب إشتراء إن عطف على اسم كان المستتر، وخبرها للفصل أو بالرفع مبتدأ وخبر، وقوله والا إلخ أي وان لم يكن نقد فيجوز جعل كل من الطرفين ثمناً، وهذا برمته مأخوذ من كلام الراغب في مفرداته، وخرج بقيد الأعيان المعاني كالمنافع في الإجارة، وأن يكون فاعل تعين ومن حيث متعلق به، وقيل إعتراض. قوله: (ولذلك عدّت الكلمتان إلخ) المراد بالكلمتين البيع والشراء وما شاركهما في المادّة وذلك إشارة لما ذكر ولما دلّ عليه الكلام من دلالة أحدهما على البذل والإعطاء، والآخر في الأخذ الذي يقابله واستعمال كل منهما في مكان الآخر على البدل، والأضداد جمع ضدّ، والمراد بها عند الإطلاق في اللغة إذا قالوا هو من الأضداد كلمات وردت في كلام العرب موضوعة بالاشتراك للضدين كالجون الموضوع للأبيض والأسود، وفي قوله عدت إشارة إلى أنّ بعض أهل اللغة ذكر ذلك إلا أنه في الحقيقة ليس منها لأنّ كلا منهما إنما أطلق عى الطرفين باعتبار تثابههما لا باعتبار تضادّهما، وفي المصباح إنما ساغ أن يكون الشراء من الأضداد، لأنّ المتبايعين تبايعا الثمن والمثمن فكل من العوضين مشترى من جانب مبيع من جانب، اهـ ومن لم يقف على المراد قال: لم يلزم مما ذكر كونهما من الأضداد بل يلزم منه أن يكون الشراء بذل الثمن والبيع أخذه ولا يلزم أن يكون لكل منهما معنيان أحدهما ضد الآخر وهو غنيّ عن الردّ. قوله: (ثم استعير للإعراض إلخ) قد مرّ بيان معناه وأنه من أيّ أنواع المجاز، وقد صرّح أولا بأنّ معناه الحقيقيّ مختص بالأعيان وهذه الحقيقة عرفية لغوية، وقوله سواء كان اسم كان المستتر راجع لما قبله من مدلول ما الموصولة وغير الدالة على مقابلة لتأويله بالمذكور، ونحوه لا لكل منهما على البدل كما قيل لأنّ مثله إن سلم صحته فخلاف الظاهر في الضمائر، وما ذكر سائغ صحيح وقد صرحوا بأنّ الضمير قد يجري مجرى اسم

الإشارة. قوله: (أخذت بالجمة رأساً أزعرا إلخ) في شرح الفاضل المحقق الجمة أي بضم الجيم وتشديد الميم مجتمع شعر الرأس، والأزعر افعل من الزعر بزاي معجمة، وعين وراء مهملتين الأصلع، وفي الصحاح الدردر بضمتين مغارز أسنان الصبي، وقيل إنّ المراد هنا الأسنان الساقطة الباقية الأصول من الدرد بالفتح تحات الأسنان إلى الأسناخ أي انهيارها وإنفتاتها إلى الأصول، والعمر عطف بيان للطويل وفي حواشي شيخ الإسلام الحفيد الظاهر أن يقال مغرز لأنّ الدردر واحد جمعه الدرادر على ما في الصحاح ألا ترى أنّ الفاضل اليمني قال الدردر: قيل هو جمع الدردإر فكتب قدس سرّه في الحاشية الصواب هو واحد الدرادر اهـ. (أقول) الباء في قوله بالجمة إلخ باء البدلية أي استبدلت بالشعر التام الكثير شعر رأس أصلع وبالثنايا الحسنة الواضحة ثنايا مكسورة أو ساقطة، وبالعمر الطويل عمراً قصيرا وهو كناية -عمن يبدل شبابه بمشيبه، وهذا استبدال لأمر سنيّ حسن بأمر حقير قبيح كاستبدال الرجل المسلم إذا ارتد إسلامه بكفره، وهذه الأبيات لأبي النجم الشاعر المذكور من أرجوزة له رائية والمراد بالمسلم المتنصر جبلة بن الأيهم الغساني، وكان وفد على عمر رضي الله عنه وأسلم وهو ملك فكتب عمر رضي الله عنه إلى أجناد الثام أي نواج لها إنّ جبلة ورد إليّ في سراة قومه وأصبلم فأكرته، ثم سار إلى مكة فطاف فوطيء إزارة رجل من بني فزارة فلطمه جبلة لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه فشكاه إلى عمر رضي الله عنه فقال له: إمّا العفو وامّا القصاص فقال أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة فقال له قد سوّى بينكما الإسلام فسأله التأخير إلى الغد فأمهله فلما أتى الليل هرب مع قومه إلى الشام، وارتد وكان كما يقال ندم بعد ذلك وقال شعر ابن أمية: فيا ليت أمي لم تلدني وليتني صبرت على القول الذي قالى عمر والجيذر كضيغم بجيم وياء مثناة تحتية يليها ذال معجمة أو مهملة، ثم راء مهملة. وفي القاموس مجذر كمعظم القصير الغليظ الشثن الأطراف كالجيذر أو هذه بالمهملة ووهم الجوهريّ يعني في إعجامه كما في الذيل والصلة من أنه جتذرا وجتدر بمثناة فوقية أو مهملة، وفي حواشي الصحاج لابن بري قال أبو سهل: الهروي الإعجام تصحيف، والصواب الجيدر بدال مهملة هذا ما رأيته في كتب اللغة بعد كثرة مراجعة الدفاتر من غير اختلاف في المثناة التحتية ثانية وإنما الخلاف في الإعجام والإهمال، وفي حواشي القاضي للجلال السيوطي الجبذر بالجيم والموحدة والذال المعجمة القصير ولولا حسن الظن به قلت إنه تصحف عليه فإنه مما لم يقله أحد من أهل اللغة، وتعريف المسلم كما اتفق عليه الشراح للعهد، ثم إنّ اكتراض الفاضل المذكور على تفسير الجوهريّ الدردر بالمغارز وأنّ صوايه الإفراد لا وجه له فإنه وان كان مفرداً يستعمل بمعنى الجمع كما في البيت المذكور، ومثله كثير في أسماء الأبخناس، ثم إنهم ردّوا على ما ذكره الفاضل اليمني، ولا يرد ما أوردوه عليه أيضاً لأنه ناقل له وهو ثقة ولا مانع من كون الدردار كسلسال مفردا والدردر اسم جمع له، وأيضا قوله إنّ العمر عطف بيان خلاف الظاهر إذ المتبادر أنه مضاف ومضاف إليه كزيد الطويل النجاد، وفي الشعر لطيفة أدبية لم ينبهوا عليها وهي أنه إذا كان المراد بالمسلم جبلة، وسبب ردّته لطمه للبدوي لطمة أسقعمت أسنانه ففيه مناسبة لقوله: وبالثنايا الواضحات الدردرا وما ذكروا أن أمل ما فيه من الإسهاب، فهو مغتفر بما أهداه من لطائف الآداب، والحمد لله الهادي لصواب الصواب، وقوله إذا تنصر أي ارتد ودخل في دين النصارى بدل من المسلم كقوله {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ} [مريم: 16] . قال ابن الصائغ شبه حال صباه بالإسلام وحال شيخوختة بالكفر ومما يضاهيه قوله: أورد قلبي الرد لام عذا ربدا أسود كالفكر في مثل بياض الهدى قوله: (ثم اتسع فيه إلخ) يعني أنّ أصله في عرف اللغة وحقيقته كان استبدال الأعيان بالأعيان، ثم استعمل مجازا لما يعم العين والمعنى، ثم توسعوا فيه فأرادوا به مطلق الرغبة عن شيء سواء كان عيناً أو لا في يده أو لا طمعاً في غيره سواء حصل ذلك الغير أو لا وضمير فيه للإشتراء المفهوم من السياق، وهذا أعمّ مما قبله إذ لا يعتبر

فيه التحصيل بل مجرّد الطمع، وهذا إطلاق على إطلاق والمتبادر منه أنه مجاز على مجاز والتوسع مناسب له وهم قد يستعملونه لمطلق التجوّز، وقد يراد به ما هو قريب من الحقيقة كالتفسح والتمسح، وما قيل من إنه يقال لما لم تقم عليه قرينة ليس بشيء والقرينة هنا معمولاه. قوله: (والمعنى أنهم أخلوا بالهدى إلخ) هذا تحقيق لمعنى النظم بعد بيان معنى الإشتراء على وجه يعلم منه ما في الكشاف حيث قال: فإن قلت كيف (اشنروا الضلالة بالهدى) وما كانوا على هدى قلت جعلوا لتمكنهم منه واعرضه لهم كأنه في أيديهم فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوها واستبدلوها به، ولأنّ الدين القبم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة والضلالة الجور عن القصد، وفقد الاهتداء يقال ضل منزله وضل دريص نفقه فأستعير للذهاب عن الصواب في الدين، وقال قدّس سرّه: الجواب الأوّل أنهم لما كانو! متمكنين منه تمكناً تاما بعد التكليف به، وتيسير أسبابه أستعير ثبوته لهم لتمكنهم منه فإنّ العبارة تدلّ على ثبوت الهدى لهم والمراد تمكنهم، وأمّا الحمل على جعل الهدى مجازا عن تمكنه فمما يأباه ظاهر كلامه. والجواب الثافي أنّ المراد بالهدى هو الهدى الذي جبلوا عليه، وقد كانوا على هذا الهدى بلا شبهة، ثم استبدلوا به الضلالة فلا مجاز في ثبوت الهدى لهم بل في لفظ الهدى إن لم تكن الفطرة مندرجة في حقيقته، وهو ردّ على قول الشارح المحقق جعل تمكنهم من الهدى بعد التكليف به بمنزلة تملكهم إياه فيكون التجوز في نفس الهدى حيث أريد به التمكن منه، أو في نسبته إليهم حيث استعير ثبوته لهم لتمكنهم منه وإذا أريد الهدى الذي جبلوا عليه فلا مجاز أصلا أو هو في الهدى فقط إن كان، وقد قيل عليه إنّ أوّل كلامه يشعر بأنّ الإسناد مجازي، وآخره بأنّ التجوّز لغوي وكلاهما غير ظاهر وصحة الكلام مقتضية لإسناد الضلالة والهدى إليه. (أقول) لله در الفاضل المحقق فيما أبداه فإنّ العلامة لما قرّر التجوّز في الإشتراء، وأنه بمعنى الاختيار والاستبدال فورد عليه أنّ استبدال الشيء بشيء يقتضي أن يدخل كل منهما تحت حيازة تصرفه، وهم لم يجوّزوا الهداية في الواقع كما ينادي عليه قوله، وما كانوا مهتدين أجاب عنه بوجهين إمّا جعل التمكن من الشيء بمنزلة حصوله، أو يراد بالهدى الهدى الجبليّ فإنّ كل مولود يولد على الفطرة فأشار المحقق رحمه الله إلى أنه إذا نزل التمكن منزلة التملك يجوز، أن يقال إنّ ما بالقوّة جعل كأنه بالفعل فالتجوّز في الهدى كما يسمى العصير مسكرا، أو في النسبة أي نسبة الفعل إلى مفعوله لأنّ معناه بدّلوا الهدى أي بدلوا تمكنه لهم فتركوه، والتجوّز في الإسناد بناء على الظاهر من لفظ الإشترإء وهو لا ينافي التجوّز اللغوي في الظرف كما مرّ، ول! في التجوّز في النسبة من الخفاء أخره، وقوله إنه إذا أريد ما جبلوا عليه فلا مجاز يعني به أنّ إطلاق الهداية على ما في الجبلة، وهو أمر معنوي غير محسوس يكفي في تحقق حقيقة ثبوته في نفس الأمرظهر أم لا كما سيأتي بيانه، وإن قيل إنه لا بد في تحققه من قيامه بهم بالفعل إذ لا يسمى ال! لم قبل وجوده في الذهن مثلا علما، والهدى ليس كذلك فهو مجاز، وهو الظاهر فإنكاره قدس سرّه التجوّز فيه، وادّعاء أنّ كلام الكشاف يأباه لا يسلم بسلامة الأمير، ثم إنه على التجوّز الظاهر أنه من قبيل ضيق فم الركية وبما قرّرناه لك ظهر اندفاع ما أورده عليه من إضطراب كلامه كما سمعته آنفاً، وأمّ كلام المصنف رحمه الله فتقريره إنه لما جعله مجازاً في المرتبة الثانية عن الرغبة عن الشيء بتركه طمعاً في تحصيل غيره، وهم قد رغبوا عن الهدى طمعاً في علو أمرهم، ونفاق نفاقهم واختاروه فاشتروا مجاز، وحاصل معناه مع متعلقاته ما ذكره المصنف أي تركوا الهداية مائلين عنها إلى الضلالة، والغواية وجعل الوجهين وجهاً واحدا لأنّ الهدى المركوز في الجبلة، والفطرة إن لم يكن هدى حقيقياً يرجع إلى الهدى المتمكن منه فما قيل من إنّ ملخص كلام المصنف رحمه الله أنّ المراد بالهدى الهدى الذي جبلوا عليه لا الخارج إلى الفعل إمّا أنّ ذلك هدى حقيقة، أو مجازاً ففيه توقف من الفحول، وقوله واختاروا الضلالة إشارة إلى جواب آخر، وهو أنّ الإشتراء ليس عبارة عن الاسنبدال بل عن الإستحباب والأوّل مبنيّ على حمل الإشتراء على مقتضى الإتساع الأوّل، والثاني على حمله على مقتضى الإتساع

الثاني على ما فيه من التكلف ليس بمراد له لمن تأمّله حق التأمّل، ثم إنه كان الظاهر على هذا أو بدل الواو كأنه وقع في نسخته كذلك كما وجدناه. قوله: (واختاروا الصلاة إلخ) تقدم تفسيره، وأن المختار أنه مع ما قبله وجه واحد. وفي عدم ذكره الإستبدال في بيان المعنى المراد إشارة إلى أنه غير مقصود بالذات، وأنّ ما! معنى اشتروا اختاروا الضلالة على الهدى والاستبدال ملحوظ في معناه الأصلي ليتعلق به باعتباره الباء، ولذا أخره في التفسير ولم يعطفه بأو إلا أنه بقي ههنا أمور. (مئها) أنّ حقيقة الإشتراء استبدال عين بعين على جهة العوضية المعروفة فلو تجوز به ابتداء عن اختيار أمر على آخر لأنه لازم له أو مشابه له من غير توسيع للدائرة، وتطويل للمسافة كما فعله الزمخشريّ. كان أهون وأحسن. (ومنها) أنه وقع في بعض شروح الكشاف كلمات واهية كما قيل إنّ جواب الفطرة لا يطابق السؤال، وهو أنّ المنافقين لم يكونوا على هدى فكيف استبدلوا الضلالة به، والمراد بالفطرة السلامة عن الاعتقادات الفاسدة والتهيؤ لقبول الحق، وأجيب بأنّ المراد أنّ مآل الفطرة إلى الهدى فهي على نهج أعصر خمرا، وفيما قدمناه لك غنية عما ذكر فتدبر. (ومنها) أنه قيل هنا إن حمل الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد يأباه أنّ إضاعتها غير مختصة بهؤلاء، ولثن حملت على الإضاعة التامّة الواصلة إلى حدّ الختم على القلوب المختصة بهم فليس في إضاعتها قط من الشناعة ما في إضاعتها مع ما يؤيدها من المؤيدات العقلية، والنقلية على أنّ ذلك يفضي إلى كون ما فصل في أوّل السورة إلى ههنا ضائعا، وأبعد منه حمل اشتروا الضلالة بالهدى على مجرّد اختارها عليه من غير اعتبار كونها في أيديهم بناء على أنه يستعمل اتساعا في إيثار أحد الشيئين الكائنين في شرف الوقوع على الآخر فإنه مع خلوّه عن المزايا المذكورة مخل برونق الترشيح الآني. (أقول) قد ذكر قبل هذا بعد تقرير التجوّز تقريب ما ذكروه أنه ليس المراد بما تعلق به الاشتراء ههنا جن! الضلالة الشاملة لجميع أصناف الكفر حتى تكون حاصلة لهم من قبل بل هو فردها الكامل الخاص بهؤلاء على أنّ اللام للعهد، وهو عمههم المقرون بالمد في الطغيان المترتب على ما حكي عنهم من القبائح، وذلك إنما يحصل لهم عند اليأس عن اهتدائهم والختم على قلوبهم، وكذا ليس المراد في حيز الثمن نفس الهدى بل التمكن التامّ منه بتعاضد الأسباب، وبأخذ المقدمات المستتبعة له بطريق الاستعارة كأنه نفس الهدى بجامع المشاركة في استتباع الجدوى ولا مرية في أنّ هذه المرتبة من التمكن، كانت حاصلة لهم بما شاهدوه من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة من جهة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وبما سمعوه من صالح المؤمنين التي من جملتها ما حكي من النهي عن الإفساد في الأرض والأمر بالإيمان الصحيح، وقد نبذوها وراء ظهووهم وأخذوا بدلها الضلالة الهائلة التي هي العمه في تيه الطغيان، وهو كما قيل: قعاقع) 1) ماتحتهاطائل! نها! مر أبي ورد وهو على طرف الثمام لأنه ناشىء من الغفلة عن معنى الإشارة فإنها تقتضي ملاحظتهم لجميع ما مز من الصفات والمعنى أنّ الموصوفين بالنفاق المذكور هم الذين ضيعوا الفطرة أشد تضييع بتهويد الأبناء، ثم بعدماظ فروا بها أضاعوها بالنفاق مع تحريضهم على المحافظة عليها، ونصحهم شفاهاً ونحوه مما لا يوجد في غيرهم كما يشير إليه تعريف الطرفين وأقي تضييع للمزايا وكل ما ذكرونا موجود في كلامهم بغير إسهاب ممل، وأمّا الترشيح المذكور فيكفي له وجود لفظ الإشتراء، وان كان المعنى المقصود غير مرشح به كما هو العادة في أمثاله. قوله: (ترشيح للمجارّ إلخ) أصل معنى الترشيح وحقيقته الوضعية خروج البلل والقطر الصغار مما يشتمل على شيء مائع ماء كان أو لا وعاء كان أو غيره كالضرع، وفي المثل: وكل إناء بالذي فيه يرشح ولا يختص بالجلد من الحيوان كرشح الجبين ورشح الفرب، وإن كان في بعض كتب اللغة ما يوهمه، ثم إنّ العرب كنوا به عن تربية الأمّ ولدها لأنها ترشحه بلبنها قليلا قليلا فقالوا رشحت الغزالة ولدها إذا عودته المشي معها، ورشحت الأمّ ولدها باللبن إذا جعلته في فيه شيثا فثيثا حتى يقوى على مصه، ثم تجوّزوا به تجوّزا مبنيا على الكناية عن مطلق التربية، والتهيئة لأمر مّا فقالوا فلان ترشح للوزارة إذا تأهل لها، ثم نقله أهل

المعاني لما يلائم المعنى المجازي غير القرينة المعينة، والظاهر أخذه من الأخير لما فيه من تقوية المعنى المجازي وتربيته وتحقيق معناه في إصطلاحهم إنه لفظ يذكر مع المجاز يناسب معناه المراد منه ظاهر المعنى المجازي سواء تقدّم أو تاخر، وسواء كان مستعملا في معناه الحقيقي أم لا وسواء كان المجاز استعارة كرأيت في الحمام أسدا ذا لبد أو مجازاً مرسلا نحو له في الكرم يد طولى، وقد يصحب التشبيه، والتجريد يد على كلام فيه مفصل في الرسالة الليثية وشرحها ومن أراده فليرجع إلى كتب المعاني. (وأعلم) أنّ المدقق قال في الكشف هنا أنّ التعقيب بالملائم قد يكون تبعاً لاستعارة الأصل لأوجه له غير ذلك، كما في قولك رأيت أسدا وافي البراثن عظيم اللبدتين لا يقصد بذلك إلا زيادة تصوير الشجاع بأنه أسد كامل، وهو حقيقة لا يذهب به إلى شيء كالبراثن واللبدة، وقد يكون مستقلا مع الملاءمة كما في قوله: ولما رأيت النسر إلخ وكما في هذه الآية وهذا القسم أعجبها لتقاطر ماء الفصاحة منه وترشحها، وقد يكون بين بين بأن يكون مجازاً مبنيا على الأول ولا يحسن بدونه كقوله: وما أمّ الردين وإن أدلت بعالمة بأخلاق الكرام إذا الشيطان قصع في قفاها تنفقنماه بالحبل التوام فإنّ تقصيع الشيطان تمثيل على سبيل الاستعارة لإساءة الخلق وما يتبعها من تغير الهيثة والخلقة، والتنفق مثل للاجتهاد في إزالة غضبها لكن لولا استعارة التقصع من القاصعاء، أو لا لم يصح استعارة التنفق من النافقاء، والحبل التوأم من تتمة التنفق وفيه لطف آخر فليكن هذا أصلا محفوظا عندك فلقد اشتبه على كثير من الكبراء، اهـ. وحاصله أنّ الترشيح ثلاثة أقسام ما المراد به حقيقتة، ولم يذكر إلأ لأجل الترشح وما هو استعارة في نفسه حسنة مع أنه ترشيح وما هو استعارة تابع لاستعارة أخرى لولاها لم يحسن، وخير الأمور أوسطها وهو كلام حس. قوله: (لما استعمل الاشتراء في معاملتهم إلخ) يعني أنه تجوّز بالإشتراء كما مرّ وعبر بالمعاملة ليشمل الوجوه السابقة مع ما في لفظ المعاملة بمعناها العرفي المعروف من مناسبة البيع والشراء وفيه لطف ظاهر، ويثاكله بمعنى يثابهه ويناسبه وتمثيلا تصويراً وهو تمييز أو مفعول لأجله والخسار بفتح الخاء الخسران الفعروف حقيقته ومجازه أي المقصود الأصلي من الترشيح في الآية تصوير ما فاتهم من نفع الهدى بصورة خسار التجار حتى كأنه هو بعينه مبالغة في تخسيرهم في هذأ الإستبدال، ووقوعهم في أشنع الخسار الذي يتحاشى عنه أولو الأبصار لا تصوير ألاستبدال بصورة التجارة فإنه وسيلة إلى ذلك المقصود، وفي قوله تمثيلا إشارة إلى أنه استعارة مرشحة للاستعارة الأخرى وليس من الترشيح الصرف المتبادر منه عند الإطلاق، وفي لفظ الخسار إشارة إلى أنّ عدم الربح عبارة عن الخسران وان كان أعم والمسند إلى التجارة عدم الربح لا الربح، ثم أدخل عليه النفي فإنه ليس من المجاز في شيء، وتحقيقه ما ذكره المحقق في بحث الرؤية من شرح المقاصد أنّ الكلام المشتمل على نفي وقيد قد يكون لنفي التقييد، وقد يكون لتقييد النفي فما ضربته تأديباً بل إساءة سلب للتعليل، والعمل للفعل وما ضربته إكراماً له أي تركت ضربه تعليل للسلب، والعمل للنفي وعلى هذا الأصل يتبنى أنّ النكرة في سياق النفي إنما تعم إذا تعلقت بالفعل لا بالنفي، وأنّ إسناد الفعل المنفي إلى غير الفاعل والمفعول يكون حقيقة إذا قصد نفي الإسناد مثل ما نام الليل بل صاحبه ومجازا إذا قصد إسناد المنفيّ مثل ما نام ليلي بمعنى سهرت وما ربحت تجارته بمعنى خسرته، وهذا يجري في المجاز العقلي واللغوي ويجري في غير النفي كالنهي والشرط، والأمر كما فصله وما قيل عليه من أنّ حقيقة الإسناد إسناد الشيء إلى ما هو له فلا يكون نفي الإسناد حقيقة ليس بوارد لما سيأتي وبينهما فرق مقرّر. (فإن قيل) إسناد النفي لازم لنفي الإسناد وهو المراد فتتحقق الحقيقة إذ المجاز إسناد النفي الذي بمعنى الإثبات كإسناد نفي الربح بمعنى إسناد الخسران. (قبل الا فرق حينئذ بين السالبة والمعدولة عندهم إلى آخر ما ذكره هنا، وهذا مما يتراءى بحسب جليل النظر بناء على أنّ السالبة لا حكم فيها أصلا كما صزح به في كتب الميزان قال القطب: في مبحث القضايا من شرح الشمسية لا يقال السوالب

الحملية والمتصلة والمنفصلة على ما ذكرتم يرفع فيها الحمل والإتصال والانفصال فلا تكون حملية أو متصلة أو منفصلة لأنها لم يثبت فيها الحمل والاتصال والانفصال لأنا نقول ليس إجراء هذه الأسامي عليها بحسب مفهوم اللغة بل بحسب الاصطلاح. (أقول) كذا قرّروه هنا من غير نكير وهو عندي في غاية الخفاء والإشكال فإنهم اتفقوا على أنّ الحكم إسناد أمر إلى آخر إيجاباً أو سلبا فإذا كان في السوالب حكم بالاتفاق وإلا لم يكن خبراً محتملا للصدق والكذب وهو بديهيّ البطلان والحكم أيضاً مستلزم للحمل أو الاتصال " أو الانفصال بديهة فقولهم اجس فيها شيء من ذلك مناقض لهذا فلا بدّ من التوفيق بينهما ولا يكون ذلك إلا بتسلييم إسناد النفي له أو عنده وهذا غير مستلزم لما توهموه من عدم الفرق بين المعدولة والسالبة فإن المعدولة فيها النفي جزء من أحد الطرفين أو منهما وهذا نفي للنسبة الحكمية مع قطع النظر عنهما والفرق بينهما ظاهر وإنما بسطت الكلام في هذا المقام لأني لم أر له تفصيلاَ شافياً للصدور فعليك بالتأمّل الصادق فإنه المخلص لك من مثل هذه المضايق ثم إنهم قالوا إنّ عدم الربح جعل كناية عن الخسران لأنه وإن كان أعم منه إلا أنّ التجارة تستلزم غالبا عملا واتلافاً فإن لم يربح لم يخل من الخسران لأنّ المال غاد ورائح معد لآفة النقصان فإن قلت إن كان رأس مالهم الهداية وقد استبدلوها بالضلالة فقد فقد رأس المال فضلاَ عن الخسران قلت هذا بناء على أنهم عدوا ما نالوه في الدنيا عوضاً عنه أو أنه اكتفي في توبيخهم بالخسران فكيف ما هم عليه من عدم رأس المال ولله در القائل: إذا كان رأس المال عمرك فاحترس عليه من الإنفاق في غير وأجب فوله: ولما رأيت النسر عز ابن دأية وعشش في وكريه جاش له صدري) النسر طائر معروف وأقواه الأبيض ولذا شبه به الشيب وإن كان الأحسن الأشهر تشبيهه باليوم كقوله: أيا بومة قد عششت فوق رأسه وابن دأية الغراب وهو علم جن! له ممنوع من الصرف وإنما صرفه الشاعر هنا للضرورة وقد استعير ههنا للأسود من الشعر الذي في سن الشباب وسمي الغراب ابن دأية لأنه يقع على دأية البعير الدبر والدأية اسم لموضمع الرحل والقتب من ظهره فينقرها فنسب إليها لكثرة ما يرى عليها أو هي الفقار وهي تغذوه كما تغذو الأمّ وقيل سمي به لأن أنثاه إذا طارت عن بيضها حضنها الذكر فيكون كالداية للأنثى والعرب تقول إذا أرادت تكذيب أحد تعريضا غراب ابن دأية وحديث ابن دأية وحدّثه بذلك ابن دأية كما في كتاب المرصع فيجوز أن يراد هنا أيضا أنّ الصبا لسرعة زواله كاضغاث الأحلام وخرافات اكاذيب والأوهام وهو حسن ورشح إحدى الاستعارتين بالأخرى كما رشح بالتعشيش وهو أخذ العش أو اتخاذه وهو الوكر أو بينهما فرق فإنّ الأوّد ما كان من العيدان والثاني ما كان في الجدران ونحوها أو الثاني ما يعد لحفظ البيض والفراخ والتعشيش كناية عن حلوله فيه وعز بمعنى غلب وقهر ومنه العزة لأنّ العزيز من شأنه ذلك وجاس من جاشت القدر إذا غلت وهو هنا كناية أو مجاز عن ارتفاع الأنفاس والاضطراب والترشيح في البيت كالآية ليس من الترشيح المشهور كما أشرنا إليه قبل والنسر يصيد الغراب ويقتنصه كثيرا ووكراه جانبا رأسه أو رأسه ولحيته وقيل طرفا لحيته وزعم بعضهم أنّ الغراب له وكران صيفيّ وشتويّ ولو قيل إنه وصف الكهولة واختلاط الشعر الأبيض بالأسود واحاطته بجانبيه لم يبعد وقوله جاش له صدري خارج عن الاستعارة ولو قال بدله طار له صبري كان أحسن كما قلت: وافى لوكر غرابه سحرا يوما فطارالصبرمن صدري قوله: (طلب الريح بالبيع والشراء إلخ) فيه تسامح لأنّ التجارة كما قال الراغب التصرّف في رأس المال طلبا للربح وفي المصباح ولا يكاد يوجد تاء بعدها جسيم الانتج وتجر والرتج وهو الباب وأرتج في منطقه وأمّا تجاه وتجيب وتجوب فأصلها الواو فلا ترد نقضاً والفضل معناه الزيادة كالشف بالفتح والكسر إلأ أنّ هذا يكون بمعنى النقصان ولذا عده بعض اللغويين من الأضداد ويقال أشف بعض أولاده على بعض إذا زاد عليه ورأس المال بمعنى أصله استعارة صار فيه حقيقة عرفية. قوله: (وإسناده إلى التجارة

وهو لأربابها) أي أصحابها، وهم التجار فهو من المجاز اللاغلي وأصله ربحوا في تجارتهم وأورد عليه أنّ الربح الفضل على رأس المال، وهو صفة للتجارة لا للتاجر. (وأجيب) بأنّ هذا معناه في الأصل، ثم نقل إلى تحصيله إذ هو بذلك المعنى لا يصلح أن يكون مصدراً لاتجر وهو المقصود بالتفسير وفيه ما لا يخفى إذ لو كان الفضل معنا. الأصلي لم يكن الإسناد مجازياً فالقاهر أن يقال إنهم تسمحوا في تفسيره بالفضل نظرا إلى حاصل المعنى المراد منه هنا وحقيقته الأفضال لا الفضل، قال الأزهريّ: ربح في تجارته إذا أفضل فيها وكذا نقله في المصباح، ثم إنّ المصنف رحمه الله جعل المسند الربح، وفي الكشاف إسناد الخسران إلى التجارة من الإسناد المجازي، وقد قيل عليه أنّ حقه أن يقول كيف أسند الربح كما ذكر. المصنف رحمه الله لأنّ النفي لا مدخل له في الإسناد فالفعل إذا أسند إلى غير فاعله لملايسة بينهما كالنوم إلى الليل كان مجازاً عقليا سواء كان الإسناد مثبتاً أو متقياً فقولك نام ليلي، وما نام ليلي كلاهما مجازان لأنّ النوم قد أسند فيهما إلى غير ما هو له إمّا بطريق الإثبات، أو بطريق النفي، ورد بأنه ليس بشيء لأنّ نسبة الفعل قد تكون ثبوتية، وقد تكون سلبية وكل واحدة منهما تعتبر في نفسها ألا ترى أنك إذا قلت ما ربحت التجارة بل التجار لم يكن هناك مجاز أصلاَ، وعلى هذا فحقه أن يقول كيف أسيند عدم الربح إلا أنه عدل عنه تنبيهاً على أنّ عدم الربح هنا كناية عن الخسران، وإن كان أعئم منه، ثم أسند وأشار بذلك إلى أنه لو اقتصر على عدم الربح كان منسوبا إلى ما هو محله فلا مجاز، نعم إذا كنى به عن الخسران وأسند إلى التجارة كان مجازاً وفائدة هذه الكناية التصريح بانتفاء مقصود التجارة مع حصول ضده بخلاف ما لو قيل فخسرت تجارتهم، وفي االحال فيما إذا قلت ما صام نهاره بمعنى أفطر وما نام ليله بمعنى سهر فإنه يكون من قبيل المجاز، وان قصد بهما نفي الصوم عن النهار والنوم عق الليل فقط كما في قولك ما صام النهار وما نام الليل لم يكن منه قطعاً، والضابط أنّ الفعل إذا نفي عن غير فاعله، وقصد مجرّد نفيه عنه كان حقيقة، وإذا أوّل ذلك النفي بفعل آخر ثابت للفاعل دونه كان مجازاً، ثم إنه قيل هنا إنّ ما ذكره قدّس سرّه من قصد مجرّد النفي إنما يصح إذا لم توجد قرينة صارفة وقد وجدت هنا فانّ قوله {اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ} إلخ، وقوله {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} في الدلالة على التجوّز كنار على علم، ثم إنه جعل النسبة السلبية كناية عن الخسران لقوله تمثيلاَ لخسارهم لأنّ عدم الربح وان كان أعمّ من الخسران نظراً لمفهومه فهو مساو له بحسب المادّة، فظهر أنّ المصنف رحمه الله يخالف كلامه ما في الكشاف بناء على الظاهر المتبادر منه من إرجاع ضمير إسناده إلى الربح فإن أرجع إلى الخسار المذكور في قوله تمثيلا لخسارهم وافقه لكن الأوّل هو الأولى، وأن اختار بعضهم الثاني، وفي شرح التأويلات إنّ نفي أحد الضدّين إنما يوجب إثبات الآخر إذا لم يكن بينهما واسطة، وهي موجودة هنا فان التاجر قد لا يربح ولا يخسر، وأجاب بأته إنما يكون كذلك إذا كان المحل قابلا للكل كما في التجارة الحقيقية أمّا إذا كان لا يقبل إلاً اثنين منها فنفي أحدهما يكون إثباتاً للآخر، والربح والخسران في الدين لا واسطة بينهما، على أنه قد تامت القرينة هنا على الخسران لقوله {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} فتدبر. قوله: (لتلبسها بالفاعل أو لمشابهتها لىلاه) قد سبق ما في الكشاف في تحقيق الإسناد المجازي من أنّ للفعل ملابسات شتى تلابس الفاعل والمفعول به، والمصدر والزمان والمكان والسبب فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز لمضاهاتها الفاعل في ملابسة الفعل، وقال: هنا الإسناد المجازي أن يسند الفعل إلى شيء يتليس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين فذهب بعض الشراح إلى أنّ ما هنا أعمّ مما سبق لأنه اشترط هناك مضاهاة الفاعل المجازي للفاعل الحقيقي في ملابسة الفعل، واقتصر هنا على تلبسه به مطلقا سواء كان بينهما مشابهة فيما ذكر أم لا، ومنهم من حمله على التقييد اعتماداً على ما قدمه أوّلاً، والتجارة سبب يفضي إلى كل واحد من الربح والخسران، ورجحوا إجراءه على ظاهره، فإنّ التليس بالذي هو له في الحقيقة مصحح للإسناد كما في قولهم قال الملك: كذ! ورسم كذا، وإنما القائل والراسم بعض خاصتة فمجرّد الملابسة كافية في صحته إلا أنه قيل إنها بمجرّدها وان كفت في ذلك

لكن ملاحظة مشابهته لما هو له أدخل فيه، وأتم فإنّ الإسناد إنما هو حق ما هو له فناسب أن يكون صرفه إلى غيره لمناسبة، ومشابهة بينهما كما اعتبره صاحب الإيضاح، وكثير من علماء المعاني فقول المصنف لتلبسها بالفاعل أو لمشابهتها إياه إشارة إلى الطريقين، وقوله من حيث إلخ بيان لمشابهة الفاعل. (أقول) لم يوضحوا الخلاف بين الطريقين، وقد قال قدس سرّه في شرح المفتاح نقلاَ عن عبد القاهر: إنه ليس المراد بالمشابهة بين الفاعلين المشابهة التي تبتني عليها الإشتعارة بل الجهة التي راعاها المتكلم حين أعطى أحدهما حكم الآخر، والظاهر أنها هي الملابسة بعينها، ثم إنه قال إذا أسند فعل الأمير إلى بعض خواصه لم يبعد أن يقصد هناك المبالغة في تشبيهه بالأمير حتى كأنه هو، وهذا مناف لما ذكره هنا وان أمكن التوفيق بينهما فتدبر. قوله: (من حيث أنها) أي التجارة المسند إليها الربح المنفي الذي هو هنا كناية عن الخسران فيصح إسنادهما إليها لأنها سبب لهما باعتبار وقوعهما فيها إذ لولاها لم يتحققا فعلى هذا لو كان مال التجارة مشترى به رقيق جاز إسناد الربح له مع القرينة فيصح أن يقال ربح عبدك، وخسرت جاريتك على الإسناد المجازي واحتمال كون العبد والجارية بنفسهما ربحا أو خسراً للإذن لهما في التجارة لا يضرّ مع وجود القرينة الصارفة فلا وجه لإنكاره إلأ أن يقال إنه أنكر حسنه فهو ممتنع في عرف البلغاء، والبلاغة فله وجه وجيه. قوله: الطرق التجاوة فإنّ المقصود إلخ) هذا ما في الكشاف بعينه، وقال الشارح المحقق: إنه بيان لوجه الجمع بين عدم ربح تجارتهم، وعدم اهتدائهم بالواو وترتيبها على اشتراء الضلالة بالهدى بالفاء مع أنّ عدم الإهتداء تكرار وملائم للمستعار له على ما هو شأن التجريد لا للمستعار منه كالترشيح، والجواب أنهم لما أضاعوا رأس المال الذي هو الهدى حيث أخذوا الضلالة التي هي عدم له لا بدل منه تسد مسدّه، وتقوم مقامه فرع على ذلك عدم إتصافهم بإصابة الربح، وعدم إهتدائهم لطرق التجارة فيعود هذا أيضاً إلى الترشيح، ونحوه ما في حواشي الشريف إلا أنه قال: بعده لكن عطفه على إشتروا الضلالة بالهدى أولى كما يرشدك إليه تأملك، يعني أنّ ما ذكر يقتضي عطف ما كانوا مهتدين على قوله (ربحت تجارتهم) مع أنّ عطفه على اشتروا الضلالة أولى بل هو الصواب كما قيل لأنّ عطفه على ما ربحت يوجب ترتبه على ما قبله بالفاء فيلزمه تأخره عنه، والأمر بالعكس إلا أن يقال إنّ ترتيب قوله {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} باعتبار الحكم والإخبار، وهذا وجه قوله أولى فلا يرد عليه شيء كما قيل، ولو جعل قوله وما كانوا مهتدين حالا كان وجها وجيهاً، ففي هذه الجملة ثلاثة أوجه، ثم إن تصريح الشراح بأنه على هذا التفسير ترشيح ردّ على الفاضل الطيبي حيث قال إنّ المصنف يعني أنه إن لم يصلح لأن يكون ترشيحا يصلح أن يكون تجريداً لأنه يحسن أن يوصف التاجر الحقيقيّ بأنه ليس مهتديا لطرق التجارة فكما أنّ مطلوب التجار في متصرّفاتهم الربح كذلك مطلوبهم سلامة رأس المال، ولا يسلم رأس المال إلا بمعرفة طرق التجارة، ورأس مالهم الثبات على الهدى والربح حصول الفلاح في الآجل إلى آخر ما ذكره، وهو مع أنه غير صواب لأنه لا يناسب تقريرهم، فيه إن أوّل كلامه مناقض لما بعده، ولذا قيل إنه سهو منه ونبه عليه الفاضك اليمني، وإنما تركه الشارح لظهوره. (وأقول) إنه لو كان معطوفاً على اشتروا كان الظاهر تقديمه لما في تأخيره من إيهامه عطفه على ما يليه وحيئمذ يكون الأحسن ترك العطف فيقطع احتياطاً كما ذكره أهل المعاني في نحو قوله: ، وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلا أراها في الضلال تهيم وما ذكروه من عدم تعقبه على الإشتراء فيه أنه لو عطف عليه، ومعناه أخلوا بالهدى الذي فطروا عليه ومعنى ما كانوا مهتدين أيضاً تضييع رأس مالهم من الفطرة السليمة، وهما متقاربان فلا وجه للعطف فيه على أنه قد يقال المعطوف بالفاء مجموعهما والخسران كما يعقب الاشتراء فكذلك جهلهم الفطري مستمرّ فيتعقب باعتبار أجزائه الأخيرة وإنما ذكر احتراسا لأنّ الخسران قد يكون لآفة نادراً لا لعدم اهتدائهم لطرقه فتدبر. قوله: (قد أضأعوا الطلبتين إلخ) هو تثنية طلبة بفتح فكسر بزنة كلمة ويجوز تسكين ثانيه بمعنى المطلوب، والاستعداد أصل معناه طلب العذة بالضمّ، وهو بمعنى التهيؤ والقابلية، ويكون بمعنى

الاستحقاق والمراد به الاستعداد القريب من الفعل لأنّ الاستعداد الأصلي باق لا يزول بالضلالات والاعتقادات الباطلة وان منعت الوصول إلى المطلوب، ودرلث الحق بفتحتين وسكون الراء لغة اسم من أدركت الشيء الكلام على المثل يتوسلون به إلى درك الحق ونيل الكمال فبقوا خاسرين آيسين من الربح فاقدين للأصل {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} لما جاء بحقيقة حالهم عقبها بضرب المثل زيادة ني التوضيح والتقرير، فإنه أوقع في القلب وأقمع للخصم الألدّ لانه يريك المتخيل محققاً، والمعقول محسوساً ولأمر ما كثر الله في كتب الأمثال، وفشت في كلام الأنبياء، والحكماء والمثل في الأصل بمعنى النظير يقال مثل ومثل ومثيل كشبه، وشبه وشبيه، ثم قيل للقول إذا بلغته ووصلت إليه. قوله: (لما جاء بحقيقة حالهم إلخ) أي لما ذكر صفات المنانقين عقبها بضرب المثل لزيادة إيضاحها فإنه إذ تخيل من المعاني شيء لم يصل إلى التحقيق أبرزه المثلى في معرض المحقق، وكذا إذا توهم ولم يتيقن أخرجه في صورة المتيقن، ولو غاب عن الحس صيره كالمحسوس المشاهد، وربما تكون المعاني التي يراد تفهيمها معقولة صرفة فالوهم ينازع العقل في إدراكها حتى يحجبها عن اللحوق بما في العقل فبضرب الأمثال تبرز في معرض المحسو*سات فيساعد الوهم العقل في إدراكها ولهذا تضرب الأمثال لمن يخاصم لأنّ خصومتة بسبب إنقياده للوهم وعصيان العقل، فإذا اتفقا زالت الخصومة لا محالة وأوقع أفعل تفضيل من الوقع، وهو القرار والثبات أي أشد تمكناً في القلب، وأقمع من القمع وهو الصرف والمنع أو القهر والتذليل، وفي القاموس قمعه قهره وذلله كأقمعه وفلاناً صرفه عما يريده، وأصله ضرب الرأس بالمثقل فكني به عما ذكر وصار حقيقة فيه، والألد أفعل تفضيل من اللدد وهو شدة الخصومة وفسره بعضهم هنا بالخصومة وفسر الخصم الألد بالخصم الأخصم كليل أليل وهو سهو منه، والحال الصفة والقصة والحديث وكل منها صحيح هنا وفي هذا إشارة إلى أنّ ما سبق إلى هنا المقصود منه توبيخهم وبيان حالهم وإن احتوى على استعارات وتجوّزات لأنّ المثل في محاورتهم يضرب بعد تقرير المراد، وما قيل من أنه يفهم من هذا إنّ ما ذكر هنا أوّل مثل ضرب في شأنهم، وأنّ بيان أحوالهم إلى هنا حقيقة، وليس كذلك لأنّ قوله {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ} تمثيل لحالهم بحال التاجر الذي لا يدري أمور التجارة، وكذا قوله {؟ الله يستهزىء بهم ولا محيص عنه} إلا بأن يتكلف فيقال ليس المقصود بما ذكر هنا إفادة أمر زائد على ما سبق بل القصد إلى تقريره، وتوضيحه على وجه بديع ناشىء من قلة التدبر، وعدم الفرق بين المجاز والمثل وسيأتيك عن قريب تحقيقه وقوله (ولأمر مّا إلخ) أي لأمر عظيم بليغ كثر ضمرب الأمثال، وفي الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال والمراد بهذا الأمر ما قرّرناه لك 0 قوله: (والمثل في الأصل بمعنى النظير إلخ) قال الراغب: أصل المثول الانتصاب، والممثل المصوّر على مثال غيره يقال مثل الشيء أي انتصب وتصوّر، ومنه الحديث: " من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوّأ مقعده من النار " (1) والتمثال المصوّر اهـ فأصله الأوّل ما ذكر، ثم استعمل بمعنى النظير، ويقال مثل بفتحتين ومثل بكسر فسكون ومثيل كقتيل بمعنى، وقال الميداني: سمع فعل وفعلى وفعيل بمعنى في ثلاثة أحرف شبه ومثل وبدل لا غير، وقد يكون بمعنى الصفة كما سيأتي. قوله: (ثم قيل للقول السائر إلخ) المراد بالسائر الشائع المشهور على الألسنة، وهو مجاز مشهور فيه صار كالحقيقة وحقيقته كقطع المسافة فشبه تداول الألسنة بتنقل الأمكنة، وقد أفصح عن هذا المعنى القائل في صفة تنقله في البلدان، وعدم استقراره في الأوطان: لا استقرّبأرض! قدنزلت بها كأنني بكرمعنى سارفي مثل والمضرب بفتح الميم وكسر الراء، ويجوز فتحها اسم مكان والمراد به الموضع الذي أستعمل فيه بعد استعمال قائله الأوّل، والمورد بالكسر لا غير الموضع الذي ورد فيه أي أوّل استعمالاته فيه وسيأتي أنّ له معنى آخر وهو المعنى الوضعي، ومعنى قول المصنف رحمه الله قيل أنه نقل من معناه الأصلي اللغويّ إلى هذا المعنى المذكور، وفي قوله هنا الممثل أي المشبه تنبيه على ما ذكره المفسرون وأهل المعاني من أنّ المثل هو المجاز المركب والاستعارة التمثيلية الشائعة في الاستعمال فلا تسمى الاستعارة المركبة أو مطلقاً ولا التشبيه مطلقا ولا معنى اللفظ الأصلي الحقيقي مثلا عندهم على ما قزره شراح التلخيص، والمفتاح وكافة أهل المعاني واتفقت كلمة الشروح هنا عليه أيضاً وهذا إذا سلم وأخذ على ظاهره لا غبار فيه، وان قيل على تفسير المورد بالحالة الأصلية التي ورد فيها الكلام إنه على هذا يكون في الكلام مجاز على مجاز وتشبيهان، مثلاَ الصيف ضيعت اللبن أصله أنّ امرأة شابة كانت تحت شيخ ذي مال قال لها ذلك لما تزوجت بشاب، وأتت تطلب

منه الإعانة فقحمد اششبيه بحال تلك المرأة دون المعنى الأصلي لما اشتهر في تلك القصة، ولو أريد بالمورد المعنى الأصلي الموضوع له لم يكن إلا تشبيه ومجاز واحد لكنه لم يقصد في الكلام إلأ التشبيه بحال تلك المرأة لا بالمعنى الأصلي، وهذا وان كان غير مسفم لا بأس به. (وههنا بحث) : فيما قاله القوم، وهو أنّ أمثال العرب أفردها المتقدمون بالتأليف، وصنفوا فيها تصانيف جليلة المقدار كأمثال أبي عبيدة والميداني وابن حبيب والزمخشرفي وابن قتيبة وابن الأنباري وابن هلال، وقد ذكروا فيها أمثالا كثيرة مستعملة في معناها الحقيقي، كقولهم السعيد من اتعظ بغيره، وأمثالا مصرحا فيها بالتشبيه كقولهم لمن يخاف شرّه ويشتهي قىهـ به، كالخمر يشتهي شربها ويخشى صداعها، إلى غير ذلك مما لا يحصر أمثاله فكيف يشترط فيها أن تكون استعارة مركبة فاشية. وقد قال الميداني: المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الأوّل كقول كعب رضي الله عنه: كانت مواعيد عرقوب لها مثلاَ وما موا! رها إلاً الأ! ا! ل فمواعيد عرقوب مثل لكل ما لا يصح من المواعيد، وقال ابن السكيت: المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له ويوافق معناه معناه شبهوه بالمثال الذي يعمل عليه+غيره، وقال غيره: سميت الحكم القائم صدقها في العقول أمالا لانتصاب صورها في العقول مشتقة من المثول الذي هو الانتصاب. وقال النظام: يجتمع في المثل أربع لا تجتمع في غيره، إيجاز اللفظ واصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة، اهـ فالحاصل إنه إنما يشترط في المثل أن يكون كلاما بليغا شائعاً مشهورا لحسنه أو لاشتماله على حكمة بالغة، وأمّا ما ذكروه فلا يلائم أنّ ما نحن فيه من أمثال القرآن أيضاً ليس داخلا في تعريفهم لأنّ الله ابتدأها وليس لها مورد قبله فإنّ الله لا يستحي أن يضرب مثلا مع أنها تشبيهات لا استعارة فإن كان هذا اصطلاحاً حادثا لأهل المعاني ومن حذا حذوهم من الأدباء ينبغي التنبيه عليه مع أنّ السياق ياباه فإن أريد أنه الأغلب فعلى فرض تسليمه ليس في الكلام ما يدل عليه، والمثل كما يطلق على اللفظ باعتبار معنا. يطلق على المعنى أيضا فليس من تسمية الدال باسم مدلوله كما توهم فعليك بتدقيق النظر في هذا المقام، فإنه مما تزل فيه أقدام الأفهام. قوله: (ولذلك حوفظ عليه من التغيير إلخ) أي لما فيه من الغرابة لم يغير لفظه الأوّل، فإنه لو غير وبما إنتفت الدلالة على تلك الغرابة، وأن منع بعضهم زوالها بفتح تاء ضيعت اللبن مثلاً، وقال قدس سرّه: تبعاً للفاضل المحقق الأظهر كما في المفتاح أنّ المحافظة على المثل إنما هي بسبب كونه استعارة فيجب لذلك أن يكون هو بعينه لفظ المشبه، فإن وقع تغيير لم يكن مثلاَ بل ماخوذا منه واشارة إليه كما في قولك الصيف ضيعت اللبن على صيغة التذكير وإنما قال الأظهر لأنه لا تزاحم في الأسباب مع أنه يرجع إليه باعتبار أن في معنى الاستعارة اشتمالا على الغرابة كما قيلى، وقيل إنما حوفظ عليها لأنها صارت بسبب الغرابة والاشتهار كالعلم لتلك الحالة العجيبة، والإعلام لا تتغير، ثم إنّ الشارح المحقق والشريف قدس سرّه لم يفسر المراد بالغرابة، وقد فسرها الشارح الطيبي، وأطال في تفسيرها بما حاصله أنها غموض الكلام، وكونه نادرا بحسب المعنى واللفظ أمّ الأوّل فلما يتراءى منه ظاهرا من التناقض، والتنافي كرمية من غير رام {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} أسورة الأنفال: 17] والثاني باشتماله على ألفاظ نادرة لا تستعملها العامة كقوله أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب يضرب لمن له خبرة وتجربة والظاهر أنه ليس المراد بالغرابة ما ذكر ولذا لم يعرج عليه من بعده من الشراح، وأنت إذا تتبعت الأمثال، وجدت كثرها مخالفاً لما ذكره وليت شعري أيّ غرابة في قوله، السرّ أمانة وقوله السكوت أخو الرضا وأمثاله مما لا يحصى إذا عرفت هذا فأقول أنا استقصيت الأمثال فوجدتها ما بين تشبيه بلا شبهة كقولهم للظالم المتورع هو كالجزار فيهم يذكر الله ويذبح، أو استعارة رائعة تمثيلية أو غيرها نحو أنا جذيلهـ االمحكك، أو حكمة وموعظة نافعة كالصبر مفتاح الفرج، أو كناية بديعة أو نظم من جوامع الكلم الموجز وإليه أشاو في المستقصي بقوله الأمثال قصارى فصاحة العرب العرباء وجوامع كلمها ونوادر حكمها وبيضة منطقها، وزبدة حوّاراها

وبلاغتها التي أعربت بها عن القرائح السليمة والركن البديع إلى دواية اللسان، وغراية اللسن حيث أوجزت اللفظ، وأشبعت المعنى وقصرت العبارة، وأطالت المغزى، ولوحت فاعرقت في التصريح، وكنت فاغنت عن الإفصاح، ثم إنّ الظاهر في توجيه عدم التغيير ما ذكروه هنا وإن اسنظهروا خلافه إلا أنّ المراد بالغرابة ليس ما مرّ بل المراد أنها لما فيها من البلاغة، ورونق الفصاحة، والندرة التي ترقت بها إلى الغاية في بابها حتى عدت عجيبة جداً قيل لها غرابة لإطلاق الغرابة على مثله، اً ولكونها من كلام الغير كالتضمين عدت غريبة أجنبية. وأمّا ما في المفتاح من أنّ الاستعارة التمثيلية قد تغير ألفاظها المؤدّية لمعناها الحقيقي لأنهم صرّحوا بجواز التجوّز في مفرداتها كما مرّ فيه أنّ المثل لا يلزم أن يكون استعارة كما تلوناه عليك آنفاً، وأمّا القول بأنّ الاستعارة مشتملة على الغرابة ففي غاية الغرابة، وكذا كون العلم لا يغير فالمعنى أنها لكونها فريدة في بابها، وقد قصد حكايتها لم يجوّزوا تغييرها لفوات المقصود، وقد صرح بهذا في المستقصي، هذأ وإن طال تطوّلنا بما فيه من الفوائد البديعة فانظره بعين الإنصاف. قوله: (ثم استعير لكل إلخ الما قرّروا للمثل معنى لغويا، وهو النظير، ثم معنى ثانيّ نقل منه إليه وهو القول السائر، وليس واحد منهما مناسباً هنا قالوا إنه استعير من الثاني لمعنى ثالث هو المراد وهو الصفة العجيبة، وقوله لها شأن وفيها غرابة إشارة إلى العلاقة بينهما، وهي الاشتراك في الغرابة وعظم الشأن كما اتفق عليه الشرّاح وأرباب الحواشي، فما قيل من أنّ المثل إذا قصد به القصة لم يرد تشبيهها بذلك القول مما يتعجب منه، وفي مجمع الأمثال، ولشدة امتزاج معنى الصفة به صح أن يقال جعلت زيدا مثلا والقوم أمثالاً، ومنه قوله تعالى {سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ} [الأعراف: 177] في أحد القولين، ثم إنّ الحال والقصة والصفة أموو متقاربة، وقد جمع المصنف والزمخشريّ بينها متعاطفة بأو الفاصلة، ولم ينبهوا على وجهه (والذي يظهر لي) أنّ الشأن العجيب لما كان يعلم تارة بالمشاهدة كحال المنافقين، وما هم عليه مما هو كنار على علم ومنه ما يعلم بإخبار الصادق المسوقة إليه كقصة الجنة التي قصها الله تعالى كما قيل: وعشقتكم قبل العيان لكم كما تهوى الجنان بطيب الأخبار ومنه ما يعلم بالبرهان ويدرك بالبصائر كصفات الباري جمع بينها كذلك وإليه إشارة ما في الكشاف حبث قال: أستعير المثل استعاوة الأسد للمقدام للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة كأنه قال حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً وكذلك قوله {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الرعد: 35] أي وفيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة، ثم أخذ في بيان عجائبها ولله المثل الأعلى أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلال، اهـ. فالحال عبارة عن أمور متعدّدة بقوم شتى وتدرك منهم وهي في المعاني كالقصة في الألفاظ، ولذا يعبر بها عن الاستعارة التمثيلية في اكثر، وفي الكشف جملة مثلهم إلخ الأشبه أن تجعل موضحة لقوله {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ} وفي كلامه ما يدل عليه، ويحتمل أن تجعل مقرّرة لجملة قصة المنافقين المسرودة إلى هنا ولا يبعد تنزيل قوله عليه أيضا بحمل حقيقة الصفة على أحوالهم المفهومة من مجموع الآيات، والحمل على الإستئناف ضعيف جدا لا سيما والأمثال تضرب للكشف، والبيان فإن قلت قوله أوّلا بضرب المثلى يقتضي أنّ ما هنا من قبيل ضرب المثل والمعنى الثاني، وتفسيره بالحال يقتضي أنه ليس بمراد بل لا تصح إوادته، قلت هنا أمران لفظ مثل، والتمثيل المدلول عليه بالكاف أداة التشبيه، والمفسر بالحال الأوّل والمشار إليه أولاً الثاني، والمراد به أن يؤتى للحال بنظير من غير نوعه ليرفعه على منصة العيان ويرميه على قارعة التقريع فالمراد بالضرب صياغة ذلك النظير واعتماله من ضرب السكة التي هي بيانه لا الضرب الذي هو مصدر لضرب المقابل للمورد، وهذا من إرسال ااصمثل والمراد بالتمثيل الإتيان بمثال فتدبر. قوله: (والمعنى حالهم العجيبة الشأن إلخ) ذكر للمثل ثلاثة معان، وفسر ما في النظم بالثالث، وحقيقة حالهم هيئة منتزعة من عدة أمور هي استضاءة معنوية بإظهار الإيمان واذهاب الله ذلك النور عند الإستضاءة بتفضيحهم وبقائهم متحيرين في ظلمات معنوية، كما قيل: وفي شرح الفاضل المحقق وجه الشبه هو أنّ المستوقد والمنافقين جميعاً وقعوا عقب مباشرة أسباب المطلوب، وملاحظة خيال

المحبوب في الحرمان والخيبة والتحسر فعبر عن الأوّل بالإضاءة، وعن الثاني بالظلمة، ولا خفاء في اشتراك الطرفين في الإضاءة والظلمة بهذا المعنى، وبهذا يسقط ما قيل إن أريد بالإضاءة الإضاءة حقيقة لم يشترك فيها المنافقون، أو مجازاً لم يشترك فيها المستوقد، والتحقيق أنه من قبيل ما يتسامح فيه فيذكر مكان وجه الشبه ما يستتبعه كما يقال كلام كالعسل في الحلاوة قصدا إلى لازمها الذي هو ميل الطبع، وقيل عليه الظاهر في تشبيه الأمر المعنوي بالحسي في وصف محسوس في المشبه به غير محسو! ى! في المشبه أن ينزل ما في المشبه منزلة المحسوس لكمال المناسبة بينهما، ويجعلا من نوع واحد إدّعاء ومبالغة في كمال المشابهة فالهيئة المتنزعة من الإضاءة والإنطفاء المعنويين مع بقاء التحير تنزل منزلة تلك الهيئة الحسية ادّعاء، وهذا أقرب إلى مقاصد البلغاء من أن يجعل ما به الاشتراك غير ما يتادر إلى الأذهان من بعض اللوازم، وفي الإتقان عن ابن عباس إنّ هذا مثل ضربه الله للمنافقين كانو! يعترفون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم "! قاسمونهم العز فلما ماتوا سلبهم الله العز. (أقول) إنّ الفاضل يعني أنّ وجه الشبه ملتئم من عدّة أمور، وطرفاه مركبان والوجه هو أنهم عقب حصول تباشير المقصمود، وقوّة الرجاء وقعوا في حيرة الحرمان وتيه الخيبة، وهذا أمر مشترك بين الطرفين قطعا من غير حاجة إلى اعتبار لازم له كما في التشبيه بالعسل، ولا حاجة أيضاً إلى أن ينزل ما في المشبه منزلة المحسوس كما توهمه القائل، وإن كان كلام الفاضل لا يخلو من الكدر لكن إذا ظهر المراد سقط الإيراد، وهذا ليس محل تفصيله لكنه لما أورده ذلك المحشي هنا لزم التعرّض! له فتأمل. قوله: (والذي بمعنى الذين إلخ) يعني أنّ الذي له استعمالان في كلام العرب أحدهما أن يكون مفردا والآخر أن يعم المفرد، وغيره كمن وما في الموصولات وضعا لا استعمالا فإن كان ضمير بنورهم المجموع راجعا إليه لا إلى المنافقين كما ستعرفه كان من الثاني، وجعل المصنف رحمه الله المقتضى لتوجيه هو الضمير لا تشبيه الجماعة بالواحد كما في الكشاف ة إنه جعله منشأ للتوجيه لأنّ المقام ليس مقتضيا لتشبيه الجماعة بالواحد كما في قوله: " - والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عني فأشار بالعدول عنه إلى الاعتراض عليه بأنّ السؤال غير متوجه بعد بيان المعنى، وأنّ التشبيه واقع بين حالهم وحال المستوقد لا بينهم وبينه حتى يتوهم ما ذكر وان وجهه الشراح بما كفانا المصنف مؤنته بتركه، ولذا ذكر هذا المصنف عقب قوله والمعنى حالهم إلخ فمن أرجعه إلى ما في الكشاف، وقال: إنّ هذا جواب سؤال تقديره كيف مثلت الجماعة بالواحد فقد وهم، ومثل لمجيء الذي بمعنى الذين بناء على أحد الوجود فيه فلا يرد عليه أنه ليس متعينا له. قوله: (وإنما جاز ذلك إلخ) إشارة إلى ما ذكره النحاة على اختلاف فيه في وضع المفرد موضع الجمع فإنّ منهم من جوّزه مطلقا كما في قوله تعالى {يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} [غافر: 67] أي أطفالا ومنعه الجمهور وأوّلوا ما ورد منه فعلى هذا لا يصح استعمال القائم بمعنى القائمين، ولا يصح أيضا أن يكون الذي بمعنى الذين على ذكره في بعض الوجوه، فأشار إلى جوابه على فرض التسليم بأنه خالف غيره لخصوصية إفتضته فإنه إنما وضع ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل كما جيء بذي توصلاَ للوصف بأسماء الأجناس فلما لم يقصد لذاته توسعوا فيه دون غيره، ولأنه مع صلته كشيء واحد وعلامة الجمع لا تقع حشواً فلذا لم يلحقوها به ووضعوه لما يعلم كإخواته، ولما ورد عليه أنه جمع على الذين قال: إنه ليس جمعاً له بل اسم وضع مزيداً فيه لزيادة المعنى وقصد التصريح بها، ولذا لم يعرب بالحروف كغيره من الجموع على الأفصح فإنه يقال: الذين في الأحوال الثلاث، وأمّا اللذون في حالة الرفع كما في قوله: نحن اللذون صبحوا الصباحا فلغة قليلة لهذيل وقوم من العرب، ويؤيده أنّ جمع السلامة إنما يكون في الأسماء المتمكنة وأنّ الذي يعم العقلاء وغيرهم والذين يخص العقلاء، وقوله أخواته وفي نسخة أخواتها أي من الأسماء الموصولة كمن وما. قوله: (ولكونه مسنطالا إلخ) علة لقوله إستحق مقدمة عليه للإهتمام بها والإستطالة إستفعال من الطول المقابل للعرض، وهو أطول الإمتدادين إلا أنّ إستطال وطال لازم قال في القاموس طال طولا بالضم إمتد

كاستطال فهو طويل، اهـ. إلا أنّ الزمثس يّ استعمله متعدئا وتبعه المصنف فبنى منه اسم مفعول وكذا وقع في المفصل، وقال شرّاحه: إستطالة عده طويلا إلأ أنهم لم يستندوا فيه إلى نقل من اللغة، وقد ذكر لجواز وضع المفرد موضع الجمع هنا دون غيره وجوها اثنان منها بالنظر إلى نفس الذين، وثالثها بالنظر إلى الصلة ولذا أخره أي لا يستحق أن يجمع لوجهين كونه ليس مقصودا بالوصف فلا يقصد مطابقته حتى يجمع، وأنه كجزء الكلام الذي لا يجمع، ولما ورد عليه أنه جمع على الذين دفعه بأنه ليس بجمع، ولذا لم يجر مجراه في اللغة الفصيحة بل هو مما زيد في لفظه زيادة تدلّ على زيادة معناه على قاعدتهم، وثالثها أنه استحق التخفيف لطوله بالصلة لكنه على هذا حقه أن يقول ولأنه لكونه مستطالا إلخ كما في أخويه فكأنه نبه بصنيعه هذا على إنحطاط رتبته حتى كأنه لا يستحق أن يكون وجهاً مستقلا بل تتمة لغيره، وقيل محصل الوجوه أنّ حذف العلامة في الذين دون القائمين لأمرين. أحدهما راجع إلى ذي العلامة، وهو كونه وصلة غير مستحق لأن يجمع وكونه مستطيلأ. وثانيهما إلى العلامة وأنها زيادة لا علامة محضة. وهذا يقتضي أن لا يفصل بين توله ولأنه ليس باسم تام وقوله ولكونه مستطالا ويؤخر قوله، وليس الذين كما في الكشاف فهذا مناسب لكلام الكشاف والأوّل مناسب لكلام المصنف رحمه الله، وبهذا علم أنّ بينهما فرقا آخر، وكون أل الموصولة أصلها الذي فبولغ في تخفيفها فحذف ياؤها، وقيل اللذ بذال مكسورة ثم سكنت فقيل اللذ إلخ كما حكاه النحاة مذهب مرجوح فيه تكلفات كما فصل في المطوّلات من كتب العربية. وأورد على الوجه الأوّل أنه مناف لتوحيد ضمير استوقد، وأجيب بأنه وان كان جمعا معنى مفرد صورة، قيل: وهذا مع ضعفه معارض بأنّ كونه على صورة المفرد مقتض للجمعية لا للإفراد لما فيه من الإلباس، وفيه نظر، وقرأ ابن السميفع كمثل الذين بلفظ الجمع واستوقد بالإفراد، وهي مشكلة وان خرجت على وجوه ضعيفة، وقد قيل إنّ هذه القراءة مؤيدة للقول بأنّ أصله الذين (وأعلم) أنّ قوله تبعا للزمخشري لم يجز وضعالقائم مقام القائمين إشارة إلى مسئلة ذكرت في المطولات من كتب النحو كما فصله ابن هشام في تذكرته فقال مذهب أبي عليّ الفارسي، وحكي عن ابن كيسان وغيره جواز وضمع المفرد موضع الجمع مطلقاً، وقيل إنه يختص بالمعرفة فقالوا يقال جيرانك ذاهب وقومك راكب وأنشدوا عليه قوله: ياعمروجيرانكم الباكر والقلب لا لاه ولا صابر وخرجوا عليه قوله تعالى {سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67] في أحد القولين فيه ووجهه في المعرفة ظاهر، وأمّا في النكرة فيحتاج إلى التأويل. قوله: (أو قصد به جنس المستوقدين إلخ) معطوف على قوله بمعنى الذين أي نظر فيه إلى معنى الجنسية العامّة إذ لا شبهة في أنه لم يرد به مستوقد مخصوص، ولا جميع أفراد المستوقدين والموصول كالمعرف بالألف واللام يجري فيه و وهها واسم الجنس وإن كان لفظه مفرداً قد يعامل معاملة الجمع كما في قوله تعالى {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ} [الإنسان: 21] وقولهم الدينار الصفر والدرهم البيض، أو يقال إنه مقدر له موصوف مفرداً للفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق، ويلاحظ في الذي وفي ضمير استوقد لفظ الموصوف، وفي ضمير بنورهم معناه، والفرق بين هذين الوجهين أنّ الضمير على الأوّل راجع للذي وعلى هذا للموصوف المقدر. قوله: (والاستيقاد طلب الوقود إلخ) هذا بناء على أصله لأنّ بنية الاستفعال موضوعة للطلب وذهب الأخفش إلى أنّ الاستفعال هنا بمعنى الأفعال كاستجاب بمعنى أجاب في قوله: فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي لم يجبه ورجح بأنه على الطلب يحتاج إلى التقدير أي طلبوا نارا واستدعوها فأوقدوها فلما أضاءت لأنّ الإضاءة لا تتسبب عن طلب الوقود بل عنه نفسه، والوقود في كلام المصنف بضم الواو مصدر، وأمّا بفتحها فما يوقد به على المشهور، وفوله وهو سطوع النار ضمير هو للوقود وقيل إذا كان هذا معنى استوقد والوقود فلا حاجة إلى ذكر النار، ولذا قيل إنه تجريد وهو غير وارد على من فسر الوقود بإشتعال النار والقول بأنّ التقييد داخل فيه، والمقيد به خارح عن مسماه بعيد والأمر فيه سهل لعدم احتياجه للتنوير، وإشتقاق النار من نار إذا نفر أو تحرك واضطرب، والنوو مأخوذ من النار

لأنها الأصل فيه وهذا هو المشهور وترك تعريف النار الذي في الكشاف لعدم احتياجها للتعريف كما لا يخفى. قوله: (أي النار ما حول المستوقد إلخ) الضمير المؤنث في قول المصنف رحمه الله جعلتها للإضاءة المفهومة من أضاءت أو لأضاء باعتبار أنها كلمة، والإضاءة جعل الشيء مضيثاً نيرا، وأضاء يكون متعدّياً ولازما كما صرّج به الجوهريّ، وغيره من أئمة اللغة فعلى الأوّل ما موصولة أو موصوفة والظرف المستقرّ صلة أو صفة وهي مفعوله، وعلى الثاني فما كذلك وهي فاعل وأنث فعله لتأويله بمؤنث كالجهات والأمكنة أو فاعله ضمير النار، وما في محل نصب على الظرفية أو زائدة وحوله ظرف كما سيأتي تحقيقه، ونصب ما محلاَ على الظرفية لأنه في معنى الأمكنة الآ أنه قيل على هذا إنه يقتضي التصريح بقي إمّا لأنّ ما موصولة معرفة أو في معناها، ولا بدّ في المكان المعين من ذكر في فإنه لا يقال جلست المسجد، وأمّا ما قيل من إنّ في إنما تحذف في لفظ مكان لكثرة استعماله في كلام العرب، ولا كثرة في الموصول الذي عبر به عنه وما أجيب به عنه من أنها تركت لما في الحول من الإبهام وإن كان مضافاً لمعرفة أو إنه مخرج على نحو قوله: كما عسل الطريق الثعلب فاعترض عليه بأنه لا دخل للتعريف، وغيره في النصب على الظرفية على ما تقرّر في كتب النحو، وبانّ ما خرج عليه شاذ أو ضرورة لا يقاس عليه، وأمّا الحل بأن ما حوله في معنى عند ونصسب ما في معنى عند لإخفاء فيه، فليس بشيء، وقولهم: إنه مختص بلفظ مكان مخالف لما قرّره النحاة قال: نجم الأئمة الرضي لفظ مكان، وكذا لفظ الموضع والمقام ونحوه ينصب بشرطه، وهو انتصابه بما فيه معنى الاستقرار كقعدت وقمت وهو صريح في خلافه، وهذا كله على ما فيه مما لا يجدي فالحق أن يقال إنّ ما الموصولة أو الموصوفة إذا جعلت ظرفاً فالمراد بها الأمكنة التي تحيط بالمستوقد، وهي جهاته الست وأسصاء الجهات الست مما ينصب على الظرفية قياساً مطرداً فكذا ما عبر به عنها، وهو المراد بالأمكنة اختصارا لا المكان وحده وهذا اللفظ هو الذي أوقعهم فيما وفعوا فيه، وهذا معنى قوله في الكشاف وفيه وجه آخر وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها على أن ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة قال قدس سرّه:! أنّ سائلا يقول إذا استتر في الفعل ضمير النار وجب أن توجد النار حول المستوقد حتى يتصوّر إضاءتها وإشرإقها، فأجاب بأنّ النار وإن لم توجد فيما حوله فقد وجد ضوءها فيه فجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها فيه فأسند إليها إسناد الفعل إلى السبب كبني الأمير المدينة فإنّ النار سبب لإشراق ضوئها حول المستوقد، وما-له ما اشتهر في العرف من أنّ الضوء ينتشر من المضيء إلى مقابلاته فيجعلها مستضيئة، وقد قيل عليه إنّ هذا بناء على أنّ إشراق النير في البيت إنما يطلق إذا حل ذلك النير في البيت، وكأنّ المصنف رحمه الله لم يتعرّض له لأنه لا يقول به لإقتضائه أت لا يصلح أن يقال أضاءت الشمس في الأرض إلا على التجوّز، وهو خلاف الظاهر وعلى المدعي إثباته وأيضاً النار في جهة مما حوله ولا يلزم أن تكون في جميع جهاته كما لا يلزم في قولنا أشرق السراج في البيت كونه في جميعه إذ يكفي وقوعه في موضع مّا منه ألا ترى إلى قوله تعالى {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ} [التوبة: 101] ونحوه مما هو شائع في كلام العرب كقول حسان رضي الله عنه: أولاد جفنة حول قبر أبيهم - إلى آخر ما فصلوه. (أ-! ول) قد تقرّر في الحكمة أنّ الضوء عرض، وكيفية مغايرة للون وليس عبارة عن ظهور اللون كما ذهب إليه بعض الحكماء وليس أجساما صغاراً تنفصل من المضيء فتتصل بالمستضيء كما ذهب إليه بعض الحكماء، وان كان قد يشاهد للضوء بروق، وتلألؤ على الجسم حتى كأنه يفيض منه ويضطرب مجيئا وذهابا بحيث يكاد يستره فإن كان ذاتيا كما للشمس سمي شعاعا، وان كان عرضيا كما للمرآة سمي بريقا، وهذا ما أشار إليه قدّس سرّه، ثم إنه إذا تعلق الظرف بفعل قاصر صار ظرفا لفاعله بالذات 6 ولحدثه بالتبع كما في قام زيد في الدأر، وهذا غنيّ عن البيان فإن كان ذلك الحدث له أئر متعد كالإشراق والإصباح فهل يشترط في تحقق النسبة للظرفية ذلك أيضا فلا بدّ من قولك أشرق كذا في لو كذا من كون الإشراق، والمشربن فيه أو يكفي وجود أثره فيه، وإن لم يوجد هو بذاته كما في الأفعال المتعدّية فإنك إذا قلت رميت الصيد في الحرم يكون حقيقة

وان لم يكن الرامي في الحرم على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى مفصلا في سورة الأنعام فالعلامة في الكشاف ارتضى الأوّل وجعل ما خالفه مجازا وقياسه مع المتعدّي قياس مع الفارق لأنّ المفعول مظروف حقيقة وان كان لك أن تقول إنه حقيقة عرفية، وفي كلامهم إيماء إليه، وقد يقال إنه لذلك تركه المصنف رحمه الله تعالى، وقياس البيت والبلد على الحول إذا كان بمعنى الإحاطة والجهات غير ظاهر، وقوله على الظرف قيل إنّ تخصيص الإضاءة بما حول المستوقد في الوجهين الأوّلين ظاهر لأنها لا تتعلق بمحل المستوقد وأمّا على الظرفية فغير ظاهر، وليس بشيء لأنّ نحله نفسه على كل حال لا تتعلق به الإضاءة كما قال الشاعر: وشمس تضيء الأرض شرقاً ومغربا وموضع رجل منه في البيت مظلم وفيه نكتة لطيفة، وهي الإشارة إلى أنه بنفسه مظلم ظالم لنفسه غير قابل للأنوار الإلهية. قوله: (وقيل للعام حول لآنه يدور) يعني أنّ أصل هذا التركيب من الحاء وما بعدها موضوع للطواف، والإحاطة كالحول بمعنى السنة فإنه يدور من الفصل الذي ابتدأ منه إلى مثله ولما لزم ذلك الانتقال والتغير استعمل فيه بإعتبار. كالإستحالة والحوالة، وان خفي في بعض الموادّ كالحول بمعنى القوّة وهذا مسلك لبعض أهل اللغة ارتضاه العلامة وتبعه المصنف. وقال الراغب: أصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره وباعتبار التغير قيل حال الشيء يحول حولا واستحال تهيأ لأن يحول وباعتبار الانفصال، قيل: حال بيني وبينكم كذا اهـ والعام في تقدير فعل بفتحتين، ولذا جمع على أعوام مثل سبب وأسباب، وقال ابن الجواليقي عوام الناس لا تفرق بين العام والست، فيقولون لأفي وقت من السنة إلى مثله عام، وهو غلط والصواب ما قال ثعلب من أنّ السنة من أفي يوم عددته إلى مثله، والعام لا يكون إلا شتاء وصيقاً، وفي التهذيب أيضاً العام حول يأتي على شتوه وصيفه، وعلى هذا فالعام أخص من السنة فكل عام سنة وليس كل سنة عاما فإذا عددت من يوم إلى مثله فهو سنة، وقد يكون فيه نصف الصيف ونصف الشتاء والعام لا يكون إلأ صيفا وشتاة متواليين كذا في المصباح المنير وحول، وحوال بزنة ظلام وحوالان مثناه وحولان تثنية حول وأحوال جمعه وكلها ظرف مكان سمع منصوبا على الظرفية كما صرّحوا به. قوله: (جواب لما إلخ) قدمه لأنه المتبادر الأرجح عند الأكثر ولأنّ الأصل عدم الحذف، والتقدير ولما حرف وجود لوجود أو وجوب لوجوب أو ظرف بمعنى حين أو إذ لاختصاصها بالماضي فعلى الظرفية الأمر ظاهر إن لم يعتبر فيها المجازاة، وعلى اعتبارها بناء على أنه المعروف فيها يتراءى فيه مانع لفظيّ، وهو توحيد الضمير في استوقد وحوله وجمعه في بنورهم، ومعنويّ وهو أنّ المستوقد لم يفعل ما يستحق به إذهاب الله نوره بخلاف المنافق فجعله جوابا يحتاج إلى التأويل، ولذا أورده الزمخشرفي سؤالا وجوابا والمصنف رحمه الله أشار إلى المانع الأوّل والى أنه كان مقتضى الظاهر أن يقال بنارهم بدل قوله بنورهم، وأمّا العدول عن الضوء إلى النور فلم يتعرّض! له هنا وأخره، وأمّا إسناد الإذهاب إلى الله تعالى فليس بمانع عند أهل السنة فلذا تركه إشارة إلى ابتنائه على الاعتزال، وأشار بقوله وجمعه إلخ إلى جواب الأوّل، ولم يفصله لأته قد سبق ما يغني عنه في بيان إفراد الذي، وأشار بقوله لأنه المراد إلخ إلى اختيار النور على النار لأنه المقصود منها، ولا ينافيه أنه يقصد بها أمور أخر كالإصطلاء (1) والطبخ كما توهم لأنّ هذا أعظم منافعها وأدومها وأشهرها وهو المناسب للتشبيه، والمقام كما يعرفه من تأمل قوله {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ؟ حاشية الشهاب لم ج ا / م 37. ظلمات} [البقرة: 17] وأمّا حمل النار على نار حقيقية لا يرضاها الله كنار الغواة الموقدة للمعاصي المستحقة للإنطفاء من الله أو النار المجازية كالفتنة كما في قوله تعالى {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ} [المائد 5: 64] ليظهر التسبب فلا يخفى ما فيه من التكلف، وكذا ما قيل من أنّ الإيقاد سبب لفناء الحطب فتكون الإضاءة المتفرّعة عليه سبباً لإنطفائه. قوله: (أو استئناف أجيب به اعتواض! سائل) المراد بالإعتراض التعرض له فرضاً، وليس بمعنى الإشكال هنا وان جاز، وفي المصباح يقال سرت فعرض لي في الطريق عارض من جبل ونحوه أي مانع يمنع من المضيّ، واعترض لي بمعناه ومنه اعتراضات الفقهاء لأنها تمنع من التمسك بالدليل اهـ، وفيه إشارة إلى أنّ الاعتراض بالمعنى المشهور ليس بلغويّ، وإنما هو اصطلاحيّ، وهذا الوجه رجحه

الزمخشريّ لما فيه من المبالغة، والإيجاز بحذف الجواب، وذهاب النفس كل مذهب مع سلامته عن الموانع السالفة، وبين السؤال المقدر بما ذكره وحاصله السؤال عن وجه الشبه فإنّ مشاركة حال المنافقين لحال المستوقد في المعاني المذكورة غير ظاهرة، وحال المشبه معلومة مما مضى، وحال المشبه به وهو المستوقد مذكورة، فأجيب بأنهم بعدما منحوا الهدى {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ} وصيرهم هائمين في الضلالة التي هي ظلمات بعضها فوق بعفر،، ثم لا بدّ للحذف من مجوّز ومرجح على الإثبات الذي هو الأصل، فأشار المصنف إلى الأوّل بأمن الإلباس، وإلى الثاني بالإيجاز وعدل عن قول الزمخشريّ، وإنما جاز حذفه لإستطالة الكلام أي لطوله لما قيل عليه من أنه لا استطالة هنا بخلاف قوله قلما ذهبوا به، وإن دفع بأنّ المراد لولا حذف ذلك الجواب لطال الكلام، وأيضا عد الإستطالة في المرجح أولى من عدّها في المجوز، ودفعه بأنه حاول أن يذكر في كل منهما أمرين ليس بشيء كما قاله قدّس سرّه هذا، وفد قيل إن جعل ذهب الله جوابا أوى لعدم الإستطإلة، ولأنّ كونه من تتمة التمثيل الأوّل يوجب مطابقته للتمثيل الثاني لاشتماله على مبالغات، ومن دأب البليغ أن يبالغ في المشبه به ليلزم منه المبالغة في المشبه ضمناً، والحمل على الإستئناف ضعيف لأنّ السبب في تشبيه حالهم قد علم مما سبق فلا معنى للسؤال عن وجه الشبه، أو تعيين المشبه، وجعله بدلا من جملة التمثيل يدل على أنّ المذكور لفظاً أو في لتأدية الغرضى مما حذف لقصور العبارة عنه، وهو باطل نعم لو قيل ذهب الله ابتداء كلام لبيان حال المشبه لم يكن بعيدا، ولعل ما ذكره المصنف من نكتة الحذف ليس إيثارا له بل إيناساً به، وإزالة لاستبعاده فالوجه هو الأوّل وسيرد عليك من كلامه ما يشعر به، وأجيب بأنّ الحذف لما كان أبلغ كانت المبالغة في المشبه به كثر والتطابق بين التمثيلين أوفر، وأيضاً إذهاب النور، وتركهم في ظلمات يدل على أنه كان لهم نور فزال، وصاروا متحيرين خابطين فتكون المبالغة في الطوفين أمّ في المشبه به فبالحذف، وأمّا في المشبه فباللفظ وهذا أوفى بتأدية الغرض الذي هو بيان حال المنافؤين وقيل إنّ قول المصنف رحمه الله شبهت حالهم إلخ معنا، أنّ له حالين الأولى إنطفاء ناره بالكلية بحيث لا يبقى لها أثر، والثانية إنطفاؤها مع بقاء الأثر ففي أيّ الحالتين شبه المنافقون بالمستوقد فكأنه قيل في الأولى حيث ذهب الله بنورهم إلخ فإنّ الميالغات التي فيه تفيد عدم بقاء الأثر فيكون هذا الاستئناف مما يكون السؤال فيه عن أمر غير سبب الحكم هو وجه الشبه أو المشبه، ومما حذف فيه الاسنئناف كله مع قيام شيء مقامه قوله: زعمتم أنّ أضص تكم قريش لهم ألف وليس لكم آلاف فعلم من هذا أنّ وجه الشبه أو المشبه لم يعلم على التعيين مما مرّ، وأنّ حذفه وجعل المذكور استئنافا أبلغ من كونه جوابا لما فيه من بيان حال المشبه بوجهين يوجبان الأبلغية الإجمال والتفصيل، والتصريح بالمبالغة بدون اكتفاء بما في ضمن المبالغة في المشبه به فيطابق التمثيل الثاني بل يكون أبلغ فلا يرد عليه ما في الكشف من الاعتراض! . (أقول) وبالله التوفيق كون الجواب أرجح كما أشار إليه المصنف بتقديمه بأنّ المهم المقدم وارتضاه المدقق مما لا يخفى على من له إنصاف وتطابق التمثيلين وجريهما على نهج فيه أظهر من الشمس، وكل ما ارتكبوه في ردّه على طرف الثمام، والمرجح المذكور معارض بما فيه من الحذف الذي هو خلاف الأصل وبما فيه من الإلباس لاحتمال قوله {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} غيره بحسب الظاهر المتبادر وقرينة جمع الضمير خفية فالحق الحقيق بالقبول ما في الكشف فإنه غنيّ عن الكشف، وكيف يتعين بما ذكر المراد من أنه لم يبق له أثر، وهذا إنما يتضح لو قيل بنارهم بدل بنورهم. قوله: (أو بدل من جملة التمثيل إلخ) معطوف على قوله جواب لما وقد سمعت آنفاً ما في الكشف في البدل فليكن على ذكر منك إذ لا فائدة في الإعادة، والذي يهمنا هنا بيان ما يتعلق به غير ذلك، وإنما قال: المصنف على سبيل البيان إلف رة إلى أنّ المبدل منه ليس في نية الطرح كما اشتهر في أمثاله فهذا معتبر أيضا لأنّ المصرّح به في التمثيل حال المشبه به، وأردفه بالتصريح مجال المشبه على هذا التقرير، ولذا قيل إنه بدل كل والبيان لازم، ولذا جعل بعض المحققين عطف البيان

كله بدل كل وهو في الجمل التي لا محل لها يفيد مفاد المبدل منه فيبينه ويؤكده، وهذا بناء على أنّ المراد بالبدل بدل الكل في الكل، والظاهر أنه بدل بعض لأنّ جملة التمثيل من قوله مثلهم إلى قوله حوله مشتملة على حال المشبه والمشبه به، وهذه الجملة مقصورة على الثاني فكونها بدل أقرب إن قلنا بجريانه في الجمل ولا يلزمه الضمير لأنه شرط بدل البعض، والاشتمال في المفردات دون الجمل لعدم صلاحيتها لذلك باقية على أصلها، وقيل إنه بدل اشتمال لأنّ الغرض بيان حال المنافقين من ظهور نورهم حالاً، ثم اضمحلاله مآلاً، وظاهر أنّ هذا أوفى بتأدية الغرض من ذلك فهو بمنزلة: أقول له ارحل لا تقيمن عندنا فسقط اعتراض! صاحب الكشف السابق على ما في الكشاف، وقد قدمنا لك أيضاً ما زعمه أبو حيان في ردّ البدلية من أنّ انفعلية لا تبدل من الاسمية اتفاقا، وقيل إنّ الجملة الأولى لا محل لها والبدل تابع معرب بإعراب سابقه فلا تصح البدلية، ورد ما ذكره رواية ودراية من غير حاجة إلى الالتجاء إلى أنّ المراد بالبدل هنا ليس هو البدل النحوي بل أن تكون الجملة الثانية مفسرة، وموضحة للأولى قائمة مقامها في الجملة فتحصلى لك في البدل احتمالات أربعة. قوله: (والضمير على الوجهين للمنافقين) أي على أنه استئناف أو بدل وجواب لما محذوف وتقديره إنطفأت أو خمدت وقد مرّ بيانه وشرح ما ذكره المصنف هنا من المجوّز والمرجح، ووجه عدوله عما في الكشاف من الإستطالة إلى الإيجاز والإعتراض عليه بأن تبادر الجوابية من جملة ذهب إلخ موقع في الإلباس، حتى قال أبو حيان أنه الغاز وهو مدفوع بأنّ ضمير الجمع قرينة على أنه راجع للمنافقين المشبه وهو يقتضي أن لا يكون جواباً، فإن قلت إن سلم هذا اقتضى أن لا يصح كونه جوابا، وهو لأرجح عند المصنف رحمه الله، قلت القرينة لا يلزم أن تكون قطعية ولذا تراهم يجوزون تقادير مختلفة في تركيب واحد من غير نكير، ولذا قالوا في نكتة الحذف هنا أنها إيهام أنّ الجواب مما تقصر عنه العبارة لأنّ ما قدروه أمر غير متعين وأتى المصنف رحمه الله له بنظير من القرآن المجيد، وان كان ثمة الإستطالة ظاهرة لأنه عنده مثبت للحذف لأجل الإيجاز فتدبر. قوله: (وإسناد الإذهاب الخ) عبر بالإذهاب الذي هو مصدر المزيد والمذكور في النظم ذهب إشارة من أوّل الأمر إلى المعنى المراد، وأنه لتعديه بالباء في معنى إذهب كما ستراه. وفي الكشاف فإن قلت فما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى في قوله {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} قلت إذ! طفئت النار بسبب سماويّ ريح أو مطر فقد أطفأها الله تعالى، وذهب بنور المستوقد، ووجه آخر وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها الله، ثم إمّا أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام وتلك النار متقاصرة مذة اشتعالها قليلة البقاء، ألا ترى إلى توله {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ} [المائدة: 64] وأمّا ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالإستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدّوا بها في طرق العيث فأطفأها الله وخيب أمانيهم، وإنما أوردناه برمته لتعلم مراده ومراد المصنف رحمه الله فتتحقق الفرق بينهما، وقد ذهب اكثر إلى أن السؤال على تقدير كونه جواب لما وأنه لدفع المانع المعنويّ الذي قرّرناه اوّلا وأنه مبنيّ على الاعتزال وقاعدة الحسن والقبح لأنّ إطفاء نار المستوقد عبث والعبث عندهم قبيح والوجوه ثلاثة والإسناد. على الأوّل منها مجازقي لكونه المسبب في الريح والمطر، وقال المحقق إنه من قبيل أقدمني حق لي على فلان وهناك قدوم بلا إقدام، وفائدة الإسناد المب لغة في الإذهاب وعلى الئاني فالمراد كما قاله قدس سرّه مستوقد نار لا يرضاها الله، وإطفاؤها ليس قبيحاً، وسواء كان! ت النار مجازية أو حقيقية فالإسناد حقيقيّ، فإن قيل المنافق مستوقد نار الفتنة والعداوة مع ما ذكر من الإضاءة فلا معنى للتشبيه، قيل: هذا المستوقد أعئم وقيل: إنه لا حاجة في توجه السؤال إلى أنّ ذلك الإذهاب قبيح مانع من صحة الإسناد عنده بل يتجه بمجرّد أنّ. الإذهاب عادة يقع بالأسباب بل قبحه علئ- رأي المعتزلة محل مناقشة إلأ أنّ تقريره للجواب الأخير يشعر باعتبار القبح في السؤال، والأظهر في الجواب أن يقال لا حاجة في تمثيل حال المنافقين إلى تحقق الإذهاب من الله تعالى لنورهم إذ يكفي فيه الفرض! والتقدير؟ وعدم رضا الله تعالى بإستيقاد النار لا يلائم التمثيل، والحق في الجواب عن اعتبار التشبيه في نار الفتنة أنهم لم يوقدوا

نار الفتنة بتهييج الحروب إذ لم يفعلوا ذلك وإنما صدر منهم ما يؤدّي إليه كما مرّ في تفسير قوله تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ} وأمّا الجواب بأنّ المستوقد أعمّ من المنافقين ففيه إنه لا يحسن تشبيه الخاص بالعام إلا أن يراد بالأعم الخاص الآخر المقابل للمشبه. (أقول) هذا ما في الكشاف، وشروحه ومراده بالتجوّز في النار أنه استعارة تصريحية حيث شبه تهييج الفتن والحروب بإستيقاد النار تشبيه معقول بمحسوس بجامع عقليّ، وهو الإصرار بما يصادفه وأثبت له ما يخصه، وهو الإيقاد ففي الكلام استعارة في تشبيه، وهو من أبلغ ما يكون، وذكر المجاز وإرادة الاستعارة غير مستبعد، ثم إنهم اتفقوا على أن توجيه الإسناد في الكشاف مبني على جعل جملة ذهب جوابا للما والضمير للمستوقد، وانه على الأوّل مجاز في الإسناد لا حقيقة له بناء علىءا قاله عبد القاهر، والشريف لم يعرج على هذا نفيا واثباتا، فكأنه ليس عنده ثلج صدر مته، ووجهه إنه إذا لم يكن فعل الله والريح ونحوه ليس بفاعل مختار وإنما هو سبب عادي لم يكن له فاعل حقيقي، وقد جوّز أهل المعاني مثله وهو كلام حسن، وما ذكره قدس سرّه من تشبيه الخاص بالعام لا وجه له، والمعروف عكسه وهو نوع من التشبيه يسمى التمثيل كما تقول الجمل الفعلية كقام زيد، ولو عكسته كان عبثا، وقد صزح به اً هل المعاني، وأمّا ما ذكره المصنف رحمه الله فالظاهر أنه توجيه للإسناد على الوجوه كلها سواء رجع الضمير إلى المستوقد أو إلى المنافقين، وقوله كريح ومطر إلخ ناظر إلى عوده على المستوقد، وهو مقابل للسبب الخفيّ وما يحصل بأسباب سماوية يسند إلى الله تعالى عادة والسبب الخفيّ يعتبر بحسبه، وهو ناظر إلى عود الضمير للمنافقين كما أشار إليه هنا بعض المتأخرين رحمه الله، فقوله لأنّ الكل بفعل الله بناء على مذهب أهل السنة من أنه الفاعل لكل شيء حسناً كان أو قبيحا ولا قبح فيما صدر عنه سبحانه، وفعل الإطفاء إن كان بدون سبب عاديّ، فهو من الله واسناده إليه حقيقة على هذا، وخفاؤه بالنسبة إلينا لعدم إطلاعنا عليه فإذا كان من أحوال المستوقد المشبه به فهو أمر فرضيّ لغير فاعل معين ترى ناره، ويدري ما يطفئها فأسند إلى الفعال المطلق الذي بيده التصرّف في الأمور كلها، والظاهر أنه حقيقة على هذا أيضا وأما إذا أطفئت بأمر سماوي كريح هبت بقدرة الله تعالى فهو الفاعل، والريح اكة كالسكين للقاطع، وإذا قصد المبالغة التي سنقرّرها فهو محتمل للحقيقة، والمجاز بناء على تفسير النار فكلام المصنف مخالف لما في الكشاف من وجوه فمن طبقه عليه، وقال في تقريره إنه يشير إلى أنه على تقدير رجوع الضمير للمنافقين حقيقة بلا خفاء، وعلى رجوعه للذي استوقد فلا يخلو من أن يكون حقيقة أو مجازا، وعلى الثاني إمّا أن يعتبر له فاعل حقيقيّ لو أسند إليه كان حقيقة، وقد نقل عنه إلى الفاعل الجازي أولا وعلى الأوّل إمّا أن يكون الفاعل مجهولا أو معلوما فأشار إلى الأوّل بقوله لأنّ الكل إلخ، وإلى الثاني بقوله أو لأنّ الإطفاء حصل بسبب خفيّ، وإلى الثالث بقوله أو أمر سماويّ إلخ وإلى الرابع بقوله أو للمبالغة كأقدمني حق لي عليك فقد ألزمه بما لا يلتزمه وفسر كلامه بما لا يحتمله، وبما عرفت من تفسير السبب الخفيّ عرفت سقوط ما قيل عليه من أنه تعالى لا يخفى عليه شيء إلى آخر ما أطال به من غيرطائل، وقد بقي هنا أمور يضيق عنها نطاق البيان. قوله: (ولذلك عدي الفعل بالباء دون الهمزة إلخ) أي الباء والهمزة للتعدية إلا أنّ الباء لما فيها من معنى الإلصاق والمصاحبة أبلغ من الهمزة، ولذلك عدي بها هنا والفرق بينهما مذهب المبرد وارتضاه كثير من المحققين وفي المثل السائر كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا ذهب به لأنه يفهم من ذهب به أنه استصحبه معه وأمسكه عن ال- جوع إلى حاله الأولى، وليس كذلك أذهب، وارتضاه أبو حيان، واستدل عليه بأمور مفصلة في محلها ردا وقبولاً، وذهب سيبويه إلى أنهما بمعنى وتبعه أكثر النحاة، واستدل بهذه الآية لأنه تعالى لا يتصف بالذهاب فمعناه أذهبه لا غير، ودفع بأنه مجاز هنا عن شدة الأخذ بحيث لا يرد كما في قولهم ذهب السلطان بماله فإنه مجاز عن المعنى المذكور بذكر الملزوم، وارادة اللازم فإنّ السلطان لم يذهب، ولم يجعل المال ذاهبا وإنما أخذه وأه سكه، فإن قلت هذا الفرق بين تعدية الباء، والهمزة هل هو مخصوص بهذه المادّة أم لا وعلى ك تقدير كيف يقال إنّ المبالغة جاءت من الإلصاق، والمصاحبة وهو

معنى آخر للباء غير التعدية مع أنّ كثيراً من النحاة ذهب إلى أنّ باء المصاحبة مع مجرورها كجاء بثياب السفر ظرف مستقرّ أبدا، وهو مضاف لما ذكر قلت من النحاة من قال: إنه لا يختص بمادّة، وليس المراد بالاستص! اب المصاحبة التي يعبر عنها بمع بل الملازمة، وعدم الإنفكاك كما أشار إليه المصنف بعطف الاستمساك بمعنى الإمساك عليه عطفاً تفسيريا وقد نقل أهل اللغة عن ابن فارس أنّ كل شيء لازم شيئا فقد استصحبه ومنه الاستصحاب عند أهل الأصول لعدم انفكاكه عما كان عليه، والذهاب بمعنى المضيّ، ويستعمل في الأعيان والمعاني كقوله تعالى {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي} [الصافات: 99] وقوله تعالى {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} [هود: 74] وكون المبالغة هنا من إسناد الذهاب إلى الله بمعنى الأخذ والإمساك، وهو القويّ العزيز الذي لا رادّ لما أخذه ولا مرسل لما أمسكه ظاهر أمّ كونه من قبيل أقدمي حق لي فقد عرفت حاله فتدبر. قوله: (ولذلك عدل عن الضوء إلخ) أي لقصد المبالغة عدل عن الضوء مع أنه مقتض الظاهر المطابق له لقوله أضاءت، وهذا بناء على أنّ الضوء أقوى من النور لقوله تعالى {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5] والإذهاب والإزالة نفي معنى ونفي الأشد لا يفيد نفي ما دونه بل ربما يشعر بثبوته، وأعترض عليه بأنّ إطلاق النور على الله تعالى دون الضوء ينافيه، وإن كان مجازا بمعنى الهادي، وبأنّ أهل اللغة سوّوا بينهما. وفي الكشاف: والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق، والنور ضوءها وفي الكشف إنّ فيه توسعا لما سيذكره من أنه أدنى من الضوء لكنه شائع في عرف الاستعمال كما أخذ أصل التفاوت من استعمال البلغاء لا أصل الوضعمن نحو جعل الشمس ضياء إلخ وقولهم أضوأ من الشمس، وأنور من البدو ذكره في الأصاس، والتحقيق أنّ الضوء فرع النور يقع على الشعاع المنبسط لا أنهما واحد كما نقل عن ابن السكيت، ولهذا يقع على الذوات الجوهرية بخلاف الضوء والأبصار بالفعل بمدخلية الضوء فجاءت المبالغة من هذا الوجه، ولهذا كان جعل الشمس سراجا أبلغ من جعل القمر نوراً، فافهم، ولا تلتفت إلى ما نقل من إعتراض صاحب الفلك الدائر ولا إلى جوابه، فقد تبين لك القشر من لبابه، اهـ. وقال قدس سرّه: إطلاق كل واحد من الضوء والنور على الآخر مشهور فيما بين الجمهور، فلا ينافي الفرق المأخوذ من استعمال البلغاء على ما ذكره ولا المأخوذ من اصطلاح الحكماء وهو أنّ الضوء ما يكون للشيء من ذاته، والنور ما يكون من غيره. (أقول) ! اذكره قدّس سرّه يقتضي أنّ كلاَ منهما يطلق على ما يطلق عليه الآخر فهما كالمترادفين، والفرق إنما نشأ من الاستعمال أو الإصطلاح لا من أصل الوضعواللغة فكأنه لم يرتض ما في الكشف لأنّ محصله أنّ الضوء أقوى من النور في عرف الاستعمال، والتفاوت بينهما من عرف اللغة والاستعمال، وليس بوضمي فإنهما في أصل الوضع متغايران إذ النور أصل والضوء شعاعه وفرعه، ولذا كان النور يطلق على الذوات المجرّدة دون الضوء والضياء، وأنّ الإبصار لما كان بواسطة الشعاع المنتشر كان بهذا الاعتبار أقوى من النور في المعنى المقصود منه، وهو الإظهار لأن النور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره، وكأنه لم يرتضه لمخالفته لما تقرر في الحكمة والكلام على ما فصل في شرح المقاصد، إلا أنّ المحققين من أهل اللغة ارتضوه، وقالوا: إنه الموافق لاستعمال العرب العرباء فإنهم يضيفون الضياء للنور، وششدونه له فيقولون ضياء النوو، وأضاء النور كما قال ورقة بن نوفل: ويظهر في البلاد ضياء نور وقال العباس رضي الله عنه: وأنت فماظهرت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق وهو المذكور في الأساس، وقال العلامة السهيلي في الروض الأنف إنه " هو الحق عند من يعرف اللغة والاستعمال فقال. بعدما أنثدناه من الشعر، وهذا يوضح لك معنى النور، ومعنى الضياء وأنّ الضياء هو المنتشر عن النور وأنّ النور هو الا صل للضوء ومنه مبدؤه وعنه يصدر وفي التنزيل فلما أضاءت ما حوله وفيه جعل الشمس ضياء والقمر نوراً لأنّ نور القمر لا ينتشر عنه من الضياء ما ينتشر من الشمس لا سيما في طرفي الشهر، وفي الصحيح " الصلاة نور والصبر ضياء " (1 (وذلك أنّ الصلاة هي عمود الإسلام، وهي ذكر وقرآن، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر فالصبر عن المنكرات، والصبر على الطاعات هو الضياء الصادر عن هذا النور

الذي هو القرآن، وفي أسماء البارىء تعالى نور السموات والأرض ولا. - يجوز أن يكون الضياء من أسمائه سبحانه، اهـ وهذا كله يقتضي أنّ أصل مسمى النور، وحقيقته جسم نورانيّ فإنا إذا أوقدنا حطبا وفتيلا مثلا فالجسم المحترق جمر وفتيل، ويتصل به جور آخر جسمانيّ لطيف قابل لأشكال مختلفة مركب من هواء مزاجه أبخرة وأجزاء لطيفة، وهذا هو النور فإن أطلق على غيره فتجوّز وتسمح معروف في اللغة صار حقيقة عرفية فيه، ويتفرّع على هذا أشعة منبثة متباعدة عنه وهي كيفية، وعرض للهواء وذهب بعض الحكماء إلى أنه أجرام صغار منتشرة فإن عنى أنّ هذا مسمى النور الذي ذكر آنفا فليس بعيدا عن الصواب، والفرق حينئذ بين النور والنار مما يعرفه أولو الأبصار، ومن هنا عرفت وجه تسمية الرب الغفور بالنور فإن فهمت فهو {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} [سورء النور: 35] فاحفظه فإنه يستحق أن يكتب بالتبر على خدود الحور. قوله: (فذكر الظلمة إلخ) يعني أنّ ذكر الظبمة المؤكدة لذهاب النور، يقتضي أيضاً أنّ هذه الجملة " مؤكدة لما قبلها كما هو مقتضى المقام إلأ أنه قيل عليه إنه حينئذ لا وجه للوصل فيحتاج دفعه إلى جعل الواو للحال بتقدير قد أي، وقد تركهم فالحال حال مؤكدة وفي بعض الحواشي إنّ المصنف رحمه الله يعني أنّ المراد إزالة النور بالكلية، فإنّ قوله: وتركهم معطوف على قوله {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} والعطف قد يكون للتفسير والتقرير، وفيه إشارة لدفع ما ذكر لكنه مخالف لما في كتب المعاني فإنّ المسطور فيها ما ذكره المعترض! فالذي ينبغي أن يقال إنّ هذا لكونه أوكد واو في بأداء المراد جعل بمنزلة شيء آخر مغاير لما قبله كما قرّره الفاضل المحقق في المطوّل في قوله تعالى {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ} [البقرة: 49] كما سيأتي بيانه، وأمّا ما أجاب به المعترض فليس بصحيح لفظا ومعنى، أمّا الأوّل فلما فيه من إيهام خلاف المراد لتبادر العطف منه، وفي اقتران الحال المؤكدة بالواو نظر ظاهر لأنّ واو الح لله ل في الأصل عاطفة، وهذه من الم! ، ئل الغريبة وفي شرح الألفية لابن مالك وتبعه ابن هشام إذا كانت الجملة الاسمية حالا مؤكدة لزم الضمير وترك الواو نحو هو الحق لا شبهة فيه، وذلك الكتاب لا ريب فيه إلا أنهم خصوه بالاسمية، وأمّا الفعلية فلا أدري حالها، وأمّا الثاني فلأنّ هذه الجملة الماضوية إذا كانت حالاً، وقدر معها قد تقتضي ثبوت الظلمة قبل ذهاب النور ومعه وليس المعنى عليه كما لا يخفى، والإنطماس من ط مسه إذا محا. وأزاله وهو يتعذى ولا يتعدى. قوله: (التي هي عدم النور) تبع فيه الزمخشرفي، وترك قيد عما هو من شأنه، وهو المصرّج به في كتب الكلام لأنها عندهم عدم ملكة للضوء والنور وهما بمعنى عندهم وذهب بعضهم إلى أنها كيفية وجودية، وتصريح المصنف رحمه الله تعالى بالعدم رذ عليه فعلى الأوّل بينهما تقابل العدم، والملكة وعلى الثاني تقابل التضاد وتمسك القائلون بأنها وجودية بقوله تعالى {جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:! ا] فإنّ المجعول لا يكون إلا موجوداً وأجيب عنه في شرح المقاصد بالمنع فإنّ الجاعلى كما يجعل الوجود يجعل العدم الخاص كالحمى، والمنافي للمجعولية هو العدم الصرف وإذا قلنا بأنهما من قبيل العدم، والملكة فلا بد من القيد المذكور فإن لم نقل بذلك فتركه لازم فيكون عدماً مقيداً أو مطلقا، وكأنّ المصنف رحمه الله إنما ارتضاه ليصدق على الظلمة الأصلية السابقة على وجود العالم كما ورد في الآثار من نحو كان الناس في ظلمة فرس عليهم من نوره، وما قيل من أنّ زيادة هذا القيل دعوى غير مسموعة لا يعوّل عليه لما عرفت، وعلى هذا فهو كما أرتضاه بعضهم من تقابل الإيجاب والسلب ووجوه التقابل ثلاثة، وقوله وانطماسه بالكلية قيل عليه إنّ الظلمة لها مراتب كثيرة، وهذا أعلى مراتبها وهو المذكور في قوله تعالى {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] فلا ينبغي اعتبار هذا القيد في مطلق الظلمة، وليس بشيء لأنّ صرف الظلمة لا بد فيه من هذا، وهو المتبادر من إطلاقها، وقوله لا يتراءىء إلخ أي بحيث لا يرى شيء فيها، وإنما عبر بالترائي وأتى بقوله شبحان مثنى شبخ بشين معجمة وياء موحدة مفتوحتين تليهما حاء مهملة الشخص الذي يرى، ولا يدرك مشخصاته لبعد وغيره مبالغة في عدم الرؤية لأنّ المراد بهما الرائي والمرئيّ من الشخصين المتقابلين، ولذا عبر بالتفاعل إذ المراد أن يكون من شأنهما أن يرى أحدهما الآخر، وقيل إنه إشارة إلى أنّ الظلمة إذا كانت متراكمة فغاية ما يرى فيها مجرّد الشبح فإذا لم ير فيها الشبح كانت الظلمة في أعلى

مراتبها. قوله: (ووصفها إلخ) ظاهره أنه جعل جملة لا يبصرون صفة لظلمات، والعائد مقدّر أي فيها؟ ولو جعل حالا من ضميرهم استغنى عن التقدير ولا يخفى حسنه هنا لأنّ شأن المستضيء في الظلمة زوال إبصاره بالكلية عقب الضوء بخلاف غير المستضيء، فإنه قد يرى في الظلمة والوصفية أظهر في إفادة هذا المعنى. قوله: (وترك في الأصل بمعنى طرح إلخ) يعني أنّ أصل معنى ترك المشهور طرح الشيء، وإلقاؤه كما يقال ترك العصا من يده أي رماها أو تخليته، وإن لم يكن في يده سواء كان محسوساً أو غيره كما يقال ترك وطنه وترك دينه، وقال الراغب: ترك الشيء رفضه قصداً وأختيارا أو قهراً واضطراراً، وفي المصباح تركت المنزل تركاً رحلت عنه، وتركت الرجل فارقته، ثم استعير في المعاني فقيل ترك حقه إذا أسقطه، وهذا لا كلام فيه وأنما الكلام في كونه من النواسخ الناصبة للمبتدأ والخبر بمعنى صير فذكر ابن مالك في التسهيل أنه من معانيه الوضعية، وأنه حينئذ ينصب مفعولين وعلى الأوّل ينصب مفعولا واحداً، وظاهر قول المصنف رحمه الله تعالى تبعاً للزمخشري إنه ضمن معنى صيرانه استعمال طارىء عليه غير وضعيّ، ويجوز أ! يكون وضعياً لأنهم يطلقون التضمن على جزء المعنى الوضعي كما في عرف أهل الميزان فيقولون من تضمنت معنى الاسنفهام، وكلامهم هنا يوهم أنّ الآية مقصورة على المعنى الثاني دون الأوّل، وفي أمالي ابن الحاجب إنه من القبيل الأوّل وهم مفعوله {فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] حالان مترادفان من المفعول وقيل إنهم يجوّزونه أيضا وإنما تركوه لظهوره وعلى ما ذكرهم مفعوله الأوّل والثاني في ظلمات ولا يبصرون صفة أو حال من الضمير المستتر فيه، اً ومن هم أو خبر بعد خبر أو هي حال مؤكدة لا خبر وفي ظلمات حال لأنّ الأصل في الخبر أن لا يكون مؤكداً وإن جوّزه بعضهم فتأمّل. قوله: (فتركتة إلخ) هو من قصيدة عنترة المشهورة وهي من المعلقات السبع وأوّلها: يا دارعبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحا دارعبلة واسلمي ومنها في صفة بطل نازله: ف! شككت بالرمح الطويل ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرّم فتركته جزرالسباع ينشنه مابين قلة رأسه والمعصم ومسك سابغة هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلم إلى آخر القصيدة، وهي طويلة فما ذكر صدر بيت منها عجزه ما ذكرناه وروي: يقضمن حسن بنانه والمعصم وضمير الغائب للبطل المدجج السابق ذكره في القصيدة، وتركته بالإسناد لضمير المتكلم وروي تركنه بالنون والضمير للنساء أو للقنا وجزر بفتح الجيم وسكون الزاي المعجمة، وبعدها راء مهملة كما ضبطه شرّاح المعلقات فعل بمعنى مفعول، ويقال لما تأكله السباع جزر السباع لأنها تجزره أي تذبحه بأنيابها، ويقال أجزرت فلاناً شاة إذا أعطيتها له كلها هذا ما يعتمد عايه هنا، وقيل جزير بضم فسكون أو بضمتين جمع جزرة، وهي شاة معدة للذبح والنوس التناول بسهولة والقضم بالقاف والضاد المعجمة اكل بمقدّم الأسنان، وعليه الرواية هنا وليس كما قيل إنه بالفاء والمهملة بمعنى الكسر، والمعصم بكسر الميم موضع السوار من الساعد والبيت ليس بنص في العمل كالآية لاحتمال كون جزر السباع حالا أيضا، ومعناه تركته عرضة للسباع تأكله لإنهزام قومه ومنعهم عن دفنه أيضاً، وكونه معرفة إن سلم لا يسد باب الاحتمال. قوله: (والظلمة مأخو " إلخ) بيان لأصل المزيد والمجرّد المأخوذ منه، وظلم الثلاثي وإن أثبته أهل اللغة فعلا للظلمة أيضاً إلا أنهم أشاروا إلى أنّ أصل معناه يدور على المنع فلذا جعلوه مأخوذاً منه، وهذا ما عليه أهل اللغة في الاشتقاق وليس الزمخشري أبا عذرته وفي مثلثات ابن السيد الظلم بفتح الظاء شخص كل شيء يستبصر الناظريقال لقيته أوّل ذي ظلم أي أوّل شخص سد بصري، وزرته والليل ظلم أي مانع من الزيارة، وفي الأساس ما ظلمك أن تفعل كذا أي منعك، ومنه الظلمة لأنها تسد البصر وتمنعه من النفوذ فقيل هو بعيد جدا ووجه إستبعاده ما فيه من جعل المعنى الحقيقي المشهور مأخوذاً من معنى مجازيّ غير معروف، وقد عرفت

ما يدفعه، وقيل سدّ البصر ومنع الرؤية بناء على ما يعتقده الجمهور فلا يتجه عليه أنّ العدم لا يكون مانعا فيقال إنه مبنيّ على رأي غير مقبول من أنه كيفية وجودية وعدم الشرط لا يكون مانعا عن وجود المشروط، فعده مانعاً مبنيّ على التوسع والتسامح. قوله: (وظلمائلهم طلمة الكفر إلخ) توجيه لجمع الظلمة بما يعلم منه معناها هذا بناء على أنّ الظلمة مجازية فإضافة ظلمة الكفر وما بعده من قبيل لجين الماء فالمراد بالنفاق أحواله اللازمة له غير الكفر الخفي، وقوله {وظلمة يوم القيامة يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ} [الحديد: 12] يوم الثاني بدل من الأوّل أو عطف بيان له وهو إقتباس إلا أنه قيل عليه إنّ ظاهر قوله تعالى {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} وجودها في الدنيا بل في ابتداء إذهاب الله نورهم، وقد يجاب عنه بأنه لما تقرّر في حقهم أن يكونوا يوم القيامة في ظلمة صار كأنه واقع بهم ولا يخفى بعده، والظاهر أنّ المراد بظلمة يوم القيامة ظلمة كانت لهم في الدنيا لكنها ظهرت في يوم القيامة كما أنّ نور المؤمنين كذلك كما يشير إليه قوله يوم ترى فهو كقوله {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى} [الإسراء: 72] والمراد إقرارهم اللساني، وأحكام الإسلام التي أظهروها في الدنيا إلا أنها لعدم مواطأتها للقلب تعد أوزاراً فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وفي تفسير السمرقندي إشارة إليه فإن قلت قد مرّ أنّ الضمائر إمّا للمنافقين أو للمستوقدين فهذا على أيّ اأس جهين، قلت يحتمل أنه على التوزيع فالأوّل، والثالث على أنّ الضمير للمنافقين، والثاني على أنه للذي استوقد والوجوه بأسرها جارية على كل من الاحتمالين، أمّ على العود للمنافقين فظاهر، وأمّا على مقابله فلما قيل إنهم لما شبهوا بمن ترك في ظلمة إنطفأ ضوحمه، وظلمة الليل والغمام المطبق لزم أنّ لهم ظلمات متعددة أو ظلمة شديدة بمنزلتها، وفيه نظر وقيل إنه على هذا بتقدير مضاف أي مثل ظلمات، والسرمد الدائم كالسرمدي والمتراكم الواقع بعضه فوق بعض، وقوله فكأنّ الفعل غير متعذ أي نزل منزلة اللازم لطرحه نسيا منسياً، ولعدم القصد إلى مفعول دون مفعول فيفيد العموم. قوله:! (مثل ضربه الله إلخ) في الكشاف على ما قرّره شراحه أربعة أوجه بناء على أنّ التشبيه مركب، أو مفرّق وعبارته المراد ما استضاؤوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم ووراء إستضاءتهم بنور هذه البلمة ص ظلمة النفاق التي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله، وظلمة العقاب السرمدي، ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد إطلاع الله على أسرارهم، وما افتضحوا به بين المؤمنين، واتسموا به من سمة النفاق، والأوجه أن يراد الطبع لقوله {صا صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} وفي الآية تفسير آخر وهو أنهم لما وصفوا بأنهم {اشتروا الضلالة بالهدى} عقب ذلك جمهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه! بالنار المضيئة ما حول المستوقد والضلالة التي اشتروها، وطيع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم، وتركه إياهم في الظلمات، وفي المفتاح وجه تشبيه المنافقين بالذين شبهوا بهم في الآية هو رفع الطمع إلى شيء مطلوب بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لإنقلاب الأسباب وأنه أمر توهمي كما ترى منتزع من أمور جمة، وللشراح في كون السؤالي عن وجه الشبه أو عن المشبه كلام لا مساس له بكلام المصنف رحمه الله لعدم ذكره لمنشئه ومبناه، وتقرير ما في الكشاف إنه شبه إجراء كلمة الشهادة على ألسنتهم، والتحلي بحلية المؤمنين ونحوه مما يمنع من قتلهم، ويعود عليهم بالنفع الدنيوي من الأمن! والمغانم ونحوها وعدم إخلاصهم لما أظهروه بالنفاف الضار في الدارين بإيقاد نار مضيئة للإنتفاع بها هبت عليها، الرياح والأمطار وأطفأتها، وصيرت موقدها في ظلمة وحسرة، وهذا معنى قوله المراد صا إستضاؤوا به إلخ أو النور والاستضاءة ما أظيس وه من الإسلام بإجراء الكلمة أيضاً وظلمته إقتضاحهم وظهور نفاقهم، وهذا معنى قوله ويجوز إلخ أو النور الإيمان والإسلام المتحلين بحليتهما، وظلمته طبع الله- على قلوبهم الذي صيرهم صما عميا وهذا هو الوجه الثالث أو النور الهدى الذي تمكنوا منه، أو فطروا عليه والظلمة الضلالة المشتراة ويجري في هذا كله التفريق والتركيب كما سيصرّح به مع ترجيحه للتركيب فالوجوه أربعة مضروبة، في إثنين فهي ثمانية، وهذا هو الذي إرتضاه الشريف المرتضى حيث قال: إنه إشارة إلى تركيب وجه الشبه وأنه منتزع من أمور متعددة في المشبه، وأما إنتزاعه من متعدد في المشبه به فمما لا شبهة فيه، ولا يخلو كلامه من تلويح إلى

جواز التفريق، وتلخيصه أنه اعتبر في المستوقد السعي في إيقاد النار والكدح في إحيائها وحصول طرف من الإضاءة المطلوبة وزوالها بإنطفاء النار بغتة، كما يدل عليه فلما، ولذا قال إستضاؤا به قليلا واعتبر في المنافق القصد إلى إدعاء الإيمان واجراء الكلمة على اللسان، وحصول منافع الأمن والأمان د رانتفاء ذلك دفعة بالموت، ووقوعهم في ظلمات متراكمة فإن لوحظ في كل واحد من الجانبين هيئة وجدانية ملتئمة من تلك المعاتي المتعدّدة كان مركبا، ووجهه ما ذكر، وان قصد تشبيه كل واحد من تلك المعاني بما يناظره كان مفرقا لا يحتاج وجهه إلى بيان، فإن قيل ظلمة النفاق مجامعة للإستضاءة بنور هذه الكلمة لا متعقبة لها، قيل من إلا أنها تمخضت بعد الانتفاع فلذلك حكم بتعقبها منضمة إلى ظلمتين أخريين، والوجه الثاني لا يخالف الأول تركيباً وتفريقا إلا فيما بإزاء ذهاب الله بنور المستوقد فالتورط حيسئذ هو الوقوع في حيرة الفضوح والخيبة، وكذا الثالث إلا أنّ المشبه هنا لإذهابه هو خذلانهم في نفاقهم فطبع على قلوبهم فوقعوا في حيرة، وبعد عن نور الإيمان، وإنما كان أوجه لأنّ ما بده من خواص أهل الطبع، ومحصول الأوّل أنهم انتغعوا بهذه الكلمة مدة حياتهم القليلة، ثم قطعه الله بالموت فوقعوا في تلك الظلمات، ومحصول الثاني أنهم استضاؤا بها مدة، ثم اطلع الله على أسرارهم فوقعوا في ظلمات إنكشاف الأسرار والافتضاح والإتسام بسمة النفاق، ومحصول الثالث أنهم انتفعوا بها فخذلهم الله حتى صاروا مطبوعين واقعين في ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض والثلاثة متعلقة بكونه تمثيلا لجميع أحوال المناقين السابقة، والوجه الرابع على تقدير تعلقه بقوله إشتروا الضلالة، وبينه على التفريق وكونه جواب لما ووجه الشبه على التفريق ظاهر وعلى الوجه المختار، وهو التركيب ما ذكر السكاكيّ كما سمعته آنفا وقول القطب الرازي: في شرحه هنا، وأمّا وجه التشبيه فهو اسم الإضاءة والظلمة أي كما أنّ في حال المستوقد ما يسمى إضاءة وظلمة كذلك في حال المنافقين ما يسمى إضاءة وظلمة ووقوع الاسم في أحدهما بانحقيقة وفي الآخر بالمجاز غير قادح في اشتراك الاسم. وأعلم أنّ لهذا التشبيه إجمالا وتفصيلاً، والإجمال هو تشبيه الحال بالحال مطلقا، وهو تشبيه مفرد بمفرد، وهو المعتبر هنا وامّا تفصيله فهو تشبيه أحوالهم بأحواله، وهو إمّا مفرق أو مركب، وقد قيل عليه إنه لا معنى للتشبيه المركب إلأ أن تنزع كيفية من أمور متعددة فتشبه بكيفية أخرى كذلك فيقع في كل من الطرفين عدّة أمور ربما يكون التشبيه فيما بينها ظاهرا لكن لا يلتفت إليه بل إلى الهيثة الحاصلة من المجموع كما في قوله: وكأنّ أجرام النجوم لوامعا درر نثرن على بساط أزرق ويكون التشبيه مركبا، وأمّا حدث كون وجه الشبه هو اسم الإضاءة والظلمة على الوجه الذي ذكر فلا أزيد فيه على الحكاية لعلماء لبيان، وهم لا يزيدون على التعجب والسكوت. أقول: التشبيه إذا ذكر طرفاه بمفردين يدلّ، كل منهما على أمور متعدّدة كالقصة والحال ولفظ المثل هنا إن نظر إلى ظاهره فهو تشبيه مفرد بمفرد كقولنا الدنيا خيال باطل، وان نظر إلى ما اشتملا عليه كان تشبيه مركب بمركب بحسب الظاهر ويجوز أن يعتبر فيه التفريق على اللف والنشر الإجمالي فإن رجح هذا لم يمنع الأوّل، ولا يخطأ من ذهب إليه، فإن قصد الفاضل ردّ قوله إنه تشبيه مفرد بمفرد لم يسمع منه، وان ذهب الشرّاج إلى خلافه وأمّا ما تعجب منه واستهزأ به فقد يقال إنّ مراده أنّ قوا، ذهب الله بنورهم إذا كان بخواب سؤال مقدر عن وجه الشبه بأنه الإضاءة والظلم فذلك غير مشترك بين الطرفين هنا لأنّ الحقيقيين يختصان بالمستوقد، والمجازير بالمنافقين، وهذا ما ذكره أهل المعاني كما مرّ من أنهم قد يتسامحون في وجه الشبه كقولهم في الكلام الفصيح هو كالعسل في الحلاوة، مع أنّ الحلاوة غير مشتركة بينهما والمشترك ميل الطباع فعبر عنه بالحلاوة لإطلاقها على ذلك إطلاقا شائعاً، وتسمحوا فيه لمجرّد الاشتراك في الاسم وإن كان في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجازاً، ومثل الظلمة والنور هنا إذ! كانا وجه الشبه وإذا ظهر المراد سقط الإيراد، واندفع ما قيل عليه من أنه سهو إذ لم يذهب أحد إلى جواز مثل قولك الباصرة كالذهب

لإشتراكهما في إطلاق اسم العين عليهما، ولقد أطلنا الكلام وسحبنا ذيل البيان إثر هؤلاء الأعلام، لأنه من مزالّ الأقدام. قوله: (لمن آ-ماه ضرباً من الهدى إلخ الما رأى المصنف رحمه الله ما في الكشاف يؤل إلى وجه واحد لتقارب ما فسر به النور والظلمات لف النشر، ولئم الشعث فجعلها وجهاً واحداً؟ وزاد وجهاً آخر ذكره بعضهم وتبع السكاكيّ في جعل التمثيل مركباً من غير التفات لغيره أصلا على دأبه في التحقيق والتنقيح والإيجاز، والمعنى أنه تمثيل أستعير فيه النور للهدى والظلمات لإضاعته، وما يتبع ذلك من مباشرة الأسباب التي خابت فأوقعتهم في تيه الحيرة والحسرة، فضمير مثلهم لمن في قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 8] إلخ أو للذين اشتروا الضلالة، والموصول فيهما عامّ لكل من أظهر الإيمان، وأضاعه بإضمار خلافه أو بعدم الدوام عليه، ولكل من استبدل هديّ مّا بضلال مّا، وان لم يكن كفر لأنه وان نزل في شأن المنافقين لا ينافيه لأفي العبرة بعموم اللفمل لا بخصوص السبب، فيعمّ غيرهم نظراً للظاهر، وهذا هو الوجه الأولّ فيئ كلام المصنف رحمه الله، أو يقالى إنه مختعر بهم لما في الموصول من العهد تقاضي ما قبله وما بعده له، وهذا هو الوجه الثاني، إذا عرفت هذا فقوله ضرباً من الهدى مفعول آتاه بمعنى أعطاه أي نوعا منه، وفيه إيهام حسن وتجنيس، والمراد به مطلق الهداية الشاملة لإجراء لكلمة والإيمان الظاهر أو الجبلي، أو الذي تمكنوا منه، وهذا من الإضاءة ولذا نكر ضربا إشارة إلى تنكير نارا في الآية، والإمام فأضاعه أي بالنفاق أو الكفر وما يضاهيه وهذا من ذهاب نورهم وتجارتهم الخاسرة، وقوله ولم بتوصل به من الظلمات المتراكمة التي مرّ تفسيرها، ومراده بالآية الأولى قوله {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ} إلخ أو قوله ومن الناس إلخ على ما بيناه لك آنفاً، وقد عرفت أن الزمخشرفي جوّز إرجاعه إلى جميع ما قبله من حال المنافقين، وافراد الآية لا يأباه والمتبادر من الأولى تقدمها غير ملاصقة، وقوله حين خلوا إلى شياطينهم مفاد عليه فهو الحق، وان خالفوه نعم دخول من صح له الأحوال في الثاني أظهر، وهو الذي دعاهم إلى تعيينه مع قوله الهدى فينبغي أن يكون داخلاَ فيه لأنّ دخوله تحت الأوّل محتاج إلى التكلف فالمعنى أنّ هؤلاء ممن اشترى الضلالة بالهدى على أنه من حمل العامّ على الخاص من غير تخصيص، كما عرفته فالتمثيل عامّ شامل للمنافقين، وغيرهم ولا يمنعه ضمير مثلهم الراجع إليهم كما قيل لما أسلفناه، وجعله ضربا من الهدى باعتبار الظاهر أو الابتداء كما في حال المرتدين فلا يتوهم أنّ إقترانه بالنفاق، ونية الخداع وتحصيل أغراضهم الفاسدة تصيره فاسدا ابتداء فلا يحصل لهم حتى يضيع، كما قيل وقوله تقريرا مفعول له، وتعليل لقوله ضربه إلخ وتقريره وتوضيحه يقتضي عدم عطفه لشدة إتصاله فإن كان تقريراً لقوله ومن الناس إلخ فلأنه لما دلّ على أنهم ادّعوا الإيمان وأبطله الله تعالى بقوله {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} كانوا كمن أوقد نارا فأنطفأت في الحال، وكذا إن كان لقوله (اشتروا) إلخ فإنهم لما اختاروا العمى على الهدى، وبقوا عدم الاهتداء كان هذا مثلهم فصوّر المعقول بصورة المحسوس توضيحاً وتقريراً له وتصويرا له بصورة المشاهد كما قال في الكشاف لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيان، وما قيل هنا من إنّ ضمير مثلهم راجع إلى المنافقين قطعاً فلا يتصوّر العموم، وشموله لغيرهم إلا بجعله مستفادا من دلالة النص كدلالة لا تقل لهما أف على النهي عن الإيذاء، أو من إشارته ليس بشيء فإنّ المراد بالمثل الذي بمعنى الحال إضاعة الهدى، وعدم التوصل به إلى الكمال، واستبطان الكفر إخفاؤه مع المؤمنين، وقوله ومن آثر الضلالة إلخ الظاهر أنهم المنافقون لا الكفار الذين تمحض كفرهم لعطفه بالواو. قوله: (ومن صح له أحوال الإرادة إلخ) هذا من بعض البطون القرآنية على نهج حكماء الإسلام الإشراقيين، وأرباب السلوك من المتصوّفة، والأحوال في إصطلاحهم هي ميراث العمل من المواهب الفائضة من الله تعالى قالوا وسميت أحوالا لتحوّل العبد بها من دركات البعد إلى درجات القرب، وقريب منه ما قيل الحال ما يرد على القلب بمحض الموهبة من غير تعمل واجتلاب كحزن وخوف وقبض، وبسط فإذا دام سمي مقاما، والإرادة حال المريد، وهو السالك في لسانهم فإرادته ما يلقى في قلبه من الدواعي الجاذبة له إلى الإجابة لمنادي الحق، فإذا حصل له هذا وهو منزل من منازل السير

إلى الله تعالى إذا نزله أشرقت عليه أنواره فإذا ادّعى المحبة انطفأت أنواره، ووقع في تيه الحيرة، والمحبة عندهم هي الابتهاج بحصول كمال أو تخيل، وصول كمال مظنون، أو محقق والابتهاج عجب يضله عن طريق الهدى فيدخل فيمن اشترى الضلالة بالهدى لإدّعائه الوصول لمقام أعلى من مقامه، وهو مضاه للنفاق بإظهاره ما ليس عنده وهذا مأخوذ من تفسير الراغب، وهو محكيّ عن أبي الحسن الورّاق. قوله: (أو مثل لإيمانهم إلخ) هذا هو الوجه الثاني، وهو محصل الوجوه المذكورة في الكشاف كما عرفته، وهو معطوف على قوله مثل ضربه الله إلخ وهو على هدّا مخصوص بالمنافقين لما مرّ وهذا الوجه أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو التفسير المأثور والراجح دراية ورواية فلذا اقتصر عليه في الكشاف والاختصاص المذكور هو الفارق بين هذا الوجه، وما قبله لا أنّ التشبيه فيما قبله مركب وفي هذا مفرق كما قيل لأنه مركب عنده كما مرّ وان كان هذا محتملاَ، واعادة اللام في قوله: ولذهاب توهمه كأنه الدعي لهم على ما قالوه فعلى هذا مثل إيمان المنافقين الذي أظهروه لإجتناء ثمراته المذكورة بنار ساطعة الأنوار، وذهاب آثاره بإهلاكهم وتفضيحهم بإطفاء النار، وفقد تلك الأهوار وحقن الدماء صيانتها، ويقابله إهدارها واباحتها من حقنت الماء في السقاء إذا جمعته فكأنك جمعت الدم في صاحبه إذ لم ترقه فهو مجاز غلب استعماله حتى صار حقيقة فيه، ومنه الحقنة في الدواء، فإن قيل المنافقون من أهل المدينة ودماؤهم كانت محقونة وأموالهم وأولادهم سالمين لكونهم من أهل الذمة، قيل: المراد الحقن والسلامة مآلا أيضاً كما إذا ذهبوا إلى دار لحرب فاستولى عليها المسلمون، وظاهره أنه لم يحقن دمهم حالاً، ولا في المدينة وليس كذلك لأنهم في حال إظهارهم للإسلام في أوطانهم كفرة باطنا فلولا ما ظهر من إسلامهم استحقوا القتلى بالمدينة لأنه ردّة كما لا يخفى فلا حاجة لما ذكر من التكفف، ولا إلى غيره كأن يقال إنّ مجموع ما ذكر حصل لهم بذلك فلا ينافي كون بعضه قيله لأنّ ما ذكرناه هو المراد، وقوله بالنار متعلق بقوله مثل، ولذهاب معطوف على قوله لإيمانهم، وبإهلاكهم أي بسببه متعلق بذهاب عطف على قوله بالنار بالواو العاطفة لشيئين، أو هو متعلق بمثل مقدر هذا تحقيق المقام بما يضمحل معه كثير من الأوهام، وأمّا ما قيل من أنّ المصنف رحمه الله أدرج في هذا الوجه وجهين مما في الكشاف. حاصل الأوّل أنهم إنتفعوا بهذه الكلمة مدة حياتهم القليلة، ثم قطعهم الله تعالى بالموت فوقعوا في الظلمات. وحاصل الثاني أنهم إستضاؤا بها مدة، ثم فشت أسرارهم فوقعوا في ظلمات إنكشاف الأسرار والإفتضاح والإتسام بسمة النفاق، وإنما جعله كذلك قصدا للمبالغة، ويكون المراد بالمثل حينئل! بيان أنهم قممدوا بظاهر الإيمان المنفعة الدنيوية فترتب عليها المضار الدنيوية والأخروية جميعاً الأولى بإفشاء سرّهم المترتب عليه مضرّة إتسامهم بالنفاق، وحرمانهم مما قصدوه وتعيير المؤمنين، والثانية بإهلاكهم حيث ترتب عليه مضرّة فقدان نور يوم يسعى نور المؤمنين بين أيديهم، وابقائهم في العقاب السرمد والدرك الأسفل، والمفهوم من الكشاف ترتب إحدى المضرّتين فتدبر فكم بينهما فلا تتوهم أنه أولى فتخبط خبط عشواء، فهو ردّ على من قال: على المصنف إنّ الأولى أن يجعل ما جعله وجها واحداً وجهين كما في الكشاف الأوّل أنهم انتفعوا بهذه الكلمة مدة يسيرة، ثم قطعهم الله تعالى بالموت فوقعوا في ظلمات البعد عن رحمة الله وسخطه وعقابه، والثاني أنهم إستضاؤا بي مدّة، ثم إطلع تعالى على إسرارهم فوقعوا في ظلمات الإنكشاف وغيره، وهذا كله بمراحل عما عناه المصنف فإنه شامل للوجوه كلها ولا فرق بينهما إلا بالإيجاز والإطناب، وترك القشر للب اللباب، ثم إنه في الكشاف عقب الوجوه بقوله وتنكير النار للتعظيم، وتركه المصنف رحمه الله تعالى رأساً فكأ: له لم يرتض به لما قيل عليه من إنه ليس في محله وكان ينبغي أن يذكر حيث فسر إستوقد ناراً، وأيضا فالظاهر أنه للتحقير وان ردّ بأنّ المشبه به الهدى الذي باعوه، وهو أمر خطير يناسب التشبيه بنار عظيمة، ولذا أخره ليذكره مع الوجه الأخير، وقد يقال إضاءة ما حولها وحصول الظلمات بفقدها يدلّ على عظمها، فتأمّل. قوله: (لما سذّوا مسامعهم إلخ) السد بالمهملتين ضد الفتح، والمسامع جمع مسمع بكسر الميم كمنبر وأمّ مسمع

بالفتح فموضع السمع كما في قوله: فأنت بمرأى من سعاد ومسمع. والمسمع هنا كما قال الراغب: خرق الأذن وهو الأنسب بالسد، وفي القاموس والمسمع كمنبر الأذن السامعة، وما قيل المسامع هنا محتمل لأن يكون جمع مسمع بالفتح وهو موضع السمع بمعنى القوّة السامعة عدول عن المعروف في كلام العرب وكتب اللغة من غير داع مع أنه غير ملائم لكلام المصنف رحمه الله تعالى، والإصاخة بصاد مهملة، وألف يليها خاء معجمة الإستماع يقال صاخ له وأصاخ إذا استمع وهو متعدّ باللام ولمصنف عداه بإلى لما فيه من معنى الميل وقوله ينطقوا به ألسنتهم مضارع من الإنطاق كما في قوله {أَنطَقَنَا اللَّهُ} [فصلت: 21] أي جعلنا ناطقين والنطق يضاف اللسان ولصاحبه يقال نطق زيد أو لسانه وكلاهما حقيقة لغة، والألسنة كأرغفة جمع لسان وهو الجارحة المعروفة، ويتبصروا من التفقل معطوف على ينطقوا. قوله: (جعلوا كأنما ايفت إلخ) جواب لما وهذا هو الذي في النسخ الصحيحة باتصال ما الكافة بكأنّ المشبهة، وهو الموافق لما في الكشاف، وفي بعضها كأنها بضمير المؤنث والأولى أكسح رواية ودراية، وهذه تحريف من الناسخ والضمير للقصة أو المشاعر، وإنما قال كأنّ لأنها ليست مؤفة لكنها لما لم تستعمل فيما خلقت له جعلت بمنزلة المؤف، والمشاعر جمع مشعر بفتح الميم وكسرها موضع الشعور أو اكته والمراد بها الحواس الظاهرة وايفت مجهول آف كقال وقيل: إذا أصابته آفة وفي القاموس الآفة العاهة أو عرض مفسد لما أصابه وأيف الزرع كقيل إصابته فهو مؤف، ومئيف على خلاف القياس لأنّ فعله لازم، وفي أفعال السرقسطيّ آف القوم أو فأدخلت عليهم مشقة، ويقال في لغة ايفوا وقال الكسائيّ: طعام مؤف أثابته آفة وأنكر لو حاتم مؤفا اهـ. وفيه كلام في كتابنا شرح الدرّة. قوله: (وانتفت قواهم) القوى بالضم جمع قوّقة كغرفة وغرف، وهي في الأصل ضد الضعف وهي معنى تصدر به الأفعال الشاقة عن الحيوان، وهذا المعنى له مبدأ ولازم فمبدؤه القدرة وهي كونه بحيث إن شاء فعل وان شاء ترك واللازم الإمكان، ثم نقلت في اصطلاح الحكماء والمتكلمين إلى كيفية راسخة هي مبدأ التغير من آخر في آخر وقسموها إلى أنواع معروفة عندهم، ومنها القوى النفسانية وهي محرّكة ومدركة والمدركة مدركة في الظاهر وهي مبدأ الحواس الخمس الظاهرة، ومدركة في الباطن كالحس المشترك وهي أيضاً خمس ويدخل في المحرّكة القوّة الناطقة التي هي مبدأ التكلم، ولهذا زاد المصنف ما ذكر على ما في الكشاف لأنه قال: كأنما ايفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها لا لإحساس والإدراك لأنّ ما ذكره المصنف رحمه الله شامل للقوّة الناطقة بخلاف ما في الكشاف لخروجه عن الحواس والمشاعر ولذا ذهب شرّاحه إلى أنه عدّ اكة النطق من الحواس، وأدخلها فيها تغليباً، ولك أن تقول إنّ البنا بضم الباء وكسرها وهو ما بني عليه الإحساس، والإدراك هي القوى لأنها أساس للإدراك وغيره فيكون موافقا لكلام المصنف رحمه الله، وإن كان ما ذكره المصنف أظهر فهو لم يقصد الردّ عليه وإنما أوضحه وف! ت! ره وهذا هو الحق وإن أطبق شرّاح الكشاف وأرباب الحواشي على خلافه، فإن قلت كيف يقال إنهم أبوا أن ينطقوا بالحق، وقد كانوا ينطقون به، وإن لم يواطىء قلوبهم كما نطق به قوله تعالى {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا} إلخ ولذا عدوا منافقين، قلت قد قيل: النطق لا ينافي الإباء لأنه يجامع ارتكابه اضطراراً فيصح سلب الإنطاق مع النطق، والأحسن أن يجعل قوله بكم بيانا لأنّ تكلمهم بالحق في حكم العدم فهم ملحقون بمن لا يقدر على النطق رأسا، والحق أنّ الحق شامل لكل حق وهم ساكتون عن أكثره فلا حاجة لشيء مما تكلفوه. وفي إطلاق المشاعر، والقوى تنبيه على أنّ ما ذكر من الصمم والبكم، والعمى على سبيل الاختصار في البيان والاعتماد على تنبه السامع والمراد أنه كناية عن اختلال جميع المشاعر والقوى، وتقديم الصمم لأنه إذا كان خلقياً يستلزم البكم وأخر العمى لأنه كما قيل هنا شامل لعمى القلب الحاصل من طرق المبصرات والحواس الظاهرة، وهو بهذا المعنى متأخر لأنه معقول صرف ولو توسط حل بين العصا ولحائها ولو قدم لأوهم تعلقه بلا يبصرون، أو الترتيب على وفق حال الممثل له لأنه يسصع أوّلاً دعوة الحق، ثم يجيب ويعترف، ثم يتأمّل ذلك ويتبصر. قوله: (كقوله صم إلخ) وهو من قصيدة لقعنب ابن أمّ صاحب أحد بني عبد

القه بن عطفان وهو من شعراء الحماسة وأوّلها: ما بال قوم صديق ثمّ ليس لهم عهد وليس بهم دين إذا ائتمنوا شبه العصافير أحلاماً ومقدرة لو يوزنون بزق الريش ما وزنوا ومنها: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً مني وما سمعوا من صالح دفنوا صمّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بشرّ عندهم أذنوا جهلاً عليها وجبنا عن عدوّهم لبئست الخلتان الجهل والجبن وروي يسوء بدل قوله بشر وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله أي هم صمّ، على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: هم صم أي يتصامون عما نسب إليه من الخصال الصالحة، ويقال للمعرض عن الشيء هم أصمّ عنه وعلى ذلك قوله: أصم عما ساءه سميع، فكأنه قال، ومتى ذكرت بشرّ أدركوه وعلموه، ويقال أذن لكذا يأذن كعلم يعلم قال: وسماع يأذن الشيخ له. ويجوز أن يكون اشتقاقه من الأذن الحاسة كما قاله الإمام المرزوقي في شرح الحماسة، وقد فسر أذن بعلم وأدرك كما سمعته، والشراح فسروه هنا باستمعوا وأصغوا قال الراغب: أذن إستمع نحو {؟ ؤآ نث يرئها وخقث} [الإد فاق: 2] ويستعمل في العلم الذي يتوصل إليه بالسماع. قوله: (أصتم عن الشيء إلخ) أصم صفة مشبهة، وأسمع أفضل تفضيل، ويعدى بعن لما فيه بطريق التضمين من معنى الإعراض أو الذهول، وهو كقوله: ولي أذن عن الفحشاء صماء. وتقديره أنا أصم، أو هو أصم إن كان في وصف نفسه أو في مدح غيره، وفي البيتين شاهد على استعمال الصمم في عدم الإصاخة والإستماع كما في الآية الكريمة، والإطلاق ضد التقييد، وهو في الاصطلاح استعمال اللفظ في معناه حقيقة كان أو مجازا، والضمير المؤنث لقوله صمّ بكم عمي باعتبار أنها ألفاظ والطريقة تأنيث الطريق المعروف والمراد بها الأسلوب والنهج والتمثيل مراد به التشبيه هنا، وله معان أخر. قوله: (إذ من شرطها إلخ الما ذكر إنّ الصمم أخوبه لم يرد بها الحقيقة لسلامة مشاعرهم وقواهم وأنه على طريقة التمثيل أي التشبيه لا الاستعارة بين مانعها، وهو فقد شرطها من طيّ ذكر المستعار له أي المشبه بحيث يمكن حمله على المستعار منه المشبه به لولا قيام القرينة، وفي الكشاف إنه مختلف فيه والمحققون على تسميته تشبيها بليغا لا استعارة لأنّ المستعار له مذكور، وهم المنافقون والاستعارة إنما تطلق حيث يطوي ذكر المستعار له وبجعل الكلام خلواً عنه صالحا لأن يراد به المنقول عنه، والمنقول إليه

لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام، اهـ. والحاصل أنه إذا ذكر الطرفان حقيقة أو حكما ففيه ثلاثة مذاهب لأهل البيان، والمحققون على أنه تشبيه بليغ، وذهب بعضهم إلى أنه استعارة، وآخرون إلى جواز الأمرين كعبد اللطيف البغدادي في قوانين البلاغة، وهذا أمر مفروغ منه مقرّر قديما لا فائدة في إعادته، وتسميته تشبيهاً ظاهرة، ووصفه بالبلاغة لما فيه من حمل المشبه به على المشبه حتى كأنه هو بعينه في أكثر، وعدل المصنف رحمه الله عما في الكشاف من أنه لولا القرينة الحالية أو المقالية صلح لإرادة المنقول عنه، والمنقول إليه إلى أنه لولا القرينة أمكن الحمل على المستعار منه فقط إشارة إلى ما أورده الشراح عليه من أنه إذا عدمت القرينة لا يصلح اللفظ للمعنى المجازي، وأجيب عنه بأنه صالح له في نفسه مع قطع النظر عن عدمها، وردّ بأنّ صلاحية المعنيين ثابتة له في نفسه أيضا مع وجودها إذا قطع النظر عنه فلا معنى لإشتراط عدمها في هذه الصلاحية، ثم إنه قدس سرّه قال: بعدما ذكر الظاهر أن خلو الكلام المشتمل على ذكر اللفظ المستعار عن ذكر المستعاو له مصحح لصلوج المستعار لأنه يراد به معناه المجازي إذ لو اشتمل على ذكره أيضاً تعين المعنى الحقيقي فلا يكون صالحا للمعنى المجازي، وأنّ عدم قرينة المجاز مصحح لأن يراد به معناه الأصلي، إذ مع وجودها يتعين المعنى المجازي فلا يكون صالحا للمعنى الحقيقيّ فالخلو المذكور شرط لصلوج إرادة المعنى المنقول إليه، وعدم تلك القرينة شرط لصلوح إرادة المعنى المنقول عنه فالمجموع متعلق بصلاحية المعنيين على التوزيع، ولو قدم ذكر المنقول إليه كان أولى، وقد يقال كون الكلام مع عدم القرينة صالحا لإرادة المعنى المجازي مبني على ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به حتى كأنه من أفراده فيصلح له لفظه كما يصلح لإفراده الحقيقية واشتراط نفي القرينة إنما هو لصلوج إرادة المعنى الحقيقي، ويرد عليه أنه يلزم أن يكون للخلو عن ذكر المستعار له مدخل في الصلاحية المذكورة إلا أن يجعل عبارة عن ذلك الإدعاء، ولإخفاء في بعده عن الإفهام جدا، ثم إن الكلام وان كان ظاهرا في الاستعارة المصرحة إلا أنهم أدخلوا فيه المكنية بناء على مذهب الزمخشري فيها، والمصنف رحمه الله تبعه كما سيأتي تحقيقه في تفسير قوله تعالى {يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة 27] فلا حاجة إلى السؤال والجواب المذكورين في شروح الكشاف واعترض عليه بأنه ليس في عبارة المصنف ما يدل على مدخلية الخلو في الصلاحية بل يدل على اشتراط تلك الصلاحية مع الخلو في حقيقة الاستعارة، ثم إنه لا يخفى أن الاية من قبيل قولنا الحال ناطقة، وهذا لا يحتمل التشبيه بل هو استعارة تبعية، لا يقال ي! عل الصم البكم العمي من قبيل الأسماء فهو من التشبيه لأنا نقول يبقى الكلام في مثل جعلناهم حصيدا خامدين حيث صرح المصنف فيه بالتشبيه، ويمكن أن يقال إنه بتقدير لفظ مثل أي مثل صم فيصير تشبيها وإن لم يقدر فهو استعارة فالكلام يحتمل كليهما فلا يتم طي ذكر المشبه بالكلية في الاستعارة التبعية، ولذا لم يشترط صاحب المفتاح في الاستعارة طي ذكر المشبه على الاطلاق أقول: هذا زبدة ما هنا من القيل والقال، والذي يميط عن وجهه نقاب الاشكال أن ما ذكره الفاضل المحقق تبعا للطيبي ومن مشى على أثره من الشراح كلام لا غبار عليه، وما أورده عليه من أنه يلزم أن لا يكون للخلو عن ذكر المستعار له مدخل في الصلاحية المذكورة غير مسلم فإنه إذا ادعى أن للأسد فردين متعارفا، وهو معروف وغير متعارف وهو الشجاع كان صالحا لكل منهما في نفسه فإذا لم يخل عنه الكلام، فقد صرح بأحد فرديه فيه فيدل على أنه المراد منه إذا حمل عليه مثلاً لئلا يحمل فرد على غيره فإذا خلا عته كان صالحا لكلى منهما، فالخلو شرط لصحة الادعاء والشمول لهما لا أنه عبارة عنه كما قاله واستبعده ولا حاجة إلى ما دفع به مما مر كما لا يخفي، ثم إن ما إعترض به في نحو الحال ناطقة من ذكر الطبرفين في الاستعارة التبعية، وأنه لا يمتنع في مطلق الاستعارة مناف لما صرحوا به كيف لا وقد عرف السكاكي الاستعارة بأن يذكر أحد طرفي " التشبيه، ويراد به الآخر كما في التلخيص، وهو مبتي على أن الحال مشبهة بالمتكلم، والناطق وليس كذلك في التحقيق وان أوهمه كلامهم، ولو كان كذلك لم تكن تبعية فإنها شبه فيها الدلالة بالنطق واستعير الثاني للأول، ثم سرى منه لما اشتق منه فكيف يرد ما ذكره لمن تدبر حق التدبر، وسيأتي عن قريب تحقيقه قوله: (كقول رّهير) هو زهير بن أبي سلمى بضم السين الشاعر المشهور وهذا الييت من قصيدته المشهورة،! وهي إحدى المعلقات السبعة التي أولها: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بحو مانة الدراج فالمتثلم ومنها: وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي عدوي بألف من ورائي ملجم فشدولم ينظربيوتاكثيرة لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم وفي رواية الأصمعي مقاذف بدل مقذف، وقال شبه الجيش بالأسد أي له أقدام كأقدام اسد وحدة كحدته وأظفاره لم تقلم أي حديد شكس، ويقال للأسد إذا أسن هو ذو لبد أي على ظهره شعر قد تلبد، وشاكي السلاح حديد السلاج أصء وقال ابن السيد في المقتضب شاكي السلاح معناه حاد السلاح شبه في حدته بالشوك، ويقال شاك! بكسر الكاف، وضمها فمن كسرها جعله منقوصا مثل قاض، وفيه قولان فقيل أصله شائك فقلب كهار واشتقاقه من الشوكة، وقيل أصله شاكك من الشكة، وهي السلاح فاجتمع مثلان فأبدلوا الثانية ياء تخفيفا، وأعلوه اعلال قاض! ، ومن ضمه ففيه قولان أحدهما أن أصله شوك فانقلبت واوه ألفاً وقيل هو محذوف من شائك كما قالوا جرف هار بضم الراء، وفيه لغى ثالثة شاك باتشديد الكاف من

الشكة بكسر الشين وتشديد الكاف وهي السلاح وآلات الحرب، اهـ. وفي الكشف أنه نظير ما يدلّ عليه فحوى الكلام لأنّ شاكي السلاح مما يدل على ذلك لا من دلالة الحال كما قيل، والظاهر أنّ أسداً فيه مستعار للرّجل الشجاع، فهو مثال للاستعارة المنفية في قول الشيخين لا استعارة، وليس نظيراً لما نحن فيه، وقول الأصمعي إنه مستعار للجيش لذكره في البيت الذي قبله فالأسد فيه بمعنى الأسود هنا خلاف الظاهر، وقال ابن الصائغ المراد به هرم ممدوج زهير، وجعله في الكشف شاكي السلاح قرينة لا ينافي ما في كتب المعاني من أنه تجريد لأن التجريد قد يكون قرينة، وقال بعض المتأخرين: ما كان أشذ إختصاصاً بالمشبه فهو قرينة، وما زاد عليها يكون تجريداً، وقيل ما يسبق إلى الذهن قرينة وغيره تجريد، وقد يجعل الكل قرينة إهتماماً، ومقذف اسم مفعول من التقذيف مبالغة في القطف، وهو الطرج والرمي ومقاذف اسم مفعول من فاعلته على الروايتين السمين الكثير اللحم. من قولهم ناقة مقذوفة باللحم، ومقذفة كأنها رميت به، وقيل المراد أنه يرمى به في الوقائع والحروب لشجاعته، والأوّل أشهر عند أهل اللغة وعلى هذا هو تجريد وعلى الأوّل ترشيح، وقيل إنه ليس بتجريد ولا ترشيح، ولبد كعنب بلام وباء موحدة، ودال مهملة جمع لبدة كسدرة، وهي الشعر المتراكم على رقبة الأسد، وقيل على كتفيه، ويقال هو أمنع من لبدة الأسد للقوفي الممتنع، وأظفار جمع ظفر بضمتين معروف والتقليم قطع الأطراف لا قصها ومنه القلم لقطع طرفه أو لأنه معدّ للقطع، ولم تقلم ليس لنفي المبالغة بل للمبالغة في النفي كقوله تعالى {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} وقيل إنّ الأسد موصوف بكمال الأظفار فإذا أتصف بالقلم اتصف بكمال فنفي التقليم نفي للقلم أصلاً، كما قيل في قوله تعالى {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46، وتقليم الأظفار كناية عن الضعف، وعدمه كناية عن القوّة، ومن الناس من جعله ترشيحاً للاستعارة قيل: وفيه إنّ التقليم لا يختص بالأسد المشبه به حتى يكون ترشيحا، وقيل إنه تجريد لأنّ الوصف بعدم التقليم إنما يكون لمن هو من شأنه، وهو الإفان، وقيل: إنه ليس بترشيح ولا تجريد لأنّ عدم الضعف مشترك الآ أن يقال المراد أنّ القلم ليس من شأن جنسه، ولا من عادته فتأمّل. قوله: (ومن ثمّ ترى المفلقين إلخ) ثمّ بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم المفتوحة للإشارة إلى المكان في أصل وضعها واختلف هل هي إشارة إلى البعيد أو القريب فتجوّز بها في المعاني في كلام المصنفين لكونها منثأ لما ذكر معها فكأنها مكانه، وفسروها بقوله من أجل ذلك أو من أجل هذا فمن تعليلية، وقيل ابتدائية وقد ترسم بهاء السكت لأنها تلحقها في الوقف، وقيل إنها للتأني! وهو لغة فيها، والمفلقين جمع مفلق اسم فاعل، وهو من يأتي بالفلق بالفتح أو بكسر فسكون، وهو الأمر الغريب العجيب، وهو يكون بمعنى الداهية من الفلق، وهو الشق والمراد البلغاء الواصلون إلى أعلى مراتب البلاغة التي تدهش سامعها وتحيره، وكذا السحرة جمع ساحر من السحر وهو مجازا نهاية البلاغة كما في الحديث: " إن من البيان لسحراً " وفيه كلام مذكور في شروحه، وضرب الصفح عبارة عن الإعراض، والتناسي وسيأتي تحقيقه في قوله تعالى: {؟ أفنضرث عنكم الذكرّ ضفحاً} [الزخرف: 25] وترى من الرؤية البصرية أو العلمية أي تشاهده، وتتحققه أي لأنّ الاستعارة لا تكون إلا إذا ترك المستعار له لفظا وتقديرا فإنّ المقدّر كالمذكور كما في هذه الآية فإذا كان كذلك تناسوا الث مبيه المستدعي لذكر لطرفين عند الحذف وادخال المشبه في جنس المشبه به حتى كأنه لا تشبيه كما في قوله ويصعد إلخ فإنّ العلو المكاني أستعير لرفعة القدر، وجعل كالحقيقيّ الذي يتوهم فيه إنّ له حاجة في السماء صعد لها، وقد يفعلون ذلك مع التصريح به أيضا كقول العباس بن الأحتف: هي الشمس مسكنهافي السماء فعزالفؤاد عزاء جميلا فلن تستطيع إليها الصعودا ولن تستطيع إليك النزولا كما يدريه من تتغ كتب علم المعاني. قوله: (ويصعد إلخ) هو من قصيدة لأبي تمام الطائي يرثي بها يزيد بن خالد الشيباني أوّلها: نعاء إلى كل حيّ نعاء فتى العرب اختط ربع الغناء

ومنها: فمازال يفرع تلك العلا مع النجم مرتديابالعماء ويصعدحتى يظن الجهول بأنّ له حاجة في السماء إلى آخرها، وهي قصيدة طويلة، ويفرع بمعنى يعلو بفاء وراء مهملة من فرع المنبر والجبل إذا صعده وأصله الصعود إلى فروع الشجر وفي رواية بدل يصعد يرقى، ويروى أيضا بدل حتى يظن حتى لظن باللإم الابتدائية أو هي جواب لقسم كما في شرحه للتبريزي، والشاهد في استعارة يصعد حيث بنى عليها ما بعدها كما سمعته آنفاً كذا قاله قدس سره وغيره من شراح الكشاف، وهو الذي عناه المصنف تبعاً للكشف، وفي الكشف فروع العلاء مستعار من فروع المنابر والجبال، ثم بنى عليه ما يبنى على الفرع الحقيقيّ فجعله ذاهبا في جهة العلو قاصدا نحو السماء لغرض، وهكذا شأن كل استعارة مرشحة اهـ. فجعل قوله يصعد إلخ ترشيحاً للاستعارة في قوله يفرع إلخ، والعماء بفتح العين والمد السحاب الرقيق، وارتداؤه جعله كالرداء وجعل الظان جهولاً لإدّعائه أنه لا حاجة له لأنّ الله أعلاه وأغناه بجده وسعده فلا يقال إنّ الأنسب بالإدعاء في المدح أن يقول الخبير ويروى منزلاً بدل حاجة، وأعلم أنّ ما ذهب إليه صاحب الكشف هو التحقيق لكنه لا يناسب المقام إلاً بتكلف بعيد جذاً. قوله: (وههنا إلخ) يعني أنّ الطرفين لا يشترط في التشبيه ذكرهما بالفعل، بل يكفي الذكر ولو تقديرا ونية فانّ المقدر المنوي كالمذكور كما أنه لا يضرّ الذكر مطلقا بل على طريق القصد فلو كان ذكره غير مقصود بالذات لم يناف الاستعارة كما قرّروه في نحو قوله: لاتعجبوامن بلى غلالته قد زرّ أزراره على القمر وقوله أسد إلى هو من شعر لدمران بن حطان رأس الخوارج يخاطب به الحجاج، وكان همّ بأخذه وقتله وأعد لذلك عدته، وهو من شعر هو بتمامه كما في كامل المبرد: أسد عليّ وفي الحروب نعامة فتخاءتنفرمن صفيرالصافر هلاكررت على غزالة في الوغى بل كان قلبك في جناحي طائر غشيت غزالة حفلةا بفوارس توكت فوارسه كأمس! الدابر والشاهد في قوله أسد فإنه تشبيه لا استعارة لذكر الطرفين تقديرا فيه أي أنت أسد كما في الآية الكريمة فهو في حكم المنطوق، وفي ذكر البيت إشارة إلى أنه لا ينافي التشبيه أن يذكر بعد المشبه به ما يشعر بأنه ليس بمعناه الوضعي كقوله عليّ هنا، وفي الحروب المتعلق بنعامة، وغزالة ممنوع من. الصمرف لأنه علم إمرأة رجل من الخوارج سث! هور يقا! ل ل! شبيب، وكان الحجاج قتله فلما أتى خبره لامرأته وكانت من الشجاعة بمنزلة عجيبة لم يعهد مثلها في النساء لبست درعا وتققدت بسيف ورمح وركبت في ثلاثين فارسا من الشجعان الخوارج، وكانت نذرت أن تغزو الحجاج بالبصرة نهارا وتصلي في جامعها بسورة البقرة ففعلت ذلك، وبالبصرة أكثر من ثلاثي! ألف مقاتل، وهرب الحجاج منها ولم يبرز فلمح في هذا الشعر لقصتها وعير الحجاج بها، والنعامة طائر معروف بالجبن وشدة الهرب، والفتخاء المسترخية الجناحين اللينة المفاصل وهو من صفاتها والصفير صوت بغير حروف، والصافر الريح أو كل مصوّت والظاهر الثاني، وكررت بمعنى رجعت ويروى برزت بدله، والوغى أصله الأصوات المرتفعة المختلطة وبه سمي الحرب وهو المرادء وغشيت بمعنى نزلت وحفلة مرّة الحفل من قولهم رجل ذو حفل أي مبالغ فيما يفعله والمعنى ذات حفلة كما في الكشف، والتشبيه بأمس الدابر أي الماضي في العدم حقيقة أو حكماً وكون قلبه في جناحي طائر من بليغ الكلام وبديعه لأنه عبارة عن ذهابه فارا وقلبه في غاية الخفقان من شدة خوفه، وهذا لا يدرك حسنه إلاً من رزقه الله ذوق حلاوة العربية، وهو تصوير لفراره مرعموبا وفي الكشف فتخاء من باب التصوير كيقولون بأفواههم وقال بعض المتأخرين: كما رأيته بخطه بل هو لبيان وجه الشبه على طريق الإشارة لترتيب، 1 لحكم على المشتق وفيه نظر، وفتخاء بفاء ومثناة فوقية وخاء معجمة ممدوداً. وأعلم أنه إذا ذكر الطرفان كما مرّ، وعمل الثاني منهما كما في البيت المذكور فهذه مسئلة مقرّرة في كتب النحو والمعاني والتفسير، وقد ذكرت

في كتاب سيبويه وقال: في التسهيل لا يتحمل غير المشتق ضميرا ما لم يؤوّل بمشتق خلافا للكسائي وفي شرحه لأبي حيان إذا أوّل تحمل ضميرأ كمررت بقوم عرب أجمعون، وبقاع عرفج كله بتأكيد الضمير المستتر بتأؤيله بفصحاء وخشن فإذا أسند إلى ظاهر رفعه كما قاله سيبويه في نحو مررت برجل أسد أبوه ومنه قوله: كأنّ لتأمنها بيوتا حصينة مسوحاً أعاليها وساجا كسورها برفع الظاهر لتاويله بمشتق أفي سودأ وكثيفا وأجاز الكسائيّ، وبعض الكوفيين ذلك في الجامد وان لم يؤوّل وأستبعده ابن مالك وقال: ينبغي أن يحمل على ما كان لمسماه معنى لازم بين اللزوم كالإقدام والقوّة للأسد اهـ، وقال ابن مالك أيضاً في شرح كافيته لو أشرت إلى رجل، وقلت هذا أسد لكان لك فيه ثلاثة أوجه تنزيله منزلة الأسد مبالغة دون التفات إلى تشبيه، وقصد التشبيه بتقدير مثل ونحوه وعلى هذين لا ضمير فيه، والثالث أن يؤوّل لفظ أسد بصفة وافية بمعنى الأسدية فتجريه مجرى ما أوّلته به فيرفع الضمير والظاهر وينصب الحال والتمييز وهو مجاز على هذا دون ما قبله هذا زبدة ما قاله المضحاة كما قرّره شرّاح التسهجل في باب المبتدأ والخبر، والذي قاله علماء المعاني مبنيّ عليه فقال المحقق السعد اسم المشبه به وان ذكر معه ما يشعر بأنه ليس في معناه كعليّ! في أسد عليّ، فالكلام تشبيه فليس النزاع فيه لفظيا بل مبنيّ على أنه في معناه الحقيقيّ حتى لا يستقيم إلاً بتقدير نحو الكاف؟ ، وييه! ون تشبيها أو في معنى المشبه كالرجل الشجاع فيكون استعارة ويصح الحمل، وهو المختار عندي كما يشهد به الاستعمال فإن هعنى أسد عليّ مجترىء صائل ومعنى نعامة جبان هارب، ومعنى الطير أغربة عليه باكية وتقول هو أخي في الله. وقال انجن مالك: إذا قلت هذا أسد مشيراً للسبع فلا ضصير " ميه، وان قلته مشيراً إلى الرجل الشجح " لفيه ضمير لأنه مؤوّل بما فيه معنى الفعل. وقال قدّس سرّه: تعلق عليّ بملاحظة ما يلزمه من الجراءة لا لأنه في فعنى مجترىء صائل وإلا كان مجازا مرسلاً، وفات معنى التشبيه بالكلية كما في زيد شجاع أ! مجترىء، وما قيل من أنّ أسداً في زيد أسد مسحمل في المشبه وهو الرجل الشجاع مردود بأنّ هذا المجموع الس خنشبهاً بالأسد فإنّ الشجاعة خارجة عن الطرفين إتفاقاً فالحق أنّ أسدا مس! صمل في محعناه الحقيقيّ، وحمل على زيد لإدّعاء أنه من إفراد. مبالغة ولو قدّر فيه الأداءة فاتت المبالغة،! فم قد يلاحظ ما يلزم معناه الحقيقيّ من اجراءة فيعمل كما في نحو رأيت رجلاً أسداً أبوه إمّا لقصمد معنى المشابهة، أو لإعتبار ال! حزم سواء جعل تابعاً أو مستعملاَ فيه اللفظ. وبقي ههنا بحث، وهو أنه لا نجزاع في أنّ التقدير هنا هم صم لكن ليس المستعار ل! حينئذ مذكورا لأنه لبيان أحوال مشاعر المنافقين لا ذواتهم ففي هذه الصفات ااستعارة قبعية مصرّحة فلا يختلف ف! يها الاستعارة مصادرها! لتلك الأحوال، ثم اشتق منها فإن س أجيب بجعل! ها في عداد الأسماء نافاه قوله إلاً أنّ هذا في الصفات، وظ ك في الأسماء أو بأنّ هم صم في قوّة حال إسماعهم الصمم فتمحل مستغنى عنه فإنّ لقيت صما إسنعارة قطعاً، وتقديره أشخاصاً صما وهو في قوّة الحمل إلاً أن يقال تشبيه ذوات! " المنافقين بذوات الأشخاص الصم متفرّع على تشبيه حالهم بالصمصم، فالقصد إلمى إثبات هذا! الفرع أقوى وأبلغ كأنّ المشابهة بين الحالين تعدت إلى الذإتين فحملت الآية على هذا التشبيه رعاية للمبالغة في إثبات الآفة وهو غاية ما يتكلف هنا، هذا زبدة ما قاله الفاضلاق، وقد قيل عليه إنه إن أراد بكون الشجاعة خارجة عن الطرفين خروجها عن حقيقتهما النوعية فمسلم لكنه غير مفيد، وان أرادالخروج من حميث كونه مشبهاً به فغير مسلم إذ ألاتفاق على! ضلافه ". لظهور أن المشبه ليس زيداً نفسه بل باعتبار جراءته كما أنّ المشبه به ليس الأسد ففسه بدون ذلك الإعتبار، ولو كان مستعملاً في معنا. الحقيقيّ كان جامدا محضا وان لوحظ فيه قبعية معناه الحقيقيّ ما يلزمه من نحو الجراءة وإمكان هذا القدر كاف في العمل في الظرف دون غيره لأنه يكفيه رائحة الفعل، ولذا اضطرّ آخرا فقال: أو مستعملاَ فيه اللفظ فالتحقيق أنّ أسداً مجاز عن شجاع بقرينة الحمل كما في رأيت أسدا يرمي فالمراد ذوات مبهمة مشبهة بالأسد، ولا يلزم منه سوق الكلام لإثبات أنّ زيدا هو تلك الذات المشبهة بالأسد لأنّ المؤوّل بشيء لا يعطي حكمه من كل وجه، بل هو مسوق لإدعاء الإتحاد بينهما، ولو لزم ذلك لزم كون معنى

رأيت أسداً يرمي رجلاَ شجاعا يرمي وظهر عدم الفرق بينهما فيما يتعلق بالغرض إلاً أنّ سوق هذا لإثبات الرؤية لتلك الذات، وهذا الإدعاء الإتحاد بينهما، وقيل أيضاً إنّ الشجاع في قوله كالرجل الشجاع قيد للمشبه لا جزؤه حتى يكون المشبه مركباً فليس بمناف لقولهم إنّ الشجاعة خاوجة عن الطرفين مع أنّ الحق أنّ الشجاعة ليست قيدا أيضاً لشيء من الطرفين لأنّ المقصود نقل الشجاعة الكاملة من المشبه به إلى المشبه، والظرف متعلق بمضمون الكلام بحسب المآل أي مجترىء كامل، وقى عليه نعم المتبادر من العبارة تعلق الظرف بالمشبه على وجه القيدية بل بالمشبه به على تقدير التشبيه لا الاستعارة. أقول إذا عرفت أنّ هذه المسئلة مما حققه المتقدمون على اختلاف فيها وأنها من مسائل الكتاب، وكان القول ما قالت حذام، وكان منشأ اختلاف النحاة العمل واختلاف أهل المعاني قصد البليغ عرفت أنّ الحق ما قاله الفاضل المحقق لقوّة أساسه، وسطوع نبراسه، فالنزاع ليس بلفظيّ لابتنائه على ما ذكروه مما يختلف فيه مثل الأسد لفظا بعمله ومعنى بالتجوّز فيه لاستعماله في غير معناه، وما أورده عليه المدقق ليس ليء وإن لاح وروده في النظرة الأولى فقوله إنه عمل باعتبار ما يلزمه من الجراءة مبنى على قول الكسائيّ الضعيف المستبعد عندهم كما عرفته، وقوله إنه إذا كان مستعملاَ في معنى مجترىء صائل كان مستعملاً في لازم معناه فهو مجاز مرسل لا استعارة خيال فارغ، فإنك إذا قلت في زيد أسد إنه مؤوّل بما ذكر، ومعناه رجل مجترىء كالأسد فلا مرية في إنه استعارة لصحة ذلك التشبيه، وترك المشبه فيه بالكلية وإنما لئم تذكر الرجل اعتمادا على إشتهار الجراءة والصولة في صفات العقلاء، وفي بعض كتب اللغة ما يقتضي أنه حقيقتها، وقوله زيد شجاع ليس نظيرا لما ذكره بل نظيره زيدى رجل شجاع كالأسد، وقوله المجموع ليس مشبها بالأسد غير مسلم ولا يلزمه التركيب مع التعبير عنه بالأسد، وقوله إنّ الشجاعة خارجة عن الطرفين إتفاقا ليت شعري من أين جاء هذا الإتفاق فعلى هذا قد شبهت الرجل الشجاع بالأسد في شدة بطشه، واهلاك مقاتلة وإن كثر، ثم إنّ قوله قد يلاحظ ما يلزم معناه الحقيقي من الجراءة إلخ مع أنه لا طائل تحته مناقض لما قبله فإنه إذا كان مستعملاَ في معناه الحقيقي كيف يجوز استعماله في لازم معناه إلاً أن يريد أنه كناية حينئذ، وهو مع تكلفه مبنيّ على القول الضعيفبهما مرّ. واعلم بعدما ارتفع الغين، عن العين ووضح الصبح لذي عينين، أنّ ما ذكره قدس سره من البحث الذي استصعبه حتى جعل الأسنة له مركبا، وسلمه له من مشى خلفه ليس بوارد أيضاً، وما أفسده فيه اً كثر مما أصلحه، وحسن ظننا بالسلف أنا لا نقول به لأنه ناشىء من عدم إعمال النظر في مطاوي كلامهم لأنّ هم المقدّر راجع للمنافقين السابق حالهم وصفاتهم وتشهيرهم بها حتى صاروا مثلاً فكأنه قيل هؤلاء المتصفون بما ترى صم إلخ على أنّ المستعار له ما تضمنه الضمير الذي جعل عبارة عن المتصفين بما مرّ والمستعار ما تضمن الصمم وأخويه من قوله صمّ إلخ فقد انكشف الغطاء من الطرفين، وليس هذا بابعد مما مرّ في قولهم إمتطى الجهل، وبهذا إضمحلت الشبهة من غير حاجة إلى ما ذكر من التعسفات، وأمّا ما ذكر آنفا مما أورده عليه البعض من قوله إن أراد بكون الشجاعة خارجة إلخ فمعلوم أنه لا طائل تحته، وقوله إنّ الشجاعة داخلة في الطرفين، من حيث التشبيه لا وجه له لأنه على مدعاه من أنّ الطرفين زيد والأسد كيف يكون هذا، وهو خارح عنهما وإن كان لازماًاطما، ولو لم يكن هذا مع إرخائه العنان في مجاراة الخصم كان غير صحيح أيضا، وكذا ما قيل من أنّ الشجاع قيد للمشبه لما قدمناه لك فلا تكن من الغافلين، وإنما سحبنا أذيال البيان لما في هذا المقام، من العقد التي لم تحلها أسنان الأقلام، ففي الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. قوله: (هذا) أي الأمر هذا أوخذ من هذا أوها اسم فعل بمعنى خذ وذا مفعوله، وهذا وان استغنى عن التقدير بعيد مع مخالفته الرسم، والإشارة إلى التفسير المذكور بقوله لما سدّوا مسامعهم إلخ، وقوله إذا جعلت الضمير إلخ المراد بالضمير المقدر هنا مبتدأ وهو هم صم إلخ لا هو والضمير في قوله بنورهم كما توفم لبعده لفظا، ومعنى لأنه قد فرغ عنه فعلى هذا تكون هذه محصل ما سبق واجماله لأنه تمثيل لحالهم، وهو عبارة عن جميع ما مز من أحوالهم السابقة، وقد علم من قوله

لا يشعرون ولا يبصرون أنهم صمّ عمي ومن كونهم يكذبون أنهم لا ينطقون بالحق فهم كالبكم، ومن كونهم غير مهتدين أنهم لا يرجعون ووجه الترتيب ما مرّ فلا يرد عليه ما قيل من أنّ التمثيل إنما فيه عدم الإبصار، وأمّا الصمم والبكم فلا حتى يجاب بأنه مثلت حالهم في التحير بالمستوقد فأفاد تحيرهم في المحسوس، والمعقول ولم يذكر سفههم وكونهم عن العقل بمعزل لأنه مفروغ عنه، وهذا نظير الختم على السمع والبصر المستلزم للختم على اللسان في قصة الكفار، وسقط أيضاً ما قيل إنه يرد عليه أنّ نتيجة التمثيل كونهم عميا لا غير وأنه على تقدير صحته المناسب تقديم العمى، وقوله فذلكة التمثيل ونتيجته قيل عطف النتيجة على الفذلكة تفسيريّ، والظاهر أنّ بينهما مغايرة إعتبارية فإن كان إجمالاً لما قبله فهو فذلكة وان كان ما قبله منساقاً إليه ومستلزما له فهو نتيجة له، ولذا قدره بعضهم بقوله فهم صم إلخ، والحاصل أنّ حالهم المضروب له المثل وسعيهم الخاسر أدّأهم إلى فقد الحواس، والقوى ووقوعهم في قفار لا يرجع من ضل فيها والفذلكة عبارة عن إجمال الأمور مأخوذة من قول الحاسب بعدما يملي مفردأت ما يحسبه فجملة ذلك كذا فركب هذا اللفظ من بعض حروفه، ويسمى هذا عند الأدباء نحتاً بالنون كقوله حوقلة، وبسملة وهو مقصور على السماع، وهذه اللفظة لم تسمع من فصحاء العراب الذين يحتج بكلامهم، وإنما أحدثها المولدون كما قال المتنبي: نسقوا لنا نسق الخساب مقدما وأتى فذالك إذ أتيت مؤخرا وأعلم أنّ الجملة الواقعة موقع النتيجة وردت بالفاء ودونها في كلام الفصحاء فالأوّل كقوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ليلة وأتممناها بعشر فتتم ميقات ربه أرشين ليلة} [الأعراف: 142] والثاني كقوله {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} الحني وسبعة إذا زتجنتم تلك عَشرّة كاملة} [البقرة: 196، لأنّ إستلزام ما قبله له أو تضمنه له بالقوّة منزل منزلة المتحد معه فيقتضي ترك العطف، ومغايرتها لما قبلها وترتبها عليه ترتب النتاج، والفرع على أصله يقتضي اقترانها بالفاء، وهذا هو المعروف في الاستعمال، وهي بدونها مستأنفة أو حالية،. وعلى الأوّل لا محل لها فمن قال: إنها لا تكون إلا مع الفاء وهي بدونها لا يدري من أيّ أنواع الجمل هي فقد قصر فيما قدر. قوله: (وإن جعلته للمستوقدين إلخ) أي! إذا جعلت هذا من تتمة التمثيل على أنه داخل فيه لا حاجة إلى اعتبار التجوّز فيما ذكر إذ لا مانع من الحقيقة، وهي الأصل فلا يعدل عنه بدون مقتض يقتضيه، والتمثيل لا يقتضي تحقق الممثل به في الخارج بل يكفي فرضه وان امتغ عادة كما في قوله: اعلام ياقوت نشرن على رماح من. زبرجد فلا يرد عليه ما قيل من أنه من المعلوم أنّ من إنطفأت ناره ووقع في ظلمة شديدة مطبقة لا يحصل له صمم ولا بكم ولا عمى، فالظاهر أنها مجازات لا حقائق وأنّ هذا الوجه بعيد، ولذا لم يلتفس! له في الكشاف وشروحه وجعلوه من أحوال المنافقين سواء كان ذهب جوابا أم لا، ولا حاجة إلى الجواب عنه فإنّ من وقع في ظلمات مخوفة هائلة ربما أذاه ذلك إلى الموت فضلاً عن فقد الحواس ألا ترى أنّ من حبس زماناً في مطمورة مظلمة قد يذهب بصره، ويبتلى بأمراض حارّة يعتقل بها لسانه، والذي دعى المصنف إلى اعتبار هذا قراءة النصب فإنها تعينه على الجوابية، وأخره إشارة إلى أنه مرجوح عند. فلا غبار عليه حتى ينقض. قوله: (بحيث اختلت حواسهم وانتقضت قواهم) هذا كعبارة الزمخشرفي السابقة وقد مرّ تفسيرها وبيان القوى فيها والإنتقاض إفتعال من النقض بمعنى الهدم أو الحل فهو استعارة يقال نقضت البناء نقضا إذا هدمته، والنقض بكسر النون وضمها ا! منقوض من البناء ونقضت الحبل إذا فككت ما فتل منه، ومنه يقال نقض ما أبرمه إذا أبطله فانتقض هو بنفسه، وقوله بالنصب على الحال هو أحد الوجوه فيه، وقد جوّز أن يكون ثاني مفعولي ترك بناء على جواز تعديته لمفعولين وعلى تعدد ما هو خبر في الأصل أو منصوبا على الذمّ، وأصل الصمم الصلابة الحاصلة من إكتناز الأجزاء أي اجتماعها الصوت بتموّجه، والبكم الخرس، والعمى عدم البصو عما من شأنه أن يبصر، وقد يقال لعدم البصيرة {؟ قهغ لا تزبلون} لا يعودون إلى الهدى الذي باعوه، وضيعوه أو عن الضلالة التي اشتروها، أو فهم متحيرون لا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرون، والى حيث ابتدؤا منه كيف يرجعون، والفاء للدلالة على إنّ اتصافهم بالأحكام السابقة سبب لتحيرهم، وتداخلها، ومنه الكنز والقناة الرمح وتوصف بأنها صماء لصلابتها ولذا تظرّف القائل:

لاتفشين سرّالملوك فحولهم صم الرماح تميل للإصغاء وصمام القارورة بكسر الصاد المهملة ما تسد به لمنعها ما فيها بتداخله، والصماخ بالكسر أيضاً خرق الأذن، وقوله لا تجويف فيه تفسير لقوله مكتنزاً وقوله سببه إلخ إشارة إلى ما ذكره الأطباء من أنّ الصمم أن يخلق الصماخ بدون تجويف فهو كالفراغ المشتمل على اليواء الراكد الذي يسمع الصوت بتموّجه فيه قالو! وقد يكون له تجويف لكن العصب لا يؤدّي قوّة الحس فما ذكره المصنف رحمه الله أحد قسميه، وكأنه أقتصر عليه لأنه الأصل الغالب فيه، ولكن لا يخفى أنه لا يناسب جعله حالاً مما قبله لأنه خلقي لا عارض بسبب الظلمة كما قيل، وهو غفلة لأنّ المعنى كالصم، والتفسير للمشبه به فإن لم تبلغ الآفة عدم الحسق فهو يسمى طرشاً عند الأطباء وان اختلف أهل اللغة في تفسيره. قوله: (والبكم الخرس) بفتحتين فيهما وهذا قول لأهل اللغة كما في المصباح، وقال الراغب: الأبكم هو الذي يولد أخرس. فكل أبكم أخرس، وليس كل أخرى أبكم وقد يقال هو تفسير ئلمراد منه هنا، وقوله: عما من شأنه إشارة إلى أنه من تقابل العدم والملكة وإطلاقه على عدم البصيرة مجاز، وظاهر كلام بعضهم أنه حقيقة فيه أيضاً. قوله: (لا يعودون إلى الهدى إلخ (هذا بيان لارتباطه بما قبله على الوجوه السابقة وإلى أن رجع كعاد يتعذى بإلى وبعن وإذا كان لازماً فمصدره الرجوع كما هنا لا متعدّيا مصدره الرجع كما في قوله: عسى الأيام أن يرج! ن قوما كالذي كانوا وعن تدخل على المتروك والى على المأخوذ وإلى الاحتمالين أشار بقوله إلى الهدى أو عن الضلالة وهو على كون الضمير راجعا للمنافقين، وقوله أو فهم متحيرون إشارة إلى جعل الضمير للمستوقدين وبينه على تقدير إلى وسكت عن تقدير عن لظهوره، أي لا يرجعون عما هم فيه، وقيل: إنه إشارة إلى أنه منزل منزلة اللازم بالنظر إلى متعلقه كما أنه لازم في نفسه، وهو كناية عن التحير، وقوله: لا يدرون مستأنف لبيان تحيرهم، وقوله: والى حيث ابتدؤا منه يأباه لولا ما ذكره من التكلف، وقوله لا يرجعون، وان عئم الحيرة وعدمها والعامّ لا دلالة له على الخاص فهو يدل على ذلك بقرينة السياق، والسباق قيل: لوجهان المتقدمان على أنّ وجه الشبه في التمثيل مستنبط من توله {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ} والثالث على أنه من قوله: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} كما مرّ واعتبار التعلق إنما هو على تقدير أن يكون قوله فهم لا يرجعون من تتمة قوله {؟ أولئك الذين اشرتوا} إلخ وما بينهما اعتراض فتأمل. قوله:) والفاء للدّلالة إلخ (إشارة إلى أن هذا متفرّع ومتسبب عما قبله على الوجوه كلها لا أنه على إطلاق لا يرجعون عن المتعلق السابق وترك التعرّض لمعناها على التقييد كما توهم والأحكام السابقة إمّا اشتراء الضلالة بالهدى والعمى وما معه من الظلمة وغيرها والإحتباس الإمتناع وعدم الرجوع لأنه أعمى لا ينظر طريقاً وأبكم لا يسأل عنها، وأصم لا يسمع صوتا من صوب مرجعه فيهتدي به، وهو على الوجهين ظاهر أيضاً وقوله لتحيرهم ناظر إلى المنافقين واحساسهم إلى المستوقد أو بالعكس كما قيل فهو شامل لهما لا مختص بالمستوقد، وترك التعرّض لحال المنافق لأنه يعلم بالمقايسة عليه كما قيل وجملة لا يرجعون خبرية، وقيل إنها دعائية والدعائية تكون فعلية كارحمنا ورحمك الله ويرحمه الله واسمية. قوله: (عطف على الذي استوقد إلخ) في الكشاف، ثمّ ثنى الله سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر ليكون كشفاً لحالهم بعد كشف، وايضاحاً غبّ إيضاح وكما يجب على البليغ في مظان الإجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع وأنشد الجاحظ: ترمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء وقوله عطف على الذي خبر مبتدأ أي هو عطف وهكذا وقعت العبارة في جميع النسخ، وكان الظاهر أدط يقول عطف على كمثل الذي استوقد ناراً إلاً أنه تسمح فيها إعتمادا على ظهور المراد فاقتصر على جزئه المعين له لعدم تكرّره وكلامه ناطق به، وقيل: في توجيهه إنه إشارة إلى أنه من عطف مفردات على مفردات فالكاف مرفوع المحل معطوف على الكاف الأولى ومثل المقدر معطوف على مثل السابق، والصيب على

الذي استوقد بتقدير ذوي، وإنما عدل عن الظاهر لإفادة كمال الارتباط بين الجملتين بارتباط مفرداتها وأنه لا بد من إعتبار لفظ مثل مقدرا في النظم كما سيأتي وإليه أشار بقوله ذوي صيب، ولا يخفى ما فيه من التعسف الذي يأباه الطبع السليم، وعطص الكاف وحده غير مستقيم، وان أئده بعضهم بنقله عن مكيّ والكواشيّ والحق الجاوي على نهج الصواب أن يقال إنما عبر المصنف بما ذكر لأنه المقصود بالعطف التخييري أوّلاً وبالذات لأنّ القاف أداة تشبيه والمثل بمعنى القصة كالعنوان، والفهرسة لما بعده فكأنه يقول أنت في تمثيل حال هؤلاء بالخيار إن شئت مثلتها بالذي استوقد نارا وان شئت بذوي صيب مظلم مرعد مبرق فتدبر. قوله: (أي كمثل ذوي صيب إلخ) في الكشاف، والمعنى أو كمثل ذوي صيب والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا، ثم قال: لولا طلب الراجع في قوله {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم} ما يرجع إليه لكنت مستغنيا عن تقديره أي تقدير ذوي الذي هو جمع ذو بمعنى صاحب محذوف النون للإضافة، وتبعه المصنف فيما ذكر. وقال المدقق: في الكشف الظاهر من كلام السكاكيّ أن يقدر المضاف لأنّ المقصود تشبيه الصفة بالصفة لا الصفة بالذوات وهو حق لأنّ التركيب إنما أستفيد من تشبيه القصة بالقضة، أمّا أنّ ذوي القصة في الأوّل هم المنافقون وفي الثاني أصحاب الصيب فما لا نزاع فيه، وتحريره أنّ تقدير مثل لا بذ منه للعطف السابق وحينئذ يقدّر ذوي لاستقامة إضافة المثل لها لأن التشبيه يسوق إلى ذلك، وان أمكن إضافة القصة إلى كلى من الأجزاء التي لها مدخل فيها لكن الإضافة إلى أصحابها حقيقية والى الباقي مجازية، وقد نصى المصنف في قوله تعالى {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} [البقرة: 261] إلخ على أنه لا بدّ من حذف المضاف أي مثل نفقتهم أو كمثل باذر حبة لكن المصنف منع ههنا كون التشبيه سائقا إلى ذلك وهو حق، وذكر سبباً واحدا من موجبات حذف المضاف، ولم يمنع أن يكون ثمة موجب آخر أو موجبات، ورده الفاضل المحقق، وقال: نفس التشبيه لا يقتضي تقدير شيء، وضمائر يجعلون إلخ لا تقتضي إلاً تقدير ذوي لكن الملايمة للمعطوف عليه والمشبه تقتضي تقدير مثل وما قيل من أنه لا بدّ منه فيه نظر لأن كلام المصنف صريح في أنه لا موجب لتقدير المضاف سوى طلبية الضمير مرجعاً، وإنما احتاج في الآيتين إلى تقدير المضاف إليه لأنه قد صرّح في جانبي المشبه، والمشبه به بلفظ مثل بمعنى الحال والقصة فلا بد من إضافته إلى ما يستقيم فيه أن يقال هذا الحال ذاك فليتأمّل، ولا خلاف بين الزمخشريّ والسكاكي كما قاله المدقق، إلا أنه اقتصر على أحد وجهي التشبيه لأنه أبلغ وسيأتي لهذا تتمة إن شاء الله تعالى. قوله: (وأوفى الآصل للتساوي في الشك) أي للتساوي الواقع في الشك في النسبة المتعلقة بهما وهو أحد المذاهب للنحاة فيها، والثاني أنها مشتركة بين معان نحو العشرة على ما بينوه، والثالث أنها لأحد الأمرين أو الأمور في الخبر والإنشاء وهو الذي اختاره في المفصل تبعاً لما في الكتاب وأرتضاه محققو النحاة كما في المغني، وقوله للتساوي في الشك أحسن من قول النحاة للشك لما فيه من تحقيق المعنى، والتمهيد لتوجيه التجوز المذكور بعده فلا يتوهم أنّ معنى الشك تساوي وقوع النسبة أولاً وقوعها عند العفل فالتساوي في الشك مآل معناه إلى التساوي في التساوي، وهو لغو من القول كما قيل، وهو لظهوره مستغن عما ذكره من التوجيه فإن قلت قوله قدّس سرّه إنها كلمة شك على هذه افتختص بالخبر لا يظهر مع وقوع الشك كثيراً في غيره كقولك أزيد عندك أو عمرو مستفهماً عما شككت فيه، والإستفهام إنشاء من غير مرية قلت هذا مما صرّح به النحاة، وقد قال الرضي: قالوا إنّ أو إذا كانت في الخبر فلها ثلاثة معان الشك والإبهام والتفصيل وإذا كانت في الأمر فلها معنيان التخيير والإباحة ولهذا لما قالوا إنها حقيقة في الشك جعلوها بعد الأمر والنهى مجازا، ولما قالوا إنها موضوعة لأحد الأمرين قالوا إنها تعم الخبر وغيره كما صرّح به في المفصل فهذا عندهم معنى غير حقيقيّ، أو الجملة خبرية فيه والإستفهام في الحقيقة في المتعلق وكذا الشك وكما صرّحوا باختصاص الشك بالخبر صرّحوا باختصاص التخيير والإباحة بالأمر والطلب، وخالفهم فيه ابن مالك وبعض النحاة فذهبوا إلى ورود ذلك في الخبر الا أنّ كثره ورد في التشبيه كما في هذه الآية وفي قوله تعالى {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]

أيّ بأي هذين شبهت فأنت مصيب د ان شئت فبهما جميعاً وعليه قول ابن مقبل: يهززر. للمشي أوصالاً منعمة هز الجنوب ضحا عيدان نسرينا أو كاهتزاز ردييّ تذاوقه أيدي التجار فزادوا متنه لينا قوله: (ثم لسع فيها إلخ) هذا معنى ما في الكشاف من قوله أستعيرت للتساوي في غير الشك، وذلك قولك جال! الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا وهو جواب عن سؤال تقديره إذا كانت أو موضوعة للتساوي في الشك الوارد في الخبر فما وجه استعمالها مع الأمر وغيره من الطلب، وارادة غير ذلك بلا شك فأجاب بأنه وارد على التوسع والتجوّز، وفي شرح الهادي أو لما كانت للتساوي المشكوك فيه جاءت للتساوي من غير شك على الإتساع. وقول الزمخشريّ استعيرت إن صل على ظاهره فالعلاقة المشابهة بأنّ شبه التساوي في غير الشك با! لتساوي الواقع فيه الآ أنه قيل إنّ الأظهر أنّ المراد بالاستعارة الاستعارة اللغوية، كما اصطلح عليه أهل الأصول فإنه مجاز مرسل من إطلاق المقيد اعلى المطلق كالمشفر للشفة، والمتبادر من ظاهر كلامهم هنا إنّ أو نفسها ك! ما تفيد الشك والإبهام تفيد التخيير أو الإباحة وأنه مستفاد منها لا من عرض الكلام كما في التلويح وشرح المفتاح وارتضاه بعض المحققين وأيده بأنه نسب تارة لأو وأخرى للأمر وذهب كثير إلى خلافه، وقال: كيف يكون ذلك من الأمر، وقد ورد في الخبر كما مرّ، وفي المغني التحقيق أنّ أو موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء، وهو الذي يقوله المتقدمون، وقذ. تحرج إلى معنى بل والى معنى الواو، وأمّا بقية المعاني فمستعارة من غيرها ومن العجب أنهم ذكروا أنّ من معاني صيغة اً فعل التخيير، والإباحة، ومثلوه بنحو خد من مالي درهما أو دينارا أو جالس الحسن أو ابن سيرين، ثم ذكروا أنّ أو تفيدهما ومثلوا بالمثالين المذكورين لذلك، اهـ. وأشار العلامة بقوله إستصواب إلى أنّ الأمر هنا ليس للوجوب بل للندب والاستحباب فعلى هذا قد تجوّز بأو الموضوعة للتساوي في الشك عن مطلوب التساوي فيما سيق له الكلام، وحينئذ فإذا دل الأمر على الطلب الاستحبابي دلت كلنة أو على تساويهما في تلك المطلوبية وكلاهما أمر وضمي، وليس معنى تعلق ذلك الطلب بشيئين على حد سواء الآ تخيير المخاطب فيهما، أو إباحتهما له والمفيد لمجموع هذا المعنى! صيغة الأمر ولفظ أو فقد علم أنّ هذا منطوق لا مفهوم التزاميّ على هذا القول بخلافه على القول الآخر، فلهذا تراهم يضيفونه تارة إلى الأمر، وتارة إلى أو لأنّ كل منهما مدخلاً فيه فلا وجه للاعتراض عليه والعجب من صاحب المغني كيف تعجب منه، ولا خلاف في ورود أو! لهذه المعاني كلها لأحد من النحاة وإنما الخلاف بينهم هل هي موضوعة للتساوي في الشك مجاز نجي غيره أو موضوعة لأحد الأمر! شامل كثرها أو هو مشترك بينها، واذ دار الأمر بين التجوّز والاشتراك اختلف أهل الأصول في الأرجح والأولى كما فصل في محله فذهب الزمخشري هنا إلى أحد القولين، وفي المفصل إلى الآخر فلا تعارض بين كلاميه كما توهمه الطيبي، وإلى هذا أشار المدقق في الكشف. قوله: (ولا تطع منهم آثماً أو كفورا) إشارة إلى ما مرّ أيضاً من وقوعها بعد النهي لغير التساوي في الشك توسعا، وفي الكشاف ومنه قوله تعالى {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [سررة الإنسان، الآبة: 24] أي الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، وقال المصنف رحمه الله. أو للدلالة على أنهما سيان نجي إستحقاق العصيان والاستقلال به كما سيأتي تحقيقه ثمة، والحاصل أنها على هذا التجوز تدل على أنهما متساويان في كون طاعتهما ممنوعة منهيا نها وعصيانهما واجباً مطلوبا، والتساوي في المنع والحرمة يقتضي حرمة إطاعة كل واحد من القبيلين وحرمة إطاعتهما جميعاً بالضرورة إذ لو انتهى عن أحدهما دون الآخر لم يتساويا في ذلك كما لا يخفى فلا ترد الآية على من ذهب إلى هذا المذهب، وإنما يشكل بحسب الظاهر على من قال إنها موضوعة لأحد الأمرين كما في المفصل، ولذا قال في الإيضاح استشكل بعضهم أو في هذه الآية بأنه لو انتهى عن أحدهما لم يمتثل، ولا يعد ممتثلاً الا بالانتهاء عنهما جميعا، ومن ثمة حملت على معنى الواو والأولى أن تبقى على بابها، وإنما جاء التعميم من النهي الذي فيه معنى النفي لأنّ تقديره قبل وجود النهي تطيع آثماً

أو كفوراً أي واحداً منهما فورد النهي على ما كان ثابتا فالمعنى لا تطع واحدا منهما، والتعميم من النهي، وهي على بابها لأنه لا يحصل الانتهاء عن أحدهما حتى ينتهي عنهما بخلاف الإثبات فإنه قد يفعل أحدهما دون الآخر، وهذا معنى دقيق علم منه أنّ التعميم لم يجيء منها وإنما جاء من جهة المضموم إليها. وقال قدّس سرّه إن تفسير النهي عن الطاعة بوجوب العصيان بناء على أنّ النهي عن الطاعة ما-له الأمر بالعصيان فيكون المفعول متعلقا بالنفي كأنه قيل إعص هذا أو ذاك فإنهما متساويان في وجوب العصيان، وذهب بعضهم إلى أنّ كلمة أو هنا على بابها أي لأحد الأمريه، وإنما جاء التعميم في عدم الإطاعة من النهي الذي في معنى النفي إذ المعنى قبل وجود النهي تطيع آثما أو كفوراً أي واحدا منهما فيعم، وقيل: هي بمعنى الواو وإنما يصح إذا اعتبر عطف النفي على النفي لا المنفيّ على المنفيّ، كما قيل ويردّه ما ذكره في سورة الإنسان من أنه لو قيل لا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما لماذا قيل لا تطع أحدهما علم أنّ الناهي عن طاعة أحدهما ناه عن طاعتهما جميعاً اهـ، كما يعلم من تحريم التأفيف تحريم الضرب، وحاصله أنّ العطف بالواو يفيد النهي عن الجمع دون كل واحد وبأو يفيد النهي عن كل واحد منفرداً صريحا، ومعاً بطريق الأولى، وقيل عطف أحد النفيين على الآخر يفيد تحقق أحدهما بلا عموم، وعطف المنفيّ على المنفيّ بأو يفيد العموم في النفي والعطف بالواو على العكس من ذلك فلذا جعل كلام الظاهريين على اعتبار العطف بين النفيين فعط ن وجه ذلك أنّ العامل في النسق يقدر من جنس عامل المعطوف عليه، وهو قول للنحاة وانّ الآية من عطف الجملة على الأخرى بحسب المعنى كما ذكر في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ} [الحج: 18] الآية، ثم ما ذكره في سورة الإنسان مبنيّ على أنه من عطف المفردات على الإنسحاب بلا تقدير كما هو الظاهر لكن ما ذكره كأنه لتوجيه جعل أو بمعنى الواو مصحح له فلا يكون مردودا بما في سورة الإنسان قلت هذا زبدة ما قاله النحاة، وعطف عليه من بعدهم بالردّ والقبول، وهو من الكنوز المدخرة في خزائن العقول. وفيه مباحث: منها أنه قدس سرّه جعل تفسير النهي عن الإطاعة بوجوب العصيان لأنه ما-له وفرّع عليه كون المفعول متعلقا بالنفي، ونحو منه في شرح الفاضل أيضاً وظاهره أنّ النهي مؤوّل بالنفي، وهو العامل في المفعول وليس كذلك والذي جنحوا إليه في هذا ما ذكر في الأصول من أنّ المطلوب في المنهي الذي تعلق النهي به إنما هو فعل ضد المنهيّ عنه، فإذا قلت لا تتحرك فمعناه اسكن لأنّ المكلف إنما يكلف بما هو مقدور له، والعدم الأصلي ليس بمقدور وخالف الجمهور فيه أبو هاشم والغزالي بناء على أنه ليس بعدم محض بل عدم مضاف متجدّد ومثله مقدور، وهذه المسثلة قريب من قولهم النهي عن الشيء أمر بضده، وفي الفرق بينهما وتحقيق أدلتهم كلام لا يهمنا هنا. ومنها أنّ ما نقله عن البعض 5 س كلام ابن الحاجب في الإيضاح وهو مبنيّ على القول المنقول عن النحاة كما مرّ لا على ما ارتضاه المفسرون تبعاً للزجاح، وذكر بعض أرباب الحواشي له في تحقيق ما في الكشاف خلط لأحد المسئلتين بالأخرى، وإنما ذكره قدس سرّه تتميماً للفائدة وتنبيهاً على ما ذكر. ومنها أنّ ما ذكره بعض الفضلاء في توجيه عطف النفي إذا كان بمعنى الواو وابتناء. على ما قاله من عطف الجمل أو المفردات بالإنسحاب كلام في غاية الخفاء والتشويش وكذا ما قالوه من ردّه بما ذكره الزمخشريّ في سورة الإنسان، وقد ذكر ابن مالك في التسهيل أنّ أو في الآية بمعنى ولا فقال: وتوافق ولا بعد النهي والنفي ومثل شرّاحه للنهي بهذه الآية وللنفي بقوله تعالى {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} [النور: 61] الآية فتدبر. . قوله: (ومن ذلك قوله أو كصيب إلخ) هذا معنى قوله في الكشاف معناه أنّ كيفية قصة المنافقين مشبهة بكيفيتي هاتين القصتين وأن القصتين سواء في استقلال كل واحد منهما بوجه التمثيل فبايتهما مثلتها فأنت مصيب، وان مثلتها بهما جميعاً فكذلك يعني أنّ أو ههنا مستعارة لمطلق التساوي، والتسوية في الآية بطريق الإباحة التخيير، وقد فرقوا بينهما بأنه في التخيير لا يملك الجمع بينهما بخلاف الإباحة وردّ هذا أبو حيان في البحر وقال الظاهر أنها للتفصيل ولا ضرووة تدعو إلى كون أو للإباحة وان ذهب إليه الزجاج وغيره من النحاة لأنّ التخيير والإباحة إنما يكونان ني الأمر وما في معناه

وما هنا خبر صرف فهو مودود كالقول بأنها بمعنى الواو إو للشك بالنسبة للمخاطبين، أو للإبهام أو بمعنى بل، وليس ما ذكره بوارد لأن النحاة اختلفوا في أو التي للإباحة أو التخيير فقيل إنها تختص بالطلب، وذهب كثير من النحاة إلى أنها لا تختص به فتكون في الخبر كثيراً، وهو مذهب الزمخشري كما صرّح به في الكشف، وقال في المغني ذكر ابن مالك أنّ أكثر ورود أو للإباحة في التشبيه نحو فهي كالحجارة أو أشد قسوة والتقدير نحو {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] فلم يخصها بالمسبوقة بالطلب، اهـ وقد أنطقه الذي أنطق كل شيء حيث قال وما في معناه لأنه مؤوّل بالأمر أي مثله بهذا أو هذا، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق فتدبر. قوله: (وإنهما سواء في صحة الثثبيه إلخ) إشارة إلى أنها وان صارت لمطلق التساوي بغير شك إلاً أنّ المراد التساوي في صحة التشبيه في الجملة لا التساوي من جميع الوجوه لأنّ التشبيه الثاني أبلغ من الأوّل لدلالته على فرط الحيرة، وشدة الهول وفظاكأ 9، ولذا أخره فإنهم قد يتدرّجون من الأسهل الأهون إلى الأغلظ الأهول كما في الكشاف وستراه عن قريب، وليس المراد بقوله في التمثيل بهما إنه يجوز أن يجعل مجموع الآيتين تمثيلاَ واحداً كما زعمه بعضهم، وقال إنه وجه أوجه وفسره بما تركه خير من ذكره فإنّ كلمة أو واعادة الكاف تأباه ولذا قال بعض الفضلا اء إنّ المراد أنّ حال المنافقين شبيهة بالحالتين المذكورتين، وإذا كان كذلد، صح التشبيه بهما جميعاً أي بأن يذكر الحالتان معاً ويشبه حال المنافقين بكل منهما، أو يذكر إحداهما فقط ويشبه حالهم بها وليس المعنى أنه يصح أن يشبه بالمجموع من حيث هو مجموع. قوله: (والصيب فيعل من الصوب إلخ) هذا هو الصحيح عند اللغويين وفيعل بفتح الفاء وكسر العين يكون صفة كسيد وميت واسم جنس كصيب، وكونه فعيل كطويل فقلب تكلف، وهذا الوزن يكون في المعتل وتفتح عينه في الصحيح كصيقل وضيغم، وقال الإلام المرزوقي إن ياءه للنقل من المصدرية إلى الوصفية في الأصل، وإذا كان صفة فهو بمعنى نازل أو منزل فلذا أطلق على المطر والسحاب، وقيل إنه لوجود معنى النزول فيهما وهو من الصوب والصوب له معان منها النزول والمطر ومنه الصيب بمعنى المطر، والسحاب ويكون بمعنى الصواب وبمعنى الجهة كما في قولهم صوب الصواب ذكره في المصباح، وعليه قول الحريري رجوت أن يعرج إلى صوبي وفي الأساس لست على صوب فلأن وأوبه، أي على طريقته ووجهه وقوله: يقال للمطر وللسحاب أي يطلق على كل منهما وهو محتمل للوصفية والاسمية كما جمرفته. قوله: (وأسحم دان إلخ) هو مصراع من قصيدة طويلة أوّلها: ارسما جديدا من سعاد تجنب عفت روضة الأحداد منه فيثقب عفا آية ريح الجنوب مع الصبا وأسحم دان مزنه متصوّب وهكذا روي وروي كما ذكره المصنف رحمه الله وأسحم دان صادق الرعد صيب، وعلى الأول لا شاهد فيه واختلف في قائله فقيل إنه للنابغة الذبياني من قصيدة مدح بها النعمان بن المنذر، وقيل للشماخ وهو شاعر مخضرم اسمه معقل وقيل الهيثم بن ضرار بن حرملة بن صيفي وهو شاعر مشهور، وهذا ما وقع في بعض الحواشي وهو تخليط منه فإنّ ما ذكره شعر آخر وان وافقه وزناً وروياً، وعفا بمعنى أمحى وخرّب وليس هو من العفو بمعنى الصفح كما قال: عفا الله عن قوم عفا الصبر عنهم فلورمت ذركى غيرهم خرس الفم والآي جمع آية أو كتمر وتمرة بمعنى الأثر والعلامة، وريح الجنوب والصبا معروفان وقد وقع بدل ريح في نسخ نسج بتشبيه اختلاف هبوبها بنسج الحائك كأنّ إحداهما سدى والأخرى لحمة، وقريب منه قول البحتري في بعض قصائده: يا دمية جاذبتها الريح بهجتها تبيت تنشرها طوراً وتطويها لا زلت في حلل للغيث صافية ينيرها البرق أحياناً ويسديها والضمير في قوله عفا آية للمنزل أو للرسم المذكور قبله، وأسحم بمعنى أسود مرفوع معطوف على قوله نسج وهو صفة للسحاب والأسود منه ممطر ففيه إشارة إلى أنّ كثرة المطر مما غير الديار أيضاً، ودان بمعنى قريب من الأرض وهكذا يوصف السحاب المملوء ماء كما قال: يكاد يلمسه من قام بالراح. وصادق الرعد براء وعين

ودال مهملات أي إذا أرعد أمطر فكأنه وعد برعده وهو استعارة حسنة ولذا جعله بعض الشعراء تحية كما قال: حياك يا ترب الهادي الرسول حيا بمنطق الرعد باد من فم السحب ووقع في بعض الحواشي الوعد بالواو بدل الراء، وفسره بأنه يفي بوعده للديار، وهو حسن أيضاً الا أني أظن الرواية خلافه، والاستشهاد بالبيت للثاني وإنما استشهد له لأنّ المعروف أنه بمعنى المطر ولذا لم يثبته لشهرته والآية تحتملهما كما سيأتي والاحتمال لا ينافي كون أحدهما أشهر وأظهر، وما قيل من أنّ الأسحم عبارة عن المطر النازل خطوطا مستقيمة كالسدي) والريحان بمنزلة اللحمة، ولذا قيل إنّ الصيب في البيت يحتمل المطر فليس بنص في إرادة السحاب كلام من لم يدر مقاصد العرب في أشعارها، ومن أحال على الذوق فقد أحال على مليء، وقيل ظاهر عبارة المصنف إنه في البيت محتمل لكل من المطر والسحاب، ويحتمل أن يكون ناظرا للسحاب لقربه، ولتبادره من الصفات المذكورة. قوله: (وفي الآية يحتملهما) أي المطر والسحاب والاحتمال لا ينافي الترجيح لأحدهما، وفي قوله وتنكيره لأنه أريد به نوع من المطر شديد إشارة مّا إلى ترجيح كونه بمعنى المطر كما لا يخفى، والتنكير فيه للتنويع والتعظيم ولا مانع من الجمع بين معنييه، ويحتمل أنّ التنويع من التنوين والشدة من صيغة الصفة المشبهة وإن كان المشهور فيها الدلالة على الثبوت لا على التهويل والتعظيم، وأن كان لا مانع منه، وما قيل إنّ المصنف رحمه الله حمل التنكير على النوعية لأنّ الصيب نوعان شديد وضعيف والأولى جعل تنكيره للتعظيم، وإنما اختار النوعية لإشتمالها على معنى العظمة، ولذا وصف النوع بالشدة إلاً أنّ هذا مناف لقوله والآية تحتملهما كلام ناشىء من قلة التدبر وفيما قدّمناه لك كفاية، وإنما رجح المصنف تفسيره بالمطر على عادة السلف في ترجيح التفسير المأثور، وهذا كما قال السيوطي أخرجه ابن جرير من عدّة طرق عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعطاء وقتادة وغيرهم من غير اختلاف فيه. قوله: (وتعريف السماء إلخ) يعني أنّ السماء تطلق على السماء الدنيا، وعلى الغمام كما تطلق على جميع طبقاتها وعلى كل ما علا من سقف، وغره وتطلق على المطر أيضاً كما في قوله إذا نزل السماء بأرض قوم. وتطلق على كل جانب من سماء الدنيا مسامت لقطر من أقطارها، وهو المراد هنا، والآفاق بالمدّ جمع أفق بضمتين يطلق على كل ناحية من نواحي الأرض، ومنه آفاقي وأفقي للمسافر وعلى كل ناحية، وجانب من السماء ومطبق بضم الميم وكسر الباء مشددة ومخففة بمعنى محيط وشامل، وآخذ بالمدّ اسم فاعل بدل أو عطف بيان لمطبق من الأخذ وأصل معناه التناول، ويكون بمعنى الإمساك كالأخذ بالخطام واللجام، وبمعنى الحوز والتحصيل هذا هو المعنى الحقيقي، وما يقرب منه، ثم إنه تجوّز به عن معان أخر كالإحاطة والستر لأنه من شأن المحوز المأخوذ، وهو المراد هنا كما في قول الفرزدق: أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا جبلاها والنجوم الطوالع فهو تعبير جيد هنا، ثم بئن المصنف رحمه الله تعريف السماء على وجه يتضمن بيان فائدتها، ودفع السؤال، وهو أنّ كل صيب مطرا كان أو سحاباً من السماء فلا حاجة لذكره، وإذا كان السماء بمنى الأفق وتعريفه للاستغراق أفاد فاثدة سنية، وهي أنّ السحاب محيط بجميع حواسهم وكذا المطر النازل عليهم منصت من كل أطرافهم ففيه مع الدلالة على قوّته تمهيد لظلمته، وأجاد المصنف رحمه الله إذ عقب التنكير بالتعريف على نهج أدمج فيه ما ذكر. قوله: (ومن بعد أرض إلخ) هو بيت هكذا: فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ومن بعد أرض بنينا وسماء وهو كما في الكشاف دليل على إطلاق السماء على كل أفق من آفاقها، وأوه وروي آه وكلاهما اسم فعل مبنيّ على الكسر بمعنى أتوجع ويوصل بمن واللام، وقال قدس سرّه: أي توجعت لذكر الحبيبة ومن بعد ما بيني وبينها من قطعة أرض، وقطعة سماء تقابل تلك القطعة الأرضية فنكرهما إذ لا يتصوّر بينهما بعد جميع الأرض والسماء، ولما صح إطلاقها على كل ناحية وأفق منها جيء بها معرّفة باللام لتفيد العموم، وتدل على أنه غمام مطبق، ولو نكرت لجاز أن يكون الصيب من بعض الآفاق. قلت: هكذا فسروه، ولا يخفى

أن تباعد مسافة الأرض والتفجع لها في غاية الظهور، وأمّا تباعد ما يقابلها من السماء ففي غاية البعد عن مواطن الاستعمال، وما ذكروه معنى لا حاصل له، فالظاهر أنّ هذا جار على ما عرف في التخاطب إذا وصفوا الشيء بغاية التباعد يقولون بي! نهما ما بين السماء والأرض فأصله ومن بعد كبعد أرض وسماء فاقام المشبه به مقام المشبه مبالغة، وأمّا ما قيل من أنه إنما ذكر سماء مع أنه لا يزيد على ما أفاده بعد الأرض لأنه كما تكون موانع الوصول من الأرض تكون من السماء كشدة البرد، والحرّ والأمطار فبعده عن السياق بعد ما بين السماء والأرض. قوله: (أمذ به ما في صيب إلخ) خبر آخر لقوله تعريف السماء، وأمد بمعنى قوّى وأكد كما مرّ في قوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ} وقوله (من المبالنة إلخ) بيان لما في صيب لأنّ تعريفه يفيد المبالغة بإطلاقه على جميع الأقطار كما سمعته آنفاً، وصيب يفيد مبالغة باصله أي مادّة حروفه من الصاد المستعلية، والياء المشدّدة والباء الشديدة الدالة على شدة نزوله، والبناء بمعنى البنية والصيغة لأنّ فيعل صفة مشبهة مفيد للثبوت، والدوام المستلزم للكثرة فسقط ما توهم من أنّ الثبوت لا يدل على المبالغة كما أشرنا إليه، وتنكيره دال على التهويل والتكثير، وقوله وقيل المراد بالسماء السحاب أشار بتمريضه إلى أنّ المرضيّ عنده تفسيره بالمطر كما مرّ، وقوله واللام لتعريف الماهية أي على هذا، وليس المراد بالماهية الحقيقية من حيث هي بل في ضمن فرد مّا وهو العهد الذهني، وإنما تعين على هذا لأنه لم ينزل من جميع السحاب ولا من سحاب معين، ولا يصح قصد الأوّل إدّعاء للمبالغة كما في جميع الآفاق لأنه لا يخفى ركاكة أن يقال نزل ليهم مطر شديد من جميع السحاب دون من جميع الآفاق والنواحي فلا حاجة إلى ما قيل من أنّ المصنف ضرب على هذا بقلمه، وما يتوهم من أنّ المراد بالط هية، والحقيقة ما يشمل الاستغراق حتى لا ينافي ما مرّ فخبط بما لا يخفى فساده فتأمّل، وما قيل: من أنّ قوله من السماء يبطل ما قيل من أنّ السحاب يأخذ ماءه من البحر أو أنّ ماءه يكون من أبخرة متصاعدة من الأرض في الهواء لأنّ نزوله من جهة السماء لا ينافي شيئا مما ذكر، ولذا تركه المصنف. قوله: (إن أريد بالصيب المطر الخ) الإضافة في ظلماته لأدنى ملابسة لا بمعنى في وتكاثفه بتتابع القطر لأن تلاصق القطرات وتقاربها يقتضي قلة تخلل الهواء المنتشر المستنير، وظلمتة بسحمته وسواده لأنه لا ظلمة له في نفسه كالمطر، وقوله مع ظلمة الليل أي منضمة إليها ولم يقل وظلمة الليل لأنها ليست في المطر بل الأمر بالعكس، ثم إنّ الظرف بينه وبين المظروف ملابسة تامّة فاستعيرت الأداة الدالة على تلك الملابسة لمطلق الملابسة الشاملة للسببية، والمجاورة وغيرهما فلا يتوهم أنه جمع فيه بين معنيين أو معان مجازية، والأحسن أن يقال إنها بمعنى مع كمال في قوله تعالى {ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ} [الأعراف: 38] فإنه أحد معانيها ال مذكورة في المغني وغيره، ولك أن تقول قول المصنف مع ظلمة الليل إشارة إلى هذا، وأمّا جعل ظلمة الليل فيه بتبعية الظلمتين الأخريين تغلي! اً كما قاله: قدس سرّه ومن تبعه فتعسف لما فيه من تغليب المعنى المجازي، وجعل المجاز على المجاز، وظلمة الليل في كلا التمثيلين كالمصرّح بها كما أشار إليه الفاضل المحقق ألا ترى قوله استوقد نارا هل يوقد للإضاءة في غير الليل، أما سمعت قولهم في المثل كموقد الشمع في الشمس وكذا قوله {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} أيكون مثله في سلطان الشمس بالنهار، ولكونها ظلمة أصلية لا ينفك عنها الزمان لم يصرّح بها إيجازا فلا يرد عليه ما فيل من أنّ ظلمة الليل من أين تستفاد حتى يحتاج إلى الجواب بأنها من الجمع، ومقام المبالغة فتدبر. قوله: (وجعله مكاناً للرّعد إلخ) إشارة إلى أنّ الظرفية فيهما مجازية بالمعنى السابق لا بمعنى آخر، وفي الكشاف إذا كانا في أعلاه ومصبه وملتبسين في الجملة به فهما فيه ألا تراك تقول فلان في البلد، وما هو منه إلاً في حيز يشغله جرمه، ولشراحه فيه كلام لم يصف من الكدر والذي ارتضاه سيد المحققين أنه توجيه لظرفية المطر للرعد والبرق لعدم ظهورها ظهور ظرفية السحاب لهما بأنهما لما كانا في محل متصل به هو أعلاه، ومصبه أي السحاب جعلا كأنهما فيه باستعارة في لملابسة شبيهة بملابسة الظرفية كما شبهت بها ملابسة الشخص للبلد، وأستعملت فيها وليس المراد بالبلد جزأه، وقيل أراد أنّ المطر كما ينزل من أسفل السحاب ينزل من أعلاه فيشمل الفضاء الذي فيه الغيم فهما في جزء من المطر

متصل بالسحاب كالشخص في جزء من البلد وهذا أقرب إلى المثال وذاك إلى عبارة الكتاب، وقد تبع فيه الشارح المحقز،، وترك ما فيه من أنّ من الناس من ذهب إلى أنّ المراد بالبلد جزؤه، وزعم أنّ الأعلى والمصب جزء من المطر وليس بذاك، ومنهم من جعله من إطلاق أحد المجاورين على الآخر والأعلى والمصب سحاب والتمثيل لمجرّد التلبس، ولمجاورة ورد بأنه يكون المعنى حيحئذ في السحاب رعد وبرق لا في المطر على ما هو المطلوب. ثم قال ردّاً لما في الكشف: فإن قلت الظلمة والرعد أي الصت والبرق أي النارية واللمعان كلها أعراض، والعرض لا يتمكن في المكان إلاً بنوع توسع من غير فرق بين المطر والسحاب، وبين الظلمة والرعد غاية ما في الباب أنّ وجه التلبس يكون في البعض أوضح كالرعد بالنسبة إلى السحاب. قك: معنى الظرفية التي تفيدها في أعم من أن يكون على وجه التمكن في المكان كالجسم في الحيز أو على وجه الحلول في المحل كالعرض في الموضوع أو على وجه الاختصاص بالزمان كالضرب في وقت كذا، وظلمة السحمة والتطبيق في السحاب حقيقة بخلاف ظلمة الليل، وكذا تمكن الجسم الذي يقوم به صوت الرعد وبريق البرق حقيقة في السحاب لا في المطر فاحتيج للتأويل، وما ذكره من أنّ ظرفية الزمان والمكان حقيقة تدل عليها في بالوضع مسلم عند الأدباء وأمّا كون ظرفية العرض في الموضوع كذلك فغير مسلم، والظاهر أنّ إطلاق في على ما ذكره بطريق الاشتراك اللفظي أو المعنوفي لا الحقيقة والمجاز كما قيل، والذي في الكشف أنّ الظرفية الحقيقية أي كون الشيء مكانا لآخر لا تراد هنا فإنهما عرضاه والتمكن من خواص الأجسام وإنما يضاف للعرض بواسطة معروضة، وهو وإن لم يرتضه الفاضل فهو الظاهر الموافق لكلام النحاة، وليس قصره الظرفية الحقيقية على المكانية لنفي الزمانية بل لأنه محل النزاع، ثم إنّ الذي أوقعهم في النزإع قوله أعلاه ومصبه فإنّ ضميربه للمطر وأصل إضافة اسم التفضيل أن يكون لما هو بعض منه فمنهم من أبقاه على ظاهره فجعل الظرف والمظروف قطرا ومنهم من صرفه عنه، وجعله غير مضاف لبعضه وهو الحق وكأنه استعمله ظرفا بمعنى فوق كما أنّ أسفل يكون بمعنى تحت من غير تفضيل أي إذا كانا في شيء فوقه وهو منشؤه ومصبه والمراد بمصبه محل ينصب منه لا فيه وإليه كما توهم، وفي حواشي ابن الصائغ حكى الشيخ عز الدين عن أبي عليّ فيه أي في وقته، وقال غيره في مصبه، وهو ضعيف لأنّ الرعد والبرق لا يكونان في الأرض وهو وهم لما عرفت. وأعلم أنّ ألمصنف رحمه الله أتى بعبارة أوجز من عبارة الزمخشريّ، وقصد في تغييرها مقاصد حسنة فعدل عن قوله مصبه إلى منحدره بضم الميم وفتح الدال المهملة، وهو اسم مكان أيضا لما في عبارة الكشاف من الغموض واحتمال إرادة الأرض! وهو فاسد كما مرّ، وحذف قوله في الجملة إذ لا طإئلى تحتة، وترك قوله ألا تراك إلخ لأنّ المتبادر منه أنّ فلانا في البلد مجاز كما صرّح به بعض شرّاحه، وهو مخالف لما يفهم من العرف، وقد صرّحوا بأن صمت في الشهر حقيقة في صوم يوم منه كما صرّحوا به وقياسه يقتضي أن هذا حقيقة أيضا كما صرّح به في التلويح فقال في للظرف بأنّ يشتمل المجرور على ما قبلها اشتمالاً مكانياً أو زمانيا تحقيقا ن! حو الماء في الكوز وزيد في البلد، أو تشبيها نحو زيد في نعمة، وفي الرضى الظرفية الشحقيقية نحو زيد في الدار وهو مما لا خفاء فيه، وقد يقال إنه تنظير بقطع النظر عن الحقيقة والمجاز فإنّ الكائن في بقعة من البلد يجعل في جميعها لما بينهما من الملابسة إلا أنه يرد حينئذ ما ذكر على شرّاحه فتدبر، وقد أطلنا هنا تحريراً وتقريرا إلا أنّ فيما أبدعناه ما يجعل ذنب الإسهاب (1) مغفوراً، ويبدي لعين الإنصاف نضرة وسرورا. قوله: (وإن أريد به السحاب إلخ) ما مرّ كله على أنّ المراد بالصيب المطر وقدمه لأنه المعروف في اللغة والاستعمال، وسحمته بضم السين سواده وظلمته، وتطبيقه كون بعضه فوق بعض، وفيه تسامح ولم يقل وظلمة الليل لما مرّ وظلمة الليل مستفادة من التظلم كما مرّ وما قيل من أنه يجوز أن يعتبر ظلمات حصلت من إحاطة الغمام، بآفاق السماء على التمام فإنّ كل أفق إذا استتر بسحاب تتراكم الظلمات بلا ارتياب. قلت: لم يزد شيثاً على ما ذكروه، فإنّ ما تصلف به هو معنى تطبيقه بعينه غايته أنه جعل جزء الوجه وجها مستقلاً، وقوله وارتفاعها فضمير المؤنث لظلمات، وفي نسخة وارتفاعه بتذكيره لأنه لفظ والمراد أنّ

الظرف هنا لإعتماده على الموصوف يجوز كون المرفوع بعده وهو ظلمات فاعلاَ له كما يجوز أن يكون مبتدأ فيه خبر مقدّم عليه لأنه نكرة بخلاف ما إذ لم يعتمد فإن للنحاة في جواز كونه فاعلاً خلافاً فعند سيبويه والجمهور يتعين أنه مبتدأ هذا هو المراد لا أنّ الفاعلية هنا متعينة بالإتفاق إذ لم يقل به أحد من أهل العربية، وفي التسهيل اشترط سيبويه مع الارتفاع كون المرفوع حدثاً وليس هذا محل تفصيله، وما بعد ظلمات مما عطف عليه حكمه حكمه، ولم يتعرّضوا له لظهوره. قوله: (والمشهور أنّ سببه إلخ الما ذكر أنّ حقيقة الرعد الصوت المسموع من السحاب بين سببه بناء على ما اشتهر بين الحكماء من أنّ الشمس إذا أشرقت عاى الأرض اليابسة حللت منها أجزاء نارية يخالطها أجزاء أرضية فيركب منهما دخان، ويختلط بالبخار ويتصاعدان معاً إلى الطبقة الباردة فينعقد ثمة سحاباً ويحتقن الدخان فيه، ويطلب الصعود إن بقي على طبعه الحارّ والنزول إن ثقل وبرد، وكيف كان يمزق السحاب بعنفه فيحدث منه الرعد، وقد تشتعل بشدّة حرمته ومحاكته نار لامعة، وهي البرق إن لطفت والصاعقة إن غلظت كذا قرّره في حكمة العين ولهم فيه أقوال أخر غير مرضية كما أشار إليه في الشفاء، وقوله اضطراب افتعال من الضوب أي ضرب بعضه بعضاً، ولذا ف! ن! ره بقوله واصطكاكها لأنه يكون بمعنى الحوكة العنيفة مطلقاً ومنه أستعير الاضطراب النفسانيّ. قوله: " ذا حدته! الريح) أصل الحدو من الحداء، وهو غناء للعرب معروف تنشط به الإبل، ثم استعمل بمعنى السوق، وهو المراد هنا وفيه استعارة مكنية حسنة لتشبيه السحاب بإبل وركاب تساق وهو كثير في كلام العرب كقول بعضهم: ركائب تحدوها الثمال زمامها بكف الصبا حتى أتيحت على نجد وفي الحديث كما رواه ابن جرير " الرعد ملك موكل بالسحاب يسوقها كما يسوق الحادي الإبل) (1) وقال الحكماء أيضاً إنّ بعض الرياح كالشمال مبرّدة لحرارة السحاب، وتحدث فيه رعدا وبرقاً قيل ما ذكره المصنف رحمه الله تبع فيه الزمخشريّ، والحكماء ولا عبرة به، والذي عليه التعويل كما قاله الطيبي، ما ورد في الأحاديث الصحيحة من طرق مختلفة في السنن أنّ الرعد ملك، والبرق مخراق من حديد أو من نار أو من نور يضرب به السحاب (2) ، وعن ابن عباس رضي الله عهما الرعد ملك يسوق السحاب بالتسبيح وهو صوته، وورد " سبحان من يسئح الرعد بحمده " (1) وقيل البرق ضحكه، وقيل نار تخرج من فيه إذا غضب وله عدّة طرق، وروايات ذكرها السيوطيّ في الدر المنثور ولا شبهة في صحته فتركه لخرافات الحكماء مما لا يليق كما ذهب إليه بعض من كتب على هذا الكتاب، والقول بأنّ ما في الحديث تمثيلات مسخ لكلام النبوّة نعم لك أن تقول الأجرام العلوية وما في الجوّ موكل بها ملائكة تتصرّف فيها بإذن الله وأمره كملك السحاب والمطر فإذا ساق السحاب، وقطعها حدث من تفريقها أصوات، ولمعان نورية مختلطة فتسبح ملائكتها فأهل الله يسمعون تسبيحها معرضين عما سواه، والمتشبث باذيال العقل يسمع حركاتها ويرى ما يحدث من إصطكاكها فتأمّل. قوله: (من الارتعاد إلخ) قيل عليه إنّ للنحاة، والأدباء في الإشتقاق ثلاثة مذاهب كون المشتق منه المصدر، وكونه مطلقا وكون الفعل من المصدر وبقية المشتقات من الفعل كاسم الفاعل، وأمّا اشتقاق المصدر من المصدر فلم يذهب إليه ذاهب على أنه لو قيل به؟ ، ن المزيد منه مأخوذا من المجرّد لا عكسه كالذي نحن فيه فقيل إنه لم يرد بأنه أصله ظاهره لأنّ أصله الرعدة وإنما أراد أنّ فيه معنى الاضطراب، وهذا تسليم للإعتراض، وقيل إنه على ظاهره وأنه أراد أنه مشتق من الإرتعاد فإنّ الزمخشريّ قد يردّ المجرّد إلى المزيد إذا كان المزيد أعرف، وأعرق في المعنى المعتبر في الاشتقاق كالقدر من التقدير والوجه من المواجهة وهذا منع للسؤال، وقيل من فيه اتصالية والمراد أنهما من جنس واحد يجمعهما الاشتقاق من الرعدة، وكذا قوله من برق الشيء بريقاً وليس فيما ذكر ما يشفي الصدور فلّك أن تقول إنّ مبناه على تعليل الأوضاع اللغوية، والمعنى أنّ الرعد وضمع لما ذكر لما فيه من الإرتعاد وقد مهد له بذكر الاضطراب وليس المراد أنه مأخوذ ولا مشتق من الارتعاد كما فهموه فمن ابتدائية والتقدير مصوغ من مادّة دالة على الارتعاد

ومثل هذا التقدير غير منكر في كلام أهل العربية. قوله: (وكلاهما مصدر إلخ) في الكشاف، لما سأل لم لم يجمع الرعد والبرق كما جمعت الظلمات فإن الظاهر أن يكون على نمط واحد، وأيضا الجمع أبلغ فلم عدل عته، أجاب بأنّ فيه وجهين أحدهما أن يراد العينان ولكنهما لما كانا مصدرين في الأصل يقال رعدت السماء رعدا وبرقت برقا روعي حكم أصلهما - يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتهن عرفنا أنك نبي واتبعناك قالوا: فأخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: ملك من الملائكة موكل بالس! ب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. قالوأ: فط الصوت الذي نسمع فيه؟ قال: زجرة السحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر " قالوا صدقت. . . . . ". تال الترمذي: حسن غريب اهـ ورجاله كلهم ثقات سوى ئغير بن شهاب فإنه مقبول كما في التقريب. وقال الإمام الذهبي في الميزان: عراقي صدوق. بأن ترك جمعهما، وان أريد معنى الجمع والثاني أن يراد الحدثان كأنه قيل، وارعاد وإبراق، وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات لأنّ المراد أنواع منها كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف، اهـ. وكون الأصل في المصدر أن لا يجمع مما أتفق عليه، ونص عليه في الكتاب سواء كان مفعولاً مطلقا أو لا حتى إذا جمع على خلاف القياس كان مقصوراً على السماع، ووجهه أنه اسم وحدث والمعاني لا تتغاير إلاً باعتبار المحل بخلاف الأجسام وهو شامل للقليل، والكثير فلا فائدة في جمعه والعدول عن مفرده المفيد لما أفاده مع أنه أخف وأخصر إلاً أن يقصد الأنواع، ثم إذا نقل فأكثر فيه أن يبقى على أصله ويجوز أن يعامل معاملة أسماء الأجرام، ثم إنّ المصنف رحمه الله ترك ما في الكشاف من احتمال أنه مصدر باق على أصله لأنه بعيد بل لم يسمع في الكلام المداول، وترك كون تنوينه للتنويع لما فيه من الخلل لأنه لو أريد نوع مخصوص كان المناسب تعريفه لأن النكرة لا تدل على زعمه، وأيضاً لو صح ما ذكر كان المناسب إفراد الظلمة أيضاً، وهذا من مقاصده فإنه إذا أسقط شيئاً منه أشار إلى ردّه، وهو مما ينبغي التنبه له في هذا الكتاب، وأكثر أرباب الحواشي لا ينبه عليه، ثم إنّ هنا نكتة سرية في أفرادهما هنا وهي أنّ الرعد كما ورد في الحديث وجرت به العادة يسوق السحاب من مكان لآخر فلو تعدد وكثر لم يكن السحاب مطبقاً فتزول شدة ظلمته، وكذا البرق لو كثر لمعانه لم تطبق الظلمة كما يثير إليه قوله {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ} فإفرادهما متعين هنا، وهذا مما لمعت به بوارق الهداية في ظلمات الخواطر. قوله:) الضمير لأصحاب إلخ) فيه إيجاز لطيف وأصله كذوي الذي بمعنى أصحاب لأنه جمع ذو بمعنى صاحب وهو أشهر معانيه، والبيت المذكور لحسان بن ثابت رضي الله عنه من قصيدة له مشهورة في مدح آل جفنة ملوك الشام وأوّلها: أسألت رسم الدار أم لم تسأل بين الجوابي فالنصيع فحومل ومنها: لله درّ عصابة نادمتهم يوماً بجلق في الزمان الأوّل أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الجواد المفضل يسقون من ورد البريض عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل وهي طويلة وضمير يسقون لأولاد جفنة وبردى بفتح الموحدة، والراء والدال المهملئين نهر بدمشق وقيل: وأدبها والبريض بالضاد المعحمة وروي بالصاد المهملة وهو الأشهر وعليه اقتصر في القاموس اسم لخليج، وشعبة من نهر بردى وقيل إنه اسم موضع فيه أنهار كثيرة بدليل قوله: فما لحم الغراب لنا بزاد ولا سرطان أنهار البريض وفيه نظر، وورد بمعنى قدم وأصل معنى ورد جاء الماء ليستقي ففيه إبهام هنا وورد كقدم يتعدّى بعلى، وقيل إنه يضمن معنى نزل، وبردى مؤتث لما فيه من ألف التأنيث والتقدير ماء بردى، والتصفيق التحويل من إناء إلى آخر ليصفي، والمراد به هنا يمزج ويصفق كما قال أبو حيان: روي بالياء لتحتية والتاء الفوقية والأوّل مراعاة لماء المقدر هنا، وهو محل الاستشهاد هنا كما جمع الضمير العائد على ذوي، ولولاه كان مفردا مذكرا، والثاني مراعاة لبردى ويجوز أن يكون لإكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه، والرحيق الشراب الخالص! ، والسلسل السائغ السهل الإنحدار في الحلق، وقوله أن يعوّل عليه أي يراعى من عوّلت عليه، وبه إذا اعتمدت فتجوّز به عما ذكر، وقوله حيث ذكر الضمير أي بناء على اشهر الروايتين فيه، وذكر بالتشديد من التذكير ضد التأنيث. قوله: (والجملة استئناف إلخ) أي استئناف بياني في جواب سؤال مقدر كما أشار إليه المصنف رحمه الله، ولذا لم تعطف فلا محل لها من الإعراب وجوّزوا فيها وجوها

أخر ككونها في محل جر على أنها صفة لذوي المقدر، وقد جوّز فيها وفي جملة يكاد كونها صفة صيب لتأويلها بلا يطيقونه، ونحوه أو في محل نص على الحال من ضمير فيه، والعائد محذوف أو الألف واللام نائبة عنه والتقدير من صواعقه، وقوله لما ذكر ما يؤذن بالشدّة والهول أي ما يدل على شدّة ما هم فيه من الأمور المخوفة المهولة. وفي الكشاف لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالثدة والهول فكأنّ قائلاً قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، ثم قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقيل يكاد البرق يخطف أبصارهم، وقيل: بين الكلامين بون بعيد وفرق ظاهر لأنّ المراد بما يؤذن إلخ في كلام المصنف الظلمة والرعد والبرق، وتنكيرها لأنه الأصل من غير مقتض للعدول عنه ووجه إيذانها أنها إمارات، ومقدمات للصواعق لأنها تسبق بها متعاقبة على ترتيب النظم عادة فمنشأ الاستئناف تلك الأمور بلا تفرقة بينها، فالأولى عنده جواب السؤال الناشىء من المجموع، والثانية عن السؤال الناشىء عن ذكر الصواجمق المستلزمة للبرق، والثالثة عما نشا من الجواب الثاني، وأورد عليه أنّ الثالثة لو كانت كذلك كانت على وتيرتها في التعبير والأمر فيه سهل، واختار في الكشاف أنّ منشأ السؤال هنا الرعد القاصف وحده والتنكيو للنوعية كما مرّ فعنده الجمل الثلاثة أي {يَجْعَلُونَ} {؟ ويكاد البوق} {؟ وكلما أضاء} إلخ أجوبة عن أسئلة ثلاثة من قوله {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} باعتبار الرعد والبرق واختلاف الحال المفهوم من الظلمات والبرق على اللف والنشر المرتب، أمّا في الأوّلين فظاهر، وأمّ في الثالث فلأنّ الاختلاف من تمامها، وأورد عليه أنه إن أراد بالقاصف ما معه. ر فهو عين الصاعقة فلا يتجه الاش خاف لأنّ لفظة فيه إلخ دال على وقوع الرعد فلا يكون وضع الأصابع إلاً بعد وقوع الصاعقة، وهو عبث وإن أراد ما يخلو عنها كان من مقدّماتها قيساويه الباقيان معنى مع أنّ البرق أقرب للصاعقة من الظلمات فلا وجه لاختياوه وهذا هو السرّ في عدول المصنف عما في الكشاف، وقد قيل: عليه أنّ الجواب الأوّل لا يطابق السؤال الذي قدره لأنه يبين حالهم مع الصواعق دون الرعد وان أجابوا عنه بأنه لم كانت الصاعقة بصفة رعد أي شدّة صوت منه ينقض معها شعبة من نار كان الجواب مطابقاً له كأنه قيل يجعلون أصابعهم في آذانهم من شدّة صوت الرعد المنقض معه النار. أقول لك أن تقول لا نسلم أنّ المصنف قصد مخالفة الزمخشريّ، والرد عليه فإنه لا مخالفة بينهما في الثالث إذ قدر ما قدّره بعينه، وكذا في الثاني لأن الزمخشريّ قال كيف حالهم مع مثل ذلك البرق والمصنف قال مع تلك الصواعق وكلاهما نوع واحد ناري كما مرّ وكذا في الأوّل لأنّ كلام المصنف محتمل فيه حيث قال: مع ذلك فلك أن تجعل الإشارة للرعد، ولو سلم أنه للمجموع فقول الزمخشريّ مثل هذا الرعد يريد به المصاحب للظلمة والبرق فلا فرق مع أنه لو سلم تغايرهما فلا وجه لجعل الأصابع في الآذان مع الظلمة والبرق، وكذا الأوجه لجواب السؤال بكيف حالهم مع تلك الصواعق بيكاد البرق إلا بالتوجيه السابق فما في الكشاف أحسن لما فيه من تطبيق الجواب على السؤال، واصابة المحز فمن قال: بترجيح ما هنا عليه لم يصب، ثم إنّ ما ذكره في التنوين ليس في كلام المصنف ما يقتضيه بوجه من الوجوه، والظاهر أنّ المراد بإيذانها بالشدة والهول ما يلوح لهم من مقدمات الهلاك بعد الوقوع في تيه الحيرة، والحسرة لا خصوص الصواعق ليكون الجواب أتمّ فائدة وأوفى عائدة، وما أورده على تقدير الرعد القاصف ليس بشيء، وقد فسر الراغب القاصف بما في صوته تكسر بشدة فالمراد الثاني، وكونه مساوياً لأخويه لا ضير فيه لمن له شعور وبصير، وقوله فأجيب بها الضمير للجملة، ويجوز عوده على الحال. قوله: (وإنما أطلق الأصابع إلخ) أي أوردها واستعملها في موضمع الأنامل المرادة هنا لأجل المبالغة لأنّ الأصابع معروفة، وفيها عقد والأنامل جمع أنملة بفتح الهمزة، ونتح الميم أكثر من ضمها وفي المصباح أنه حكى فيها تثليث الهمزة مع تثليث الميم ففيها تسع لغات، وهي العقدة من الأصابع وبعضهم يقول الأنامل جزء من الأصابع كما في المصباح أيضاً، وعلى كل حال فهي جزء مخصوص، أو غير مخصوص من الأصابع أطلق على كلها مبالغة كأنهم يبالغون حتى يدخلوا جميع

الأصبع أي أصبعهم في آذانهم مبالغة في السدان لم يحمل على التوزيع، وقيل إنّ في قولهم آذان دون صماخ مبالغة أيضا، ولا يخفى أنّ الجعل مع في بمعنى الإدخال يأباه، وقال علامة الروم في تعليقات الفرائد في قوله تعالى {يَجْعَلُونَ} مبالغة في فرط دهشتهم وكما حيرتهم من وجوه. أحدها نسبة الجعل إلى كل الأححابع، وهر منسوب إلى البعض منها وهو الأنامل. وثانيها من حيث الإبهام في الأصابع والمعهود إدخال إصبع مخصوص هو السبابة فكأنهم من فرط دهشتهم يدخلون، أيّ إصبع كانت في آذانهم ولا يسلكون المسلك المعهود. وثالثها في ذكر الجعل موضع الإدخال فإن جعل شيء في شيء أدل على إحاطة الثاني بالأوّل من إدخاله فيه، وهذه دقائق لم يتنبهوا لها. فإن قلت: هل هذا من المجاز اللغوي لتسمية الكل باسم جزئه، أو للتجوّز في الجعل، أو هو من المجاز العقلي بأن ينسب الجعل للأصابع وهو للأنامل. قلت: الذي ذكروه في كتب المعاتي وغيرها أنه من الأوّل الآ اًنّ للمتأخرين فيه كلاما فقال خاتمة المحققين ابن كمال في تكميل الفرائد أيضاً أنهم ظنوه مجازا لغويا، وهو مجاز عقليّ بإسناد ما للبعض إلى الكل، لأنّ المبالغة في الاحتراز عن إستماع ائصاعقة لفرط الخوف إنما تكون على هذا لا على ما قالوه، ولخفاء الفرق بين الاعتبارير، قال: في شرح المفتاح في إطلاق الأصابع على الأنامل مبالغة يخلو عنها ذكر الأنامل، والمبالغة إنما تتأتى إذا كانت الأصابع باقية على حفيقتها إذ لا مب لغة في ذثرها مراداً بها الأنامل، كما لا مبالغة في رجل عدل إذا أوّل بعادل على ما صرّح به القوم تبعاً لصاحب الدلائل، وارادة الأنامل من الأصابع مجاز مرسل، وإنما المبالغة في جعل أجزاء الأصابع في الأذن، والتجوّز في تعلق الجعل لا في متعلقه، وهو الأصابع ثم أنّ بعض فضلاء العصر قال: فيما قرّره القوم نظر آخر لأنه قد يقال إنه لا مجاز هنا، وذلك لأنّ نسبة بعض الأفعال إلى دّي أجزاء تنقسم، يكفي فيها تلبسه ببعض أجزائه، كما يقال دخلت البلد وجئت ليلة الخميس ومسحت بالمنديل ونحوه، فمعنى نسبة الجعل في الأذن إلى الأصبع إذا تليس ببعض منه، وهو الأنملة صحيح حقيقة من غير إحتياج إلى التجوّز في الكلمة أو الإسناد، أو على تقدير مضاف كأنملة أصابعهم. أ! دول الذي غرّه هذا قول بعض أهل المعاني أنّ المجاز المرسل لا يفيد مبالغة كالاستعارة، وهو غير مسلم عند العلامة لتصريحهم بخلافه في مواضع من الكشاف وبه نطقت زبر المتقدّمين، ولو لم يكن كذلك كان العدول عن الحقيقة في أمثاله عبثا لا يحوم مثله حول حمى التنزيل، ويكفي في المبالغة تبادر الذهن إلى أنّ الكل أدخل في الأذن قبل النظر للقرينة كما لا يخفى على ذي بصيرة نقادة وفطنة وقادة، وأمّا كون مثل دخلت البلد لمن دخل دارا منها حقيقة فليس على إطلاقه ولعل النوبة تفضي إلى تحقيقه في نحل آخر،، ثم أنه قال في الكشاف: إنّ ما يسد الأذن أصبع خاصة وهي السبابة إلا أنها لما كانت فعالة من السب كان اجتنابها أولى بأدب القرآن، ولذا كنوا عنها لاستبشاعها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدعاءة. اهـ وهذا كما قال المعرّي: يشار إليك بدعاءة ويثني على فضلك الخنصر وقال التبريزي: في شرح سقط الزند أنها يوما بها في الخصام فكأنها يسبّ بها ويفظع، أو هي من السبب لأنها تشير للشيء فهي سبب لمعرفته فنزهه عن تسميتها سبابة لأنها مشتقة من السب فجعلها دعاءة. اهـ والمصنف لم يلتفت لهذا أمّا لأنه لا وجه لما ذكره من الاختصاص أو لأنّ هذا مقام ذم وسب لهم فالسبابة أنسب به كما لا يخفى، وهذا من الحور المقصورة في خبايا الأذهان والأزهار التي لم تنفتح لها كمام الآذان. قوله: (أي من أجلها يجعلون إلخ) جعله متعلقاً بيجعلون لأنّ تعلقه بالموت، وان صح بعيد كما في سقاه من العيمة أي من أجلها، بمعنى أنها الباعث وذلك لأنّ من هنا تغني غناء اللام في المفعول له فهي تعليليه، وقد يكون غاية يقصد حصولها، وقد يكون باعثاً بتقدّم وجوده كما قيل، وقيل: من ابتدائية على سبيل العلية، وما بعدها أمر باعث على الفعل الذي قبلها كقعد من الجبن، ولا يكون غرضاً مطلوباً منه إلاً إذا صرّح بما يدل على التعليل ظاهراً، كقولك: ضربته من أجل التاديب بخلاف اللام فإنها تستعمل في كل واحد

منهما، وهو ودّ على المحقق في جعله من التعليلية كاللام تدخل على الباعث المتقدّم، والغرض! المتأخر بأنه إطلاق في محل التقييد لأنها إنما تدخل على المتأخر إذا صحبها ما يدل على التعليل، كلفظ أجل فيما ذكره وهو مخالف لأهل العربية، فإنهم صرحوا بأنها تجيء للتعليل مطلقاً من غير فرق بينهما، وقد قال الطيبي: طيب الله ثراه بعدما ذكر أنها للتعليل هنا أنه كقوله تعالى {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا} [مريم: 53] أي من أجل رحمتنا والرحمة الإحسان، وهو نتيجة الهبة منه مرتب عليها كالتأديب، وكذا في الذر المصون وغيره، ومثله {أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ} [تريثى: 4] قال أبو حيان رحمه الله من هنا للتعليل أي لأجل الجوع، وما قيل عليه من أنّ الجوع لا يجامع الإطعام، فالظاهر أنها بدلية لا وجه له فإنهم قالوا في ضابط البدلية إنها ما يحسن وضع لفظ بدل موضعها، ولا يخفى أنه لا يحسن أن يقال الإطعام بدل الجوخ، والعيمة شدة شهوة اللبن بحيث لا يصبر عته، والغيمة بالمعجمة شدة شهوة الماء، والأيمة شدّة شهوة النكاج، والقرم شدة شهوة اللحم، يقال عام إلى اللبن إذا اشتهاه، والعرب تقول سقاه من العيمة أي من جهة العيمة، ولأجلها وعن العيمة أي أنّ سقيه تجاوز به عن حكم العيمة إلى الريّ. قوله: (والصاعقة قصفة رعد هائل إلخ) القصفة واحدة القصف وأصل معناه الكسر، وقاصف الرعد أشده يكون صوتا متعاقباً متكسراً، وهائل بزنة اسم الفاعل بمعنى موقع في الهول وهو الخوف، قال ابن جني: يقال هالني الشيء يهولني فهو هائل وأنا ههول، والعامّة تقول أمر مهول ولا وجه له إلا أنه وقع ني خطب ابن نباتة مهول منظره، وقال بعض شراحها إنه صحيح أيضاً وقصفة رعد على ظاهره لا بمعنى رعد قاصف كما توهم للفرق بينهما، وقيل: إنّ المصنف فسر الصاعقة بتفسيرين دفع بهما ما أورد عليه من أنّ الجواب لا يطابق السؤال، لأنّ السؤال عن حالهم مع الرعد فدفعه بأنّ الصواعق حال الرعد أيضا، أو بأنها تطلق كل حال هائل، وهو مما تبع فيه شراح الكشاف، وهو تخليط كما مرّ لأنّ المصنف لا يقدر السؤال الأوّل بما ذكره، وتفسيره الأوّل حاصله أنها مجموع أمرين شديد رعد ونار تهلك ما تصيبه، لأنّ أصلها اسم فاعل من صعق بمعنى صرخ صراخاً شديداً، كما قال تعالى {وَخَرَّ موسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143] وقد يكون معها جرم حجري أو حديديّ يبلغ أرطالاً كما فصله ابن سينا في الشفاء، وربما تطلق على النار أو الجرم فقط لكنه غير مناسب هنا، وقيل إنها ريح سحابي تهي إلى الأرض بحدة أشتعال ونفوذ، فربما أحرقت الذهب في الصرة وأذابتة من غير أن تضره، وقوله: أتت عليه بمعنى أهلكته وأفنته لأنّ أتى المتعدي بعلى يكون بهذا المعنى كما سياني تحقيقه في محله. قوله: (وفد تطلق على كل هائل إلخ) وقع في بعض النسخ مسموع ومشاهد، وفي بعضها أو بدل الواو قال الراغب: قال بعض أهل اللغة: الصاعقة على ثلاثة أوجه الموت كقوله {فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ} [الزمر: 68] والعذاب كقوله {أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] والنار كقوله {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء} [الرعد: 13] وهي أشياء متولدة من الصاعقة هو قريب مما ذكر وقوله ويقال إلخ. بيان لشمولها للمسموع والمشاهد. قوله: (وهو ليس بقلب إلخ) يعني أنّ الصاعقة والصاقعة وإن تقاربا لفظاً ومعنى فليس أحدهما أصلاً والآخر فرع مقلوب منه قلباً مكانياً لوجهين ذكر أحدهما وهو الأشهر الأظهر، وأنّ قاعدة القلب أن تكون تصاريف الأصل تامّة بأن يصاغ منه فعل ومصدر وصفة، وييبهون الآخر ليس كذلك فيعلم من عدم تكميل تصاريفه أنه ليس بنية أصلية، وهذه قاعدة مقرّرة عند النحاة، والثاني ما ذكره الراغب من أنّ الصقع في الأجسام الأرضية، والصعق في الأجسام العلوية، وهذا غير مطرد، ولذا تركه المصنف رحمه الله مع أنه مخصوص بهذا والأوّل عام، قال في التسهيل: علامة صحة القلب كون أحد البناءين فائقاً للآخر ببعض وجوه التصريف، وله تفصيل في شروحه، ولا شذوذ في جمع صاعقة على صواعق لأنه إنما يثذ في جمع فاعل المذكر العاقل الوصف، فهذا بعيد عن الشذوذ بمراحل، وقول الطيبي والفاضل اليمني إذا كانت الصاعقة للمذكر والتاء للمبالغة فالجمع على فواعل شاذ غفلة عن تحقيق المسئلة، وقوله: يقال صقع الديك أي صاح بيان لاستواء البناءين في التصرف، والمراد بالراوية الراوي الذي تكثر روايته للشعر وغيره، ومصقع كمنير جهوري الصوت،

والظاهر أنّ الصاعقة في الأصل صفة وتاؤها للتأنيث إن قدرت صفة لمؤنث كقصفة، أو للمبالغة إن لم تقدّر كذلك، كراوية أو هي للنقل من الوصفية إلى الاسمية كما في حقيقة، أو هي مصدر رسمي به لأنّ فاعلا مع التاء، وبدونها يكون مصدرا لكنه نادر مقصور على السماع كما مرّ في الفاتحة، ومنه العافية بالفاء بمعنى العفو، ويجوز أن يكون بالقاف والباء الموحدة لأنه قيل في قوله تعالى {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] إنه مصدر بمعنى العقبى والكاذبة بمعنى الكذب وهذا أضعفها، ولذا أخرّه المصنف رحمه الله. قوله: (ئصب على العلة) يعني أنه مفعول لأجله ولما كان الغالب فيه التنكير، وجرّ ما ورد منه معرفا باللام استشهد له بالبيت المذكور وهو من قصيدة لحاتم الطاتي الجواد المشهور حث فيها على مكارم الأخلاق والصبر على أذى الأقرباء ومداراتهم وأوّلها: أتعرف أطلالاً ونؤيا مهدما كخطك في رق كتاباً منمنما ومنها: إذا شئت ماريت امرأ السوء ما ترى إليك ولاطمت اللئيم الملطما وعوراءقدأعرضت عنهافلم تضر وذي أود قومته فتقوما وأغفر عوراء الكريم إدخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرّما ولا أخذل المولى وإن كان خاذلا ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما وهي طويلة. وقال ابن يسعون أنه لم يقل قديماً في معناها أحسن منها، وأغفر هنا بمعنى أستر أو أعفو وأصفح، والعوراء الخصلة والفعلة القبيحة كلاما كانت أولاً، وتفسيرها بالكلمة القبيحة غير مناسب هنا، إلا أنه شاع القول للكلمة القبيحة عوراء كما يقال لضدها عيناء أي أتحمله وأسترزلته لتدوم مودّته كما قيل: تريدمهذباً لاعيب فيه وهل عود يفوح بلا دخان فالمراد بإدخاره إدخار مودته ومحبته، والضمير للكريم أو للغفران المفهوم من أغفر، والشاهد فيه حيث نصبه على أنه مفعول له مع أنه معرفة بالإضافة وأكثر في مثله جرّ. باللام، كقوله {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [قريش: ا] وتكرما مفعول له أيضاً على الأصل في بابه واستشهادهم بهذا البيت هنا في موقعه والمراد بالتكرّم المبالغة في الكرم لا تكلفه وإن صح هنا. وقال أبو حيان إعرابهم له مفعولاً له مع اسنيفائه شروطه فيه نظر، لأنّ قوله من الصواعق في المعنى مفعول له، ولو كان معطوفا لجاز كقوله تعالى {ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ} [البقرة: 265] وقد جوزوا أن يكون منصوباً على المصدر أي يحذرون حذر الموت، وما ادّعاه لا يتم له بسلامة الأمير، فإنّ لزوم العطف في نحو زرت زيداً لمحبته إكراماً له غير مسلم، وما استشهد به لا شاهد فيه. وقال ابن الصائغ رحمه الله: ومن خطه نقلت بعدما ذكر ما قاله أبو حيان جوابه أنهما إمّا نوعان: أحدهما منصوب، والآخر مجرور، فهما كالمفعول معهما في قوله تعالى {أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] في أحد القولين وأمّا أنّ من الصواعق علة ليجعلون أصابعهم في آذانهم أي لمطلق الجعل، وحذر الموت علة للفعل المعلل أي للفعل مع علته، وهو كلام نفيس فليحفظ فإنّ هذه المسثلة لم يصرّح بها أحد من أهل العربية. قوله: (والموت زوال الحياة إلخ) قال المتكلمون الحياة قوّة هي مبدأ للحس والحركة، وقيل: قوّة تتبع اعتدال النوع وتفيض عنها سائر القوى الحيوانية كما فصلوه مع ما له وعليه، والموت زوال الحياة ومعنى زوال الصفة عدمها عما يتصف بها بالفعل، فبكون عدم ملكة للحياة كالعمى الطارىء على البصر لا مطلق العمى، ولا يلزم كون عدم الحياة عن الجنين عند استعداده للحياة موتاً. وعلى هذا حمل قول المعتزلة أنّ الموت فعل من الله أو من الملك يقتضي زوال حياة الجسم من غير جرح، واحترز بالقيد الأخير عن القتل، وحمل الفعل على الكيفية الصادرة مبني على أنّ المراد به الأثر الصادر عن الفاعل، إذ لو أريد التأثير كان ذلك إماتة لا موتاً، واستدل على كون الموت وجودياً بقوله تعالى {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2] فإنّ العدم لا يوصف بكونه مخلوقاً، وأجيب بأنّ المراد بالخلق التقدير أي تعيين المقدار بوجه مّا وهو حقيقة لغة كما قال: ولأنت تفري ما خلقت وب! ض القوم يخلق ثم لا يفري

وهو مما يوصف به المعدوم والموجود لأن العدم له مدّة ومقدار معين عنده تعالى {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] ولو سلم فالمراد بخلق الموت إحداث أسبابه، فالمراد بخلق الموت والحياة خلق أسبابهما وهيأها. وأمّا ما قيل من أنّ أعدام الملكات الطارئة مخلوقة أيضا لأن من شأنها التحقق، فقد قيل عليه أنه إن أراد بالخلق الإيجاد لم يستقم، إذ مجرّد التحقق لا يكفي في الإيجاد، دان أراد الإحداث استقام لأنه أعم من الإيجاد إلا أنه مجاز أيضاً باستعمال المقيد في المطلق، فلا يخرجه عن صرف الخلق عن ظاهره وحقيقته، وإن كان جواباً آخر، فللناس قيما يعشقون مذاهب: وأما ما ورد في الحديث من أنّ " الحياة فرس والموت كبش أملح " حتى ذهب بعض الظاهرية إلى أنهما جسمان فمن متشاب الحديث أو هو تمثيل محتاج للتأويل، وما وقع في شرح مسلم من أنّ الموت عند أهل السنة عرض، وعند المعتزلة عدم محض ليس بشيء، وان إغترّ به بعض أرباب الحواشي، فاعترض على المصنف بأنه تبع صاحب الكشاف في تقويره وتقديمه لمذهب المعتزلة، وسيأتي لهذا تتمة إن شاء الله تعالى. قوله: (لا يفوتونه إلخ) في الكشاف واحاطة الله بالكافرين مجاز، والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة، وقال أبو عليّ الفارسيّ: يجوز في محيط أن يكون بمعنى مهلك كما في قوله تعالى {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81] ويجوز أن يكون بمعنى عالم علم مجازاة ومكافأة كما في قوله تعالى {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} [الجن: 28] وهؤلاء جعلوه مجازاً عن قدرته عليهم ففيه استعارة شبه اقتداره عليهم وكونهم في قبضة تصرّفه بإحاطة الجيش بالعدوّ بحيث لا يفوته ولا ينجيه منه حيلة وخداع، ثم إنه قيل إن شبه شمول القدرة لهم بإحاطة المحيط بما أ-ظ د به في امتناع الفوات كانت الاستعارة تبعية، وان شبه حاله تعالى معهم بحال المحيط مع المحاط بأن شبهت هيئة منتزعة من عدّة أمور بمثلها فهناك استعارة تمثيلية لا تصرف في مفرداتها، إلا أنه صرّح بالعمدة منها وقدر الباقي. ومن زعم أنها استعارة تبعية لا تنافي التمثيلية لم يصب، وقد مرّ ردّه، وأنّ التركيب باعتبار ما ذكر مع لوازمه ليس بأبعد من اعتبار ألفاظ منوية مقدرة فتذكر ما أسلفناه، تكن على هدى. قوله: (والجملة اعتراضية إلخ) فالواو فيه اعتراضية لا عاطفة ولا حالية، كما بئن في كتب العربية، والاعتراض يكون في وسط الكلام وفي آخره، والمراد بآخره تمامه وانقطاعه حقيقة، كآخر السور والخطب والقصائد، لا آخر الجمل المنقطعة عما بعدها بوجه من وجوه القطع المذكور في باب الفصل والوصل، فما نحن فيه من القسم الأوّل، ولذا قال أبو حيان أنها دخلت بين هاتين الجملتين يجعلون أصابعهم، ويكاد البرق، وهما من قصة وتمثيل واحد، فما قيل من أنّ هذا الاعتراض على مسلك الزمخشريّ وأقع في آخر الكلام، ومخالف لمختار الجمهور من تخصيصه بإثناء الكلام أو الكلامين المتصلين معنى، ولذا عدل عنه المصنف رحمه الله خيال فارغ غنيّ عن الردّ، ثم أنّ الجملة المعترضة لا بذ من مناسبتها لما اعترضت فيه والاً كانت مستهجنة، واشترط أكثر فيها كونها مؤكدة للكلام، وسمى الأدباء ما تمت مناسبته حشو إللوزنيج، وضدّه حشو اكبر، وما نحن فيه من الأوّل لأنّ أصله والله محيط بهم أي بذوي الصيب، فوضمع فيه الظاهر وهو الكافرين موضع الضمير، والمراد بالكافرين قوم غير معينين جحدوا مولاهم وعبر به إشعاراً باستحقاق ذوي الصيب ذلك العذاب لكفرهم، وفيه تتميم للمقصود من التمثيل بما يفيده من المبالغة كما في قوله تعالى {مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 117] لأنّ الإهلاك عن سخط أبلغ وأشد كما أفاده الطيبي طيب الله ثراه، ففيه تاييد للكلام الدال على اشتغالهم بما لا يفيدهم من سد الآذان حذر الموت، وقد أحاط بهم الهلاك بما كسبت أيديهم، وليس المراد بالكافرين المنافقين كما يوهمه قول المصنف رحمه الله، لا يخلصهم الخداع والحيل لأنه من صفاتهم الشالفة في قوله {يُخَادِعُونَ اللهَ} [النساء: 142، إلخ على أنّ المراد بالحيل جمع حيلة مداراة المؤمنين ومداهنتهم لأنه لبيان مناسبة الاعتراض لما وقع فيه لأنّ من أحيط به ووقع في شرك الهلاك دأبه الخداع والتحيل في وجوه الخلاص، وبه تتم مناسبة التمثيل للممثل له، فلا وجه لما قيل هنا من أنّ هذا الاعتراض من جملة أحوال المشبه على أنّ المراد بالكافرين المنافقون فإنهم لا محيص لهم عن العذاب في الدارين، ووسط بين أحوال المشبه به تنبيهاً على

شدة الاتصال والمناسبة. قوله: (استئناف ثان إلخ) جوز أبو حيان في هذه الجملة أن تكون في محل جر صفة لذوي المقدرة أيضاً، والذي اختاره الشيخان الإسنئناف البياني، وقد مرّ أنه في الكشاف قدر السؤال هنا فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقيل) يكاد البرق) إلخ والمصنف رحمه الله عدل عنه وقدره ما حالهم مع تلك الصواعق، ويتراءى من ظاهر الحال في النظرة الأولى أنّ الأوّل أنسب بالجواب وأنّ الثاني أقرب لما قبله مما هو منشأ السؤال، ولذا قيل إنه إذا قدر السؤال كما قدره المصنف لا يلائمه الجواب بأنّ البرق يخطف أبصارهم، لأن البرق شيء والصاعقة شيء آخر، ولقد أحسن صاحب الكشاف في تقديره السابق، وقيل: إنّ المصنف أراد بالصواعق الصواعق المقرونة بالبرق، فقيل في جوابه يكاد البرق أي برقها على أنّ اللام العهدية عوض عن المضاف إليه، فارتبط الجواب بالسؤال على الوجه الوجيه والتوجيه الصواب، وتحقيق كلام المصنف رحمه الله على هذا المنوال من فيض الملك المتعال، ولعمري لقد استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم، وقد مرّ من الإفادة ما يغني عن الإعادة فتذكر. قوله: (وضعت لمقاربة الخبر من الوجود إلخ) أفعإل المقاربة أفعال مخصوصة سماها النحاة بهذا الاسم وان لم تكن كلها للمقاربة، لأنّ منها ما هو للشروع كطفق، ومنها ما هو للترجي، ومنها ما هو للمقاربة، سميت بها تغليبا لها لأنها أشهرها وأصلها كما في شرح التسهيل، وفد يخص بكاد وأخواتها ويجعل ما عداها من الباب قسماً آخر أو ملحقاً بها، والمشهور الأوّل فتدخل فيها عسى، والدلالة على الدنو والقرب مخصوص بكاد وأخواتها، واعتبره الجزولي في جميع الباب من غير تغليب، والمحققون على خلافه لأنّ عسى وضع لرجاء الخبر مطلقاً لا لرجاء دنوه كما زعمه، وطفق يدل على الشروع، وأخذ أوّل أجزاء الخبر، والدنوّ إنما يكون قبل الشروع فيه فليس فيهما مقاربة، وقد قيل إنّ ظاهر كلام المصنف رحمه الله يدل على أنّ عسى ير داخلة في أفعال المقارية لكونها موضوعة لرجاء الخبر، لا لرجاء دنوّه إلا أنّ في كلامه ما يدل على خلافه، كقوله: تنبيهاً على أنه المقصود بالقرب، ولو جعلت الضمير في قوله وضعت لمقاربة الخبر لكاد لا لأفعال المقاربة لم يرد عليه شيء وإن احتاج ما بعده للتأويل، ثم أنّ عسى لاستعماله فيما يطمع في مما يمكن وقوعه، لو قيل قيه مقاربة لأنّ كل آت قريب ولله در القائل: وإني لأرجو الله حتى كأنما أرى بجميل الظن ما الله صانع لم يبعد وما قيل من أنّ المصنف رحمه الله ذهب إلى أنّ عسى ليس من أفعال المقاربة ليس بشيء، وقوله من الوجود متعلق بمقاربة، والمراد بعروض! سببه حدوثه وكونه في معرض الوقوع، وضمير لكنه لم يوجد للخبر لا للسبب، وقد أورد عليه أنّ المقاربة كما تتصوّر بوجود السبب مع فقد الشرط، أو وجود المانع تتصوّر بفقد المانع ووجود الشرائط كلها، وفقد السبب فتخصيص كاد بالأوّل لا تساعده قواعد العربية إلا أن يقال إنه تصوير للمقاربة من غير تخصيص بها، وليس بشيء لأنّ المراد أنّ قرب الخبر لوجود السبب، وأنه لولا فقد الشرط أو وجود المانع أو نحوه لوفع، وليس مراده الحصر حتى يرد عليه ما ذكر، ثم أنّ ما ذكره بناء على ما جرت به العادة من أنّ الله تعالى إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، وإذا وجدت الأسباب فعدم الوقوع لما ذكر، فلا يرد عليه ما قيل من أنه إذا لم يوجد سبب الخروج مثلاً، ولكنه قرب يصح أن يقال كاد زيد يخرح وهذا كه من ضيق العطن وسياتي تحقيقه، والحاصل أنّ كاد تدل على قرب الوقوع وأنه لم يقع، والأوّل لوجود أسبابه، والثاني لمانع أو فقد شرط، وهذا كله بحسب العادة فلا إشكال فيه. قوله: (فهي خبر محض ولذلك جاءت متصرفة بخلاف عسى) أي كاد خبر لشى فيه شائبة إنشاء فهو متصرّف كغيره، بخلاف عسى فإنها لكونها استعملت ني الإنشاء شابهت الحروف فلم تتصرّف، وهذا هو المشهور في كتب النحو واللغة وبه صرّح ثعلب في الفصيح، وفي شرحه للفهري أنها لم تتصرّف فيستعمل منها مستقبل واسم فاعل لأنها ليست على الحقيقة فعلاَ، وإنما هي حرف أطلقوا عليها الفعل مجازاً لما رأوها تعطي أحكامه، فيقال عسيت وعسيتما إلخ، وهذا هو الذي يجزم به فلا يعتذر لعدم تصرّفها، على أنّ ابن ظفر رحمه الله حكى عن أبي عبيدة في شرح المقامات أنه يقال: عسيت أعسى، قال: وعلى هذا يقال عاس اسم فاعل، وفي كتاب حل الفكر

للقيرواني أنّ أبا زيد ذكر أنه جاء منه ع! بكسر السين بوزن حذر، وقد قال المعرّي: عساك تعذر إن قصرت في مدحي فإنّ مثلي بهجران القريض عسى وهذا غلط فإنّ كلامنا في عسى التي للترجي وهذه بمعنى جدير، وتكون عسى بمعنى ييس أيضاً كقول البحتري: يتعاطى القريض وهو جماد الذهن يحفو عن القريض ويعسو فقوله إنّ عسى لا تتصرّف أي بناء على المشهور من قول النحاة. قوله: (وخبرها مشروط فيه إلخ) أي يشترط في خبر كاد أن يكون مضارعاً غير مقترن بأن المصدرية الإستقبالية، أمّا المضارع فلدلالته على الحال المناسب للقرب والدنوّ بملاصقته له حتى كأنه لشدة قربه وقع، ولذا دلت على تأكيد وقوع الخبر على الأصح وجردت لذلك عن أن لمنافاتها لما قصحد منها، وهذا بناء على أكثر الأفصح، والاً فقد جاء خبرها اسماً مفرداً كقوله: فأبت إلى فهم وما كدت آبياً. ووت د مع أن كقوله: قد كاد من طول البكاء أن يمحصا. وفي الحديث كاد الفقر أن يكون كفرا. وقد يكون الخبر جملة اسمية كما حكاه ثعلب من قول العرب كاد زيد قائم على أنّ اسم كاد ضمير الشأن والجملة الاسمية خبرها بخلاف عسى، فإنه يجوز في خبرها أن يقرن بأن وهو أكثر، وقد يجرد منها كقوله: عسى الكرب الذ؟ ب أميت فيه يكون وراءه فرج قريب وإلى ذلك أشار المصنف رحمه الله بقوله: وقد تدخل أي أن المصدرية عليه أي على خبر كاد كما مرّ حملاً لها على أختها عسى، كما تحذف من خبو عسى حملاً على كاد، وقوله في أصل معنى المقاربة يدل على أنّ عسى فيها معنى المقاربة عنده خلافا لمن توهم خلافه. قوله: (وقرىء يخطف بكسر الطاء إلخ) أي قرىء بكسر الطاء المخففة وهي قراءة مجاهد والفتح أفصح وعليه القراءة المعروفة، وفي الصحاح الخطف الإستلاب يقال خطفة بالكسر وهي اللغة الجيدة وعليها المضارع مفتوح العين، وفيه لغة أخرى حكاها الأخفش بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع، وقرىء في الشواذ يخطف بفتح الخاء وكسر الطاء المشددة، وأصله يختطف افتعال من الخطف فنقلت حركة التاء إلى الخاء وأدغمت في الطاء، ولذا لما لم ينقل إلى الخاء الساكنة حركة التاء كسرت لإلتقاء الساكنين أو اتباعا للطاء، وكسرت الياء التحتية أتباعاً لها، وفيها قراءات أخرى ذكرها في الحجة، والقراءة الأخيرة يتخطف بالبناء للفاعل، ونصب أبصارهم لأنه متعد كما في قوله يتخطف الناس من حولهم. قوله: (كأنه قيل ما يفعلون إلخ) قد مرّ الكلام على هذا السؤال، والجواب فليكن على ذكر منك، وخفوق البرق بضم الخاء المعجمة والفاء، وفي آخره قاف لمعانه، وأصله الاضطراب ومنه خفقت الراية والسراب، وخفية بفتح الخاء المعجمة وسكون الفاء، وياء مثناة تحتية وهاء تأنيث بزنة المرة من خفي يخفى، كعلم يعلم، أو خفي يخفو، كدخل يدخل، إذا لمع لمعانا ضعيفاً في نواحي الغيم، كما في بعض الحواشي ولا وجه له فإنه تكرار غير منالسب للمراد، فالظاهر أنه أراد ظهوره واختفاءه، وقد وقع في بعض النساث وخفيته بالإضافة للضمير من الخفاء، ويجوز أن يكون خفية أو خفيته نقل من خفت البرق إذا سكن كما في الأساس، وقد ف! ره الفاضل الحفيد بلمعان البرق واستتاره وهو الحق، وهذه العبارة وقعت كذلك في الكشاف ولم يعتن شرّاحه بضبطها، وتارتي خفوقه مثنى تارة وهي المرة، والحالة أي في حالتي الظهور والخفاء. قوله: (وأضاء امّا متعد إلخ الم يتردّد في مجيء أضاء لازما وصشعدّيا لإتفاق أهل اللغة عليه وشيوعه في كلام العرب كقول الفرزدق: أعد نظرايا عبد قيس لعلما أضطءت لك النار الحمار المقيدا وأمثاله مما لا يحصى، والممشى محل المشي ونكره إشارة إلى دهشتهم وحيرتهم بحيث يخبطون خبط عشواء، ويمشون كل ممشى، وقوله أخذوه بمعنى سلكوه. قال الراغب: يقال أخذ مأخذه أي سلك مسلكه، ونحوه في الأساس فلا تسمح فيه، وعلى التعدّي معناه نوره وعلى اللزوم معناه لمع، وقوله في مطرح نوره أصل معنى المطرح محل الطرح وهو الإلقاء، لكنه استعملى بمعنى محل مطلقاً، وشاع حتى صار حقيقة فيه وهو المراد،

وأشار به إلى بيان المعنى وأن في النظم مفعولاً مقدرا، وضمير فيه على التعدّي راجع إليه، كما أشار إليه بقوله: أخذوه المفسر به مشوا فيه، إذ ليس المشي في البرق بل في محله، وعلى اللزوم فيه مضافان مقدران، كما أشار إليه بقوله: مطرح نوره وكون في للتعليل، والمعنى مشوا لأجل الإضاءة فيه، كما قيل ركيك لا يليق تنزيل نظم التنزيل عليه لمن له ذوق في العربية. قوله: (وكذلك أطلم) أي هو مثل أضاء في التعدي وا أطزوم، وفي التشبيه إيماء إلى جواز أن يحمل عليه كما يحمل الضد على الضد في ذلك، وقال بهاء الدين بن عقيل رحمه الله: إذا كان أظلم متعدياً فالفاعل ضمير الله، أو البرق أي أفسم ابى ق بسبب خفائه معاينة الطريق، والظاهر الثاني على الوجهين، والإسناد مجازيّ كما يعله من قوله بسبب خفائه. وفي الصحاح ظلم الليل بالكسر، وأظلم بمعنى حكاه الفرّاء، وعلى التعدي فالهمزة نقلت ظلم كفرح من اللزوم إلى التهرزي كما أشار إليه المصنف رحمه الله، ولم يبين اللزوم لظهوره والإتفاق عليه، وكون ظلم بمعنى أظلم، كما نقل عن الفرّاء لا ينافي نقل الهمزة له كما توهم، فإنّ الهمزة لها معان فلا مانع من إشتراكها في كلمة واحدة. كاكب، فإنه ورد متعدّيا، وهمزته للنقل، ولازما وهمزته للصيرورة، وكذا ما نحن فيه. قوله: (ويشهد له قراءة أظلم إلخ) أي يدل له دلالة بينة ناطقة بتأييده قراءته مبنيا للمجهول في قراءة شاذة منسوبة ليزيد بن قطيب، وقيل عليه أنّ شهادة ما ذكر شهادة زور مردودة بجواز كونه لازماً مسنداً إلى الظرف وهو عليهم، وأجيب بأنّ عليهم مقابل لهم فإن جعلا مستقرّين لم يصح أن يقوم عليهم مقام الفاعل أصلاً، وان جعلا صلتين للفعل على تضمين معنى النفع والضر ففيه نظر، لأنه يصلح لأن يقوم مقام فاعل المضمن دون المضمن فيه، وعلى تقدير صلوحه فعطف إذا أظلم على كلما أضاء مع كونهما معاً جوابا للسؤال عما يصنعون في تارتي البرق، يقتضي أنّ أظلم مسند إلى ضمير البرق كأضاء، على معنى كلما نفعهم البرق بإضاءته اعترضوه، وإذا ضرّهم باختفائه دهشوا، ومبنى البلاغة على رعاية المناسبات. وقد يجاب أيضاً بأنّ بناء الفعل للمفعول من المتعدي بنفسه أكثر فالحمل عليه أولى ولا يخفى ما فيه، وأمّا احتمال إضمار ضمير المصدر كما في قعد أي فعل القعود ففي غاية البعد مع أنه مدفوع أيضاً بما ذكر، فإن قيل إنما غير لأسلوب ولم يعتبر المناسبة لأنّ إظلام البرق غير معقول، فيحتاج إلى أن يتجوز عن إختفائه كما مرّ، قيل إلاً بلغية تقاوم مخالفة الأصل مع أنه لا بدّ منه في غيره أيضاً. أقول هذا ما قاله شراح الكتابين برمته لم يترك منه إلاً ما لا خير فيه. وفيه بحث لأنه تطولل للمقذمات من غير نتيجة، لأنّ حاصل المدّعى إن أظلم قد يتعدّى بدليل هذه القراءة لاتفاق النحاة على أنّ المطرد بناء المجهول من المتعدي بنفسه، فاعترض عليه بأنّ الأفصح المستعمل لزوم أظلم، 9 يجوز إبقاؤه على أصله في هذه القراءة بما ذكر فلا ينهض الدليل، فإن قيل إنّ المعترض عدل عن الأصل قيل هو بعينه لازم للمستدل، وأمّا كون الظرف مستقرا هنا فلغو لا احتمال له، وتعلقه باعتبار الضرّ والنفع نظرا للام، وعلى ليس بشيء لأنه مخصوص بفعل الذعاء كدعا له وعليه ألا ترى قولهم صلى عليه وأوقد له نار الحرب وأمثاله مما لا يحصى، والضرّ والنفع هنا مفهوم من المنطوق من غير احتياج للتضين أصلاً، ولذا قيل إنه مؤيد مستأنس به لا دليل فتأمّل. قوله: (وقول أبي تمام إلخ) أبو تمام كنيته واسمه حبيب بق أوس بن الحارث بن قيس الطائي قبيلة الشامي مولداً، وهو مع فصاحته التامة كان من كبار الأدباء والعلماء في عصره، وديوانه مشهور شرحه الكبار، وروى عنه الأخيار وألف الصولي كتابا في أخباره وآثاره، والبيت المذكور من قصيدة له مدح بها عيام! بن لهيعة الحضرمي أوّلها: تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي وليس جنيي إن عذلت بمصحبي ومنها: أحاولت إرشادي فعقلي مرشدي أم استمت تأديبي فدهري مؤدّبي هما أظلماحاليّ ثمت أجلياف، ميهما عن وجه أمرد أشيب إلى آخرها، ومن أرادها فلينظر ديوانه. وقال الإمام التبويزي: في شرح ارديوان جعل أظلم متعديا وذلك قليل في الاستعمال، وهو في القياس جائز قياساً على قول من قال ظلم الليل بمعنى أظلم، فإن ادّعى أنّ أظلم ههنا غير متعد، وأنّ حاليّ منصوب انتصاب الظرف، فقوله أجليا ظلاميهما يدفعه لأنه عدي أجليا إلى

الظلامين، وقوله عن وجه إلخ عنى به نفسه، وهو يحتمل معنيين أحدهما أن يكون قد شاب في حال كونه أمرد لعظم ما لاقاه من الشدائد، والآخر أن يكون أراد أنه فتى في السن شيخ في العقل، وقوله هما أظلما أي أني صغير السن وقد شيبني عقلي ودهري. اهـ، فضميرهما للعقل والدهر على ما ذكره الإمام التبريزي، وتبعه بعض شرّاح الكشاف، وجوز التفتازاني أن يكون لإرشاد العاذلة، وتأديبها في البيت الذي قبله، وجوز في الكشف أن يكون لليوم واللبلة، وهو بعيد جدا والحالان الخير والشر، أو الغنى والفقر، أو الشيب والثباب، وقيل هما الدنيويّ والأخرويّ وليس بشيء، وقيل هو عام في كل متقابلين خيراً وشراً، أو غنى وفقرا، أو مرضا وصحة، أو عسرا ويسرا، وأسند الإظلام إلى العقل لأنّ العاقل لا يطيب له عيس، وإلى الدهر لأنه لا يسالم الحر أبدا، وأجليا بمعنى كشفا ظلاميهما، وأمرد أشيب تجريد كما مرّ، وهمزة أحاولت إنكارية أي لا ينبغي أن تتجشمي في الإرشاد والتأديب، والفاء تعليلية لمقدّر أي لا تحاوليهما ففي العقل والدهر كفاية عن كل مرشد ومؤدّب، وهذا زبدة ما في شروح الكشاف في هذا البيت (والذي أراه (أنّ المراد بارشادها إياه عتبه وعذله لتصريحه بذلك قبله في قوله: فلم توقدي سخطاً على متنصلي ولم تنزلي عتباً بساحة معتب وضميرهما للعقل والدهر، وحالات صغره وشبابه، وكبره وشيبه، لقوله: أمرد أشيب وفي قوله بعده: شجي في حلوق الحادثات مشرّق به عزمه في الترّهات مغرّب كأن له دينا على كل مشرّق من الأرض أوثارا على كل مغرب فإنه كما في الشرح يصف جده في الأمور وصحة رأيه، وعزمه ولعبه في الصبا ولهوه، واظلامهما عدم كشف حالهما بحيث امتزج صباه بشيخوخته، وهو كقول أبي فراس: وما بلغت أوان الشيب سني فما عذر المشيب إلى عذاري وفي الظلام وانجلائه إيماء إلى سواد الشعر وبياضه. قوله: (فإنه وإن كان من المحدثين إلخ) قالوا: الشعراء على طبقات جاهليون، كامرىء القيس، ومخضرمون بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة، يليها ميم قال ابن خلكان: إنه سمع فيه محضرم بالحاء المهملة وكسر الراء، واستغربه وهو من قال الشعر في الجاهلية، ثم أدرك الإسلام كلبيد، وقد يقال لكل من أدرك دولتين، وأطلقه المحذثون على كل من أدرك الجاهلية، وأدرك حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم وليست له صحبة، ولم يشترط بعض أهل اللغة نفي الصحبة، وفي المحكم رجل مخضرم إذا كان نصف عمره في الجاهلية ونصفه في الإسلام، وقال ابن فارس: إنه من الأسماء التي حدثت في الإسلام، وهو من قولهم لحم مخضرم إذا لم يدر من ذكر هو أم أنثى، أو من خضرم الشيء إذا قطعه، وخضرم فلان عطيته إذا قطعها، فكأنهم قطعوا عن الكفر إلى الإسلام، أو لأنّ رتبتهم في الشعر نقصت، لأنّ حال الثعراء تطامنت ينزول القرآن كما قاله ابن فارس: ومتقدّمون، ويقال إسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق، ومولدون وهم من بعدهم كبشار، ومحدثون وهم من بعدبم كأبي تمام والبحتري، ومتأخرون كمن حدث يعدهم من شعراء الحجاز والعراق، ولا يستدل بشعر هؤلاء بالإتفاق، كما يستدل بالجاهليين والمخضرمين والإسلاميين في الألفاظ بالإتفاق، واختلف في المحدثين فقيل: لا يستشهد بشعرهم مطلقاً، وقيل يستشهد به في المعاني دون الألفاظ، وقيل: يستشهد يمن يوثق به منهم مطلقاً، واختاره الزمخشريّ ومن حذا حذوه، قال: لأتي أجعل ما يقوله يمنزلة ما يرويه، واعترض عليه بأنّ قبول الرواية مبيّ على الضبط والوثوق، واعتبار القول مبنيّ على معرفة الأوضاع اللغوية، والإحاطة بقوانينها، ومن البين أنّ أنقان الرواية لا يستلزم إتقان الدرا ية. وفي الكشف: إنّ القول دراية خاعة فهي كنقل الحديث بالمعنى، وقال المحقق التفتازاني: القول بأن بمنزلة نقل الحديث بالمعنى ليس بسديد بل هو يعمل الراوي أشبه، وهو لا يوجب السصاع الآ إن كان من علماء العربية الموثوق بهم، فالظاهر أنه لا يخالف مقتضاها، فإن استؤنى به ولم يجعل دليلاَ لم يرد عليه ما ذكر، ولا ما قيل من أنه لو فتح هذا الباب لزم الاسندلال يكل

بكل ما وقع في كلام علماء المحدثين كالحريري وأضرابه والحجة فيما رووه لا فيما رأوه، وقد خطؤوا المتنبي وأبا تمام والبحتري في أشياء كثيرة، كما هو مسطور في شروح تلك الدواوين، ثم إنه لا حاجة لمخالفة الجمهور فيه مع وجود ما يقي عنه، وهو أنّ الأزهري وناهيك به قال في التهذيب كل واحد من أضاء وأظلم يكون لازماً ومتعدّياً، وإذا جاء نهر الله يطل نهرمعقل. وقد أورد عليه أيضا أنه يجوز أن يكون لازماً في البيت، وحاليّ ظرف إلا أنك قد عرفت ما يدفعه، وثمت في البيت ثم العاطفة زيد فيها تاء التأنيث، وهو لغة فيه كربت، وفيل إنه مخصوص بعطف الجمل، وعن المازني أنه كثريّ لا كليّ. قوله: (وإفما قال مع الإضاءة كلما الخ) يعنى أنه استعمل كلما المستعملة في التكرار في لازم معناها كناية أو مجازا، وهو الحرص والمحبة لما دخلت عليه، وإذا فيما لا يريدونه فضلاً عن الحرص لأنّ الإظلام والتوقف ليس يمراد لهم، وإفادة كلما التكرار صرّح به أهل الأصول، وذهب إليه بعض النحاة واللغوين. قال في المصباح: كلما تفيد التكرار دون غيرها من أدوات الشرط، فقول أيي حيان لا فرق عندي بين كلما وإذا من جهة المعنى، إذ التكرار متى فهم من كلما أضاء لزم منه التكرار، أيضاً في إذا اظلم عليهم قاموا إذ الأمر دائر بين إضاءة البرق والإظلام، ومتى وجد ذا فقد ذا فلزم من تكرار وجود ذا تكرار عدم ذا، على أنّ من النحاة من ذهب إلى أن إذا تدل على التكرار ككلما كقوله: إذا وجدت أوار الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم ابترد لأنّ معناه كلما والتكرار الذي ذكره الأصوليون والفقهاء في كلما إنما جاء من عموم كل لا من وضعها، كما يدل عليه كلامهم، وإنما جاءت كل لتكيد العموم المستفاد من ما الظرفية مع مخالفتة للمنقول مخالف للمعقول. وأمّا الأوّل فلما سمعته. وأمّا الثاني فلأنّ النحاة صرّحوا بأنّ كلما في هذه الآية وأمثالها منصوبة على الظرفية، وناصبها ما هو جواب معنى، وما حرف مصدري، أو اسم نكرة بمعنى وقت، فالجملة بعدها صلة أو صفة، وجعلت شرطاً لما فيها من معناه وهي لتقدير ما بعدها بنكرة تفيد عموماً بدلياً، وليس معنى التكرار إلاً هذا، فكيف لا تفيده وضعاً، وأمّا القول بأنّ إذا وغيرها من أدوات الشرط تفيد ذلك فليس بصحيح فإن فهم منه فهو من القرائن الخارجية، وأمّا ما اعترض به من أنه يلزم من تكرار الإضاءة تكرار الإظلام فغفلة عما أرادوه من المعنى الكنائي، والفرصة واحدة الفرص كغرفة وغرف، وأصل معناها النوية في شرب الماء القليل، يقال جاءت فرصة فلان أي نويته، والمبادرة لذلك يقال لها انتهاز وهو افتعال من النهز بالزاي المعجمة، وقال الأزهري أصل النهز الدفع، وانتهز الفرصة انتهض لها مبادرة، والحراص جمع حريص، والتوقف معنى فوله قاموا. قوله: (ومعنى قاموا وقفوا) وقف كقام يكون في مقابلة قعد أو جلس، وحينثذ يتجوّز به عن الظهور والرواج، فيقال قام أمره وقامت السوق، ومنه يقيمون الصلاة كأنها علت وظهرت ولم تستثقل فتختفي، ويكون قام ووفف في مقابلة مش أو جرى، وحينئذ يتجوّز به عن الكساد وعدم النفاق، كما يقال في ضدّه مشت الحال، ومنه ما نحن فيه لمقابلته بمشوا فليس قام في الرواج والكساد من الأضداد في شيء كما توهم، وركد من قولهم ركد الماء فهو راكد إذا لم يجر، ويكون بمعنى سكن مطلقاً فيعم الماء وغيره. وهو المراد هنا إلاً أنّ التعبير به وقع في محزة لإقترانه بجمود الماء، ويقال قام الماء إذا جمد لوقوفه عن الجري، كما قال المتنبى: وكذا الكريم إذا أقام ببلدة سال النضار بها وقام الماء على كلام فيه من شرح ديوانه ليس هذا محله، وقد كشفت لك غطاء لم يكشف قبل، وإن توهم أنه أمر متعلق بالألفاظ يتساهل فيه فتدبر. قوله: (أن يذهب بسمعهم بقصيف الرعد إلخ) سمعهم اسم للجارحة المخصوصة، وأبصارهم جمع بصر والجار والمجرور بعدهما متعلق بيذهب لا مصدر، وبقصيف الرعد متعلق به كالإبصار المتعلق به قوله بوميض البرق، وقصيف فعيل من القصف، وأصله كسر الأجرام اليابسة وهو شدة صوته بتكسر وارتعاد، والوميض شدّة الشعشعة واللمعان، والقصيف والوميض مصدران أو وصفان كالنذير بمعنى الإنذار، وذكر في الكشاف أنّ المعنى لو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها،

وأراد لو شاء الله لذهب بسمعهم بقصيف الرعد، وأبصارهم بوميض البرق، والمصنف غير صنيعه فقيد المفعول المحذوف دون الجواب كما صنعه، ولم يتعرضوا لوجه عدول المصنف عنه، ولا لما قصده، ولم يزيدوا على نقل ما في شروح الكشاف على عادتهم فكأنه لما في الكشاف من مخالفته للمعتاد من التقدير في موضعين من الشرط والجواب، فلذا اقتصر المصنف على أحدهما، ولو قيل بأنه بيان لحاصل المعنى لم يكن في محله أيضاً، فصنيع المصنف أحسن على كل حال وفيه نظر سيأتن، وأمّا التقييد بما ذكر فوجهه كما قال قدس سرّه: أنه إشارة إلى أنّ جملة ولو شاء الله عطف على مجموع الجمل الاستئنافية، أعني يجعلون وما بعده نظر إلى محصول معناها، فإنّ الأوّل متعلق با أس عد وشدّة صوته، والآخرين بالبرق وشدّة ضوئه، وقيل: غرضه من هذا التقدير بيان ربطها المعنويّ بتلك الجمل، وأمّا عطفها فعلى قوله {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ} [البقرة: 20] وعليه قيل: إنه كان ينبغي أن يجعل السؤال مركباً من أمرين، كأنه قيل كيف يصنعون في خفوق البرق وخفيته، وهل كان البرق يضرّهم، إلا أنه لم يذكر الثاني عند الإسنئناف الثالث لظهور العلم به، كما قيل في رد ما أورد عليه وأشير إليه بصيغة التمريض من أنه لا يظهر كون هذه الجمل جواباً للسؤال المقدّر قبل قويه كلما أضاء إلخ، وأمّا القول بأنّ هذا الردّ غير تام لأنّ العطف لا يقتضي استقلال المعطوف في حكم المعطوف عليه، لجواز كون الثاني من تتمة الأوّل، ويكونان مشتركين في حكم واحد كما في قوله السكنجبيل خل وعسل، والرمان حلو حامض، فلا بد من ضم عدم كون المعطوف من تتمة المعطوف عليه، والأوجه في التوجيه أن يقال هذه الجملة معترضة على رأي، أو معطوفة على الاستئنافية الأولى، أو حال من ضمير قاموا بتقدير وهم لو شاء الله إلخ، فليس بشيء كما ستراه، وكذا ما قيل من أنّ الأظهر أنّ هذه الجملة أتى بها لتوبيخ المنافقين حيث لم يتنبهوا، لأنّ من قدر على أيجاد قصيف الرعد، ووميض البرق وإعدامهما قادر على إذهاب سمعهم، وأبصارهم فلا يرجعون عن ضلالهم فلا حاجة إلى اعتبار إذهابه بالقصيف والوميض، إلا أن يقال أنه لو لم يعتبر الإذهاب بالأسباب كان تعلق المشيئة غريبا، إلا أنه ظهر للشرطية فائدة هي أليق بالمقام، وإنما قصصنا عليك جملة المقال لتعلم أنه ليس في السويداء رجال، فإن أردت أن تقف عنى حقيقة الحال فاعلم أنهم لما رأوا ترك العاطف، أولآ لما مرّ واقتران هذه به لما بينهما من المناسبة، وهي أنّ المراد بالإذهاب الإذهاب بالقصيف، والوميض، لا المطلق رأى الفاضل المحقق أنّ العطف على الأقرب أظهر هنا وأقرب، ولما رأى المناسبة بين المتعاطفين في الجوابية غير تامة جعلها بالنظر لجميع ما قبلها، فكأنه قيل هم محترزون من الرعد بسد المسامع، ويتألمون بالبرق الخاطف والإظلام، ولو أراد الله أعماهم وأصمهم فلم يفدهم صنيعهم شيئا، فأشار قدّس سرّه إلى ردّه بأنّ المناسبة إنما تعتبر بين المتعاطفين، وعطف ما ليس بجواب على الجواب ليس بصواب، فلتكن معطوفة على جميع ما قبلها من غير تكلف، وكأنه جعله من عطف القصة على القصة لخروجه عن التمثيل فكأنه قصة أخرى، وهو وإن كان خلاف الظاهر أسلم من التكلف وأحسن من هذا، وأسلم أن يقال لا بأس بأن يزاد في الجواب ما يناسبه، وان لم يكن له دخل فيه فلو أنّ أحدا قال لك أين تسكن فقلت أسكن البصرة وأتكسب فيها مكاسب واسعة واسعف بفضل كسبي إخواني لم يعده أحد خطأ، بل يستحسن إذا اقتضاه المقام ألا ترى قوله تعالى {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17] وقوله في الجواب هي عصاي إلخ كما سمعته غير مرّة، وأمّا ما قصصناه من قول بعض أرباب الحواشي أنه يجوز كونه تتمة للأوّل أو في حكم شيء واحد كالسكنجبيل خل وعسل فلا محصل له، لأنّ المعترض قال: إنّ فيه عطف ما ليس بجواب عليه، ومثله لا يصح، وما ذكره من مثل الرمان حلو حامض لا يجري في الجمل، ولا يجوز عطفه على الأصح عند أهل العربية لأنهما في حكم كلمة واحدة لتأويلهما بمز، ولا مساس له بما نحن فيه، وكون الجملة اعتراضية أو حالية بتقدير المبتدأ، أو معطوفة على الجملة الأولى مع تخلل الفاصل، والأسئلة المقدرة وعدة أوجه لا وجه له، ومثله فضول عند أهل الفضل، لأنه لا يجدي في دفع الاعتراض الذي هو بصدده، وما ذكره القائل بأنها للتوبيخ إلخ، محل للتوبيخ لأنّ العطف يأباه إذ لا يصح عطف الممثل له على حال الممثل به، ألا ترى أنه لما قصد مثله فصل

في قوله {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} فإن قلت إذا قيد المفعول المقدر بما قيد به المصنف في قوله أن يذهب بسمعهم إلخ، يكون مستغرباً لأن ذهاب السمع والبصر بمثله غير معهود فتقديره في الجواب كما فعله الزمخشريّ، إن لم يكن لازماً فهو أحسن، وهو الداعي له على ذلك فالمصنف غافلى أو متغافل قلت قول الزمخشريّ، وأراه يحتمل أن يريد أنه مراد من الكلام من غير تقدير، وعليه فلا إشكال ولا مخالفة بين كلام المصنف وكلامه، ولذا لم يقل والتقدير وعطفه بالواو على تفسيره مطلقاً، ولو سلم فلك أن تقول إنه لما قدم ما يدل عليه من قوله {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي} [البقرة: 19] انهم} وقوله {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} قوى دلالة السياق عليه، فأخرجه عن الغرابة، ولك أن تقول لو أبقى على إطلاقه كان أقوى، والمعنى لو أراد الله إذهاب قواهم أذهبها من غير سبب فلا يغنيهم الاحتراز والخوف مما خافوه، والمناسبة المحسنة للعطف موجودة فلم تركوه فتدبر. قوله: (ولقد تكاثر حذفه في شاء وأراد) أي حذف المفعول في شاء وأراد ومتصرفاتهما إذا وقعت في حيز الشرط لدلالة الجواب على ذلك المحذوف معنى مع وقوعه في محله لفظا، ولأنّ فيه نوعاً من التفسير يعد الإبهام إلاً في المستغرب، فلا يكتفي فيه بدلالة الجواب بل يصرح به اعتناء بتعيينه ودفعاً لتوهم غيره لاستبعاد تعلق الفعل به لاستغرابه، فلو قلت لو شئت بكيت دماً جاز، توهم قصدك لو شئت بكا بالدمع الجاري على المعتاد، والدم المذكور جاء بدلاً عنه من غير فصدك له كأنك قلت لو شئت أن أبكي دمعا بكيت دماً فاعتمدت في حذف المفعول وتعييته على العادة المعروفة وكونه مرجوحا لدلالة تقييد الجواب على خلافه، وأنّ المقدر مثله لا ينافي الاحتمال والتوهم، فإذا ذكر المفعول زال الاحتمال خصوصاً إذا لم يكن المخاطب ذكياً فمن قال إن لو شئت بكيت دماً لا يحتمل سوى لو شت أن أبكي دما لبكيتة، فقد كابر يعئ قول الفاضل المحقق هنا أنّ التعليل بأنه لو حذف فقيل لو شئت أن أبكي لبكيت دماً كما قال الآخر: ولم يبق مني الشوق غيرتفكري فلوشئت أن أيكي بكيت تفكرا أي يخرج بدل الدمع التفكر ليس بمستقيم لأنّ الكلام في مفعول المشيئة فلو قيل لو شئت بكيت دماً واكتفى بقرينة الجواب لم يحتمل سوى لو شئت أن أبكي دماً لبكيتة. أ-دول إنه قدّس سرّه لم ينصف فيما ثغ به على السعد رحمه الله وجعله مكابرة لأنّ مراده الردّ لما وقع في الكشف في تمثيله واستشهاده لأنّ هنا أمرين معمول المشيئة نفسها ومفعول متعلقه، وما نحن فيه هو الأوّل وما مثل به من لو شثت أن أبكي بكيت دماً من الثاني لأنّ المحذوف مفعول أبكي لا مفعول شثت، ثم إنه لم يقل لا احتمال فيه أصلاً حتى يقال: إنه مكابرة بلى قال لو اكتفى بقرينة الجواب، ولم يكن ثمة غيرها ولا شبهة حينئذ في عدم الاحتمال وأمّا إذا لوحظ معها قرينة أخرى كالمعتاد في البكا من الدمع احتمل غير ما ذكر فسقط الاعتراض، ولو قيل إنه استشهاد معنويّ على حذف مفعول مغاير لما في الجواب كان مع تكلفه غير مسلم أيضاً لأنّ البيت يحتمل عدم التقدير بتنزيل البكا منزلة اللازم أي لو شئت بكا ما بكيت تفكرا كما في دلائل الإعجاز، ولا تكلف فيه أصلاَ، وأمّا ما قيل من أنّ المذكور في جواب لو هو البكا المتعلق بالدم فأخذ البكا من المذكور يخيه، وترك متعلقه والاعتماد في تعيينه بالمعتاد خروج عن الإنصاف، ومخالفة للحق الظاهر دال على أنّ المعترض ليس هو المكابر فالصواب في الجواب أن يقال لا نزاع في أنّ الكلام في متعلق المشيئة لكنه قد يكون مطلقاً عن القيد كما في فلو شئت أن أبكي بكيت تفكراً فيتبادر منه المعتاد، وقد يقيد بقيد هو منشأ الغرابة فإذا حذف اعنمادا على الجواب لم يخكن المفعول الذي تعلق به فعل المشيئة غريبا مذكورا لانتفاء المقيد بانتفاء قيده فيلتيس المفعول المقيد بما يفيد الغرابة بمفعول مطلق عنه، ويراد به المعتاد فاستقم واترك العناد فجريرة لا طائل تحتها، وإنما أوقعه فيه عدم الوقوف على المراد وإنما أوردناه لئلا يتوهم الناظر فيه أنه شيء يعبا به ويقي هنا كلام طويل يعلم مما في المطول وحواشيه، وقوله تكاثر المراد به المبالغة في الكثرة لا التفاعل وإن كان هو أصله. قوله: (ولو شئت أن أبكي دماً إلخ) هو بيت من قصيدة لأبي يعقوب الخزيمي يرثي بها خزيم بن عامر المرّي، وفي شرح شواهد المعاني يرثي بها ابنه ليثا.

ومنها: وأعددته ذخرا لكل ملمة وسهم الرزايا بالذخائر مولع ومنها وهو آخرها: ولو شئت أن أبكي دماً لبكيته عليك ولكن ساحة الصبرأوسع وإني وإن أظهرت صبرا وحسبة وصانعت أعدائي عليك لموجع وما قي بعض الحواشي من أنه للبحتري كأنه من تحريف الناسخ، والبكا الدمع مع الحزن أو مطلق الدمع ويقال بكاه وبكى له وبكى عليه، وظاهر كتب اللغة وكلام الشرّاح هنا أنها بمعنى، وما وقع من التفرقة بين بكيته ويكيت عليه بأنّ الأول إذا بكى تألماً منه والثاني إذا بكى رحمة ورقة عليه كما في قوله: ما إن بكيت زمانا إلا بكيت عليه كأنه استعمال طارىء أو على أنّ أصل بكيتة بكيت منه ويكى يتعدّى للمبكيّ عليه بنفسه وباللام وعلى وأمّا المبكيّ به فإنما يتعدّى إليه بالباء فتعديته للدم هنا لجعله بمعنى الصت مجازا، وأمّ تضمينه على ما قالوه هنا ففي إجرائه في الضمير المتصل على المشهور فيه فيه خفاء، وقوله ساحة الصبر أوسع الساحة الموضع المتسع فوصفها بالسعة مبالغة، والمراد بسعة ساحته إمّا زيادة تجلده لتلازم عظم الشيء، وسعة مكانه أو كونه جميلاَ محموداً أو مستمرّا باقياً. وأعلم أنّ ما ذكر هنا وفي كتب المعاني من تقدير المفعول من جنس الجواب إذا لم يكن مستغربا بشروطه السايقة أمر أغلبيّ إستحسانيّ، كما يشير إليه التعبير بالكثرة فلو جاء على خلافه مع القرينة المصححة له لم يكن خطأ، ولهذا خالف المصنف هذه القاعدة في مواضع كثيرة من تفسيره هذا فقدر في قوله {وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم} [البقرة: 53 ا] ولو شاء هداهم ما اقتتل إلخ فقيل عليه الظاهر أن يقول عدبم إقتتالهم، وفي قوله تعالى {وَلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكُواْ} [الأنعام: 07 ا] لو شاء توحيدهم ما أشركوا فقيل عليه الظاهر لو شاء عدم إشراكهم، وفي قوله تعالى {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 12 ا] لو شاء إيمانهم إلى غير ذلك فكأنه يراها غير لازمة فيقدر المذكور بعينه أو ما يلزمه كما بينا.، وقيل إنه إشارة! !! أنّ المشيئة لا تتعقق بالعدم والقاعدة عنده مخصوصة بالمثبت، وهو مخالف لما في المفتاح لذكره المنفيّ والمثبت بقوله: فلوشئت لم ترفل ولوشئت أرفلت مخافة ملويّ من القد محصد كما بينه شرّاحه وحزم القواعد غير سهل. قوله: (وظاهرها الدلالة على انتفل! الأوّل إلخ) تبع فيه ابن الحاجب، ومن حذا حذوه كنجم الأئمة وستراه فريبا، وتحقيقه أنّ الجملة الأولى هنا لا تخلو من احتمال أن تكون سببا وعلة فالثانية مسبب ومعلول أو لازما وملزوما وبالعكس، إلا أنّ الذي ذكره أهل العربية أنها لامتناع الثاني لامتناع الأوّل فهي لنفيهما مع تعليل الثاني بالأوّل، وقيل عليه هذا مآل معناها لأنها وضعت لتعليق وجود مقدر بوجود مقدر للأوّل في الماضي فيفيد إنتفاءهما مع سببية انتفاء الأوّل لإنتفاء الثاني في الواقع من غير استدلال. وقال ابن هشام رحمه الله: إنها تدل على عقد السببية والمسببية في الماضي وامتناع السبب فهي لامتناع الجواب لامتناع الشرط على الأصح لا للعكس، ولا أنها لا تدل على إمتناع أصلاَ كما ذهب إليه الشلوبين، وليست لامتناع الشرط خاصة من غير دلالة على ثبوت الجواب أو انتفائه، ثم إنه تارة يعقل بين الجزأين ارتباط مناسب كالسببية، وتارة لا يعقل ذلك والأوّل إمّا مع انحصار مسببية الثاني في سببية الأوّل عقلاً أو شرعا نحو ولو شئنا لرفعناه بها ولو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا فيلزم من امتناع الأوّل فيه امتناع الثاني، فإن لم ينحصر فيه نحو لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجوداً ولو نام انتقض وضوءه لم يلزم من اشاعه امتناعه، وتارة يجؤز العقل فيه الانحصار وعدمه نحو لو زارني أكرمته فلا يدل عقلاً على انتفاء الثاني، وان دل عليه في استعمال العرف، وذهب ابن الحاجب ومن تبعه إلى أنها تدل على امتناع الشرط لامتناع الجواب وخطأ الجمهور وقال إنّ انتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسببلا لجواز أن يكون لأشياء أخر كما يشهد له قوله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ} [الأنبياء: 22] إلخ فإنها لنفي تعدد الآلهة لامتناع الفساد لا لامتناع الفساد لامتناع الآلهة لأنه خلاف ما يفهم مته، ومن نظائره إذ لا يلزم من انتفاء تعدد الآلهة انتفاء الفساد بمعنى اختلال نظام العالم لجواز وقوعه من إله واحد لمقتض

له، وقال بعض المحققين دليله باطل، ومدعاه حق لأنّ الشرط النحوي أعمّ من أن يكون سبباً نحو لو كانت الشمس طالعة كان العالم مضيئا أو شرطا نحو لو كان لي مال حججت أو غيرهما، وأمّ الثاني فلأنّ الشرط ملزوم والجزاء لازم وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم دون العكس فوضعها ليكون جزاؤها معدوم المضمون فيمتنع مضمون الشرط الملزوم لامتناع لازمه، وهو الجزاء فهي لامتناع الأوّل لامتناع الثاني فيدل انتفاء الجزاء على انتفاء الشرط، ولهذا قالوا في القياس البرهاني إنّ رفع التالي يوجب رفع المقدم دون العكس كما ارتضاه الفحول، وقال المحقق التفتازاني في شرح التلخيصى نحن نقول ليس معنى قولهم لو لإمتناع الثاني لامتناع الأوّل إنه يستدل بامتناعه على امتناعه حتى يرد أنّ انتفاء المسبب أو الملزوم لا يدلّ على أنتفاء السبب واللازم بل أنّ انتفاء الثاني في الخارج إنما هو بسبب انتفاء الأوّل فهي تستعمل للدّلالة على أنّ علة انتفاء مضمون الجزاء في الخارج هي انتفاء مضمون الشرط من غير التفات إلى أنّ علة العلم بانتفاء الجزاء ما هي، وأرباب المعقول جعلوا أدوات الشرط كلها دالة على لزوم الجزاء للشرط من غير قصد إلى القطع بانتفائهما فصح عندهم استثناء عين المقدم نحو لو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس طالعة فيستعملونها للدلالة على أنّ العلم بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأوّل ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم من غير التفات إلى أنّ علة انتفاء الجزاء في الخارج ما هي لاستعماله لها في اكتساب العلوم والتصديقات، ولا شك أنّ العلم بانتفاء الملزوم لا يوجب العلم بانتفاء اللازم بل العكس فإذا تصفحنا وجدنا استعمالها على حد قاعدة اللغة أكثر لكنها قد تستعمل على قاعدتهم كما في قوله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ} [الأنبياء: 22] إلخ فاعتراض ابن الحاجب غلط صريح، وقال قدس سرّه: إنه يفهم منه أنّ المعنى الثاني إنما هو بحسب الأوضاع الاصطلاحية لأرباب المعقول والآية واردة على أوضاعهم، وهو بعيد جداً قالحق أنه من المعاني المعتبرة لغة الواردة في استعمالاتهم عرفا فإنهم قد يتصدون للاستدلال ويسمى المذهب الكلامي عندهم إلاً أنه أقل استعمالاً من المعنى الأوّل كالمعنى الثاني المذكور في نحو نعم العبد صهيب إلخ، وقد قيل في توجيهه أنه أراد بقوله قد يستعمل على قاعدتهم أنّ العرب قد تستعمله منطبقاً على قاعدتهم لا جريا عليها بل تجوز العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، وهذا محصل ما قالوه بأسرهم ردّا وقبولاً، وقد بقيت في النفس منه أمور لأنّ مآل ما ارتضاه الفاضلان، ومحققو المتأخرين أنّ لها ثلاثة معان في اللغة واستعمال العرب سواء كانت حقيقية، أو بعضها حقيقة أحدها مذهب الجمهور، والثاني مسلك ابن الحاجب، والثالث ما ذكر في الأثر وما ضاهاه، وحينئذ يتجه أنه كيف يعد ما قاله غلطا وهو اختيار لأحد المعاني الثابتة فإن كان لإنكار ما عداه فهو مثترك بينه وبين الجمهور إلاً أنه كثر استعمالاً، وقد اختار المصنف رحمه الله ما اختاره ابن الحاجب، وقيل يحتمل أنّ مراده أنّ ظاهر الآية هنا الدلالة على انتفاء الأوّل لانتفاء الثاني يعني أنّ استعمال لو قد يكون للاستدلال، وهو الظاهر إلا أنّ حق العبارة الدلالة على انتفاء الأوّل بانتفاء الثاني لأنه يقال دل عليه بكذا دون لكذا، وهو غريب منه لبعد ما ادّعاه واللام تعليلية لا صلة الانتفاء. وقال قدس سرّه: لو بمعنى إن مجردة عن الدلالة على الانتفاء، وقد يقال إنها باقية على أصلها. قوله: (وقرىء لا ذهب إلخ) أمّا على زيادة الباء لتأكيد التعدية، أو على أنّ أذهب لازم بمعنى ذهب كما قيل بنحوه في تنبت بالدهن، وفي قوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، إذ الجمع بين أداتي تعدي لا يجوز، وأسماعهم جمع سمع وفي نسخة سمعهم مفرداً، ويجوز أن يقدر له مفعول أي لأذهبهم وهو أقرب. قوله: (وفائدة هذه الشرطية إلخ) يعني أنّ إذهاب الله لمثله ليس بشيء في جنب مثيئتة، وقدرته فأيّ فائدة في ذكره، والمانع هنا إنتفاء شرطه، وهو تعلق مشيثة الله به لأنّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والمقتضى سببه من الرعد والبرق كما يدل عليه ما قبله، وما قيل على المصنف رحمه الله من أن ما ذكره هنا يناقض قوله قبله إنّ لو ظاهرة الدلالة على انتفاء الأوّل لانتفاء الثاني إلخ لجعله مشيئة الله شرطاً والظاهر انتفاء الشيء بانتفاء شرطه لا عكسه كما مرّ، أجيب عنه بأن لو هنا استدلالية تفيد أنّ العلم بانتفاء المشروط التالي

لوجود السبب الموقوف على الشرط يوجب العلم بانتفائه فلا تناقض فتدبر. قوله: (والتنبيه على أنّ تأتلير الأسباب إلخ الأنه لو لم يكن مشروطاً لما تخلف الأثر عن المؤثر القوفي، من الرعد والبرق والصواعق في ظلمات متراكمة، وبيان الحكم في مادّة بيان له في سائرها لإشتراكهما في العلة، وتأثير الأسباب وقيام المعنى المقتضي بناء على الظاهر، وجرى على العادة التي أجراها الله تعالى فلا يقال إنه ليس على ما ينبغي لأنّ الأسباب لا تأثير لها في المسببات، وليس التأثير لغير الله تعالى عند أهل الحق، ودلالتها على الوقوع بقدرته لأنّ المشيئة سواء كانت مرادفة للإرادة أولا شأنها ترجيح أحد طرفي المقدور من الفعل، والترك على الآخر فيستلزمها وإن كان بينهما فرق ظاهر ولذا كان قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [اكل عمران: 65 ا] مقرّراً لما قبله فسقط ما قيل من أنّ وجودها بقدرته على هذا الوجه لا يفهم من الشرطية المذكورة، وإنما المفهوم منها توقف وقوعها على المشيئة، وعدم تخلفهأ عنها فتدبر. قوله: (كالتصريح به والتقرير له) أي ولذا لم يعطف عليه، وقال: كالتصريح لأنه عامّ في جميع المقدورات فيدخل فيه القدرة على ما ذكر واذهابه دخولاً أولياً فهو كالإثبات بالبرهان والتنوير بالبينة لأنّ القادر على الكل قادر على البعض وضمير به وله للتنبيه، لا يقال لا يلزم من قدرته على كل شيء وقوعه بقدرته لتغاير معنييهما، لأنا نقول لما ثبت أنه لا يجوز وقوع مقدورين من قادرين مؤثرين ببرهان التمانع، وثبت أنه تعالى قادر على كل شيء لزم أن لا يكون غيره قادراً مؤثراً فكل شيء واقع بقدرته، وقدرته تابعة لمشيئته في التاثير فثبت أنّ كل شيء واقع بمشيثته. قوله: (والشيء يختص بالموجود إلخ) الكلام في شيء وتفسيره من جهتين ومقامين، فالأوّل في تحقيقه عند المتكلمين فإنهم اختلفوا في أنّ المعدوم الممكن هل هو ثابت، وشيء أم لا وفي أنه هل بين الموجود والمعدوم واسطة أم لا والمذاهب أربعة حسب الاحتمالات أعني إثبات الأمرين أو نفيهما أو إثبات الأوّل، ونفي الثاني أو بالعكس وذلك لأنه إمّا أن يكون المعدوم ثابتاً أولا وعلى التقديرين إمّا أن يكون بين الموجود والمعدوم واسطة أو لا، والحق نفيهما ولهم تردّد في اتحاد مفهوم الوجود والمشيئة، والكلام فيه مرتبط بالوجود الذهني أيضاً فعلى هذا هل يختص بالموجود، أو يشمله ويشمل المعدوم الممكن قولان والثاني في تحقيقه لغة، وهو يقع على كل ما أخبر عنه سواء كان جسماً أو عرضا، ويقع على القديم وعلى المعدوم والمحال فهو أعم العامّ كما في الكشاف فلا يرد عليه ما قيل من أنّ الخلاف بيننا وبين المعتزلة في المعدوم الممكن هل هو شيء أم لا، وأمّا المحال فليس بشيء اتفافا فإنّ الخلاف في المشيئة بمعنى التقرّو والثبوت في الخارج لا في إطلاق لفظ الشيء فإنه بحث لغويّ مرجعه إلى النقل، والسماع لا يصلح محلاَ لاختلاف العقلاء الناظرين في المياحث العلمية لا سيما ورد ورد استعماله على العموم في القرآن وكلام العرب بحيث لا يخفى على أحد. وما ذكره المصنف رحمه الله برمته ماخوذ من كلام الراغب، وفيه المشيئة عند المتكلمين كالإرادة سواء، وعند بعضهم أصل المشيئة إيجاد الشيء وإصابته، وان استعمل عرفا في موضع الإرادة فالمشيئة من الله هي الإيجاد ومن الناس الإصابة، والمشيئة من الله تقتضي الوجود، ولذا قيل ما شاء الله كان بخلاف الإرادة وارادة الإنسان قد تحصل من غير إرادة الله، ومشيئته لا تكون إلا بعد مشيئته كما قال {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ} [الإنسان: 30] ولذا يقال إن شاء الله دون إن أراد الله، فقول المصنف رحمه الله يختص بالموجود أراد به بيان معناه عند المتكلمين بناء على المشهور من مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة فإنه عندهم يشمل الموجود والمعدوم الممكن بناء على القول بأنه ثابت، وإنّ الثبوت أعم من الوجود، وما نقل عنهم من القول بشموله للمعدوم مطلقاً هنا من عدم الفرق بين معنييه لما سمعته من الإتفاق عليه، وكلام المصنف ظاهره أنه تفسير لما في النظم، وقال: بعض الفضلاء فيه إنّ الشيء في الآية محمول على المعنى اللغوي لا على الموجود كما اصطلح عليه أهل الكلام وفيه نظر فتأمّل. قوله: (أطلق بمعنى شاء) اسم فاعل كجاء، وأصله شاتي فاعل إعلأل قاض فهو مصدر أطلق على الفاعل، وهو من قامت به المشيئة كعدل بمعنى عادل، ولذا فنر بمريد ثم شاع حتى صار حقيقة فبه ومن قامت به المشيئة موجود لا محالة، وحينئذ يصح إطلاقه على الله لقيام المشيئة به، ولأنه موجود واجب

الوجود، ثم استشهد على إطلاقه على الله بالآية وأسقط الاستشهاد بقوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] لما سيأتي في تفسيرها وأشار إلى الردّ على ابن جهم، ومن تابعه في منع إطلاق شيء على الله لقوله تعالى {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ولو كان شيئاً دخل تحت القدرة، وهو مناف لأنه واجب الوجود بأنّ الذي في الآية بمعنى، والذي يطلق عليه بمعنى آخر أو هو عامّ مخصوص بالعقل، وما قيل من أنّ إرادة شاء بزنة فاعل في قوله تعالى {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} [الأنعام: 19] بعيد جذاً بل المراد أيّ موجود أكبر شهادة كما لا يخفى مدفوع بأنه أصله ذلك، ثم غلب على الموجود مطلقا، وهو المراد كما سنوضح لك عن قريب. قوله: (وبمعنى مشء) بفتح الميم وفي آخره همزة، وقد تبدل ياء، وتدغم اسم مفعول بوزن مبغ ومهيب، وعلى ما قبله وهو اسم فاعل وهو في الأصل مصدر تجوّز به عن كل من هذين المعنيين، واستعمل استعمال المشترك، ثم شاع وغلب استعماله في ذات كل موجود وهو بعد هذه الغلبة عامّ لا مشترك لفظيّ، ولا ينافيه أنه قد يلتفت إلى معناه الأصلي فيراد في الاستعمال كما ذكره المصنف فيما نحن فيه الآن فلا يرد عليه أنّ معناه المصدري قد زال بالنقل إلى الاسمية والاشتراك بين الفاعل والمفعول خلاف الظاهر لتعين معناه لمطلق الوجود، ولذا قالوا الشيئية تساوق الوجود، وفيه بحث. قوله: (وما شاء الله وجوده فهو موجود إلخ الا يخفى ما في كلامه من الخرق الذي أتسع على الراقع، وان غفل عته كثير ممن شرحه، ولنحك ما قالوه أوّلاً، ثم نبين ما فيه فنقول من الناس من قال: المراد أنه مقدر الوجود في وقت مقدر له أو في علم الله تعالى، وفيه رائحة من الاعتزال لقوله بأنه يطلق على المعدوم، وإنما تكلفه ليخرج المستحيل الذي سماه المعتزلة شيئاً، وإنما يسمى قبل وجوده شيئا باعتبار ما يؤول إليه، وما في الانتصاف من أنه يسمى أوّل وجوده شيئاً بلا خلاف ليس بشيء لمن عنده إنصاف، وقيل: إنه من مزال الأقدام لما مرّ من تحرير محل النزاع بين المعتزلة وأهل السنة، والفرق بين كلامهم وكلام أهل اللغة، والمصنف رحمه الله خلط ذلك خلطاً لا يخفى، وتوجيهه أنه أراد أنّ الشيء في أصل اللغة مصدر أطلق بمعنى شاء أو مثى، وكلاهما موجود أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فلأنه ما تعلقت به المشيئة، وما تعلقت به فهو موجود فثبت أنّ الشيء مختص بالموجود وان أراد أنّ الشيء بمعنى الشيئية يختص بالموجود وانق الجمهور الآ أنّ إثبات تعليله المذكور دونه خرط القتاد، ولعل مراده هو الأوّل، وقيل: إنه " جواب عما يرد عليه من أنّ طروّ العدم من الممكن قد يقع متعلقاً للمشيثة كالإعدام بعد الإيجاد بأنّ المشيئة إذا أطلقت تنصرف إلى الكاملة فمشيئة الله لما شاء وجوده تصيره موجودا في الجملة، ولو في المستقبل والمراد بيان المناسبة بين المنقول، والمنقول عنه، وكلها إعتذارات أعظم من الجنايات وتطويل بغير طائل، وتحصيل لغير حاصل وأنت بعدما غرفت أنّ الخلاف في إطلاقه على المعدوم الممكن كما ستراه وما يوجد في المستقبل قبل وجود. معدوم ممكن فلا يكون بيننا وبينهم على ما ذكره المصنف رحمه الله خلاف أصلاً، والذي أوقعه فيما وقع فيه كلام الراغب، ثم إنّ ما ذكره من قوله وعليه قوله تعالى إلخ هو دليل لهم لا لنا لإستحالة تعلق القدرة والخلق، والإيجاد بالموجود بعد وجوده وهو مع جوابه مذكور في التفسير الكبير فتدبر. وقيل إنه مبنيّ على أنّ العدم لا يحتاج إلى المشيئة بل عدم مشيثة الوجود كاف- في العدم فإنّ علة عدم المعلول عدم علته، وهذا هو الباعث له على تقديره في نحو قوله {وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم} [البقرة: 253] {وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ} كما مرّ فإن قلت إذا كان على كل شيء قدير على ظاهره من غير احتياج إلى تخصيصه عند المصنف رحمه الله فلم قال في قوله تعالى {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7] على قراءتيه مخصوص بمنفصل أو متصل كما سيأتي قلت لما كان المعنى الأصلي فيه متروكاً في الأغلب، وقامت القرينة على تركه، وهو التصريح بخلقه بعده بنى ما هناك عليه فتأمّل. قوله: (بلا مثنوية) المثنوية كالمعنوية بمعنى الاستثناء صرّح به أهل اللغة وورد في الحديث الشريف وفي كلام فصحاء العرب كقول النابغة: حلفت يميناً غيرذي مثنوية ولاعلم إلاً حسن ظن بصاحب وقال في النبراس أصل معناها الرجوع والانصراف كما في قول حمزة سيد الشهداء:

فلما التقينالم تكن مثنوية لناغيرطعن بالمثقفة السمر وكذا ورد في الحديث الثنية (1 (بمعنى الاستثناء أيضا ولما لم يقف بعضهم على ما ذكر تكلف لتأويله فقيل إنه منسوب إلى المثنى مصدر بمعنى الاستثناء، وقيل بمعنى اثنين اثنين، وقد وضح الصبح لذي عينين، ومراد المصنف بها التخصيص تجوزا بقرينة ما بعده. قوله: (والمعتزلة لما قالوا إلخ) قيل إنه تعريض ورد لما في الكشاف من قوله والشيء ما صح أن يعلم ويخبر عنه قال سيبوبه: وهو أعثم العام كما أنّ الله أخص الخاص يجري على الجسم، والعرض! والقديم تقول شيء لا كالأشياء أي معلوم لا كسائر المعلومات، وعلى المعدوم، والمحال فإن كان مقصود المصنف رحمه الله ما زعمه هذا القائل فلا وجه له لأنه بيان لمعناه لغة والخلاف بيننا وبين المعتزلة في شيء آخر غير المعنى اللغوي، وقد تقدّم أنه في المعدوم الممكن، وأنّ غيره من المعدومات ليس بشيء بالاتفاق منا ومنهم، وهو المصرّج به في كتب الأصول القديمة والجديدة فلا يصح الردّ ولا النقل عهم لأنّ ما في الكشاف بيان للمراد به في كلام العرب، واستعمالهم كما أشار إليه بنقله عن سيبويه، فإن قلت لعل المصنف رحمه الله ظفر بنقل فيه فهو قول لهم غير مشهور، ويؤيده قوله في شرح المقاصد، وعند كثير من المعتزلة هو اسم للمعلوم، ويلزمهم أن يكون المستحيل شيئا وهم لا يقولون به اللهم إلا أن يمنع كون المستحيل معلوما على ما بيناه، أو يمنع عدم قولهم بإطلاق الشيء عليه فقد ذكر جار الله إنه اسم لما يصح أن يعلم يستوي فيه الموجود والمعدوم والمحال والمستقيم، اهـ قلت هذا بعينه ما ذكره المصنف، وقد استقرّ كلامه في شرح الكشاف الذي هو آخر تأليفه على خلافه وهو الموافق لما في كتب الأصول بأسرها قال الإمام في كتابه المسمى بالمسائل الأربعين هذه المسئلة متفرّعة على مسئلة أخرى، وهي أنّ الوجود هل هو مغاير للماهية أم لا، ثم قال: بعد ذلك فلترجع إلى تعيين محل النزاع في هذه المسئلة فنقول المعدوم إمّا أن يكون واجب العدم ممتنع الوجود، وامّا أن يكون جائزاً لعدم جائز الوجود، أمّا الممتنع فقد اتفقوا على أنه نفي، وعدم صرف وليس بذات ولا شيء، وأمّا المعدوم الذي يجوز وجوده، ويجوز عدمه فقد ذهب أصحابنا إلى أنه قبل الوجود نفي محض، وعدم صرف وليس بشيء ولا بذات وهذا قول أبي الحسن البصري من المعتزلة وذهب ممثر شيوخ المعتزلة إلى أنها ماهيات وحقائق حالتي وجودها وعدمها، فهذا هوق اخيص محل النزاع، اهـ فقد ظهر لك أنّ ما ذكره المصنف وبعض محشيه لا وجه له وكأنه فهم أنّ الموجود ما يوجد في أحد الأزمنة الثلاثة، والمعدوم خلافه ممكناً كان أو مستحيلاَ وأعلم أنه لا نزاع في استعمال الشيء في كلام الله وكلام العرب في الموجود والمعدوم والمحال والواجب والحادث كما ذكره الزمخشري، وقوله: يصح أن يوجد بمعنى يمكن أن يوجد فإنّ الصحة كما تقابل السقم والفساد تقابل الامتناع الذاتي في كلامهم وهو استعارة مشهورة، والإمكان عام مقيد بالوجود فيشمل الواجب وصفاته عند القائل بها وأفعال العباد لأنها مقدورة له بالذات، أو بواسطة التمكين، وقوله ما يصح أن يعلم ويخبر عته إن قيل ليس هذا شاملاً للفعل، والحرف قلنا يصح الإخبار عنهصا لكن بشرط أن لا يراد معناهما في ضمن لفظيهما، وإذا عرفت أنّ الصحة هنا بمعنى الإمكان العامّ، وهو سلب الضرورة عن أحد الجانبين سقط ما يتوهم من أنّ فيه إطلاق الجائز على الواجب، وهو غير جائز. قؤله: (لزمهم التخصيص إلخ) أي تخصيص شيء في قوله على كل شيء قدير. وخالق كل شيء بالممكن ليخرج الواجب والممتنع، وأمّا إذا كان بمعنى المشيء، وجوده فهو باق على عمومه كما لا يخفى، وظاهره أنه محذور مع أنّ التخصيص به جائز على الأصح فلا ضرر فيه كما يوهمه سوقه إلاً أن يقال إنه خلاف الأصل لا سيما مع كل المقتضية للعموم، وليس ببعيد فإن قلت التخصيص بالممكن لا يكفي في قوله {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنبياء: 02 ا] على مذهبهم لأنّ من الممكنات ما لا تتعلق الإرادة بوجوده، وأفعال العباد ممكنة، وليست مخلوقة له عندهم، قلت تعلق الخلق به كما يدلّ على إمكانه يدلّ على تعفق الإرادة بإيجاده فهو إشارة إلى لزوم المخصص بلا حصر، أو قوله بالممكن على زعمهم إشارة إلى ما فيه من القصوره قوله: (والقدرة هو التمكن الخ) ذكر الضمير رعاية للخبر، ولو أنثه نظرا لمرجعه جاز إلاً أنّ الأوّل

أرجح عند صاحب الإيضاح، وفي المواقف القدرة صفة تؤثر وفق الإرادة، وقيل هي مبدأ قريب للأفعال المختلفة، وهذا فيما قيل يقتضي أنها ليست نفس التمكن بل مبدأة ومقتضيه وبينهما مخالفة، والذي قاله المتكلمون إنها صفة موجودة ثابتة له تعالى، والتمكن أمر اعتباريّ لا وجود له في الخارج فهو معناها لغة وذاك اصطلاحيّ، وقيل إنّ كلام المصنف رحمه الله إشارة إلى أنّ فيها اختلافاً هل هي صفة إضافية أو ذاتية، وقيل إنّ قوله هو التمكن إلخ يقرب من مذهب المعتزلة، ويشعر بأنّ القدرة ليست صفة حقيقية والتفسير الثاني مذهب الأشاعرة، والثالث يشعر بأنها من الصفات السلبية والتحقيق ما في المسائل الأربعين للإمام من أنّ الصفات ثلاثة أقسام صفات حقيقية عارية عن الإضافات كالسواد والبياض وصفات حقيقية يلزمها إضافات كالعلم، والقدرة لأنّ العلم صفة حقيقية يلزمها إضافة مخصوصة إلى المعلوم، وكذا القدرة صفة حقيقية لها تعلق بالمقدور، وذلك التعلّق إضافة مخصوصة بين القدرة والمقدور وإضافة ونسب محضة ككون الشيء قبل غيره أو بعده فمن فسرها بالمبدا ونحوه نظر إلى حقيقتها، ومن فسرها بغيره رسمها بلوازمها فلا مخالفة في التحقيق، ثم إنه قيل عليه أنه لا يتناول التمكن من إعدامه بعد وجوده ولا التمكق من إبقاء الممكن، وهو معتبر كما سنراه إلا أن يقال التمكن من الإيجاد يستلزم التمكن منهما استلزاماً ظاهراً، فلذا اقتصر عليه مع شرفه، فعلم ضعف ما قيل من أنّ المقدور إن أريد به ما تعلقت به القدرة لا يكون إلاً موجودا، وان أريد ما يصلح لأن يتعلق به يكون معدوما وهو المعنيّ بقولهم إنه تعالى قادر على جميع المقدورأت، وأنّ مقدوراته غير متناهية يني أنها صفة قديمة قائمة بالقادر قبل الإلجاد لمقدوراته وبعد الإيجاد والبقاء فتدبر. قوله: (وقيل صفة تقتضي التمكن) هذا هو القول المرضي فكأنه لم يقصد تمريضه، والمراد التمكن من الإيجاد والإعدام والإبقاء كما سمعتة آنفاً، وقوله وقيل: قدرة الإنسان إلخ فيه إشارة إلى أنّ ما قبله عامّ فيهما أو خاص بالله، والظاهر الثاني ووجه تمريضه أنه وإن فرق بين القدرتين إلا أنه يقتضي أنّ القدرة من الصفات السلبية، والذي عليه المحققون أنها صفة ثبوتية ذاتية، والعجز يضادّها وينافيها فالقائل به اختاره تقليلاً للصفات الذاتية أو نفياً لها، ثم إنّ الهيئة إنما تستعمل إذا أطلقت في المحسوسات، والفعل شامل للإيجاد والإعدام كما مرّ وصاحب هذا القول هو الراغب كما صرّح به في مفرداته فتأمّل. قوله: (والقادر هو الذي إلخ) هذا يحتمل أن يكون كلاما مستأنفا، ويحتمل أنه من تتمة القيل فكلاهما من كلام الحكماء لأنهم لا يقولون بإثبات صفات زائدة كالمعتزلة على ما حقق في الكلام، ويخالفون المتكلمين في أن القدرة عبارة عن صحة الفعل، والترك ويقولون هي عبارة عن كونه بحيث إن شاء فعل وان شاء ترك، أو لم يفعل ومقدم الشرطية الأولى بالنسبة إلى وجود العالم دائم الوقوع، ومقدم الشرطية الثانية بالنسبة إلى وجود العالم دائم اللاوقوع، وصدق الشرطية لا يستلزم صدق طرفيها ولا ينافى كذبهما ودوام الفعل، وامتناع الترك بسبب الغير لا ينافي الاختبار عندهم، وفي نسخة وان شاة لم يفعل بدل قوله وان لم يشأ لم يفعل، ولما ذهب الفلاسفة إلى أنّ إيجاد العالم بطريق الإيجاب لم يثبتوا لموجده الإرادة والاختيار إلا بمعنى إنه إن شاء فعل إلخ وهو متفق عليه بين الفريقين، وفيه كلام في نهاية الإمام المدقق الطوسي ليس هذا محله، وقيل إنّ قول المصنف هو الذي إن شاء فعل وان لم يشأ لم يفعل أحسن مما قيل إن شاء ترك لأنّ ظاهره يقتضي أن يكون العدم الأصلي متعلق المشيئة، وليس كذلك كما قرّروه، ثم إنّ كلاً من الفعل وعدمه أعمّ من الإيجاد أو الإعدام فالمعنى إن شاء الإيجاد، أو الإعدام فعله وان لم يشأ الإيجاد أو الإعدام لم يفعله، ومعنى كونه قادرا على الموجود حال وجود. أنه إن شاء عدمه أعدمه، وان لم يشأ لم يعدمه، ومعنى كونه قادراً على المعدوم حال عدمه إنه إن شاء وجوده أوجده وان لم يشأ وجوده لم يوجده فأحفظه فمانه نافع وفيه بحث. قوله: (والقدير الفغال لما يثاء إلخ) قال الراغب: محال أن يوصف غير الله تعالى بالقدرة المطلقة يعني بل حقه أن يقال قادر على كذا، والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائداً عليه

ولا ناقصا عته، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلاً الله تعالى والمقتدر يقاربه لكنه قد يوصف به البشر وإذا اسنعمل في الله فمعناه القدير وإذا استعمل في البشر فمعناه المتكلف والمكتسب للقدرة، اهـ ومنه أخذ المصنف رحمه الله ما ذكره ملخصاً فمعنى قوله على ما يشاء إنه متقن جار على وفق الحكمة، وقيل معناه على الوجه الذي يشاء ما يشاؤه عليه من الوجوه المختلفة، ولا محصل له إلاً أن يريد به التعميم أي على كل وجه أراله، وهو توطئة لإختصاصه تعالى به لأنه لا يقدر على إيجاد كل ما يشاء وجوده أو على إيجاد ما شاء في غأية الإتقان جارياً على وفق الحكمة إلاً الله تعالى، والفعال هو المبالغ فيما يفعله كماً وكيفاً، وقيل: إن أراد بالفعال لما يشاء إلخ في الجملة فهو لا يقتضي عدم اتصاف (لع! رب وان أريد العموم لكل ما يدخل تحت المشيئة لزم أن لا يوصف به غيره ولو مجازا، وأورد عبيه أنّ أوّل كلامه في تفسير القدرة يقتضي أن يكون القدير المتمكن من إيجاد الشيء أو ذا صفة ققتضي التمكن منه لا الفعال إلا أن يثبت هذا المعنى نقلاَ ورد بأنّ القدير صيغة مبالغة فقيه زيادة على القادر، وزيادة التمكن التام تقتضي أن يكون فعالاً، ولا يخفى أنّ المراد الثاني وأنه قد التزم ما لزمه فأيّ محذور فيه، ثم إنّ ما ذكره هنا إن كان من تتمة القيل لم يرد ما ذكره، وإن كان ابتداء كلام آخر والقدرة والتمكن الموصوف به الله تعالى صفة قديمة باقي أزلاً وأبداً فيكون قبل الوجود ومعه، وبعده فلا حاجة إلى جعله معنى آخر مستقلاً ولا إلى غيره مما ذكره نعم ما ذكره المصنف رحمه الله تبعاً للراغب من أنّ القدير لا يوصف به غير الله بخلاف القادر، والمقتدر بناء على أنّ المبالغة في القدرة بالمعنى المذكور لا يتصف به غيره تعالى فيه نظر لأنّ المبالغة أمر نسبيّ لا يلزم أن تكون بالمعنى المذكور، ولو تتبعت كلام العرب، وأهل اللغة لم تجده مختصاً به تعالى، ولذا وقع في بعض النسخ قلما يوصف به غير البارىء، وكانّ المصنف أصلح به ما في النسخة الأولى على أنه قد خالف ما ذكره بقوله في أوّل الخطبة فلم يجد به قديراً، فإنّ المراد به غيره تعالى إلاً أن يقال أنه نفى للقدير عن غيره إذ المعنى لا قدير فيوجد وحينئذ لا ينافي ما ذكر. قوله: (واشتقاق القدرة من القدر إلخ) قيل فيه إشارة إلى الردّ على الزمخشري حيث عدل عن قوله: واشتقاق القدير من التقدير لما فيه من إشتقاق المجرّد من المزيد وان أجيب عنه بأنه لم يرد به الاشتقاق المعروف بل إنّ بينهما اتصالاً، ومناسبة، فإنّ القدير مشتق من القدرة، ومعناها الإيقاع على مقدار قوّته، وحكمته وهو معنى التقدير، وقد جرت عادته أن يعين للغات أصلاً يرجع إليه ولما كان في جميع مواده معنى التقدير جعله أصلا له هكذا نقل عنه وإذا اشتمل المزيد على معنى المجرّد، وزيادة جعل أصلاً كالقدير من التقدير، والوجه من المواجهة والبرج من التبرّج والاشتقاق فيه لغوي بمعنى الأخذ من أشهر مواده لا ما اصطلح عليه أهل التصريف، ولذا تراهم يجعلون المصدر مشتقاً من مصدر آخر فلا إشكال فيه كما تقدم. قوله: (وفيه دليل على أنّ الحادث إلخ) أي في قوله إنّ الله على كل شيء قدير لأز الحادث والممكن شيء بالاتفاق وكل شيء مقدور كما صرّح به المصنف، وصورة الدليل كما قيل الحادث حال حدوثه شيء، وكل شيء مقدور له تعالى ينتج أنّ الحادث حال حدوثه مقدور له تعالى أو الممكن حال وجوده شيء مقدور له تعالى، فينتج أنّ الممكن حال وجوده مقدور له وأورد عليه مغالطة مذكورة مع ردّها في حواشي بعض الفضلاء فلا حاجة لإيرادها هنا فوجد الأوّل، وبقاء الثاني بقدرته تعالى، وهذا ردّ على من زعم أنّ الحادث محتاج إلى الفاعل القادر حال حدوثه دون بقائه، والاً لزم تحصيل الحاصل إذ إيجاد الموجود محال، وتأثير القدرة هو الإيجاد وأجابوا عنه بأن المحال إيجاد الموجود بوجود سابق، وهو غير لازم بل إيجاده لوجود هو أثر ذلك الإيجاد مع أنّ هذا مبنيّ على أنّ تأثير القدرة الإيجاد فقط، وليس كذلك لجواز أن يكون الإعدام بعد الوجود فالأحسن أنّ معنى أنه مقدور أنّ الفاعل، إن شاء أعدمه وإن لم يشأ لم يعدمه كما مرّ، وقيل لما رأى بعض المتكلمين أنّ عدم احتياج الباقي في بقائه شنيع قالوا إنّ الجواهر لا تخلو عن الإعراض، والعرض لا يبقى زمانين فلا يتصوّر الاستغناء عن القادر في كل أوان، وهذا مما أنكره كثير من المتكلمين على الأشعري، وقالوا إنّ إدّعاء مثله

في الأعراضى القارّة مكابرة في المحسوس اللهم، إلا أن يقال إنّ المراد إنه ليس له بحسب ذاته بقاء واستمرار، وبقاؤه بالعرض إستناداً لما يقوم به كالجأع المائل إذا استند إلى جدار منى فارقه سقط. قوله: (والممكن حال بقائه) لأنّ المحققين على أنّ علة الاحتياج الإمكان لا الحدوث كما هو مقرر في الكلام قيل إنما أفرد المصنف الممكن بالذكر، وكان يكفي أن يقول الحادث حال حدوثه، وبقائه إشارة إلى صفاته تعالى فإنها ممكنة مع قدمها لكن كونها مقدورة في غاية الإشكال لما تقرّر من أنّ أثر المختار لا يكون الا حادثا، ولذا اضطروا إلى أنه تعالى موجب بالذات في حق الصفات كما كتب الكلام، وقيل عليه أيضاً إنّ صفاته ممكنة فيلزم كونها مقدورة حال بقائها، وقد فسر القادر بالذي إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وحاصله صحة الفعل والترك، وهي يمقتضى ذاته فلا يصح فيها الترك إلا أن يريد المصنف رحمه الله بالممكن الحادث، لكنه خلاف ما يقتضيه سياقه، إذ لو كان كذلك قال حال حدوثه وبقائه. ا! دول الذي ارتضاه المحققون من المتكلمين كما قاله الإمام في الأربعين، أنّ صفات الله تعالى ممكنة لذاتها واجبة الوجود لوجوب الذات، وحاصلة أنّ الصفات واجبة للذات لا بالذات، أي واجبة لأجل الذات المقدّسة لا أنّ ذات الصفات اقتضت وجوب وجود نفسها فتكون ممكنة في حد نفسها معللة بالذات القديمة، لكن يجب أن تكون الذات موجباً بالنسبة إليها مختارا بالنسبة لما سواها، وإلا لزم حدوثها بناء على ما تقرّر من أنّ الصادر عن المختار حادث البتة، وقوله في التفسير الكبير أن الذات المقدّس كالمبدأ للصفات أورد عليه إنّ ظاهر التشبيه أنها ليست مبدأ لها، وإذا لم تكن مبدأ لها لم تكن الصفات ممكنة بل واجبة فيتعذد الواجب وهو لا يجوز، وأجيب بأن المتبادر من الميدأ هو الموجد بعد العدم والصفات ليست مسبوقة بالعدم، إلاً أنها تقتضي الذات وتحتاج إليها وتتوقف عليها فالذات بالنسبة لها كالمبدأ، وإن لم تكن مبدأ حقيقة، وأمّا تعلق القدرة وشمولها للصفات الذاتية فاختلفوا فيه على ما أشار إليه في شرح المقاصد، فقيل تتعلق بها والإيجاب لا ينافي المقدورية بل يحققها، والاختيار بمعنى إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل لا ينافيه أيضاً كط مرّ، وقيل إنه قد يفسر شمول قدرته بأنّ ما سوى الذات والصفات من الموجودات واقع بقدرته فتدبر. فوله: (وأنّ مقدور العبد مقدور الله) المراد بمقدوره الفعل الصادر عنه باختياره وقدرته الكاسبة له مقدور الله أي تتعلق به قدوة الله المؤثرة في إيجاده، وهو مذهب الأشعريّ، ولا يلزمه تعنق قدرتين بمقدور واحد لأنّ المؤثر قدرة الله فقط، والمحذور توارد مؤثرين متساوين ولا يلزمه الجبر أيضاً، لا يقال التأثير معتبر في القدرة لما مرّ من تعريفها بأنها صفة تؤثر وفق الإرادة، لأنا نقول الأشعريّ رحمه الله قسم القدرة إلى المؤثرة والكاسبة، وما ذكرتم تعريف القسم الأوّل لا مطلق القدرة، ومن هنا تبين أنّ معنى الكسب الذي يثبتة الأشعريّ هو تعلق القدرة والإرادة الذي هو سبب عاديّ لتقدير الله تعالى وخلقه في العبد، وأفعال العباد دائرة بحسب الاحتمال العقلي بين أمور. الأوّل: أن يكون حصولها بقدرته تعالى وإرادته من غير مدخل لقدرة العبد. والثاني أن يكون حصولها بقدرة العبد وارادته من غير مدخل لقدرة الله عز وجل وإرادته فيها، أي بلا واسطة إذ لا ينكر عاقل أنّ الأقدار والتصكين مستندان إليه تعالى، إمّا ابتداء أو بواسطة. والثالث أن يكون بمجموع القدرتين، وذلك بأن يكون المؤثر قدرة الله تعالى بواسطة قدرة العبد أو بالعكس، أو يكون المؤثر مجموعهما من غير تخصيص لإحداهما بالمؤثرية، والأخرى بالآلية ذهب إلى كل من الاحتمالات ما خلا الاحتمال الثاني، من محتملات الشق الثالث طائفة، والأخرى بالآلية ذهب إلى كل من الاحتمالات ما خلا الاحتمال الثاني، من محتملات الشق الثالث طائفة، والأوّل مذهب الأشعرية، والثاني مذهب المعتزلة، والثا اث مذهب الاستاذ الإسفرايني، والكلام عليه مبسوط في الكتب الكلامية، وقوله لأنه شيء إلخ إشارة إلى القياس الذي ذكرناه. قوله: (والظاهر أق التمثيلين إلخ) المراد بهما ما في قوله {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} إلخ وقوله {أَوْ كَصَيِّبٍ} إلخ وإنما جعله الظاهر لأنه أبلغ وأقرب من كونه مفرقاً ومفردا، وعرفه ضمناً بتشبيه هيئة منتزعة من عدّة أمور متلاصقة تلاصقاً معنويا حتى صارت كشيء واحد بمثلها، ومثل له بقوله تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ} [الجمعة: 5] إلخ لظهور التركيهب فيها

كما سيأتي تفسيرها مع المناسبة لما هنا لأنها في حق اليهود وأكثر المنافقين منهم، وحمل التوراة قراءتها وحفظها، وقوله {لَمْ يَحْمِلُوهَا} [الجمعة: ا] لتنزيل حملهم لها منزلة العدم كما في قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] أو المراد لم يلتزموا حقها كما في قوله تعالى {وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ} [الأحزاب: 72] فحالهم مع التوراة التي هي كتاب عظيم فيه نور وهدى نافع مع عدم الانتفاع به لجهلهم وحمقهم، كحال حمار يحمل حملاً ثقيلاً من الكتب النفيسة، ولا يناله منها إلا التعب والكد، وفي ذكر الأسفار هنا لطف ظاهر لإيهام أن يكون جمع سفر بفتحتين، مع أنه المتعارف في التعبير عنها كما لا يخفى. قوله: (والنرض منهما إلخ) أي المقصود والمعنى المراد، وليس المراد ما يترتب على الشيء حتى يفسر بالحكمة والمصلحة، لأنّ أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض! ، كما قيل، فالمراد من التشحيه فيهما على تقدير التركيب تشبيه حالتين بحالتين، والمشبه في الأوّل مجموع أحوال المنافقين في تحيرهم واضطرابهم مع إظهارهم الإيمان حفظاً لدمائهم وأموالهم وذراريهم وأهلهم، وزوال ذلك عنهم سريعاً بإفشاء أسرارهم وافتضاحهم المؤدّي إلى خسارة الدارين، والمشبه به حال المستوقد نارا مضيئة له فانطفأت، ووجه الشه صلاح ظاهر الحال الذي يؤول لخلافه، وفي الثاني حالهم في الشدّة ولباس إيمانهم المبطن بالكفر المطرّز بالخداع حذر القتل، بحال ذوي مطر شديد ببرق ورعد يرقعون خروق آذانهم بأناملهم حذر الهلاك، ووجه الشبه وجدان ما ينفع ظاهره وفي باطنه بلاء عظيم، والمكابدة المقاساة وأخذته السماء بمعنى أحاط به مطرها وغلبه، وفي قوله: من الحيرة والشدة لف وير مرتب، فالحيرة للتمثيل الأوّل، والشدّة للتمثيل الثاني، ويحتمل رجوع كل منهما لكل منهما، وبحال معطوف على بما يكابد وما مصدرية أو موصول، وطفئت مجهول مهموز اللام، وفي نسخة انطفأت، وفي أخرى انطفت بدون همز بإبدالها وإجرائه مجرى المعتل، والقياس غيره. قوله: (من قببل التمثيل المفرد إلخ) يعني أنه من تشبيه المفردات بالمفردأت، وهو المسمى بالتشبيه المفرق، ولما كان قوله: المفرد يوهم أنه لا تعدد فيه فسره بقوله: وهو أن أخذ أشياء إلخ، أي أن تأخذ أشياء متعدّدة من غير تركيب فتشبهها بمثلها. كما سنبينه لك، وفي الكشاف أنه إذا كان التشبيه مفرقا فالمشبهات مطوية على سنن الاستعارة، كقوله {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ} ! سورة فاطر: 12] الآية. ثم قال: فإن قلت الذي كنت تقدره في المفرق من التشبيه من حذف المضاف وهو قولك أو كمثل ذوي صيب هل تقدّر مثله في المركب منه، قلت لولا طلب الراجع في قوله {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم} ما يرجع إليه لكنت مستغنيا عن تقديره، لأني أراعي الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام، فلا عليّ أولى حرف التشبيه مفرد يتاتى التشبيه به أم لم يله إلخ، والمراد أنه على التفريق طوى ذكر المشبهات، كما في الاستعارة المصرّحة لطيّ ذكر المشبه فيها لفظا وتقديرا قطعاً، وقد يجري التشبيه على سننها وان فرق بينهما بوجهين، الأوّل أنّ المتروك في التشبيه منويّ مراد، وفي الاستعارة منسيّ بالكلية، كما مرّ تحقيقه في الاستعارة التمثيلية في قوله {خَتَمَ اللهُ} الآية من أنّ المعاني قد يقصد إليها بألفاظ منوية غير مقدرة في النظم، الثاني أنّ لفظ المشبه به في التشبيه مستعمل في معناه الحقيقيّ، وفي الاستعارة في معنى المشبه حتى لو أقيم مقامه صح أصل المعنى من غير فرق، وإن فاتت المبالغة، وإذا قدّر فربما انتظم مع المذكور بلا تغيير كما هنا، وقد يحتاج إلى التغيير كما في قوله تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ} [فاطر: 2 ا] على ما فصل في محله ثم إنه ذكر أنه على التفرين يحتاج إلى التقدير دون التركيب، وظاهره أنه يقدّر كمثل ذوي صيب إلا أنّ تعليله بطلب الضمير للمرجع يقتضي تقدير ذوي صيب، وأمّا تقدير مثل فلأنّ المقصود تشبيه صفة المنافقين بصفة ذوي الصيب، فتقديره أو في بتأدية هدّا المعنى، وأشد ملاءمة مع المعطوف عليه، وهو كمثل الذي إلخ. ومع المشبه وهو مثلهم وان صح أن يقال أو كذوي صيب كقوله تعالى {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ} [يونس: 24] إلخ وقيل تقدير المثل أمر مسلم يقتضيه العطف على السابق وينبني عليه تقدير ذوي لأنّ إضافة القصة إلى كل من الأجزاء التي تدخل فيها صحيحة، لكن إضافتها لأصحابها حقيقية ولغيرهم مجازية لما ذكر في قوله {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ} [البقرة: 261] وقد قيل عليه ما فيل فمن أراده فعليه بالنظر فيه، وهذا كله مما لا كلام

فيه، وإنما الكلام في أنّ المصنف رحمه الله ترك حديث التركيب والتفريق بين التركيب والتفريق، فأمّا أن يكون اكتفاء بما قالوه مع الإشارة إليه سابقاً حيث اقتصر على تقديره، وامّ أن يكون تركه لعدم ارتضائه له لما فيه من الخفاء، مع أنّ طيّ ذكر المشبهات غير ظاهر لأنّ المشبه في التمثيلين مصرّح به في قوله أوّلاً مثلهم، لأنّ المثل بمعنى القصة، والحال الشاملة لجميع أحوال المنافقين المشبهة إجمالاً، ولا يلزم في التفريق التصريح بالطرفين تفصيلاَ كام قالوه في اللف والنشر التقديري، على أنّ إجماله في قوّة التفصيل لقرب العهد به، فكيف يقال أنه طوى فيه ذكر المشبهات على أنه لا مانع من إبقاء الكلام على حاله من غير تقدير أصلاً، وما ذكره قدس سرّه من نية الألفاظ في التمثيلية مز تحقيقه، إلا أنّ قياسه الاستعارة على التشبيه قياس مع الفارق فإنّ المشبه يطوي ذكره كثيراً بخلاف أجزاء اللفظ المستعار، فتأييد مدعاه به غير تامّ. قوله: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى} [فاطر: 9 ا] هذا من قبيل التشبيه المفرّق وهو نظير لما نحن فيه من وجهين التفريق وتكرير التشبيه، ولذا أعاد لا النافية فشبه الكافر الضال بالأعمى، والمؤمن المهتدي بالبصير، ثم شبهه مرّة أخرى فقال {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 22] والظلمات والنور، الباطل والحق، والظل والحرور، الثواب والعقاب، وقيل الأعمى والبصير مثلان للصنم والله عز وجل كما سيأتي في سورة فاطر. قوله: (وقول امرىء القيس) بن حجر الكنديّ الشاعر الجاهلي المشهور من فصيدة طويلة أوّلها: ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي وهل يعمن من كان أقرب عهده ثمانين عاماً في ثماني أحوال كأني بفتخاءالجناحين لقوة على عجل منها أطاطىءشملالي تخطة! حران الأنيعم بالضحا وقد حجرت منها ثعالب أرآل كأنّ قلوب الطيررطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي وضمير وكرها لفتخاء وهي العقاب المذكور أوّلاً، وهو شاهد للتشبيه المفرد، حيث شبه قلوب الطير الطرية وقلوبها المقددة على اللف والنشر المرتب بالعناب في الشكل واللون، وبحشف التمر وهو الردىء أليابس منه، والعقاب من سباع الطير ويوصف بمحبة أكل اللحم دون قلوب الطير، وقال ابن قتيبة: قلوب الطير ألذ ما فيها فهي تأني بها لتزق فراخها ولكثرتها يبقى منها الرطب واليابس وهو الظاهر، وفي كامل المبرّد أنّ هذا البيت عند الرواة أحسن ما قيل في تشبيه شيئين مختلفين في حالين مختلفتين بشيئين كذلك، ورطباً ويابسق حالان من قلوب الطير والعامل فيهما كأنّ نها بمعنى أشبه، ولدى وكرها حال أيضا، والعناب بالرفع خبر كأنّ وهو بزنة رمّان ثمر معروف. قوله: (بأن يشبه في الأوّل ذوات المنافقين إلخ) الجارّ والمجرور متعلق بقوله يمكن أو بجعلهما وعبر بالذوات هنا، وبالأنفس فيما سيجيء تفنناً، واشارة إلى أنه لا بد منه في التشبيه المفرّق لأنهم المشبهون بالمستوقدين، وأصحاب الصيب بخلافه على التركيب فإنّ النظر فيه إلى المجموع فلذا لم يتعرّض له وقد بيناه لك أوّلاً مع ما فيه، وقوله: وإظهارهم الإيمان بإستيقاد النار عدل، عما في الكشاف من قوله وإظهاره الإيمان بالإضاءة لما قيل من إنه اعترض عليه بأنه يخالف ما قدّمه، من أنّ المشبه بالإضاءة هو الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ولا يناسب ما بعده من قوله أنّ المشبه بإنطفاء النار هو انقطاع الانتفاع، إذ المناسب له أن يشبه انقطاع الإظهار بالإنطفاء، وإن أجيب عنه بأن المراد هنا الإضاءة المتعدّية وهي ثمة لازمة، أو أراد بإظهار الإيمان أثره، وهو الانتفاع به، فمعناه شبه المنافق أي نفاقه وإظهاره الإيمان بالمستوقد أي بإسنيقاده، وشبه أثر الأوّل من الانتفاع به، فمعناه شبه المنافق أي نفاقه وإظهاره الإيمان بالمستوقد أي بإستيقاده، وشبه أثر الأوّل من الانتفاع باثر الثاني من الإضاءة، وشبه انقطاع الانتفاع بانقطاع الإضاءة، ويؤيد هذا أنّ تشبيه ذات المنافق بذات المستوقد ليس مقصوداً في الآية قطعاً، والحمل على التوطئة بعيد، فحينئذ للمستوقد إستيقاد واستضاءة وخمود نار، وللمنافق إظهار إيمان وانتفاع به، وانقطاع بالموت وغيره، وهذا زبدة ما في الشروح مما ارتضاه الشريف المرتضى قدس سرّه، وقيل للمستوقدين ذوات، وثلاث حالات الاستيقاد، واضاءة نارهم ما حولهم، وانطفاء نارهم، وكذا

للمنافقين ذوات وثلاث حالات فإظهار الإيمان بإزاء الاستيقاد، وحقن الدماء وسلامة المال والأولاد، ونحوها من المنافع الحاصلة بإظهار الإيمان بإزاء الإضحاءة، وزواله بإزاء إنطفاء النار فشبهت الأربعة بالأربعة، ووجه الشبه في الأوّل الوقوع في حيرة ودهشة، وفي الثاني التسبب لحصول المراد، وفي الثالث كونه خيراً لمباشر الفعل، وفي الرابع الفناء بسرعة، والمصنف رحمه الله شبه إظهار الإيمان بالإستيقاد، والزمخشريّ بالإضاءة، وقد قيل عليه أنّ الظاهر أن يشبه إظهار الإيمان بالاستيقاد والانتفاع بالإضاءة كما مرّ، ولذا عدل عنه المصنف وربع القسمة إلا أنه شبه زوال اننفع بإطفاء النار، والمناسب أن يجعل المشبه الإزالة والمشبه به الإنطفاء. 6هول لا يرد ما أورده بعد النظر التامّ ولا مغايرة بين ما ذكره المصنف رحمه الله، وبين ما في الكشاف إلا باختلاف العبارة، وهما في الما! واحد، وتوضيحه أنّ المستوقد هنا بمعنى الموقد، وإيقاد النار إشعالها بحطب ونحوها ويترتب عليه إضاءتها أي جعلها أو كونها مضيثة منتشرة الضوء، ويترتب على هذا الاستضاءة التي هي أثرها، ومطاوعها وهي عين الانتفاع بها، ثم تضمحل النار والنور، ويبدّل الخير بالشرور، وهذا ما في جانب المشبه به، وفي المشبه على ترتيبها المنافق ينطق بقوله ولمنا} وكلمة الشهادة، فيترتب على نطقه إظهار إيمانه بدلالة فحواها، ثم يترتب على هذا الإظهار الانتفاع بصيانة الأموال والدماء ونحوها، ثم ينقلب نفعه ضرّاً بافتضاحه واستحقاقه العقاب في الدارين فتخيب آماله، وتنعكس أحواله، فإذا عرفت هذا ظهر لك بلا اشتباه أنّ إظهار إيمانه في لحقيقة بدلالة الكلمة المجراة لا أنه نفسها، والمشبه بالإيقاد حقيقة إجراء الكلمة، فالمشبه بالإضاءة إظهار الإيمان كما في الكشاف، إلا أنه لقرب الإيقاد من الإضاءة وتلازمهما يجوز أن يقال شبه إظهار الإيان بالإيقاد، والانتفاع بالإضاءة، وان كان استضاءة لأنهما كشيء واحد كما قيل في التعليم والتعقم، فسقط ما أورد على المصنف رحمه الله في الإطفاء والانطفاء، والعجب مما توهم من منافاة قول الزمخشريّ هنا شبه إظهار الإيمان بالإضإ ءة لقوله: أوّلاً المراد ما استضاؤوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، وبين الاستضاءة والإضاءة بعد ما بين المشرقين، والباء في قول المصنف رحمه الله بإهلاكهم سببية متعلقة بزوال، وفي قوله بإطفاء متعلقة بيشبه السابق لا بمثله مقدرا ولا بإبقاء. قوله: (وفي الثاني أنفسهم بأصحاب الصيب إلخ) معطوف على قوله في الأوّل، وأنفسهم بالرفع معطوف على قوله ذوات أ، ئب فاعل يشبه المجهول، وبأصحاب معطوف على قوله بالمستوقدين، وأصحاب إشارة إلى ذوي المقدّر، وقوله حذراً إلخ، لنكايات جمع نكاية من نكأت بالهمز، ونكيت معتل الآخر وهي ما يؤلمهم ألماً شديدا، وطرق يطرق من باب كتب إذا أتى ليلاَ، والمراد به ما يصيب الكفرة من الإذلال والإهلاك، فشبه حذرهم منهم بسدّ الآذان للإتقاء به، وقوله (من حيث إلخ) هو وجه الشبه، وانتهزوها بالزاي المعجمة بمعنى اغتنموها وبادروا لها بسرعة، وفرصة كغرفة أصل معناه النوبة والشرب، ثم شاع في كل مطلوب يبادر له خثية فواته وهو منصوب على الحال أو التمييز، أو هو مفعول ثان لانتهز بتضميته معنى التصيير والإيجاد، وأصل معنى الانتهاز الدفع، ثم قيل انتهز بمعنى نهض وبادر، وخطا بضم الخاء مقصور جمع حظوة، ومتقيدين مجاز أو كناية بمعنى واقفين، وحراك بفتح الحاء المهملة بمعنى حركة، وقوله: خفقة بمعنى لمعة، وخفي بمعنى فتر هنا من خفي البرق كرمى إذا لمع بضعف، وفي قوله: يمكن إشارة إلى مرجوحية التفريق بالنسبة إلى التركيب لأنه أبلغ كما صرّح به الشيخ ويس هـ من أهل المعاني. قوله: (وقيل شبه الإيمان إلخ) هذا تفسير لقوله {أَوْ كَصَيِّبٍ} إلخ على أنّ التشبيه مفرّق أيضاً وقائله قيل: إنه الراغب في تفسيره، وقريب منه ما اختاره السمرقنديّ رحمه الله تعالى فقال: جعل الدعاء إلى الإسلام كالصيب وما فيه من الجهاد كظلمة الليل، وما فيه من الغنيمة كالبرق، إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى الإسلام الذي هو سبب المنافع في الدارين حقيقة بمنزلة الصيب الذي هو سبب المنفعة حقيقة إلا أنّ في الإسلام نوعاً شديداً من الجهاد والحدود وغيرها، بمنزلة ظلمة الليل والسحاب، وصوت الرعد مع الصيب، وفي من الغنيمة والمنافع كالبرق هناك، فجعل المنافقون أصابعهم في آذانهم من سماع ما في

الإسلام من الشدائد، كما جعل من ابتلي بهذا الصيب في ليلة مظلمة في مفازة أصبعه في أذنه من الصواعق، يكاد البرق يخطف أبصارهم أي ما في الإسلام من الغنيمة والنفع، ومعناه أنّ المنافقين إذا رأوا خيراً في الإسلام وغنيمة مشوا إليه، وإذا أظلم عليهم بالشدائد قاموا متحيرين مغمومين وصدوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. اهـ. وتحقيقه بعد العلم باختصاصه بالمنافقين أيضا لا عمومه للكافرين، وان ذهب إليه بعض المفسرين، والفرق بينه وبين ما قبله مع التفريق وتشبيه أحوال المنافقين فيهما أنه على ما قبله الصيب بإزاء إيمان المنافقين، والظلمات كفرهم المضمر، والرعد والبرق المخوّف خداعهم المصير النفع ضرّا، ونفاقهم لدفع المضرّة عنهم بإزاء جعل الأصابع في الآذان مع عدم إفادته، وتحيرهم في جهلهم بمصادفة برق يمشون فيه ثم يقفون، وأمّا على هذا فالصيب بإزاء الإيمان المحقق الخالص، والقرآن المجيد وما يفيده من المعارف التي يحيا بها كل قلب سليم حياة أبدية، كما أن من الماء كل شيء حيّ، وكون المنافقين أصحاب هذا الصيب مع عدم حصوله لهم، ولذا لم يضف إليهم في العبارة لتمكنهم منه وتلبسهم بما يضاهيه، ولأنهم قد أظلهم زمان حصوله كما يشير إليه قوله وسائر ما أوتي الإنسان دون ما أوتوا، والظلمات بإزاء الشبهات والرعد، اأس عد لتبشيره برحمة الغيث، والوعيد لإنذاره بنقمة الصواعق وما فيه من الآيات القرآنية ونعوته ألباهرة أي القاهرة للعقول بإزاء البرق الخاطف للأبصار أي الصارف عما سواه لو هداهم الله، وانصرافهم عن الاستماع والإذعان بإزاء سدّ الآذان عما يخاف من الوعيد واتقائه بما لا يفيد فإنّ الله محيط بالكافرين، وإنما أخره ومرضه لما في جعلهم أصحاب هذا الصيب من البعد الذي هو مع التقدير كالألغاز، وبعد تشبيه الوعد بالرعد، وتشبيه الآيات بالبرق، ومما ذكرناه علم غفلة من قال: إنه لم يتعرّض للتشبيه في قوله {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} وأنه يمكن أن يقال شبه قرب صرف الآيات أنظارهم عما كانوا يصرفونها إليه من حطام الدنيا والأباطيل بخطف البرق أبصارهم، وحياة الأرض بهجتها بنباتها وارتبكت بها الضمير في ارتبكت عائد على ما، وأنثه باعتبار معنى الشبه، وضمير بها للمعارف أو للمذكورات بأسرها، والمعارف جمع معرفة وهي معروفة، وفي بعض الحواشي صححه معاون بواو ونون في آخره جمع معونة من العون وهو اأظهير وفسره بالعون بتهيئة آلات المعارف، وارتبك بمعنى اختلط، يقال ربكه ولبكه إذا خالطه ومازجه، والمبطلة وفي نسخة الطائفة المبطلة، وهم أهل البدع والضلالة المحاولون لإبطال الحق، واعترضت دونها أي حال بينها وبين الحق، والباهر الظاهر العجيب ويهوله بالتخفيف والتشديد أي يخوّفه. قوله: (وهو معنى قوله الله محيط إلخ) أي عدم خلاصهم مما يخافون، وقوله واهتزازهم أي وشبه اهتزازهم وهو في الأصل توالي الحركات في محل واحد، ويكنى به عن النشاط والفرح كما في قول ابن الرومي رحمه الله: ذهب الذين يهزهم مدّاحهم هز الكماة عوالي المرّان وهو المراد هنا ومن فسره بالحركة فقد قصر، وقوله: يلمع لهم من رشد بضم فسكون أو بفتحتين ضد الغيّ، ولم! فه استعارة من لمعان البرق لظهوره ظهورا لا يثبت ويزول سريعا، ورفد بكسر الراء المهملة وسكون الفاء يليها دال مهملة معناه العطاء والشيء المعطى، وتطمح تنظر أو تنتظر يقال طمح بعينه إذا شخص بها، والمطرح موضع الطرح ثم عمّ لكل موضع، وتوقفهم في الأمر ترددهم فيه وهو مجاز من الوقوف شاع في هذا الصعنى إذا تعدّى بفي، وتوقف عن الأمر أمسك عنه ووقف الأمر على كذا علقه عليه، ووقف الميراث إلى الوضع أخره، فيختلف معناه باختلاف تعديه، وتعن يكسر العين المهملة وتشديد النون مضارع عن بمعنى ظهر أو طرأ، وعرض وبتوقفهم متعلق بشبه كقوله بمشيهم، وقوله ونبه أي نبه الله المؤمنين أو نبه كل من يتنبه وهو مما ينبغي التنبه له، وإن لم ينبهوا عليه لأنّ هذا التنبيه من تتمة التشبيه المفرّق، وارتباطه إنما هو به بل بالقيل الأخير ولولا هذا لم يكن لذكره وتأخيره إلى هنا محلى، وبيانه أنه لما كان في التشبيه على هذا إيماء إلى العقائد الحقة والمعارف الإلهية التي مدت نعمها على موائد الوجود

وحرم ذوقها هؤلاء المنافقون كما أريناكه آنفاً فهم تحت سماء مغدقة على رياض مخصبة، وقد أحدثوا فانتجعوا بصرفهم الحواس عن أعمالها فيما حقها أن تصرف له وجعلها كالعدم، فنعى الله ذلك عليهم وقال: إنهم تعاموا وتصاموا عمن لو شاء أعماهم وأصمهم حقيقة، وقوله با احالة إلخ المراد بها الصمم والبكم والعمى، وضمير يجعلونها للأسماع والأبصار، وضمير جعلهم مفعول أوّل، وبالحالة مفعول ثان، أي ملتبسين بها، أو ظرف لغو متعلق به، وقد جوّز في يجعلونها أن يبني للفاعل وللمفعول، فقيل: إن التنبيه من كلمة لولا الامتناعية وظاهره أنّ قوله {وَلَوْ شَاء} إلخ في شأن المنافقين، والظاهر أنه تتميم لأصحاب الصيب الممثل بهم، ويجعلون على البناء للمفعول، وضمير المفعول للحالة والاً لزم الاقتصار على أحد مفعولي جعل الذي هو من أفعال القلوب، والمعنى بالحالة ال! ي يجعلون لأنفسمهم تلك الحالة على أن يكون تعلق الجعل بالمفعول الأوّل القائم مقام الفاعل، أو بالثاني. والمراد به الحالة التي هم عليها على الحذف، والإيصال وفيه تكلف، أو! لى البناء للفاعل وهو الظاهر، والمعنى الحالة التي يفعلونها فحينئذ لا يكون الجعل من أفعال القلوب، ولا يلزم المحذور المذكور، اهـ وفيه ما لا يخفى فإنّ التنبيه إنما هو من التذييل يهذه الجملة لا من لو، وجعل يجعلى مبنية للفاعل وليست مما يتعدّى للمفعولين بل لواحد، وهو كثير فيها لأن لها معاني، فتكون بمعنى اعتقد، وبمعنى صير، وهي على هذا ملحقة بأفعال القلوب، وأمّا بمعنى أوجد وأوجب فيتعدّى لواحد، وهو المراد هنا فلا حاجة لما ارتكبوه من التعسف. تم. تنم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني أؤله فوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} .

وفاعله ضمير يرجع إلى الله أو مبني للمفعول والمعنى واحد أي ادّعاء ذلك بالرأي والتشهي كما قرّرناه لك، وتحريم المجتهد وتحليله لشى من هذا القبيل لأنه لأخذه من النمى، واستناده إليه قائم مقامه فكأنه هو، وهذا جواب عن قوله ومّ المشركين إلخ ولم يتعرّض لجواب الأوّل لشهرته في علم الكلام لأنّ استحالة التمكين من الحرام ممنوعة لأن قبح الحرام باعتبار إضافته إلى من اتصف به لا إلى من أوجده. وقوله: (واختصاص إلخ) القرينة هي إسناده إليه تعالى ومدحهم بالإنفاق منه ووصفهم بالتقوى، وهذا ليس محل النزاع بيننا وبينهم مع أنّ في من التبعيضية المشيرة إلى أنّ الحلال بعض الرزق لا كله ما يومىء إلى عمومه وهذا ردّ لما استدلوا به معقب بدليل المخالف لهم. قوله: (وتمسكوا إلخ) تمسك بكذا بمعنى أخذ به وتعلق تجوّز به عن الاستدلال وفيه إشارة لقوّته ووجهه أنه سمى ما حرّم رزقا أو بيته به، وان قيل عليه أنه لا يدلّ على أنه رزق لمن حرّم عليه فليكن رزقا لمن أحل له، ولذا استدل به بعض المعتزلة إلا أنه يكفي لنا دلالة ظاهرة فهو عليهم لا لهم وعمرو بن قرّة بضم القاف وتشديد الراء المفتوحة لأنّ بعدها هاء تأنيث. قال ابن حجر في الإصابة: أنه ذكره غير واحد في الصحابة، وأسندوا له هذا الحديث ولم يزد على ذلك فيه، ثم ذكر هذا الحديث وهو في سنن ابن ماجه عن صفوان بن أمية رضي الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ جاء عمرو بن قرّة فقال يا رسول الله إنّ الله كتب عليّ الشقوة فلا آراني أوزق إلا من دفي بكفي، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال عليه الصلاة والسلام: " لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت يا عدوّ الله لقد رزقك) إلخ. مأ. ذكره المصنف رحمه الله وقوله يا عدوّ الله يشعر بأنه كافر أو منافق، وهو مخالف لما مرّ إلا أن يقال أنه لزجره، وفيه دليل على حرمة التكسب بالغناء. قوله: (لم يكن المتنذي به إلخ) متفعل من الغذاء بالذال المعجمة لا بالمهملة لاختصاصه بطعام أوّل النهار فلا (يناسب ما هنا وهذا هو الدليل العقلي لأهل السنة أتى به بعد الدليل النقلي أي لو لم يكن الحرام رزقا كان المتغذي به طول عمره غير مرزوق، والنص على أنّ كل دابة مرزوقة يبطله وقد أجيب عن هذا من طرفهم تارة بالنقض بمن مات ولم يرزق حراما ولا حلالاً، فما كان جوابكم فهو جوابنا وأخرى بأنّ معنى الآية ما من دابة متصفة بالمرزوقية، كما قالوا في قولهم كل دابة تذبح بالسكين أي كل دابة تتصف بالمذبوحية، فيخرج السمك وقد قيل إنّ هذا يتوقف على وجود من لم يتغذ طول عمره بحلال مّا، وأن لا يكون له في الأرض مناط، وهو لا يكاد يوجد على أنّ الآية إنما تدل على أنه يسوق الرزق إلى كل دابة ويمكنها منه لا أنها تتغذى بما سيق لها بالفعل. (وقد سنح لي هنا نكتة) وهي أنّ الدابة، وإن عمت إلا أنّ المتبادر منها الحيوانات غير الناطقة، ففيها توبيخ لمن يهتم بتدبير المعيشة، فكأنه قيل له ما لك تتعب فيما يتيسر للحيوان بلا تعب. قوله: (وأنفق الشيء وأنفذه إلخ) أنفذه بالدال المهملة، والمراد بالاخوّة توافقهما في الاشتقاق، وهو هنا الاشتقاق الأكبر، وهو الاشتراك في أصل المعنى، وأكثر الحروف مع التناسب في الباقي مخرجا، ولذا اقتصر على الفاء والعين كنفي ونفع وأمثالهما والذهاب يكون بمعنى المضيّ والضياع. وقوله: (والظاهر إلخ) يعني به أنّ الظاهر منه حمل الإنفاق على ما يشمل أنواعه فرضاً ونفلاَ، ومن حمله على الزكاة كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا من فسره بالنفقة على الأهل فيحتمل أنه لم يرد التخصيص، وإنما اقتصر على كمل أفرادها وأمّا أن يريده بقرينة الصلاة المقرونة بالزكاة في كثير من الآيات والشيء بالشيء يذكر والقرينة أمر ظنيّ لا قعلعيّ حتى يقال: مع القرينة المذكورة كيف يحمل على العموم. وقوله: (في سبيل الخير) وقع في نسخة بدله سبيل الله وهما متقاربان، وفي شرح سير محمد الكبير للسرخسي سبيلاَ لله جهة القربة والطاعة، فلو أوص بثلث ماله في سبيل الله صرف في طاعة وقربة لأنّ كل طاعة سبيل ألله كما في الحديث: " من شاب شيبة في سببل الله كانت له نورا يوم القيامة " (1) أي في الطاعة لرواية في الإسلام، وهو إن أطلق يتبادر منه الغزو والجهاد وكون الزكاة أفضل أنواع الإنفاق لأنها فرض، فتكون كثر ثواباً ولذا عدّت من أصول الدين، وشقيقتها أختها والمراد بها الصلاة لاقترانها بها وكونها بمنزلتها في العبادات البدنية لاستتباعها لغيرها، وقولهم باب الصلاة باب الزكاة، وفلان يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة لا يستشهد به هنا لتفرّعه عما ورد في التنزيل فتأمّل. قوله: (وتقديم المفعول الخ) في الكشاف أنه دلالة على بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (لما عدّد فرق المكلفين الخ) أي المؤمنين والكفار والمنافقين السابق ذكرهم من أوّل السورة إلى هنا، وخواصهم ما اختص به كل فريق منهم من الاهتداء بالقرآن، وإنفاق الحلال والإيمان بالغيب والفلاح والفوز في الدنيا، والعقبى في المؤمنين، واصرار غيرهم على الكفر وتغشية قلوبهم، وسوء عقباهم في الكفرة وإخفاء الكفر والخداع، وضررهم العائد عليهم في المنافقين. وقوله: ومصارف أمورهم المصارف جمع مصرف من صرف المال إذا أنفقه أو من صرف الدينار بالدراهم إذا أبدله استعير هنا لما هم عليه في أعمالهم وأعمارهم أو لما يؤول إليه أمرهم من الفوز بالسعادة أو الخسران وهو ظاهر، وهذا معنى قوله في الكشاف عذد الله فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها ويحظيها عند الله تعالى ويرديها ولقد أجاد في حسن تلخيصه، ويحتمل أنه طوى البيان بقوله مما يسعدها الخ، لما يرد عليه من أنه لم يذكر للمؤمنين مشقيات ومرديات ولا للكافرين مسعدات ومحظيات وإن أجيب عنه بأن المذكور صريحا للمؤمنين المسعدات ولغيرهم المرديات ويفهم من ذلك ما يقابله ضمنا فيكون الكل مذكورا للحل فإنه ردّ بأنّ الاختصاص حينئذ لا معنى له فإن المقابل لما اختص بكل فرقة ليس مخصوصا بها لوجوده في المقابل الآخر وان كان غير وارد لأن مسلكه أسلم من التكلف على أنا نقول إنه لا وجه للردّ لأن مقابل كل خاصة لم يلحظ فيه اتصاف الآخر به هنا إذ مقابل الاهتداء بنور الفرقان شامل لعدم الوقوف عليه كمن لم تبلغه الدعوة وإنفاقه الخير في الخير يقابله عدمه الشامل لمن لم ينفق أصلا ولم يقصد ذمّ مقابلتهم بذلك وكذا الصلاة وغيرها من العبادات ومسعدات الأشقياء المفهومة مما أشقاهم الله به لا يمدح به المؤمنون كما قيل: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا ~ قيل إن السيف أمضى من العصى (فلا) وجه لما قيل من أن الردّ مردود لظهور اختصاص ذلك المقابل بتلك الفرقة بملاحظة انفهامه ضمنا وكونه مفروضا غير محقق مثلاً إذا قلت الصفات المذكورة للمؤمنين مسعدات يفهم منه أنهم لو كانوا

اتصفوا بمقابلاتها لشقوا، ولم يمكن إجراء ذلك في حق الكفار لأنهم متصفون بتلك الصفات حقيقة بلا فرض. وتقدير وكذا الحال في صفات الكفرة وان كان له وجه أيضاً. قوله: (أقبل عليهم بالخطاب الخ) قد قدمنا لك أن الا أشفات الانتقال من إحدى الطرق الثلاث إلى آخر أو الإتيان بأحدها في مقام يقتضي خلافه، والكلام عليه مفصل في محله ولا يهمنا هذا الكلام فيه وإنما الكلام فيما قيل من أنّ هذا مبني على عدم الوثوق بما سيأتي عن علقمة أو على أنه لا يقتضي تخصيص الخطاب إذ لم يكن بمكة منافق حتى يدخل في هذا الخطاب، ثم إنها إن نزلت منفردة عما قبلها فكيف يتحقق فيها الالتفات إلا أن يقال يكفي فيه أنه يتمّ بعد تمام نزول القرآن لمصلحة اقتضت تفريق نزوله فإنّ دعوى انفرادها بالنزول مما لا وجه له حتى يتكلف له ما تكلف وكونه لم يكن بمكة منافق في بدء الإسلام لا ينافي الإخبار عنهم فكم في القرآن مثله من المغيبات والأخبار عما سيأتي، ثم إنه ذكر للالتفات نكات بعضها عامّ وبعضها خاص بهذا المقام فالأوّل هز السامع وأصل معناه التحريك بحركات متوالية ثم كني به عن إدخال المسرّة كما في قول ابن الرومي المتقدم: ذهب الذين يهزهم مذاحهم هز الكماة عوالي المرّان وهو المراد هنا، والتنشيط إيجاد النشاط وهو الخفة والسرعة أريد به الإقبال على الأمر وعطفه على ما قبله كالتفسير، والاهتمام بالعبادة مأخوذ من السياق والمقام لأنّ العظيم إذا أقبل على عبيده في شأن وأمر به بنفسه دل على عظمة ذلك الشأن، وقوله: بأمر العبادة تورية وحسن تعبير، وقوله: وجبر الكلفة العبادة الجبر التكميل والإرداف بما يهوّن الأمر الشاق أو يزيل مشقته لأنها على خلاف مقتضى الطبع، والكلفة المشقة واحدة الكاف كغرفة وغرف والتكاليف المشاق كما في المصباح وهذه من النكت انخاصة بالمقام وهذا بالنسبة إلى المؤمنين ظاهر فإمّا أن يخصوا لعدم الاعتداد بغيرهم وكذا التنشيط أو يقال يكفي للنكتة الوجود في البعض، وقيل إنه بالنسبة لغيرهم أيضا لتيقظهم لأنهم تحت حكم حاكم كريم لم يطردهم عن ساحة الهداية ولا يخفى بعده. قوله:) ويا حرف وضع الخ) هذا هو الصحيح وقيل إنها اسم فعل والأشهر أنها وضعت لنداء البعيد وقيل إنها لمطق النداء أو مشتركة بين البعيد والقريب والمتوسط وعلى الأوّل إذا نودي بها القريب فلتنزيله منزلة غيره أمّا العلوّ رتبة المنادى أو المنادي بالكسر والفتح وقول المصنف رحمه الله ينادى بها القريب يصح فيه فتح الدال وكسرها، وقول الداعي يا رلث يصلح للأول والثاني لأنه لحقارته وعظمة خالقه عد نفسه بعيدا أو عذ الله علياً عن عباد. وغفلة السامع وسوء فهمه بمنزلة بعده، وأمّا للاعتناء بأمر المدعوّ له وزيادة الحث عليه لأنّ نداء البعيد وتكلفه الحضور لأمر يقتضي الاعتناء والحث فاستعمل في لازم معناه على أنه مجاز مرسل أو استعارة تبعية في يا أو مكنية وتخييلية كما حققه بعض الفضلاء، فإن قلت الكلام في تنزيل المنادى منزلة البعيد لا المدعوّ له المنادي لأجله قلت المدعوّ لتحصيل أمر بعيد يبعد عن الذهاب إليه لتحصيله فهو بعيد مالاً وقوله في الانتصاف إنّ ما ذكر في توجيه البعد أمر إقنافي فإنّ الداعي يقول يا قريب غير بعيد ويا من هو أقرب من حبل الوريد فأين هذا من العباد في مقام البعد ليس بشيء فإنّ القرب في كلام المنادي باعتبار الحقيقة ونفس الأمر وهو لا ينافي الاستبعاد الاعتباري وليس هذا نظير قوله: وكم قلت شوقاليتني كنت عنده وما قلت إجلالاً له ليته عندي كما توهمه ابن الصائغ في حواشيه، والوريد عرق! في العنق واضافة الحبل له! كلجين الماء. قوله: (وهو) أي يا مع المنادى بالفتح جملة فالمنادى منصوب لفظاً أو تقديراً بأنادي وما في معناه أو بيا نفسها لقيامها مقامه قولان للنحاة وعلى الأوّل هو لازم الإضمار استغناء بظهور معناه مع قصد الإنشاء وليس المراد الإخبار بأن المتكلم ينادي ولذا ردّ على من قال إنه لا يجوز تقدير الفعل إذ لو قدر كانت الجملة خبرية لأن الفعل مقصود به الإنشاء، ولذا قال الرضي: تقديره بلفظ الماضي كدعوت وناديت أولى لأنه الأغلب في الإنشاء ولكونه إنشاء النداء سقط ما قيل من أنه لو كان ذلك الفعلى كدعوت مقدرا تمّ المعنى بدون

المنادي لأنه فضلة، وقيل في الجواب عنه إنه قد يعرض للجملة ما يصيرها غير مستقلة كالجمل الشرطية ولا يرد على كونه جملة مفيدة، وكلاماً أن الكلام لا يكون من اسم وحرف، ولا من حرف إن قلناتا بمعنى دعوت كما توهم مع اتفاقهم على أنه لا يتأتى إلا من اسمين أو اسم وفعل لأنه قائم كنعم وبلى، ولا وهو في قوّة المذكور من غير شبهة فلا يلتفت لما توهمه بعضهم فتدبر. قوله:) وأيّ جعل وصلة الخ) أي لها معان كالموصولية والشرطية والاستفهامية، والواقعة في النداء اسم نكرة موضوعة لبعض من كل كما في شرح الهادي ثم تعزفت بالنداء وتوصل بها لنداء ما فيه أل لأنّ يا لا تدخل عليها في غير يا الله إلا شذوذاً، وقيل إنها موصولة ورذه النحاة بما هو معروف في كتب العربية وذو اللام صفة لها فهي موصلة له كما توصل لنداء أسماء الأجناس بذي بمعنى صاحب، وقوله متعذر أي ممتنع بناء على ما عرف من كلام العرب لا تعذرا عقليا، وقوله لتعذر الجمع بين حر في التعريف هذا أحسن مما اشتهر من أنه لا يجمع بين تعريفين لأنهما قد يجتمعان كما في نحو يا زيد وأيهم يفعل كذا لاجتماع العملية والنداء والإضافة والموصولية كما حققه نجم الأئمة الرضي فليس مثله بممتنع عنده حتى يحتاج إلى التنكير وأمّا نحو يا الرجل فممتنع بالاتفاق وقوله فإنهما كمثلين وهما لا يجتمعان إلا شذوذاً كقوله: ولا للما بهم أبدا دواء قيل وإنما قال كمثلين لأنّ يا ليست موضوعة للتعريف كأل ولذا لا يتعرّف المنادي في كل موضع ولم يبين أن تعريفه بماذا وقد ذهب ابن مالك ومن تبعه إلى أنه بالقصد والإقبال عليه، وذهب ابن الحاجب إلى أنه بأل مقدرة فأصل يا رجل يا أيها الرجل والكلام فيه مشهور. قوله: (وأعطي حكم المنادى الخ) أعطي مجهول نائب فاعله ضمير أيّ المذكور باعتبار اللفظ وحكمه هو البناء على الضمّ وايلاؤه وحرف النداء وأجرى عليه المقصود بالنداء باعتبار صريح معناه بمعنى جعله تابعاً له على الوصفية كما صرّح به بعده، وإنما التزم رفعه ليكون على صورة المنادى المفرد المقصود بالنداء لأنه مضموم الآخر فلا يجوز نصبه على الأصح خلافا للمازني فإنه أجاز نصبه. قال الزجاج: ولم يتقدمه ولا تابعه عليه أحد لمخالفته لما سمع عن العرب والتزام الرفع لأنه المقصود أو لأنه مبهم ووصف المبهم معه كالشيء الواحد لمنع الفصل بينهما فإن قلت الوصف تابع غير مقصود بالنسبة لمتبوعه فما ذكر ينافيه قلت! ذا جسب الوضع الأصليّ فلا ينافي ما يطرأ عليه لكونه مفسر المبهم ما يجعله مقصودا في حد ذاته وههنا إشكال وهو أن الرجل في قولك يا أيها الرجل تابع معرب بالرفع وكل حركة إعرابية إنما تحدث بعامل ولا عامل يقتضي الرفع هنا لأن متبوعه مبنيّ لفظا ومنصوب محلاً فلا وجه لرفعه وهذا إنما يرد على غير الأخفش القائل بأنها موصولة حذف صدر صلتها فليس عنده نعتا بل خبر مبتدأ مقدر، وقد استصعبه بعض علماء العربية وقال إنه لا جواب له. قلت: قد قال هذا بطريق البحث وهو عجيب منه مع تبحره فإن هذا من الأسئلة الواقعة بين أبي نزار وابن الشجري وقد أطال الكلام فيها في الأمالي بما حاصله أن أبا نزار قال إنها حركة بناء وقال ابن موهوب إنها حركة إعراب وتبعه ابن الشجري والحق أنها حركة اتباع ومناسبة لضمة المنادي ككسرة غلامي فلا حاجة إلى أن يقال إنه لا يمكن التفصي عنه إلا أن يقال بأن حركة الضمّ ليست إعرابا بل اتباع الحركة البناء المشبهة ل! عراب بالعروض ولذا سميت رفعا تجوزاً إلا أنه مع مخالفته للظاهر لا نظير لا له في اللزوم وقوله: أقحمت بصيغة المجهول بمعنى زيدت من أقحمته في الأمر إذا أدخلته ورميت به فيه وهو مجاز مشهور على الألسنة وزيادتها لازمة للعوضية، وقوله ها التنبيه بالقصر أي لفظها الذي يكون للتن! يه في نحو هذا ولو مذت جاز على أنه تعبير عن الكل بجزئه وسياني بيان تاكيده وفي أزعا. التعوبض نظر لأن هذه لم تستعمل مضافة أصلا والإضافة إنما سمعت في غيرما إلا أنها لما قالت دي، اد واحماءأ جرى عليها حكمها فتأمّل. قوله: (وإنما كثر النداء الخ) المراد بالطريقة أي المناد! الموصرد وحإ؟ ! ها االام وأ، جه التأكيد فسرت بتكرّر الذكر والإيضاح بعد الإيهام واختيار لفظ البعيد وتاكيد معناه بحرف

التنبيه واجتماع التعريفين في النداء وأل، وقوله وكل الخ كل مبتدأ خبره حقيق وما بينهما اعتراض والجملة حالية للتعميم وتتميم التعليل، ولفظ آكد بالمد أفعل تفضيل من التأكيد بالهمزة ويقال من التوكيد أوكد وقوله كثرهم أحسن من قول الزمخشريّ وهم عنها غافلون فلا تغفل. قوله: (والجموع وأسماؤها الخ) الجمع ما دلّ على أكثر من اثنين واسم الجمع مثله إلا أنه اشتراط فيه أن يكون علئ صيغة تغلب في المفردات سواء كان له واحد أم لا ومنه الناس كما بيناه والمحلاة بالتشديد بمعنى الداخلة عليها لام التعريف ولما أفادته التعريف واتصلت بأوّله جعلت لفظا كأنها حلية وزينة له استعارة لشيوعها صارت كالحقيقة وقيد إفادتها العموم بعدم إرادة العهد الخارجيّ لأنه المتبادر من التعريف الموضوع للتعيين ثم الاستغراق لأنه حيث لا عهد لا ترجيح لبعض أفراده على بعض فيتناول الجميع، وهذا في الجموع أقرب وأقوى كما في التلويح. ثم إنه استدلّ على العموم بصحة الاستثناء فإنه استفاض في العامّ حتى جعل معياره فلا يكون حقيقة إلا فيه كقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ} [سورة الحجر، الآية: 42، وقد اختلفوا في أنه إذا لم تكن للعهد هل الأولى حمله على الجنس والعهد الذهني المتيقن أو على الاستغراق لأنه أكثر وأفيد وكلام المصنف ينظر للأخير، وقد قيل على قولهم إنّ الاستثناء يدلّ على العموم أنّ صحة الاستثناء موقوفة على العموم أيضا فيلزم الدور وأيضا الاستثناء يكون في الخاص كاسم العدد نحو له عليّ عشرة إلا ثلاثة والإعلام كضربت زيدا إلا رأسه وصمت رمضان إلا عشرة الأخير فلا يتمّ هذا المدعي ودعوى أكثرية غير مسموعة، وأجيب بأنّ العلم بالعموم يثبت بوقوع الاستثناء في كلامهم ووقوعه يدلّ على وجود العموم لا على العلم به فلا دور والاستدلال ناظر للاستعمال وأمّا النقض المذكور فدفع بأنّ ما ذكر عامّ تأويلا بتقدير جمع معرّف بالإضافة كأعضاء زيد وأيام الشهر، ونحوه الاستدلال بالتأكيد لأنه لو لم يكن عامّاً كان التأكيد تأسيسا والاتفاق على خلافه واستدلال الصحابة شائع وله أمثلة ذكرها الأصوليون كقولهم يوم السقيفة الأئمة من قريش رذا على الأنصار في القصة المشهورة. قوله: (فالناس يعئم الموجودين الخ) هذا هو المسمى بالخطاب الشفاهي عند الأصوليين، وهو ما يدل على الخطاب وضعا كالنداء وبعض الضمائر نحو يأيها الناس قالوا وليس خطاباً عاتا لمن بعد الموجودين في زمن الوحي أو لمن بعد الحاضرين مهابط الوحي والأوّل هو الوجه وإنما يثبت حكمه بدليل آخر من نص أو قياس أو إجماع وأئا بمجرّد اللفظ والصيغة فيما لم يكن مخصوصا كيأيها النبيّ فلا وقالت الحنابلة بل هو عامّ لمن بعدهم ولنا أنا نعلم أنه لا يقال للمعدومين نحو: يا أيها الناس قال العضد رحمه الله وانكاره مكالرة وإذا امتنع خطاب الصبيّ والمجنؤن بنحوه مع وجودهم لقصورهم فالمعدوم أجدر، وهم قالوا: ولو لم يكق الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً به فمن بعدهم لم يكن مرسلاً لهم وردّ بأنّ التبليغ لا يتعين أن يكون مشافهة فيكفي أن يحصل للبعض شفاهلاولمن بعدهم بأدلة تدل على أنّ حكمهم حكمهم كما تقرّر في الأصول وفي شرح العضد للمحقق التفتازانيّ القول بعموم الشفاهي وان نب إلى الحنابلة ليس ببعيد وقد قال الشارح العلامة أنه المشهور حتى قالوا إنّ الحق أنّ العموم علم بالضرورة من الدين المحمديّ وهو الأقرب وقول العضد رحمه الله أنّ إنكاره مكابرة حتى لو كان الخطاب للمعدومين خاصة أمّا إذا كان للموجودين والمعدومين على طريق التغليب فلا ومثله فصيح شائع وكل ما استدلّ به على خلافه ضعيف. انتهى وهذا بعينه ما اختاره المصنف رحمه الله وأشار إليه بقوله لما تواتروا الخ، واليه ذهب كثير من الشافعية في كتبهم الأصلية على أنه عندهم عام بحاق لفظه ومنطوقه من غير احتياج إلى دليل آخر وقد قيل إنه من قبيل الخطاب العامّ الذي أجرى على غير ظاهره كما في قوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت كرمت اللئيم تمرّدا فمن أرجع كلام المصنف إلى ما ذهب إليه العضد وأشياعه وقال في شرحه إنه يريد أنه يعمّ من

سيوجد بعد وقت النزول لا لفظا بل لما تواتر من دينه كقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة كما ذكر في كتب الأصول من أنّ خطاب المشافهة إنما يثبت لمن بعد الموجودين بدليل آخر لم يصب ولو كان كما زعم لم يكن الناس عامّا السياق مناد على خلافه والعجب أنه مع تخصيصه بالموجودين جعله عامّاً وتبعه فيه بعضهم وأطال بغير طائل (وههنا بحث) يجب التنبه له وهو أنّ خطابه تعالى بكلامه لعباده أزليّ قائم بذاته، والنظم القرآنيّ بإزائه وخطاب المعدوم أزلاً، وتكليفه مقرّر عند الأشاعرة والظاهر أنه حقيقة والا يكن جميع ما في القرآن من الخطاب مجازاً ولا يخفى بعده عن ساحة التنزيل ويوجه أيضا بتقدير قولوا والمأمور الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ونوّابهم من أئمة الدين في تبليغ الأمّة إذا وجدوا، وعلى هذا الفرض والتقدير لا يحتاج إلى التجوّز أصلاً كما ذهبوا إليه كما سمعته آنفا على أنه لو لم يكن من التأويل محيص، فالقول بأنه يدل على ما ذكر بدلالة النص المؤيدة بالإجماع أقرب، وقد حام صاحب التحرير حول هذا التقرير وان لم يفك عقدة تعقيده، وقوله لفظا تمييز ولما بكسر اللام وتخفيف الميم، وقوله إلا ما خصه الدليل أي القائم على تخصيص عمومه بخروج بعض منه كالصبيّ والمجنون. قوله: (وما روي عن علقمة الخ) قال السيوطيّ: أخرجه أبو عبيد في فضائل القران عن علقمة وسيمون بن مهران وأمّا روايته عن الحسن فلم يسنده أحد وقد صح عن ابن مسعود أيضا كما أخرجه البزار في مسنده والحاكم في المستدرك والبيهقيّ في دلائل النبوّة فقول الطيبي أنه لم يجده في شيء من كتب الحديث من تقصيره، والمراد بالرفع في قوله إن صح رفعه اتصالط سنده بمن ذكره لأنّ الناقل لا يلزمه غير تصحيح نقله فالرفع بمعناه اللغويّ أو تجوّز فلا يرد عليه ما قيل من أنّ المرفوع قول النبي صلى الله عليه وسلم أو الصاحب فيما يتعلق بالنزول ونحوه مما لا يقال بالرأي وعلقمة والحسن ليسا من الصحابة، ولو سلم فالمراد رفعه للصحابي أو النبيّ صلى الله عليه وسلم فقولهما في حكم المرفوع المرسل ثم إنه قد علم أنّ للمكيّ والمدني ثلاث معان مفصلة في البرهان والاتقان وقد قيل إنّ هذا لا يتمشى على واحد منها وهو منقوض! بأمور منها: أنّ هذه السورة مدنية وفيها يأيها الناس ومن السور ما فيه يأيها الناس ويا أئها الذين آمنوا، وادّعاء تكرير النزول تعسف فإن كان هذا لكثرة المؤمنين بالمدينة فضعيف وقد اضطربوا في التوجيه فمن قائل المراد أنه خطاب جل المقصود به أهل مكة أو المدينة، وقال الإمام الجعبريّ في كتابه حسن المدد معرفة النزول لها طريقان السماع، والقياس. فالأوّل ما وصل إلينا نزوله بأحدهما والثاني كما قال علقمة عن عبد الله: كل سورة فيها يأيها الناس فقط أو أوّلها حرف تهج سوى الزهراوين والرعد في وجه أو فيها قصة آدأ وابليس سوى الطولى فهي مكية وكل سورة فيها يأيها الذين آمنوا وذكر المنافقين فهي مدنية وقال هشام بن عروة: عن أبيه كل سورة فيها قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأمم الخالية والعذاب فهي مكية وكل سورة فيها لريضة أو حد مدنية انتهى. ومنه يعلم أن ما ذكر مما قاله السلف وكونه أيهثر ما لم يرد به التخصيص بعيد جداً وهذا نقله البقاقي في كتاب مصاعد النظر ونقله عن الإمام الشافمي من غير اعتراض عليه فإذا صح هذا من التابعين وكبار السلف فهو قول لهم لا مشاحة فيه ولا وجه للاعتراض عليه. قوله: (فلا يوجب تخصيصه بالكفار الخ) قيل عليه إنه لم يستدل أحد بهذا الأثر على اختصاص هذه الآية بالكفار حتى يحتاج المصنف رحمه الله تعالى إلى دفعه وغاية ما استدلّ به أنه مكيّ نزل بمكة مع عمومه للمؤمنين والكفار لأنّ سبب النزول ليس بمخصص وليس بشيء لأنه إذا سلم أنّ المراد مشركو مكة احتمل العهدية واختص لا سيما والنفاق في الصدر الأوّل إنما حدث بعد الهجرة وقد ذهب إلى التخصيص على هذا الزمخشريّ، حيث قال أو إلى كفار مكة خاصة على ما روي عن علقمة الخ. وارتضاه في شرح التأويلات ولبعضهم هنا كلام مشوّحر! تركه خير من ذكره. قوله: (ولا أمرهم بالعبادة الخ) عطف على قوله تخصيصه، أي لا يوجب أمر الكفار حال كفرهم بإداء العبادة فإنه باطل ولذا لم يجب عليهم القضاء بعد الإسلام بل هم مأمورون بما يتوقف

عليه من الإيمان وبأدائها بعده، والمنفيّ هنا أمرهم بذلك ابتداء، والمثبت في قوله فالمطلوب الخ. غيره فلا تنافي بينهم كما توهم وحاصله أن طلب الفعل من المكلف لا يقتضي صحته منه بلا تقديم شرط كالمحدث المطلوب منه الصلاة وهذا إشارة إلى ما فصل في الأصول في تكليف الكفار بالفروع وعدمه. وفي النحرير ليس محل النزاع كما في المنهاج للمصنف مبنيا على أنّ حصول الشرط الشرقي ليس شرطاً للتكليف المستلزم عدم جواز التكليف بالصلاة حال الحدث بل ابتداء في جواز التكليف بما شرط في صحته الإيمان حال عدمه فمشايخ سمرقند على أنه شرط لصحته لخصوصية فيه لا لعموم كونه شرطا بل لأنه أعظم العبادات ورأس الطاعات، فلا يجعل شرطا تابعا في التكليف لما هو دونه، ومن سواهم متفقون على تكليفهم وإنما اختلفوا في أنه في حق الأداء والاعتقاد أو في الاعتقاد فقط فالعراقيون والشافعية ذهبوا إلى الأوّل فهم عندهم معاقبون على تركهما والبخاريون إبى الثاني، ولم ينص أبو حنيفة، وأصحابه على شيء فيها لكن في كلام محمد رحمه الله ما يدل عليها، وهو ظاهر قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [سورة فصلت، الآية ة 6] ونحوه وأمّا خطابهم بالعقوبات والمعاملات فمتفق عليه فإن قلت قوله فالمطلوب الخ يدل على أنّ المطلوب من الكفار الشروع في العبادة بعد الإتيان بشرط فقط لا الزيادة والمواظبة، ومن المؤمنين الزيادة، والثبات لا غير، وكون الكفار مكلفين بالفروع على مذهبه يستلزم مطلوبية الكل منهم والمؤمن الذي لم يصدر منه إلا الإيمان يطلب منه الشروع في العبادة مع ما ذكر قيل المراد الشروع وما يقتضيه وقوله من المؤمنين الخ مبنيّ على أكثر الأغلب على أنّ المقصود ظاهر. قوله: (هو المشترك بين بدء العبادة الخ) إشارة إلى ما في الكشاف من السؤال والجواب من أنه لا يصح توجيه الخطاب إلى الفرق الثلاث، ولا إلى الكفار فقط كما روي عن علقمة لأنّ المتبادر من العبادة أعمال الجوارح الظاهرة ولا يؤمر بها المؤمنون العابدون لما فيه من تحصيل الحاصل ولا الكفارة لامتناع العبادة منهم بسبب فقد شرطها وهو الإيمان فيلزم التكليف بالمحال لا يقال: إنّ الأمر يتعلق بالمستقبل وليس المؤمن متلبساً بالعبادة المستقبلة حتى يكون تحصيلا للحاصل ولا يتجه السؤال لأنّ المتبادر من إطلاق اعبدوا إحداث أصل العبادة وهو حاصل فيتجه الجواب بأنّ المطلوب من المؤمنين ليس إيقاع أصل العبادة في المستقبل بل ازديادها وثباتها، وليس ذلك حاصلاً فلا إشكال وأنّ المطلوب من الكفار أصل العبادة على أنهم أمروا أن يأتوا بعد تحصيل شرائطها فإن الأمر بالشيء أمر بما لا يتمّ إلا به كأنهم قيل لهم حصلوا شرطها ثم افعلوها ولا استحالة في هذا بل في الأمر بإيقاعها مع انتفاء شرائطها كما مرّ، وما يقال من أنّ الإيمان أصل العبادات كلها فلو وجب بوجوبها انقلب الأصل تبعا مردود بأنّ الأصالة بحسب الصحة لا تنافي التبعية في الوجوب على أنّ هذا واجب أيضا استقلالاً بدلائل أخر، والجمع بينهما آكد في إيجابه والكلام فيه مفصل في محله فلا إفادة في الإعادة. قوله: (فالمطلوب من الكفار الخ) إشارة إلى أن اعبدوا أمر موضوع للأمر بالعبادة مطلقاً فهو عامّ فيها شامل لإيجاد أصلها والزيادة والثبات شمول رجل لأفراده وليس موضوعا لأصلها حتى يلزم من تناوله لغيره الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا موضوعا لكل منها استقلالاً حتى يلزم استعمال المشترك في معانيه، وشكلف دفعه بما لا وجه له، وقول المصنف رحمه الله المشترك لم يرد به الاشتراك المقابل للتشكيك والتواطىء بل معنا. اللغوقي وهو صدقه عليها منفردة وغير منفردة فاعبدوا يدل على طلب في الحال لعبادة مستقبلة، وتلك العبادة من الكفار ابتداء عبادة ومن بعض المؤمنين زيادة ومن آخرين موا! لبة وليس الابتداء والزيادة والمواظبة داخلاً في مفهومه وضعا فلا محذور فيه، وهالى هذا أشار المصنف رحمه ألله فالأمر بالعبادة أمر بقدر مشترك بين ما ذكر ولذا قال الفقهاء أنّ الشيء الممتد يعطي لبقائه حكم ابتدائه حتى لو حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه، ثم استمر حنث وترك المصنف قوله في الكشاف على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون الله ويعترفون به: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [سورة الزمر، الآية: 38]

لأنه وان لم يجعله جوابأ صستقلا بل علاوة غير صالح بوجه من الوجوه لأنّ هذه المعرفة المقارنة للإنكار لا تقتضي صحة العبادة ورب معرفة الجهل خير منها. قوله: (بعد الإتيان بما يجب تقديمه الخ) هذا مبنيّ على أنّ المراد بالعبادة عمل الجوارح فلا يدخل فيها الاعتقاد والمعرفة كما مرّ وقد قيل عليه أنّ الظاهر إدخال أعمال القلب في العبادة لأنها أقصى الخضوع وهو لا يتحقق بدون معرفة المعبود، وقوله والإقرار بالصانع أي أن العبادة لا يعتد بها إلا بعد الإقرار، وقد قيل عليه أنّ الإقرار إن لم يدخل في الإيمان كما ذهب إليه بعض المحققين فلم لا تعتبر العبادة بدونه إلا أنّ المصنف رحمه الله رجح فيما سبق أنّ الإقرار لا بد منه في حصول الإيمان، وفي تفسير السمرقندي رحمه الله أنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما تفسير اعبدوا بوحدوا وخرّج على وجهين أحدهما: أنّ عبادة الله لا تكون إلا بالتوحيد فهو سبب لها فأطلقت عليه مجازاً والثاني أن: {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} بمعنى اجعلوا عبادتكم لواحد لا تعبدوا غيره لأنّ مشركي العرب كانوا يوحدون الله في التخليق وإنما أشركوا الأصنام معه في العبادة فلذا أمروا بالعبادة للواحد الأحد لا غير ثم إنه قدّس سرّه اعترض على قوله بما يجب الخ بأن مجرد معرفة الله والإقرار به ليس كافيا في صحة العبادة بل لا بد معه من التصديق بالنبوّة والاعتراف بها وهو منتف عنهم وأجيب بأنه يريد أنّ هذا القدر من الشرط إن حصل فليضموا إليه ما بقي ثم ليعبدوا وفيه نظر لا يخفى. قوله: (وإنما قال ريكم الخ (التربية مصدر وفي نسخة الربوبية بضم الراء كالخصوصية وهي مصدر أيضاً وفي نسخة الربية وما ذكر لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته. وهي قاعدة مشهورة وفي شرح الطيبيّ طيب الله ثراه فرق بين قوله: {اعْبُدُواْ اللهَ} وقوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} لأنّ في الثاني، إيجاب العبادة بواسطة رؤية النعم التي بها تربيتهم وقوامهم وفي اعبدوا الله عبادته بمراعاة ذاته عز وجل من غير واسطة وعلى ذلك قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} فحيث ذكر الناس ذكر الرب وحيث ذكر الإيمان ذكر لله وهي فائدة لطيفة ينبغي التأمل فيها. قوله: (صفة جرت على الرب للتعظيم الخ) الجري حقيقة في الاتباع: أي هي صفة أجريت على الرب للمدح إذ لا اشتباه في الرب المضاف إلى الكل فإن خص الخطاب بمشركي مكة احتمل التقييد والتخصيص لإطلاقهم الرلت على آلهتهم والتوضيح لأنه الرب الحقيقي عندهم وهم وسائل وشفعاء فهو في خطاب الشارع لا يحتمل غيره تعالى، والتعليل بيان علة الربوبية بأنه الخالق وكون النعت يفيد التعليل من فحوى الكلام ومن تعليق الحكم بالمشتق فإنه يقتضي عليه مأخذ الاشتقاق وإنما لم يذكره النحاة لأنه ليس وضعياً أو لأنّ بيان علة الشيء توضيح له وإنما قال يحتمل التقييد دون التخصيص لأنهم اصطلحوا على أنّ التخصيص تقليل الاشتراك في النكرات وموصوفه هنا معرفة فالتقييد: رفع الاشتراك الناشئ من إطلاق الرب في استحقاق العبادة بخلاف الخالقية فإنها مخصوصة به عندهم {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وما ذكرناه من تفسير التعليل بأنه بيان علة كونه ربا ومالكاً لهم لأن المالك الحقيقيّ هو الموجد ولذا قيل إنهم إذا اعتقدوا أنّ الآلهة شفعاء يكون إطلاق الرب بمحنى المالك عليها مجازاً، وسيأتي الكلام فيه وذمب إليه بعض أرباب الحواشي وقيل المراد به بيان علة الأمر بعبادته تعالى وبيان سبب الوجود لأنه المنعم بنعمة الإيجاد وما ينبني عليها، ولهذا قال الرازي: أنه بيالط لأنّ العبادة لا تستحق إلا بذلك وهو الوجه فتدبر. قوله: (والخلق إيجاد الشيء الخ) التقدير تعيين المقدار والاستواء افتعال من المساواة وهي كما قال! الراغب المعادلة المعتبرة بالذرع والوزن والكيل يقال هذا مساو لهذا أي هما سواء وقوله خلقك فسوّاك أي جعل خلقك على مقتضى الحكمة فقوله على تقدير واستواء أي مشتفلاً على ذلك وقيل يحتمل أن يريد بالاستواء كون ما برز في الوجود على طبق ما قدر في العلم وما دلّ عليه قوله تعالى: {خَلَقَ فَسَوَّى} [سورة الأعلى، الآية: 2، هو أنه جعل له ما به يتأتى كماله ويتمّ معاشه وهذا أفيد لأنّ الأوّل يستفاد من قوله على تقدير غير أنّ قوله خلق النعل الخ يؤيد الأوّل وأصل معناه التقدير ثم قيل للإيجاد على مقدار معين وجاء على أصله في قول

زهير: ولأنت تفري ما خلقت وب! ض القوم يخلق ثم لا يفري ومن كلام الحجاج ما خلقت إلا فريت، وما وعدت إلا وفيت، وقيل إنه بهذا المعنى لا يستعمل في الله تعالى وعدل عن قول الزمخشري: الخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء يقال خلق النعل إذا قدرها وسوّاها بالمقياس لما فيه من الاختصار المخل كما أشار إليه. قوله: (متناول لكل ما يتقدّم الإنسان الخ) التناول معناه الحقيقيّ الأخذ يقال ناوله كذا إذا أعطاه فتناوله أي أخذه ثم تجوّز به عن الشمول وشاع حتى صار حقيقة فيه في كلام الناس، واصطلاح المصنفين ولم يرد في كلام العرب بهذا المعنى وقبل من الظروف، وأكثر فيها الظرفية الزمانية وتكون للمكانية وهي في غير هذا مجاز قال الراغب قبل يستعمل على أوجه الأوّل في المكان بحسب الإضافة فيقول الخارج من أصبهان إلى مكة بغداد قبل الكوفة، ويقول الخارج من مكة إلى أصبهان الكوفة قبل بغداد. الثاني في الزمان نحو زمان عبد الملك قبل المنصور، الثالث في المنزلة نحو عبد الملك قبل الحجاج. الرابع في الترتيب الصناعي نحو تعلم الهجاء قبل الخط انتهى، فهي في اللغة مقابلة لبعد زماناً ومكانا، ويتجوّز بها عن التقدم بالشرف والرتبة في كلام العرب وهو الذي أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله بالذات فجمع بين المعنى الحقيقيّ والمجازيّ الواردين في اسنعمالط العرب وأدخل التقدم المكانيّ في ذلك للإيجار كما هو دأبه، والحكماء قالوا التقدم والتأخر يقال على خمسة أشياء التقدم بالزمان وهو ظاهر والتقدم بالطبع كتقدّم الواحد على الاثنين، والتقدّم بالشرف! قدّم أبي بكر على عمر، والتقدم بالرتبة وهو ما كان أقرب من مبدأ محدود كصفوف المسجد بالنسبة إلى المحراب، والتقدم بالعيية كتقدم حركة اليد على حركة القلم وأثبت المتكلمون قسما آخر للتقدم سموه التقدم بالذات كتقدم بعض أجزاء الزمان على بعض وقيل إنه غير خارج عنها لأنّ بعضه داخل في التقدم بالطبع وبعضه في التقدّم بالرتبة والتحقيق أنه داخل في التقدم بالزمان ومن هنا ظهر لك أن كلام المصنف جار على وفق اللغة واستعمال العرب لا على مصطلح الحكماء فمن أرجعه إليه وقال التقدم الذاتي عبارة عن تقذم المحتاج إليه على المحتاج فيشمل التقدم بالعلية والطبع والتقدم الزماني هو الذي لا يجامع المتقدم فيه المتأخر، ثم قال بعد الفرق بينهما أن المراد هنا التقدم بالطبع والذين موضوع للعقلاء، إلا أنّ المصنف عممه لم يصب، والذي غرّه فيه ما وقع في بعض الحواشي حتى قيل إنّ فيه رائحة من كلام الفلاسفة فإنّ مراده بالتقذم الذاتي ما تقدم على أن الخطاب إن شمل المؤمنين وغيرهم فالمراد بمن قبلهم من تقدّمهم في الوجود ومن هو موجود وهو أعلى منزلة منهم كالنبيّ لمجتن والمؤمنين فقط ما قيل: عليه من أنه جعل القبلية شاملة للتقدم الذاتي والزمانيّ وهو جيد لو ساعدته اللغة وكذا ما قيل من أنه مخالف لما عليه أهل السنة لأنهم لا يثبتون التقدم بالذات لغير الله تعالى إلى آخر ما أطالوا به بغير طائل. قوله: (منصوب معطوف الخ) دفع لتوهم عطفه على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ في فصيح الكلام ولما فيه من الفصل بنعت المضاف إليه. قوله: (والجملة أخرجت مخرج المقرّر الخ) أي جملة لخ! م الواقعة صلة الذي أخرجت مخرج ما هو ثابت مقرّر معلوم لأنّ الصلات لا بد من كونها معلومة الانتساب إلى الموصول عند المخاطب ولذا تعرّف الموصول بما فيها من العهد واشترط فيها الخبرية وقيل: مراده أن الصفة يجب أن تكون معلومة للمخاطب مقرّرة عنده ولذا قالوا: إنّ الإخبار بعد العلم بها أوصاف والأوصاف قبل العلم بها أخبار، وهو بناء على أنّ المخاطب المشركون المنكرون ولذا وجهه المصنف رحمه الله بما سنوضحه لك وإنما رجحنا تفسيره بما ذكرناه أوّلاً لأنه المتبادر من كونه جملة إذ الموصول مفرد فلو كان هو المراد احتاج إلى التأويل بأنه لكونه مع جملة الصفة كالشيء الواحد عدة جملة. على أنّ وجوب العلم بمضمون الجملة وانتسابها إنما هو مقرّر في الصلة دون الصفة عند صاحب الكشاف حيث ذكر في قوله تعالى: {فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} أنّ النار

جاءت معرفة هنا وفي سورة التحريم نكرة موصوفة، لأنها نزلت أوّلاً بمكة فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة ثم جاءت في سورة البقرة مشاراً بها إلى ما عرفوه أوّلاً، ولذا قالط بعض الفضلاء الأظهر أنّ الوصف بشيء لا يجب كونه معلوما بل يجب إمّا كونه معلوما أو بحيث يعلم بأدنى توجه ألا تراك تقول اضرب رجلا يضربك، وهو لا يدري من سيضربه لكنه يعلمه بعد الوقوع وكون الخالق هو الله مما تقزر لأنهم لا يشركون فيه وإنما يشركون في العبادة كما مرّ وبه صرّح في النظم المذكور فلا حاجة إلى ادّعاء التغليب على تقدير العموم في الخطاب لعدم الخفاء عند المسلمين، وإنما الكلام فيمن عداهم وإخراجه مخرج المقرّر في التعبير بعبارته لا ينافي كونه مقرّرا في الخارج حتى يتأتى تعليله باعترافهم والاستدلال بالآيتين اللتين ذكرهما المصنف رحمه الله على الاعتراف ظاهر والتنظير فيه والقول بأنّ الوجه هو الثاني لا وجه له. قوله: (أو لتمكنهم من العلم به بأدنى نظر) أي بأقرب نظر أو أقله لسهولته وهذا إن كان من الكفرة من لا يعلم أنّ الله خالقه وخالق من قبله لا سيما على ما فسر به المصنف رحمه الله القبلية فنزل قدرته على العلم منزلة حصوله وأخرجت الجملة مخرج المعلوم على خلاف مقتضى الظاهر فإنه قد ينزل غير العالم منزلة العالم لوضوح البراهين كما ينزل العالم منزلة الجاهل لعدم عمله. قوله: (وقرئ من قبلكم) القراءة المشهورة بمن المكسورة الميم الجارّة، وقد استشكلت أيضاً بأن الجارّ والمجرور لا يصح أن يكون صلة إلا إذا جاز أن يخبر به عن المبتدأ ومن قبلكم ناقص ليس في الإخبار به عن الأعيان فائدة فلا يصح أن يقع خبراً إلا بتأويل فكذلك حكمه في الصلة وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف لفظاً أو تقديراً مع القرينة الواضحة صح الإخبار به والوصل فتقول نحن في يوم طيب وما هنا بتقدير في زمان قبل زمانكم، وقال أبو البقاء التقدير هنا والذين خلقهم من قبل خلقكم فحذف الفعل الذي هو صلة وأقيم متعلقه مقامه، وأمّا قراءة من بفتح الميم كالموصولة وهي قراءة زيد بن عليّ الشاذة فمشكلة لتوالي موصولين والصلة واحدة ولا يصح أن يكون تأكيداً لأنّ المعنوي بألفاظ مخصوصة واللفظيّ بإعادة اللفظ بعينه، وهذا خارج عنهما فخرجت كما قاله المصنف رحمه الله على إقحام الموصول الثاني أي زيادته وأصل معنى الإقحام إدخال شيء في آخر بفف كما مرّ كما أقحم الشاعر في قوله: يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم تيما الثاني بين الأوّل وما أضيف إليه وأقحم لام الإضافة أيضاً بين المتضايفين في لا أبا لكم إلا أنّ المصنف رحمه الله ترك الثاني مع ذكره في البيت وتصريح الزمخشري. به لأنه عند ابن الحاجب ليس مضافا واللام زائدة وأنما عومل معاملة المضاف وارتضاه المصنف رحمه الله لسلامته من التكلف، وقيل على هذا التوجيه أنه غير سديد لأنّ الحرف لا يؤكد بدون إعادة ما اتصل به فالموصول أولى بذلك، وخرج على أنّ من موصولة أو موصوفة وهي خبر مبتدأ مقدر فما بعده صلة أو صفة وهو مع المقدر صلة الموصول الأوّل والتقدير الذين هم من قبلكم، والمراد بالتأكيد على تقديره الزيادة لأنّ الزيادة تفيد تقوية الكلام في كلامهم فلا يرد عليه ما قيل من أنه خارج عن قسمي التأكيد وقد أجاز بعض النحاة زيادة الأسماء وأجاز الكسائي أيضاً زيادة من الموصولة وجعل منه قوله: وكفى بنا فضلاً على من غيرنا فلا حاجة إلى أن يقال إنه تكيد لفظيّ فإنه يكون بعينه وبمرادفه فيرد عليه أنّ الموصول بدون صلته لا يفيد شيئا فكيف يؤكد. قوله: (يا تيم تيم عديّ لا أباً لكم) هو مصراع بيت من شعر لجرير هجا به عمر بن لجا بن حدير أحد بني مصاد والشعر أوّله: هاج الهوى وضمير الحاجة الذكر واستعجم اليوم من سلامة الخبر وياتيم تيم عديّ لا أبالكم لايلقينكم في سورة عمر أحين صرت سمامايا بني لجا وخاطرت بي عن أحسابها مضر خل الطريق لمن يبني المنار به وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر وبرزة أمّ عمر بن لجا فأجابه عمر بقوله:

لقد كذبت وشرّ ألقول أكذبه ما خاطرت بك عن أحسابها مضر بل أنت برزة خوّار على أمة لن يسبق الجلبات اللؤم والخور وله قصة مذكورة في شرح شعر جرير وتيم بفتح التاء الفوقية وسكون التحتية أصل معناه العبد، ومنه تيم الله ثم سمى به عدة قبائل ومنها تيم عديّ التي منها عمر المذكور فخاطب جرير قبيلته لما بنغه عنه أنه أراد هجاءه وقال لهم لا تتركوا عمر أن يهجوني فيصيبكم شرّي بأن أهجوكم بسببه، وبجوز في تيم الأوّل الضم والفتح والثاني مفتوح فقط وما ذكر هنا بناء على أنّ تيم الأوّل مضاف لعديّ والثاني مقحم بينهما للتأكيد وفيه وجوه أخر مفصلة في باب المنادى وشبه الإقحام بين الصلة والموصول ببين المضاف والمضاف إليه ووجه الشبه ظاهر. قوله: (حال من الضمير في اعبدوا الخ) رجح هذا الوجه المصنف تبعا لكثير من المفسرين وخالف الزمخشري في ترجيحه الوجه الآتي بيانه وتقريره، واعلم أنّ لعل موضوعة للترجي وهو الطمع في حصول أمر محبوب ممكن الوقوع والإشفاق وهو توقع مخوف ممكن والمشهور تقابل الترجي والإشفاق فتكون مشتركة بينهما لكن المحقق الرضي ذكر أنّ في لعل معنى ترجيت والترجي ارتقاب شيء لا وثوق بحصوله ويدخل في الارتقاب الطمع والإشفاق فالطمع ارتقاب أمر محبوب والإشفاق ارتكاب أمر مكروه، والترجي أعمّ من الطلب وقيل بالعكس والذي ارتضاه النحاة في شرح التلخيص أنّ الترجي ليس بطلب وما ذكر هو معناه الحقيقيّ وقد تخرج إلى معان أخر، واختلف في لعل الواقعة في كلامه تعالى فقيل ليست على حقيقتها بل هي للتعليل وسيأتي ما فيه وقيل لتحقيق مضمون ما بعدها ولا يطرد لورود نحو لعلة يتذكر أو يخشى والذي ارتضاه سيبويه وبعض النحاة أنها على حقيقتها والرجاء والإشفاق يتعلق بالمخاطبين لأنّ الأصل أن لا يخرج عن الحقيقة بغير داع وهذا هو الذي اختاره المصنف رحمه الله إلا أن الرجاء لما كان غير لائق به تعالى صرفه إلى المخاطبين بناء على أنّ معاني الألفاظ تكون بالنظر إلى المتكلم وبالنظر إلى المخاطب والى غيرهما والظاهر أنّ الثاني مجاز لكنه أقرب إلى الحقيقة لبقائها في الجملة فإن قلنا إنه حقيقة فلا كلام في ترجيحه وجعله حالاً من فاعل اعبدوا بتأويله براجين لأنه إنشاء ومثله لا يقع حالاً بغير تأويل كما صرّح به النحاة والحال قيد لعاملها وهو الأمر فإن قلنا إنه أعئم من الوجوب فلا إشكال وان قلنا الأصل فيه الوجوب فيقتضي وجوب الرجاء المقيد به العبادة المأمور بها وليس بواجب فقد يمنع ويقال إنه يقتضي وجوب المقيد دون قيده وفيه كلام في الأصول ولهذا جعل ما اختاره المصنف مرجوحا وقيل إنّ فيه أيضا عدولاً عن تعليقه بالأقرب إلى الأبعد وتوسطه بين العصا ولحائها فإنّ {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} [سورة البقرة، الآية: 22] موصول بربكم صفة له بحسب المعنى، دمان جعل منصوبا أو مرفوعا على المدح والتعظيم، وأيضا لا طائل في تقييد العبادة برجاء التقوى لأن رجاء الشيء ينافي حصوله حين الرجاء بل المناسب تقييدها بنفس التقوى أي اعبدوه متقين أو عطفها عليها أي اعبدوه واتقوا ولا مساغ للحمل على رجاء ثواب التقوى لإخراجه الكلام عن سننه كما لا يخفى، وأجيب عنه بأنه يرجح تعلقه بالأبعد أنه حينئذ حقيقة وأنه لم يقيد العبادة برجاء التقوى حتى يرد ما ذكر بل قيد باستمرار التقوى. كما يفيده المضارع ورجاء استمرار التقوى يفيد حصول التقوى على أبلغ وجه وفائدته الاحتراز عن الاغترار وأمّا الفصل المذكور فيهوّنه القطع وان كان بينهما اتصال معنويّ ويدفعه بالكلية جعله مبتدأ خبره جملة فلا تجعلوا الخ ولا يخفى ما فيه من التكلف والردّ بما تداركه من قوله صفة بحسب المعنى مع عدم تعين القطع وبناء الوجه الراجح على مرجوح عنده. كله لا يدفع الترجيح بل يؤيده وقيل في الجواب عنه أيضاً أن قوله راجين الخ جواب عما أورد من أنه لا طائل تحته لأنه إذا حملت التقوى على معناها الثالث وهو التبري عما سوى الله المقتضي للفوز بالهدى عاجلا وبالقرب فيه آجلا ففيه طائل وأيّ طائل وهو أقرب مما قبله فتدبر. قوله: (أن تنخرطوا لخ) الانخراط بمعنى النظم كما يشهد له اقترانه بالسلك وهو

الخيط الذي تنظم فيه الدرر وما ضاهاها وقع في كلام كثير من العلماء والأدباء كالزمخشري والحريرفي والسكاكيّ وغيرهم، إلا أني لم أره في كلام العرب بهذا المعنى ونظرت في كتب اللغة التي بأيدي الناس فلم أر في شيء منها تفسير. بما ذكر، والذي أراه في توجيهه أنه من الخريطة وهي الكيس فإنه يقال أخرطت الخريطة كما في المحيط الصاحبيّ من كتب اللغة فيكون على ضرب من التسامح فيه بجعل جمع الكيس كجمع العقد وهو قريب جداً والاستيجاب المراد به ألاستحقاق بفضله تعالى وضمن التبري معنى الفرار فعداه بإلى وهو ظاهر وقوله المستوجبين بصيغة الجمع صفة للمتقين أو بدل منه بمعنى المستحقين وبصيغة التثنية صفة للهدى والفلاح بمعنى المقتضيين لما ذكر، والهدى في الدنيا والفلاح في الآخرة. قوله: (نبه به) أي بما ذكر أو بالحال لأنها تذكر وتؤنث وأشار بقوله نبه إلى أنه ليس من منطوق اللفظ بل من إيمانه فإنه غير مخصوص بهؤلاء سواء عمّ الخطاب أو خص لكن التعبير بالترجي في حق الجميع يومئ إلى أنها رتبة عظيمة لأنّ طالب الحق لا يزال يترقى من حال إلى آخر، ويسمى ذلك سيرآ والسلوك معناه في اللغة مطلق الدخول ثم خص عند الصوفية بالدخول في طريق موصل للحق والسالك عندهم هو السائر إلى الله المتوسط بين المريد والمنتهى ما دام في السير وفسر التقوى بما ذكر وهو من مراتبها السابقة وقوله وأن العابد الخ هذا لما نظرا إلى ظاهر الترجي لأنه يستعمل فيما يحتمل الوقوع وعدمه فكل مترج خائف مما يؤذي إلى سخطه تعالى، ويحتمل أنه إشارة إلى حمل التقوى على معناه الأول الذي به يتقي العذاب فلا يتجه عليه شيء، ولا يرد ما قيل من أنّ المفهوم من لعل الرجاء دون الخوف إذ المراد خوف عدم حصول المرجوّ من التقوى المفضي إلى العذاب فينطبق حينثذ على ما استشهد به من قوله تعالى: {يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [سورة الإسراء، الآية: 57] ويؤيده كون لعل يدل على الإشفاق أيضاً وفي احتماله ما يومئ لما ذكر لمن تدبر. قوله: (أو من حاشية الشهاب / ج 2 / م 2 مفعول خلقكم الخ) معطوف على قوله من الضمير في اعبدوا إشارة إلى ما في الكشاف بعد ما ذكر حقيقتها من الترجي والإشفاق وأنها تكون في كلامه تعالى للإطماع من أنها هنا ليست في شيء لأنّ الرجاء لا يجوز عليه تعالى، وحمله على أنه يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد فلعل هنا مجاز لأنه خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف وركب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلة عن أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين ووضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير والتقوى فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل ففي الكلام استعارة لتشبيههم بالمرجوّ منهم، وتشبيهه تعالى بالراجي فإنّ هناك حالة شبيهة بالرجاء وهي إرادته تعالى منهم التقوى فأمّا أن تعتبر استعارة كلمة الترجي للإرادة استعارة تبعية حرفية أو يلاحظ هيئة مركبة من راج ومرجوّ منه ورجاء فت! ون تمثيلية صرّج من ألفاظها بالعمد منها ونوى ما سواه فلا تجوّز في لعل كما مرّ تفصيله إلا أنه قيل إن كلامه يميل إلى الأوّل إلا أنه راعى الأدب فلم يصرّح بنسبة التشبيه إليه تعالى ولا إلى إرادته وإن صزح به فيئ محل آخر لأنه لا تظهر المشابهة بين الإرادة والرجاء إلا باعتبار حال متعلقيهما أعني المكلف والمترجي منه فذكر التشبيه بين حاليهما لتظهر تلك المشابهة في أنّ متعلق كل من الإرادة والترجي متردّد بين الفعل وعدمه مع رجحان ما لجانب الفعل فإنه تعالى وضع بأيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الطاعة كما هو مذهب المعتزلة ونصب لهم أدلة عقلية ونقلية داعية إليه، ووعد وأوعد وألطف بما لا يحصى فلم يبق للمكلف عذر وصار حاله في رجحان اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في اختياره لما ترجى منه مع تمكنه من خلافه وصارت إرادته تعالى لاتقائه بمنزلة الترجي، ولما كان ما ذكره المصنف أقرب إلى الحقيقة وهو مجاز ما فيه من الابتناء على الاعتزال رجح الأوّل واخاره ولم يلتفت لما أوردوه عليه وأسقط منو قوله وضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير لأنه نزغة اعزالية فإذا سلم الكلام منها لم يبق به بأس ولذا قال ابن عطية لما اختار تعلقه بخلقكم لقربه أنه لما ولد كل مولود على الفطرة. كان بحيث إن

تأمّله متأمّل توقع منه رجاء أن يكون متقيا، وليس هذا ما في الكشاف بعينه كما توهم بل هو وجه آخر أبقى فيه لعل على حقيقته من الترجي إلا أن الترجي ليس من المتكلم ولا من المخاطب بل من غيرهما كما في قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} [سورة هود، الآية: 2 ا] ومن نزل عليه كلام المصنف وقال المعنى إنه خلقكم ومن قبلكم والحال أنّ من شأنكم وشأنهم أن يرجو منكم ومنهم التقوى كل من يتأتى منه الر%ظء والتوقع وهذا لا يستلزم تشبيهه تعالى بالمترجي ولا تعيين الراجي خبط وخلط، والذي عليه أرباب الحواشي أنّ هذا بعينه ما في الكشاف والمعطوف عليه قوله والذين من قبلكم. قوله: (في صورة من يرجى منه الخ) هذا صريح في الاستعارة فلا وجه لمن جعله حقيقة والدواعي جمع داعية أو داع لأنه لما لا يعقل والإنسان إذا اعتقد أنّ له في الفعل أو الترك مصلحة راجحة حصل في قلبه ميل جازم إليه فهذا الاعتقاد سواء نشأ عن علم أو ظن هو المسمى بالداعية مجازا من قولهم دعاه أي طلبه فكأنّ علمه بالمصلحة طلب منه الفعل وقد يسمى الداعي بالغرض! ، ومجموع القدرة، والداعية يسمى علة تامّة كما ذكره الأصوليون وفسرت هنا بالزواجر والمرغبات وعلى هذا الوجه الترجي مستعار للإرادة، كما صرّح به السيد وغيره وهو مع ظهوره قيل عليةلم! أن في شرح المقاصد أن الإرادة عند محققي المعتزلة العلم بما في الفعل من المصلحة ولا شك أنه لا شك في أنه لا مشابهة بين العلم والترجي أصلاً فلا يظهر اعتباره في الآية ويمكن أن يقال إنه نقل في شرح المقاصد أيضا عن الكعبيّ من المعتزلة أنّ إرادة فعل الغير الأمر به فيندفع الإشكال إذ المراد بالأمر الظلب بقي أنّ المشابهة بين الرجاء والإرادة بمعنى الطلب أو الصفة المرجحة المخصصة للفعل ظاهرة بلا حاجة إلى اعتبار المترجي منه والمراد منه على أنّ المتبادر من تقديره قدس سرّه أنّ المعتبر في الترجي رجحان جانب الفعل بحسب الوقوع في نفس الأمر وليس كذلك إذ يكفي ترجيحه في نظر الزواجر وهذا كله من ضيق العطن وتكثير السواد بما لا يليق بمثله فإنّ العلم ليس مطلقا بل علم مصلحة الفعل ولا خفاء في مشابهتة للترجي في جانب الوقوع فيهما وما بعده على طرف الثمام. قوله: (وغلب المخاطبين على الفائببن الخ (هذا جواب عن سؤال هو أنه كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون خلق من قبلهم لدّلك فلم قصر عليهم دون من قبلهم، فأجيب بأنه لم يقصر عليهم ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفملى والمعنى على إرادتهم جميعاً ولو لم يغلب قيل لعلكم واياهم، وهذا محصل ما في الكشاف إلا أنه قيل على المصنف أنه عمم أوّلاً في قوله الذين من قبلكم لغير العقلاء ثم اعتبر هنا تغليب المخاطبين على من قبلهم العامّ فيلزمه أن يكون ما سوى الإنسان من الجماد والحيوان الداخل فيمن قبلهم مطلوبا منه التقوى وإنما لزمه هذا من جمعه بين كلام الراغب والزمخشري، فإنّ الزمخشري اعتبر التغليب لكنه لم يعمم الذين من قبلهم لغير العقلاء والرإغب عكس فلما جمع بين كلاميهما لزم منه ما لزم، وأجيب بأنّ قوله لعلكم تتقون إذا كان حالاً من ضمير اعبدوا تناول الذين من قبلكم العقلاء وغيرهم وهو الذي اختاره الراغب واقتصر عليه وإذا كان حالاً من مفعول خلقكم والمعطوف عليه كان المراد بقوله الذين من قبلقم الأمم السالفة وهو الذي اختاره في الكشاف والتغليب مختص بهذا الوجه فكأنه قال أو عن مفعول خلقكم والمعطوف عليه لا على غعنى جعله متناولاً لغير ذي العقول بل على أنه خلقكم ومن قبلكم من الأمم السالفة وغلب المخاطبين من الأمم على الغائبين منهم فلا إشكال فيه. وأمّا جعل هذا التفاتاً لمن ذكر بطريق الغيبة من غير حاجة إلى التغليب فقيل إنه لم يلتفت إليه لأنه لا يجوز صرف الخطاب عن جماعة إلى جماعة أشمل من الأولى في كلام واحد ولا يخفى عليك أنه لا بد من التغليب في قوله الذين من قبلكم أيضاً لأنّ الذين ونحوه من صيغ جمع المذكر السالم مخصوص بالعقلاء فإطلاقه على غيرهم إنما يكون بطريق التغليب وحينئذ فلا مانع من أن ينسب إلى الجميع ما ينسب إلى بعضهم من ترجي التقوى ويتبنى هذا على التغليب والاختلاط السابق كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلاً والقاتل واحد منهم ففي الكلام حينئذ تغليبان أحدهما: في اللفظ والآخر: في النسبة فإنّ التغليب كما يكون في طرفي

القضية يكون في نسبتها كما صرّحوا به واجتماع تغليبين في لفظ واحد وارد في القرآن كما صرّح به في شرح التلخيص والمفتاح في قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [سورة الشورى، الآية: 11] وهذا ليس بأبعد مما اذعاه من غير بينة فتأمّل. قوله: (وقيل تعليل الخ (في الكث اف لعل جاءت للأطماع روتي القرآن من كريم رحيم إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه وهو معنى ما قيل من أنها بمعنى كي لأنها لا تكون بمعنى كي حقيقة وأيضا فمن ديدن الملوك وعادتهم أن يقتصروا في مواعيدهم المن! ش ة على عسى ولعل ونحوهما أو يخيلوا إخالة رمزة وابتسامة، فإذا عثر على شيء من ذلك لم يبق شك في النجاج والفوز بالمطلوب وعلى هذا ورد كلام مالك الملوك ذي الكبرياء أو جاء على طريق الإطماع لئلا يتكل العباد كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [سورة التحريم، الآية: 8] والأطماع إيقاع الغير في الطمع والطمع كما قاله الراغب نزوع النفس إلى الشيء فهو توجيه فيما له ترجي المخاطب وهو الذي أراده فإنّ معاني الألفاظ كما تكون بالنسبة إلى المتكلم تكون بالنسبة للمخاطب وغيره حقيقة فهو معنى حقيقيّ أيضاً للعل واليه أشار الشريف في شرحه، وهو معنى قول الراغب الطمع والإشفاق لا يصح على الله ولعل وان كان طمعاً فإنه يقتضي في كلامهم أن يكون تارة طمع المخاطب وتارة طمع غيره وتحقيق هذا المقام، وتطبيق مفاصل كلام العلامة من مزالّ الإقدام التي خبط فيها شراحه، والحق الحقيق بالقبول ما تلخص من كلام بعض الفحول، وهو أنه أراد أنها للتحقئين إلا أنه أبرز في صورة الأطماع وترجية الغير إمّا لإظهار أنه لا فرق بين أطماعه في شيء وبين جزمه بإعطائه لاقتضاء كرمه ذلك أو لسلوك طريق الملوك في إظهار الكبرياء وقلة الاعتداد بالأشياء أو للتنبيه على أنّ حق العباد أن لا يتكلوا على العبادة بل يقفوا بين الخوف والرجاء، ولما ذهب ابن الأنبارقي وغيره إلى أنّ لعل تجيء بمعنى كي حتى حملوها عليه في كل موضمع امتنع فيه الترجي سواء كان إطماعاً أو لا أشار إلى توجيه ما قالوه بأنهم لم يريدوا أنها بمعنى كي حقيقة لأنّ أهل اللغة يعدّوه من معانيها ولذا لم تقع في موضعها في نحو دخلت على المريض كي أعوده ولا يقول به أحد فالمراد أنّ ما بعدها، إذا صدر من كريم على سبيل الأطماع سيلحق عقب ما قبلها تحقق الغاية عقيب ما هي سبب له فكأنها بمعنى كي ولا يجري هذا إلا في الإطماعية دون غيرها. وقيل مقصوده الردّ عليهم مشيراً لمنشأ توهمهم وفيه أنه توهم عامّ منشؤه خاص وقد ارتضاه بعضهم ونزل عليه كلام المصنف رحمه الله والظاهر ما ارتضاه قدس سرّه، وما قيل من أنّ من فسرها بكي لا يدعي أنها حقيقة في معناها حتى يكونا مترادفين يصح وقوع كل منهما في موقع الآخر بل مجاز فلا يقتضي صحة وقوعها في جميع مواقع كي حتى يلزم صحة نحو لعلي أعوده مع أنه لا يلزم من كون لفظ بمعنى آخر أن يعطي له جميع أحكامه ولم يدعوا أنه لا فرق بينهما أصلا ولا نسلم الاتفاق على عدم صلوحها لمجرّد معنى العلية بل الظاهر الاتفاق على خلافه لأنّ جمهور المفسرين حتى الزمخشريّ والمصنف فسروها بكي في مواضمع كثيرة كما سيأتي نيه ما فيه ثم إنّ كثيرا من أهل اللغة والعربية " تد عدوه من معانيها كما نقل عن سيبوبه وقطرب، أقول لك أن تقول إنّ الأطماع بمعنى الترجي إذا كان معنى حقيقياً يكنى به بقرينة مقام الكبرياء عن تحقق ما بعدها على عادة الكبراء كما قال زهير: غمرالرداءإذاتبسم ضاحكا عتقت لضحكته رقاب المال ثم يتجوّز به عن كل متحقق كتحقق العلة سواء كان معه أطماع أم لا كما قرّروه في المجاز المبنيّ على الكناية في نحو لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم فالعلامة اختاره لأنّ المجاز أولى من الاشتراك عنده لا سيما وهو أبلغ وفيه جمع لنشر كلام القوم ولا ينافي حيئ! ذ تفسيره به وكيف لا وقد صرّح به وقال إنها جاءت كذلك في مواضع من القرآن فإن نزل كلام المصنف عليه بصرف قوله إذ لم يثبت في اللغة إلى أنه لم لثت على أنه معنى حقيقيّ فيها ونعمت والا يدفع ما يرد عليه حيث فسر به بأنه تغ فيه غيره وان لم يكن مرضياً له

وهي شنشنة من أخزم، نعم كلام كثير من أهل العربية يدلّ على أنه معنى حقيقيّ لها ولكل وجهة يرضاها وليكن هذا على ذكر منك ينفعك فيما سيأتي. قوله: (كما قال سبحانه وتعالى وما خلقت الخ) إشارة إلى جواب سؤال تقديره كيف يصح جعلها بمعنى كي وأفعاله تعالى على المشهور لا قعلل بالأغراض عند الأشاعرة خلافا للمعتزلة فلا يقال فعل كذا لكذا بل لحكمة لأنّ الأصح خلافه حتى قال صدر الشريعة رحمه الله أفعاله تعالى معللة بمصالح العباد عندنا مع أنه لا يجب عليه الأصلح وما أبعد عن الحق من قال إنها غير معللة بها فإنّ بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاهتداء الخلق واظهار المعجزات فمن أنكر تعليل بعض الأفعال لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود فقد أنكر النبوّة ولذا كان القياس حجة وأمّا الوقوف على ذلك في كل محل فلا يلزم، والحق أنّ الخلاف في هذه المسألة لفظيّ فان فسرت العلة والغرض بما يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل امتنع ذلك في حقه تعالى وان فسرت بالحكمة والثمرة المترتبة على الفعل فلا شبهة في وقوعها كما قيل: من عرف الله أزال التهمه وقال كل فعله لحكمه ولما لم يصح عند الأشاعرة استعارة لعل للإرادة لاستلزامها وقوع المراد جعلوها مجازا عن الطلب الأعمّ وحيث فسرت بالإرادة فيتجوّز عن الطلب وأمّا التعليل فقد عرفته آنفاً. قوله؟ (وهو ضعيف الخ) استشكل بأنه مناف لتفسيرهم به في آيات كثيرة ولتصريح النحاة به واستشهادهم عليه بكلام فصحاء العرب كقوله: فقلتهم لنا كفوا الحروب لعلنا نك! ووثقتم لناكل موثق فإنّ قوله وثقتم الخ يقتضي عدم التردّد في الوقوع كما في الترجي وبهذا يتعين أنها بمعنى كي ووجه بأنه استعارة للطلب فإمّا أن يجعل مفعولاً له أي خلقكم لطلب التقوى والتعليل مستفاد من ربطها بما قبلها أو حالاً أي خلقهم طالبا منهم التقوى ولا يخفى ما فيه من التعسف وأنت إذا عرفت ما قرّرناه استغنيت عن مثل هذه التكلفات. قوله: (والآية تدلّ على أنّ الطريق إلى معرفة الله تعالى الخ) هذه الدلالة ليست بطريق البرهان العقليّ وإنما هي بطريق الإشارة من عرض الكلام وفحوى المعنى ووجهه بعد العلم بأنّ المراد بمعرفة الله التصديق بوجوده متصفا بصفاته اللائقة بجلال ذاته، ووحدانيته بفتح الواو تفرّده ة ي جميع شؤونه بحيث لا يصح عليه التجزي ولا التكثير ولا يشاركه شيء أصلاً وأصله الوحدية فزيد فيه ألف ونون على خلاف القياس للمبالغة كما قيل في نفسانيّ وروحانيّ وهو وان شاع لم يذكره أهل اللغة بخصوصه، والعلم معطوف على المعرفة والفرق بينهما مشهور، والصنع إجادة الفعل فهو أخص منه، والاستدلال إقامة الدليل بأنه لما أمر وجوبا بعبادته توقف ذلك على معرفته فيجب أيضاً لوجوب ما لا يتمّ الواجب إلا به واستحقاقه العبادة عامّة مأخوذ من هذا الأمر لأنه لو لم يستحق لم يجب أو من عنوان الربوبية لأنّ المالك الانقياد والخضوع له والنظر في مصنوعاته من الأنفس والآفاق يدلّ على ذلك لأنها محدثات مبتدعة في غاية الإتقان فلا بدّ لها من موجد واجب الوجود لئلا يتسلسل ويلزم المحال كما تقرّر في- الأصول، وعقة الاحتياج الإمكان أو الحدوث أو هما كما هو مشهور، والمصنوعات دلّ عليها قوله تعالى {الَّذِي خَلَقَكُمْ} إلى قوله {رِزْقاً} ، ووجه الترتيب أن أقرب الأشياء إلى الناظر نفسه وأحواله الدال عليها قوله خلقكم فلذا قدم ثم اتبع بالأصول وما يليه، وتعين النظر طريقاً إلى المعرفة يفهم من التوصيف المقصود منه تعيين الرب بمصنوعاته المأمور بعبادته فكأنه قيل إن لم تعرفوا المستحق للعبادة الواجبة فهو من اتصف بما ذكر، ولا شك أنه إشارة إلى طريق النظر والفكر وأمّا كونه طريقا للتوحيد فقيل لأنّ السياق له وما ذكر طريق لمعرفته، وأمّا الاستحقاق فمن تعليق الحكم بالوصف المشتق المشعر بالعلية التي لا تعرف إلا بالنظر في الصنع وبما ذكرناه علم أنه لا يرد على المصنف رحمه الله ما قيل من أنّ ما ذكره ظاهر لو كانت العبادة بمعنى المعرفة كما فسر به قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات، الآية: 56] أو كانت

شاملة لها وإلا ففيه خفاء لما عرفته من وجه التفسير بها. قوله: (وأن العبد لا يستحق الخ الأنه تفضل بخلقه وإيجاده وتربيته واعطائه ما به قوامه فلو فكر في كل عضو عضو وما ركب فيه من القوى والحواس لوجده أنعم عليه قبل عبادته بما لا يحصى مما لا تفي الطاقة البشرية بشكره ولا تقاوم عبادته بعضاً منه فكيف يستحق بها شيئا آخر كما لا يخفى وهذا مستفاد من تعليق الأمر بالرب الموصوف بما ذكر وبهذا ظهر موقع لعل هنا لمن تدبر. واعلم أنه سأل في الكشاف لم يقل في النظم تعبدون لأجل اعبدوا أو اتقوا لمكان تتقون ليتجاوب طرفا النظم أي ليتناسب أوّل الكلام وآخره إذ معناه حينئذ اشتغلوا بالأمر الذي خلقتكم لأجله مع اشتماله على صنعة بديعة من ردّ العجز على الصدور وما في النظم يوهم أنّ المعنى اشتغلوا بما جلقتم لغيره وهو متنافر وأجاب بأنّ التقوى ليست غير العبادة حتى يؤدّي إلى تنافر النظم وإنما التقوى قصارى أمر العابد فإذا قال اعبدوا ربكم الذي خلقكم للاستيلاء على أقصى غايات العبادة كان أبعث على العبادة وأشد إلزاما ونحوه أن تقول لعبدك احمل خريطة الكتب فما ملكتك إلا لجرّ الأثقال، ولو قلت لحمل الخرائط لم يقع ذلك الموقع، وقال أبو حيان رحمه الله إنه ليس بشيء لأنه لا يمكن هنا تجاوب طرفي النظم على تقدير اعبدوا لعلكم تعبدون أو اتقوا لعلكم تتقون لما فيه من الغثاثة والفساد لأنه كقولك اضرب زيدا لعلك تضربه وتلقاه بعضهم بالقبول حتى قيل: إنّ المصنف إنما تركه لهذا أو لخفائه، مع أنه مبنيّ على أنّ لعل للتجليل فإنه إنما يحسن على ذلك التقدير، وهو مخالف لما قدمه من أنها ليست بهذا المعنى وما في شروحه من تقرير الجواب على وجه يدفع الغثاثة المذكورة كما قال قدس سرّه حاصل الجواب أنّ الملاءمة حاصلة بحسب المعنى مع مبالغة تامّة في إلزام العبادة كما صوّرها في المثال فإنّ الأخذ بالأشق الأصعب يسه!! الشاق الصعب ويعين على تحصيله وهو محل بحث فليتدبر. قوله:) صفة ثانية) هذا الموصول محتمل للرفع والنصف من أوجه، فالنصب إمّا على القطع بتقدير أعني أو على أنه نعت ربكم أو بدل منه أو مفعول تتقون، ورجحه أبو البقاء أو نعت الأوّل لكهم قالوا: إنّ النعت لا ينعت عند بعضهم فإن جاء ما يوهمه جعل نعتا ثانيا إلا أن يمنع منه مانع فيكون نعتا للثاني نحو يا أيها الفارس ذو الجمة فذو الجمة نعت للفارس لا لأيّ لأنها لا تنعت إلا بما تقدم ذكره وقد يعتذر بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل مع أنّ نعت نعت أفي لغلبة الجمود فيه لا يقاس عليه والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبر. جملة فلا تجعلوا وأورد عليه أنّ صلته ماضية فلا تشبه الشرط حتى تزاد الفاء في خبره وأنه لا راد علة فيه وأنّ الإنشاء لا يكون خبرا في الأكثر وأجيمب بأنّ الؤاء قد تدخل في خبر الموصولة بالماضي كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} [سورة البروج، الآية: 0 ا] كما ذكره الرضي وأنّ الاسم الظاهر وهو الله هنا يقوم مقام الضمير عند الأخفش وأنّ الإنشاء يقع خبرا بالتأويل المشهور وكل مصحح لا مرجح ولذا أخره المصنف وما قيل إنه مبتدأ خبره رزقا لكم بتقدير يرزق أو يرزقكم تكلف بارد. قوله:) وجعل من الأفعال العامّة الخ) قال الراغب جعل لفظ عامّ في الأفعال كلها لأنه أعمّ من فعل وصنع وسائر أخواتها ولها خمسة أوجه فتكون بمعنى طفق فلا تتعدى وبمعنى أوجد فتتعدى لواحد ولإيجاد شيء عن شيء وتكوينه عنه وتصيير شيء على حالة دون حالة وللحكم بشيء على شيء حقاً أو باطلا، وقال السيرافي أنها تكون بمعنيين صنع وعمل فتتعدى لواحد وصير فتتعدى لاثنين لا يجوز الاقتصار على أحدهما وهذه كصير على ثلاثة أوجه الأوّل بمعنى سمي نحو: {جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا إنلأناً} [سورة الزخرف، الآية: 19] كما تقول! صير زيداً فاسقا أي بالقول الثاني على معنى الظن والتخيل نحو اجعل الأمير عاميا وكلمه أي صيره في نفسك كذا. الثالث أن تكون بمعنى النقل نحو جعلت الطين خزفاً أي نقلته من حالة إلى أخرى وقد لا يكون مدخول صار جملة نحو صار زيد إلى عمرو اأتهى. وطفق يطفق كجلس وضرب ويقال طبق بالباء من أفعال المقاربة النواسخ تدخل على المبتدأ والخبر فترتفع وتنصب ومعناها الشروع في الفعل والتلبس بأوائله ومنصوبها لفظا أو محلا خبرها فلذا قال المصنف رحمه الله تبعا للراغب

فلا يتعدى. وهي في الآية بمعنى صير كما سيشير إليه المصنف رحمه الله، وقيل تحتمل معنى أوجد أيضاً أي أوجد الأرض حالة كونها مبسوطة مفترشة لكم فلا تحتاجون لبسطها والسعي في جعلها مفترشة. قوله: (وقد جعلت قلوص بني سهيل الخ) هذا من شعر في الحماسة ومنه: ولست بنازل إلا ألمت برحلي أوخيالتها الكذوب وقدجعلت قلوص بني سهيل من اكواومرتعهاقريب كان لها برحل القوم مثوى رما إن طيها إلا اللغوب واستشهد به المصنف رحمه الله تبعا للنحاة في أنّ جعل بمعنى طفق من أفعال المقاربة فترفع الاسم وتنصب الخبر واسمها هنا قلوص المرفوع، إلا أنّ خبرها وقع جملة اسمية منصوبة محلاً وهو معنى قوله فلا يتعدّى كما سمعته آنفا، وهكذا ذكره في المغني في باب اللام وفي التسهيل والأصل في خبرها أن يكون مضارعا لكنه جاء شذوذاً على خلافه كما هنا وليس بمتفق عليه رواية ودراية فذهب إلتبريزي في شرح الحماسة إلى أنّ جعل بمعنى طفق لا يتعدى هنا حقيقة، وقوله مرتعها قريب في موضمع الحال أي أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة المرتع من رحالهم لما بها من الإعياء فجعلها لازمة فقول المصنف فلا يتعدى يجوز إبقاؤه على ظاهره كما ذهب إليه بعض أرباب الحواشي وعلى هذا يجوز إرجاع قوله فلا يتعدى إلى صار أيضاً لأنها تكون لازمة لكن المصرح به في كتب العربية خلافه، ورواه ابني سهيل بتثنية ابن وسهيل اسم وعلى الأوّل! هو اسم قبيلة وقال أبو العلاء: رفع قلوص رديء لأنّ جعل إذا كانت للمقاربة يكون خبرها فعلا فالأحسن نصب قلوص ويكون في جعلت ضمير يعود على المذكور وجعلت ليست للمقاربة بل بمعنى صيرت فلا تفتقر إلى فعل ومرتعها قريب جملة في موضع المفعول الثاني وذكر مسألة الشلويين ويؤيده أنه روي بنصب قلوص والقلو عالفتية من الإبل أوّل ما تركب وا! وار جمع كور بالضم والراء المهملة قبلها واو ساكنة الرحل بأدأته كما قاله المرزوقي وغيره فمن قال إنه بالفتح بمعنى جماعة كثيرة من الإبل لم يصب رواية ودراية، ومرتعها مرعاها وقربه لإعيائها لا لكثرة الخصب كما توهم لأنّ الأوّل هو المروي ويعينه قوله اللغوب في البيت الذي يليه، فقد عرفت أنّ قلوص في البيت يرفع وينصب وأنه يصح أن يقال بني وابني كما في شرح شواهد المغني وغيره، وقوله بمعنى صار معنى مستقل غير معنى طفق فمن قال ضم صار إلى طفق مع أنّ صار ليس من أفعال المقاربة إشارة إلى ما ذكره بعض المحققين من أن طفق ونحوها ليس من أفعال المقاربة الموضوعة لدنو الخبر بل موضوعة لشروع فاعله في معنى الخبر فقد خلط وخبط خبط عشواء، واعلم أنّ قول المصنف أو مبتدأ مما سبقه إليه بعض المعربين فذكره المصنف رحمه الله تكميلا للوجوه ولا ينافيه أن يكون فيه ضعف من جهة ما ولا وجه للتشنيع عليه تبعاً لبعض أرباب الحواشي، بقوله إنه أخطأ حيث توهم أن قوله في الكشاف رفع على الابتداء معناه أنه مبتدأ أو مرإده أنه خبر، وإنما عبر به لأن العامل في الخبر عنده الابتداء وأورد عليه أنّ الفاء في الخبر تدل على السببية والصفات المذكورة ليست مقتضية لنفي الإشراك وأطال بغير طائل مما تركه خير منه لكنا نبهناك عليه لئلا يظن بعض العقول القاصرة في سرابه ماء فتدبر. قوله: (وبمعنى صير فيتعدّى الخ (التصيير هو انتقال الشيء من حال إلى حال وخلع المادّة صورة ولبس أخرى وهذا هو الذي يكون بالفعل نحو صيرت الحديد سيفا والسبيكة سواراً وقد يكون بالقول كالتسمية في جعلوا الملائكة إناثا وقد يكون بالعقد أي بتصميم الحكم نحو جاعلوه من المرسلين وجمع المصنف رحمه الله بين القول والعقد لتقاربهما وتلازمهما غالبا وعدم التأثر الحسيّ فيهما ومنه الانتقال إلى حال شرفي كتأثير إحياء الموات في انتقاله إلى الملك وتأثير عقد النكاح، وقيل المراد بالعقد الاعتقاد فإن من يعتقد في شيء أمراً انتقل إليه في اعتقاده، وقيل المراد بالعقد العقد الشرعي المحتوي على الإيجاب والقبول وليس بشيء، وكون قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} مما تعدى لمفعولين هو الظاهر وقد جوّز أنّ الجعل فيها بمعنى الإيجاد متعد لواحد وفراشاً حال كما مرّ.

قوله: (ومعنى جعلها فراشاً الخ) الفراس معروف وما ذكره المصنف رحمه الله ملخص من قول الإمام أنّ مقتضى طبع الأرض! أن يكون الماء محيط بأعلاها لثقلها ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً فأخرج الله بعضها، ومن الناس من زعم أنّ كونها فراشاً ينافي كونها كرية كما هو مبرهن في علم الهيئة وليس بشيء لأنّ الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها كالسطح في افتراشه، وقول المصنف رحمه الله من الإحاطة بها فيه تسمح والأحسن أن يقول كما قال الإمام محيطاً بأعلاها كما لا يخفى. قوله: (متوسطة الخ) التوسط في الأجسام الوقوع في وسطها وهو ظاهر، وفي المعاني والكيفيات الاعتدال من بينها كما هنا فإنها لوكانت كلها صلبة لشق التمكن عليها لتألم الأعضاء ولوكنت لطيفة كالماء والهواء صعب الاستقرار عليها كما لو كانت لينة كالقطن. قوله: (قبة مضروبة الخ) البناء كل ما يرفع ليكتن به صواء كان بيتاً أو خيمة وقد غلب في الأوّل حتى صار حقيقة عرفية فيه وفسره بالقبة وهو أعمّ منها لأنه أكثر وقد جوّز في السماء أن يشمل المجموع وكل طبقة وجهة منها وأن يكون اسم جنس جمعيّ يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمرة وتمر وهم يطلقون عليه الجمع أيضاً وواحده سماءة بالهمز والمد، ويقال أيضاً سماوة بالواو وأمّا سمأة بسكون الميم قبل الهمزة بزنة طلحة فخطأ والبناء مصدر أطلق على المبنيّ بيتاً كان أو قبة أو خباء أو طرافاً وفي الكشهء وغيره من الشروح الأوّل من شعر، والثاني من لبن، والثالث من وبر أو صوف والرابع، من أدم وفي الثاني نظر استعمالاً وفي فقه اللغة عن ابن السكيت ولست من صحة بعضه على يقين خباء من صوف، بجاد من وبر فسطاط من شعر سرادق من كرسف قشع من جلود طراف من أدم حظيرة من شذب خيمة من شجر أقنة من حجر قبة من لبن سترة من مدر، وقوله بنى على أهله الأهل عشيرة الرجل وأقاربه، ويكون بمعنى الزوجة وهو المراد لأنه كان من عادتهم أن يضربوا للعروس خيمة للدخول عليها ويقال بنى على أهله إذا دخل عليها عروساً وتعديته بعلى والناس يقولون بنى بأهله وفي الدرة أنه خطأ والصحيح جوازه سماعا وقياساً كما بيناه في شرحها. قوله: (وخروج الثمار الخ) خروج الأشياء تكوّنها وبروزها وقوله بقدرة الله تعالى ومشيئته إشارة إلى مختار الأشاعرة من أنّ القدرة والإرادة مجموعين هما اللذان يقتضيان وجود الموجودات من غير احتياج إلى صفة التكوين التي أثبتها الماتريدية كما هو مبين في الكلام وقوله جعل الماء الخ جواب عن سؤال مقدّر وهو ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته وارادته بأنه سبب عاديّ يخلقه الله تعالى ويعني به أنّ عروق الأشجار والنبات التي هي بمنزلة الأرحام أو الأفواه لها تجذب من الرطوبة الأرضية ماء مخلوطا بأجزاء دقيقة لطيفة ترابية هي بمنزلة نطفة يتولد منها الثمار والأزهار أو هي لها بمنزلة المأكل والمشرب فإذا صعد بها إلى الأغصان وطبخت بالشمس والهواء صارت كالكيموس والغذاء الذي يحصل به النماء فيتولد منه ذلك بقدرة خفية وعادة الأهية من غير تأثير لشيء بالذات والواسطة في تكوّنها، والإفاضة استعارة للإعطاء والتفصيل وفيه لطف هنا لمناسبته للماء وفي جعل ما يجتذب كالنطفة إشارة إلى قوله في الكشاف ما سوّاه عز وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار وفيه إيماء إلى قول الحكماء إنّ الأجرام العلوية كالآباء والسفلية كالأمهات التي تلد الموجودات وتربيها في مهد الوجود وكون النطفة مادّة وسببا ظاهر لأنها أصل الأجزاء وسبب ليكون ما عداها منعقداً معها كالمنشا، والمراد بالصور الأشكال، والكيفيات هي الطعوبم والألوان. قوله: (أو أبدع في الماء قوّة فاعلة الخ) يعني أنّ الباء على ما مر من مذصب أهل السئنة للسببية العادية وعلى هذا وهو ما ذهب إليه الحكماء للسببية الحقيقية والإبداع الإيجاد وقد يطلق عندهم على إيجاد شيء غير مسبوق بمادّة ولا زمان كالإنشاء ويقابله التكوين، والقوّة رسمت بأنها مبدأ الفعل مطلقأ سواء كان الفعل مختلفا أو غير مختلف بشعور وارادة أولاً وقيل هي مبدأ التغير في آخر من حيث هو آخر وهذا هو المراد هنا، وهي تنقسم إلى قوى طبيعية ونفسانية وما هنا من الطبيعية التي بلا شعور، والمراد

بنفوس الأسباب أعيانها وذواتها، ومدرجا بكسر الراء حال من ضمير له أو من إنشائها وكونه مفعولاً ثانياً للإنشاء بتضمينه معنى الجعل والتصميير تكلف ما لا حاجة إليه وقوله من اجتماعهما الضمير للقوّتين أو للماء والتراب، والصنائع جمع صناعة أو صنيعة بمعنى نعمة، والسكون بمعنى الاستئناس والاطمئنان وعظيم قدرته وقع في نسخة بدله عظم قدرته بصيغة المصدر مثل كبر لفظ! اً ومعنى، والعبر جمع عبرة كسدرة وسدر الاعتبار والاتعاظ، وقوله وهو سبحانه وتعالى قادر الخ تطبيق لما قالوه على قانون الشرع فإنّ الحكماء لا ينكر " - ن أنه قادر على خلقها ابتداء من غير أسباب ومواد كما ابتدأ خلق الأسباب والمواذ وأبرزها من بطون العدم إلى ظهور الوجود لكن جرت حكمته بعقد الأمور بأسبابها الأقرب إلى العقول لأنه إدل على قوّة قدرته ووفور حكمته لما فيه من خلق الأسباب مستعدة لما أفاضه عليها من التأثير وأدل على عظمته من خلقها دفعة بغير أسباب، وفي رسائل إخوان الصفاء في النبات حكم وصنائع ظاهرة جليلة لا تخفى ولكن صنائعها مختفية محتجبة وهي التي تسميها الفلاسفة القوى الطبيعية ويسميها أهل الشرع ملائكة وجنود الله الموكلين بتربية النبات والمعنى واحد وإنما نسبت هذه المصنوعات إلى القوى والملائكة دون الله لأنه جلت عظمته عن مباشرة الأجسام والحركات الجزئية كما تجل الملوك والرؤساء عن مباشرة الأفعال وان كانت منسوبة إليهم لأنها بأمرهم وارادتهم كما قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [سورة الأنفال، الآية: 17] ومن لم يفهم سره قال إنشاؤها دفعة أدلّ على القدرة وأغرب منه قوله أنّ المصنف إن أراد بالقوّة الفاعلة المؤثر الحقيقيّ كان خلاف مذهب أهل السنة والا لم يصح قوله يتولد الخ وقصر السببية على الماء والتراب لأنّ بهما القوام وهما أعظم الأجزاء المادية، ولذا قال خلقه من تراب ومن الماء كل شيء حيّ فسقط ما قيل من أنّ في هذا الاقتصار قصورا، لأنها من العناصر الأربعة. قوله: (ومن الأولى للايتداء الخ) السماء من السموّ فلذا قالوا: إنّ أصل معناها لغة كل ما علا سواء كان فلكاً أو سحاباً أو نفقا، وحقيقته في العرف يختص بالفلك فإن كان بهذا المعنى فهو ظاهر لأنه المتبادر منه على ما يقتضيه ظواهر الآيات والأحاديث لقوله تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} [سورة الزمر، الآية: 21] وقوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء} [سورة البقرة، الآية: 19] وأمثاله وورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: " المطر ماء يخرج من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في السماء الدنيا في موضع يقال له الأبزم فتجيء السحاب السود فتدخله فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها الله حيث ماء " وهكذا ورد في، أحاديث كثيرة، وتأويلها بعيد من غير حاجة إليه ومن ذصب إلى خلافه أوّل الآيات بأنّ المراد أنها تنزل من السحاب، وهو يسمي سماء لعلوه أو أنه ينشأ من أسباب سماوية وتأثيرات أثيرية فهو مبدأ مجازي له واليه أشار المصنف رحمه الله وتفصيله كما في كتب الحكمة الطبيعية أنّ الشمس إذا سامتت بعض البحار والبراري أثارت من البحار بخارا رطبا ومن البراري بخاراً يابسا والبخار أجزاء هوائية يمازجها أجزاء صغار مائية لطفت بالحرارة حتى لا تتمايز في الحس لغاية صغرها فإذا صعد البخار إلى طبقة الهواء الثالثة تكاثف فإن لم يكن البرد قويا اجتمع ذلك البخار وتقاطر لثقله بالتكاثف فالمجتمع هو السحاب والمتقاطر المطر، وان كان قويا كان ثلجاً وبرداً وقد لا ينعقد سحاباً ويسمى ضبابا، وتثير مضارع أثار التراب والغبار إذا حركه حتى يرتفع، وقوله من أعماق الأرض جمع عمق والمراد به داخلها والمراد بالأرض جهة السفل فيشمل البحار والأنهار لما عرفته مما قرّرناه لك فسقط ما قيل من أنه لا حاجة لهذا، لأنّ الأكثر ارتفاعها من البحار والأنهار والجوهر ما بين الأرض والسماء لا الهواء نفسه حتى يكون من إضافة الشيء إلى نفسه فيحتاج إلى التأويل وان كان هو أحد معانيه. قوله: (من الثانية للتبعيض) بخلاف الأولى وان جوّز فيها على أنّ التقدير أنزل من مياه السماء لما فيه من التكلف وأقرب منه ما قيل إنها للسببية كقوله تعالى: {مَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} [سورة نوح، الآية: 25] وقوله بدليل قوله سبحانه وتعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ} [سورة فاطر، الآية: 27] استشهاد بنظائره فإنّ التنكير في هذه الآية وتنوينه يدلّ على البعضية في، دره منها لا سيما مع جموع القلة وقوله واكتناف المنكرين له أي

وقوعهما قبله وبعده من الكنف بفتحتين وهو الجانب ويقال اكتنفه القوم إذا كانوا منه يمنة وش! رة كما في المصباح فكون ما بعده وما قبله أعني ماء ورزقا محمولين على البعض يقتضي كونه موافقا لهما وقوله كأنه قال الخ بيان لحاصل المعنى لا إشارة إلى أنه مفعول أخرح لتأويل ممن ببعض أو لجعله صفة للمفعول سدّت مسدّة أو اسم وقع مفعولاً ورزقا مفعول له أو مفعول مطلق لأخرج لأنه بمعنى رزق أو حال كما فيل وستأتي تتمته والمعنى شيئا من الثمرات أي بعضها، وأورد عليه أنّ الظاهر أنّ المقدّر مفعول وكلمة من على حالها تبعيضية صفة للمفعول وكون من التبعيضية ظرفا مستقرّاً لم يجوّزه النحاة اللهمّ إلا أن تكون ابتدائية وهو بيان لحاصل المعنى ولا يخفى ما فيه فإنّ كونها ظرفا مستقرّاً أكثر من أن يحص كقوله منهم من كلم الله ولست على ثقة مما ذكر وستأتي تتمة الكلام عليه في قوله: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا} [سورة المائدة، الآية ت 88] الآية. قوله: (إذ لم ينزل من السماء الماء كله الخ) بيان لأن التبعيض هو الموافق للواقع في الثلاثة أي الذي نزل من السماء بعضه فرث ماء هو بعد في السماء، ولم يخرج بالماء المنزل منها كل الثمرات بل بعضها فكم من ثمرة هي بعد غير مخرجة به، والمخرح بعض الرزق لا كله فكم من رزق ليس من الثمار كاللحم، وقد يتوهم أنّ قوله ولا أخرح بالمطر كل الثمار أريد به أنّ بعضها يخرج بماء البحر والعيون فينافي ما سيأتي في سورة الزمر من أن جميع مياه الأرض! من السماء وفساده ظاهر لما مرّ، أقول هذا المتوهم هو الفاضل الطيبي حيث قال: فإن قلت يخالف قوله ولا أخرح بالمطر كل الثمار ما قاله في الزمر كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسم، قلت على تقدير صحة هذه الرواية الفاء في قوله فأخرج به مستدعية للإخراج بعد الإنزال بلا تراخ عادة ومفهومه أن بعضاً من الثمرات يخرج على غير هذه الصورة وهي ما يسقى بماء الآبار والعيون والأنهار فإنها متراخية عن الإنزال لأنه استودعها الجبال ثم أخرجها من الأرض! وأخرج بها بعض الثمرات وتبعه الفاضل اليمني والمدقق في الكشف لم يعرج عليه نفياً واثباتا وفيما قالوه نظر لا يخفى فإنّ قوله ما أخرج بالمطر كل الثمار يفهم منه أنّ بعضها خرج به وهو صادق على خروج البعض بغيره من المياه كما لا يخفى فكيف يدّعي فساده، فإن قيل إنه غير متعين لم يتنم مذعاهم أيضاً وما قيل من احتمال كون من فيه ابتدائية بتقدير من بذر الثمرات أو تفسير الثمرات بالبذر تعسف ظاهر. قوله: (أو للتبيين الخ) فرزقاً مفعول لأخرج بمعنى مرزوق وفيما ذكر من المثال المراد أن عنده من المال معين هو ألف درهم وقد أنفقه لا أنّ عنده أكثر من ذلك إلا أنه أنفق منه ألفا فإنه على هذا تكون من تبعيضية ولذا ناقثه بعضهم في المثال وان كان مثله غير مسموع من المحصلين وهكذا إذا كانت الثمرات للاستغراق، فإنّ المراد بها الجم الكبير كما أشار إليه في الكشاف والمرزوق هنا هو الثمرات، ولكم صفته وقد كان من الثمرات صفة رزقا فلما قدم صار حالاً على القاعدة في أمثاله إلا أنه تقدم فيه البيان على المبين، وقد اختلف النحاة فيه فجوّزه الزمخشريّ وتبعه كثير من النحاة والمفسرين ومنعه صاحب الدر المصون وغيره، وقال إنّ من ابتدائية سميت بيانية باعتبار مآل المعنى وبه صرّح بعض أهل العربية ومن التي للبيان لا تكون إلا مستقرّاً حالاً أو صفة، وقد تكون خبرا على كلام فيه سيأتي وفي الكشاف فإن قلت فبم انتصب رزقا، قلت إن كانت من للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له وان كانت مبينة كان مفعولاً لاخرج يعني أنّ من الثمرات على التبعيض مفعول به لا على أنّ من اسم بل على تقدير شيئاً من الثمرات وتقديره بأخرج بعض الثمرات بيان لحاصل المعنى فرزقا بالمعنى المصدري مفعول له، ولكم ظرف لغو مفعول به لرزقا أي أخرج بعض الثمرات لأجل أنه رزقكم، وقد جوّز فيه أن يكون من الثمرات مفعول أخرج ورزقا حال من المفعول أي مرزوقاً أو نصبا على المصدر لأخرج وعلى التبيين رزقا مفعول أخرج كما مرّ. قوله: (وإنما ساغ الثمرات الخ) هذا جواب سؤال تقديره أنّ جمع السلامة المذكر والمؤنث للقلة والمعنى هنا ليس عليها فلم لم يقل الثمار أو الثمر أمّ كون الثمار جمع كثرة فظاهر، وأما الثمر فاسم جنس جمعيّ، وهو مختلف فيه هل هو للكثرة أو للقلة أو مشترك وما ذكر

على تقدير أنه يكون للكثرة وأمّا جمع التصحيح فاختلف فيه أيضا على الوجوه الثلاثة والمشهور المنصور أنه موضوع للقلة وحكاية لنا الجفنات الغرّ تؤيده، ولذا زاد ابن الرباح الإشبيلي على قوله: بأفعل وبأفعال وأفعلة وفعلة يعرف الأدنى من العدد قوله: وسالم الجمع أيضاً داخل معها وذلك الحكم فاحفظها ولا تزد والحاصل مما ذكره في جوابه أمّا أوّلاً فالثمرات جمع ثمرة أريد بها الكثرة كالثمار لا الوحدة الحقيقية إذ التاء فيها للوحدة الاعتبارية فإنّ كل شيء وان كثر فله وحدة بوجه ما ولي! ص واحد الثمر ثمرة بمعنى واحد مشخص من جنس ألثمر بل ثمار كثيرة عرضت لها وحدة باعتبار ما كوحدة المالك فإنها إذا تلاحقت واجتمعت يطلق عليها ثمرة، فالكثرة المستفادة من الثمرات أكثر من المستفادة من الثمار ولا أقل من المساواة والواحد على هذا الثمرة التي في قولهم أدركت ثمرة بستانه وهي في ذلك القول جنس شامل للأنواع الموجودة في ذلك البستان، وقال ابن الصائغ: في تقريره الثمرات وان كان جمكل! قلة فواحده ثمرة شاملة الثمرات لا فرد من أفراد الثمر، ونظيره قولهم كلمة اأحويدرة لقصيدته المشهورة فهو من إيقاع المفرد موقع الجمع ثم جمعه جمع قلة فإن قيل كان يحصل هذا بالثمار الذي هو جمع كثرة فيقال هذا سؤال دوريّ لحصول المقصود بكل من اللفظين وحاصل ما قالوه برمتهم أنه مع كونه جمع قلة يفيد كثرة أكثر من جمع الكثرة أو مثلها، وقد قيل على هذا أمور منها أنّ الشمول في ثمرة بستانه إنما فهم من الإضافة الاستغراقية لا من المضاف ولا إضافة فيما نحن فيه، وقريب منه ما قيل من أنّ ما ذكر غير ظاهر لأنا لا نسلمه بسلامة الأمير، وقيل أيضاً الثمار جمع كثرة مفرده ثمر، وهو جنس يشمل ثمارا كثيرة فيفيد ما لا تفيده الثمرات لإحاطته بكل جنس يسمى ثمرا بخلاف الثمرات فإنّ آحاد جمع القلة الجموع التي دون العشرة فلا يتناول ما فوقها بغير قرينة على أنّ الثمرات جمع ثمرة وهي واحدة من جنس الثمر لأنّ التاء للوحدة فالثمر لكونه جنسا أكثر من ثمرة وجمعه أكثر من جمعها سواء كان جمع قلة أو كثرة وليس بشيء (وههنا يحث) وهو أنهم قالوا إنه جمع ثمرة مراداً بها ما يشمل الثمرات الكثيرة ووحدته اعتبارية، وقال قدس سره: بهغيره أنه إن لم يكن أكثر من الثمرات فليس بأقل منها، وان كان جمع قلة فيقال لهم الوحدة في ثمرة بستانك جاءت من الإضافة بجعل وحدة المحل أو المالك كالوحدة الحقيقية ولا إضافة هنا فلا بد من اعتبار أمر يصير به واحدا وهو إمّا بجعله صنفا أو نوعا أو جنسا من الثمار وليس فيه ما يجعله واحدا غير هذا فإن كان فعليهم البيان حتى ينظر فيه وعلى هذا يقال إن قلته باعتبار أن آحاده أجناس لا تزيد على العشرة وان كان مفرده قائما مقام الجمع وجنساً تحته ما لا يحصى وكون أجناس الثمار المخرجة بما أنزله الله كذلك غير مناسب للمقام أيضاً، فيعود السؤال وان أراد أن آحاد أجناسه لكونها كثيرة أخرجت الجمع عن القلة لزمهم كون لفظ أجناس وأنواع وأمثالهما جمع كثرة ولا قائل به فلا بد من الالتجاء إلى أن تعريفه أبطل جمعيته فرجع هذا الجواب لما بعده وهو غير صحيح أيضا، وهذا وارد غير مندفع فتدبر. قوله: (ويؤيده قراءة الخ) وهي قراءة محمد بن السقيقع ووجه التأييد أنه ليس المراد بها ثمرة واحدة من غير شبهة فهي واقعة على جماعة الثمار وقوله يتعاور بعضها الخ التعاور من قولهم تعاور القوم كذا واعتوروه إذا تداولوه وتناوبوه فأخذ هذا مرّة وهذا أخرى والمراد أنه يقع كل منهما في موقع الآخر فيكون جمع القلة للكثرة وجمع الكثرة للقلة، وهذا فيما إذا لم يكن للفظ إلا جمعا واحداً ظاهر، وظاهر كلامهم فيه أنه حقيقة وأمّا إذا كان له جمعان أو جموع فلا يقع أحدهما موقع الآخر منكرا إلا مجازا، وقوله كم تركوا الخ وقع فيه جمع القلة موقع الكثرة لقوله كم فإنها تقتضيها وكذا قوله ثلاثة قروء وقع فيه جمع الكثرة وهو قروء موقع القلة لقوله ثلاثة وفيه كلام سيأتي في محله. قوله: (أو لأنها لما كانت محلاة الخ) إشارة لما تقرّر في كتب الأصول والعربية من أنّ الألف واللام إذا لم تكن للعهد ودخلت على الجموع أبطلت جمعيتها حتى تناولت القلة والكثرة والواحد من غير فرق سواء كانت جنسية أو استغراقية، ومن خصه بالثاني

وقال: المحلى باللام الاستغراقية لتناوله الآحاد لا يخرج عن حوزة شمول كل واحد من الآحاد بخلاف المعري عنها فإنه قد يخرج عن استغراقه واحد واثنان فيصدق أن يقال لا رجال في الدار وفيها رجل أو رجلان بخلاف لا رجل فقد ضيق الواسع وقصر لما قصر، وليس ما ذكر من أمور الجمعية سؤالاً وجواباً مبيّ على كون من بيانية كما توهم من تعقيبه به لما عرفته من أنّ اللام إذا لم تكن للعهد تبطل الجمعية لصدق مدخولها على القليل والكثير، ولذا قال المصنف رحمه الله: خرجت عن حدّ القلة ولم يقل دخلت في الكثرة والنكتة في العدول عن الظاهر المكشوف، إذ لم يقل من الثمار للإيماء إلى أنّ ما برز في رياض الوجود يفيض مياه الجود كالقليل بالنسبة لثمار الجنة ولما ادّخر في ممالك الغيب. قوله: (إن أريد به المصدر الخ) أي إذا أريد بالرزق المصدر كانت الكاف في لكم مفعولاً به واللام مقوية لتعدي المصدر واليه أشار بقوله رزقا إياكم، فحذف اللام وفصل الضمير تنبيهاً على زيادتها ومفعوليته، ولولاه كان انفصالاً في محل الاتصال وهو قبيح، وان أريد به المرزوق فلكم صفة له متعلقة بمقدر وقال ابن عقيل بعدما ذكر عن أبي حيان رحمه الله لا يمتنع عكس هذا. قوله: (متعلق باعبدوا على أنه منهي الخ) المراد بالتعلق التعلق المعنويّ، كلعطف وغيره فهو مجرد ارتباط بينهما وفي الكشاف فيه ثلاثة أوجه أن يتعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أندد الآن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل لله ند ولا شريك واختلف الشراح فيه وهل هو بعينه ما ذكره المصنف رحمه الله على أنه تلخيص له كما هو دأبه أو لا فذهب ابن الصائغ إلى اتحادهما وقال إنه عطف نهي على أمر للاشتراك في الطلب وهو من عطف المسبب على السبب وفيه نظر فالفاء عاطفة جملة على جملة ولا ناهية والفعل مجزوم بها لسقوط نونه وقال الطيبي رحمه الله أن لا نافية، وهو منصوب جوابا للأمر ولذا علله بقوله لأن أصل العبادة الخ فالفاء جوابية لأنها إما عاطفة أو جواب لشرط أو ما في معناه كالأمر أو زائدة، وفي الكشف تبعا للرازي معناه اعبدوا فلا تجعلوا وفيه إرشاد لأن العبادة تتناول التوحيد، وقوله لأنّ الخ تصريح بذلك فيحتمل أن يكون عطف نهي على أمر، ويحتمل أن يكرن جواب الأمر والأوّل أقرب لفظاً لعدم الإضمار والتأويل، ومعنى لأن التصريح بالنهي أبلغ مع استفادة ما يستفاد من النصب لجعله محتملا للموافقة والمخالفة وجزم الفاضلان بخلافه فقالا إنه نهي متعلق باعبدوا متفرع على مضمونه على معنى إذأ كنتم مأمورين بعبادة ربكم وهو مستحق للعبادة فلا تشركوا لتكون عبادتكم على أصل وأساس فإنّ أصل العبادة وأساسها التوحيد وهذا أولى من جعل القاضي له معطوفا على الأمر لأن الأنسب حينئذ العطف بالواو كقوله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [سورة النساء، الآية: 36] وسيأتي ما فيه، وقيل وجه جواز العطف في الجملة إن تجرّد الفاء المجرّد العطف بلا تعقيب وبعتبر التعقيب بين الأمر والنهي عنه أو يراد بالعبادة قصدها وإرادتها وبصح جعل لا تجعلوا جوابا للأمر ولا يخفى أن شيئاً من هذه الوجوه لا تشعر به العبارة ولا يتبادر من الآية وهذا مما في حواشي الرازي حيث قال بعدما ذكر ما مرّ عن صاحب الكشف وفيه نظر لأنه إذا كان أصل العبادة وأساسها التوحيد فاعبدوا إمّا بمعنى وحدوا فلا يترتب عليه قوله: فلا تجعلوا الخ فالشيء لا يترتب على نفسه أو مغاير له لأنّ التوحيد أصل تتفرّع عليه العبادة فالأمر بالعكس والنصب في جواب الأمر إنما يجوز إذا كان هنا سببية والعبادة ليست سبباً لعدم الشرك إلا أن تجعل من القلب كقوله تعابى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا} [سورة الأعراف، الآية: 4] لأنه ليس في كلامه ما يدل على الترتيب لأنّ التعليق أعمّ منه، أقول يرد على ما في الكشف أنّ كلامه لا يخلو من الخلل لأنّ عطفه وجوابيته تقتضي المغايرة بينهما وينافي قوله لأنّ العبادة تتناول التوحيد لأنّ الجزء لا يعطف على الكل بالفاء وإذا عطف كان بالواو أو حتى نحو قدم الحجاج حتى المشاة، ويردّ على ما قاله الفاضلان أنّ قولهما ما إذا كنتم مأمورين بعبادة ربكم وهو مستحق لعبادة فلا تشركوا لتكون عبادتكم على أصل وأسئاس أنه حينئذ مسبب بحسب الظاهر، فهو جواب شرط مقدر والفاء فصيحة أو قريبة منها والسببية بين الأمر والنهي

أي العبادة وعدم الشرك لا تتأتى كما سمعته آنفاً فيما نقلناه لك آنفاً من حواشي العلامة الرازي، ولو سلم ذلك صح العطف بالفاء فيهما من غير فرق فكيف يرتضي هذا ويرد ما ذكره القاضي وقد غفل عن هذا من نقله في شرح كلام المصنف: ظلم القضاة بعصرناعمّ الورى عجبالقاض يظلم الخصماء قوله: (أو نفي منصوب بإضمار أن الخ) قيل هذا على تفسير العبادة بالتوحيد وتفسير فلا تجعلوا بلا تعتمدوا على غير الله وتوكلوا عليه كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وهذا وان اندفع به ما سيأتي لا يوافق ما فسر به المصنف رحمه الله فانه أبقى العبادة على ظاهرها كما مز، وهو على هذا نفي منصوب بإضمار أن في جواب الأمر كقولك زرني فأكرمك وقد قيل عليه أنه ليس بشيء لأن شرطه كون الأوّل سبباً للثاني والعبادة لا تكون سبباً للتوحيد الذي هو مبناها وأصلها ولذا لم يتعرّض! له الزمخشري ولم يرتض به شراحه، والمنصوب في الجواب منصوب بأن مقدرة فهو مصدر تأويلا معطوف على مصدر متصيد مما قبله هو سبب له فتقديره فيما ذكر ليكن منك زيارة فإكرام مني بسببها وقس عليه الآية في التأويل وأجيب عما أورده شرّاح الكشاف بأنّ المراد بكونه جواب الأمر مشابهته له وحمل الشيء على ما يشبهه واعطاؤه حكمه كثير، وقد قال الرضي: إنّ النصب في قوله كن فيكون في قراءة لتشبيهه بجواب الأمو لوقوعه بعده وان لم يكن جواباً معنى، وقيل العبادة سبب لنفي الإشراك الذي تنافيه ولا تجتمع معه وقيل صحة العبادة سبب للعلم بالتوحيد فلتكن السببية بهذا الاعتبار ونحوه ما قيل من أنه بكتفي فيه بببه الأوّل للإخبار بما تضمنه الثاني كما اكتفى بمثله في الشرط، وما بمعناه كما سيأتي في قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [سورة النحل، الآية: 53] أقول هذا كله تكلف تأباه قواعد العربية فلا ينبغي تنزيل التنزيل المعجز عليه فالحق أن يقال إنّ الآية تضمنت عبادة رب موصوف بما يجعله كالمشاهد من خلقه لهم ولا وصولهم عروق الثرى وابداع جميع الكائنات العظيمة والتفضل نجإفاضة النعم الجسيمة فدلت عليه دلالة عرّفتهم به كما أشار إليه المصنف رحمه الله ثمت بقوله والآية تدلّ الخ فجعلها عنده اعبدوا الله الذي عرفتموه معرفة لا مرية فيها ولا شك في أنّ العبادة والمعرفة سبب لعدم الإشراك فإن من عرف الله لا يسوى به سواه ولذا ذيلها بقوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة، الآية: 22] فمن عنده علم الكتاب عرف الفرق بين هذه الآية، وقوله اعبدوا الله ولا تشركوا به والذي سوّل لهم ما مر النظر للعبادة فقط وقطع النظر عما معها، واعلم أنهم اختلفوا في هذه الفاء فذهب الكوفيون إلى أنها جزائية في جواب شرط تضمنه ما قبلها وذهب البصريون إلى أنها عاطفة كما مرّ، واختار الرضي أنها متمحضة للسببية وإنما صرف ما بعدها عن الرفع إلى النصب للتنصيص على ذلك كما فصله. قوله: (أو بلعل على أن نصب تجعلوا الخ) أي متعلق بلعل واقعاً جواباً له وتتمة قال في الكشاف: أو بلعل على أن ينتصب تجعلوا انتصاب فأطلع في قوله عز وجل: {لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} [سورة غافز، الآية: 37] في رواية حفص عن عاصم أي خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه ومعناه كما قال قذس سره إنه على تشبيه لعل بليت ويرد عليه أنه إنما يجوز ذلك إذا كان في الترجي شائبة من التمني لبعد المرجوّ عن الوقوع وقد مز أن لعل هنا مستعارة للإرادة التي ترجح فيها وجود المراد بإعداد الأسباب وازاحة الأعذار فمن أين المشابهة وأجيب بأن النصب هنا للنظر إلى أنهم في صورة المرجوّ منهم المعنى خلقكم في صورة من يرجى منه الإتقاء أي الخوف من العقاب المتسبب عنه أن لا تشركوا، فقوله لكي تتقوا بيان الحاصل المعنى، وأخذ زبدة ما سبق من الاستعارة لا حكم بأنها بمعنى كي وفي النصب تنبيه على تقصيرهم كان المراد الراجح مستبعد منهم كالمتمني، واعترض عليه بأنّ الجواب لا يدفع الاعتراض فإنّ لعل لا ينصب الفعل في جوابه لا بمعنى الأصل أعني الترجي ولا بالمعنى المراد أي الإرادة فلا فائدة في النظر إلى صورة المرجوّ منهم اللهمّ إلا أن يقال شبه أوّلاً الرجاء بالتمني صورة وادّعاء على سبيل الاستعارة بالكناية بقرينة لازمة من النصب ثم استعير

لعل للإرادة فيقصد بحسب الواقع والنظر إلى حال المتكلم تشبيه الإرادة بالترجي ويقصد ادعاء بالنسبة إلى حال المخاطب نفسه بالتمني لا باعتبار النصب، لأنهم في صورة المتمني منهم. أقول هذا كله تعسف نشأ من التزإم ما لا يلزم وذلك لأن نجم الأئمة الرضي قال كغيره من سائر النحاة إنّ أهل العربية إنما اشترطوا في نصب ما بعد فاء السببية تقدّم أحد هذه الأشياء لأنها غير حاصلة المصادر فتكون كالشرط الذي ليس بمحقق الوجود ويكون ما بعد الفاء كجزائها على ما حققناه في حواشيه، ومنه علمت أنّ وجهه عندهم إنما هو عدم تحقق الوقوع في حال الحكم لا اسنحالته لعدم صحته في الأمر المطلوب الذي هو أعظم أقسامه كما هنا وهذا متحقق في الترجي والتمني إلا أنّ التمني أقوى منه لرسوخه في العدم وأشهر فلذا نصب جواب لعل إلا أنّ منهم من جعلها ملحقة بليت كالزمخشريّ وابن هشام لأنّ التمني والترجي من واد واحد ومنهم من جعلها من ذلك الباب لأنه لا ينحصر فيما ذكر كابن مالك في التسهيل تبعاً للفراء فلا حاجة لما ادّعوه سؤالاً وجوابا على الطريقين لأنّ مبناه على أنّ لعل إنما أعطيت حكم ليت لا شرابها معناها وليس بلازم لأنّ الإلحاق والتشبيه! كفيه عدم التحقق حالاً ويعينه أنهم حملوه على الشرط وهو متحقق فيهما مطلقاً ثم إن استشهادهم بهذه الآية بناء على الظاهر، وفيها وجوه أخر كما سيأتي، ولذا قال ابن هشام في الباب الخامس من المغني. قيل في قراءة حفص لعلي أبلغ الأسباب الخ إن اطلع بالنصب عطف على معنى لعلي أبلغ لأنه بمعنى أن أبلغ فإنّ خبر لعل يقترون بأن كثيراً نحو فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجتة من بعض ويحتمل أنه عطف على الأسباب على حد. للبس! عباءة وتقرّ عيني وبهذين الاحتمالين علم معنى قول الكوفيين: إن في هذه الآية حجة على النصب في جواب الترجي حملاً له على التمني. قوله: (إلحاقاً لها بالأشياء الستة) وهي الأمر والنهي والاستفهام والعرض والتمني والنفي، وقد أجاز بعض النحاة أن يلحق بها كل ما تضمن نفياً أو قلة كما قاله الرضي، وقد قيل إن المصنف رحمه الله جعله ملحقة بالأشياء الستة وعدل عما قالوه من إلحاقها بليت لما قيل عليه كما عرفته ولعدم مناسبته للمقام لما فيه من تنزيل المرجوّ لبعده عن الحصول منزلة المتمني وبعد المخاطبين الذين منهم المؤمنون عن التقوى بعيد، وبناؤه على تخصيص الخفاب بالكفار يضعفه لضعف مبناه وفيه بحث يعرفه من يتذكر، وقوله لاشتراكها في أنها غير موجبة بكسر الجيم وفتحها أي مضمون ما بعدها لم يقع وتحققه في المستقبل غير معلوم فموجبه من الإيجاب بمعنى الإثبات، ويقابله السلب وكل ما يدلّ عليه في الجملة أو جعله واجبا مجزوماً به في أحد الأزمنة الثلاثة ويقابله ما لا يتعين ولا يتحقق وهو غير الموجب وعلى كل حال يدخل فيه الترجي، فسقط ما قيل من أن غير الموجب عند علماء العربية هو المنفي والنهي والاستفهام لا غير فكيف يشاركه الستة من غير احتياج إلى ما ادّعاه من الجواب، وقيل المراد لاشتراك أكثرها إن أريد بالإيجاب ما ليس بنفي لأن الأمر ليس فيه ناني حتى يشترك معها في أنها غير موجبة أو لاشتراك الكل إن كان المراد إيقاع النسبة والأمر ليس فيه إيقاع لأنّ الإيقاع في الخبر لا الإنشاء فالأمر غير موجب لهذا المعنى وكذا التمني فإن قلت: إن كانت التقوى بالمعنى الثالث لا يناسب ترتب عدم الشرك عليه لتقدمه وإن كانت بالمعنى الأوّل فهي عينه. قلت الاتقاء عن الشرك يترتب عليه عدم الوقوع فيه بالفعل أو هي بمعنى الاتقاء عن العذاب مطلقاً كما في الكشاف فتأمّل. قوله: (والمعنى الخ) أي لا تجعلوا له شيئاً من جنس الأنداد كما سيأتي فلا يتوهم أن المناسب عدم ند واحد لا أنداد لأنه يجتمع مع جعل النذ والندين ثم إنه قيل إنّ المصنف رحمه الله جعل لا تجعلوا نفياً منصوباً وذكر في بيان المعنى ما يقتضي كونه مجزوما وقصد به بيان حاصل المعنى مع إظهار السببية التي هي شرط لتقدير الناصب ولو جعله مجزوما في جواب الأمر جاز أيضاً إذ لا مانع منه، فتدبر. قوله: (أو بالذي جعل الخ) عطف على قوله: باعبدوا أو على قوله بلعل أي متعلق بالذي إن جعلته مبتدأ وجملة فلا تجعلوا خبره كما صرّح به بقوله على أنه الخ، فالاستئناف بالمعنى اللغوي أي جعله مبتدأ أو بالمعنى الاصطلاحي لأنّ الاستئناف بسببه وليس هذا معنى ما في الكشاف

من قوله أو بالذي جعل لكم إذا رفعته على الابتداء أي هو الذي حفكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية فلا تتخذوا له شركاء لأن معناه أنه جعل الذي مرفوعاً مدحا على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والنهي مترتب على ما تتضمنه هذه الجملة أي هو الذي حفكم بدلائل اأضوحيد فلا تشركوا به شيئاً ومن توهم أنه بعينه ما في الكشاف وأنّ المصنف رحمه الله غفل عما أراده فقد وهم وقوله على تأويل مقول فيه أي مستحق لأن يقال فيه ذلك لا أنه وقع ومقول قبله كما لا يخفى، وهذا تأوبل مشهور في كل إنشاء وقع في موقع الخبر، والفاء زائدة في الخبر مشعرة بالسببية لما ذكره، وقوله والمعنى من خصكم بالصاد المهملة أي خص نوع البشر بما ذكر، وفي نسخة حفكم بالفاء أي شمل وعمّ الناس لأنّ الحف معناه الإحاطة فعلى ما ذكره المصنف لا يخلو من ركاكة وتكلف والأولى ما في الكشاف وجعل هذا جزاء شرط محذوف والمعنى هو الذي جعل لكم ما ذكر من النعم الظاهرة المتكاثرة وإذا كان كذلك فلا تجعلوا الخ. وذكر المصمنف له لأنه من جملة المحتملات وتأخيره المشعر بمرجوحيته في الجملة لا ينافيه وما قيل ردا عليه من أنه في غاية الحسن والرصافة كما يظهر لمن تأمّل قوله والمعنى الخ دعوى بغير بينة، وقوله يشرك به بفتح الراء مبنيّ للمجهول، وتقديم لله يجوز أن يكون للحصر كما يفيده تقديم بعض المعمولات على بعض وحقها التأخير لأنّ عدم الند مخموص به تعالى إذ ما من شيء سواه إلا وله نظير وند، وقيل لأنه خبر نكرة في الأصل لازم التقديم فأجرى على أصله وفيه نقر. قوله: (والندّ المثل الخ) المناوي بضم الميم وكسر الواو واسم فاعل من ناواه والمراد به كما فسره الشارح المعادي وأصله من النوى وهو البعد فكني به أو تجوّز به عن المعادأة لأن العدوّ يتباعد من عدوّه ويهوي بعده ومفارقته، ولما فسر أهل اللغة الند بالمثل بالمثل كما قاله ابن فضالة، وفسره أبو عبيدب لضد حتى جعله ب ضهم من الأضداد أشار العلامة في الكشاف إلى اتحادهما وأنه مثل مخصوص فمنهم من أطلق ومنهم من قيد وفي العين الند ما كان مثل الشيء الذي يضادّه في أموره ويقال ند ونديد ونديدة وأجازوا في أنداداً أن يكون جمعاً لنديد أو نذ كيتيم وأيتام وعدل وأعدال، وقا اء الراغب ند الشيء مشاركه في جوهره وذلك ضرب من المماثلة فإنّ المثل يقال في أيّ مشاركة كانت وكل ند مثل وليس كل مثل نذا، وهو من نذ إذا نقر وقرئ يوم التناد أي يندّ بعضهم من بعض نحو يوم يفرّ المرء، فالندّ يقال في المشارك في الجوهرية فقط، والشكل فيما يشارك في القدر والمساحة والشبه فيما يشارك في الكيفية فقط والمساوي فيما يشارك في الكمية فقط والمثل عامّ في جميع ذلك انتهى. وعلى هذا ينزل كلام المصنف رحمه الله، والقدر الكمية وعدى المصنف رحمه الله خص باللام لتضمنه معنى عين والمصنف رحمه الله كثيرا ما يتسامح في الصلات. قوله: (قال جرير الخ) هو من قصيدة أوّلها: عفا النسران بعدك فالوحيد ولا يبقى لجدّته جديد والجعل التصيير القولي أو الاعتقادي وضمنه معنى الضم فعداه بإلى كما قيل والظاهر أنه لا حاجة إليه إنه يتعدى بها كثيرا لما فيه من معنى الرجوع كما قال تعالى: {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [سورة الشورى، الآية: 53] أي أتجعلون أحدا من تيم وهي قبيلة معروفة مثلا " لي مبارزا معاديا وما منيم من هو نديد ومثل لذي حسب فكيف بمثلي وأنا المعروف بنباهة الحسب وتنوين حسب للتنكير، وقيل للتعظيم وقيل إليّ حال من تيما أو ندا أو استدلّ بالبيت على أنه المعادي وما في الكشف من أنه أراد أنه كذا في أصل وضع اللغة والا فالاستعمال قد يخالفه والبيت إن كان شاهدا لكونه بمعنى المثل مطلقاً ظاهر والا فلا دلألة فيه على المعاداة ليس بشيء لأنّ تيما غير قبيلته وما بين قبائل العرب والمتناهين منهم من العداوة أظهر من أن تخفى على مثله ولا حاجة إلى تفسير المعادي بمن ذلك ذلك شأنه حتى يرجع إلى مطلق المثل. قوله: (وتسمية ما يعبده المشركون الخ) ما في قوله ما زعموا نافية والجملة حالية، وفي قوله تساويه إشارة إلى معنى الند كما مرّ وقوله فتهكم الخ أي شنع عليهم بجمعهم بأن جعلوا أندادا لمن لا ند له ولا ضد كما في الكشاف، وتال الفاضل في شرحه: أنه يشير إلى

أنه استعارة تهكمية، وقال قدس سرّه في الردّ عليه بل هو إشارة إلى أنّ هناك استعارة تمثيلية وليست تهكمية اصطلاحية إذ ليس استعارة أحد الضدين للآخر بل أحد المتشابهين لصاحبه لكن المقصود منها التهكم بهم لتنزيلهم منزلة من يعتقد أنها آلهة مثله وفي بعض النسخ لتنزيلهم منزلة الأضداد حيث شبهت حالهم بحال المعتقدين، أقول النسخة الثانية صريحة في أنها استعارة تهكمية بالمعنى المشهور وتحقيقه أن الند كما سمعته آنفا بحسب أصل اللغة ليس النظير مطلقا بل نظيرك الذي يخالفك وينافرك ويتباعد عنك معنى ثم توسع فيه فاستعمل لمطلق المثل كما في قولهم ليس لله ضد ولا ند فإنه لنفي ما يسد مسده وما ينافيه وهم إنما يعتقدون أنّ آلهتهم تناسبه وتقرّب إليه كما قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ} [سورة الزمر، الآية: 3] إلا أنهم لتمام حمقهم نسبوا لبعضها البنوّة المقتضية لتمام المشاكلة فإن استعير الضد من معناه الأوّل وهو المعادي المبعد للآلهة المقرّبة عندهم كانت من استعارة أحد الضدين للآخر، لأن التضادّ أعمّ من الوضعي، كالتبشير للإنذار في بشرهم بعذاب أليم ومما هو بحسب اللوازم المرادة بلا وضعلها كالأسد للجبان وحاتم للبخيل، وان نظر إلى الثاني وأنه بمعنى المثل مطلقا لم يكن بينهما تضادّ فيكون من استعارة أحد المتشابهين للآخر بدون تضادّ منزل منزلة التناسب فيكون التهكم فيه غير اصطلاحي لأنها بحسب أحوالهم وأفعالهم مماثلة له تعالى في العبادة لا بحسب الذات وسائر الوجوه إلا أنهم لما جعلوها مثلاً وخصوها بالعبادة دونه وهذه خطة شنعاء وصفة حمقاء في ذكرها ما يستلزم بحميقهم والتهكم بهم فيكون استعارة أي استعارة قصد بها علاقة المشابهة الحقيقية التهكم وهذا معنى غير ما اصطلحوا عليه فالقول به غير متجه والحق ما قاله الشارح المحقق، ومن خرافات بعض العصريين في حواش ومحاكمات له بزعمه بين الفاضلين أنه قال في الردّ عليه قدّس سرّه بعدما حكى كلامه ولا يخفى بعده مع أن الظاهر من قوله كما تهكم بلفظ الندّانة استعارة تهكمية واستعارة أحد الضدين للآخر توجد ههنا لأن التشابه ليس بمطلق بل مشتمل على معنى الضدّية على ما تدلّ عليه المخالفة والمنافرة فاستعمال المثل المقابل القوي المخالف فيما يكون بمعزل عنه من المثل في بعض ما توهموه يكون استعمالاً للقوي في الضعيف وهو عين الاستعارة التهكمية، وقوله أشبهت لبيان وجه الاستعارة في لفظ الأنداد، وما قيل إنه في معناه الحقيقي إذ مدار التشنيع عليه ليس بشيء لأن أوصاف المستعار منه معتبرة في لفظ الاستعارة وبه يتمّ التشنيع انتهى. والبعرة تدلّ على البعير، وآثار الأقدام تدلّ على المسير، وجعل جمع الأنداد للتشنيع لأن من لا ند له كيف يجعلون له أنداداً، ومن الناس من لم يرتض هذا لأنهم كانت لهم أصنام كثيرة فجمعه نظراً للواقع وهو أولى وفيه نظر والتهكم من لفظ الند حيث اختير على المثل والتشنيع من إيراده جمعاً فيبطل ما قيل إنه تسامح والأولى أن يقال تهكم بهم بلفظ الند وشنع عليهم بأن جعلوا أنداداً من غير حاجة إلى تقدير أو تأويل. قوله: (قال موحد الجاهلية زيد الخ) إشارة آلى ما ذكر في السير من أنه في الفترة وزمن الجاهلية اجتمع زيد المذكور وورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وتذاكروا عبادة الأصنام وأمور الجاهلية فهداهم الله للحق وقالوا إنّ هذه أمور باطلة عقلاَ فتركوا عبادة الأصنام وخرج كل منهم إلى جانب يطلب الدين الحق فلقي زيد أحبار أهل الكتاب بالشأم فسألهم عن العقائد والدين الحق فدلوه على ملة إبراهيم فدان بها وكان يطعن في أمور الجاهلية، ولقي النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه وهو زيد بن عمرو بن نفيل بن رباح بن عبد الله ابن قرط بن رزاح بن ربيعة أخي قصيّ أمه وأمّ زيد الجيداء بنت خالد الفهمية وهي امرأة جده نفيل ولدت له الخطاب فهو قرشيّ أخو عمر لأمّه رضي الله عنه ونفيل بنون وفاء ولام مصغر علم جذه وله إشعار في النهي عن أمور الجاهلية منها ما أورد المصنف وهو برمته كما ذكره ابن عساكر رحمه الله: آربا واحداً أم ألف رت أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير

ألم تعلم بأنّ الله أفنى رجالاً كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين ببرّ قوم فيربومنهم الطفل الصغيرء وبينا المرءيعثربات يوما كمايترنح الغصن النضير ومعناه أنتخذ دينا عبادة ألف رب من الأصنام، وتقسم الأمور بمعنى تفرّقت الأحوال من تسمهم الدهر فتقسموا أي تفرّقوا فهو مبنيّ للفاعل، ووقع في بعضها مجهولاً وله وجه أيضا أي إذا انقسمت الأمور وفوّض اختيار هأ االأمر إليّ لإختار ربا واحدا أم ألف رلت أي كيف أترك رباً واحدا وأختار أربابا متعددة وهذا كقوله تعالى: {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} اسورة يوسف، الآية: 39] وتوله ولهذا أي لقصد التشنيع والتهكم، والمراد بالألف التكثير لا خصوصيته واللات والعزى صنمان مشهوران سيأتي بيانهما. قوله: (ومفعول ئعلمون مطرح الخ) في الكشاف معناه وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال والإصابة في التدابير والدهاء والفطنة بمنزل لا ندفعون عنه، وهكذا كانت العرب خصوصا ساكنو الحرم من قريش وكنانة لا يصطلي بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن الإحاطة بها ومفعول تعلمون متروك، كأنه قيل وأنتم من اهل العلم والمعرفة، والتوبيخ فيه آكد أي أنتم العرّافون المميزون ثم إنّ ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أنداداً هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل، وهذا هو الوجه الأوّل الذي ذكره المصنف رحمه الله، ومطرح افتعال من الطرح بمعنى الرمي والترك وفي نسخة مطروح وهما بمعنى أي ترك نسيا منسياً وقصد إثبات حقيقة الفعل مبالغة من غير تقدير لمتعلق لتنزيله منزلة اللازم وأهل العلم أصحابه ممن قام به والأهل في غبر هذا يكون بمعنى المستحق، والنظر بمعنى الفكر لا الرؤية البصرية، والتأمّل التدبر واعادة النظر مرّة بعد أخرى، وهو في الأصل تفعل من الأصل وهو الرجاء وأدنى بمعنى أقل وأقرب والعلم يتعدى لمفعولين أو ما يقوم مقامهما. كان المفتوحة المشددة ومدخولها فالمراد بالمفعول في كلام المصنف جنسه لا الواحد حتى يقال إنه إشارة إلى أنّ العلم هنا، بمعنى المعرفة متعدّ لمفعول واحد وقوله اضطز عقلكم الخ برفع عقلكم ونصبه لأنه يقال ضرّه إلى كذا واضطرّه إذا ألجأه إليه وليس له منه بدّ كما في المصباح أي أعلمهم بالضرورة وجود صانع بجب توحيده في ذاته وصفاته لا يليق أن يعبد سواه فسقط ما قيل عليه من أنّ الأولى أن يقول لاضطرّ عقلكم إلى التوحيد الصرف وردّ الشرك في العبادة لأن الكفار قائلون بانفراده بوجوب الذات وايجاد الممكنات كما قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [سورة الزخرف، الآية: 87] كما صرّح به قبيل هذا في قوله وما زعموا أنها تساويه الخ. قوله: (أو منويّ الخ) المنوفي والمقدّر بمعنى في اصطلاحهم، إلا أنه يلاحظ في التقديرات جانب اللفظ وفي النية الذهن وقوله وهو الخ أي المفعول المقدر قوله أنها لا تماثله وهو سادّ مسد مفعولي العلم، كما مرّ ولما كانت المماثلة عامّة لجميع وجوه المشابهة عطف عليه قوله ولا تقدر على مثل ما يفعله لأنه المقصود بالذات وأثبته بالآية المذكورة فالواو على ظاهرها وقيل إنها بمعنى أو الفاصلة لظهور أنّ المفعول ليس المجموع والثاني بيان له وسقوطه في غاية الظهور وإنما غرّه كلام الكشاف وأشار بقوله أنها الخ كالزمخشرفي إلى أنّ المفعول حذف للقرينة الدالة عليه كما قاله الفاضل اليمنيّ وقول الطيبيّ إنما حذف على هذا القصد التعميم لئلا يقصر على المذكور دون غيره ليس بمناسب لكلام الشيخين. قوله: (وعلى هذا فالمقصود به التوبيخ الخ) التوبيخ الإنكار بمعنى ما كان ينبغي أن يكون نحو أعصيت ربك أو لا ينبغي أن يكون في المستقبل كما في التلخيص وشروحه، والتثريب التعيير والتقبيح وهو قريب منه، واختلف في المراد بقوله هذا فقيل المراد على تقدير كونه حالاً فيشمل الوجهين وفيه مخالفة للكشاف حيث خص التوبيخ بالأوّل وقيل المراد على الوجه الثاني لأنه على الأوّل يمكن إرادة التوبيخ والتقييد فإنه لا تكليف إلا على من قدر على النظر وقيل إنما قصر على هذا لأنّ التوبيخ في الأوّل أظهر وليس فيه احتمال التقييد والزمخشري لما لم يتعرّض

للتوبيخ في هذا وتعرّض! له في الأوّل عكس المصنف رحمه الله صنيعه تعريضا بالاعتراض عليه وذهب بعض أرباب الحواشي إلى أنه لو كان القصد من هذه الحال تقييد الحكم كان المعنى لا نهي عن اتخاذ الأنداد حال كونهم جاهلين، وهو فاسد لأنّ العالم والجاهل القادر على العلم سيان في التكليف وقيد الجاهل بالمتمكن من العلم احترازاً عن الصبيّ والمجنون وإنما فرّع هذا على الأخير مع أنّ الحال مقيدة على أيّ وجه كان، لأنّ العلم على الوجه الأوّل مناط التكليف لأنه لا يكون إلا عند كمال العقل فكأنه قال انتهوا عن الشرك حال وجود أهلية التكليف فحينئذ يصح معنى مفهوم المخالفة، وهو أنه لا تكليف عليكم عند عدم الأهلية بخلاف الوجه الأخير لأنه قيد الحكم بتعلق العلم بالمفعول وليس مناط التكليف إنما مناطه العلم فقط فعلى هذا لا يفيد التقييد معنى صحيحاً بالنظر لمفهوم المخالفة لأنه يؤدّي إلى أنه لا نهي عن الشرك عند عدم العلم بأن الأنداد لا تماثله وهو باطل وهو مبنيّ على مذهب الشافعيّ في 11 مفهوم وعندنا التقييد على الوجهين للتوبيخ قلت: كأنه لما كان التوبيخ معناه كما مرّ الإنكار لما في الواقع لأنه لا ينبغي أشار العلامة إلى أنه جار في الأوّل لأن ما هم عليه من ديانتهم بعبادة الأصنام أمر منكر مناد على غاية جهلهم ربمخافة عقلهم وأما الثاني فمفعوله المقدر وهو عدم المماثلة أو عدم القدرة على مصنوعاته ليس بمنكر في نفسه وإنما قصد به إلزامهم الحجة، أو يقال إنه اقتصر على بيان التوبيخ فيه لأنه الراجح عنده المهتم بيانه ويعلم الثاني بالقياس عليه كما يومئ إليه قوله آكد بأفعل التفضيل والمصنف رحمه الله لما رآه يؤول إليه معنى جعل التوبيخ مشتركا بينهما توضيحاً لما في الكشاف أو بيانا لأنه غير متعين وأمّا تخصيصه بالثاني وجعله مبنيا على مذهبه في مفهوم المخالفة فليس بشيء لأن الأوّل ليس مجرّد العقل والإدراك الذي هو مناط التكليف كما توهموه بل سلامة الفطرة وغاية الدهاء والذكاء فلو جعل قيدأكما قالوه كان البليد والغرّ الأحمق غير مكلف وهو مما لم يقل به أحد ففساده ظاهر لمن له أدنى بصيرة. قوله: (واعلم أنّ مضمون الآيتين الخ) هذا مأخوذ مما في الكشاف إلا أنه فيه جعله مقدّمة لتفسير الآيتين والمصنف رحمه الله جعله خاتمة وفذلكة ومراده بسطه ولكل وجهة، وفيه إشارة إلى أنّ المقصود من الآيتين أي من قوله يأيها الناس إلى هنا الأمر بالعبادة الدال عليه قوله اعبدوا، والنهي عن اتخاذ الشريك للواحد القهار المستفاد من قوله لا تجعلوا الخ وأدرج النفي في النهي لتقارب معنييهما ولأنه المراد من النفي لأنه خبر بمعنى الإلاء ولأنه يعلم بالمقايسة عليه وفي عبارته إشارة إلى أنّ الأمر والنهي صريح فيهما وعلة الحكم وهو السبب الداعي إليه والمقتضي المستلزم له ليس بصريح وإنما يعلم من ترتيب الأمر على صفة الربوبية وتعليقه بها فإنه يقتضي عليتها وتقدمه رتبة وان تأخر في الذكر، ولذا قال المصنف رحمه الله: رتب الأمر بالعبادة على صفة الربوبية، والمراد بالعلة في قوله إشعاراً بأنها العلة لوجوبها الدليل الدال على وجوبها، وقوله ثم بين ربوبيته الخ إشارة إلى قوله الذي خلقكم الخ وهو وصف للرب مبين له ومثبت له بطريق البرهان، وما يحتاجون إليه في معاشهم أي في تعيشهم وحياتهم من الرزق والأمور الضرورية كالملبس والمسكن والمأكل والمشرب وهو إشارة إلى قوله الذي جعل لكم الأرض! فراشاً الخ والمقلة بزنة اسم الفاعل من اتله إذا حمله هي الأرض لأنهم عليها وهي تحملهم والمظلة بزنته من قولهم أظله إذا جعل عليه ظلة وهي كالسقف لا من أظل بمعنى أقبل ودنا كأنه ألقى ظله عليه كما توهم لأنه معنى مجازي لا يلت! تجأ إليه مع ظهور الحقيقة وهي مبينة في اللغة والاسنعمال والمراد بها السماء وقد شاع هذا حتى صار حقيقة فيهما، وفي الحديث أيّ أرض تقلني وسماء تظلني وقوله والمطاعم الخ إشارة إلى ما تضمنه قوله وأنزل من السماء ماء الخ وأدخل المشرب في المطعم فإنه يشمله كما في قوله ومن لم يطعمه فإنه مني، وقوله فإنّ الثمرة أعمّ الخ إشارة إلى ما قاله الراغب من أنّ الثمرة ما يحمله الشجر ثم عمّ لكل ما يكتسب ويستفاد حتى قيل لكل نفع يصدر عن شيء هو ثمرته، فيقال ثمرة العلم العمل فيشمل كل رزق من مكل ومثرب وملبس سواء كان من النبات كالقطن والكتان أم لا. قوله: (ثم لما كانت هذه

الأمور الخ) المراد بالأمور ما خلق من المخلوقات من الأرضين والسموات وما فيهما من الأجرام العلوية وما أنعم به على من بها من الأرزاق والثمار والأمطار، وشهادتها على وحدانيته ظاهرة: وفي كل شيء له اًية تدل على أنه الواحد وقوله: رتب عليها النهي إشارة إلى أنّ اختيار الفاء في النظم لترتب ما بعدها على ما فعل قبلها ترتب المدلول والنتيجة بخلاف قوله: اعبدوا الله ولا تشركوا به حيث عطف بالواو لعدم ذكر الصفات وقد أرشدنا فيما سبق إلى أنّ السؤال المورد في العطف غير وارد عليه بعد التأمّل في كلامه وما في بعض الحواشي من تحقيق معنى السببية المستفادة من الفاء في قوله: فلا تجعلوا حيث ذكرنا أنها معنى موصل إلى التوحيد وأنّ ايئ ي جعل لكم الآية إن كان خبراً عن الضمير المحذوف يفيد معنى التخصيص الدال على تفرّد الصانع ووحدانيته ولما أفاد الكلام المتقذم معنى التوحيد عقلا ونقلاً رتب عليه النهي عن الإشراك به تعالى ترتيب الصسبب على السبب فتدبر. قوله: (ولعله سبحانه وتعالى أراد من الآية الأخيرة) وهي قوله الذي جعل لكم الأرض فراشاً الخ وإنما قال مع ما دلّ عليه الظاهر دفعاً لتوهم أن يراد من الآية معناها التمثيلي دون ظاهرها فانه غير صحيح فاللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، إلا أنه يفهم منه تلك الخواص بطريق الرمز والإشارة، ولذا قال سيق فيه ولم يقل سيق له لأنّ المسوق له التوحيد والانتهاء عن اتخاذ الأنداد، ولذا قال بعضهم الأرض وما معها محمول على ما مرّ لا أنها بمعنى البدن ونحوه نإن سمج والمراد أنه ينتقل من العالم الكبير إلى العالم الصغير كما قيل في المثل الشيء بالشيء يذكر وتشبيه الجسم بالأرض لأنه سفل ثقيل مخلوق من عناصرها والنفس بالسماء لأنها علوية مفيضة للآثار إفاضة السماء على الأرض والعقل بالماء للطافته ونفوذه في كل شيء وإحيائه أرض البدن بعدما كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت، والعقل، كما قال الراغب يقال للقوى المتهيئة لقبول العلم وللعلم المستفاد بتلك القوّة والقوى وان كانت نفسانية وبدنية وبعضها متصل ببعض آثارها تظهر على البدن نفسه بالقبض الرباني فسقط ما قيل من أنّ العقل إنما يقوم بسماء النفس وكذا الفضائل غير قائمة بالبدن فلا يلائم تفسير الماء النازل من السماء بالعقل إذ ليس نازلاً منها بل قائماً بها وكذا تشبيه الفضائل بالثمرات، ثم قال المراد!. ل! سماء عال! القدسء ث كأ. الأ. ضى النف! ى: مى الماء ال! -، هـ أعور، الصعك ف:! الثو ات ما يترتب عليها من الفضائل، وقوله: وازدواج القوى الخ إشارة لما قلناه والقوى السماوية كحرارة الشمس، وقوله بقدرة الله متعلق بقوله المنفعلة. قوله: (فإنّ لكل آية ظهرا وبطنا ولكل حدّ مطلعاً) أصل البطن الجزء المعروف من الحيوان ويقابله الظهر، ثم قيل للجهة السفلى والعليا بطن وظهر، ويقال لما يدرك بالحس ويظهر ولما يخفى، والحدّ الحائز بين الشيئين والنهاية، والمطلع بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام ثم عين مهملة من اطلع على كذا افتعل إذا أشرف عليه وعلم به والمطلع مفتعل اسم مفعول وموضع الإطلاع من المكان المرتفع إلى المنخفض كذا في المصباح، وقوله ولكل بالتنوين خبر مقدّم وحد مبتدأ مؤ%س، ومطلع معطوف عليه إن رفع كما في بعض الروايات ولو أضيف كل لحدّ نصب مطلعا بالعطف على ظهراً كما في كثر النسخ، وهذه العبارة بعض من حديث صحيح روي من طرق شتى بعبارات مختلفة يطول تفصيلها وشرحها فعن الحسن البصريّ مرسلاً أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية ظهر وبطن ولكل حدّ ومطلع ". وروى الطبراني أنّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إنّ هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حدّ ولكل حدّ مطلع وخرّجه صاحب المصابيح والطحاوي في الآثار وفي معنى السبعة أحرف أقوال كثيرة ليس هذا محلها وإن تعرّض لها بعضهم هنا تكثير للسواد، قال البقافي في كتابه مصاعد النظر. ومن خطه نقلت قال الحسن الظهر الظاهر والبطن السرّ من قول بعض العرب ضربت أمري ظهر البطن والحذ الحرف الذي فيه علم الخير والشرّ، والمطلع الأمر والنهي والمطلع في كلام العرب العلم الذي يؤتى منه خبر

بعلم القرآن والمصعد الذي يصعد إليه في معرفة علمه، وفسر في الغريب المطلع بموضع الإطلاع من أشراف نجد ويكون المصعد من أسفل إلى المكان المشرف فهو من الأضداد، وقيل الظهر لفظ القرآن والبطن تأويله وقيل الظهر ما قص من القصص وبطنه ما في القصص من العظة فالحاصل أنّ الظهر ظاهر الكلام والبطن ما يخص به العلماء مما يحتاج للتأويل، والحد غاية ما ينتهي إليه من الظاهر، والباطن والمطلع الطريق الموصل للحد، وهذا مراد المصنف كما يشهد له سياقه. يعني أنه سبحانه لم يخاطبنا إلا بما يمكن فهمه إمّا للعامّة أو للخاصة الذين يطلعهم على الطريق الموصل للحدّ وفي عوارف المعارف للسهروردي هذا الحديث محرّض لكل طالب ذي همة على أن يصفي موارد الكلام ويفهم دقائقه وغوامض أسراره فإذا تجرّد عما سواه كان له في قراءة كل آية مطلع جديد، وفهم عتيد، ولكل فهم عمل جديد يجلب صفاء الفهم ودقة النظر في معاني الخطاب وعمل القلب غير عمل القالب وهونيات وتملقات روحانية ومسامرات سرّية فكلما أتوا بعمل اطلعوا على مطلع من فهم الآية جديد، وفهم عتيد وعندي أنّ المطلع أن يطلع عند كل آية على شهود المتكلم بها وبتجدّد له التجليات بتلاوة الآيات، وعن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال قد تجلى الله لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون، وهذا مقام رفيع وقيل وراءه مقام آخر يسمى ما بعد المطلع وقد قيل إنّ لهذا الحديث أيضا ظهراً وبطناً ومطلعاً، وقد جاء في الحديث أن للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن. وروي إلى سبعين بطنا كما في تفسير الفاتحة للفنارقي رحمه الله. قوله: (لما قرّر وحدانيته الخ) إشارة إلى أنّ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها لما بينهما من المغايرة الظاهرة والمناسبة التامّة لأنّ توحيد الله وتصديق رسله تعالى عليهم الصلاة والسلام توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، والتقرير جعل الشيء قارّاًك ص به عن الإثبات وصار حقيقة فيه ولم يذكر وجوب عبادته إمّا لجعله معطوفا على لا تجعلوا أو لاً نه مقدّم للوحدانية ولازم لها، والطريق الموصل هو النظر في الأمور الموجبة للعلم بذلك من الأنفس والافاق المشار إليها بالرب وصفاته وذكره على عقبه لما مرّ إشارة إلى أنّ التوحيد لا ينفع بدون الاعتراف بنبوّته عليه الصلاة والسلام وقيل إنه لما أوجب العبادة ونفى الشرك بإزالة الآيات والانقياد لها لام يمكن بدون التصديق بأنّ تلك الآيات من عند الله أرشدهم إلى ما يوجب هذا العلم وهذا أنسب بالسياق حيث لم يقل وان كنتم في ريب من نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم بل في ريب مما نزلنا ثم قال: إنّ الآية كما تزيل الريب تزيل الإنكار لكن خصر هذا إشارة إلى أنّ غاية ما يتوهم الريب دون الإنكار فإنه بمعزل عن التوهم فلا يلتفت إلى إزاحته ولذا لم يقل إن كنتم مرتابين مبالغة فيه أي إن كنتم محاطين بالريب يندفع عنكم بهذا الطريق وليس بشيء لأنّ العدول عن جعل ما مرّ برهانا عقلياً مستقلاً إلى كونه برهانا سمعيا يأباه السياق لأنه لو أربد ذلك، قال اعبدوا الله ولا تشركوا به كما في غير هذه الآية الواردة بعد الإثبات لأنه يضيع حينئذ تفصيل الأدلة الأنفسية والآفاقية وتصير لغواً خالية عن اللطائف السابق تقريرها. قوله: (وهو القرآن المعجز بفصاحته الخ) إشارة إلى المذهب الحق في الإعجاز، وبذت بالذال المعجمة بعد باء موحدة وكذا بالزاي المعجمة بمعنى غلمث وقهر، ومنه المثل من " عزيز " والمنطيق بكسر الميم صيغة مبالغة من النطق وهو البليغ الكثير نطقه، والإفحام بالفاء والحاء المهملة إسكات الخصم بالحجة حتى يسودّ وجهه ويصير كالفحمة وأصله من فحم الضبي إذا بكى حتى انقطع صوته، والمضاذة مفاعلة من الضد بمعنى المعاندة، والمضارّة مفاعلة من الضرر والمعازة بالزاي المعجمة المغالبة والمعارّة بالراء المهملة المخاصمة من المعرّة وهي الفضيحة لأنه يحرص على تفضيح خصمه، والمصقع البليغ والعرب العرباء الخلص كما مرّ في أوائل الديباجة وفي كلامه تجنيس حسن ويعرف إعجازه ونفي الريب عنه بعدم قدرتهم وهم أفصح الناس على مضاهاته ومعارضته وهو يقتضي أنه ليس من كلام البشر، وأمّا احتمال أنه عليه الصلاة والسلام خلق أفصح الناس حتى لا يقدر على مثل كلامه أو أنه كلام ملك فغير ضارّ لعدم تسليم الأوّل ولذا لم يقله أحد

منهم وكذا. الثاني لو نزل عليه ملك كان نبياً، وقوله: وافحام من الخ بإضافة الإفحام إلى من كما في أكثر النسخ وقد قيل عليه أنه عطف على قوله نبوّة ولا وجه له لأنّ الحجة لا تقوم على الإفحام بل بعده وفي بعض النسخ إفحامه بالإضافة إلى الضمير عطفاً على فصاحته ولا وجه له أيضاً لأن الباء في المعطوف عليه للسببية فالعطف عليه يقتضي أن يكون إفحامه لمن طلب معارضته سبباً لإعجازه، وليس كذلك بل الأمر بالعكس فالصحيح أن يقال وأفحمت بصيغة الفعل المعطوف على بذت وليس بشيء لمن له أدنى تدبر فإن دفعه على طرف الثمام. قوله: (وإنما قال مما نزلنا الخ) يعني لم يعبر بالأفعال بلى بائتفعيل المقيد للنزول لأنه من أسباب ريبهم وكذا قوله عبدنا لأنهم قالوا لما رأوا نزوله منجماً على عادة الشعراء والخطباء لو كان من عند الله جاء دفعة واحدة كغيره من الكتب الإلهية ولجاء به إلينا ملك بلا واسطة فردّ عليهم بأنه نجم لأجل المصالح والوقائع وليسهل حفظه له عليه الصلاة والسلام ولأمّته كما يدلّ عليه قراءة الجمع، وقد قيل إنّ المراد بالعباد الرسل لأنّ كتبهم نزلت بلغة قومهم فالريب في هذا ريب فيها وفيه نظر، فالمعنى إن كان ريبكم لهذا فأتوا بمقدار نجم منه وأنه أسهل ومن عجز عنه عجز عن غيره بالطريق الأولى ففي هذا التعبير إشارة إلى منشاريبهم بتضمن ردّه على وجه أبلغ وإلى أنّ المنزل عليه أشرف المخلوقات من الملائكة وغيرهم لإنه أخص خلقه وأقربهم منزلة منه، وقوله نجما فنجما أي مفرّقاً ومرتباً لأنّ مثله من الحال يدل على الترتيب نحو علمته النحو بابا بابا وقد يقرن مثله بالفاء للتصريح بالمراد نحو ادخلوا الأول فالأوّل، والنجم اسم للكوكب ولما كانت العرب بوقت بطلوع النجوم لأنهم ما كانوا يعرفون الحساب وإنما يحفظون أوقات السنة بالأنواء سموا الوقت الذي يحل فيه الأداء نجماً تجوّزا ثم توسعوا حتى سموا الوظيفة لوقوعها في الوقت الذي يطلع فيه النجم واشتقوا منه فقالوا نجمت الشيء إذا وزعته وفرّقته ومنه ما نحن فيه، وما ذكره من أن فعل بالتضعيف يدلّ على التنجيم المعبر عنه بالتكثير كما ذكره الزمخشريّ وغيره مشهور وقد اعترض عليه بأنّ التضعيف الدال على ذلك شرطه أن يكون في الأفعالط المتعدية قبل التضعيف غالباً نحو فتحت الباب وقد يأتي في اللازم نحو موّتت الإبل والتضعيف الدال على الكثرة لا يجعل اللازم متعدّياً وما يفيده للنقل لا للتكثير، وقد جعلهما النحاة كما في المفصل وغيره معنيين متقابلين والاستعمال على خلافه كقوله تعالى {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ} جملة واحدة إذ لا وجه لذكر كونه جملة حينئذ وقوله: {لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} [سورة الأنعام، الآية: 37] فإن ادّعى أنه يستفاد من التقابل ونحوه كما قيل فلا قرينة هنا، وعندي أن هذا المعنى غير التكثير المذكور في النحو، وهو التدريج بمعنى الإتيان بالشيء قليلاً قليلا كما ذكروه في تسلل حيث فسروه بأنهم يتسللون قليلاً قليلاً من الجماعة قالوا ونظيره تدرّج وتدخل ونحوه رتبه أي أتى به رتبة رتبة وهو غير التكثير لإشعاره بخلافه وقد حصروه في هذه الأمثلة فهو مغاير لما في كتب العربية فلا يخالف ما هنا كلامهم فيه، كما توهموه وحينئذ تكون صيغة فعل بعد كونها للنقل دالة على هذا المعنى إما مجازا أو اشتراكا فلا يلزم اطراده فتدبر. قوله: (وأضاف العبد الخ) يعني أنّ إضافته لضمير الله الذي هو بصيغة العظمة تعظيماً له وتشريفا لقدر. لأنّ الإضافة تكون لتعظيم المضاف أو المضاف إليه أو غيره كما فصل في المعاني، والتنويه من قولهم نوّه به تنويهاً رفع ذكره وعظمه وفي حديث عمر رضي الله عنه: أنا أوّل من نوّه بالعرب أي رفع ذكرهم بالديوان والإعطاء. قوله: (والسورة الطائفة من القرآن الخ) الترجمة تكون بمعنى نقل الكلام من لغة إلى أخرى والناقل ترجمان وبمعنى مطلق التبليغ كما في قوله: إن الثمانين وبلغتها قدأحوجت سمعي إلى ترجمان وبمعنى التسمية وهو المراد هنا أي المسماة والملقبة باسم مخصوص كسورة الفاتحة أو مشترك كسورة الطلاق وحم والمراد تفسير سورة القرآن لأن أجزاء غيره من الكتب السماوية تسمى سوراً أيضاً كسورة الأمثال في الإنجيل. قيل وبه خرج الآيات المتعددة من سورة واحدة أو سور متفرّقة وقد نقض هذا

التعريف بآية الكرسي، وأجيب بأنه مجرّد إضافة لم يصل إلى حدّ التسمية والتلقيب وهو مكابرة لأنّ كثر السور من قبيل الإضافات كسورة آل عمران، وقد وردت تسمية آية الكرسي في الأحاديث الصحيحة واشتهرت على الألسنة فالقول بأنه لم يصل إلى حدّ التسمية لا وجه له، والحق أنه غير وارد رأساً لأن تلقيبها بإضافة الآية ينادي على أنها ليست بسورة فلا يرد نقضا وأيضا المراد أنها طائفة على حدة ليست جزءا من سورة أخرى إذ الآيات يعتبر فيها الاندراج في غيرها، والسور معتبر فيها الاستقلال وهذه غير مستقلة فهي خارجة من غير حاجة إلى التأويل أصلا، والجواب بأنّ المراد المترجمة في المصاحف يردّه أنها بدعة ليست في الإمام وما ضاهاه وما يقال من أنه إن أريد بما ذكر تفسير سورة القرآن فلا يناسب المقام لأنه شامل للسورة التي يأتي بها المتحدي فرضاً وليست منه وإن أريد المطلق لا يصح قوله من القرآن غير وارد لأنّ المراد الأوّل ولما كان سورة المتحدي لم تقع لم يلتفت إليها أو هي داخلة فيما يعارض به ادّعاء فرضيا كما لا يخفى، وقوله أقلها ثلاث آيات المراد به أن جن! تلك الطائفة المسماة بالسورة متفاوت قلّه وكثرة في إفرادها وغاية قلتها ثلاث آيات وبهذا ينكشف المقصود زيادة انكشاف فلا يرد أنّ هذا القيد يوجب أن لا يصدق التعريف والتفسير على شيء من السور، وبه يعلم أيضاً أنّ تلك الآية على تقدير كونها مسماة بذلك الاسم خارجة عن السورة كما أفاده قدّس سرّه والظاهر من قيود التعريف أن تكون أوصافا للأفراد لا حالاً للجنس والقلة والكثرة من صفات الجنس لكن بالنظر إلى الإفراد ربما كان هذا اللفظ صحيحاً سوأء كان في التعريف أولاً، فلا يرد ما ذكره على الشارح الفاضل حيث قال إنّ هذا تنبيه على أنّ أقل ما يتألف منه السورة ثلاث آيات لا قيد في التعريف إذ لا يصدق على شيء من السور أنه طائفة مترجمة أقلها ثلاث آيات لأنه إن أراد أنه يصح إدخاله في التعريف من غير تأويل فغير مسلم لما عرفته آنفاً وان أراد بتأويل ما يجعله صفة للإفراد بأن يكون المراد أقل نوعها أو التي لا تكون أقل من ثلاث آيات فقد أشار إليه الشارح بقوله وفيه تأمّل، والطائفة من الناس جماعة ومن الشيء قطعة وهذا هو المراد. قوله: (من سور المدينة لأنها الخ) السورة الواحدة من البناء المحيط نقلت لما ذكر لكنهم فرقوا بينهما فجمعوا الأوّل على سور بضم فسكون والثاني على سور بضم ففتح وما في القاموس مما يوهم التسوية بين الجمعين فيه نظر لا يخفى، وعدل المصنف عما في الكشاف من أنها طائفة من القرآن محدودة محوزة على حيالها كالبلد المسوّر لما قيل عليه من أنه يقتضي أن تسمى تلك الطائفة سورة تشبيها لها بالبلد لا سورة تشبيهاً بحائطها وإن أجيب عنه بأنّ السورة أطلقت على ذي السورة كما يطلق الحائط على المحوّط في قول العرب للحديقة حائطا ثم نقل منه إلى الطائفة اأحذكورة نقلاً مرتباً على المجاز وفي الثاني نقل فقط وفي الكشف في تقرير ما في الكشاف السورة مشتملة على أجزائها اشتمال الكل على أجزائه واحاطة الكل بمفرداته وهو أتمّ الإحاطة، ولولا أنّ تلك الآيات والكلم نزلت منزلة المحال والبيوت في البلد لم يصح هذا التشبيه وهذا الإطلاق على هذا الوجه فصح أنّ النظر في هذا التشبيه إلى المحاط أوّلاً واندفع ما عسى أن يختلج في بعض الخواطر أنّ المناسب على هذا التقدير أن تسمى الطائفة المذكورة المسوّر لا السورة لأنها إذا! ميت بالمسوّر فأين السور وردّ بأنه مخالف لما في تقرير الكتاب لأنّ المعتبر فيه كون السورة محاطة أي محدودة محوزة لا كونها محيطة بأجزائها بل ما ذكرتم هو بعينه الوجه الثاني إلا أنه أبدل فيه فنون العلم وأجناس الفوائد بالآيات والجمل وهو غير وارد لأنه يعني أنّ آياتها وكمالاتها شبهت بالمنازل فجميع أجزائها. كالبلد المسوّر والكل من حيث هو كل مشتمل عليها كالسور والمغايرة بينهما اعتبارية فإنها من حيث إنها أجزاء مجتمعة مدينة وبلد ومن حيث كليتها سور فقوله في الكشاف كالبلد المسور تشبيه للطائفة وهي الكلم وما تركب منها من الآيات وفي قوله المسور إشارة إلى أنها ذات سور وليس معها شيء آخر يشبه بالسور فلزم أن يكون السور الكل المجموعي من حيث اشتماله على ما ذكر ومخالفته لتقرير الكتاب كما قيل ليست بظاهرة، وأمّا في الثاني فالألفاظ محيطة

بالمعاني وأين هذا من ذاك، والحاصل أنّ الهيئة الاجتماعية التي لا جزاء السورة بمنزلة السور والآيات بمنزلة بيوت البلد، وفي قوله البلد المسوّر إشارة إلى المحيط والمحاط به لا المحاط به فقط كما قيل، وأمّا ما قيل على المصنف رحمه الله من أنّ في كلامه نظراً لأنّ السورة ليست محيطة بطائفة منه بل مشتصلة عليها اشتمال الكل على الأجزاء لا الظرف على المظروف فهو كما قيل: سارت مشرقة وسرت مغرّبا شتان بين مشرق ومغرب وقوله مفرزة بمعنى مفصولة مميزة عن غير! بالمبدأ، والمقطع من فرزت الشيء أفرزه إذا عزلته عن غيره وميزته كما في الصحاح وأمّا افريز الحائط لطنفه فمعرّب رواز وقد عرّبو. قديماً كما في كتاب المغرب ومنه قول أبي نواس في بركة في روضة: بسط من الديباح بيض فروزت أطرافها بفراوز خضر ومحوزة أي مجتمعة وحيالها انفرادها عن غيرها والحاصل أنها مستقلة ممتازة بحيز يخصها. قوله: (أو محتوية على أنواع الخ) هذا هو الوجه الثاني في الكشاف وهو أنّ السورة اسم للألفاظ والمسوّر المحاط بها هو المعاني لأنّ الألفاظ كاللباس والقوالب للمعاني، وأشار إلى وجه الشبه بقوله احتواء الخ. قوله: (أو من السورة التي هي الرتبة الخ) الرتبة من رتب الشيء رتوبا استقرّ ودام فهو راتب وهي كالمنزلة والمكانة وعلى هذا شبهت السور بالمراتب المحسوسة لأن القارئ يترقى في تلاوتها واحدة بعد واحدة كما يرقى الصاعد للمراتب العلية أو لأنها ذات مراتب متفاوتة في الشرف والثواب والفضل والطول والقصر، وتفاوت بعض القرآن في مراتبه بحسب ما ذكر مما صرّح به في الفقه اكبر، وله تفصيل في شروحه وهو لا ينافي قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [سورة النساء، الآية: 82] الآن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ كما سيأتي في تفسير هذه الآية، والبيت المذكور من قصيدة للنابغة الذبيان مسطورة في ديوانه أوّلها: نبئت زرعة والسفاهة كاسمها يهدي إليك أو أبد الأشعار ومنها:. فلتأتينك عداوتي وليدفعن ألف إليك قوادم اكوار رهط ابن كوز محقبو أدراعهم فيهم ورهط ربيعة بن حذار ولرهط حرّاب وقدّ سورة في المجد ليس غرابهابمطار وحرّاب بزنة حسان فعال من الحرب بالحاء والراء المهملتين وفي شرح شواهد الكشاف أنه روي بالزاي المعجمة أيضاً ولم يذكره أبو عبيدة في شرح ديوانه، وقذ بفتح القاف وتشديد اندال المهملة وفي بعض شروح الكشاف بالذال المعجمة وهما غلمان لرجلين من بني أسد، وقال الصاغاني: هما ابنا ملك ولا منافاة بينهما، وقوله ليس غرابها بمطار هو مثل كني به عن الخصب وكثرة الثمار بحيث إذا وقع الغراب والطير فيها لا يذاد عنها لكثرة ثمارها، وقيل إنه كناية عن رفعة الشأن والمرتبة أي لا يصل إليها الغراب حتى يطار أو لا تصل الإشارة إلى غرابها حتى يطار وهو كقوله: ولا ترى الضبّ بها ينحجر أي لا غراب بها ولا إطارة وهذا أنسب بالبيت المذكور ومثله قول النابغة أيضاً: ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب قوله: (لأن السور كالمنازل الخ) إشارة إلى أنّ الرتبة يجوز أن تكون حسية ومعنوية كما مرّ، وهذا معنى قوله في الكشاف لأنّ السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ وهي أيضاً في أنفسها مترتبة طوال وأوساط وقصار أو لرفعه شأنها وجلالة محلها في الدين، وقيل بينهما تخالف فإنه في الكشاف جعل وجه التسمية أمرين كون السور كالمنازل والمراتب يترقى فيها القارئ وهي أيضاً في نفسها مرتبة طوال وقصار وأوساط وثانيهما رفعة شأنها وجلالتها في الدين والمصنف عدل عنه وجمع الرتب في الطول والقصر والتوسط مع التفاوت في الشرف والفضل والثواب لأن التسمية إمّا باعتبار مراتب القارئ

فيها وأمّا باعتبار أنها في أنفسها منازل منفصل بعضها عن بعض فيناسب بذلك جمع طولها وقصرها مع تفاوت مراتبها في الفضل، وقد وجه قدس سرّه ما في الكشاف بأنه يريد أن الرتبة إن جعلت حسية فلأن السورة يترقى فيها القارئ ويقف عند بعضها أو لأنها في أنفسها منازل منفصل بعضها عن بعض متفاوتة في الطول والقصر والتوسط وإن جعلت معنوية فلتفاوت رفعة شأنها وجلالة محلها في الدين كل واحدة منها رتبة من تلك المراتب ولا يخفى أن صنيع الزمخشريّ أحسن والمصنف لم يميز الحسيّ من المعنويّ ففي كلامه تسمح إلا أنّ المراد ما في الكشاف. قوله: (وإن جعلت مبدلة الخ) أي إن جعلت السورة مهموزة أبدلت همزتها واواً على القياس المعروف فهي من السؤر ونقل إلى البعض والقطعة مطلقاً وأخروه لما قيل من أنه ضعيف لفظاً إذ لم يسمع همز. ولم ينقل في قراءة من السبع أو الشواذ وان أشعر به كلام الأزهري حيث قال أكثر القرّاء على ترك الهمزة ومعنى لأنها اسم ينبئ عن قفة وحقارة ويستعمل فيما فضل بعد ذهاب الأكثر، ولا ذهاب هنا إلا تقديراً بالنظر إليها نفسها وفيه أنه قال في الدرّ المصون أنها لغة تميم وغيرهم يقولون سؤرة بالهمز، وما ذكر إن كان باعتبار الأغلب فمسلم لكنه لا يرد هنا والا فاللغة تشهد بخلافه ولا يلزم من كون ذلك أصلها أن يلزمها ألا ترى أنّ لفظ سائر من السور، وقد تخلف عنه ما ذكر. قوله: (والحكمة في تقطيع القرآن الخ) أي جعل القرآن سورا مفصلة يشتمل على فوائد وحكم جليلة كما في سائر أفعاله: من عرف الله أزال التهمه. وقال كل فغله لحكمه فمنها إفراد الأنواع أي جعل كل نوع منها على حدة أو كل أنواع متناسبة في سورة مستقلة، وتلاحق الأشكال المراد بالتلاحق وهو تفاعل من اللحوق الاتصال والمقاربة، والأشكال بفتح الهمزة جمع شكل كضرب وهو ما يماثل الشيء قال الله تعالى: {وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ} [سورة ص، الآية: 58] وبقال الناس أشكال وآلاف كما قيل: إنّ الطيور على أشباهها تقع وتجاوب النظم التئامه وائتلافه حتى كان بعضه يجيب بعضاً منه وهو استعارة حسنة والترغيب فيه لأنه إذا سهل حفظه يرغب فيه وقوله نفس ذلك عنه بتشديد الفاء تفعيل من النفس بالفتح وله معان منها الفرج، ويقال اللهتم نفس عني أي فرج عني كربي وهذا منه والمعنى خفف تعقبه وأراحه، وقوله كالمسافر تشبيه للقارئ وقد ورد في الحديث تسميته بالحال المرتحل والبريد مساقة معلومة وهو معرّب بريده دم أي مقطوع الذنب لأنه كان يوضع فيه دواب لاتصال العمال والإخبار بسرعة للخلفاء وتجعل تلك الدواب كذلك لتكون علامة لها ثم سمي بذلك الرسول والمحل والمسافة وهو اثنا عشر ميلاً، والميل ثلاثة فراسخ والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة وطيّ البريد قطع المسافة وحذقها بزنة ضربها بحاء مهملة وذال معجمة وقاف أي أتم قراءتها مجاز من قولهم سكين حاذق أي قاطع كما في الأساب وغيره والحذق في الأصل الذكاء وسرعة الإدراك وابتهج بمعنى فرج وسرّ وقوله إلى غير ذلك من الفوائد يتعلق بمقدر وهو متصل بأوّل الكلام أي فمن ذلك التقطيع ما ذكر من الحكم مضمونا إلى غيره مما يعلم بالقياس على المذكور ويجوز تعلقه بقوله ابتهج بتضمنه معنى نشطه وهيجه إلى غير ذلك والأوّل هو المراد ومن الفوائد أنه أبلغ في إظهار الإعجاز وذلك لأنه إذا فصل القرآن إلى سور تفصيل كلام البلغاء، ومع ذلك عجزوا عن أقصر سورة منه كان ذلك أبلغ في التعجيز كما مرّت الإشارة إليه وما ذكر من الفوائد منها ما يتعلق بالمقروء ومنها ما يتجلق بالقارئ ومثله الكاتب وهو غنيّ عن البيان. قوله: (صفة سورة الخ) في الكشاف من مثله متعلق بسورة صفة لها أي بسورة كائنة من مثله والضمير لما نزلنا أو لعبدنا ويجوز أن يتعلق بقوله فأتوا والضمير للعبد وقد اشتهر هنا سؤال في وجه التفرقة بين الوجهين وتجويز رجوع الضمير لما نزلنا وللعبد إذا كان الجار والمجرور صفة لسورة ومنعه ضمنا على تقدير تعلقه بقوله فأتوا وأوّل من سأله أستاذ الكل العلامة العضد حيث قا ا! مستفتياً علماء عصره

بما صورته: يا أدلاء الهدى ومصابيح الدجى حياكم الله وبياكم وألهمنا الحق بتحقيقه واياكم ها أنا من نوركم مقتبس وبضوء ناركم للهدى ملتمس ممتحن بالقصور لا ممتحن ذو غرور ينشد بأضلق لسان وأرق جنان: ألا قل لسكان وادي الحمى هنيئألكم في الجنان الخلود أفيضوا علينا من الماء فيضاً فنحن عطاس وأنتم ورود قد استبهم قول صاحب الكشاف أفيض عليه سجال الألطاف، من مثله متعلق بسورة الخ حيث جوّز في الوجه الأوّل كون الضمير لما نزلنا تصريحاً وحظره في الوجه الثاني تلويحا فليت شعري ما الفرق بين سورة كائنة من مثل ما نزلنا وفأتوا من مثل ما نزلنا بسورة وهل ثمة حكمة خفية، أو نكتة معنوية أو هو تحكم بحت وهذا مستبعد من مثله فإن رأيتم كشف الريبة واماطة الشبهة والإنعام بالجواب أثبتم بأجزل الأجر والثواب، فكتب جوابه العلامة فخر الدين الجاربردي إلا أنه أتى بكلام معقد لا يظهر معناه فردّه العضد وشنع عليه ثم انتصر لكل منهما ناس من فضلاء ذلك العصر حتى طال الكلام في ذلك وألفت فيه رسائل منقولة برمتها في الأشباه والنظائر النحوية وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك بما لا مزيد عليه. قوله: (والضمير لما نزلنا الخ) شروع في بيان الوجوه المذكورة مع الزيادة على ما في الكشاف فذكر أنه إذا كان ظرفاً مستقراً صفة لسورة فارضمير يجوز رجوعه لما التي هي عبارة عن المنزل وللعبد فعلى الأوّل ذكر في من ثلاثة أوجه أحدها التبعيض ولما كان الأمر هنا باتفاق من الأصوليين والمفسرين للتعجيز اعترض على هذا بأنه يوهم أنّ للمنزل مثلا والعجز عن إتيان بعضه فالمماثلة المصرّح بها لا تكون منشأ للعجز كما سيأتي، وإنما قيل يوهم لأنّ المراد ائتوا بمقدار بعض ما من القرآن مماثل له في البلاغة والأسلوب المعجز فما قيل في جوابه أنه يدفعه مقام التحدي لا وجه له لأنه لا يدفع الإيهام، ومن قال هنا إن المراد بكونها بعض مثل ما نزلنا إنها مثله في حسن النظم وغرابة البيان من حيث كون مقاصده مقتصرة على إيجاب الطاعات والنهي عن الفواحش والمنكرات والحث على مكارم الأخلاق والأعراض عن الدنيا الفانية والإقبال على الآخرة الباقية مع ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت لم يحم حول الصواب إذ لا وجه لهذه الحيثية سواء كانت مفسرة أو مقيدة كما لا يخفى على من عرف معنى الإعجاز وسيأتي لهذا تتمة عن قريب والقول بأنّ التبعيض غير صحيح لأنها لا تكون ظرفا مستقرّاً ليس بشيء ويردّه قوله: ومن الناس من يقول: وأمثاله كما صزحوا به ولا أدري ما غرّه فيه 0 قوله: (أو للتبيين الخ) فالسورة المفروضة التي تعلق بها الأمر التعجيزي هي مثل المنزل في النظم وغرابة البيان والمعجوز عنه سورة موصوفة بذلك وكونها مثله في الإعجاز وعنوان السورة يدفع احتمال مماثلة الجميع كما قيل، وأمّا ما قيل من أنّ قوله بسورة كائنة من مثله يدل على التبعيض بلا تبيين فكيف بناهما على التفسيرية إلا أن يقال إنّ ابتداء التفسير كلمة من غير نظر لما قبله فكلام ناشئ من عدم معرفة أساليب كلام العرب. قوله: (ورّائدة عند الأخفش) فلا يمتنع عنده زيادتها في الكلام المثبت، والجمهور اشترطوا في زيادتها تقدّم نفي أو شبهه سواء كان مجرورها نكرة أو معرفة وهو خالفهم في ذلك كما في التسهيل والاعتراض عليه بأنه يوافقه فيه الكوفيون فضول من الكلام وقوله أي بسورة مماثلة الخ قيل إنه تفسير للزيادة وبه يتبين التبيين، وقيل إنه تفسير له على جميع الاحتمالات إمّ على الأخيرين فظاهر وأمّا على التبعيض فلأن المراد بكونه بعضاً من مثل القرآن أن يكون مماثلاَ له في البلاغة والا لم يكن بعضاً من مثله. قوله: (أو لعبدنا ومن للابتداء الخ) عطف على قوله لما نزلنا فإذا رجع الضمير للعبد لم يحتمل التبعيض والتبيين والزيادة ويتعين الابتداء كما أنه إذا رجع لما لم يحتمل الابتداء أيضا والمراد بكونها للابتداء أن مجرورها مبدأ للفعل حقيقة أو حكماً سواء كان مكانا نحو سرت من البصرة أو زمانا نحو من أوّل الليل أو غيرهما نحو أنه من سليمان ومنع البصريون كونها

لابتداء الغاية في الزمان، وقوله من كونه بشرا الخ بيان لحاله وهذا وان لم يرتضه المصنف رحمه الله أورده استيفاء للوجوه المحتملة فلا يرد عليه ما قيل من أنه لا وجه لتخصيص البشر مع أنه معجز للثقلين كما سيأتي في تفسير قوله: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ} [سورة الإسراء، الآية: 88] الخ والتحدي كأن أوّلاً بمثل القرآن كما فئي قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} [سورة الطور، الآية: 34] ثم بعشر سور في قوله: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ} [سررة هود، الآية: 13] ثم بسورة ما ومعنى الإتيان المجيء بسهولة سواء كان بالذات أو بالأمر والتدبر ويقال في الخير والشرّ والاً عيان والإعراض ثم صار بمعنى الفعل والتعاطي كما في قوله: {وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى} [سورة التوبة، الآية: 54] وأصل فاتوا فأتيوا فأعل الإعلال المشهور. قوله: (والردّ إلى المنزل الخ) أي رجوع ضحمير مثله إلى قوله مما نزلنا أوجه من رجوعه للعبد مطلقا أو إذا كان ظرفا لغواً متعلقا بقوله فأتوا فلا يكون فيه ترجيح لكون الظرف صفة سورة مستقرّا كما قبل لاً نه إذا تعلق بقوله فأتوا فضمير مثله للعبد لا للمنزل فكلامه موافق لما في الكشاف ويرد عليه ما يرد عليه كما ستراه، واعلم أنّ الزمخشري لما جوّز في الوصفية عود الضمير لما وللعبد واقتصر على الثاني في تعلقه بقوله فأتوا ورد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون الضمير حينئذ لما نزلنا أيضا كما جاء ذلك على تقدير كون الظرف صفة كما حكيناه لك آنفا، وأجاب الفاضل المحقق ومن تبعه بأنّ الأمر هنا تعجيزيّ باعتبار المأتي به والذوق شاهد بأنّ تعلق من مثله بالإتيان يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتي منه بشيء ومثل النبيّ في البشرية والعربية موجود بخلاف مثل القرآن في البلاغة وأمّا في الوصفية فالمعجوز عنه الإتيان بالسورة الموصوفة وهو لا يقتضي وجود المثل بل ربما يقتضي انتفاءه لتعلق أمر التعجيز به، والحاصل أنّ قولك ائت من مثل الحماسة ببيت يقتضي وجود المثل بخلاف ائت ببيت من مثل الحماسة، وقد أجيب عنه بوجوه الأوّل أنه إذا تعلق بقوله فأتوا فمن للابتداء قطعا إذ لا مبهم حتى يبين ولا سبيل إلى البعضية لأنه لا معنى لإتيان البعض ولا مجال لتقدير الباء مع من لذكر المأتي به صريحاً وهو السورة ومن الابتدائية تعين كون الضمير للعبد لأنه المبدأ للإتيان لا مثل القرآن وفيه أن مبدأ الابتدائية ليس هو الفاعل حتى ينحصر مبدأ الإتيان بالكلام في المتكلم على أنك إذا تأمّلت فالمتكلم ليس مبدأ للإتيان بالكلام منه بل للكلام نفسه بل معنا. أن يتصل به الأ " لر الذي اعتبر له امتداد حقيقة أو توهماً كالبصرة للخروج والقرآن للسورة فاندفع ما قيل إن المعتبر من المبدأ هو الفاعليّ والمادّيّ والغائيّ لذلك الشيء أوجهه يتلبس بها ولا يصح شيء منها هنا على أنّ كون مثل القرآن مبدأ مادّياً للإتيان بالسورة ليس بأبعد من كون مثل العبد مبدأ فاعليا له، وقد قيل على هذا أنه فرق بين كون المأتيّ به عرضاً مقتضيا للمحل وبين أن يكون جوهراً لا يقتضيه فإنه يجوز أن يقال أتيت من البصرة بكتاب ولا يجوز أتيت من البصرة بكلام وبسلام على الحقيقة بل ينبغي أن يقال أتيت من أهل البصرة فلا يقاس مبدئية القرآن للإتيان بسورة على مبدئية- البصرة للخروج لاستدعاء مبدئية القرآن للإتيان بسورة منه أن يكون القرآن متصفاً بالإتيان بسورة منه بخلاف الخروج من البصرة فإنه لا يستدعي أن تكون البصرة متصفة بالخروج وكما أن البصرة لا يجوز أن تكون مبدأ للإتيان بالكلام كذلك لا يجوز أن يكون القرآن مبدأ للإتيان بالسورة الذي هو التكلم بها فما قاله من أنّ المبدأ الذي تقتضيه من الابتدائية هو الفاعل ليس على إطلاقه بل هو على تقدير أن يكون المأني به عرضاً كالكلام فاتصاف المبدئية لازم كما يلزم ذلك إذا رجع الضمير للعبد وليس بشيء كما لا يخفى. الثاني أنه إذا كان الضمير لما ومن صلة فأتوا والمعنى فأتوا من منزل مثله بسورة فمماثله ذلك المنزل لهذا هو المطلوب لا مماثلة سورة واحدة منه بسورة من هذا والمقصود خلافه كما نطقت به الآي الآخر، وفيه أن إضافة المثل إلى المنزل لا تقتضي أن يعتبر موصوفه منزلاً ألا ترى أنه في الوصفية ليس المعنى بسورة من منزل مثل القرآن بل من كلام وكيف يتوهم ذلك والمقصود تعجيزهم عن أن يأتوا من عند أنفسهم بكلام من مثل القرآن ولو سلم فما ادّعاه غير بين ولا مبين الثالث أنها إذا كانت صلة فأتوا فالمعنى ائتوا من عند

المثل كما في ائتوا من زيد بكتاب أي من عنده، ولا يصح ائتوا من عند مثل القرآن بخلاف مثل العبد وهو بين الفساد، واعترض على الوجه الأول الذي ارتضوه بعض الفضلاء المتأخرين بأن قوله إنه يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء يفهم منه أنه اعتبر مثل القرآن كلا ذا أجزاء وأرجع التعجيز إلى الإتيان بجزء منه، ولهذا مثل بقوله ائت من مثل الحماسة ببيت فإنّ مثل الحماسة كتاب أمر بالإتيان ببيتا منه على سبيل التعجيز، وإذا كان كذلك فلا شك أنّ الذوق يحكم بأنّ تعلق من مثله بالإتيان يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى بشيء منه وأمّ إذا جعلنا مثل القرآن كليا يصدق على كله وبعضه وعلى كل كلام يكون في طبقة البلاغة القرآنية فلا نسلم أنّ الذوق يشهد بوجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء بل الذوق يقتضي أن لا يكون لهذا الكليّ فرد غير القرآن والأمر راجع إلى الإتيان بفرد آخر من هذا الكلام على سبيل التعجيز، ومثله كثير في المحاورات كمن عنده ياقوتة ثمينة لا يوجد مثلها يقول في مقام التصلف من يأتي من مثل هذه الياقوتة بياقونة أخرى فيفهم منه أنه يدّعي أنه لا يوجد فرد آخر من هذا النوع فظهر من هذا أنه لا يلزم من تعلق من مثله بقوله فأتوا أن يكون مثل القرآن موجود فلا محذور، ومثال بيت الحماسة غير مطابق للغرض لأنّ الحماسة مجموع كتاب فلا بد أن يكون مثله كتاباً آخر فيلزم المحذور وأمّا القرآن فمفهوم كفي صادق على كله وأبعاضه إلى حد لا يزول عنه البلاغة القرآنية، فالغرض منه المفهوم الكليّ وهو نوع من الكلام البليغ فرده القرآن وقد أمر بالإتيان بفرد آخر من نوعه بلا محذور وقد تبج!! هذا القائل بما ذكره وأفرده برسالة زيف ما فيها بعض أهل عصره، وقد قيل على هذا الجواب أيضاً إنّ قوله إنّ تعلق من مثله الإتيان يقتضي وجود المثل الخ فيه أنه إنما يتمّ لو لم يكن المثل فرضيا وهو ممنوع. ألا ترى إلى قول الزمخشري أنه لا قصد إلى مثل ونظير هنالك وأجيب بأنّ الذوق شاهد عليه وقوله لا ينفي اقتضاء وجود المثل المحقق بل ينفي القصد إلى مثل محقق، وقريب منه ما قيل من أنه لم لا يكفي وجود المثل في زعمهم كما يكفي على تقدير كون من للتبعيض، وقيل إن بناء الأمر على المجاراة معهم تهكما أو بحسب حسبانهم كقولهم لو نشاء لقلنا عثل هذا يابا. ما قرّر من أنه عبر عن اعتقادهم وانكارهم بالريب إشارة إلى أنه غاية ما يمكن ولذا نكر وصدر بكلمة الشك فإنه مبنيّ على غير تسليمه ولو جدلاً، وهو غير وارد لأنّ بناء جملة على اعتبار وأخرى على آخر تكثيراً للمزايا غير منكر وعندي أنّ هذا الجواب وإن ارتضاه كثير منهم وليس بسديد لأنّ الأمر تعجيزي عندهم وذكر المثل لما لا مثل له أدخل في التعجيز وأقوى كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى في هذه السورة: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ} [سورة البقرة، الآية: 137] حيث قال: إنه من باب التبكيت لأنّ دين الحق واحد لا مثل له وتبعه المصنف رحمه الله فلنجعل ما نحن فيه كذلك (ثم إنه سنح لي هنا) أنّ المراد التحدّي وتعجيز بلغاء العرب المرتابين فيه عن الإتيان بما يضاهيه فمقتضى المقام أن يقال لهم معاشر فصحاء العرب المرتابين في أنّ القرآن من عند الله ائتوا بمقدار أقصر سورة من كلام البشر محلاة بطراز الإعجاز ونظمه وما ذكر يدلّ على هذا إذا كان من مثله صفة لسورة سواء كان الضمير لما أو للعبد لأنّ معناه ائتوا بمقدار سورة تماثله في البلاغة كائنة من كلام أحد مثل هذا العبد في البشرية فهو معجز للبشر عن الإتيان بمثله أو ائتوا بمقدار سورة من كلام هو مثل هذا المنزل ومثل الشيء غيره فهو من كلام البشر أيضاً فإذا تعلق بأتوا ورجع الضمير للعبد فمعناه أيضا ائتوا من مثلى هذا العبد في البشرية بمقدار سورة تماثله فيفيد ما ذكرناه من المقصود، ولو رجع على هذا لما كان معناه ائتوا من مثل هذا المنزل بسورة ولا شك أنّ من فيه ليست بيانية لأنها لا تكون لغوا ولا تبعيضية لأن المعنى ليس عليه فهي ابتدائية كما ذكره الشيخان والمبدأ ليس فاعلاً بل مادّيا فحينئذ المثل الذي السورة بعض منه لم يؤمر بالإتيان به فلا يخلو من أن يدعي وجوده أولاً، والأوّل خلاف الواقع وابتناؤه على الفرض أو زعمهم تعسف لا حاجة إلى ارتكابه بلا مقتض والثاني لا يليق مثله بالتنزيل لأنّ ما-له بأن يأتوا ببعض من شيء لا وجود له فهذا ما أشار إليه العلامة، وأمّا القول بأنّ التخصيص

المذكور ليس بصريح وإنما أخذوه من مفهومه وانمفهوم غير معتبر فهو اكتفاء لا خصيص قبعياء عن السياق بمراحل. قوله: (لأنه المطابق لقوله الخ) أيد رجوع الضمير للمنزل بوجوه منها أته الموافق لنظائره من آيات التحدي لأنّ المماثلة فيها صفة للمأتيّ به فكذا هنا إذا جعل الظرف صفة للسورة والضمير للمنزل ومن بيانية كما عرفت، ومنها أنّ الكلام فيه لا في المنزل عليه فارتباط آخر الكلام بأوّله وترتب الجزاء على الشرط إنما يحسن كل الحسن إذا كان الضمير للمنزل فإنه الذي سيق له الكلام وفرض! فيه الارتياب قصداً وذكر القيد وقع تبعا فلذا صح عود الضميم- له في الجملة مع أنه لو عاد الضمير له ترك التصريح بمماثلة السورة له في البلاغة وهو عمدة التحدّي وان فهم من السياق ومعونة المقام، فسقط ما قيل هنا من أنه إذا رجع الضمير إلى العبد لا ينفك الكلام عن المنزل لأنّ المراد بالعبد العبد المنزل عليه وحاصله كون المنزل بحيث يعجز كل من طولب بالإتيان بما يداني سورة من سورة ممن هو على حال من أنزل عليه ولا حاجة إلى ما أجاب به من أنه أراد بالانفكاك انفكاك الضمير فإنّ الضمير المقدّر في صلة الموصول راجع إلى المنزل. قوله: (ولأنّ مخاطبة الجتم الفقير الخ) ووجه الأبلغية ظاهر مما قرّره المصنف لأنّ أمرهم بجملتهم بأن يأتوا بشيء من مثل ما أتى به واحد من جنسهم أبلغ من أمرهم بأن يجدوا واحداً يأتي بمثل ما أتى به رجل آخر، والجمّ الغفير بمعنى الناس الكثير جداً من الغفر وهو الستر كأنهم يسترون وجه الأرض! لكثرتهم واستعمله المصنف مجروراً بالإضافة والمعروف في كلام العرب استعماله منصوبا على الحال يقولون جاؤوا الجماء الغفير وجاء الغفير أي بجملتهم، ومثله مما يأباه الأدباء ويعدونه لحنا كما بيناه في شرح الدرّة، وفيه لغات مذكورة في القاموس وقوله بنحو الخ إشارة إلى أنّ المثلية ملحوظة فيه وان رجع الضمير للعبد وكونه من أبناء جلدتهم معناه من جنسهم ونوعهم في البلاغة وأصله أن كل نوع متشابه البنية وظاهر البدن وهو المراد بالجلدة كما مرّ، وقيل إنّ صفة المرء بمنزلة جلده في التلبس والتزي وليس المقصود أنهم من قوم واحد بحسب النسب فإنه لا دخل له في هذا المقام وفيه نظر. قوله: (ولأنه معجز في نفسه الخ) هذا رابع الوجوه في كلام المصنف يعني لو أرجع الضمير إليه أوهم أن إعجازه لكونه من أميّ لم يدرّس ولم يكتب ولم يتعلم من غيره علما ومعرفة، وقوله ولأنّ ردّه الخ أي ردّ الضمير إلى عبدنا يوهم أنه يمكن صدوره من غيره من الخطباء والشعراء وأهل الدراسة وليس بين هذا وما قبله كثير فرق فالظاهر إدراجه فيه وعدهما وجهاً واحداً إلا وجهاً خامساً كما قيل، فقوله ولا يلائمه الخ وجه آخر مستقل وقد عده بعضهم وجها سادسا والأمر فيه سهل. قوله: (ولا يلانمه قوله {وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم} الخ) ادعوا أمر من الدعاء، وله معان ذكرها الراغب وهي النداء والتسمية في نحو دعوت ابني محمداً والاستعانة كقوله تعالى: {أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ} [سورة الأنعام، الآية: 40] والدعاء إلى الشيء الحث على قصده وقيل إنه فسر هنا بالإحضار والاستعانة والمصنف أشار بقوله استعينوا إلى أنّ الثاني هو المختار عنده، والظاهر أنه مجازا أو كناية مبنية على النداء لأنّ الشخص إنما ينادي للحضور ليستعان به، وفي الأساس دعا بالكتاب اسنحضره يدعون فيها بفاكهة والمتبادر منه اختصاصه بالمتعدي بالباء، ويلائمه بهمزة بعد الألف وتبدل ياء كثيراً أي يوافقه ويناسبه وأصله من لأم الصاع والشق ني الإناء ونحوه إذا أصلحه ووجه عدم موافقة رجوع الضمير للعبد لما بعده كما قرّره الشراح مما يحتاج إلى فضل تأمّل كما ذكر. المدقق في الكشف لأنّ المراد أنه إن أريد دعاء الشهداء للاستعانة بهم في المعارضة إمّا حقيقة كما، ي الوجه الأخير من الوجوه الستة وامّا تهكماً كما في الوجهين الأولين فلأنه إنما يلائم الأمر بالإتيان بسورة من مثل القرآن " لا الأمر بالإتيان بسورة من واحد عربيّ أمّيّ إذ لا معنى للاستمداد بطائفة فيما هو فعل واحد كيف ولو استعين بالشهداء في ذلك لم يكن المأتيّ به ما كان مطلوبا منهم وأمّا إذا أريد به دعاؤهم ليشهدوا لهم بأنّ ما يدعونه حق كما في الوجوه الباقية فلأنّ إضافة الشهداء إليهم إنما تقع موقعها إذا كان الإتيان بالمثل منهم لا من واحد والا كانوا شهداء له فحقهم أن يضافوا إليه وان كان للإضافة إليهم وجه صحة، ورجوع الضصير للعبد يوهم أنّ دعاءهم

الشهداء ليشهدوا بأنّ ذلك الواحد مثل له لا أنّ ما أتى به مثل للمنزل وهذا الإيهام مخل بمتانة المعنى وفخامته، وترجيح رجوع الضمير للمنزل بهذه الوجوه يقتضي ترجيح كون الظرف صفة للسورة أيضأ كما قرّره السيد، وقد أورد هنا أمور كثيرة لا طائل تحتها كما قيل من أنّ عدم الملاءمة ممنوعة لجواز أن يكون الأوّل طالبا للإتيان بسورة من مثل المنزل إليه والثاني طلباً له من الكل على سبيل الترقي (قلت فيه بحث الأنه قد أشير فيما سلف إلى أنّ المراد بالسورة المأني بها سورة تماثل نظم القرآن لأنه هو المتحدّي به لا غيره سواء رجع الضمير إلى المنزل أو العبد أمّا في الأوّل فظاهر مسلم، وأمّا في الثاني فلأنه معلوم من السياق وعنوان السورة ناطق به فيكون حينئذ قوله فأتوا بسورة من مثله في الوجه الثاني مشتمل على معناه الأوّل مع زيادة ذكراً لمأتيّ منه ولا يخفى أنّ المأمور بالإتيان على كل حال واحد وان كان الجميع ظاهراً إلا أنه ليس المراد به ليأت بذلك كل فرد فرد بل أنهم إذا ارتابوا وأتى بمثله واحد منهم بين أظهرهم فكأنهم أتوا به أجمعون فيجوز أن يكون قوله من مثل هذا العبد توسيعاً للدائرة كأنه قيل ليأت واحد منكم كائناً من كان بمقدار سورة ما. وقوله: {وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم} [سورة البقرة، الآية: 23] بمعنى احضروا بأجمعكم في وقت الإتيان ليتحقق عجز الجميع وإنواو لا تقتضي ترتيبا على أنّ الوجوه يجوز توزيعها على الاحتمالين وتعدّبه بالباء كقوله: ائتوني باخ لا يتبادر منه الفعل فهو مؤيد له أيضاً فتدبر. قوله: (فإنه أمر الخ) أمر بصيغة المصدر مرفوع خبر لأنّ والباء متعلقة به وهو تعليل لعدم الملاءمة على غير الأوجه كما سمعته آنفاً، وقوله يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم تفسير له بحاصل معناه على كل الوجوه الآتية، وقيل معناه ادعوا حاضريكم ليعاونوكم على إتيان مثل المنزل أو ليشهدوا لكم أنكم قادرون على إتيانه، والدعاء قيل معناه الحضور وقيل الاستعانة والمصنف اختار الثاني، وقوله بكل من ينصرهم تعبير عن الشهداء بأيّ معنى كان لأنه جعل الدعاء بمعنى الاستعانة وهي إنما تكون من الناصر ومعنى النصرة متحقق في الجميع وقد أشرنا سابقاً إلى ما فيه فتذكر، وجعل أبو البقاء رحمه الله ضمير مثله للأنداد وتذكيره كتذكير الأنعام ولكونه تكلفاً مخالفاً للظاهر لم يلتفتوا إليه أصلاً، ثم إنّ المصنف رحمه الله ترك قوله في الكشاف في تفسير قوله: {مَن مَّثَلُهُ} ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك، ولكنه نحو قول القبعثري للحجاج وقد قال له: لأحملنك على الأدهم مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد ولم يقصد أحداً يجعله مثلاَ للحجاج لأنه مع ما فيه من الخفاء وعدم المساس له هنا ليس تحته فائدة كما يعلم من شروح الكشاف. قوله: (والشهداء جمع شهيد الخ) الشهود والشهادة الحضور والمشاهدة وهي تطلق على التحقق بالبصر أو البصيرة وقد تقال لمجرّد الحضور نحو ما شهدنا مهلك أهله أي ما حضرناه فالشهيد كالشاهد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة وهي قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة من شهد كعلم ويتعين فيها لفظ الشهادة شرعاً عند بعضهم وفي المصباح أنه تعبدي والقول بأنها الخبر القاطع بناء على ما اشتهر عند الحنفية من تعريفها بأنها إخبار بحق للغير على آخر، وقد خالفهم فيه الشافعية فقالوا إنها إنشماء يتضمن الإخبار بالمشهودية لا إخبار وعزوا الثاني لأبي حنيفة وأنكره السروجيّ وقال لا نعرفه وإنما هي إنشاء عندنا أيضا ولك أن تقول لا خلاف بينهما عند التحقيق واطلاق الشهيد والشاهد على الناصر والمعين مصرّح به في اللغة وكذا على الإمام ويه فسر وقله ونزعنا من كل أمّة شهيدا لأنّ الشهادة تكون بمعنى الحكم كما ذكره الراغب وبه فسر فوله تعالى: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [سورة اس عمران، الآية: 18] والإمام كل مقتدي بأقواله وأفعاله وخصيصه بإمام الصلاة طارى في عرف الشرع وبالسلطان في العرف العامّ وقال الراغب: الشهيد كل من يعتد بحضوره ممن له الحل والعقد ولذا سموا غيره مخلفاً كما قال الشاعر: مخلفون ويعصى الناس أمرهم وهم مغيب وفي عمياء ما شعروا ومن لم يتفطن لهذا قال مجيء الشهيد بمعنى الإمام في اللغة محل نظر لأنه لم يذكر لي القاموس مع كمال إحاطته وأعجب منه أنه افترى على صاحب القاموس فإنه قال الشاهد ص! أسماء النبيّ صلى الله عليه

وسلم واللسان والملك الخ والشاهد والشهيد لا فرق بينهما لمن له بصيرة ولعدم اشتهار وهذا كغيره بينه المصنف رحمه الله بقوله وكأنه الخ وليس هذا مخصوصا به لجريانه بعينه في الناصر، والنوادي بالنون والدال المهملة جمع ناد وهو كالندي المجلس الغاصن! أي الممتلئ بأهله، والإبرام فصل القضايا على وجه الأحكام وأصله قتل الحبل قتلاً قوياً، وقال الراغب: المبرم الذي يلح ويشدّ في الأمر تشبيهاً له بمبرم الحبل وفي كلام العوام الإبرام يحصل المرام. قوله: (إذ التركيب للحضور الخ) الحضور مصدر كالمحضر المعاينة حقيقة أو حكماً، وهذا تعليل لقوله كأنه أو لكون الشهيد بالمعاني السالفة والحضور بالذات والشخص ظاهر كما يقال شهدت كذا إذا كنت عنده وبالتصوّر هو العلم " لأنه حصول الصورة او الصورة الحاصلة عند العقل أو في العقل وهذا كما في قوله: {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ وأنتا تشهدون} [سورة اس عمرأن، الآية: 70] أي تعلمون والشهيد فعيل بمعنى فاعل لأنه حاضر ما كان يرجوه في حياته من السعادة الأبدية أو بمعنى مفعول لأن الحور العين تحضره أو الملائكة تكريماً له وتبثيراً بالرضوان كما قال تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [سورة فصلت، الآية: 30] والمعروف فيه أنه من قتل في حرب الكفار وكانت مقاتلته إعلاء لكلمة الله وهو شهيد الدنيا والآخرةإ1) فإن لم يقاتل لوجه الله وقتل فهو شهيد الدنيا، وأمّا شهيد الآخرة فهو الغريق والمبطون ونحوه مما ورد في الحديث، وتسميته شهيداً لأن له أجره عند الله كما فصل في كتب الحديث، وقوله ومنه الخ من تبعيضية أي مما أخذ من هذه المادّة للدلالة على هذا المعنى وقيل إنها سببية أي لأجل أنّ هذا التركيب للحضور ذاتاً أو تصوّراً قيل الخ لأنه حضر ما يرجوه من النعيم فهو من الحضور بمعنى التصوّر أو الملائكة عنده حضور فهو بمعنى مفعول من الحضور الذاتي. قوله: (ومعنى دون أدنى الخ) دون يكون ظرف مكان في الأمكنة المتفاوتة والمتقاربة كعند إلا أنه ينبئ عن دنوّ وانحطاط ولذا قيل إنه مقلوب عن الدنوّ كما ذكره الراغب ولا يخرج عن الظرفية إلا نادراً كقوله: ألم تريا أني حميت حقيقتي وباشرت حد الموت والموت دونها برفع دون، والى ما ذكر من الدنوّ أشار المصنف رحمه الله بقوله أدنى مكان كما في الكشاف وغيره فبين دون والدنوّ مناسبة معنوية واشتقاق كبير من غير حاجة لادعاء القلب فيه بل لا يصح لاستوائهما في التصرّف وأدنى أفعل تفضيل بمعنى أقرب، وأخر المصنف رحمه الله هنا قول الزمخشريّ ومنه الشيء الدون وهو الدنيء الحقير لما سيأتي ولم يتركه كما توهم لأنّ الدنوّ ليس مأخوذ من دون إذ كل منهما أصل والدنيء مهموز وليس من تركيب دون بوجه من الوجو. لأنه غفلة عما ذكر وعن أنّ الدتي في كلام الكشاف كغنيّ معتل لا مهموز وأما دنيء المهموز كربيء فمادة أخرى وهما مادّتان مختلفتان لفظاً كما في سائر تركيب كتب اللغة والذي غرّه ما في شرح الكشاف الشريفي وهو معترض أيضاً. قوله: (ومنه تدوين الكتب الخ) تبع فيه الزمخشريّ والذي حقق في كتب اللغة كما في كتاب المغرب أنّ التدوين مأخوذ من الديوان وهو فارسيّ معرّب إلا أنه لما شاع قديما تلاعبوا به فصرّفوه وقالوا دوّنه تدوينا والديوان بكسر الدال وفتحها الدفتر ومحله ومنه ديوان الشعر وأصله أنّ كسرى أمر الكتاب أن يجتمعوا في مكان للحساب فلما اجتمعوا اطلع عليهم فرأى سرعة كتابتهم وحسابهم فقال ديوانه أي هؤلاء مجانين أو شياطين على أنه جمع ديو على قياس الفارسية ثم سمي به موضعهم، ومنه ديوان الحق للمحشر فلما استعمله العرب كثيراً ألحقوه بكلامهم وتصرّفوا فيه كما هو دأبهم فقوله لأنه إدناء الخ لا وجه له إلا بتكلف وقد نبه على هذأ في بعض الحواشي. قوله: (ودونك الخ) إشارة إلى أنّ أصله خذه من دونك، وقال الرضي: دونك بمعنى خذ وأصله دونك زيد برفع ما بعده على الابتداء فاقتصر من الجملة على الظرف وكثر استعماله فصار اغ! م فعل بمعنى خذ وعمل عمله، وقوله من أدنى مكان أي أصله خذه من أدنى مكان وأقربه ثم عمّ لكل أخذ كما صرّح به النحاة فلا منافاة بينهما، وقوله ثم استعير للرتب الخ الضمير راجع لدون في أوّل! كلامه لا لما قبله وفي الكشاف ومعنى؟ ون مكان من الشيء ومنه الشيء الدون وهو الدنيء الحقير ثم قال: يقال

هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا أصله خذه من دونك أي من أدنى مكان منك فاختصر وأستعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ومنه قول من قال: لعدوّه وقدراً بالثناء عليه أنا دون هذا وفوق ما في نفسك واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حدّ إلى حدّ وتخطى حكم إلى حكم، قال قدّس سرّه قوله: ويقال الخ بيان لاستعمال دون بمعنى أدنى كان على حقيقته الأصلية، وقيل هو إشارة إلى استعماله في انحطاط محسوس لا يكون في ظرف كقصر القامة فهذا أوّى توسع فيه ثم استعير للتفاوت في المراتب المعنوية تشبيهاً بالمراتب الحسية وشاع استعماله فيها أكثر من استعماله في الأصل ثم اتسع في هذا المستعار فاستعمل في كل تجاوز حدّ إلى حدّ ولو بدون تفاوت وانحطاط وهو في هذا المعنى مجاز في المرتبة الثانية على ما وجهناه وفي المرتبة الثالثة على هذا القول وبالجملة هو بهذا المعنى قريب من أن يكون بمعنى غير كانه أداة استثناء، انتهى وهذا زبدة ما في الكشاف وشروحه ولا فرق بينه وبين كلام المصنف رحمه الله إلا بتغيير يسير في اللفظ دون المعنى وقول الشريف وشاع استعماله الخ إشارة إلى أنّ المجاز المشهور ينزل منزلة الحقيقة حتى يبنى عليه تجوّز آخر بمرتبة أو مراتب كما قرّره أهل المعاني، والاستعارة هنا يجوز أن تكون اصطلاحية ولغوية على أنه مجاز مرسل ثم إنه في الكشاف قدم ذكراً لدون بمعنى الدني والخسيس على التجوّز فيه، والمصنف رحمه الله أخره وجعله مما استعير للرئب فتوهم بعضهم اً نه ردّ ضمنيّ لما في الكشاف ولم يقنع به حتى قال إذا تأمّلت تبين لك أنّ مراد المصنف في هذا المقام الإشارة إلى أنّ ما في الكشاف خبط وخلط في تقرير.، ولم يدر أن الذي خبط ابن أخت خالته لأنّ العلامة قدمه لأنّ النحاة وأهل اللغة قالوا إنّ دون إذا كان ظرفاً لا تصرّف إلا نادراً حتى أبطلوا قول الأخفش أنّ دون في قوله تعالى: {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} [سورة الجن، الآية: اا] مبتدأ بأنه تخريج للتنزيل على ما هو مرجوح وهو غير لائق وعلى الظرفية لا تدخله أل ومعناه حينئذ أدنى مكان وإذا كان بمعنى خسيس لم يستعمل قط ظرفا ويعرّف باللام ويقطع عن الإضافة كما في قوله: إذا ما علا المرء رام العلا ويقنع بالدون من كان دونا قالوا وريس لهذا فعل وقيل إنه يقال دان يدون منه، وبما ذكر علم أنّ ما في القاموس من أنه يقال هذا رجل من دون ولا يقال دون مخالف للنقل والسماع و؟ نّ من اعترض به لم يصب، وكلامهم صريح في أنه حقيقة في هذا المعنى كما في الصحاح والأساس فذكره معه لاشتراكهما في المادّة وتناسبهما في المعنى لا أنه من مجازه والمصنف رحمه الله لما رآه مناسبا بالتفاوت الرتب جعله منه فيحتاج حينئذ إلى أن يقال إنه لما كثر استعماله صار حقيقة عرفية فيه فألحق بأسماء الأجناس في تنكيوه وتعريفه. تنبيه: وقع في الكشاف في بعض المواضع تفسير دون بقوله فضلا ولم يتعرّضحوا له، وفي كتاب الموازنة لأبي الحسين الآمديّ في شرح قول أبي تمام: الودّ للقربى ولكن عرفه للأبعد الأوطان دون الأقرب هذا مما خطئ فيه، وقد قيل: إنه أراد بقوله دون الأقرب فضلا عن الأقرب أي فكيف الأقرب، وهذا وان كان مذهبا للناس حيث يقولون أرض بالقليل دون الكثير وأقنع بقرص من شعير دون ما سواه وهو صحيح معروف. قلت هذا فاسد لأن معنى دون في اللغة التقصير عن الغاية وأمّا ما تأوّلوه فهو معنى بله وموض! وعها دع ودون لا تتضمن هذا المعنى ولا تؤدّبه انتهى. قوله: (أي لا يتجاوز الخ) تفسير للآية بما يتبين منه أنّ دون دالة على تخطي حكم وهو ولاية المؤمنين إلى آخر وهو ولاية الكافرين وقد قيل إن تجاوز الله وتجاوز المؤمنين المراد به غير الله وغير المؤمنين لكن لما كان في ذلك تجاوزهما عما أضيف إليه عبر بما يلزمه عنه تسامحاً وولاية بفتح الواو وكسرها بمعنى الموالاة والمصادقة، وقابل من في النظم بالى إشارة إلى أنها ابتدائية كما سيأتي ثمة، وأمية بصيغة التصغير كما هو معروف هو أمية بن أبي الصلت الشاعر الجاهلي المشهور أحد من وحد الله تعالى في زمن الفترة وترك الشرك وهذا ابتداء شعر له وهو:

يا نفس ما لك دون الله من واقي وما للسع بنات الدهر من راقي وهو شاهد على كون دون تدلّ على تخطي حكم لآخر ومعناه ما لك إن تجاوزت عن الله وحفظه من واق أي حافظ يقيك ما يضرك وبنات الدهر مصائبه التي تحدث فيه كأنه يلدها كما قيل: الليلة حبلى لست تدري ما تلد وهي استعارة رائعة شائعة كما قلت: بنات الزمان مصيباته وفيها الكريم شديد الثبات وكتمانها مثل دفن لها ودفن البنات من المكرمات وقد شبهها بعد التشبيه بالبنات بالحيات على طريق الاستعارة المكنية وأثبت لها اللسع تخييلا وكذا الرقية على نهج قوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [سورة النحل، الآية: 12 ا] وهي في الذروة العليا من البلاغة، وأشار المصنف رحمه الله بقوله غيره إلى أنها قريبة من أدوات الاستثناء كما ستراه وقد مرّت الإشارة إليه أيضاً. قوله: (ومن متعلقة بادعوا الخ) قد ذكر الشيخنا في تعلق من دون الله ستة أوجه ثلاثة على تعلق من بالشهداء وثلاثة على تعلقها بادعوا وهي خمسة معنى كما سيأتي وقد اختلفا في ترتيجها فقدّم الزمخشري تعلقه بالشهداء لتبادره بقربه، وقيل لما فيه من إبقاء الشهادة على معناها الحقيقي وأخر ثالث الأوّل لجواز التعلق فيه بادعوا فيرتبط بما بعدهـ وما قبله ويقع في محزه، وهذا أيضاً دائر على معنى الشهيد من كونه بمعنى الحاضر والمعين والناصر أو من يؤدّي الشهادة كما مرّ. وسيبين لك كل في محله والمصنف رحمه الله عكس ترتيب الكشاف رعاية لتقديم ما هو أقرب وأقوى عنده بحسب المعنى ولنبين لك هذه الوجوه أولاً مراعين لترتيب الكشاف ثم تنزل كلام المصنف عليه فنقول إنهم قالوا: إنّ الأمر على الوجهين الأوّلين للتهكم وعلى الثالث والرابع للاستدراج وعلى الأخيرين للتبكيت والتعجيز والظرف على الثاني لغو معمول لشهداءكم لأنه يكفيه رائحة الفعل وعلى البواقي هو مستقرّ حال فعلى أوّل ثلاثة التعلق بالشهداء معناه ادعوا الذين اتخذتم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة بأنكم على الحق، وعلى الثاني ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله ودون بمعنى قدّام كما في بيت الأعشى وفي أمرهم بالاستظهار بالجماد في معارضة المعجز تهكم إلى الغاية، وعبر عن الأصنام بالشهداء ترشيحا للتهكم بتذكير معتقدهم في نفعها لهم بالشهادة أي هؤلاء عمدتكم وملاذكم فادعوهم لهذه العظيمة النازلة بكم وادعوا بمعنى أحضرو! كناية أو مجاز عن الاستظهار والاستعانة قيل والمعنى استظهروا في معارضة القرآن وادعوا أصنامكم الذين تزعمون أنهم يشهدون يوم القيامة لا الله أو بين يدي الله أنكم على الحق، وقال قدس سرّه دون على الأوّل بمعنى التجاوز ظرفث مستقرّ حال ما دل عليه الشهداء أي الذين اتخذتموهم آلهة متجاوزين الله في اتخاذها، كذلك وزعمتم انهم شهداؤكم يوم القيامة ومن ابتدائة، وما قيل من أنّ المعنى ادعوا أصنامكم الخ بين الفساد يعني ما في شرح السعد مما سمعته آنفاً فاسد وقد نوّره الحفيد بأنّ قوله لا الله في أكثر النسخ منصوب فهو معطوف على أصنامكم وهو مفعول ادعوا فيلزمه تعلق من دون بادعوا والمدعي خلافه، ولذا قيل الصواب رفعه عطفاً على فاعل يشهدون بغير تأكيد للفاصل أي يشهدون كائنين في تجاوز الله ومن بمعنى في والكائن في التجاوز متجاوز فالمعنى متجاوزين الله في حق الشهادة أي متباعدين عنه في صفتها وهو بحسب المعنى استثناء منقطع من فاعل يشهدون وهو ضمير الأصنام، ولك أن تقول إنه على النصب معطوف على اسم أنّ فالمعنى أنهم يشهدون منفردين عن الله إذ المراد بالتعلق التعلق المعنويّ لا الصناقي كما مرّ (بقي) أنه قيل إن الله يشهد أيضاً كالأصنام في زعمهم كما صرّحوا به والذي في الكشاف في تفسير الآية لا يفهم منها أصلا لأن من دون الله متعلق بالشهداء لا بما ذكره في تأويله والجواب عن الأوّل أنه اعتبر مع الله قيد الفرد لا مطلقا أو يقال إنهم وإن استشهدوا الله فهو لا يشهد لهم وما في الكشاف بيان لما صدق عليه من الأصنام ومن دون الله من كلام القائل لا من النظم، وثالث الوجوه المتعلقة بالشهداء ما أشار إليه الزمخشريّ بقوله: ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله على

إرخاء العنان والإيمان إلى أنّ شهداءهم ما هم تأبى بهم الأنفة وتجمح بهم الحمية عن الشهادة بما هو بين الفساد لظهور بطلانه أي ادعوا رؤساءكم يشهدون أنكم أتيتم بمثل القرآن متجاوزين أولياء الله المؤمنين فإنهم لا يشهدون فمن دون الله حال من فاعل الشهادة وعلى الاستثناء هو منفصل كما مرّ وقدر المضاف على هذا للمقابلة فإنّ أولياء الله في مقابلة أولياء الأصنام وهو استدراج لغاية التبكيت أي تركنا إلزامكم بشهداء الحق إلى شهدائكم المعروفين بالذت عنكم فإنهم لا يشهدون لكم أيضاً لأن ظهور أمر الإعجاز يأبى إخفاءه، والظرف مستقرّ ومن ابتدائية وعلى ما مرّ من كون دون بمعنى قذام هو مستعار من معناه الحقيقي وهو أدنى مكان فقالوا من فيه تبعيضية كما سيجيء في سورة الأعراف قال الفاضل المحقق في شرحه هنا: كلمة من الداخلة على دون إنما هي بمعنى كما في سائر الظروف غير المتصرّفة وهي التي لا تكون إلا منصوبة على الظرفية أو مجرورة بمن خاصة وقد يقال إنها إذا تعلقت بادعوا تكون لابتداء الغاية لأنّ الدعاء ابتدكأ من دون الله وإذا تعلقت بالشهداء على م! ضى يشهدون بين يدي الله فللتبعيض كما سيجيء في تفسير قوله تعالى: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} [سورة الأعراف، الآية: 17] أنّ قولهم جلس بين يديه وخلفه على معنى في لأنه ظرف ومن بين يديه ومن خلفه للتبعيض لأنّ الفعل يقع في بعض! الجهتين كما تقول جثته من الليل أي في بعض الليل، وظاهر كلام الدماميني في شرح التسهيل أنها زائدة وهو مذهب ابن مالك، والجمهور على أنها لابتداء الغاية ولم ينقل عن النحاة التبعيض والظرفية ففيما ذكره نظر، وأمّا على الثلاثة الأخر التي تعلق فيها بادعوا فأوّلها على أنّ المعنى تجاوزوا المؤمنين وادعوا رؤساءكم ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله وهم لا يشهدون، وهذا هو الثالث الذي أشار إليه في الكشاف بقوله ويجوز تعلقه بالدعاء في هذا الوجه الأخير ولا يجوز تعلق من دون الله بادعوا في الوجهين الأوّلين بمعنى لا تدعوا الله وادعوا أصنامكن أو ادعوا بين يدي الله أصنامكم للاستظهار بهم في المعارضة أمّا على الثاني فلأن الدعاء للاستظهار وإنما هو في الدنيا لا بين يدي الله في القيامة وأما على الأوّل فقيل: لأنهم توهموا أنهم لو دعوا الله لأعانهم فيحصل غرضهم من المعارضة وهذا منقوض بالوجه السادس، وقيل: لأن إخراح الله عن حكم الدعاء إنما يصح إذا فسر الشهداء بما يتناوله كالحاضرين وأمّا إذا قيل ادعوا شهداءكم من دون الله وأريد بالشهداء الأصنام فلا إذ لا دخول حينئذ ألا ترى أنك إذا قلت ادعوا من دون زيد العلماء لم يصح إلا إذا كان زيد من العلماء وهذا منقوض بالوجه الثالث حيث أريد بالشهداء أشرافهم ورؤساؤهم الذين لا يدخل فيهم أولياء الله كذا في شرح الفاضل، وقال قدّس سرّه إنما لم يجز تعليقه بالدعاء في الأوّلين لفساد المعنى فإنّ دعاء الأصنام لا يكون إلا تهكما ولو قيل ادعوا الأصنام ولا تدعوا الله ولا تستظهروا به فإنه القادر عليه انقلب التهكم امتحانا إذ لا دخل لإخراج الله عن الدعاء في التهكم وكذا لا معنى لأن يقال ادعوها بين يدي الله في القيامة للاستظهار بها في المعارضة التي في الدنيا ولم يجوّز في التعلق بالشهادة كون الشهيد بمعنى الحاضر لأنه لا معنى لادعوا من يحضركم بين يدي الله، ولأنه تعالى والمؤمنين حاضرون فلا يصح إخراجهم عن حكم الحضور وثانيها على أنّ المعنى ادعوا شهداءكم من الناس وصححوا دعواكم متجاوزين الله في الدعاء غير مقتصرين على قولكم الله يشهد أنّ مدّعانا حق كما يقوله العاجز عن البينة فالأمر لبيان انقطاعهم وأنهم لا متشبث لهم وهو حال من فاعل ادعوا وأن اعتبر الاستثناء فهو منقطع وثالثها على أنّ المعنى ادعوا كل من يحضركم سوى الله القادر فالاسنثناء متصل وهذا آخر الستة وهو أرجحها وهو كقوله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ} [سورة الإسراء، الآية: 88] الخ والأمر للتعجيز والإرشاد (أقول) هذا زبدة ما في شبك الأفكار من مصائد أو أبد الأنظار، وفيه بحث من وجوه الأوّل أنّ الشريف اذعى أنّ ما قاله التفتازاني بين الفساد ولا وجه له كما مرّ سواء رفع الله أو نصب على أنه لو عطف على الأصنام أيضا لإفساد فيه لما سمعته من أنّ التعلق معنويّ وما عطف على الأصنام الشاهدة بلا النافية هو غير

شاهد فيؤول المعنى إلى تقييد الشهداء بغير الله وأيّ فساد فيه ولو جعلت لا بمعنى غير صح أيضاً، الثاني أنّ قول الحفيد أن الأصنام بزعمهم تشهد أيضا لاوجه له لأنّ ما ذكر تهكم بهم ولذا أخرج الله من شهدائهم لا لأنهم لا يزعمونه بل لأنه لا مساس له بالمقام وتوله إنّ ما في الكشاف لا يناسب الآية ليس بشيء وإنما خفي عليه لأنه فسر الشهداء بما اتخذوه آلهة من دون الله وليس في اللفظ ما يدلّ عليه فورد عليه ما توهمه حتى احتاج في دفعه لما " تكلفه ووجهه أنهم إنما عبدوا والآلهة لأنها تقرّ بهم وتقريبهم إلى الله إنما يكون في الآخرة إمّا بتزكيتهم عند. وهو عين شهادة أنهم على الحق أو رجاء العفو عنهم وهم لا يعترفون بأنهم عصاة فلزم من عبادة اكهتهم التقريب ومن التقريب التزكية فهذا تفسير له بلازم معناه وبيان لتعلق الجارية باعتباره، فقوله تشهد الخ جملة مفسرة للشهادة وهذا مما ينبغي التيقظ له فإنه في غاية اللطف والدقة، الثالث المراد بالشهداء على الثالث عصبتهم الحامون لحمي ضلالهم لأنهم من شأنهم الشهادة لهم وترويج أباطيلهم فجعل ما بالقوة بمنزلة ما هو بالفعل وان كان ممتنعا استدراجا وهو المراد بإرخاء العنان، الرابع قوله قدس سرّه لفساد المعنى الخ ردّ لما قاله الشارح المحقق إلا أنّ قوله إنه إذا قيل لهم ادعوا الأصنام ولا تدعوا الله انقلب التهكم امتحانا غير مسلم لأنه أي تتهكم وتحميق أقوى من أن يقال لهم استعينوا بالجماد، ولا تلتفتوا نحو رب العباد وهو ظلمات بعضها فوق بعض وقد أطلنا الكلام لأنّ أكثر ما قيل ليس فيه شفاء للصدور وإن كان هذا أيضا نفثة مصا- ور. قوله: (والمعنى وادعوا إلى المعارضة الخ) هذا آخر الوجوه في الكشاف وهو أرجحها ولذا قدّمه المصنف رحمه الله وهو موافق معنى لقوله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [سورة الإسراء، الآية: 88] وعلى هذا الشهداء جمع شهيد بمعنى حاضر، وقوله أو رجوتم الخ هو الوجه الثاني والشهيد فيه بمعنى الناصر والمعين ومن المتعلقة بادعوا فيهما ابتدائية واحضارهم للاستعانة بهم في المعارضة بأن يشاركوهم في الإتيان بمثله على زعمهم وقال رجوتم دون أعانكم لأنّ إعانة شهدائهم، إنما هي بحسب رجائهم وزعمهم والأمر للتعجيز والإرشاد وهو المناسب لمقام التحدي فلذا كان أرجح ومن دون الله بمعنى متجاوزين الله فهو بمعنى غير الاستثنائية كما مرّ تحقيقه وقوله من إنسكم الخ بيان لقوله من حضركم أو رجوتم، وقيل إنه على البدل وغير الله منصوب على الاستثناء أو بدل من من الموضولة وعلى كل حال فهو متعلق بادعوا معنى وما قيل من أنّ ما ذكره المصنف رحمه الله يدل على تعلق الجار بالشهداء وهو مناف لمدعاه إلا أن يقال إنه بيان لحاصل المعنى غنيّ عن الردّ ولم يذكر المصنف رحمه الله الملك واقتصر على قوله من إنسكم وجنكم متابعة لما صرّح به في النظم كما سمعته ولأنه معصوم لا يفعل غير ما يؤمر فلا يتوهم منه ذلك حتى يصرّح به فلا حاجة إلى أن يقال المراد بالجن كل مستور عن الحس فيدخل فيه الملك كما قيل، والحق أنه معجز للملك أيضا كما صرّحوا به وأما قول المصنف رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ} لعله لم يذكر الملائكة لأنّ إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزا فقد ردّه في الفرائد وسيأتي تفصيله ثمة. قوله: (فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله) علة وسبب مبين لكون المعنى ما ذكر وأنهم وأعوانهم لا محالة عاجزون عنه وضمير أنه للشأن فتامّل. قوله: (أو وادعوا من دون الله شهداء الخ) هذا هو الوجه الثالث في كلام المصنف رحمه الله وتعلقه بأمر ادعوا ومن فيه ابتدائية، وقد مر بيان الظرف فيه، والشهيد فيه بمعنى مقيم الشهادة المعروفة، والمعنى ادعوا من فصحائكم ورؤسائكم من يشهد لكم بأن ما أتيتم به مماثله ولا تدعوا الله للشهادة بأن تقولوا الله شاهد وعالم بأنه مثله فإنه علامة العجز والانقطاع عن إقامة البينة والمعنى ادعوا غير الله للشهادة لكن استشهاد غير الله بالمعنى الحقيقي واستشهاد بقولهم الله شهيد فدعوتهم للاستشهاد لا للاستظهار والمقصود بيان أنهم لم يبق لهم تشبث أصلاً وضمير أنه للشأن، وبما قرّرناه عرفت أنّ ما قيل هنا من أنه لا يبعد في هذا الاحتمال أيضا أن يكون من دون الله بتقدير من دون

أوليائه لا وجه له هنا، والمبهوت المتحير المدهوس لانقطاعه، والديدن العادة كالديدان وفي شرح ديوان المتنبي للواحديّ الديدن العادة ورواه الخوارزمي بكسر الدال الأولى كأنه أراد أنه معرّب ديدن وليس في كلامهم فيعل بكسر الفاء انتهى. قوله: (أو شهدائكم الذين اتخذتموهم من دون الله ولياء أو كهة الخ) هذا أول الوجوه في الكشاف وهو الرابع هنا، وشهدائكم مجرور في النسخ ولذا رسمت همزته بصورة الياء فهو معطوف على ادعوا في قوله بادعوا، يعني أنّ من متعلق بشهدائكم وما بعده هو الخامس وهو ثاني الوجوه في الكشاف وقد مرّ تحقيقهما والفرق بينهما وحال الظرف فيهما فلا حاجة لاعادته هنا، وتفسير الشهداء بالآلهة هنا وما عليه وتوجيهه والأمر للاستظهار تهكماً والعامل الشهداء نفسه أو ما دلّ عليه واطلاق الشهداء على الآلهة لزعمهم أنهم شهداء وشفعاء لهم عند الله إذاً والوهم واتخذوهم آلهة دون الله، وقد وقع في النسخ اختلاف هنا ففي أكثرها شهدائكم الذين اتخذتموهم بالجرّ بدون باء وفي بعضها أي الذين اتخذتموهم بزيادة أي التفسيرية قيل وهو الصواب وعليه دون للتجاوز ظرف مستقرّ حال عامله ما دل عليه شهداء وهو اتخذتموهم، وفي بعضها أو بشهدائكم الذين الخ بالباء الجارّة في أوّله، قيل وكض ش على الأوّل يحتمل عطفه على قوله شهداء يشهدون وحينئذ يكون تعلق من بادعوا على حاله والتفاوت باعتبار المشهود به، وهو المماثلة في الأوّل وما زعموه مما ينفعهم يوم القيامة في الثاني ويحتمل أن يعطف على قوله ادعوا ويدل عليه النسخة الثانية غير أن تعلق من بشهدائكم باعتبار تضمنه معنى الاتخاذ وبتقدير مفعوله أعني أولياء بعيد جدا إذ لا وجه لهذا التضمن الأسبق العلم بأنهم اتخذوا ما زعموا شهادته أولياء أو ألهة ولا يخفى عليك أنه لا يكفي في انتقال الذهن إلى هذا المراد إلا أنّ المصنف رحمه الله تبع الكشاف في هذا التوجيه (أقول الا يخفى ما فيه من العنى ول عن جاذة الصواب أمّا ما قدمناه من أنّ الصواب الإتيان بأي التفسيرية فسقوطه ظاهر لأنّ الذين على النسخة الأخرى عطف بيان مفسر لما قبله فهو غنيّ عن البيان وقوله: أنه متعلق بالاتخاذ تعسف تبين وجهه مما قصصناه عليك أوّلاً في شرح كلام الزمخشريّ وبهذا ظهر لك سقوط ما بعده لابتنائه على غير أساس فمآل النسخ كلها إلى معنى واحد كما لا يخفى. قوله: (أو الذين يشهدون لكم الخ) قد مرّ من بيانه ما يغني عن تحمل مؤنة التكرار فيه وقوله من قول الأعثى الخ أي كون من دون بمعنى قدام من قبيل ما اشتهر في كلام العرب كما في بيت الأعشى والأعشى شاعر معروف جاهليّ وهو أفعل من العشا وهو نوع من ضعف البصر يمنع الرؤية ليلاَ، واسمه ميمون بن قيس بن جندل وهو من بكر بن وائل أدرك زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم ومدحه بقصيدة لكن سبقت شقوته فلم يأت له وقصته مشهووة، والبيت المذكور من قصيدة له في ديوانه مدح بها رجلا يلقب بالمحلق واسمه عبد الحليم بن حنتم بن شداد وأولها: أرقت وما هذا السهاد المؤرّق وما بي من سقم وما بي معشق ومنها: فقدأقطع اليوم الطويل بفتية سماميح تسقى والخباء مروّق ودرّاعة بالطيب صفراء عندنا لجس الندامى في يد الدرع مفتق وساق إذا شئنا كميس بمشعر وصهباء زباد إذا ما ترقرق تريك القذى من دونها وهي دونه إذا ذاقها من ذاقها يتمطق وروي وهي فوقه وذوّاقها بدل دونه ومن ذاقها، والقذى بفتح القاف والذال المعجمة مقصور شيء قليل من تراب ونحوه بقع في العين أو الشراب ويرسب في الإناء والكأس، والتمطق تفعل من المطق وهو التذوّق والتصويت باللسان أو بمص شفته من لذتها وقد فسر بكل منها هنا، وتريك بضم التاء الفوقية من الرؤية البصرية وفيه ضمير مؤنث مستتر يعود للصهباء وهي الخمر في البيت الذي قبله كما سمعته آنفا وهكذا فسر في شرح ديوانه وما في شرح الشريف هنآ تبعاً لغيره من الشراح من أنه يصف الزجاجة

بغاية الصفاء وأنها تريك القذى قدّامها والحال أنها قدام القذى والضمير في ذاقها باعتبار ما فيها على قياس قولك شربت كأسا والأوّل باعتبار نفسها حذوا فيه حذوا لكشف وهو تبع الأزهري في قوله: لا يريد أنّ هنالك قذى وإنما يريد أن يصف صفاء الزجاجة ويبالغ فيه وعليه ففيه تجوّزوا استخدام لطيف لكن يأباه أنه لم يسبق للزجاجة ذكر في هذا الشعر، وإنما الضمير فيهما للصهباء بمعنى الخمر وهو وصف لها أيضاً بغاية الرقة والصفاء-ضى كات ما تحتها فوقها وما خلفها قدّامها والتبكيت التقريع والغلبة بالحجة وقريب منه ما قيل إنه الإسكات والتهكم الاستهزاء وهو المراد وله معان أخر وهو في قول الحماسيّ: سرى الليلة الظلماء لم يتهكم بمعنى لم يخطئ والتهكم في غير هذا التندّم وقيل معنى لم يتهكم لم يتميز عليهم والتهكم التكذب على ما فصل في شروح الحماسة وقد مرّ بيان ما هنا فتذكر. قوله: (وقيل من دون الله الخ) بتقدير مضاف ليقابل أولياء الأصنام كما يقابل الله أصنامهم والأمر كما مرّ لإرخاء العنان والاستدراج إلى غاية التبكيت أي تركنا إلزامكم بشهداء لا يميلون لأحد الجانبين كما هو العادة واكتفينا بشهدائكم المعروفين بمعاونتكم من الفصحاء والرؤساء فإن شهدوا لكم قبلنا شهادتهم مع أنهم لا يفعلون ما يشهد العقل بخلافه لبلوغ أمر الإعجاز إلى حد لا يخفى فالشهداء بمعنى الرؤساء وهو ناظر لتفسيره بالإمام والظرف حاله معلوم والوجوه مستعار من الجارحة للرؤساء والمشاهد جمع مشهد وهو المجلس الذي يشهده الناس ويحضره الكبار. قيل ولما لم تقم قرينة على هذا التقدير ولا ضرورة فيه ضعفه المصنف رحمه الله تعالى وقيل: لأنه يؤذن بعدم شمول! التحدي لأولئك الرؤساء وليس بشيء، وقد قيل أنّ تخصيص التمريض بهذا الوجه مع ظهور ضعف غيره من الوجوه لا وجه له وهذا الوجه مشترك بين التعلق بادعوا وبالشهداء عند الزمخشرفي وبما قصصناه عرفت استيفاء المصنف لجميع الوجوه وأن قيل إنه ترك سادسها فتنبه. قوله: (إنه من كلام البشر الخ) أي في أنه والجار يطرد تقديره مع أن وأن كما لا يخفى أي إن كنتم صادقين في أنه من كلام البشر أو في أنكم تقدرون على معارضته فافعلوا أو فأتوا بمقدار أقصر سورة منه وهذا معنى قوله إنّ جواب أن الشرطية محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو جواب الشرط الأوّل وليس الجواب المقدم جوابا لهما ولا متنازعا فيه كما لا يخفى وذكر التنازع هنا لغو من القول. فإن قلت لم يذكر فيما سبق ادّعاؤهم أنه من كلام البثر بل ارتيابهم وشكهم فيه والشك من قبيل التصوّر الذي لا يجري فيه صدق وكذب بلا شك والقول بأنّ المراد إن كنتم صادقين في احتمال كونه من كلام البشر لا يدفع السؤال لأنّ الاحتمال شك مع ما فيه من التكلف وكذا ما قيل من أنهم كانوا منكرين لأنه من كلام الله لكن نزل إنكارهم منزلة الشك لأنه لا مستند له فلذا صدر بكلمة الشك وكذا القول بأنهم عالمون بأنه كلام الله لكنهم يظهرون الريب فقيل لهم إن كنتم صادقين في دعوى الريب فهاتوا ما يصلح الريب كأقصر سورة قلت المراد من النظم الكريم والله أعلم الترقي في إلزام الحجة وتوضيح الحجة فالمعنى إن ارتبتم فاتوأ بنظيره ليزول ريبكم ويظهر لكم أنكم أصبتم فيما خطر على بالكم وحينئذ فإن صدقت مقالتكم في أنه مفتري فأظهروها ولا تخافوا فإن قلت لم لم يقل فإن ارتبتم وهو أظهر وأخصر. قلت عدل عنه لابلغيته بدلالنه على تمكنهم وانغماسهم فيه. ؤما قيل من أنّ تقدير الجواب كلام نحويّ لا يرضاه أهل المعاني وقد جعلوا نحو قوله: كأنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أنّ المنتاى عنك واسع من المساواة كلام واه وغفلة عن أنّ الممنوع تقدير جوابه أن الوصلية وهي لا تكون بدون وأو ولأنّ الجواب بعينه فيما ذكر تقدم فلا يحتاج لجواب وما هنا ليس كذلك. قوله: (والصدق الإخبار المطابق) أي الصدق الواقع صفة للمتكلم وفي الصدق والكذب مطلقاً ثلاثة مذاهب مشهورة كما بين في كتب المعاني وثبوت الواسطة بينهما وعدمها المبنيّ على الخلاف ظاهر وأصحها أنه مطابقة الواقع وهو نفس الأمر وقد يعبر عنه بالخارج وان كان تد يخص بالمحسوس والمراد بقوله: الإخبار المطابق للمخبر

عنه في الواقع وتركه لظهوره. قوله: (وقيل مع اعتقاد المخبر) على زنة اسم الفاعل أي الصدق يتحقق بمطابقة الواقع واعتقاد المخبر أنه مطابق له اعتقاداً ناشئاً عن دلالة يقينية أو عن إمارة ظنية بناء على أنّ الاعتقاد يطلق على ما يشمل العلم، والظن الراجح ويحتمل أنه بيان لطريق الاطلاع على اعتقاده الخفي فاعتبار. في الصدق باعتبار ما يظهر من حاله بالوجه المذكور، والظاهر أنّ هذا مذهب الجاحظ إلا أنه يرد على المصنف حينئذ أنّ الاستدلال بالآية المذكورة إنما هو لمذهب النظام كما في المفتاح وغيره من كتب لتعاني لقوله بأنه المطابق للاعتقاد فقط فإنه تعالى كذبهم لعدم مطابقة كلامهم لاعتقادهم وان طابق الواقع وفي شرح التلخيص لابن السبكيّ أنّ ابن الحاجب رحمه الله جعل هذه الآية دليلاَ للجاحظ وتبعه المصنف لأنها تصلح له ولذا قيل إنه اتجه على السكاكيّ أنه يجوز أن يكو) ، التكذيب لأنّ الصدق مطابقة الواقع مع الاعتقاد وأنه لا وجه لترك المصنف التعرّض! لمذهب النظام مع أنه أقرب إلى الحق لأنه لم يبطل فيه انحصار الشبر في الصادق والكاذب وقال بعض الفضلاء مبني ما ذكره المصنف على أنّ مطابقة الواقع معتبرة في مفهوم الصدق بلا نزاع لكثرة الأدلة عليها فلما كذب الله المنافقين علم أنه اعتبر معها شيء آخر وهو مطابقة الاعتقاد فتأمّل وقال الراغب: الصدق والكذب أصلهما في القول ماض! ياً كان أو مستقبلاً وعدا كان أو غيره ولا يكونان بالقصد الأوّل في القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام ولذا قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا} [سورة النساء، الآية: 87] وقوله: إنه كان صادق الوعد وقد يكونان بالعرص في غيره كالاستفهام لأنّ في ضمنه خبراً والصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا بل إما أن لا يوصف بالصدق وامّا أن يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على طريقين " ختلفين كقول الكافر من غير اعتقاد محمد رسول الله فإنّ هذا يصح أن يقال صدق لكون المخبر عنه كذلك ويصح أن يقال كذب لمخالفة قوله لضميره، وللوجه الثاني أكذب الله المنافقين حيث قالوا إنك لرسول الله فقال: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} انتهى. قوله: (ورذ بصرف التكذيب الخ) قد قرع سمعك فيما مضى أنّ الشهادة وقولك أشهد بكذا هل هو إنشاء متضمن للإخبار أو خبر صرف وقول المصنف رحمه الله أنّ الشهادة إخبار ظاهر في الثاني والجمهور وانّ رجحوا أنها إنشاء قالوا إنّ المشهود به خير ولذا قيل في قوله تعالى: {وَاللهُ يَشْهَدُ} [سورة المنافقون، الآية: ا] أنّ الكذب راجع للمشهود به في زعمهم وصرفه تحويله بالعدول عن الظاهر من تعلقه بقوله إنك لرسول الله إلى جعله متعلقا بما تضمنه تشهد من دعوى العلم وليس كذلك في الواقع فينطبق على مذهب الجمهور وفي المطوّل ما قيل من أنه راجع إلى قوله نشهد لأنه خبر غير مطابق للواقع ليس بشيء لأنا لا نسلم أنه خبر بل إنشاء وقيل عليه أنه يتضمن الإخبار وأن كان إنشاء لكن المحقق قصد ردّ من جعل التكذيب راجعا إلى صريح مدلول نشهد بزعم أنه خبر فإن قلت قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [سورة البقرة، الآية: 146] يدلّ على أنّ شهادتهم كانت إخباراً عن علم. قلت العلم المعتبر في الإيمان مشروط كما قيل بالرضا والتسليم وهم لا يقصدون بقولهم نشهد ذلك لأنه الذي ينجيهم لا التصديق الخالي عنه ولا يخفى عليك أنّ قول المصنف ما كانوا عالمين يأبى ما ذكر من الجواب فينبغي دفعه بطريق آخر. فإن قلت إذا كان الكذب في تسمية الإخبار الخالي عن الاعتقاد شهادة لأنها في ااطغة ما يكون عن علم واعتقاد يكون غلطاً كقولك خذ الثوب مكان خذ الكتاب لا كذباً إذ الكذب راجع لما تضمنه من الخبر وهو مواطأة ما نطقوا به لما في قلوبهم. قلت هذا وان توهمه بعضهم لا وجه له فإنّ الشهادة تدل على العلم والتحقق سواء كان بطريق الوضع أو دلالة الفحوى وسواء كان خبراً صريحاً أو إنشاء يلزمه خبر آخر فإذا لم يكن كذلك كان كذبا والتكذيب راجع لمدلوله فجعله غلطا غلط ثم إنه قيل على المصنف أنّ كلامه ظاهر في تقرير مذصب الجاحظ في اعتبار المطابقتين وما استدل به عليه هو دليل النظام على أنه مطابقة الاعتقاد فقط إلا أنه لم يرد ردّه بل أراد الردّ على الراغب حيث اختار ما يشبه مذهب الجاحظ واستدلّ عليه بدليل النظام فردّه بما ردّ به الجمهور على النظام

فإنه قال إمّا الصدق فإنه يحد بمطابقة الخبر المخبر عنه لكن حقيقته وتمامه أن يتحقق فيه ثلاثة أشياء وجود المخبر عنه على ما أخبر عنه واعتقاد المخبر فيه ذلك عن دلالة أو إمارة وحصول عبارة مطابقة لهما فمتى حصل ذلك وصف بالصدق المطلق، ومتى ارتفع ثلاثتها وصف بالكذب المطلق ومتى حصل اللفظ والمخبر عنه وألاعتقاد بخلافه صح أن يوصف بالكذب ألا تراه تعالى كذب المنافقين في إخبار: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [سورة المنافقون، الآية: ا] لما كان اءمقادهم غير مطابق لقولهم، فإذا قال من اعتقد أنّ زيدا في الدار زيد في الدار ولم يكن فيها صح أن يقال صدق اعتقاده أو كذب إلا أنّ كلامه مناد على أنه يعتبر في الصدق مطابقة الواقع كالجمهور وإنما يعتبر المطابقتين في الكامل بحيث لا يشوبه كذب بوجه ما وظاهر أنه إذا انتفى الاعتقاد لا يكون كذلكءفيجوز أن يتصف بالكذب بحسب الاعتقاد أنه غير مطابق للواقع وقد اعترف هذا الجمهور في جواب النظام كما في التلخيص وشروحه ومراد الراغب بإيراده الآية ذكر شاهد على أنّ الكلام يوصف بالكذب باعتبار أنّ اعتقاد المخبر أنه غير مطابق الواقع لأنّ الاستدلال على أنّ مطابقة الاعتقاد معتبرة في أصل الصدق كمطابقة الواقع فظهر أنّ الردّ في قول المصنف وردّ الخ غير واقع موقعه لأنه إنما هو ردّ للنظاء لا للراغب فتدبر وأخرج رأسك من ربقة التقليد، وتمسك بعروة الإنصاف والرأي السديد (أقول) ما أطال فيه من التصلف، مع أنه ظاهر التكلف غير صحيح في نفسه وما نقله من تفسير الراغب مسطور فج غيره من كتبه، وقد نقلناه بلفظه في المفردات ليتمّ بنور البيان فنقول المذاهب الثلاثة مشهورة فلا إفادة في الإعادة والذي نقله عن الراغب من الأمور الثلاثة المعتبرة فيه ترجع إلى مطابقة الواقع والاعتقاد كما نقلناه لك فإن الأمر الثالث وهو مطابقة العبارة لا يزيد في المطابق بالفتح شيئا وإنما يفيد تغاير المطابق والمطابق كما لا يخفى فمذهب الراغب بعينه مذهب الجاحظ من غير فرد فيرد عليه ما يرد عليه من غير شبهة وليس مذهب رابعاً كما توهمه إلا أنه لما صرّج باعتبار الأمرين كالجاحظ إن أراد اعتبارهما في حقيقته فما بعده من إطلاق الصدق على ما فيه أحدهما تجوّز وان أراد اعتبارهما في كماله فالإطلاق الآخر حقيقة، وكلامه كالتوفيق بين المذاهب والظاهر هو الأوّل ولو سلم أنه مذهب آخر فالمصنف لم يتعرّض له فكيف يذكر في كلامه الردّ عليه من غير دليل ولا قرينة ومثله تعمية والغاز لا اختصار وايجاز فاعرفه. قوله: (لما بين لهم ما يتعرّفون به الخ) في الكشاف لما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرّفون أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسرّه وامتياز حقه من

باطله قال لهم فإذا لم تعارضوه ولم يتسهل لكم ما تبغون وبأن لكم أنه معجوز عنه فقد صرّج الحق عن محضه ووجب التصديق فآمنوا وخافوا العذاب المعد لمن كذب انتهى وهو تفسير لهذه الآية إجمالاً على وجه يتبين به ارتباطها بما قبلها وتفريعها عليها والى ذلك أشار المصنف أيضاً مع تغيير ما في التعبير لمعنى اختاره فما يتعرّفون به هو والجهة أي الطريقة التي منها التعرّف واحد، ويتعرّفون إمّا بمعنى يعرفون معرفة قوية لأنّ صيغة التفعل تكون للمبالغة لزيادة البنية كما صرّحوا به أو المراد ما يتطبون معرفته والوصول إليه، وعلى هذا اقتصر شرّاح الكشاف لأنّ صيغة التفعل تأني للطلب الحثيث نحو تعجل الشيء إذا طلب عجلته كاستعجله ومنه ما في الحديث ليس منا من لم يتغن بالقرآن عند بعضهم أي ليستغن به ويطلب الغني كما ذكره النحاة في معاني أبنية الأفعال وقوله: وما جاء به في محل نصب أو جرّ لصحة عطفه على أمر وعلى الرسول فإن عطف على الرسول فهو من قبيل أعجبني زيد وكرمه وأمر الرسول وان كان عامّا لكل ما جاء به ولغيره من أموره فالمقصود منه هنا ما جاء به لأنه المناسب لما قبله مع ما فيه من البلاغة ولذا اختاره شرّاح الكشاف فإن عطف على الأمر وأريد به صدقه في مدعاه وأريد بما جاء به القرآن الذي ليس من جنس كلام البشر فليس منه لما قصد من الفرق بين الأمرين إلا أنّ الأوّل أرجح رواية ودراية لما عرفته فلا وجه لمن لم يرضى به إلا امنثال خالف تعرف، وقوله وميز لهم الحق عن الباطل أحسن من قوله في الكشاف امتياز حقه من باطله لإيهام الإضافة أنّ قي أمره باطلاً وإن كانوا أوّلوه بكونه حقا عن كونه باطلاً أو المراد بباطله ما هو باطل على زعم الكفرة والرسول في كلامه أنسب من النبيّ أيضاً، ومعنى الفذلكة كما مرّ إجمال يقرب من النتيجة ويضاهيها من قولهم فذلك يكون كذا وهو إشارة إلى توجيه الفاء في النظم ووقوعها موقع تفريع النتيجة وحاصل المعنى على تفصيله وما يقتضيه وهو مما نوّر به ما في الكشاف وأجاد فيه وقوله: وعجزتم جميعا إشارة إلى العموم المستفاد من خطاب المشافهة كما مرّ وأمّا ذكر الشهداء فلا مدخل له فيه بل هو بالتخصيص أنسب فلا وجه لذكره وقوله: يساويه أو يدانيه أي يقاربه في البلاغة والأسلوب والمساواة وان كانت بحسب الأصل في الكمية فالمراد بها المشابهة التامّة بقرينة مقابله وما ذكر إشارة لتعميم المماثلة وأنه لا يشترط فيها المساواة وقد صرّح الراغب بعموم المثل لجميع وجوء الشبه القريبة والبعيدة، وقيل المداناة من حاق اللفظ وصريحه لأنّ المشبه به يكون أقوى في وجه الشبه وأما تعليق الاتقاء بعدم الإتيان بما يساويه فلا يستفاد منه بل ينافي التعليق بالعجز عن الإتيان بما يدانيه وليس بشيء لما عرفته. قوله: (ظهر أنه معجز والتصديق به الخ) يعرف أمر الرسول تجت! ر من التحدي الدال عليه قوله: {فَأْتُواْ} الخ والفذلكة من قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} الخ وهذا إشارة إلى أنّ جزاء الشرط بحسب الظاهر وهو قوله: {فَاتَّقُواْ} الخ. كناية عما يلزمه من ظهور إعجازه والزامهم الحجة الموجبة للإيمان به وبما جاء به كما سيصرّح به عقبه ولا تقدير في الكلام عند الشيخين خلافاً لمن فهم من كلام المصنف رحمه الله تقديره للجزاء جملة خبرية والزمخشريّ تقديره جملة إنشائية لاختلافهم في وقوع الإنشاء جزاء فمنهم من أوجب تأويله بما أوّلوا به خبر المبتدأ. ومنهم من لم يوجبه لعدم الحمل المقتض له فلما لم تكن هذه الإنشاحمية في موضع الجزاء حقيقة لانتفاء ألارتباط انفتح باب التقدير فقدر المصنف ما يصلح للجزائية اتفاقا وجعل المذكور لازما له مترتباً عليه كما أشار إليه بقوله: فآمنوا الخ وليس قوله ظهر من تتمة الشرط لعدم عطفه ولا بدلاً من قوله: عجزتم والجزاء ئآمنوا وقوله: فاتقوا منزلاً منزلته، وقال قدس سرّه قولط الزمخشري: قال لهم الخ. بيان لمآل المعنى وتنبيه على أنّ {فَاتَّقُواْ النَّارَ} كناية عن التصديق وترك العناد وقد توهم أنّ مراده أنه تعالى رتب على ذلك الإرشاد تكميلا له شرطيتين إحداهما محذوفة الجزاء والأخرى محذوفة الشرط فقوله فإذا لم تعارضوه الخ معنى قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} وقوله: فقد صرّح الخ جواب لهذا الشرط المحذوف وقوله: {فَآمِنُواْ} معنى قوله: {فَاتَّقُواْ} وهو جزاء لشرط مقدر أي إذا صرّح الحق عن محضه {فَأَمِنُواْ} وليس بشيء لأنّ {فَاتَّقُواْ} جواب {فَإِن لَّمْ} الخ وقوله فإذا لم تعارضوه إيماء إلى أنّ إن وقعت موقع إذا وأنها للاستمرار دون مجرّد الاستقبال كما يجيء، وإذا جعلت قوله فقد صرّح الحق عن محضه الخ هو الجزاء كان مآله إلى ما قاله المصنف وسيأتي له تتمة عن قريب. قوله: (فعبر عن الإتيان المكيف الخ) أي كان الظاهر أن يقال فإن تأتوا بسورة من مثله فعبر عن الفعل الخاص وهو الإتيان المقيد بسورة من مثله بالفعل المطلق عن المتعلق العام بحسب الظاهر للإيجاز إيجاز القصر حيث أوقع الفعل وحده موقع الإتيان المقيد بسورة من مثله وهو مؤدّ لمعناه لأنه المراد منه والفعل كما قاله الراغب أعمّ من سائر أخواته من الصنع والإبداع والإحداث كما فصله والمكيف اسم مفعول من كيفت الكيفية التي هي أحد الأعراض! المعروفة وفسرها في المصباح بالهيئة والصفة وهي لفظة مولدة من كيف الاستفهامية كالكمية من كم فإن قلت ليس المراد بالفعل المنفيّ في لم تفعلوا مطلق الكعل بل الإتيان المقيد بقرينة السياق والسباق، فلو قال: فإن لم تأتوا الخ فهم المراد قلت فيما عبر به إيجاز وكناية أبلغ من التصريح وأخصر مع إيهام نفي الإتيان بالمثل وما يدانيه وغيره باعتبار ظاهره وان لم يكن مراداً. قوله: (إيجازاً) عدل عما في الكشاف من قوله والفائدة فيه أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصارا ووجازة تغنيك عن طول المكنئ عنه. ألا ترى أنّ الرجل يقول ضربت زيدا في موضع كذا على صفة كذا وشتمته ونكلت به ويعدّ كيفيات وأفعالاً فتقول له بئس ما فعلت، ولو ذكرت ما أنبته عنه لطال عليك الخ. وقد اختلفوا

كما قال قدس سرّه في معنى جريانه مجرى الكناية فقيل أراد بالكناية الضمير المبنيّ على الاختصار ودفع التكرار لكنه مختص بالأسماء، وهنا عبر عن فعل مخصوص بالفعل للاختصار ودفع التكرأر فهو في الأفعال بمنزلة الضمير في الأسماء، وقيل أراد بالكناية ما يقابل المجاز لإطلاق اللازم من الفعل وارادة ملزومه وهو الإتيان بالسورة إلا أنه حينثذ كناية لا جار مجراها، واعتذر له بأنّ الملازمة ليست متساوية لأنّ الفعل أعمّ مطلقا وحصول الانتقال منه بمعونة المقام فلذا أجرى مجراها، وفيه أنه لا يقدح في كونه كناية حقيقة كما إذا جعل الفعل مطلقا كناية عنه مقيداً بفعل مخصوص وقوله تغنيك عن طول المكنئ عنه يؤيد الأوّل إذ ليس مبني هذه الكناية على الوجازة إلا أن يقال المراد بها المعنيان معا، ولو قيل يجوز أن يحذف متعلق الإتيان أو يجعل هو مطلقا كناية عنه مقيدا بما تعلق به فلا استطالة يدفع الأوّل بأنّ إيجاز القصر أبلغ، والثاني بأنّ الاحتراز عن التكرار أولى لأنّ ما ذكره أخصر وأظهر مما تكلفوه وقالوه (أقول) الكناية في مصطلح البيان غير خفية وعند النحاة وأهل اللغة كما فصله نجم الأئمة الرضي في المبنيات هي أن يعبر عن شيء معين لفظا كان أو معنى بلفظ غير صريح في الدلالة عليه إمّا للإيهام على سامع كجاءني فلان وأنت تريد زيد أو كيت وذيت وكذا وكذا أو بثاعة المعبر عنه، كهن للفرج أو للاختصار كالضمائر أو لنوع من الفصاحة ككثير الرماد للمضياف والمكئ عنه يكون لفظا بمجرّده أو مرادا به معناه كقوله: كأنّ نعلة لم تملأ بوائكها وألفاظ الأوزان إذا عرفت هذا ففيما ذكوه الشريف تبعا لغيره هنا نظر لأنّ الكناية لا تختص بالضمائر عند أحد فالحمل عليها غير ظاهر، والتساوي في اللزوم بأن يكون اللازم لازما مساويا لم يشترطه أحد وكأنّ قوله لا يقدح الخ إشارة لهذا وفيما أيد به الأوّل نظر أيضا لأنّ الاختصار غير مشروط في الكناية اللغوية كالاصطلاحية وادّعاء أكثرية غير مسلم والقول بأنه قد يكون كذلك لا يجدي نفعاً لاستوأئهما فيه، فقولك فهلان ليس باكلول من زيد وكذا أنا وبعض الكنايات الاصطلاحية إيجاز كما صرّحوا به والجواب بأنّ المراد المعنيان معا فيه استعمال المشترك في معنييه وهو في الاصطلاحين أبعد فالأولى أن يقال: أراد الأعم الذي اصطلح عليه أهل العربية كما سمعته آنفا من شموله للكناية البيانية. قوله: (ونزل لازم الجزاء منزلته الخ) هذا صريح فيما قدمناه من عدم التقدير على كل تقدير والمراد أنه ترتب وجوب الإيمان وترك العناد على عجزهم بعد الاجتهاد التامّ واتقاء النار لازم له وهو دفع لما يتوهم من أنّ اتقاء النار لازم وواجب مطلقاً من غير توقف على هذا الشرط فما معنى تعليقه بانتفاء ذلك الإتيان أو أنّ الشرط سبب للجزاء، وملزوم له وليس عدم الإتيان بما ذكر سببا للاتقاء ولا ملزوماً له فكيف وقع جزاء له فأجاب بأنه كناية عن ظهور إعجازه المقتضي للتصديق والإيمان به أو عن الإيمان نفسه، وقيل إنه جعل في الكشاف الاتقاء عن النار كناية عن ترك العناد، والمصنف جعله كناية عن الإيمان وكلاهما حسن إلا أنه في الكشاف جعل ترك العناد نتيجة للاتقاء عن النار فاتجه عليه أنه ليس ذكر الملزوم وارادة اللازم كناية بل العكس، وإن أجيب عنه بما فصلوه وفيه بحث. قوله: (تقرير للمكنى عنه) بيان لوجه سلوك الكناية وأنها اختيرت هنا لأمور كتقرير المعنى أي تثبيته وتبيينه لأنه كإثبات الشيء ببينة لما بينهما من التلازم والتهويل وهو التفخيم مع الإنذار والتخويف لأنه إذا ثبت اتقاء النار بترك العناد فقد أقيم العناد مقام النار كما في قوله تعالى: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [سورة البقرة، الآية: 75 ا] لأنّ معناه ما أكثر عصيانهم، وهو من أبلغ الكلام كما قاله المرزوقيّ رحمه الله وفيه تصريح بالوعيد وأنهم يستحقون النار ويعاقبون بها لتمرّدهم مع ما فيه من الإيجاز فإنّ الجزاء الحقيقي كما قاله تقديره ظهر أذه معجز وأنّ التصديق به واجب فآمنوا به أطول من قوله اتقوا النار لأنّ الصفة لا دخل لها في الجزاء والكناية كما لا يخفى، وقيل الإيجاز من ترك ذكر العناد وإقامة النار مقامه فإنّ أصل المعنى فاتقوا العناد الذي مصير أمره عذاب النار، وتيل إنّ قوله مع الإيجاز قيد للأخير أو للمجموع

وهو ردّ لما في الكشاف حيث جعل الإيجاز وجهاً مستقلاً وهو لا يصلغ له إن لم يوجه بأن الوسايط التي صرّح بها في ارتباط الجزاء بالشرط مرادة بحسب المعنى وان لم تقدر في العبارة ويرد عليه أنه لو قيل فاتركوا العناد كانت تلك الوسايط مرادة أيضا فلا إيجاز بحسب الكناية إلا أن يوجه بما قيل من أنه أريد بهذه الكناية مجموع المعنيين من اتقاء النار وترك العناد معا فيكون مؤخراً، ويشمل الإيجاز كل كناية أريد بها معنياها جميعا (أقول) : هذا برمّته مأخوذ من شرح الكشاف الشريفي وقد عرفت أنه لا يجري في كلام المصنف رحمه الله لأنه لا يوافقه فيما قدّره جزاء وجواباً كما مرّ ولو وافقه لم يكن لذكره وجه أيضاً سواء كان مستقلا أو بطريق التبعية والمعية، والعجب من هذأ القائل أنه ذكر هذا بعيته في شرح قوله: معجز فما أسرع ما نسي ما قدّمه بين يديه وما بالعهد من قدم وقد عرفت أيضا أنه يرد على الزمخشرفي أنه إذا كان ترك العناد لازما كان إطلاق الاتقاء عليه تعبير بالملزوم عن اللازم فيكون مجازاً لا كناية ولذا عدل عنه المصنف رحمه الله وأن كان غير مسلم كما فصله قدس سرّه وسيأتي تحقيقه. قوله: (وصذّر الشرطية بأن الخ) أي هذه الجملة الشرطية جاءت على خلاف الظاهر ومقتضى الحال كما أشار إليه بقوله والحال أي وظاهر الحال المناسب للمقام والسياق، وكون أن الموضوعة للشرط تفيد الشك وإذا الظرفية المضمنة معنى الشرط تقتضي الجزم والقطع مما اتفقوا عليه، فإذا خرج كل منهما عن مقتضاه فلا بدّ له من وجه والمراد بالوجوب في كلام المصنف رحمه الله الجزم والقطع فهو بالمعنى اللغويّ وفي المصباح وجب الحق يجب وجوبا وجبة لزم وثبت وهو قريب مما فسرناه به، وما قيل من أنه عبر عن الوقوع المقطوع بالوجوب جريا على ما بين المتكلمين من أنّ الوجود مسبوق بالوجوب فما لم يجب لم يوجد مما لا حاجة إليه ولا يفيد التفسير بل التعقيد ومقابلته بالشك تغني عن الشرح، وأصل الشك المستفاد من أدائه وحقيقته من المتكلم فإن اعتبر حال المخاطب فعلى خلاف الأصل كما أشار إليه بقوله: أو على حسب ظنهم، وقوله: فإنّ القائل الخ تعليل لاقتضاء المقام الجزم وعدم الشك وقوله: ولذلك الإشارة إمّا لاقتضاء الحال أو لأنه تعالى لم يكن شاكا وان كان غير محتاج إلى التعليل لأنّ المراد إظهار نكتة الاعتراض. وقيل: معنى لذلك لعلمه بحالهم أي بنفي الإتيان ولا يخفى أنه لا حاجة إلى الاستدلال على أنه تعالى لم يكن شاكاً فالأوجه أن يصرف إلى تصدير الشرطية بأن أي لذلك التصدير ففي إتيانهم ففائدته نفي الشك الذفي توهمه عن ساحة سلطان علمه، ولك أن تقول: {لَن تَفْعَلُواْ} معطوف على {لَّمْ تَفْعَلُواْ} انتهى. ولا يخفى عليك أنّ جعل الإشارة للتصدير وان صح في غاية البعد وأمّا العطف الذي ارتضاه فغير صحيح بحسب العربية ولا بحسب المعنى ولذا لم يلتفتوا له مع ظهوره وهي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب. وفيها كما في الكشاف نوع من الإعجاز ودليل آخر على إثبات النبوّة لما فيها من الإخبار بغيب لا يعلمه إلا ألله. قوله: (تهكماً بهم) منصوب مفعول له وتعليل لقوله: وصدر الشرطية بأن أي أنه كلام القويّ العزيز العليم بجميع الكائنات قبل وقوعها علما حضوريا جازماً منزهاً عن الشك فحاطبهم بمثله استهزاء منه وتحقيراً لهم كما يقول الواثق بالغلبة لخصمه إن غلبتك لم أبق عليك وتحميقاً لهم لشكهم في المتيقن الشديد الوضوح وهو على هذا يحتمل أن يكون استعارة تبعية تهكمية حرفية كما قيل ولا مانع منه ويحتمل الحقيقة والكناية كما في غيره مما جاء على خلاف مقتضى الظاهر، وقوله: أو خطابا الخ أي عبر بذلك نظراً لحال المخاطب لا القائل كما في الوجه السابق، وفي الكشاف يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم وأنّ العجز عن المعارضة كان قبل التأمّل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على قصاحتهم واقتدارهم على الكلام أي أنّ هذا الكلام بعد قوله: وان كنتم في ريب بلا فاصل فلم يجدوا مهلة التأمّل حتى يحصل لهم التحقق وإنما قال: لم يكن محققاً ولم يقل كان مشكوكاً لأنهم لما لم يحصل مجال للتأمّل لم يحصل الشك أيضا ولذا قال الزمخشرفي: كالمشكوك إذ الشك إنما يكون بعد التصدي للتفحص عن حال الشيء لكنهم لما كانوا متكلين على فصاحتهم واقتدارهم على أفانين الكلام كان عجزهم بالقياس إلى ظاهر حالهم كالمشكوك فيه لديهم كما قال

تعالى: {لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} [سورة الأنفال، الآية: 31] وفيه رمز إلى أنهم لو تأمّلوا لم يشكوا فتأمل. قوله: (وتفعلوا جزم بلم الخ) جزم بمعنى مجزوم كدرهم ضرب الأمير بمعنى مضروبه وهذا تعليل وبيان لكون العامل الجازم هنا لم لا إن الشرطية لأنه لما اجتمع عاملان وعملهما معا لا يجوز إذ لا يتوارد عاملان على معمول واحد رجحوا الثاني لأنه واجب الأعمال إلا في ضرورة أو شذوذ أو وجود مانع متصل بالفعل كنون التأكيد والإناث وهي مختصة بالمضارع كاختصاص حرف الجرّ بالاسم فكانت جديرة بأن تعمل فيه العمل الخاص به ولأنها لا تنفصل عنه إلا نادراً بخلاف إن ولأنها تقلبه إلى المضي فلما أثرت في معناه لقوّتها أثرت في لفظه وصارت معه كفعل واحد ماض فلم يفعل بمعنى ترك وحرف الشرط حينئذ داخل على المجموع فيعمل في محل فعله ولا يلغى وليس هذا من التنازع في شيء وإن تخيل مشابهته له لأنّ ابن هشام في كتبه كنيره صرّح بأنّ التنازع لا يكون بين حرفين لأنّ الحروف لا دلالة لها على الحدث حتى تطلب المعمولات (أقول) كذا في شرح الكشاف وفي شرح أوضح المسالك ما نصه أجاز ابن العلج التنازع بيى ن الحرفين مستدلاً بقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} الآية فقال تنازع إن ولم في تفعلوا، ورذ بأن أن تطلب مثبتا ولم تطلب منفياً وشرط التنازع إلاتحاد في المعنى إلا أنّ أبا عليّ الافارسي أجازه في التذكرة كما نقله عنه الشاطبيّ فعلى هذا يصح أن يقال الجازم هنا أيضا أن فالحاصل إن لم جازمة للمضارع وإن جازمة للمحل لكثرة عملها فيه في نحو إن جئتني أكرمتك فتوفر حظهما من العمل كما أشار إليه المصمنف بقوله ولأنها لما صيرته ماضيا صارت كالجزء منه وحرف الشرط كالداخل على المجموع أي مجموع لم والفعل فعملهما محليّ فإن تلت هل المحل للفعل وحده أو للجملة أو للم مع الفعل كما هو ظاهر كلام المصنف. قلت: هذا مما لم يصرّحوا به وفيه إشكال لأنه إن كان للفعل وحده لزم توارد عاملين في نحو النسوة إن لم يقمن وان كان للجملة يرد عليه أنهم لم يعدوها من الجمل التي لها محل من الإعراب وان كانت للم مع الفعل فلا نظير له وعلى كل حال فالمقام لا يخلو من الإشكال وقد أطال فيه شارح المغني بما لا مآل له فليحرّر. قوله: (وإن كلاَ في نفي المستقبل الخ) وقد فرق بينهما برجوه كالاختصاص بالمضارع وعمل الممب، ونقل عن بعضهم أنها قد تجزم ولا يقتضي نفي لن التأبيد ولا غيره من طول مدة أو قلتها خلافاً لبعض النحاة في ذلك وليس أصلها لا أن لأنه سمع نادرا كما في قوله: يرجى المرء مالاً أن يلاقي ويعرض دون أيسره الخطوب ولا حجة فيه لاحتمال زيادة أن فيه وقد أورد عليه أن لن تضرب كلام تامّ وأن مع الفعل اسم مفرد غير تام وتقدير ما يتمّ به معه تعسف أهون منه القول بأنه أصله فلما غير لفظه غير معناه وصار لمجرّد النفي، وقيل: أصله لا فأبدلت ألفه نونا ولما كان هذا كله تكلفا بغير طائل لم يرتضه المصنف رحمه الله وقال: إنه مقتضب أي مرتجل وضحع ابتداء هكذا، وأصل معنى الاقتضاب الاقتطاع. قوله: (والوقود بالفتح ما توقد به النار الخ) المشهور عند النحاة الفرق بين فعول وفعول بالفتح والضم فالثاني مصدر والأوّل اسم لما يفعل به وقال بعض النحاة: قد يكون مصدراً وحكي عن سيبويه في ألفاظ وهي الولوغ والقبول والوضوء والطهور وزاد الكسائيّ الوزوع وغيره اللغوب بمعنى التعب وبه قرئ في سورة ق، فتصير سبعة والمشهور في المفتوح أنه اسم فيه معنى الوصفية كالقارورة، وقد قرئ بالضم هنا في الشواذ وهي قراءة عيسى ابن عمر والهمدانيّ وقال ابن عطية الضم والفتح محكيان في الحطب والمصدر فإن كان اسما لما يوقد به فلا حاجة إلى التأويل وإلا فحمله على النار مبالغة كرجل عدل أو بالتجوّز فيه، أو في التشبيه أو بتقدير مضاف في الأوّل كذو وقودها أو في الثاني كاحتراق وقيل فيه نظر يعني لأنّ الإيقاد غير الاحتراق ولذا قيل: فيه مسامحة لأنه يقال اتقدت النار ولا يقال احترقت بل الاحتراق أثره وقريب منه، والأمر فيه سهل، وحكى المصنف عن سيبويه أنّ من العرب من جعل المفتوح مصدرا والمضموم اسما على عكس المشهور وقوله عالياً بمعنى فصيحاً يقال لغة عالية وعلوية وهذه اللغة أعلى أي أفصح وأصله كما قيل من علياء

نجد وأعلاه الفصاحة أهله بالنسبة لأهل تهامة وقوله: والاسم بالضم عطف على قوله المصدر بالفتح ثم أشار إلى تاً ويل المصدر بأنه تجوّز فيه كما يقال فخر قومه وهو ظاهر. قوله: (والحجارة الخ) جعل المصنف رحمه الله فعالة بالكسر جمعا لفعل بفتحتين شاذاً وقال ابن مالك في التسهيل: إنه اسم جمع لغلبة وزنه في المفردات وهو الظاهر. قوله: (والمراد بها الآصنام الخ) أي أنه تعالى قرنهم بها في الدنيا بتقديره كذلك وفي الآخرة لتفضيحهم ففيه عذاب روحاني وجسماني والمكانة أصلها المكان وهو محل الكون ثم تجوّز بها للقرب والقبول كما يقال له مرتبة ولمكانتهم باللام وفي نسخة بالباء والضمير للكفار أو للأصنام وهو أظهر لأنهم شفعاء بزعمهم والشفيع له مكانة عند المشفوع عنده، وحصب جهنم حطبها الذي يحصب فيها أي يطرج ويرمي كالحصباء والتعبير به هنا في موقعه وما قيل من أنّ الحصب الحطب وهو يبقى في النار زمانا ممتدا بخلاف الوقود وهم لأنه توهم أنّ الوقود ما تورى به النار ويشعل كالكبريت والحراقة وليس كذلك بل هو ما يوقد ويحرق مطلقا فلا حاجة لما تكلفه في جوابه، وتضرّرهم بما يرجى نفعه أشدّ لألمهم، وتحسرهم بالحاء المهملة إيقاعهم في الحسرة وهي أشد الغمّ والحزن والندم على ما فات تلافيه ووقع في بعض النسخ كما في الكشاف تخسرهم بالخاء المعجمة من الخسران وهو ظاهر وقيل: إنّ المصنف رحمه الله أشار بقوله: عذبوا بما هو منشأ الخ إلى تعذيبهم الجسماني وبقوله: أو بنقيض الخ إلى الروحاني فقد جمع لهم بين نوير العذاب. قوله: (وقيل الذهب والفضة الخ) لأنّ الذهب والفضة يسمى حجراً كما في القاموس وهو في العرف مختص بما لم يصنع وش! بك وإعدادها بكسر الهمزة مصدر بمعنى جعلها معدة ومتخذة لهم، وما أورده المصنف على هذا التفسير من أنه غير مخصوص بهؤلاء لوجوده في مانعي الزكاة من غيرهم قد اجيب عنه بأنّ هذا التعذيب غير ذلك لأنه بإيقادها وجعلها بقدرته مما يشتعل كالحطب وتعذيب مانعي الزكاة بها بأحمائها وكيهم لأنهم لما تداووا بجميعها كان آخر دوائهم الكيّ كما قال تعالى: {فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ} [سورة التوبة، الآية: 35] الآية وشتان ما بينهما، ولعل هذا أحسن مما قيل من أنّ جمع المال مع مغ الزكاة هو معنى الكنز وهو في الكفار أكثر وأشد لتخليدهم ولا شبهة في أنّ اغترار المسلمين بالذهب والفضة ليس كاغترارهم والتخصيص إمّ من اللام في قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} أو من الكافرين لأنّ ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعلية مأخذه كما مرّ مرارا. قوله: (وقيل حجارة الكبريت الخ) مرضه وأخره لضعفه عنده لأنه تخصيص بغير دليل وغير مناسب للمقام كما ستسمعه وتغ فيه الزمخشريّ وقيل عليه أنّ القرينة العقلية قائمة عليه لأنه لا يتقد من الحجارة غيره مع أنه الثابت في التفاسير المأثورة دون غيره فإنه أخرج مسنداً في السنن وصحح روايته عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم الطبرانيّ والحاكم والبيهقيّ وابن جرير وابن المنذر وغيرهم ومثل هذا التفسير الوارد عن الصحابيّ فيما يتعلق بأمر الآخرة له حكم الرفع بإجماع المحدّثين وقد رجحه كثير من المفسرين وعللوه بأنه أشد حرّا وأكثر التهابا وأسرع إيقاداً مع نتن ريحه وكثرة دخانه وكثافته وشدة التصاقه بالأبدان فلتخصيصه وجه بل وجوه رواية ودراية. قوله: (إذ الغرض تهويل شأنها الخ) بيان لأنّ هذا التفسير مناف لما سيق له الكلام، والتهويل أشدّ التخويف وأعظمه والتفاقم بالفاء والقاف العظم ويخص في الاستعمال بالمكروه وكونه منافياً له غير مسلم لما عرفته مما في الكبريت من الألم الذي ليس في غيره وكما تكون حدّة النار في ذاتها تكون في مادتها الموقود بها ولأنه يلتصمق بأبدانهم فيكون أشد عذابا لهم مع أنه يعدّهم لأن يكونوا حطب جهنم كما قال تعالى: {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} [سورة إبراهيم، الآية: 50] وقوله: فإن صح هذا الخ قد عرفت أنّ المحدّثين صححوه فلا ينبغي الشك فيه وما أوّله به من قوله أنّ الأحجار الخ لا يخفى بعده فإنه يجعل الحجارة صئحبهة بالكبريت وليس في العبارة ما يدلّ عليه وأبعد منه ما قيل إنّ المراد أنها تتقد بنفسها لاحراق الناس والأصنام انقياداً لأمر الله تعالى والكبريت بكسر الكاف قال ابن دريد هو الحجارة الموقد بها ولا أحسبه عربيا صحيحا وقال غيره أنه معرّب والكبريت الأحمر الياقوت أو الذهب. قوله: (ولما كانت الآية مدنية الخ) هذا ملخص ما في

الكشاف وهو توجيه لتعريف النار هنا وتنكيرها في تلك الآية ووقوع جملة {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} صلة وهي كما ذكره النحاة وأهل المعاني لا بدّ أن تتضمن قصة معهودة ومعلومة للمخاطب لأنّ تعريف الموصول بما في صلتة من العهد كما صرّحوا به فإنّ المنكر نزل أوّلاً فسمعوه بصفته فلما نزلت هذه بعده جاء معهوداً فعرّف وجعلت صفته صلة وقد اعترض عليه كما قاله الشريف تبعا لغيره بوجو. منها أنّ سماع هذه الآية وآية التحريم من النبيّ عليه الصلاة والسلام وهو لا يفيدهم العلم لأنهم لا يعتقدون حقيته وردّ بأنّ إدراكهم بالسمع كاف من غير حاجة للجزم به، ومنها أنّ الصفة كالصلة لا بد من كونها معلومة الانتساب للموصوف لقولهم الصفات قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها صفات فيعود السؤال في ناراً وقودها الخ وردّ بأنّ الصفة والصلة يجب كونها معلومين للمخاطب لا لكل سامع وما في التحريم خطاب للمؤمنين علموه بسماعهم منه عليه الصلاة والسلام، فلما سمعه الكفار أدركوا منه نارا موصوفة بتلك الجملة فجعلت صلة فيما خوطبوا به، ولما ورد أنّ النار وصفتها في الآيتين متحدة فلم اختلف لفظها أجاب بأن آية التحريم مكية عرف الكفار منها ناراً موصوفة بما ذكر فلما نزلت آية البقرة بالمدينة عرّفت إشارة إلى معرفتها أوّلأ، ورد بأن سورة التحريم مدنية بلا استثناء اتفاقا وقد صرّحوا به ثمة وأيضا قد مرّ ما يدلّ على عكسه من أنّ هذه مكية وتلك مدنية لقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} فيهما وأيضاً انتساب الجملة إلى المنكر إذا كان كما مرّ معلوما للمخاطبين المؤمنين بسماعهم منه عليه الصلاة والسلام كان معهوداً فحقه أن يعرف، وأجيب بجواز كون تلك الآية في التحريم وحدها مكية وما هنا يذل على عدم الاتفاق على خلافه، وما مرّ عن علقمة لم يرتضه كما مرّ، وأجيب عن الآخر بقصد التفنن وإرادة التهويل بالتنكير والإشارة إلى الحضور في الأذهان بالتعريف، ولا يخفى بعده وعدم مطابقته لكلامه فلعله لا يشترط العلم في صفات النكرات حتى يلزم كونها معهودة ولذا قالوا وصف النكرة للتخصيص والمعرفة للتمييز فليس المنكر الموصوف معهودا باعتبار انتساب صفته إليه بخلاف المعرّف (أقول) إمّا كون سورة التحريم وجميع آياتها مدنية فجمع عليه وقد صرّحوا به في هذه الآية بخصوصها ومثله توقيفي فلا حاجة لما ذكر من الجواب، ولذا نسب بعضهم الزمخشريّ هنا إلى السهو وأمّا منشأ ما ذكر هنا من الأسئلة والأجوبة فمبنيّ على أمرين كون الصلة يجب كونها معلومة معهودة وكون الصفة كذلك وهو مما صرّحوا به، إلا أن ابن مالك لما قال في التسهيل الصلة معرّفة للموصول فلا بد من تقدّم الشعور بها على الشعور بمعناه قال أبو حيان في شرحه المشهور عند النحويين تقييد الجملة الموصول بها بكونها معهودة وذلك غير لازم لأنّ الموصول قد يراد به معهود فتكون صلتة معهودة كقوله واذ تقول للذي أنعم الله عليه وقوله: إلا أيها القلب الذي قاده الهوى أفتى لا أقرّ الله عينك من قلب وقد يراد به الجنس فتوافقه صفته كقوله تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ} [سورة البقرة، الآية: 171] وقد يقصد تعظيم الموصول فتبهم صلتة كقوله: رأيت الذي كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر انتهى، وفي شرحه لناظر الجيش مثله وقال: قياس الصفات كلها أن تكون معلومة لأنّ الصفات لم يؤت بها ليعلم المخاطب بشيء يجهله بخلاف الأخبار، ومن هنا عرفت أن الفرق بين المعرفة والنكرة ظاهر- وأمّا الفرق بين الصفة والصلة فلم يصف من الكدر ولذا أمر قدس سرّه بعدما مرّ بالتأمّل ثم إنّ الظاهر الفرق بين كون الشيء معلوما وكونه معهودأ وأن العهد أخص من العلم لأنه علم سبق له معرفة بين المتكلم والمخاطب كما قال تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} [سورة النحل، الآية: 91] ولذا فسره الراغب في مفرداته بمراعاة الشيء حالاً بعد حال فاللازم في الصفة علم ما للمخاطب أو ما ينزل منزلته وإلا لم تكن مخصصة ولا موضحة وفي الصلة كونها معهودة أو منزلة منزلتها، وأحا كانت أحوال الآخرة لا تعلم في الدنيا بغير السماع وسماع أهل اللسان من

المؤمنين لما أخبر به النبيّ عليه الصلاة والسلام عن ربه محدث عندهم في أوّل وهلة علما بذلك صح باعتباره وقوعها صفة ولكونها غير معلومة لهم بتلك الصفة قبل ذكرها نكرت فإذا ذكرت مرّة أخرى كانت معهودة عند المؤمنين وغيرهم فلا بد من سبق ذكر سواء كان باية مكية أو مدنية تكرّر نزولها أولاً، ولذا قيل كونها مكية كناية عن سبق ذكرها لكته تعسف لا وجه له وأما كونه لا يشترط العلم في صفات النكرات فخالف لما صرّح به الثقات ولا يخالفه كما توهم ما في الكشاف في سورة الأنعام في تفسير قوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ} [سورة الأنعام، الآية: 50 ا] حيث قال فإن قلت هلا قيل قل هلمّ شهداء يشهدون أنّ الله حرّم هذا وأيّ فرق بيته وبين المنزل. قلت المراد أن يحضروا شهداءهم الذين علم أنهم يشهدون لهم وينصرون قولهم وكان المشهود لهم يقلدونهم ويثقون بهم ويعتضدون بشهادتهم ليهدم ما يقومون به فيحق الحق ويبطل الباطل فأضيفت الشهداء لذلك وجيء بالذين للدلالة على أنهم شهداء معروفون موسومون بالشهادة لهم وبنص! رة مذهبهم انتهى. وسيأتي ما يتممه ثمة. قوله: (هيئت لهم) الإعداد والعتاد إحضار الشيء قبل الحاجة إنيه وهو عدة وعتيد ومنه الاسنعداد، وقوله: والجملة استئناف الخ هذا مما أهمله الزمخشريّ، وفي شرح التفتازانيّ لا يحسن الاستئناف والحال، وعندي أنها صلة بعد صلة كما في الخبر والصفة فإن أيبت بناء على أنه لم يسطر في كتاب فليكن عطفا بترك العاطف لكن عطف وبشر على لفظ المبنيّ للمفعول عليه يقوي جانب الاستئناف (أقول) في الدرّ المصون الظاهر أنّ هذه الجملة لا محل لها لكونها مستأنفة جوابا لمن قال: لمن أعدت وقال أبو البقاء: محلها النصب على الحال من النار والعامل فيها اتقوا قيل: وفيه نظر لأنها معدة للكافرين اتقوا أم لم يتقوا حاضية 83 فكيف يكون حالاً والأصل في الحال التي ليست مؤكدة أن تكون منتقلة فالأولى أن يكون استئنافاً، ولا يجوز أن يكون حالاً من ضممير وقودها لأنه جامد إن كان اسما للحطب، وأن كان مصدرا خيفة الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر وهو أجنبيّ منه وقال السجستاني: أعدت للكافرين من صلة التي كقوله: {وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [سورة آل عمران، الآية: 131] قال ابن الأنباري: وهذا غلط لأنّ التي وصلت بقوله: {وَقُودُهَا النَّاسُ} فلا يجوز أن يوصل بصلة ثانية بخلاف التي قلت ويمكن أن لا يكون غلطا لأنا لا نسلم أنّ وقودها الناس والحالة هذه صلة بل إمّا معترضة لأنّ فيها تأكيدا وأمّا حالي وهذان الوجهان لا يمنعهما معنى ولا صناعة (أقول) ما قالوه من أنّ تعدد الصلة غير جائز غريب منهم فإنّ الإمام المرزوقي قال في شرح قول الهذليّ: بازيّ التي تهوي إلى كل مغرب إذا اصفرّ ليط الشمس حان انقلابها يجوز أن تتمّ الصلة عند قوله مغرب ويكون إذا اصفرّ كلاماً آخر يصلح أن يكون صلة بانفراده كان المراد بازيّ التي تفعل ذا وهو هويها إلى المغارب وتفعل ذا أيضاً وهو انقلابها بالعشيات لكنه لو عطف عليه بالواو كان أحسن وأبين ويكون هذا كقولك زيد الذي يشرب يأكل ينام يصلي وحرف العطف يحذف من أثناء الصلات إذا توالت والصفات كثيراً انتهى. يعني أنّ تعدد الصلات والصفات كثير بعاطف وبدونه لا أنه حذف حقيقيّ فأنت تراه كيف أثبت كثرته بدون اختلاف فيه وناهيك به فقول الفاضل أنه لم يسطر في كتاب سهو كان ذلك في الكتاب مسطورا، وقوله إن عطف وبشر يقوّي الاستئناف إن كان استئنافا نحويا فله وجه والا فلا لأنّ السؤال عما يتعلق بالنار فلا وجه لعطف وبشر عليه إلا بتكلف وفي كون الخبر أجنبيا تردد لبعض الفضلاء سيأتي. قوله: (وفي الآيتين دليل الخ) وقع في نسخة ما يدل بدل دليل وما قيل عليه من أنه ليس في الآية أمر يدلّ عليها من وجوه بل أمور تدلّ عليها إلا أن يقال: لم يتعلق من وجوه بالدلالة بل هو بيان لما ليس بشيء لأنّ محصلهما التحدي على وجه الجزم وهو أمر دال عليها بالطرق المذكورة وجزء الدليل يصح أن يطلق عليه أنه دليل والأمر فيه سهل، وظاهر كلامهم أنّ الدلالة المذكورة من الثانية فقط ولكل وجهة وسيظهر وجه ما اختاره المصنف، والتحدّي من قوله: {فَأْتُواْ بِسورة} والتحريض والحث من قوله: {وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم} وقوله: بالتقريع الخ متعلق بقوله التحريض

والتقريع اللوم الشديد وقد مرّ بيان مأخذه والوعيد من قوله ة {فَاتَّقُواْ} الخ وكون السورة أقصر سورة مع تنكيرها لأنه أقل ما يصدق عليه، وعجزهم مع تهالكهم أدل دليل على ذلك والمهج جمع مهجة والمراد بها النفس هنا والجلاء بالكسر والمد ترك الوطن والرحلة عنه. قوله: (والثاني تضمنهما الخ) هذا من قوله: {وَلَن تَفْعَلُواْ} النفي ما في المستقبل حالاً وقد تحقق انتفاؤه وهذا وإن كان من الآية الثانية لكن لما كان المرإد من {وَلَن تَفْعَلُواْ} الإتيان بتلك السورة وهو إنما يتضح بقرينة الأولى نسبه إليهما وقد أعترض! عليه بان عجز طائفة مخصوصة لا يدل على عجز كل من عداهم في المستقبل فصدق الأخبار إنما يعلم بعد انقراض الأعصار كلها؟ جوابه يعلم مما ذكر. من اشتهارهم بالفصاحة وكونهم فرسان ميدان البلاغة الذين لا يمكن أن يدانيهم أحد في ذلك فإذا عجز مثلهم علم عجز غيرهم قطعاً وأمّا كونه خطاب مشافهة مختصأ بالموجودين ف! ذا انقرضوا علم صدقه فليس بشيء ولما ورد عليه أنه لا يلزم من عدم العلم بشيء عدمه دفعه بقوله فإنهم لو عارضوه إلى آخره. قوله:) سيما والطاعنون فيه الخ) الطعن هو القدح في الشيء بإسناد ما هو معيب إليه بزعمه، والذت بمعنى الدفع ويرد عليه أنه حذف لا من سيما وأتى بالواو بعدها وقد نص النحويون على عدم جوازه وأنه خطأ، وفي شرح التسهيل للدمامينيّ بعد ما ذكر أن سيّ بمعنى مثل وما زائدة أو موصولة وما بعدها أولى بالحكم وليس بمستئنى خلافا للنحاس والزجاج والفارسيّ وغيرهم من أهل العربية ووجهه أنه يخرج عما قبله من حيث أولويتة بالحكم المتقدم ويقال لا سيما بتخفيف الياء وما يوجد في كلام المصنفين من قولهم لا سيما والأمر كذا تركيب غير عربي، وقال أبو حيان: عا يوجد من كلاع! المولدين من قولهم سيما بحذف لا لا يوجد إلا في كلام من لا يحتج بكلامه وسيّ منصوب على أنه اسم لا انتهى. (أقول) هذا محصل ما ذكره في باب الاستثناء وما ذكر من الشخطئة سبقه إليه كثير من النحاة لكنه غير مسلم، أمّا حذف لا فقد حكاه الرضي وقول الدمامينيّ، إني لم أقف عليه لا يسمع مع نقل الثقة وأمّا وقوع الجملة المقترنة بواو الحال بعدء فقد قال ابن الصائغ ومن خطه نقلت أنهم منعوه وقد وجدت في كلام السخاويّ في شرح المفصل ما يقتفي جوازه. قال: إذا وقعت الجملة بعد لا سيما كقولك فلان مستحق لكذا لا سيما وقد فعل كذا فما كافة لسيّ عن الإضافة كربما يودّ والجملة في موضع الحال انتهى. وهو في غاية الظهور، وأيّ مانع من حذف لا مع القرينة الدالة عليها وقد ذكروا وقوع الحال بعدها وجوّزوا فيئ ما أن تكون كافة كما صرّح به المعترض ومع هذا كيف يكون مثله خطأ ومن هنا علمت أنّ قوله قدس سرّه في شرح قول صاحب المواقف لا سيما والهمم قاصرة قوله والهمم! اصرة جملة مؤوّلة بالظرف نظرا إلى قرب الحال من ظرف الزمان فصح وقوعه! صلة لما، وهذا من قبيل الميل إلى المعنى والإعراض عما يقتضيه اللفظ بظاهره أي لا مثل انتفائه في زمان قصورا لهمم انتهى تكلف بارتكاب ما لا يليق بالعربية ولبعض الناس هنا كلام تركه خير من ذكره. قوله: (والثالث أنه عليه الصلاة والسلام ايخ) يعني أنه عليه الصلاة والسلام قد علم من حاً له أنه أعقل الناس وأصدقهم لهجة فإذا بالغ في دعواه للمعارضة من غير مبالاة علم تيقنه لحقية ما عنده وهذا استدلال مبنيّ على ظاهر الحال لا برهان عقليّ حتى يقال عليه إنّ عدم شك المدعي في دعواه لا يصير دليلاً على صحة مدعاه لجواز أن يكون جزمه غير مطابق للواقع كما توهم، ونحوه ما قيل إنه إنما يدلّ على صحة نبوّته لو ثبتت عصمته عن الخطأ وهو فرع ثبوت نبوّته فإثباته به مصادرة والمصنف رحمه الله تبع الإمام فيه وصاحب الكشاف لم يتعرّض له لذلك ؤشدبر، وقوله فتدحض بدال وبحاء مهملة وضاد معجمة مرفوع أو منصوب وهو إمّا مضارع دحض يدحض كسأل يسأل بصيخة المبنيّ للفاعل أو مضارع أدحض مزيده مبنيا للفاعل أو المفعول، والحجة الداحضة الزائلة يقال أدحضت فلانا في حجته فدحض وأدحضت حجته فدحضت وهو استعارة من دحض الرجل وهو زللها، ثم شاع حتى صار حقيقة فيما ذكر وقوله دل على أنّ النار مخلوقة معدة الآن كون النار والجنة موجودتين الآن مذكور في كتب الكلام مقرّر

والمخالف فيه المعتزلة والكلام فيه مشهور في الكلام، وليس! المراد بالدليل البرهان القطعيّ كما عرفته بل ما يتبادر من النظم بعد تحقق أنه كلام الله فإن الإعداد بمعنى التهيثة والادّخار إنما يستعمل حقيقة فيما وجد وان ورد لما سيوجد كقوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً} [سورة الأحزاب، الآية: 35] إلا أنه خلاف الظاهر فجعل الماضي بمعنى المستقبل الذي يخلق يوم الجزاء لتحققه (سانحة) قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} كتسميتهم أصحاب النار فيه إيماء إلى أنّ من يدخلها من المؤمنين لا يخلد فيها ولا يعذب بأشد العذاب لأن الطارئ على صاحب الدار ليس مثنه في لزوم سكناها وتلبسه بما فيها لتطفله عليها كماقيل: فكم أحديحوي مفاتيح جنته ويقرع بالتطفيل باب جهنم ففيه تبشير خفيّ وارتباط معنوقي بما بعده. قوله: (عطف على الجملة السابقة الخ) هذا من عطف القصة على القصة، وهذا كما قيل: فيا لها قصة في شرحهاطول وتحقيقه كما قال قدّس سرّه إنّ العطف قد يكون بين المفردات وما في حكمها من الجمل التي لها محل من الإعراب وقد يكون بين غيرها كما يكون بين قصتين بأن يعطف مجموع جمل متعدّدة مسوقة لمقصود على مجموع جمل أخرى مسوقة لغرض آخر فيعتبر حينئذ التناسب بين القصتين دون آحاد جملها، ونظيره في المفردات الواو المتوسطة في قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [سورة الحديد، الآية: 3] ليست كالمتقدمة والمتأخرة إذ هي لعطف مجموع الصفتين الأخيرتين المتقابلتين على مجموع الصفتين الأوليين المتقابلتين، ولو اعتبر عطف الظاهر وحده لم يكن هناك تناسب ثم إنّ السكاكيّ لم يتعرّض في كتابه لعطف القصة على القصة أصلاً فالجامدون على كلامه تحيروا فمنهم من ذهب إلى تقدير معطوف عليه، ومنهم من أوّل الخبر بالطلب وما ذكر لا غبار عليه ولا اشتباه، وإنما الاشتباه في مثال الزمخشريّ وهو زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق لأنه من عطف جملة على جملة لا قصة على قصة فذهب الفاضل في شرح التلخيص إلى أنّ مراده أنّ القصد فيه إلى عطف مضمون جملة على مضمون أخرى بقطع النظر عن الإخبارية والإنشائية، وقال إنه خسن دتيق لكن من يشترط اتفاق الجملتين خبرا وانشاء لا يسلم صحته ولم يرتض به الشريف المرتضي وشنع عليه وقال: إنما أشار بما ذكر إلى قصتين متقابلتين فكأنه قال زيد يعاقب بالقيد والإرهاق فما أسوأ حاله وما أخسره فقد ابتلي ببلية كبرى وأحاطت به سيئاته إلى غير ذلك مما يناسبه وبشر عمرا بالعفو والإطلاق فما أحسن حاله وما أنجاه وما أربحه إلى أشياء أخر مناسبة له (أقول) تبع فيما ذكر صاحب الكشف والظاهر من كلام الزمخشرقي خلافه فمراده أن ينظر إلى مضمون الكلام ويقطع النظر عن خواص لفظه في المعطوف والمعطوف عليه ميلا مع المعنى كما قرّره النحاة في نحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وهذا شيء ثالث غير التأويل لأنه في التاويل يجعل الخبر إنشاء وعكسه بضرب من التجوّز، وهذا باق على حاله وإذا جاز مثله في المفردات فهنا بالطريق الأولى وتمثيله في الكشاف ظاهر فيه، وأمّا التقدير الذي ارتكبه فيه فبعيد جدّاً ولذا قال بعض الفضلاء المتأخرين إنما ذكر المثال شاهداً على دعوى فيها غرابة فينبغي أن يراعي فيها مطابقته لمقصوده حتى لا يبقى للخصم مجال وهم فلا ينبغي حذف بعض الجمل مع أنّ ملاك الأمر كثرتها كما اعترف به فإن قلت لو جوّزنا هذا لزم صحة العطف في كل خبر وإنشاء ولا قائل به لأنّ كل كلام يجوز قطع النظر عن خصوصه قلت لو التزم هذا لا محذور فيه مع أنه قد يقال لا بد له من اقتضاء المقام وكون المتكلم بليغا يلمح خلاف مقتضى الظاهر ووقع في بعض شروح الكشاف تسمية هذا بالعطف المعنوي. قوله: (والمقصود عطف حال من آمن الخ) هذا مبين لأنّ المراد بالجملة في كلامه معناها اللغويّ وهو المجموع لا ما اصطلح عليه النحاة، والمراد بالفعل أيضا في قوله لا عطف الفعل الفعل مع فاعله فإنه يطلق كثيرا على الجملة الفعلية خصوصا إذا كان الفاعل ضميراً مستترا وأما كونه حينئذ مجازا والتأكيد بنفسه يأباه فإنما يراعي مثله في كلام البلغاء على أنه غير مسلم كما سيأتي بيانه في تفسير قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [سورة النساء، الآية: 164] والتثبيط المنع والتعويق، والاقتراف الاكتساب ويردي بمعنى يهلك والردي الهلاك

والتنشيط التحريك والتحريض وهو ناظر للترغيب كما أنّ التثبيط ناظر للترهيب، وقوله: فيعطف بالنصب لعطفه على يجب والمعطوف على هذا مجموع قوله وبشر إلى قوله فيها خالدون أو مضمونه، والمعطوف عليه من المجموع أو المضمون أيضا الظاهر أنه قوله: {وَإِن كُنتُمْ} في ريب الخ لا قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} الخ كما قاله التفتازانيّ ولا قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} كما قيل حتى يرد عليه أنه جواب سؤال نشأ من قوله: {فَاتَّقُواْ} الخ والمعطوف لا يثاوكه فيه فيدفع بأنه مع قطع النظر عن السؤال والجواب ونظرا لحال المتقابلين وإنما اختير هذا للقرب ولا يخفى ما فيه وقوله من أمر أو نهي الظاهر أن يقول من إنشاء كما لا يخفى. قوله: (أو على فائقوا الخ) عطف على قوله على الجملة بإعادة الجارّ لما في حذفه من خفاء العطف، وقد ضعف هذا بوجهين الأوّل إنّ {فَاتَّقُواْ} جواب الشرط وهذا لا يصلح له فكيف يعطف عليه لأنه أمر بالبشارة مطلقاً لا على تقدير إن لم تفعلوا، والثاني أنه يلزمه عطف أمر مخاطب على أمر آخر وهو إنما يحسن إذا صرّح بالنداء وقد قيل إنه ممتنع وردّ بقوله تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ} [سورة يوسف، الآية: 29] فهو جائز حيث لا لبس كما سيأتي. قوله: (لآنهما إذا لم يأتوا بما يعارضه الخ) توجيه لهذا الوجه بما يدفع ما أورد عليه مما مرّ آنفاً وفيه إشارة إلى ما قدّمه من أن الجزاء وهو فاتقوا أقيم مقام لازمه وهو ظهر أنه معجوز التصديق به واجب فآمنوا به واتقوا العذاب المعدّ لمن كذب فالمناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه أن كلا منهما يقتضيه الكلام فهو من عطف أحد المقتضيين لشيء على الآخر، وقريب منه ما قيل من أنّ تبشير المصدقين كإنذار المنكرين مترتب على عدم معارضة الكفرة إذ حينئذ يثبت كون القرآن معجزاً ويتحقق صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم ويكون تصديقه سبباً للبشارة ونيل الثواب كما أنّ إنكاره كان سبباً للإنذار والعقاب، وأيضا مآل المعنى: {فَاتَّقُواْ النَّارَ} واتقوا ما يغيظكم من جنس حال أعدائكم فأقيم وبشر مقامه تنبيهاً على أنه مقصود في نفسه أيضا لا لمجرّد غيظهم فقط وهذا القدر من الربط المعنويّ كاف في عطفه على الجزاء وان لم يكف في جعله جزاء ابتداء إلا أنه قيل إنّ فيه انفكاك النظم والاستدعاء وان سلم لا يدفع السؤال لأنّ " الكلام في صحة التركيب وصلاحية ما عطف لكونه جوابا كالمعطوف عليه ومجرّد ما ذكر لا يتمّ به المراد وذكر بشر وارادة واتقوا ما يغيظكم الخ لا يصح حقيقة ولا مجازاً ولا كناية وسيأتي ما فيه وما قيل من أنّ المقصود هنا العطف اللفظي الذي يحصل به التشاكل لا المعنويّ المشرك في الحكم وهو نظير ما قالوه في قولهم أنت أعلم ومالك مما لا ينبغي أن يحل بساحة التنزيل وفي كلام السفاقسيّ ما هو أغرب وأعجب، وحاصل ما ذكر من التوجيه بعد ظهور اتفاقهما في الإنشائية وعدم المانع اللفظي أنّ ما ذكر من المانع المعنوي مدفوع فإن اتقوا النار وعيد وانذار لمن أعماه الله عن ساطع نور الإعجاز وبشر الخ وعد لمن آمن به وبينهما أتمّ مناسبة بحسب المعنى إلا أنه ينبو عن الجوابية إذ لا يرتبط به لحولك إن لم تفعلوا فبشر الخ ولا يخفى انفكاكه لكن تبشير من سواهم باختصاصه بالجنة متضمن حرمان هؤلاء منها فيصير التقدير إن لم تفعلوا فاتقوا النار، ولينعم على غيرهم ويحرموا ، اتحاد الفاعل ليس بلازم وأن حسن فقد يغتفر في التابع كما في رب شاة وسخلتها وهذا معنى.، مز في التوجيه، وزادوا عليه أنه إذا نظر لمآل المعنى اتحد الفاعل وصاو تقديره اتقوا عثرة ما لعيظكم، وقوله: إنه لا يدل عليه بطريق من طرق الدلالة ممنوع فإنه يدلّ عليه التزاما فيجوز أن لكون كناية أو مجازأ وفي المعنى أنه قد كلم أنهم غير المؤمنين فكأنه قيل فإن لم يفعلوا فبشر نحرهم بالجنات ومعناه فبشر هؤلاء المعذبين بأنهم لا حظ لهم في الجنة، وهذا جواب عن الإيراد الأوّل وهو بعينه ما ذكره المصنف رحمه الله هنا أوّلاً، وأمّا الثاني فقيل إنّ في كلام المصنف جوابه أيضا بأنه إنما يلزم إذا تغاير مخاطبا الأمرين صورة ومعنى وهو هنا ليس كذلك، نهما متحدان معنى فإنّ المراد بالذين آمنوا الذين عجزوا عن المعارضة فصدّقوه وآمنوا كما اضار إليه بقوله ولم يخاطبهم الخ فلما اتحدا معنى صح العطف من غير تصريح بالنداء ولا لخفى ما فيه من التكلف والتبرّع بما لا يملك لمن لا يقبل فإنّ ما ذكره ليس في كلام

المصنف ما يدلّ عليه بل هو صريح في خلافه ثم إنّ- وله: تغاير مخاطبا الأمرين صورة ومعنى غير صحيح فالظاهر أن يقول إذا تغايرا معنى واتحدا صورة لأنه محل الإلباس المقتضي للتصريح لالنداء والحق أن المصنف نم يتعرّض له لأنه غير لازم إذا تغايرا معنى وصورة كما في قوله يعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ} [سورة يوسف، الآية: 29] وما نحن فيه كذلك لأنّ الأوّلط جمع والثاني مفرد وسيأتي تصريحهم بجوازه واختار صاحب الإيضاح عطفه على أنذر مقدراً بعد جملة أعدت وقيل إنه معطوف على قل مقدرأ قبل يأيها الناس، وأورد عليه أن قوله مما نزلنا على عبدنا لا يصلح مقولاً للنبيّ صلى الله عليه وسلم إلا بتكلف وقد تكلف له بأنه أجرى على طريقة كلام العظماء أو التقدير قل قال الله الخ، وقيل يقدر قل قبل: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} ، ثم إنه لل إنّ الأنسب في توجيه العطف على فاتقوا أن يقال إنّ جزاء الشرط المذكور في الحقيقة فامنوا على المختار فأقيم اتقوا مقامه لنكتة فالمعنى إن لهأ تأتوا بسورة فآمنوا وبشر يا محمد الذين آمنوا منهم بالجنة أي فليوجد منهم الإيمان ومنك البشرى، فالذين آمنوا وضع موضع الضمير أي وبشرهم بالجنة إن آمنوا وفيه حث لهم على الإيمان وبجوز أن يكون على نحو قول القائل يا زيد إن تعرف صفة الكتابة فاكتب لي هذا الكتاب وأعط أجر كتابته على أن يكون المراد وأعط يا عبدي الخ وهو بمراحل مما قالوه، وما ذكره آخرا مما يقتضي منه العجب ولولا أن يظن في السواد رجال ضربت عنه صفحا. قوله: (وإنما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام الخ) الخطاب في أصل وضعه يكون لمعين فعلى هذا هو الرسول وهو الأصل المتبادر ولذا ندموه، وقد يترك الخطاب لمعين ويجعل لكل من يقف على الحال لنكتة كالتهويل والتعظيم وغيره مما يليق بمقامه فإن كان الضمير موضوعا لجزئيّ بوضمع كليّ كما ارتضاه المحققون فهو مجاز والأفقي كونه حقيقة أو مجازاً كلام ليس هذا محله وعلى العموم فهو كل من يقوم مقامه من العلماء أو كل من يقدر عليه من أمته، ويوافقه قراءة بشر مجهولاً ولما خاطب الكفار بالإنذار بقوله: {وَاتَّقُواْ} ولم يخاطب المؤمنين بالبشارة وجه بأنه لتفخيم شأنهم فإنّ من حدث له ما يسرّه قد ينادي لإعلامه وقد يرسل إليه الخبر والثاني فيه تعظيم له كما لا يخفى ومن قال إنه لتغيير الأسلوب لم يأت بشيء، وأمّا كونهم أحقاء بالبشارة فالظاهر أنه على التعميم وبحتمل تخصيصه لأنّ من بشره مثل البشير النذير حقيق بذلك لأنه لا يبثر مر، لا يستحق لا سيما والآمر له رت الأرباب ويحتمل أنه أنذرهم لعدم قبولهم ذلك من الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بخلاف غيرهم من المصدقين المذعنين للحق ثم إنّ النكات لا تتزاحم كما قيل فاقسم لكل محل ما يليق به فإنّ للزند حليا ليس للعنق فقد يكون الخطاب تعظيماً كتخصيص الرئيس بعض جلساته بالخطاب وقد يكون تحقيراً ولذا عد خطاب الملوك من ترك الأدب فلا وجه لما قيل من أنّ الله إذا خاطبهم بالبشارة كان التعظيم فيه أقو! والإيذان بأنهم أحقاء بأن يبثروا أظهر، والمصنف رحمه الله غير عبارة الكشاف فوقع فيما وقع. قوله: (وإ-لذاناً بأنهم أحقاء الخ) الإيذان الإعلام والأحقاء بالمدّ جمع حقيق بمعنى قويّ الاستحقاق وجدير به ويهنؤوا مضارع مجهول من هنأه بكذا والمراد به هنا البشارة أيضاً وهي في العرف قول دالّ على أن ما سرّه قد سرّه كالتهنئة بالأعياد والأولاد كما في قول المتنبي: إنما التهنئات لد فاء وقوله: فيكون استئنافاً عينه لأنه لا يصح غيره أو لا يظهر كالحالية وهو استئناف نحويّ وقيل بيانيّ بتقدير سؤالين أي لمن أعذت وما أعدّ لغيرهم وهو تكلف لا حاجة إليه وأمّ كون الواو استئنافية في هذا أو فيما قبله فلا وجه له وقيل: توجيه العطف أن يجعل وبشر الذين الخ بمعنى أعدت الجنة للمؤمنين، والأولى أنه خبر بمعنى الأمر لتتوافق القراءتان ولا حاجة داعية لما ادّعاه. فإ اط قلت الإيذان بكونهم أحقاء بما ذكر إنما حصل بتوصيف المبشرين بالإيمان والعمل الصالح والجطاب بالبشارة لا ينافي ذلك التوصيف قلت: أمر الرسول غتي! ببشارة من اتصف بما ذكر يدل على تحقق تلك الصفة فيهم وكونهم أحقاء بذلك حينئذ أظهر. قوله: (والبشارة الخبر الساز الخ) هذا هو الصحيح وقيل: إنها في اللغة مطلق الخبر لكنها غلبت في الخبر

وقال الراغب: البشرة ظاهر الجلود والأدمة باطنه وفي كلام ابن قتيبة عكسه وتبعه بعض اللغويين وبشرته أخبرته بسارّ بسط وجهه، وذلك أنّ النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر فينبسط الوجه وغضونه ولذا سمى الناس السرور بسطاً وقالوا في أمثالهم البسط صدف، وورد في الحديث فاطمة سني يبسطني ما يبسطها فليست بعامية كما يتوهم. قوله:) ولذلك قال الفقهاء الخ) قيل: عليه أنه غير عبارة الكشاف وهي البشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به ولم يصب فيه لأن كون المخبر به غافلا عما أخبر به معتبر في مفهومها وهو يفهم من بارته دون عبارة المصنف فإنّ الخبر النافع يوصف بأنه سارّ سواء أحدث في المخاطب السرور او لم يحدث ثم إنه يعتبر في مفهومها قيد آخر أهمله الزمخشريّ وتبعه المصنف وهو كون الخبر صادقا فالبشارة هي الخبر الصدق السارّ الذي ليس عند المخبر علم به وفي شرح تلخيص الجامع أمّا الصدق فلأنّ البشارة اسم لخبر يفيد تغيير بثرة الوجه للفرح وهو لا يحصل إلا لالصادق وإن حصل فلا يتمّ بدونه، وأمّا اشتراط جهل المخبر به فلأنّ تغير بشرة الوجه للفرح لا يحصل بما علمه قبله لمشاهدة ونحوها وفي فتح القدير نحو مما ذكره المعترض وفيه أنه أ، رد على اشتراط الصدق في البشارة أنّ تغير البشرة كما يحصل بالأخبار السارة صدقا كذلك وحصل بها كذبا وقد أجيب عنه بما ليس بمفيد والوجه فيه نقل اللغة والعرف انتهى (أقول الا مرق بين كلام المصنف والزمخشريّ وكل منهما يدلّ على عدم علمه بما أخبر به التزاماً لأنّ اا! اقل لا يطلب الإخبار بما علمه وتحققه وليس المحل محل فائدة الخبر وأما الصدق فإنما لم / حعزضوا له هنا لأنه مشترك بين البشارة والإخبار والكلام في تقرير ما يفرق بينهما، وأمّا الصمدق هـ مد قال الجنازيّ في أصوله أنه من الباء فإنها في أصل وضعها للإلصاق ولا يلتصق الخبر، المخبر به ما لم يكن صادقا فلو ذكر بدونها شمل الصادق والكاذب فإن كل خبر فيه احتمال الصدق والكذرب، وما ذكره المصنف رحمه بعينه في الهداية وأحكام الجصاص على أنهم لما عللوا عتق الأوّل بتغير البشرة بكلامه علم منه أنه لم يسبق له عدم به على أنّ استيفاء جميع ااتيود ليس بلازم لغير الفقهاء فلا يضرّ إهمال بعض منها حوالة على محله وأهله. قوله:) فرادى (فيه إشارة إلى أنهم لو أخبروه جميعاً معاً عتقوا كلهم، وفرادى جمع فرد على خلاف ا) نياس، وقيل: كأنه جمع ة ردان وفردى مثل سكارى في جمع سكران وسكرى والأنثى فردة،! ردى كما في المصباح. وقوله: ولو قال من أخبرني الخ هذا ما عليه أكثر الفقهاء. وخالفهم الإمام مالك رحمه الله تعالى فقال: لو قال من أخبرني عتق الأوّل فإنّ المراد بالإخبار البشارة كما يشهد به العرف، والجمهور استدلوا بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أمّ عبد " فابتدر أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ليخبراه بذلك فسبق أبو بكر رضي الله عنه وكاًن سباقا إلى كل خير فأخبره بذلك ثم أخبره عمر رضي الله عنه فكان رضي الله عنه يقول بشرني أبو بكر وأخبرتي عمر فدلّ على الفرق بينهما لغة وعرفا. قوله: (وأمّا قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [سورة آل عمران، الآية: 21] الخ) أي هو من استعمال ما وضع للخبر السارّ في الخبر المورث للألم والحزن إن لم نقل بأنه موضوع لمطلق الخبر كما مرّ، وهو على الوجه الأوّل في كلام المصنف رحمه الله استعير فيه أحد الضدين وهو التبشير للآخر وهو الوعيد والإنذار والعذاب الأليم قرينة لها، وعلى الثاني وفيه تسكب العبرات هو نوع من خلاف مقتضى الظاهر يقال له التنويع وهو ادّعاء أن للمسمى نوعين متعارفا وغير متعارف على طريق التخييل ويجري في مواطن شتى منها التشبيه كقوله: نحن قوم ملحن في زيّ ناس فوق طيرلهاشخوص الجمال ومنها أت ينزل ما يقع في موقع شيء بدلاً عنه منزلته بلا تشبيه ولا استعارة كما في الاسنثناء المنقطع وما يضاهيه سواء كان بطريق الحمل كما في قوله: تحية بينهم ضرب وجيع أو بدونه كما في قوله: فأعتبوا بالصيلم وحيث أطلق التنويع فالمراد به هذا وقد جعلوا مثاله أساساً وقاعدة له، وليس هذا من المجاز لذكر طرفيه مراداً بهما حقيقتهما ولا تشبيهاً لأنّ التشبيه يعكس معناه ويفسده ومنه يعلم أنه لا يصح فيه الاستعارة

أيضاً لابتنائها على التشبيه وقد صرّح به الشيخ في دلائل الإعجاز فقال: اعلم أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله: لعاب الأفاعي القاتلات لعابه سبيل قولهم عتابه السيف وذلك لأنّ المعنى في بيت أبي تمام أنك تشبه شئا بشيء لجامع بينهما في وصف وليس المعنى في عتابه السيف على أنك تشبه عتابه بالسيف ولك أن تزعم أنه يجعل السيف بدلاً من العتاب ألا ترى أنه يضح أن تقول مداد قلمه قاتل كسم الأفاعي ولا يصح أن تقول عتابه كالسيف اللهمّ إلا أن يخرج إلى باب آخر ليس غرضهم بهذا الكلام فتزيد أنه قد عاتب عتابا خشنا مؤلما ثم إنك إذا قلت السيف عتابه خرجت به إلى معنى حادث وهو أن تزعم أنّ عتابه قد بلغ في إيلامه وشدة تأثيره مبلغا صار له السيف كأنه ليس بسيف انتهى. وقد بسطناه في محل آخر وليس الشيخ أبا عذرته فإنه مصرّج به في باب الاستثناء من كتاب سيبويه وغيره وقد نبه عليه السكاكي أيضا في قسم الاستدلال وفصله العلامة الزمخشرقي لي تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [سورة الشعرأء، الآية: 88] كما سيأتي إن شاء الله تعالى ثمة. وإنما حققناه هنا لأنّ كثيراً من المصنفين لما لم يعرفوه اضطرب فيه كلامهم فتارة تراهم يجعلونه تشبيها وتارة استعارة حتى أنّ بعض م رباب الحواشي اعترض هنا على المصنف رحمه الله في عطفه بأو وقال إنّ الراغب جعلهما شيئا واحدا والمصنف غير كلامه فأخطأ فيه فكان كما قيل: إذا محاسني اللاتي أدلّ بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر وممن لم يقف على مراده من قال الفرق بين الوجهين في كلام المصنف إنّ الثاني لا تهكم فيه وخبط بعضهم في الفرق بينهما خبط عشواء فلا فائدة في ذكر كلامه. قوله: (تحية بينهم ضرب وجيع) هو من قصيدة طويلة لعمرو بن معد يكرب ذكرت بتمامها في المعلقات وأوّلها: أمن ريحانة الداعي السميع تؤرّتني وأصحابي هجوع وسوق كتيبة دلفت لأخرى كان زهاءها رأس صليع وخيل قددلفت لهابخيل تحية بينهم ضرب وجيع ومنها: إذالم تستطع شيئافدعه وجاوزه إلى ما تستطيم وصله بالزماع فكل أمر سمالك أو سموت له ولوع الخ. والخيل معروفة ولا واحد لها من لفظها والجمع خيول وتطلق على البراذين والعراب، ويتجوّز بها عن الفرسان كثيراً وفي الحديث: " يا خيل الله اركبي " وسميت خيلا لاختيالها، والمراد هنا المعنى المجازي ودلفت بمعنى دنوت وقت مقابلتهم للحرب من دلف إذا أنصب فهو بمعنى شنت الغارة والتحية ما يحيي له أحد المتلاقيين الأخر كالسلام ونحوه، وجعل الضرب هنا تحية لما عرفته، وأضافه للبين توسعا أي ما يقع بينهم من التحية ويحتمل أن يكون البين بمعنى الفراق بجعل الضرب بمنزلة سلام الوداع بينهم وهو حسن. قوله: (من الصفات الغالبة الخ) الصالحة في الأصل مؤنث الصالح اسم فاعل من صلح الشيء صلوحا وصلاحا خلاف فسد ثم غلب على ما ذكره المصنف رحمه الله فأجروه مجرى الأسماء الجامدة في عدم جريه على الموصوف وغيره من أحكام أسماء الأجناس الجامدة كما في البيت المذكور والحطيثة بالحاء والطاء المهملتين مصغر وفي آخره همزة، واسمه جرول بن أوس بن حرملة بن مخزوم بن مالك الغطفاني والحطيئة من حطأته إذا لطمته لقب به لقصره وحقارة منظره، وقيل لأنّ رجله كانت محطوة أي لا أخص له وقيل غير ذلك وكان أدرك خلافة عمر رضي الله عنه ولم يسلم وبنو لأم طائفة من قبيلة طمئ والبيت المذكور من شعر له وهو: كيف الهجاءوماتنفك صالحة مض آل لاًم بظهرالغيب! أتيني جادت لهم مضر العليا بمجدهم وأحرزو! مجدهم حينا إلى حين أحمت رماج بني سعد لقومهم مص إعي ا! حمر وا! ط ن والمجن

بكل أجرد كالسرحان مطرد ولثطبة كعقاب الدجن ترديني مستحقبات زواياها جحافلها حتى رأوهن من دون الأطايين والمراد بالصالحة العطية الحسنة وتأتيني خبر تنفك وبظهر الغيب متعلق به أي ملتبسة بظهر الغيب والظهر مقحم مبالغة أو هو استعارة بمعنى خلف الغيب وفيه مبالغة أيضا، وسبب هذا الشعر أن زيد الخيل الطائي أسره فأطلقه منه أوس بن حارثة بن لام الطائي فبعد ما من عليه دعاه بعضهم إلى هجاء أوس ورغبه فيه فأبى وتاله وهذا هو الأصح المذكور في شرح ديوانه وفي كامل ابن الأثير أنّ النعمان دعا بحلة من حلل الملوك وقال للوفود وفيهم أوس احضروا في غد فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم وإن كنت المراد فسأطلب، فلما أتوا النعمان لم ير أوسا فطلبه وقال: احضرآمناً مما خفت فحضر وخلعها عليه فحسده بعض قومه فقال للحطيئة اهجه ولك ثلثمائة من الإبل فقال. قوله:) وهي من الآعمال ما سوّكه الشرع الخ (التسويغ تفعيل من ساغ الشيء إذا سهل دخوله في الحلق قال تعالى: {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [سورة إبراهيم، الآية: 7 ا] ثم تجوّز به عن الإباحة وعدى بالتضعيف فيقال سوّغته أي أبحته لما في الإباحة من التسهيل وشاع حتى صار حقيقة فيه، ولذا قيل لو اكتفى المصنف بقوله ما حسنه الخ كفى إذ لا تحسين بدون التسويغ فلا يدخل فيه المباح، ولذا قال شراح الكشاف هي ما يصلح لترتب الثواب لكنه ذكره للتوضيح لأنه كالجنس وما بعده كالفصل وعدل عن قول الزمخشريّ الصالحات كل ما اسنقام من الأعمال بدليل اا! قل والكتاب والسنة لابتنائه على الاعتزال في الحسن والقبح العقليين كما لا يخفى ولذا خصه نجالشرع وقوله: وتأنيثها الخ الخصلة والخلة بفتح الخاء فيهما بمعنى الفعلة الواحدة إلا أنها غلبا فيما يحمد والعطف بأو وان كانا مترادفين لجواز التأوبل بكل منهما وارداته إذ التاء فيه ليست للنقل إلى الاسمية لأنه قد يوصف به والمراد أنه نقل من تركيب جرى فيه على خصلة أو خلة. قوله: (واللام فيها للجنس) زاد في الكشاف أنها إذا دخلت على المفرد كان صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به وان يراد بعضه لا إلى الواحد منه وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه لأن، زانه في تناول الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناول الجنسية والجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه والمصنف رحمه الله لم يتعرّض لهذا التفصيل ولم يذكر أحد وجه تركه له، وهو يحتمل أنه لقصد الاختصار فقط ومخالفتة له، كما وقع في بعض الحواشي وسيقرع سمعك عن لريب فاللام هنا للجنس لأنه أصل معناها الوضعي إذا لم يكن عهد والاستغراق إنما يفهم من المقام بمعونة القرائن، ثم إنه إذا فهم منه وأريد فهل بين استغراق المفرد والجمع فرق أم لا فإن فيل اسنغراق الجمع يتناول كل جماعة جماعة قلنا إنّ استغراق المفرد أشمل وان قيل بتناوله واحاده تساويا في الإثبات والفرق ب! هما في النفي ظاهر على ما قصل في شرحي التلخيص والمفتاح ولصاحب الكشاف فيه كلام يحتاج لشدة التأمّل وسيأتي إن شاء الله تحقيقه في آخر سورة البقرة، فإن قلت إذا كان الجمع المعرّف باللام يصلح لأن يراد به الجنس كله وأن يراد رهضه إلا إلى الواحد فما المراد بالصالحات حينئذ إذ لا يجوز أن يراد به جنس الجمع مطلقاً رإلا لكفي الأقل من الاثنين أو الثلاثة ولا أن يراد الجنس كله إذ لا يتأتى أن يأتي به كل واحد،) ن قصد التوزيع عاد المحذور وهو أنه يكفي من كل واحد أعمال ثلاثة قبل أقل منها على القسام الآحاد على الآحاد. قلت ليس المراد الأقل ولا الكل على ما ذكر بل ما بينهما أعني حميع ما يجب على كل مكلف بالنظر إلى حاله فيختلف باختلاف أحوال المكلفين من الغنى والفقر والإقامة والسفر والصحة والمرض فمعنى قوله: عملوا الصمالحات أنّ كل واحد عمل ما يجب عليه على حسب حاله وفيه شائبة توزيع كما قرّره الشريف في شرحه، وحاصله أنه الاستغراق بأن يعمل كل ما يجب عليه منها إن وجب قليلاً كان أو كثيراً فدخل فيه من أسلم، مات قبل أن يجب عليه شيء أو وجب شيء واحد، ومثله ليس توزبعاً بالمعنى المشهور وهو

الفسام الآحاد على الآحاد كركب القوم خيولهم فإنه يطلق أيضاً على مف بلة أشياء بأشياء أخذ كل منها ما يخصه سواء الواحد الواحد كما في المثال المذكور أو الجمع الواحد كدخل الرجال مساجد محلاتهم أو العكس كلبس القوم ثيابهم، ومنه قوله تعالى: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [سورة المائدة، الآية: 6] وسماه قدّس سرّه شائبة التوزيع فمن اعترض على صوله إن فصد التوزيع عاد المحذور بأنه توزيع بالمعنى الثاني بغير محذور فقد غفل عن مراده أو تغافل فإذا عرنت هذا فما في الكشاف هنا مخالف لما تقرّر في الأصول وما بني عليه من الفروع من أنّ أل الجنسية إذا دخلت على الجمع تسلبه معنى الجمعية بدليل مسألة لا أتزوّج النساء ولا أشتري العبيد لاستلزامها عدم الفرق بين المفرد والجمع المحلى باللام وقد فرق بينهما، فإن قيل لهم لا فائدة حينئذ في الجمعية التزموه أو قالوا جمع أوّلاً ثم أدخل عليه أل مع أنها تسلب المفرد الإفراد أيضا فالظاهر أنّ المصنف رحمه ألله إنما ترك ما في الكشاف لمخالفته بحسب الظاهر لما تقرّر في الأصول والاستعمال. قوله: (وعطف العمل على الإيمان مرقباً) بصيغة اسم الفاعل، والحكم هو البشارة على ظاهر كلام المصنف وهي وإن تقدمت لكن تعليق الحكم على المشتق وما في معنا. يشعر بأن مبدأه علة وسبب له فهي متقدّمة بالذت كما مرّ مرارا، أو كون الجنة المبشر بها لهم، وقوله: إشعار بالنصب على أنه علة للعطف أي عطفه للإعلام بما ذكر وفي تفسير السمرقنديّ هذه الآية حجة على من جعل جميع الطاعات إيمانا حيث أثبت الإيمان بدون الأعمال الصالحة لعطفها عليه. فإن قيل: إنكم تقولون إن المؤمنين يجوز دخولهم الجنة بدون الأعمال الصالحة والله تعالى جعل الجنة معدة بشرط الإيمان والأعمال الصالحة فيكون ما قلتم خلاف النص وهو سؤال المعتزلة، قيل البشارة المطلقة بالجنة شرطها اقتران الأعمال الصالحة بالإيمان ونحن لا نجعل لأصحاب الكبائر البشارة المطلقة بل نثبت بشارتهم مقيدة بمشيئة الله تعالى وجاز أن يكون العمل ائصالح عمل القلب الإخلاص في الإيمان فلا تبقى حجة على خروج الأعمال وهذا معنى قول المصنف السبب في استحقاق هذه البشارة الخ ولم يرد أنّ الإيمان المجرّد لا ينجي ولا أنّ الأعمال توجب الثواب بل إنّ الجمع بينهما مقتض لتفضل الله بمقتضى كرمه وتركه لخلافه كما عليه أهل السنة، وقوله عبارة عن التحقيق هو مصدر حققه إذا صدّقه كما في القاموس فعطف التصديق عليه تفسيري، وأقرار المتمكن شرط كما مرّ فلا مناناة بينه وبين ما مرّ في تفسير قوله يؤمنون بالغيب كما توهم. قوله: (ولذلك قلما ذكرا منقردين الخ (أي لكونهما كالأسق والبناء لا لكونه لا غناء الخ لأنّ الظاهر حينئذ أن يقول ذكر بالإفرإد وهو ظاهر لأنّ العمل لا يعتد به بلا إيمان والأس لا يناسب انفراده والغناء بفتح الغين المعجمة والمد النفع والفائدة وهذا مصراع وقع موزونا اتفاقا، وقد قيل: على هذا أنّ الإيمان موجب للنجاة من العذاب المخلد البتة فإن أراد أنه لا ينجي مطلقا فممنوع مع أنّ جنس العمل الصالح كذلك وإن أراد مقيداً بقيد فكذلك وجوابه ظاهر لمن تدبر. قوله: (وفيه دليل على أنه خارجة الخ) قيل: إن أراد خروجه عن مسمى الإيمان المنجي في الشرع فممنوع وان أراد خروجه عن الإيمان اللغويّ فقليل الجدوى وليس النزاع فيه مع أنّ الظاهر حمله على المعنى الشرقي ما لم يصرف عسه صارف، وهذا ذهول عما مرّ، ثم إنه أفي صارف أقوى من العطف المقتضي للمغايرة إذ لا، جه لعطف الشيء على نفسه ولا الجزء على كله ومثله- كاف فلا يرد عليه شيء مما في بعض الحواشي، وفي قوله الأصل إشارة إلى أنه قد يقع العطف على خلاف الأصل لنكتة كما في عطف جبريل على الملائكة وهو أشهر من أن يذكر، وأصل أنّ لهم بأن لهم لتعدي البشارة لاً لباء فحذفت لاطراد حذف الجارّ مع أنّ وأن بغير عوض! لطولهما بالصلة ومع غيرهما فيه اختلاف بين البصريين والكوفيين مشهور، وفي محله بعد الحذف قولان فقيل: نصب بنزع الخافض كما هو المعروف بأمثاله وقيل: جرّ لأنّ الجار بعد الحذف قد يبقى أثره نحو الله لأفعلن بالجرّ مع مدّ الهمزة وقصرها كما بينه النحاة لكته هنا مقصور. قوله: (وهو مصدر جنه إذا ستره الخ) الجن بفتح الجيم وتشديد النون، ومداره بمعنى لا ينفك عنه، وتوصيف الشجر بأنه مظل لإظهاره معنى الستر فيه

والالتفاف اتصال بعضها ببعض كأنها تلف. وقوله: للمبالغة تعليل للتسمية بالمرّة دون المصدر والصفة ومنه الجن لمقابل الإنس لاستتارهم عن العيون وكذا الجنون لستره العقل والمجن للترس وغيره. قوله: (كأق عينئ الخ) هو من قصيدة طويلة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها ممدوحه هرم بن سنان المشهور وأولها: إنّ الخليط أجد البين فافترقا وعلق القلب من أسماء ما علقا وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا ومنها: كأنّ عينيّ في غربي مقتلة من النواضح تسقي جنة سحقا ومنها: إن تلق يوما على علاته هرما تلق السماحة منه والندى خلقا وليس مانع ذي قربى ولا رحم يوماً ولا معدما من خابط ورقا الخ. وهو شاهد لإطلاقه على الشجر بدون الأرض وقد يطلق عليهما وقال الراغب: الجنة كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض وقد تسمى الأشجار الساترة جنة وعليه حمل تول زهير وفي الكشاف الجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه قال زهير: الخ وعينيّ فيه تثنية عين بمعنى الجارحة والغرب الدلو الكبير، والمقتلة بصيغة المفعول من تفعيل القتل بمعنى الناقة التي كثر استعمالها حتى سهل انقيادها والنواضح جمع ناضح وهو البعير الذي يستقى عليه ويستعمل في إخراح الماء من الآبار والسحق بضمتين جمع سحوق وهي النخلة الطويلة المرتفعة جداً وخصها لاحتياجها لكثرة الماء فهي أوقع وأبلغ هنا فقول بعض الأدباء إنه حشو الأجل القافية لا فائدة فيه لا وجه له، وقال شرّاح الكشاف أنه بالغ في تذراف الدموع فاختار الغرب وهي الدلو العظيمة وثناها تنبيها على دوام الانسكاب بتعاقبهما في المجيء والذهاب إذ لا تزاق تصب واحدة وترسل أخرى وذكر المقتلة لأنها تخرج الدلو ملأى ووصفها بأنها من النواضح المتمرّنة على هذا العمل وأورد الجنة الدالة على الكثرة والالتفاف والنخل المفتقرة لكثرة السقي لا سيما السحق منها، والمعنى كما في شرح الديوان أنه يقول لما يئست منهم لم أملك دموعي فكأنها من كثرتها تسيل من دلوي ناقة مذللة للعمل لا تريق شيئاً مما في الدلو بل تخرجها تامّة مملوءة، وقال قدس سرّه كان الظاهر أن يقول كأنّ عينيّ غربا مقتله لكنه أتى بكلمة في كأنه يدعي أن ما ينصب من الغربين منصب من عينيه ولم يزد على هذا فكأنه تجريد كما في قولهم في الله كاف، وبه صرّح الطيبيّ ولا يخفى أن التجريد لا يصرّح فيه بأداة التشبيه لأنه من التشبيه البليغ عندهم والتصريح بالتشبيه فيه لا نظير له، ومن الخيالات ما قيل هنا من أنّ المراد بالنخل الطوال خيالات قامات الأحبة فكأن عينيه تسقي تلك الخيالات فتأمل وتحمل. قوله: (ثم البستان لما فيه الخ) معطوف على قوله الشجر والبستان يطلق على الأرض التي فيها الأشجار وعلى الأشجار وحدها وورد في شعر الأعشى بمعنى النخل خاصة كما ذكره الجواليقيّ في كتاب العرب، وقد عرّبته العرب قديما واستعملته بهذين المعنيين وأصله بالفارسية بوي ستان وبوي الرائحة الطيبة وستان بمعنى المكان والناحية فخفف بحذف الياء والواو وخص بأرض الأشجار التي تعطر بروض النسيم وطيب الأزهار ثم عرّب ونقل بهذا المعنى ثم توسعوا فيه فاطلقوه على الأشجار نفسها وقول بعض المتأخرين أنه من اللغات المشتركة فإنه في العربية أرض ذات حائط فيها أشجار وفي الفارسية مركب من كلمتين ومعناه التركيبي ناحية الرائحة وقد وهم فيه صاحب القاموس حيث قال: إنه معرب بوسنان انتهى. وهم من ابن أخت خالته ظاهر لمن عنده أدنى شبهة من الإنصاف، وليس الحاصل عليه إلا محبة الخلاف، ومثل البستان في معنييه الجنة فتطلق على الأرض بأشجارها وعلى الأشجار وحدها كما ذكره المصنف رحمه الله وعدل عن قول الزمخشريّ الجنة البستان من النخل والشجر لما فيه من الإيهام والاقتصار على أحد معنييه لا لما قيل من أنه قصد الردّ عليه حيث استشهد بالبيت على تسمية البستان بالجنة، وأعجب منه متابعة الشرّاح له انتهى. وقال قدس سرّه: أطلق الشاعر الجنة على النخيل ولا ينافيه قول الزمخشريّ الجنة البستان الخ إذ لا يعلم منه أنها نفس الأشجار أو الأرض التي

فيها أو مجموعهما وفيه ونظر لأنه بين البستان بقوله من النخل والشجر يعني ما أريد به من أحد معنييه فإن قيل من اتصالية لا بيانية فارتكاب لما هو في عاية البعد من غير احتياح إليه، وقوله لما فيه الخ بيان للمناسبة في إطلاقه أو للعلاقة فإن كان اسماً للأرض فقط فمن إطلاق الحالّ على المحل وإن كان للمجموع فمن إطلاق الجزء على الكل وفيه محتمل لهما، والمتكاثفة بمعنى المتلاصقة الملتفة لكثرتها مستعار من الكثافة المقابلة المطاقة والرقة يقال ماء كثيف وشجر كثيف كما قال أمية: وتحت كثيف الماءفي باطن الثرى ملائكة تنحط فيه وتصعد قوله: (ثم دار الثواب لما فيها الخ) دار الثواب هي الدار الآخرة، وهي في مقابلة الدنيا التي هي دار التكليف، والنار التي هي دار العقاب وهو منقول إليها لأنه حقيقة شرعية وهو المتبادر منها حيث ذكرت وبين المناسبة بيته وبين المنقول عنه بوجهين، والجنان بالكسر جمع حمنة بمعنى أرض ذات أشجار وحدائق أو أشجار أو لما فيها من النعيم الذي لا عين نظرت ولا ادن سمعت ولا خطر على قلب بشر مما هو مغيب ومستور عنا الآن، فلذا سميت جنة لاستتار ما فيها وإن كانت موجودة الآن وافنان يكون جمع فنن بمعنى غصن وجمع فن بمعنى ضرب، نرع هذا هو المراد هنا، والغالب فيه جمعه على فنون والجنة من الأسماء الغالبة على الدار الاخرة إلا أنّ غلبتها لم تصل إلى حدّ العلمية لأنها تعرّف وتنكر وتجمع وتوصف بها أسماء الإشارة في نحو تلك الجنة، وإنما جمعت بهذا المعنى لأنها كما تطلق على المجموع تطلق على أماكن منها وعلى القدر المشترك بينهما ولولاه لم تصح الجمعية هنا والى هذا أشار المصنف رحمه الله بقوله وجمعها الخ وأيده بالنقل عن سيد المفسرين ابن عباس رضي الله عحهما ففيها جنان على مراتب متفاوتة بحسب استحقاق أصحابها وتفاوت رتبهم في الشرف لالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو ظاهر والعمال جمع عامل والمراد به من عمل الصالحات خيرة خلقه وفيما نقله عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنها سبع إشارة إلى وجه اختيار جنات مإنه جمع قله على الصحيح كما مرّ على جنان كما قيل: وما نقله عن ابن عباس رضي الله مهما أنكره السيوطيّ رحمه الله وقال إنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث قيل: وفي قوله ا! نان الخ إشارة إلى أنّ تنكير جنات للتنويع، ويحتمل أن يكون للتعظيم أي جنات لا يكتنه، صفها. قوله: (واللام تدلّ على استحقاقهم الخ) يعني أنها لام استحقاق والله تعالى لا يجب مليه شيء فهو جار على عوائد إحسانه وفضله في الإثابة بوعده الذي لا يخلفه، وقوله: لا لذاته ليس لبيان معنى اللام الموضوعة لمطلق الاستحقاق بل لبيان أنه مراد منه أحد فرديه في الضمير المضاف إليه ذأت راجع لما وهو ردّ لما في الكشاف من إشارته لمذهب المعتزلة القائلين بأنّ الثواب مستحق لذات الإيمان والعمل على ما تقرّر في الأصول وقد مرّ قول المصنف رحمه الله في تفسير قوله لعلكم تتقون أنّ العبد لا يستحق بعبادته ثوابا وهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل. قوله: (ولا على الإطلاق بل بشرط أن يستمرّ الخ) فيه تسامح والمراد أنه يموت على الإيمان لأن تخلل الردّة لا يمنع دخول الجنة وهو مما اتفق عليه الماتريدية والأشاعرة فإنّ حصول المراتب الأخروية مشروط بالموت على الإيمان بلا خلاف وقيل: إنما الخلاف في التصديق والإقرار إذا وجد من العبد هل يصح أن يقول أنا مؤمن حقا ولا يقول أنا مؤمن إن شاء الله كما هو مذهب الحنفية الماتريدية لأنه إن كان للشك فهو كفر وان كان لإحالة الأمور إلى مشيئته تعالى أو للشك في العاقبة والما! لا في الحال أو للتبرّك والتبرّي من تزكية نفسه فالأولى تركه لإيهامه الشك وخلاف المراد أو ينبغي أن يقوله كما ذهب إليه الأشعرية لأنّ العبرة بالخاتمة وهذه المسألة تسمى مسألة الموافاة عندهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (أقول) روى الماتريدية استدلالاً لما قالوه حديثاً هو من قال أنا مؤمن إن شاء الله فليس له في الإسلام نصيب وهو حديث موضوع باتفاق الفحدثين كما فصله في كتاب اللألي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة وقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ من تمام إيمان العبد أن يستثني أورده الجوزقانيّ وصححه وأبطل به ما خالفه وقال الاستثناء

في الإيمان سنة فمن قال أنا مؤمن فليقل إن شاء الله وهو ليس استثناء شك ولكن عواقب المؤمنين مغيبة عنهم ثم أورد حديث جابر رضي ألله عنه وهو أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قوله: " يا مقلب القلوب ثبت قلوينا على دينك " مع أحاديث أخر استدلّ بها على سنية الاستثناء وبطلان ما يخالفه وللعلامة ابن عقيل رحمه الله تأليف مستقل فيه ليس هذا محلاً لاستيفاء ما فيه. قوله: ( {فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} الخ (هذه الآية تدلّ على أنّ الموت على الكفر محبط للعمل ولا خلاف فيه لأحد كما اتفق عليه شرّاح الكشاف هنا، وإنما الخلاف في إحباط الكبائر بدون التوبة وفي شرح الكشاف للتفتازاني قال الإمام القول بالإحباط باطل لأنّ من أتى بالإيمان والعمل الصالح استحق الثواب الدائم فإذا كفر بعده استحق العقاب الدائم ولا يجوز وجودهما جميعا ولا اندفاع أحدهما بالآخر إذ ليس زوال الباقي بطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء بقيام الباقي والمخلص أن لا يجب عقلا ثواب المطيع ولا عقاب العاصي وأجيب بمنع عدم الأولوية فإنّ الطارئ إذا وجد امتنع عدمه مع الوجود ضرورة امتناع الوجود والعدم ووجوده يستلزم عدم الباقي أعني العدم بعد الوجود وهو ليس بمحال وبأنه منقوض بانتفاء الشيء يطريان ضده كالحركة بالسكون والبياض بالسواد، وأيضاً الإحباط مما نطق به الكتاب فكيف يكوني باطلاً واعترض عليه بأنّ مراد الإمام أنّ إبطال حكم أحدهما بحكم الآخر ليس أولى من الاخر لا ابطال الذات بالذات إلا إنه إذا بطل الأصل بطل الحكم المترتب عليه ثم إن مراده أن القول بالإحباط مطلقا كما في الكشاف باطل فلا ينافي في نطق الكتاب به فيما هو مخصوص أو مؤوّل وليس هذا كله كلاما محررا فمن أراد تهذيبه وتحريره فلينظر رسالة الإحباط التي حرّرناها ثم إنّ إحباط الأعمال بالكفر مطلقا مذهب أبي حنيفة استدلالاً بقوله تعالى {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} أسورة المائدة، الآية: 5] ومذهب الشافعي أنه لا يكون محبطا إلا بالموت على الكفر لقوله تعالى {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} فيحمل المطلق على المقيد على أصله وفوله ولعله لم يقيد الخ أي استغنى بتلك الآيات الدالة على الإ. حباط بالشرك المقتضي لعدم استحقاق الجنة. قوله: (أي من تحت أشجارها الخ) العادة الإلهية جارية بانخفاض! مكان المياه الجارية كما قيل: فالسيل حرب للمكان العالي فإن أريد بالجنة الأشجار فذاك مع ما فيه قريب فبالجملة وإن أريد بها الأرض فلا بد من التأويل بتقدير مضاف أي من تحت أشجارها أو يعود الضمير إليها باعتبار الأشجار استخداما ونحوه وقيل: إن تحت بمعنى جانب صرّح به ابن عطية. وقال: هو كقولهم داري تحت دار فلان وضعفه بعضهم وقال ابن الصائغ رحمه الله: لما كانت تجري من تحت الأشجار المظللة نيل من تحتها أو أنها لما سقتها صدق أنها جرت من تحتها وقال صاحب التقريب: معنا. من تحت أشجارها أو منازلها ويحتمل أنّ منابعها من تحت الجنات وقد قال أبو البقاء: من تحت ارضها فلا وجه لمنع ابن الجوزي له، وقال أبو علي: من تحت ثمارها وهو بعيد وقال الغزنويّ من تحت أوامر أهلها كقوله وهذه الأنهار تجري من تحتي. قوله: (كما تراها جارية تحت الأشجار الخ) عدل عن قوله في الكشاف كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار إلى ما هو أظهر وإن وجه بأنه قصد تشبيه الهيئة بالهيئة فلا يضرّه تقديم بعض المفردات على بعض أو تأخيره والثاطئ مهموز الآخر كالساحل وزنا ومعنى وجمعه شواطئ ومسروق بزنة المفعول علم لمسروق بن الأجدع التابعيّ ولمسروق بن المرزبان المحدّث وما روي أثر صحيح أخرجه ابن المبارك وهناد في الزهد وابن جرير والبيهقي في البعث والأخدو كما في الصحاح شق مستطيل في الأوض. والأثر مؤيد لكون المعنى تجري من تحت أشجارها. قوله: (واللام في الآنهار للجنس الخ) اللام عبارة عن أل المعرّفة تعبيرا بالجرّ عن الكل لزيادة همزة الوصل عند الجمهور وسقوطها، وأراد بالجنس العهد الذهني المساوق للنكرة وفي الكشف أي غير منظور فيه إلى استغراق وعدمه كما هو مقتضاه مثل أهلك الناس الدينار والدرهم أي الحجران المعروفان من بين سائر الأحجار، وكما تستعمل للعموم في المقام الخطابي ولا قل مما هو مقتضاه في المقام الاستدلاليّ

قد تستعمل من غير نظر إلى الخصوص والعموم كما في المثال وكما في هذه الآية وهو كثير أيضاً وهو ردّ على الطيبيّ رحمه الله حيث قال في تقرير معنى الجنس هنا وقول الزمخشريّ أنه للحاضر في الذهن أنت تعلم أنّ الشيء لا يكون حاضراً في الذهن إلا أن يكون عظيم الخطر معقودا به الهمم أي تلك الأنهار التي عرفت أنها النعمة العظمى واللذة الكبرى وأنّ الرياض وان كانت آنق شيء لا تبهج الأنفس حتى تكون فيها الأنهار فإن أحدا لم يشترط ما ذكره في العهد الذهني كما اتفق عليه أهل المعاني والعربية وكيف يتأتى ما ذكره في نحو ادخل السوق واشتر اللحم وإنما غرّه فيه قوله الحاضر في الذهن وهو إنما قصد به بيان الفرق بينه وبين ال! كرة، وإنما نبهناك عليه لأنّ من أرباب الحواشي من لم يتنبه له فاتبعه فيه وإنما ذكره الزمخشريّ نكنة لذكرها لا توجيهاً للتعريف، وهذا هو الذي عناه الفاضل الشريف بقوله العهد التقديريّ، ولما كان الجنس يطلق في كلامهم على ما يشمل الاستغراق والحقيقة أوضحه المصنف رحمه الله بقوأ 4 كما في قولك لفلان بستان فيه الماء الجاري وما قيل: هـ! من أنه يحتمل الاستغراق على أن المعنى تجري تحت الأشجار جميع أنهار الجنة فهو وصف لدار الثواب بأنّ أشجارها على شواطئ الأنهار وأنهارها تحت ظلال الأشجار وأبرد من مياه الجنان لمن رزقه الله ذكاء الجنان. قوله: (أو للعهد والمعهود الخ) الآية المذكورة من سورة القتال وهي مدنية على الأصح وقيل إنها مكية ولهذا قال الثيخ بهاء الدين بن عقيل رحمه الله هذا يتوقف على تقدم نزول آية القتال على هذه، وقد قالط عكرمة أن البقرة أوّل سورة نزلت بالمدينة، ولذا قال الفاضل التفتازانيّ إنما يصح هذا لو ثبت سبقها في الذكر ومع ذلك فلا يخفى بعد مثل هذا العهد وتبعه الفاضل الشريف قدس سرّه، وفي حواشي ابن الصائغ هذا إنما يتمشى على تقدير أن يكون فيها أنهار الآية سبقت في النزول هذه الآية وهو قول الضحاك وسعيد بن جبير في أنها مكية. وأمّا على قول مجاهد إنها مدنية فإنما يتمشى على تقدير أن يكون فيها أنهار الخ سبقت في النزول هذه الآية والآسن الذي يتغير كما سيأتي. وترك المصنف رحمه الله الوجه الثالث في الكشاف وهو أنّ الألف واللام فيه عوض عن الإضافة لما فيه مما سيأتي تحقيقه. قوله: (والنهو بالفتح والسكون الخ) قد كثر مثله في فعل الذي عينه حرف حلق واختلف النحاة فيه فقيل إنه لغة لا يختص به بل يكون في غيره كنفس ونفس وذهب البغداديون إلى أنه اتباع وهو مقيس فيه وأيد بأنه سمع من بعض بني عقيل نحو في نحو ولو كان لجة قلبت الواو ألفاً فلم تقلب لعروضها وفيه كلام في خصائص ابن جني وقال الزمخشري: أن الفتح فيه أفصح وهو في الأصل بمعنى الشق فأطلق على المشقوق وهو المكان، ولذا فسره المصنف بالمجرى، والجدول أصغر الأنهار كالقناة والبحر أعظمها وقوله كالنيل والفرات هما نهران عظيمان مشهوران وهو يحتمل أن يكون تمثيلا للنهر أو للبحر ان لم نقل أنه مخصوص بالملح كما هو المشهور في الاستعمال قال الراغب: اعتبر من البحر تارة ملوحته فقيل: ماء بحر أي ملح وأبحر الماء ملح قال: وقد عاد ماء الأرض بحرا وزادني إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب وقال بعضهم: البحر يقال في الأصل للملح دون العذب، وبحر أن تغليب وقوله: والتركيب للسمعة أي أصل معنى نهر دائر على السعة يقال انتهر النهر إذا اتسع ويرد عليه النهر بمعنى الزجر فإنه لا يلاحظ فيه معنى السعة الفهم إلا أن يقال إنه زجر بليغ كما فسر به الراغب ففيه سعة معنوية. قوله: (والمراد بها ماؤها الخ) ضمير بها للأنهار المذكورة في النظم أو المفهومة من المقام والإضمار هنا تقدير المضاف كما في نحو اسأل القرية من مجاز النقص والمقدر إما مياه أو ماء كما هو ظاهر عبارة المصنف رحمه الله فتأنيث تجري رعاية للمضاف إليه القائم مقامه أو رعاية للفظ الجمع لأنه مؤنث إن كان مجازاً للمجاورة أو لذكر المحل وارادة الحال، أو الإسناد مجازيّ من غير تجوّز في الظرف ولا تقدير كما في إسناد الإخراج إلى الأرض لكونها محلاَ للمخرج، وقيل ولإسناد الجري للأنهار نكتة خاصة تعرفها الخاصة وهي أنّ أنهار الجنة ليست إلا المياه! جريها من غير أخدود ولا يخفى أنه إنما يتمشى على أحد التفسيرين ولو تعين هنا لكان

كلامه في مجراه. قوله: (صفة ثانية لجنات الخ) ذكر فيها ثلاثة أوجه وترك رابعا سيأتي ولذا لم يذكر الحصر الذي في الكشاف وإذا كانت صفة فهي في محل نصب وحينئذ لم يعطف للإشارة إلى استفلال كل من الجملتين في الوصفية لا أنهما صفة واحدة وإذا كانت خبر مبتدأ مقدر فتقديره هما أي الذين آمنوا الخ أو هي أي الجنات وفي شرح الفاضل التفتازانيّ ولا يقدر شأنها أي هذا اللفظ بل هي أو هو بمعنى القصة أو الشأن (وههنا بحث) وهو أنّ الجملة المحذوفة امبتدأ إمّا أن تجعل صفة أو استئنافا فاعتبار الضمير لغو فليكن بدون اعتبار الحذف كذلك وردّ بأنّ الربط المعنويّ حاصل إذ الجملة عبارة عن الشأن الذي هو مبتدأ فلا فرق بين الشان وبين هي ومثله في عدم الاحتياج إلى العائد ما ذكره النحاة في قولهم مقولي زيد منطلق وفيه نظر، وسياتي ما فيه في سورة يس، وما ورد من التقدير نقله في الكشف عن بعض الشرّاح ومرضه لأنه خلاف الظاهر*، وما قيل: من أنه على الخبرية إمّا أن يقال إنه لا يجب كون الخبر محمولاً على المبتدأ أو يجب لكن يكون ذلك تحقيقاً أو تاويلا من تسويد وجه القراطيس بما لا حاجة إليه، وقيل: إنه على هذا التقدير صفة مقطوعة ولم يتنبه له شرّاح الكشاف مع جلالة قدرهم فاعترضوا عليه بأنا نعود إلى الجملة المحذوفة المبتدأ فإن جعلت صفة أو استئنافا كان تقدير الضمير مستدركا وأن جعلت ابتداء كلام كاف فليكن كذلك بلا حذف، ومنهم من تمسك في دفعه بأن تقديرهم يقوي الاستئناف وتقدير هي يقوّي الوصفية ومما يتعجب منه ما في شرح التفتازانيّ فإنه قال لا تحتاج الجملة التي هي خبر عن لفظ الشأن إلى عائد كضمير الشأن وتقديره بهي على أنه ضمير القصة لا يصح لأنه يخص بجملة العمدة فيها مؤنث فالواجب تقدير ضمير الشأن بهو انتهى ولا يخفى ما فيه لأنّ قطع النعت الذي منعوته نكرة وهو جملة خلاف الظاهر حتى منعه بعض النحاة وإن كان الأصح خلافه وكون تقدير هي مشروطاً بما ذكره مما ذكره أهل المعاني إلا أنّ الأصح خلافه كما في شرح التسهيل وسيأتي تفصيله في محله وأمّا ما قيل من أنّ المقدر ضمير الشأن لا ضمير الذين آمنوا ولا الجنات لأنّ كلما ظرف زمان لنصبه على الظرفية فلا يصح أن يكون خبراً عن جثة وتقدير المبتدأ على تقدير كونه كلاما ابتدائيا غير وصف ولا استثناف استحسانيّ مراع لجزالة المعنى وليس بلازم فوهم لأن كلما وحده ليس خبرا بل متعلق بقالوا كما سيأتي والجملة خبر. وما ذكره لا يغني شيئاً وأجاز أبو ابقاء كون هذه الجملة حالاً من الذين أو من جنات لوصفها المقرّب لها من المعرفة وهي كما قال أبو حيان حال مقدّرة لأنهم وقت التبشير لم يكونوا مرزوقين على الدوام والاً صل في الحال المصاحبة. قوله: (أو جملة مستأنفة كأنه الخ) قدره تبعاً للزمخشريّ سؤالاً عن فواكه الجنة فقوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ} [سورة البقرة، الآية: 25] الخ زيادة في الجواب ولو قدّر ألهم في الجنات لذات كما في هذه الدار أم أتمّ وأزيد كان أصح وأوضح والاستئناف أرجح الوجوه عندهم كما ذكره صاحب الكشف وغيره وهذا مبنيّ على أنّ معنى من قبل من قبل في الدنيا وهو قول مجاهد وعن ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك ومقاتل أنه في الآخرة على معنى رزق الغداة كرزق العشيّ وذهب أبو عبيدة إلى أنّ معناه يخلف الثمرة المجنية مثلها والخلد بفتحتين البال والقلب والنفس وكل منها صحيح هنا، وأزيح بزاي معجمة وحاء مهملة مجهول أزاحه إذا أزاله وفي قوله وقع الخ استعارة تبعية أو مكنية كأنه جعل ما خطر للسامع من التردّد مما يقع في الدار الدنيا من الغبار ونحوه كما يقال لما لا شبهة فيه لا غبار عليه فقوله أزيح ترشيح ومثله في اللطف قول ابن سنا الملك: كنست فؤادي من حبه ولحيته كانت المكنسة قوله: (وكلما نصب على الظرف الخ) قال النحاة إنها منصوبة على الظرفية بالاتفاق وناصبها قالوا الذي هو جواب معنى وجاءتها الظرفية من جهة ما فإنها إما مصدرية أو اسم نكرة بمعنى وقت، وكونها شرطية ليس بالوضع وإنما طرأ عليها في الاستعمال لأنّ ما المصدرية التوقيتية شرط من حيث المعنى فلذا احتاجت لجملتين مرتبة إحداهما على الأخرى ولا يجوز أن تكون ما شرطية كما فصله في المغني وشروحه

وأمّا إفادتها للتكرار فقد مرّ في قوله تعالى: {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ} ولما كان معنى الشرطية طارئا عليها لم يختلفوا في عاملها كما اختلفوا في عامل الأسماء الشرطية هل هو الجزاء أو الشرط، ورجح الرضي أنه الشرط ولم يرجحه هنا كما توهمه بعضهم وقال: فإن قيل يجب الفرق بين كلما وكلمات الشرط في الحكم بأنّ العامل في كلما الجزاء والعامل في غيرها الشرط قلنا قد فرق الرضي بينهما بأن كلما مضافة للجملة التي تليها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف بخلاف كلمات الثرط وفيه كلام ذكرناه في حواشي الرضي ليس هذا محله، ومما فصلناه لك عرفت أنّ ما قيل من أنّ كلما مركب من كل وما الشرطية فلذا صار أداة تكرار ليس بمرضيّ ورزقا مفعول ثاني لرزقوا لأنه يتعدّى لمفعولين فيقال رزقه الله مالاً بمعنى أعطاه وليس مفعولاً مطلقاً مؤكدا لعامله لأنه بمعنى المرزوق أعرف والتأسيس خير من التاكيد وتنكيره للتنويع أو للتعظيم أي نوعا لذيذاً غير ما تعرفونه، وقد جوّزوا فيه المصدرية وكونه مفعولاً مطلقاً والأوّل أرجح. قوله: (ومن الأولى والثانية للابتداء الخ الما منعوا تعلق حرفي جرّ متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد حقيقة وجوّزوا غيره مما تعلقا به وقد اختلفا لفظا ومعنى كمررت بزيد على الطريق أو اختلفا معنى لا لفظاً نحو ضربته بالعصا بسبب عصيانه، أو عكسه نحو ضربته لتأديبه بسبب سوء أخلاقه، وما في الآية بحسب الظاهر يتراء! مخالفته لذلك أشاروا إلى دفعه بأنه غير مخالف لما ذكر لأنه لا يخالفه إلا إذا تعلقا به من جهة واحدة ابتداء من غير تبعية وما نحن فيه ليس كذلك. وفي الكشاف هو كقولك: كلما أكلت من بستانك من الرمّان شيئا حمدتك فموقع من ثمرة موقع قولك من الرمّان كأنه قيل: كلما رزقوا من الجنات من أيّ ثمرة كانت من تفاحها أو رمّانها أو عنبها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك فمن الأولى والثانية كلناهما لابتداء الغاية لأنّ الرزق قد ابتدئ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدى من ثمرة، وتنزيله منزلة أن تقول رزقني فلان فيقال لك من أين فتقول: من بستانه فيقال من أيّ ثمرة رزقك من بستانه فتقول من الرمّان، وتحريره أنّ رزقوا جعل مطلقاً مبتدأ من ضمير الجنات ثم جعل مقيداً بالابتداء من ضمير الجنات مبتدأ من ثمرة، وقرّره شرّاحه بأنه لما توهم أنّ حرفي الجر في منها ومن ثمرة متعلقان برزقوا وهما بمعنى ولفظ واحد، ومما تقرّر عندهم أنه لا يجوز مثله الأعلى الإبدال والتبعية ولا مجال له هنا فدفعه بوجهين وبالغ في تقرير الأوّل وصرّج بأنهما للابتداء إلا أن الأولى متعلقة بالرزق المفهوم من رزقوا مطلقا، والثانية به مقيداً بكونه من الجنات فليس مما منع في شيء لأنه اعتبر فيه الفعل أوّلاً مطلقاً ثم قيد بقيد يقتضيه سؤال ثم قيد ذلك الفعل المقيد بقيد آخر يقتضيه سؤال آخر فاتضح اتضاحا تامّاً أنّ كل واحد من الفعل المطلق والمقيد بالقيد الأوّل يصح ابتداؤه من المقيد بالقيد الذي تعلق به والثمرة على هذا للنوع فإنه لا يصح الابتداء من فرد إلا بكون بعضه مرزوقا وهو ركيك جدا، وكلا الظرفين على هذا الوجه لغو بلا اشتباه والمصنف رحمه الله ذهب إلى الإطلاق والتقييد مع جعلهما حالين متداخلتين وحينئذ فمتعلقهما متعدد فلا يلزمه المحذور المذكور لما قالوه بل لشيء آخر وهو أن الشيء الواحد لا يكون له مبدآن، ولذا قال: وأصل الكلام ومعناه الخ. ولا يخفى أنه لا وجه له لأنّ المبدأ كما مرّ معناه ما يتصل به الأمر الذي اعتبر له امتداد محقق أو متوهم وللشيء اتصالات شتى كاتصاله بالمكان في نحو سرت من البصرة، والزمان في من أوّل يوم، وبالفاعل وبالكل المأخوذ منه بل للمكان المحدود المربع مثلاً ابتداء من كل حدّ من حدوده الأربعة فالابتداء في منها مكانيّ وفي من ثمرة كليّ كما في أعطني من المال وكل لي من الصبرة إذا لم ترد التبعيض ألا تراك لو قلت ما قرأت النحو من كتاب سيبوبه من المبرّد من أوّل سنة كذا صح بلا مرية فإذا لم بتحد المتعلق لا لمانع صناعيّ ولا معنويّ فارتكاب المصنف للتأويل من غير داع لا! خلو من الخلل ولذا قيل: إنه لم يقف على مراد الزمخشريّ وتوهم من تقديره السؤال أنه ظرف مستقرّ عنده، وسيأتي لنا كلام فيه وقد قيل: عليه أيضاً أن المشهور أن من الابتدائية والتبعيضية لغوان والتبيينية مستقرّة وهذا مخالف له، وفيه بحث لأن

ما اذعاه وإن سبق إليه غير مسلم، والظاهر خلافه فيكفي لتصحيح الابتدائية فيهما اختلاف المبدأ ثم إن قول الشريف تبعا لغيره من الشرّاح أنه لا مجال للتبعية والإبدال في الآية الكريمة فيه أنّ المعرب جوّز فيه أن يكون بدل اشتمال، ولا حاجة إلى الضمير لظهور الارتباط مع أنه مخصوص بإبدال المفردات وقال في البحر من في قوله منها الابتداء ألغاية وفي من ثمرة كذلك لأنه بدل من قوله منها أعيد معه حرف الجرّ وكلتاهما متعلق برزقوا على جهة البدل وهذا البدل من بدل الاشتمال. قوله: (كل حين وزقوا مررّوقاً الخ) إشارة إلى أنّ ما مصدربة حينية ومرزوقا إشارة إلى أنّ الرزق بمعنى المرزوق مفعول به ومبتدئاً بكسر الدال على زنة اسم الفاعل ولو فتح صح فقيد الرزق بكونه مبتدئاً من الجنات وابتداءه منها بابتدائه من ثمراتها وهو ظاهر وقوله فصاحب الحال الخ إشارة إلى أنها حال متداخلة، وقد قيل عليه أنه لا وجه لجعل الثمرة مبدأ مبدئية الرزق لا مبدأ نفسه فالوجه أن تجعل الحال مترادفة وفائدتها أنّ كون الجنات مبدأ الرزق يحتمل أن يكون باعتبار غير الثمرة مما فيها فالثانية تعين المراد إلا أنه على ما ذكره يظهر كونه قيداً للمقيد بخلافه على الترادف وفي قوله واقعتان موقع الحال مسامحة ظاهرة لأنّ الحال متعلق الجارّ والمجرور أو هما لا الحرف، والمستكن بتشديد النون اسم فاعل يقال: اكتن واستكن إذا استتروا التخفيف من السكون بعيد واعلم أنّ الظاهر أنّ جعل المتعلق الواحد في حكم المتعدد لا يختص بصورة التقييد والإطلاق بل يجري في كل ما يشبهه بحسب التأويل كما في قولهم لم أر رجلاَ أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد فإن في تعلقت بأحسن فيهما لأنّ معناه زاد حسن الكحل في عين زيد على حسنه في عين غيره فهو بحسب التأويل متعدّد وله نظائر أخر ليس هذا محلها، وإنما المراد التنبيه على أنه ليس مخصوصاً بما ذكر كما يوهمه كلام الكشاف وشروحه فتدبر فإن قلت لم سأل عن قوله من ثمرة وبين في الجواب تعلق الظرفين وأيّ حاجة إلى ذكر متعلقين حتى يحتاج إلى التأويل ولو قيل: كلما رزقوا من ثمرها أفاد ما ذكر من غير ارتكاب لمشقة التأويل وتكرار من واعجاز التنزيل يأبى زيادة ما يحوج للتأويل قلت: الذي لاح لي بعد التأمّل الصادق أن تعليق الرزق بمحله وتعقيبه بثمرة منكرة يقتضي عمومه لكل ما فيها كما قال تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [سورة محمد، الآية: 115 {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} ولولا ذكرهما لم يفد هذا النظم مع ما فيه من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال الذي هو أوقع في القلوب واليه أشار العلامة بما ذكره من السؤال والحاصل أن تعلق منها يفيد أنّ سكانها لا تحتاج لغيرها لأنّ فيها كل ما تشتهي الأنفس وتعلق من ثمرة يفيد أنّ المراد بيان المأكول على وجه يشمل جميع الثمرات دون بقية اللذات المعلومة من السابق واللاحق وفيه إشارة أيضا إلى أنّ عامّة مأكولهم الثمار والفواكه لأنهم لا يمسهم فيها جوع ولا نصب يحوجهم إلى قوت به قوام البدن وبدل ما يتحلل ومن هنا خطر بالبال أنّ المصنف رحمه الله لم يعدل عما في الكشاف غفلة عن مراده بل إمّا لأنه فهم منه أنه أراد توضيح المعنى وتفسيره لا توجيه التعلق النحوي وتقريره أو بيان أنه لا حاجة داعية له إذا جعلت من فيهما ابتدائية لأنه يجوز تخريجه على وجه آخر أسهل منه وأمّا تخصيصه السؤال بقوله من ثمرة فلأنه سؤال نشأ من تكرّر من فيه. قوله: (ويحتمل أن يكون من ثمرة الخ) هذا هو الوجه الثاني في الكشاف وهو أن تكون من الأولى ابتدائية كما فهم من عدم تعرّض المصنف رحمه الله لها، والثانية في قوله من ثمرة مبينة للمرزوق الذي هو مفعول! ان والظرف الأوّل لغو والثاني مستقرّ وقع- ا / * ن النكرة لتقدمه عليها والثمرة يجوز حملها على النوع وعلى الجناة الواحدة، ولم يلتفتو! إلى جعل من الثانية تبعيضية في موقع المفعول ورزقا مصدر مؤكد لبص هـ مع أنّ الأصل في من الابتداء والتبعيض ولا يعدل عهما إلا لداع قويّ كما مرّ في قوله تعالى: {أَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} [سورة البقرة، الآية: 22] وقوله كما في رأيت منك أسدا صريح في أنّ من التجريدية بيانية، وقد قيل عليه أنه حينئذ تفوت المبالغة المقصودة في التجريد لأنّ الإجمال والتفصيل يفيد أن المبالغة في التفسير لا الصفة التي قصد بالتجريد بلوغها الغاية في الكمائا، والصحيح أنها ابتدائية أي رأيت أسدا كائناً منتزعا منك

ومن قال جعل هذا البيان على ذلك المنهاج مبنيّ على أنّ من البيانية عنده رأجعة إلى ابتداء الغاية فلا بد من اعتبار التجريد بأن ينتزع من المخاطب أسد ومن الثمرة رزق لم يأت بشيء يعتد به ألا ترى أنه جعل البيانية قسيما للابتدائية وأنه لا قرينة على انتزاع الرزق من الثمرة بل هي نفسها رزق وقد تغ فيه من قال: ليت شعري إذا حمل من على البيان لم يجعل من التجريد مع أنّ البيان يحمل المبين على المبين أظهر فإن رزقاً تفسره الثمرة فليس من التجريد في شيء، والقول: بأنه لا منافاة بين التجريد والبيان مفتقر إلى البيان (أقول) هذا محصل ما قاله الشرّاح وسيأتي في أوّل سورة آل عمران تفصيله، والذي حملهم على إلاعتراض هنا أنّ المبين لما اتحد مع المبين في الجملة لم يكن أبلغ من حمله عليه في نحو زيد أسد مع أنّ عبد القاهر وغيره من أهل المعاني صرّحوا بأنّ التجريد أبلغ من التشبيه البليغ، والجواب عنه أنّ من البيانية تدخل على الجنس المبين به لكونه أعتم وأعرف بالمعنى الذي وقع فيه البيان، وهنا لما عكس وجعل الشخص جنساً مبينا به ومنتزعا منه ما هو الأعم الأعرف كان أبلغ بمراتب من التشبيه البليغ ولو كان معكوساً، فلو قلت رأيت منك أسدا جعلت زيداً جنساً شاملاً لجميع أفراد الأسد وخواصه بل أعمّ وأشمل لانتزاعك الجنس منه، وهأ 10 لا يقرّ به الحمل في أنت أسد ولو قيل: رأيت زيدا من أسد ورد ما ذكره قدس سرّه وغيره وليس مما نحن فيه وكذا في نحو رأيت منك عالماً في التجريد غير التشبيهي وهذا مسرح تظر العلامة وهو دقيق أنيق فلا حاجة إلى جعله مبنيا على رجوع من البيانية إلى الابتدائية ولا إلى الجواب عما أورد على التفتازانيّ بأنّ مراده بالبيانية ما تكون للبيان وان كان فيها معنى الابتداء وبالابتدائية التي لصرف الابتداء فيصح جعله قسيماً له على أنه لو سلم لم يفدنا شيئا لأن مذهب القاضي رحمه الله كما صرّح به في منهاجه أنّ جميع معاني من ترجع للبيانية عكس مذهب الزمخشريّ. ثم إن من الابتدائية يكون المبتدأ فيها مغايراً للمبتدأ منه نحو سرت من البصرة ولدخولها غالباً على المكان ونحوه تدلّ على أنه مائل فيه وعلى المغايرة التي هي مبني التجريد مع أنّ بيانه قاصر على أحد قسميه غير شامل لنحو رأيت منك عالماً، وادّعاه عدم بلاغته ظاهر السقوط مخالف لكلام القوم والرضي جعل من فيه تعليلية ولكل وجهة. قوله: (تقذّم الخ) رذ لما قيل من أنها كيف تكون للبيان وليس قبلها ما تبب نه بأنه مبنيّ على جواز تقديم المبين على المبين وأنه يكفي تقدّمه ولو تقديراً كما ذهب إليه كثير من النحاة وان منعه وضعفه آخرون وأمّا جعلها على تقدير البيان ظرفا لغواً متعلقاً برزقوا فوهم لاتفاقهم على أنّ من البيانية لا تكون إلا ظرفاً مستقرّاً كما هو معروف عند النحاة وبه جزم السعد في مواضع من شرح الكشاف كما سيأتي. قوله: (وهذا إشارة الخ) أي لفظ هذا وهو دفع لما يتوهم من أنه كيف يكون هذا المرزوق عين ما في الدنيا أو ما تقدمه في الجنة وقد فني وأكل بأن الإشارة إلى النوع والمعنى أنّ نوع هذا وذاك متحد وكون هذا وضع للإشارة إلى المحسوس والأمور الكلية لا تحس ليس بكليّ مع أنه يكفي إحساس أفراده كما في المثال المذكور، ومن الناس من ذهب إلى وجود الكليّ في ضمن أفراده على ما فيه أو هو إشارة إلى الشخص وفيه تقدير أي مثل الذي رزقنا أو يجعل عينه مبالغة وقد رجح كونه إشارة إلى عين الثمرة بأنّ هذا إذا لم يذكر معه الوصف يكون إشارة إلى المحسوس دون الكليّ، وفي قوله العين المشاهدة إبهام وجريانه بفتحات مصدر جرى الماء جريا وجريانا ووقع في نسخة بدله جزئياته جمع جزئيّ والأولى أولى واستحكم بمعنى قوي وتمّ يقال أحكمته فاستحكم إذا أتقنتة. قوله: (جعل ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا الخ) هذا معنى ما في الكشاف وقد قيل عليه أنه جيد لو لم يقل إذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه فإنّ بطلانه ظاهر فإنّ لكل جديدة لذة والحديث المعاد مثل في الكراهة وليس بشيء، وقد وقع مثله في شرح المفتاح وذكروا أنّ كون النفس تحب ما ألفته وهو يقتضئي تكزره معار ضلما اشتهر كما في المثل أكره من معاد وقد جمع بينهما بأنّ الأوّل فيما يستطاب وتطلب زيادته، والثاني فيما ليس كذلك، وقد وقع التصريح بهذا في كلام

الفصحاء والشعراء قديما ألا ترى قوله: لكل جديد لذة غيرأنني وجدت جديد الموت غير لذيذ وقول المعرّي: ردّي حديثك ما أمللت مستمعا ومن يمل من الأنفاس ترديدا وقول ابن سهل: يستكره الخبر المعاد وقد أرى خبر الحبيب على الإعادة أطيبا يحلو على ترداده فكأنه سجع الحمام إذا تردّد أطربا ومثله كثير في كلامهم فلا وجه لما أورده الفاضل والقياس على الحديث المعاد قياس مع الفارق فإنه معاد بعينه وما نحن فيه ليس كذلك: والحق أنه مختلف بحسب الأحوال والمقامات ألا ترى أنّ أبا عمرو بن العلاء نظر إلى فتى عليه ثياب مشتهرة فقال له: يا بنيّ من المروءة أن تأكل ما تشتهي وتلبس ما يشتهيه الناس ونظمه الثعالبيّ في كتاب المروءة فقال رحمه الله تعالى: إن العيون رمتك إذ فاجأتها وعليك من شهر الثياب لباس أمّا الطعام فكل لنفسك ما اشتهت واجعل ثيابك ما اشتهته الناس وهذا الأحماض شابه دفع الاعتراض. قوله: (ويتبين لها مزية الخ) قد علمت ما فيه وأنه ظاهر الاندفاع وان قيل في دفعه أيضا أنه جيد في غير الطعام فإنّ التجربة والوجدان شاهدا عدل بأنّ ما لم يعهد منه وان حسن شكله لا يباشره عاقل لاحتمال ضرره وقيل: إنه في بادي النظر وقبل التجربة والمزية الفضيلة ولا يبنى منه فعل إلا أنه ذكر في حواشي الجوهرقي أنه يقال: أمزيتة عليه أي فضلتة وفي الأساس تمزيت عليه وتمزينه فضلته وكنه النعمة حقيقتها أو غايتها أو وجهها والمشهور الأوّل إلا أنّ ابن هلال قال ني كتاب الفروق: كنه الشيء على فول الخليل غايته ويقال: هو في كنهه أي في وجهه قال: وانّ كلام المرءفي غيركنهه لكالنبل تهوي ليس فيهانصالها وقال ابن دريد: كنه الشيء وقته يقال أتيته في غير كنهه أي في غير وقته، ويكون الكته للقدر أيضاً يقال فعل فوق كنه استحقاقه فليس الكنه من الحقيقة في شيء والناس يظنونهما سواء انتهى وهو لا فعل له أيضا وأثبته بعض اللغويين فقال: يقال منه اكتنه، وقوله كذلك أي غير مألوف. قوله: (أو في الجنة الخ) عطف على قوله في الدنيا أي من قبل هذا الرزق أو المرزوق في الجنة، يعني أنّ مأكولات الجنة متحدة الشكل متفاوتة اللذة والطعوم فإذا قدم إليهم شيء آخر منها ظنوه مكررا والطعام ب! منى المطعوم بمعنى المأكول مطلقاً فيتناول الثمار وغيرها ففيه إثبات للشيء بما هو أعمّ منه أو يخص بالثمار بقرينة المقام، ولا حاجة إلى أن يقال إنه للتمثيل فإنّ الصحفة لا يوك! مع فيها الثمار لأنه غير مسلم، والصحفة بفتح الصاد المهملة وسكون الحاء المهملة كالقصعة الآنية جمعه صحاف وقوله كما حكي عن الحسن الخ أثر أخرجه ابن جرير عن يحى بن كثير بهذا اللفظ. وقوله روي الخ أخرجه أيضا ابن جرير موقوفاً وفي المستدرك من حديث ثوبان مرفوعاً: " لا ينزع رجل من أهل الجنة من ثمرها شيئاً إلا خلق الله مكانها مثلها " وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين وقوله فلعلهم الخ لا ياً بى هذا قوله من قبل لأنّ معناه قبل هذا الزمان أو الوقت، وعلى تفسير المصنف من قبل الرزق أو الص روق الذي أشار إليه بقوله من قبل هذا لأن قبل مبنية على الضم لحذف المضاف إليه الذ؟ ب هو هذا ونية معناه وان لم يتخلل بينهما زمان وليس معنى رزقنا أكلنا التقدم الرزق على ا! ل وعلى الأثر الأوّل هو متشابه الصورة مختلف الطعم وعلى الثاني متشابه الصورة والطعم فتأمل. قوله: (والآوّل أظهر الخ) أي كون المراد بالقبلية في الدنيا أولى من كونها مما تقدم في الآخرة لأنّ كلما تفيد العموم، وعلى الثاني لا يتصوّر قولهم لذلك في أوّل ما قدم إليهم ويفوت موقع الاستئناف المبنيّ على السؤال على وجه التشابه بينهما وأن قيل إنّ الأظهر تعميم القبلية لما يشمل قبلية الدنيا والآخرة وقال المصنف أظهر ولم يقل إنّ التفسير هو الأوّل كما قاله الزمخشريّ لأنّ هذا له وجه ظاهر أيضاً حتى قيل إنه يتجه على الأوّل أنه يلزم فيه انحصار ثمار الجنة في الأنواع

الموجودة في الدنيا والأليق أن يوجد فيها ذلك مع غيره من الأنواع التي لا عين رأت ولا أذن سمعت كما ورد في الحديث. وقال السيوطي: أيضاً عندي أنّ الثاني أرجح لأنّ فيه توفية بمعنى حديث تشابه ثمار الجنة وموافقة لقوله بعده متشابها فإنه في رزق الجنة أظهر وإعادته إلى المرزوق في الدارين لا يخفى ما فيه من التكلف كما سيأتي. وقوله كل مرة رزقوا منصوب على الظرفية فإنّ مرّة معناه فعلة واحدة وليس باسم زمان لكنه شاع بمعنى وقت واحد فاعطي له ولما يضاف إليه حكم الظرفية كما قاله المرزوقيّ. قوله: (والداعي إلى ذلك الخ) الداعي هو المقتضي لخطور ما ذكر في الذهن من قولهم هذا الذي الخ كأنه دعاه للحضور فحضر في كل مرّة من مرّات تناولهم، وفرط استغرإبهم أي كدّة غريباً عجئباً عدا مفرطا وتبجحهم بجيم وحاء مهملة افتخارهم وابتهاجهم بإظهار المسرّة بما وجدو. بين الرزقين، والتشابه البليغ في الصورة إمّا لتشابه النوعين المستلزم لتشابه ما صدق عليه أو لتشابه الفردين على ما مرّ من تفسيري هذا فسقط ما قيل من أنه يقتضي أن يكون قولهم هذا الذي رزقنا من قبل من التشبيه البليغ وأصل معناه هذا مثل الذي رزقنا من قبل كما في الكشاف وهو مخالف لقوله وهذا إشارة لنوع ما رزقوا لأنه ليس مبنياً على المبالغة في التشبيه إذ معناه هذا نوع ما في الدنيا والتفاوت مع التشابه منشأ للاستغراب والتعجب كما لا يخفى فلا وجه لما قيل من أن جعل التشابه البليغ داعياً لما ذكر ظاهر وأمّا التفاوت العظيم ففي مدخليته في ذلك خفاء وإن وضحه بما يؤول إلى ما ذكرناه، وهذا إشارة إلى سبب قولهم هذا لتتمّ الفائدة فمن قال إنه لا حاجة إليه لم يصب، وقد نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم يقولونه على سبيل التعجب وفي الاستغراب إيماء له ومن الغريب ما قيل من أنّ هذا إشارة إلى اعترافهم بإعادة أشجار الدنيا وثمارها كإعادة أنفسهم فيكون تعجباً من قدرته تعالى أو إلى أنّ أرض الجنة قيعان تنبت فيها أعمال الدنيا كما ورد في الأثر فثمرة النعيم مما غرسوه في الدنيا ولا يخفى بعده. توله: (اعتراض يقرّر ذلك الخ) كذا في الكشاف وفي شرح الفاضل له هذا على تجويز الاعتراض في آخر الكلام وأكثرون يسمونه تذييلاً والعلامة يجعل الاعتراض شاملاً للتذييل كما يعرفه من تتبع كلامه، فلا يرد الاعتراض! عليه بأنّ الأشبه أنه تذييل وهو أن يعقب الكلام بما يشمل معت اه توكيداً ولا محل له من الإعراب ولا مشاحة في الاصطلاح وايهام أنه اصطلاح القوم كما قاله ابن الصائغ غير مسلم وهذا إذا كان ما بعده جملة مستأنفة بناء على جواز اقترانه بواو يسمونها الواو الاستئنافية وقد جوّز في هذه الجملة أيضا الاستئناف والحالية بتقدير قد وكلام النحاة لا يأباه لأنّ تقدير قد مع واو حالية في الماضيي كثير، وإنما كان هذا مقرّراً ومؤكداً لما قبله لما صرّح به المصنف رحمه الله آنفا من أنه يدل على التشابه البليغ صورة ويلزم من تقريره تقريره فتذكر. قوله: (والضمير على الآول الخ) أي الضمير المفرد المجرور في قوله به على أوّل التفسيرين المذكورين آنفاً وهو أن يراد بقوله من قبل في الدنيا لما رزقوا في الدارين ولا إضمار فيه قبل الذكر لدلالة مجموع قوله: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} على ما رزقوا في الدارين على هذا الوجه كما مرّ تقريره وهذا معنى قوله في الكشاف فإن قلت إلام يرجع الضمير في قوله وأتوا به. قلت إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً لأن قوله هذا الذي رزقنا من قبل انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين، والحاصل أنه جواب عن سؤال هو أنّ التشابه يقتضي التعدّد وتوحيد ضمير به ينافيه بأنه راجع إلى موحد اللفظ متعدد المعنى وهو الجنس المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً كأنه قيل أتوا بذلك الجنس متشابه الأفراد وأوردوا عليه أنّ المرزوق فيهما جميعاً غير مأتي به في الآخرة وأجيب بأنّ المعنى أتوا به في الدارين لا في الجنة وجمعا في سلك تغليباً أو أنّ المراد من الإفإن إتمامه ولا يخفى أنه تعسف والذي ارتضاه في الكشف أنّ المراد من المرزوق في الدنيا والآخرة الجنس الصالح التناول لكل منهما لا المقيد بهما، وقال أبو حيان ما ذكره الزمخشريّ غير ظاهر الآية لأنّ ظاهر الكلام يقتضي أن يكون الضمير عائداً على مرزوقهم في الآخرة فقط لأنه هو المحدّث والمشبه بالذي رزقوه من قبل ولأنّ هذه الجملة إنما جاءت محدثا بها عن الجنة

وأحوالها وكونه مخبرا عن المرزوق في الدنيا والآخرة أنه متشابه ليس من حديث الجنة إلا بتكلف اص. قوله: (ونظيره قوله تعالى {إِن يَكُنْ غَنِيًّا} الخ) الذي تقرّر في كتب العربية أنّ الضمير الذي مع أو يفرد لأنها لأحد الشيئين إلا أنها إذا كانت للإباحة يجوز في الضمير بعدها الإفراد والتثنية لأنّ الإباحة لما جاز فيها الجمع بين الأمرين صارت أو فيها كالواو فتقول جالس الجسن أو ابن سيرين وباحثه ويجوز باحثها وعلى هذا قوله في سورة النساء: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ} [سورة النساء، الآية: 135] الخ وقد قال أرباب الحواشي تبعا لشرّاح الكشاف أنّ التنظير بهذه الآية لما نحن فيه باعتبار إرجاع الضمير باعتبار المعنى دون اللفظ فإنه عكس ما نحن فيه إذ ثني الضمير في بهما نظرا لما دل عليه الكلام من تعدد الجنسين مع أن مرجعه أحد الأمرين غنياً أو فقيرا وضمير يكن مفرد والمعنى يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فترك إفراد الضمير لئلا يتوهم أنّ أولويته بالنسبة إلى ذات المشهور عليه فنبه غلى أنه باعتبار الوصفين ليعمّ المشهود عليه وغيره وفيما نحن فيه أفرد الضمير مع أنّ ظاهر المرجع اثنان وفي النطير ثني مع أنّ ظاهر المرجع واحد، ولك أن تقول إنه لا حاجة لما ذكر وأنه نظير له من غير ارتكاب لما ذكر فإنه كما أفرد ضميربه ثم عقب بما يدل على التعدد من قوله متشابهاً أفرد أيضا في النظير ضمير يكن باعتبار المشهود عليه وعدد ما بعده في المعطوف وضميره من غير حاجة للعدول عن الظاهر إلا أن يقال إنه من تلقى الركبان فإنه إنما يحتاج للتأويل بعد مجيء أو فتدبر. قوله: (أي بجنسي الننئ والفقير) فالضمير راجع لما دلّ عليه المذكور وهو جنسا الغنيّ والفقير لا إليه وإلا لواحد ويشهد له أنه قرئ {فَاللهُ أَوْلَى بِهِمْ} كذا قاله المصنف رحمه الله في سورة النساء وفيه كلام سيأتي فإن أردته فارجع إليه. قوله: (وعلى الثاني على الرزق الخ) أي ضمير به على نقدير كون معنى من قبل هذا في الجنة راجع إلى الرزق والمعنى أتوا بالمرزوق في الجنة متشابه الأفراد، ولما كان التشابه في الصفة وصفات ما في الجنة مغايرة لما في الدنيا كما قال ابن عباس رضي الله عنهما أنها لا تشبهها وإنما يطلق عايها أسماؤها، أجاب بأنّ الصورة من جملة الصفات فكما يصح إطلاق ألاسم يصح إطلاق التشابه لأنه لا يشترط فيه أن يكون من جميع الوجوه وحينئذ يحتمل هذا أن يكون على الحقيقة والمجاز كما يطلق على صورة الفرس أنها فرس والسؤال وارد على الاحتمالين كما يشهد له قوله بين ثمرات الدنيا والآخرة، وقيل: إنه طاهر على الاحتمال الأوّل ولا وجه له غير النظر لظاهر ما ذكر وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه البيهقي وغيره. قوله: (هذا وإن للآية محملاَ آخر الخ) أي الأمر هذا أو هذا طاهر أو خذ هذا فاسم الإشارة في محل رفع أو نصب ويحتمل أن يكون ها اسم فعل بمعنى خذ وذا مفعوله من غير تقدير لكنه مخالف للرسم أي أنّ الآية تحتمل تفسيراً آخر بأن يكون ما رزقوه قبل هو الطاعات والمعارف التي يستلذها أصحاب الفطرة والعقول السليمة وهذا جزاء لها مشابه لها فيما ذكر من اللذة كالجزاء الذي في ضده في قوله ذوقوا ما كنتم تعملون أي جزاءه فالذي رزقنا مجاز مرسل عن جزائه وثوابه بإطلاق اسم السبب على المسبب أو هو استعارة بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات والمعارف فيما ذكر وهو الظاهر من كلام المصنف رحمه الله وتوله في ضده ذوقوا مؤيد له ولا يأباه كما قيل: قوله من قبل لأنه في الجنة لا في الدنيا حتى تثبت له القبلية لأن التجوّز في هذا الذي رزقنا وتعلق القبلية به شيء آخر مبالغة بجعل تقدّم سببه واستحقاقه بمنزلة تقدمه كما يقول الرجل لمن أحسن له إني استغنيت حين قصدتك وأمّا تقدير المضاف وان كان أظهر فلا يحمل عليه ما قاله المصنف إلا بتعسف فلا حاجة إلى ما تكلف من جعل الرزق مجاز عن الاستحقاق، أو يقال هو من تسمية موجب الشيء باسمه فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع وإنما جعل المصنف رحمه الله الشبه معنويا في الشرف لا في الصورة لأنّ المعارف والأعمال أعراض! لا صورة لها وشرف أمور الجنة كلها مما لا شبهة فيه فمن قال لا نسلم تشابه مستلذات الجنة للأعمال في الشرف لم يصب، والمراد بالطبقة في قوله علوّ الطبقة الرتبة والمنزلة مستعارة من طبقات البيت والقصر، وأصل الطبق الشيء على مقدار شيءآخر

كالغطاء كما في المصباج. قوله: (مما يستقذر من النساء الخ) يستقذر بمعنى يكره ولما كان القذر قد يختص بالنجس ولذا قال الأزهريّ رحمه الله: القذر النجس الخارج من بدن الإنسان عطف عليه قوله ويذمّ عطفا تفسيريا ليتضح المراد منه، وقوله مما الخ متعلق بقوله مطهرة في النظم وقوله كالحيض الخ بيان لعمومه لكل ما يذمّ به والدر 11 والدنس بمعنى الوسخ، والطبع بالسكون الجبلة التي خلق الإنسان عليها والطبع بالفتح الدنس مصدر وشيء طبع كدنس وزنا ومعنى، والطبيعة الخلق ومزاج الإنسان المركب من الأخلاط ودنس الطبيعة بمعنى فساد الجبلة فسوء الخلق عطف تفسيريّ له أو هو أمر مغاير له، ووقع في نسخة بدل الطبيعة الطبع وهما بمعنى هنا لا بمعنى الدنس فالحيض مثال للقذر الحسيّ كالنفاس والمذي وغيره مما لا يكون لأهل الجنة، ودنس الطبيعة والطبع أن لا يجتنب ما تأبا. الطباع السليمة كالفجور والفحش وسوء الخلق كبذاءة اللسان ونحوه مما يكدر المعاشرة والازدواج، وقوله فإنّ التطهير الخ لف ونشر على وجه يندفع به ما يرد على ما قرّره من أنه يلزم فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز ولذا قال الفاضل في شرح الكشاف معنى تطهيرهن عما ذكر أنها منزهة عن ذلك مبرأة منه بحيث لا يعرض لهن لا التطهير الشرقي بمعنى إزالة النجس الحسي ا. والحكمي كما في الغسل عن الحيض ليلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز نعم في إطلاق التطهير وتشبيه الدنس والطبع بالأقذار والأحداث وتبع فيه المدقق في الكشف حيث قال إن شيوع الاستعمال في عرف العامّة والخاصة في القسمين يدلّ على أنه للقدر المشترك حقيقة فلا نسلم أنه حقيقة في الطهارة عن النجاسات وما يشبهها من المستقذرات الحسية وفيه بحث لأنه في عرف الشرع حقيقة في إزالة النجاسة الحسية أو الحكمية كال! جنابة، وفي اللغة وعرف الاستعمال يتبادر الذهن منه إلى الطهارة من النجاسة وهي تدلّ على أنه مجاز في النزاهة عن قذر الأخلاق ودنس الطباع فالظاهر أنّ المراد بالتطهير التنزيه والخلوّ وأنه يشمل القسمين بعموم المجاز أو بالجمع بين الحقيقة والمجاز على رأي المصنف بلا تكلف ولذا قال الرأغب: التطهير يقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعا فيكون عامّا لها قرينة مقام المدح لا مطلقا منصرفا إلى الكامل وكمال التطهير إنما يحصل بالقسمين كما قيل: فإن المعهود من إرادة الكامل إرادة أعلى أفراده لا الجميع. قوله: (وهما لغتان فصيحتان) يعني أنّ صفة جمع المؤنث السالم والضمير العائد إليه مع الفعل يجوز أن يكون مفردا مؤنثا ومجموعا مؤنثاً فتقول النساء فعلت وفعلن ونساء فاتنات وفاتنة نظر الظاهر الجمع ولتأويله بالجماعة وقوله يقال النساء فعلت وفعلن قال في المفصل عن أبي عثمان المازنيّ العرب تقول الأجذاع انكسرن لأدنى العدد والجذوع انكسرت وما ذاك بضربة لازب وفي شرحه لابن يعيش إنهم يؤنثون الجمع الكثير بالتاء والقليل بالنون، وفيه أقوال أقربها ما ذهب إليه الجرجانيّ وهو أنّ التأنيث لمعنى الجماعة والكثرة اذهب في معنى الجمعية في القلة والتاء حرف مختص بالئأث فجعلت علامة فيما كان أذهب في معنى الجمعية والنون فيما هو أقل حظاً في الجمعية لأنّ النون لا ترد للتأنيث خصوصا وإنما ترد على ذوات صفتها التأنيث (والذي عندي) في ذلك إنّ بناء القلة قد جرى عليه كثير من أحكام الواحد من ذللأ جواز تصغيره على لفظه كاجيمال ومنها جواز وصف المفرد به كبرمة أعشار ومنها عود الضميم عليه مفرداً كقوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} [سورة النحل، الآية أ 66] فلما غلب على القلة أحكام المفرد عبروا عنها في التأنيث بالنون المختصة بالجفع لئا يتوهم فيها الأفراد وقال الرضمي: جمع ضمير جمع القلة وهو النون لأنك لو صرّحت بعدد القللأ أي من ثلاثة إلى عشرة كان مميزه جمعاً نحو ثلاثة أجذاع وجعل ض! مير جمع الكثرة ضمي! الواحدة المستكن في نحو انكسرت لأنك لو صرحت بعدد الكثرة لما فوق العشرة كان مميز " مفرداً نحو ثلاثة عشر جذعا وفيه كلام في حواشي الرضي. قوله: (وإذا العذارى بالدخالأ تقنعت الخ) هو من قصيدة لسلمان بن ربيعة الضبيّ الحماسيّ أوّلها: حلت تماضر غرة فاحتلت فلحا وأهلك باللوافاطالت

ومنها: ومناخ نازلة كفيت+وفارس نهلت فتاتي من مطاه وعلت واذا العذارى بالدخان تقنعت واستعجلت نصب القدور فملت دارت بأرزاق العفاة مغالق تبدين من قمع العشار الجلت وهي قصيدة مشهورة ذكر بعضها في الحماسة. قال المرزوقي: أنه عدد خصال الخي! المجموعة فيه بعد أن نبه على أنه لا يقوم مقامه أحد، والعذارى جمع عذراء وهي البك! وأصلها عذاريّ بتشديد الياء فالياء الأولى مبدلة من المدة قبل الهمزة كما تبدل في سربال فيقالا سرابيل ثم حذفت إحدى الياءين وقلبت الكسرة فتحة تخفيفاً فانقلبت الياء ألفا يقول: إذا أبكاد الساء صبرن على دخان الناو حتى صار كالقناع لوجهها لتأثير البرد فيها ولم تصبر على إدرال! القدور بعد تهيئتها ونصبها فسوّت في الملة بفتح الميم وهي الرماد قدر ما تعلل نفسها به ملا اللحم لتمكن الحاجة والضرّ منها ولا جداب الزمان واشتداد السنة على أهلها أحسنت وجوالبما إذا في البيت بعده وخص العذارى بالذكر لفرط حيائهن وشدّة انقباضهن ولتصوّنهن عن كثير مط يبتذل فيه غيرهن وجعل نصب القدور مفعول استعجلت على المجاز والسعة ويجوز أن يكودلا المراد استعجلت غيرها بنصب القدور أو في نصبها فحذف وتقنعت من القناع وهو ما يستر؟ الرأس، ومل! ف فعل ماض من الملة بالفتح ومعناه ظاهر، وقد قرّره في الكش! ، بما لا مزيد عل! يما والشاهد في قوله تقنعت بإفراد ضمير العذارى واستشهد له دون الجمع لأنه المحتاج للإثب! اللا لجري ذلك على الظاهر كما أشار إليه والإفراد على تأويل الجماعة والمعنى جماعة أزواج مطهرة لأنّ أكثر خصوصا في جمع العاقلات القلة أو الكثرة فعلن ونحوه وجماعة لفظ مفرد وان كان معناه الجمع. قوله: (ومطهرة بتشديد الطاء الخ) معطوف على مطهرات في قوله وقرى مطهرات وفي الكشاف وقرأ زيد بن عليّ مطهرات وقرأ عبيد بن عمير مطهرة بمعنى متطهرة، وفي كلام بعض العرب ما أحوجني إلى بيت الله فأطهر به أطهرة أي فأتطهر به تطهرة فهو في هذه القراءة بتشديد الطاء المفتوحة وبعدها هاء مكسورة مشدّدة أيضا وأصله متطهرة فأدغمت الطاء فيه في الطاء بعد قلبها والفعل أطهر وأصله تطهر فلما أدغمت التاء في الطاء اجتلبت همزة الوصل والمصدر اطهرة بفتح الطاء وضم الهاء المشددتين وأصله تطهرة فأدغم واجتلبت له همزة الوصل وهو معروف في كتب الصرف. قوله: (والزوج يقال للذكر والأنثى الخ) ويكون أيضا لأحد المزدوجين ولهما معاً والمراد الأوّل والأفصح ما ذكر ويقال: زوجة في الناس في لغة قليلة، وقوله أبلغ من البلاغة لا من المبالغة وان صح وهو دفع لما يلوح في بادي النظر من أنّ تلك أبلغ منها لإشعارها بأنّ الطهارة ذاتية لا بفعل الغير لأنّ المطهر هو الله ولا يكون ذلك إلا بخلق الطهارة العظيمة وما يفعله العظيم عظيم كما قيل: على قدر أهل العزم تأتي العزائم قوله: (فإن قيل الخ) يعني أنه يكفي في صحة الإطلاق الاشتراك في بعض الصفات ولو في الصورة فإنها من الصفات أيضا وقد قيل: عليه أنه مبنيّ على أنّ فقد فوائد الشيء ولوازمه تستلزم رفع حقيقته ولا وجه له والقول بأنّ تسمية نعم الجنة بأسماء نعم الدنيا على سبيل المجاز والاستعارة لم يقل به أحد من أهل اللغة والعربية وقوله لا تشاركها في تمام حقيقتها غير مسلم أيضا مع أنه مخالف لما قدمه من قوله إنّ التشابه بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم فإنه صريح في أنّ إطلاق اسم الثمار على أمثالها من الفواكه المطعومة حقيقة وهذا مخالف له وقد وقع ما يشبه هذا لبعضهم حيث قال: اعلم أنّ أمور الآخرة ليست كما يزعم الجهال فأنكر عليه غاية النكير حتى جرّهم ذلك إلى التكفير (قلت) كون أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا من جميع الوجوه مما لا شبهة فيه كما أشار إليه سيد البشر صلى الله عليه وسلم بقوله: " ما لا عين رأت ولا أذن سمعت) ثم إنه إذا أشبه شيء شيئاً بحسب الصورة والمنافع إلا أن بينه وبيته تفاوتاً عظيما في اللذة والجرم والبقاء وغير ذلك فإذا رآه من لم يره قبله ولم يعرف له اسما فأطلق عليه اسم ما يشابهه قبل أن يعرف التفاوت حق معرفته هل يقال إنّ ذلك الإطلاق حقيقة نظرا للصورة وظاهر الحال أم لا نظراً للواقع، فالظاهر أنه حقيقة عند

من لم يعرفه وعند من عرفه مجاز استعارة أو مشاكلة ألا ترى أنّ من رأ! بعض أنواع القم اصيا الرومية ممن لم يعرفها فسماها نبقا لأنها مثله صورة فتلك التسمية عنده وعند من سمعه من أهل جلدته حقيقة وعند غيره مجاز، ونظيره جبريل عليه السلام إذا أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورة رجل فأطلق عليه الإنسان من رآه ولم يدر أنه ملك فهو حقيقة، وإذا قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم فهو مجاز عند. والقول بأنة لا يعرفه أهل العربية لا وجه له وليس هذا ما قاله بعض المتصوّفة فإنه سمّ في دسم وبهذا عرفت كلام المصنف رحمه الله وأنّ أوّل كلامه لا يعارض آخره ومن لم يذق لم يعرف. قوله: (والخلد والخلود في الأصل الثبات الخ) في شرح الكشاف هذا مذهب أهل السنة وهو عند المعتزلة الدوام وهو أمر لغويّ لا دخل للمذهب فيه فمراده أنّ المعتزلة قالوا إنّ ذلك حقيقته التي لا يعدل عنها بغير داع ليبنوا عليه ما ورد في الآيات والأحاديث من خلود فسقة المؤمنين وغيرهم يقول حقيقته المكث الطويل دام أو لم يدم فتفسيره في كل مكان بما يليق به. فإن قلت قوله في الكشاف والخلد الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [سورة الأنبياء، الآية: 34] الخ معارض لقوله في الأساس خلد بالمكان وأخلد أطال به الإقامة وما بالدار الأصمّ خوالد وهي الأثافي وخلد في السجن وخلد في النعيم بقي فيه أبدأ خلوداً وخلداً وخلده وأخلده ومن المجاز فلان مخلد للذي أبطأ عنه الشيب والذي لا يسقط له سن لإخلاده على حالته الأولى وثباته عليها، ولذا قيل: إنه مما يقضي منه العجب وفي بعض شروح الكشاف أنّ ما في الأساس دليل لأهل السنة قلت: لا خلاف في استعماله لمطلق الثبات دام أو لم يدم وللدوام وللبقاء الطويل المنقطع وإنما الخلاف في أيها الحقيقة الذي يحمل عليه عند الإطلاق ويفسر به لأنه الأصل الراجح الدّي العدول عنه بغير داع في قوّة الخطأ عند أهل اللسان فما كأ الكشاف يدلّ على أنه حقيقة في طول مدة الإقامة مطلقا وهو وإن صدق على الدوام وغيره المتبادر منه أكمل فرديه وهو الدوام، وقد نقل عنه أنه من الأسماء الغالبة فيه وهو معنى شرفي فيحمل عليه عند الإطلاق ولذا استدلّ بالآية فلا يعارضه ما في الأساس كما لا يخفى وهو في غير الإقامة مجاز وإن كان فيه معنى الثبات وقوله الأثافي بتخفيف الياء وتشديدها الأحجار التي توضمع عليها القدر وسميت خوالد لأنها تبقى في الديار بعد ارتحال أهلها، وقوله وللجزء الخ معطوف على مقول القول وهو خبر مقذم وقوله خلد بفتحتين بزنة حسن مبتدأ مؤخر وهو القلب الذي يبقى الإنسان حيا ما دام لأنه أشرف الأعضاء الرئيسة وقوله الذي يبقى الخ وان صدق على غيره لا يلزم إطلاقه عايه لأنّ القياس لا يجري في اللغة. قوله: (لنوا) قيل عليه لما كان استعماله في غيره مجازاً مشهوراً يكون التأبيد لدفعه ومثله كثير في كلام البلغاء فكيف يكون لغواً، ويدفع بأنّ المراد أنه زائد على إلتأسيس القائل به من غير زيادة فتدبر. قوله: (والأصل بنفيهما الخ) أي القاعدة المقرّرة تدل على هذا النفي لأن المجاز والاشتراك لا يرتكب إلا بدليل لاحتياجهما للقرينة فإذا وضعه لهما على العموم يحمل عليه واستعمال العامّ في بعض أفراده من حيث إنه فرد منه لم يقصد بخصوصه ليس بمجاز كما توهمه بعضهم ولا يختص أيضا بالمتواطئ فما قيل إنه من باب استعمال الكليّ المتواطئ في واحد من جزئياته كقولك لقيت اليوم إنسانا تريد به زيداً غير صحيح وقوله كإطلاق الجسم للإنسان وفي نسخة على الإنسان فإنه باعتبار أنه جسم حقيقة وباعتبار أنه إنسان مجاز محتاج للقرينة كما تقرّر في الأصول وقوله مثل قوله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} هو في أكثر النسخ وسقط من بعضها وهو مثال لما نحن فيه وردّ لما في الكشاف وغيره من الاستدلال به على إرادة الدوام لتعينه للنفي لأنه لم يرد على أنه بخصوصه معناه الحقيقيّ بل على أنه عامّ أريد به خاص بقرينة كما أشار إليه بقوله لكن المراد الخ. قوله: (عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن) الدالة على أبدية أهك الجنة فيها وهو ردّ على الجهمية الذاهبين إلى أنّ الجنة والنار يفنيان وأهلهما بعد تمتع أهل الجنة بقدر أعمالهم وعذاب أهل النار بقدر سيئاتهم وفي تفسير

السمرقنديّ الذي دعاهـ م إلى هذا أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأوّل والآخر والأوّلية تقدّمه على جميع المخلوقات والآخرية تأخره ولا يكون إلا بفناء ما سواه ولو بقيت الجنة وأهلها كان فيه تشبيه بين الخالق والخلق وهو محال، ولأنه تعالى لا يخلو من أن يعلم عدد أنفاس أهل الجنة أم لا، والثاني تجهل والأوّل لا يتحقق إلا بانتهائها وهو بعد فنائهم ولنا أنّ هذا النص وغير. دال على الخلود والتأبيد وعضده العقل لأنها دار سلام وقدس لا خوف ولا حزن لأهلها والمرء لا يهنأ بعيش يخاف زواله كما قيل: والبؤس خير من نعيم زائل والكفر جريمة خالصة فجزاؤه عقوبة خالصة لا يشوبها نقص، ومعنى الأوّل والآخر ليس كما في الشاهد لأنه صفة كمال ومعناه لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء له في ذاته من غير اسنناد لغير. فهو واجب الوجود مستحيل العدم وبقاء الخلق ليس كذلك فلا يشبهه شيء من خلقه وعلمه تعالى لا يتناهى فيتعلق بما لا يتناهى إلى آخر ما فصله. قوله: (فإن قيل الأبدان مركبة الخ الما! قرّر أن الخلود بمعنى الدوأم هنا كما قرّرناه لك أو رد شبهة ترد عليه ودفعها ونبه على أنها ساقطة لأنها في غاية الضعف في آخر كلامه فلا يرد عليه ما قيل: من أنه لا حاجة هنا للسؤال والجواب لابتنائه على أصل فلسفيّ غير مناسب للمقام وما ذكره إشارة إلى ما قرّره الأطباء من أن تكون البدن من رطوبة معها حرارة تؤثر فيها بالتنضيج والتغذية ودفع الفضلات فإذا دام التأثير كثر التحلل فتضعف الحرارة بنقصان مادّتها كضعف نور السراح بقلة الدهن ولا تزال كذلك حتى تفنى الرطوبة الغريزية فتنقطع الحرارة أيضاً، والمراد بالكيفيات المتضادّة الأمزجة والكيفية معروفة والضدان أمران وجوديان متعاقبان على موضوع واحد بينهما خلاف أو غاية الخلاف والاستحالة التغير وألانقلاب من شيء إلى آخر بتبدّل صورته كاستحالة الخمر خلاَ، والتضادّ مؤدّ للانفكاك وهو تفرّف الأجزاء وانفكاك بعضها من بعض بانحلال ما يربطها ويكون سبباً لبقائها فاذا لزم هذا كل بدن لزم عدم وجوده واستحالة بقائه وخلوده كما هو مذهب الجهمية وقوله في الجواب بعيدها بناء على أنه تعالى إذا أحياها بعد الموت أعادها بعينها لا بامثالها على ما عرف في الكلام وقوله يعتورها أي يعرض لها ويتعاقب عليها بأن يعرض لها التغير وتبذل الأحوال. قوله: (بأن يجعل أجزاءها الخ) هذا هو اعتدال المزأح الذي ذكره الأطباء، وقالوا إنه ماخوذ من التعادل الذي هو التكافؤ لا من العدل في القسمة أي التساوي في القوى لا في المقدار قالوا لأنه قد يوجد الشيء مغلوباً في مقداره غالبا ني قوّته فيمكن وجود المزاج الحاصل من المتساوي المقدار المختلف الكيفية وقيل: الذي امتغ وجوده هو المتكافئ في المقدار والكيفية معاً لأنه لا يكون حينئذ غالبا قاسراً للمركب على التماسك والتقرّر فيستدعي كل التفرّق والتلاشي والميل إلى مركزه، وقوله: متقاومة بالقاف والميم مفاعلة من القيام، وفي المصباح يقاومه أي يقوم مقامه وفي نسخة بدله ستفاوتة بالفاء والتاء المثناة الفوقية من قولهم تفاوت الشيآن إذا اختلفا وتفاوتا في الفضل تباينا فيه نفاوتا بضم الواو كما في المصباح أيضا والنسختان متقاربتان معنى لأنّ المراد أنّ كيفيتها متباينة وقواها متساوية والقوّة كما مرّ مبدؤ التغير والتأثر من آخر في آخر. فائدة: التفاوت تفاعل بضم العين وهي الواو مصدر بمعنى المفاعلة وفي أدب الكاتب أنه يجوز فيه كسر الواو وفتحها على خلاف القياس ولا نظير له، وقوله متعانقة من العناق وقوله: متلازمة عطف تفسير له وكذا ما بعد. وقد قيل عليه إن محصل كلامه أنه يلتزم وجود مركب من العناصر على اعتدال حقيقي ولا يقنع بذلك بل يدعي كونه محسوساً مشاهداً وفيه أنه إذا أعاد تلك الأجزاء بحيث تكون المقادير الحاصلة من الكيفيات الأربع في تلك الأجزاء متساوية بحسب أحكام محالها ومتفاوتة في أنفسها بحسب الشدّة والضعف حتى يحصل منها كيفية عديمة الميل إلى الطرفين المتضاذين وتكون على حاق الوسط بينهما فلا محالة في صيرورة هذا المزاج الحاصل من تفاعل تلك الكيفيات المتكافئات في المقدار والكيفية معا مزاجاً معتدلاً حقيقياً، ومثل هذا المزاج وان وقع الاختلاف بين العقلاء في إمكان وجوده لا خلاف لأحد في امتناع وجوده في زمن يسير

لسرعة التحلل أو لسرعة تفرّق الأجزاء لأنه لا يكون جزء غالب قاسر للمركب على التماسك والتقرّر لتداعيه إلى التفرّق والميل إلى المركز كما في شرح المواقف وما ثبت بالبرهان امتناع بقاء موجوده كيف يمكن إعادته وخلوده فقوله كما يشاهد الخ إن كان مثالاً لعدم الانفكاك فمسلم لكنه لا يفيد وأن كان لوجود المعتدل الحقيقي فلا وهو جواب جدلي والحق عنده هو قوله هذا الخ. قوله: (واعلم الخ الم يذكر الملابس لأنها ليست من المعظم عنده لأنّ المراد به ما به بقاء الشخص! أو النوع أو أدخلها في المساكن تغليباً كما جعل البيت لباساً في عكسه، وفي المعظم إشارة إلى لذات أخر كالأصوات الحسنة لم يلتفت إليها، والملاك بكسر الميم وفتحها ما يقوم به الشيء وقوله كل نعمة الخ إشارة إلى أنّ قوله وهم فيها خالدون تكميل في غاية الحسن ونهاية الكمال لأنّ النعم وإن جلت والترفه وان عظم لا يسمّ ويكمل إذا تصوّر زواله وانقطاعه وقوله منغصة بالغين المعجمة والصاد المهملة أي مكدّرة وقوله غير صافية الخ تفسير له والشوب الخلط وقولهم ليسر، فيه شائبة مأخوذ منه ومعناه ليس فيه شيء مختلط به وان قل كما قيل: ليس فيه علقة ولا شبهة فهو فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية قال في المصباح: كذا استعملوه ولم أجده في اللغة وقال الجوهريّ: الشائبة واحدة الشوائب وهي الأدناس والأقذار وقوله: بشر المؤمنين بها أي بالجنات وهو ظاهر وأبهى أفعل تفضيل من البهاء وهو الحسن أي أحسن، والمراد بقوله مثل أنه ذكر ما يماثلها في الصورة بما عرفوه في الدنيا لأنه على صورته إن كان أجل وأعظم لذة، وليس المراد أنه تشبيه أو مجاز كما مرّ تقريره في قوله وأتوا به متشابها، وما قيل من أنّ البشارة على طريقة أهل الشرع والتمثيل على طريقة الحكماء فإنهم يقولون المراد بالجنات التي تجري تحتها الأنهار والأزواج ورزق الثمرإت لذات عقلية شبيهة بالحسيات ولو قال المصنف رحمه الله أو مثل كان أوضح تعسف لا حاجة إليه لما قرّرناه لك. قوله: (لما كانت الآيات السابقة الخ) قيل إن هذه الآية جواب عن قول قوم من الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أما يستحيي ربك أن يخلق البعوض! والذباب ونحوهما مما يصغر في نفسه ولا يخفى ما فيه أو قالوا أما يستحيي ربك أن يذكر البعوض! والذباب وملوك الأرض يأنفون من ذلك فقال تعالى جوابا لهم: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي} الخ وقال الزجاج:) نها متصلة بقوله فلا تجعلوا لله أندإداً أي لا يستحي أن يضرب مثلا لهذه الأنداد، وقال الفراء ليس في البقرة ما يكون المثل جوابا له فعلى هذا هو ابتداء كلام لا ارتباط له بما قبله وهذا وإن جاز لكن الأنسب بكل آية أن ترتبط بما قبلها وتناسبه بوجه ما، ولذا ذهب المصنف رحمه الله تعالى إلى بيان الارتباط بأنه لما وقع قبله تمثيل أتى بما ينبه على أنه واقع في محرزه وأنه ليس بمستنكر فهي مرتبطة بما ذكر من أوّل السورة إلى هنا أو ببعضه فتدبر. والمراد بالتمثيل في كلامهم هنا التشبيه مطلقا سواء كان في مفرد أو مركب على وجه ألاستعارة أولاً مثلاً أو لا ولا يخص بشيء حتى يرد عليه أنه كيف يرتبط بما لم يذكر في بعض الوجوه، والحاصل أنه ذكر لمناسبة هذه الآية وارتباطها بما قبلها وجهين الأوّل ما أشار إليه بقوله الآيات السابقة متضمنة الخ يعني أنه سبق في النظم تمثيلات وأمور تدل على مطلق التشبيه كما بيناه في أثناء ذكر فرق الناس كما يعلم من تقريره سابقا، والثاني ما في ذكر الكتاب وأنه من عند الله من غير ريب وأن ارتاب فيه بعض العقول القاصرة بسبب ما وقع فيه من التمثيل ببعض أمور ظاهرها حقير ريبة لا وجه لها لتوهم أنه لا يليق بالكتب السماوية أو بعظمة الربوبية فبين الأوّل بما يتضمن توضيحه وتقويته وهذا هو الوجه الأول في الكشاف وفي كلام المصنف إلى قوله وأيضاً الخ وستراه كنار على علم. قوله: (عقب ذلك ببيان الخ) جواب لما، وذلك إشارة إلى الآيات السابقة وذكر لتأويله بالمذكور وعقبه بمعنى أورده بعده في عقبه متصلا به وقوله ببيان متعلق بعقب مضاف لحسنه وفي نسخة جنسه بجيم ونون، وما هو الحق معطوف على قوله حسنه في محل حرّ وقوله والشرط بالجرّ عطف على حسنه أو على ما الموصولة أو بالرفع معطوف على قوله الحق، والضمائر الثلاثة المتصلة راجعة للتمثيل على كلا التقديرين وهو عائد الموصول فلا تفكيك فالقول بأنه ركيك ركيك ومن قال:

المعنى أنه أورد عقيبها ما يدل على حسن التمثيل وعلى الشيء الذي هو أي التمثيل حق لأجل ذلك الشيء وذلك الشيء شرط في قبول التمثيل عند أهل اللسان على أن يكون قوله والشرط عطفاً على قوله وما هو الحق له وفيه ركاكة التفكيك والظاهر أنه راجع إلى ما وضمير له راجع إلى التمثيل وكذا ضمير فيه وقوله والشرط عطف على قوله الحق أي وبيان الشيء الذي ذلك الشيء حق للتمثيل أي ثابت ولازم له وشرط في قبوله عند العقلاء والبلغاء، وذلك أن يكون التمثيل على وفق الممثل له فقد أطال بغير طائل وأتى بما لا وجه له لما عرفتة وحسنه لأنه تعالى مع عظمته وبالغ حكمته لما لم يتركه وأكثر منه دلّ على حسنه أو لأنه لما قال: لا يستحيي دلّ ذلك على حسنه لأنّ القبيح من شأنه أنّ فاعله يستحي منه وهذا على نسخة وستأني الأخرى، وحقه أن يكون جارياً على نهج السداد كما يدل عليه قوله: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ} [سورة البقرة، الآية: 26] وشرطه أن يكون على وفق الممثل له فقط لأنّ المقصود به الكشف عن حقيقته ورفع حجاب الشبه عنه وابرازه عياناً وقوله المشاهد المحسوس قذم فيه المشاهد على المحسوس وان قيل إنّ الظاهر ائعكس لأنّ المشاهد يستعمل كثيراً بمعنى المتيقن فلذا أورد بعده المحسوس ليتعين المراد به. قوله: (وهو أن يكون على وفق الممثل له الخ) الظاهر أنّ الضمير راجع لما الموصولة وأنّ الشرط معطوف على الحق فيكون الحسن مسكوتاً عنه ولو رجع لكل ما ذكر لتاويله بالمذكور يكون شاملا للحسن وهو الأحسن وحسته بإبرازه في صورة المشاهد المحسوس والحق فيه أن يكون على نهج السداد، وكونه على وفق الممثل له على ما بينه المصنف هو شرطه، وهذا على النسخة المشهورة وهي أنّ حسنه بحاء وسين مهملتين بينهما نون من الحسن ضد القبح على ما في كثر النسخ وعليه أرباب الحواشي، وفي بعض النسخ جنسه بجيم وسين مهملة بينهما نون وهو الجنس اللغويّ العرفيّ لا المنطقيّ المقابل للنوع والجنس مستفاد من تنكير مثلا لأنّ النكرة موضوعة للجنس لا للفرد المنتشر على الأصح وبيان ما هو الحق له معناه بيان الذي التمثيل حق له من المعنى الممثل له وهو ههنا كفر الكافر وفسقه المدلول عليهما بقوله وأمّا الذين كفروا وقوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} [سورة البقرة، الآية: 26، وقال الرازي: فإن قلت مثل الله آلهتهم ببيت العنكبوت وبالذباب فأين تمثيلها بالبعوضة فما دونها. فلت لأنه كأنه قال إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثل ا-لهتكم بالبعوضة فما دونها فما ظنكم بالعنكبوت والذباب وفي تبيين الشرط وهو أن يكون على وؤق الممثل الخ من هذه الآية محل تأمّل انتهى) أقول الا يخفى ما فيه فإنه مع مخالفته للنسخ المعروفة المألوفة لا وجه لما ذكره في تفسير الحق والحق ما مرّ نعم ما أشار إليه من أن أحد ما ذكروه من النظم فيه خفاء حق إلا أنه يندفع بالنظر الصادق المحفوف بالعناية والممثل الأوّل في كلام المصنف رحمه الله اسم مفعول والثاني اسم فاعل والأوّل ما ضرب له المثل والثاني هو الضارب نفسه. قوله: (ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه الخ) إشارة إلى ما ذكره أهل المعقول من أنّ الوهم قوّة جسمانية للإنسان بها يدرك الجزئيات المنتزعة من المحسوسات فهي تابعة للحس فإذا حكمت على المحسوسات كأن حكمها صحيحاً وإذا حكمت على غير المحسوسات بأحكامها كان كاذباً والنفس منجذبة إلى الوهم والحس لسبقهما إليها فهي مسخرة لهما حتى إنّ أحكام الوهميات ربما لم تتميز عندها من الأوّليات لولا دافع من العقل أو الثرع والمراد بمساعدة الوهم للعقل أنّ العقل وهو قوّة للنفس بها تدرك المعاني والكليات سواء كانت محسوسة الجزئيات أولاً إذا ذكر معنى أدركه وضرب له الوهم مثلا بجزئي يحكيه وشبهه به فقد ادّعى أنه من أفراده الموجودة في الخارج، وبذلك يتخيل أنه محسوس مشاهد وأنه لابس لحلة من حلله أخذها من خزانة الوهم فتبين بذلك وثبت تحققه في نفس الأمر وهذا معنى مساعدة الوهم له، ومعنى مصالحته له أنّ ما يدرك كل واحد منهما مغاير لما يدركه الآخر لإدراك الوهم لما ينتزع من الجزئيات المحسوسة والعقل للمعاني والكليات فبادّعاء أنّ أحدهما عين الآخر تصالحا على الاشتراك فيه عند النفس التي قضيت بذلك، والمراد بحب المحاكاة أنها تحب محاكاة المعقول بالمحسوس أي تكثر منه فكأنها تحبه وتألفه وهذا مما لا غبار عليه، فسقط به ما قيل من أنّ عدم

مساعدة العقل إنما هو في بعض الأحكام العقلية مثل أنّ بعض الموجودات غير متحيز إذ الوهم لألفه بالمحسوسات حكم حكماً تخييليا بأنّ كل موجود متحيز، وأمّا في المعارف الممثل لها في القرآن كوهن اتخاذ أولياء من دون الله فليس بظاهر أنه مما ينازع فيه الوهم العقل وإن سلم التنازع فتمثيله باتخاذ العنكبوت بيته لا نسلم أنه ينفي اقى اع فيه فالأولى الاقتصار على أنّ المعنى الصرف له خفاء فإن مثل بالمحسوس صار ظاهرا وارتفعت عنه الشبهة. قوله: (كما مثل في الانجيل الخ) تمثيل لوقوعه في الكشب السماوية لا لدفع الإنكار كما قيل في قول الزمخشري والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل لما أورد عليه من أن المنكرين إذ ذاك يهود أو مشركون وهم لا يعتقدون حقيقة الإنجيل وان قيل: في دفعه ما قيل، وما ذكر إشارة إلى ما في الإنجيل من قوله لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقوله قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الريح وقوله: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم أي لا تخالطوا السفهاء فيشتموكم كذا أورده في التفسير الكبير، وقوله: غل الصدر أصل الغل الحقد على الناس، والمراد به هنا ما يخفيه المرء مما لا يجب الاطلاع عليه، والمراد أنهم يقولون ما لا يفعلون وهو تشبيه لطيف وجهه إخراج الدقيق وأبقاء النخالة فهو كحفظ ما لا ينبغي حفظه، والنخالة بالضم معروفة وشبه القلوب القاسية بالحصاة وصرّح بوجه الشبه فيه وهو ظاهر وليس تشبيهها بالصخرة أبلغ كما يتوهم لأ) ، الحصاة أقرب إلى هيئة القلب وأشدّ اكتنازاً منها مع ما فيها من الإيماء للتحقير، والزنابير جمع زنبور وهو 5! روف. قوله: (وجاء في كلام العرب الخ) مثل أوّلاً بما في الكتب الإلفية وقدمه لتقدمها ذاتا وشرفا ثم أتبعه بم! " اشتهر في كلام العرب وشهرته بين العقلاء والبلغاء من غير نكير في المحقرات وغيرها مما يدل على أنه مطلقاً مقبول. وقوله أسمع من قراد أسمع أفعل تفضيل من السماع والقراد بالضم والتخفيف ما يلصق بالإبل ونحوها من الهوامّ وقال الميداني: أنها تسمع أخفاف الإبل من مسافة بعيدة فتتحرّك لاستقبالها وهذا بناء على زعمهم فيما اشتهر بينهم فلا وجه لما قيل إنّ ذلك بالإلهام لا بالسماع كما لا يخفى وقوله أطيش من فراشة أي أخف وفي مثل آخر أضعف من فراشة والمراد ضعف البنية والإدراك ذكرهما الميدانيّ فمن قال إنّ المصنف رحمه الله غير قول الزمخشري: أضعف من فراشة فأحسن لأنها مثل في الطيش لا في الضعف لم يصب مع ما فيه من الضعف وقوله: أعز الخ أعز أفعل تفضيل من العزة بمعنى الندور وقلة الوجود لا من العز ضد الذل، والمخ الدماغ والدهن في داخل العظام ويتجوّز به عن المقصود من الشيء، والبعوض سيأتي تفسيره. قوله: (لا ما قالت الجهلة من الكفار الخ) قيل: ليس في الظاهر شيء يعطف عليه هذا الكلام فالصحيح أن يقال: إنّ ضرب المثل جائز عليه تعالى لا ممتنع كما قالت الجهلة من الكفار من أنّ الله تعالى أعلى من أن يضرب المثل بما ذكر، وقيل: إنه لا يخلو عن تكلف والظاهر أن يقول رذاً لما قالت الجهلة ليكون علة لقوله عقب ذللث، وقيل: إنه معطوف على قوله أن يكون على وفق الممثل له، يعني ما هو الحق في التمثيل والشرط له أن يكون على وفق الممثل له لا ما يفهم مما قالته الجهلة إنه ينبغي أن يكون مناسباً لحال الممثل بزنة اسم الفاعل ولا يخفى أنه لا حاجة إليه مع قوله دون الممثل فلو قيل: إنه معطوف على مقدّر يفهم مما قبله أي والحق هذا لا ما قالت الخ كان أظهر فيفيد ما ذكر من غير تكلف وقوله الله سبحانه وتعالى أعلى وأجل مبتدأ وخبر مقول قوله قالت الخ. قوله: (وأيضاً لما أرشدهم الخ) هذا هو الوجه الثاني وهذه الشرطية معطوفة على الشرطية السابقة وهي قوله لما كانت الآيات والإرشاد الدلالة على الخبر وقوله وحي منزل هو من قوله: {مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [سورة البقرة، الآية: 23] وقوله ذلك الكتاب الخ ووعيد من كفر بقوله فإن لم تفعلوا الخ ووعد من آمن بقوله وبشر الذين آمنوا الخ وظهور أمره الوقع في الخارج من نفي الريب والإشارة إليه. وقوله شرع الخ جواب لما والفرق بين الوجهين

أنه في الأوّل لتقوية التمثيلات والاستعارات السابقة وبيانها والذلت عنها، وفي هذا هو لتقوية المتحدّي به وتأييد ما يزيل الريب عن المنزل لأنه لما ذكر الذباب والعنكبوت ضحكت اليهود وقالوا هذا لا يشبه كلام الله، وعلى الأوّل هو مربوط بما ذكر من أوّل السورة الى هنا أو بقوله إن الذين كفروا الخ. وهو متعلق على هذا بقوله وان كنتم في ريب الخ كأنه لما نفى توهم الريب فيه عةجه بذكر بعض ما أوقعهم في غيهم وغيابة ريبهم وقيل: إنه ذكر وجهين الأوّل منهما مبني على أنها مربوطة بقصة المنافقين وتمثيلهم تارة بمستوقد نار وتارة بأصحاب صيب جيء به لبيان حسن مطلق التمثيل الداخل فيه تمثيل المنافقين بما ذكر دخولاً أوليا، والثاني على أنها مرتبطة بآية التحدي بالقرآن ذكرت لذيّ الطعن فيه بعد ثبوت إعجازه وتال الطيبيّ على هذا نظم الآية بما قبلها نظم قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ} [سورة البقرة، الآية: 6] الخ في كونها جملة مستطردة كما قاله الإمام. وقيل: إنه إشارة إلى مناسبة وضمع هذه الآية هنا ولم توضع في سورة العنكبوت أو الحج عقب المثلى المستنكر لأنه جواب عن شبهة أو ردت على إقامة الحجة على حقية القرآن بأنه معجز فكان ذكرها هنا أنسب، ووجهه أنه من الريب الذي هو في نهاية الاضمحلال وقد تقدمه ما هو من باب المثل، وفيه استطراد والاستطراد من أدق وجوه الارتباط وسيأتي بيانه (وههنا بحث مهم) وهو أنهم ذكروا أنّ المقصود من هذه الآية الرذ على من ارتاب بسبب ضرب الله العظيم الأمثال المحقرة بأنه لا ضير في ذلك فإنّ اللازم فيها إنما هو مناسبة الممثل به للممثل لا لمن أورده وحسنه ولطفه بكشف المعقولات وجلوتها على منصة المحسوسات مكسوّة بحلل للطائف ودقائق البلاغة حتى لاهدها الفطرة الوقادة والبصيرة النقادة، ولا غبار على هذا إنما الكلام في أنّ النظم كيف يدلّ على ما ذكره المصنف هنا فإنه مما خفي على كثير من الناس حتى أنكروه ولم نر فيه ما يشفي الغليل وتوضيحه أنهم لما قا اوا أما يستحي الرب الخ أجيبوا بنفي الاستحياء من ضرب كل مثل حقير وقليل ويفهم منه أنه لا قبح فيه، وأمّا حسنه وعلوّ مرتبته فيفهم من نفس المثل لأن كل أحد من أهل اللسان يعرف أنّ ما شبه مورده بمضر به سار في البلدان وسائر على كل لسان للطف لفظه ومعناه وهذا لشهرته غنيّ عن التصريح به ألا ترى إلى قوله في كثرة الاغتراب: لا أستقرّبأرض قدمررت بها كأنني بكرمعنى سارفي مثل قوله: (والحياء انقباض النفس الخ) إشارة إلى أنّ للنفس عوارض! نفسانية وهي كيفيات نعرض للنفس تبعاً لانفعالات تحدث لما يرتسم في بعض قواها من المنافع والمضارّ فيوجب لغيراً في البدن ويلزمها حركة الروج والدم الصافي النير إمّا إلى خارج دفعة كما في حال الغضب الشديد أو قليلا قليلا كما في حال الفرح واللذة المعتدلين أو إلى داخل دفعة كما في الفزع الشديد أو قليلاَ قليلاً كما في الغم الضعيف ولذا قال الحكماء: الغم جهاد فكري أو إلى داخل وخارج كما في الخجل فانقباض النفس انكفافها العارض من إدراك ما لا تريد وحينئذ يعرض! للقلب ما يهيج حرارته الغريزية والنفس تكون بمعنى الروح الحيوايئ أو الدم الصافي في القلب وحركته لما مرّ، فلذا يحمرّ منه الوجه ويتجوّز فيه فيطلق على أثره الخجل حتى تظرّف القائل: أبدى صنيعك تقصير الزمان ففي خد الربيع طلوع الورد من خجل وفي الكشاف والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوّف ما يعاب به ويذم وتفصيل تحقيقه كما في ذريعة الشريعة للإمام الراغب أن الحياء انقباض النفس عن القبائح وهو من خصائص! الإنسان يرتاع به عما تنزع إليه الشهوة من القبائح وهو مركب من جبن وعفة ولذا لا يكون المستحيي فاسقاً ولا الفاسق مستحيياً والمستحيي شجاعا ولذا يجمع الشعراء في المدح بين الشجاعة والحياء كقوله: يجري الحياء الغفق في قسماتهم في حين يجري من أكفهم الدم ومتى قصد به الانقباض فهو مدح للصبيان دون المشايخ ومتى قصد به ترك القبيح فمدح لكل أحد

وبالاعتبار الأوّل قيل: الحياء بالأفاضل قبيح وبالاعتبار الثاني قيل: إنّ الله يستحيي من ذي الشيبة في الإسلام أن يعذبه، وأما الخجل فحيرة النفس لفرط الحياء ويحمد في النساء والصبيان ويذمّ باتفاق من الرجال والوقاحة مذمومة بكل لسان إذ هي انسلاخ من الإنسانية وحقيقتها لجاج النفس في تعاطي القبيج واشتقاقها من حافر وقاح أي عحلب ولذا قال الشاعر وأ جا د: يا ليت لي من جلدوجهك رقعة فأقدمنها حافراللأشهب انتهى والحاصل أنّ هنا أموراً ثلاثة حياء وخجلا ووقاحة، ومغايرة الوقاحة لهما ظاهرة لأنها عدم الانتهاء وكف النفس عن القبائح وأما الوقاحة في قوله: وطالما قالوا ولم يكذبوا سلاح ذي الحاجة وجه وقاج فمجاز عن الإلحاح في تحصيل المراء وليس مذموم مطلقا وإنما الكلام في الفرق بين الحياء والخجل فعلى ما ذكر. الراغب رحمه الله هما متغايران وان تلازما لأنّ الخجل حيرة واقعة بعد الحياء وأيضا الحياء يذمّ ويحمد من الرجال بخلاف الخجل والثلاثة ملكات وكيفيات نفسانية وإنما كان الحياء بمعنى انقباض! النفس محموداً من الصبيان لأنه يدل على العقل الغريزي وأمّا في الرجال فيذمّ لدلالته على قوّة الشهوة والهوى المنازع للعقل فتدبر. قوله: (والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً) هذا مما زاده على الكشاف لأنّ الحياء لما كان وسطاً توقف معرفته على معرفة طرفيه فلذا ذكرهما والمراد بانحصارها نحيرها ودهشتها لفرط الحياء كما مرّ عن الراغب وقوله مطلقاً فسر في الحواشي بأنه سواء كان الفعل قبيحاً أولاً وسواء كان ذلك الانحصار لأجل مخافة الذم أولاً ومع ذلك جعل الحياء وسطاً ولا يخفى ما فيه فإنه حينئذ يكون أعتم من الحياء لأنه مقيد بما ذكر، ويخالف ما قاله الراغب: ولا يخفى أنه لا يكون إلا فيما يذمّ والمرأد ما يذمّ عادة سواء ذمّ شرمحا أم لا كانفلات الريح والظاهر أنّ الخجل أخص من الحياء فإنه لا يكون إلا بعد صدور أمرّ زائد لا يريده القائم به بخلاف الحياء فإنه قد يكون مما لم يقع فيترك لأجله وقوله في القاموس: وغيره من كتب اللغة خجل استحيا بناء على تسامحهم في أمثاله ثم إنه في الكشف قال إنه لم يرد بما ذكر تعريف الحياء فقد يكون لاحتشام من يستحيا منه بل هو الأكثر لكنه لما كان أمرا وجدانيا غنياً عن التعريف من حيث الماهية محتاجا إلى التبينة لدفع ما عسى يعرض! له من الالتباس نبه على أنه الأمر الذي يوجد في تلك الحالة، وهكذا الحكم في تعريف سائر الوجدانيات من العلم والإدراك وغيرهما فليحفظ هذأ الأصل فقد زل لإهماله كثير من حذاق العلماء، وتبعه الشارح المحقق وفيه أنّ قوله إنه وجدانيّ غنيّ عن التعريف لبداهته والتعريف يكون للنظريات مسلم في الأفراد الجزئية بالنسبة لمن قامت به، وأمّا الماهية الكلية فليست كذلك وهي المقصودة بالتعريف فما ادّعى من غفلة الحذاق عنه مما أصابته عين الكمال ولا حاجة إلى أن يقال إنه عرّف ليبني عليه كيفية جواز إطلاقه عليه تعالى وأمّا الاعتراض عليه بأنّ قوله قد يكون لاحتشام من يستحيا منه لا يعلم إلا بعد معرفة الحياء فهو دوريّ وأنّ ما ذكر خشية لإحياء لأنها خوف يشعر بتعظيم المخشي ومعرفته به فساقط لأنه بديهيّ عنده، ولأنّ الخشية لا تغاير الحياء من كل الوجوه كما يعلم من كلام الراغب. قوله: (واشتقاقه من الحيوة الخ (في الكشاف واشتقاقه من الحياة يقال حي الرجل كما يقال نسي وحشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعتريه من الانكسار والتغير منتكس القوّة منتقص الحياة كما قالوا هلك فلان حياء من كذا ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء وذاب حياء وجمد في مكانه خجلاَ وهذا ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى بعينه والنسا بفتح النون والقصر عرق يخرج من الورك وششبطن الفخذين ثم يمرّ بالعرقوب، ومنه المرضى المعروف بعرق النسا ومعنى حشي اعتل حشاه بأن أصابه الربو وهو مرض معروف يعلو منه النفس والحشا ما انضمت عليه الضلوع وهو قريب من الجوف معنى والأفعال الثلاثة من حشي ونسي وحيي بزنة علم والحيوة في

قول المصنف واشتقاقه من الحيوة ريص م في جميع النسخ بوإو بعد الياء كما ترسم الصلوة ونحوها كذلك فتقرأ ألفاً وقيل: إنها ولفظا وخطا بوزن تمرة، ولم يعل لئلا يلتبس بحية واحدة الحيات وهو خطأ منه غرّة فيه ما وقع في القاموس فإنّ هذه اللفظة لم تثبت إلا شذوذاً فلا وجه لجعلها أصلا وان لم نقل باختصاصها بالعلم وفي تصريف أبن عصفور المسمى بالممتنع كون العين ياء واللام واواً نحو حيوت لا يحفظ في كلامهم في اسم ولا فعل فأمّا الحيوان وحيوة فشاذان والأصل فيهما حييان وحية فأبدلوا من إحدى الياءين واواً وزعم المازنيّ أنّ هذا مما جاء عينه ياء ولامه واوا وهو فاسد إلى آخر ما فصله. قوله: (فإنه انكسار يعتري الخ) هذا مما لم يتعرّض! أحد من شرّاح الكتابين لإماطة لثام الخفاء عنه وها أنا أفيدك ما به شفاء الصدور فأقول تحقيقه أنّ أبنية الأفعال وصيغها لها معان كما عقدوا لها بابا في مفصلات العربية وأصلها أن تكون لوجود مأخذ الاشتقاق والمعنى المصدري في الفاعل وقد تجيء لغير ذلك كما في رأسه وجلده إذا أصاب رأسه وجلده وللإزالة كما في قشر. إذا أزال قشره وللأخذ منه نحو ثلثه إذا أخذ ثلثه وقد تكون لإصابة آفة بأصله سواء كان معنى أو عينا وان خصه في التسهيل بالثاني كنسي إذا اعتل نساء وهذا معنى مستقل ويجوز إرجاعه للإزالة أو للإصابة أو الأخذ منه لأنه ينقص بنقص قوّته، ويؤيد الأوّل تمثيله له في الكشاف بقوله هلك فلان حياء كما يؤيد الأخير قوله منتقض الحياة إذا عرفت هذا فقوله انكسار الخ يعني به أنّ الحياة يتبعها قوى نفسانية كالإحساس ونحوه فإذا استحيا إنسان كانت قواه المحركة له لانقباضها منكسرة عما يريده، ولهذا أشار العلامة الكرمانيّ في شرح البخاريّ فقال الحياء الخوف من الحياة خوف المذمّة وقال الواحديّ: قال أهل اللغة الاستحياء الحياة لأن استحياء الرجل من قوّة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع الذئم والعيب والحياة من قوّة الحس وهو عكس ما قاله الزمخشري: ولقد أجاد المصنف رحمه الله في صنيعه حيث فسر الحياء أوّلاً ثم أتى في بيان اشتقاقه ما فسره به الزمخشريّ تتميماً للفائدة وايماء إلى تحادهما والانكسار إمّا مطاوع انكسر بالمعنى المشهور أو بمعنى الرجوع والانهزام فإنه شاع بهذا المعنى كما قال بعض المتأخرين: لقدكسرالشتاءقدوم ورد فإنّ الورد شوكته قوية وهذا من المتن الإلهية والفوائد التي لا يعثر بها نظرك في غير هذا الكتاب. قوله:) وإذا وصف به الباري الخ) في شرح التأويلات للسمرقندفي اختلف أهل الكلام في إضافة الحياء إلى الله تعالى فقال قوم بجوازه لوروده في الآية والحديث لأنه قد يحمد منه ما لا يحمد من الشاهد كالكبر والحياء محمود فهو أحق بالإطلاق وقيل لا يجوز لأنه انقبا ضالقلب وانزواؤه لما يسوءه أو لخوف العجز وهو محال في حقه تعالى فلا يجوز إلا بتأويل كما سيأتي، ولما كان في الآية منفيا عنه وهو لا يقتضي اتصافه به ظاهراً أتى بالحديث الصريح فيه فقال كما جاء في الحديث الخ والحديث الأوّل اخرجه البيهقي في الزهد عن انس رضي الله عنه وابن أبي الدنيا عن سلمان رضمي الله عنه والثاني أخرجه أبو داود والترمذيّ وحسنه والحاكم عن سلمان وصححه بدون قوله: " حتى يضع فيهما خيراً) والحاكم عن أنس بهذه الجملة والشيبة بفتح فسكون مصدر شاب يشيب شيبا وشيبة، وبطلق على اللحية الشائبة أيضاً وكلاهما محتمل في الحديث والمسلم بالجرّ بدل من ذي بمعنى صاحب أو صفته وأن يعذبه بأن المصدرية بدل اشتمال مما قبله أي يستحيي من تعذيبه، وقوله إنّ الله الخ حديث آخر، ولم يعطفه لقصده التعديد وحيي بثلاث يا آت فعيل من الحياء بمعنى مستحي وقوله يستحيي الخ جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب وإذا رفع الخ يدذ على استحباب رفع اليدين في الدعاء كما يستحب مسح الوجه بهما أيضاً كما أثبته ابن حجر في فتاواه الحديثين ورفعهما نحو السماء لأنها قبلة الدعاء تعبدوا وان كان الله تعالى منزهاً عن المكان والجهة وقيل: توجه للقبلة كما في شرح العقائد العضدية وفيه كلام ثمة، وقوله صفرأ بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء ثم راء مهملة بمعنى خال لا شيء فيه مأخوذ من الصفير، وهو الصوت الخالي من الحروف يقال: صفر

يصفر كتعب إذا خلا فهو صفر وأصفر لالألف لغة فيه ولم يقل صفرين لأن اليدين كشيء واحد، ولأنه يستوي فيه الواحد المذكر وعيره لأنه مصدر في الأصل وفي الكشاف هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد، انه لا يرد يديه صفراً من عطائه لكرمه بترك من يترك رذ المحتاج إليه حياء منه وفي الانتصاف لمائل أن يقول ما الذي دعاه إلى تأويل الآية مع أنّ الحياء الذي يخشى نسبة ظاهره إليه تعالى مسلوب في الآية كقولنا الله تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض في معرض! التنزيه والتقديس وأمّا تأويل الحديث فمستقيم لأنّ الحياء فيه مثبت له تعالى، ويجاب بأن السلب في مثله إنما يطرأعلى ما يمكن نسبته إلى المسلوب عنه إذ مفهوم سلب الاستحياء عنه في شيء خاص ثبوته له في غيره فالحاجة داعية إلى تأويله وإنما يتوجه السؤال لو كان مسلوبا مطلقاً وقال العلامة فإن قيل يرد عليه النقض بقوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [سورة البقرة، الآية: 255] و {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ} [سورة المؤمنون، الآية: 91] {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} [سورة الأنعام، الآية: 14] وأمثالها فإنها إن كانت إيجابات ورد السؤال عليها وان كانت سلوباً فلم لا لكون قوله لا يستحيي سلبياً فنقول نفي الحياء وصف مذمّة كما يقال للخائض فيما لا ينبغي لا حياء له ولا يكون مذمة إلا إذا كان عما من شأنه الحياء فهو كمال له وسلبه عنه نقص وفي العرف لا يسلب الحياء إلا عمن هو من شأنه فلذا احتاج للتأويل بخلاف ما في الآيات الأخر، وأيضاً هو مقيد يرجع نفيه إلى القيد فأفاد ثبوت أصل الفعل أو إمكانه لا أقل فاحتاج إلى التأويل كما إذا قيل لم يلذ ذكرا ولم يأخذه نوم في هذه الليلة، وليس بعرض قارّ الذات. قوله: (فالمراد به الترك اللازم للانقباض الخ) إشارة إلى ما مرّ من أنّ الانقباض النفسانيّ والتغير مما لا يحوم حول حظائر قدسه فلا بدّ من تأويله والتجؤز فيه بما يصح نسبته إييه تعالى كما في غيره من أمثاله، فأوّل بما ذكر وقوله في الانتصاف أن كلام الزمخشريّ يدل على أنّ التأويل إنما يحتاج إليه في الحديث دون الآية وهم يعرفه من عنده إنصاف لأنّ قوله وكذلك معنى قوله إنّ الله لا يستحي الخ ينادي على خلافه ولكن لكل جواد كبوة والعجب من بعض الناس إذ قال إنه أوجه وقوله اللازم يقتضي أنه مجاز مرسل لاستعماله في لازم معناه كالرحمة والغضب وقوله سابقا ترك من يستحيي ولاحقاً لما فيه من التمثيل يقتضي أنه استعارة تبعية سواء كانت تمثيلية أولاً كما مرّ تحقيقه ويدفع إن لم يقل بجواز الأمرين عند. وأنّ هذا إشارة له بأنه ليس مجازاً عن مطلق الترك حتى يكون كذلك بل عن ترك ناشئ من الاستحياء فيشبه تركه تعالى لها لحقارتها بترك العظيم سفساف الأمور استنكافا عنها كترك المشي في السوق وأطلق اسم المشبه به على المشبه، وذكره اللازم لأنّ كل مجاز مرسلا كان أو استعارة ينتقل فيه من الملزوم إلى اللازم غايته أن يكون اللزوم في الاستعارة بطريق التشبيه مبالغة لادعائه أنه منه فلذا اختاروه هنا وما قيل من أنّ هذا تكلف لأن الحياء ليس معناه حقيقة الترك حتى يشبه به تركه تعالى تخييب العبد الخ خبط غنيّ عن البيان. قوله: (ونظيره قول من يصف الخ) هو من قصيدة للمتنبي مدح بها ابن العميد أوّلها: نسيت وما أنسى عتاباً على الصد ولا خفراً زادت به حمرة الخد ومنها: كفانا الربيع العيس من بركاته فجاءته لم تسمع حداء سوى الرعد إذا ما استحين الماء يعرض نفسه كرعن بسبت في إناء من الورد وما ذكره المصنف رحمه الله تبعاً للزمخشري بناء على ما رواه ابن جني في شرحه من أنه استحيز بمهملتين من الاستحياء، وبسبت في هذه الرواية بسين مهملة مكسورة وباء موحدة ساكنة ومثناة فوقية وهو الجلد النقيّ المدبوغ ومنه النعال السبتية، واستعير هنا المشافر الإبل لنقائها ولينها قال يقول إذا مرّت هذه الإبل بالمياه والغدران التي غادرتها السيول لكثرتها صارت كأنها تعرض نفسها على الإبل فتشرب منها وكأنها مستحيية منها لكثرة ما تعرض نفسها عليها وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة ولكنه جرى مثاً وكر عن بمعنى شربن وأصله ااحيوان يدخل أكارعه حين يخوض المياه ليشرب منها

بفمه ثم عمّ لكل شرب وجعل الموضع المتضمن للماء لكثرة الزهر فيه كأنه إناء من ورد والمعنى أنه يصف كثرة مياه الأمطار في طريقه 8 انه أينما ذهب رأى الماء يجري فكأنه يسعى لإبله ليعرض نفسه عليها فالإبل تستحيي من ردّه هـ! نه سائل لا يردّ مثله نهرا لكثرة عرضه نفسه عليها فتكرع فيه بمشافر كالسبت والأرض المنبتة ا! ازهار كاناء من الورد ممتلئ ماء وقال أبو الفضل العروضيّ في شرحه للمتنبي: ما أصنع، / جل ادّعى أنه قرأ على المتنبي، ثم يروي هذه الرواية ويفسر هدّا التفسير وقد صححب روايتنا من جماعة منهم الخوارزميّ والشعوانيّ وغير ما إذا ما استجبن بجيم وباء موحدة استفعال من الأجابة وكر عن بشيب بثين مكسورة ومثناة تحتية ساكنة وباء موحدة والاستجابة بالغرض أشبه االمعنى أنّ هذا يعرض نفسه وذاك يجيب والكرع بشيب أن تثرب الإبل الماء فتصوّت مشافرها اضيب شيب اسم صوت في شربها كما في قول ذي الرمة: تداعين باسم الشيب في متثلم وقال الواحدي: ليس ما قاله ابن جني ببعيد عن الصواب والكرع في الماء بالسبت أحسن ! " ق مشفر الإبل يشبه في صحتة ولينه بالجلود المدبوغة بالقرظ كما في قول طرفة: وخد كقرطاس الشآمي ومشفر كسبت اليماني قذه لم يجرّد يقول تكرع فيه بمشافرها التي هي كالسبت وهو صحيح وشيب في حكاية صوت الإبل ءصد الشرب صحيح لكن لا يقال كرعت الإبل في الماء بثيب إذا شربته فالسبت هنا أولى انتهى اللت (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل فإنّ ابن جني وناهيك به يروي ديوان المتنبي عنه وقد 515 مت الرواية هنا الدراية فالحق ما قاله كما أشار إليه الإمام الواحدي ولذا رجحه العلامة ونظر / " من غير نظر إلى الرواية الأخرى التي عليها لا يكون نظيراً بوجه والتنظير باستعماله الاستحياء --. ت لا يتصوّر معناه الحقيقي لإسناده إلى الإبل وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله يصف إبلا " - يرد عليه انّ اللازم هنا عكس ما في القرآن فإن الاستحياء ثمة من الفعل ولازمه الترك وهنا 10، الترك ولازمه الفعل أي شرب الماء كما قيل: مع أنه يصح أن يراد باستحين تركن الانصرافء، واستحين فيه كقراءة من قرأيستحي بحاء مكسورة وياء ساكنة كما روي عن ابن كثير وهي اء، تميم وبكر كما فصمل وجهه في اللغة والتصريف فنقلت فيه حركة الياء الأولى إلى الحاء 11 صاكة فالتقى يا آن ساكنان فحذفت أولاهما واسم الفاعل منه مستح والجمع مستحون ومستحين اوص في البيت أمور أخر لطائف أدبية تركناها خوف الملل. قوله: (وإنما عدل به عن الترك الخ (اي عدل عن الترك الدالّ على المراد بالصراحة والمطابقة إلى ما ذكر من الاستحياء اا. حتاج للتوجيه لأنه اسنعارة وتمثيل وهي تدل على إثبات الشي! ببينة وتقرير مع ما فيه من المبالغة والبلاغة على ما تقرّر في المعاني، وهذا صريح في أنه ليس بمجاز مرسل كما مرّ وقيل: إنّ في كلامه احتمالات منها أنّ قوله لما فيه من التمثيل إشارة إلى أنه استعارة إمّا تمثيلية مركبة صرّج فيها بما هو العمدة من الاستحياء وجعل بواقي الألفاظ منوية كما سبق أو استعارة تبعية، والتمثيل بمعنى مطلق التشبيه ومنها أن قوله فالمراد به الترك اللازم للانقباض الخ إيماء إلى جواز كونه مجازاً مرسلاً من باب إطلاق اسم الملزوم على اللازم وفيه نظر، ثم إنه قيل إن في هذه العبارة خللا وحقها عدل إليه عن الترك قال الليث: العدل أن تعدل الشيء عن وجهه تقول عدلت فلانا عن طريقه وعدلت الدابة إلى موضع كذا، وتعديته بالباء إذا قصد به معنى التسوية قال الجوهري عدلت فلاناً بفلان إذا سوّيت بينهما فالجمع بين الباء وعن جمع بين الضب والنون ولا يخفى أنّ هذا إنما يرد عليه إذا جعلا للتعدية ولا داعي له غير محبة الاعتراض! والتشبث بأذيال النقض فالباء إمّا ظرفية أي إنما عدل في النظم أو التعبير أو سببية أكب إنما عدل عن الأصل بسبب ما ذكر، وهو أظهر من أن يخفى على مثله. نعم ما قيل هنا من أن الباء للتعدية والضمير راجع إلى التعبير المدلول عليه بالقرينة أي جعل التعبير عادلاً ومجاوزاً عنا الترك بمعنى أنه لم يقع به بل بالاستحياء ولا يجوز أن يرجع إلى الاستحياء لفساد المعنى يرد عليه ما ذكر مع ما فيه من التكلف

المؤدّي إلى التعقيد بغير فائدة، وقوله من التمثيل عرفت معناه وما قيل في شرحه أنه بمعنى الاستعارة التمثيلية وبه يظهر أنّ المستعار في الاستعارة التمثيلية قد يكون لفظا مفردا دالاً على أمور متعددة كما مرّ مرارا فلا تغفل تبرّع بما لا يملك لمن لا يقبل فتذكر. قوله: (وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيئه على المقابلة) المراد بالمقابلة هنا معناها اللغوقي لا ما ذكر في البديع أي مجيئه في هذه الآية لا الحديث ونحوه للمشاكلة لما وقع في كلامهم من قولهم أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت وفي الكشاف جاءت في سبيل المقابلة واطباق الجواب على السؤال وهو فن من كلامهم بديع وطراز عجيب منه قول أبي تمام: من مبلغ أفناءيعرب كلها أني بنيت الجارقبل المنزل وشهد رجل عند شريح فقال: إنك لسبط الشهادة فقال الرجل: إنها لم تجعد عني فقال: لله بلادك وقبل شهادته فالذي سوّغ بناء الجار وتجعيد الشهادة مراعاة المشاكلة ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار ولولا سبوطة الشهادة لامتغ تجعيدها وهو كما قاله الشارح المحقق، يعني أنّ المشاكلة في غير الاستعارة وظاهر أنه ليس بحقيقة لكن وجه التجوّز فيه غير ظاهر، ولذا قال: فن بديع وطراز عجيب، وظاهر كلامهم أنّ مجرّد وقوع مدلول هذا اللفظ في مقابلة ذاك جهة التجوّز والجواز لإخفاء في أنه يمكن في بعض صور المشاكلة اعتبار الاستعارة كان يشبه انقب! اض الشهادة عن الحفظ وتأتيها عن القوّة الذاكرة بتجعيد الشعر لكن الكلام في مطلق المشاكلة سيما في مثل قوله: قلت اطبخوا إلى جبة وقميصا فالمراد بالصحبة التي جعلت علاقة هنا الصحبة التحقيقية أو التقديرية والمتصاحبان مدلولاً اللفظين في الخيال لا اللفظان نفسهما في الذكر كما قيل لأنّ الصحبة الذكرية بعد الاستعمال والعلاقة مصححة للاستعمال فلا بد من تقدمها مع أنّ المتأخر الصحبة التحقيقية لا التقديرية والصحبة كما تكون تحقيقا تكون تقديراً كما أنها تكون بيم! الشيء ومشاكله وبينه وبين ضده كما في قوله من طالت لحيته تكوسج عقله، ومنها أيضا ماله علاقة أخرى على كلام فيه دكرناه في رسالة مستقلة وما قيل من أنّ المشاكلة واسطة بين الحقيقة والمجاز وأنّ العلاقة فيها الشبه الصوري كما تطلق الفرس على صورتها مما لا يلتفت إليه لظهور فساده. قوله: (وضرب المثل اعتماله الخ) اعتماله بمعني عمله واختراعه من عند نفسه لا بمعنى التكلم به مطلقاً كما بقوله من يورد مثلاً في كلامه، والاعتمال باللام كما وقع في كثير من النسخ مبالغة في العمل، ن صيغة الافتعال ترد كثيراً لذلك، ولما كان المخترع للمثل أتى بأمر بديع شبه بمن يجتهد في الصناعة ويتأنق فيها وقيل: إنه ليس بسديد لأنّ الاعتمال هو العمل لنفسه كما صرّج به في ا، ساس وهو لا يلائم قوله من ضرب الخاتم فإنه أعمّ من كونه لنفسه وغيره فالمخصوص وخمسه هو اضطرابه كما روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب خاتما من ذهب ثم ألقاه ثم أخذه من ورق نقش فيه محمد رسول الله والسديد اعتماده بالدال المهملة كما في بعض النسخ كما في الكشاف وهو القصد إليه وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم ولا يبعد أن يكون ما في الكتاب من تحريف الناسخ وسيأتي هذا في يس (أقول) تبع في هذا الفاضل التفتازانيّ في شرحه هنا فبنى عليه تخطئة الناسخ وليس في الأساس ما توهمه، والذي فيه إنما هو تفسير الاعتمال، التعميل بالاجتهاد ولا يتعمل لنفسه ويستعمل غيره ويعمل رأيه ويتعمل في حاجات الناس أي يتعنى ليجنهد وأنشد سيبور رحمه الله: إنّ الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجديوماً على من يتكل الخ ولو سلم أنّ الافتعال هنا للعمل بنفسه لأن افتعل يأتي لذلك كاكتحل وادّهن واتخذ فالمصنف توسع فيه فاستعمل المقيد للمطلق ومثله كثير سهل وما فسر به اضطرب في الحديث لا ينافيه وفص 5 في النهاية بأمر يضربه والحديث المذكور وان روي عن عليّ رضي الله عنه منسوخ بآخره كما صرّحوا به وقد فسر الاعتماد هنا بالذكر وبالقصد إليه وبجعل مضربه معتمدا على مورده وذكر المدقق في الكشف أنه

إشارة إلى إظهار المناسبة بين الموضوع الأصليّ وهو الاعتماد المؤلم وبين ما استعمل فيه مناسبة وأشار إلى أنّ فيه معنى الجعل ولهذا جوّز تعديته إلى مفعول واحد والى مفعولين وأمّا أخذه من ضربك أي مثلك على معنى أن يمثل لهم مثلاً كما ذكره في سورة يس، فلم يذكره لأنه مرجوج ههنا، وفيه إشارة إلى أنّ المضرب والمورد في أمثاله تعالى لا يفترقان وإنه تعالى ضربه أشد لا أنه شبه المضرب بالمورد وأنه متناول للتشبيه التمثيليّ والاستعارة التمثيلية فاشية كانت أولاً. قوله: (وأصله وقع شيء على آخر) أي معنى الضرب الحقيقي هو إيقاع شيء على شيء وهل يعتبر قصد الإيلام فيه أولاً فيه كلام لهم وقال الراغب الضرب إيقاع شيء على شيء وضمرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره فهذا مجاز متفرّع على مجاز آخر ملحق بالحقيقة لاشتهاره أو هو حقيقة عرفية وقوله وأن بصلتها مخفوض الخ في الكشاف أن استحيا يكون متعدّيا بالحرف وبنفسه وعلى الأوّل اقتصر المصنف رحمه الله تبعا للراغب إمّا لأنه الأفصح أو لأنّ الآخر عنده من الحذف والإيصال وحينئذ فمحل المصدر إفا نصب أو جز على الخلاف المشهور وعلى الثاني نصب قطعا، وما قيل: من أنّ يستحيي إذا كان بمعنى يترك استغنى عن حرف الجرّ لأنّ الترك يتعدى بنفسه فإن كان بمعناه الحقيقيّ يجب تقدير الحرف غفلة عن أنّ المجاز المخالف لأصله في التعدية يجوز فيه النظر لأصله، ولمعناه المجازي كما قرّرناه في محله فتدبر. قوله: (وما إبهامية تزيد النكرة إبهاماً الخ) يعني أنها اسم بمعنى شيء يوصف به النكرة لمزيد الإبهام وسذ طريق التقييد وقد يفيد مع ذلك معنى آخر كالتحقير في نحو أعطاه شيئاً ما والتعظيم في نحو لا مرّ ما جدع قصير أنفه والتنويع في نحو اضربه ضربا ما وهذا مما يتفرع على الإبهام فهي على هذا اسم يوصف به كما يكون موصوفا وبه صرّج النحاة كابن هشام وغيره، وقال أبو البقاء: إنها نكرة موصوفة فقدر صفتها وجعل بعوضة بدلاً منها وغيره جعلها صفة لها واليه ذهب الفرّاء والزجاج وثعلب فما بدل من مثلا وجعلها الزمخشرفي في المفصل زائدة وهو مذهب لبعض النحاة فيها كما في الدرّ المصون فليس بين كلاميه منافاة ومعارضة كما توهم فإن قلت يستحي مآل معناه يترك كما مرّ فعلى العموم يصير المعنى إنّ الله لا يترك أيّ مثل كان فيقتضي أنّ جميع الأمثال مضروبة في كلامه وليس كذلك قلت ليس المنفيّ مطلق الترك بل الترك لأجل الاستحياء فالمعنى لا يترك مثلاَ ما استحياء وإن تركه لأمر آخر أراده، ومن هنا يظهر لك أنه استعارة ووجه عدم التفاتهم لكونه مجازاً مرسلا كما مرّ. قوله: (أو مزيده للتثيد الخ الما توهم أنّ الزائد حشو ولغو فلا يليق بالكلام البليغ فضلا عن المتحلي بحلية الإعجاز دفع بأنه إنما يكون كذلك لو لم يفد أصلاً وليس كذلك، فالمراد به ما لم يوضع لمعنى يراد به وإنما وضع ليقوّي الكلام ويفبده وثاقة فلا يكون لغواً ولذا سموه في القرآن صلة ولم يطلقوا عليه الزائد تأدّبا وان كانت زائدة باعتبار عدم تغير أصل المعنى بها، واستشكل ببعض الحروف المفيدة للتأكيد مثل إنّ واللام حيث لم تعد صلة فإن اشترط عدم العمل انتقض بلام الابتداء حيث لم تعمل وبزيادة بعض الحروف الجارّة حيث عملت وقد تكون حروف الصلة لتزيين اللفظ واقامة الوزن والسجع وزيادة الفصاحة، وقيل عليه أن من الزائدة بعد النفي تفيد الاستغراق كما ذكره الزمخشريّ في تفسير قوله تعالى: {مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ} أسورة الأعراف، الآية: 80] فقد يغير بها أصل المعنى فيخالف ما ذكر. المصنف وغيره وليس بوارد لأنّ النكرة في النفي تفيد الاستغراق وتحتمله فقد كان الكلام دالاً عليه ومن أكدته ولم تغيره ولذا شرط في زيادتها على الأفصح تنكير مجرورها وسبق النفي عليها وهو مسبوق بهذا الاعتراض، وأشار العلامة في شرح الكشاف إليه وإلى دفعه بأن ما وضع للتأكيد يقصد جعله لفظا ومعنى جزءاً منه. فمعنى قولنا إنّ زيداً قائم قيام زيد ثابت محقق ولذا دفع به الإنكار وجعل نظير الجص بين الآجر والمسامير بألواح الباب التي تعذ جزءاً منه ولا ينتفع به فيما قصد منه بدونها والزائد لم يقصد به ذلك فهي كالضبة التي ليست جزءاً منه وإنما تفيد وثاقة فهو باعتبار المراد وضعا مهمل ومشابه لغير المهمل والتأكيد هنا إمّا لمثلاً فيكون بمعنى حقاً أو الجملة فيكون بمعنى البتة

كما في شرح الكشاف، فان قلت هل هي كلمات نحوية أم لا قلت: صرّح بعض شرّاح الكشاف بأنها ليست بكلمات اصطلاحية حقيقة، وقيل: إنها كلمات لأنها ألفاظ موضوعة لمعنى في غيرها وهو القوّة والوثاقة التي أفادتها لما ذكر معها ولا يخفى أنّ الواضع لم يضعها لما ذكر وإلا لم يكن بينها وبين أن ولام التأكيد فرق فعذها منها تسامح فتدبر. قوله: (عطف بيان لمثلاَ الخ) على هذا المعنى إنّ الله جل وعلا لا يستحيي من ضرب أيّ مثل أراد حقيراً كان أو لا لكون النكرة في سياق النفي فلا يرد عليه أنّ عطف البيان للتوضيح ولا يتم لا يستحي أي يضرب مثلاً بدون بعوضة إذ لا استحياء من ضربه إلا أن يقال إن التنوين للتحقير ولم يتعرض للبدلي4 لأنّ البدل هو المقصود بالنسبة عندهم وليس بظاهر هنا وهذا رجحه أبو حيان على كونه عطف بيان لأنه لا يكون في النكرات عند الجمهور وكون البدل هو المقصود بالنسبة ليس على ظاهره ففي نصب بعوضة وجوه من الإعراب تسعة وهي أن تكون صفة لما أو بدلاً منها أو عطف بيان إن قيل بجوازه في النكرات أو بدلاً من مثلاً أو عطف بيان له إن قيل ما زائدة، أو مفعولاً ومثلاَ حال أو منصوبا على نزع الخافض والتقدير ما من بعوضة فما فوقها كما نقل عن الفراء والفاء بمعنى إلى كما في قوله: يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم ولا حبال محب واصل يصل أو مفعولاً ثانيا أو أوّل. قوله: (أو مفعول ليضرب مثلأ حال الخ) قال في شرح الفاضل التفتازاني لاخفاء في أنه لا معنى لقولنا يضرب بعوضة إلا بضم مثلا إليه فتسميته مثل هذا مفعولاً ومثلا حالاً بعيد جداً وتوهم كونه حالاً موطثة غلط ظاهر فإنّ مثلا هو المقصود وإنما يستقيم لو جعل بعوضة حالاً ومثلا صفة له مثل أنزلناه قرآناً عربيا (قلت الا غلط فيه فانّ الحال قد تكون هي المقصودة بحسب المعنى والصناعة كما ذكروه في نحو ما شأنك قائماً فإن المسؤول عنه القيام ولولاه لم يفد الخبر فقد وطأت له الخبرية ولكن الكلام في صحة تقدمها كما ستراه مفصلاً إن شاء الله تعالى ثم إنه إذا نصب مفعولاً واحداً يكون بمعنى يبين ويذكر فكيف يقال إنه لا معنى لقوله يضرب بعوضة إلا بذكر مثلا متأمل. قوله: (أو هما مفعولاه لتضمته معنى الجعل الخ أليس المراد بالتضمين هنا المعنى المصطلح بل اللغوي وهو كون الجعل في ضمنه لأنه جعل مخصوص ولذا عده النحاة من الأفعال التي تنصب المبتدأ والخبر كجعل وان ضعفوه ولذا أخر هنا، وعلى هدّا القول قيل لا بد من أن يكون أحد مفعوليه لفظ مثل وقيل: لا يشترط ذلك كقولهم ضربت الطين لبناً، ومثلاً المفعول الثاني وبعوضة الأوّل وجوّز المعرب عكسه وصح التنكير لحصول الفائدة إذ القصد بها إلى أصغر صغير فاندفع قول الطيبي أنه أبعد الوجوه لندرة مجيء مفعولي جعل نكرة إذ أصلهما المبتدأ والخبر ولذا قال المدقق في الكشف: إنه ليس بشيء لأنّ البعوضة فما فوقها فيه معنى التعميم والوصف أيضا أنه بمعنى صغير وأصغر أو صغير وكبير وقيل: عليه أنه يقتضي الصحة ولا يدفع الندرة وفيه ما لا يخفى لمن له نظر. قوله: (وعلى هذا تحتمل ما وجوهاً أخر الخ) قراءة الرفع كما قاله ابن جني: حكاها أبو حاتم عن أبي عبيدة عن رؤبة والظاهر أنّ مثله ليس بالرأي كما يومىء إليه قول صاحب الانتصاف لا يجوز أن يذهب القارىء في القراءة إلى ما يختاره بل يعتمد على ما يروبه الثقات فإنه يوهم أن الرفع لم يرو هنا عن الثقات، والمراد انّ جموع هذه الاحتمالات مخصوصة بالرفع بحسب الظاهر فلا ، رد عليه ما قيل: من أنه صريح في أنها لا تحتمل الموصولية على قراءة النصب وليس كذلك *ـمد ذكر ابن جرير أنه على قراءة النصب يجوز أن تكون ما موصولة حذف صدر صلتها، فإن ليل: إئه لا وجه له أجيب بأنّ له وجهين أحدهما أنّ ما لما كانت في محل نصب وبعوضة صلها أعربت باعرابها كما في قوله: فكفى بنا فضلاعلى من غيرنا فإنّ غيرنا أعربت بإعراب من والعرب نفعل ذلك في من وما خاصة تعرب صلتهما ، 1 عرابهما والثاني أنه على تقدير ما بين بعوضة إلى ما فوقها فحذف بين ونصب بعوضة لاقامته مقامه ثم حذف إلى اكتفا بالفاء على حد قولهم أحسن الناس ما قرنا فقدما أي ما بين قرن إلى! ا- م على أنّ في صحة ما ذكر نظر الآن إعراب الصلة! اعراب الموصول إما بتبعيته كالبدلية مثلا او بدونها

وعلى الأوّل لا يصح كونه صلة، والثاني لا نظير له ونصب بعوضة على الظرفية في عاية البعد فلا وجه له أو وجهه منزل منزلة العدم عندهم ولذا قال في الانتصاف: إنه غير مستقيم وهذا وجه ترك المصنف رحمه الله له، والضمير في قوله قرئت للأية أو لبعوضة فتذكير صمير أنه لتأويله بلفظ أو لرعاية الخبر وعلى كون ما موصولة أو موصوفة هي في محل نصب لحلى أنها بدل من قوله مثلاً وبعوضة عليهما خبر مبتدأ أي الذي هو بعوضة، والجملة صفة أو صلة حذف صدرها مع عد اطولها كما في قوله تعالى: {تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ} [سورة ا، لعام، الآبة: 54 ا] في قراءة أحسن أفعل التفضيل المرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو مليل في غير أيّ الموصولة وقيل أنّ ما على هذه القراءة أيضا يحتمل النفي والتقدير حينئذ ما،! وضة فما فوقها متروكة فحذف الخبر لدلالة لا يستحيي عليه. قوله: (واستفهامية هي المبتدأ الخ) وهذا استفهام إنكاريّ مؤكد للردّ كما في المثال المذكور وقال في الانتصاف: إنه غير. ـ حستقيم لأنّ مثله يقع للتنبيه بالأدنى على الأعلى كما يقال: هو يعطي الأموال فما الدينار االديناران وهم أنكروا ضرب المثل بالذباب فلا يستقيم أن تكون البعوضة فما فوقها في الصغر 11 الكبر كذلك وقال في الانصاف: لو تأمل حق التأمل لم يرد هذا لأن المسلوب عنه تعالى أن وحتحى من ضرب أيّ مثل كان فما البعوض فما فوقه لأنه ليس بخارج عنها حتى ينكر ولا يلزم 11، لراعي ما ذكر من الانكار للتنبيه الذي ذكره بل أنكر على من سمع أمرا كلياً فتردد في بعض. ء ئياته وتمثيله بما يبالي بما وهب من المال فما دينار وديناران ليس كالمثال الذي ذكره اا.! ترض والحاصل أنه تعالى له أن يمثل بما يكون على وفق الممثل له في الحقارة وغيرها فما " ال الحقير والأحقر حتى لا يمثل به لما هو حقير، وقال طيب الله نراه ما في الأنصاف يشعر بأنّ ما بعوضة الخ من باب التذييل وأنه يؤكد معنى العموم في قوله أن يضرب مثلاً وبعوضة فما فوقها للاستيعاب والشمول كقوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [سورة مريم: الآية: 62] سواء اعتبرت الصغر والكبر أو لا والذي يفهم من كلام المصنف رحمه الله أنّ التفسير الأوّل لقوله فما فوقها من باب الترقي كقوله تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى} [سورة البقرة، الآية: 20 ا] والثاني من باب الأولوية كقوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} [سورة الإسراء، الآية: 23] وإلى الأوّل أشار بقوله أبلغ وأعرف فيما وصف به والى الثاني بقوله كأنك قلت فضلاً عن الدرهم والدرهمين وقال الفاضل اليمني لسان جار الله بقول: عليّ نحت القوافي من معادنها فما ذكوه حق أبلج وما سواه باطل لجلج لأنّ الكمار أنكر واضرب المثل بالذباب والعنكبوت لخستهما في أنفسهما والبعوضة فما فوقها أقل وأحقر مما استنكروه فإذا جاز أن لا يستحيي من ضرب المثل بهما قبالأولى أن لا يستحي من ضربه بما هو أكبر منهما فنبه بجواز ضرب الأدنى عدى ضرب الأعلى وكون البعوضة فما فوقها أكبر في الحقارة من يمنعه (أقول) تحقيقه أنّ نفي الأدنى يدلّ على نفي الأعلى بطريق الدلالة لأنّ الترقي في النفي بنفي الأعلى ثم نفي الأدنى مثل فلان لا يستحي أن يعطي سائله الدرهم ولا الفلس وفي الإثبات باثبات الأدنى ثم إثبات إلا على مثل فلان يعطي سائله الدرهم بل الدينار ففيما نحن فيه نفي الاستحياء من ضرب المثل بالبعوضة فما فوقها مما هو أصغر من الذباب والعنكبوت فدل على عدم الاستحياء من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت بالطريق الأولى لأنهما أكبر من البعوضة ونفي الأعلى أدنى من نفي الأدنى ومنشأ الشبهة في النفي والإثبات عدم الفرق بين الترقي في النفي والإثبات فسقوط ما مرّ من القال والقيل غير محتاج إلى دليل. قوله: (والبعوض فعول من البعض الخ) يعني إنّ البعوض نعول صفة بمعنى المقطوع ولذا سمي في لغة هذيل خموس والخمش والخدس كله بمعنى الجرح اليسير لكنه مخصوص بالوجه وهذه المادة كلها تدل على ذلك كالبضع وهو كالقطع لفظاً ومعنى وكذا العضب للسيف القاطع، والبعض بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وضاد معجمة كما يكون اسماً جامداً مقابلاَ لكل يكون مصدراً كالقطع لفظاً ومعنى وقد تلطف المطوعي في قوله: ياليلة حط رحلي فيها بشرّ محل

فأذهب الحز بردي وأذهب البعض كلي وأراد بالبرد النوم وبالبعض لسع البعوض ففيه مع التورية الإبهام وحسن التقابل. قوله: (أو ما إن جعلت اسماً الخ) يعني أنّ هذه الفاء عاطفه ترتيبية بحسب الرتبة على كلا معنيي فما فوقها من التنزل والترقي وظاهره أنّ صحة العطف على ما جار على جميع وجوه الاسمية سواء كان موصولاً أو موصوفا أو استفهاما وقد صرح به من قال: ما الأولى إن كانت صلة أو إبهامية وتلنا إنّ الإبهامية حرف فالثانية معطوفة على بعوضة وان كانت ما الأولى اسماً سواء كانت مرصولة أو موصوفة أو استفهامية فالثانية معطوفة عليها ومحلها محلها من الرفع والنصب السابق، وقيل إنه ليس على إطلاقه بل هو مخصوص بما إذا كانت اسما موصولاً أو موصوفا على رفع بعوضة أما إذا جعلت اسما مبهماً صفة لمثلا فلا يحتمل قوله فما فوقها العطف عليه ولصرصور الحال أطلق المقال وقيل: أيضاً إنه على تقدير الاستفهام لا يصح العطف أيضاً لأنّ بعوضة خبره فيصير ما فوق البعوضة بعوضة فالتعميم والإطلاق ليس بصحيح فتدبر.! قوله:) ومعناه ما زاد عليه في الجثة الخ) في الكشاف فما فوقها فيه معنيان أحدهما فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلاً وهو القلة والحقارة نحو قولك لمن يقول فلأن أسفل الناس وأنذلهم هو فوق ذلك تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة والثاني فما راد عليها في الحجم الخ. والى هذين المعنيين أشار المصنف رحمه الله إلا أنه عكس ترتيبه، ن الثاني يتبادر من الفوقية والزمخشري قدمه لما سيأتي فالمراد على الأوّل بالفوقية الزيادة في حجم الممثل به فهو ترق من الصغير للكبير وعلى الثاني الزيادة والفوقية في المعنى الذي وقع التمثيل فيه وهو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقير للأحقر قيل: والأوّل أوفق بسبب نزول الآية والثاني أقضى لحق البلاغة وفيه نظر، والذي ارتضاه المدقق في الكشف إن ما قدمه الزمخشريّ وجعله المصنف ثانيا أولى واليه ميل المحققين، قال: وهو الحق لأنه المعنى الذي سيق له الكلام ولأنه المطابق للمبالغة، وأما الحمل على الثاني فلا يظهر وجهه إلا إذا خص لمورد النزول وأنه كان في نحو الذباب والعنكبوت أو بجعل البعوضة عمود التحقير وكلاهما غير ظاهر وهذان الوجهان على المشهورة وأما على قراءة الرفع فإن جعلت ما موصولة ففيه الوجهان وان جعلت استفهامية فقد أوضحه حق الايضاح وبين أنّ المعنى فما فوقها في الحجم لقوله ما دينار وديناران وحينئذ يتعين هذا المعنى لأنّ العظم مبتدأ من البعوضة إذ ذاك فافهم،) أقول (: وكون الثاني أبلغ وأوفق بسبب النزول مسلم وأمّا إنه على الثاني لا بدّ من التخصيص أو جعل البعوضة عمود التحقير فلا لأنه لو قصد التعميم وتسوية الصغير والكبير في صحة التمثيل وحسن موقعه كان حسنا ظاهراً كما لا يخفى كأنه قيل: في الردّ عليهم للعليم الخبير أن لمثل بكل صغير وكبير بحسب مقتضى الحال! من غير نكير، وكأنه لهذا لم يعرّح عليه غيره من الشراح وغير المصنف رحمه الله الترتيب فتدبر. قوله: (كأنه قصد به رذ ما استنكروه) أي عدّوه منكراً وان لم يكن كذلك كما يقال استقبحه واستجهله وقد عزى هذا البعض السلف كقتادة فالمراد بما فوقها ما هو أكبر جثة كالكلب والحمار وهو ردّ على الجهلة القائلين إنّ الله أجل من ان يضرب الأمثال بالمحقرات من الذباب والعنكبوت وليس قوله كأنه إشارة إلى ضعف هذا الوجه لما مر لأنه عبر بذلك أيضا في الوجه الآخر حيث قال: قبل هذا كأنه لما ردّ استعبادهم الخ لأت توجيه بما سمعته آنفاً فمن قال في حواشيه هنا قوله فما فوقها ترقياً من البعوضة إلى ما هو أكبر منها فإنّ الكفار لما استنكروا ضرب المثل بالذباب والعنكبوت وكان يتصوّر أن يتحقق ما هو أحقر منهما وأصغر ى ن المناسب في ردّ كلامهم أن يذكر ذلك الأحقر والأصغر ليترقى منه إلى ما ذكروه من الذباب والعنكبوت فيقال لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فضلا عما يقود ونه لم يطبق مفاصل الكلام، ولم يقرب من المرام نافهم. قوله: (ونظيره في الاحتمالين الخ) المراد بالاحتمالين ما فسر به ما فوقها، وقوله أو في المعنى عطف على قوله في الجثة وهو الوجه الثاني، والمراد بما فوقها فيه الأصغر

الأحقر وقوله كجناحها أي كجناح البعوضة إشارة إلى ما ورد في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام " لو كانت الدنيا ثعدل عند الله جناج بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء " وهو حديث صحيح أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد ولله در ابن المقري رحمه الله في قوله في تائيته المشهورة. فقد ضاع عمر ساعة منه شري بملءها والأرض أية! مة أبنفق هذا في هوى هذه التي أبى الله أن تسوى جناح بعوضة وقوله ما روي أنّ رجلاً بمنى الخ حديث صحيح رواه مالك والبخاري ومسلم والحديث بتمامه في الكشاف وهو عن الأسود قال دخل شباب من قريش على عائشة رضي الله تعالى عنها وهي بمنى وهم يضحكون فقالت ما يضحككم قالوا فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب فقالت لا تضحكوا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يثاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة وقوله ما أصاب المؤمن الخ رواه ابن الأثير في النهاية إلا أنّ فيها المسلم بدل المؤمن وقال الطيبي لم أقف له على رواية وقال الحافظ العراقي لم أقف عليه بهذا اللفظ والطنب بضمتين وسكون الثاني يكون مفرداً فيجمع على أطناب كعنق وأعناق ويكون جمعا أيضا كما في المصباح وهو الحبل الذي تشدّ به الخيمة الحوها، والفسطاط بضم الفاء وكسرها بيت الشعر وقوله يشاك بصيغة المجهول تصيبه شوكة! هي ما يدق ويصلب رأسه من النبات والشوكة تكون اسما لهذه ومصدوا بمعنى أصابتها يقال ضاكه يشوكه شوكا وشوكة وفي شرح الكشاف أنها هنا مصدر واسم معنى لا عين ولو أراد العين) تال بشوكة، والتنظير فيه بأنه يقال شيك الرجل فهو مشوك إذا دخل في جسمه شوكة لا وجه له نعم ما ذكر بعيد بحسب الظاهر لكثرة الحذف والإيصال والنخبة بفتح النون وسكون الخاء المعجمة آخره باء موحدة بمعنى العضة والقرصة ويقال: نخبت النملة تنخب إذا عضت. قوله:) أمّ حرف تفصيل يفصل الخ) الكلام في أمّ طويل الذيل وليس هذا محل تفصيله وحاصل ما عليه المحققون أنها حرف لا اسم كما يوهمه تفسيرهم لها بمهما ولم يذهب إلى اسميتها أحد ءـ حن يعتد به من أهل العربية فننقله والقول بأنه عبر بعضهم بالكلمة عنها ليشمله لا وجه له،، لذا صرّح المصنف رحمه الله بحرفيتها وليست حرف شرط أيضاً عند المحققين والا لزمها، قوع الفعل بعدها بل متضمنة لمعنى الشرطية ولذا لزمتها الفاء غالبا ومن قال: إنها حرف شرط اراد هذا فأضافتها له لأدنى ملابسة وتفيد مع هذا تأكيد ما دخلت عليه من الحكم ووقع في للام النحاة كما نقله أبو حيان في شرح التسهيل إنها حرف أخبار يفيد معنى الشرط وكأنهم ارادوا به أنها في أصل وضعها وضعت لتأكيد جملة خبرية تقع بعدها وتكون لتفصيل مجمل! قدمها صريحا أو دلالة أو لم يتقدّم لكنه حاضر في الذهن ولو تاقديرا، ولما كان هذا خلاف الظاهر في كثير من موارد استعمالها جعله الرضي وكثير من المحققين أغلبياً، وقالوا تفسير سيبويه لها بمهما يكن من شيء ليس المراد به أنها مرادفة لذلك الاسم والفعل لأنه لا نظير له، ل المراد أنها لما أفادت التأكيد وتحتم الوقوع في المستقبل كان مآل معناها ذلك ولما أشعرت صالشرطية قدر شرط يدل على تحتم الوقوع وهو وجود شيء ما في الدنيا إذ لا تخلو عنه فما علق عليه محقق ولذا قدر بعضهم الشرط الذي أشعرت به إن يكن مانع لأنه إذا وجد مع المانع لدونه هو أولى وأحرى. قوله: (أي هو ذاهب لا محالة الخ الا محالة بفتح الميم والبناء على المتح بمعنى لا بد وهو أبلغ منه لأنه بمعنى لا حيلة فيه أصلاً قال الإمام المرزوقي: يقولون في مرضع لا بدّ لا محالة ويقال: حال حولاً وحيلة أي احتال وما فيه حائلة أي حيلة انتهى. وفيما دكره ميبويه إشارة إلى أنها موضوعة للتأكيد كما يؤكد الكلام بقولهم البتة ولا بدّ لأنه يدل على: سوته ولزومه وذلك لتعليق وجوده على ما لا بدّ منه وهو وجود شيء ما في الدنيا وضمير أنه كل كلام المصنف رحمه الله راجع للذهاب والعزيمة كالعزم ما يجزم به ويدّعي إيجابه، ومنه ما ورد في الحديث: " عزمة من عزمات الله " قال ابن شميل: أي أمر واجب أوجبه الله ولما كان أصل الكلام مهما يكن من- شيء ومهما مبتدأ والاسمية لازمة للمبتدأ ويكن فعل شرط والفاء لازمة له تليه غالبا فحين قامت أمّا مقام المبتدأ

والشرط لزمها الفاء ولصوق الاسم إقامة للازم مقام الملزوم وابقاء لأثره في الجملة ومن أراد تفصيله فلينظر حواشي المطوّل والرضي، وقوله كرهوا الخ أي وقوع الفاء بعد حرف في معنى الشرط من غير فاصل والمعروف تخلل جملة الشرط بينهما ولذ قال: فادخلوا الخ وعدى أدخل إلى مفعولين بنفسه وقد يتعدى إلى الثاني بعلى فيقال: مثلا أدخلوها على الخبر والمراد بتعويضه شغل خبره به وكون ما يلي أمّا مبتدأ ليس بلازم لكنه كثير فيه وفي الرضي أنه يقدم على الفاء من أجزاء الجزاء المفعول به نحو فأمّا اليتيم فلا تقهر والظرف والحال وعذد أموراً يفصل بها وفيه كلام ذكرنا. في حواشي الرضي وشرح التسهيل. قوله: (وفي تصدير الجملتين به الخ) ضمير به لا ما باعتبار أنه لفظ وحرف والإحماد هنا بمعنى الحمد والمدح العظيم المتضمن لأنه بموقع مرضيّ منه كما قال في الأساس من المجاز أحمدت صنيعه رضيته والأرض! رضيت سكناها وفي بعض شروح الكشاف الاحماد الحكم بلزوم كونهم محمودين كالأكفار للحكم بالكفر وقال السعد: أحمدت فلاناً وجدته محموداً وجاورته فأحمدت جواره والحمد والذمّ مفهوم من نفس الجملتين ولكن لما أفادت أما تأكيده وتحقيقه علم منها ذلك أيضاً من أوّل الأمر وهي تفصيل لما دل عليه قوله إنّ الله لا يستحي الخ من أنه وقع فيه اختلاف بين التحقيق والارتياب. قوله: (والضمير في أنه للمثل أو لأن يضرب الخ) أي ضمير أنه في قوا، تعالى: {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ} للمثل أو لضربه المفهوم من أنه يضرب لأنه مؤوّل به وعود الضمير للمثل أقرب ولذا قدّمه المصنف رحمه الله وجوّز فيه أيضاً أن يعود لترك الاستحياء المفهوم مما مر وللقرآن. قوله: (والحق الثابت الخ) الحق خلاف الباطل وهو في الأصل مصدر حتى يحق من بابي ضرب وقتل إذا وجب وثبت وقال الراغب أصل الحق المطابقة والموافقة ويقال على أوجه فالأوّل: الموجد للشيء بحسب مقتضى الحكمة ومنه الله هو الحق، والثاني الموجد بالفتح على وفق الحكمة ومنه فعل الله حق، والثالث الاعتقاد المطابق للواقع، والرابع الفعل والقول الواقع بحسب ما يجب وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب وليس بين هذا وبين ما قبله فرق غير التعميم فلو تركه كان أحسن والى ما ذكر أثار المصنف رحمه الله بقوله الثابت الخ، وقوله لا يسوغ إنكاره بمعنى لا يصح ويجوز من ساغ الشيء إذا سهل تناوله ودخوله في الحلق فاستعير للصحة والجواز وشاع حتى صار حقيقة فيه، والأعيان الذوات والجواهر، والثابتة بمعنى المقررة المحسوسة، والصائبة بمعنى المصيبة إلا أن فعله مزيد من أصاب الرأي فهو مصيب والأفعال مصيبة لا صائبة، ولذا فسره في بعض الحواشي بالموافقة للغرض يثير إلى أنه استعارة من قولهم أصاب السهم الهدف وصابه إذا وصل إليه وفيه نظر وفي الأساس من المجاز أصاب في رأيه ورأي مصيب وصائب وتعريف الحق للمبالغة كأنه تلك الحقيقة والجنس أو للحصر الاضافيّ لما قالوه، وأخكامه يقتضي الثبوت فلذا قالوا ثوب محقق أي محكم النسج كما في الأساس والعامّة تقول ثوب محقق بمعنى منقوش وفي الفصول القصار فيض فضله محقق وبرد مجده محقق. قوله: (كان من حقه الخ) القرين المقارن وعطف يقابل قسيمه على يطابق قرينه تفسيريّ لأنّ القرين والقسيم بمعنى والمطابقة المراد بها المقابلة بالمعنى اللغوي أو البديعي وهو الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة كقوله. قوله: {يُحْيِي وَيُمِيتُ} [سورة البقرة، الآية: 258] وهو هنا يعلمون ولا يعلمون لتقابل السلب والايجاب فيه أي لم يقل أما الذين كفروا فلا يعلمون حتى يقابل قسميه بل عدل عنه لما ذكر من المبالغة في المدح والذمّ المذكورين لأنّ هذا يدل على أنّ قولهم هذا لفرط جهلهم على طريق الكناية التي هي أبلغ من التصريح لإثبات المدعي ببينة بينة كما أشار إليه لأن الاستفهام إما لعدم العلم أو للإنكار وكل منهما يدل على الجهل دلالة واضحة ومن لقل للمسك أين الشذا كذبه رائحة الطيب ولذا قال المصنف: رحمه الله دليلا واضحا قيل ولم يقل فأما الذين آمنوا فيقولون الخ إشارة إلى أنّ المؤمنين اكتفوا بالخضوع والطاعة من غير حاجة إلى التكلم والكافرون لخبثهم وعنادهم لا يطيقون الاسرار لأنه كإخفاء الجمر في الحلفاء، أو يقال يقولون لا يدلّ صريحا على العلم وهو المقصود، والكافرون منهم الجاهل

والمعاند، وقوله يقولون الخ أشمل وأجمع وهذا هو الأولى وأتى بعبارة الرلث في الأوّل إشارة إلى أنهم يعترفون بحقية القرآن وبما أنعم الله به عليهم من النعم التي من أجلها نزول هذا الكتاب وهو المناسب لقوله نزلنا على عبدنا وأما الكفرة المنكرون للمناسبة لجلاله تعالى المتخذون غيره من الأرباب فالله هو المناسب لحالهم، وما قيل من أنّ ما نسب إلى الكفار أشدص، عدم العلم لدلالته على أنهم يستهزؤون وينسبون القول بأنه من الله إلى السفه غير متجه عالى أن ما ذكره يتوقف على كون قولهم عن مكابرة فالظاهر أنه لا يصح لا يعلمون وان صح فوجه آخر وانكار خلافه مكابرة ظاهرة فتدبر وقال: كالبرهان لأنه ليس برهانا حقيقياً. قوله: (يحتمل وجهين الخ) لي الدرّ المصون للنحاة في ماذا ستة أوجه الأوّل أن يكون ما اسم استفهام وذا اسم إشارة خبر له، والثاني أن يكون ذا اسما موصولاً وهو وان كان بحسب الأصل اسم إشارة لكته يكون اسماً موصولاً في هذا المحل فقط والعائد محذوف تقديره أراده فقول المصنف: والمجموع خبر فيه تسمح ظاهر فيه ملاحظة المعنى فلا يتوهم فيه الغفلة عما ذكروا وأخبر بالمعرفة عن النكرة هنا بناء على مذهب سيبويه رحمه الله في جوازه في أسماء الاستفهام وغيره يجعل النكرة خبرا عن الوصول، وما قيل: من أنه يتعين مذهب سيبوبه بالاتفاق في ماذا غير مسلم لأنّ الرضي نقل فيه الخلاف أيضاً، والثالث أن يغلب ما فيركبا ويجعلا اسماً واحدا للاستفهام ومحله النصب على أنه مفعول مقدم، والرابع أن يجعل مجموعهما اسما مركبا موصولاً كقوله: دعى ماذا علصت سأتقيه أي الذي علمت، والخاسى أن يجعلا اسماً واحداً نكرة موصوفة، وقد جوّز هذا في المثال المذكور والسادس أن يجعل ما اسم استفهام وذا زائدة وهو ضجف والمعتبر في هذه الآية الوجهان المذكوران في الكتاب. قوله: (والأحسن في جوابه الرفع على الآوّل الخ) وجه الرفع أنّ جملة السؤال حينئذ اسمية فيرفع الاسم الواقع في الجواب على أنه خبر مبتدأ محذوف فيطابقه في الاسمية لفظاً وعلى الثاني ماذا مفعول مقدم فجملة السؤال فيه فعلية فينصب بفعل مقدر ليتطابقا، وهذا هو الأصل الراجح ويجوز عكسه كما أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله والأحسن لأنه المطابق لمقتض الظاهر وقد يرد على خلافه لنكتة، ولذا قال بعض المحققين: إنّ نحو قوله تعالى: {خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ} [سورة الزخرف، الآية: 9] ترك فيه المطابقة إشارة إلى بلادة الكفار وعنادهم فإنه إذا تحقق خلق السموات لا ينبغي أن يشك في فاعله فالمناسب لحالهم التردد في نفس الخلق، وقيل تقديره فعلية في جواب من أكثر في الاستعمال وما خالفه لنكتة لقصد القصر والتخصيص أو التأكيد بالاسمية وتفصيله في حواشي المطوّل والمفتاح، وقد أطبقوا ثمة على أنّ ماذا صنعت إذا كان جملة اسمية يجاب بالاسمية، وما قاله قدس سره في شرح المفتاح: في الفصل والوصل من أنّ الفعل في ماذا صنعت مسند للمخاطب وليس فيه معنى الفاعلية بخلاف من قام وماذا عناه لا يخلو من الكدر لأنّ كون الاستفهام بالفعل أولى يختص بصورة الفاعلية فإنّ تقدير قولك من ضربت أضمربت زيداً أم عمراً والفرق بين ماذا صنعت وماذا عناه حتى يجاب بالاسمية في الأول وبالفعلية في الثاني تحكم بحت كما في الحواشي الحسنية، ولنا فيه كلام حاصله أن غفلة عن مراده قدس سره لأنّ المطابقة المعنوية كما قرّره في من التائب أن يجعل المحكوم عليه في السؤال والمحكوم به فيه كذلك في الجواب لأنّ المحكوم عليه معلوم للسائل والمطلوب له إنما هو الخبر وهو مصسث الفائدة فإذا كان ضمير من وماذا فاعلاَ في السؤال فهو مسند إليه معلوم له فيطابقه الجواب إذا حكم عليه سواء كان فاعلا أو مبتدأ إلا أنّ الفاعلية يرجحها كون الاستفهام بالفعل أولى دماذا كان مفعولاً فلا يطابقه الجواب إلا بجعله مفعولاً والجملة في السؤال والجواب فعلية قطعاً وإذا اشتغل الفعل بضميره وجعل ذا موصولاً خبراً لما أو مبتدأ خبره ما فلا يطابقه الجواب إلا بكونه فيه كذلك ولا يتأتى بغير الاسمية بأن تقول الذي صنعته كذأ أو كذا مصنوعي لأنك لو أتيت بها معلية كأن مفعولاً لا محكوما ولا به فتفوت المطابقة المعنوية، فالفرق بين ماذا صنعت وماذا عناه كالصبح في الظهور فإن فهمت فهو نور على نور والتحكم

بهتان وزور وقال الشارح الفاضل: هنا في شرح قوله في الكشاف وقد جوّزوا عكس ذلك أنه يعني إذا اتفق السائل والمخبر على الفعل وكان السؤال عن المتعلق بخلاف مثل قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [سورة النحل، الآية: 24] فإنه بالرفع لأنه في المعنى نفي الإنزال أي هذا الذي تزعم أنه منزل هو أساطير الأوّلين فلا يصح تقدير الفعل كما سيجيء لحقيقه وتفصيله. وقال بعض الفضلاء: بعدما أو! ده المدعي هنا أنّ الأحسن في الجواب الرفع وهذا ليس لجواب بل ردّ لما اعتقدوه، والجواب أن تعطيه ما يطلبه منك ثم إنه لا جواب لقوله ماذا أراد الله بهذا مثلا لأنه استفهام إنكارفي ونفي لكون مراد الله فيه ومن حقه نفي أن يكون منه تعالى! على هذا لا يصح أن يكون يضل به كثيراً جواب ماذا أراد الله وأيضا: ماذا أراد الله مذكور على سبيل النقل فلا يطلب له جواب، ولذا لم يلتفت إليه في الكشاف. (أقول) : قد سمعت ما لعرف به الحق الحقيق بالقبول هنا، وما ذكره الفاضل غير مسلم لأن اللازم النظر إلى حال السؤال بحسب الظاهر ثم تطبيق جوابه عليه سواء كان مقول قول أم لا على أنا نقول ما قاله غير موافق لما نحن فيه فإنه كيف يتفق على الفعل ومرادهم في الحقيقة إنكار صدور المثل المذكور عن الله وهو يستلزم إنكار كونه مرادا لله كما لا يخفى وما ذكره المعترض! لا محصل له فإنهم لم يدعوا أنّ قوله يضل به جواب حقيقة كما سيأتي تحقيقه، فلا يلتفت إلى القيل والقال: فماذا لعد الحق إلا الضلال. قوله: (والإرادة نزوع النفس وميلها الخ) عطف الميل على النزوع للتفسير فإنه يقال نزع بمعنى اشتاق ومال كما يقال: نزع عن الأمر إذا ك! عنه وأمسك بلا خلاف بين أهل اللغة فيه، وإنما الخلاف في المصدر فانه سمع فيه أيضا نزعا ونزاعاً ونزوعا! هل يختلف المصدر فيه أم لا وليس هذا محله وأصل معنى الميل الانعطاف ثم صار حقيقة عرفية في المحبة والقصد وهو المراد هنا، وقوله: بحيث الخ متعلق به وحمل الميل للنفس على الفعل جعلها متوجهة لإيقاعه والكلام في الإرادة من جهتين من جهة معناها اللغويّ ومن حهة المراد بها في لسان الثارع في وصف الله تعالى أو العبد بها وقول المصنف رحمه الله: لروع النفس الخ بيان لمعناها اللغوي. قال الراغب: الإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي في الأصل قوّة مركبة من شهوة وخاطر وأمل وجعلت اسماً لنزوع النفس إلى الئيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل ثم تستعمل مرة في المبدأ وهو نزوع النفس الى الشيء وتارة في المنتهى وهو الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل اهـ فما قيل: هنا من أنّ كون إرادة المعنى من اللفظ من هذا القبيل فيه بحث والظاهر أنّ الإرادة في الآية من هذا القبيل انتهى ليس بشيء لأنّ الإرادة فيما ذكره لمجرّد القصد وهو استعمال آخر وسواء قلنا إنه مشترك فيه أو مجاز صار حقيقة عرفية لا يرد نقضاً على الآخر وكذا ما قيل: بعد نقل ما في شرح المواقف من أنه يصدق على الشهوة وهرب غير الإرادة فإنّ المصنف بصدد تحقيق أصل معناه لغة لا ما ذكره المتكلمون وما ادّعاه من مغايرة الشهوة للإرادة ليس كذلك فإن بينهما عموماً وخصوصاً كما صرّح به الصدر في رسالة إثبات الواجب وهو المفهوم من كلام الراغب، وقد قالوا إنّ الإرادة قد تتعلق بنفسها بخلاف الشهوة التي هي توقان النفس إلى الأمور المستلذة فانها لا تتعلق بنفسها وإنما تتعلق باللذات وإذا ذكرت متعلقة بنفسها كانت مجازاً عن الإرادة كما قيل: لمريض ما تشتهي فقال: أشتهي أن أشتهي يعني أريد أن أشتهي والإنسان قد يريد شرب الدواء البثع ولا يشتهيه وقد يشتهي الطعام اللذيذ ولا يريده إذا علم أنّ فيه هلاكه فقد وجد كل منهما بدون الآخر وقد يجتمعان في شيء واحد فبينهما عموم وخصوص بحسب الوجود، وقوله: وتقال للقوّة الخ قد مرّ تحقيق معنى القوّة فتذكره، وقيل الإرادة في حقنا عبارة عن ميل النفس الدّي يعقبه اعتقاد يقع في المراد وأما العزم فنوع من الإرادة لأنه إرادة جازمة بعد نوع تردد سابق والإرادة لا تقتضي سبقه وقال الإمام لا حاجة إلى تعريف الإرادة لأنها ضرورية فإنّ الإنسان يدرك بالبديهة التفرقة بين إرادته وعلمه وقدرته وألمه ولذته، ثم حدها بأنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي

الجائز على الآخر في الوقوع لا الإيقاع. قال: وبالقيد الأخير احترز عن القدرة. قوله: (والأوّل مع الفعل) أي الأوّل من معنى الإرادة اللغوية المذكورة في كلامه وهو الميل الحامل على إيقاع الفعل وإيجاده يكون مع الفعل وبجامعه وان تقدم عليه بالذات لأنه الحامل والباعث وهذا لا يقتضي إيجاده بالاستطاعة وهي القدرة التامّة المستجمعة لجميع شرائط التأثير بمعنى العلة التامّة والإرادة جزء منها إلا أنها مع الفعل بمنزلة جزء العلة الأخير ولما كان الثاني بمعنى القوّة وهي الصفة القائمة بالحيوان التي هي مبدأ الميل إلى أحد طرفي المقدور وإيقاعه كان قبله لأنه إذا وجد يعطي حكم تلك القوة بخروجه من القوّة إلى الفعل، أو المراد بها ما لم يكن معه جميع جهات حصول الفعل، والحاصل كما في شرح المقاصد أنّ القوّة مع جميع جهات حصول الفعل بها لزوماً أو معها عادة مقارنة وبدون ذلك سابقة فلا غبار على ما ذكر، وقوله وكلا المعنيين الخ عدم تصوّر الميل النفساني والقوّة التي هي مبدؤه في حقه تعالى ظاهر وكلا مبتدأ وغير متصوّر خبره واتصاف نائب فاعل متصوّراً ومبدأ وغير خبر مقدم والجملة خبر كلا ولا حاجة إلى جعله على نهج قوله: غير مأسوف على زمن قوله: (فقيل إوادته لأفعاله الخ الما كان معنى الإرادة السابق لا يليق بذاته تعالى فسر إرادته بتفاسير للمتكلمين من أهل السنة وغيرهم فأوّلها ما ذهب إليها المعتزلة كالكلبيّ والنجار وكيرهما من أنّ معنى إرادته تعالى لأفعاله أنه يفعلها عالماً بها وبما فيها من المصلحة ولأفعال غيره أنه أمر بها وطلبها، وهذا هو مرضي صاحب الكشاف كما صرّح به في سورة السجدة وهو امر عدميّ بالنسبة إليه تعالى ووجوديّ بالنسبة لغيره فإما أن يكون موضوعا لمعنى شامل لهما، أو يقال: هو مشترك بينهما أو مجاز في الثاني فليس من الصفات السلبية على الإطلاق كما فيل 0 قوله: (فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته) لأنّ العبد يخلق أفعاله عندهم بإرادته وارادة الله لها بمعنى أنه أمرهم بها وهو لا يأمر بالفحشاء ولا يريد المعاصي عندهم لأنّ الإرادة مذلول الأمر أو لازمه وأدلتهم مفصلة في كتب الكلام، وقد ردّ مذهبهم بأنه مخالف لما اشتهر من أنّ ما شاء الله كان وما لم يشألم يكن وأنه لا يجري في ملكه إلا ما يشاء وأن الأمر قد ينفك عن الإرادة كأمر المختبر فإنّ السلطان لو توعد بعقاب السيد على ضرب عبده من غير مخالفة فاذعى مخالفته له وأراد تمهيد عذره بعصيانه له بحضرة السلطان فيأمر العبد ولا يريد منه الإتيان بالمأمور به بل ظهور عصيانه، وقال: خاتمة المحققين جلال الملّة وا أط ين الأمر أمران أمر تكوين يلزم منه وقوع المأمور به وهو يعم سائر الممكنات وأمر تشريع وعليه مدار الثواب والعقاب والطاعة هي الإتيان بما يوافق الأمر الثاني والرضا يترتب عليه. قوله: (وقيل علمه باشتمال الآمر على النظام الخ) هذا رأي الجاحظ وبعض المعتزلة إليه ذهب الحكماء فقالوا: إرادته تعالى هي علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه اكمل وبكيفية صدوره عنه حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النظام من غير قصد وطلب شوقيّ ويسمون هذا العلم عناية والأمر شامل للفعل والترك والنظام اكمل بالنظر إلى العالم والوجه الأصلح بالنظر إلى العبد وقوله فانه الضمير للعلم أي العلم يدعو القادر على الأمر المذكور إلى تحصيله، وهذا بناء على أنّ الإرادة ليست سوى الداعي إلى الفعل في الشاهد والغائب جميعا أو في الغائب خاصة، قالوا وهو العلم أو الاعتقاد أو الظن باشتمال الفعل أو الترك على المصلحة ولما امتنع في حق الباري الظن والاعتقاد كان الداعي في حقه تعالى هو العلم بالمصلحة وبمثل نظام جميع الموجودات لى علمه السابق عليها مع الأوقات التي يليق وقوعها فيها. قالوا: وهذا هو المقتضي لإفاضة ذلك النظام على ذلك الترتيب والتفصيل إذ لا يجوز أن يكون صدوره عن الواجب وعن العقول المجردة بقصد د ارادة ولا يجب بطبعه ولا على سبيل الاتفاق والجزاف لأنّ العلل الغائية لا لمعل لغرض في الأمور السابقة فقد صرّحوا في إثبات هذه العناية بنفي ما نسميه الإرادة كما لزره في شرح المقاصد فتدبر. قوله: (والحق أنه ترجيح أحد مقدوريه الخ) هذا مذهب

أهل السنة، ولذا قال المصنف رحمه الله والحق إشارة إلى بطلان ما سواه فهي صفة ذاتية قديمة وجودية زائدة على العلم! ومغايرة له وللقدرة وقوله بوجه الخ احتراز عن القدرة فإنها لا تخصص الفعل ببعض الوجوه بل هي موجدة للفعل مطلقا وليس هذا معنى الاختيار كما توهم وقد أورد على المصنف أنّ الإرادة عند الأشاعرة الصفة المخصصة لأحد طرفي المقدور وكونها نفس الترجيح لم يذهب إليه أحد وفي شرح المواقف الإرادة عند الأشاعرة صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع فالميل الذي يقولونه لا ننكره لكنه ليس إرادة بالاتفاق ولو كانت نفس الترجيح الذي هو من صفات الأفعال كانت صفة حادثة وليس مذهب أهل السنة، والجواب بأنه تعريف لها باعتبار التعلق، ولذا قيل إنها على الأوّل مع الفعل وعلى الثاني قبله أو أنه تعريف لإرادة العبد لا وجه له أما الأول فلأنه لا يكون مغايراً لما بعده، وأمّا الثاني فالسياق والسباق مناد على خلافه وكذا القول بأنّ المراد بيان معنى الإرادة مطلقا سواء كانت إرادة الله أو إرادة العبد، وأعجب منه قوله إنّ وقوع الإرادة بمعنى الصفة المخصصة لا يستلزم عدم وقوعها بمعنى التخصيص نفسه ويعد كل كلام فكلامه هنا لا يظهر وجهه فليحرّر. قوله: (وتخصيصه بوجه دون وجه) أي مقدور الفعل والترك والوجه المذكور حسنه أو قبحه ونفعه أو ضرّه وما يحويه من زمان ومكان وما له من ثواب أو عقاب وقوله وهي أعنم الخ مأخوذ من كلام الراغب والمراد بالميل الترجيح والتفضيل كونه عنده أفضل مما يقابله لأنّ الاختيار أصل وضعه افتعال! من الخير وقد استعمله المتكلمون بمعنى الإرادة أيضا إلا أنه قيل إنه لم يرد بهذا المعنى في اللغة، ولذا قال الفاضل ابن العزفي تفسير قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ} [سورة القصص، الآية: 68] وليس الاختيار هنا بمعنى الإرادة كما يقول المتكلمون إنه فاعل بالاختيار وفاعل مختار فإنه معنى حادث وبقابله الإيجاب عندهم فلا ينبغي أن يحمل عليه القرآن والاختيار في اللغة ترجيح الشيء وتخصيصه وتقديمه على غيره وهو أخص من الإرادة والمشيئة وفي المحكم خار الشيء واختاره انتقاه، وفي التنزيل واختار موسى قومه سبعين رجلاَ والمختار يكون ايى 3 فاعل ومفعول وهذا إمّا تفسير لإرادة الله كما مرّ أو لمطلق الإرادة الشاملة لإرادة العبد وعلى هذا لا يرد عليه اختيار أحد الطريقين المستويين وأحد الرغيفين المتساويين للمضطرّ لأنا لا نسلم ثم إنه اختيار على هذا ولا حاجة إلى أن يقال إنه خارج عن أصله لقطع النظر عنه فتدبر. قوله: (وفي هذا استحقار واسترذال) أي تحقير وتنقيص له والاسترذال عذة رذلاً أي حقيراً وفي نسخة استخفاف بدل استحقار وهما بمعنى الكشاف وفي قولهم ماذا أراد الله بهذا مثلاً استرذال واستحقار كما قالت عائشة رضي الله عنها في عبد القه بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما: " يا عجباً لابن عمرو) هذا، وقول المصنف رحمه الله: وفي هذا معناه في لفظ هذا الواقع في النظم الكريم لأنّ اسم الإشارة يستعمل للتحقير كقوله: أبعلي هذا بالرحى المتقاعس وكقوله تعالى أهذا الذفي بعث الله رسولاً كما يكون للتعظيم بحسب اقتضاء المقام ويجوز جعل الاستحقار من مجموع ماذا لأنّ الاستفهام قد يقصد به ذلك أيضاً كما يقال: من أنت وقد جؤز بعضهم في قول المصنف وفي هذا أن يكون هذا إشارة إلى التركيب وعبارة الكشاف محتملة لو لم يمثل بقول عائشة رضي الله عنها فحمله على هذا كما قيل: بعيد ولك أن تقول إن المصنف رحمه الله أسقط الحديث المذكور لهذا وللاختصار وهو منزع حسن لا يبعد عن مقاصده. قوله: (ومثلأ نصب على التمييز الخ) في الكشاف مثلاً نصب على التمييز كقولك لمن اجاب بجواب غث ماذا أردت بهذا جوابا ولمن حمل سلاحا رديئأ كيف تنتفع بهذا سلاحا وذكر أرباب الحواشي هنا تبعا للفاضل التفتازانيّ هنا في شرحه أنه كثر في الكلام التمييز عن الفئممير وقد يكون عن اسم الإشارة وتمامهما بنفسها من جهة أنه يمتنع إضافتهما وذلك إذا كانا مبهمين لا يعرف المقصود بهما مثل يا له رجلاً ويا لها قصة ويا لك من ليل ونعم رجلا وأشباه ذلك والعامل هو الضمير واسم الإشارة فقد جوّزوا أعمالهما كما في سائر الأسماء الجامدة المبهمة التامّة بالتنوين ونحوه أمّا إذا كان المرجع والمشار إليه معلوما كما في قولنا جاءني زيد لله دره رجلا

ويا لك رجلا في الخطاب لمعين، " وقال الله عز قائلاَ " أو من قال: " ولقيت زيدا قاتله الله شاعرا " وانتفع بهذا سلاحا فالتمييز عن النسبة وهو نفس المنسوب إليه كما في قوله: " كفى زيد رجلاَ " و " ويلتم أيام الشباب " معيشة وأمثال ذلك، ومعلوم أن هذا في الآية إشارة إلى المثل وفيما أورد من المثالين إلى الجواب والسلاح فالتمييز فيهما عن النسبة وهي نسبة التعجب والإنكار إلى المشار إليه. (أقول) هذا برمته مأخوذ مما قرّره نجم الأئمة الرضي في باب التمييز وفيه بحث لأنهم قالوا التمييز يكون لمفرد أو لنسبة والعامل في الأوّل المميز ولو جامدا وفي الثاني أحد طرفي النسبة وهذا لا كلام فيه إنما الكلام في أنّ تمييز المفرد يكون بعد تمام الاسم المميز ومعنى تمامه أن يكون عاى حال لا يمكن إضافته معها وذلك إمّا بإضافته أو كونه فيه لنوين أو ما يشبهه من نون تثنية وجمع لأنه إذا تمّ شابه الفعل التامّ بفاعله فيشبه التمييز بعده المفعول فلذا نصبه وعمل فيه وعلى هذا اقتصر أكثر النحاة والرضي زاد عليهم أنّ الاسم قد لكون بنفسه تاما لا بشيء آخر، وذلك في شيئين الضمير واسم الإشارة إذا تعين المقصود بهما بذكر مرجع الضمير والمشار إليه كما فصله ولخصه اك! ارح المحقق هنا ولا يخفى أنّ اسم الإشارة لا ينفك باعتبار الوضع عن أنّ يشار به إلى معلوم الذات بقرينة لازمة لفظية نحو جاء هذا الرجل أو حالية لتعين المشار إليه حسا وإنما سمي مبهما لأنّ مسماه لا يفهم منه بلا قرينة فليس في الإبهام كعشرين الذي لا ينفك عن الإبهام وضعا وابهام هذا إنما هو للذهول عن القرينة ولذا ذكر الدمامينيّ في شرح التسهيل أنّ بعض النحاة قال: إنّ ما قاله الرضي غير مرضي وفيه كلام ليس هذا محله فليحرّر. قوله: (أو الحال كقوله الخ) قال أبو البقاء: مثلاً حال من اسم الله أو من هذا أي ممثلاً أو ممثلاً به أي المعنى على الأوّل ممثلاً وعلى الثاني ممثلا به وهذا هو الظاهر وقوله كقوله: {هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً} [سورة الأعراف، الآية: 73] ظاهر فيه ولذا قال الشارح المحقق الحال من اسم الإشارة بأن يكون هو ذا الحال وأما العامل فهو الفعل ولا حاجة إلى جعل العامل اسم الإشارة وذي الحال الضمير المجرور أي الذي في أشير إليه مثلا وعلى هذا فالتمثيل بقوله هذه الخ في مجزد أن الحال اسم جامد وإلا ففي الآية العامل في الحال اسم الإشارة مثل هذا بعلى شيخا وهو ردّ على من قال إنّ العامل فيه اسم الإشارة كما نقله أبو حيان رحمه الله في البحر وايقاء مثلاً تمييزاً أو حالاً من هذا يشعر بأنه إشارة إلى المثل لا إلى ضرب المثل على ما هو أحد م! شتملي الضمير في أنه ال! ق ولكم بيان لآية وإنما أتى بنظير للثاني لوقوعه جامداً على خلاف قياس الحال ولما كان التمييز جامداً في أكثر لم يمثل له فالقول بأنه يحتمل أن يقال: إنه جعل آية حالاً أو تمييزاً عن ضمير لكم فاكتفى به في تمثيلهما بعيد جدّاً فلذا لم يلتفتوا إليه. قوله: (جواب ماذا الخ) قذم في النظم الضلال على الهداية مع سبق الرحمة على الغضب وتقدمها بالرتبة والشرف لأنّ سؤالهم ناشئ من الضلال مع أن كون ما في القرآن سببا للضلال! أحوج للبيان لأنّ سببيته للهدى في غاية الظهور فالاهتمام ببيانه أولى ثم إن فيما ذكره المصنف رحمه الله أموراً (منها) أنه جعل ما ذكر جوابا والعلامة الزمخشريّ لم يلتفت إليه لأنه كما قيل: تعسف يصان عنه ساحة الإعجاز إذ الاستفهام ليسر باقيا على معناه حتى يكون له جواب وكونه محكياً ومقول القول يأبى الجواب غاية الإباء كما في قوله تعالى: {أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ} فإنّ المقصود به إبطال اعتقادهم فلذا تعين رفعه لا لأن وجوب المطابقة مخصوص بما إذا اتفق السائل والمجيب على الفعل وكان السؤال عنه كما مرّ تقريره، وأجيب بأنه على تقدير كون الاستفهام للإنكار ومعناه ليس في ضرب الأمثال بالمحقرات فائدة يعتد بها جعل جوابا ورذاً له بأنّ فيه فائدة وأي فائدة وهي إضلال كثير وهداية كثير وقريب منه ما قيل: من أنه لا يفهم من كلام المصنف أنّ الاسنفهام غير باق على حقيقته وأنه للاستحقار فقط لجواز إرادة الاستفهام الاستحقار معا أو يقال الجواب لدفع الاستحقار والمصنف رحمه الله تعالى ليس أبا عذرة هذا وقد سبقه إليه غيره كأبي عليّ الفارسيّ حيث قال: في كتاب القصريات: فإذا ليس مفعول أراد لأنه استوفى مفعوله وهو ماذا أو ضميره المقدر، وقوله يضل الخ على وجهين إمّا جواب عن سؤالهم على المعنى لا على اللفظ أو صفة مثلاً

والجواب وما يضل الخ على المعنى انتهى. فجنح إلى تعين الجوابية أو ترجيحها كما أشار إليه المصنف رحمه الله بتقديمها. (ومنها) أنّ حق الجواب على وجهي ماذا كما مرّ أن يكون باسم مرفوع أو منصوب وجوابه ما أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله: وضع الخ وهو غني عن البيان وقوله: أي إضلال كثير بالرفع في النسخ اقتصاراً على أرجح الوجهين وأظهرهما وفي بعض الحواشي أنه يجوز فيه الرفع والنصب على الوجهين وفيه نظر ظاهر) ومنها) : أنه قال: كما في أكثر النسخ المتداولة إضلال كثير وإهداء كثير وفي بعضها هدي كثير وهداية كثيرة وأورد على الأولى أنها خلاف الصواب لاتفاق أهل اللغة على أنه لا يقال أهدى من الهداية بل من الهدية فلا يصح منها الأفعال والازدواج غير مقيس وان قلنا إنه مشاكلة وهي من المجاز) قلت) قال ابن عطية في غير هذه السورة قرئ يهدي بضم الياء وكسر الدال وهي ضعيفة. وقال ابو حيان: حكى الفرّاء هدي لازما بمعنى اهتدى فإذا ثبت ما حكاه لم تكن ضعيفة لأنه أدخل على اللازم همزة التعدية انتهى. والقراءة وان كانت شاذة تثبت بها اللغة فثبت ما في بعض النسخ وان كان غريبا نادراً وقد نقله وأقرّه في الملتقط فلا وجه لإنكاره إلا عدم الوقوف على مثله في خبايا الزوايا واعلم أن ما ذكر ليس جوابا في الحقيقة للاستفهام ولا للإنكار والا. ستحقار لأن جواب الأوّل إنه أراد به التذكير وابراز المعقول في صورة المحسوس ليقرّ في الأذهان وجواب الثاني نظرا لظاهر الحال أنه جهل ناشئ من عمي البصيرة فنزل ما يؤول إليه الأمر منزلته وأوقع في موقعه وغير أسلوبه كما غير معناه ولذا جعله أبو عليّ في معنى الجواب وهذا ما وعدناك به فاعرفه. قوله: (وضع الفعل موضع المصدر الخ) إفادة الفعل للحدوث وهو الوجود بعد العدم من دلالته على الحدث المقارن للزمان والمراد بالتجدد الاستمرار في المستقبل وهو ما يقال: له استمرار تجددي والمضارع يستعمل له كثيرا كما صرّحوا به، ومنه علم اختيار المضارع هنا على الماضمي، ولذا قيل: المراد بالتجدد كثرته كما يشعر به التفعل ولما كان السؤال دالأ على عدم الفائدة ناسب في الرذ عليهم الدلالة على كثرة الفائدة المترتبة عليه فقط ما قيل عليه من أنه إن أريد بالتجذد الحدوث كان تكراراً بلا فائدة وإن أريد الحصول ضيئا فشيئا فليس بلازم للفعل ولا داخلاً في مفهومه كما في حواشي المطوّل للشريف لأنه يفهم من خصوصية الحدث واقتضاء المقام وهو المراد ولذا عبر المصنف رحمه الله بالإشعار والمراد انه عبر بالمضارع ليدلّ على أنّ الإضلال والهداية المذكورين لا يزالان يتجددان ما تجدد الزمان لما مرّ وليس المراد أنه عدل إلى لفظ الفعل المضارع للإشعار بالتجدد والحدوث لكون الفعلين المذكورين في تأويل المصدر كما في نحو تسمع بالمعيدي خير من أن تراه كما توهم تشبثا لظاهر قوله وضع موضع المصدر لأنّ المراد أنه عدل عما هو حق الجواب من الإتيان بالاسم الذي هو مصدر هنا سواء كان مرفوعا أو منصوبا وأتى بهذا الفعل بدله لما ذكر لا أنه جرّد الفعل فيه عن الدلالة على غير المعنى المصدري لأنه لو كان كذلك انسلخ عن الحدوث والتجدد كما لا يخفى، وقيل: إنه وضع الفعلان موضع الفعل الواقع في الاستفهام مبالغة في الدلالة على تحققهما فإنّ إرأدتهما دون وقوعهما بالفعل وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لإيهامه تساويهما في التعلق وليس كذلك فإنّ المراد بالذات من ضرب المثل هو التذكير والاهتداء كما في قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} وما يعقلها إلا العالمون وأمّ الإضلال فعارض وهذا مسلك آخر في العدول عن مقتضى الظاهر وهو مع تكلفه يأباه السياق لأنّ التمثيلى إذا لم يكن للإضلال لا يصل لوقوعه في موقع الجواب ولذا مدّ من موانعه فتدبر. قوله: (أو بيان للجملتين المصدّرتين بأما الخ) عطف على قوله جواب ماذا الخ وهذا ما اختاره في الكشاف من أنّ الجملتين المصدرتين بإمّا تشتملان على أمرين أحدهما إنّ كلا الفريقين موصوف بالكثر. ة وثانيهما أنّ العلم بكونه حقا من الهدى الذي يزداد به المؤمنون نورا إلى نورهم والجهل بموقعه من الضلالة التي يزاد بها الجهال خبطا في ظلمتهم وقوله يضل به الخ يزيد ما تضمنه الجملتان وضوحا، وفي الكشف أنّ هذا كما سيأتي

في القتال! نوع من الكلام يسمى في البيان بالتفسير وليس المراد به أنه يجري مجرى عطف البيان لخفاء في الأوّل يحتاج إلى إيضاج فإنه يكون استئنافا وجاريا مجرى الاعتراض! تتميما للبيان كما نحن فيه ويكون عطف بيان أيضا ومنه يعلم أن جعله جواب ماذا على معنى إضملالاً كثيراً وهدي كثيرا والعدول إلى الفعل لإرادة التجدد ليس بشيء وفيه تكلف يصان عنه النظم اهـ وهو ردّ على المصنف رحمه الله كما بيناه لك أوّلاً مع ما يعلم منه الجواب عنه أيضاً فتذكر. قوله: (وتسجيل بأن العلم بكونه حقاً الخ (التسجيل والإسجالط كتابة السجل وهو في العرف الكتابي الحكمي فأريد به لازمه وهو الحكم والجزم وقوله وبيان معطوف على قوله هدى ويجوز عطفه على قوله تسجيل والأوّل أولى وأقرب وأصل معنى البيان الكشف والمراد أنه إظهار لما هو مقصود منه كقوله تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى} [سورة آل عمرأن، الآية: 138] وجعله هدى مبالغة لأنه أثره ومنه جاء، وقوله لحسن مورده يقتضي أنه من المثل وقد تبع فيه الزمخشرفي. وقال في الكشف: إشارة إلى أنه غير مرضي ليس المثل بمعناه المصطلح بل أعمّ وكون المورد بمعناه اللغويّ خلاف الظاهر والمراد بالضلال فقد الطريق المستقيم، وقوله فسق وفي نسخة فسوق أي خروج عن تلك الطريق وفيه إشارة إلى دخول ما بعده في البيان. قوله: (وكثرة كل واحد من القبيلين الخ) يعني أنّ الأمرين المتقابلين وإذا وصف أحدهما بالكثرة المتبادر ووصف مقابله بالقلة وتحقيقه أنه إذا كان كذلك فلا خفاء فيه فإذا وصفا معاً بالكثرة لا يخلو أن تكون كثرتهما بالنسبة لشيء آخر أو لكل في نفسه بقطع النظر عن غيره أو نسبة كل منهما للآخر فعلى الأوّل محذور فيه كما أنّ العشرة والعشرين كل منهما يتصف بالكثرة نظراً للخمسة وكذا على الثاني فإنّ المقف ارين الكثيرين كثيران في نفسهما وإن قل أحدهما بالنسبة للآخر وأمّا على الثالث فلا يصح لأن إذا كان كل منهما كثيراً بالنظر لمقابله يلزم اتصاف كل منهما بالقلة والكثرة من جهة واحدة وأنه إذا قيل هذا أكثر من ذا لزم كون ذا قليلاً فإذا قيل: إنه أيضا أكثر منه كان قليلا كثيراً معا وهو باطل إلا أن يكون مختلف الزمان فما ذكره المصنف تبعا للزمخشريّ إن كان دفعاً لهذا فالمراد أنّ كثرته نجالنظر له في نفسه لا بالنظر لمقابله فلا محذور فيه كما صرّح به في قوله بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس إلى مقابلهم، وان كان المراد أنّ المهتدين من كل طائفة وفي كل عصر اقل من غيرهم لقلة الأخيار وكثرة الأشرار في كل عصر وقطر كما يومئ إليه قوله فإن المهديين فليلون بالإضافة إلى أهل الضلال فمحصل الجواب بعد تسليم أنه كذلك أنّ قلتهم بالنسبة لأضدادهم لا تنافي كثرتهم في نفسهم بقطع النظر عما سواهم فإن أريد دفع المنافاة رأسا ولو بحسب الظاهر تحمل الكثرة على الكثرة المعنوبة بجعل كثرة الخصائص اللطيفة بمنزلة كثرة الذوات الشريفة كما قيل: ولم أر أمثال الرجال تفاوتت لدى المجد حتى مد ألف بواحد ولكون هذا غير متبادر من الكثرة لا سيما وقد ذكر معها الكثرة الحقيقية فالظاهر أنهما على نمط واحد ولذا قال بعض الفضلاء: أنه في غاية البعد وإن كان ما علله به من أن النظر الى المعنى يوجب وصف أهل الضلال بالقلة لا وجه له عند من تدبر قول المصنف رحمه الله كثرة الضالين من حيث العدد. قوله: (كما قال سبحانه وتعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} الخ [سورة سبأ، الآية: 13] (قيل إنه لا يدلّ على ما قصده فإنّ الشكور المبالغ في الشكر إلا أنه تبع في هذا الزمخشريّ حيث قال: فإن قلت لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} وقليل ما هم، الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة، وجدت الناس أخبر نقله الخ وقد قيل في جوابه أنّ الشكور هو المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه في كل أوقاته فيكون واصلا إلى المرتبة الرابعة من الهداية كما مرّ في الفاتحة وهم قليل بالإضافة لمن عداهم يعني أنّ المهديين أنواع وهؤلاء نوع منهم وقد وصفوا بالقلة بالنسبة لمن عداهم ومثله يكفي في التمثيل فلا وجه لإنكاره فتأمّل. قوله: (قليل إذا عدّوا الخ) هو من قصيدة طويلة للمتنبي يمدح بها عليّ بن يسار التميمي وأوّلها: أقل فعالي بله أكثره مجد وذا الجد فيه نلت أولم أنل جد

سأطلب حقي بالقنا ومشايخ كأنهم من طول ما التئموا مرد ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا قليل إذا عدوا كثير إذا شدّوا إلى آخر القصيدة وشهرة شعره وديوانه تغني عن بيانه، وثقال جمع ثقيل كخفاف جمع خفيف، وحقيقة الثقلة معروفة، والمراد به هنا ثقل وطأتهم على الأعداء إذا لاقوهم كما أنّ المراد بخفتهم إسراعهم إلى الحرب إذا دعاهم لها من ينتصر ويستعين بهم ودعوا بضم الدال والعين مجهول دعاه إذا ناداه للحرب وشدوا بفتح الشين المعجمة من شد للحرب وفي الحرب إذا قاتل وحمل على أعدائه، وأصل شد شدد من باب ضرب إذا قوي وشددته شدا أوثقته ومنه شد الرحال كناية عن السفر وشد الحرب منه أيضا إلا أنه صه ار حقيقة عرفية فيه، وفي بعض ألفاظ هذا البيت تقديم وتأخيز في الديوان لا تغير المعنى كبير تغيير. قوله: (إن الكرام كثير في البلاد وإن الخ) هو من قصيدة طويلة لأبي تمام مدح بها عبد العزيز الطائي من أهل حمص وأولها كما في ديوانه: يا هذه أقصري ما هذه بشر ولا الخرائد من أترابها الأخر ومنها: قالوا أتبكي على رسم فقلت لهم من فاته العين هدى شوقه الأثر إنّ الكرام كثير في البلاد وان قلوا كما غيرهم قل وان كثروا لايدهمنك من دهمائهم عدد فإنّ جلهم بل كلهم بقر إلى آخر القصيدة جعل البكاء على رسم الأحبة من الكرام ثم بنى عليه التخلص إلى المدح أو الاقتضاب منه إليه كما فصله في الكشف ومعنى البيت إنّ الكرام كثير في الدنيا باعتبار نفعهم وقيامهم مقام الكثير في الغناء والفائدة وإن كانوا قليلاً بحسب العدد كما أنّ غيرهم بعكس ذلك ففيه شاهد لإطلاق الكثير على القليل لكثرتهم المعنوية وهو المراد في هذا التوجيه، وقل كما في الرواية المعروفة بضم القاف وتشديد اللام اختلف فيه شراح الكشاف فقيل إنه جمع قليل ككثير، وقيل: إنه مفرد وارتضاه ابن الصائغ فهو في الأصل مصدر قل يقل قلة وقلا كذل يذل ذلة وذلاً وهذا هو الظاهر بحسب العربية ولعله على الجمعية جمع اقل كأغرّ وغر لا قليل على أنّ أصله قلل بضمتين كنذير ونذر فخفف وأدغم كما قيل: لأن قواعد الصرف تأباه فإنهم قالوا إنّ أول المثلين في كلمظ إذا تحرّك يجوز إدغامه بشروط منها أن لا يكون جمعا على وزن فعل بضمتين كسرر وذلل لئلا يلتبس بفعل بضم فسكون كحمر جمع أحمر ولما كان الجواب الأخير على التنزل وتسليم القلة ظاهراً كان الشعر مناسبا له حيث وصف فيه الكرام بالقلة في أنفسهم من حيث العدد وبالكثرة من حيث المرتبة وغيرهيم بالعكس، فلا وجه لما في الانتصاف من أن الاستشهاد بهذا البيت غير مستقيم لأنّ معناه إن الكرام وإن كانوا قليلا فالواحد منهم كالكثير في النفع واللئام بالعكس لقبض أيديهم عن الجود إن تبعه صاحب الأنصاف، وبقي هنا كلام في شرح الكشاف للطيبي رأينا تركه أهم من ذكره، وقد مر ما يرشدك إلى أن تقديم المؤمنين في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة البقرة، الآية: 26] الخ لشرفهم كما قيل: فقلناله هاتيك نعمي أتمها ولاتبتئس إن المهم المقدم وانّ تقديم الضالين بعده في قوله يضل به كثيراً الخ لمقتضى المقام فإنّ سؤالهم ناشئ من الضلال وكون ما في القرآن سببا للضلال أحوج إلى البيان وقيل: لما كان سوق الكلام لبيان ضلال الكفرة كان تقديم حال المؤمنين وكونهم على الحق أدخل في تحقيق ضلالهم وأعون عليه وماذا بعد الحق إلا الضلال، فهو جار على مقتضى الحال لكن لما كان السياق في بيان حال الكفرة بالغ! ي ذمهم وأطنب في مثالبهم وهذا لم أر من تعرض له ولا يخفى ما فيه فتدبر. قوله: (أي الخارجين عن الإيمان الخ) قال الراغب: فسق فلان خرج عن حجر الثرع وذلك من قولهم فسق الرطب إذا خرج من قشره وهو أعم من الكفر والفسق يقع بالقليل والكثير من الذنوب لكن تعورف في الكبائر، ويقال للكافر فاسق لخروجه عن

مقتض الفطرة والعقل قال تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا} [سورة السجدة، الآية: 18] وقال ابن الأعرابي: لم يسمع الفاسق في وصف الإنسان في كلام العرب وإنما قالوا فسقت الرطبة عن قشرها. أنتهى. وفي الدرّ المصون زعم ابن الأنباري أنه لم يسمع في كلام الجاهلية ولا في شعرها فاسق، وهذا عجيب منه وقد قال رؤبة يذهبن في نجد وغوراً الخ (أقول) الظاهر أنه يعترض على ما ذكر بأنه كيف ينكر هذأ مع وروده في الأشعار القديمة كثيراً لا سيما وقد جاء في أفصح الكلام ولذا عده عجيباً، والعجب ممن لم يقف على المراد وحاد على طريق السداد فإن هذا مما اتفق عليه أئمة اللغة وقد عقد له ابن فارس في فقه اللغة بابا والعجب من صاحب المزهر أنه نقله عنه وتغ هنا المعرب وليس غفلة منه وإنما هو تغافل كما قيل: ليس الغبيّ بسيد في قو! لن سيدهم هو المتغابي قال ابن فارس رحمه الله في معرفة الألفاظ الإسلامية: كانت العرب في جاهليتها على إرث من آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكم وقوانينهم فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال ونسخت ديانات وأبطلت أمور ونقلت من اللغة ألفاظ عن مواضع إلى مواضع أخر وعد منها حتى قال: ولم يعرفوا الفسق إلا قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها فجاء الشرع بأنّ الفسق إلافحاس في الخروج عن طاعة الله تعالى انتهى. وهكذا قاله غيره من أهل اللغة من غير تردد فيه وحاصله أنه خروج الأجرام وبروز الأجسام من غير العقلاء من كون لآخر من حيز إلى حيز فنقله الشرع في الإسلام إلى خروج العقلاء من الناس عن الطاعة وشاع بعد ذلك حتى صار حقيقة عرفية لغوية ومنه بيت رؤبة فإنه ليس شاعرا جاهليا مع أنه في خروج الإبل وهي لا تعقل أيضا فلم يخرج عن الوضع، ومما أحدثوه منه الفويسقة للفأرة والفاسقية لعمامة كانت معروفة في العهد الأول وأما الفسقية للحوض فلم يرد في كلام العرب ولا أدري ما أصلها وبعض المتأخرين توهمها منسوبة للفسق فقال: هجوت فسقيتكم عامداً لأنها في اللهو أصلية أليس في فسق جمعتم بها فحق أن تدعي بفسقية قوله: (قال رؤبة الخ) هو رؤبة بن العجاح الراجز المشهور وهو شاعر إسلاميّ بليغ يستدل بكلامه ورؤبة براء مهملة مضمومة يليها همزة ساكنة ثم باء موحدة وهاء تأنيث ويجوز إبدال همزته واواً لسكونها بعد ضمة وقوله في أدب الكاتب إنه بالهمزة لا غير مما خطئ فيه، وقد يقال مراده أنّ هذه مادّته الأصلية فلا خطأ فيه وهو علم منقول وأصله من رأب الشيء إذا أصلحه والبيت من أرجوزة طويلة له وهو: يذهبن في نجد وضوراً غائراً فواسقا عن قصدها جوائرا وهو من صفة نوق وإبل سائرة في المفازة والنجد ما ارتفع من الأرض! وبه سميت بعض بلاد العرب والمراد الأوّل والغور بالفتح ما انخفض منها وغائرا صفة له من لفظه مؤكدة كليل أليل، وقوله يذهبن للنوق وفواسق بمعنى خوارج، والقصد هنا بمعنى الطريق المستقيم ويكون بمعنى الإرادة وجوائرا من جار عن الطريق إذا انحرف عنها وصرف فواسق وجوائر للضرورة أي أنّ الإبل تصعد وتهبط إذا عدلت عن جادّة السبيل. قوله: (والفاسق في الشرع الخ) يعني أنه نقل لكل خروج عن طاعة الله فيشمل الكفر والكبيرة والصغيرة لكنه اختص في العرف والاستعمال بمرتكب الكبيرة فلا يطلق على الآخرين إلا نادراً بقرينة ويدخل في أمر الله نهيه أيضاً بطريق اللزوم والدلالة إذ لا فرق بينهما وفي الأمر بالشيء نهي عن ضدّه أو على أن المراد بالأمر واحد الأمور، وهو ما جاء من قبل الله مطلقا والكلام في الكبيرة والاختلاف فيها مشهور وسيأتي، والمراد به ما كان شنيعاً من المحرّمات ويدخل فيه الإصرار على الصغيرة لأنها تصير كبيرة على ما اشتهر فلا حاجة إلى أن يزاد فيها هنا أو الإصرار على الصغيرة قيل: ولو ذكر كان أحسن، والتغابي بالمعجمة التغافل من غير غفلة كالتجاهل لمن يظهر والجهل وليس بجاهل من الغباوة وهي ضد الفطنة وف3 ارتكاب الكبيرة وما في حكمه إلى ثلاثة أقسام وفسر الأوّل بأن

يرتكب الكبيرة في بعض الأحيان مع علمه بحرمتها وقبحها شرعا لكنه لغلبة الهوى وتزيينه لها كمن لم يعلم قبحها فيشبه الغبيّ ولذا كان متغابيا. قوله: (والثانية الانهماث الخ) الانهماك في الأمر الجد فيه والولع والتقيد به، ولذا فسره بقوله أن يعتاد الخ وقوله غير مبال بها يعني به أنه لكثرة ارتكابها واعتيادها لا يخاف وبالها والطعن بها يقال: لا أباليه ولا أبالي به أي لا أهتم به ولا أكترث له قالوا: ولا يستعمل إلا مع النفي كغير هنا وهذا وان كان مستقبحاً لها إلا أنه لعدم المبالاة كأنه غير مستقبح بها فلذا لم يذكره وأما ارتكابها أحيانا مع عدم المبالاة فنادر لأنّ عدم المبالاة يقتضي الاعتياد غالبا فلا يرد عليه أن ثمة درجات أخر. قوله: (والثالثة الجحود وهو الخ) يقال جحده حقه ولحقه جحداً وجحودا إذا أنكره ولا يكوز إلا عن علم من الجاحد به كما صرح به أهل اللغة وانكار الأمور الدينية عندنا كما قاله ابن الهمام يكون كفرا إذا علم من الدين بالضرورة أو علم المنكر ثبوته ولح في العناد فإنه يكفر لظهور أمارة التكذيب وعند الشافعية قال النووي في الروضة ليس تكفير جاحد المجمع عليه على إطلاقه بل من جحد مجمعا عليه فيه نص وهو من الأمور الظاهرة التي يثترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة وتحريم الخمر ونحوهما فهو كافر، ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب ونحوه فليس بكافر، ومن جحد مجمعاً عليه ظاهرا، لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف انتهى. فلا خلاف بيننا وبينهم في هذه المساً لة فالمراد بجحدها جحد حرمتها فلا يستقبحها ولا يبالي بها ويكون ما جحده ما ذكرناه وعلى هذا يحمل كلام المصنف رحمه الله وتركه للعلم به ولتصريحه به سابقا في قوله يؤمنون بالغيب كما مرّ، فما أورد على المصنف رحمه الله من أنّ مرتكب الكبيرة المستصوب لها ليس كافرا مطلقا غير وارد ولا! ا-ة لما ور! رفه في دفعه! ط بر. قولى: (فإذا شارف هذا المقام الخ) مشارفة الشيء القرب منه وأصله من الشرف وهو المكان المرتفع فكأنه يطلع على محل عال لينظر ما يريده فيقرب منه والتخطي فعل الخطوة وهي نقل القدم والخطط جمع خطة بكسر الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة قبل! اء تأنيث المكان الذي ينزل فيه المسافر ولم ينزله أحد قبله يقال. اختط وخط عليه إذا حظره وحدده لنفسه ثم صار بمعنى المحلة مطلقا وجمعه خطط يكسر ثم فتح بزنة عنب، والمقام هنا معنوي كالمنزلة والمرتبة، والمراد به الاتصاف بما ذكر من تحليل الحرام واستحسان القبيح واستصوابه، والربقة بكسر الراء المهملة وسكون الباء الموحدة بعدها تاف وهاء حبل فيه عروة تشد به البهائم والأسير ويجعلى في العتق ليقاد بها فإذا خلعت أي طرحت أو قطعت لم ينقد فلذا جعل خلع الربقة وقطعها عبارة عن عدم الطاعة والانقياد كما في قول المصنف رحمه الله خلع ربقة الإيمان من عنقه وهو كناية أو استعارة تمثيلية أو مكنية وتخييلية عما ذكر، فإن قلت ليس كل استصواب للكبيرة كفرا على أنه إنما يكفر الجاحد إذا جحد ما مر مما علم من الدين بالضرورة أو كان في حكمه لا إذا شارف الجحود فكلام المصنف رحمه الله غير صواب والصواب ترك المشارفة. قلت هذا مما يلوج في بادي النظر لإذا وقفت على مراد المصنف رحمه الله عرفت اندفاعه فإن أردت تحقيق ذلك فاصخ لما يتلى عليك واعلم أن المشار إليه بهذا المقام هو مقام الجحد لما علم من الدين بالضرورة وما يقوم مقامه مما يدل عليه التكذيب وخلع ربقة الإيمان والدخول في الكفر لاتصافه بما يصير به كافرا عند أهل السنة لأنّ قوله خلع الخ جواب إذا فهو مرتب على مجموع مشارفة مقام هذا الجحد وتخطي مجال هذا المقام وخططه والضمير المضاف إليه الخطط راجع للمقام لا للشخص كما يقع في بعض الأوهام وتخطي تلك المحال إن لم يكن يتجاوزها فهو بالدخول فيها بغير مرية ولا شك حينثذ في كفره، وقوله لاتصافه بالتصديق مناد بتصديقه لمن ألقى السمع وهو شهيد، وإنما ذكر المشارفة لتصوير الحال وبيان ترتب الثالث على الثاني وتأدية الانهماك إلى الاستحلال وتعب يمره بالربقة إيماء لما يعقبه من نقض العهد وحباله " وخلع ريقة الإسلام من العنق " مما ورد بلفظه في الحديث الشريف. قوله: (لاثصافه بالتصديق الخ) قيل: إنه

يدل على أنّ الإقراش ليس بركن من الإيمان بل شرط لإجراء أحكام الدنيا عليه كالصلاة عليه ودفنه في مقابرنا ونحوه ولا بد من أن يكون إقراره أيضاً على وجه الإعلان للمسلمين بخلاف ما إذا كان لإقمام الإيمان فإنه يكون بمجرّد أليهلم، والخلاف في القادر على التكلم لا العاجز كالأخرس ثم اختلف أهل التحقيق في المراد بالتصديق هنا هل هو المنطقي وهو الإذعان والقبول أو هو أمر آخر أخص منه ولذا قال بعض المحققين المعتبر في الإيمان التصديق الاختياري ومعناه نسبة الصدق إلى المتكلم اختياراً، وبهذا القيد يمتاز عن المنطقي فإنه يخلو عن الاختيار وذهب بعض المتأخرين إلى أنه بعينه المنطقيّ غايته أنه نوع منه بالمعنى اللغوي والتصديق والتسليم واحد كما يعلم من كلام كبار الصحابة وعلماء الأمة وتفصيله في الكلام وقد مر نبذ منه وقوله لقوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ} الخ دليل على أنّ اسم المؤمن لا يسلب عمن لم يشارف الجحد فانّ الاقتتال كبيرة وقد أطلق على المقتتل أنه مؤمن ولو كان باغيا فقال: قاتلوا التي تبغي حتى تفيء الخ وحتى تقتضي الامتداد في البغي وهو انهماك فلا يرد عليه أنه لا دلالة فيها على أنّ اسم المؤمن لم يسلب عن المنهمك فإنه بمجرّد القتال لا يتحقق الانهماك. قوله: (والمعتزلة لما قالوا الخ) اختلف المعتزلة بعد اعتبارهم العمل في الإيمان هل المراد بالعمل الطاعة مطلقا أو الفرض فذهب بعضهم إلى الأوّل وبعضهم إلى الثاني، وهل الإيمان العمل فقط أو مجموع الثلاثة، ونزوله منزلة المؤمن أنه يحكم له بحكم الإيمان من التناكح والتوارث والدفن والصلاة عليه وغير ذلك، وتنزيله منزلة الكافر في استحقاقه ا! لذم، التخليد في النار وعدم قبول شهادته، ومشاركتة للمؤمن فيما ذكر وفي أصل التصديق وللكافر مي عدم الطاعة وفيما ذكر وأول من أظهر المنزلة بين المنزلتين واصل بن عطاء حين اعتزل مجلس الحسن كما تقرّر في محله. قوله: (وتخصيص الإضلال الخ) التخصيص مأخوذ من الحصر وترتبه على الفسق من تعليقه بالمشتق كما مرّ من اقتضائه العلية المقدمة على المعلول رتبة ومرتبا بصيغة المفعول حال من الإضلال وقيل: إنه يجوز فيه أن يكون بصيغة اسم الفاعل حالاً من الفاعل المقدّر للتخصيص وهو الله تعالى وهو تكلف لا حاجة إليه وان جاز والضمير لي توله على أنه للفسق وما بعده يدل على أنّ الفسق هنا بمعنى الكفر لأنه يطلق عليه كما مر من شاع في الكبائر حتى اختص بها عرفا، والفاسقين منصوب على أنه مفعول يتجلى لأنه استثناء مفرّغ وأعد بمعنى هيأ فالفسق جعلهم مستعدين لخلق الله فيهم الضلال وأدى بهم بمعنى أوصلهم إلى الضلال به أي بما ذكر من المثل وبه سقط في بعض النسخ، وأذى متعد بنفسه، والمصنف رحمه الله عداه بالباء ففي كل من الفسق والميل سببية باعتبار كما أشار إليه بقوله لأنّ كفرهم الخ وإصرارهم بالباطل مضمن معنى تصريحهم به ولذا عداه بالباء والمعروف تعديه وهلى وقوله صرفت أنثه باعتبار الأمور المذكورة وترك قول الزمخشري إنّ إسناد يضل مجازي إلى السبب لابتنائه على الاعتزال مع ما يرد عليه من أنّ التصريح بالسبب في قوله به يأباه إلا أن ومال إنه تعالى تسبب بضربه المثل تسببا قريبا مع ما فيه مما يعلم من شرح الفاضل التفتازاني اقوله: وقرئ يضل على البناء للمفعول أي في هذا وفيما تقدم وكذا قرئ يهدي أيضا وكان مليه أن يذكره لئلا يرد عليه ما قيل: من أنه لم يوف هذه القراءة حقها وان قيل إنه سكت عنه احلمه بالقرينة فتأمل. قوله: (صفة للفاسقين) وجوز فيه القطع وأن يكون مبتدأ خبره جملة ا، لنك، ووجه تقريره للفسق أنّ الخروج عن العهدة خروج عن الإيمان وأصل معنى النقض لقون في الحبل ونقيضه الإبرام وفي الحائط ونحوه، ونقيضه البناء وظاهر كلام الراغب أنه في العقد والعهد حقيقة فلعله ملحق بالحقيقة لثيوعه فيه، وقد جوّز في قول الزمخشري من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد أن يكون شاع بالشين المعجمة وعين مهملة وأن يكون بسين مهملة وغين معجمة، والطاقات جمع طاقة وهي ما ينعطف بعضه على بعض من بناء أو جيل وقوله: واستعماله الخ في الكشاف، فإن قلت من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين

ومنه قول ابن التيهان رضي الله عنه في بيعة العقبة يا رسول الله أنّ بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها فنخشى إن الله عز وجل أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه ونحوه قولك عالم يغترف منه الناس، وشجاع يفترس أقرانه قالط قدس سره يريد بيان الاستعارة بالكناية وما يكون قرينة عليها وتد اتفقوا على أنّ في مثل أظفار المنية يد الشمال استعارة بالكناية واستعارة تخييلية لكن اضطرب كلامهم في تحقيق الاستعارتين وفي أن قرينة الاستعارة بالكناية هل يلزم أن تكون تخييلية البتة وار، مثل لفظ الأظفار واليد هل هو مستعمل في معنى مجازي أم لا والأشبه بل الصواب ما أشار إليه المصنف وهو أنّ المستعار بالكناية في أظفار المنية هو لفظ السبع المذكور كناية بذكر شيء من لوازمه كالأظفار وهو مسكوت عنه صريحاً لكنه في حكم المذكور، وههنا قد سكت عن الحبل ونبه عليه بذكر النقض حتى كأنه قيل ينقضون حبل الله أي عهده والنقض استعارة تحقيقية تصريحية حيث شبه إبطال العهد بإبطال تأليف الجسم وأطلق اسم المشبه به على المشبه لكنها إنما جازت وحسنت بعد اعتبار تشبيه العهد بالحبل فبهذا الاعتبار صارت قرينة على استعارة الحبل للعهد وبهذا ظهر إن الاستعارة المكنية قد توجد بدون التخييلية وانّ قرينتها قد تكون استعارة تحقيقية وأمّا في مثل أظفار المنية فالمحققون على أنّ الأظفار ليس مستعملا في معنى مجازي محقق وهو ظاهر ولا يتوهم كما زعم صاحب المفتاح بل هو في معناه لكن إثباته للمنية استعارة تخييلية بمعنى جعل الشيء لشيء ليس هو له فقرينه الاستعارة بالكناية ههنا استعارة تخييلية ومذاهب القوم فيها مبسوطة في المعاني، وابن التيهان بكسر الياء على الصحيح وصوب المرزوقي الفتح ثم قال: والبيص، استشهاد لاستعارة الحبل للعهد صريحا ثم القطع لنقضه. (أقول) فيه بحث من وجوه الأوّل أنّ مقتضى كلام العلامة والشارح أنّ المكنية إنما تصح أو تحسن إذا علم تشبيه المذكور بالمكنى عنه قبل ذلك فعليه كيف يستعار يد الشمال والشمال لم تشبه قبل ذلك بإنسان ولم يعهد فيها ذلك ونظائره كثيرة وفي الكشف ما شاع تشبيهه قبل اقترانه بالتخييل بجعل كناية وان أريد بصورة التخييل معنى آخر فإن لم يعهد ذلك يجعل ما جعل في مثله تخييلا استعارة تبعية كما في {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ} والثاني أنه قال: استفدنا من هذا أن قرينة الاستعارة بالكناية لا يجب أن تكون تخييلية بل قد تكون تحقيقية كاستعارة النقض لإبطال العهد ويرد عليه أنه لم يكون مستعملاً في معناه الوضعي وكون الحبل استعارة بالكناية يقتضي ذلك وكذا الافتراس والاغتراف واستعارة الحبل للعهد تأبى استعارة النقض للإبطال ومن قال استعارة النقض للإبطال إنما جاءت بعد استعارة الحبل للعهد فقد عكس الأمر وقد قيل: إنّ كلام صاحب الكشاف لحتمل أن يكون النقض بعد إثباته للعهد كناية عن بطلانه كما أنّ نشبت مخالب المنية كناية عن الموت وأن يكون مراده شاع استعمال النقض في مقام إفادة إبطال العهد أو في إظهار إبطال العهد ولا يخفى أن جعل القرينة مطلق التخييل أقرب إلى الضبط. الثالث: لو كان النقض مجازاً عن إبطال العهد لزم أن يكون ذكر العهد مستدركاً فالوجه أا! ايقال بمعنى الإبطال فقط. الرابع: أنّ قوله والبيت استشهاد الخ لا معنى له فإنّ كلام ابن التيهان كلام منثور كماءذكره ارباب السير فأيّ بيت هنا ولك أن نجيب عن الأوّل بأنّ مراده اشتراطه فيما كان التخييل فيه مستعملاَ في معنى غير حقيقي فإنه لا يكون من روادفه ولوازمه حتى يدل عليه فإذا عهد قبل ذلك تشبيهه به يصح الانتقال إليه بمجرّد ذكر لفظ كان معناه لازماً له والا فلا وعليه ينزل للامهم، وعن الثاني بأنهم استعملوا كثيرا النقض بمعنى إبطال العهد وإن لم يذكر معه العهد كما في الأساس فالظاهر إجراؤه على ما تقرّر قبل ذلك، وعن الثالث بأنّ العهد خارج عن معناه خروج البصر عن العمى في قولهم العمى عدم البصر إذ لا بصر مع العمى ولا عهد مع النقض وعن الرابع: بأنه وقع كذا في النسخ وهو سهو من طغيان القلم، ورأيت في بعض النسخ

البين لالنون بدل! اكء وكتب عليها بعضهم أي حديث البين أي الحديث الذي نحن بصدده المصدر بلفظ بين في قوله إن بيننا وبين القوم الخ ولا يخفى تكلفه من غير داع ولعل الاعتراف بالخطأ أحسن من هذا الصواب. قوله: (فإن أطلق مع لفظ الحبل الخ) بأن قيل ينقضون حبل الله يكون الحبل استعارة تصريحية والنقض ترشيح وإنما عبر بالمجاز للإشارة إلى أنّ الاستعارة المكنية حقيقة فلا يقال إنه لم يصادف محزه واستعمل أطلق مع الترشيح وذكر مع التخييل للتفنن ولا يخفى حسن الإطلاق مع الحبل والذكر مع العهد وقيل: لأنّ النقض لما كان في الأوّل ترشيحا كان مطلقاً على معنى ومستعملاً فيه ولما كان ههنا قرينة للاستعارة كان تابعاً له فكأنه لم يطلق على معنى بل إنما ذكر لينتقل إلى متبوعه والمراد بالروادف اللوازم ولا يخفى أنّ كلام المصنف راجع إلى ما قرّره في الاستعارة بالكناية محتمل لما يحتمله غيره وقيل إنه يشعر بأنّ الاستعارة لالكناية هي اللازم المذكور سمي استعارة لاستعارته للمشبه وبالكناية لأنه كناية عن النسبة وهو) نبات الحبلية للعهد، وهو قول رابع ذهب إليه في الكشف وحمل كلام الكشاف عليه فقوله إلى ما مو من روادفه ضمير هو راجع إلى النقض المستعار لما يرادفه من الإبطال المستلزم لأنّ العهد حبل بطريق الكناية وقيل: إنه عائد إلى ذكر النقض مع العهد لا إلى النقض كما توهم، وقيل: إن الظاهر أن يقال وهو العهد فتكلف في توجيهه والمعنى إن ذكر النقض كأن ر! زا إلى ما يتبع ذلك الذكر وهو الحكم على العهد بأنه حبل بطريق المبالغة في التشبيه فتأمّل. قوله: (والعهد الموثق) قال الراغب: وثقت به اعتمدت عليه وأوثقته شددته وما يشذ به وثاق والوثاق والميثاق عقد يؤكد بيمين والموثق الاسم منه قال تعالى: {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} [سورة يوسف، الآية: 66] أو هو مصدر أو اسم موضع الوثوق فالعهد للوصية واليمين لأنها تعهد وتحفظ وللمنزل كما ذكره الجوهري والتاريخ أي للزمان المؤرخ به كما يقال فعل على عهد فلان كذا، والتاريخ قيل: إنه معرب ماء روز أي حساب الشهور والأيام وقيل إنه عربي وهو الأظهر إذ في الأوّل بعد ظاهر وقوله وهذا العهد أي المذكور هنا إمّا العهد المأخوذ بالعقل لأنه تعالى لما خلقه فيهم كأنه أخذ عليهم العهد ووصاهم بالنظر في دلائل التوحيد وتصديق الرسل إذ العقل كاف في ذلك، وأمّا وجوب النظر فيه فهل يجب عقلا أو شرعاً فمختلف فيه على ما تقرّر في الأصول ثم وثقه بإرسال الرسل وإنزال الكتب واظهار المعجزات فوجب الإيمان بجميعه قال الراغب: العهد المأمور بحفظه ضربان عهد مأخوذ بالعقل وعهد مأخوذ بإرسال الرسل والمأخوذ بالرسل مبيّ على المأخوذ بالعقل ولا يصح إلا بعده ومعه وقد حملت الآية عليهما، وقال الإمام: المراد بهذا الميثاق الحجة القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسوله فعلى هذا يلزم الدمّ لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وأوح في العقول من دلائلها وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها والناقضون على هذا الوجه جميع الكفار، وقوله تعالى: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} إشارة إلى آية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ} الآية فإشهادهم على أنفسهم خلق العقل فيهم وإقامة الحجج وسيأتي بيانها، وقوله أو المأخوذ بالرسل الخ يعني المراد بالعهد ما عهد إليهم في الكتب السالفة هن أنه إذا بعث إليهم صدقوه فيكون المراد بالناقضين أهل الكتاب والمنافقون منهم وبؤيده أنّ المستهزئين بالأمثال كما روى ابن حبان أحبار اليهود، وما نقله من أنّ العهود المذكورة في القرآن ثلاثة عهد أخذ على جميع بني آدم بالعقل والحجة كما مرّ وعهد أخذ على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتبليغ وأن لا يتفرّق مدعاهم في التوحيد وعهد أخذ على العلماء أن لا يكتموا ما علموه هذا ليس تفسيراً للأية لأن عهد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تصح إرادته إذ لا نقض (منهم) بل المراد الأوّل وهو أحد الوجهين السابقين ويصح إرادة الأخير بأن يكون المراد بالعلماء علماء أهل الكتاب كاليهود ربالناقضين الكفار والمنافقين منهم، واعلم أنه على التفسير الأوّل للعهد الظاهر أنه مجاز بأن تشبه الحجج والبراهين التي اقتضاها العقل بالعهود والمواثيق فيهيف يكون

استعارة مكنية اللهم إلا أن يكون من قبيل فأذاقها الله لباس الجوع والخوف فتأمّله فإنهم سكتوا عنه. قوله: (الضمير للعهد الخ) الميثاق مفعال وهذا الوزن في الصفات كثير مصرح به في النحو كمنحار ومعطاء لكثير النحر والعطاء ويكون مصدراً أيضا عند الزمخشري وأبي البقاء كميلاد وميعاد بمعنى الولادة والوعد وأنكره بعض النحاة حتى إنّ ابن عقيل وابن عطية أوّلاً قول الزمخشريّ بأنه واقع موقع المصدر كعطاء بمعنى إعطاء، ويكون اسم آلة كمضراب ومرقاة مرآة ومحراث وهذا لم يذكره النحاة أيضا لكنه وقع ألفاظ منه مستعملة لذلك وهو قريب لأن مفعل بالكسر من أوزانها فكأنه إشباع له ولا مانع منه وقد حمله عليه هنا بعض أرباب الحواشي، وفي الكشاف الضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهداً لله من قبوله وإلزامه أنفسهم ويجوز أن يكون بمعنى توثقه كما أن الميلاد والميعاد بمعنى الوعد والولادة ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله أي من بعد توثقته عليهم أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وانذار رسله، وفي الكشف فإن قيل: قد فسر العهد بالموث وهو والميثاق واحد ولهذا فسر موثقا من الله بما أوثق به من الله تعالى فإن رجع الضمير إلى العهد كان المعنى من بعد ميثاق الميثاق وهو غير ظاهر، أجيب بأنّ العهد لما فسر بما ركز في العقول أو ما أخذ الله عليهم من التصديق صار بمعنى المعاهد عليه فجاز أن يضاف إليه الميثاق وهو ما يقع به الوثاقة من التزامهم القبول على أنّ ميثاق الميثاق غير ممتنع فإنه تأكيد له وذلك أنّ ما ركز في عقولهم من الحجج على وجوده وقدرته وحكمته وجوده ميثاق وتأييده بالحجج السميعة وارسال الرسل ميثاق الميثاق ثم الأولى أن يرجع الضمير إلى الله تعالى (أقول (كونه أولى ظاهر إذ ليس فيه إضافة الشيء إلى نفسه المحتاج إلى التأويل المذكور وقد خفي على بعضهم ولم يلتفت إلى عود الضمير إلى المضاف إليه وهو خلاف الفصيح المعروف لأنه إنما هو في كير الإضافة اللفظية وأمّا فيها فمطرد كثير وما نحن فيه كذلك لأنه مصدر أو مؤوّل بمشتق كما أشار إليه فيكون كقولك أعجبني ضرب زيد وهو قائم ووجهه أنها في نية الانفصال فالمعترض لم يفهم كلامه. قوله: (وما وثق الله به عهده) أخر الزمخشري هذا الوجه قيل: لأن الثاني أبلغ في الذم وهو المراد من قوله ينقضون عهد الله على ما صرّح به نفسه فإن نقضهم العهد الذي أحكموه بالقبول والالتزام أشنع من نقغهحهم العهد الذي لم يحكموه ولكن أحكمه الله ثم الوجه الثالث لأن الأحكام وان كان مطلقاً لكن المقام يعين ما حاشية الشهاب / ج 2 / م اا هو اللائق له وقوله بمعنى المصدر ومن للابتداء مرّ الكلام فيه. قوله: (يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله سبحانه وتعالى الخ) حمله المصنف على العموم والزمخشري خصه فقال معناه قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، وقيل قطعهم ما يين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض وقد رجح الوجه الأوّل من وجهي التخصيص بأنّ الظاهر أنه توصيف للفاسقين بأنهم يضيعون حق خلق الله بعد وصفهم بتضييع حق الله تعالى وتضييع حقه تعالى بنقض عهده وتضييع حق خلقه بقطعهم أرحامهم وقيل: إخه لا منافاة بين كلام المصنف رحمه الله تعالى والكشاف لأن قوله: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ} متصل بقوله: {إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} وهو إما مظهر وضع موضع المضمر وهم الطاعنون في التمثيلات التنزيلية وحينئذ لا يخلو إما أن يراد بهم المشركون فالمراد بقطع الأرحام عداوتهم لرسول الله يتت! هـ وامّا أن يراد بهم أهل الكتاب فالمراد قطعهم ما بين الأنبياء عليهم الصحلاة والسلام من الوصلة لإيمانهم ببعض وكفرهم ببعض وأما عام في جميع الفسقة فحينئذ يحمل على ما قاله القاضي رحمه الله ويدخل فيه أحد الفريقين على البدل دخولأ أولياً بشهادة سياق الكلام انتهى وفيه نظر، وقوله وترك الجماعات المفروضة كالجمعات لأنها سبب للألفة بين المؤمنين التي من الله بها في قوله: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [سورة الأنفال، الآية: 63] وقوله: فإنه يقطع الخ تعليل لقوله وسائر الخ فإنه يشمل الشر والرفض المتعلق بالفاعل في نفسه كتركه الصلاة ولا قطع فيه ظاهر، وهذا مع ظهوره تردّد في معناه بعضهم، وفي القطع

والتوثيق ترشيح للمكنية. قوله: (والأمر هو القول الطالب للفعل) إسناد الطالب مجازي وحقيقته الدال على الطلب والأمر يكون بالمعنى المصدري فالقول على ظاهره وبمعنى الصيغة فالقول بمعنى المقول وتعميم الطالب يشمل المندوب وهو حقيقة فيه عند بعض الشافعية، واشتراط الاستعلاء الأعم من العلوّ مذهب الجمهور والكلام عليه مبسوط في كتب الأصول. قوله: (وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور) أي نقل الأمر الطلبي إلى الأمر الذي يصدر عن الشخص لأنه يصدر عن داعية تشبه الأمر فكأنه مأمور به أو لأنه من شأنه أن يؤمر به وهو الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله فإنه الخ كما سمي الخطب والحال العظيمة شأنا وهو مصدر في أصل اللغة بمعنى القصد سمي به ذلك لأنه م!! ضأنه أن يقصد وليس الكلام على هذه الأقوال مما يهمنا فإن كتب الأصول كفت مؤنته،، إنما الكلام في واحد الأمور والأوامر فإنّ أهل الأصول قالوا إنّ الأمر بمعنى القول المخصوص يجمع على أوامر، وبمعنى الفعل والشأن على أمور ولا يعرف من وافقهم إلا الجوهري في قوله أمره بكذا أمرا وجمعه أوامر وأمّا الأزهري أمام أهل اللغة فقال: الأمر صد النهي واحد الأمور وفي محكم ابن سيده لا يجمع الأمر إلا على أمور ولم يذكر النحاة أد فعلا يجمع على فواعل، وفي شرح البرهان إن قول الجوهري غير معروف وإن الأوامر صح بوجوه الأول أنه جمع آمر بالمد بوزن فاعل وصح أنه اسم أو صفة لما لا يصقل وهو مجاز لأن الآمر الشخص لا القول ولم يقولوا إنّ هذه الصيغة مجاز فكيف يخرج عليه للامهم مع تصريحهم بأنها جمع أمر، الثاني: أنه مجاز جمع آمرة وهي الصيغة وفيه ما مر، وعن ابن سيده أن الآمرة مصدر كالعافية وعليه خرجت هذه الصيغة وفيه نظر الثالث أنه حمع الجمع جمع على أفعل كأكلب وهو على أفاعل كأكالب وردّ بأنّ أوامر ليس أفاعل بل! راعل بخلاف أكالب وأجيب بأنه يخوز أن ي! س ن فاعل أبدلت همزته واواً كأوادم وهو قياس مطرد، وفرب شرح المحصول أنه لا يتم في النواهي وكونها جمع ناهية مجازاً تكلف وكذا ثونه لمشاكلة الأوامر فإنه يستعمل مفرداً فتأمل. قوله: (وأن يوصل الخ) ترك احتمال الرفع سقدير هو اًن يوصل لتكلفه لفظاً ومعنى، ورجح البدل من الضمير المجرور لفظا لقربه، معنى لأنّ قطع ما أمر الله بوصله اً بلغ من قطع وصلى ما أمر الله به نفسه وهو ظاهر راحتمال النصب بالبدلية من محل المجرور والنصب بنزع الخافض أي من اًن يوصل لا داعي له سوى تكثير السواد وقيل: إنه مفعول لأجله أي لأن يوصل أو كراهة أن يوصل. مرله: (بالمنع عن الإيمان) بالنهي عنه وغيره والاستهزاء بالحق من الأمثال المنزلة وغيرها، - الوصل كرطب جمع وصلة وقوله التي الخ بيان لكون قطعها إفساداً في الأرض والحمل لحلى جميع هذه الأمور أولى. قوله: (الذين خسروا الخ) قال الفاضل في شرح الكشاف: انه إشارة إلى أنهم جعلوا بمنزلة المتاجرين على طريق الاستعارة المكنية حيث استبدلوا شيئاً سنميء أنتهى. وفال الطيبي ة بشير إلى أنّ تلك الاستعارة التي سبقت في قوله ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه متضمنة للاستبدال المستعار له البيع والشراء استعارة قوله اشتروا الضلالة بالهدى، ولذا ذيل بقوله أولئك هم الخاسرون فإنّ الخسران لا يستعمل إلا في التجارة حقيقة فتكون قرينة للاستعارة الققدّرة شبه استبدال النقض بالوفاء المستلزم للعقاب بالاشتراء المستلزم للخسران) أقول) هذا من خبايا دفائنه فإنه جعل فيه التخييلية نفسها مع قرينتها مكنية، وأثبت لها تخييلية أخرى فيكون في الجملة الأولى مجاز بمرتبتين بل بمراتب إذا كانت مكنية في العهد تخييلية في النقض كما مرثم جعل مجموع الجملة مكنية تمثيلية وأثبت تخييلا آخر فانظره فإنه من سحر البلاغة قلما يعثر عليه غير صاحب الكشاف فلقه در اً بيه ولعلك يرد عليك ما يشفي الغليل فيه والباء في كلام المصنف رحمه الله داخلة على المتروك كما سيأتي تحقيقه ثم إنّ الخسران يكون بإضاعة رأس المال كله أو بعضه وبالضرر عدم الفائدة فإهمال العقل الخ بمنزلة إضاعة رأس المال والاقتناص الصيد وهو معطوف على العقل أو النظر ولم يذكر القطع، والوصل مع ذكره في النظم

والكشاف لاندراجه في الإفساد كما يعلم من تفسيره، وعبر بالاستبدال في الإنكار والطعن وبالاشتراء في النقض والفساد للتفنن وقيل: لأنّ الاستبدال فيه مبالغة لتركهم ما في أيديهم، إلى غرة ليست في الاشتراء لأنه يعبر به عن الرغبة، وفيه نظر. قوله: (استخبار فيه إنكار وتعجيب الخ) ألاستخبار طلب الخبر بالجواب كما أنّ الاستفهام طلب الفهم منه، والفرق بينهما أنّ الاستخبار لا يقتضي عدم العلم بخلاف الاستفهام فلذا يستعمل الأوّل في حقه تعالى وان كان كل منهما قد يستعمل بمعنى الآخر فإن قلت الاستخبار لا يخلو من أن يكون معنى حقيقياً لصيغة الاستفهام أو مجازياً، والإنكار والمتعجب والتعجيب من معانيه المجازية فعلى الأؤل يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وعلى الثاني يلزم الجمع بين معنيين مجازيين وكلاهما مما يمتنع، ولذا قيل: الأولى أن يقولي استخبار بمعنى التوبيخ والتعجيب إذ ليس هو في الحقيقة استخبار (قلت) ذكر سيبويه أن أرأيت بمعنى أخبرني وقالوا قاطبة في باب التعليق أنه معنى مجازي فدلالته على التعجب ونحوه إمّا تجوّز على تجوّز لشهرة الاستفهام في معنى الاستخبار حتى كأنه حقيقة فيه وإن كان في أرأيت أشهر أو أنّ! لالته على ذلك بطريق الاستتباع واللزوم لا من حاق اللفظ فلا محذور فيه، والقائل غفل عن قوله والمعنى أخبروني ولا مانع من اذعاء الحقيقة فيه، وتعجيب وقع في نسخة موافقا لما في الكشاف وفي أخرى تعجب قيل: والأولى أولى لما في التيسير أن كيف تكون للتعجب نحو انظر كيف يفترون على الله أي تعجب يا محمد وللتعجيب أي الحمل على التعجب كما هنا ومنهم من فسر التعجب هنا بمعنى أنه يتعجب منه كل عاقل يطاء عليه والا فحقيقته محالة عليه تعالى ولا يخفى أن التعجب إذا أطلق عليه تعالى كما في حديث " عجب ربكم " يكون بمعنى الاستعظام كما صرح به في الكشاف في غير هذا المحل لأن العجب روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء وهو محال عليه تعالى فيراد به غايته والإنكار بمعنى أنه كان الواجب أن لا يكون وقد يكون بمعنى أنه لا يكون وكلام الكشاف مشعر بأنه بالمعنى الثاني: ولكن مراده أنه لا ينبغي أن يكون بل ينبغي أن لا يكون لقوّة الصارف عنه كما لا تكون المحالات لاستحالتها في أنفسها، ولهذا اً ضاف إلى الإنكار التعجيب كما فعل المصنف رحمه الله والعجب لا يكون إلا مما وقع فمع ذكره لم يبق في كلامه احتمال آخر لكنه شدد في إنكاره فلا عبرة بتوهم خلافه. قوله: (بإنكار الحال التي يقع عليها على الطريق البرهاني الخ) في الكشاف بعدما ذكر أنه للأنكار والتعجيب حال الشيء تابعة لذاته فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال فكان إنكار حال الكفر لأنها تتبع ذات الكفر ورديفها إنكار الذات الكفر وثباتها على طريق الكناية وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ، وتحريره أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك من حال وصفة عند وجوده ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهان أص. وفي المفتاح {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} الخ المعنى التعجب ووجه تحقيق ذلك هر أنّ الكفار في حالى صدور الكفر عنهم لا بدّ أن يكونوا على إحدى الحالين إمّا عالمين بالته دمامّا جاهلين به فلا ثالثة فإذا قيل لهم: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} وقد علمت أنّ كيف للسؤال عن الكفر وللكفر مزيد اختصاص بالعلم بالصانع وبالجهل به انساق إلى ذلك فأفاد اً في حال العلم بالله تكفرون أم في حال الجهل به ثم إذا قيل {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [سورة البقرة، الآية: 28] وصار المعنى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} والحال حال علم بهذه القصة وهي أن {كُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} الخ صير الكفر أبعد شيء عن العاقل فصار وجوده منه مظنة التعجب ووجه بعده هو أن هذه الحالة لابى أن لا يكون للعاقل علم بأنّ له صانعا قادراً عالما حيا سميعاً بصيراً موجوداً غنيا في حميع ذلك عن سواه قديماً غير جسم ولا عرض حكيما خالقا منعما مرسلا للرسل باعثأ مثيبأ معاقباً وعلمه بأن له هذا أنصانع يأبى أن يكفر، وصدور المعل عن القادر مع الصارف القري مظنة تعجب وتعجيب وانكار وتوبيخ فصح أن يكون قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} الخ تعجباً وتعجيباً وتوبيخأ وانكاراً اهـ. والحاص!! أنّ كيف للسؤال عن الحال على طريق

الإنكار الذي هو نفي معنى ونفي الحال مطلقاً أو الحال التي لا تنفك عنه يلزم منه نفي صاحبها بطريق الدليل والبرهان، فلذا قيل: كيف تكفرون على طريق الكناية ولم يقل أتكفرون مع أنه أظهر وأخصر ولا خلاف بحسب المآل بين كلامي الشيخين إلا أنّ كلام الزمخشريّ يشعر بأن كيف ههنا لإنكار الحال على العموم إمّا لأنّ وضعها لعموم الأحوال كما نقل عنه أنها للتعريض فهو أنسب أو لأنّ توجه النفي والإنكار إلى مطلق الحال وحقيقته توجب العموم أو لأنه وجب الحمل على ذلك لمقتضى المقام بوجود الصارف اللازم، وما في المفتاح أنّ للكفر مزيد اختصاص بالعلم بالصانع والجهل به فالمعنى أفي حال العلم به أو الجهل والحال أنّ معكم ما يقتضي العلم على ما سمعت قيل: إنه أولى لأن كيف في هذا الموقع يكون سؤالاً عن حال الفاعل عند مباشرة الفعل لا عن حال الفعل نفسه مما هو بمنزلة التابع له ولرديف ألا ترى أنّ معنى كيف يجيء زيد أراكباًاًم ماشياً وأجيب بأنّ مراد الزمخشريّ أيضا هذا وهو المراد بحال الكفر ولا ينافي كونه تابعاً له اً لا ترى إلى ما ذكره في السؤال الأخير من استبعاد ما آل إليه المعنى وهو على أيّ حال تكفرون حال علمكم بهذه القصة ثم جوابه بأن هذا السؤال لإنكار الذات بإنكار الحال للاستفهام عن الحال لينا ني القطع بإثبات الحال. (أقول) : فلا مخالفة حينئذ إلا أنّ الحال المنفية جميع الأحوال التي يلزم من نفيها نفي ذيها أو حالاً العلم والجهل اللتان لا يخلون عنهما والأمر فيه سهل والاشتغال بترجيحه عبث إلا أنهم سلموا أنها لا تكون سؤالاً عن حال الفعل وليس كذلك فإنها كما تكون سؤالاً عن حال الفاعل وهو ظاهر تكون عن حال الفعل أيضا قال ابن الشجري إنها تكون سؤالاً عن هيئة الفعل التي يقع عليها كما تقول: كيف زيد جالسا أي جلوسه على أيّ حال نقله عنه في شرح التسهيل، فعليك بتنزيل كلام المصنف رحمه الله على مامرّ. تنبيه: جمع بين التعجب والتعجيب في المفتاح وقد عدهما المفسرون معنيين متقابلين حنى اعترض ابن كمال باشا على المصنف رحمه الله في ذكره التعجب وقال: كان عليه أن يقول وتعجيباً فتأمل. قوله: (وأوفق لما بعده من الحال الخ) يعني وكنتم الخ لما فيها مما يقتضي عدم الكفر ونفيه ثم بين أنّ الخطاب على طريق الالتفات من الغيبة للتوبيخ والتقريع لأنّ ذكر معايب الشخص في وجهه أنكى له وقوله مع علمهم الخ هو محصل الجملة الحالية كما سيأتي، وسوء المقال هو قولهم ماذا أراد الله ونحوه ولا يضرّ كونه كناية كما مرّ وقوله أخبروني إشارة إلى معنى الاستفهام وعلى أيّ حال إشارة إلى أنها في معنى جارّ ومجرور واقعة موقع الحال. قوله: (أجساماً لا حياة لها الخ) يعني أنه أطلق عليهم أمواتا قبل الاتصاف بالحياة والموت عدم الحياة عما هي قن شأنه وقال في الكشاف إنه يقال لعدم الحياة مطلقا كقوله تعالى: {بَلْدَةً مَّيْتًا} [سورة الفرقان، الآية: 49] ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس، وقيل: عليه إنه لا خفاء في أنه من قبيل صم بكم فتسميته استعارة تسامح أو ذهاب إلى ما عليه البعض والحاصل أنا لا نسلم أنّ الموت عدم الحياة عما هي من شأنه بل عدم الحياة مطلقاً ولو سلم فالمعنى كنتم كالأموات والسؤال في مثل أمتنا اثنتين أظهر لظهور أنّ الإماتة إزالة الحياة وقد أطلقت بالنظر إلى الإماتة الأولى على إيجاد الجماد الذي لا حياة فيه، والجواب أنّ الإماتة لا تستلزم أن تكون تغييراً من الحياة إلى الموت كما يقال: وسع الدار وقصر الثوب بمعنى أوجده كذلك ثم إطلاق الموت على الحالة الجمادية إمّا حقيقة فلا إشكال وامّا استعارة فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ} لا في هذه الآية بالنظر إلى الإماتة الثانية (أقول) إنه لم يقصد تشبيه الموجودين منهم بالاً موات بل المراد الإخبار عنهم بأنهم كانوا جمادا عناصر ونطفا ونحوها فشبه النطف بالأموات فكيف يكون تشبيها، وهذا غفلة نعم إنّ العناصر ونحوها أعرق في عدم الحياة فلا يحسن جعلها مشبهة، ولذا قال ويجوز إشارة إلى ضعفه كما هو دأبه وتقديم الموت على الحياة حينئذ ظاهر لتقدّمه عليها فيما من شانه أن يتصف بهما حيث كان مضغة كما سيأتي تحقيقه في سورة الأنعام ومن اعترض! عليه فقد غفل، وكذا من قال لا بد لصحة الحمل من تقدير كانت موادّ أبدانكم وأجزاؤها

أمواتا وأمّا ما ذكر من لزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز فليس بوارد لأنه إما تغليب في تلك أو استعمال للإماتة في مطلق عدم الحياة ولا يتعين فيها الاستعارة المصطلحة فيكون معنى أمتنا اثنتين قدّرت لنا عدم الحياة مرّتين كما أشار إليه الشريف. في شرح المفتاح في تحقيق قوله ضيق فم الركية وسيأتي في محله والعناصر الأربعة معلومة وكذا الأغذية والأخلاط جمع خلط كرزق بمعنى مخلوط أو المخالط وهي الدم والصفراء والبلغم والسوداء الحاصلة من الغذاء ولذا أخرها في الذكر وقوله بخلق الأرواح الخ إشارة إلى حدوث الأرواح، وإن اختلف في أنه قبل البدن أو حال حدوثه واتصاله بما قبله باعتبار المرتبة الأخيرة ولو عطف بثم باعتبار غيرها جاز وآجال جمع أجل وتقضيها انقضاؤها. قوله: (أو للسؤال الخ) قال السدي أي ثم يحييكم في القبر ثم إليه ترجعون في الآخرة فإن ثم للتعقيب على سبيل التراخي فدل على أنه لم يرد حياة البعث فإن الحياة حينئذ يقارنها الرجوع إليه تعالى بالحساب والجزاء ويتصل به من غير تراخ والمصنف رحمه الله أشار إلى دفعه بقوله بعد الحشر فيجازيكم الخ فليس على هذا الرجهع للحساب بل للعقاب والثواب وهو بعده بمدة طويلة فإن قلت لا مهلة بين الإماتة واحياء القبر كما في الحديث: " إن الميت يسمع صوت نعال أهله في القبر " حين الإحياء قلت بينه وبين الإماتة زمان ليس بين الإماتة الأولى والإحياء وهي مدة تجهيزه والصلاة والدفن والتراخي أمر نسبيّ ثم إنه قيل: لم لا يجوز أن يراد مطلق الإحياء بعد الإماتة الشامل للإحياء في القبر والنشور فإنّ الفعل وإن لم يدلّ على العموم فلا يلزم أن يكون للمرّة غاية الأمر أنّ الإحياءين لشدة ارتباطهما واتصالهما في الانقطاع عن أمر الدنيا وكون القبر أوّل منزل من منازل الآخرة عبر عنهما بلفظ واحد وحينئذ لا يرد السؤال بأنه لم ترك ذكر أحد الإحياءين وأق الإحناآت ثلاث ولم قال: أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ولا يرد عليه أن ثم تأباه لعدم التراخي بين إماتة الدنيا واحياء القبر لما مرّ والجواب أنّ الفعل لا يعمّ كما بين في الأصول فلو عمّ لكان مجازا ولا قرينة عليه ولو سلم عمومه لشمل جميع الحياة بعد الدنيا فلا يصح قوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فتأمّل وأمّا الكلام على الإحياء ثنتين فسيأتي ثمة وقوله بعد الحشر راجع إلى التفسير الأوّل وقوله أو تنشرون إلى الثاني وقوله فما أعجب كفركم مرتبط بقوله أخبروني وقوله: مع علمكم بحالكم هذه إشارة إلى أنّ مجموع الجمل حال مؤوّل بالعلم فلا حاجة إلى تقدير قد ولا يضرّ اختلاف أزمنتها كما ستراه عند تصريح المصنف رحمه الله. قوله: (فإن قيل إن علموا أنهم الخ) فإن قلت عدمهم الأوّل حياتهم محقق عند كل أحد فكيف صدر بأن التي للشك وكيف يترتب على علمهم هذا عدم العلم بذلك حتى تنعقد هذه الشرطية قلت الشك عندهم باعتبار الإسناد إليه تعالى لا باعتبار نفسها أو أنه نزل علمهم لعدم الجري على مقتضاه منزلة غير المحقق ولعدم تحققهم الأوّل لم يتحققوا الثاني أو أن وصلية وفي الكلام تقديم وتأخير أي هم لم يعلموا الحياة الأخرى وان علموا الأول أو القضية اتفاقية نحو إن كان الإنسان ناطقا فالحمار أ، هق وأجاب بأن تمكنهم من العلم منزلة العلم لا سيما وقد نبههم على ذلك بذكر خلقهم الأوّل الذي هو أنموذج القدرة الدالة على الإعادة بالطريق الأولى، وقوله ليس بأهون عليبما لم يقل الإعادة أهون عليه على وفق النظم قيل: لئلا يحتاج إلى التأويل بأهون بالنسبة ومن غفل عنه أوّله هنا وقيل: إنه إشعار بأنه يكفي في المطلوب فتأمل. قوله: (أو الخطاب مع القبيلين) في نسخة القبيلتين والأولى أصح وهو معطوف على قوله مع الذين كفروا السابق في تفسير: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} والمراد بالقبيلين المؤمنون والكافرون وتبيين دلائل التوحيد بقوله اعبدوا ربكم الخ والنبوة بقوله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} [سورة البقرة، الآية: 23] الخ والوعيد على الكفر بقوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} الخ والنعم 11! امة بقوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} الخ والخاصة قيل في قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} الخ. وقيل في قوله: {وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً} باعتبار ما في ضمنها من حياتهم فرادى فرادى، ميل: هي الحياة الثانية الأبدية لأنها تخص الإنسان، ولك أن تقول المراد به الإيمان والعلم على تفسير الحياة به واستقباح الكفر في قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} الخ. ليتحامى المؤمنون عن ااكفر وتنزجر الكافرون. قوله: (مع أن المعدود عليهم

نعمة الخ) إشارة إلى ما في الكشاف من،، جيه وقوع الماضوية حالاً بدون قد بأنّ الواو ولم تدخل على {كُنتُمْ أَمْوَاتاً} وحده بل على " وله: {كُنتُمْ أَمْوَاتاً} إلى {تُرْجَعُونَ} أنه قيل: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} وقصتكم هذه وحالكم أنكم ر تم أمواتا نطفا في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} بعد هذه الحياة ثم يحييكم!! د الموت ثم يحاسبكم ثم أجاب عن أنه كيف يكون المجموع حالاً وب4 الماضي والمستقبل! قلاهما لا يثسح أن يكون حالاً حاضراً فما الحال الذي وقع بأنه هو العلم بالقصة كأنه قيل: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} وأنتم عالمون بهذه القصة وبأوّلها وآخرها وحاصله على ما قرر. الشارح قدس سره أنه ليس مما وقع فيه الجملة الماضوية حالاً فيحتاج إلى قد بل الواو الحالية كالواو العاطفة افصة على أخرى وكون مجموع القصة حالأ مما تفرّد به والمعتبر في الحال المقارنة لزمان، نرع العامل لا الزمن الحاخسر الذي هو زمان التكلم للقطع بصحة قولنا جاء زيد في السنة الماضية وقد ركب وسيجيء زيد يركب وفي التنزيل: {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [سورة غافر، الابه: 60] فإن قيل: ينبغي أن لا يشترط في الماضي قد وأن لا يشترط في المضارع التجرد عن حرف الاستقبال وأنه يصح جئت وقام الأمير بدون إضمار قد وسيجيء زيد سيركب لصحة المقارنة والحضور وقت الفعل على أنّ قد إنما تفيد التقريب إلى الحال الذي هو زمان التكلم لا زمان وقوع العامل بل ربما تفيد التبعيد كما في قولك جاء زيد قبل هذا بشهور بل دهور وقد ر كب الأمير قلت اشترط التحلي بقد ليشعر بالحضور حال وقوع العامل من جهة كونها في ا، صل للتقريب إلى الحاضر في الجملة فإنّ الماضي لاستقلاله بالمضي لا يفيد المقاربة وإن نان العامل أيضا ماضيا بل ربما يوهم أنه ماض بالنسبة إليه سابق عليه واشتراط التجرّد عن علم الأستقبال لمثل ذلك وليكون مما يصلح للحاضر فليتأمل. اه والحاصل أنّ معنى قولهم لتقرب الماضي عن الحال أي من حال وقوع العامل لا حال التكلم فتقارنه وهذا صرّح به المحققون من النحاة وكلامه هنا سالم من الطعن بخلاف ما وقع له في شرح التلخيص فإنه كلام مختل تبع فيه الرضي: وليس أوّل سار غرّه القمر وأما قول أبي حيان: أنّ ما ذكره الزمخشري تعسف وانّ الجملة الأولى فقط حالية وما بعدها مستأنف وأنّ الماضي يقع حالاً بدون تقدير قد فمخالف للمعقول والمنقول ولا عبرة بتأييده بوقف القراء على الجملة الأولى فإن الوقف لا يلزم أن يكون تاما والتمسك بمثله واه وحاصل الجواب أنها لإيصا ايا إلى النعمة العظمى نعمة والثاني أنّ المجموع نعمة لكل واحد منها وإنما ذكرت لبيان جملة حالهم ولتوقف البعض عليها. قوله: (أو مع المؤمنين خاصة الخ) عطف على قوله مع الكفار أو مع القبيلين وعلى هذا جعل الأمور المذكورة للامتنان وزاد تقرير لتقدم المنة عليهم في قوله وبشر الخ وحمل الموت على الجهل والحياة على العلم مجازاً كما اشتهر التجوّز به قال الزمخشرفي: لاتعجبن الجهول بزنة فذاك ميت وثوبه كفن ليكون مختصا بهم ولذا خص الرجوع بالرجوع للثواب والتنعم وعلى الوجه الذي قبله يصح حمله على ذلك مع الاسندلال وأما على الوجه الأوّل فيتعين الاستدلال والإنكار حينئذ بمعنى أنه لا يكون ذلك وهذا مأخوذ من قوله في التيسير ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين والمعنى كيف تكفرون نعم الله عليكم وقد كنتم آمواتاً بالكفر أو الجهل {فَأَحْيَاكُمْ} بالإيمان أو العلم وهما تفسيران والمصنف رحمه الله جمعهما في قوله العلم والإبمان وعمم لأنّ فيهم من لم يتدنس بالكفر أصلا، فإن قلت على ما في التيسير يكون الكفر كفران النعم وهو يتعذى بنفسه تقول: كفر النعمة ونقيض الإيمان يتعدّى بالباء تقول كفر بالله وما في الآية من الثاني فكيف يصح تفسيره بالأوّل. قلت أجيب عنه بالمنع فإنهما يتعديان نجالباء قال تعالى: {وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [سورة النحل، الآية: 72] وفي كلام الراغب إشارة إليه ولو سلم فباب التضمين والمجاز غير مسدود. قوله: (والحياة حقيقة في القوّة الحساسة الخ) هدّان قولان مذكوران في الكلام فالصحيح نسخة أو العاطفة ووقع في بعضها الواو بدلها واطلاقها على النمو والعلم ونحوه مجاز وعلاقته إما المشابهة أو ما ذكره المصنف رحمه الله، وكونها من طلائعها ظاهر لأنها لا تكون إلا بعده كما في الجنين والموت بإزائها

أي مقابل لها تقابل العدم والملكة لا تقابل التضاد والحيّ من أسمائه تعالى، وحياته صحة اتصافه بالعلم والقدرة فتكون مطلقة عليه باعتباو غايتها أو صفة أخرى ذاتية تقتضي ذلك فتكون استعارة وقوله اللازمة لهذه القوّة فينا زاد فينا لأنها لا تلزم في غير الإنسان وهو حيّ واللزوم في البعض يكفي لصحة المجاز ورجع يكون لازما ومصدره الرجوع ومتعدياً ومصدره الرجع وعلى اللغة الثانية قرى يرجعون مجهولاً وعلى الأخرى قرئ معلوما. قوله: (بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى الخ) الأولى هي الإحياء الأول والثاني مع ما لخلل بينهما من الموت والثانية هي المعاش والبقاء في الدنيا والآخرة أما البقاء في الدنيا فلا لكون إلا الغذاء ونحوه وهو مترتب على الخلق ومتأخر عنه وهو ظاهر وأما البقاء الأخروي لبالنظر في المخلوقات من الأنفس والآفاق والتمكن منه مع تركه فمن اتصف بالأول يخلد في النعيم ومن اتصف بالثاني يسجن سرمداً في عذاب الجحيم والخلود مترتب على البعث والجزاء متاخر عنه من غير تردّد وعبارة المصنف رحمه الله ناطقة بهذا وصرّح بالبقاء المطلق وأدوج في الانتفاع الانتفاع الديني والاستدلال فمن غفل عنه اعترض بأن ترتب هذه النعمة على الأولى لا لصح لأنه يقتضي التأخر، وآخر الأولى لا يحصل إلا في الآخرة فكيف تتأخر عنه النعم الدنيوية وايضا هذه النعمة خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم فيلزم تقدمه على البقاء بلا مرية فيقدم على الإحياء الثاني لتأخيره عن البقاء الأول فلا يتصوّر ترتبها على الأولى، وأجاب بأنّ الترتب بالنظر الى القصد دون الوجود فإن الأولى لما كانت هي المقصودة بالذات والثانية لأجلها صح اعتبار الترتيب القصدي وهو لا ينافي التقدّم الوجودي، وقوله مرّة بعد أخرى إشارة إلى تكرر الإحياء في الآية السابقة وأغرب من هذا من قال المراد بالأرض ما يشمل أرض الجنة فصح الترتب. مإن قلت لا يستفاد من الآية الأولى إلا إحياؤهم وخلقهم دون كونهم قادرين قلت هو معلوم من دلالة الفحوى لأنهم لو لم يكن لهم قدرة لم يستحقوا الوعيد وينكر عليهم ترك السبيل الواضح. قوله: (ومعنى لكم لأجلكم وانتفاعكم الخ) يعني أنّ اللام للتعليل والانتفاع كما يقال دعا له وفي ضده دعا عليه والاستنفاع طلب النفع وقوله بوسط أو بغير وسط دفع لما يخطر يالبال من أن كثيراً منها ضار كالسباع والحشرات وبعضها لا فائدة له أصلاَ كالهوام بأنها كلها نافعة إما بالذات كالمأكول والمركوب ونحوه وما يتراءى منه خلافه فهو نافع لنا باعتبار تسببه لمنافع غيره ألا ترى السباع الضارية تهلك كثيراً من الحيوانات التي لو بقيت أهلكت الحرث والنسل والثمار والحيات تقتل بسمها الأعداء ويتخذ منها الترياق إلى غير ذلك مما إذا تاتل العاقل عرف ذلك. قوله: (لا على وجه الغرض الخ) إذا ترتب على فعل أثر فذلك الأثر من حيث إنه نتيجة لذلك الفعل وثمرته يسمى فائدة ومن حيث إنه علي، طرف الفعل ونهايته يسمى غاية له ففائدة الفعل وغايته متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار ثم ذلك الأثر المسمى بهذين الاسمين إن كان سببا لإقدام الفاعل على ذلك الفعل يسمى بالقياس إلى الفاعل غرضاً ومقصوداً، ويسمى بالقياس إلى فعله علة غائية فالغرض والعلة الغائية متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار وان لم يكن سببا للإقدام كان فائدة وغاية فقط والغاية أعمّ من العلة الغائية إذا تمهد هذا فنقول أفعال الله تعالى يترتب عليها حكم ومصالح ومنافع راجعة إلى مخلوقاته وليس شيء منها غرضا له وعلة غائية لفعله واستدلوا على ذلك بوجهين أحدهما أنّ من كان فاعلاَ لغرض فلا بد أن يكون وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه وان لم يصح أن يكون غرضاً فيكون الفاعل حينئذ بفعله مستفيدا لتلك الأولوية ومستكملاً بغيره تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لا يقال إنما يلزم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل وأما إذا رجعت إلى غيره كالإحسان إلى المخلوقات فلا لأنا نقول إن كان إحسانه وعدم إحسانه إليهم متساويين بالنسبة إليه تعالى لم يصح الإحسان أن يكون غرضاً وان كان الإحسان أرجح وأولى به لزم الاستكمال، والثاني من الوجهين أنّ غرض الفاعل لما كان سبباً لإقدامه على فعله كان ذلك الفاعل ناقصا في فاعليته مستفيدا لها من غيره

ولا مجال إليه كما لا يخفى بل كمال الله تعالى في ذاته وصفاته يقتضي الكمالية في فاعليته وأفعاله وكمالية أفعاله تقتضي أن يترتب عليها مصالح راجعة إلى عباده فتلك مصالح غايات وثمرات لا علل غائية لها واتضح بما حققناه أن ليس شيء من أفعاله عبثاً أي خاليا عن الحكم والمصلحة وأن لا سبيل إلى الاستكمال والنقصان إلا سقوط عظمته وكبريائه وهذا مذهب صحيح لا تشوبه شبهة ولا تحوم حوله ريبة وما ورد في الآيات والأحاديث من تعليل أفعاله فهو محمول على هذا، ومن قال بتعليلها بناء على شهادة ظواهرها فقد غفل عما تشهد به الأنظار الصحيحة والأفكار الدقيقة أو أراد إظهار ما يناسب أفهام العامّة ليكلم الناس على قدر عقولهم وهذا زبدة ما ارتغ! ماه الشريف المرتضى في تعليقة له على هذه المسألة، وكلام المصنف رحمه الله زبدة هذه الزبدة. قوله:) وهو يقتضي إباحة الآشياء النافعة الخ) كذا في الكشاف يعني أنّ الأصل في كل شيء الحل وهي مسألة أصولية واعترض عليه في الانتصاف بأنه مذهب فرقة من المعتزلة بنوه على التحسين والتقبيح،، لآ، ل صاحب الإنصاف أنه قال به جماعة من أهل السنة من الشافعية والحنفية واختاره الرازي ير المحصول وجعله من القواعد الكلية فليس مختصا بالمعتزلة كما زعم ولذا تبعه المصنف ر حمه الله وإنما قال: النافعة لأنّ الضارة لا اختلاف في حرمتها وكون الأصل الإباحة لا يضرّه المنع من بعضها لملكية الغبى ونحوهما لأنه عارض ولو سلم فإنما أبيح الكل للكل لا كل فرد) ممل فرد فقوله فإنه جواب تسليمي. قوله: (1 لا إذا أريد به جهة السفل الخ) يعني من قال معنى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ} [سورة البقرة، الآية: 29] خلق لكم الأرض وما فيها إنما، صح إذا كني بالأرض عن الجهات السفلية دون حقيقة الأرض الغبراء لأنها وما فيها واقعة في ا) جهات السفلية وأمّا إذا أجريت على الحقيقة فلا فإنّ الشيء لا يحصل في نفسه ولا يكون ظرفا اطا مع أنه قيل: إنه من امتناع ظرفية الأجزاء للكل وليس من ظرفية الشيء لنفسه للتغاير الاعتباري بينهما وقوله كما يراد بالسماء جهة العلو غير قول الزمخشرقي: والمراد بالسماء حهات العلو لما يرد عليه من أنه لا باعث عليه مع أنّ تفسيره ثم استوى لا يلائمه وإن أجيب كمه مع أنّ التقابل يقتضي التفسير المذكور كما لا يخفى وأما حمل هذا على تقدير معطوف أي خلق ما في الأرض " والآرض على حدّ راكب الناقة طليحان " فتكلف دعا إليه في المثال تثنية الخبر وهنا لا داعي له وقوله وجميعاً حال من الموصول الثاني أي من ما بمعنى كل ولا دلالة ا! اعلى الاجتماع الزماني وهذا هو الفارق بين تولنا جاؤوا جميعا وجاؤوا معا، وإنما بين إكلرابه احترازاً عن كونه حالاً من ضمير لكم أو من الأرض! فإنه لا مبالغة فيه. قوله: (قصد أليها بإرادته من قولهم استوى إليه الخ) قال الراغب: الاستواء له معنيان. الأوّل أن يسند إلى " اعلين نحو استوى زيد وعمرو في كذا والثاني أن يقال: لاعتدال الشيء في ذاته ومتى عدى، هلى أقتضى الاستيلاء وإذا عدى بإلى اقتضى معنى الانتهاء إليه إما بالذات أو بالتدبير والإرادة، " نسوية الشيء جعله سواء انتهى. وهو مراد المصنف رحمه الله حيث فسره أولاً بقصد إليها رهإرادته، وقوله يلوي بمعنى يعطف، ثم بين مأخذه وأن أصله من استوى افتعل وذكر فيه معنى الطلب إما لأن افتعل يكون بمعنى استفعل كما ذكره في التسهيل، أو أن من جعل الشيء سواء ثانه طلب ذلك من نفسه كما في استخرجت الوتد فلا يرد أنّ السين من بنية الكلمة وهو افتعال لا استفعال فإنّ مثله لا يخفى على مثل المصنف رحمه الله كما توهم وكيف يتأتى ذلك وقد قال: إنه من السواء فأشار إلى أنّ السين فيه أصلية لا زائدة ولما لم يمكن حمله على معناه الحقيقيّ لأنه من خواص الأجسام أوّله أوّلاً بقصد بإرادته، وقوله: ولا يمكن حمله أي حمل لفظ الاستواء هنا على طلب السواء أي اقتضاء تسوية وضع أجزائه لأنه من خواص الأجسام، ومن فسره بحمله على الله فقدسها فتأمل ثم قال إنه قيل: إنه بمعنى استولى وإنما ضعفه لأنه يتعدى بعلى كما مرّ وكون إلى بمعنى على كما قيل: خلاف الظاهر وبشر المذكور في البيت هو بشر بن مروان أخو عبد الملك ووزيره وكان ولاه العراق فقيل: فيه ذلك، ومهراق بمعنى مراق أي مسفوح والهاء زائدة وكونه أوفق بأصل معناه أي طلب السواء

وقيل: استوى إليه كالسهم لأنّ القصد إلى الشيء يناسب الاستواء ويترتب على القصد له فعله به التسوية لا استيلاؤه وهو ظاهر وأمر التعدية معلوم مما مرّ، وجعل الزمخشرفي الاستواء حقيقة في ألاعتدال والاستقامة ثم نقل مجازا إلى القصد المستوى من غير ميل إلى شيء آخر ثم شبه بذلك القصد الذي في الأجسام إرإدته تعالى خلق السماء من غير إرادة إلى خلق شيء آخر، واستعير لها لفظ الاستواء فهي استعارة مصرحة تبعية مترتبة على مجاز أو مجاز في المرتبة الثانية كذا قرّره القطب في شرحه وظاهر كلام المصنف يخالفه فإنه جعل الاعتدال ليس هو معناه الحقيقيّ. قوله: (والمراد بالسماء الخ) فسره بالأجرام بناء على أنّ الأرض بمعناها الظاهري فإن كانت بمعنى جهة السفل يكون مقابلها بمعنى جهة العلو وقيل: عليه إنّ الجهات كيف تحدد من علو وسفل ولم يكن سماء ولا أرض، وأجيب بأنه يكفي في التحدد جسم واحد محيط بالكل كريّ وكان موجوداً وهو العرس على أنه كما يجعل اليوم فرضياً يمكن أن تجعل الجهات كذلك أي بأن يكون إثبات الجهات العلوية والسفلية والأيام الستة والأربعة قبل خلق السماء مبنيا على التقدير والتمثيل ومن قال: إنه لا حاجة إليه إذ المراد ما يسمى الآن بالسفل والعلو لم يعرف أنه عين التمثيل مع أنه أحوجته إليه الأيام وأمّا ما قيل: إنه لا حاجة إلر، جعلها بمعنى جهات العلو بعد تفسير الاستواء بالإرادة فسترى عدم توجهه. قوله: (وثم لعله لتفاوت ما بين الخلقين الخ) اعلم أنّ خلق السماء وما فيها والأرض وما فيها باعتبار التقدم والتأخر وردت آيات فيه وأحاديث متعارضة ولم تزل الناس من عهد الصحابة إلى الآن تستصعب ذلك وتوفق بينها ولهم في التوفيق طرق شتى سنبينها لك بما لا مزيد عليه ونبين الحق منها مستمدين منه التوفيق فاصغ بإذن القبول لما أقول اعلم أنه تعالى قال في هذه السورة: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [سورة البقرة، الآية: 29] وقال في سورة السجدة: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} [سورة فصلت، الآية: 9] إلى قوله: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا} [سورة مصلت، الآيات: 10- 11- 12] وقال في النازعات: {أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [سورة النازعات، الآيات: 27- 28- 29- 30- 31- 32- 33] فاقتضت الآيات الأول تقدم الأرض! والأخيرة تأخرها وقد روى الحاكم والبيهقي لإسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال رأيت أشياء تختلف عليّ في القرآن قال: هات ما اختلف عليك من ذاك قال أسمع الله تعالى يقول: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ} [سورة فصلت، الآية: 9] حتى بلغ طائعين فبدأ بخلق الأرض! في هذه الآية قبل خلق السماء ثم قال في الآية الأخرى: {أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا} ثم قال: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} فبدأ بخلق السماء في هذه الآية قبل خلق الأرض! فقال ابن عباس رضي الله عنهما أمّا خلق الأرض في يومين فإنّ الأرض! خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} في يومين بعد خلق الأرض وأما قوله: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} يقول جعل فيها جبلا وجعل فيها نهراً وجعل فيها شجرا وجعل فيها بحور انت! ى. يعني أن قوله أخرج منها ماءها بدل أو عطف بيان لدحاها بمعنى بسطها مبين للمراد منه فيكون تأخرها في هذه الآية ليس لمعنى تأخر ذاتها بل بمعنى تأخر خلق ما فيها وتكميله وترتيبه بل خلق التمتع والانتفاع به فإنّ البعدية كما تكون باعتبار نفس الشيء تكون باعتبار جزئه الأخير وقيده المذكور كما لو قلت بعثت إليك رسولاً ثم كنت بعثت فلانا لينظر ما يبلغه فبعث الثاني وإن تقدم لكن ما بعث لأجله متأخر عنه فجعل نفسه متأخرا وقد أشاروا إلى مثله فالفضل للمتقدم وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل فإن قلت كيف هذا مع ما رواه ابن جرير وغيره وصححوه عن ابن عباس أيضا رضي الله عنهما " أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألتة عن خلق السموات والأرضر فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال وما فيهق من المنافع يوم الثلالاء وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن

والعمران والخراب فهذه أربعة فقال تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ} أسورة فصلت، الآية: 9 و 10] " وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملاتكة " فإنه يخالف الأوّل لاقتضائه خلق ما في الأرض من الأشجار والأنهار ونحوها قبل خلق السماء. قلت: الظاهر حمله على أنه خلق فيهاه، دة ذلك وأصوله وحدده إذ لا يتصوّر العمران والخراب قبل خلق السماء فعطفه عليها قرينة لذلك فلا تعارض بين الحديثين كما أنه ليس بين الآيات اختلاف ولذا قيل: لا بدّ على تقدير حمل ثم على التراخي في الوقت هنا من التأويل أما في الخلق بحمله على التقدير أو في المخلوق بإرادة مادته إذ لا شبهة في أنّ جميع ما في الأرض! لم يخلق قبل السماء كما نشاهده فلا تبقى مخالفة بين الآيتين ومثله لا يكون بالرأس فإمّا أن يؤخذ من الحديث أو يسكت عنه، والمصنف رحمه الله ذهب إلى تقدم خلق السماء على الأرضى وهذه الآية تنافيه فقال: إنّ ثم للتفاوت في الرتبة المنزلة منزلة التراخي الزماني كما في قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة البلد، الآية: 17] فإن اسم كان ضمير يرجع إلى فاعل فلا اقتحم وهو الإنسان الكافر وقوله: {فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} تفسير للعقبة والترتيب الظاهري يوجب تقديم الإيمان عليهما لكن ثم هنا للتراخي في الرتبة مجازا وتشبث بأنه يخالف الآية الأخرى المصرّح فيها بالبعدية وبينه بأنها تدل على تأخر دحو الأرض أي بسطها وتمهيدها المتقدم على خلق ما فيها وأشار إلى تأويله بما ذكره ولا يخفى تكلفه وبعده وأنت في غنية عنه بما مرّ وقيل: الجواب بأنّ تقدم خلق جرم الأرض على خلق السماء لا ينافي تأخر وجودها عنه ليس على ما ينبغي لأنّ ثم تدل على تأخر خلق السماء عن خلق ما في الأرض! من عجائب الصنائع حتى أسباب اللذات والآلام وأنواع الحيوانات حتى الهوام على ما ذكر لا عن مجرّد خلق جرم الأرض، وسيذكر في حم السجدة ما يدل على تأخر إيجاد السماء عن خلق الأرض! ودحوها جميعا حتى قيل: إنه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ثم خلق السماء وما فيها في يومين وكثر ذلك في الروايات ولا يفيد حمل ثم على تراخي الرتبة إلا أن يعول على رواية إيجاد السماء مقدما على إيجاد الأرض فضلاً عن دحوها على ما روي عن مقاتل والأولى أن يحام حول تأويل قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} ولا يخفى ما فيه فإن ما استبعد. هو المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو الحق كما مرّ وليس المراد بدحوها إلا تكميل مخلوقاتها كما عرفت، ومنهم من أوّل البعدية الرتبية وأنه كما يكون في ثم يكون في لفظ بعد كما تذكر جملا ثم تقول وبعد ذلك كيت وكيت ولا حاجة إليه أيضاً. قوله: ) عدلهن وخلقهق الخ) العوج يصح فيه هنا الفتح والكسر كما سيأتي في الكهف والفطور الشقوق وهذا من قبيل ضيق فم الركية وهو ظاهر من كلامه بلا مرية إذ خلقها كذلك يقتضي أنها لم تكن بخلافه، وجوّز في ضمير الجماعة أن يرجع إلى السماء بناء على أنها جمع سماءة أو سماوة لتأويلها بالجمع وهو الأجرام أو يرجع إليها ويجمع باعتبار الخبر أو يعود إلى المتأخر كلها احتمالات يأتي بيان الأرجح منها. قوله: (وإلا فمبهم يفسره ما بعده) قال في الكشاف: إن هذا هو الوجه العربي لأن الجمعية لم تثبت والتأويل خلاف الظاهر ويتعين على هذا أن يكون سبع سموات تمييزاً كما يعلم من مثاله وبه صرّح في غير هذا المحل فلا يرد عليه ما قيل إق الضمير يعود على متأخر لفظا ورتبة قياث في مواضع منها ضمير الشأن ويسمى ضمير المجهول والقصة ومنها الضمير المرفوع بنعم وبئس وما جرى مجراهما والضمير المجرور برلث العائد على مميزه والمرفوع بأوّل المتنازعين على مذهب البصريين والضمير المجعول خبره مفسراً له والضمير الذي أبدل منه مفسره، وفي هذا الأخير خلاف: منهم من أجازه ومنهم من منعه وعليه أبو حيان هنا ولهذا اعترض! على قول الزمخشري: إذ فهم من كلامه أنه بدل وكذا اعترض عليه إذ جوّز في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا} أسورة الأحقاف، الآية: 24] في الأحقاف كون الضمير عائدا إلى العارض وهو تمييز أو حال وخالفه في شرح التسهيل وفيه نظر، وقال الثليبيّ: الضمير في سواهن إذا رجع إلى السماء على

المعنى كان سبع سموات حالاً إن فسر سواهن كائنة سبع سموات وأذا كان مبهماً كان سبع سموات نصبا على التمييز نص عليه في السجدة، وفي نصب سبع خمسة أوجه البدل من الضمير المبهم أو العائد إلى السماء أو مفعول به والتقدير سوى منهن وهذا يناسب زياث تها على السغ أو أن سوى فيه معنى صير فينصب مفعولين وقيل: إنه لم يثبت أو حال مقدرة، وقوله أو تفسير أي تمييز، والإرصاد جمع رصد وهو معروف وكونه مشكوكا عند أهل الشرع وأشار المصنف رحمه الله إلى جوابه على تقدير صحته بقوله وان صح الخ أي العدد مختلف إلا أنه إن ضم إلى ما قاله أهل الشرع الكرسي والعرس لم يبق بينهم خلاف قال السيد في خطبة المواقف سبع سموات هي الأفلاك السبعة السيارة والنجمان الآخران يسميان عرشاً وكرسيا انتهى. وهو توفيق حسن وكون العدد لا يدل! على نفي الزائد مسألة أصولية في مفهوم العدد هل هو معتبر أولاً وفيه خلاف مشهور بينهم. قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فإن قلت عليم من علم وهو متعدّ بنفسه فكيف تعدى بالباء فان كان لضعفه بتقدم معموله فالتقوية باللام فقط قلت قالوا: إنّ أمثلة المبالغة خالفت أفعالها لأتها أشبهت أفعل التفضيل لما فيها من الدلالة على الزيادة فأعطيت حكمه في التعدية حاسية الشهاب / ج 2 / م 12 وهو أنه إن كان فعله متعدّيا فإن أفهم علماً أو جهلاً تعدى بالباء نحو هو أعلم به وأجهل به وعليم به وجهول به والا تعدى باللام نحو أضرب لزيد وفعال لما يريد والا تعدى بما يتعدى به فعله نحو هو اصبر على النار وهو صبور على كذا وفيه نظر لأنه يقال رحيم به ولو تتبعت الكلام لوجدت ما يخالفه. قوله: (فيه تعليل كأنه قال الخ) الضمير في فيه ليس راجعا إلى قوله وهو بكل شيء عليم بل إلى الكلام المعلوم من السياق والمقصود بيان ارتباط هذه الجملة بما قبلها سواء كانت حالية أو معترضة تذييلية فإن نظرنا لآخر الكلام كان علة لما قبله فإنه لما أوجد هذه الأشياء العظيمة الدالة على قدرة عظيمة كاملة على أتقن الوجوه وأحسنها وأتمها كان إيجادها دليلاَ على علم شامل للجزئيات والكليات قبل وقوعها فإن الصانع إذا بنى بناء عظيماً ونحوه لا بد من تصوّره قبل إيجاده، وبهذا استدل في علم الكلام على شمول علمه لجميع المعلومات وقالوا الأفعال المتقنة تدلى على علم فاعلها، ومن تفكر في بدائع الآيات السماوية والأرضية وفي نفسه وجد دقائق حكم تدل على كمال حكمة صانعها وعلمه الكامل كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [سورة فصلت، الآية: 53] والنتيجة تصلح بعد تقررها تعليلا للدليل والكل من مقدماته كما تقول تغير العالم لحدوثه العالم متغير لحدوثه، ولا خفاء في مثله فلا يرد عليه ما قيل إنّ علة خلق ما خلق على هذا النمط ليس لكونه عالماً بل لكونه عالماً قادراً وأنه لا يصح عطف التعليل على الدعوى وإن بين كونه تعليلا واستدلا تنافيا وعلمه بالكنه مأخوذ من صيغة المبالغة والنمط الطريقة وكونه عالماً مرّ وجهه وحكيماً مأخوذ من إتقانه ورحمته من الأنفع فإن قلت كلام المصنف رحمه الله يقتضي أنّ نظام العالم هو الأصلح الأكمل الذي لا يمكن شيء فوقه كما قال الغزالي: ليس في الإمكان أباع مما كان وفي الفتوحات له تفصيل قلت: أنكر العلماء هذا وقالوا إنّ الله قادر على أن يوجد عالماً آخر أكمل من هذا وأحسن وأعظم كما هو مذهبنا ومعتزلة بغداد ذهبوا إلى وجوب الأصلح في الدين والدنيا بالنسبة إلى كل شخص، ومعتزلة البصرة إلى وجوب الأصلح في الدين فقط والفلاسفة إلى الأصلح بالنسبة إلى الكل من حيث هو كل لنظام العالم ونحن لا نرى بشيء منها (قلت) : مراده أنها أصلح وأكمل بحسب ما نشاهده ونعلمه ويصل إليه فهمنا لا بمعنى أنه ليس في مقدور الباري ما هو أباع منها كما هو رأي الفلاسفة لأنّ العقيدة أنّ كلا من مقدوراته ومعلوماته لا تتناهى كما صرّح به حجة الإسلام في عقيدته، وأمّا ما نقل عنه فقد قيل: إنه دسيسة أو غفلة واعتزض عليه وعلى المصنف بعض أرباب الحواشي وقد سمعت توجيه كلام المصنف وبه صرّح ابن الهمام في المسايرة، وأمّ كلام الغزالي فله وجه وجيه لأنّ الله علم بإيجاد العالم على هذا النظام الخاص الذي اقتضت الحكمة أكمليته فبعد تقديره في علمه الأزليّ يكون خلافه ممتنعا لئلا يلزم الجهل فهو مستحيل بالعرض لا بالذات ومثله يصح إطلاق عدم الإمكان عليه بلا تكلف فلا تغترّ بتشنيع بعضهم عليه، وللعلماء في هذه المسألة

تآليف مستقلة والكلام فيها كثير اكتفينا منه هنا بهذا القدر. قوله: (وإزاحة لما يختلج في صدورهم الخ) أشار بقوله يختلج إلى ضعفه لأن الاختلاح حركة ضعيفة وقوله واتصلت بما يثاكلها يعني عناصرها الأصلية لها، وقوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [سورة يس، الآية: 79] فإنّ فيها ذكر عموم العلم لإثبات المعاد، وقوله مبنية في نسخة مبتنية أي مترتبة عليها وهذا وجه آخر للارتباط وقوله قابلة للجمع أي على أصل من قال إق الإعدام تفريق الأجزاء لا إفناؤها وتعاقب الاجتماع والافتراق والموت والحياة مبنيّ على شمول الموت للعدم الأوّل فلا يرد عليه أنه لا تعاقب بينها بل تعقيب الاجتماع بالافتراق وتعقيب الحياة بالموت بدون العكس كما قيل، وكون القبول ذاتيا هو المتبادر وأمّا احتمال اشتراطه بشيء آخر فلا دليل عليه، وقوله: فإنه عالم يصح فيه الكسر والفتح بتقدير فهي أنه وسد الحاجة بالفتح بما يحتاجون إليه، وفي قوله: جلت بمعنى عظمت ودقت بمعنى أنها دقيقة طباق بديعي وتسكين وهو بعد حرف العطف لغة لأنه معها يشبه كلمة واحدة مضمومة العين فيجوز تسكينها للتخفيف كما يقال: عضد وعضد وهو مطرد فيهما. قوله: (تعداد لنعمة ثالثة الخ) الأولى نعمة الإيجاد و! باس الحياة والثانية خلق ما في الأرض من النعم واللذات والطاعات والعبادات، والثالثة خلق أبينا وتكريمه بما جعله هو وذريته أفضل من الملائكة وجميع المخلوقات، وقوله: واذ ظرف الخ المراد بالنسبة الأولى نسبة الجملة المضاف إليها وبالثانية نسبة العامل الذي تعلقت به ولذلك لزم إضافتها للجمل كما أنّ حيث في ظروف المكان كذلك فلذا لزم إضافتها للجمل الأعلى سبيل الشذوذ ولافتقارها للجملة المضاف إليها أشبهت الموصول المفتقر لجملة الصلة فتشابها وان كان في إذ علة أخرى وهي الشبه الوضعي لوضعها على حرفين وقوله واستعملتا للتعليل والمجازاة أي أصك وضعهما للظرفية ولكن قد تستعملان لذلك واتفقوا على أنه لف ونشر مرتب وأنّ التعليل را- جع لإذ والمجازاة لاذا لأنه العروف إذ لم ترد إذ للتعليل واذ للشرط أما العكس فمقرر لأن إذ وردت له كثيراً كقوله تعالى: {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} اسورة الزخرف، الآية: 39] أي لأجل ظلمكم إذ ليس زمان الظلم زمان الاشتراك وهل هو معنى حقيقي لها أو مستفاد من المقام قولان مفصلان في العربية، وكذا ورود إذا شرطية كثير لكن لا يجزم بها في السعه، ولك أن تجعله راجعا لهما معاً لأن إذا وحيث بل سائر الظروف تستعمل للتعليل عند الزمخشريّ لاستواء مؤدّي التعليل والظرف في قولك ضربته لإساءته وضربته إذا أساء لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه فأجرى مجرى التعليل كما أشار إليه الزمخشريّ في سورة محمد وارتضاه شراح المفتاح وكذا إذ نستعمل شرطية مع زيادة ما معها وهي جازمة ونقل في همع الهوامع أنها تكون شرطية بدون ما أيضا فقال ولا يجازي ولا يجزم بحيث واذ مجردتين من ما وأجازه الفراء قياسا على إن وأخواتها وردّ بأنه لم يسمع فيهما إلا مقرونتين بما انتهى. فكأنه نسيه هنا فقال: هنا هو لف ونشر فإن إذ هي التي تستعمل للتعليل وإذا هي التي تستعمل للمجازاة ولا يعرف وجود إذ للمجازاة ولا إذا للتعليل وقد سألني الخطيب عند كتابته على هذا المحل فأجبته بذلك انتهى ووقع في عبارة المفتاح إذ شرطية وخرجها عليها الشارحان المحققان فاحفظه فإنه من النوادر. قوله: (وبنيتا تشبيهاً بالموصولات الخ) هذا أحد مذهبين للنحاة في مثله قال السيرافيئ في شرح الكتاب إذ مبنية على السكون والذي أوجب بناءها أنها تقع على الأزمنة الماضية كلها وهي محتاجة إلى الإيضاح فصارت بمنزلة الذي المحتاجة إلى الصلة انتهى، وهذا بناء على أنّ علة البناء لا تنحصر في شبه الحرف بل تكون لمشابهة غيره من المبنيات واليه ذهب الزمخشريّ وابن الحاجب كما فصله في الأشباه النحوية ومن غفل عنه رده. قوله: (ومحلهما النصب أبدا بالظرفية الخ (هذا مدّهب لبعض النحاة وفي المغني أنّ لها أربعة استعمالات أحدها أن تكون ظرفا وهو الغالب، والثاني أن تكون مفعولاً به نحو قوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} [سورة الأعراف، الآية: 86، والغالب في أوائل الآيات من التنزيل ذلك بتقدير اذكر، وبعض المعربين يقول فيه إنه ظرف لا ذكر

محذوفاً وهو وهم فاحش لاقتضائه أنّ الأمر بالذكر في ذلك الوقت وليس كذلك بل المعنى اذكر الوقت نفسه، رالثالث أن تكون بدلاً من المفعول نحو واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت والرابع أن يكون مضافا إليها اسم زمان نحو يومئذ وبعد إذ هديتنا وزعم الجمهور أنها لا تقع إلا ظرفا إو مضافا إليها، وأما إذا فالجه طور على أنها لا تخرج عن الظرفية وجوّز بعض النحاة جرّهأ بحتى ووقوعها مبتدأ وخبراً ومفعولىلآ وبدلاً من مجرور انتهى. (وههنا بحثان) الأوّل أنّ قول المصنف رحمه الله ومحلهما النصب أبدا لا يوافق مذهبا من المذاهب لأنها تكون في محل جرّ في نحو يرمئذ كثيراً بالاتفاق وكذا تعليلية فإنّ الظروف الغير المتصرفة يدخل عليها بعض حروف الجرّ والممتنع فيها النصب على المفعولية، والرفع في هذه على الفاعلية ممنوع بالاتفاق ولا وجه للتردّد في وجهه لأنّ المفعول شبيه بالظرف لكونه فضلة ولذا تنصب توسعا بالاتفاق أيضا، الثاني أنّ ما عده في المغني وهما فاحشا سلموه له وليس بوارد لأنّ الظرفية يكفي في صحتها ظرفية المفعول نحو رميت الصيد في الحرم كما سياتي في الأنعام وقوله لما ذكرناه هو أنه وضعت لزمان النسبة. قوله: (وأما قوله تعالى {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ} الخ) جواب ما يرد عليه من أنه هنا بدل من المفعول ولا يصح أن يكون ظرفا لأن الذكر ليس في ذلك الوقت فأجاب بتقدير الحادث وهو ظرف له قائم مقامه في الدلالة على معناه لا أنه يحل محله حتى يلزم كونه مفعولاً به، ثم إنّ تقدير الحادث إما مضافا أي حادث أخي عاد وهو هود عليه الصلاة والسلام أو معطوفا أي وحادثه، ومنهم من دّره صفة لأخي عاد ولا يخفى ركاكته والظاهر تقدير أمر، ثم إق في كلامه نظرا لم ينهوا عليه لأنه إذا قدر حادث أو نحوه فهو العامل فيه لا أذكر فإن جعل عاملا باعتبار وقوع المفعول فيه كما مرّ لم يفد التقدير فائدة جديدة فتأمل، واستدل على تقديرا اذكر بأنه ورد مصرحا به في آيات كثيرة وأما تقدير بدأ خلقكم فقيل إنه غير محرر لأنّ ابتداء خلقناكم لم يكن وقت ذلك القول بل قبله وليس بوارد لأنه يعتبر وقتا ممتداً لا حين القول، ومعمر بفتح الميمين أبن المثنى وهو أبو عبيدة اللغوي النحوي كما صرّح به القرطبي رحمه الله لا المحدث وقوله هذا مردود في غاية الضعف عند النحاة وعلى تقدير بدأ وتعلقه بقالوا يكون معطوفا على صلة الذي وعلى تقدير أذكر يكون من عطف القصة على القصة أو عطف على بشر وما بينهما اعتراض! أو على أمر مقدر نحو تذكر هذه النعم واذكر الخ. قوله: (والملافكة جمع ملاك على الأصل كالشمائل جمع شمأل) وهي ريح الشمال ولا خلاف في أنّ أصل ملك ملأك وقد جاء على الأصل في قوله: وليست لانسيّ ولكن لملأك تنزل من جوّالسماءيصوب وانما الخلاف في وزنه فقال ابن كيسان: وزنه فعأل والهمزة زائدة وهو من م ل ك، وماذته تدل على القوّة وبه يشعر تمثيل الزمخشريّ بشمأل وان احتمل أن يريد الشبه الصوري من غير نظر إلى زيادة وأصالة كما هو مراد المصنف رحمه الله بدليل ما سيصرج به من القلب وقوة الملك ظاهرة والمشهور أنّ ملأك مقلوب مألك وبه قال الكسائي: والليث الأزهري من الألوكة بمعنى الرسالة وأما الأك بمعنى أرسل فلم يشتهر فإن ثبت فهو أولى لسلامته من القلب ويكون مصدراً ميميا استعمل بمعنى المفعول أو جعل موضع الرسالة مبالغة وقد كثر في الاستعمال ألكني بمعنى أرسلني، وقال ابن الأنباري رحمه الله أصله ألئكني فحوّلت كسرة الهمزة إلى اللام وحذفت لالتقاء الساكنين وقد نقله الأزهري رحمه الله أيضا وإذا ثبت الأك ففيه غنيمة عن ثبوت لأك فيؤخذ منه لا من الألوكة لأنّ كثرة استعماله تأبى حمله على القلب وعلم منه أنّ هذا القول ليس بضعيف كما توهم شارحو كلام ابن الحاجب وهو الذي ارتضاه المصنف رحمه الله ولذا جعله مقلوبا ولا ينافي هذا قوله على الأصل لأن أصله حينئذ مألك ولو جمع لقيل: ماكك كمآرب لكنه بعد القلب صار أصلاً ثانيا له، وتسميتهم رسلاً لإرسالهم إلى الأنبياء عليهم الصلاة

والسلام بالذات والى الأمم الواسطة وتأنيث الجمع لأنه بمعنى الجماعة. قوله: (واختلف الناص في حقيقتهم الخ) مذصب الملبين أنهم أجسام لطيفة نورانية قابلة للتشكل لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يرونهم في صور مختلفة وأما قول النصارى فيرده هذه الآية لأنها قبل خلق البشر والحكماء قالوا: إنها مجرّدات عن النفوس البشرية وهي العقول العشرة والنفوس الفلكية التي تحرك الأفلاك وقوله منقسمة راجع إلى القول الأوّل بقرينة أنّ الحكماء لا يقولون بهذا ولا عبرة بقول النصارى فإنه باطل والملائكة المقربون هم الكروبيون، وقوله والمقول لهم أي في هذه الآية جميع الملائكة لعموم اللفظ وعدم المخصص وقيل: القرينة على تخصيص ملائكة الأرض كونهم مجعولين خليفة فيها وقوله فبعث عليهم ضمن معنى سلط فلذا تعدى بعلى وفي نسخة إليهم. قوله: (وجاعل من جعل الذي له مفعولان الخ) بين معناه ومصحح عمله من كونه مستقبلاً معتمدا على ما هو معروف في النحو وإذا كان بمعنى خالق فله مفعول واحد وفي الأرض ظرف متعلق به، قيل معناه حينئذ بعداً اللتيا والتي إني جاعل خليفة ص ق الخلائف أو خليفة بعيته كائنا في الأرض فإنّ خبر صار في الحقيقة هو الكون المقدر العامل في الظرف ولا ريب في أنّ ذلك ليس مما يقتضيه المقام وأنما الذي يقتضيه هو الإخبار بجعل ادم خليفة فيها كما يعربءضه جواب الملائكة فإذا قوله تعالى: خليفة مفعول ثان والظرف متعلق بجاعل قدم على المفعول الصريح للتشويق إلى ما أخر أو بمحذوف وقع حالاً مما بعده لكونه نكرة وأما المفعول الأوّل فمحذوف تعويلاَ على القرينة الدالة عليه كما في قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً} [سورة النساء، الآية: 5] ولا ريب في تحقق القرينة هنا أما إن حمل على الحذف عند وقوع المحكي فهو واضح لوقوعه في أثناء ذكر الله له كاً نه قيل إني خالق بشرا من طين وجاعله خليفة في الأرض، وأما إن حمل على أنه لم يحذف هناك بل في الحكاية فالقرينة جواب الملائكة، وهذه قعقعة لا طائل تحتها كما هو دأبه فإنه على الوجه المرضي عند المحققين لا شك أنه إذا قيل للمستولي على محل إني مول عليه آخر أفاد تبديله بغيره فإن كان ذلك غير معلوما بالشخص على ما جوّز هو أن يكون المراد بالخليفة معيناًفلا معنى لجعل المستخلف كائنا في الأرض بدلهم إلا استخلافه فيها وإن لم لكن معيناً فقد أشاروا إلى جوابه بأنهم يعلمون أنّ العصمة من خواصهم فيطابقه الجواب من غير حذف وتتهدير ولم يجر لآدم ذكر إلى الآن فهل هذا إلا تعسف. قوله: (والخليفة من يخلف غيره الخ) إنما جعل الهاء فيه للمبالغة لإطلاقه على الواحد المذكر فلو جعلت الهاء للتأنيث لجاز لإطلاقه على الجماعة كما يقال: فرقة باغية، وضمير استخلفهم راجع إلى آدم ومن ذكر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا إلى كل حتى يقال: إنه جمع باعتبار المعنى، وقوله: لأنه كان خليفة الله الخ أي أوّل خليفة فلذا خص هنا، وقوله: لا لحاجة يعني ليس استخلافه تعالى كاستخلاف غير. فإنّ شأن الغير أنه إنما يستخلف لغيبة أو عجز بل لقصور المستخلف عليه كالسلطان يأمر خاصته بتبليغ أوامره للعامة ويأمرهم تارة بالدّات وأخرى بالواسطة وهذه حكمة أنه لو جعل ملكا خليفة لكان رجلا وقوله بحيث يكاد زيتها الخ شبه قلوبهم بالمصباح وذواتهم بالمشكاة وما أوح فيهم من القوّة القدسية بزيت من شجرة مباركة {لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} تضيء من غير نار لشدة لمعانه ثم أوضح ذلك بالغضروف وهو مضموم الأوّل والثالث والثاني معجم وهو عضو مفرد ليس صلابة العظم لكته أصلب من باقي الأعضاء اللينة قال الأطباء: المنفعة في خلقه أن يحسن اتصمال العظام بالأعضاء اللينة بأن يتوسط بينهما فلا يكون الصلب واللين قد تركبا بلا وأسطة فيتأذى اللين بالصلب خصوصاً عند الضربة والسقطة والمصنف ذكر أنه لإمداده وهو أمر ظاهر، وقوله أو هو وذرّيته الخ في جعل مضر وهاشم مما استغنى به فيه نظر. قال القرافي قد ينقل العلم الموضوع لمعين إلى ما لا يتناهى من ذرّيتة كربيعة ومضر وقيس انتهى فليس من الاستغناء بل هو منقول للجملة إلا أن يقال: في الأول كان كذلك ثم غلب في الاستعمال حتى صار حقيؤة وحينئذ لا يكون فيه نقل إلا بحسب التقدير ولذا قيل: بينهما فرق لأنّ مضر وهاشماً، سما قبيلة بخلاف الخليفة، ورد بأنهما من الإعلام الغالبة والتمثيل بالنظر إلى أصل الاستعمال قبل الغلبة فلا إشكال وكان المجيب لم يفهم الاعتراض فإنّ محصله أنّ علم أبي القبيلة يطلق عليهم، وهذا ليس

يعلم بل وصف ونظيره ما سيأتي من إطلاق فرعون على قومه، واعترض عليه بأنه ليس أبا لهم فلا يطلق كإطلاق القبائل فكان ينبغي أن يقول: إنه ليس بشرط لوجود العلاقة فتأمل وفي الكشف أنه استشهاد لأنّ ما نحن فيه ليس من ذلك القبيل لأنّ آدم جاز أن يعبر به عن الكل لا وضعه الدال عليه والمعنى كما أن الاستغناء هنالك لأن أبا القبيلة أصلهم الجامع كذلك هم ورثوا الخلافة منه فخلافته الأصل الجامع اهـ. وقوله أو على تأويل من يخلفكم أي بلفظ عام شامل للقليل والكثير، ويعلم من قوله السابق أعلى رتبة أنّ موسى عليه الصلاة والسلام أفضل الأنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام وقد تردد بعضهم في تفضيله على إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويكفي لتخصيصه على سائر التوجيهات أوّليته فيها، وعلى القول بشمول الخليفة لذرّيته يظهر قول الملائكة من يفسد بلا تأويل وعلى غيره لأنه منشؤهم وأصلهم وقوله أو خلقا يخلفكم خلق بالخاء المعجمة والقاف وجوّز فيه أيضاً الفاء وقوله بأن بشر بوجوده الخ قيل: عليه ليس هذا مقام البشارة لأنه ليس بسارّ عليهم نظرا إليهم على ما يفصح عنه قوله ونحن نسبح بحمدك وتأويله بالإخبار يأباه سببية تعظيم المجعول فتأمل وقوله: واظهار فضله الراجح. قيل: هو أص كأ من قول الزمخشري صيانة لهم عن اعتراض! الشبهة في وقت استخلافهم لأنّ ذلك ليس من شأنهم سؤالهم إنما هو للتعجب كما سيأتي. وفيه نظر لأنه سيذكره بعينه وعلى هذه الوجوه إن كانت الملائكة ملائكة الأرض فقولهم أتجعل الخ ظاهر، وإن كانت الجميع فالقائل إفا هم أيضا لأن سكان الأرض! مثلهم فيما ذكر أو بعضهم وأسند إلى الجميع كما يقال بنو فلان قتلوا قتيلاً والقائل بعضهم لأنّ ما وقع بينهم كأنه صدر من جميعهم. قوله: (تعجب من أن يستخلف الخ (إنص حمله على التعجب لأنّ الإنكار لا يليق بهم فصرف لما يليق وقد استدل به الحشوية على عدم عصمة الملائكة عليهم الصلاة والسلام فأشاروا إلى ردّه بهذا، وقيل: كان الظاهر المطابق لما قبله أتجعل فيها خليفة من يفسد وإنما عدلوا عنه صرفا للتعجب إلى جعل المفسد في الأرض مع قطع النظر عن كونه خليفة فكأنهم قالوا إنّ أصل جعلهم في الأرض مستبعد فأنى الخلافة ولدقة هذا المعنى وذهابه على الزمخشريّ والمصنف وغيره صرفوا التعجب إلى استخلافهم. (قلت) : ما ذكره المصنف وغيره هو معنى النظم ومقتضى ترتبه على ما قبله من غير ريبة وهو المراد على كل حال وما ذكره القائل نكتة للعدول في التعبير عن مقتضى الظاهر لا تنافيه، وقد أشار المصنف إلى تنبهه لهذه النكتة بقوله فيما سيأتي لا تقتضي الحكمة إيجاد. فضلاً عن استخلافه، وقيل: أيضاً إنّ هذا ينافي كونه تعليما للمشاورة لأنّ مقتضاه أن يكون ألاستفسار والاستخباو مطلوبا منهم، ويكونوا مأذونين في السؤال والجواب فيناسب مقابلتهم بالاستفسار لا التعجب وليس بوارد لأنّ قوله وليس باعتراض يبين أنّ الممنوع فيه الاعتراض والاستفسار والتعجب لا ينافيه فتأمل ثم إنه ليس مشاورة لأنه تعالى غنيّ عن العالمين لكن تلك المعاملة ترشد للمشاورة لشبهها بها وكذا ترشد ل! خبار بما من شأنه أن يسرّ، فسقط الاعتراض على البشارة السابق أيضا وقوله: أو يستخلف مكان أهل الطاعة الخ الطاعة تستفاد من قوله: ونحن نسبح بحمدك الخ كما أنّ المعصحية من سفك الدم والاستكشاف طلب الكشف، وبهر بمعنى غلب وألغاه جعله لغواً. قوله: (وليس باعتراض على الله الخ) عطف على تعجب وعلى وجه الغيبة أي طريقها في الذم وإن لم تكن غيبة حقيقية وهو حرم ومكرمون أي معصومون وقوله: وإنما عرفوا ذلك إشارة إلى ما روي عن السدى رحمه الله تعالى إن الله تعالى لما قال لهم ذلك قالوا وما يكون من ذلك الخليفة قال يكون له ذرّية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضا. وهذا أسلم الوجوه ولذلك قدمه فإنّ اطلاعهم على ذلك من اللوح يرد عليه أن في اللوح أيضا شرف بني آدم وحكمة خلقهم فلو أخذوه منه فلم يبق شبهة د إن كان مدفوعاً بأن الله منعهم عن النظر إلى جميع ما فيه فإنهم لا يفعلون إلا ما يؤمرون وكذا الاستنباط لا يمنع عرق الشبهة فإنه يقال: كيف أرتكز في عقولهم فإن قيل: بأن أخبرهم الله به أو رأوه في اللوح رجع إلى الأوّل وان قيل: بأن خلق

فيهم سبحانه علماً ضرورياً فإن كان بأن لا يعصم فرداً ما سواهم فهو خلاف الواقع أو نوعا مطلقاً وإن عصم بعض أفراده كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو المراد صح لكن لا يلائم قوله لا علم لنا إلا ما علمتنا، مع أن غاية ما يلزم من علمهم باختصاص العصمة بهم علمهم بصدور الذنب المطلق لا خصوصية الفساد وسفك الدماء، والمطلوب هذا دون ذاك إلا أن يقال وجه الاستنباط ما سيأتي من أنهم علموا عصمتهم ورأوا تأليف الإنسان يقتضي القوة الشهوية والغضبية المستلزمة للفساد والسفك أو أنهم علموا ذلك من تسميته خليفة لأن الخلافة تقتضي الإصلاح وقهر المستخلف عليه وهو يستلزم أن يصدر منه فسادا مّا في ذاته بمقتضى الشهوة أو في غيره من السفك، ووجه القياس أنهم علموا حال مثلهم في التناكح والتناسل فقاسوهم عليهم وقوله والسفك الخ هو من فقه اللغة وما ذكره عن ابن فارس، وقال المهدوي: لا يستعمل السفك إلا في الدم، وقيل: إنّ السفك والسفح يستعملان نن نشر الكلام والقدرة عليه وبين قراءة المجهول وأشار في ضمنها إلى أنّ من يجوز فيها أن نكون موصولة وموصوفة وترك ما في الكشاف من أنه قرئ بضم الفاء وكسرها. قوله: (حال مقرّرة لجهة الإشكال الخ) أي جملة حالية مقرّرة ومؤكدة لسؤالهم لدفع ما عرض لهم من الثسبهة ولما تراءى من ظاهر هذا الكلام أنه اعتراض! دفعه بأنّ المقصود منه الاستفسار وكما أنّ هذه الجملة مقرّرة للسؤال دافعة أيضا الاحتمال الاعتراض فإنهم إذا نزهوه أكمل تنزيه علموا أنه لا يصدر عنه ما لا تقتضيه الحكمة فلا يرد أن في كلام المصنف رحمه الله تصريحا بأن قولهم هذا ناشئ من اعتراض الشبهة وقد عرفت أنه لا يليق بثأنهم فالصواب أن يقال: إنه حال مقرّرة لجهة الاستخبار عن حكمة الاستخلاف خاليا عن اعتراض الشبهة في موافقته الحكمة، فإن! لت إن ابن مالك قال في شرح الألفية إن كانت الجملة الاسمية حالاً مؤكدة لزم الضمير وترك الواو نحو هو الحق لا شبهة فيه وذلك الكتاب لا ريب فيه وقال ابن هشام: وتمتنع الوأو في المؤكدة، ووجهه أنّ واو الحال عاطفة بحسب الأصل والمؤكدة لا يعطف على المؤكد لما لينهما من شدة الاتصال وقد صرح به أهل المعاني أيضاً. قلت هو ليس بمسلم فإنهم صرحوا لخلافه أيضا كما في شرح التسهيل أنّ جملة وأنتم معرضون في قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ} [سورة البقرة، الآية: 83] حال مؤكدة وقد ينزل المؤكد منزلة المغاير لكونه أوفى بتأدية المراد فيقرن بعاطف ونحوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى وعطف التفاخر على العجب بضم فسكون تفسيريّ وقوله وكأنهم علموا الخ. يعني بعلم ضروري خلق فيهم أو إخبار كما مر وشهوية بسكون الهاء نسبة إلى الشهوة، وقوله إلى الغ! ساد وسفك الدماء لف ونشر مرتب أن خص الفساد وقوله: ونظروا إليها أي إلى كل من الشهوية والغضبية فإن مقتضاهما ما ذكر وليس في هذا طعن في الملائكة بإسناد سوء الظن إليهم فإنه استخبار وقوله لا تقتضي الحكمة إيجاده إنما عبر بالإيجاد لأنه أبلغ من الاستخلاف مع دلالة الاستخلاف عليه التزاما فلا يقال: إنّ هذا يقتضي تفسير جاعل بخالق وفيه ما مر ثم أشار إلى أن كلاً من القوّتين لها إفراط وتفريط مذموم وحاق وسطهما مهذب ممدوح ومطواعة صيغة مبالغة والتاء للمبالغة لا للتأنيث ومتمرّنة معتادة فالعفة وسط القوة الشهوية والشجاعة وسط الغضبية وافراطها تهوّر وتفريطها جبن ومجاهدة الهوى بترك الشهوات ثمرة العفة، والإنصاف في المعاملات كذلك، وقيل: إنه ثمرة الشجاعة، والتركيب من أجزاء مختلفة يفيد قوّة تقصر عنها الآحاد المفردة الغير المركبة كأراك الجزئيات بالقوى الظاهرة والباطنة التي خلت عنها الملائكة كما سيأتي. ولما ورد أنه كان ينبغي بيان ذلك أشار إلى أنه بينه إجمالاً بقوله إني أعلم الخ لما فيه من إحاطة علم آدم عليه الصلاة والسلام كما سيأتي. ونرك قول الزمخشري كفى العباد أن يعلموا أنّ أفعال الله تعالى كلها حسنة وحكمة وان خفى عليهم وجه الحسن والحكمة لأنه أورد عليه أنه إن أراد أن من شأنهم أن يعلموا ذلك ولو بعد حين لما فيهم من القوة العقلية فليس بكاف في ترك التعجب وأن أراد أنهم كانوا يعلمون ذلك فليس بمعلوم ولا في العبارة ما يدل عليه، وفيه نظر لأن

تنزيه الله وتقديسه عن كل نقص يدل على أنه لا يصدر عنه إلا الأفعال الحسنة الجاربة على وفق الحكمة ثم إنه أتى بهذه الجملة مؤكدة لأنها في جواب السؤال الذي يستحسن تأكيده، وقيل: لتنزيلهم منزلة المنكر لما اعترض لهم من الشبهة التي لا ينبغي أن تعرض وش! تفسر عنها وأعلم فعل مضارع وما مفعوله وهو الظاهر، وما إمّا موصولة أو موصوفة والعائد محذوف أي تعلمونه وقال أبو البقا: وغيره أنه اسم تفضيل استعمل بمعنى عالم فما في محل جر بالإضافة أو نصب بأعلم ولم ينون لعدم انصرافه وضعف بأنّ فيه جعل أفعل بمعنى فاعل وهو خلاف الظاهر وأن فيه عمل اسم التفضيل بمعنى الفاعل والجمهور لا يثبتونه. وقيل: إنه على بابه والمفضل عليه محذوف أي أعلم منكم وما منصوبة بفعل محذوف دل عليه أفعل أي أعلم ما لا تعلمون لأن أفعل لا ينصب المفعول به. قوله:) والتسبيح تبعيد الله سبحانه وتعالى عن السوء الخ (وفي نسخة تنزيه الله عن السوء وتبعيده عنه أي الحكم بنزاهته وبعده وألتلفظ بما يدل عليه وكذلك التقديس. وقد روي هذا التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام وزاد القرطبي فيه على وجه التعظيم، وقوله وكذلك التقديس يفهم منه ترادفهما. قال الراغب: السبح المرّ السريع في الىء أو الهواء يقال سبح سبحا وسباحة واستعير لمرّ النجوم في الفلك ولجري الفرس، والتسبيح تنزيهه تعالى وأصله المرّ السريع في عبادته، وفي الكشف أنّ الزمخشريّ جعلهما مترادفين أصلاَ ونقلا والأشبه تغايرهما وان رجعا إلى نفي النقصان بالنظر في التسبيح إلى أنّ العارف أتى المستطاع في التنزبه ولم يتركه فإنه على حسب المعرفة وفي التقديس إلى أنّ الذات الكاملة التي لا يمكن أن تتصوّر بما يدانيها لها الطهارة عن كل سوء أطلق عليه لفظ دال عليه أو لم يطلق لوحظ في الأوّل العارف وفي الثاني المعروف، وفي قولهم هذا لطيفة إذ جعلوا سفك الدماء نهاية الإفساد وقابلوه بالتقديس الذي هو نهاية التنزيه وترقوا من العرفان إلى المعروف، وحاصله أن التسبيح تنزيهنا له عما لا يليق به والتقدي! تنزهه في ذاته على ما يراه لائقا بنفسه فهو أبلغ ويشهد له أنه حيث جمع بينهما أخر نحو سبوح قدوس. قوله: (وبحمدك في موضع الحال) نقل عن الزمخشري أن الباء لاستدامة الصحبة والمعية لا إحداثها وهو حسن، وفي الكشاف أي لسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك، وهذا كما في الحديث: " سبحانك وبحمدك " لأن المعنى وبحمدك نسبح، وإضافة الحمد إما إلى الفاعل والمراد لازمه مجازاً من التوفيق والهداية أو إلى المفعول والمعنى متلبسين بحمدنا لك كذا أفاده الكرماني في شرح البخاري. وأراد المصنف والعلامة الأوّل وبه تعلم معنى كلامهم ويندفع ما يتوهم من أن الحمد لم يقل أحد أن معناه التوفيق والإلهام وقوله لداركوا الخ وهذا كما قالط داود عليه الصلاة والسلام: يا رب كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك يعني أقدارك وتوفيقك واليه أشار محمود الوراق بقوله: إذاكان شكري نعمة الله نعمة عليئ له في مثلهايجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وان طالت الأيام واتسع العمر فإن مس! بالنعماء عم سرورها وان مس بالضراء أعقبها الأجر وقال الغزالي رحمه الله: أنّ داود عليه الصلاة والسلام لما قال ذلك أوحى الله إليه إذا ،، مت هذا فقد شكرتني وروي إذا عرفت أنّ النعم مني رضيت بذلك منك شكرا. قوله: (ئطهر ومرسنا من الذنوب لأجلك (لما كان التقدي! والتسبيح مترادفين بحسب الظاهر مع أنهما. "، ءيان بغير حرف وقد قيل: إنهما يتعذيان باللام أيضاً فسره بما يفيد تعديته بنفسه كما هو 511! روف ويندفع به التكرار أي نطهر به أنفسنا فالتسبيح لله والتقديس لهم، وظاهر قوله واللام.، و، - ة أنه لم يرتض تعديه بها وإنما ضعفه لأنه خلاف الظاهر وقيل التسبيح التبعيد يعدى بتفسه) ، االام وكذلك التقديس فاللام في لك في المعنى متعلق بالفعلين، وكذا الحال أعني بحمدك وفائدة الجمع بين التسبيح والتقديس وان كان ظاهر كلامه

ترادفهما أن التسبيح بالطاعات والعبادات والتقدي! بالمعارف والاعتقادات وقيل: عليه إن ما هنا أولى فإنّ توسيط الحال بين العاملين والحمل على التنازع في لك وتخصيص التسبيح بالعبادات والتقديس بالمعارف بلا دليل بعيد وقيل: الأولى أن يفسر بأنا نقدسك لأجلك واستحقاقك لأجلنا من طمع ثواب أو خوف عقاب. قوله: (إما بخلق علم ضروويّ بها فيه الخ) هذه المسألة أصولية دائرة على الاختلاف في واضع اللغات هل هو الله أو البشر، وفي كيفيته وهو مفصل في أصول الفقه مع أدلته وما عليه وما له ومذهب الأشعري أنّ الواضع لها كلها هو الله ابتداء مع جواز حدوث بعض أوضاع من البشر كما يضع الرجل علم ابنه واستدل بهذه الآية وقالت المعتزلة: الواضع من البشر آدم أو غيره وشممى مدّهب الاصطلاح والثالث مذهب ألتوزيع بأن وضع الله بعضها والباقي البثر وأشار المصنف إلى الأوّل وطريق المعرفة بوضع الله لها أنه خلق في آدم علما ضرورياً بأسماعه إياها وخلق علم ضروريّ بأنّ هذا معنى هذا ورده أبو منصور: بأنّ الضروريّ إما بديهيّ أو مدرك بالحواس ولو كان كذلك لشاركتهم الملائكة فيه فلا بدّ أن يكون بإلهام أو بإرسال ملك لم يكلفه الأنباء، والروع بضم الراء والعين المهملة القلب والذهن والعقل والفرق بينهما إن الأوّل يكون بدون مباشرة الأسباب والثاني تكون معه فهو أعلى من الأوّل أو مغاير لأن الإلهام لا يكون ضرورياً ولأنه بغير إلقاء لفظ فتأمّل. قوله: (ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاح الخ) لأنّ الاصطلاح يكون بالتكلم ويرجع الكلام إليه فإمّ أن يدور أو يتسلسل ولو سلم توقفه عليه فيجوز أن يعرف القدر المحتاج إليه في الاصطلاح بالترديد والقرائن كما يشاهد في الأطفال. قوله: (والتعليم فعل يترتب عليه العلم فالباً) دفع لما أورد عليه من أن خلق ذلك العلم والإلهام ليس تعليما إذ المعهود فيه أن يكون بإلقاء الألفاظ فيفتقر إلى سابقة اصطلاح فدفعه بأنه فعل يترتب عليه العلم مطلقا فلا يرد عليه أنّ هذا متمسك المنكرين لكون الأسماء معلمة من الله. قوله: (ولذلك يقال علمتة فلم يتعلم) هذا أيضا مما اختلف فيه عإنّ المطاوع هل ينفك عن مطاوعه م! قاً أو في بعض الموادّ أو لا ينفك أصلاً فعلم هل يستدعي التعلم أو لا فقيل: يستلزمه لقوله تعالى: {مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي} [سورة الأعراف، الآية: 178] ونحوه وقيل لا يستلزمه لقوله تعالى: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا} [سورة الإسراء، الآية: 60] لأن التخويف حصل ولم يحصل للكفار خوف نأفع فعلى الأوّل تكون الفاء في نحو أخرجته فخرج للتعقيب في الرتبة لا في الزمان ولا يصح أخرجته فما خرج إلا مجازاً، وعلى الثاني تكون الفاء للتعقيب ويكون أخرجته فما خرج حقيقة واختار السبكي التفصيل، فقال: يقال علمته فما تعلم ولا يقال كسرته فما انكسر والفرق إن حصول العلم في القلب يتوقف على أمور من المعلم والمتعلم فكان علمته موضوعا للمخبر الذي من المعلم فقط لعدم إمكان فعل من المخلوق يحصل به العلم ولا بد بخلاف الكسر فإنّ أثره لا واسطة بينه وبين الانكسار وتفصيله في شروح ابن الحاجب. قوله: (وآدم الخ) اختلف في آدم هل هو عربي من الأدمة أو مبئ أديم الأرض لأنه خلق من تراب فوزنه أفعل وأصله " دم بهمزتين فأبدلت الهمزة الثانية ألفا لسكونها بعد فتحة، أو أعجمي ووزنه فاعل بفتح العين وهو وزن يكثر في الأسماء الأعجمية كآزر وشالخ بالشين والخاء المعجمتين علمين وقد يستعمل في أسماء الآلات كقالب وخاتم ويشهد له جمعه على أوادم بالواو لا 6ادم بالهمزة وان اعتذر عنه الجوهريّ بأنّ الهمزة إذا لم يكن لها أصل جعلت واواً فإنه غير مسلم منه وإذا كان أعجميا لا يجري فيه الاشتقاق حتى قالط أبو عبيدة أن من أجرى الاشتقاق فيها كمن جمع بين الضب والنون ولا كلام فيه إذ اشتقاقه من تلك اللغة لا نعلمه ومن غيرها لا يصح والتوافق بين اللغات بعيد جذاً نعم قد يذكرون فيه ذلك إشارة إلى انه بعد التعريف ألحقوه بكلامهم واعتبروا فيه اشتقاقا تقديريا ليعرف وزنه والزائد فيه من غيره، فحيث أطلقوا عليه ذلك تسمحاً فمرادهم ما ذكر، واشتقاقه من الأدمة بضم فسكون وهي السمرة ولا ينافي ذلك كونه من أجمل البشر ومنهم من فسرها بالبياض أو الأدمة بفتحتين وهي الأسوة و القدوة وأديم الأرض ما ظهر منها، ولا يلزم من كون أصله ذلك أن

يكون لونه ترابيا ألا ترى النبات على لطافة ألوانه مخلوقا من الأرض وأخيافا بمعنى مختلفين والأدم والأدمة الموافقة والألفة مأخوذ من إدام الطعام، ووجه كونه تعسفا ما مر. وادرش! من الدرس لكثرة دراستة للعلوم وكذا يعقوب من العقب لمجيئه عقب إسحق وإبليس من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله وعلى هذا فهو عربيّ واختاره ابن جرير وقال إنه منع صرفه لأنه لا نظير له في الأسماء وأورد عليه أنّ هذا لم يعذ من موانع الصرف مع أنّ له نظائر كاغريض واصليت، وفيه لظر. قوله: (لما روي عنه عليه الصلاة والسلام الخ) قال السيوطي: أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن جرير وغيره ولله درّ القائل: الناس كالأرض ومنها همو من خشن الص! ق ومن لين فجلمد ترمي به أرجل واثمديجعل في الأعين قوله: (والاسم باعتبار الاشتقاق الخ) هذا بالنظر إلى المذهبين اشتقاقه من الوسم بمعنى العلامة أو من السموّ وهو العلوّ لرفعه مسماه من حضيض الجهل إلى ذروة التعقل والمراد بالعرف العرف العامّ والمخبر عنه الاسم والخبر الفعل، والرابطة الحرف وفي الاصطلاح يطلق على ما ذكر. وعلى ما يقابل الصفة وعلى ما يقابل الكية واللقب والمعنى المصطلح لا تصح إرادته هنا لأنه محدث بعد نزول القرآن فالمراد إمّا الأوّل وهو العلامة الدالة مطلقا المبينة بقوله من الألفاظ الخ والمراد بالصفات والأفعال معناها اللغوي فهو أعمّ من الثاني. قال الإمام: وقيل: المراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها لأنها علامات دالة على ماهياتها فجاز أن يعبر عنها بالأسماء، وفيه نظر لأنه لم يعهد إطلاق الاسم على مثله حتى يفسر به النظم والظاهر أن المراد الثاني قال الإمام المراد أسماء كل ما خلق من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها اليوم أولاده من العربية والفارسية والزنجية وغيرها وكان ولد آدم يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرّقت أولاده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة فلما طالت المدة نسوا سائر اللغات. قوله: (والمعنى أنه سبحانه وتعالى خلقه من أجزاء مختلفة الخ) يعني أنه لا يلزم من معرفة الدوالّ من حيث هي دوالّ معرفة مدلولاتها وأشار به إلى جواب سؤال وهو أنه بتعليم الله ولو علمهم لأجابوا السؤال وأيضاً معرفة جميع الأشياء لا تمكن ولم تقع فأجاب بأن تعليمه لما خلق فيه من القوى الجسمانية الظاهرة والباطنة التي أعطته استعداداً ليس فيهم لإدراك الجزئيات والكليات والمخيلات والموهومات التي يقتدو على معرفتها ومعرفة خواصها وضبط أصولها وقوانينها لا جزئياتها الغير ا) ! تناهية. قوله: (الضمير فيه للمسميات المدلول عليها الخ) قال الشارح المحقق: إنما احتاج إلى اعتبار هذا الحذف ليتحقق مرجع ضمير عرضهم وينتظم أنبؤني بأسماء هؤلاء ولم يجعل المحذوف مضافا إلى مسميات الأسماء لينتظم تعليق الأنباء بالأسماء فيما ذكر بعد التعليم وظاهر كلامه أنّ اللام عوض عن المضاف إليه كما هو مذهب الكوفيين وقد نفى ذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [سورة النازعات، الآية: 39] ولم يقل به في قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [سورة مريم، الآية: 4] فوجب أن يحمل على ما ذكرنا في {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [سورة البقرة، الآية: 25] وان كان ظاهر عبارته على خلافه أو يقال ليس كل ما يذكره من المحتملات مختارا عنده وفيما ذكر إشارة إلى الردّ على من زعم أنّ الاسم عين المسمى وأنّ عود ضمير عرضهم إلى الأسماء باعتبار أنها المسميات مجازا على طريق الاستخدام. (أقول) : هذا الكلام وان وقع من عامّة الشراح هنا لكته ليس بمحرّر لأنّ المعرف بالألف واللام العهدية في معنى المضاف إضافة عهدية إذ لا فرق بين قولك رأيت الأمير وأمير البلد وليس الخلاف متصوّرا فيه إنما الخلاف في محل يكون المضاف إليه ضميراً في مقام محتاج إلى الرابط كما صرح به ابن هثام في شرح بانت سعاد حيث قال بعد ما فصل المسألة نيابة أل عن الضمير في نحو حسن الوجه من حيث هو ضمير لا من حيث هو مضاف إليه وربما توهم من كلامهم الثاني وقد استجرّ ذلك الزمخشري حتى جوّز نيابتها عن المضاف إليه المظهر في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء}

ولا أعلم أحدا قال بهذا قبله، وقال الرضي: لا تعوّض اللام عند البصريين في كل موضع شرط فيه الضمير كالصلة وجملة الصفة والخبر والوصف المشتق منه ويجوز في غيره كقوله: لحا في لحاف الضيف والبرد برده أي وبردى برده فلا ينبغي أن يعدّ ما نحن فيه منه ولا كل محل من مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، وهذا مما غفلوا عنه فاعرفه لترى ما في كلام الشارح مع جلالته من الخلل ولو قال المصنف رحمه الله بدل قوله إذ التقدير أو التقدير لكان الأوّل وجها مستقلا معناه عود الضمير على ما يفهم من الكلام إذ الأسماء لا بد لها من مسميات، والظاهر أن معنى عرضها إخبارهم بما سيوجده من العقلاء وغيرهم إجمالاً، وسؤالهم عما لا بد لهم منه من العلوم والصنائع التي بها نظام معاشهم ومعادهم إجمالاً والا فالتفصيل لا يمكن علمه لغير الله فكأنه قال: سأوجد كذا وكذا فأخبروني بمالهم وما عليهم وما أسماء تلك الأنواع من قولهم عرضت أمري على فلان فقال لي: كذا فلا يرد أن المسميات أعيان ومعان وعرض الأعيان ظاهر فكيف عرضت المعاني كالسرور والحزن والعلم والجهل ولا حاجة إلى ما قيل: إنّ المعاتي في عالم الملكوت متشكلة بحيث ترى وهذا مثل عالم المثال الذي أثبتوه وقال: إنه قامت الأدلة على إثباته وأنه صنف فيه رسالة ونقل عن عبد الغفار القوصي إنّ المعاني تتجسم ولا يمتنع ذلك على الله، وتذكير الضمير المخصوص بالعقلاء لا جمعه كما قيل: لتغليبهم. قوله: (وقرئ عرضهن الخ) قال قدّس سره: إنما لم يجعل الضمير للمسميات المحذوف من قوله وعلم آم الأسماء لأنّ اعتبار ذلك الحذف إنما كان لأجل ضمير عرضهم وأمّا على تقدير عرضها أو عرضهن فيصح عود الضمير إلى الأسماء فلا يعتبر حذف المسميات ثمة مضافا إليه بل هنا مضافا لئلا يكون نزعا للخف قبل الوصول إلى الماء فليتأمل اهـ. وأورد عليه أنّ ما ذكره صحيح في ضمير عرضها دون عرضهن لأنه ضمير جمع المؤنث والأسماء ليس كذلك فلا بد من رجوعه إلى المسميات فيعتبر بالضرورة حذفها ثمة مضافا إليه فإنه نزع للخف بعد الوصول إلى الماء اص. (أقول) هذا بناء منه على أنّ ضميرهن مختص بالنسوة العقلاء وقد صرح الدماميني في شرح التسهيل بخلافه ومثله له بقوله تعالى: {خَلَقَهُنَّ} بعد قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [سورة فصلت، الآية: 37] ولو كان كما زعم هذا القائل لزمه تغليب المؤنث على المذكر. قوله: (تبكيت لهم وتنبيه على عجزهم) إشارة إلى أنّ الأمر هنا تعجيزي والتبكيت غلبة الخصم بالحجة ولا يصح أن يكون للتكليف في هذا المحل حتى ينبني على مسألة تكليف ما لا يطاف المختلف فيها كما مر إذ إعلام من لم يعلم غير ممكن، وقيل: إنه غفلة عن قوله إن كنتم صادقين والا لما توهم لزوم التكليف بالمحال على تقدير كون الأمر للتكليف فإنّ المعلق بالشرط لا يوجد قبل وجوده وفيه نظر وقوله والأنباء الخ قال الراغب: النبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن ولتضميته معنى الخبر يقال: أنبأته بكذا كقولك أعلمته بكذا اص. فقول المصنف رحمه الله يجري مجرى كل واحد منهما أي يستعمل استعماله في التعدية بالباء تارة وبنفسه أخرى وألا أصل معناه مطلق الأخبار كما هنا فإنه تعانى غنيّ عن الأعلام أي إيجاد العلم. قوله: (في زعمكم أنكم أحقاء الخ (هو لبيان ترتب الجزاء على الشرط أي إن كنتم صادقين في أنكم أحق بالاستخلاف أو في أنّ استخلافهم لا يليق فأثبتوه ببيان ما فيكم من شرائطها السابقة وقوله فتبينوا كذا في النسخ وسقط من بعضها وتبين يكون متعديا كبين بمعنى أظهر ولازما بمعنى اتضح كما في القاموس وهو هنا متعد أي فأوضحوا ذلك وأثبتوا مدعاكم المذكور قال قدس سره: فإن قلت هذا ينافي ما سبق من أنهم عرفوا ذلك ب! خبار من الله أو من جهة اللوج أو نحو ذلك فإنه صريح في كونهم صادقين. قلت المراد بذلك مجرّد كون بني آدم من يصدر عنهم الفساد والقتل فإن قلت فما وجه ارتباط الأمر بالأنباء بهذا الشرط وما معنى إن كنتم صادقين فيما زعمتم فأنبؤني باسماء هؤلاء قلت معناه إن كنتم صادقين فيما زعمتم من خلوهم عن المنافع والأسباب الصالحة للاستخلاف فقد ادّعيتم العلم بكثير من خفيات الأمور فأنبؤني بهذه الأسماء فإنها ليست في ذلك الخفاء، ولقوّة

هذين السؤالين ذهب كثير من المفسرين إلى أنّ المعنى إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقاً إلا أنتم أعلم منه وأفضل إلا أنه لا دلالة في الكلام عليه. (أقول) : نقل الحافظ السيوطي أنه ورد أنهم قالوا لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن البصري وتتادة والربيع بن أنس فالتقدير إن كنتم صادقين في قول ذلك ومثى عليه الواحدي رحمه الله فما رذه هو التفسير المأثور وهو أحق بالاتباع وأمّا قوله لا دلالة في الكلام عليه فممنوع فإنّ قوله ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك يدل على أفضليتهم وتنزيه الله،. تقديسه أو تقديسهم أنفسهم يدل على كمال العلم أيضاً، ثم إنّ جوابه الأوّل لا يدفع السؤال فالظاهر في دفعه أن علمهم بذلك لا يقتضي علمهم بأنه مخالف للحكمة فتامّل. وأيضاً المناسب أنبؤني بدقائق الأمور التي تفضلكم عليهم لا بظوإهرها كما ذكر. وقال ابن جرير: الأولى أن يقدر إن كنتم صادقين في أني إن جعلت خليفة غيركم أفسد وسفك الدماء وان جعلتكم فيها أطعتم واتبعتم أمري فإنكم إذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من خلقي وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم فأنتم بما هو غير موجود من الأمور التي ستكون أحرى بأن تكونوا غير عالمين فلا تسألوني ما ليس لكم به علم فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي، ثم إنه اعترض! على إسناد هذا الزعم إليهم بأنه يفضي إلى تجويزهم صدور ما يخالف الحكمة عنه تعالى وهم أجل من ذلك، ولذا حمل السؤال في أتجعل على الاستخبار لا الإنكار وفيه نظر. توله: (وهو وإن لم يصرحوا به لكته لارّم مقالتهم) قيل: مثل هذا التركيب واقع في عباراتهم وظاهره غير مستقيم وغاية ما يمكن فيه أن يقال الواو زائدة كما في: وكنت وما ينهنهي الوعيد وان من حروف الزوائد والمعنى وهو غير مصرح به فيصح الاستدراك) أقول) هذا التركيب خرّجوه كما قال الشارح المحقق في سورة النساء في قول الزمخشري لأنّ عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريبا في الصورة إلا أنه فإن كل مبتدأ عقب بان الوصلية يؤتى في خبره بألا أو لكن الاستدراكية مثل هذا الكتاب وإن صغر حجمه لكن كثر علمه لما في المبتدأ باعتبار تقييده بأن 10 لوصلية من المعنى الذي يصلح الخبر استدواكاً له واشتماله على مفروض وجعل بعض الفضلاء الخبر مقدرا، والقائل غفل عن هذا لأنّ إن الوصلية لا تأني بدون الواو فما ذكره خطأ واستدلا ا 4 بالشعر ليس في محله وقوله لكنه لازم مقالتهم الأوّل لازم لقوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} الخ والثاني لقوله أتجعل الخ وبجعله لازما لما قالوه لا أنهم صرّحوا به واعتقدوه سقط ما مر من الاعتراض بأنه لا يليق إسناده إليهم وعلم أنّ المصنف 0- حمه الله ليس بغافل عنه والغافل من اعترض عليه، وما ذكره من أنّ التصديق وكذا التكذيب يكون لما يتضمنه الكلام وان كان إنشاء ظاهر. قوله: (اعتواف بالعجز والقمور الخ) إشارة إلى أنّ الكلام ملقي لعالم بفائدة الخبر ولازمها فلا بد من أن يقصد به بعض لوازمه وهو هنا اعترافهم بعجزهم وقصورهم عن إدراك حكمته إلا بتوفيق منه وهو ظاهر، وقوله وأشعار الخ وجهه أن نفيهم شامل لأحوال آدم وخلافته ومن لا يعلم شيئا لا يعترض عليه بل يسأل عنه ولا ينافي هذا ما مر من أنه تعجب لأنّ التعجب إنما يكون عند خفاء السبب، وأمّا احتمال أن يكون اعتراضاً وهذا توبة ورجوع عنه فبعيد، وظهور ما خفي عنهم علم من تعجيزهم إجمالاً وتلويحاً بأن ثمة من يعلم ذلك، وشكر النعمة يفهم من قوله علمتنا فإنه اعتراف بنعمة تعليمه تعالى لهم واعتقل بالعين المهملة والمثناة الفوقية واللام بمعنى حبس في الأصل والمراد به هنا أشكل وتصح فراءته مجهولاً ومعلوما. قوله: (وسبحان مصدر كغفران الخ) قدم معنى التسبيح وسبحان قيل: إنه اسم مصدر لا فعل له وأمّا سبح المشدد فمأخوذ من سبحان الله كهلل أي قال سبحان الله ولا إله إلا الله وقيل: إنه مصدر سمع له فعل وهو سبح مخففا بمعنى نزه وقدّس، قال الراغب: والسبوح والقدّوس من أسمائه تعالى وليس في كلامهم فعول بالضم سواهما، وقد يفتحان ككلوب وسمور والسبحة التسبيح ويقال: للخرزات التي يسبح بها سبحة ا!. وهو مصدر لا ينصرف أي لازم النصب على المصدرية وكان المصنف

أقحم يكاد إشارة إلى ما نقل عن الكسائي أنه يكون منادى فيقال: يا سبحان الله، وأمّا قوله أجرى علماً للتسبيح أي علم جنس للمعنى كما قالوا شعوب للمنية وفجار للفجرة فتابع فيه الزمخشري في المفصل حيث قال: سموا التسبيح بسبحان وقال ابن الحاجب في شرحه: قيل: هذا ليس بمستقيم لأنّ سبحان ليس اسما للتسبيح لأنه مصدرش ح ومعنى سبح: قال سبحان الله فمدلوله لفظ ومدلول سبحان تنزبه وهو معنى لا لفظ فتبين أنه ليس علماً للتسبيح وأجيب بأنه لو لم يرد التسبيح بمعنى التنزيه لكان كذلك وأمّا إذا ورد فلا إشكال والذي يدل على أنه علم قوله: سبحان من علقمة الفاخر ولولا أنه علم لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع مع العلمية ولا يستعمل سبحان علما إلا شاذاً وأكثر استعماله مضافاً وإذا كان مضافاً فليس بعلم لأنّ الأعلام لا تضاف لتعريفها وقيل إنّ سبحان في البيت على حذف المضاف إليه يعني سبحان الله وهو مراد للعلم به، وقيل: إنه مضاف لعلقمة ومن زائدة والمراد التهكم به وهو في قوله: سبحانه ثم سبحانا نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والحمد مصروف عند سيبويه رحمه الله للضرورة اهـ. والحاصل أنّ القول بعلميته لا داير له إلا استعماله ممنوعا من الصرف وهو مع شذوذ يجوز تخريجه على وجوه أخر، وقد سمع خلافه وادّعى سيبويه رحمه الله تعالى أنه ضرووة مقابل بالمثل وقال ابن يعيش رحمه الله سبحان علم واقع على معنى التسبيح وهو مصدر معناه البراءة والتنزيه وليس منه فعل وإنما هو واقع موقع التسبيح الذي هو المصدر في الحقيقة جعل علماً على هذا المعنى فهو معرفة لا ينصرف فإن أضفته يصير معرفة بالإضافة وقوله بإضمار فعله هذا بناء على أنه له فعل إمّا مخفف أو مشدد على الخلاف فيه فإن لم يكن له فعل يقدر ما هو معناه، وإذا أضيف فليس بعلم خلافاً للزمخشري ولا حاجة إلى القول بأنه نكر وأضيف إذ لم يعهد تنكير أعلام الأجناس لأنها في المعنى نكرة وعلميتها للضرورة، وقد جاء بالألف واللام في قوله: سبحانك اللهم ذا السبحان وفيه شذوذ آخر لخروجه من النصب على المصدرية. قوله: (سبحان من علقمة الفاخر) هو من قصيدة للأعشى وسببها أنه لما فاخر علقمة بن علاثة ابن عمه عامر بن الطفيل العامريين وكان علقمة كريماً رئيسا وعامر عاهراً سفيهاً ساقا إبلا لينحرها المقرّ له فهاب حكام العرب أن يحكموا بينهما بشيء فأتيا هرم بن قطنة بن سنان فقال: أنتما كركبتي البعير تقعالت معا وتنهضان معاً قالا فأين اليمين قال كلا كما يمين فأمّا ما سنة لا يجسر أحد أن يحكم بينهما ثم إنّ الأعشى وصل إلى علقمة مستجيراً فقال: أجيرك من الأسود والأحمر، قال ومن الموت قال: لا فأتى عامراً فقال له: مثل ذلك، فقال: ومن الموت قال: نعم قال: وكيف قال: إن مت في جواري وديتك فبلغ ذلك علقمة فقال لو علمت أنّ ذلك مراده لهان عليّ فركب الأعشى ناقته ووقف في نادي القوم وأنشدهم قوله يهجو علقمة وينفر عليه عامراً أي يفضله: شاقتك من قبلة أطلالها بالشط فالجزع إلى حاجر حتى إذا بلغ إلى قوله في القصيدة: ياعجباللدهر إذ سويا كماضاحك منه ومن ساخر إنّ الذي فيه تماريتما بين للسامع والناظر ما جعل الجد الظنون الذي جنب صوب اللجب الماطر مثل الفراتيّ إذا ما جرى يقذف بالبوصيّ والماهر أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر علقم لاتسفه ولاتجعلن عرضك للوارد والصادر الخ. والفاخر بالخاء الفوقية ذو الفخر وقيل: أراد سبحان الله على معنى التعجب ولا شاهد فيه لما مر ويحتمل أنه بناه لأنه لما أراد به ا! تعجب أجراه مجرى اسم الفعل في البناء. قوله: (وتصدير الكلام الخ) يعني أنهم لما نزهوه عما لا يليق بالحكمة دل على أن الاستخلاف لا ينبغي السؤال عنه وأنهم غير عالمين بما فيه من الحكم

الخفية وهو يشبه التوبة لأنّ السؤال لما لم يلق أشبه الذنب، ووجه ذكره مع التوب الإشعار بالعذر في ارتكاب الذنب بأنه لا منزه إلا هو أو تنزيهه عن ردّها لكرمه وتغير العليم بالذي لا يخفى عليه خافية أخذه من صيغة المبالغة وتفسير الحكيم بالمحكم سيأتي ما فيه في بديع السموات والأرض، وأنت ضمير فصل والخلاف في أنه له محل من الإعراب أم لا مشهور، وإذا كان تأكيداً فهو معرب محلا بإعراب متبوعه وقوله أعلمهم فسره باعتبار المآل والا فهو مراد به الإخبار المترتب عليه العلم ولذا عدى بالباء ولو كان بمعنى العلم لتعدى بنفسه. قوله: (وقرئ بقلب الهمزة ياء وحذفها بكسر الهاء فيهما) ضمير حذفها جوّز فيه أن يعود إلى الهمزة لأن قلبها يتضمن حذفها لكن المعهود في مثله التعبير بالقلب والى الياء المنقلبة عنها لأنه بعد القلب يصير كالأمر المعتل الآخر فيحذف آخره كارم وقوله فيهما أي في قلب الهمزة وحذفها ونقلاً عن حمزة. قوله: (إني أعلم غيب السموات والأرض الخ) فيه إيجاز بديع لأنه كان الظاهر {أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وشهادتهما {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} وما ستبدون وتكتمون فاقتصر على غيب السموات والأزض لأنه يعلم منه شهادتهما بالطريق الأولى وكذلك اقتصر من الماضي على المكتوم لأنه يعلم منه البادي بالأولى وعلى المبدي من المستقبل لأنه قبل الوقوع خفيّ فلا فرق لينه وبين غيره من خفياته، ثم إنه قيل: لا بد من بيان النكتة في تغيير الأسلوب حيث لم يقل ما تكتمون ولعلها إفادة استمرار الكتمان فإن المعنى {أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} قبل أن تبدوه وأعلم ما تستمرون على كتمانه وهذا مبنيّ على إن كان للاسنمرار وهو مجاز لا قرينة عليه وفيما مر غنية عنه. قوله: (استحضار لقوله اعلم الخ) إنما كان أبسط لتعرضه للتفاصيل وإن كان ما لا تعلمون أوجز وأشمل اللهمّ إذا خص بما خفي من مصالح الاستخلاف فحينئذ يكون أشمل، وقال الطيبي رحمه الله: إنما قال أبسط ولم يقل بيان له لأن معلوماته تعالى لا نهاية لها وغيب السموات والأرض وما يبدونه وما يكتمونه قطرة منه لكنه فيه نوع بسط لما أجمل فيه، فإن قلت ما يبدونه وما يكتمونه ليس مندرجاً فيما لا يعلمون، قلت المراد اندراح الأوّل في الثاني لا العكس كما أشار إليه بقوله فإنه تعالى لما علم الخ. أو يقال: إنّ قوله أعلم ما لا تعلمون كناية عن شمول علمه ويدل عليه قوله قال: ألم أقل لكم فإنه يقتضي سبقه بعينه أو بمساويه أو مقاربه، ووجه التعريض ظاهر ومترصدين بمعنى منتظرين. قوله: (استبطانهم أنهم أحقاء الخ) ليس المراد بالاستبطان الإخفاء عن الله الذي يعلمون أنه لا تخفى عليه خافية بل عدم التصريح له والرمز إليه في ونحن نسبح بحمدك وقوله وأسر منهم إبليس من المعصية الخ قال ابن عطية وجاء تكتمون على الجماعة والكاتم واحد منهم على عادة العرب في الاتساع كما إذا جنى! ض قوم جناية يقال لهم أنتم فعلتم كذا والفاعل بعضهم وقوله والهمزة الخ الإنكار في معنى النفي والجحد بمعنى النفي ونفي النفي إثبات. قوله: (تدل على شرف الإنسان ومزية العلم الخ) ، نه قدم عليهم في الاستخلاف وبين أنّ وجه تقديمه له علمه وقوله وأنّ التعليم الخ وجه إسناده إليه ظاهر وأمّا عدم إطلاقه عليه. أمّا على القول بالتوقيف فظاهر لأنه لم يرد إطلاقه عليه وأمّا على القول بعدمه خصوصاً في الصفات فإنّ شرطه أن لا يوهم نقصاً وفيه ذلك لأنه تعورف فيما! حترف به ولا عبرة بأنه أطلق على الله معلم الملكوت ولا بأنّ بعض الحكماء والمفسرين لأنه "! ورف فيما يحترف به ولا عبرة بأنه أطلق على الله معلم الملكوت ولا بأن بعض الحكماء االمفسرين أطلق المعلم الأوّل على الله. قوله: (وأنّ اللغات توفيفية الخ) هذا أحد المذاهب السابقة وارتضاه المصنف رحمه الله تعالى وخالفه في المنهإج، وقوله بخصوص هو بناء على أنّ المراد بالاسم المعنى العرفي والعموم بناء على المعنى الاشتقاقي وقبل عليه أنه على العموم لا يدل على تعليم جميع أنواعه وبه تمسك المخالفون ولا يخفى أنه إذا أريد جميع أنواعه أثبت المراد لدخول الألفاظ فيه وكلها صريح فيه و وله وتعليمها الخ جواب عن قول المخالف إنّ التعليم بمعنى الإلهام فلا يلزم التوقيف أو أنها كانت لغات سكان الأرض قبله فعلموها له. قوله: (وأنّ مفهوم الحكمة الخ) معنى قوله زائد إن كان بمعنى مشتمل على معناه زيادة فيكون ذكره بعده للترقي في الإثبات ولا يكون تكراراً وهو المتبادر لكن كان ينبغي أن

يفسر الحكيم بالعالم بالأشياء الموجد لها على الأحكام كما قال الراغب: الحكمة منه تعالى معرفة الأشياء وايجادها على غاية الإحكام لا بما فسره به سابقا فإنه يقتضي المغايرة وإن كان يستلزم العلم، وإن أراد أنه صفة أخرى زائدة على العلم مترتبة عليه فهو ظاهر، وقيل: قدمه ليتصل بقوله وعلم الخ. قوله: (وأن علوم الملانكة الخ) يعني جميعهم والا لم يخالف كلام الحكماء أمّا إن كان الخطاب مع الجميع كما مر فظاهر وأمّا إذا كان مع البعض فلأنّ الفرق تحكم في عالم الملكوت وإنما دل على ذلك لأنه أعلمهم بما لم يكن عندهم علمه فزادوا علما، وأراد بالحكماء الإسلاميين بدليل استدلالهم بالآية وهي {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} أي مرتبة في العلم لا يتجاوزها. قوله: (أفضل من هؤلاء الملائكة الم يقل أفضل من الملائكة لأنّ الآية إنما تدل على أفضليته على المذكوربن فإن كان الجميع مذكورا فهو أفضل منهم وإن كان البعض فالآية تدل على تفضيله عليهم، وأمّ قوله لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل فقيل: عليه إن أراد أنه أعلم منهم على الإطلاق فالآية لا تدل إلا على أعلميته بما أعلم به وان أراد أعلم في الجملة فلا يتم التقرير وكذا كون الأعلم أفضل إن أراد أفضل مطلقاً فغير مسلم وان أراد من جهة العلم فلا يتم التقرير أيضاً وأيضاً لو كان المعلم أفضل من المعلم لزم أفضلية جبريل على نبينا عليهما الصلاة والسلام والقول بأنه ليس بمعلم والمعلم هو الله لا وجه له وكذا آية: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي} إنما تدل على تفضيل العالم على الجاهل لا على من سواه، وقد قيل: في الجواب أن التفضيل شرعا معلوم أنه إمّا بالعلم أو بالعمل وقد فضل علم آدم عليه السلام على علمهم فعلم أنه أفضل منهم مطلقاً، والذين لا يعلمون عام شامل للعابدين وغيرهم فدل على ذلك فتدبر. قوله: (وأنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها الأنه تعالى علم آدم عليه الصلاة والسلام قبل خلقه وما فيه من المصالح والحكم وغير ذلك قبل وجوده. قوله: (تعالى واذ قلنا للملانكة اسجدوا لآدم) غير الأسلوب فقال: أوّلاً {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} وهنا واذ قلنا بضمير العظمة لأنه في الأوّل ذكر خلق آدم واستخلافه فناسب ذكر الربوبية مضافة إلى أحب خلفائه، وهنا المقام " مقام امر يناسب العظمة وأيضا السجود للتعظيم فلما أمر بفعله لغيره أشار إلى كبريائه الغنيمة عن التعظيم ونحوه في التعبير ما مر من قوله للملائكة أنبؤني ليكون عجزهم عنده أعظم عليهم وقال لآدم عليه الصلاة والسلام أنبئهم تلطفا به وإظهار الفضلة عليهم. قوله: (أمرها بالسجود) يعني أن الأمر في هذه الآية منجز والفاء التعقيبية في قوله فسجدوا ظاهرة في عدم تراخي سجودهم عن الأمر وهذا يقتضي أن يكون بعد التعليم والأنباء وقوله اعترافا علة للسجود، وأداء لحقه إذ علمهم ما لم يعلموا وحق الأستاذ على من علمه حق تعظيم حتى قيل: لو جاز السجود لمخلوق لاستحقه المعلم ممن علمه ومن قال الأمر للفور استدل بذمّ إبليس على ترك الفور ولا دليل عليه سوى الأمر، وأجيب بأنّ دليل الفور ليس مطلق الأمر بل الفاء قيل: وعلى هذا لا لصح قوله اعترافا بفضله وأداء لحقه اعتذارا عما قالوه لكن التحقيق أن الفاء الجزائية لا تدل على التعقيب من غير تراخ كما في التلويح فتأمّل. قوله: (وقيل أمرهم به قبل أن يسوّي خلقه الخ) فيكون أمرا غير تنجيزيّ وحكمة الامتحان لهم ليعلم المطيع من غيره وليظهر فضله حين سألوا عنه وهذا أيضا في التفسير الكبير والمصنف رحمه الله تعالى أشار إلى عدم ارتضائه ولم لشر إلى جواب استدلاله بالآية وهو أن الفاء الجوابية لا تقتضي التعقيب كما في قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [سورة الجمعة، الآية: 9] فإنه لا يجب السعي عقبه ومنهم من أوّل هذه الآية بأنها لا تعارض! الأخرى إذ ليس فيها ما يقتضي وقوعها بعد الإنباء لعطفها بالواو ومنهم من رآها لذكرها بعد الأنباء ظاهرة في التأخر فقال: إنّ الأمر بالسجود وقع مرتين مرة عقب خلقه ومرة بعد أنبائه وضعفه بعضهم وادّعى آخرون أنه مشهور وأتا ما قيل: إنّ المراد بنفخ الروح في هذه الآية التعليم لما اشتهر أن العلم حياة والجهل موت فبعيد. قوله: (والعاطف عطف الظرف على الظرف الخ) والمراد العامل المقدر وهو أذكر كما مر أو بدأ خلقكم أي الذكر الحادث وقت قوله للملائكة إني جاعل والآخر عند أمرهم بالسجود، فإن لم يقدر في الأوّل يقدر في هذا أطاعوه فسجدوا ولا يعطف بدون تقدير لأن

الظرف الأول منصوب حينئذ بقالوا فلا يصح عطفه عليه لأنّ قولهم ذاك ليس وقت أمرهم بالسجود بل مقدّم عليه ولا يرد هذا على الأوّل كما توهم فتأمل. ولما قدّروه خبرا قال: إنه على هذا من عطف القصة قيل لئلا يلزم عطف الخبر على الإنشاء وردّ بأنه فاسد لأنّ كليتهما خبرية بل لأنّ مضمون هذه القصة نعمة رابعة مستقلة فناسب أن يعطف على مضمون القصة السابقة التي هي أيضا نعمة مستقلة فتأمل وباسرها يعني جميعها وأصله ما ربط به الأسير فإذا سلم به فقد سلم جميعا. قوله: (والسجود في الأصل تذلل مع تطامن) أي انخفاض! ولو بالانحناء وغيره كما في الشعر المذكور وهو لزيد الخيل لما أغار على بني عامر فقتل منهم وأسر وقال: بني عامر هل تعرفون إذا بدا أبا مكنف قد شد عقد الدوائر بجمع تضل البلق في حجراته ترى اكم فيه سجداللحوافر وجمع كمثل الليل مرتجز الوغى كثير حواشيه سريع البوادر أبت عادة للورد أن تكره القنا وحاجة رمحي في غير بن عامر ومعناه أن خيله لكثرتها لا ترى البلق منها فيها وأنها تحفر ا! م والروابي التي تحتها لشدة عدوها فجعلها لانخفاضها كأنها سجدت لحوافر خيله وهو شاهد لكونه بمعنى مطلق الانخفاض! لا مع التذلل لأنها لا تعقل فتذل إلا أن يكون ادّعاء أو التذلل أعم من الذل، وخيل مذللة أي سهلة وهو بعيد، وقيل: المراد أنك تجد خيلنا تستعلي على الأماكن المرتفعة ولا تستعصي عليها فكأنها مطيعة لها: وا! م بالسكون للتخفيف جمع أكمة وهي المرتفع من الأرض وليس تسكينها ضرورة وسجد! جمع ساجد، والحوافر جمع حافر وهو في الفرس ونحوه معروف. قوله: (وقلن له اسجد لليلي فأسجدا) هو لأعرابي من بني أسد وقيل: هو من شعر لحميد بن ثور وأوّله: فقدن لها وهما أبيا خطامه وقلن الخ روي بالواو وبالفاء واسجد بوزن أكرم بقطع الهمزة بمعنى طأطأ رأسه ليركب، وقال ابن فارس في فقه اللغة: إن العرب لا تعرف السجود إلا بمعنى الطأطأة والانحناء تقول أسجد الرجل إذا فعل ذلك وأمّا في الشرع فوضمع الجبهة على الأرض قصدا للعبادة فلا يكون حقيقة إلا لله لأنه المعبود حتى قال الإمام رحمه الله تعالى: أنه لغيره تعالى كفر فلذلك أولوه هنا إن أريد به معناه الشرعي بأن السجود لله وآدم عليه السلام جعله قبلة وجهة له كالكعبة واعترض عليه بأنه لو كان لله ما امتنع إبليس عنه إذ لا فرق بين كون آدم عليه الصلاة والسلام لبله وغيره وبانه لا يدل على تفضيله عليهم وقوله أرأيتك هذا الذي كزمت عليّ يدل عليه ألا ترى أن الكعبة ليست بأكرم ممن سجد إليها كالنبيّ صلى الله عليه وسلم فتعين كونها سجدة تحية، ولك أن تقول لخصيصط جعله جهة لها دونهم يقتضي ذلك وسيأتي في كلامه ما يدفعه أيضا فتأمّل. قوله: (أو سببا لوجوبه) كما جعل لوقت سببا لوجوب الصلاة والبيت سببا لوجوب الحج ثم بين وجه كونه قبلة وسببا على وجه يقتضي تعظيمه بقوله فكأنه تعالى الخ. أي أنه خلقه في أحسن تقويم وجعل فيه مثالاً من كل موجود فمن العالم الروحاني وهم الملائكة العقل والعبادة ومن الجسمانيّ التركيب من العناصر فكان ذريعة أي وسيلة إلى تكميل علمهم بانبائهم ومشاهدتهم لحكمته في مخلوقاته وتمييز بعضهم عن بعض بمعرفة المطيع من غيره فاللام على كونه بمعنى القبلة بمعنى إلى كما في قول حسان رضي الله تعالى عنه أليس أوّل إلى آخره وهو حضرة عليّ رضي الله تعالى عنه وقبله: ماكنت أحسب هذا الأمرمنصرفاً عن هاشم ثم منها عن أبي حسن والسنن جمع سنة وعلى الثاني للسببية كما في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وأنموذج قال في القاموس: أنه لحن والصواب نموذج بفتح النون وهو مثال الشيء معرب نمونه او نموذة أو نموذان وأصل معناه صورة تتخذ على مثال صورة الشيء ليعرف منه حاله ولم تعرّبه العرب قديما وتبع فيه الصاغاني وتبعه هنا بعض أرباب الحواشي وليس كذلك قال في المصباح المنير الأنموذج بضم الهمزة مثال الشيء معرب

وان أنكره الصاغاني، ومنهم من جوّز أن يكون المسجود له آدم عليه الصلاة والسلام حقيقة وأن السجود للمخلوق إنما منع في شرعنا ويجوز أن لا يكون كفراً في شريعة من قبلنا وحمل عليه قول الزمخشري: يجوز أن يختلف باختلاف الأحوال والأوقات وقيل: إنه مخالف لإجماع المفسرين ولذا تركه المصنف وفيه نظر. قوله: (وأمّا المعنى اللغوي وهو التواضع الخ) معطوف على قوله: إما المعنى الشرعي فالمراد به مطلق الانخفاض ولو بالانحناء وكانت التحية بالانحناء فلما جاء الإسلام أبطله بالسلام فصار حراماً نص عليه الثعالبي والفقهاء قال القرطبي رحمه الله اختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم عليه الصلاة والسلام بعد اتفاقهم على أنه ليس سجود عبادة فقال الجمهور: كان بوضع الجباه على الأرض! كسجود الصلاة لأنه المتبادر منه لأنه كان تكرمة لآدم عليه الصلاة والسلام وطاعة لله وكان آدم عليه الصلاة والسلام لهم كالقبلة لنا، وقال قوم لم يكن بوضع الجباه بل كان مجرّد تذلل وانقياد ثم اختلف القائلون بالأوّل فقيل: كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه الصلاة والسلام لم يجز لغيره وقيل: كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليه الصلاة والسلام لقوله وخروا له سجدا وكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوق وأكثر على أنه كان مباحا إلى عصر نبينا صلى الله عليه وسلم وقد نقله القائل أوّلاً بأنه مخالف لإجماع المفسرين وهو عجيب منه. قوله: (أو التذلل والانقياد الخ (لا الانحناء وضمير معاشهم وكمالهم راجع إلى آدم عليه الصلاة والسلام وبنيه المفهوم من الكلام لا إلى الملائكة كما يتوهم إذ لا يصح إضافة المعاس إليهم والمراد منه حينئذ أمر الملائكة بالسعي في أمورهم فإنّ بعض الملائكة حفظة وبعضهم موكل بالرزق ونحو ذلك. تنبيه: من لم يعرف اللغة يستغرب أسجد بزنة أكرم كقوله: فقلن له اسجد لليلي فاسجدا كما ذكره المصنف رحمه الله وهو كثير في كلامهم كما في أدب الكاتب ولكنهم اختلفوا فيه هل بينهما فرق أم لا وفي شرحه لابن السيد وغيره سجد معروف وأسجد بمعنى أنحني وقد فسر به قوله تعالى: {ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} لأنهم لم يؤمروا بالدخوأسا على جباههم وإنما أمروا بالانحناء ويحتمل أنه حال مقدرة وقال أبو عمرو: السجود عند العرب الانحناء قيل: ومنه قوله تعالى: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} فإنه سجود تحية بمعنى الانحناء وقال ابن حيوة القصري يقال سجد إذا وضع جبهته على الأرض وس! ف وأسجد إذا طاطأ رأسه وانحنى واسجد أدام النظر قال كثير: أغرّك منا أنّ ذلك عندنا واسجاد عينيك الصيود بن رابح انتهى فالسجود في أصل اللغة يكون بمعنى الركوع. قوله: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} استئناف جواب لمن قال: ما فعل وقال أبو البقاء: إنه في موضع نصب على الحال أي آبيا مستكبرا والإباء الامتناع باختيار أي مع تمكنه من الفعل فهو أبلغ منه وان أفاد فائدته ولذا صح بعده الاستثناء المفرّغ واستكبار بمعنى التكبر وقدم الإباء عليه وإن كان متأخرا عنه في الرتبة لأله من الأحوال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه نفسانيّ وأصل معنى التشبع تكلف الشبع ثم تجوز به عن التحلي بغير ما فيه، وقوله من أن يتخذه وصلة الخ راجع إلى جعله قبلة، وقوله أو بعظمه بناء على أنه تحية وقوله أو يخدمه الخ رأجع إلى الوجه الأخير وهو ظاهر. قوله: (في علم الله او صار الخ) إنما أوّلت الآية بما ذكر لأنه لم يحكم بكفره قبل ذلك ولم يجر منه ما يقتضيه فإقا أن يكون التعبير بكان باعتبار ما سبق من علم الله بكفره وتقديره ذلك وقيل: كان بمعنى صار وهو مما أثبته بعض النحاة وردّة ابن فورك وقال تردّه الأصول ولأنه كان الظاهر حينئذ فكان بالفاء والأظهر أنها على بابها والمعنى وكان من القوم الكافرين الذين كانوا في الأرض قبل خلق آدم فيكون كقوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} أو كان في علم الله وقوله باستقباحه بيان لكفره متعلق به على الوجهين وقيل إنه متعلق بصار أي تحوّل وانقلب حاله إلى الكفر بسبب استقباحه وانكاره كفره قكيف استقباحه وأنه ردّ على الراغب في قوله إنه ليس بمعنى صاروا لمضي باعتبار زمان الأخبار أو لأنّ الكفر لما أحبط ما قبله صار كأنه كافر قبل ذلك وهو تكلف لا دليل عليه، وقوله والتوسل به في نسخة أو وهو

إشارة إلى كونه قبلة وفيه نظر، ثم إنّ جواب الراغب مبنيّ على اعتبار زمان التكلم والإخبار وكذا من قال: معترضا على المصنف رحمه الله: كان إنما تدلّ على كون المذكور بعده واقعا في وقت من الأوقات الماضية أيّ وقت كان وذلك متحقق في كفره لأنه كفر وقت إبائه وهو ماض بالنظر إلى قوله كما أشار إليه في الكشاف وشرحه في سورة ص، وقوله لا بترك الواجب فإنه لا يوجب الكفر في ملتنا ولم يعلم إيجابه قبل ذلك وفيه نظر. قوله: (والآية تدل على أنّ آدم الخ) قيل: عليه هذا إذا كان السجود له أمّا إذا جعل قبلة فلا دلالة عليه وكذا إذا كان تحية كالسلام وأجيب بأن جعل الكعبة قبلة يدل على كونها أفضل البقاع فجعل آدم قبلة دون غيره يدلّ على كونه أفضل، وقيل: إنه مأخوذ من التعليم لآنه المعروف فيه فالأنسب جمعه مع فوائد الآية، وقوله ولو من وجه لأنه لا يلزم التفضيل من كل الوجوه إذ قد يفضلون بالقرب ونحوه، وعليه يحمل ما يقع من تفضيلهم والخلاف فيه مشهور وقال فخر الإسلام أنه لا طائل تحته والأحسن الكف عنه وما ذكره المصنف رحمه الله فيه إشارة إلى هذا وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، وقوله وأنّ إبليس كان من الملائكة لأنه استثناه منهم ودخوله في الأمر يدل على ذلك وقد نقل عن ابن عباس وغيره وكونه منقطعا ونحوه خلاف المتبادر فمعنى قوله ولم يصح يعني على الاتصال المتبادر وأما قوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ} الآية فتنافي هذا بحسب الظاهر فأوّلها المصنف رحمه الله بأنه منهم فعلاً لا نوعاً كما قال الشاعر: نحن قوم بالجن في زيّ ناص لكنه استبعد بأنه رتب على كونه من الجن فعلهم بقوله ففسق وبأنه مخالف لما سيذكره في تفسير الآية من أنها دالة على أن الملائكة لا تعصى البتة فهو جني في أصله، وقال علم الهدى: يحتمل أن يكون المعنى أنه صار من الجن بعدما كان ملكا بأن مسخ كما مسخ بعض بني آدم قردة وهو قول ثالث غريب وما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن الملائكة نوعان نوع مجرّدون مطهرون ونوع ليسوا كذلك يناسب قوله فيما سيأتي ولعل ضربا من الملائكة الخ وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قوله: (ولمن زعم أنه لم يكن من الملانكة الخ الما تعارضت النصوص فاقتضى بعضها كون إبليس من الجن وبعضها كونه من الملائكة احتاجوا إلى التأويل في أحد الطرفين فاختار المصنف أنه من الملائكة والزمخشرفي أنه من الجن فأشار إلى ضعفه بالتعبير بالزعم وهم يقولون إنه جني سبته الملائكة فأقام معهم فغلبوا عليه لكثرتهم وشرفهم فالاستثناء متصل أيضاً قيل: لأنّ العبرة بالدخول في الحكم لا في حقيقة اللفظ فمن قال إنّ الاستثناء متصل إن كان من الملائكة ومنقطع إن لم يكن منهم لم يصب، وهذا ردّ على السعد وغيره وليس بوارد قال القرافي في العقد المنظوم النحاة وأهل الأصول يقولون المنقطع المستثنى من غير جنسه والمتصل المستثنى من جنسه وهو غلط فيهما فإنّ قوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ} [سورة البقرة، الآية: 188] من جنس ما قبله وكذا قوله: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [سورة الدخان، الآية: 56] وهو منقطع فبطل الحدّان وكذا {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا} والحق أن المتصل ما حكم فيه على جنس ما حكمت عليه أوّلاً بنقيض ما حكمت به ولا بذ من هذين القيدين فمتى انخرم أحدهما فهو منقطع بأن كان غير الجنس سواء حكم عليه بنقيضه أولاً، نحو رأيت القوم إلا فرساً فالمنقطع نوعان والمتصل نوع واحد ويكون المنقطع كنقيض المتصل فان نقيض المركب بعدم أجزائه، فقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ} [سورة الدخان، الآية: 56] منقطع بسبب الحكم بغير النقيض لأنّ نقيضه ذا قوة فيها وليس " كذلك وكذلك إلا أن تكون تجارة لأنها لا تؤكل بالباطل بل بحق وكذلك إلا خطأ لأنه ليس له القتل مطلقاً والا لكان مباحا فتنوع المنقطع إلى ثلاثة أنواع الحكم على الجنس بغير النقيض والحكم على غيره به أو بغيره والمتصلى نوع واحد فهذا هو الضابط فما نحن فيه منقطع إن لم يكن منهم فتأمّل. قوله: (أو الجن كانوا أيضا مأمورين الخ (قيل: الفرق بينه وبين الوجه الأوّل أن التغليب في الأوّل على إبليس فقط وفي هذا على الجن المطلق الداخل فيه إبليس، وكان يحتمل أن يكون الثاني من قبيل دلالة النص لولا قوله والضمير في فسجدوا راجع إلى القبيلين وعلى المادير يكون الاستثناء متصلا

لا منقطعا. (أقول (: الظاهر أنّ المصنف رحمه الله أراد الوجه الذي ذكره الإمام بقوله أو يقال: إنه أمر بلفظ غير مذكور في القرآن لقوله تعالى: {إِذْ أَمَرْتُكَ} [سورة الأعراف، الآية: 2 ا] يعني أنه يقتضي أن يكون مأموراً صريحا لا ضمناً فيكون مقدراً وهو وقلنا للجن اسجدوا وقوله فإنه إذا علم الخ بيان للقرينة الدالة عليه فالفرق بينه وبين الأوّل عموم الأمر للجن، والدلالة على ذلك بلفظ مقدر فليس من التغليب في شيء وأمر الضمير ظاهر حينئذ. قوله: (وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم الغ (عطف على انّ إبليس وهو مبنيّ على ما ارتضاه من أنه ملك قال علم الهدى زوال العصمة عن أفراد الملائكة بتحقق المعصية منهم جائز إذا تعلق به عاقبة حميدة لا وخيمة بخلاف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عندنا، وسيأتي الكلام عليه في قصة هاروت وماروت، وفي التيسير وأمّا وصف الملائكة بأنهم لا يعصون ولا يستكبرون فدليل لتصوّر العصيان منهم ولولا تصوّره لما صرّح به لكان طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف وطاعة البشر تكلف ومتابعة الهوى منهم طبع ولا يستنكر من الملائكة صدور العصيان مع قصة هاروت وماروت. قوله: (ولعل ضرباً من الملانكة الخ (قال ابن إسحق: الجن اسم للملائكة أيضا لاجتنانهم أي استتارهم عن أعين الناس وهذا معنى قول المصنف يشملهما أي بحسب الاشتقاق وأصل اللغة وقال تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [سورة الصافات، الآية: 158] فسر بالملائكة، وورد مثله في كلام العرب قال الأعشى في سليمان عليه الصلاة والسلام: وسخرمن جن الملائك تسعة قياماً لديه يعملون بلا أجر وقيل الجن صنف من الملائكة لا تراهم الملائكة مثلنا وقوله كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما لأنه قال: إنّ من الملائكة ضربا يتوالدون يقال لهم الجن أي يطلق عليهم الجن من إطلاق العامّ على الخاص فيكون كقوله يشملهما بلا فرق فلا يرد عليه ما قيل: إن ما ذكره سابقاً عنه أنّ الجن ضرب من الملائكة وأنّ إبليس من ذلك الضرب، وما ذكره ههنا إنه من صنف الجن المقابل لصنف الملائكة منهم ينافيه فأين هذا من ذاك، وقوله فلذلك صح عليه التغير يعني بعد تسليم كونه من الملائكة فلا يرد عليه ما قيل: في التفريع نظر فإنّ صحة تغير حاله لا تقتضي عدم مغايرته الملائكة بالذات بل هو على تقديره أظهر، وقوله كما أشار إليه هذا بناء أيضاً على تفسيره السابق بأنه كان منهم فعلا، فلا يرد عليه أنّ هذه الآية لا تدلّ على أنه من جنسهم. قوله: (لا يقال كيف يصح ذلك) أي عدم المخالفة بينهما بالذات وما ذكره عن عائشة رضي الله تعالى عنها حديث صحيح رواه مسلم. وقوله لأنه كالتمثيل جواب للسؤال المذكور ولم يقل: إنه تمثيل حتى يرد عليه أنه إخراج للنصوص عن ظاهرها كما يذهب إليه الباطنية وكثير من المعتزلة كما توهم لأنّ المفهوم من قوله فإنّ المراد بالنور الخ أنه أمر حقيقيّ وأنه إشارة إلى اتحاد ماذتهما بالجنس واختلافها بالعوارض فهو مشابه للتمثيل في تصوير مدعاه واظهاره ونكص بمعنى رجع وجذعة بمعنى حديثة فتية يقول من يريد الرجوع لأمر مضى إن شئت أعدتها جذعة، وأورد عليه أنه يدلّ على أنّ الجن من نار مخلوطة بالدخان كما صرّح به المصنف وغيره إلا أن يقال: المراد بصفائها صفاؤها بحسب ظاهر الجنس وهو لا ينافي اختلاطها به في الواقع.) أقول) : معنى المرج لغة الخلط فمارج بمعنى مختلط وبه فسره الراغب فاختلاطه إمّا باعتبار اختلاط بعضه ببعض حال اشتعاله أو باعتبار اختلاطه بالأجزاء النارية التي فيها الحراوة والإحراق الذي هو سبب التأذي والاتقاد، وهو المراد فالخالص منه يكون نورا محضا والمختلط به يكون مارجا فلا يرد عليه شيء وتفسيره النور بالجوهر المضيء احتراز عن الضوء فلذلك يطلق على الله دونه وان كان أبلغ من وجه آخر كما مرّ والمراد بالنصوص الآيات الأحاديث فإنّ فيها ما يخالفه كما في التأويلات مثل ما روي أن تحت العرش نهراً إذا اغتسل فيه جبريل عليه الصلاة والسلام وانتقض يخلق من كل قطرة منه ملك وفيه أيضا إن الله خلق ملائكة من نار وملائكة من الثلج إلى غير ذلك مما يدل بحسب الظاهر على خلقها من غير النور. قوله: (ومن فوائد الآية استقباج الاستكبار الخ) عدها من

الفوائد لأنّ فيها إشارة إليها ولا تدلّ عليها ألا ترى أنّ الآية لا تدل على مطلق الاستكبار، ومطلق الأمر وكذا الدلالة على الوجوب إنما تعلم من قوله أفعصيت أمري ونحوه مما هو خارج عنها فلا يرد ما قيل: إنّ كفر إبليس ليس لمخالفة الأمر بل لاستقباح أمره وهو كفر فتأمّله، وكذا دلالتها على أنّ الكافر حقيقة من علم الله موته على الكفر وهو مأخوذ من قوله من الكافرين إذ المراد به أنه في علمه الأزاي كذلك وهذه مسألة الموافاة ومعناها أنّ العبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه أي يأتي متصفاً به في آخر حياته وأوّل منازل آخرته، ومن فروع هذه المسألة أنه يصح أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله وحيث أطلقت مسألة الموافاة فالمراد بها ذلك وهي مما اختلف فيها الشافعية والحنفية والأشعرية والماتريدية وللسبكي فيها تأليف مستقل وينبني عليها مسألة الإحباط في الأعمال بالردّة وقوله إذ العبرة بالخواتم وفي نسخة بالخواتيم بالياء والقياس الأوّل لأنه جمع خاتمة وروي في الحديث الصحيح: " الأعمال بالخواتيم " وهذا مما جوّزه بعض النحاة في جمع فاعل بالإشباع. تنبيه: مسألة الموافاة من أمّهات المسائلى وفصلها النسفيّ في شرح التمهيد فقال ما حاصله إنّ الشافعيّ رحمه الله تعالى يقول إق الشقي شقيّ في بطن أمه وكذا السعيد فلا تبديل في ذلك ويظهر ذلك عند الموت ولقاء الله وهو معنى الموافاة والماتريدية رحمهم الله يقولون: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ} فيصير السعيد شقياً والشقيّ سعيداً إلا أنهم يقولون من مات مسلماً مخلد في الجنة ومن مات ك افراً مخلد في العذاب باتفاق الفريقين فلا ثمرة للخلاف أصلاً إلا أن يقال: إن من كان مسلماً وورث أباه المسلم إذا مات كافراً يردّ ما أخذه على بقية الورثة المسلمين وكذا الكافر وتبطل جميع أعماله والمنقول في المذهب خلافه فحينئذ لا ثمرة له إلا أنه يصح منه أن يقولط أنا مؤمن إن شاء الله بقصد التعليق في المستقبل حتى لا يكون شكا في الإيمان حالاً ولا حاجة لتأويله والماتريدية يمنعون ذلك مطلقاً. قوله: (السكنى من السكون الخ) يعني أنّ اسكن أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن لا من السكون بمعنى ترك الحركة ولذا ذكر متعلقه بدون في إلا أنّ مرجع السكنى إلى السكون وتأكيد ضمير اسكن المستتر بأنت لئلا يلزم العطف على الضمير المتصل بلا فصل وهو ممتنع في فصيح الكلام وصحة أمر الغائب بصيغة أفعل للتغليب مثل أنا وزيد فعلنا وايثاره على اسكنا للإشعار بالأصالة والتبعية هكذا قاله قدس سرّه: يعني أنّ السكون والسكنى من أصل واحد وأنّ المقصود هنا هو الثاني والجنة مفعول به لأنّ معناه أتخذ الجنة مسكنا وأمّا إذا كان من السكون فهو مفعول فيه فيجب إظهار في لأنه ليس بمكان مبهم وأنّ التأكيد ليصح العطف إذ شرطه الفصل سواء كان بتأكيد أو غيره وزوجك اسم ظاهر، وهو من قبيل الغيبة وأسكن أمر للمخاطب المذكر فلا يصح جعله مأمورا به ولذا قدّر فيه بعضهم وليسكن زوجك وجعله من عطف الجمل لأنه لا يصح هنا حلول المعطوف محل المعطوف عليه والمجوّز له قال: هو ليس بلازم كما يصح تقوم هند وزيد بلا خلاف وجعلوه تغليبا بل تغليبين لأنه غلب فيه المخاطب على الغائب والمذكر على المؤنث إلا أنّ هذا التغليب خفاء مع أنه يلزم فيه تغليب المؤنث على المذكر في نحو تقوم هند وزيد إذ معنى السكون والأمر موجود فيهما حقيقة، والتغليب من المجاز فإمّا أن يلتزم أنه قد يكون مجازا غير لغويّ بأن يكون التجوّز في الإسناد أو يقال: إنه لغويّ لأنّ صيغة هذا الأمر للمخاطب وقد استعملت في الأعمّ منه فتأمّل ثم إنّ المذكور في المعاني أنّ التأكيد لتقرير النسبة ونحوه ولم يذكروا من فوائده تصحيح العطف ولا ضير فيه لأنه أمر لفظيّ تكفل به النحو وقد جوّز في هذا الأمر أن يكون من السكون أيضا لكنه مرجوح لمنافاته لقوله حيث شئتما واحتياجه إلى التجوّز ونكتة التغليب ما ذكروه من الدلالة على التبعية، وأمّا كون نصبه على أنه مفعول معه ففيه نظر ظاهر مع أنه ليس بلازم سلوك أحد الطريقين المتساويين ثم إنّ الأمر والنهي في هذه الآية منسوخان بقوله اهبطوا. قوله: (والجنة دار الثواب الخ) أي التي لا يقع الثواب الحقيقي إلا فيها وكون التعريف للعهد لأنها معلومة لهم ولغيرهم لأنها المتبادرة عند الإطلاق ولسبق

ذكرها في هذه السورة، وهذا هو المعروف عند المفسرين وأمّا القول الآخر فمرجوح ولا عبرة بقوله في التأويلات الأحوط والأسلم هو الكف عن تعيينها والقطع به، قال القرطبيّ رحمه الله: حكي عن بعض المشايخ أنّ أهل السنة مجمعون على أنّ جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه الصلاة والسلام فلا معنى لقول المخالف كيف يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد لعكسه بأن يقال: كيف يطلب شجرة الخلد في دار الفناء وكأنه فهم من قوله اسكن أنها عارية مستردّة فطلب سبب البقاء وهي والنار موجودتان وبعضهم نفى وجودهما كما بين في الأصول فأوّلها هنا بالمعنى االمغوفي وهو البستان وأوّل الإهباط وهو النزول من العلو على يمكبيل القهر بخلاف الإنزال فإنه أعتم كما قاله الراغب: بمجرّد الانتقال من أرض! إلى أخرى كما في أهبطوا مصراً وفلسطين بكسر الفاء وفتحها كورة بالشأم وقرية بالعراق وعلى الثاني ما في التيسير قلوا هذه الجنة كانت بستانا بين فارس وكرمان من أرضى فارس وعلى الأول كلام المصنف رحمه الله ولذا قال: أو بين الخ فلا يرد عليه ما قيل: إنّ الأولى طرح أو من البين لما في التيسيو وقيل: إنه كان بعدن، وقوله امتحانا لآدم عليه السلام إذ كان سبباً لهذه القصة. تنبيه: قول المصنف دار ثواب يقتضي أن في الجنة تكليفا والمشهور خلافه كما فصله ابن فورك فقال: فيها أقوال فذهب قوم إلى أنه لا تكليف فيها أصلاً وما أوهم خلافه فمؤوّل وما ذكر عن آدم إنما هو نعيم تفضلاً من الله وذهب آخرون إلى أنها لا تكليف فيها بعد الحشر، وقبله فيها ذلك وبه يجمع بين الآيات وأنها دار دعة ونعيم والدنيا دار تعب ونصب وعلى هذا كان ستر عورة آدم واجبا عليه فاعرفه. قوله: (واسعاً رافها) صفة مصدر محذوف أي أكلاً رغدا والرغد الهنيء الذي لا عناء فيه، وقال الليث: يأكل ما شاء متى شاء حيث شاء فيكون حيث شئتما كالتفسير له والرافه والرفيه بمعنى المخصب اللين، وقيل: إنه حال بتأويل راغدين مرفهين. قوله: (أي مكان من الجنة شئتما الخ (قيل: حيث للمكان المبهم ففسر بالعموم لقرينة المقام وعدم المرجح ولم يجعله تعلقا باسكن مع أنه أظهر من جهة المعنى لوقوع الفاصل وفيه نظر لأنّ التكريم في أكل من كل ما يريد منها لا في عدم تعيين السكنى، ولأنّ قوله فكلا من حيث شئتما في محل آخر يدلّ عليه وكذا ما بعده من قوله ولا تقربا هذه الشجرة ومنه تعلم حال ما قيل: إنّ الأول تعليقه بهما معنى وجعله من التنازع، وتوسيع الأمر بعدم حصره في ماكول مخصوص حتى يمل، والإزاحة الإزالة وكما وسع الأمر ضميق النهي والفائتة للمحصر لمعنى السابقة له يقال: فاتني كذا أي سبقني وسبق الحصر كناية لطيفة عن عدمه. قوله: (فيه مبالغات تعليق النهي بالقرب الخ) أي مبالغة من وجوه، منها أنّ المنهيّ عنه الأكل منها فنهى عن قرب الشجرة المأكول منها ومنها أنّ العصيان مع كونه مرتباً على أكل رتبه على القرب،، منها أنّ الظاهر أن يقال فتأثماً فعبر بالظلم الذي يطلق على الكبائر ولم يكتف بأن يقول ظالمين بل قال: من الظالمين على ما تقرّر وسيأتي إن شاء الله تعالى أنّ قولك زيد من العالمين أبلغ من قولك زيد عالم لجعله عريقا في العلم أى عن جد وكذا تكونا لأنها تدلّ على الدوام ومن غفل عن هذا قال: كأنه أطلق الجمع وأراد التثنية لأن المبالغة هنا بطريقين، أحدهما تعليق النهي بالقرب كما بينه وثانيهما جعله سبباً لكونهما من الظالمين أو يقال: الأولى لما تضمنت اعتبارات جعلت أكثر من واحدة وضمير تحريمه وعنه للقرب اهـ وقيل: لا تقرب بفتح الراء نهى عن التلبس بالفعل وبضمها بمعنى لا تدن منه وضمير يأخذ للميل ومجامع القلب أي أطراف ما يحيط به، وقوله كما روي الخ هو حديث أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً وقال الميدانيّ معناه يخفي عنك معائبه ويصم أذنيك عن سماع مساويه كما قال الشاعر: وكذبت طرفي فيك والطرف صادق وأسمعت أذني فيك ما ليس يسمع قوله:) وجعله الخ) أي القرب وفسر الظلم بظلم نفسه بالمعصية إما بناء على تجويز مثله أو أنه قبل البنوّة أو ليس في دار التكليف أو بمعنى نقص الحظ إن لم يكن كذلك لأن الظلم يكون بمعنى نقص الشيء من حقه كما أشار إليه الراغب رحمه الله، وأورد عليه أنه مخالف لقطعه فيما سبق بكون النهي المذكور للتحريم

بناء على الظاهر المتبادر. قوله: (تفيد السببية سواء جعلته الخ (يعني أنه إمّا مجزوم بحذف النون معطوف على تقربا فيكون منهيا عنه أو على مذهب الكسائي فإنه يجوّز لا تكفر تدخل النار وكان جملى أصل معناها أو منصوب بحذفها على أنه جواب للنهي كقوله تعالى: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ} [سورة طه، الآية: 81] والنصب بإضمار أن عند البصريين وبالفاء نفسها عند الجرمي وبالخلاف عند الكوفيين وكان حينئذ بمعنى صار. قوله: (والشجرة الخ) وقيل: هي الحنظلة وقيل: النخلة إلى غير ذلك والأولى عدم القطع والتعيين كما أن الله لم يعينها باسمها في الآية ولا يترتب على تعيين الشجرة ثمرة والشجر ما له ساق، وقيل: كل ما تفرّع له أغصان وعيدان وقيل: أعمّ من ذلك لقوله تعالى: {شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} [سورة الصافات، الآية: 146] وقوله: من أكل منها أحدث أي تغوّط ولا حدث في الجنة. قوله: (وقرئ بكسر الشين الخ) قال السمين رحمه الله: قرئ الشجرة بكسر الشين والجيم هإبدالها ياء مع فتح الشين وكسرها لقربها منها مخرجاً وبقية القراآت ظاهرة. قوله: (أصدر زلتهما عن الشجرة الخ) في الكشاف وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها، وعن هذه مثلها في قوله تعالى: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [سورة الكهف، الآية: 82، وقوله: ينهون عن أكل وعن شرب قال العلامة: يعني لما كان عن ههنا للسببية فاصل الكلام أن يقال: فازذ بهما فاستعمال عن لأنه معنى الإصدار كقوله وما فعلته عن أمري أي ما فعلته بسبب أمري وتحقيقه ما أصدرته عن اجتهادي ورأي وإنما فعلته بأمر الله. اهـ فضمن الفعل معنى الإصدار وعلق به عن التعليلية مع بقاء معنى المجاوزة فيها في الجملة لأنّ المعلول إذا برز بعلته فقد تجاوزها ومثله قول بعض العرب يصدر عن رأيه أي أنّ رايه سبب لما يصدر منه من الأفعال لا غير فاعرفه فإنّ بعض الناس لم يعرف معناه وسياتي في محله وقوله وحملهما على الزلة قيل: يعني يجوز أن يكون من قولك زل الرجل إذا أتى زلة وأزله غيره حمله على ذلك فيكون الضمير للشجرة والمعنى فحملهما الشيطان على الزلة بسببها وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها، وبهذا التاويل عدى بعن، وقيل: إنه إشارة إلى أنّ في الإصدار عن الشجرة تجوّزا بتنزيل السبب منزلة الفاعل بجعل الشجرة التي هي سبب الزلة فاعلاَ مصدرأ لها كالسكين للقطع ومنه يعلم أن ما يقال: إن طريق التضمين أن يجعل الفعل المضمن في المعنى حالاً ليس بلازم، وقوله ونظيرة عن هذه في قوله في الكلأم مقدر أي عن في قوله أو موجودة في قوله الخ أي ما أصدرت فله عن اجتهادي ورأي وإنما فعلته بأمر الله. قوله: (أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما) من قولهم زل عني كذا إذا ذصب وأصل معناه كما قال الراغب: استرسال الرجل من غير قصد يتهال: زلت رجله تزلّ والمزلة المكان الزلق وقيل: للذنب من غير قصد زلة وإليه أشار المصنف بقوله إن زل يقتضي عثرة، وقوله ويعفده الخ لم يقل يدذ عليه لاحتمال عوده إلى الشجرة بتقدير مضاف أي عن محلها أو تجوّز، ولا ينافي هذه القراءة قوله فاخرجهما لما سيأتي في تفسيره، ولا يعارضه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه فوسوس لهما الشيطان عنها أي عن الشجرة لأنها شاذة مع أنه يصح عود الضمير إلى الجنة بتضمين الإذهاب ونحوه، وقوله ومقاسمته إياهما إني لكما لمن الناصحين أي مقاسمته على ذلك أو بقوله ذلك وسيأتي تفسيرها وقد قالوا أوّل مخلوق كذب وحسد إبليس. قوله: (واختلف في أنه تمثل لهما فقاولهما الخ) أي تمثل في صورة غيره فكالمهما بما ذكر من الكلمات أو ألقاه بطريق الوسوسة من غير تصوّر وتكلم كما هو الآن وقيل: الأمر في قوله أخرج يحتمل أن يكون للإهانة كما في قوله كونوا حجارة وهو بعيد. قوله: (قام عند الباب فناداهما) اعترض عليه بأنه لا يصح مع قوله: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} إذ الوسوسة الصوت الخفيّ وله أن يقول: إنه أصل معناها كما سيأتي وقد تستعمل للكلام على وجه الإفساد مطلقا. قوله: (بعض اتباعه) قوّاه الإمام بأنهما كانا يعرفانه ويعرفان عداوته وحينئذ فيستحيلى أن يقبلا قوله وقيل: عليه كانه لم يتأمل قوله تعالى: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} إلى قوله {إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} فإنه صريح في مباشرة الشيطان نفسه وفيه نظر وقوله والعلم عند الله إشارة إلى ما قال أبو منصور رحمه الله تعالى ليس لنا البحث عن كيفية ذلك ولا نقطع القول بلا دليل. قوله: (أي من

الكرامة والنعيم) اختار هذا التفسير لصحته على كل من الاحتمالين المذكورين في مرجع ضمير عنها وأما تفسيره بالجخة فمخصوص بعوده إلى الشجرة وهو ظاهر، وقيل: أخرجهما من لباسهما الذي كانا فيه من نور أو حلة أو ظفر لأنهم لما أكلا منها تهافت عنهما. قوله: (خطاب لآدم عليه الصلاة والسلام وحواء الخ) في الكشاف والصحيح أنه لآدم وحواء، والمراد هما وذرّيتهما الخ واستدل بالآية المذكورة لتعين الخطاب فيها لهما والقصة واحدة وبعضكم لبعض عدوّ حكم فيما بين الذرية وليس المراد التعادي بينهما وبين إبليس بل فيما بين بني آدم لقوله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} [سورة طه، الآية: 23 ا] الخ حيث قسمهم إلى المؤمنين والكافرين وبين ما لكل فريق من الجزاء وقوله وجمع الضمير الخ ظاهر. أنه لتنزيلهما منزلة البشر كلهم بهذا الاعتبار لا لشمول الخطاب لهم ولذلك ترك قول الزمخشريّ والمراد الخ لأنه وأن ارتبط به ما بعده كما قرره شرإحه وقد نقلناه لكنه لا مساغ له إلا على القول بأنّ خطاب المشافهة يشمل المعدوم، فتأمل. قوله: (أو لهما وإبليس) معطوف على قوله لاً دم ولما اقتضى هذا اهباطه معهما وقد طرد منها قبل ذلك وجهه بأنه منع من دخولها على وجه التكرمة لا من دخولها للوسوسة أو مسارقة أو إنّ المأمور به ليس هو هبوطهم من الجنة بل من السماء التي هي أعم فيشمل ذلك إبميس لعارض! ، وقد رجح هذا بعضهم لأنه تفسير السلف كمجاهد وابن عباس رضي الله عنهما ولا يلزمه تكلف كجعل الخطاب شاملا للمعدوم والحال مقدرة وفي التيسير أنّ أمر اهبطوا ينتظمهم ولا يلزم أن يكون دفعة واحدة حتى يرد عليه ما قيل إن إبليس خرج قبل ذلك وهو مخالف للظاهر وقيل لهما والحية وهذا يقتضي كون الحية عاقلة واستبعد الإمام حكاية الدخول في فم الحية بأنه لم يتمثل حية ابتداء ولم عوقبت الحية مع أنها ليست ى قلة، وهذا الأمر تكويني فلا يستلزم أنها عاقلة، فتأمل. قوله: (حال استغنى فيها عبالواو عن الضمير الخ) قيل: الاكتفا بالضمير في الجملة الاسمية ضعيف لا يليق بالنظم المعجز، ولذلك جعل بعض المعربين هذه الجملة استئنافية ووجه بأنّ الجملة هنا مؤوّلة بالمفرد لأن بعضكم لبعض عدوّ بمعنى متعادين كما أشار إليه المصنف رحمه الله ومثلها يستغني فيه بالضمير عن الواو أو أنّ هذه الحال دائمة والحال الدائمة لا تكون بالواو، فلا حاجة إلى التأويل (أقول) التحقيق ما ذكره أبو السعادات في كتاب البديع من أن الجملة الحالية لا تخلو من أن تكون من سببي ذي الص ل أو أجنبية فإن كانت من سببيه لزمها العائد والواو تقول: جاء زيد وأبوه منطلق وخرج عمرو ويده على رأسه إلا ما شذ من نحو كلمته فوه إلى فيّ، وان كانت أجنبية لزمتها الواو نائبة عن العائد وقد يجمع بينهما نحو قدم عمرو وبشر قام إليه وقد جاءت بلا واو ولا ضميرقال: ثم انتصبظ جبال ا) ! غد معرضة عن اليسط روعن أيماننا جدد فجبال الصغد معرضة حال اهـ. وبقي قسم ثالث وهي أن تكون صفة ذي الحال نحو وليتم وأنتم معرضون وكلام النحاة يدلّ على أنه يجوز فيها الوجهان بالمراد وما نحن فيه إن كان الخطاب لهما وللذرية فهو من هذا القسم لصدور التعادي منهم حتى من آدم عليه الصلاة والسلام لعداوته لبعض أولاده كما يعلم من قصة قابيل وهابيل وكذا على الوجه الآخر فعليك بتطبيق كلامهم على هذا حيث جوّزوه تارة ومنعو. أخرى، وأما التأويل بالمفرد فليس بشيء لأن كل حال مؤوّلة به وواقعة موقعه ألا ترى أنّ فوه إلى فيّ بمعنى مثافها مع أنهم ضعفوه وكذا الفرق بين الدائمة وغيرها فاحفظه، وهذه الحال مقدرة ويصح أن تكون مقارنة على الوجه الثاني فإن قلت: كيف يقيد الأمر بالتعادي وهو منهيّ عنه فإنك لو قلت لأحد قم ضاحكاً وأنت تنهاه عن الضحك لم يصح، قلت الأمر كذلك إذا كان تكليفا أما إذا كان تكوينا كما في قوله كونوا قردة خاسئين فلا، ولذا نقل عن ابن عباس رضمي الله عنيما أنّ الجن كلهم مامورون بالهبوط وقد قيل إنهم غير مكلفين، وأما قول أبي حيان رحمه الله أنّ الفعل إذا كان مأمورا به من يسند إليه في حال من أحواله لم تكن تلك الحال مأمورا بها لأنّ النسبة الحالية نسبة تقييدية لا إسناد به فلو كانت مأمورا بها لم تكن تقييدية فليس بشيء لأن المنظور إليه في الكلام القيد فإذا قيل

صل قائماً أو مستتراً فهو مأمور به بلا شك وما خالف ذلك يحتاج إلى التأويل وقوله بتضليله قيل: إن كان الشيطان داخلا فيه فهو ظاهر، وأما على تقدير التخصيص بآدم وحواء فباعتبار أن يراد بهما ذريتهما إما بالتجوّز كإطلاق تميم على أولاده كلهم أو يكتفي بذكرهما عنهم وفيه نظر لأن معناه يظلم بعضكم بعضاً بسبب تضليل الشيطان وهذا إن لم يكن على خروجه أظهر فليس الاحتمال الآخر أولى به منه. قوله: (موضع استقرار الخ) يعني أنه إما اسم مكان أو مصدر ميمي ولم يعرّج على كونه اسم زمان وإن احتمله اللفظ لأنه يتكرر مع قوله ومتاع إلى حين وكذا احتمال كونه اسم مفعول بمعنى ما استقرّ ملكهم عليه وجاز تصرفهم فيه كما ذكره الماوردي لاً نه خلاف الظاهر مع احتياجه إلى الحذف والإيصال. قوله: (تمتع الخ) المتاع البلغة ماخوذ من متع النهار إذا ارتفع والمتاع الانتفاع الممتد وقته ولا يختص بالحقير وقد يستعمل فيه والى حين متعلق بمتاع أو به وبمستقر على التنازع إن كان مصدراً وقيل: إنه في محل رفع صفة لمتاع والحين مقدار من الزمان طويلاً أو قصيرا. قوله: (يريد به وقت الموت أو القيامة) استشكل الثاني بأن المتاع التمتع بالعيش وليس بعد الموت تمتع وأجيب بأن المراد به حصول الثواب والعقاب وتمتع الكافر تهكم على التغليب أو يجعل ابتداء القيامة من الموت لأنّ من مات فقد قاصت قيامته أو جعلت مقدمات الشيء من جملته ولا يخفى أنّ التفسيرين حينئذ واحد أو جعل السكنى في القبر تمتعا في الأرض قيل: وهو أقرب ولا يخفى أنه إذا فسر لكم بأنه لكل أحد احتاج إلى التأويل أما إذا فسر بأنه لجنسكم ولمجموعكم فلا إشكال فتأمل. قوله: (استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها) قال الراغب يقال لقي فلان خيراً وشراً ويقال لقيته بكذا إذا استقبلته به قال تعالى: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [سورة الإنسان، الآية: 11] وتلقاه كذا قال تعالى: {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [سورة الأنبياء، الآية: 103] وقيل التلقي لغة الأخذ فالعمل خارج عنه فكيف أدرج فيه فقال الطيبي مشيراً إلى دفعه أنه مستعار من التلقي بمعنى استقبال بعض الناس من يعز عليهم إذا قدم بعد غيبته وهو يكون بأنواع الإكرام واكرام الكلمات الواردة من الحضرة الإلهية العمل بها فعلى رفع الكلمات يكون استعارة أيضاً بجعلها كأنها مكرمة له لكونها سبب العفو عنه، وقوله وبلغته إشارة إلى مآل المعنى بعد التجوّز والقول الأوّل هو الأصح المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، والثاني أخرجه البيهقي وقوله وبحمدك قال الكرمانيّ أي وسبحتك بحمدك أي بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوّتي ففيه شكر لله على هذه النعمة والاعتراف بها والتفويض إلى الله، والواو في وبحمدك أما للحال وأما لعطف الجملة سواء قلنا إضافة الحمد إلى الفاعل والمراد لازمه مجازا وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية أو إلى المفعول ويكون معناه سبحت ملتبساً بحمدي لك وقيل: الواو زائدة، وفي الأساس تلقيتة استقبلته وتلقيتة منه من لقيته الشيء فلقاه منه قيل: وإنما لم يجعل من هذا مع ظهوره حيث استعمل بمن ليرتب عليه الأخذ والقبول والعمل وسائر ما يدخل في استقبال الرب! أعزته وأحبابه فعلى هذا يكون من ربه حالاً من كلمات يعني أنّ التوبة إنما تترتب على التلقي ترتباً ظاهرا إلا إذا كان بمعنى الاستقبال المقتضي للإكرام بالقبول والعمل ولذا قال وسائر ما الخ فإنّ من جملته قبول المستقبل، ومن غفل عن مراده قال: فيه بحث لأنّ الترتيب المذكور إنما يتاتى بعد صحة استعمال اللفظ في المعني الذي هو فيه وهو غيرظاهر فكيف يصح جعل الترتيب جهة لصحة الاستعمال فالصواب أن يقال: لأنّ تلقي الكلمات لا يترتب على الإهباط بلا تراخ بخلاف الاستقبال فإنّ ابتداءه وهو الانتظار للكلمات حصل عقيبه بلا تراخ وكذا ما قيل /: الأظهر أنه لم يلتفت إليه لأنه لا يحتمله قرأءة رفع كلمات وبعض هذه القرا آت مفسر لبعض وعلى هذه القراءة لم يؤنث للفصل ومعناها كالقراءة الأخرى لأنّ بعض الأفعال يكون إسنادها إلى الفاعل كإسنادها إلى المفعول من غير فرق نحو نالني خير ونلت خيراً، ومنه تقول لقيت زيدا ولقيني زيد قال قدّس سرّه: ثم إنّ التعبير بالتلقي فيه نكتة غير أبلغية المجاز وهي الإيماء إلى أنّ آدم كان في ذلك الوقت في مقام البعد لأن التلقي استقبال من جاء من بعيد وتصدير هذه الجملة بالفاء ظاهر، وعلمها إما من التعليم

المجهول أو من العلم المعلوم. قوله: (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال يا رب الخ) هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وغيره وصححه وبيدك بمعنى قدرتك وبلى وقع بدلها نعم في بعض التفاسير وقوله: أراجعني قال قدس سره اسم فاعل أضيف إلى المفعول وأنت فاعله لاعتماده على الاستفهام أو مبتدأ وأما نسخة زين المشايخ وقيل: عليها السماع أراجعيّ بتشديد الياء فحملها على سهو القلم أقرب من أن يجعل راجمي جمعا مضافا إلى ياء المتكلم واقعاً خبر أنت أي أنت راجعوني إلى الجنة كما في قوله: ألا فارحموني يا إله محمد وعلى النسختين فوقوع الجملة الاسمية جزاء الشرط محل بحث انتهى. (أقول) هذا مما لم يصححه شراح الكشاف وجملة ما قالوه ما ذكره الشارح المحقق فإن صحت الرواية به فلها عندي وجه بديع أشار إليه الرضيّ وتفصيله على ما قال الجعبرفي في شرح الرائية أنّ بني يربوع يزيدون على ياء الضميرياء أخرى صلة لها حملاً على هاء الضمير المكسورة بجامع الإضمار والخفاء كما زادوها على تاء المخاطبة نحو قوله رميتيه فأصبت وما أخطأت الرمية ونقل عن سيبويه رحمه الله قريباً منه فقوله فحملها الخ مردود وقوله محل بحث مردود أيضا لأنه كيف يتردد في صحة وقوع الجملة الاستفهامية جزاء وهو في القرآن أكثر من أن يحصى كقوله: {أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [سورة العلق، الآية: 13] قال الرضي: هل لا تقع في الجزاء بدون الفاء أبدا بخلاف الهمزة وأسماء الاستفهام فإنه يجوز معها الوجهان والهمزة في الجزاء عند التحقيق متقدّمة على الشرط فقولك إن جئتني أتكرمني مآله أن جئتني تكرمني ومن لم يحققه قال إنه مخالف لما في شرح التلخيص من تجويز وقوع الجزاء طلبياً نحو إن جاءني زيد فأكرمه إلا أن يفرق بين الأمر والاستفهام وقوله في الحديث من روحك معناه من روح خلقتها والإضافة للتعظيم كما ذكره الراغب، ثم ذكر إن الكلام والكلمة من الكلم وهو الجرح والتأثير وفي قوله المدرك بإحدى الحاستين تسمح أي المدرك أثره والكلام والجراحة لف ونشر مرتب. قوله: (رجع عليه بالرحمة وقبول التوية الخ) التوية إذا أسندت إلى المجد فمعناها الرجوع عنه مع الندم والعزم على عدم العود إليه كما أشار إليه المصنف رحمه الله وفي حقوق العباد المالية ونحوها لا بذ من الرد والاستحلال ولم يذكره المصنف رحمه الله لدخوله في كلامه لأن الغاصب ما دام الغصب في يده أو ذمته لا يقال إنه رجع وإذا أسندت إلى الله فمعناها قبول التوبة والعفو عن الذنب ونحوه أو التوفيق لها ولما كانت الفاء للتعقيب وقد روي أنهما بكيا مائتي سنة ونحوه مما يدل على خلافه أشار إلى جوابه بقوله وإنما رتبه الخ فأما أن يريد أن ما قبله وهو تلقي الكلمات بالقبول والعمل بها هو عين التوبة أو مستلزم لها وقبول التوبة مترتب عليه فهي لمجزد السببية أو أن التوبة لما دام عليها يصح التعقيب باعتبار آخرها إذ لا فاصل بينهما ولا حاجة إلى ما قيل: إنه كان منتظراً لقبولها فترتب ذلك على آخر انتظاره وليس في الكلام حذف حتى تكون الفاء فصيحة كما توهم وقوله وهو الاعتراف ذكر ضمير التوبة مراعاة للخبر. قوله: (واكتفى بذكر آدم) عليه الصلاة والسلام يعني لم يقل عليهما لأن النساء متبع يغني عنهن ذكر المتبوع وترك التصريح أحسن وفسر التوبة في الثواب بالرجوع إلى المغفرة لأنه أوفق بمعناه اللغوي مع استلزامه للمعاني الأخر والكثرة من صيغة المبالغة وذكر الرحمة إحسان على إحسان. قوله: (كرّر للتثيد الخ) ولذا لم يعطف وحسنه أنه رتب على الأوّل غير ما رتب على الثاني وهو نوع من البديع يسمى الترديد وقد يعاد المبنيّ عليه تأكيدا وتذكبراً له لطول الفصل، كما سيأتي في آل عمران في فلا تحسبنهم فمن قال التكرار في الكلام التام خصوصا بعد الفصل بالأجنبيّ المحض للتأكيد بيد جداً ولذلك عطف الزمخشريّ عليه ما ذكر من النكتة بالواو لم يصب وقدم على هذا التوبة والتلقي لفرط الاهتمام بصلاح حاله وفراغ باله والإخبار بقبول توبته والتجاوز عن هفوته وإزالة ما عسى تتشبث به الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقد فضل عليهم وأمروا بالسجود له فإن كان كذلك في المحكيّ فلا كلام فيه والا فالحكاية تراعي فيها تلك النكت أيضا فلا يرد عليه شيء كما توهم. قوله: (أو لاختلاف المقصود الخ)

فالفصل عن السابق ليس لأنه تأكيد بل لتباين الغرضين من الجملتين وهو من جهات الفصل ثم بين التغاير بينهما بأنهم ذكر إهباطهم أوّلاً للتعادي وعدم الخلود فالأمر فيه تكوينيّ، وثانيا ليهتدي من يهتدي ويضل من يضل فالأمر فيه تكليفيّ إذ لم يكن لهم تكليف قبله بغير المنع من الشجرة، وعبر في الأوّل بدلّ لأنه منطوقه فالتعادي والابتلاء من قوله بعضكم الخ وعدم الخلود من قوله إلى حين، وفي الثاني بأشعر لأنه من فحوى الكلام إذ لم يصرح فيه بتكليف وإنما أخذ من تعقيبه بالفاء واهتدى الهدى إما على الحذف والإيصال أي إلى الهدى أو على تضمينه فعل الهدى أو سلك الهدى ونحوه. قوله: (والتنبيه على أن مخافة الإهباط الخ) الأمر إن هما ما ذكر مع الأوّل من التعادي وزوال الخلود وما ذكر مع الثاني من التكليف معنى فكان ينبغي أن لا يخالفا لخوف الإهباط لأحد هذين الأمرين فكيف بجميعهما فلو لم يعد الأمر لعطف فإما يأتينكم على الأوّل فيكون المعاقب به هو الإهباط المترتب عليه جميع هذه الأمور والحازم بالحاء المهملة والزاي المعجمة الضابط لأموره المستوثق فيها، وقوله ولكنه نسي الخ اقتباس لبيان عذره بأنه نسي ما أمر به ولو لم ينسه لخاف من الطرد المترتب عليه ما ذكر وقوله وان كلى واحد توضيح لما مر وبيان له في نفسه. قوله: (وقيل الأول من الجنة الخ) وهو ضعيف لأنه يأباه قوله في الأوّل: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} [سورة البقرة، الآية: 36] الخ ولأنّ الظاهر اتحاد مرجع الضمائر ثمّ وما قاله الإمام من أنه لما من إلله عليهما بالقبول ربما توهم الإعادة إلى الجنة فبين أنه أمر محتوم وقضاء مبرم فهو حسن ولا ذكر للسماء هنا وأما ما قيل: إن التوبة إنما صدرت وهو في الأرض فلا خفاء في ضعف ترتبها على الهبوط إلى السما الدنيا بالفاء فقيل: إنه ليس بذاك إذ لم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام تاب بعد الهبوط بل الظاهر من قوله فتلقى حيث عطف بالفاء الدالة على عدم تراخيه عنه أنه عليه الصلاة والسلام تاب قبل الهبوط لأنه تدريجي، فلو تأخرت عنه التوبة لتأخر عن الأمر المذكور زمانا، وجميعاً حال من فاعل اهبطوا أي مجتمعين سواء كان في زمان واحد أم لا وهذا هو الفرق بين جاؤوا جميعاً وجاؤوا معا فإن الثاني يقتضي اتحاد الزمان بخلاف الأوّل وقد وهم في هذا بعضهم نعم قد يفهم من سياق الكلام في بعض المقامات ولذا قال المصنف رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} في سورة الحجر أنه أكد بكل للإحاطة وبأجمعين للدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة فلا يقال: إنه مناف لكلامه فتأمل. وقيل: إنه تأكيد لمصدر محذوف أي هبوطا جميعا وإنما أتى بالضمير المنفصل في قوله أنتم أجمعون لأنه لا يصح تكيد الضمير المتصل بألفاظ التأكيد قبل تأكيده بالمنفصلى وهو وان اختص بالنفس والعين وجوباً فإنه يحسن في غيره بالقياس عليه فلا يقال إنه اشتبه عليه التأكيد بأجمعين بالتأكيد بالنفس وقوله كما ترى كناية عن ظهور ضعفه بحيث يغني إدراكه عن بيانه. قوله: (الشرط الثاني الخ) الشرط الثاني هو من الشرطية ومنهم من أعربها موصولة والفاء تدخل في حيزها لتضمنها معنى الشرط وجعله مع جوابه جواب الأوّل ومنهم من قدر جواب الأوّل محذوفا ومهم من قال الجواب لهما والأصح ما ذكره المصنف رحمه الله وإذا زيدت ما التأكيدية على أن الشرطية كد الفعل بعدها بنون التأكيد لأنّ التأكيد أوّلأ وطأ لذكره ثانيا ولذا قال المصنف رحمه الله ولذلك الخ. مع أن الشرطية لا يؤكد فيها في الأكثر وإنما يكثر في الطلب والقسم ثم إنه هل هو على سبيل الوجوب حتى إنه لا يخالف إلا في ضرورة أو شذوذ كقوله: أما ترى رأسي حاكى لونه أو هو الحسن الشائع قولان للنحاة اختار المصنف رحمه الله الثاني لأنّ الأصل عدمه فإذا رجع إليه لا ينبغي أن يقال إنه ضرورة. قوله: (وإنما جيء بحرف الشك الخ الما كان الظاهر إذا قال الزمخشريّ: أنه للإيذان بأنّ الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل دمانزال الكتب وأنه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتابا كان الإيمان به وتوحيده واجبا لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال يعني أنه لو لم يكن طريق العقل كافياً لكان إتيان الكتاب والرسول واجبا فلم يكن يصح الإتيان بكلمة الشك فلما

أتى بها آذن أنه ليس بواجب فتعين الوجوب بطريق العقل وهذا على أصول المعتزلة وأما عندنا فلا وجوب على الله فوجه كلمة إن ظاهر إذ لا قطع بالوقوع بل إن شاء هدى وان شاء ترك لكن لما علم من لضله ورحمته أكد كلمة أن بما إيماء إلى رجحان الوقوع وهذا معنى كلام المصنف رحمه الله مهو ردّ عليه لابتنائه على التحسين والتقبيح العقليين وقيل: إنّ الهدى الخاص بإنزال الكتب والإرسال ليس بواجب عند المعتزلة أيضاً فلا ردّ فيه فتأمّل وقيل: إنّ إنّ إذا قرنت بما! لا نقتضي الشك واعترض عليه بأنّ المفهوم منه أن ما يحتمل في نفسه لكونه غير واجب عقلاً من مواقع إن وهو ينافي ما مر في قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} [سورة البقرة، الآية: 240] وفيه لظر، ومتى متعلق بيأتينكم لأنّ الخير كله منه. قوله: (وكرر لفظ الهدى الخ) النكرة إذا أعيدت معرفة فهي عين فكان الظاهر الإضمار لكته ليس بكليّ وهي هنا غير لأنّ الأوّل الهداية الحاصلة بالرسل والكتب، والثاني أعم لأنه شامل لما يحصل بالاستدلال والعقل وليس هذا مبنيا على مذهب المعتزلة كما توهم، وقيل إنه جعل الهدى أوّلاً بمنزلة الإمام المتبع المقتدى به ثم ذكر. مضافا إلى نفسه وفيه من التعظيم ما لا يكون لو أتى به معرّفاً باللام وإن كان ذلك سبيل ما يكون نكرة ثم بعاد فكيف لو اكتفى عنه بالضمير وهذا وجه وجيه للعدول من غير احتياج إلى مخالفة القاعدة وهو من قول الطيبي أنه وضع المظهر موضمع المضمر للعلية لأنّ الهدى بالنظر إلى ذاته واجب الاتباع وبالنظر إلى أنه أضيف إلى الله إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع وهذا موافق لقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرواْ} في مقابلة {مَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} فالمقابل له حكم المقابل، وقوله ما أتاه الخ بيان للعموم السابق. قوله: (فلا خوف عليهم فضلاَ الخ (خوف مبتدأ وعليهم خبره او عاملة عمل ليس والأوّل أولى، وقرىء بالرفع وترك التنوين لنية الإضافة وبالفتح والخوف الفزع مما يكون في المستقبل فيكون قبل وقوعه منفيه يدل على نفي الوقوع بالطريق الأولى وليس المراد نفي الخوف بالكلية بل نفيه عنهم في الآخرة كما سيأتي وقوله ولا هم ممن يفوت عنهم محبوب تفسير للحزن وهو ضد السرور مأخوذ من الحزن وهو ما غلظ من الأرض! فكأنه ما غلظ من الهمّ ولا يكون إلا في الأمر ال! ماضي عند بعضهم فيؤوّل حينئذ {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} [سورة يوسف، الآية: 13] ونحوه بعلمه بذلك الواقع وقيل: إنه والخوف كلاهما في المستقبل لكن الخوف استشعار لفقد مطلوب والحزن استشعار غمّ لفوت محبوب كما في إني ليحزنني الآية وقيل: لا خوف عليهم من الضلالة في الدنيا ولا حزن من الشقاوة في العقبى وقدم انتفاء الخوف لأنّ انتفاء الخوف فيما هو آت أكثر من انتفاء الحزن على ما فات ولدّ! صدر بالنكرة التي هي أدخل في النفي وقدّم الضمير إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن وأنّ غيرهم يحزن والظاهر عموم نفي الخوف والحزن عنهم لكن يخص بما بعد الدنيا لأنه قد يلحق المؤمن الخوف والحزن في الدنيا فلا يمكن الحمل على ذلك وعلى جعله كناية كما قال المصنف رحمه الله لا يبقى وجه لهذا فتأمل. قوله: (نفى عنهم العقاب الخ) لأنّ نفي الخوف كناية عن نفي العقاب ونفي الحزن كناية عن إثبات الثواب وهي أبلغ من الصريح وآكد لأنها إثبات الشيء ببينة كما تقرّر في محله. قوله: (وقرئ هديّ الخ) أي بإبدال الألف ياء وادغامها وهي لغة هذيل في كل مقصور أضيف للياء لأنه يكسر ما قبلها في الصحيح فأتوا بالياء التي هي أختها محافظة على ذلك ولا يفعلون ذلك في ألف التثنية وهذه قراءة جحدر وابن إسحق وهي شاذة. قوله: (عطف على من تبع الخ) قيل: وأفرد الأوّل إشارة إلى قلة أهل الهدى بخلاف أهل الكفر ثم اعتذر عن جمع ضميرهم بأنه إشارة إلى كثرتهم في الغناء ولا يخفى أنه تكلف بارد لا داعي له لأنّ من مفرد اللفظ مجموع المعنى وليس المقام يقتضي ملاحظة هذه النكت وقوله قسيم له فيه نظر لأن من لم يتبع شامل لمن لم تبلغه الدعوة ولم يكن من المكلفين، فالعدول عن الظاهر لعله لإخراج أمثالهم، ومن الناس من أغرب فقال: هو أبلغ من قوله ومن لم يتبع هداي وان كان التقسيم اللفظيّ يقتضيه لأن نفي الشيء على وجوه كعدم القابلية لخلقه وعقله وتعمد تركه فأبرز في صورة ثبوتية مزيلة لباقي الاحتمالات التي ينتظمها

النفي اهـ. فانظر ما بين أوّل كلامه وآخره من التنافر وأصحاب النار سكان النار ويراد بهم الكفار في الأكثر كما يخص الصاحب بالوزير، وهو إمّا جمع صاحب على خلاف القياس أو جمع صحب الذي هو جمع صاحب أو مخففة وإذا أطلق الكفر تبادر منه الكفر بالله فإن أريد هنا فظاهر وبآياتنا متعلق بكذبوا وان لم يرد تنازع الفعلان الجارّ والمجرور فالكفر بالآيات إنكارها بالقلب والتكذيب إنكارها باللسان فلا تكرار. قوله: (والآية في الأصل العلامة الظاهرة) قال الراغب: هي العلامة الظاهرة وحقيقتها كل شيء ظاهر هو ملازم لشيء آخر لا يظهر ظهوره فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته إذ كان حى كمهما سواء وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات لمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق وكذا إذا علم شيئا مصنوعا علم أنه لا بدّ له من صانع اص. وفي أصلها ووزنها ستة أقوال فمذهب سيبويه والخليل اق أصلها أيية بفتحات قلبت ياؤها الأولى ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها على خلاف القياس لأنه إذا اجتمع حرفا علة أعل الآخر لأنه محل التغيير نحو جوى وهوى ومثله في الشذوذ غاية وراية ومذهب الكسائيّ إن وزنها آثية على وزن فاعله فكان القياس أن تدغم كداية إلا أنه ترك ذلك تخفيفا فحذفوا عينها كما خففوا كينونة ومذهب الفراء أنها فعلة بسكون العين من تأيا القوم إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع آياء فظهرت الياء والهمزة الأخيرة بدل من ياء ووزنه أفعال والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة ولو كانت عينها واواً لقالوا في الجمع آواء، ثم إنهمءقلبوا الياء الساكنة ألفا على غير قياس لأن حرف العلة لا يقلب حتى يتحرّك وينفتح ما قبله وذهب بعض الكوفيين إلى أنّ وزنها أيية كنبقة فأعل وهو في الشذوذ كمذهب سيبويه والخليل وقيل: وزنها فعلة بضم العين وقيل: اصلها إياة فقدمت اللام وأخرت العين وهو ضعيف فهذه ستة مذاهب لا يخلو واحد منها من شذوذ. قال ابن الأنباري في الزاهي: وفي آية القرآن قولان فقيل: إنها بمعنى العلامة لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها والذي قبلها قال الأحوص: ومن رسم آيات عفون ومنزل قديم يعفيه الأعاصر محول وقيل: لأنها جماعة من القرآن وطائفة من الحروف، قال أبو عمرو: يقال: خرج القوم لآيتهم أي بجماعتهم وهو باعتبار الأكثر الأغلب، فلا يرد عليه أنها تكون كلمة واحدة كمدهامتان كما قيل: وفيها قول ثالث وهو أن تكون سميت آية لأنها عجب يتعجب من إعجازه كما يقال فلان آية من الآيات اهـ وقول المصنف رحمه الله: من حيث إنها تدل إشارة إلى القول الأوّل وقوله لكل طائفة إشارة إلى الثاني فكان عليه أن يميز بين القولين ولذلك اعترض عليه بأنه لم يصب في خلطهما. وقوله واشتقاقها من أيّ بتشديد الياء عينه ولامه ياء، وقوله: لأنها تبين أيا من أيّ بالتشديد أيضاً قيل معناه شيء يسئل عنه بأفي أي جوابه أي تميز أمرا مجهولاً من آخر التيس هذا هو المراد، وقيل: إنّ العبارة آيا من آي بالمد أي شخصا من شخص وشيئا من شيء لأنّ الآي بالمد بمعنى الشخص وفيه نظر، وقوله أو من أوى إليه لأنها بمنزلة المنزل الذي ياوي إليه القارئ فعينها واو وقوله وأصلها آية على القول الأوّل وأوية على القول الثاني وكونها على خلاف القياس لما مرّ والآيات إمّا آيات القرآن أو مطلق الدوال وهو ظاهر لكن التكذيب يأباه إلا بأن ينزل المعقول منزله الملفوظ ولذا أخره المصنف رحمه الله عنه، والرمكة أنثى البراذين. نوله:) وقد تمسكت الحشوية بهذه القصة على عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) الحشوية بسكون الشين وفتحها قوم تمسكوا بالظواهر فذهبوا إلى التجسيم وغيره وهم من الفرق الضالة، قال السبكيّ في شرح أصول ابن الحاجب: الحشوية طائفة ضلوا عن سواء السبيل وعميت أبصارهم يجرون آيات الله على ظاهرها ويعتقدون أنه المراد سموا بذلك لأنهم كانوا في حلقة الحسن البصري فوجدهم يتكلمون كلاما فقال: ردّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة فنسبوا إلى حشافهم حشوية بفتح الشين، وقيل سموا بذلك لأنّ منهم المجسمة أو هم والجسم حشو فعلى هذا القياس فيه الحشوية

بسكون الشين نسبة إلى الحشو، وقيل: المراد بالحشوية طائفة لا يرون البحث في آيات الصفات التي يتعذر إجراؤها على ظاهرها بل يؤمنون بما أراده الله مع جزمهم بأنّ الظاهر غير مراد ويفوّضون التأويل إلى الله وعلى هذا فإطلاق الحشوية عليهم غير مستحسن لأنه مذهب السلف. اهـ وقيل: طائفة يجوّزون أن يخاطب الله تعالى بالمهمل ويطلقونه على الدين قالوا الدين يتلقى من الكتاب والسنة وهو المناسب هنا اهـ والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يجوز عليهم الكفر وتعمد الكذب في التبليغ بلا خلاف وأمّا غيرهما فالكب ئر يمتنع صدورها عمدأ بعد النبوّة عند الجمهور إلا الحشوية وهو مراد المصنف وأمّا صدورها سهوا أو خطأ في التأويل بعد النبوّة فجوّزه قوم والمختار خلافه، وأمّا قبل النبوّة فذهب الجمهور إلى أنه لا يمتنع صدور الكبائر عنهم ومنعه بعضهم وأمّا صدور الصغائر عمدا فجوّزه الجمهور إلا الجبائي وأمّا سهواً فجائز اتفاقا إلا ما فيه خسة كسرقة لقمة، وقال الجاحظ يجوز أن يصدر عنهم غير الصغائر خسيسة بشرط أن ينبهوا عليها فينتهوا عنها وتبعه كثير وبه أخذ الأشاعرة وذهب كثير من المفسرين إلى أنهم معصومون من الكل قبلها وبعدها سهوا وعمداً والقلب إليه أميل والعصمة ملكة يخلقها الله فيهم تمنع عما لا يليق بالطبع. قوله: (1 لأوّل أن آدم عليه الصلاة والسلام كان نبياً الخ) أي قبل، إهباطه لأنه خاطبه، والخطاب منه خاص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمنهيّ عنه قرب الشجرة وكونه عاوصيا لأنّ الظاهر من النهي التحريم وجعله ظالماً بقوله فتكونا من الظالمين والظلم التعدي وهو مخصوص بالكبائر، وقوله: والظالم ملعون جراءة عظيمة كان الأولى تركها والظلم في الآية المذكورة المراد به الكفر فلا دليل فيها، وقوله أسند إليه العصيان والغيّ وهو الغواية والضلال وهو كبيرة وتلقين التوبة يقتضي أنها كبيرة بحسب الظاهر وكذا الخسران وعقوبته بالإبعاد ونص-. قوله: (الآوّل أنه لم يكن نبياً الخ الأنه ليس له أمّة ولم يؤمر بتبليغ ولئن سلم فالنهي تنزيهيّ والخسران والظلم بمعناه اللغوي وما سيأتي هو أنه تعظيم للزلة وزجر لأولاده وأمره بالتوبة لتلافي التقصير وتهذيبه أتم تهذيب وأمّا ما جرى عليه فليس للإهانة لل لتحقيق الخلافة الموعود بها ولئن سلم أنها كبيرة والنهي تحريمي فإنه صدر منه وهو ناس فلا يعذ ذنبا أو يعد صغيرة في حقه لأنّ النسيان وان حط عن الأمم لم يحط عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لجلالتهم ولذا يعاتب الرئيس فيما لا يعاتب به غيره وقال الجنيد: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، وقيل: " إنّ النسيان لم يرفع عن الأمم السالفة مطلقاً وإنما هو من خصائص! هذه الأمّة كما ورد في الأحاديث الصحيحة ". قوله: (أشدّ الناس بلاء الخ (هذا الحديث أخرجه الترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه وصححوه لكن ليس فيه ثم الأولياء وأخرجه الحاكم بلفظ الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون وقال القشيري: ليس كل أحد أهلا للبلاء إنّ البلاء لأرباب الولاء فأمّا الأجانب فيتجاوز عنهم ويخلي سبيلهم لا لكرامة محلهم ولكن لحقارة لدرهم. قوله: (أو أذى الخ) عطف على قوله عوتب جواب آخر عن أنه إذا كان ناسياً وقلت إنه عوتب عليه لما مرّ فلم جرى عليه ما جرى فذكر أنّ جريانه لأنه تعالى قدّر تسببه عنه فضره في الدنيا ولو تعمده لضرّه في الدارين كأكل السمّ عامدا أو جاهلا ووجه السؤال أنّ ما ذكر من المقاسمة على أمر الشجرة لا يتصوّر معه النسيان وجوابه ظاهر لكنه قيل: عليه أنه إنما يتوجه لو ثان بينهما عهد طويل وفي الحديث ما يخالفه إلا أن يقال: إنّ الحديث لم يصح عنده. قوله: (والرابع أنه عليه الصلاة والسلام أقدم عليه الخ) يعني أنه أخطأ في اجتهاده إذ ظن أنّ النهي تنزيهيّ أو أنّ الإشارة إلى فرد معين فكل من غيره فإنّ الإشارة قد تكون للنوع كما في " الحديث " المذكور وهو حديث صحيح في الأربعة وقوله وإنما جرى إشارة إلى جواب ما قيل: كيف يكون تنزيها وقد وصف بالظلم وجرى عليه ما جرى فقال: إنه تفظيع أي تعظيم وتخويف من جنس الخطيئة وان لم يكن هذا خطيئة، فإن قلت هذأ لا يوافق أنّ المجتهد يثاب على الخطأ، وفيه إيجاب أن يجتنب أولاده الاجتهاد قلت لا دلالة له على ذلك لأنه ليس اجتهادا في محله كما لو اجتهد صحابيّ بحضرة النبيّ صلى الله عليه

وسلم فأخطأ فتأمل ووجود الجنة مضرح به في الآية وعلوّها مأخوذ من الهبوط والمعتزلة خالفوا في وجودها، وقبول التوبة تفضل منه وقد وغد به من لا يخلف الميعاد لا وجوبا كما زعمه المعتزلة وقوله وأنّ غيره لا يخلد الخ بناء على حمل الخلود على التأبيد بالقرائن وافادة مثل هو قائلها الحصر، ولك أن تقول إنه ليس بناء على هذا بل إنه لما ذكر الفريقين وخص الخلود بأحدهما دل على أنه ليس صفة لغيرهم وهو الظاهر من قوله مفهوم فافهم. قوله: (لما ذكر دلائل التوحيد والنبوّة الخ) هذا إشارة إلى ارتباط الآية بما قبلها ويزيدها ربطاً ذكر بني إسرائيل بعد المكذبين ودلائل التوحيد من قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} [سورة البقرة، الآية: 21] الخ ودلائل النبوّة {إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} الخ والمعاد من. توله: {فَاتَّقُواْ النَّارَ} الخ وقوله وعقبها تعداد النعم إن قرئ بالتخفيف فتعداد فاعله وان شدّد فتعداد منصوب بنزع الخافض أو بتضمينه التصيير ونحوه فمن قال: الصواب بتعداد النعم استسمن ذا ورم وكلامه بين في الارتباط وخاطب الخ جواب لم واقتفاء الحجج أي اتباع الدلائل لأنهم أعلم بها من غيرهم فكان ينبغي أن يكونوا أوّل من آمن به عليه الصلاة والسلام. قوله:) أي أولاد يعقوب الخ) يعني أنّ الابن وان كان مختصاً بالولد الذكر لكنه إذا أضيف وقيل: بنو فلان يعم الذكور والإناث وهو معنى عرفيّ فيكون في معنى الأولاد مطلقا، واسرائيل اسم يعقوب عليه الصلاة والسلام، وبني جمع ابن شيبه بجمع التكسير لتغير مفرده ولذا ألحق في فعله تاء التأنيث نحو قالت بنو فلان وقد أعرب بالحروف وهل لامه ياء لأنه مشتق من البناء لأنّ الابن فرع الأب ومبنيّ عليه أو واو لقولهم البنوّة كالأبوّة والأخوّة قولان الصحيح الأوّل ولذأ اقتصر المصنف عليه وأمّا البنوّة فلا دلالة فيها لأنهم قالوا الفتوّة ولا خلاف أنها من ذوات الياء إلا أنّ الأخفش رجح الثاني لأنّ حذف الواو أكثر، واختلف في وزنه فقيل: بنى بفتح العين وقيل: بني بسكونها وهو أحد الأسماء العشرة التي سكنت فاؤها وعوّض من لامها همزة الوصل وقوله مبنيّ اً بيه تجوّز أي متولد وكل ما يحصل من فعل أحد يتسبب فهو ولده فيقال أبو الحرب للمحراب وللقصيدة ونحوها بنت الفكر وهو من النسبة إلى الآلة مجازا والانتساب في الحقيقة إلى المفكر فلذلك عطف على ما هو مثال للمنسوب إلى الصانع وجعلى إسرائيل لقباً لإشعاره بالمدح لأنه بمعنى صفوة الله أو عبد الذ وايل في لغتهم بمعنى الله. قوله: (أي بالتفكر فيها الخ) الذكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد ويكونان باللسان والجنان، وقال الكسائي: هو بالكسر للسان وبالضم للقلب وضدّ الأوّل الصمت وضد الثاني النسيان وعلى العموم فإمّا أن يكون مثتركا بينهما أو موضوعاً لمعنى عامّ شامل لهما والظاهر الأوّل فأشار المصنف إلى أنّ المم اد التصؤر التفكر في النعمة وأنّ اله غصود من الأمر بذلك الشكر والقيام بحقوقها كما تقول: أتذكر إحساني لك فإنّ المراد هلا وفيت حقه فلذلك عطف عليه القيام بشكرها عطفاً تفسيريا فلا يرد عليه ما قيل: الذكر هنا قلبيّ، والمطلوب به هو القيام بشكرها إيماء إلى أنها من النعم الجسام التي لا مانع للعاقل عن القيام بشكرها إلا الغفلة عنها والذهاب هذه الدقيقة على المصنف رحمه الله عطف القيام بشكرها على التفكر فيها كأنه أدرجه في معنى الذكر، وفيه من التكلف ما لا يخفى وهو بعينه مراد المصنف رحمه الله. قوله: (والتقييد بهم) وفي نسخة وتقييد النعم بهم يعني بالوصف بقوله التي الخ والظاهر أنّ المراد بالنعمة وهي المنعم بها مطلق النعم الإلهية العامّة لكل مخلوق كبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام وخلق ااتحوي والرزق ولكن قيدت في النظم بهم ولم تطلق أو تعمم بأن يقال: أنعمت بها على عبادي أو تخص! بغيرهم بأن يقال: على أمّة محمد صلى الله عليه وسلم ليكون أدعى لشكرهم لأنها لو لم تخص بهم لربما حملهم الحسد والغيرة على كفرانها وما قيل: إنه حمل النعمة ههنا على النعمة التي أنعم بها على آبائهم حمل لكلامه من غير دليل على ما لم يرده. قوله: (وقيل أراد بها ما أندم الخ) هذا هو الذي ارتضاه الزمخشريّ والمصنف رحمه الله تعالى ضعفه لأنّ السياق ينافيه فإن قوله: {وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ} [سورة البقرة، الآية: 41، لا يتصوّر في حق آبائهم مع أنه قيل: عليه أنّ فيه جمعاً

بين الحقيقة والمجاز حيث جعل قوله عليكم مراداً به ما أنعم عليهم وعلى آبائهم فينبغي أن يحمل على حذف أو اعتبار معنى جامع بأن يجعل الخطاب لجميع بني إسرائيل الحاضرين والغائبين وقوله ما أنعم الله به إشارة إلى حذف العائد على الموصول، وأورد عليه أن الأنعام على الآباء إنعام في حق الأنباء بواسطة ولا يخرج بذلك عن كونه إنعاما حقيقة في حقهم حتى يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز فيحتاج في دفعه إلى ارتكاب حذف أو معنى جامع أو تغليب كما توهم، والحاصل أنّ المعنى أني أنعمت عليكم بأن شزفتكم بالشرفين التالد والطريف الذي أعظمه إدراك زمن أشرف الأنبياء لمجي! وجعلتكم من جملة أمّة الدعوة له فتخصيصه بالذكر لدلالة السياق عليه فلا يرد عليه أنه لا دلالة للعام على الخاص فتأمل. وعائد الموصول محذوف أي أنعمت بها فإن قيل: شرطوا في حذفه إذا كان مجروراً أن يجرّ الموصول بمثل ذلك الحرف ويتحد متعلقهما وهو مفقود هنا قيل: إنه إنما حذف هنا بعد أن صار منصوبا بحذف الجارّ اتساعا فبقي أنعمتها كما قيل: في كالذي خاضوا وفيه نظر: وقراءة ادّكروا بالدال المهملة المشددة مذكورة في الصرف، ودرجا بمعنى وصلا وحذفها حينئذ لالتقاء الساكنين وقوله: وهو مذهب من لا يحرّك الياء ا! مكسور أي لغته واحترز بالمكسور ما قبلها عن نحو محياي. قوله: (بالإيمان والطاعة) متعلق بأوفوا أو بعهدي أو بهما على التنازع وكذا قوله بحسن الإثابة. قوله: (أوف بعهدكم) مجزوم في جواب الأمر إمّا به نفسه أو بشرط مقدر وقوله والعهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد الخ يقال ة أوفى ووفى مخففاً ومشدداً بمعنى وقيل: يقال اوفيت ووفيت بالعهد وأوفيت الكيل لا غير واللغات الثلاث وردت في القرآن كما بينه المعرب وجاء أوفى بمعنى ارتفع نحو: ربما أوفيت في علم ومعناه هنا أتممت وكملت ويكون ضد الغدر والترك والعهد حفظ الشيء ومراعاته وسمي له الموثق للزوم مراعاته وقال الطيبي رحمه الله: إنّ الزمخشريّ قال فيما سبق إن العهد الموثق وعهد إليه في كذا إذا أوصاه ووثقه عليه واستعهد منه إذا اشترط عليه واستوثق منه فاللائق بهذا المقام الثاني فيكون المراد بالعهد ما استعهد من آدم في قوله فإمّا يأتينكم الخ لتنتظم الآيات وفي كلامه إشعار به اص. واضافته إلى كل منهما لأنّ مدلوله نسبة بين شيئين فيصح إضافته لكل منهما كما يضاف المصدر تارة إلى فاعله وتارة إلى مفعوله، قيل: ولا خفاء في أنّ الفاعل هو الموفي فإن أضيف إلى الموفي مثل أوفيت بعهدي ومن أوفى بعهده فهو مضاف إلى الفاعل وأن أضيف إلى غيره مثل أوفيت بعهدك ف! لى المفعول ففي أوفوا بعهدي أوف بعهدكم تكون الإضافة إلى المفعول فلذا قال: بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة ولا يستقيم غير هذا إذ لا معنى لقولك أوف أنت ما عاهد عليه غيرك، فما بترهم أنّ المذكور في الكتاب مبنيّ على رعاية الأولى والأنسب ليس بشيء اص. وهذا ردّ على الزمخشريّ ومن تبعه كالمصنف رحمه الله ومن جعله أنسب وهو صاحب الكشف وردّ بأنه إن! سر الإيفاء بإتمام العهد تكون الإضافة إلى المفعول في الموضعين وهو مختار بعض المفسرين، وان فسر بمراعاته تكون الإضمافة الأولى للفاعل والثانية للمفعول كما ذكره العلامة إ المصنف رحمه الله فالمعترض! قصر في النظر حيث قصر معنى الإيفاء على الإتمام ومبنى الكلام على معناه الآخر ومن الناس من ظن أنّ كلام المصنف رحمه الله مخالف لكلام الكشاف؟ لم يصب وقيل: إنهم رجحوا هذا التوجيه على جعله مضافا فيهما على نهج واحد لأن الأصل، الأكثر الإضافة إلى الفاعل فلا يعدل عنه إلا لصارف وهنا لا صارف في الأوّل لأنه تعالى عهد إليهم بقوله يأتينكم الخ وفي الثاني صارف إذ لا عهد منهم وما اعترض به مدفوع بأنّ العهد المعلق على فعل المعاهد يكون الوفاء به من المفعول بالإتيان بالمعلق عليه ومن الفاعل بالإتيان لالمعلق وإذا ثبت جعل أداء المعلق عليه وفاء بالعهد فليكن أوفوا المشاكلة أوف. اهـ ولا يخفى ما في الكلام من الاختلال سؤالاً وجواباً أمّا السؤال فلأنّ قوله لا معنى لقولك أوف أنت ما طاهد عليه غيرك ليس مثالاً نحن فيه وإنما مثاله ما عاهدك

عليه غيرك ولا شبهة ير صحته،، أتا قوله ولا خفاء في أنّ الفاعل هو الموفي فكلمة حق أريد بها باطل لأنه إذا سلم أنّ العهد سبة بينهما فكل منهما موف وموفي قال في الكشف: فسر العهد بالمعاهد عليه وأضافه إلى من له لا من هو به وذلك لأنّ المعاهدة وان كانت بين اثنين إلا أنّ المعاهد عليه مختلف من العبد الالتزام ومن الله الإكرام، أمّا إذا كان شيئاً واحدا اختلف تعلقه كالعطاء بالنسبة إلى المولى والمولى أو اتحد كاثنين تواثقا على سفر ونحوه فلا يفترق المعنى بين الإضافتين إذ لا أولوية من الجانبين وفيما نحن فيه إضافته إلى من قام به أولى إن صح المعنى عليهما والا فالمعوّل عليه جانبه ولهذا أضيف في الآية إلى من هو له لأنه لما طلب الوفاء ووعد الإيفاء كان المناسب إيثارها مفسرة بما عاهدتموني وهو الإيمان بي والطاعة لي أو الإيمان بنبيّ الرحمة صلى الله عليه وسلم والكتاب المعجز وهو مقتضى النظم وما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على التقديرين، وقيل رفع الآصار والأغلال على الثاني اهـ. وأمّا ما ذكره المجيب من تفسير الوفاء فليس في كلامهم إشارة إليه على أنّ العهد معنى والتوفية معنى آخر يتعلق به والكلام في الثاني وقد يختلف فاعل المعنيين وإن كان بينهما مناسبة نحو أعجبني ضربك زيداً فتامّل. قوله: (وللوفاء بهما عرض عريض الخ) ضمير بهما لعهد الله وعهدنا وكون كلمتي الشهادة وحقن الدماء أوّل المراتب باعتبار الظاهر المشاهد الذي يترتب عليه أحكام الشرع فلا ينافي أنّ الأوّل الحقيقيّ لها النظر في دلائل التوحيد وموهبة العلم بالوحدة والنبوّة مع أنّ هذه ثمرة لها منزلة منزلتها. قوله:) وآخرها منا ألاستنراق الخ الا يخفى ما في الاستغراق مع البحر من الإيهام والتورية وقوله بحيث يغفل عن نفسه أي،! غفل كل مستغرق أو كل واحد منا والا كان الظاهر نغفل عن أنفسنا. قوله: (وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الخ) رواه ابن جرير بسند صحيح وكذا ما بعده لكن في سنده ضعف والآصار جمع اصر وهو مشقة التكليف وكون هذه وسايط ظاهر لأنّ اتباع محمد صلى الله عليه وسلم شامل لغير كلمتي الشهادة. قوله: (وقيل كلاهما مضاف إلى المفعول الخ (قيل: هذا ما أشار إليه الزمخشريّ ثانياً بقوله ومعنى وأوفوا بعهدي وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان والطاعة لي، وقوله والتزام الطاعة أقحم لفظ التزام لأنّ الطاعة بالفعل قد يعوق عن فعلها عائق ويعد وافيا وهو ظاهر، وقد خفي هذا مع ظهوره على بعضهم وقوله وقرئ أوف بالتشديد وهي قراءة الزهريّ. قوله: (وخصوصاً في نقض العهدا لدلالة السياق عليه ولذا خصه الزمخشري وإن كان الأولى الإطلاق. قوله: (وهو كد في إفادة التخصيص الخ) هذا من مسائل الكتاب وهو مما اختلفوا فيه واضطربت أقوالهم وها أنا ذاكر لك زبدة ما قالوه على وجه سترفع فيه يد البيان نقاب الإشكال فأقول، قال سيبويه: في باب عقده لهذه المسألة فقال في أوّله الأمر والنهي يختار فيهما النصب في الاسم الذي يبني عليه كما اختير في باب الاستفهام ثبم قال: وذلك قولك زيدا اضربه وزيدا أمر ربه ومثل ذلك أما زيدا فاقتله فإنك إذا قلت زيد فاضربه لم يستقم أن تحمله على الابتداء ألا ترى أنك لو قلت زيد فمنطلق لم يستقم فإن شئت نصبت على شيء هذا تفسيره وان شئت على تقدير عليك زيدا ومن ذلك قوله: وقائلة خولان فانكح فتاتهم وقال أبو الحسن: تقول زيدا فاضرب فالعامل اضرب بعده والفاء معلقة بما قبلها واعلم أن الدعاء بمنزلة الأمر والنهي وأما قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} فمحمول على إضمار مما أذكر لكم حكمه لا على حد وقائلة خولان الخ. وقد قرئ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوّة هذا محصل كلامه وقال السيرافيّ في شرحه إذ! قدصت الاسم وأخرت الفعل كنت في إدخال الفاء بالخيار إن شئت أدخلتها وهي بمنزلتها في جواب أمّا وان شئت أخرجتها وذلك قولك زيدا أضرب وزيدا فأضرب فإذا قلت زيدا أضرب فتقدير. اضرب زيدا وإذا أدخلت الفاء فلأنّ حكم الأمر أن يكون الفعل فيه مقدما فلما قدمت الاسم أضمرت فعلاً وجعلت الفاء جوابا له، وأعملت ما بعد الفاء في الاسم عوضاً من الفعل المحذوف وتقديره تأهب فاضرب

زيدا وما أشبهه فلما حذفته قدمت زيداً ليكون عوضاً من المحذوف وأعملت فيه ما بعد الفاء كما أعملت ما بعد الفاء في جواب أما فيما قبلها فإذا قلت زيدا فاضربه فهو على تقديرين أحدهما اضرب زيدا فأضربه، والثاني عليك زيدا فاضربه، وأمّا قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [سورة المائدة، الآية: 38] فهذا عند سيبويه مبنيّ على ما قبله كأنه قال: ومما يقمق عليكم: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} ثم قال: {فَاقْطَعُواْ} فجعل الفاء جوابا للجملة وهذا محصل مذهب سيبويه ومحل الكلام مخصوص بما إذا اقترن الفعل بالفاء وكان طلبيا والمنصوب ينتصب بالفعل الذي بعدها إذا لم يشتغل بضمير لكن بطريق النيابة عن فعل مدلول عليه في قوّة المذكور فالفاء عاطفة بحسب الأصل وهي الآن زائدة وان اشتغل بالضمير فلا تكلف فيه حينئذ وفي الكشاف واياي فارهبون فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك زيدا رهبته وهو اوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد اص. وقال قدس سرّه في شرحه إن مثل زيدا ضربت يفيد اختصاصا فإذا نقل إلى الإضمار على شريطة التفسير مثل زيدا ضربته ودلت القرينة على أن المحذوف يقدر مؤخرا كان أوكد في إفادة الاختصاص لأنّ الاختصاص عبارة عن إثبات ونفي فإذا تكرّر الإثبات صار أوكد على أنّ الإئبات اللاحق يمكن أن يعتبر على وجه الاختصاص، وقد يقال: تقدم المعمول صورة دال عليه بقرينة كونه تفسيرا للسابق وإن لم يكن هناك شيء من أدوات الحصر وحينئذ يتكرّر الاختصاص فيصير أوكد وكذا الكلام فيما إذا كان الفعل أمراً أو نهيا مثل زيدا أضرب وزيدا لا تضرب وقد يؤكد الاختصاص بدخول الفاء في مثل زيدا فأضرب وعليه بل الله فاعبد أي إن كنت عابدا فالله فاعبد وذكر المصنف في قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [سورة المدثر، الآية: 3] واختص ربك بالتكبير ودخلت الفاء لمعنى الشرط كانه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره أي مهما يكن من شيء فلا تترك وصفه بالكبرياء وقريب منه ما يقال: إنّ مثله على حذف أمّا وقد يجعل الفعل مشغولاً بالضمير نحو زيدأ فأضربه وعليه قوله واياي فارهبون وينبغي أن يكون أوكد من الأوكد إذ تقديره عند المصنف ومهما يكن من شيء فإياي فارهبوني فتكرير التعلق تأكيد للاختصاص وتعليقه بالشرط العام الذي هو وقوع شيء مّا تاكيد على تأكيد (وههنا مباحث) : الأوّل أنّ إياي ارهبون ليس على شريطة التفسير لامتناع توسط الفاء بين الفعل والمفعول وما لا يعمل لا يفسر عاملاً، ودفعه إن أصله فإياي ارهبون زحلقت الفاء لشغل حيز الشرط الثاني أنه لا حاجة إلى جعلها جزائية مع ظهور العطف الذي اختاره في المفتاح ولا يقدج فيه اجتماعها مع واو العطف ونحوها لأنها لعطف المحذوف على ما قبله وهذه الفاء لعطف المذكور على المحذوف ووجه التغاير أنه بمعنى ارهبوني رهبة بعد رهبة أو الأوّل بطريق الاختصاص والثاني بدونه أو أنّ رتبة المفسر بعد المفسر، وهذه كلها تعسفات فلذا ترك العطف ومنهم من وفق بين مسلكي الشيخين بأنها عاطفة بحسب الأصل وبعد الحذف زحلقت وجعلت جزائية وكلام المفتاح صريح في خلافه فانظره وتأخير الفعل مفوّض إلى القرينة وأفا على تقدير أمّا فلا بد منه ونقل عن المصنف أنه قال: في إياي فارهبون وجوه من التأكيد تقديم الضمير المنفصل وتأخير المتصل والفاء الموجبة معطوفا عليه ومعطوفا تقديره إياي ارهبوا فارهبون أحدهما مضمر والثاني مظهر وما في ذلك من تكرير الرهبة وما فيه من معنى الشرط بدلالة الفاء كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئا فارهبون اص. محصله (وأنا أقول) قد سمعت كلام المتقدمين في هذه المسألة ومحصله أنّ الفاء فيه زائدة وأنه إذا ذكر فيه الضمير فهو من باب الإضمار على شريطة التفسير، وأنها عاطفة على فعل طلبيّ مقدر والفعل الطلبي يتضمن معنى الشرط كما في نحو أسلم تدخل الجنة إذ مه خاه إن تسلم تدخل الجنة ولذا جوّزوا جرم جوابه وأمّا اتحاد الشرط وجوابه والمعطوف والمعطوف عليه فعلى حد قوله فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله وهو مما يفيد تحقق الفعل وتقرّره على أبلغ وجه وآكده، وقد يستلزم ذلك الحصر لأنه أبلغ في التحقق، ويؤيده هنا تقدّم المعمول معنى وإن لم يكن مقدما لفظا كما في الله يبسط الرزق فما ذكره

الموفق هو الحق الذي ساعده التوفيق والعجب من المعترض عفيه أنه نقل عن الزمخشري في آخر كلامه كما سمعت ما هو صريح فيه فإنه صرح أوّلاً بالعطف ثم جعله في آخر كلامه منه شرطا فهو يقول له: إياك أعني فاسمعي يا جاره ولذلك شبهه سيبويه رحمه الله بوقوع الفاء في خبر الموصول ومنه يعلم أنه لا فرق بين تقدير أمّا وتقدير أن لأنه ليس تقديرا حقيقيا وليس للشيخين في هذا رأي سوى بيان وجه ما ذكره النحاة وتوضيح لطائفه، ومن لم يفهم هذا أورد هنا كلاما لا طائل تحته ومنهم من جعل كلام المصنف رحمه الله مخالفاً لكلام الزمخشريّ ثم إنه يفيد التخصيص على أبلغ وجه وآكده لما عرفت وكونه أبلغ من {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ظاهر. قوله: زوالرهبة خوف مع تحررّ) في الكشف تيل: الرهبة خوف مع تحرّز الإتقاء مع حزم فالأوّل للعامّة والثاني للأئمة والأشبه بمواقع الاستعمال أنّ الاتقاء التحفظ عن المخوف وأن يجعل نفسه في وقاية منه، والرهبة نفس الخوف فافترقا والمناسب أن يخافوا المحذور ثم يحفظوا أنفسهم عن الوقوع فيه فلذلك قدّم الأمر بالرهبة وعقب الأوّل عن ذكر النعمة والوفاء بعهد المنعم لأنّ عظم الجرم بحسب عظم النعمة المكفورة وعظم من وجه بالمخالفة والثاني عن الإيمان المفصل بالمنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأنّ التقوى نتيجة الإيمان المعتد به إذا كان التصديق عن طمأنينة سواء كانت عيانية أو برهانية أو بيانية. قوله: (والآية متضمنة للوعد والوعيد الخ) الوعد في قوله تعالى: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} والوعيد في إياي فارهبون، ووجوب الشكر في قوله اذكروا نعمتي لأنه بمعنى اشكروا والوفاء بالعهد ظاهر، وكونه لا يخاف إلا الله من حصر الرهبة وإنما قال في الأوّل متضمنة لأنه ليس بصريح بخلاف ما بعده وهو ظاهر. قوله: (إفراد للإيمان بالأمر به الخ (لما أمر أولاً بالوفاء بالعهد والمراد به الإيمان والطاعات كما مر إفرده بعد ذلك بالأمر وفي تكراره حث عليه واشارة الى أنه العمدة المقصود منها. قوله: (وتقييد المنزل بأفه الخ) إشارة إلى أنه حال مقيدة، وما انزلت عبارة عن الكتب السماوية المعهودة وقوله من حيث بيان وتعليل لتصديقه بأنه مطابق لنعمته الواقع فيها ولما لم ينسخ كالقصص والمواعظ وبعض المحرّمات كالكذب والزنا والربا وهذا لا خفاء فيه إنما الخفاء فيما نسخته شريعتنا فبينه بأنه مطابق لها باعتبار أنه كان بمقتضى الزمان ومصالح تلك الأمم وقد انتهى ذلك والشيء ينتهي بانتهاء زمانه فكان البيان الأوّل كان مؤقتا والمؤقت يدل على حدوث خلافه فليس بداء كما يتوهمون، وقوله وفيما يخالفها الخ عطف على قوله في القصص كأنه قيل: مطابق لها فيما يوافقها من القصص الخ وفيما يخالفها من جزئيات الخ ولما كانت المطابقة مع المخالفة مشكلة بحسب الظاهر بين وجهها بقوله من حيث الخ. قوله: (لو كان موسى عليه الصلاة والسلام الخ) خصه لأنه أعظم أولي العزم شريعة وكتابا، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وسببه أنّ عمر رضي الله عنه استأذنه صلى الله عليه وسلم في أشياء كتبها من التوراة ليقراها فيزداد بها علما وهو يدل على النهي عن قراءتها، وحسب إذا جرى بحرف فتحت سينه والا فهي ساكنة ما لم يضطر شاعر وقيل: عليه ليس معنى الحديث ووجهه ما ذكره والا لم يكن جهة فضيلة له فإنه عام شامل لجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن كل نبيّ متقدم لو بقي حيا إلى زمان المتأخر لما وسعه إلا اتباعه لنسخ شريعته بل معناه عموم الرسالة الذي هو من خصائصه صلى الله عليه وسلم فلا يسع أحدا بعده إلا اتباعه صلى الله عليه وسلم ولا يخفى أنّ عموم الرسالة يقتضي عدم العمل بغير شريعته صلى الله عليه وسلم ووجهه أنّ شريعته أكمل الشرائع المقتضي ذلك لكونها مسك الختام وهو المراد فتأمّل وتنبيه خبر تقييد. قوله: (بل يوجبه ولذلك عرّضى الخ الما فيها من الإعلام به والتصديق له ولما علم من الكلام أنه بطريق التعريض والتلويح لا التصريح اندفع ما قيل: بأنه لو أوجبه لكان حق النظم فلا تكونوا بالفاء التفريعية لا الواو ولذلك ذكر التعريض هنا مع أنه سيأتي في الجواب فافهم. والتعريض أن يذكر شيء والمراد منه شيء آخر كقول المحتاج جئتك لأنظر إلى وجهك الكريم والغرض الاستعطاف.

قوله: (بأنّ الواجب أن يكونوا الخ) هو جواب سؤال سيأتي بسطه تقديره كيف جعلوا أوّل من كفر وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب، وكذا ما فائدة التقييد بالآوّلية والكفر منهيّ عنه بكل حال فأجاب بأنه تعريض كنائيّ عبارة عن أنّ الواجب أن يكونوا أوّل من آمن به وأنه بيان لزيادة قبحه وشناعته وتسببه الكفر من بعدهم من أولادهم فنهوا عن أن يستسنوا سنة سيئة فإن قلت: كيف يجب أن يكونوا أوّل من آمن به وقد سبقهم جمع من أهل مكة بين ظهرانيهم حتى قيل: إنه من تكليف ما لا يطاق قلت الأوّلية أمّا بالنسبة لقوم مخصوصين أو مطلقة، وعلى الأوّل لا إشكال فيه لأنّ المعنى أوّل من اليهود أو من غير أهل الكتاب أو من قومكم لأنكم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم أو أوّل من آمن بما معه من التوراة أو مثل أوّل المؤمنين السابقين أو أنه مشاكلة لقولهم إنا نكون أوّل من يتبعه والمراد آمنوا به هان كان عامّا فهو بمعنى السبق وعدم التخلف كما في قوله تعالى: {إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [سو) ة الزخرف، الآية: 81] أي فأنا أسبق غيري فهو عبارة عن المبادرة والسبق. قوله:) ولأنهم كانوا أهل النظر الخ) عطف على لذلك وهو علة لوجوب الإيمان به والعلم بشأنه لما في كتبهم والاستفتاح طلب الفتح والنصرة عليهم وكانوا يقولون للمشركين سيظهر نبيّ نعته كذا وكذا نقاتلكم معه ونقتلكم {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} [سورة البقرة، الآية: 89] والمبشرين بكسر الشين وفتحها، فإن قلت هذا الكلام يقتضي رجوع الضمير إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله: فيما سيأتي فإنّ من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدّقه يقتضي رجوعه إلى القرآن والظاهر ما في الكشاف ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به وكانوا يعدون اتباعه أوّل الناس كلهم فلما بعث كان أمرهم على العكس. قلت العلم بشأن الرسول ومعجزاته المؤذي إلى الإيمان به يقتضي الإيمان بالقرآن لأنه أعظم معجزاته فهذا بيان لحاصل المعنى وفيه إشارة إلى أنّ الإيمان بما أنزل لا يكون بدون الإيمان بما أنزل عليه ولا صعوبة فيه كما توهم مع أنّ عود الضمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيح فيكون في أوّل كلامه إشارة إلى وجه وفي آخره إلى آخر لأنه قيل: إنّ الضمير للقرآن وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم لثبوت ذكره بذكر الإنزال وهو قول أبي العالية، وقيل: لما معكم وهو التوراة فإنّ فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم وعليه الزجاج. قوله: (وأوّل كافر به وقع خبرا عن ضمير الجمع الخ) إنما أوّله لأنّ أفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة تجب المطابقة بين تلك النكرة وما جرى عليه أفعل التفضيل تقول هو أفضل رجل وهما أفضل اجلين وهم أفضل رجال لأنه والموصوف واحد بالعدد لأنّ المعنى على تفضيل ذلك الواحد إن فضلوا واحداً واحدا وتفضيل ذينك الفردين إن كان التفضيل على اثنين اثنين وحاصل المعنى في زيد أفضل رجل زيد رجل أفضل من كل واحد واحد من الرجال، وتحقيقه أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى المفضل عليه فإن أريد التفضيل باعتبار الذوات لم يكن بد من أن يكون المضاف إليه متعدد معنى ظاهر الدخول في المفضل عليه كما تقول: زيد أفضل القوم ولو قلت: أفضل قوم لم يستقم إذ لم يعلم دخوله فيه فلهذا وجب أن يكون معرفة، وان أريد التفضيل باعتبار العدد المطابق له أضيف إلى النكرة المقصودة بالعددان واحداً فواح! ، وعلى هذا لو أضيف إلى مجرّد العدد لم يعلم الجنس ولم تمكن الإضحافة إليهما معاً ولو أضيف إلى المعرفة لالتبس بالمعنى الأوّل فأضيف إلى النكرة الدالة على العدد وكان فيه توفير لحق الجنسية لدلالتها عليهما إلا أنّ أحدهما مقصود أصلاً والآخر تبعا وكذا الحكم في أيّ استفهاما وشرطا في الإضحافة إلى معرفة أو نكرة فافهمه فإنه مما اشتبه على كثير فلا بدّ من التأويل أمّا في الأوّل أو في الثاني بأن يقدر موصوف مفرد لفظاً مجموع معنى كفريق أو يؤوّل الأوّل بلا يكن كل واحد منكم بتعميم النفي كما يؤوّل في الإثبات نحو كساني حلة وقيل: لاً نهم لاتفاقهم على الكفر عدوا كشخص واحد أو أن الأصل لا يكن واحد منكم أوّل كافر وقدم تأويل الثاني على الأوّل لأنّ في تأويل الأوّل ارتكاب التأويل قبل الحاجة إليه ولأنه ظاهر في نفي العموم والمقصود عموم النفي فيحتاج إلى تأويل آخر كما قال الشارح المحقق إنه لتعميم النفي وادخال كل بعد اعتبار النفي يعني أصله

لا يكن واحد منكم ثم أتى بكل، وأورد عليه أنه لا حاجة للجمعية التي هي بتقدير كل فالأولى أنه لعموم السلب بالقرينة كما في قوله: {لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} اسورة لقمان، الآية: 8 ا] فإن قلت كيف صح لا يكن كل واحد أوّلاً وأوّلية واحد منهم تنافي أوّلية الآخر 0 قلت قد عرفت أنّ الأوّلية ليست حقيقية بل بالإضافة أو مؤوّلة كما مرّ وهذا على مذهب الجمهور القائلين بوجوب المطابقة في الوصف. ومن قال بعدم الوجوب لا يؤوّل. قوله:) قلت المراد به التعريض لا الدلالة على ما نطق به الظاهر الخ) فعلى التعريض أوّل الكافرين غيرهم كما أنّ الجاهل في المثال غيره، وكلامه هنا يقتضي أنّ معنى التعريض أنّ أوّل الكافرين المشركون فلا يتبعونهم والتعريض الأوّل هو أنه ينبغي أن يكونوا أوّل جماعة آمنوا لما عندهم من أسباب الأولية والأوّلية فلا تكرار في التعريضين فتأمّل أو أنّ المفضل عليه كفرة أهل الكتارب بقرينة أنّ الخطاب معهم أو يقدر في الكلام مثل وهو ظاهر، وذهب بعضهم إلى تقدير لا تكونوا أوّل كافر وآخره وقيل: أوّل زائد وهو بعيد. قوله: (أو ممن كفر بما معه) فالضمير لما معكم وعلى الأوّل لما أنزلت وما ذكر من أنهم إذا كفروا بما يصدقه فقد كفروا به قيل: عليه إنما يتمّ لو كان كفرهم به أنه كذب كله وأمّا إذا كفروا بأنه كلامه تعالى واعتقدوا أنّ فيه الصادق والكاذب فلا، ولهذا كان هذا الوجه مرجوحا، وقد يتوهم أنه جواب ثالث عن الإشكال المعنوي وليس بذلك لأنهم ليسوا أوّل كافر بالتوراة بهذا المعنى بل المشركون قبلهم وإنما وقع لهم ذلك بعد الكفر بالقرآن اص. ويرد عليه أن كفرهم به لا يتوقف على اعتقاد أنه كذب كله بل إذا اعتقدوا أنّ فيه كذبا لزم الكفر بكله ضرورة أنّ بعضه يصدّق بعضاً وأنه إذا كذب بعضه تطرق لاحتمال إلى الباقي فكيف يصدق ما معهم فالوجه في مرجوحية هذا أنه واقع في مقابلة آمنوا بما أنزلت فيقتضي اتحاد متعلق الكفر والإيمان وأمّا قوله لأنهم ليسوا أوّل كافر بالتوراة الخ فساقط لأنه ليس معناه أوّل كافر بالتوراة مطلقا بل أوّل كافر بها وهي معه وعنده ليس غيرهم كدّلك وهو ظاهر والمراد بالمعية معرفتهم بها وقراءتهم لها وعلمهم بها كما يقال: صاحب كتاب وأهل كتاب، ولذا قيل: معنى كونه معهم اعتقادهم له وإذعانهم لقبوله لا مجرد الاقتران الزماني فيختص بأهل الكتاب ولا يتناول المشركين. من الأعراب فلا يرد ما قاله الفاضل. ورذ أيضاً بأنه لا فرق بين لزوم الكفر والتزامه ومن لزمه الكفر لا يسمى كافراً فمشركو مكة ليسوا كافرين بالتوراة وإن لزمهم الكفر بها من الكفر بالثرآن من حيث لا يدرون بخلاف بني إسرائيل لأنهم بإنكار القرآن التزموا إنكار ما في التوراة. قوله:) أوّل أفعل لأقعل له الخ) قال المرزوقي في شرح الفصيح كان ذلك عاما أوّل لا ينوّن لأنه لا يتصرف في المعرفة والنكرة جميعا لكونه أفعل صفة ولذا كان مؤنثه أولى، وأمّا إجازتهم الأوّلة فلأنهم يستعملونها مع الآخرة كثيراً والحكم على الأوّل بأنه أفعل قول البصريين وفاؤه وعينه واو، وهو نادر مثل ددن والهمزة من الأولى تبدل لزوما والاجتماع وارين الأولى مضمونة وأصله وولى " وقال الدريدي: أوّل فوعل وليس بأفعل فقلبت الواو الأولى همزة وأدغمت وفوعل في عين الكلمة اص. وكون وزنه فوعل إن أراد إذا كان اسماً لأن باب أفعل نادر فله وجه حيحئذ يتخالف وزن الكلمة وإن أراد مطلقا يبطله منع صرفه وقولهم أوّل من كذا وقوله لا فعل له هو قول ومادّته على هذا وول والمراد لأفعل له محقق فإنه يجب تقدير. ومنهم من قال: إنه وأل والأصل أوأل وقيل من آل والأصل فيه ااول فقلبت الهمزة فيه واوا واً دغمت في الواو الأخرى وهو ظاهر، ووأل بمعنى تبادر وآل بمعنى رجع وقوله غير قياسي لأنّ قياسه تخفيفه بالفاء حركة الهمزة على الساكن قبلها وحذفها. قوله: (ولا تستبدلوا بالإيمان بها الخ) في الكشاف والاشتراء استعارة للاستبدال كقوله تعالى: {اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} [سورة البقرة، الآية: 175] وقوله: كما اشترى المسلم إذ تنصرا وقوله: فإني شريت الحلم بعدك بالجهل يعني ولا تستبدلوا بآياتي ثمناً والا فالثمن هو المشترى به وفي شرحه للمحقق يعني استعارة تحقيقية مبنية على تشبيه استبدال الرياسة التي كانت لهم بآيات الله بالاشتراء وجرت في الفعل بالتبعية كما في الآية إلا أنه وقع التعبير عن المشتري بالثمن خلاف ما في الاشتراء الحقيقي فلذا جعل قرينة للاستعارة وجعله في الكشف تجريدا من وجه ترشيحا من آخر

وهو غريب في اجتماعهما ولما فيه من الخفاء ذهب أكثر شراحه إلى أنّ المراد أن هذه استعارة لفظية كإطلاق المرسن على الأنف لما أنه استبدال مخصوص استعمل في المطلق لا معنوية مبنية على التشبيه إذ حيئ! ذ تقع الرياسة في مقابلة المشتري والآيات في مقابلة الثمن عكس النظم والتمثيل بالآية في مجرّد إطلاق الاشتراء على الاستبدال، ومنه قيل: يجوز أن يكون من باب القلب في التشبيه كما في قوله إنما البيع مثل الربا وردّ بأنه على تقدير التشبيه لا يكون ههنا إلا تشيه استبدال الرياسة بالآيات بالاشتراء وتشبيه الرياسة لكونها مطلوبة عنده مرغوبة بالمشتري وتشبيه الآيات لكونها مبذولة في مثل الرياسة بالثمن ولم يقع قلب في شيء من التشبيهات الثلاث لأنّ معناه أن يجعل المشبه به مشبهاً بالعكس، فإن قلت فعلى ما ذكرتم فلم عبر عن الرياسة بلفظ الثمن. قلت للإشارة إلى أنها تقتضي أن تكون وسيلة مبذولة مصروفة في نيل المآرب لا مرغوبة مطلوبة ببذل ما هو أعز الأشياء أعني الأيات المضافة إلى من هو منبع كل خير وكمال، وفيه تقريع وتجهيل قويّ حيث جعلوا الأشرف وسيلة إلى الأخس واغراب لطيف حيث جعل المشتري ثمنا بإطلاق لفظ الثمن عليه ثم جعل الثمن مشتري بإيقاعه بدلاً لما جعل ثمنا بدخول الباء عليه ولا يخفى ما في هذا كله من التكلف وجعله مجازا مرسلاً مرشحا كما ذهب إليه أكثر الشراح أقرب الوجوه الثلاثة فإن قيل: الاشتراء بمعنى الاستبدال بالإيمان بها إنما يصح إذا كانوا مؤمنين بها ثم تركوا ذلك لحظوظهم الدنيوية كما في اشتروا الضلالة بالهدى. قيل: مبناه على أنّ الإيمان بالتوراة إيمان بالآيات كما أنّ الكفر بالآيات كفر بالتوراة فيتحقق الاستبدال والاسترذال مأخوذ من التعبير عنها بالثمن كما مرّ ثم إنّ المصنف رحمه الله اختار التعميم لمناسبته لما بعده وذكر تفسرين آخرين على التخصيص. قوله: (بالإيمان وأئباع الحق الخ) ما هو كالمبادي النعم المذكورة لاقتضائها الإيمان واتباع الحق وليست مبادي حقيقية له فلذا أقحم الكاف، والرهبة بمعنى الخوف مقدمة التقوى وعموم الخطاب لجميع أهل الكتاب لأنهم كلهم مأمورون بالإيمان به واطلاق أهل العلم عليهم سابقا بالنسبة إلى من ليس له كتاب فلا ينافي هذا ما مرّ من جعلهم اعلم ونحوه، وقوله أمرهم با أخقوى التي هي منتهاه جعلها منتهى لترتيبها على الخوف كما مرّ ولأنّ لها عر ضعريض هي منتهى باعتبار بعضه وقيل: عليه ليست التقوى مطلقاً منتهى السلوك بل منتهى المرتبة الثالثة منها وفيه نظر. قوله: (عطف على ما قبله واللبس الخ الم يعينه لأنه يجوز عطفه على النهي الأوّل والآخر، ولبس من باب ضرب ولبست عليه الأمر وبى صته بالتشديد فالتبس وفيه لبس ولبس بالضم إذا لم يكن واضحا والباء إمّا صلة أي معدية لأنّ الصلة كما تستعمل بمعنى الزائد تستعمل بمعنى المعدي أو للاستعانة أي لا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها غير واضح بسبب باطلكم، ورجح الأوّل بأنه أكثر ولا داعي للعدول عنه، وإنما قال: وقد يلزمه لأنه ينفك عنه كثيراً وهو توطثة لاستعماله في الاشتباه وإشارة إلى أنه مجاز، ووصف الباطل باختراعهم بيان للواقع والإلباس كما يكون بإدخال ما ليس منه يكون بتأويله وكتمه وقوله والمعنى الخ إشارة إلى أنّ الباء فيه صلة وقوله بسبب إشارة إلى أنها للاستعانة وأخره لأنه مرجوح. قوله: (كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال) الأمر بالإيمان في قوله وآمنوا وترك الضلال في قوله ولا تشتروا الخ أو المراد به الكفر وأدرجه تحت الأمر لدلالتة عليه وان كان منهياً عنه، والإضلال للغير إمّا بالتلبيس أو الإخفاء وهو ظاهر. قوله: (أو نصب بإضمار أن على أنّ الواو للجمع الخ) عطف على قوله جزم والواو بمعنى مع وتسمى واو الجمع وواو الصرف لأنها مصروف بها الفعل عن العطف لا يقال النهي لما توجه إلى الجمع جوّز أفراد أحدهما بدون الآخر لأنا نقول النهي عن الجمع لا يدل على جواز الإفراد ولا على عدمه وتد يكون ذلك بقرينة وهي هنا عقلية لقبح كل منهما فإن قلت إذا كان كذلك فما فائدة الجمع. قلت: لما كان كل منهما منهياً عنه ثم نهوا عن الجمع دل على أنهم يجمعون بينهم فنعى عليهم الجمع بين فعلين قبيحين، فإن قلت ليس الحق بالباطل ملزوم لكتمان الحق فكيف نهى عن الجمع بينهما. قلت الملازمة بين اللبس والكتمان المطلقين

واللبس هنا شيء مخصوص وكتمان الحق شيء آخر لا ملازمة بينهما. قوله: (ويعضده أنه في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه الخ) لأنّ الحال مقارنة والمقارنة والمعية بمعنى ولأنها ليست داخلة تحت النهي فيهما وان كان بينهما فرق وقوله وأنتم تكتمون إشارة إلى أنّ الحال المصدرة بالمضارع لا تقترن بالواو " ذا وردت كذلك يقدر المبتدأ ليصح ذلك وفي الكشف إنّ كلام الزمخشريّ يدل على أن المضارع المثبت يجوز أن يقع حالاً مع الواو، وكرّر هذا المعنى في هذا الكتاب وذكره الجوهريّ وغيره وليس للمانع دليل يعتمد عليه، وقد ورد في التنزيل: {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ} [سورة الصف، الآية: 5] وان اعتذرت عن ذلك بأنّ حرف التحضيق أخرجه عن شبه المضارع فلا وجه لاعتراض المعترض اهـ. ومآل المعنى حينئذ كاتمين وجؤز على هذه القراءة عطفها على جملة النهي بناء على جوارّ تعاطف الخبر والإنشاء، وقوله: وفيه إشعار أي في التقييد بالحالية وهو جار في المعية أيضا لأنه نحو فولك لا تسيء إليّ وأنا صديقك القديم ولأنّ الإخفاء إذا كان لمصلحة لا يقبح، وقوله: عالمين الخ إشارة إلى انّ الجملة حالية وأن مقوله مقدر مأخوذ مما قبله وقوله: إذ الجاهل قد يعذر يعني تقييد النهي المقصود منه زيادة تقبيح حالهم. قوله: (يعني صلاة السلمين الخ) يريد أن اللام في الصلاة والزكاة والراكعين للعهد والإشارة إلى المعين، ويجوز أن يجعل للجنس والدلالة على أنّ صلاة غير المسلمين ليست بصلاة من تخصيصهم بها والفروع أعمال الجوارج والأصول الإيمان وقد يعدّ بعض الفروع كالصلاة وبقية الخمسة أصولاً لأنها أعظم شعائره فهي فرع من وجه أصل من آخر فلا ينافي هذا حديث بني الإسلام، وقوله وفيه دليل على أنّ الكفار مخاطبون بها أي بالفروع وهو مذهب الشافعيّ رضي الله عنه وبعض الحنفية وغيرهم يقول ليسوا مخاطبين بها ولا خلاف في عدم جواز الأداء حال الكفر ولا في عدم وجوب القضاء بعد الإسلام وإنما الخلاف في أنهم يعاقبون في الآخرة بترك العبادات زيادة على عقوبة الكفر كما يعاقبون بترك الاعتقاد. قوله:) والزكاة من زكاة الزرع إذا نما الخ) الزكاة في اللغة النماء والطهارة ونقلت شرعا لإخراج معروف فإن نقلت من الأوّل فلأنها تزيد بركته أو لأنها تكون في المال النامي، وان نقلت من الثاني فلما ذكره المصنف رحمه الله، ويثمر مخفف ومشدد وهو لازم وكثيراً ما يستعملونه متعدياً كما هنا قال في شرح المفثاح لتضمينه معنى الإفادة فيه كلام في شفاء الغليل، فانظره. قوله: (أي في جماعتهبم الخ) هذا هو الظاهر حتى استدلّ به بعضهم على وجوب الجماعة والمصنف رحمه الله استدل به على تأكدها وأفضليتها وتظاهر النفوس يعني تقوّيهم على العبادة إذا اجتمعوا وإظهار شوكة الإسلام وكثرته، ويجوز حمل المعية على الموافقة وان لم يكونوا معهم والفذ بالفاء والذال المعجمة المشددة المنفرد وهو: " حديث مرفوع أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ". قوله:) وعبر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود) فإنها لا ركوع فيها فهو من التعبير عن الكل بالجزء كما تسمى سجودا أو المراد به مطلق الخضوع والانقياد كما في البيت المذكور. قوله: (لا تذل (وروي لا تهين بفتح النون وهو للأضبط بن قريع وهو شاعر أمويّ وقبله: لكل ضيق من الأمورسعه والمساوالصبح لابقاءمعه لاتهين الفقيرعلك أن تركع يوما والدهر قد رفعه وصل حبال البعيد ان وصل الى حبل وأقص القريب إن قطعه واقبل من المدهرما أتاك به من قرّعينابعيشه نفعه قديجمع المال غيرآكله ويأكل المال غيرمن جمعه وعلك لغة في لعلك والركوع يعني الانحطاط عن الرتبة ويلزمه الذلة والخضوع. قوله:) تقرير مع توبيخ وتعجيب الخ) قال المحقق: التقرير عندهم الحمل على الإقرار والإلجاء إليه والتحقيق والتثبيت وكلاهما مناسب هنا وأ أنت قلت للناس تقرير بالمعنى الأوّل بأن يقرّ بأنه لم يقل ذلك وفي قوله: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ} [سورة المطففين، الآية: 36]

بالمعنى الثاني، وأمر الناس بالبر ليس موبخا عليه في نفسه بل لمقارنته بالنسيان المذكور والبر الخير الواسع ومنه البرّ ضد البحر وتناوله كل خير بمعنى إطلاقه عليه لا إرادته منه، وقوله كالمنسيات إشارة إلى أن تنسون استعارة تبعية مبنية على تشبيه تركهم أنفسهم عن الخير بالنسيان في الغفلة والإهمال لأنّ نسيان الرجل نفسه محال، وبررت بالفتح بمعنى أتيت بخير وبالكسر ضد العقوق. قوله: (تبكيت الخ) يعني ليس الحال ههنا أيضاً للتقييد بل للتبكيت وزيادة التقبيح. قوله: (قبح صنيعكم فيصدّكم الخ) يعني أن مفعوله مقدر أو منزل منزلة اللازم واليه أشار بقوله أفلا عقل لكم واستدل بهذه الآية على القبح العقلي ورذ بأنه رتب التوبيخ على ما صدر منهم بعد تلاوة الكتاب فهو دليل على خلافه وفرق بين التوجيه الأول والثاني بحسب المعنى بأن في الأوّل نفي إدراك قبيح الصنيع وفي الثاني نفي إدراك أنه لا ينبغي فعل القبيح مع نفي قوّة هذا الإدراك وقوله والعقل في الأصل الحبس من شد العقال كما أشار إليه القائل: قد عقلنا والعقل أيّ وثاق وصبرنا والصبر مرّ المذاق قوله: (والآية ناعية الخ) أصل النعي رفع الصوت بذكر الموت ونعى عليه شهواته شهره بها قال الأزهريّ: فلان ينعي نفسه بالفواحش إذا شهرها بتعاطيها ونعى فلان على فلان أمرا إذا أظهره ونفسه مرفوع تأكيد للضمير المستتر وسوء صنيعه مفعول ناعية وخبث معطوف عليه، وأنّ فعله فعل الجاهل بناء على تقدير مفعول يعقلون وما بعده على تنزيله منزلة اللازم وفي الصحاج شديد الشكيمة أبيّ النفس لا ينقاد وأصلها الحديدة في فم الفرس، وقوله لتقوم أي لتقوم نفسه بها فيقيم غيره، وقوله لا منع الفاسق عن الوعظ هذا مما تقرّر في الفروع لأن النهي عن المنكر لازم ولو لمرتكبه فإن ترك النهي ذنب وارتكابه ذنب آخر، وإخلاله بأحدهما لا يلزم منه الإخلال بالآخر، وأمّا آية: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} فمخصوصة بسبب النزول وهو أن المسلمين قالوا لو علما أحبّ الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فأنزل الله ذلك، وفيه نظر لأنّ التأويل الجاري في هذه الاية يجري فيها لأنه ليس النهي عن القول بل عن عدم الفعل المقارن له فتأمّل. قوله: (متصل بما قبله الخ (يشير إلى أنّ الخطاب لبني إسرائيل أيضا لا لجميع المسلمين كما قيل: لتفكيك النظم وقوله: والمعنى استعينوا الخ فمعنى الصبر الانتظار أو الصوم لأنه صبر عن المفطرات والاستعانة به لما فيه من كسر الشهوة والتصفية، وأمّا الاستعانة بالصلاة فلما فيي مما يقرّب إلى الله قربا يقتضي الفوز بما يطلب، والأطيبيق الأكل والجماع، وحتى تجابوا متعلق باستعينوا وقوله من الطهارة الخ إشارة إلى ما قال الراغب رحمه الله تعالى من أنّ الصلاة جامعة للعبادات كلها وزائدة عليها لأنها ببذل المال في الساتر ونحوه كالزكاة وللزوم مكان كالاعتكاف وبالتوجه للكعبة كالحج ولذكر الله ورسوله كالشهادتين ولمدافعة الشيطان كالجهاد وللإمساك عن الأطيبين كالصوم وتزيد بالخشوع ووجوب القراءة وغيره وجوّز في الصبر أن يراد به الصبر على الصلاة وسيأتي في كلام المصنف إشارة إليه. قوله: (روي أنه عليه الصلاة والسلام الخ (أخرجه أحمد وأبو داود وحزبه بحاء مهملة وزاي معجمة وباء موحدة بمعنى أهمه ونزل به وضبطه الطيبيّ وغيره حزنه كضربه بالنون من الحزن بمعنى أحزنه أي حصل له حزناً، وفي الدرّ المصون قيل الفتحة معذية للفعل نحو شترت عينه وشترها الله وهذا على قول من يرى أن الحركة تعدي الفعل، وقوله فزع إلى الصلاة أي قام لها ملتجئاً إليها قال المبرّد في الكامل الفزع في كلام العرب على وجهين أحدهما الزعر والآخر الاستنجاد والاستصراخ وهو المراد هنا ويكون فزع بمعنى أغاث. قوله: (وإنها أي الاستعانة الخ الما ذكر الصبر والصلاة كان المتبادر أن يقال: إنهما فجعل الضمير إمّا للصلاة أو الاستعانة فإن فسر الصبر بالصبر على الصلاة فرجوع لضمير إلى الصلاة أشبه لأنه مذكورة لفظا وأقرب والمقصود نفسها وإلا فالى الاستعانة ليكون أشمل وما يقال: من أنّ الاستعانة في نفسها ليست بكبيرة لا طائل تحته فان الاستعانة بالصلاة أخص من

فعل الصلاة لأنها أداؤها على وجه الاستعانة بها على الحوائج أو على سائر الطاعات لاستجرارها ذلك وقوله أو جملة ما أمروا الخ فالضمير راجع إلى المذكورات المأمور بها والمنهيّ عنها ومشقتها عليهم ظاهرة، ولما كان الكبر عظم الأجسام بين أنّ المراد لازمه وهو مشقة حمله وأشار إلى أنه مستعمل بهذا المعنى. قوله: (أي المخبتين الخ) الخبت المطمئن من الأرض ويراد به التواضع والخشوع، والخضوع والخشوع متقاربان بمعنى الضراعة والتذلل وأكثر ما يستعمل في الجوارح والضراعة أكثر ما تستعمل في القلب ولذلك روي إذا ضرع القلب خشعت الجوارح كذا قال الراغب والمصنف رحمه الله، فرق بين الخ! شوع وال! صوع والخشعة بفتحات الرمل المتطأمن أي المنخفض في الأرض. توله: (أي يتوقعون لقاء الله الخ) اللقاء مقابلة الشيء ومصادفته معاً، ويقال للإدراك بالحس، وملاقاة الله تعالى أمّا رؤيته عند المجوّزين لها واليه أشار المصنف رحمه الله ردّاً على الزمخشري بقوله لقاء الله أو عبارة عن القيامة و. عن المصير إليه أو نيل ثوابه وعقابه وهو معنى قول المصنف رحمه المه ونيل ما عنده وليس تعب يراً تفسيرياً فإن كان بمعنى الرؤية أو نيل ما عنده فالظن بمعناه المعروف إن حمل الرجوع إليه على نيل الثواب أيضا فيكون تأكيدا، ولا يصح حمله على النشور والمصير إلى الجزاء فإنه متيقن فإن فسرت الملاقاة بالحشر والرجوع بمطلق الجزاء أحتاج إلى حمل الظن على اليقين، وأيده بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه تعلمون وبين وجهه بأنّ الظن الاحتمال الراجح والمتيقن كذلك لما فيه من الرجحان فأطلق الظن على المتيقن المستقبل بجامع الرجحان وأن كلا منهما متوقع أي منتظر قبل الوقوع، ومعنى التضمين كونه في ضمنه لا الاصطلاحيّ، وقال قدس سزه: لا نزاع في امتناع لقاء الله على الحقيقة لكن القائلين بجواز الرؤية يجعلونها مجازاً عنها حيث لا مانع، وأمّا من لم يجوّزها فيفسرها بما يناسب المقام كلقاء الثواب خاصة أو الجزاء مطلقا أو العلم المحقق الشبيه بالمشاهدة والمعاينة، فإن حمل الظن على التوقع والطمع فمعنى ملاقاته لقاء الثواب ونيل ما عند الله من الكرامة لظهور أن لا قطع بذلك وان حمل على اليقين أو قرئ يعلمون بدل يظنون فمعناها ملاقاة الجزاء فإنه مقطوع به عند المؤمن لأنّ التردّد في يوم الجزاء كفر لا يصلح أن يذكر في معرضى المدح كما هنا لكن لا يخفى أنّ الرجوع إلى الله المفسر بالنشور أو المصير إلى الجزاء مما لا يكفي فيه الظن بل يجب القطع فعطف قوله: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [سورة البقرة، الآية: 46] على أنهم ملاقوا ربهم يوجب تفسير الظن بالتيقن البتة اللهمّ إلا أن يقدر له عامل أي ويعلمون مع أنه خلاف الظاهر، وقيل: فيه بحث لأنّ العلاقة في هذا المجاز إن كانت المشابهة كان استعارة ولا وجه له ههنا لأنها إمّا تصريحية أو مكنية فلو كانت تصريحية لاستعمل التيقن مكان الظن وقد عكس هنا ولو كانت مكنية لزمها التخييلية وهي منتفية وهذا عجيب منه فإن الظن مستعمل في التيقن لما مرّ وقد ذكر المشبه فهي تصريحية بلا شبهة وكأنّ النكتة في استعارة الظن المبالغة في إيهام أنّ من ظن ذلك كلا يشق عليه فكيف من تيقنه وقوله لتضمين باللام في نسخة إشارة لوجه التجوّز كما مرّ ووقع في بعض الحواشي بالكاف وقال في معناه كما أنّ إطلاق الظن على التوقع بطريق التضمين لا الحقيقة وفيه نظر. قوله: (قال أوس ابن حجر الخ) قال السيوطي: حجر بفتحتين كما ضبطوه وان اشتهر فيه خلافه، وهذا شاهد لكون الظن بمعنى العلم لقوله مستيقن وهو من قصيدة أوّلها: تنكر بعدي من أمية صائف فبرك بأعلى ثوالب والمخالف قال شارح ديوانه تنكر تغير بنون وكاف وراء مهملة، وبرك بكسر الموحدة وراء مهملة وثولب والمخالف كلها أماكن ومنها بعد أبيات يصف صياداً رمى حمار وحش بسهم: فأمهله حتى إذا أنّ كأنه معاطى يد من جمة الماء غارف فسيرسهماراشه بمناكب لؤام ظهار فهوأعجم شائف فأرسله مستيقن الظن أنه مخالط ما تحت الشراسيف جائف

أنّ زائدة أي حتى بلغ الحمار هذا الوقت والمعاطى المناول أي حتى اطمأن وصار في الماء بمنزلة المعاطى الذي يتناول منه والمناكب أربع ريشات تكون على طرف المنكب واللؤام عدد ملتئم من الريش فيكون بطن قذة إلى ظهر أخرى والظهار ما جعل من ظهر عسيب الريشة والشائف اليابس ورواه الجوهرفي: فقلب سهماراشه بمناكب ظهارلؤام فهوأعجف شارف قال يقال لهم سهم شارف إذا وصف بالعتق والقدم والظهار ما جعل من ظهر عسب الريشة وقد قيل: إنّ المراد البازي والرواية ما مرّ والشراسيف أطراف الأضلاع تشرف على البطن، وجائف بالجيم أي طاعن إلى الجوف وقيل: في الاستشهاد به نظر لاحتمال أن يريد تيقن ما هو مظنون لغيره. قوله: (والآلم تثقل عليهم الخ (يعني من تمزن على شيء خ! عليه وكذا من عرف فيه فائدة عظيمة كما ترى بعض العمال إذا زيدت أجرته ولذا جعلها النبيّ عليه الصلاة والسلام لاستلذاذه بها: " قرّة عينه " وهو حديث صحيح سيأتي في آل عمران، وقوله: كرّره الخ أي كرر ما ذكر من النداء وما معه للتأكيد وهو ظاهر وتذكير التفضيل أي التصريح به بعدما تقدّم أيضا ضمناً في إنزال الكتب المستلزم لبعثه لرسل منهم عليهم الصلاة والسلام وبين النكتة فيه بناء على أنّ المنعم عليه واحد فيهما لاحتياجه إلى البيان أمّا إن فسرت النعمة السابقة بما أنعم به على الأولاد وهذه بما على الآباء كما اختاره فهو ظاهر فلا يقال: الأولى أن يذكره لأنه مختاره. قوله: (أي عالمي رّمانهم الخ) يعني ليس المراد هنا بالعالمين ما سوى الله ليلزم تفضيلهم على الملائكة وعلى نبينا صلى الله عليه وسلم وأتته بل أهل زمانهم لأنّ العالم اسم لكل موجود فيحمل على الموجودين بالفعل ولا يتناول من قبلهم ولا من بعدهم ولو سلم عمومه على المعهود في استعماله فلا يلزم التفضيل من جميع الوجوه كما مرّ ومنه علم وجه ضعف الاستدلال به على تفضيل البشر والمقسط العادل. قوله:) وهو ضعيف (يريد أن الاستدلال بالآية ضعيف لعدم ظهوره فلا ينافي أنه مذهب أهل السنة وأنه صحيح في نفسه كما سيأتي. قوله:) ما فيه من الحساب والعذاب) يعني أنه ليس بظرف إذ ليس المقصود الاتقاء فيه بل مفعول به واتقاؤه بمعنى اتقاء ما فيه إتا مجازاً بجعل الظرف عبارة عن المظروف أو كناية عنه للزومه له والاتقاء يقع على معه محذور، سواء كان فاعل الضرر أو وقته أو سببه فيقال: اتق زيداً واتق ضربه واتق يوما يجيء فيه فليس تفسيره بما فيه لأنه ليس حقيقة بل لأنّ الاتقاء من هذا الزمان لا يمكن لأنه آت لا محالة فالمقدور له اتقاء ما فيه بالعمل الصالح، والمراد بالحساب قيل: حساب المناقشة لا حساب العرض لأنه واقع لا محالة وفيه نظر. قوله: (لا تقضي عنها شيئاً الخ (جزى يكون معتلا ومهموزاً ومعناه على الأوّل قضى وهو متعذ بنفسه لمفعوله الأوّل وبعن للثاني فنفساً منصوب بنزع الخافض أي عن نفس وشيئا مفعول به أو مفعول مطلق قائم مقام المصدر أي جزاء ما وعلى الثاني يكون معناه تغني، وهو لازم فشيئا مفعول مطلق لا غير ويرد متعدّيا بمعنى كفى، وقيل: إنه غير مناسب هنا وفيه نظر. قوله: (وإيراده منكر الخ) أي تنكير شيء ونفس الدال على العموم في الشافع والمشفوع له وفيه ليفيد اليأس الكتي إلا من رحمه الله وهذا اليأس إن كان يأس بني إسرائيل المخاطبين فلا كلام فيه وان كان عافا فإما أن يفسر بظاهر النظم اعتماداً على ما بعده فيؤوّل بتأويله أو للتخويف فإن المغني في الحقيقة هو الله فلا يرد عليه أنه تبع فيه الكاف وهو مذهب المعتزلة المنكرين للشفاعة في العصاة كما سيأتي فإنهم استدلوا بهذه الآية. قوله: (ومن لم يجوّز حذف العائد المجرور الخ (يعني به الكسائيّ رحمه الله والمجوّز سيبويه والأخفش وليس عدم التجويز مطلقاً بل فيما لم يتعين فيه حرف الجرّ ويصير بعد الحذف ملتبسا وإلا فقد اتفقوا على جوازه في قوله تعالى: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} [سورة الفرقان، الآية: 60] أي تأمرنا به أي بإكرامه فلا حاجة في الحذف حينئذ إلى الإجراء مجرى المفعول به كذا في الرضي وقد جوّز فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير يوم لا تجزي فحذف المضاف وهو بدل من يوما الأوّل وهذا على مذهب الكوفيين، وقوله: أم مال أصابوا هو من شعر قال ابن الشجري: إنه للحرث بن كلدة يعاتب

بني عمه على أنهم لم يجيبوا كتابا أرسله لهم وقال غيره إنه لبعض الإعراب وأوّله: ألا أبلغ معاتبتي وقولي بني عمي فقدحسن العتاب وسل هل كان لي ذنب إليهم همومنه فاعتبهم غضاب كتبت إليهموكتبا مرارا فلم يرجع إليّ لهم جواب فما أدري أغيرهم تناء وطول العهدأم مال أصابوا فمن يك لا يدوم له وفاء وفيه حين يغترب انقلاب فعهدي دائم لهمو وودّي على حال إذ! شهدوا وغابوا وانما قال أم مال أصابوا لأنّ الغني في أكثر الناس يغير الإخوان على الإخوان كما قال أبو الهول في صديق له أيسر فلم يجده كما يحب: لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة فأصبحت فيها بعد عسرأخا يسر لقدكشف الإثراء منك خلإئقا من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر وهذا معنى قوله تعالى في الحديث " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ". قوله: (أي من النفس الثانية الخ) يشير إلى أنّ المختار أن يرجع الضمير إلى النفس العاصية ليلاً ثم قوله ولا هم ينصرون فإن الضمير فيها للنفوس العاصية وكذا لا يؤخذ منها عدل على الأظهر وليوافق ما ذكر في موضع آخر ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولأنه حيث أريد هذا المعنى أضيفت الشفاعة مثل فما تنفعهم شفاعة الشافعين، وما يقال: في ترجيح الوجه الثاني إن المقصود نفي أن يدفع أحد عن أحد فنفى جميع ما يتصوّر في ذلك من الطرق أعني الإعطاء لنفس الحق وهو الجزاء، أو بدله وهو الفدية أو ترك الإعطاء مع اللطف وهو الشفاعة أو القهر وهو النصرة غايته أنه لم يراع في الذكر الترتيب وغير في طريق النصرة الأسلوب حيث لم يقل: ولا هي أي النفس الجازية تنصرها أي المجزية مردود وكذا ما قيل: من أنه إشارة إلى أنّ هذا الطريق يستحيل بحيث لا يصح أن يسند إلى أحد وأنه لا خلاص لهم بهذا الطريق البتة لما في تقديم المسند إليه من تقوي الحكم مردود بأنّ المقصود بسوق الآية نفي اندفاع العذاب وعدم الخلاص لأنه المناسب لوجوب الاتقاء وإنما نفي الدافع بالعرض مع أنّ عود لا يؤخذ منها إلى الثانية في غاية الظهور، وحمل ولا هم ينصرون على ما ذكر تكلف نعم لو قيل: إنّ القبول أو عدمه إنما يكون حقيقة من الشفيع لا المشفوع له لكان شيئا اص. وهذا يرد على قول المصنف رحمه الله وكأنه أريد بالآية نفي الخ لكنه دفع بأنّ الآية نزلت لإقناط اليهود من أنّ آباءهم يخلصونهم فالمقصود من سياقها نفي الدفع لا الاندفاع وكون ضمير لا يقبل منها شفاعة رجوعه للأولى غير ظاهر ليس كذلك بل أظهر، وأمّا ما ذكره من تغيير الأسلوب وما معه فجار على قواعد المعانيئ لا تكلف فيه مع أنه لا يرد على المصنف بوجه لأنه أشار لمرجوحيته بتأخيره وتصديره بكأنه، فمن جعله اعتراضاً عليه ألزمه ما لم يلتزمه وإنما هو وارد على الكشف (وبقي وجه ثالث) اختاره الكواشي وهو رجوع الضمير الأوّل إلى النفس الأولى والثاني إلى الثانية على اللف والنشر ولا تفكيك فيه لاتضاحه، وقال الطيبي رحمه الله: أنه من الترقي ولذا اختير تفسير تجزي بتقضي لابتغني كأنه قيل: إنّ النفس الأولى لا تقدر على اسنخلاص صاحبتها من قضاء الواجبات في تدارك التبعات لأنها مشتغلة عنها بشأنها ثم إن قدرت على نفي ما كان بشفاعة لا يقبل منها وان زادت عليه بأن ضمت معها الفداء فلا يؤخذ منها وان حاولت الخلاص بالقهر والغلبة فأنى لها ذلك اهـ. ولا يرد عليه أنه يأباه تأخير الشفاعة في نظيره وأنّ مساق الآية يأباه مع ما فيه لظهور سقوطه، وكون الشفيع مأخوذا من الشفع ظاهر. قوله: (يمنعون من عذاب الثه تعالى والضمير الخ) أصل معنى النصر المعونة وهي تكون بدفع الضرر كما هنا ولما أرجع الضمير إلى النفس الثانية وهي واحدة مؤنثة أشار إلى أنه ليس عائداً إلى النفس المنكرة من حيث كونها لعمومها بالنفي في معنى الكثرة كما قيل: بل إلى ما تدل

هي عليه من النفوس الكثيرة حتى إنّ هذا يكون من قبيل ما تقدم ذكره معنى بدلالة لفظ آخر ثم استشعر أنه لما عاد الضمير إلى النفوس كان المناسب هن لا هم فأجاب بأنه لتأويل النفوس بالعباد أو الأناسيّ كما تقول ثلاثة أنفس بالتاء مع تأنيث النفس لتأويل الأنفس بالأشخاص أو الرجال. قوله: (وقد تمسكت المعتغية بهذه الآية على نفي الشفاعة الخ) خصه بأصحاب الكبائر لأنه محل النزاع ولا خلاف في قبول الشفاعة للمطيعين في زيادة الثواب ولا في عدم قبولها للكفار، ووجه الاستدلال ما فيها من العموم كما مرّ وكون الخطاب للكفار والآية نازلة فيهم لا يدفع العموم المستفاد من اللفظ وقد دفع بأنّ مواقف القيامة كثيرة وزمانها واسع ولا دلالة في الكلام على عموم المواقف والأوقات، ولو سلم فقد خص شيء بالواجب من فعل أو ترك، وشفاعة بالشفاعة للكفار وأهل الكبائر حيث قبلت للمؤمنين في زيادة الثواب مع شمول اللفظ إياها نظراً إلى نفسه والعام الذي خص منه البعض ظتي فيخص بغير أهل الكبائر ونحوه وبي بعض الحواشي أنّ القاضي أجاب عنه بأنّ النصرة منع مع قوة فلا يلزم من نفي النصرة نفي من ينفعهم على طريق آخر وأورد عليه أنّ الاستدلال بقوله: {لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} لا بقوله: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} ونحن لا نجد في تفسير القاضي سوى أنّ الآية مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الثفاعة لأهل العبائر. قوله: (تفصيل لما أجمله الخ) الظاهر من التفصيل ذكر جملة أقسامه وهنا أريد ذكر أعظم أنواعه وعطفها على الكل اعتناء بشأنه حتى كأنه مغاير له ولذا قيل: الأولى أنه معطوف على {أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} وأنه مبدأ التفضيل، وقوله: وأصل آل الخ كون أصله أهل قول البصريين واستدلّ له بتصغيره على أهيل ورذ بأنه تصغير أهل وا! إبدال الهاء ألفا أو همزة ثم ألفاً لم يعهد في الكثير، والجواب بأن الأهل مؤنث لا ينتهض لأنّ المبدل كذلك بل الجواب أنه لم يسمع أويل وسمع أهيل ولو لم يكن أصله كذلك لوجد مصغره فإنه مما يصغر في الجملة، ولا يرد أن اختصاصه بأولى الأخطار يمنعه فإنه قد يرد للتعظيم ويكون للتقليل وهو لا ينافي الشرف مع أنه قد يكون وضيعا بالنسبة لغيره والتعظيم إنما هو للمضاف إليه، وقال الكسائي رحمه الله: أصله أول قال: وسمعنا أعرابيا فصيحا يقول: أويل في تصغيره ولا داعي لقول ثعلب فله أصلان لمعنيين وعن غلام ثعلب الأهل القرابة كان لها تابع أولاً والآل القرابة بتابع والاشتقاق مع الثاني لأن الرجل يؤول إلى أهله فهو أخص من الأهل ولذا لم يستعمل إلا في الإشراف وقلة استعمال مصغره للا؟ خفاء بأهيل عنه ولأن تصغير التعظيم فرع التحقير وقد امتنع والأصل أن يكون لكل مجاز حقيقة وأن لم يجب، وقيل: إنه جرى فيه تخصيصان من حيث إنه لا يضاف إلى البلاد والحرف ونحو ذلك فلا يقال آل مصر وآل الإسلام وآل البيت وآل التجارة كما يقال: أهلها ولا يضاف من العقلاء إلا لمن له خطر ما قبيح دينيا أو دنيويا وزاد بعضهم اشتراط التذكير فلا يقال آل فاطمة فإن أرادوا أنه أكثري فمسلم والا فقد ورد في كلام العرب على خلافه فأضافوه إلى الضمير والظاهر غير العاقل كقوله: وانصر على آل الصلب! ب وعابديه اليوم آلك و ال الفرزدق: نجوت ولم يمنن عليك طلاقة سوى زيد التقريب من آل أعوجا وأعوج فرس مشهور وأضافه عمرو بن أبي ربيعة إلى مؤنث فقال: أمن آل نعم أنت غاد مبكر وقال الأخفش: سمع آل المدينة وأهل المدينة، وهذا كله مما ذكره الثقات فإن قلت كيف يخص بالإضافة وهي لا تلزمه كما يقال: هم خير آل قلت: المراد أنه إذا أضيف لا يضاف إلا إليهم أو المراد بالإضافة اللغوية وهي الانتساب وفي الدرّ المصون هو من الأسماء اللازمة ل! ضحافة معنى لا لفظا، وفيه نظر. قوله: (وفرعون الخ) العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ ابن سام بن نوح قيل: ويشبه أن يكون مثل فرعون وقيصر وكسرى في هذا المعنى بعدما كان علم شخص صار علم جنس، ولذا منع من الصرف ولكن جمعه باعتبار الإفراد مثل الفراعنة والقياصرة وإلا كأسرة يدل على أنه علم شخص يسمى به كل من يملك ذلك وضعا ابتدائياً وفيه أنه يقتضي أن علم الجنس لا يجمع وليس كذلك لأنه يقال في أسامة أسامات

كما صرحوا به ولم يقل إنه نكر فصار بمعنى مسمى بهذا الاسم لأنّ مغ صرفه وتعريفه يناقيه فتأمل. قوله) ولعتوّهم اشتق منه تقر عن الرجل إذا عتا وتجبر) وفي الكشاف ومن ملح بعضهم: قد جاءه الموسى الكلوم فزاد في الخ يعمي نفسه وهكذا دأبه في الكشاف إذا ذكر شيئاً من كلام نفسه وقد روينا في ديوانه في وصف ختان قوله: في عصرنالبنيك فضل باهر ما نال أيسره بنو أيامه طهرتهم فرعاً كماطهرتهم أصلاً فحازوا طهرهم بتمامه وأخو الكتابة لا يجوّد خطه حتى ينال القط من أقلامه والكرم ليس ينال حسن نموّه إلا على التنقيح من كزامه والورد ليس يفوح طيب ريحه إلا إذا انفصمت عرا أكمامه وكتابك المختوم ليس! بواضح معناه إلا بعد ففئ! ختامه وأخو اللطام عن الذراع مشمر فالكمّ يشغله أوان لطامه وابن الوغى مالم يسل حسامه عن غمده لم ينتفع مجسامه قد جاءه موسى الكلوم فزاد في أقصى تفر عنه وفرط عرامه كلموه وهويريدأن يقتص منه شيءبرئ من قصاص كلامه والموسى ما يحلق به من أوسى رأسه حلقه فعلى ويؤنث والكلوم فعول من الكلوم وهو الجرح، ولو قال الكليم لكان إيهامه أقوى، وفي الأساس تفر عن النبات قوى والعرام بالمهملة المضمومة الشدة وهذا كناية عن الختان وبه النموّ والقوّة وقدسها فيه بعضهم فقال: إنه كناية عن حلق العانة وخص من الفراعنة اثنين لشهرتهما ووقوعهما في التنزيل، وقوله: وكان بينهما أي بين الفرعونين أو موسى ويوسف وكون اسمه الوليد هو المشهور ولا وجه لتعيين أحدهما، وقوله: وقرئ أنجيتكم قيل: الذي في الكشاف قرئ أنجيناكم ونجيتكم فالظاهر أنّ ما في الكتاب تحريف منه وفيه نظر لأنه ذكره غيره أيضاً. قوله: (يبغونكم الخ) أصل السوم الذهاب للطلب ثم إنه استعمل للذهاب وحده مرّة وللطلب أخرى وهو المراد وجعله كبغى متعديا لمفعولين وقد يتعديان لواحد، والخسف بمعنى الإهانة والذل. قوله: (أفظعه فإنه الخ) أفظعه بمعنى أقبحه وأشده، ولما كان في إضافة سوء إلى العذاب إيهام أ! ، منه ما ليس بسوء فسره بما ذكر والتفضيل مأخوذ من إطلاق المصدر عليه وجعل ما عداه بالنسبة إليه كأنه ليس بسوء. قوله:) حال من الضمير في نجيناكم الخ (كون الحال من شيئين خلاف الأصل وليس هذا من التنازع حتى يقال: إنه لا يجري في الحال إذ لا يلزم هنا تعدد العامل في الحال لأن آل فرعون وان كان معمول من بحسب الظاهر لكنه معمول نجيناكم بواسطة من في الحقيقة. قوله: (بيان ليسومونكم الخ) قد جوّز في هذه الجملة الحالية والبدلية والاستئناف، وما ذكره المصنف رحمه الله هو الوجه الأخير كأنه قيل: ما الذي ساموهم إياه فقال: {يُذَبِّحُونَ} الخ، وأما قوله في المغني أنّ عطف البيان لا يكون جملة فلا ينافيه لأنه ليس عطف بيان اصطلاحي مع أنّ أهل المعاني لا يسلمونه، وأمّا ما وقع في سورة إبراهيم بالعطف فلأنّ البيان قد يعذ لكونه أوفى بالمراد كأنه جنس آخر فيعطف لهذه النكتة أو يفسر سوم العذاب فيها بالتكاليف الشاقة عليهم غير الذبح والقتل فيتغايران ويلزم العطف، فإن قلت على الأوّل لم اعتبرت المغايرة هناك ولم تعتبر هنا قيل: السز فيه أنه وقع قبله وذكرهم بأيام الله ويقتضي التعداد والتفصيل وما هنا ليس كذلك، وما ذكره عن فرعون ورؤياه رواه ابن جرير وكان رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على مصر وأحرقتها فعبروه بمولود يفعل ذلك فأمر بما فعل وكان أمر الله قدراً مقدورا، ومعنى: {يَسْتَحْيُونَ} يبقون في الحياة أي يذبحون الأبناء دون الإناث. قوله: (محنة إن أشير الخ) يعني البلاء مطلق الاختبار فيكون بالمحبوب والمكروه فذلكم أن أشير به إلى صنيع قوم فرعون من السوم وما معه فبلاء بمعنى محنة

وان أشير به إلى الإنجاء فنعمة وإن أشير به إلى مجموع ما ذكر فالبلاء شامل لمعنييه، وكذا قوله في تفسير من ربكم إشارة إلى هذه الوجوه الثلاثة ووجه التنبيه المذكور ظاهر والمختبرين بفتح الباء. قوله: (فلقناه الخ) في باء بكم أوجه أوّلها الاستعانة والتشبيه بالآلة فتكون استعارة تبعية في معنى باء الاستعانة واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله حتى حصلت فيه مسالك بسلوككم فيه وهو تكلف والثاني السببية الباعثة بمنزلة اللام وإليه أشار بقوله أو بسبب إنجائكم، والثالث المصاحبة فيكون ظرفاً مستقرّاً واليه أشار بقوله أو علتبسا بكم كما في البيت المذكور وهو لأبي الطيب المتنبي من قصيدة وقبله: ! أنّ خيولناكانت قديما تسقي في قحوفهم الحليبا فرّت غيرف ط فرة عليهم تدوس بنا الجماجم والتريبا يصف خيله بأنها ألفت الحروب فلا تنفر من القتلى وأنها كرام كانت تسقي الحليب لأنّ العرب كانت تسقيه الجياد منها خاصة والتريب عظام الصدور واحدتها تريبة وقوله فرّقنا على بناه التكثير فيه نظر يعلم مما مرّ في نزلنا. قوله:) أراد به فرعون وقومه (يعني أنه كنى بآل فرعون عن فرعون وآله كما يقال: بني هاشم وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [سورة الإسراء، الآية: 70] بمعنى هذا الجنس الشامل لآدم، وقوله: واقتصر الخ هذا وجه آخر لأنهم إذا عذبوا بالإغراق كان مبدأ العناد ورأس الضلال أولى بذلك فالظاهر عطفه بأو وقوله: وقيل الخ يعني أن آل هنا بمعنى شخص وهو ثابت في اللغة ولكنه ركيك إذ لا حاجة إليه. قوله:) ذلك أو غرقهم الخ) الإشارة بذلك إلى جميع ما مرّ، والطرق اليابسة بيان للواقع إذ لا دلالة للنظم عليه ثم إنه بين الوجه الأخير بما روي والبحر المذكور هو القلزم وقيل النيل، وكوى بكسر الكاف وضمها جمع كوّة. قوله:) واعلأ أنّ هذه الواقعة الخ) يشير إلى أنّ قوم موسى عليه الصلاة والسلام مع ما ظهر لهم من الآيات المحسوسة صدر منهم ما صدر وقوله فهم في معزل في الفطنة الظاهر عن الفطنة وحسن الاتباع مبتدأ خبره مع أن الخ، وهو إثبات لفضل هذه الأمة عليهم إلا أنّ معجزاته عليه الصلاة والسلام ليست كلها نظرية بل منها محسوسات كثيرة كنبع الماء وتكثير الطعام وشق القمر إلى غير ذلك فلعل المصنف رحمه الله لا يسلم تواترها، وإنما كان إخباره بهذا معجزاً لأنه من الغيب إذ هو لم يقرأ الكتب فيطلع عليها، وفي قوله: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} وتجوّز أي وآباؤكم ينظرون فجعل نظر آبائهم لتيقنه كالمحسوس. قوله: الما عادوا إلى مصر الخ (تبع في هذا الكشاف، وعود موسى عليه الصلاة والسلام وبني إسرائيل لم يذكره أحد قال بهاء الدين بن عقيل في تفسيره: لم يصرّج أحد من المفسرين والمؤرّخين بأنهم،. خلوا مصر بعد خروجهم منها وإنما كانوا بالشأم ولم يأت موسى عليه الصلاة والسلام للميعاد إلا بطور سينا وهو من أرض الشام لا مصر وقال ابن جرير: إنّ الله أورثهم أرضهم ولم يردّهم اليها وإنما جعل مسكنهم الشأم. قوله: (وعد الله موسى عليه الصلاة والسلام أن يعطيه التوراة الخ (ضرب بمعنى عين والفرق بين الميقات والوقت الميقات ما قدر ليعمل فيه عمل والوقت أعمّ كذا أنّ في مجمع البيان أمره بأن يصوم ذا القعدة وعشر ذي الحجة ويجيء على الطور فذهب واستخلف هارون عليه الصلاة والسلام على بني إسرائيل ومكث في الطور أربعين ليلة وأنزلت عليه التوراة في ألواح من زبرجد وكانت المواعدة ثلاثين ليلة ثم تمت بعشر كما في سورة الأعرأف وهو بحسب الآخرة أربعين وقوله: لأنها غرر المشهور علة لتخصيص الليلة بالذكر. قوله: (لآنه تعالى وعده الوحي ووعده موسى عليه الصلاة والسلام المجيء الخ الما كانت المواعدة مفاعلة من الجانبين بينها بأنّ الله تعالى وعده الوحي وموسى عليه الصلاة والسلام المجيء للميقات وكثيراً ما يسلك الزمخشرقي هذه الطريقة أعني جعل المفاعلة بالنسبة إلى كل من المتشاركين شيئاً آخر وعلى تقديره فأربعين ظرف وحينئذ هل المناجاة كانت فيها كلها أو في أوّلها أو في العشر الأخير منها أو بعد انقضائها على ما في الأعراف، واستشكل بأن أربعين إما مفعول فيه، اً وبه لا سبيل إلى الأوّل لأن المواعدة لم تقع فيها ولا الثاني لأنه بدون تقدير لا معنى لمواعدة

نفس الزمان. وعلى تقدير مضاف فإمّا أن يقدر الأمران ولا نظير لتقدير مضافين في العربية لشيء واحد مثل أخذت زيداً أي ثوبه وفرسه أو واحد منهما ولا يصح لأن المواعدة لم تتعلق به فقط لأن الوحي موعود من الله لا من موسى عليه الصلاة والسلام والمجيء بالعكس، وإنما يصح في قراءة وعدنا أي وحي أربعين الخ وأجيب بوجهين: أحدهما أنه على حذف مضاف يكون مت الجانبين وينحل إلى الأمرين أي ملاقاة أربعين والملاقاة من الله للوحي ومن موسى عليه الصلاة والسلام للاستماع، وثانيهما: أنه. على اعتبار التفكيك في وعدنا إلى فعلين متعلق كل منهما بشيء أي وعدنا وحي أربعين ووعدنا موسى مجيئها نحو بايع الزيدان عمراً أي باع زيد من عمرو متاعه وباع صاحبه منه متاعه وان لم يكن هناك مفاعلة واعترض بأنّ الملاقاة لا تصمح من الجانبين ولو سلم فيعود الكلام إلى تعلقهما بأربعين ويبطل ما ذكره من كون الموعود هو الوحي والمجيء واستماعه وما أورده نظيراً للتفكيك لا يصح فإنه إنما ينفك إلى بايع زيد عمراً وبايع رجل آخر عمرا، كما تقول ضرب الزيدان عمراً، والكلام في أن يتعلق فاعل بفاعله ومفعوله على أن يكون الصادر من كل منهما شيئاً آخر مثل بايع زيد عمراً بأي يبيع زيد شيئا وعمرو شيئا وليس كذلك بل معناه أن يصدر عنهما دفعة مقاولة ومشاركة في البيع والشراء بأن يبيع واحد ويشتري آخر، وأجيب بأن المراد الملاقاة بين موسى وملائكة الوحي عليهم الصلاة والسلام أو بيته وبين ما يشاهده من الآثار واستماع الكلام ونحوه وتعليقها بأربعين بأن تقع في جزء منها أو ما هو بمنزلة الجزء كما بعده من غير تراخ وما ذكر من كون الموعود الوحي والمجيء والاستماع حاصل المعنى لا بيان الإعراب والمناقشة واهية نعم التفكيك وتنظيره ليس بشيء وقد يجاب بأن أربعين مفعولاً فيه تحقيقا أو توسعا والمفعول به متروك، أي جرى بينه وبين موسى عليه الصلاة والسلام مواعدة متعلقة بالأربعين بأن تقع في جزء منها تحقيقا أو تقديراً وهو لا ينافي أن يكون الموعود من كل جانب شيئا آخر، وذلك أن المواعدة لا تقتضي إلا أمرا واحداً مشتركاً بين الفاعل والمفعول الأول مثل واعدت زيداً القتال أو أمرين لكل واحد منهما تعلق بالطرفين مثل واعدته الإكرام وواعدني القبول ولا يصح الاقتصار على واعدته الإكرام لأنّ المواعدة تقتضي التعدد من الوعد، وللمفاعلة استعمال آخر شائع وهو أن يكون من أحد الطرفين فعل ومن الآخر مقابله مثل بايعت زيداً على أن منك البيع ومنه الشراء فيصح واعدنا موسى عليه الصلاة والسلام الوحي وواعد موسى عليه الصلاة والسلامء المجيء وهو تفكيك بلا تقدير ولا إشكال فيه وفيه نظر لأنّ المواعدة لم تقع في الأربعين تحقيقا ولا تقديراً بل قبلها ولأنّ الإشكال في أنه كيف يصح واعدته الإكرام وواعدني القبول من غير أن يكون في الأول منه وعد، وفي الثاني منك قبول وهو مقتضى المفاعلة، فالظاهر وعدته ووعدني ففاعل بمعنى فعل والكلام في أنه على أصله واختلافه من الطرفين يضره مثل جاذبته الثوب والعنان فإن أربد أن المعنى عليه من غير تقدير مفعول فهو المعنى الأوّل ولعل أربعين مفعول به باعتبار ما يليق من الأحوال الصالحة لتعليق الوعد به فيكون من الطرفين وعد إلا أنه من الله الوحي وتنزيل التوراة ومن موسى عليه الصلاة والسلام المجيء والاستماع وكذا الكلام في أمثاله واما أن يذكر المفعول الثاني مثل جاذبته الثوب ونازعته الحديث ويراد تعليق الفعل في كل من الطرفين بشيء آخر أو يطلق فاعل ويراد من طرف أصل الفعل ومن طرف مقابله فأنا بريء من عهدته هذا زبدة ما ذكره الشارح المحقق ولا عطر بعد عطر عروس إلا أنّ إنكاره المفاعلة بأن تكون من طرف فعل ومن آخر قبوله الذي ارتضاه كثير ومثلوه بعالجت المريض وغيره بتنزيل القبول منزلة الفعل حتى كأنه وتع من الطرفين لا يسمع منه مع وروده في كلام العرب وتصريح الأئمة به وتخريجه على أحسن وجوه القبول وفي شواهد امرئ القيس: فلما تنازعنا الحديث واسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال مع أنّ ما ارتضاه ليس ببعيد منه فتأمل، وفي الدر المصون قال الكسائيّ واعدنا موسى عليه

الصلاة والسلام إنما هو من باب الموافاة وليس من الوعد في شيء وإنما هو من قولك موعدك يوم كدّا وموضع كذا، وقال الزجاج: واعدنا بالألف جيد لأنّ الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة فمن الله وعد ومن موسى عليه الصلاة والسلام قبول واتباع فجرى مجرى المواعدة وكذا قال مكيّ رحمه الله. قوله: (من بعد موسى عليه الصلاة والسلام أو مضيه (وفي نسخة أي مضيه يعني أنّ الضمير راجع لموسى عليه الصلاة والسلام من غير تقدير مضاف اكتفاء بقرينة الاستعمال فإن الشخص إذا مات يقال: بعد فلان من غير تقدير أو يقدر والمعنى واحد، وقيل: عليه إنّ اتخاذ العجل إلها من بعد موسى عليه الصلاة والسلام يقتضي أن يكون موسى عليه الصلاة والسلام متخذاً إلها قبل ذلك كما لا يخفى على العارف بسياق الكلام فلذا اقتصر في الكشاف على التوجيه الثاني انتهى. ولا يخفى أن بعد ومن بعد إذا تعلق يفعل ونحوه فقد يراد البعدية في اعتلبس به ولا يقدر فيه مضاف لأنه مفهوم من فحوى الكلام كما إذا قلت: جاء زيد بعد عمرو والمقصود تعاقبهما في المجيء، وكقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً} ، وقد لا يراد ذلك ولا يصح نحو سافرت إلى المدينة بعد مكة وقد لا يقصد وان صح لكون المقام لا يقتضيه لصرف القرينة عنه فهو اتخذوا المحاريب بعد النبيّ عليه الصلاة والسلام فالمراد بعد وقوع ما أضيف إليه فانظر إلى ما يليق بكل مقام، ولا تلتفت إلى خرافات الأوهام وقيل: معناه إنّ الضمير إما أن يرجع إلى موسى عليه الصلاة والسلام وحينئذ يقدر مضاف أو إلى مضيّ موسى عليه الصلاة والسلام المفهوم من فحو! الكلام والها مفعول اتخذ المحذوف لقيام القرينة إذ لا يذم على مجردة وقوله بإشراككم تفسير للظلم إذ قد يراد به الشرك والعفو المحو وأصل معناه اندراس آثار الديار بالبلى. قوله: (لكي تشركوا الخ) عدل من قول الزمخشري إرادة أن تشكروا لأنه مبنيّ على الاعتزال وجواز تخلف إرادة الله إذ الشكر لم يقع منهم فإن وقع التفسير بنحوه من أهل السنة فالمراد بالإرادة مطلق الطلب ولا نزاع في أنّ الله تعالى قد يطلب من العباد ما لا يقع. قوله: (يعني التوراة الجامع الخ) إذا كان الكتاب والفرقان واحداً وهو التوراة فالعطف لأن تغاير الصفات كتغاير الذات يصح فيه العطف كما مر في قوله: إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم وإن فسر بما يغايره كالمعجزات فهو ظاهر وان فسر بالنصر الفارق بين المتقابلين وهو هنا بانفراق البحر فلا كلام أيضاً. قوله: (باتخاذكم العجل الخ) فإن قلت اتخذ مما أبدل فيه الهمزة تاء كما في ائتمن وهي لغة رديئة كما سيأتي، قلت قال ابن النحاس: إن اتخذ مما أبدل فيه الواو تاء لأنّ فيه لغة يقال: وخذ بالواو فجاء على هذه اللغة، وقال الفارسيّ رحمه الله: إنّ التاء الأولى أصلية لأن العرب قالوا اتخذ بكسر الخاء بمعنى أخذ قال تعالى: {لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} اسورة الكهف، الآية: 77] وتخذ يتعدى لواحد وقد يتعدى الاثنين. قوله: (فاعزموا على التوية الرجوع الخ) توية بني إسرائيل إما أن تكون الرجوع والقتل مغاير لها فالعطف بالفاء ظاهر واما أن تكون الرجوع والقتل متمم لها وحينئذ لا إشكال أيضا إلا أنه قيل: إنه مجاز لإطلاق التوبة على جزئها، كما أنها في الأوّل مجاز وإما أن تكون جعلت لهم عين القتل فيؤوّل تويوا ئاعزموا ليصح التفريع ومنهم من جعله تفسيراً، وهو قد يعطف بالفاء. قوله: (بريئاً من التفاوت) يشير إلى أنّ الباركأ أخص من الخالق كما في هو الله الخالق البارى المصوّر وفي الكشاف البارى هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} [سورة الملك، الآية: 13 ومتميزا بعضه من بعض بالإشكال المختلفة والصور المتباينة فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الإشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة والبلادة في أمثال العرب أبلد من ثور حتى عرضوا أنفسهم لسخط إلله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم حين لم يشكروا النعمة، وقال الطيبي: معنى التفاوت عدم التناسب فكان بعضه يفوت بعضاً ولا يلائمه ومعنى التمييز التفريق فاليد متميزة عن الرجل لكن ملائمة لها من حيث الصغر والكبر والغلظ والدقة كقوله: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} [سورة طه، الآية: 50] انتهى. فالتمييز بين الأعضاء بعضها من بعض فمن قال إنّ قوله

مميزاً بعضها في أكثر النسخ ولا؟ خفى ما فيه والأولى ما في بعض النسخ بعضكم لم يات بشيء وإنما قال لقومه مع قوله يا قوم لدفع احتمال أن يكون ناداهم بذلك استعطافاً لهم وان كانوا أجانب وظلمهم أنفسهم بتنقيص مالهم عند الله وضررهم وأصل التركيب للخلوص ويلزمه التمييز المذكور، وقوله: أو فتوبوا الخ إشارة إلى الوجه الآخر، وقوله: بالبخع بالموحدة التحتية والخاء المعجمة والعين المهملة، وهو قتل الإنسان نفسه وفي الأساس بخع الشاة بلغ بذبحها القفا ومن المجاز بخعه الوجد إذا للغ منه المجهود وعلى هذا فالقتل حقيقة والمراد أن يقتل كل أحد نفسه وقتل الإنسان نفسه وان كان ليس جائزاً في شرعنا لنهينا عنه فإذا كان يأمره الآخرين لا مانع منه وعلى الأخير بعضهم لقتل بعضاً وعلى ما بعده مجاز وهو ظاهر لكن قال بعضهم: إنه تفسير لبعض أرباب الخواطر ولا يجوز أن يفسر به هنا لأنّ المراد هنا القتل الحقيقي بالاتفاق والعبدة كالكتبة جمع عابد. قوله: (روي أنّ الرجل الخ) المراد ببعضه ولده وولد ولده لأنه كالجزء منه وقريبه بالباء الموحدة طاهر وفي نسخة قرينه بالنون أي صديقه وقوله: فلم يقدر المضيّ أي عليه والضبابة شبه السحابة ولا يتباصرون من البصر بمعنى الرؤية ونزلت التوبة أي أوحى إليه بقبولها. قوله: (للتسبيب الخ) في الكشاف الفاء الأولى للتسبيب لا غير قال الطيبي: يعني الفاء للتسبيب لا للعطف التعقيبي كقولهم الذي يطير الذباب فيغضب عمرو وقال: العلامة منهم من تخيل من قوله لا غير أنها ليست للعطف وليس كذلك بل هي لهما معاً والمعطوف عليه أنكم ظلمتم الخ وكان المصنف تركه لهذا، وقيل: إن المانع من العطف لزوم عطف الإنشاء على الخبر وكون الثانية للتعقيب مر وجهه. قوله: (فتاب عليكم متعلق بمحذوف الخ) يعني أنّ الفاء هنا فصيحة وهي إما جواب شرط مقدر أو عاطفة على مقدر وسميت فصيحة لإفصاحها عن المحذوف أو لكون قائلها فصيحاً وعلى تقدير كونه من كلام موسى عليه الصلاة والسلام لا التفات فيه وقدر قد في جواب الشرط كما هو القاعدة فيه إذا اقترن بالفاء وإن جعلت دعائية لا حاجة إلى تقديرها. قوله: (وعطف على محذوف الخ) إنما كان التفاتا للتعبير عنهم بالقوم في كلام موسى صلى الله عليه وسلم وهو من قبيل الغيبة وإنما ذكر لفظ البارئ في التقدير الثاني دون الأوّل للإشارة إلى أنّ الضمير راجع إليه بخصوصه لدخله في التوبيخ وكان الظاهر إليّ ولا كذلك في الشرط لأنه عائد إليه إذ هو من كلام موسى عليه الصلاة والسلام ولما لم يكن المعطوف عليه مذكوراً جعل الالتفات في المعطوف لظهوره فلا يرد عليه أنّ الالتفات ليس فيه بل في المعطوف كما يقتضيه قواعد المعاني مع أنه قال بعيده إن الالتفات في المقدر لا وجه له وهذا مع وضوحه خفيّ على من قال إنّ المراد الالتفات من التكلم إلى الغيبة في فتاب حيث لم يقل فتبنا وفد قيل: على الأوّل إن حذف الجواب وفعل الشرط، وحده مع لا وارد في كلام العرب وأما حذف الأداة والشرط وابقاء الجواب فلا ويردّه أنّ أبا عليّ الفارسيّ رحمه الله ذكر. في الحجة في تفسير قوله تعالى: {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ} [سورة المائدة، الآية: 106] والزمخشريّ ثقة فلا عبرة بمن أنكره، وقوله: وذكاص البارئ الخ هو محصل ما مر عن الكشاف وقوله مثل في الغباوة لأنّ من أمثال العرب أبلد من ثور وفك التركيب يعني البنية الإنسانية بالقتل عوقبوا بذلك لجهلهم بما فيها من حكمة بارئها فامروا بذبح أنفسهم كما تذبح البقر. قوله: (الذي يكثر توفيق التوبة الخ) أصل معنى التوّاب الرجاع فهو في العبد الرجوع عن الذنب وفي الله الرجوع بلطفه إلى العبد وتوقيقه لذلك والإحسان بقبوله والكثرة مأخوذة من المبالغة ويبالغ في الإنعام الخ هو معنى الرحيم وقوله: توفيق التوبة الإضافة لامية أو هو من قبيل مكر الليل. قوله: (لأجل قولك أو لم نقر لك الما كان الإيمان يتعدى بنفسه أو بالباء كما مر لا باللام وجهه بأنّ اللام ليست للتعدية بل تعليلية أو صلة له بتضمينه معنى الإقرار لأنه يتعدى للمقر به بالباء وللمقر له باللام فلا يرد عليه ما قيل الأولى أن يقول لن نذعن لك إذ المتعدي باللام هو الإذعان وأما الإقرار فتعديته بالباء فلا بد من تأويله بالإذعان. قوله: (وهي في الآصل مصدر قولك جهرت الخ) ظاهره أنه حقيقة في رفع الصوت

تجوز به عن المعاينة بجامع الظهور فيهما، وقال الراغب رحمه الله: أنه يقال لظهور الشيء بإفراط حاسة البصر أو حاسة السمع إما للبصر فنحو رأيته جهارا وأرنا الله جهرة واما للسمع فكقوله سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به وإذا كان حالاً من الفاعل فمعناه معاينين وإذا كان من المفعول فمعناه ظاهر. قوله: (وقرئ جهرة بالفتح) أي بفتح الهاء قال ابن جني: في المحتسب قرأ سهل بن شعيب السهمي جهرة وزهرة في كل موضحع محركاً ومذهب أصحابنا في كل حرف حلق ساكن بعد فتح لا يحرك إلا على أنه لغة فيه كالنهر والنهر والشعر والشعر، ومذهب الكوفيين أنه يجوز تحريك الثاني لكونه حرفا حلقياً قياسا مطرداً كالبحر والبحر وما أرى الحق إلا معهم وكذا سمعته من عقيل وسمعت الشجريّ يقول: إتا محموم بفتح الحاء وقالوا اللحم يريدون اللحم وقالوا: سار نحوه بفتح الحاء ولو كانت الفتحة أصلية ما صحت اللام أصلا انتهى. وظاهر كلام المصنف رحمه الله على الأول فإنه يقتضي أنه لغة فيه لا قياس وقوله: فتكون حالاً أي من الفاعل. قوله: (والقائلون هم السبعون الخ) وفيه قولان ذكرهما الإمام. الأوّل أنّ هذا كان بعد أن كلف عبدة العجل بالقتل بعد رجوع موسى عليه الصلاة والسلام من الطور وتحريق عجلهم وقد اختار منهم سبعين خرجوا معه إلى الطور، والثاني أنه كان بعد القتل وتوبة بني إسرائيل وقد أمره الله أن يأتي بسبعين رجلا معه فلما ذهبوا معه قالوا له ذلك وما في شرح المقاصد من أنّ القائلين ليسوا مؤمنين لم يقل به أحد من أئمة المفسرين لكن قوله لن نؤمن صريح فيه خصوصا على التفسير الثاني فتأمل واختلفوا في سبب اختيارهم ووقته فقيل: كان حين خرج إلى الميقات ليشاهدوا ما هو عليه ويخبروا به وهذا هو الميقات الأوّل، وقيل: إنه اختارهم بعد الأوّل ليعتذروا من ذلك وكلام المصنف رحمه الله مجمل فيه. قوله: (لفرط العناد والتعنت الخ) التعنت سؤال ما لا يليق وجعل الرؤية مستحيلة لا لأنها في ذاتها كذلك بل لأنهم طلبوها من جهة على ما اعتادوا بإحاطة البصر وهو مستحيل وهو رد للمعتزلة في استدلالهم بهذه الآية على استحالة الرؤية مطلقا ويدل على ذلك عقابهم وقولهم الإتيان بلن لتقوية النفي وتأكيد ولو جعل معنى وأنتم تنظرون بمعنى تنظرون إلى الجهات لتروة لربي هذا تربية تامة. قوله: (فإنهم ظنوا أن الله الخ) هذا رد على المعتزلة إذ استدلوا بها على استحالة الرؤية للتكفير بطلبها لأنّ التكفير ليس لهذا بل لما في طلبها من الإشعار بالتجسيم وتعليقهم الإيمان بما لا يكون وكون الرؤية واقعة في الدنيا لبعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما في المعراج مذهب كثير من السلف، والخلاف في الوقوع والإمكان مبسوط في الكلام وقد مر تفسير الصاعقة وأنها قصفة شديدة وتطلق على النار التي معها وأما إطلاقها على جنود الملائكة عليهم السلام فجازوا الحسيس صوت من يمر بقربك ولا تراه وقوله: ما أصابكم تقدير للمفعول، وما أصابهم هو الصاعقة فعلى المعنى الأوّل هي مرئية وعلى غيره المرئي أثرها من مقدمات الهلاك وبسبب الصاعقة متعلق بموتكم والبعث كما يطلق على الإحياء يطلق على إيقاظ النائم وارسال الشخص فلذلك قيدها. قوله: (نعمة البعث الخ) يعني المراد بالنعمة الإحياء أو نعمة الإيمان التي كفروها بقولهم لن نؤمن الخ وما معطوف على نعمة أو البعث وقوله: لما الخ إشارة إلى أنه على الثاني تعليل لأخذ الصاعقة ويصح تعلقه بالأوّل بالتأويل. قوله: (في التيه الخ (لأنهم لما أمروا بقتال الجبارين وامتنعوا وتالوا اذهب أنت وربك فقاتلا ابتلاهم الله بالتيه أربعين سنة كما سيأتي ولكن لطف الله بهم بإظلال الغمام والمن والسلوى والترنجبين بالتاء الفوقية المثناة والراء المهملة والجيم والباء الموحدة والياء والنون لفظ يونانيّ استعمله الأطباء وفسرو. بطل يقع على بعض النبات وفي الدر المصون أنه يقال: طرنجبين بالطاء، والسماني بضم السين وتخفيف الميم والنون والقصر واحده سماناة أو يستوي فيه الواحد والجمع طائر معروف وقيل: السلوى ضرب من العسل وقال ابن عطية: أنه غلط وخطئ فيه لأنه ورد في شهر العرب ونص عليه أئمة اللغة، وقوله: إلى الطلوع أي طلوع الشمس. قوله: (على إرادة القول الخ) أي قلنا لهم كلوا الخ ووجه الاختصار أنه لما قصر معنى الظلم على

مفعول مخصوص اقتضى ثبوته على وجه آخر فقدر ليكون معطوفا عليه وأريحاء كزليخاء قرية قريب بيت المقدس، وقوله: بعد التيه أورد عليه أنه تبع فيه الزمخشريّ وقوله تعالى في سورة المائدة: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} [سورة المائدة، الآية: 21] إلى قوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [سورة المائدة، الآية: 26] الخ صريح في أن الأمر بدخول القرية كما قبل التيه والقصة واحدة بالاتفاق، وما قيل: إنهم أمروا بالدخول مرة أخرى قبل التيه دل على ذلك ما في المائدة من ترتيب التيه على عدم امتثالهم لهذا الأمر فمع عدم نقله أورد عليه أنه يفهم منه أنهم امتثلوا الأمر المذكور في سورة البقرة، وقوله: فبدل الذين ظلموا الخ يأباه. قوله: (أي باب القرية الخ) اختلف المفسرون في أنهم هل دخلوا القدس في حياة موسى عليه الصلاة والسلام أم لا فإن قيل: بدخولهم فلا يحمل الباب على لاب القبة المعلل بما ذكر، وان اختير أنهم لم يدخلوا فان حمل تبديل الأمر على عدم امتثاله لا منع من حمل القرية على بيت المقدس أيضا لأنّ المعنى أنهم أمروا بالدخول فلم يدخلوا ولا حاجة إلى حمل الأمر على الأمر على لسان يوشع كما قيل: وأما قوله في المائدة: {ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ} أسورة المائدة، الآية: 23] فالمراد باب قريتهم كما صرحوا به وأيضا قد ذهب المصنف رحمه الله إلى أن الأمر بالدخول كان بعد التيه، ومعنى سجداً ساجدين شكراً على إخراجهم من التيه يخون الأمر بالدخول سجداً بعد موت موسى عليه الصلاة والسلام فلا يصح صرف الباب عن باب بيت المقدس إلى باب القبة بالتعليل المذكور وقيل: إن كونهم لم يدخلوا بيت المقدس الخ لا ينفي إلا كون الباب باب بيت المقدس لا باب أريحاء لتيقن كونه باب القبة وقيل: يدفع هذا بأنه اكتفى بذكر بيت المقدص عن ذكر أريحاء لكونها قرية قريبة منه فتأمل. وقوله: متطامنين إشارة إلى أنه بمعناه اللغوي وما بعده إشارة إلى أنه بمعناه الشرعي والقبة قبة كانت لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام يتعبدان فيها وجعلت قبلة وفي وصفها أمرر غريبة في القصص لا يعلمها إلا الله فلذلك تركناها، وقيل: إنه يتعين كون الباب باب القبة إن كان الأمر منزلاً على موسى عليه الصلاة والسلام وهو للفور ولا يكون الأمر في التيه بالدخول بعد الخروج منه. قوله: (أي مسألتنا حطة الخ) أي أنه خبر مبتدأ محذوف يدل عليه الحال، وأمرك أي شأنك يا ربنا أن تحط عنا ذنوبنا، وقوله: أي قولوا هذه الكلمة إشارة إلى قول أهل اللغة إنّ مفعول القول يكون جملة أو مفرد أريد به لفظه كما في يقال له إبراهيم ولا عبرة بقول أبي حيان رحمه الله أنه يشترط فيه أن يكون مفردا يؤدي معنى جملة نحو قلت شعرا، فمن قال: الأوجه أن يقدر له ناصب ليكون مقول القول جملة لم يصب، وفعلة ممنوع من الصرف للعلمية الجنسية والتأنيث، ويصح صرفه لمشاكلة موزونه ومنه يعلم أنّ المشاكلة ليست مجازاً، وقوله وقيل: معناه الخ أي شأننا هذا وضعفه لأنّ ترتب المغفرة عليه غير ظاهر وان قيل: معناه أن نحط فيها رحالنا ممتثلين لأمرك مع أنّ تنزيل هذا القول حينثذ يحتاج إلى تكلف، وقرئت في السبعة بالتاء والياء مع البناء للمجهول فيهما وقوله وابن عامر بالتاء هكذا في النسخ الصحيحة وفي نسخة بهاء وهي تحريف من النساخ والباقون بالنون وبتاء المعلوم. قوله: (وخطايا أصله الخ) فيه أقوال: الأوّل قول الخليل: إنّ أصلها خطائي بياء بعد ألف ثم همزة لأنها جمع خطيئة كصحيفة وصحائف فلو تركت على حالها لوجب قلب الياء للهمزة كما تقرر في التصريف فقدمت لئلا يجتمع همزتان فقلب فصار خطائي فاستثقلوا كسرة بعدها ياء فقلبوها فتحة والياء ألفا فصارت خطاآ بهمزة بين ألفين فقلبت الهمزة ياء لئلا يجتمع أمثال لأنها من جنس الألف فوزنه فعالى وفيه أربعة أعمال والثاني أن أصله خطائي بهمزتين منقلبة أصلية فأخروا الأولى لتصير المكسورة طرفاً فتنقلب ياء فتصير فعالى ثم فتحوا الأولى فانقلبت الياء بعدها ألفا وأبدلت ياء لوقوعها بين ألفين كما مر ففيه خمس تغييرات والأوّل أقوى، والثالث قول الفراء أنه جمع لخطبة كهدية وهدايا وعليه يتنزل كلام المصنف رحمه الله وخضائع بالضاد المعجمة جمع خضيعة وهو صوت بطن الدابة أتى به لمجرد بيان الوزن. قوله: (جعل الامتثال الخ (أي قولهم حطة لامتثال الأمر وكونه توبة

يؤخذ من قولوا وقوله وسبب زيادة الثواب أي كان الظاهر عطفه على جواب الأمر، واخراجه عن الجواب لوجود السين المانعة منه ولذا لم يجزم وأوثر هذا الطريق ليدلّ على أنه يفعل ذلك البتة وأنه يستحقه وأن لم يمتثل فكيف إذا امتثل. قوله: (بدنوا بما أمروا به الخ الما كان هذا محتاجا إلى التأويل إذ الذم إنما يتوجه عليهم إذا بدلوا القول الذي قيل لهم لا إذا بدلوا قولاً غيره أشار المصنف رحمه الله إلى أنّ فيه تقديراً ومعناه بدل الذين ظلموا بالذي قيل: لهم قولاً غيره فبدل يتعدى لمفعولين أحدهما بنفسه والآخر بالباء وتدخل على المتروك، وقالط أبو البقاء: يجوز أن يكون بدل محمولأ على المعنى تقديره فقال: الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل: لهم وغير نعت لقولا، وقيل: تقديره فبدل الذين ظلموا قولاً بغير الذي قيل لهم فحذف الحرف وانتصب بنزعه، ومعنى التبديل التغيير كأنه قيل: فغيروا قولاً بغيره لأنهم قالوا بدل حطة حنطة أو غيره استهزاء والإبدال والتبديل والاستبدال جعل الشيء مكان آخر، وقد يقال: التبديل التغيير وإن لم يأت ببدله وقد فرق بين بدل وأبدل بان بدل بمعنى غير من غير إزالة المعين وأبدل يقتضي إزالة العين إلا أنه قيل: إنه قرئ عسى ربنا أن يبدلنا بالتشديد والتخفيف وهو يقتضي اتحادهما، وقوله: طلب ما يشتهون كالحنطة. قوله: (كرره الخ) يعني كرر ظلمهم ورتب الحكم على ما هو كالمشتق إشعار بعليته وقوله أو على أنفسهم عدى الظلم بعلى لتضمنه معنى التعدي، وهو عطف على مقدر أي لظلمهم مطلقاً أو على أنفسهم، وقوله: عذابا مقدرا يعني أن من السماء متعلق بلفظ مقدراً صفة رجزاً لا متعلق بأنزل وجوزه المعرب وهو صاعقة ونحوها، وقوله: بسبب فسقهم إشارة إلى أنّ ما مصدرية، والرجز كالرجس المستقذر المكروه وورد في الحديث: " الطاعون رجز) وبه ة سر هنا لأن أول وقوع الطاعون فيهم كما قيل. قوله: (لما عطشوا في التيه الخ الما هنا بمعنى حين لا جواب لها واختلف في الحجر على ثلاثة أتوال فقيل: لم يكن معينا وقيل: كان معيناً وقيل: كان غير معين ابتداء ثم تعين بعد الدخول إلى أرض لا حجر فيها وقوله: طوريا منسوب إلى الطور لأنه أخذ منه، والمكعب كالمربع لفظاً ومعنى ومنه الكعبة والمراد بكل وجه جوانبه الأربع دون الأسفل والأعلى والا لزم زيادة العيون، وقصة الحجر وفراره بثوبه معروفة مذكورة في حديث الأصول إلا قوله فأشار إليه جبريل عليه السلام بحمله لأنّ فيه شأنا ومعجزة له، والأدرة بضم الهمزة وسكون الدال المهملة والراء انتفاخ الخصية وكبرها ورجل آدر بالمد وقوله: كيف بنا يعني كيف حالنا النازلة بنا وأفضينا أي وصلنا، والمخلاة بكسر الميم الكيس الواسعة تعلق في رأس الفرس ليأكل ما فيها من حب أو حشيش أو تبن وأصلها ما يوضع فيه الخلي وهو الحشيش اليابس وقوله كلمه أي الحجر وفي نسخة كلمها التأويل بالصخرة والرخام بخاء معجمة حجر معروف، وقوله: ذراعا في ذراع أي مضروباً فيه فيكون مربعاً كما يعلم من المساحة والعصا عشرة أذرع الخ. غير قول الكشاف في الحجر كان ذراعاً في ذراع وقيل: كان من أس الجنة الخ فقيل: إنه سهو لأنه صفة العصا لا الحجر وقيل: إنّ العبارة أس من الأساس وما بعده لا يلائمه فما ذكره المصنف رحمه الله هو الصحيح وكونه من آس بالمد رواية، وقيل من العوسج. قوله: (متعلق بمحذوف الخ) هذه هي الفاء الفصيحة التي في قوله: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا وهل هي جواب شرط مقدر أو عطف على محذوف أو هما جائزان طرق لهم وعلى الأخير أكثرون قال المحقق: ووجه فصاحتها أنباؤها عن ذلك المحذوف بحيث لو ذكر لم يكن بذلك الحسن مع حسن موقع ذوقي لا يمكن التعبير عنه لكن في حذف قد بعض نقصان، وأتا ما يقال: في وجه فصاحتها من الدلالة على أنّ المأمور قد امتئل من غير توقف وظهر أثره وعلى أنّ المقصود بالأمر هو ذلك الأثر لا الضرب نفسه والإيماء إلى أنّ السبب هو أمره لا فعل موسى عليه الصلاة والسلام فإنما هو في مثل هذه الصورة خاصة اهـ. فالوجه العام أن يقال: إنه لتعينه وافصاح الكلام عنه كأنه مذكور وتسميتها فصيحة لإفصاحها عن ائمقدر ودلالتها عليه أو لفصاحة المتكلم أو الكلام الذي هي فيه فالإسناد مجازي

وردّ أبو حيان تقدير الشرط بأنّ حذف أداته وفعله لم يسمع وأنه لا بد من إظهار قد في الجواب الماضي وإذا كان ماضيا فليس هو الجواب بل دليله نحو إن جئتني فقد أحسنت إليك أي لم تشكر وهذه كلها تعسفات مع أنّ معناه غير صحيح، ورد بأنّ المراد تفسير المعنى لا الإعراب، وفي المغني أنّ هذا التقدير يقتضي تقدم الانفجار على الضرب إلا أن يقال: المراد فقد حكمنا بترتب الانفجار على ضربك فتأمّل وقوله: فضرب فانفجرت الفاء الأولى سببية والثانية فصيحة وقيل: إنه حذف من المعطوف عليه الفعل ومن ااصعطوف الفاء والمذكور هي الفاء الأولى وهو تكلف لا داعي له، وفي عشرة ثلاث لغات كسر الشين وفتحها وسكونها. قوله: (كك أناص كل سبط) السبط في بني إسرائيل كالقبيلة وما مر من شذوذ إثبات همزة أناس إنما هو مع الألف واللام كالأناس إلا بالياء وأمّا بدونها فشائع فصيح والمشرب أمّا اسم مكان أي محك الشرب أو مصدر ميمي بمعنى الشرب، وظاهر كلام المصنف رحمه الله الأول وكلوا مقول قول مقدر أي قلنا لهم كلوا وحذف القول شائع سائغ وفي قوله التي يشربون منها إشارة إلى أنّ الجملة صفة عيناً والعائد مقدر. قوله: (يريد به الخ) جعلى الرزق بمعنى المرزوق وفصله إلى الطعام نظرا إلى كلوا والى الماء نظراً إلى اشربوا ولا قرينة على الأول إلا أن يلاحظ ما سبق من إنزال المن والسلوى ولعدم التعرض له في هذه القصة فسر بعضهم الرزق بالماء وجعله مما يؤكل بالنظر إلى ما ينبت منه ومثروبا بحسب نفسه ولم يرتضوه لأنه لم يكن أكلهم في التيه من زرع ذلك الماء وثماره، ولأنه جمع بين الحقيقة والمجاز ولا يندفع بكون من للابتداء لأنّ ابتداء اكل ليس من الماء بل مما ينبت منه بل الجواب أنّ من لا يتعلق بالفعلين جميعا وإنما هو على الحذف أي كلوا من رزق الله واشربوا من رزق الله فلا جمع وعائد ما رزقهم محذوف أي منه أو به كذا قال المحقق وقيل: عليه أنه مما يقضي منه العجب لأنه إنما يكون جمعاً بين الحقيقة والمجاز لو قيل: كلوا واشربوا من الماء وأريد به الماء وما ينبت منه أما إذا قيل: رزق الله وأريد به فردان أحدهما الماء والآخر ما ينبت منه فأين هذا من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهذا وهم منه فإنّ من فسر رزق الله بالماء وجعل الإضافة للعهد لا يكون عنده شاملاً لهما بل مخصوص بأحد فردين ولو كان عبارة عنهما لزم الجمع أيضا إذ لا يصح تعلقه بكلوا إلا بملاحظة شموله للشرب فيعود المحذور وليس هذا من التنازع على تقدير متعلق الآخر كما توهم لأنّ المقدر ليس هو عين المذكور فتأمّل. قوله: (لا ثعتدوا حال إفسادكم الخ) قال الراغب: العثى والعيث يتقاربان نحو جبذ وجذب إلا أن العيث أكثر ما يقال: في الفساد الذي يدرك حسا والعثى فيما يدرك حكماً ونقل عن بعض المحققين إنّ العثو إنما هو الاعتداء وقد يكون منه ما ليس بفساد فالحال غير مؤكدة، والزمخشريّ لما فسر العثو بأشد الفساد حمل النهي على النهي عن التمادي في الفساد ولما كانوا على التمادي في الفساد نهوا عما كانوا عليه كقوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} [سورة آل عمران، الآية: 130] فالحال مؤكدة، وفيل: المعنى أطلب منكم أن لا تتمادوا في حال إفسادكم فليست الحال مؤكدة كما توهم وقيل: عليه إنّ التمادي في الفساد لا يكون إلا في حال الفساد فليست إلا مؤكدة إلا أن يقال مراده جعل مفسدين بمعنى متمادين في الفساد لا تعثوا بمعنى تتمادوا وأما قوله: وإنما قيده الخ فقال الطيبي رحمه الله: إنّ المقام ناب عنه لأنّ الآية واردة في قوم مخصوصين، وفيه نظر. قوله: (لما أمكن أن يكون من الأحجار الخ) أراد بما يحلق الشعر النورة وفي كتاب الأحجار أنه حجر خفيف يحلق الشعر وينتفه وبما ينفر من الخل وفي نسخة عن وهو الحجر الباعض الذي يعدل عنه لمعنى فيه بالخاصية وبما يجذب الحديد المغناطيس، وقوله: لم يمتنع أن يخلق الله حجرا الخ مبنيّ على كون الحجر معينا وإلا ينبغي أن يقول أن يخلق الله في طبيعة أيّ حجر كان وجذبه لما تحت الأرض لا ينافيه انفصاله عنها كما توهم وأورد عليه أن اختلاف حاله بحسب الأوقات وتوقفه على الضرب ونحوه يقتضي خلاف هذا وان فتح هذا الباب لتوجيه الخوارق سد لباب المعجزات. قوله: (وبوحدته أنه لا يختلف) أي يريد بوحدته ذلك لأنه متعدد فإما أن يراد أنه لا يختلف أو يراد به

الوحدة النوعية وقيل إنهم كانوا يطبخونهما معاً فيصيران طعاما واحداً وقيل: إنه كان قبل نزول السلوى وأجموا بالميم بمعنى كرهوا وفلاحة بتشديد اللام بمعنى حراثين من فلح الأرض شقها، والعكر بكسر العين وسكون الكاف والراء المهملة الأصل وقيل: العادة ونزعوا بمعنى اشتاقوا يقال: نزع إلى أهله إذا اشتاقهم، وقوله: سله الخ بيان للمعنى لأنه طلب مخصوص، وفسر يخرج بيظهر ولما كان الإظهار يكون من الخفاء والعدم عطف يوجد عليه تفسيراً له وقوله: ربك أضافوه إليه لمزيد اختصاصه به لالقرب والمناجاة، ولفظ الرلت هنا أصاب محزه وقوله: واقامة القابل وهو الأرض لأنها قابلة ل! ثبات بالبذر فلا يقال: الأولى إقامة المحل مقام الفاعل مع عدم صحته لأنّ المنبت هو الله لا البذر أيضاً. قوله: (تفسير وبيان وقع موقع الحال الخ) جعل من الأولى تبعيضية والمفعول مقدر أي شيئا وأما إذا جعل بدلاً فلا بد من اتحاد معنى من فيهما كما ذكره أبو حيان والكلام فيه ظاهر، ووجه ترتيب النظم أنه ذكر أو لا ما يؤكل من غير علاج نار وذكر بعده ما يعالج لها مع ما ينبغي له ويقبله فانتظم على أتم انتظام في الوجود وقراءة قشاء بالضم أقيس لأنه المعهود في مثله كرمان وتفاج وفوّموا بمعنى اخبزوا. قوله: (أتستبدلون الذي هو أدنى الخ) أدنى إن كان معتلا من الدنو أو مقلوب من الدون فعلى الثاني ظاهر، وعلى الأوّل مجاز استعير فيه الدنو بمعنى القرب المكاني للخسة كما استعير البعد للشرف فقيل: بعيد المحل وبعيد الهمة أو هو مهموز من الدناءة وأبدلت فيه الهمزة ألفا كما قرئ به في الشواذ فإن قلت مقتضى كونهم لا يصبرون على طعام واحد أنهم طلبوا ضم ذلك إليه لا استبداله به قلت تيل ة إنهم طلبوا ذلك وخطأهم فيما يستبدلون إشارة إلى أنه تعالى إذا أعطاهم ما سألوا مفع عنهم المن والسلوى فلا يجتمعان، وقيل: عدم الاكتفاء بهما يحتمل وجهين أن لا يريدوأ أكلهما في كل يوم بل يأكلونهما في بعض الأيام وغيرهما في آخر وحينئذ يتحقق الاستبدال في الأيام الأخر، وأن يريدوا أكلهما مع غيرهما وحينئذ الاستبدال متحقق لأنه كان أولاً المن والسلوى وثانياهما مع غيرهما والكل يغاير الجزء وهو تكلف. قوله: (انحدروا إليه الخ) يشير إلى أنّ الهبوط لا يختص بالنزول من المكان العالي إلى الأسفل بل قد يستعمل في الخروج من أرضى إلى أرض مطلقا، وقوله: قرئ بالضم أي بضم الهمزة والباء من باب نصر ثم بين أصل معنى المصر إن كان عربيا بمعنى الحد ومنه اشترى الدار بمصورها أي حدودها ثم سميت به البلد العظيمة لاشتمالها على ذلك فإن كان نكرة فالمراد هبطوا من التيه إلى العمران لأنّ ما طلبوه فيه وان أريد به بلدة معينة فأما مصر فرعون التي خرجوا منها، وفي التيسير الأظهر أنهم لم يؤمروا بهبوط مصر فرعون فإنه تعالى قال: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} [سورة المائدة، الآية: 21] يعني لا ترجعوا إلى مصر فلم يرجعوا إليها وان ملكوها بل المراد مصر من أمصار الأرض المقدسة وقد أشرنا إلى ما يؤيده سابقا. قوله: (وإنما صرفه الخ) يعني أن فيه العلمية والتأنيث فإما أن يصرف لسكون وسطه كما تقرر في النحو أو لتأويله بالمكان ونحوه مما هو معروف في أعلام الأماكن، وقوله: يؤيده أنه الخ أي مكتوب بغير الألف فلا يرد أنّ الشكل حدث بعد العصر الأوّل، فإن قلت في شرح المفصل أنهم متفقون على وجوب منع الصرف في ماء وجور فلو كانت العجمة لا أثر لها في الساكن الوسط لكان حكم ماء وجورحكم هند في منع الصرف وجوازه فلما تخالفا دل على اعتبار العجمة في الساكن الوسط. قلت قال الشارح: المحقق إنه لم يعتدّ بالعجمة لوجود التعريب والتصرف فيه وفيه نظر ومصرائيم ابن نوح وهو أول من اختطها فسميت باسمه. قوله: (أحيطت بهم الخ) في الكشاف علت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم اص. والإحاطة الأخذ بجوانب الشيء واشتماله عليه وفعله حاط وأحاط ويكون لازماً وهو المعروف فيه قال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} ويكون متعديا أيضاً وقد غفل عنه كثير فوقعوا فيما وقعوا وفي نهج البلاغة أحاط بكم الإحصاء، وفسره الشارح بجعله محيطاً، وفي لسان العرب حطت قومي وأحطت الحائط وحوّط حائطا عمله وحوّط كرمه تحويطاً أي بني حوله حائطاً فهو كرم محوط اهـ.

وفي شعر بعض الفصحاء: والبحر قد حاطه بحران دجلته بحر وكفك بحريقذف الدررا وحاطه بمعنى حفظه متعد وتعدى المجاز مما يستأنس به وقال المحشي: هكذا وقعت العبارة في النسخ وفي شرح المفتاح كان الظاهر أحاطت بدل أحيطت لأنّ الذلة محيطة بهم لا محاطة، وغاية ما يمكن أن يقال: إنه قصد أمرين زائدين على الكشاف. الأوّل القلب فمعنى احيطت بهم أحيطوا بها لكن قلب لمطابقة المفسر والتنبيه على الاستعارة. الثاني المبالغة في إثباتهما بحيث يكونان محيطين بهم من وجه ويكونون محيطين من آخر وأحيطت من الحذف والإيصال والباء في بهم للسببية لا للتعدية، واحاطة مصدر المجهول بمعنى المحاطة فإن نحو القبة إذا ضربت على شيء تكون مقتصرة عليه لا تتجاوزه فهي محيطة ومحاطة فاستعير الضرب المعدى بعلى للتسبب بجامع كمال الاختصاص وعدم التجاوز والقرينة الإسناد إلى الذلة والمسكنة واستعيرت القبة ونحوها للذلة والمسكنة بجامع الجهتين المذكورتين ودل على الاستعارة ذكر لازم المستعار منه وهو الضرب المعدى بعلى لكن المقصود هذه الاستعارة والأولى تابعة لها كما اختاره في الكشف كما في ينقضون عهد الله فالمعنى جعلت الذلة محاطة بهم كإحاطة القبة بمن فيها فإنها محاطة بهم ومحيطة صورة فكذا الذلة فاقتصر المصنف رحمه الله على ذكر المحاطية لأنها خفية محتاجة للبيان والأخرى منفهمة من القبة (أقول) الإحاطة متعدية كما مر وتكون من أحطت الحائط ولا مخالفة بينه وبين ما في الكشاف ولا حاجة إلى ما ذكره هذا القائل من التعسفات التي لا طائل تحتها، والظاهر أنه حقيقة أو بتضمين الجعل فيتعدى إلى الذلة بنفسه وألى المحاط بهم بالباء فيفيد التركيب أنها محيطة لا محاطة. كما سيأتي في آل عمران ثم إنّ الظاهر أنّ هنا مسلكين أحدهما أنه شبه تثبيت الذلة عليهم بضرب القبة الثابتة على المضروب عليه، ووجه الشبه الإحاطة والشمول وهذا ما في المفتاح حيث قال: المستعار منه ضرب الخيمة وما شاكلها وأنه أمر حسي والمستعار له التئبيت وأنه أمر عقليّ والثاني أنه شبه عموم الذلة لهم بإحاطة القبة ووجه الشبه الإحاطة الداخلة في مفهوميهما أو اللزوم وهذا ما ارتضاه غيره والتصرف يصح أن يكون في الضرب وحده فتكون تبعية تصريحية ويصح أن يكون في الذلة فتكون مكنية وتخييلية أو مكنية والضرب بمعنى الإحاطة على حد ينقضون عهد الله، ويصح أن تكون تمثيلية أيضاً وقال الشارح المحقق: إن في الذلة استعارة بالكناية حيث شبهت بالقبة أو بالطين يعني أنه إما من ضرب الخيمة أقامها أو من ضرب الطين بالحائط فضربت استعارة تبعية تحقيقية لمعنى الإحاطة والشمول لهم أو اللزوم واللصوق بهم لا تخييلية وهذا كما مر في نقض العهد وعلى الوجهين فالكلام كناية عن كونهم إذ لا متصاغرين فما يقال: المراد إنّ الاستعارة إمّا في الذلة تشبيهاً بالقبة فهي مكنية واثبات الضرب تخييل وإمّا في الفعل أعني ضربت تشبيهاً لإلصاق الذلة ولزومها بضرب الطين على الحائط فتكون تصريحية تبعية مما لا يرتضيه علماء البيان، وقيل: عليه أنه منه عجيب فإنه رذه هنا وارتضاه في آل عمران وشرح التلخيص وأنه هو الموافق لكلام الجمهور من أهل المعاني وما ذكره من كون قرينة المكنية استعارة تحقيقية لم يصرحوا به كما مر) أقول) : إنه بعدما قال هنا هذا قال في آل عمران أنه على تشبيه المسكنة بالقبة استعارة بالكناية ثم إثبات الضرب لها عليها تخييلا أو تشبيه إحاطتها بهم واشتمالها عليهم بضرب القبة استعارة تبعية وأمّا اعتبار كونه كناية كما في: في قبة ضربت على ابن الحشرج فوهم فاسد اهـ فوقع بين كلاميه تناقض من وجهين وهو في المحلين ردّ على العلامة في حواشيه (وقد جال في خلدي) أنه ليس بغافل عما اعترضوا به وأنه ليس برذ لذلك لأنه لا يصلح في النظم بل إن عبارة الكشاف لا تحتمله لأنه قال هنا جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم فهم كما يكون في القبة من ضربت عليه أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه اهـ. فصرح بأنّ التصرف في ضرب يستلزم

أن يكون مجازاً تبعياً ويصح أن يجعل ما بعده مكنية على حد ينقضون عهد الله وليس من التخييل المعروف فإنه لا يرتضي أهل المعاني فيه التجوّز وإنما هذا ضرب آخر، والقطب أرجعه إلى المعروف ويلزم من الإحاطة أو اللصوق الاتصاف فيكون كناية. وقال العلامة في آل عمران: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا كما يضرب البيت على أهله فهم ساكنون في المسكنة فاستعمل الضرب في معناه الحقيقي إذ جعل المسكنة مسكنهم فثصح حمل عبارته على التخييل والكناية المعروفين وحينئذ يدل المعنى المجازي على ذلتهم صراحة فلا حاجة إلى جعله كناية فاعرف هذا فإنه خفيّ على الناظرين فيه، وقوله: إحاطة القبة مصدر لبيان النوع ووقع في نسخة مثل إحاطة القبة فاعترض! عليه بأنّ الصواب إسقاط لفظ مثل وفيه نظر فتأمّل، وقوله: مجازاة علة لقوله ضربت. قوله: (رجعوا به الخ الم يذكره صاحب الكشاف ورجحه القرطبي وغيره قالوا: باؤوا انقلبوا ورجعوا به أي لزمهم ذلك ومنه أبوء بنعمتك عليّ أي أقرّ بها وألزمها نفسي، وأصله في اللغة الرجوع يقال باء بكذا أي رجع به، وقال أبو عبيدة والزجاج: باؤوا بغضب احتملوه، وقيل: استحقوه وقيل: أقروا به، وقيل: لازموه وهو الأوجه، يقال: بوأته منزلاً فتبوّأه أي ألزمته فلزمه وقوله: أو صاروا أحقاء عدل عن قولهم استحقوه لما فيه من المبالغة ولأنه يظهر تعديته بالباء، وقوله: وأصل البواء بالمد بالفتح والضم ويصح فيه بوء كضرب كما في النسخ، ومن الراغب أخذه قال أصل البواء مساواة الأجزاء خلاف النبوء الذي هو منافاة الأجزاء يقال: مكان بواء إذ لم يكن نابيا ثم استعمل في كل مساواة فيقال! : هو بواء فلان أي كفؤه ومنه بوء نعل كليب و " فليتبوّأ مقعده من النار " وليس المضروب عليهم الذلة الخ، اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه الصلاة والسلام ولا الدّين كانوا في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم بل المطلق لأنّ قتل النبيين عليهم الصلاة والسلام وقع من بعضهم لكنه أسند إلى الجميع كما مر، وقوله: ذلك إشارة الخ يعني أنه وان كان مفرداً أشير به لجميع ما مر بتاويله بالسابق والمذكور ونحوه. قوله: (بأنهم كانوا يكفرون الخ) قال بسبب كفرهم إشارة إلى أن الباء سببية داخلة على المصدر المؤوّل ولم يعبر به مع أنه أخصر تنبيهاً على أنهم جمعوا بين الثبات على أصل الكفر والدوام عليه وما تجدد منه والآيات أمّ المعجزات مطلقاً أو آيات الكتب المتلوة كما ذكره المصنف رحمه الله وقصة آية الرجم وانكار اليهود لها معروفة وستأني. وقوله: وقتلهم الأنبياء الخ ذكر في مطاعن القرآن السؤال بالتناقض بين هذه الآية وشبهها. وقوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا} [سورة غافر، الآية: 51] وأجيب بأنّ المقتولين من الأنبياء والموعود بنصرهم الرسل عليهم الصلاة والسلام ولو سلم أنهم رسل كما وقع في آية أخرى ائنصرة بغلبة الحجة اً والأخدّ بثارهم كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ الله تعالى قدر أن يقتل بكل نبيّ سبعين ألفا وبكل خليفة خمسا وثلاثين ألفا فتأمّل. (، دول) : ذهب في التأويلات إلى أنّ المقتول أنبياء لا رسل وردّ بقوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ} [سورة البقرة، الآية: 87] إلى قوله: {فَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} وأجيب عنه باجوبة أحسنها عندي أنّ المراد به الرسل المأمورون بالقتال لأنّ أمرهم بالقتال وعدم عصمتهم لا تليق بالعزيز الحكيم فلا يعارض هذا قوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [سورة المجادلة، الأية: 21] وشعيا بشين مفتوحة وعين مهملة ساكنة وياء تحتية وألف مقصورة، وهو نبيّ قتل قبل عيسى صلى الله عليه وسلم بشر به وبنبينا صلى الله عليه وسلم فنشره قومه بالمنشار، وفي بعض النسخ شعيبا وهو من تحريف النساخ فإنّ شعيباً عليه الصلاة والسلام لم يقتل بل لحق بمكة بعد هلاك قومه ومات بها، فإن قيل: إنه جمع النبيّ على نبيين وهو فعيل بمعنى مفعول وقد صرحوا بأنه لا يجمع جمع مذكر سالم وأنه همز في القراءة المتواترة، وقد روي أن رجلاً قال للنبيّ يت! رو: " يا نبيء الله بالهمزة فقال لست بنيء الله " يعني مهموزاً ولكن نبيّ الله بغير همزة فأنكر عليه ذلك وقد منع بعضهم من إطلاقه عليه صلى الله عليه وسلم تمسكا بهذا (قلت) أمّا الأوّل فليس بمتفق عليه إذ قيل إنه بمعنى فاعل ولو سلم فقد خرج عن معناه الأصلي ولم يلاحظ فيه هدّا إذ يطلقه عليه من لا يعرف ذلك فصح جمعه باعتبار المعنى الغالب عليه، وأمّا القراءة في السبعة مهموزاً

مع النهي المذكور فأجيب عنه بأنّ أبا زيد حكى نبأت من الأرض إذا خرجت منها فمنع لوهم أنّ معناه يا طريد الله فنهاه عن ذلك لإيهامه ولا يلزم من صحة استعمال الله له في حق نبيه صلى الله عليه وسلم الذي برأه من كل نقص جوازه من البشر فتأمّل. قوله: (بنير الحق عندهم الخ) إشارة إلى جواب ما قيل: إنّ قتلهم لا يمكن أن يكون بحق فما الفائدة فيه فقيل: إنه ليس للاحتراز بل لازم نحو دعوت الله سميعاً وذكر تشنيعاً عليهم والذي ذكره المصنف رحمه الله تبع فيه الزمخشريّ، وهو لا يخلو من شبهة لأنّ القفال قال: إنهم كانوا يقولون إنهم كاذبون وانّ معجزاتهم تمويهات ويقتلونهم بهذا السبب وبأنهم يريدون إبطال ما هم عليه من الحق وارتضاه بعضهم، ولذلك زاد في الكشاف فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهاً يستحقون به القتل عندهم، والحق وقع معرّفا هنا ومنكرا في آية أخرى فالتعريف إمّا للجنس أي بغير حق أصلاَ أو للعهد أي بغير الحق الدّي عندهم وفي معتقدهم، وكلام المصنف رحمه الله يحتملهما، وفي الكشف التنكير في آل عمرآن للتعميم والتعريض بأنهم حول نبينا صلى الله عليه وسلم بالقتل ولهذا لم يقل وكانوا يقتلون، فالمناسب أن يقال بغير حق من الحقوق لئلا يوهم أنه لو كان حقاً عندهم لما استحقوا زيادة الذمّ، وقيل: إنه للمتقين. قوله: (أي جرّهم العصيان والتمادي الخ) يعني أنّ ذلك إشارة إلى السبب المذكور والباء سببية لبيان سبب السبب أيضاً حالاً لاستحقاقهم ذلك وإنما أكد الأوّل لأنه فظنة الاستبعاد بخلاف مطلق العصيان، والاعتداء أصل معناه تجاوز الحد في المعاصي كالتمادي لكن عرف في ظلم الغير كما ذكره القرطبي رحمه الله ومراد المصغف وحمه الله تعالى معناه الأصلي، وفي قول الزمخشريّ بسبب عصيانهم واعتدائهم لأنهم انهمكوا فيهما وغلبوا بالمعنى العرفي فلا يقال إنّ الانهماك والغلو في العصيان عين الاعتداء ولذلك غير المصنف رحمه الله تعالى عباوته كما توهم وكونها صغاراً بالنسبة لما قبلها وهو ظاهر أو هي في نفسها صغيرة لإطلاق مطلق المعصية عليها إذ المعتاد في الجرم العظيم أن يعين فتأمل والإشارة بذلك لتقصيه أو لأنه مما ايبعده العقل خصوصا من أهل الكتاب. قوله: (وقيل كرر الإشارة الخ) هذه الإشارة على تفسيره راجعة إلى الكفر بالآيات وما بعده فلا تكرار وعلى هذا راجعة إلى ضرب الذلة وما معه فهي مكرّرة، والمقصود بيان سبب آخر وإنما لم يرتضه لأنه خلاف الظاهر ولأنّ مقتضى الظاهر حينئذ العطف لاتحاد الموضوع وتناسب المحمولين. قوله: (وقيل الإشارة إلى الكفر والقتل الخ) الفرق بين هذا وبين الوجه الأول ليس إلا اختلاف معنى الباء فيهما فهي على الأوّل سببية وعلى هذا للمعية، ولذا قيل: ينبغي أن يقدم هذا على قوله وقيل: كرر الخ. ويكتفي بقوله وقيل: الباء للمعية والمعنى أنّ ذلك الكفر والقتل كائن مع العصيان والإعتداء، وقد كان كافيا في السببية فكيف وقد انضم إليه غيره وضعفه لما فيه من عدم الإرتباط أيضا. قوله: (وإنما جوّزت الإمارة الخ) الأصل في اسم الإشارة والضمير إذا كانا مفردين أن يرجعا لما هو مطابق لهما لكنهما قد يعبر بهما عن متعدد بتأويل المذكور ونحوه مما هو مفرد لفظاً مجموع معنى وهو في اسم الإشارة كثير وقد يجري ذلك في الضمير حملاَ عليه، ولذا قال: ونظيره واسم الإشارة هنا لمتعدد في سائر الوجوه فهذا توجيه لها كلها لا للأخير فقط والشعر المذكور لرؤبة قال المصنف رحمه الله تعالى: إنه في صفة بقرة وحشية، وقال ابن دريد: إنما هو في صفة أتان وهو من قصيدة له مشهورة أوّلها: وقاتم الأعماق خاوي المخترق مشتبه الأعلام لماع الخفق وقبله: قود ثمان مثل أمراس الأبق فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق روي أنّ أبا عبيدة رحمه الله قال لرؤبة إن أردت الخطوط فقل كأنها أو السواد والبلق فقيل كأنهما فقال: أردت كأنّ ذلك ويلك وأصل البلق سواد وبياض وأراد به البياض فقط أو هو معطوف على خطوط والتوليع استطالة البلق والتلوين وسيأتي في قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} وقوله: والذي حسن ذلك

لا يخفى حسن موقع ذلك هنا يعني أن تثنية أسماء الإشارة والموصولات والضمائر وجمعها وتأنيثها ليس على قانون أسماء الأجناس والا لقيل في ذا ذو إن مثلاً بل هي بوضمع صيغ أخر فجوزوا فيها ما لم يجوزوا في غيرها ولهذا جاء التعبير بالذي عن الجمع من غير تأويل عند بعض النحاة وبعضهم يؤوّله بنحو ما هنا. قوله: (يريد به المتدينين الخ) المؤمن إذا أطلق يتبادر منه من أخلص الإيمان: والمصنف رحمه الله جعله أعم من أن يكون بمواطأة القلب أولاً ليصح قوله من أمن منهم وسن ظن أنه إنما يصح على تخصيصه بالمنافقين كما فعل الزمخشريّ فقدسها: وقوله وقيل: الخ نقل هذا عن سفيان قال المراد المنافقون ولذلك قرنهم باليهود والنصارى ثم بين حكم من أخلص الإيمان منهم واختاره الزمخشريّ وسيأتي وجه تضعيفه. قوله: (تهوّدوا) أي دخلوا في دين اليهود وهو إن كان عربيا في الأصل من هاد لأنّ الاشتقاق المذكور من الاسم بعد النقل كتنصر وهاد بمعنى تاب أو بمعنى سكن ومنه الهوادة وان كان معرّبا فهو معرّب يهوذا بذال معجمة وألف مقصورة فعرّب وغير، والنصارى إن كان جمع نصران بمعنى نصرانيّ فهو على القياس كندمان ونشوان وندامى ونشاوى والياء حينئذ للمبالغة كما يقال للأحمر أحمريّ إشارة إلى أنه عريق في وصفه، وقيل: إنها للفرق بين الواحد والجمع كزنج وزنجيّ وروم وروميّ ونصران بمعنى نصرانيّ وارد في كلام العرب وان أنكره بعضهم كقوله: تراه إذا دار العشيّ محققا ونصحي لديه وهو نصران شاس! وكذا ورد نصرانة في مؤنثه أيضا كقوله: كما سجدت نصرانة لم تحنف وقيل النصارى جمع نصريّ كمهريّ ومهارى، وألفه للتأنيث ولذا لم ينوّن ونصران بمعنى ناصر سمي له لأنهم نصروا الصي! يح أو لنصر بعضهم لبعض فلا يرد عليه أنّ فاعلاَ لا يجمع على فعالى كما توهم، وقيل: إن عيسى عليه الصلاة والسلام ولد في بيت لحم بالمقدس ثم سارت به أمّه إلى مصر ولما بلغ اثنتي عشرة سنة عادت به إلى الثام وأقامت بقرية يقال لها ناصرة وقيل: نصرايا وقيل: نصرا، وقيل: نصرانة، وقيل: نصران، فسمي من معه باسمها إن كان نصران أو نح! مرانة أو أخذلهم اسم من اسمها إن لم يكن كذلك وقال السيرافي النصارى: جمع نصريّ كمهريّ ومهارى حذفت إحدى ياءيه وقلبت الكسرة فتحة للتخفيف فقلبت الياء ألفاً هذا عند الخليا! وعند سيبوبه رحمه الله أنه جمع نصران لأنه جاء في المؤنث نصرانة قال: فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف واذا كان المؤنث نصرانة فالمذكر نصران أص. ثم إنّ قوله ضربت عليهم الذلة الخ استطراد بعد ذكر النعم التي يجب شكرها وهو مما ينبههم للشكر لو خامة عاقبة الكفران، وفي كتب الفروع اختلف في تفسير الصأبئة فعندهما هم عبدة الأوثان وأنهم يعبدون النجوم وعند أبي حنيفة رحمه الله ليسوا بعبدة أوثان وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة، وعليه بني الاختلاف في النكاح، ثم اختلف في لفظه فقيل: غير عربيّ، وقيل: عربيّ من صبأ بالهمز إذا خرج أو من صبا معتلاً بمعنى مال لخروجهم عن الدين الحق وميلهم إلى الباطل فقراءة الصابين بالياء إمّا على الأصل أو الإبدال للتخفيف وكونهم بين النصارى والمجوس وقع في غيره بين اليهود والمجوس، وفي آخر بين اليهود والنصارى، والمراد أنّ ما يدينون به مشابه لهؤلاء الفريقين أو أنّ ديئهم وقع بين زماني الدينين وهو الظاهر واختلف في قبلتهم فقيل: الكعبة وقيل: مهب الجنوب، وقيل: إنهم موحدون يعتقدون تاثير النجوم ويقرّون ببعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل هم من المانوية. قوله: (من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ الخ) وجه التخصيص قوله وعمل صالحا فإنّ من لم يكن على دين صحيح لا يكون له عمل صالح وإنما لم يلتفت الزمخشريّ إلى هذا الوجه لأنه رأى أنّ الصابئين ليسوا من أهل الكتاب فلم يصح أن يقال: من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ، والمصنف رحمه الله تعالى لما نقل كونهم على دين أمكن له هذا التفسير وظاهره أنّ المراد من كان نهم من هؤلاء الفرق على دين صحيح لم ينسخ، وقيل: المراد بالدين في قوله الدين الذي

ينتسب إليه مخلصا كان أولاً فيتناول المنافق والمخلص من المسلمين وغيرهم، والمراد نسخ ذلك الدين كله أو بعضه كما في شريعتنا أو معنى قبل أن ينسخ أنه قبل النسخ وفيه نظر، وجعل الإيمان بالله كناية عن الإيمان بالمبدأ وما يتعلق به واليوم الآخر كناية عن المعاد. قوله: (عاملاَ بمقتضى شرعه) هو معنى قوله وعمل صالحا أي عاملاً به قبل النسخ، واختاره المصنف رحمه الله تعالى لأنه الموافق لسبب النزول، وهو أنّ سلمان رضي الله تعالى عنه ذكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم حسن حال الرهبان الذين صحبهم فقال صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم في النار فأنزل الله هذه الآية فقال صلى الله عليه وسلم: " من مات على دين عيسى عليه الصلاة والسلام قبل أن يسمع بي فهو على خير ومن سمع بي ولم يؤمن بي فقد هلك " وذكره الراغب رحمه الله وقوله وقيل: هو مختار صاحب الكشاف وضعفه بعدم المطابقة لسبب النزول ولأنّ التخصيص خلاف الظاهر وفيه نظر، وعلى هذا فالمراد من أخلص إيمانه في زمانه اللائق به فله أجر الخ. وقوله: فلهم عائد على من باعتبار معناه بعدما عاد عليه باعتبار لفظه ولا خلاف في هذا إنما الخلاف في عكسه والصحيح جوأزه كما مرّ وقوله الذي وعد الله الخ فيه إشارة إلى أنهم إنما يستحقون ذلك بمحض كرمه تعالى ولكن تسميته أجر العدم تخلفه. قوله: (حين يخاف الكفار الخ) هذا يؤخذ من تخصيصه بنفي الخوف عنهم وتقديم الضمير وخصه بالآخرة لأنه حينئذ يتبين فيه ذلك، وأمّا في الدنيا فلا يخلو اً حد عنه، ولما كان الخوف أشد من الحزن خصه بالكفار فلا يقال: لم خص الخوف بالكفار والحزن بالمقصرين ولا وجه للتذصيص بهؤلاء فتأمّل. وقوله: عند ربهم إشارة إلى أنه لا يضيع لأنه عند حفيظ أمين. قوله: (ومن مبتدأ الخ) جوّزوا من أن تكون شرطية وخبرها فيه خلاف هل هو الشرط أو الجزاء أو هما وأن تكون موصولة مبتدأ وفلهم الخ خبره أو بدل من اسم إنّ وقوله فلهم أجرهم الخ خبران، ويجوز دخول الفاء في خبر الموصول والموصوف بفعل أو ظرف لتضمته معنى الشرط لكن إذا دخلت عليه أنّ اختلف في جواز دخولها فجوّزه بعضهم ومنعه آخرون لأنّ أن لا تدخل على أسماء الشرط لأنّ لها صدر الكلام ونحو: إن من يدخل الكنيسة يوماً يلق فيها جآذرا وظباء ضرورة أو مؤوّل ورد بأنه ورد في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ} [سورة البروج، الآية: 0 ا] الآية وأنه لا يلزم من امتناعه في اأصثمرط الحقيقي امتناعه في المشبه به وأجيب بأنّ الفاء زائدة ورذ بأن من لا يقول بزيادة الفاء في مثله وبأنّ الخبر مقدر وهذا معطوف عليه لا يسلمه وقال أبو حيان رحمه الله: الذي نختاره أنها بدل من المعاطيف التي بعد اسم إنّ فيصح إذ ذاك المعنى وكأنه قيل: إنّ الذين آمنوا من غير الأصناف الثلاثة ومن آمن من الأصناف الثلاثة فلهم أجرهم وقال الشارح المحقق: ما ذكر من كون من مبتدأ خبره فلهم يشعر بأنه جعلها موصولة إذ الشرطية خبرها الشرط مع الجزاء لا الجزاء وحده اص. وفيه نظر وقوله من كان منهم إشارة إلى تقدير العائد وليس دخول الفاء في خبر أن لتضمن من معنى الشرط بل لتضمن الموصول الأوّل حتى يقال: إنّ النحاة لم يقولوا إنّ من مصحح دخول الفاء في الخبر تضمن المبدل منه معنى الشرط وان قال به جار الله مع أنهم صرحوا به في الموصوف نحو: {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [سورة الجمعة، الآية: 8] ولا فرق بينه وبين البدل بل هو أولى منه لأنه المقصود بالنسبة وهو بدل بعض لأنهم بعض هؤلاء الذوات ولا يلزم اتحادهم في الصفات. قوله: ( {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} الخ الم يقل مواثيقكم لأنه كان عهداً واحداً واختلف في هذا الميثاق هل كان قبل رخ الطور بالانقياد لموسى عليه الصلاة والسلام وتبول ما يأتي به ثم لما نقضوه رفع فوقهم الطور لقوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} أو كان معه، والطور كل جبل أو جبل منبت وهو سرياني معرب وقوله: كبرت عليهم أي شقت وظلله بمعنى جعله فوقهم مرتفعا منفصلاً عن الأرض كالظلة قيل: فكانه حصل لهم بعد هذا القسر والإلحاء قبول واذعان اختياري أو كان يكفي في الأمم السابقة مثل هذا الإيمان ا!. ويرد. ما في التيسير عن القفال أنه ليس جبرا على الإسلام لأنّ الجبر ما سلب الاختيار ولا يصح معه الإسلام بل كان إكراها وهو جائز ولا يسلب الاختيار

كالمحاربة مع الكفار وأمّا قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [سورة البقرة، الآية: 256] وقوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [سورة يونس، الآية: 99] فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ به، وقوله: على إرادة القول أي قلنا خذ أو قائلين خذوا وقوله: بجدّ وعزيمة أي على تحمل مشاقه وهو حال. قوله:) ادرسوه الخ) يشير إلى أنه يحتمل الذكر اللساني والقلبي والأعم منهما وما يكون كاللازم لهما والمقصود منهما أعني العمل وفي نسخة وتفكروا وفي أخرى أو تفكروا. قوله: (لكي تتقوا الخ) قد مر تفصيله والمراد هنا أنّ لعلكم تتقون إن كان تعليلا لقوله خذوا أو اذكروا كان على حقيقته لأنه راجع إليهم ويجوز منهم الترجي وان كان تعليلاً لقلنا المقدر يكون تعليلاَ لفعل الله وهو وان جوّز بالحكم كما مرّ لكن تأويله بالإرادة بناء على مذهب المعتزلة في جواز تخلفها عن المراد كما مرّ، ويجوز أن يتعلق به على تأويله بالطلب فالتخصيص ليس بذاك وبجوز أن يتعلق إذا أوّل بالإرادة بخذوا أيضا على أن يكون قيداً للطلب لا للمطلوب فتأمّل. قوله:) ثم توليتم الخ) يفهم منه أنهم امتثلوا الأمر ثم تركوه وأصل الإعراض الإدبار المحسوس ثم استعمل في المعنوي كعدم القبول والخبر عن أحوالهم انتهى، عند قوله بعد ذلك كما قاله الإمام رحمه الله والفضل الزيادة في الخير والأفضال الإحسان فتفضل الله هنا إن كان على من سبق منهم فهو بقبول التوبة وان كان على من خلفهم من المخاطبين بنعمة الإسلام والقرآن وارسال محمد صلى الله عليه وسلم، واليه أشار بقوله أو بمحمد صلى الله عليه وسلم وقوله: يدعوكم الخ راجع إلى الفضل والرحمة وقيل: إنه لف ونشر ولا دليل عليه والخسران ذهاب رأس المال أو نقصه واليه أشار بتفسيره بالمغبونين والمراد هلاكهم بالانهماك في المعاصي، وهو ناظر إلى تفسير الفضل بالتوفيق للتوبة، وقوله: أو بالخبط الخ ناظرا إلى قوله أو بمحمد صلى الله عليه وسلم الخ. قوله: (ولو في الأصل الخ) اختلف في لولا هل هي مركبة من لو الامتناعية ولا النافية فتكون نفى نفي يقتضي الإثبات أو كلمة بسيطة وضعت لامتناع شيء لوجود آخر وأنّ الاسم الصريح أو المؤوّل الواقع بعدها مبتدأ يجب حذف خبره مطلقاً أو إذا كان كوناً عاما أو فاعل فعل مقدر كوجد وثبت والكلام عليه مبسوط في النحو، وما ذكر. المصنف رحمه الله هو مذهب البصريين والخبر عندهم واجب الحذف على المختار ولكنتم جوابها ويكثر دخول اللام عليه إذا كان موجبا وقيل: إنه لازم إلا في الضرورة وقوله: لدلالة الكلام بيان لمصحح حذفه، ولسد الخ بيان لموجبه. قوله: (اللام موطئة للقسم الخ) قيل: إنه سهو والصواب واللام لتقدير القسم أي والله لقد علمتم، إذ اللام الموطئة ما تدخل على شرط نازعه القسم في جزائه ليجعله جواباً للقسم نحو والله لئن أكرمتني لقد أكرمتك ولك أن تقول إنّ هذا اصطلاج للنحاة والمصنف رحمه الله تجوّز بها عن اللام الواقعة في جواب قسم مقدر لأنه لولاها لم يعلم أنّ في الكلام قسما مقدراً فقد مهدت له الجواب ولذا تسمى ممهدة ومؤذنة وسيأتي في كلام الزمخشريّ نحوه وقيل: إنها لام ابتدائية وعلمتم هنا بمعنى عرفتم يتعدى لواحد أي عرفتم أصحاب السبت وما أحللن بهم من النكال فلو شئنا لفعلنا بكم مثله. قوله: (والسبت مصدر سبتت اليهود الخ) تعظيمهم له بترك العادة والاشتغال بالعبادة بالانقطاع إلى الله فالمعنى على ما قال القرطبي في يوم السبت، ويحتمل أن يريد في حكم السبت فالمعنى في تعظيم يوم السبت قيل: والأوّل قول الحسن والثاني هو الأحسن لأنّ الاعتداء والتجاوز ما ذكر لم يقع في يوم السبت بل وقع في حكمه إلا أن يقال: إنهم فعلوا ذلك زمانا فلم ينزذ عليهم عقوبة فاستبشروا وقالوا قد أحل لنا العمل في السبت فاصطادوا فيه كما روي فيصح جعل يوم السبت ظرفا للاعتداء وقوله: وأصله القطع لقطع الأعمال فيه، وقيل: إنه من السبوت وهو الراحة والدعة قيل: وفي قوله مصدر سبتت اليهود نظر فإنّ هذا اللفظ واشتقاقه موجود قبل فعل اليهود اللهم إلا أن يريد هذا السبت الخاص المذكور في الآية ولا وجه له فإنه كان في زمن موسى عليه السلام وتسمية العرب لها بهذه الأسماء حدث بعد عيسى عليه السلام وأسماؤهم قبل ذلك غير هذا وهي التي في قوله: أؤمل أن أعيش وأنّ يومي بأوّل وبأهون أو جبار

أو التالي دبار فإن أفيه فمؤتس! أو عروبة أوشيار قوله: (أمروا أن يجرّدوه للعبادة الخ) قيل: إن موسى عليه الصلاة والسلام أراد أن يجعل يوماً خالصا للطاعة وهو يوم الجمعة فخالفوه وقالوا نجعله يوم السبت لأنّ الله تعالى لم يخلق فيه شيئا فلما اختاروه لترك سائر الأعمال نهوا فيه عن الاصطياد والعمل وأيلة قرية واسم بيت المقدس إيليا، والخرطوم كزنبور ما ضم عليه الحنكان. قوله: (وشرعوا فيها الجداول) وفي نسخة إليها قال المحقق قيل: معنى شرعوا لظهورها من شرع من الدين كذا بين ولا يخفى بعده، وقيل: جعل الجدول كالشارع المنتهى إليه وليس من اللغة والأحسن أشرعوا من شرع الباب إلى الطريق وأشرعته وشرع المنزل إذا كان بابه على الطريق النافذ اهـ. (أقول) في مفردات الراغب أشرعت الرمح قبله وقيل: شرعته فهو مشروع اهـ. فالصواب أنه منه ومعنى شرعوا الجداول جمع جدول وهو القناة جعلوها متصلة بها ومواجهة لها من غير تغيير ولا تكلف وقيل: من قولهم شرع بابا إلى الطريق أي فتحه كما نقل عن الخليل رحمه الله (قلت) : وفي هذه الآية دليل على تحريم الحيل في الأمور التي لم تشرع كالربا وبها احتج مالك رحمه الله تعالى على ذلك إذ لا تجوز عنده، قال الكواشي: وجوّزها أكثرهم ما لم يكن فيها إبطال حق أو إحقاق باطل وأجابوا عن تمسكهم بأنها ليست حيلة وإنما هي عين المنهيّ عنه لأنهم إنما نهوا عن أخذها وفيه نظر وفي الكشاف فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم قيل: ذكره لتصحيح الظرفية في السبت للاعتداء، وتركه المصنف رحمه الله لأنه مستغني عنه إذ المعنى في حكم السبت فتأمل. قوله: (جا معين بين صورة القردة والخسوء الخ) إشارة إلى أنهما خبران إذ لو كان الخبر الأوّل والثاني صفة لقردة القيل خاسئة، وأما جعله كما في ساجدين على تشبيههم بالعقلاء أو باعتبار أنهم كانوا عقلاء فلا حاجة إليه ولأنّ القردة خاسئة ذليلة فلا حاجة لتوصيفها به فيكون المراد أذلاء عند الله، إذ قد يتوهم أنّ المسخ يكفي في عقوبتهم وقردة جمع قرد كفيلة وديكة وبفتح القاف وكسر الراء مثله، والخسوء الصغار أي الذلة والطرد، وبكون متعديا ولازما ومنه قولهم للكلب أخسأ وقيل: الخسوء كما في نسخة مصدر خسأ الكلب بعد، وأما ذكر الطرد فلاستيفاء معنى الخسوء لا لبيان المراد والا لكان الخاسئ بمعنى الطارد، وفي القاموس الخاسئ من الكلاب والخنازير المبعد لا يترك أن يدنو من الناس. قوله: (قال مجاهد الخ (فيكون المقصود منه تشبيههم بالقردة والخنازبر كقوله: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا كما يقال: أنت لا تقبل التعلم فكن حماراً أي اذهب وكن شبيه حمار والأمر مجاز عن التخلية والترك والخذلان كما في قوله عليه الصلاة والسلام: " اصنع ما شئت " وقد قرّره العلامة في تفسير قوله تعالى: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا} [سورة العنكبوت، الآية: 66] ولكن قال ابن جرير وغيره إن قول مجاهد رحمه الله تعالى خلاف الصحيح المشهور عن المفسرين من أنه مسخ حقيقيّ وكانوا إذا سبوا اليهود قالوا لهم يا إخوة الخنازير وليس تحويل الصورة بأعظم من إنشائها. قوله: (كونوا ليس بأمر إذ لا قدرة عليه الخ) هذا بناء على أنه مسخ حقيقي ولم يبينه لشهرته وظهوره من النظم والأمر عليه ليس تكليفياً بل تكوينيا كما في قوله تعالى: {كُنْ فَيَكُونُ} [سورة يى، الآية: 82] وهو مجاز أيضا أي لما أردنا ذلك صار من غير امتناع ولا لبث وفيه إظهار عظمته ونفاذ أمره ومشيثته وقوله: بغير همز يحتمل إبدالها ياء وحذفها. قوله: (فجعلناها أي المسخة) المفهومة من السياق وجوّز رجوعه لكينونتهم وصيرورتهم قردة والنكال واحد الإنكال وهي القيود ونكل به فعل به ما يعتبر به غيره فيمتنع عن مثله قاله الراغب. قوله: (لما بين يديها وما خلفها لما قبلها الخ) يعني أنّ المراد بما بين يديها من يأتي بعدها كما يقال: فلان بين يديك أي يأتيك وبما خلفها من يتقدمها فكأنه قال نكالاً للآتين والماضين فظرفا المكان استعيرا للزمان وما أقيمت مقام من إما تحقيرا لهم في مقام العظمة والكبرياء أو لاعتبار الوصف فإن ما يعبر بها عن العقلاء إذا أريد الوصف، ومعنى قوله في زبر الأوّلين أي ذكر في كتبهم أنه

تكون تلك المسخة فاعتبروا بها وصحت الفاء لأنّ جعلها نكالاً للفريقين جميعا إنما يتحقق بعد القول والمسخ. قوله: (أو لمعاصريهم الخ) وهذا ظاهر، والتوجيه للظرفية وما جار فيه أيضاً لأنّ اللفظ ينبئ عن القرب وكون الجهة مداننة لجهة من أضيف إليه اليد وقد رجحوا هذا التفسير، وقالوا: إنه هو المنقول عن السلف كابن عباس رضي الله عنهما. قوله: (أو لما بحضرتها) هذا هو الصحيح من النسخ ووقع في بعضها بحضورها ويحضرها وكأنه من النساخ، وهذا أيضا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما والظرفية مكانية حينئذ والظاهر أن المراد من القرى أهلها وأنّ ما بمعنى من أيضا وقيل: إنها على هذا الوجه عام للعقلاء وغيرهم وأبلغ من الأوّل لما انضم إليه من الآثار وغيرها ولا فرق بين هذا والذي بعده إلا بالأتربية والأبعدية. قوله: (أو لآجل ما تقدّم عليها من ذنوبهم الخ) فتكون اللام للتعليل وهي في الوجوه السابقة صلة لنكالاً قيل: النكال على هذا بمعنى العقوبة لا العبرة أي جعلنا المسخة عقوبة لأجل ذنوبهم المتقدمة على المسخة والمتأخرة عنها يعني السيئات الباقية آثارها والا فلا ذنب منهم بعد المسخ والحاصل أنّ المراد ما يكون بعد المسخة بحسث الثبات والبقاء لا الصدور والحدوث ولا يخفى أن قوله تعالى: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة، الآية: 66] لا يلائم هذا المعنى فلذا لم يرتضه اهـ. وقيل: عليه أن ضمير عليها في قول المصنف ما تقدّم عليها للمعصية المعهودة وما تأخر عنها لها إذ لا معنى لرجوع الضميرين للعقوبة فإنهم ما بقوا مكلفين إلا على قول مجاهد رحمه الله ويوافقه ما في التيسير قيل ما بين يديها ما تقدم من سائر الذنوب قبل أخذ السمك وما خلفها ما بعدها، وقيل: هو عبارة عن كثرة الذنوب المحيطة بهم أوّلاً وآخرا. وقال أبو العالية رحمه الله: فجعلناها عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم فمراد المصنف وغيره بما تأخر منها ما تأخر من العقوبة على ذنوب غيرهم ويعضده ترك التخصيص بتأخير البيان بقوله من ذنوبهم واللام في للمتقين للتعليل أيضا فما اعترض به غير واحد وما وجه به وجه بارد، وأورد على المصنف رحمه الله أنّ مبني هذا التفسير على أن النكال بمعنى العقوبة كما أشار إليه في الكشاف فكأنّ المصنف رحمه الله غافل عنه أو نقول يلغي القيد المذكور في قوله تنكل فيه لكن يأباه تفسيره بتمنعه اص. ولا يخفى ما فيه من التكلف وتفكيك الضمائر فالحق ما ارتضاه الفاضل تبعا لصاحب الكشف. قوله: (أول هذه القصة الخ (هذا ملخص ما في الكشاف لكنه هذبه لما فيه من الاختلاف الباعث إلى القيل والقال، وحاصله أنّ القصة لم تقتص على ترتيبها المتبادر إذ كان الظاهر أن يقال قال موسى عليه الصلاة والسلام إذ قتل قتيل تتوزع في قاتله إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل فيحيا ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت وأجاب المصنف رحمه الله بأنه فك بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من مساويهم التي قصد نعيها عليهم وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتاً وفوائد، وقيل: إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى عليه الصلاة والسلام على حسب تلاوتها بأن يأمرهم الله بذبح البقرة ثم يقع القتل فيؤمروا بضرب بعضها لكن المشهور خلافه (أقول) : الحق أنّ قصة البقرة لما كانت متضمنة لأمور عجيبة وآيات باهرة ولذا سميت السورة بها أراد تعالى ذكرها مرّتين على وجه يتضمن كل من الذكرين فوائد ومقاصد يخرجها عن التكرار، وزاد ذلك بأن حذف من كل ذكر وطوى فيه ما يدل عليه الآخر على طريقة الاحتباك حتى يتأسس الكلام ويرتبط النظام، ويأخذ بعضه بحجز بعض فطوى من الأولى بعضها إذ تقديره قال موسى عليه الصلاة والسلام وقد قتل قتيل وقع فيه التنازع إنّ الله يأمرهم أن تذبحوا بقرة تضربوه ببعضها فيحيا ويخبر بقاتله قالوا أتتخذنا هزوا الخ إذ مجرّد الأمر بذبح بقرة وتقريب قربان لا استهزاء فيه فذكر الاسنهزاء ناشر لما طوى وأضمر في قوله فقلنا اضربوه ببعضها حين ثنيت القصة فقلنا اذبحوا بقرة موصوفة بما عرفتم فاضربوه ببعضها يحي الخ. وهذا معنى قول الكشاف كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديداً لما وجد منهم من الجنايات وتقريعاً لهم عليها ولما جدد فيهم من

الآيات العظام وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وان كانتا متصلتين متحدتين فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتغ ذلك، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من الآية العظيمة وإنما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب الغرض! في تثنية التقريع وقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: اضربوه ببعضها حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة وتحقيق مراده على هذا المنوال مما لا مرية فيه وان لم يهتد إليه كثير من الفحول حتى قيل: لولا الفك والتقديم لم يحصل الفرض فإن قتل النفس بغير نفس والاختصام فيها من قبيل ما سبق من الاعتداء في السبت فإنّ في كل منهما ارتكاب المنهيّ بخلاف الاستهزاء بأمر الله وروادفه، وما فعله المصنف رحمه الله أدق مما ذكره الزمخشريّ وبالقبول أحق، ويمكن أن يناقش فيما ذكره بمنع توقف تثنية التقريع على فك الترتيب فإنه يحصل بتكرير التذكير وموقع ما في القصة من الجنايات فتأمل. قوله: (وهو الاستهزاء بالأمر الخ الما سيأتي من قوله استخفافا به فلا يرد عليه أنّ المنقول عنهم في قوله أتتخذنا هزواً حمل الأمر على الاستهزاء لا الاستهزاء بالأمر وفرق بينهما. قوله: (وقصته الخ) في الكشاف كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله بنو أخيه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ثم جاؤوا يطالبون بديته الخ. وقيل عليه الصواب بنو عمه كما في التفاسير وكما قال بعد ذلك قتلني فلان وفلان لابني عمه ومنهم من غير العبرة إلى فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه أي الشيخ ويدفعه ما في آخر القصة ولم يورّث قاتلي بعد ذلك لأنهم لم يقتلوا المورّث أي الشيخ فقيل: ضمير يرثوه للابن ويكون قتل الابن بعد موت الثيخ، ورد بأنه لا معنى لذكر الشيخ حينئذ إذ صارت القصة أنه كان رجل موسر فقتله بنو عمه ليرثه واعتذر له بأنّ الشيخ كان مشهوراً بينهم بالغنى وهو يقتضي غنى ابنه الموجب للطمع وقيل: المعنى قتل ابن الشيخ بنو أخي الشيخ ليرثوا الشيخ إذا مات ويدفعه قضية لم يورث قاتل بعد ذلك وأنهم جاؤوا يطالبون بديته والمصنف رحمه الله قصد إصلاحه فغيره لما ذكر وقوله: بدمه ظاهر في أنه بعد موت الشيخ وفاء فقتل فصيحة أي فمات فقتل ابنه والمراد بالميراث ميراث الشيخ لعدم تصرّف ابنه يخيه وذكر الشيخ لبيان سيب قتل ابن عمهم فتأمل والبقرة الأنثى والذكر الثور من بقر الأرض شقها بالحراثة وقيل: عامّ للذكر والأنثى، واستدل بالآية على أنّ الذبح فيها أحسن من النحر بخلاف الإبل. قوله: (أتتخذنا هزؤا الخ) الاتخاذ كالتصيير والجعل يتعدّى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر وقرئ بالتاء خطابا لموسى عليه الصلاة والسلام وبالياء فالضمير لله أي أنخبرك أنّ رجلا قتل فتأمرنا بذبح بقرة إن لم يكن ذكر الإحياء بضربها أو أيمكن ذلك فأنت تستهزئ بنا ولما كان لإفراده وكونه اسم معنى لا يقع مفعولاً ثانيا لضمير الجمع بدون تأويل أشار إلى تأويله بقوله مكان هزؤ الخ فهو إمّا بتقدير مضاف أي مكان أو أهل أو بجعل الهزؤ بمعنى المهزوء به تسمية للمفعول به بالمصدر أو بجعل الذات نفس المعنى مبالغة نحو رجل عدل، ويرجع مكان هزؤ إلى المبالغة فيه بطريق الكناية وقوله: استبعاداً لما قاله واستخفافا به تعليل لقالوا أتتخذنا والاستبعاد والاستخفاف مأخوذان من الاستفهام أي أتسخر بنا فإنّ جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق، ولا يخفى أنه يشعر بالاستخفاف فلا يتوهم أنه يأباه انقيادهم له فإنه بعد العلم بأنه جذ وعزيمة وقرئ بالضم على الأصل والتسكين للتخفيف وإبدال الهمزة المضموم ما قبلها واواً على القياس كما قرئ كفوا وكلها من السبعة. قوله: (لأنّ الهزؤ في مثل ذلك الخ) أي مقام التبليغ والإرشاد والجواب عما رفع إليه من القضية بخلاف مقام الاحتقار والتهكم مثل: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} والهزؤ ليس هو المزح والفرق بينهما ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتوله: جهل وسفه عطف تفسير لأنّ الجهل كما قال الراغب: له معان عدم العلم واعتقاد

الشيء بخلاف ما هو عليه وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسداً وهو المراد هنا. قوله:) نفى عن نفسه ما رمى به على طريقة البرهان الخ) يعني طريقة الكناية حيث نفى عن نفسه أن يكون داخلا في زمرة الجاهلين وواحداً منهم لأن أن أكون من الجاهلين أبلغ من أن أكون جاهلاً لأنّ معناه كائن من زمرة معروفة بذلك الوصف وأن أكون جاهلا أبلغ من أن أجهل فبين أنّ الهزؤ في هذا المقام جهل وأنا لا أجهل فكيف أهزؤ ولذا صدره بالاستعاذة لاستفظاعه وعده فظيعا شنيعا يستعاذ منه بالله كما هو المعروف من إيراده في أثناء الكلام، وقوله: أح الخ أي سله لأجلنا يبين لنا، فيبين مجزوم في جواب الأمر أي يظهر لنا ما هي. قوله: (أي ما حالها وصفتها وكان حقه الخ) قال المحقق ما تكون سؤالاً عن مدلول الاسم أو حقيقة المسمى أو وصفه مثل ما زيد وجوابه الفاضل أو الكريم أو نحو ذلك كما صرّح به الزمخشريّ والسكاكيّ، والأوّلان معلومان فتعين الثالث لأنهم سمعوا لها صفة من إحياء الميت ليست من جنسها فتعجبوا وسألوا عن حالها وصفتها فإن كانت معينة كما هو رأي البعض فظاهر لأنه استفسار لبيان المجمل والا فلمكان التعجب وتوهم أنّ مثلها لا يكون إلا معينا، وقد تقرّر في بعض الأذهان أنّ كلمة ما إنما تكون سؤالاً عن الاسم والحقيقة وأنّ السؤال عن الصفة إنما يكون بكيف أو أني فزعموا أنّ ما ههنا أقيمت مقام كيف أو أني إيماء إلى أنها كأنها نوع أو فرد مخصوص لها أوصاف خارجة عما عليه جنس البقر اص. ملخصاً. وقول المصنف رحمه الله ما حالها إشارة إلى أنه قد يسئل بها عن الوصف، ولذا قال: غالباً لكن بين نكتة العدول عن الغالب فقوله: كان حقه أن يقولوا أيّ بقرة لأنّ أيا يسئل بها عما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما، وكيف للسؤال عن الحال لكنهم لما رأوا ما أمروا بذبحه لإحياء الميت بضربه ببعضه لم يوجد بها أي بتلك الحال شيء من جنسه سألوا عن الحال بما يسئل به عن الحقيقة في الغالب لعدم مثله وزاد قوله إنه يقول إشارة إلى أنه من الله لا من عند نفسه، ولا فارض! ولا بكر صفة بقرة واعترض لا بين الصفة والموصوف نحو مررت برجل لا طويل ولا قصير، وأخبر مبتدأ محذوف أي هي وكرّرت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال، ولا يجوز عدم التكرار إلا في ضرورة خلافا للمبزد وابن كيسان كقوله: قهرت العد إلا مستعينا بعصبة ولكن بأنواع الخدائع والمكر والفارض المسنة الهرمة من فرض بمعنى قطع إفا لأنها فرضت سنها أو لقطعها الأرض بالعمل أو لأنها من فريضة البقر في الزكاة يخهو إسلاميئ، والبكر ما لم تحمل أو ما ولدت بطناً واحدأ أو ما لم يطرقها فحل وأصل الماذة يدل على الأوّلنة كما ذكره المصنف رحمه الله وهو ظاهر والفتية الحديثة السن كالفتاة في النساء وفرضت بفتح الراء وضمها. قوله:) نصف الخ (النصف بفتحتين المرأة المتوسطة الست فهو من قبيل المشفر والعوان قال الجوهرقي: النصف في سنها من كل شيء وإنما ذكره لدفع توهم أنها جنين أو جفرة وقوله نواعم الخ هو من شعر للطرماج وهو: ظعائن كنت أعهدهن قدما وهق لدى الإقامة غير خون حسان مواضع النقب الأعالي غراث الوشح صامتة البرين طوال مثل أعناق الهوادي نواعم بين أبكار وعون والهوادي الظباء وبقر الوحش، والنواعم اللينة الملمس وذلك وإن كان مفرداً أشير به لمتعدّد مؤوّل بما ذكر كما مرّ ولذا صح إضافة بين إليه لأنه لا يضاف إلا لمتعدّد. قوله: (وعود هذه الكنايات الخ) قيل: لا خلاف في أنّ ظاهر اللفظ في أوّل الأمر بقرة مطلقة ولا في أنّ الامتثال في الآخر إنما وقع بمعينة وإنما هو في أنّ المأمور به في أوّل الأمر معينة وأخر البيان عن وقت الخطاب أو مبهمة لحقها التغيير إلى المعينة بسبب كثرة سؤالهم ذهب بعضهم إلى الأوّل تمسكاً بأنّ الضمائر في أنها بقرة كذا وكذا للمعينة فكذا في السؤال. قيل: ورجحه المصنف خلافاً للزمخشريّ، ولذا قدمه وذكر متمسك قائله وعبر فيه

بالدلالة وفي الآخر بالزعم ولم يذكر له متمسكاً، وأجيب عما ذكره بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها معينة خارجة عما عليه صفة الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة بزعمهم فعينها الله تشديداً عليهم وان لم تكن من أوّل الأمر معينة، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر المتبادر. قوله: (ومن أنكر ذلك رّعم أنّ المراد بها بقرة من شق البقر الخ) شق بالكسر أي من جانبها ونوعها من غير تعيين، وفي الأساس خذ من شق الباب أي عرضه ولا تختر أي أنّ المأمور به غير معينة بحيث يحصل الامتثال بذبح أيّ بقرة كانت تمسكاً بظاهر اللفظ لقوله عليه الصلاة والسلام: " لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم " وهو مروفي عن ابن عباس رضي الله عنهما لكن لفظ المروي: " لو ذبحوا أيّ بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شدّدوا على أنفسهم فشدّد الثه عليهم " أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً، وبه يشعر قوله فافعلوا ما تؤمرون قبل بيان اللون، وقوله: ثم انقلبت الخ. جواب عن تمسك القائلين بالتعيين بأنه دل عليه السياق، ووقع الاتفاق على أنه لم يرد أمر متجدّد غير الأوّل يكون به امتثالهم وإنما الامتثال بالأمر الأوّل فلزم أن لا يكون منسوخا وأن يكون أمراً بذبح المعينة لظهور أنّ الامتثال لم يقع إلا بالمعينة، وتقريره إنا لا نجعل نسخ الأمر الأوّل وانتقال الحكم إلى المخصوصة مبنياً على ارتفاع حكمه بالكلية حتى يحتاج إيجاب المخصوصة إلى أمر متجدد بل على أنه كان متناولاً لها ولغيرها بمعنى حصول الامتثال بأقي فرد كان فارتفع حكمه في حق ما عداها وبقي الامتثال بذبحها خاصة فكان ذبحها امتثالاً للأمر الأول ولم يكن هذا منافيا لنسخ الأمر الأوّل في الجملة ولا موجبا لكون المراد به أوّلاً ذبح المعينة ويلزمه النسخ حيث ارتفع الإجزاء بأيّ فرد كان والتخصيص في عبارته بمعنى التقييد لا القصر ولا الاصطلاحيّ لأنه مطلق لا عامّ، وقوله والحق جوازهما أي جواز تأخير البيان عن الخطاب فإنّ الممتنع تأخيره عن وقت الحاجة على الصحيح وليس هذا منه فإنه لا دليل على أنّ الأمر هنا للفور حتى يتوهم ذلك وكذلك النسخ قبل الفعل جائز بل واقع كما في حديث: " فرض الصلاة خمسين في المعراج ". وقد نص عليه السهيليّ في الروض! ، وإنما الممتنع النسخ قبل التمكن من الاعتقاد بالاتفاق، وقبل التمكن من الفعل عند المعتزلة وفيه نظر وأيده بتقريعهم بالتمادي وزجرهم عن المراجعة قبل بيان اللون وكونها مسلمة غير مذللة وقوله: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} وقيل: إنه دليل على أنه اختار القول الثاني ولم يجعل الحديث دليلا لأنه خبر واحد لا يعارض الكتاب وان كان صريحا فيه. قوله: (فافعلوا ما تؤمرون أي ما تؤمرونه بمعنى ما توّمرون به الخ) تأكيد للأمر وتنبيه على ترك التعنت وقوله: ما تؤمرونه إشارة إلى أنّ ما موصولة والعائد محذوف قال المحقق قد يتوهم أنه مثل لا تجزي نفس عن نفس شيئا في حذف الجارّ والمجرور دفعة، أو تدريجاً أو أنه من قبيل التدريج حيث حذف الباء أوّلاً ثم الضمير، والظاهر من العبارة أنه من قبيل حذف المنصوب من أوّل الأمر لأنّ حذف الجارّ قد شاع في هذا الفعل وكثر استعمال أمرته كذا حتى لحق بالأفعال المتعدية إلى مفعولين وصار ما تؤمرون في تقدير ما تؤمرونه، ولذا جعل ما تؤمرون به هو المعنى دون التقدير وأمّا جعل ما مصمدرية والمصدر بمعنى المفعول أي المأمور بمعنى المامور به فقليل جداً وإنما كثر في صيغة المصدر اهـ. وهذا الأخير هو معنى قول المصنف رحمه الله أو أمركم الخ ولما فيه أخره وهو يخالف قول الطيبيّ رحمه الله أنّ الأمر لا يستعمل إلا بالباء وقوله: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مط ل وذا نشب قيل: قائله عباس بن مرداس وقيل: خفاف بن ندبة، وقال الآمديّ رحمه الله: أرى من الشعراء شاعرا يقال له الأعثى غير الأعشى المشهور وهو من بني فهم حلفاء بني سليم وهو القائل: يا دارأسماء بين السفح فالرحب أقوت وعفى عليها ذاهب الحقب إني حويت على الأقوام مكرمة قدماً وحذرني ما تتقون أبي

وقال لي قول ذي علم وتجربة بسالفات أمور الدهر والحقب أمرتك الرشد فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب أي أمرتك بالخير بدليل ما أمرت به وذا مال أي ذا إبل وماشية لأنه يخص بها في كلام العرب والنشب المال الأصيل وهو اسم يجمع الصامت والناطق والنشب بشين معجمة وموحدة بعد النون، وروي بسين مهملة. قوله: (الفقوع نصوع الصفرة (أي خلوصها وأصل معناه شدة البياض يقال: أبيض ناصع وأريد به هنا مطلق الخلوص، والحلكة شدة السواد وليس المراد بالتأكيد هنا ا! كيد الاصطلاحيّ بل النعت المؤكد كلمس الدابر، وقوله: في إسناده إلى اللون الخ يعني أنه صفة سببية ولونها فاعل لا مبتدأ كما يتبادر إلى الوهم، كذا قيل: ولا مانع منه وقد جوّز أبو البقاء رحمه الله وتكون الجملة صفة نعم لا يصح جعله فاعل صفراء لتأنيثها واكتسابه التأنيث من المضاف إليه خلاف الظاهر وتسرّ صفة صفراء وجوّز كونه صفة لونها وهو بعيد لفظا ومعنى، وإنما أوثر ذلك على صفراء فاقعة لما فيه من المبالغة لأنه من قبيل جد جدّه وحن حنوته حيث أثبت للون صفرة وهو ظاهر. قوله ة (وعن الحسن رحمه الله سوداء شديدة السواد الخ الا يخفى أنه خلاف الظاهر والصفرة وإن استعملتها العرب بهذا المعنى نادرا كما أطلقوا الأسود على الأخضر لكنه في الإبل خاصة كقوله: {جِمَالَتٌ صُفْرٌ} [سورة المرسلات، الآية: 33] لأنّ سواد الإبل تشوبه صفرة وتأكيده بالفقوع ينافيه لأنهم قالوا أسود حالك وأحمر قان وأبيض ناصع وأخضر ناضر وأصفر فاقع ففرقوا بينها بالأوصاف، وهذا هو المشهور في اللغة إلا أنه قال في كتاب اللمع يقال: أصفر فاقع وأحمر فاقع وبقال في الألوان كلها فاقع وناصع إذا خلصت اهـ. فعليه لا يرد ما ذكر وكون الأصفر بمعنى الأسود قاله أبو عبيد رحمه الله في غريبه وابن قتيبة واستشهد له بما ذكر. وقال البصريّ في كتاب التنبيهات: فيه غلطان، أحدهما: أنّ الإبل لا توصف بالسواد وإنما يقال حمر النعم وصفر النعم والسود منها مذمومة، والثاني أنّ الزبيب أسود وأصفر والذي ذكره الأعشى الثاني وقال أبو يوسف رحمه الله: الأصفران الورس والزبيب ولكته سمع قول الأصمعيّ الألوان عند العرب لونان أبيض وه، سواه أسود فلم يفهم لأنّ عنده الألوان كلها ترجع لما ذكر اهـ. وقال أبو رياس: هو غلط وأين هما عن قول ذي الرمة: وجيد ولبات نواصع وضح إذا لم يكن من نصح حارثة صفرا قوله: (قال الأعشى الخ) هو من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب وضمير منه يعود له هو مذكور في قوله فبله: إنّ فيساً قيس الفعال أبا الأف حث أمست أصداؤه لشعوب وتلك مبتدأ وخيلي خبره ومنه حال أي حاصله من الممدوح، والركاب التي تركب واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها والتشبيه بالزبيب علم في الوصف بالسواد وكون البعض من الزبيب أصفر وأحمر لا يدفع ذلك وحمل الصفر في البيت على الظاهر وجعل كالزبيب خبراً عن الأولاد يعني أنها صفر أولادها سود احتمال بعيد لا يحسن إلا بالعاطف أي وأولادها كذا قيل: ردّا على ما في الكشف وفيه نظر لأنه إذا جعل الجملة صفة لصفر سببية لا يتأتى فيه الواو، ولا مانع منه نعم ردّه الأوّل مسموع وكذا ما قاله من أنه على هذا القول استعيرت الصفرة للسواد وكذا فاقع لشديد السواد وهو ترشيح ويجعل سواده من جهة البريق واللمعان ولا يخفى ما فيه من التكلف، وقوله: لأنها من مقدماته إذ أكثر في النبات والثمار أنها تسودّ بعد اصفرارها فيكون إطلاق الأصفر على الأسود باعتبار ما كان عليه فمن قال في تفسير قوله من مقدماته أنه صار بالآخرة إليه فيكون مجازاً باعتبار ما يؤول إليه فقد سها فتأمّل. وقوله تعلوه صفرة قيل: فهو من ذكر المحل وارادة الحال، والسرور الفرح بحصول النفع ونحوه كدفع الضرر وتوقعهما واستعماله بمعنى الإعجاب للزومه له غالبا مجاز، وأخذ. من السرّ لأنه انشراح في الصدر أو لذة في القلب

فمبدؤه كالسرّ ومن قرأ السرور بالفتح مصدر سرّ والسرّ بالضم فقد تعسف وأتى بما لا فائدة فيه، وما هي ما استفهام عن الحال كما مرّ خبر أو مبتدأ أو الجملة في محل نصب يبين لأنه معلق عنها وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب والمعنى يبين لنا جواب هذا السؤال وكونه تكريراً بحسب الظاهر وهو معنى أنه كرّر عبارته لأنه سؤال عن الموصوف بالأوصاف السابقة طلبا لزيادة البيان وقوله اعتذار عنه أي عن تكرير السؤال، قيل: وقيد السؤال بالأوّل تنبيهاً على أنّ السؤال الثاني يخالف الأوّل لأنه عن اللون والأوّل مطلق وجعله مكرّرا كما في الكشاف لأنّ اللون من جملة الصفة وداخل فيها ومنه يعلم وجه تقييده بالأوّل لأنه مثله في الإطلاق فلا يرد ما قيل: إنه لا وجه له، واستكشاف زائد على التوصيف وجعله مضافا إليه على معنى أمر زائد خلاف الظاهر. قوله: (إنّ البقر الخ) قال الواحديّ رحمه الله: البقر جمع بقرة أي اسم جنس جمعيّ يفرق بينه وبين واحده بالتاء ومثله يجوز تذكيره وتأنيثه نحو نخل منقعر والنخل باسقات وقالى القرطبيّ رحمه الله: التشابه مشهور في البقر وفي الحديث: " فتن كوجوه البقر) أي يشبه بعضها بعضا، والباقر اسم جمع كالحامل والسامر ويجمع أئضاً على باقور وبواقر كأنه جمع باقرة وأباقر جمع على خلاف اللفظ. قوله: (ويتشابه بالياء والتاء الخ) في الدرّ المصون تتشابه بتاءين على الأصل وتشبه بتشديد الشين والباء من غير ألف، والأصل تتشابه وتشابهت ومتشابهة ومتشابه ومتشبه على اسم الفاعل من تشابه وتشبه وقرئ تشبه ماضميا وفي مصحف أبيّ رضي إلله عنه تشابهت بتشديد الشين قال أبو حاتم هو غلط لأنّ التاء لا تدغم إلا في المضارع وهو معذور في ذلك، وقرئ تشابه كذلك إلا أنه بطرح تاء التأنيث ووجهها على أشكالها أن يكون الأصل أنّ البقرة تشابهت فالتاء الأولى من البقرة والثانية من الفعل فلما اجتمع مثلان أدغم نحو الشجرة تمايلت مع أنّ جعل التشابه في بقرة ركيك إلا أنه يشكل أيضا في تشابه من غير تأنيث لأنه كان يجب ثبوت علامة التأنيث إلا أن يقال إنه على حد قوله: ولا أرض أبقل أبقالها وابن كيسان يجوّزه في السعة. قوله: (إلى المراد ذبحها أو إلى القاتل) بيان لمتعلقه المحذوف وقوله وفي الحديث: " لو لم يستثنوا لم بينت لهم آخر الأبد " قال العراقي: لم أقف عليه، وقال السيوطي: أخرجه بهذا اللفظ ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا معضلاً، وأخرجه بنحوه سعيد بن منصور عن عكرمة مرفوعا مرسلاَ وابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا موصولاً، قال المحقق: " لو لم يستثنوا لما بينت " أي البقرة يدل كون المعنى إنا لمهتدون إلى البقرة وكلمة: {إِن شَاء اللَّهُ} تسمى استثناء لصرفها الكلام عن الجغ م وعن الثبوت في الحال من حيث التعليق على ما لا يعلمه إلا الله وآخر الأبد كناية عن المبالغة في التأبيد والمعنى إلا الأبد الذي هو آخر الأوقات اص. وليس إطلاق الاستثناء على إن حأشية الشهاب / ج 2 / م 19 شاء الله والشرط اصطلاح الفقهاء لأنه يسقط لزوم ما يعتقده الحالف فصار بمنزلة الاستثناء الذي يسقط ما يوجبه اللفمل قبله كما قيل: لأنه ورد في " الحديث " وفي القرآن في قوله تعالى: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ} [سورة القلم، الآية: 17] قال في الكشاف: ولا يقولون {إِن شَاء اللَّهُ} فإن قلت لم سمى استثناء وإنما هو شرط، قلت لاً نه يؤدي مؤدي الاستثناء من حيث إنّ معنى قولك لأخرجت إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد فتأمّل. قوله: (واحتج به أصحابنا الخ) وجهه أنّ الاهتداء علق بمشيئة الله فلا يقع بدونها وانّ الله قصه مقرراً له ووقع في الحديث ما يؤيده وليس ذلك إلا لحدوثه فيستوي في ذلك جميع الحوادث إذ لا قائل بالفرق فلا يرد أنه من كلام اليهود فكيف يكون حجة وأن كون الهداية بالإرادة لا يقتضي أنّ جميع ما عداها كذلك، وفيه نظر لأنه إن أراد أنه لا قائل بالفصل من أهل السنة فلا يجدي. وإن أراد مطلقاً فممنوع لأنّ المعتزلة لا يقولون بوقوع القبيح بإرادته والهداية أمر حسن فتأمّل، ثم إنه مبنيّ على ترادف المشيئة والإرادة وفيه خلاف أيضاً. قوله: (وإق الأمر قد ينفك الخ) ردّ على من قال من المعتزلة إنّ الأمر هو الإرادة ووجهه أنه أمرهم بذبحها ثم ارتضى تعليق الاهتداء لذبحها على إرادته فلو كانت عيته لم يرتض تعليقه بعد وقوعه، وفيه نظر لأنه

إنما يتم أن لو أريد بالاهتداء الاهتداء إلى المراد بالأمر وقد فسر بغيره أيضاً مع أنّ اللازم من الغرض! المذكور أن يكون المأمور به وهو ذبح البقرة مراداً ولا يلزمه الاهتداء إذ يجوز أن يكون لتلك الإرادة حكمة أخرى وقوله: للشرط أراد به التعليق وهو يطلق عليه وعلى أداته وعلى الجملة الأولى. قوله: (والمعتزلة والكرامية الخ) عطف على فاعل احتج وتقدم ضبط الكرامية فراجعه، ووجهه أنّ دخول كلمة أنّ عليها يقتضي الحدوث لأنه علق حصول الاهتداء على حصول مشيئته وهو حادث فكذلك مشيثته محدثة والا يلزم التخلف، وحاصل الجواب أنّ اللازم حدوث التعلق ولا يلزمه حدوث نفس الصفة وتفصيله في الكلام. قوله: (أي لم تذلل للكراب الخ) الكراب بالكى إثارة الأرض للحرث وتذلل بمعنى تستعمل له ولا ذلول صفة بقرة ولا بمعنى غير قيل: فكأنها اسم على ما صرح به السخاوي لكن لكونها في صورة الحرف ظهر إعرابها فيما بعدها، ويحتمل أن تكون حرفاً كما تجعل إلا بمعنى غير في مثل: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ} [سورة الأنبياء، الآية: 22] مع أنه لا قائل باسميتها وأما الثانية فحرف زيد لتأكيد النفي وهو لا ينافي الزيادة مع أنه يفيد التصريح بعموم النفي إذ بدونها يحتمل نفي الاجتماع ولذا تسمى المذكرة، وصرح بأنّ الفعلين صفتا ذلول إشارة إلى أنّ تثير منفيّ لكونه صفة للمنفيّ فيصح في العطف عليه لا المزيدة لتأكيد النفي وفيه دفع لما ذهب إليه البعض كالكواشي من كون تثير حالاً اهـ. وفيه أنّ قوله إنّ إلا بمعنى غير لم يقلى أحد باسميتها ليس كما ذكر فقد صرحوا بخلافه وكون لا زائدة قيل: إنه ليس بشيء لأنه يلزم منه صحة الوصف بغير تكرير لا مع أنه مخصوص بالشعر والتصريح بعموم النفي لا يقتضيه، ثم إنّ الحالية جوزاها غير الكواشي من بقرة لأنه نكرة موصوفة أو من الضمير في ذلول والاعتراض على الزيادة غير وارد لأنها زبادة لازمة كما صرح به الرضيّ مع أن ابن كيسان وغيره أجاز ما منعه كما مر، ثم إنّ وصف ذلول بناء على ما ارتضاه بعض النحاة من أن الصفة يجوز وصفها كما صرح به السمين فلا يرد ما قيل: إن ذلولاً من صيغ الصفة فيمتنع أن تقع موصوفا، والإثارة قلب الأرض! للزراعة من أثرته إذا هيجته والحرث الأرض! المهيأة للزرع قاله الواحدي. قوله: (وقرئ لا ذلول بالفتح الخ) في الكشاف وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي التابعي لا ذلول بمعنى لا ذلول هناك أي حيث هي وهو نفي لذلها ولأنها توصف به فيقال: هي ذلول، ونحوه قولك مررت بقوم لا بخيل ولا جبان أي فيهم أو حيث هم يعني أنه قرئ بفتح اللام على أن لا لنفي الجنس والخبر محذوف والجملة صفة ذلول كناية عن نفي الذل عنها كما يقال: الذليل من حيث هو كناية عن إثبات الذل له، ولاذل بالكسر ضد الصعوبة وهو اللين والانقياد وبالضم ضد العز وقيل: إن تثير خبرها والجملة معترضة بين الصفة والموصوف وما اختاره المصنف أبلغ، وأما ما قيل: من أنه بعيد من حيث المعنى والأولى أن يقال: إنه بنى نظر الصورة لا لأنّ الرضي نقل أنه يبني مع لا الزائدة فهذه أولى ونحو مررت برجل لا بخيل ليس من قبيل الآية فليس بشيء، وقوله: وتسقي من أسقى أي قرئ تسقي بضم حرف المضارعة من أسقى بمعنى سقي وبعض أهل اللغة فرق بينهما بأن سقى لنفسه وأسقى لغيره كماشيته وأرضه. قوله: (سلمها الله سبحانه وتعالى من العيوب الخ (أي أنه من السلامة من العيوب أو من الكد في العمل أو أنّ لونها خالص لا يخالط صفرته لون آخر فيكون قوله لا شية فيها توكيداً له وأهلها عطف على فاعل سل! عا، وأخلص مبني للمجهول أي جعله الله خالصاً ولو قرئ على المعلوم صح وعطف خلص بأو هو الظاهر ووقع في بعض النسخ بالواو وكأنه تحريف من الناسخ. قوله: الا لون فيها الخ (شية مصدر وشيت الثوب أشيه وشيا فحذف فاؤه كعدة وزنة ومنه الواشي للنمام قيل ولا يقال له واس حتى يغير كلامه ويزينه ويقال ثور أشيه وفرس أبلق وكبش أخرج وتيس أبرق وغراب أبقع كل ذلك بمعنى البلقة وشية اسم لا وفيها خبرها وقال أبو حيان: ثور أشيه للذي فيه بلقة ليس مأخوذاً من الوشي لاختلاف المادتين. قوله: (لآن جئت بالحق أي بحقيقة وصف البقرة الخ) الآن عند المحققين من أهل اللغة والنحو لازم البناء على الفتح ولا يجوز تجريده من الألف واللام واستعماله على خلافه لحن قال الحلبيّ: وهي تقتضي الحال وتخلص المضارع له وقال بعضهم: هو الغالب وقد جاء

حيث لا يمكن أن يكون للط ل نحو: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [سورة البقرة، الآية: 187] إذ الأمر نص في الاستقبال وادعى بضهم إعرابه لقوله: كأنهما يلأيئ لم يتغيرا يريد من الآن فجره وهر يحتمل البناء على الكسر وهو معرفة لتضمنه معنى أل التعريفية كسحر ولذا بني وأمّا المذكورة فهي زائدة وفيه قول آخر والكلام مبسوط فيه في العربية، وقوله: أي بحقيقة وصف البقرة أي أنّ الحق هنا بمعنى الحقيقة وهي إما حقيقة الوصف والبيان التام الذي تحققنا به البقرة لا المقابل للباطل حتى يتضمن أنّ ما جاء به تجل كان باطلاً أو حقيقة البقرة نفسها لبيان مشخصاتها، وقال أبو حيان رحمه الله: جئت بمعنى نطقت بالحق الذي لا إشكال فيه وقيل الحق بمعنى الأمر المقضي أو اللازم وقراءة مد الآن بالاستفهام التقريري إشارة إلى استبطائه وانتظارهم له، وهذه مع إثبات واو قالوا وحذفها كما في البحر. قوله: (فيه اختصار الخ) قيل: إنها فاء فصيحة عاطفة على محذوف مثل فضرب فانفجرت، ورد بأنّ الاختصار لظهور المراد لا لإنباء الفاء عنه ولذا قيل: فيه اختصار، ولم يقل يتعلق بمحذوف إشارة إلى أنه ليس من قبيل الفاء الفصيحة لأنّ شرطها أن يكون المحذوف سببا للمذكور والتحصيل ليس سببأ للذبح بل الأمر به وليس بشيء لأنه متوقف عليه ومثله يعد من الأسباب ولا ينافيه كون الأمر سبباً آخر وهو ظاهر. قوله: (لتطويلهم وكثرة مراجعاتهم الخ (إشارة إلى نكتة التعبير بكاد هنا، والع! سجلة بكسر العين وسكون الجيم الفتية من البقر والغيضة بالغين والضاد المعجمتين مرعى واسع فيه أشجار، وقوله: اليتيم وأمه هو الصحيح ووقع في بحضها تحريفات تكلف بعضهم لتوجيهها ما لا حاجة إليه وملء جلدها وقع في نسخة مسكها بفتح فسكون وهو بمعناه، ويكبر! فتح الباء في السن، وشبت صارت شابة. قوله: (وكاد من أفعال المقاربة الخ) كاد موضوعة! قاربة ائخبر على سبيل حصول القرب لا على رجاث وهو حنر محض بقرب خبرها وخبرها لا يكون إلا مضارعا إلا على الحال لتأكيد القرب واختلف فيها فقيل: هي في الإثبات نفي وفي النفي إثبات وأنه إذا قيل: كاد زيد يخرج فمعناه ما خرج وهو فاسد لأن معناها مقاربة الخروج وهو مثبت وأما عدمه فأمر عقليّ خارج عن مدلوله، ولو صح ما قاله لكان قارب ونحوه كذلك ولم يقل به أحد وقيل: هي في الإثبات إثبات وفي النفي الماضي إثبات وفي المستقبل على قياس الأفعال تمسكا بهذه الآية، ورد بأن المعنى وما قاربوا الفعل قبل أن يفعلوا وفعلهم بعد ذلك مستفاد من قوله فذبحوها فالصحيح أنها في الإثبات والنفي كغيرها من الأفعال، وللشيخ عبد القاهر هنا كلام لطيف سيأتي تفصيله في سورة النور. فوله: (ولا ينافي قوله وما كادوا يفعلون الخ) قيل: فيه إشكال لأنّ الظاهر أنّ قوله وما كادوا يفعلون حال من فاعل فذبحوها فتجب مقارنة مضمونة لمضمون العامل فلا يصح القول باختلاف وقتيهما، والجواب أنهم صرحوا بأنه قد يقيد بالماضي فإن كان مثبتاً قرن بقد لتقرّبه منه وإن كان منفيا لم يقرن بها لأن الأصل استمرار النفي فيفيد المقارنة، وهذا لا يدفع السؤال لأنّ عدم مقاربة الفعل لا يتصوّر مقارنته للفعل هنا فلا محصل لما ذكره سوى التطويل بلا طائل فالذي ينبغي أن يعول عليه أنّ قولهم لم يكد يفعل كذا كناية عن تعسره وثقله عليهم وتبرّمهم به كما يدل عليه كثرة سؤالهم ومراجعتهم وهو مستمر باق قال ابن مالك رحمه الله في شرح التسهيل: قد يقول القائل لم يكد زيد يفعل ومراده أنه فعل بعسر لا بسهولة وهو خلاف الظاهر الذي وضمع له اللفظ وفي التسهيل، وتأتي كاد إعلاما بوقوع الفعل عسيراً ولبعضهم هنا كلام محتل طويل الذيل. قوله: (خطاب الجمع لوقوع القتل فيهم الخ) وإذ قتلتم نفسا معطوف على إذ قال موسى ونفساً بمعنى شخصاً حقيقة، وقيل: إنه مجازاً وبتقدير ذا نفس واسم المقتول عاميل بن شراحيل وقوله: لوجود القتل فيهم إشارة إلى أنه مجاز حيث أسند إلى الكل ما صدر من البعض كما صرح به الزمخشرقي في سورة مريم في قوله تعالى: {وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} [سورة مريم، الآية: 66] قال لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم كما يقولون بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل رجل منهم لكن قال بعضهم: لا يحسن إسناد فعل أو قول صدر عن البعض إلى الكل

إلا إذا صدر عنه بمظاهرتهم أو رضا منهم وليس كما قال: فإن ما ذكرناه من الآيتين ليس كذلك وقد ناقض هذا القائل نفسه في مواضع كثيرة نعم لا بد لإسناده إلى الكل من نكتة وهي إمّا كون الصادر عنه أكثرهم أو كونه برضاهم أو غير ذلك فتأمّل. قوله: (اختصمتم في شأنها إذ المتخاصمان الخ) أصل ادارأتم تدارأتم تفاعل من الدرء وهو الدفع فاجتمعت التاء مع الدال مع تقارب مخرجهما وأريد الإدغام فقلبت التاء دالاً وسكنت للإدغام فاجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء بها فبقي ادارأتم وهذا مطرد في كل فعل على تفاعل أو تفعل فاؤه دال نحو ادّاين وادّين أو طاء أو ظاء أو صاد أو ضاد نحو: أطاير وأظاهر وأصاهر وأضارّ، يعت ي أنه مجاز عن الاختلاف والاختصام أو كناية عنه لكون معناه الحقيقي وهو التدافع من الدرء وهو الدفع من روادف الاختصام ولوازمه أو هو في معنا. الحقيقي أعني تدافعتم، وفيه وجوه الأوّل أنّ البعض منكم يطرح قتلها أي النفس على البعض فكل من الفريقين طارج ومطروح عليه فكل منهما من حيث إنه مطروح عليه يدفع الآخر من حيث إنه طارح، الثاني أنّ طرج القتل في نفسه دفع له وكل من الطارحين دافع فتطارحهما تدافع من غير احتياج إلى أن يعتبر بعد التطارح دفع المطروح عليه الطارح وفيه نظر لأنّ هذا لا يكون تدافعأ لأنّ معناه دفع كل منهما الآخر لا دفع كل منهما القتل مثلا وإنما يصح مثل هذا في المتعدي مثل طارحنا الكلام وتطارحناه الثالث أنّ كلا من الفريقين يدفع الآخر عن البراءة إلى التهمة فكل منهما دافع ومدفوع وهو معنى التدافع، وكذا قال الشارح المحقق وكلام المصنف رحمه الله يحتملهما إلا أنه قيل: إنه ترك الأخير ولم يعرّج عليه لبعده، وقد قيل: فيما نظر به أنه ليس بشيء لأنّ المعتبر في تفاعل مجرّد الاشتراك والاجتماع في أصل الفعل وبه يفارق فعل فإنّ فيه خصوصية الإسناد إلى أحدهما والإيقاع على الآخر والعجب من هذا القائل أنه اعترف به فيما مر في قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [سورة البقرة، الآية: 51] (أقول) هو رذ على العلامة حيث قال: أو نقول: طرح القتل هذا على ذاك وطرح ذاك على هذا والطرح في نفسه دفع فيكون الدفع بينهما ومحصل نظره أنّ التفاعل لازم وما ذكره مأخذ القتل فيه لا يصح إلا إذا كان متعديا فالردّ لم يصادق محله فإئا أن يلتزم أنه متعد أو يقال: إنّ في الكلام تقديراً أي طرج بعضكم على بعض القتل فادّارأتم لأنّ الدرء بعد الطرج له أو جعل كناية عنه فلا يلزم ما ذكره فتأمّل. وقوله: إذ المتخاصمان أي إذ الفريقان المتخاصمان فلا يقال: الصواب بعضهما أو ترك التثنية كما في الكشاف، وفيها متعلق به على تفسيره بالتخاصم وإذا كان حقيقة ففي سببية وقيل: الدفع من دفع عليه أي طرح أو من دفع عنه وعلى الأوّل إمّا أن يوجد الدفع من أحدهما بأن يطرح عليه غيره فيدفعه المطروح عليه فالثاني دافع والأوّل طارح لا دافع إذ الدفع إنما يكون بعد الطرح وهو على طريقة دناهم كما دانوا فتأمّل. قوله: (مظهره لا محالة) أخذه من التعبير بالاسمية وبناء اسم الفاعل على المبتدأ المفيد لتقوي الحكم وفسره بالإظهار لوقوعه في مقابلة الكتم وقوله: واعمل مخرج الخ أي مع أنه ماض الآن وهو لا يعمل قيل: لأنه كما جاء حكاية الحال الماضية جاء حكاية الحال المستقبلة وان كان الأوّل أشهر وفيه نظر لأنه لا داعي هنا إلى اعتبار الحكاية والاستقبال والحال لا يراعي فيه حال التكلم بل حال الحكم الذي قبله وهو التدارؤ وهو بالنسبة إليه مستقبل فانظر وجهه، وقوله: والضمير للنفس يعني وهي مؤنثة فذكر للتأويل المذكور، والجملة معترضة للتقريع وقيل: حالية أي والحال أنكم تعلمون ذلك. قوله: (أكط بعض كان) هذا هو الظاهر إذ لا فائدة في تعيينه ولم يرد به نقل صحيح، والأصغر أن القلب واللسان، والعجب بالفتح والضم ثم السكون أصل الذنب وهو أوّل ما يخلق وآخر ما يبلي كما ورد في الحديث. قوله: (يدل على ما حذف الخ) قال المحقق: يعني أنّ حذف ضربوه المعطوف على قلنا شائع مقرّر في الفاء الفصيحة في فحيي وههنا قد حذف الفاء الفصيحة مع المعطوف عليه والمعطوف وإنما كانت فصيحة بدلالة قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى} [سورة البقرة، الآية: 73] مع الإشارة إلى أنّ حياة القتيل

كانت بمحض خلق الله من غير تأثير للضرب وقيل: عليه إنه غفلة عن أنّ ذلك إنما يكون على تقدير أن يكون مذكورا وما قبله محذوفا، وأمّا إذا حذفا معا كالذي نحن فيه فالفاء سببية محضة وهذا يتراءى في بادئ النظر لأنها إنما سميت فصيحة لإفصاحها عن المحذوف وهو ينافي حذفها وعند التأمّل ليس بشيء لأنه إمّا أن يريد أنها لو ذكرت كانت فصيحة أو أنها في قوة المذكورة هنا فيصح تسميتها فصيحة لأنّ كذلك إشارة إلى مدخولها أي مثل هذه الحياة الحاصلة بالضرب والإشارة إلى المذكور بل المحسوس فلولا تنزيلها منزلته لم يصح ذلك فتأمّل. ومثل هذه الاعتبارات لا حجر فيها. قوله: (والخطاب مع من حضر حياة القتيل الخ) قيل: يعني يكون الكلام خطاباً معهم وضحمير يريكم ولعلكم لهم لا حرف الخطاب في كذلك فإنه خطاب لمن يتلقى الكلام فالأنسب ذكره بعد تعقلون. (أقول) : هذا بناء على أنّ الخطاب المتصل بالإشارة يقع لمن يجري معه معنى الكلام وإنما أفرد مع كونهم جماعة اكتفاء بخطاب واحد منهم كما نقله في شرح التسهيل عن ابن الباذس أو بتأويل فريق ونحوه وعلى هذا يجري فيه الالتفات، وقيل: إنه خطاب لمن يلقي إليه الكلام فلا يجري فيه الالتفات وقد وقع من العلامة إجراؤه فيه تارة ومنعه أخرى بناء على المسلكين ومن غفل عن هذا قال: كان حقه أن يؤخر هذا عن قوله لعلكم تعقلون لئلا يتوهم أنّ المراد الخطاب في كذلك فإنه لا يصح خطابا لمن حضر حياة القتيل لأنهم معدومون وقت الخطاب بل هو خطاب لمن يتلقى الكلام ثم إنه على هذا التقدير لا بد من تقدير القول قبل كذلك أي وقلنا لهم أو قلنا بدون واو استئنافا بخلاف الوجه الثاني فإنه ينتظم بدونه بل يخرج معه عن الانتظام، فتأمّل والخطاب على الثاني مع كل من يقف عليه. قوله: (لكي يكمل عقلكم الخ) أوّله لأنّ كونهم يعقلون أمر محقق لا في صورة المرجوّ لكن جعلوا لعدم الجري على موجب العقل كأنهم لا يعقلون ولو قدر له مفعول ولم ينزل منزلة اللازم لم يحتج إلى هذا التأويل فالمراد إمّا العقل الكامل أو أثره الذي هو العلم ولك أن تجعل قوله أو تعلمون الخ إشارة إلى تقدير المفعول لكن تأخير قوله أو تعملون يأباه، والتقزب بالذبح، وأداء الواجب بامتثال الأمر واليتيم هو صاحب البقرة والتوكل من أبيه كما مرّ وكذا الشفقة، والطالب القوم الطالبون لمعرفة القاتل وقصة عمر رضي الله عنه مذكورة في سنن أبي داود والنجيبة الجيدة من الإبل ويقال لراكبها نجاب، وكون المؤثر هو الله لأنّ مس عضو ميت بآخر مثله كيف يكون سبباً لحياة بين موتين، وقوله: ومن أراد في نسخة وأنّ من أراد وهذا مما يشير إليه باطن النص مع ملاحظة المعنى لا أنه تفسير مستقل كما أشار إليه فيما مضى والعدوّ النفس وشبه القوّة الشهوية بالبقرة لكثرة أكلها وعدم إدراكها لما فيه نفع وشرّة الصبا بكسر الشين وتشديد الراء خيانته وحمله على ما لا يليق، ويجوز فتح الشين والراء المخففة بمعنى الحرص والأوّل أولى وهذا مع ما بعده مأخوذ من قوله لا فارض ولا بكر، وكونها معجبة رائقة من قوله تسرّ الناظرين، وقوله: لا سمة بها أي علامة معنى لاشية لأنّ اللون المخالف يكون علامة لما فيه وليس معنى آخر كما توهم، وقوله فتحيا الخ من حياة القتيل وتكلمه وحمل التدارئ على ما بين العقل والوهم لأنه ينازعه دائما وهو ظاهر. قوله: (لقساوة الخ) أي القسوة معناها الحقيقيّ الييس والكثافة والصلابة ثم تجوّز بها عن عدم قبول الحق والاعتبار فالاستعارة في قست تبعية تصريحية وان شئت قلت تمثيلية كما مرّ قيل شبهت حال القلوب في عدم الاعتبار والاتعاظ بالقسوة ولاعتبار هذه الاستعارة حسن التفريع بقوله فهي الخ، بخلاف ما إذا جعل القلوب استعارة بالكناية والقسوة قرينة فإنه لا يحسن بل لا يستقيم قولك ينقضون عهد الله فهو كالحبل وأوثق وذلك لأنّ استعارة الحبل أصل والنقمق تبع على ما هو الواجب في الاستعارة بالكناية وفيما نحن فيه الأمر بالعكس كما في تقري الرياح الرياض وبالجملة فالاستعارة وقعت في الحال والتعقيب صريح التشبيه في الذات فلا وجه لما يقال: إنّ ظاهر الكلام كون التشبيه فرع الاستعارة والأمر بالعكس

فالتشبيه مترتب على عرفان حالها وأنه حامل على التشبيه المؤذي إلى الاستعارة (أقول) : فيه بحث فإنه إنما يتوجه ما ذكره إذا شبهت القلوب بالحجارة كما في الممثل به فإن العهد شاع استعارة الحبل له كما مرّ أما لو أريد تشبيهها بالأجرام الصلبة الاملة للمعادن وغيرها فتتوجه صحة التفريع بلا تكلف إذ المعنى أنها صارت كالصلب فهي كأصلب ما يكون منه ولا يرد عليه شيء وبه يندفع أيضا الشبهة الواردة في التشبيه. قوله: (وثم لاستبعاد القسوة الخ) قال العلامة: ثم موضوعة للتراخي في الزمان ولا تراخي ههنا إذ قسوة قلوبهم في الحال لا بعد زمان فهي محمولة على الاستبعاد مجازا إذ يبعد من العاقل القسوة بعد تلك الآيات كقولك لصاحبك: قد وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها، ومن الناظرين في الكتاب من حمل هذا على التباعد في الرتبة وليس بذاك فإنّ معناه أنّ مدخول ثم أعلى كما في قوله: ثم استوى والمراد ههنا أنّ مدخولها بعيد عن الوقه ع، وقوله: من بعد ذلك مؤكد للاستبعاد أشد تأكيد ثم إنّ منهم من جعل الاستبعاد مأخوذاً من الكلام لا مدلول ثم والأمر فيه سهل وما ذكر من الفرق بين التفاوت في الرتبة والاستبعاد ليس بشيء لأنه بعد رتبيّ أيضا إلا أنه لم يعتبر في الثاني العلو وهذا لا طائل تحته وهو يشبه النزاع اللفظي ولذا لم يلتفت إليه الشارح المحقق ثم إنه قيل: إنها للتراخي في الزمان لأنهم قست قلوبهم بعد مدة حتى قالوا: إنّ الميت كذب عليهم أو أنه عبارة عن قسوة عقبهم، وقوله: فإنها مما توجب الخ إشارة إلى وجه الاستبعاد كما مرّ. قوله: (والمعنى أنها في القساوة الخ) عبر بمثل إشارة إلى أن الكاف هنا اسم معطوف عليه أشد بمعنى أزيد أو التقدير مثلى ما هو أشد فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وأيده بقراءته مجرورا بالفتحة لعدم صرفه ولذا وقع في نسخة بالجر وفي أخرى بالفتح وقسوة قال أبو حيان تمييز محوّل عن المبتدأ أي فقسوتها وأشد معطوف على قوله كالحجارة عطف مفرد على مفرد كما تقول زيد على سفر أو مقيم ولا حاجة إلى تقدير الزمخشريّ أو هي أشدّ. قوله: (وإنما لم يقل أقسى الخ) يعني أن فعل القسوة مما يصاغ منه أفعل وهو أخصر وقد ورد كقوله: كل خمصانة أرق من الخص ص بقلب أقسى من الجلمود وهو وان كان من العيوب لكنها باطنة لا ظاهرة فلا يمتنع صوغه منه كما توهم فلا حاجة إلى التوصل إليه بأشد فأجاب بأنّ أشدّ أبلغ من أقسى لدلالته على الزيادة بالمادة والهيئة فيدل على اشتداد القسوتين في المفضل والمفضل عليه، أو أنّ المراد بأشدّ ليس التوصل بل التفضيل في الشدّة وقدم الأوّل لأنه الأنسب المتبادر ويمكن أن يقال: إنه لظهوره الحق بالعيوب الظاهرة وهو حسن، وأمّا الاعتراض بأن أشد محمول على القلوب لا على القسوة فليس بشيء لأن أصله قسوتهم أشدّ فحوّل. قوله: (وأو للتخيير الخ لما كانت أو تستعمل للشك وهو عليه تعالى محال دفعه بأنه للتخيير وهو يكون في التشبيه كما يكون بعد الأمر كما مرّ أو للترديد يعني أنّ الشك ليس راجعاً إلى الله بل إلى من يعرف حالهم فإنه يمكته أن يشبههم بالحجارة أو أشدّ منها فالشك بالنسبة إلى المخاطبين لا بالنسبة إلى المتكلم. قال العلامة: وهذا يؤدّي إلى تجويز أن تكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع حتى تستعمل إذا تحقق المخاطب وهذا إخراج للألفاظ عن أوضاعها فإنها إنما وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره ولو جعلت بمعنى بل لكان أحسن وقيل: إنها للتنويع أي بعضهم كالحجارة وبعضهم أشدّ، وقيل: معنى الترديد تخويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير. قوله: (تعليل للتفضيل الخ) عدل عن جعله بيانا للتفضيل كما في الكشاف لأنه يقتضي الفصل ومراد. أنها جملة حالية مشعرة بالتعليل ومثله كثير، وأمّا قول الثارح المحقق يريد أنه بيان وتقدير من جهة المعنى وأمّا بحسب اللفظ فعطف على جملة هي {كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ} فلا يظهر وجهه وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ} الخ وارد على نه! التعميم دون الترقي كـ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إذ لو أريد الترقي لقيل: وإنّ منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يتفجر منه الأنهار وفائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعته وهو أبلغ من الترقي، وكأنّ المصنف رحمه الله غافل عن هذا حيث جمع بينهما في البيان

وقذم الثاني، فقال: فإن منها ما يتشقق فينغ منه الماء ويتفجر منه الأنهار وهذه نكتة جليلة في الترقي والتعميم ينبغي التنبه لها. قوله: (والخشية مجارّ عن الانقياد الخ) إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم وحينئذ فالظاهر تعلق {مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} بالأفعال السابقة ولم يحملها على الحقيقة باعتبار خلق العقل والحياة في الحجارة أمّا عند القائل بأن اعتدال المزاج والبنية شرط الحياة فظاهر وأما من لا يقول به فلأنّ الهبوط والخشية على تقدير خلق العقل والحياة لا يصلح بياناً لكون الحجارة في نفسها أقل قسوة ثم مبني كلامه على عدم التغاير أو التفارق بين الأمر والإرادة، وقيل: قلوبهم إنما تمتنع عن الانقياد لأمر التكليف بطريق القصد والاختيار ولا تمتنع عما يراد بها على طريق القسر والإلجاء كما في الحجارة وعلى هذا لا يتمّ ما ذكره فالأولى حمل الكلام على الحقيقة اهـ. ما قاله الشارح المحقق ومنه تعلم أنّ متابعة المصنف رحمه الله له فيما بناه على مذهب الاعتزال لا ينبغي وفيه بحث. قوله: (وعبد على ذلك الخ) أي على ما مرّ من قسوة القلب ونحوها وقوله: وقرأ ابن كثير الخ قال الجعبري: قرأ ابن كثير بالياء المثناة التحتية والباقون بالفوقية ووجه الغيبة مناسبة {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} وهم يعلمون ووجه الخطاب مناسبة {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} وتكتمون {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة، الآية: 73] {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم} لا أفتطعمون لأنه للمؤمنين اهـ. وكذا في التيسير وغيره، ولذا قيل: إنّ المصنف رحمه الله أخطأ في النقل إلا أن الطيبيّ قال: قرأ ابن كثير ونافع ويعقوب وأبو بكر بالتاء الفوقانية والباقون بالياء فكانت المخالفة في خلف فقول المصنف رحمه الله ضما إلى ما بعده لأنّ المخاطب غيرهم فهو في حكم الغيبة، وقيل: ضما إلى ما بعده يعني قوله أن يؤمنوا وما بعده من الضمائر العائدة لليهود والباقون بالتاء ضمما إلى ما قبله لا إلى قوله أفتطمعون لأنه خطاب للمؤمنين وما بعده إخبار عن اليهود فمن قال ضما إلى ما بعده يعني أفتطمعون فقد أخطأ وعكس الترتيب. قوله: (الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم) وقيل: هو للرسول والجمع للتعظيم وفيه نظر وقوله: أن يصدقوكم وفي نسخ أي فسره بالتصديق فاللام زائدة ومثله يندر مع الفعل، ولذا! سره الزمخشريّ بيحدثوا لكم الإيمان، والوجه الثاني جعلها للتعليل بتقدير مضاف أي دعوتكم لأنّ الإيمان لله لا لهم، وقوله: يعني اليهود قيل هو في قوم مخصوصين منهم علم الله عدم إيمانهم فأيسه منه فلو عين كان أولى وقيل: المراد جنس اليهود ونافي الإيمان عن الجنس يكفي فيه تحققه في بعضه وإنما فسر به ليصلح جعل السالفين فريقاً منهم وإن كان إحداث الإيمان لا يتصوّر إلا من المعاصرين وردّ بأنه أخطأ لأنه ظن أنه على تقدير بيان يؤمنوا بقوم مخصوصين لا يصح جعل السالفين فريقا منهم وكأنه لم ينظر إلى تفسير قوله منهم بطائفة من أسلافهم. قوله: (طائفة من أسلافهم) قال العلامة في شرح الكشاف: اعلم أنّ المراد بقوله أن يؤمنوا لكم اليهود الذين كانوا في زمنه صلى الله عليه وسلم لأنهم الذين فيهم الطمع، وأمّا فريق منهم فاختلف فيه فبعضهم قال المراد من كان في عهد موسى عليه الصلاة والسلام لأنه تعالى وصفهم بأنهم يسمعون كلام الله لأنهم أهل الميقات فكلام الله حينئذكلامه في الطور وقد حرّفوا فيه ما لا يتعلق بأمر محمد عتملا ما نقل عن السبعين، وبعضهم قال الفريق من كان في زمن النبيّ لمجرو وكلام الله هو التوراة وسماعه كما يقال: لأخذنا إنه يسمع كلام الله إذا قرئ عليه القرآن وتحريفها تحريف صفة النبيّء! يم وآية الرجم هذا محصل كلام الإمام فليت شعري لما فسر المصنف رحمه الله كلام الله بالتوراة وتحريفها بما مر لم ذهب إلى أنّ الفريق من أسلافهم والظاهر أن ضمير منهم يرجع إلى ما يرجع إليه ضمير يؤمنوا، فإن قلت فعلى هذا المعاندون بعضهم وعناد البعض لا ينافي إقرار الباقين قلت: إنما لم يناف لو لم يكن الباقون مقلدين لهم اهـ. وردّ بأنه ظن أنّ تفسير الفريق بمن سلف منهم لضرورة وقوع التحريف منهم وليس كذلك كما ترى، وقوله يعني التوراة إشارة إلى أنّ السماع ليس بالذات كما مرّ في أحد القولين، وقوله كنعت محمد صلى الله عليه وسلم فإنه روي أنّ من صفاته فيها أنه

أبيض ربعة فغيروه بأسمر طويل، وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه كما في البخاريّ وأصل التحريف من الانحراف والميل ومنه قلم محرّف لميل أحد شقيه أي يميلونه من حال إلى حال أخرى بتبديله أو تأويله، وقوله: أو تأويله عطف على المعنى كأنه قال يغيرون كلامه أو تأويله، وقيل: يسمعون بمعنى يقبلون والا فلا فائدة له وفيه نظر. قوله: (وقيل هؤلاء من السبعين الخ) هذا ما رواه الكلبيّ رحمه الله من أنهم سألوا موشى عليه الصلاة والسلام أن يسمعهم كلامه تعالى فقال لهم اغتسلوا والبسوا الثياب النظيفة ففعلوا فأسمعهم الله كلامه لكن الصحيح أنهم لم يسمعوا بغير واسطة وأنه مخصوص بموسى صلوات الله وسلامه عليه، ولذا مرّضه المصنف رحمه الله وعلى هذا التحريف زيادة ما ليس فيه وإنما قال من السبعين لأنهم كلهم لم يفعلوا ذلك قيل وما ذكروه شاهد على فساده حيث علقوا الأمر بالاستطاعة والنهي بالمشيئة وهما لا يتقابلان وكأنهم أرادوا بالأمر غير الموجب على معنى افعلوا إن شئتم وان شئتم فلا تفعلوا ولا يذهب عليك أنّ ما ذكره مناقشة في ترجمة كلامهم لا يجدي نفعا، وقوله: ولم يبق لهم فيه ريبة أخذه من التعبير بالعقل وقوله: أنهم مفترون مبطلون إشارة إلى تقدير المفعول وأنّ ذلك لم يكن منهم عن نسيان أو جهل بل عناد صرف لا يطمع في ضدّ!. قوله: (ومعنى الآية الخ) مقدميهم بفتح الدال جمع مقدم أشار به إلى أنّ المراد بالسلف المقدّم بالذات لا بالزمان، ولذا قابله بالسفلة والجهال وقوله: فما ظنك هو الصحيح وفي نسخة فما طمعك وقيل إنّ هذا مبنيّ على التأويل الأوّل، وقوله: وأنهم كفروا الخ على الثاني. قوله: (يعني منافقيهم) في الكشاف وإذا لقوا يعني اليهود الذين آمنوا قالوا آمنا قال منافقوهم آمنا بأنكم على الحق وأنّ محمدا صلى الله عليه وسلم هو الرسول المبشر به وإذا خلا بعضهم الذين لم ينافقوا إلى بعض إلى الذين نافقوا الخ قال المحقق: جعل ضمير لقوا لجنس اليهود كما في أن يؤمنوا وخص ضمير قالوا بالمنافقه ق منهم أو اعتبر حذف المضاف لقيام القرينة ولم يجعل الشرطية عطفاً على يسمعون لأنّ هذه الملاقاة والمداولة والتحزب إلى المنافق، وغير المنافق لم تكن تخص الفريق السامعين المحرفين فلم يصح جعل الضمير لهم، ولا يخفى أنّ ضمير قالوا للبعض الذين لم ينافقوا فلذا كان حمل البعض الذي هو فاعل خلاً على غير المنافقين أحسن وأوفق بمراعاة النظم حيث وقع فاعل الشرط والجزاء شيئاً واحداً ثم جوّز أن يكون ضحمير قالوا للبعض الذين نافقوا وهم رؤساء اليهود يقولون ذلك لأتباعهم وبقاياهم الذين لم ينافقوا قصداً لإظهار التصلب في اليهودية نفاقا مع اليهود، والاستفهام في أتحدثونهم على الأوّل للعتاب والإنكار على ما كان يصدر عن المنافقين من التحدّث بمعنى ما كان ينبغي أن يقع ذلك، وعلى الثاني لإنكار أن يصدر عن الأعقاب تحديث فيما يستقبل من الزمان بمعنى لا ينبغي أن يقع وضمير أتحدثونهم الأوّل للأعقاب والثاني للمؤمنين اهـ. والمصنف رحمه الله لم يرتض ما فيه وجعل ضمير لقوا للمنافقين من أهل الكتاب آمنوا بلسانهم خوفا من القتل والسبي وهم يضمرون الكفر وقد قالوا لخلص المؤمنين من الأصحاب وكان حق المصنف رحمه الله أن يذكر قوله يعني الخ. قبل قوله الذين لئلا يتوهم أنه تفسير له بأن يكون إيمانهم بمجرّد اللسان وهو فاسد لكن القرينة قائمة على دفعه وما في الكشاف صرف عن الظاهر كما مرّ ولذا لم يرتضه المصنف قيل: وهو أدق، وبالقبول أحق وأمّا القرينة على تخصيصهم بالمنافقين فلما حكي عنهم كما مرّ مثله عن المنافقين في وصفهم فتأمّل وقوله بأنكم على الحق الخ بيان للمتعلق الذي قدروه فإن كان مقدّرا في المحكي فلم ينطقوا به لعدم مساعدة قلوبهم ألسنتهم وقوله أي الذين لم ينافقوا الخ وكذا المراد بالبعض لينتظم الشرط والجزاء، وقوله: أو الذين نافقوا عطف على الذين لم ينافقوا وحمل الأوّل على التقريع والثاني على الإنكار ظاهر ومعنى فتح بين وعلم وعرّف وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما ومنه الفتح على القاري وقيل فيه وجوه أخر وقوله: فينافقون الفريقين أي المسلمين واليهود فإن منعهم بعدما أبدوا كتم لإبدائهم وإظهار أنهم لم يبدوا وهو محض نفاق معهم أيضا. قوله: (ليحتجوا عليكم الخ) إشارة إلى أن المفاعلة غير مرادة، وقوله: بما أنزل ربكم

معنى به وفي كتابه معنى عند ربكم وقد أوضحه بقوله جعلوا لأنّ معنى عند الله في حكمه كما يقال: عند أبي حنيفة، ومبنى الوجوه غير الأخير على أنه في الدنيا وقيل: عليه إنه لا وجه حينئذ للجمع بين به وعند ربكم إلا أن يجعل الثاني بدلاً أو ظرفا مستقراً بمعنى ليحاجوكم بما قلتم حال كونه في كتابكم فكان ينبغي التعرّض له ومن فسره بيوم القيامة فرّ من هذا. قوله: (وفيه نظرا لأنهم يعلمون أنهم يوم القيامة محجوجون حدثوا أو لم يحدثوا، وقيل: في جوابه إنّ العالم بذلك علماؤهم لا جميعهم ولأنّ محجوجيتهم يوم القيامة من الله لا تنافي احترازهم عن كونهم محجوجين من الخصم ولا يخفى ما فيه والإخفاء بمعنى إخفاء ما فتح الله، ولا يدفعها أي المحاجة. وقال بعض المتأخرين: إنه يتوجه عليه أنه إن أراد أنّ الإخفاء لا يدفعها في نفس الأمر فمسلم ولكن لا نفع به لجواز أن يعتقد ذلك اليهودي دفعها بالإخفاء وان أراد أنه لا يدفعها عنده فممنوع لجواز أن يدفع محاجتهم يوم القيامة وظهور الأسرار والخفيات يوم القيامة لا يقتضي محاجتهم فتدبر، وقوله: أفلا تعقلون إن كان من كلام اللائمين فمفعوله ما ذكر أولاً مفعول له وهو أبلغ، وان كان خطابا للمؤمنين فعدم الطمع في إيمانهم باعتبار بعضهم أو للجنس كما مرّ فتأمّل، أولاً يعلمون قرئ بالياء والتاء. قوله: (من جملتها أسرارهم الكفر الخ) يعني أنه عام وما مرّ داخل فيه دخولاً أوّلياً فلا حاجة إلى تخصيصه كما وقع في بعض التفاسير وقوله: تجهلة الخ هذا التفسير له باعتبار المراد منه والا فالأمّي هو الذي لم يتعلم الكتابة قيل: وان كتب نادراً وتفسيره الأوّل ناظر إلى الكتاب بمعناه اللغوي وهو الكتابة، والثاني إلى أنه بالمعنى العرفي وأنه المعهود بينهم وهو التوراة والأمي إمّا منسوب إلى الأمّ لأنه كما خرج من بطنها أو إلى أمة العرب أو إلى أمّ القرى لأنهم لا يكتبون غالباً، وقوله: م! بطنها أو إلى أمة العرب أو إلى أمّ القرى لأنهم لا يكتبون غالبا، وقوله: فيطالعوا لأنّ من لم يكتب لا يقرأ في المتعارف فلا يرد عليه أنّ من لا يكتب يجوز أن يقرأ فيحتاج إلى التكلف في توجيهه. قوله:) استثناء منقطع والأماني الخ) كونه منقطعا على هذه الاحتمالات ظاهر لصحة وضع لكن موضع إلا، يقال منى الماني أي قدر والتمني تقدير الشيء في النفس ويكون عن تخمين وظن وروية ولما كان أكثره لا يصح أطلق على الكذب ولأنه يقدر أيضا في النفس، وكذا القراءة لأن القارئ يتصوّر ما يتلوه وللأماني تفاسير منها الأكاذيب. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد هنا ومنها الشهوات وهو المراد بقوله أو مواعيد الخ. ومنها القراءة قال حسان رضي الله تعالى عنه، يرثي عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ويذكر قصته في الدار: تمنى كتاب الله أوّل ليله تمنى داود الزبور على رسل ورسل بكسر فسكون بمعنى تؤدة رهينة، وليلة قيل مضاف إلى ضمير الغائب لا بتاء التأنيث للوحدة على ما في بعض النسخ يعرف ذلك بالتأمل ويؤيده أنّ ابن الأنباري وغيره أنشد تمامه: وآخره لاقى حمام المقادر ولم يرو آخرها والمقادر كان أصله المقادير وفي الأساس المقادير الأمور تجري بقدر الله ومقدوره وتقديره وأقداره وتقاديره، والمواعيد الفارغة الكاذبة استعارة حسنة. قوله: (وقيل إلا ما يقرؤون الخ (إشارة إلى ما مرّ، وقوله: وهو لا يناسب بناء على المشهور من أنّ الأميئ هو الذي لا يقرأ ولا يكتب واعترض! عليه بأنه فسر الأمي بالذي لا يعرف الكتابة والزمخشريّ بالذي لا يجسن الكتابة وهذا لا يقتضي أنه لا يقرأ لجواز أن يتلقى من الأفواه ما يقرؤه كما نشاهده في كثير ولا يصح الجواب بأنه يراد به ما يقابل القارئ مطلقا عليه استعمال الفقهاء لأنه هنا بالمعنى اللغوي ولو سلم أنه لغوفي فلا يطابق تفسيره وما قيل إق الأمي ربما يقدر على كتابة كما روي في البخاريّ ومسلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية " أخذ الكتاب وليس يحسن الكتاب فكتب هذا ما قاضي عليه محمد بن عبد الله " الخ وهذا القدر لا يضر في التسمية بالأمي ولذا فسره الزمخشرقي بما مز غير مسلم فإنهم أوّلوا الحديث المذكور بأن كتب بمعنى أمر بالكتابة وأنّ كون النبيئ ع! يي! لم يكتب متفق عليه وان ذهب بعضهم إلى هذا ولابن حجر فيه كلام طويل ليس هذا محله، ثم إنّ التمني على

هذا بمعنى القراءة المطلقة وهو المراد في البيت، وأما إفادة كونها عارية عن المعنى فمن مجموع الكلام لأنك إذا قلت فلان لا يعلم من الكتاب إلا قراءته دل على أنه لا يفهم معناه، فما قيل: إنه من قرينة المقام غير مسلم وأمّا تضمن البيت لهذا المعنى فمحل كلام لأنّ القارئ الإمام عثمان رضي الله عنه فكيف تعرى قراءته عن معرفة المعنى اللهم إلا أن يراد بيان أن يجيء لمجرّد القراءة وهذا من قلة التدبر ولعل المصنف رحمه الله إنما قال: لا يناسب دون لا يصح لما مز ولا شبهة في عدم مناسبته. قوله: (ما هم إلا قوم الخ (أي أنه استثناء مفرغ والمستثنى محذوف أقيمت صفته مقامه، وقوله وقد يطلق الظن الخ كأن جواب أن فيهم جازمين فقال: إنه يطلق على ما يقابل العلم اليقيني عن دليل قاطع سواء قطع بغير دليل أو بدليل غير صحيح أو لم يقطع. قوله: (أي تحسر وهلك ومن قال الخ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: الويل العذاب وقيل: شديدة وقيل: هو للتقبيح وقيل: كلمة تحسر وتفجع وقيل: الهلاك أو الفضيحة أو حدوث الشر، وعلى كل حال فهو مصدر للدعاء عليهم ولا فعل له وأما وال فمصشوع كما قال أبو حيان: وأما أنه واد في جهنم أو جبل فيها " فرويا عن النبي " من طرق صححهما السيوطي فلا ينبغي أن يقال ومن قال الخ. والمصنف أوّله على تقدير وروده عنده بأنّ معنى الويل واد في جهنم أنه واد يستحق أن يقال لمن فيه ويل له: ومنعى قوله يتبوّأ أي يتبوّأ الويل من جعل له في جهنم ذلك المكان فجعل الويل متبوّأ على حد قوله تبوؤوا الدار والإيمان مجازا وضمير فيها لجهنم فإنها مؤنثة ومن لم يفهمه قال كذأ في أكثر النسخ والصواب فهي كما في بعضها، ووجه التجوّز أنه سماه بصفة من فيه فالعلاقة الحالية والمحلية ولما كان ميتدأ وهو نكرة غير موصوفة بين المسوّغ له وهو أن المقصود به الدعاء وقد حول عن المصدر المنصوب ومثله يجوز فيه ذلك لاً نه معنى غير مخبر عنه كما بين في النحو وأما إذا كان علم واد ولو مجازاً فظاهر. قوله: (ولمله أراد به الخ) إنما حمله عليه لأنه لو كان التوراة ولو محرّفة لم يحتاجوا إلى قولهم هذا من عند الله إذ التحريف بعد وقرعه غير معين فهم لا يحتاجون إلى أن يقال لهم ذلك، وقوله تأكيد الخ مثل قاله بفيه ونظر بعينه لنفي المجاز، ويقول الزمخشرقي فيه في بعض المواضع لتصوير الحال، وهو ناظر إلى قوله من عند الله لأنّ التوراة أنزلت مكتوبة من السماء والاشتراء بمعنى الاستبدال ودخول الباء على غير الثمن مر الكلام فيه. قوله: (عرضاً من أعراض الدنيا الخ (عرض بالعين المهملة ما لإثبات له قال تعالى: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة النساء، الآية: 94، ومنه استعار المتكلمون العرض لما يقابل الجوهر قاله الراغب، وقوله: إلى ما استوجبوه الخ. قيل: كان الظاهر اعتبار قلته بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة كما مز قلت بل الظاهر ما ذكره لأنه الأنسب بتفريع فويل الخ ولأنه أسلم من التكرار فتأمل. وما فيما كتبت وما يكسبون تحتمل الموصولية والمصدرية والثانية أرجح لفظاً ومعنى لعدم تقدير العائد ولأنّ مكسوب العبد حقيقة فعله الذي يعاقب ويثاب عليه قاله الشارح المحقق، وقيل عليه سببية الفعلين فهمت من توله فويل للذين يكتبون الكتاب لأن ترتيب الحكم على الشيء يدل على سببيته له فلو حمل على هذا لزم التكرار، والتحقيق أنّ العبد كما يعاقب على نفس فعله يعاقب على أثر فعله لافضائه إلى حرام آخر وهو هنا يفضي إلى إضلال الغير وأكل الحرام فلما بين أوّلاً استحقاقهم العقاب بنفس الفعل بين استحقاقهم له بأثره ورتبه عليه بالفاء (قلت (الأمر في مثله سهل استعظمه لأنه إنما يكون تكرارأ لو كان الأوّل صريحا مع أنه لما اعتبر المكتوب والمكسوب احتاج إلى أن يريد منه الأثر وهو تطويل للمسافة وكأنه لو أريد ذلك من المصدر لأنه قد يراد به الحاصل به صح مع أنه لا يتوجه ما قاله إلا إذا ذكر الكتب أما إذا ذكر معه الكسب للتعميم فلا. قوله: (المس انصال الشيء بالشرة الخ) قال الراغب: المس كاللمس لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء وان لم يوجد قال الشاعر: وألمسه فلا أجده واللمس يقال: فيما يكون معه إدراك مجاسة السمع وكنى به عن النكاج والجنون، المس يقال: فيما ينال الإنسان من الأذى اهـ. ومنه أخذ المصنف رحمه

الله كما هو عادته، والمراد يتأثر الحاسة بلوغ أثره إلى القوّة الحاسة بسماع صوت أو إدراك ملاسة أوخشونة ونحو ذلك وكأنه لذلك أطلق على الأذى لتأثيره فيمن يصيبه، وأما ما قيل: إنه يلزم من كلام المصنف رحمه الله أن يكون المس أبلغ من الإصابة وقد صرحوا بأنه أدنى درجات الإصابة حتى قالوا في قوله تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} [سورة آل عمران، الآية: 120] إنّ لمس ينبىء عن أدنى مراتب الإصابة ويدل على أنّ أدنى إصابة خير تسوءهم وأما الشر والسيئة فإنما تسرّهم الإصابة منه والوصول التام بحيث يعتد به لا يقال: لو دلّ المس على ما ذكر لما جمع بينه وبين الوصف بالعظيم في قوله تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة الأنفال، الآية: 68] لأنا نقول لا منع في ذلك الجمع للدلالة المذكورة بل هو مقوّ لما قصد من المبالغة في تعظيم العذاب وتفظيع شأنه كأنه يقول: إنّ فظاعته بلغت إلى درجة لم يبق فرق بين مسه واصابته فيفعل أدنى درجاته فعل أوّلها إلا أنّ في قوله: {رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [سورة الأنبياء، الآية: 83] دلالة على أنّ في المس شدّة تأثير وأنه أبلغ من الإصابة والمس اللمس، كما في الجوهريّ وأما لمسه فلم يجده فمجاز على معنى استعمل آلة اللمس فلا دلالة فيه على ما ذكره اص. فليس بشيء لأنّ ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى كلام الراغب إمام أهل اللغة الذي أخذها من مجاريها كما سمعت وما نقله من الفرق بين المس والإصابة والذي ذكروه بين اللمس والمس وشتان بينهما وأما الفرق بين المس والإصابة فهو أنّ المس اتصال أحد شيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة كما قال الراغب: أصلها من إصابة السهم ثم اختصت بالنائبة كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [سررة الشررى، الآية: 30] وأصاب جاء في الخير والشر قال تعالى: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} [سورة التربة، الآية: 50] وقال بعضهم الإصابة في الخير اعتباراً بالصوب أي المطر وفي الشر اعتباراً بإصابة السهم وكلاهما يرجعان إلى أصل اص. ومنه يعلم أنّ الإصابة أبلغ من المس لأنه وان اعتبر فيه التأثير لكن تأثير هذا لما كان كالمطر أو السهم كان أقوى وأشذ، وأما ذكر أيوب عليه الصلاة والسلام المس في مقام الإصابة فلشدة صبره حتى استهان بما أصابه، ثم إن الإصابة إذا كانت فعل المصيبة فذكرها مع السيئة أقوى وأنسب وان كانت بمعنى النزول به مطلقا فتستعمل لكل منهما فلكل مقام مقال فافهم وقوله: ألمسه فلا أجده مصراع من مجز والوافر والظاهر أنّ المصنف لم يقصد الشعر والا لقال وألمسه أو ألمسه أو أشار إليه ووكله إلى التتبع. قوله: (محصورة قليلة) يعني أن التوصيف به مؤوّل بالقلة والا لم يفد ذكره، فإن قلت هذا يخالف قوله في الكهف في تفسير سنين عدداً إن وصف السنين به يحتمل التكثير والتقليل. قلت: لا مخالفة بينهما وتحقيقه ما في محكم ابن سيده إنّ عددا فيها جعله الزجاج مصدر أو قال: المعنى تعد عددا قال: ويتجوز أن تكون نعتا لسنين والمعنى ذوات عدد والفائدة في قولك عددا في الأشياء المعدودة أنك تريد توكيد كثرة الشيء لأنه إذا قل: فهم مقداره ومقدار عدده فلم يحتج إلى أن يعد وإذا كثر احتاج إلى العد فالعدد في قولك صمت أياماً عددأ تريد به الكثرة ويجوز أن يؤكد عددا معنى الجماعة في أنها خرجت عن معنى الواحد هذا قول الزجاج. والأيام المعدودات أيام التشريق وهي ثلاثة أيام وإنما قلنا بمعدودة لأنها نقيض قولك لا تحصى كثرة ومنه: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} اص. ومنه نعلم أنه عدد كنائيّ قد يكنى به عن القلة كما هنا وقد يكنى به عن الكثرة وقد يحتملهما، فما قيل: إن عدداً ذكر هنا لمناسبة رؤوس الآي غفلة عما حققناه، ومعدودة صفة الجمع وهو مؤنث ولا كلام فيه إنما الكلام في معدودات وسيأتي. قوله: (روي أنّ بعضهم قالوا الخ) قالوا هذا حين دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة وسمعه المسلمون فنزلت هذه الآية وعدد عبادة العجل لأنّ آباءهم عبدوه فجعل الله ذلك مدة لعقاب اليهود ولو على غير ذلك من الذنوب وهذا بزعمهم الفاسد في إنكارهم الخلود. قوله: (خبرا ووعدا الخ) همزة اتخذتم للاستفهام التوبيخي مقطوعة وهمزة الوصل سقطت للدرج كقوله أصطفي البنات ومعنى العهد قد مز والمراد هنا على ما قال في التأويلات الخبر أي هل عندكم خبر عن الله تعالى أنكم لا تعذبون أبدا لكن أياما معدودة فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده، وفسر قتادة رحمه الله هنا

العهد بالوعد مستشهداً بقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ} [سورة التوبة، الآية: 75، إلى قوله: {بِمَا أَخْلَفُواْ} الله ما وعدوه، والمصنف رحمه الله جمع بينهما تنبيها على أنّ من فسره بالخبر أراد الخبر الموعود كما صرح به في آخر كلامه، ووقع في نسخة أو يدل الواو إشارة إلى أنهما معنيان وتفسيران للسلف وان تقاربا فلا وجه لما قيل إنّ الصحيح الأوّل ولا لما قيل إنه لا وجه لتخصيص العهد بالوعد مع عمومه، والقراءة بالإظهار على الأصل وبإبدالها تاء وإدغامها فيها وهو ظاهر. قوله:) جواب شرط مقدر الخ) والفاء فصيحة وقدر بعضهم الشرط بأن كنتم اتخذتم بناء على أنه ماض! وحرف الشرط لا يغير معنى كان وفيه خلاف معروف. قال المحقق: أي إن كنتم اتخذتم إذ ليس المعنى على الاستقبال فإن قلت فلا يصح جعل فلن يحلف الله جزاء لامتناع السببية والترتب لكون لن لمحض الاستقبال قلت ذلك ليس بلازم في الفاء الفصيحة كقوله: فقد جئنا خراسانا ولو سلم فقد ترتب على اتخاذ العهد الحكم بأنه لا يخلف الرلهد فيما يستقبل من الزمان فقط كما في قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [سورة النحل، الآية: 153 قيل: عليه الأظهر أنه دليل الجزاء وضع موضعه أي إن كنتم اتخذتم عند الله عهداً فقد نجوتم لأنه لن يخلف عهده وامّا ما ذكره من أنه لا يلزم في الفاء الفصيحة إنما يتم لو لم يجعل جزاء شرط، إذ لا فرق بينه وبين غير. من الأجزية، وما ذكر من ترتب الحكم فيه إنّ اتخاذ العهد في الماضي والحكم حين النزول فكيف يتم الترتب وأيضاً لا وجه للتعليل بكون لن لمحض الاستقبال فإن السببية بين الشرط والجزاء بحسب الوجود مفقودة سواء كان عدم الخلف في المستقبل أو الماضي بل إذا كان ذلك بحسب الماضي يكون الجزاء أبعد ارتباطاً من الشرط كما لا يخفى ثم إنه لا وف لتفريع السؤال على تقدير كان، ثم إنّ المعتبر بين الشرط والجزاء اللزوم لا السببية والترتب فكان حقه أن يقرّر السؤال هكذا هذا لا يصلح جزاء لعدم شرط صحته وهو أن يكون مرتبا على الشرط أو لازماً له ومخالفة الفاء الفصيحة في ذلك لم نجد. ولعل وجه ما ذكره في الاستقبال ما سيصرّح به في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ} [سورة البقرة، الآية: 114] من أنّ الباعث والعلة لا يترتب عليه أمر مستقبل منفصل عنه يعني عرفا والشرط كذلك سبب للجزاء وعلة له فتأمل. وهذا أحد مذهبين في الفاء التي في جواب الاستفهام فتذكر. قوله: (وفيه دليل الخ) قيل عليه العهد ظاهر في الوعد بل حقيقة عرفية فيه وهو المراد هنا فلا دليل على نفي الخلف في الوعيد وهو مذهب أكثر الأشاعرة وأما أنه مصادرة وأنه ينبغي تبديل محال بغير واقع فلا يرد ما ذكره. قوله: (أما معادلة لهمزة الاستفهام الخ) إشارة إلى ما في أم من الوجهين كونها متصلة للمعادلة بين شيثين بمعنى أيّ هذين واقع وأخرجه مخرح المتردّد فيه وان كان قد علم وقوع أحدهما وهو قوله على الله ما لا تعلمون ولذا وقع في نسخة آخرهما، والتقرير أي الحمل على الإقرار به أو تثبيته لتعيته ولها شروط مفصلة في النحو ويجوز أن تكون منقطعة غير عاطفة بمعنى بل والهمزة التقدير بل أتقولون والاستفهام للإنكار لوقوعه منهم واليه أشار المصنف رحمه الله، وقيل: إنما تقدر ببل وحدها بدون الهمزة فتعطف ما بعدها على ما قبلها واستدل بقولهم أنّ لنا إبلا أم شاء بنصبهما ونحوه ولو قدرت الهمزة لرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ولا يصح فيها الاتصاف في المثا لعدم تقدّم الاستفهام فتأمل، والتقريع التوبيخ والتقرير هنا بمعنى التثبيت. قوله: (بلى إثبات الخ) بلى حرف جواب كجير ونعم إلا أنها تقع جواباً لنفي متقدم سواء دخله استفهام أم لا فيكون إيجابا له نحو ما قام فتقول بلى أي قد قام وقوله: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [سورة الأعراف، الآية: 172] ولذا قال ابن عباس رضيب الله تعالى عنهما: لو قالوا نعم كفروا، وأمّا قوله: أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك بخا تداني نعم وترى الهلال كما أراه ويعلوها النهار كما علاني فقيل: ضرورة وقيل: نظراً إلى المعنى لأنّ الاستفهام إذا دخل على النفي قرر. فما قاله ابن عباس رضي الله عنهما نظرا إلى الظاهر وبلى هنا ردّ لقولهم: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ} أي بلى تمسكهم أبدا بدليل قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

قاله الزمخشرفي. وقوله أبداً في مقابلة قوله أياما معدودة وهو تقدير حسن ولا 0 فرق بينه وبين كلام المصنف رحمه الله خلافا لمن توهمه وهي بسيطة، وقيل: أصلها بل فزيدت عليها الألف، وقوله على وجه أعم يعني أنه لكل مكتسب لما ذكر من اليهود وغيرهم ليكون كالبرهان على الثبوت فيحقهم وأيضا هم أثبتوا تعذيب أيام وهو أثبت الخلود الأعمّ منها فلا يتوهم أنّ المعنى بل تمسكم أياما معدودة فانه فاسد لفظا ومعنى. قوله: (سيئة قبيحة الخ (هو فيعلة كسيدة أعل إعلاله وهي فيما يقصد بخلاف الخطيئة لكونها من الخطأ، والكسب جلب النفع فهو هنا استعارة تهكمية، وقيل: إنه عبر بالكسب لأخذهم الرشا المتقدم أو أنه حقيقة على زعمهم أنه نافع لهم ولكل وجهة وقد في قوله قد يقال: للتكثير اً وللتحقيق فلا يقال الصواب إسقاطها. قوله: (أي استولت عليه وشملت الخ (مرّ وجه الاستعارة، ومعنى استولت غلبت عليه وعمت ظاهره وباطنه وقلبه، وهذا لا يتصوّر في غير الكافر والسلف كمجاهد وغيره فسروا الخطيئة بالشرك، وهذا رذ على الزمخشرقي إذ فسرها بالكبيرة بناء على مذهب المعتزلة في أن صاحبها مخلد، وزاد قوله وإقرار لسانه رعاية للمذهب المختار في الإيمان المنجي كما مر. قوله: (وتحقيق ذلك الخ) ومنه يعلم وجه ذكر كسب السيئة وتقديمها ومن لم يتنبه له قال كان يكفي من أحاطت خطيئته عنه وقوله: مستحسنا بصيغة الفاعل، ومنه يعلم وجه آخر على طريق الإدماج لإطلاق الكسب عليها كما مر، وقوله: وتأخذ بمجامع الخ كان الظاهر أخذت أو فتأخذ بالفاء، وقراءة الجمع وقلب الهمزة ياء وادغامها ظاهر لكنهم استحسنوا قراءة الجمع لأن الإحاطة لا تكون بشيء واحد. قيل: ولذلك فسرها المصنف رحمه الله تعالى بقوله: استولت وشملت مع أنّ الخطيئة وإن كانت مفردة نكنها لإضافتها متعدّدة كقوله: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ} [سورة النحل، الآية: 18] مع أنّ الشيء الواحد قد يحيط كالحلقة فتأمّل. قوله: (ملارّموها الخ (الصحبة وان شملت القليل والكثير لكنها في العرف تختص بالكثرة والملازمة، ولذا قالوا لو حلف من لاقى زبدا أنه لم يصحبه لم يحنث، والخلود لما كان معناه لغة مطلق اللبث الطويل بل سواء الخلود المعروف وغيره، فإن كانت الخطيئة بمعنى الكبيرة فالخلود بالمعنى الأوّل، وإن كانت الشرك فالثاني فلا دلالة لها ولا لما قبلها من قوله فويل الخ على ما ذكر لاحتمالها لهذا، وقيل: لأن تحريف كلام الله وأخذ ما ذكر كفر لا كبيرة، وقيل: المراد بما قبلها {بَلَى مَن كَسَبَ} الخ فإنّ المعنى بلى تمسكم أبدا وهو خطأ لأنهما آية واحدة، وقيل: إنه لا معنى له ولعله محرّف عن تليها أي تقع بعدها، وهذا عذر أقبح من الذنب ومجرد الويل لا يدل على الخلود، وهذا لا ينافي ما سبق في تفسير قوله: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} من الدلالة على أنّ عذاب النار دائم لأنه بواسطة ما يشهد له من الآيات والآثار في معنى الخلود وهذا بناء على مجرد مدلول لغة أو جواب جدليّ فافهم. قوله: (جرت عادته سبحانه الخ) قال الطيبي رحمه الله: نجي دخول الفاء في الأوّل دون هذا قال السخاوندي: تقول من دخل داري فأكرمه عدم دخول الفاء يقتضي إكرام من دخل لكن على خطر أن لا يكرم، والذي دخل مع الفاء يكرم حقيقة الخ وهو كلام مختل لا محصل له وقيل الذكر الفاء فيما سبق وتركها هنا لأن ثمة موضع التأكيد لأن الوعيد مظنة الخلف دون الوعد، وقيل: إنه إشارة إلى سبق الرحمة فإنّ النحاة قالوا من دخل داري فأكرمه يقتضي إكرام كل داخل لكن على خطر أن لا يكرم وبدونها يقتضي إكرامه البتة فتأمل. وقيل إنه إشارة إلى ما تسبب العذاب عنه بخلاف دخول الجنة فإنّ الأعمال لا تفي بسببه، وقوله يدلّ الخ لأنّ الأصل في العطف المغايرة ولا داعي إلى التأويل، والإقرار مسكوت عنه وهو يقتضي دخوله فيه. قوله: " خبار في معنى النهي الخ لا يضار برفع الراء المشددة والمقصود النهي كما فيما نحن فيه، وبين وجه أبلغيته بأنّ المنهيّ أو المأمور كأنه سارع إلى ذلك فوقع منه حتى أخبر عنه بالحال أو الماضي أي ينبغي أن يكون كذلك فلا يرد عليه أنه لا يناسب المقام لأنّ حال المخبر عنه على خلاف ذلك فالصواب أن يقال: لما فيه من الاعتناء بثأن المنهيّ عنه وتأكد طلبه حتى كأنه امتثل وأخبر عنه، ووجه التجوّز فيه سيأتي ويؤيده قراءة

لا تعبدوا بالجزم وعطف الأمر لأنّ الإنشاء يعطف على مثله، وغير عبارة الزمخشريّ لما فيها وإنما أول بالنهي لأنه لو كان خبراً لزم تخلف إخباره لأنهم وقع منهم عبادة غير الله، وتقدير القول أي قائلين أو قلنا وأما تقدير أن فضعيف لأنها لا تحذف قياساً إلا في مواضع ليس هذا منها وبعد حذفها جوّزوا في الفعل الرفع النصب وبهما روي بيت طرفة في معلقته وهو: ألا أيهذا الزإجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي وعلى هذه القراءة فهو مصدر مؤوّل بدل من الميثاق أو مفعول به بحذف حرف الجرّ أي بأن لا، أو على أن لا، وقيل: إنه جواب قسم دل عليه الكلام أو جواب الميثاق نفسه لإنّ له حكم القسم وعلى قراءة التاء ففي الآية التفاتان في لفظ الجلالة وتعبدون، وغيبت بتشديد الياء جمع غائب ويصح تخفيفها بفتحتين لأنه جمعه أيضاً وجوّز فيه أن يكون حالاً وجعل أن تفسيرية وتقدير تحسنون بناء على أنه خبر وأحسنوا بناء على أنه إنشاء والجملة معطوفة على تعبدون، ويصح تعلقه بإحسانا أيضاً لأنه يتعدى بالباء والى يقال: أحسنت به واليه، وقيل عليه أنه حينئذ مصدر مؤكد وحذف عامله ممنوع وفيه نظر. ومنهم من قدر استوصوا واحسانا مفعول له والوالدان تثنية والدلالة يطلق على الأب والأمّ أو تغليب وقال الحلبيّ: أنه لا يقال في الأمّ والد فيستعين التغليب، واليتامى وزنه فعالى ككسارى وألفه للتأنيث وهو جمع يتيم كنديم وندامى ولا ينقاس واليتم أصل معناه الانفراد ومنه الدرّة اليتيمة، وقيل: الإبطاء لإبطاء البر عنه وهو في الآدميين من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات وفي الطيور من جهتهما، ووجهه ظاهر وقيل: إنه يقال في الآدميين لمن فقدت أمّه أيضا. قوله: (ومسكين مفعيل الخ) إشارة إلى أنّ الميم زائدة وهو أصح القولين لأنه من السكون كأن الفقر أسكنه أي جعله ساكنا والفرق بينه وبين الفقير معروف وسيأتي. قوله: (أي قولاً حسناً الخ) أي فيه قرا آت حسناً بضم فسكون مصدر وصف به مبالغة وحسنا بفتحتين صفة، وقيل: هو مصدر أيضا كحزن وحزن وحسن بضمتين وضم السين لاتباع الحاء وحسني واختلف في وجهه فقيل: هو مصدر كرجعي قال أبو حيان: هو غير مقيس ولم يسمع فيه فقيل: هو صفة كحبلى وقيل: مؤنث إفعل، واستعمل منكرا بدون من على خلاف القياس مثل كبرى وصغرى قال: وان دعيت إلى حسني مكرمة وقوله: تخلق وارشاد أي ما فيه دلالة عليس حسن الخلق والمعاملة أو إرشاد إلى السداد. قوله: (على طريقة الالتفات أو لعل الخطاب الخ لأنّ ذكر بني إسرائيل إنما وقع بطريق الغيبة والخطابات إنما هي في حيز القول وفائدة الالتفات التعنيف والتوبيخ كأنه استحضرهم ووبخهم وتم للاستبعاد كما مر، وقال السمين: هذا إنما يجيء على قراءة لا يعبدون بالغيبة، وأما على قراءة الخطاب فلا التفات، ويجوز أن يكون أراد بالالتفات الخروج من خطاب بني إسرائيل القدماء إلى خطاب الحاضرين في زمنه عليه الصلاة والسلام، وقد قيل ذلك فيكون التفاتا على القراءتين (أقول) كون الالتفات بين خطابين لاختلافهما لم يقل به أهل المعاني لكنه وقع مثله في كلام بعض الأدباء، وهذا غير الالتفات المصطلح عليه فجعل الأوّل في حكم الغيبة لأنه محكيّ وهذا ابتداء كلام أقرب منه مع أنه خلاف الظاهر، وأمّا على التغليب فلا التفات فيه وفيه نظر. قوله: (1 لا قليلاَ منكم) المشهور فيه النصب لأنه موجب، وروي عن أبي عمرو وغيره الرفع فقيل: إلا صفة بمعنى غير وهي يوصف بها المعارف والنكرات بخلاف غير وقيل: لا يوصف بها إلا النكرة أو المعرف بلام الجنس لأنه في قوّة النكرة، وقال المبرد: شرطه صلاحية البدل في موضعه، وقيل إنه عطف بيان وفيه نظر وقيل: إنه مبتدأ خبره محذوف أي لم يقولوا وقيل: إنه توكيد للضمير المرفوع أو بدل منه وجاز لأنه في معنى النفي، ورد بأنه ما من إثبات إلا ويمكن تأويله بمنفيّ وفيه نظر ومنكم صفة قليلاً والمراد بهم الأشخاص، وقال ابن عطية: يحتمل القلة في الإيمان أي لم يبق إلا إيمان قليل وهو بعيد جداً، والمراد على التغليب أنه ليس ببدع منكم لأنه ديدن آبائكم. قوله: (قوم عادثكم الأعراض الخ) يؤخذ كونه عادتهم من الاسمية الدالة على الثبوت، وهل هذه

الجملة معترضة أو حالية مبنية أو مؤكدة والمؤكدة هل يجوز اقترانها بالواو أو لا وكلها أقوال، وقال الطيبيّ رحمه الله: قوله وأنتم قوم عادتكم الإعراض يشير إلى أنه من الاعتراض والتذييل كما سيجيء في قوله: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} وقيل: لا يجوز أن تكون الواو للحال لأنّ التولي والإعراض واحد يعني والحال المؤكدة لا تفصل بالواو وهذا يرد على إطلاقهم في الاسمية كما مر وروي صاحب التحبير عن أبي علي رحمه الله الحال مؤكدة في قوله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} لأنّ في وليتم دلالة على أنهم مدبرون، وقال الراغب: وأنتم معرضون حال مؤكدة إذا جعلا شيئا واحداً، وقيل: إنّ التولي والإعراض مثل مأخوذ من سلوك الطريق، وإذا اعتبرنا حال سالك الطريق المنهج في ترك سلوكه فله حالتان إحداهما أن يرجع عوده على بدئه، وذلك هو التولي والثانية أن يترك المنهج ويأخذ في عرض الطريق، والمتولي أقرب أمراً من المعرض لأنّ من ندم على رجوعه سهل عليه العود إلى سلوك المنهج والمعرض حيث ترك المنهج والأخذ في عرض الطريق يحتاج إلى طلب منهجه فيعسر عليه العود إليه وهذا غاية الذمّ لأنهم جمعوا بين العود عن السلوك والإعراض، وقيل: إنّ التولي قد يكون لحاجة تدعوا إلى الانصراف مع ثبوت العقد، والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب اهـ. وهو تحقيق بديع وفي كلام المصنف رحمه الله لمحة منه، وكذا في قوله ورفضتموه عطفاً عل!! أعرضتم عن الميثاق على أنه تفسير له إشارة إلى اعتبار الانصراف بالقلب في مفهوم الإعراض! فتدبر، والعرض في كلامه خلاف الطول وقوله ومن أسلم منهم أي من اليهود مطلقاً سواء قام على اليهودية قبل النسخ أولاً فتأمل. قوله: (على نحو ما سبق) أي من توجبه الخطاب والتأويلات في لا تعبدون لأنّ أخذ الميثاق بإنزال التوراة وقبولهم أحكامها المشترك بين السلف والخلف، وقوله: بعضاً منصوب بنزع الخافض أي لبعض والإجلاء الإخراج من الديار والمساكن. قوله: (وإنما جعل قتل الرجل غيره الخ) قال المحقق: جعل غير الرجل نفسه أمّا في لا تخرجون أنفسكم فصريحاً وأمّ في لا تسفكون فدلالة والقول بأنّ قتل الغير بمنزلة قتل النفس لترتب القصاص يمكن اعتبار مثله في الإخراج لما يلحقه من العار والصغار اص. وقيل: لأنه يؤذي إلى أن يفعل به مثل ذلك وهو بعيد، فالتجوّز في محلين وبوجهين إمّا أنّ المتصل به دينا ونحوه أطلقت عليه النفس بعلاقة الملابسة والاتصال أو جعل قتل الغير قتلا لنفسه لتسبيبه له بالقصاص، وقيل: إنه مراد المصنف رحمه الله تعالى ولم يتعرّضر له لظهوره وانفهام وجهه مما ذكر وقيل: إنّ المصنف رحمه الله تعالى خص صورة القتل بالتوجيه ظناً منه أنّ الإخراج لا يحتاج إليه رذا على الكشاف نظراً إلى أنّ قتل الإنسان نفسه لا يكون في العادة فلا حاجة إلى أخذ الميثاق عليه بخلاف الإخراج عن دياره فإنه معروف فلا داعي لصرفه عن ظاهره فظهر أنّ جعل غير الرجل نفسه إنما هو في تسفكون لا في تخرجون ومن زعم أن ذلك في الثاني صريح دون الأوّل فقد عكس الأمر الظاهر اهـ. وهذا تخيل فاسد لأن الإخراج بمعنى الإجلاء والنفي لا يتصوّر بين الإنسان ونفسه بل الإخراج إذ يقال خرج زيد ولا يقال أخرح نفسه وبعد تقرّره وأن التجوز في النفس وهي مصرّح بها في الثاني دون الأوّل لا تبقى شبهة فيما ذكره الشارح المحقق نعم وجه التصريح في الثاني بالنفس دون الأوّل لازم ونكتتة أنه لو ترك لكان تخرجونكم وهو ممنوع في العربية، وقيل على الشارح أيضاً إنّ قتل الغير يفضي إلى قتل نفسه فيصح عذة قتلاً لنفسه، واخراج الغير لا يفضي إلى إخراج النفس فكيف يصمح عذه إخراجا لها وليس بوارد لأنّ إخراج جنسهم عار عليهم يفضي إلى ل! ضوق ذلك العار بمن أخرح أيضا فيجعل اللازم مفضياً إلى لازم آخر، وهو ظاهر. قوله: (وقيل معناه الخ) وهو على هذا مجاز أيضاً على منوال البطون القرآنية، وأما قوله في الحقيقة فليس المراد به مقابل المجاز بل معناه العرفي وهو إلا خلق وليس المراد بالحقيقة مصطلح الصوفية كما قيل: ويردي بمعنى يهلك، وقوله: يصرفكم عن الحياة الأبدية يعني عن لذاتها لأنهم مخلدون في النار أيضاً أو أنّ حياتهم كلا حياة، وقوله: فانه الجلاء الحقيقي

يعني أنّ غيره ليس جلاء بالنسبة إليه وفي الفصول للقصار ليس النفي جلاء الأوطان بل البعد عن رياض! الجنان. قوله: (ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم بلزومه) أي خلفا بعد سلف يعني أخذ منكم الميثاق والتزمتموه فالإقرار ضد الجحد ويتعدّى بالباء ويحتمل أنه بمعنى إبقاء الأمر على حاله أي أقررتم بهذا الميثاق ملتزما والمصنف رحمه الله تعالى غافل عن هذا، ولذا عداه بالباء كذا قبل: وليس بشيء لأنّ إبقاء الشيء على حاله من غير اعتراف به لا يلائمه ترله وأنتم تشهدون، وأتا بمعنى الإثبات سواء كان باللسان أو بالقلب وضده الإنكار فيتعدى بالباء أيضاً كما ذكره الراغب ووجه كونه تأكيدأ أنّ المعنى أقررتم إقرارا ملزما كما تلزم البينة، وهذا مما يقوّيه ويؤكده ويدفع احتمال أن يكون الإقرار ذكر أمر آخر لكنه يقتضيه فهو احتراس دافع أط! حتمال وهو لا ينافي التأكيد كما توهم وإذا كان الإقرار إقرار السلف واسناده لهؤلاء مجازيّ بأن أسند إليهم ما وقع من آبائهم فليس فيه تغليب كما توهم أنه من قبيل {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} فإنه وجه آخر، وانشهادة من الخلف فهو على هذا من عطف جملة على أخرى وعلى الأوّل حال على سبيل التتميم. قوله: (استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق (مرّ تقرير الاستبعاد وما بينه وبين الترإخي الرتبي، وقوله: وأنتم مبتدأ الخ في الكشاف ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين تنزيلاً لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به وقوله: تقتلون بيان الخ، ولما كان الإخبار باسم الإشارة لا يقتضي المغايرة وحمل الظاهر على الضمائر لا يقتضي ذلك كما إذا قلت ها أناذا قائما وأنا زيد أو ضارب فلا عدول فيه عن مقتضى الظاهر اعترض عليه أبو حيان بأن المشار إليه بقوله: أنتم هؤلاء المخاطبون أوّلأ فليسوا قوما آخرين ألا ترى أنّ التقدير الذي قدره الزمششريّ من تقدير تنزيل تغير الصفة منزلة تغير الذات لا يتأتى في نحوها أنا ذا قائماً ولا في أنتم هؤلاء بل المخاطب هو المشار إليه من غير تغير، وقال الحلبي: لم يتضح لي صحة الإيراد عليه وما أبعده عنه لأنه لم يفهم مراده، فالحق أنه اعتراض قوفي وكلامه لا يخلو عن خفاء، وقد أشار إليه شراحه وحاولوا توجيهه فقيل: كان من حق الظاهر ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد فتقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم أي صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها فأدخل هؤلاء وأوقع خبرا لأنتم، وجعل قوله تقتلون أنفسكم جملة مبينة مستقلة ليفيد أنّ الذي تغير هو الذات بعينها نعيا عليهم بشدة وكأنه أخذ الميثاق ثم تساهلهم فيه وقله المبالاة به، وقوله: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به يعني ما أنت بالذي كنت من قبل وكأنك ذهب بك وجيء بغيرك وفي الحديث: " دخل بوجه غادر وخرج بوجه كافر " اص. والمصنف رحمه الله تعالى لم يمثل بما مثلى به في الكشاف لكن لا فرق بينهما كما توهم لأن قوله أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا مع أنّ الظاهر أن يقول أنت فعلت كذا كأنه قدر في نفسه أنه صار شخصآ آخر، ثم إنّ قوله وأنتم تشهدون على الوجه الثاني خطاب لمن أدرك زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم من اليهود وأنتم هؤلاء كذلك فادّعاء المغايرة في المحمول بحسب الذات لا يخلو عن كدر وان كان خطابا للكل وأنتم كذلك فالمغايرة حقيقية والحمل محتاج إلى التأويل، وقوله باعتبار ما أسند إليهم يعني أنتم المعبر به عن المأخوذ عليهم الميثاق وباعتبار ما سيحكي يعني هؤلاء، وقيل: أراد بالأوّل إسناد الإقرار والشهادة لأنهما يوجبان القرب وبالثاني قتل أنفسهم الخ لأنّ المعاصي توجب البعد. قوله: (إمّا حال والعامل فيها معنى الإشارة) وشممى عاملاً معنويا لكونه في معنى الفعل وهذا كقولهم ها أنا ذا قائما قال أبو حيان رحمه الله تعالى: والمقصود من حيث المعنى الإخبار بالحال، وأما على البيان فكأنه لما قيل: ها أنتم هؤلاء قيل: ما شأننا فقيل: تقتلون الخ والجملة لا محل لها من الإعراب وأمّا أنه تأكيد فهو على أن يجعل بدلاً مما قبله، أو عطف بيان والمراد با اضأكيد معناه اللغوي وهو مطلق التقوية بالتكرير وأمّا جعله موصولاً فهو مذهب البصريين في جميع أسماء الإشارة فإنها تكون عندهم أسماء موصولة، كما قال الجمهور في ماذا صنعت أنه بمعنى ما الذي صنعت والصحيح خلافه ولأنه يصير أيضاً

من قبيل: أنا الذي سمتني أمي حيدره وهو ضعيف، وفي الآية وجوه آخر مبسوطة في الدر المصون وروى محيي السنة عن السدي أنّ الله تعالى أخذ العهد على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه. قوله: (حال من فاعل تخرجون الخ) الإثم الذنب والعدوان التعدي بالظلم، ووجه القراءة بالحذف أنه اجتمع تا آن فحذفت إحداهما للتخفيف وهي إمّا الأولى وامّا الثانية على اختلاف أو قلبت ظاء وأدغمت وهو ظاهر ومعنى المظاهرة المعاونة مأخوذ من الظهر للاستناد إليه. قوله: (روي الخ) قال الطيبي رحمه الله: العرب النازلون بيثرب فريقان يهود وهم بنو قريظة مصغرأ والنضير كأمير ومشركون وهم قبيلتان الأوس والخزرج وكانت بين الأوس والخزرج محاربات فاستحلف الأوس قريظة والخزرج النضير ليكون معهم في حروبهم ولم يكن بين فريقي اليهود محالفة ولا قتال وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم فكانوا إذا أسر من اليهود احد جمع كل من الفريقين ما يفيد به من المشركين فإذا كانوا مع الحلفاء قتل اليهود بعضهم بعضا وأخرجوهم من ديارهم وخرّبوها فإذا وضعت الحرب أوزارها أعطوا فداء من أسر منهم فإذا قيل: لهم في ذلك قالوا إنّ القتل والإخرإج لأجل حلفائنا وهو مخالف لما عهد في التوراة، ولذلك نفاديهم لأنا أمرنا به كما مر فأحلوا بعضا وحرّموا بعضاً، ومعنى إتيانهم حال كونهم أسارى إمّا حقيقة وامّا إتيان خبرهم ونحوه وقوله: وقيل الخ هذا خلاف الظاهر وهو من التأويل. قوله: (أسرى وهو جمع أسير الخ) قرئ أسر! وأسارى بفتح الهمزة وضمها، أمّا أسارى فلأنهم حملوا أسيرآ على كسلان فجمعوه جمعهم كسالى كما حملوا كسلان عليه فقالوا كسلى كذا قال سيبوبه: ووجه الشبه أنّ الأسر والكسل كل منهما أمر غير اختياري، وقيل: إنه مجموع كذا ابتداه من غير حمل كما قالوا في قديم قدامى والأصل فيه الفتح والضم ليزداد قوّة وقيل: أسارى جمع أسرى جمع أسير فهو جمع الجمع والفتح لغة عالية ولا فرق بين أسرى وأسارى، وقيل: من كان في الوثاق فهم أسارى وغيره أسرى وهو مأخوذ من الأسار وهو الرباط الذي يشد به، وفاداه وفداه بمعنى وقيل: فداه بالمال وفاداه أعطى فيه أسيرا مثله واللغة تخالفه وقيل: فداه بالصلح وفاداه بدونه والفدا بالكسر يمد ويقصر والأكثر مع اللام قصره نحو فدى لك، وبالفتح مقصور لا غير وهو يتعذى لمفعولين الأوّل بنفسه والثاني بالباء0 قوله: (متعلق الخ (إشارة إلى ردّ ما قيل: إنه متعلق بجميع ما تقدم لأنه محتاج إلى تكلف والمراد أنه حال منه، وخص الإخراج ببيان حرمته قيل: لما فيه من الجلاء والنفي الذي لا ينقطع شره إلا بالموت والظاهر أنه لظهور منافاته لمفاداتهم فيناسب تفريع قوله أفتؤمنون الخ. وقوله: وما بينهما اعتراض قيل عليه الجملة المعترضة لا محل لها من اعراب وقد جعل قوله تظاهرون عليهم حالاً وبينهما منافاة ولا وجه له لأنّ المراد بالمعترضة جملة {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى} [سورة البقرة، الآية: 85] وأما جملة تظاهرون على الحالية فهي قيد للخروج ص ذ كور بذكره وهو ظاهر. قوله: (والضمير الخ (فيه وجوه من الإعراب أحدها أنه ضمير شان والجملة بعده خبره ولا يحتاج إلى رابط وقيل: خبره محرّم وإخراجهم نائب فاعله وهو مذهب الكوفيين وإنما ارتكبوه لأنّ الخبر المتحمل ضميراً مرفوعاً لا يجوز تقديمه على المبتدأ فلا يقال قائم زيد، وهو عند البصريين جائز وما ذكروه ممتنع لأنّ ضمير الشأن لا يفسر بمفرد والثاني أنه ضمر مبهم يفسره بدله وهو إخراجهم وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير والثالث أنه راجع إلى الإخراج المفهوم من تخرجون واخراجهم بدل منه أو عطف بيان له وضعف بأنه بعد عوده إلى الإخراح لا وجه لإبداله مته. قوله: (أفتؤمنون الخ) الاستفهام للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكام الله والعهد كان بثلاثة أشياء: ترك القتل، وترك ألإخراج، ومفاداة الأسارى، فقتلوا وأخرجوا على خلاف العهد وفدوا بمقتضاه وقيل: المواثيق أربعة فزيد ترك المظاهرة، وما في الكشاف من أنه قيل لهم: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فقالوا أمرنا بالفداء وحرم علينا القتال ولكنا نستحي من حلفائنا يدل

على أنهم لا ينكرون حرمة القتال فإطلاق الكفر عليه على فعل ما حرم إمّا لأنه كان في شرعهم كفراً أو أنه للتغليظ كما أطلق على ترك الصلاة ونحوه ذلك في شرعنا. قوله: (الأخرى قي الحيوة الدنيا الخ) قال الراغب: خزى الرجل لحقه انكسار من نفسه أو غيره، فالذي من نفسه الحياء المفرط ومصدره الخزاية والذي من غيره كالذل والهوان مصدره الخزي أي ليس جزاء فاعله منكم لا ممن خالفتموهم في الدنيا إلا الفضيحة وفي الآخرة إلا العقاب والجزاء يطلق في الخير والشر وقيل: عليه أنّ القتل ليس خزيا على تفسيره إلا أن يكون خزيا لذراريهم وذويهم أو أنّ ما ذكره أصل معناه ثم عم واجلاء النضير إلى أريحاء وأذرعات، وقوله عمى غيرهم قيل عليه إنه صريح في أنهم غير منحصرين في قريظة والنضير وما ذكره سابقا وكذا ما نقل عن الطيبي يخالفه فالصواب ما في المغازي أنهم كانوا فريقين بني ينقاع بفتح القاف وتثليث النون وهما حلفاء الخزرج والاخر النضير وقريظة وهم حلفاء الأوس فتأمّل. وقوله: وأصل الخزي أي أصل هذه المادّة بقطع النظر عن خصوص المصدر وقيل: عليه أنّ الخزي لا يستعمل في الاستحياء، وإنما المستعمل فيه الخزاية كما مر عن الراغب وذكر مثله المرزوقيّ وغيره والدنيا مأخوذ من دنا يدنو وياؤه منقلبة عن واو فرقا بين الأسماء والصفات وإنما كان عصيانهم أشد لأنه كفر بكتاب الله بعدما علموا خلافه، ووجه القراءة بالخطاب والغيبة ظاهر والقراءة المنسوبة إلى عاصم شاذة والردّ إن كان بمعنى التصيير فظاهر وان كان بمعنى الرجوع فلأنهم معذبون في الدنيا وفي القبور، وقوله بالآخرة أي بحظوظها ومن قال بحياتها أراد الحياة المقيدة بها إشارة إلى المجاز في اشتروا، والباء داخلة على المتروك. قوله: (بنقض الجزية الخ) أقول عدم تخفيف عذاب الكفار وقع في سور ثلاث البقرة وآل عمران والنحل وقد صرح فيها بأنّ العذاب الذي لا يخفف عنهم عذابهم بعد دخول جهنم المخلد لاقتضاء الحكمة والعدل الرحماتي عدم الاستواء فيه وأن يجعل على مقدار كفرهم فلا يكون عذاب من لم يؤذه ولم يبارزه بالعداوة بل أعتقد رسالته وأحبه وإنما كفر بالجحد اللساني لحمية الجاهلية كأبي طالب كعذاب غيره على مراتبهم في الكفر والإيذاء، فجعل عذاب الأوّل خفيفاً بالنسبة لمن عداه أو تخفيفه في البرزخ قبل سجن سجين لا ينافي عدم تخفيفه بعد دخول دار الخلود كما قال تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [سورة البقرة، الآية: 121] فلا ينافي القضاء بتخفيفه أوّلاً الذي سيذكره المصنف رحمه الله في الزلة كما يتراءى في أوّل نظرة ومنهم من فسر التخفيف بتخفيف العذاب الدنيوي والأخروي الشامل للخزي والنصر بدفع الجزية ولم يتعرض لدفع العذاب لأنه يفهم من نفي تخفيفه بالأولى وقوله أي التوراة لم يقل جملة واحدة كما في الكشاف لأنه لا دلالة للنظم عليه وما فيه بيان للواقع. قوله: (وقفينا الخ) قالوا كان بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أربعة آلاف نبيّ، وقيل سبعون ألفاً كانوا على شريعة موسى صلى الله عليه وسلم ومعنى تترى متتايعين واحداً بعد واحد وأصله وترى واتبعه الأول في كلام المصنف من الافتعال والثاني من الأفعال، قيل: يقال قفاه يقفوه قفوا أي اتبعه وقفاه غيره تقفية أي اتبعه من القفا ولما كان عدم بيان إرداف موسى عليه الصلاة والسلام بجمع من ارسل معا مراداً لم يقل وقفيناه بالرسل فإنّ المراد منه تقفية كل منهم لموسى عليه الصلاة والسلام بالذات، وليس كذلك بل قثل: قفينا من بعده بالرسل على تضمين قفينا معنى جئنا من بعده بالرسل مقتفين أثره ومتبعين شريعته فمن قال أصل الكلام قفينا موسى صلى الله عليه وسلم بالرسل فترك المفعول به وأقيم من بعده مقامه لم يصب وكذا تفسير المصنف رحمه الله التقفية بالإرسال تبعاً للزمخشري غير صواب، وهذا تخيل لا وجه له لأن التقفية إما محسوسة، كأن يمشي على أثره أو معقولة كاتباع شريعته وكل من ذلك لا دلالة له على المعية كما يقال: للأمم اتبعوا نبيهم وتفسيره بأرسلنا بعده مما وقع لغير المصنف بيانا لأنّ المراد أنّ إرسالهم بعده لا في حياته فالإقدام على تخطئة هؤلاء الفحول من غير داع وارتكاب التضمبت من فضول الكلام

وقوله: أتبعه به في نسخة أتبعه إياه كما في الكشاف وهو الظاهر، وفي الأولى إشارة إلى أنه لا يتعدى لمغعولين وقوله: ذنبه من الذنب بفتحتين كذنبت الرطبة. قوله: (المعجزات الخ) تفسير البينات بالإنجيل بدون الآيات خلاف الظاهر ولذا أخره وقوله: بالعبرية في الكشاف بالسريانية، وغيره المصنف رحمه الله وأجاد وفي القاموس عيسى عليه الصلاة والسلام اسم عبرانيّ أو سريانيّ وجمعه عيسون بفتح السين وقد تضم وعيسين بفتحها وقد تكسر والنسبة إليه عيسى وعيسويّ، وقوله: وعيسى بالعبرية يثوع بكسر الهمزة والمعجمة فعرّب ومعنا. السيد وقيل: المبارك وأفرد عيسى عليه الصلاة والسلام لتميزه عنهم لكونه من أولي العزم وصاحب كتاب، وقيل: لأنه ليس متبعا لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام، وأضافه إليها رداً على اليهود إذ زعموا أنّ له أبا. قوله: (ومريم بمعنى الخادم الخ) لأنّ أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس، والزير بالكسر من الرجال من يكثر محادثة النساء ومجالستهن فمن يكثر من النساء من مخالطة الرجال كذلك فسمي به من يخدم من النساء لأنّ شأنه ذلك فلا مغايرة بين كونها بمعنى الخادم وكونها زير النساء ولا حاجة إلى ما قيل: إنها سميت بذلك تمليحاً كما يسمي الأسود كافوراً فإنه غفلة عن معنى كلامه وسيأتي ما يحققه، وقال الأزهريّ: المريم المرأة التي لا تحب مجالسة الرجال وكأنه قيل لها ذلك تشبيهاً لها بمريم البتول والشعر المذكور لرؤبة من أرجوزة مدح بي السفاح وبعده: ضليل أهواء الصبا تندمه هل يعرف الربع المخيل أرسمه عفت عوافيه وطال قدمه وضليل كشرّيت مبالغة ضال صفة زير والتندم الندم فاعل ضليل على الإسناد المجازي كنهاره صائم. قوله: (ووزنه مفعل إذ لم يثبت فعيل) هو إمّا غير عربي عرّبته العرب بعدما كان بمعنى الخادم أو العابدة ونقل لمعنى يناسبه كما مر أو مشترك بين اللسانين ومعناه بالعبرية غير معناه بالعربية فهو حينئذ مفعل لا فعيل لأنّ فعيل بالفتح لم يثبت في الأبنية أو نادر ان قلنا به كما اختاره الصاغاني في الذيل وقال: إنه مما فات سيبويه، ومنه صهيد للصلب واسم موضمع وهو بالصاد المهملة والضاد المعجمة ومدين على القول بأصالة ميمه، وضهيا بالقصر وهي المرأة التي لا تحيض أو لا ثدي لها، وقال ابن جني: صهيد وعثير مصنوعان فلا دلالة فيهما وإذا كان مفعل فهو أيضا على خلاف القياس إذ القياس إعلاله بنقل حركة الياء إلى الراء وقلبها ألفا نحو مباع ولكته شذ كما شذ مدين ومزيد وإذا كان من رأم يريم المخصوص بالنفي فالقياس كسر يائه أيضا، والأيد القوّة ومنه أخذ أيد على فعل وآيد على أفعل. قوله: (بالروح المقدّسة كقولك حاتم الجود) يعني أنّ الأصل ذلك لكن أضيف الروح إلى القدس تنبيها على زيادة الاختصاص به لأنّ من شأن الصفة النسبة إلى الموصوف فإذا أضيف إليها يكون الموصوف منسوبا إلى الصفة فيزيد معنى الاختصاص كحاتم الجود بإضافة الموصوف إلى مبدأ صفته مبالغة في ثبوته له أو اختصاصه به واشتهاره والإضافة معنوية بعد تنكير العلم وبدونها عند الرض وليس المعنى أنّ الجود بمعنى الجواد مبالغة والموصوف مضافا إلى صفته كما توهم والقدس التقدي! ومعناه التطهير وروح القدس جبريل عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ} [سورة النحل، الآية: 02 ا] لنزوله بالقرآن والوحي الذي تطهر به النفوس من دنس الهيولى، والروح إذا أطلق على جبريل عليه الصلاة والسلام لا يؤنث وبمعناه المعروف يذكر ويؤنث وحظيرة القدس الجنة وقيل الشريعة، وقوله: روح عيسى عليه الصلاة والسلام الخ أتا طهارته من مس الشيطان فسيأتي تحقيقه في آل عمران وأمّ كرامته على الله وتعظيمه باضافته إليه فظاهر، والمراد بالأصلاب أصلاب الرجال والطوامث النساء التي تحيض ومريم لم تحض تط كما رواه الثقات واطلاق الروح على الإنجيل لأنه أطلق على الوحي الذي به الحياة الأبدية واطلاقه على الاسم الأعظم لأنه كالروج في إحياء الموتى والاسم الأعظم فيه كلام لعل النوبة تفضي إليه، والقدس بضم الدال وتسكن وبهما قرئ. قوله: (هوي بالكسر هوي إذا أحب الخ)

فهو من المحبة كعلم يعلم ومصدره هوى بالقصر ومن السقوط من باب ضرب ومصدره الهويّ بالضم وأصله فعول فأعل هذا هو المشهور، وقال المرزوقي في شرح أشعار هذيل: معنى هوى أنقض انقضاض النجم والطائر وكان الأصمعي يقول هوت العقاب إذا انقضت لغير الصيد وأهوت إذا انقضت للصيد وحكى بعضهم أنه يقال: هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا كان القصد من أعلى إلى أسفل قال: هويّ الدلو أسلمها الرشاة وهوى يهوي هوياً بضم الهاء إذا كانت من أسفل إلى أعلى قال أبو بكر: واذا رميت به الفجاج رأيته يهوي مخارمها هويّ الأجدل اص والهوى المحبوب ويكون في الحق وغيره وإذا أضيف إلى النفس فالمراد به الثاني في الأكثر. قوله: (ووسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به الخ) قال ابن هشام رحمه الله: في المعنى الهمزة لكونها أصل أدوات الاستفهام لها تمام الصدر فإذا كانت في جملة معطوفة بالواو أو الفاء أو ثم قدمت على العاطف تبيهاً على أصالتها في التصدير وأخواتها تتأخر عنه كما هو القياس نحو فهل يهلك هذا مذهب سيبويه والجمهور وخالفهم جماعة منهم الزمخشريّ فزعموا أنّ الهمزة في محلها الأصلي وأنّ العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، وردّ بأنه تقدير ما لا حاجة إليه وأنه لا يتأتى في كل موضع وان كان الزمخشريّ خالفه في مواضع كثيرة ومن عرف معنى كلام الزمخشري عرف أنه قول من لم يصل إلى العنقود قال الشارح المحقق اختلف كلامهم في الواو والفاء وثم الواقعة بعد همزة الاستفهام فقيل: عطف على مذكور قبلها لا مقدّر بعدها بدليل أنه لا يقع في أوّل الكلام، وقيل: بالعكس لأنّ للاستفهام صدر الكلام والمصنف يحملها في بعض المواضع على هذا وفي البعض على ذاك بحسب مقتض المقام ومساق الكلام، ولا يلزم بطلان صدارة الهمزة إذ لم يتقدمها شيء من الكلام الذي دخلت هي عليه وتعلق معناها بمضمونه غاية الأمر أنها توسطت بين كلامين متعاطفين لإفادة إنكار جمع الثاني مع الأوّل أو لوقوعه بعده متراخياً أو غير متراخ وهذا مراد من قال إنها مقحمة مزيدة لتقرير معنى الإنكار أو التقرير أي مقحمة على المعطوف مزيدة بعد اعتبار عطفه ولم يرد أنها صلة اكل هـ ومعنى كلام المصنف رحمه الله أنّ قوله تعالى: {كُلَّمَا جَاءكُمْ} تسبب عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [سورة هود، الآبة: 10 ا] ولهذا دخلت الفاء عليه والتقدير نحن أنعمنا عليكم ببعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وانزال الكتب لتشكروا تلك النعم بالتلقي فعكستم بأن كذبتم فريقاً الخ كقوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [سورة الوأقعة، الآية: 82] ثم أدخل بين السبب والمسبب همزة التوبيخ والتعجيب لتعكيسهم فيما يجب عليهم وأن لم تعطف على ما قبلها بل على مقدر فهي مستأنفة والتقدير أفعلتم ما فعلتم فكلما الخ وما فعلتم إمّا عبارة عما ذكر بعد الفاء فيكون العطف للتفسير وأمّا غيره مثل أكفرتم بالنعمة واتبعتم الهوى فتكون دحقيقة التعقيب. قوله: (والفاء للسببية أو للتفصيل الخ) لأنّ ما ذكر نشأ من استكبارهم عن اتباعهم وان أريد باستكبر أظهر التكبر بفعل ما لا يليق فهو تفصيل له، والأول أولى، ولذا قدّم وتقتلون بمعنى قتل آباؤكم فأسند إليهم للرضا به وللحوق مذمّته بهم وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية واستحضاراً لصورتها لفظا عنها واستعظامها، وأمّا كونه لرعاية الفواصل ولذا قدم مفعوله فوجهه أنه من قبيل المشاكلة للأفعال المضارعة فيما قبله فلا يقال إنّ التعبير عن الماضي بالمضارع لرعاية الفواصل مما لا يوجد في كتب العربية لكنه لا يبعد عن الاعتبار. قوله: (أو للدلالة على أنكم بعد الخ (أي بعدما مضى والمراد الآن قيل: وقوله تقتلون تغليب لدخول محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الفريق وليس مخصوصاً وقوله: لولا أني أعصمه يدل على أنه أراد بالقتل أعم من القتل بالفعل والعزم عليه، وهو تكلف لا حاجة إليه لأنه عليه الصلاة والسلام قتل بالسم حقيقة. ويصح استقبال تقتلون بالنظر إلى ما قبله من التكذيب وفيه أنّ قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم بالسم لنيل مرتبة الشهادة (11 لم يكف وقت نزول الآية فلا يفيد الحمل عليه دفع التكلف، وقصة السحر وسم اليهود له شاة وأكله منها مذكورة في الصحيحين وستأتي الأولى

في المعوّذتين. قوله: (منشاة بأغطية خلقية) فهو جمع أغلف وسكونه على الأصل كأحمر وحمر وهو ذو الغلفة الذي لم يختن ويقال قلفة وقلفة أيضاً والمعنى أنّ قلوبنا لا يصل إليها ما تقول فتفهمه لأنها منعت منه لما خلقت عليه، وهذا كقوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [سورة فصلت، الآية: 55] أو أصله غلف بضم اللام جمع غلاف ككتاب وكتب فسكن للتخفيف، وقرئ على الأصل في الشواذ والمراد أنها أوعية العلم المملوءة به وحينئذ فلا تعي ما تقول لأنه ليس من المعلوم أو أنه منها ولكنها لا حاجة لها فيه إذ عندها ما يكفيها فالتفاسير ثلاثة، وقوله: بل لعنهم الله الخ ردّ له، وبينه المصنف رحمه الله على التفاسير الثلاثة واللعن الطرد عن رحمة الله ومعنى خذلان الله لهم بكفرهم أنه تعالى جعلهم كفاراً غير مستعدّين لقبول الحق وأنه بفعله تعالى واحداثه فيهم، وقد غير عبارة الزمخشريّ المبنية على مذهبه وبقية كلامه ظاهر. قوله: (فإيماناً قليلاَ الخ) وما مزيدة لتأكيد معنى القلة لا نافية لأنّ ما في حيزها لا يتقذمها ولأنه وان كان بمعنى لا يؤمنون قليلا فضلا عن الكثير لكن ربما يوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلا بل كثيراً وأمّا المصدرية فلا مجال لها وإنما لم يجعل قليلاً من صفة الأحيان كما في قليلاَ ما يشكرون لأنهم لم يؤمنوا قط نعم إذا كانت القلة بمعنى العدم فهو محتمل كذا قيل: وقد جوّز في قليلاً أن يكون حالاً أي يؤمنون حال كونهم جميعا قليلاً أي المؤمن منهم قليل، وقد نقل عن ابن عباس وقتادة وجوّز كون ما نافية أيضاً بناء على جواز تقدم ما في حيزها عليها وهو مذهب الكوفيين وأمّا منع المصدرية على أنّ المصدر فاعل قليلاً أي قليلاً إيمانهم فلأنه لا ناصب لقليلا بخلافه في قوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [سورة الذاريات، الآية: 17] ولو قدر كانوا لصح لكنه خلاف الظاهر وأمّا كونه منعه للزمان فجوّزه السمين وقال إنه صفة لزمان محذوف أي فزمانا قليلاً ما يؤمنون وهو كقوله: ولمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} [سورة آل عمران، الآية: 72] وأما قوله أنه محتمل على تقدير أنّ القلة بمعنى العدم فركيك لأنه يصير المعنى يؤمنون زمانا معدوماً ولا محل له. قوله: (وقيل: أراد بالقلة العدم) ضعفه لأنه خلاف الظاهر وقال أبو حيان أن القلة بمعنى النفي وان صحت لكن في- غير هذا التركيب لأنّ قليلا انتصب بالفعل المثبت فصار نظير وقت قليلا أي قياما قليلاَ ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت وجعلت قليلا صفة لمصدره يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأساً وعدم وقوعه بالكلية وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم أقل وجل يقول ذلك وقلما يقوم زيد فحملها على ذلك ليس بصحيح، وردّ بأنه قال به الواقديّ قبل الزمخشرفي فانه قال: أي لا قليلاً ولا كثيراً كما تقول قلما يفعل كذا أي ما يفعله أصلا (قلت) ما ذكره أبو حيان قويّ من حيث الدليل فإنه لا معنى لتأكيد الفعل بمصدر منفيّ ولا نظير له. قوله: (مصدق لما معهم من كتابهم الخ الم يجعل ما معهم مصذقا للكتاب وان كان يتبادر أنه أقوى لإلزامهم لأنّ القرآن معجز دال بإعجازه على أنه من عند الله فإذا طابق ما قبله دل على أنه صدق وعلى الحالية فذو الحال نكرة لكنها تخصصت بالوصف ولا يضرّ احتمال أنّ الظرف لغو متعلق بجاء ولو جعل حالاً من الضمير المستقز في الظرف لكان أقرب، وأمّا ما قيل: إن تقييد المجيء بالحال أنسب فلا وجه له وجعل جواب لما محذوفا وهو مختار الزجاج وتقديره كفروا أو كذبوا به واستهانوا بمجيئه وذهب الفرّاء أنّ لما الثانية مع جوابها جواب للأولى وضعف بأنّ الفاء لا تقع في جوا! لما ولو جوّز وقوعها زائدة فلما لا تجاب بمثلها لا يقال لما جاء زيد لما قعد أكرمتك وذهب المبرّد إلى أنّ كفروا جواب لما الأولى، والثانية مكررة لطول الكلام وقيل إن الفاء مانعة منه وفيه نظر وقيل أنه جواب لهما وأمّا جعل فلعنة الله جوابها وما بينهما اعتراض فبعيد. قوله: (يستفتحون على الذين كفروا أي يستنصرون الخ) أصل الفتح إزالة الإغلاق المحسوسة كفتح الباب ويستعمل في غيره بفتح المشكلات وفتح القضية لفصلها، ولذا قيل: فتاج بمعنى حاكم والفتح الظفر المزيل للموانع واقفالها عما ظفر به والاستفتاح طلب الفتح والنصر وأصله في المدن ونحوها ثم عمّ فيستفتحون بمعنى يستنصرون

على المشركين بالنبيّ صلى الله عليه وسلم أي يطلبون من الله أن ينصرهم به. قال تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ} [سورة الأنفال، الآية: 9 ا] روى السديّ رحمه الله أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على موضمع ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقالوا: اللهمّ إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على عدوّنا فينصرون فالسين للطلب أو هو بمعنى يفتحون أي يعرفون من الفتح في العلوم والسين زائدة للمبالغة كأنهم فتحوا بعد طلبه من أنفسهم والشيء بعد الطلب أبلغ وهو من باب التجريد جرّدوا من أنفسهم أشخاصا وسألوهم الفتح كقولهم استعجل كأنه طلب العجلة من نفسه، وقيل يستفتحون بمعنى يستخبرون عنه هل ولد مولود صفته كذا وكذا نقله الراغب وغيره وما قيل: إنه لا يتعدى بعلى لا يسمع بمجرّد التشهي وما عرفوا كناية عن الكتاب المتقدّم وكفروا به أي جحدوه مع علمهم به وهذا أبلغ في ذنهم كقوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ} [سورة النمل، الآية: 14] وكفرهم بما جاء من عند الله كفر بمن جاء به أيضاً، فلذا لعنوا وطردوا وجملة وكانوا من قبل يستفتحون حال بتقدير قد. قوله: (فتكون اللام للعهد ويجورّ الخ) أي المراد بالكافر اليهود والتعريف للعهد لتقدّم ذكرهم أو المطلق فالتعريف جنسيّ ويدخل فيه اليهود أوّل داخل لأنهم المقصودون بالسياق وهو كناية إيمائية لأنّ اللعنة إذا شملت الكافرين كلهم لزم كون اليهود ملعونين لأنّ كفرهم أشدّ من كفر غيرهم كذا قال الطيبيّ رحمه الله: وأطال فيه، وفيه تأمّل لأنّ المكنى عنه من إفراد المعنى الحقيقيّ والجواب أنّ المراد هم بخصوصهم وليس للعامّ دلالة على بعض أفراده بخصوصه فادّعى أنهم متى ذكر الكفرخطروا بالبال كما يقال لمن يذمّ لم أر قبيحاً إلا تذكرتك ونحوه قوله: إذا الله لم يستي إلا الكرام فسقي وجوه بني حنبل وهو دقيق والتعبير بالمظهر للدلالة على أنّ وجه لعنهم كفرهم وقيل: لأنّ من أهل الكتاب من أسلم وفيه نظر. قوله: (ما نكرة بمعنى شيء الخ (وفاعل بئس المستتر عائد إليها واشترى من الأضداد فهو هنا بمعنى باع لأنّ أنفسهم مبذولة في الباطل كالمبيع وهو الظاهر، ولذا اقتصر عليه الزمخشريّ وقدّمه المصنف رحمه الله، وهو استعارة كما مرّ أو هو بمعناه المشهور بناء على ظنهم أو دعواهم وقيل: إنه الصواب لأنه كيف يدعي أنهم ظنوا ذلك مع قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} ، فإذا علموا مخالفة الحق كيف يظنون نجاتهم بما فعلوا ولا يصح أن يراد بالعقاب الدنيوي كترك الرياسة لأنه لا يشتري به الأنفس ولعدم صحته تركه في الكشاف وصرّح به أبو حيان أو ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم فكأنهم اشتروها والاشتراء استعارة كما مرّ،،! قيل: إنه مجاز عن التخليص وللنحاة في بثسما ونعما كلام طويل فذهب الفرّاء إلى أنّ ما وبئس شيء واحد كحبذا فلا محل لما وذهب الأخفش إلى أنها في محل نصب على التمييز وهي نكرة، وجملة اشتروا صفتها وفاعل بئس ضمير يعود لما كما مرّ والمخصوص أن يكفر والتأوبل بالمصدر والتقدير بئس هو شيئاً اشتروا به كفرهم ويجوز على هذا حذف المخصوص بالذمّ وجعل اشتروا صفته وان يكفروا بدل من المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف أي هو أن يكفروا وذهب الكسائيّ أنّ ما تمييز وبعدها ما أخرى موصولة مقدرة اشتروا صلتها وهي المخصوص بالذمّ، والتقدير بئس شيئاً الذي اشتروا الخ وأن يكفروا خبر مبتدأ مقدر وذهب سيبويه رحمه الله إلى أنّ ما في محل رفع وهي فاعل بئس وهي معرفة تامّة والمخصوص محذوف أي شيء اشتروا، وذهب بعضهم إلى أن ما موصولة بمعنى الذي فاعله وان يكفروا هو المخصوص وقيل: ما مصدرية والتقدير بئس إشتراؤهم وهو المخصوص بالذم وفاعلها مضمر والتمييز محذوف وقيل: هو فاعل ورذ ومنه علم جملة وجوه الإعراب فيها. قوله: (هو المخصوص بالذمّ) قيل: هذا إنما يصح لو قال كفروا بلفظ الماضي لظهور أنّ ما باعوا أنفسهم واستبدلوها به ليس كفرهم في المستقبل وقيل: إنه مما يقضي منه العجب لأنه إنما يتوجه لو لم يتعين أن يكون المخصموص بالذمّ المناط فيه هو العاقبة فما باعوا به أنفسهم أو شروها باعتقادهم هو كفرهم الذي يكون لهم في الخاتمة. قوله: (طلباً لما ليس لهم

الخ) فيه بيان وجه التعبير عن الحسد لالبغي الذي هو في الأصل بمعنى الطلب، ويجوز أن يكون البغي بمعنى الظلم كدّا قاله المحقق لكنه قدم ما أخره الزمخشريّ ولكل وجه، وأورد عليه أنّ بغي بمعنى حسد مصدره البغي وبمعنى طلب مصدره البغاء بالضم، وبمعنى فجر مصدره البغاء بالكسر، فالمصنف والزمخشريّ لم يصيبا في الجمع بين البغاء والبغي هنا والمصنف رحمه الله زاد فقدّم الطلب على الحسد بحيث لم يبق احتمال لجعله تفسيراً له. (أقول) كون البغي بمعنى الطلب مطلقاً أو تجاوز الحد في جميع معانيه مما أشار إليه أهل اللغة كالراغب وغيره لكن أنواعه تختلف ففي طلب زوال النعم هو الحسد وفي طلب التجاوز على الغير ظلم وفي طلب الزنا فجه- ر، وأشير باختلاف المصدر إلى اختلاف أنواعه ومثله كثير يعرفه من تتغ اللغة والذي غرّه في ذلك ظاهر كلام التيسير من غير إمعان للنظر فيه. قوله: (علة يكفروا دون اشثروا للفصل) رذ لما في الكشاف من جعله علة لاشتروا بأنه يلزم عليه الفصل بينه وبين المعلل بأجنبيّ وهو المخصوص بالذمّ لأنه مبتدأ وهو أجنبيّ من متعلقات الخبر كما صرّح به النحاة، وردّه صاحب الكشف بأن المعنى على ذمّ الكفر الذي أوثر على الإيمان بغيا لا على ذمّ الكفر المعلل بالبغي وأما الفصل فليس بأمر أجنبيّ، ورذ بأنّ المخصوص بالذمّ وإن لم يكن أجنبيا بالنسبة إلى فعل الذمّ وفاعله لكن لإخفاء في أنه أجنبيّ بالنسبة إلى الفعل الذي وصف به تمييز الفاعل، والقول بأنّ المعنى على ذم ما باعوا به أنفسهم حسداً وهو الكفر لا على ذم ما باعوا به أنفسهم وهو الكفر حسداً تحكم اهـ. وأما الجواب بأنّ المميز والمميز والصفة والموصوف كالشيء الواحد فلا فصل بأجنبيّ، وأنّ إيثار الكفر بغيا وعنادا أدخل في الذم من إيثار الكفر الناشئ من البغي إذ لا يتعين حينئذ كون الإيثار عنادا لاحتمال أن يكون لوجه يخف به استحقاق الذم فالفرق واضح، وحديث التحكم مضمحل لاحتماله أنّ كفرهم ليس حسدا بل لأمر آخر كاعتقاد أنّ دينهم لم ينسخ فمخالف للمعقول والمنقول لكن إنما يلزم الفصل بأجنبيّ إذا كان المخصوص مبتدأ بئسما خبره أما لو كان خبره مبتدأ محذوف والجملة معترضة على أحد الوجهين فيه فلا وأما القول بأنه علة لاشتروا مقدراً فكلام آ-ض لا يصلح للجواب كما توهم، ومنهم من أعرب بغيا حالاً ومفعولاً مطلقاً لفعل مقدّر، وأن ينزل جوّز فيه أن يكون مفعولاً من أجله للبغي وأن يكون على إسقاط الخافض المتعلق ببغيا أي على أن، وأشار المصمنف رحمه الله تعالى إلى تعلقه به بقوله حسدوه، ومن في من فضله للابتداء صفة لموعموف محذوف أي شيئا كائناً من فضله وهو الوحي. قوله: ( {وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ} الخ) في الكشاف فصاروا أحقاء بغضب مترادف لأنهم كفروا بنبيّ الحق صلى الله عليه وسلم وبغوا عليه وقيل: كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد عيسى عليه الصلاة والسلام، قيل: بعد قولهم عزير ابن الله وقيل: دلّ على الاستحقاق العطف بالفاء على اشتروا إلى ساقته، وفيه دلالة على تضاعف الجريمة على قوله بغيا فصح استحقاق ترادف الغضب ولهذا اختار الوجه الأوّل في جهة استحقاق ترادف الغضب وقوله بغضب حال أي رجعوا ملتبسين بغضب وعلى غضب له، وهذا بناء على تغاير الغضبين كما بينوه وقيل: هما واحد، وقيل: عليه أنه غفلة عن اعتبار الاستحقاق في مفهوم ياء لأنّ معناه صاروا أحقاء كما مر فدلالة الفاء على سببية الاشتراء للاستحقاق لا على الاستحقاق والفرق واضح وأيضا أنه يقتضي دخول باؤوا في صلة ما أوصفتة وفيه مع التمحل في المعنى عدم العائد إلى ما فالظاهر أنّ الفاء فصيحة والمعنى فإذا كفروا حسدا على ما ذكر باؤوا أي صاروا أحقاء بغضب أو رجعوا ملتبسين بغضب كما سبق في تفسير {وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} [سورة آل عمران، الآية: 112] فلا ينبغي أن يجزم بالحالية، وهذا كله على طرف التمام أمّا الأول فلأنّ باء معناه رجع لا أستحق والاستحقاق إنما فهم فيما مر من السياق وهنا من الفاء فالغفلة من المعترض، وأما الثاني فلأنّ المعقب بالفاء لا يحتاج إلى رابط فيهما بل يكفي في أحدهما كما ذكروه في الذي يطير الذباب فيغضب زيد ولا تمحل في المعنى لأنهم ذموا على ما استحقوا به الغضب المترادف، وقوله: للكفر والحسد بيان للغضبين المأخوذين مما قبله لترتبه على جميع ما مر ومن غفل عن هذا قال إنه ملائم لما اختاره من كون بغياً علة يكفروا دون

اشتروا، والعجب من الزمخشري أ " نه بعد جعله علة اشتروا قال: هنا لأنهم كفروا بنبيّ الحق صلى الله عليه وسلم وبغوا عليه وهو برهان قاطع على قوّة ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى وضعف ما وجه به والعجب من ابن أمّه فإنّ هذأ لا علاقة له بما مر فإنه تفريع على ما قبله فيما يفيد غضبين من غير ملاحظة للغلبة السابقة مع أنّ المشتري عين الكفر فإنّ المخصوص دال فيه والاختلاف السابق ليس إلا لأمر لفظيّ كما مر. قوله: (مهين يراد به الخ) مهين اسم فاعل أصله مهون فاعل، وقوله: يراد به إشارة إلى أنه إسناد مجازفي للسبب ولام لهم وتقديم الخبر على النكرة الموصوفة المقتضي للاختصاص يقتضي أنّ إهانة العذاب للكفار لا للعصاة لأنه لتطهيرهم ولذا لم يوصف به عذابهم في القرآن، وأما قوله: {مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [سورة آل عمران، الآية: 192]- فالمراد به الفضيحة بالدخول وهو غير هذا. قوله: (يعتم الكثب المنزلة بأسرها الخ) فيه دلالة على أنّ ما بمعنى الذي تفيد العموم لأنه تعالى أمرهم أن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمّهم على ذلك فلولا العموم لما حسن هذا الذمّ وفيه نظر. قوله: (حال من الضمير) إما بتقدير وهم يكفرون أو بناء على جواز دخول الواو على المضارع وهو مذهب الزمخشريّ كما مر ولم يجعله معطوفاً على ما قبله والتعبير بالمضارع لحكاية الحال ولا استئنافا كما قيل: لأنّ الحال أدخل في ردّ مقالتهم أي قالوا ذلك مع مقارنته لما يشهد ببطلانه. قوله: (ووراء في الأصل مصدر الخ) في الموازنة للأمديّ رحمه الله وراء ليست من الأضداد إنما هو من المواراة والاستتار فما أسنتر عنك فهو وراء خلفا كان أو قد أما إذا لم تره ولم تشاهده فأما إذا رأيته فلا يكون وراءك وإنما قال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحني عليها الأصابع بمعنى أليس أمامي لأنه قاله قبل أن يشاهده وكذلك قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [سورة الكهف، الآية: 79] الآية قالوا إنه كان أمامهم وصح ذلك لأنهم لم يعاينوه ولم يشاهدوه اهـ. وهذا لا ينافي قول المصنف رحمه الله تعالى ولذلك عدّ من الأضداد لأنّ معناه أنه لما أطلق وقدام وهما ضدان عذ ضدا تسمحاً على عادة أهل اللغة وإن كان موضوعا لمعنى شامل لهما لأنه مصدر بمعنى الستر فيهما لكنه قد يستعمل بمعنى الساتر وقد يستعمل بمعنى المستور، ولذا قال في القاموس: هو من الأضداد أوّلاً، وقيل: إنه مضاف إلى الفاعل مطلقاً لأنّ الرجل يواري ما خلفه عل ما هو قدّامه وما قدّامه على من هو خلفه. قوله: (وهو الحق الضمير لما وراءه الخ) في الدرّ المصون وهو الحق مبتدأ وخبر والجملة في محل نصب على الحال والعامل فيها قوله يكفرون وصاحبها فاعل يكفرون، وأجاز أبو البقاء أن يكون العامل الاستقرار في قوله بما وراءه أي بالذي استقرّ وراءه وهو الحق اص. وتابعه بعض المتأخرين فقال الحق المعروف بالحقية الحقيق بأن يخص باسم الحق على الإطلاق حال من فاعل يكفرون، واعترض بأنّ صاحبها ما الموصولة لا فاعل يكفرون فهذا غفلة منهما، ومن الناس من أجاب عنه بأنّ الجملة الحالية المقترنة بالواو لا يلزم أن يعود منها ضمير إلى ذي الحال نحو جاء زيد والشمس طالعة أي مقارنا لطلوعها وهذا هنا صحيح أيضا إذ التقدير يكفرون بغيره مقارنين لحقيته ومعترفين بها والمعترض بعدم الضمير غافل أيضاً لأنّ مصدّقاً من هذه وهي من جملتها ومعهم فيها ضمير لهم أيضاً ولكن لتأخره وتقدّم ضمير منها يتبادر عدم ارتباط الحال بهم ولا يخفى أنه على تقدير صحته تكلف في النظم من غير داع فلا بدّ للعدول عن الظاهر من مقتض، ولك أن تقول أنه إذا كان حالاً من الواو يكون المعنى وهم مقارنون لحقيته أي عالمون بها كقوله: {مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [سورة البقرة، الآية: 09 ا] وهو أبلغ في الذمّ من كفرهم بما هو حق في نفسه مع أنّ قوله بعد ذلك في تقرير المعنى يكفرون بالقرآن والحال أنه حق ممدّق لما آمنوا به ينافيه وقوله: والمراد به القرآن قيل: الظاهر أن يقول القرآن والإنجيل كما قال الواحدي: ولعل تخصيصه لاقتضاء المقام إذ هو الذي علم لنا تصديقه له، وقال الشارح المحقق: وهوا لحق حال مما وراءه وتعريف الخبر لزيادة التوبيخ والتجهيل بمعنى أنه خاصة هو الحق الذي يقارن تصديق كتابهم ولولا الحال أعني مصدقا لم يستقم الحصر لأنه في

مقابلة كتابهم وهو حق أيضا، وقيل: الأحسن أن يقال لا حصر، بل اللام للإشعار بأنه مسلم الاتصاف بالحقية معروف بها كقوله: ووالدك العبد كما مرّ بل لا يصح الحصر هنا لتخصيصه بالقرآن لأنّ الإنجيل حق مصدق للتوراة، دانما ذكر الحصر في شروح الكشاف لأنه لم يخصه بالقرآن. قوله: (حال مؤكدة الخ) لأنّ كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضا فالتصديق لازم لا ينتقل، وموافقته للتوراة نزوله على حسب ما فيها فإنكاره إنكار لما فيها فلا يرد عليه أنّ الكفر بالقرآن إنما يستلزم الكفر بما يصدقه أن لو كفروا به وقالوا: إنه كذب كله وأمّا إذا كفروا بأنه كلام الله وأعتقدوا بأنّ فيه الصادق والكاذب فلا. قوله: (فلم تقتلون أنبياء الله الخ) الفاء جواب شرط مقدر أي إن كنتم آمنتم فلم الخ وما استفهامية حذف ألفها وحذف من الأوّل الشرط ومن الثاني الجواب على طريق الاحتباك وقيل: إنه جواب الش ط المذكور بناء على جواز تقديمه، وأما كون إن نافية فخلاف الظاهر وتقتلون مستقبل بمعنى الماضي قال القرطبيّ رحمه الله لما ارتفع الإشكال بقوله: من قبل جاز أن يؤتى بالمستقبل بمعنى الماضي وكذا عكسه كقول الحطيئة: شهدالحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر فشهد بمعنى يشهد، وهذا أصوب مما قيل: فإن قيل المدعون هم اليهود المعاصرون والقاتلون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبل هم الماضون على أنّ تقييد المضارع بقوله من قبل لا يستقيم قلنا هو حكاية للحال المضاية كأنه قيل: فلم كنتم تقتلون، ومعنى نؤمن بما أنزل علينا جنس اليهود من المعاصرين والماضين فإيمانهم إيمانهم وفعلهم فعلهم، والاعتراض عليهم اعتراض عليهم، وقد يجاب بأنّ المعنى فلم ترضون بقتلهم الآن وفي تعلق من قبل يتقتلون بعض نبوة عنه لما فيه من أنّ حكاية الحال مع قوله من قبل لا تتسق وأما النبوة التي ذكرت فغير مسلمة لتعلقه بالقتل لا بالرضا، ومن الناس من جوّز حمل كلام المصنف رحمه الله على هذا وفيه نظر، وحينئذ ففي الكلام تغليبان تغليب المعاصر على آبائهم في الخطاب وتغليب آبائهم عليهم في إسناد القتل فتأمله، وفي قوله عازمون عليه ما مرّ من الجمع بين الحقيقة والمجاكأ فتذكره. قوله: (الآيات التسع) في التيسير هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد البيضاء وفلق البحر وتفجير الماء من الحجر، وقاله المصنف رحمه الله في الإسراء أيضا وقيل: الأظهر أن يراد بالبينات الدلائل ايدالة على الوحدانية. قوله: (ثم اتخذتم العجل) قيل لفظ ثم أبلغ من الواو في التقريع لأنها تدل على أنهم فعلوا ذلك بعد مهملة من النظر في الآيات وذلك أعظم ذنباً وقوله: إلها يعني أن نصب العجل باتخذتم والمفعول الثاني محذوف وقد يتعدى أتخذ لواحد نحو: {اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [سورة الفرتان، الآية: 27] . قوله: (بعد مجيء موسى علبه الصلاة والسلام الخ) قد مرّ ما فيه ثم إنه أورد عليه أنه كان الظاهر أن يكون المراد مجيئه بالبينات إلا أنه مشكل من حيث إنّ تفجر الماء منه وهو لم يكن قبل اتخاذهم العجل وكأنّ هذا منشأ لحمله على المجيء من الطور، والقول بأنّ قوله إلى الطور متعلق بالمصدرين على سبيل التنازع لا بالثاني وحده لا يخفى ما فيه من الكلف بل عدم الصحة، ولا فرق بين المجيء إلى الطور والذهاب إليه وإنما الفرق بين المجيء منه والذهاب إليه، وأمّا الإشكال المذكور فامره صعب (أقول) إذا حمل مجيئه على مجيئه بالبينات لا يلزم أن يكون المراد جميعها بل بجنس ما وقع منها مع أنه لو تعين فكيف ارتضى إدخاله فيها على ما نقل عن التيسير. قوله: (حال بمعنى أتخذتم العجل ظالمين الخ) قيل: المراد بالاعتراض التذييل لأنّ المعترضة هي التي اعترضت بين كلام أو بين كلامين متصلين معنى والتذييل ما يؤكد به تمام الكلام، ومنهم من جوّز الاعتراض في آخر الكلام فلا يرد عليه والفرق بين أن يكون حالاً وبين أن يكون اعتراضاً أنّ الحال لبيان هيئة المعمول والاعتراض لتأكد الجملة بتمامها، ومن ثمة قال في الحال: وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، وفي الاعترا ضوأنتم قوم عادتكم الظلم أي استمررتم عليه، وعبادة العجل نوع مته، وأيضاً الجملة الحالية مقيدة للمطلق

فتكون لتخصيص العام، والمعترضة ما اعترضت فيه، واليه الإشارة بقوله: وأنتم قوم عادتكم الظلم وفي الكشف التحقيق أنّ الاعتراض أولى وان كان ميل أكثر المفسرين إلى الأوّل لأنه يكون تكراراً محضاً فإنّ عبادة العجل لا تكون إلا ظلما بخلاف الثاني فإنه يكون بياناً لرذيلة لهم تقتضي ذلك ثم قال نعم يمكن أن يحمل على بيان شمول الظلم أوّل حالهم وآخرها فلا يلزم التكرار (قلت) دلالته على هذا الشمول غير بينة، اللهم إلا أن يؤخذ من معنى الاستمرار الذي تدل عليه الجملة الاسمية ومع ذلك لا يعارض فائدة الاعتراض، فالوجه أن يقال: إن حمل الاتخاذ على الحقيقة نحو اتخذت خاتماً فظاهر أنّ الحال أولى لأنّ الاتخاذ لا يتعين كونه ظلما إلا إذا قيد بعبادته، وان حمل على أنه بمعنى العبادة كما يشعر به ظاهر لفظ المصنف رحمه الله فقوله وأنتم ظالمون جار مجرى القرينة الدالة على التجوّز وفيه تعريض بأنهم صرفوا العبادة عن موضعها الأصليّ إلى غير موضعها وايهام مبالغة من حيث إنّ إطلاق الظلم يشعر بأنّ عبادة العجل كل الظلم وأنّ من ارتكبها لم يترك شيثاً من الظلم حيث لم يقل ظالمون فيه فهذا ينصر قول الأكثر، وقد ظهر أنّ التذييل عند المصنف رحمه الله من أقسام الاعتراض! اهـ وقول المصنف اتخذتم العجل ظالمين بعبادته من غير ذكر إلها يحتمل أنه إشارة إلى أنه على الحالية يكون محمولاً على معناه الحقيقيّ لما مرّ، وقوله: أي إلهاً فيما مضى بيان لوجه آخر أو لمحصل المعنى فمن قال: لو جعل اتخذتم من قبيل اتخذ خاتماً بمعنى صنعه وعمله لكانت فائدة الحال ظاهرة فإنّ الاتخاذ بهذا المعنى لا يكون ظلماً إلا حال كونه مقرونا بالعبادة، وان جعل بمعنى عبدتم العجل على ما اختاره المصنف رحمه الله وهو المناسب للمقام ففائدته زيادة التوبيخ، ومن بين وجه كونه حالاً على جعل اتخذتم متعدياً إلى واحد فقدسها وغفل عن قول المصنف أي إلها فإنه صريح في القطع بأن اتخذتم هنا متعدّ إلى مفعولين ولم يأت بشيء، ثم إنه على الحالية أيضا لو فسر بأنكم من عادتكم الظلم ووضع الشيء في غير موضعه لكان أبلغ ولا أدري لم عدلوا عنه، وأما تخيل أنه يلزم كون الحال مبينة للهيئة فلا، فتأمل. قوله: (ومساق الآية الخ) أي كما أنّ مساق ما قبلها كذلك فإنه مما يخالف دعوى الإيمان، وقوله والتنبيه الخ لأنهم كما كفروا بمحمد ومعجزاته كفرت أسلافهم بمعجزات موسى عليه الصلاة والسلام فليس هذا ببدع منهم وكذا رفع الطور إشارة إلى أنهم لا يؤمنون اختيارا كآبائهم وكأنه لم يرتض ما في الكشاف من وكرّر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأول يعني وأشربوا في قلوبهم الخ. قوله: ( {خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ} الخ) إشارة إلى مطابقة الجواب فإنّ الظ، هر فيه سمعنا فقط أو لا نسمع قال في الكشاف فإن قلت كيف طابق قوله جوابهم قلت طابقه من حيث إنه قال لهم اسمعوا ليكن سماعهم سماع تقبل وطاعة فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة يعني المأمور به ليس مطلق السماع بل سماع مراد به القبول كقوله سمع الله لمن حمده وقال: دعوت الله حتى خفت أن لا يكون الله يسمع ما أقول فأجابوا بنفي ذلك القيد، وهذا بناء على أنهم أجابوا بهذا اللفظ كما يتبادر من النظم وقال أبو منصور أن قولهم عصينا ليس على أثر قولهم سمعنا بل بعد زمان كما في قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم} فلا حاجة إلى دفعه بما ذكر. قوله: (تداخلهم حبه الخ الما كان المعنى أنّ حبه والميل إليه تمكن منهم عبر عنه بالإشراب وهو من شرب الثوب الصبغ وأشربه به فيقال: هو مشرب بحمرة لأنّ الصبغ يؤثر في ظاهره وباطنه حتى كأنه شربه أو من أشربت البعير شددته بحبل في عنقه قال: فأشربتها الأقران حتى وقعنها بقرح وقد ألقين كل جنين كأنه شد في قلوبهم لشغفهم به أو من الشراب أي أشرب حبه في قلوبهم لأنّ من عادتهم أنهم إذا عبروا عن مخامرة حب أو بغض استعاروا له اسم الشراب إذ هو أبلغ نجاع في البدن، ولذلك قالت الأطباء: الماء مطية الأغذية والأدوية ومركبها الذي تسافر به إلى أقطار البدن، قال:

تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور وفي المثل أشربتني ما لم أشرب أي ادّعيت عليّ ما لم أفعل، وقيل: سمعنا جواب اسمعوا وعصينا جواب خذوا وفيه تثويش، وقوله حبه إشارة إلى تقدير مضاف وأما إنّ المراد انتقاس صورته في قلوبهم فيأباه اشربوا، وقيل: أيضاً أنه لا حاجة إلى التقدير، إذ جعل العجل نفسه مشرباً أبلغ، وقيل: الإشراب حقيقة لأنّ موسى عليه الصلاة والسلام برد العجل بمبرد وجعل باردته في ماء وأمرهم بشربه فمن كان يحب العجل ظهرت برادته على شفتيه وهذا وان نقل عن السدي رحمه الله بعيد. قوله: (بيان لمكان الإشراب الخ) دفع لما يتوهم على تقدير المضاف أنه لا حاجة إلى ذكر القلوب إذ الحب لا يكون إلا فيها بأنه لما أسند إلى الجميع أشير إلى بيان محله وذكر المحل المتعين يفيد مبالغة في الإثبات لا أنّ القلوب هي المشربة كما أنّ البطون ليست هي الآكلة. قوله: (مجسمة وحلولية) وفي نسخة أو حلولية وقيل: إنه سهو لأنّ القول بالتجسيم لا يكفي بدون القول بالحلول، وفيه نظر لأنهم إذا كانوا مجسمة يجوّزون أن يكون جسم من الأجسام إلها وكذا إذا كانوا حلولية يجوّزون حلوله فيه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً وفي بعض التفاسيريبعد من جم غفير من العقلاء أن يعتقدوا عجلا صنعوه على هيئة البهائم إلها مع أنهم رأوا ما رأوا وشاهدوا ما شاهدوا من موسى عليه الصلاة والسلام فلعل السامريّ ألقى إليهم أنّ موسى عليه الصلاة والسلام له طلسمات يفعل بها ما يفعل فروّج عليهم ذلك وأطمعهم في أن يصيروا مثله وهذا ليس بشيء مع ما نرى من عبدة الأصنام، وقوله بئس ما الخ قد مرّ ما يبينه. قوله: " يمانكم) في الكشاف وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم يعني إسناده إليه تهكم، وكذلك إضافة الإيمان إليهم أما الثاني فظاهر كما في قوله أنّ رسولكم الذي أرسل إليكم تحقيرا واسترذالاً ودلالة على أنّ مثل هذا لا يليق أن يسمى إيمانا إلا بالإضافة إليكم وليس المراد أنه استعارة تهكمية فليتأمل كذا قيل: يعني ليس المقصود تسمية كفرهم بما في التوراة إيماناً على طريقة التهكم المعروفة بل سبق على مدعاهم وأسند إليه الأمر والإيمان إنما يأمر ويدعو إلى عبادة من هو غاية في العلم والحكمة، فالإخبار بأنّ إيمانهم يأمر بعبادة ما هو في غاية البلادة غاية التهكم والاستهزاء سواء جعل يأمر به بمعنى يدعو إليه أولاً وسواء قصد السبب الباعث مجازاً كما يتوهم أولاً كما هو الحق. قوله: (تقرير للقاخ الخ) يعني ليس الشك من المتكلم إس لعدم مطابقته للواقع إن اعتبر حال القائل أو لاستحالتة عليه تعالى إن اعتبر حال الآمر، وأنّ المعنى قل لهم عني فليس يوهم كما توهم إذ هو للتشكيك إن قيل: بأنه قد يراعي في الألفاظ حال المخاطب بها كما مرّ أو أنه من إرخاء العنان والغرض لقيام الحجة وترتيب القياس كقوله: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [سورة المائدة، الآية: 116] والتقدير إن كنتم مؤمنين بها فبض ما أمركم به إيمانكم أي فقد أمركم إيمانكم بالباطل لكن الإيمان لا يأمر بالباطل فإذا لستم مؤمنين أي لكن اللازم باطل فالملزوم مثله، وقوله: فبئسما إشارة إلى أنّ الجواب مقدر بدلالة ما قبله لا أنّ المقدم جواب وإن قيل: بجواز تقدمه لأنه إن كان جامداً لا بد له من الفاء وادّعاء حذفها تعسف. قوله: (إن كانت لكم الدار الآخرة الخ) الدار الآخرة هنا الجنة قال الراغب: الخالص كالصافي إلا أنّ الخالص هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه والصافي لا يعتبر فيه ذلك، وقد يقال: لما لا شوب فيه ثم إنّ الخلوص ولام الاختصاص يقتضي انفرادهم بها، وقد فسره الراغب بالإفراد أيضاً فقوله: خاصة بمعنى خالصة لكم ومن دون الناس مؤكد له لما قال أبو حيان: أنه متعلق بخالصة ودون تستعمل للاختصاص وقطع الشركة يقال: هذا لي دونك أو من دونك أي لا حق لك فيه وقد تأتي في غير هذا للانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار فمن اعترض على المصنف رحمه الله بأنّ كلامه يقتضي أنّ الاختصاص مستفاد من خالصة وهو إنما استفيد من دون لم يصب وقوله خاصة أي ذات اختصاص فالصيغة للنسبة والا فالظاهر مخصوصة والذي نجي اللغة الخاصة خلاف العامة. قوله: (على الحال من الدار) والخبر لكم بناء على مجيء الحال من اسم كان وهو الأصح، ومن لم يجوّز الحال من اسم

كان بناء على أنه ليس بفاعل جعلها حالاً من الضمير المستكن في لكم والكلام فيه مبسوط في شروح الكشاف، ولما كانوا من الناس فسره بسائرهم أي باقيهم ممن عداهم فأطلق الجنس وأريد بعضهم أو اللام للعهد والمراد المسلمون أو من عداهم. قوله: (لأنّ من أيقن الخ) قيل: عليه أنّ كل واحد منهم غير موقن بدخول الجنة فإنّ المتيقن لهم أنه لا يدخلها غير اليهود ولا يلزم منه ذلك كما أ: لا نتيقن أنّ المسلمين دون الكفار يدخلون الجنة ولا يتيقن كل مسلم أنه يدخلها قبل العذاب، فالظاهر أن يقال: المراد بقوله: إن كنتم صادقين الصدق في دعوى أنهم أبناء الله وأحباؤه فإضا من اعتقد ذلك يأمن العذاب وهذا أيضا غير متجه إذ لم يجر لما ذكره ذكر ولم تقم عليه قرينة هنا فينبغي أن تفسر خالصة بأنها خالصة من الكدر والعقاب، وأشتاق يتعدّى بنفسه ولذا قال: اشتاقها وقد يتعدى بإلى، وقيل: يتضمن النزاع وقوله: وأحب التخلص قال الراغب: المحبة داعية إلى الشوق والشوق داع إلى محبة لقاء المحبوب ومحبة لقائه داعية لسلوك السبيل إليه ولا طريق له سوى الموت فيتمنى لذلك. قوله: (كما قال علئ رضي الله عنه لا أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت علئ) أخرجه ابن عساكر في تاريخه كما نقله السيوطيّ وفي الكشاف أنّ علياً رضي الله عنه طاف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزيّ المحاربين فقال: يا بنيّ لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت لكنه قال: في ربغ الأبرار خفق عليّ رض! ي الله عنه نعاساً ليلة حرب الجمل فقال له مسلم بن عقيل ابن أبي طالب: أتخفق نعاساً في مثل هذا الوقت يا أمير المؤمنين فقال: اسكت يا ابن أخي فإنّ عمك لا يبالي أوقع على الموت أم،. قع الموت عليه وانّ لعمك يوما لا يعدوه " وقد أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم) . وهذه قصة أخرى فلا يقال إنه حينئذ لا يناسب المقام لأنّ عدم مبالاته رضي الله عنه ليس لاشتياقه إلى الجنة بل لعلمه رضي الله عنه أنه لا يموت في ذلك الوقت وسقوطه على الموت مباشرته لأسبابه المفضية إليه مع علم بها وسقوط الموت عليه مفاجأته له. قوله: (وقال عمار رضي الله عنه بصفين الخ) صفين بصاد مهملة مكسورة وفاء مكسورة مشددة موضع قرب الرقة على شاطى الفرات وكانت وقعة صفين سنة سبع وثلاثين في غرّة صفر بين عليّ كرّم الله وجهه ومعاوية رضي الله عنه وفيها استشهد عمار بن ياسر الصحابي رضي الله عنه وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعمار رضي الله عنه: " تقتلك الفئة الباغية " فقال ذلك في وقت الحرب لأنه علم أنه يستشهد وتلاقي روحه في حظيرة القدس النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فاشتاق لذلك ونادى به فرحا. وقال حذيفة بن اليمان الغساتي وهو محتضر يشاهد الموت: جاء حبيب أي الموت، وقيل: أراد لقاء الله، على فاقة أي احتياجي إليه ثم قال: لا أفلح من قد ندم يريد أني تمنيته فلما جاء ما ندمت فعمم وقال لا أفلح الخ. وهذا يحتمل الدعاء أيضاً قال أبو الحسن: تقول العرب لا أفلح من ندم يريدون من ندم فلا أفلح وهذا أخرجه ابن سعد في طبقاته وصححه، وقوله سيما متعلق بقوله اشتاقها وحذف لام! سيما ولو لم يسمع من العرب وتقدّم ما فيه، وقوله: لا يشاركه فيها غيره يعني من المسلمين فلا يرد أنّ اليهود لا يدعون أنّ غيرهم لا يدخل الجنة كيف وهم معترفون بأنّ آدم ونوحا وغيرهما ممن لم تنسخ شريعتهم يدخلون الجنة. قوله: (ولن يتمنوه أبدا الخ) أبداً هنا للاستغراق ولا حاجة إلى القول بأنّ لن للتأبيد وان قيل به، والمراد الاستغراق لمدّة أعمارهم في الدنيا خلافاً لمن قال إنه مخصوص بعهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ينافي ذلك تمنيهم له في النار إذ {نَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [سورة الزخرف، الآية: 77] ويقولون: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} [سورة الحاقة، الآية: 27] . قوله: (ولما كانت اليد العاملة الخ) اختصاص اليد بالإنسان المراد به أنها على وجه مخصوص من القدرة على العمل بها من غير ابتذالها بالوطء عليها فلا يرد عليه أنّ للبهائم يدا وللقرد يداً كيد الإنسان في ا! ل وأليه أشار بقوله عامة صنائعه، فلا يرد على ما فسر به: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [سورة الإسراء، الآية: 70] من اكل باليد أنه يوجد في القرد، ثم إنّ اليد الجارحة المخصوصة وتستعمل في النعمة لتسبيها عنها وفي القدرة لذلك وان أطلقت على قدرة الله مع تنزهه عن الجارحة كقوله: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [سورة ص، الآية: 75]

وتطلق على الذات أيضا كقوله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [سورة البقرة، الآية: 195] أي أنفسكم وفي كونه من إطلاق الجزء على الكل كلام سيأتي، وقد يكنى بالعمل باليد عن جميع الأعمال واليد في معناها الحقيقي وهو المراد هنا. قال الواحديّ: بما قدمت أيديهم أي بما قدموه وعملوه فأضاف ذلك إلى اليد لأنّ أكثر جنايات الإنسان تكون بيد. فيضاف إلى اليد كل جناية وان لم يكن لليد فيها مدخل، وظاهر كلام المصنف رحمه الله يخالفه ولذلك اعترض عليه وما موصولة عائدها مقدر أو مصدرية وأيديهم فاعل مقدر رفعه. قوله: (إخبار بالغيب الخ) قيل: وفيها أيضا دليل على اعترافهم بنبوته صلى الله عليه وسلم لأنهم لو لم يتيقنوا ذلك ما امتنعوا من التمني. قوله: (فإن التمني ليس من عمل القلب الخ) دفع لما يرد من أنه كيف يكون معجزة مع أنه لا يمكن أن يعلم أنه لم يتمن أحد إذ هو أمر قلبيّ لا يطلع عليه بأنه ليس أمراً قلبيا بل هو أن يقول: ليت ونحوه مما يؤدّي مودّاه ولو سلم أنه أمر قلبيّ فهذا مذكور على طريق الحاجة واظهار المعجزة فلا يدفع إلا بالإظهار والتلفظ كما إذا قال رجل لامرأته أنت طالق إن شئت أو أحببت فإنه يعلق بالإخبار لا بالإضمار وهذا معنى قوله ولو كان بالقلب، وهذا على التسليم فلا يرد عليه أنّ التمني محبة حصول الشيء كما صرّح به المحققون، ولا أنه يعارض قوله في تفسير: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} [سورة البقرة، الآية: 78] الأمنية ما يقدر في النفس كما مر. قوله: (وعن النبئ صلى الله عليه وسلم) أخرجه البيهقي رحمه الله تعالى في الدلائل عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ " لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه " وأخرجه الترمذي والبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا ولفظه:! لو أنّ اليهود تمنوا الموت لماتوا " وهذا يدلّ على عمومه لجميع اليهود في جميع الأعصار وهو المشهور الموافق لظاهر النظم، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهوديّ إلا مات وهذا يدل على تخصيصه بعصره صلى الله عليه وسلم ومن فيه ولذلك اختلف فيه المفسرون، وقوله لغص بريقه كناية عن الموت لأنّ الغصة والشرق وقوف الطعام والشراب في الحلق بحيث لا يجري وعند الموت لا يجري للإنسان ريق فجعل عبارة عنه فإن قيل: لا وجه لأصل السؤال لأنه تعالى أخبر بأنهم لن يتمنوه ولا شك في خبره قلنا القصد إلى إثبات أنه إخبار عن الغيب ليثبت كونه معجزا حتى يثبت أنه كلامه تعالى فلو أثبت صدقه بكونه كلامه تعالى لكان مصادرة، فإن قيل: عدم نقل تمنيهم الموت إلى الآن لا يدل على عدم تمنيهم أبدا قيل: الخطاب مع المعاصرين وقد انقرضوا ولم يتمنوا وفيه نظر ووجه التهديد إقامة الظالمين مقام ضميرهم، ودعوى ما ليس لهم هو قولهم: {لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً} [سورة البقرة، الآية: 11 ا] . قوله: (من وجد بعقله الخ) لأنّ الوجدان يكون بالإحسان وبتعدى لواحد وبالعقل والعلم فيتعدّى لواحد كعرف ولاثنين كعلم، فقوله الجاري صفة مقيدة وتنكير الحياة لأنه أريد بها فرد أي فرد نوعي وهو حياة الدنيا وقيل: التنكير للتحقير أي الحياة الدنيا وهو المطابق لقراءة أبيّ رضي الله عنه بالتعريف لأنه للمعهود المعروف منها، وقال أبو حيان أنه على تقدير مضاف أو صفة أي طول حياة أو حياة طويلة ولو لم يقدر لصح المعنى بأن يكونوا أحرص على أيّ مقدار منها ولو قليلاً فكيف بغيره، وقوله: ومفعولاه هم وأحرص أي لفظ هم وهو الضمير المتصل ولفظ أحرص وفي نسخة هم أحرص بدون واو على الحكاية بنصب أحرص ورفعه وهم. قوله: (محمول على المعنى الخ) يعني لما كان لا فعل حالات منها الإضافة ومنها جر المفضل عليه ممن عطف الحالة الثانية على الأولى لتوهم أنه وارد عليها، وقيل: على قوله أحرص من الناس الأولى أحرص من باقي الناس فإنه بعض من المضاف إليه بخلاف مجرور من فإنه غيره ألا ترى إلى صحة قولنا زيد أفضل من الجن ولا يقال أفضل الجن اص. وأجيب بأنّ مدخول من التفضيلية يجوز أن يكون كلاكما قال صاحب الإقليد تقول زيد أفضل من القوم ثم تحذف من وتضيفه والمعنى على إثبات من وفيه نظر. قوله: (وإفرادهم بالذكر الخ) يعني أنهم داخلون في الناس فتخصيصهم بالذكر إمّا لشدّة حرصهم أو لتوبيخ

اليهود بأنّ حرصهم هذا يدل على خلاف مدّعاهم. قوله: (ويجوز أن يراد وأحرص من الذين الخ) يعني حذف أفعل المعطوف على الأوّل ودل عليه بذكر متعلقه، والوجه الثالث أن يكون الجارّ والمجرور خبراً مقدما لمبتدأ محذوف وجملة يودّ صفته الموصوف إذا كان بعض اسم مجرور بمن أوفى مقدم عليه حذف نحو منا ظعن ومنا أقام أي فريق ظعن وفريق أقام وعلى الأوّل المراد بالذين أشركوا المشركون المعروفون غير اليهود وقيل: هم المجوس، وعلى الثالث اليهود لأنهم مشركون لقولهم عزير ابن الله وإنما فسره به ليرتبط الكلام بعضه ببعض والجملة على هذا في محل رفع صفة المبتدأوعلى ما قبله مستأنفة لا محل لها من الإعراب وأما القول بأنّ من الذين مبتدأ لتأويله ببعض الذين فقد علم حاله مما مر. قوله: (حكاية لودا تهم ولو بمعنى ليت) أي حكاية لها بيود لأنه وان لم يكن قولاً ولا في معناه لكنه فعل قلبيّ يصدر عنه الأقوال فعومل معاملتها وكان الظاهر أن يعمر وهذا بناء على أنّ لو التي للتمني ليست مصدرية، وأمّا على القول بأنها مصدرية فلا يحتاج إلى اعتبار الحكاية وكونها للتمني مذهب ذهب إليه الزمخشريّ، وقيل: هي لو الشرطية أشربت معنى التمني وقال ابن مالك رحمه الله هي المصدرية، وقال: قول الزمخشريّ قد تجيء في معنى التمني نحو لو تأتيني فتحدّثني بالنصب إن أراد أنّ الأصل وددت لو تأتيني الخ. فحذف فعل التمني لدلالة لو عليه فأشبهت ليت في الأشعار بمعنى التمني فصحيح وان أراد أنها حرف وضع للتمني كليت فممنوع، وقوله: لقوله يودّ أي هو لمشاكلة ذلك ومنه تعلم أنّ التجوّز في المشاكلة قد يكون في الهيئة فقط وقد مر نظيره. قوله: (كقولك حلف بالله ليفعلق) كان الأصل لأفعلن لكن لما كان حلف ماضياً جاء ما بعده على نهجه قال! في البديع: اعلم أنك إذا أخبرت عن يمين حلف بها فلك فيه ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون بلفظ الغائب كأنك تخبر عن شيء كأن تقول استحلفته ليقومن والثاني أن تأني بلفظ الحاضر تريد اللفظ الذي قيل له: استحلفته لتقومن كأنك قلت له لتقومق، والثالث أن تأتي بلفظ المتكلم فتقول استحلفته لأقومن ومنه قوله تعالى: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} بالنون والتاء والياء ولو كان تقاسموا أمرا لم يجز فيه الياء لأنه ليس بغائب اص. قوله: (الضمير لأحدهم الخ) يعني ضمير هو راجع لأحدهم وبمزحزحه خبره في محل نصب إن كانت ما حجازية وفي محل رفع إن كانت تميمية والباء زائدة في الخبر وأن يعمر فاعل اسم الفاعل أو راجع للتعمير المفهوم من يعمر وأن يعمر بدل منه وفيه ضعف للفصل بين. البدل والمبدل وللإبدال من غير حاجة إليه، وهذا معنى قوله أو لما الخ أو يكون ضمير التعمير وهو عائد على أن يعمر البدل وفي مثله يعود الضمير على المتأخير لفظا ورتبة، وهو معنى قوله أو مبهم الخ والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أنّ ذاك مفسره شيء متقدم مفهوم من الفعل وهذا مفسر بالبدل وفيه خلاف تقدم وقد جوّز فيه أن يكون ضمير فصل قدم مع الخبر وأن يكون ضمير الثأن وأن يعمر مبتدأ و {بِمُزَحْزِحِهِ} خبره وفي زيادة الباء في مثله كلام أو فاعل بناء على جواز تفسير ضمير الشأن بمفرد وهو مذهب الكوفيين قال السيرافي في شرح الكتاب: كان الفراء يجيز أبذاهب الزيدان وأهل البصرة لا يجيزونه ودخول الباء على كل خبر منفيّ مطرد ومن أصحابنا من لا يجيز ألبتة ما هو بذاهب زيد إذا جعل ضمير الأمر لأنه إنما يفسر بجملة ولا يكون في ابتدائها الباء فاحتج عليه بقوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} [صورة البقرة، الآية: 96] وأن يعمر بدل منه أو هو ضمير التعمير الذي تقدّم عليه الفعل اهـ. قوله: (وأصل سنة سنوة الخ الام سنة محذوفة فقيل: أصلها هاء وقيل: واو لأنه سمع في جمعه سنهات وسنوات وسنيهة وسنية وسانيت وسانهت وقوله: والزحزحة التبعيد فهو متعد، وقال السمين: استعملته العرب لازما ومتعديا. قوله: (فيجازيهم) يعني أنّ معنى إبصاره تعالى مجازاتهم بالتعذيب ما تقول لمن يعصي قد رأيت ما صنعت لتهديده وتخويفه. قوله: (نزل في عبد الله بن صوريا الخ) قال العراقي: لم أقف على سند وأورده الثعلبيّ والبغوي والواحديّ في أسباب النزول بلا سند، وعبد الله بن صوريا كيوريا من أحبار اليهود قيل إنه أسلم ثم كفر

وبختنصر بضم الباء وتسكين الخاء والمثناة الفوقية المفتوحة للتركيب المزجي وأصله بوخت بمعنى ابن ونصر كبقم مشدد اسم صنم وجد عنده فنسب إليه وهو الذي خرب بيت المقدس وقتل بني إسرائيل وئبله بمائة وثمان وثلاثين سنة بختنصر آخر مؤرخ به في الكتب القديمة وهو من ملوك الكلدانيين ذكره في شرح المحيط،، - قوله: فبم تقتلونه أي فبأيّ سبب يحل لكم قتله. قوله: (وقيل دخل عمر رضي الله عنه مدارس اليهود الخ) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن الشعبيّ وله طرق أخرى فهو أقوى من الأول، والمدأرس بيت أليهود الذي يدرسون فيه كتبهم جمع مدراس كما وقع في بعض نسخ الكشاف وفي النهاية المدراس صاحب كتب اليهود ومفعل ومفعال من أبنية المبالغة والمدراس أيضا البيت الذي يدرسون فيه ومفعال غريب في المكان اهـ. وقد قدمنا أنه يكون مصدراً أيضاً فله ثلاث استعمالات أشهرها الوصفية والخصب بالكسر معروف والسلام مصدر بمعنى السلامة والنجاة، وقوله: كما تقولون أي من الملائكة المقرّبين وإنما قال عمر رضي الله عنه: لئن لما في كلامهم من إثبات الجهة فإنهم مجسمة كما مر وهو تسليمي إذ لا شك منه رضي الله عنه. قوله: (ولأفتم كفر من الحمير) قال الميداني: قولهم هو أكفر من حمار هو رجل من عاد يقال له حمارين مويلع وقال الشرقي: هو حمار بن مالك بن نصر الأزديّ كان مسلماً وكان له واد طوله مسيرة يوم في عرض أربعة فراسخ ولم يكن ببلاد العرب أخصب منه فيه من كل الثمار فخرج بنوه يتصيدون فيه فأصابتهم صاعقة فهلكوا فكفر وقال لا أعبد من فعل هذا ببنيّ ودعا قومه إلى الكفر فمن عصاه قتله فأهلكه الله وأخرب واديه فضرب به المثل في الكفر قال: ألم تر أن حارثة بن بدر يصلي وهوأكفرمن حمار والحمار مثل في البلادة وتعرّف النعم يحتاج إلى فطنة وقيل: لأنه صاحبه يعلفه ثم يرمحه، وفي المثل أيضا أخرب من جوف حمار لأنه إذا صيد لم يلق في جوفه ما ينتفع به وقيل: المراد كل جاهل لأنّ الكفر من الجهل والبلادة ولا شيء أبلد من الحمار قيل: وهذا أنسب لعدم الطباق بين الجمع في الكتاب والإفرأد في المثل، وقيل: قول عمر وضي الله عنه محمول على هذا العادي واضرابه من العتاة وجمعه نظراً إلى الأصل وقولهم جوف العير من تبديل لفظ بآخر للخفة فقد يبدلون في الأعلام لأغراض كقول أمية بن خلف لعنه الله لأبي بكر رضي الله عنه يا أبا فصيل والأمثال يحتمل فيها ضروب من التخفيف وفيه أنه مخالف لكلام القوم فإنهم صرحوا بأنّ الأمثال لا تغير كما مر، وقوله: سبقه بالوحي أل فيه للعهد أي بوحي مطابق لما قاله ولعمر رضي الله عنه آراء نزل الوحي موافقاً لها وقد ذكرها المؤرخون والمحدثون منها ما هنا. قوله: (وفي جبريل ثمان لنات الخ) هذا علم ملك ممنوع من الصرف العلمية والعجمة والتركيب المزجي على قول، وقد تصرفت فيه العرب على عادتهم في الأسماء الأعجمية على ثلاث عشرة لغة أشهرها وأفصحها جبريل كقنديل وهي قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وهي لغة الحجاز الثانية كذلك إلا أنها بفتح الجيم وهي قراءة ابن كثير والحسن وتضعيف الفراء لها بأنه ليس في كلامهم فعليل ليس بشيء لأنّ الأعجمي، إذا عرّب قد يلحقونه بأوزانهم وقد لا يلحقونه مع أنه سمع سمويل لطائر الثالثة جبرائيل كسلسبيل وبها قرأ حمزة والكسائيّ وهي لغة قيس وتميم، الرابعة كذلك إلا أنها بدون ياء بعد الهمزة وتروى عن عاصم، الخامسة كذلك إلا أنّ اللام مشددة وتروى عن عاصم أيضاً وقيل إنه اسم الله في لغتهم السادسة جبرائل بألف وهمزة بعدها مكسورة بدون ياء وبها قرأ عكرمة، السابعة مثلها مع زيادة ياء بعد الهمزة، الثامنة جبراييل بياءين بعد الألف وبها قرأ الأعمش التاسعة جبرال العاشرة جبريل بالياء والقصر وهي قراءة طلحة بن مصرف، الحادية عشرة جبرين بفتح الجيم والنون، الثانية عشرة كذلك إلا أنها بكسر الجيم، الثالثة عشرة جبراين وفي الكشاف جبراييل بوزن جبراعيل، قال الشارح العلامة: من عادة المصنف رحمه الله تعالى بل أهل العربية قاطبة أنهم إذا أراوا أن يبينوا وزن كلمة يبدلون همزتها بالعين كما في المفصل في لغات كأين كائن بوزن كاعن الخ فاعرفه ومعنى جبرائيل

قيل: عبد الفه وجبر عبدوايل اسمه تعالى كما أنّ إسرائيل صفوة الله. قوله: (الباررّ الآوّل الخ) في الكشاف الضمير في نزله للقرآن ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فحامة لثأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته وهو التنزيل في قوله نزله وفسر في الكشاف نزله بحفظه وفهمه فقال: معنى التنزيل المسند إلى جبريل هو التحفيظ والتفهيم كأنه جعله نازلاً بالقلب حالاً فيه والا فالمنزل حقيقة هو الله فهو مجاز لأنه انتقال من اللازم إلى الملزوم وكلام المصنف ليس بصريح فيه فيجوز أن يكون نزل بمعناه الحقيقي لكن كان مقتضى الظاهر عليك فزاد القلب لأنه القابل الأوّل، ومحل الفهم والحفظ بناء على أنّ الإدراك به والمدرك فيه على ما ورد في لسان ااصثمريعة وأهلها لا يقولون بإثبات الحواس الباطنة فلا يرد عليه أنهم قالوا حافظ الصور الجزئية الخيال وحافظ المعاني الجزئية قوّة في مؤخر الدماغ تسمى الحافظة وحافظ المعاني الكلية العقل المفاض على النفس بأمر الله تعالى، وكان الظاهر أن يقول على قلبي لأنّ القائل رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه حكى ما قال الله له وجعل القائل كأنه الله لأنه سفير محض والحكاية إمّا بمعنى أنه روعي حال الأمر بالقول فحكي لفظه كما تقول قل لقومك لا يهينوك قال الفرزدق: ألم تر اني يوم جو سويقة دعوت فنادتني هنيدة ماليا وقيل ثمة قول آخر مضمر، والتقدير قال: يا محمد قال الله لي من كان وقيل: الضمير في نزله للقرآن فإن جبريل عليه الصلاة والسلام نزل القرآن على قلبك والحفظ والفهم معاً إنما أفادهما حرف الاستعلاء لدلالته على أنّ المنزل ياخذ بمجامع قلبه وهو مرتب بقوله بئسما اشتروا به أنفسهم وما وقع بينهما غير أجنبيّ لأنه كله مقرّ! لكفرهم وانكارهم المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم وان ذلك لشدة شكيمتهم وفرط عنادهم ولا يخفى ما فيه وان تابعه في بعض الطيبيّ وقوله بأمره الخ أصل معنى الإذن في الشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه وإذا أسند إلى الله قد يراد أمره وارادته لقوله تعالى إلا ليطاع بإذن الله وليس بضارّهم شيئاً إلا بإذن الله وكذا تيسيره، وقيل: إنّ إذن الله يكون بمعنى علمه أيضا وكلها معان مجازية والعلاقة فيها ظاهرة، وأما ما قيل: إنّ قوله بأمره إن أريد بالتنزيل معناه لظاهر، وقوله: بتيسيره إن أريد به التحفيظ والتفهيم فلا وجه له، وقوله من فاعل نزله والضمير المستتر فيه لجبريل عليه الصلاة والسلام، وقيل: إنه لله والمفعول ضمير جبريل والحال منه، أي مأذونا له أو معه إذن الله. قوله: (والظاهر أن جواب الشرط فإن نزله الخ) يعني أنّ من حق الشرط أن يكون سبباً للجزاء وهنا عداوة جبريل عليه الصلاة والسلام ليست سبباً لتنزيل القرآن فوجه بأنه ليس بجواب في الحقيقة بل هو سبب الجواب أقيم مقامه ومعناه من كان عدوّاً لجبريل عليه الصلاة والسلام فلا وجه لعداوته لأنه نزل بالقرآن على قلبك مصدقاً لما بين يديه الخ فلو أنصفوا أحبوه فتنزيل القرآن سبب لعدم توجه عداوته أو معناه من كان عدوّاً لجبريل عليه الصلاة والسلام فلعداوته وجه لأنه نزل عليك بالقرآن وهم كارهون له فنزوله سبب لتوجه عداوتهم كما يقال إن عاداك فلان فقد آذيته أي فهو محق في عداوته لتأذيه وتحقيقه أن تقدير الكلام إن عادوه فالعاقل المنصف يقول لا وجه لمعاداته أو لها وجه فالسببية في الحقيقة لذلك القول المقدر فيكون سببا للإخبار بمضمون الجزاء كما في قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [سورة النحل، الآية: 53] وقيل التقدير من كان عدوّا لجبريل عليه الصلاة والسلام فليمت غيظاً فإنه نزل على قلبك أي من عاداه هلك بعداوته لأنها دائماً متزايدة لنزوله على قلبك، وقول المصنف رحمه الله تعالى في هذا الوجه محذوف إشارة إلى أنه لا حذف في الأوّل بل تجوز بعلاقة السببية أو أنّ المحذوف فيه في قوّة المذكور لوجود ما يقوم مقامه لقوله قبله فحذف الخ فالمذكور كأنه جواب وفي هذا غير نائب عنه بل علة له واعلم أنّ كون على قلبك حكاية كلام الله إنما هو على التوجيهين الأوّلين دون هذا فتنبه ومنه يعلم نكتة للحكاية دقيقة، وأما كون من استفهاماً للاستبعاد والتهديد وما بعده تعليل له فخلاف الظاهر. قوله: (أراد

بعداوة الله مخالفته الخ الما كان معنى العداوة المعروف المقصود به الإضرار لا يتصوّر هنا جعله مجازاً عن المخالفة عناداً، وهذا ظاهر في لله ورسله، وأما في الملائكة فبمخالفة ما جاؤوأ به وفيه نظر وقريب منه تفسير المحبة بإرادة الطاعة أو المراد معناه الحقيقي بالنسبة للرسل والملائكة وذكر الله للتفخيم والتهويل لعداوتهم لأنّ من عاداهم فقد عادى الله وسيأتي تحقيقه في محله وعداوة الله عقابه أشد العقاب كما في الكشاف. قوله: (وأفرد المكان بالذكر الخ) أي ليدل على فضلهما حتى كأنهما ليسا من جنس الملائكة لاختصاصهما بمزايا وفضائل ولأنّ التغاير في الوصف بمنزلة التغاير في الذات كقوله: فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال وقوله: والتنبيه الخ لأنّ الإفراد بالذكر يقتضي ذلك كما إذا قلت من أهان القوم وزيدا وعمرا أهنته اقتضى ترتب الجزاء على إهانة أفرادهم لا على المجموع فقط، وقوله: إذ الموجب الخ أي في نفس الأمر وهذه وجوه ونكت مستقلة، ولذلك قال ولأنّ الحاجة الخ بالواو ل! نه أعاد اللام للبعد فلا يقال الظاهر أن يقال أو للتنبيه ولا ينافيه ما سبق من تول اليهود إنّ ميكائيل محبوب لأنّ الخصب والرخاء منه وجبريل عليه الصلاة والسلام عدوّ لأن الخسف والعذاب منه فتأمّل ولا إنّ الواو بمعنى أو لأن ما ذكر لا يدل على أشرفيتهما، وقوله ووضع الظاهر الخ مبني هذا في الكلام التعليق بالمشتق وأنّ الجزاء مرتبط بمعاداة كل واحد مما ذكر في الشرط لا بالمجموع وقوله كميكاعل قد مر إبدال الهمزة عيناً في الوزن وقرئ ميكئل كميكعل وميكئيل كميكعيل وميكال بدون همزة وياء. قوله: (أي المتمرّدين من الكفرة والفسق الخ الما كان الفسق يطلق على المعاصي والكفر أشدها وكان في النظم مخالفة للظاهر حينئذ دفعها بأنّ المراد المتمرّدون في الكفر لما روي عن الحسن رحمه الله إنّ الفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي كفراً أو غيره وقع على أعظمه لأنه في الأصل الخروج عن المعتاد فيه، وقد استعمل هنا في الكفر فيفيد ما ذكر واليه أشار بقوله: كأنه متجاوز الخ وما ذكر في سبب النزول يدل على أنّ المراد بهم اليهود لا ابن صوريا وحده كما قيل: لأنّ صيغة الجمع تأباه فالتعريف للعهد أو المراد الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أوّلياً فينتظم السياق والسباق، وحديث ابن صوريا مرويّ عن ابن عباس رضي الله عنهما. قوله: (الهمزة للإثكار الخ) قيل: جعله عطفا على محذوف إذ لا مجال للعطف على الكلام السابق وتوسيط الهمزة لغرض يتعلق بالمعطوف خاصة، ولم يحمل قراءة إسكان الواو على أنها أسكنت إسكان الهاء في وهو لأنه لم يثبت مثل ذلك في الواو والعاطفة بل حملت على أنها أو العاطفة للفعل بعدها أعني نبذه المقيد بالظرف وهو كلما على صلة الموصول الذي هو اللام في الفاسقون ميلاً إلى جانب المعنى وإن كان فيه مسخ اللام الموصولة كأنه قيل: إلا الذين فسقوا وإن لم يصح ابتداء وقوع صريح الفعل بعد اللام لا سيما مع تقدم معمول. (أقول) : قوله لا مجال للعطف برد عليه أنه إذا قرئ بالسكون فهي عاطفة على ما قبلها فما الفرق بينهما، وقوله: إنه ميل مع المعنى يقتضي أنّ العربية لا تساعد عليه وليس كذلك فإنّ أل تدخل على الفعل ابتداء في الضرورة كقوله: عص ت الحمار ليجاع وبالتبعية في السعة كثيراً كقوله تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا} [سورة الحديد، الآية: 18] لاغتفارهم في الثواني ط لا! ختفر في الأوائل وسيأتي تحقيقه فهذا غفلة عن هذا وقيل: أو هنا بمعنى بل الإضرابية وانتصاب عهداً إمّا على أنه مصدر غير جار على فعله والأصل معاهدة ويؤيده قراءة عهدوا أو على أنه رفعول به بتضمين عاهدوا معنى اعطوا. قوله: (نقضه الخ) النبذ نقض العهد وأصله طرح ما لا جتدّ به كالنعل البالية، وقوله: فيما ينسى أي ما من شأنه ذلك لعدم الاعتداد به والا فهذا القيد لم يذكره أهل اللغة وقيد عدم الاعتداد صرح به الراغب رحمه الله وقد فسر ظهريا بمنسياً فلعله منشأ الوهم، وقوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أسورة البقرة، الآية: 00 ا] جشسمل عطف المفرد بجعل لا يؤمنون حالاً من أكثر أو من الضمير المضاف إليه بمعنى ينبذون العهد عملا واعتقاداً. قوله: (رد لما يتوهم من أنّ الخ) يعني أنّ الفريق يطلق على الكثير والقليل والثاني هو المتبادر منه

فلذا أضرب عنه فهو إما انتقاليّ أو إبطاليّ وعلى الثاني المراد بالأكثر ما يشمل غير النابذين، وقوله: كالقرآن يشمل الإنجيل وفي نسخة وهو القرآن خص بالذكر لمناسبة الواقع في هذا المقام والنسخة الأولى أولى وجعل نبذ بعض التوراة نبذاً لها وهو ظاهر، وإذا فسر كتاب الله بالقرآن ورد أنّ النبذ يقتضي تقدم الأخذ وهم لم يأخذوه أصلاً فأشار إلى دفعه في الكشاف بقوله: كتاب الله القرآن نبذوه بعدما لزمهم تلقيه بالقبول يعني أنّ النبذ وراء الظهر! تضي سابقة الأخذ في الجملة وهذا في حق التوراة ظاهر وإنما الخفاء في الترك، وفي حق الفرآن بالعكس أي تركه ظاهر وإنما الخفاء في أخذه فجعل أخذ. هو لزوم التلقي بالقبول وترك التوراة هو الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم قيل: والمصنف رحمه الله أشار إلى دفعه بقوله: مثل لإعراضهم الخ يعنيان النبذ ليس حقيقة بل هو اسنعارة تمثيلية أربد به الإعراض فلا حاجة إلى أن يقال جعله لزوم التلقي الخ بل لا وجه ل وليس بشيء لأنه حينئذ تجوز بالنبذ عن عدم القبول اللازم له وهو ظاهر وأمّا التمثيل فلم ينص المصنف رحمه الله على أنه بالنبذ بل في قوله وراء ظهورهم وقد قال الزمخشريّ في تفسيره أيضاً وراء ظهورهم: مثل لتركهم واعراضهم عنه مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه اص. فهذا غافل عن معنى كلامهم فتأمّل، نعم لو جعل الجميع تمثيلا لكان له وجه، وقال الطيبيّ رحمه الله: شبه تركهم كتاب الله واعراضهم عنه بحالة شيء يرمي به وراء الظهر والجامع عدم الالتفات وقلة المبالاة ثم استعمل هنا ما كان مستعملا هناك وهو النبذ وراء الظهر فاذا حمل كتاب الله على التوراة كان كناية عن قلة مبالاتهم فقط لأنّ النبذ الحقيقي لم يكن منهم ولهذا قال بين أيديهم يقرؤونه الخ والحمل على القرآن لا ينافي حقيقة النبذ فهو كطويل النجاد. قوله: (أنه تعالى دل بالآيتين الخ) جل اليهود بمعنى معظمهم فإن أريد باليهود من كان منهم سواء ثبت على ذلك أو لا فهم أربع فرق كما قال المصنف رحمه الله وان أريد من لم يرجع عنها فهم ثلاث فرق كما قال الراغب فلا مخالفة بيته وبين المصنف رحمه الله كما توهم، وبقي منهم من لم ينبذها ولم يؤمن كالمعترفين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنهم خصوها بالعرب أو بغير بني إسرائيل وفرقة آمنوا بموسى صلى الله عليه وسلم وماتوا قبل نزول التورإة إذ لا يصدق عليهم ما ذكر وق! على ذلك. قوله: (عطف على نبذ الخ) هذا مما قاله بعض المعربين كأبي البقاء وليس بظاهر لأنه يقتضي كونها جواب أحا واتباعهم هدّا ليس مترتبا على مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم بل كان قبله فالأولى أن تكون معطوفة على جملة لما وقيل: إن مراده ولكن لما كانت الجملة هي الجواب والشرط قيد لها عبر به تسمحا، وقيل: إنها معطوفة على مجمويم ما قبلها عطف القصة وقيل: على اشربوا وما موصولة وعائدها محذوف أي تتلوه وقيل: نافية، وقال ابن العربيّ إنه غلط فاحش وتتلو بمعنى تلت الحكاية الحال الماضية وهو إمّا على من تلاه بمعنى قرأه أو تبعه واليهما أشاو المصنف وهو ظاهر وجوّز في الشياطين وجوهاً، وقوله قيل: الخ يؤيد الأوّل. قوله: (أي عهده الخ) في الكشاف أي على عهد ملكه وفي زمانه، يعني أنّ على بمعنى في وفي الكلام مضاف مقدر وفي الفرائد إنّ تتلوف ق معنى الإملاء فعدى بعلى، وقيل: ضمن معنى الإقراء والتسخير جعل الشيء مسخراً أي منقاداً ويراد به الاستعمال بغير أجر. قوله: (وعبر عن السحر بالكفر الخ) يعني أنّ كفر بمعنى سحر مجازا للزومه له وأمّ كونه كفراً فلظاهر الآية والأحاديث كقوله عليه الصلاة والسلام: " من أتى كاهناً أو عرّافاً أو ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر " قال الجصاص رحمه الله اتفق السلف على وجوب قتل الساحر ونص بعضهم على كفره واختلف الفقهاء في حكمه فعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يقتل ولا يستتاب والمرأة تحبس حتى تتركه فجعل حكمه حكم المرتد ولم يجعله الشافعيّ رضي الله عنه كافراً قال في الروضة يحرم فعل السحر بالإجماع وأمّا تعلمه وتعليمه ففيه ثلاثة أوجه، الصحيح الذي قطع به الجمهور أنهما حرامان، والثاني مكروهان، والثالث مباحان، ومن أراد تفصيل الكلام فيه فليراجع أحكام القرآن فكلام المصنف محل تأمّل وقد حمل على من أعتقد تأثيره فإنه كفر بلا خلاف وسقط ما قيل إنا لم نر خلافاً في كون العمل به

كفراً وعده من الكبائر لا ينافيه لأن الشرك منها وإن كان أعظمها، وبما ذكرناه يعلم أنه غير مسلم وعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منه تعلم من " تبرئة سليمان عليه الصلاة والسلام منه " مع عدم الفارق ولكن إذا شذدت أعملت وإذا خففت ألغيت على ما تقرر في النحو. قوله: (إغواء وإضلالاً (هذا مأخوذ من إسناده إليهم وذمهم وأما تعليمه ليعرف فيجتنب فلا يقتضي الكفر كما قال أبو نواس: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه، ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه، وقوله: والجملة حال الخ هذا أحد أقوال فيها وقيل إنها حال من الشياطين ورده أبو البقاء رحمه الله بأن لكن لا تعمل في الحال وفي الدر المصون أنه ليس بشيء لأنّ لكن فيها رائحة الفعل فتأمل. وضمير يعلمون عائد إليهم وأما إذا رجع إلى الذين اتبعوا فهي حال من فاعل الذين اتبعوا أو استئنافية والمراد بالتقرّب إلى الشيطان العزائم والرقي التي يقولون إنها تسخرها لهم وقوله: لا يستتمث أي يتم كما مر يعني لا يوجد إلا من النفوس الخاسرة الخبيثة فلا لبس بين السحر والمعجزة والكرامة كما استدل به من قال إنه لا حقيقة له والصحيح خلافه وأمّا الحيل فكثيرة معلومة ومن أرادها فعليه بكتاب عيون الحقائق ولا تسمى سحراً حقيقة بل تجوزا لمشابهتها له لأنّ أصل معنى السحر في اللغة ما لطف وخفي سببه ولذا سمي الغذاء سحراً بالفتح لخفائه ولطف مجاريه ومنه سحور رمضان قال لبيد: ونسحر بالطعام وبالشراب وأمّا قوله: إنه غير مذموم فرذ بأنّ النووفي وغيره نصوا على تحريمه وما يقال: إنه غير مذموم مطلقا بل إذا فعل لأمر لا وجه له. قوله: (عطف على السحر الخ) إن كانا شيئاً واحداً فتغايره باعتبار من تلقى منه وان كان الثاني أتوى فإفراده بالذكر لقوته، وقوله: منه متعلق بأقوى أي أقوى من ذلك النوع الآخر وقيل: إنه صفة نوع لا متعلق بأقوى لفساد المعنى وليس بشيء، وإنما أنزل الملكان لكثرة السحر في ذلك الزمان حتى ظن الجهلة أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معجزاتهم من هذا القبيل فأنزلا لإبطال ذلك. قوله:) وما روي الخ (رواه سنيد بن داود عن الفرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع قال سافرت مع ابن عمر رضي الله عنهما فلما كان آخر الليل قال: يا نافع انظر هل طلعت الحمراء قلت لا مرتين أو ثلاثا ئم قلت طلعت قال لأمر حبابها ولا أهلاً، قلت سبحان الله نجم سامع مطيع، قال ما قلت إلا ما سمعت من رسول الله-كي! ، أو قال: قال رسول الله ئلمج! ز: " إنّ الملائكة قالت يا رب كيف صبرت على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعانيتهم قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك قال: فاختاروا ملكين منكم فلم يألوا جهدأ أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت فنزلا فألقى الله عليهما الثبق، قلث: وما الشبق؟ قال: الشهوة، فجاءت امرأة يقال لها الزهرة فوقعت في قلوبهما فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخر: هل وقع ني نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم، فطلباها لأنفسهما، فقالت: لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان فأبيا ثم سألاها أيضا، فأبث ففعلا فلما استطيرت طمسها الله كوكبا وقطع أجنحتها ثم سألا التوبة من ربهما فخيرهما وقال: إن شئتما عذبتكما قي الدنبا فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه، فقال أحدهما لصاحبه أنّ عذاب الدنيا ينقطع ويزول فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة فأوحى الله إليهما أن ائتيا بإبل فخسف بهما فهما منكوسان بين السماء والأرض يعذبان إلى يوم القيامة " قال المحدثون وجميع رجاله غير موثوق بهم لكن قال خاتمة الحفاظ الشهاب ابن حجر أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه وانّ له طرقاً كثيرة جمعتها في جزء مفرد يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها لكثرتها وقوّة مخارجها وقال بعضهم: بلغت طرقه نيفا وعشرين لكن أهل الكلام اتفقوا على عصمة الملائكة عليهم الصلاة والسلام وطعنوا في هذه القصة وعدوها من المحالات لمسخ الإنسان كوكباً كما بينوه في كتبهم والمصنف رحمه الله حاول التوفيق بأنها تمثيلات كقصة يسأل وسلامان وحرير مقطان وغيره ذلك مما وضعه المتقذمون إشارة إلى أنّ القوى لو ركبت في تلك لعصت وأسماء الله ومفاجأته تلحق

السفلي بالعلوي ونحوه، وقيل: أراد بهما النفس والبدن تعرضاً لامراً ة وهي الروح فحملاها على المعاصي ئم تنبهت بمصاحبتها لما هو خير فصعدت السماء، وزهرة بضم الزاي وفتح الهاء كتؤدة، قال: وأيقظيني لطلوع الزهر كذا في أدب الكاتب وتسكينها إما لحن أو ضرورة وهو نجم معروف وعلى القول بأنهما رجلان لا إشكال ولم يجىء مصدر لفعل يفعل على فعل بالكسر إلا سحر وفعل وكسر اللام قراءة ابن عباس رضي الله عنهما وأبي الأسود والحسن والجمهور على خلافها. قوله: (وقيل ما أنزل نفي الخ) وهاروت وماروت بدل من الشياطين على قراءة التشديد والنصب وأمّا على قراءة الرفع فهو منصوب على الذم وهو بدل بعض، ومن فسرهما بقبيلتين من الجن يكون عنده لل كل، وقيل: إنه بدل من الناس أي يعلمان الناس خصوصا هاروت وماروت وأمّا ما يعلمان على جعلها نافية ففي التفسير الكبير أن قوله: حتى يقولا كقولك ما أمرت فلانآ بكذا حتى قلت له إن فعلت كذا ضربتك أي ما أمرته به بل حذرته عنه وهذا مع ما ترى يدفعه قوله فيتعلمون منهما، وقيل: إنّ هاروت وماروت مع تعلمهما السحر وحذاقتهما فيه كانا على الصلاح وإنما غرضهما من التعليم يوقيه فلا يعلمان أحدا حتى ينصحاه ويحذراه وهذا هو مراد من قال إنهما ملكان، والباء في ببابل بمعنى في وهو علم أرض ممنوع من الصرف هاروت وماروت بدل من الملكين أو عطف بيان وقيل: بدل من الناس بدل بعض أوكل لإطلاقه على ما فوق الواحد، وعلى قراءة الرفع فهما خبر مبتدأ محذوف أو بدل من الثياطين وعدم صرفهما للعلمية والعجمة ولو كان من الهرت والمرت ومعناهما في اللغة الكسر لانصرفا ودعوى أنهما معدولان عن هارت ومارت والعدل لا يختص بأوزان لا وجه لها وقوله: أبدلهما الخ وعلى هذا القول فهما ليسا بملكين وتركه لظهوره وإنما لم يبدلهما من الملكين كما قيل: لأنّ ما بعده يأباه ومن لم يتنبه لمراده اعترض عليه بما لا وجه له. قوله: (فمعناه على الآوّل الخ) المراد بالأوّل أنهما ملكان والثاني أنهما رجلان ويتغ ذلك وجوه الإعراب كونه كفراً علم مما مر فيه. قوله: (وفيه دليل على أن ثعلم السحر الخ اللفرق بين العلم المجرّد والعمل ولو مع اعتقاد التأثير، وفيه إشارة إلى أنّ الاجتناب واجب احتياطاً وكما لا يحرم تعلم الفلسفة للمنصوب للذب عن الدين بردّ الشبه وان كان أغلب أحواله التحريم كذلك تعلم السحر إن فرض فشوّه في صقع وأريد تبيين فساده لهم ليرجعوا إلى الحق وهو لا ينافي إطلاق القول بالتحريم فاعرفه وقوله: الضمير لما دل! عليه من أحد، من الناس وليس أحد ههنا في معنى الجماعة ليصح عود ضمير الجمع إليه كما سيجيء لقوله فلا تكفر بالإفراد وأمّا عود ضمير الجمع إلى النكرة الواقعة في سياق النفي فليس بقوي. قوله: (وقرئ بضازي الخ) ما ذكره المصنف رحمه الله بعينه كلام ابن جني في المحتسب ونصه بعدما قال إنّ من أقبح الشاذ حذف النون هنا وأمثل ما يقال فيه: أن يكون أراد ما هم بضارّي أحد ثم فصل بين المضاف إليه والمضاف بحرف الجر، وفيه شيء آخر هو أنّ هناك أيضاً من في من أحد غير أنه أجرى الجار مجرى جزء من المجرور فكأنه قال: وما هم بضارّي به أحد وفيه ما ذكرنا اهـ. وقال التفتازاني رحمه الله نعم قال ابن جني هذا من أبعد الشواذ، وذلك أنه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف الذي هو به ثم جعل المضاف إليه هو الجار والمجرور جميعا ولا يصح أن تكون من مقحمة لتأكيد معنى الإضافة، كاللام في لا أباً له لأنّ هذه إضافة لفظية ليست بمعنى من ا!. وأيضا من هذه لاستغراق النفي وليست هي المقدّرة في الإضافة فالأولى تخريجها على أنّ نون الجمع تسقط في غير الإضافة كما في قوله: الحافظ وعورة العشيرة كما ذكره ابن مالك في التسهيل وأمّا اعتراض! الطيبي رحمه الله بأنه إنما يجوز في المعرف بأل فابن مالك غير قائل به لأنه ورد بدونه كقوله: ولسنا إذا تأتون سلماً بمد! ي لكم غيرأنا إن نسالم نسالم أي بمدعيكم قاله أبو حيان: وهذا أقرب مما تكلفوه إذ جعل الجارّ جزءاً والإضافة إلى الجار والمجرور مما لم يعهد مثله وأقرب من هذا كله أن يقال: إنّ فيه مضافا مقدرا لفظا ولذا ترك تنوينه لذكره بعده كقوله:

يا تيم تيم عديّ: في أحد الوجوه وفي الدر المصون كلام هنا تركه أولى وكذا ما قاله الشارح المحقق أيضا فتدبر. قوله: (أي استبدل الخ) إشارة إلى أن اشترى استعارة كما مر وقوله: والأظهر الخ سواء أكانت علم متعدّية لمفعول أو مفعولين قيل: قد خفي الاحتمال الآخر الظاهر، ولا يبعد أن يقال: إنه إشارة إلى جواز حذف مفعولي العلم بقرينة ما سبق أي علموا أنه يضرهم ولا ينفعهم وحينئذ لمن اشتراه جواب قسم محذوف ولم يدر أنه إشارة إلى قول الفراء في هذه الآية الذي ذكره أبو البقاء إنّ هذه اللام موطئة للقسم ومن شرطية في محل رفع بالابتداء وماله في الآخرة من خلاق جواب القسم قال الحلبي فاشترى على القول الأوّل صلة وعلى هذا خبر اسم الشرط وجواب الشرط محذوف لأنه إذا اجتمع شرط وقسم ولم يتقدمهما ذو خبر أجيب سابقهما غالباً، وقد يجاب الشرط مطلقاً ولم يرتضه الزجاج وأمّا الاعتراض عليه بأنه مخالف لكلام الجمهور وإنما الموطئة لقد علموا فنا شيء من قلة التدبر. قوله: (نصيب) قال الزجاج: الخلاف النصيب وكثر استعماله في الخير ويكون للشر على قلة والخلاف يكون بمعنى القدر والمرتبة كما في قوله: فمالك بيت لدى الشامخات ومالك في غالب من خلاق وليس هنا مانع من إرادته وقوله: يحتمل المعنيين أي كونه بمعناه الظاهر وكونه بمعنى باعوا. قوله: (يتفكرون فيه الخ) جواب عن إثبات العلم في قوله ولقد علموا ونفيه بقوله. لو كانوا يعلمون لما بينهما من التنافي بأنه أريد بالمثبت علمهم ما لمستبد له والمنفيّ تفكرهم فيه أو علمهم بقبحه يقيناً أو علمهم بعاقبته ولما كان ما مستبد له من عدم النصيب في الآخرة يستلزم علمهم بما نفي أوّله بأنّ المثبت علم بالقوّة أو إجماليّ أو من غير جزم ولا يخفى ما فيه من التكلف فما ذهب إليه الزمخشريّ أقرب. قوله: (وقيل الخ) هذا ما ارتضاه الزمخشريّ وهو أوجه فالمراد بلو كانوا يعلمون يعملون بعلمهم تنزيلاَ لعلمهم منزلة العدم على نهج {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [سورة الأنفال، الآية: 7 ا] قال المحقق: فإن قيل: إنما يتوجه السؤال لو كان متعلق العلم في موضع الإثبات والنفي واحداً وليس كذلك فإنّ المثبت هو العلم بأنّ من استبدل كتب السحر وآثرها على كتاب الله تعالى فإنه لا نصيب له في الآخرة والمنفيّ هو العلم بسوء ما فعلوه من استبدال كتب السحر وإيثارها على أنفسهم قلنا مآل الأمرين واحد، وتقرير الجواب أنّ المنفيّ ليس هو العلم بما ذكر بل العمل بموجب العلم كأنه قيل: لو كانوا يعملون بموجب علمهم ويجرون على مقتضاه، وجواب لو محذوف أي لارتدعوا عن تعلم السحر وايثار كتبه أو لكان خيرا لهم. قوله: (جواب لو وأصله لأثيبوا مثوبة الخ الما أورد هنا أنّ الاسمية لا تصلح جواب لو أما لفظاً فلا طباق النحاة على أنه لا يكون إلا فعلية ماضوية، وأمّا معنى فلأن خيرية المثوبة لا تتقيد بإيمانهم واتقائهم ولا تنتفي بانتفائهما فالأولى أنّ ااجواب محذوف أي لأثيبوا، وأورد على قوله لتدل على ثبات المثوبة أنّ الاسمية إنما تدل على ثبوت مدلولها وهو كون المثوبة خير إلا على ثبات المثوبة وما ذكر إنما يتم لو قيل المثوبة لهم وأجيب بأنها ماضوية تقديرا إذ الأصل لأثابهم الله مثوبة فعدل إلى المثوبة لهم للدلالة على ثبات المثوبة لهم وهو استقرارها على تقدير الإيمان والتقوي ثم إلى المثوبة من عند الله خير لهم تحسرأ لهم على حرمانهم الخير وترغيباً لمن سواهم في الإيمان والتقوى أو أنّ ثبوت الخيرية للمثوبة يقتضي ثبوتها كذا قال المحقق. وقيل: عليه أنه لم يرد في كلام العرب جواب لو جملة اسمية فالحق أنها لام ابتدائية والجملة مستأنفة وجواب لو محذوف أو هي للتمني لا جواب لها وما ذكره تكلف تأباه العربية، وقوله: والجزم بخيريتها وجه بأنه لما عدل عن الفعلية المعلفة بالشرط تعليقاً ينافي الجزم حصل الجزم بها وفيه بحث لأنه كيف يجزم به وقد جعل جوابا للشرط الامتناعي الدال على عدمه فكيف الجزم فإن قيل: إنه ليس بجواب حقيقة بل قائم مقامه فهذا تطويل للمسافة بلا طائل فالحق ما تقدم، وقوله: وحذف المفضل الخ هذه نكتة لطيفة لكن قال أبو حيان: الحق أنّ خير هنا صفة لا اسم تفضيل وهو أقرب، ثم إنّ التمني على الله محال فجعله المعتزلة

بمعنى الإرادة المتخلفة عن المراد وغيرهم أوّله بأنه شبه بحال يتمنى العارف بها اتقاءهم ولا يخفى موقع التنكير هنا لأنه يفيد أن شيئاً ما من المثوبة خير مما هم عليه. قوله:) وقرئ لمثوية الخ) اختلف في وزن مثوبة فقيل: مفعولة وأصلها مثوبة فنقلت ضمة الواو إلى ما قبلها وحذفت لالتقاء الساكنين وهي من المصادر التي جاءت على مفعولة كمصدوقة نقله الواحدفي، وقيل: مفعلة بضم العين نقلت الضمة إيى ما قبلها فهي مصدر ميمي ويقال: مثوبة بسكون الثاء وفتح الواو وكان من حقها أن تعل فيقال مثابة كمقامة إلا أنهم صححوها كما قالوا ير الأعلام مكوزة، وقرأ بها أبو السمال وقتادة كمشورة ومعنى مثوبة ثواب وجزاء من الله وقيل: رجعة إلى الله والمصنف رحمه الله أشار إلى أنّ المعنى الأوّل راجع إلى الثاني لرجوع المحسن إلى الله أي إلى جزائه واحسانه وقوله: إنّ ثواب الله الخ إشارة إلى تقدير مفعوله وأنه لم ينزل منزلة القاصر، وقوله: لترك التدبر بناء على تأويله يعلمون قبله بيتفكرون وقوله: أو العمل إشارة إلى ما حكاه بقيل. قوله: (الوعي حفظ النير لمصلحتة الخ (سواء كان الغير عاقلاً اولاً وقوله: وكان المسلمون الخ هذا أخرجه أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما وقوله تلقننا من التلقين وقوله: فافترصوه أي عدوه فرصة " س يدين نسبته إلى رعي الغنم اي أنت راع لا نبيّ وهم حينئذ يبقون الياء أو يختلسونها للتلبيس، أو سبه معطوف على نسبته لأن هذه الكلمة في لغتهم كلمة سب ونهى المؤمنين عنها يعلم منه أنه لا يجوز أن يطلق عليه! ما يوهم نقصا ولو على وجه بعيد وفي لغة أخرى وانظرنا قرئ بالوصل والقطع من الثلاثيّ والمزيد فإن كان من نظر البصر تعدى بإلى على الحذف والإيصال وإن كان من نظره بمعنى انتظره فهو متعد بنفسه والأنظار التأني والإمهال وراعونا بضمير الجميع للتعظيم بناء على ما أثبته الفارسيّ فيه وان قال الرضي: أنه لا يكون إلا في المتكلم نحو فعلنا وراعنا بالتنوين من الرعونة وهي الهوح بوزن الضرب أي الحق الناشئ عنه أفعال وأقوال تدل على السفه والصيغة للنسبة أي ذا رعونه كلابن وتامر وقوله: لما شابه الخ متعلق بقوله: نهوا أي نهوا عن ذلك لمشابهته فول اليهود الذي هو سب في لغتهم أو لقصدهم الرعونة أو التحقير بأنه راع وقيل: إنه متعلق بقوله: ذا رعن أي إنما نسب ذلك القول إلى الحماقة لما شابه الخ ولا وجه له. قوله: حاضة الشمال! / - 2 / ء23 (وأحسنوا الاستماع الخ) إنما أوّلوه لأنه لا فائدة في طلب السمع من السميع فالمراد إمّا أحسنوه حتى لا يحتاج إلى قولكم له ذلك ونحوه أو المراد اقبلوا قولي هذا وغيره والسمع يكون بمعنى القبول كما في سمع الله لمز، حمده أو اسمعوا ما أمرتم به هنا وهو قوله انظرنا والجد بكسر الجيم الاجتهاد والمراد بالكافرين اليهود الذين سبوه بهذه الكلمة ولم يحمل على العموم ودخولهم فيه أولى لأنّ الكلام مع المؤمنين فلا يصلح قوله وللكافرين الخ أن يكون تذييلاَ فالتعريف للعهد وفيه تحريض للمؤمنين على ترك ما ذكر وزاد قوله موذة المؤمنين وان لم يكن في النظم لأنّ من ودّ لهم الخير فقد أحبهم. قوله: (والود محبة الشيء مع تمنيه الخ) قال الراغب: الودّ محبة الشيء وتمني كونه وشمتعمل في كل واحد من المعنيين على أنّ التمني يتضمن معنى الود لأنّ التمني هو منتهى حصول ما توده اص. فأشار إلى أنه يكون مجموعهما ويستعمل لكل منهما على الانفراد ثم إنه هنا إمّا أن يراد به المحبة فقط كما أشار إليه بقوله بعد! وما يحبون ويصح أن يراد به المجموع ونفيه مستلزم نفيهما معاً إذ لا محبة بدون الود كما قاله " الراغب ويلزم أيضا من محبة الشيء جواز تمنيه فمن قال معترضا على المصنف رحمه الله أنه لو كان كذلك لكان المناسب أن يقول ما يحب لأنّ نفي الود لا يستلزم نفي المحبة مع أنّ ما ذكره ليس في كتب اللغة فقد غفل وقوله: ومن للتبيين كما في قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [سورة البينة، الآية: ا] ولا زائدة لتأكيد النفي وفيه إشارة إلى تضعيف ما قيل: إنها للتبعيض. قوله: (ومن الأولى مزيدة الخ) وهي وان لم يلها نفي فالنفي\ الأول منسحب عليها فيكفي مسوّغا ولا حاجة إلى ما قيل إنّ التقدير يود أن لا ينزل خير وخير نائب الفاعل وقوله: يحسدونكم به أي بسببه وبالعلم وبالنصرة معطوف

على بالوحي وقوله:! يحسدونكم بيان للواقع أيضا لا تفسير للنظم لأنّ عدم مودتهم ناشئ عن الحسد وقوله: للاستغراق أي لتأكيد الاستغراق فإنّ النكرة في سياق النفي عامّة. قوله: (يستنبئه ويعلمه الخ) ! ايستنبته ناظر إلى تفسير الخير بالوحي ويعلمه الحكمة ناظر إلى قوله بالعلم وينصره ناظرا إلى قوله بالنصرة وفيه إشارة إلى أنّ المراد بالخير والرحمة واحد فهو من وضع الظاهر موضع المضمر وكذا أقيم الله مقام ضمير ربكئم لأنّ تخصيص من يشاء بالرحمة يناسب الألوهية كما أنّ إنزال الخير يناسب الربوبية وعدم الوجوب مستفاد من قوله من يشاء وهذا رد على الحكماء في قولهم إنّ النبوّة بتصفية الباطن، وعلى المعتزلة في قولهم بوجوب الأصلح على الله لأنّ الواجب إمّا عبارة عما يستحق تاركه الذمّ كما قال بعض المعتزلة أو عما تركه يخل بالحكمة كما قاله بعض آخر أو ما قدر الله تعالى على نفسه أن يفعله ولا يتركه وان كان تركه جائزاً كما اختاره بعض الصوفية والمتكلمين كما يشير به ظواهر الآيات والأحاديث مثل قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [سورة الغاشية، الآية: 26] والأوّل باطل لأنه تعالى مالك على الإطلاق والمتصرف في ملكه كيف يشاء فلا يتوجه إليه الذم أصلاً على فعل من الأفعال بل هو المحمود في كل أفعاله وكذا الثاني لأنا نعلم إجمالاً أنّ جميع أفعاله تتضمن الحكم والمصالح ولا يحيط علمنا بحكمته والمصلحة فيه على أنّ التزام رعاية الحكمة والمصلحة لا يجب عليه تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [سورة الأنبياء، الآية: 23] وكذا الثالث لأنه إن قيل: بامتناع صدور خلافه عنه تعالى فهو ينافي ما صرح به في تعريفه من جواز الترك وان لم يقل به فات معنى الوجوب إذ حينئذ يكون محصله أنه تعالى لا يتركه على طريق جري العادة وليس ذلك من الوجوب في شيء بل يكون إطلاق الوجوب عليه مجرّد اصطلاح. قوله: (نزلت الخ) وانتظامها مع ما قبلها لأنّ النسخ بخير منها من الفضل العظيم، ولأنّ ما نسخ بخير من الخير. توله: (والنسخ في اللغة إزالة الصورة الخ (قال الراغب: النسخ إزالة شيء بشيء يعقبه كنسخ الشمس الظل والظل الشمس والشيب الشباب فتارة يفهم منه الإزالة وتارة يفهم منه الإثبات وتارة يفهم منه الأمران ونسخ الكتاب إزالة الحكم بحكم يعقبه قال تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} الخ قيل: معناه ما نزيل العمل بها أو نحرّفها عن قلوب العباد وقيل: معناه ما نوجدها وننزلها من نسخت الكتاب، وننسأها أي نؤخرها ولم ننزلها ونسخ الكتاب نقل صورته المجرّدة إلى كتاب آخر وذلك لا يقتضي إزالة الصورة بل يقتضي إثبات مثله في مادة أخرى كإيجاد نقش الخاتم في شموع كثيرة اهـ. فأشار إلى معنى الإزالة والإثبات معا أوّلاً، ومثله بنسخ الظل للشمس فإنّ صورة الضوء زالت عنه إلى غيره والراغب جعله مثالاً للإزالة فقط وهو أظهر وليس من الإضافة إلى المفعول كما توهم، والظاهر أنّ الصورة فيهما واحدة، فما قيل: إنّ الصورة المثبتة أعم من الصورة الأولى وغيرها خلاف الظاهر وقوله: والنقل أي نقل الكتاب باستنساخه أو نقل الشيء من مكان إلى آخر وهو أخص من الزوال فإنه إعدام صفة وهي التحيز وإحداث أخرى، أمّا عطف على إثباتها أو على نسخ الظل فعلى الأول عطفه عليه لأنه داخل فيه كما ذكره الراغب وأنما خصه لما يتوهم فيه من الإزالة كما أشار إليه وعلى الثاني ففيه إثبات محقق للصورة الأولى في الثانية ولانتقالها كأنها زالت عنه، والأول أولى وعلى كل فضمير منهما للإزالة والإثبات لأنّ هذا ليس معنى مستقلاً له كما عرفت ولخفائه قيل: المتبادر منه أنّ ضمير منهما للإزالة والنقل وليس كذلك كما يدل عليه ما بعده، والتناسخ من النقل لأنه عندهم انتقال الروح من بدن إلى آخر وليس المراد به مناسخة المواريث كما قيل: وفصله بقوله ومنه لأنه ليس فيه إزالة صورة واثباتها والنقل وقع في بعض النسخ دون بعض وهي أولى لأنه لا يناسبه ما بعده إذ نسخ الريح مثالأ للإزالة ونسخ الكتاب مثال للإثبات فتأمّل. وعلى كل حال فإنّ كلامه لا يخلو من الكدر. قوله: (ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد الخ) إشارة إلى ما ارتضاه بعض الأصوليين مع أنه بيان انتهائه بما ذكره لا رفعه، وقال شمس الأئمة: إنّ النسخ بالنسبة إليه تعالى بيان لمدة الحكم الأوّل لا رفع وتبديل وبالنسبة إلينا تبديل، وأشار إلى أقسامه الثلاثة من منسوخ الحكم والتلاوة ومنسوخ أحدهما

وتفصيله في الأصول، وقوله: وانساؤها إذهابها عن القلوب بأن لا تبقى في حفظهم وقد وقع هذا فإنّ بعض الصحابة أراد قراءة بعض ما حفظه فلم يجده في صدره فسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: " نسخ البارحة من الصدور ". قوله: (وما شرطية الخ) هذا هو القول الأصح من أنّ العامل فيها الشرط باعتبار أنها مفعول به لا مطلق كما جوّزه بعضهم وهي عاملة فيه الجزم باعتبار تضمن معنى الشرط فتكون عاملة ومعمولة من جهتين ومثله جائز، وناب جوابها عن الخبر ومن بيانية وقراءة ننسخ بالفتح ظاهرة وبالضم من الانساخ والهمزة إقا للتعدية أي ما ننسخك من آية أو ننسخ جبريل عليه الصلاة والسلام، والمعنى نأمره بالإعلام بنسخها لآنه لا يقدر أن ينسخ شيئا أو أن الهمزة لمعنى الوجدان على صفة نحو أحمدته أي وجدته محمودا ومعنى نجدها منسوخة أنا ننسخها على ما سبق به علمنا بذلك فهي في المآل موافقة للقراءة الأخرى وهذا رذ على من قال أنسخ لم يوجد في اللغة كأبي عليّ وأبي حاتم ولم يأت أنسخ بمعنى نسخ ولا يصح فيه التعدية ووجهوه بوجهين بناء على جواز التعدية وعدمها، وخرج ابن عطية التعدية على أنها من نسخ الكتاب والمعنى ما يكتب وينزل من اللوح المحفوظ أو ما نؤخر فيه ونتركه فلا ننزله أي ذلك فعلنا فإنما تأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله ورده أبو حيان رحمه الله والعجب من المفسرين والشراح أنهم لم يوردوا ما يصحح هذه اللغة ولعلنا نظفر به. قوله: (ننسأها الخ) قراءة أبي عمرو وابن كثير بفتح النون الأولى وسكون الثانية وفتح السين وبالهمزة الساكنة للجزم بالعطف على فعل الشرط وقرأ غيرهما بالألف في هذه ولم يحذفها للجازم لأنّ أصلها الهمزة من نسأ بمعنى أخر والمعنى نؤخرها في اللوح المحفوظ فلا ننزلها وقيل: نؤخرها عن النسخ إلى وقت معلوم، وقرئت بالتشديد من النسيان معلومة ومجهولة مع ذكر المفعول لو تركه وقوله في النفع والثواب شامل للأخف والأثقل والمساوي، وزاد النفع على الكشاف ليشمل التبديل إلى الإباحة والقول بأنّ فيه ثواب الاعتقاد خلاف الظاهر، وقوله: أو مثلها في الثواب لم يذكر معه النفع لأنه لو كان لخلا النسخ من الفائدة، وأمّا كونه مقتضى الزمان وان تساويا فيهما فهو نفع أيضا ولم يعكس، لأنّ المقصود هو النفع فيلزم كون المنسوخ أنفع وقوله أي ننس أحداً إياها الظاهر ننسها أحدا 4 وقوله: بقلب الهمزة أي من ننسأها. قوله:) والآية دلت على جوارّ النسخ الخ الذكره صريحا فيها ولولا أنه جائز لم يكن لذكره وجه وأدوات الشرط من أن وما تضمن معناها في أصل وضعها تدل على احتمال ما دخلت عليه وجوازه فلا يرد اًن الشرطية لا تتوقف على صدق الطرفين كما في قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [سورة الزخرف، الآية: 81] وجواز التأخير تأخير إنزال القرآن ناسخا أو منسوخا المدلوك عليه بقراءة أو ننسأها على أحد الوجوه والقراآت وقوله: وذلك إشارة إلى الجواز أي وجه ذلك أن الوحي للمصالح وهي تختلف باختلاف الأزمنة كما نرى من احتياج الصيف إلى غير لباس الشتاء وغير ذلك. قوله: (واحتج به) وفي نسخة بها على معنى النظم أو الآية لأنه نص على أنّ لها مثلأ أو خيرا فلا تكون أثقل ولا من غير الكتاب لأنه لا يماثله شيء ولا دليل فيه لأنّ المراد بالخيرية والمثلية في الثواب أو النفع لا في الأخفية ولا في النظم وهو ظاهر وقوله: والنسخ قد يعرف بغيره أي بقول المضارع هذه منسوخة مثلاَ وهو جواب عما يقال: إذا لم تنزل آية أخرى كيف يعلم نسخ الأولى وتفصيل هذا في أصول الفقه. قوله: (والمعتزلة على حدوث القرآن الخ) فإنّ تغير. بالنسخ وتفاوته في الخيرية وتأخير الناسخ عن المنسوخ كل ذلك ما يستلزم الحدوث فأجاب بأنه في تعلقاته وهي حادثة لا فيه نفسه وقوله: من لوازمه كان الظاهر من ملزومات الحدوث لأنه استدلال بالتغير على الحدوث والاستدلال يكون من الملزوم على اللازم لا العكس إذ يلزم من وجود الملزوم وجود لازمه بدون العكس فقيل: المراد أنّ التغيير والتفاوت من لوازم القرآن وهما مستلزمان للحدوث ففيه طيّ، أو يقال: المراد من اللازم ما لا يتحقق بدون ذلك كما يقال فلان لزم بيته أي لم يخرج منه وقد مر هذا في البسملة كما ذكره الشريف قدس سره وحاصله أنه لا تغير في المعنى القائم بذاته إنما هو في تعلقه بأفعال المكلفين وقيل: لا نسلم أنّ التفاوت

مستلزم للحدوث لم لا يجوز أن يكون أمور قديمة متفاوتة فإنّ صض ته تعالى قديمة مع أنها متفاوتة في الأحكام لا يقال المعتزلة لم يقولوا بالصفات القديمة لأنا نقول عدم قولهم بذلك لا يضرنا مع أنهم يقولون بالمعنى بالصفات القديمة وأن نفوها بحسب الظاهر كما حقق في الكلام (بقي أنه لا حاجة إلى هذا) فإنهم يدّعون حدوث الألفاظ ونحن لا نخالفهم فيه ولا يثبتون الكلام النفسي فهذا إنما يحتاج إليه الحنابلة فتأمل. قوله: (الخطاب للنبئ صلى الله عليه وسلم والمراد الخ) في الكشاف فهو يملك أموركم ويدبرها ويجريها حسبما يصلحكم وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ وهو لا يتضح حق الاتضاح إلا بعد بيان أنّ الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في الحقيقة له ولأمته بدليل قوله: {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [سورة البقرة، الآية: 07 ا] فلذلك قدمه عليه كذا قيل، وفيه أنّ الخطاب عند صاحب الكشاف ليس للنبيّ صلى الله عليه وسلم وحده بل لكل واقف عليه على حد قوله: " بشر المشاثين " كما بينه شراحه ففي كلامه هذا إشارة إليه ولا حاجة إلى تقديم ما ذكر وسيأتي ما يرجحه والاستفهام حينئذ للتقرير وقوله ابن هثام في المغني: الأول أن يحمل على الإنكار التوبيخي أو الإبطالي أي ألم تعلم أيها المنكر للنسخ مبنيّ على أنّ الخطاب لمنكري النسخ لا للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولا للعموم فهو لم يصادف محزه، وقوله: يفعل ما يشاء أي من النسخ وغيره وإنما قال كالدليل لأن المالك للشيء يقدر على التصرّف فيه والدليل مبين للمدلول والمبين لا يعطف على المبين وكون هذا إنشاء وما ننسخ خبر مانع آخر أيضاً لعدم العطف، وأما كون أنّ الله على كل شيء قد يرد ليلاً أيضا فلا يضرّ في المقصود. قوله: (وإنما هو الذي يملك أموركم الخ) الحصر يستفاد من قوله دون الله لأنه بمعنى سوى الله، وقوله يملك الخ إشارة إلى أنّ الوليّ هنا بمعنى المالك والحاكم وما بعده تفسير للنصر وهو الناصر المعين إذ بالنصرة صلاج الأمور وانتظامها وأصل معنى الولاية الاتصال من غير تخلل شيء آخر أجنيّ بينهما ثم يستعار للقرب في المكان أو في النسب أو في الدين أو الصمداقة والنصرة كما حققه الراغب، وقوله: والفرق الخ يعني الوليّ بمعنى الوالي والمالك والنصير المعين، والمالك قد لا يقدر على النصرة أو قد يقدر ولا يفعل والمعين قد يكون مالكاً وقد لا يكون بل أجنبياً عنهم فالعموم والخصوص الوجهي ظاهر وبعض الناس توهم من قوله أجنبيا أنه فسر الوليّ بالقريب فاعترض عليه بأنه لا يليق هنا إذ لا يقال ليس فيهم قريب غير الله. توله: (أم معادلة للهمزة الخ) قد جوّزوا فيها الاتصال والانقطاع لكنهم رجحوا الثاني حتى قيل: ينبغي القطع بالقطع، فعلى الاتصال والمعادلة التي تكون بمعنى أيّ الأمرين المعنى ألم تعلموا أنه المالك المطلق الفاعل لما يريد أم تعلمون وتسألون رسوله عما لا ينبغي السؤال عنه كما سألوا موسى صلى الله عليه وسلم فقوله: أم تريدون الخ مؤوّل بأم تعلمون لأنه لا يقترح المقترحات الشاقة إلا بعد العلم بأنّ له ربا قادرا على إجابة سؤاله ولا يخفى ما في هذا من التكلف، وقد أورد عليه أنها كيف تكون معادلة للهمزة مع أنّ الذي دخل على تفسيره في فاعل تعلم غير داخل في فاعل أم تريدون ومثله لا يجري في المتعادلين ولو سلم صحته فلا يخفى بعده وكذا جعلهما متحدين لأنّ خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما لا يخصه خطاب لأمته في الحقيقة، ووجه في الكشف الاتصال بأنّ ألم تعلم محمول على الثقة وأم تريدون الخ الدال على الاقتراح المنافي للثقة معادل له، كأنه قال: أتثقون بعد العلم بما يوجب الوثوق أم لا تثقون وتقترحون كما اقترحت أسلاف اليهود وهو حمل على الثقة على سبيل المبالغة كما في قوله تعالى: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [سورة المائدة، الآية: 91] وهذا كما تلخص للمسترشد طريقي الخير والشر وما فيهما من المصالح والمفاسد ثم تقول له أهذا تختار أم ذاك اهـ وهو كلام لطيف ومن هنا تبين أنّ عموم الخطاب لغير النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي أشار إليه الزمخشريّ أولى فإن قلت على المعادلة لا يخلو إما أن تكون معادلة للهمزتين أو للثانية فقط والأوّل خلاف الظاهر والثاني أقرب لكن قول المصنف قادر على الأشياء يأباه، قلت المراد الثاني ونما كان الثاني دليلا للأوّل كما مرّ كان معناه ملاحظا فيه فتامّل قيل: وفي عبارة المصنف، رحمه الله إشارة إلى أنّ ما مصدرية في موقع المفعول المطلق كما في تفسير

الكواشي وقال النحرير: الأنسب أنها موصولة في موضعالمفعول به لتسألوا أي كالأشياء التي سئلها موسى عليه الصلاة والسلام وذلك لأنّ الإنكار عليهم إنما هو لفساد المقترحات وكونها في العاقبة وبالاً عليهم وفيه نظر لأنّ المشبه أن تسألوا وهو مصدر فالظاهر أنّ المشبه به كذلك وقبح السؤال إنما هو لقبح المسؤول عنه مع أنه لا يحتاج إلى تقدير رابط فهو أولى، وفي قوله تريدون مبالغة كأنهم نهوا عن إرادة السؤال فضلاً عنه ولم يقل كما سأل أمة موسى عليه الصلاة والسلام أو اليهود للإشارة إلى أنّ من سأل ذلك يستحق أن يصان اللسان عن ذكره. قوله: (أو منقطعة والمراد الخ) مر أنها بمعنى بل والهمزة أو بل فقط وإنما فسرها بما ذكر ليرتبط بما قبله وينتظم معه لأنه لما بين لهم بقوله ما ننسخ إلى قوله قد ير أنه مالك أمورهم العالم بما هو أصلح لهم وكيت وكيت وحملهم على الإقرار بقوله: ألم تعلم الجاري مجرى التعليل لقدرته وصاهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم حتى لا يقترحوا عليه على أبلغ وجه وقد عرفت أنّ الزمخشريّ لاحظ معنى الثقة في الأوّل أيضاً فتذكر، وقوله: نزلت في أهل الكتاب فالخطاب حينئذ في ألم تعلم وتريدون لهم لأنهم هم المنكرون للنسخ فالاستفهام حينئذ للتوبيخ ويظهر ارتباطه بما قبله وهو أقرب مما بعده لخفاء ارتباطه بما قبله ولأنّ قوله كما سئل موسى لا يناسبه إذ لا علم لهم باقتراج قومه عليه وفيه نظر ولذا أخره، وهذا مرويّ عن مجاهد وما قبله عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقوله: لن نؤمن لرقيك أي لن تصدّق بارتقائك في السماء. قوله: (ومن ثرك الثقة بالآيات الخ) فسره بترك الثقة إلى الاقتراح ليرتبط بما قبله لأنه تذييل له على سبيل التهديد والتذييل ما يؤتى به في آخر الكلام بما يشتمل على المعنى السابق توكيداً له، وقوله: الطريق المستقيم تفسير لسواء السبيل وفسره بوسطه أيضاً ولا يضل عن ذلك إلا الأعمى، وقوله: ومعنى الآية الخ إشارة إلى أنه خبر المقصود به النهي والبعد عن المقصد مأخوذ من ضلال الطريق. قوله: (وذ كثير من أهل الكتاب يصني أحبارهم الخ) إنما خصه بالأحبار لقوله من بعد ما تبين لأنّ العارفين لذلك إنما هم الأحبار فلا يقال: إنه لا دلالة على هذا التخصيص والودادة من عامّتهم لئلا يبطل دينهم فالمراد جميعهم وعبر بالكثير لإخراج من آمن منهم، وفي الكشاف روي أنّ فخاص بن عازورا وزبد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم فلو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديتا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلالم\ (فقال عمار رضي الله عنه: كيف نقض العهد فيكم قالوا: شديد قال: فإني قد عاهدت الله أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت فقالت اليهود أمّا هذا فقد صبأ، وقال حذيفة رضي الله عنه: وأمّا أنا فقد رضيت بالله ربا وبمحمد! كتبرو نبيا وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً ثم أتيا رسول الله -! رو فأخبراه فقال: أصبتما خيراً فنزلت الآية، ولعل المصنف إنما تركه لأنه كما قال الحافظ ابن حجر: لم يوجد في شيء من كتب الحديث. وقوله: فإنّ لو الخ أي تكون بمعناها في المصدرية لكنها لا تنصب وهذا قول للنحاة. قوله: (كفارا مرقدين وهو حال الخ) وجوّز فيه أن يكون حالأ من فاعل ودّ وارتضى بعضهم أنه مفعول يردّ بمعنى يصير لأنها تنصب مفعولين إذ منهم من لم يكفر حتى يردّ إليه فيحتاج إلى التغليب كما في لتعودن في ملتنا. قوله:) يجوز أن يتعلق بوذ الخ) جوّز فيه وجهين تعلقه بودّ على معنى تمنيهم ذلك من قبل أنفسهم وما تهواه لا من التدين، وأن يتعلق بحسداً أي حسداً منبعثاً من أنفسهم وتصوّر معنى الظرفية في عند ومن ثمة قال من قبل فهو ظرف لغو فيهما وهو منقول عن مكيّ، وردّه ابن الشجري في أماليه بأنه لم يعرف تعدي حسد وودّ بمن فهو مستقرّ أي حسدا وودّاً كائنا من عند أنفسهم وقيل: إنه مرادهم هنا والتعلق معنوفي وهو معمول معموله فكأنه معموله وكثيرا ما يريدون ذلك، وقيل: إنه على الأوّل لغو ومن ابتدائية وعلى الثاني مستقرّ وكلام المصنف رحمه الله ظاهر فيه، وقوله: بالغاً مستفاد من كونه من عند أنفسهم إذ هو ذاتيّ لهم راسخ كالطبيعي، وما قيل: إنه مستفاد من كونه داعيا لأهل الكتاب إلى محبة كفرهم أو من التنكير بعيد غير ظاهر وبتفسير

العفو بترك العقوبة والصفح بترك التثريب بالمثلثة أي اللوم والتعيير وأصل معناه الإعراض! بجانبه تبين حسن الترتيب قال الراغب: في مفرداته الصفح ترك التثريب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح فمن قال ليس هذا معناه لغة وأنما حمله عليه بمقتضى المقام لم يصب. قوله: (وفيه نظر) يعني أنّ {فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ} [سورة البقرة، الآية: 109] مقيدان بقوله حتى يأتي الله بأمره قال الإمام كيف يكون منسوخا وهو مغياً بغاية كقوله: {أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [سورة القرة، الآية: 187] فإذا لم يكن ورود الليل ناسخا لم يكن إتيان الأمر ناسخا وأجاب بأنّ الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج ذلك الوارد من أن يكون ناسخا فيحل محل اعفوا واصفحوا حتى أنسخه لكم، قال الطيبي: ويؤيده حكم التوراة والإنجيل أنه ذكر فيهما انتهاء مدة حكمهما بإرسال النبيّ الأميّ صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [سررة الأعراف، الآية: 157] مع أنّ ظهوره يكتيرو نسخ لهما والحاصل أنّ هذا القدر من التقييا- لا ينافي النسخ وإنما ينافيه التقييد بمعنى تعيين وقت الحكم الأول كما في آية الصوم وأجيب أيضاً بأنّ ابن عباس رضي الله عنهما لعله يحمل الإتيان بالأمر على إماتتهم أو على إقامة الساعة كقوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [سورة النحل، الآية: ا] واعترض على الطيبي بأنه غفل عما تقرّر في الأصول حيث أنكر بعضهم النسخ وقال الشريعة المتقدّمة مؤقتة إلى وقت ورود الشريعة المتأخرة إذ ثبت في القرآن أنّ موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بشرا بشرع محمد صلى الله عليه وسلم وأوجبا الرجوع إليه عند ظهوره، وإذا كان الأوّل مؤقتاً لا يسمى الثاني نسخاً فأجابوا عنه بأنا لا نسلم أنّ بثارة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بشرع النبيّ صلى الله عليه وسلم وايجابهما الرجوع إليه يقتضيان توقيت أحكام التوراة والإنجيل لاحتمال أن يكون الرجوع إليه لأنه مفسر أو مقرّر فمن أين يلزم التوقيت بل هي مطلقة كما يفهم من التأبيد الواقع فيها فيجوز أن يكون نسخا ولم يقولوا إن هذا القدر من التقييد ينافي النسخ اهـ. وهذا غير وارد لأنّ الجواب الأوّل بمنع التقييد وهذا تسليمي لا ينافيه أي ولو سلم أنه مقيد فالقيد الذي لا يعلم زمانه تعيينه نسخ لأنّ معنى النسخ كما مرّ بيان انتهاء الحكم وآية السيف قاتلوا الذين لا يؤمنون، وتفسيره القدرة بالقدرة على الانتقام مع عمومها ليرتبط بما قبله ارتباطاً تامّا واللجأ مقصور مهموز بمعنى الالتجاء ويكون بمعنى الملجأ، والمخالفة بالخاء المعجمة والقاف مفاعلة من الخلق الحسن وهو مستفاد من العفو والصفح والالتجاء بالعبادة لأنها تدفع عنهم ما يكرهون كما مرّ، وقراءة تقدموا من قدم من السفر وأقدمه غيره أي جعله قادما فهي قريب من الأولى لا من الإقدام ضد الإحجام وفسر عند الله بوجود ثوابه عند. وقيل: الظاهر أنّ المراد أنه ثابت في علمه لا يضيع لأن عند الله بمعنى في علمه كثير في القرآن بجعل ما في علمه بمنزلة الموجود المحسوس لتحققه ولذا أردفه بقوله: إنّ الله بما تعملون بصير فعبر عن علمه بالإبصار مع أن من أعمالهم ما لا يبصر، وهذا هو الداعي لتفسير البصير بالعالم في الكشاف وان قال النحرير إنه إشارة إلى نفي الصفات وأنه ليس معنى السمع والبصر في حقه إلا تعلق الذات بمعلومات خاصة وعلى قراءة التاء فضمير تعملون للكفرة فهو وعيد وتهديد لهم، وأمّا على القراءة الأخرى فهو وعيد للمؤمنين. قوله: (عطف على ودّ الخ) وما بينهما اعتراض بالفاء لأنّ الجملة تقترن بالواو والفاء كما في التلويح، وقوله: والضمير لأهل الكتاب لم يجعله للكثير مع أنه المتبادر كما قيل ليوافق ما بعده من قالت اليهود وقالت النصارى: ولأنّ الحكم ليس مخصوصا ببعضهم فيجعل الجميع كأنهم قالوه ويدل عليه الآية الأخرى، وقالوا: كونوا هوداً أو نصارى وقوله: لف الخ هذا نوع من اللف والنشر لطيف المسلك يسمى اللف والنشر الإجمالي قال المحقق ولقائل أن يقول لما كان اللف بطريق الجمع كان المناسب أن يكون النشر كذلك لأن ردّ السامع بقول كل فريق إلى صاحبه فيما إذا كان الأمران مقولين وكلمة أو لا تفيد إلا مقولته أحد الأمرين والجواب أنّ مقول المجموع لم يكن دخول الفريقين بل دخول أ- إهما لكن بعضهم هذا بالتعيين وبعضهم ذاك

بالتعيين اص. ورد بأن مقول المجموع دخول الفريقين لا دخول ذلك الفريق لا غير فالجواب أن وجه إيثار أو على الواو لدفع توهم أنّ شرط الدخول كون الشخص جامعا لوصفي اليهودية والنصرانية وهذا لا محصل له فالصواب ما في مغني اللبيب أنّ أو هنا للتفصيل والتقسيم وهو كما يكون بأو يكون بالواو أيضا فهي تدل على اجتماعهما في المقسم ولا تنافي اللف والنشر، وقوله: بين قولي الفريقين وفي بعض كتب المعاني بين الفريقين والمآ! واحد والثقة بفهم السامع لأن اليهود لا تقول لا يدخل الجنة إلا النصارى ولا عكسه. قوله: (وهود جمع هائد الخ) العوذ بالذال المعجمة الحديثات النتاج من الظباء والإبل والخيل واحده عائذ وقيل: إنه مصدر يستوي فيه الواحد وغير. وقيل: إنه مخفف يهود بمحذف الياء وهو ضعيف وإذا كان جمعا فاسم كان مفرد عائد على من باعتبار لفظها والخبر بالجمع باكأجار معناها وهو كثير، ولما كان تلك راجعاً إلى قوله لن يدخل الخ وهي أمنية واحدة أجاب عنه بأن المشار إليه متعدد وهو ما ذكره أو في الكلام مضاف مقدر في الأوّل أو في الثاني أي كل أمانيهم باطلة كهذه وقيل: لا حاجة إلى هذا لأنّ هذه محتوية على أمان أن لا يدخل الجنة إلا اليهود وأن لا يدخل الجنة إلا النصارى وحرمان المسلمين منها وأيضاً فقائله متعدد وهو باعتبار كل قائل أمنية وباعتبار الجميع أمان كثيرة وهذا توجيه آخر لا يرد على المصنف رحمه الله كما توهم، ومن فوائد الانتصاف أن أمنيتهم لتأكدها وتكرّرها منهم عبر عنها بالجمع لأنه قد يعبر به لقصد ذلك كما قالوا معي جياع لأنّ الجمع يفيد زيادة الآحاد فيستعمل لمطلق الزيادة وهذا من بديع المجاز ومن نفائس البيان، وأمنية أصلها أمنوية كأعجوبة فأعلت وهو ظاهر، وجملة تلك أمانيهم معترضة والمراد بالأمنية الكذب كما مرّ فلا يقال: إن البرهان يكون على الدعوى لا على التمني الإنشائي حتى يتكلف بأنه أطلق التمني على دعوى ما لا يكون لشبهه به والبرهان الحجة القاطعة وما لا حجة فيه كالعدم كما قيل: من ادّعى شيئابلاشاهد لا بد أن تبطل دعواه وليس في الآية دليل على منع التقليد فإنّ دليل المقلد دليل اا! قلد. قوله: (بلى إثبات لما نفوه الخ الما كانت بلى إيجابا لما نفي والاستثناء من النفي إيجاب أشار إلى أنه يشتمل على إيجاب وهو دخولهم الجنة ونفي وهو أنه لا يدخل الجنة غيرهم فبلى إثبات لما نفو. فكأنهم قالوا لا يدخل الجنة غيرنا فقيل: بلى يدخلها غيركم فهو ردّ لما قالوه والوجه الجارحة المخصوصة لأنّ التوجه والاستقبال به ويطلق على مبدأ كل شيء نحو وجه النهار لأوّله ويقال للذات وللقصد والمقصد أيضا كما قاله الراغب والمصنف رحمه الله أشار إلى أنه هنا أيضاً يصح أن يكون بمعنى الذات من إطلاق الجزء الأشرف على الجميع والقصد والإسلام الانقياد لما قضى الله وقدر وهو الإخلاص فلذا فسره المصنف به هنا لتعديه باللام. قوله: (وهو محسن في عمله الخ أليس هذا بناء على الاعتزال كما توهم أبو حيان رحمه الله فإنه ليس فيه أنّ من لا يعمل لا يدخلها وقوله: الذي وعد له إشارة إلى أنه تفضل من الله والجواب تمّ عند بلى والوقف عليه وان قدر يدخك تكون هذه الجملة من الجواب لبيانها له وان كان بلى أيضاً على هذا جواباً مستقلاً فلا يرد ما قاله النحرير ثم إنّ بلي لما كانت ردّاً للنفي على الأوّل أتى بقوله من أسلم الخ ردّاً للإثبات فتفطن له وقدر نفي الحزن والخوف في الآخرة لأنّ المؤمن في الدنيا بين الرجاء والخوف حتى يكشف له الغطاء. قوله: (أي على أمر يصح الخ) في الكشاف وهذه مبالغة عظيمة لأنّ المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء فاذا نفى إطلاق اسم الشيء عليه فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده وهذا كقولهم أقل من لا شيء، قال النحرير: إطلاق الشيء على المحال مبنيّ على تفسيره بما يصح أن يعلم ويخبر عنه وهو المنقول عن سيبويه رحمه الله وقد سبق وأمّا قولهم: إنّ المعدوم الممكن شيء بخلاف المستحيل فبحث آخر وهذا ردّ على صاحب الانتصاف إذ قال: إن ما ذكره الزمخشري لا يوافق قول أهل السنة والمعتزلة، والوفد بالفاء والدال المهملة القوم الوافدون أي القادمون ونجران كعطشان موضع فيه قوم من العرب نصارى سمي نجران بن زبد بن سبأ

وهذه القصة ذكرها ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما. قوله: (الواو للحال الخ) أي قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب ولما كان الحال عن الفريقين وكل فريق فاعل لفعل آخر ولا يعمل فعلان في حال جعل الفعل المسند إلى الفريقين واحداً ليصح عمله في الحال والمقصود من الحال توبيخهم. قوله: (كذلك مثل ذلك الخ) قيل: يعني أنّ كذلك مفعول قال: ومثل قولهم مفعول مطلق والمقصود تشبيه المقول بالقول في المؤدّي والمحصول وتشبيه القول بالقول في الصدور عن مجرّد التشهي والهوى والعصبية فظهر الفرق بين التشبيهين ودفع توهم اللغوية في أحدهما، وفي الكشف وجه آخر وهو أن مثل صفة مصدر مقدر وكذلك حال أي قالوا قولاً مثل قولهم جاريا على ذلك المنهاج الصادر عن مجرّد الهوى، وهذا مطرد في غير القول تقول كذلك فعل مثل فعله وهو في الفارسية أيضا، وتحقيقه أنّ كذلك اطرد في تأكيد الأمر وتحقيقه حتى كأنه سلب عنه معنى التشبيه فقوله: مثل قولهم يدل على تماثل القولين في المؤذي وكذلك يدل على توافقهما في الصفات والغايات وما يترتب عليها من الذمّ وهو دقيق وسيأتي تحقيقه في قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [سورة البقرة، الآية: 43 ا] والمعطلة بكسر الطاء المشدّدة طائفة نفوا الصانع وجعل قولهم مشبهاً به أقوى لأنه أقبح إذ الباطل من العالم أقبح منه من الجاهل، وفي إعرابه وجوه مفصلة في الدر المصون، وقوله: فإن قيل: الخ ظاهر أو يقال: إنه يريد أنّ دينه الآن حق وليس كذلك فوبخوا عليه. قوله: (بين الفريقين الخ) فان قلت لم خصهما بالذكر دون الذين لا يعلمون مع ذكرهم قبله قلت المراد توبيخ اليهود والنصحارى حيث نظموا أنفسهم في سلك من لا علم له فالواجب تقدير هؤلاء خاصة، وأيضا أنه لا يعتد بالقول من غير مستند، وقوله: بما يقسم الخ قيل: إنه للإشارة إلى أنّ حكم يستدعي التعدي بفي والباء كما يقال حكم الحاكم في هذه الدعوى بكذا فالأوّل محكوم فيه والثاني محكوم به، وهو محذوف تقديره ما ذكر، وفيه أيضاً إشارة إلى أنّ الحكم بين فريقين يقتضي أن يحكم لأحدهما بحق ولا حق لأحدهما فجعله بمعنى أنه يعين لكل عقابا أو يكذب كلاً منهما فهو مجاز عما ذكر. قوله: (عامّ لكل من خرّب الخ) وجه ارتباطه بما قبله أنّ النصارى عطلوا بيت المقدس أو مشركو العرب عطلوا المسجد الحرام لكنه عامّ في كل من عطل المعابد والمدارس كما في زماننا إذ خصوص السبب لا يمنع العموم فإن قيل: أليس المشرك أظلم ممن مغ مساجد الله، أجيب بأنّ المانع من ذكر الله الساعي في خراب المساجد لا يكون إلا كافراً متبالغا في الكفر لا أظلم منه في الناس أو المراد من المانعين الكفرة لأنّ الكلام فيهم لكن يحمل على عموم الكافر المانع ولا يخص بالمانعين الذين فيهم نزلت الآية كما صرح بعموم المساجد مع نزول الآية في مسجد خاص، وقوله: مرشح للصلاة أي معذلها والحديبية اسم بئر وسمي بها مكانها وهي مخففة كدويهية على الأفصح ويجوز تشديدها. قوله: (ثاني مفعولي منع الخ) منع يتعدّى لمفعولين بنفسه تقول منعته كذا وقد يتعدى للثاني بمن أو عن فمن ثمة اختلف في إعراب أن يذكر فقيل: هو مفعوله الثاني واختاره المصنف رحمه الله والثاني أنه بدل اشتمال من مساجد، والثالث أنه على إسقاط الجار أي من أو عن والرابع أنه مفعول لأجله وهو متعد لاثنين ثانيهما مقدّر أي عمارتها أو العبادة فيها ونحوه أو لواحد وهو ظاهر، وقيل المقدّر الأوّل أي منع الناس مساجد الله وقدروه بكراهة أن الخ قال النحرير: وليس التقدير من جهة أن يكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل مقارنا فيصح حذف اللام لأنه جائز مع أنّ وإن بدون ذلك بل من جهة أنّ المفعول له إمّا غاية يقصد بالفعل حصولها أو باعث يكون علة للإقدام على الفعل والذكر في المستقبل ليس واحداً منهما وإنما الباعث كراهة الذكر وقد يقال: إنّ ذكر الإرادة أو الكراهة في أمثال هذه المواضع بيان للمعنى لا تحقيق أنها على حذف المضاف (أقول) : قال في الكشف التحقيق أنه لا حاجة إلى الإضمار فإنّ الغرض هو الذي يسوق إلى الفعل ذهناً ويترتب عليه وجوداً فيكون حاصلا بعده سواء كان تحصيل ما ليس بحاصل أو إزالة ما هو حاصل كقولك ضربته لتأديبه وضربته لجهله فلو قيل: في الأوّل إرادة أن يتأدب، وفي الثاني كراهة أن يبقى في الجهل كان إظهاراً

للمعنى وكذلك إذا قلت منعته دخول الحانة لأن يرشد دل على أنّ المنع لإرادته ولو قلت منعته دخولها لا أن يفسق دل على أنّ المنع لكراهته، ومثله قوله تعالى: {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [سورة النساء، الآية: 176] أي يبين لأجل ضلالكم الحاصل وازدياده فيما بعد بالاستمرار فلا ي! د أنّ أن الناصبة للاستقبال فكيف يصح من دون إضمار، نعم قد يحوح إلى الإضمار لكنه غير لازم والمعنى لا أظلم ممن منع مساجد الله من العمارة لأنّ داخلها سيذكر اسم الله على معنى لا باعث له على المنع غير ترقب أتصاف الداخل بالذكر وفيه مبالغة وذمّ عظيم حيث جعل ترقبه مانعاً لأنّ أن للاستقبال ولم يذكر ثاني مفعولي منع لشيوعه في الدخول والعمارة ونحوهما وهذا أصل ممهد لك فاحفظه اهـ. والشارح المحقق أشار إلى ما فيه إيماء لأنه جار على مقتضى العقل والقياس لكن كلام في قبول أهل العربية له وجريه على سنن كلامهم فإن مثل هذه التدقيقات وإن كانت بديعة كما هو دأبه إلا أنه لا بدّ من مساعدة الاستعمال له والبلاغة العربية زهرة لا تحتمل الفرك فتأمل وقوله: بالهدم ناظر إلى تخريب بيت المقدس وما بعده لما بعده وجعل التعطيل تخريبا استعارة حسنة، ومن الإشارات قول القشيري ومن أظلم ممن خرب بالشهوات أوطان العبادات وهي نفوس العابدين، أو خرّب بالاشتغال بالغير أوطان المشاهدات. قوله: (ما كان ينبنى لهم أن يدخلوها الخ) دفع لما يتوهم من أنّ الله أخبر بأنهم لا يدخلونها إلا خائفين وقد دخلوها آمنين وقد بقي في أيديهم أكثر من مائة سنة لا يدخله مسلم إلا خائفاً حتى استخلصه السلطان صلاح الدين بأنّ معنى ما كان لهم الخ ما كان ينبغي لهم دخوله إلا بخوف وخشية من الله أو أنه كان الواجب والحق هذا لكنهم تركوه لكفرهم، أو ما كان ذلك لهم في حكم الله وقضائه والمقصود وعد المؤمنين باستخلاصه منهم أو أنه خبر أريد به النهي عن تمكينهم من الدخول فيها إما وجوبا إن كان النهي تحريما أو لا إن لم يكن على اختلاف في المسألة نقلوه، وقيل: إنّ في كلام المصنف رحمه الله ردّاً على الزمخشريّ حيث جعل الوجه الثاني معنى للأوّل فقال: أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوّهم وحاصل الثالث أنّ معنى ما كان لهم ما كان في حكم الله وقضائه يعني أنّ حكم الله أنهم يصيرون بحيث لا يدخلون إلا خائفين ولو بعد حين، وقد وقع في النسخ التي رأيناها في علم الله بدل في حكم الله وهو سهو من الناسخ لاقتضائه وقوع خلاف علمه تعالى وقيل: على الأخير لا يخفى أنّ العبارة إنما تفيد نهيهم عن الدخول كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا} [سورة الأحزاب، الآية: 53] لا نهي المؤمنين عن التمكين والتخلية وهو حاصل الوجه الأوّلط وهو كله غير وارد، أمّا الأول فلأنّ ما ينبغي يستعمل بمعنى ما يليق وبمعنى ما يجوز وبمعنى ما يكون والذي في كلام الكشاف غير الذي في كلام المصنف رحمه الله فالذي غرّه اشتراك اللفظ وأما قوله: إنّ ما وقع فيه علم الله سهو فليس كما قال فانّ معنى حكم الله بذلك قضاؤه بوقوعه وهو لا يتخلف أيضاً ولذا قال الإمام يكفي تحققه في وقت ما ولا دلالة فيه على التكرّر ولا الدوام وهذا بعينه جار في علم الله أيضا وقال السيوطي: إنه تفسير مأثور عن قتادة فكيف بصح ما قاله وكذا ما أورده النحرير فإنه مقتضى للفظ بحسب وضعه لا بحسب ما كني به عنه قال الطيبي: نهى المؤمنون عن تمكينهم من الدخول وهو أبلغ من صريح النهي لأنّ الكناية أبلغ فإنك إذا قلت لصاحبك لا ينبغي لعبدك أن يفعل كذا على إرادة النهي للسيد كان أبلغ من النهي له، وقال الجصاص: إنّ قوله إلا خائفين يدل على أنّ المسلمين يلزمهم منعهم منها والا لما خافوا. قوله: (واختلف الأئمة فيه الخ) قال الشافعي: لا يدخل المشرك المسجد الحرام والحرم وقال مالك رحمه الله: لا يدخله ولا غيره إلا لحاجة، وقال الحنفية: يجوز له دخول سائر المساجد لدخولهم على النبيّ! كتيرو في مسجده وما ذكر محمول على النهي التنزيهي أو الدخول للحرم بقصد ال! في. قوله: (قتل وسبي أو ذلة الخ) عطفه بأو لأنهما لا يجتمعان إذ القتل والسبي للحربي والذلة بالجزية للذمي وهذا مع ظهوره خفي على من قال الظاهر وذلة وقوله بكفرهم وظلمهم مأخوذ من ترتبه على قوله ومن أظلم الدال على الكفر كما مرّ وجعل المشرق والمغرب كناية عن جميع الأرض ومثله كثير، وقوله:

فإن منعتم الخ بيان لارتباط الآية بما قبلها وأورد عليه أنه يقتضي أنها من تتمة الكلام فيمن منع المساجد وهو قول ضعيف والذي وردت به الأحاديث أنها نزلت مستقلة بسبب آخر اختلفت فيه الروايات على خمسة أوجه ذكرت في أسباب النزول، وفيه نظر لأنها وان كان لنزولها سبب آخر لا يمنع ذكر مناسبتها لما قبلها وفرق بين المناسبة وسبب النزول. قوله: (فقد جعلت لكم الأرض مسجدا) هكذا في الحديث الصحيح: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) . قال القاضي عياض رحمه الله هذا من خصائص هذه الأمّة لأنّ من قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته ونحن خصحصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته، وقال القرطبي رحمه الله. هذا مما خص الله به نبيهء! فه وكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل إنما أبيحت لهم الصلاة في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس وقال الزركشيّ رحمه الله في كتاب المساجد الظاهر من نظمهما في قرن ما قال بعض شراح البخاري إن المخصوص به المجموع وهو باختصاص أحد جزأيه وهو كون الأرض طهورا وأما كونها مسجداً فلم يأت في أثر أنه منع منه غيره وقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام يسيح في الأرض! ويصلي حيث أدركته الصلاة فكأنه عليه الصلاة والسلام قال جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وجعلت لغيري مسجداً إلا طهوراً، ولك أن تقول إنّ غيره عليه الصلاة والسلام لم يبح له الصلاة في غير البيع والكنائس من غير ضرورة فلا يرد صلاة عيسى عليه الصلاة والسلام في أسفاره، وقوله: إن تصلوا في المسجد الحرام أو الأقصى ذكر الأقصى على سبيل الفرض وقد وقع بعده صلى الله عليه وسلم فهو من الإخبار بالمغيبات وقيل الأولى الاقتصار على المسجد الحرام ولا وجه لذكر الأقصى. قوله: (ففي أيّ مكان الخ) يعني أنّ أينما ظرف لازم الظرفية وليس مفعول تولوا فيكون بمعنى أفي جهة تولوا حتى يكون منافياً لوجوب التوجه للقبلة فيحمل على صلاة المسافر على الراحلة أو على من اشتبهت عليه القبلة وأنّ تولوا منزل منزلة اللازم فلا يحتاج إلى حذف مفعوليه وتقدير فأينما تولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام، والتولية الصرف من جهة إلى أخرى وثم مبنيّ على الفتح اسم إشارة للمكان كهناك، ووجه الله إمّا بمعنى جهته التي ارتضاها للتوجه إليها وأمر بها وهي القبلة أو بمعنى ذاته كما مرّ أي فهو حاضر مطلع على عبادتكم وإنما أوّل بذلك لتنزهه عن المكان والجهة وقوله: فإحاطته بالأشياء أي بقدرته أو برحمته فإسناد السعة إليه مجاز بمعنى الإحاطة المذكورة وقوله في الأماكن كلها الربطة بما قبله. قوله: (وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة) وأينما ظرف كما في الوجه الذي قبله والمعنى في أيّ مكان فعلتم أيّ تولية لأنّ حذف المفعول به يفيد العموم لا أنّ المعنى إلى أيّ جهة تولوا وأينما مفعول به على ما شاع في الاستعمال كما توهم فإنه لم يقل به أحد من أهل العربية كما صرّح به النحرير وكذا في القول الآخر في أنها في حق من اشتبهت عليه القبلة فيصلي إلى أيّ جهة أدّى إليها اجتهاده والمسألة مع لزوم الإعادة وعدمها مفصلة في الفروع، والمراد بالتدارك الإعادة وكونها توطئة لنسخ القبلة ظاهر لاً نه إذا كان محيطا بكل جهة فله أن يرتضي ما شاء منها وتبديل التوجيه إليه يدلّ على أنه ليس في جهة إذ لو كان لوجب التوجه لها، وقيل: هذا أصح الأقوال لأنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت لما قال اليهود: " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " وفيه نظر. قوله: (نزلت لما قال اليهود لخ) في بعض الحواشي فالضمير راجع إلى الثلاثة لسبق ذكرهم ولا تقل لم يسبق ذكر المشركين كما قال الذين لا يعلمون، وقرأ الجمهور بالواو وقرأ ابن عامر بتركها على الاستئناف واستحسنوا عطفها على الجملة التي قبلها لبعد الوجوه المذكورة هنا، وإنما قال على مفهوم قوله: ومن أظلم لأنها استفهامية إنشائية اسمية وهذه خبرية فأشار إلى أنها مؤوّلة بفعلية خبرية أي ظلم الذين منعوا ظلما عظيما وقالوا أيضاً اتخذ الله ولداً فإنّ الاستفهام ليس مقصوداً حقيقته ومنه علم وجه عطف تلك الجملة على ما قبلها أيضاً ولذا حسن ترك الواو ولو جعله من عطف القصة لم يحتج إلى تأويل كما مرّ والاستئناف بياني كأنه قيل: بعدما عدّد من تبائحهم هل انقطع خيط إسهابهم في الافتراء على الله

أم امتد فقيل: بل امتدّ فإنهم قالوا ما هو أشنع من ذلك. قوله: (تنزيه له عن ذلك فإنه يقتضي التشبيه الخ) إذ الولد حيوان يتولد من نطفة حيوان آخر والنطفة جسم يتولد من جسم فيلزم تشبيهه بالأجسام أو لأنّ الولد يشارك الأب في الماهية ويشابهه ولذا قالوا، ومن يشابه أباه فما ظلم، وهذا أقرب ويعينه قول المصنف بعده وأمّا الحاجة فلأنه يقتضي التجسيم والتركيب المحتاج إلى المادّة وقيل: لأنّ الابن إنما يطلب للحاجة إليه في أن يعاونه ويخلفه، وسرعة الفناء لأنه لازم للتركيب وكل محقق قريب سريع وقوله ألا ترى الخ هذا يشعر بأنّ لها إدراكا ونفوساً فلكية كما هو مذهب الحكماء والأولى ترك هذا كله وتنزيه التنزيل عن أمثاله، والمصنف رحمه الله يرتكب مثله أحيانا وهو من إصابة الكمال وكون سبحان للتنزيه ظاهر كما مرّ. قوله: (رذ لما قالوه الخ) إشارة إلى أنّ بل ل! ضراب الإبطالي، قال الجصاص في أحكام القرآن: في هذه الآية دلالة على أنّ ملك الإنسان لا يبقى على ولده لأنه نفي الولد بإثبات الملك بقوله بل له ما في السموات الخ وهو نظير قوله: {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [سورة مريم، الآية: 93] فاقتضى ذلك عتق ولده عليه إذا ملكه وقد " حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك في الوالد إذا ملكه ولده " وسيصرّح به المصنف رحمه الله وقوله: واستدلال الخ يحتمله لكن قوله والمعنى الخ يقتضي أنّ وجهه أنه خالق لكل موجود فلا حاجة له إلى الولد إذ هو يوجد ما يشاء منزها عن الاحتياج إلى التوالد واللام في له للملك وقيل إنها كالتي في قولك لزيد ضرب تفيد نسبة الأثر إلى المؤثر وقوله: منقادون إشارة إلى معنى القنوت قال الراغب رحمه الله: القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع وفسر بكل واحد منهما في قوله تعالى: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} قيل: خاضعون وقيل طائعون، واختار المصنف الثاني لأنه أنسب بالمقام، وقوله: لم يجانس مكوّنة لأنه قاهر وهذا مقهور وقوله: فلا يكون له ولد بيان لارتباطه بما قبله. قوله: (وإنما جاء بما الذي الخ) في الكشاف فإن قلت كيف جاء بما التي لغير أولي العلم مع قوله قانتون قلت هو كقوله: سب! خان ما سخر! كن لنا، وكأنه جاء بما دونا من تحقيراً لهم وتصغيراً لثأنهم قال النحريريعني كيف غلب غير العقلاء فأتى بلفظ ما مع تغليب العقلاء فيه حيث جمع بالواو والنون فأجاب بأنه وقع في الخبر تغليب العقلاء على الأصل وفي المبتدأ عكسه لنكتة التحقير وهذا كما يقال: إن {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إشارة إلى مقام الألوهية والعقلاء فيه بمنزلة الجمادات و {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} إلى مقام العبودية والجمادات فيه بمنزلة العقلاء، وأمّا كون ما يعم العقلاء وغيرهم فإنما هو في موضع الإبهام فإذا وقع التمييز فرق بما ومن قدّر المضاف إليه في كل ما فيها لا كل واحد للإخبار عنه بالجمع وقوله: كل من جعلوه إلها وكذا كل من جعلوه ولدا لدلالة اتخذ الله ولداً عليه ووجه الإلزام أنّ من زعمتموه ولداً خاضمع له مقرّ بعبوديته، والوجوه الثلاثة في قوله سبحانه الذي نزهه عما يشابهه ونحوه المقتضى لعدم الولد وكون ما في الوجود ملكاً له لا ولدا وكونهم كلهم أو من اتخذ ولداً خاضعا مقرّاً بعبوديته، وقوله: واحتج الخ مرّ بيانه. قوله: (مبدعهما ونظيره السميع في قوله الخ) فعيل يكون بمعنى فاعل كعليم وبمعنى مفعول كقتيل وهو يكون من المزيد بمعنى اسم الفاعل كبديع بمعنى مباع ذكره بعض أهل اللغة واستشهدوا عليه بالبيت المذكور لأن سميعا فيه بمعنى مسمع إذ الداعي مسمع لا سامع، وفي لسان العرب، ط ن الأصمعي ينكر فعيلاً بمعنى مفعل ويبطله قول ابن الأعرابي سليم بمعنى مسلم، وقال ابن بري: قد جاء كثيراً نحو مسخن وسخين ومقعد وقعيد ومنقع ونقيع ومحب وحبيب ومطرد وطريد ومقض وقضيّ ومهدي وهديّ وموص ووصيّ ومبرم وبريم ومحكم وحكيم ومبدع وبديع ومفرد وفريد ومسمع وسميع ومونق وأنيق ومؤلم وأليم في أخوات له اص. فقد علصت أنّ فيه قولين لأئمة اللغة ارتضى كلا طائفة وعلى الثاني ابن دريد في الجمهرة، والزمخشريّ لما رأى سميعاً صفة مشبهة أو من صيغ المبالغة الملحقة باسم الفاعل وعليه ابن مالك في التسهيل قال: وربما بني فعيل من أفعل وكذا فعيل بالفتح بمعنى مفعل أيصاً فيه الخلاف وأخذها من المزيد المتعدّي على خلاف القياس لم يرتضه وقال: إن السميع على معنا. الظاهر

والإسناد مجازيّ لأنّ داعي الشوق لما دعاه صار عمرو سميعا لدعوته فقد نسب لكونه سميعا فأسند إليه السماع كما أسند الردّ إلى العافي في قوله: إذا رذعا في القدر من يستعيرها على أنه إن ثبت شاذ لا يقاس عليه والمصنف رحمه الله لما صح عنده النقل فيه لم يلتفت إلى ما تكلفه مع أنه على ما ذهب إليه يكون من إضافة الصفة إلى فاعلها، وقد تقرّر في النحو أنها إذا أضيفت إليه يكون فيها ضمير يعود إلى الموصوف فلا تصح الإضافة إلا بما صح اتصاف الموصوف بها نحو حسن الوجه حيث يصح اتصاف الرجل بالحسن لحسن وجهه بخلاف حسن الجارية وإنما صح زيد كثير الإخوإن لاتصافه بأنه متقوّ بهم فعلى هذا لا يصح بديع السموات لامتناع اتصافه بذلك إلا إذا أريد أنه مبدع لها وهذا يقتضي أن يكون على ظاهره وأمّا ما قيل: إنّ من يقول إنّ البديع بمعنى المباع لا يدّعي أنه كذلك بل إنه من قبيل المبالغة من باب جد جده وقد اعترف به صاحب الكشاف في قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فقال: يقال ألم فهو أليم كوجع فهو وجيع ووصف العذاب به كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع وهذا على طريقة قولهم جد جد. والألم في الحقيقة للمؤلم كما أنّ الجد للجاد، فغير صحيح لأنّ قول المصنف في الوجه الآخر من أباع ينادي بأنّ الأوّل من المزيد وأمّا ما ذكره في أليم فليس مما نحن فيه في شيء فإنه من الثلاثي لكن فيه إسناد مجازيّ فهو سهو آخر. قوله: (أمن ريحانة الداص السميع) تمامه يؤرّفني وأصحابي هجوع وهو مطلع قصيدة لعمرو بن معد يكرب يتشوّق أختاً له اسمها ريحانة أسرها بنو دريد بن الصمة ومنها: إذالم تستطع شيئافدعه وجاوزه إلى ما تستطيع والمراد بالداعي الشوق ويؤزقني بمعنى يوقظني من الأرق وهو السهر وهجوع بمعنى نيام وجملة وأصحابي هجوع حال، وقوله: أو بديع الخ ظاهر وهو مختار الزمخشري وهو حجة رابعة على نفي الولد لأنه أصله ومنشؤه الحاصل بالانفعال المنزه عنه ذو الجلال. قوله: (والإبداع اختراع الشيء الخ) فرق في شرح الإشارات بين الصنع والإبداع والإيجاد والتكوين والإحداث بأنّ الصنع الإيجاد بعد العدم فهو والإيجاد عامان والإبداع إيجاد من غير مادّة ولا زمان فهو أعلى مرتبة من التكوين والإحداث لأنّ التكوبن إيجاد عن مادّة والإحداث أن يكون مع الشيء وجود زمانيّ وكل واحد منهما يقابل الإبداع من وجه والإبداع أقدم منهما لأنّ المادّة لا يمكن أن تحصل بالتكوين والزمان لا يمكن أن يحصل بالأحداث لامتناع كونهما مسبوقين بمادّة أخرى وزمان آخر انتهى وكلام المصنف رحمه الله يقتضي فرقا آخر وهو أنّ الإبداع الإيجاد الدفعي من غير ماذة لأنه معنى الاختراع والصنع الإيجاد عن مادّة وهي العنصر الذي فيه صورته كالسرير والخشب والتكوين إيجاد من مادّة خلعت عنها صورتها الأولى التي هي صورة أخرى في زمان كالإحداث لكن أورد عليه أنه كيف يكون إيجاد السموات لاعن مادّة وقد كانت دخانا كما صرّح به في الآيات وكيف يكون دفعيا وقد خلقت في ستة أيام فكأنه حمل ذلك على التمثيل لمناسبة ما بعده فتأمّل. قوله: (أي أراد شيئاً وأصل القضاء الخ) القضاء فصل الحكم في الشيء قولاً وهو ظاهر أو فعلاً وهو إيجاده ولما كان ذلك يستلزم الإرادة أطلق عليها فعلم أنه يستعمل بمعنى الإيجاد ويقابله القدر بمعنى التقدير وقد يعكس ذلك قال ابن السيد: قدّره الله وقدره قضاؤه ومنهم من يفرق بين قدر الله وقضائه فيجعل القا. ر تقديره الأمور قبل أن تقع والقضاء إنفاذ ذلك القدر وخروجه من العدم إلى حد الفعل وهذا هو الصحيح لأنه قد جاء في الحديث أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ بكهف مائل للسقوط فأسرع المشي حتى جاوزه فقيل له أتفرّ من قضاء الله فقال أفرّ من قضائه تعالى إلى قدره ففرق صلى الله عليه وسلم بين القضاء والقدر وبين أنّ الإنسان يجيب أن يتوقى انتهى. قوله: (ومن كان التامّة الخ) وهي تدل على معنى الناقصة لأنّ الوجود المطلق أعمّ من وجوده في نفسه أو في غيره مع أنها الأصل فلا يقال: إنّ الله كما يفيض الوجود في نفسه للأشياء يفيض الوجود لغيره وهو إنما يكون بأن يقول للشيء كن كذا، ووجه التمثيل فيه أنه شبهت الحالة التي تتصوّر من تعلق إرادته تعالى بشيء من

المكوّنات الدال علبها قوله: قضى كما مرّ وسرعة إيجاد. إياه من غير امتناع ولا توقف بحالة أمر الآمر النافذ تصرفه في المأمور المطيع الذي لا يتوقف في الامتثال فأطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في ذلك من غير أن يكون هنا قول وأمر فهو استعارة تمثيلية، وذهب لعضهم إلى أنها استعارة تحقيقية تصريحية ورده النحرير وسيأتي ما فيه، وقوم إلى أنه حقيقة وأنّ السنة الإلهية جرت بأنه تعالى يكوّن الأشياء بكلمة كن ويكون المأمور هو الحاضر في العلم والمأمور به الدخول في الوجود وكأنّ مراده أنّ اللفظ موجود حقيقة والا فهذا الأمر تسخيريّ وهو مجاز أيضاً ووجه تقريره للإبداع أنّ هذه السرعة تقتضي عدم التوقف على المادّة، وكون الولد يقتضي ما ذكر مما جرت به العادة وقوله: بفتح النون يعني به النصب والفتح يستعمل في البناء وإذا أضيف إلى الحرف دون الكلمة يراد ذلك أيضا للفرق بين فتح الكلمة وفتح الحرف وقراءة النصب قراءة ابن عامر رحمه الله وقد أشكلت على النحاة حتى تجرأ بعضهم عليه وقال إنها خطأ وهو سوء أدب والرفع على الاستئناف أي فهو يكون وهو مذهب سيبويه رحمه الله، وذهب الزجاج إلى عطفه على يقول وأمّ النصب فقيل: إنه روعي فيه ظاهر اللفظ لصورة الأمر فنصب في جوابه ولو نظر إلى المعنى لم يصح لأنّ الأمر ليس حقيقيا فلا ينصب جوابه، ولأنّ من شرطه أن ينعقد منهما شرط وجزاء نحو ائتني فأكرمك إذ تقديره إن تأتني أكرمتك وهنا لا يصح هذا إذ يصير التقدير إن يكن يكن فيتحد فعلاً الشرط والجزاء معنى وفاعلاً ولا بد من تغايرهما لئلا يلزم كون الشيء سبباً لنفسه لكن المعاملة اللفظية على التوهم واقعة في كلامهم، وقال ابن مالك رحمه الله: إن أن الناصية قد تضمر بعد إنما لإفادتها النفي وقد قالت العرب إنما هي ضربة من الأسد فتحطم ظهره بنصب تحطم ولك أن تقول إنها منصوبة في جواب الأمر والاتحاد فيه المذكور مردود لأنّ المراد أن يكن في علم الله وإرادته يكن في الخارج كقوله ع! يي! : " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " أي من كانت هجرته عملاً ونية فهجرته ثوابا وقبولاً، وكون الأمر غير الحقيقي لا ينصب في جوابه ممنوع فإن كان بلفظ كما ذهب إليه كثير من المفسرين فظاهر ولكنه مجاز عن سرعة التكوين كما مرّ في {كُونُواْ قِرَدَةً} وان لم يعتبر ذلك فهو مجاز عن إرادة سرعة التكوين فيكون استعارة تبعية يترتب عليها وجوده سريعا فالتقدير أن يرد سرعة وجود شيء يوجد في الحال فالتغاير ظاهر ومنه تعلم أنّ عدم الذهاب إلى التمثيل له وجه خلافا لمن ردّه ثم بين السبب في غلط الكفرة في نسبة الولد بأنه في لسانهم الأب مشترك بين المبدكأ الموجد ومعناه المعروف وهذا ملخص من كلام الإمام رحمه الله. قوله: (أي جهلة المشركين الخ) فنفي العلم عنهم على حقيقته وعلى الثاني لتجاهلهم أو لعدم عملهم بمقتضاه والتفسير الأول منقول عن قتادة والسديّ والثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما ولذا لم يقل المصنف رحمه الله جهلة المشركين وأهل الكتاب ومتجاهليهم لغلبة الجهل في أهل الشرك والتجاهل في أهل الكتاب فافهم وقوله هلا إشارة إلى أنّ لولا هنا للتحضيض وقد تكون حرف استفتاح نحو ولولا فضل الله، والكلام معهم إمّا بالذات أو بإنزال الوحي وهو استكبار منهم بعدهم أنفسهم كالملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما بعده إنكار وجحود وهو ظاهر، وقوله: والثاني جحود أنّ الخ في نسخة لأنّ، وقوله: كذلك الخ تقدم الكلام في توجيه الجمع بين كلمتي التشبيه، وأرنا لله نظير لولا يكلمنا الله وهل يستطيع نظير طلب الآية والحجة وقراءة التشديد شاذة وهي قراءة أبي حيوة وابن أبي إسحق قال الداني رحمه الله: وذلك غير جائز لأنه فعل ماض والتاءين المزيدتين إنما يجيآن في المضارع فيدغم أمّا الماضي فلا، وقال الراغب: إنه حمله على المضارع فزادهما وبهذا القدر لا يندفع الإشكال ولذا قال السفاقسي قراءة تشابهت لإدغام التاء فيها وليس في الماضي تاآن تبقى إحداهما وتدغم الأخرى ووجهت على أنّ الأصل أشابهت وأصله تشابهت فأدغم التاء في الشين وأجتلبت همزة الوصل فحين أدرج القارئ القراءة ظن السامع أنّ تاء البقرة هي تاء الفعل، فتوهم أنه قرأ تشابهت ولا يظن بابن أبي إسحق أنّ التاء من الفعل على الإدغام

لأنه رأس في علم النحو أخذه عن أصحاب الدؤلي انتهى. (قلت) : مآله إلى تخطئة الراوي دون القارئ. قوله: (أي يطلبون اليقين أو يوقنون الحقائق الخ) في الكشاف لقوم ينصفون فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها، قال النحرير: أنه يعني لقوم يوقنون إيقانا صادراً عن الإنصاف ليكون إذعاناً وقبولاً فيكون إيمانا لأنّ مجرّد الإيقان بدون إذعان وقبول بل مع إباه واستكبار ليس بإيمان بل كأنه ليس بإيقان، والظاهر أنه ليس مرادهم من هذا التأويل بل أنّ الموقن لا يحتاج إلى التبيين ولذا أوّله المصنف رحمه الله بأنّ المراد الطالبون لليقين أو الواقفون على الحقائق في غيرها وقيل: إنه فسره بالإيقان المستفاد من الإنصاف لأنّ القوم كانوا معاندين وكانوا موقنين لاعن إنصماف فعلى هذا الإيقان حقيقيّ وعلى الأوّل من وجهي المصنف مجاز، والإشارة المذكورة تؤخذ من الكناية والتعريض، وقوله: ملتبساً إشارة إلى أنّ الظرف مستقرّ ويجوز تعلقه بأرسلنا وبشيراً ونذيراً حال من الكاف وجوّز كونه من الحق، ونذير بمعنى منذر بلا كلام وهذا مما يؤبد كون بديع بمعنى مباع لكنه هنا قد يقال سوّغه المشاكلة فتأمّل. قوله: (ما لهأ لم يؤمنوا الخ) هذا كله تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأمّا القراءة بالنهي ففيها عطف الإنشاء على الخبر فأمّ لأنه خبر معنى إذ المراد لست مكلفاً بجبرهم الآن إذ هو قبل الأمر بالقتال ونحوه أو عطف على مقدر أي فبشر وأنذر وأمّا قوله نهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتبع فيه قول الكشاف روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " ليت شعري ما فعل أبواي " فنهى عن السؤال، قال الطيبي: أي ما فعل بهما وفي الحديث: " يا أبا عمير ما فعل النغير " أي إلى أيّ شيء انتهى عاقبة أمره فلو قيل ما فعلت بالنغير لم يكف في الاهتمام بذلك، وقال العراقيّ رحمه الله: لم أقف عليه في حديث، قيل: ونعما فعل فإنه لم يرد في ذلك إلا أثر ضعيف الإسناد فلا يعوّل عليه والذي نقطع به أنّ الآية في كفار أهل الكتاب كالآيات السابقة عليها والتالية لها وقد ورد في الأثر وان كان ضعيفاً " أن الله أحياهما حتى آمنا به "، ولتعارض الأحاديث في ذلك وضعفها، قال السخاوي رحمه الله الذي ندين الله به الكف عنهما، وعن الخوض في أحوالهما وقد التزم بعض الجهلة في هذا الزمان من الوعاظ البحث عنهما وللسيوطي فيه تأليف مستقل فمن أراده فليراجعه. قوله: (أو تعظيم لعقوية الكفار الخ) يشير إلى أنّ النهي عن السؤال قد يكون لتهويل الأمر المسؤول عنه حتى كان السائل لا يقدر على استماع حاله والمسؤول لا يمكنه ذكره كما يكون لتعغليمه أيضاً كما قال: وعن الملوك فلا تسل والمتأجج بمعنى المشتعل ويخبر مبنيّ للمجهول. قوله: (ولعلهم قالوا مثل ذلك الخ) يعني أنّ قوله لن ترضى حكاية لمعنى كلامهم ليطابق قوله قل إنّ هدي الله الخ فإنه جواب لهم لأنهم ما قالوا ذلك إلا لزعمهم أنّ دينهم حق وغيره باطل فأجيبوا بالقص! ر القلبي أي دين الله هو الحق ودينكم هو الباطل وهدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى وما يدعون إلى اتباعه ليس بهدي بل هو على أبلغ وجه لإضافة الهدي إليه تعالى وتأكيده بأن واعادة الهدي في الخبر على حدّ شعري شعري وجعله نفس الهدي المصدري وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر، وفسر الأهواء بالزائغة أي المنحرفة عن الحق والمراد الباطلة. قوله: (والمقة ما شرعه الله الض) في الكشف الملة والطريقة سواء وهي في الأصل اسم من أمللت الكتاب بمعنى أمليته، كما قاله الراغب: ومنه طريق مملوك مسلوك معلوم كما نقله الأزهري ثم نقل إلى أصول الشرائع باعتبار أنها يمليها النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا يختلف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها وقد تطلق على الباطل كالكفر ملة واحدة ولا تضاف إلى الله فلا يقال ملة الله ولا إلى آحاد الأمّة، والدين يرادفها صدقاً لكنه باعتبار قبول المأمورين لأنه في الأصل الطاعة والانقياد ولاتحاد ما صدقهما قال تعالى: {دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [سورة الأنعام، الآية: 161] وقد يطلق الدين على الفروع تجوّزا ويضاف إلى الله والى الآحاد والى طوائف مخصوصة نظراً للأصل، على أنّ تغاير الاعتبار كاف في صحة الإضافة ويقع على الباطل أيضا، وأمّا الشريعة فهي المورد في الأصل وهي اسم

للأحكام الجزئية المتعلقة بالمعاس والمعاد سواء كانت منصوصة من الشارع أو لا لكنها راجعة إليه، والنسخ والتبديل يقع فيها وتطلق على الأصول الكلية تجوّزا. قوله: (أي الوحي أو الدين الخ) الوحي بمعنى الموحى به وهو إشارة إلى أن العلم بمعنى المعلوم فإنه شاع فيه حتى صار حقيقة عرفية والمعلوم يتصف بالمجيء دون العلم نفسه إلا أن يكون مجازاً كما أشار إليه النحرير، وأمّا القول بأنّ مجيء المعلوم يستلزم مجيء العلم فضعفه ظاهر وكذا القول بأنّ الوحي بالمعنى المصدري وهو وأن كان إعلاماً لا علما فهما متحدان بالذات كالتعليم والتعلم وكله من التكلفات الباردة. قوده: (مالك من الله من ولئ ولا نصير) هذه الا، م هي الموطئة للقسم وهي تقع قبل أدوات الشرط وتكثر مع أن وقد تأتي مع غيرها نحو لما آتيتكم من كتاب ولسبقها يجاب القسم معها دون الشرط ولو أجبت الشرط هنا لوجبت الفاء فهذه الجملة جواب القسم فقوله وهو جواب لئن يخالفه، اللهمّ إلا أن يقال مراده أنه جواب القسم المدلول عليه به فأقامه مقامه لكنه تسمح في التعبير وقيل: إنه إشارة إلى أنه جواب الشرط وذلك إنما يجوز إذا قدر القسم بعد الشرط وقدر مالك جملة فعلية ماضوية أي ما استقرّ والا تعين كونه جواب القسم لوجوب الفاء، وهو تعسف إذ لم يقل أحد من النحاة بتقديره مؤخراً مع اللام الموطئة وتقديرها فعلية لا دليل عليه. قوله: (يريد به مؤمني أهل الكتاب الخ) خصه بهم لأنهم الذين أوتوه ويتلونه، لؤمنون به وفسر حق التلاوة وهو منصوب على المصدرية لإضافته له بصون لفظه عن التحريف وتدبر معانيه والعمل به وجعله حالاً مقدرة لأنهم لم يكونوا وقت الإيتاء كذلك بل بعده وهذه الحال مخصصة لأنه ليس كل من أوتيه يتلوه فالمراد بالذين المقيد بالحال مؤمنو أهل الكتاب بحسب المنطوق وأولئك يؤمنون به خبر بلا تكلف، وأمّا إذا جعل يتلونه خبراً وأولئك يؤمنون به جملة مستأنفة فلا بدّ من تخصيص الموصول بالمؤمنين استعمالاً للعامّ في الخاص وهذا معنى قوله على أنّ المراد الخ أي على أنه مراد منه بقرينة عقلية ليصح الإخبار عن العامّ بما هو لبعض أفراده، وأمّا قوله: يريد أولاً فمعناه يريد من هذا اللفظ بخسب الدلالة، وقيل: معناه أعمّ من الإرادة بالتقييد اللفظي ومن الإرادة بالاستعمال فلا يرد عليه أنّ قوله على أنّ المراد بالموصول مستغنى عنه ولا حاجة إلى تكلف أنّ المراد بمؤمني أهل الكتاب الذين آمنوا بكتابيهم وهما التوراة والإنجيل، وقوله المراد مؤمنو أهل الكتاب ثانياً المراد به من آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم فإنه تعسف وعذر أشدّ من الذنب فإنه ليس إلا تكرار لفظ لا حاجة إليه يوهم أنه يجوز أن يراد غيره وقوله: دون المحرفين يشير إلى أنّ هذا يفيد القصر كما في الله يستهزئ بهم كما ذهب إليه الزمخشريّ وفسر الكفر بكتابهم بتحريفه لأنه كفر به كما مرّ، وقوله: حيث اشتروا الكفر بالإيمان أي استبدلوه إشارة إلى أنّ فيه استعارة مكنية وأنه إيماء إلى ما مرّ منهم وقوله: لما صدر قصتهم الخ بيان لفائدة ذكر ما فيها مع أنه تقدم. قوله: (كلفه بأوامر ونواه) قال الراغب: بلي الثوب بلا خلق وبلونه اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له وسمي التكليف بلاء لأنه شاق ولأنه اختيار من الله لعباده، وابتلى يتضمن أمرين أحدهما تعرّف حاله والوقوف على سا يجهل من أمره، والثاني ظهور جودته ورداءته وربما قصد به الأمران وربما يقصد به أحدهما فإذا قيل: ابتلاه الله فالمراد أظهر جودته ورداءته لا التعرّف لأنه لا يخفى عليه خافية وفي الكشاف اختبره بأوإمر ونواه واختبار الله عبده مجاز عن تمكيته من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك قال العلامة اختبار الله عبده لا يكون بطريق الحقيقة لأنّ الاختبار حقيقة إنما يصح فيمن خفي عليه العواقب بل هو مجاز على طريق التمثيل شبه حال الله والعبد في تمكينه من الأمرين الطاعة والمعصية وإرادة الطاعة منه بحال المختبر مع المختبر ثم عبر عنها بالاختبار، وما في قوله ما يكون استفهامية وفي الامتحان معنى العلم أي بتمحنه ليعلم أيّ شيء يفعل انتهى. وحاصله أنّ مراده التكليف أيضا لكنه بطريق الاستعارة التمثيلية وكلام الراغب يشعر بأنه مجاز باعتبار إطلاقه على ما هو الغاية منه، وأشار إلى أن يعلم ويبتلى بمعنى لترتبه

على الاختبار فلهذا يعلق كما سيأتي في سورة تبارك، والمصنف رحمه الله تعالى خالفهم وذهب إلى أنّ حقيقته التكليف ولكن تكليف العباد لما استلزم الاختبار ظنوا أنهما مترادفان، وهذا لا وجه له لأنّ أهل اللغة صرّحوا قاطبة بأنّ معناه الاختبار، والاستعمال يشهد له شهادة بينة ولم يقل أحد بترادفهما إذ الاختبار أعمّ منه أو مباين له، وأمّا قوله فيما سيأتي عامله معاملة المختبر فسيأتي الكلام فيه وقوله أحد التقذمين يعني، إمّ في اللفظ حقيقة أو حكما نحو اعدلوا هو أو في الرتبة كالفاعل المؤخر وهو ظاهر، وقول الزمخشريّ وما يشتهيه العبد اعتزال خفيّ ولذا تركه المصنف رحمه الله. قوله: (والكلمات قد تطلق على المعاتي فلذلك فسرت الخ) أصل معنى الكلمة اللفظ المفرد وتستعمل في الجمل المفيدة أيضا وتطلق على معاني ذلك لما بين اللفظ والمعنى من العلاقة وقد فسر به قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} [سورة الكهف، الآية: 09 ا] كما سيأتي. قوله: (فسرت بالخصاب الثلاثين الخ) هذه الثلاثين جعلها في الكشاف عشراً منها في سورة براءة وعشراً في سورة الأحزاب، وعشراً في سورتي المؤمنون و {سَأَلَ سَائِلٌ} وآية براءة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ} [سورة التوبة، الآية: 112] وآية الصؤمنون: { {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [سورة المزمنون، الآيات: ا- 9] وآية الأحزاب: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [سورة الأحزأب، الآية: 35] وآية سأل سائل: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } [سورة المعارج، الآيات: 22- 34] والمذكور في السور الثلاث ست وثلاثون وهي التوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله، والصلاة والخشوع وترك اللغو والزكاة وحفظ الفرج وحفظ الأمانة وحفظ العهد والمحافظة على الصلاة والإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والصدقة والصوم وحفظ الفرح وكثرة ذكر الله ومداومة الصلاة واعطاء السائل والمحروم والتصديق بيوم الدين والإشفاق من العذاب وحفظ الفرج وحفظ العهد وحفظ الأمانة والقيام بالشهادة والمحافظة على الصلوات وأنت إذا أسقطت المكرّر حصل منه ثلاثون كما في الكشاف والمصنف رحمه الله ما نذر إلى المكرّر وكأنه لاحظ فيه مغايرات اعتبارية بقيود خارجية فأسقط السورة الثالثة وخالف ما صنعه الزمخشري ولا يخفى أنه إن كان هذا ماً ثورا في أحدهما فلا وجه للآخر وان لم يكن كذلك فالأولى ترك هذه التكلفات. قوله: (وبالعشر التي هي الخ) هي خمس في الرأس تفريق شعر الرأس في الجانبين، وتص ا! شارب، والسواك والمضمضة والاستنشاق وخمس في غيرها، الختان، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والاستنجاء وفي التيسير أنها كانت فرضاً عليه، وقوله: وبمناسك الحج أي فسرت الكلمات بمناسك الحج وقوله: وبالكوكب متعلق بفسرت مقدر أيضا، وهجرته عليه الصلاة والسلام كانت من العراق إلى الشأم وقوله: على أنه تعالى عامله هو على الوجه الأخير لأنه لم يكلف به ووجه التجوّز فيه ما مرّ وما بعدها الإمامة وتطهير البيت وما معهما ولا وجه لما قيل: إق الأولى تأخير قوله: على أنه تعالى عامله عن هذه لأن هذه تكاليف، وأذا رفع إبراهيم فالمراد بالابتلاء الاختبار مجازا لأنه وان صح من جانبه لا يصح من الجانب الآخر فعبر به عن الدعاء والطلب لأنّ الاختبار لا يخلو عن الطلب غالباً، وفسر الإتمام بتكميل

الحقوق وأستشهد له بقوله الذي وفى لأنّ التوفية أداء الحقوق وإذا رفع إبراهيم وكان الابتلاء بمعنى الطلب فضمير أتمهن لله بمعنى أجابه ويصح رجوعه زبراهيم عليه الصلاة والسلام بمعنى أنه أتئم ما دعا به وأدّاه على أتمّ الوجوه والأوّل أولى. قوله: (استئناف إن أضمرت ناصب إذ الخ) إضمار ناصبها هو تقدير أذكر ونحوه ككان كذا وكذا على أنها مفعول به أو المراد اذكر الحادث إذ قال وحي! عذ فالقول بأنها معمول اذكر تجوّز، وعلى هذا فجملة قال مستأنفة استثنافاً بيانيا وأمّا: إذا تعلق بقال فجملته حينئذ معطوفة على مجموع ما قبلها عطف القصة على القصة وجوّز أن يكون معطوفا على نعمتي وجعله بيانا على تقدير تعلقه بمقدر وهو أحسن مما في الكشاف إذ جعله بيانا على تقدير تعلقه بقال وان تكلف له بأنه يجوز في قولك أعطاه حين اكرمه أن يكون إعطاؤه بيانا لإكرامه فكذا قوله: إني جاعلك حين ابتلاه وفي صحته نظر وجاعل قد يتعدى لواحد وقد يتعدى لاثنين الأوّل الكاف والثاني إماما. قوله: (والإمام اسم لمن يؤتم به الخ) قيل: إنه اسم شبيه بالصفة كالقارورة وفي الكشاف أنه على زنة الآلة كالإزار لما يؤتزر به، قال النحرير هو اسم للآلة فإن فعالاً من صيغ الآلة كالإزار والرداء وقيل: عليه في جعله آلة نظر لأنّ الإمام ما يؤتمّ به والإزار ما يؤتزر به فهما مفعولان ومفعول الفعل ليس با-لة لأن الآلة هي الواسطة بين الفاعل والمفعول في وصول أثره إليه ولو كان المفعول آلة لكان الفاعل آلة وليس فليس وفي المقتبس اسم الآلة ما يعمل به وما اشتق من فعل لما يستعان به في ذلك الفعل وصيغته المطردة مفعل ومفعال وما ألحق به الهاء سماعي كما في الزمان والمكان وما جاء مضموم الميبم والعين نحو مسعط لم يذهبوا به مذهب الفعل ولكنها جعلت أسماء لهذه الأوعية، ومنهم من يجعل فعالاً بالكسر كالعماد والنقاب وأمثالها منه اص. وقوله: وامامته عامّة الخ كانّ الداعي له أنه حمل تعريف الناس على الاستغراق لكن كون جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعده مأمورين باتباعه فيه نظر لنسخ ما بعده من الثرائع لما قبلها كشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم وشريعة موسى عليه الصلاة والسلام فلو حمل على الجنس لم يرد هذا فكان مراده أنهم مأمورون باتباعه في العقائد وما يضاهيها كما قيل: لنبينا صلى الله عليه وسلم اتبع ملة إبراهيم. قوله: (عطف على الكاف الخ) قيل: فيه إنّ الجارّ والمجرور لا يصلح مضافاً إليه فكيف يعطف عليه وإنّ العطف على الضمير كيف يصح بدون إعادة الجارّ وأنه كيف يكون المعطوف مقول قائل آخر ودفع الأوّلين بأنّ الإضافة اللفظية في تقدير إلانفصال ومن ذريتي في معنى بعض ذريتي وكأنه قال واجعل بعض ذريتي وهو صحيح والثالث بأنه عطف تلقيني كما يقال: سأكرمك فتقول وزيداً أي وتكرم زيداً وتريد تلقينه ذلك، ولم يجعله بتقدير أمر أي واجعل بعض ذرّيتي احترازاً عن صورة الأمر ودلالتة على أنه كأنه واقع البتة وهذا أكثره وقع في كلام أبي حيان رحمه الله إذ قال: إنه لا يصح بمقتض العربية والذي يقتضيه المعنى أن يكون من ذزيتي متعلقاً بمحذوف أي اجعل من ذريتي إماما لأنه فهم من إني جاعلك الاختصاص به، وقيل: إن التلقيني يقتضي أن يقال: ومن ذرّيتك إذ لو ضم مع قوله إني جاعلك لم يقل ومن ذريتي وفي الكشف أصله واجعل بعض ذريتي لكته عدل عنه لا وجه من المبالغة جعله من تتمة كلام المتكلم كأنه متحقق مثل المعطوف عليه، وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم فيه مع ما في العدول عن لفظ الأمر من المبالغة في الثبوت ومن مراعاة الأدب في التفادي عن صورة الأمر وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر وفي الحواشي عن المصنف رحمه الله إنه كعطف التلقين وعنه في قوله ومن كفر فأمتعه أنه عطف تلقين، وقال راعيت الأدب في الأوّل تفاديا عن جعله تعالى شأنه ملقناً، وحاصله أنه في الحديقة معمول لمقدر والتقدير اجعلني إماماً واجعل من ذرّيتي أئمة فحذف ذلك وأوهم أنه معطوف على ما قبله لما ذكر من النكت فلا يرد عليه حينئذ شيء من الشبه السابقة، وقد ذكر هذه المسألة الأسنوي وغيره في أصوله فقالوا هل يتركب الكلام من كلمات متكلمين أجازه بعضهم ومنعه الجمهور وإلا لزم أنّ من قال امرأتي فقال آخر طالق يقع به الطلاق

ولا قائل به وأوّلوا كلام من قال بصحته بأنّ كلا منهما يضمر في كلامه ما ذكره الآخر بقرينة المقام فهما كلامان ولكن يعدا كلاما واحداً على التسمح ثم إنهم ذكروا أن النلقين ورد بالواو وغيرها من الحروف وأنه وقع في الاستثناء كما في الحديث: " إن الله حرّم شجر الحرم " قالوا: إلا الأذخر يا رسول الله ذكره الكرماني في شرح البخاري وقال إنه استثناء تلقيني فإن قلت تقدّم أنّ كونه إماما عامّ لجميع الناس فيقتضي أنّ جميع ذريته كذلك إذا عطف عليه وليس كذلك قلت يكفي في العطف الاشتراك في أصل المعنى وقيل: يكفي حصوله في حق نبينا صلى الله عليه وسلم فتأمّل. قال الجصاص: ويحتمل أن يريد بقوله ومن ذربتي مساءلته تعريفه هل يكون من ذريته أم لا فقال تعالى في جوابه لا ينال الخ فحوى ذلك معنيين أنه سيجعل ذلك إمّا على وجه تعريفه ما سأله أن يعرفه إياه وأمّا على وجه إجابته إلى ما سأل لذرّيته اهـ. قوله: (والذرية نسل الرجل الخ) أصلها الأولاد الصغار ثم عمت الكبار والصغار الواحد وغيره وقيل: إنها تشمل الآباء لقوله تعالى: {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [سورة يس، الآية: 41] يعني نوحا وأبناءه والصحيح خلافه وفيها ثلاث لغات ضم الذال وكسرها وفتحها وبها قرى، وفي اشتقاقها أقوال فقيل: من ذروت وقيل: من ذريت وقيل من ذرأ وقيل: من الدّرّ فإن كانت من ذروت فأصلها ذروة فعولة بواوين زائدة ولام الكلمة قلبت الثانية ياء تخفيفا فقلبت الأولى ياء بالإعلال المعروف وكسر ما قبلها، وقيل: فعيلة وأصلها ذروة فأعلت بما مرّ وان ك نت من ذريت فوزنها إمّا فعولة وأصلها ذروية فأعلت أو فعيلة فأصلها ذريية فأدغمت وان كانت مهموزة فوزنها فعليثة قلبت الهمة ياء وأدغمت، وان كانت من الذرّ بالتشديد فأصلها فعلية والياء للنسبة وضئم أوّله كما قالوا دهريّ أو لغير النسب كقمرية أو فعيلة وأصلها ذرّيرة قلبت الراء الثالثة ياء هربا من ثقل التكرير كما قالوا في تظننت تظنيت وفي تقضضت تقضيت أو فعولة وأصلها ذرّورة فقلبت الراء الثالثة وأعلت كما مرّ وقس عليه حال الفتح والكسر. فوله: " جابة إلى ملتمسة الخ) هذا يقتضي تقديرا جعل في الكلام والا فليس فيه ما يدل على الطلب وقوله: وأنهم لا ينالون الإمامة والإمامة شاملة للنبوّة والخلافة والقضاء والإمامة المعروفة وهي كلها مرادة على ما قال الجصاص وأدخل فيها الإفتاء والشهادة ورواية الحديث والتدرش! لأنهم غير مؤتمنين على الأحكام قال ومن نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس إتباعه ولإطاعته وهو يدل على أنّ الفاسق لا يكون حاكماً وأنّ أحكامه لا تنفذ إذا ولي وأنه لا يقدم للصلاة لكن لو قدم واقتدى به صح ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضي والخليفة في أنّ شرط كل واحد منهما العدالة وأنّ الفاسق لا يكون خليفة ولا حاكما ومذهبه فيه معروف وما نقل عنه من خلافه كذب عليه وقد أطال في تفصيله، وقيل: اتفق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين على أن الفاسق لا يصلح للإمامة ابتداء وان اختلف في أنه لا يصلح لها بقاء بحيث لا ينعزل بطريان الفسق، وقال النحرير: وجه دلالة الآية على أن الظالم لا يصلح للإمامة والخلافة ابتداء ظاهر وأمّا أنه لا يصلح لذلك بحيث ينعزل بالظلم فلا، قال: وفيه إشكال من وجهين أمّا أولاً فلأنّ وجه دلالتها إمّا أن تستفاد من منطوق النص أو دلالته أو القياس لا سبيل إلى الأوّل لما عرفت أنّ المراد بالإمامة النبوّة فلا يتناول بمنطوقه الخلافة ولا إلى الثاني لأنّ أقل مرتبتها المساواة وهي مفقودة هنا إذ لا يلزم من عصمة النبيّ غ! يه إلا على عصمة الأدنى منه، ولا إلى الثالث إذ لا جامع بينهما وأمّ ثانيا فلأن وجه دلالة الآية على أنّ الظالم لا يصلح ل! مامة والخلافة ابتداء وان كان ظاهراً في ذلك ينبغي أن يكون ظاهراً أيضاً في الانعزال بطريان الفسق إذ لا وجه له في الظاهر للمنافاة بين وصفي الإمامة والظلم فالجمع بينهما محال ابتداء وبقاء ويجاب عن الثاني بأنّ المنافاة في الابتداء لا تقتضي المنافاة في البقاء لأنّ الدفع أسهل من الرفع ويشهد له أنّ رجلا لو قال لامرأة مجهولة النسب يولد مثلها لمثله هذه بنتي لم يجز له نكاحها، ولو قال لزوجته الموصوفة بذلك لم يرتفع النكاج لكن إن أعحرّ عليه يفرّق القاضي بينهما. (أقول (: ما ذكره النحرير مسطور عن السلف كما مر والظاهر

أنه من المنطوق لأنه قال إما ما ولم يقل نبياً ونحوه ليشمل كل من يقتدي به فكلام النحرير لا غبار عليه برمته. قوله: (وفيه دليل على عصمة الأنبياء عليهم والصلاة والسلام من الكبائر) وجه الدلالة أنّ المعنى لا يصل عهدي إلى الظالمين فهو حال الوصول إليه لم يكن ظالماً وكونه كذلك مانع منه فلا فرق بينه وبين ما قبله والظلم إذا أطلق ينصرف إلى الكبائر فلا يقال إنه إنما يدل عليه إذا كان الفسق نوعا من الظلم ولم يكن المعنى أنه لا ينال عهدي الظالمين ما داموا ظالمين إذ لو كان كذلك فالظالم إذا تاب لم يبق طالماً كيف وقد نال الإمامة أبو بكر وعمر وعثمان مع سبق الكفر فتامّل، وقوله: وأنّ الفاسق الخ أي ابتداء على ما مرّ، وقوله: والمعنى واحد ظاهر لكن مقتضى تفسيره بالأخذ في بعض كتب اللغة أن يسند إلى العقلاء فيكون غيره مغلوبا. قوله: (غلب عليها الخ) جعله علما بالغلبة فتلزمه اللام أو الإضافة ولو جعل التعريف للعهد لصح. قوله: (مرجعا يثوب الخ) يعني أنّ الزائرين يثوبون إليه بأعيانهم أي أنفسهم أو بأمثالهم وأشباههم ومن يقوم مقام أنفسهم لظهور أنّ الزائر ربما لا يثوب بل قلما يثوب لكن صح إسناده إلى الكل لاتحادهم في القصد، والناس للجنس ولا دلالة له على أنّ كل فرد يزور فضلاً عن الثوب وما يقال: إنّ المراد بالأعيان الأشراف حملا للناس على الكاملين، أو أنّ المراد بالثوب القصد على ما هو مقتضى الديانة متعسف، ولك أن تقول إنه مثل قولهم فلان مرجع الناس يعني أنه يحق أن يرجع ويلجأ إليه ولا سكلف فيه وان كان من الثواب فلا إشكال وقرأ الأعمش وطلحة مثابات بالجميع بتنزيل تعدد الزجوع منزلة تعدد محله أو أنّ كل جزء منه مثابة وهدّا أوضح، وقيل: إنه باعتبار تعدد الإضافات ث هو يقتضي أن يصح التعبير عن غلام جماعة بالمملوكين لا يعرف وفيه نظر، وقد مر عن الانتصاف أنّ صيغة الجمع تدل على زيادة المعنى والوصف دون الإفراد كقولم معى جياع وتاؤه لتأنيث البقعة أو المبالغة وهو اسم مكان وجوّز فيه المصدرية وسمع مثاب بمعنى مثابة. قوله: (وموضع أمن الخ) قال النحريز: فإن قيل: هذا القدر كاف فيما قصد من كون آمنا لمعنى موضع أمن فلم ضم إليه ويتخطف الخ قلنا هو بيان لوجه كونه آمناً كأنه قال لأنّ أهله يسكنون فيه فلا يتخطفون ولأنّ الجاني ياوي إليه فلا يتعرّض له (قلت) الأظهر أن ما حوله مما هو أقرب الأماكن مخوف فأمنه موهبة وحماية الهية لا لعدم البغاة وعلى مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وجهه ظاهر ووصفه بآمن اسم فاعل مجاز لأن الآمن هو الساكن والملتجئ وكذا ما في الآية إذا جعل بمعناه أو جعل كانه نفس الأمن أمّا إذا حمل على حذف المضاف أي موضع أمن فلا مجاز وقوله: يجبّ ما قبله أي يزيله ويمحو. غير حقوق العباد والحقوق المالية كالكفارة. قوله: (على إرادة القول الخ) أي وقلنا: اتخذوا وهو معطوف على جعلنا أو هو معطوف على اذكر المقدر عاملاً في إذ، وقوله: أو اعتراض معطوف على مضمر تقديره ثوبوا بالثاء المثلثة أي ارجعوا وهو مأخوذ من قوله مثابة واعترض عليه بأنه لا حاجة إلى تقدير المعطوف عليه لأنّ الواو تكون اعتراضية كما في قوله: إنّ الثمانين وبلغتها قدأحوجت سمعي إلى ترجمان ووجهه بأنه قدره ليناسب ما قبله ويلتئم معه لأنّ الجملة المعترضة تقوي ما اعترضت فيه وتؤكده وبه يظهر ذلك وأيضا اتخاذ المقام مصلى إنما يكون بعد الرجوع، وفيه تأمل. وعلى قراءة الأمر فالخطاب لهذه الأمة لا لغيرهم بدليل سبب النزول الآتي وليس مبنياً على الاعتراض حتى يرد الاعتراض على تخصيصه، قيل: ولا يخفى إق عطف قوله وعهدنا على جعلنا البيت يستدعي جعل واتخذوا معترضة ويدفع كونها معطوفة على ناصب إذ، وكون الأمر استحبابياً مجمع عليه. قوله: (ومقام إبواهيم الخ) المقام بالفتح موضمع القيام وهو الحجر الذي قام عليه في الحقيقة وكان إذا وطئه يلين ويصير كالطين معجزة له ويطلق على المحل الذي فيه الحجر توسعاً وهو موضعه الذي هو فيه الآن وكان قيامه عليه وقت دعائه ووقت رفعه بناء البيت فقوله: أو الموضع بيان لوجه تسميتة مقاما أو رفع بصيغة الماضي معطوف على

قام وصححه في بعض النسخ رفع بصيغة المصدر وعطف على الحج قيل، كأنه لاحظ أنه لم يكن لإبراهيم عليه الصلاة والسلام موضع معين وليس هذا وجهه بل وجهه أنه لو عطف ماضياً على قام اقتض أنه قام عليه في موضعه الآن لرفع البناء مع أنه بعيد عن حائط الكعبة كما يرى بالمشاهدة فيحتاج إلى أن يجعل قوله أو الموضع لبيان المعنى الثاني الذي يطلق عليه المقام وتعلق حين يأثر فتأمل. وقوله: روي الخ رواه ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقوله: لما روى جابر رضي الله عنه أخرجه مسلم وهي إحدى موافقاته الوحي المشهورة، وقوله: في وجوبهما أي ركعتي الطواف وقوله: واتخاذها مصلى الخ فهو مأخوذ من الصلاة بمعنى الدعاء، وقوله: مقامه الموسوم به أي المعروف به فالمقام مجاز عن المحل المنسوب إليه وكذا المصلى بمعنى القبلة مجاز عن المحل الذي يتوجه إليه في الصلاة بعلاقة القرب والمجاورة. قوله: (أمرناهما الخ) العهد يكون بمعنى الوصية ويتجوّز به عن الأمر فلا يقال: إنه لا ينبغي حينئذ أن يعدى بإلى ولا حاجة إلى التضمين وجعله بمعنى الوحي، وقوله بأن طهرا إشارة إلى أنّ الجارّ محذوف على القياس المعروف أو هي مفسرة لتقدّم ما تضمن معنى القول دون حروفه وهو العهد إذ هو شرطها وأمّا دخولها على الأمر ففيه خلاف مشهور ومنهم من قدر بأن قلنا لتكون داخلة على الخبر تقديرا والطهارة أعم من الحسية والمعنوية. قوله: (يريد البلد أو المكان الخ (يعني أن الإشارة إن كانت إلى ما هو بلد حال الإشارة فالمسؤول الأمن وذكر البلد توطئة له وان كانت إلى المكان فيكون المسؤول بلديته وأمنه وأوّل أمنا بوجهين أن يكون بمعنى النسبة أي صاحب أمن لمن فيه أو أنه إسناد مجازيّ والأصل آمنا أهله فأسند ما للحال للمحل لأنّ الأمن والخوف من صفات العقلاء. قوله: (عطف على من آمن الخ) قال النحرير: هو عطف تلقين كأنه قال قل وارزق من كفر أيضا فإنه محله وما ذكر من أنّ المعنى وأرزق بلفظ المتكلم تقرير للمعنى لا تقرير للفظ والذي يقتضيه النظر الصائب أن يكون هذا عطفاً على محذوف أي أرزق من آمن ومن كفر بلفظ الخبر واجعلني إماما وبعض ذريتي بلفظ الأمر فيحصل التناسب، ويكون المعطوف والمعطوف عليه مقول واحد اص. وهذا يخالف ما أسلفه في قوله: إني جاعلك لكن الأوّل تقرير لكلام المصنف رحمه الله وهذا بيان لمختاره فهو لا يقول بالعطف التلقيني وقد مر تحقيقه على أحسن الوجوه، وقوله: قاس إبراهيم عليه الصلاة والسلام الرزق الخ تبع فيه صاحب الكشاف والأحسن أن يقال إنه تعالى لما قال لا ينال عهدي الظالمين احترز إبراهيم عليه الصلاة والسلام من الدعاء لمن ليس مرضيا عنده فأرشده الله تعالى إلى كرمه الشامل. قوله: (أو مبتدأ متضن معنى الشرط الخ) هذا يحتمل أن يريد أنه موصول تضمن معنى الشرط فدخلت الفاء في خبره وهو جملة أمتعه أو اسم شرط لأنها أيضاً تتضمن معنى حروف الشرط كان، وجملة فأمتعه جواب الشرط وأمّا تقدير أنا فيه فلا حاجة إليه لأن ابن الحاجب نص على أنّ المضارع في الجزاء يصح اقترانه بالفاء إلا أن يكون استحسانا فقول النحرير قدره لتصح الفاء غير سديد، ولما كانت الفاء تفيد السببية والكفر لا يصلح لسببية التمتع أشار إلى توجيهه بأنه هنا ليس سببا للتمتع بل لقلته أو للتمتع الذي هو منتج للعذاب والى هذا أشار في الكشاف بقوله: يجوز أن يكون مبتدأ متضمناً معنى الشرط وقوله: فأمتعه جوابه أي ومن كفر فأنا أمتعه فأضطره فلا يرد ما قيل هو في التنزيل ثم اضطرّه والاعتذار بأنه ذكره بالفاء إيماء إلى أنه من مواقع الفاء ولكن أتى بئم للتراخي الرتبي غير وارد وضمن مقصورا معنى مخصوصا فعداه بالباء. قوله: (أي ألزه إليه لز المضطر) كذا في الكشاف وقال الطيبي: إنه استعارة شبه حال الكافر الذي أدر الله عليه النعمة التي استدناه بها قليلاً قليلا إلى ما يهلكه بحال من لا يملك الامتناع مما اضطرّ إليه فاستعمل في المشبه ما استعمل في المشبه به، وقيل: إنه قال في الأساس لز هذا بهذا قرن به وألصق، ومن المجاز لزه إلى كذا اضطره إليه وبهذا يظهر أنّ ما في الكتاب تكلف لا حاجة إليه وفيه نظر لأن الكافر لش مضطراً إلى العذاب إذ يمكنه الإسلام فهو مجاز عن كون العذاب واقعا به وقوعا

محققاً حتى كأنه مربوط به، وما في الأساس شيء آخر، وقليلاً صفة مصدر مقدر أي تمتعا قليلا أو المراد زمانا قليلا فهو ظرف. قوله: (وقرئ بلفظ الأمر (من الامتاع واضمطرّه أمر بفتح الراء كما هو في نحو شذه وهذه القراءة منقولة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكونه على هذه القراءة من دعاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم مروي عن السلف كما أخرجه ابن أبي حاتم وقال ابن جني حسن إعادة قال لطول الكلام وللانتقال من دعاء قوم إلى دعاء آخرين ويحتمل أن يكون ضمير قال لله أي فأمتعه يا قادر يا رازق خطابا لنفسه على طريق التجريد ولم يلتفت إليه المصنف رحمه الله لبعده. قوله: (بإدغام الضاد وهو ضعيف (هذا مما تغ فيه الزمخشري وليس بصواب فإنّ هذه الحروف أدغمت في غيرها فأدغم أبو عمرو الراء في اللام في نغفر لكم والضاد في الشين في لبعض شأنهم والشين في السين في العرس سبيلاً، وأدغم الكسائي الفاء في الباء في نخسف بهم، والذي قاله سيبويه إنه هو الأكثر وأصل اضطرّ اضشر فأبدلت التاء طاء كما بين في الصرف وضم مبني للمجهول وشفر بمعنى منبت الأهداب وقوله المخصوص بالذم محذوف والجملة للتذييل معترضة في الآخر لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر. قوله: (حكاية حال ماضية الخ) لأنّ الرفع مضى وانقضى، قال أبو حيان رحمه الله: وفيه نظر لأن إذ تخلص الفعل للمضيّ ولا وجه لجعله مانعاً من الحكاية فتأمّل والقاعدة جرت مجرى الجوامد ولذا لم تجر على موصوف بمعنى الثابتة مجاز من القعود ضدّ القيام كما قاله الراغب: ومنه قعدك الله في الدعاء لأنه بمعنى أدامك الله وثبتك وهو دعاء استعملته العرب في القسم وهو مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق لا مفعول به وان ذهب إليه بعض النحاة وقول الزمخشري: سألت الله أن يقعدك يشعر به لكنه صرح بخلافه في المفصل وهو بفتح القاف، وروي كسرها عن المازني وأنكره الأزهري ويقال قعيدك الله وهما مثل عمرك الله بنصب الله والجلالة بعدهما واجبة النصب إمّا على المفعولية أو البدلية وذلك لأنهما مصدران كالحس والحسيس ومعناهما المراقبة، فالتقدير أقسم بمراقبتك الله فالله مفعول أو هما وصفان كالخل والخليل ومعناهما الرقيب والحفيظ وهما منصوبان بنزع الخافض أي أقسم بقعدك والله بدل منه لكي قال الدماميني أنه لم يرد في الشرع إطلاقهما على الله وفي التهذيب قال أبو عبيد يقال قعدك الله بمعنى الله معك وأنشد: قعيد كما الله الذي أنتما له قوله: (ورفعها البناء الخ) دفع لما يتوهم من أنّ الأساس لا يمكن رفعه فأوّل بأنّ رفعه مجاز عن رفع ما عليه من البناء فجعل رفع ما عليها رفعاً لها لا نهاية تعلم وتدرك وأنت ضمير الأساس باعتبار القاعدة لكن في عبارته تسامح فإنها لا تنتقل إلى الارتفاع وإنما المرتفع ما عليها فالأولى تركه، والسافات بالسين المهملة والفاء جمع سافية وهي الصف من اللبن والطين وكل ساف قاعدة لما فوف فالمراد برفعها على هذا بناؤها نفسها ووجه الجمع على هذا ظاهر وعلى الأوّل لأنها مربعة ولكل حائط أساس وقيل: الرفع بمعنى الرفعة والشرف وقواعده بمعناه الحقيقي السابق فهو استعارة تمثيلية ولبعده مرّضه. قوله:) وفي إبهام القواعد (يعني كان الظاهر تواعد البيت لكن التبيين بعد الإبهام أبلغ فلذا عدل على الأخصر ومن هنا ابتدائية متعلقة بيرفع أو تبعيضية أو ابتدائية حال من القواعد ولكن في ذكر الكل بيان للجزء في ضمنه وهو مراد المصنف رحمه الله لا أنها من البيانية ولا أنها صفة القواعد، وقوله: وأسمعيل عليه الصلاة والسلام كان يناوله الخ قيل: وفي تأخيره إشارة إلى ذلك، وقوله والجملة حال، وقيل: إنها خبر إسماعيل بتقدير القول فإبراهيم عليه الصلاة والسلام بان وإسماعيل عليه الصلاة والسلام داع وروي ذلك عن عليّ رضي ألله عنه وقوله: بدعائنا ولنياتنا أي بقرينة المقام وقيل: الأولى فتسمع دعاءنا وتعلم نياتنا. قوله:) مخلصين لك الخ) أسلم يكون بمعنى أخلص وانقاد ولما كانا مخلصين منقادين أوّلها بأن المراد الزيادة في ذلك أو الثبات واستدلّ بهذا على الموافاة، وفيه نظر والإذعان في اللغة بمعنى الانقياد وأمّا استعماله بمعنى الفهم فمن كلام المولدين وإذا أريد به ذلك فهل هو حقيقة أو مجاز فيه كلام مرّ تحقيقه في إهدنا الصراط في الفاتحة وهاجر زوجة إبراهيم عليه الصلاة

والسلام والخلاف في الجمع مشهور. قوله: (واجعل بعض ذزيتنا الخ) قيل: إنه إشارة إلى أن من للتبعيض وأنها في موضع المفعول الأوّل الذي هو مبتدأ في الأصل وجعل الحرف مفعولاً تعسف كما مرّ مع أنّ مجيء إنّ من ذزيتي أمّة يدفعه الآيات يفسر بعضها بعضا، والحمقى جمع أحمق وحمقاء أيضاً كما صرحوا به. قوله:) ويجوز أن تكون من للتبيين الخ) قال النحرير: لما كان الأنسب في مثل هذا الدعاء أن لا يقتصر على البعض من الذرية جوّز كون من للتبيين ولم يقطع به لأنّ من البيانية مع المجرور تكون أبداً من تتمة المبين بمنزلة صفة أو حال ولم يعهد كونها خبراً عنه مثل الرجس من الأوثان بمعنى هي الأوثان ولا محيص عنه سوى أن يقال المعنى أمة مسلمة هي ذرّيتنا على التعدي إلى مفعول واحد أو على أن يكون أمة مسلمة مفعولي جعل ولذا لم يجعله المصنف رحمه الله مفعولاً ثانيا وارتكب تقديمه على المبين والفصل بين حرف العطف ومعطوفه بالظرف مع ما في ذلك من الخلاف لأهل العربية فالجارّ والمجرور كان صفة للنكرة فلما قدم انتصب على الحال. قوله: (من رأى بمعنى أبصر أو عرف) فيتعدى بالهمزة إلى مفعولين بعد تعديه لواحد، وفي الإيضاج لابن الحاجب رحمه الله إنه لم يثبت رأيت الشيء بمعنى عرفته وإنما هي بمعنى علم أو أبصر وتبعه أبو حيان رحمه الله لكن الزمخشريّ ذكره في المفصل والراغب في مفرداته وهما- ش الثقات فلا عبرة بإنكارهما، والنسك بضمتين وتسكن العبادة والذبح للتقرّب ولذا تسمى الذبيحة نسيكة والمذابح مناسك قيل: وقيد الغاية في كلام المصنف رحمه الله ليس في اللغة وليس كذلك فإنه ذكره الرأغب رحمه الله. قوله: (وفيه إجحاف) بتقديم الجيم أي زبادة تغيير وتبع فيها الزمخشرفي وليس كما ينبغي لأنها من القرا آت المتواترة وقد شبه فيه المنفصل بالمتصل فعومل معاملة فخذ في جواز إسكانه للتخفيف ولما كان النقل هو المستعمل والأصل مرفوضاً شبه بالأصلي وقد استعملته العرب كذلك قال: أرنا إداوة عبد الله نملؤوها من ماء زمزم أنّ القوم قد ظمؤوا والاختلاس تخفيف الحركة حتى تخفى. قوله: (استتابة لذرّيتهما الما كانت التوبة تقتضي الذنب وهم معصومون على الأصح قبلها وبعدها أوّله بما ذكر فهو بتقدير مضاف أو من إطلاق اسم الأب على الذرّية كما يقال تميم للقبيلة وبقية الوجوه ظاهرة، وقوله: لمن تاب متعلق بالرحيم ولو قال فترحم من تاب كان أولى. قوله: (ولم يبعث من زيتهما الخ) أي من ذرّيتهما معا بأن يكون ابن إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام لا من ذرّية ك!! منهما فإنّ في أولاد إسحق أنبياء ورسلاً " وقال دعوة أبي إبرأهيم " في الحديث اقتصارا على الأعظم والا فهو دعوة إسماعيل عليهما الصلاة والسلانم أيضاً ويصح أن يراد من ذرية كل منهما المدعو بها في ذلك المقام أما دعوة إسماعيل عليه الصلاة والسلام فظاهرة وأما دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلأنّ إسحق لم يكن معه فلعله قصد به عامّة من كان من عقبه بواسطة إسماعيل وهو تكلف، تيل: ويحتمل أن يكون مرا! كل منهما ذرّيته فيكون سائر الأنبياء دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم إجابة دعوتهما، وقوله صلى الله عليه وسلم: " أنا دعوة أبي إبراهيم " من غير ذكر إسماعيل يدل على أنّ المجاب من الدعوتين كان دعوة إبراهيم عليه ا! صلاة والسلام وفيه نظر وقوله صلى الله عليه وسلم: " أنا دعوة أبي إبراهيم " جعله نفس الدعوة مبالغة أو في الكلام مضاف مقدر أي أثر دعوته وهذا الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل وشارح السنة عن العرباض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ساخبركم بأوّل أمري أنا دعوة أبي إبراهيا وبشارة عيسى ورزيا أمّي التي رأت حين وضعتني " فدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في هذه الآية وبشارة عيسى عليه الصلاة والسلام في قوله: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} أسورة الصف، الآية: 6] ورؤيا أمّه، كما رواه الدارمي هي التي " رأت حين وضعته وقد خرج لها نور أضاءت له قصور الشام وأمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف من بني زهرة، وفي الاستدلال برؤياها ما يرشح إسلامها، وقوله: يقرأ عليهم إشارة إلى أنّ المراد بالآيات آيات القرآن

وما بعده إشارة إلى أنّ المراد الحجج الإلهية لثلا يتكرّر به ولو أريد ما يشملهما صح فيكون ما بعده ذكرا للخاص بعد العامّ. قوله: (والحكمة الخ اللمفسرين في تفسيرها أقوال متقاربة يجمعها الكتاب والسنة فقيل: هي السنة، وقيل: القرآن وقيل: الفقه في الدين وقيل: العلم والعمل، وقيل: كل صواب من القول أورث صحيحاً من العمل والتزكية التطهير وذيلت بالعزيز وهو الذي لا يقهر والحكيم بمعنى المحكم بناء على أنّ فعيلا يجيء بمعنى مفعل كما مرّ لإعزازه تعالى أنبياءه عليهم الصلاة والسلام وارسالهم بالحكمة وضمير له لما يريد، وقوله: استبعاد إشارة إلى أنّ الاستفهام ليس حقيقياً بل هو للإنكار والاستبعاد وهو أي الاستبعاد عد الشيء بعيداً وهو عين الإنكار هنا فلا يرد ما قيل: الاستبعاد معنى مجازي كالإنكار ولا يصح الاستعمال في معنيين مجازيين إلا أن يقال معناه الإنكار المبنيّ على الاستبعاد لا على الامتناع لا أنهما قصدا معاً. قوله: " لا من استمهنها وأذلها الخ) استمهنها أي عدها مهنة ذليلة فعطف وأذلها تفسيري إشارة إلى أنه متعد وهو القول الأصح وأمّا اللازم فسفه بالضم بمعنى صار ذا سفه وهو حقيقة، وقيل ضمن معنى جهل أي جهل نفسه لخفة عقله ولم يعرفها بالتفكر لأنّ من جهل نفسه لا يعلم شيئاً، وقيل: أهلك واستشهدوا له بوقوعه في الحديث متعدياً من غير احتمال آخر وقوله: فيه إن تسفه الحق أي تجهله وتغمض بالغبن والضاد المعجمتين وكسر الميم وفتحها بمعنى تحتقر ومن جعله لازما قال إنه منصوب على التمييز وهو يجيء معرفة بالألف واللام والإضافة لكنه نادر نحو غبن رأيه بالنصب، وغبن مجهول من الغبن ورأيه منصوب على التمييز المحوّل عن نائب الفاعل وكذا ألم رأسه كعلم. قوله: (وقول جرير الخ) كذا في النسخ وهو سهو فإنّ الشعر للنابغة الذبياني بالاتفاق وكذا رأيناه في ديوانه وهو في مدح النعمان بن المنذر وقد مرض وأبو قابوس لقبه والشعر: فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والبلد الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش أجب الظهرليس له سنام ويروى والشهر الحرام وأراد بالربيع طيب العيش وبالبلد والشهر الحرام الأمن، والأجب المقطوع السظ م وهو لا يستقرّ عليه فالمراد إمّا ذهاب عزهم لأنّ السنام يكنى به عنه أو كثرة اضطرابهم بعده وذناب الشيء بالكسر عقبه أي نبقي بعده آيسين من الأمن والخير والظهر منصوب على التمييز لكن جعله في المفصل من المشبه بالمفعول به لأن أجب صفة مشبهة فلا ينهض شاهدا عليه، وقيل: إنه أيضاً حقه التنكير كالتمييز وقوله: على المختار إشارة إلى قول آخر أنه في محل نصب ونفسه تأكيد له واختلف فيمن هل هي موصولة أو موصوفة وجهان. قوله: (حجة وبيان لذلك الخ) قيل: كأنه يشير إلى أنّ الجملة حالية لكن الظاهر أنها جواب قسم محذوف فتكون الواو اعتراضية لا عاطفة والمقصود ما ذكر وجعلها حالية لا ينافيه جعلها جواب قسم لأنّ الحال هو القسم وجوابه واللام لا تعين القسمية لكن لام الابتداء تقتضي استئناف ما بعدها، واذ قال ظرف لاصطفينا كأنه أريد أنه مذ ميز وعقل لم يزل! مصطفى إلى أن فارق الدنيا، وقيل: إنه منصوب بقال أي قال أسلمت إذ قال له ربه أسلم وأوّل الخطاب بالإسلام بالأخطارلم التمكين من النظر إذ لو أجرى على ظاهر. كان وحياً مسبوقا باستنبائه واسلام النبيّ يكترو سابق عليه لعصمتهم عن الكفر قبل النبوّة وإنما جرى ذلك في أوائل تمييزه وعلى القول الآخر يجعله في معنى أطع والأمر على ظاهره. قوله: (مشهودا له بالاسنقامة والصلاح يوم القيامة) الاستقامة الاستمرار على الصلاج فهو إمّا مأخوذ من الصلاح أو من الجملة الاسمية المؤكدة. قوله: (ظرف لاصطفيناه) تقدم بيانه والظروف تفيد التعليل كما مرّ وفسر الإسلام بالإذعان لأنّ معناه الحقيقي لا يصح هنا، وأمّا قوله روي أنها نزلت أي آية ومن يرغب فإنه دعاهما إلى الإسلام وقال لهما قد علمنا أنّ الله تعالى قال في التوراة إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد من آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون فنزلت الآية تصديقا له، فقال السيوطيّ رحمه

الله: إنه لم يجد هذا في شيء من كتب الحديث. قوله: (التوصية الخ) قال الراغب رحمه الله: التوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ من قولهم أرض واصية أي متصلة النبات فأصل معناه الوصل فهو ضدّ فصاه تفصية إذا فصله، ومنه التفصي عن الأمر ومنهم من جعله من باب ضرب وضمير بها إما للملة أو لقوله: أسلمت باعتبار أنه كلمة أو جملة وهذا باعتبار الحكاية إن كان معنى قال أسلمت نظر أو عرف أو باعتبار المحكيّ فلا حاجة إلى ما تكلفه بعض أرباب الحواشي ثم ذكر الخلاف بين البصريين والكوفيين في أنه هل يشترط فيه خصوص القول أو يصح في كل ما يؤدّي معناه وقوله: بالكسر أي كسر همزة إن ليكون محكياً بأخبرانا، ورجلان تثنية رجل سكنت جيمه لضرورة الشعر وضبة اسم قبيلة معروفة والأسماء المذكورة منها ما هو معروف كبنيامين بوزن إسرافيل وروبين بضم الراء وكسر الباء وياء ونون وقال البيساني الصحيح فيه روبيل باللام، ومنها ما هو غير معروف لأنها ليست بعربية فلم يقدم على ضبطها من غير نقل والمراد بدين الإسلام الذي به الإخلاص لله والانقياد له وبه يعلم أنّ الإسلام يطلق على غير ديننا لكن العرف خصصه به، والصفوة مثلثة الصاد. قوله: (ظاهره النهي عن الموت الخ الما كان المطلوب من الشخص والمنهي عنه ما هو مقدور له وهنا ليس كذلك قال والمقصود الخ وهو تحقيق وتصريح بما هو مدلول اللفظ من حيث كون النهي راجعاً إلى القيد الذي هو الحال حيث أوقعه خبر كان الذي هو المقصود بالإفادة وفي الكشاف فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام الخ، قال النحرير: ولا خفاء في أنّ معنى لا تجيء إلا راكبا لا يكن مجيئك إلا على حال الركوب واحد لا يتفاوت إلا بتصريح وتوضيح، كما يقال في لا تأكل معناه لا يكن منك أكل ثم ليس المقصود النهي عن الموت في غير حال الإسلام لأنه ليس بمقدور مع أنه كائن البتة والقبد وهو الكون على حال الإسلام مقدور فعاد الكلام إلى النهي عن الاتصاف بالقيد والثبات عليه عند حدوث المقيد الضروري وهو الموت لما بين المعنيين من الاتصال والارتباط والجمهور على أنه كناية وان احتمل المجاز وتقرير الكناية بأنّ طلب امتناع النفس عن فعل الموت في غير حال يراد منه يلزمه طلب الامتناع عن كونها على غير تلك الحال عند الفعل ليس على ما ينبغي لأنّ امر الكناية بالعكس وكذا تقريرها بأن ههنا كناية بنفي الذات عن نفي الحال كما أنّ قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [سورة البقرة، الآية: 28] كناية بنفي الحال عن نفي الذات وذلك لأنّ نفي الفعل المقيد بالحال! س نفياً للذات بل ربما يدعي كونه نفياً للحال اص. (وفيه بحث) أمّا الأوّل لإنه مبنيّ على أنّ الكناية هل هي الانتقال من الملزوم إلا اللازم أو عكسه وفيه الخلاف المعروف وأما الثاني فلأنه لم يرد بالذات إلا المقيد لا معناها المتبادر والقرينة عليه ظاهرة فإن تيل: إذا كان النفي في الكلام المقيد راجعاً إلى القيد كان مدلول الكلام هو النهي عن كونهم على غير حال الإسلام عند الموت ولا حاجة إلى ما ذكر، قيل: إذا كان الفعل مقدوراً مثل لا تجيء إلا راكباً والمنهيّ هو الفعل في غير حال الركوب حتى يمتثل ترك الفعل رأسا وبالإتيان راكبا والفعل هنا ليس بمنهيّ عنه البتة لعدم المكنة وإنما المنهيّ هو الكون على خلاف تلك الحالة فلا امتثال إلا بالكون عليها لكته جعل الفعل شبيهاً بالمنهيّ الذي حقه أن لا يقع فإن وقع كان كالعدم كما أنه في مت وأنت شهيد بمنزلة المأمور الذي من حقه أن يقع. (وفيه بحث) : لأنّ كون المقيد غير مقدور كما هنا أو القيد غير مقدور كما في لا تصم وأنت مريض أو كونهما مقدورين كما في لا تجيء إلا راكباً لا يضرّ فيتوجه النفي إلى القيد أو عدمه بل يؤكده فما الداير إلى هذه التكلفات، ومن هنا علمت تفصيلا آخر في توجه النفي إلى القيد فليكن على ذكر منك واتضح لك معنى كلام المصنف رحمه الله وفوله: وروي الخ، قال السيوطي رحمه الله: لم أقف عليه وفاعل فنزلت أم كنتم شهداء الخ. قوله: (أم منقطعة الخ (اختلف في أم هذه هل هي متصلة أم منقطعة وهل الخطاب لليهود أم للمؤمنين وإذا كانت منقطعة وهي بمعنى بل الإضرابية فهل الإضراب هنا للانتقال أم للإبطال وهل ما بعدها خبر أم مقدر بالاستفهام على القولين للنحاة فيها أو استفهامية مستقلة فعلى

الانقطاع وتقدير الهمزة، فالمعنى بل أكنتم شهداء فإذا كان الخطاب لليهود بدلالة سبب النزول ولذا قدمه المصنف رحمه الله فهو للإنكار عليهم في دعواهم وصاحب الكشاف ردّ هذا الوجه بأنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام ولما ادعوا عليه اليهودية فالآية منافية لقولهم فكيف يقال لهم أم كنتم شهداء يعني ردّاً عليهم وانكاراً لمقاتلتهم بل ينبغي أن يقال أكنتم حاضرين حين رضي باليهودية وبما يحقق دعواكم كما تقول لمن يرمي زيداً لفسق أكنت حاضرا حين زنى وشرب ونحو ولا تقول حين صلى وزكى وأجابوا عنه بوجهين أحدهما أنّ الاستفهام حينئذ للتقرير أي أكانت أوائلكم حاضرين حين وصى بنيه بملة الإسلام والتوحيد وأنتم عالمون بذلك فما لكم تدعون عليهم اليهودية، وثانيهما أنه يتم الإنكار عند قوله: ما تعبدون من بعدي ويكون قوله قالوا: الخ بيان فساد ادعائهم لا داخلاَ في حيز الإنكار كان سائلاً سأل فما قالوا له فأجابه بما ذكر ولا تعلق له بما قبله لاختلال النظم وانحلال الربط والمصنف رحمه الله اختار هذا الجواب فلم يبال بما أورد عليه ولهذا اقتصر على قوله: وقال ولم يذكر ما قالوه فالاستفهام إنكاريّ بمعنى ما كنتم حاضرين ذلك فكيف تدعونه، وقيل: وجه الردّ عليه أنّ المعنى ما كنتم حاضرين حين موته ولا تعرفون ما وصى به حيث وصى بخلاف ما تدعون فلم تدعون له من غير علم ما يخالف ما ظهر منه، وهذا في غاية الوضوح وان خفي على صاحب الكشاف وشراحه ولا يخفى أنه لا ينزع عرق الشبهة، ولو قيل: إنّ قوله إذ قال لبنيه لا تعلق له بالأوّل ولذا أعاد إذ بدون عطف لكان أظهر ولكن كلام المصنف رحمه الله يخالفه، قيل: ولو ذهب إلى أنّ أم إضرابية داخلة على الخبر بدون الاستفهام لإبطال ما ادّعوه بذكر خلافه لم يحتج إلى توجيه والإضراب عليهما انتقالي وجوّز على الانقطاع المذكور أن يكون الخطاب للمؤمنين للتحريض على اتباع نبينا صلى الله عليه وسلم بإثبات بعض معجزاته وهو الإخبار عن حال الأنيجاء السابقين عليهم الصلاة والسلام من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب والإنكار بمعنى أنه لم يكن أي ما كنتم حاضرين ذلك ولا شاهدتموه ولا سمعتموه فإنما حصل بطس يق الوحي فلا يصح قصد الخبر به حينئذ وعلى الأوّل يصح كون الإضراب لإبطال ما ادّعوه المأخوذ من سبب النزول لا لما قبله. قوله: (أو متصلة بمحذوف تقديره كنتم غائبين الخ) هذا على كون الخطاب لليهود والمقصود الردّ عليهم فيما ادّعوه من تهوّد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقدره بما ذكر والمراد اق حالكم لا يخلو من الغيبة أو الحضور فعلى الأوّل كيف تجزمون بما لم تروه وتدركوه وعلى الثاني فليس الأمر كما قلتم بل الثابت خلافه، والزمخشرّ قال تقديره أتدعون على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اليهودية أم تعلمون كونهم على الإسلام لاعترافكم بحضور آبائكم وصية يعقوب عليه الصلاة والسلام وإعلامهم بذلك قرنا بعد قرن، قال النحرير: وليس الاستفهام على حقيقته حتى يعتزض بأنّ كلا الأمرين معلوم التحقق بل على سبيل الفرض والتقدير والتفويض إلى إخبارهم واقرارهم قصداً إلى تبكيتهم وإلزامهم لقطعهم بالثاني أعني حضور أسلافهم وفيه نفي لدعواهم يهودية أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام فإن قيل لا معنى للإسلام فإن قيل لا معنى ل! سلام الذي عليه يعقوب عليه الصلاة والسلام وبنوه سوى الإذعان والقبول للأحكام والإخلاص له تعالى لا التصديق بنبينا صك! يرو وهو لا ينافي اليهودية التي ادّعوها حتى يلزم من) ثباته نفيها، قيل: لا توحيد لهم لقولهم عزير ابن الله ولا إسلام لعنادهم واستكبارهم وترفعهم عن قبول كثير من الأحكام لا سيما نبوة محمد صلى الله عليه وسلم (وفيه بحث) فإنّ الإسلام بهذا المعنى قطعا وهم يدعون أنّ اليهودية من هذا الإسلام وأنهم عليها وليس في هذا المقام ما ينفيه فتأمّل. توله: (وقيل الخطأب للمؤمنين الخ) هذا على الانقطاع وقد تقدّم تقريره، وقيل: هذا مختار الزمخشريّ ولم يرتضه المصنف رحمه الله فإنّ الخطاب هنا مع اليهود بقرينة سبب النزول لا يستقيم أن يخاطب به المؤمنرن وقد علمت ما في سبب النزول من الضعف، وقد اعترض أبو حيان رحمه الله على ا! لوجه الأوّل بأنه لا يعلم أحداً من النحاة أجاز حذف الجملة المعطوف عليها في أم المتصلة لمانما سمع حذف أم مع المعطوف

لأنّ الثواني تحتمل ما لا تحتمل الأوائل كقوله: فوالله ما أدري أرشد طلابها أي أم غيّ لكن سبق الزمخشريّ إليه الواحديّ وقدره أبلغكم ما تنسبون إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام من إيصائه بنيه باليهودية أم كنتم شهداء وذكر ابن هثام في المغني ولم يتعقبه، وقال ابن عطية رحمه الله: أنّ أم بمعنى الهمزة للاستفهام التوبيخي وهي لغة يمانية ولا تكون إلا في صدر الكلام وحكى الطبريّ رحمه الله أنها تكون في وسطه وشهداء جمع شهيد أو شاهد بمعنى حاضر وحضر يحضر كقعد يقعد وفي لغة حضر بكسر الضاد في الماضي وضمها في المضارع وهي شاذة، وقيل: إنها على التداخل وإنما جعل إذ الثانية بدلاً من الأولى بدل اشتمال لأنها لو تعلقت بقالوا لم ينتظم الكلام. قوله: (أراد به تقريرهم الخ) أي تثبيتهم على ذلك فليس استفهاماً حقيقيا وما عامّ يصح إطلاقه على ذي العلم وغيره عند الإبهام سواء كان استفهاميا أو لا وإذا علم أنّ الشيء من ذوي العقل والعلم فرق فحص من بذوي العلم وما بغيره وبهذا الاعتبار يقال: إنّ ما لغير العقلاء واستدلّ على إطلاق ما على ذوي العقول بإطباق أهل العربية على قولهم من لما يعقل من غير تجوّز في ذلك حتى لو قيل: من لمن يعقل، كان لغوا بمنزلة أن يقال لذي عقل عاقل، فإن قيل: ههنا يجب أن يفرق بمن وما لأنّ ما يعقل معلوم أنه من ذوي العلم قلنا لكن بعد اعتبار الصلة أعني يعقل وأمّا الموصول فيجب أن يعتبر مبهما مرادا به شيء ما ليصح في موقع التفسير بالنسبة إلى من لا يعلم مدلول من وليقع وصفه بيعقل مفيدا غير لغو وقد تقرّر أنّ ما يقع سؤالاً عن مفهوم الاسم وماهية الشيء، وعن الوصف والوصف في نفسه لا يعقل فإذا كان هو المراد أطلقت ما على العقلاء وما في الآية يجوز أن يحمل على هذا والمعنى ما معبودكم. قوله: (المتقق على وجوده) أخذ الاتفاق من جعله إلها لهم ولآبائهم وعدّ إسماعيل أبا ليعقوب مع أنه من نسل أخيه إسحق بطريق التغليب وهو ظاهر وأما الجد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام فداخل في الآباء لأنه أب حقيقة فلذا لم يذكره المصنف في المغلب عليه، والمشهور في علاقة التغليب أنها الجزئية والكلية فقوله: أو لأنه كالأب وجه آخر المراد به أنّ العمّ يطلق عليه أب بدون تغليب لمشابهته للأب في كونهما من أصل واحد وقيامه مقامه في أكثر الأمور وكثر ذلك فيه فصح جمع أب وأب وأب بمعنى أب وجد وعمّ على آباء كما يقال عيون للعين الباصرة والجارية والذهب مثلاَ فلا يرد عليه أنّ المقابلة غير صحيحة لأنّ المشابهة طريق للتغليب كالمصاحبة ويعتذر بأنه اعتبر التغليب أوّلاً بعلاقة المصاحبة وثانيا بعلاقة المشابهة، وعنم الرجل صنو أبيه حديث صحيح أخرجه الشيخان والصنو بالكسر واحد صنوأن وهما نخلتان من عرق واحد. قوله: (هذا بقية آبائي) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وغيره بلفظ: احفظوني في العباس فإنه بقية آبائي قال النحرير أي الذي بقي من جملة آبائي يقال بقية القوم لواحد بقي منهم ولا يقال بقية الأب للأخ والحاصل أنّ بقية الشيء من جنسه. قوله: (وقرئ إله أبيك الخ) في شرح التسهيل قالوا أبون وهو يحتمل وجهين أن يكون أصله أبوين ضموا الباء لمناسبة الواو ثم حذفت كسرة الواو للتخفيف وهي لالتقاء الساكنين وأن يكونوا استعملوه ناقصاً كما كان حالة إفراده وهو أسهل، والشعر المذكور لزياد بن واصل السلمي وهو: غزتنا نساء بني عامر فسمن الرجال هوأنامبينا بضرب كولع ذكور الذباب تسمع للهام فيه رنينا ورمى على كل عرّافة تردّالشمال وتعطي اليمينا فلما تبين أصواتنا بكين وفديننابالأبينا ويروي فلما تبين أشباحنا والنون في الأفعال للنسوة اللاني أسرن وفديننا بتشديد الدال أي قلن جعل الله آباءنا فداءكم وألف الأبينا للإطلاق والرواية فلما بالفاء لا بالواو أو أبيك على هذه القراءة مفرد وابراهيم بدل منه أو عطف بيان! اسمعيل معطوف على أبيك ولم يرتض كونه عمّ لالإضافة فأبدلا منه. قوله: (بدل من إله الخ) والنكرة تبدل من المعرفة بشرط أن توصف واليه اشار المصنف رحمه الله بقوله: كقولك الخ

والبصريون لا يشترطون ذلك فيها وأشار إلى فائدة الإبدال بأنها دفع توهم التعذد الناشئ من ذكر الإله مرّتين وبين وجه تكراره بأنه أعيد لأنه لا بعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجاز، وقوله: أو نصب على الاختصماص، قال أبو حيان: النحويون ن! ص على أنّ المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرة ولا مبهماً وجعله منصوباً على الحال الموطئة ونحن له مسلمون حال من الفاعل أو المفعول أو منهما لوجود صميريهما أو اعتراضية في آخر الكلام بلا كلام. قوله: (والأمة في الأصل المقصود الخ الأنها من أمّ بمعنى قصد قال الراغب: الأمّة كل جماعة يجمعهم أمر مّا إما دين واحد أو زمان واحد أو مكان لأنهم يؤم بعضهم بعضا أي يقصده. قوله: (لكل أجر عمله الخ) وقع في نسخة لكل أجير وهي أظهر أي لكل أجير جزاء عمله وأمّا على هذه فالظاهر لكل عمل أجره ولا داير للعدول عنه وقيل: فيه إشارة إلى أنّ المراد بمالها أجر مالها وإن ههنا قصر المسند على المسند إليه أي لها أجر كبتها لا أجر كسب غيرها ولكم أجر كسبكم لا أجر ك! سب غيركم وسيأتي ما فيه، وقوله: والمعنى الخ بيان لانتظام الكلام معنى مع ما قبله وهو مأخوذ من ذكر الكسب دون النسب بطريق التعريض وأمّا لفظاً فلأنه صفة أو حال أو استئناف. قوله: (والمعنى الخ) في الكشاف والمعنى أنّ أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدّما كان أو متأخراً فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم، قيل: هذا يشعر بأنّ لها ما كسبت الخ من قصر المسند على المسند إليه أي لها سسبها لا كسب غيرها ولكم كسبكم لا كسب غيركم وهذا كما قيل: في لكم دينكم ولي دين أي لا ديني ولا دينكم اهـ. وتحقيقه أنّ تقديم المسند على المسند إليه مذهب السكاير والخطيب أنه يفيد قصر المسند إليه على المسند فمعنى عليك التكلان لا على غيرك وصرح به الزمخشريّ في مواضمع والسكاكيّ في أحوال المسند وقال في القصر إنه من قصر الموصوف على الصفة وعند الطيبي ومن تابعه أنه من قصر المسند على المسند إليه وهو عنده من قصر الموصوف على الصفة ذكره في التبيان وذكر صاحب الفلك الدائر أنه لا يفيد قصراً أصلا وذهب بعض المتأخرين أنه يرد لكل منهما وقال: إنّ قول عليّ رضي الله عنه: لئا علم وللأعداء مال ظاهر فيه لكن العكس صحيح وهل هو مستفاد من التقديم أو من معونة المقام والتقديم قرينة عليه، قال الظاهر الثاني فيصرف إلى ما يقتضيه المقام وفيه نظر والمشهور كلام السكافي لكته قيل عليه إنّ المسند في لا فيها غول هو الظرف والمسند إليه ليس مقصوراً عليه بل على جزئه وهو الضمير الراجع إلى خمور الجنة، وأجيب بأنّ المراد أنّ عدم الغول مقصور على الاتصاف بفي خمور الجنة والحصول فيها لا يتجاوزه إلى الاتصاف بفي خمور الدنيا وكذا لكم دينكم كما في شروح المفتاح فالموصوف الدين والغول أو عدمه ولا يشترط فيه أن يكون ذاتا وضعية الحصول فيها مثلاً فهذه مغالطة نشأت من عدم فهم مراده وأيضا أنه إذا قصمر المبتدأ على المجرور كان من قصر الصفة وهو الدين على الموصوف وهم المخاطبون وقد ذهب إلى توجه هذا كثيرون وقالوا: إنّ الأمثلة لا تساعده منهم العلامة في شرح المفتاح وهو محل تامّل مبسوط في شرح التلخيص وحواشيه فما قاله النحرير هنا إن حمل على ظاهره يفيد أنّ التقديم يكون لكل من القصرين لكن كلامه في المطوّل وغيره ينافيه ولك أن تقول إنه بيان لمحصل المعنى ومآل الجملتين، وتحقيقه أنها إذا كانت لقصر المسند إليه على المسند يكون المعنى ليس ما كسبت إلا لها وليس ما كسبتم إلا لكم ومآله أنه ليس لكل إلا ما كسب، ألا تراك لو قلت ليس العلم إلا لزيد وليس المال إلا لعمرو ردّ المعتقد التثريك أو العكس لزم منه أنه ليس لزيد إلا العلم وليس لعمرو إلا المال لأنّ كل جملة مستلزمة لعكس الأخرى كما مرّ في البيت المنسوب لعليّ كرم الله وجهه ولهذا قال: يشعر ولم يقل يدل أو يصرح ويكون صدر هذه الآية كقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [سورة النجم، الآية: 39] وآخرها كقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سورة فاطر، الآية: 18] وعكس هنا لمناسبة افتخارهم بآبائهم فإن قلت قد وقع في الآيات والأحاديث الانتفاع والتضرو بفعل الغير كقوله تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [صورة المائدة، الآية: 32] " ومن سن سنة سيئة فعليه ورّرها ووزر

من يعمل بها " (1 " قلت) قيل إنه منسوخ بقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [سورة النجم، الآية: 39] ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: إنه من طريق لعدل وأمّا من طريق الفضل فقد يثاب كما يؤاخذ بالسبب وقال المصنف رحمه الله: في غير هذا الموضعكما لا يؤاخذ بذنب الغير لا يثاب بفعله وما في الأخبار إنّ الصدقة والحج ينفعان الميت فلكون الناوي كالنائب عنه وكلامه هنا يشير إليه وسيأتي تحقيقه في محله. قوله: (لا يأتيني الناس بأعمالهم الخ) ، قال العراقيّ رحمه الله: لم أقف عليه، وقال السيوطيّ: خرجه ابن أبي حاتم من مرسل الحكم بن مينا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا معشر قريش إنّ أولى الناس بالنبئ صلى الله عليه وسلم المتقون فكونوا أمماً بسبيل من ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الآعمال وتلقوني بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي " وهذا بمعناه قال النحرير رواه الجمهور ياتيني بالتخفيف فهو خبر في معنى النهي كما تقول النهي كما تقول تذهب إلى فلان تقول له كذا وتأتوني منصوب على أنّ الواو للصرف والنون للوقاية وقد حذفت نون الإعراب أي لا يكن من الناس الإتيان بالأعمال ومنكم بالأنساب وأمّا على رواية التشديد فهو صريح نهي، وقوله: الضمير الغائب هو بمعنى ضمير الغائب ومرّ ما في الآية من اللف والنشر وقوله: نكون الخ وقيل: إنه منصوب على الإغراء أي الزموا مفة إبراهيم وقيل: منصوب بنزع الخافض أي يقتدي بملة إبراهيم. قوله: (ولا تسألون عما كانوا يعملون الخ) إن أجرى السؤال على ظاهره فالجملة حالية مقرّرة لمضمون ما قبلها وان أريد به سببه أعني الجزاء فهو تذييل لتتميم ما قبله والجملة مستأنفة أو معترضة والمراد تخييب المخاطبين وقطع أطماعهم من الانتفاع بحسنات من مضى منهم وإنما أطلق العمل لإثبات الحكم بالطريق البرهاني في ضمن قضية كلية، وقيل: إنّ ما ذكره لا يليق بشأن التنزيل يكف لا وهم منزهون عن كسب السيئات فمن أين يتصوّر تحميلها على غيرهم حتى يتصدى لبيان انتفاعه وقد علم مما مر سقوطه فإنّ المقصود سوقها بطريق كليّ برهانيّ فكيف يتوهم ما ذكره. قوله: (مائلاَ عن الباطل إلى الحق الخ) أصل معنى الحنف الميل في الرجل وأطلق على الدين الحق المائل عن الباطل وهو حال إن كان من ملة فتذكيره لتأوبلها بالدين أو لكون فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث وهذا إذا كان المقدّر نتبع ظاهر وأما إذا كان المقدر نكون ففي مجيء الحال من خبرها وخبر المبتدأ تردّد وأمّ إذا جعل حالاً من المضاف إليه فيجوز بناء على ما ارتضوه من أنه دجوز في ثلاث صور إذا كان المضاف مشتقاً عاملاً أو جزءاً أو بمنزلة الجزء في صحة حذفه كما هنا فإنه يصح اتبعوا إبراهيم بمعنى اتبعوا ملته فيتحد عامل الحال وذوها حقيقة أو حكماً ولذا مثله بقوله ما في صدورهم لأنّ الصدور بعض وهذا مشبه به، وقوله: وما كان من المشركين اعتراض أو معطوف على الحال للتعريض المذكور وحينئذ فهي حال من المضاف إليه إلا أن يقدّر وما كان دين المشركين وهو تكلف. قوله:) الخطاب للمؤمنين الخ) ردّ على الزمخشريّ، إذ جوّز أن يكون للكافرين فإنّ قوله فإن آمنوا الخ يقتضي خلافه فيحتاج إلى تأوبله بأنه داخل في مقول قل أي وقل لهم قولوا ويكون قوله وما أنزل إلينا وارداً على عبارة الآمر دون المأمور كأنهم أمروا بأن يقولوا هذا المعنى على وجه يليق بهم وهو أن يقولوا وما أنزل إليكم أيها المؤمنون أو إشارة إلى أنهم من أمّة الدعوة وقد أنزل الكتاب إليهم أيضاً لكان المناسب أن يقدر فيما مر كونوا ملة إبراهيم وكله تكلف، وقوله: لأنه أوّل بالإضافة إلينا أي لم يصل إلى المؤمنين عمله وخبره إلا بعد وصول القرآن، أو لأنّ الإيمان بالقرآن سبب للإيمان به والسبب مرتبته التقدم ثم أوّل نزول صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عليهم باتباعهم كما في نزول القرآن على أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، والأسباط جمع سبط كأحمال وحمل وهو في بني إسرائيل كالقبائل فينا وهو من السبوطة وهي الاسترسال وقيل: إنه مقلوب من البسط، قال الحلبي: وقيل للحسنين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صشار ذرّيتهما ثم قيل: لكل ابن بنت سبط وكذا قيل: له حفيد أيضاً والحفدة والحفد جمع الحافد والحفيد ولد الولد وبه فسر أوّلاً وثانياً بالأولاد وذريتهم، وذراري يجوز فيه تشديد الياء وتخفيفها كأثافي وأثافيّ

وأواقي وأواقيّ وكذا كل جمع في آخره ياء مشدّدة ذكر الكرماني في شرح البخاري، وقوله: وهي وان الخ قد أسلفنا لك تصحيح هذا التركيب فلا تلتفت إلى ما قيل: إنه تركيب مختل لخلو هي المبتدأ عن الخبر ولما عن الجواب فلو حذف وإن وقوله فهي لكان هو الصواب ولما هنا ظرف بمعنى حين فتذكر. قوله: (أفردهما بحكم أبلغ الخ) المراد أنه أفرد موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام مع دخولهما في الأسباط بالحكم الأبلغ وهو الإيتاء وهو أبلغ من الإنزال لأنك تقول أنزلت الدلو في البئر ولا تقول آتيتها إياه لدلالة الإيتاء على الإعطاء الذي فيه شبه التمليك والتفويض ووجه مغايرته لما سبق من وجوه عديدة ككونهما كتابين عظيمين لم ينزل مثلهما وككثرة ما اشتملا عليه من الأحكام وغيرها وكوقوع التبشير بنبينا صلى الله عليه وسلم فيهما، فإن قلت كيف يكون الحكم المنفردان به هو الإيتاء وقد قيل: بعده وما أوتي النبيون، قلت المنفردان به هو إسناد الإيتاء إليهما على التعيين وقوله: جملة المذكورين في نسخة جملة بالتنوين والمذكورون بالرفع والمعنى واحد وقوله: منزلاً عليهم من ربهم يحتمل أنه بيان لتعلقه بأوتي لأنه بمعنى أنزل أو أنه حال متعلقه ما ذكر، وقيل: إنه خبر ما وقوله: فنؤمن بالنصب في جواب النفي. قوله: (وأحد لوقوعه في سياق النفي عامّ الخ) الذي في الكشاف أنّ أحدا في معنى الجماعة لأنه اسم يصلح لمن يخاطب يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث ويثترط أن يكون استعماله مع كلمة كل أو في كلام غير موجب نص على ذلك أبو عليّ وغيره من أئمة العربية وهذا غير الأحد الذي هو بمعنى أوّل في مثل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فإنّ همزته من واو من الوحدة فلا يمكن أن يشمل الكثير لمنافاته لوضعه وهمزة هذا أصلية وليس من الوحدة لإطلاقه على غير الواحد حقيقة واعتبار وحدة نوعية وغيرها ينافي كونهم صرحوا بأنه معنى حقيقيّ له وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي على ما سبق لبعض الأوهام، ألا ترى أنه لا يستقيم لا نفرّق بين رسول من الرسل إلا بتقدير عطف أي رسول ورسول ولستن كأحد من النساء ليس في معنى كامرأة كذا قال النحرير معترضاً على المصنف ومن تابعه وعليه جملة أرباب الحواشي وبه اتضح وجه القول بأنّ الهمزة في هذا أصلية وفي الآخر بدل من الواو فإنه خفي على كثيرين وكان المصنف رحمه الله لذلك جعله بمعنى واحد فلا ة مكن تعدده إلا باعتبار عه ومه في النفي، قال القرافيّ في الدر المنظوم: قال النحاة إذا قلت خذ أحد هذين فألفه منقلبة عن واو ويستعمل في الإثبات، وإذا قلت ما جاءني أحد فالفه ليست منقلبة عن واو ولا يجوز استعماله في الإثبات يعني إلا مع كل ويشكل بأن اللفظ صورتهما واحدة ولفظ الوحدة تتناولهما والواو فيها أصلية فيلزم قطعاً انقلاب الألف عنها وأن يكوّنا مشتقين من الوحدة وأمّا جعل أحدهما مشتقا منها دون الآخرة فترجيح من غير مرجح وقد أشكل هذا على كثير من الفضلاء حتى أطلعني الله على جوابه وهو أنّ أحدا الذي لا يستعمل إلا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة واحدا الذي يستعمل في الإثبات معناه الفرد من العدد وإذا كان مسمى أحد اللفظين غير مسمى الآخر في اللغة وضابط الاشتقاق أن تجد بين اللفظين مناسبة في اللفظ والمعنى ولا يكفي أحدهما تغايراً في الاشتقاق وبهذا يعلم ما هو أحد الذي لا يستعمل إلا في النفي وما هو أحد الذي يصلح للنفي والثبوت بأن تنظر إن وجدت المقصود به إنسان فهو الذي لا يستعمل إلا في النفي وألفه ليست منقلبة عن واو وإن وجدت المقصود به نصف الاثنين من العدد فهو الصالح للإثبات والنفي وألفه منقلبة عن واو اص. إلا أنّ المصنف جعلهما واحداً وجعل التعدّد من عموم النكرة المنفية، وقول النحرير لا يستقيم لا نفرّق بين رسول بدون عطف غير مسلم عنده أيضا، قال قي الانتصاف النكرة الواقعة في سياق النفي تفيد العموم لفظاً عموما شمولياً حتى ينزل المفرد فيها منزلة الجمع في تناوله الآحاد مطابقة لا كما ظنه بعض الأصوليين من أنّ مدلولها بطريق المطابقة في النفي كمدلولها في الإثبات وذلك الدلالة على الماهية وإنما لزم فيها العموم من حيث إن سلب الماهية يستوجب سلب الإفراد لما بين الأعم والأخص من التلازم في جانب النفي إذ سلب الأعم أخص من سلب الأخص فيستلزمه فلو كان لفظها لا إشعار له بالتعدد والعموم وضعا

لما جاز دخول بين عليها وقد ساق هذا على أنه معنى كلام الكشاف وتبعه العلامة في شرحه والمصنف وقد حققنا المقام، بما فيه شفاء الغليل فليكن في خزانة فكرك عدة تدفع بها الأوهام. قوله: (من باب التعجيز والتبكيت الخ) ظاهر الآية أنهم إن آمنوا بدين مثل دين آمنتم به فقد اهتدوا لكن الدين الذي آمنتم به وهو دين الإسلام والتوحيد ليس له مثل فكيف يؤمنون بمثله، فأجاب بأنه من باب التبكيت أي إلزام الخصم فقد فرض أنهم إن حصلوا ديناً مثل دين الإسلام في الصحة فقد اهتدوا لكن من المحال تحصيل مثله فاستحال الاهتداء بغير دين الإسلام فبنى الكلام على الإضافة ليكون أبعث لهم على الاتباع حيث لم يطلب منهم الإيمان بما آمنوا به بل الإيمان بما هو حق وعلى ما ينبغي أيامّاً كان فاذا هجم بهم الفكر على أن ذلك الحق منحصر فيما آمنوا به لم يكن لهم محيص عن الإيمان وعلى هذا يكون آمنوا متعدياً بالباء أو يجري آمنوا مجرى اللازم والباء للاسنعانة والآلة أي إن دخلوا في الإيمان باستعانة شيء دخلتم في الإيمان باستعانته وهو كلمة الشهادة فقد اهتدوا أو مثل زائد كقوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [سورة الأحقاف، الآية: 10] أي عليه، وقراءة ابن عباس وأبيّ رضي الله عنهم تدل عليه وقوله كقوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسورة مِّن مِّثْلِهِ} [سورة البقرة، الآية: 23] إشارة إلى أنّ ذكر المثل فيها أيضاً للتعجيز وسلوك الطريق المنصف ومنه يعلم سقوط ما ذكر فيها سابقاً فتذكر. قوله: (وقيل الباء للالة الخ) أي ليست صلة بل هي للاستعانة وآمنوا بمعنى أوجدوا الإيمان الشرعي ودخلوا فيه من غير احتياج إلى تقدير صلة أي فإن دخلوا في الإيمان بواسطة شهادة مثل شهادتكم قولاً واعتقاداً وذلك طريق للإيمان ولا مانع من تعذده كما قيل: الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق وعلى الوجهين ما موصولة عبارة عن الدين أو الشهادة. قوله: (أو مزيدة الخ) أي الباء زائدة وما مصدرية وضمير به دلّه واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: إيمانكم وجوّز أن يكون لقوله آمنا بالله الخ بتأويل المذكور أو للقرآن أو لمحمد صلى الله عليه وسلم، أو مثل مقحمة كما في الآية المذكورة وقراءة بما آمنتم به بدون مثل قراءة ابن عباس رضي الله عنهما وقراءة بالذي آمنتم به قراءة أبيّ رضي الله عنه. قوله: (أي إن أعرضوا الإيمان الخ) فسر التولي بالإعراض! وقد مرّ الفرق بينهما لكن الفرق لا يحتاج إليه وكان بعض مشايخنا رحمه الله يقول الألفاظ المتقاربة المعاني إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت وهو منزع لطيف والشقاق والمناواة المخالفة والمعاداة، واختلف في اشتقاق الشقاق فقيل: من الشق بالكسر أي الجانب لأنّ كلاً منهما في جانب غير الذي فيه الآخر واليه أشار المصنف رحمه الله وقيل: إنه من المشقة وقيل: ماخوذ من قولهم شق العصا إذا أظهر العداوة. قوله: (تسلية الخ) وجه التسلية فيه ظاهر، وقوله: وتسكين أي تسكين لروعهم ومثبت لهم، وقوله: إمّا من تمام الوعد الخ وإذا كان من تمامه يفيد أنّ ذلك كائن لا محالة لعلمه بما هم عليه وسماعه لما يقولون المقتض له وأخذ تحقق وقوعه من هذا التأكيد مخالفاً للزمخشريّ من أخذه من السين في {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ} حيث قال معنى السين إنّ ذلك كائن لا محالة ولو بعد حين لأنّ السين حرف تنفيس لا دلالة له على التأكيد وقول الشراح في توجيهه أنّ دلالتها على التأكيد من جهة كونها في مقابلة لن الدالة على تأكيد النفي قال سيبويه لن أفعل نفي سأفعل فيه تأمّل. والضميران مفعولان تقول كفاه مؤنته وأو في قوله أو وعيد للتنويع لا للترديد فلا يمتنع حمل الكلام على الوعيد والوعد معاً. قوله: (أي صبننا الله صبنتة الخ) الصبغة كالجلسة مصدر صبغ الثوب ونحوه وهو معروف ولما كان في الصبغ تزيين للمصبوغ ودخول فيه وظهور أثره عليه جاز أن يستعار للفطرة والطبيعة التي خلقهم الله عليها لأنهم يتزينون بها كما يتزين الثوب بصبغه أو للهداية التي هداهم الله بها لذلك أو للإيمان الذي أظهره الله عليهم كما يظهر أثر الصبغ على المصبوغ ويؤيده أنّ العرب سمت الديانات والاتصاف بها صبغة كما قال الشاعر: وكل أناس لهم صبغة وصبغة همدان خيرالصبغ قالوا: وعلى هذه الأقوال هو من الاستعارة التصريحية التحقيقية والقرينة الإضافة إلى الله والجامع

التأثر والظهور والتزين قالوا وهذا أنسب من المشاكلة لأنّ الكلام عام في اليهود والنصارى وتخصيصه بالنصارى لا وجه له، وأجيب بأنّ اختصاص الغمس في المعمودية بالنصارى لا ينافي صحة اعتبار المشاكلة لأنّ ذلك الفعل كائن فيما بينهم في الجملة وهذا يصححه ولكنه لا يقتضي حسته ويدفع التكلف عنه وهو مراد المعترض. قوله: (أو للمشاكلة فإنّ النصارى الخ) هذا راجع إلى الوجه الأخير وهو معنى التطهير لا للوجوه كلها كما قيل فعبر عن التطهير عن درن الشرك بالصبغ مشاكلة فإنّ النصارى كانوا يصبغون أولادهم بماء أصفر يعتقدون أنه تطهير للمولود كالختان (11 لغيرهم فأطلق الصمبغ على التطهير بالإيمان للمشاكلة فإنّ المشاكلة كما تجري بين القولين تجري بين قول وفعل أيضا كما تقول إذا رأيت شخصاً يغرس أشجاراً أغرس غرس فلان تعني كن كريماً تصطنع الناس تريد حثه على الكرم والخير وان لم يجر ذكر الغرس لأنه مشغول به وعليه اقتصر الزمخشريّ، وقال المعنى تطهيراً لله لأنّ الإيمان يطهر النفوس والأصل فيه أنّ النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانياً حقا فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم قولوا آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا وطهرنا به تطهير الأمثل تطهيرنا أو يقول المسلمون صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريق المشاكلة الخ وقوله: فأمر المسلمون بناء على أن الخطاب للكافرين في قوله: قولوا آمنا، وقوله: أو يقول المسلمون بناء على الوجه الأوّل وهو أنّ الخطاب للمؤمنين والمصنف رحمه الله لم يذكر هذا الترديد لأنه لم يجوّز كونه للكافرين كما مرّ، والمعمودية بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الميم الثانية وكسر الدال المهملة وبالياء المثناة التحتية المخففة مر معناه وقال الصولي في شرح ديوان أبي نواس: أنه معرّب مغموذيا بالذال المعجمة ومعناه الطهارة ويراد بها ماء يقدس بما يتلى عليه من الإنجيل ثم تغسل بها الحاملات ا!. قوله: (ونصبها الخ) أي هو مصدر مؤكد لنفسه محذوف عامله وجوبا وليس ناصبه آمناً كما قيل، وقيل: إنه على الإغراء بتقدير الزموا أو عليكم وقيل: بدل من ملة إبراهيم على النصب وإليه ذهب الزجاج والكسائيّ وغيرهما وردّه الزمخشريّ وسيأتي جوابه، وقوله: لا صبغة أحسن من صبغته إشارة إلى أنّ الاستفهام إنكارقي في معنى النفي. قوله: (تعريض بهم الخ) التعريض مستفاد من تقديم نحن المفيد للحصر، وقوله: وهو عطف الخ يعني هذه الجملة معطوفة على جملة آمنا وهو بحسب الظاهر يقتضي كون صيغة الله داخلاً فيها أيضاً لا إغراء ولا بدلاً من ملة إبراهيم لما فيه من تفكيك النظم لتخلل الأجنبيّ على الإغراء بينهما وتوسط ما هو بدل مما قبلها بين أجزائهما، ولذا ردّه الزمخشريّ والمصنف رحمه الله أجاب عنه بقوله: ولمن قال الخ أي من قال به من أئمة العربية يحمل قولهم على أنهم قدّروا في هذه الجملة وقولوا نحن له عابدون بقرينة السياق فإنّ ما قبله مقول المؤمنين وتقدير القول سائغ شائع فلا يرد عليه أنه تكلف من غير دليل وهذه الجملة معطوفة على الزموا في صورة الإغراء والتقدير الزموا

صبغة الله، وقولوا: نحن الخ أو على اتبعوا ملة إبراهيم وقولوا آمنا بدل من عامل ملة إبراهيم المقدر أي الزموا أو اتبعوا وصبغة الله بدل من ملة والبدلى من الجملة ليس بأجنبيّ من بدل بعض أجزائها وقال الطيبي رحمه الله مراد القاضي أنّ العطف مانع من جعل صيغة الله نصبا على الإغراء فيقدر الزموا صبغة الله وقولوا نحن له عابدون، والحق أنّ كلا من قوله ونحن له مسلمون ونحن له عابدون ونحن له مخلصون اعتراض وتذييل للكلام الذي عقب به مقول على ألسنة العباد بتعليم الله تعالى لا عطف، وتحريره أن قوله: ونحن له مسلمون مناسب لآمنا أي نؤمن بالله وبما أنزل على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ونستسلم له وننقاد لأوامره ونواهيه، وقوله: ونحن له عابدون ملائم لقوله صبغة الله لأنها دين الله فالمصدر كالفذلكة لما سبق، وقوله: ونحن له مخلصون موافق لقوله: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [صورة القصص، الآية: 55] وهو ترتيب أنيق قال النحرير: فإن قيل نحن لا نجعله عطفا على آمنا بل على فعل الإغراء بتقدير القول أي الزموا صبغة الله وقولوا نحن له عابدون ولو سلم ففيما ذكرتم أيضاً فصل بين المعطوف والمعطوف عليه وكذا بين المؤكد والتأكيد بالأجنبيّ لأنّ قوله فإن آمنوا وقوله: فسيكفيكم الله لا يدخل شيء منهما في حيز قولوا: قلنا لا وجه لارتكاب الإضمار بلا دليل مع ظهور الوجه الصحيح وما ذكر من الفصل وان لم يتعلق بقولوا لفظاً فقد تعلق به معنى فلا فك للنظم وهو الحق الذي لا محيد عنه قيل: وفي عدم فك النظم بالفصل بين المفعول وبدله يبدل الفعل العامل تأمّل. قوله: (في شأنه واصطفائه نبياً من العرب الخ) قيده لدلالة قوله: ما أنزل إلينا سابقاً، وقوله: ومن أظلم ممن كتم الخ لاحقاً وقوله: على كل مذهب يعني من مذهب أهل الحق في أنّ النبوّة بفضل من الله يختص به من يشاء، ومذهب الحكماء من أنها تدرك بالمجاهدة وتصفية الباطن والقاهر من كدر العقائد والأخلاق والذي يشعر بالأوّل قوله ربنا وربكم والذي يشير إلى الثاني الأعمالى وينتحونه بالمهملة بمعنى يقصدونه، وقوله: روي الخ قال السيوطي لم أقف عليه في كتب الحديث. قوله: (أم منقطعة الخ) يعني إن قركأ أم يقولون بياء الغيبة لا تكون أم إلا منقطعة للإضراب عن الخطاب في أتحاجوننا أي بل أتقولون الخ وهو للإنكار بمعنى ما؟ ط ن ينبغي ذلك وان قرئ بالخطاب فيجوز الإضراب والمعنى ما ذكر، ويجوز الاتصال والمراد أيهما يكون بمعنى أنه لا ينبغي ذلك وإلا فالعلم حاصل بثبوت الأمرين، وما ذكروه من الانقطاع على الغيبة ومنع الاتصال حكي عن بعض النحاة جوازه لأنك إذا قلت أتقوم يا زيد أم يقوم عمرو صح الاتصال وقال أبو البقاء: وهو جيد وقيل: إنه إذا لم تكن الغيبة من باب الالتفات كما يقتضيه التوفيق بين القراءتين فإن كان فالقراءتان سواء في الاتصال والانقطاع والحاجة إليه لما سمعته، وقوله: وقد نفى الخ يعني أنّ الله نفى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما ادعيتموه وما ذكر بعده من إسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط أتباعه وعلى ديته فكيف يكونون هوداً أو نصارى. قوله: (يعني شهادة الله تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام الخ) يريد أنّ الظرفين كلاهما صفة شهادة أي كائنة من الله كائنة عند من كتم بمعنى متحققة له معلوه ت أنها شهادة الله والمعنى لا أظلم من أهل الكتاب لأنهم كتموا الشهادة على التحقيق أولاً أظلم من المسلمين لو كتموها على سبيل الفرض! فالفعل الماضي في الأوّل على أصله وفي الثاني للتعريض بمن تحقق منه الكتمان كما في قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} الأولى حمله على الأعم منهما لكن الأوّل قالوا إنه اتفق عليه أهل التفسير وهو المرويّ عن مجاهد وقتادة لكن اختلفوا في المكتوم وهل هو نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم أو حنيفية إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأمّا الثاني فلا يعرف، قال أبو حيان رحمه الله: ولا يناسب المقام وإنما حمله المصنف رحمه الله على التعريض لأنه ليس في الكلام تعرض له وقوله من للابتداء ظاهر وجوّز في من الله أن يتعلق بكتم أي كتمها من عباد الله وفيه نظر، وقوله: وقرئ بالياء قيل: إنه لم يوجد في شيء من كتب التفسير والقرا آت وليس كذلك فإنه قرأ بها السلمي وأبو رجاء وابن محيصن كما في اللوامح وهي شاذة خارجة عن الأربعة عشر. قوله: (تكرير الخ) قد مضى هذا النظم بعينه وبيان ما فيه لكنه أشار إلى حكمة تكريره أو أنّ شخص كل بمعنى ليكون تأسيساً والظاهر الأول ولذا قدمه إذ لا قرينة على الثاني. قوله: (الذي خفت أحلامهم الخ) السفه في الأصل مطلق الخفة ويطلق على خفة العقل وهو المراد هنا والأحلام جمع حلم وهو العقل، واستمهنوها بمعنى استذلوها والمراد بهم المنكرون لتغيير القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أمّا حرصاً على الطعن أو إنكاراً للنسخ، وخبره به قبل وقوعه كما يدل عليه قوله سيقول ليوطن نفسه ويعدّ الجواب له كما في المثل قبل الرمي يراس السهم ونحوه ولأنّ المكروه إذا وقع بعد العلم به لا يكون هائلا كما إذا وقع فجأة وبغتة فإنه أصعب وقيل إنها نزلت بعد تحويل القبلة وقوله: والقبلة الخ، قال الراغب: القبلة في الأصل اسم للحالة التي كان عليها المقابل نحو الجلسة والقعدة، وفي المتعارف اسم للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة والمراد بالمتعارف والعرف عرف اللغة لا عرف الناس حتى يتوهم أنه ليس بلغويّ مع وروده في كلام العرب كقوله:

أليس أوّل من صلى لقبلتكم كما مرّ والمتوجه بفتح الجيم قيل: وأطلق ذلك عليها إشارة إلى أنّ المكان ليس بمقصود بالذات بل الحالة الحاصلة من التوجه إليه وقوله: لا يختص! به مكان الخ إشارة إلى أنّ المشرق والمغرب عبارة عن جميع الأمكنة، والارتسام بمعنى الامتثال. قوله: (وهو ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة من التوجه الخ) عدل عن قول الكشاف توجيه لأنه مبنيّ على الاعتزال، وبدل قوله من التوجيه إلى التوجه لاحتياجه إلى التوجيه على ما بين في شروحه فالمراد بالصراط المستقيم ما أراده الله وهو التوجه إلى بيت المقدس ثم التوجه إلى الكعبة شرفها الله تعالى. قوله: (وكذلك إشارة إلى مفهوم الآية المتقدّمه الخ) فالمشبه به كونهم مهديين إلى الصراط المستقيم أو جعل قبلتهم أفضل القبل والمشبه جعلهم خيارا قيل: وفي فهم أفضلية قبلتنا من الآية المتقدمة تأمّل إذ مثلية الحكم الناسخ جائزة، ولا يخفى أنه مفهوم من التشبيه لأنّ معناه جعلناكم خياراً مفضلين كقبلتكم وهو يقتضي ذلك بالفحوى فتأمّل. ثم إنه خالف الزمخشريّ في قوله وكذلك ومثل ذلك الجعل العجيب {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قيل: لما فيه من التكلف وارتكاب إقحام بلا فائدة وفوات الارتباط بما قبله بخلاف ما اختاره وهو من قلة التدبر كما سترى، قال النحرير: يرد أنّ ذلك إشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعده لا إلى جعل آخر يقصد تشبيه هذا الجعل به كما يتوهم من أنّ المعنى ومثل جعل الكعبة قبلة {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} وإذا تحققته فالكاف مفحم إقحاما كاللازم لا يكادون يتركونه في لغة العرب وغيرهم هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام وتبع فيه العلامة حيث قال: يريد أنّ الكاف منصوب المحل على المصدر وهو إشارة إلى جعل القبلة أي كما جعلنا قبلتكم أفضل قبلة جعلناكم أمّة وسطا، وكنا نقول وقت سماع هذا الكتاب ذلك إشارة إلى التحويل، فقال الأستاذ رحمه الله: لا بل هو إشارة إلى الجعل الذي اشتمل عليه قوله: جعلناكم أمّة أي جعلناكم أمّة وسطا مثل هذا الجعل العجيب ويرد عليه أنه تشبيه الشيء بنفسه لكنا نقول بالفاوسية همجنين كرديم وهمجنين ميكنيم واين اشارتست باين فعل وكأنه لا يتسنه وسيرد عليك أمثال هذا وفي الكشف يريد أنه لم يشر به إلى سابق بل إلى الجعل المدلول عليه بجعلناكم وجيء بما يدل على البعد تفخيما وأصله جعلناكم أمّة وسطا مثل هذا الجعل أي جعلاَ عجيباً كما تشاهدونه والكاف مقحم للمبالغة وهذا إقحام مطرد في كلام العرب والعجم لا تكاد تسمع غيره وهو في القرآن كثير وهذا هو الوجه، وقال الطيبي في قوله: كذلك قال الذين من قبلهم أي جرت عادة الناس على ما شوهد من هؤلاء وقد كنت مع تحقق أنّ هذا هو الحق ومقتضى البلاغة برهة ألتمس ما يميط عنه لثام الشبهة إلا أني مع كثرة ما أرفرف عليه لم أجد ما يفصح عنه ويبرد غلة الصدر فيه حتى انكشف لي الغطاء عقلا ونقلا وتقريره أنّ الشريف قدس سرّه، قال في شرح المفتاح: ليس المقصود من التشبيهات هي المعاني الوضعية فقط إذ تشبيهات البلغاء قلما تخلو من مجازات وكنايات فنقول: إنا رأيناهم يستعملون كذا وكذا للاستمرار تارة نحو عدل عمر في قضية فلان كذا وهكذا أي عدل مستمرّ قال الحماسيّ: هكذايذهب الزمان ويفنى الى صلم فيه ويدرس الأثر ونص عليه التبريزي في شرح الحماسة وله شواهد كثيرة وقال في شرح قول أبي تمام: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر إنه للتهويل والتعظيم وهو في صدر القصيدة لم يسبق له ما يشبه به والإشارة كالضمير ترجع إلى المتأخر فتفيد التعظيم للتفسير بعد الإبهام فتجعل كناية عن ذلك وأن أمر عظيم مقرّر فالمراد في هذا ونحوه إنا جعلناكم جعلاً عجيباً بديعا هكذا وليست الكاف فيه زائدة كما يوهمه كلامهم لكنه قطع النظر فيه عن التشبيه واستعمل في لازم معناه فإن أريد بالإقحام هذا فمسلم ثم رأيت الوفلر عاصم بن أيوب قال في شرح قول زهير: كذلك خيمهم ولكل قوم إذا مستهم الضراء خيم قال: قال الجرجاني: تفسير لفظة كذلك أنها تشبيه إمّا لخبر مقدّم وامّا لخبر متأخر وهي نقيض كلا لأنّ كلا

تنفي وكذلك تثبت ومثله قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [سورة الحجر، الآية: 2 ا] فمعنى البيت أنّ هرماً وآباءه ثبت لهم حسن الخلق في دفع الملمات إذا نزلت بقومهم وإن كانت الأخلاق تتغير عند نزول الشدائد وحلول العظائم اهـ. فعليك بالعض على هذا بالنواجذ فإنه من بدائع هذا الكتاب وروائعه، والحمد لله الموفق للصواب، وقد ذكر مثله عن ابن الأنباري رحمه الله ومما يدل عليه دلالة ظاهرة قوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} [سورة البقرة، الآية: 18 ا] فلو كان كذلك للتشبيه لم يصرّح بعده بمثل، ولا حاجة لما ذكر في توجيهه. قوله: (أي خبارا الخ) الخيار جمع خير وهم خلاف الأشرار وقد يكون الخيار اسما من الاختي ار وأمّا الخيار لنوع من القثاء فمولد وظاهره كالكشاف أنّ الوسط يكون بمعنى الخير مطلقاً كما قالوا خير الأمور الوسط والتحقيق ما قاله السهيليّ في الروض أنّ الوسط وصف مدح في مقامين في النسب لأنّ أوسط القبيلة أعرقها وصميمها فهو أجدر أن لا تضاف إليه الدعوة وفي الشهادة كما هنا وهو غاية العدالة كأنه ميزان لا يميل مع أحد وظن قوم أنّ الأوسط الأفضل على الإطلاق، وفسروا الصلاة الوسطى بالفضلى وليس كذلك بل هو لا مدح ولا ذمّ كما يقتضيه لفظ التوسط غير أنهم قالوا أثقل من مغن وسط على الذمّ لأنه كما قال الجاحظ يختم على القلب ويأخذ بالأنفاس لأنه ليس بجيد فيطرب ولا برديء فيضحك وقالوا أخو الدون الوسط وقوله أوعد ولا قد عرفت وجه إطلاقه عليه أنه لا يميل إلى طرف، ومزكين بفتح الكاف المشذدة جمع مزكى كمصطفين، وقوله: بالعلم لأنه الخصال المحمودة وهما أساسها وهو في الأصل المكان الذي تستوي المساحة من جوانبه وهي قياس الأرض، ثم استعير للخصال المحمودة لأنها على ما ذكر في الأخلاق لكل مضها طرفان مذمومان بالإفراط والتفريط وما بينهما هو المحمود كما ذكره ثم أطلق الحال على المحل واستوى فيه الواحد وغيره لأنه بحسب الأصل جامد لا تعتبر مطابقته، وقد يراعي فيه ذلك والتهوّر الوقوع في الشيء بقلة مبالاة من إنها بمعنى وقع. قوله: (واستدلّ به على أنّ الإجماع الخ (لأنّ الله تعالى شهد بعدالتهم وقبول شهادتهم ولا يمكن أن يكون ذلك بالنسبة إلى كل فرد فبقي ذلك في اجتماعهم لقوله ع! يرو: " لا تجتمع أقتي على الضلالة " والكلام عليه في الأصول، وانثلصت بمعنى اختلت من الثلم. قوله: (علة للجعل (أدرج فيه العلم لأنّ الشهادة لا تكون إلا عن علم إمّا بالمشاهدة أو بالسماع والاستفاضة وعمومها للمعاصرين وغيرهم لعموم الناس. قوله: (روي الخ) هذا الحديث رواه البخاريّ والترمذيّ، وقوله وهذه الشهادة الخ جواب عما يقال إنّ التعدّي بعلى للمضرّة وشهادتهم على الناس ظاهرة وأمّا شهادة الرسول يكتون فهي لهم لأنها تزكية نافعة فأجاب بأنه ضمن معنى الرقيب المهيمن لأنّ المزكي مراقب لأحوالهم مقيد بمعرفتها، ويصح أن يكون لمشاكلة ما قبله. قوله: (وقدّمت الصلة الخ) يعني عليكم لأنّ المراد بالشهادة الثانية التزكية وهو صلى الله عليه وسلم إنما يزكي أمّته فقدم ليفيد الحصر وهو من قصر الفاعل على المفعول. قوله: (أي الجهة التي الخ) اختلفوا في الجهة التي كان صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها بمكة فقال ابن عباس وضي الله عنهما وجماعة كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس وأطلق آخرون اً نه صلى الله عليه وسلم: كان يصلي إلى بيت المقدس وقال آخرون كان يصلي إلى الكعبة فلما تحوّل إلى المدينة استقبل بيت المقدس وضعف هذا لما فيه من النسخ مرّتين والأصح الأول وقوله: أي الجهة التي كنت عليها ليس تفسيراً للقبلة بل للإشارة إلى أنّ جعل متعدّ لمفعولين الأوّل القبلة والثاني التي الخ بمعنى الجهة التي وليس الموصول صفة القبلة وهذا مختار الزمخشريّ، وعكس أبو حيان رحمه الله فقال التي مفعول أوّل والقبلة مفعول ثان وقال إنّ المعنى عليه، وقيل: التي صفة القبلة والمفعول الثاني محذوف أي ما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة، وقيل: لنعلم هو الثاني بتقدير مضاف أي ما جعلنا صرف القبلة إلا للعلم المذكور وعلى التفسير الأوّل التي عبارة عن جهة الكعبة وعليه النسخ وقع مرّتين وعلى الثاني الصخرة، وضمير بينه الأوّل للنبيّ

صلى الله عليه وسلم والثاني لبيت المقدس، وقوله والمعنى الخ بيان للثاني ويقابله قوله الآتي وعلى الأوّل معناه. قوله: (1 لا لنمتحن به الناس الخ) أي لنعاملهم معاملة الممتحن المختبر لتظهر حقيقة الحال ونعلم وتعلم يصح فيه النون والتاء وهو على التمثيل أي فعلنا ذلك فعل من يختبر ومنه يؤخذ جواب آخر عن السؤأل الآتي وعلى هذا اقتصر الزمخشريّ في قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ} [سورة آل عمران، الآية: 1140 في سورة آل عمران فتصير الأجوبة عن مثل هذا التركيب أربعة وهذا مبنيّ على الثاني أيضاً، والمراد بمن يرتد أهل مكة وقبلة آبائه إبراهيم واسمعيل عليهما الصلاة والسلام وهي الكعبة، وقوله أو لنعلم الآن أي حين حوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة والمراد بمن لا يتبعه أهل المدينة ومن يحذو حذوهم والمراد بالعارضى موأفقة قبلتهم والنكوص الإحجام عن الشيء. قوله:) فإن قيل الخ) يعني أنّ قوله لنعلم يشعر بحدوث العلم في المستقبل وعلمه تعالى أزليئ أجاب بوجوه ثلاثة تقدم رابعها أنه على التجوّز في الإسناد بأن أسند إليه تعالى ما هو مسند إلى خواصه المقزبين وليس على حذف مضاف، أو العلم قديم ومتعلقه حادث في الحال فعبر عنه بذلك باعتبار المتعلق لأنه الذي يتعلق به الجزاء إذ العلم قبله لا يتعلق به جزاء وإنما يكون بعد وجوده وطاعته أو عصيانه فالله تعالى وان كان عالماً به دائماً إلا أن العلم الذي يتعلق به مجازاته إنما يحصل بعد وجوده، وحاصله تخصيص العلم أو هو من إطلاق السبب وهو العلم على المسبب وهو التميز في الوجود الخاوجي عند المخلوقين ويؤيده تعديه بمن كالتمييز، وبه فسره ابن عباس رضي الله عنهما وقوله: ويشهد الخ لأن معناها ليعلم الناس ذلك ويتميز عندهم، وقيل: إنما يصلح شاهداً لما قبله وفيه نظر لأنه لم يعين فيها العالم إذ ظاهره العموم، وأفا ما قيل: إن نعلم للمتكلم مع الغير فالمراد ليشترك العلم بيني وبين الرسول فغير مناسب لتشريك الله مع غنره في ضمير واحد كما سيأتي. ووجه خامس أنه أريد بالعلم الجزاء أي لنجازي الطائع والعاصي وكثيراً ما يقع التهديد في القرآن بالعلم. قوله:) والعلم إما بمعنى المعرفة الخ) فيتعدّى لمفعول واحد وهو من الموصولة وممن متعلق به كما مز أو بمقدر أو بيان لمن، ويجوز أن يكون على أصله متعديا لاثنين قامت الجملة المعلق عنها مقامهما، وممن ينقلب حال من فاعل يتبع أي متميزاً عنه وبهذا اندفع قول أبي البقاء رحمه الله أنه لا يجوز أن تكون من استفهامية لأنه لا يبقى لقوله ممن ينقلب متعلقاً لأنّ ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده ولا معنى لتعلقه بيتبع، والكلام دال على هذا التقدير فلا يرد أنه لا قرينة عليه فإن قيل كيف يكون بمعنى المعرفة كذلك إذ المراد به الإدراك الذي لا يتعذى إلى مفعولين، وفيه نظر لأنه وقع في نهج البلاغة إطلاق العارف على الله تعالى وذكره ابن أبي الحديد في شرعته وأما السبق بالعدم فلا نسلم أنه من لفظ المعرفة بل ناشئ من معناها لأنها كذلك في اللغة وهو لا يضرّ لأنّ العلم أريد به هنا تعلقه ولذا عبر عنه بالمضارع وتعلقه مسبوق بالعدم فتأقل. وقوله: متميزاً يصح دعوه إلى الوجهين كما مرّ. قوله: (إن هي المخففة الخ) الخلاف في مثله معروف وهذه اللام تسمى الفارتة أو الفاصلة لفصلها بين النافية والمخففة وعلى قراءة الرفع كان زائدة، وقيل: إنها خبر مبتدأ محذوف أي فهي كبيرة والجملة خبر كان، وقوله: الثابتين الثبوت مأخوذ من مقابلة قوله ممن ينقلب على عقبيه والا فهي فعلية لا تفيد الثبوت. قوله: (أي ثباثكم على الإيمان) هذا أيضا مأخوذ من مقابلته لمن ينقلب وإلا فإضاعة أصل الإيمان وعدمها لا مانع من اعتبارها هنا. أو المراد به تصديق مخصوص بقرينة المقام. قوله:) أو صلاتكم (يعني الإيمان بمعنى الصلاة بقرينة المقام وهو مجاز من إطلاق اللازم على ملزومه وتد وقع تفسيره به في البخاري، وقوله:! كيف بمن ماتأ أي كيف يصنع به وهذا حديث صحيح أخرجه الشيخان والترمذفي والحاكم وأحمد عن البراء بن عازب رضي الله عنه. قوله: (فلا يضيع الخ) يعني إن المراد بالرحمة رحمة يترتب عليها ما ذكر ليتم الارتباط، وقوله: وهو أبلغ هو بناء على تفسير الرأفة بأشد الرحمة وحينئذ المناسب رحيم رؤوف وفيه نظر من وجهين الأوّل أنّ فواصل القرآن لا يلاحظ فيها الحرف

الأخير كالسجع كما هنا في رحيم وتعملون فذلك حال على كل حاصل. الثاني أنّ الرأفة حيث وردت في القرآن قذمت ولو في غير الفواصل كما في قوله تعالى: {رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} [سررة الحديد، الآية: 27] في وسط الآية والذي غزه كلام الجوهريّ، وهو عندي لن! بصواب ف! ق الرأفة معناها الشفقة واللطف والرحمة الإنعام ورتبتها التقديم كما قيل: الإيناس قبل الإبساس، وعليه استعمال العرب قال قيس الرقيات: ملكه ملك رأفة ليس فيه جبروت منه ولا كبرياء فانظره كيف أوضح معناها بالتقابل ومثله كثير في كلام العرب وقد فصلناه في سورة النور وقوله: ربما إشارة إلى أن قد هنا للتقليل وتحتمل التكثير كما في ربما وهما منصرفان إلى التقلب، والروع بالضم القلب، والتولي إما من الولاية أو من ولي جهته. قوله: (تحبها وتتشوّق إليها) جعل الرضا بمعنى المحبة والتشوّق لأنه لم يكن ساخطاً لتلك وإنما كان ألهم تغييرها فكان يتشوّق إلى مراد الله ويؤثره على مراده، وهذه مرتبة فوق التوكل وقوله: لمقاصد دينية إشارة إلى أنّ ميله لم يكن لهوى نفسه وإجابته لم تكن إلا لموافقة حكمة. قوله: (اصرف وجهك الخ) أي اصرفه عن غيره وأقبل به عليه لأن الإقبال بالوجه على شيء يقتضي صرفه عن غيره وإنما ذكره لاً نه تحوّل عن الجهة الأولى قال الراغب ولي إذا عدى بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع يقال: وليت سمعي كذا أقبلت به عليه قال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} الخ وإذا عدى بعن لفظاً أو تقديراً اقتضى معنى الإعراض اهـ. فهو هنا متعدّ إلى مفعولين كما سمعت وعرفت معناه، فمن قال لا يخفى أنه ليس من التولية بشيء من المعنيين بل هو من قبيل ما ولاهم لم يصب، والزمخشريّ قال شطر المسجد نصب على الظرف أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته، وقيل: إنه يشير إلى أنه قد ترك أحد مفعولي ولي وشطر ظرف بمعنى اجعل وجهك في جهة المسجد ولو كان مفعولاً به كما في لنولينك قبلة لما ذكر شطر بل اقتصر على المسجد وفيه نظر لأنّ وجه ذكر. أنه هو المتيقن كما صيأتي. والقطر بضم فسكون بمعنى الجانب وقوله: أن يتعرضوه أصله يتعرضوا له على الحذف والإيصال أو منع أن تدخله الكفرة. قوله: (نحوه الخ) هذا هو الصحيح في معنى الشطر، قال المبرد في الكامل: للشطر وجهان في كلام العرب أحدهما النصف والآخر القصد يقال: خذ شطر زيد أي قصده ونحوه وذكر الآية. قوله: (والبعيد يكفيه مراعاة الخ الا خلاف في أن حاضر الكعبة إنما يتوجه إلى عينها وإنما الخلاف في البعيد هل يلزمه التوجه إلى عينها أو يكفي التوجه إلى جهتها وهو المختار للفتوى وأدلة كلى من الفريقين مبسوطة في الفروع، والمصنف ر حمه الله اختار الثاني واستدل عليه بذكر المسجد دون الكعبة وكذا الشطر، وقوله: " روي الخ " اخرجه الشيخان، وقوله: ثم وجه الخ أخرجه أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن سعيد بن المسيب مرسلاً وليس فيه قبل الزوال لكن يؤخذ من الحديث الآتي وسلمة بكسر اللام قال الجوهريّ: وليس في العرب سلمة بالكسر غيره. قوله: (وقد صلى عليه الصلاة والسلام بأصحابه في مسجد بني سلمة الخ) قال السيوطي: هذا تحريف للحديث فإنّ قصة بني سلمة لم لكن فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم إماماً ولا هو الذي تحوّل في الصلاة أخرج النسائي عن أبي سعيد بن المعلى فال: كنا نعدو إلى المسجد فمررنا يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر فقلت: لقد حدث أمر لجلست فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} الآية فقلت لصاحبي تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ىلجح! ر فنكون أوّل من صلى فتوارينا فصليناهما ثم نزل رسولط الله صلى الله عليه وسلم فصلى الناس الظهر يومئذ، وأخرج أبو داود في الناسخ عن أنس رضي الله عنه: " أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فلما نزلت هذه الآية مرّ رجل ببني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس، إلا أنّ القبلة قد حولت إلى الكعبة فمالوا كما هم ركوعا إلى الكعبة " وأخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: " إن النبي

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الثأم فاستداروا إلى الكعبة " اهـ فقد علمت أن ما ذكره المصنف رحمه الله ليس موافقا للروايات الصحيحة فإنّ النبيّ ع! ي! لم يتحوّل في صلاته وأنّ التحوّل كان في صلاة الفجر. قوله:) وتبادل الرجال والنساء صفوفهم الخ) قيل: أراد أن الرجال تاموا في مكان النساء والنساء في مكان الرجال قيل: والطاهر أن مراده أنّ بعض الرجال قاموا مكان بعض النساء وبعض النساء قاموا مكان بعض الرجال مثلا إذا قام الإمام وصف خلفه صفين صفاً رجالاً وصفا نساء فإذا دار إلى جانب اليمين تحوّل ما في يمين الإمام من الرجال إلى خلف لاتباع الإمام وتسوية الصفوف فإذا كانوا قريبين من النساء يبعدوهن من أمكنتهن حتى يقوموا مكانهن، وكذا تحرّك من في يسار الإمام إلى قدام والنساء اللاتي خلف هؤلاء الرجال ليقف من وقفن مكان الرجال حتى تستوين مع النساء اللاني في جانب يمين الإمام كما يشهد به التخيل الصحيح، وقوله: واستقبل الميزاب أي كانت جهتهم مقابلة لميزاب الكعبة وهو معروف وقوله: خص الرسول ع! ت يعني في توله فولّ وجهك ثم عئم في هذه الآية لما ذكر. قوله: (جملة الخ (أي إجمالاً لمقابلته بقوله تفصيلاً، وقوله: لعلمهم الخ قيل: عليه هذه القبلة كانت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام كما مرّ فلا تخص شريعتنا فالأولى لعلمهم بأن محمداً عش! لا يأمر بباطل إذ هو النبيّ المبشر به في كتبهم، ولك أن تقول إنها نسخت فلم تكن قبلة فحين عاد التوجه إليها عن بيت المقدس صارت كأنها قبلة أخرى ولا يخفى ما فيه من التكلف، فالأحسن أن المراد أنه يغير قبلة من كان قبله إلى أخرى فلا يضره ما ذكر وقوله: للفريقين أي أهل الكتاب والمسلمين، وقوله: والمعنى ما تركوا الخ لأنّ عدم الاتباع بمعنى الترك وما قبله يدلّ على أنه كان عناداً، وقوله: وقبلتهم وان تعدّدت أي قبلة أهل الكتاب اليهود والنصارى لكنها لجمع البطلان لها كالشيء الواحد كما مرّ في قوله لن تصبر على طعام واحد، وقوله: لتصلب الخ في الأساس تصلب فلأن في الأمر إذا اشتد فيه، ثم إنّ كون قبلة النصارى مطلع الشمس صرحوا به لكن وقع في بعض كتب القصص أنّ قبلة عيسى عليه الصلاة والسلام كانت بيت المقدس وبعد رفعه ظهر بولس ودسق في دينهم دسائس منها أنه قال: إني لقيت عيسى عليه الصلاة والسلام فقال لي: إن الشمس كوكب أحبه يبلغ سلامي في كل يوم فمر قومي ليتوجهوا إليها في صلاتهم ففعلوا ذلك) بقي (الكلام في أن المطالع مختلفة فأيّ مطلع يعتبر عندهم لم أر من صرح به، وفي بدائع الفوائد لابن القيم قبلة أهل الكتاب ليست بوحي وتوقيف من الله بل بمشورة واجتهاد منهم أمّا النصارى فلا ريب أن الله تعالى لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال الشرق وهم مقرون بأن قبلة المسيح عليه الصلاة والسلام قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة وإنما وضع لهم أشياخهم هذه القبلة وهم يتعذرون عنهم بأن المسيح عليه الصلاة والسلام فوّض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام وأن ما حللوه وحرّموه فقد حلله هو وحرّمه في السماء فهم مع اليهود متفقون على أنّ الله لم يشرع استقبال بيت المقدس على رسوله أبدأ والمسلمون شاهدون عليهم بذلك، وأما تبلة اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة البتة وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة، وأما السامرة فإنهم يصلون إلى طورهم بالثأم يعظمونه ويحجون إليه وهو في بلدة نابلس وهي قبيلة باطلة مبتدعة اهـ. قوله:) أي ولئن اتبعتهم مثلا (قال النحرير: معنى قوله مثلاً أنّ هذه الشرطية مبنية على الفرض! والتقدير وإلا فلا معنى لاستعمال أن الموضوعة للمعاني المحتملة بعد تحقيق الانتفاء بقوله: وما أنت بتابع قبلتهم يعني أن كونه من الظالمين لا يخص متابعته بل كل من يتبع كذلك وإنما أسند إليه ليعلم غيره بالطريق الأولى أو أنه ليس المقصود التخصيص بل متابعة الهوى مطلقآ كذلك. قوله:) وكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه الخ (وفي نسخة عشرة أوجه وكذا ذكرها الشارح النحرير وهي القسم واللام الموطئة له وان الفرضية وان

التحقيقية واللام في حيزها وتعريف الظالمين والجملة الاسمية وإذا الجزائية وإيثار من الظالمين على ظالم أو الظالم لإفادته أنه مقرر محقق وأنه معدود في زمرتهم عريق فيه وايقاع الاتباع على ما سماه هواء أي لا يعضده برهان، ولا نزل في شأنه بيان، وقيل: وعده واحداً منهم مجهولاً بعد تعينه بالحق وفيه نظر لا! هذا التركيب يقتضي المبالغة لا المجهولية ولولا مخالفته الاستعمال لكان حسنا وعلى هذه النسخة كأنه أسقط منها مبالغة إن والتعريف والأهواء وهو ظاهر ونقل في الكشف عبارة المصنف من عشرة أوجه، وقال: هي القسم واللام الموطئة والتعليق بأن لدلالته على أن أي شيء مفروض من الاتباع وقع كفي في كونه من الظلم والإجمال والتفصيل في قوله ما جاءك من العلم وجعل الجائي نفس العلم وحرف التحقيق واللام في حيزها وتعريف الظالمين الداذ على المعرقين فيه، وكون الجملة اسمية بخبريتها الدالّ على الاستمرار التام والثبات وما في إذا من المبالغة لكونها للجواب والجزاء ودلالتها على زيادة الربط ونيف على العشرة ما في قوله من الظالمين للدلالة على أنه إذ ذاك من الموسومين منهم وتسمية ما ذهبوا إليه أهواء لما فيه من المنع عن الاتباع المؤكد للوعيد. قوله: (الضمير لرسول الله ع! ير الخ (، كذا في الكشاف واعترض عليه أبو حيان رحمه الله بأن الخطاب في الآيات السابقة إلى هنا للرسول كحت فكيف يقال إنه لم يجر له ذكر، وقال النحرير: إنه ليس بشيء ولم يذكر وجهه وفي الكشف فإن قيل: هو التفات لإضمار دون سبق الذكر تفخيما أجيب بأن الأمرين جائزان ولكن المقام لما ذكره ادعى إذ لا يحسن الالتفات إلا إذا كان مقصودأ لذاته مبنياً ما سيق له الكلام عليه ومع ذلك يكون له حسن موقع خصوصا اهـ. وهو معنى بديع يقيد به إطلاقهم تعريف الالتفات بأن يكون التعبير الأؤل مقصوداً فيه مسوقا له الكلام، وهذا نظير قولهم شرط الاستعارة أن يذكر المشبه بطريق القصد ليدخل فيه: قد زز أزراره على القمر فاحفظه فإنه من خصاثص هذا المقام والمراد بالعلم ما سبق في قوله: {مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ} [سورة الرعد، الآية: 37، وهو الوحي وهذه كلها مذكورة قبله وقوله: يشهد للأول أي لرجوع الضمير للنبيّ ع! ي! لأنه يتحد جنس المعروف فيهما ويؤيده ما رواه أيضا والمراد أنهم يعرفون نبوّته لا شخصه صلى الله عليه وسلم كما في الكشاف! ان كان مراده هذا، فإن قلت: ما ذكره " عن ابن سلام رضي الله عنه يقتضي أنّ معرفة الابن دون " (11 لما فيها من الاحتمال والمشبه به أقوى في وجه الشبه، قلت: هذا ليس بشرط بل يكفي كونه أشهر كما هنا فإن معرفة الأبناء أشهر من غيرها أو أنّ معرفة ذات الابن وشخصه أقوى في نفسها والاحتمال في كونه حاصلا منه في الواقع لا ينافي ذلك واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: لا يلتبسون الخ وهو الداعي لذكر التشخيص في الكشاف. قوله: (تخصيص لمن عاند الخ) في الكشاف أنه استثناء لمن آمن منهم أو لجهالهم وليس المراد بالاستثناء المصطلح بل الإخراج مطلقاً قال النحرير: أي إخراح عن حكم الكتمان لمن أظهر ما علم من الحق وآمن به أو لمن لم يعلمه فلا يتصوّر منه الكتمان لاقتضائه سابقة العلم فاختص الكتمان بفريق منهم دون الفريقين الآخرين وأوفى قوله أو لجهالهم لمنع الخلو والاعتراض بأنّ الجهال لا يدخلون في الذين يعرفونه فكيف يصح إخراجهم مدفوع با! اختصاص حكم المعرفة بالبعض لا ينافي عموم {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} وتناوله بحسب اللفظ للعارفين منهم والجاهلين، وقريب منه ما قيل: إنّ معنى يعرفونه يوجد فيهم العرفان إسناداً لفعل المحعض إلى الكل لاختلاطهم وارتباطهم وكأن المصنف رحمه الله لم يرتض هذا فلذا تركه إلى ما هو الظاهر المتبادر من النظم. قوله:) كلام مستأنف الخ) على قراءة الرفع هو مبتدأ خبره الجار والمجرور بعده واللام إما للعهد إشارة إلى الحق الذي جاء به النبيئ لمجييه أو الحق الذي كتمه هؤلاء أو للجنس وهو يفيد الحصر حينئذ كما أشار إليه بقوله: لا ما لم يثبت كما في قوله الحمد دته والكرم في العرب والنسب إلى الآباء لوقوع المحكوم عليه لفس الجنس من غير قرينة البعضية أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق والجار والمجرور خبر بعد خبر أوّل وسكت عن بيان التعريف فيه فكأنه محتمل للوجهين

السابقين لكن قيل: إنه على هذا التقدير اللام للجنس، كما في ذلك الكتاب ومعناه إنّ ما جاءك من العلم أو ما لكتمونه هو الحق لا ما يدعون ويزعمون وجعل جنسأ على الاذعاء ولا معنى حينئذ للعهد لأن المبتدأ متحد منطوقه ومفهومه فيحتاج إلى تكلف وقراءة النصب منسوبة إلى يمليئ كزم الله وجهه ل! ن كان مفعول يعلمون فهو من إقامة الظاهر مقام المضمر للتعظيم دمان كان بدلاً فوجهه أن " وله من ربك حال منه جصل بهما مغايرته للأوّل، وان اتحد لفظهما وجوّز فيه النصب بفعل مقدر كالزم. قوله: (الثاكين في أنه من ربك الخ) فسر المرية بالشك، وقال الراغب: إنها أخص وفسرها بالتردّد في أمر وبين متعلقه بقرينة المقام، وقوله: وليس المراد الخع لأن النهي عن شيء يقتضي وقوعه أو ترقبه من المنهيّ عنه وهو لا يتصوّر هنا لأن الكون والوجود ليس مقدورا له حتى ينهي عنه حقيقة كما سيأتي تحقيقه في قوله: {فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} [سورة الأعراف، الآية: 2] وهو معنى قوله لأنه ليس بقصد واختيار فإذا جعل كناية وعبر به عما يصح النهي عنه فالنبيّ صلى الله عليه وسلم لا يصدر منه ذلك فإمّا أن يكون الخطاب لغير معين كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " بشر المشائين " الخ. وفيه من المبالغة أن المعنى لا ينبغي لكل من عرفه أن يشك فيه كائنآ من كان أو الأمر له والمقصود أمته كما في قوله: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} [سورة الطلاق، الآية: ا] والمقصود النهي عما يوقع في الريب والأمر باكتساب المعارف المزيحة للشك وهو راجع إلى الوجهين لما عرفت وهذا معنى ما نقل عن الزمخشرقي أنه نهى عن الأشياء المثيرة للشك لأنه ليس بالاختيار، وقال في الكشف: الأشبه أنه إظهار لكونه ليس مظنة للشك حتى كان الشك لا يعتري في مثله إلا لمن أغمض عيناً عن الحق وقوله على الوجه الأبلغ لأنّ النهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن نفس الصفة فلذلك جاء التنزيل عليه إذ النهي عن الكون على صفة يدلّ على عموم الأكوان المستقبلة، والمعنى لا تمتر في كل فرد فرد من أكوانك فلا تمتر في وقت يوجد فيه الامتراء بخلاف قولك لا تمتر فإنه لا يفيد ذلك. قوله: (ولكل أمة قبلة الخ) أي المراد بكل إمّا كل أمة إذ لكل منها قبلة تخصها أو المراد لكل قوم من المسلمين كأهل المشرق والمغرب جهة وجانب يتوجهون إليه. قوله:) أحد المفعولين محذوف الخ (تقدم أن ولي بمعنى جعله مستقبلا يتعدى لمفعولين فضمير هو إما أن يرجع للرب أو لكل وضميرها مفعوله الأوّل وهو عائد إلى الجهة وعلى الأوّل تقديره وجهه لأنه يقال وليته الجهة ولا يقال وليت الجهة إياه، وعلى الثاني إياه. قوله:) وقرئ ولكل وجهة الخ (وضمير هو على هذه القراءة لله قطعا كما أنه على قراءة مولاها لكل من غير احتمال آخر وهذه قراءة ابن عامر وقد صعب توجيهها حتى تجرأ بعضهم على ردّها وهو خطأ عظيم، ووجهها المصنف رحمه الله تبعا للزمخشريّ على أنّ اللام زائدة في المفعول المقدم للتأكيد والتقوية فإنّ العامل إذا تأخر ضعف فتزاد اللام في مفعوله كما تزاد في معمول الصفة ورذه أبو حيان تبعا لابن مالك بأن لام التقوية لا تزاد في أحد مفعولي المتعذي لاثنين قالوا: لأنها إنا أن تزاد فيهما ولا نظير له أو في أحدهما فيلزم الترجيح من غير مرجح، ورذه السفاقسي وقال إن طلاق النحاة يقتضي جوازه والترجيح من غير مرجح مدفوع هنا بأنه ترجح بتقديمه، وقوله: أي تد وليها أي صار في الجهة التي تليها. قوله: ( {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} الخ (هو منصوب بنزع الخافض أي إلى الخيرات قيل: ومدلول استبق ليس إلا طلب التسابق قيما بينهم ودلالته على سبق غيرهم من جهة أنهم لما أمروا بسبق بعضهم بعضا فسبق غيرهم أولى وهذا بناء منه على أنّ ضمير استبقوا للمسلمين ولو كان لكل لم يحتج إلى تأويل، وعلى الأوّل فالنكتة في التعبير به إشارة إلى أن ميدان الخيرات هم السابقون فيه لا غير وقوله: أو الفاضلات يريد به الأفضل وهو التوجه إلى عين الكعبة وسمتها أقوى ما يمكن ومعنى الإتيان بهم جميعاً أنّ صلاتهم مع اختلاف جهاتها في حكم جهة واحدة كأنها كلها مسامتة لعين الكعبة. قوله: (أينما تكونوا الخ) أين ظرف مكان واليه أشار بقوله: في أفي موضع وتكون للاستفهام وللشرط كما هنا وما زائدة ويأت جوابها والمراد بالموافق والمخالف ما وافق مقرهم وما خالفه والقصد التعميم للأمكنة والمحال وفيما بعده الشمول لجميع أجزائهم مجتمعة ومتفرّقة، والمحشر بفتح الشين

وكسرها والإتيان بهم لجزائهم بأعمالهم، والإتيان يكون في الآخرة أو المراد ما يشمل الجبال والوهاد والعمران والخراب والإتيان بمعنى قبض الأرواج، والوجه الآخر مبنيّ على الأخير في تفسير الاستئناف كما مرّ وقوله: فيقدر الخ على الوجهين الأوّلين. قوله: (ومن حيث خرجت الخ (حيث ظرف مكان لازمة الإضافة للجمل وإضافتها للمفرد نادرة، والظاهر أنه يريد من أفي مكان خرجت منه فول فمن حيث متعلق بول والفاء زائدة كما في {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [سورة المدثر، الآية: 3] وقيل: إنه يشعر بأنه من حيث متعلق بخرجت فيلزم عدم إضافته إلا أن يتكلف تقدير حيث يكون خرجت ولا يخفى بعده، وقيل: إنه متعلق بولّ وما بعد الفاء يعمل فيما قبلها كما بين في محله إلا أنه لا وجه لا 0 جتماع الواو والفاء، فالوجه أن يكون المدير أفعل ما أمرت به من حيث خرجت فول فيكون قوله فول معطوفا على المقدر ويجوز أن يجعل من حيث خرجت بمعنى أينما كنت وتوجهت فيكون فول جزاء له يعني أنها شرطية العامل فيها الشرط على نحو ما ذكره المصنف رحمه الله ولا يخفى أنّ حيث بدون ما لا تكون شرطية وكذا إذ إلا في قول ضعيف للفراء وقالوا: إنه لم يسمع في كلام العرب وقوله: وانّ هذا الأمر، أي الشأن والحال الدال عليه قوله وقيل: إق المراد به التولية وأوّله ليصح تذكير ضميره وكذا فسره في الكشاف بهذا المأمور به ولو قصد بالأمر ظاهره صح أيضا. قوله: (كرّر هذا الحكم الخ (يعني أنه ذكر {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} في ثلاث مواضع فإمّا أن يكون كزره اعتناء بشأنه لأنه من مظان الطعن وكثرة المخالفين فيه لعدم الفرق بين النسخ والبداء أو لأنه ذكر في كل محل على وجه قصد به غير ما قصد في الآخر معنى وان تراءى من اللفظ تكرره ففي الأوّل ذكر بعد قوله فلنولينك قبلة ترضاها لتعظيم النبيّ صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته وثانياً بعد قوله ولكل وجهة لجري العادة الإلهية الخ وهنا بعد قوله وأنه للحق الخ لدفع حجج المخالفين وقد بين بوجوه أخر متقاربة ولكل وجهة هو موليها. قوله: (وأنّ محمدآ صلى الله عليه وسلم يجحد ديننا ويتبعنا الخ (قيل: هذا إنما يجدي لو لم يكن حكم من أحكام ديننا موافقاً لهم وليس كذلك كما في الرجم وليس بشيء لأنّ إنكارهم هذا لا ينافي إنكار غيره أو خص هذا لظهوره في كل يوم وكونه في أركان الدين والعبادة مع أنهم منكرون للرجم. قوله: (استثناء من الناس الخ (يعني أنه بدل مما قبله وإن جاز فيه النصب على الاستثناء لأنه المختار في الاستثناء من كلام غير موجب واليه أشار بقوله: إلا للمعاندين وقوله لأحد من الناس إشارة إلى أن تعريف الناص للجنس الاستغراق والزمخشري جعلها للعهد حيث تال: لأحد من اليهود، وقوله: أو بدا له أي تغير رأيه ولما كانت الحجة الدليل المثبت للمقصود ولا حجة لهم أجاب بأنّ الحجة ما يقصد به الاستدلال سواء كان صحيحا في نفسه أو في زعم قائله فإن كان حقيقة لغة فهو ظاهر والاستثناء متصل وأن لم يكن حقيقة فهو تغليب فلا يرد أن المذكور في صدر الكلام إن تناول هذه لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وإلا لم يصح الاستثناء لا! الحكم حينئذ ينفي الحجة الحقيقية ولا محيص سوى أن يراد بالحجة المتمسك حقا كان أو باطلأ مع أن قوله لم يصح الاستثناء غير مسلم لأن غايته أن لا يكون متصلاً وقد قيل: بانقطاعه في الآية. قوله: (وقيل: الحجة بمعنى إلاحتجاج الخ) الاحتجاج المنازعة والمعارضة مطلقا والحجة تستعمل بمعناه كما في قوله تعالى: {لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} [سورة الشورى، الآية: 15] اي لا احتجاج ومجادلة قاله الراغب فما قيل: إنه لا فائدة في جعل الحجة بمعنى الاحتجاج لأن مآله إلى الوجه الأوّل ولا يندفع به السؤال إلا إذا فسر بالتمسك لا وجه له. قوله: (وقيل: الاستثناء للميالغة في نفي الحجة الخ (وهو استثناء منقطع أيضا لكنه من تأكيد الشيء بضده وائباته بنفيه، قال الزجاج: تقول ما لك عليّ حجة إلا الظلم أي ما لك عليّ، حجة البتة ولكنك تظلمني ومعناه إن تكن لهم حجة فهي الظلم والظلم لا يمكن أن يكون حجة فحجتهم غير ممكنة فهو إثبات بطريق البرهان وقوله: ولا عيب الخ هو من قصيدة للنابغة الذبياني أوّلها: كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب والفلول مصدر كالقعود بمعنى الانثلام والكسر وقيل: إنه جمع فل بالفتح بمعناه أيضاً، والقراع الضراب

والكتائب جمع كتيبة بالمثناة وهي الجيش المجتمع ويسمى هذا النوع في البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم. قوله:) وقرئ ألا الخ (بالفتح والتخفيف وهي حرف يستفتح به الكلام لينبه السامع إلى الإصغاء والذين مبتدأ والفاء زائدة في خبره على الأصح، وقوله: فإن مطاعنهم الخ أخذه وما بعده من التعقيب والتفريع. قوله: (علة محذوف الخ (وهو أمرت وقدره مقدماً والزمخشريّ قدره مؤخراً قصداً للاختصاص ولأن الحذف يدذ على الاهتمام بالمذكور المقتضي لتقديمه لكنه لم يبين عطفه على ماذا، وقوله: وارادتي بيان لمعنى لعل لاستحالة حقيقة الترجي عليه وقد أسلفنا ما فيه، وقوله: أو لئلا يكون معطوف على علة أي أو عطف على لئلا يكون وأخره إشارة لمرجوحيته لبعد المناسبة ولا! إرادة الاهتداء إنما تصلح علة للأمر بالتولية لا لفعل المأمور على ما هو الظاهر في لئلا يكون وإيراد الأثر المذكور لترجيح المقدر وأبو حيان رحمه الله تعالى قال إن العطف على لئلا هو الراجح قال: ولا يضر الفصل بما ذكر لأنه من متعلقات العلة الأولى، قوله ير! الحديث أخرجه البخاريّ في الأدب والترمذيإ وكذا ما بعده. قوله:) متصل بما قبله الخ (اختلف في هذه الكاف فقيل: للتعليل وقيل: للتشبيه وهو الظاهر ولذا اقتصر عليه المصنف رحمه الله ووجهه ظاهر وأوّله بالإتمام المذكور ليتم الانتظام، وقوله: أو بما بعده والتقدير اذكروني ذكرا مثل ذكري لكم بالإرسال فحذف منه، قال أبو البقاء: والفاء غير مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها وفيه كلام في النحو، وقوله: بإرسال إشارة إلى أن ما مصدرية وذكر الإرسال وارادة الإتمام من إقامة السبب مقام المسبب والمناسبة بين القبلة التي هي قبلة آبائهم وارسال رسول منهم تمام على تمام. قوله.) يحملكم على ما تصيرون الخ (المراد بالتزكية التطهير من النقائص ولما كانت التزكية علة غائية لتعليم الكتاب وإلحكمة وهي مقدمة في القصد والتصوّر مؤخرة في الوجود والعمل قدمت هنا وأخرت هناك رعاية لكل منهما وأما تقديم الايات وبيانها فإنّ المقصود بها ما يحصل الإيمان وهي تخلية مقدمة عليهما، وقيل: المراد بالتزكية هنا التطهير من الكفر وكذلك فسروه وهناك المراد بها الشهادة بأنهم أخيار أزكياء، وذكر متأخراً عن تعلم الشرائع والعمل بها وهو أحسن، وقوله: بالفكر والنظر قيد للمنفي منفيئ مثله، والمراد به ما يستفاد من النبيّ ع! ي! غير القرآن فهو جن! آخر فلذا أعيد فعله، وقوله: بالطاعة إشارة إلى أنه ليس المراد به الذكر اللساني وقوله: ما أنعمت إشارة إلى أنّ شكر يتعدى لواحد بحرف جر ولآخر بنفسه وما أحسن قول الثاعر: ولوكان يستغني عن الثكرمنعم لر! مة شأن أوعلومكان لما أمر الله العباد بشكره فقال اشكروني أيها الثقلان وقوله: بجحد النعم إشارة إلى أنه من الكفران لمقابلته بالشكر. قوله: ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} الخ الما أمرهم بالذكر والشكر وكان ذلك ربما يقصر فيه بين لهم ما يعينهم وخصهما بالذكر لا! الصبر يشمل كل ترك والصلاة مشتملة على كل عبادة، وقوله: ومناجاة رلث العالمين عطف على المعراج تفسيري لأنه المقصود من العروج، وقوله: إن الله مع الصابرين تذييل لما قبله وخص الصبر كما قدمه حثا عليه وإذا كان معهم فهوبحينهم عليه وعلى غيره، وقوله: هم أموات إشارة إلى أنه خبر مبتدأ محذوف وكذا أحياء إلا أنّ جملته لا محل لها من الإعراب لأنها جملة مستأنفة وبل إضرابية، وقيل: تقديره بل قولوا هم أحياء فيكون في محل نصسب أيضا. قوله: (ما حالهم وهو تنبيه الخ (حياة الشهداء ثابتة في الآيات والأحاديث وقد اختلفوا فيها فذهب كثير من السلف إلى أنها حياة حقيقية بالروح والجسد ولكنا لا ندركها ولا نعلم حقيقتها لأنها من أحوال البرزخ التي لا يطلع عليها، وفي الحديث الصحيح " أنّ أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت العريش وأنهم يعرض! عليهم رزقهم غدوة وغشية لما وذهب غيرهم وعليه الزمخشرقي والمصنف رحمه الله تعالى إلى أنها ليست بالجسد بل روحانية وجميع الأموات وان كانوا كذلك لكن تخصيصهم لمزيد كرامتهم وقرب درجتهم فكان

حياة غيرهم ليست معتداً بها والروح بفتح الراء الراحة والسرور. قوله: (والآية نزلت في شهداء بدر الخ) كذا أخرجه ابن منده، وقوله: " أربعة عشر وقيل: سبعة عشر أو ستة عشر! وأسماؤهم مسطورة في السير. قوله: (وفيها دلالة الخ) وجه الدلالة أنه أثبت لهم الحياة وهي ليست بالجسد فتعين كونها بالروح وحياة الروح بدون الجسد مستلزمة قيامها بنفسها وهو المذهب الحق خلافاً لمن ذهب إلى أنها أعراض والخلاف فيها معروف. قوله: (ولنصيبنكم الخ الما كان أصل الابتلاء الاختبار وهو على الله غير جائز جعله استعارة تمثيلية شبه إصابتهم بالبلاء الذي يظهر به صبرهم ورضاهم بما قدر الله بفعل المختبر الذي يكلف من اختبره أمراً شاقا ليعلم إطاعته. قوله: (أي بقليل الخ (القلة تؤخذ من لفظ شيء وتنكيره لأنه استعمل في ذلك ولهذا عيب على المتنبي قوله في الفلك: فعوقه شيء من الدوران ثم بين أنّ قلته نسبية بالنسبة لما حفظهم عنه مما لم يقع بهم، وقوله: وإنما أخبرهم به الخ هذا على مقتضى النظم ظاهر إذ عبر عنه بالمستقبل وأئا بالنظر إلى ما فسره به فمشكل لأنّ خوفه تعالى لم تزل قلوب المؤمنين مشحونة به وكذا ما بعده فإنها كلها سابقة على نزول الآية، وأما إنّ الزكاة والصدقة لا يناسب التعبير عنها بالنقص لأنها عبر عنها بالزكاة وهي النمو والزيادة فقد دفع بأنها نقص في الحس والظاهر وان كانت زيادة باعتبار ما يؤول، وأجيب بأنّ الخوف يتجدد بتجدد الإنذار فصح الابتلاء به وإن كان منه ما هو حاصل عند نزول الآية وكذلك الكلام في المرض! وموت الولد وهذه نزلت قبل إيجاب الزكاة وصوم رمضان ومعنى الابتلاء بخوف الله الابتلاء بما يخشى عقاب الله عليه وعطفه على شيء أولى لتوافقهما في التنكير ولذا قدمه والحديث المذكور أخرجه الترمذفي واطلاق الثمرة على الولد مجاز مشهور لأن الثمرة كل ما يستفاد وبحصل كما يقال ثمرة العلم العمل، وإضافتها إلى القلب كناية عن شدّة تعلقه به ومحبته له، ومعنى أسترجع قال إنا لله وإنا إليه راجعون وقوله: وبشر الخ معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة أو على مقدر أي أنذر الجازعين وبشر الصابرين، وقوله:) كل شيء يؤذي الخ حتى الشوكة يشاكها والبعوضة تلسعة " وهو حديث ورد من طرق عديدة. قوله:) وليس الصبر بالاسترجاع الخ (ما خلق لأجله هو معرفة الله وتكميل نفسه حتى يستعذ للبقاء السرمدي ومفعول بشر مقدر أي برحمة عظيمة وإحسان جزيل بدليل ما بعده. قوله.) في الأصل الدعاء (إشارة إلى ما قال الراغب: إن أكثر أهل اللغة إنّ معنى الصلاة هو الدعاء والتمجيد يقال: صليت عليه أي دعوت وزكيت وصلاة الله للمسلمين هي في التحقيق تزكيته، والمراد بالتزكية محو السيئات وتطهيرها وجمعها للتكثير كما أن التثنية يراد بها ذلك كلبيك وسعديك وان كان جمع قلة فإن جمع القلة يستعار للكثرة ونكتة التعبير به أنها مع كثرتها قليلة في جنب عظمته. قوله: (والمراد بالرحمة اللطف والإحسان الخ (قد مز معنى اللطف والإحسان الإنعام، وقوله من " استرجع الخ " قال الطيبيئ رحمه الله- ما وجدته في كتب الحديث وتعقب بأنه أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقيّ في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما! قوله: (للحق والصواب حيث الخ الما كرّر أولئك لشدة الاعتناء بهم وتمييزهم وأتى بضمير الفصل المفيد للحصر والاهتداء ليس مخصوصاً بأولئك أشار إلى أن المخصوص بهم ليى مطلق الاهتداء بل اهتداء مخصوص وهو الاهتداء للتسليم وقت صدمة المصيبة فافهم. قوله:) علما جبلين الغ (لما ذكر الصبر عقبه بالحج لما فيه من الأمور المحتاجة إليه، وكونهما بالغلبة لأنّ أصل معناهما نوع من الحجارة مطلقا فتلزمهما اللام، والشعائر جمع شعيرة أو شعارة بمعنى علامة يطلق على ما يعلص به موطنه

كما هنا وعلى نفس أعماله واضافتهما إلى الله لأنه جعلهما علامة مع ما فيه من التعظيم وتغليب الحج والعمرة بمعنى اشتهارهما في نوع مخصوص منهما، كالدابة لا أنهما علمان. قوله: (كان إساف على الصفا الخ) إساف بكسر الهمزة وخفة السين المهملة وألف بعدها فاء ونائلة بنون وألف يليهما همزة مكسورة ولام الأوّل اسم رجل سمي به صنم على الصفا والثاني اسم امرأة سمي به صنم على المروة قيل: " ولذا أنث وكانا زنيا في الكعبة فمسخا حجرين ووضعا ثمة ليكونا عبرة فلما تقادم العهد عبدوهما وكانوا يتمسحون بهما إذا سعوا ولما كان السعي واجبا أو ركناً عند الأكثر وكان قوله لا جناج يقتضي عدم الوجوب كما ذهب إليه بعض الصحابة والمجتهدين أجابوا عنه بما ذكر، وفي جامع الترمذيّ عن سفيان قال سمعت الزهري يحذث عن عروة: قال: " قلت لعائشة رضي الله عنها ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئا وما أبالي أن لا أطوف بينهما فقالت بئس ما قلت يا ابن أختي طاف رسول الله-لمجي! عليه وطاف المسلمون وإنما كان من أهل المناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} الآية ولو كان كما تقول لكانت فلا جناج عليه أن لا يطوف بهما، قال الزهري رحمه الله: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام فأعجبه ذلك وقال: إنّ هذا هو العلم ولقد سمعت رجلا من أهل العلم يقول: " إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية! وقال آخرون من الأنصار: " إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالسعي بين الصفا والمروة " فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ} قال أبو بكر بن عبد الرحمن فأراها نزلت في هؤلاء هذا حديث حسن صحيح انتهىإ. قال الكرمانيّ: فان تلت الآية لا تدل على الوجوب فلم جزمت به عائشة رضي الله عنها قلت: أما أنها استفادت الوجوب من فعله صلى الله عليه وسلم مع انضمام 9 خذوا عني مناسككم " إليه أو فهصت بالقرائن إنّ فعله للوجوب كما قيل به، والسعي ركن عند مالك والشافعيّ وأحمد رحمهم الله وقال أبو حنيفة رحمه الله واجب فلو تركه صح حجه ويجبر بالدم وقال النووي رحمه الله هذا من دقيق علمها لأن الآية دلت على رفع الجناح عن الطائف فقط فأخبرته عائشة رضي الله عنها بأنه لا دلالة فيها لا على الوجوب ولا على عدمه وبينت السبب في نزولها والحكمة في نظمها وقد يكون الفعل واجبا ويعتقد الإنسان منع إيقاعه على صفة مخصوصة وذلك كمن عليه صلاة الظهر وظن أنه لا يجوز فعلها عند الغروب فسأل عن ذلك فقال له مجيب لا جناج عليك إن صليتها في هذا الوقت فيكون جوابا صحيحاً ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر اهـ. وما نقله عن أحمد ينافي في نقل المصنف رحمه الله، وضمير أنه للطواف بهما واستدلال ابن عباس رضي الله عنهما بهذه الآية لأنّ لا جناج بحسب الظاهر يقتضيه ولم يذكر الاستدلال بقوله: ومن تطوّع خيراً فهو خير له لأنّ تفسير تلك الآية لا يلائمه كما في شروحه ولم يجعل قراءة ابن مسعود رضي الله عنه أن لا يطوف ناصراً له لأنها شاذة لا عمل بها مع ما يعارضها ولاحتمال أن لا زائدة فيها كما يقتضيه السياق. قوله: (وهو ضعيف الخ) يعني رفع الجناج وإن تبادر إلى الفهم منه عرفا التخيير وان كان مفهومه بحسب العقل مجرّد عدم الحرمة أو الكراهة فيعم الواجب والمندوب لكنه لا ينافي الوجوب وقوله من شعائر الله قرينة على إرادته منه، وأمّا التطوّع ففي اللغة التبرع وقد يقال: لفعل الطاعة متنفلاً فهو بهذا الاعتبار يستدل به لكن تعديته بنفسه تشعر بأنّ المراد به الإتيان بالفعل طوعا وهو لا ينافي الوجوب أيضاً وقوله غتيرو: " اسعوا " أمر بالسعي مع التعليل والتأكيد بأنّ الله كتب عليكم يفيد غاية الوجوب بحيث يفوت الجواز بفواته وهو معنى الركنية وهو حديث صحيح أخرجه أحمد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه والجواب عما ذكره أنه لا يقتضي إلا الوجوب المؤكد ولا دلالة على الركنية، قال الجصاص: وفي حديث الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي أنه قال أتيت النبيّ! وو بالمزدلفة فقلت: يا رسول الله جئت من جبل طيّ ما تركت جبلا إلا وقفت

عليه فهل لي من حج فقال: " من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف وقد أدرك عرفة قبل ذلك ليلاَ أو نهارا فقد تتم حجه وقضى ثفتهإ فهذا ينفي كون السعي فرضأ من وجهين إخباره بتمام حجه وليس السعي بينهما ولو كان من فروضه لبينه للسائل لعلمه لمجب بجهله بالحكم. قوله: (أي قعل طاعة فرضاً الخ) يعني أنّ التطوّع فعل الطاعة مطلقا فلا يدل على سنيته أو المراد أتى بما زاد على الفرض بأن حج أو اعتمر مرة أخرى وعلى القول بسنتيه فهو ظاهر وخيراً صفة مصدر محذوف أي تطوّعا خيراً أو منصوب بنزع الخافض أي تطوّع بخير ويؤيده أنه قرئ به ولذا رجحه بعضهم أو مفعول لتعذيه بتضمينه معنى أتى أو فعل وقراءة تطوّع بالمضارع والإدغام ظاهرة وقوله: مثيب الخ، قال الراغب: إذا وصف الله بالشكر فإنما يعني به إنعامه على عباده وجزاؤه لهم، وقوله: لا يخفى عليه تفسير لعليم. قوله: ( {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} الخ) يعني أنزلنا في التوراة من العلامات الدالة على أمر محمد كت ثم شرحنا فيها العلامات الدالة على صحته ثم هديناهم فيها إلى طريق متابعته بوصفه بأنه الذي يصلي إلى القبلتين كما مر وهم يكتمون ذلك ويلبسون على الناس فيه وفسر الهدي والبينات والكتاب بما ذكر لأنه الذي يكتمونه ومن بعد إمّا متعلق بيكتمون أو أنزلنا، وقوله: كأحبار اليهود هو كقوله في الكشاف من أحبار اليهود بدليل تقييده الكتاب بالتوراة، وقيل: إنه عدل عنه ليشمل النصارى وليس بشيء، وقوله: لخصناه معناه شرحناه وبيناه لا اختصرناه فإنّ المذكور في اللغة الأوّل وهو المناسب للمقام. قوله:) أولئك يلعنهم الله الخ (لم يأتي بالفاء في هذه الجملة التي هي خبر الموصول قيل: لئلا يتوهم أن لعنهم إنما هو بهذا السبب أذله أسباب جمة، ومعنى لعن الله لهم تبعيدهم عن رحمته ولعن اللاعنين دعاؤهم! لميهم وقوله الذين يتأتى إشارة إلى التعميم فيه، وقال الزجاج: اللاعنون هم المؤمنون من الجن والإن! والملائكة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما كل شيء في الأرض والمراد أنهم مستحقون لذلك، وقيل إنه للإشارة إلى أنه ليس على عمومه والمراد من قوله يلعنهم لعنهم في الحياة الدنيا، وقوله: {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ} [سورة البقرة، الآية: 61 ا] فيما بعد الممات لأن أمر الدنيا على التجدد والحدوث وأمر الآخرة على الدوام والثبات فلا تكرار وان لم يغاير بينهما فالأوّل بيان لحدوث اللعنة والثاني لبيان استقرارها وثباتها. قوله: (وبينوا ما بيته الله الخ (يعني أنّ المراد بالتبيين تبيين ما في كتابهم من وصف النبيئ كي! وغيره مما كتموه فإن بذلك توبتهم تتم وعلى ما بعده المراد به إظهار توبتهم ليمحو عنهم سمة الكفر أي علامتها فيقتدي بهم أشياعهم من الكفرة وإنما ضعفه لأنّ مجرّد التوبة والرجوع عما كانوا عليه يكفي في خلع ربقة الكفر ونزع طوق اللعنة ولا يشترط إظهار ذلك لغيرهم من أضرابهم وقوله بالقبول الخ قد مرّ أنّ معنى توبة الله قبوله توبة العباد، وقوله: المبالغ في قبول التوبة معنى التوّاب، وما بعده معنى الرحيم. قوله: (أي ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات) قال الإمام: إنّ الذين كفروا عامّ فلا وجه لتخصيصه، وقال غيره: يجب حمله على من تقدم ذكره لأنّ الكاتمين إمّا أن يتوبوا فهو قوله: إلا الذين تابوا أو يموتوا من غير توبة فهو قوله: إن الذين كفروا فإن الكاتمين ملعونون في الحياة والممات، وأجاب / الإمام بأن هذا إنما يصح إذا لم يدخل الذين يموتون تحت قوله: أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ولما دخلوا استغنى عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف، وقال الطيبي رحمه الله: أنه أحسن لأنّ الآية حينئذ من باب التذييل فيدخل هؤلاء فيها دخولاً أوّلياً فالتعريف في قوله الذين كفروا على هذا للجنس وعلى الأوّل للعهد وقوله: استقرّ الخ مرّ بيانه. قوله: (وقرئ والملافكة الخ (أي بالرفع هذه القراءة خرّجت على وجوه، منها عطفه على لعنة بتقدير لعنة الله ولعنة الملائكة فحذف المضاف من الثاني وأقيم المضاف إليه مقامه ومنها رفعه بفعل مقدر كما ذكره المصنف رحمه الله، ومنها جعله مبتدأ محذوف الخبر أي والناس والملائكة يلعنونهم، ومنها أنّ لعنة مصدر مضاف إلى فاعله وهذا معطوف على محله، وقيل: عليه أنه ليس بجائز لأنّ شرط العطف على الموضع أن يكون ثمة طالب ومحرز للموضع لا يتغير وأيضا لعنة وان سلم مصدريته فهو إنما يعمل إذا انحل لأن والفعل وهنا المقصود

الثبوت فلا يصح انحلاله لهما وسلمه له غيره، وقالوا: إنه مذهب سيبويه رحمه الله لأنه يوجب في نحو ضرب زيد وعمرو بالرفع تقدير ويضرب عمرو لكن قال الحلبيّ إن له طالبا وهو المصدر لأنه إذا نوّن يرفع الفاعل فيقال. ضرب زيد وفيه خلاف فالبصريون يجيزونه والفرّاء يمنعه، لكن قيل: إنه هو الصحيح لعدم السماع وإنما قاسه البصرئون وقد اتبعت العرب فاعل المصدر على محله رفعاً كقوله: مشى الهلوك عليها الخيعل الفضل وهو صفة للهلوك على الموضع وإذا ثبت في النعت جاز في العطف إذ لا فارق بينهما وأثا قوله: إنه لا يؤوّل فممنوع وفيه نظر وقوله: وإضمارها قبل الذكر أي بدون الذكر لكنه تسمح ووجه تفخيمها وتهويلها إنه لشدة الخوف منها لا تغيب عن الأذهان. قوله: (لا يمهلون الخ (يعني أنه إمّا من الأنظار بمعنى الإمهال أو من نظره بمعنى انتظره أي انتظره ليعتذر أو انتظر عذره أو من نظره بمعنى رآه وهو يتعدّى بنفسه أيضا كما في الأساس فيصاغ منه المجهول وأمّا قوله لا ينظر إليهم فبيان للمعنى لا إشارة إلى حذف حرف الجرّ. قوله: (خطاب عامّ (ويدخل فيه الكاتمون فينتظم الكلام فلا حاجة إلى جعل الخطاب لهم ووحدته فسرها بعدم الشريك فهو فرد في ألوهيته لا يصح أن يعبد غيره أو يسمي إلها وان لم يعبد، قال النحرير: ولا يخفى أنّ في قولنا سيدكم سيد واحد من تقرير السيادة وتسليمها ما ليس في سيدكم واحد فلذا أعيدا له ولم يقل واحد ولا إله إلا هو نفي لكل إله سواه وبحسب الاستثناء إثبات له ولألوهيته لأنّ الاستثناء من النفي إثبات سيما إذا كان بدلاً فإنه يكون هو المقصود بالنسبة ولهذا كان البدل الذي هو المختار في كل كلام تام غير موجب بمنزلة الواجب في هذه الكلمة حتى لا يكاد تستعمل لا إله إلا الله بالنصب أو لا إله إلا إياه فإن قيل: كيف يصح أنّ البدل هو المقصود بالنسبة والنسبة إلى المبدل منه سلبية قيل: إنما وقعت النسبة إلى البدل بعد النقض بإلا فالبدل هو المقصود بالنفي المعتبر في المبدل منه لكن بعد نقضه ونقض النفي إثبات وهذا كله بناء على أنه بدل من اسم لا على المحل وقد جعله أبو حيان رحمه الله استثناء من الضمير المستتر في الخبر والكلام فيه يحتاج إلى تفصيل سيأتي في محله. قوله: (كالحجة عليها (أي الوحدانية لم يقل حجة لأنه لم يقصد به ذلك لما سيأتي من أن الدليل ما بعدها إذ لا شيء سوا. بهذه الصفة لأنّ ما سواه إمّا نعمة أو منعم عليه فيفيد الحصر فيه ولا يتوقف ذلك على تقدير هو فإن قيل: الكفر والمعاصي وسائر القبائح ليس بنعمة ولا منعم عليه قيل: هي كلها من حيث القابلية والفاعلية وما يرجع إلى الوجود والتنبيه نعم ومرجع الشر والقبح إلى العدم ولهذا بيان في علم آخر، وقوله: خبران آخران أي كص أنّ إله وجملة لا إله إلا هو خبران أيضاً أو المبتدأ محذوف اًي هو أو بدلان، وفاعل نزلت: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ} الخ على التأويل فيه وما ذكره أخرجه البيهقي في الشعب. قوله:) إنما جمع السموات الخ) هذا ما عليه الحكماء وأما المحذثون فالأرض عندهم طبقات بين كل منها والأخرى مسافة عظيمة، وفيها مخلوقات على ما وردت به الأحاديث فالنكتة كما قال أبو حيان رحمه الله أنّ جمعها ثقيل وهو مخالف للقياس كأرضون ولذا لما أراد الله تعالى ذلك قال: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [سورة الطلاق، الآية: 12] ولم يجمعها ورب مفرد لم يقع في القرآن جمعه لثقله وخفة المفرد وجمع لم يقع مفرده كالألباب وفي المثل السائر نحوه، وقوله: متفاصلة بالصاد المهملة أي بعضها منفصل عن بعض، ولو قرئ بالمعجمة أي متفاوتة لصح ولكن الرواية والدراية مع الأوّل. قوله: (واختلاف الليل والنهار تعاقبهما الخ (الخلفة بكسر فسكون أن يخلف كل واحد الآخر ويسذ مسده وقيل: أمرهم خلفة أي يأتي بعضهم خلف بعض. قوله: (أي بنفعهم أو بالذي الخ (إشارة إلى أنّ ما إمّا مصدرية وضمير ينفع حينئذ إمّا للجري أو للبحر لا للفلك لأنه هنا جمع بدليل وصفه بالتي، وقوله: والقصد به الخ يمكن أن يقال ترك ذكر البحر لدلالة الأرض! عليه والمقصود هنا بيان جري السفن لما فيه من المنافع وكون البحر منشأ للسحاب أحد الأقوال كما مرّ، وقوله: لأنه بمعنى السفينة هذا تركه أولى من ذكره لأنه جمع هنا، وهو من الألفاظ التي استعملت مفرداً وجمعا وقدر بينهما تغاير اعتبارقي دماليه

أشار بقولي وضمة الخ، قال الراغب رحمه الله: الفلك يستعمل للواحد والجمع وتقديراهما مختلفان فإن الفلك إذا كان واحداً كان كبناء قفل وإذا كان جمعاً كان كبناء حمر والقراءة بضم اللام قيل: إنها لم توجد في شيء من الكتب المعتمدة، وقوله: على الأصل يعني أنه ليس مغيراً عن السكون لاتباع الفاء كما قالوا في عسر عسر بضمتين فهي لغة واردة على الأصل مبينة لأنه أصل الجمع وحينئذ يتحقق تغاير بين الجمع والمفرد. قوله: (من الأولى للابتداء الخ الما كان من قواعدهم أنه لا يتعلق حرفا جرّ بمتعلق واحد جعل الأولى ابتدائية لأن ابتداء نزوله من جهة السماء، والثانية لبيان ما الموصولة فتغاير معناهما بل ومتعلقاهما لأن من البيانية لا تكون إلا مستقرّا وجوّز) ي الثانية أن تكون تبعيضية وأن تكون بيانية بدلاً من الأولى وقوله: بالنبات وفي نسخة بالنباتات واحياء الأرض بالنبات مجاز معروف. قوله:) عطف على أنزل الخ) قد خفي أمر العطف هنا معنى ولفظا أفا معنى فلأنّ الماء المنزل من السماء والدواب المبثوثة لا جامع بينهما حتى يعطفا وتقابل السماء والأرض غير كاف والعطف على ما بعد الفاء يقتضي تسببه عن الإنزال وهو غير ظاهر، وأمّا لفظا فلأنه على الأوّل في حيز الصلة ولا عائد فيه وتقدير به لا يجوز لأنّ المجرور إنما يحذف إذا جرّ الموصول بمثله وهو مفقود هنا مع ما في الأوّل من الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه حتى اختار أبو حيان رحمه الله أنه على حذف الموصول أي وما بث لقيام القرينة عليه ولأنه يصير آية مستقلة، قال وحذف الموصول! جائز في كلام العرب حتى قاسه الكوفيون وأجيب بأن أحى من تتمة الأوّل، أو المعنى وما أنزل لإحيائها فيظهر الجامع وعدم الفصل لاحتياج الدواب إلى الماء والنبات ولا خفاء في التسبب لأن الماء سبب حياة المواشي والدواب من أوجه وسبب بثها لأنّ الحركة فرع الحياة وهي بذلك، وجعل عطفه على أنزل أظهر لسبقه ولدلالته على الاستقلال وضمير فيها للأرض! وإن كان سيأتي في {حم عسق} أن في السماء دواب أيضا لأنها غير مشاهدة لهم حتى تكون آية وإذا عطف على أحى فلا حاجة إلى تقدير الضمير لأنّ الفاء السببية تكفي في الربط وما ذكره من شرط حذف المجرور أكثرفي لا كليّ، والحيا بالقصر والمد المطر والخصب ومهابها جمع مهب وهو جهة هبوبها، وأحوالها من اللين والشدة والبرد والحرارة ولا يتقشع من التفعل أو الانفعال بمعنى يزول وقوله: مع انّ الطبع الخ يعني يقتضي صعوده إن كان لطيفا وهبوطه إن كان كثيفآ ومسخر اسم مفعول ضميره أو تقلبه نائب فاعله والضمير للسحاب وسمي سحاباً لانسحابه في الجوّ أو لسحب بعضه بعضا أو لجرّ الرياج له. قوله:) يتفكرون فيها الخ (يعني المراد بالعقل هنا بقرينة المقام التفكر في هذه الآيات وتدبرها وعيون العقول استعارة مكنية وقوله: ويل الخ قال العراقي لم أقف عليه لكن رواه ابن مردويه وابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله عنها بغير هذا اللفظ وهو أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ثم قال: " ويل من قرأها ولم يتفكر فيها "، وقال الأوزاعي: التفكر فيها أن يقرأها ويعقلها وقوله: مج بها من مج الريق من فيه، والباء لما فيه من معنى الرمي ووجه الدلالة على التفكر أن من تفكر فيها فكأنه حفظها ولم يلقها من فيه. قوله:) والكلام المجمل الخ (محتملة بفتح الميم وأنحاء بالمذ تجمع نحو بمعنى جهة أي وجهات مختلفة والمنطقة دائرة عظيمة متساوية البعد عن القطب فلا تمرّ به والقطب رأس القطر من الجانبين والأوج أبعد بعد من المركز والحضيض يقابله ولا بذ منهما فوجودها على هذا النمط البديع يدل على أنّ لها موجداً قادراً حكيما لا يدانيه شيء ولا يعارضه غيره وما ذكره كله مبنيّ على مذعي أهل الهيئة، وأهل الشرع والظاهر ما بين منكر له وساكت عنه. قوله: (إذ لو كان معه إله يقدر الخ (هذا برهان التمانع المذكور في الكلام وسيأتي تقريره في قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله والتطارد بمعنى التمانع، وأصله طرد أحدهما الآخر. قوله: (من الأصنام الخ (فسر الأنداد هنا بالأمثال دون الأضداد إذ لم يقصد التهكم هنا وقيل: أنه لا مانع منه لكن ما بعده لا يناسبه فتأمل وهي إمّا الأصنام أو الرؤساء الذين اتبعوهم وفسر المحبة

بالتعظيم والطاعة لتلازمهما كما قيل: تعصي الإله وأنت تظهرحبه هذالعمري في القياس بديع قوله: (أي يسوّون الخ) هذا مفهوم بقرينة قوله أشد حبا والا فالتشبيه لا يقتضي المساواة بل زيادة المشبه به وحب الله مصدر مبنيّ للفاعل مضاف إلى المفعول أو مبنيّ للمفعول، وقوله: من الحب بالفتح كحب الحنطة ونحوها وواحده حبة، وحبة القلب وسطه مستعار له، فقوله: أستعير لحبة أي استعير الحب لها ثم اشتق منه المحبة لأنها أثرت في صميم القلب ورسخت فيه كما يقال: رأسه إذا أصاب رأسه وهذا كله مأخوذ من كلام الراغب. قوله: (ومحبة العبد دلّه الخ (قال بعض المتكلمين ة المحبة نوع من الإرادة فتتعلق بالجائزات فلا يمكن تعلقها بذاته تعالى وصفاته، وقالت الصوفية: العبد يحب الله لذاته وأمّا حب خدمته وثوابه فمرتبة نازلة، وقال الإمام رحمه الله: من حمل محبة الله على محبة طاعته أو محبة ثوابه فقد عرف أن اللذة محبوبة لذاتها ولم يعرف أن الكمال محبوب لذاته، وأما نحن فنحب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء بمجرّد اتصافهم بصحفات الكمال فالله تعالى المتصف بكل كمال لا يزانيه كمال أولى بالمحبة مما سواه، ومن أراد تفصيله فلينظر في الإحياء، والمصنف رحمه الله لم يعدل عن هذا إلا لأن ذلك من خواص الخواص والكلام هنا على العموم وأما محبة الله للعبد فهي بمعنى إرادة الخير له إذ هو منزه عن الميل المذكور. قوله: الأنه لا تنقطع محبتهم الله الخ) إشارة إلى أنّ أشد بمعنى أدوم وأرسخ لا أكثر قال النحرير: آثر أشد حباً على أحب لأنه شاع في الأشد محبوبية يعني فعدل عنه احترازاً عن اللبس وهذه نكتة لطيفة في العدول عن أفعل القياسي، وأيضاً أحب أكثر من حب فلو صيغ منه لتوهم أنه من المزيد وفي الحديث: " من أحبك لشيء ملك عند انقطاعه " وقوله: ولذلك كانوا الخ كما قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ} [سورة العنكبوت، الآية: 65] الآية ومن اللطائف هنا أنّ باهلة كانت لهم أصنام من حي! أي تمر مخلوط بأقط وسمن فجاعوا في قحط أصابهم فأكلوها فقيل إنه لم ينتفع مشرك بآلهته كانتفاعهم بها فإنهم ذاقوا حلاوة الكفر. قوله: (ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا الخ (يعني إن رأى هنا بمعنى علم والذين ظلموا من وضع الظاهر موضح المضمر للدلالة على أنّ اتخاذ الأنداد ظلم عظيم، وقوله: إذا عاينوه إشارة إلى أنّ إذ بمعنى إذا والمضارع بمعنى الماضي ورأى بصرية ولا يخفى أنه إذا كانت إذ بمعنى إذا فالرؤية في المستقبل، فتأويله بالماضمي ثم جعل الماضي عبارة عن المستقبل لتحقق الوقوع تكلف لا داعي له إلا المناسبة اللفظية بين إذا والماضي فتأمّل. قوله:) ساذ مسذ مفعولي ير! الخ) مما يدل على أنها من الجواب أنه قرئ بكسران وقوله: لا ينفع الخ مأخوذ من قوله جميعا وبه يرتبط النظم. قوله:) على أنه خطاب للنبتي صلى الله عليه وسلم الخ (في الكشاف وقرئ ولو ترى بالتاء على خطاب الرسول أو كل مخاطب أي! ن تصح منه الرؤية والمصنف رحمه الله تعالى ترك الثاني مع أنه من الفصاحة بمكان وهو متعدّ إلى مفعول واحد وهو الذين ظلموا، قال النحرير: وبنبغي أن يكون إذ يرون بدلاً منه، وكذا إذ تبرأ إذا لم يعهد الإبدال من البدل وأنّ القوّة في موقع بدل الاشتمال من العذاب وفي جعله بمنزلة المبصر المشاهد مبالغة، وقيل: هو في معرض التعليل للجواب المحذوف أي لرأيت أمراً عظيما لأنّ القؤة لله الخ وفيه فصل بالجواب ومتعلقه بين البدل الذي هو إذ تبرأ والمبدل منه، وأورد عليه أنه يقتضي جواز تعذد البدل بلا شبهة وإنما التردد في جواز البدل من البدل مع أنه لم يرد تعذد البدل في شيء من كتب النحو ولا ضرورة في هذه القراءة إلى جعل إذ بدلاً من المفعول إذ يصح إبقاؤه على الظرفية مع أنّ إن على هذه القراءة لا يتعين فتحها إذ قرئت بالكسر أيضاً وهو يؤيد ما زيفه من التعليل فتأمّل. واضمار القول تقديره لقلت إنّ القوة الخ على أنه جواب. قوله: (والواو للحال الخ) رجح الحالية على العطف لتأذيه إلى إبدال رأوا العذاب من إذ يرون العذاب وليس فيه كبير فائدة ولأنّ الحيق بالاستعظام والاستفظاع هو تبرؤوهم في حال رؤية العذاب لا هو نفسه، وقيل عليه إنّ البدل! الوقت المضاف إلى الأمرين والمبدل

منه الوقت المضاف إلى واحد ولبس بينه وبين إبدال الوقت المضاف إلى التبري مقيداً برؤية العذاب كبير فرق وقوله: والأوّل أظهر لاستقلاله في الاستفظاع، والحالية إمّا من فاعل تبرأ أو رأوا فتكون متداخلة وباء بهم للسببية بتقدير مضاف أي بكفرهم أو الحالية أي ملتبسة وقيل: إنها للتعدية واستبعدت الحالية بأنّ تقطعها ليس في حال تلبسهم بها وفيه نظر. قوله: (وأصل السبب الخ) قال الراغب في مفرداته: السبب الحبل الذي يصعد به النخل ومثل هذه القيود بناء على الأكثر فيها فلا يرد ما قيل: إن هذا القيد غير مذكور في كتب اللغة، والوصل بضم الواو وفتح الصاد المهملة جمع وصلة بسكونها. قوله: (لو أنّ لنا كرّة الخ) المراد من الكرّة الرجوع إلى الدنيا أي ليت لنا كرّة إلى الدنيا، قال النحرير: هذا بيان للمعنى وأمّا بحسب اللفظ فأنّ لنا كرّة في موضع رفع أي لو ثبت أنّ الخ ونتبرأ مع أن المضمرة عطف عليه وإنما تمنوا ذلك لأنّ التبري منهم في الآخرة لا يضرهم لأنهم في شغل شاغل، وأمّا على قراءة مجاهد ففيه إشكال لأنّ الاتباع إذا تبرؤوا في الآخرة لم يكن لهذا التمني معنى بل ينبغي أن يكون هذا من المتبوعين على ما قيل إنّ حقه أن يقرأ وقال الذين اتبعوا على البناء للمفعول، واعترضى بأنّ هذا يكون تمنيا لذل الدنيا بعد ذل الآخرة وفيه نظر ووجه النظر أنّ ذل الآخرة مشترك بينهما وأنهم بعد ما اتضح الحال لو رجعوا إلى الدنيا لم يتبعوهم حتى يتبرأ الرؤساء منهم فلا يليق مثله في النظم وهو ظاهر. قوله: (مثل ذلك الآراء الخ) الأراء مصدر أراء أراءة وأراء كما سمع إقاما واقامة والمعروف في مثله التاء لأنها عوض عن العين المحذوفة لكن حكى هذا سيبويه قيل: واختار. مع أنه خلاف المشهور ليوافق تذكير ذلك وإن كان تأنيث المصدر غير معتبر أو لأنّ الإراءة عرفت في معنى الرياء وهو غير صحيح هنا وجعل المشار إليه مصدر الفعل المذكور بعده لا ما قبله كما مرّ تحقيقه في قوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} . قوله:) يريهم الله أعمالهم الخ) الرؤية هنا يحتمل أن تكون بصرية فتتعدى لاثنين أوّلهما الضمير والثاني أعمالهم وعلى هذا حسرات حال من أعمالهم، وأن تكون قلبية فتتعذى لثلاثة مفاعيل ثالثها حسرات وعليهم إمّا متعلق بحسرات بتقدير مضاف أي على تفريطهم لأنّ حسر يتعدى بعلى أو صفة لحسرات والحسرة الندم أو شذته. قوله:) أصله وما يخرجون الخ) يعني أنّ التركيب مثل وما أنت علينا بعزيز والمعروف فيه قصد اختصاص المسند إليه بالنفي وثبوت الفعل لغيره لكنه لم يقصد هنا الحصر وان كان صحيحاً لأنّ أرباب الكبائر يخرجون من النار وإنما القصد إلى التقوى وقد تبع فيه المصنف رحمه الله الزمخشرفي حيث قال: هم بمنزلته في قوله: هم يفرشون اللبد كل طمرّة في دلالته على قوّة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص واعترض عليه في عروس الأفراج وقالط هي دقيقة اعتزالية لأنه لو جعله للاختصاص لزمه تخصيص عدم الخروج بالكفار فيلزم خروج أصحاب الكبائر كما هو مذهب أهل السنة والزمخشري أكثر الناس أخذ بالاختصاص في مثله فإذا عارضه الاعتزال فزع منه اهـ، فكان على المصنف رحمه الله أن لا يتبع هواه فيه وان كنا نقول من جانبه أنه اعتمد على ما يدل على خلافه من النصوص وسيأتي مثله في سورة المائدة في قوله وما هم بخارجين منها. قوله: (نزلت في قوم حرّموا الخ (قيل إنه ليس كذلك إنما نزلت في المذكورين آية المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ} [سورة المائدة، الآية: 87] وأمّا هذه فنزلت في الكفار الذين حرموا البحائر والسوائب والوصائل كما ذكره ابن جرير وغيره بدليل قوله: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} [سورة البقرة، الآية: 170] كما ذكر في قصة البحائر وخطاب المؤمنين بعده بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} كما خوطبوا في تلك الآية لأنهم مؤمنون فعلوا ذلك زهداً وهو وارد غير مندفع. قوله:) وحلالآ مفعول كلوا الخ) في هذه الآية وجوه من الإعراب الأوّل أن حلالاً مفعول كلوا ومن لابتداء الغاية متعلقة بكلوا قيل: لا للتبعيض لأنّ من التبعيضية في موقع المفعول أي كلوا بعض ما في الأرض فإن قيل: لم لا يجوز أن تكون حالاً قدم عليه لتنكيره، قيل: لأن كون من التبعيضية ظرفا مستقرّاً أو كون اللغو حالاً مما لا يقول به النحاة (أقول) أما كون الثاني

مما لا يقول به النحاة فظاهر وأمّا الأول فليس كما قال فإنهم صزحوا بأنّ من التبعيضية تكون مستقرّاً ولغواً وسكت عن كونها بيانية كأنه ظن أنها لا تتقدم على المبين والصحيح خلافه. قوله: (أو صفة مصدر محذوف أو حال الخ (ومن يجوز فيها الابتداء أو التبعيض، وقوله: إذ لا يؤكل كل ما في الأرض ظاهره أنه على سائر الوجوه السابقة فليتأمّل. قوله: (يستطيبه الشرع أو الشهوة) قيل: المراد على الأوّل ما لا شبهة فيه وهو ظاهر، وأتا على الثاني فيرده أنّ ما ليس كذلك إمّا حلال بلا شبهة فلا منع منه أو لا فخارج بقيد الحلال ولا يتأتى الجواب بأنه صفة مؤكدة لا! قوله: إذ الحلال الخ يأباه وهو غير وارد إذ المراد بالحلال ما نص الشارع على حله وبهذا ما لم يرد فيه نصى ولكنه مما يستلذ ويشتهيه الطبع المستقيم ولم يكن في الشرع ما يدل على حرمته كإسكار وضرر. قوله: الا تقتدوا به الخ) يعني أن اتباع الخطوات استعارة للاتباع كما يقال: هو على أثره على قدمه. قوله: (وقرأ الخ (يعني أنه قرئ بضم الخاء والطاء وبضم الخاء وسكون الطاء وبفتح الخاء والطاء وبفتح الخاء وسكون الطاء وبضمهما والهمزة ووجهها أنّ فعلة الساكن العين السالمها إذا كان اسما جاز في جمعه بالألف والتاء ثلاثة أوجه السكون وهو الأصل والاتباع وفتح العين تخفيفا، وأفا قراءة الهمزة ففيها وجهان قيل: إنها أصلية من الخطا بمعنى الخطيئة وقيل: إن الواو وقلبت همزة لأنّ الواو المضمومة تقلب لها نحو أجوه وهذه لما جاورت الضمة جعلت كأنها عليها، والفرق بين الخطوة بالفتح والضم أنّ الأوّل مصدر للمرّة كالضربة والثاني اسم للمتخطي أي ما بين القدمين كالغرفة للمغروف. قوله: (ظاهر العداوة) يعني أنه من أبان بمعنى بان وظهر وتسميته وليا باعتبار ما يظهره ويحتمل أنه من باب تحيتهم السيف. قوله:) بيان لعداوته الخ (يعني أنّ هذه الجملة مستأنفة لبيان ما قبله ولذا ترك عطفه، ووجوب التحرّز لأنّ ما يأمر به ويزينه قبيح فلا يرد ما قيل: إنّ التحرّز إنما هو من كونه عدوّاً مبينا، وقوله: واستعير الخ لدفع ما يتراءى من معارضته لقوله: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إذ الأمر يقتضي العلوّ التسلط ووجه الدفع أنّ الأمر استعير لتزيينه القبائح ووسواسه، ودفع أيضاً بأنّ الأمر للاستعلاء لا للعلوّ وبأنّ المأمورين من اتبع خطواته وهم الغاوون والمذكور في الآية الأخرى غيرهم وعلى الأوّل فهو استعارة تبعية ويتبعها الرمز إلى أنهم بمنزلة المأمورين لما بين الأمرين من الملازمة، وقال الإمام: أمر الشيطان عبارة عن الخواطر التي نجدها في أنفسنا وفاعلها هو الله تعالى كما هو أصلنا لكن بواسطة إلقاء الشيطان إن كانت داعية إلى الشر بواسطة الملك إن دعت إلى الخير وبعض الصوفية والفلاسفة يفسر الملك الداعي للخير بالقوّة العقلية والشيطان بالقوّة الشهوانية والغضبية، ثم إنهما إن كنا شيئا واحداً فالعطف لتنزيل تغاير الوصفين منزلة تغاير الحقيقتين والا فالأمر ظاهر. قوله: (وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأساً (أي ابتداء من غير نظر ومأخذ يقتضيه الدليل وهذا توطئة لما بعده من قوله وأمّا اتباع المجتهد الخ وحاصله دفع سؤال وهو أنّ المجتهد يعمل بمقتضى ظنه الحاصل عنده من النصوص فضلا عن المقلد ف! صيف يمنع من القول بغير علم، والجواب أنّ الشارع جعل ظنه مناطا للأحكام وعلة لها كما جعل ألفاظ العقود علامة عليها فمتى تحقق ظنه بالوجدان علم قطعا ثبوت ما نيط به إجماعاً بل ضرورة من الدين فقد أفضى به ظنه إلى العلم بالأحكام أنفسها ووجب عليه العمل بمقتضى ظنه لذلك، فالطريق ظتي والمقصد علم محقق أو علمه بوجوب أنّ اتباع الحكم المظنون يوصله إلى العلم بثبوته من الله تعالى في حقه مع مقلديه بأن يقول هذا حكم يجب عليّ اتباعه وما ليس حكما ثابتا من الله تعالى لا يجب عليّ اتباعه والمقدمتان قطعيتان فكذا النتيجة أعني كوته ثابتاً من الله تعالى في حقه وإن أردت تحقيق هذا فانظر حواشي العضد والمدرك بالفتح بزنة اسم المكان ما يؤخذ منه الحكم وهو من ألفاظ الأصوليين المولدة. قوله:) الضمير للناس وعدل عن الخطاب الخ (هذا غفلة عما قاله هناك فإنه فسر الناس بالمتزهدين وهو لا يصح هنا بل هم اليهود أو المشركون والضمير للناس على طريقة الالتفات، ولو كانوا غير الأوّلين لم يكن هناك التفات، وألفى بمعنى

وجد كما صرح به في الآية الأخرى وألفه منقلبة عن ياء. قوله: (الواو للحال أو العطف الو وأن الوصلية في مثل هذا تقترن بالواو وقال أبو حيان رحمه الله إنها لازمة لا يجوز إسقاطها واختلف فيها فقيل: عاطفة على حال مقدرة وقيل: حالية وقيل: القولان بمعنى لأنّ المعطوت عليه حال فهي عاطفة وحالية وهذا هو الصحيح وبعينه قول العرب: قد قيل: ما قيل أصدقا وان كذبا ونحوه والضابط فيها أن تقدر بالأبعد ليفيد الأقرب دلالة وفي الكشف إن الشرط نقل لمجرّد التسوية وهذا الشرط لا يقتضي جوابا على الصحيح لأنه خرج عن معنى الشرطية وإنما يقدرونه توضيحا للمعنى وتصويراً له وأمّا دلالتها على المنع من التقليد فلزمهم على اتباع آبائهم ولو كانوا لا يهتدون فإمّا من تيقن أنه مهتد محقق فلا يدخل فيه وهو ظاهر. قوله: (على حذف مضاف الخ) اختلف في هذا التشبيه هل هو مفرّق على أنه تشبيه أشياء بأشياء أو تشبيه مركب بمركب وانّ تقدير المضاف هل هو مبني على التفريق أم لا فقيل: لا بد من تقدير المضاف وان كان مركبا على ما ينبئ عنه لفظ المثل لأنّ المناسبة تقتضي إضافة المثل أي الحال والقصة في الطرفين إلى المتناسبين الواقع أحدهما موقع الآخر وان لم يكن القصد الأصلي تشبيهه به كقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} [سورة البقرة، الآية: 17] و {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [سررة الجمعة، الآية: 5] ولا يحسن كمثل الأسفار وبهذا يندفع ما يقال لم لا يجوز أن يكون التشبيه مركباً غير مفرّق فلا يحتاج إلى تقدير وأورد عليه أنهم قد صرحوا في قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء} [سورة يونمى، الآية: 24] أنه لا تقدير فيه على التركيب وتابعهم هذا القائل في قوله تعالى. {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء} [سورة البقرة، الآية: 9 ا] وفيه بحث ليس هذا محله، وإذا قلنا بالتقدير سواء كان لازما في الوجهين أو في أحدهما فإما أن يقدر في الأوّل مثل داعي الذين كفروا أو في الثاني أي كمثل بهائم الذي ينعق وعلى التفريق فالداعي بمنزلة الراعي والكفرة بمنزلة الغنم المنعوق بها ودعاؤه الكفرة بمنزلة صياج الناعق وعلى التركيب شبه حال هذا الداعي مع من دعاه في أنهم يسمعون قوله ولا يفهمونه بمنزلة الراعي الصائح بغنمه وكلام المصنف رحمه الله محتمل لهذا وإليه أشار بقولة والمعنى الخ، ومغزاه بالعين والزاي المعجمتين أصله محل الغزو والقتال وتجوّز به عن المقصود منه يقال: هو لا يعرف مغزى كذا أي ما يقصد منه وهذان وجهان من ثمانية أوجه في الآية وهما الأرجح وجوّز فيه الزمخشري أن يراد بما لا يسمع البهائم كما هو الظاهر من كلمة ما، والنعيق التتابع في تصويت البهائم وأن يراد الأصم الأصلح وتركه المصنف رحمه الله لأنه خلاف الظاهر من وجوه والداعي هنا الداعي إلى الإيمان. قوله: (وقيل هو تمثيلهم الخ (في الكشاف، وقيل: معناه ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهم على حق أم باطل فشبه حالهم في اتباع آبائهم بحال البهائم كما أنها لا تتبع إلا ظاهر النداء كذلك هؤلاء لا يتبعون إلا ظاهر حال الآباء وهذا أشذ مناسبة لما قبله وفيه احتمال التركيب والتفريق والأوّل أولى ولا تقدير على هذا التقدير. قوله: (أو تمثيلهم في دعائهم الآصنام الخ (يعني أنّ هذا الوجه فيه احتمالان أحدهما أن يكون تشبيها مفرقاً والآخر أن يكون تمثيلا والاحتمال الأوّل مردود لفقدان التقابل بين المشبه والمشبه به وعدم صحة قوله الادعاء ونداء لأنهم لا يسمعون شيئاً، والثاني مقبول لعدم ورود ذلك وأورد عليه أنه على التمثيل لا يندفع ذلك لأنّ المراد أنّ داعي الأصنام لا يرجع من دعائها إلى شيء وأنها أدون حالاً من البهائم لأنها تسمع دعاء ونداء وهي لا تسمع شيئا قط قال تعالى: {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} فإذا لم يوجد في الممثل ما للممثل به يناسبه تفوت هذه الدقيقة لأنّ الواجب في التمثيل أن يقدر للممثل له ما للممثل به من الحال المتوهمة المنتزعة من أمور ولو اختل منها شيء اختل التمثيل اللهم إلا أن يجعل التشبيه مركباً عقلياً أي مثل دعائهم الأصنام فيما لا جدوى فيه كمثل الناعق بما لا يسمع الادعاء ونداء وردّ بأن ما يذكر في الطرفين لا بد أن يكون له دخل في انتزاع الهيئة والفرق بين المركب الوهمي والمركب العقلي في ذلك بتخصيص المدخلية وهم وهذه جملة معطوفة على

الجملة الشرطية تقرّر ما ذمهم به من التقليد وعدم رفعهم رأسا إلى اتباع الممد من عند الله بالتأييد وعطفه على خبر كان آباؤهم بجعل الذين كفروا مظهراً قائما مقام الضمير عدول عن الظاهر، وقوله: رفع على الذم أي خبره مبتدأ محذوف تقديره هم فإن قلت المرفوع على الذم أو المدح وكذا المنصوب نعت مقطوع وهذا نكرة لا يصح أن يكون نعتاً للذين حتى يقطع، قلت: سيأتي أنّ النعت إذا قطع لا يشترط فيه ما يشترط إذا أجرى كما صرحوا به. قوله:) أي مما يعقل الخ (وقع في النسخ هنا اختلاف فعلى هذه المراد التعميم أي لا يعقلون شيئا مما يعقل ويعقل مجهول وفي نسخة بالفعل وفي نسخة بالعقل والمراد به العقل المكتسب لا ما هو بحسب الفطرة والاستعداد. قوله: (لما وسع الأمر الخ) هذا لا ينافي قوله في {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} إنها نزلت الخ لأن خصوص السبب لا ينافي عموم اللفظ كما بين في الأصول وقوله: سوى ما حرم مأخوذ من قوله حلالاً، فإن قلت: قوله أن ينحروا طيبات الخ أي يقصدوا يقتضي أنه لم يسبق مع أنه قال أوّلاً حلالاً طيبا قلت على تفسير الطيب الأوّل هناك لا يرد وعلى الثاني فالمخصوص بهذا المقام التحري مه! القيام بالحقوق لا هو فقط. قوله:) فإنّ عبادته لا تتم إلا بالشكر الخ (في نسخة فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإتمامه وهو عدم عند عدمه يعني أنه علق العبادة بالشكر بل علق حصرها فيه وتوحيده بها به وهو يقتضي أن لا ينفك أحدهما عن الآخر فأجاب بأنّ المراد تمامها وهو إنما يكون بالشكر ولو قبل: أن الشكر لا يوجد بدون العبادة لأنه نوع منها بل هي عين الشكر إذ هو أعم من اللسان والجنان والأركان لصح لكن المصنف رحمه الله بناه على المتبادر وهو أن المراد بالعبادة ما يكون طاعة معروفة وبالشكر الحمد اللساني فتأمّل وقوله: وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم الخ أخرجه الطبراني في السنن والديلميئ والبيهقيّ: " ويعبد ويشكر " مجهولان. قوله: (أكلها والانتفاع بها الخ الما سيأتي من أن الحرمة تتعلق بأفعال المكلفين فإذا علقت بالعين فالمراد تحريم التصرف والانتفاع مطلقا إلا ما خصه الشرع كالانتفاع بالجلد المدبوغ وألحق بالميتة ما أبين أي فصل من حيّ وهو بعض أعضائه وأمّا السمك والجراد فميتتاهما غير حرام إمّا لأن الميتة في العرف ما يذكي إذ لم يذكيا أو أنه خص بحديث: أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال. قوله: " نما خص اللحم الخ) قال ابن عطية خص اللحم ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك وفيه نظر. قوله:) اي رفع به الصوت الخ) هذا أصله ثم جعل عبارة عما ذبح لغير الله، وكون الإهلال أصله رؤية الهلال كما ذكره المصنف رحمه الله هو ما ذهب إليه كثير من أهل اللغة وارتضى في الكشف أن هذه المادة وضعت للأولية فيقولون الهلل لأول المطر والهلال لأوّل ما يبدو القمر، ثم قيل: أهل الصبيّ إذا رفع صوته حين الولادة لأنه أوّل ظهوره وسماع صوته ثم استعمل في رفع الصوت مطلقاً وقوله: بالاستئثار أي طلب أن يؤثر نفسه على ذلك المضطرّ الآخر بأن ينفرد بتناوله فيهلك الآخر. قوله: (سدّ الرمق الخ (أصل معنى عدا تجاوز ومنه العدوان لتجاوز الحد كما أنّ بغي بمعنى طلب ومنه البغي لطلب الفساد والخروج على الإمام وقد فسرا هنا بهذين المعنيين فاختار المصنف رحمه الله تفسير البغي بالبغي على الغير بأخذ نصيبه والعادي بالمتجاوز ما يسدّ الرمق والجوع، وعلى القول الآخر هو من البغي والعدوان لكن خلاف القول الصحيح عند الأئمة الأربعة إلا في قول للشافعيّ وأحمد قالا بمثله في قصر الصلاة. قوله:) المراد قصر الحرمة الخ) يعني أنه ردّ على المشركين في تحريمهم ما أحل الله من السائبة وأخواتها وتحليلهم ما حرّمه الله من هذه المذكورات كأنهم قالوا تلك حرمت علينا لكن هذه أحلت فقيل: لهم ما حرم عليكم إلا هذه فهو قصر قلب هذا معنى الوجه الأوّل وهو مبنيّ على أنه للكفار فإن عاد على المؤمنين في تحريمهم لذيذ الأطعمة ورفيع الملاب! فهو قصر إفراد، وقوله: فمن اضطرّ الخ لتفصيل الحكم وبيانه بأنه محرّم في حال الاختيار وقوله: أو قصر حرمته على حال الاختيار أي أنه يعلم من التفريع المذكور أنّ الحكم الأوّل مقيد بحالة الاختيار والحصر بالنسبة إليه حقيقيّ لكنه مخالف للظاهر إذ الحصر في وصف غير مذكور في الكلام بعيد، ولذا قال الطيبي رحمه الله: إنه ضعيف، وقوله عوضاً فسر الثمن به لدخول الباء على ما يقابله وقد مضى

الكلام فيه. قوله.) إمّا قي الحال الخ (المأكول هنا هو الرشا التي أخذوها في مقابلة ما بذلوه وأكلها مجاز عن أخذها والنار مجاز عنها من إطلاق المسبب على السبب عكس ما في البيت فالمراد بالتلبس ملابسة السببية لا أنه إسناد مجازفي. قوله: (كلت دماً الخ) هو لأعرابي تزوّج امرأة فلم توافقه فقيل له: إنّ حمى دمشق تهلك النساء سريعا فحملها إليها وقال: دمشق خذيها واعلمي أن ليلة تمزبعودي نعشها ليلة القدر أما لك عمر إنما أنت حية إذا هي لم تقتل تعش آخرالدهر ثلاثين حولاً لا أرى منك راحة لهنك في الدنيا لباقية العمر أكلت دما إن لم أرعك بضرّة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر قال التبريزي: أجود الوجوه في معناه أنه يدعو على نفسه بأن يقتل له قتيل فيأخذ ديته، ويجوز أن يكون المراد بأصابني جدب وحاجة لأنهم كانوا يأكلون الدم في القحط أو يعني بالدم دم الحية وهو سمّ فلا شاهد فيه وأرعك بمعنى أخوّفك والمراد أسوءك وبعيدة مهوى القرط وهو الحلقة في الأذن كناية عن طول العنق، وقيل الأحسن طول القامة وقوله أو في المآل معطوف على في الحال وأكل النار عبارة عن إحراب باطنهم والا فهي لا تؤكل حقيقة. قوله: (ومعنى في بطونهم الخ الا يخفى أن البطن ليست ظرفاً للأكل بل للمأكول لأنّ الأكل المضغ أو التغذي لكن يذكر معه للذلالة على أنه ملؤوه وإذا قيل في بعض بطنه فالظاهر ما دون الملء ففي كلام المصنف رحمه الله تأمّل. وقيل: إنه بيان لحاصل المعنى وأمّا التحقيق فهو أنه جعل البطن بتمامه محل الأكل بمنزلة ما لو قيل: جعل الأكل في البطن فهو ظرف متعلق بيأكل لا حال مقدرة على ما في تفسير الكواشي) أقول) قال أبو البقاء: الأجود أن تكون حالاً مقدّرة لأنها وقت الأكل ليست في بطونهم وإنما يؤول إلى ذلك والتقدير ثابتة في بطونهم لكن فيه تقدم الحال على الاستثناء وهو ضعيف. قوله:) كلوا في بعض بطنكمو تعفوا) تمامه: فإن زمانكم زمن خميص أي تعفوا عن السؤال. قوله: (عبارة عن غضبه الخ الما كان الله يسألهم حمل الكلام على الكلام بما يسرهم فيكون مخصوصا بقرينة المقام ولم يرتضه المصنف رحمه الله وجعله عبارة عن غضبه على طريق الكناية، وكذا قوله وتعريض بحرمانهم لأنّ التعريض نوع من أنواع الكناية وهو مبنيئ على أن سؤال القيامة لهم من الله وقيل: إنه ليس كذلك بل بواسطة الملائكة عليهم الصلاة والسلام وحمل التزكية على الثناء لأنها لازم معناه، وقوله: أليم بمعنى مؤلم مرّ ما فيه ومعنى اشتراء الهدى بالضلال استبداله، وقوله: بكتمان متعلق بهما. قوله: (تعجب من حالهم الخ) اختلف في ما أفعل في التعجب فذهب الجمهور إلى أنّ ما نكرة تامّة ومعناها التعجب فمعنى ما أحسن زيداً شيء صير زيداً حسناً وذهب الفرّاء إلى أنّ ما استفهامية ضمنت معنى التعجب نحو كيف تكفرون بالله وذهب الأخفش إلى أنها موصولة وفي قول له إنها نكرة موصوفة وعلى هذه الأقوال هي في محل رفع على الابتداء والجملة خبرها أو خبرها محذوف إن كانت صفة أو صلة، وبقية الكلام فيه مبسوط في النحو ثم إنّ التعجب هنا راجع إلى العباد وأنّ حالهم حقيق بأن يتعجب منها لأنّ التعجب منشأه الجهل بالسبب وهو في نفسه انفعال فلا يجوز عليه تعالى من وجهين، ثم إنّ الصبر هنا مجاز عن الجراءة على أسباب العقوبة وهو من بليغ الكلام، قال الراغب: قال أبو عبيد إنّ ذلك لغة بمعنى الجراءة واحتج بقول أعرابيّ قال لخصمه ما أصبرك على الله وهذا تصوّر مجاز بصورة حقيقة لأنّ ذاك معناه ما أصبرك على عذاب الله في تقديرك إذا اجترأت على ارتكاب ذلك والى ذلك يعود قول من قال ما أبقاهم على النار وقول من قال ما أعلمهم بعمل أهل النار، ويصح أن يكون استعارة تمثيلية وقوله: كتخصيص! قولهم الخ يعني قصد التعجب لأنه من المخصصات كالاستفهام أو لأنه موصوف تقديراً وان كانت موصولة أو موصوفة فهو ظاهر وبقية الأقوال واضحة وكلها بناء على التعجب، وجوّز فيه وجه آخر وهو

أن تكون ما استفهامية قصد بها التوبيخ وأصبر فعل ماض بمعنى صيره صابراً لكنه لم يوجد في اللغة أصبر بهذا المعنى، ولذا تركه المصنف رحمه الله. قوله: (أي ذلك العذاب بسبب الخ (يعني ذلك إشارة إلى العذاب والكتاب للجنس والمختلفون هم اليهود القائلون بأنّ البعض من هذا الجنس حق كالتوراة والبعض باطل كالقرآن وجوّز أن يكون إشارة إلى كفر اليهود والكتاب للمعهود أعني القرآن والمختلفون هم المشركون حيث افترقوا في شأنه فرقا وهو ظاهر وأمّا على الأوّل فالاختلاف عائد إلى جنس الكتاب حيث جعلوه قسمين ووصف القوم به تجوّز ثم لما كان إنزال الكتاب ليس نسبباً للعذاب قدر قوله فرفضوه الخ للقرينة القائمة عليه لتتضح السببية وقيل: السببية راجعة إلى الحال الذي هو القيد أي وان الذين الخ فليتدبر. قوله: (وإنّ الذين اختلفوا في الكتاب الخ) تقدم الإشارة إلى أنّ الجملة حالية وأنّ اختلافهم بمعنى اختلاف الكتب عندهم وأن الإسناد مجازيّ وأمّا إذا أريد التوراة فالذين واقع على اليهود وهم لم يختلفوا فيها فالمراد باختلفوا تخلفوا عن سلوك طريق الحق فيها وتأخروا عنه أو جعلوا ما بدلوه خلفا عما فيها، قال الراغب: يقال تخلف فلان فلانا إذا تأخر عنه وإذا جاء خلف آخر وإذا قام مقامه ومصدره الخلافة اهـ. ومن لم يقف عليه قال حمل الاختلاف على الخلف أو التخلف مما لم نجده في كتب اللغة والتقوّل تفعل من القول بمعنى الكذب والشقاق بمعنى المخالفة كما مرّ، وقوله: بعيد عن الحق بيان لتقدير متعلقه. قوله: (البر كل فعل مرضني) وفي الكشاف الخطاب ولأهل الكتاب لأنّ اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق، وفي الكشف إنّ هذا بحسب أفق مكة وهو يقتضي أنّ التوجه لهما للقدس وأما كونه مشرقا ومغربا بحسب الأفق لا مطلقا فانظره وذكر القبلة هنا استطراد حسن الموقع لأنه لما ذكر اختلافهم في الأصول تممه باختلافهم في الفروع ولولا هذا لم يرتبط بما قبله، وقوله ليس البر ما أنتم عليه عبارة الكشاف فيما أنتم إشارة إلى أنه لم يقصد الحصر والمصنف رحمه الله أشار إلى أنه حصر إضافيّ لا مانع منه. قوله:) وقيل عام لهم وللمسلمين الخ (فيكون عودا على بدء فإنّ الكلام في أمر القبلة وطعنهم في النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك كان أساس الكلام إلى هذا القطع فجعل خاتمة كلية أجمل فيها ما فصل وإنما قال ليس البر العظيم لأنّ ما يكثر الخوض فيه يكون لا محالة عظيم الشأن ولأنه في نفسه بر وكذلك الجدال فيه بالحق فبقي كونه براً بالنسبة إلى هذه الأنواع التي هي أصول وذلك من توابعها كذا في الكشف، وقال النحرير: على الأول حمل البرّ على إطلاقه والخبر أعني أن تولوا على تقدير في لأنهم لم يزعموا أنّ جنس البر ذلك بل فيه فنفى وعلى الثاني حمل البرّ على الكامل الذي كأنه البر كله والخبر على تقدير مضاف أي أمر البرّ أن توتوا والبحث عن ذلك والنزاع فيه وحينئذ لا يصح نفي البرّ بالكلية فتعين الحمل على الكامل اهـ. ومنه يعلم إقحام المصنف رحمه الله لفظ أمر وتوصيفه البر بالعظيم لكن في قوله مقصوراً بأمر القبلة قصور بحسب الظاهر إذ كانت حقه أن يقول على أمر القبلة وكأنه لاحظ أنه مقصور على البرّ بأمر الفبلة. قوله: (ولكن البرّ الذي ينبغي أن يهتنم به الخ) إشارة إلى الوجوه الثلاث الجارية في مثله من التقدير في الأوّل أو الثاني أو جعله عين البر مبالغة على حد: فإنما هي إقبال وادبار وإليه أشار بقوله ولكن البار لكنه إشارة إلى أنّ التجوّز في الظرف لا في الإسناد وقوله: أوفق أي لقوله ليس البرّ وأحسن إذ سابقية القرينة أولى من لاحقيتها، ولأنه تقدير في وقت الحاجة لا قبلها ولأنّ المقصود بيان البرّ لا ذية ومراده أنه أحسن من التقدير الثاني لأنّ الأخير أبلغ وقوله: والمراد بالكتاب الخ هذا دليل على ما يراد به في قوله اختلفوا في الكتاب ليتلاءم أجزاء الكلام وأمّا احتمال أن يراد به التوراة لأنّ الإيمان به يوجب الإيمان بغيره فبعيد. قوله:) أي على حبّ المال الخ) أي في الاحتياج إليه أو في صحته لأنه بالمرض يزهد فيه، ويؤيده الحديث المذكور وهو حديث رواه الشيخان وتمامه: " وتأمل الغني ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان " كذا لكن لفظه: أن تصذّق بدل أن تؤتيه وعلى في الوجه الأخير للتعليل والمراد مخلصاً وقوله المحاويج يعني الفقراء جمع

محتاج على خلاف القياس، وقوله: اثنتان أي حسنتان وقوله: " صدقتك على المسكين ") 2! أخرجه الترمذي والنسائيّ وابن جرير من حديث سلمان بن عامر 0 قوله: (الذي أسكشه الخلة الخ) الخلة بفتح الخاء الحاجة أي جعلته ساكناً لا يقدر على الحركة لضعفه أو ساكنا ملتجئا إلى غيره وأشار به إلى أن الميم زائدة وأمّا تمسكن فلجعلها بمنزلة الأصلية والفرق بينه وبين الفقير معروف ولكن المراد هنا الفقير مطلقا ومفعيل من صيغ المبالغة ووجه المبالغة فيه ظاهر وابن السبيل المسافر، والقاطع يعني به قاطع الطريق وقوله يرعف به أي يأتي منها بغتة على غير انتظار وأصل معنى رعف سبق وبادر، ومنه الرعاف. قوله: (الذين ألجأهم الحاجة الخ) وقيل؟ السائل المستطعم فقيراً كان أو غنياً وعلى ما ذكره المصنف المراد به المحتاج الذي يعرف حاجته بسؤاله والمساكين السابق ذكرهم الذين لا يسألون وتعرف حاجتهم بحالهم وان كان ظاهرهم الغنى وهو معنى قوله: " وإن جاء على فرسه " وهذا الحديث أخرجه أحمد وقال عيسى صلى الله عليه وسلم: إن للسائل حقا وان أتاك على فرس مطوّق بالذهب، وقوله: وفي تخليصها إمّا إشارة إلى تقدير مضاف أو إلى ما يفهم من السياق والرقبة مجاز عن الشخص، وقوله: أو ابتياع الرقاب أي اشترائها وتملكها وحمل الصلاة على المفروضة لنظمها مع الفرائض. قوله: (يحتمل الخ) يعني لا يكون القصد إلى أداء الزكاة ليكون قوله: وآتى الزكاة تكرارا بل إلى بيان مصارفها التي هي أهم وأكثر ثوابا على أن يكون السائلين إشارة إلى الفقراء ويشترط في ذوي القربى واليتامى الفقر والا فقد ترك ذكر البعض وذكر ما ليس من المصارف ولمن أوجب حقا سوى الزكاة أن يتمسك بهذه الآية وبقوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} وبالأحاديث الواردة في ذلك وبالإجماع على وجوب دفع حاجة المضطرّين وأن يجيب عن نسخ الزكاة وجوب كل صدقة با! المراد الواجبات المقدرة وحديث: " نسخت " الخ أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ من حديث علي كرّم الله وجهه مرفوعا: " نسخ الأضحى كل ذبح ورمضان كل صوم وغسل الجنابة كل غسل والزكاة كل صدقة ". وقال هذا حديث غريب أخرجه الدارقطني البيهقي فإن قلت هذا لا يناسب ما تقدم من تقييد ذوي القربى واليتامى بالمحاويج لأنّ ذوي القربى إذا كانوا كذلك يلزم النفقة عليهم، قلت: هو على هذا التفسير لا يقيده به إذ لا يلزم من كونهم كذلك أن لا يكون لهم غيره ممن يجب عليه نفقتهم. قوله:) والموفون الخ (لم يقل وأوفى كما قبله إشارة إلى أنه أمر مقصود بالذات والتقييد بقوله إذا عاهدوا للتأكيد والمبالغة أو للتتميم. قوله:) نصبه على المدح الخ (قال ابن الشجري: في أماليه ومن المدح في التنزيل قوله: والصابرين في البأساء بعد قوله: والموفون بعهدهم أراد عين الصابرين ومثله والمقيمين الصلاة بعد قوله والمؤتون الزكاة ا!. ذهب إلى أن المقيمين منصوب على المدح وهو أصح ما قيل فيه، وفي الدرّ المصون في رفع الموفون عطفه على فاعل آمن أو على من آمن أو جعله خبر مبتدأ محذوف أي وهم الموفون ونصب الصابرين على المدح وهو في المعنى عطف على من آمن قال الفارسيّ: وهو أبلغ ووقع نصبه على المدح في الكتاب أيضا فما قيل. معناه تقدير ما يدل على المدح مثل وأخص الصابرين أو أمدح الصابرين وحينئذ يكون من عطف الجملة على جملة {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ} وحذف هذا المقدّر واجب والمشهور بالرفع أو النصب على المدح هي الصفات المقطوعة ولم نجد ذلك مبينا في المعطوف وإنما أخذناه من هذا الموضع اهـ. من قلة الاطلاع وضيق العطن وهذه المسألة مسطورة في متن المفصل في باب الاختصاص قال وقد جاء نكرة في قول الهذلي: وبأوى إلى نسوة عطل وشعثامراضحيع مثل السعالى وهذا الذي يقال: فيه نصب على المدح والذم والترحم اص. وذكر القطع في البد! أيضا قال في المقتبس: وأفاد القطع في العطف الاختصاص لأن الإعراض عن العطف السلس المنقاد أوهم أن الثاني ليس من جنس الأوّل وهذا معنى الاختصاص اهـ. وقوله: لفضل الصبر على سائر الأعمال أي بقيتها غير ما مر من الإيمان وأخواته فلا يرد عليه ما قيل. إن الإيمان أفضل منه، والبأس كثر استعماله في بأس العدوّ.

قوله: (أولئك الذين صدقوا الخ (جع! الصدق في هذه الأمور بقرينة ما سبق وكما يدل عليه أولئك كما مر وعمم التقوى ليصح الحصر حقيقة وتهذيب النفس عن الرذائل بفعل الطاعات وترك المنهيات ووجه الإشارة فيما ذكر صريحا ظاهر، وضمنا لما لم يذكر من أنواعها لا! هذه أمهاتها تدل على باقيها، وقوله: ولذلك وصف الخ فهو لف ونشر مرتب وقوله: {مِّنْ عَمَلِ} الخ أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن أبي ميسرة. قوله: (كان في الجاهلية بين حيين الخ (قا اط العراقي لم أقف عليه وقال السيوطي: أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلاً والطول بفتح فسكون الفضل والمراد هنا شرف العشيرة، وقوله: أن يتباوؤوا قال في الفائق هو أن يتقاصوا في قتالهم على التساوي فيقتل الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد يقال باء فلان بفلان إذا كان كفؤاً له يقتل به بوأ وبواء ثم يقال: هم بواء أي أكفاء في القصاص والمعنى ذو بواء وكثر حتى قيل: هم في هذا الأمر بواء أي سواء وفي النهاية عن أبي عبيدة يتباووا كيتعاووا، والصواب يتباوؤوا بوزن يتقابلوا مهموزا من البواء بمعنى المساواة وقال غيره يتباووا صحيح أيضا بأن حذفوا الهمزة للتخفيف ورسم الخط يحتملهما هنا. قوله:) ولا تدل الخ) ردّ لمن استدل بهذه الآية على ذلك ثم إثبات لمدعاه بطريق آخر قال النحرير لأنها بيان وتفسير لقوله: كتب عليكم القصاص في القتلى فدل على اعتبار الموافقة ذكورة وحرية في القصاص لا أنها مفهومها يدل على أنّ غير الأنثى لا يقتل بالأنثى وفيه نظر أمّا أولاً فلأن القول بالمفهوم إنما هو على تقدير أن لا يظهر للتقييد فائدة وهنا الفائدة أنّ الآية إنما نزلت لذلك واليه أشار المصنف بقوله: وقد بينا ما كان الفرض يعني سبب النزول وأمّا ثانيا فلأنه لو اعتبر ذلك لزم أن لا تقتل الأنثى بالذكر نظراً إلى مفهوم بالأنثى واليه أشار المصنف بقوله: كما لا تدل على عكسه ودفع بأنه يعلم بطريق الأولى، وأمّا ثالثا فلأنه لا عبرة بالمفهوم في مقابلة المنطوق الدال على قتل النفس كيفما كانت لا يقال تلك حكاية عما في التوراة لا بيان الحكم في شريعتنا لأنا نقول شرائع من قبلنا لا سيما إذا ذكرت في كتابنا حجة وكم مثلها في أدلة أحكامنا حتى يظهر الناسخ وما ذكر ههنا يصلح مفسراً فلا يجعل ناسخا، ودليل آخر على عدم النسخ أنّ تلك أعني النفس بالنفس حكاية عما في التوراة وهذه أعني الحرّ بالحرّ خطاب لنا وحكم علينا فلا ترفعها وما ذكرنا من كونه مفسراً إنما يتم لو كان قولنا النفس بالنفس مبهما ولا إبهام بل هو عام والتنصيص على بعض أفراد لا يدفع العموم سيما والخصم يدعي تأخر العام حيث يجعله ناسخا لكن يرد عليه أنه ليس فيه رفع شيء من الحكم السابق بل إثبات زيادة حكم آخر اللهمّ إلا أن يقال إنّ في قوله الحرّ بالحرّ الخ دلالة على وجوب اعتبار المساواة في الحرّية والذكورة دون الرق والأنوثة ومنه يعلم ما في قوله أنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن. قوله: (وإنما منع مالك والشافعئ الخ) هذا ردّ لما في الكشاف أنه جعل مذهبهما أنه لا يقتل الحرّ بالعبد والذكر بالأنثى فإنه وهم محض إذ لا خلاف لهما في قتل الذكر بالأنثى فلذا قال وإنما، وقوله: ولم يقده أي لم يقتله قوداً ثم أثبته " بالحديث " واجماع الصحابة ثم قاممه على الأطراف إذ لا قصاص فيها بين الحز والعبد بالاتفاق. قوله: (واحتجت الحنفية به على أنّ مقتضى العمد الخ) اختلف الفقهاء في موجب القتل العمد فقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وغيرهم ليس للوليّ إلا القصاص ولا يأخذ الدية إلا برضا القاتل لظاهر هذه الآية لأنه هو المفروض! ، وقال الأوزافي والليث والشافعيّ في أحد قوليه وهو مختار المصنف رحمه الله وإن قيل: إن المفتي به في مذهبهم خلافه أنّ الولي بالخيار بين أخذ القصاص أو الدية وان لم يرض القاتل قال الجصاص: ظاهر الآيات إيجاب القصاص دون المال وغير جائز إيجاب المال على وجه التخيير إلا بمثل ما يجوز به نسخة لأنّ الزيادة في بعض القرآن توجب نسخه والتخيير بعد التعيين زيادة كعكسه وهما من قبيل النسخ كما صرّح به الجصحاص وأهل الأصول فقوله ولذلك قيل الخ مخالف للراجح في الأصول وهو قول عند الشافعية ارتضا. المصنف رحمه الله فلا اعتراض عليه كما قيل وقوله وكذا كل فعل جاء في القرآن أي فعل لله ورد فيه فإنه مبنيّ للمجهول وللفاعل لتقذم ذكره حقيقة أو حكماً ويحتمل أنه أراد

كتب حيث ورد وهو الظاهر. قوله: (شيء من العفو الخ) من إمّا شرطية أو موصولة، وقوله: من العفو إشارة إلى أنّ شيء القائم مقام الفاعل المراد به المصدر وهو مصدر نوقي فيقوم مقامه أو المراد شيء قليل أو قصاص وهو عفو مخصوص وعفا غير متعد والمراد بالأخ المقتول أو وليّ الدم سماه أخا استعطافاً بتذكير أخوة البشرية والدين ونحوهما وعفا يتعدى إلى الجاني والى الجناية بعن يقال عفوت عن زيد وعن ذنبه فإذا ذكرا تعدى إلى الجاني باللام والى الجناية بعن فتقول عفوت لزيد عن ذنبه كما في هذه الآية وإنما قام شيئاً مقام الفاعل لما ذكره من أنّ بعض العفو كالتامّ في إسقاطه سواء عفا بعض الورثة أو عفا الوارث عن بعض القصماص فإنه لا يتجزأ. قوله: (وقيل عفى بمعنى ترك وشيء مفعول به) فهو متعذ أقيم مفعوله مقام فاعله، وقد ورد متعديا في كلام العرب بمعنى ترك ذكره السرقسطي وغيره من أئمة اللغة لكن ضعفه الزمخشريّ وتبعه المصنف رحمه الله بأنه ليس يثبت وإنما المتعدي أعفاه فإن ورد فخلاف اللغة المعروفة فلا ينبغي تخريج القرآن عليها وجعل مثله جراءة على كلامه تعالى، ورد بأنه إذا ورد بمعنى ترك ومحى ونقله أهل اللغة وان لم يشتهر فإسناده إلى المفعول الذي هو الأصل في المبني للمجهول يرجحه على إسناده للمصدر الذي هو مجازع على خلاف الأصل ولا حاجة إلى القول بأنه تضمين لأنه لا ينقاس وقوله: عن جنايته تقدير لمتعلقه الآخر، وتوله: من جهة أخيه إشارة إلى أن من ابتدائية. قوله: (أي فليكن اتباع الخ (يعني أنه مرفوع على الفاعلية ومنهم من قدره فعليه اتباع أو فالواجب اتباع وقوله وفيه دليل الخ تقدم الكلام فيه وجوابه مبسوط في أحكام الجصاص. قوله: (ذلك أي الحكم الخ (كون الواجب على اليهود القصاص وحده كذا في الكشاف هنا أيضاً لكنه ذكر في الأعراف أنهم منعوا من الدية فقط وكان لهم القصاص أو العفو مجاناً وسيأتي تفصيله في محله. قوله: (لا أعافي أحدا قتل بعد أخذه الدية (أخرجه أبو داود وفي رواية لا أعفي وظاهره أنه لا يقبل من ولي القتيل الثاني عفوه عن القصاص مطلقا وفيه تأمّل. قوله: (كلام في غاية الفصاحة الخ الأنهم كانوا يقولون القتل أنفى للقتلى ويعدونه أبلغ كلام في معناه وهذا التركيب أبلغ منه وأفصح بوءجوه كثيرة كما في شروح المفتاح وقد أشير إلى طرف منها هنا كقوله حيث جعل الشيء محل ضده إذ جعل القصاص وهو فناء وموت مكانا لضده الذي هو الحياة، وقد رد هذا صاحب الانتصاف وقال هذا إما وهم أو تسامح لأنّ شرط تضاذ الحياة والموت اجتماعهما في محل وأحد ولا تضاد بين حياة غير المقتص وموت المقتص وليس كما زعم فإنّ فيها حمل الشيء على ضده ولم يكتف بهذا القدر بل صرح بالظرفية بأن جعل القصاص مدخول في وفائدته أنّ المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرق فالقصاص يحمي الحياة من الآفات، ومعناه أنّ الحياة الحاصلة بالارتداع أو الحياة العظيمة إنما تحصل بشرعية القصاص لا غير فالظرفية مجازية تفيد بحسب الوضع اجتماعهما وهما ضدان فيقصد بها هذا المعنى البديع في نفسه الغريب في مأخذه فلا يرد عليه شيء. قوله: (وعرف القصاص الخ (يعني أنّ التعريف للجنس والتنوين للتنويع والتعظيم لأنه يردع القاتل عن القتل فيكون سبباً لحياة نفسين أو يمنع أن يقتل غير القاتل كما كان في الجاهلية فتحيا به نفوس، فعلى الأوّل فيه إضمار أي شرع القصاص أو علم القصاص وعلى الثاني فيه تخصيص الحياة بحياة غير المقتص منه والنوعية أنسب بالأوّل والتعظيم بالثاني ولذا خصه في الكشاف والمصنف رحمه الله لم يعينه لصلاحيته لكل منهما. قوله: (يحتمل أن يكونا خبرين الخ) وقوله: صلة له أي متعلقا بمتعلقه أو به نفسه لنيابته عن المتعلق أو حالاً وقراءة القصص جوّز فيها أيضا أن يكون القصص مصدراً بمعنى القصاص وخص! الخطاب بأولي الألباب لما ذكره، وقيل: لأنّ الحكم مخصوص بالبالغين دون الصبيان، وقوله: في المحافظة إشارة إلى أنه من التقوى بالمعنى الشرعي وقوله: أو عن القصاص فيكون بالمعنى اللغوي. قوله: (كتب الخ (ترك العطف في هذا ونظائره لأنه قصد استقلالها وأن كلاً منها مقصود بالذات وان أمن فيها العطف وملاحظة مناسبة بينها، وقوله حضر

أسبابه إشارة إلى تقدير مضاف لأن الموت لا يحضر وقيل: إق المراد به الحضور العلمي وفسر الخير بالمال الكثير ويطلق على المال قليلاً أو كثيرا. قوله: (مرفوع بكتب الخ) وترك تأنيثه وان كان غير حقيقي لا بد له من مرجح وقيل: الأحسن أنّ نائب الفاعل الجار والمجرور وهو عليكم والوصية خبر مبتدأ كأنه قيل: ما المكتوب فقيل: هو الوصية، وكتب بمعنى قدر وقضى أو جعل وليس تقديره ولا جعله في وقت حضور الموت بل قبله لكن الغرض الذي في ضمنه يكون في ذلك الوقت فلذا قال مدلول كتب ولم يجعله نفس الفعل كما قاله غيره وقريب منه ما قيل: إنّ معنى كتب أوجب والظرف قيد الوجوب لا الإيجاب من حيث الحدوث والوقوع على ما هو مدلول الفعل وما ذكره من أنّ معمول المصدر لا يتقدّم عليه هو المشهور لكن ذصب بعض المحققين إلى جواز تقدم الظرف فحينئذ يتعلق به وهو أنسب معنى. قوله: (وقيل: مبتدأ الخ) ردّه بأنّ حذف الفاء من جواب الشرط لا يجوز ما ذكره من الشعر لا ينهض حجة أمّ أوّلاً فلأنّ الرواية ليست هكذا بل هي: من يفعل الخير فالرحمن يشكره كما قاله المبرد وقال: إنه لم يسمع في الشعر أيضاً وهذا معنى قوله: إن صح ولو سلم فهو ضرورة كما ذكره سيبويه رحمه الله فلا يصح تخريج الآية عليه والبيت لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وقيل لكعب بن مالك وقد اختلفت رواية صدره كما ذكرناه وروي أيضا: من يحفظ الصالحات الله يحفظه وعجزه: والشرّ بالشر عند الله سيان وروي مثلان. قوله: (وكان هذا الحكم في بدء الإسلام الخ) هذا مرويّ عن ابن عباس رضي الله عنهما ذكره أبو داود وناسخه وابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما وقوله: " إنّ الله أعطى " الخ أخرجه الترمذيّ وحسنه والنسائي وابن ماجه، وظاهره أنّ الآية والحديث نسخا آية الوصية لكن قال الطيبيّ رحمه الله الحق أنّ آية المواريث هي الناسخة والحديث مبين لكونها ناسخة لأنّ الحديث لا ينسخ الكتاب. قوله:) وفيه نظر لأنّ آية المواريث لا تعارضه الخ) وجه عدم المعارضة أنه قال في آية المواريث {مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [سورة النساء، الآية: 12] فقرر فيها الوصية ونص على تقدمها مطلقاً فكيف تكون معارضة لها حتى تنسخها وأجاب عما قاله المصنف بوجهين: الأوّل أنّ المشهور الذي تلقته الأمة بالقبول له حكم المتواتر عند الحنفية كما عرف، والثاني: أنّ الحديث ليس ناسخا بنفسه بل مبين أنّ آية المواريث نسخت وجوب الوصية للوالدين وأنّ المراد بالوصية فيها ليس المطلق وذلك لأنّ ناسخية آية المواريث كان فيها خفاء واحتياج إلى بيان فبينها الحديث ولا يلزم من عدم صحة ناسخية خبر الواحد صحة بيانه للنسخ المراد بالآية كما لا يلزم من عدم صحة إثباته للفرضية عدم صحة بيان إجمال الآية التي ثبتت بها الفرضية وهو بحث مشهور على أن قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} متروك الظاهر بالإجماع فلم لا يجوز أن ينسخ مثله بخبر الواحد فتأمّل. قوله: (ولعله احترز عنه من فسر الخ) عبر بلعل إشارة إلى ضعفه لأنّ الوصية المتبادر منها ما يتعلق بغير أنصباء الورثة وقوله: فلا يفضل الغنيّ مبنيّ على القول بأنه قبل فرض المواريث وقوله: ولا يتجاوز الثلث مبنيّ على القول بأنها لا تعارض آية المواريث. قوله:) مصدر مؤكد الخ) قال أبو حيان: هذا تأباه القواعد النحوية لأنّ على المتقين متعلق بحقا أو صفة له فلا يكون مؤكداً والمصدر المؤكد لا يعمل وهذا وارد اللهمّ إلا أن يجعل معمولأ لمقدر غير صفة ومنهم من جعله صفة مصدر مقدر أي إيماء حقا، وقيل: إنه حال. قوله: (فمن بدله الخ (لما عمم من للأوصياء والشهود فسر السماع بالتحقق والوصول ليشمل الأوصياء وقوله حاف من الحيف وهو الظلم وفي نسخة خان من الخيانة، وكونه وعيداً لأنه يستعمل للتهديد بأن يعاقبه على ما علمه منه. قوله: (أي توقع وعلم الخ) أصل الخوف توقع مكروه عن إمارة مظنونة أو معلومة كما أنّ الرجاء توقع محبوب كذلك ولما كان هنا لا معنى للخوف من الميل والإثم سيما بعد الوقوع ذهبوا إلى أنه مستعمل فيما يلزمه من التوقع والظن الغالب أو العلم فإن التوقع وان لم يستلزم الجزم لا ينافيه فجاز الجمع بينهما نعم استعمال التوقع فيما لا جزم فيه أكثر وأظهر كما في أخاف أن ترسل أي أتوقعه، وفسر الجنف بالميل خطأ والإثم بتعمد

الجنف أي الجور ليظهر التقابل وأصل الجنف الميل في الحكم مطلقا كما قاله الراغب، وقوله: فأصلح أي فعل الصلاح، وقوله: في هذا التبديل أي تبديل جور الموصى لهم بالعدل ولو فسر فلا إثم عليه بأعم منه لم يكن النفي واقعا موقعه لأنه يقتضي أنه مظنة لذلك فتأمل. قوله: (وعد للمصلح الخ) يعني أنه بعد نفي الإثم لا يبقى للوعد بالمغفرة فائدة وإنما أتى به لمناسبة ذكر الإثم ولكون ما فعله يتوهم فيه الإثم ولو حمل على أنه وعد له بمغفرة ماله من الآثام لما أحسن فيه لكان أظهر وقوله: من جنس ما يؤثم من الأفعال بمعنى ما يوقع في الإثم يقال آثمة إذا أوقعه في إثم، وأما أثمه بالتشديد فمعناه نسبة إلى الإثم. قوله: (يعني الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ (ووجه التوكيد يعلم من كونه فرضاً على جميعهم فهو مما يهتم به وقوله: وتطييب على النفس أي تسهيل عليها، وفي نسخة للنفبس وقيل: إنه إشارة إلى أنّ المشقة إذا عمت طابت وقوله: تنازع إليه النفس أي تميل وتشتاق. قوله: (كما قال عليه الصلاة والسلام الخ) حديث صحيح في البخاري ومسلم عن عبد الله رضي الله عنه: " قال لنا رسول الله كي! يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " والباءة النكاج، ولو جاء نوع من الخصباء وهو أن ترض! عروق الأنثيين وتترك الخصيتان كما هنا أي يقطع شهوة الجماع كما يقطعها الخصاء وهو بكسر الخاء والمد وجوّز بعضهم فتحا مع القصر والإخلال معطوف على المعاصي وفيما ذكره المصنف رحمه الله إشارة إلى أن النكاج للقادر سنة، وقيل: إنه عبادة وقوله: فعليه بالصوم، قال! المأزرقي: إنه إغراء للغائب وهو شاذ كقوله عليه رجلا ليس وفي شرح التقريب أنه ليس منه للخطاب بقوله: من استطاع منكم، وفيه بحث يعلم من شروح الكتاب. قوله: (معدودات الخ) أي إفا أن تراد حقيقته أي معينات بالعدد أو يجعل عبارة عن القلة كما مرّ تحقيقه لأنّ القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافا ويهال من قولهم هلت الدقيق في الجراب أي صببته من غير كيل. قوله: (ونصبها ليس بالصيام (أي نصب أياما ليس بالمصدر لما يلزم من الفصل بين المصدر ومعموله لكن الرضي جوّزه لأنه يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره. قوله: (أو ما وجب صومه الخ) اختلف السلف هل وجب صوم قبل رمضان فالمشهور وهو أحد قولي الشافعيّ أنه لم يجب صوم قبله وفي آخر وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أوّل ما فرض! صوم عاشوراء فلما فرض رمضان نسخ، وقيل: نسخ صومه بصوم أيام البيض ثم نسخت برمضان كذا في شرح البخاريّ لكنه قيل: إنه كنا قبل نزول هذه الآية وإنه نسخ بها، وقوله: أو ثلاثة الخ هي أيام البيض قال النحرير: فإن قيل: كيف يكون الناسخ متصلا قلنا الاتصال في التلاوة لا يدلّ على الاتصال في النزول وبناء السؤال على أن النسخ قبل العمل لا يجوز والأصح جوازه إلا أن يقال بناؤه على نسخ ما عمل به مدة مديدة كيف يكون متصلاً ويجاب بأنه نسخ بوحي غير متلو ثم قرر ذلك بهذا. قوله:) أو بكما كتب الخ) هذا وما بعده منقول عن الفراء وذكره أبو البقاء، قال أبو حيان رحمه الله: وهو خطأ أمّا النصب على الظرف فانه محل للفعل والكتابة ليست واقعة في أيام لكن متعلقها هو الواقع في أيام وأما النصب على المفعولية اتساعا ف! نه مبنيّ على كونه ظرفا للكتب وهو خطأ وليس بشيء لأنه يكفي للظرفية ظرفية المتعلق كما في {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [سورة العنكبوت، الآية: 52] . قوله: (وقيل: الخ) كونه في الحر شاقاً ظاهر وأمّا في البرد مع قصر النهار وعدم غلبة الحرارة فيه فلعل مشقته لأمر آخر كعسرة تدارك مؤنته ونحوه وقوله: لموتان الموتان بوزن البطلان الموت الكثير الوقوع والموتان بفتح الواو الجماد ضد الحيوان وفي الحديث موتان الأرض! لله ورسوله يعني مواتها وفي الأساس وقع في الناس موتان وموتان بالفتح والضم مع سكون الواو ومن المجاز اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان، قال الراغب: قيل: كان قد وجب على من قبلنا صوم رمضان فغيروا فزادوا ونقصوا وهذا قول عهدته على قائله. قوله: (مرضاً يضره الصوم الخ (هذا هو الصحيح، وفي قرل للشافعية أنه يجوز وان لم يتضرر به، وقوله: أو راكب إشارة إلى أنّ كلمة على استعارة تبعية شبه تلبسه بالسفر باستعلاء

الراكب واستيلائه على المركوب يتصرّف فيه كيف يشاء، وقوله: وفيه إيماء إلى أنّ من سافر أثناء اليوم وفي نسخة يوم وفيه خفاء ولذا جعله إيماء وقيل: وجهه أنه لما عدل عن الظاهر وهو أو مسافراً أو في سفر إلى على المقتضية للتمكن التامّ وكان لتمام إنما هو بسفر اليوم كله كان فيه إشارة إليه وقوله: أخر يومىء إلى ذلك أيضا فتأمل. والإفطار في السفر رخصة وقال أبو هريرة رضي الله عنه: أنه لو صام في السفر لم يصح ولزمه القضاء في الإقامة تمسكا بظاهر الآية. قوله: (نصف صاع من بر الخ (في الصحيحين عن سلمة رضي الله عنه لما نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} " كان من أراد أن يفطر افتدى حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها " لأنه في أوّل الأمر شق عليهم فرخص لهم ثم نسخ بقوله: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} لكن يعارضه ما في صحيح البخاري أيضا أنّ ابن عباس رضي الله عنهما تلاها وقال:! ليست منسوخة وهي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا " وجمع بأنها كانت في حق الجميع ثم خصت بالعاجز وأورد عليه أنّ هذا ليس من الجمع في شيء فإن منطوق اللفظ لا يساعده لتباين مفهوم من يطيق ومن لا يطيق واعتذر له بأنّ الآية كانت مفيدة للرخصة للمطيقين منطوقا ولغيرهم مفهوما ثم نسخت بالنسبة إلى المنطوق دون المفهوم وفيه بحث وفي شرح تحرير ابن الهمام ومشى ابن الهمام رحمه الله على تقديم ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما لأنه مما لا يقال بالرأي إذ هو مخالف لظاهر القرآن لأنه مثبت فجعله بتقدير حرف النفي لا يقدم عليه إلا بسماع ولأنّ قوله وأن تصوموا خير لكم ليس نصا في نسخه، وأورد عليه أن في هذه الآية خمس قراآت وللكل معنيان أحدهما يقدرون عليه لا مع جهد وعسر وبه فسره النسفي رحمه الله وثانيهما في المجهول يكلفونه على جهد منهم ومشقة وفي المعلوم يتكلفونه على هذا الوجه أيضاً فالآية على المعنى الأوّل منسوخة قطعاً من غير احتياج إلى تقدير لا مع أنه لم ينقل تقديرها عن ابن عباس رضي الله عنهما لكن في قراءة حفصة وعلى الذين لا يطيقونه فيحمل على هذا المعنى على القول بالنسخ وعلى الناتئ ثابتة الحكم عند الجمهور خلافا لمالك وعليه يحمل القول بنفي النسخ على أنه لو كان محل توارد قولي النسخ، ونفيه في القراءة المشهور تقدير لا وعدمه لكان قول النسخ مقدماً. قوله: (وقرئ يطوقونه الخ) كل هذه اللغات تخريجها ظاهر وإنما الكلام في يطيقونه هل هو تفعل أو تفيعل قال النحرير هو تفيعل إذ لو كان تفعلا لكان بالواو دون الياء كما أن تديرا لو كان تفعلا كما وقع في المفصل لكان تدوراً لأنه واوي ولهذا لما أورده زين المشايخ عليه إذ! ن له وقالط أغواني عبد القاهر: وكذا ديار فيعال ولو كان فعالاً لقيل دوار وذكر المرزوقي أنه تفعل وجاء بالياء نظراً إلى الديار وأنا أظن أنّ ما نقل عن الزمخشريّ لا أصل له فإنّ هذه قاعدة مقررة أن قلب الواو ياء إذا كثر في كلامهم عاملوها معاملة الأصلية وقد كرر هذه القاعدة ابن جني رحمه الله في كثير من كتبه من غير تردد قال في إعراب الحماسة في قول الشاعر: أن لا يخاف حد وجنا قذف النوى قبل الفساد إقامة وتديرا التدير تفعل من الدار وقياسها تدوّر لأنّ عينها واو بدلالة قولهم دور غير أنهم لما كثر استعمالهم فيها ديار وديرة أنسوا الياء ووجدوا لفظها أوطأ حساً وألين مساً فاجترؤوا عليها فقالوا: تديرنا داراً وقال حاتم: تديره منها الصهرباد وحاضر انتهى. وقال أيضاً في قول الراجز: إن ديموا جاد وان جادوا وبل هكذا روا. أبو زيد ورواه أيضاً دوّموا فإمّا أن يكون لما غلبت الياء في الديمة والديم جاؤوا بها على صورة الياء البتة انتهى، فرواية دوموا تقتضي أنه فعلوا لا فيعلوا وذكر له نظائر كإرياح ورياح وهذا مما لا شبهة فيه. قوله: (وعلى هذه القراآت الخ) أي في هذه القرا آت غير المشهورة وهي منقولة عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيها وجهان أحد الوجهين أنّ المعنى أنهم يكلفونه لأنّ الصوم في نفسه تكليف والمطيق مكلف به إذ لا يكلف فوق الطاقة وهو بمعنى المشورة والثاني أن ينظر فيه إلى بلوغ الجهد والطاقة ويلاحظ معنى الكلفة بالفعل ويكون المراد به الشيوخ والعجائز ولا يكون منسوخا

ثم ذكر المصنف أنّ المعنى الأخير جار في المشهورة من أطاق الفعل بلغ نهاية طوقه فيه، وجاز أن تكون الهمزة للسلب كأنه سلب طاقته بأنه كلف نفسه المجهود فسلب طاقته عند تمام بذله ويكون مبالغة في بذل المجهود لأنه مثارف زواله إذ ذاك ولا حاجة إلى تقدير لا كما ذهب إليه بعضهم فقوله فيكون ثابتا أي غير منسوخ، وقوله يصومونه جهدهم وطاقتهم أي يجهد ومشقة تضعفهم وتتعبهم. قوله: (فمن تطوّع خيرا) قال النحرير قوله فمن تطوّع خيراً مصدر خرت الرجل فأنت خائر وفي قوله فهو خير له اسم تفضيل بمعنى أزيد خيراً وضمير فهو للتطوّع أو لخير المصدرية، وحمل التطوّع على الزيادة على الفدية لأنّ التطوّع كما مّر يستعمل غير الواجب، وقوله: أيها المطيقون على القراءة والمطوقون على الأخرى وجهدتم بمعنى وقد جهدتم طاقتكم وكذا قوله من الفدية ناظر إلى الوجوه السابقة في صدر الآية وقوله: إن كنتم من أهل العلم فينزل منزلة اللازم ولا يقدر له متعلق كالذي قبله. قوله: (مبتدأ خبره ما بعده الم يبينه وهو يحتمل وجهين أحدهما أنه الذي أنزل الخ، والثاني أنه قوله فمن شهد الخ والفاء زائدة في الخبر والربط بالاسم الظاهر والأوّل أولى لسلامته من التكلف أو خبر مبتدأ تقديره ذلك أو المكتوب وعلى الأوّل فاسم الإشارة لتقضي المشار إليه أو لتعظيمه بجعل بعد الرتبة بمنزلة البعد المحسوس. قوله: (أو بدل الخ (هو ما ذكره المصنف بدل كل من كل ومنهم من لم يقدر وجعله بدل اشتمال لكن المعهود فيه إبدال المصدر من الظرف نحو: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [سورة البقرة، الآية: 217] وهذا عكسه فما ذكره المصنف أولى. قوله: (وقرئ بالنصب على إضمار صوموا الخ) الوجه الأوّل ظاهر وأما الثاني فأورد عليه أنه يلزم الفصل بين أجزاء الصلة بأجنبيّ منها وهو الخبر والإخبار عن الموصول قبل تمام صلته وكلاهما ممنوعان ولذا وقع في بعض النسخ وفيه ضعف والبدل يبعده بعد المبدل منه والفصل بينهما وجوّز فيه أن يكون مفعول تعلمون بتقدير مضاف أي شرف شهر رمضان ونحوه. قوله: (ورمضان مصدر رمض إذا احترق الخ (قال أبو حيان: يحتاج في تحقيق أنه مصدر إلى صحة نقل فإن فعلانا ليس مصدر فعل اللازم فإن جاء شيء منه كان شاذاً، فقوله: وجعل علما يعني مجموع شهر رمضان علماً لا رمضان وحده قال النحرير: والا لم يحسن إضافة شهر إليه كما لا يحسن إنسان زيد ولهذا لم يسمع شهر رجب وشهر شعبان وبالجملة فقد أطبقوا على أنّ العلم في ثلاثة أشهر مجموع المضاف والمضاف إليه شهر رمضان وشهر ربيع الأوّل وشهر ربيع الثاني وفي البواقي لا يضاف شهر إليه ثم في الإضافة لا تغيير في أسباب مغ الصرف وامتناع اللام ووجوبها على المضاف إليه فيمتنع مثل شهر رمضان وابن داية من الصرف ودخول اللام وينصحرف مثل شهر ربيع الأول وابن عباس وتجب اللام في مثل امرئ القيس، وتجوز في مثل ابن عباس وعلى هذا فنحو من صام رمضان من حذف جزء العلم لعدم الإلباس كذا قالوا برمتهم) وفيه بحث (من وجوه الأوّل أنّ قوله لا يحسن إضافة العامّ إلى الخاص ينافيه أنهم جوّزوه من غير قبح كما ذكره هذا القائل في علم المعاني ونحوه كمدينة بغداد وشجر الأراك، وأجيب بأنه إذا اشتهر المضاف وعلم أنه من أفراد المضاف إليه ولم يكن في ذكره فائدة فهو قبيح كإنسان زيد والأحسن فهو يختلف باختلاف المقام ولا يقبح مطلقا ولذا تراه إذا قبحه مثل بإنسان زيد وإذا جوّزه بشجر الأراك والمرجع فيه إلى الذوق الثاني أنّ قوله لم يسمع شهر رجب مما شاع بين المتأخرين وكنت أتردد فيه حتى راجعت الكتب القديمة والكتاب وشروحه فوجدته لا أصل له لأنّ كلام سيبويه وغيره من النحاة يخالفه، قال في شرح التسهيل مقتضى كلام المصنف رحمه الله جواز إضافة شهر إلى جميع أسماء الشهور وهو قول أكثر النحويين وقيل: يختص بما أوّله راء غير رجب فادعاؤه إطباقهم عليه غير صحيح وإن اشتهر ذلك الثالث، أنّ النحاة تبعا لسيبويه فرقوا بين ذكر الشهر وعدمه فحيث ذكر لم يفد العموم نحو: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} حيث حذف إفادة نحو من صام رمضان، قال السهيلي: وعلى هذا استعمال رجب ووجهه مذكور في المفصلات وعليه يكون لإضافة العاتم إلى الخاص فائدة فلا يقبح ولا يكون مثل إنسان زيد، وقال أبو حيان: ما ذكره الزمخشرقي

من أنّ علم الشهر مجموع اللفظين غير معروف والعلم رمضان علم جنس، الرابع: أنّ قوله ثم في الإضافة الخ تبع فيه صاحب الكشف وهو أخذه من إيضاج ابن الحاجب قال فيه: المضات إليه في هذه الإعلام كلها مقدر علميته فيعاملوه معاملته في مغ الصرف إن كان فيه علة أخرى ومنع اللام إلا أن يكون سمي به وفيه اللام كأنهم لما أجروه بعد العلمية مجرى المضاف والمضاف إليه في الإعراب وهو معرفة قدروا الثاني علما ليكون على قياس المعارف في الأصل الذي أجر مجراه إذ لا تضاف معرفة إلى نكرة فلذلك مغ صرف قترة في ابن قترة وامتنعت اللام في بنت طبق وان لم يقع على انفراده علما انتهى لكن النحاة صرحوا بخلافه فإنّ ابن داية سمع منعه وصرفه كقوله: فلما رأيت النسر عز ابن داية وعشش في وكريه جاس له صدري قالوا ولكل وجهة، أما عدم الصرف فلصيرورة الكلمتين بالتركيب كلمة بالتسمية فكان كطلحة مفرداً وهو غير منصرف، وأما الصرف فلأنّ المضاف إليه في أصله اسم جنس والمضاف كذلك وكل منهما بانفراده ليس بعلم وإنما العلم مجموعهما فلا يؤثر التعريف فيه ولا يكون لمنع الصرف مدخل فيه ومنه يعلم أنّ ما ذكره المصنف رحمه الله فيه نظر من وجوه، فتدبر. واعلم انّ ما ذكره المتأخرون لا أصل له لأنّ سيبويه وشراحه كلهم أثبتوا أسماء الشهور وجوّزوا إضافة شهر إليها بأسرها وفرق سيبويه بين ذكرها وعدمه وما ذكروه من إضافتها إلى ما أوله راء غير رجب لا صحة له ومنشأ غلطهم ما في شرح أدب الكاتب من أنه اصطلاح الكتاب قال: لأنهم لما وضعوا التاريخ في زمن عمر رضي الله عنه وجعلوا أوّل السنة المحرّم فكانوا لا يكتبون في تواريخهم شهرا إلا مع رمضان والربيعين انتهى فهو أمر اصطلاحيّ لا وضعي لغويّ ووجهه في رمضان موافقه القرآن وفي ربيع لئلا يلتبس بفصل الربيع فاحفظه فإنك لا تجده في غير كتابنا هذا، وقوله: لارتماضهم أي التهابهم، وقوله: لارتماض الذنوب كذا وقع في حديث مرفوع. قوله: (من صام رمضان) " تمامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقذم من ذنبه وما تأخر " وأورد في الكشاف حديث من أدرك رمضان فلم يغفر له قال النحرير لا يوجد له تمام فيما اشتهر من الكتب ويحتمل أن تكون من استفهامية والمعنى ما أدركه أحد فلم يغفر له بمعنى أنّ كل من أدركه غفر له فيكون كلاما تاما انتهى، وليس كما قال والحديث بتمامه معروف أخرجه البزار من حديث عبد القه بن الحرث الزبيدي مرفوعا: " أتاتي جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال: من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله ثم أبعده قل آمين، وقد ذكر الحديث بتمامه الحافظ ابن حجر أماليه فقال روي عن أبي هريرة رضي الئه عنه: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقي المنبر فقال: آمين ثلاث مرّات، فقالوا يا رسول الله ما كنت تصنع بهذا فقال أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فقال رغم أنف رجل دخل عليه رمضان فلم ينفر له فقلت آمين ثم قال رغم أنف رجل أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فقلت آمين ثم قال: رغم أنف رجل ذكرت عنده فلتم يصل علئ فقلت آمين " وروي من غير طريق عن الدارقطني والبزار والبيهقيّ، ومن فيه موصولة فقول المحقق إنها استفهامية وأنه لم يوجد له تمام عجيب منه. قوله: (حينما نقلوا) أي في الوقت الذي نقلوه عن أسمائها القديمة أي غيروا الأسماء القديمة وهي مؤتمر وناجر الخ ووجه تسمية هذه مذكور في كتب الآداب مشهور. قوله: (أي ابتدئ فيه إنزاله الخ الما فهم من النظم أنّ القرآن نزل في رمضان وليس كذلك بينه بأنّ المراد أن ابتداء نزوله وقع فيه أو أنه نزل جملة فيه إلى سماء الدنيا ثم نجم أو المراد أنزل! في شأنه، " والحديث المذكور أخرجه أحمد والطبراني ". قوله: (والفاء لوصف الخ) قال السمين: الفاء زائدة على رأي الأخفش وليست هذه الفاء التي تزاد في الخبر لتشبيه المبتدأ بالشرط وإن كان بعضهم زعم أنها مثل قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [سورة الجمعة، الآية: 18 وليس كذلك لأن قوله الموت الذي تفرّون منه يتوهم فيه عموم بخلاف شهر رمضان وفيه نظر، وقوله: إشعاو بأن الإنزال أي ابتداء الإنزال أو الإنزال جملة إلى السماء الدنيا والا فمطلق الإنزال مشترك بينه وبين غيره. قوله: (حالان من القرآن الخ) أي هدى وبينات وأما ما بعده

فهو متعلق به، ثم إنه أشار إلى تغيرهما بأنه هدى للمنكرين وغيرهم بإعجازه وأنها واضحة الهداية إلى الحق من غير ذلك وفارقة بين لاحق والباطل فالهدى ليس مكررا هنا لتغاير متعلقه والزمخشريّ دفعه بأنه تدرج في وصفه بالهداية فجعله أوّلاً هدى ثم واضحات هدى. قوله: (قمن حضر في الشهر الخ) يعني ليس الشهر مفعولاً به كما في قولك شهدت يوم الجمعة بمعنى أدركته إذ ليس معناه كنت مقيما غير مسافر فيه وإنما لم يكن مفعولاً به لأنّ المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر أي مدركان له مع أنّ المسافر لا يجب عليه الصوم على الوجه الذي يجب على المقيم أي من غير رخصة في الإفطار، وإذا جعل الشهر ظرفاً والشاهد بمعنى الحاضر له لم يتناول المسافر فلم يحتج إلى تخصيصه كما احتيج إلى تخصيص المريض المقيم في الشهر ولا خفاء في أنّ تقليل التخصيص! أولى ولا حاجة إلى تقدير المفعول أي شهد البلد وأما ضمير فليصمه فظرف على الاتساع كما في قوله: ويوم شهدناه وفيه نظر فإن ما بعده مخصص له فلا حاجة إلى سلوك غير المتبادر وتقليل الاختصاص أمر سهل، وقوله للتعظيم أي المفهوم من التكرار وان لم يكن معنى اللفظ مما يشعر بالتعظيم. قوله:) وقيل فمن شهد منكم هلال الشهر الخ) الشهر زمن معروف في الأشهر وقال الزجاج: أنه اسم للهلال نفسه، قال ذو الرمة: يرى الشهر قبل الناس وهو نحيل ثم أطلق على الزمان لطلوعه فيه فعلى هذا الشهر مفعول وشهده بمعنى المشاهدة ونحوها والمصنف رحمه الله حمل المشاهدة على هذا المعنى فاحتاج إلى تقدير الهلال لأنّ الشهر نفسه لا يشاهد ولو كان بمعنى الإدراك لم يحتج إلى تقدير أيضا كما يقال شهدت عهد الخليفة أي أدركته وأما ضمير يصمه فعلى التوسع على كل حال لأنّ صام غير متعد ومثل بشهدت الجمعة للتقدير لقيام القرينة وهو ظاهر، وقوله: فيكون الخ أي مخصصاً للمجموع أو للمسافر والا فهو مخصص للمريض على كل حال وأما ذكره مسابقا فلما لم يصرح فيه برمضان لم يكن مخصصاً فتأمل. وبين وجه تكريره أو أن ما مرّ من قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} الخ إذ كان منسوخا على أحد الوجهين كما مرر بما توهم نسخه لذكره فأعاده لتقريره. قوله:) يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر الخ) يشير إلى أن قوله: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} قرينة على أنّ المراد بقوله: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} الترخيص في الإفطار لا إيجابه على ما زعم بعض الناس والمعنى فعليه عذة من أيام أخر لو اختار الرخصة وما ذكر من أنه يريد أن لا يعسر مدلول يريد الله بكم اليسر لا مدلول ولا يريد بكم العسر لأن عدم إرادة العسر لا يستلزم إرادة عدم العسر إلا إذا ثبت لزوم تعلق الإرادة بأحد النقيضين كذا قيل: ورذ بأنه مسلم بالنظر إليها في نفسها وأما بملاحظة قوله: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} فيستلزمه، وقيل: إنّ قوله ولا يعسر مرفوع معطوف على ما يريد لا منصوب معطوف على ييسر ونبه به على أنّ عدم إرادته العسر مستلزم لعدم العسر إذ لا يكون شيء بدون إرادته ومنه ظهر ضعف ما قاله النحرير وفيه نظر واباحة الفطر للسفر والمرض يسر دون عسر لجواز الفطر وعدم إيجابه. قوله: (علل لفعل محذوف الخ الما لم يكن في النظم ظاهراً ما يعطف عليه هذا التعليل اختلف فيه على وجوه سيأتي بيانها وعندي أنه ميل مع المعنى والتوهم لأنّ ما قبله علة للترخيص فكأنه قيل: رخص لكم في ذلك لإرادته بكم اليسر دون العسر ولتكملوا الخ والمصنف ذهب إلى أنها علل لمقدر معطوف على ما قبله بقرينة ما قبله شرع لكم ما ذكر لتكملوا أما ذكر الأمر بالصوم وبمراعاة العدة فظاهر، وأما الترخيص فقيل بقوله: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} وقيل: بقوله: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وقيل: عليه أنه ذكر في تفصيل العلل أمر الشاهد بالصوم دون تعليم كيفية القضاء، وفي تطبيق العلل ورذ كل منها إلى معلل بالعكس ولم يقع بإزاء صوم الشهر علة وبإزاء لتكبروا معلل، وأجيب بأن أمر الشاهد بصوم الشهر توطثة وتمهيد وفي الأمر بمراعاة العذة تعليم لكيفية القضاء لا! معناه فليراع عذة ما أفطر ليصومها من شهر فيخرج عن العهدة ولما في هذا اللف من الخفاء قال الزمخشرقي: إنه لطيف المسلك. قوله: (أو لأفعال كل الخ (عطف على قوله لفعل وعلى الأوّل يقدر فعل مجمل شامل لها وعلى هذا يقدر على التفصيل كأمركم بصومه ورخص لكم فيه لسفر ومرض الخ وأخره لما فيه من كثرة التقدير

وكذا حذف المعطوف عليه خلاف الظاهر أيضا. قوله: (ويجوز أن يعطف على اليسر) قال العلامة في سورة الصف: وكا! هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيداً لما فيها من معنى الإرادة في قولك جئتك لإكرامك وشبهه بلا أبالك في أنها زيدت لتأكيد معنى الإضمافة قيل: ولعل الأشبه أن يجعل من قبيل وأمرنا لنسلم أي يريدون الإطفاء لا لشيء غيره وفيه مبالغة وتنبيه على أنهم لم يقصدوا بالإطفاء غرضاً كما يقصده العقلاء في أفعالهم انتهى وهذه ملاحظة دقيقة في تعليل الشيء بنفسه كأنه لا علة له سواه وبلاغته ظاهرة لكنه يأباه عطف المفعول له على المفعول به إلا أن يريد أنها زائدة في المفعول به ولكن وجه زيادتها إيهام ما ذكر ولا يخفى بعده فتأمل. قوله: (والمعئئي بالتكبير الخ (أي عدى به باعتبار ما قصد منه وهو الثناء لأنه يقال: أثنى عليه خيرا أو لتضمينه ذلك كما في الكشاف وهذا يدذ على ضعف ما ذكر بعده ولذا قدمه عليه مع أنه خلاف الظاهر إذ لا قرينة لتخصيصه، وقوله: والخبر أي الموصولية لأنّ صلتها جملة خبرية والعائد مقدر واليه أشار بقوله إليه. قوله: (فقل لهم إني قريب (قدر القول بقرينة سبب النزول ليرتبط الجزاء بالشرط والقرب حقيقة في القرب المكاني المنزه عنه الله تعالى فهو استعارة لعلمه بحالهم واجابة سؤالهم، وقوله: روي الخ أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه ونناجيه يجوز فيه النصب في جواب الاستفهام والأولى الرفع أي إن كان قريبا فنحن نناجيه ومقتضى الحكاية أن يقول فإنه قريب لكن عدل للدلالة على شدّة القرب حتى كأنهم يسمعون كلامه بالذات، وقوله: أمر بالثبات الخ فسر به ليأخذ الكلام بعضه بعضا وليكون ذكره بعد ليستجيبوا على ما فسر به غير مستغنى عنه وقوله: راجين تقدم توجيهه وما له وعليه. قوله: (واعلم الخ) وجه الحث أن ما شرع لأجله يكون مهما يعتني به، وقوله: تأكيداً له وحثا ليس هذا التأكيد في الكلام صريحا منطوقا أو مفهوما وإنما هو بطريق الإيماء والتلويح ومثله يحسن فيه العطف إشارة إلى أنه مقصود بالذكر لا مذكور بالتبعية فلا يرد عليه أن التأكيد يقتضي ترك العطف حتى يحتاج إلى عطفه على مقدر وهو إذا لم يسألوني فإني غنيئ عنهم وإذا سالك الخ. قوله:) روي أن المسلمين الخ (أخرجه أحمد من حديث كعب بن مالك وأبو داود من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه مخصصآ بما بعد النوم وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: 9 إذا صلوا العشاء " كما قال المصنف رحمه الله وهذا أحد موافقات عمر رضي الله عنه، وقوله: وليلة الصيام الخ لأن الليل سابق على النهار على الأصح إلا في ليلة عرفة فإنها بعده كما صرحوا به. قوله: (والرفث كناية عن الجماع الخ (الرفث كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه وهو هنا كناية عن الجماع ولم يجعل مجاز العدم المانع من الحقيقة وعدى بإلى لتضمن معنى الإفضاء يقال رفث وأرفث بمعنى صار ذا رفث ووجه دلالته على معنى القبح من جهة أنه الإفصاج بما يجب أن يكنى عنه فذكر لتقبيح ما فعلوه ولذا سماه خيانة في قوله: {كُنتُمْ تَخْتانُونَ} بعده فلم يقل أفضيتم أو باشرتم أو نحوه كما في أمثاله فإن قيل: لم لا يجعل من أوّل الأمر كناية عن الإفضاء كما في الأساس قيل: لأن المقصود هو الجماع والإفضاء أيضاً كناية عنه. قوله: (استئناف يبين سبب الإحلال (جعله في الكشاف كالبيان للسبب، قيل: والتمثيل ببيت النابغة الجعدي وان كان لتشبيهه باللباس لكن يفيد أن وجه الشبه هو الاشتمال لا ما قيل: إنّ كلاً منهما يستر الآخر عن الفجور والضجيع المضاجع وثنى عطفها أمال شقها وتثنت مالت وفيه أيضاً أنّ اللباس استعارة وليس على حذف أداة التشبيه كما هو رأي الأكثرين وذلك لأنّ الظاهر أن عليه متعلق به كما في أسد عليّ انتهى وقيل إنه اعتراض! على قول المصنف رحمه الله أو لأنّ الخ بأنه خلاف قصد العرب وهو غير وارد لأنّ قصد العرب لهذا لا يمنع من تشبيه الله تعالى بوجه آخر أنسب بالحل ولذا أخره عنه كما جعل التقوى لباسا وقد استفاض هذا التشبيه وتصرفوا فيه على أبحاث شتى وتظرف بعض المتأخرين فقال: لبسنا ثياب العناق مزررة بالقبل وأما قوله: وليس على حذف أداة التشبيه فالمرضى خلافه وقد مر جوابه. قوله: (علم الله الخ (جملة معترضة

مبينة أن الله عالم بهم متضمنة لو عدهم بمتابعة أوامره ووعيدهم على مخالفته، والخيانة ضد الأمانة ولما كانت خيانة النفس غير متصورة جعلها مجازاً عن الظلم وتنقيص الثوأب، وقال الراغب: الاختيان مراودة الخيانة ولم يقل تخونوا أنفسكم لأنه لم يكن منهم الخيانة بل الاختيان فإنّ الاختيان تحزك شهوة الإنسان لتحرّي الخيانة وذلك هو المشار إليه بقوله: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [سورة يوسف، الآية: 53] وفسر عفا عنكم بمحا أثره أي أحله بعدما حرم لأنه أنسب والتحريم الأوّل كان بالحديبية وهذه الآية نسخته والإلزاق والإلصاق بمعنى وهو المماسة. قوله: (فالآن باشروهن لما نسخ الخ (أشار به إلى أنه متفزع على أحل لكم الخ، وأنّ الأمر للإباحة لأنه بعد التحريم وهو توطئة لما بعده، وقوله: من الولد إشارة إلى أن المقصود من الجماع التناسل لإقضاء الوطر والنهي عن العزل بالنسبة إلى الحرائر وعلى الوجه الأخير 472 سورة البقرة / الآية: 87 1 بالقرآن والمباشرة إلزاق البشرة بالبشرة كنى به عن الجماع {وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} واطلبوا ما قدره لكم وأثبته في اللوج المحفوظ من الولد والمعنى انّ المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد فإنه الحكمة من خلق الشهوة وشرع النكاح لإقضاء الوطر وقيل النهي عن العزل وقيل عن غير المأتي والتقدير وابتغوا المحل الذي كتب الله لكم {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} شبه أوّل ما يبدو من الفجر المعترض! في الأفق باعتباره عن المحل وهو ظاهر. قوله:) شبه أوّل ما يبدو من الفجر) في الكشاف فإن قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه، قلت قوله من الفجر أخرجه من باب الاستعارة كما أن قولك رأيت أسداً مجاز فإذا زدت من فلان رجع تشبيها، وأورد عليه بعض فضلاء العصر تبعا لابن القاري وغيره اعتراضأ فقال لو كان الفجر بيانا للمراد من الخيط الأبيض لكان مستعملا في غير ما وضع له وهو ينحصر في المجاز والكناية وليس كناية ولا مجازا مرسلاً لأنه المراد به التشبيه فتعين أن يكون استعارة إلا أن يكون بياناً لمقدر أي حتى يتبين لكم شبه الخيط الأبيض لكم نظم الآية لا يحتاج إلى تقدير وارتكاب حذف لا سيما والمجاز أبلغ وأطال فيه واذعى أنه تحقيق دقيق وهذا غفلة منهم عن كونه بيانا غير حقيقيّ على سبيل التجريد كما مرّ نعم البيان اللفظ إذا كان بغير معناه الحقيقيّ ولم يقصد به التجريد لزم أن يكون استعارة ولذا قال العلامة في سورة النحل في تفسير قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} [سورة النحل، الآية: 2] الروج استعارة للوحي الذي هو سبب الهداية الأبدية ومن أمره بيان له وفي بعض شروحه شبه الروح بالوحي لإحيائه ميت الجهل ثم أقيم المشبه به مقامه فصار استعارة تحقيقية مصرحة والقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة إبدال أن أنذروا من الروج، وقيل: من أمره يخرج الاستعارة إلى التشبيه كما في هذه الآية (قلت) بينهما بون بعيد لأنّ نفس الفجر عين المشبه الذي شبه بالخيطين وليس مطلق الأمر ههنا شبيها بالروج حتى يكون بيانا له لأنه أمر عام بمعنى الشأن والحال ولهذا يصح أن يفسر الروج الحيواني. به كقوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [سورة الإسراء، الآية: 85] أي من شأنه ومما استأثر بعلمه وأن يفسر به الروح المراد منه الوحي أي من شأنه ومما أنزله على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، نعم هو مجاز أيضاً لأنّ الأمر العام إذا أطلق علي فرد من أفراده كان مجازآ انتهى والى هذا أشار في الكشف بقوله: ليس وزان من أمره وزان من الفجر فمن ظن أن البيان مطلقا ينافي الاستعارة كما توهمه عبارة المطوّل فقد وهم وأما قول المرزوقي في شرح الفصيح الخيط واحد الخيوط استعمل فيما هو كالسطر الممتد مجازاً تشبيهأ بامتداد الخيط في قوله تعالى الخيط الأبيض فمن تسمح أهل اللغة في استعمال المجاز في أمثاله، وقوله: المعترض! احتراز عن المستطيل وهو الفجر الكاذب فإنه ليس منتهى الليل، والغبش بالتحريك بقية الليل ويقال ظلمة آخر الليل والجمع أغباش. قوله: (واكتفى ببيان الخيط الأبيض الخ (يريد أن بيانه وهو الغبش كأنه ذكر معه فيخرج إلى التشبيه كالخيط الأبيض وهذا مختار السكاكي ومنهم من جعل الخيط الأسود استعارة لأنه لم يبين لا يقال ففي كلا ستعارة دلالة على حذف المشبه لأنا نقول لا بل فيها دلالة على أن المراد هو المشبه وفرق بين هذا وبين الدلالة على أنّ في الكلام محذوفا ومقدراً هو اسم المشبه سواء كان جزءاً من الكلام يتوقف صحة التركيب عليه أولاً، وقوله: وبذلك خرجا الخ لأنه من باب التجريد وهو من التشبيه البليغ كما مرّ. قوله: (ويجوز أن تكون من للتبعيض الخ) في الكشاف من الفجر بيان للخيط الأبيض واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأنّ بيان أحدهما بيان للثاني، ويجوز أن تكون من للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوّله وفي الكشف لما مرّ من أنّ الخيط الأسود ما يمتد معه من الغبش فقد حصل بيان الثاني تبعا لأنّ الغبش لا ينفك عنه، ويجوز أن تكون من للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوله لأنّ ما يبدو أولاً الخيط الأبيض

والمعنى لا يختلف وكفاك دليلا قوله: أول ما يبدو من الفجر المعترض في تفسير الخيط الأبيض، وقول بعضهم الصحيح الأوّل مردود لفظاً ومعنى وجوز أن يرجع إلى الغبش على أنّ الفجر عبارة عن النور والظلمة بعضه أي جزؤه لا جزء منه وهو خلاف الظاهر لقوله: وأوّله وحينئذ يكون وزانه وزان من في قولك جاءتي العالم من القوم، والاعتراض! بأنه إذ ذاك من تتمة الأبيض فوجب أن لا يفصل بينهما بالخيط الأسود غير قادج لأنه في المعنى بيان له أيضاً لأنّ محله النصب على الحالية تبينا كان أو تبعيضا فحقه التأخير عما هو في صلة التبيين، ولو قيل إن الفجر عبارة عن مجموع الخيطين لقول الطائي: وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه فيكون بيانا لهما على وزان قولك حتى يتميز العالم من الجاهل ويكون وقت التبيين عبارة عن الفجر الصادق على أنّ الخيط إشارة إليه لكان وجهاً، ثم إنهم سكتوا في وجه التبعيض عن الحقيقة والمجاز والظاهر من كلام الكشاف أنه حقيقة وفيه تأمّل، وقوله: فإن ما يبدو بعض الفجر إذ هو مجموع البياض والسواد وعلى الأوّل هو البياض فقط أو مجموعهما وجعله بيانا لأنّ بيان الجزء بيان الكل أو إنّ فيه تقديراً أي من بعض الفجر والظاهر الأوّل لأنه لو سلم الثاني كان بياناً لهما من غير تقدير كما في الكشف ولم يكن فرق بين البيان والتبعيض. قوله: (وما روي أنها نزلت الخ) هذا صحيح مذكور في البخاري فلا ينبغي أن يقولي إن صح ولما كان تأخير البيان على القول به لا يجوز عن وقت الحاجة على الصحيح أوّله بأن نزوله كان قبل رمضان وهو غير دافع لأنهم محتاجون إليه في صوم التنفل فالأولى الاقتصار على ما بعده، قال سعد. الكرمانيّ: كان استعمال الخيطين فيهما شائعا غير محتاج إلى البيان فاشتبه على بعضهم فحملوه على العقالين، وقال النووي: فعله من لم يكن مخالطا لرسول الله! ي! من الأعراب ومن لا فقه عنده أو لم يكن في لغته استعماله فيهما ورجح هذا بعضهم وقال إنه كان معروفا في لغة قريش ومن جاورهم قال أبو داود: فلما أضاءت لنا سدفة ولاج من الصبح خيط أنارا وقال آخر: قد كان يبدو وبدت تباشره وسدف الخيط البهيم ساتره وعدي بن حاتم لم يكن ذلك من لغته. قوله:) وفي تجويز المباشرة إلى الصبح الخ (لأنه لما أباح المباشرة إلى تبين الفجر تبين أنّ الغسل فيما بعده وأما دلالته على جواز النية بالنهار فلا ولدا لم يذكره كما في الكشاف لأنه ثابت بدليل آخر. قوله: (بيان آخر وقته الخ (ونفى صوم الوصال وفي نسخة فينتفي صرم الوصال وهي أولى وهو أن يصوم يومين فأكثر من غير أن يفطر الليل قيل إنّ النبيّ لمجيئ استنبط هدّا منها كما أخرجه أحمد ووجهه أنه جعل الليل غاية للصوم وغاية الشيء منقطعه ومنتهاه وما بعد الغاية مخالف ما قبله وإنما يكون كذلك إذا لم يبق بعده صوم، وأما احتمال كون الغاية للوجوب فمع أنه خلاف الظاهر لا ينفي احتماله مع بيان المراد بالحديث الصحيح. قوله: (والاعتكاف الخ) أصل معنى العكوف في اللغة الملازمة على سبيل التعظيم ثم نقل في الشرع إلى الاحتباس في المسجد على سبيل القربة وأما دلالته على ما ذكر فلأنه معنى الاعتكاف شرعا كما قدمه، وأما كونه لا يخص مسجداً فظاهر فلا يرد أنه ربما يذعي دلالته على أنّ الاعتكاف يكون في غير المسجد دمالا لما كان للتقييد فائدة وقوله: وأنّ الوطء يحرم فيه راجع للاعتكاف بقرينة قوله: ويفسده، وأما المجامعة في المسجد مطلقا فلا تدل الآية على حرمتها، وقال ابن الهمام رحمه الله: التحريم يحتمل أن يكون للاعتكاف وأن يكون للمسجد فتكون ظنية الدلالة وبمثلها تثبت كراهة التحريم لا التحريم فهي مكروهة كراهة تحريم على الأصح كما في شرح الكنز. قوله: (أي الأحكام التي ذكرت الخ) أي الأحكام المذكورة من باشروا وابتغوا وكلوا واشربوا للإباحة وأتموا الصيام للإيجاب ولا تباشروهت لتحريم حدود الله، والنهي عن الإتيان والقربان في الحرام ظاهر وأما في الواجب

والمندوب والمباج فمشكل، وعن التعذي بالعكس لأن النهي عن التعذي في الجواب والمندوب والمباح ظاهر لأنه بمعنى ينبغي أن يكون هذا عملكم، وفي الحرام مشكل لأنّ التعدي عن الحرام واجب وما ذكر في الكشاف من كون منع القربان مبالغة في منع التعدي وكون التعدي عبارة عن ترك الطاعة والعمل بالشرائع وتجاوز حيز الحق إلى حيز الباطل يدفع الإشكالين بتأويل في اللفظ وهو أنّ تلك الأحكام ذوات حدود فلا تقربوها كيلا يؤذي إلى تجاوزها والوقوع في حيز الباطل وهو معنى قوله نهى أن يقرب الحد الحاجز الخ، وقوله: فضلا عن أن يتخلى جواب عما قيل: كيف قيل: فلا تقربوها مع قوله: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ} [سورة البقرة، الآية: 229] ومنع تعذي الحد ومنع قربانه متدافعان لأنّ منع التعدي يشعر بجواز القربان فإن منع القربان يفيد مغ التعذي بطريق الأولى فهو أبلغ منه، وقوله لكل " ملك حمى " حديث صحيح وهو من جوامع الكلم وشبه المحارم بالحمى الذي يحميه السلطان عن الرعاة وغيرهم فلا يدخله أحد ثم نهى عما يقرب منه من المشتبهات فإنه يوقع في المحرمات كمن قرب من المرعى المحمى فإنه يخشى عليه من دخوله، ويوشك بمعنى يقرب وهو شاهد للمنع من القرب وان كان المذكور فيه المحارم فقط. قوله: (ويجوز أن يريذ بحدود الله الخ) فيستقيم منع اأمربان من غير تأويل إلا أنه لم يسبق إلا نهي واحد وهو قوله لا تباشروهق فقيل: التعدد باعتبار أن الأوامر السابقة نهى عن أضدادها، وقيل: إنه في أمر الإباحة مشكل فالأوجه أن يراد هذا وأمثاله. قوله: (مثل ذلك التبيين (يحتمل أنّ الإشارة إلى التبيين السابق أو إلى ما بعده كما مرّ، وقوله: مخالفة الأوامر والنواهي على التفسير الأوّل ظاهر وعلى الثاني تتميم. قوله: (أي لا يكل بعضكم الخ) يعني أنّ هذا ليس من مقابلة الجمع بالجمع كما في اركبوا دوابكم بل المراد نهي كل عن أكل مال الآخرة فقوله بالباطل متعلق بتأكلوا وبينكم أيضا كذلك أو ظرف مستقر حال من الأموال والأدلاء الإلقاء أي إلقاء الأموال إلى الحكام، وفي الأساس أدليت دلوي في البئر أرسلتها ودلوتها نزعتها ومن المجارّ دلوت حاجتي طلبتها ودلوت به إلى فلان تشفعت به إليه وأدلى بحجته أظهرها وأدلى بمال فلان إلى الحكام رفعه وعلى نصبه بإضمار أن معناه لا يكن منكم أكل الأموال والإدلاء ومثله وإن كان للنهي عن الجمع لا ينافي كون كل من الأمرين منهيا، وبها الباء للتعدية متعلق بتدلوا أي ترسلوا بها إلى الحكام أو للسببية وضمير بها للأموال وبالإثم متعلق بتأكلوا والباء للسببية أو للمصاحبة والجار والمجرور حال من فاعل تأكلوا أي ملتبسين بالإثم وكذلك جملة وأنتم تعلمون حالية ومفعوله محذوف كما أشار إليه المصنف رحمه الله. قوله:) روي أن الخ (هذا الحديث أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلاً وامرؤ القيس هذا صحابيئ رضي الله عنه وليس هو الشاعر المشهور لأنه جاهليّ وعبدان بوزن عطشان علم. قوله: (وهو دليل على أن حكم القاضي الخ) هذه المسألة مما اختلف فيه هل حكم الحاكم بحسب ظاهر الشرع إذا لم يكن كذلك في نفس الأمر ينفذ ظاهراً وباطنا أو ظاهراً فقط حتى لا يحل له ما حكم له به وليس الخلاف فيمن ادّعى حقا في يدي رجل وأقام بينة تقتضي أنه له فإنه غير جائز له أخذه وحكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل ذلك محظورا عليه وإنما الخلاف في حكم الحاكم بعقد أو فسخ عقد بشهادة شهود إذا علم المحكوم له أنهم شهود زور فقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا حكم الحاكم ببينة بعقد أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ فهو نافذ ظاهرا وباطنا ويكون كعقد عقداه بينهما وإن كان الشهود شهود زور كما روي: أنّ رجلا خطب امرأة هو دونها فأبت فاذعى عند عليّ كرّم الله وجهه أنه تزوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة إني لم أتزوّجه وطلبت عقد النكاح فقال عليّ رضي الله عنه: قد زوّجك الشاهدان وقال أبو يوسف ومحمد والشافعيّ: لا ينفذ وحكم الحاكم في الظاهر كهو في الباطن والمسألة معروفة في الفروع والأصول ولها تفصيل في أدب القاضي والآية تدلّ على القول الثاني بحسب الظاهر. قوله:) ويؤيده الخ (الحديث المذكور أخرجه الشيخان وألحن أفعل تفضيل من اللحن وهو صرف الكلام عن سننه الجاري إما بلحن أو بجعله تعريضا وقيل: للفطن لحن وكذا القوي على التكلم ومنه ما في الحديث ودلالته لما ذكر ظاهرة ولكنه ليس محل الخلات كما مرّ ومطابقة سبب النزول للآية باعتبار أكل المال

بغير حق مطلقا. قوله:) سأله معاذ بن جبل رضي الله عنه الخ (قال العراقي: لم أقف له على إسناد وتعقب بأنه أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما وله طرق أخرى وغنم بغين معجمة ونون بوزن قفل وكما بدا يصح فيه الهمزة والألف أي كما كان أوّلاً. قوله: (أي إنهم سألوا عن الحكمة الخ (ذهب أهل المعاني إلى أن هذا من الأسلوب الحكيم ويسمى القول بالموجب وهو تلقي السائل بغير ما يطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهاً على أنه الأولى بحاله وأنهم سألوا عن السبب في اختلاف القمر وزيادة النور ونقصانه فقالوا: ما باله يبدو دقيقا ثم يتزايد قليلاً قليلآ حتى يمتلئ ثم يعود إلى حاله الأوّل فأجيبوا ببيان الغرض من هذا الاختلاف من بيان مواقيت العبادات والمعاملات تنبيهآ على أن الأولى بحالهم أن يسألوا عن الغرض لا عن السبب لأنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق الرياضات ولا يتعلق لهم غرض بها فإن كان المصنف رحمه الله أراد هذا فالظاهر أن يقول: سألوا عن السبب والعلة، وإن أراد أنّ السؤال إنما هو عن غايته وفائدته فالمذكور في سبب النزول لا يساعده كما قيل: وليس بشيء لأن عبارة السؤال لا تنافيه ولذا قال النحرير: أنا لا أزيد على التعجب سوى أن أقول أي دلالة لقولهم ما بال الهلال الخ على أنه سؤال عن السبب والفاعل دو) ، الغاية والحكمة فحمله المصنف على ذلك لأنه اللائق إذ مثلهم لا يستبعد منه السؤال عن ذلك فيكون محصله لم جعله الله كذلك بخلقه على حالة تقتضيه ولم يدم على حالة واحدة كالشمس فأجيبوا بأنه للمواقيت ونحوها فإن كان السؤال عن السبب وعدل عنه إلى ما ذكر لما مرّ وسيذكره المصنف رحمه الله أيضا فوجه العدول أنه أمر لا يتعلق بمنصب النبوّة إذ العلوم قسمان قسم يعلم من الشرع كالعلوم الدينية وقسم يعلم من غيره إذ لا تعلق له بمعرفة الله وأمور الدين كمثل هذا أو لأنهم ليسوا ممن يقف على مثل هذه الدقائق الموقوفة على الإرصاد والأدلة الفلسفية وليس هذا مما نقص! من قدرهم كما توهمه بعض الناس مع أنّ كثيرأ من أدلتهم مطعون فيها عندهم أيضا والحكم المسكوت عنها لا تحصى وقوله: ومعالم يعني أن الميقات ما يوقت به الشيء كما أنّ المقدار ما يقدر به، وقوله: وخصوصا الحج إشارة إلى أنه من ذكر الخاص بعد العام لمزيد اختصاص الميقات به حيث روعي فيه أداء وقضاء وقيل: إنه توبيخ لأصحاب النسيء وتوطئة لما بعده. قوله: (والمواقيت الخ) هذا الفرق مأخوذ من الراغب وعليه يعوّل في أمثاله وقوله: إن المذة احترز عما إذا قيدت كمدة كذا، وقوله: المفروض لأمر أي المقدر لأنّ أصل معنى الفرض! التقدير. قوله:) كانت الأنصار الخ) الفسطاط بضم الفاء وكسرها بيت الشعر والنقب خرق الحائط وهو راجع إلى الدار والفرجة راجعة إلى الفسطاط. قوله: (ووجه اتصاله الخ) أي وجه جمعه مع ما قبله بالعطف وعدم فصله وذكر له أربعة أوجه، وقوله: أنهم سألوا عن الأمرين أمر فرضيّ فلا يضره منافاة بعض الوجوه الآخر وأصل معنى الاستطراد في الصائد إذا قصد صيداً بعينه فعرض! له صيد آخر فمضى في أثره وطرده لا عن قصد والفرق بيته وبين الاعتراض أنّ الاعتراض! مؤكد لما سيق له الكلام منزلة منزلة الجزء منه حتى صح توسطه بين أجزائه ولا يعد فصلا وهذا يتصل به باعتبار مناسبة مّا فلا يتصل كالاعتراض لكن يشبه به من حيث إنهما غير مقصودين فلهذا يساق مساقة إلحاقا للاتصال الضعيف بالقوي توسعا ويكون بواو وبدونها هكذا فرق بينهما صاحب الكشف ويفرق بوجه آخر وهو أنّ الاستطراد قد يتعلق بما معه بحسب الإعراب والسكاكي لم يفرق بينهما وقوله: أو أنهم لما سألوا الخ يعني لما سألوا ما لا يهمهم لكونه ليس من العلوم الدينية أجيبوا وذكر لهم هذا إشارة إلى أنه اللائق بأن يسأل عنه ويعنونه بمعنى يقصدونه والمراد أنه ليس من شأنه أن يقصد لهم وقوله: أو أنّ المراد به الخ محصله أنه ذكر ضمربا للممثل لهم بأنهم في سؤالهم عما لا يهم وترك المهم كمن يترك باب الدار وياً ني من غير الطريق، وقوله: برّ إشارة إلى ما مر في مثله، وقوله إذ ليس الخ مبنيّ على الوجوه الأول، وقوله: فباشروا على الأخير. قوله: (في تنيير أحكامه) يعني إتيان البيوت

من غير بابها والاعترا ضعلى أفعاله وهو السؤال عن الأهلة والسؤال السابق وإن لم يكن للاعتراض! لكنه لما كان لا يسئل عما يفعل ولا يفعل إلا لحكمة كان السؤال في غير محله والسؤال في غير محله منزل منزلة الاعتراض وإنما حمله على ذلك لأنه مقتض الأمر بالتقوى وتفسير الفلاح بالهدى أي الهداية إلى الحكم الإلهية في أفعاله والبرّ في ترك ما فعلوه بقرينة المقام، وقوله: جاهدوا الخ فسره به لأن من لم يقصد ذلك لم يكن مجاهداً وهو مأخوذ من قوله في سبيل الله لأنّ لك هو الطريق الموصل إليه. قوله: (قيل: كان ذلك الخ الما لم يكن لقوله قاتلوا الذين يقاتلونكم فائدة في الظاهر إذ المقاتلة تكون من الجانبين فسر الذين يقاتلونكم بالذين يناجزون القتال ويبارزون فيه أي لا تقاتلوا المحاجزين الممانعين أو بالذين يناصبون الحرب ويكون لهم قوة ذلك لا الشيوخ والصبيان وإضرابهم أو بالذين يعادونكم ويقصدون قتالكم أي جميع الكفرة لتظهر الفائدة وعلى الأوّل يكون منسوخا في حكم مفهومه أي لا تقاتلوا المحاجزين لقوله: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} [سررة التوبة، الآية: 36] مناجزين كانوا أو محاجزين. قوله: (ويؤبد الآول الخ (جعله مؤيداً للأوّل وبعضهم جعله في كلام الكشاف وجها رابعا وهو أن المراد بالذين يقاتلونكم من يتصدى من المشركين للقتال في الحرم وفي الشهر الحرام، وقوله: فنزلت متفرع عليه والضمير لهذه الآية والمناصبة العداوة ومنه الناصبي، والرهابنة وفي نسخة الرهبان وكلاهما جمع راهب، وعمرة القضاء معروفة في الحديث، وقوله بابتداء القتال راجع إلى الوجوه السابقة في تفسير يقاتلونكم وقوله: لا يريد بهم الخير لأن محبة الله إرادة الخير إذ الميل النفساني محال في حقه تعالى كما مر. قوله:) وأصل الثقف الخ (هذا أصله ولكنه يستعمل في مطلق الإدراك أو الغلبة كما هنا، ومعنى البيت إن تدركوني أيها الأعداء وقدرتم على قتلي فاقتلوني فإن من أدركته منكم أقتله فكنى بقوله: فليس إلى خلود أي صائراً إلى خلود أي بقاء عن قتله والبيت من قصيدة لعمرو الملقب بذي الكلب، وقوله: وأخرجوهم أي اقتلوا بعضهم وأخرجوا بعضا آخر والا فالإخراج لا يجامع القتل. قوله: (أي المحنة التي يفتتن الخ) وقيل: لبعض الحكماء ما أشد من الموت فقال الذي يتمنى فيها الموت ومنه أخذ المتنبي قوله: وحسب المنايا أن يكن أمانيا وجعل الإخراج من الوطن من الفتن التي يتمنى عندها الموت كما قال الشاعر: لقتل بحذالسيف أهون موقعا على النفس من قتل بحدفراق وقوله: شركهم في الحرم الخ أي أشذ قبحاً فلا تبالوا بقتلهم بعد أن لم يبالوا بالشرك في الحرم وصدهم إياكم عنه وقتلهم إياهم لا قبح فيه لكنه بحسب ما يتوهم لكونه في الحرم. قوله: (لا تفاتحوهم بالقتال الخ) هتك الحرمة إزالتها، وقوله: لا تفاتحوهم معنى تمام النظم لا معنى تقاتلوهم إذ لا يستقيم لا تفاتحوهم بالقتال، وقوله: حتى يقتلوا بعضكم الخ يعني أنه جعل الفعل الواقع على البعض وكذا الصادر عن البعض بمنزلة ما يكون من الجميع وبينه في جانب المفعول لعلم الآخر بالمقايسة عليه كقولهم قتلنا بنو فلان والفاتل بعضهم كما مر، وهذا التأويل على القراء بالمفاعلة لا حاجة إليه ولذا ذكره المصنف رحمه الله مع القراءة الثانية وقوله: قتلتنا بنو أسد مؤنث في النسخ وهو صحيح كما صرحوا به وان كان لا يجوز قامت الزيدون وهو مخصوص بجمع ابن لأنه لما تغير مفرده أشبه جمع التكسير وهو يجوز في التأنيث والتذكير، وقوله: عن القتال والكفر أي عنهما معا لأنه الذي يترتب عليه الممغفرة وتفسير الفتنة هنا بالشرك مأثور عن قتادة والسدي، وقوله: ليس للشيطان فيه نصيب قال الطيبي هذا الاختصاص من لام لله ولهذأ فسرت الفتنة بالشرك للمقابلة والذي يقتضيه حسن النظم وايقاع النكرة في سياق النفي أن تعم لكل ما يسمى فتنة فيطابق ويكون الدين كله لله لأنّ الفتنة حملت أوّلاً على الشرك فلو كانت عينها لأضمرت أو عرفت، وقيل: إنما فسرت الفتنة بالشرك ليصح العموم بالنفي وينتظم عطف ويكون الدين لله وفسر الانتهاء عن الشرك بقرينة المقام وضيم إليه القتال في الأوّل دون الثاني وكأنه مراد في الثاني اهـ، وقد علمت أنه تفسير السلف وأما إن اله حل محل إضمار

أو تعريف فلا لأن الفتنة على المرضيّ لم تفسر بالشرك كما مر وأمّا تعليق الانتهاء بهما أولاً فلأن تفريعه على القتال قبله يقتضي تعلقه بالقتال وذكر المغفرة بعده يقتضي الكفر فلذا عمم في الأوّل وأمّا هنا فلأنه متفرع على اختصاص الدين بالله وهو يقتضي الانتهاء عن الشرك ولا حاجة إلى ذكر القتال لاستلزامه له وتقدم ذكر الانتهاء عنه فتأمّل. قوله: (فلا تعتدوا على المتتهين الخ) قال النحرير: الظرف في موقع الخبر أي لا عدوان ثابت على قوم إلا على الظالمين ولما كان في ترتب الجزاء على الشرط نوع خفاء إذ الظاهر فلا عدوان عليهم ذكر له ثلاثة معان الأوّل أنه كناية عن النهي عن العدوان على المنتهين أي العدوان مختص بالظالمين حأضبة الشهاب / ج 2 / م ا 3 والمنتهون ليسوا بظالمين فلا تعتدوا عليهم، الثاني أنه مشاكلة بتسمية جزاء العدوان عدوانا أي لا تظلموا إلا الظالمين دون المنتهين يعني لا تفعلوا ما هو في صورة الظلم مجازاة له بمثله إلا مع الظالمين ففي الوجهين القصد إلى النهي مجازا أو كناية لكن النهي في الأوّل عن قتال المنتهين لكونه ظلما حقيقة وفي الثاني عن مجازاة غير الظالمين بما هو في صورة الظلم بالنسبة إلى الظالمين، الثالث أنّ المذكور سبب للجزاء أي إن انتهوا فلا تتعرّضوا لهم لئلا تكونوا ظالمين فيسلط الله عليكم من يعدو عليكم لأنّ العدوان لا يكون إلا على الظالمين أو المراد أنه كناية على معنى إن انتهوا يسلط الله عليكم من يعدو عليكم على تقدير تعرّضكم لهم بصيرورتكم ظالمين بذلك، وقيل: في المشاكلة إنه سمي جزاء الظلم ظلما وان كان عدلاً من المجازي لكونه ظلما في حق الظالم من عند نفسه لأنه ظلم نفسه بالنسبة لإلحاق الجزاء به. قوله: (قاتلهم المشركون عام الحديبية (فيه نظر لأن عام الحديبية لم يكن فيه قتال بل صد كما في الصحيحين وجمع بين الروايتين بأنه لم يكن فيه قتال شديد بل ترام بسهام وحجارة كما روي عن ابن عباس في سورة الفتح وفيه نظر، وقوله وقيل: لهم هذا الشهر بذاك أي إنّ الله أحل لكم جزاء على ما كان منهم. قوله: (يجري فيها القصاص (إشارة إلى أنّ في الكلام مقدراً أي ذوات قصاص، وقوله: هو فذلكة أي إجمال لما فصل متفرع عليه تفرع النتيجة وهو عدول عن قول الزمخشرفي أنه تأكيد لأنّ التأكيد لا يعطف بالفاء إلا أن تجعلها اعتراضية فإنّ الاعتراض! يفيد التأكيد ويكون بالفاء كما مر، وقوله: فيحرسهم يشير إلى أن المعية استعارة وتمثيل والعنوة القهر ويقابلها الصلح. قوله: (ولا تمسكوا كل الإمساك الخ (فسره به ليقابل الإسراف ولما كان قوله ولا تلقوا بأيديكم الخ يحتمل تعلقه بقوله قاتلوا أو بقوله أنفقوا أو بهما والثاني أقرب ولذا قدمه والمعنى حينئذ النهي عن ترك الإنفاق أو عن الإسراف فهو تذييل قيل: وإنما احتملت الآية الضدين لأنّ اليد تستعمل في الإعطاء والمنع قبضاً وبسطا قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [سورة الإسراء، الآية: 29] فالآية تحتمل النهي عن حاشيتي السخاء، وقوله أو بالكف إشارة إلى تعلقه بهما معا وقوله: ويؤيده ما روي الخ رواه الترمذفي وأبو داود عن أسلم بن عمران مع اختلاف في ألفاظه وقوله: أو بالإمساك الخ يعني التهلكة هنا البخل لأنه يسمى هلاكا وأصل معنى الهلاك لغة تناهي الفساد كقوله: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [سورة البقرة، الآية: 205] أي يفسدهما ومنه الاستهلاك. قوله:) والإلقاء طرح الشيء وعد! بإلى لتضمن معنى الانتهاء) أو الإفضاء وهذا أولى لأنه لا تكون الباء فيه مزيدة إذ زيادتها في المفعول شاذة والأيدي مجاز عن الأنفس، وكون التهلكة بالضم مصدرا كالتضرة بالضاد المعجمة بمعنى الضرر والتسرّة بمعنى السرور منقول عن سيبويه وهو الصحيح لكنه من النوادر ومثله في ألأسماء تنضبة لشجرة وتتفلة للثعلب وجوّز الزمخشري أن يكون أصلها كسر اللام فضمت قبل ويؤيده أنه قرئ به، وردّه أبو حيان بأنّ مصدر فعلي لا يكون تفعلة، وبأنه دعوى بلا دليل وكونها بمعنى الهلاك هو المشهور وقيل: التهلكة ما أمكن التحرّز عنه والهلاك ما لا يمكن وقيل: هي نفس الشيء المهلك. قوله: (وقيل: معئاه لا تجعلوها آخذة بأيديكم) هذا الوجه قدمه الزمخشرقي وهو على زيادة الباء قال الباء في بأيديكم مزيدة مثلها في أعطى بيده للمنقاد والمعنى ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم يعني لا توقعوا أنفسكم فيما تتحققون الهلاك به من قولهم أعطى بيده من انقاد كما يقال: في ضدّه نزع يده عن الطاعة

وقوله: ولا تقبضوا بالتشديد بيان لطريق المجاز أي لا تجعلوا التهلكة مسلطة عليكم فتأخذكم كما يأخذ المالك القاهر يد مملوكه فسبيل هذا المجاز سبيل الاستعارة المكنية، ولما فيه من الخفاء ضعفه المصنف ولكونه المعنى المشهور المتبادر منه إذ معناه لا تستسلموا وتنقادوا للهلاك قذمه الزمخشرفي لجزالته وعلى الوجه الأخير هو متعد حذف مفعوله ومعناه لا تقتل نفسك بيدك كقولهم لا تفعل كذا برأيك. قوله: (أي ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك الخ) ذهب أبو حنيفة إلى انّ العمرة ليست بواجبة والشافعي قال إنها واجبة كالحج، واستدل بعضهم بهذه الآية لأنّ معنى أتموا ائتوا بهما تامين والأمر للوجوب ويؤيده القراءة الأخرى وما ورد في الحديث والأحاديث الدالة على عدم الوجوب يعارضها أحاديث أخر لا يعلم المتأخر منها حتى يكون ناسخا لكن ظاهر النظم أمر بالإتمام وهو لا يدل على الوجوب لأنّ التطوّع بعد الشروع فيه واجب عند الحنفية لكن وجوب الإتمام فرع وجوب الأصل عند الشافعية فهو عندهم يدل على الوجوب على كل تقدير وإنما أوّله المصنف رحمه الله إرخاء للعنان معهم وجعل الزمخشري الأمر بإتمامهما أمرا بأدائهما وهو بعيد، وكذا ما قيل: الأمر بالإتمام مطلقاً أمر بالقضاء لأنه موقوف على الشروع. قوله: (وما روى جابر رضي الله عنه الخ) ردّ على من استدل به للحنفية وأورد عليه أنّ قول الصحابيّ لا يعارض! الحديث المرفوع وهو غير وارد لأنّ قوله سنة نبيك إن لم يكن رفعا فهو في حكمه وأمّا ما قيل: إنّ حديث جابر رضي الله عنه إنما يكون صارفا لو ثبت أنه كان سابقاً على القرآن ليدل على عدم قصد الوجوب أمّا لو كان متأخراً والآية دالة على الوجوب كما هو الأصل رفع حكم الآية بخبر الواحد وهو لا يجوز فغير وارد لأنّ الآية تحتمل الوجوب وعدمه بيان أحد المحتملين بخبر الواحد جائز وليس بنسخ عند الحنفية كما مز. قوله: (ولا يقال إئه فسر وجدانهما الخ) رذ لقول الزمخشري وأفا حديث عمر رضي الله عنه فقد فسر الرجل كونهما مكتوبين عليه بقوله أهللت بهما وإذا أهل بالعمرة وجبت عليه كما إذا كبر بالتطوّع من الصلاة، يعني قوله أهللت بهما استئناف لبيان الموجب والمعنى وجدتهما مكتوبين لأني أهللت بهما جميعاً للشروع لا للأمر، ولا يخفى أنه لا ينهض دليلاً عليهم وهم لا يقولون بأنّ الشروع ملزم فكيف يلزمهم بما لم يسلموه، وأمّا قول المصنف رحمه الله أنه رتب الإهلال الخ فإنما يتم لو كان فأهللت بالفاء واذعاء تقديرها خلاف الظاهر مع أنه قيل: إنّ قول عمر رضي الله عنه أصبت سنة نبيك يحتمل أنه رذ لقوله مكتوبين بأنها سنة. قوله: (وقيل إتمامهما أن تحرم الخ) دويرة تصغير دار للتلطف لا للتحقير وهذا إنما يصح إذا أمكن المسير من الدار في أشهر الحج لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} وأمّا إذا لم يمكن ذلك فلا كما بين في الفروع ولذا ضعف هذا القول وقوله: وأن تجرده أي السفر، وقال الإمام: الاحتياط القول بوجوب العمرة. قوله: (يقال حصره العدوّ وأحصره الخ) الأكثر في استعمال الإحصار في منع يكون من مثل الخوف والمرض والحصر فيما يكون من جهة العدوّ وان كانا في الأصل لمطلق المنع، فاعتبر أبو حنيفة رحمه الله في حق الحكم مطلق المنع على ما هو الوضع والشافعي رحمه الله المنع من جهة العدوّ لقيام الدليل، وهو أن رئيس المفسرين وهو أعرف بمواقع التنزيل قد فسر الحصر بحصر العدوّ وقول الصحابي وان لم يكن حجة عنده والتقييد خلاف الظاهر لكن لم يقم دليل على خلافه وروده في حصر العدوّ لا يصلح دليلاً إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لكن وقوعه في مقابله قوله فإذا أمنتم يقويه، وتفسيره بأمنتم الإحصار خلاف الظاهر إذ المتبادر من الأمن من العدوّ. قوله: (من كسر أو عرج) الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائيّ وابن ماجه والحاكم من حديث الحجاج بن عمرو وكسر مبنيّ للمجهول أي كسر منه عضو منعه من الحركة وعرج بفتح الراء أصابه عرج عارض! وأمّا الخلقي فبكسر الراء وقابل اسم فاعل بمعنى آت مطلقاً لكنه خص في الاستعمال بالعام الذي بعد عامك وهو دليل لأبي حنيفة في التحلل بالمرض، وقوله: ضعيف غير مسلم لأنه روي من طرق مختلفة في السنن فلذا احتاج إلى تأويله بالاشتراط ومعنى الاشتراط كما فسره

النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن ينوي الحج على أنه إن منعه مانع أحل عند عروضه له وهو بناء على القول بأنه يجوز لكلى محرم أن يشترط الخروج من الإحرام بعد زمن يعترضه وهو قول أحمد وأحد قولي الثافعيّ وغيرهما مخالف فيه والحديث حجة عليهم وهو حديث صحيح رواه البخارفي ومسلم والنسائيئ والترمذفي وأبو داود وضباعة بنت الزبير بضم الضاد وتخفيف الباء. قوله: (فعليكم الخ) يعني ما الموصولة في محل نصب على أنها مفعول اسم فعل مقدر وهو عليكم بمعنى خذوا أو الزموا إن قلنا بجواز عمله محذوفا فإن قلنا بعدمه لضعفه فهو خبر مبتدأ محذوف أي الواجب أو مبتدأ خبره محذوف تقديره عليكم أي واجب عليكم أو مفعول فعل مقدر تقديره اهدوا، وقوله: تيسر عليه وفي نسخة يسر عليه إشارة إلى أنّ السين ليست للطلب وأنه بمعنى تيسر، وقوله: وهي من الحل فيه خلاف أيضا فإنها عند أبي حنيفة من الحرم والمحدثون صححوا الأوّل ولكنه لا يضر أبا حنيفة لأنها متصلة به وهي اسم بئر فما جاورها من الحرم يعد من فنائها، وبه يجمع بين القولين قال الواحديّ الحديبية طرف الحرم على تسعة أميال من مكة وقوله: يوم أما ربا لإضافة وفتح الهمزة من الأمارة بمعنى العلامة وفي الفائق عن ابن مسعود رضي الله عنه لدغ رجلى وهو محرم بالعمرة فقال بعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أما رأي يوماً تعرفونه فإذا ذبح حل فأوثرت هذه العبارة لورودها في الأئر. قوله: (لا تحلوا حتى تعلموا الخ (ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لبيان صكم المحصر فقط وبه صرح الزمخشرقي وقيل: إنه عام راجع إلى قوله أتموا الحج، وقوله: وحمل الأوّلون إشارة إلى أنّ ظاهر النظم مع أبي حنيفة رحمه الله فالمراد بمحله المحل الذي عينه الثارع وهو محل الإحصار مطلقا والجدي كالهدي بجيم ودال مهملة ما يحشى ليوضع تحت دفة السرج أو الرحل، وقوله: واقتصاره الخ لا يقول به أبو حنيفة لمعارضته الروايات الصحيحة واقتضاء القياس على الصوم والصلاة له، والمطي والمطية ما يمتطي أي يركب من الإبل. قوله: (والمحل الخ) في الكشف والتحقيق أنّ محل الدين وقت حلوله وانقضاء أجله والوجوب يلزمه من خارج وأمّا محل الهدي فهو مكان يحل فيه نحره أي يسوغ أو يجب وقد نقله الأزهرقي عن الزجاج وغيره بهذا المعنى، ومن حيث حبس عند الشافعيّ. قوله: (مرضا يحوجه إلى الحلق) قيده بهذا ليلا ثم ما ترتب عليه وهو قوله ولا تحلقوا رؤوسكم والمعطوف وهو أو به أذى من رأسه وإلا فالحكم عامّ في كل مرض! يحوج إلى شيء من محظورات الإحرام وقمل كدمل معروف. قوله: (فقد روي الخ) في البخارفي عن عبد الله بن مغفل قال قعدت إلى كعب بن عجرة رضي الله عنه في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة فسألته عن قوله ففدية من صيام فقال: حملت إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي فقال: " ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة قلت: لا قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك فنزلت فئ خاصة وهي لكم عامة " وعجرة بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء المهملة، وهو أتك جمع هامّة بتشديد الميم وهي صغار الدوالث غير ذوات السمّ منهئم بمعنى دث وفي الحديث: " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهافة " والفرق بفتح الفاء والراء وتسكن والقاف مكيال يسع ثلاثة آصع، وانسك بمعنى اذبح وآصع جمع صاع وهو مكيال معروف، وقوله: أمنتم الإحصار يحتمل أنه بناء على مذهب أبي حنيفة وما بعده على مذهبه والمراد بالسعة عدم مضايقة العدوّ وأنه جعل أولاً مفعول الأمن محذوفا وهو الإحصار على طبق مذهب الشافعيّ أنّ المعتبر الإحصار والأمن منه لا من المرض والعدوّ وثانيا جعل أمنتم منزلاً منزلة اللازم أي كنتم في أمن وسعة موافقا لمذهب أبي حنيفة. قوله: (فمن استمتع وانتفع الخ) التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بمناسكها ثم يحرم بالحج من جوف مكة ويأتي بأعماله ويقابله القرآن وهو أن يحرم بهما معاً ويأتي بمناسك الحج فيدخل فيها مناسك العمرة والإفراد هو أن يحرم بالحج وبعد الفراغ منه بالعمرة. قوله: (وقيل الخ) فالمعنى على الأوّل من انتفع بالشروع في العمرة ممتد أو منتهيا إلى الانتفاع بالحج وعلى الثاني

من انتفع بالفراغ منها ممتدا إلى الشروع في الحج فالباء إما صلة أو سببية. قوله: (فعليه دم استيسره الخ) الدم مجاز عما يذبح، وجبران بضم الجيم والموحدة مصدر كالجبر وهو ما يتلافى به التفريط ويجبر ما فاته من تأخير الإحرام للحج من الميقات ولذا لم يجب على المكي ومن في حكمه، وقوله: يذبحه إذا أحرم أي يجوز له ذلك وأمّا عند أبي حنيفة رحمه الله فدم نسك أي تقرب كالأضحية فيأكل منه ولا يذبح إلا يوم النحر. قوله: (في أيام الاشتنال الخ الما كان قوله في الحج يحتمل اًن يراد به في عمدته وهو عرفة لأنّ الحج عرفة كما في الحديث أو في أفعال الحج أو في أشهر الحج والأوّل غير ممكن إذ لا يمكن صوم ثلاثة أيام في عرفة فبقي الاحتمالان الأخيران فذهب إلى الأوّل الشافعيّ والى الثاني أبو حنيفة لكن قوله بين الإحرامين أي إحرامي الحج والعمرة ظاهرة يشعر بأنه يجب عند أبي حنيفة أن يكون قبل إحرام الحج وليس كذلك بل يجوز بعده بالاتفاق وأشهره جمع شهر مضاف لضمير الحج وقوله: والأحب لا يصلحه ووقع في نسخة بعد الإحرامين وهو من تحريف النساخ وتقدير بعد أحد الإحرامين لا قرينة عليه، ولك أن تقول إنه اقتصر على محل الخلاف وقوله: لا يجوز الخ الأولى ترك يوم النحر فإنه لا خلاف في عدم جوازه وقراءة سبعة بالنصب عطف على محل مفعول المصدر ومن لم يجوّزه قدر وصوموا وعليه أبو حيان رحمه الله. قوله: (فذلكة الحساب الخ) تقدم أن فذلكة من قول الحساب إذا جمعوا ما فرقوه فذلك يكون كذا، ثم بين فائدته بأنه ربما يتوهم أنه مخير بين ثلاثة في الحج أو سبعة بعده أو لئلا يتوهم من السبعة مجرّد الكثرة فإنها تستعمل بهذين المعنيين وأيضاً فإنّ الإجمال بعد التفصيل آكد، فإن قلت ما الحكمة في كونها كذلك حتى يحتاج إلى تفريقها المستدعي لما ذكر قلت لما كانت بدلاً من الهدي والبدل يكون في محل المبدل منه غالباً جعل الثلاثة بدلاً عنه في زمن الحج وزيد عليها السبعة علاوة لتعادله من غير نقص! في الثواب لأن الفدية مبنية على التيسير، وهذا معنى قوله كاملة فلا يكون تأكيداً كما سياً تي ولم تجعل السبعة فيه لمشقة الصوم في الحج ولأنّ فيها أياما منهيا عن صومها. قوله: (أن لا يتوهم متوهم أن الواو بمعنى أو الخ) في المغني ذكر الزمخشري أنّ الواو تأتي للإباحة نحو جالس الحسن وابن سيرين كما في قوله تعالى {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} الآية وتبعه صاحب الإيضاح البياني ولا نعرف هذه المقالة لنحويّ وردّ بأنّ السيرافي نص عليه في شرح الكتاب وتبعه في حواشيه على التسهيل فقال: الصواب أنّ الواو كأو في الإباحة لأن الإباحة إنما استفيدت من الأمر والواو جمعت بين الشيئين في الإباحة) قلت الك أن تحمل عليه كلامه كما ينادي عليه آخره بأنه إنما خطأ الزمخشرفي في جعلها للإباحة في الخبر لأنها إن استفيدت إنما تستفاد من الأمر ولا أمر هنا وكونها تجري في الأمر الصريح لا يقتضي جريانه فيما هو خبر أريد به الأمر كما هنا لأن المعنى فصوموا تأمّل. قوله: (صفة مؤكدة تفيد الخ) أمّا كونها مؤكدة فظاهر وكونها مبنية على الوجه المذكور لا يناسب المقام والوجه الأخير مرّ تقريره، وهو الأولى عندي. قوله: (ذلك إشارة إلى الحكم المذكور الخ) يعني الفدية إذا تمتع لا تجب على أهل الحرم إن تمتعوا وقال أبو حنيفة: إنه إشارة إلى التمتع وأنه لا تمتع على أهله فإن تمتع فعليه دم جناية لا يأكل منه، قال الجصاص: وظاهر الآية يقتضي ما قال الحنفية لأنه لو كان المراد الهدي لقال ذلك على من لم يكن الخ وكون اللام واقعة موقع على خلاف الظاهر. قوله: (وهو من كان من الحرم الخ) أي من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام من كان من الحرم على مسافة القصر فإن من كان على أقل فإنه مقيم الحرم إن كان فيه أو في حكمه إن كان في غيره والمراد به غير المكي عند مالك وقيل: من كان من أهل الحل أو من كان مسكنه في الحل، وقوله: وخصوصا في الحج إشارة إلى دخوله فيه دخولاً أوّلياً يتم به الانتظام، وقوله كي يصدكم الخ يعني ليس المراد بمجرّد العلم بل علم يمنع عن المعصية ويقتضي التقوى. قوله: (أي وقته الخ) إنما قدر الوقت ليصح الحمل لأنّ الحج فعل من الأفعال والأشهر زمان يغايره فيقدر ما ذكر أو ذو أشهر أو حج أو يجعل عين الزمان مبالغة، وقوله: وبناء الخلاف الخ وثمرة

الخلاف أنه لا يجوز الإحرام يوم النحر، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجوز بلا كراهة، وقوله: أو ما لا يحسن الخ هو مذهب مالك رحمه الله وفي الكشاف، فإن قلت ما فائدة توقيت الحج بهذه الأشهر قلت فائدته أنّ شيئا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها والإحرام بالحج لا ينعقد أيضاً عند الشافعي في غيرها وعند أبي حنيفة ينعقد إلا أنه مكروه، واستشكل بالرمي والحلق وطواف الركن مما يصح بعد فجر النحر وأجيب بأنه بيان على مذهب أبي حنيفة رحمه الله وفيه بحث، وقوله: فإنّ مالكاً كره العمرة في بقية ذي الحجة في الانتصاف أنه يقول لا تنعقد العمرة في أيام منى خاصة لمن حج ما لم يتم الرمي ويحل بالإفاضة فتنعقد وجميع السنة غير ما ذكر ميقات للعمرة ولا تظهر ثمرته إلا في إسقاط الدم عن مؤخر طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة لا غير. قوله: (وإنما سمي شهرين وبعض شهر الخ) كذا في الكشاف وفيه بحث فإنه لا يخلو إمّ أن يطلق الجمع على الاثنين فما فوقهما أو يخص بالثلاثة فما فوقها وعلى كل حال فهذا ليس منها لأنه إطلاق على اثنين وبعض ثالث لا على ائنين ولا على ثلاثة فان كان أحد الشهور استعمل في بعضه والباقي في تمامه لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولا مخلص عنه إلا بأن يقال المراد به اثنان والزائد في حكم العدم أو ثلاثة وأسماء الظروف تطلق على بعضها حقيقة لأنها على معنى في ولذا مثل له الزمخشريّ برأيتك في سنة كذا وإنما رآه في ساعة منها وهذا هو الحق لأنّ الأوّل يقتضي أنّ وقت الحج شهران فقط ولا قائل به فتأمّل. قوله: (اوجبه على نفسه الخ) الذي ذهب إليه الشافعيّ هو أنه لا إحرام في غيرها ووجه دلالته على وجوب الإتمام فرضيته بالشروع، وقوله: فلا جماع أو فلا فحش وهو على الأوّل كناية، وعلى الثاني حقيقة كما مر، وأمّا حمل الفسوق وهو مصدر كالدخول لا جمع فسق كما يتوهم من تفسيره على السباب فكما في قوله: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ} [سورة الحجرات، الآية: 11] والمراد بكسر الميم والمد المخاصمة ونحوها، وقوله: في أيامه بتء على المشهور وعلى ما ذكر في قوله وذلك أنّ قريشا الخ المراد في نفس الحج. قوله: (على قصد النهي للمبالغة الخ) وجه المبالغة ما ذكره من أنها لا تليق أن توجد لأنها في نفسها قبيحة فمع الحج أقبح والمراد بالتطريب ما يخرجه عن اتصال الحروف ويجعله كالأغاني والا فتحسين الصوت بالقرآن حسن وقراءة الرفع تنبيه بانها على قصد النهي على وجه المبالغة كما قال والجدال منفيّ على ما فسره به، ووجه الحث على الخير أنّ المراد بعلم الله وهو عالم بكل قبوله والجزاء عليه. قوله: (وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأوّلين بالرفع على معنى الخ (قال أبو حيان: تأويله على هذه القراءة أنهما حملا الأوّلين على معنى النهي بسبب الرفع والثاني على الإخبار بسبب البناء وفيه أنّ الرفع والبناء لا يقتضيان شيئاً من ذلك ولا فرق بينهما إلا أنّ قراءة الفتح نص في العموم والرفع راجحة فيه، وقيل: إنه منقول عن أبي عمرو الذي قرأها لأنه قال الرفع بمعنى لا يكون رفث ولا فسوق أي شيء يخرج من الحج ثم ابتدأ النفي فقال: ولا جدال فأبو عمرو لم يجعل النفيين الأولين نهيا والذي يدفع ما قاله أنّ الرفث والفسوق فيه واقع فلا بد من حمله على النهي لئلا يلزم تخلف إخباره تعالى بخلاف الجدال في الحج نفسه لا في أيامه فتأمّل. قوله: (وتزودوا لمعادكم الخ) يعني أنّ الزاد المراد به العمل الصالح على طريق الاستعارة وعلى القول الآخر حقيقة والمراد بالتقوى معناها اللغوي وهو اتقاء الإلحاح في السؤال والثقل على الناس وكلا بمعنى ثقلا والإبرام أصله الأحكام من إبرام الحبل وهو فتله قال الراغب المبرم الذي يلح ويشدد في الأمر تشبيهاً بمبرم الحبل اهـ. قوله: (حثهم على التقوى الخ) يعني أنّ قوله واتقون الخ بعد قوله خير الزناد التقوى المفيد للحث عليها وطلبها بمعنى أخلصوا إلى التقوى فإن مقتضى العقل الخالص عن الشوائب ذلك وكونه خالصا عن ذلك مأخوذ من إطلاق اللب عليه فلا تكرار. قوله: ( {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً} الخ) نزلت وقد أنف قوم من التجارة في أيام الحج كما كان وخافوا الإثم فتبين لهم أنه مباح لهم إذا لم يشغلهم ذلك عن العبادة وقوله قيل: الخ هو المذكور في البخاري، وغكاظ بضم العين المهملة والكاف الخفيفة والظاء المعجمة ومجنة بفتح الميم والجيم وتشديد النون، وذو المجاز كضد الحقيقة أسواق كانت

للعرب بقرب مكة وسمي موسم الحج موسماً لأنه معلم يجتمع الناس إليه، وقوله: تأثموا منه أي خافوا الإثم وقوله: في أن تبتغوا بيان للإعراب والظرف متعلق بجناح أو بالظرف الواقع خبر ليس أعني عليكم. قوله: (دفعتم منها بكثرة الخ) يعني أنه من فاض الماء إذا سال منصباً وأفضته أسلته والمراد به هنا دفعتم أنفسكم منها بكثرة تشبيهاً بفيض الماء والمفعول مما التزم حذفه للعلم به. توله: (وعرفات جمع سمي به كأذرعات الخ) أذرعات اسم بلدة بالشأم وهي مثل عرفات في العلمية وأنها لا واحط لها إذ لى ورح أذرعة ولا عرفة،! ال ا! فرّاء: قول الناس نزلنا بعرفة ليس بعربي محض، قيل: ولو سلم فعرفة وعرفات مدلولهما واحد ثم لا كلام في استعماله منوّنا وان حكى سيبويه عدم التنوين فيه! انما الكلام في الصرف وعدمه فعند البعض غير منصرف للعلمية والتأنيث والتنوين للمقابلة لا للتمكين يعني جيء به في مقابلة النون في جمع المذكر السالم ويكسر في موضع الجرّ للأمن بهذا التنوين من تنوين التمكين والكسرة إنما تذهب في غير المنصرف تبعاً للتنوين إذا ذهب من غير عوض أمّا إذا عوض عنه شيء كاللام والإضافة فلا تذهب وهنا عوض! عنه تنوين المقابلة وهذا قول للنحاة في عدم منع الصرف وكون الكسرة تابعة للتنوين واختار الزمخشري أنه منصرف لعدم الاعتداد بالتأنيث لأن التاء للجمع ووجودها يمنع من تقدير أخرى كما في سعاد فعلى هذا لو جعل مثل بنت ومسلمات علما لامرأة وجب صرفه، ومخالقة ابن الحاجب فيه ليست بشيء وفيه أن عرفة كيف يتردد الفزاء في صحته وهو مسموع في كلام العرب وفي الحديث " الحج عرفة " والظاهر أنهم لم يقفوا على مراده فانّ عرفة اسم لليوم التاسع من ذي الحجة كما صرّح به الراغب والبغوي والكرماني وبهذا المعنى ورد في الحديث فالذي أنكره الفرّاء استعماله في المكان كعرفات وهذا مما لا شبهة فيه وقد نبه عليه شراح البخاري، وقوله لذلك يجمع مع اللام خطاً لأنّ تنوين المقابلة لم يقل أحد بجمعه معها وإنما الذي يجمع معها تنوين الترنم والغالي كقوله: يا صاح ما هاج العيون الذرّفن قوله: (وإنما سمي الموقف عرفة الخ (هذا بناء على أنّ عرفة كعرفات ومرّ ما فيه وهذه مناسبة اعتبرها الواضع كما يقال: الكلمة من الكلم فلا ينافي كونها مرتجلة كما توهم، وقوله: وعرفات للمبالغة يعني أنها جمعت لجعل كل جزء منها عرفة مبالغة، وهي يعني عرفة ويعلم منه أنّ عرفات كذلك، ويصح أن يعود إلى عرفات لأنّ عرفات لا تكون منقولة إلا إن ثبت أنّ عرفة جمع كخدمة جمع خادم ليكون هذا جمع جمعه وفي الكشاف وهي من الأسماء المرتجلة لأنّ العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس إلا أن تكون جمع عارف، قال الرازي: إنما قيد بالأجناس لأنّ عرفة تعرف من الأعلام فإن عرفة! علم لهذا المكان المخصوص كما أنّ عرفات علم له وقوله: إلا أن يكون جمع عارف يحتمل أن يكون استثناء من قوله: لأنّ المعرفة لا تعرف في أسماء الأجناس فإنه لو جعل جمع عارف ككاتب وكتبة لعرف من أسماء الأجناس فإن قلت فحينئذ لا استثناء من قوله من الأسماء المرتجلة فيكون الحكم بارتجال عرفات مطلقا غيره مستثنى منه وهو غير مستقيم قلنا الاستثناء من الدليل استثناء من المدول فإنه إذا كان عرفات جمع عرفة يلزم أن يكون منقولاً وقيل: عليه لفظ عرفة كما أنه علم للمكان فهو اسم لليوم التاسع كما مرّ فعلى هذا يعرف في أسماء الأجناس وليس بشيء لأنه علم جنس لا نكرة لامتناع دخول الألف واللام عليه كسائر أسماء الأجناس. قوله: (وفيه دليل وجوب الوقوف بها الخ) وفي نسخة على وجوب الوقوف بها. (وفيه بحث) لأنّ الأمر فيه مقيد بالحيثية فيكون الوجوب منصرفا إلى قيده كما سيجيء أنّ معناه أفيضوا من عرفة لا من مزدلفة ولهذا قال النحرير دلالة الآية لأنه ذكر الإفاضة بكلمة إذا الدالة على القطع وهو في حكم الشرع للوجوب كأنه قال الإفاضة واجبة عليكم فإذا أتيتم بها فاذكروا الله ثم إنها تقتضي سابقة الكون والاستفرار بعرفات ليكون مبدؤها منها وهو معنى الوقوف بها والحضور فيها وقد تبين بوجوه الأوّل أنه يدل على أنّ الذكر عند الإفاضة واجب وهو يتوقف على الإفاضة وهي على الوقوف وما لا يتم الواجب إلا به

فهو واجب وردّ بأنّ وجوب الذكر مقيد كما تقول إذا حصل لك مال فزك وهو لا يدل على وجوب القيد بل الوجوب عند حصول القيد، وتحقيقه أنّ الإفاضة قيد للوجوب لا للواجب كأنه قيل: ائتوا بذكر كائن عند الإفاضة الثاني أنّ في ثم أفيضوا دلالة على تقدير أمر يعطف هو عليه كأنه قيل: أفيضوا من عرفات ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الثالث أن الفاء في فإذا أفضتم لتعلقها بقوله: فمن فرض تدل على ترتب الإفاضة على الحج من غير مهلة وتراخ وهو معنى وجوبها المقتضي لوجوبه وفيه بحث. قوله: (وفيه نظر الخ) يعني أنّ الذكر بمزدلفة غير واجب حتى تكون الإفاضة مقدمة للواجب ويكون الوقوف بعرفات مقدمة للإفاضة وأيضا الأمر بالذكر غير مطلق بل مقيد بقوله: فإذا أفضتم الخ فلم يكن الوقوف بعرفة مقدمة للواجب المطلق ليتصف بالوجوب لأنّ الواجب المقيد بقيد لا يجب تحصيله فلا يكون الموقوف عليه واجباً، وقوله: بصلاة العشاءين لأنّ الصلاة تسمى ذكرا وهي تصلى ثمة. قوله: (جبل يقف عليه الإمام الخ) قزح بوزن عمر اسم جبل بمزدلفة ممنوع من الصرف والمأزم بالهمز وكسر الزاي مضيق بين جبلين ومحسر بكسر السين المهملة المشددة واد معروف، والغلس ظلمة آخر الليل والحديث صحيح رواه مسلم ووجه التأييد أنه ذلك الموضع بعينه لا مطلق مزدلفة كما في الثاني وقوله: فإنه أفضل إشارة إلى أنّ الأمر ليس للوجوب وأمّا قوله: إلا وادي محسر فلأنّ آخره أوّل منى كما ذكره الطحاوي فليس كله موقفا فلا يرد نظر النحرير عليه. قوله: (كما علمكم الخ) الوجهان مطردان إن جعلت ما كافة أو مصدرية والفرق بين الوجهين أنّ الأول للتقييد أي على النحو الذي هداك إليه ولا تعدل عما هديت إليه كما تقول افعل كما علمتك والثاني للتشبيه كما تقول! خدمه كما أكرمك يعني لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه، قيل: مبني الفرق على أنّ الهداية الدلالة الموصلة أو المطلقة وقيل: الكاف للتعليل وأيضا الهداية في أحدهما مطلقة وفي الآخرة مقيدة، وقيل: محل كما هداكم النصب على المصدرية بحذف الموصوف وعلى الكافة لا عامل له كما أنه لا معمول له لأنه لم يبق حرفا بل يقيد من جهة المعنى فقط وهذا الذي ذكره من كون حرف الجرّ إذا كف عن العمل لا متعلق له ظاهر. قوله: (أي من عرقة لا من المزدلفة الخ) المراد بالناس الجمهور والتعريف للجنس وإفاضتهم من عرفة وجمع اسم مزدلفة لاجتماع آدم وحوّاء بها أو لغير ذلك. قوله: (وثم لتفاوت ما بين الإفاضتين الخ) قال النحرير: لما توجه أنّ الإفاضتين من عرفات فما وجه العطف بثم الدالة على التراخي عن الأمر بالذكر المقارن لها بل المتأخر عنها فأجاب بأنّ موقعها موقع ثم في قولك أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير الكريم لما مرّ من دلالة إذا أفضتم الخ على وجوب الإفاضة من عرفات وأنّ معنى ثم أفيضوا لتكن إفاضتكم منه لا من المزدلفة فكأنه قيل: أفيضوا من عرفات ثم لا تفيضوا من المزدلفة لأنّ الأولى صواب والثانية خطأ وبينهما بون بعيد وهذا مما يقرّر تفاوت المرتبة وتباعدها وهو وان كان إنما يعتبر بين المتعاطفين وهو عدم الإحسان إلى غير الكريم وعدم الإفاضة من المزدلفة لكن قد جرت عادته أن يعتبر التفاوت بين المعطوف عليه وما دخله حرف النفي من المعطوف لا نفسه، وأمّا الاعتراض بأنّ التفاوت يفهم من كون أحدهما مأمورا به والآخر منهياً عنه سواء كان العطف بثم أو بالفاء أو بالواو فليس بشيء نعم يرد أنّ هذا إنما يطابق المثال لو أريد أفيضوا إلى منى من غير تعيين عرفات أو أريد في المثال أحسن إلى الناس الكرام وأمّا إذا أجرى الناس على الإطلاق وقد تقرّر أن فإذا أفضتم يدل على وجوب الإفاضة من عرفات فلا مطابقة إلا أنه لا يضر بالمقصود في موقع ثم والحاصل أنّ أفيضوا عطف على فاذكروا قصداً إلى التفاوت بينه وبين ما يتعلق باذكروا وهو إذا أفضتم الخ وهذا من دقيق هذا الكتاب ويؤخذ منه أن التفاوت يكون بتفضيل أحد المتعاطفين سواء كان الأوّل أو الثاني كما أشار إليه في الكشف وأنّ التفاوت يكون بينهما بالذات وبين متعلقيهما فافهم. تنبيه: ذكر ابن إسحق في سيرته أن قريشاً كانت تسمي الحمس لتشدّدهم في الدين وكانوا لتعظيمهم الحرم تعظيما زائداً ابتدعوا أنهم

لا يخرجون منه ليلة عرفة ويقولون نحن قطان بيت الله وأهله فلا يقفون بعرفة مع أنها من مشاعر إبراهيم عليه الصلاة والسلام فكانوا كذلك حتى ردّ الله عليهم بقوله: ثم أفيضوا الخ وكان عليه الصلاة والسلام قبل ذلك يقف بعرفات ويخالفهم لأنّ الله وفقه وأوقفه على المشاعر اهـ. فالأوّل هو التفسير المأثور ولذا قذمه المصنف إلا أنّ فيه خفاء من جهة النظم فإنه معطوف على جواب إذا وعليه يصير تقديره فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات ولا يخلو من نظر فهو محتاج إلى التأويل. قوله: (وقيل من مزدلفة منى الخ) إشارة إلى وجه تكون فيه ثم على أصلها ويكون الناص قريشاً وتعريفه للعهد، وقوله: بعد الإفاضة من عرفة بيان لمحصل المعنى والا فالظاهر بعد الذكر والقراءة المذكورة بكسر السين مع حذف الياء واثباتها والمراد بالناس آدم عليه الصلاة والسلام لقوله في حقه فنسي يعني أمر الشجرة وثم على هذه القراءة لتفاوت الرتبة، وقوله: في تغيير المناسك بناء على التفسير الأوّل والتعميم للإشارة إلى الثاني، وينعم عليه تفسير لرحيم وقوله وفرغتم لأن معنى قضيت الحج أدّيته وأتممته والمناسك جمع منسك وهو النسك أي العبادة، وقوله: فأكثروا الخ الكثرة مستفادة من قوله: {كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ} والأيام عبارة عن الوقائع والحروب كما يقال يوم الفجار ويوم بدر وحيث أطلق يراد به ذلك كما بين في الأمثال وكون ذلك كان عادتهم رواه ابن جرير وغيره والمعنى ذكراً أشد ذكرا على الإسناد المجازي وصفآ للشيء بوصف صاحبه كما يقال: جد جده فجعل الذكر ذاكراً حيث أثبت له ذكراً وكذا إذا جعل منصوبا معطوفا على محل الجار والمجرور كما ذكره ابن جني حتى يكون من هذا القبيل أيضا قال أبو حيان: ووجهه أنّ ذكراً منصوب على التمييز وأفعل إذا ذكر بعده ما ليس من جنسه مما يغايره انتصب كذلك نحو زيد أفضل علماً فإن كان من جنسه ولم يغايره جرّ بالإضافة نحو أفضل عالم فكان المتبادر هنا أشد ذكر بالجرّ فلما انتصب دلّ على أنه غيره وأنه جعل للذكر ذكراً كشعر شاعر وقوله: كذكر أشذ منه منوّن لا مضاف. قوله: (إمّا مجرور معطوف على الذكر الخ) اعترض! على قوله أو على ما أضيف إليه ذكر بأنه عطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ وقد منعه كثير وأجيب عنه بوجوه، الأوّل أنه رآه توم جائزاً فلعل المصنف رحمه الله تابعهم وبأنه جوّز العطف على المرفوع المتصل إذا فصل بينهما فاصل فالمجرور مثله وقد فصل بينهما ههنا، وبا! المنع إتما هو إذا كان الجارّ حرف جز لشدة اتصاله ولهذا جاز الفصل بين المضاف والمضاف إليه ولم يجز بين حرف الجرّ ومجروره، وبأنّ المجرور هنا في حكم المنفصل لكونه فاعل المصدر، وبأنّ المراد العطف من حيث المعنى وأمّا بحسب اللفظ فهو على حذف مضاف معطوف على الذكر أي أو ذكر قوم أشد ذكراً، قال النحرير: والكل ضعيف ثم إنّ قوله على المجاز كان الظاهر تأخيره إلى هنا والمجاز هنا النسبة الإضافية. قوله: ) وإمّا منصوب بالعطف على آباءكم الخ) يعني أنّ الأفعال المتعدية إض! افات بين الفاعل والمفعول فالذكر مثلاً من حيث الإضافة إلى الفاعل ذاكرية والى المفعول مذكورية وتحقيقه أنّ المصدر عبارة عن أن والفعل فإمّا أن يقدر أن ذكر أو أن ذكر والمعنى على الأوّل أشدّ ذاكرية، وعلى الثاني أشد مذكورية واعترض عليه ابن الحاجب وصاحب الانتصاف بأن أفعل للمفعول شاذ لا يرجع إليه إلا بثبت فالأظهر أنه من عطف جملتين أي اذكروا ذكراً مثل ذكر آبائكم واذكروا الله حال كونكم أشد ذكراً من ذكر آبائكم وهو غفلة فإن أفعل هو لفظ أشد وما هو إلا للفاعل ولا يلزم من جعل تمييزه مصدراً من المبني للمفعول محذور كما إذا جعل من الألوان والعيوب كأشد بياضا ومن المجهول، كأشدّ مضروبية ونحوه وما ذكره بعيد. قوله: (أو بمضمر دل عليه الخ) وذكر أبو حيان وجها حسنا ارتضاه وهو أن يكون أشد صفة ذكراً قدم عليه فانتصب على الحالط وذكرا معطوف على كذكركم. قوله: (تفصيل للذاكرين الخ) في الكشاف معناه أكثروا ذكر الله ودعاءه فإنّ الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أعراض الدنيا ومكثر يطلب خير الدارين فكونوا من المكثرين. (وههنا فائدة) وهي أنّ من بين تستعمل للتقسيم استعمالاً فصيحا كما في عبارة الزمخشريّ

قال المدقق في الكشف أصله فإن الناس مقل ومكثر على التقسيم فزيدت بين تصويراً للإحاطة وعدم التجاوز ليصير من باب الكناية التي هي أبلغ ثم زيدت من الاتصالية مبالغة كقول الشاعر: والناس من بين مرحوب ومحجوب كأنهم ناشئون من البين يبتدئ تقسيمهم منه البتة فجعل ابتداؤهم منه بمنزلة ابتداء التقسيم وجاز أن تجعل من بيانية نظراً إلى إقحام بين والأوّل أبلغ اهـ فإن قلت الأقسام لا تنحصر فيما ذكر فإنّ من الناس من لا يطلب إلا الآخرة قلت ليس المقصود حصر أقسام الناس مطلقا بل لما ذكر قوله: {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} قسم أهل الطلب إلى مقل ومكثروهم لا يخلون عنهما ولو سلم فإنّ من لا يطلب إلا الآخرة سيذكره بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ} [سورة البقرة، الآية: 207] فإنّ من باع نفسه لله صار كلا على مولاه، وقيل حصر المقل في طالب الدنيا لأنّ طالب الآخرة فقط بحيث لا يحتاج إلى طلب حسنة من الدنيا لا يوجد في الدنيا، وقيل: لأنّ ذلك ليس بمشروع لأنّ المرء مبتلي بآفات الدنيا فلا بد له منها، ورد بأنّ عدم المشروعية في طالب الدنيا فقط أشد، وأيضاً التقسيم بمنهم ومنهم لا يفيد الحصر وفيه نظر، وقيل: قسم الله الناس هنا إلى أربع فرق الكافرون الذين لا هتم لهم إلا الدنيا وهم الذين ليس لهم في الاخرة من خلاق والمقتصدون الذين يقولون ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، والمنافقون الذين حلت ألسنتهم ومرّت عقائدهم وضمائرهم وهم الذين قيل فيهم {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} [سورة البقرة، الآية: 204] الخ والسابقون البائعون أنفسهم الرابحون رضا الله وهم المرادون بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ} الخ والمراد بالإكثار الإكثار من ذكر الله وطلب ما عنده. قوله: (اجعل إيتاءنا الخ (إشارة إلى أنه منزل منزلة اللازم، والخلاق النصيب الذي خلق وقدر له وقوله: أو من طلب خلاق قيل: المراد حينئذ ما له في شأن الآخرة من طلب خلاق ليدفع به أنه لا طلب في الآخرة لأحد وإنما فيها الحظ أو الحرمان وقيل: إنّ كون الآخرة لا طلب فيها ممنوع فإنّ المؤمنين يطلبون زيادة الدرجات وكذا الكافرون يطلبون الخلاص لكن ما طلبوه ليس نصيبا مقدراً لهم وكون ما نقل تمثيلاظاهر إذ لا ينبغي الحصر وامرأة السوء بالإضافة ويصح فيه فتح السين وضمها. قوله: (1 شارة إلى الفريق) قذمه لأنه هو الجزل ولأن الفريق الأوّل قد بين حالهم بقوله ومالهم في الآخرة من خلاق فالمناسب تخصيص هذا بالثاني وعلى هذا ينبغي حمل قوله: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سورة البقرة، الآية: 202] على أنه لا يناقشهم ليسرع وصولهم إلى الفوز بالسعادة الأبدية. قوله: (أي من جنسه وهو جزاؤه) فمن بيانية والجنسية باعتبار كونه حسنة أو ابتدائية أو تبعيضية أو تعليلية، والمراد بما كسبوه الدعاء لأنه عمل لهم والأعمال توصف بالكسب، وكني بسرعة الحساب عن القدرة التامّة لأنه يحاسب الأوّلين والآخرين في مقدار لمحة طرف وقوله: أو يوشك الخ يعني أنه أطلق ما يقع في يوم الجزاء عليه كما قيل في رحمة بمعنى في الجنة وقوله: فبادروا الخ إشارة إلى أنّ المقصود التحريض على إكثار الدعاء وطلب الآخرة وانتهاز الفرصة وهو وعيد للفريق الأوّل ووعد للثاني والله أعلم. قوله: (كبروه أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين الخ) أدبار جمع دبر بمعنى عقب، والقرابين جمع قربان وهو الذبيحة المتقرّب بها وقوله: في أيام التشريق قيل: ينبغي أن لا يخص بها ليشمل يوم النحر وليس بشيء قال الجصاص لا خلاف بين أهل العلم أنّ المراد بالأيام المعدودات أيام التشريق وهو مروفي عن عمر وعليئ وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهم إلا في رواية عن ابن أبي ليلى: أنها يوم النحر ويومان بعده وقيل: إنه وهم اص. فإن قلت الأيام واحدها يوم وهو مذكر والمعدودات واحدها معدودة وهو مؤنث فكيف يقع صفة له فالظاهر معدودة وصفا للجمع بالمؤنث المفرد وهو جائز، قلت: قيل: ليس هو جمع معدودة بل جمع معدود وجمع جمع مؤنث فيما لا يعقل كما قيل: حمامات وسجلات، وقيل: إنه قدر اليوم مؤنثا باعتبار ساعاته ولك أن تقول إنّ المعنى أنها في كل سنة معدودة وفي السنين معدودات فهي جمع معدودة حقيقة فتأفل. قوله: (استعجل النفر) تعجل واستعجل يكون متعديا ومطاوعا ولازما ورجح الزمخشرفي الثاني لمقابل تأخر اللازم كما رجحه في قوله:

قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل لمقابلة المتأني اللازم والمصنف رحمه الله رجح المتعدي لأنّ المراد بيان أمور الحج لا التعجل مطلقا ولذا قدر في تأخر في النفر ومن الناس من لم يظهر له وجهه وهو ظاهر، والنفر مصدر كالضرب الرجوع من منى إلى البيت، ويوم القرّ بالفتح بمعنى القرار أوّل أيام التشريق لاستقرارهم فيه بمنى ويسمى يوم الرؤس لأنها تؤكل فيه والذي بعده ثانيها، وقوله: فمن نفر الخ إشارة إلى أنّ النفر في يومين ليس شاملا للنفر في اليوم الأوّل فإنه لا يجوز إذ لا يقال فعلت كذا في يومين بلا مدخلية لليوم الثاني، فمن قال التقدير في أحد يومين أخل بالبيان وقوله: بعد رمي الجمار عندنا إشارة إلى وقت جواز النفر لكنه عليه أن يقيده بقوله إلى غروب الشمس لأنه لا يجوز بعده، وقوله: عنده أي عند أبي حنيفة رحمه الله والمقام مقام الإظهار فعنده أنه لا يصح النفر بعد طلوع فجر الثالث قبل الرمي ولذا قال قبل طلوع الفجر وسقط قبل في بعض النسخ وهو من الكاتب وكان المصنف رحمه الله تساهل في البيان لأنه معلوم في الفروع مفروغ عنه. قوله: (ومعنى نفي الإثم الخ) تبع فيه الكشاف لأنّ التخيير يجوز بين الفاضل والمفضول لأن التأخير فضل ورده في الانتصاف بأن التخيير يوجب التساوي فلا يصح ما قاله، وأجيب بأنه إنما يمتنع إذا لم يسبق بمنع لأحد الطرفين فإن سبق به جاز التخيير إشارة إلى مطلق الجواز فيهما ولذلك عطف عليه الردّ على أهل الجاهلية فعلى هذا هما جواب واحد وقيل: الأوّل جواب بمنع امتناع التخيير بين الفاضل والمفضول، والثاني جواب بتسليمه وعليه كان الظاهر أن يقول أو الردّ. قوله: (أي الذي ذكر الخ) يريد أن اللام في {لِمَنِ اتَّقَى} للبيان كما في هيت لك وهو في التحقيق خبر مبتدأ محذوف أو الاختصاص وتخصيص المتقي لأنه الحاج على الحقيقة وما سواه كأنه ليس بحاج أو لأنه هو الذي يلتفت لهذا وينتفع به أو للتعليل وأمّا تفسير المنفي بمن اتقى الشرك فلا حاجة إليه، ومعنى مجامع الأمور المحالّ الجامعة لها وهو كناية عن جميع الأمور ولو عبر به لكان أظهر، ويروقك بمعنى يحسن في عينيك ومعنى التعجب ما ذكر ولذلك قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب ومن قال: إنّ في هذا التعريف دورا أتى بأمر يتعجب منه. قوله: (متعلق بالقول الخ) ومعنى قوله في الدنيا تكلمه في الأمور المتعلقة بالدنيا سواء كانت عائدة إليه أولاً أو في معنى الدنيا أي ما يقصده منها ليأخذه وينتفع به، وعبارة الكشاف صريحة فيه فإنه قال أي يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا لأنّ ادّعاءه المحبة بالباطل يطلب به حظا من حظوظ الدنيا وهذا في معنى القول بجعل في للتعليل كما في عذبت امرأة في هرة، ومن لم يتنبه لمراده قال إن مآل الوجهين واحد والتغاير بينهما باعتبار المضاف المقدر واعجابه به لفصاحته واكتفى المصنف ببيانه في الوجه الثاني وقوله في الآخرة مأخوذ من التخصيص، وقوله: والحبسة كاللكنة لفظا ومعنى وقوله لأنه لا يؤذن له فهو على حد: ولا ترى الضب بها ينحجر وفيه تأمّل، وقوله: يحلف الخ لأن أشهد الله وما بمعناه يستعمل في اليمين. قوله:) شديد العداوة الخ) إشارة إلى أن ألدّ صفة كأحمر لا أفعل تفضيل لجمعه على لد وتأنيثه بلداء ونقل أبو حيان عن الخليل رحمه الله أنه أفعل تفضيل فلا بد من تقدير أي وخصامه أشد الخصام أو ألد ذوي الخصام أو يجعل هو راجع إلى الخصام المفهوم من الكلام وإن كان الخصام جمع خصم ككلب وكلاب فهو ظاهر إلا أنه يريد عليه أنّ ما بنى منه أفعل الصفة لا يبنى منه أفعل تفضيل إلا أن يكون على خلاف القياس، وفي الكشاف والخصام المخاصمة وإضافة الألدّ بمعنى في كقولهم ثبت الغدر أو جعل الخصام ألذ على المبالغة وقيل: الخصام جمع خصم والذي دعاه إلى هذا أنّ الألد ليس هو الشديد مطلقا بل الشديد من الناس في الخصومة فلذا جعل الإضافة بمعنى في أو جعل الخصام ألذ مجازاً، قال النحرير: لا من جهة أن ألذ أفعل تفضيل بل من جهة أن اللدد شدة الخصومة وكل شديد بالنسبة إلى ما دونه أشد وفيه نظر. قوله: (قيل نزلت في الآخنس بن شريق الخ أأخنس بخاء معجمة ونون وسين مهملة وشريق فعيل من شرق، وقيل: عليه أنه مردود لأنّ الأخنس أسلم عام الفتح وحسن إسلامه كما رواه ابن الجوزي وغيره

واحتمال الإسلام بعد النزول يدفعه فحسبه جهنم ويدفعه أنه كما قال الجلال أنه رواه ابن جرير عن السذي ومثله لا يقال من قبل الرأي حتى يرد مع أنّ المصنف رحمه الله أشار بقوله قيل: إلى ما ذكره وخصوص السبب لا يقتضي تخصيص الحكم والوعيد به وهو ظاهر وحسن إسلامه لا يعلمه إلا الله فلعله كان من المنافقين والراوي لهذا لا يسلم ما قاله ابن الجوزي، ومعنى بيتهم أوقع بهم ليلا من البيات. قوله: (حملته الأنفة الخ) أراد أنه استعارة تبعية استعير الأخذ للحمل بعد أن شبه حالة إغراء حمية الجاهلية وحملها إيا. على الإثم بحالة شخص له على غريمه حق فيأخذه به ويلزمه إياه والمراد بالإثم حقيقته وإليه أشار بقوله الذي يؤمر باتقائه، وترك تفسير الزمخشريّ له بترك الاتعاظ لأنه خلاف الظاهر والأنفة بفتحات المتكبر والباء في بالإثم للتعدية أو للسببية، وقوله: كفته إشارة إلى أنّ حسب اسم فعل ماض بمعنى كفى وهو قول لهم وفيه نظر وقيل: هو اسم بمعنى كافي وجهنم خبره أو فاعل سد مسد الخبر، وجهنم علم لدار العقاب ممنوع من الصرف إمّا للعلمية والتأنيث، وأصل معناه البئر البعيدة القعر وقيل: إنه غير عربي وأصله جهنام فمنع صرفه للعلمية والعجمة، والداعي إلى القول بالعجمة إن وزن فعنل لم يوجد وبعض النحاة أثبتوه وذكروا له نظائر والمخصوص بالذم المحذوف هو جهنم وجعلها مهادا على التهكم والفراس أعثم مما يوطأ للنوم واختلف فيه هل هو مفرد أو جمع مهد وصهيب بالتصغير صحابيئ معروف ولم يكن رومياً وإنما أسره الروم صغيراً فقيل: له الرومي وعلى هذه الرواية فيشرى على ظاهره وفسر رأفة الله ورحمته هنا لمناسبة المقام بالإرشاد لما فيه نفع لآخرتهم. قوله: (السلم بالكسر والفتح الخ (وفيه لغة أيضا بفتحتين وأصل معناه الانقياد، وكافة في الأصل اسم فاعل من الكف وهو المنع ثم نقلته العرب واستعملته بمعنى جميعا وقاطبة لاستغراق جملة الشيء لأنّ الجملة تمنع الأجزاء من الانتشار، وهي إمّا حال من ضمير ادخلوا الفاعل وهو الظاهر أو من السلم لأنها مؤنث كالحرب كذا قال المصنف تبعا للزمخشرقي وأورد عليه أنّ التاء في كافة كتاء قاطبة أنسلخ عنها معنى التأنيث فلا حاجة لما ذكر وإن كان يختص بمن يعقل ولا يكون إلا حالاً من العقلاء فهذا مخالف لكلام العرب كافة وكذا قولهم في {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ} [سورة سبإ، الآية: 28] إنه نعت لمصدر محذوف أي إرسالة كافة، وقول: في خطبة المفصل بكافة الأبواب قيل: إنه خطأ من وجوه وقد رذ هذا شارح اللباب بأنه سمع في قول عمر رضي الله عنه في كتاب له محفوظ مضبوط جعلت لآل بني كاكلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبا على أنه لو سلم فلا يعد مثله خطأ لأنه لا يلزم استعمال المفردات فيما استعملته العرب بعينه ولو التزم هذا لأخطأ الناس في أكثر كلامهم وقد بسطناه في شرح درّة الغواص. قوله: (السلم تأخذ منها الخ) الشعر للعباس بن مرداس رضي الله عنه ومن فيه ابتدائية متعلقة بتأخذ لا بيانية ولا تبعيضية أي تأخذ منها أبداً ما تحبه وترضا. فلا تسأم من طول زمانها والحرب بالعكس يكفيك اليسير منها والجرع جمع جرعة وهو ما يشرب والأنفاص جمع نفس ! والمراد الشرب مرة بعد أخرى سمي به المشروب مراراً للتنفس بينه وفي أثنائه كما قال ابن حطان: فكل من لم يذقها شاربا عجلا منها بأنفاس ورد بعد أنفاس قوله: (والمعنى استسلموا لله الخ الما فسر الدخول في السلم بالطاعة والانقياد والخطاب يحتمل أن يكون للمنافقين فالمراد به انقادوا ظاهراً وباطنا، أو لأهل الكتاب الذين آمنوا كان نهيا لهم عما ذكر أو لأهل الكتاب مطلقا أو للمسلمين وتأويله ما ذكر، وقوله: بالتفرق والتفريق المراد بالتفرق أن يسيروا فرقا يطيع بعضهم ويخالف آخرون والتفريق التفريق بين بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والكتب وبعض أو تفريق المسلمين بإيقاع الفتن بينهم، وتوله ظاهر العداوة إشارة أنّ أبان لازم بمعنى ظهر كما مرّ وقوله: عن الدخول في السلم لأنّ أصل الزلل السقوط والمراد به هنا البعد والتنحي مجازأ، وقوله: الآيات يحتمل آيات الكتاب ويحتمل الحجج وما بعده عطف تفسير لا وجه آخر وفسر حكيم بلا ينتقم إلا بحق فليس تركه الانتقام لعجز فهو تقرير لعزيز مرتبط به أشذ ارتباط. قوله: (هل ينظرون الخ) نظر هنا بمعنى انتظر

والاستفهام إنكاريّ وهو نفي في المعنى فلذا وقع بعده الاستثناء المفرغ ولما كان الإتيان لا يسند حقيقة إليه أوّل بأنّ المراد يأتي حكمه وأمره أو المراد يأتيهم الله ببأسه أي يوصله إليهم لأن أتى قد يتعدى للثاني بالباء فالمأتي محذوف لدلالة ما قبله عليه من التلويح للانتقام، وقوله: بقوله تعالى: {أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} بفتح الهمزة على الحكاية ولم يقل فاعلموا أنّ الله عزيز حكيم لأنّ الدال عليه وصفه بذلك ولا دخل لقوله اعلموا فيه فلا يرد عليه أنّ الصواب أن يقال فاعلموا الخ وهو ظاهر، وجعل ظللاً وظلالاً لا جمع ظلة وإن جاز أن يكون ظلالاً لا جمع ظل ما في الكشاف لتتوافق القراءتان معنى، وقوله: السحاب الأبيض هو أحد القولين فيه وبعضهم فسره بمطلق السحاب ولعله أنسب هنا، وقوله: أو الآتون على الحقيقة إشارة إلى وجه آخر وهو أنّ نسبة الإتيان إلى الله وذكره لأنّ الآتي ملائكته وجنده وذكر الله توطئة لذكرهم كما في قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [سورة البقرة، الآية: 9] كما مر. واختير التعبير بالماضي في قضاء الأمر دون إتيان البأس للاهتمام به، وقوله: قرأ الخ إشارة إلى أن رجع يكون متعديا ومصدره الرجع قال تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ} [سورة التوبة، الآية: 83] وعليه قراءة المجهول ولازما ومصدره الرجوع وعليه قراءة المعلوم والتذكير والتأنيث لأنه مؤنث مجازي ولم يجعل المجهول من أرجع لأنها لغة ضعيفة قوله: (أمر للرسول صلى الله عليه وسلم الخ) قدم كونه أمرا للرسول لكون الأصل في الأمر والخطاب أن يكون لمعين وقد يكون لغير معين كما في قوله ولو ترى قيل: والنكتة فيه إذا صدر منه تعالى أنّ المخلوقات في عظمته سواء وجوّز في الآية أن تكون المعجزة لأنها علامة النبوّة وأصل معنى الآية في اللغة العلامة ومن جملتها الكتب الإلهية والعرف خصها به عند الإطلاق فلذلك حملها عليها ثانياً وأصل سل إسأل فخفف وعلى كل حال فالمراد تقريع بني إسرائيل وكم خبرية أو استفهامية، فإن قيل: على تقدير الخبرية ما معنى السؤال وعلى تقدير الاستفهام كيف يكون السؤال للتقريع والاستفهام للتقرير ومعنى التقريع الإنكار والاستبعاد ومعنى التقرير التحقيق والتثبيت قيل: على تقدير الخبرية، فالسؤال عن حالهم وفعلهم في مباشرة أسباب التقريع أو عن الآيات الكثيرة ما فعلوا بها على تقدير الاستفهام فمعنى التقرير الحمل على الإقرار فإنّ التقرير له معنيان هذا والتثبيت والأوّل لا ينافي التقريع وكم آتيناهم في موضع المفعول به وقيل: في موضع المصدر أي سلهم هذا السؤال وقيل: بيان للمقصود أي سلهم جواب هذا السؤال وقيل: في موضع الحال أي سلهم قلآ كما آتيناهم وأمّا كلمة كم فمفعول ثان لآتيناهم وليس من الاشتغال كما قال أبو البقاء رحمه الله، ومن آية تمييز على زيادة من وقالوا إذا فصل بين كم ومميزها حسن أن يؤتى بمن الزائدة وإلا فلا وهذا معنى قول المصنف رحمه الله للفصل ويحتمل أنه يريد أنه زيد للفصل بين المفعول والتمييز إذا وقع بعد الفعل المتعذي سواء كانت كم استفهامية أو خبرية وأنكر الرضي زيادة من في مميز الاستفهامية وقال: إنه لم يوجد في كتب العربية ولا في الاستعمال وحمل بعضهم كلام الرضي على ما إذا لم يكن بينهما فاصل وكلام الزمخشريّ وغيره على ما إذا وقع بينهما فاصل وكلام النحاة مخالف له، قال السمين: في إعرابه يجوز دخول من على مميز كم استفهامية كانت أو خبرية مطلقا أي سواء وليها مميزها أو فصل بينهما بجملة أو ظرف أو جار ومجرور على ما قرّره النحاة اهـ. وكذا في البحر فما جمع به غير صحيح وكان الظاهر كم آتاهم لكنه روعي حال المتكلم وهو جائز كما مرّ. قوله: (أي آيات الله فإنها الخ) التبديل التغيير وذلك يكون في الذات نحو بدلت الدراهم دنانير وفي الأوصاف نحو بدلت الحلقة خاتما، والوجه الأوّل ناظر إلى تفسير الآية قبله بالمعجزة والثاني: إلى تفسيرها بالكتب وهذا ناظر إلى معنى التبديل، فالأوّل تبديل ما هو حقه، والثاني تبديل أنفسها بالتحريف والتأويل والنعمة حينئذ من وضع المظهر موضع المضمر ليدل على أنها نعمة إلهية جليلة. قوله:) من بعد ما وصلت إليه الخ الما ذكر أنّ نعمة الله هي الآيات وقد وصفت بالإيتاء فذكر المجيء بعده مع أنّ التبديل لا يتصوّر بدون المجيء وكونه نعمة يقتضي الوصول إليه مستدرك جعل المجيء مجازاً عن معرفتها أو التمكن منها لأنّ ما لم يعلم كالغائب والمراد بالمعرفة معرفة أنها آية ونعمة لا معرفة ذاتها حتى

يرد أنّ تبديل الشيء لا يكون إلا بعد معرفته فالاستدراك بحاله. قوله: (فيعاقبه الخ) إشارة إلى أنّ قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أقيم مقام الجواب فإنه لا يترتب على الشرط ولا يتسبب عنه بحسب الظاهر وقيل: إنه من جهة انّ التبديل سبب للإخبار بأنه شديد العقاب كقوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [سورة النحل، الآية: 53] . قوله: (حسنت في أعينهم وأشربت محبتها الخ) في الكشاف المزين هو الشيطان زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها، ويجوز أن يكون الله قد زينها لهم بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها أو جعل إمهال المزين تزيينا فجعل المزين هو الشيطان ليكون المسند والإسناد حقيقة أو المزين هو الله تعالى بمعنى أنّ خذلانه إياهم صار سببا لاستحسانهم الحياة الدنيا وتزيينها في أعينهم فيكون الإسناد مجازا كما في أقدمني بلدك حق أو بأن يكون التزيين عبارة عن إمهال المزين الحقيقي الذي هو الشيطان فيكون المسند مجاراً هنا معنى كلامه فالمزين الحقيقي عنده الشيطان والله مزين مجازاً والمصنف رحمه الله عكس ذلك ورده بعض المحققين المتأخرين فقال: التزيين هو التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل ولهذا جاء في بعض أوصاف الدنيا وأوصاف الآخرة والمزين في الحقيقة هو الشيطان فإنه حسن الدنيا في أعينهم وحببها إليهم، وقراءة زبن معلوما على الإسناد دلّه والقاضي أخطأ في المدعي وما أصاب في الدليل، أمّا الأوّل فلأن التزيين صفة تقوم بالشيطان والفاعل الحقيقي لصفة ما تقوم به تلك الصفة وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلالة وأمّا الثاني فلأنّ مبناه عدم لفرق بين الفاعل النحوي الذي كلا منافيه والفاعل الكلامي الذي بمعزل عن هذا المقام وهذا كله من عدم التأمل لأن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه في مواضع كقوله: {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [سورة النحل، الآية: 4] وفي مواضع إلى الشيطان كقوله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [سورة الأنفال، الآية: 48] وفي مواضحع ذكره غير مسمى فاعله كما هنا فالتزيين إن كان بمعنى إيجادها وابداعها ذات زينة كما في قوله تعالى: {زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [سورة الصافات، الآية: 6] فلا شك أنّ فاعله هو الله عند النحويين والمتكلمين وان كان بمعنى التحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كقوله تعالى: {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ} [سورة الحجر، الآية: 39] فلا شك أنّ فاعله عندهما الشيطان وظاهر كلام الراغب أنه حقيقة في هذين المعنيين فحيث فسره الزمخشرقي بالمعنى الثاني تعين أن يكون مجازاً إذا أسند إليه تعالى وحقيقة إذا أسند إلى الشيطان، وحيث فسره المصحنف رحمه الله بإيجادها حسنة وجعلها محبوبة في قلوبهم لزم العكس وليس هذا مبنياً على الاعتزال كما زعمه صاحب الانتصاف ولا من عدم الفرق بين الفاعل الحقيقي عند أهل العربية وعند المتكلمين فإنّ الفرق بينهما مشهور وتفصيله في حواشي العضد للأبهري لكن يبقى النظر في عدول المصنف رحمه الله عن المعنى الذي فسره به الزمخشرفي فإن كان بناء على ما توهمه صاحب الانتصاف، وهو المتبادر من كلامه فغير وارد وان كان لمعنى آخر فلينظر وسيأتي لهذا مزيد تفصيل في سورة الأنعام، وقوله: وأعرضوا عن غيرها هو معنى قول الزمخشرفي لا يريدون غيرها حيث زين لهم بحيث اقتصرت همتهم ووفر حظهم منها فهم يسخرون ممن ليس كذلك أما من جهة عدم الحظ منها أو من جهة اهتمامهم بغيرهما كالمؤمنين ويسخرون إمّا حالية بتقدير وهم يسخرون أو معطوفة على زين وعدل إلى المضارع لقصد الاستمرار، وقوله: يسترذلونهم أي يعدونهم أراذل وعطف الاستهزاء عليه والواو وفي نسخة باً وإشارة إلى أنهما معنيان والثاني وان كان حقيقياً لكنه قذم الأوّل لعمومه، والفوقية إقا مكانية وأشار إليها بقوله: {لَفِي عِلِّيِّينَ} أسورة المطففين، الآية: 18] الخ أو معنوية بمعنى كرامتهم أو التسليط عليهم بالسخرية جزاء لما فعلوه في الدنيا ووضع المظهر موضع المضمر لمدحهم بصفة التقوى مع الإيمان أو ليفيد أنها علة الاستعلاء والاستدراج بالنظر إلى غير المؤمنين والابتلاء بالنسبة إلى المؤمنين وقوله: بغير تقدير أي تضييق وهو بمعنى التقتير وهو المتبادر منه، وقيل: المراد أنه لا يحاسبهم عليه لأنهم يكسبونه حلا وينفقونه طيباً كما قيل: من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب يوم القيامة. قوله: (متفقين على الحق الخ) قدم هذا الوجه لرجحانه لكن فيه أنّ الاختلاف كان في زمن آديم عليه

الصلاة والسلام كما في قصة قابيل وهابيل وأنّ بعث الرسل وإنزال الكتب قبل إدرش! لأن شيثاً عليه الصلاة والسلام كان نبياً وله صحف وكذا يرد على قوله: أو نوج عليه الصلاة والسلام، فإن قلت قوله: {فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ} يقتضي أنهم لم يبعثوا قبل ذلك وليس كذلك، قلت: ليس المرتب مطلق البعثة ولا مطلق الاختلاف بل البعثة للحكم في الاختلاف ولعل المراد بالاختلاف اختلاف الملل والأديان والمخالفون قبل ذلك لم يدعوا دينا فتأمل، وضعف الوجه الثاني بوجوه منها أنه لم يعلم الاتفاق على الكفر حتى لا يكون مؤمن أصلا في عصر من الأعصار، وقوله: فاختلفوا الخ إشارة إلى أن الفاء فصيحة وما بعده قرينة عليه. قوله: (الذي علمته من عدد الآنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ) المتفق عليه خمسة وعشرون وهم آدم وادرش! ونوح وهود وصالح وإبراهيم واسمعيل وإسحق ويعقوب ويوسف ولوط وموسى وهرون وشعيب وزكريا ويحيى وعيسى وداود وسليمان والياس واليسع وذو الكفل وأيوب ويونس ومحمد عليهم الصلاة والسلام والمختلف فيه يوسف في غافر فقيل: إنه غير يوسف بن يعقوب عليه الصلاة والسلام وعزير ولقمان وتبع ومريم وببعضها تكمل العدة. قوله: (يريد به الجنس ولا يريد الخ (إنما حمله على الجنس ليعم وأما قوله: ولا يريد الخ فمعناه أنه مع المجموع كتب ولا يلزم أن يكون مع كل واحد منهم كتاب وأمّا حمله على أنّ مع كل واحد منهم كتاباً على أنّ تعريف الكتاب للعهد وتعويضها عن الإضافة والمعنى مع كل واحد من الذين لهم كتاب وعموم النبيين لا ينافي خصوص الضمير العائد إليهم بقرينة المقام كما في الكشاف فتكلف ولذا تركه المصنف رحمه الله، ثم الأظهر عود ضمير ليحكم إلى الكتاب نهايته أن الإسناد إليه مجاز إذ لا بد في عوده إلى الله من تكلف تأويله بمعنى يظهر حكمه، وقد استظهره أبو حيان وقال: إنه يؤيده قراءة لنحكم وكذا دعوه إلى النبيين الظاهر فيه ليحكموا إلا أن يقدر كل واحد منهم وقد حمل على التغليب وهو قريب، وقوله: في الحق الذي أختلفوا فيه لأن سبب اختلافهم ادعاء كل منهم أنه محق وعوده إلى ما التبس بقرينة الاختلاف. قوله:) وما اختلف فيه الخ) فيه دلالة على أنّ الاختلاف المحكوم فيه الاختلاف في الكتب وما تضمنتها من الشرائع لا مطلق الاختلاف وإلا فقوله ليحكم الخ يدل على أنّ الاختلاف سابق على البعثة وسبب لها وما بعده يدلّ على خلافه واليه أشار بقوله مزيحا لاستحكامه أي مزيلا واليه أشار في الكشف فما فعلوه تعكيس منهم. قوله: (من بعد ما جاءتهم البينات الخ (قال النحرير كان ينبغي أن يتعزض! لمتعلق من بعد ما جاءتهم البينات بغياً فإن الجمهور على امتناع تعدد الاستثناء المفرغ مثل ما ضربت إلا زيداً يوم الجمعة تأديبا وإذا تعلق بمضمر أي اختلفوا من بعد ما جاءتهم الخ لم يفهم الحصر مع أنه مقصود ولا يتعلق بما قبل إلا وهو اختلف لأن ما قيل إلا لا يعمل فيما بعدها وفي الدر المصون تجويز ما منعه حيث قال: هو إما متعلق بمحذوف تقديره اختلفوا أو ما اختلف قبله ولا يمنع منه إلا كما قاله أبو البقاء وللنحاة فيه كلام محصمله أنّ إلا لا يميشثنى بها شيئان دون عطف أو بدلية، وهذا هو الصحيح لكن منهم من خالف فيه وما استدل به المخالف مؤوّل وقد منع أبو الحسن ما أخذ أحد إلا زيد درهما وكذلك ما ضرب القوم أحداً إلا بعضهم بعضاً وكذا قال أبو علي وابن السراج وقد أجازه أبو البقاء هنا على أن الكل محصور، والمعنى وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه إلا من بعد ما جاءتهم البينات إلا بغياً، وقيل: إن ما ذكره من عدم إفادة الحصر ممنوع أيضا إذ هو مقصود فيقدر المتعلق مؤخراً عنه ليفيد ذلك على أنه قد يقال: إنه غير مقصود وتفسير البغي بالحسد ظاهر كما مر وكذا بالظلم، وقوله من اختلف فاعل اختلف إشارة إلى أنّ الضمير ليس راجعاً إلى الذين آمنوا والأذن إذا أضيف إلى الله فالمراد به إمّا الأمر أو الإرادة كما مر وتفسير المستقيم بما ذكر لأنه من شأنه والهداية دالة عليه هنا وأم حسبتم بالخطاب التفات وكون أم منقطعة أحد الوجوه وجوّز اتصالها بتقدير معادل وكونها منقطعة بمعنى بل دون تقدير استفهام وكون الاستفهام للإنكار بمعنى لم حسبتم وفي الكشاف إنها للتقرير والإنكار ولا مانع من الجمع بينهما وكون ما النافية مركبة أحد قولين فيها وهي نظيرة قد في أنّ

الفعل المذكور بعدها متوقع أي منتظر الوقوع والمنتظر في لما أيضاً هو الفعل لا نفيه، وقوله: مثل في الشدة لما مر من أنّ لفظ المثل مستعار للحال والقصة العجيبة الشأن، وقوله: مستهم جواب سؤال تقديره ما حالهم وجوّز أبو البقاء كونها حالية بتقدير قد. قوله: (لتناهي الشدة الخ) حبال الصبر إمّا مكنية أو من قبيل لجين الماء واعلم أنّ حتى إذا وقع بعدها فعل فإفا أن يكون حالاً أو مستقبلا أو ماضيا فإن كان حالاً رفع نحو مرض حتى لا يرجونه أي في الحال وان كان مستقبلا نصب نحو سرت حتى أدخل البلد وأنت لم تدخلها وان كان ماضيا فتحكيه ثم حكايتك إقا أن تكون بحسب كونه حالاً بأن يقدر أنه حال فترفعه على حكاية هذه الحال وامّا أن تكون بحسب كونه مستقبلا فتنصبه على حكاية الحال المستقبلة فيقال في الرفع والنصب أنه على حكاية الحالة بمعنيين مختلفين فاعرفه فإنه وقع التعبيرية في القراءتين فلا يلتبس عليك معناه. قوله:) استئناف على إرادة القول الخ (قدره بقوله فقيل لهم والفاء فيه استئنافية كما قرّره النحاة ونص عليه في المغني وان زعم هو أنها في مثله عاطفة فما قيل: إنّ الفاء لا تكون استئنافية فالصواب قيل بدونها غير ظاهر وأتا ما وقع في الكشاف فإنه لم يقل إنه استئناف فلذا ذكره بالفاء، وفي الدر المصون الظاهر أن جملة متى نصر الله من قول المؤمنين والا إن نصر الله من قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على اللف والنشر، وهذا من قول من زعم أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا وقيل: هو كله من قول الرسول والمؤمنين معا وهو على سبيل الدعاء واستعجال النصر والقول الأوّل مقولهم والثاني مقول الله، وقال النحرير: فإن قلت هلا جعلوا ألا إنّ نصر الله قريب مقول الرسول لمجي! ومتى نصر الله مقول من معه. قلت: إما لفظا فلأنه لا يحسن تعاطف القائلين دون القولين وأمّا معنى فلأنه لا يحسن ذكر قول الرسولءشي! في الغاية التي قصد بها بيان تناهي الأمر في الشذة.) وفيه بحث الأن ترك العطف لدفع توهم أنه مقول الجميع وأما كونه لا يحسن غاية فليس بوارد لأنه غاية باعتبار أنه وقع جوابا لما قالوه وقت الشذة ولذا لم يلتفت في الكشف إلى هذا وقال إنه وجد حين وهو كما قال وطلبة كتركة بمعنى المطلوب ووجه الإشارة ظاهر. قوله: (حفت الجنة بالم! ظ ره الخ (رواه في الصحيحين وروى حجبت والمراد بالمكاره الاجتهاد في العبادات والصبر على مشاقها وكظم الغيظ والعفو والحلم والإحسان إلى المسيء والصبر عن المعاصي وأما الشهوات التي حفت بها النار فالشهوات المحرمة كالخمر والزنا والغيبة والملاهي وأما المباحة فهي مما يكره الإكثار منه مخافة أن تجرّ إلى المحرّمات أو تقسي القلب أو تشغل عن الطاعات وهذا الحديث عدوه من جوامع الكلم ومعناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكروهات والنار إلا بالشهوات وهما محجوبتان بهما فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره وهتك حجاب النار بالمشتهيات والمكاره جمع مكروهة بمعنى ما يؤدي إلى ما يكره كمحبوبة أو جمع مكروه. قوله:) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) أخرجه ابن المنذر عن مقاتل والهم بكسر الهاء وتشديد الميم الشيخ الفاني وعلى هذا فهم سألوا عن المنفق والمصرف فيكون في السؤال المذكور في الآية طيّ تعويلا على الجواب والظاهر على هذا أن لا يكون من الأسلوب الحكيم وبه يشعر كلام الراغب حيث قال في مطابقة الجواب السؤال وجهان أحدهما أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ننفق وعلى من ننفق لكن حذف في حكاية السؤال أحدهما إيجازاً ودل عليه الجواب كأنه قيل: المنفق هو الخير والمنفق عليهم هؤلاء فلف أحدهما في الآخر وهذا طريق معروف في البلاغة، والثاني أنّ السؤال ضربان سؤال جدل وحقه أن يطابقه وسؤال تعلم وحق المعلم فيه أن يكون كطبيب رفيق يتحرى ما فيه الشفاء طلبه أو لم يطلبه فلما كان حاجتهم إلى من ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ينفق بين الأمرين كمن به صفراء فاستأذن طبيبا في أكل العسل فقال كله مع الخل، وقول السكاكيئ إنهم سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف ونزل سؤال السائل منزلة سؤال غيره لتوخي التنبيه بألطف وجه على تعديه عن موضعسؤال هو أليق بحاله

وأهم بناء على أنه ليس فيها ذكر المنفق أصلاً ولا وجه لأنّ قوله ما أنفقتم من خير ذكر له لكنه لما كان لا حد له أجمل أي كل حلال أنفقتموه قليلاً أو كثيرا خير وأما الزمخشرقي فإنه جعل السياق لبيان المصرف والمنفق مدمج فيه وهو الخير، وتقديره ما يعتديه من إنفاق الخير مكانه ومصرفه الأقربون قال الطيبي ولا يخرج عنده عن الأسلوب الحكيم والفرق بينه وبين: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ} أسورة البقرة، الآية: 189] أنّ معرفة تزايد الأهلة وتناقصها لما لم تكن من الأمور المعتبرة في الدين لم يلتفت إليها رأسا كما لو سأل السوداوي الطبيب أن يأكل جبناً فقال: عليك بمائه بخلاف المنفق فهذا الضرب على تسمين والمراد بالحكيم في الأسلوب الحكيم الطبيب، ويصح أن يراد صاحب الحكمة، وجعل الأسلوب حكيما مجاز وضده الأسلوب الأحمق وفي كلام المصنف رحمه الله شيء لأنّ أوله يقتضي أن ما ينفق لم يذكر أصلا ككلام السكاكي وآخره يقتضي أنه ذكر لكن بطريق الإجمال والإدماج وإذا طبق المفصل أصاب المحز وحمله بعضهم على أنهما جوابان لكن الظاهر أو. قوله:) في معنى الشرط الخ) هي شرطية لجزم الفعل بها ولكن أصل الشرط أن يؤذي بأن وغيرها من الحروف وأسماء الشرط متضمنة معناها فلذا قال في معناها وأشار إليه بقوله: إن تفعلوا الخ وقوله: يعلم كنهه مأخوذ من صيغة المبالغة في الجملة الاسمية المؤكدة وقوله: وليس في الآية الخ ردّ على من قال إنها منسوخة بآية الزكاة بأنّ هذه الآية واردة في صدقة التطوّع أو عامة وعلى كل حال فلا تنافي آية الزكاة. قوله: (شاق عليكم مكروه طبعاً الخ) قيل: الكره والكره بمعنى واحد وهو الكراهة لا الإكراه كالضعف والضعف وقيل: المفتوح المشقة التي تنال الإنسان من خارج والمضموم ما يناله من ذاته، وقيل: المفتوح بمعنى الإكراه والمضموم بمعنى الكراهة وعلى كل حال فإن كان مصدرا يؤوّل أو يحمل على المبالغة أو هو صفة كخبز بمعنى مخبوز وكونه مكروها طبعا لا يلزم منه كراهة حكم الله تعالى ومحبة خلافه وهو ينافي كمال التصديق لأنّ معناه كراهة نفس ذلك الفعل ومشقته كوجع الضرب في الحد مع كمال الرضا بالحكم والإذعان ولذا يثاب عليه وإذا كان بمعنى الإكراه وحمل على المكره عليه فهو على التشبيه البليغ كما أشار إليه بقوله: كأنهم الخ وقوله: على المجاز بناء على أنّ التشبيه البليغ مجاز كما ذهب إليه كثير من أهل المعاني وقوله: كقوله الخ تنظير لجميع ما مرّ لأنه قرث بالفتح والضم ويجري فيها ما يجري هنا وجوّز أن يكون تنظيرا للثاني لظهور المشقة فيه الحمل والوضع ثم إنه قيل: إنّ الظاهر أنّ قوله وهو كره لكم جملة حالية مؤكدة إذ القتال لا ينفك عن الكره، ويرد عليه أنها لا يجوز اقترانها بالواو فينبغي أن تجعل منتقلة لأنه قد يكون مكروها عند كثرة العدوّ وقد لا يكون وهذا الذي ذكره صرّح ابن مالك لكن قال ابن هشام إن فيه نظرا، ووجهه كما مرّ أن واو الحال بحسب الأصل عاطفة والمؤكد بها يعطف على ألمؤكد لكنهم نصوا على خلافه في قوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [سورة البقرة، الآية: 30] فقالوا: إنها حال مقررة للسؤال فيحمل على أنّ الأصل ذلك وقد يترك لتنزيله منزلة المغاير. قوله:) وإنما ذكر عسى الخ (يعني أنه نزل منزلة غير الواقع لأنه في معرض! الزوال فلا حاجة إلى أن يقال: إن عسى من الله تحقيق وكون أفعاله تعالى تتضمن مصالح وحكمأ مرّ تحقيقه. قوله: (روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث الخ (قلت هذه القصة مذكورة في السير لكن فيما ذكره المصنف رحمه الله بعض مخالفة لنقلهم فإنه قال في جمادى الآخرة والذي في سيرة ابن سيد الناس أنه في رجب وأنه لم يرسلهم لقتال وإنما بعثهم ليعلم أمر قريش وأنهم لقوا هؤلاء في آخر يوم من رجب وقالوا لئن تركناهم لقد دخلوا الحرم وان قاتلنا حينئذ قاتلنا في الأشهر الحرم ثم عزموا على الفتك بهم ففعلوا ما فعلوا قال ابن إسحق فلما قدموا على رسول الله ع! ي! قال: " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً فلما نزلت الآية قبض ذلك ويقال وقفه حتى رجع من بدر فقسمه مع غنائمها والحضرمي بحاء مهملة منسوب إلى حضرموت وقوله: استاقوا بمعنى ساقوا، وشهراً بدل من الشهر الحرام، ويبذعر بمعنى يتفرق، وقال السهيلي: إنه منحوت

من بذر ودعر وقوله: وردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معناه ردّها على أصحابه بل تركها موقوفة ولم يقبلها والعير بكسر العين المهملة وسكون الياء القافلة من الإبل، والسائلون أصحاب السرية وكونهم المشركين ضعيف لا يناسب الرواية ولا الدراية، والسرية طائفة دون الجيش والأسارى من إطلاق الجمع على ما فوق الواحد ورواية ابن عباس رضي الله عنهما لا تخالف ما قبلها كما قيل: لأنه ردها أوّل مجيئها ثم فبلها وخمسها بعد ذلك وهو المروفي، وقوله: ما نبرح أي ما نبرج مكاننا أو ما نبرح في ندم وأمر البدلية ظاهر، وقوله: بتكرير العامل يعني وهو بدل أيضا كرر عامله أو الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور. قوله: (أي ذنب كبير الخ الا شبهة في أن الأشهر الحرم حرم القتال فيها من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى أوائل الإسلام وكانت العرب في الجاهلية تدين به وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرّم حرّ! ت للحج لأنهم يأتونه من الأماكن البعيدة فجعل شهرا للمجيء وشهرا للذهاب وشهراً لأداء المناسك ورجب لأنهم يعتمرون فيه فياً تي للعمرة من حول الحرم فجعل له شهراً فهي أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد، وإنما الخلاف هل نسخ حرمتها بعد ذلك أولاً فقيل: لم تنسخ وأنه لا يقاتل فيها إلا من قاتله عدوه فيقاتله للدفع وهكذا كان يفعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وذهب قوم من الصحابة والفقهاء إلى أن حرمتها نسخت بآية القتال المذكورة وأما كونها جزاء لقوله فإذا انسلخ الأشهر فالمراد بها أشهر معينة فلا يدلّ على عدم حرمته في غيرها من الحرم وأما كون الآية إنما تدل على عموم الأمكنة لا عموم الأزمنة فيفيد النسخ في الحرم دون الشهر الحرام فقيل: إن الإيجاب المطلق يرفع التحريم المقيد كالعامّ للخاص ولو سلم فالإجماع على أن حرمتي المكان والزمان لا يفترقان فيجعل عموم الأمكنة قرينة عموم الأزمنة وترتفع حرمة الأشهر وهذا بناء على نسخ الخاص بالعامّ والمقيد بالمطلق عند الحنفية والشافعيّ لا يقول به كما بين في الأصول، وأمّا ما ذكره من الإجماع فمحل نظر وقوله: والأولى الخ لأنها نكرة في سياق الإثبات فلا تعمّ وأجيب عنه بأنه عام بعموم الوصف أو قرينة المقام ولذا صح إبداله من المعرفة أو وقوعه مبتدأ خبره كبير على وجهي إعرابه ولو سلم فقتال المشركين مراد قطعا لأنّ قتال المسلمين لا يحل مطلقاً وأيضاً لا يخفى أنّ سبب النزول يقتضي حرمتة وأنه إنما اغتفر للخطا فيه وأما أنّ قتال المسلمين لا يحل مطلقا ففيه إنه يحل قتال أهل البغي. قوله: (الإسلام أو ما يوصل العبد الخ) كون الإسلام والطاعات طريقاً توصل إلى الله مجازأ ظاهر وتقدير المضاف أي صد المسجد لثلا يلزم ما بعده من المحذور وأبو داود بهمزة أو واو بوزن سعاد هاهمال الدالين شاعر من إياد مشهور اسمه جارية، واستشهد ببيته على حذف المضاف وابقاء المضاف إليه على جره لأنّ الغالب أنه إذا حذف يقوم المضاف إليه مقامه والشاهد في قوله ونار على رواية الجرّ فيه فإنّ تقديره وكل نار وناراً منصوب بتحسبين مقدرا ولولا ذلك دزم العطف على معمولي عاملين مختلفين ولو لم يقدر المضاف لكانت الآية من هذا القبيل وعلى رواية نار الأولى منصوبا لا شاهد فيه وتوقد أصله تتوقد يخاطب امرأة لأمته على عدم كونه مثل قوم ذكرتهم له، يقول لها لا تظني أن كل رجل رأيته رجلاً ولا كل نار توقد ناراً أوقدت للقرى ولا تمدحي حتى تجربيه. قوله: (ولا يحسن عطفه على سبيل الله) أي صد عن سبيل الله وعن المسجد وهو مردود لأنه يؤذي إلى الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبيّ إذ تقديره أن صدوا لأن المصدر مقدر بأن والفعل وأن موصول حرفيّ وما بعده صلته فإذا عطف على سبيل الله كان من تتمة الصلة وكفر معطوف على المصدر نفسه فهو أجنبيّ عن الصلة إذ لا تعلق له بها، وقوله: إذ لا يقدم العطف على الموصول فيه تسمح أي العطف على صلة الموصول وما في حيزه لأنّ الموصول والصلة كشيء واحد خصوصا بعد التأويل وأما الامتناع من العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار فلضعفه لفظا ومعنى، أما معنى فلأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام إلا بتكلف وأما لفظا فلما في العطف على الضمير المجرور المتصل بدون إعادة الجار من الضعف، وفيه اختلاف فقيل: لا يجوز إلا في الضرورة واختار ابن مالك تبعا للكوفيين جوازه في السعة وقيل: إن أكد نحو مررت

بك نفسك وزيد جاز والا فلا وهذا رد على الزمخشرفي إذ خرجه على العطف على سبيل الله وصححه بأنّ الكفر متحد مع الصد لأنه تفسير له فالفصل به كلا فصل وأنه على التقديم والتأخير إذ لا يخفى ضعفه وقوله: وأفعل الخ توجيه لكونه خبرا عن الأربعة وهو مفرد وهو مقرّر في العربية. قوله: (ما ترتكبونه الخ) هو الأمور الأربعة وهو تفسير للفتنة والمراد بالشرك الكفر والصد عن الإسلام كفر وكذا المنع للمسلمين عن دخول الحرم للعبادة فإنه داخل في الكفر أو مستلزم له فلا يرد عليه أنّ التخصيص بهذين لا وجه له ولا يحتاج إلى التوجيه بأنه ذكرهما على سبيل التمثيل. قوله:) إخبار عن دوام عداوة الكفار الخ (دفع لما يتوهم من أن ردهم المغيي به إذا لم يكن واقعأ فكيف جعل غاية فأشار إلى أنه عبارة عن الدوام كقوله: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [سورة الأعراف، الآية: 40] والتعليل لا يقتضي التحقيق وقوله: وحتى للتعليل جواب آخر بأنّ فعلهم لذلك إن استطاعوا، والتعبير بأن لاستبعاد استطاعتهم لا للشك وان تستعمل لذلك كما مثل له يعني استعمل أن مع الجزم بعدم الوقوع إشارة إلى أنّ ذلك لا يكون إلا على سبيل الفرض كما يفرض! المحال وهو معنى لاستبعاد وتبق مجزوم مضارع الإبقاء وهو عدم الإهلاك. قوله: (قيد الردة الخ (قال النحرير: احتجاج الشافعيّ بناء على أنها! أحبطت الأعمال مطلقا لما كان للتقييد بقوله: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [سورة البقرة، الآية: 217] . فائدة: لا بناء على أنه جعل شرطاً في الإحباط وعند انتفاء الشرط ينتفي المشروط لأن الشرط النحوي والتعليقي ليس بهذا المعنى بل غايته السببية والملزومية وانتفاء السبب أو الملزوم لا يوجب انتفاء المسبب أو اللازم لجواز تعدد الأسباب، ولو كان شرطا بهذا المعنى لم يتصموّر اختلاف في القول بمفهوم الشرط واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [سورة المائدة، الآية: هـ، وأجيب بأنه يحمل على المقيد عملاً بالدليلين، ورد بأنّ ذلك يكون إذا كان القيد في الحكم واتحدت الحادثة وأما في السبب فلا لجواز أن يكون المطلق سببا كالمقيد وتمام هذا في الأصول قيل: ثمرة الخلاف تظهر فيمن صلى ثم ارتد ثم أسلم فيلزمه قضاء تلك الصلاة عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا للشافعيئ رحمه الله وفيه نظر انتهى. قوله: (لبطلان ما تخيلوه (فإن قلت الظاهر أن يقول لبطلان عملهم وفواته بالإسلام قلت: لما كان سقوط الأعمال والعبادات بمعنى عدم الاعتداد بها والثواب عليها لاح أنّ قوله في الآخرة كاف إشارة إلى أنهم كانوا يتوهمون أنّ أعمالهم تلك تنفعهم في الدنيا فزال ما توهموه فتأمّل، وقوله: نزلت الخ رواه أصحاب السير والطبرانيّ. وقوله: إشعاراً الخ وجهه ظاهر لأنّ المقطوع به لا يرتجي وجعل الرجاء أيضاً عبارة عن الجد في الطلب في العبادة كما قيل: من رجا طلب ومن خاف هرب، والظاهر أن يفسر بأنهم يرجون الثواب على تلك الغزاة الواقعة في الشهر الحرام لما عفا الله عن غائلتها كما روى ابن سيد الناس: أنه لما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن يكون غزوة ونعطي فيها أجر المجاهدين فأنزل الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ} الآية. قوله: (والعبرة بالخواتيم (أي المعتبر المعتد به ذلك، والخواتيم بالياء جمع خاتمة ووقع في الحديث، كذلك وكان قياسه الخواتم لكنه سمع فيه على خلاف القياس كما قالوا في الصيارف وبعض النحاة جعله مقيسا في جمع فاعل وتفصيله في كتاب الضرائر لابن عصفور، وقوله: لما فعلوا خطأ قيده به لما مرّ في سبب النزول. قوله:) روي أئه الخ) المذهبة بفتح الميم بوزن اسم المكان ما يذهب به العقل كثيراً والتاء فيه للمبالغة وهذه الصيغة تستعمل للدلالة على الكثرة كما يقال: مأسدة للمحل الكثير الأسود ثم استعيرت لما هو سبب للكثرة كما يقال الولد مجبنة ومبخلة أي يستدعي ذلك وهو المراد هنا وقوله: فقرأ الخ أي في سورة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وقوله: فشربها الخ لأنهم فهموا من قوله فيهما إثم أنهما يؤدّيان إلى الإثم لا أنهما في أنفسهما أثم فشربها بعضهم اعتمادا على أنه يضبط نفسه عما يؤدّي إليه وتركها آخرون اجتنابا عما يؤدّي إليه واللحى العظم النازل من الرأس إلى الفم، قيل: والحكمة في نزول هذه الآيات بالتدريج في تحريمها أنهم ألفوها فلو حرّمت عليهم ابتداء لربما شق عليهم ذلك. قوله:) والخمر في الآصل مصدر خمره إذا ستره) يعني أنّ أصل معنى

الخمر الستر فكل مائع يستر العقل خمر حرام قليله وكثيره طبخ أو لم يطبخ، وهذا مذهب الشافعيّ وكذا السكر بفتحتين من السكر وأصل معناه سد للماء كالجسر وهو يحجب الماء أيضا فهو في معنى الخمر وما نقله عن أبي حنيفة صحيح إلا أنه لا يخصه بما ذكر بل العنب مثله فلا ينبغي التخصيص وحل شربه مخصوص بأن لا يصل إلى حد السكر ولا يشرب بقصد اللهو والطرب، وكيفيته والكلام فيه مفروغ عنه في الفروع وقال بعض أهل اللغة لا يسمى خمراً الإماء العنب النيء إذا غلى بنفسه. قوله:) والميسر الخ) أيضا أي كما أنّ الخمر بحسب الأصل مصدر وفعله أيسر من اليسار لأنه يأخذ ما يأخذه بيسر أي سهولة أو الهمزة فيه للسلب لأنه يسلب اليسار وتفسيره هنا بالقمار مروقي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء ومجاهد وغيرهم وهو بيان المراد من الآية حتى أدخلوا فيه لعب الصبيان بالكعاب والجوز والنرد والشطرنج والقرعة في غير القسمة كما ذكره الجصاص وجميع أنواع المخاطرة والرهان وأما حقيقته فسهام تجعل في خريطة معلمة بعلامات لبعضها نصيب ولبعضها أكثر وليس لبعضها شيء وكل ذلك من لحم جزور ينحرونها وله تفصيل في شروح الكشاف. قوله: (إثم كبير من حيث إنه يؤدي الخ) الانتكاب عن المأمور بعني به اجتنابه ومخالفته وأصل معنى التنكب التنحي يقال: تنكب لا يقطرك الزحام وهو ينون وكاف بعدها باء موحدة يعني أن الإثم ليس في ذاتهما بل فيما يؤديان إليه ولذا شربوها بعد نزول هذه الآية كما مرّ وهذا بناء على ما ارتضاه من أن هذه الآية لا تدل على تحريمها، وقرئ كثير بالمثلثة في السبعة وبين منافعها من كسب المال في الميسر ولصاحب الكرم ومصادقة الفتيان لأنها تورث محبة وعشرة. قوله: (ولهذا قيل الخ) يعني بعضهم ذهب إلى أنّ هذه الآية دلت على الحرمة وقوله: لما مرّ يعني من شربهم بعد نزولها وسؤالهم عن شأن شاق وأنّ المحرّم آية أخرى وما ذكر مبنيّ على التحسين والتقبيح العقليين ونحن لا نقول به وفيه نظر. قوله: (قيل سائله الخ) إنما ضعفه لأن الوارد في الحديث أنه معاذ بن جبل وثعلبة ابن غنم وقال ابن عباس رضي الله عنهما نفر من الصحابة، وقوله: عن المنفق والمصرف بناء على ما مرّ في سبب النزول وقد مرّ ما فيه وكون هذا سؤالاً عن كيفية الإنفاق قصد به دفع التكرار مع ما مرّ من سؤاله لكن هذه العبارة للسؤال عن المنفق كالسابقة ولا دلالة لها على الكيفية. قوله: (العفو نقيض الجهد لخ) يعني أنّ العفو بمعنى السهل الذي لا مشقة فيه ونقيضه الجهد بالفتح وهو المشقة ولذا يقال: للأرض! الممهدة السهلة الوطء عفو والشعر الذي أنشد نسب لأبي الأسود الدؤلي يخاطب زوجته والصحيح أنه لأسماء بن خارجة الفزاري أحد حكماء العرب، وقد أخرجه البيهقيّ في شعب الإيمان بسند متصل عن أسماء أنه لما أراد أن يهدي ابنته إلى زوجها قال لها: يا بنية كوني لزوجك أمة يكن لك عبداً ولا تدني منه فيملك ولا تباعدي عنه فتثقلي عليه وكوني كما قلث لأمك: خذي العفومني تستديمي موذتي ولاتنطقي في سورتي حين أغضب فإني رأيت الحب في الصدر والقلى إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب ومراده بالعفو ما تقدم وسورة الغضب شدته وحدته والقلى البغض والصد ومعنى البيتين ظاهر. قوله:) وروي أن رجلاَ أتى النبئ صلى الله عليه وسلم الخ) أخرجه أبو داود والبزار وابن حبان والحاكم من حديثه. وقوله: في بعض المغانم يوافقه ما في رواية البزار في بعض المغازي وفي غيره في بعض المعادن والبيضة مقدار كالبيضة على التشبيه، وقوله: فحذفها بالحاء المهملة والذال المعجمة ومعناه رماها ومن توهم أن معناه الإسقاط لا الرمي لم يصب لأنه مذكور في كتب اللغة كالنهاية وقيل: إنه بخاء معجمة وهو الرمي بالأصابع أو بالسبابة والإبهام وقو! : يتكفف أي يسأل الناس بمد كفه، وقيل: يطلب الكفاف ولفظ ظهر مقحم للتأكيد وقد مرّ تحقيقه في ظهر الغيب والمراد بيجلس يقعد عن الكسب وهذا النهي كما يقتضيه الكلام لمن لا يصبر بعد بذل ماله أما لو صبر فمحمود وفي الحديث: " خير الصدق جهل المقل " وهذا يختلف باختلاف الناس. قوله: (أي مثل ما بين أن العفو أصلح من الجهد الخ) يعني أنّ كذلك صفة

مصدر محذوف أي تبيينا كذلك التبيين والمشار إليه تبيين حال الإنفاق لقربه أو جميع ما قبله وترك ما ذكره الزمخشرقي من أنه تبيين أمر الخمر لأنه خلاف الظاهر للفصل وان اعتذر عنه بأن ذلك يشار به إلى البعيد وغير ذلك مما في شروحه، وتوله: وإنما وحد العلامة الخ يعني حرف الخطاب فإنّ الكاف المتصلة بأسماء الإشارة قد يخاطب بها المخاطب بالكلام نحو فذلكن الذي لمتنني فيه والوجه ما ذكره المصنف رحمه الله وله وجه آخر، وهو أن يخاطب به كل من يتلقى الكلام كما في قوله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} [سورة البقرة، الآية: 52] وحينئذ يلزم الإفراد من غير تأويل كما في المطوّل وشروح التسهيل. قوله: (في الدلائل والأحكام) جعل متعلق التفكر مقدرا فيكون قوله في الدنيا والآخرة متعلقا بيبين وقد جوّز فيه الزمخشرفي أن يتعلق بتتفكرون أيضاً وهو الظاهر إذ هو يتعذى بفي ولاتصاله والمراد بالتبييت في الدنيا والآخرة تبيين أمر الدنيا والآخرة وحينئذ قدم التفكر للاهتمام به، وقوله: يضركم أكثر مما ينفعكم ناظر إلى قوله: وإثمهما أكبر من نفعهما. قوله: الما نزلت إنّ الذين يثلون الخ) أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال الزجاج كانوا يظلمون اليتامى فيتزوّجون منهم العشرة ويأكلون أموالهم فشدد عليهم في أمر اليتامى تشديداً خافوا معه التزويج باليتامى ومخالطتهم فأعلمهم الله تعالى أنّ الإصلاج لهم هو خير الأشياء وأنّ مخالطتهم في التزويج مع تحري الاصطلاح جائزة وقوله: فشق ذلك عليهم أي على اليتامى لعدم من يقوم بأمورهم، وقيل: على تاركي المخالطة لشفقتهم على اليتامى وخوف أن يلحق أولادهم مثلهم. قوله: (حث على المخالطة الخ) بين وجه الحث وقريب منه ما قيل: إنه إثبات للمخالطة بطريق برهانيّ لأنّ الأخ لا يجتنب أخاه وتفسيره بالمصاهرة يربطه بالآية المذكورة بعده أشد ارتباط وقوله: فيجازيه حيث ذكر علم الله في مثله فالمراد به المجازاة والا فهو معلوم، وقوله: لإفساد واصلاح لف ونشر. قوله: (اي ولو شاء الله أعناتكم الخ) أي لو شاء الله أن يوقعكم في العنت وهي مشقة يخشى معها الهلاك والعنت أن يشرع ترك المخالطة، فإن قلت مفعول المشيئة في الشرط إنما يحذف إذا لم يكن تعلقه به غريباً وتعلقه بالإعنات غريب، قلت أجيب بأنه كان في الأمم السابقة التكليفات الشاقة فلم يكن ذلك غريباً إذ ذاك وفيه تأفل. وفسر العزيز والحكيم بما ذكر لمناسبة المقام وما يشع له الطاقة أخص من الطاقة لأنّ معناه ما يطاق طاقة من غير تضييق ومشقة. قوله: (أي ولا تتزوّجوهن الخ) وقراءة الضم قال الطيبي: لا أعلم أحداً قرأ بها ونقل أبو حيان رحمه الله أنها قراءة الأعمش وهو ثقة، وقوله: والمشركات الخ والمراد بالمشركات إن كان الحربيات خاصة كما هو المتبادر فالآية ثابتة أي غير منسوخة لأنّ الحرمة باقية وإن كان أعئم لأن أهل الكتاب مشركون لما ذكره المصنف رحمه الله فقيل: الآية منسوخة بقوله تعالى في المائدة: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} [سورة المائدة، الآية: 5] حيث حصر الحل في الكتابيات، ولا يجوز أن تكون آية المائدة منسوخة لأنّ المائدة لم ينسخ منها شيء ومبني الكلام على أن قصر العام على البعض بدليل متراخ نسخ عند الحنفية وأمّا عند الشافعية فهو تخصيص لا نسخ كما قاله المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (روي أنه عليه الصلاة والسلام الخ) ردّ هذا بأنه إنما ورد في آية النور: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً} [سورة النور، الآية: 3] الآية أخرجه أبو داود والترمذيّ والنساتي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما والذي ذكره المصنف رحمه الله أورده الواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس رضي الله عنهما ومرثد براء مهمله وثاء مثلثة مكسورة والغنوي بالغين المعجمة نسبة لقبيلة، وعناق بفتح العين اسم امرأة، وقوله: استأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أشاوره. قوله: (ولامرأة مؤمنة) إشارة إلى أنّ الآية هنا ليست على ظاهرها لما ذكره وقيل: إنه على ظاهره وأنّ الأمّة في مقابل الحرّة وأنه نزل في أمة لابن رواحة رواه الواحديّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعليه فتفضل الأمة المؤمنة على المشركة مطلقا ولو حرّة فيعلم منه تفضيل الحرّة عليها بالطريق الأولى ثم إنّ التفضيل يقتضي أنّ في المشركة خيراً فإمّا أن يراد بالخير الدنيوي وهو مشترك بينهما بمعنى الانتفاع أو يكون على حد قوله: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرّاً فان أصحاب النار لا خير فيهم كما سياتي

تأويله وأنه على الفرض! والتأويل، والشمائل الأخلاق واحدها شمال. قوله: (والواو للحال الخ) هذه الجملة في موضع نصب وقالوا: إنها في مثله شرطية بمعنى إن لا امتناعية إذ المعنى ليس عليه وقد قدمنا أن هذه الواو عاطفة على جملة حالية مقدرة وأنه لا خلاف بين من قال إنها عاطفة ومن قال حالية والمراد به وأمثاله التعميم واستقصاء الأحوال لأنّ ما بعدها إنما يأتي وهو مناف لما قبلها لوجه ما والإعجاب مناف لخيرية غيرها وترجيحه عليها، وكون لو تأتي بمعنى إن مقرر في النحو والمعاني، وقوله: وهو على عمومه أي شامل لأهل الكتاب والتاء مضمومة هنا قطعا وقوله: عن مواصلتهم أي الاتصال مطلقاً ومعاملتهم معاملة أوليائهم وفيه إشارة إلى أنّ المراد بالعبد ماي يشمل الحرّ كما مرّ في الأمة. قوله:) إشارة إلى المذكورين الخ) إنما أدرج المذكورين إشارة إلى أنّ ذكرهم جعلهم بمنزلة المحسوس الذي يشار إليه وإلا فأولئك جمع لا يختص بمذكر ومؤنث أو هو إشارة إلى أن يدعون غلب فيه المذكر على المؤنث، وقوله: أي الكفر فهو مجاز بعلاقة السببية كما في الجنة والمغفرة، وتقدير أولياؤه لازم لقوله: بإذنه إذ لا معنى لقولنا الله يدعو بإذن الله ولمقابلته لأولئك الذين هم أولياء الشيطان ووجه التفخيم جعل دعوتهم دعوة الله لكنه قيل: إنه لا حاجة حينئذ إلى تأويل إذنه بالتيسير وليس كذلك لأنّ إذن الله لهم في دعوتهم معناه ذلك هنا، قال الزمخشرقي في حواشيه: هو مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب وذلك ما يمنحهم من اللطف والتوفيق ولو جعل بمعنى بأمره ورضاه لكان مجازاً أيضاً وهو ظاهر وكذا كونه بمعنى القضاء والإرادة وقيل: إن إبقاء يدعو على ظاهره أولى ويؤيده عطف يبين عليه والظاهر أن المبين هو الله فتأمّل. قوله: (لكي يتذكروا الخ (يعني أنه استعارة كما مرّ أو ا! الترجي بالنسبة إلى غيره من المخاطبين وقوله: من ميل الخير يعني من الميل للخير. قوله: (روي أنّ أهل الجاهلية الخ) روى مسلم والترمذقي والنسائي عن أنس رضي الله عنه أنّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت أي لم يساكنوها فساًل أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فنزلت فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: " افعلوا كل شيء إلا النكاح " وروي أنّ الذي سأل عنه ثابت بن الدحداج رضي الله عنه وروي من طرق أخر، والدحداح بفتح الدالين المهملتين وحاءين مهملتين صحابيئ معروف، وما قيل: إن قوله فاعتزلوا يؤيد فعلهم ولا يصلح ردا له إلا أن يتكلف له وما في الكشاف لا يحتاج إلى تكلف لأنه لم يذكره على أنه سبب النزول غفلة عن أنه ثابت بالأحاديث الصحيحة، وقوله: فاعتزلوا المغيا بالطهر كالصريح في ترك النكاح فقط فهو ظاهر في الردّ. قوله: (مصدر كالمجيء والمبيت (يعني أنه معفل بكسر العين مصدر ميمي وهو مخير في مثله بين الفتح والكسر وقد سمع حاضت حيضا ومحيضا ومحاضا، والمراد هنا المعنى المصدري وقيل: إنّ الفتح والكسر جائز في المصدر واسم الزمان والمكان وقيل: القياس الفتح لا غير. قوله: (ولعله سبحانه إنما ذكر يسألونك بغير واو ثلاناً الخ) في الكشاف فإن قلت ما بال يسألونك جاء بغير واو ثلاث مرّات ثئم مع الواو ثلاثا، قلت: كان سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرّقة فلم يؤت بحرف العطف لأنّ كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ أو سألوا عن الحوادث الآخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن الإنفاق والسؤال عن كذا وكذا، وهو مما أشكل قديماً حتى قال في الانتصاف: إنه وهم بلا شك لأنه يقتضي كما ترى أن يقترن السؤال الثاني والثالث بالواو خاصة دون الأوّل إذ الواو إنما تربط ما بعدها بما قبلها فاقترانها بالأول لا يربطه بالثاني وإنما يربطه بما قبله وعلى هذا تكون الأسئلة التي وقعت في وقت واحد أربعة لا ثلاثة خاصة وقد قال: إنّ الأسئلة التي وقعت في وقت واحد هي الثلاثة الأخيرة وذكر نكتة أخرى وستأتي وقال بعض علماء العصر ههنا مؤاخذة مشهورة على المصنف وهي أنّ وقوع الثلاثة الأخيرة في وقت لا يقتضي إيراد الواو ثلاثا إذ يحصل بإيراد الواو من الأخيرتين، فالصواب أن يقال: والأ؟ بعة كانت في وقت واحد وهي الثلاثة الأخيرة وثالث الأول وقيل: في دفعه قوله في وقت واحد بالإضافة لا بالصفة

كأنه أراد وقت واحد من الأول وهو وقت ثالثها، وأنت خبير بأنّ تركيب عديله توصيفي فجعله إضافياً خلاف الظاهر كما لا يخفى، والظاهر في توجيه كلامه هو أنه أراد والثلاثة الأخيرة في وقت واحد هو وقت ثالث الأول أعني وقت السؤال عن الخمر والميسر كما هو الواقع على ما ذكره المفسرون، فقوله في وقت واحد وإن كان عامّا بحسب المفهوم لكنه أراد به ذلك الفرد الخاص تعويلا على الواقع واعتمادا على ظهور المراد كما هو دأبه في أمثاله وإن كان صاحب الكشاف لم يعتمد عليه ونصب قرينة واضحة دالة على أنّ المراد بالوقت الواحد ما ذكرناه حيث قال كأنه قيل: يجمعون الخ كما لا يخفى، ومن البين أنه لا دلالة في كلامه على أنّ ذلك الوقت الواحد أي وقت الثلاثة الأخيرة مباين لكل واحد من أوقات الأول حتى لا يمكن حمله عليه، وقوله: ثم بها ثلاثاً للتراخي في الذكر دون الوقت على أنه يمكن أن يقال: إنّ في قوله فلذلك ذكرها أي ذكر الثلاثة الأخيرة بحرف الجمع إشارة إلى ما ذكره لأنّ ذكر أوّلها بحرف يفيد الجمع بينه وبين ما هو عطف عليه يقتضي وحدة وقتهما والا لكانا سؤالين مبتدأين كما لا يخفى (أقول) هذا الذي نحاه هذا القائل مأخوذ من قول العلامة في شرح الكشاف يعني: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} [سورة البقرة، الآية: 215] {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [سورة البقرة، الآية: 217] {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [سورة البقرة، الآية: 219] {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} [سورة البقرة، الآية: 220] ويسألونك عن المحيض فالثلاثة الأخيرة التي فيها الواو جمعت مع الأخير مما ليس فيه الواو وهو قوله: يسألونك عن الخمر والميسر فقد فرقت بين الثلاثة وجمعت بين الأربعة فلذلك قال يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر الخ ولم يرتضه الشارح النحرير، وأشار إلى أنّ السؤال عليه باق لم يندفع. ثم اعلم أنه لا غبار على كلام الكشاف لأنه سأل عن العطف ثلاث مرّات والعطف إذا ثلث بين الجمل اقتضى أربع جمل ضرورة وقد عدها أربعا فكيف يقال: إنه وهم وأما كلام المصنف رحمه الله فإنه صرح باتحاد الوقت في ثلاثة فورد السؤال عليه فلعله لم ير أنّ العاطف الأوّل عاطف على ثالث الثلاثة بل عطف مجموع الأسئلة المتحدة الوقت على الأسئلة المختلفة فيه عطف القصة على القصة، أو يقال: إنه لاحظ أن السؤال عن الإنفاق قد تقدم فلم بعده معها والأوّل أولى وما ذكره هؤلاء تكلف لا طائل تحته ولذا لم يلتفت إلى هذا السؤال المدقق في الكشف مع تشنيع صاحب الانتصاف فتأمل. ثم إنّ وجه العطف والترك ما في الانتصاف، وهو أن أوّل المعطوفات عين الأوّل في المجردة لكنه أولاً أجيب بالمصرف الأهم وان كان المسؤول عنه المنفق ثم أعيد ليذكر المسؤول عنه صريحا وهو العفو الفاضل عن حاجته فتعين عطفه ليرتبط بالأوّل، والسؤال عن اليتامى لما كان له مناسبة مع النفقة باعتبار أنهم إذا خالطوهم أنفقوا عليهم عطفه على ما قبله، ولما كانوا اعتزلوا عن مخالطة اليتامى ناسب ذكر اعتزال الحيض لأنه هو اللائق بالاعتزال فلذا عطفه لارتباطه بما قبله، وإذا نظرت إلى الأسئلة الأول وجدت بينها كمال المناسبة إذ المسؤول عنه النفقة والقتال والخمر فذكرت مرسلة متعاطفة وهذا من بدائع البيان، فإن قيل: الوجه الذي ذكره المصنف تبعا للكشاف ما وجهه إذ يكفي فيه اجتماع الجمل في الوقوع مع وجود الجامع سواء كانت في وقت واحد أولاً مع أنّ الواو العاطفة لا تفيد المعية وكون اتحاد الوقت يقتضي العطف وعدمه يقتضي تركه لم يقل به أحد من أهل المعاني، قيل: المراد أنه لما كان كل منها سؤالاً مبتدأ من غير تعلق بالآخر ولا مقارنة معه لم يقصد إلى جمعها بل أخبر عن كل على حدة بل يجوز أن يكون الإخبار عن هذا قبل وقوع الآخر بخلاف السؤالات الأخر حيث وقعت في وقت واحد عرفا كشهر كذا ويوم كذا مثلا فقصد إلى جمعها وهذا عندي لا يسمن ولا يغني من جوع فلا بد من تحقيقه على وجه آخر ولعله يتيسر لها وقوله: نفرة أي لأجل النفرة، وقوله: إشعاراً بأنه العلة أي علة المنع منه أنه مؤذ ملوّث ينفر عنه الطبع. قوله: (تكيد للحكم وبيان لغايته الخ (لأنّ غايته الاغتسال مطلقا في مذهب المصنف رحمه الله فلما أفاد بيان غاية لم تعلم مما قبله صح عطفه لأنه ليس لمجرد التأكيد، وما قيل: من أن التأكيد لا يعطف وإن الغاية معلومة مما قبله وهم وفسروا التطهير بالغسل لأنه معنى شريئ مناسب لصيغة

التطهر التي تفيد المبالغة ولأنه لو كان بمعنى انقطاع الحيض لتكرر مع ما قبله فما قيل: إنه لا قرينة عليه لاحتمال أنه غسل الفرج فقط كما ذهب إليه الأوزاعي رحمه الله ليس بشيء فدلالته عليه صريحاً واضحة فإن قلت إذا كان التطهر يدل على ذلك صريحا فلم جعل دلالة فإذا تطهرن التزاماً، قلت: لأنه لما اقتضى تأخر جواز الإتيان عن الغسل وهو مدلوله لزمه أن يمتنع قبله فيكون الغسل حي! سذ غاية وإنما قال جواز الإتيان مع أنه مأمور به لأنّ الأمر بعد المنع للإباحة كما تقرّر في الأصول. قوله: (وقال أبو حتيفة الخ الأنه رأى قراءة التخفيف تدل على توقف الحل على انقطاع الحيض والتشديد على الغسل وكلاهما متواتر يجب العمل به ولا يمكن ذلك في حالة واحدة فعمل بهما باعتبار حالتين فحمل قراءة التخفيف على ما إذا انقطع كثر مدة الحيض وقراءة التشديد على الانقطاع في أقل منها فلا تحل المباشرة إلا بالاغتسال أو ما هو في حكمه من مضي وقت صلاة والشافمي رحمه الله تعالى جمع بينهما بأن جعل إحداهما غاية كاملة والأخرى ناقصة وأدلة الفريقين في كتب الفقه، والمأتي بالفتح محل الإتيان وهو القبل، وقوله: والإتيان في غير المأتي يعني الدبر إشارة إلى أنّ الآية تدل على حرمة اللواطة بجامع الأذى. قوله: (مواضع حرث لكم الخ) يعني أنه بتقدير مضاف أو أطلق الحالّ على المحل وحمل المشبه به على المشبه كما في زيد أسد ثم أشار إلى أنّ هذا التشبيه متفرع على تشبيه النطف الملقاة في أرحامهن بالبذور إذ لولا اعتبار ذلك لم يكن بهذا الحسن فقيل: إنه على الاستعارة بالكلية لأنّ في جعل النساء محارث دلالة على أنّ النطف بذور على ما أشار إليه بقوله: تشبيها لم يلقى الخ كما تقول إنّ هذا الموضع المفترس الشجعان، وقيل: إنه ليس بجار على قانون البلاغة إلا أن يقال نساؤكم حرث لنطفكم ليكون المشبه مصرحاً والمشبه به مكنياً ولو قيل: بأن الحرث يدل على البذر دلالة قوية تجعله في حكم الملفوظ كما جنح إليه من جعله استعارة مكنية لكان هذا قسماً من المكنية لا يذكر فيه الطرفان وهو غريب، وقال بعض المتأخرين: إن هذا التشبيه مترتب على تشبيه آخر متروك وهو تشبيه النطف بالبذر ترتب اللازم على الملزوم ولا يبعد أن يسمى تمثيلا على سبيل الكناية والقوم قد غفلوا عند هذا النوع من التمثيل والبذور بالذال المعجمة ما يزرع. قوله: (وهو كالبيان لقوله فأتوهن الخ) يعني أنه علم من جملة تفسير ما وقع مبهما في قوله: فأتوهن من حيث أمركم الله وهو موضع الحرث أعني القبل وزالت الشبهة التي ربما توهصت من أنّ الغرض! قضاء الشهوة وهو يحصل بكلا الفرجين وظهر أنّ الغرض! هو النسل الذي هو بمنزلة ريع الزرع، وقوله: من أيّ جهة شئتم تفسير لأني وهي شرطية يدل على جوابها ما قبله وهي ظرف مكان أخرجت عن الظرفية لتعميم الأحوال وما ذكره عن اليهود أخرج في الصحيحين. تنبيه: أنى تأتي شرطا واستفهاما بمنزلة متى ظرف زمان وبمعنى كيف ومن أين والوجوه كلها جائزة عنه هم هنا وهي لتعميم الأحوال والسؤال عن أمر له جهات وهي في محل نصب على الظرفية، وقال أبو حيان: هذا لا يصح كونها شرطية معنى لأنها حينئذ ظرف مكان فتقتضي. إباحة الإتيان في غير القبل ولأنها لا يعمل فيها ما قبلها لصدارتها ولا استفهامية لأنها لا يعمل فيها ما قبلها ولأنها تلحق ما بعدها نحوأنى لك هذا وهذه مفتقرة لما قبلها فهي مشكلة على كل حال، والظاهر أنها شرطية جوابها مقدراً أي أنى شئتم فأتوه نزل فيها تعميم الأحوال منزلة الظروف المكانية بتقدير في فتأمل. (أقول) : ما ذكره المفسرون من الوجوه الثلاثة صحيح وما أورده عليها أبو حيان رحمه الله وظنه وارداً غير مندفع ليس بوارد وان سلمه غيره أما الشرطية فإن جوابها لما تقدم عليها قدر لها جواب يدذ عليه ويؤكده وما أوهمه من جوازه في غير القبل يأباه قوله حرث فلا إشكال وأما الاستفهام فإنه لما خرج عن حقيقته جاز عمل ما قبله فيه نحو كأن ماذا كما صرح به النحاة وأهل المعاني. قوله: (وقدّموا لآنفسكم الخ) فسر المؤمنين بالكاملين لأنّ المطلق ينصرف إليه ولأنه يعلم من تخصيصهم بالبشارة، فان قلت انصراف المطلق إلى الكامل قيل: إنه قول للحنفية في الأصول وأما الشافعية فقالوا: ينصرف إلى الأقل وهل هو حقيقة أو مجاز فيه كلام في حواشي المختصر. (قلت) ما ذكره الشافعية

في مقام الاستدلال أخذ بالأحوط فلا ينافي إرادة غيره بقرينة المقام كالمدح هنا، قال النحرير: وهذه الأوامر كلها في حيز قل لظهور أنّ وقدموا واتقوا عطف على الأمر قبلهما وأمّا وبشر المؤمنين فليس كذلك بل هو عطف على قوله: قل هو أذى، وفيه تحريض على امتثال ما سبقه من الأوامر والنواهي وقوله: ولا تجعلوا عطف على تلك الأوامر أو على مقدر أي امتثلوأ ولا تجعلوا ولا يرد عليه أن بشر لا يصلح جوابا للسؤال فكيف يعطف على قل، لأنه أشار إلى دفعه بجعله تحريضاً لهم كما لا يخفى، وكونها نزلت في الصديق رضي الله عنه أخرجه ابن جرير وما بعد 5 قال السيوطي: لم أقف عليه وأمر مسطح سيأتي بسطه في قصة الإفك والختن بفتحتين الصهر وأقارب الزوجة. قوله: (والعرضة فعلة بمعنى المفعول) كغرفة بمعنى مغروف فإمّا أن يكون بمعنى معرضة دون ذلك وقدامه فتكون بمعنى الحاجز والمانع من عرض! العود على الإناء والمعنى لا تفعلوا ذلك أي جعلها مانعا فالأيمان بمعنى المحلوف عليه لأنها تسمى يمينا كما فيإ الحديث " وأما بمعنى معرضا لأمر من التعريض للبيع فالمعنى لا تبتذلوا ذلك بكثرة الحلف به واليمين على حقيقته، وجعل اللام صلة عرضة وجوز الزمخشريّ تعلقه بالفعل والمصنف رحمه الله تركه فقيل: لا وجه لتركه ولعل وجهه أن جعل يتعدى لمفعولين بنفسه وقد يتعذى لواحد بنفسه وللثاني باللام نحو جعلت المال لزيد وأما تعديه للثالث به فلم يعهد، وقيل: إق وجه الاقتصار أنه يظهر من المذكور بطريق الأولى وفيه ما فيه، وقوله: عطف بيان لها أي للإيمان وقيل: إنه بدل والمعنى لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم التي هي البر والتقوى الخ وأن والفعل معرفة لأنها مؤوّلة بمصدر معرف كما صرحوا به فالقول بأنه يلزم إبدال النكرة من المعرفة وهم وقوله: ويجوز أن تكون للتعليل أي بتقدير اللام تعليلاً لعرضة واختلف في تقديره فقيل: إرادة أن تبروا، وقيل: كراهة أن تبروا وقيل: لترك أن تبروا وقيل: لئلا تبرّوا ولأيمانكم متعلق بالفعل حينئذ لئلا يتعلق حرفا جرّ بمعنى بمتعلق واحد. قوله: (وأن تبرّوا علة للنهي الخ) أي طلب كص الفعل لا للفعل أعني الجعل والمعنى أنهاكم عن ذلك إرادة مني أن تبروا وتقدير الإرادة بيان للمعنى لا احتياجا إليه في حذف اللام لكونه قياسا مطرداً مع أن وإن وبالجملة فالنهي معلل وعلى الأوّل المعلل منهيّ، ويحتمل أن يكون التعليل لا للنهي الذي هو طلب الترك ولا للمنهيّ الذي هو الفعل أعني الجعل بل للمطلوب الذي هو ترك الفعل والكف عنه أي اتركوا الفعل لكي تبروا وهكذا كل قيد بعد النهي يحتمل الأمور الثلاثة وكذا بعد الأمر فتأمل. واعترض عليه بأن الأولى أن يقول طلب بركم لأنّ الإرادة تستلزم المراد عند أهل السنة والنهي عام للبر والفاجر والمصنف رحمه الله تعالى غير كلام الزمخشريّ وهو مبنيّ على مذهبه، ولك أن تقول الإرادة هنا بمعنى الطلب لأنه معناها اللغوي أو إرادته منهم ذلك بشرط أن يمتثلوه ولا يصح أن يقال: المراد بالإرادة إرادة المخاطبين وقد فسرت عائشة رضي الله تعالى عنها العرضة بأنها كل ما أكثر من ذكره وعليه قوله: فلا تجعلني عرضة للوائم قوله: (اللغو الساقط الذي لا يعتد به الخ) كون هذا معنى اللغو في اللغة مقرر وإنما الخلاف في المراد بها في اليمين فعند الشافعيّ لغو اليمين ما سيق له اللسان وما في حكمه ولا مؤاخذة فيه بعقوبة ولا كفارة، ووله: كقول العرب الخ مثال لما قبله ومنه يعلم أنّ المراد بكونه جاهلا أنه لا يقصد معناه وقوله: لقوله دليل لقوله: ما لا عقد معه الخ. وليس متعلقاً بالتأكيد. قوله. ( {يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} ) قال الكرماني: أي عزمت عليه إذ كسب القلب عزيمته ونيتة وفيه دليل لما عليه الجمهور من أنّ أفعال القلوب إذا استقرّت يؤاخذ بها " وقوله صلى الله عليه وسلم إنّ الله تجاوز لآفتي عما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا " محمول على ما إذا لم يستقر فإنه لا يمكن الانفكاك عنه وفيه نظر. قوله: (وقال أبو حتيفة رحمه الله الخ) في الهداية الأيمان على ثلاثة أضرب يمين الغموس ويمين منعقدة ويمين لغو فالغموس هو الحلف على أمر ماض متعمد الكذب فيه فهذه اليمين يأثم فيها صاحبها ولا كفارة فيها إلا التوبة، وقال الشافعيّ: فيها الكفارة والمنعقدة ما يحلف على

أمر في المستقبل أن يفعله أو لا يفعله وإذا حنث فيها لزمته الكفارة لقوله تعالى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} [سورة اد مائدة، الآية: 89] ويمين اللغو أن يحلف على أمر ماض! وهو يظن أنه كما قال: والأمر بخلافه فهذه اليمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها انتهى. يعني ولا كفارة فيها أيضا وهذا مما محله كتب الفقه، وقوله: تربصا للتوبة أي تركه وأمهله لأجل أن يتوب الله عليه والعاصي المصر استدراجاً له. قوله: (أي يحلفون على أن لا يجامعوهن الخ) الإيلاء من الألية وهي القسم لكنه خص بقسم مخصوص والقسم إنما يتعدى بالباء أو بعلى كأقسم بالله على كذا فنقل الطيبي أنّ هذا الفعل، يتعدى بمن وعلى، وقال النحرير: إنه الوجه الجاري في جميع الموارد ونقل أبو البقا عن بعضهم من أهل اللغة تعديته بمن وقيل: إنها بمعنى على وقيل: بمعنى في وقيل: زائدة ومن منع ذلك ضمنه معنى متباعدين أو ممتنعين أو جعله ظرفا مستقرّاً أي استقرّ لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر وقوله: فاعل الظرف هو مذهب الأخفش حيث جوّز عمله وان لم يعتمد وغيره يمنعه وقوله: أضيف إلى الظرف على الاتساع أي بأن جعل مفعولاً به ونقل عن بعضهم أنّ الإضافة على معنى في فلا تسمح على القول بها وهو مذهب كوفي. قوله: (ويؤيده فإن فاؤوا الخ) فإنها للتعقيب والآية مع الشافعيّ رحمه الله تعالى بصريحها، وقوله: سميع يقتضي التلفظ بالطلاق وإنه لا يقع بنفس مضيّ المدة إذ عزم الطلاق لا يسمع عادة وان كان أهل السنة يجوّزون سماع غير الأصوات وهم لما رأوها كذلك أوّلوها بأن الفاء للتفصيل لا للتعقيب لأنه يقع عقيب الإجمال ذكراً وتقديراً وأيضاً هو لا يخلو من دندنة تسمع ووسوسة يعلمها فجعل كأنه يسمعها ولا يخفى أنه كله مخالف للظاهر وأيده في الكشف أيضاً بأنه مروفي عن كثير من الصحابة لأنهم فهموه من الآية وتفصيله في الفروع، وقوله أو ما تعرض في نسخة توخي أي قصد وقوله: سميع لطلاقهم إشارة إلى أنه مؤيد لمذهبه كما قدمنا. قوله: (الإيلاء في أربعة أشهر فما دونها (الأصح فما فوقها أي فيما يجاوزها من الزيادة على الأربعة للاتفاق من الحنفية على أن أقل المدة أربعة أشهر مع شرط الزيادة عند الشافعيّ رحمه الله، وقوله: بأحد الأمرين أي الفيء أو التطليق. قوله: (يريد بها المدخول بهن الخ الأنه لا عذة على غير المدخول بها وعدة غير ذوات الأقراء بحمل أو صغر أو كبر يوضع الحمل أو الأشهر، وترك قيد الحرية ولا بد منه إذ عدة الأمة قرآن لأنه سينبه عليه وهل هو عام مخصوص أو مطلق مقيد ذهب في الكشاف إلى الثاني فقيل: إنه نفي لما عليه الجمهور من أنّ الجمع المعرف باللام عام مستغرق لجميع الأفراد وذهاب إلى أنه لا عموم فيه ولا خصوص بل هو موضوع لجنس الجموع والجنسية معنى قائم في الكل والبعض والتعيين دائر مع الدليل، والعجب أنه كثيراً ما يقول في المطلق أطلق لتناول جميع الأفراد وفي مثل العالمين إنه جمع لتناول كل ما سمي به وفي قوله: {وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران، الآية: 08 أ] إنه نكر ظلما وجمع العالمين على معنى أنه لا يريد شيئا من الظلم وحد من خلقه والأقرب أن يقال: هو عام خص منه المذكورات يعني أنّ في كلامه تناقضا، وفيه بحث. قوله:) خبر بمعنى الأمر الخ (قال: النحرير ظاهره أنّ المضارع الواقع خبراً في معنى الأمر فيقع الإنشاء خبر المبتدأ بتقدير القول أو بدونه كما ارتضاه هو وأورد عليه أن الواقع موقع الأمر الجملة بتمامها من غير محذور أنّ الزمخشريّ أشار إليه بقوله: أصل الكلام ولتتربص المطلقات ثم ذكر أنّ وجه هذا المجاز تشبيه ما هو مطلوب الوقوع بما هو متحقق الوقوع في الماضي كما في رحمه الله أو المستقبل أو الحال كما في هذا المثال وبهذا ظهر أنّ قوله وكأن الخ تسامح والصواب فكأنهن يمتثلن البتة فهو يخبر عنهن بوجود ذلك منهن في الحال أو الاستقبال وفيه نظر إذ لا تسامح بالنظر لنفس الأمر مع أنه إن كان بالنسبة إلى الإخبار فإنه أمر فرضي تقديرقي وقوله: وبناؤه الخ. إما لتكرار الإسناد واما لأنك لما ذكرت المبتدأ أشعرت السامع بأن هناك حكما عليه فإذا ذكرته كان أوقع عنده من أن تذكر الحكم ابتداء وقد بين ذلك في شروح المفتاح أتمّ بيان، وقوله: وكأنّ المخاطب الظاهر أنه على زنة الفاعل وأما إن كان على زنة المفعول فتذكيره لأن المخاطب به في الحقيقة الحكام فإن كان النساء فبتأويل الشخص أو الفريق ونحوه فلا يرد ما قيل: الظاهر المخاطبة ألا ترى إلى

قول الزمخشرقي فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجودا والداعي إلى اعتبار هذا أنه لو كان خبراً لزم تخلف إخباره تعالى فيمن خالف ذلك فحمل على ما ذكر لأنه وجه بليغ معروف مثله في كلام العرب ومنهم من قال إنه خبر بمعنى أنه هو المشروع الذي تفعله النساء إذا امتثلن فهو مقيد معنى فلا يلزم تخلف خبره تعالى وهكذا كل ما ورد منه ولا حاجة إلى تأويله وليس التخصيص أقرب من التأويل المذكور نعم له وجه لكن الأوّل أولى. قوله: (تهيج وبعث الخ (بيان لنكتة ذكر الأنفس هنا وعدم ذكرها في الإيلاء لأن في الإيلاء لم يحصل لهن المفارقة وحرمة القربان ليتحقق لهم طموح يحتاج إلى تأكيد بذكر النفس كما هو المعهود في ذكرها والطموج الميل إلى الشيء ومنازعة النفس. قوله: (نصب على الظرف أو المفعول به الخ) تربص بمعنى انتظر يتعدى لمفعول واحد فإن كان هذا ظرفآ فمفعوله مقدر تقديره مضيها أيضا فلذا لم يبينه لأنه يدل عليه ما ذكر أو يتربص الأزواج أو التزويج أو هو المفعول بتقدير مضاف أي مضيّ ثلاثة قروء. قوله: (وقروء جمع قرء الخ (بفتح القاف وضمها وأهل اللغة على أن القرء مشترك بين الطهر والحيض ووروده لكل منهما في الاستعمال والحديث مفروغ عنه وكلام الزمخشريّ مشعر بأنهم اختلفوا في معناه ووضعه، وتعقبه في الكشف بأن الخلاف إنما هو في الأكثر والراجح وما المراد به في هذه الآية واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: وهو يطلق للحيض أي يستعمل له وإلا فالظاهر على الحيض وأثبته بهذا الحديث وهو صحيح أخرجه أبو داود والنسائي " عن عائشة رضي الله عنها وهو صريح في إرادة الحيض " لأن ترك الصلاة فيه ثم أثبت استعماله في الطهر أيضا لكن لا فيه مطلقا بل إذا عقب حيضا بقول الأعشى من قصيدة يمدح بها هوذة أوّلها: أجئتك تيا أم تركت ندائكا وكانت قتولا للرجال كذلكا حتى أتى إلى قوله في مدحه: ولم يسع في العلياء سعيك ماجد ولاذوأنا في الحيّ مثل أنائكا وفي كل عام أنت جاشم رحلة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورّثة مالاً وفي المجد رؤحة لما ضاع فيها من قروء نسائكا يعني أنّ الغزو شغله عن وطء نسائه في الأطهار إذ لا وطء في الحيض فهو متعين كما في قوله: قوم إذا حاربوا شذوا مآزرهم دون النساء ولو باتت باطهار وأمّا تأويل الزمخشري له بأنه مجاز عن العدّة لتصير كناية عن طول المدة أو يراد به الوقت فإنه يرد بمعنا. كقوله: قرء الثريا أن يكون لها قطر وقيل: أصل معناه الوقت فلذا يستعمل للحيض والطهر فلا يخفى بعده ولدّا لم يلتفت إليه المصنف رحمه الله. قوله: (وأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض الخ) هذا استدلال بالمعقول في جواب استدلال الحنفية به حيث قالوا لأنّ الحيض هو الدال على براءة الرحم المقصودة من العدّة بأنه بمعنى الانتقال من الطهر إلى الحيض لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض لكنه قيل: إنه مكابرة وقوله: لا الحيض يصح رفعه عطفا على هو ونصبه عطفاً على اسم إن وهذا لا ينافي قوله فيما مضى طهر بين حيضتين لما فيه من الانتقال أيضاً وهو أحد قولي الشافعيّ رحمه الله، قال في المنهاج: وهل يحسب طهر من لم تحض قرأ قولان بناء على أن القراء انتقال من طهر إلى حيض. قوله تعالى: ( {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [سورة الطلاق، الآية: ا] (فاللام هنا للتوقيت كما في قوله: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [سص رة الإسراء، الآية: 78] والمعنى فطلقوهن وقت عدتهن فيعلم منه أن المراد من العدة الطهر لا الحيض إذ الطلاق إنما يشرع فيه والطلاق في الحيض منهيّ عنه وهم أجابوا عنه بأنّ المراد فطلقوهن مستقبلات لعدتهن كما يقال: ألقيته لثلاث من الشهر أي مستقبلات منه، وقيل: إنه لا يدفع التمسك بل يقويه لأنه إنما يقال: ذلك حيث يتصل الفعل بأوّل الثلاث وإذا اتصل التطليق بأوّل العدّة كان بقية الطهر الذي وقع فيه التطليق محسوبا من العذة وفيه المطلوب، وأما الاستقبال لا على وجه الاتصال بل مع تخلل الفصل فليس مدلول اللفظ

ولا مشهور الاستعمال، وردّ بأنه كلام مختل لأنّ وجود البقية مما لا دلالة عليه ولو سلم فانقضاؤه للضرورة وفيه تأمل. قوله: (وأما قوله صلى الله عليه وسلم الخ) أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها وأشار إلى أنّ الحديث معارض له فتساقطا فيرجع إلى غيره من الأدلة وقوله: فتلك العدّة الخ. الإشارة إلى الطهر وجنس العدة لا لمقدارها إذ لم يذكر إلا طهران، وأشار بقوله: روا. الشيخان إلى أنه معين فيه الطهر وروايته أقوى مما قبله وفي معارضة هذا له بحث لأنّ الكلام في العدة التي تعقب الطلاق لا في العدّة التي يقع فيها الطلاق وحديث الشيخين في الثاني ولا نزاع في أنّ سنة الطلاق أن يكون في طهر لا جماع فيه فدلالة الحديث على مدعاه ممنوعة وفي الحديث كلام في شروح البخاري فلينظر. قوله: (وكان القياس الخ الأنها ثلاثة وهي أقراء لا قروء، وقيل: في وجه اختياره أنه جمع قرء بالفتح وجمعه على أفعال شاذ وفيه نظر، وكان مراده أن القروء في جميع المطلقات كثيرة والثلاثة التي لكل فرد تضاف إليها على معنى من التبعيضية عند من أثبتها وقد مرّ لنا مثله في معدودات ومعلومات والزمخشريّ اختار أنه من وضع القلة موضع الكثرة لأنّ أقراء أقل من قروء في الاستعمال فنزل منزلة المعدوم وجمع القلة إذا عدم استعمل جمع الكثرة لهما كعكسه كما تقرر في النحو وكان المصنف رحمه الله لم يسلم قلة استعماله لأنّ إثباتها مشكل وقال الجريريّ في الدرة المعنى لتتربص كل واحدة من المطلقات ثلاثة أقراء فلما أسند إلى جماعتهن أتى بلفظ قروء على الكثرة المرادة والمعنى الملموج انتهى. وهو مراد المصنف رحمه الله واليه أشار الطيبي وأما جواب المصنف بأنها أقرا بالنسبة لكل امرأة وبالنظر إلى الجميع قروء كثيرة فقيل: إنه بعيد لملاحظة الإفراد فيه لا الجميع إذ ملاحظة الجميع يأباها ثلاثة فتأمل. قوله: (من الولد والحيض الخ) في الكشاف أو الحيض لأنهما لا يجتمعان وكلام المصنف باعتبار الاجتماع في عدة الحمل، فإن قلت تقدم أنّ المراد بالمطلقات ذوات الأقراء فكيف يكون الولد في أرحامهن قلت: إذا كتمن الولد وأنكرن الحمل أو أسقطنه كن من ذوات الأقراء وقيل: الضمير على هذا راجع إلى مطلق المطلقات المذكورة في ضمن المعتدة، وقيل: الظاهر الأول إذ ليى الحيض في الرحم وإنما ينصب من أعضاء أخر فتأمل. قوله: (وفيه دليل الخ (لا! ما لا يعلم إلا من جهتهن يقبل فيه قولهن ووجه الدلالة ما قال الجصاص أنه جعله كالأمانة عندها والمؤتمن مصدق فلما وعظها بترك الكتمان دل على أن القول قولها ودل على أنها إذا قالت أنا حائض لا يحل للزوج وطؤها وإنه إن علق الطلاق به فقالت: حضت طلقت وكذا لو علق به شيئا آخر كعتق وليس ااصراد تقييد النفي حتى يحل من غير المؤمنات بل القصد تعظيم ذلك بحيث يعذ عدم الإقدام عليه من الإيمان فإن قلت: بل المراد التقييد إذ الكفار غير مخاطبين بالفروع وأيضا المطلقة الكافرة قد لا تجب عليها العدة كما ذكره الفقهاء قلت: عدم الخطاب لا يضرنا هنا لما بين في الأصول وكون العدة للكفار في بعض الصور يكفي لمنع التقييد. قوله: (أي أزواج المطلقات الخ) هذا بيان للمراد سواء كان جمعا أو لا، وقوله: فالضمير الخ. المراد بالآية التي تتلوها قوله الطلاق مرّتان وعود الضمير إلى خاص في ضمن العام أو مقيد في ضمن المطلق واقع في القرآن وغيره وهو كإعادة الظاهر ليخص وقيل: الضمير عائد إلى المطلق بتقدير مضاف أي بعولة رجعياتهن والبعولة إما جمع والتأنيث على خلاف القياس أو مصدر بمعنى التبعل وهو النكاح. قوله: (وأفعل ههنا بمعنى الفاعل) لأنّ الردّ والرجعة للزوج ولا حق للمرأة فيه أو هو باق على أصله والمراد بعولتهن أحق بالرجعة منهن بالآباء وان جعلت الباء للملابسة فالمعنى أنهم أحق حال تلبسهم بالرجعة منهن وذلك أن تلبسهم إرادتها وتلبسهن آباؤها وقد يقال: إن آباء المرأة سمي رجعة للتلبس أو المشاكلة أو من باب الصيف أحر من الشتاء قال النحرير: وليس بذاك وقيل: المراد البعولة أحق بالرجعة منهم بالمفارقة كهذا بسراً أطيب منه رطبا، وقوله في زمان التربص الجار والمجرور متعلق بأحؤا إن علق بالردّ فالإشارة للنكاح كما قاله أبو البقاء. قوله: (وليس المراد الخ (لأنه لو راجعها للضرار صحت الرجعة بالاتفاق، ووجه التحريض

من نفي الأحقية إذا لم يريدوا الإصلاح وهو ظاهر، وقوله: في الوجوب الخ يعني أنّ المثلية في مجرد الوجوب لا في جنس الحقوق كما يتبادر من المثلية وقد صحف بعضهم الجنس بالحبس بالحاء المهملة والباء الموحدة وقال: أي لهن حقوق وقت الحبس والمنع وكأنه سقط من نسخته لا وفسر الدرجة بالفضل والزيادة أو الشرف لأن الدرجة المرتبة والمنزلة المعتبر فيها الصعود وأشار بعده إلى بعض الحقوق، وقوّام وحرّاس جمع قائم وحارس والزواج يصح فيه كسر الزاي وفتحها، والعزيز القوي القادر وفسره وما بعده بما ذكره للانتظام. قوله: (أي التطليق الرجعي اثتمان الخ (جعل الطلاق بمعنى التطليق لأنه مصدر طلقت المرأة بالتخفيف واسم مصدر التطليق كالسلام بمعنى التسليم وهو المراد لمقابلته بالتسريح وحمله على الرجعي بجعل التعريف للعهد المدلول عليه بقوله: وبعولتهن أحق برذهن وحينئذ فالتثنية على ظاهرها وتعقيب فإمساك الخ واقعي لا ذكري وأيده بالحديث وهو مما أخرجه أبو داود وابن أبي حاتم والدارقطني. قوله:) وقيل معناه الخ (في الكشاف أي التطليق ااشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله تعالى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [سورة الملك، الآية: 24] أي كرّة بعد كرّة لا كرّتين اثنتين ونحو ذلك من التثاني التي يراد بها التكرير قولهم لبيك وسعديك، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى والجمع بين الطلقتين والثلاث بدعة واستدل عليه بقول النبيّ جمي! لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: " إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة ". قال النحرير: الظاهر أن هذا مدلول المثنى الذي قصد به التكرير لأن معنى قولنا واحد بعد واحد عدم الاجتماع في الوجود، ما قيل: لم يرد أنه إن حمل على التكرير أفاد ذلك بل أراد أنّ المعنى مرّة بعد أخرى وأنه لا شافي الترتيب والاجتماع إذ لا يراد في لبيك مثلا أنّ الإجابات لا تجتمعن، ولكن لما كان لإرسال بدعياً تعين أن يحمل على التفريق ليس على ما ينبغي وليت شعري إذا لم يكن في الآية لالة على التفريق كيف يكون تعليما لكيفية التطليق وأمّا الحديث فانما يدل على أن جمع طلقتين أو الطلقات في طهر واحد ليس بسنة وأما أنه بدعة فلا لثبوت الواسطة، وقد علم من حديث أنّ ما مرّ في قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [سورة الطلاق، الآية: 11 من أنّ المعنى ستقبلات لعدتهن التي هي الحيض لا بقيد كون الطلاق قبل العدة ليكون في الطهر وذلك أنه! ر باستقبال الطهر فلو كان معنى الاستقبال ما ذكرتم لزم كون الطلاق في الحيض (أقول) هذا إن كان يظن وارداً بحسب النظرة الأولى لكنه ليس كذلك لأنّ أخذهم التفريق ليس من مجرّد تثنية بل التثنية دالة على التكرير والتفريق أخذ من المثنى المخصوص، وهو مرّتان لأنه يدل طى ذلك لغة واستعمالاً قال الإمام الجصاص في الأحكام قوله: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [سورة بقرة، الآية: 229] ، يقتضي التفريق لا محالة لأنه لو طلق اثنتين معاً لا يقال طلقها مرّتين وحيمئذ طلق عليه انتهى، وهو مراد المدقق في الكشف يعني ليس مجرد التكرير يفيد ذلك بل ضصوص هذه الماذة ولو لم يكن من الصيغة لكان لبيك يفيده وليس كذلك فلا تدافع في * مه، وليس فيه أنّ الآية لا تدلّ على التفريق حتى يتعجب منه كيف يكون تعليماً وإنما تعجب منه كيف خفي عليه مراده ثم إنه خبر بمعنى الأمر الندبي لأنه للتعليم كما في قوله: سلاة الليل مثنى مثنى فمخالفته لا شك في أنها تكون بدعة، وتعين أنّ المراد بالسنة في حديث الطريقة المسلوكة لا ما يقابل المباح وغيره حتى يقال: إنه لا يستلزم أن يكون بدعة - ليل أنه أنكره عليه، وأمّ قوله وقد علم الخ فقد فرق بينهما بأنّ المفهوم ثمّ الطلاق في حال! ستقبال وهنا الطلاق عقب الاستقبال فيجوز أن يستقبل الطهر فإذ جاء يطلق فيه لكل قرء أي ستقبلا لكل حيض تطليقة ويكون الغرض من ذكر استقبال الحيض أن يجتنب عن تطويل العدة ليتأمّل والتعريف على الوجه الأوّل للاستغراق والترتيب ذكرى لكنه خلاف المتبادر ولذا قال صصنف رحمه الله: وهو يؤيد المعنى الأوّل، وقوله: بالطلقة الثالثة بناء على المختار من ذهبه، وقوله: وعلى المعنى الأخير الخ في نسخة عقيب بالياء وفي أخرى

عقب به فعل مشدد المعنى واحد وهو إشارة إلى معنى الفاء في قوله فإمساك إذ الإمساك معروف أو التسريح حسان إنما يتصور قبل الطلقات لا بعدها يعني أنها للترتيب على التعليم أي إذا علمتم كيفية شطليق فالواجب أحد الأمرين وهو تخيير مطلق وعلى الأوّل تخيير بين الطلاقين. قوله: (من! داق) بفتح الصاد وكسرها وفي نسخة من الصدقات جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال صدقة بضم الصاد وسكون الدال وهو المهر. قوله:) روي أن جميلة بنت عبد الذ بن أبن ابن سلول الخ) قال شراح الكشاف: الصواب أخت عبد الله وقال الطيبي رحمه الله: أنه روي من طرق شتى وليس فيها إني رفعت جانب الخباء الخ (قلت) قال خاتمة الحافظ السيوطي رحمه الله: كلاهما صواب فإنّ أباها عبد القه بن أبيّ رأس المنافقين وأخوها صحابيّ جليل واسمه عبد القه أيضا ثم اختلف قديماً هل هي بنت عبد الله المنافق أو أخته بنت أبيّ والذي رجحه الحافظ الأوّل، قال الدمياطي: هي أخت عبد الله شقيقته أمها خولة بنت المنذر وروى الدارقطني أنّ اسمها زينب، قال ابن حجر: فلعل لها اسمين أو أحدهما لقب وإلا فجميلة أصح ووقع في طريق آخر أنّ اسم امرأة ثابت حبيبة بنت سهل، قال ابن حجر: والذي يظهر أنهما قصتان له مع امرأتين لصحة الحديثين وما نفاه الطيبيّ ليس كما قال فإنه كثيراً ما يعتمد على الكتب الستة ومسندي أحمد والدارمي وليس فيها وقد روى ابن جرير ما ذكره المصنف رحمه الله إلا أنه ليس في شيء من الروايات أن هذه القصة سبب نزول الآية. وسلول غير منصرف للعلمية والتأنيث لأنه اسم أمه وقوله: لا أنا ولا ثابت أصله لا أجمع أنا وثابت ومعنى أكره الكفر في الإسلام أخاف أن يفضي إلى ما هو كفر في الدين، وقد يقال: المراد كفران العشير وليس بذاك يعني أكره أن أقع من شدّة بغضه في الكفر في أثناء الإسلام بأن لا أبالي بما أوجب الله عليّ من حقه أو بأن أعيب خلق الله، وجمع الرأسين كناية عن المضاجعة، وقوله: ما أعتبه بضم التاء ووقع في الكشاف من أعتب عليه والعتب اللوم والمعاتبة وأعتبه أزال عتابه كأشكاه ويحتمل أني لا أصير زوجة لأنّ العتبة يكنى بها عن المرأة كما وقع في الحديث ووقع في نسخ أعيبه من العيب وله وجه وقيل: هو من العتبة وهي الكراهة. قوله: (والخطاب مع الحكام الخ (جعل الخطاب الأوّل للحكام وان كان خلاف الظاهر ليتسق النظم وأوّله بأنّ إسناد الأخذ والإيتاء لهم مجاز لأنهم آمرون عند الترافع وإنما قيده بوقت الترافع ليوافق الواقع وإلا فمجرد الأمر يكفي لصحة الإسناد. قوله: (قيل إنه خطاب الخ) هذا الوجه جوّزه في الكشاف وقال إنّ مثله غير عزيز في القرآن ولم يرتضه المصنف رحمه الله لما فيه من تشويش النظم على القراءة لمشهورة وهو بناء الفاعل في يخافا مع الغيبة إذ الظاهر حينئذ (إلا أن تخافوا وأزواجكم أن لا قيموا حدود الله) ولو التفت كان ينبغي له أن يقول إلا أن يخافوا وأزواجهم وفيه أنه لا يختص لتشويش بالمشهورة إذ الظاهر على بناء المفعول إلا أن تخافوا وأزواجكم أو يخافوا وأزواجهم! ما قيل: وتشويش النظم ليس من جهة التثنية والجمع لأن التثنية باعتبار أنهما جنسان والجمع كثرة الإفراد بل لافتراق الخطاب في الموضعين على خلاف المتبادر واسناد الخوف أولاً إلى لزوجين وثانيا إلى الحكام وعلى قراءة المجهول الخوف مسند إلى الحكام في الأوّل تقديراً في الثاني تصريحا فيخف التشويش، وقيل: إنه لا يبعد أن يكون الخطاب مقصوداً به مخاطب اون مخاطب كأنه قيل: يأيها الناس أو يكون للأزواج والحكام ويصرف إلى كل منهم ما يليق 4 من الأحكام. قوله: (1 لا أن يخافا أي الزوجان) وكذا أحدهما كما في الحديث المذكور - تفسير عدم الإقامة بالترك إشارة إلى أنه لو كان للعجز لا ينبغي الأخذ. قوله: (وإبدال أن لخ) يل: إنه على نزع الخافض وقول أبي البقاء أنه متعد لمفعولين مردود وقوله: فلا جناج عليهما ائم مقام الجواب أي فمروهما فإنه لا جناج عليهما وتعقيب النهي بالوعيد ظاهر لأنّ وصفه الظلم من المنتقم وعيد والتعدي يشعر به فلا يقال الظاهر وتعقيب النهي بمذمّة مخالفه مبالغة يه. قوله: (واعلم ال!) الكراهة والشقاق مأخوذان من عدم إقامة حقوق الزوجية، وقوله: ولا جميع ما ساق الزوج إليها يفهم من من التبعيضية في قوله: مما والاستثناء لا يفيد إلا حل ما يى عنه

لكن الجمهور جوّزوه لأنّ عدم الجناح لا ينحصر في واحد بنص ما آتيتموهن كما شعر به ظاهر الاستثناء حيث كان بمعنى إلا أن يخافا فحينئذ يحل أن يأخذوا شيئا مما آتوه ولداً م يقثصر على الاستثناء وضم إليه فإن خفتم الخ لكن عموم ما افتدت يشعر بجواز الزيادة أيضاً لذا قيل: إنه جائز في الحكم، وقيل: عليه أن النظم يفيد عدم الجناح لا مجرد عدم البطلان الفساد فتأمّل. ووجه استكراهه والمنع منه ظاهر الآية والحديث لكن النهي لا يقتضي بطلان في العقود كالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة كما فصله الفقهاء. قوله: (واختلف في أنه الخ (هذا هو الظاهر والأظهر أنه طلاق وأنه متفرع على قوله الطلاق مرّتان أو أنّ ما ذكره بيان لحكم الطلقتين وان منها ما هو بفداء وما هو بدونه، أو قوله: فإن طلقها بيان لحكم الثالثة لا لبيان مرتبتها وشرعيتها، وروي أنّ قوله: أو تسريح بإحسان إشارة إلى الثالثة فيزيد قطعا ولو سلم الأوّل لزم اختصاص ما بينه من حكم الخلع بما بعد المرّتين وليس كذلك ومجانا بفتح الميم والجيم وألف ونون ما ليس له عوض، وأورد على قوله: إنه متعلق بقوله الطلاق مرّتان أنه يقتضي اختصاص عدم الحل بعد الثلاث بما إذا كانت الثالثة بعد تكرار الطلاق مع التفريق أو بعد طلقتين رجعيتين على تفسيري الطلاق مزتان فالأظهر أن يفسر قوله: الطلاق مرّتان بالطلاق المستعقب للتحليل سواء كان النكاج أو الرجوع. قوله: (أقول) اختصاصه بذلك مقرر وهو لا يقتضي نفي ما سواه وقد تمسك بظاهره بعض السلف لأنّ الطلاق الثلاث الدفعي كان على عهده صلى الله عليه وسلم واحدة رجعية كما في صحيح مسلم وغيره من كتب الحديث إلى أوائل خلافة عمر رضي الله عنه فلما رأى كثرته أمضاه ثلاثاً ثم انعقد الإجماع عليه حتى خطؤوا من يحكم بخلافه، وقوله: حتى تزوّج مجهول أو مضارع وأصله تتزوّج وقوله: يستند في بعض النسخ يسند ووجه التعلق بظاهره أنّ النكاج اشتهر في العقد وبه ورد النص. قوله: (لما روي أنّ امرأة رفاعة الخ (هو رفاعة بن شمول القرظي صحابيئ مشهور والحديث صحيح عن عائشة رضي الله عنها ورواه في الموطأ مرسلا قال: طلق امرأته تميمة بنت وهب وساق الحديث وفي مسند ابن مقاتل أنها عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك وأنها كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك ابن عمها، قال أبو موسى: الظاهر أنّ القصة واحدة، وقال السخاوي: السياق يقتضي أنهما قصتان والزبير هنا بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة وليس بالضم والتصغير كابن الزبير المشهور، وقوله: وانّ ما معه ما في النسخ كتبت مفصولة وهي موصولة ولو وصلت كانت أداة وهي صحيحة أيضا وهدب الثوب طرفه تريد أنه منين لا ينتشر ذكره، وعسيلة بالتصغير عسل قليل لأنه يكفي منه ما قل من العسل كذهيبة استعيرت للمنيّ وللذته وفي الأساس من المستعار عسلتان للفرجين لأنهما مظنة الالتذاذ، وفي الكشاف أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت وقالت: إنه كان قد مسني فقال لها كذبت في قولك الأوّل فلا أصدقك في الآخر ثم أتت أبا بكر رضي الله عنه بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم وقالت أرجع إلى زوجي الأوّل فقال لها: عهدت رسول الله غ! ي! قال لك ما قال فلا ترجعي فلما قبض أتت عمر رضي الله عنه وقالت له مثل ذلك فقال لها: إن أتيتني بعد هذا لأرجمنك قال النحرير قوله: لأرجمنك مبالغة في التهديد لإشعاره بأن ما تبغيه زنا. قوله: (فالآية مطلقة قيدتها السنة) وهو جائز كتخصيصه بالخبر المشهور الملحق بالمتواتر وهذا منه ولو قيل: إنه تفسير للنكاج المراد منه الجماع كما في الوجه الآخر لكان أقوى. قوله: (والحكمة الخ (الحكم هو التشديد الذي يشق عليهم ثم إذا اختار ذلك يكون له العود لما يحبه ويرغب فيه فالعود إما مرفوع معطوف على الردع أو مجرور معطوف على التسرع ووجه الردع الأنفة من نكاحها بعد جماع آخر. قوله: (وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ) أخرجه أحمد والترمذقي والنسائي وابن ماجه ومن طرق أخر عن ابن مسعود رضي الله عنه وهو حديث صحيح. عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو لا يدلّ على عدم صحة النكاح لما مرّ أنّ المنع عن العقد لا يدل على فساده وتسميته محللاً يقتضي الصحة لأنه سبب الحل وسماه في الحديث التيس المستعار وفيه لطف وحسن اتفاق لا يخفى، فإن قلت: إذا كان العقد صحيحا والتحليل لازم شرعا فلم لعته رسول الله

صلى الله عليه وسلم، قلت: صحته مما اتفق عليه الفقهاء والصحابة رضي الله عنهم والتابعون إلا أنه مبنيّ على الطلاق وهو أبغض الحلال وفاعله مذموم وهو كبيرة عند الشافعي للعنه، والحديث محمول على ما إذا شرط في صلب النكاح أو يطلق ونحوه من الشروط المفسدة وبدون ذلك مكروه ولا عبرة بما أضمر في النفس ولا بما تقدم النكاح، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه زنا وأمر برجمهما وبه أخذ الثوري والظاهرية واللعنة كما قيل مخصوصة بمن اتخذه مكسبا أو بمن قال: تزوّجتها لأحللها فلا يدل على عدم الصحة. قوله: (وتفسير الظق بالعلم الخ) وقيل: إنّ هذا التفسير غير صحيح لفظا ومعنى أما معنى فلأنه لا يعلم ما في المستقبل يقيناً في الأكثر ولفظا لأن أن المصدرية علم في الاستقبال فلا تقع بعدما يفيد العلم كما صرح به النحاة كذا في الكشاف وشروحه، ورد بأنه يعلم المستقبل ويتيقن في بعض الأمور وهو يكفي للصحة فيها وبأنّ سيبويه رحمه الله أجاز ما علمت إلا أن يقوم زيد وقد جمع بعض المغاربة بين كلام سيبويه وكلام غيره بأن يراد بالعلم الظن القوي كقوله: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [سورة الممتحنة، الآية: 10] وقوله: وأعلم علم حق غيرظن وتقوى الله من خيرالعتاد فقوله: علم حق يفهم منه أنه قد يكون علم غير حق وكذا قوله: غير ظن يفهم منه أنه قد يكون العلم بمعنى الظن ومما يدلّ على أن علم التي بمعنى ظن تدخل على أن الناصبة قول جرير: يرضى عن الناس إن الناس قد علموا أن لا يرى مثلنا في خلقه أحد فليس غلطا لا لفظا ولا معنى بل هو صحيح رواية ودراية وقيل: إنه غريب منه إذ كيف يقال في الآية أن الظن بمعنى اليقين ثم يجعلى اليقين بمعنى الظن المسوغ لعمله أن الناصبة وقوله: إنّ الإنسان قد يجزم بأشياء في الغد مسلم لكن ليس هذا منها وإن ساد مسد المفعولين أو الأوّل والثاني محذوف أو هو مفعول على قول انتهى وهو لم يقف على مراده لأنّ ما نقله من الجمع غير مسلم عنده فلذا جعل الظن بمعنى اليقين أو أنه ظن قوي يشبه اليقين وقوله: إنّ الإنسان قد يجزم الخ بيان لإبطال تلك المقدمة بقطع النظر عما نحن فيه مع أنها غير صحيحة في نفسها لأنها تقتضي أن لا يصاغ من العلم فعل مستقبل حقيقة أصلا، وليت شعري لم يمنعون بهذا الدليل مثل أنه يعلم أن تقوم الساعة وأيّ مناف لها فإن قالوا إنه أمر سماعيّ لتوهم المنافاة فهذا سيبويه رحمه الله شيخ العربية أثبته والمخالف له فيه أبو عليّ الفارسيّ. قوله: (ويعملون بمقتضى العلم) إنما قيده به لأنه المقصود بالبيان قيل: وليخرج الصبيان والمجانين. قوله: (والأجل يطلق الخ) قال الزمخشرفي والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها يقال لعمر الإنسان أجل وللموت الذي ينتهي به أجل وكذلك الغاية والأمد يقول النحويون من لابتداء الغاية والى لانتهاء الغاية وقال: كل حيّ مستكمل مدة العص ص ومود إذا انتهى أجله ويتسع في البلوغ أيضا فيقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه ويقال: قد وصلت وما وصل وانما شارف فالغاية أوقعت على جميع المسافة إذ ليس للنهاية بداية يصح دخول من قبلها ثم لو كان كذلك لم يضر إذ لو كانت النهاية متجزئة ذات ابتداء وانتهاء كانت الغأية مطلقة على الجميع أيضاً في هذا التركيب وهو المدعي على أن الغاية اسم للنهاية يتوسع فيها بالإطلاق على الجميع، قال الأزهريّ: الغاية أقصى الشيء وأمّا قول من قال إن الشيء له غايتان ابتداء وانتهاء فلا يدل قول النحويين فقد رد بأن الابتداء إنما يصلح غاية إذ كان الابتداء من المقابل لا أنه غاية من حيث كونه مبتدأ. (وفيه بحث) فإنّ مقابلة من بالي تنافي ما ذكره فمن يقول إن الغاية الطرف مطلقا وللشيء طرفان بل أطراف يجعل قولهم ابتداء الغاية من إضافة الخاص للعامّ فلا دليل فيه كما ذكره فتأمل. وقوله: وللموت أي وقت مشارفة الموت إذ الموت ليس آخر المدة والميت المذكور للطرماح ومود بالمهملة بمعنى هالك ووقع في بعض الكتب بدل أجله أمده وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أظهر. قوله: (والبلوغ هو الوصول الخ

(لا خفاء في أنه ليس المعنى على بلوغهن الأجل ووصولهن إلى العدة ولا على بلوغهن آخره بحيث ينقطع الأجل بل على وصولهن إلى قرب آخره فوجب تفسير الأجل بآخر المدة وائبلوغ بمشارفته والقرب منه فهو من مجاز المشارفة أو استعارة تشبيها للمتقارب الوقوع بالواقع وفي كلام الزمخشريّ ما يشعر بأن إطلاق الأجل على آخر المدة أو جميعها بطريق الاتساع وأما الغاية والأمد فآخر المسافة لا المدة كما توهمه عبارته. قوله: (فراجعوهن الخ) يعني أن الإمساك مجاز عن المراجعة لأنها سببه والتسريح بمعنى الإطلاق مجاز عن الترك وقوله: وهو إعادة للحكم وهو إيجاب الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان في بعض الصور، وهو في صورة بلوغهن أجلهن للاهتمام كما يفيده قوله كان المطلق الخ، وهذا أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما وقوله: إرادة الإضرار إشارة إلى أنه مفعول له وليس تقدير الإرادة بلازم أو حال أي مضارّين. قوله: (واللام متعلقة الخ (قيل: إنه متعين على إعراب ضرارأ علة إذ المفعول له لا يتعدد إلا بالعطف أو على البدل وهو غير ممكن هنا لاختلاف الإعراب وجائز على إعرابه حالاً على أنه علة للعلة ويجوز تعلقه بالفعل وإن قدرت لام العاقبة جاز على الأوّل أيضا ويكون الفعل تعدى إلى علة ديالى عاقبة وهما مختلفان وقال فقد ظلم نفسه وكان الظاهر ظلمهن للمبالغة بجعل ظلمهن مما هو عائد عليه بالآخرة. قوله: (بالإعراض! عنها الخ) يعني أنه نهى جعل كناية عن الأمر بضده وهو الجد في العمل بالآيات والامتثال لما قبله من الأوامر فيرتبط به، وعلى الوجه الآخر يكون المراد به ظاهره، ومناسبته لما قبله ظاهرة وقوله: ثلاث الخ حديث حسن رواه أبو داود والترمذي لكن فيه الرجعة بدل العتاق، وقوله: التي من جملتها إشارة إلى أنه عام والمعطوف عليه خاص خلافاً للزمخشرقي إذ خصه بهذا ليتغايرا وقوله: بالشكر الخ، متعلق باذكروا أو بيان للمراد منه وفسر الحكمة بالسنة لاشتمالها عليها وليغاير ما عطف عليه وجملة يعظكم به معترضة للترغيب والتعليل. قوله: (تثيد وتهديد) يعني أنه تأكيد للأوامر والأحكام السابقة بتهديد من يخالفها لأنه عالم بأحواله مطلع عليها فليحذر من جزائه وعقابه أو أنه عليم بكل شيء فلا يأمر إلا بما تقتضيه الحكمة والمصلحة فلا تخالفوه، وليس هذا من التأكيد المقتضي للفصل لأنه ليس إعادة لمفهوم المؤكد ولا متحداً معه فأحفظه فإنك تراهم كثيراً ما يجعلون المعطوف تأكيداً. قوله: (وعن الشافعي الخ) لأنّ البلوغ الأوّل بمعنى المشارفة كما مرّ وهذا بمعنى الانتهاء والانقضاء والسياق يدل على أنه غير الأوّل لئلا يتكرّر. قوله: (لمخاطب به الأولياء الخ) فأزواجهن على هذا باعتبار ما كان ومعنى ينكحنهم يرجعن إليهم أي فلا يعضلهن الأولياء عن الرجوع إليكم وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب أو التقدير فلهن الرجوع إلى أزواجهن فلا يعضلوهن فحذف الجواب وأقيم هذا مقامه. قوله: (روي الخ) أخرجه البخاريّ وأبو داود والنسائي وليس فيه تسميتها ووقع تسميتها حملا وزوجها لبيد بن عاصم في رواية القاضي إسماعيل في أحكام القرآن وبه جزم، وروى ابن جرير أن اسمها جميل بالتصغير وبه جزم ابن مأكولا وتابعه في القاموس وقيل: اسمها ليلى حكاه السهيلي والمنذري وقيل: غير ذلك فقوله جميل بالتصغير بناء على رواية وفي نسخة جملا بضم الجيم وتسكين الميم وهي رواية أخرى، وقصتها أنه قال: كانت لي أخت تخطب إليّ وأمنعها من الناس فأتاني ابن عمّ لي فأنكحتها إليه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا له رجعة ثم تركها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إليّ أتاني يخطبها مع الخطاب فقلت له خطبت إليّ فمنعتها الناس وآثرتك بها فزوّجتكها ثم طلقتها طلاقا له الرجعة ثم تركتها حتى انقضت عذتها فلما خطبت إليئ أتيتني تخطبها مع الخطاب والله لا أنكحتكها أبداً قال ففي نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه. قوله: (فيكون دليلأ الخ) استدلّ الحنفية بهذه الآية لجواز النكاح إذا عقدت على نفسها بغير وليّ ولا إذن لإضافة العقد إليي من غير شرط إذن الوليّ ولنهيه عن العضل إذا تراضيا، وأشار المصنف رحمه الله إلى رذه بأنه لولا أنه للوليّ لما نهاه الله عن العضل والمنع كما لا ينهي الأجنبيّ الذي لا ولاية له قال الجصاص: هذا غلط لأنّ النهي للمنع عما لا حق له فيه

فكيف يستدلّ به على إثبات الحق وأيضا الوليّ يمكنه المنع عن الخروج والمراسلة بالرضا فينصرف النهي إلى هذا وأمّا قوله: لا معنى له فممنوع إذ معناه ما في عضل الزوج زوجته ظلما كما في الوجه الثاني. قوله: (وقيل الآزواج الخ (فالأزواج باعتبار ما يؤول، ومعنى ينكحن يصرن ذوات نكاحهم من قبيل فلان ناكح في بني فلان. قوله: (وقيل الناس كلهم الخ) هذا الوجه أوجه عند الزمخشريّ لتناوله عضل الأزواج والأولياء جميعا مع السلامة من انتشار ضميري الخطاب فإنّ خطاب إذا طلقتم لا يصلح للأولياء قطعا ولمطابقته لسبب النزول وقوله والمعنى، الخ يعني به أنّ لا تعضلوهن بمعنى لا يوجد فيما بينكم العضل فإنّ لا تعضلوا يقتضي مباشرة الكل فجعلهم كالمباشرين له ليصح نهيهم عنه، لأنّ من لوازم وجوده بينهم رضاهم به فجعل النهي عن اللازم كناية أو مجازا عن النهي عن الملزوم وقد تقدم الكلام فيه. قوله: (والعضل الخ) أي أصل معناه الحبس والتضييق ومنه عضلت الدجاجة بتشديد الضاد إذا لم تخرج بيضها وكذا الأمّ إذا عسرت ولادتها وعضل يعضل مثلثة الضاد وتستعار للإشكال، والخطاب بضم وتشديد جمبم خاطب، ومعنى ما يعرفه الشرع أي ما هو معروف فيه فالإسناد مجازيّ وفي نسخة يعرّفه بالتشديد أي يبينه من الكفاءة ونحوها، والمروءة بالهمزة مصحدر من المرء كالإنسانية والرجولية وقوله: من الضمير المرفوع أي فاعل تراضوا، وجوّز فيه أيضا تعلقه بتراضوا وبينكحن ولما قيد النهي بكونه على الوجه الحسن أفاد أنّ لهم المنع بدونه. قوله: (والخطاب للجميع على تأويل القبيل الخ) يعني أنّ ذلك بالإفراد والتذكير والمخاطب هنا جمع فإقا أن يكون بتأويل الجمع والقبيل والفريق ونحوه أو لكل واحد واحد أو أنها تدل على خطاب قطع فيه النظر عن المخاطب وحدة وتذكيرا وغيرهما والمقصود الدلالة على حضور المشار إليه عند من خوطب للفرق بين الحاضر والمنقضي الغائب وهذا معنى قول الثعلبي في تفسيره هنا الأصل في ذلك أن تكون الكاف بحسب المخاطب ثم كثر حتى توهموا أنّ الكاف من نفس الكلمة فقالوا ذلك بكاف موحدة مفتوحة في الاثنين والجمع والمؤنث اهـ. وقد خبطوا في معناه فقيل: معناه إنه أفرد الخطاب لمجرّد تحصيل اسم الإشارة للبعيد لا لتعيين المخاطب ولا دلالة في الكلام على ما قاله وقيل: إنه لم يذكره أحد قبله وكلهم اتفقوا على ردّه ولا وجه لما قالوه إلا عدم التدبر كما عرفت. قوله: (أو للرسول صلى الله عليه وسلم على طريقة قوله الخ (وقيل: إنه جعل خطابا للرّسول صلى الله عليه وسلم فإنه الأصل في تلقي الكلام أو لكل أحد ممن يتلقى الخطاب فيكون لمن يسمع ويتلقى الكلام سواء كان هو المخاطب بالحكم أو لا ومثله ثم عفونا عنكم من بعد ذلك، ولعلك تطلع مما ذكرنا على فساد ما قيل: إن مبني الأوّل على أنّ خطاب رئيس القوم بمنزلة خطاب كلهم كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} [سورة الطلاق، الآية: ا] ولذا قال من كان منكم وان الثاني أرجح من جهة اًنّ الخطاب السابق واللاحق لكل أحد فالأنسب أن يكون المتوسط كذلك. وفيه بحث، وقوله: لأنه المتعظ به والمنتفع يعني من يؤمن وفسر أزكى بأنفع من الزكاء وهو النماء من التزكية بمعنى التطهير ليغاير أطهر وكونه أطهر من دنس الاثام لأنه بتقدير لكم أيضاً أي أطهر لكم وهذه اللام للتعدية فتفيد معنى التطهير فلا يرد عليه أنه يقتضي أن يكون أطهر من التطهير أي أكثر تطهيراً لكم من دنس الآثام ولا حاجة إلى ما قيل: إنه يدفعه أنه من وصف الشيء بوصف صاحبه دون الفعل أو الترك المشار إليه بذلكم، ثم إن كان أزكى بمعنى تزكيتهم بها أي تطهيرهم فعطف وأطهر للتفسير وان كان من زكا بمعنى نما فمعنى أزكى أفضل وأكثر خيراً وحينثذ فالأنسب أن يراد بالأظهر الأطيب لقلة الفائدة في تبعيده من الآثام مع ما فيه من التكلف اهـ. وقد علمت مما مرّ دفع التكلف الذي أشار إليه مع أنه لازم له في أزكى مع التكرار الذي هو خلاف الظاهر! أمّل. قوله: (أمر عير عنه بالخبر الخ) وجه المبالغة فيه وفي أمثاله ما مرّ من أنه يجعله كأنه لوجوب امتثاله مما وقع فصح الأخبار عنه وقول النحرير وجه المبالغة بناؤه على المبتدأ الصواب فيه وجه زيادة المبالغة وكونه للندب هو الظاهر ولا تنافيه هذه المبالغة بل هو سبب لها لأنّ المندوب يجوز تركه فينبغي تأكيده لثلا يترك. قيل:

وكونه للمطلقات يرجحه بيان إيجاب الرزق والكسوة فإنه لا يجب كسوة الوالدات ورزقهن إذا كن غير مطلقات للإرضاع بل للزوجية فإن كان للأعمّ فلا إشكال لأنه باعتبار بعضهن أي المطلقات وليس في الآية ما يدل على أنه للإرضاع وقد فسره في الأحكام بما للزوجية، فإن قلت تقييده بالحولين ينافي الوجوب إذ لا قائل به قلت القائل بالوجوب يصرفه للإرضاع المطلق أو يجعل قوله حولين معمولاً لمقدر. قوله: (لأنه مما يتسامح فيه (فيطلق على الأقل القريب من التمام وهذا لا ينافي أن اسم العدد خاص في مدلوله لا يحتمل الزيادة والنقصان لأنّ معناه لا تطلق العشرة مثلا على تسعة أو أحد عشر وهذا التسامح بجعل شيء من أبعاض الآحاد منزلاً منزلة الواحد فتطلق العشرة الأيام على تسعة أيام ونصف يوم كما يقال للقريب من الحول حول لأنه تسمح شائع إذ يقال لقيته في سنة كذا واللقاء في يوم منها وفيه نظر. قوله: (بيان للمتوجه الخ) أي اللام للبيان كما في هيت لك وسقيا لك والجار والمجرور في مثله خبر مبتدأ محذوف أي ذلك لمن الخ وكون الرضاع واجباً على الأب لا ينافي أمرهن لأنه للندب أو لأنه يجب عليهن أيضاً في الصور السابقة وكونه يجوز أن ينقص عنه مأخوذ بتفويضه للإرادة وكونه لا يعتدّ به بعدهما يعني لا يعطي حكم الرضاع على ما بين في الفروع ثم إنه قرئ أن يتم الرضاعة بالرفع بحمل أن المصدرية على ما المصدرية في الإهمال كما حملت عليها في الأعمال في قوله جمي! : " كما تكونوا يولي عليكم " ويحتمل أنه يتموا بضمير الجمع باعتبار معنى من وسقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين فتبعها الرسم. قوله: (وتغيير العبارة) يعني لم يقل على الوالد مع أنه أظهر وأخصر للدلالة على علة الوجوب وهو أنه ولد له ويعمل بإشارة النص أنّ النسب للآباء في الحقيقة، واشارة النص تسمى في البديع الإدماج إلى نحو هذه الإشارة قصد الشاعر بقوله: وانما أمّهات الناس أوعية مستودعات وللآباء أبناء ومؤن كصرد جمع مؤنة وضمير رزقهن للوالدات وخرجت الناشزة، ويعلم ذلك بإشارة النص من قوله: المولود لأنه لا يتصوّر بدون تسليم الأنفس وكذا كونها غير صغيرة كما في شرح الهداية وفيه نظر وكونه تعليلاً بناء على ما فسره به وقوله: ودليل ردّ على من قال إنه محال لا! نفيه يقتضي إمكانه والا لم يفد. قوله: (لا تضارّ والدة الخ) المضارّة مفاعلة من الضرر، والمفاعلة إفا مقصودة والمفعول محذوف أي زوجها أو غير مقصودة والمعنى لا يضر واحد منهما الآخر بسبب الولد إذ تضارّ في أصله متعد بنفسه فعلى احتمال المجهول ظاهر وعلى المعلوم يقدّر له في موقع المفعول به، وضارّ بمعنى أضرّ وفاعل يكون بمعنى أفعل نحو باعدته بمعنى أبعده، وجوّز أيضا أن يكون بمعنى تضر بفتح التاء وضم الضاد وفاعل بمعنى فعل نحو واعدته بمعنى وعدته والباء زائدة وقوله: تفصيل له الخ أي تفصيل لعدم التكليف بما لا يطاق وتقريب له وفيه إشارة إلى وجه ترك العطف، ووجهه أن المضازة المنفية إمّا أن تكون مما في الوسع فنفيها يدل على نفيه بالطريق الأولى أو مما ليس فيه فهو ظاهر. قوله: (وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الخ) وعلى البدلية والرفع هو خبر وجوّز أن يكون خبراً بمعنى الأمر فيتحد معنى بقراءة الجزم وقوله بمعنى تضر بفتح حرف المضارعة من الثلاثي وضمها من الأفعال على ما مرّ، وهو مقرّر في الدرّ المصون فما قيل: إنما تجعل الباء صلة لو كان بمعنى تضر ثلاثيا مجرّدا لما في القاموس ضره وضربه وأضرّه فلم يجعل أضرّ متعذياً بالباء من قصور النظر وصاحب القاموس لا يعوّل عليه. قوله: (وقرئ لا تضار بالسكون الخ) وهو إمّا مجزوم ولم يكسر كما قرئ به إجراء للوصل مجرى الوقف وفي قراءة التخفيف كذلك إلا أنه بحتمل أنه من ضاره يضيره بمعنى ضرّه أو من ضارّ المشذد فخفف وقوله: فلا ينبغي الخ ناظر إلى المعنيين والتفسيرين السابقين. قوله: (والمراد بالوارث الخ) يعني أنّ الوارث بمعنى المضاف أي وارثه، والضمير إمّا للوالد أو للولد والوارث إمّا وارث المولود له على العموم أو الصحبيئ نفسه أو وارث

الصبيّ على العموم أو بقيد أن يكون ذا رحم محرم من الصبيّ بحيث لا يجوز بينهما النكاح على تقدير أن يكون أحدهما ذكرا والآخر أنثى أو بقيد أن يكون أحد أصوله من الآباء والأمّهات والأجداد والجدات أو بقيد أن يكون من عصبته على اختلاف المذاهب بين السلف، قيل: وأفا جعل الوارث بمعنى الباقي وإن كان صحيحأ لغة فقلق في هذا المقام إذ ليس لقولنا فالنفقة على الأب أو على من بقي من الأب والأم معنى معتد به، وكوف خلاف الظاهر لا لثك وأمّ القلاقة فلا فإنّ المعنى على الأب أو الأمّ عند عدمه، وأورد على ما قبله أنّ الصبيّ إذا كان له مال فالمؤنة منه مطلقا فلا يتجه تقييده بموت الأب وفيه نظر وتمان مجهول أي تعطي مؤنتها. قوله: (واجعله الوارث الخ) حديث حسن رواه الترمذي وأوّله: " اللهتم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني وانصرني على من ظلمني وخذ منه بثأري " وروي: " اللهمّ متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقؤتنا ما احييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا " ومعنى اجعله الوارث أي أبقني صحيحاً سليما إلى أن أموت وافراد ضمير اجعله إمّا بتأويل ذلك المذكور أو أنه ضمير المصدر أي التمتع بها كما في شروح المفصل وجعل ذلك إشارة إلى الرزق والكسوة، وقيل: إلى جميع ما سبق فيشمل عدم المضارّة. قوله: (فإن أوادا فصالاً الخ) تفصيل للرّضاع فقوله: لمن أراد أن يتمّ الرضاعة بيان للإتمام وهذا للنقص عنه صراحة بعد الإشارة إليه دلالة، ولم يرتض ما في الكشاف من أن المعنى فلا جناج عليهما في ذلك زادا على الحولين أو نقصا وهذه توسعة بعد التحديد، وقيل: هو في غاية الحولين لا يتجاوز لما فيه كما يعلم من الشروح والمشورة كالمثوبة والمشورة كالمصلحة لغتان مرّ الكلام فيهما وهي من شرت العسل إذا اجتنيته لذوق حلاوة النصيحة كما قاله الراغب وغيره. قوله:) أي تسترضعوا المراضع أولادكم الخ (في الكشاف استرضع من قول من أرضع يقال: أرضعت المرأة الصبيئ واسترضعتها الصبيّ فتعديه إلى مفعولين كما تقول أنحج الحاجة واستنحجته الحاجة والمعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم فحذف أحد المفعلوين للاستغناء عنه قيل: هو أصل تصريفي وهو أن أفعل إذا كان متعديا إلى مفعول فإن زيد فيه السين للطلب أو النسبة يصير متعديا إلى مفعولين يقال: أرضعت المرأة ولدها واسترضعتها الولد وقيل: عليه أخذ استفعل وسائر المزيد من المجرّد حتى قيل: إنّ أخذه من الأفعال من خصائص الكشاف هنا لكن المعنى هنا على طلب أن ترضع المرأة ولدها لا على طلب أن يرضع الولد الثدي أو أف فإنه متعذ كأرضع فلذا جعله منقولاً من أرضع وحذف أحد مفعولي باب أعطيت جائز لكنه هنا بمنزلة الواجب إذ قلما يوجد في الاستعمال استرضعوها الولد وما ذكر من الاستغناء إنما هو على عدم القصد إلى خصوص المرضعة ويرد عليه أنّ الإمام الكرماني نقل في باب الاستنجاء أنّ الاستفعال قد جاء لطلب المزيد كالاستنجاء لطلب الإنجاء والاستعتاب لطلب الأعتاب لا العتب، وصرّح به غيره أيضا واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: أنحج واستنحج ومن العجيب أنّ بعضهم جعله من رضع بمعنى أرضع وتعسف في تخريجه. قوله: (وإطلاقه الخ) هذا مذهب الشافعي وأئا الحنفية فيقولون إنّ الأمّ أحق برضاع ولدها وأنه ليس للأب أن يسترضع غيرها إذا رضيت أن ترضعه لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} فهي قد خصصت هذا الإطلاق. قوله: (ما أردتم إيتاءه الأن تسليم ما أوتي وما أعطي لا يتصوّر إذ هو تحصيل حاصل بلا طائل فلذلك أوّله على هذه القراءة وظاهره أنه على القراءة الثانية لا يحتاج إلى تأويل وبه صرّحوا لأنه بتقدير ما فعلتم بذله وإحسانه أو نقده وفيه نظر وأمّا الثالث فلا غبار عليه. قوله: (وليس اشتراط التسليم الخ) جواب سؤال وهو أنّ ظاهر النظم أنّ التسليم شرط لرفع الإثم، وليس كذلك فأجاب بأنه الأولى وأكثر ثوابا ووجهه أنه شبه ما هو من شرائط الأولوية بما هو من شرائط الصحة للاعتناء به فاستعير له عبارته وقيل: إنه لا حاجة إلى هذا لأنّ نفي الإثم تسليم الأجرة مطلقا غير مقيد بتقديمها عليه وفيه تأئل. ووجه المبالغة والحث ظاهر. قوله:) وأزواج الذين يتوفون لخ الما كان المتوفى الأزواج والمتربص الزوجات لزم

كون الخبر ليس عن المبتدأ فاحتاج إلى التأوبل فأوّلوه بوجوه منها تقدير المضاف في المبتدأ أي أزواج الذين يتوفون والأزواج المقدر بمعنى النساء لأنّ الزوج يطلق على الرجل والمرأة والزوجة فيه لغة غير فصيحة، أو يقدر في الخبر ما يربطه به ويصحع حمله عليه أي يتربصن بعدهم اً ولهم وحذف العائد المجرور من الخبر جائز كما في المثال الذي ذكره، قال النحرير: ولي في مثل هذا المقام كلام وهو أنّ الربط حاصل بمجرّد عود الضمير إلى الأزواج لأنّ المعنى يتربص الأزواج اللاتي تركوهن وأنا أتعجب من ذكره بحثا من عند نفسه وهو مذهب الأخفش والكسائي وقد ذكر في متون النحو كالتسهيل، وقال المصنف في شرحه: بعد ما ذكر هذه الآية الأصل يتربص أزواجهم ثم جيء بالضمير مكان الأزواج لتقدم ذكرمن فامتغ ذكر الضمير لأنّ النون لا تضاف لكونها ضميرا وحصل الربط بالضمير القائم مقام الظاهر المضاف للضمير الرابط والحاصل أنّ الضمير إذا عاد على اسم مضاف إلى العائد هل يحصل به الربط أولاً فمنعه الجمهور وأجازه الأخفش والكسائيّ، وله نظائر وأورد على الأوّل أنه يلغو قوله: ويذرون أزواجا إلا أن يجعل تفسيراً له وايضاحاً بعد الإبهام ومنهم من قدر يتربصن خبر مبتدأ أي أزواجهم يتربصن والجملة خبر المبتدأ الأوّل وفيه وجوه أخر. قوله: (وقرئ يتوفون بفتح الياء الخ) وهي قراءة عليّ رضي الله عنه ورويت عن عاصم ومعناها يتوفون آجالهم أي يستوفون مدة أعمارهم فعلى هذا يقال للميت متوف بمعنى مستوف لحياته قال الزمخشرفي والذي يحكي أنّ أبا الأسود الدؤليّ كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل من المتوفى بكسر الفاء فقال الله تعالى: وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي كرّم الله وجهه على أنّ أمره بأن يضع كتابا في النحو تناقضه هذه القراءة، وأجيب عنه كما ذكره السكاكي بأنّ سبب التخطئة أنّ السائل كان ممن لم يعرف وجه صحته فلم يصلح للخطاب به. قوله: (وتأنيث العشر باعتبار الليالي الخ) قيل: لأنّ الشهور الهلالية غررها الليالي فتكون الأيام تبعا لها، وحكى الفرّاء صمنا عشرا من شهر رمضان مع أنّ الصوم إنما يكون في الأيام، وقال سيبويه: هذا باب المؤنث الذي يستعمل في التأنيث والتذكير والتأنيث أصله وقوله: إن لبثتم إلا يوماً بعد قوله إلا عشرا ظاهر في أنّ المراد بالعشر الأيام لكن الكلام في أنه هل يصح هذا في الأيام التي لم يعتبر معها الليالي حتى تخرج عن باب التغليب أو أنه من تغليب المؤنث هنا لخفته وكون المؤنث أجدر به بالاعتبار نظراً إلى أنه كثير فيه تردّد، وقوله: صمت عشراً لا يدل عليه لأنه مثل صمت شهر رمضان والظاهر جوازه لأنه غلب استعماله بالتغليب ثم كثر واستعمل بدونه وفي كلام المصنف رحمه الله والفرّاء إشارة إليه وفي قوله غرر الشهور والأيام تسامح أي لأنها مقدمة على الأيام والشهور ولو أسقط الأيام لكان أولى، وقوله: لا يستعملون الظاهر لم يستعملوا لأن قط لاستغراق الماضي ومثله ورد لكه قليل في كلامهم وقد ردّ هذا أبو حيان وقال: بل استعماله كثير في كلام العرب وقال: إنه لا حاجة إلى ما تكلفوه، لأنّ عكس! التأنيث إنما هو إذا ذكر المعدود أمّا عند حذفه فيجوز الأمران وهو أقرب مما قالوه. قوله: (ولعل المقتضي الخ) أورد عليه أنه مناف للحديث الصحيح: " إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الثه ملكاً بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقئ او سعيد ثم ينفخ فيه الروح " لأنّ ظاهر. أنّ نفخ الروح بعد هذه المدة مطلقا إلا أن يقال: إنّ قوله ثم ينفخ بمعنى يكمل النفخ فيه وان كانت نفخت في بعض. (أقول) : هذا الحديث مما اضطربت فيه الرواية والرواة ففي البخاري: " إنّ احدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله الملك " وفي مسلم: " إذا مرّ بالنطفة ثمتان وأربعون ليلة بعث الثه إليها ملكاً فصؤرها " الخ. ففي الحديث الأوّل إشعار بأنّ إرسال الملك بعد مائة وعشرين ليلة وفي الثاني تصريح بأنه يبعث بعد أربعين ليلة وأجاب ابن الصلاج بأنّ الملك يرسل غير مرّة إلى الرحم مرّة عقب الأربعين الأولى فيكتب أجله ورزقه وعمله وحاله في الشقاوة والسعادة وغير ذلك ومرّة أخرى عقب الأربعين الثانية فينفخ فيه الروج، ويشكل بما ورد في بعض الروايات عند ذكر

إرسال الملك عقب الأربعين الأولى فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الخ. ومن المعلوم أن هذا التصوير لا يكون في الأربعين الثانية فإنه يكون فيها علقة وإنما يكون هذا التصوير قريبا من نفخ الروح، وأجيب أيضا بحمل قوله فصوّرها على معنى أمر بتصويرها أو ذكر تصويرها وكتب ذلك والدليل عليه انّ جعلها ذكراً أو أنثى يكون مع التصوير المذكور، وأورد عليه أنّ البخاري أورده بثنم فقال: " إنّ خلق احدكم يجمع في بطن أت أربعين يوما وأربعين ليلة ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات فيكتب ررّقه وأجله وعمله وشقئ أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح " فيقتضي تأخر كتب الملك عن الأربعين الثالثة وذاك يقتضي أنه عقب الأربعين الأولى وقد جعل قوله ثم يبعث إليه الملك معطوفا على قوله يجمع في بطن أمّه وما بينهما اعتراض، وروي بالواو وعليه فالأمر سهل لأنّ الواو لا تقتضي ترتيبا وعلى ما ذكره المصنف رحمه الله إذا تفاوت فيه الناس لا تعارض لأنّ كلاً منها بالنسبة إلى بعض فتأمّله ومعنى استظهاراً طلباً للظهور ودفع الشبهة. قوله: (وعموم اللفظ يقتضي الخ) قيل: عليه لم نجد فرقا بين الكتابية والمسلمة في كتب الحنفية كما يشعر به كلامه وفي المحيط يجب على الكتابية إذا كانت تحت مسلم ما يجب على المسلمة الحرّة كالحرّة والأمة كالأمة وما ذكره يرد لو عنى ما ذكره إمّا لو عنى الأعمّ من كونها تحت مسلم أو ذمي فلا وما روي عن عليّ كرّم الله وجهه لا ينافي الإجماع وفيه عمل بمقتضى الآيتين وقوله: انقضت عدتهن احتراز عن احتمال المشارفة السابق، وقوله: وسائر الخ زاده على الكشاف، وقوله: ومفهومه الخ إشارة إلى دفع ما يتوهم من أنه لا جناح على أحد بفعل آخر فجعله كناية عن أنه يجب عليهم المنع. قوله: (التعريض والتلويح الخ) الكناية أن يذكر معنى مقصود بلفظ لم يوضع له لكن استعمل في الموضوع لا على وجه القصد بل لينتقل منه إلى الشيء المقصود فطوبل النجاد مستعمل في معناه لكن لا يكون هو المقصود بالإثبات بل لينتقل منه إلى طول القامة فخرج بقيد الاستعمال في معناه المجاز وبقيد عدم القصد الصريح من الحقيقة والتعريض أن تذكر شيئا مقصودا في الجملة بلفظه الحقيقي أو المجازي أو الكنائي لتدل بذلك الشيء على شيء آخر لم يذكر في الكلام مثل أن يذكر المجيء للتسليم بلفظه ليدل على التقاضي، وطلب العطاء فالتسليم مقصود وطلب العطاء عرض وقد أميل إليه الكلام من عرض أي جانب ويكون المعنى المذكور أوّلاً مقصوداً امتاز عن الكنايات التي ليست كذلك فلم يلزم صدقه على جميع أقسام الكناية فمثل جئتك وسلم عليك كناية وتعريض ومثل زيد طويل النجاد كناية لا تعريض ومثل قولك في عرض من يؤذيك وليس المخاطب آذيتني فستعرف تعريض بتهديد المؤذي لا كناية ثم إذا كان الاصطلاح على أنّ التلويح اسم للتعريض كان جعل السكاكيّ التلويح اسما لكناية البعيدة لكثرة الوسايط مثل كثير الرماد للمضياف اصطلاحاً جديداً هذا ما قاله الشارح النحرير وفي الكشف بعد ما ذكر نحوه وقد يتفق عارض يجعل المجاز في حكم حقيقة مستقلة كما في المنقولات والكناية في حكم المصرّج به كما في الاستواء على العرس وبسط اليد ويجعل الا اصفات في التعريض نحو المعرض! به في نحو قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [سورة البقرة، الآية: 41] فلا ينتهض نقضا على الأصل وتعريف المصنف تبعاً للزمخشريّ مع ترك ما فيه من المسامحة بناء على أنّ التعريض ليس كناية ولا حقيقة ولا مجازاً وأنّ الكلام قد يدل بغير الطرق الثلاثة، وقوله: بما لم يوضعالخ يقتضي أنّ في المجاز وضعاً فمامّا أن يريد بالوضع ما يعم الشخصيّ والنوقي أو يريد بيوضع يستعمل أو قصد المشاكلة ولم ينف الكناية لأنها داخلة في كلامه في الحقيقة. وقوله: والكناية الخ تبع فيه السكاكي حيث فرق بين المجاز والكناية بأنّ الانتقال في الكناية من التابع إلى المتبوع وفي المجاز بالعكس وفي هذا ما يضيق عنه المقام وبسطه في شرح المفتاح ونافقة بمعنى مرغوب فيها من النفاق وهو الرواج ضد الكساد، وقوله: ولا تعريضاً للتعميم بمعنى لم يذكروه والا فالتصريح بالتعريض لا يضر فلا حاجة إلى نفي ما في النفس منه، وقوله: وفيه نوع توبيخ

أي حيث ذكر ذكرهن بعد النهي عنه إشارة إلى عدم صبرهم عنهن وقوله: جئتك لأسلم عليك هو تعريض بطلب العطاء كما قال الشاعر: أروح بتسليم عليك وأغتدي وحسبك بالتسليم مني تقاضيا قوله: (استدراك عن محذوف الخ) قيل: لا مانع من جعله استدراكاً على قوله لا جناح فإنه بمعنى عرضوا ولكن الخ وقيل: إنه استدراك على قوله ستذكروهن ولا حاجة إلى التقدير وفيه نظر. قوله: (عبر بالسرّ عن الوطء الخ) يعني تعارف التعبير عن الوطء بالسرّ لأنه يسر ثم أريد به العقد الذي هو سببه والأوّل كناية فيكون الثاني من المجاز لشهرة الأوّل ولم يجعل من أوّل الأمر عبارة عن العقد لأنه لا مناسبة بينهما في الظاهر وهو مفعول وجوّز نصبه بنزع الخافض أي في السرّ والمراد به ما يقبح لأنه يسر غالباً. قوله: (وهو أن تعرضوا الخ) فالمعروف ما عرف تجويزه وهو ما يكون بطريق التعريض والمراد بهذا التعريض التعريض بالوعد لها بما يريد والتعريض السابق التعريض بنفس الخطبة والطلب فلا تكرار وأمّا منع الانقطاع والاستثناء من سراً فلان سرّا مفعول به بلا رابط فالمستثنى منه يكون كذلك فيكون المعنى تواعدوهن إلا التعريض وليس بمستقيم لأنّ التعريض طريق المواعدة لا الموعود نفسه، ورذ بأنّ الاستثناء المنقطع ليس من شرط صحته تسلط العامل عليه بل هو على قسمين قسم يصح فيه ذلك نحو ما جاء أحد الأحمار ويجوز فيه النصب والبدلية مما قبله وقسم لا يصح فيه ذلك نحو ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضرّ، وهذا يجب نصبه وكلاهما بتقدير لكن وما نحن فيه من الثاني فلا يلزم أن يكون موجوداً فيه كلام في سورة هود وقوله: والأظهر جوازه أي جواز التعريض بالخطبة في عدة البائن قياسا على عذة المتوفى عنها عند الشافعي. قوله: (ذكر العزم مبالنة الخ) أي لا تقصدوا قصدا جازما لا تردّد معه نهي عن العزم ليكون أبلغ في منع الفعل وقدر المضاف لأنّ العزم إنما يكون على الفعل لا على نفس العقدة، وقيل: معناه لا تقطعوا عقدها بمعنى لا تبرموه ولا تلزموه ولا تقدموا عليه فيكون النهي عن نفس الفعل لا عن قصده وبهذا يمتاز عن الوجه الأوّل وإلا ففي العزم بمعنى القصد مغ القطع أيضاً كما يقال: هذا أمر معزوم عليه ومقطوع به ولو كان القطع ضدّ الوصل كان المعنى لا تقطعوا عقدة نكاج الزوح المتوفى بعقد نكاح آخر ولا يقدر حينئذ مضاف، وقوله: لا بدعة في إلطلاق أي لا يعد بدعيا ولو كان في الحيض، وقوله: تجامعوهن إشارة إلى أنّ المس كناية عن الجماع وما مصدرية وفتية أي في مدة عدم المس، وقوله: ما كتب من العدة أي فرض فكتاب الله هنا بمعنى مفروضه قيل: لأنّ الشيء يراد ثم يقال: ثم يكتب فالإرادة مبدأ والكتابة منتهى فإذ! عبر عن المبدأ وهو المراد بالمنتهى وهو المكتوب أريد توكيده كأنه تمّ وفرغ عنه. قوله: (1 لا أن تفرضوا الخ) أو إذا كانت بمعنى إلا أو إلى والمصنف رحمه الله قال. حتى يريد إلى وهو الواقع في كلام النحاة انتصب المضارع بعدها بأن مقدرة أو بها نفسها على المذهبين، قيل: وفيه إشكال قويّ هنا لم يتنبه له أحد وهو أنّ أو هذه عاطفة كما قرّره النحاة على فعل قبلها هي غاية له فقولك لألزمنك أو تقضيني حقي معناه لزوم إلى الإعطاء فعلى قياسه يكون فرض الفريضة نهاية عدم المساس لا عدم الجناح وليس المعنى عليه. (قلت (: هو عطف على الفعل أيضاً والفعل مرتبط بما قبله فهو معنى مقيد به فكأنه قيل: لم تمسوهن بغير جناح وتبعة إلا إذا فرضت الفريضة فيكون الجناج لأنّ المقيد في المعنى ينتهي برفع قيده فتامّله فإنه دقيق غفل عنه المعترض، وقوله: أو وتفرضوا بمعنى أنه معطوف على تمسوا وفي نسخة أو أن تفرضوا والمعنى عليهما إن أو عاطفة على المنفي المجزوم وهي لأحد الأمرين لكنها في حيز النفي تفيد العموم كما في قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [سورة الإنسان، الآية: 24] وقيل: العطف يوهم تقدير حرف النفي وأن الشرط أحد النفيين لا نفي أحدهما حتى ينتفي كل منهما وعموم النفي فيه خفاء ولا يخفى أنه غير وارد ولا حاجة إلى أنّ أو بمعنى الواو وما ذكره المصنف رحمه الله بيان للمعنى لا تأويل وتبعة كفرحة ما يؤخذ مته، وقوله: والتاء لنقل اللفظ أي نقله من الوصفية إلى الاسمية

فصار بمعنى المهر فلا تجوز فيه كمن قتل قتيلاً كما قيل: والأولى غير المدخول بها والمسمى لها والأخيرتين ما بعدها. قوله: (عطف على مقدّر الخ) والمقصود المتعة إذ لا معنى لقوله إن طلقتم النساء فطلقوهن ولذا قدره الزمخشريّ فلا مهر عليكم ومتعوهن وفيه عطف الإنشاء على الخبر وهو جائز لأنه مؤوّل بلا مهر وتجب المتعة، وفي الكشف إنه جائز لأنّ الجزاء جامع جعلهما كالفردين أي الحكم هذا أو ذاك وهو يقتضي أنّ عطف الإنشاء على الخبر غير ممنوع في الجزاء وهو وجه وجيه وفائدة جديدة وإيحاس الطلاق إساءته من الوحشة. قوله: (أي على كل الخ) المقتر كمحسن هو الضيق الحال الفقير فة وله: الضيق الخ عطف بيان له، ودرع المرأة ما تلبسه فوق القميص والملحفة بكسر الميم إزار تلتف فيه والخماو بكسر الخاء ما تغطي به رأسها وقوله: على حسب الحال أي حال الزوج، وقيل: يعتبر حالها واليه يشير قول القدوري: من كسوة مثلها وهو قول الكرخي رحمه الله ففي الأدنى من الكرباس وفي الوسط من القر وفي الأعلى من الحرير الإبريسم، وفي الذخيرة يعتبر الوسط لا غاية الرداءة ولا غاية الجودة وهو مخالف للقولين والآية ظاهرة في الأوّل، واطلاق الحال في كلام المصنف رحمه الله شامل للأقوال قال الإتقاني رحمه الله: المفوّضمة هي التي فوّضت نفسها بلا مهر وقال ابن الهمام رحمه الله: المسموع فيها كسر الواو ويجوز فتحها لأن الوليّ فوّضها للزوج وقوله: قوله عليه الصلاة والسلام قال العراقي رحمه الله لم أجده في كتب الحديث والقلنسوة ما يوضع على رأس الرجل معروفة، وقوله: وألحق بها الشافعيّ الخ مذهب الشافعيّ رحمه الله أنّ المتعة لكل زوجة مطلقة إذا كان الفراق من قبل الزوح إلا التي سمى لها وطلقت قبل الدخول ووجه القياس الاشتراك في جبر إيحاس الطلاق وأيضاً هي داخلة في عموم قوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} فلا حاجة إلى القياس لكن لما كان الشافعيّ رحمه الله يحمل المطلق على المقيد استدل المصنف رحمه الله بالقياس. قوله: (الذين يحسنون إلى أنفسهم الخ) يشير إلى قول الإمام مالك رحمه الله إنّ المتعة مستحبة استدلالاً بقوله على المحسنين فإنه قرينة صارفة للأمر إلى الندب وهي واجبة عندنا وعند الشافعيّ والجواب منع قصر المحسن على المتطوّع بل أعمّ منه ومن القائم بالواجبات فلا ينافي الوجوب فلا يكون صارفاً للأمر عن الوجوب مع ما انضمّ إليه من لفظ حقا وعلى وقوله وان لا متعة الخ هو أحد قولي الشافعيّ رحمه الله. قوله: (والصيغة الخ) أي في حد ذاتها لا هنا لأنه لو كان لجمع الذكور لقيل: أن يعفوا والنون علامة الرفع دليل عليه لأنّ الأفعال الخمسة ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذفها على ما علم في النحو، وقوله: ولذلك الخ أي ولكونه مبنياً لم تؤثر فيه إن مع أنها ناصبة لا مخففة بدليل عطف المنصوب عليه فلا يقال إنّ تعليل نصب المعطوف بكونه مبنياً لا يظهر، وكملاً كحسناً صفة مشبهة بمعنى كاملا. قوله: (وهو مشعر الخ) وجه الإشعار أنّ الاستثناء صيره بمعنى عليه النصف أو الكل فلا يجب النصف وحده وقيل: الإشعار إنما يكون لو كان الاستثناء متصلا فلا يكون الواجب النصف في هذا الوقت بل الكل لكنه منقطع قطعأ لأنّ كون الواجب النصف لا يبقى في وقت عفوهن فعطف قوله أو يعفو عليه يقتضي كونه منقطعا فلا يكون الطلاق مخيراً وتردد النحرير في اتصاله وانقطاعه ليس في محله وليس بشيء بل لا وجه له لأنّ التردد في محله إذ وجوب الكل لا ينافي وجوب النصف لأنه في ضمنه إلا أن يلاحظ النصف بقيده مثل وحده أو فقط وافادة التخيير لا تعلق له بالاتصال والانفصال فتأمّل، وللشافعيّ في مذهبه قولان في بعض المسائل فما قاله ببغداد يسمى قديمأ وما قاله بمصر يسمى جديداً وهو الراجح عندهم في الأكثر واطلاق العفو على تكميل المهر خلاف الظاهر، فلذلك أوّل بالحمل على ما إذا عجل تسليم المهر فإنه حينئذ يعفو عن استرداد النصف أو أنه من عفوت الشيء إذا وفرته وتركته حتى يكثر أو أنه على المشاكلة كما ذكره المصنف رحمه الله وقد ورد بهذا المعنى قوله تعالى: {إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} قال شيخ والدي ما ذكره المصنف من أنّ الواو وضمير وأن مهملة وان سمع على قلة أو شذوذ لا يصح أن يكون مراداً هنا لتوقفه على أنه قرئ برفع يعفو

ولم يقرأ به أحد فلم يصح ما قاله لأنه لا يصح اهمال إن ونصب ما عطف عليه ولو سلم فهو مشكل على مذهب الشافعيّ لأنّ ضمير يعفون إن عاد على الأزواج وإن أباه السياق فالذي بيده العقدة الوليّ وإن عاد على الأولياء فهو الزوج فيلزم أنّ الأولياء لهم العفو والشافعيئ لا يقول به فالظاهر منع ما قاله المصنف. (أقول (: إذا تأمّلت كلام المصنف علمت أنّ ما ذكر غير وارد عليه لأنه فسر الضمير بالمطلقات واقتصر عليه إشارة إلى أنه مرضيئ عنده ثم قال: إنّ الصيغة أي اللفظ من حيث هو يحتمل وجها آخر وعليه فالضمير إمّا للأزواج وعفوهم إعطاء المهر كملا بوزن حسن أي كاملا وان كان للأولياء فالعفو عندهم واليه أشار بقوله وقيل: فكيف يعترض عليه به وأمّا إنكاره القراءة فلا وجه له فإنها منقولة عن الحسن كما في كتب الشواذ والإعراب فلفه درّ المصنف فيما سذده، وبيض وجه البيان بما سوّده. واعلم أن كون الشيء قبل الشيء لا يقتضي وقوعه كما في بعض التفاسير وله نكتة تظهر بالتأمّل. قوله: (يؤيد الوجه الأوّل الخ) أي أنّ المراد الزوج والا لقال يعفون فإنّ النساء أصل فيه والوليّ نائب عنهن وإنما جعله مؤيدا لا قاطعا لاحتمال! أن يريد الأولياء فقط لصدوره منهم ظاهرا أوهم والنساء على التغليب، وقصة جبير ظاهرة في المشاكلة وأنّ العفو في الآية للزوج وهي مروية في البيهقي، وقوله: أن يتفضل الخ مأخوذ من قوله بينكم سواء تعلق بتنسوا أو جعل حالاً وجعل الفضل بمعنى التفضل وجملة النهي محمولة على الاسمية لأنّ المقصود الأمر بالعفو. قوله:) ولعل الأمر الخ) وبه ينتظم السياق أو أنه دلهم على المحافظة على حقوق الله والعباد وقدم حقوق العباد لأنها أهئم. قوله: (أي الوسطى بينها الخ) قد مرّ أنّ الوسطى ما توسط بين شيئين أو أشياء ويكون بمعنى الأفضل وقد فسر هنا بالوجهين وقوله: منها خصوصاً إشارة إلى أنه من قبيل الملائكة وجبريل بجعل الفرد المخصوص بالذكر لكماله كأنه من نوع آخر تنزيلاً لتغاير الصفات منزلة تغاير الذات، وفي تعيينها خمسة أقوال على ما ذكره المصنف وقد اختلفوا في الأرجح منها وأكثر أنها العصر، ويوم الأحزاب يوم تجمع فيه أحزاب العرب لتخريب المدينة وقتل المسلمين وهي وقعة معروفة في السير ستأتي، واجتماع الملائكة أي الموكلين من الكتبة لأنهم يتعاتبون على الإنسان في الليل والنهار وقت العصر لأنه في حكم الماء ثم تصعد ملائكة النهار بأعماله فإن وجد مشغولاً بالصلاة كان ذلك سبباً للطفه تعالى به كما ورد ذلك في الحديث وقوله: أحمزها بالحاء المهملة والزاي المعجمة أي أصعبها، قال السخاوي وغيره: أنه لا أصل له وأنه موضوع لكن ابن الأثير ذكره في النهاية عن ابن عباس رضي الله عنهما وأنّ النبيّ-لجز سأل أيّ الأعمال أفضل فقاله ولم يسنده، فإن قلت: روي في الفردوس مرفوعاً: " أفضل العبادة اخفها " فكيف يجمع بينهما قلت على تقدير ثبوتهما المراد بالخفة أن لا يكثر حتى يمل مع أنه قيل: إن حديث الفردوس العيادة بالياء التحتية لما روي " أفضل العيادة أجرا سرعة القيام من عند المريض) ، وقوله ولأنها مشهودة أي تحضرها الملائكة كما سيأتي وتوسطها عدداً لأنها بين الثنائية والرباعية وقوله في الحد المشترك هو من طلوع الفجر إلى الشمس لأنه يعد من النهار إن قيل: إن مبدأه الفجر كما هو في الشرع ومن الليل كما عند أهل النجوم وغيرهم ولذا قال طرفي الليل فلا تعارض! بينهما، وتفسيرها بالعشاء قال السيوطي لم يذكره أحد من الصحابة رضوان الله عليهم وقوله: وقرئ بالنصب بتقدير امدح أو أعني وتقدم ما فيه من الإشكال وجوابه، وفسر القنوت بالذكر أو بقنوت الصبح عند الشافعيّ رحمه الله وفسره البخاريّ في صحيحه بساكتين لأنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة. قوله: (فصلوا راجلين الخ (الراجل الماشي على رجليه ورجل بفتح فضم أو بفتح فكسر بمعناه ولم يذكر للثاني نظيراً لأنه على خلاف القياس، والمسايفة بالسين المهملة والياء المثناة التحتية والفاء المضاربة والمقاتلة بالسيف، وقوله: ما لم يمكن الوقوف الخ لأنّ المشي يبطلها عند القائلين بها بعد النبيّ غ! ييه من الحنفية خلافا للشافعيّ، واستدل أبو حنيفة رحمه الله بأنه صلى الله عليه وسلم تركها في الأحزاب ولو جاز الأداء مع القتل

لما تركها، وفيه نظر لأنّ صلاة الخوف إنما شرعت في الصحيح بعد الخندق فلذا لم يصلها إذ ذاك، وقوله في الكافي: إنّ صلاة الخوف بذات الرقاع وهي قبل الخندق وهو قول ابن إسحق وجماعة من أهل السير والصحيح أنها إنما شرعت بعد الخندق وأن غزوة ذات الرقاع بعد الخندق وتفصيله في كتب الفروع والحديث. قوله: (ما لم تكونوا تعلمون (زاد تكونوا ليفيد النظم ووقع في موضع آخر بدونها كقوله تعالى: {عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [سورة العلق، الآية: 5] فقيل: الفائدة في ذكر المفعول فيه وان كان الإنسان لا يعلم إلا ما لم يعلم التصريح بذكر حالة الجهل التي انتقلوا عنها فإنه أوضح في الامتنان ونقل عن النحرير رحمه الله في إقرائه التلخيص في قوله: وعلم من البيان ما لم يعلم أنّ الأولى أن يقول ما لم يكن يعلم والا فلا فائدة فيه ورد بأنه وقع كذلك في النظم وأن فيه فوائد كالتعميم والامتنان بأنه إذا لم يخلق فيه قدرة العلم لم يتمكن منه وغير ذلك فتأمّل. قوله: (قراها بالنصب أبو عمرو الخ) في القراءتين وجوه كما ذكره المصنف رحمه الله، وقوله: أو ألزم فالذين نائب فاعل فعل مقدر ووصية مفعوله الثاني، وعلى قراءة الرفع خبر بتقدير ليصح الحمل وعلى قراءة متاع كذلك ومتاعا الثاني منصوب بالأوّل، كقوله: فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً وتفسيره بالتمتيع دفع لاحتمال كونه اسم عين أو جنس كما ورد به، وقوله: نصب بيوصون فالعمل للفعل إن كان الحذف غير لازم والا فعلى الخلاف. قوله: (بدل منه الخ (أي بدل من متاع بدل اشتمال وقيل: بدل كل على حذف المضاف أي بدل غير إخراج، وجعله مصدرا مؤكداً لأنّ الوصية بأن يمتعن حولاً يدل على أنهن لا يخرجن فكان غير إخراج توكيداً له كأنه قيل: لا يخرجن غير إخراج قيل: ومثاله يشعر بأنه من التأكيد لغيره إذ مضمون هذا القول يحتمل أن يكون خلاف ما يقوله المخاطب وغير فعين ما يقول دفعا للثاني وهو في الحقيقة صفة مصدر أي أقول قولاً غير ما يقول والعامل فيه أقول وأمّا كون العامل النفي أو مصدراً مأخوذا منه فلم يعهد وفيه تأمّل 0 قوله: (والمعنى أنه يجب الخ) بيان للمقصود على الوجوه السابقة وقوله: قبل أن يحتضروا إشارة إلى أن يتوفون من مجاز المشارفة إذ لا تتصور الوصية بعد الوفاة وفسر التمتيع بالإنفاق أمّا على الحالية فظاهر وأئا على غيره نلأن عدم الإخراج بلا نفقة تضييق لا تمتيع. قوله:) وكان ذلك أؤل الإسلام الخ) أي الإنفاق والسكنى المذكورأن ثم نسخت أمدة أو الزيادة على الخلاف في أنّ نسخ البعض نسخ للكل أولاً وقوله: وهو وان كان الخ جواب سؤال وهو ظاهر وأمّا نسخ النفقة بالإرث فمبنيّ على أنّ مفهوم لهن الثمن مثلاً أنّ لهن ذلك لا غير وهذا يؤيد قول أبي حنيفة رحمه الله بعدم السكنى وأما على قول الشافمي رحمه الله ففيه بحث فتأمّل. قوله: (وهذا يدل الخ) اختلف فيه أئمة التفسير على ما في الكشف فقيل: إنه كان قبل النسخ متعيناً وعليه يفسر فإن خرجن بالخروج من العدة بانقضاء الحول ومن قال إنه غير متعين فسر فإن خرجن قبل الحول من غير إخراج الورثة فلا جناح في قطع النفقة أو في ترك منعهن من الخروج فقول المصنف رحمه الله وهذا يدل فيه نظر. قوله: (أثبت المتعة للمطلقات الخ) فتعريف المطلقات للجنس، ومما ذكره يعلم ما مر من إثباته بالقياس دون النص كما أشرنا إليه فيما سبق. قوله: (تعجيب وتقرير الخ) هذه اللفظة قد تذكر لم تقدم علمه فتكون للتعجيب والتقرير والتذكير لمن علم كالأحبار وأهل التاريخ وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه. قال الراغب: رأيت يتعدى بنفسه دون الجار لكن لما استعير ألم تر لمعنى ألم تنظر عدى تعديته بإلى وفائدة استعارته أنّ النظر قد يتعدى عن الرؤية فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له وقلما استعمل ذلك في غير التقرير فلا يقال رأيت إلى كذا وذكر الزمخشريّ في: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا} [سورة آل عمران، الآية: 23 لح ما يدل على أنّ الرؤية إمّا بمعنى الإبصار مجازاً عن النظر فلهذا وصلت بإلى، وأمّا بمعنى الإدراك القلبي تضمينا على معنى ألم ينته علمك إليهم، وفي الكشف فائدة التجوّز الحث على الاعتبار لأنّ النظر اختياري أمّا الإدراك بعده فلا ولم يذكر الشراح تعدبه بنفسه كقول امرئ القيس: ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بهاطيبا وان لم تطيب

قوله: (صار مثلاَ في التعجب) أي شبه حال من لم يره بحال من رآه في أنه لا ينبغي أن تخفى عليه هذه القصة وأنه ينبغي أن يتعجب منها ثم أجرى الكلام معه كما يجري مع من رآهم وسمع بقصتهم قصدأ إلى التعجب واشتهر في ذلك، وداوردان قرية كما ذكروه لكنهم لم يضبطوه وتفسير الألوف بالعشرة خلاف الظاهر من جمع الكثرة، وكونه بمعنى متألفين قال الزمخشريّ: إنه من بدع التفاسير لأنه خلاف الظاهر إذ ورود الموت دفعة على جمع عظيم أبلغ في الاعتبار، وأمّا وقوع الموت على قوم بينهم ألفة فهو كوقوعه على غيرهم وقيل معناه الفهم الحياة وحببهم لها كقوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [سورة البقرة، الآية: 96] وهو كالذي قبله. قوله: (والمعنى الخ) يعني أنه عبر عن أماتهم الله بما ذكر للدلالة على أنّ موتهم كان شبيهاً بامتثال أمر واحد من أمر مطاع لا يتوقف في امتثاله فيكون دفعة على خلاف العادة. قوله: (قيل مر حزقيل الخ) قال ابن حجر: حزقيل بكسر الحاء المهملة، وتبدل هاء فيقال: هزقيل وكذا وقع في بعض النسخ هنا وسكون الزاي المعجمة وكسر القاف ثم ياء ساكنة ولام ابن بوري بضم الباء الموحدة والقصر، وقوله: وفائدة القصة الخ يعني أنه تمهيد وقاتلوا في سبيل الله وهو عطف في المعنى لأنه بمعنى انظروا وتفكروا وسورة البقرة سنام القرآن جامعة لكليات الأحكام كالصيام والحج والصلاة والجهاد على نمط عجيب يكرّ عليها كلما وجد مجالاً دلالة على أن المؤمن لا ينبغي أن يشغله حال عن حال، وكون الشكر بمعنى الاعتبار بعيد ومخلص اسم فاعل، والمتخلف الممتنع من القتال والسابق المبادر إليه. قوله ة) من وراء الجزاء الخ (تمثيل يريد أنه تعالى لا بد من مجازاته للمتخلف والسابق كما أن من يسوق الشيء من وراثه لا بدّ أن يوصله إلى ما يريده وهو مستفاد من قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} كما تقول لمن تهدده وتوعده أنا أعلم بحالك. قوله:) من استفهامية الخ) جوز في النظم وجوه منها ما ذكره المصنف والإقراض استعارة لتقديم العمل وقوله: إقراضا إشارة إلى أنه مصدر، وقوله: مقرضا أي أنه اسم للعين فهو مفعول والقرض نفسه لا يضاعف فقدر فيه مضاعفا أي جزاؤه أو جعله نفسه كأنه مضاعف لأنه سبب المضاعفة، وفي النصب وجهان العطف على ما تقدم أي يكون إقراض فمضاعفة أو في جواب الاستفهام وقد منعه أبو البقاء وعلى الأوّل المراد بالكثرة أنه لا يحد وأما أن الحسنة بعشر أمثالها فسيأتي الكلام فيه في آخر هذه السورة. قوله: (يقتر على بعض) أي يضيق وفسره على وفق النظم والزمخشرفي عكسه قال النحرير: لا وجه لعكس الترتيب سوى التنبيه على أنه المقصود في هدّا المقام وإنما ذكر القبض للمقابلة وبيان كمال القدرة وقوله: فلا تبخلوا شامل للتفسير الثاني للقرض لأنّ بذل القوّة في الجهاد وعدمها بمنزلة البذل والإمساك وعلى هذه ففيه ترشيح للاستعارة. قوله:) الملأ الخ) هو اسم جمع لا واحد له ويجمع على أملاء وأفاد المشاورة يقال: تمالأ عليه إذا تعاون وتناصر ومثله يكون عن مشاورة واجتماع رأي، وقوله: هو يوشع رده ابن عطية بأنّ يوشع فتى موسى عليه الصلاة والسلام وبينه وبين داود عليه الصلاة والسلام قرون كثيرة. قوله: (أقم لنا أمير الخ) قال الراغب: البعث إرسال المبعوث عن المكان الدّي هو فيه لكن يختلف باختلاف متعلقه يقال: بعث البعير من مبركه أثاره وبعثته في السير هيجته وبعث الله الميت أحياه وضرب البعث على الجند إذا أمروا بالارتحال. قوله:) ونصدر فيه عن رأيه (هذه العبارة وقعت في الحديث وقي كلام العرب قديماً، ومعناه نفعل ما نفعل برأيه من الورد والصدر وهو الذهاب للاستقاء والرجوع عنه وهم يقولون لمن يدري وجوه الرأي والأمر له إصدار وإيراد كما يقال: فتق ورتق والصدر لما كان لازما للورد وبعده اكتفى به وفيه استعارة مكنية وتخييلية شبه الرأي بما يسكن العطش وأثبت له الصدر

قال الشاعر: ما أمس الزمان حاجا إلي من يتولى الإيراد والإصدارا قوله: (أي ابعثه لنا مقدرين القتال الخ) يعني أنه حال من ضمير لنا مقدرة، وقد خبط بعف! الناس هنا فقال: إنّ صيغة تقاتل بمعنى نقدر مجازاً وليس حالاً مقدرة أو هي حال مقدرة ومقدرين على صيغة المفعول وتعسيف بما لا طائل تحته. قوله: (هل عسيتم) اختلف في عسى فقيل: من النواسخ واسمها وخبرها أن لا تقاتلوا، وقيل: إنها تضمنت معنى قارب وأن وما بعدها مفعول وليست من النواسخ أي هل قاربتم عدم القتال وهذا معنى قول بعضهم إنها خبر لا إنشاء خلافاً لمن لم يفرق بينهما واستدل بدخول الاستفهام عليها ووقوعها خبراً في قوله: لا تكثرن إني عسيت صائما ومن لم يسلم خروجها عن الإنشاء قدر فيه القول والأوّل أحسن لكنه استدل على الثاني بأنها لا تقع صلة الموصول، وفيه نظر لأنّ هشاما جوّزه والمصنف لما رأى أنها لإنشاء التوقع ولا تخرج عنه جعل الاستفهام داخلا باعتبار المتوقع وهو الخبر وجعل الاستفهام للتقرير بمعنى التثبيت وان كان الشائع في معنى التقرير الحمل على الإقرأر، وكون المستفهم عنه يلي الهمزة ليس أمراً كليا ولا يخفى ما فيه. قوله:) أيّ غرض لنا في ترك القتال الخ الما كان الشائع في مثله ما لنا نفعل أو لا نفعل على أنّ الجملة حال وأن المصدرية هنا لا توافقه جعله على حذف الجار أي ما الغرض! في أن لا نقاتل أو ما الداعي إلى أن لا نقاتل أي ترك القتال والجار والمجرور متعلق بمتعلق لنا أو به نفسه، وقال الأخفش: أن زائدة ولا ينافيه عملها والجملة حالية وقيل: إنه على حذف الواو أي وأن لا نقاتل أي فما لنا ولأن لا نقاتل كقولك إياك وأن تتكلم وقد يقال: إياك أن تتكلم، وقوله: وقد عرض الخ إشارة إلى أنّ جملة وقد أخرجنا جملة حالية، والعمالقة والعماليق من ولد عمليق كقنديل وعملاق كقرطاس بن لاوى بن أرم بن سام وفلسطين بكسر الفاء وقد تفتح كورة بالشأم، وقوله: في ترك الجهاد لربطه بما قبله، وقوله: بعدد أهل بدر أخرجه البخاريّ عن البراء رضي الله عنه. قوله: (طالوت علم الخ) فيه قولان أظهرهما أنه اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وقيل: إنه عربي من الطول ولكنه ليس من أبنية العرب فمنع صرفه للعلمية وشبه العجمة على القول به وأمّا ادعاء العدل عن طويل والقول بأنه عبرانيّ وافق العربي فتكلف. قوله: (من أين يكون له ذلك وششأهل) أي يستحق ويصير أهلا وقد مر تحقيقه وأنى فسرها الزمخشريّ بكيف ومن أين واستشهد على الأوّل بقوله: إني ومن أين أبكي الطرب وعلى الثاني بقوله: فكيف ومن أني بذي الرمث تطرق فإني بمعنى من أين وحذف حرف الجر قبلها وهو من كما حذفت في من الظروف اللازمة الظرفية وغيرها للتوسع فيها بخلاف من ونحوها من الصلات فإنه لا يطرد حذفها إلا إذا كثرت في المتصرفة وسيأتي الكلام عليه في محله وإنما ذكرناه ليعلم وجه إتيان المصنف رحمه الله بمن قبلها والاستفهام حقيقي أو للتعجب لا لتكذيب نبيهم والإنكار عليه ولاوى من أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام، والسبطان القبيلتان وخلق بمعنى ناس وبقية وليس خلق كحذر بمعنى حقيق كما توهم. قوله: الما استبعدوا الخ) الاستبعاد من قولهم إني يكون الخ ولا يخفى مناسبة واسع لبسطة الجسم وعليم لكثرة العلم. قوله: (الصندوق الخ) بضم الصاد على الأفصح وزيادة التاء في الآخر نحو رهبوت وجبروت وقلة باب سلس أي ما اتحدت فاؤه ولامه ترجحه مع أن مادة ثبت لا توجد في العربية، وإبدال التاء هاء إذا لم تكن للتأنيث شاذ، وشمشاذ بالذال والدال شجر السرو وشمشار بالراء وشمشير شجر الصمغ وكله فارسية. قوله: (الضمير

للإثيان الخ) وعلى تفسير السكينة بالسكون وزوال الرعب فهو مصدر، وما قيل: إنه صورة الخ أخرجه ابن جرير عن مجاهد، وقال الراغب: لا أراه قولاً صحيحاً وتئن من الأنين وهو معروف ويزف بالزاي المعجمة معناه يسرع، وقوله: صور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن التصوير كان حلالاً في الملل السابقة مطلقا وأمّا التفسير الأخير فتكلف على عادة الصوفية مع أنه لا يناسب ما عطف عليه وان أوّله بعضهم بتأويل بارد ولو تركه لكان أولى والرضاض بضم الراء المهملة وضادين معجمتين ما يتفتت ويتقطع من الشيء والمراد ألواح موسى عليه الصلاة والسلام النازلة عليه، وآل يطلق على الاتباع والأولاد ويكون بمعنى النفس والشخص فيقحم للتعظيم كأنه في نفسه جماعة كما في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [سورة النحلى، الآية: 120، فلا يرد أنه لا دلالة له على التعظيم كما قيل: وقوله أبناء عمهما بيته في الكشاف وفي نسخة أبناؤهما والأولى أصح وعلى كون إن في الخ ابتداء خ! طاب الخطاب للنبيّ ب! ومن معه من المؤمنين. قوله:) انفصل بهم الخ (فصل لا كلام في استعماله متعدياً ولازماً فجوّز أن يكون اللازم مأخوذا من المتعدي بحذف المفعول وأن يكون أصلا برأسه فيكون فصله فصلا بمعنى ميزه وفصل فصولاً بمعنى انفصمل لغتين مثل صده صذاً وصد صدوداً، والقيظ شدة الحر فقوله: قيظا أي وقت قيظ أو جعل اسما للزمان، والمفازة الأرض الخالية من الفوز تفاؤلاً. قوله: (معاملكم الخ) يعني أنه استعارة شبه إنزال البلية بهم ليظهر للناس كذبهم وعدم صبرهم بمن يختبر شخصاً ويجر به بتكليف بعض الأمور ليعلم حاله وقد مر تحقيقه. قوله: (من اشياعي الخ) أشياع كاتباع لفظاً ومعنى جمع شيعة ومن تفيد الاتصال وتسمى من الاتصالية كقوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} [سورة التوبة، الآية: 67] وقوله: فإني لست منك ول! ست مني ويجوز أن تكون للتبعيض كذا قال الطيبي: فجعل من الاتصالية غير التبعيضية وكأنها بيانية وفي الدر المصون أنها تبعيضية وهو الظاهر وقوله: من أشياعي إشارة إلى أنه على تقدير مضاف، وقوله: متحد معي إشارة إلى الاتصال به حتى كأنه نفسه. قوله: (أي من لم يذقه من طعم الخ) أصل الاستعمال أن يقال في الماء مشروب وفي المأكولات مطعوم وقد استعمل الطعم هنا في المشروب ومما عيب على خالد بن عبد الله القنسري أنه قال على المنبر يوما وقد خرج عليه المغيرة بن سعيد بالكوفة أطعموني ماء فعابت عليه العرب ذلك وهجوه به وحملوه على شدة جزعه فقال الشاعر فيه: بئ المنابرمن خوف ومن وهل واستطعتم الماء لما جدفي الهرب وألحن الناس كل الناس قاطبة وكان يولع بالتشديق في الخطب وقال ابن أبي الصلت في كتاب المختار: إنما عيبته عليه لأنها صدرت عن جزع وإلا فقد وقع في هذه الآية والذي تقتضيه البلاغة ما أشار إليه المصنف وغيره من أنّ طعم له استعمالات فاستعماله بمعنى ذا طعمه كما هنا فصيح وأنا بمعنى شربه واتخذه طعاما فقبيح إلا أن يقتضيه المقام كما في حديث ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم فإنه تنبيه على أنها تغذ بخلاف سائر المياه كما ذكره الراغب، وطعم الشيء بمعنى ذاقه ذكره الأزهري عن الليث، وذكر الجوهري أنّ الطعم ما يؤديه الذوق قيل: ولعله الأظهر وتفسيره بالذوق توسع والمصدر لم يجىء إلأ للذوق فمن قال طعم شائع في معنى أكل لم يصب المحز. قوله: (وإن شئت الخ) هذا من شعر ينسب للعرجي والذي في الأغاني أنه من قصحيدة للحرث بن خالد بن عاصم بن هشام المخزومي وهو ممن قتل مشركا ببدر قتله علي رضي الله عنه يخاطب بها ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود وأوّلها: لقد أرسلت في السر ليلى تلومني وتزعمني ذاملة طرقا جلدا تعدين ذنبا واحدا ما جنيته عليّ وما أحصى ذنوبكم عدّا فإن شئت حرمت النساء سواكم هان شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا والنقاخ بضم النون وقاف وخاء معجمة الماء العذب البارد والمراد بالبرد فيه النوم وعطفه على الماء يعين

كونه بمعنى لم يذق كما يقال: لم يذق لذة النوم ونحوه، وسواكم بضمير الجمع للتعظيم للمحبوبة كما قاله الطيبي رحمه الله ومنه يعلم رذ ما قاله الرضي من أنه إنما يكون في ضمير المتكلم، وقوله: وإنما علم الخ أي علم أن من شرب عصاه ومن لم يشرب يطيعه، وما قيل: إنه يحتمل أنه بالفراسة والإلهام بعيد. قوله: (استثناء من قوله: فمن شرب الخ (فالجملة الثانية في حكم المتأخرة إذ التقدير فمن شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده ومن لم يطعمه فهو مني كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى} [سورة البقرة، الآية: 62] إلى قوله: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [سررة البقرة، الآية: 62] والتقدير إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى فلا خوف عليهم والصابئون كذلك فقدم الصابئون للعناية تنبيها على أنّ الصابئين يتاب عليهم أيضا وإن كان كفرهم أغلظ كما هنا إذ المطلوب أن لا يذاق من الماء رأسا والاغتراف بالغرفة رخصة فقذم من لم يطعمه لأنه عزيمة اعتناء به وتكميلا للتقسيم، ولملاحظة هذه النكتة وكونه في نية التأخير اغتفر فصله بين المستثني والمستثنى منه مع أنه كما في الكشف جار مجرى الاعتراض! في إفادة ما سيق له الكلام، وقوله: والمعنى الرخصة الخ إشارة إلى وجه جعله مستثنى منه لا مما قبله لأنه لو استثنى منه أفاد المفع، أو معناه من اغترف غرفة فليس مني ولذا قال: فشربوا ولم يقل فطعموه ومن ذهب إليه كأبي البقاء تعسف له تعسفات لا حاجة إليها، والغرفة بالفتح المرة وبالضم ملء الكف وبهما قرئ. قوله: (أي فكرعوا فيه الخ) هذا التفسير مروقي عن ابن عباس رضي الله عنهما وفسر به ليؤذن بأنهم بالغوا في مخالفة المأمور حيث لم يغترفوا إذ الكرع الشرب بالفم من غير إناء وأصله في الحيوان أن يدخل الماء حتى يصل إلى أكارعه ثم توسعوا فيه وليس تفسير الزمخشريّ به إلا لهذا ولأنه الحقيقة اللغوية ولا داعي للصرف عنها لا أنه مبنيّ على قول أبي حنيفة فيمن حلف لا يشرب من هذا النهر فإنه لا يحنث إلا إذا كرع خلافا لهما ثم الظاهر أن الاستثناء متصل وقيل: إنه منقطع على التقدير أمّا إذا كان ممن لم يطعمه فلاته ذائق ومن لم يطعمه غير ذائق إن كان ممن شرب فمت شرب كارع والمغترف غيره لكن معناه أنه ليس مني فلا يكون الاغتراف رخصة وعلى الثاني المغترف مني فهو رخصة وهو الصحيح وفيه نظر، وأمّا على ما في الكشف فمنقطع إن فسر الشرب بالكرع والا فمتصل وقوله: الأصل أي حقيقته لغة، والمراد بالوسط آلة الشرب كالإناء واليد. قوله:) وتعميم الآوّل الخ) يعني أنّ الشرب هنا فسر بالكرع لأنه الحقيقة ولا داعي للعدول عنها وإنما لم يفسر به سابقاً ليكون الاستثناء في قوله إلا من اغترف متصلاً لأنه الأصل في الاستثناء، وقوله: أو أفرطوا في الشرب إلا قليلا منهم إشارة إلى توجيه الاستثناء على وجه يكون المغترف داخلاً في القليل على تقدير جعل الثاني كالأوّل مصروفاً عن الحقيقة ومحمولاً على شرب الماء المطلق بالكرع أو بالاغتراف والتوجيه بحمل الشرب على الإفراط ولا مزية له على التوجيه الأوّل لأنه أيضاً خالف الأوّل في حمله على الإفراط مع أنّ الأوّل محمول على أصل الشرب ليتصل الاستثناء. قوله: (وترئ بالرفع حملاَ على المعنى الخ) في الكشاف وقرأ أبيّ والأعمش إلا قليل بالرفع وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض! عن اللفظ جانبا وهو باب جليل من علم العربية فلما كان معنى فشربوا منه في معنى فلم يطيعوه حمل عليه كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم ونحو. قول الفرزدق: وعض زمان يا ابن مرو إن لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف قال النحرير رحمه الله يعني أنّ الواجب النصب لكونه استثناء من كلام موجب ذكر المستثنى منه كما في قول الفرزدق: إليك أمير المؤمنين رمت بنا شعوب النوى والهوجل المتعسف وعض زمان البيت حيث رفع مسحت مع كونه استثناء مفرغا في موقع المفعول به ميلاً إلى أنه من جهة المعنى في موقع الفاعل لأنّ معنى لم يدع لم يترك كمعنى لم يبق إذ ليس ههنا فعل من الزمان وإنما الإسناد إليه مجاز والحقيقة أنه لم يبق فيه من المال إلا مسحت أي مستأصل من الإسحات وهي لغة نجد

والسحت لغة الحجاز والمجلف الذي بقيت منه بقية، وقد يقال: المجلف هو الذي ذهب ماله، والمعنى تطعنا إليك طرق الجبال من بعد ومهامه متعسفة لا علم بها وإصابة سنة وقحط ذهبت بالأموال والأحوال وقد روي البيت في سورة طه إلا مسحتا أو مجلف بنصب الأوّل ورفع الثاني وهو الرواية في كثير من الكتب كالصحاج وغيره ولا ميل فيه مع المعنى بلى التقدير إلا مسحتا أو شيئاً هو مجلف فحذف الموصوف وصدر جملة الصفة، ثم قال: وقوله ميلهم مع المعنى أي مالوا معه حيث مال ومقتضى الظاهر إلى المعنى لكن الشائع هذا. (أقول) : الرواية في البيت كما في كتاب الحلل لابن السبط وعظ بالظاء المشالة ومسحتا روي بالرفع والنصب أيضا وكلاهما من الميل مع المعنى أمّا رفعهما ففيهما معا وعلى نصب الأوّل فرفع الثاني على توهم رفع الأوّل وأمّا ما ذكره من التقدير فتكلف وكذا عطفه على الضمير المستتر فيه مسحتا والميل مع المعنى ليس بمعنى إلى المعنى بل بتضمينه دائرا مع المعنى وهو يفيد انفكاكه عنه وقد اعترض أبو حيان رحمه الله تعالى على هذا التوجيه بأنهم غفلوا عن جواز الاتباع بعد الموجب وقد تقرّر في النحو أنه يجوز في الموجب وجهان النصب وهو الأصح والاتباع كقوله: وكل أخ مفارقه أخوه لعمرأبيك إلا الفرقدان واختلفوا في إعرابه إذا اتبع فقيل: نعت لما قبله وقيل: عطف بيان والإداوة بكسر الهمزة والدال المهملة ما يحمل فيه الماء وهو معروف وفي نسخة وروايته، وقوله: وهكذا الدنيا لقاصد، قال الراغب: فيه إيماء ومثال للدنيا وا! من تناول قدر ما يبلغ به اكتفى واستغنى وسلم منها ونجا ومن تناول منها فوق ذلك ازداد عطشا، وقوله: روي الخ أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما. قوله: (أي قال الخلص منهم الذين تيقنوا الخ) إشارة إلى أن يظنون ليس على ظاهره بل بمعنى يعلمون والذين آمنوا من وضع الظاهر موضع ضمير القليل وضمير قالوا لهم باعتبار البعض والذين يظنون هم البعض الآخر الذين هم أشد يقينا وأخلص اعتقادا وبصيرة فإن المؤمنين وان تساووا في أصل اليقين والاعتقاد يتفاوتون فيه ولا يلزم منه خلل في إيمانهم وجاز أن يكون ضمير قالوا للكثيرة الذين انخزلوا أي انقطعوا عنه وشربوا منه، والذين يظنون من وضع الظاهر موضع الضمير إشارة إلى الذين آمنوا واليقين عند أهل اللغة كما قال الراغب: هو المعرفة الحاصلة عن إمارة قوية تدل عليه فلا يرد على المصنف أنّ شهادتهم مظنونة كما قيل: والتخذيل من الخذلان وعدم الإعانة وتفسير الأذن بما ذكر لما مر، وقوله: وكم تحتمل الخبر الخ الظاهر الأوّل مع أنّ من لا تدخل بعدكم الاستفهامية كما مر عن الرضي وغيره وهي زائدة في التمييز وأتا جعلها بيانية فيقتضي حذف المميز بلا داع له مع تكلفه معنى، والفئة إن كانت من فأوت لأنها قطعة من الناس فوزنه فعة وان كان من فاء لأنه يرجع إليهم فوزنها فلة والمحذوف العين. قوله: (وفيه ترتيب الخ) فيه معنى بديع واستعارة لطيفة ونكتة بليغة لأنه جعل الصبر بمنزلة الماء المنصب عليهم لثلج صدورهم واغنائهم عن الماء الذي منعوا منه ومصاب الماء مزالقه فرشحه بقوله: وثبت أقدامنا، فإن قلت على ما ذكره المصنف كان مقتضى المقام الفاء قلت: الواو هنا أبلغ لأنه عوّل في الترتيب على الذهن الذي هو أعدل شاهد كما ذكره السكاكي والفاء في فهزموهم فصيحة أي استجاب الله دعاءهم فهزموهم والباء على الوجه الأوّل سببية على الثاني للمصاحبة وفسر الأذن بالنصر لأنه إذا أراد انهزام أعدائهم فقد نصرهم فلا يقال الأذن مع الله بمعنى الإرادة كما مر فالظاهر تفسيره به، وايشى بكسر الهمزة وياء ساكنة وألف مقصورة ويكون بياء لفظ عبراني وهو اسم والد داود عليه الصلاة والسلام كما قاله ابن جرير، ورعى الغنم وقع للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إشارة إلى أنهم رعاة للناس وتمهيداً لكونهم متبوعين والمخلاة بكسر الميم معروفة وأصلها ما يوضع فيه ا! خلى وهو الحشيش الذي تأكله البهائم ثم توسع فيه لما يوضع فيه العلف مطلقا، وقوله: ثم زوّجه طالوت بنته في الكشاف زوّج طالوت داود عليه الصلاة والسلام بتت جالوت والسرد عمل الدروع كما سيأتي. قوله:) ولولا أنه سبحانه وتعالى يدفع الخ) أشار إلى أنّ فساد

الأوض كناية عن فساد أهلها أو هو على ظاهره كما مر وتعريف الناس للجنس والبعض مبهم أو البعض المدفوع الكفار والدافع المسلمون واللام للعهد قيل: إنه إشارة إلى قياس استثنائيّ مؤلف من وضع نقيض المقدم منتج لنقيض التالي، خلا أنه قد وضع موضعه ما يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا فضل على العالمين إيذانا بأنه تعالى متفضل في ذلك الدفع من غير أن يجب عليه ذلك وأنّ فضلة تعالى غير منحصر فيه بل هو فرد من أفراد فضله العظيم، كأنه قيل: ولكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض! وتنتظم به مصالح العالم وينصلح أحوال الأمم إليهم واعترض بأنه مخالف لقول المنطقيين أن المتصلة ينتج استثناء عين مقدمها عين تاليها لاستلزام وجود الملزوم وجود اللازم واستثناء نقيض تاليها نقيض المقدم لاستلزم عدم اللازم عدم الملزوم ولا ينعكس ولا استثناء نقيض المقدم نقيض التالي لجواز أن يكون اللازم أعم فلا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم ولا من عدم اللازم عدم الملزوم، وفيه تأمّل وقوله إشارة الخ آثره لقربه وقيل: إنه إشارة إلى ما مر من أوّل السورة إلى هنا وعلى الوجه الأوّل تعريف الرسل للعهد وعلى الثاني للاستغراق وإنما قال الجماعة لتأنيث تلك. قوله: (بأن خصصناه بمنقبة الخ (إشارة إلى أنه بمحض فضل الله لا كما يقول الحكماء، وقوله: تفصيل له أي للمذكور من الرسل المفضلين ومن كلم تعريفه إمّا للعهد والمراد موسى عليه الصلاة والسلام لشهرته بذلك أو كل من كلمه الله بلا واسطة وهم آدم عليه الصلاة والسلام كما ثبت في الأحاديث الصحيحة وموسىء! حب ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والخيرة بكسر ففتح بمعنى الاختيار سميت بذلك لما في الآية وبينهما بون بعيد أي فرق بعيد لما فيه من القرب اك م وذلك وموسى عليه الصلاة والسلام على الطور وكليم بمعنى مكالم وفعيل بمعنى مفاعل كثير في العربية كنديم بمعنى منادم ورضيع بمعنى مراضع وجليس بمعنى مجالس وغيره. قوله: (ف! نه خص! بالدعوة العامة) كما صرح به في حديث البخارفي ولا يرد أنّ نوحاً عليه الصلاة والسلام كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من معه لأنّ عمومه لم يكن في المبعث وإنما كان بعده لانحصار الموجودين فيهم واستدل بعضهم على عموم بعثته بأنه دعا على جميع أهل الأرض! فأغرقوا وقيل: عموم البعثة استغراقها للأزمنة بحيث لا تنسخ وقيل: إنّ المخصوص عموم الثقلين، وقوله: والإبهام الخ يعني المراد ببعضهم هنا النبيّ صلى الله عليه وسلم والإضافة للعهد ولم يصرح به تعظيما له كما أنّ التنكير يفيد ذلك فاللفظ الموضوع له بالطريق الأولى لا دعاء أنه لا حاجة إلى التصريح لتعيينه والعلم بفتحتين الراية أو الجبل، وهو مثل في الشهرة، وقوله: خصصه بالخلة التي الخ كونها أعلى المراتب قيل: إنه بالنسبة لغير المحبة والا فهي أعلى منها كما في الشفاء ولذا قيل: لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله، وإذا فسر بادرشى عليه الصلاة والسلام فالرفعة حقيقية والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر كالقرآن المتلوّ والإخبار بالمغيبات وقيل: هي كرامات الأولياء لأنها معجزات له صلى الله عليه وسلم. قوله: (خصه بالتعيين الخ (في تحقيره وتعظيمه لف ونشر والمراد بالبينات المعجزات المثبتة لنبوّته غتبرو وذكرها في مقام التفضيل يقتضي أنها سبب له وليس في كلامه ما يدل على تفضيله على جميع من عداه فقوله: لم يستجمعها غيره لا ضير فيه لأنه قد يكون في المفضول ما ليس في الفاضل وذلك كإبراء الأكمه والأبرص فلا يرد عليه شيء ثم اعلم أنّ تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على كل واحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا خلاف فيه وكذا على مجموعهم، وفي الانتصاف نقل عن بعض أهل العصر تفضيله على كل واحد واحد وأمّا التفضيل على الكل بصفة الجمعية فيتوقف فيه حتى يقوم الدليل وأنكره وقال الظاهر إدب افتراء عليه (أقول) المنقول عنه هو ابن عبد السلام رحمه الله ورده الطوفي في تفسيره، وقال قوله: فبهداهم اقتده يدل على تفضيله على الجميع أيضاً لأنه أمر بالاقتداء بهم صلوات الله وسلامه عليهم ولا شك في امتثاله صلى الله عليه وسلم أمر الله فإذا فعل جميع أفعالهم مع ماله عليهم من الزيادة كان أفضل من جميعهم وهو كلام حسن. قوله: (ولو شاء الله

أي هدى الناس جميعاً الخ) أورد الخ عليه أن المذكور في المعاني أنّ مفعولط المشيئة المقدر ما يفيده الجزاء كما في ولو شاء لهداكم أي لو شاء هدايتكم فالظاهر لو شاء عدم الاقتتال وأجيب بأنه لم يرتضه لأنّ العدم لا يحتاج إلى مشيئة وارادة بل يكفي فيه عدم تعلق الإرادة بالوجود وقد مر الكلام فيه. قوله: (كرره للتثيد الخ) في الانتصاف التأكيد بذكر بعض خص منه وهو أنّ العرب متى بنت أوّل كلامها على مقصد ثم اعترضها مقصد آخر وأرادت الرجوع إلى الأوّل طردت ذكره إمّا بتلك العبارة أو بقريب منها وهو عندهم مهيع من الفصاحة مسلوك وطريق مفيد وكان جدي الوزير أحمد بن فارس يعدّ في كتاب الله تعالى مواضع منه فصلها ودلالة الآية على التفضيل ظاهرة وأما اشتراط الدليل القاطع فدلالة الآية عليه، وكونه كذلك ليس بمسلم كما نقله بعض أرباب الحواشي وأما كون الحوادث جميعها بيد الله فيدل عليه عموم ما يريد، وقوله: ما أوجبت الخ يعني أن الأمر للوجوب فالمراد به الزكاة والدال على كونه للوجوب الوعيد الواقع على تركه. قوله: (من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون على تدارك الخ) يريد أن قوله تعالى لا بغ الخ عبارة عن عدم القدرة بوجه من الوجوه لأنّ من ذمته حق إما أن يأخذ بالبيع ما يؤديه به أو يعيته أصدقاؤه أو يلتجئ إلى من يشفع له في حطه، وقوله: وإنما رفعت الخ يعني أن المقام يقتضي التعميم والمناسب له الفتح لكنه لما كان جوابا لهل فيه بيع والبيع فيه مرفوع ناسب رفعه في الجواب وأمّا قراءة الفتح فعلى الأصل في ذكر ما هو نص في العموم ومقتضى الظاهر وفيه نظر لأنه جملة وقعت بعد نكرة فهي صفة غير مقطوعة وكذا أعربوه ولا يقدر بين الصفة والموصوف إذا لم تقطع سؤال فلا أدري ما الباعث له عليه. قوله: (يريدوا لتاركون للزكاة) يعني عبر عن تارك الزكاة بالكافر تغليظا حيث شبه فعله الذي هو ترك الزكاة بالكفر أو جعل مشارفة على الكفر أو عبر بالملزوم عن اللازم فإن ترك الزكاة لازم للكفر فذكر الكفر وأريد ترك الزكاة فهو إما استعارة تبعية أو مجاز مشارفة أو مجاز مرسل أو كناية كما وضع من كفر موضعمن لم يحج. قوله: (مبتدأ وخبر الخ) يعني الجلالة مبتدأ والجملة بعده خبر وأما خبر لا فمحذوف اختلف في تقديره كما ذكره المصنف رحمه الله قال الإمام رحمه الله تقديره في الوجود لا يدل على نفي إمكان الألوهية لغير الله وتقديره يصح أن يوجد لا يدل على وجوده تعالى، وأجيب بأن التوحيد نفي الشركة في الوجود فلا بأس في عدم الدلالة على نفي إمكان ألوهية الغير لأنه ليس بمقصود ههنا وأيضا التوحيد إنما يعتبر بعد الوجود فتأمّل. وذهب الزمخشرفي إلى أنه لا تقدير فيه وأن هو مبتدأ واله خبر كما في قوله إنما الله إله واحد فقدم وأخر لضرورة لا وإلا وله في ذلك رسالة وما قاله مقتضى المعنى ولو لم يبن إله مع لا لكان له وجه. قوله: إ الحي الذي يصح! أن يعلم ويقدر (يعني ليس معنى الحياة في حقه تعالى ما يقوله الطبيعي من قوة الحس ولا قوة التغذية ولا القوة التابعة للاعتدال النوعي التي تفيض عنها سائر القوى الحيوانية ولا ما يقوله الحكماء وأبو الحسين البصري من أنّ معنى حياته كونه يصح أن يعلم ويقدر بل هي صفة حقيقية قائمة بالذات كالأعراض! والكيفيات تقتضي صحة العلم والقدرة والإرادة إذ لا تصح بدونها، وقوله: وكل ما يصح الخ يعني أن ما يصح أن يكون لله فهو واجب لهذه المقدمة المسلمة وهو أنه تعالى لا يتصف بصفة تكون بالقوّة لا بالفعل ولا بما هو ممكن لأنّ ما هو كذلك يقبل الزوال فهو حادث والحوادث لا تقوم بذاته تعالى وفيه إشارة إلى دفع سؤال الإمام السابق وسؤال أن صحة العلم والقدرة لا تقتضي اتصافه بما ذكر من الصفات الكممالية بالفعل وفسر في الكشاف الحيّ بالباقي الذي لا سبيل للفناء عليه، فقال النحرير: إنه المعش اللغوي وما ذكره هنا اصطلاح المتكلمين فاتجه عليه أنه كيف يفسر القرآن باصطلاحهم و! له لا يسلم أنه اصطلاح ويدعي أنه لغوي ولا مانع منه. قوله: (الدائم القيام الخ) قيوم صيغة! الغة للقيام وأصله قيووم على فيعول وهي من صيغ المبالغة فاجتمعت الواو والياء والسابق ساكن فقلبت الواو ياء وأدغمت ولا يجوز أن يكون فعولاً وإلا لكان توّوما لأنه واوي، ويجوز فيه قيام وقيم وفسره المصنف بما ذكره

تبعاً للزمخشريّ، وقيل: هو القائم بذاته ووجه المبالغة عليهما زيادة الكم والكيف، قال الراغب: يقال قام كذا أي دام وقام بكذا أي حفظه والقيوم القائم الحافظ لكل شيء والمعطي له ما به قوامه وذلك هو المدى المذكور في قوله تعالى: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [سورة طه، الآية: 50] ووله: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [سورة الرعد، الآية: 33] والظاهر منه أنّ القيام بمعنى الدوام ثم يصير بسبب التعدية بمعتى الإدامة وهو الحفظ فأورد عليه أنّ المبالغة ليست من أسباب التعدية فإذا عرى القيوم عن أداة التعدية لم يكن إلا بالمعنى اللازء فلا يصح تفسيره بالحافظ ثم إن المبالغة في الحفظ كيف تفيد إعطاء ما به القوام ولعله من حيث إن الاستقلال بالحفظ إنما يتحقق بذلك لأنّ الحفظ فرع التقؤم فلو كان ا! وّم بغيره لم يكن مستقلا بالحفظ وعلى هذا لا يرد ما يورد على تفسير الطهور بالطاهر بنفسه لمطهر لغيره من أن الطهارة لازم والمبالغة في اللازم لا توجب التعدي وذلك لأنّ البالغة في اللازم ربما تتضمن معنى آخر متعديا بل المعنى اللازم قد يتضمن بنفسه ذلك كالقيام المتضمن لتحريك الأعضاء، نعم يرد على من فسره بالقائم بذاته المقوّم لغيره ولا يتأتى هنا ما أجاب به في الكشف عن الطهور من أنه لما لم تكن الطهارة في نفسها قابلة للزيادة رجع المبالغة فيها إلى انضمام معنى التطهير إليها لأنّ اللازم صار متعديا وذلك لأنه قابل للزيادة كما مرّ على أنه قيل: إنّ انضمام معنى التطهير لما كان مستفادا من المبالغة بمعونة عدم قبول الزيادة كانت المبالغة سبباً للتعدي، ورد بأنّ المعنى اللازم باق بحاله والمبالغة أوجبت انضمام معنى التعدي إليه لا تعدية ذلك اللازم وبينهما فرق ثم إنّ القوام المذكور في إعطاء ما به القوام فسروه بمعنى الوجود إذ جعله بمعنى آخر غير مناسب، فقد ظهر له معنى ثالث وأورد على تفسيره بالقائم بذاته أنه يكون معنى قيوم السموات والأرض الوارد في الأدعية المأثورة واجب السموات والأرض وهو ركيك، فالظاهر غيره من المعاني ولما زادوا في تفسيره القائم بذاته المقوم لغيره فسروا القيام بالذات بوجوب الوجود المستلزم لاجتماع جميع الكمالات والتنزع عن سائر وجوه النقص والتقويم للغير يتضمن جميع الصفات الفعلية فمن ثمة قيل: إنه الاسم الأعظم. قوله: (قال ابن الرقاع) هو عديّ بن رقاع بوزن كتاب العاملي من قصيدة وقبله: وكأنها بين النساء أعارها عينيه أحور من جاذر جاسم وسنان اقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم فقوله: ليس بنائم يدلّ على أنّ السنة ما يتقدم النوم، وأقصد بمعنى رمى سهما قتل من أصابه ورنق بمعنى خا اط من رنق الطائر صف جناحيه ليريد الوقوع، وجاسم قرية من قرى الشأم، وقال الفضل: السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب، وقوله: رأسا فيه لطف. قوله: (وتقديم السنة عليه وقياس المبالنة عكسه الخ) يعني أنه راعى في الترتيب الوجودي فلتقدمها على النوم في الخارج قدمت عليه في اللفظ والقياس يقتضي التأخير لأنّ المعروف في الإثبات تقديم الأقل وفي النفي عكسه وقيل: إنه على طريق التتميم وهو أبلغ لما فيه من التأكيد إذ نفي السنة يقتضي نوم النوم ضمنا فإذا نفى ثانيا كان أبلغ ورد بأنه إنما هو على سبيل أسلوب الإحاطة والإحصاء وهو يتعين فيه مراعاة الترتيب الوجودي والابتداء من الأخف فالأخف كما في قوله تعالى: {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [سورة الكهف، الآية: 49] وهذا كله مما لا حاجة إليه لما قال الإمام السبكي الأخذ هنا بمعنى القهر والغلبة كما ذكره الراغب وغيره من أئمة اللغة كقوله تعالى: {أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} ! سورة القمر، الآية: 42] فالمعنى لا تغلبه السنة ولا النوم الذي هو أكثر غلبة فالترتيب على مقتضى الظاهر ولو كان المعنى لا تعرض له سنة ولا نوم كان كما ذكروه وهو دقيق أنيق. قوله: (والجملة نفي للتشبيه) يعني أنها لتنزيه الله تعالى أن يكون له مثل من الإحياء لأنها لا تخلو من هذا فكيف تشابهه وكونه تأكيدا للقيوم ظاهر لأنه الحافظ القوي ومن يعتريه النوم والفضلة لا يكون كامل الحفظ وكذا للحيّ لأنّ النوم آفة تنافي دوام الحياة وبقاءه وصفاته تعالى قديمة لا زوال لها فلا يرد عليه أنّ الظاهر الاقتصار جلى أنه تأكيد للقيوم كما في الكشاف، وقوله: ولذلك ترك العاطف الخ أي لكونه تأكيدا وكذا ما بعده أيضا

فافهم، واعلم أنه لما حصر الألوهية أشار بالحياة إلى أنّ الأصنام لا تصلح لذلك وبالقيوم إلى أن الملائكة لا تصلح له وبهذه الجملة إلى أنّ عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره من البشر كذلك ثم ذكر بعده إثبات ما ذكر. قوله: (تقرير لقيوميته الخ) وجه التقرير أنّ المالك يقوم على ما يملكه ويحفظه والقائم الحافظ إنما يحفظ ما هو ملكه بحسب الظاهر ووجه الاحتجاج على تفرّده أنّ ما سواه مملوك له فكيف يكون شريكا له. قوله: (والمراد بما فيهما إلى قوله فهو أبلغ من قوله) قيل: ليس ما ذكره آية وسياقه يشعر به فالظاهر أن يقول أبلغ من قولنا، ووجه الأبلغية أنه يلزم أنّ السموات والأرض له بطريق برهانيّ لكن إرادة الجزئية والظرفية بقوله فيهما جمع بين الحقيقة والمجاز وفيه دليل على أنّ ما سواه تعالى ملك له وإلا كان البيان قاصرا. قوله: (بيان لكبرياء شأنه الخ) الكبرياء مأخوذ مما قبله من سمات الجلال وعدم المساواة والمداناة أي المقاربة مأخوذ من إنكار وجود الشفعاء بلا إذن، والاستكانة بمعنى التضرع والمظ صبة إظهار الخلاف والعداوة. قوله: (ما قبلهم ومما بعدهم الخ) فسر ما بين أيديهم بما كان قبلهم وهو الماضي وما خلفهم بما سيأتي بعدهم وهو المستقبل لأنه يقال: لما تقدم بين اليدين لأنّ ما بينهما لا بذ أن يكون متقدماً وما سيكون يقال إنه خلفه أي بعده ومغيب عنه ومستور أو على العكس وبينه بأنك تستقبل ما سيأتيك وتستدبر ما مضى وهو ظاهر وإطلاق ما بين أيديهم على أمور الدنيا لأنها حاضرة والحاضر يعبر عنه بذلك وأمور الآخرة مستورة كما يستتر عنك ما خلفك وأما العكس فلأن أمور الآخرة مستقبلة وتلك ماضية، وبقية الوجوه ظاهرة وكذا ما يأخذونه وما يتركونه وإذا رجع الضمير لما فهو تغليب أو للعقلاء في ضمنه فلا تغليب والعلم بما قبلهم وما بعدهم كناية عن علمه بجميع الأشياء هم وما قبلهم وما بعده واعتبره فيما بعده. قوله: (من معلوماته الخ) إشارة إلى أنّ هذا مغاير لما قبله ومجموعهما دال على تفزده العلم لأن الأولى تفيد أنه يعلم كل شيء والثانية أنه لا يعلمه كيره ومن كان هكذا فهو الإله لا غيره إذ الإله لا بد من اتصافه بصفات الكمال التي من أصولها العلم. قوله: (تصوير لعظمته وتمثيل الخ) إشارة إلى أنه استعارة تمثيلية والتخييل نوع من التمثيل إلا أنه تمثيل خاص بكون المشبه به فيه أمراً مفروضا وما يقال: إنّ التمثيل تشبيه قصة بقصة والتخيل تصوير حقيقة الشيء ليس بشيء ثم إن كان الممثل بجميع أجزائه مفروضا كما نحن فيه وكقولهم لو قيل: للشحم أين تذهب لقال أسوى العوج فهو التمثيل التخييلي وإلا فهو الاستعارة التخييلية التابعة للاستعارة بالكناية واسم التخييل يقع عليهما وسيأتي الكلام على هذا تفصيلا والحاصل أنه استعارة تمثيلية كما في جعل الأرض في قبضته لا كناية إيمائية كما قاله الطيبي رحمه الله، وقوله وقيل: الخ فالكرسي بمعنى العلم مجازاً فهو تسمية له بمكانه لأنّ الكرسي مكان العالم الذي فيه العلم فيكون مكانا للعلم بتبعيته لأنّ العرض يتبع المحل في التحيز حتى ذهبوا إلى أنه معنى قيام العرض! بالمحل. قوله: (وقيل: جسم الخ) هذا هو الذي يدلّ عليه ظاهر الآثار وقوله: ولذلك الخ أي لكونه بمنزلة كرسي يوضع مقابل عرس الملك وعن الحسن رحمه الله أنه نفس العرس وتلك البروج معروفة في الهيئة، والكرسي قيل: إنه اسم وضع هكذا وليس بمنسوب، وقيل: إنه منسوب إلى الكرس وهو التلبد ومنه الكراسة للمتكرس من الأوراق والمتكرس الراكب والأولى حمله على ظاهره، وأمّا إيهامه الجسمية فليس بشيء ويؤده بثقله من الأود وهو العوج لأن الثقيل يميل له ما تحته وخص الحفظ بهما دون العرس لأن الحفظ لهما هو المشاهد المحسوس. قوله: (وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الخ (التنزه عن التحيز يؤخذ من القيوم أيضا لأنه لو تحيز احتاج إلى الحيز فلم يكن قائما بنفسه وعدم التغير من قوله لا تأخذه الخ وكذا قوله: لا يناسب الأشباج وما يعتري الأزواج الحدوث وهو مأخوذ من القيوم أيضا، وقوله: الذي لا يشفع تفسير لما قبله وسعة الملك الخ من وسع كرسيه السموات والأرض وفي قوله: عما يدركه ولا يحيط به مكنية وتخييلية وآية الكرسي ورد أنها سيدة آي القرآن وما ذكره المصنف رحمه الله في فضائلها كله مروي في كتب الحديث إلا قوله: من قرأها بعث

الله ملكا الخ فإن أرباب التخريج قالوا: لا أصل له وقوله: من مضجعه في نسخة مضجعه بدون من وكذا في الكشاف وقوله: " لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت " قال النحرير: إنه بمعنى لم يبق من شرائط دخوله الجنة إلا الموت فكان الموت يمنع ويقول: لا بذ من حضوري أولاً ثم تدخل الجنة ويحتمل أنه من قبيل ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم. تنبيه: قوله " إنّ أعظم آية الخ " هذا الحديث ذكره النوويّ في شرح مسلم وقال القاضحي عياض: إنه حجة لمن قال إنّ بعض القرآن قد يفضل على غيره وفيه خلاف فمنعه بعضهم كالأشعري والباقلانيّ وغيرهما لاقتضائه نقض المفضول وكلام الله لا نقض فيه فأعظم بمعنى عظيم وأفضل بمعنى فاضل، وأجازه إسحق بن راهوبه وكثير من العلماء والمتكلمين وهو يرجع إلى عظم أجر قارئه والمختار جوازه فيقال: هذه السورة أو الآية أعظم وأفضل أي أكثر ثوابا وإنما كانت هذه الآية أعظم لجمعها أصول أسماء الصفات من الألوهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات. قوله: (إذ الإكراه في الحقيقة الخ) يعني أنه خبر باعتبار الحقيقة ونفس الأمر وأما ما يظهر بخلافه فليس إكراها حقيقيا وان كان بمعنى النهي فهو ميسوخ أو مخصوص بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية وكانوا عنده عليه الصلاة والسلام كما يدل عليه سبب النزول المذكور فلا يرد عليه ما قيل: إنّ قوله جاهد الكفار عامّ لأهل الكتاب وليس كل كتابي ذميا لا في زماننا ولا في زمانه وأمّا ما روي هنا فالظاهر أنه قبل نزول آية السيف اللهمّ إلا أن يقال: المراد أهل العهد والذمّة فإنه يكتب غالباً والأنصارى من بني سالم بن عوف واسمه حصين وهو مرويّ عن ابن عباس رضي الله عنهما. قوله: (بالطاغوت) هو في الأصل مبالغة من الطغيان فقلب ووزنه فلعوت قال الجوهري: ويكون واحداً وجمعا وفي قوله الأصنام إشارة إليه، وقوله: وتصديق الرسل عليهم الصلاة والسلام لأنه داخل في الإيمان. قوله: (طلب الإمساك من نفسه) ولو جعلت زائدة للمبالغة في التمسك وأنه بمعنى تمسك لكان أولى والمصنف رحمه الله جعل العروة استعارة تصريحية فيكون استمسك ترشيحا لها وقيل: إنه استعارة أخرى تبعية والزمخشريّ جعله تمثيلاً على تشبيه التدين بالدين الحق والثبات على الهدى والإيمان بالتمسك بالعروة الوثقى من الخبل المحكم المحمامون ا! اعه شم ذكر الصسثسبه به وأراد المشبه ويجوز كون العروة استعارة للعهد أو الكتاب كما مرّ في قوله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ} [سورة آل عمران، الآية: 103] وقوله إذا كسرته إشارة إلى أنّ في الانفصام تجوزا والا فالكسر مغاير للقطع وكونه تهديدأ على النفاق لعدم مطابقة القول الاعتقاد فيه وقيل: إنه إشارة إلى أنه لا بد في الإيمان من الاعتقاد والإقرار. قوله: (محبهم أو متولي أمورهم الخ) الولي يكون بمعنى الصديق والمتولي للأمور فهو إما بالمعنى الأوّل لكن حقيقته لا تصح في حقه تعالى فيراد من المحبة وارادة الخير أو بالمعنى الثاني وهو ظاهر، وقوله: من أرد إيمانه الخ لأنّ من آمن حقيقة فهو مخرج من الكفر فلا يتصوّر إخراجه، وكذا الذين كفروا محمول على العزم والتصميم فلا بد أن يحمل إيمانهم الذي خرجوا منه على الإيمان الفطري وكفرهم الذي هم عليه على الارتداد، والظلمات على هذا الكفر والنور والإيمان ثم ذكر وجها آخر وهو أن يكون آمنوا وكفروا على ظاهره بأن يراد بالظلمات الشبه وبالنور اليقين والبينات وهما استعارتان على الوجهين هذا ما ذكره الزمخشريّ، فالمصنف رحمه الله تعالى خلط بين الوجهين وبعد تفسيره بإرادته لا ينبغي أن تفسر الظلمات بالوساوس والبهات. قوله: (والجملة خبر بعد خبر) أي جملة يخرجهم خبر ثان والأوّل وليّ الذين آمنوا أو حال من الضمير في وليّ الصفة المشبهة الراجع إلى الله أو من الموصول المضاف إليه لأن المضاف هنا مشتق عامل وهو إحدى الصور الثلاث التي يجوز فيها الحال من المضاف إليه فتقديره مخرجين الخ أو منهما لأنّ تعدد ذي الحال يجوز إذا اتحد العامل وهنا كذلك لأنه وليّ وفي الجملة عائد إليهما وهو الضمير المستتر وهم وليس فيه استعمال المشترك في معنييه كما توهم وقوله وقيل: نزلت الخ قيل: الذي أخرجه ابن المنذر والطبرانيّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه الصلاة والسلام فلما بعث محمد ىشيرو كفروا به، وقوله: من النور

الذي منحوه الخ تقدم بيانه وعلى حمله على الارتداد لا يحتاج إلى تأويل وقوله: وإسناد الإخراج الخ ردّ على المعتزلة. قوله: (ولعل عدم الخ) وجه التعظيم الإشعار بأنّ أمرهم غير محتاج إلى البيان وأنّ شأنهم أعلى من مقابلة هؤلاء، وقيل: إن قوله وليئ الذين آمنوا دل على الوعد. قوله: (تعجيب من محاجة نمروذ الخ (هذه الآية بيان لتشديد المؤمنين إذ كان وليهم وخذلان غيرهم ولذا لم يعطف والاستفهام مجاز في التعجيب كما يكون في التعجب، ونمروذ بضم النون والذال المعجمة ووجه حماقته جوابه بما يكذبه العقل وهو ضد الأسلوب الحكيم وسماه الطيبي كغيره الأسلوب الأحمق وضمير ربه يصح عوده إلى إبراهيم والى الذي. قوله: (لأنّ آتاه الخ) أي أنه على حذف اللام وهو مطرد معها وليس مفعولاً لأجله لعدم إيجاد الفاعل والتعليل فيه على وجهين إمّا أن إيتاء الملك حمله على ذلك لأنه أورثه الكبر والبطر فنشأت المحاجة عنهما واليه أشار بقوله: أي أبطره الخ أو أنه من باب العكس في الكلام بمعنى أنه وضع المحاجة موضع الشكر إذا كان من حقه أن يشكر في مقابلة ذلك وهو باب بليغ ونظيره الآية والمثال المذكوران واليه أشار بقوله أو حاج لأجله الخ. قوله: (أو وقت أن آتاه الله الخ) أي أنه واقع موقع الظرف كما في ما المصدرية أو بتقدير مضاف وأورد عليه أنّ المحاجة لم تقع وقت إيتاء الملك بمعنى وقت وجوده بأن يعتبر الوقت ممتداً وبأن ما ذكره غير متفق عليه فإنه ذهب إلى جوازه ابن جني والصفار في شرح الكتاب، وقال في قول سيبويه رحمه الله: إن معنى والله لا أفعل إلا أن تفعل معناه حتى أن تفعل أو يحمل على أنه تفسير معنى لا صناعة لأنه بتقدير إلا وقت أن تفعل. قوله:) وهو حجة الخ) ردّ على الزمخشريّ حيث أوّله بأن المعنى آتاه مالاً وأتباعا تغلب بها على الملك بناء على قاعدة الأصلح وخلق الأعمال ومنهم من جعل ضمير آتاه لإبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنه تعالى قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} وقال: {فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} وهو من بدع التفاسير مع أنّ السؤال يتوجه على إيتاء الأسباب ولو سلم فما من قبيح إلا ويمكن أن يعتبر فيه غرض صحيح كالامتحان وبعض المعتزلة قد جوّزه لذلك فهم فيه فرقتان. قوله:) ظرف لحاج الخ) وجملة قال: أنا الخ بيان لقوله حاج وليس استئنافا جواب سؤال لأنّ جعله بمنزلة المرئي يأباه فلا يرد ما قيل: إنه يشكل موقع قال: {أَنَا أُحْيِي} الخ، إلا أن يجعل استئنافاً جواب سؤال وقوله: أو بدل الخ لم يجعل ظرفا له لئلا يعمل فعل واحد في ظرفي زمان لكنه يصح بأن يقيد بالثاني بعد تقيده بالأوّل وتخصيصه البدلية لأنّ الظرف مغاير للمصدر إن لم يقدر الوقت وقد منع هذا بأنه يصح البدلية فيه على أنه بدل اشتمال لأنّ الوقت مشتمل على الإيتاء فتأمّل وقوله: يخلق الحياة والموت مرّ ما فيه وقوله: رب بحذف الياء أي اكتفاء بالكسرة. قوله: (بالعفو عن القتل الخ الما كان العفو عن القتل ليس بإحياء له، وكونه كذلك غنيّ عن البيان أعرض! إبراهيم عن إبطاله وأتى بدليل آخر هو أظهر من الشمس فلا يرد على من جعلهما دليلين أنّ الانتقال من دليل قبل إتمامه ودفع معارضة الخصم إلى دليل آخر غير لائق بالجدل حتى يحتاج إلى أن يقال إنه ليس بدليل بل مثال والانتقال من مثال إلى آخر لزيادة الإيضاح فلا ضير فيه كما أشار إليه المصنف، والتمويه التلبيس والمشاغبة بالغين المخاصمة والحامل له إذا كان غرور الملك فهو لا يذعي الإلهية وعلى الثاني فهو يدعيها بطريق الحلول وهذا قبل حبسه، وعلى القول الآخر بعد. وبهت قرئ مجهولاً ومعلوما والبهت أن لا يقدر على التكلم تحيرا وفسر الظالمين بما ذكر لأنّ غيرهم قد يهديه 5 قوله: (أو أرأيت مثل الذي الخ) قال في الكشاف: معناه أو أرأيت مثل الذي مرّ فحذف لدلالة ألم تر عليه لأنّ كلتيهما كلمة تعجيب ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مرّ وفي الانتصاف ومثل هذا النظم يحذف منه فعل الرؤية كثيراً كقوله: قال لها كلابها أسرعي كاليوم فطلوباولاطالبا وقيل: لما كان في دخول إلى على الكاف إشكال لأنها إن كانت حرفية فظاهر وإن كانت اسمية فلأنها

مشبهة بالحرف في عدم التصزف لا يدخل عليها من الحروف إلا ما ثبت في كلامهم وهو عن وذلك على قلة أيضا عدل إلى التأويل فجعله من عطف الجملة على الجملة تارة وقدر أرأيت لأنّ ألم تر مستعمل بإلى في الكتاب العزيز إذا تعدى إلى مفعول واحد بمعنى النظر وأخرى من العطف الملفوت فيه لفت المعنى نحو فأصدق وأكن واقحام الكاف لد مبالغة نحو: {فَأْتُواْ بِسورة مِّن مِّثْلِهِ} [سورة البقرة، الآية: 23] هو الوجه لا لأنّ منكر الربوبية قليل ومنكر الإحياء أكثر والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى اص. وهو رذ لما ذكره المصنف رحمه الله وسيأتي تقريره، وقيل: تقريره إن كلاً من لفظي ألم تر وأرأيت مستعمل لقصد التعجيب، إلا أنّ الأول تعلق بالمتعجب منه فيقال: ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى انظر إليه فتعجب من حاله والثاني تمثيل المتعجب منه فيقال: أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل ولا يصح ألم تر إلى مثله إذ يكون المعنى انظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع فلذا لم يستقم عطف كالذي مز على الذي حاج واحتيج إلى التأويل في المعطوف بجعله متعلقأ بمحذوف أي أرأيت كالذي مرّ ليكون من عطف الجملة أو في المعطوف عليه نظراً إلى أنه في معنى أرأيت كالذي حاج فيصح العطف عليه، فظهر أنّ عدم الاستقامة ليس لمجرّد امتناع دخول كلمة إلى على الكاف كما مرّ حتى لو قلت ألم تر إلى الذي حاج أو مثل الذي مرّ فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب الكلام وأنّ هذا ليس من زيادة الكاف في شيء بل لا بذ في التعجيب بكلمة أرأيت من إثبات كاف أو ما في معناه فيقولون أرأيت كزيد أو مثل زيد وهو شائع في سائر اللغات اهـ. (أقول (هذا غريب منه فإن ألم تر يستعمل للتعجيب مع التشبيه نحو قول العرب لم أر كاليوم رجلأ كما ذكره سيبويه رحمه الله وقد يقدر كما مرّ وبدونه كما هنا وكقوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} وكذا أرأيت يستعمل معه كما ذكروه وبدونه، كقوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} ونظائره كثيرة وكيف يفرق بينهما بأنه تعلق في الأوّل بالمتعجب منه وفي الثاني بمثله والمثلية إنما جاءت من ذكر الكاف ولو ذكرت في الأول لكان مثله بلا فرق فهذا مصادرة على المطلوب وليس فيه زيادة على ما ذكره المدقق في الكشف وهو الحق لأنّ رأي البصرية تتعذى بنفسها وبإلى كما هنا فعطفه على المجرور إما ممتنع أو قبيح فلم يبق إلا عطفه على الجار والمجرور باعتبار المعنى لأن المقصود منهما التعجيب فهو في معنى أرأيت كالذي الخ أو على الجملة فيقدّر له متعلق وقدر أرأيت لأنّ استعماله مع الكاف أكثر وهذا التقدير وتع من الفراء وغيره من المتقذمين ووجهه ما ذكرنا وكونها غير زائدة أولى ودلالته على الكثرة بطريق الكناية لأن النادر لا مثل له فص صل ماله مثل عبارة عن الكثرة ولا عبرة بما قاله في الكشف. قوله:) وقيل: إنه من كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام الخ (وعلى هذا فيكون رجوعاً إلى إبطال جوابه بأن ما ذكرت ليس بإحياء لكنه ضعيف للفصل وكثرة التقدير، وقوله: وهو عزير ابتداء كلام ورجوع إلى تفسير الآية وليس من تتمة كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأن عزيراً من بني إسرائيل وخراب بيت انمقدس في زمانهم. قوله:) ويؤيده نظمه مع نمروذ (حيث سيق الكلام للتعجيب من حالهما وبأن كلمة الاستبعاد في هذا المقام تشعر بالإنكار ظاهرأ، وإنما يكون لمجرد التعجيب إذا علم أنّ المتكلم جازم بالوقوع كما في أنى يكون لي غلام وأنى يكون له ولد ومجرد الاحتمال لا ينافي الظهور وما يقال: إنه قد انتظم مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام أيضا في سلك فقيل: إنه ليس بمستقيم وإنما ذلك لمجرّد مقارنة في الذكر إذ لم يذكر على الوجه الذي ذكر عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو معنى الانتظام في السلك نعم لو قيل: الانتظام في سلك يدل على كونه مؤمناً ليكون الإتيان توضيحاً وتمثيلا وتفصيلاً لما سبق من الإخراج من الظلمات إلى النور وبالعكس لكان شيئا وقيل: عليه إنه لو كان كذلك لكان الظاهر العطف بالواو لا بأو والقرى كالضرب مصدر قرى بمعنى جمع لاجتماع الناس فيها، والعروش جمع عرس وهو السقف أي ساقطة على سقوفها بأن سقط السقف أوّلأ ثم تهدمت الجدران عليه. قوله:) اعترافاً بالقصور الخ) التفسير الأوّل والثاني ناظران إلى تفسير الذي مز وأنى اسم استفهام الظاهر فيه ترجيح

أنه بمعنى كيف فهو حال من هذه قدم لصدارته لأنّ كونه بمعنى متى وان أثبته أبو البقاء خلاف الظاهر وعليه قهو ظرف والعامل على كل حال يحيي وإحياء القرية وإماتتها إما بمعنى عمرانها وخرابها أو أنه على حذ واسأل القرية. قوله: (فألبثه الخ (يعني أنّ مائة عام ظرف لأماته على المعنى لأنّ معناه ألبثه ميتا وليس ظرفا له على ظاهره لأنّ الإماتة إخراج الروج وهي تقع في أدنى زمان أو هو ظرف لفعل مقدّر أي فلبث مائة بدليل قوله كم لبثت قيل 0 ولا حاجة إلى هذا إذ معناه جعله ميتا وفيه نظر. قوله:) وساغ أن يكلمه الخ (هذا بناء على أن الله لا يجوز أن يكلم الكافر شفاها إما مطلقاً أو في دار التكليف وقد ردّه في الانتصاف بأنه لا أصل لأنّ الله تعالى يكلم إبليس وهو رأس الكفر ومعدنه، وقال للكفار: اخسؤوا فيها والممتنع إنما هو تكليمهم على نهج الكرامة والملاطفة وقيل: إنّ امتناعه مبنيّ على فاعدة الاعتزال ولا وجه له، وقوله: أو شارف الإيمان أي قاربه لأنه مقتضى النظم، وقوله: فلما تبين له الخ إذ الإيمان بعد ذلك ولذلك اعترض على الزمخشرفي في جزمه بالأوّل وهو غير وارد على المصنف رحمه الله وليس في الآية ما يدل على المشافهة فلذلك قال: أو ملك أو نبيئ فيكون الإسناد إلى الله مجازاً. قوله: (كقول الظانّ الخ ( يعني أنه لم يتيقن مقدار لبثه فشكك فيه فأو للشك وعلى الآخر للإضراب والغرض تقليل المدة فتأمل قوله: (لم يتغير بمرور الزمان الخ) جملة لم يتسته حالية والجملة المصدرة بلم تقع حالاً وتقترن بالواو وتجرد منها وكلاهما جائز خلافا لمن تردد فيه ويتسنه لازم أي يتغير وما قيل: إنه بمعنى لم يمرّ عليه السنون فهو بيان الأصل المعنى لا للمراد ليس بشيء لأنه غير صحيح هنا فهو من السنة وفي لامها اختلاف فقيل: هاء فهو مجزوم بسكون الهاء وقيل: واو وأصلها سنو فحذفت وعوّضت التاء عنها فهو مجزوم بحذف الآخر والهاء هاء سكت تثبت في الوقف وفي الوصل لإجرائه مجراه، وقيل: أصله لم يتسنن ومنه الحمأ المسنون يعني الطين المتغير ومتى اجتمع ثلاث حروف متجانسة يقلب أحدها حرف علة كما قالوا في تظننت تظنيت وفي تقضضت تقضيت، قال العجاح في أرجوزة له: تقضي البازي إذ البازي انكدر أي تقضض البازي وهو هويه وسقوطه ليأخذ شيئأ وانكدر بمعنى أسرع وقوله: كتقضي البازي إشارة إلى قول العجاج، وقوله: وإنما أفرد الضمير يعني ضمير يتسته المستتر راجع إلى الطعام والشراب ولم يثن لأنهما جنس واحد أي الغذاء فإن قلت: كيف يتفرع، وقوله: فانظر على لبث المائة بالفاء وهو يقتضي التغير قلت ليس المفرع عليه لبث المائة بل لبث المائة من غير تغير في جسمه حتى ظنه زمناً قليلا ففزع عليه ما هو أظهر منه وهو عدم تغير الطعام والشراب وبقاء الحيوان حيا من غير غذاء، وقيل: تقديره إن حصل لك عدم طمأنينة في أمر البعث فانظر إلى طعامك وشرابك السريع التغير حتى تعرف أن من لم يغيره يقدر البعث وفيه نظر، وقوله: والأوّل أدل على الحال وهي طول الزمان المقتضي لذلك وأوفق بما بعده من كونه آية ومن النظر إلى الظعام. قوله: (وفعلنا ذلك الخ (فيه وجوه منها أنه متعلق بمقدر كما ذكره المصنف رحمه الله ومنهم من قدره متأخرا وقيل: إنه متعلق بما قبله والواو زائدة وعلى تقديره فهو معطوف على لبثت وقيل: على مقدّر والتقدير فعلنا ذلك لتعلم قدرتنا أو لتهتدي ولنجعلك آية الخ وقيل: إنه عطف على قال: ففيه التفات، وقولهم: هو ابن الله لجهلهم لما شاهدوا منه. قوله: (كيف نحييها الخ) هذا على قراءته بالمعجمة من النشوز وهو الارتفاع قليلاً قليلاً وقرأ أبي ننشيها وهو يؤيد تفسير ننشز بمعنى نحيي على طريق المجاز وقوله: والجملة حال كذا أعربوه وأورد عليه أنّ الجملة استفهامية وهي لا تقع حالاً وإنما الحال كيف وحدها ولذلك تبدل منه الحال فيقال: كيف ضربت زيداً أقائما أم قاعدا والظاهر أنّ الجملة بدل من العظام ولك أن تقول إن الاستفهام ليس على حقيقته فما المانع من وقوعها حالاً فتأمل. قوله:) فاعل تبين الخ) يعني أنه من التنازع الذي أعمل فيه الثاني على مذهب البصريين وعند الكوفيين يعمل الأوّل لكن ترك الضمير في أعلم ينفي كون الكلام على مذهبهم إذ المختار حينئذ إضمار المفعول وان جعل فاعل تبين ضمير ما أشكل لم يكن من التنازع وأما قراءة تبين مبنياً للمفعول فمن تبينت الشيء علمته وقراءة العاقة

من تبين الأمر ظهر ووضح، وقراءة أعلم على الأمر خطاب لنفسه على طريق التجريد ولا يلزم أن يقول اعلمي كما مرّ تحقيقه وقوله: والآمر على لفظ اسم الفاعل والمخاطب بكسر الطاء هو الله أو النبيّ صلى الله عليه وسلم أو الملك ولا تجريد حينئذ، وقوله: أو هو أي الآمر ونفسه بالنصب مفعوله ويصح رفعه على أنه تاكيد له فهو تجريد، وقوله: فحذف الأوّل أي لم يلفظ به بل أتى بضميره بدله فلا ينافي جعله مضمراً قبل وأورد عليه أنّ شرط التنازع كما نص عليه النحاة اشتراك العاملين بعطف ونحوه بحيث يرتبطان فلا يجوز ضربني أهنت زيداً وليس بشيء لأنه لم يشترطه إلا ابن عصفور، وقد صرح أبو عليّ وغيره بخلافه مع أنه لم يخص بالعطف إذ هو جار في قوله: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ} ولما رابطة للجملتين فيكفي مثله في الربط وان لم يصرحوا به وأيضا بين جعله مضمرا ومحذوفاً تناف إلا أن يكون الثاني على مذهب الكسائيّ رحمه الله ومن لا يجوّز الإضمار قبل الذكر وقد علم جوابه مما ذكرنا، وجعل الضمير لما أشكل قيل: الأظهر أن يقدر ضميرا راجعا لكيفية الإحياء، ومعنى تبكيت نفسه لومها على ما صدر من طلب ما طلب. قوله: (إنما سأل ذلك الخ) إشارة إلى أن رأي بصرية فإن قلت البصرية تتعدى بالهمزة لاثنين إلا أنها لا تعلق قلت: كذا قال بعض النحاة إلا أنّ ابن هشام رحمه الله رذه وقال إنه سمع تعليقها كما في هذه الآية فأرني فعل دعاء والياء مفعوله الأول وكيف الخ في محل مفعوله الثاني المعلق عنه وفي شرح التوضيح يجوز كونها علمية ولك أن تقول: إنه ليس من التعليق في شيء وجملة كيف الخ في تأويل مصدر هو المفعول كما قاله ابن مالك رحمه الله في قوله تعالى: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} [سورة إبراهيم، الآية: 45] وفي الكشاف فإن قلت كيف قال له أو لم تؤمن وهو أثبت الناس إيمانا قلت ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجلية للسامعين وبلى إيجاب لما بعد النفي معناه بلى آمنت ولكن ليطمئن قلبي أي ليزيد سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة لعلم الاستدلال لأنّ علم الضرورة لا يقبل التشكيك، وأما علم الاستدلال فيقبله اهـ. والمصنف رحمه الله لم يرتض ما ذكره لما فيه من تجويز الشك على الخليل ىك! هـ ومقامه أعلى من ذلك فقال: إنما أراد المعاينة ليزداد يقينا أو ليخبر به إذا سئل ولذلك قال جمي! هـ كما في البخاري: " نحن أحق بالشك من إبراهيم عليه الصلاة والسلام " أي نحن لا نشك فإبراهيم ئشي! أولى وأحرى بعدم الشك، وفي الانتصاف هنا كلام مخمر غير فطير محصله أنّ سؤاله عليه الصلاة والسلام ليس عن شك لكنه سؤال عن كيفية الإحياء وليس عملها مما يشترط في الإيمان ولذا قطع عرق احتماله في الحديث السابق، وأمّا قوله: أو لم تؤمن فلأنّ السؤال بكيف قد يستعمل في الشك فأراد تعالى بالسؤال أن يجيب بما يرفع الاحتمال وأمّا قوله ليطمئن قلبي فالمراد يزول عنه الفكر لأنّ العيان وراء البرهان فتأمل وقوله: إنّ إحياء الله الخ قيل: عليه هذا إنما يصح لو كان مراد إبراهيم بقوله: ربي الذي يحيي ويميت أنه يرد الروج إلى البدن والظاهر أنه لم يرد بالحياة حياة بعد الموت والا لقال يميت ويحيي وليس بشيء لأن الكلام في النشر والحشر في مثل هذا المقام لأنه هو الذي تنكره الكفرة لا الحياة الأولى بدليل قوله: {انظُرْ إِلَى العِظَامِ} الخ، وأمّا تقديم الحياة فلأنها وجودية أشرف من العدم، وقوله: أعرق الناس الخ بالقاف أي أقوى وأثبت من العرق وهو الأصل في الشجر ونحوه، وقوله: فخذ أي إذا أردت معرفة ذلك فخذ الخ. قوله: (قيل: طاوساً الخ) أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما وذكر بدل الغراب الغرنيق ووجه الإيماء ما قزره المصنف رحمه الله وخسة نفس الغراب لتناوله الجيف وبعد أمله لأنه يطلب ذلك من مسافة بعيدة، وأمّا ترفع الحمام فلأنه يأنف في مطعمه ومشربه عما يتناوله غيره منها وأمّا الهوى فلأنه يوصف بالطرب ونحوه كما هو معروف في لسان العرب والعجم وكون الطير أقرب إلى الإنسان باعتبار طلبه المعاس والمسكن ولذلك وقع في الحديث: " لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يررّق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " ولم يقل الوحش أو الحيوان أو غيره وكونه أجمع لأن فيه ما فيها جميعها على اختلاف أنواعه مع زيادة الطيران والطير قيل إنه في الأصل مصدر طار يطير سمي به وقيل: هو صفة وأصله طير كميت وقيل: هو جمع طائر كتاجر وتجر، والأولى أن يقال: إنه اسم جمع.

قوله: (فصرهن الخ) قرأ حمزة ويعقوب بكسر الصاد كما ذكره، والباقون بضمها مع التخفيف من صاره يصوره ويصيره بمعنى قطعه أو أماله لأنه مشترك بينهما ويحتملهما هنا كما ذكره أبو عليّ، وقال الفراء: الضم مشترك بين المعنيين والكسر بمعنى القطع ففط وقيل: الكسر بمعنى القطع والضم الإمالة، وعن الفراء أن صاره مقلوب صراه عن كذا قطعه والصحيح أنه عربي وقيل: نبطيّ معرّب فإن كان بمعنى أملهن فإليك متعلق به وان كان بمعنى قطع تعلق بخذ، وقرأ ابن عباس فصرّهن بتشديد الراء مع ضم الصاد وكسرها من صرّه إذا جمعه إلا أن مجيء المضاعف المتعدي على فعل بكسر العين قليل والراء إمّا مضمومة للاتباع أو مفتوحة للتخفيف أو مكسورة لالتقاء الساكنين، وقوله: واضممهن توضيح للتعدية إذ الإمالة تتعدى بإلى بلا ضمّ ولو جعل إشارة إلى تعلقه بخذ بتضمينه الضم لم يبعد لكن ليس في الكلا! قرينة عليه والأولى أنه إشارة إلى توجيه تعلقه في القرا آت الأخر وهذا تبل التجزئة كما يقتضبه التركيب وحكمته ما ذكره. قوله:) ولكت الخ) أوّله: وما صيد الأعناق فيهم جبلة وقيل: هو للفرزدق وأوّله: فما يقتل الإحياء من حب خندف وهو أصح رواية ودراية والصيد بمهملة وفتحتين الميل والاعوجاج والجبلة الخلقة يعني أنّ إمالة الأعناق والانقياد ليس باختيار منهم بل عن كره وقوله: على الليت الخ هو لبعض بني سليم والفرع الشعر التاتم، والوحف بحاء مهملة وفاء الأسود والليت بكسر اللام والياء التحتية والتاء المثناة الفوقية صفحة العنق، وقنوان بضم القاف وكسرها جمع قنو وهو عنقود النخل والدوالح بالدال المهملة واللام وآخره حاء مهملة المثقلات الحمل وقوله: فصرّهن من التصرية بفتح الصاد وكسر الراء المشدّدة وأصل التصرية تصررة فأبدل أحد حرفي التضعيف كما مرّ. تنبيه: قوله: فصرهن إليك، قال ابن هشام: تبعاً لغيره لا يصح تعليق! ! ى بصرهن وانما هو متعلق بخذان فسر بقطعهن أو أملهن إن لم نقدر مضافا أي إلى نفسك لأنه لا يتعدى فعل غير علمي عامل في ضمير متصل إلى المنفصل. (قلت) : إنما يمنع إذا كان متعديا بنفسه أمّا المتعدي بحرف فهو جائز كما صرّح به علماء العربية وقوله: أي جزئهن بالتشديد والهمز وبإذن الله متعلق بالفعل المأمور به لا بالطلب نفسه ولعله ورد مثله في الأثر والا فلا دلالة في النظم عليه فتأمل وثم للتراخي حقيقة أو مجازاً. قوله: (ساعيات الخ) يعني أنه حال وأوّل السعي بالطيران وجوّز حمله على حقيقته وقيل: إنه منصوب على المصدرية وقوله: فيقتلها المراد في شلها جعلها كالميت في عدم الحركة فلا يقال: إن أراد بالقتل إفناءها فلا معنى للمزج بعده وان أراد كسر سورتها كان ما بعده مكرّرا مع أنه يصح أن يكون تفسيرا له إذ القتل يستعمل بمعنى المزج كقوله: قتلت قتلت فهاتها لم تقتل قوله: (أي مثل نفقتها الخ) أي لا بد من اعتبار الحذف وتقديره في جانب المشبه أو المشبه به لتحصل ملاءمة المشبه والمشبه به وإن كان التشبيه مركبا لا ينظر فيه إلى المفردات وبذر الحبة بالذال المعجمة معروف، واعلم أنه لما حث على الإنفاق والجهاد وذكر المبدأ والمعاد كرّ ثانياً على الحث على الإنفاق وإن أردت تفصيل مناسبة ما بعده إلى آخر السورة فانظر في الكشف. قوله: (والمعنى انه يخرج منها الخ) أراد أنه من تشبيه المعقول بالمحسوس كما نراه في بعض الأراضي وان سلم أنه ليس بموجود كفى الفرض والتقدير لأنه مستند إلى الخيال والخيالات تجري مجرى المحسوس كفوله: وكان محمو الشقب ش إذا تصوّب أو تصعد أعلام ياقوت نشرن على رماج من زبرجد على أنّ المراد تحريضه على الإنفاق ببيان كثرة الريح وفي البخاري: " الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاورّ الله عنها " فالعشر أقل المراتب للتضعيف فلذا اقتصر عليها مرّة والزيادة لا حد لها وفي الحديث " أن الله يعطي بالحسنة ألفي ألف حسنة " والمغلة بوزن اسم الفاعل الكثيرة الغلة وهي الريع وقوله: تلك المضاعفة يعني أنه على ترك المفعول به لكن مع إرادة خصوصية المفعول المطلق ويصح تقدير مفعول به أي أضعافا كثيرة، وقوله: تتشعب في نسخة يتشعب وقوله: ومن أجله لا ينافي كونه بفضله. قوله: (نزلت في عثمان رضي الله عنه الخ) قيل: إنه لا أصل له في كتب الحديث وغزوة العسرة

معروفة وستأتي. وقوله: والمن أن يعتد الخ من عده فاعتد أي صار معدودا وهو يتعدى بالباء ويقال: اعتد به أي جعله معدودا معتبراً، والمن يكون بمعنى العطية ويكون بمعنى تعداد النعم وهو قبيح من المخلوق وقوله: والأذى التطاول على المنعم عليه أي التفاخر والتعداد لذلك. قوله: (وثم للتفاوت الخ) وفيه وجه آخر في الانتصاف وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف به وارخائه الطول في استصحابه فلا يخرج بذلك عن الإشعار ببعد الزمن ومعناه في الأصل تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه ومعناه المستعار له دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه، ومثله قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [سررة فصلت، الآية: 30، أي داموا على الاستقامة دواما متراخيا وتلك الاستقامة هي المعتبرة كذا ههنا أي يدومون على تناسي الإحسان وترك الامتنان ومثله يقع في السين نحو: {إ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [سورة الصافات، الآبة: 99] إذ ليس لتأخر الهداية معنى فيحمل على دوام الهداية وامتداد أمدها وتنفيسه. قوله: العله لم يدخل الفاء الخ) يريد بتضمن معنى الشرط اعتبار السببية وهي حاصلة سواء دخلت الفاء أو لم تدخل فإذا طرحت أوهم ذلك أن ثبوت الأجر لهم مقرر بقطع النظر عن هذا السبب وإنما قال: إيهامأ لأنّ الأجر المذكور أجر الإنفاق وهو لا يتصوّر بدونه لكنه عوّل على شهادة العقل التي هي أقوى مع ما في جعل المبتدأ موصولاً من الإشارة إلى ابتناء الخبر كقوله: إن التي ضرب ت بيتا مهاجرة بكوفة الجند عالت وذها غول أو أنه بمحض فضله لا بسبب. توله: (وتجاوز الخ) يعني أنّ المغفرة إمّا من المسؤول عن إلحاح السائل أو من الله في مقابلة الردّ الجميل أو من السائل بأن لا يشق عليه ردّه ويعذره، وسوّغ الابتداء بالنكرة وصفها ولم يذكره في المعطوف لأنه موصوف مثله في التقدير كما أشار إليه بقوله: عن السائل الخ أو أن المعطوف تابع لا يفتقر إلى مسوّغ، وقوئه: بمن وأيذاء الإيذاء مصدر أذاه وهو ثابت كما ذكره الراغب وترك بعض أهل اللغة له لأنه مصدر قياسيّ وأهل اللغة لا يذكرون مثله لشهرته، وقوله: بالعقوبة متعلق بمعاجلة. قوله: (لا تحبطوا أجرها الخ) إنما فسر به لأنّ الصدقة قد ثبتت فإبطالها بإحباط الأجر ولما كان العطف بالواو يقتضي النهي عنهما لا عن كل واحد وهو المراد نص عليه لأنّ النفي أحق بالعموم وأدل عليه. قوله: (كإبطال المنافق الذي الخ) إنما ذكر المنافق وليس في النظم لأنّ الإنفاق المذكور مع ما بعد. يقتضيه وفيه نظر، وفي قوله: إنفاقا رئاء مبالغة لأنّ الإنفاق مراءى به لا رئاء وفي نسخة إنفاق رئاء بالإضافة وهي ظاهرة، ويفهم من كلامه أنه لو قصد الرياء ورضا الله أو الثوا! لا يكون العمل باطلا وقد صرح به في الإحياء لكن ذهب ابن عبد السلام إلى أنه باطل ولو قيل: العبرة للغالب لم يبعد وهذا التشبيه مفرق فنفاق المنافق كالحجر الذي لا ينفعه الأمطار، ووجه الشبه عدم الانتفاع لا القسوة كما توهم ونفقته كالتراب لرجاء النفع منهما بالأجر والإنبات ورياؤه كالوابل المذهب له سريعا الضارّ من حيث يظن النفع ولو جعل مركباً لصح وقيل: إنه هو الوجه الأوّل ليس بشيء. قوله: (لا ي! مفعون الخ) عدم الانتفاع لخروجه عن حد! هـ من غير فائدة كما قال: إذ الجود لم يرزق خلاصا من الأذى فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا وهذه الجملة مبينة لوجه الشبه والضمير راجع للذي باعتبار المعنى بعدما روعي لفظه إذ هو صفة لمفرد لفظا مجموع معنى أو هو يستعمل للجمع بلا تأويل كما مر وقوله: وانّ الذي حانت بفلج دماؤهم هم ال! وم كل القوم يا أنم خالد هو من شعر للأشهب النهشلي وهو شاعر إسلاميّ من طبقة الفرزدق، وقيل: الحرث بن مخفض وحانت بمعنى هلكت وذهبت وفلج بالسكون موضع بقرب البصرة والمراد بدمائهم نفوسهم وفي الكشاف وجه آخر وهو أنّ الذي ومن يتعاقبان فعومل هنا معاملته لتوهمه وقد ذكره شارح اللباب، والمصنف رحمه الله تركه لبعده وخفائه وكذا كون لا يقدرون راجع للذين آمنوا بالالتفات وهو مما لا يلتفت إليه ولما وضع القوم الكافرين موضع من ذكر استفيد منه أنه من صفة الكفار فينبغي اجتنابه. قوله:

(وتثبيتاً بعض أنفسهم الخ (الثبات ضد الزوال والإثبات والتثبت يكون بالفعل والقول وهو متعد وجوّز لزومه فمفعوله إما الثواب على النفقة أو الإعمال بإخلاص النية أو من أنفسهم هو المفعول لأنه بمعنى بعض أنفسهم وهو الذي ارتضا. المصنف رحمه الله وقيل: من بمعنى اللام وجوّز نصبهما على الحالية أو المفعول لأجله ومن تبعيضية كما بينه أو الجار والمجرور صفة تثبيتاً ومن ابتدائية وتثبيتاً لا مفعول له مقدر أو مفعوله الإسلام والجزاء ونحوه وهو الوجه الثاني ووجه إفادته الحكمة المذكورة أنّ الإنفاق لا للرياء والعوض! أفاد ذلك فتأمّل ذلك. قوله: (أي ومثل نفقة هؤلاء في الزكاة الخ) في التشبيه وجهان: أحدهما أنه مركب وتقدير المضاف لأنه لا بد من إضافة المثل من رعاية المناسبة كما مر والتشبيه لحال النفقة بحال الجنة بالربوة في كونها زاكية متكثرة المنافع عند الله كيفما كانت الحال والثاني أن تشبه حالهم بحال الجنة على الربوة في أنّ نفقتهم كثرت أو قلت زاكية زائدة في حسن حالهم كما أنّ الجنة يضعف أكلها قوي المطر وضعيفه وهذا أيضا تشبيه مركب إلا أنه لوحظ الشبه فيما بين المفردات وحاصله أنّ حالهم في اتباع القلة والكثرة تضعيف الأجر كحال الجنة في إنتاج الوابل والطل تضعيف ثمارها، ويحتمل وجهاً ثالثا وهو أن يكون من تشبيه بالمفرد بأن تشبه حالهم بجنة مرتفعة في الحسن والبهجة والنفقة الكثيرة والقليلة بالطل والوابل، والأجر والثواب بالثمرات والربوة مثلثة الراء وفيها لغة رابعة رباوة، وأكل بضمتين وتسكن للتخفيف وبه قرئ. قوله: (مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل الخ) بسبب قيد للمثلين، وا أضعف فيه خلاف هل هو المثل أو المثلان كما سيأتي والزوج يطلق على مجموع المزدوجين وعلى كل واحد منهما، وقوله وقيل: الخ بناء على القول الثاني والأحسن أنّ التثنية للتكثير لأنّ المضاعفة كثيرة كما مر. قوله: (أي فيصيبها الخ) يشير إلى أن الفاء جواب الشرط ولا بد من حذف بعدها لتكمل الجملة فذهب المبرد إلى أنّ المحذوف خبر والتقدير فطل يصيبها وجاز الابتداء بالنكرة لأنها في جواب الشرط وهو من جملة المسوغات كقولهم: إن ذهب غير فعير في الرهط وقيل: إنه خبر مبتدأ مقدر أي فالذي يصيبها طل، وقيل: إنه فاعل بفعل مضمر تقديره فيصيبها طل وهذا أبينها ولذا قدمه المصنف رحمه الله لكنه قيل: إنه يحتاج إلى تقدير مبتدأ وحذف جملة وإبقاء معمول بعضها أي فهو أي لجنة يصيبها طل لأنّ الفاء لا تدخل على المضارع، وقوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ} [سورة المائدة، الآية: 95] بتقدير فهو ينتقم الله منه كما سيأتي وردّ بأنا لا نسلم أنّ المضارع بعد الفاء الجوابية يحتاج إلى إضمار مبتدأ وقد جوّزوا التقادير الثلاثة في قول امرئ القيس: إلا يكن إبل فمعزى قوله: (والمعنى أن نفقات الخ (من أحواله أي أحوال المنفق أو الإنفاق في القلة والكثرة وقوله: ويجوز الخ فهو تشبيه مفرق كما مر والزلفى التقرّب. قوله: (تحذير عن الرئاء الخ) أي الله بصير بما تعملون فليحذر المرائي وليجد المخلص! ولا حاجة مع رؤية الله إلى رؤية غيره فيصير هنا في موقعة في البلاغة. قوله: (جعل الجنة منهما الخ) المراد بالجنة هنا الأشجار كما مر وغلب النخيل والأعناب فأراد من كل الأشجار المثمرة فيصح أن له فيها من كل الثمرات فلا يسئل عن أنه إذا كانت الجنة منهما كيف يكون فيها كل الثمرات كما أشار إليه المصنف ومنه يعلم أن التغليب يكون في المفرد والمركب أو المراد بالثمرات المنافع وما قيل: إنه من ذكر العام بعد الخاص للتتميم فليس بشيء. قوله:) فإن الفاقة الخ) الفاقة الفقر والعالة جمع عائل وهو من نوادر الجمع كسادة ولما كان أصاب لا يعطف لا لاختلافهما زمانا ولا لأن أن يمتنع دخولها على الماضي بل لأنها إذا دخلت على المضارع فهي للاستقبال وإن دخلت الماضي جردت عنه جعلوها حالية ومقدرة وصاحب الحال أحدكم أو يعطف على وضمع الماضي موضع المضارع، قاله الفراء وقال يجوز ذلك في يودّ لأنه يتلقى تارة بأن ومرة بلو فجاز أن يقدر أحدهما مكان الآخر أو يحمل العطف على المعنى لأنّ المعنى أيودّ أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر قيل: هذا الوجه فيه تأويل المضارع بالماضي عكس ما قبله واستضعفه أبو البقاء بأنه يؤذي إلى تغيير اللفظ مع صحة المعنى والزمخشرقي فحا إليه وتابعه المصنف رحمه الله تعالى

قال أبو حيان: وظاهره أن أصابه معطوف على متعلق يوذ، وهو أن يكون لأنه بمعنى لو كانت وليس بشيء لأن إصابة الكبر لا يتمناها أحد وهو غير وارد لأن الاستفهام للإنكار فهو ينكر الجمع بينهما كما قيل: وفيه تأمّل، وعبر بالضعفاء جمع ضعيف كشركاء وشريك وترك التعبير بالصغار مع مقابلة الكبر لأنه أنسب كم لا يخفى. قوله: (فأصابها إعصار الخ (الإعصار ريح شديدة تسمى زوبعة، وقيل: هي ريح السموم والجملة الأولى معطوفة على صفة الجنة، وقوله: أو تكون أي عطف على تكون لأنه بمعنى لو كانت كما مرّ وقوله: وأشبههم به أي بمن له هذه الجنة المذكورة من عرف الحق واتصمل به ثم رجع إلى خلافه وعلى ما ذكره أوّلاً فهو تمثيل لمن يبطل صدقته بالمن والأذى والرئاء وفصل عنه لاتصاله بما ذكر بعده أيضاً قيل: والأحسن أن يكون تمثيلاً لمن يبطل عمله بالذنوب لأنّ من ذكر لا عمل له، والجواب أنّ له عملا يجازي عليه بحسب ظاهر حاله وظنه، وهو يكفي للتمثيل المذكور. قوله:) من حلاله الخ) ترك في الكشاف ذكر الحلال وهو ما يحل إنفاقه مأكولاً أولاً لأنه يعلم س الأمر بالإنفاق وما فعله المصنف رحمه الله أولى وتركه فيما أخرجنا لعلمه مما قبله ولك أن تجعل ما عبارة عنه وإعادة من لأن كلاً منهما نوع مستقل وقوله: أي من المال أرجع الضمير إلى المال الذي في ضمن القسمين لأنّ الرداء فيه وكذا الحرمة أكثر لتفاوت أصنافه ومجالبه والقرا آت المذكورة معناها واحد في المآل لأن يتمم وأتم بمعنى قصد، وتيمموا بضم التاء وكسر الياء بمعنى تيمموا طلبكم ونحوه فيرجع إلى ما ذكر، وجملة تنفقون حال مقدرة لأنّ الإنفاق بعد القصد ومنه على التعلق به تقدمه للحصر أو لأجل الفاصلة وهو الأوجه لأنه على الأوّل يقتضي النهي عين الخبيث الصرف فقط مع أنّ المخلوط كذلك. قوله: (إلا أن تغمضوا فيه الخ) الغمض إطباق الجفن لما يعرض من النوم يقال: غمض عينه وأغمضها، قال الراغب: ويستعار للتغافل والتساهل قال تعالى: {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} ، وقيل: إنه كناية عن ذلك وفيه نظر وأصله إلا بأن تغمضوا وأجاز أبو البقاء فيه الحالية قال الحلبيّ وسيبويه لا يجيز أن يقع أن وما في حيزها حالاً، وقال الفراء: أن شرطية لأنّ معناه إن أغمضتم أخذتم وهو مردود كما بين في النحو وفيه قرا آت كما ذكره المصنف وغيره، وقال النحرير: يستعمل الإغماض مذكور المفعول وفي الأساب أغمضت عنه وغمضت واغتمضت إذا أغضبت وتغافلت: ومن لايغمض عينه عن صديقه وعن بعض مافيه يصت وهوعاتب وأمّا أغمضته بمعنى أدخلته في الغمض وجذبته إليه أو بمعنى وجدت مغمضاً على ما فسر به قراءة قتادة فلا يوجد في كتب اللغة، وما أنكره نقله أبو البقاء عن ابن جني وهو إمام اللغة فعدم وجوده في الصحاح لا يضرنا، وقوله: وقرئ تغمضوا أي على المجهول والتخفيف وهي قراءة قتادة وشراره جمع شر بمعنى رديء وقوله: بقبوله واثابته: يعني أنّ حميد بمعنى حامد وحمد الله مجاز عما ذكر وهو ظاهر. قوله: (والوعد في الأصل الخ (أي في أصل وضعه لغة، وأنا في الاستعمال الشائع فالوعد في الخير والإيعاد في الشر حتى يحملون خلافه على المجاز والتهكم وما ذكره لغات في الفقر وأصله كسر فقار الظهر. قوله: (وينريكم على البخل الخ) الإغراء الحث والتسليط قيل: هو استعارة تبعية فيه، والفحش بمعنى البخل شائع في كلام العرب لقبحه عندهم قال طرفة: أرى المال يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد وفسر الحكمة التي هي من الأحكام بما ذكره لأنه هو المعنى اللغوي الوارد وغيره اصطلاح، وقوله: مفعول أوّل لأنّ آتى بمعنى أعطى تقول أعطيت زيدا مالاً ولا يعكس. قوله: (لآنه المقصود الخ) أي المقصود بيان فضيلة من نال الحكمة بقطع النظر عن الفاعل، ولك أن تقول إنه حذف لتعينه، وقوله: ومن يؤته الله قيل: إن كان تفسير معنى فصحيح وان كان إعرابا فلا إذ من الشرطية مفعول مقدم فلا ضمير محذوف هنا وهو ليس بشيء لأنه يصح أن يكون من مبتدأ أو العائد محذوف بدليل أته قرئ ومن يؤته لكنه ليس بمتعين، وقوله: أي أنّ خير إشارة إلى أنّ التنوين للتعظيم، وقول: إذ حيز مجهول حاز بالمعجمة

بمعنى جمع، وفي نسخة خير بالخاء المعجمة من خار الله له الأمر أي جعله خيرا له والأولى أولى، ويذكر إمّا من التذكير بمعنى الوعظ أو التذكر بمعنى التفكر، وأصل معناه أن يذكر ما ليس حاضرا فتجوّز به عن التفكر كما أشار إليه المصنف رحمه الله واللب الخالص من كل شيء والعقل الخالص عما ذكر، وقوله: قليلة أخذه من إبهام النكرة وشيوعها، قال النحرير: ومثل هذا البيان يكون لتأكيد التعميم ومنع الخصوص وجعله شاملا للطاعة والمعصية وغيرهما ليدخل تحته ما بعده مما فسر به قوله: وما للظالمين من أنصار فافهم. قوله: (فيجازيكم عليه الخ) يعني أنّ إئبات العلم كناية عن هذا المعنى والا فهو معلوم فإن قيل: نفي الأنصار لا يوجب نفي الناصر قيل: هو على طريق المقابلة أي لا نصر لظالم قط. قوله: (فنعم شيئاً ابداؤها الخ) قال! ابن جني ما هنا نكرة تامة منصوبة على أنها تمييز، والتقدير نعم شيئا إبداؤها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ألا ترى إلى قوله: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ} والتذكير يدل على ما ذكرنا والفاء جواب للشرط ونعم ماض من أفعال المدح وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائيّ بفتح النون وكسر العين على الأصل كعلم وقرأ ابن كثير وورس وحفص بكسر النون والعين للاتباع وهي لغة هذيل، قيل: ويحتمل أنه سكن ثم كسر لالتقاء الساكنين وقرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر بكسر النون وإخفاء حركة العين، وروي عنهم الإسكان أيضاً واختاره أبو عبيد وحكاه لغة والجمهور على اختيار الاختلاس على الإسكان حتى جعله بعضهم من وهم الرواة وممن أنكره المبرد والزجاج والفارسي لأنّ فيه جمعاً بين ساكنين على غير حده وقال الفارسيّ: إنه اختلاس الحركة فظنه الراوي سكونا، وهي مبتدأ وهي ضمير الصدقات على حذف مضاف لوجوب ارتباط الجزاء بالشرط ويجوز أن لا يقدر مضاف والجملة خبر عن هي والرابط العموم وضحمير تخفوها يعود على الصدقات فقيل: يعود عليها لفظاً ومعنى وقيل: يعود عليها لفظا لا معنى لأنّ المراد بالصدقات المبدأة الواجبة وبالمخفاة المتطوع بها فيكون من باب عندي درهم ونصفه أي ونصف درهم آخر. قوله: (أي تعطوها مع الإخفاء الخ) قيل: إيتاء الفقراء لا بد منه في الإبداء أيضاً فوجه أنّ الإبداء معلوم صرفه إليهم فحثهم في الإخفاء على ذلك وصرح به اهتماماً، وتخصيصى الفقراء لم يذكروا وجهه ولذا فسره في الكشاف بالمصارف، والظاهر أنّ المبدأة لما كانت الزكاة لم يذكر معها الفقراء لأنّ مصرفها غير مخصوص بهم والمخفاة لما كانت التطوع بين أنّ مصارفها الفقرإء فقط وما ذكره لا يظهر وجهه وفي صدقة التطوّع جعل التفاوت سبعين لفضله بكثير وفي الفريضة أقل لأنّ إخفاءها ليس مطلوبا في أصله فانظر حسنه وقوله والله يكفر الخ هو إما تقدير معنى لبيان مرجع الضمير أو إعراب بأن جعلها اسمية بقرينة ما بعدها ليتناسبا. قوله: (على أنه جملة فعلية مبتدأة الخ) المبتدأ بمعنى المستأنفة، وقيل: المراد إنها غير مرتبطة بالشرط فهي إمّا مستأنفة أو معطوفة على مجموع الشرط والجزاء، وقوله: على ما بعد الفاء الخ في الكشاف وجه آخر وهو أنه مرفوع معطوف على محل ما بعد الفاء قيل: يعني أنّ مجموع الجزاء وهو الفاء مع ما بعدها مجزوم وما بعدها وحده مرفوع إذ لا أثر للعامل فيه فقراءة الرفع والجزم محمولة على الاعتبارين واعترض بأنّ الجملة المرفوعة المحل إنما تكون خبراً أو تابعة لمرفوع أو مبتدأ أو فاعلاَ على خلاف في الأخيرين ولا شيء من ذلك يمكن اعتباره هنا، وكان المصنف رحمه الله تركه لهذا وقال السمين إنه عطف على محل ما بعد الفاء إذ لو وقع مضارع بعدها لكان مرفوعاً كقوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ} فإذا تأملته علمت أنّ ما اعترض به لا يرد. قوله: (ترغيب في الأسرار) إنما حمله عليه لقربه ولأنّ الخبرة بالإبداء لا يمدح بها فلا يقال لو صرفه إلى جميع ما مر لكان أولى ووجه الترغيب أنه يعلم السر وأخفى فيكفي علمه لأنّ إنفاقه لله لا لغيره، والوجوب مأخوذ من عليك، وقوله: كالمن إشارة إلى ارتباطه بما قبله وقوله: وأنها تختص في نسخة إنما. قوله: (فهو لأنفسكم لا ي! مفع به غيركم الخ) يعني الانتفاع الأخروي وإلا فالفقير ينتفع به لا محالة، والاختصاص يستفاد من اللام والمقام وضمير عليه للإنفاق أو المنفق وكذا المقر. قوله: (حال وكأنه الخ) والمعنى وما تنفقون معتدا بها إلا لابتغاء الخ أو المخاطب به الصحابة وابتغاء

منصوب مفعول لأجله وعطفه على ما قبله أي الجزاء وكونه بمعنى النهي لا يمنع العطف صورة. قوله: (ثوابه أضعافاً مضاعفة) يعني الثواب في الآخرة أو ما يعطيه الله في الدنيا فإن قلت: إذا كان تأكيدا ينبغي أن لا يعطف، قلت ليس هو تأكيدا صرفا بل سياق الآية للاستدلال على ترك ما ذكر فكأنه قيل: كيف يمن أو يقصر فيما يرجع إليه نفسه أو كيف يفعل ذلك بماله عوض وزيادة، وهو بهذا الاعتبار أمر مستقل ورضاع ككفار جمع راضحع بمعنى رضيع، وقوله: فنزلت أي ليس عليك الخ فلا تعلق لها حينئذ بالمن والأذى والمعنى أنه ليس هداهم إليك حتى تمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام فتصدقوا عليهم لله ولا تنظروا لكفرهم فإنه عائد، عليهم وما أنفقتم نفعه لكم، وقوله: إن ينتفعوهم من النفع وفي نسخة ينفقوهم من تنفيق السلعة، وقوله: أمّا الواجب فلا يجوز الخ أمّا في الزكاة فمقرر وفي صدقة الفطر والنذر والكفارت اختلف فيه فجوّزه أبو حنيفة رحمه الله وجعل هذه الآية مخصوصة بكل صدقة ليس أخذها إلى الإمام واستدل بقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [سورة الإنسان، الآية: 8] والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركاً، وقوله: لا تنقصون الخ على التفسير الأوّل المرضي وعلى الثاني الظاهر لا تنقصون الخلف وأحصرهم الجهاد بمعنى منعهم عن الك! سب والتصرف وقوله: الجاهل بحالهم قيده لأنّ حسبان الجاهل بالمعنى المعروف لا وجه له، والسيمي مقصورة العلامة الظاهرة. قوله: (وقيل: هو نفي للامرين كقوله الخ) في مثله طريقان مشهوران فتارة ينفي القيد دون المقيد وتارة ينفيان معا كقوله ولا شفيع يطاع، قال النحرير: وهذا إنما يحسن إذا كان لازماً للمقيد أو كاللازم لأنه يلزم من نفيه نفيه بطريق برهاني كما في البيت لأنه لو كان منار اهتدى به وهنا ليس كذلك فلذا استضعفوا هذا الوجه وقيل: عليه إنّ ما ذكره مسلم إن لم يكن في الكلام ما يقتضيه وهو كذلك هنا لأنّ التعفف حتى يظنوا أغنياء يقتضي عدم السؤال رأسا والشعر المذكور صدر بيت آخره: إذا ساقه العود الديافيّ جرجرا وهو من قصيدة لامرئ القيس في ديوانه أوّلها: سما لك شوق بعدماكان أقصرا وحلت سليمى بطن قرّفقرقرا والديافي بدال مهملة مكسورة نسبة إلى دياف موضع والجرجرة صوت يردده البعير في حنجرته واللاحب بحاء مهملة الطريق الواضح والمنار ما يعلم به الطريق وما قيل: إنه عجز بيت صدره: سدا بيديه ثم أج بسيره لا صحة له ونصبه إمّا على الحال أي ملحفين أو مصدر نوعي أو بفعل مقدر من لفظه. قوله: (أي يعمون الأوقات الخ) أي المراد بالليل والنهار جميع الأوقات كما أن المراد بما بعده جميع الأحوال وكونها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال السيوطي رحمه الله: لم أقف عليه وكونه تصدّق بما ذكر رواه ابن عساكر في تاريخه عن عائشة رضي الله عنها وكونها نزلت في ربط الخيل فهو سبب النزول وان لم يخص لكنه لا وجه لذكر السرّ والعلانية إلا بتكلف، وقوله: أي ومنهم الخ بيان لمحل التقدير والمقدر والا فالظاهر منهم بدون واو وفيها تقادير أخر. قوله: (أي الآخذون الخ) فعبر با! ل لكثرة وقوعه فيه وكثيرا ما يعبر به عن الأخذ بغير حق وهو زيادة في الأجل بسببه لأنه نفع أيضاً ولما في الربا من معنى الزيادة زيد فيه تفخيم ألفه ولذا كتبت واواً، وقال الفرّاء رحمه الله: إنهم تعلموا الخط من أهل الحيرة وهم نبط لغتهم ربوا بواو ساكنة فكتبت كذلك والتفخيم إمالة الألف نحو الواو. قوله: (إذا بعثوا من قبورهم الخ) هذا تفسير مأثور مشهور وبين أيضا بأنّ المرابي يقوم من قبره كمجنون مصروع بصفة يعرفه أهل المحشر بها عقوبة له، قاله قتادة: واختاره الزجاج رحمه الله وقيل: الناس إذا بعثوا خرجوا مسرعين، قال تعالى: {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا} [سورة المعارج، الآية: 43] والمرابي يسقط ولا ينهض كالزمن لثقله وكبر بطنه كما صرّج به في حديث الإسراء واختاره ابن قتيبة وقال ابن عطية: المراد تشبيه المرابي في حرصه وتحرّكه في اكتسابه في الدنيا بهذا كما يقال: لمن يسرع بحركات مختلفة قد جن قال: وتصبح عن غبّ السرى وكأنما ألمّ بها من طائف الجن أولق

وهو بعيد. قوله: (وهو وارد على ما يزعمون أليس هذا إنكارا للجن كما يزعم بعضهم بل الصرع ليس من الجن بل مرض كما ذكره الأطباء إلا أنهم قالوا: إنه قد يكون منهم أيضا ورووا فيه أحاديث كثيرة ذكرها في كتاب لقط المرجان في أحكام الجان، وقال الجياني: كون الصرع من الشيطان باطل لأنه يقدر عليه كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} [صورة إبراهيم، الآية: 22] الآية، وكذا قال القفال: من الشافعية وفيه نظر. قوله: (والخبط الخ) يعني أنّ أصله ضرب متوال على أنحاء مختلفة ثم تجوّز به عن كل ضرب غير محمود كما قال خبط عشواء وقال زهير: رأيت المناياخبط عشواءمن تصب تمته ومن يحيى يعمرفيهرم والعشواء الناقة التي لا تبصر ليلاً ضرب به المثل لمن يفعل أفعالاً غير مستقيمة. قوله: (على غير اتساق) أي انتظام في القدر وفيه إشارة إلى أنّ الجنون مأخوذ من الجن. قوله: (أي الجنون) يقال مس الرجل فهو ممسوس إذا جن وأصله اللمس باليد فسمي به لأنّ الشيطان يمسه أو هو على تخيل واستعارة. قوله: (وهذا أيضاً من رّعماتهم) أي كما أنّ التخبط كذلك وقد تبع فيه الزمخشريّ، وقال ابن المنير: زعماتهم كذباتهم التي لا حقيقة لها كالغول والعنقاء، وهذا أيضاً من تخبط الشيطان بالمعتزلة الذين تبعوا الفلاسفة المنكرين لمعظم أحوال الجن وهم ملجمون بما في الأحاديث الصحيحة. قوله: (وهو متعلق بلا يقومون) بناء على أنّ ما قبل ألا يعمل فيما بعدها إذا كان ظرفاً كما في الدرّ المصون فلا يرد عليه أنه لا يصح من جهة العربية ومعاقبتهم بالإرباء من جنس العمل. قوله: (ذلك القعاب) أي القعاب بأرباء ما في بطونهم وعكس التشبيه بناء على ما فهموه أنّ البيع إنما حل لأجل الكسب والفائدة وهو في الربا متحقق وفي غيره موهوم ولذا جوّز أن يكون التشبيه غير مقلوب ولكن الله أبطل قياسهم بالنص على حرمته من غير نظر إلى قياسهم الفاسد وفي الكشاف أنه جيء به على طريق المبالغة إذ جعلوه أصلا في الحل مقيسا عليه، وقال ابن المنير: أنه خرح على طريقة قياس العكس فإنه متى كان المطلوب التسوية بين شيثين فقد يسوّي بينهما طرداً فيقول: الربا مثل البيع والربا حلال فهو حلال وقد يعكس فيقول: البيع مثل الربا فلو كان الربا حراما كان البغ حراما ضرورة المماثلة أو يقول لما كان البيع حلالاً اتفاقا وجب أن يكون الربا مثله اص. قوله: (إنكار لتسويتهم الخ ( يعني أنه إشارة إلى ما عليه جمهور المفسرين من أنه جملة مستانفة من الله عز وجل ردّا على القائلين بأنّ البيع مثل الربا وأنه قياس فاسد الوضمع لأنه معارض! للنص وفيه احتمال آخر، وهو أن يكون من تتمة كلام الكفار إنكارا للشريعة وردّا لها أي مثل هذا من الفرق بين المتماثلات لا يكون عند الله فالجملة حالية فيها قد مقدرة. قوله: (وعظ من الله الخ) تفسير لفظ ومعنى إشارة إلى أنه مصدر ميمي وتذكيره لكونه بمعنى الوعظ. قوله: (وتبع النهي الخ) إشارة إلى أنه من نهاه فانتهى. فإنه مطاوع أو بمعنى اتعظ وانزجر. قوله. (إن جعلت من موصولة الخ الأنه خبر فهو معتمد وأمّا إذا كان جوابا فهو مبتدأ على رأي من يشترط الاعتماد، وكون المرفوع اسم حدث ومن لا يشترطهما يجوز كونه فاعل الظرف. قوله: (وأمره إلى الله) اختلف في مرجع هذا الضمير فقيل: هو ما سلف أي أمره في العفو عنه لله لا لكم فلا تطالبوه به وهو مختار الزمخشريّ، وقيل: الربا أي أمره في التحليل والتحريم له لا لكم حتى تحتجوا لحله بالقياس مع النص! وقيل: هو لصاحب الربا أي أمره في تثبيته على الانتهاء عنه إليه وهو مختار السخاوي، وقيل: هو كذلك إلا أنه لتأنيه وبسط أجله في أنه يعوّضمه خيراً مما ترك واختار. الزجاج والمصنف رحمه الله. قوله: (يجاز به الخ) قيده بالشرط لأنه إن كان لأمر آخر كخوف من البشر لا جزاء له لكنه لا يؤاخذ به وقيل: يصح أن يقرأ إن كان بالفتح على المصدرية والتعليل وهو تكلف لا داعي له. قوله: (وقيل: الخ) هو القول الثاني فتدبر. قوله: (إلى تحليل الربا الخ) فيكفر بتحليله وهو ردّ على الزمخشريّ في تفسيره بمن عاد إلى الربا واستدل به على تخليد مرتكب الكبيرة، وأمّا الجواب بأن تغليظ فخلاف الظاهر، وقيل: ألا يخفى أنّ في قوله فله ما سلف نبوا عن جعل هذا جزاء الاعتقاد والاستحلال وأنّ المراد من

جاءه موعظة وانتهى عن أكل الربا فإنه إذا جعل النار جزاء الاستحلال بقي جزاء مرتكب الفعل غير مذكور في الكلام مع أنه المقصود الأهمّ لأنه إذا كان جزاء الفعل الخلود فجزاء الاعتقاد الذي هو كفر فوقه بخلاف العكس وردّ بأنّ ما يكفر مستحله لا يكون إلا من كبائر المحرّمات وجزاؤها معلوم، ولذا لم ينبه عليه لظهوره. قوله: (يضاعف ثوابها) إشارة إلى أن يربي بمعنى يزيد والزيادة لا تتصوّر فيها نفسها بل في ثوابها والمهر بضم الميم ولد الفرس الذكر. قوله: (ما نقصت الحديث) إن قرئ بالتخفيف فمن مال صفة زكاة وان شددت فالظاهر أنّ من زائدة. قوله: (لا يرتضي ولا يحب الخ) أي لا يحبه أصلاً بل يسخط عليه كما أنّ من تاب بخلافه، وكل كفار يفيد عموم الإفراد وشمولها إذ لا فرق بين واحد وواحد، وقوله: منهمك في ارتكابه مأخوذ من صيغة فعيل المفيدة للمبالغة. قوله: (إن كنتم مؤمنين بقلويكم) فسره بهذا لأنه خاطبهم أوّلاً بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فلا حاجة حينئذ لهذا فأوّله بأنّ المراد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ظاهراً إن كان إيمانكم عن صميم القلب فافعلوا ما ذكر، وقد يؤوّل مثله بالثبات والزيادة كما مرّ والمحل بكسر الحاء المهملة مصدر بمعنى حلول الدين. قوله: (فاعلموا بها) أي الحرب لأنها تؤنث وتذكر واعلموا بمعنى أيقنوا كما قرئ به في الشواذ ولذا تعدى بالباء وابن عياس بمثناة تحتية وشين معجمة من القرّاء مشهور، وآذنوا بالمد بمعنى أعلموا، وقوله: من الأذن بكسر فسكون أو بفتحتين والمربي صاحب الربا والمعروف فيه مراب، وقوله: لا يدي لنا أي لا طاقة لنا بهذا يقال: ما لي بهذا الأمر يد ولا يدان أي لا طاقة لي به لأنّ المدافعة إنما تكون باليد فكأنّ يده معدومة لعجزه عن دفعه، وتركيبه كقولهم لا أبا له بإقحام اللام لتأكيد الإضافة، قال ابن الحاجب: حذفت تشبيهاً له بالمضاف والارتباء فعل الربا وتثبيته، وقوله: ويفهم منه الخ فيه نظر لآنه إن جعل قوله: لا تظلمون حالاً لم يفد ما ذكر فتأمّل. قوله: (وإن وقع غريم الخ) أي فكان تامّة بمعنى يوجد أو ناقصة على القراءة الأخرى وهو ظاهر. تنبيه: قوله: إلى تحليل الربا ردّ على الزمخشريّ لأنّ المراد من عاد إلى ما مرّ من أكل الربا وتحليله وجعله مساوياً للبيع فيه ومن كان كذلك فهو كافر وتوهم الزمخشريّ أنّ المراد العود إلى أكل الربا فقط فاستدلّ به على تخليد الفساق وليس كذلك لأنه لا وجه لتخصيصه به فتأمّل. قوله: (فنظرة الخ) نظرة كنبقة وتسكن بمعنى انتظار وناظر مصدر أيضا أو بمعنى منتظر أو على النسب وميسرة بالضم كمشرقة، وقوله: بحذف التاء عند الإضافة أي بإقامة الإضافة مقامها وهذا ردّ على من اعترض على هذه القراءة بأنّ مفعلاً بالضم معدوم أو شاذ فأشار إلى أنه مفعلة لا مفعل وأجيب أيضاً بأنه معدوم في الآحاد وهذا جمع ميسرة، وقيل: أصله ميسروة فخفف بحذف الواو. قوله: (وأخلفوك الخ) أوّله: إنّ الخليط أجدوا البين فانجردوا الخليط العشير، وانجردوا بمعنى طال سيرهم وأصل عد الأمر فحذفت التاء للأضافة كما في إقام الصلاة، وقوله: فيؤخره مرفوع معطوف على يحل والنفي منسحب على المجموع أي لا يكن حلول يعقبه تأخير والاستثناء مفرغ في موضع صفة رجل أو حال والمعنى كلما كان هذا كان ذاك ونصبه بتقدير أن ورفعه على أنه خبر مبتدأ أليس بذاك، وتفسير التصدق بالأنظار مع بعده ردّ بأنه علم مما قبله فلا فائدة فيه هنا، وقوله: ما فيه من ذكر الخ. المقصود به التحريض إذ هو مما لا يجهل، وقوله: جزاء ما عملت يشير إلى أنه على تقدير مضاف وكون هذه الآية آخر آية مذكور في كتب الحديث

مصحح. قوله: (وفائدة ذكر الدين الخ) أي أن لا يتوهم أنّ التداين بمعنى المجازاة فأكد به لدفع هذا الاحتمال كقولك نظرت بعيني، ولم تنوعه لأنه لما ذكر المسمى علم منه أنه له قسيما آخر وأمّا مرجع الضمير وان جاز أن يكون للدين الذي في ضممنه لكن المتبادر عوده إلى التداين وهو بيع الدين بالدين ولا يصح وجوّز في ويكون مرجع أن تكون تامّة ومرجع فاعله، وفسر المسمى بالمعلوم زمانه والآية تشمل كل ما يؤجل شرعا أو هي مخصوصة بالسلم كما هو الظاهر وهو المنقول في البخاريّ عن ابن عباس رضي الله عنهما واليه أشار المصنف رحمه الله. قوله: (من يكتب بالسوية الخ) إشارة إلى أنّ بالعدل متعلق بكاتب فهو ظرف لغو والمقصود وصف الكاتب بالعدالة وأمر المتداينين بكتابة عدل على طريق الكناية ولو جعل مستقرا صفة لكاتب لصح أيضا. قوله: (فقيه) قال الطيبي: يعني أنّ الكلام مسوق لمعنى ومدمج فيه آخر بإشارة النص وهو اشتراط الفقاهة فيه لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور الخطرة إلا من كان فقيها. قوله: (مثل ما علمه الله من كتبه الوثائق الخ) هو على حاشية الشهاب / ج 2 / م 39 هذا قيد في الكتابة وفي التوجيه الثاني تحريض عليها بتذكير نعمة الله وما مصدرية أو كافة والجار والمجرور أمّا في موضع المفعول المطلق أو المفعول به وعلى تعلقه بالأمر وبعدمه فالفاء لا تمنع كما في قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} لأنها زائدة في المعنى كما يشير إليه قوله: تأكيدا والاملال بمعنى الإلقاء على الكاتب ما يكتبه وفعله أمللت ثم أبدل أحد المضاعفين ياء وتبعه المصدر فيه وأبدلت همزة لتطرّفها بعد ألف زائدة، وقوله: فيكون النهي الخ يعني لا يكون على هذا تأكيدا، وقوله: ومن عليه الحق راجع إلى التفسير الأوّل وما بعده إلى الثاني، وقوله: غير مستطيع يشير إلى أنّ لا يستطيع جملة معطوفة على مفرد هو خبر كان لتأويلها بالمفرد، وله الذي يلي أمره إشارة إلى أنّ الولي بمعناه اللغوي لا الشرعي ليشمل من ذكر والإقرار عن الغير في مثل هذه الصور مقبول وفرق بينه وبين الإقرار على الغير فاعرفه. قوله: (واستشهدوا شهيدين الخ الم يقل رجلين إشارة إلى استجماع شروط الشهادة وما ذكر عن أبي حنيفة رحمه الله إن أراد أنه أخذه من الآية فبالقياس والا فالكلام في تداين المؤمنين. قوله: (فإن لم يكونا رجلين الخ) يعني إن لم يشهدا حال كونهما رجلين فليشهد رجل وامرأتان ولولا هذا التاويل لما اعتبر شهادتهن مع وجود الرجال وشهادتهن معتبرة معهم حتى لو شهد رجال ونسوة بشيء يضاف الحكم إلى الكل حتى يضمن الكل في الرجوع، فلا يفهم من النظم أنّ صحة شهادة النساء موقوفة على عدم الرجال كما قيل. قوله: (فليشهد) إن كان مبنيا للمفعول فهو ظاهر وإن كان مبنيا للفاعل فهو في الحقيقة أمر للمتداينين كما مرّ في قوله فليكتب فلا يقال إنه لا يناسب تقدير هذا الأمر إذا لمأمورهم المخاطبون كما قيل: وأمر الشهادة مفروغ عنه في الفقه وقوله: لعلمكم بعدالتهم أي بعدالة المذكورين من الرجال والنساء، ولذا أخره ففيه تغليب. قوله: (علة اعتبار العدد الخ) أي اشتراط المرأتين مع الرجل حيث لم يكتف بواحدة. قوله: (لأجل أنّ إحداهما إن ضلت الخ) إشارة إلى أن فضل بتقدير لام التعليل وأنّ الضلال هنا بمعنى النسيان ويقابله التذكر لا الهداية، وقوله: والعلة في الحقيقة قال الزمخشريّ: فإن قلت كيف يكون ضلالها مرادأ لله تعالى قلت: لما كان الضلال سببا للإذكار والإذكار مسبباً عنه وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبب عنه لإذكار إرادة للإذكار فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ونظيره قولهم أعددت الخشب أن يميل الحائط فأدعمه وأعددت السلاح أن يجيء العدوّ فادفعه اهـ. فقيل في شرحه: لقائل أن يقول قدر فليشهد رجل وامرأتان وجعل أن تضل مفعولاً له بتقدير الإرادة فيكون فاعل الفعل المعلل به هو المرأتان فكيف أورد السؤال بأنّ الضلال ليس مرادا لله تعالى، ولعله إنما قدر الإرادة لأنّ الضلال وان كان فعلا لفاعل الفعل المعلل لكنه ليس مقارنا له في الوجود ويمكن أن يجاب بأنّ المراد بقوله فليشهد ليس أمر الرجل وامرأتين بتحمل الشهادة لأنّ الكلام في العاملين بل أمرهم في استشهادهم فيكون التقدير فإن لم

تشهدوا رجلين فاستشهدوا رجلاً وامرأتين وحقيقته أمر الله أن تستشهدوا والضلال ليس من فعل المستشهد ولا من فعل الله فلهذا قدّر الإرادة وجعل فاعل الفعل المعلل هو الله لا المخاطبين أو يقال: حقيقة فليشهد أمر الله أن يشهد، فجعل فاعل الفعل هو الله لا امرأتان لأنه في بيان غرض الشارع من الأمر باستشهاد المرأتين لا بيان غرضهم، وذلك لأنّ النسيان غالب على طبع النساء لكثرة الرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من نسيان المرأة الواحدة فلهذا أقام الشرع المرأتين مقام الرجل الواحد حتى أنّ إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى، وتقرير الجواب أنّ المراد من الضلال الإذكار لأنّ الضلال سبب للإذكار فأطلق السبب والمراد المسبب فكأنه قيل: إرادة الإذكار عند الضلال كما أنّ المراد من المثال إرادة الإدعام عند ميلان الحائط، قال الزجاج: زعم سيبويه والخليل والمحققون أنّ المعنى استشهدوا امرأتين لأنّ تذكر إحداهما الأخرى ثم سألوا لم جاء أن تضل وكيف يستشهد امرأتان للضلال وأجابوا بأن الإذكار سببه الضلال فجاز أن يذكر ويراد الإذكار كما قلت: أعددت هذا أن يميل الحائط فأدعمه وإنما أعددته للدعم لا للميل وإنما ذكرت الميل لأنه سبب الدعم، ولعل هؤلاء لما رأوا شرط نصب المفعول له منتفيا جعلوه مجروراً باللام لكن علة الاستشهاد ليس نفس الإذكار بل إرادته فيرجع إلى ما ذكره المصنف رحمه الله، وقيل: عليه متعلق الأمر والنهي قد يكون قيدا للفعل، وقد يكون قيدا للطلب نحو أسلم تدخل الجنة وأسلم لأني أريد الخير والعلة هنا لبيان شرعية الحكم واشتراط العدد فيجب أن يكون فعلاً للآمر وقيدا للطلب وباعثاً عليه وليس هو إلا إرادة الله تعالى للقطع بأنّ الضلال والتذكير بعده ليس هو الباعث على الأمر بل إرادة ذلك ثم إنّ النسيان وعدم الاهتداء للشهادة ينبغي أن يكون من الشيطان فلا يكون مراده تعالى سيما وقد أمر بالاستشهاد، وأجيب بأنّ الإرادة لم تتعلق بالضلال نفسه أعني عدم الاهتداء للشهادة بل بالضلال المصرّح بترتب الإذكار عليه وتسببه عليه، ومن قواعدهم أنّ القيد هو مصب الغرض فصار كأنه علق الإرادة بالإذكار المسبب عن الضلال والمرتب عليه كما إذ! قلت إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ومن الغلط في هذا المقام ما قيل: إنّ المراد من الضلالط الخ لظهور أنه لا يبقى حينئذ لقوله فتذكر معنى وأنه لا يوافق قول المصنف، واعلم أن هذا مأخوذ من كلام سيبويه رحمه الله وجمع من المحققين حيث قالوا: إنّ المعنى استشهدوا امرأتين لأن تذكر إحداهما الأخرى، وإنما ذكر أن تضل لأنّ الضلال هو السبب الذي به وجب الإذكار، إلا أن المصنف قدر الإرادة لأنه الباعث على الأمر لا الإذكار نفسه وكذا الكلام في المثالين وهذا بخلاف ما إذا كان الميل أو مجيء العدوّ حاصلا بالفعل فإنه يصح أعددت الخشبة لميل الجدار دون أن يميل الجدار، قيل: والنكتة في إيثار أن تضل على أن تذكر ان ضلت هي شدة الاهتمام بشأن الإذكار بحيث صار ما هو مكروه في نفسه مطلوبا لأجله من حيث كونه مقضيا إليه. (أقول (: ما ذكر العلامة هو كلام المتقدمين بعينه ولا غلط فيه وإنما الغلط من سوء الظن به إذ مراد. أنّ ذكر الضلال لم يرد به التعليلى بل أريد به بيان سبب التعليل، فقوله: أطلق السبب أي ذكر في معرض! التعليل والإرادة، والمراد أي الذي تعلقت به الإرادة للتعليل هو المسبب بدليل تفريع قوله فكأنه الخ عليه وقريب من هذا العطف أيضا ما سيأتي من أنّ العطف على المجرور باللام قد يكون للاشتراك في متعلق اللام مثل جئتك لأفوز بلقياك وأحوز عطاياك، ويكون هذا بمنزلة تكرير اللام وعطف الجارّ والمجرور على الجارّ والمجرور قد يكون للاشتراك في معنى اللام كما تقول جئتك لتستقرّ في مقامك وتفيض عليّ من إنعامك، فهي لاجتماع الأمرين ويكون من قبيل جاءني غلام زيد وعمرو أي الغلام الذي لهما وسيأتي تفصيله في سورة الفتح. قوله: (قرأ حمزة أن تضل على الشرط الخ) فالفعل مجزوم والفتح لالتقاء الساكنين والفاء في الجزاء، قيل: لتقدير المبتدأ وهو ضمير القصة والشهادة ولا يخلو عن تكلف بخلاف قوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ} [سورة المائدة، الآية: 95] أي فهو ومما كان ينبغي أن يتعرّض له وجه تكرير لفظ إحدإهما ولا

خفاء في أنه ليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست مذكرة هي الناسية إلا أن تجعل إحداهما الثانية في موقع المفعول ولا يجوز لتقدّم المفعول على الفاعل في موضع الإلباس نعم يصح أن يقال: فتذكرها الأخرى فلا بد للعدول من نكتة. (أقول) : قالوا إنّ النكتة الإبهام لأنّ كل واحد من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الإضلال والإذكار والمعنى إن ضلت هذه أذكرتها هذه فدخل الكلام معنى العموم وأنه من وضع الظاهر موضع المضمر وتقدير فتذكرها، وهذا يدل على أن إحداهما الثانية مفعول مقدّم وإنما يمتنع التقديم إذا وقع الباس يغير المعنى فإن لم يكن الباس نحو كسر العصا موسى لم يمتنع، قال أبو البقاء رحمه الله: وهذا من هذا القبيل لأنّ الإذكار والنسيان لا يتعين في واحدة منهما ومقتضاه أنه يجوز ذلك في نحو ضمارب موسى عيسى إذ لا يتغير المعنى فهو إجمال لا لب! وفي الكشاف من بدع التفاسير فتذكر فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر، وقد قيل: إنّ المضارع في جواب الشرط يقترن بالفاء من غير تقدير مبتدأ. قوله: (وسموا شهداء الخ) تقدم وجه آخر ولما كان السأم الملل وإنما يكون بعد المباشرة حمله أوّلاً على حقيقته وثانيا أوّله بالكسل فجعل كناية عنه وإنما كني عنه لأنه وقع في القرآن صفة للمنافقين كقوله تعالى: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى} [سورة النساء، الآية: 142] ولذا وقع في الحديث: " لا يقول المؤمن من كسلت وأنما يقول ثقلت " وتقديم الصغير هنا لم مرّ في آية الكرسي والمشبع بالباء الموحدة بزنة اسم المفعول مجاز بمعنى المطول، وقوله: صغيرا كان الحق ناظر إلى جعل ضمير تكتبوه للحق وما بعده إلى كونه للكتاب، وقوله: إلى وقت حلوله الخ وفي الكشاف إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته وقوله: إشارة إلى أن تكتبوه أي أو إلى المذكور مطلقاً. قوله: (وهما مبنيان الخ الما كان أقسط أفعل من القسط بمعنى العدل وفعله أقسط وأمّا قسط فبمعنى جار وكذا أقوم ليس من القيام الثلاثي أجاب بأنه من الأفعال وسيبويه رحمه الله يجيز بناء أفعل منه أو أنه على غير قياس شذوذ أو جواب آخر أنه ماخوذ من قاسط وقويم لا بمعنى اسم الفاعل لأنّ قاسطا بمعنى جائر بل بمعنى النسب كلابن وتامر فيكون اشتقاقا من الجامد كاحنك، وقال أبو حيان رحمه الله: قسط يكون بمعنى جار وعدل وأقسط بالألف بمعنى عدل لا غير حكاه ابن القطاع فلا حاجة لما ذكر وقيل: هو من قسط بوزن كرم صار ذا قسط أي عدل وقويم بمعنى بمستقيم، وقوله: وإنما صحت الواو يعني قيل: أقوم ولم يقل أقام لأنها تقلب في فعل التعجب نحو ما أقومه لجموده إذ هو لا يتصرف وأفعل التفضيل مناسب له معنى فحمل عليه وقيل: إنّ قوله لجموده ضميره لأفعل التفضيل أي لعدم تصرفهم في أفعل من الذي هو أصله وفيه نظر، وقوله: وأدنى الخ قيل: وهذا حكمة خلق اللوح المحفوظ والكرام الكاتبين مع أنه الغنيّ عن كل شيء تعليماً للعباد وارشاداً للحكام وحرف الجرّ مقدر هنا فقيل: اللام وقيل: إلى وقيل: من وقيل: في ولكل وجهة. قوله: (استثناء عن الأمر بالكتابة الخ) في هذا الاستثناء قولان أحدهما أنه من الاستشهاد وهو متصل فأمر بالاستشهاد في كل حال إلا ني حال حضور التجارة والثاني أنه منه ومن الكتابة وهو منقطع أي لكن التجارة الحاضرة يجوز فيها عدم الاستشهاد والكتابة كذا في الدر المصون والمصنف رحمه الله جعله من الأمر بالكتابة في قوله: أوّل الآية فاكتبوه لذكر الإشهاد بعده فهو متصل، وقوله: وليكتب إلى هنا جمل معترضة فلا فصل ولا بعد وفسر التجارة الحاضرة بالواقعة بينهم أعمّ من أن تكون بدين أو عين والإدارة بكونها يدا بيد ليكون تأسيسا وهو محصل ما في الكشاف ولا غبار عليه وقوله: إلا أن تتبايعوا بيد بيان لمحصل المعنى، وقوله: فلا بأس تفسير عدم الجناح ووقع في نسخة إلا تتبايعوا بدون أن والصحيح روأية ودراية الأولى وهذه من تحريف الكتبة فلا حاجة إلى تكلف توجيهها. قوله: (والاسم مضمر تقديره الخ) قدره غيره المداينة والمعاملة وعليه فالتجارة مصدر لئلا يلزم الإخبار عن المعنى بالعين وجعله المصنف رحمه الله كالزمخشريّ والقراء ضمير التجارة والخبر يفسره والضمير يعود على متأخر لفظا ومعنى ومثله جار في فصيح الكلام

كما مرّ، وهذا منقول عن الفراء. قوله: (بني اسد الخ) بنو أسد قبيلة معروفة والبلاء بالفتح والمد القتال يقال: أبلى فلان بلاء حسنا إذا قاتل مقاتلة محمودة واليوم الأشنع من الشناعة وهي القباحة الذي كثر شره، ويقال: لليوم الشديد ذو الكواكب كما يقال في التهديد لأرينك الكواكب ظهرا يقول: هل تعلمون مقاتلتنا يوم اشتد الحرب حتى أظلم. النهار ورؤيت الكواكب فيه ظهر الانسداد عين الشمس بغبار الحرب وقيل: المراد بالكواكب السيوف كقول بشار: كأنّ منار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وليس بشيء وأذا كانت تامة فجملة تديرونها صفة، وقوله: هذا التبايع أي الذي يكون يدا بيد والأصكام بكسر الهمزة صد النسخ يقال: آية محكمة أي لم تنسخ. قوله: (يحتمل البناءين الخ) تثنية بناء وهو البنية واللفظ أي بناء المعلوم والمجهول وفسره على الوجهين فقوله: وهو نهـ يهما الخ على البناء للفاعل وهو تأكيد لما مرّ بالأعمّ، وقوله: أو النهي الخ على البناء للمفعول، والحمل عليهما معا كما قيل: ليس بشيء وعلى المجهول المنهي المتبايعان أو المخاطبون، وقوله: أن يعجلا بالتخفيف من قولهم أعجله عن مهمه إذا ألجأه إلى تركه والجعل بالضم الأجرة، وقوله: الضرر الخ قدر له مفعولاً ليكون مرجع ضمير فإنه، وقوله: لا حق بكم إشارة إلى أنّ الظرف صفة فسوف. قوله: (كرّر لفظة الله الخ) قال الراغب: إن قيل: كيف قال واتقوا الله الخ فكرّرها ثلاثا وقد استكرهوا مثل قوله: فما للنوى جذ النوى قطع النوى حتى قيل: سلط الله عليه شاة ترعى نواه وقوله: بجهل كجهل اليف والسيف منتضي وحلم كحلم اليف والسيف مغمد فاعلم أنّ التكرير المستحسن هو كل تكرير يقع على طريق التعظيم أو التحقير في جمل متواليات كل جملة منها مستقلة بنفسها، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل في معنى ولم يكن فيه التعظيم والتحقير وهو الظاهر في البيتين لا الآية فإنّ قوله واتقوا الله حث على تقو! الله ويعلمكم الله تذكير نعمته، والله بكل شيء عليم تعظيم له عز وجل ومتضمن للوعد والوعيد فلما قصد تعظيم كل واحد من هذه الأحكام أعيد لفظ الله وأما البيت الثاني فهو جملة واحدة لأنّ قوله: كجهل السيف نعت لقوله بجهل وكذا والسبف مغمد حال من قوله كحلم السيف والبيت الأوّل كرر جذ النوى وقطع النوى وهما بمعنى واحد والمصنف رحمه الله لخص ما ذكره منه إلا أنّ ما ذكره الراغب في البيت الثاني وهو للبحتري غير مسلم لأنّ التكرير فيه استحسنه الثيخ في دلائل الإعجاز في فصل عقده له وليس بنا حاجة إلى بسطه وفي كلامه إشارة إلى توجيه العطف فيها مع الاختلاف خبراً وانشاء حيث قال وعد فجعلها الإنشاء الوعد، وجعل الثالثة لإنشاء المدح والتعظيم، وتفسير على سفر بمسافرين إشارة إلى أنّ على استعارة تبعية شبه تمكنهم في السفر بتمكن الراكب من مركوبه. قوله: (فالذي يستوثق به الخ) وحديث الدرع في الكتب الستة لكن في البخاري أنه عليه الصلاة والسلام: " رهته على ثلانين صاعاً " والإعواز الاحتياج وخلاف مالك وغيره في اللزوم وعدمه لا في الصحة، وثمرة الخلاف تظهر في تقديمه على غيره من الغرماء وغير ذلك قيل: وظاهر النص معه وغير مالك بالنصب على الاستثناء. قوله: (وهو خطأ الخ) تبع فيه الكشاف وأهل التصريف حيث قالوا: إنّ الياء الأصلية قبل تاء الافتعال تقلب تاء وتدغم نحو أيتسر وأما الهمزة والياء المنقلبة عنها فلا يجوز فيها ذلك، وقول الناس أتزر خطأ وهم كلهم مخطئون فيه فإنه مسموع في كلام العرب كثيرا وقد نقل ابن مالك جوازه لكنه قال إنه مقصور على السماع قال ومنه قراءة ابن محيصن أتمن ونقل الصاغاني أنّ القول بجوازه مذهب الكوفيين، وقالت عائشة رضي الله عنها: " كان صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر كما في البخاوي " قال الكرماني رحمه الله: فإن قلت لا يجوز الإدغام فيه عند الصرفيين وقد قال في المفصل وقول من قال أتزر خطا، قلت قول عائثة وهي من الفصحاء حجة على جوازه فالمخطىء مخطئ ص. قوله: (وفيه مبالغات الخ) يحتمل أن يريد في هذه الجملة لأنها تأكيد لسبق اتقوا الله واعادة

الجلالة الكريمة والتأكيد وذكر ربه لما فيها من أنه لم يؤدّ دينه لم يخف الله ولم يمتثل أمره، ويحتمل في هذا الكلام لما ذكر ولتسمية الدين أمانة واجبة الأداء، وقوله: أو المديونون الخ والشهادة شهادتهم على أنفسهم بمعنى إقرارهم بما عليهم ولا يخفى أنه خلاف الظاهر والظاهر أنه خطاب للشهود المؤمنين.. قوله: (أي يأثم قلبه الخ) يعني قلبه فاعل آثم أو آثم خبر مقدّم والجملة خبر إنّ ثم أشار إلى نكتة إسناد الإثم إليه مع أنه لو قال: آثم لتم المعنى مع الاختصار فوجه بوجو.، أحدها: أنّ الذي يقترفه أي يكتسبه هو القلب واسناد الفعل إلى الجارحة التي بها يفعل أبلغ كما يسند الإبصار إلى العين والمعرفة إلى القلب والنظير الذي ذكره إنما هو في إسناد ما للجملة إلى العضو، والثاني: أنه وإن كان منسوبا إلى الجملة لكن عير عنها أجزائها إشارة إلى عظم الفعل في نفسه لأنّ فعل القلب أعظم من سائر الجوارح فجعل الكتمان من آثام القلب تنبيها على أنه من أعظم الذنوب وترك توجيهاً آخر في الكشاف وهو أنه يظن أنّ الكتمان من فعل اللسان لا دخل للقلب فيه وليس كذلك فأسند له لينبه على ذلك لضعفه. قوله: (وقرئ قلبه بالنصب الخ) نصب القلب على التشبيه بالمفعول به وآثم صفة مشبهة وقيل: على التمييز وقيل: بدل من اسم إنّ، وقوله: تهديد مرّ وجهه، وقوله: خلقاً وملكاً فالأوّل إشارة إلى أنّ اللام للاختصاص واختصاصها به من جهة كونها مخلوقة أو لا شريك له في الخلق والثاني إشارة إلى كونها للملك فلا يقال من أين يؤخذ هذا من النظم، وقوله: والعزم عليه الخ أي لأنّ مجرّد ما يخطر بالبال لا يعد ذنبا بدون العزم والتصميم حتى يحتاج إلى المغفرة كما سيأتي. وكونه حجة على منكري الحساب بحسب الظاهر فلا يضرّ تأويلهم له بما يخالف الظاهر، وكذا نفي الوجوب لتعلقه بالمشيئة وأما احتمال أنّ تلك المشيئة واجبة كمن يشاء صلاة الفرض فإنه لا يقتضي عدم الوجوب فخلاف الظاهر. قوله: (ومن جزم بنير فاء الخ) إنما جعلوه بدلاً لاً نهم يقولوا بتعدد الجزاء كالخبر قيل: ولا مانع منه نحو إن تاتني أطعمك أكسك وقوله: بدل البعض من الكل أو الاشتمال قيل: إن أريد بقوله يحاسبكم معناه الحقيقي فيغفر بدل اشتمال كقولك أحب زيدا علمه وان أريد به المجازاة فهو بدل بعض كضربت زيداً رأسه، وقال الطيبي رحمه الله: الضمير المجرور في به يعود إلى ما في أنفسكم وهو مشتمل على الخاطر السوء وعلى خفيّ الوسواس وحديث النفس والمغفرة والعذاب يختص بما هو عزيمة فهو بهذا الاعتبار بدل بعض من كل وأما قول أبي حيان رحمه الله وقوع الاشتمال في الأفعال صحيح لأنه جن! تحته أنواع يشتمل عليها وأما بدل البعض فلا إذ الفعل لا يتجزأ فليس بشيء لأنه إذا كان جنساً فله جزئيات يجري فيها ذلك. قوله: (متى تأتناتلمم بنا في ديارنا تجد حطباً جزلا وناراتأججا ( جعل الإلمام بدلاً من الإتيان إمّ بدل بعض لأنه إتيان لا توقف فيه فهو بعضه أو اشتمال لأنه نزول خفيف، وألف تأججاً ألف تثنية للنار والحطب يقال تأججت النار أي التهبت وتأجج الحطب إذا وقع فيه النار، أو ألف إطلاق وفاعل تأجج ضمير النار لتأويله بالقبس وقيل: أصله تتأجج فحذفت إحدى التاءين ولحقته نون التوكيد الخفيفة ثم صارت ألفاً في الوقف وهو بعيد وهو عبارة عن الجود وكثرة الضيفان. قوله: (وإدغام الراء في اللام لحن الخ) هذا مما تابع فيه الكشاف وهو من دائه العضال إذ هو يعتقد أنّ القراءة بالرأي وهو غلط فاحش وكيف يكون لحناً وهي قراءة أبي عمرو إمام القرّاء والعربية والمانع من الإدغام تكرير الراء وقوّتها والأقوى لا يدغم في الأضعف وهو مذهب سيبويه والبصريين وأجاز ذلك الفراء والكسائي والرواسي ويعقوب الحضرمي وغيرهم ولا حاجة إلى التطويل فيه وليس هذا مما يليق بجلالة المصنف رحمه الله تعالى وقد يعتذر له بما ذكره صاحب الإقناع من أنه روي عن أبي عمرو رحمه الله أن رجع عن هذه القراءة فيكون الطعن في الرواية لا في القراءة فتدبر. وقال الزجاج رحمه الله: لما ذكر الله عز وجل في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والطلاق والحيض والإيلاء والجهاد وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والدين والربا ختمها بقوله: آمن الرسول الخ، لتعظيمه وتصديق نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لجميع ذلك المذكور قبله وغيره ليكون

تأكيداً له وفذلكة. قوله: (شهادة وتنصيص من الله الخ) يعني أنّ الإيمان بما ذكر كما يجب على الأمة يجب عليه أيضاً به وبكتابه وبما قبله من غير فرق في أصل الإيمان وان تفاوت تفاوتا عظيماً فيما ينبني عليه وكيفيته ولا يلزم منه إتباعه لغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام فتأمل. قوله: (لا يخلو من أن عطف المؤمنون الخ) جوّز في المؤمنون أن يكون معطوفا على الرسول مرفوعا بالفاعلية فيوقف عليه ويدل عليه قراءة عليّ رضي الله عنه وآمن المؤمنون وكل آمن جملة من مبتدأ وخبر وسوغ الابتداء بالنكرة كونه في تقدير الإضافة أو المؤمنون مبتدأ وكل مبتدأ ثان وآمن خبره والجملة خبر المؤمنون والرابط مقدر ولا يجوز كون كل تكيداً لأنهم صرحوا بأنه لا يكون تأكيداً للمعرفة إلا إذا أضيف لفظها إلى ضميرها، وقوله: الذي ينوب إشارة إلى أنّ تنوينه للعوض ولذا منعوا دخول الألف واللام عليه وعلى بعض وقالوا قولهم الكل والبعض خطا. قوله: (ويكون إفراد الرسول الخ) أي على الوجه الثاني إشارة إلى أنّ إيمانه لكونه تفصيليا عيانيا كانه نوع وجنس آخر وأيضاً المتبادر من المؤمنين الأمة فلا يدخل تحتهم. قوله: (يعني القرآن أو الجنس الخ) يعني أنّ الإضافة إما للعهد أو للجنس لأنها تأتي لمعاني اللام كما حققوه، وقوله: والفرق الخ يعني ما قيل: إنّ استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع لأن المفرد يتناول جميع الآحاد ابتداء فلا يخرج عنه شيء منه قليلاً أو كثيرا بخلاف الجمع فإنه يستغرق الجموع أوّلاً وبالذات ثم يسري إلى الآحاد والفرق بينهما في النفي ظاهر وفي الإثبات كونه أظهر وأقوى خصوصا وقد شمل الحقيقة والماهية فاستغرق الإفراد الذهنية وضعا على ما في الكشف ونقل في الانتصاف عن بعض أهل الأصول أن تناوله للإفراد مجاز وتبعه الطيبي رحمه الله، وقوله: ولذلك قيل: الخ هو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولكن صاحب الانتصاف تردّد في ثبوته عنه ولذا لم يصرح به المصنف رحمه الله وهذا المبحث من معضلات المعاني فراجعه فيها. قوله: (أي يقولون لا نفرّق الخ) والمقدر إمّا حال أو خبر بعد خبر وعلى قراءة لا يفرّقون جوّز فيها ذلك من غير تقدير القول ويجوز أن يقدر يقول بالإفراد على لفظ كل والضمير الراجع إلى كل يجوز إفراده نظرا إلى لفظها وجمعه نظرا لمعناها، كما قرّره أهل العربية وكلاهما وارد في القرآن كما ذكره المصنف رحمه الله. قوله: (وأحد قي معنى الجمع الخ) قال النحرير: ذكر أهل اللغة أن أحدا اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث فإذا أضيف بين إليه أو أعيد إليه ضمير الجمع أو نحو ذلك، فالمراد به جمع من الجنس الذي يدل الكلام عليه وكثير من الناس يسهو فيزعم أنّ معنى ذلك أنه نكرة وقعت في سياق النفي فعممت وكانت بهذا الاعتبار في معنى الجمع كسائر النكرات اهـ. وهو ردّ على المصنف رحمه الله، وقد مرّ تفصيله وقوله: التفرقة بالتصديق والتكذيب بأن يصدق ببعضهم ويكذب بآخر كما يفعله الكفرة وفيه إشارة إلى أنّ التفرقة بالتفضيل ونحوه واقعة كما مرّ وهو إشارة إلى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} [سورة النساء، الآية: 150] . قوله: (أجبنا) هذا هو المعنى العرفي للسمع والإطاعة أخص منه لاً نها القبول عن طوع كما يقال سمعا وطاعة والغفران مصدر إمّا منصوب على المصدرية أو على أنه مفعول به والمصير مصدر ميمي المراد به البعث. قوله: (1 لا ما تسعه قدرتها الخ) على الأوّل المراد بالوسع القدرة أي لا يكلفها إلا ما تقدر عليه، وعلى الثاني ما يسهل عليها من المقدور فهو أخص كما إذا كان في قدرته أن يصلي ستاً فأوجب خمساً فالواجب دون مدى طاقته أي غايتها ونهايتها، وقوله: وهو يدل الخ يعني على التفسيرين أما على الأول فظاهر، وأمّ على الثاني فبطريق الأولى، وقيل: إنه على الثاني مخصوص بهذه الأمة فلا دلالة على ذلك فهو راجع إلى التفسير الأول وفيه ردّ على من استدل بها على امتناعه وتفصيله في الأصول وضمير لها للنفس العامة. قوله: (من خير الخ) أخذ. من اللام وعلى الدالتين على النفع والضر في الأصل وقوله: لا ينتفع الخ الحصر مستفاد من تقديم الخبر كما مرّ وما ورد من الانتفاع بعمل الغير كأن يحج عنه أو يهدي له ثواب صدقته والتضرر يوزر غيره فمؤوّل بأنّ الذي له ثواب كسب المال المنفق فيه واثم العمل الذي تسبب عنه عمل غيره ونحو ذلك. قوله: (وتخصيص الكسب بالخبر الخ) الاعتمال الاجتهاد في العمل

ويرد فيما يعمله المرء لنفسه والاستعمال فيما يعمله بواسطة غيره، والحاصل أنّ الصيغة لما دلت على زيادة معنى وهو الاعتمال والانجذاب إليه وردت في الشر إشارة إلى ما جبلت عليه النفوس واستعمل مقابلها في الخير لعدم ذلك فيه، وقال ابن الحاجب: إنه يدل على زيادة لطف من الله في شأن عباده إذ أثابتهم على الخير كيفما وقع ولم يجزهم على الشر إلا بعد الاعتمال والتصرّف وهو قريب مما ذكروه هنا. قوله: (أي لا تؤاخذنا بما أذى بنا الخ الما كان الخطأ والنسيان غير مؤاخذ عليهما فلا يظهر وجه الدعاء بعدم المؤاخذة أوّلوه بوجوه، أحدها: أنّ المراد لا تؤاخذنا بتفريط واغفال يفضي إلى خطأ أو نسيان وذلك التفريط فعمل لهم قد يؤاخذ به وان لم يكن ذنبا في نفسه لما يترتب عليه. قوله: (أو بأنفسهما الخ) أورد عليه أنه إنما يتم على القول بأنّ التكليف بغير المقدر وجائز عقلاً غير واقع فضلاً من الله والا فلا يكون ترك المؤاخذة على الخطأ والنسيان فضلا يستدام ونعمة يعتد بها والمحققون من أهل السنة والمعتزلة على خلافه واك زامه، وأنّ الجواب الأوّل مبنيّ على المشهور وهذا على خلافه أسهل من الجواب بأنّ غير المقدر وهو نفس الخطأ والنسيان وليس الكلام في المؤاخذة عليه بل على الفعل المترتب عليه كقتل مسلم ظنه غير معصوم ونحوه مما يكون ترك المؤاخذة عليه فضلاً من الله تعالى والعزيمة القصد المصمم، وقوله: فيجوز الخ فهو على أسلوب قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [سورة الفاتحة، الآية: 5، أو أنه من باب التحدث بالنعمة اعتناء بها كما قال تعالى. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [سورة الفحى، الآية: 0 ا] قال الطيبي: وهذا تكلف، وقد روي في مسلم أنّ هذه الآية ناسخة لقوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ} أسورة البقرة، الآية: ا] الآية فكما أنّ الخطرات والوساوس محلها النفس كذلك معدن النسيان والخطأ النفس فلم يكن النسيان والخطا متجاوزا عنها عقلا بل نقلاً، وفي الانتصاف رفع المؤاخذ بهما عرف بالسمع لقوله ىلمج! هـ: " رفع عن أمتي الخطأ " الخ فلعل رفعهما كان إجابة بهذه الدعوة وقد روي أنه قيل له: عند كل دعوة قد فعلت وأنما المعتزلة يذهبون إلى استحالة المؤاخذة بذلك عقلاً بناء على التحسين والتقبيح أص. قوله: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) وما أكرهوا عليه وفي رواية وما استكرهوا عليه كذا وقع في كثير من الكتب وقد أخرجه الطبرانيّ في الأوسط عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقال السبكيّ: قال محمد بن نصر ليس له إسناد يحتج به، وكذا قال غيره وقال النووي رحمه الله: إنه حديث حسن وفي سنن ابن ماجه بدل رفع وضع وهما متقاربان وسئل أحمد بن حنبل عنه فقال لا يصح: ولا يثبت إسناده وقال من زعم أنّ الخطأ والنسيان مرفوعان: فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنّ الله أوجب في قتل النفس خطأ الكفارة وفيه نظر. قوله: (عبأ) كحملا لفظا ومعنى بعين مهملة وباء موحدة وهمزة بين وجه اشتقاقه وأصل معناه بما ذكره وقوله: للمبالغة فعل يجيء للتكثير والمبالغة نحو قطعت الثياب وللتعدية وقتل الأنفس في التوبة أو في القصاص لأنه كان لا يجوز غيره في شريعتهم وقطع موضع النجاسة من الثياب ونحوها، وقيل: من البدن وقوله: وخمسين صلاة قال السيوطي رحمه الله تعالى: هذا لا أصل له وإنما الثابت في الأحاديث أنّ عليهم صلاتين، وقوله: من البلاء والعقوبة الخ ناظر إلى أوّل تفسيري قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} وقوله: أو من التكاليف إلى ثانيهما وقوله: فيكون صفة الخ أي على التوجيه الثاني وأمّا على الأوّل فصفة مصدر محذوف كما أشار إليه وفي كون توبتهم بقتل أنفسهم كلام في التفاسير. قوله: (وهو يدل على جواز التكليف الخ) أي والا لم يكن لهذا الدعاء فائدة وأجيب بأنّ المراد به ليس هو التكليف الشرعي بل إنزال العقوبات التي نزلت بمن قبلنا لتقصيرهم، وأجيب أيضا بأنّ المراد التكليف الشاق الذي يشبه بما لا يستطاع أصلا وضعف بأنه يكون تكريرا لما سبق من قوله: لا تحمل علينا إصرا والفائدة الجديدة أولى وفي شرح المقاصد تمسك بهذه الآية على جواز التكليف بما لا يطاق ودلالته على الجواز ظاهرة وأما على الوقوع فلأنّ الاستعاذة إنما تكون عما وقع في الجملة لا عما أمكن ولم يقع أصلاً، والجوإب أنّ المراد به العوارض التي لا طاقة بها لا التكاليف اص. قوله: (وامح ذنوبنا) فيه إشارة إلى الفرق بين العفو

والمغفرة وتأخير الرحمة ووجهه ظاهر من تفسيره وفسر المولى بالسيد وترك تفسيره بمن يتولى أمورهم كما في الكشاف وقوله: فإنّ الخ إشارة إلى وجه الترتب بالفاء وفسر الكافرين بأعدائهم في الدين المحاربين لهم لمناسبته للنصرة وجوّز أن يعم جميع الكفرة. قوله: (روي أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا الخ) قيل الظاهر أنّ المراد بدعائه بهذه الدعوات قراءته لهذه الآيات ويحتمل أن يكون قد دعا بها فنزلت هذه الآية حكاية لها، وقيل: الأوّل هو الوارد في الأحاديث الصحيحة " والثاني ورد بمعناه " حديث مرسل أخرجه ابن جرير، والنكتة في صيغة الجمع أنّ للاجتماعات تأثيرات وبركات ولإرادة العبد خبراً بأخيه أثراً في استنزال الخيرات، وقوله: " كفتاه) أي عن قيام تلك الليلة وقيل: " كفتاه " المكروه، وقوله: من كنوز الجنة تمثيل لما فيها من كثرة الخير والبركة والثواب، وكذا الكتابة باليد تمثيل وتصوير لإثباتهما وتحققهما وتقديرهما بألفي سنة عبارة عن قدمهما لا للتحديد. قوله: (وهو يرد الخ) قال النووي رحمه الله تعالى في كناية الأذكار: نقل عن بعض المتقدمين أنه كان يكره أن يقال سورة البقرة وسورة الدخان والعنكبوت وشبه ذلك وإنما يقال السورة التي يذكر فيها البقرة وهكذا وهو خطأ فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة " آيتان من آخر سورة البقرة " الحديث وأشباهه كثيرة لا تحصى اهـ. قلت قد مر أنّ المنع من ذلك صح عنهم والاستعمال أيضا صحيح بلا شبهة ولا خطأ فيه وإنما المنع كان في صدر الإسلام لما استهزأ سفهاء المشركين بسورة العنكبوت ونحوها فمنع منه دفعاً لطعن الملحدين ثم لما استقر الدين وقطع الله دابر القوم الظالمين شاع ذلك وساغ والشيء يرتفع بارتفاع سببه، وقوله: " فسطاط القرآن " الفسطاط بضم الفاء وكسرها هو الخيمة أو المدينة الجامعة أو الأوّل أصله وهذا منقول منه سميت بذلك لاشتمالها على معظم أصول الدين وفروعه وللإرشاد إلى كثير من أمور المعاس والمعاد، وسميت السحرة بطلة جمع باطل لانهماكهم في الباطل أو لبطالتهم عن أمر الدين ومعنى عدم استطاعتهم أنهم مع حذقهم لا يوفقون لتعلمها أو لتأمل معانيها أو العمل بما فيها، وقيل: لن يستطيعها إذا قرئت فإنها تهزمهم وتبطل سحرهم وشرهم وقيل: إنها من المعجزات التي لا تقدر السحرة على معارضحتها كغيرها من المعجزات المحسوسة، وقيل: المراد بالسحرة البلغاء كما في قوله: " إنّ من البيان لسحرا " وهو بعيد اللهم وفقنا للوصول إلى هذا الفسطاط واجعلنا ممن استظل بظل عنايتك ورحمتك ويسر لنا خيري الدنيا والآخرة واجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء أسماعنا ونزعة أرواحنا ويسر لنا إتمام ما قصدناه بإحسانك يا أرحم الراحمين وصل وسلم على نبيك المنزل عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته آمين. تتا الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث أوّله سورة آل عمران

آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم سورة آل عمران قوله: (إنما فتح الميم في المشهور الخ) قد سبق الكلام في معنى ألم وهل هي معربة أو مبنية، أو موقوفة وأن الصحيح أنها معربة وإنما سماها بعضهم مبنية لعدم الإعراب بالفعل لفقد المقتضى له، وأنّ سكون أعجازها سكون وقف لا بناء، ولذا اغتفر فيها التقاء الساكنين، وحينئذ كان حقها هنا سكون الميم، وفتح الهمزة لكن جمهور القرّاء على فتح الميم وطرج الهمزة، واختلف في توجيهه فذهب سيبويه، وكثير من النحاة إلى أنه حرّك لالتقاء الساكنين بالفتح لخفته وللمحافظة، على تفخيم لفظ الله، وعليه مشى في، ألمفصل لأنه مختصر الكتاب، وذهب الفرّاء واختاره في الكشاف إلى أنه نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها، وحذفت وأورد عليه أن همزة الوصل سقطت في الدرج، ونقل الحركة إنما يكون على تقدير ثبوتها لآنّ إبقاء حركتها) بقاء لها، وأجيب عنه بأنه على نية الوقف فتكون ثابتة لأنه ابتداء كلام، ولإجرائه مجرى الدرج الصل به وحرّك، وأمّا قول ابن الحاجب إنه ضعيف غير مسلم، ولما كان التقاء الساكنين شائعا لي الوقف لم يقل إنّ التحريك له، وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: توهم التحريم فإنه غير محذور، وقوله: وقرئ بكسرها الخ هي قراءة أبو حيوة، قال الزمخشري: وما هي بمقبولة لكن الفارسي قال: إن القياس لا يدفعها، وعن عاصم تسكين ميم، والابتداء بالهمزة مع الوقف وعدمه، واختير الفتح لئلا يجتمع كسرتان وياء بمنزلة كسرتين وأورد عليه اتفاقهم على كسرة الرحيم الله في الوصل، وفي شرح الطيبة كسر ميم الرحيم الله الجمهور على أنه حركة إعراب فلا يرد ما ذكر. وبحتمل أنها سكنت بنية الوقف، ثم حركت لالتقاء الساكنين، وروي عن أمّ سلمة رضي الله عنها قراءة سكون الميم وقطع الهمزة، وروي عن الكسائي فتح ميمه وصلا، وهو موجه بما مرّ، ويحتمل نصبه بأعني مقدراً. قوله: (روي الخ) المرويّ أنه عليه الصلاة والسلام قال: اسم الله الآعظم في ثلاث سور سورة البقرة وآل عمران وطه قال أبو أمامة: فالتمستها فوجدت في البقرة الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم الخ، والمصنف رحمه ألله رواه بالمعنى. قوله: (القرآن

نجوماً) أي على التدريج بناء على الفرق بين الإنزال والتنزيل، واليه أشار في تفسير أنزل هنا بقوله: (جملة) ، وقد مرّ أنّ بعضهم فسر التدريج بالتكثير الذي دل عليه فعل، وردّ بأنه إنما يدلّ عليه لو لم يكن للتعدية كما هنا، فإن نزل! لازم فلا يصح فيه ذلك، ومرّ جوابه. وأمّا ردّ أبي حيان رحمه الله بأنه ورد في وصف القرآن نزل وأنزل فغير وارد، وقال الحلبيّ إنه يرى في كلام الزمخشريّ تناقضاً حيث قال: إنّ نزل يقتضي التنجيم، وأنزل يقتضي الإنزال الدفعيّ، وتجويزه أن يراد بالفرقان القرآن مع أنه قيل فيه أنزل قال ولا ينبغي أن يقال ذلك لأنه لم يقل إن أنزل للإنزال الدفعيّ. وفي المغني يشكل على الزمخشرفي قوله تعالى: {لولا نزل عليه القرآن} [سورة الفرقان، الآية: 32] جملة واحدة فقرن نزل بكونه جملة، وقوله: وقد نزل عليكم في الكتاب. وقال العراقي: إنّ القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ومن سماء الدنيا منجماً في ثلاث وعشرين سنة فيجوز أن يقال فيه نزل وأنزل، وأمّا بقية الكتب فلا يقال فيها إلا أنزل، وهذا أوجه وأظهر، وهذا فطير لم يخمر، وتخميره أن التدريج ليس هو التكثير بل الفعل شيئا فشيئا، كما في تسلل والألفاظ لا بدّ فيها من ذلك فصيغة نزل تدل عليه والإنزال مطلق، لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج التنجيم، وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه أو المطلق بحسب ما يقتضيه المقام إذا عرفت هذا فكل ما ذكر من عدم البصيرة، وضيق العطن فافهم، وقد مرّ ما فيه مفصلاً. قوله: (بالعدل أو بالصدق الخ) قيل ليس في اللغة الحق بمعنى العدل، والحجج المحققة، ووصفه بالصدق باعتبار بعض أجزائه وهو الأخبار ويمكن أن يجعل باعتبار جميع أجزائه لاستلزام كل إنشاء خبرا وليس بشيء لأنه نص عليه أمام اللغة الراغب وعليه تعويل المصنف رحمه الله فيما مرجعه إلى اللغو، ومع قوله في أخباره كيف يتوهم السؤال بالإنشا آت، وما بين يديه ما تقدمه من الكتب كما مرّ تحقيقه، وهو في موضع الحال، وتقديره ملتبسا بالحق أو محقا. قوله: (واشتقاقهما من الورى والنجل الخ) الظاهر أنهما أعجميان لا عربيان وعلى القول بعربيتهما فأمر الاشتقاق والوزن ظاهر وعلى الأوّل فلا معنى له على الحقيقة لأنه إمّا أن يشتق من ألفاظ أخر أعجمية ولا مجال لإثباته، أو من ألفاظ عربية فهو استنتاج للضبّ من الحوت، ولذا عده المصنف رحمه الله تعسفا، فلم يبق إلا بعد التعريب اجروه مجرى أبنيتهم في الزيادة، والأصالة وفرضوا له أصلا ليتعرّف ذلك، وقد نقل هذا عن بعض المتقدمين، ومثله ما مرّ في طالوت، فمن قال: إنه فقول عن البصريين والكوفيين لم يات بشيء، وعلى هذا الأخير فالتوراة قيل إنها من ورى الزناد يرى إذا قدح فظهر منه النار لأنها ضياء ونور تجلو ظلمة الضلال، وقيل: إنها من ورّى أي عرّض لأنّ فيها رموزا كثيرة، وقوله: ووزنهما بتفعلة بفتح العين عند بعض الكوفيين، وبكسرها عند الفرّاء لكن فتحت وقلبت ياؤها ألفا للتخفيف كما قالوا: في توصية وتوصاة وهي لغة لبعض العرب، وعند الخليل وسيبويه فوعلة، والأصل وورية فأبدلت الواو تاء، وقوله: والنجل بفتح فسكون هو الماء الذي ينز في الأرض، ومنه: النجيل لما ينبت فيه، ويطلق على الوالد والولد، وهو أعرف فهو ضد كما قاله للزجاجيّ: وهو من نجل بمعنى ظهر سمي به إمّا لاستخراجه من اللوح المحفوظ، وظهوره منه أو من التوراة، وقيل إنه من التناجل، وهو التنازع لكثرة النزاع فيه، وقيل: من النجل بمعنى الوسع لتوسيعه ما ضيق في التوراة، وقوله: لأنهما أعجميان قد عرفت وجهه وتوجيهه، وما قيل: إنّ الدليل على عربيتهما دخول اللام لأنّ دخولها في الأعلام الأعجمية محل نظر لا وجه له لأنهم ألزموا بعض الأعلام العجمية الألف واللام علامة للتعريب كما في الإسكندرية فإن أبا زكريا التبريزيّ قال: إنه لا يستعمل بدونها مع أنه لا خلاف في أعجميته حتى لحن من استعمله بدونها وافعيل بالكسر كثير، وأمّا بافتح فليس من أبنية العرب. قوله:) على العموم إن قلنا إنا متعبدون) بفتح الباء من تعبد الله الخلق بمعنى استعبدهم أي مأمورون بشرائع من قبلنا، وجوّز العلامة في شرح الكشاف كسرها من التعبد بمعنى التنسك، وإنما عبروا بالتعبد لأنه إذا أطلق أريد منه العمليات إذ لا خلاف في الاعتقاديات بين الشرائع، ومن لم يتنبه لهذا قال: يعني الناس مستغرق على

تقدير، ومعهود على آخر، وفيه أنه للاستغراق على كل تقدير إذ لا خلاف في أن الكتابين أخبرا عن نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم فهما هدى للناس جميعاً، وبأن أصول الكتابين لم تنسخ بكتابنا فنحن متعبدون بهما. قوله: (يريد به جنس الكتب الخ) الضمير في قوله ليعمّ لذلك المذكور أو للذكر، وسائر بمعنى الباقي أو بمعنى الجميع عند من جوّزه، وأعاد أنزل لئلا يتوهم أن المعنى وللفرقان، وعلى هذا فهو من ذكر العامّ بعد الخاص للتتميم، ولكونه بوصف آخر لا تكرار فيه. قوله: (أو الزبور أو القرآن الخ) اختار الإمام الوجه الأخير لأنّ التكرار خلاف الظاهر ولأن الزبور مواعظ فليس فيه ما يفرق بين الحق، والباطل من الأحكام، وأجيب بأنه لا تكرار لتنزيل تغاير الوصف منزلة تغاير الذات أو أنه تنزيل تدريجي، وانزال دفعيّ، وكان الظاهر تقديمه لكنه أخر لأن الانتفاع لنا بالأوّل أظهر، وأنّ المواعظ لما فيها من الزجر والترغيب فارقة أيضا، ولخفاء الفرق فيها خصت بالتوصيف به، وأورد عليه أن ذكر الوصف دون الموصوف يقتضي شهرته به حتى تغني عن ذكر موصوفه، والخفاء إنما يقتضي إثبات الوصف دون التعبير به، وقوله بما هو نعت له ليس المراد به النعت المصطلح بل الصفة مطلقاً لأن الكتب السماوية كلها فارقة بين الحق والباطل، فأعادته بذلك العنوان، وتخصيصه إشارة إلى أنه الكامل فيه لكونه بمعناه، ولفظه المعجز، ولو أجرى عليه لم يكن بهذه المنزلة. وفي بعض النسخ وعن محمد بن جعفر بن الزبير قال الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره قال ابن جرير رحمه الله: وهذا القول أولى لأن صدر السورة نزل في محاجة النصارى للنبيّ صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام. قوله: (من كتبه المنزلة وغيرها) إشارة إلى أن الإضافة ليست للعهد وقوله بسبب كفرهم إشارة إلى أن التعليق بالموصول الذي هو في حكم المشتق يشعر بالعلية، وهو معنى تضمنه الرط، وترك فيه الفاء لظهوره فهو أبلغ إذا اقتضاه المقام، والعذاب الذي في مقابلة الكفر أو الشديد مخصوص بهم فلذا قدّم لهم فلا ينافيه تعذيب عصاة الموحدين. قوله:) غالب لا يمنع الخ) فسره به لأنه من شأن العزيز، وبه يتمّ الارتباط بما قبله، وقوله: لا يقدر على مثله منتقم أخذ المبالغة من التعبير بذي فإنه لا يقال صاحب سيف إلا لمن يكثر القتل لا لمن معه السيف مطلقاً مع ما فيه من التنوين المفيد للتعظيم، والإبهام ومنه يعلم أنّ ذا الإحسان أبلغ من محسن، ولذا عدل فيه عن المنهج المسلوك، وهو أخصر. قوله: (والنقمة عقوية المجرم (، وقيل: هي العقوبة البليغة وقيل: السطوة والانتصار والفعل منه نقم كعلم وضرب، وقيل: نقم عليه أنكر وانتقم عاقب، وتقرير التوحيد من لا إله إلا هو، والعمدة في إثبات النبوّة الوحي والكتب السماوية والزجر بالانتقام، والإعراض هو الكفر. قوله: (أي شيء كائن الخ) يصح قراءته بالتخفيف والتشديد، وقوله: كليا كان أو جزئيا ردّ على منكري العلم بالجزئيات كما بين في الكلام وقوله: إيمانا أو كفرا وقع في نسخة وكفرأ، وهو بمعناه وقوله: فعبر عنه بالسماء والأرض الخ يعني لأنهما العالم كله في النظر الظاهر، وجعله من إطلاق الجزء وارأدة الكل قيل: إنه ليس بسديد إذ لا يصح في كل جزء وكل بناء على اشتراط التركيب الحقيقي وزوال ذلك الكل بزوال ذلك الجزء كما في التلويح، وهو مما اختلف فيه فهو عنده كناية لا مجاز. وقوله: ما اقترف أي اكتسبه العباد من المعاصي فإنه فيها وجعله كالدليل لأنّ العلم يستلزم الحياة، ولم يقل دليلاَ لأن السياق إنما هو للوعيد والتحذير من عقاب من هو مطلع عليهم، وعبادته معطوف على نفسه عطف تفسير، واختلاف الصور مأخوذ من عموم كيف يشاء، والتصوير من جملة تدبيرهم، والقيام بامرهم واتقان الفعل يدل على العلم كما مرّ. توله:) اي صوّركم لنفسه وعبادته) أي ليس المراد بالتصوّر قيام الصورة بالذهن، وهذا المعنى يؤخذ من صيغة التفعل كما في الكشاف يقال: أثلث مالاً إذا جعلته أثلة أي أصلاً وتأثلته إذا أثلته لنفسك، ومنه تبناه اتخذه ابنا له، وباب تفعل يجيء للاتخاذ نحو توسدت التراب أي اتخذته وسادة لي فما قيل كأنه من تصوّرت الشيء بمعنى توهمت صورته فتصوّر لي توهم محض. قوله: (إشارة إلى كمال قدرته الخ) لأنّ الغلبة تقتضي القدرة التامّة، وصيغة

حكيم تقتضي تناهي الحكمة، وقوله وقيل: ايخ أي نبه بالتصوير لجميع الناس على أن عيسى عليه الصلاة والسلام عبد كغيره لحدوثه، وأن الرب من لا يخفى عليه خافية ومن لا يكون كذلك لا يكون رباً لأنه لا يعلم بما في نفسه إذ صوّر، وهذا من قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ} [سورة آل عمران، الآية: 5] الخ ولخفائه ضعفه بقوله: وقيل الخ ولذا قيل إنه إدماج وليس مأخوذا من حاق النظم فافهم. قوله: (أحكمت عبارتها بأن حفظت الخ) في الكشاف بدل الإجمال الاحتمال وهو ما ذهب إليه الشافعية من أنّ المحكم المتضح المعنى، والمتشابه بخلافه ومعنى اتضاح المعنى أن يظهر عند العقل أنّ معناه هذا لا غير، وأمّا عند الحنفية فالمحكم الواضح الدلالة الظاهر الذي لا يحتمل النسخ والمتشابه الخفيّ الذي لا يدرك معناه عقلاً ولا نقلاً وهو ما استأثر الله بعلمه والغرض من إنزاله ابتلاء الراسخين وكج عنان التصرّف وقد يطلق المحكم بمعنى المتقن النظم والمتشابه على ما يشبه بعضه بعضا في البلاغة وهما بهذا المعنى يطلقان على جميع القرآن قال المدقق في الكشف واعلم أنه لا ينكر أنّ في القرآن من الحقائق ما لا سبيل للبشر إلى الوقوف عليه تصديقاً لقوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} ، ولقوله عليه الصلاة والسلام: " هو البحر لا تنقضي عجائبه في وصفه) ، إنما النزاع في المتشابه المذكور في قوله: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} وفي أن ما سيق لتلك المعاني المستأثر بها في علم الغيب له ظاهر كلفنا علمه، وباطن كلفنا تصديقه إيمانا بالغيب فلا نزاع بين الفريقين، ومن المتشابه الصفات السمعية من الاستواء واليد والقدم، والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها فعند السلف، ومنهم الأشعري أنها صفات أخر غير الثمانية ثابته وراء العقل ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التشبيه والتجسيم لئلا يتعارض! العقل، والنقل وعند الخلف ليست صفات زائدة على الثمانية بل راجعة إليها والأليق أن يتوقف لأنه المنقول عن السلف الصالح، ولنا بهم أسوة حسنة مع ظهور وجهه، ثم إنّ التأويل له معنيان مشهور وهو ترجمة الشيء وتفسيره الموضح له وآخر وهو بيان حقيقته وابرازها لما بالعلم، أو بالفعل وكلاهما وارد في القرآن ومحتمل هنا أيضاً وعليه ينبني الوقف، وعدمه أيضاً. قال الراغب: التأويل من الأول وهو الرجوع إلى الأصل ومنه الموئل للموضمع الذي يرجع إليه وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه علماً كان أو فعلاَ ففي العلم نحو وما يعلم تأويله إلا الله وفي الفعل كقوله: وللنوى قيل يوم البين تأويل وقوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [سررة الأعراف، الآية: 53] أن بيانه الذي هو غايته المقصودة منه، وقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [سورة النساء، الآية: 59] قيل: أحسن ترجمة ومعنى وقيل أحسن ثوابا في الآخرة انتهى، ويكون المحكم في مقابلة المنسوخ أيضآ لكنه غير مشهور وفي الترجيح بينهما كلام في شرح الكشاف، والأصول من أراد تفصيله فليرجع إليه. قوله: (والقياس أمّهات الخ الما لم يتطابق المحمولان أوّله بأنّ المراد منهن كل واحدة فيصح حمل المفرد عليه، وحينئذ فالكتاب إنا أن يراد به الجنس الشامل لكل آية أو يقدر فيه أي بعض الكتاب، أو إنه جعلهن في حكم شيء واحد لاتحاد نوعها فلذا أفرد الخبر. قرله:) محتملات الخ) مخالفة الظاهر من ذكر العامّ بعد الخاص لأنهم عرّفوه بما لا يتضح معناه وتحته أنواع منها المجمل فأو لمنع الخلوّ فلا يرد عليه شيء، وعلى هذا فكل آية منه تحتمل وجوها يشبه بعضها بعضا فتوصف بالتشابه باعتبار معناها وما فيها من الوجوه فسقط ما تيل إن واحد متشابهات متشابهة وواحد أخر أخرى والواحد منهما لا يصح وصفه بالآخر، فلا يقال أخرى متشابهة إلا أن يكون بعض الواحد شبه بعضاً، وليس المعنى عليه بل لا يصح في المفردات وإنما المعنى أنّ كل آية تشبه الأخرى فكيف يصح وصف جمع بجمع لا يصح وصف مفرده بمفرده، ولا حاجة إلى ما تكلف في الجواب عنه لأنه ليس من شرط صحة وصف المثنى والمجموع صحة بسط مفردات الأوصاف على أفراد الموصوفات كما أنه لا يلزم من الإسناد إليه صحة إسناده إلى كل واحد كما في وجد فيها رجلين يقتتلان إذ الرجل لا يقتتل رلذا قيل في قوله حافين من حول العرس ليس لحافين مفرد إذ الواحد لا يكون حافا أي محيطأ، وسيأتي بيانه على أنه إذا علم أن المتشابه مجاز أو كناية عما لا يتضح معناه، أو ما لا يعلم معناه على الرائين علم أن السؤال مغالطة غير واردة رأسا.

قوله: (ليظهر قيها فضل العلماء الخ) جواب سؤال عن حكمته، ولم لم يكن كله محكماً لأنه أنزل للهداية والإرشاد فأجاب بأنه متضمن للإرشاد أيضا إلى فضل العلماء واكتساب العلوم والكد المحصل للثواب، والاستنباط الاستخراج، والقرائح الطبائع ثم أشار إلى معنى آخر للمحكم والمتشابه وقد مرّ بيانه. قوله: (وأخر جمع أخرى لخ) أخر جمع أخرى مؤنث آخر أفعل تفضيل وقياس بابه إذا قطع عن الإضافة أن لا يستعمل إلا باللام فاستعماله بدونها عدول عما هي فيه، واعترض عليه أبو عليّ رحمه الله بأنه لو كان كذلك وجب أن يكون معرفة كسحر فأجابوا بأنه لا يعد في استعماله نكرة بعد حذف اللام المانعة منه كذا في الإيضاح، والى هذا الأشكال أشار المصنف رحمه الله بقوله، ولا يلزم منه معرفته وفي نسخة تعريفه يعني أنه لا يلزم في المعدول عن شيء أن يكون بمعناه من كل وجه، وإنما يلزم أن يكون قد أخرح عما يستحقه وما هو القياس فيه إلى صيغة أخرى نعم قد يقصد إرادة تعريفه بعد النقل إمّا بألف ولام تضمن معناهما فيبنى وامّا بعلمية كما في سحر فيمنع من الصرف، ولما لم يقصد في آخر إرادة الألف واللام أعرب ولا يصح إرادة العلمية لأنها تضادّ الوصفية المقصودة منه. قوله:) أو عن آخر من) هذا مذهب ابن جني وقال ابن مالك وغيره: إنه التحقيق ولكن ما مر مذهب الجمهور، ووجهه أنّ أصل باب التفضيل أن يستعمل بمن، ويستغنى به عن جمعه فلما خالفه جعل معدولاً عنه ولا يجوز أن يكون بتقدير الإضافة لأنّ المضاف إليه لا يحذف إلا مع بناء المضاف كما في الغايات أو مع ما يسدّ مسده، وفيه نظر. قوله: (عدول عن الحق) الزيغ الميل، قيل: لا يقال إلا لما كان من حق إلى باطل، وقال الراغب: الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، وزاغ وزال ومال متقاربة لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل انتهى، هاليه أشار المصنف وزبغ مبتدأ وفاعل. قوله:) فيتعلقون بظاهره الخ) هذا مأخوذ من الحصر المفهوم من التقابل إذ معناه أنهم يتبعون المتشابه وحده بأن ينظروا إلى ما يطابقه من المحكم، ويردّوه إليه وهو إمّا بأخذ ظاهره الغير المراد له تعالى أو أخذ أحد بطونه الباطلة، وحينئذ يضربون القرآن بعضه ببعض، ويظهرون التناقض بين معانيه إلحادآ منهم وكفراً ويحملون لفظه على أحد محتملاته التي توافق أغراضهم الفاسدة في ذلك، وهذا معنى قوله: ابتغاء الفتنة وابتغاء تأوبله فالإضافة في تأويله للعهد أي بتأويل مخصوص لا يوافق المحكم بل يوافق ما يشتهونه، وتوله: كالمبتدعة إشارة إلى أنه أعئم من المسلمين هنا إذ المراد من يخالف الحق، ويأتي بما يختلفه من الباطل لما ذكر في سبب النزول فتدبر. قوله: (ويحتمل أن يكون الداعي الخ (قيل: كأنه جعل الداعي أوّلاً الطلبتين على التوزيع بأن جعل ابتغاء الفتنة طلبة بعض، وابتغاء التأويل حسبما يشتهي طلبة بعض فعقبه باحتمالين آخرين، ويشير إليه تفسير اتباع ما لابه، ومناسبة المعاند أنه لقوّة عناده يتشبث بهما معا، والجاهل أنه لتحيره تارة يتبع هواه لعدم علم يصرفه إلى ما سواه وتفسير تأويله بما يجب أن يحمل عليه لأنه هو المطابق للواقع يعلم من التعبير بالعلم وإضافته إلى الله، والمراد بما يجب أن يحمل عليه أي على نوعه وما يضاهيه، والتعبير بالراسخين يقتضي تقابله بالزائغين. قوله: (ومن وقف على إلا الله) فيه ثلاثة مذاهب منهم من وقف على إلا الله ومنهم من وقف على الراسخون، ومنهم من جوّز الأمرين د! اليه ذهب كثير من أئمة التحقيق ولهم في ترجيح ذلك كلام طويل فرجح ما ذهب إليه بوجوه أما اوّلاً فلأنه لو أريد بيان خط الراسخين مقابلاً لبيان خط الزايغين لكان المناسب أن يقال وأمّا الراسخون فيقولون. واما ثانياً فلأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم. وأما ثالثا فلأنه لا ينحصر حينئذ الكلام في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر العبارة حيث لم يقل ومنه متشابهات لأن ما لا يكون متضح المعنى، ويهتدي العلماء إلى تأويله ورذه إلى المحكم مثل إلى ربها ناظرة لا يكون محكما ولا متشابها بالمعنى المذكور، وهو كثير جداً، وأمّا رابعا فلأنّ المحكم حينئذ لا يغون أثم الكتاب بمعنى رجوع المتشابه إليه إذ لا رجوع إليه لما استاثر الله به كعدد الزبانية، وقد رجح الثاني بأنّ أمّا للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم على

الراسخين لتحقق التفصيل غاية الأمر أنه حذفت أمّا والفاء وبأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فالجمع في قوله: أنزل عليك الكتاب والتقسيم في قرله: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} والتفريق في قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} فلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم، وهو أن الراسخين يتبعونه، ويرجعون المتشابه إليه على ما هو مضمون قوله والراسخون في العلم الخ والجواب أنّ كون أمّا للتفصيل أكثريّ لا كليّ ولو سلم فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم، ثم لو سلم كون الآية من قبيل الجمع والتفريق والتقسيم فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال أعني يقولون الخ كاف في ذلك، والحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على إلا الله وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل، والمؤوّل فالحق العطف، ويجوز الوقف أيضا لأنه لا يعلم جميعه أو لا يعلمه بالكنه إلا الله وأما إذا فسر بما دلّ القاطع أي النص النقلي أو الدليل الجازم العقلي على أن ظاهره غير مراد ولم يقم دليل على ما هو المراد ففيه مذهبان فمنهم من يجوّز الخوض! فيه وتأويله بما يرجع إلى الجادّة في مثله فيجوز عنده الوقف وعدمه ، منهم من يمنع الخوض فيه على ما عرفت في الصفات السمعط فيمتنع تأويله ويجب الوقف عنده ففي قول المصنف رحمه الله أو بما دلّ القاطع تأمّل. قوله: (اسمئناف موضح الخ) والنحاة يقدرون له مبتدأ دائماً أي هم يقولون وقد قيل: إنه لا حاجة إليه ولم يعرف وجه التزامهم لذلك فلينظر، وقوله: موضح لحال الراسخين إشارة إلى وجه ترك العطف فيه، وهذا القول، وإن لم يخص الراسخين لكن فيه تعريض بأن مقتضى الإيمان به أن لا يسلك فيه طريقاً لا يليق من تأويله على ما مرّ فكأنّ غيرهم ليس بمؤمن، وليس فيه أنه يقتضي أنّ الراسخين يعلمون جميع المتشابه مع أنّ منه ما استاثر الله بعلمه أي انفرد واستبذ به مع أن الواصلين لا يفسرون المتشابه بما يشمله بل بما يقابله فتأمل، وقوله: إن جعلته مبتدأ أي الراسخون، وقوله: كل من المتشابه هذا ظاهر إن رجع ضمير به إلى المتشابه وإن رجع إلى الكتاب فله وجه أيضاً لأنّ مآله كل من أجزاء الكتاب، وهي لا تخلو عنهما. قوله: (مدح للراسخين الخ) فهو معطوف على جملة يقولون لا من جملة المقول فهو حي! سذ من وضعالمظهر موضمع المضمر أي الأهم ودلالته على ما ذكر لحصر التذكر والتدبر فيهم وتجرّد عقولهم عما يغشاها من الحس المكدر لها من التعبير باللب إذ هو الخالص، وخلوصه عما ذكر كما مرّ تفسيره به. قوله: (واتصال الآية الخ (جعل العلم تصويراً وتربية للروح على ضرب من التمثيل لأنّ به كمالها وشقاوتها وسعادته فتبقى به في النعيم وتفارقه بعدمه كما أنّ الجسد يبقى بالروح ويفنى بمفارقتها، ولا يخفى أنّ كون كل منهما تصويرا وتكميلاً في الجملة يناسب ذكره معه، ولما بين التصوير الحقيقيّ الجسماني والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين ترك العطف وقوله: (أو أنه جواب الخ) أي هذه الآية رد عليهم في فهمهم، من روج الله وكلمته ما فهموه، وما قبلها أيضا ردّ عليهم في إنه ابن الله لأنه لا أب له بأن من يقدر على هذا يقدر على التصوير من غير نطفة ولأنّ المصوّر لا يكون أب المصوّر كما مرّ، وقيل: المناسبة إنّ في المتشابه خفاء كما انّ تصوير ما في الأرحام كذلك. قوله: (من مقال الراسخين الخ) وقيل: إنه تعليم للعباد أي قولوا إذا مرّ بكم متشابه {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} عن الإيمان بأنه حق أو عن تأويله بما ترتضيه بعد إذ هديتنا بإنزاله علينا وما ذكره المصنف رحمه الله أقرب، وما ذكره هذا القائل مآله إلى الوجه الثاني عند التأملى، والحديث المذكور أخرجه الترمذفي والشيخان وأصبعي الرحمن تأويل لأنّ هدايته وضلاله موقوف على إرادته فأيهما أراد وقع سريعا شبه تصرّفه ذلك بأمر خفيف يهون تقليبه بالأصابع وفي التعبير بالرحمن إشارة إلى أنّ لطفه به أكثر. قوله:) وقيل لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا) قائله الزمخشري بناء على مذهب المعتزلة، ولذا ردّه المصنف وعبارته لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا، أو لا تمنعنا ألطفاك بعد إذ لطفت بنا، وقرئ لا تزغ قلوبنا بالتاء والياء ورفع القلوب قال العلامة ظاهر النظم لا تضلنا لأنّ زيغ القلوب في مقابلة الهداية ومقبال الهداية الإضلال فيلزم أن يكون الإضلال من الله كما أنّ الهداية منه لكنه ليس موافقاً لمذهبه يعني في أفعال العباد فلا جرم أوّله بأحد

أمرين إما السبب أو منع اللطف، وقراءة الرفع من قبيل لا أرينك ههنا وهو من الكناية ولكونها بحسب الظاهر تؤيد مذهب المعتزلة تركها المصنف رحمه الله. قوله: (إلى الحق والإيمان الخ) هذا بناء على أن الهداية الدلالة الموصلة، وفسرها الزمخشريّ باللطف أيضاً إشارة إلى أنه يصح أن يراد بها مطلق الدلالة وبعد منصوب على الظرفية والعامل فيه تزغ، واذ مضاف إليه لأنها متصرّفة أو مصدرية، وأمّا القول بأنها بمعنى أن المصدرية المفتوحة الهمزة والمعنى بعد هدايتنا فلم نر من تعرّض له من النحاة أصلا لكن المصنف رحمه الله ثقة والمذكور في النحو أنها تكون حرف تعليل فيؤوّل ما بعدها بالمصدر نحو، ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أي لظلمكم فإن كان أخذه من هذا فهو كما ترى، ثم إني رأيته في إعراب القرآن للحوفي، ولم أره لغيره وقوله: (تزلفنا إليك) أي تقرّبنا أخذه من لدن في لدنك ولدن أخص من عند لأنها تستعمل للحاضر بخلاف عند وأشار بقوله: عندك إلى أنها ظرف مثلها وعلى هذا التفسير الرحمة بمعنى الإحسان والأنعام، وعلى تفسيرها بالتوفيق فهي إنعام مخصوص وإنما ذكر الثبات ليفيد بعد ما فسر به إذ هديتنا، وقوله: لكل سؤال العموم مأخوذ من حذف المعمول، كما في فلان يعطي ويمنع، والهبة ما يكون بلا عوض! في الأصل فلذا يفيد ما ذكره، والقول بالوجوب ليس مذهب أهل السنة والكلام عليه مبسوط في الكلام، وقوله: (لحساب الخ) إشارة إلى تقدير مضاف وأن اللام للتعليل، والطلبتين عدم الزيغ وهبة الرحمة. قوله: (فإنّ الإلهية تنافيه الخ (يعني أنّ العدول عن المضمر المخاطب على ما هو الظاهر إلى الاسم المظهر بغير لفظ الرب المتقدم للدلالة على أنّ الحكم مترتب على ما يدل عليه اسم الله كما في التعليق بالوصف، وهذا بملإحظة معناه قبل العلمية، وهو المقصود من تلوين الخطاب، والتلوين أعمّ من الالتفات واستدل به الوعيدية وهم المعتزلة القائلون بوجوب الثواب والعقاب، وأجيب عنه بأجوبة منها أنه مشروط بشروط معلومة من ضوص أخر كعدم العفو أو عدم التوبة للوفاق بيننا وبينهم عليه على إن الميعاد مصدر بمعنى الوعد ولا يلزم من عدم خلف الوعد عدم خلف الوعيد لأنّ الأوّل مقتضى الكرم كما قال: واني وان أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي أو هو إنشاء فلا يلزم الكذب في تخلفه، وعلى الأوّل فالتعريف جنسيّ، وعلى ما بعده الألف واللام فيه للعهد. قوله: (أي من رحمته أو طاعته الخ) يعني أنّ من للبدل على تقدير مضاف كقوله: فليت لنا من ماء زمزم شربة أي بدلها ومعنى أغنى عنه أجزاء وكفاه فشيئاً نصب على المصدر، وقد يجعل مفعولاً به لما في أغنى من معنى الدفع لأنه في الأصل دفع الحاجة لكن لا يخفى أنّ المعنى ليس لا تدفع عنهم شيئاً بدل الرحمة، أو الطاعة نعم يصح أن يكون مفعولاً به لأنّ معنى أغنى عنه كفاه وشيئا ثاني مفعولي كفى كقوله تعالى: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [سورة الأحزاب، الآية: 25] وقال أبو حيان رحمه الله: كون معنى من البدلية ينكره أكثر النحاة فهي لابتداء الغاية كما قاله المبزد. أو التبعيض على أنها صفة لشيئاً قدمت عليها فصارت حالاً، والتقدير من عذاب الله حينئذ، وذكر أبو عبيدة أنها بمعنى عند وهو ضعيف واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: أو من عدّابه فتأمّل، وقوله: حطبها إشارة إلى أنه على قراءة الفتح ليس بمصدر فلا يحتاج إلى تقدير وهذا هو الصحيح وقيل إنه مصدر أيضاً. قوله: (متصل بما قبله الخ) في إعرابه وجهان النصب على أنه صفة مصدر لتغني أي إغناء كعدم إغناء وفيه الفصل بين العامل، ومعموله بجملة وأولئك إلا أن تقدر اعتراضية أو أنه صفة لوقود وعلى كونه مصدرأ فهو ظاهر وأما على كونه اسما جامداً مفيه نظر كما قاله أبو حيان رحمه الله وفيه وجوه، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي دأب هؤلا كدأب هؤلاء، وهو إن كان استئنافا بيانيا بتقدير ما سبب هذا على ما قاله النحرير: فلا يليق أن يقول المصنف رحمه الله والعذاب والا فلا يرد عليه هذا كما قيل والجواب أن المراد لالعذاب استحقاقه بعيد، والدأب في الأصل بمعنى إتعاب النفس في العمل، ولدا استعمل في الثأن والخطر لأنه لا يحصل بدونه غالبا وقوله: إن ابتدأت بالذين هو الوجه الذي في العمل، ولدا استعمل في الشأن والخطر لأنه لا يحصل بدونه غالبا وقوله: إن ابتدأت بالذين هو الوجه الذي أشار إليه قوله: وقيل استئناف. قوله: (قل لمشركي مكة ستنلبون يعني يوم بدر) وعلى هذا إذا كان الخطاب

في قد كان لكم آية لهم فهو إئا مقول لهم بعد ذلك أو عبر عن المستقبل لالماضحي لتحقق وقوعه، وقينقاع بفتح القاف وتثليث النون طائفة من يهود المدينة، والإغمار لالغين المعجمه جمع غمر بالضم، والسكون وقوله: نحن الناس أي الكاملون العارفون لالحروب وفي " الكشاف " أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم لما غلب يوم بدر قالوا هذا والله النبيّ الأميّ الذي بشرنا به موسى عليه الصلاة والسلام، وهموا باتباعه فقال بعضم لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى فلما كان يوم أحد شكوا فالمعنى لا تشكوا فإني إن غلبت اليوم فستغلبون وتحشرون إلى حهنم وعلى الأوّل ستغلبون كما غلبت قريش، وقريظة بالتصغير والنضير بالفتح والتكبير طانفتان من اليهود وهو حينثذ من دلائل النبوّة للإخبار بالغيب. قوله: (وقرأ حمزة الخ) قال الخحرير: حاصل الفرق أنّ المعنى على تقدير تاء الخطاب أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن يخبرهم من عند لفسه بمضمون الكلام حتى لو كذبوا كان التكذيب راجعا إليه، وعلى تقدير ياء الغيبة أمره بأن يزذي إليهم ما أخبره الله تعالى به من الحكم بأنهم سيغلبون بحيث لو كذبوا كان التكذيب راجعا إلى الله تعالى قالوا: فعلى الخطاب الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، وعلى الغيبة بلفظه وإلا ظهر أنّ الأمر بالعكس، وكانهم جعلوا ضمير بلفظه لما أخبره به، والحق أنه للنبيّ صلى الله عليه وسلم كالمنصوب في أخبره، والمرفوع في يحكي أي أمره بأن يحكي لهم بلفظه هذا الوعيد على الوجه الذي يناسب ولا خفاء في أنه! لا يناسب أن يقول لهم سيغلبون بلفظ الغيبة فأحسن التدبر ففي المعنى تضييؤ، وفي اللفظ تعقيد حيث قال: وهو أن معنى سيغلبون الكائن، أي ما هو كائن من نفس المتوعد به أي الأمر الذي وقع به الوعيد إلى أن قال: وإذا كان الإخبار به! االمعنى فلا بد من الإتيان باللفظ الداذ عليه بخلاف الأمر بحكاية الإخبار فإنّ اللفظ من عنده على ما يقتضيه سوق الكلام هذا وما ذكره بعبارة الكتاب أوفق، وما ذكرناه بحسب المعنى أليق وذكر في قوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم} [سورة الأنفال، الآبة: 38] أن المعنى لأجلهم، وفي حقهم فذكر في كل من الآيتين أحد الوجهين فلا تكون الغيبة بلفظ الله والحكاية بلفظه ففي مثل هذا التركيب ثلاثة وجوه فأعرفه، وما ذكره رذ على العلامة لكنه ليس بوارد إذ لا خلاف بينهما إلا في مرجع الضمير، وقد اعترف بأنه أليق بعبارة الكتاب وليس على الشارح إلا موافقة كلامه لمشروحه فتأمّل، والمهاد كالفراش لفظأ ومعنى والجملة أفا مقول القول أو تذييل متعلق به والمحخصحوص بالذمّ مقدّر وهو جهنم وما مهدوه وحكمه معلوم في النحو- قوله: (الخطاب لقريش الخ) وقيل: إنه عاتم وارتضاه في الكشف، وقال: إنه الذي يقتضيه المقام كي لا يقتطع الكلام، ويقع التذييل والله يؤيد بنصره موقع المسلث في الختام. قوله: (يرى المشركون المؤمنين) في ضمير الفاعل في يرونهم احتمالان، الأوّل أن يعود إلى المشركين واستدلّ له في الكشاف بقراءة نافع ترونهم بالخطاب لأنّ الخطاب الأؤل عنده لمشركي مكة فيكون فاعل ترونهم للمشركين قطعا، وحينئذ فالضمير المفعول للمسلمين لا غير، والضمير المضاف إليه مثليهم أمّا للمشركين فالمعنى يرى المشركون المسلمين مثلى المشركين وكانوا قريبا من ألف فرأوا المسلمين قريبا من ألفين أو للمسلمين أي يرى المشركون المسلمين مثلى المسلمين وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر فرأوهم ستمائة ونيفاً وعشرين، قيل: والمعنى على هذا واضح، وأمّا على ما قبله فيكون فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة هاليه أشار الزمخشرقي بقوله: مثل فئتكم الكافرة، وحينئذ يكون في الآية ثلاث التفاتات في قوله: {وأخرى كانرة ترونهم مثليهم} وقيل عليه أن ضمير الفاعل للفئة الكافرة وضمير المفعول للفئة المقابلة المسحمهآ لكنهم عبروا عنهما بالمشركين والمسلمين تنبيهاً على جهة العدول عن الإفراد أعني تراها إلى الجمع وضمير مثليهم يحتمل أن يكون للفئة الكافرة، وأن يكون للفئة المؤمنة والدليل على أنّ الخطاب لمشركي قريش قراءة نافع ترونهم بتاء الخطاب فإنّ المشركين هم الذين كثر المؤمنون في أعينهم لا اليهود، ولا يليق بنظم القرآن أن يجعل خطاب ترونهم لغير من له خطاب قد

كان لكم، وفي مثل فئتكم الكافرة إشارة إلى أن الصفة للفئة الكافرة المذكورة بطريق الغيبة لا للمخاطبين بترونهم لئلا يلزم الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وخطاب ترونهم للمخاطبين بقوله لكم لا للفئة الكافرة لئلا يلزم الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وفئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة في موضع الخبر أي هما فثة تقاتل، وأخرى كافرة أو البدل من فثتين أو المفعول أو الحال فليست عبارة عن المخاطبين في لكم بحيث يكون مقتضى الظاهر الخطاب ليلزم الالتفات فلا يلتفت إلى قول من زعم أنّ فيه ثلاث التفاتات وهذا مما ردّ به ما مرّ، وقد تبع فيه المدقق في الكشف وما ذكر من الالتفات سبقه إليه صاحب الانتصاف وتابعه الطيبي وسنبين لك حقيقته وقوله: فلما لاقوهم بالقاف من الملاقاة وروي بالفاء المشددة أي خالطوهم من الالتفاف في القتال، وهو مخالطة الجيشين كما قيل ما تصافوا حتى تلافوا وقوله وذلك كان بعدما قللهم إشارة إلى دفع ما قيل: إنه يناقض قوله في الأنفال ويقللكم في أعينهم بأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين. قوله: (أو يرى المؤمنون المشركين الخ (هذا احتمال آخر ولا يرد عليه السؤال السابق في تعارض الآيتين لأنهم كانوا ثلاثة أمثالهم فاراءتهم مثليهم تقليل لهم في الواقع لما قرّر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى: {فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [سورة الأنفال، الآية: 6] بعدما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} ولهذا أيضا وصف ضعفهم بالقلة لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف، فإن قلت: إنه قال في الكشاف بعدما ذكر هذا وقراءة نافع لا تساعد عليه فكيف يقول المصنف رحمه الله تعالى، ويؤيده قراءة نافع قلت أجيب عن هذا بأن الزمخشريّ لما تعين عنده أنّ خطاب قد كان لكم للمشركين كانت قراءة الخطاب في ترونهم على تقدير أنهم المسلمون تفكيكا للنظم فلذا قال إنها غير مساعدة، وأمّا المصنف رحمه الله تعالى فلما جوّز كون الخطاب الأوّل للمؤمنين لم يجعلها غير مساعدة وهذا لا يقتضي أنها مؤيدة خصوصا وقد أخر ذلك الاحتمال ولم يبين أنه مراد على هدّا التوجيه أتول الظاهر أنه يريد أن الخطاب الواقع في آية الوعد المتقدمة للمؤمنين يقتضي أنه هنا إنجاز للوعد فيكون معنى قوله لكم آية علامة على ما وعدتم به فاثبتوا، فالخطاب الأوّل للمؤمنين على أنه ابتداء خطاب في معرض الامتنان عليهم بما سبق الوعد به وهذا معنى لطيف ولا يضرّ كونه خلاف الظاهر لأنه يقتضي مرجوحيته وقد أشار إليه بتأخيره، وفي الانتصاف إنما قال الزمخشرقي ذلك لأن الخطاب على قراءة نافع يكون للمسلمين أي ترونهم يا مسلمين وبكون ضمير المثلين أيضاً للمسلمين، وقد جاء على لفظ الغيبة فيلزم الخروج في جملة واحدة من الحضور إلى الغيبة والالتفات، وان كان شائعا فصيحا إلا أنه إنما يأتي في الأغلب في جملتين وقد جاء ههنا الكلام جملة واحدة لأنّ مثليهم مفعول ثان للرؤية ولو قال القائل. ظننتك يقوم على لفظ الغيبة بعد الخطاب لم يكن بذاك فهذا هو الوجه الذي باعد الزمخشريّ من قراءة نافع ومن هذا التأويل إلا أنه يلزم مثله على أحد وجهيه المتقدمين آنفاً لأنه قال: معناه على قراءة نافع ترون يا مشركون المسلمين مثلى عددهم أو مثلى فئتكم الكافرة فعلى هذا الوجه الثاني يلزم الخروج من الخطاب إلى الغيبة في الجملة بعينها كما التزمه هو على ذلك الوجه (وههنا بحث) وهو أنه إذا عبر عن جماعة بطريق من الطرق الثلاثة، ثم عبر عن بعضه بطريق آخر يخالفه هل يعدّ هذا من الالتفات أم لا الظاهر أنه لا يعدّ منه لكن وقع في كلام بعضهم ما يقتضي أنه منه فلعل من ذهب إلى الالتفات هنا بناء على هذا فلا تعارض بين مسلك الانتصاف والطيبي، والعلامة وبين ما ذهب إليه في الكشف وشرح النحرير. قوله: (وقرئ بهما) أي بالياء والتاء على البناء للمفعول، قيل: لم يجعله بمعنى الظن كما هو الشائع في الإراءة لأنه يأباه رأي العين لكن الأولى حمله عليه وجعل الظن بمعنى اليقين ولا حاجة إليه لأنه مصدر تشبيهيّ وقد اعترف به هذا القائل. قوله: (والنصب على الاختصاص) اعترض عليه أبو حيان- رحمه الله- بأنّ المنصوب على الاختصاص

لا يكون نكرة فالوجه أنه منصوب بتقدير فعل كأمدح وأذمّ، وأجيب بأنه لم يرد به معناه المصطلح عليه في النحو في نحو نحن معاشر الأنبياء لا نورث إنما يعني النصب بإضمار فعل لائق وأهل البيان يسمون هذأ اختصاصا وكذا فسره الطيبيّ وغيره، وعلى الحالية المقصود مؤمنة وكافرة وفئة وأخرى توطئة للحال. قوله: (رؤية ظاهرة) في الدر المصون أي بصرية ومصدرها الرأي والرؤية وعلمية اعتقادية ومصدرها الرأي فقط وحلمية ومصدرها الرؤيا، وظاهر هذا التفسير أنها بصرية فتتعدى لواحد، ومثليهم حال فان كانت علمية فهو مفعول ثان، وقيل: إنّ الثاني لا يصح لقوله رأي العين فإنه مصدر مؤكد ولأنّ رؤية القلب علم ومحال أن يعلم الشيء شيئين وأجيب بأنه مصدر تشبيهيّ أي رأيا مثل رأي العين، وبأنّ المراد بالرؤية هنا الاعتقاد فلا يلزم ما ذكره، وقيل: إنّ المعنى على المفعولية فالوجه أنه متعدّ إلى مفعولين لكونه بمعنى العلم المستند إلى المعاينة لا بمنزلة أن يقال يبصرونهم، وفيه نظر وقيل: إنّ رأي العين منصوب على الظرفية أي في رأي العين، ومعاينة وقع في نسخة بدله معينة والأولى هي الموافقة لما في الكشاف وعديم العدة بضم العين هي آلات الحرب، وشاكي السلاح صفة الكثير بمعنى حامل السلاح وكون الوقعة آية أي معجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم لما فيها من إراءة القليل كثيرا أو غلبة القليل الكثير، أو لمطابقتها للغيب الذي أخبر به النبيّ صلى الله عليه وسلم من نصرهم، والعبرة ما يعتبر به ويتعظ وجعل الأبصار جمع بصر بمعنى بصيرة استعارة أو بمعناه المعروف. قوله: (اي المشتهيات الخ) مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر القتال، وكان كثيرا ما يقع للحظوظ النفسانية أتبعه التنفير عنها حثا لهم على الإخلاص في كل ما يأتون ويذرون وجعلها نفس الشهوات إشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها، والحرص عليها حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض ما تشتهي فقال: أشتهي أن أشتهي، ولما كان في الإيماء معنى التنبيه عداه بعلى تسمحاً، وقيل: الأنسب أنه جعلها شهوة تنبيها على خستها لأنّ الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء فالقصد التنفير عنها، والترغيب فيما عند إدته كما في الكشاف. قوله: (والمزين هو الله تعالى الخ) قال السيوطي: هذا أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي الانتصاف التزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب وه وبهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة لأنه لا خالق إلا هو ويطلق، ويراد به الحض على تعاطي الشهوات والأمر به وهو بهذا الاعتبار لا يضاف إلى الله إذ هو لا يخص الأعلى المشروع شهوة أو غيرها، وأمّا الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلاً لوسوسته، وخسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها وكلام الحسن رحمه الله محمول على التزيين بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأوّل فإنه يتحاشى أن ينسب خلق الله إلى غيره لكن الزمخشريّ كثيرا ما يورد أمثال هذه العبارة المبهمة وينزلها على قواعدهم الفاسدة فتفطن لها ونزه من قالها من السلف الصالح عما يزعمه انتهى، وكذا الجباتي بناء على قواعدهم جعل التزيين بمعنى الخلق وجعله في المباح لله، وفي الحرام للشيطان بناء على أنه ليس مخلوقا لله لخلق العباد أفعالهم، ولكن الحق ما عرفت، وقد صرّح به الإمام الراغب كما مر والمصنف ليس بغافل عنه لكنه نقل كلامهم على ما فهموه فمن قال: المزين في الحقيقة هو الشيطان لأنّ التزيين صفة تقوم به ومن قال: المزين هو الله لأنه الخالق للأفعال والدواعي، فقد أخطا في المدعي وما أصاب في الدليل فالمخطئ ابن أمّه وكلا التفسيرين منقولان عن السلف وقد مرّ تحقيقه ومن قال: إنه من قبيل أتدمني بلدك حق لي على فلان فقد تعسف وتصلف، وقوله: ولعله زينه أي زين ما ذكر ابتلاء للعباد أي معاملة لهم معاملة المبتلى، والمختبر ليتميز الزاهد فيها عن غيره أو للحكمة الأخرى. قوله: (والقنطار الخ (وقيل: هو ألف دينار والمسك بفتح فسكون الجلد ومن عادة العرب أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة نحو ظل ظليل، وهو كثير في وزن فاعل ويرد في المفعول كما هنا والبدرة ألف دينار أو درهم والسومة بالضم العلامة والمشهور فيه السمة وفي القاموس السومة السوم في البيع والمطهمة

التامّة الخلق، والأنعام يطلق على الأصناف الثلاثة والنعم مختصة بالإبل. قوله: (إشارة إلى ما ذكر) يعني أن إفراده وتذكيره لتأويل المشار إليه بما ذكر ويصح أن يكون لتذكير الخبر وإفراده و {حُسْنُ الْمَآبِ} بمعنى المآب الحسن والباء في قوله: بالشهوات داخلة على المتروك والمخدجة بمعنى الخداج الناقصة. قوله: (يريد به تقرير أنّ ثواب الله الخ) أي المأخوذ من قوله: {حُسْنُ الْمَآبِ} وذلكم إشارة إلى ما قبله من النساء وما معه وللذين الخ خبر مقدم وجنات مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة لما ذكر وعلى تعلقه بخير لم يجعل عند وبهم خبراً مقدما لأنه يقال عند الله الثواب ونحوه، ولا يقال عند الله الجنة ووجه التأييد ظاهر لمطابقته له معنى ولأنه لا موقع لقوله للذين حينئذ سوى تعلقه بخير سواء جعل تعلقاً لفظيا أو معنويا بأن يكون صفة لخير، وما يستقذر من النساء الحيض ونحوه، ويرتفع معطوف على يتعلق ويجوز رفعه قيل وهو أرجح. قوله: (فيثيب الخ) فالعباد عامّ وعلى ما بعده خاص، ومتاع الدنيا وان ذكر للذم والتنفير لكن يعلم من خير أنّ المفضل عليه خير أيضاً فهو نعمة، والرضوان رضا عظيم ولذا خص بالله في القرآن. قوله: (صفة للمتقين) أي للذين اتقوا، وفيه الفصل بين الصفة والموصوف فهو بعيد لفظا وكونه صفة للعباد بعيد معنى وكونه واردا على المدح أسلمها واً حسنها، وقوله: في استحقاق المغفرة يعني إن وقع منه ذنب أو كونه مستعدأ لها إن لم يقع، ثم إنّ التوسل اتخاذ الوسيلة ويترتب عليها الطلب وأقصى مراد السالك المغفرة ثم هي بعد ذلك مراتب وأقصاها الرضوان فلا يرد عليه أنه قال: أوّلاً ورضوان من الله أكبر وهنا المغفرة أعظم المطالب ولا حاجة إلى أن يقال إنها شاملة للرض! وان. توله: (وتوسيط الواو الخ) وهذا مما تقرر في علم البيان فلا عبرة بقول أبي حيان رحمه الله: لا نعلم العطف في الصقة بالواو يدؤ على الكمال، والروع بالضم القلب والمراد بالمجتهدين المجدين في العبادة. وقوله: (وقيل الخ (وجه آخر للتقييد وهو أنه كان كذلك في الواقع. قوله:) بين وحدانيته الخ) يعنى أنه استعارة تصريحية تبعية فالمشبه دلالته على الوحدانية بما نصب من الأدلة العقلية ونزذ من الأدلة السمعية، وكذا الإقرار والإيمان والاحتجاج من الثقلين والمقصود تشبيه إظهار مخصوص بإظهار آخر والجامع بينهما مطلق الإظهار والبيان والكشف فلا يرد عليه أنه يلزم الجمع بين المعاني المجازية لأنه يمتنع كما يمتنع الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولا يرد أيضا أنّ قوله: بين يقتضي أنّ المشبه البيان، وقوله: في البيان الخ يقتضي أنه وجه الشبه وخص الاحتجاج بأولي العلم لأنه وإن لم يمنع مانع من صدوره من الملائكة لكن لا داعي لذكره. قوله:) مقيما للعدل) أشار به إلى معنى القسط وأنّ الباء للتعدية، والقسم مصدر قسم المال، وقوله: وانتصابه على الحال الخ جوّز فيه وجوه إعرابية الحال والنصب على المدح والاختصاص من فاعل شهد أو ضمير هو، والوصف لاسم لا المبنيّ وهو إله وجوّز إفراد المعطوف عليه بالحال كالمعطوف في نافلة إذا قامت قرينه تعينه معنوية أو لفظية وأمّا إذا التبس فلا يجوز وإنما أخرت الحال للدلالة على علوّ مرتبتهما وقرب منزلتهما، والمنصوب على المدح وان كان إنما عرف في المعرفة وأمّا في النكرتين أو في النكرة بعد المعرفة، كما هنا فقد أثبته الزمخشريّ والفصل بين الصفة بالخبر والبدل ظاهر، ثم أشار إلى أنه على الحالية من الفاعل لا يندرج في المشهود به وفي غيره يندرج، وعلى قراءة التعريف فهو بدل من هو وهو حينئذ من بدل البدل فتأمّل وأشار في جعلها حالاً من هو إلى أنها حال مؤكدة وترك ذكره على كونها حالاً من الفاعل كما ذكره الزمخشرفي إشارة إلى ما فيه لأنه اعترض عليه بأنّ الحال المؤكدة إنما تجيء عقب الجملة الاسمية على ما في المفصل حتى ذهب بعض الشراح إلى أنّ هذا ليس بتعريف، بل بيان أنها خاصة تجيء بعد الاسمية بخلاف المنتقلة، أو هو تعريف للحال المؤكدة التي يجب حذف عاملها، وقد شاع القول بالحال المؤكدة في الجملة الفعلية حتى قيل مبناه على أن يجعل كل حال ليست مما ثبت تارة وتزول أخرى مؤكدة، ولا كلام في وقوع مثل هذا في الكلام فالحال المؤكدة مقولة بالاشتراك على معنيين، وتسمى هذه حالاً ثابتة فتنقسم الحال إلى المنتقلة والثابتة والمؤكدة. قوله: (كرره للتأكيد الخ) أمّا التأكيد

فظاهر، وأمّا مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته فلأن تثبيت المدعي إنما يكون بالدليل والاعتناء به يقتضي الاعتناء بأدلته، وقوله: والحكم به أي بوجدانيته بعد ما ذكر الحجج إجمالاً بقوله: شهد الله الخ وقوله الموصوف بهما أراد به الوصف اللغوي إذ الضمير لا يوصف فهو إمّا بدل أو خبر مبتدأ محذوف، وأمّا كونه صفة فاعل شهد فبعيد، وقوله: وقدم الخ يعني أنّ العزيز يدلّ على القدوة لكونه بمعنى الغالب والقدرة إذا علمت علم أنّ له مصنوعات إذا تأملها العاقل علم ما اشتملت عليه من الحكم. قوله: (وقد روي في فضلها) أي فضل تلاوة هذه الآية، والمراد بصاحبها من كان يقرؤها وفي المدارك: " من قرأها عند منامه وقال بعدها أشهد بما شهد الله به واستودع الله هذه الشهادة وهي عنده وديعة بقول الله تعالى يوم القيامة إنّ لعبدي عندي عهدا وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة " والحديث ضعيف لكنه في الفضائل وكونه دليلاً على شرف الأصول لدلالته على شرف التوحيد الذي هو معلومه، وشرف أهله لأن قيمة المرء ما يحسنه. قوله: (جملة مستأنفة الخ) أي مبتدأة لا استئنافاً بيانياً، ولذا قال: مؤكدة لأن المستاً نفة لا تكون مؤكدة عندهم، وهذا لأكيد معنوقي لا اصطلاحيئ، وأشار بقوله سوى الإسلام إلى الحصر المستفاد من تعريف الطرفين، وقوله: والتدزع اًي التحصن من تدزع إذا لبس الدرع وقوله: (يدل الكل الخ) إن فسر الإسلام بالإيمان وأريد بالإيمان الإقرار بوحدانية الله تعالى، والتصديق بها الذي هو الجزء الأعظم فبدلية الكل ظاهرة، دمان فسر بالتصديق بما جاء به النبيّ ئسر مما علم من الدين لالضرورة فكذلك لأنه عين الشهادة بما ذكر باعتبار ما يلزمها فهي عينه مآلأ وأما إذا فسر لالشريعة فهي شاملة للإيمان والإقرار بالوحدانية ولا يضر كونه جزءا إن سلم لأن المانع منه العكس، فاندفع ما قيل إنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به النبيئ-لمج! فلا يمون بدل كل لثموله لما قبله ولغيره وأنه إذا أريد الشريعة فما قبله جزؤه فلا يكون بدل اشتمال، قال الفارسي: قرأ الكسائيئ بالفتح فيهما من باب بدل الشيء من الشيء لأن الدين الذي هو الإسلام يتضمن التوحيد والعدل، وهو هو في المعنى أو من بدل الاشتمال لأن الإسلام يتضمن التوحيد والعدل انتهى، وهو بعينه كلام المصنف رحمه الله ومنه يعلم معنى كلامه، وأن البدل لا إشكال فيه مع ملاحظة قائما بالقسط فلا تغفل. قوله: (أو إجراء شهد مجرى قال تارة وعلم أخرى) أي أنه لاحظ فيه الاعتبارين في حال فكسر أنه لملاحظة معنى قال وفتح أن لملاحظة معنى علم ولك أن تحمله على التضمين أي قال: عالمأ إنه الخ فتأقل. قوله: (من اليهود الخ) يعني في معنى الذين أوتوا الكتاب وجوه منها أنهم اليهود والنصارى، والمختلف فيه دين الإسلام وشأنه فاعترف به قوم منهم على الوجه الحق وآخرون مع ادعاء تخصيصه بالعرب، وإنكار عموم البعثة، ولما كان هذا موافقا للأوّل في الاعتراف في الجملة قدمه على النفي فلا يقال الظاهر تقديم قوله: ونفاه عليه، أو أمر التوحيد وتخصيصه بقوم موسى عليه الصلاة والسلام لأن الكتاب المعزف كالعلم للتوراة واختلافهم أنّ موسى جملى لما استحضر استودع التوراة سبعين حبراً من بني إسرائيل وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعدما جاءهم علم التوراة بغيأ بينهم وتحاسدأ على حظوظ الدنيا والرياسة، واختلاف النصارى في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام بعدما جاءهم أنه عبد القه ورسوله إلى فرق مفصلة في الملل والنحل. قوله: (أي بعدما علموا الخ) لم يقل علموا مع أنه أخصر إشارة إلى أنه علم بسبب الوحي ولما كان العلم يقتضي عدم الاختلاف لأن الحقيقة واحدة وبخهم بأنه بغي وحسد لا يليق صدوره من عاقل أو يؤوّل مجيء العلم بالتمكين منه لسطوع براهينه وتفسير البغي بالحسد مز تحقيقه. قوله: (الا شبهة وخفاء في الأمر) يعني أنه للبغي لا لهذا وهو عطف على قوله حسداً على حذ ما جاءني إلا زيد لا عمرو وهو تركيب حكم الشيخ عبد القاهر والسكاكي بعدم صحته لكنه وقع مثله في الكشاف كثيراً وقالوا: إن عدم صحته غير مسلمة وسيأتي تحقيقه، يريد أن بغيا مفعول له لما دل

عليه ما والا من ثبوت الاختلاف بعد مجيء العلم كما تقول ما ضربت إلا ابني تأديبا وأما ما أشار إليه من حصر الباعث في البغي فمن المقام أو من الكلام إن جوزنا تعدد الاستثناء المفرغ أي ما اختلفوا في وقت لغرض إلا بعد العلم لغرض البغي كما تقول ما ضرب إلا زيد عمراً أي ما ضرب أحد أحدأ إلا زيد عمرأ وسرعة الحساب تقتضي إحاطة العلم والقدرة فلذا أفاد الوعيد وباعتباره ينتظم الشرط والجزاء. قوله: (بعدما أقمت الحجج الخ) يعني ليس أمره بما ذكر لترك المحاجة والإلزام بل لأن الحجة قامت عليهم، وهم للعناد واللجاج لا ينتهون وستسمع تتمته، وقوله: أخلصت نفسي وجملتني قيل يعني إن الوجه مجاز عن نفس الشيء وذاته كما في {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [سورة الرحمن، الآية: 27، أو عن جملة الشخص تعبيرا عن الكل بأشرف الأجزاء، وقيل عليه لو كان القصد الترديد بين المعنيين لقال أو جملتني فالوجه أن قوله نفسي إشارة إلى المراد وقوله: وجملتي إشارة إلى وجهه بأنه من التعبير عن الكل بأشرف الأجزاء لتنزيله منزلة الكل وإليه أشار بقوله وإنما عبر الخ وما ذكره في كلام المصنف واضح وأما في كلام الكشاف فلا يتعين، وإذا جعل مجازا عن النفس ففي علاقة المجاز خفاء فإن كانت الثانية اتحدا وإلا فلا تظهر. قوله: (عطف على التاء في أسلمت الخ) أورد عليه وعلى ما بعده إنه يقتضي اشتراكهم معه في إسلام وجهه، وليس المعنى أسلمت وجهي، وهم أسلموا وجوههم إذ لا يصح أكلت رغيفا وزيد وقد أكل كل منهما رغيفاً، وردّ بأنه لا مانع منه، قال الزمخشري: أخلصت نفسي وجملتي دئه وحده لم أجعل فيها لغيره شركاً بأن أعبده، وادعوه إلها معه، يعني إن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي وما جئت بئيء بديع حتى تجادلوني فيه ونحو: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء} [سورة آل عمران، الآية: 64] الآية فهو دفع للمحاجة فيه، وقوله: يعني الخ بيان لكيفية الربط بين الشرط والجزاء اًي قوله: أسلمت دفع للمحاجة بأنه لا معنى لها لكونها مجادلة فيما اتضح حقيقته وقوله، وهو الدين القويم في بعض نسخ الكشاف القديم يعني دين إبراهيم، وقوله: أسلمت وجهي كما قال الخليل: أسلمت لرب العالمين: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} . قوله: (وقل للذين أوتوا الكتاب الخ) هو عطف على الجملة الشرطية والمعنى فإن حاجك أهل الكتاب فرذ محاجتهم بذلك، فإذا أفحمتهم عمم الدعوة وقل للأسود والأحمر أأسلمتم إذ جاءكم ما وجب قبوله من الدين القويم دين أبيكم إبراهيم فإن أسلموا فقد اهتدوا ودليل العموم ضمّ الأفيين لأهل الكتاب، وأما تأويل اهتدوا بقوله: فقد نفعوا الخ فقيل لتقييد الجزاء وفيه نظر ووجه الوعيد مرّ بيانه فافهم ووجه التعبير أنه كما إذا قرّرت مسألة ووضحتها، ثم قلت للسائل هل فهمت. قوله: (هم أهل الكتاب الخ) ولما لم يقع منهم قتل لهم أوّله بالرضا به والهمّ والقصد الآن، فإن أوّل قتل النبيين بالأول وقتل الآمرين بالقسط بالثاني، وجعل شاملا للنبيّ فظاهر وإلا يلزم الجمع بين معنيين مجازيين في لفظ واحد وهو ممتنع وقد مرّ ما فيه فتذكره. قوله: (وقد منع سيبويه الخ) أشار بقوله كليت إلى دليله وأشار إلى الفرق بينهما بأن إنّ المكسورة، وكذا المفتوحة لا تغير معنى الكلام لأنه باق على خبريته بخلافهما ومن جعل الخبر ما بعده جعل قوله: فبشرهم جملة معترضة بالفاء كما في قولك زيد فافهم رجل صالح، وقد صزح به النحاة في قوله: واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا ومن لم يفهم هذا قال: إنّ الفاء جزائية وجوابها مقدم من تأخير والتقدير زيد رجل صالح، وإذا قلنا لك ذلك فافهم وإنما أعاد قوله: ويقتلون للفرق بينهما فإن أحدهما بالقوّة والآخر بالفعل، وقال: هنا بغير حق لأن الجملة هنا أخرجت مخرج الشرط المناسب للعموم وثمت في ناس بأعيانهم، وكان الحق الذي يقتل به معيناً عندهم. قوله: (يدفع عنهم العذاب الخ) أشار بالإفراد إلى أنّ المعنى ما لهم ناصر وإنما عبر بالجمع ليعلم غيره بالطريق الأولى ولأن شأن من ينصر التجمع والتحزب، وقوله: التوراة الخ قيل إنه لف ونشر غير مرتب، فإذا أريد التوراة فمن للبيان وإن أريد الجنس فللتبعيض، واللام على الأوّل للعهد، وعلى الثاني للجنس، وهو محتمل فيها ويجوز أن تكون للابتداء، وترك تفسيره باللوج الذي في الكشاف لأنه

خلاف الظاهر، والتنكير كما يحتمل التعظيم والتحقير يحتمل التكثير، ورجح التعظيم بأنه أدخل في التوبيخ لأنهم مع ما معهم من الحظ الوافر يفعلون خلافه، وفيه نظر لا! المعنى يحتمل إن ما معهم شيء قليل بالنسبة إلى غيره وهم يتركون الخير الكثير، ولما كان المتبادر من كتاب الله القرآن أيد الوجه الأخر بما رواه ابن إسحق وغيره من سبب النزول، والمدراس صاحب الدراسة ومعلمها، ويطلق على الموضحع الذي يقرأ اليهود فيه التوراة وهو المراد هنا، وقصة الرجم والتسخيم ستأتي. قوله: (وقرئ ليحكم على البناء للمفعول الخ) في الكشاف والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم، وبين من لم يسلم يعني لا بينهم وبين الرسول في إبراهيم صلى الله عليه وسلم بدليل، قوله: ليحكم بينهم فالداعي ليس هو الرسول صلى الله عليه وسلم بل بعضهم لبعض فمن قال: إنه ردّ على الزمخشري رحمه الله لم يصب وكذا من قال: فيه بحث فإنه يجوز أن يكون ضمير بينهم لليهود والرسول صلى الله عليه وسلم كما في القراءة المشهورة بلا فرق وقيل إن قوله: والوجه ليس مخصوصا بهذه القراءة بل هو الراجح مطلقا، والمصنف رحمه الله فهم منه خلاف مراده وفيه نظر. قوله: (وفيه دليل الخ) لأنهم لما اذعوا أنّ دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام اليهودية وأراد إثباته بما في التوراة، وهو دليل سمعي دل على ذلك، وفيه بحث لأنه ليس بمتعين لذلك لاحتمال أن يكون الحكم مما هو في الفروع كالرجم وهو المتبادر من الحكم وأمّا احتمال أنه أراد إثبات معجزة له صلى الله عليه وسلم باطلاعه على ما في التوراة مع أنه أفي لا إثبات دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام فبعيد مع إنّ المستدل عليه حال إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه يهودي أم مسلم، وليس من الأصول إلا أن يراد به غير العملي فتأمل. قوله: (استبعاد الخ) يعني أنّ التراخي رتبي لا حقيقيّ، وقوله: وهم قوم عادتهم الإعراض كذا فسره الزمخشرقي فقيل إنه إشارة إلى أنّ الجملة معترضة على رأيه أو تذييل على رأي الأكثر وأياما كان فهي مؤكدة لما سبق لا حال كما ذكره المصنف رحمه الله شعم إنما تكون حالاً إذا لم تفسر بأنهم قوم عادتهم الإعراض انتهى، والمصنف رحمه الله جنح إلى أنّ التفسير بما ذكر لا يمنع الحالية وكذا الوصفية بأن يعطف على منهم بناء على قلة الفائدة بعد وصفهم بالتولي لأنه إنما فسر بذلك لتحصل الفائدة إذ الأوّل يقتضي الحدوث الذي يكون في معرض! الزوال فأردفه بما يدل على أنه ثابت لهم كالطبيعي فيهم، والحال لا يلزم أن تكون منتقلة فلا يرد عليه ما توهموه واردا. وقوله: (بسبب تسهيلهم الخ (لا جهلهم بحقيقته، والطمع الفارغ استعارة لما لا يجدي كما مرّ وقوله: (ألا تحلة القسيم) أي إلا قليلأ وسيأتي تحقيقه في قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [سورة مريم، الآية: 71] . قوله: (فكيف إذا جمعناهم الخ) أي كيف يكون حالهم في ذلك الوقت فالفعل محذوف، وهو كثير في كلامهم لأنّ كيف سؤال عن الحال وهذا الاستفهام للاستعظام والتهويل، وأن حالهم كذا وما حدثوه به أنفسهم كذا. قوله: (جزإء ما كسبت الخ) يعني أنّ في الكلام مضافاً مقدّراً وحبوط العبادة سقوطها بالمعاصي، والمسألة مفصلة في شرح المقاصد، وقوله: (وأن المؤمن لا يخلد الخ) رذ على المعتزلة، وهم يؤولون التوفية بتخفيف العذاب ولا وجه له 0 قوله: (الضمير لكل نفس الخ) يعني أن النفس مفردة مؤنثة وقد أرجع إليها ضمير الجمع المذكر لأنها في معنى كل إنسان وكل يجوز مراعاة معناه فيجمع ضميره فلا يقال الصواب كل الناس كما في الكشاف: ولا حاجة إلى الاعتذار بأن المراد توجيه التذكير وتوجيه الجمع يعلم منه. قوله: (الميم عوض عن يا الخ) وشذد لأنه عوض عن حرفين وأمّا جمعها مع يا في قوله: أقول يا اللهم يا اللهما فشاذ. والقول بأن أصله يا الله آمنا قول الكوفيين ولا يخفى ما فيه، ويقتضي أن لا يليه أمر دعائيّ آخر إلا بتكلف. قوله: (يتصرف فيما يمكن التصرف فيه) في الكشف إنه تعزيف للملك لأنّ الملك من له الملك كما أنّ المالك من له المال، ولو قيل مللث المللث لم يصح إلا على ضرب من التجوّز، وكون اللهم لا يوصف مذهب سيبويه رحمه الله لأنه لاتصال الميم به أشبه أسماء الأصوات وهي لا توصف وخالف غيره ونقض دليله بسيبويه وعمرويه فإنه مع كونه فيه اسم صوت يوصف، وأجيب بأن اسم الصوت مركب معه، وصار كبعض حروف الكلمة بخلاف ما نحن

فيه. قوله: (فالملك الأوّل الخ) لأنّ الله تعالى مالك جميع الملك والملك المعطى والمنتزع بعض منه والتعريف للجنس في الجميع، وقيل: في الأوّل للجتس وفي الأخيرين للعهد، وقيل: في الأوّلط للاستغراق وفي الأخيرين للعهد الذهني، والمراد بالأدبار ضد النصر كما أن الخذلان ضد التوفيق. قوله: (ذكر الخير وحده لآنه المقضئ بالذات الخ) هذا ما ذهب إليه المحققون من الحكماء قال: في شرح الهياكل إن الشرّ مقضيّ بالعرض وصادر بالتبع لما أن بعض ما يتضمن الخيرات الكثيرة قد يستلزم الشرّ القليل، فكان ترك الخيرات الكثيرة لأجل ذلك الشرّ القليل شرا كثيرا فصدر عنك ذلك الخير فلزمه حصول ذلك الشرّ، وهو من حيث صدوره عنك خير إذ عدم صدوره شرّ لتضمنه فوات ذلك الخير، فأنت المنزه عن الفحشاء مع أنه لا يجري في ملكك إلا ما تشاء انتهى، وهذا بناء على الأصلح، ونحن نقول يفعل ما يشاء من خير وشرّ ولا يسئل عما يفعل فعلى مذهبهم تخصيص الخير لأنه المقصود له بالذات، وقدمه لظهور الآية فيه أو مراعاة للأدب إذ لم يضف إليه أو لا! سبب نزول الآية ما أتى الله النبيّ صلى الله عليه وسلم من البشارة بالفتوج وترادف الخيرات، وقوله: (خط الخندق) اًي حفره والخندق معرب كنده (وقطع لكل عشرة أي عين لهم حفرها) والمعاول جمع معول بكسر الميم الفأس، وضمير صدعتها ومنها للصخرة والمستكن للضربة، وضمير لابتيها للمدينة، وهما حزتان يكتنفانها، والحرّة كل أرض ذات حجارة سود كأنها محترقة من الحرّ واللوب الحوم حول الماء للعطش عند الازدحام، وقوله: لكانّ جواب قسم، والحيرة بكسر الحاء المهملة وياء ساكنة وراء مهملة مدينة بقرب الكوفة، وتشبيه القصور بأنياب الكلاب في صغرها وبياضها وانضمام بعضها إلى بعض مع الإشارة إلى تحقيرها وإن استعظموها وما ذكره لي الخندق هو ما وقع في غزوة الأحزاب والحديث بطوله مخرج في الدلائل للبيهقي وكونه سبب النزول أخرجه ابن جرير رحمه الله، والفرق بفتحتين الخوف وفي الحديث أسرار ولطائف تنظر بعيون الأفكار. قوله: (والولوج الدخول الخ) يعني هو حقيقته كما في قوله تعالى: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [سررة الأعراف، الآية: 40] وأمّا هنا فهو إما استعارة للتعاقب أو زيادة زمان النهار في الليل وعكسه بحسب المطالع والمغارب في أكثر البلدان. قوله: (نهوا عن موالاتهم الخ (هذا على قراءة الجزم ظاهر وكذا على الأخرى لأنه نفي في معنى النهي واتخذ بمعنى صير متعدّ إلى اثنين والوليّ بمعنى الموالي من الولي، وهو القرب يعني لا يراعوا أموراً كانت بينهم في الجاهلية بل يراعوا ما هم عليه الآن مما يقتضيه الإسلام من بغض وحب، وقوله: أو عن الاستعانة بهم في الغزو كأنه قول للشافعيّ رضي الله عنه ومذهبنا وعليه الجمهور إنه يجوز ويرضخ لهم وإنما يستعان بهم على قتال المشركين لا البغاة كذا صرحوا به وما روي عن عائثة رضي الله عنها أنها قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لبدر فتبعه رجل مشرك كانت ذا جراءة ونجدة قفرح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأوه فقال له النبتي صلى الله عليه وسلم: " ارجع فلن استعين بمشرك " فمنسوخ بأن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم واستعان بصفوان بن أمية في هوازن لكن بشرط الحاجة والوثوق كذا في كتاب الناسخ والمنسوخ. قوله: (إشارة إلى أنهم الأحقاء) يعني ليس النهي مقيداً بكونه من دون المؤمنين حتى يفهم منه جواز اتخاذهم أولياء مع ولاية المؤنين بل الإشارة إلى أن الحقيق بالمولاة هم المؤمنون،، مندوحة بمعنى سعة وقد استدل بهذه الآية ونحوها على أنه لا يجوز جعلهم عمالاً ولا اشخدامهم في أمر الديوان، وغير. لثبوته بالنص المؤكد. قوله: (من ولايته في شيء يصح الخ (أشار إلى أنه بتقدير مضاف وصفة لشيء وفيه إشارة إلى أن ولايتهم كما لا تجتمع مع ولاية المؤمنين لا تجتمع مع ولاية الله لأنهم أعداء الله ومن والى عدوّ الله لا يواليه، وأنثد في معخاه البيت المذكور وبعده: وليس أخي من ودّني رأى عينه ولكن أخي من ودّاني في المغايب والنوك بضم النون والكاف الحماقة وعازب بالمعجمة بمعنى بعيد غائب. قوله: (إلا أن تخافوا من جهتهم الخ) لما كان اتقى متعديا بنفسه، وههنا تعدى بمن أشار إلى أن المفعول تقاة على أنه وصف بمعنى ما يتقى منه

ومن لابتداء الغاية وأصل الكلام تقاة كانت من جهتهم فلما تذم انتصب على الحال فإن كانت تقاة مصدرا فهو مفعول مطلق ويكون تعدى بمن لأنه بمعنى خاف وحذر، وهو يتعدى بمن قال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا} {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا} فتعديه بمن للثاني مما لا شبهة فيه، فعلى هذا يكون ترك أحد مفعوليه للعلم له أي ضررا ونحوه، فقول النحرير: هذا يشعر بأنّ حذر وخاف يجيء متعديا بمن خلاف اتقى لإنه ليس إلا متعديا بنفسه مردود. قوله: (منع عن موالإسم الخ) كونه ظاهرا وباطنا مأخوذ من عموم الاستثناء، وقول موسى عليه الصلاة والسلام معناه المداراة للضرورة لأنه أمر بأن يظهر ما ليس هو عليه وقيل معناه كن وسطا في معاشرتهم ومخالفتهم، وامش جانبا في موافقتهم فيما يأتون ويذرون، وقيل كر بجسدك مع الناس وقلبك في حظيرة القدس، وعقاب الله إذا أسنده إليه وكذا كل شيء أضيف إليه دل على عظمه ولا يؤيه بمعنى لا يبالي. قوله: (يعلم ضمائركم الخ) في قوله إن تخفوها أو تبدوها إشارة إلى وجه ذكر المبدي مع أن علمه المخفي يستلزم علمه وهو أنه استوى في علمه المخفي والمبدي وأنهما عنده على حد سواء وهي نكته لطيفة، ولو قيل المراد التعميم لصح لكن قوله بعد.: {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} الخ يفيده فلا تكون النكتة سرية، وقوله: (فيعلم سرّكم وعلنكم) إشارة إلى أنه بمنزلة الدليل لما قبله إلا أنه يحتاج إلى نكتة للعطف حينئذ فتأمّله، وقوله: فيقدر الخ بيان لربط النظم، وقوله: بيان لقوله سبحانه وتعالى ويحذركم الخ أي بيان لوجه التحذير لا لمعناه. قوله: (بعلا ذاتئ الخ (في الكشف ذات في الأصل مؤنث وقطع عنها مقتضاها من الوصف والإضافة وأجريت مجرى الأسماء المستقلة فقالوا ذات متميزة وذات قديمة أو محدثة، ونسبوا إليها من غير حذف التاء فقالوا: ذاتيئ وحكى الأزهري عن ابن الأعرابيّ ذات الشيء حقيقته وهو منقول عن مؤنث ذو بمعنى صاحب لأنّ المعنى القائم بنفسه بالنسبة إلى ما تقوم به وافراده يستحق الصاحبية والمالكية، ولمكان النقل لم يعتبروا أن التاء للتأنيث عوضا عن اللام المحذوفة وأجروها مجرى تاء هات ولهذا، أبقوها في النسبة ولم يتحاشوا عن إطلاقها على الباري تعالى وان لم يجروا نحو علامة عليه تعالى واطراده في لسان حملة الشريعة دليل على أن الإذن في الإطلاق صادر، وقد يطلقونها على ما يرادف الماهية. قوله: (يوم منصوب بتودّ الخ) في ناصبه وجوه منها أنه قدير، ولا يرد عليه تقييد قدرته بذلك اليوم لأنه إذا قدر في مثله علم قدرته، في غيره بالطريق الأولى، ومنها أنه منصوب بالمصير أو يحذركم أو باذكر مقدرا فيكون مفعولاً به، ومنها ما ذكره المصنف رحمه الله تبعا للزمخشرقي أنه منصوب بتودّ وضمير بينه لليوم، ومعناه واضح لكنه مبنيّ على أمر اختلف فيه النحاة، وهو إذا كان الفاعل ضميرا عائدا على ما اتصل به معمول الفعل المتقدم نحو غلام هند ضربت هي أي هند وقوله: أجل المرء يستحث ولا يد ري إذا ما ينعي حصول الأماني ففاعل يستحث ضمير المرء المضاف إليه أجل المنصوب، وما نحن فيه مثله فجوّزه الجمهور ومنعه بعضهم لأنّ عود الضمير يقتضي لزومه ونصبه ويجعله فضلة يصح الاستغناء عنه وفيه نظر، وتجد يجوز أن تكون الناصية لمفعولين ثانيهما محضراً وأن تكون بمعنى تصيب فمحضرا حال، وجوّز في ما الموصولية، وهو الراجح والشرطية والمصدرية، واحضاره إمّا بإحضار صحفه أو جزائه. قوله: (بينها وبين ذلك اليوم) قيل الظاهر عوده على ما علمت لقربه، ولأنّ اليوم أحضر فيه الخير والشرّ والمتمني بعد الشرّ لا ما فيه مطلقا، ورذ بأنه أبلغ لأنه يودّ البعد بينه وبين اليوم مع ما فيه من الخير لئلا يرى ما فيه من السوء، والمعنى كل ما علصت من خير محضر أو ما علمت من سوء محضرا فيكون من العطف على المفعولين وحذف الثاني اختصارا بقرينة ذكره في الأوّل وهو جائز كم صرح به في الدرّ المصون، وقيل: إنه كقولك علمت زيدا فاضلاً وعمراً فليس من باب الاقتصار على المفعول الأوّل وليس بشيء لأنه مثل زيد قائم وعمرو وهو مما حذف فيه الخبر كما صرحوا به فيلزم الاقتصار ضرورة وأما الفرق بين المبتدأ والمفعول في هذا الباب فوهم، وجوّز أن يكون توذ مفعولاً ثانياً وأن تكون متعدية لواحد فلا حذف، وعلى تقدير اذكر ففي ما علمت وجهان إما مبتدأ خبره جملة توذ أو

معطوفة على ما الأولى وتوذ إمّا مستأنف أو حال من ضمير عملت لقربه لا من نفس ولا يرد عليه أنه تخصيص للعمل، والمقام لا يناسبه لأنه ليس القصد التخصيص بل بيان سوء حالهم وحسرتهم ولا بأس فيه. قوله: (ولا تكون ما شرطية لارتفاع توذ الخ! عليه اعتراض مشهور، وهو إنه إذا كان الشرط ماضياً والجزاء مضارعا جاز فيه الجزم والرفع من غير تفرقة بين أن الشرطية وأسماء الشرط وما قيل ولا يمتنع إطباق القراء على أحد الجائزين وان كان مرجوحا، وما يقال المراد الارتفاع على وجه اللزوم ليس بشيء لأنّ اللزوم إنما هو من جهة أنه ورد كذلك ولا مجال لتغيير النظم كما لا مجال لتغيير ما ورد فيه من الشعر وأجيب بأنه شاذ بحيث لم يوجد إلا في قوله: وان أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم وهو غير مسلم لأنه ورد كثيرا في كلام العرب حتى اذعى بعض المغاربة أنه أحسن ص الجزم وأنشد له أبو حيان رحمه الله تعالى شواهد كثيرة منها قوله: أن يسألوا الخيريعطوه وإن خبروا في الجهد أدرك منهم طيب الخبر والشاهد في الشرط الثاني فإنّ جوابه أدرك وهو مضارع مرفوع لا في الأوّل حتى يقال إنه سهو لأنه مضارع مجزوم بحذف النون فيهما كما توهم، وفي المغني أن الزمخشري امتنع من تخريجه على رفع الجواب مع مضي الشرط وقد صرح في المفصل بجواز الوجهين في نحو إن قام زيد أقوم لكنه لما رأى الرفع مرجوحا لم يستسهل تخريج القراءة المتفق عليها عليه يوضح لك هذا أنه جوّز ذلك في قراءة شاذة مع كون فعل الشرط مضارعا لتأوّله بالماضي، أعني قوله: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ} [سررة النساء، الآية: 78] برفع يدرك لأنه في معنى أينما كنتم وقد ظنه كثير تناقضاً منه والصواب ما بينا لك وفيه نظر يعلم مما سلف. فوله: (وقرئ وذت حأشية الشهأب / ج 3 / م 3 الخ) وعليها ارتفع مانع الارتفاع لكن الحمل على الموصولية أولى لكونها أوفق بقراءة العامّة، وأجرى على سنن الاستقامة لأنه كلام لحكاية الحال الكائنة في ذلك اليوم فيجب أن يحمل على ما يفيده الوقوع ولا كذلك الشرطية على أنها تفيد الاستقبال، ولا عمل سوء في استقبال ذلك اليوم وهذا لا ينفي الصحة لأنها وان لم تدل على الوقوع لا تنافيه وحديث الاستقبال يدفعه تقدير، وما كانت عملت كما في نظائر له كذا قال النحرير: وقال إنّ في صحته كلاما لأن الجملة على تقدير الموصولية حال أو عطف على تجد والشرطية لا تقع حالاً ولا مضافا إليها الظرف فلم يبق إلا عطفها على (اذكر) وهو بتقدير صحته مخل بالمعنى وهو كون هذه الحالة والودادة في ذلك اليوم، ولا محيص سوى جعلها حالاً بتقدير مبتدأ أي وهي ما عملت من سوء تود، وفي قوله الحمل على الابتداء والخبر إشعار بأنها لو جعلت شرطية لم تكن في موقع المبتدأ بل المفعول كما في قولك ما تصنع أصنع لأنّ عملت لم تشتغل بضميره بل بقي مسلطا عليه كما يعلم من معرفة أحوال أسماء الشرط والاستفهام وصدارتها قلت: ولا يخلو هذا الكلام من تكلف واهمال وما ذكروه من دعاوى أكثرها بلا برهان فإنهم أعربوا أن الوصلية مع جملتها على الحالية، ولم ينص النحاة على منع الإضافة إليها نعم لا مجال للشرطية هنا بحسب الصناعة والمعنى لأنه لا مفعول لتجد حينئذ إذ لا يصح عمله في اسم الشرط ولا فيما بعده لصدارته والمعنى على تعلقه بما بعده ولا وجه له غير العمل فيه ففيه تفكيك للنظم المرتبط، وحل لما عقد من غير داع وحديث الاستقبال لا يرد رأسا إذا لم يتعلق به حتى يحتاج إلى التأويل فتأمل. قوله: (كرر للتوكيد والتذكير) هذا بحسب الظاهر، وقال النحرير: الأحسن أنه ذكر أوّلاً للمنع عن موالاة الكافرين، وثانيا: للحث على عمل الخير والمنع عن عملى السوء، وقوله: إشارة الخ يعني أنّ رأفته أمّا بنفس تحذيره لمنعه لهم به وهو نوع من اللطف فيكون تتميما لما قبله أو بغيره فيكون مريدا لهم الخير مع وعيده فكيف مع وعده ورضاه كما في قوله تعالى إن الله لذو مغفرة وذو عقاب فهو تكميل كما في الكشاف وشروحه. قوله: (المحبة ميل النفس الخ) ذهب عامة المتكلمين إلى أنّ المحبة نوع من الإرادة وهي لا تتعلق حقيقة إلا بالمعاني والمنافع فيستحيل تعلقها بذاته تعالى وصفاته قإذا قيل إن العبد يحب الله فمعناه يحب طاعته

وخدمته أو ثوابه واحسانه وأمّا محبة الله العباد فعبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليهم، وهما مجاز من باب إطلاق الملزوم على اللازم أو استعارة تبعية شبه إرادة العباد اختصاصه تعالى بالعبادة، ورغبتهم فيها بميل قلب المحب إلى المحبوب ميلا لا يلتفت إلا إليه وقد اغتز بهذا صاحب الكشاف حتى طعن على من اذعى محبة ذات الله بما لا يليق صدوره عن عاقل، وأمّا العارفون فقالوا: إنّ العبد يحب الله لذاته وأمّا محبة ثوابه فدرجة نازلة قال الغزالي رحمه الله تعالى: المحبة عبارة عن ميل النفس إلى الشيء المستلذ فإذا قوي ذلك سمي عشقا، والبغض نفرة الطبع عن المؤلم فإن زاد سمي مقتا ولا يظن أن الحب مقصور على المحسوس وهو سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب لأنه عليه الصلاة والسلام سمى الصلاة قرّة عين وجعلها أبلغ المحبوبات وليس للحواس فيها حظ بل جس البصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر، القلب أشد إدراكا من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار فيكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي يجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما فيه إدراك لذة فلا ينكر حب الله إلا من قيده القصور في مربط البهائم، نعم هذا الحب يستلزم الطاعة كما قال الورّاق رحمه الله: تعصي الإله وأنت تظهرحبه هذالعمري في القياسم! بديع لوكان حبك صادقالأطعته إن المحب لمن يحب مطيع وهذا معنى قول المصنف بحيث يحملها الخ فإنه يشير إلى أن ما ذكره المتكلمون نظرا إلى الظاهر، والتفاسير المذكورة في كلامهم كالإرادة تفسير باللازم، وقوله من الله أي حدوثه منه وبالله أي بقاؤه به وإلى الله أي مآله ومرجعه إليه، والحب لله أي لأجله أو المختص به وفي الله أي مرضاته وهما متقاربان وهو إشارة إلى مرتبة الحب الصرف الذي لم يمتزج مشربه في زجاجة كأنها كوكب درّي، وهي التي بها العقول سكارى وما هي بسكارى: على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له منهانصيب ولاسهم والقطرة تغني عن الغدير. قوله:) جواب للأمر الخ) والكلام في إن جازمه الأمر أو الشرط المقدر معروف في النحو فالمراد بالمحبة الرضا لأنه يلزمها فهو استعارة لغوية أو مشابه لها لأن من رضي بشيء كأنه استلذه، والمشاكلة ظاهرة والتجاوز عما فرط معنى المغفرة فقوله: عبر عن ذلك أي الرضا لا جميع ما تقدم فتسمح اتكالاً على ظهور المراد أو لأن الرضا مستلزم له فكأنه غير مغاير له ومعنى يبوّئه ينزله وقوله: لمن تحبب إليه هو مقتضى السياق، وقوله: على عهده أي في حياته، وعلى احتمال المضارعية في تولوا أصله تتولوا على الخطاب، وحيسئذ يحتمل أن يكون داخلاً تحت القول قوله: (يرض عنهم ولا يثني عليهم الخ (لما كان رضا الله دعاء وثناء متضمنا لأنواع اللطف والجميل أجمل به ما مضى في قوله ويكشف الحجب الخ فلا يقال الأحسن أن يقال فلا يكشف الحجب عن قلوبهم بالتجاوز عما فرط منهم ولا يقربهم من جنات عزه وجوار قدسه. قوله: (وإنما لم يقل الخ) دلالته على العموم لأن الكافرين يشمل من تولي ويفهم منه أن التولي كفر لاندراجه فيه وان نفي المحبة عنهم لذلك لتعليقه بالوصف المشعر بالعلية ونفي المحبة عنهم يقتضي الحصر في ضدهم، وقيل عليه إن جعل إن الله لا يحب الكافرين جزاء لا يصح تصد العموم لأن تولي طائفة خاصة لا يصير سبباً لعدم محبة جميع الكافرين، بل سبب عدم محبة كل أحد توليه وإن جعل دالاً عليه وقائما مقامه فتقدير الكلام إن تولوا فإن الله لا يحبهم لأنه لا يحب الكافرين فليس من وضع الظاهر موضع المضمر حتى يحتاج إلى نكتة وهذه مغالطة، لأن المراد بالكافرين من تولى فتسببه ووضعه موضع الضمير ظاهر، والعموم إنما هو بحسب التعبير المذكور بقطع النظر عن المراد لأنه إذا لم يحبهم لكفرهم دل على أنه لا يحب كل من هو كذلك. قوله: (بالرسالة والخصائص الخ (ذكر آل عمران بعد آل إبراهيم

مع دخولهم فيهم لبيان أنهم مقصودون هنا بالذات إذ السورة نزلت لبيان فضلهم لا لكونهم أشرف لدخول نبينا صلى الله عليه وسلم في آل إبراهيم، وفي كلامه إشارة إلى أن المقصود بمن ذكر جميع الرسل لا خصوص من خص بالذكر، ووجه الاستدلال المذكور أن العالمين شامل لجميع المخلوقات فإذا اختار هؤلاء عليهم اقتضى تفضيلهم، والتأويل خلاف الظاهر، وقوله: وكان بين العمرانين يعني عمران أبا موسى وعمران أبا مريم وعمران المذكور في النظم يحتملها، ورجح في الانتصاف القول الثاني بأن السورة تسمى آل عمران ولم تثرح قصة عيسى عليه الصلاة والسلام ومريم في سورة أبسط من شرحها في هذه السورة، وأمّا موسى وهارون فلم يذكر من قصتهما في هذه السورة طرف فدل ذلك على أن عمران المذكور ههنا هو أبو مريم انتهى. قوله: (حال أو بدل الخ) اختلف في إعراب نصبه فقيل على البدلية من آدم، وما عطف عليه وهذا إنما يتأتى على قول من يطلق الذرية على الآباء والأبناء لأنه من الذرء بمعنى الخلق والأب ذرئ منه الولد والولد ذرئ من الأب، وبه صرح الراغب وغيره فلا يرد عليه قول أبي البقاء إنه لا يصح أن يبدل من آدم لأنه ليس بذرية، وقيل بدل من نوج وما بعده، وقيل بدل من الآلين لأنّ المتبادر من الذرية النسل، ولذا اقتصر المصنف رحمه الله على هذين القولين لما فسر الذرية به، وقس عليه الحالية، وقوله: ذرية واحدة الوحدة مستفادة من التاء ومن ابتدائية على الأوّل اتصالية على الثاني أو هي اتصالية فيهما، وعلى الثاني يكون كقوله: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} [سورة التوبة، الآية: 67] . قوله: (والذزية الولد الخ) فيه أقوال فقيل منسوب إلى الذز بالفتح والضم لتغيير النسب بمعنى الخلق أو البث لأنه تعالى خلقها وبثها، أو بمعنى صغار النمل لإخراجهم ست صلب آدم عليه الصلاة والسلام على هيئتها واختاره الزجاج وقيل أصلها ذرّورة فعولة منه فأبدلت الراء ياء ثم قلبت الواو ياء أيضاً وأدغمت كأحد الوجوه في سرية ولو جعلت من الذر ولكان أنسب وقيل إنه من ذراً الخلق مهموزاً والتزم تخفيفه كما في البرية، قال: في الكشف الأول أصح ومعنى التفريق والبث أظهر وفعوله بتشديد العين. وقوله: (بأقوال الناس الخ الف ونشر، والتعميم من حذف المتعلق، والتخصيص بقرينة السياق. قوله:) فينتصب به إذ) أي بسميع عليم على التنازع أو بسميع، ولا يضر الفصل بينهما بالأجنبي لتوسعهم في الظروف، وحنة بفتح الحاء المهملة ونون مشذدة وتاء تأنيث اسم عبراني، ثم ذكر أن مريم اثنتان كعمران وتوله: فظن أن المراد زوجته أي المراد بامرأة عمرإن في الآية أمّ مريم هذه وزوجته وفي نسخة أنه المراد وزوجته. قوله: (وتردّه كفالة زكريا) أي يردّ هذا القول قوله تعالى، وكفلها زكريا فإن زكريا في عصر عمران بن ماثان لا عمران بن يصهر وتزوّج زكريا إيشاع بنت عمران بن ماثان أخت مريم فيكون عيسى أبن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة لأب كما ورد في الحديث الصحيح، دمانما كانتا لاًب لأنهما بنتا عمران لكن مريم من حنة وايشاع من غيرها لما ذكر أنّ حنة كانت عاقرا حتى صارت عجوزا، ثم حملت بمريم وايشاع كانت أكبر سنا من مريم لكن ما سيأتي من أن زكريا قال: أنا أحق بها عندي خالتها يدل على أنها خالتها فمنهم من وفق بينهما بان حنة وإيشاع بنتا فاقوذا فمريم بنت أخت إيشاع وبنت الأخت يطلق عليها أخت إطلاقاً متعارفا فيكونان ابني خالة مجازا، ومنهم من قال: كان عمران تزوّج أم حنة فولدت له إيشاع وكانت حنة ربيبته فتزوّجها، وكان ذلك جائزا في شريعتهم فولدت مريم فتكون إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها أيضاً لكن أورد عليه أنّ الأوّل مجرذ احتمال لا رواية فيه والثاني لا يصح مع قوله إن إيشاع بنت عمران. قوله: (روي أنها كانت عاقرا) أي حنة وخدم بفتحتين جمع خادم كتبع، وهو جمع نادر، ونذر تحرير الأولاد في شرعهم مخصوص بالذكور وبعد هذه القصة جاز بالبنات أيضا فما في بطني بمعنى إن كان ذكرا على تقدير العرف، وتعيينه فيه أو أنها طلبته، ودعت أن يكون ذكرا فيكون المعنى رب إني نذرت لك ما في بطني فاجعله ذكرا على حدّ أعتق عبدك عني، وقيل: إنّ هذه الرواية تنافي ظاهر النص يعني قوله رب إني نذرت لك ما في بطني فلذا

مرّضه بقوله: روي وهو مدفوع بان المراد كنت نذرت أو نذرت ما سيكون في بطني. قوله: (محرّرا معتقاً الخ) التحرير من الحرّية وهي ضربان أن لا يجري عليه حكم السبي، وأن لا تتملكه الأخلاق الرديئة والرذإئل الدنيوية والى هذين المعنيين أشار المصنف، وهما! سيران مرولان عن السلف، وقد أشار إلى هذا الراغب رحمه الله، فما قيل إن الأوّل من التحرير بمعنى الإعتاق، والثاني من تحرير الكتاب لتقويمه لأنّ جعله مخلصاً للعبادة تقويم له تكلف لا حاجة إليه، والحالية إمّا من ما أو من الضمير في الطرف وهي حال مقدرة على الثاني قيل ويحتمل المصدرية. قوله: (الضمير لما في بطنها وتأنيثه الخ) في الكشاف لأنّ ما في بطنها كان أنثى في علم الله قال: الشارح المحقق يعني لما علم المتكلم أنّ مدلول ما مؤنث جاز له تأنيث الضمير العائد إليه وان كان اللفظ مذكراً هذا في قوله فلما وضعتها، وأمّا في قوله: حكاية رب إني وضعتها أنثى فقد يوجبه بأنّ تأنيث الضمير ههنا ليس باعتبار العلم بل باعتبار أن كل ضمير وقع بين مذكر ومؤنث هما عبارتان عن مدلول واحد جاز فيه التذكير والتأنيث نحو الكلام يسمى جملة وأنثى حال بمنزلة الخبر فأنث الضمير العائد إلى ما نظر إلى الحال من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو، وفيه نظر لأنها حال مؤكدة كم قال المعربون: وأيضاً فإنه إذا كان المقصود التحسر لا يتوجه ما ذكر أصلا فكأنه قيل وضعت ما في البطن أنثى كما أنّ فإن كانتا اثنتين لا لغو فيه لأنّ ضمير كانتا لمن يرث وإنما ثنى نظرا إلى الخبر ومن لم يفرق بين الموضعين زعم أن تأنيث الضمير بناء على العلم بكونه أنثى فلا يتوجه حينئذ أنه باعتبار الحال. وقوله: (أو على ثأويل مؤنث الخ) يعني يؤوّل بمؤنث لفظي يصلح للمذكر والمؤنث كالحبلة بفتحتين وهي النتاح فلا يشكل تأنيثه ولا يلغو ذكر أنثى. قوله: (وإنما قالته تحسر الخ (جواب سؤال تقديره إنّ الإخبار إمّا للفائدة أو لازمها وعلم الله محيط بهما فأيّ فائدة في هذا الإخبار فقيل إنما يلزم ما ذكر إذا كان الإخبار للمخاطب وهذا إخبار للمتكلم يعرض حاله ويحسره عليه تعالى فإن قلت كما أنه يلغو الخبر لاستغناء المخاطب عن الإفادة يلغو الكلام مع قصد التحسر لعلم المخاطب بكونه متحسراً قلت أجيب بأنّ الكلام لإنشاء التحسر وبالتلفظ به يصير المتكلم متحسراً وليس لإفادة التحسر، وفرق بين إحداث الشيء وإفادته، ويحتمل أنه لتحقير محررة استجلاباً للقبول لأنه من تواضع لله رفعه. وقد قال الإمام المرزوقي: إنه قد يرد الخبر صورة لأغراض سوى إخبار كما في قوله: قومي هم قتلوا أميم أخي فإن هذا الكلام تحزن، وتفجع وليس بإخبار فقوله: ليس! بإخبار هو الدافع للسؤال فلا حاجة إلمى شيء آخر لأنه ما لم يلتزم هذا يرد أن دلالته على التحسر لا بد أن تكون كناية أو مجازا، والكلام الخبريّ سواء كان حقيقة، أولاً لا بد فيه من أحد الأمرين الفائدة أو لازمها وهما مفقودان هنا فيعود السؤال فتأمّل، وقوله: وهو استئناف أي مقطوع عما قبله فليس معطوفاً فلا ينافي كونه اعتراضا كما سيأتي، وقوله: تعظيماً لموضوعها أي المولود الذي وضعته، يعني ليس المراد الردّ عليها في إخبمار الله بما هو أعلم به كما يتراءى من السياق، وما موصولة والعائد محذوف تقديره ما وضعته، وأمّا كون ما وضعت عبارة عن أم مريم أي هو أعلم بحالها من التحزن والتحسر فلا وجه له وجزالة النظم تأباه، وقوله: على أنه من كلامها فليس للتجهيل بل لنفي العلم لأنّ العبد ينظر إلى ظاهر الحال، ولا يقف على ما في خلافه من الإسرار. قوله: (بيان لقوله والله أعلم الخ) وذلك أنّ توله تعالى: {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} الخ وارد لتفخيم المولود وتفضيله على الذكر بمعنى أنه قد تعورف بين الناس فضل الذكر على الأنثى، وألله هو الذي اختص بعلمه لفضل هذه الأنثى على الذكر فكان قوله: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} بياناً لما اشتمل عليه الأوّل من التعظيم، وليس بيانا لمنطوقه حتى يلحق بعطف البيان الممتنع فيه العطف، واللام فيهما للعهد أمّا التي في الأنثى فلسبق ذكرها صريحا في قولها إني وضعتها أنثى والتي في الذكر فلقولها إني نذت الخ إذ هو الذي طلبته، والنحرير لا يكون إلا للذكر. قوله: (ويجوز أن يكون من قولها بمعنى وليس الذكر والآنثى سيان) وفي ليس ضمير الشان، ولذا رفع سيان وفي نسخة سيين وهو ظاهر وكون اللام على

هذا للجنس لأنه لم يقصد خصوص ذكر وأنثى بل المراد أنّ هذا الجنس خير من هذا كقولهم الرجل خير من المرأة ويؤيد كونه من كلامها عطف قولها: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} قال في الانتصاف أورد على هذا الوجه أن قياس كونه من قولها أن يقال وليس الأنثى كالذكر فإن مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر، والعادة في مثله أن ينفي عن الناقص شبهه بالكامل لا العكس، وقد وجدت الأمر في ذلك! ختلفاً ولم يتبين لي تعين ما قالوه ألا ترى إلى قوله تعالى: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء} [سورة الأحزاب، الآية: 32] فنفي عن الكامل شبه الناقص لأنّ الكمال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ثابت بالنسبة إلى عموم النساء، وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران ومنه أيضاً أفمن يخلق كمن لا يخلق انتهى. (قلت) : إذا دخل نفي بلا أو غيرها أو ما في معناه على تشبيه مصرح بأركانه أو ببعضها أحتمل معنيين تفضيلى المشبه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه بكذا لأن وجه الشبه فيه أولى وأقوى كقولك ليس زيد كحاتم في الجود، ويحتمل عكسه بأن يكون المعنى أنه لا يشبه به لبعد المسافة بينهما كقول العرب ماء ولا كصدى مرعى ولا كالسعدان فتى ولا كمالك وقوله: طرف الخيال ولا كليلة مدلج ووقع في شروح المقامات وغيرها أن العرب لم تستعمل النفي بلا على هذا الوجه إلا للمعنى الثاني وإن استعماله لتفضيل المشبه من كلام المولدين حتى اعترضوا على قول الحريري: في قوله في مقاماته غدوت ولا اغتداء الغراب، وما يشبهه كقوله في خطبة التلويح نال حظا من الاشتهار ولا اشتهار الشمس نصف النهار أي، ولا مثل ذلك فحذف مثل المنصوبة بلا وأقيم المضاف إليه مقامها وأراد أن اغتداءه كان قبل اغتداء الغراب الذي هو أكثر الطير بكورا، وهذا وأمثاله في هذا الكتاب معناه أن المشبه أقوى من المشبه به ولم يأت هذا عن العرب كما مر مثاله، وليس مذهبهم في ذكر لا بين المشبهين وإنما هو من كلام العامة، ووقع مثله في مقامات البديع، وما نقله المحشي مبنيّ على هذا فأشار إلى أنه ليس بلازم كما ورد في الآيات المذكورة، ومما أورده الثعالبي من خلافه في كتابه المنتخب فلأن حسن، ولا القمر وجواد ولا المطر على أنه لو سلم ما ذكروه فالمعاني لا حجر فيها على أنّ ما ورد في النفي بلا المعترضة بين الطرفين، لا في كلى نفي وهذا من نفائس المعاني التي ينبغي حفظها، ولم أر من صرح به حتى وقع في بعض حواشي التلويح فيه خبط لعدم الضبط وقيل قول المصنف ليس الذكر والأنثى سيان إشارة إلى أن التشبيه ليس لإلحاق الناقص بالكامل والا ينبغي أن يقال: وليس الأنثى كالذكر بل للتشابه، والمراد نفي المساواة واللام للجنس على هذا التوجيه لأنها تريد ليس جني الأنثى كالذكر في خدمة بيت المقدس، وعلى الوجه الأوّل هذه الجملة معترضة من متكلم آخر نحو قلت: ضربت زيدا ونعم ما فعلت وبكراً وخالدا بخلافه على هذا أو هما كلام متكلم واحد بالنظر إلى الحكاية لا المحكي فتأمّل. قوله: (وإنما ذكرت ذلك لربها تقرباً لخ (يفهم التقرب من كون مريم بمعنى عابدة، وفهم التغاير ظاهر لتغاير المفعولين، وقد مرّ لمريم معنى آخر وقد سبق أنها معرّبة مارية بمعنى جارية وهو أصح عندي. قوله: (أجيرها بحفظك الخ (أصل العوذ كما قاله الراغب رحمه الله: الالتجاء إلى الغير والتعلق به يقال عاذ فلان بفلان إذا استجار به، ومنه أخذت العوذة وهي التميمة والرقية والرجيم المرجوم استعمل في لازم معناه وهو المطرود وما ذكره من الحديث رواه الشيخان فقوله في الكشاف: الله أعلم بصحته فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [سورة الحجر، الآية: 40] واستهلاله صارخا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول هذا ممن أغويه ونحوه من التخييل قول ابن الرومي: لماتؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد وأما حقيقة المس النخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطاً مما يبلونا به من نخسه انتهى، يريد أنه من التخيلات الادّعائية وليست كذلك في الواقع، وقد استعمله ابن الرومي على نهج حسن التعليل فالاستهلال صارخا أي الابتداء به واقع عنده، والمس

تخييل ليس بشيء أما تردده في الحديث فظاهر البطلان لما ذكرنا وأما تأويله بما ذكر فقد اتفق أهل الأثر على خلافه وان تابعه المصنف، وما ذكره من امتلاء الدنيا صراخا وهم فاسد لكن أشار إلى أنّ الحديث ليى على عمومه وأنّ أوّل بدليل الآية التي تلاها ولا ينافيه الحصر لأنه قد يكون باعتبار الأغلب أو يقدر له ما يخصصه فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم منه أبضا حتى لا يلزم تفضيل عيسى صلى الله عليه وسلم في هذا ال! عنى، ويؤيده خروج المتكلم من عموم كلامه كما روى الجلال في البهجة السنية عن عكرمة قال لما ولد النبيّ صلى الله عليه وسلم أشرقت الأرض نوراً فقال إبليس: لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا فقالت له جنوده: لو ذهبت إليه فخبلته فلما دنا منه ركضه جبريل عليه الصلاة والسلام، فوقع بعدن فما قيل لا يبعد اختصاصهما بهذه الفضيلة دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا وجه له. وقال السهيلي رحمه الله: شق صدره في حال طفوليته وشق الملكين قلبه، واخراج علقة سوداء، وتولهما إنه مغمز الشيطان الحديث لا يدل على فضل عيسى عليه الصلاة والسلام على نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه خلق مكملا في القوى البشرية ثم نزع منه ذلك وملئ حكمة وإيماناً بعد غسله بالثلج والبرد وللإمام السبكي فيه كلام نفيس تعرض له ابنه في طبقاته، وقوه: حين يولد أي حين تمت ولادته وقوله يولد للاستمرار مع قطع النظر عن المضيّ والاستقبال وقيل: إنه بمعنى ولد ليصح استثناء مريم وابنها فعبر عن الماضي بالمضارع لحكاية الحال فتأمل، ومعنى قوله: تخييل أنه استعارة تمثيلية شبه حال الشيطان في قصد الإغواء بحال من يمس الشيء باليد ويعينه لما يريد به كما سيأتي في نحو قوله: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [سورة الزمر، الآية: - 67] . قوله: (فرضي بها الخ (فسر القبول للنذر بالرضا إشارة إلى تشبيه النذر بالهدية، ورضوان الله بالقبول، وقوله: أي بوجه حسن إشارة لتوجيه دخول الباء فإنه يرد عليه أنه مصدر ويجب نصبه بان يقال تقبلها قبولاً ولذا جعل بعضهم الباء زائدة فبين أن فعولاً يكون للآلة التي يفعل بها الفعل كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلد فليس مصدرا هنا حتى يدعي زيادة الباء، والنذائر جمع نذيرة بمعنى منذورة، والتاء كتاء النطيحة، وهو ضمير عائد لوجه، وقوله: أو تسلمها مصدر معطوف على إقامتها وتفسير آخر للوجه، والسدانة مصدر بمعنى الخدمة، وقوله: روي الخ بيان للتسلم المذكور، وقوله: وصاحب قربانهم هو من تسلم له ليصفها وتنزل النار فتأكلها كما كان ذلك لهم ولذلك ورد في وصف أمة محمد صلى الله عليه وسلم قربانهم دماؤهم أي الذبح لا أكل النار، وقوله: عندي خالتها مر ما فيه، وطفا بمعنى علا على الماء، وضده رسب. قوله: (ويجوز أن يكون مصدرا الخ) أي هو مصدر على تقدير مضاف أي رضي بها ملتبسة بأمر ذي قبول ووجه ذي رضا وهو ما يقيمها مقام الذكور لما اختصت به من الإكرام، وهو جواب آخر، ثم جوز أن يكون تفعل بمعنى استفعل كتعجل بمعنى استعجل أي واستقبلها وتلقاها وهذا جواب آخر، قال ابن المنير في تفسيره: فيكون القبول عبارة عن أوله واستقباله وتقبلها بمعنى استقبلها بأوّل وهلة من ولادتها وأظهر الكرامة فيها حينئذ، وفي المثل خل الأمر بقوابله أي بأوائله انتهى، وقوله: ويجوز أن يكون مصدراً جواب ثالث. قوله: (مجارّ عن تربيتها الخ (أي هو استعارة أو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم فإنّ الزارع لا يزال يتعهد زرعه بسقيه وحمايته عن الآفات وقلع ما يخنقه من النباتات، وقوله: على أنّ الفاعل هو الله أي الضمير العائد على اسم الله وهو الرب، وليس مراده على لفظ الجلالة المفهوم من الكلام حتى يقال إنه لا حاجة إليه مع أنه خلاف الظاهر وزكريا فيه لغات المد والقصر وزكرى بترك الألف ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وقيل لألف التأنيث. قوله: (المحراب أي الغرفة (لم يعطف على ما قبله لأنه بيان لقبولها، وذكر للمحراب معاني المشهور منها الأخير، ولذا اقتصر عليه أخيراً في قوله: كأنها الخ، قال: في الدر المصون هذه معان للمحراب من حيث هو وأمّا في الآية فلا خلاف في أنه المحراب المتعارف وأصله مفعال صيغة مبالغة كمطعان فسمي به المكان لكثرته فيه، وقيل: إنه يكون اسم مكان واليه يميل كلام المصنف رحمه الله وكونه من المحاربة لمحاربة الشيطان فيه أو لتنافس الناس عليه ولبعض المغاربة في المدج:

جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب قوله: (جواب كلما وناصبه الخ (وجد بمعنى أصاب ولقي متعد لواحد وهو رزقا وكل منصوب على الظرفية لإضافته إلى ما الظرفية المصدرية وصلتها دخل والعامل فيها الجواب بالاتفاق لأنّ ما في حيز المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا يجري فيها الخلاف المذكور في أسماء الشروط ومن الناس من وهم فقال: إن ناصبه فعل الشرط، وادعى أنه الأنسب معنى فزاد في الطنبور نغمة. قوله: (من أين لك هذا الررّق الخ) تقدّم الكلام في أين وكونه كرامة ظاهر لأنّ مريم لا نبوة لها على المشهور، وأما كون هذه العبارة تقتضي الاشتباه وهو ينافي كونه معجزة فبناه على الظاهر، وفيه نظر لأنه يجوز أن يكون لإظهار ما فيها من العجب بتكلمها ونحوه وسيذكر هذه العبارة بعينها في الحديث الذي بعده، ولا اشتباه فيه. قوله: (قيل تكلمت صغيرة الخ) الذين تكلموا في المهد أحد عشر نظمهم الجلال السيوطي رحمه الله تعالى في قوله: تكلم في المهد النبيّ محمد ~ ويحيى وعيسى والهخليل ومريم ومبري جريج ثم شاهد يوسف ~ وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مرّ بالأمة التي ~ يقال لها تزني ولا تتكلم وماشطة في عهد فرعون طفلها ~ وفي زمن الهادي المبارك ص يختم قوله: (بغير تقدير) هو إمّا بمعنى بيان المقدار أو التقييد فإنه يرد بمعناه، وقوله: أو بغير استحقاق هو مجاز لأنه لو كان بالاستحقاق لكان كل رزق في مقابلة عمل فيستلزم الحساب، حعنى التعداد وقوله: (روي الخ) أخرجه أبو يعلى في مسنده وبضعة بفتح وكسر بمعنى قطعة وقرله:) قرجع الخ) أي أرسلها إليها أو أخذها ورجع به مغطاة، وهلمي بمعنى أقبلي وفي الكلام تقدير أي فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام الخ. قوله: (في ذلك المكان الخ) قدمه لأنه المعنى الحقيقي المعروف فيها، وقيل إنها وثمّ بالفتح والتشديد مع كونهما للإشارة إلى المكان " ردا للزمان مجازاً كحيث، وذهت الزجاج إلى أنها مستعارة للجهة والحالة كما تستعار حيث ا! ابتنزيلها منزلتها، وكون الفواكه في غير أوانها لأن فاكهة الصيف في الشتاء وعكسه كما مر،، ير تعدية انتبه بعلى تسمح، ووجه التنبه أنّ الولد كالثمرة والعقر كذهاب إبانه قيل وكذا تكلمها! غير أوانه وقوله: {يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} وقوله: مجيبة فسر السميع بالمجيب لأنّ السمع ورد بمعنى القبول كثيرا. قوله: (أي من جنسهم الخ) يعني أنه أطلق الجمع المعرّف على الجنس الشامل للواحد كقولهم يركب الخيل لمن له فرس وكذا هنا المنادي واحد، وهو جبريل عليه الصلاة والسلام. قوله: (ويحيى اسم أعجمي) هذا هو الصحيح وأمّا كونه منقولاً من الفعل فقول ضعيف، واحتمال أنه منقول من فعل فيه فاعل مستتر حتى يكون جملة محكية تكلف مستغنى عنه، وقوله: على إرادة القول الخ هما مذهبان في النحو للبصريين والكوفيين مشهوران. قوله: (بعيسى عليه الصلاة والسلام الخ (سمى عيسى كلمة لأنه وجد بأمركن من دون تناسل كما يسمى نحوه عالم الأمر والمراد بالكتاب الإنجيل فسمي كلمة كما تسمى القصيدة الطويلة كلمة، والحويدرة تصغير الحادرة بالمهملات وهو لقب شاعر جاهلي اسمه تطبة بن محصن بن خرول، وأصل معنى الحادرة الضخم المنكبين وهي قصيدة عينية معروفة عند الرواة مشهورة بالبلاغة. قوله: (يسود قومه ويفوقهم الخ) أصل معنى السيد من يسود قومه ويكون له أتباع ثم أطلق على كل فائق في دين أو دنيا، وورد في الحديث إطلاقه على الله. قوله: (مبالغاً (الحصور من الحصر وأصله المنع، ويطلق على كل من لا يدخل في الميسر فلذا استعمل فيما ذكره وقوله: ناشئاً منهم فمن للابتداء وان كان بمعنى من جملتهم ومعدوداً فيهم، فللتبعيض، ومعناه على الأوّل ذو نسب وعلى الثاني معصوم فلا يلغو ذكره بعد نبياً ومنهم من فسر الحصور بالذي لا يميل إلى النساء واستدل به على فضل العزوبة على التزوّج. قوله: (استبعاداً من حيث العادة الخ) ومع قوله: من حيث العادة لم يبق وجه لما قيل لا وجه للاستبعاد مع أنّ قدرة الله واضحة وكذا لا حاجة للتعجب، وقوله: بلغني الكبر أدركني إشارة إلى

إنهما بمعنى في الاستعمال وهما في المجاز من باب واحد، وعاقر كحائض وطامث على النسب فلذا لم يؤنث وأشار إليه بقوله: ذات عقر أي قطع. قوله: (أي يفعل ما يشاء من العجائب الخ) أي إنّ كذلك معمول يفعل مقدم عليه والتقدير كهذا الفعل العجيب يفعل الخ كما مز تحقيقه في وكذلك جعلناكم، وقوله: (كما أنت الخ) هو راجع إلى كونه استفهاما عن كيفية حدوثه أهو بردّهما شابين أم بغير ذلك، وكذلك الله على الابتداء والخبر بمعنى الدوام! الاستمرار كما مز، وقوله: وتزيح بالرفع عطف على أعرف وبالنصب عطف على استقبله. ترله: (أن لا تقدر الخ) إنما فسره به لأنه الظاهر من كونه آية، وأمّا امتناعه مع الغدرة وان قبل له فبعيد هنا، وقيل إنه حبس عقوبة له على السؤال، وقوله: وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال أي أخذ منه وانتزع بأن يكون يناسبه لفظا ومعنى لأنه لما سأل آية لأجل الشكر أجيب لانه أن لا يقدر إلا على الشكر كما قيل لأبي تمام لم تقول ما لا يفهم، فقال: لم لا تفهم ما لقال. قوله: (والاستثناء منقطع الخ) الأوّل هو الظاهر لأنّ الرمز ليس من جنس الكلام أئا لو أؤل الكلام بكل ما يفهم فإنه يكون متصلاً لكنه خلاف الظاهر، ويلزم أن لا يكون استثناء منقطع أصلاً إذ ما من استثناء إلا، ويمكن تأويله بمثله، ورمزا بفتحتين جمع رامز هو من نادر الجمع، وقد حصر في ألفاظ مخصوصة. قوله: (متى ما تلقني الخ) في أمالي ابن الشجري كان عمارة بن زياد العبسي يحسد عنترة على شجاعته، ويظهر تحقيره ويقول لقومه ليتني لقيته خالياً لاريحكم منه وأعلمكم أنه عبد فبلغ عنترة ذلك فقال: أحولي تنفض استك مذرويها لتقتلني فها أناذا عمارا متى ما تلقني فردين ترجف روانف أليتيك وتستطارا وسيفي صارم قبضت عليه أصابع لاترى فيها انتشارا في أبيات أخر، قال: والمد وان جانبا الأليتين، ومن كلامهم ما ينفض مذ رويه إذا جاء يتهدد، وفردس ويروى خلوين حال من المفاعل والمفعول، ويروى برزين أو بارزين، وترجف بمعنى تضطرب، والرانفة طرف الألية التي تلي الأرض من القائم، وأراد بالروانف التثنية لأنه ليس له إلا رانفتان ولذا ثني ضمير تستطار أو تستطارا بمعنى تستخفا وهو مجزوم معطوف على جواب الشرط، وأصله تستطاران وضمير النثنية للروانف لأنه بمعنى الرانفتين كما مرّ، ويحتمل أن يكون منصوباً بعد الشرط، والتاء للخطاب أو لتأنيث الروانف والألف للإطلاق، وقيل: إنها بدل من نون التأكيد الخفيفة. قوله: (وهومؤكد لما قبله الخ (لأنّ المنع عن كلامهم للاشتغال بالذكر والشكر، فإن قلت الإنشاء لا يعطف على الخبر وكذا المبين لا يعطف على المؤكد، قلت قيل: إنه معطوف حينئذ على مقدر أي أشكر وأذكر أو الأمر مؤوّل بالخبر أي أن لا تكلم وتذكر الخ وفيه نظر وقوله: (وتقييد الخ) فيه نظر لأنّ العشيّ والإبكار قيد له ولأنّ الكثرة أخص من التكرار. قوله: (والإبكار (بكسر الهمزة مصدر، وعلى الفتح جمع بكسر كسحر لفظا ومعنى وهو نادر الاستعمال. قوله: (كلموها شفاها الخ) الإرهاص التأسيس من الرهص وهو الساق الأسفل من الجدار والإرهاصات أن يتقدم على دعوى النبوّة ما يشبه المعجزة كإظلال الغمام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكلم الحجر معه وفي كونه معجزة زكريا صلى الله عليه وسلم بعد، إذ لم يقع الكلام معه، ولم تقترن بالتحذي، ودعوى الإجماع على عدم استنباء امرأة ليس بصحيح لأنه ذهب إليه كثير من السلف، ومال السبكي رحمه الله وابن السيد إلى ترجيحه واستدلاله بالآية لا يصح أيضاً لأنّ المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء فإن فسر القول بالإلهام فإسناده إلى الملائكة عليهم الصلاة والسلام خلاف الظاهر وان كان لا منع من أنه يكون بواسطتهم أيضا، ولما تكرّر الاصطفاء في الآية تغاير الاصطفا آين ليظهر له فائدة، وما يستقذر هو الحيض، وقذفها أنهم رموها بيوسف النجار وكان عابداً في بني إسرائيل وفي نسخة قرفته بالقاف والراء المهملة والفاء يقال: فرقت الرجل بكذا، إذا اتهمته. قوله: (أمرت بالصلاة الخ (لما كان الظاهر أن يقال صلى أو فصلى أركان الصلاة وهي القيام المعبر عنه بالقنوت والركوع والسجود، ويؤخر

السجود بين وجهه بأنها أمرت بكل ركن على حدة مبالغة في المحافظة، وقدم السجود لأنه كان كذلك في صلاتهم، وأمّا كونه للتنبيه على أنّ الواو لا تفيد الترتيب فلا يخفى ضعفه لأن الكلام مع من يعلم لا مع من يتعلمه من هذا النظم، وكذا كونه قدم لشرفه، نه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لأنه إنما يتم على القول بأن القيام ليس أفضل منه كما نقل عن الشافعيّ، وكذا الوجه الأخير غير تام إذ لو قيل واسجدي مع الساجدين أو مع المصلين لم يتأت ما ذكره، وفي الكشاف أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة وأركانها ثم قيل لها واركعي مع الراكعين بمعنى، ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة أو انظمي نفسك في جملة المصلين، وكوني معهم في عدادهم، ولا تكوني في عداد غيرهم، ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم وشمجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع فأمرت بأن تركع مع الراكعين، يعني بعد الأمر بالصلاة أمرت بقيد في الصلاة، وهو الجماعة أو بالمواظبة على ذلك بحيث تعد من جملة المصلين وتنسب إليهم أو بحقيقة الركوع والكون مع الذين يركعون لا مع الذين يصلون بلا ركوع، وقوله عليها أي على الصلاة أو الأركان. قوله: (وقيل المراد بالقنوت الخ (قال الراغب رحمه الله: القنوت لزوم الطاعة فلا بقال إنّ الآية لا تدلّ على الإدامة لأنها مفهومة من قوله: آناء الليل والتعبير عن الصلاة بالسجود من التعبير بالجزء عن الكل، والإخبات التواضع. قوله:) أي ما ذكرنا الخ) من القصص بيان لما هو إفا بفتحتين أو جمع قصة وقوله: من الغيوب تفسير لقوله من أنباء الغيب وقوله:) التي لم تعرنها الخ) الحصر مأخوذ من المقام، والأقداح جمع قدح بكسر فسكون وهو سهم يوضع للميسر والقرعة سميت أقلاما من القلم، وهو القطع وهو بيان لإفراد اسم الإشارة بأنه باعتبار حاضية الثهأب / ج 3 / م 4 تأويله بما ذكر. قوله: (والمراد تقرير كونه وحيا الخ) يعني أنه يخبر بما لا سبيل إلى معرفته بالعقل مع اعترافكم بأنه لم يسمعه، وتنكرون إنه وحي فلم يبق مع هذا ما يحتاج إلى النفي سوى المشاهدة التي هي أظهر الأمور انتفاء. قوله: (متعلق بمحذوف الخ الما لم يصلح تعلق يلقون باسم الاستفهام لفظا ومعنى لزم أن يقدر ما يرتبط به النظام، وذكر له الزمخشري ثلاثة أوجه أحدها: جملة هي حال مما قبلها أي ينظرون لأنّ النظر يؤدّي إلى الإدراك فيتعلق باسم الاسنفهام كالأفعال القلبية كما صزح به ابن الحاجب وابن مالك في التسهيل فمن ظن أنه مخصوص بها حتى ارتكب تأويل النظر بنظر البصيرة وقال: إنّ المصنف تركه لهذا لم يصب. الثاني: ليعلموا أنّ الإلقاء سبب العلم لكنه سبب بعيد والقريب هو النظر إلى ما ارتفع من الأقلام وقدره السكاكي ينظرون ليعلموا نظراً إلى المعنى واللفظ. والثالث: يقولون قالوا: وهو ضعيف لأنه ليس فيه فائدة يعتد بها وإنما هو إصلاج لفظي، وقيل: إنه مفيد إذ المراد بالقول المقدر القول للبيان أي ليبينوا ويعينوا الكافل ووقع في عبارة القاضي رحمه الله أو يقولون فهو مثل ما قدره الزمخشريّ والجملة حالية وفي بعض النسخ أو يقولوا بالنصب عطفا على يعلموا، ووجه التعليل فيه خفاء إلا أن يؤوّل بما مرّ فلا يرد عليه ما قيل إنه سهو من الناسخ إلا أن يقالط إنه أراد بيقولوا ليحكموا إلا ليستفهموا فتأمل. قوله: (وما بينهما اعتراض الخ) دفع به الاعتراض! بالفصل كما دفع بما بعده أن الوقتين مختلفان فكيف يصح البدل وبدل الغلط لا يقع في فصيح الكلام، وعلى تقدير الإبدال من إذ قالت الملائكة جاز اتحاد الوقتين فهو ظاهر أنه بدل كل وتيل: بدل اشتمال وأما وقت الاختصام فظاهر أنه قبل وقت البشارة بمدّة فاحتيج في جواز الإبدال إلى أن يعتبر زمان ممتذ يقع الاختصام في بعضه والبشارة في بعض آخر ليصح بالنظر إلى ذلك أنهما في زمان واحد كما يقال: وقع القتال والصلح في سنة واحدة، مع أنّ القتال في أوّلها والصلح في آخرها، وتحقيقه أنّ كلا من الزمان والمكان قد يؤخذ حقيقيا، وهو القدر الذي ينطبق على الشيء ولا يفضل عنه، وقد يؤخذ غير حقيقيّ وهو خلافه والأصوليون يسمونه معياراً وغير معيار فيكون بدل كل من كلى لا بدل اشتمال أو جزء من كل باعتبار أنّ أحدهما لجميع الوقت والآخر لمعياره لأنه وإن كان في صحته نظر تحكم لا داعي إليه. قوله: (المسيح لقبه وهو من الآلقاب المشرّفة) ركسر الراء أي المفيدة للمدح ويصح

فتحها والاشتقاق لا يجري في الأعجمية فادعاؤه تسمح لكن قيل دخول اللام في المسيح ربما يشعر بأنه عربي كالخليل، إلا أن يقال لما عرّبت أجريت. ـ جرى الأوصاف لأنه في لغتهم بمعنى المبارك، وقد مرّ أنها لا تنافي العجمة في التوراة والإنجيل والإسكندر فإنه لم يسمع إلا معرّفا مع أنه لا شبهة في عجمته وعيسى أصله ايشوع ومعناه السيد. قوله: (وابن مريم لط كان صفة تميز الخ) دفع لما يقال إن قوله المسيح الخ خبر كلن اسمه والاسم إنما هو عيسى والمس! يح لقب وابن صفة فكيف جعلت الثلاثة خبراً عنه فأشار لقوله: وابن مريم الخ إلى أنّ اسمه بمعناه المصطلح وهو العلم مطلقاً وهو ليس بمعنى مقابل اللقب كما أشار إليه بجعل المسيح لقبا بل ما يعمه، وغيره وأنّ إضافته تفيد العموم لأنّ إضافة اسم الجنس قد يقصد بها الاستغراق وأن إطلاقه على ابن مريم على طريق التغليب لأنه مثله في التمييز، أو الاسم بمعناه اللغوي وهو السمة والعلامة المميزة لا العلم وتميزه بهذه الثلاثة أشد من تميزه بكل واحد منها، ولبعضهم هنا خبط لا طائل تحته فإن قيل ابن مريم لا يصح حمله على اسمه أصلاً لأن الابن هو المسمى لا الاسم قلنا نعم إذا أريد المفهوم لا اللفظ، وكذلك المسيح وعيسى فإن قيل كيف قدم اللقب على الاسم ولم يضف الاسم إلى اللقب مع تعين الإضافة فيه كسعيد كرز كما في المفصل، قيل: الجواب ما قاله ابن الحاجب في شرحه من أن المراد باللقب: وان أطلق ما لم يكن غير صفة وليس بشيء لاً نه ليس صفة في العربية فالظاهر أن يقيد بما لم يقارن أل وضعه لمنعها من الإضافة وبعضهم قدر عيسى خبر مبتدأ محذوف وابن صفة فلا يرد شيء من الأوهام، ثم ذكر أنّ فائدة قوله ابن مريم مع عدم الحاجة إليه ظاهرا الإشارة إلى أنه خلق من غير أب إذ لو كان له أب نسب إليه وقد يقال إنه ردّ على النصارى. توله: (حال مقدّرة الخ) جعلها مقدرة لأنّ وجاهته كانت بعد البشارة والوجاهة ليست بمعنى الهيئة والبزة بل بمعنى الرفعة كالجاه. قوله: (أي يكلمهم حال كونه طفلاَ وكهلاَ الخ) إنما جعل في المهد حالاً مع صحة كونه ظرفا لغو العطف، وكهلاً عليه ولما كان الكلام في حال الكهولة ليس مما خص به أشار إلى أنه ذكر للتسوية بينهما من غير تفاوت كما مرّ في نحو {يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} وهذا وجه ونكتة تجري في مواضع شتى فالمجموع لأكل على الاستقلال، وقيل: إن كلا منهما حال وإنه تبثير لها ببلوغ سن الكهولة وتحديد لعمره. والقول الثاني: مبنيّ على أنه لم يبلغ الكهولة وأحواله المختلفة تبدلات السق الطارئة عليه وغيره من الأحوال المستلزمة للحدوث المنافي للألوهية. قوله: (حال ثالث الخ) قيل عليه أنّ الوجه أن يقال حال رابع من كلمة أو ثالث من ضميرها فإنها أربعة وجيهاً ومن المقرّبين ويكلم، ومن الصالحين مع ما في جعل المعطوف على الحال حالاً من التسامح إلا أن يقال: إنه جعل جملة اسمه المسيح حالية ولم يعد المعطوفين حالاً فتأمّل. قوله: (تعجب الخ) يعني الاستفهام إمّا مجازيّ أو حقيقي وقوله: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} تقوية ولا ينافيه كما توهم وقوله: يخلق ما يشاء ولو بغير مادّة وسبب كعيسى صلى الله عليه وسلم بلا أب وكون القائل جبريل عليه الصلاة والسلام القرينة عليه ذكر الملائكة عليهم الصلاة والسلام قبله، وكون القائل هو الله وقد حكاه جبريل عليه الصلاة والسلام فيه التفات إن حكى بلفظه ويكون الله حكى ما حكى عنه والداعي إليه أنه تعالى لم يكلم غير الأنبياء بل غير خاصتهم عليهم الصلاة والسلام. قوله: (إشارة إلى أنه تعالى الخ) يعني أنّ قوله تعالى: {كُن فَيَكُونُ} تمثيل لسرعة تكوينه من غير توقف على شيء آخر كما سنحققه في سورة يس، ولما كان الخلق التدريجي والناشئ عن الأسباب أمرا ظاهراً لم يذكره في النظم والحصر في النظم باعتبار أنّ الأمر بمعنى الشأن البديع العجيب والمصنف ذكره بيانا لأنهما منه وعنده سواء فلا يرد أنه ليس في النظم ما يدل عليه، ولا يتوهم أنه مغاير لما ذكره في سورة يس فأفهم. قوله: (كلام مبتدأ الخ) يعني أنه كلام مستأنف ليس داخلاً في حيز قول الملائكة عليهم الصلاة والسلام والواو تكون للاستئناف وتقع في ابتداء الكلام كما صرّح به النحاة فلا حاجة إلى تأويله بأنه معطوف على جملة مستأنفة سابقة، وهي واذ قالت الخ أو مقدرة ولا إشكال في العطف، كما ذكره النحرير: وكذا لا يدعي أن الواو زائدة كما قاله أبو حيان، وقوله: لما وهمها أي

وقع في وهمها وفي نسخة همها. قرله: (أو عطف على يبشرك الخ) ولا يرد عليه طول الفصل لأنه اعتراض لا يضر مثله قيل: إنما يحسن هذا بعض الحسن على قراءة الياء وأمّا على قراءة النون فلا يحسن إلا بتقدير القول أي إنّ الله يبشرك بعيسى صلى الله عليه وسلم ويقول: نعلمه أو وجيها ومقولاً فيه تعلمه. قوله: (والكتاب الكتبة) بالفتح أي بالمعنى المصدريّ، وقدمه على تفسيره بجنس الكتب السماوية لأنه فيه خفاء لتقديم الحكمة، وان كان المراد ما اشتملت عليه من الشرائع وفي نسخة وقرأ عاصم ونافع ويعلمه بالياء. قوله: (منصوب بمضمر الخ الما كانت المنصوبات قبله واقعة في كلام الملائكة عليهم الصلاة والسلام وتبشيرها وهذا محكيّ عن عيسى صلى الله عليه وسلم، وأيضا هي في حكم الغيبة وهذا في حكم التكلم لتعلق قوله: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم} ولما بين يدفي به احتاج العطف إلى التوجيه بأنه إقا منصوب بمضمر على إرادة القول والتقدير، ويقوله: أرسلت رسولاً الخ وهو معطوف على نعلمه بناء على أنه مستأنف، وأمّا على تقدير عطفه على يبشرك، أو يخلق يكون التقدير إنّ الله يبشرك، أو إنّ الله يخلق ما يشاء، ويقول عيسى: كذا عطفا على الخبر ولا رابطة بينهما إلا بتكلف عظيم، وقال أبو حيان: إنّ هذا الوجه ضعيف لإضمار القول ومعموله والاستغناء بالحال المؤكدة فالأولى أن يقدر ويجعله رسولاً. قوله: (أو بالعطف على الآحوال المتقدّمة الخ (هذا توجيه آخر لما مرّ قيل ولا يخفى أنه خروج عن قانون التضمين وأنه إن جعل ونعلمه عطفا على وجيها فهذا هو الوجه لقلة الحذف وعلى الثلاثة الأخر فالأوّل لئلا يلزم الفصل الممتنع، ولا يخفى أنّ قوله وناطقا يحتمل تقديره معطوفا على رسولاً وهو أحد طرق التضمين في الأسماء كما قدروا {الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} [سورة البقرة، الآية: 187] بالرفث والإفضاء، ويحتمل أن يكون صفة رسولاً والحال فيه غير ظاهرة، ووجها التخصيص متقاربان. قوله: (نصب بدل الخ (بناء على أن محل أنّ وأن بعد حذف الجار نصب لا غير، وعلى تقدير هي الجملة صفة آية أو مستأنفة في جواب ما هي، وقوله: أقدر بيان لمعنى أخلق ومعنى أقدر أصوّره وأبرزه على مقدار معين قيل: وفي هذه المعجزة مناسبة لخلقه من غير أب. قوله: (الضمير للكاف الم يجعله للهيئة لأنّ الهيئة لا ينفخ فيها وإنما ينفخ في الجسم المماثل والكاف على هذا اسم وهي صفة لمقدر أي شيئا مثل هذا الطير، ومرجع الضمير في الحقيقة الموصوف بها، وقد ضعف كونها تكون اسما وعود الضمير عل! ! اغير معهود، والمراد بإذن الله كما مرّ إرادته وتقديره، والممسوح العين هو الذي لم يشق بصره ولم يخلق له حدقة، وقوله: لوهم الإلوهية وفي نسخة اللاهوتية يعني التي توهمتها النصارى، ولذا ذكرها أيضاً في خلق الطير، وهذا بناء على تعلقه بأحيى، وتيل: إنه متعلق بجميع ما قبله قبل وكون إبراء اكمه من جنس أفعال البشر فيه نظر وليس بشيء، وقوله: التي لا تشكون فيها إشارة إلى وجه تخصيص الأنباء بأحوالهم لتيقنهم بها، فلا يبقى لهم شبهة وفسر المؤمنين بما ذكره على أنه من مجاز المشارفة لأنهم المحتاجون للآية أو بمعنى المصدق أي الذي لا يعاند ويكذب، وقوله: على الوجهين أي اللذين سبق ذكرهما في تفسير ورسولاً. قوله: (مقدّر بإضماره) أي الجار والمجرور مقدر بإضمار وجئتكم لأحل فهو من عطف الجملة على الجملة، وقوله: أو مردود أي معطوف على بآية من قوله: {جِئْتُكُم بِآيَةٍ} لأنه في معنى لا ظهر لكم آية {وَلِأُحِلَّ لَكُم} الخ فلا يرد أنه لا يصح عطف المفعول له على المفعول به وعطفه على مصدقا لتأويله بما يجعلهما من باب واحد وان كان الأوّل حالاً والثاني مفعول له، وقيل: لا بد فيها كلها من تقدير جئتكم إذ لا يعطف نوع من المعمولات على نوع آخر وما ذكروه بناء على الظاهر المتبادر. قوله: (أي في شريعة موسى الخ) قيل أو ما حرّمه علماؤهم تشهياً أو خطأ في الاجتهاد، والثرب شحم رقيق يغشي الكرس والأمعاء، وقوله: والسمك المراد به بعض أنواعه فإنهم لم يحرموه مطلقاً، ولما كان عيسى صلى الله عليه وسلم مأمورا بالعمل بالتوراة وشريعة موسى عليه الصلاة والسلام أشار إلى أنّ نسخ بعضها لا ينافي ذلك إذ لم تبطل شريعته كما أنّ نسخ بعض القرآن لا يبطله، وقوله: فإنّ النسخ الخ أي هو بيان لانتهاء زمان الحكم الأوّل لا رفع وابطال له كما مرّ وتقرر في الأصول. قوله: (أي جئتكم بآية أخرى الخ) أي فالمراد بالآية على هذا العلامة، لا المعجزة

ليرد أن مثل هذا القول قد يصدر عن بعض العوامّ، بل المراد أنه بعدما ثبتت نبوّته بالمعجزة كان ذلك القول الصادر عن غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام علامة لنبوته تطمئن به النفوس، وقيل حصول المعرفة والتوحيد. والاهتداء للطريق المستقيم في الاعتقادات والعبادات عمن نشأ في قوم بدلوا وحزفوا من خوارق العادة. قوله: ( {قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ} على أن الخ) قيل مذا ظاهر على القراءة بفتح إنّ فكان ينبغي ذكرها كما في الكشاف وان كانت شاذة وليس بوارد لأنه على الكسر قبلها قول محذوف بدلأ من آية أي قولي إنّ الله، وبه صرّج المصنف رحمه الله فقال: وهي قولي فالاعتراض غفلة عما أراده وعلى الفتح فهي بدل من آية. قوله: (والظاهر أنه ثكرير لقوله الخ) أي أنه معطوف على جئتكم الأول وكرر ليعلق به معنى زائد وهو قوله: إن الله ربي الخ أو للاستيعاب كقوله: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [سورة الملك، الآية: 4] ويؤيده قوله جئتكم باية بعد أخرى فيقدر ما يناسب الايات السابقة من كونه مولودا بغير أب وتكلم في المهد، واليه الإشارة بقوله: (مما ذكرت لكم) والحكم هو قوله: (فاتقوا الخ) وقوله: لما جئتكم بكسر اللام وتخفيف الميم ويجوز الفتح والتشديد، والتوحيد من الحصر المستفاد من تعريف الطرفين، والجمع بين الأمرين لأن الصراط المستقيم الاعتقاد الحق والعمل الصالح كما مرّ. قوله: (قل آمنت بالله الخ) هو من حديث أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما عن سفيان الثقفي أنّ رجلا قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك قال: " مقل آمنت بالله ثم استقم " والتنظير به لأنه قدم الإيمان، كما قدم قوله: {إِنَّ اللهَ رَبِّي} هنا ثم عقبه بما يشمل الاعتقاد والعمل. قوله:) تحقق كفرهم عنده الخ) يعني أنّ الإحساس استعير استعاوة تبعية للعلم بلا شبهة إذ الكفر لا يحس، وأما تأويله بأحس آثار الكفر فليس بذاك. قوله: (ملتجئاً إلى الله الخ) لما كان النصر لا يتعدى بإلى جعله حالاً من الياء، والمعنى من ينصرني حال كوني ذاهبا إلى الله أو ملتجئاً إلى الله فالمقصود طلب النصرة لرسوله صلى الله عليه وسلم في دينه فلذا فسر نحن أنصار الله بأنصار ديته وقوله: أو ضامّا إليه أي ضامّا نفي إليه أو هي متعلقة به بتضمين الإضافة، وكونها بمعنى مع أو في أو اللام مذكور في بعض كتب النحو لكن قيل عليه إنّ المصرح به فيها لام الاختصاص نحو الأمر إليك لا التعليل وفي تفسير الفراء أن إلى إنما تكون بمعنى مع إذا ضم شيء إلى آخر نحو الذود إلى الذود ابل أي إذا ضممته إليه صار ابلا ألا تراك تقول قدم ومعه مال، ولا تقول: وإليه وكذا نظائره وهو كلام من ذاق طعم البلاغة، ولذا ضعفه المصنف. وفي الكشاف في سورة الصف إن إضافة أنصاري للملابسة أي من حربي ومشاركي في توجهي لنصرة الله تعالى ليطابق جوابهم نحن أنصار الله، ولا يصح أن يكون معناه من ينصرني مع الله لعدم المطابقة، وتابعه المصنف رحمه الله هناك وقد صرح هنا بخلافه وعدم المطابقة غير مسلم إذ نصرة الله ليست على ظاهرها فلا بد من تأويل أو إضمار لما تظهر به المطابقة، وهو ظاهر لمن تدبر. قوله: (حواريّ الرجل الخ) قال الكرماني: في قوله صلى الله عليه وسلم: " الزبير حواريي " الحواريي الناصر وهو لفظ مفرد منصرف. وقال الزجاج: حواريّ منصرف لأنه منسوب إلى حوار وليس كبخاتيّ وكراسي لأن واحدها بختيّ وكرسيّ، وقد وقع مصروفا في غير موضع ومثله الحواليّ، وهو الكثير الحيلة فمن قال: معنى قول المصنف خالصته، أي جماعته الخالصة الاختصاص به نسب إلى الحور وهو البياض فأطلق الحوريّ على الخالص، وجمع على حواريّ ككرسي وكراسيّ، وجعله التفتازانيّ مفرداً وألفه من تغييرات الشب، وكأنه دعاء إليه إطلاقه على الواحد، ويصح أن يكون منقولاً من الجمع إلى الجنس بتنزيل الواحد الكامل في الخلوص منزلة جماعة فقد خبط خبط عشواء إلا أن ما ذكره النحريمر فيه نظر لأنّ الألف إذا زيدت في النسبة وغيرت بها تخفف الياء في الأفصح في أمثاله والحواريّ بخلافه، والحور البياض! مطلقا ومنه الحور العين، وأئا إذا وصفت به العين فمعنى آخر.، والحضريات نساء لمحضر يعني المدن والقرى ويغلب فيهن البياض لعدم البروز للشمس والريح، وقوله: يلبسون البيض أي الثياب البيض وكون الحوارقي القصار صرح به أهل اللغة، وهو بلغة النبط هواري، وقيل: معناه المجاهد وقيل إنه من حار بمعنى رجع لرجوعهم إلى

الله. قوله: (آمنا بالته وأشهد الخ (في عطف أشهد على آمنا مع أن بينهما اختلافا ما يقتضي جوازه فيما له محل من الإعراب ولا يلزم ذلك هنا لأنه قيل آمنا لإنشاء الإيمان أيضاً، وقيل: الكتابة كناية عن تثبيتهم على الإيمان في الخاتمة، والظاهر أن المراد اجعل ذلك وقدّره لنا في صحائف الأزل أو أدخلنا في عداد أتباعهم، وهذا على تفسيري الشاهدين وعلى الأخير فتعريفه للعهد وطلبهم أن يكونوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم المعروفين بالشهادة على الناس فلا يرد تضعيفه بأنه لا قرينة على ذلك التخصيص على أنه كما نقلوه تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، وغيلة بكسر الغين المعجمة أن يتبع المرء مستترا حتى يقتله فجاة وهو لا يدري. قوله: (ومكر الله حين رفع الخ) أي المراد بمكر الله ما ذكر، وذكر أن المكر لا يطلق على الله إلا بطريق المشاكلة لأنه منزه عن معناه غير محتاج إلى حيلة، وهو المراد بالمقابلة والازدواح فلا يقالط: مكر الله ابتداء وكذا قاله العضد في شرح أصول ابن الحاجب وأورد السيف الأبهري عليه قوله تعالى: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ} [سورة الأعراف، الآية: 99] فإنه أطلق عليه ابتداء من غير مشاكلة ونقل عن الإمام أنّ المكر إيصال المكروه إلى الغير على وجه يخفى فيه وأنه يجوز صدوره عنه تعالى حقيقة وقد ذهب إليه طائفة وقالوا: إنه عبارة عن التدبير المحكم فليس بممتنع عليه. (قلت) : يؤيده قوله والله خير الماكرين فإنه يبعد المشاكلة وأمّا جوابه عن الآية المذكورة بأنها من المشاكلة التقديرية كما في قوله تعالى: {صِبْغَةَ اللهِ} [سورة البقرة، الآية: 138] فلا يخفى ما فيه. قوله: (أتواهم مكراً الخ (قيل عليه إنه لا يستفاد من النظم والمفيد له أشذ الماكرين أو أقواهم، فينبغي أن يفسر بأنّ مكره أحسن وأوقع في محله لبعده عن الظلم، ولا يخفى أن الخيرية في معنى تقتضي زيادته، وهو المكر هنا فالخيرية فيه ما ذكر وتفسير المصنف أنسب بالمراد وهو التهديد. قوله: (ظرف لمكر الخ (قدمه لأنه أولى إذ لا يظهر وجه تقييد قوة مكر. تعالى بهذا الوقت، ولو قدر إذ كر كما في أمثاله لم يبعد. قوله: (أي مستوفي أجلك ومؤخرك الخ الما كان ظاهره مخالفاً للمشهور المصرح به في الآية الأخرى أوّله بوجوه الأوّل أنه كناية عن عصمته عن الإعداء وما هم فيه من الفتك به لأنه يلزم من استيفاء أجله وموته حتف لنفسه ذلك أو قابضك من الأرض من توفي المال بمعنى استوفاه وقبضه وقوله: مالي يحتمل ما أن تكون موصولة ولي صلته، ويحتمل أن تكون كلمة واحدة أو المراد بالوفاة هنا النوم لأنهما أخوان، ويطلق كل منهما على الآخر لأنه رفع كذلك رفقاً به، وأمّا أنه أريد بالموت والوفاة موت القوى الشهوانية العائقة عن إيصاله بالملكوت فبعيد لأنّ اسم الفاعل لا يناسبه، وقوله: إلى محل الخ إشارة إلى أنّ إليّ على تقدير مضاف أي إلى سمائي، وتطهيره من الكفرة إمّا تبعيده عنهم بالرفع أو أنحاؤه عن قصدهم بجعلهم أو بجعل معلمهم كأنه نجاسة وبما قرّرناه سقط ما قيل: إنه تبع فيه الزمخشري في أن المقتول لم يصت بأجله كما هو مذهب المعتزلة. قوله: (يعلونهم بالحجة أو السيف الخ) يريد أنّ الفوقية رتبية لا مكانية، وقوله: ومتبعوه من أقز بنبوّته من المسلمين والنصارى فمان أريد بالنصارى من آمن به قبل مجيء نبينا صلى الله عليه وسلم ونسخ شريعته فهو ظاهر، وان أريد المطلق فلا ضير في غلبتهم على غيرهم من الكفرة مع غلبة المسلمين عليهم، وقوله: وإلى الآن الخ ظاهر في الثاني. قوله: (الضمير لعيسى الخ) ويحتمل أنه لمن تبع وكفر فقط، فهو التفات من الغيبة إلى الخطاب للدلالة على شدة إرادة إيصال الثواب والعقاب لدلالة الخطاب على الاعتناء. قوله: (تفسير للحكم وتفصيل له) قال الخرير: اعترض بأن الحكم مرتب على الرجوع إلى الله بالمعاد، وهو في القيامة فكيف يصح تفسيره بالعذاب في الدنيا، وأجيب أوّلاً بأنّ المقصود التأبيد، وعدم الانقطاع من غير نظر إلى خصوصهما كقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} [سورة هود، الآية: 107] وثانيا أن المراد بهما المعنى اللغوي أي أوّلاً وآخرا وهو بعيد جدا وثالثا أن المرجع أعم من الدنيوي والأخروي وكونه بعد جعل الفوقية الثابتة إلى يوم القيامة لا يوجب كونه بعد ابتداء يوم القيامة، وعلى هذا فتوفية الأجور أيضاً تتناول نعيم الدارين، وقوله: فيما كنتم فيه نبوة عنه، أو المعنى أحكم بينكم في الآخرة فيما كنتم تختلفون فيه في الدنيا، ورابعاً بأن عذاب الدنيا

هو الفوقية عليهم والمعنى أضم إلى عذاب الفوقية السابقة عذاب الآخرة وفيه بعد، إذ معنى أعذب في الدنيا والآخرة ليس إلا أني أفعل عذاب الدارين إلا أن يقال إيجاد الكل لا يلزم أن يكون بإيجاد كل جزء فيجوز أن يفعل في الآخرة تعذيب الدارين بأن يفعل عذاب الآخرة، وقد فعل في الدنيا عذاب الدنيا فيكون تمام العذابين في الآخرة، وقيل: لا يبعد أن يتعلق قوله في الدنيا والاخرة بشديد تشديد الأمر الشدة وهذا وان ارتضاه بعض الفضلاء واستظهره لا يخفى ما فيه، وقوله: تقرير لذلك أي للحكم المفصل بأنه جار على الحكمة والعدل، ثم إن تفصيل المجمل باعتبار وصفي الإيمان والكفر، واعطاء، كل ما يليق به بضمير الغائب العائد إلى الموصوف إشارة إلى علية الوصفين هل هو التفات من الخطاب إلى الغيبة فيه تردّد بناء على أن الثاني هل يكفي في عدة التفاتا تلوين الخطاب لما هو في ضمن أمر شامل له، أو لا بد أن يكون مقصوداً بالذات الظاهر الثاني. قوله: (إلى ما سبق (يشير إلى وجه إفراده وتذكيره، وقوله: على أن العامل معنى الإشارة لا الجار والمجرور لأنّ مثله لا يجوز تقدمه على عامله المعنوي، وقوله: وأن ينتصب يعني ذلك. قوله: (المشتمل على الحكم أو المحكم الخ) إن كان الحكيم بمعنى المحكم المتقن نظمه بناء على أنّ فعيلاً يكون بمعنى مفعل كما مرّ والذكر بمعنى القرآن فظاهر وإن كان بمعنى صاحب الحكم فاستعماله لما صدر عنه مما اشتمل على حكمته إمّا استعارة نبعية في لفظ حكيم، أو إسناد مجازي بأن أسند إليه ما هو لمسببه وصاحبه، وأمّا استعارة مكنية وتخييلية بأن شبه القرآن بناطق بالحكمة، وأثبت له الوصف بحكيم تخييلا، وقد صرح به في الكشاف هنا، وأفاد الطيبي رحمه الله أن ما ذهب إليه السكاكي من رذ الإسناد المجازي إلى المكنية سبقه إليه غيره، فلا اعتراض عليه كما ظن وشبهة ذكر الطرفين حينئذ، واردة فتأمّل دفعها، وتفسير الذكر الحليم باللوج المحفوظ لاشتماله عليه. قوله: (أي شأنه الغريب الخ) يعني أنّ المثل هنا ليس هو المستعمل في التشبيه والكاف زائدة كما قيل بل بمعنى الحال والصفة العجيبة، كما مرّ تحقيقه في البقرة يعني صفة عيسى عليه الصلاة والسلام كصفة آدم صلى الله عليه وسلم في خلقه من غير أبوين. قوله: (جملة مفسرة للتمثيل الخ) في الكشاف فإن قلت كيف شبه به وقد وجد هو بغير أب، ووجد آدم بغير أب وأمّ قلت هو مثيله في أحد الطرفين فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ولأنه شبه به في أنه وجد وجودأ خارجاً عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران ولأنّ الوجود من غير أب وأمّ أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم، وأحسم لمادّة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه انتهى، جعل عيسى عليه الصلاة والسلام مشبهاً لأنه المقصود في المقام والا فمثله ورد للتشابه يعني أنّ تجملة خلقه مفسرة للشبه فإمّا أن تكون مبينة لوجه الشبه، والمشترك بينهما الخروج عن العادة وعدم استكمال الطرفين أو هو لبيان أنّ المشبه به أغرب فيكون أثم وأكمل كما هو شأن التشبيه والمصنف رحمه الله جعله بيانا لوجه الشبه ضمنا، وعدوله عن الاقتصار على المشترك بينهما لما ذكر لأنه أغرب وأقطع المادّة الشبهة ومن لم يدر معزاه ظنه خلط بين الوجوه وأنه كان عليه أن يقول لما فيه الشبه، والشبه جمع شبهة قطع مادة الشبهة أبلغ من قطع الشبهة مع ما في أقحامه من مناسبه المقام لأنّ الأبوين ماذة النسل. قوله: (والمعنى خلق قالبه من التراب) فسر الخلق بذلك، وقول: كن بإنشائه بشرا تصسحيحا لكلمة، ثم وحمل يكون على حكاية الحال لأن المقام يقتضي كن فكان، ويصح أنه مستقبل بالنظر لما قبله، وهو قوله كن، وقد تقدم تحقيقه وأنه تمثيل ومن حمله على ظاهره جعل التأخير، والتراخي في الإخبار، وما قيل إنّ المصنف رحمه الله جعله في البقرة كناية عن الخلق دفعة بلا ماذة وسبب وما هنا يخالفه ليس بشيء لأنّ معناه كما قرره سرعة الإيجاد، وعدم الماذة إنما تستفاد ثمة من المقام والتعبير بالإبداع. قوله: (خبر محذوف اي هو الحق) ضمير هو راجع إلى البيان والقصص المذكور سابقاً، ومن ربك حال من الضمير في الحق وقدّمه لأنه أولى من جعله مبتدأ ومن ربك خبره، إذ المقصود الدلالة على كون عيسى بهق مخلوقاً كآدم صلى الله عليه وسلم

هو الحق لا ما يزعمه النصارى، وتطبيق كونهما مبتدأ وخبرا على هذا المعنى لا يصح إلا بتكلف أن الحق من الله كل حق أو جنسه، ومن جملته هذا الشأن أو المراد لالحق ما ذكر فتعريفه للعهد لكن قوله: {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ} أوفق به كما أنّ فلا تكن من الممترين وفق بالأوّل، وحمل العلم على البينات الموجبة للعلم إمّا حقيقة لأنها نوع من العلم أيضا أو مجاز، والقرينة عليه ذكر المحاجة المقتضية للأدلة وحمل تعالوا بمعنى هلموا وأقبلوا على الإقبال بالرأي والعزم لا بالجسد لظهور أنه المراد. توله: (خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم الخ (التهييج الإثارة يقال هيجه وهاجه، وهو كقوله: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ} [سورة الأنعام، الآية: 14] وفائدته أنه إذا سمع صلى الله عليه وسلم مثل هذا الخطاب حرّك أريحيته فكان يقينه نوراً على نور وغيره إذا سمعه ينزجر لأنه ع! ير مع جلالته إذا خوطب به فما ظنك بغيره، ومعنى كونه خطأ لالكل سامع أي لكل من يقف عليه، ويصلح للخطاب فلا جمع فيه بين الحقيقة والمجاز كما وس هم. قوله: (أي يدع كل منا ومنكم الخ (أعزه جمع عزيز، وألصقهم بقلبه بمعنى أحبهم، أقربهم إليه ويحمل عليها أولئك أيضا بأن يدعوا بغير إيصاء والأصل في البهلة اللعنة والدعاء لها، ثم شاع في مطلق الدعاء كما يقال فلان يبتهل إلى الله في قضاء حاجته وكشف كربته هذا ما قاله الزمخشري، وقال الراغب رحمه الله: بهل الشيء والبعير إهماله وتخليلته، ثم استعمل لي الاسترسال في الدعاء سواء كان لعناً أو لا وإنما فسر به هنا لأنه الواقع فيه فبينهما اختلاف بل والذي عليه أهل اللغة ما ذكره الراغب رحمه الله تعالى قال ابن دريد: لم أركالموت سوى مابهلا يحسبه مدعيه وهومستدك وقوله: (وإنما قدّمهم الخ (يعني أنهم أعز من نفسه ولذا يجعلها فداء لهم فلذأ قدم ركرهم اهتماما به وقوله: أي نتباهل إشارة إلى أن الافتعال هنا بمعنى التفاعل، وتفاعل وافتعل اخوان في مواضع كثيرة كاجتوروا وتجاوروا واشتوروا وتشاوروا وفوله: (والبهلة الخ (هو معنى ما مر عن الراغب وصرار مكسورا مهملاً خيط يشد على خلف الناقة لئلا يرضعها فصيلها وحديث المباهلة مخرّج في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقوله: عطف فيه بيان أي أنه عطف على نبتهل عطف المفصل على المجمل. قوله: (فلما ثخالوا) أي حون بعضهم ببعض، والعاقب من يخلف السيد والأمير، وقوله: بالفصل في أمر صاحبكم يعني القول الفاصل بين الحق والباطل في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام إذ لم يجعله لها ولا كاذباً بل عبد الفه ونبيه عتييرو، وقوله: فإن أبيتم إلا إلف دينكم استثناء مفرّغ لما في أبى من معنى النفي، والموادعة المصالحة والتاركة ومحتضنا بمعنى آخذ إله تحت حضنه، والأسقف يضم الهمز والقاف وتشديد الفاء حبر النصارى، وعالمهم معرّب على الصحيح، وقوله: فأذعنوا بمعنى أطاعوا وانقادوا وأمّا الإذعان بمعنى الإدراك فليس من كلام العرب. قوله: (وهو دليل على نبوّته صلى الله عليه وسلم الخ) أي الحديث المذكور دليل لاعترافهم وامتناعهم عن مباهلته وعلمهم بنبوته، وما فضل آل الله والرسول فالنهار لا يحتاج إلى دليل. قوله: (بجملتها خبر أنّ الخ) الجملة إمّا المصطلح عليه أو بمعنى المجموع، وهو في قوله: أو هو مراد به لفظه والتقابل بين الفصل وكونه مبتدأ بناء على أنه لا محل له من الإعراب وقوله: (يفيد الخ) أي يفيد القصر الإضافي كم يفيده تعريف الطرفين، وذهب النحرير إلى أنه للقصر، والتأكيد لو لم يكن في الكلام ما يفيده، وان كان كما هنا فهو لمجرد التأكيد وما ذكره المصنف رحمه الله أوجه ثم أفاد أنّ أصل اللام الدخول على المبتدأ، ولذا سميت لام الابتداء لكنها زحلقت لئلا يجتمع حرفا تأكيد وزيادة من للتأكيد كما هو شأن الصلات، وقد فهم أهل اللسان أنها لتأكيد الاستغراق المفهوم من النكرة المنفية لاختصاصها به في أكثر، وقد توقف بعضهم في وجه إفادة الكلمات المزيدة للتأكيد بأي طريق هي فإنها ليست وضعية وأجاب بأنها ذوقية يعرفها أهل اللسان وهو حوالة على مجهول وتوله: (دخلت فيه الخ) أي التزم ذلك مع أنه لا مانع من دخولها على الخبر لقربه منه لفظاً ومعنى قيل، وعلم من كلامه أن ما من رجل أقوى من لا رجل وفيه ما مر. قوله: (لا أحد سواء

الخ) القدرة التامة هي معنى العزة إذ هي بمعنى الغلبة المقتضية لها والتامة والبالغة بمعناها أي البالغة إلى النهاية من صيغة المبالغة، وفي الآلهية وقع بدله في نسخة الألوهية، وأقحم سواه للتأكيد إشارة إلى مدلول الفصل، فلا يقال إنه لا فائدة في ذكره، ولما كان المراد منه هذا ومما قبله حصر الألوهية فيه رذاً على النصارى قصر إفراد لأنه تذييل لما قبله علم أن ما قيل إنّ الفصل والتعريف ليس للحصر إذ الغالب على جميع الأغيار لا يكون إلا واحداً فيلغو القصر فيه إلا أن يجعل قصر قلب، والمقام يأباه خبط وخلط، واليه أشار بقوله ليشاركه الخ فافهم. قوله: (وعيد لهم الخ (في الكاف وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} [سورة النحل، الآية: 88] فاللام في المفسدين للعهد يعني فإن تولوا فإنّ الله يعذبهم العذاب الذي تعورف واشتهر في المفسدين، وهو العذاب المضاعف والمصنف رحمه الله لم يره ظاهرا من النظم فجعل الوعيد باعتبار وصفهم بالفساد ووضعه موضع المضمر إذ علمه بذلك أن يجازي عليه كما مرّ، وفي تركيبه تسامح لأنّ قوله المؤذي لا يصح صناعة أن يكون صفة لإفساد النكرة ولا للدين والاعتقاد معنى إلا بتقدير المؤدّي فساده فحذف المضاف، وقام الضمير مقامه فارتفع واستتر ويقرّ به رجوعه له بعد تعلق الإفساد به وأمّا جعل إفساد للدين من قبيل لا أبا لك ونحوه فتكلف، وقوله: (بل والى الخ) حذف فيه المعطوف عليه بالواو، والتقدير بل إلى فساد النفس والى فساد العالم، وحذف لدخوله في العالم ولم يستغن به لأنه لا يلزم من فساده فساد جميع أجزائه، ومثله كثير في كلامهم. قوله: (يعثم أهل الكتابين) جزم به! لأنه الظاهر من غير حاجة إلى التخصيص، وقوله: لا يختلف الخ بيان لمعنى الاستواء وقوله: ويفسرها ما بعدها يعني أنه بدل من كلمة مبين للمبدل منه وموضح له لاشتماله على التصريح به لا إنّ أن تفسيرية لأنّ تعالوا متضمن معنى القول دون حروفه، إذ هي ناصبة والتفسيرية لا تعمل، وفسر قوله لا نشرك بنفي الاسنحقاق ليكون تأسيسا أكثر فائدة. قوله: (يريد به وفد نجران (هم نصارى قدم وفدهم ستون راكباً فنظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده وأنزلت فيه هذه الآيات فلما حجهم أمرهم أن يجيبوا، أو يباهلوا فطلبوا المباهلة، ثم تئاوروا فقال بعضهم: أنه نبيّ وما باهل نبيّ قوماً إلا نزل بهم العذاب فاطيعوه في الجزية فأعطوها وهم أوّل من أداها سنة تسع أو عشر وأشرأفهم أربعة عشر أعلمهم أبو حارثة، وقد اعترف بدين الإسلام وقال أعلم أنه نبيّ ولكن ملوك الروم شرّفونا وأمدونا بأموالهم فنحن على دينهم والقصة مفصلة في السير وأعلم أنّ المباهلة مشروعة ولها شروط تعزض لها بعض الفقهاء. قوله: (ولا نقول عرير ابن الله الخ) يعني لا نجعل بعض البشر ربا ومعبودا فضميرنا للناس لا للممكن وإن أمكن حتى يشمل الأصنام لأنّ أهل الكتاب لم يعبدوها، وفي التعبير بالبعض نكتة للإشارة إلى أنهم بعض من جنسنا فكيف يكون ربا، وفيه وجه آخر وهو أنّ المراد باتخاذهم أرباباً إطاعتهم فيما يحللون ويحرّمون كقوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} أسورة التوبة، الآية: 31] وإليه أشار بقوله: روي الخ، فإن قلت: هم جعلوهم شركاء لا آلهة دون الله قلت هو للتنبيه على أن الشرك لا يجامع الاعتراف بربوبيته تعالى عقلاً، وقوله: هو ذاك ضمير هو للأخذ بقولهم وذاك للإشارة لكونهم معبودين أو معناه إن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا ذاك أي إطاعتهم في التحليل والتحريم، وهذا الحديث أخرجه الترمذيّ وحسته، وقوله: لأن كلاَ منهم الخ كذا وقع في الكشاف فقالوا: بعضنا خبر أن وبشر مثلنا بدل منه أو خبر بعد خبر وفيه الإخبار بالمعرفة عن النكرة لتأويلها بالمعرفة إذ معناه المسيح بعضنا وعزير بعضنا أو بعضنا خبر مبتدأ محذوف والجملة خبر إنّ. قوله: (أي لزمتكم الحجة الخ) يعني فإن تولوا عن موافقتكم فيما ذكر مما اتفق عليه الكتب والرسل بعد عرضه عليهم فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة وإنما أبو إعنادا فقولوا لهم أنصفوا واعترفوا وأقروا بأنا على الدين الحق، وهو تعجيز لهم أو هو تعريض لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم قالوا إنا لسنا كذلك، والأطوار المنافية للإلهية كونه مولوداً متوفى الخ وما يحل عقدتهم أي ما عقدوه ورسخ في عقولهم القاصرة، بقوله: إنّ مثل عيسى الخ

وقوله: بنوع من الإعجاز أي إظهارة عجزهم عن المباهلة لعلمهم بإجابة دعائه عليه الصلاة والسلام، أو المراد بالإعجاز الإعلام بالمغيب وهو أنهم لا يفعلون ذلك، ولذلك دعاهم صلى الله عليه وسلم، وقوله: لم يجد يعني لم يفد من الجدوى بمعنى المعطية. قوله: (تنازعت اليهود والنصارى الخ) هكذا أخرجه ابن جرير رحمه الله وليس فيه أنهم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كما في الكشاف فلذا عدل عنه المصنف رحمه الله فلا حاجة إلى التوفيق بأنهم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أجابهم بما لم يرضوه. قوله: (والمعنى الخ) ضمير عليهما لليهودية والنصرانية والمراد على واحدة منهما، وما ذكر 3 من التاريخ رواية وقعت في الثعلبي والتيسير، وما مرّ في قصة مريم من أن بين العمرانين ألف سنة وثمانمائة سنة المقتضى أن يكون إبراهيم عليه الصلاة والسلام قبل عيسى صلى الله عليه وسلم بثلاثة آلاف ويوافقه قول الزمخشريّ بين إبراهيم وموسى صلى الله عليه وسلم ألف سنة، وبينه وبين عيسى صلى الله عليه وسلم ألفان رواية أخرى، فلا يقال إنه غفل عما قدمه أو أنه سهو من الناسخ وانّ العبارة وعيسى بعده بألفين أو إفه ظن ضمير بينه في الكشاف لإبراهيم بمتيرو، والظاهر أنهم ادّعوا حقيقة أنه منهيم فلذا حمقوا وجهلوا فلا داعي إلى ما قيل أنّ مدعاهم أنّ دين إبراهيم يوافق دين موسى لا إن إبراهيم تبع موسى وعمل بما في التوراة فكيف يقال إنهم ادعوا المحال، وأغرب منه دفعه بأنه لو كان الأمر كذلك لما أوتي موسى عليه الصلاة والسلام التوراة بل أمر بتبليغ صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قوله: (ما حرف تنبيه الخ) الظاهر أن بقول على حالهم بدل عن حالهم وحرف التنبيه يدخل على الضمير الواقع مبتدأ إذا كان خبره اسم إشارة قياسا مطردا نحو ها أناذا، وكرّر هنا للتأكيد وقوله حاججتم جملة الخ يعني مستأنفة مبينة وقيل إنها حالية بدليل أنه يقع الحال موقعها كثيراً نحو ها أناذا قائما وهذه الحال لازمة، وقوله: أنتم هؤلاء الحمقى فسره به لتظهر فائدة الحمل وأخذ ذلك من اسم الإشارة فإنه يستعمل للتحقير والتنقيص نحو: أبعلي هذا بالوحي المتقاعس قوله: (وبيان حماقتكم الخ) في الكشاف حاججتم جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ولا ذكر له في كتابكم من دين إبرإهيم عليه الصلاة والسلام، وكتب عليه الشارح المحقق نظم الكلام ليس على ما ينبغي انتهى، وفيه تأمّل فإنه إمّ أن يريد بالنظم القرآني أو عبارة الكشاف وعلى كل حال فلم يلح لي وجه كونه كذلك اللهم إلا أن يريد إنه إذا كان بياناً فلا ينبغي عطفه وأن البيان المتعارف فيه أن يكون لا يفهم من اللفظ لا للنكات في التعبير، وبمكن أن يقال لا مانع منه ولكونه على النهج الغير المعتاد عطفه لخفاء البيان فيه. وقيل عليه ويحتمل أن يريد النظم القرآني على تفسيره كما عليه المصنف أيضاً إن فيه نظراً لأن ما لهم به علم إن كان خلاف ما جادلوا عليه كما هو الظاهر المفهوم من قوله عنادا يرد عليه أنّ قوله تعالى: فم تحاجون لا ينتظم مع السابق لأنّ إنكار غير المنصوص المعلوم دون إنكار المنصوص المعلوم ولا يلائم قوله أو تدعون وروده لأنّ دعوى ورود ما لم يرد في الكتاب مع المجادلة على الخلاف ليس بمقبول وإن كان ما جادلوا عليه فالجدال في المعلوم المنصوص ليس بسبب الحماقة، ولا يلائمه قوله: عنادا ويمكن اختيار الثاني بأنّ الجدال! مع النبيّ الثابتة نبوّته بالآيات الباهرات ولو على المنصوص في كتاب آخر حماقة لأنّ ذلك المنصوص يحتمل النسخ والتأويل على ما لا يخفى وقد يختار الأوّل فالحماقة والجمع بين الجدالين والتجاوز من واحد إلى اثنين ولا يخفى ما فيه وعدم ملاءمتة لقوله أو تدعون انتهى. (أقول) : لا وجه لهذا لأنّ الإتيان بالواو إشارة إمّا إلى أنه في معنى الحال أو لما مرّ، وكان المراد بما لهم به علم أمر عيسى وموسى أو نبينا صلى الله عليه وسلم، ولما لا علم لهم به أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنّ الأوّل نبيهم وكتابه بين أيديهم بخلاف الثاني بقرينة السياق والسباق ومجادلتهم مذمومة هنا فهي في الباطل الغير المطابق للواقع فلا يتعلق علم بما جادلوا فيه فالعلم هنا إمّا بحسب المدير أو بالنسبة للطرف الآخر

عنادا واليه أشار المصنف رحمه الله وهو معنى قول الإمام فيما لكم به علم لم يقصد بالعلم حقيقته وإنما أراد هب أنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون فكيف تحاجون فميا لا علم لكم به البتة، وهذا من دقائق هذا الكتاب فافهمه وأمّا ما أجاب به فليس بشيء. قوله: (وقيل هؤلاء بمعنى الذين الخ (هذا مذهب الكوفيين إن كل اسم إشارة يكون موصولاً والمعنى عليه ظاهر، ومذهب غيرهم أنه مخصوص بذا في نحو ماذا صنعت وكون أصل هأنتم أأنتم مذهب الأخفش، وقيل عليه إنّ إبدال همزة الاستفهام هاء لم يسمع إلا في بيت نادر، ثم الفصل بالمدّان كان لتوالي الهمزتين فلا وجه له هنا وهو إنما يرد لو كان الفصل بعد الإبدال. قوله: (علم ما حاججتم فيه) في نسخة ما حاجهم فيه الأوّل هو المطابق لما في الكشاف قيل في وجه زيادة علم أنه هنا بمعنى حقيقته، وكنهه إذ ليس المقصود هنا التهديد حتى يذكر علم المحاجة بمعنى المجازاة والعقاب عليه كما هو الوارد في أمثاله، وقوله: وأنتم جاهلون به إشارة إلى المفعول المقدر وفيه رمز إلى أنّ محاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم محاجة لله، وهذا مبنيّ على أنّ المحاجة وقعت معه وقد مر الكلام فيه، وقوله، تصريح الخ إشارة إلى وجه الفصل، وحينئذ قد مرّ تحقيقه. قوله: (منقادا لله الما كان الإسلام يختص في العرف بالدين المحمدي وهو لا يصح هنا لأنه يرد عليه إنه كان قبل ذلك ت مان كثير فكيف يكون مسلما فيكون كادّعائهم تهوده وتنصره المردود بقوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} [سورة آل عمران، الآية: 65] فيرد عليه ما ورد عليهم ويشترك الإلزام بينهما فسروه هنا بالمعنى اللغوي وهو المستسلم المنقاد لطاعة الحق أو بالموحد لأن الإسلام يرد بمعنى التوحيد، وينصره قوله: وما كان من المشركين وهو بهذا المعنى يوصف به من كان قبلنا وقد ورد في القرآن بهذا المعنى كثيراً ولهذا قال الجصاص إنّ المسلم المؤمن ولو من غير هذه الأمة، وفي رسالة للسيوطي إن الإسلام مخصوص بهذه الأمة وفيه نظر فإن قيل قولكم إنّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام على دين الإسلام إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس مختصا بدين الإسلام، وإن أردتم في الفروع لزم أن لا يكون محمد صلى الله عليه وسلم صاحب شريعة بل مقرر الشرع من قبله قيل يختار الأول والاختصاص ثابت لأن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث واشراك عزير إلى غير ذلك، أو الثاني ولا يلزم ما ذكر لجواز أنه تعالى نسخ تلك الفروع بشرع موسى صلى الله عليه وسلم ثم نسخ نبينا صلى الله عليه وسلم شرع موسى بشريعته التي هي موافقة لشريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيكون صاحب شريعة مع موافقته لإبراهيم كذا قال النيسابوري رحمه الله وهو يقتضي أنّ المراد بكون إبراهيم مسلما إنه على ملة الإسلام والمصنف رحمه الله لم يرتض هذين الوجهين لبعدهما فذهب إلى ما ذكر لأن سالم من القدح. قوله:) تعريض بأنهم الخ) هذان وجهان الأوّل أنّ المراد بالمشركين معناه المطلق ففيه تعريض لهم على طريق الكناية، الثاني أنّ المراد بالمشركين أهل الكتاب وأصله منكم فوضع الظاهر موضع المضمر للتصريح بأنهم مشركون لما ذكر فالظاهر أن يقول أو رذ أو هو وجه واحد وهو الأوّل وترك الثاني لأنه تكرار مع قوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا} وفيه نظر. قوله:) أي أخصهم الخ (أولى أفعل تفضيل وأصل معناه أقرب من وليه يليه وليا، ومنه ما في الحديث لأولى رجل ذكر ويكون بمعنى أحق كما تقول العالم أولى بالتقديم والمراد هنا الأوّل فقوله: وأقر بهم عطف تفسير. قوله: (من أمّته الخ) عدل عن تفسيره بمطلق من اتبعه فيكون ما بعده من ذكر الخاص بعد العام لأنه أشرف لكونه خلاف الظاهر، وقوله: لموافقتهم له علة لكونهم أولى وقوله على الأصالة إشارة إلى أنّ اتحاد الشريعتين لا يقتضي أن يكون الشرع هو الأوّل لأن هذا شرع جديد وان وافق شرع إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما يوافق قول المجتهد قول آخر حتى لا يلزم أنه مقلد له، وشرع مبني للمجهول، وقال: في أكثر إذ يجب علينا الإيمان بالقرآن الذي لم يجب عليهم وكذا في شرعهم ما لا يجب علينا. قوله: (وقرئ والنبتي بالنصب الخ) في عبارته تسمح أي وهذا النبيّ كما في الكشاف، وعلى قراءة الرفع هو معطوف على الموصول قبله الذي

هو خبر إنّ وعلى قراءة النصب معطوف على الضمير المفعول والتقدير للذين اتبعوا إبراهيم واتبعوا هذا النبيّ، ويكون قوله: والذين آمنوا عطفا على قوله للذين اتبعو. وليس بلغو لشموله لمؤمني أمّة موسى وعيسى وغيرهما، وعلى الجر هو عطف على إبراهيم أي إن أولى الناس بإبراهيم وهذا النبيّ للذين اتبعوه وفيه أنه كان ينبغي أن يثني ضمير اتبعوه ويقال: اتبعوهما إلا أن يقال هو من باب والله ورسوله أحق أن يرضوه وأيضآ فيه الفصل بين العامل والععمول بأجنبي، وقوله: والذين آمنوا إن كان عطفا على الذين اتبعوه يكون فيه ذلك أيضا وان كان عطفاً على النبيّ فلا فائدة فيه إلا أن يقال إنه من عطف الصفات بعضها على بعض فتأمل، وقوله: ينصرهم الخ لأنه شأن الوليّ فأريد به لازمه وتوله: لإيمانهم إشارة إلى انّ عنوان المشتق يقتضي عليه مبدأ الاشتقاق كما مرّ. قوله: (ولو بمعنى أن) أي المفتوحة الهمزة المصدرية وقد مرّ الكلام فيه وكونها للتمني وهو مذهب للنحاة، وقوله: وما يتخطاهم الخ الإضلال الإيقاع في الضلال، وهم ضالون فيؤدّي ذلك إلى جعل الضال ضالاً فلذلك أوّل الإضلال بما يعود من وباله أي فهو مجاز مرسل أو استعارة أو المراد بأنفسهم أمثالهم المجانسون لهم كما في قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} قيل: وهو من الإخبار لالغيب الذي هو أحد وجوه الإعجاز فهو استعارة أو تشبيه بتقدير أمثال أنفسهم إذ لم يتهوّد مسلم قط، وقوله: وزره الخ لف على غير الترتيب راجع إلى هذين الوجهين. قوله:) أو بالقرآن الخ) يعني المراد بآيات الله إمّا التوراة والإنجيل ويشهدون من الشهادة مجازاً عن الاعتراف بحقيتها، وأمّا القرآن ومعنى تشهدون تشاهدون نعت الرسول صلى الله عليه وسلم المذكور في التوراة والإنجيل، وأمّا آيات الله جميعا ومعنى تشهدون تعلمون حقيتها بلا شبها بمنزلة علم المشاهدة،، ضمير نعته لمحمد ع! ير أو للقرآن. قوله: (بالتحريف وإبراز الباطل في صورته) أي صورة الحق قال الراغب: أصل اللبس ستر الشيء، ويقال في المعاني كلبست عليه أمره قال تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} ويقال في الأمر لبسة أي التباس ولابست الأمر زاولته ولابست " لإنأ خالطته فتلبسون بالفتح من لبست الثوب والباء بمعنى مع، وبالكسر من لبست الشيء االئيء سترته به وقيل: خلطته والياء صلته وكذا في قراءة التشديد، واستشهدوا لاستعمال االمبس، وما في معناه للاتصاف بالشيء والتلبس به بما وقع في الحديث الصحيح الذي رواه ااحخاري. وغيره عن عائثة رضي الله عنها أنّ امرأة قالت: يا رسول الله إنّ زوجي أعطاني ما لم بعطني فقال: المتليس بما لم يعط كلابس ثوبي زور والمتشبع الذي يرى أنه شبعان وليس به والمراد المتصلف، ولابس ثوبي زور هو الذي استعار ثوباً يتجمل به أو يتنسك متقبل شهادته فهو يشهد به زورا ويظهر أنه له وليس له فيتلبس بجهتي زور ويصير كأنه لابس ثوبين من الزور، وفي الفائق المتشبع على معنيين أحدهما المتكلف إسرافا في اكل وزيادة في الشبع ليمتلئئ والثاني المتشبه بالشبعان وليس به وبهذا المعنى استعير للمتحلي بفضيلة ليست له وشبه بلابس ثوبي زور أي ذي زور وهو الذي يزوّر على الناس ويتزيا بزفي أهل الزهد رياء واضافة الثوبين إلى الزور على معنى اختصاصهما به من جهة كونهما ملبوسين لأجله أو أراد أنّ المتحلي بما ليس فيه كمن لبس ثوبين من الزور ارتدى بأحدهما واتزر بالاخر، وقيل: كانت النسوة تتظاهرن في اللباس يظهرن السمن، وقوله: تكتسون هو الصححيح، ووقع في نسخة تلبسون، وقوله: عالمين إشارة إلى أنّ الجملة خالية، وقوله: أوّل النهار إشارة إلى أن الوجه استعير للأوّل وهو استعارة معروفة كما ذكره الثعالبي. قوله: العلهم يشكون الخ) إنما قال يشكون لأنه أقل المراتب المتيقنة والا فالرجوع يكون عن اعتقاد البطلان، وكعب بن الأشرف ومالك بن الصيف بفتح الصاد المهملة من اليهود، وقوله: (اثنا عشر الخ) رواه ابن جرير عن السدي وتقاولوا تفاعل من القول والمراد المشاورة. قوله:) ولا تقرّوا عن تصديق فلب الخ) إنما أوّل تؤمنوا بتقرّوا أو تظهروا أو تفشوا على طريق التضمين ليتعدى باللام وليست هنا للتقوية، وقيل: إنها زائدة وقيل: إنه يتعذى باللام أيضا أي لا تصدقوا عن قلب إلا لهؤلاء، وعلى هذا فليس قل إنّ الهدى الخ اعتراضاً أي قل لهم إن الهدى هدى الله أو قل

لنفسك أو للمؤمنين فهو يهدي لأصل الإيمان وللثبات عليه من يشاء فلا يضرّ كيدهم. قوله: (أي دبرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى الخ) تحقيق ذلك وتفصيله ما أفاده المدقق في الكشف أنّ فيها أوجهآ. أحدها: أنّ التقدير ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهم المسلمون أوتوا كتابا سماويا كالتوراة، ونبياً مرسلاً كموسى صلى الله عليه وسلم وبأن يحاجوكم ويغلبوكم بالحجة يوم القيامة! لأ لأتباعكم، نهوهم عن الإظهار للمسلمين فيزدادون تصلبا ولمشركي العرب فيبعثهم على الإسلام، وأتي بأو على وزان ولا تطع منهم آثماً الخ وهو أبلغ والحمل على معنى حتى صحيح مرجوح، وفائدة الاعتراض أنّ كيدهم غير ضحارّ لمن لطف الله به بالدخول في الإسلام أو زيادة التصلب فيه، ويفيد أيضا أن الهدى هداه فهو الذي يتولى ظهوره فلا يطفا نوره فالمراد بالإيمان إظهره كما ذكره الزمخشرفي أو الإقرار اللساني كما ذكره الواحدفي، والمراد التصلب من التابعين لإلا وقع ما فرّوا منه. وثانيها: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر الذي أتيتم به وجه النهار إلا لمن كان تابعا لدينكم أؤلاً وهم الذين أسلموا منهم أي لأجل رجوعهم لأنه كان عندهم أهتم وأوقع، وهم فيه أرغب وأطمع، ثم قيل: إنّ الهدى هدى الله من يهده الله فلا مضل له، وقوله: أن يؤتى أحد على هذا معللة لمحذوف أي لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وما يتصل به من الغلبة بالحجة يوم القيامة دبرتم ما دبرتم، والمعنى أنّ داعيكم إليه ليس إلا الحسد، وإنما أتي بأو تنبيهاً على استقلال كل منهما في غيظهم وحملهم على الحسد حتى دبروا ما دبروا، ولو أتي بالواو لم تقع هذا الموقع للعلم بلزوم الثاني للأوّل لأنه إذا كان ما أوتوا حقاً غلبوا يوم القيامة مخالفهم فلا لاندة فيه، وأما أو فتشعر بأنّ كلا مستقل في بعثهم على الحسد والتدبير، وحملها على معنى حتى وإن كان ظاهراً لا يروع السامع ويؤيد هذا قراءة آن يؤتى بالاستفهام للدلالة على انقطاعه، الاستقلال بالإنكار، وفيه تقييد الإيمان بالصادر أوّل النهار بقرينة أنّ الكلام فيه وتخصيص من سع بمسلميهم بقرينة المعنى ولأنّ غيرهم متبع دينهم الآن، وعن المصنف إنه من جملة المقول ثانه قيل قل لهم هذين القولين، ومعناه أكد عليهم أنّ الهدى ما فعل الله من إيتاء اليهاب غيركم، أنكر عليهم أن يمتغصوا من أن يؤتى أحد مثله كأنه قيل قل إنّ الهدى هدى الله، وقل لأن لؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ما قلتم وكذبتم ما كذبتم، وثالثها أن يقرّر ولا تؤمنوا على ما قرّر علبه الثاني وبجعل أن يؤتى خبر ان وهدى الله بدل من اسمها وأو بمعنى حتى على أنها غاية سبية وحينئذ لا يخص عند ربكم بيوم القيامة بل بالمحاجة المحقة كما مرّ في البقرة، ولو حملت على العطف لم يلتئم الكلام، ورابعها: أنّ قوله ولا تؤمنوا إلا لمن الخ على إطلاقه أي ، أثفروا آخره واستمروا على اليهودية ولا تقرّوا لأحد إلا لمن هو على دينكم وهو من جملة 4ـ فرل الطائفة فقيل قل إنّ الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى حتى تحاجوا وقرينة الإضمار أنّ مر له ولا تؤمنوا تقرير على اليهودية وأنه لا دين يساويها فماذا أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم علم أنّ ااجراب أنّ ما أنكروه غير منكر وأنه كائن، وحمل أو على معناها الأصلي حسن لأنه تأييد الإبتاء وتعريض بأنّ من أوتي مثل ما أوتوا هم الغالبون لا هم، وأمّا على قراءة إن بالكسر فهو من مقول الطائفة وقدره بقولوا لهم توضيحاً وبيانا لأنه ليس استئنافا تعليلا بل خطابا لمن أسلم منهم رجاء العود، والمعنى لا إيتاء فلا محاجة وذكر عقيب الثالث لتساويهما في أنّ أو بمعنى حتى، وقوله: إنّ الهدى هدى الله اعتراض ذكر قبل تمام كلامهم للاهتمام ببيان فساد ما ذهبوا إليه، وأرجح الوجوه الثاني انتهى محصله. (وههنا بحث) ذكره صاحب الانتصاف على قطع آن يؤتى أحد عن لا تؤمنوا وهو أنه يلزمه وقوع أحد في الإثبات لأنّ الاستفهام هنا إنكار وهو في مثله إثبات إذ حاصله أنه وبخهم على ما وقع منهم، وهو إخفاء الإيمان بأن النبوّة لا تخص بني إسرائيل، وأجاب عنه بأنه روعي فيه صيغة الاستفهام وان لم يرد حقيقته فحسن دخول أحد في سياقه، وترك التعرّض له الناظرون فيه لأنهم لم يروه واردا لأن التوبيخ لا ينبغي، ولا يليق فهو نفي معنى بلا ارتياب واحتياج إلى جوابه الساقط، وقوله: من كلام الطائفة أي المذكور في الآية واحتمال أن يكون خطاباً من الله للمسلمين أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أيها المسلمون حتى يحاجوكم لأنه

لا ينسخ دينكم دين بعيد. قوله: (عطف الخ) قد مرّ ما يشرحه وقوله: (رذوا إبطال الخ الأنه تعالى كريم متفضل مختار فيما يريد فيعطي مثل ما أوتيتم وأفضل منه غيركم. قوله: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار الخ) من أمنته بمعنى ائتمنته، والأوقية بالضم سبعة مثاقيل كالوقية، وقال الجوهري: إنها أربعون درهماً، ثم استعملت في العرف في عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وفنحاص بكسر الفاء وسكون النون والحاء المهملة بعدها ألف ثم صاد مهملة، وكون الغالب في اليهود الخيانة لأنّ نهم من لا يخون كعبد الله بن سلام رضي الله عته، وقوله مدة دوامك إشارة إلى أنّ ما مصدرية ظرفية والتقاضي طلب القضاء ولا عبرة بقول بعض الفقهاء أنه لم يرد في اللغة إلا بمعنى الأخذ والترافع هو صد الأمر وانهاؤه إلى الحكام فالقيام مجاز عما ذكر. قوله: (إشارة إلى ترك الآداء الخ) بقوله: لا يؤدّه هذا هو الصحيح من النسخ وسقط لا رنرذه من بعضها اكتفاء بالإضافة العهدية، وقيل: إنه من سهو الناسخ، وتوله: عتاب وذم لما ثان السبيل بمعنى الطريق والمعنى ليس لأحد منهم علينا طريق فلا يصل إلينا حتى نسمع كلامه إذمه، وعتابه فهو كناية كقوله: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} أفاد ما ذكر. قوله: (تقاضوهم الخ (يعني رجال قريش طلبوا من اليهود حقهم، وقوله: تحت قدمي أي ساقط لا يؤاخذ به فهو لمثيل لأنّ ما سقط يوطأ ويداس. قوله: (استئناف الخ (المراد بكونها سذت مسدها أنها دلت طليها فلا يمتنع التصريح بها، ووجه التقرير أنها تفيد ذم من لم يف بالحقوق مطلقا فيدخلون! يه دخولاً أوليا، وقوله: باب عن الراجح في نسخة نائب عن الراجع، وسقوط في بعض النسخ من سهو الكاتب، ومن إما موصولة أو شرطية ولا بدّ من ضمير يعود إليها من الجملة ال! انية فإما أن يقام الظاهر مقام الضمير في الربط إن كان المتقين من أوفى، وما أن يجعل لحمومه وشموله له رابطا، وقال ابن هشام: الظاهر أنه لا عموم وأنّ المتقين مساو لمن تقدم دكره والجواب لفظا أو معنى محذوف تقديره يحبه الله ويدل عليه قوله: فإنّ الله يحب المتقين لال الحلبي: وهو تكلف لا حاجة إليه وقوله: الظاهر أنه لا عموم ليس بمسلم فإنّ ضمير بعهده إذا كان لله فالالتفات عن الضمير إلى الظاهر لإفادة لعموم كما هو المعهود في أمثاله واضافة لحهده إما للفاعل أو للمفعول، وقوله: يعم الوفاء وغيره توجيه لأنه لم يقل فإنّ الله يحب أأءس فين بالعهد والمتقين. قوله: (بما عاهدوا الله عليه (إشارة إلى أنه مضاف للمفعول وقوله:) بما يسرهم الخ (توجيه لنفي الكلام بأنّ المنفيّ الكلام السارّ فلا ينافي كلامه بغيره، أو المراد أاحطلق لسؤالهم في القيامة بواسطة الملائكة تحقيراً لهم، أو المراد بنفي الكلام نفي فائدته وثمرته فينزل منزلة المعدوم. قوله: (والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم) هذا جواب آخر عن نفي الكلام لكن ظاهره أيضا أنّ قوله ولا ينظر إليهم كناية فإن أراد أنه كناية لاقترانه بكناية أخرى، وان أراد أنه أريد به السخط كما أنّ المراد بما بعده ذلك، ولو مجازاً صح وإنما كان كناية لأنه يمكن أن يراد من عدم التكليم معناه الحقيقي فلا وجه للحكم بالمجازية فيه فإن لوحظ فيه قرينة مانعة عن إرادته صحت المجازية لكنها خلاف الظاهر، وفي الكشاف أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأنّ من اعتذ بالإنسان التفت إليه وأعاره عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وان لم يكن، ثئم نظر ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرّداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر، قال النحرير: يريد أن ترك النظر عند قرينة مانعة عن إرادة معناه الحقيقي يكون مجازاً عن الاستهانة والسخط كما أن النظر يكون مجازاً عن الإكرام والإحسان لكون النظر من لوازم الإحسان وتركه من لوازم الإهانة، ثم فرق بين استعمال النظر نفيا واثباتا في حق من يجوز عليه النظر أي تقليب الحدقة كالإنسان وبين من لا يجوز عليه كالباري وان كان بصيراً بمعنى أنّ له صفة البصر بأنه إذا استعمل فيمن يجوز عليه النظر وأريد الإحسان والإكرام فهو كناية حيث جاز إرادة المعنى الحقيقي بل ربما أريد لكن لا ليكون مناط الإثبات والنفي والصدق والكذب والأمر والنهي، ونحوه بل لينتقل عنه إلى معنى آخر وإذا استعمل فيمن لا يجوز عليه النظر فهو

مجاز لا غير لأن إرادة المعنى الحقيقي أو جواز إرادته شرط للكناية، وههنا العلم بامتناع النظر قرينة مانعة عن إرادته، وفي كلامه إشارة إلى أنه عند الكناية قد يتحقق المعنى الحقيقي ويراد لا قصداً إليه وقد لا يتحقق أصلا، وان جاز وما ذكره هنا يشكل بما ذكره في قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} الرحمن على العرش استوى ونحو ذلك أنها كلها كنايات مع امتناع المعنى الحقيقيّ قطعاً فإن أجيب بأنّ إرادة المعنى الحقيقي لا تستلزم تحققه وهو ظاهر ولا يلزم منه الكذب لأنّ إرادته لا تكون على وجه القصد إليه إثباتاً ونفيا وصدقاً وكذبا بل لينتقل منه إلى المقصود، قلنا: وكذلك النظر في حق من يجوز عليه النظر يراد، ولا يتحقق فيكون كناية. وأمّا ما يقال: من أنه إذا أريد المعنى الحقيقي لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز بمعنى إرادة المعنى الحقيقي والمجازيّ، وهو ممتنع فمدفوع بأنّ ذلك إنما هو حيث يكون كل منهما مناط الحكم ومرجع الصدق والكذب 0 وأمّا إذا أريد الأوّل لينتقل إلى الثاني فلا وصرّح في المفتاح بأنه في الكناية يراد معناها ومعنى معناها جميعاً، وفي الحقيقة معناها فقط وفي المجاز معنى معناها يعني الحقيقة الصريحة إلا فقد صرّح هو بأنّ الكناية حقيقة حيث قال: الحقيقة والكناية يشتركان في كونهما حقيقتين، ويفترقان في الصريح وعدمه، وبهذا يظهر أنّ الكناية ليست واسطة بين الحقيقة والمجاز بل نسما من الحقيقة وحيث يجعل واسطة يراد بالحقيقة الصريح منها، وأمّا عند الأصوليين فكل من الحقيقة والمجاز إن استتر المراد به فكناية والا فصريح وليست الكناية واسطة ولا داخلة في المجاز بناء على الاستعمال في غير الموضوع له على ما توهم. (أقول) ما ذكره من التناقض سبقه إليه غيره من الشراح، وأشار المحقق في الكشف إلى أنه لا تناقض فيه حيث قال: بعد سوق كلامه إنه تصريح بأنّ الكناية يعتبر فيها صلوح إرادة الحقيقة وان لم ترد وأن الكنايات قد تشتهر حتى لا تبقى تلك الجهة ملحوظة وحينئذ يلحقن بالمجاز، ولا تجعل مجازاً إلا بعد الشهرة لأنّ جهة الانتقال إلى المعنى المجازي أوّلاً غير واضحة بخلاف المعنى المكنى عنه، وقد سبق أن هذا الكلام منه يرفع ما توهم من المخالفة بين قوليه في جعل بسط اليد كناية عن الجود تارة، ومجازاً أخرى فتذكر يعني أنه إن تطع النظر عن المانع الخارجي كان كناية ثم ألحق بالمجاز فيطلق عليه أنه كناية باعتبار أصله قبل الإلحاق ومجاز بعده فلا تناقض بينهما كما توهموه، والعجب من الشارح في متابعة المعترض مع علمه بدفعه فتأمّل فقول المصنف إنه كناية عن غضبه عليهم لقوله الخ إن حمل على أنه فيهما كناية لا يخالف ما في الكشاف. قوله: (قيل إنها نزلت الخ) فالمراد بعهد الله ما عهده إليهم في التوراة من أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيره، والثمن الرشوة وهذا أخرجه البخاري في صحيحه وغيره من حديث عبد الله بن أبي أوفى أنّ رجلاً أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت هذه الآية وقوله: (في ترافع كان بين أشعث بن قيس ويهوديّ في بئر أو أرض وتوجه الحلف على اليهوديّ) أخرجه الستة عن ابن مسعود رضي الله عنه وتعدد سبب النزول لا مانع منه كما مرّ. قوله: (يعني المحرّفين الخ) تفسير فريقاً لا. الضمير وحنى بالتصغير وأخطب بالخاء المعجمة أفعل من الخطب، وقوله: يقتلونها الفتل بالفاء والتاء الفوقية بمعنى الليّ، والصرف أي يفتلون الألسنة في القراءة بالتحريف في الحركات ونحوها تغييرا يتغير به المعنى ليحسب المسلمون أن المحرّف هو التوراة فيلتبس عليهم الأمر أو المراد يميلون ألسنتهم بشبه الكتاب أي مشابهه ولا فرق بين الوجهين في المعنى إذ ليس في الوجه الأوّل إلا إظهار المحرف وهو شبه الكتاب لكن المضاف المقدّر في الوجه الأوّل هو القراءة والباء للظرفية أو الاستعانة أو للملابسة والجار والمجرور حال من الألسنة أي ملتبسة بالكتاب، وضمير تحسبوه لما دل على الليّ من المحرّف، وفي الثاني شبه وضمير تحسبوه للشبه المقدر والباء صلة، وقيل للآلة وقوله: (وقرئ بلون الخ (هي قراءة مجاهد رحمه الله بفتح الياء وضم اللام، وبعدها واو مفردة ساكنة بقلب الواو المضمومة همزة كما في وجوه وأجوه، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام فحذفت لالتقاء الساكنين وقيل عليه لو نقلت ضمة الواو لما قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين كفى في التوجيه فأقي حاجة إلى قلب الواو

همزة ورذ بأنه فعل ذلك ليكون على القاعدة التصريفية بخلاف نقل حركة الواو، وثم حذفها على ما عرف في التصريف، وفيه نظر لأنّ الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا كانت ضمتها أصلية فهو مخالف للقياس أيضاً نعم أنه قرئ يلؤن بالهمز في الشواذ، وهو يؤيده وعلى كل ففيه اجتماع إعلالين ومثله كثير، وأما جعله من الولي بمعنى يقرّبون ألسنتهم بميلها إلى المحرّف فقريب من المحرّف، وقوله: أو يعطفونها بشبه الكتاب من عطف الناقة بأن جذب زمامها ليميل رأسها والمراد الإبهام في الكلام أي كانوا يوهمون المسلمين أن ذلك من نفس الكتاب، والفرق بينهما أنهم على الأوّل يتركون النص ويقرؤون ما بذل، وعلى الثاني لا يتركونه بل يصحفونه بما يوهم خلاف المراد، وعلى هذا يكون كناية عن الخلط. قوله: (تثيد لقوله وما هو من الكتاب ا! خ (لأنّ إسناد كونه من عند الله إلى زعمهم يشعر أيضاً بأنه ما هو من الكتاب فمجموعه مؤكد له فلا وجه لما قيل إن التأكيد هو قوله: {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ} وسوقه يقتضي أنّ مجموعه مؤكد فكأنه جعلهما خبرين وجعل وصف المجموع بوصف جزئه وقوله:) وتشنيع الخ) إشارة إلى أنه ليس المقصود به التأكيد فقط إذ لو كان كذلك لم يتوجه العطف لأنه لما كان الأوّل تعريضا، ، هذا تصريحا حصل بينهما مغايرة اقتضت العطف. قوله:) أي ليس هو نازلاً من عنده) يعني المقصود بالنفي نزوله من عند الله وهو أخص من كونه من فعله، وخلقه ونفي الخاص لا قتضي نفي العام فلا يدل على مذهب المعتزلة القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله وفعل العبد هنا هو التحريف ونحوه وقوله:) ويقولون الخ) تسجيل عليهم بأنّ ما اقترفوه عن عمد لا خطأ. قوله: (تكذيب الخ (أي لا ينبغي لبشر أن يأمر بغير عبادة الله فكيف بالنبيّء! الذي أوتي الحكم والنبوّة فما فعلتموه من عند أنفسكم، والحكم بمعنى الحكمة وفسرها الزمخشرقي لالسنة لأنها تالي الكتاب والسيد علم شخص من نصارى نجران. قوله: (معاذ الله أن يعبد) وقع ير الكشاف: " أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله " وهو أحسن طباقا لما سبقه لأن الكلام في نفي عبادة غير الله لا في نفي غير العبادة، وأجيب بأنّ المراد بغير عبادة الله عبادة غير كلبادة الله، أو غير عبادة الله عام، ونفيه جعل كناية عن نفي الخاص على طريق المبالغة وبهما وردت الرواية والأمر فيه سهل. قوله:) ولكن يقول الخ (لكن لإثبات ما نفي سابقا وهو القول المنصوب بأن فيقول هنا منصوب أيضاً عطفا عليه، ويصح رفعه عطفا على المعنى لأنه في معحى لا يقول، وقيل: يصح عدم تقدير القول على معنى لا تكونوا قائلين لذلك ولكن كونوا ربانيين أي مبلغين ما أتى من الرب وضمير يقول هنا لبشر والرباني منسوب إلى الرب كالهيئ والألف والنون تزاد في النسبة للمبالغة كثيرا كلحياني بكسر اللام عظيم اللحية ورقباني بمعنى عليظ الرقبة، وفسره بالكامل في العمل والعمل وقيل إنه سرياني، وقيل: إنّ ربان صفة لأ! طشان بمعنى مرب نسب إليه. قوله: (كونوا ربانيين الخ) أي كونوا منسوبين إلى الرب بالطاعة والعبادة بسبب علمكم أو تعليمكم ودراستكم لئلا تدخلوا تحت قوله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} فالباء متعلقة بكونوا والمطلوب أن لا ينفك العلم عن العمل إذ لا يعتدّ بأحدهما بدون الآخر. قوله:) عطفاً على ثم يقول الخ) أي على يقول في، ثم يقول ففيه تسمح وجعله بعضهم عطفاً على يؤتيه ولا مزيدة وعلى عطفه على يقول والزيادة المعنى ما كان لبشر أن يؤتيه الله ذلك ويرسله للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ويأمركم أن تتخذوا الملائكة النبيين أربابا كقولك ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي أو غير مزيدة لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينهي عن عبادة الملائكة والمسيح وعزير عليهم الصلاة والسلام فلما قيل له أنتخذك رباً قيل لهم ما كان لبشر أن ينبئه الله ثم يأمر الناس بمبادنه وينهاكم عن عبادة الأنبياء والملانكة وقوله: بل ينهي إشارة إلى أن المقصود من عدم الأمر النهي وان كان أعمّ منه لكونه أمس بالمقصود وأوفق للواقع. قوله: (وهو أدنى من العبادة) ضمير هو للاتخاذ أو للأمر بالاتخاذ، وأدنى بمعنى أقرب أفعل تفضيل من الدنو فإن من يريد أن يستعبد شخصاً يقول له: ينبغي أن تعبد أمثالي وأكفائي، وقيل: أدنى بمعنى أنزل وأقل من العبادة

لأنّ الاتخاذ رباً لا يستلزم العبادة بالفعل، وفي بعض النسخ وهو نهي عن العبادة أي النهي عن الاتخاذ ربا او عدم الأمر نهي عن العبادة فتأمل. قوله:) ورفعه الباقون الخ) في الكشاف الرفع على ابتداء الكلام أظهر وتنصرها قراءة عبد الذ " ولن يأمركم " ووجهت الأظهرية بأنها خالية عن تكلف جعل عدم الأمر بمعنى النهي وبأن العطف يستدعي تقديمه على لكن وكذا الحالية أيضاً، والمراد بالبشر بشر النكرة السابق، فالإنكار عامّ وإنما عرّفه لسبق ذكره. قوله: (دليل على أنّ الخطاب للمسلمين) يعني هذه الفاصلة ترجح القول بأنها نزلت في المسلمين القائلين أفلا نسجد لك لا في أبي رافع والسيد بناء على الظاهر، وان جاز أن يقال للنصارى أنأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون أي منقادون مستعدّون لقبول الدين الحق إرخاء للعنان واستدراجا، ولبعض أرباب الحواشي هنا كلام لا علانل تحته رأينا تركه خيرأ من تكثير السواد برذه. قوله:) قيل إنه على ظاهره الخ الما كان الله لحهد إلى جميع خلقه بالإيمان سواء الأنبياء وغيرهم احتاج التخصيص إلى التوجيه فوجه بوجوه. حها ما ذكره المصنف وهو أنّ غيرهم معلوم بالطريق الأول أو أنه من الاكتفاء وهو قريب من هدا، أو أنه مصدر مضاف إلى الفاعل أي الميثاق الذي وثقه النبيون على أممهم، أو هو على حذف مضاف أي أمم النبيين أو أولاد النبيين، والمراد بهم بنو إسرائيل لكثرة أولاد الأنبياء فيهم! ، نّ السياق في شأنهم، وأمّا إنّ المراد بأولاد الأنبياء أولاد آدم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ءكأ تسلمه ليعم فخلاف الظاهر، فلذا لم يذكروه مع أنّ قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ميثاق الذين أوتوا الكتاب تدل على تعينه كما أشار إليه في الكشاف، وأمّا أنه سمى بني إسرائيل نبيين لهكماً بهم فلا قرينة عليه، ولذا أخره المصنف رحمه الله لبعده، أو المراد واذ أخذ الله ميثاقا مثل ميثاق النبيين أي ميثاقا غليظا ثم جعل ميثاقهم نفس ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة، ومن الغريب ما قيل: إق الإضافة للتعليل لأدنى ملابسة كأنه قيل واذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين، ثم بينه بقوله: لما آتيتكم الخ، ولم نر من ذكر أنّ الإضافة تفيد التعليل في غير ثلامه. قوله: (واللام في لما موطئة الخ) اللام الموطئة وتسمى اللام المقرونة هي من قولهم وطؤ الموضع يوطأ وطأ صار وطيئاً أي سهل المشي فيه، ووطأته أنا توطئة فهذه اللام كأنها وطأت طريق القسم أي سهلت تفهم الجواب على السامع، وعرّفها النحاة بأنها اللام التي تدخل على الشرط سواء إن وغيرها لكنها غلبت في إن بعد تقدم القسم لفظا أو تقديراً لتوذن أن الجواب له لا للشرط، كقوله: لئن أكرمتني لأكرمنك، ولو قلت: أكرمك أو فإني أكرمك أو ما أشبهه مما يجاب به الشرط لم يجز صرح به ابن الحاجب وليس هذا متفقا عليه فإنّ الفراء خالف فيه فجوّز أن يجاب الشرط مع تقدم القسم عليه لكن الأوّل هو الصحيح، وكونها يجب دخولها على الشرط هو المشهور وخالف فيه بعض النحاة، وقال الزمخشري: إنه لا يجب دخولها على كلمة المجازاة صرح به في سورة هود في قوله تعالى: {وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} ! يمن قرأ بالتخفيف ونقله الأزهري عن الأخفش وانّ ثعلباً غلطه فيه فهذا يدل على أن ما أشترطوا فيها غير متفق عليه. قوله: (ساد مسد جواب القسم والثرط الخ (فيه تسمح لأنه جواب القسم لكنه لما دل على جواب الشرط جعله سادّاً مسده لدلالته عليه وايجاد معناهما وإلا فجواب القسم لا محل له وجواب الشرط له محل فيتنافيان، ولا حاجة إلى أن يقال أنّ الجملة الواحدة قد يحكم عليها بالمحلية وعدمها باعتبارين وعلى جعلها موصولة فقد دخلت اللام الموطئة على غير الشرط ولا إشكال فيه كما مرّ فإنّ من النحاة من جوّزه كما أن منهم من أطلق على لام الجواب موطئة تسمحاً والأمر فيه سهل لكن على القول بأنها تدخل على غير الشرط هل يشترط مشابهته له كما الموصولة أو لا كما الزائدة في إنّ كلا لما ليوفينهم ظاهر كلام المغني وبعض الثراج هنا يشعر بالأوّل، وقوله: وتحتمل الخبرية المراد ما يقابل الجزائية أو الموصولية الاسمية أو الحرفية، وورد في كلامهم بهذا المعنى فلا يقال إنه لم يسمع ما الخبرية، وعلى الموصولية فهي مبتدأ والخبر إمّا مقدر أو جملة لتؤمنن، وأورد عليه أنّ الضمير

في به إن عاد إلى المبتدأ على ما هو الظاهر كان الميثاق هو إيمانهم بما آتاهم والمقصود من الآية أخذ الميثاق بالإيمان بالرسول عش! هـ ونصرته وان عاد إلى الرسول لمجب خلت الجملة التي هي خبر عن العائد إلا أن يقدر، ويدفع بما قاله الإمام السهيلي: في الروض الأنف إن ما مبتدأ بمعنى الذي والخبر لتؤمنن به ولتنصرنه وان كان الضميران عائدين على رسول ولكن لما كان الرسول مصدقا لما معكم ارتبط الكلام بعضه ببعض واستغنى بالضمير العائد على الرسول عن ضمير يعود على المبتدأ، وله نظائر في التنزيل وهذا بناء على مذهب الأخفش كما مرّ تحقيقه في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ} [سورة البقرة، الآية: 234] ) وجاءكم الخ) معطوف على الصلة والرابط ما معكم أو مقدّر أيضاً. قوله: (أي لأجل إيتاتي إياكم بعض الكتاب الخ) إشارة إلى أن من تبعيضية وهي على الموصولية والشرطية بيانية، وظاهره أنّ اللام متعلقة بقوله: لتؤمنن مع أنّ لام القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها فقيل إنّ الزمخشريّ يرى جوازه، وقيل: هو بيان للمعنى: وأما بحسب اللفظ متعلق بأقسم المحذوف، وقوله: مصدق له إشارة إلى أنّ ما معكم بمعنى الكتاب أو بعضه وأنه هو القائم مقام العائد في الموصولية. قوله: (وقرئ لما بمعنى حين الخ) هذه قراءة سعيد فلا وجه لما قيل إن صحت ولما إمّا ظرفية وجوابها مقدر من جنس جواب القسم كما ذهب إليه الزمخشرقي أي لما آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول مصدق، وجب عليكم الإيمان به ونصرته وقدره ابن عطية رحمه الله من جن! ما قبلها أي لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأماثلهم أخذ عليكم الميثاق وكذا وقع في تفسير الزجاج ومآل معناها للتعليل أيضاً أو أصله لمن ما فأدغمت النون في الميم بعد قلبها ميماً فحص ثلاث ميمات فخفف بحذف إحداها، والمحذوف أما الأولى أو الثانية لأنّ بها الثقل ولذا رجحه أبو حيان، ومن مزيدة في الإيجاب على رأي الأخفش عند ابن جني وتعليلية وهو الأصح لاتضاح المعنى عليه وموافقته لقراءة التخفيف، واللام إمّا زائدة أو موطئة إن لم يشترط دخولها على أداة الشرط، وقوله: استثقالاً مفعول لأجله لأنه الباعث على ذلك أو التقدير لإزالة الاستثقال. قوله تعالى: {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ} الآية) هو بيان لأخذ الميثاق دماذ متعلقة به أو بمقدر أي اذكر، وقيل العامل فيه اصطفى فيكون معطوفا على إذ المتقدمة، والإصر بالكسر العهد وأصله من الإصار وهو ما يعقد به ويشد، وبالضم لغة فيه كناقة عبر أسفار بالضم والكسر بمعنى أنه لا يزال يسافر عليها وهو يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، أو هو بالضم جمع إصار، وهو ما يشد به استعير للعهد وقوله: فليشهد بعضكم أي المقر بعضهم والشاهد بعض آخر لئلا يتحد المشهود عليه والشاهد. قوله:) وأنا أيضاً على إقراركم الخ) هذا بيان لمحصل المعنى لأنه لا بد في الشهادة من مشهود عليه وهو الإقرار هنا فلا وجه لما قيل إنّ الصواب، وأنا معكم من الشاهدين وأق هذا تفسير لما في سورة اقترب {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [سورة الأنبياء، الآية: 56] وتفسر الفاسقين بالمتمردين لأنّ أصل معنى الفسق الخروج وهو قريب من التمرد. قوله: (عطف على الجملة المتقدّمة الخ) المراد بالجملة مجموع الشرط والجزاء، وقي! قوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} قال ابن هشام: الأوّل هو مذهب سيبويه رحمه الله وهو الأصح وحذف الجملة لا داعي إليه والهمزة مقدمة من تأخير للدلالة على أصالتها في الصدارة. قوله: (وتقديم المفعول لأنه المقصود الخ) أي لا للحصر كما توهم لأنّ المنكر اتخاذ غير الله ربا ولو معه، ودعوى إنه إشارة إلى أن دين الله لا يجامع دين غيره في الطلب تكلف فالمقام يقتضي إنكار اتخاذ المعبود من دون الله ليكون الدين كله لله بدليل قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فوجب لذلك التقديم، وما قيل عليه إنّ الإنكار لا يتوجه إلى الذوات وإنما يتوجه إلى الأفعال وهو الابتغاء هنا وإنما قدم للفاصلة ليس بشيء وقوله: على تقدير، وقل لهم أي قل لهم أتتولون أو أتفسقون وتكفرون فتبغون غير دين الله ومن جعله التفاتا لم يقدره، وقوله: لأنه المقصود الخ لا ينافي التقدير لا! الإنكار منسحب عليه فتأمل. قوله:) طائعين بالنظر الخ (إشارة إلى أنه حال وقيل. إنه منصوب على المصدرية من غير لفظه لأن أسلم بمعنى انقاد وأطاع

وفيه نظر لأنه ظاهر في طوعا لموافقة معناه ما قبله لا في كرها، والقول بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل غير نافع، وقد يدفع بأنّ الكره فيه انقياد أيضاً يقال طاع يطوع وأطاع يطيع بمعنى، وقيل؟ طاعه يطوعه انقاد له وأطاعه بمعنى مضى لأمره، وطاوعه بمعنى وافقه، وقرأ الأعمش كرها بالضم وجملة وله من في السموات جملة حالية أيضا أي كيف تبغون غير دينه والحالة هذه، وعلى هذا التفسير المراد بمن في السموات والأرض الناس فلا يرد عليه أنه لا وجه لحصر سبب الإسلام طوعا في النظر، واتباع الحجة لأنه يكون بسبب هدايته ومشاهداته عندهم كما في الملائكة أو المراد أولو العلم مطلقاً وليس المراد بالنظر الاستدلال بل العلم مطلقا فيشمل ما يحصل بالمشاهدة فتأمل. قوله: (كنتق الجبل) أي رفعه فوقهم من نتق الشيء جذبه ونزعه حتى يسترخي كنتق عري الحمل، ومنه استعير امرأة ناتق أي ولدها كثير، وزند ناتق أي وار. قوله: (أو مختاربن الخ) هذا تفسير آخر فالمراد بالطوع الاختيار وبالكره التسخير فهم مسخرون لحكم القضاء، وما أراد الله بهم فالكفرة مسخرون لإرادة كفرهم إذ لا يقع ما لا يريده، وهذا لا ينافي الجزء الاختياري حتى لا يكون لهم اختيار في الجملة فلا يرد أنّ الكفرة لو لم يكونوا مختارين لم يتوجه تعذيبهم على الكفر، والمؤمنون والملائكة لا يفعلون أيضا إلا ما قضى عليهم فلا فرق وأنه ذهب إلى مذهب الجبرية، والحاصل أنّ الانقياد هنا إمّا لأمره وهو إمّا بالطوع مطلقا أو النظر والحجة بناء على الأغلب أو لإرادته وكونه على وفقها والمؤمن ينقاد لإرادة الله إيمانه باختياره لأنّ الله أمره به فاتبعه راشداً مهدياً تابعاً للأرجح والكافر منقاد لإرادته كفره لما خلقه عليه من حيث جبلته الذي هو كالقاسر له على مخالفة الأمر واتباع المرجوح فتأمل. قوله: (وإليه ترجعون) جوز فيه أن يكون جملة مستأنفة للأخبار بما تضمنته من التهديد أو معطوفة على وله أسلم فهي حالية أيضاً وقرأ عاصم بياء الغيبة والضمير لمن أو لمن عاد عليه ضمير يبغون، فإن قرئ بالخطاب فهو التفات وقراءة الباقين بالخطاب، وهو عائد لمن عاد إليه ضمير يبغون فعلى الغيبة فيه التفات أيضاً. قوله: (أمر للرسول صلى الله عليه وسلم الخ) يعني ضمير آمنا للرسول والأمة والقرآن نازل عليهم لا على الرسول فقط أو على الرسول كما هو الظاهر، وهو نازل عليه وحده ولكن نسب إلى الجمع ما هو منسوب لواحد منه مجازاً كما في بنو فلان قتلوا قتيلا لكون بين أظهرهم، ونفعه وأصل إليهم أو النون نون العظمة لا ضمير الجماعة. قوله: (والنزول كما يعدى بإلى الخ) فلا فرق بينهما إلا بالاعتبار وفرق الراغب رحمه الله بأنّ ما كان واصلاً من الملأ الأعلى بلا واسطة كان لفظ على المختص بالعلو أولى به وما لم يكن كذلك كان لفظ إلى المختص بالإيصال أولى به، وهذا كلام في الأولوية فلا يرد عليه قول الزمخشري إنه تعسف وقيل أنزل عليه يحمل على ما أمر المنزل عليه أن يبلغه غيره، وأنزل إليه يحمل على ما خص به نفسه لأنه إليه انتهى الإنزال وعليه قوله تعالى: {أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [سورة العنكبوت، الآية: 51] {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} [صورة النحل، الآية: 44] وفيه نظر فالتحقيق عدم الفرق كما ذهب إليه العلامة وقوله: (وإنما قدم الخ) أي لما كان معرّفا له ومصدقاً لما فيه ومعرفة المعرف تتقدم على معرفة المعرف قدم عليه أو لتعظيمه والاعتناء به، وقوله: (بالتصديق الخ) إشارة إلى جواز التفريق بغيره كالتفضيل، وقوله: منقادون الخ تفسير للإسلام المعدى باللام والأوّل مبني على إن نحن عبارة عما يعمّ المسلم والكافر، والثاني بناء على تخصيصه بالمسلمين. قوله:) الواقعين في الخسران الخ) إشارة إلى أنه نزل منزلة اللازم فترك مفعوله وقوله: بإبطال الفطرة أي الجبلة إشارة إلى أنّ الخسران وزوال الربح باعتبار ما جبل عليه فكأنه ضيع رأس ماله لأنّ كل مولود يولد على الفطرة فهو قريب من المكنية. قوله: (واستدل به الخ) قيل عليه إن الإسلام هو التوحيد والانقياد كما سبق، وهذا مشتمل على الإيمان بالله وكتبه ورسله مقيداً بالاستسلام فينبغي أن يحمل عليه ودينا تمييز للإسلام ومبين له كما حمل عليه في قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ} [سورة آل عمران، الآية: 19] فلا حاجة إلى ما ذكره من الجواب فتأمل. توله: (استبعاد لأن يهديهم) أي يدلهم دلالة موصلة لا مطلق الدلالة ولذا فسره في الكشاف بيلطف بهم

والحائد بالحاء والدال المهملتين بمعنى المائل المعرض عنه والمقصرد من الإنكار التقريع والتوبيخ فلا يدل على عدم التوبة. قوله:) وشهدوا عطف على ما في للمانهم من معنى الفعل الأن إيمانهم بمعنى آمنوا، والظاهر أنه عطف على المعنى كما في قوله: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ} لا على التوهم كما ذكره المصنف رحمه الله ثبعا للزمخشريّ كما في قوله فأصدق وأكن بالجزم على توهم سقوط الفاء لأنها لو سقطت انجزم في جواب شرط، مفهوم مما قبله أي إن أخرتني كما سيأتي في سورة المنافقين لا لأن التوهم لا يليق به تعالى لأنه صار كالعلم على هذا النوع من العطف بل لأنه هو الموافق للواقع والتأويل، ويجوز أن يؤوّل الثاني بالاسم بأن يجعل شهدوا بمعنى الشهادة بتقدير أن كما قاله الراغب: وأما عطفه على كفروا وان كان هو الظاهر فلم يلتفتوا إليه لفساد المعنى إذ يكون صفة قوما ويكون هو المنصرف إليه الإنكار وهو غير صحيح فإن قلت العطف بالواو لا يقتضي الترتيب فليكن المنكر الشهادة المقارنة بالكفر أو المتقدمة عليه قلت هذا هو معنى العطف على الإيمان والحالية وهي هنا أولى وأظهر فيقدر فيه قد، وقيل لأن الظاهر تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه وشهادتهم هذه لم تكن بعد إيمانهم بل معه أو قبله، وهو غير مسلم لأنه لا يلزم تقييد المعطوف بما قيد به المعطوف عليه، ولو قصد ذلك لآخر وقيل لأنهم ليسوا جامعين بين الكفر والشهادة وردّ بالمنع بل هم جامعون وان لم يكن ذلك معا ألا ترى أنه صح جعله حالاً وأما جعله معطوفاً عليه وإنه في المنافقين فخلاف المنقول والمعقول. قوله: (وهو على الوجهين دليل الخ (أي على العطف المذكور والحالية ووجه الدلالة ما يقتضيه الظاهر من تغاير المعطوف والمعطوف عليه، وعلى الثاني خلو ذكره عن الفائدة وفيه نظر ظاهر ولذا قيل يجوز أن يراد بالإيمان الإيمان بالله تعالى بقرينة ما بعده مع أنّ الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الإيمان المصطلح عند أهل الشرع، وليس هذا مما يقبل النزاع. قوله: (الذين ظلموا أنفسهم الخ (يعني المراد بالظلم الكفر، ويحتمل أن يراد مطلق الظلم فيدخل فيه الكفر دخولاً أوّليا واسم الإشارة المشار به للذوات مع الصفات المشعر بكونها علة للعن ينتفي بانتفائها وما ذكر من الأوصاف يقتضي بعدهم عن الرحمة والفرق بينهم وبين غيرهم حتى خص اللعن بهم، والناس حينئذ أمّا المؤمنون لأنهم هم الذين يلعنون الكفرة أو المطلق لأن كل أحد يلعن من لم يتبع الحق وإن لم يكن غير متبع بناء على زعمه وضمير فيها لما ذكر، ولا يأباه قوله: ولا يخفف عنهم العذاب كما توهم، ومعنى لا ينظرون لا يمهلون أو لا ينظر إليهم ويعتذ بهم. قوله:) وأصلحوا ما أفسدوا الخ) يعني أنه متعد مفعوله ما ذكر أو لازم بمعنى دخلوا في الصلاح، قيل وهو أبلغ قال النحرير: يعني أن مجرّد الندم على ما مضى من الرذة والعزم على تركه في الاستقبال غير كاف فلا تدارك لما أخلوا به من الحقوق، وقيل عليه إن مجزد التوبة يوجب تخفيف العذاب ونظر الحق إليهم فالظاهر أنه ليس تقييدا بل بيانا لأن يصلح ما فسد، وليس بوارد لأن مجرد الندم والعزم على ترك الكفر في المستقبل لا يخرجه منه فهو بيان للتوبة المعتد بها فالمآل واحد عند التحقيق. قوله: (قيل إنها نزلت في الحرث الخ) فأرسل إلى قومه أن يسألوا وفي نسخة إن اسألوا وجلاس كغراب بالضم واللام والسين المهملة صحابي، وفي شروح الكشاف إنه نقل تشديد لأمه أيضا وهو مخرج من النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما وريب المنون حوادث الدهر والموت وقوله: (بإظهاره (أي بإظهار الإيمان أو بإظهار إتباعه. قوله: الأنهم لا يتوبون الخ (لما كان هذا ينافي قبول توبته المقرر في الشرع وقوله: قبيلة إلا الذين تابوا أوله بأنه من قبيل: ولا ترى الضب بها ينجحر أي لا توبة لهم حتى تقبل لأنهم لم يوفقوا لها أو هو من قبيل الكناية دون المجاز حيث أريد باللازم معناه لينتقل منه إلى الملزوم، أو المراد لهم توبة غير مقبولة في الإشراف على الهلاك ومثلها عرف عدم قبوله وما مرّ خلافه، أو لكونها ليست مطابقة لما في قلوبهم بل نفاقا لما مرّ عنهم من قولهم ننافقه، وقوله: أشرفوا وفي نسخة أشفوا والأشفاء الإشراف، وحقيقته من أشفى صار ذا شفى لأن من كان على حالة ثم أشرف على ما ينافيها فقد بلغ شفى

الحالة الأولى أي حدها وطرفها وتعديته بعلى لما فيه من معنى الاطلاع، وقوله: فكنى الخ بيان للأوّل. قوله: (ولذلك لم تدخل الفاء فيه) في الكشاف فإن قلت: لم قيل في إحدى الآيتين لن تقبل بغير فاء، وفي الأخرى فلن يقبل قلت قد أوذن بالفاء أنّ الكلام بني على الشرط والجزاء، وأنّ سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر وبترك الفاء أنّ الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب كما تقول الذي جاءني له درهم لم تجعل المجيء سبباً في استحقاق الدرهم بخلاف قولك فله درهم انتهى، وحاصله ما ذكره المصنف رحمه الله وهو أنّ الصلة في الأوّل الكفر، وازدياده وهو لا يترتب عليه عدم قبول التوبة بل على الموت عليه إذ لو وقعت لقبلت أو على عدم مصادفة زمانها أو عدم إخلاصه فلذلك أوّل كما مرّ بخلاف الموت على الكفر فإنه يترتب عليه ذلك، ولذلك لو قال من جاءني له درهم كان إقراراً بخلاف ما لو قرنه بالفاء وهي مسألة معروفة، فمان قيل: أليس ترتب الحكم على الوصف دليلا على السببية قيل ليى هذا بلازم فإنّ التعبير بالموصول قد يكون لإغراض! كالإيماء إلى تحقق الخبر كما فصل في المعاني، وقوله الثابتون على الضلال أخذ الثبوت من التعبير بالاسمية ومنهم من فسره بالكاملين في الضلال، وبهما يتضح الحصر لأن الضلال يوجد في غيرهم أيضا وملء بالفتح مصدر ملأه ملأ وبالكسر مقدار يملأ به، وقراءة رفع ذهب إنا على البدلية منه أو عطف بيان وعبر عنه بالردّ الزمخشرفي، وهو معروف في التبعية عنده قيل ولا بد من تقدير وصف ليحسن البدل ولا دلالة عليه ولم يعهد بيان المعرفة بالنكرة، وجعله خبر مبتدأ محذوف إنما يحسن إذا جعلت الجملة صفة أو حالاً ولا يخلو عن ضعف يعني، وصف المعرفة بالجملة على حد قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني واذا جعلت حالاً بدون الواو ففيه أيضا ما مرّ. قوله: (محمول على المعنى كأنه قيل الخ ( لما كانت الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطا آخر يعطف عليه معنى والاستعمال فيه على أن يكون المذكور منبهاً به على المحذوف لكونه يعلمه بالطريق الأولى كما في أحسن إلى زيد ولو أساء، وهنا بحسب الظاهر ليست كذلك لأن هذه الحالة أجدر بقبول التفدية من سائر الحالات إذ ليس الفدية وراءها حالة أخرى أولى منها بالقبول وحاصله أنّ الواو الوصلية تقتضي كون نقيضى الشرط أولى بالجزاء، أجيب عنه بوجوه الأوّل أنّ عدم قبول ملء الأرض كناية عن عدم قبول فدية ما لأنه غاية الفدية فجعل عبارة عن جميعها فلا يرد عليه ما قيل إنه لا دلالة للكلام عليه، وضمير به لحقيقة ملء الأرض فيصير المعنى لا يقبل منه فد. ية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا، والثاني أنّ المراد ولو افتدى بمثله معه كما صرّح به في تلك الآية فالمعنى لا يقبل ملء الأرض! فدية ولو زيد عليه مثله، قيل: والمراد أنّ الباء بمعنى مع ومثل يقدر بعده أي مع مثله ولا يخفى بعده، وبهذا التقرير علمت أنه لا وجه لما قاله أبو حيان ومن تبعه من أنه لا حاجة إلى تقدير مثل وأنّ الزمخشريّ تخيل أن ما نفى أن يقبل لا يمكن أن! ط ي ب فاحتاج إلى إضمار مثل حتى يتغايرا وليس كذلك، والثالث أن لا يحمل ملء الأرض أوّلاً على الافتداء بل على التصدق ولا يكون الشرط المذكور من قبيل ما يقصد به تأك! د الحكم السابق بل يكون شرطا محذوف الجواب ويكون المعنى لا يقبل منه ملء الأرض ذصبا تصدق به ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه وضمير به للمال من غير اعتبار وصف التصدق، وقيل: إنّ المراد من افتدى به بذله أي لو أقرّ به ولو بذله وإذا لم ينفع البذل علم عدم نفع كيره بالأولى وتبل إنّ الواو زائدة كما قرئ به في الشواذ، ولو قيل: إنّ لو ليست وصلية بل للشرط وجوابه فوله: أولئك الخ أو هو ساد مسد الجواب لكان قريباً قيل وقوله: والمثل يحذف ويراد ا! خ يراد من الإرادة أي أنه لكون مثل الشيء وهو في حكم شيء واحد صح حذفه واقامته مقامه وحمله عليه، وأما جعله مقحما على أنّ يزاد من الزيادة فبعيد وكون من المزيدة النفي ل! لاستغراق سواء دخلت على مفرد نحو ما جاءني من أحد أو جمع كما هنا مقرر في العربية فلا وجه للاعتراض على المصنف بأنه مخصوص بالمفرد كما قيل. قوله: (أي لن تبلنوا حق! قة البرّ الخ) البرّ بكسر الباء الإحسان وكمال الخبر وبالفتح صفة منه، وتبلغوا تفسير لتنالوا وحقيقة البر إشارة إلى أنّ التعريف

للجنس فيكون التركيب كناية عن كون فاعله باراً، ولذا فسره الزمخشرفي بلن تكونوا أبرارا فنيله البر يدل على البلوغ إليه والبلوغ إليه يدل على كونه باراً كقول الخنساء: وما بلغت كف امرئ متناولاً من المجد إلا والذي نال أطول أي أنه ماجد فاق كل ماجد أو تعريفه للعهد والمراد بر الله لهم كالرحمة ونحوها، وهو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما. قوله:) أي من المال الخ) قدّمه لأنه الظاهر من الإنفاق وعلى الثاني يتجوّز فيه، وقوله:) روي الخ) رواه الشيخان والنسائيّ وبي