روضة القضاة وطريق النجاة

ابن السمناني

مقدمة في التعريف بالسمناني وكتابه روضة القضاة وطريق النجاة

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة في التعريف بالسمناني وكتابه روضة القضاة وطريق النجاة وصف المخطوطة: من نفائس المخطوطات الفقهية التي صورها معهد المخطوطات العربية بالقاهرة مخطوطة: روضة القضاة وطريق النجاة للعلامة علي بن محمد السمناني أو ابن السمناني. * * * وقد جلبت المكتبة المركزية لجامعة بغداد مشكورة نسخة ميكروفلمية من هذه المخطوطة بناء على طلبي، وصورت هذه النسخة في المجمع العلمي العراقي لحساب مكتبتي الخاصة تمهيدًا لقيامي بدراستها ونشرها محققة، ولذا فقد رأيت من المناسب أن أعرفها ومصنفها وموضوعها للقراء الكرام تمهيداً لنشرها في سلسلة دراسات إسلامية: أهم المخطوطات الفقهية، تلك المجموعة التي اضطلعت بنشرها منذ عام (1965) ولحسن الحظ فقد عثرت في سفرتي الأخيرة إلى تركية في صيف (1967) على نسخة خطية أخرى من هذا المصنف هي نسخة قليج علي باشا فصورت لمكتبتي. لقد جاء في أول ورقة من النسخة الأولى من هذه المخطوطة: كتاب أدب القاضي المسمى بروضة القضاة تأليف العلامة علي بن محمد السمناني تغمده الله برحمته وهو بخط مؤلفه. وذكر في آخر هذه المخطوطة أنه "فرغ من تأليفه صبيحة يوم الجمعة مستهل سنة ثمان وأربعمائة (كذا). وجاء في أول ورقة من نسخة قليج علي باشا: كتاب روضة القضاة وطريق النجاة تأليف الإمام العلامة قدوة المحققين ودرة المدققين أبي القاسم علي بن محمد بن أحمد السمناني الحنفي.

وظاهر أن الصحيفة الأولى من نسخة معهد المخطوطات من هذه المخطوطة ليست من أصل الكتاب وأنها أضيفت إليه أما الصحيفة الأخيرة من الكتاب فيستفاد منها أن ناسخ المخطوطة هو أبو عبد الله محمد بن علي .. محمد بن المظفر الشامي أقضى القضاة .. وأنه "وقع الفراغ من تأليف هذا الكتاب صبيحة يوم الجمعة مستهل صفر من سنة ثم (كذا) وأربعمائة، وكتب علي بن محمد السمناني مؤلف هذا الكتاب، وهو يحمد الله ويصلي على محمد النبي وآله، ويسلم، ويسأل المغفرة والنفع في الدارين، وهو حسبه ونعم الوكيل". إن الظاهر من أسلوب كتابة تاريخ تأليف هذا الكتاب في نسخة معهد المخطوطات أن كلمة (ثم) يحتمل أن تكون مختزلة من كلمة ثمانية أو ثمانين، فيكون تاريخ الكتاب هو سنة ثمانين وأربعمائة أي قبل وفاة مؤلفه بمدة تتراوح بين 13 - 19 سنة، على أن كتب الطبقات تشير -كما سنرى- إلى تاريخ آخر. وقد جاء في نسخة قليج علي باشا أن مصنف الروضة فرغ من تأليفها سنة 478 هـ. لقد صورت مخطوطة روضة القضاة لمعهد المخطوطات على (331) سليدة كل سليدة منها تحتوي على صحيفتين، عدا السليدة الأولى فإنها مؤلفة من صحيفة واحدة وفراغ، وبذلك تكون صفحات الكتاب عبارة عن (661) صحيفة في كل صحيفة قرابة 19 سطراً وفي كل سطر قرابة (11) كلمة. أما نسخة قليج علي باشا فيبلغ عدد صفحاتها (520) صحيفة في كل صحيفة قرابة (29) سطراً وفي كل سطر قرابة (17) كلمة.

لمن صنفت الروضة؟

وبالرغم مما ورد في أول صحيفة من هذه المخطوطة من أنها بخط مصنفها فإن ما ورد في خاتمتها ينقض هذا الزعم كما أن أسلوب الكتاب، وما جاء فيه من اختزال بعض الكلمات أو سقوطها ومن أغلاط نحوية ليدل على أن هذه المخطوطة نسخت عن مخطوطة أخرى كانت بخط المصنف. لمن صنفت الروضة؟ ويستفاد من مقدمة الكتاب أن السمناني صنفه بناء على طلب: "نظام الملك وقوام الدين، العادل، العالم، المنصور، المظفر ... أبي علي الحسن بن (الحسين) بن علي بن إسحق، رضى أمير المؤمنين". ونظام الملك هو الوزير السلجوقي الشهير مؤسس المدارس النظامية في بغداد وغيرها من حواضر الإمبراطورية السلجوقية. وقد كان الوزير معروفاً بميله لنشر العلم وتكوين طبقة من الكتاب والفقهاء تتولى تدبير تلك المملكة الفتية التي قامت على أثر هجرة تركية جارفة تزعمها السلاجقة، ولا غرو فقد كانت تلك السلطنة الناشئة الفتية بحاجة إلى تنظيم إداري تحصل به الموازنة بين السيف والقلم، وتستقر به دعائم المملكة السنية الناشئة على أنقاض الدولة البويهية الشيعية ولشدة حرصه على تنظيم دولة السلاجقة ألف بالفارسية كتاباً في السياسة عنوانه "سياستنامة". وكان مزاج ذلك العصر يميل إلى ربط كل دولة من دول الطوائف بمذهب تعتنقه الدولة وتتعصب له وهي خطة ممقوتة تركت آثارها السيئة في المجتمع الإسلامي عصوراً طويلة إلى أن أفاق من بدعتها والتزمت معظم الدولة الإسلامية المعاصرة جانب الحياد تجاه المذاهب وإن شذت عن هذه السياسة إيران وأفغانستان إذ اتخذت الأولى من الإمامية الاثنى عشرية واتخذت الثانية من الحنفية مذهباً رسمياً مع أن الإسلام ولد ولا مذاهب فيه ويمكنه أن يستمر في الاضطلاع برسالته دون التقيد بمذهب أو التزام قول دون قول.

عصر البويهيين والسلاجقة وحظ الثقافة الإسلامية فيه

عصر البويهيين والسلاجقة وحظ الثقافة الإسلامية فيه: ومهما يكن فإن العصر الذي عاش في ظل حضارته كل من السمناني ونظام الملك وظهرت آثاره في عمق ثقافة أولهما وتنوعها ومساعي ثانيهما وجهوده، إن هذا العصر يتسم بقيام الدولة السلجوقية السنية على أنقاض الدولة البويهية التي اصطنعت التشيع وأسرفت في تقييد سلطة الخلافة العباسية وإذلال الخلفاء العباسيين بالعزل وسمل العيون. ولقد حققت القبائل التركية الموحدة في ظل زعامة السلاجقة ما عجز أسلافهم قبل الإسلام عن تحقيقه من استقلال عن تسلط الحكم الفارسي الساساني والسيادة الفارسية على الشعوب التركية المحاربة، فتهيأ بذلك للامة التركية -كما تهيأ من قبل للامة العربية- أن تبدأ مرحلة تكونها القومي الحديث بفضل اعتناق تلك القبائل المهاجرة الإسلام وتحولها من قبائل مبعثرة إلى أمة مجاهدة تضطلع برسالة الدين الإسلامي الحنيف وتدين للإسلام -كما دان العرب من قبل- بهذا التحول في البنية الاجتماعية فتسارع الخلافة العباسية إلى اصطناعها والاستعانة بها على التحرر من نير البويهيين، وما اصطنعه البويهيون من سياسة إذلال الخلافة العباسية، وما أدخلوه على المجتمع الإسلامي في العراق من عادات غير مألوفة هي في نظر أهل السنة وعقلاء الشيعة أنفسهم من البدع التي لا يقرها الإسلام. ومع ذلك فإن هذا السلطان السياسي والنتول القومي الذي تحقق في ظل الدولة السلجوقية لا يعني قيام القطيعة بين عناصر الثقافة الإسلامية التي اضطلع برسالتها الإنسانية الجامعة جميع العناصر القومية الإسلامية من عربية وفارسية وتركية، فقد كانت تلك الثقافة من القوة والفتوة بحيث لم يزدها قيام دول الطوائف إلا متانة ونتولا، ولذا فإن الدولة السلجوقية التركية احتضنت في مضمار الإدارة والثقافة كلاً من اللغتين العربية والفارسية، ولا غرو فإن القوميات الإسلامية تختلف مفاهيمها عن القوميات الغربية لأنها تقوم على أساس مما دعى إليه الإسلام من التعارف والتواضع لا التنابذ والتعالي ومن الأخوة البشرية لا البغضاء الشعوبية ومن أواصر القربي في الإنسانية التي تمت في البداية بأدم وتنتهي في النهاية إلى التراب.

هذه الحقيقة هي التي تفسر لنا أن الدولة السلجوقية الناشئة لم تكد تستقر لها أسباب الملك والسلطنة حتى سعت إلى حماية تلك الثقافة الإسلامية الجامعة، وجنحت إلى المذاهب المعتدلة في تصوير الخلافة ولم تجنح إلى سياسة شعوبية قاتمة تبصق في وجه الفلك من فرط حقدها، وشجعت تأسيس المدارس والجامعات وأتاحت فرصة استمرار انبثاق النبوغ في جميع أرجاء إمبراطوريتها، فنشأ في عصرها مفكرون وفلاسفة وفقهاء عظام، وكل ذلك بالرغم من عوامل الاضطراب التي كانت تشيع في الإدارة وجباية الضرائب، تلك العوامل التي كانت تبرر مصادرة أموال الوزراء والولاة وتعذيبهم بين فينة وأخرى، ذلك أن قيام دول الطوائف المتنافسة في قلب الخلافة الإسلامية من بويهية وسلجوقية وغيرها واستقرار سلطات تلك الدولة المتوثبة بعد فترة الاستيلاء العنيفة كان لا بد له من الشعور بعد ذلك بالحاجة الماسة إلى الاستقرار والتنظيم وإلى طائفة من رجال الفكر والإدارة والفقه وسائر ضروب المعرفة كيما يعود للدولة وللمجتمع ما فقداه من طمأنينة وأمن. والحاصل فقد كانت منجزات السلاجقة -كما وصفها أحد الباحثين الناشئين- رائعة فقد قاومت الغزو الصليبي وأدركت مخاطر المذاهب الباطنية، ونشطت نشاطاً كبيراً في إنشاء المدارس ودور العلم والعناية بالدارسين والباحثين "فكان محط نظرهم هو أن العلم من أهم الأسلحة التي ينبغي أن تتوفر للامة لصد العدوان عنها ورد كيد الطامعين فيها والطاعنين عليها". وهكذا فإن القلق السياسي الذي كان شائعاً يومئذ لم يحل دون الاستقرار الثقافي والنتول الفكري في المجتمع الإسلامي، فكان ما يحل بالعالم الإسلامي من زعازع وقلاقل وكوارث سرعان ما يضمن التقدم الثقافي له سبيل الهداية والرشاد والتوجيه في ظل مبدأ دستوري إسلامي شهير هو مبدأ الأمر بالمعروف

أهداف المصنف وخطته

والنهي عن المنكر، فلا عجب إن وجدنا دول الطوائف مرهفة الشعور بالحاجة الماسة إلى اصطناع الطبقة المثقفة ثقافة موسوعية جامعة، وقد كان من أعلام تلك الطبقة أسماء خلدها التاريخ كالغزالي والماوردي والسمناني ونظام الملك الذي أخذ بيد السمناني لما لمسه فيه من سعة الثقافة والدراية بالفقه والتاريخ وصنفت الروضة تعبيراً عن عميق الولاء لذلك الوزير. أهداف المصنف وخطته: لقد رمى مصنف الروضة بتأليفه أن يكون كتاباً جامعاً مبسطاً بحيث "يحتاج إليه العلماء والمتعلمون والخاصة والعامة، ولا يستغني عنه في أدب الفقه (القضاء) على جميع مذاهب الفقهاء". والواقع أن هذا الغرض المزدوج الجامع بين إفادة المتعلمين من ناشئة الفقهاء والمتضلعين منهم من الأغراض التي حرص على اتباعها في مصنف آخر مكمل لهذا الكتاب وردت إليه الإشارة في الروضة في باب "كاتب القاضي" حيث جاء "وقد صنفنا في الشروط كتاباً سميناه كنز العلماء والمتعلمين في علم الشروط". وإلى مثل هذا الغرض رمى إمام الهدى الفقيه أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي عند تصنيفه كتاب خزانة الفقه. نحن إذن أمام مؤلف له هدف واضح، وهو فوق ذلك محيط بموضوعه وبما صنف فيه قبل ذلك من كتب إحاطة ناقد بصير، وقد صرح بنفسه بهذه الحقيقة فقال في مقدمته على الروضة. صنف في ذلك كتب كثيرة كالذي صنفه الخصاف والطحاوي والاصطخري ومحمد بن الحسن (الشيبانى) وسائر شروح الضالعين فمنهم من أطال، ومنهم من قصر، ومنهم من قدم ما لا يحتاج إليه، ومنهم من أخر، ولم يرتب

الأبواب، ولا عقد الفصول، ولا كشف قناع العلم، ولا أتى ما يحتاج إليه على نمط الحاجة. فالسمناني -كما ترى- مؤلف ناقد مضطلع أحاط بما كتب السابقون عليه في موضوعه من أعلام وضالعين فلم يتردد في نقد ما في كتب هؤلاء وأولئك وما وقعوا فيه من هنات. ونحن إذن أمام مصنف فقهي على جانب من الأهمية كبير اختط مصنفه لنفسه خطة وتمسك بمنهج يفي في رأيه بالحاجة فلا تطويل فيه ولا تقصير ولا عجز عن النفاذ إلى صميم الموضوع. وهؤلاء الذين ذكرهم السمناني كانوا من أعلام الفقه في المذهبين الحنفي والشافعي فالخصاف هو أحمد بن عمرو الشيباني المتوفى ببغداد سنة 261 هـ ومن مصنفاته كتاب أدب القاضي، وكتاب الشروط الكبير وكتاب الشروط الصغير وكتاب المحاضر والسجلات وهي جميعاً من المراجع النظرية العلمية في دراسة نظام القضاء في الإسلام. أما الطحاوي فهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدى ابن أخت الفقيه المزني الشهير في المذهب الشافعي. وقد انتقل الطحاوي من مذهب الشافعية إلى مذهب الحنفية وألف مختصراً شهيراً في الفقه وتوفي بمصر سنة 321 هـ. ومن مصنفات الطحاوي نظام القضاء والفقه العملي:- 1 - الشروط الصغير 2 - والشروط الكبير 3 - والشروط الأوسط 4 - والمحاضر والسجلات

وقد أشار السمناني إلى أن للطحاوي أدب الحكام الصغير وأدب الحكام الكبير ونقل عنهما. وأما الاصطخري فالمقصود به أبو سعيد الحسن بن أحمد ابن يزيد بن عيسى بن الفضل بن بشار (أو يسار) بن عبد الحميد بن عبد الله بن هاني بن قبيصة بن عمرو بن عامر وقد وردت ترجمته في طبقات الفقهاء للشيرازي (ص - 91) حيث قال عنه:- كان قاضي قم، وولي الحسبة، وكان ورعاً متقللاً، ولد في سنة 244 ومات في سنة 328 هـ وصنف كتاباً حسناً في أدب القضاء. وأضاف السبكي في طبقات الشافعية الكبرى أنه كان أحد الرفعاء من أصحاب الوجوه وقال الخطيب كان أحد الأئمة المذكورين ومن شيوخ الفقهاء الشافعيين. وقد ورد ذكره في البداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة 328 هـ فجاء علاوة على ذلك أنه ولي بعد قضاء قم "حسبة بغداد، فكان يدور بها، ويصلي على بغلته، وهو دائر بين الأزقة، وله كتاب القضاء لم يصنف مثله في بابه، توفي وقد قارب التسعين". مراجع أخرى: وأما محمد بن الحسن الشيباني فهو من أعلام المذهب الحنفي فقد كان صاحب الإمام أبي حنيفة ومدون المذهب صحب أبا حنيفة وأخذ الفقه عن أبي يوسف ودون الموطأ وحدث به عن مالك وهو اليوم موضع عناية الفقهاء الغربيين أنفسهم فقد كتب عنه الدكتور أوتوسبيس Otto Spies الأستاذ في جامعة بون مقالة نشرت في أعمال المؤتمر الدولي الخامس للقانون الموازن المنعقد في بروكسي سنة 1958 (مجلد 1 ص 125 - 129) بعنوان فقيه عظيم من فقهاء المسلمين، وقد ذهب في هذه المقالة إلى إعلاء شأن أبي يوسف والشيباني في تطوير المذهب الحنفي وبيان ما كان لهما من جهود وآثار.

على أن السمناني لم يكتف بالرجوع إلى ما صنفه هؤلاء في نظام القضاء بل رجع إلى مراجع فقهية أخرى في المذهبين الحنفي والشافعي حيث نجده يشير في مواضع مختلفة إلى هذه المراجع بأسمائها وأسماء مصنفيها تارة أو بأسماء مصنفيها فقط بحيث يمكن أن نقول أنه رجع إلى: 1 - المذهب للشيرازى 2 - الخلاف للقدوري 3 - كتاب المزنى (المختصر) 4 - مختصر الطحاوي، وأدب الحكام وأدب القضاء الصغير 5 - شرح الدامغانى لمختصر الحاكم 6 - مختصر الكرخي 7 - محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الدعوى 8 - الجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني والأصل والزيادات 9 - الأمالى لأبي يوسف 10 - القدوري في التجريد 11 - الخصاف في المفصل، وأدب القضاء 12 - علي بن موسى القمي: أحكام القرآن الصغير 13 - أبا عبيدة في الغريب 14 - مختصر أبي موسى الضرير 15 - ابن سماعه: النوادر والأمالي 16 - القضاء للاصطخري (الشافعي)

خطتنا في تعريف الكتاب وموضوعه

17 - شروط الأصبغ 18 - عيون المسائل لأبي الليث السمرقندي ومما يستحق الإشارة في هذا الصدد أن روضة القضاء خلت من الإشارة إلى ما كتبه الماوردي في الحاوي عن أدب القاضي مع أن الماوردي توفي قبل السمناني بتسع وأربعين سنة، فهل معنى هذا أن السمناني لم يطلع على كتاب الحاوي؟ مهما يكن من الأمر فإن كلا المصنفين رجعا إلى مراجع مشتركة في مقدمتها مصنف الاصطخري الشهير. خطتنا في تعريف الكتاب وموضوعه: مما سلف يتبين لنا أن مصنف روضة القضاة كان نقادة والكتاب يعالج موضوعاً لم يزل بحاجة إلى المزيد من الدرس والعناية، لقلة ما حقق ونشر عنه، ولتهجم بعض الغربيين وادعائهم أن القضاء الإسلامي تأثر بدوره بنظم القضاء الرومية والفارسية كما تأثرت نظم الدواوين الإسلامية. وخصائص هذا النظام الطريفة لم يكشف عنها القناع لتتجلى في ضوء البحث الموازن وتعرب عن أصالتها وطرافتها ومحاسنها وهناتها. وإلى جانب كل ذلك فهذا الكتاب صنف بعد مرحلة طويلة من النمو والتطور خطا فيها بحث أدب القضاء خطوات متعاقبة، وألف فيه فقهاء أعلام ممن ذكرهم السمناني وغيرهم والعصر الذي ألف فيه هذا الكتاب بلغت فيه حركة التأليف في شتى فروع الفقه مرحلة بالغة من التطور والنضج ورسخت فيه أساليب علم الخلاف في استعراض مختلف أبواب الفقه دون تعصب أو غلو. كل هذه الحقائق تدعونا بعد هذه التوطئة لتعريف المصنف والكتاب أن نبسط القول فندرس الموضوعات الآتية: 1 - نظام القضاء في الإسلام وخصائصه.

خصائص النظام القضائي في الإسلام

2 - سيرة مصنف الكتاب وآثاره وثقافته. 3 - ما أضافه هذا الكتاب إلى موضوع نظام القضاء من جديد سواء من حيث صياغة المبادئ أو تعليل الفروق بين مختلف آراء المذاهب أو التزام الأسلوب العقلي الهادئ المحايد إلى حد كبير من الحياد العلمي الذي أتيح لأبناء ذلك العصر. خصائص النظام القضائي في الإسلام: للنظام القضائي في الإسلام تاريخ طويل حافل بالحركة والنضال في سبيل العدل والإنسان والحق والشرع، وملامح جذابة لما فيها من طرافة، ولقد توثقت صلتي بهذا النظام منذ أن صنفت كتابي "الوجيز في المرافعات المدنية والتجارية" إلى أن درسته في جانبيه الفقهي النظري والتاريخي وأعددت فيه أبحاثاً مخطوطة رأيت أن أخدمها بنشر بعض ما صنف في أدب القضاء لتزداد ثروتنا ومراجعنا في هذا المضمار. والواقع أن النظام القضائي في الإسلام تمكن في خلال تاريخه الحافل في بعض العصور بالحركة والكفاح والتطور والمتناقضات أن يملي على صفحة الفقه والقضاء أروع القواعد والمبادئ التي تكلفت برعاية حقوق الإنسان وصيانه كرامته وعرضه وماله من التعدي والإتلاف والغصب والجور والشطط. وحسبك أن تعلم أن المدين كان يباع بالدين في شريعة روما ومصر وأعراف الغرب قبل الإسلام فلما هيمن الشرع الإسلامي على مصر وطولب القضاء الإسلامي ببيع المدين بالدين تقرر أن المدين لا يباع بالدين كالسلعة ولكن يترك ليسعى لنفسه وللدائنين. ولقد خاض هذا النظام في سبيل تحقيق ذلك أعنف المعارك وامتحن فيه بعض القضاة أقسى امتحان وحفل بأكثر الآراء والحلول تنوعاً ومراعاة لجوانب مختلفة من العدالة المحضة والمصلحة والضرورة ودون تاريخه سطوراً من نور

ولكن هذا التاريخ لم يخل من عصور انحطاط وقضاة سوء استباحوا الرشوة وحادوا عن جادة الحق وسجلت كتب تاريخ القضاة عنهم اسوأة السير والصفحات بكل صراحة وتندر حتى أصبح لدينا تاريخ حافل بهذه المتناقضات وأضيف إلى ثروتنا الأدبية فصل خاص بما قيل في القضاة من قدح وذم وتجريح وسخرية. وإلى جانب كل ذلك فإن للنظام القضائي الإسلامي خصائصه الخاصة ببنيته وتركيبة ينفرد بها عن سائر النظم القضائية حيث قام بالدرجة الأولى على أساس نظام القاضي الفرد الذي أتيح له استشارة الفقهاء في مجلسه وخارج مجلس الحكم وهذا الطراز من المحاكم يرجع إلى تقاليد العرب قبل الإسلام حيث ساد نظام التقاضي لدى حكم أو كاهن فرد ولا صلة له بطراز المحاكم في الشرائع القديمة الأخرى. ولم يحظ حكم القاضي في ظل هذا النظام بدرجة كافية من القطيعة بل كان عرضة للنقض في الأمور غير الاجتهادية وفق شروط وفروض معينة كما كان القاضي نفسه عند عزله عرضة "للإيقاف" أي لعرضه على الحساب الدقيق والسؤال والمراجعة. وهذا أغرب ما في هذا النظام بالقياس إلى سائر النظم القضائية في مختلف الشرائع المعروفة ودليل على مدى تغلغل مبدأ سيادة القانون في هذا الشرع الذي تقرر فيه خضوع الحاكم والمحكوم لحكم القاعدة القانونية ومسؤولية أولي الأمر عما عهد إليهم الاضطلاع به من الشؤون العامة والخاصة. لقد منح الإسلام للقاضي سلطة واسعة وأناط به مهمات خطيرة، ولكنه جعله مسؤولاً مسؤولية خطيرة في دنياه وآخرته حتى شبه من ولي القضاء بمن ذبح بغير سكين.

لقد كان القضاء في عصور طويلة يتمتع بأخطر مركز بعد مركز الخلافة، ولذا كانت دراسة تاريخه من الأمور المتمتعة والجديرة بالبحث لأنها قمينة بأن تكشف لنا النقاب عن طبيعة نظام الحكم في الإسلام، وعن نوع من الديمقراطية والعدالة حاول الإسلام إناطة تحقيقها بالقضاء، وأكد فيها على العدالة والمساواة أمام الشرع وعلى سيادة الشرع على جميع المكلفين حكاماً ومحكومين وعلى التزام القضاء الحياد التام بين المراكز والحقوق فسطر بذلك أنبل ما رمت إلى تحقيقه الثورة الفرنسية من حقوق الإنسان قبل أن تولد هذه الثورة، وأن تسطر فلسفتها بعصور وعصور. ولكن الفقه أناط بالقضاة مهمة النضال في سبيل هذه المبادئ ولم ينط ذلك بقواعد موضوعية أو إجراءات محددة معقدة مضمونة الجواب اللهم باستثناء حق القاضي في تفتيش السجون وإطلاق سراح المسجونين ظلماً. ولذا فقد تشدد الفقه الإسلامي في صفات القضاة وأعوانهم والشهود وتزكيتهم وتعديلهم، وتشدد السمناني أكثر من غيره لعلة سنشير إليها، ولكنه لم يخدع بما اشترطه هو والفقهاء من قبله فقد اعترف لنا بمرارة بواقع الحال حيث أتيح له معاشرة شيخه قاضي القضاة الدامغاني ثلاثين سنة تولى فيها الشيخ قاضي القضاة منصب القضاء فحدثنا في مواضع مختلفة عن واقع القضاة وعن مجلس شيخه. تلك هى خصائص النظام القضائي في الإسلام، ولسنا بحاجة إلى أن نطيل القول فيها أكثر من ذلك ولا أن نعرض على القارئ القواعد الدستورية التي حررها الفقه في هذا المضمار لأن كل ذلك سيذكر في كتابنا المفرد لنظام القضاء الإسلامي ولكننا سنكتفي في آخر هذا البحث باستنباط بعض القواعد من كتاب السمناني ليكون مجموعها أنموذجاً لهذا الدستور. لم يكن السمناني إذن نقالة جماعة في تصنيفه بل كان نقادة رسم لنا الجانب النظري ولم يخف علينا واقع حال القضاء في عصره فنقل إلينا من تجاربه وملاحظته سير الواقع ومجرى الأحداث ما يجعل المتعة المرجوة من كتابه مضاعفة، ولا غرو فقد اكتوى السمناني نفسه بنار القضاء -كما سنرى- وقد أتيح له

ترجمة السمناني

أن يختبر ما سن من القواعد المثالية لدستور القضاء في ساحة القضاء نفسه فلم يكذب علينا ولا خاتل ولكنه لم يحد عن احترامه لشيخه قاضي القضاة وإعجابه به، وبما كان يجري عليه العمل في زمانه في مجلس حكمه. وثمة أشياء أخرى يكشف عنها النقاب كتاب الروضة فإن مؤلفه لم يكتف بتقرير أحكام نظام القضاء في الإسلام ولكنه بين لنا وجه استنباط تلك الاحكام والقواعد فلم يكن يكتفي بالقياس على نظم الفقه الخاص من وكالة ونيابة بل كان يلحظ الفرق بين الأمرين أحياناً وكان في مواضع أخرى يعمد في الاستنباط إلى مقتضيات الحاجة والمصلحة. والواقع أن جميع هذه الحقائق تبدو جلية في كتاب روضة القضاة حيث يقرر السمناني في مواضع مختلفة منها أوجه القياس على الوكالة، ويقرر أحياناً وجود الفارق بين القضاء والإمامة وبين الوكالة، وحيث يذكر بصراحة أن الإمامة نيابة عن الامة، وحيث يعرض علينا محاولة الفقه تخفيف عبء الحساب والمسؤولية عن عاتق القاضي المعزول بجعل القول قوله فيما يدعى عليه. ترجمة السمناني: مولده ودراسته: وردت ترجمة السمناني في كل من الجواهر المضية (ج 1 ص 375 - 377) والفوائد البهية (ص 123 - 124) ومنهما يستفاد أنه علي بن محمد بن أحمد الرحبي أبو القاسم ويعرف بابن السمناني. ذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الهمداني في طبقات أبي حنيفة فقال: "مولده رحبة مالك بن طوق".

ورد على قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي الدامغانى الكبير فقرأ عليه مذهب أبي حنيفة. وقرأ الكلام والأصول على أبي علي بن الوليد. وكانت له تصانيف في الفقه والشروط والتواريخ وكتاب في أدب القضاء سماه روضة القضاة وهو تصنيف لطيف فرغ منه سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. وقد نسب لفخر الدين الزيلعي كتاب يسمى روضة القضاة وطريق النجاة، ولكن صاحب الفوائد البهية يقول أن الظاهر أن هذا خطأ (ص 124 منه). وثمة كتاب آخر يسمى روضة القضاة في المحاضر والسجلات تأليف مصطفى بن الشيخ محمد الرومي الحنفي المتوفي سنة 1097 أشار إليه ذيل كشف الظنون (مجلد 1 ص 596) ولا ندري هل العلاقة بين الكتابين قاصرة على اقتباس اسم الثاني من الأول أم أن الثاني رجع إلى الأول في موضوعه ومادته أيضاً.

ثقافته: فالسمناني إذن كان فقيهاً ومؤرخاً ولغوياً تثقف بثقافة عصره من فقه وكلام وأصول وتاريخ الخ، وصنف روضة القضاة وطريق النجاة في موضوع من أهم موضوعات الفقه الإسلامي، ومما يستدل به على ثقافته اللغوية مشاركته في حركة شرح النصوص الأدبية فإن في حوزة مكتبة الأوقاف العراقية مخطوطاً عنوانه: حاشية على مقامات الحريرى. وقد جاء في دليل هذه المكتبة المسمى بالكشاف أن هذه الحاشية بقلم أبي القاسم علاء الدين محمد بن علي السمناني المتوفي سنة 493 هـ وهذه المخطوطة مرقمة بالرقم 299. آثاره: صنف السمناني في موضوعات متعددة في الفقه وأصوله والتاريخ واللغة وروضته من أهم ما صنفه في الفقه فلنعد إليها فإنها محور هذا التعريف: لقد أشرنا من قبل إلى أن أحكام منصب القضاء تنير لنا أهم جوانب الفقه الإسلامي ونعني بذلك الجانب العام من هذا الفقه المعني بتصوير هذه السلطة من سلط الدولة سلطة القضاء، فأحكام القضاء إذن من أهم موضوعات "الفقه العام المقابل للقانون العام في القوانين الوضعية في عصرنا هذا وإن لم يعرف الفقه الإسلامي هذه التفرقة بين الفقه العام والفقه الخاص كما عرفت القوانين الوضعية تفرقة مثلها بين القانونين العام والخاص. ولقد سلك الفقهاء في تدوين أحكام هذه السلطة والقواعد المنظمة لها مسلكين: فمنهم من عالجها باعتبار موضوعات من جملة موضوعات الفقه فلم يفردها بمؤلف فرد مستقل، ومنهم من أفردها بمؤلف خاص كما فعل السمناني حين أفردها بكتابه الفرد الجامع لمباحث هذه السلطة وقواعدها على أن من الفريق الأول من أسهب في التأليف وأطنب حتى جاء بحثه في أدب القضاء أشبه بمصنف فرد في الموضوع كما فعل الماوردي في الحاوي.

ومن مزايا كتاب الروضة أنه لم يقتصر على سرد وجهة نظر المذهب الحنفي وحده ولكنه عالج موضوعه علاجاً جامعاً موازناً فعرض لمختلف وجوه النظر في المذاهب الإسلامية المختلفة من حنفية وشافعية وزيدية وإمامية وخوارج وأكثر من الموازنة بالدرجة الأولى بين أقوال الحنفية والشافعية وكل ذلك على طريقة علم الخلاف أي على طريقة الفقه الموازن بمصطلح عصرنا هذا إن صحت هذه الاستعارة فاتسع بذلك أفق هذا الكتاب، وقد كان الدامغاني أستاذ السمناني من المتضلعين بعلم الخلاف فنقل عن بعض مصنفاته وأشار إلى ما جرى عليه العمل في تلك الفترة الطويلة التي تولى فيها شيخه المذكور منصب قاضي القضاة فجاء كتاب الروضة جامعاً بين ما دونه الفقه في موضوع القضاء من قواعد نظرية وبين ما أسفر عنه العمل والتطبيق من حقائق، وهذه أهم ميزة انفرد بها هذا الكتاب عن سائر ما ألف في موضوعه. إن المعضلة التي يواجهها الباحث في العلوم الإنسانية هي معضلة استحالة اختبار النظم في مختبر وإجراء التجارب عليها تمحيصاً لها، ولكن السمناني أتيحت له هذه الفرصة النادرة في مجلس قضاء شيخه حيث سجل لنا في نهاية أكثر فصول كتابه صوراً ممتعة مما كان يقع في ذلك المجلس ووازن بينها وبين ما قرره الفقهاء ورسموه للقضاء من قواعد نظرية فكان ذلك المجلس مختبراً للنظام القضائي في عصره. ومع أن هذا الكتاب متواضع العنوان إذ يقتصر على الإشارة إلى "القضاة" والقضاء فإن موضوع الكتاب في الحقيقة أوسع من ذلك: 1 - فقد عني السمناني بجميع جوانب الفقه الإسلامي العام بما عقده من موازنات بين الخلافة والقضاء، وبين سلطة القاضي والإمام. وما يشترط في كل منهما من الصفات، وكيف يعزل كل منهما الخ فجاء بذلك كتاباً جامعاً في الفقه الإسلامي العام غير قاصر على بحث سلطة القضاء وبذلك يمكن القول أن السمناني كان من فقهاء الفقه العام إلى جانب تضلعه بالفقه الخاص، وأنه بذل في تطوير مبادئ الفقه العام جهوداً، وقدم لنا نماذج من الصياغة القانونية في هذا المضمار،

شأنه في ذلك شأن الماوردي وإن لم يلغ شأن الماوردي لإقلاله وإكثار الماوردي فيما صنف من كتب في حقل الفقه العام. 2 - وقد عقد السمناني في آخر كتابه فصولاً أرخ فيها للقضاة إلى زمانه فدل بذلك على مدى تضلعه في تاريخ الإسلام. وإلى جانب ذلك فإن مؤلف روضة القضاة كان نسيج وحده كما يظهر من مقدمة كتابه، فإنه لم يقتصر على جمع أقوال من تقدمه من المؤلفين السابقين في هذا الموضوع ولكنه نظر فيما ألفوه نظرة الناقد الفاحص فتكشفت له عيوب تآليفهم من تقصير وتقديم ما لا يحتاج إليه من مقدمات إلى غير ذلك من المآخذ فحاول أن يحترز منها. والواقع أن طريقة هذا المؤلف في الجمع بين أسلوبي النقد والتجميع إن دلت على شيء فإنما تدل على سعة اطلاعه وتوقد ذكائه في تلك الحياة المضطربة التي قاسى آلامها وشدائدها ولم تنصفه في أعز الأشياء عليه وعلى كل إنسان كما سنرى. (2) هذا عن الروضة وللسمناني في موضوع القضاء العملي كتاب أشار إليه إسماعيل باشا البغدادى في كتابه هدية العارفين وأسماه "العروة الوثقى في الشروط". وحدثنا السمناني نفسه عن كتاب له في هذا الفن سماه "كنز العلماء والمتعلمين في علم الشروط" فهل هما كتاب واحد أم كتابان؟ هذا ما لا نستطيع الإجابة عليه جواباً جازماً فلنكتف بالنظر إلى ما ذكره السمناني نفسه عن كنزه حيث قال في روضة القضاة في باب كاتب القاضي: وقد كنا صنفنا في الشروط كتاباً سميناه كنز العلماء والمتعلمين في علم الشروط على نمط يخالف في التراتيب سائر كتب من تقدم وهو مما لا يستغني عنه عالم ولا متعلم، وفيه من الفقه والتعليل لكل شرط، وذكرت خلاف الناس فيه".

فالروضة والكنز كلاهما يعالجان نظام القضاء الروضة من جوانبه النظرية ويتناوله الكنز من جوانبه العملية والتطبيقية، فيعنى ببحث الشروط وفي هذا يقول السمناني في تحديد العلاقة بين كتابيه هذين: "ففيه ما يعين على هذا الكتاب (الروضة)، كما أن في هذا الكتاب ما يعين على ذاك". 3 - وإلى جانب كتابي الروضة والكنز تشير كتب الطبقات كما ذكرنا إلى أن للسمناني تصانيف في الفقه ولا نعلم عن هذه التصانيف شيئاً حتى الآن. 4 - كما تشير هذه المراجع إلى أن للسمناني تصانيف في التواريخ. 5 - وللسمناني كما قلنا شرح على مقامات الحريري منه نسخة مخطوطة في مكتبة الأوقاف العراقية وقد اطلعت عليها فوجدت في آخرها العبارة الختامية الآتية "تم الكتاب بعون الملك الوهاب على يد مؤلفه العبد الفقير إلى الله الغني به علي بن محمد المدعو بعلاء السمناني، بلغه الله كل ما يهواه من المطالب والأماني ليلة السبت وقت العشاء السابع عشر من شعبان ... : ومن المؤسف له أن تاريخ سنة الكتابة قد طمس بحيث لا يقرأ. 6 - وله أيضا سراج المصلي وشروط الصلاة أشار إليه بروكلمان في الملحق 1 ص 638 وذكر أن نسخة خطية منه في مكتبة قليج برقم أ، 378.

حياة السمناني المضطربة: هذا المصنف المثقف المتعدد جوانب الفكر والثقافة النقادة الفاحص المتأمل لم يها في حياته بما يحقق له العزة والكرامة وإن بلغ في زمن نظام الملك مرتبة "صاحب الخبر" فقد نكب منذ اللحظة التي حملت فيها أمه في نسبه حيث شاءت الأقدار أن تحمل به أمه وأن تناصبها العداء زوجة حرة فتحمل زوجها على بيع تلك الجارية المنكودة قبل أن تظهر عليها علامات الحمل لمن يحملها إلى خارج العراق ويسدل الستار عليها وعلى من ستلده. كانت حياة السمناني إذن مضطربة قاسى فيها الأمرين من الشدائد والآلام في مجتمع كان يضع أبناء الجواري في منزلة دنيا، ولا يفسح لهم مجال التقدم إلا بشق الأنفس، فقد ولد من جارية ولادة مغمورة ونشأ في رحبة مالك بن طوق على الفرات، بعيداً عن كنف أبيه محروماً من شفقته ومن أخوة أخيه لأبيه، ولكنه تمكن من شق طريق الحياة بصبر وأناة وكانت أمه حريصة على أن ترفعه إلى المنزلة التي أريد إقصاؤها عنها فدفعته إلى دور العلم وأوصته أن يعود أدراجه إلى موطن آبائه وأجداده إلى العراق ليدرس الفقه على الدامغاني قاضي القضاة، ويبلو خلو الحياة ومرها فتمكن من شق طريق الحياة بصبر وأناة ولم يعلن الثورة على المجتمع إعلان مستهتر بالقيم والتقاليد ولا إعلان ناقم على الأوضاع والنظم ولكنه أعلنها إعلان مؤمن بالحق والمثل العليا ووجد ضالته في القضاء فتمسك بكل ما يحقق مثله الأعلى فيه من شروط الكمال فبرهن بذلك على أصالة نفسه وكان- كما قيل- كثير الشبه بأبيه. وحين تمكن من ثقافة عصر وبلغ فيها ما بلغ توفي أخوه من الزوجة الحرة، فأراد أن يثبت نسبه من أبيه، وأن يبرهن أن أمه الجارية كانت في الحقيقة أم ولد، وأنها حملت به من قاضي الموصل أبي جعفر السمناني، ولكنه أخفق في إثبات هذا النسب، ولم يلتفت إلى دعواه قاضي القضاة رغم شدة الشبه بينه وبين أبي جعفر السمناني، فقد طعن النسب بأنه: لا تصح منه الدعوى

لأنه مملوك اسمه ظاهر، كما هو ثابت في محضر شهد فيه قوم بذلك. ولقد اختتمت تلك الدعوى الفاشلة وجهوده المتواصلة في التظلم منها بالمصالحة على ست مائة دينار يؤدي قاضي القضاة منها أربعمائة دينار. صاحب الخبر: ولكن ما فقده الرحبي من جاه النسب عوض عنه بعض العوض فقد نفق سوقه لدى نظام الملك الوزير السلجوقي فجعله صاحب خبره ببغداد، وأجرى له في كل سنة نحواً من سبع مائة دينار. عقد نفسية: هذا النسب الذي أخفق الرحبي في إثباته، وهذا المنصب المغمور الذي حصل عليه لم يدخل الطمأنينة والراحة على نفس هذا الفقيه المؤرخ اللغوي على ما يظهر، فقد ساءت حالته النفسية رغم المعاش الذي أجرى عليه وثقة الوزير به. وقد أجرت عليه تلك "العقد النفسية" آلاماً شديدة ومصائب متوالية، لأن نسبه المفقود لم يعوض بمنصب غير مغمور، ولأن الناس في عصره لم تكن لتكبر الفقيه إذا ارتقى منصب القضاء فكيف بمن قنع بأن يكون "صاحب خبر" أي رئيساً للمخابرات السرية التي أقامها الوزير السلجوقي الدكتاتور لرصد أخبار العراق وأخبار الخلافة العباسية التي جردت من كثير من سلطاتها وأصبحت مجرد إطار يزين شرعية السلطة السلجوقية وإن حرصت أن تستبقي القضاء في قبضتها، ولقد حدثتنا المصادر حديثاً مقتضياً عن تلك الحياة المضطربة التي قضاها الرحبي السمناني في بغداد في منصبه الجديد غير قرير، حيث تقول الجواهر المضية أن السمناني "ظهر منه تهجم في القول في مجلس الوزير أبي شجاع فخرج توقيع المقتدي بأمر الله بتأديبه، وقرئ التوقيع في المركب في أول شهر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة". وتناقل الناس في بغداد ذلك الحادث بالتعليق والتأويل، وكثرت الشائعات وفي هذا تقول الجواهر المضيئة (ج 1 ص 377).

"وتداول أهل بغداد ما خرج في معناه، وجلس أياماً في دار بالقرب من دار الخلافة وحبس، وأطلق ولازم منزله، فورد نظام الملك إلى بغداد، وخاطب الخلفية فيه، وورد بعد ذلك بسنتين عميد الملك أبو منصور بن جهير فراعاه ولاحظه". هذه الأخبار المضطربة والوقائع الدالة على مدى الاحتكاك بين الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية والصراع الخفي على اقتسام النفوذ في تلك الرقعة التي قامت فيها الإمبراطورية السلجوقية كان ضحيتها صاحب الخبر حيث قدر له أن يقيم بين شقي الرحى وأن يتكلف الخليفة الغضب عليه والأمر بحبسه وأن تسارع الدولة السلجوقية إلى التشفع له وإنقاذه. دعواه إثباته النسب: ولا يفوتنا بعد هذا وقد عرفنا طرفاً من سيرة هذا الفقيه المنكود أن نستعرض تلك المحاكمة التي حاول خوضها لإثبات نسبه وكيف أخفق فيها وما أعقب ذلك من تظلمه وصلحه لما في هذه المحاكمة من غرابة وطرافة وتصوير لأخلاق ذلك العصر لثبوت رقه بوثيقة دونت فيها شهادة شهود أعدت من قبل إعداداً محكماً فأسقط في يده ولم يحر جواباً، ولكنه عاد يتظلم من الحكم ثم اضطر إلى قبول التصالح مع القاضي الذي رد عليه دعواه. لقد روى لنا حوادث هذه القضية، وسير المحاكمة فيها وطرق التظلم منها كتاب الجواهر المضية. وتبدأ حوادث هذه القضية بوفاة أحد القضاة من أسرة السمناني ويدعى أبو الحسين بن أحمد بن جعفر بن محمد، فقد توفي سنة 466 هـ "فحضر (مجلس القضاة) أبو القاسم الرحبي غداة، وقد خرق ثيابه، وشوش عمامته وتخفى في مشيته، وفعل فعل أهل المصائب، وذكر أنه أخوه، وادعى أن القاضي أبا جعفر السمناني أبوه. وتساءل الناس عن أسرة السمناني وعن سمنان التي تنسب إليها؟

وبعد أن رفعت الستارة عن هذه البداية المسرحية وأسكت الجلاوزة اللغط وقطع على المتهامسين الهمس واستمع إلى أقوال أبي القاسم" لم يلتفت قاضي القضاة إلى دعواه "وكتب محضراً واخذ فيه خطوط جماعة". وخرج أبو القاسم منكس الرأس يخط برجليه خطوط اليأس والغيظ والناس بين شامت به وبين ناقم على قاضي القضاة. وفي الفصل الثاني من هذه المسرحية نجد أبا القاسم يطرق باب الخليفة متظلماً بأسلوب مسرحي آخر حتى "تقدم القائم بأمر الله بأن يعقد لأجله مجلس في دار الأستاذ أبي الفصل محمد بن عامر وكيله في المخزن "وأسدلت الستارة قليلاً لترتفع عن فصل آخر حيث" حضره كافة أهل العلم والقضاة والشهود ورفعت الستارة عن هذا الفصل الجديد المتوتر وقد انحت الرؤوس من نقل العمائم واشتبكت الأصابع باللحي، وقد تصدى للمدعي ابن المحسن وكيل زوجة المتوفي. وبدأ بين الطرفين حوار خاطف فتقدم السمناني وهو يحدث نفسه حديث الواثق بصوت منخفض: - لقد أعدت لكل شيء يقوله ابن المحسن وكيل الزوجة جواباً. ولكنه ما يكاد يخطو خطوتين حتى ينبري له ابن الحسن مخاطباً القاضي أبا الحسين محمد بن محمد البيضاوي: - أيها القاضي إن هذه الدعوى لا تصح من هذا ثم يشير إلى المدعي قائلاً له بسخرية لاذعة واحتقار: - أنت! أنت لا تصح منك الدعوى، لأنك مملوك! ويتهامس جمهور الحاضرين. ويذهل علي السمناني من تلك التهمة التي رافقته من الرحبة إلى بغداد. ويهم بالجواب ولكن الوكيل يفحمه قائلاً: -

واسمك! اسمك ظاهر ثم يخرج الوكيل من كمه محضراً بذلك وقد شهد فيه قوم بذلك فينشره ملوحاً به وتسدل الستارة والمدعي يستغيث: - رباه! ما أظلم الإنسان لقد تحيرت في أمري. وها أنا ذا لا أجد من ينصرني. أأنا مملوك حقاً؟ ولست حراً. فتتوالى القهقهات وهو يقول: - وأي ذنب لي في كل ما قدر لي! ألست إنساناً! ويسمع صوت يقول: - ياللصلعوك إنه يتحدى المقدور؟ وتسدل الستارة بسرعة لترتفع عن قوم يتهامسون: صوت- لقد عاد الفقيه المملوك أخيراً. آخر- صه صه لقد عاد إلينا وكأنما هو غيره. ثالث- وكيف أيها الرجل. الصوت الثاني- إنه اليوم صاحب الخبر ببغداد ومن ورائه نظام الملك الوزير وجندي من جنود السلاجقة يتبعه كالظل لينقض كالصاعقة على من يشير إليه بطرف بنانه. الصوت الثالث- إنه سينتقم رابع كلا، إنه اليوم في محنة فقد ظهر منه تهجم في القول في مجلس الوزير أبي شجاع فخرج توقيع المقتدي بأمر الله بتأديبه وسيقرأ التوقيع في المركب ثم يحبس. صوت آخر: والدولة السلجوقية؟ إن نظام الملك من ورائه، إنه سيعود إلى سابق عهده إن السلاجقة لا يرضون الهوان لأتباعهم.

ما أثمرته روضة القضاة

تلك هي فصول المسرحية التي شهدتها بغداد في زمن الخليفة القائم بأمر الله أو لقطات منها: وفي خضم تلك الأحداث لم ينصرف السمناني عن التأليف فخلف لنا كتابه "روضة القضاة" يدعو فيه لقضاء عادل، قضاته على جانب كبير من العلم بالشرع والاجتهاد لو أمكن تحقيق حلمه المنشود. ما أثمرته روضة القضاة: أما وقد علمنا أن مصنف روضة القضاة كان ضحية من ضحايا القضاء فأخفق في اتباع نسبه من أسرة السمناني العراقية العريقة ولم ينصف في مجلس القضاء، ولا في مجلس التظلم وآب من دعواه بصلح يقاسي فيه مرارة الحرمان، حرمان ابن الجارية من نسب السيد مولاها كما هزمت أمه من قبل في صراعها مع السيدة زوجة قاضي القضاة أبي جعفر فبيعت بثمن بخس فهل أثرت تلك الأحداث على نفس المؤلف. أجل لقد أثرت كل الأثر ولكنه تماسك وتجلد كما أشرنا فدل على نجابة وصلابة في الحق واتجه إلى التأليف ليحيط بتأليفه عالم الحق بما يمكنه من الضمانات الخلقية وعمد إلى تبسيط مؤلفه ليكون مرجعاً لا للعلماء والخاصة فقط بل للمتعلمين ليتعلم الجميع حقوقهم المقررة شرعاً وليتعلم الإنسان أن له كرامة وحقوقاً. وأكبر الظن أن تلك الأحداث أثرت في نفسه تأثيراً عميقاً فحذر من تولية القاضي الجاهل لأن "البلية به أشد، لاسيما إذا اختصما في المعاملات والمواريث والمسائل المشكلة في الفروع التي يتجاذبها شبه الأصول". وحذر من تولية "متهم في الحكم لئلا يجور" وكتب يقول: لا ينبغي أن يختار للقضاء "إلا من يغلب على الظن أنه أوفا مختار، وأكمل إنسان". وينبغي لمن تملك الولاية أن يختار لهذه الرتبة من لا يقدر العالم على أصلح منه، ولا أفضل ولا أكمل، كما اختار الله تعالى لرسالته صفوة كل عالم، هذا

نماذج من قواعد الفقه الإسلامي كما صاغها السمناني

التشدد في اختيار القضاة وتطلب الكمال فيمن يولى القضاء لا نجد له نظيراً في أدب القضاء للماوردي- مثلاً- فإن الماوردي مال إلى الاعتدال في اشتراط الفضل في القاضي لما هو معروف عنه من واقعيته، ولذا فإن الماوردي صاغ القاعدة المعتدلة الواقعية الآتية فقال: "إذا تكاملت شروط القضاء في جماعة، كان الأولى بالأمام أن يقلد أفضلهم، فإن عدل عن الأفضل إلى المقصر انعقدت ولايته، لأن الزيادة على كمال الشروط غير معتبرة" (أدب القضاء له 1/ 25). وهكذا كان السمناني يتمنى أن لا يرقى إلى دست القضاء إلا إنسان كامل علماً وعدلاً واجتهاداً لينصف أمثاله من جشع الأرمة وغيرة الضرة. نماذج من قواعد الفقه الإسلامي كما صاغها السمناني: وثمة مزية أخرى يلمسها قارئ هذا الكتاب: ألا وهي عرض المسائل الفقيهة بشكل جذاب بارع الصياغة جاهز للتدوين القانوني بمجهود قليل يبذل في هذا المضمار وإليك بعض الأمثلة على ذلك: العقد الموقوف: ففي العقد الموقوف صاغ القاعدة الآتية: كل عقد لو تقدم عليه الإذن نفذ، إذا تأخر عنه الإذن انعقد موقوفاً على من له حق العقد (الحنفية). أخرى بعكسها لا ينعقد شيء من العقود موقوفا على الإجازة. تولية المرأة القضاء: وذكر في آخر بحثه عن تولي المرأة القضاء قاعدة جامعة لحقوق المرأة ومركزها الفقهي فقال: "وأجمعوا على أنها يجوز أن تكون وصياً، ووكيلاً، وقاسماً، وأميناً وأنها كالرجل في سائر العقود.

باب في الإمامة

وأنها أولى من الرجل بالحضانة والتربية وأنها يقبل قولها فيما لا يطلع عليه الرجال، ولا يقبل قول الرجال في ذلك. إن هذه العبارة الجامعة لحقوق المرأة ومركزها القانوني في الفقه الإسلامي يمكن أن تصاغ قاعدة قانونية بتعديل يسير بأن يقال مثلاً: قاعدة: أ- للمرأة أن تكون وصياً ووكيلاً وقاسماً وأميناً. ب- وهي كالرجل في سائر العقود، وأولى منه بالحضانة والتربية. ج- ويقبل قولها فيما لا يطلع عليه الرجال دون أقول الرجال. باب في الإمامة وصاغ عند بحثه عن واجبات الخليفة تجاه الرعية وحقوقه على الرعية قواعد جامعة من قواعد الدستور الإسلامي، وفي الإمكان بعد تعديل يسير أن نصوغ عبارته بعد تجريدها مما لا صلة له بأسلوب التشريع من عبارات الشرح والإيضاح على النحو الآتي: قاعدة- يتعين الإمام بالاختيار. أخرى: يتعين بالنص (الإمامية) قاعدة- إذا عقد للإمام فالعبرة بالعقد الأول. وإذا وقع عقدان معا ينعقد للأفضل (وقيل بالبطلان وبالقرعة). قاعدة- يقع اختيار الإمام بأن يجتمع جماعة من صلحاء الأمة وأهل الحل والعقد والعلم والأمانة فيعقدوا للأمام ولا يفتقر إلى جميع الأمة في ذلك. قاعدة- الدعوة طريق للإمامة وهي أن يباين الإنسان الظلمة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وتجتمع فيه شروط الإمامة فيكون إماماً وإن لم يبايع على ذلك. (الزيدية). أخرى. لا يكون. قاعدة- لا يجوز أن يتعدد الإمام في العصر.

قاعدة- يشترط في الإمام أن يكون ذا رأي وسياسة وشجاعة وأن يكون في ظاهره عدلاً، فإن كان فاسقاً لم يؤمر، ولم يعقد له ولاية ولم تجب طاعة. قاعدة- ليس للإمام أن يجبي ما لا يستحقه، ولا أن يعطي ما يجب (المصالح العامة وشؤون الرعية) لنفسه ولا لغير مستحقه. قاعدة- على الإمام التسوية في الأحكام والعطاء وقسمة الفيء ووضع كل حق في موضعه، ومنع المظالم. قاعدة- للإمام على الرعية أن يسلموا إليه ما وجب من حق في المال له أخذه وله عليهم السمع والطاعة فيما يأمر وينهى عنه، ما لم يكن معصية لأحكام الشرع. وأن يمكنوه من إقامة الحدود في أنفسهم وأتباعهم. وهكذا يمكن أن نضيف إلى هذه القواعد الدستورية قواعد أخرى مستخرجة من هذا الكتاب بعد تعديل يسير وتجريد قليل. فنقول مثلاً: قاعدة- لا يصح عقد الإمامة خاصة، بل لا تقع إلا عامة عموماً لا تخصيص فيه بحال. قاعدة- الإمام نائب عن المسلمين يستوفي ما وجب لهم من الحقوق ويوفيهم ما يجب لهم، ويستوفي منهم ما يجب استيفاؤه من الحقوق العامة وينفذ عليهم الأحكام. قاعدة- إذا جار الإمام واعتدى وتمرد واحتوى على الأموال وجب على المسلمين خلعه ومنعه والاستبدال به. قاعدة- يشترط في الإمام أن يكون قرشياً (مذهب الجمهور). أخرى- لا يشترط (رأي الخوارج وبعض أصحاب الحديث) فيجوز أن تكون الإمامة في غير قريش وغير العرب. قاعدة- الإمامة حق لكافة المسلمين ولهم أن يصرفوها إلى من شاءوا ممن يعلمون أنه يقوم بها.

قاعدة، إذا أسر الإمام وتعذر على الناس الوصول إلى إذنه جاز لهم نصب غيره وسقط عنهم حكم ولايته. قاعدة- لا يشترط في القاضي أن يكون عربياً. قاعدة- يقضي القاضي على الأمير، ويقضي له، وإن استفاد النظر منه. قاعدة- ليس للقاضي أن يتصرف إلا فيما يجوز للإمام أن يتصرف فيه. قاعدة- لا ينقض قاضي أهل العدل من أحكام قضاة الخوارج. إلا ما ينقض من أحكام غيرهم، كل ذلك بشرط أن لا يكون قاضيهم ممن يستبيح دماء أهل العدل وأموالهم وأن يكون عدلاً مجتهداً. قاعة- يشترط في الحاكم أن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً حراً، مسلماً عادلاً، غير متهم في الحكم. قاعدة- يجوز أن تلي المرأة القضاء فيما يجوز أن تقبل شهادتها فيه، وحدها أو مع الرجال، ولا يجوز في الحدود والقصاص (أبو حنيفة). أخرى- يجوز أن تتولى المرأة القضاء في جميع ذلك (الخوارج). قاعدة- لا ينبغي أن يولى القضاء إلا الموثوق في عفافه وعقله وصلاحه وفهمه وعلمه بالسنة والآثار ووجوه الفقه (عن مختصر الطحاوي). قاعدة- لا يولى الحكم إلا رجل من أهل الاجتهاد (الروضة) ولا تنعقد ولاية العامي (الشافعي ومحمد بن الحسن عن الروضة). قاعدة- لا يشور القاضي إذا نزل به المشكل إلا أميناً عالماً بالكتاب والسنة والآثار وأقاويل الناس (أي الفقهاء) والقياس وأنساب العرب (عن المزني). قاعدة- يولى القاضي من جهة الإمام. قاعدة- يشترط في الإمام أن يكون ذكراً (وشذت الخوارج فأجازت إمامة الأنثى).

في الثورة على الظلم

قاعدة- إذا عزل الإمام القاضي فأحكامه نافذة وقضاياه ماضية حتى يصله كتاب العزل وشهادة الرسول بذلك. قاعدة- إذا ادعي على القاضي المعزول أنه ارتكب في قضائه السابق ظلماً أو تعدياً فالقول قول القاضي المعزول ولا يمين عليه. قاعدة- إذا تظلم من القاضي المعزول متظلم، وسأل القاضي المولى إحضاره لم يحضره حتى يسأله عما بينهما. قاعدة- إذا ادعى على القاضي المعزول أنه حكم بجور نظر في ذلك فإن كان مما يسوغ فيه الاجتهاد أمضاه، وإن كان لا يسوغ فيه الاجتهاد أبطله، كما يبطل حكم نفسه إذا رده الإجماع. قاعدة- خطأ القاضي على نوعين: ما هو حقوق الله كالحدود فهو في بيت المال. وما هو حق العبادة فذلك واقع على من حكم له به، يغرم ذلك المقضي له، ولا شيء على القاضي فيهن والمال إذا لم يقدر على رده ففيه غرم المثل، والقيمة والدية. وإن كان قائماً بنفسه رده على صاحبه، ولا غرم على القاضي. في الثورة على الظلم قاعدة- يسأل الإمام الخوارج عما دعاهم إلى الخروج فإن ذكر شيء ظلموا فيه أنصفهم من الظلم، وإلا دعاهم إلى الرجوع إلى الجماعة والدخول في طاعة الإمام، فإن فعلت وإلا قوتلت. في التحكيم وفي التحكيم يمكن استخلاص القواعد الآتية: قاعدة- يجوز أن يحكم الخصمان، رجلاً واحد، ويجوز أن يحكما رجلين فما زاد ولهما أن يخرجا الحكمين من الحكم. قاعدة- لا ينفذ الحكم من الحكم على غير الخصم الذي حكمه.

الختام

قاعدة- إذا حكم الحكم بشيء ثم رفع إلى القاضي وكان موافقا للحق ورأيه أمضاه وإلا رده. الختام: والحاصل فإن كتاب روضة القضاة جدير بعناية الجماعة والباحثين وبأن يتخذ مرجعاً للدرس في معاهد الدراسة العالية في الفقه الإسلامي والقانون لكن ما ذكرناه من مزاياه وفي سيرة مؤلفه ما يصلح نواة لمسرحية أو رواية سينمائية تمثل نقائض ذلك العصر ومظالمه ومآسيه والصراع بين القوي والطبقات. ولحسن الحظ فقد عثرت في سفرتي الأخيرة إلى الجمهورية التركية صيف سنة 1967 على تحقيق هذا الكتاب ونشره بإذن الله وتوفيقه، وسأختار من بعد ذلك للنشر ما كتب عن القضاء في أهم مخطوطات الفقه التي لم تنشر لما تزخر به هذه الفصول من القواعد التي دبجتها براعة الفقه الإسلامي كالقاعدة التي قرأتها في مخطوطة شرح الزيادات للاوزجندي في مكتبة راغب باشا في الأستانة حيث جاء في باب الدعوى في هذه المخطوطة. بني هذا الباب على أن القاضي مأمور بالنظر والاحتياط، لأنه نصب لدفع الظلم وإيصال الحقوق إلى أربابها فيحتاط لإيفائها ويتحرز عن تعطيلها. أن هذه العبارة يمكن أن نستخلص منه القاعدة الآتية: "القاضي مأمور بالنظر والاحتياط لأرباب الحقوق والتحرز عن تعطيلها ودفع الظلم". وهذا شبيه بما تقرر في القواعد الوضعية أي في فقه الدساتير وقوانين السلطة القضائية والمرافعات من أن القاضي ممنوع من إنكار العدالة بحجة عدم النص كالمادة (30 من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969). والخلاصة فنحن أمام تراث فقهي دستوري، قضائي جدير بالعناية والنقد والتمحيص.

مراجع البحث

مراجع البحث 1 - الجواهر المضية. 2 - الفوائد البهية. 3 - كشاف مخطوطات الأوقاف. 4 - طبقات الفقهاء لعلي القارئ. مخطوط الأوقاف. 5 - الكامل لابن الأثير. 6 - تاريخ بغداد للخطيب. 7 - طبقات الفقهاء للشيرازي. 8 - بروكل 1/ 373 والذيل 638. 9 - شرح الزيادات للاوز جندي. مخطوط في مكتبة راغب باشا في اسطنبول ومنه نسخة في مكتبة الأوقاف العراقية برقم 4050. 10 - شرح أدب القاضي لأبي بكر الخصاف ولشارحه حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازة الشهيد (-536). منه نسخة خطية بمكتبة الأوقاف برقم 3505. 11 - لوازم القضاة والحكام في إصلاح أمور الأنام لضحكي (مصطفى بن ميرزا بن محمد بن ياردم السيروزي 1090 هـ) مخطوط بمكتبة الأوقاف برقم 3904. 12 - معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام للطرابلسي القدسي (علاء الدين علي بن خليل) (8440 هـ) طبع. 13 - معين الحكام على معرفة غوامض الأحكام للغزي الدمشقي (أبو الروح عيسى بن عثمان بن عيسى) (-799 هـ) مخطوط بمكتبة الأوقاف برقم 3668. 14 - نصوص وصكوك ووثائق شرعية من العهد العثماني مجموع رقمه 3181 (أوقاف). 15 - نصوص وصكوك ووثائق شرعية ومجالس، مجموع رقمه 3182 (أوقاف).

16 - عماد الرضا بأدب القضا لزكريا الأنصاري (-910 هـ) مجموع رقمه 3201 (أوقاف) ومجموع آخر رقمه 3223. 17 - رسالة في التناقض للملا محمد الحنفي مجموع رقمه 3338 (أوقاف). 18 - أدب القضاء لأبي يوسف. مخطوط مصور في مكتبة المجمع العلمي. 19 - طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي الكافي تحقيق محمود الضاحي وعبد الفتاح محمد الحلو). 20 - روضة الحكام وزينة الأحكام للقاضي أبي نصر شريح بن عبد الكريم بن الشيخ أبي العباس أحمد الروياني المتوفى سنة 505 هـ مخطوط بالمكتبة الظاهرية بدمشق رقمه 2174 (فقه شافعي 237). 21 - البداية والنهاية لابن كثير. 22 - أدب القاضي من الحاوي للماوردي (علي بن محمد بن حبيب - 450 هـ) تحقيق محي هلال السرحان. 23 - أسد الغابة في معرفة الصحابة.

ملاحظتان ملاحظة: ولا يفوتنا أخيرًا أن نشير إلى أننا اعتمدنا في تحقيق روضة القضاة نسخة معهد المخطوطات العربية وأشرنا في الهوامش إلى ما ورد زائدًا أو مغايرًا لها من نسختي منيخ وقليج على باشا. ملاحظة: لقد فاتني أن أشير إلى أن كتاب روضة القضاة في المحاضر والسجلات لمصطفى بن الشيخ محمد الرومي الحنفي الذي أشرنا إليه في الصحيفة (17) ليس له كبير صلة بروضة السمناني فقد أطلعنا على نسخة من روضة الشيخ محمد الرومي في المكتبة الملية بأزمير في صيف سنة 1969 فوجدنا أن مصنفها كان من قضاة الأناضول فجمع نماذج من الوثائق والصكوك أغلبها باللغة التركية، ولعله لم يستعر من روضة السمناي سوى الصوان.

صورة ما جاء في الصحيفة الأولى من مخطوطات الكتاب كتاب أدب القاضي المسمي بروضة القضاة تأليف الشيخ الإمام العلامة أبي القاسم على بن محمد بن أحمد السمناني تغمده الله تعالى برحمته وهو بخط مؤلفه وذكر في آخر هذا الكتاب أنه فرغ من تأليفه صبيحة يوم الجمعة مستهل صفر الخير من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. قال عبد القادر في طبقات الحنفية: السمناني بكسر السين المهملة وسكون الميم وفتح النون وفي آخرها نون أخرى، نسبة إلى سمنان مدينة من مدن قومس بين الدامغان وخوارزم. انتهى من الكتاب المذكور بحروفه.

مقدمة المصنف

مقدمة المصنف بسم الله الرحمن الرحيم نصر من الله وفتح قريب، وما توفيقي إلا بالله، الحمد لله الذي أمر الخلق بأتباع دينه، وتصديق رسوله، وأمر بالاقتداء بأحكامه، والأخذ بما سن وشرع من الأحكام في كتابه وعلى لسان رسوله عليه السلام من أتباع العلماء والأخذ بقول الأئمة الفقهاء، وجعل العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام، يقومون مقام الرسل في حفظ الشرع، والشهادة بتبليغ الدين، كما جعل رسوله عليه السلام شهيدًا عليهم {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} فقوام الدين بالعلماء وثبات الشرع بالفقهاء، فلولاهم لما عرف حلال من حرام، ولا حق من باطل، ولا أمر من نهي، ولا ناسخ من منسوخ، ولا مجمل من مبين ولا مباح من سنة، ولا سنة من بدعة، ولا فرض من نفل، ولا صدق من كذب، ولا نبي من متنب، ولا إمام من أنام، فهم صفوة الخلق، وشهود الله على الحق، وأحق الناس بالإكرام والتعظيم، فالله يرعى من رعاهم ويكرم من يكرمهم ويعظم من يعظمهم من كبير أو صغير [وجليل وحقير، وحقه على فقهاء العصر من هم في نعمة ينقلبون ومن بحار جوده يغترفون وفي رياض إحسانه يتمتعون، الباني لهذه المدرس،

والذاب عنهم في المجالس والمكرم لهم عند السلطان، والمقرب لهم في كل مكان صدر الإسلام والمسلمين] نظام لملك وقوام الدين العادل العالم المنصور المظفر الذي من اسمه تشتق الأسماء، ومن أفعاله تتقلب ومن طهارته تقدم وهو أبو علي الحسن بن علي بن اسحق رضي أمير المؤمنين رضي الله عنه وأعلا ذكره. ولما كانت نعمة عندي جسيمة وأياديه عظيمة، أحببت أن أودع ذكره كتابًا يحتاج إليه العلماء والمتعلمون، والخاصة والعامة، ولا يستغني عنه في أدب الفقه على جميع مذهب الفقهاء، ألقبه من لقبه وأرسمه من أدبه، وأودعه من نقول علمه. اسمه روضة القضاة وطريق النجاة، الناظم للشرع والمقيم للدين، أودعه ما لا يوجد لأحد تقدم من العلماء في كتاب في هذا الشأن، فقد صنف في ذلك كتب كثيرة كالذي صنفه الخصاف والطحاوي، الاصطخري، ومحمد بن الحسن [الشيباني] وسائر شروح الضالعين فمنهم من أطال، ومنهم من قصر، ومنهم من قدم ما لا يحتاج إليه، ومنهم من أخر، ولم يرتب الأبواب ولا عقد الفصول، ولا كشف قناع العلم ولا أتى بما يحتاج إليه على نمط الحاجة. وكتابي هذا يشتمل على ذكر القاضي وصفته التي يكون عليها، وما يتعلق بجانب القاضي، وذكر المقضي له، وذكر المقضي عليه، وذكر ما يقع

[القضاء به] من الأمور كالبينة وعلم القاضي وما يمنعه وذكر ما يقضي به وذكر ما يجوز أن يقضي به ما لا يجوز أن يقضي به، وذكر الأزمان والأمكنة في القضايا والشهادات مما لا يوجد لأحد قد جمعه في كتاب لجميع من تقدم من العلماء فأما من تأخر فلا علم لنا به، وبما يكون منه. وأنا أرتب أولاً عدد الأبواب في كل فصل ثم أرجع واشرح الحال في كل باب، واستوفي ما فيه من الفصول، وأحكي في كل فصل ما هو متفق عليه، وما هو مختلف، وما يجب أن يفعل في المنازعات والدعاوى والبينات والأيمان وكيفيتها، والنكول وكيفيته ومواضعه، وسائر ما يتبع ذلك. وأنا أسأل الله تعالى تسهيل هذا الذي قصدت إليه، وتيسيره عليّ والتوفيق والتسديد وأن يصلي على محمد النبي وآله وأصحابه، ويرحم جميع العلماء من جميع أمته، آمين رب العالمين.

تعداد موضوعات الكتاب

تعداد موضوعات الكتاب باب صفات القاضي وشروطه وهذا باب ما يختص بالقاضي من الصفات والشروط والأحكام وهو يشتمل على أبواب وفصول:- منها اعتبار الذكورية. ومنها البلوغ. ومنها العقل ومنها اعتبار الحرية. ومنها الإسلام. ومنها اعتبار الورع مع الإسلام. ومنها اعتبار العدالة. ومنها اعتبار العلم، وشروطه وحد الاجتهاد. ومنها صفة المولى وما يجب عليه من الشروط. ومنها كيفية الولاية "للقضاء". ومنها ما يشترك فيها الوالي [والمولى]. ومنها ولاية الخوارج للقضاء وما قيل في ذلك. ومنها إذا "حكم" الرجلان حكمًا. ومنها جواز الدخول في القضاء وذمة وجواز [أخذ الرزق على] القضاء وحكم الرشوة عليه، ومنها "أحوال" القاضي التي يقضي فيها وما يتفرع عليها، ومنها دخول البلد الذي وليه، وما يفعله وما يستحب له ويكره، وفصول ذلك. ومنها كيفية جلوسه وأحواله والمكان الذي يقضي فيه "وما يكره له ويستحب ويقضي به". ومنها قبض ديوان الحكم وتسلمه.

باب أعوان القضاء

باب أعوان القضاء ومنها ذكر كاتب القاضي وما ينبغي أن يكون عليه من الصفات. ومنها ذكر حاجب القاضي. ومنها ذكر وكلاء القاضي وما يجب عليهم. ومنها ذكر أعوان القاضي وأتباعه والمحضرين. ومنها ذكر أصحاب مسائله عن الشهود. ومنها ذكر صاحب الحبس الذي يكون عليه. ومنها ذكر بّواب القاضي وما يجب عليه. ومنها ذكر الجلواز بين يديه وفي مجلسه. باب سلطة القاضي ومنها جواز النيابة عنه في الحكم. ومنها وقوف الحكم على إجازته. ومنها ما يبطل ولاية القاضي. ومنها موت القاضي والإمام. ومنها عزل القاضي وخلع الإمام. ومنها معاملة القاضي والإمام في ماله ومال غيره ويدخل في هذه الجملة فصول كثيرة وخلاف كثير ومسائل جمة، تراها في هذه الأبواب إن شاء الله. فهذه الأبواب جملة ما يقع "الكلام" فيها في القاضي وطريق ولايته وأحواله. باب المقضي له فأما الكلام في المقضي له، وهو المدعي فهو على أبواب منها من المدعي والصفة التي يكون عليها ومنها جواز العدوى بقبول المدعي.

باب المقضي عليه

ومنها الموضع الذي يعدى القاضي على الخصم، ومنها كيفية إحضار الخصم إلى القاضي. ومنها العذر الذي يسقط الحضور. ومنها ذكر الامتناع عن الحضور إلى القاضي. ومنها ذكر دعوى النساء والدعوى عليهن. ومنها دعوى العبد والمكاتب ومن فيه رق. ومنها دعوى الغير عن الغير، ويشتمل على أبواب: منها دعوى الولي للصغير. ومنها دعوى الوكيل لغيره. ومنها دعوى الأمين. ومنها دعوى الوصي لليتيم والميت. ومنها دعوى الشريك والدعوى عليه. ومنها دعوى المضارب والدعوى عليه. ومنها دعوى المولى عن العبد. ويدخل في هذه الجملة فصول كثيرة ومسائل جمة سنراها عند التفصيل في ذكر ما يجوز القضاء فيه، وما لا يجوز. باب المقضي عليه فأما الكلام في ذكر المقضي عليه وهو المدعي عليه فيشتمل على أبواب: منها ذكر أحوال المدعى عليه. وصفاته التي يكون عليها. ومنها ذكر القضاء عل الحاضر. ومنها جواز القضاء على الغائب.

باب ما يقع القضاء به

ومنها ذكر القضاء على الميت. ومنها كيفية القضاء على الورثة. ومنها ذكر القضاء على من هرب من الحضور وتغيب ويدخل في هذه الجملة فصول كثيرة ومسائل جمة نراها في مواضعها. باب ما يقع القضاء به فأما الكلام فيما يقع القضاء به من الأمور كالبينة وعلم القاضي والإقرار والأيمان فيشتمل على جملة من الأبواب نحن نرتبها ونقسمها. منها الكلام في الشهود. ومنها الكلام في عدد الشهود. ومنها الكلام في صفة الشهود. ومنها ما يقبل فيه شهادة النساء خاصة. ومنها الموضع الذي يعتبر فيه قول الرجال خاصة. ومنها الموضع الذي تقبل فيه شهادة الرجال والنساء. ومنها ما تقبل فيه شهادة العبد. ومنها ما يقبل فيه من ظاهره العدالة. ومنها ما يقبل فيه قول الناس ويصح به. ومنها ذكر الشاهد واليمين وما يقضي به فيه. ومنها ما يقبل فيه الاستفاضة. ومنها الشهادة وما يعتبر في جوازها وطريق حصولها، والتزكية وشروطها وطريقها. ومنها ما ترد به شهادة الشاهد. ومنها ذكر الشهادة على الشهادة. ومنها الموضع الذي يقبل ذلك فيه.

باب المقضي فيه

ومنها عدد شهود الفرع في موضع قبولها، ومما يلحق بذلك النكول عن الأيمان إذا وجهت اليمين. ومنها الموضع الذي يقضي فيه بالنكول. ومنها كيفية القضاء بالنكول وفصوله. ومنها اليمين وما يجب في معرفتها. ومنها صفة اليمين وكيف يحلف. ومنها ما لا يجب فيه اليمين وما لا يحلف عليه. ومنها الموضع الذي يحلف فيه على البت والعلم. ومنها رد اليمين، والموضع الذي ترد فيه. ومنها إقامة البينة بعد اليمين. ومنها الرجوع عن الشهادة وفصول ذلك ومسائله. ومنها علم القاضي وما يجوز أن يقضي فيه بعلمه وما لا يقضي فيه. وتشتمل هذه الجملة على مسائل كثيرة. ومن ذلك مكاتبة القاضي إلى آخر، وما ينبغي أن يكتب وما لا يكتب وفصول ذلك. باب المقضي فيه فأما الكلام في المقضي فيه فيشتمل على أبواب كثيرة ومعان جمة منها أقوال ومنها أفعال، فأما الأقوال فيقع القضاء فيها بما يلزمه تملك المال، ومنها ما يلزمه عقوبة، فالأول العقود كلها، والإقرارات والإيقاعات وكل ما طريق ثبوته القول.

ونحن نرتب هذه الأبواب والكتب على هذا النحو، بخلاف ترتيب الكتب في الخلاف والمذهب، ونبين تعلق بعضها ببعض فنبدأ بما طريقه القول إلى العقود والإقرارات فأول ذلك النوع: الرهن والتفليس، الحجر، الضمان والكفالة، الحوالة، الأجازة، المزارعة، المساقاة، الهبة، العارية إحياء الموات، الشركة، المضاربة، المأذون، الوديعة، الوكالة، الوصية، الإقرار، الصلح، الوقف، القسمة، الشفعة، النكاح، الصداق، القسم، الرضاع، الخلع، الطلاق، الرجعة، الإيلاء، الظهار، اللعان، النفقات، العتاق، المكاتبة، التدبير، الاستيلاد، الأيمان، الجنايات قتال أهل البغي، المرتد، الصول، السيرة، الغنيمة، الغصب، الإكراه، الحدود، الزنا والقذف، السرقة وقطاع الطرق، الأشربة والأطعمة والضحايا والصيد، والذبائح والسبق، والرمي، اللقطة، اللقيط، المواريث، أبواب شتى مختلفة الوضع، وباب يذكر فيه من ولي القضاء إلى هذا الوقت. فهذا ترتيب الكتب .. وأنت تجد في كل كتاب من المسائل والأبواب والفصول ما لا تجده في غير هذا الكتاب مجموعًا، ونحن نبتدئ بما رتبنا أولاً فأولاً، ونسوق الخلاف والوفاق الواقع فيه إن شاء الله "تعالى".

الكتاب الأول التنظيم القضائي

الكتاب الأول التنظيم القضائي 1 - صفات القاضي وشروطه 1 - أعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن نعلم أولاً أن تسمية القاضي بهذا الاسم هل هو مثل اسم الحاكم؟ وهل هو اسم مدح أو فيه ذم؟ وهل يستوي الاسمان في المعنى أم لا؟ 2 - فالقضاء فعل اشتق منه لفاعله اسم، وكذلك الحكم. 3 - وقد أضاف الله تعالى القضاء إليه في القرآن على وجوه فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}.

قيل إن معنى ذلك أنه أمر. وقال: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}. قيل خلق. وقال: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} يعني يحكم. وقال: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ} قيل أعلمهم بإضافة القضاء إلى نفسه، وتمدح بهذا الاسم وذكره في عدة مواضع مضافًا إليه، وقد أضاف الحكم إليه فقال: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} وأمر أنبياءه عليهم السلام بالحكم بما أنزل، ونهاهم عن الهوى وأمر بإتباع ما في التوراة والإنجيل، وحث نبيه على الحكم بما أنزل إليه، وجعل ذلك مهيمنًا على ما أنزل على غيره فقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} وقال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} 4 - وقد اختلف الناس في أن اسم القاضي أشرف من الحاكم أم هما سواء؟

شرف رتبة القضاء

فمنهم من قال: إن اسم القاضي أشرف في اللغة. ومنهم قال بالعكس من هذا. ومنهم من قال هما سيان، ولهذا أضافهما الله تعالى إليه على سواء. ورأيت كثيرًا من القضاة يكره أن يخاطب بالحاكم ويأنس في القاضي. وكان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله رحمه الله يبتذل أبدًا هذا الاسم يعني الحاكم ويلح على الخطاب بالقاضي، ولا أعلم هل قرأ ما صنف في الفرق بينهما أم لا، أو يقوله شهوة ولا شك أنه اسم مدح. شرف رتبة القضاء 5 - والقضاء رتبة شريفة، ومنزلة رفيعة لا منزلة فوقها من المنازل، ولا رتبة أوفى منها إذا اجتمعت شرائطها وحصل في القاضي ما يفتقر إليه من الخصال، لأنها التي تولاها الله تعالى بنفسه، وبعث بها رسله عليهم السلام، وتولاها رسوله صلى الله عليه، وقام بها أئمة العدل بعده، فينبغي لمن يملك الولاية أن يختار لهذه الرتبة من لا يقدر العالم على أصلح منه ولا أفضل، ولا أكمل، كما اختار الله تعالى لرسالته صفوة كل عالم ورئيس كل جيل وأفضل أهل كل زمان، كما قال تعالى: "وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" وقال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وقال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} وقال:

شرائط تولي القضاء

{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ}. وقال: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ}. وقال: {وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ}. 6 - فلا ينبغي أن يختار إلا من يغلب على الظن أنه أوفى مختار، وأكمل إنسان. شرائط تولي القضاء 7 - فمن الشرائط التي لا بد منها في الحاكم أن توجد: أن يكون ذكرًا بالغًا، ويكون عاقلاً، لأن بالبلوغ يخرج من الصبا وبالعقل يصير مكلفًا. لأن من ليس بعاقل فهو مولى عليه كالمجنون والصغير. 8 - ومنها أن يكون حرًا، لأن العبد مملوك المنافع، يتصرف فيه بالعقود ويمنع من التصرف في الأمور، فمن لا يملك التصرف في نفسه فكيف يتصرف في غيره؟ وهذه الجملة لا خلاف فيها نعلمه. 9 - ومنها أن يكون مسلمًا، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ولأن الكافر لا يلي على المسلم.

10 - ومنها أن يكون عدلاً، لأن الفاسق لا يقبل قوله، وقد أمر الله بالتوقف في قوله، بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} ولأنه متهم في الحكم لئلا يجور. 11 - واختلف في جواز ولاية النساء للقضاء والحكم، فقال أبو حنيفة وسائر أصحابه: يجوز أن يلين القضاء فيما يجوز أن تقبل شهادتهن فيه وحدهن أو مع الرجال، ولا يجوز في الحدود والقصاص لأن شهادتهن لا تقبل في ذلك. 12 - وقال الخوارج يجوز ذلك في الجميع. 13 - وقال الشافعي ومالك وغيرهما من الفقهاء لا مدخل للنساء في ولاية القضاء والحكم بحال. 14 - فأبو حنيفة جعل قضاءها بمنزلة شهادتها، قال: وقبول قولها في الشهادة على غيرها كقبول حكمها على غيرها لأن في الشهادة معنى الولاية. والشافعي يقول: لو جاز قضاؤها في الأموال لجاز في الحدود والقصاص كالرجل، ولجاز أن تكون إمامًا للجماعة. وقيل له: الحدود لا تقبل شهادتها فيها. ويجوز أن يقضي من لا يكون إمامًا كغير قريش من الناس.

باب اعتبار العلم في القاضي وما يذكر في ذلك وشروطه

فصل 15 - وأجمعوا على أنها يجوز أن تكون وصيًا ووكيلاً وقاسمًا وأمينًا وأنها كالرجل في سائر العقود والحدود وأنها أولى من الرجل بالحضانة والتربية، وأنها يقبل قولها فيها لا يطلع عليه الرجال ولا يقبل قول الرجال في ذلك. واختلفوا في ولاية النكاح، وسيأتي ذلك في باب النكاح إن شاء الله "تعالى، والحمد لله وحده". باب اعتبار العلم في القاضي وما يذكر في ذلك وشروطه وحد الاجتهاد 16 - اعلم أنه لا يكفي أن يكون القاضي بالغًا عاقلاً صالحًا ورعًا حرًا مسلمًا عدلاً له تمييز ورأي في ولايته، حتى يكون عالمًا لأن العلم للقاضي كالآلة بالنسبة لسائر الصناع. أنواع العلوم الشرعية 17 - والعلم علمان:- علم الأصول وعلم الفروع. 18 - فعلم الأصول هو علم التوحيد وما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز عليه، وعلم النبوات ونسخ الشرائع وإقامة الدلائل على ذلك، وإبطال أقوال مخالفي الملة والقائلين بنفي الصانع والطبائع والناسخ، والفرق بين المعجزة والشعبذة، وطريق هذا العلم إنما هو سلامة الحواس، وكمال العقل والتفكر في الموجودات، ومتى اختل طريق معرفتها أو دخل في ذلك لبس لم يحصل للإنسان علم بذلك. ولهذا اتفقت الشرائع كلها في ذلك ولم يختلف فيها التكليف بل سوى فيها بين الرسول والمرسل إليه، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والعامة والعلماء، واستوى في ذلك التعبد في سائر الأزمان، وليس الغرض ذكر أنواع العلوم العقلية ولا قسمتها ولا حد الضروري منها والمكتسب وغير ذلك فلم نذكره لك.

ما يجب أن يكون عليه علم القاضي

19 - والعلم الثاني هو علم الشرع، وما تقرر فيه من الأحكام، واختلف فيه من التكليف بين المسافر والمقيم، والمريض والصحيح، والحامل والحائل والحائض والطاهرة والذكر والأنثى، والحر والعبد، والصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والمكره والطائع، والذاكر والناسي، والقاصد والهازل، ومختلف الأحكام باختلاف أحوال الإنسان، ويجوز عنه النيابة في بعضها وفي بعضها لا يجوز، وفي بعضها يلزم الحكم لغير الفاعل ولا يلزم الفاعل، وفي بعضها يشتركان، وفي بعضها لا يجب شيء أصلاً، وفي بعضها يستوفي المثل وفي بعضها تستوفى القيمة. ما يجب أن يكون عليه علم القاضي 20 - فالقاضي يجب أن يكون عارفًا بجميع الأحكام من الشرعيات حتى إذا ارتفع إليه في قضية عمل في قضائها وبت حكمها، مما هو مشروع في ذلك، أما من إجماع أو خلاف، ولا سبيل له إلى العلم بذلك إلا بطريق يوصل إليه، والطريق له إلى ذلك بعد سلامة الحواس وكمال العقل أن يكون عارفًا بكلام أهل اللغة، ومعاني كلامهم، أو في حكم العالم بذلك، وهذا يقتضي أن يعلم أولاً أن الكلام هل هو توفيق أو إيقاف مصطلح عليه، أو بعضه توفيق وبعضه اصطلاح، ويعرف الحقيقة والمجاز في لغة العرب، ويعرف هل نقلت الأسماء إلى الشرع، أم هي مبقاة على ما كانت عليه في اللغة. ويعرف ذلك الأوامر والنواهي، ويميز بين ذلك بما وضع للتمييز بينهما، ويعرف العموم والخصوص وما يشتملان عليه من الأحكام، كما يعرف أنواع الأمر والنهي ومسائلهما.

ويعرف المجمل والمبين وحدهما وما يتعلق بهما من المسائل المتفق عليها والمختلف فيها، ويعرف المطلق والمقيد، وما يقيد الكلام وحدهما ويعرف الاستثناء في الكلام، والصفات الداخلة عليه. ويعرف الناسخ والمنسوخ، وما يجوز نسخه وما لا يجوز من الأحكام، وما يجوز نسخ حكمه وتبقية رسمه، وما لا يجوز من ذلك. ويعرف الأخبار التي هي الطريق إلى معرفة هذه الجملة وتفصيل أحكام الأخبار وأنواعها ومسائلها. ويعرف الإجماع وحّده ومسائله، وما هو حجة فيه، وما ليس بحجة منه، ويعرف بعد ذلك الأفعال وأحكامها وتفاصيلها «وأقسامها»، ويعرف القياس وحّده ومسائله وأبوابه وفروعه وشروطه. ويعرف بعد ذلك صفة المفتى «التي ينبغي أن يكون عليها حتى تصح فتواه ويعرف بعد ذلك صفة المستفتي» وما يجوز أن يفتيه به ويبينه له. ويعرف بعد ذلك الحظر والإباحة ليحكم لكل فعل بما يجب، ولكل قول بما يلزم. وسنبين فيما بعد تفصيل هذه الأبواب عند ذكر صفة المجتهد والوالي والمولى. 21 - فإذا كان القاضي جاهلاً بهذه الجملة فجهله بالتفصيل أعظم، والبلية به أشد، لاسيما إذا اختصما في المعاملات والمواريث والمسائل المشكلة في الفروع التي يتجاذبها شبه الأصول. 22 - وقد قال النبي عليه السلام لمعاذ بن جبل بماذا تحكم إذا ارتفع إليك الخصمان فقال: - بكتاب الله. فقال: - فإن لم تجد في الكتاب؟ فقال: - أصلبه في السنة. قال: فإن لم تجد؟

قال: - أجتهد رأيي ولا ألو. فقال عليه السلام: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله» فذكر وجوه الحكم. فمن لا يعرف الكتاب وما فيه، ولا السنة وما فيها ولا الاجتهاد وما فيه فبأي شيء يحكم؟ وإلى أي قول يذهب. 23 - وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم لا يولون الأحكام جاهلاً ولا فاسقاً ولا ماجناً ولا من طعن عليه في دين أو دنيا. 24 - وكان بنو أمية ينادون في الموسم: لا يفتي أحد بمكة غير عطاء بن أبي رباح لأنه كان «القدوة» في زمانه. وفي المدينة مالك بن أنس. 25 - وإذا نظر إلى قضاة الصحابة والتابعين رضي الله عنهم رأيت العجب، ولهذه الجملة لا بد من ذكر من ولي القضاء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده في باب اختتم به الكتاب إن شاء الله تعالى في نصل أحكي فيه ألفاظ المصنفين في هذا الباب (و) ما قالوا على جملتها من غير تحريف، ثم احكي الخلاف بعد ذلك من أين دخل عليهم، والشبهة من أي وجه عرضت: 26 - فحكى الطحاوي في مختصره من غير خلاف ذكره أنه قال:

ولا يولي القضاء إلا الموثوق به في عفافه وعقله وصلاحه وفهمه وعلمه بالسنة والآثار ووجوه الفقه، ولا يولى صاحب رأي لا علم له بالسنة والأحاديث ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه، ولا ينبغي أن يفتي إلا من كان هكذا، إلا أن يفتي بشيء قد سمعه. فصل 27 - ومن أصحابنا من قال لا يولى الحكم إلا رجل من أهل الاجتهاد ولا يكون مجتهداً إلا أن يعرف أصول الأحكام التي يجتهد فيها، وهي الكتاب والسنة والاجماع والقياس والاستدلال، ولا يمكنه علم هذه الأصول ولا الاستدلال بها وإن كانت معلومة للناظر فيها إلا أن يكون قد علمها على وجه مخصوص، أو يكون في حكم العالم بها على هذا الوجه، وهو أن يعلم أنها ثابتة على وجه يجب أن يقيس عليها يستدل بها، لأنه إذا لم يعلم ذلك لم يكن له أن يقيس عليها ويستدل بها لأن ما لا يعلم ثبوته لا يقاس عليه ولا يستدل به. قال: وهذا القدر، يغنى عن أن يقول لابد للقائس أو المستدل بهذه الأصول على الاجتهاد أن يكون عالماً بالنسخ والمنسوخ والخاص والعام والحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، وجميع ما عددنا فيما تقدم، لأنه لا يكون عالماً بشيء من ذلك حتى يعلم جميع الأقسام المتقدمة. لأنه إذا لم يعلم الناسخ لم يمكنه أن يعرف الحكم الطارئ الذي هو ثابت في الشرع. 28 - وقد طول الجماعة الكلام في ذلك، واحضر ما يمكن أن يقال أن يكون عارفاً بالخطاب وما يتفرع عليه ويستفاد به، والأفعال وما يتفرع عليها ويستفاد حكمه بها، أو يرجع إلى هذين الأصلين. فهذا أخصر ما يمكن. ويدخل فيه جميع ما ذكرناه (والحمد لله).

فصل 29 - والمحكي في الخلاف عن أصحابنا أنه يجوز أن يكون القاضي عامياً، ويرجع إلى أهل العلم فيعلم بما يفتون به، لأن الخصاف قال في أدب القضاء: «وإن كان القاضي لا تمييز له بعد ذكره لما يقضي به، وتفضيله بما سنذكره فيما بعد إن شاء الله فأخذ بقول الفقيه رجونا أن لا يكون عليه شيء». 30 - وقال الشافعي وغيره من العلماء وهو قول محمد بن الحسن: لا تنعقد ولاية العامي، ولا يجوز لأحد أن يستفتي غيره ويحكم به على غيره. وليس ذلك لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. 31 - قال في كتاب المزني في أول باب: «ولا يشاور إذا نزل به المشكل إلا أميناً عالماً بالكتاب والسنة والآثار وأقاويل الناس والقياس ولسان العرب ولا يقبل وإن كان أعلم منه حتى يعلم كعلمه أن ذلك لازم له، من حيث لم يختلف فيه الرواة، أو بدلالة عليه أو أنه يحتمل وجهاً أظهر منه، فأما أن يقلده فلم

يجعل الله عز وجل ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يجمع المختلفين لأن أمد لقضيته ويكشف بعضهم على بعض. 32 - (قال الشافعي): وإن لم يكن في (عقله) ماذا اعتدل القياس عقله، وإذا اسمع القياس ميزه فلا ينبغي أن يقضي ولا لأحد أن يستقضيه». 33 - اعلم أن من اعتمده الشافعي رحمه الله لا يوجد لأحد في الدنيا على ما قال، وإنما العمل اليوم في الولاة على ما ذهب إليه أصحابنا، وإن كان ما قاله إذا وجد أولى وأصوب لأن الله تعالى قال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} وإذا حكم بقول أهل الذكر فقد أدى ما وجب عليه لأن فصل القضاء فرض توجه عليه فعله فهو كما لو استفتى في حق نفسه وما يوجه عليه من الحكم ولا خلاف بيننا أنه يقلد في حق نفسه، وهو يقول قال الله تعالى: {وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} وهذا أمر للحاكم لا لغيره، ولأنه لا يجوز أن يكون مفتياً، فلا يكون حاكماً كالكافر والصبي ولأن العلم رأس مال الحاكم وآلة له، فكيف يصح عمل من لا آلة له، هذه الجملة نكتة المسألة وأبو حنيفة جعل حكمه كشهادته، فإذا وجدت جميع الشرائط في الحاكم أمن المولى له الحكم وهذا باب يذكر فيه صفة المولى وما يجب أن يكون عليه من الشرائط «والله أعلم الصواب وإليه المرجع والمئاب».

فصل ما يجب أن يكون عليه الإمام من الشرائط

فصل ما يجب أن يكون عليه الإمام من الشرائط 34 - أعلم أن القضاء لا يجوز أن يولاه القاضي من جهة العوام، وإنما يولاه من جهة الإمام، فيجب أن تذكر صفة الإمام، وطريق إمامته فتقول أن كل صفة اعتبرت في القاضي من الذكورة والعقل والبلوغ والصلاح والورع والعدالة والأمانة والعفة فهي معتبرة في الإمام الأعظم. 35 - ويعتبر في الإمام شرائط لا تعتبر في القاضي، فكل من جاز أن يكون إماماً يجوز أن يكون حاكماً بلا خلاف، ولا يجوز أن يكون كل من جاز قضاؤه إماماً، لأن القضاء رتبة انقص من الإمامة، كما أنه يجوز أن يكون الملك رسولاً، ولا يجب أن يكون الرسول ملكاً، وكل نبي فهو إمام، وليس كل إمام نبياً. 36 - فشروط الإمامة ضربان: أحدهما أن يعلم بالشرع، والآخر يعلم بالشرع والعقل جميعاً، فالأول نحو أن يكون من قريش أو من قبيل مخصوص منها، فهذا إنما يعلم بالشرع، وما يعلم شرعاً وعقلاً فهو ما لا يتم الفرض بالإمامة إلا به، ونحن نذكر ما فيه من الخلاف: منها أن يكون عالماً بأصول الدين، ومن أهل الاجتهاد في فروعه ليمكنه حل الشبه وإرشاد الضال وفتيا المستفتي والحكم بين الخصوم، وهذا شرط عليه سائر فرق المسلمين في اعتباره من الفقهاء أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وسائر المختلفين، وعليه جماعة فرق المتكلمين على اختلاف مذاهبهم لا يعرف بينهم خلاف في ذلك. 37 - وقال بعض أهل العلم في عصرنا وهو شيخنا أبو علي محمد بن أحمد ابن الوليد رحمه الله أن اعتبار العلم بما ذكرناه يؤدي إلى أن لا يصح لإمام إمامة في العصر، بل يجب أن يكون له بصر وعقل ورأي ويقوى كل

شرط الذكورة

فريق في الأصول والفروع «ويتولون ذلك عنه» كما يتولاه بنفسه، ولو كلفناه العلم بذلك مع ضيق الزمان وكثرة الأشغال لأدى ذلك إلى انقطاع زمانه، وفوات تدبير الخلق، لأن العلم كثير والمسائل صعبة، ولا يكاد يجتمع جميع العلوم في الشخص الواحد إلا نادراً شاذاً، ويجتمع مجموع العلوم في الأشخاص فإذا احتاج إلى نوع من ذلك رجع إلى أهله، وقاس ذلك على القضاء، وعمل في ذلك مثله على طريق التقدير، أن أحداً من العلماء الماضيين لم يكتمل له جميع العلوم، وتفصيل الجملة التي ذكرناها مع معرفة الفروع أجمع، ولكن قوله يؤدي إلى أن يكون كل من قام بما ذكره يجوز أن يكون إماماً. والإجماع من الجمهور بخلافه على أن الإمام إنما يكون واحداً في العصر، القضاة كثيرون، فيحق أن نعتبر في الواحد جميع الشرائط، ومنها أن يكون ذا رأي وسياسة ليدبر السلم والحرب، ويضع الأمور مواضعها فيلين في موضع اللين، ويشتد في موضع الشدة، ومنها أن يكون شجاعاً حتى لا يجبن في إقامة الحدود، ومقاومة أهل الحروب. ومنها أن يكون في ظاهرة عدلاً غير فاسق، لأنه إن فسق بوجه من وجوه الفسق لم يوثق بعدله، ولم يؤمن أن يحيف في الأحكام، وأن يجبي ما لا يستحقه من المال ويصرفه إلى ما لا يستحقه لأنه أمين فيما يأخذ ويعطي فإذا كان فاسقاً لم يؤمر أمير على المسلمين ولا يعقد له ولاية ولا يجب له علينا طاعة، لأنه ينوب عن الله ورسوله عليه السلام في الأرض، فلا ينبغي له أن يأخذ ما يجب لله تعالى وللمسلمين لنفسه ولا يعطيه لغير مستحقه. شرط الذكورة 38 - ومنها أن يكن ذكراً. ومن الخوارج من أجاز إمامة المرأة.

شرط النسب

والجمهور من الناس والمسلمين على خلافة. وكيف تصلح لهذا الأمر، العظيم، وهي لا تصلح لصلاة الرجال، وقد قال عليه السلام: - ما أفلح قوم ولى أمرهم امرأة. 39 - ومنها أن يكون حرًا، وقال من لا علم له: يجوز أن يكون عبدًا لأنه عليه السلام قال: - أطيعوا ولو ولى عليكم عبد أجدع. وهذا لا يصح، لأن العبد مشغول بمنافع مولاه، ولا تكاد النفوس تنقاد له ولا ترجع إليه، وليس من حيث جاز أن يكون أميرًا يجوز أن يكون إمامًا، لأن الأمير يتصرف من قبل الإمام فهو كتصرف الإمام، والإمام يتصرف من جهة نفسه فيجب أن يكون مالكًا لنفسه. شرط النسب 40 - ومنها أن يكون قرشيًا، ومن أصحاب الحديث ومن الخوارج من لم يشترط ذلك، وهو مذهب جماعة من المسلمين قالوا لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما عين أصحاب الشورى بحضرة المسلمين قال لهم: - لو كان سالم حيًا ما خالجني فيه شك. وسالم مولى امرأة أبي حذيفة. ولم ينكر عليه أحد من الحضور. وحجة الجمهور قوله عليه السلام:

اختلافهم في مفهوم لفظة قريش

الأئمة من قريش. والألف واللام لاستغراق الجنس وقال: - إن هذا الأمر لا يصلح لقريش. اختلافهم في مفهوم لفظة قريش 41 - واختلف القائلون بأنها في قريش من عناه النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله: الأئمة من قريش، واسم هو لرجل أو لقب عرف به، وقد جهل كثر من العلماء والفقهاء ذلك. وسألت أنا جماعة فلم يعلموا هل هو اسم رجل أو قبيلة، وهذا يعرض إذا ذكرت لك نسب النبي عليه السلام، وهو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن عدنان. فإذا عرفت ذلك فقريش اختلفت فيه من هو؟ فمن الناس من قال هو بدر ابن النضير دليل بني كنانة، هو قريش، وهو صاحب بئر بدر التي لقي عليها النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا. وقيل قريش هو فهر بن مالك وأن من جاوز هذا الأب ليس له حظ في الإمامة ولا نصيب. ومنهم من قال النضر بن كنانة هو قريش، وأن من ليس من ولد النضر فليس

من قريش وإن كان ولد دونه فهم أهل الإمامة كائنًا من كان من أولاده وأولاد أولاده. فمن قال أنه بدر بن النضير فهي في ولده وهو أحق بها، وليس يكون في أجداد النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ، وهذا قول مرغوب عنه، وهو قريب من قول من قال أنها تكون في غير قريش، وغير العرب، وهذا يحتاج إلى بيان وشرح، وليس هذا موضعًا له. فصل 42 - وأما القول أنها لقريش على الخلاف في ذلك فاختلفوا هل تتخصص بقبيل بعينه أم لا؟ 43 - فمنهم من قال تختص بالفاطميين خاصة وهم الشيعة، ومن الشيعة من يخصها بولد الحسين عليه السلام ويعدد منهم اثني عشر رجلاً وهم الأمامية. وفرق الشيعة كثيرة: 44 - ومن الشيعة الزيدية: وهم يرون الإمامة لكل من ولد الحسن والحسين عليه السلام. 45 - ومنهم من يجعل ذلك في ولد محمد بن الحنفية وفيه، ويقولون أنه المهدي. 46 - وقالت الرواندية أنها في ولد العباس رضي الله عنه خاصة. 47 - ومنهم من يخصها بولد عبد الله خاصة.

نقد مختلف الأقوال في تخصيص الخلافة

نقد مختلف الأقوال في تخصيص الخلافة 48 - والخلاف بين هذه الفرق كثيرة وكلها مسافة أقاويل متدافعة وكل أدلتها مدعاة. إمامة المفضول 49 - واختلف في كونه أفضل أهل زمانه فشرطت الأمامية ذلك، وإليه ذهب عباد بن سليمان والزيدية وأصحاب ابن الجارون، فأما الفقهاء والزيدية الصالحية وفرق كثيرة من الناس فيجيزون إمامة المفضول. 50 - وقالت طائفة من متكلمي البصرة كأبي علي وابنه لا يجوز إلا أن يكون في الفاضل علة. 50 - فحجة من لم يشترك ذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم: من ذلك قول أبي بكر رضي الله عنه يوم السقيفة: - وقد رضيت لكم هذين. يعني عمر وأبا عبيدة بن الجراح فبايعوا أيهما شئتم

الإمامة حق لكافة المسلمين

وجعل عمر الخلافة شورى في ستة وهم متفاضلون عند جميع الخلق، ولم ينكر أحد ذلك عليه. واتفقوا أن العلم بالصانع وسائر الأعمال لا يرجح به، وهو فضيلة لمن علمه. الإمامة حق لكافة المسلمين 51 - واختلف هل الإمامة حق لكافة المسلمين أو هل هي حق عليهم؟ فمنهم من قال هي حق لهم، ولهم أن يصرفوها إلى من شاءوا ممن يعلمون أنه يقوم بها، قال أبو بكر رضي الله عنه حين دعا بعلي والزبير ومن تخلف عن بيعته من بني هاشم رضي الله عنهم بعد الخطبة: أيها الناس إن هذا الأمر أمركم ليس لأحد فيه إلا ما وليتموه، وأنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليه، إلا وأنتم بالخيار من أمركم، وأنت يا أبا الحسن والنفر الذين معك بالخيار. الإمامة حق على المسلمين 52 - ومن يقول هي حق على المسلمين يقول أن الإمام المقصود به أن يستوفي الحقوق منهم، ويمنع منهم الظالم وينظر المظلوم. العصمة 53 - واختلف في عصمة الإمام فلم يشترك ذلك سائر الفرق، واشترط ذلك الأمامية من الشيعة. معنى العصمة 54 - ومعنى العصمة أن يكون مع الإمام الطاف من جهة الله تعالى لا يرتكب معها كبيرة.

نقد القول بالعصمة

نقد القول بالعصمة 55 - وهم يشترطون في ذلك شروطًا لعلها قط لم توجد في بشر، ولو وجب عصمة الإمام لوجب عصمة القاضي والأمير والجند وأصحاب الأخبار، وناقلي الشرع إلى الغير من أهل البلاد، ولوجب عصمة رسل الإمام، وهذا فيه كلام كثير. الإمام في بلد بعيد 56 - واختلف في الإمام إذا كان ببلد بعيد لا يقدر على استعلام حاله وما يعرض له، هل لأهل ذلك الموضع أن ينصبوا غيره أم لا؟ فعند جمهورنا ليس لهم ذلك. 57 - وقال أبو إسحق الاسفراييني وجماعة من أصحاب الشافعي لهم ذلك. وقال: ليس حال الإمام أكثر من حال النبوة. وقد بعث الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام إلى أمة واحدة، وقال في سورة ياسين {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}. هذا مع إمكان البلاغ بالواحد، فكيف إذا تعزز ذلك. 58 - والجماعة يقولون لو جاز مع التباعد لجاز مع القرب، وهذا يؤدي إلى جواز أئمة في البلد الواحد، وهذا ينقض الغرض منها، ويؤدي إلى الاختلاف في الطاعة والأحكام. واجبات الإمام 59 - واتفقوا على أن على الإمام حقوقًا تجب بدخوله في الإمامة لكافة المسلمين، وهي: التسوية بينهم في الأحكام والعطاء وقسمة الفئ، ووضع كل حق في

واجبات المسلمين تجاه الإمام

موضعه، ومنع الظالم، والأخذ على يديه، وتقوية يد المظلوم حتى يصل إلى حقه. واجبات المسلمين تجاه الإمام 60 - وله على المسلمين أن يسلموا إليه ما وجب عليهم من حق مال له أخذه. والسمع والطاعة له فيما يأمر به وينهي عنه ما لم يكن معصية لله تعالى. وأن يمكنوه من إقامة الحدود عليهم في أنفسهم وأتباعهم. معرفة الإمام 61 - واختلفت في معرفة الإمام ووجوبها. فمنهم من قال: لا يجب على كل مسلم معرفة عين الإمام في الزمان، بل يفرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين كدفن الميت والصلاة عليه. 62 - ومنهم من قال: على كل مسلم أن يعرف عين الإمام وهو فرض لازم كما يعرف الله تعالى ورسوله صلى الله عليه سلم، وهو كفرض الصلاة والصوم والحج، وهذا يقتضي أن نذكر بماذا يصير الإمام إمامًا، لأنه إذا كان لابد من إمام للمسلمين فبماذا يكون إمامًا. 63 - وهذا باب القول في طريق الإمام إلى الإمامة. باب في طريق الإمام إلى الإمامة 64 - اتفق المسلمون على أن النص من الرسول عليه السلام والإمام بعده طريق إلى كون الإمام واحدًا فإن كان واحدًا وجبت طاعته، وإن كانوا جماعة كأصحاب الشورى اختير منهم واحد، إما بالقرعة أو الرضاء منهم. 65 - واختلف بعد ذلك في الاختيار فذهب جماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى كون الاختيار طريقًا إليها.

في اختيار الإمام

66 - وقالت الإمامية: لا طريق إلى نصب الإمام غير النص. 67 - وحجة الجماعة أن بيعة أبي بكر رضي الله عنه بالاختيار وكذلك عمر وعلي رضي الله عنهما، وهو فعل المسلمين في سائر الأمصار. وقولهم: الاختيار يؤدي إلى المنازعة فلا يصح، لأنا لم نر الأمر جرى على ما قالوا. 68 - وإذا عقدوا فالعقد الأول دون الثاني. 69 - وإن وقع العقدان معًا فقد قيل بالبطلان، وقيل يقرع ينهما، وقيل ينعقد للأفضل منهما. 70 - وقد كان النص عندهم موجودًا والخلاف واقعًا فلا يصح قولهم في ذلك. في اختيار الإمام 71 - والاختيار أن يجتمع جماعة من صلحاء الأمة وأهل الحل والعقد والعلم والأمانة فيعقدوا للإمام. ولا يفتقر إلى جميع الأمة في ذلك، كما ينعقد نكاح المرأة ببعض الأولياء. 72 - واختلف في البعض الذي تنعقد به (الإمامة) فأكثر أصحابنا يقولون: جميع الناس كما كان يوم السقيفة ويوم الشورى.

فصل الدعوة

73 - ومنهم من قال: أربعة كشهود الزنا. 74 - ومنهم من قال: ثلاثة كالحاكم والشاهدين. 75 - ومنهم من قال: ينعقد (باثنين) كالحكمين يوم صفين وجزاء الصيد. 76 - ومنهم من قال: ينعقد بواحد كما قال العباس رضي الله عنه لعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه: إمدد يدك أبايعك لا يختلف علينا الناس، ويقال عم رسول الله بايع ابن أخيه. وكما ينعقد نكاح الحرة بواحد من الأولياء كذلك هذا. فصل الدعوة 77 - واختلف في الدعوة هل هي طريق إلى الإمامة أم لا؟ فقالت الزيدية أنها طريق إلى ذلك. ومنع باقي الناس ذلك، وقالوا ليست بطريق. والدعوة أن يباين الإنسان الظلمة ويأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر وتجتمع فيه شروط الإمامة، فيكون إماماً وإن لم يبايع على ذلك. وهذا لا يصح لأنه يؤدي إلى أن يطلب ذلك كل واحد، ويفعل فعل صاحبه، فيجتمع للناس عدة أئمة، وهذا لا يجوز.

باب كيفية الولاية

فصل هل تورث الإمامة؟ 78 - واختلف في الميراث هل تورث الإمامة؟ فقال بعض الزيدية والعباسية أنها تورث، وتكون لأولى الوارثين، ولا يرثها صبي ولا مجنون ولا امرأة، ولا من ليس له صفة الأئمة. والجماعة من الناس على أنها لا تورث، لأن الإرث يستوي فيه الجماعة كالمال. فصل في كيفية النص 79 - هل تكفي مشافهة المنصوص عليه أم يحتاج إلى شهود معه؟ وما عدد الشهود؟ وهل هم كعدد (شهود) حقوق الأموال أم لا؟ وهل يكون النص جليًا أو خفيًا؟ وهل يفتقر إلى من يخالف الإمام في رأيه أو يوافقه؟ كل ذلك مختلف فيه. فهذه جملة ممتعة «مقنعة» في الإمامة. باب كيفية الولاية 80 - وهذا باب نذكر فيه كيفية الولاية: اعلم أن الإمامة لا يصح عقدها خاصة بل لا تقع إلا عامة عمومًا لا تخصيص فيه بحال. وأما ولاية القضاء فتقع تارة عامة بأن يقول الإمام: وليتك القضاء والحكم فيعم الأشخاص والمواضع (والأيام)، وتارة تكون خاصة.

81 - فإن عين موضع الولاية ولم يعين الناس جاز، وكان له أن يحكم على كل من في الموضع الذي وليه، ولا خلاف في جواز حكمه على جميع الناس. وإنما اختلوا في المحكوم له، وله باب نبينه فيه فيما بعد إن شاء الله تعالى. 83 - وإن عين المحكوم عليه، ولم يبين (يذكر) الموضع الذي ولاه الإمام ولا عين بقعة بعينها من المواضع والبلاد والمحال التي تعين أبدًا بالولايات والعهود التي بيد القضاة «تنشأ للقضاة» والحكام المنصوبين، جاز ذلك، وكان له أن يحكم به المعينين له بالحكم في كل المواضع. 84 - وإن عين الموضع والخصوم جاز ذلك، ولم يكن له أن يحكم في غير الموضع ولا على غير من عين له. وكل ذلك لا خلاف فيه. 85 - ويكفي في الولاية مشافهة الإمام للقاضي بالولاية إن كان حاضرًا، وكتابه إن كان غائبًا. وتجوز بالرسالة إليه أيضًا. 86 - وهل يفتقر في الكتابة إليه بالقضاء أن يشهد عليه الإمام؟ ويكون كالكتب الحكمية؟ أم يكفى مجرد الكتاب إليه؟ فالذي ذكر الخصاف في أدب القضاء عن (محمد بن الحسن) قال: قال أبو حنيفة: وإن قرأ عليهم الكتاب، يعني القاضي إذا كتب إلى قاض ولم يختمه بحضرتهم، وهم لا يحفظون ما فيه، وليس نسخته معهم لم يجز ذلك. 87 - وقال [أبو يوسف] يجوز الكتاب ويقبله الذي ورد عليه، وإن لم يقرأه عليهم بعد أن يشهدهم على نفسه أنه كتابة وخاتمة، لأني أنفذ كتب الخلفاء بغير بينة، والخلفاء ينفذون كتب القضاة بغير بينة. 88 - وقياس قول أبي حنيفة أنه لا يقبل. 89 - وقد حكى أصحاب الشافعي في ذلك وجهين: في أحدهما يقبل، وفي الثاني لا يقبل. والرسالة مثل ذلك.

باب ما يشترك فيه الوالي والمتولي من الصفات

باب ما يشترك فيه الوالي والمتولي من الصفات 90 - اعلم أن القاضي والإمام يشتركان في الحرية والبلوغ والعدالة والعلم والأمانة والعفة والصيانة في أن كل واحد لا يجوز له أن يقضي لنفسه، ولا لأولاده ولا لأحد من أجداده وسيأتي «وسنبين» ذلك في باب من يجوز أن يقضي له ومن لا يجوز. فالإمام والقاضي في ذلك سواء. 91 - ويفترقان في اعتبار كونه من قريش، فالقاضي يجوز أن يكون عربيًا وأعجميًا، ومن سائر أنواع الأمم إذا وجد فيه شرائط القضاء التي قدمناها. ويفترقان في خصوص الولاية وعمومها. [مطلب: القاضي لا يولي ابنه القضاء في حياته ولا يعد مماته] 92 - ويجوز أن يولى الإمام ابنه للإمامة بعده بالنص عليه، والقاضي لا يولي ابنه القضاء في حياته ولا بعد موته إلا أن يجعل الإمام له ذلك. [مطلب قضاء القاضي على القاضي الذي ولاه وله وعلى الإمام الذي ولاه] 93 - ويقضي على القاضي الذي ولاه وله. 94 - وكذلك القاضي يقضي على الإمام ويقضي له وإن كان يستفيد النظر من جهته. [مطلب: لا يجوز أن يكون إمامان في دار الإسلام] 95 - ويجوز أن يكون القاضي في محلة ومعه قضاة، ولا يجوز أن يكون إمامان في دار الإسلام.

[مطلب: يجوز أن يشتركا في قضية واحده]

[مطلب: يجوز أن يشتركا في قضية واحده] 96 - ويجوز أن يشترك القاضيان في قضية، ولا يجوز ذلك في حق الإمامين. [مطلب: انتقاض الولاية] 97 - والإمام لا تنتقض ولايته. والقاضي تنتقض ولايته. [مطلب: ما ينفرد به الإمام] [مطلب: الإقطاع] 98 - والإمام يجوز أن يقطع الأرض (ويخص) بمال بيت المال، وليس للقاضي هذا. [مطلب: بيان حدود الولاية] 99 - والإمام لا يحتاج إلى بيان ما له أن يتصرف فيه، والقاضي يحتاج إلى بيان الحكم والقضاء. 100 - وليس للقاضي أن يتصرف إلا فيما يجوز للإمام أن يتصرف فيه. 101 - والإمام يتصرف فيما ليس لأحد من أهل الحل والعقد أن يتصرفوا فيه، فهو يستفيد بالولاية ما لم يكن لمن ولاه أن يفعله. 102 - فإن قيل: فهذا يدل على بطلان الاختيار لأن من ولاه الأمر لا يملك ما ولاه فعله.

باب ولاية الخوارج للقضاء

والجواب أن ذلك غير ممتنع، كالولي يزوج وليته ولا يملك وطئها، والزوج يجوز أن يستوفي منفعة البضع ويملك ذلك ولا يجوز أن يملكه غيره. وسنبين في باب النيابة ما يجوز أن يستناب فيه ومالا يجوز إن شاء الله. باب ولاية الخوارج للقضاء 103 - وهذا باب يذكر فيه ولاية الخوارج للقضاء وما يجوز من ذلك وما لا يجوز. تعريف الخوارج 104 - اعلم أن الخوارج كل فرقة أظهرت رأيًا ودعت إليه وقاتلت عليه، وصار لها منعة وشوكة وتحيزت بخطة (بحيزة). 105 - وسنذكر في كتاب أهل البغي ما يجب عليهم ومالا يجب من الأحكام عند بلوغنا إليه إن شاء الله. [قضاء الخوارج] 106 - وإنما الكلام ههنا في صحة الولاية: فحكى الخصاف في أدب القضاء له: أنهم إذا ولوا رجلاً القضاء فقضى بقضايا وحد ناسا «وحكم بأشياء» ثم ظهر أهل العدل بعد ذلك على البلد فولوا قاضيًا، ثم رفعت أحكام أهل التأويل إليه، فإنه ينقض منها ما ينقض من أحكام غيرهم. 107 - وقال الطحاوي رحمه الله في مختصره في كتاب أهل البغي: ولا ينقض من أحكامهم إلا ما كان ينقض من أحكام غيرهم.

فصل خلو الزمان من الإمام

108 - وحكى الشيرازي رحمه الله من أصحاب الشافعي رحمه الله في كتاب التهذيب له عن مذهبهم. قال: وإن ولوا فيما استولوا عليه قاضيًا نظرت فإن كان ممن يستبيح دماء أهل العدل وأموالهم لم ينفذ حكمه، لأن شرط القضاء العدالة والاجتهاد وهذا ليس بعدل ولا مجتهد. وإن كان ممن لا يستبيح ذلك نفذ من حكمه ما ينفذ من حكم قاضي أهل العدل، ورد من حكمه ما يرد من حكم قاضي أهل العدل، لأن لهم تأويلاً يسوغ فيه الاجتهاد. 109 - وقال: واستحب أن لا يقبل كتاب قاضيهم استهانة وكسرًا لقلوبهم، فإن قبله جاز. وجوب تحقيق الإمام في أسباب خروج الخوارج عليه وإنصافهم ممن ظلمهم 110 - والذي مال إليه الطحاوي في المختصر أنه يسألها عما دعاها إلى الخروج فإن ذكرت شيئًا ظلمت فيه أنصفت ممن ظلمها وإلا دعيت إلى الرجوع إلى الجماعة والدخول في طاعة الإمام الذي يجب عليها طاعته فإن فعلت وإلا قوتلت فشرط أن يكون إمامًا تجب عليها طاعته ليكونوا خوارج. 111 - وهذه الأقوال تدل على اتفاق المذهبين على جواز ولاية من يتولى من قبلهم القضاء. 112 - وسيرد [وسنذكر] حكم ما أتلفوا علينا وأتلفنا عليهم في بابه إن شاء الله. فصل خلو الزمان من الإمام 113 - ينبغي علينا أن نذكر خلو الزمان من الإمام المفترض الطاعة:

باب التحكيم

إذا لم يكن إمام للمسلمين ثابت الإمامة فمن تغلب على الأرض وملكها ودعا لنفسه، وقام بما يجب عليه من الحقوق، وذب عن الدين، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو في الولاية من قبله وجهته أكثر من الخوارج مع الإمام، فإذا قلنا أن ولاية من ولوه جائزة، وحكمه ماض فمن ليس في مقابلة إمام أولى وأحرى بجواز الولاية من قبله. 114 - وإذا خلا الزمان من الإمام والمتغلبين على سبيل الفرض والتقدير فكل حكم يلزم العامة والإمام بين أظهرهم فهو لازم لهم مع عدمه، وكل حكم لا يلزمهم ولا يجوز لهم فعله مع وجوده فهم فيه أيضاً مع عدمه غير مخاطبين بفعله، والأول كالزكاة والصلاة وسائر العبادات التي يتفردون بها، والعقود التي يعقدونها. 115 - والثاني كالحدود والقطع في السرقة وضرب الجزية والإحياء وما هو مفوض إلى الإمام، فأنه لا يستوفي ولا يأخذه بعضهم من بعض، وكذلك الأحكام وتوليها. باب التحكيم وهذا باب نذكر فيه التحكيم من الرجلين لغيرهما: 116 - اعلم أنه يجوز أن يحكم الخصمان رجلاً واحدًا، ويجوز أن يحكما رجلين فما زاد. 117 - وقد حكم علي عليه السلام أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، ورضيا بحكمهما عليهما، وحكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبي بن كعب زيد بن ثابت، وحكم عثمان وطلحة رضي الله عنهما جبير بن مطعم

وذلك جائز في الشرع والدين، وهو قول الشعبي وابن سيرين وعبد الله بن عتبة، وهو قول أصحابنا جميعا. 118 - ولهما أن يخرجا الحكم من الحكم ولأحدهما ما لم يحكم ويمض الحكم عليهما. 119 - وليس لواحد منهما أن يرجع عن ذلك بعد الحكم. 120 - وقال الشافعي لا يلزم الحكم إلا برضاهما بعد الحكم في أحد قوليه، لأن في إلزام حكمه افتئاتًا على القاضي والإمام، ولأن رضاهما معتبر في التحكيم، فكذلك في الحكم، والثاني مثل قولنا لا يعتبر رضاهما لأن من جاز حكمه لزمه حكمه. ما يجوز فيه التحكيم 121 - واختلف أصحاب الشافعي فيما يجوز فيه التحكيم فمنهم من قال يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان كما يجوز حكم الحاكم الذي ولاه الإمام. 122 - ومنهم من قال يجوز في الأموال فأما النكاح واللعان والقصاص وحد القذف فلا يجوز لأنها بنيت على الاحتياط، فهذا قولهم في هذا الباب. 123 - وقال أصحابنا: وإذا حكم الحكم بشيء ثم رفع إلى القاضي نظر في ذلك، فإن كان موافقًا للحق ورأيه أمضاه، وإن كان لا يوافق رأيه والحق رده. 124 - وقال بعضهم إذا كان مخالفًا لرأيه ومذهبه فهو بالخيار: إن شاء

أمضاه وإن شاء رده. 125 - وقالوا: لو حكمًا محدودًا في قذف أو أعمى أو ذميًا أو عبدًا فذلك باطل لأن حكمهم كشهادتهم. 126 - وإذا كان الحكم رجلين لم يمض الحكم حتى يجتمعا عليه. 127 - وإذا لم يشهد الحكم في مجلس حكمه الذي حكم فيه على حكمه لم يصدق على ذلك، ولم يقبل قوله أنه يحكم بكذا. 128 - قال الخصاف: «ولا يجوز أن يحكما في حد ولا قصاص، وإن حكماه في دم خطأ فحكم على العاقلة بالدية لم يجز لأن العاقلة لم ترض به». 129 - وإن قضى ما بيا (كذا) يمين أو إقرار أو بينة فذلك جائز. 130 - ولو قال الحكم: قد أقررت عندي بكذا أو شهد عليك هذا، وعدلت الشهود وقد ألزمتك ذلك وحكمت عليك [به لهذا وأنكر المقضي عليه] أن يكون أقر عنده أو قامت بينة عليه لم يلتفت إلى قوله وأمضى القضاء عليه ما دام لم يخرجه من التحكيم. 131 - فإن كان قد عزله ثم قال ما قال لم يقبل منه، ولم يجز حكم عليه،

فصل عدد من يتولى القضاء في البلد الواحد

كالقاضي إذا عزله الإمام لم يقبل أنه كان قد حكم، وإن كان قد حكم من لا يجوز قضاؤه له كالابن والزوج وكل من لا تجوز شهادته له، فإن حكم لابنه أو أبيه أو من ذكرناه أبطل القاضي حكمه، وإن قضى عليه أمضاه كما يمضي الشهادة. 132 - ولا يحكم فاسقا ولا صبيا ما لم يبلغ، كما لا يصح منهما ولاية القضاء ولا ينفذ الحكم من الحكم على غير الخصم الذي حكمه، كما لو ادعى دينًا على رجل أنه كفل عن هذا وشهدت بذلك بينة قبل الحكم على الحاضر دون الكفيل. وإن كان الكفيل هو الحاضر لزمه الحكم دون المكفول عنه. 133 - ومتى كان الحكمان رجلين فاختلفا في الحكم والاجتهاد لم يجز (حكم) واحد من الحكمين حتى يجتمعا على شيء واحد، وكان وجود حكم أحدهما كعدمه. 134 - ولو شهد عند الحكمين شاهدان بالحق فلم يحكما حتى غابا أو ماتا، أو حكمًا فسأل المدعى الحكمين أن يشهدا عند الحاكم على شهادة من شهدا عندهما لم يكن للحكمين ذلك. 135 - ولو شهدا رد الحاكم شهادتهما لأنهما لم يشهداهما على شهادتهما ولا حملاهما ذلك. 136 - وكما يجوز أن يكون الحكمان اثنين فكذا عندنا يجوز أن يلي القضاء اثنان وما زاد. فصل عدد من يتولى القضاء في البلد الواحد 137 - قال أصحابنا لا يجوز أن يولي القضاء الاثنين في الشيء الواحد

باب في جواز الدخول في القضاء

والبلد الواحد لأنهما قد يختلفان فلا تنفصل الحكومة، ومنهم من أجاز ذلك كما قلناه فقد ذكرنا أحكام الولاة وهذا يقضي أن نذكر هل يجوز لهم الدخول أو يجب عليهم الدخول في ذلك أم لا؟ وما الذي نقول في ذلك وذكر الخلاف فيه. باب في جواز الدخول في القضاء 138 - وهذا باب نذكر فيه جواز الدخول في القضاء اعلم أن القضاء قد دخل فيه رجال صالحون وأئمة الصحابة، ووجوه التابعين، وسنذكر في آخر الكتاب أعيان من دخل فيه من الناس. وامتنع جماعة من الدخول فيه، منهم أبو حنيفة رضي الله عنه، فمنهم من أجاز الدخول فيه ومنهم من كرهه ولم يدخل فيه. 139 - وعندنا أنه مباح له الدخول فيه، ولا يجب عليه، وكذلك الدخول في الإمامة العظمى، لا يجب عندنا، بل اختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال هي فرض على الكفاية إذا قام بها الغير سقطت عنه، ومنهم من قال إذا علم أنه ليس أحد يقوم بفرضها لزمه الفرض، ووجب عليه الطلب والقتال حتى يؤدي إلى استقامة الدين وإزالة المنكر، ولو أدى ذلك إلى إهلاك نفسه وماله وسفك الدماء. 140 - ومن أصحابنا من قال لا يجب ذلك عليه، ومتى أدى إلى إهلاك مسلم وجب ترك ذلك فكيف هلاك نفسه، وحكمها عنه ساقط وإثمها زائل، ولا يصح إجباره عليها (ولا) إكراهه على الدخول فيها. 141 - واتفقوا على أن القاضي لا يجب عليه الدخول في القضاء وإن كان عالماً وليس في الناس مثله. 142 - وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تقلد القضاء فكأنما ذبح بغير سكين».

143 - ولا يعرف لأصحابنا لفظ في كتاب يقتضي وجوب الدخول في القضاء فنحيكه. 144 - وقال أصحاب الشافعي: إذا كان لا يصلح للقضاء إلا واحد تعين ولزمه فعله، فإذا امتنع أجبر عليه، لأن الكفاية لا تحصل إلا به وجعله هذا القائل فرضًا على الكفاية، فإذا لم يقم به غير وجب عليه، قال وإن كان هناك غيره يصلح له نظرت فأنه كان خاملاً وإذا ولي القضاء انتشر علمه استحب له طلبه لما يحصل به من المنفعة بنشر العلم، وإن كان مشهورًا فإن كانت له كفاية كرهت له الدخول فيه لأنه ربما يعجز عن القيام بذلك ويحتاج إلى أن يلتزم الأمانات فكره له ذلك، وهذا يقتضي أن يكره الدخول فيه، وإن لم يكن غيره لأنه يجوز أن لا يأمن ذلك أيضًا، وليس القضاء أمرًا يسيرًا بل عظيم، وليس كل عالم يصلح للقضاء والصرف في الأمور، وقد رأينا من يتقلد القضاء وهو يعتقد أنه العالم الكافي القيم بما يرد في ذلك، فلا يلبث حتى يظهر عجزه وحيرته وتبلده في الأحوال، حتى يتغير طبعه، وتتبدل أخلاقه، ولولا كراهة ذكر الناس لحكيت في ذلك ما رأيت وعددت الناس، ولكن كل زمان لا يخلو أمره من مثل ما رأينا. 145 - وقال أصحاب الشافعي: وإن كان فقيرًا يرجو بالقضاء كفاية من بيت المال لم يكره له الدخول فيه لأنه يكتسب كفاية بسبب مباح. 146 - قالوا: وإن كانوا جماعة يصلحون للقضاء اختار الإمام أفضلهم وأورعهم فقلده، وبهذا قولنا أيضًا إذا اختار الحاكم ذلك ورغب فيه وغلب على

[الإجبار على تولي القضاء]

ظنه أنه يقوم بشرائطه، وهذا لابد من اعتباره في القاضي والإمام جميعًا، ولا يجوز أن نطلق القول. وإن اختار الإمام غير الأفضل انعقد العقد له، وهذا يبنى على جواز إمامة المفضول، وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة شورى في ستة نفر وهم يتفاضلون عند جميع الناس، فلولا أنه يجوز العقد للمفضول لما خبر عن فاضل ومفضول، وهذا في القاضي أجوز من الإمامة. 148 - قال الشيرازي رحمه الله: وإن امتنعوا عن الدخول أتموا، لأنه فرض وجب عليهم فهو كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. [الإجبار على تولي القضاء] 148 - قال: وهل للإمام إجبار واحد على القضاء أم لا؟ ففيه وجهان: أحدهما لا يجبر لأنه فرض على الكفاية فلو أجبر عليه لتعين عليه، والثاني يجبره لأنه لابد من قاض للمسلمين. 149 - وهذا الوجه لا يصح لأن الإمام نصب للحكم بين المسلمين، فالفرض يتوجه عليه، فلا يجوز له إجبار غيره عليه وإسقاط فرضه عن نفسه. 150 - وذكر الخصاف حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه وكل به ملك يسدده، ومن طريق آخر: من طلب القضاء وطلب الشفعاء وكل إليه ومن أكره على القضاء وكل به ملك يسدده. 151 - وإذ صح هذا الخبر جاز للرجل الدخول في القضاء بالإكراه.

باب أخذ الرزق على القضاء

152 - وكره له سؤال القضاء في كل حال. 153 - وقد ذكر الخصاف عن الحسن (بن زياد اللؤلؤي) أن الله تعالى أخذ على الحكام ثلاثة: أن لا يتبعوا الهوى وأن يخشوه ولا يخشوا الناس ولا يشتروا بآياته ثمنًا قليلاً لقوله: «يا داود الآية وإنا أنزلنا التوراة الآية»، ولأنه قال عنه: لأجر حاكم عدل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة لأنه يدخل من عدله في ذلك اليوم على كل أهل بيت من المسلمين. 154 - وإذ قد بينا الرخصة في الدخول في القضاء، وما في الدخول فيه، فلنذكر أخذ الرزق عليه وما قيل. باب أخذ الرزق على القضاء 155 - اعلم أن القاضي من عمال المسلمين وأجل عمالهم وهو القيم بمصالح الجميع. 156 - وقد قال أصحابنا جميعًا: لا بأس أن يطلق الإمام للقاضي من الرزق ما يكفيه من بيت المال، حتى لا يلزمه ولا أحد على بابه مؤونة ولا كلفة، ولا أحد أسبابه، فأن جميع ما يأخذه من على بابه يفضحه ويضع من قدره، وإن علم به فلم ينكره لحقه وزر: كذا قال الطحاوي في أدب القضاء الصغير له. 157 - وقال الخصاف: ولا بأس أن يأخذ القاضي الرزق من بيت المال

لأنه عامل المسلمين، وقد أوجب الله له أجرًا، والنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما فرضًا لأنفسيهما من بيت المال، وهكذا فعل الأئمة. 158 - ويفرض له ما يكفيه، ويوسع عليه حتى لا يشره إلى أموال المسلمين. 159 - وذكر في الباب أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل بالشام أن انظروا رجالاً من أهل العلم من الصالحين من قبلكم فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا عليهم في الرزق ليكون لهم قوة وعليهم حجة. 160 - وكان زيد بن ثابت يأخذ على القضاء أجرًا وأرزق علي عليه السلام شريحًا خمس مائة درهم. وأرزق النبي صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد حين استعمله على مكة أربعين أوقية في السنة. قال إسحق: لا أدري ذهب أو فضة. وأرزق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى في السنة ستة آلاف درهم وهو على البصرة، وكان مسروق لا يأخذ على القضاء رزقًا وكان شريح يأخذ. 161 - وقال القاسم بن عمير لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا، ولا صاحب بعثهم. 162 - فأما الشافعي فقال: «ومن تعين عليه القضاء وهو في كفاية لم يجز أن يأخذ رزقًا، لأنه فرض تعين عليه، وإن لم يكن له كفاية فله أن يأخذ الرزق عليه، لأن الكفاية لابد منها،

فصل في الرشوة على الحكم

والقضاء لابد منه، وإن لم يتعين عليه: فإن كان له كفاية كره أن يأخذ عليه الرزق، وإن لم تكن له كفاية لم يكره. 163 - ويعطيه مع ذلك شيئًا لأعوانه، وما يصرفه في القرطاس. وأصحابنا لم يفصلوا هذا التفصيل بل لفظهم في الكتب مطلق. 164 - وإذا كان (القاضي) عاملاً على المسلمين فهو كالعامل على الزكاة يجوز أن يأخذ الأجر والرزق مع غناه فكذلك هذا، فهذا ما قيل في هذا الباب. فصل في الرشوة على الحكم 165 - فأما الرشوة على الحكم فأجمع أصحابنا جميعًا على أنه إذا قبل (القاضي) الهدية على إقامة الحق فقد فسق، وأكل الحرام. قال الطحاوي: لأن رسول الله قال: هدايا العمال غلول وأكبر العمال القضاة.

ما جاء في تحريم الرشوة من الآثار

166 - وقال الخصاف: «ومن خشي سلطانًا على نفسه أو ولده أو ماله فصانعه على شيء فلا أثم عليه». ومن رشا قاضيًا فحكم له بحقه وهو حق له لم يسعه ذلك. 167 - وإذا قبل القاضي الرشوة سقطت عدالته، ولا ينفذ حكمه لمن رشاه وإن حكم بالحق. 168 - ومن رفع إليه من القضاة أبطله إذا صح عنده. 169 - وإن رشا ولد القاضي أو كاتبه أو جاره حتى ساعده على الحكم فحكم القاضي وهو لا يعلم والطالب محق فهو آثم وما حكم به له فهو جائز لازم. 170 - ولا يقبل القاضي هدية رجل إلا من كان يهاديه قبل الولاية وليس له خصومة، ولا يقبلها في حال الخصومة، فإن قبل بعد ذلك فهو على العدالة. وهذا قول الشافعي في الهدية فيمن كان يهاديه. ما جاء في تحريم الرشوة من الآثار 171 - وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الراشي والمرتشي

اتقاء الظلم بالرشوة

في الحكم، وقال «هما في النار» وذكر الخبر ثوبان وقال فيه: «والرائش الذي يمشي بينهما». وعن ابن مسعود: أن الرشوة في الحكم كفر، إنما السحت أن يهدي الرجل إلى الرجل هدية فيما يعين على حاجته. وقال مسروق: أن القاضي إذا أكل الهدية فقد أكل السحت. وقيل لعمر بن عبد العزيز: مالك لا تقبل الهدية وقد قبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ - قال تلك هدية وهذا لنا رشوة. وحديث أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللتبية على صدقات بني سليم، فلما جاء قال: - هذا لله وهذا أهدي إلي. فقام صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: - ما بال رجال نوليهم أمورًا مما ولانا الله فيجيء أحدهم فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هدية إن كان صادقًا! 172 - وروى عن جابر بن زيد قال: - لا بأس بالرشوة إذا خاف الرجل على نفسه الظلم. وقال: - لم نجد في زمن عبد الله بن زياد أنفع لنا من الرشوة. وقال الشعبي وإبراهيم:

أحوال القاضي التي يقضي فيها

- لا بأس بالرشوة إذا خاف الرجل على نفسه الظلم. وقال مجاهد: - اجعل مالك جنة دون دينك، ولا تجعل دينك جنة لمالك. وكان الحسن لا يرى بأسًا بأن يعطي الرجل من ماله ما يصون به عرضه. وفي هذا الباب أخبار كثيرة ذكرها الخصاف بإسناد لكل منها، وفي الذي ذكرته كفاية. 173 - وإذ قد ذكرنا أحوال الدخول في القضاء وأحوال الرزق عليه، فلنذكر أحوال القاضي التي يكون عليها. أحوال القاضي التي يقضي فيها 174 - وهذا باب أحوال القاضي التي يقضي فيها، وما يتقدم ذلك، ويترتب عليه. 175 - أعلم أن القاضي إذا ولاه الإمام بلدًا غير البلد الذي هو فيه وكتب عهده فقد قلنا أنه يشهد على العهد في قول، وفي آخر يكفي مجرد العهد، وتثبت الولاية بالاستفاضة. 176 - فإذا اقترب من البلد غير بزته، ولبس من أجمل ثيابه. 177 - وإذا قرب من البلد دعا لنفسه بما روى من الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا به فقال: «اللهم رب السموات السبع وما أظلت. ورب الأرضين السبع وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت ورب الرياح وما ذرت اسألك خير هذه البلدة، وخير أهلها وما فيها».

دعاء القاضي عند دخول البلد

وروى هذا الخبر الطحاوي في أدب الحكام. دعاء القاضي عند دخول البلد 178 - وأما إذا دخل البلد قال: (اللهم اجعله لنا قرارًا واجعل لنا فيه رزقًا طيبًا) كذا قال لما دخل المدينة صلى الله عليه وسلم. وروى عنه أنه كان يقول إذا دخل مدينة (أعوذ به من الأسد والأسود والحية والعقرب ومن شر ساكني البلد، ومن شر والد وما ولد، ومن شر كل أحد). هكذا روى الطحاوي رحمه الله. فصل في صفة لباسه وفرشه 179 - ويستحب له أن يلبس السواد، فإن لم يكن فعمامة سوداء، لأن النبي عليه السلام دخل يوم (فتح مكة) وعلى رأسه عمامة سوداء. رواه جابر وأنس. وتكون العَذَبة على كمه الأيسر.

مركب القاضي

180 - ويختار له من الفرش في الشتاء اللبود البيض وفي الصيف الحصر والبوارى. مركب القاضي 181 - قال الطحاوي: يستحب له أن تكون مراكبه البغال الذكور فإنه أحسن من الإناث، وإناث البغال أشبه بالحكام من البراذين، والبراذين أشبه بالحكام من الخيل العراب. وما رأيت قط شيخنا قاضي القضاة رحمه الله ركب فرسًا، وكان يركب إناث البغال الكبير السن منها. 182 - ويستحب للقاضي أن يسلم على من يجتاز به، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. 183 - وقد قالوا أنه يستحب له أن يقلل كلامه إذا سايره أهل البلد، ويتحفظ في ذلك فإن كلامه عليه محفوظ، وذلك يقلل هيبته. أحوال قاضي القضاة الدامغاني 184 - وقد شاهدت شيخنا قاضي القضاة رحمه الله إذا ركب حدث من يسايره، وكان إذا جلس في مجلسه لم يخل من حكاية يوردها ومضحكة يحكيها، وبقى في القضاء فوق من ثلاثين سنة لأنه ولى من ذي القعدة من سنة سبع وأربعين وأربعمائة ومات في ليلة السبت رابع وعشرين من رجب سنة ثمان وسبعين، وما نقصه ذاكر ولا عائب ولا حط عند أحد من قدره لعظم في نفسه، وما رأيته قط حلف خصمًا ولا حكم بملك أحد لأحد، ولا قال قط ثبت عندي كذا، ولا صح لدي، بل يقول: شهد بذلك في مجلس الحكم، وأقر في مجلس الحكم، وشهد المعدلون بذلك، وهذه شهادة المعدلين وخطوطهم

فصل ما يفعله القاضي قبل مصيره إلى البلد الذي وليه

وقوبل الأصل الذي هو شهادة الشهود، وما قال قط صح عندي أن هذا الملك لفلان، وقد حكمت به لفلان وأوجبت على فلان الخروج منه. وكان يقضي في داره، وربما سمع الشهادة على الطريق وفي السكة إذا عبر وعلى باب الديوان وما رأيته عقد قط مجلس حكم في الجامع ولا في المسجد، رحمه الله ورحمنا إذا صارت أرواحنا إليه. فصل ما يفعله القاضي قبل مصيره إلى البلد الذي وليه 185 - وينبغي للقاضي قبل مصيره إلى البلد الذي وليه أن يتعرف أحوال من به من الفقهاء والشهود والأعيان. 186 - وينفذ قبل ذلك إلى الموضع من يشعر الناس بقدومه ليكونوا على أهبة من قدومه واستقباله. 187 - وأن يرجع إليه من أنفذه ليكون إلى جانبه (عند دخوله) يعرفه كل إنسان ليكرمه بما يجب إكرامه، فلا يرفع وضيعًا ولا يحط من مرتبة كريم ويكون رسوله ثقة أمينا بما يخبر به. كيفية دخول البلد الذي وليه وهذا باب كيفية دخول البلد الذي وليه: 188 - أعلم أن القاضي إن كان لا محمل له ولا تبع فالمستحب له أن يدخل ليلاً إلى البلد، ويكون قبل ذلك قد أخذ منزلاً يصلح للقضاء والحكم فلا يطلع الناس على حاله ولا ما دخل فيه.

وإن كان له محمل وتبع فالمستحب له أن يدخل البلد نهارًا. 189 - ويستحب له من الأيام يوم الاثنين، لأنه النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة يوم الاثنين من غرة شهر ربيع الأول وقيل لعشر، وبعث في شهر رمضان صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بثلاث عشرة سنة، وتوفى في شهر ربيع الأول يوم الاثنين لاثني عشرة ليلة مضت منه سنة إحدى عشرة، واختلف في سنه صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس وعائشة وابن المسيب رضي الله عنهم ثلاثة وستون سنة، وقال أبو حنظلة عمره ستون سنة، وقال عروة بن الزبير ستون سنة صلى الله عليه وسلم. 190 - وينبغي له أن يقصد المسجد الجامع فيصلي فيه ركعتين، ثم يأمر بعهده فيقرأ على من بحضرته، ثم يأمر مناديًا ينادي: من كانت له حاجة فليحضر فينظر فيما رفع إليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس فقضى بينهم روى ذلك كعب بن مالك وأم هاني.

ما ورد في كتابه العهد من الآثار

191 - وإن لم يقرأ العهد ومضى إلى منزله أذن للناس أذنًا عامًا وقريء عهده عليهم في منزله والأول أحب إلينا من الثاني. 192 - وكان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم حديدًا مكتوبًا عليه شريط فضة نقشه: محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ما ورد في كتابه العهد من الآثار 193 - وإنما قلنا يكتب له العهد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. وكتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه للأشتر حين بعثه إلى اليمن كتابًا وختمه بخاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

باب كيفية جلوس القاضي وإخوانه والمكان الذي يقضي فيه

وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: «أما بعد، فإني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا وعبد الله قاضيًا ووزيرًا فاسموا لهما أطيعوهما فقد آثرتكم بهما» يعني عمارا وابن مسعود. الإشهاد على التولية 194 - وقال الشافعي: إذا كان البلد بعيدًا أشهد على التولية شاهدين لتثبت بهما التولية. 195 - وقال أصحابه: وإن كان قريبًا بحيث يتصل به الخبر بالتولية ففيه وجهان: أحدهما يجب الإشهاد لأنه عقد فلا يثبت بالاستفاضة كالبيع، وهو قول أبي إسحق، وقال الاصطخري: لا يجب الإشهاد لأنه يثبت بالاستفاضة فلا يفتقر إلى الشهادة، وقد تقدم ما قلناه في ذلك. 196 - فإذا دخل البلد واستقر فيه وحصل في داره وجب ذكر الحالة التي يجلس عليها والصفة التي يكون عليها. باب كيفية جلوس القاضي وإخوانه والمكان الذي يقضي فيه وهذا باب يذكر فيه كيفية جلوسه وأحواله والمكان الذي يقضي فيه. 197 - وينبغي للقاضي إذا أراد الجلوس للقضاء أن يخرج وهو على أعدل الأحوال لا جائع ولا عطشان ولا كضيض من الطعام ولا كسلان. 198 - ولا يقضي وهو غضبان.

فصل: قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة

199 - ولا يمزح مع خصم ولا يساره ولا يضحك في وجهه ولا يعبث بثيابه. 200 - ولا يضجر ولا يعجل. 201 - ولا يلتفت عن خصم. 202 - ولا يتكيء على وسادة حال القضاء. 203 - ولا يلقن خصمًا حجته. 204 - ولا يقضي (في) حالة مرض ولا حزن ولا حر شديد ولا برد مؤلم. ولا في حالة فتنة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقضي القاضي وهو غضبان». ولأن هذه الأمور تشله عن الفهم، وتمنعه من الحكم، فإذا حدث له شيء مما ذكرناه وجب أن يقوم أو يسكت، حتى يذهب ذلك عنه. 205 - وقد كان شريح إذا جاع قام ولم يقض. فصل: قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة 206 - فإن حكم في هذه الأحوال بحكم نفذ حكمه وجاز قضاؤه، إذا كان مما يجوز في حال اعتداله، وذلك لما روى أن الزبير ورجلاً من الأنصار اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة فقال النبي صلى الله عليه للزبير:

فصل القضاء في المسجد

- اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاري: - إن كان ابن عمتك! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحمر وجهه ثم قال للزبير: - أسق زرعك وأحبس الماء حتى يبلغ الجدر ثم أرسله إلى جارك، فنزل قوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ}. فحكم في حال الغضب فدل على أن الأول منه على سبيل المعاونة والثاني كان من الحق، ودل على نفوذ الحكم حال الغضب. فصل القضاء في المسجد 207 - قال أصحابنا جميعًا: والمستحب أن يجلس في مجلس الحكم في الجامع، فإن كان مسجد بجنب داره فله ذلك وإن قضي في داره جاز، والجامع أرفق المواضع بالناس وأجدر أن لا يخفي على أحد جلوسه ولا يوم حكمه. 208 - وقد كان الشعبي يقضي في الجامع، وشريح يقضي في المسجد إلا يوم المطر فإنه يقضي في داره، وكان محارب بن دثار يقضي في المسجد ويخطب بالسواد.

وقد قضى النبي في مسجده بين الأنصار في مواريث، وكان الأئمة يقضون في المسجد ولأن المسجد أرفع المواضع وأوسعها عليهم. 209 - وقال الشافعي: وكره أن يجلس للقضاء في المسجد لأن الخصومة يحضرها اللغط والسفلة، فنزه المسجد من ذلك، ولأنه قد يقضي بين الحائض والجنب فلا يمكنهما المقام في المسجد. 210 - قال: وإن جلس في المسجد لغير الحكم فحضر خصمان أكره له أن يحكم بينهما وذكر في الحجة حديث الحسن في عثمان رضي الله عنه أنه دخل المسجد ورأى سقاء على رقبته قربة فحطها ومعه خصم فقضى بينهما عثمان رضي الله عنه. 211 - وقد قال عمر بن عبد العزيز:

لا يقعد قاض في المسجد فيدخل فيه المشركون فإنهم نجس، وتلا الآية. 212 - وكان يحي بن معمر يقضي في الطريق، وقصده رجل إلى منزله فقال: القاضي لا يؤتى في منزله. 213 - قال الشافعي: والمستحب أن يجلس للحكم في موضع بارز يصل إليه كل واحد، ولا يحتجب من غير عذر. 214 - ويستحب له أن يكون المجلس فسيحًا حتى لا يتأذى بضيقه الخصوم ولا يزاحم فيه الشيخ والعجوز، ويكون موضعًا لا يتأذى فيه بحر ولا برد ولا برائحة نتنة. فصل 215 - ويجب أن يعرف للعالم والشريف والشيخ وأهل الفضل حقوقهم، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، ونزلوا الناس منازلهم، وأقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم. 216 - وينبغي له إذا دخل عليه سلطان أن يرفعه ويوسع له ويكرمه. 217 - وكذلك يكرم صاحب العلم والقرآن فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من إكرام الله إكرام ذي الشيب المسلم وحامل القرآن، وغير الغالي فيه، ولا الجافي عنه». 218 - وإن قام لرجل من أهل العلم في مجلسه كان حسنًا لا بأس به، فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن حارثة، ورأى قومًا من الأنصار مقبلين فقام إليهم.

وقام صلى الله عليه وسلم لعكرمة بن أبي جهل لما جاءه مسلمًا، وقال للأنصار: قوموا إلى سيدكم سعد بن معاذ. فصل 219 - وإن قام القاضي ليخرج أو يدخل إلى بيته أو قام ليستريح فينبغي لجميع من في مجلسه أن يقوموا له، فقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يدخل منزله قمنا له قيامًا حتى يدخل. 220 - وإنما كره أصحابنا القيام على التكفير كما قال صلى الله عليه وسلم: «الأعاجم يقوم بعضهم لبعض تكفيرًا». 221 - وإن قام إلي إنسان فعانقه فلا بأس، فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة فعانقه وقام لجعفر بن أبي طالب لما أتاه يوم خيبر فقال: «لست أدري بأي الفتحين أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر». 222 - قال الطحاوي: وإذا استأذنه إنسان ليقبل رأسه ويديه ورجليه فعل! 223 - وقال أبو حنيفة أكره من الرجل أن يقبل من الرجل يده أو فمه وأكره المعانقة ولا بأس بالمصافحة. 224 - وروى عن أبي يوسف أنه قال: تجوز القبلة والمعانقة والمصافحة، ذكر الخلاف، في كتاب الكراهة أبو الليث وغيره، والذي ذكره الطحاوي قاله في أدب الحكام الصغير له.

225 - وروي عن بريدة الأسلمي أن أعرابيًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ائذن لي فأقبل رأسك ورجليك. فأذن له فقبل رأسه ورجليه. 226 - وإن قال رجل للقاضي جعلت فداك جاز، فقد قال ابن عمر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وقاله عقبة بن عامر وأبو بكر وعمر وابن عباس وعمرو بن عتبة وأبو ذر وقرة المزني، كذا روى الطحاوي رحمه الله. 227 - وإن قال لبعض ولده بمحضر من الناس فداك أبوك فلا بأس، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لفاطمة عليها السلام. 228 - وإن قال له رجل: - فداك أبي وأمي. أو قال هو ذلك فلا بأس فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: أرم فداك أبي وأمي. وجمع النبي صلى الله عليه وسلم للزبير يوم الخندق بين أبويه. 229 - وإن قال له رجل:

- جزاك الله خيرًا. قال له مثله، فقد قالت ذلك الأنصار وقال عليه السلام لها مثله. 330 - وإن دعا له رجل فقال: - أعزك الله وأصلحك الله أو عمرك الله فحسن. وقد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له وأجاب عنه. 231 - وإن دعاه داع فلباه، أو قال:- لبيك وسعديك أو قال له: جملك الله فلا بأس به، فقد روى ذلك كله عن النبي صلى الله عليه وسلم. 232 - ولو أمر رجلاً بشيء فقال: سمعًا وطاعة فلا بأس. قال ظهير ذلك للنبي عليه السلام. 233 - وإن أخبره رجل بخبر فقال: بخ بخ فحسن (فقد) قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر: بخ بخ. 234 - قال الطحاوي: - وإن حبس رجلاً ليؤدبه فتشفع فيه شافع شفعه، فقد روى فهد بن حكيم عن أبيه عن جده أن أباه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: جرابي فيما أخذوا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خلوا له عن جرابه. فصل 235 - قال أصحاب الشافعي:

ويكره أن يكون القاضي جبارًا عسوفًا وأن يكون ضعيفًا مهينًا. لأن الجبار يهابه الخصم، ولا يستوفي حجته، والمهين يطمع فيه، وينبسط عليه. وهذه أقوال بعض أصحابنا أيضًا. وقد روى عن بعض السلف. وجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلا شدة من غير عنف ولين من غير ضعف. وقد قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته أن أقواكم عندي لضعيف حتى آخذ له الحق، وأن أضعفكم عندي لقوي حتى أخذ منه الحق، فإن استقمت فأعينوني وإن زغت فقوموني. فصل 236 - قال الطحاوي رحمه الله: وينبغي له في اليوم الذي يريد الجلوس للحكم أن يتخشع، وأن تاقت نفسه إلى إصابة النساء فعل، وكذلك الطعام والشراب، ويتقدم ليبسط له في الجامع ليعلم الناس موضعه، وإن جعل ليد أبيض ووسادة فلا بأس، ويطرح لشهود الحصر والبواري إذا لم يكن حصر. 237 - وإن قدر القاضي أن يجلس على مثل الشهود فعل، فإن المصليات والمخاد والمرافق ليس من آلة الحكام. 238 - ولا يتروح بالمراوح الطوال ولا للخصيان القيام على رأسه بالمذاود. 239 - وينبغي له أن يتخذ من الغلمان كل من لا يتوهم عليه الجاهل من

الناس سوءًا، ويرسم لهم أخذ القصص من غير أن ينظروا إلى ما فيها أو عليها. 240 - ويتقدم إلى الشهود والأمناء أن لا يلزموا إنسانًا لهم ولا يأتوا أحدًا في أمر الحكم والشهادة إلا بأمره، وأن يجتنبوا الضحك في المجلس وشرب الماء والمراوح وما يدعو إلى الوضع من قدرهم. فصل 241 - وإذا خرج إلى المسجد بعد الأكل والشرب وما يحتاج إليه من فعل حاجة خرج متواضعًا متذللاً لئلا يعلم أنه يريد أمرًا عظيمًا. 242 - فلا يأكل من الطعام ما يكظه ويحوجه إلى كثرة شرب الماء، فإن ذلك يضع من قدره، والعطش يشغل قبله، والامتلاء بدنه، والجوع يضجره ويعسر خلقه. 243 - ويكون قمطره محمولاً بين يديه لا يغيب عن بصره وتحت خاتمه. 244 - ويسلم على من يمر به. 245 - وقد روى عن إياس أنه حين استقضى جلس مجلس القضاء فنكس رأسه فجعل يبكي والخصوم ناحية، ثم دعاهم اثنين اثنين ففصل بلا شاهد إنما هو الإقرار.

مجلس قاضي القضاة الدامغاني

فصل 246 - وبعد دخوله المسجد ينبغي أن يصلي فيه ركعتين أو أربعا، إن أحب إذا كان في وقت تجوز فيه الصلاة ويخفف ذلك ويدعو الله تعالى أن يفرغ عليه السداد ويجري على لسانه الصواب، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. 247 - وليكن من قوله: ما شاء الله، توكلت على الله، اعتصمت بالله. 248 - ويقول: اللهم سلمني من مجلسي هذا، وأعني عليه. 249 - ويجعل القمطر عن يمينه. 250 - قال الطحاوي: ولا أحب له القيام إلى من جرت عادة بالقيام إليه إذا جلس للحكم، ولكن يرد السلام. 251 - ويجلس الشهود والأمناء مجلسًا لا يسمعون كلامه حيث يراهم كلهم. 252 - ويكون اجتماع الخصوم بين يديه، يكون بينهم وبينه مكان واسع. 253 - وأن يتقدم إلى الحاجب بأن يأمر بكف الأصوات والسكوت وأن لا يسار أحد بين يديه أخر ولا يحدثه، فإن ذلك يشغل قلبه. مجلس قاضي القضاة الدامغاني 254 - وقد رأينا شيخنا قاضي القضاة رحمه الله يقعد في مجلسه وسط الدست المضروب، والشهود حوله، يتقدم من يشهد أولاً على من تأخر، والقمطر بين يديه والمخاد على يساره، والمسد خلف ظهره، والناس حوله فمنهم من يقعد في طرف المخاد ومنهم في مجلس خلف المخاد ومنهم من يستند

فصل (الفقهاء المشاورون)

إلى الحائط وعلى طرف المطرح له حلقة، يستر بعض الشهود وجه بعض يوم المجلس ويتقدم الوكلاء بين يديه، ويكثر الكلام، ويقع الضجيج، وربما ناظر في الفقه، وربما عنت بعض الوكلاء والشهود، وربما مزح مع بعضهم، وكان إذا دخل عليه داخل ممن يقام إليه قام له ولا يبالي، وربما خرج متطبلسا وربما ترك الطيلسان وإذا أراد الإسجال جرت له عادة نحكيها في أثناء الكتاب عند ذكر كيفية ما يثبت عند الحاكم، وكيفية إسجاله في باب مفرد إن شاء الله. فصل (الفقهاء المشاورون) 255 - وإن أحب أن يحضر القاضي مجلسه جمعًا من الفقهاء وأهل العلم والمعرفة بالدين والشرع فعل، وليس ذلك بواجب. 256 - وإن شاورهم فيما يقضي فلا بأس، فقد روى عن أبي هريرة أنه

فصل أدلة الأحكام

قال: ما رأيت أحدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مشاورة لأصحابه منه. 257 - وكان الحسن يقول في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} «والله ما تشاور قط إلا وفقهم الله لأفضل ما بحضرتهم». 258 - روى عن زياد أنه قال: إن الرجال ثلاثة: رجل ونصف رجل ولا شيء فالرجل هو الذي له رأي ولا يحتاج إلى غيره ونصف الرجل الذي لا رأي له، وإذا أحضره أمر شاور ذا الرأي، والذي لا شيء لا رأي له ولا يشاور. 259 - وإذا كان الحكم في الكتاب والسنة أو الإجماع وهو يعلم ثبوته لم يحتج إلى مشاورة، وإن كان في القياس والاستدلال يشاور ولا يعجل في ذلك بحكم حتى ينقطع العدد، وإن شاور فقيهًا واحدًا أجزاه. فصل أدلة الأحكام 260 - وينبغي للقاضي أن يقضي بنصوص الكتاب الناسخة، فإن لم يجد ذلك ووجد الحكم في السنة قضى، وإن كان فيه إجماع من الصحابة قضى به. 261 - وقد قال محمد بن الحسن (الشيباني) الأصول أربعة: الكتاب وما في معناه والسنة وما في معناها والإجماع وما في معناه.

وإذا اختلف الصحابة تخير أقوالهم وعمل بأقربها من الحق إن كان له رأي. 262 - وأعلم أنه لا فرق عندنا بين ما ثبت بصريح اللفظ في الكتاب والسنة أو ثبت بفحواه أو كان نصًا جليًا أو خفيًا أو لفظًا وضع لفائدة واحدة

أو لفوائد كثيرة أو كان عامًا أو خاصًا بعد أن يكون ثابتًا ناسخًا. 263 - ولا يثبت نسخ القرآن إلا بقرآن مثله أو بسنة مجمع عليها غير مختلف فيها ولا ينسخ بخبر واحد ولا قياس. 264 - واختلف في جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد والقياس فمن أصحابنا من منع من ذلك ومنهم من أجازه في حال دون حال واختلف في تفصيل تلك الحال فمنهم من قال إذا دخله تخصيص جاز تخصيصه، ومنهم من منع ذلك. 265 - وكذلك خلافهم في السنة. غير أن المعلوم منها ينسخ بالمعلوم، والمظنون بالمظنون، وينسخ المظنون بالمعلوم كأخبار الآحاد تنسخ بالتواتر، ولا ينسخ المتواتر بخبر الواحد. 266 - وما ثبت بالإجماع فيقدم على القياس.

باب قبض ديوان الحكم

ويخص بالإجماع وخبر الواحد وبالعمل من الأمة، ولا فرق بين عمل العامة والعلماء. 267 - وإذا أجمع التابعون على حكم فهو مثل إجماع الصحابة رضي الله عنهم عندنا. 268 - وإذا اختلف الفقهاء في مسألة عمل بأصوب الأقاويل عنده في رأيه إن كان له رأي. 269 - وإن اعتدلت عنده الأقوال شاور في ذلك أهل العلم وكتب إليهم، ولا يعجل. 270 - وإن تساوت الأدلة والحجج عنده فمن أصحابنا من قال يقف الحكم حتى يظهر له وجه مرجح، ومنهم من قال هو بالخيار في ذلك يعمل بأيها شاء. 271 - وإن شاور فقيهًا واحدًا ورأى ما قال صوابًا جاز له العمل به، وإن كان رأيه بخلاف رأي من شاوره لم يقض به وإن كان أعلم منه وافقه. 272 - ولا يقضي بشيء يراه عنده خفيًا وإن قال به بعض العلماء. 273 - وفي هذا الباب علم كثير ومسائل صعبة وإذ قد ذكرنا هذه الأحوال والصفات فلنذكر بعد ذلك قبض ديوان الحكم وتسلمه. باب قبض ديوان الحكم وهذا باب نذكر فيه قبض ديوان الحكم وتسلمه وكيفية العمل في ذلك. 274 - أعلم أن ديوان الحكم به قوام المعاملات وبه تحفظ الشهادات والوقوف

والمداينات وبه يتذكر الحاكم ما حكم به من العقود وشهادة من شهد عنده من الشهود، وأوقات القضايا وتواريخ أزمان السجلات والمحاضر، وفيه تعديل الشهود ومن عدلهم، وفيه ذكر الجرح لمن شهد وبيان ما ردت به شهادة المجروح فهو أمين القاضي الذي لا يخون وخليفته الذي لا يشين فلا ينبغي له أن يتوانى في حفظه، ولا يقصر عن مراعاته وضبطه، وهو الذي يجب أن يبدأ بالنظر فيه ويتسلمه من الموكل به، وإن كان له حافظًا وعليه قائمًا. 275 - والقاضي الأول إما أن يكون ميتًا أو معزولاً، فالقاضي الثاني يجب عليه حفظ الديوان وتسلمه ممن هو تحت يده. 276 - فإن أحب أن يحضر بنفسه والثقات فيتسلم ذلك ويثبت ذلك في نسخ وتكون واحدة في ديوان الحكم، والثانية حجة في يد من تسلم ذلك منه والثالثة تكون في يد النفر الذين حضروا معه، وإن اختار أن يقبضه بغيره فينبغي له أن يوكل رجلاً ثقة، ويشهد على وكيله بقبض الديوان من الحاكم المعروف أو من وكيله الذي كان الديوان تحت يده. 277 - وإن شاء أرسل كاتبه وأرسل معه من ثقاة البلد من المقبول قولهم أو من الثقاة غيرهم فيأمره بتسلم الديوان من الحاكم أو ممن دفعه إليه، يفرد هو لذلك موضعًا ليكون تحت يده وقبضته أو تحت يد كاتبه. 278 - ويكتب لما يقبض جميعه كتابًا كتابًا وسجلاً سجلاً. 279 - ويختم ذلك كله بعد أن يثبت عنده أن ذلك محكوم به ويثبته على أمينه أو كاتبه. 280 - وإذ قد ذكرنا الكاتب فينبغي أن نذكر الصفة التي يكون عليها.

باب كاتب القاضي

باب كاتب القاضي وهذا باب ذكر كاتب القاضي وما ينبغي أن يكون عليه من الصفات. 281 - اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له كُتَّاب منهم علي بن أبي طالب عليه السلام وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم. 282 - وكان لأبي بكر الصديق عليه السلام ورضوان الله زيد بن ثابت وعثمان بن عفان رضي الله عنهم يكتبان. 283 - وكان كاتب عمر رضوان الله وسلامه عليه عبد الله بن أرقم وزيد بن ثابت رضي الله عنهم. 284 - وكاتب عثمان مروان. 285 - وكاتب علي بن أبي طالب عليه السلام عبد الله بن أبي رافع رضي الله عنهم أجمعين. 286 - وهو فعل أئمة المعدلة وولاة الجور. 287 - وإذا استكتب القاضي رجلاً فقد أقامه مقامًا يجب عليه أن يختاره، وأن يستفرغ الوسع والمجهود في ذلك فيكون معروفًا بالسداد في مذاهبه والاستقامة في طرائقه، ويكون عدلاً في دينه. 288 - قال الخصاف: ويتخذ كاتبًا ورعًا مسلمًا عارفًا بالفقه وقاله غيره من أصحابنا كالطحاوي وابن الحسن وغيرهما وألفاظهم متقاربة. 289 - فقال الطحاوي في «مختصره» في الفقه: وينبغي أن يتخذ كاتبًا من أهل الصلاح والعفاف، ولا ينبغي أن يتخذ كاتبًا ذميًا ولا عبدًا ولا مكاتبًا ولا محدودًا في قذف ولا ممن لا تجوز شهادته. 290 - وقال غيره: ينبغي أن يكون مع هذه الشرائط مستقلا بما يتقلده، ومؤثرًا البر بين من

سيرة نظام الملك وإصلاحاته

يصحبه ويكون أمينًا فقيهًا، يجري على هذا فيتوخى الصدق فيما يحضره ويغيب عن مشاهده، صادقًا فإن القاضي قد أمنه من أمر الحكم على من لا يؤمن على مثله إلا أمين، وفوض إليه (من) حجج الخصوم والمرفوعين إليه ما لا يفوضه إلا إلى ذوي العفاف والدين. 291 - وكذلك ينبغي أن يكون كاتب الإمام والسلطان لأنهما أعظم رتبة وأوفى منزلة والسيف في يد السلطان والشرع في يد الإمام. سيرة نظام الملك وإصلاحاته 292 - وقد شاهدنا في عصرنا هذا من الصاحب الأجل نظام الملك قوام الدين العالم العادل المظفر المنصور مولى النعم أبي علي الحسن بن علي بن إسحق رضي أمير المؤمنين أعز الله نصره الصدر المأمون على الدين والمسلمين وأهل الذمة والمعاهدين، الذين تكملت فيه صفات الإمامة واشتهرت بسيرته السير، العفيف نفسه الكريم طبعه الحافظ سره الرؤف في نظره المنزه عن دنس الكتاب والوزراء المحافظ على تلاوة القرآن وسماع الآثار والصوم في الهواجر والقفار، الباني المدارس في كل خطة وديار، لا يشتغل بسماع وتر ولا صوت فتنة ولا نظر في لهو ولا لعب بنرد ولا شطرنج ولا ينادم على خمر، ولا يستحسن قبيحًا ولا يقبح حسنًا فجزاه الله أحسن الجزاء عن الخلق وعن سلطانه الذي فعله يناسب خلقه وأصله يسد فرعه، الذي أسقط في وقته جميع المواخير التي من بغداد إلى جيحون، في سائر أعماله، ولا يعرف له حبس ولا قيد، ولا قتل ولا فساد طريق ولا نظر إلى حرمة السلطان المعظم جلال الدولة وجمال الملة ركن الإسلام والمسلمين معز الدنيا والدين أبي الفتح ملك شاه عضد الدولة الب ارسلان محمد بن داود بن مكائيل يمين أمير المؤمنين رحمه الله. ثم يرجع بنا القول إلى ما كنا فيه.

تصفح عمل الكاتب

تصفح عمل الكاتب 293 - وينبغي للقاضي مع ذلك أن يتفقد أمر كاتبه ويتصفح عمله، ويشرف على ما تحت يده حتى يؤدي ذلك إلى حفظ أحكامه وضبطه فيؤمن من وقوع خلل فيما يكتبه ويحكيه ويدونه ويمضيه من الأحكام التي تبقى على الدهر ولا ينقضها ممر عصر ويكون مع ذلك حسن الخلق لا يقبل هدية ولا يتبسط في حاجة، يتجنب ما يتجنبه القاضي، ولا يأنس بكل أحد فإن ذلك يضع من قدره فيضع من قدر صاحبه. 294 - وإذا أمره القاضي بشيء فيه غلط أو خطأ فينبغي للكاتب أن يقول نعم، ثم يعود فيوافقه على سبيل التعلم من القاضي لا على سبيل الرد عليه فإن الأول يقربه منه والثاني يبعده. 295 - وينبغي للكاتب أن يتحرز من خطأ يقع عليه حتى لا يراه صاحبه بذلك فإن خطأه راجع على صاحبه، وعيبه لا حق به. 296 - وينبغي أن يكون مجلسه من القاضي عن يمينه أو عن شماله، ومجلس الشهود لقراءة الكتب والشهادات عن يمينه وعن يساره، وإن كثروا فجلس بعضهم عن اليمين وعن اليسار فجائز. ما كان عليه العمل في مجلس قاضي القضاة 297 - وقد حكينا ما رأيت عليه شيخنا قاضي القضاة رحمه الله في مجلسه، وكانوا في المجلس عن يمينه وشماله وبين يديه، وكان كاتبه إذا قرأ السجل بحضرته يكون الأصل في يد آخر من الشهود ينظر فيه وآخر ينظر فيه النسخة الأخرى. 298 - وكان الشهود إذا شهدوا قال لهما: - هكذا شهدتما؟ فإذا قالا: نعم عَلمَّ عليه. 299 - وكان في بعض الأحوال إذا قربت السجلات من بين يديه يقول للمدعي: -

هكذا ادعيت؟ إذ ربما أعاد الوكيل الدعوي. 300 - ثم يسأل المدين وهو المدعي عليه: - هل لك حجة تدفع بها ما ثبت عليك؟ فإذا قال: لا حجة لي تدفع ما ثبت ولا شيئًا منه، اشهد حينئذٍ الشهود عليه. 301 - وسنذكر من ذلك طرفًا عند الدعاوي، وكيف تكون الشهادة إن شاء الله. 302 - وينبغي أن يقول القاضي للمدعي: - هكذا ادعيت؟ فإذا قال نعم، يقول للمدعي عليه: - أنت فلان بن فلان. فإذا قال نعم، قال. - وهكذا أقررت أو أنكرت أو لك حجة تدفع ما قال؟ فإذا قال لا، قال للشهود. - اشهدوا. 303 - وكان لفظ شيخنا قاضي القضاة رحمه الله. - أنا اشهد الجماعة على حكمي وإنفاذي لهذه النسخ على حسب ما كتب إلي فيها من حكمي وإنفاذي. 304 - وكان يعلم في رأس السجلات ولا يعلم في أسفلها. 305 - وكان يعلم في الكتب المشهود بها في أعلاها وتحت شهادة من شهد بها، وكان في السجل يجتزى بالعلامة في رأسه، ويؤرخ اليوم المحكوم فيه بيده في خلال السجل. 306 - وينبغي للكاتب أن رأى في الكتاب خللاً أن ينهي ذلك إلى القاضي

كتاب كنز العلماء والمتعلمين

حتى يغير هو أن سها القاضي، ولم يكن عنده علم من ذلك الأمر، ويذكر المقاضي على سبيل أن يتعلمه من القاضي لا على سبيل الموافقة عليه فإن ذلك يقربه من صاحبه والثاني بعده. 307 - ولا ينبغي للكاتب أن يفشي لصاحبه سراً ولا يتحدث عنه بكذب ولا يغتاب عنده أحداً ولا يعارضه في أمره، ولا يعترض عليه، ولا يقطع أمراً دونه. 308 - وينبغي له أن يدرس المحاضر والسجلات وكتب الوقوف والوصية وكتب الأشرية والبياعات والمعاملات وما هو عون له على صنعته وما ندب إليه من كتابته، لأنه إذا لم يعرف ذلك لم يحسن أن يضع الأمور في مواضعها. كتاب كنز العلماء والمتعلمين 309 - وقد صنفنا في الشروط كتابًا سميناه كنز العلماء والمتكلمين في علم الشروط على نمط يخالف في الترتيب سائر كتب من تقدم، وهو مما لا يستغني عنه عالم ولا متعلم، وفيه من الفقه والتعليل لكل شرط، وذكرت خلاف الناس فيه، وخدمت به أيضًا الصاحب مولانا نظام الملك خلد الله ملكه وحليته باسمه ولأجله، فينبغي لمن حصل هذا الكتاب إليه أن لا يطلب الأجر فهو مجلد مقتصد لا كبير ولا صغير ففيه ما يعين على هذا الكتاب، كما أن في هذا الكتاب ما يعين على ذاك. رفع قدر الكاتب 310 - وينبغي للقاضي أن يرفع من قدر كاتبه ويعظمه ويذكره بأحسن ما فيه حتى يعرف له تقديمه عنده وتعظيمه إياه. الشروط الواجبة في كاتب القاضي في نظر الشافعية 311 - فأما أصحاب الشافعي فقالوا: إن احتاج القاضي إلى كاتب فمن شرطه أن يكون عارفًا بما يكتب به القضاة من الأحكام وبما يكتبه من المحاضر والسجلات، لأنه إذا لم يعرف ذلك أفسد ما يكتبه بجهله. 312 - وهل من شرطه أن يكون مسلمًا عدلاً؟

باب الحاجب

فيه وجهان: احدهما أن ذلك شرط، ولا يجوز أن يكون كافرًا كما قلنا نحن في ذلك لأن أبا موسى الأشعري قدم على عمر ومعه كاتب نصراني فانتهزه عمر رضي الله عنه وقال له: باينوهم فقد خذلهم الله، ولا تدنوهم فقد أبعدهم الله ولا تعزوهم فقد أذلهم الله. ولأن الكافر عدو للمسلمين فلا يؤمن أن يكتب ما يبطل - حقوقهم. 313 - ولا يجوز أن يكون فاسقًا لأنه لا يؤمن أن يجور. 314 - والوجه الآخر لهم أن ذلك مستحب لأن ما يكتبه لا بد أن يقف عليه القاضي ثم يمضيه فتؤمن به الخيانة، وما فعله عمر رضي الله عنه يدل على إبطال هذا الوجه لأنه لم ينكر عليه من السلف والخلف ذلك. 315 - والوجهان حكاهما الشيرازي رحمه الله في المهذب في المذهب، وأظنه لما رأى ما عليه النصارى واليهود من كتاب دار الخلافة وما يذللون به المسلمين ويمتهونهم في المعاملات وأرباب الدواوين والجهابذة على الأموال خرج هذا الوجه، وخرجه غيره من الأصحاب لهم. 316 - وإذ قد ذكرنا صفة الكاتب والكاتب يحتاج إلى سفير بينه وبين القاضي يتردد في الأمور والأحوال، وليس ذلك إلا الحاجب. باب الحاجب وهذا باب يذكر فيه الحاجب، وما ينبغي أن يكون عليه من الصفات. 317 - اعلم أن المرجع في هذا الباب في جواز اتخاذ الحاجب للقاضي والأمير إنما هو الشرع، وقد كان هذا أيضًا في الجاهلية، وكان بنو شيبة حجبة

البيت الحرام، وقد حجب النبي صلى الله عليه وسلم أنس، وكان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه حاجب هو سديف مولاه، وكان لعثمان بن عفان حمران، ولعلي ابن أبي طالب عليه السلام منبر مولاه. 318 - وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي فعضوا عليها بالنواجذ». 319 - وقد فعل ذلك أئمة العدل وولاة الجور، وهو فعل الناس في كل زمان، ومع كل إمام وسلطان. 320 - وقال أصحابنا: ينبغي أن يختار (من) الحجبة من لا يتجهم الخصوم ولا يختص بعضهم دون بعض بالوصول وتكون له معرفة بأوقات ما يجوز أن يستأذن فيها بالحضور لمن يقصد القاضي. ويعرف من جاء خصمًا أو زائرًا أو سائلاً له أو طالبًا لرفده أو مستفتيًا له في الحكم والشرع.

321 - ويوعز القاضي إليه في بسط الوجه ولين الكنف وحسن اللفظ ورفع المؤونة، وكف الأذية والسرعة في أمره، بإدخال كل إنسان مع خصمه إذا أذن بدخوله من غير تأخير لا حد منهما عن صاحبه بأوجز بيان، ويسهل لهما السبيل. 322 - وإذا كان الداخل رجلاً له قدر (و) لا خصومه (له) مع أحد، وإنما أتى لزيارة القاضي فينبغي للحاجب أن يتقدم بين يديه ويستقبله قبل دخوله على القاضي، ويدخل بين يديه ينبه الجماعة على موضعه ومكانه. 323 - وينبغي أن يكون دخول الحاجب على القاضي قبل جميع الناس ليعرف من حضر على الباب من الناس ثم يأذن لمن يريد الدخول عليه والحديث معه فقد روى أنه كان لإياس بن معاوية موضع يجلس فيه وينظر الخصوم ويسمع كلامهم قبل الدخول عليه. 324 - وسنحكى في آخر الكتاب (شيئًا) من ملح قضاياه إن شاء الله. 325 - وحكي شيخنا قاضي القضاة أن أبا خازم القاضي كان يقضى في الجانب الغربي ببغداد وأن أبا عمرو القاضي كان يقضي في (الجانب) الشرقي فحصل في حبسهما رجل عليه دين، وكان له قريب يخدم علي بن عيسى الوزير، فسأله لعله يمشي في الرجل المحبوس، فأنفذ علي بحاجب له إلى أبي خازم وأبى عمر يسألهما في الرجل فمنعه حاجب أبي خازم، وكان إذا جلس إلى قبل الزوال ونهض (و) غلق الباب لا يستأذن عليه لأحد من الخلق، فحضر الحاجب فسأل البواب أن يستأذن فقال له: - ما جرت العادة بذلك.

فقال: - أنا صاحب الوزير، وقد أتيت في حاجة فقال: - ما جرت العادة فإن كان لك شغل ترجع وقت العصر حتى تصل إليه. فقعد الحاجب في مسجد قرب داره، وكان يومًا صائفًا شديد الحرير، فقاسى كل أذى من الصبر، فلما كان وقت العصر خرج البواب ورش الباب، ودخل المسجد فقال للحاجب: قد جلس القاضي. فقام الحاجب ودخل علي أبي خازم وعرفه ما فعل البواب من الجفاء وسوء العشرة اعتقادًا منه أنه يتقدم بهوانه، فقال له: - كذا جرت العادة، وما أذن له بعد قيامي أن يستأذن لأحد فاغتاظ الحاجب، وبلغ الرسالة بأحسن لفظ، فقال له ابن خازم: ليس هذا الرجل في حبسي فأخرجه، وإنما هو في حبس صاحب الدين فسلوه أو أعطوه حقه حتى يخرج. فقام الحاجب أشد غضبًا مما كان فقصد أبا عمر فساعة رأوه أصحابه بادر إليه حاجب أبى عمر وسائر الأعوان فاستقبلوه وأكرموه ودخلوا بين يديه، فقام له أبو عمر وعظمه وأكرمه، وادي الحاجب الرسالة، فقال له أبو عمر. - ذاك المولى والعضد والسمع والطاعة، لننظر بما حبس عليه من دفتر المحبس، فلما وقف علي ذلك قال لأمينه. - لك هذا المال عن الرجل وفك حبسنا عنه، واعتذر إليه. فقام الحاجب مسرورًا بما لقي، وحدث الوزير بما جرى وأحسن فيما بلغ عن أبى عمر، وقبح ما قال له أبو خازم وما فعل معه بغاية ما قدر عليه، فقال علي بن عيسى: - أي الرجلين أعظم. فقال الحاجب: - أبو عمر.

باب الوكلاء

فقال له الوزير. - أبو عمر عقل كله (وأبو خازم) دين كله، وصدق أبو خازم فيما قال لك، وهذا كان الواجب أن يفعل في المحبوس. 326 - وقال الشافعي: نكره له أن يتخذ حاجبًا لأنه ربما منع من له ظلامة، وإذا كان كما وصفناه أمن ذلك. وقد قال لا يكره للإمام أن يتخذ الحاجب فالقاضي ينبغي أن يكون مثله. 327 - وإذ قد ذكرنا صفة الحاجب، وهو يتقدم في الدخول على الوكلاء، وجب ذكر صفة الوكلاء. باب الوكلاء وهذا باب نذكر فيه وكلاء القاضي وما يجب عليهم. 328 - قال أصحابنا: - وينبغي للقاضي أن يتخذ من الوكلاء الشيوخ والكهول من أهل الستر والعدل والعفاف، ومن يكون مأمونًا على الخصومة، وعلى دقيق ما يجري فيها، ولا يخضع فيمن يتوكل له "كذا" ولا يتوقف عن حجة إذا لاحت له على خصمه فإنه قد أقامه مقام نفسه. 329 - ولا ينبغي أن يغش موكله ولا يستعجل جعلا على حجة من خصمه، ولا يواطيء عليه في الباطن، فمتى فعل ذلك فقد باء بإثمه وتحمل وزره والله حسبه. 330 - ويقيم الحجة للصغير الذي يتكلم عنه كما يقيمها للكبير. 331 - وينبغي أن يكون مأمونًا على الحرم، فإنه ربما يتوكل للنساء فينبغي أن يكون ممن لا يتهم بريبة في كلام النساء. 332 - ولا يتوكل فيما يعلم أنه باطل، فقد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

باب أعوان القاضي وأتباعهم

«من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى يفرغ». وروى أيضاً عن النبي صلى الله عليه أنه قال: «من أعان على خصومه بظلم فقد باء بغضب من الله». 333 - وإنما اعتبرنا هذه الشرائط لأن أبا حنيفة يجيز إقرار الوكيل على موكله في مجلس الحكم. 334 - وسنذكر في كتاب الوكالة ما يجوز من ذلك، وما لا يجوز، ونذكر الخلاف في ذلك. نقد وكلاء قاضي القضاة 335 - وقد شاهدنا وكلاء شيخنا قاضى القضاة رحمة الله، وهم بالضد من هذه الصفات التي ذكرها أصحابنا، وكان فيهم إنسان يتباهي بالشر في الخصام، ويقول: - إنما ينبغي أن يتبين الوكيل بما يبصره، وأنني أكره أن أحكى صفات كل واحد منهم وما فعله في حال حياته وانبساطهم عليه والتلاحي في الأحكام عليه بالكتاب والمحتسبين؟ وكان فيهم من يؤثر الوكالة وفيهم من لا يؤثر ذلك وتركها مع القدرة عليها لما رأى أحوال الناس والخليط. 336 - وإذ قد ذكرنا الوكلاء فلنذكر أعوان الوكلاء وأتباعهم. باب أعوان القاضي وأتباعهم وهذا باب أعوان القاضي وأتباعه والمحضرين. 337 - قال أصحابنا: ينبغي أن يتفقد من على بابه من أصحابه وأعوانه والمحضرين، ومن يجري مجراهم، ويمنعهم من المآكل الردية ويقوم منهم من يحب تقويمه، ويبعد منهم من كان معروفاً بالفساد والخيانة ويباعده عن بابه لأن عيبهم راجع عليه وفعلهم عار عليه.

باب أصحاب المسائل عن الشهود

338 - وإذا اطلع منهم على الفساد والخيانة ولم ينكر ذلك شاركهم في الإثم، وربما كان ذلك مما يوجب فسقه إذا أمرهم عليه مع قدرته على إنكاره وإزالته لأنهم أعوان الشرع والدين فيجب عليهم أن يكونوا أعرف بالشرع وأقوم بالدين والله أعلم. فصل تفقد النواب 339 - وإذ قلنا يجب عليه تفقد الوكلاء والأتباع فتفقد الخلفاء والتائبين عنه في المواضع أولى وأحرى. 340 - ويجب أن يسأل عنهم في السر من حيث لا يعلمون فمن انتهى إليه أنه أمين أقره وأكرمه وزاد في الإحسان إليه وأعظمه، وإن كان بخلاف ذلك أسرع في صرفه، وأشهره ونادى عليه حتى لا يستعمله آخر غيره ولا يغتر به سواء، ويصلح البعيد بالقريب واللاحق بالسابق، وسنذكر لخلفائه بابًا إن شاء الله. 341 - وإذ قد ذكرنا الوكلاء والإتباع فينبغي أن نذكر أصحاب مسائله وأخباره وما يجب أن يكونوا عليه من الصفات. باب أصحاب المسائل عن الشهود وهذا باب ذكر أحوال أصحاب المسائل عن الشهود. 342 - كان الواجب أن يؤخر هذا الباب إلى الموضع الذي نذكر فيه الشهود والعدالة والجرح، لأن ما يصير به الرجل عدلاً، وما يصير به فاسقًا والمجهول الحال والطريق إلى ذلك إنما هو بأصحاب المسائل فينبغي أن يذكر هناك، غير أن أصحاب المسائل لما كانوا في حكم أعوان القاضي وأتباعه وحاشيته وجب ذكرهم في هذا الموضع تبعًا لما ذكرناه في الأعوان. 243 - ونذكر هناك كيفية الجرح والتعديل وههنا صفة أصحاب المسائل.

344 - قال الطحاوى: يجب أن يختار القاضي للسؤال عن الشهود الثقات المستورين العقلاء، أهل الورع والأمانة والصلاح والصيانة، ومن ليس عنده على من سأله عنهم علم فلا يزال يسأل عنهم ويستخبر عن أمر من يسأل عنه من غير أن يكشفه ولا يفضحه بسوء أن وقف عليه منه. 345 - وأن وقف على أنه موضع للشهادة عرف الحاكم الذي سأله بما وقف عليه من أمره الذي يصلح. قاله (الطحاوي) في أدب الحكام الصغير له. وقال الخصاف: 346 - قال أبو يوسف: ويجوز في التزكية سراً تزكية العبد والمرأة والمحدود في القذف إذا كانوا عدولا، لأنه خبر وليس شهادة. 347 - وسنذكر في باب الجرح والتعديل ما قاله هو وغيره في ذلك إن شاء الله. 348 - وأما أصحاب الشافعي فقالوا: "ويتخذ قوماً من أصحاب المسائل ليعرف بهم أحوال من جهلت عدالته من الشهود. 349 - وينبغي أن يكونوا عدولا، براء من الشحناء بينهم وبين الناس بعداء من المعصية في تكسب أو مذهب حتى لا يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية غير عدل. وأن يكونوا وافري العقول ليصلوا بوفور عقولهم الى المطلوب ولا يسترسلوا فيسألوا عدواً أو صديقاً. 350 - قالوا: ويجتهد حتى لا يحتالوا في تعديل الشهود ولا عند (كذا) المشهود عليه

باب صاحب السجن

حتى لا يحتال في جرح الشهود ولا عند (كذا) الشهود حتى لا يحتالوا في تعديل أنفسهم ولا عند (كذا) المسئولين عن الشهود حتى لا يحتال لهم الأعداء في الجرح ولا الأصدقاء في التعديل. 351 - ويجتهد أن لا يعلم أصحاب المسائل بعضهم ببعض فيجمعهم الهوى على التواطئ على الجرح أو التعديل. 352 - وسنذكر كيفية الحكم بالعدالة والجرح بقول من يثبت من الشهود والجيران. 353 - وإذ قد ذكرنا أصحاب المسائل، ولما كان من أعوان الحكم والحفظة صاحب السجن وجب ذكره. باب صاحب السجن وهذا باب ذكر السجان وما يجب أن يكون عليه: 354 - اعلم أن هذا باب كان ينبغي أن نذكره عند ذكر ما يقضي به القاضي من العقوبة وهي حبس الخصم. 355 - وكان ذكر السجان هناك يجب تبعاً لذكر الحبس، غير أنه لما كان ذكر السجان مع جماعة الأعوان وجب ذكره هاهنا. 356 - وإذا فعلنا ذلك وجب ذكر الحبس وجوازه في الشرع ليصح أن يكون له حافظاً. 357 - والأصل في هذا الباب ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده أنهم حبسوا في الديون وغيرها. 358 - ونحن نذكر في هذا الباب ما ذكر فيه:

فمن ذلك ما ذكره الخصاف بإسناد عن الحسن (بن زياد اللؤلؤي) أن أناساً من أهل الحجاز اقتتلوا فقتلوا بينهم قتيلا فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسهم. وذكر عن ... بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في تهمه. 359 - وعن أبي مخلد أنه عليه السلام حبس رجلاً من جهينة أعتق شخصاً له في مملوك حتى باع غنيمة له. 360 - وعن عمر رحمة الله عليه أنه أتاه رجل بالجابية؟ فقال: عبدي وجدته على امرأتي قال: - أنظر ما تقول فإنك مأخوذ بما تقول فأعاد الرجل القول فأمر عمر أبا واقد الليثي فقال:

خذ بيده فأجنه عندك، حتى تغدو أنت وهو عليها، فانظر أحق ما قال أم باطل فعد الينا، وقد حفرت حفيرة. فقال لها أبو واقد: - أحق أن هذا جاء عليك بأمر ينكر؟ فإن كان كذباً فلا تصدقيه. رجاء أن تتوب فقالت: - صدق، لا والله لا أتحملها مرتين. فأمر بها عمر رضي الله عنه فرجمت. 361 - وذكر غير الخصاف في كتابه أن عمر رضي الله عنه اشترى داراً بمكة بأربعة آلاف درهم وجعلها سجناً، وحبس عمر رضي الله عنه الخطيئة الشاعر فقال: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قمر مظلمة فارحم عليك سلام الله يا عمر وحبس آخر فقال: يا عمر الفاروق طال حبسي ومل مني أخوتي وعرسي في حد سكر تفتريه نفسي ألا ترى ضوء شعاع الشمس 362 - وروى عن علي عليه السلام أنه لما بنى السجن قال: ألا تراني كيسا مكيساً ... بنيت بعد نافع مخيسا 363 - وروى عنه أنه حبس في الدين.

364 - وقد كان للحسن وشريح والشعبي وابن سيرين وغيرهم من القضاة حبوس، وهو فعل جميع القضاة والأئمة من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا لا يدفع ذلك دافع، ولا ينكره منكر، فصار ذلك إجماعاً. 365 - ولا يحبس بغير حق يتوجه عليه أو تأديب يراه القاضي واجبا لأنه عقوبة. 366 - وقد قال أصحابنا: اذا ثبت الدين على الغريم بينه أو بإقرار وطلب الخصم حبسه فإن القاضي لا يعجل في ذلك ويأمره بالدفع. 367 - وأن اعاده وطلب حبسه وقد أمتنع من قضائه فعل به ذلك، وكتب له حبسه في ديوانه، وشرح الحال. 368 - وقال بعض أصحابنا- وهو اختيار الخصاف-: الصواب أن لا يحبسه حتى يسأله ألك مال؟ ويستحلفه على ذلك، فإن أقر أن له مالا حبسه. 369 - وقد ذكر الخصاف أن عليا رضي الله عنه كان إذا أتاه الرجل بالرجل فقال: - لي دين عليه قال: أله مال؟ أن كان أخذنا ذلك. فإن قال نعم قد أخفاه قال: أقم البينة أنه أخفاه، وإلا حلف بالله ما أخفاه. وإن قال أحبسه قال: لا أعينك على ظلمه. (فإن) قال فإني ألزمه قال إن لزمته كنت له ظالما، ولا أحول بينك وبينه. 370 - وقد روى أن رجلاً أتى أبا هريرة بغريم له فقال: أحبسه فقال أبو هريرة: - هل تعلم له مالاً فآخذه به؟

قال: لا قال: فهل تعلم له عقارا قال: لا قال: فما تريد؟ قال: أحبسه قال: لا، ولكن أدعه يطلب لك ولنفسه ولعياله. 371 - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يحبسه حتى يتبين عدمه ما بين شهرين أو ثلاثة فيما روى محمد بن الحسن. وفى رواية الحسن بن زياد ما بين أربعة أشهر أو ستة أشهر ثم يسأل عنه، فإذا ثبت عدمه بمسئلة الثقات من جيرانه وأهل الخبرة وإذا قالوا ماله مال نعلمه وأنا نعرف عسرته وضيق معاشه أطلق القاضي سراحه وأخرجه ولم يحل بينهما أن أراد خصمه ملازمته في قول أبي حنيفة وأبى يوسف. 372 - ومن أصحابنا من قال يحول بينه وبين ملازمته وهو قول الشافعي ومالك. 373 - وقال أبو حنيفة أنه مؤتمن؟ فيما يطالب به إلا في المهر والكفالة وكل ما لم يأخذ به مالا فيصير به غنيا وفى المال الظاهر بقاؤه فى يده فهو غني حتى يثبت عدمه. 374 - وإذا أحضر بينة فشهدت بالعدم قبل المدة المعروفة سمعها القاضى وأخرجه وفلّسه، ولا تسمع قبل الحبس عند أبي حنيفة. 375 - وقال الشافعي يسمع منه البينة قبل الحبس أيضا، ويفلسه، ولا تسمع قبل الحبس عند أبي حنيفة.

376 - وإذا حبس وله مال أو عقار فأمتنع من قضاء الدين، قال أبو حنيفة أدعه في الحبس ولا أبيع عليه ولا أحجر. 377 - وقال أبو يوسف ومحمد يبيع عليه العقار وجميع أمواله فيقضي دينه ثم يخرجه من الحبس، وهو قول الشافعي ومالك. 378 - وإن غاب الطالب وثبت عدم المحبوس أخذ منه كفيلا وأطلقه القاضي من الحبس عند أبي يوسف. 379 - وقال محمد بن الحسن إذا طلب الطالب ملازمة الغريم بعد ثبوت الدين عليه، وطلب المديون الحبس فللطالب أن يلازمه ولا يحبسه، وقال محمد ان أشكل أمره حبسه وسأل بعد الحبس عنه، وان لم يشكل سأل عاجلا وأطلقه وفلسه. 380 - قال أصحابنا: وإذا مرض فى الحبس، فإن كان له من يخدمه فى الحبس وهو لا يستضر به لم يخرجه، وأن كان لا خادم له وهو يستضر بالسكون فيه أخرجه وخلى سبيله لأن الحبس عقوبة فلا تثبت في الحال المريض كالتعزير وإقامة الحد. 381 - وقال محمد بن الحسن فى ملازمة المرأة إذا طلب ذلك الطالب أمره أن يجعل معها امرأة ثقة ولا يمكنه من ملازمتها. 382 - وقد قال أصحابنا: لا يمنعه في الحبس ان يطأ جاريته إن كان الموضع خاليا، وإن كان فيه غيره يمنعه من ذلك، ولا يخرجه إلى خارج الجبس ليطأ، لأن في ذلك فك الحبس. 383 - فإذا عرفت هذه الجملة وكان الحبس عقوبة لم يكن بد للقاضي أن يكون له عليه حافظا فيجب أن يكون السجان أمنيا حافظا، له يقظة ومعرفة

باب ذكر بواب القاضي

بأحوال المحبسين وأعينهم فيكتب يوم دخول المحبوس إليه وصفه وما أخذ به ويكون عارفا بكل أحد منهم، حتى إذا وقع إليه القاضي بإطلاق رجل لم يغلط فيه ولم يخرج سواه، ويكون صادق اللهجة ليعرف منه أحوال المحبسين وأمراضهم ومأكلهم ومشاربهم ومن يتردد إليهم. 384 - وقد قال محمد بن الحسن أن خفت من المحبوس الهرب نقلته الى حبس اللصوص، إذا كان ذلك مأمونا عليه، وأن لم أخف لم أنقله إليه. 385 - ولا أكلف الطالب السكون معه في الحبس. 386 - ويكون للنساء حبس على حدة، وتكون عليه امرأة حافظة برزة أمينة عارفة بأحوال النساء وما يحتجن إليه، كما اعتبرناه في الرجل إذا كان حافظا. 387 - وينبغي أن ينهي السجان كل يوم أحوال المحبسين إلى القاضي، وما يجري في الحبس. 388 - وإذ قد ذكرنا صفة السجان وحافظ الحبس فلنذكر صفه بواب القاضي. باب ذكر بواب القاضي وهذا باب ذكر بواب القاضي. 389 - اعلم أن القاضي يجوز أن يتخذ بوابا كما يجوز أن يتخذ حاجبا. 390 - وينبغي أن يكون البواب شيخا ورعا صالحا متدينا، له عفة، وله كفاية، ولا يكون فقيرا معترا شرها يحجب عن القاضي الخصوم، ويدخل من لا يريد القاضي إدخاله، ويمنع من يريد القاضي دخوله، فهو لمراعاة الأحوال أولى ولتفقد طرائقه أحرى. 391 - ويكون رزقه من بيت مال المسلمين بحسب كفايته، وكذلك سائر أعوان القاضي حتى لا يأخذ ما لا يجب أخذه، وهم كالقاضي في ذلك لأنهم في مصالح المسلمين، فكما لا يجوز للقاضي أن يأخذ من أحد الخصوم شيئا فكذلك أعوانه.

باب ذكر الجلواز بين يديه وفي مجلسه

نقد بواب قاضي القضاة ومحضريه 392 - وهذه صفات إنما ترد في الكتب وتذكر في الألسنة، فإما أن يكون لهذه الصفات وجود فهذا أمر كالمأيوس منه اليوم، لأن الأمر يجري اليوم في أعوان الحكم على خلاف ذلك، فقد رأيت بواب شيخا قاضي القضاة رحمه الله وسائر المحضرين والوكلاء يأخذون الأجر على الاحضار والفتاوى والوكالات ويوافقون علي الأجر في المحاكمات. 393 - وسنذكر في كتاب الوكالة من هذا الكتاب ما يجوز للوكيل أخذ الأجرة عنه، ومالا يجوز، وما يؤخذ من الموكل من الأجرة وما يؤخذ من الموكل عليه فيطلب هناك لتجده في موضعه أن شاء الله. باب ذكر الجلواز بين يديه وفي مجلسه 394 - اعلم ان الجلواز هو الذي يقوم علي رأس القاضي ويدعو بين يديه إذا ركب ويقيم الخصوم إذا انتهت الخصومة. 395 - وقد ذكر الخصاف أن شريحا كان علي رأسه شرطي بيده سوط. 396 - وذكر عمرو بن قيس قال: رأيت رجلا قائما علي رأس شريح، وكان يقول للخصمين: ايكما المدعي فليتكلم. 397 - والجلواز يأخذ الرقاع بين يدي القاضي ويوصلها إليه، ويحد

جلواز قاضي القضاة

الناس عن القاضي إذا جلس القضاة حتى لا يسمع أحد ما جري للخصوم. 398 - وإن كان الجلواز ثقة فلا بأس أن يقف يسمع، وبعده أولى، لأن الخصوم تكون في أمور ربما كانت شنيعة بين الرجال والنساء أو مضحكة فلا يؤمن أن يؤدي ذلك الى ما يكره. 399 - وقد شاهدت قاضيا علي باب دار الخلافة المعظمة يقضي في دهليز باب النوبة، والخصوم قيام بين يديه، وأعوان الشرطة والعامة والهدهاد يسمعون ما يجري ويجتمعون على ذلك كما يجتمع العوام على حلق المشعوذين والمساخرة، ولا ينكر القاضي على أحد (و) منذ ثلاثين سنة وفوقها وشيخنا قاضي القضاة رحمه الله يبلغه ذلك من أعوانه على الحكم ودقيق ما يجري فلا ينكر ذلك على خليفته ولا غيره حتى صار ذلك شرعا مألوفا يعتقد أن غيره لا يجوز. جلواز قاضي القضاة 400 - وكان له جلواز يمشي بين يديه، ويدعو في الأسواق والطرق إذا ركب فيقول: - اللهم أحرس سيدنا، السيد الاجل الإمام الأوحد قاضي القضاة، وأدم له ظل المواقف الشريفة. ويذكر ما يجري هذا المجرى. الركابية 401 - وبين يديه الركابية يقولون: بروه بروه بروه! ويباعدون ويدفعون الناس عن الطريق يمينا وشمالا. 402 - والذي قاله الفقهاء في كثرتهم غير الذي شاهدناه من جميع هذه الأحوال كلها، ولعل القانون تغير!

باب ما يبدأ به من النظر بعد الولاية والجلوس

403 - وإذ قد ذكرنا حكم الأتباع وسائر ما في هذه الأبواب، وجب ذكر ما يبدأ به. باب ما يبدأ به من النظر بعد الولاية والجلوس النظر في أمر المحبوسين 404 - قال أصحابنا: ويستحب للقاضي أن يبدأ بالنظر في أمر المحبوسين وعددهم وفيما حبسوا والأوقات التي حبسوا فيها، والأسباب التي من أجلها حبسوا، فإن الحبس عقوبة، ولعل في الحبس من لا يجب حبسه، أو من قد توجه علي القاضي أخراجه من الحبس. 405 - ويسأل كل محبوس عن ذنبه، وما حبس لأجله لأنه لا يجب على الثاني أن يصدق الأول ولا السجان يعرف ما عندهم. 406 - ويتقدم بالنداء في البلد بأن القاضي يريد النظر في المسجونين، فمن كان له على رجل حق أو في حبسه فليحضر إلى القاضي في الوقت الفلاني فيجمع بينهم وبين خصومهم. 407 - فإن ذكروا ما يجب به الحبس حبسهم أن طلب ذلك من له حق الحبس منه، وإن لم يطلب لم يحبس. 408 - وأن أنكروا أن يكونوا حبسوا بأمر يلزمهم الكشف عن كل واحد مع خصمه، ولتعاد دعواه عليه، فإن أقر له بما يوجب الحبس حبس، وأن أنكر ذلك طلب البينة العادلة. 409 - فإن قامت بينة عليه أمره بالخروج مما شهدوا به، وأن لم يخرج منه أعلم الخصم ما ثبت، فإن طلب الحبس منه حبسه وأعاده إلى الحبس.

410 - وأن عدم المدعي عليه البينة أو كانت غير أنها لم تزك عنده أطلق المحبوس من الحبس وأخذ منه كفيلا بنفسه. 411 - أن عدلت البينة أو صدق الخصم أو قامت بينة سواها عادلة رده إلى الحبس، أن طلب الخصم ذلك. 412 - فإذا لم يحضر للمحبوس خصم وقال أنه حبس بغير حق، وماله خصم فإن القاضي ينادي اياما: من كان له على فلان بن فلان حق فليحضر ليحكم بينهما. 413 - فإن لم يحضر أحد يتأنى في اطلاقه ولا يعجل لعل الخصم غائب عنه، ثم يأخذ منه كفيلا بنفسه ثم يطلقه. 414 - فإن أقر المحبوس أنه أقر لرجل بما ذكره وذكر الرجل بينة فحبسني أحضره القاضي فإن عرفه أو عرفه الشهود، أو قال المقر هذا هو، وقد أحضرت ماله عندي نقل له يأخذه ويخرجني من الحبس، أخذ الرجل ماله. 415 - ثم ينظر القاضي هل له خصم سواه، فإن لم يجد له خصما أطلقه. 416 - وإن لم يقف على حقيقة الحال أخذ منه كفيلا وأطلقه، وإن أراد المقر له إخراجه من الحبس بغير أخذ مال بل رفقا به تأنى في ذلك خوفا أن يكون محبوسا لغيره ثم يطلقه بعد أخذ الكفيل. 417 - وإن كان لا يعرف القاضي الطالب ولا يعرفه الشهود، وقال المطلوب لهذا الرجل حبست، وهذا ماله علي، فإن القاضي يأمره بدفع المال إلى الطالب، ولا يطلقه، لجواز أن تكون حيلة من المحبوس، ولكنه ينادى عليه أياماً ثم يطلقه. 418 - فإن قال المحبوس لا كفيل لي أو لا يجب علي ذلك لأني قد دفعت ما علي فمن أصحابنا من قال: يتأنى القاضي في ذلك نحو من شهر بعد النداء ثم يطلقه، ومنهم من قال هذا على حسب ما يراه القاضي، ويشهد له الظاهر ويراه مصلحة من غير حد.

419 - فإن قال المحبوس: إنما حبسني لأني أقررت بالزنا لأربع مرات وأنا محصن أو غير محصن أو أقررت بشرب الخمر ليقيم علي الحد فإن القاضي يستأنف الأمر في ذلك ويجعل كأنه حضر الآن، فإذا أقر بالزنا أربع مرات على ما يعتبر في المرات من خلاف أصحابنا فمنهم من يقول أربع مجالس من مجالس القاضي، ومنهم من قال أربع مجالس من مجالس المقر، يذهب ويجيء فيقر على ما سنذكره في كتاب الحدود إن شاء الله من اعتبار الأربع عندنا. وعند الشافعي، ونذكر حكم الإقرار والشهادة على الحدود إن شاء الله، فإنه يقيم الحد عندنا في الزنا. 420 - أما الشرب فلا يقيم إلا أن يكون ريحها يوجد منه في الإقرار والشهادة، وإن كان قديماً (لم) يأخذه به، ويكون ذلك حدا لكل، قذف تقدم ذلك. 421 - فإن أقر المحبوس بقطع طرف رجل عمدا، أو حضر المقر له وطلب القصاص (اقتص). 422 - وكل حق يقر به المحبوس لغيره وهو حق صحيح عند القاضي يلزمه الحكم والخروج إليه وابتغائه منه فإن القاضي الثاني يستوفيه منه ويأخذه به. 423 - ولو أقر بما لا يجب به عنده ضمان ولا عقوبة ولا قود ولا دية بأن يكون مذهبه بخلاف مذهب الأول في ذلك لم يأخذه به، إلا أن يكون الأول قد قضى فيه، وهو مما لا ينقض حكمه به لأنه غير مخالف للأصول التي يجب رده إذا خالفها. 424 - وسنذكر ذلك في الباب الذي ينقض فيه قضاء القاضي إذا قضى به إن شاء الله.

فصل النظر في أمر الوقوف

فصل النظر في أمر الوقوف 425 - فإذا فرغ من أمر المحبسين وقبض الديوان وما ذكرناه، نظر بعد ذلك في أمر الوقوف. 426 - وينبغي للقاضي بعد ذلك أن يأمر مناديه فينادي على بابه: إلا أن القاضي يقول لمن كان يتولى شيئاً من أموال الوقوف والأيتام والودائع والأمناء من قبل القاضي فلان الميت أو المعزول على مال صغير أو كبير محجور عليه أو غائب أو غير ذلك مما ينظر فيه القاضي فليتوجه إلينا، ولا يقصر أحد فيما أمر به من الحضور في البلد وليحضر ولا يتأخر إلا من له عذر، وليبلغ الشاهد الغائب. 427 - فإذا حضروا عنده نظر في أحوالهم، وصحح ما بأيديهم، فمن أحب أن يقره على نظره أقره، وأن رأى صرفه صرفه. 428 - والمستحب له أن يجرى فيهم بسنة الأول أن كان حسن السيرة وأن لا يستبدل بهم أن كانوا ثقاةً، بل يجريهم على ما هم عليه. فصل قبول قول القاضي المعزول 429 - ويقبل قول القاضي المعزول، ومن تحت يده المال فيما يقر به ويصرفه إلى الوجه الذي يذكره القاضي أن كان تحت يده وإن كان في يد غيره اعتبر ذلك الغير. 430 - وإذا قال الأمين دفعته إلى القاضي المعزول ولا أعلم لمن هو، فإن القاضي الثاني يقبل قول الأول المعزول في المال ويسلمه إلى من قال.

فصل اختلاف المعزول والذي بيده المال

431 - وهذا حكم الأموال والعقارات والعروض كلها لأن هذا كله في يد القاضي إذا أقر الأمين أنه هو الذي سلمه إليه. فصل اختلاف المعزول والذي بيده المال 432 - قال أصحابنا: إذا اختلف المعزول والذي بيده المال فقال المعزول هو لفلان، وقال الأمين بل هو لفلان، إنسان آخر، فالقول قول الأمين الذي في يده المال، لأنه في يده (و) ليس في يد القاضي فلا يقبل قوله، وقيل قول الأمين لا يقبل .. وهذا إذا أنكر الأمين دفع القاضي إليه. 433 - وإن قال: دفعه القاضي وقال لي أنه لفلان، وقال القاضي بل هو لإنسان آخر، فالقول قول القاضي، ومن في يده بمنزلة الشاهد. فصل 434 - وإن كان المال في يده، فقال الأمين ما في يدي لفلان بن فلان دفعه إلى القاضي، وقال أنه له، فقال القاضي بل هو لفلان لإنسان آخر، فإن الأمين يدفع المال الي الذي أقر له به، ويغرم مثل ذلك للذي ذكره له القاضي لأنه اعترف بأنه أخذه من القاضي فعليه رده إليه، لأنه سلمه إليه بقوله وإقراره أنه له. فصل 435 - وإذا قال القاضي المعزول: عند فلان عشرة آلاف درهم لأبن فلان اليتيم من أبيه فهي لليتيم إذا لم يدع ذلك باقي الورثة.

436 - وإن كذب باقي الورثة القاضي فالمال بينهم، ولا يقبل قول القاضي ولا الأمين على الورثة. 437 - وكذلك الضياع والعروض. 438 - ويستحلف الورثة لليتيم على ما يجب عليهم، ولا نعرف في ذلك خلافا. 439 - ولو كان القاضي المعزول اشهد على نفسه في صك مكتوب أنه قسم المال بين الورثة وهذا حصة اليتيم والكتاب موجود فإن هذا حكم على الورثة، وكان المال لليتيم. 440 - وإن كان القاضي قال هذا المال لليتيم ولم يقل أنه حصة من الميراث فهو لليتيم، وليس لباقي الورثة من ذلك شيء ولا خصومة بينهم وبين القاضي، ولهم خصومة اليتيم بعد البلوغ. فصل 441 - ولو قال القاضي المعزول: ثبت عندي بشهادة الشهود أن فلاناً وقف الضيعة المعروفة بكذا على وجهة كذا وأني حكمت بذلك وجعلتها وقفاً على يد فلان لينفق دخلها على سبيلها، وصدقه الأمين وورثة الموقف أمضى القاضي الثاني إقرار الورثة. 442 - وكذلك أن قامت بينة على حكم المعزول بذلك. 443 - وإن جحد الورثة ذلك ولا بينة استحلفوا على ذلك وردت في الميراث. 444 - وإن قال القاضي: هذه هي صدقة ووقف وصدقة الأمين ولم يزد على ذلك فهي على ما قال ولا يكلف المعزول التفسير.

محاسبة الأمناء

محاسبة الأمناء 445 - وإذا حوسب الأمناء على ما في أيديهم من أموال اليتامى، فمن كان القاضي أقامه قبل قوله فيما يقبل فيه قول الوصي. 446 - ومن لم يقمه القاضي وصياً، وإنما جعله قيما في الضيعة وقابضاً وأن يتفق على اليتيم في كل شهر كذل قبل قوله فيما يدعي من النفقة على الضيعة إذا كان مثل ذلك ينفق في المدة، وفيما صار في يده من (الأثمار) والأثمان. 447 - وأن أتهم أحد منهم استحلفه على ما نرى. ادعاء الأمين الأجر 448 - قال أصحابنا: ولا يقبل قول الأمين أن القاضي المعزول فرض له أجراً على ذلك إلا بينة (تشهد) أن المعزول فرض له ذلك. 449 - وأن كان قد أخذ من ذلك شيئاً رده على اليتيم. 450 - وإذا لم يكن للأمين بينة على أن المعزول أقامه وصياً وقيماً لم يقبل قولهم ولزمهم رد ما ادعوا انفاقه في العمارة وغيرها من المال. فصل 451 - قال أصحابنا: وإذا أقر أحد الأمناء أن الضيعة التي في يده لليتيم، وأن في يده من دخلها كذا ولم يقل بعت ولا أنفقت شيئاً، فالقول قوله فيما أقر به، وللقاضي المولي أحلافه أن رأى ذلك. فصل 452 - قال أصحابنا:

وإذا قال القاضي المولي أدوا حساب جميع ما جرى في أيديكم سنة سنة، لجميع الأمناء أو لبعضهم فقالوا قد حاسبنا القاضي المعزول إلى وقت كذا وأبرأنا وأتوا على ذلك بينة قبل ذلك منهم وحاسبهم على ذلك في المستقبل. فصل 453 - وإن قالوا نخشى أن نقر لك فيلزمنا إقرارنا، ولا بينة لنا على ما فعل القاضي معنا وفعلنا والذي بأيدينا إنما هو كذا وكذا لم يكن للقاضي أن يحملهم على الإقرار، وينظر في هذا بما هو الأصلح، فمن كان معروفاً بالأمانة قبل قوله، وإن كان مدغلاً طالبه بالتفسير. 454 - وله أن يستحلف الأمين منهم على ما يرى. 455 - قال الخصاف: والقياس في الأمناء واحد: أن يقبل قولهم على ما في أيديهم مع الإيمان وذاك أن من في يده شيء فالقول قوله فيه. فصل 456 - وهذا حكم الأمناء والقاضي إذا كان معزولا وإذا كان ميتاً، فيسئل القاضي في الأمناء والمحبسين وقبض الديوان على ما ذكرناه على سواء، إلا فيما تحت يد الميت فإنه يحتاج الى إقرار الورثة أو شهادة الشهود، ولا يقبل قول أمين ولا وصي أنه كذلك بغير بينة تشهد له، لأن الأصل عدم ذلك. 457 - وإذا أقام بينه على الوصية والأمانة فإن كان عدلاً قوياً أقره على

في الضوال

الوصية، وإن كان فاسقاً لم يقره على الوصية، عند الشافعي، لأن الوصية ولاية والفاسق ليس من أهل الولاية. 458 - وعند أصحابنا يقر على الوصية إذا تاب ويصح، كما يقر على الوكالة، وكما يقر على التصرف في مال نفسه. 459 - فإن كان عدلاً ضعيفاً لا يقوم بها ضم إليه غيره ليتقوى به، وهذا قولنا، وقول الشافعي في الذي لا يضطلع بما وصى به. 460 - قال الشافعي: وإذا أنفذ القاضي الوصية لم يسئل عدالته لأن الظاهر أن القاضي الأول لم ينفذ إلا وهو عدل. 461 - وهذا قولنا أيضاً. 462 - فإن كان وصياً في تفرقة ثلثه، فإن كان لم يفرقه فالحكم في إقراره على الوجه الذي ذكرناه. وإن كان عدلاً لم يلزمه شيء بالإنفاق وإن كان فاسقاً فإن كانت الوصية لمعين لم يلزمه شيء لأنه دفع الموصى به الى مستحقه وإن كان لغير معين لم يلزمه لأنه دفع إلى مستحقه كما لو كانت لمعين. 463 - وهذا قولنا وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر لهم أنه يغرم ما فرقه، قالوا لأنه فرق ما لم يكن له تفريقه كما لو فرق ما لم يسند إليه، وهذا لا يصح، لأن ما لم يسند إليه يلزمه الغرم في الوكالة فيلزمه في الوصية وما فوق إلا ما جعل إليه. في الضوال 464 - ثم ينظر بعد ذلك في أمر الضوال، ومال من ليس بحاضر، لأنه لا حافظ من الناس، فعليه حفظه والقيام به، فهذا حكم هذه الأموال والنظر فيها. 465 - وأما أحكام الخصوم والنظر في الدعاوى فقد أخرنا ذلك إلى المواضع

باب النيابة في القضاء

التي تستدعيها والمسائل والكتبة وهناك نذكر كيفية أخذ الرقاع وتقديم بعض الخصوم على بعض وترتيب القاضي والخصوم والشهود والوكلاء لأن ذكره في موضعه أليق، وإن كان الطحاوي والخصاف وغيرهما قد ذكروا هذه الأبواب المؤخرة في أوائل كتبهم، ولم يرتبوا الكلام فيها على ما رتبناه نحن. 466 - وإذ قد ذكرناه ما يبتدأ به من النظر وكان له أن ينظر في ذلك بنفسه، وله أن ينظر في ذلك بغيره وجب ذكر أحوال النيابة عنه. باب النيابة في القضاء 467 - وهذا باب يذكر فيه حالة النيابة عنه ما قيل في ذلك. 468 - اعلم أن أصحابنا قالوا لا يجوز أن يستخلف رجلاً يحكم بين الناس، إلا أن يكون الإمام الذي ولاه قد جعل إليه ذلك ونص عليه فيجوز ذلك وأن نها، لم يجز له أن يستخلف أحداً. 469 - وهو عندنا بين أن يطلق القول ولا يقيده وبين أن يسكت عن ذكر النيابة، في أنه لا يجوز له أن يستتب لأنه نائب عنه فيتبع أمره ونهيه. 470 - وقال أصحاب الشافعي: إذا لم يأذن له وله ينهه نظرت فإن كان ما قلده يقدر أن ينظر فيه بنفسه ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي سعيد الاصطخري أنه يجوز أن يستخلف لأنه ينظر في المصالح فجاز أن ينظر بنفسه وبغيره. والثاني قالوا وهو المذهب أنه لا يجوز له، لأن الذي ولاه لم يرض بنظر غيره.

تقييد القاضي بسماع الأدلة والبينات

471 - وإن كان ما ولاه لا يقدر أن ينظر فيه بنفسه لكثرته جاز أن يستخلف فيما لا يقدر عليه لأن تقليده لما لا يقدر عليه بنفسه إذن له في الاستخلاف فيما لا يقدر عليه، كما أن وكيل الوكيل فيما لا يقدر عليه بنفسه أذن له في استنابة غيره. 472 - وهل له أن يستخلف فيما يقدر عليه أن ينظر فيه بنفسه؟ ففيه وجهان: أحدهما أن له ذلك لأنه من جاز أن يستخلف في البعض جاز أن يستخلف في الجميع كالإمام. والثاني لا يجوز، لأنه لما أجيز له أن يستخلف فيما لا يقدر عليه للعجز فوجب أن يكون مقصوراً على ما عجز عنه. تقييد القاضي بسماع الأدلة والبينات 473 - قال أصحابنا: ولو استخلف رجلاً فقضى بين الناس لم يجز قضاؤه، وأن رفع الى غيره أبطله، ولا ينفذ ذلك بحال، وأن كان الخليفة قد أمره أن يسمع من الخصوم ويثبتوا عنده البينة والإقرار ولا يقطع حكماً فذلك على ما جعله لا يتجاوزه، ثم يرفعه الى القاضي فيكون هو الحاكم بما يصح عنده من ذلك. 474 - وللقاضي أن يفعل مثل ذلك إذا جعل إليه الاستخلاف. 475 - وقد كان شيخنا قاضي القضاة رحمه الله لا يجعل إلى القضاة سماع بينة ولا حكم ويطالعونه بما يثبت ثم يتقدم بفصل الحكم إليهم أو بالشهادة عنده (فيما) جرى، وكذلك قضاة السواد، وكان يفعل معهم ذلك وكان يشهد

شروط الاستخلاف

عند خلفاءه بالاستفاضة وعند المعدلين ثم يتقدم بفصل الحكم إليهم أو الشهادة عنده بما جرى ثم يتوسط الحال على الخصوم. 476 - قال أصحابنا: وإن كان الشهود عند خليفته قد غابوا أو ماتوا، فأعلمه خليفته بحالهم لم يقبل ذلك، ولم يحكم حتى يعيدوا الشهادة إذا لم يجعل لهم بت الحكم. 477 - وكذلك الإقرار إذا غاب المدعى عليه أو جحد الإقرار لم يقبل من خليفته أن أقر عنده إلا أن يأتي معه من يشهد بذلك فيقبل القاضي ذلك على سبيل الشهادة. شروط الاستخلاف 478 - وإذا جعل الإمام له أن يستخلف في القضاء فله أن يستخلف كل من يجوز للإمام أن يستقضيه، ولا يجوز له أن يستخلف في القضاء من لا يجوز أن يكون قاضياً. 479 - وقد ذكر ابن الأصبغ في شروطه وكان صاحباً لأبي الحسن الكرخي رحمه الله أنه لا يجوز له أن يولي ابنه القضاء، وقال غيره ولا من لا تجوز شهادته له، وجعل ذلك كالوكيل لا يجوز أن يبيع بمطلق الوكالة من ابنه ولا أبيه ولا من لا تجوز شهادته له عند أبي حنيفة. 480 - وقال الطحاوي في أدب الحكام الصغير له: "وله أن يستعمل أباه وأخاه وجميع ذوي أرحامه، إذا كانوا عنده ثقاة فيما أسنده إليهم، ويحتاط في جميع من يستعمله ممن يكون أحوط عليه وأعود بصلاحه فيما حمله واكتسبه من الثواب وسلمه من التبعات في الدنيا والآخرة". 481 - وقال الشافعي: "وله إن أراد أن يستخلف في عمله والده أو ولده جاز، لأنهما يجريان

باب وقوف الحكم على إجازته

مجرى نفسه، ثم يجوز أن يحكم في أعماله فجاز أن يستخلفهم في الحكم في ذلك". 482 - قال: وإذا فوض الإمام إلى رجل أن يختار قاضياً لم يجز أن يختار والده ولا ولده لأنه لا يجوز له أن يختار نفسه. وهذا قولنا أيضاً في الاختيار. 483 - وإن صير له الإمام أن يختار ولده أو والده جاز ذلك بالاتفاق. 484 - وإذ قد ذكرنا جواز النيابة عنه فهل يجوز أن يقف الحكم على إجازته أم لا؟ باب وقوف الحكم على إجازته 485 - اعلم أن أصحابنا قالوا: يجوز أن يقف الحكم على إجازة حاكم البلد إذا كان حكم الحاكم به لا ينفذ، فقالوا لو أن الخليفة لم يجعل إلى القاضي أن يستخلف فاستخلف رجلاً فحكم لم يجز ذلك الحكم، فإن أجازه القاضي وأنفذه جاز إذا كان الحاكم به، ممن لو كان حاكماً نفذ حكمه، وإن كان ممن لا يجوز حكمه لم يجز بإجازته وكان باطلاً وجعلوا ذلك كسائر العقود الموقوفة على الإجازة. العقد الموقوف 486 - وقالوا: كل عقد لو تقدم عليه الإذن نفذ إذا تأخر عنه الإذن انعقد موقوفاً على من له حق العقد. 487 - فجعل القضاء مثل ذلك، واعتبروا صفة الحاكم كما اعتبروا صفة العاقد أن يكون من أهل العقد والمعقود له من أهل العقد والمحل قابلاً للعقد. 488 - وقال الشافعي: لا ينعقد شيء من العقود موقوفاً على الإجازة، وأجاز أن ينعقد الإذن موقوفاً على العقد، فإذا وجد العقد لزم، وأجاز أن يقف

باب ما يبطل ولاية القاضي والإمام

الإيجاب على القبول والوصية على القبول بعد الموت، وجوز لزوم البيع على المجلس ومدة الخيار، وأوقف أحكاماً كثيرة على الصلح من المدعين. 489 - وسنذكر في النكاح والموت ما قال من ذلك إن شاء الله. 490 - وإذا قد ذكرنا جواز ولاية القاضي، وما يصح به وما لا يجوز له أن يستخلف فيه، وجب أن يذكر ما يبطل ولايته. تصرف القاضي بعد الفسق باب ما يبطل ولاية القاضي والإمام 491 - أعلم أن القاضي يتصرف بإذن الإمام كما يتصرف الوكيل بإذن الموكل، فله أن يبطل ولايته فيما ولاه، وهذا قول أصحابنا أن للإمام عزل القاضي عن القضاء كما للموكل عزل الوكيل. 492 - وقال أصحاب الشافعي: ليس للإمام أن يعزل (القاضي) عن القضاء، ولا ينعزل بعزله، وإنما ينعزل إذا فسق وخرج عن الصفة التي يصلح أن يكون قاضياً. 493 - وقال الفريقان: إذا فسق بطلت ولايته بالفسق، وكذلك الإمام تبطل إمامته. 494 - وقال القدوري رحمه الله في خلافه أن من أصحابنا من قال: تصرف القاضي بعد الفسق جائز حتى يخرجه الإمام من القضاء، حكاه عن بعض أصحابنا.

بطلان الولاية بطرؤ العمى

بطلان الولاية بطرؤ العمى نقد القول بصحة تصرف القاضي بعد فسقه 495 - ولو جاز أن يبقى مع الفسق على القضاء لجاز أن يولي الفاسق ابتداءً مع العلم بفسقه وقد أجمعوا على أنه لا يجوز أن يولي فاسق لا يؤمن فعله ولا قوله ولا حكمه وإذا لم تجز شهادة الشاهد مع الفسق فكيف يجوز حكم الحاكم مع الفسق؟ 496 - وتبطل ولاية الإمام والقاضي إذا عمى لأنه لا يصح له معرفة ما يحتاج إلى نظره فهو كزوال العقل. 497 - وهذا قول أبي حنيفة ومحمد في الشهادة أيضاً أنه تبطل شهادته إذا عمى. 498 - ومن أجاز شهادة الأعمى يلزمه جواز قضائه وأن يكون لا يبطل قضاءه، وهذا قول شريح والشعبي والزهري والقاسم بن محمد ويحيى بن سعد، وهو قول أبي يوسف وابن أبي ليلى في الشهادة. 499 - ويبطل ولاية الجميع زوال العقل لأنه يمنع التكليف، فيمنع الولاية. بطلان الولاية بالنسيان 500 - وكذلك يبطل ولايته نسيانه العلم على قول من جعل ذلك شرطاً في الصحة. ردة القاضي والإمام 501 - وتبطل ولاية القاضي والإمام إذا ارتدا عن الدين لأن ردتهما توجب زوال ملكهما عن مالهما ويحل دمهما. عزل نفسه 502 - وتبطل ولايته إذا عزل نفسه هو عن القضاء وكذلك الإمام، كما تبطل الوكالة إذا عزل الوكيل.

بطلان ولايته باستحقاق رقبته

بطلان ولايته باستحقاق رقبته 503 - وتبطل ولايته باستحقاق رقبته لغيره لأن المملوك لا يملك الولاية وإن ملك، وليس من حيث جاز أن يكون العبد وكيلاً يجوز أن يكون قاضياً، لأن الكافر يجوز أن يكون وكيلاً ولا يجوز أن يكون قاضياً. وسنذكر في الشهادات حكم شهادة العبد إن شاء الله. سقوط ولاية الإمام بأسره 504 - وإذا أسر الإمام وحصل في دار الحرب وتعذر على الناس الوصول إلى إذنه جاز لهم نصب غيره، وسقط عنهم حكم ولايته. 505 - وقد بينا ما يتفق فيه الإمام والقاضي ويفترقان من الصفات في باب متقدم فلا معنى لذكره هاهنا. طروء الخرس 506 - وتبطل ولايته بالخرس الذي لا يتبقى معه كلام، ولا يقضي بالإشارة ومن أجاز شهادة الأخرس يلزمه جواز قضاءه. القاعدة فيما يطرؤ على القاضي من الأحوال 507 - واتفق أصحابنا أن كل صفة لو كان عليها لم يصح أن يتولى الحكم إذا صار إليها يبطل حكمه فيما يستقبل. 508 - وكذلك الشهادة وهذا كالجنون والخرس وزوال العقل والفسق. 509 - واختلفوا في العمى فأجاز أبو يوسف في الشهادة ما شهده وهو بصير أن يشهد به وهو أعمى، أو حمله غيره الشهادة وهو كذلك أنه يجوز له أن يشهد شاهد الفرع بها وهو أعمى.

باب موت القاضي

موت الشاهد والقاضي 510 - واتفقوا على أنه إذا مات لا تبطل شهادته التي شهد بها، وكذلك حكمه الذي حكم به. 511 - وقد ذكرنا حكم موت القاضي فلنذكر ما يترتب عليه. باب موت القاضي وهذا باب موت القاضي والإمام 512 - اعلم أن أصحابنا قالوا: إذا مات الخليفة أو خلع، وله قضاة قد ولاهم، فإنهم على ما كانوا عليه نافذة أحكامهم ماضية قضاياهم، لأن القضاة قوام المسلمين وأعوان الدين، وهو عقد ماض على المسلمين فلا يبطل بموت من عقده، كما أن الإمامة لا تبطل بموت أهل الحل والعقد. فحكم القاضي في الولاية حكم أهل الحل والعقد. وكما لا نبطل ولاية الإمام بموت من ولاه فكذلك لا تبطل ولاية القاضي إذا مات من ولاه، وكذلك قاضي القضاة إذا مات لا تبطل ولاية قضاته بموته، كما لا تبطل ولايته بموت الخليفة الذي ولاه. 513 - ولا أعرف في هذا خلافاً بين العلماء لأن العلماء على قولين: منهم من قال ليس للخليفة أن يعزله بعد ولايته بقوله، ومنهم من قال له ذلك وهم أصحابنا. وفي الموت نصوا على أنه لا تبطل ولايته. 514 - وسمعت شيخنا قاضي القضاة رحمه الله يقول: - "في الناس من يقول تبطل ولايته بموت الخليفة". ولم أر ذلك في كتاب فأحكيه وليس من حيث بطلت الوكالة بموت الموكل ينبغي أن تبطل

باب عزل القاضي وخلع الإمام

ولاية القاضي، لأن الوكالة إن بطلت بالموت لأنها مستفادة بالإذن، فالوصية تصح بعد الموت بالإذن، والقضاء بالوصية أشبه منه بالوكالة. 515 - وإذ قد ذكرنا موت القاضي فلنذكر حكم العزل له. باب عزل القاضي وخلع الإمام وهذا باب عزل القاضي وخلع الإمام. 516 - اعلم أن حكم قضاة الإمام بعد خلعه حكمهم بعد موته نافذة أحكامهم جائزة قضاياهم. متى يخلع الإمام 517 - والإمام إنما يخلع إذا ارتكب من الأمور ما لا يجوز أن يبتدئ له معه ولاية، ولأنه نائب عن المسلمين، يستوفي ما وجب لهم من الحقوق ويوفيهم ما يجب لهم، ويستوفي منهم ما يجب استيفاؤه لله تعالى، فهو الأمين، والذائد عن الدين، فإذا جار واعتدى وتمرد واحتوى على الأموال وجب على أهل الدين وعلى المسلمين خلعه ومنعه والاستبدال به، وبهذا جرت عادة المسلمين فيمن خرج عن الطريقة ولم يستقم بهم في المسيرة. متى يمتنع خلع الإمام 518 - ولا يجوز خلعه بغير ذنب، ولا الاستبدال به من غير جرم لأنه الحافظ الأمين، فالخروج عليه بغير سبب كالمخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم والخروج عليه. الفرق بين عزل القاضي وعزل الإمام 519 - فإن قيل: قد قلتم أن للإمام عزل القاضي من غير سبب يوجب العزل،

أقضية القاضي قبل عزله

فقولوا للأمة نصب إمام من غير سبب وعزل الأول، قيل إن القضاء يقع مخصوصاً بين الناس، ويجوز أن يقضي بين الفين وأهل بلدة، فإذا خربت أو انتقل أهلها لم يجز قضاؤه على غيرهم، وكذلك إذا مات الخصمان اللذان على الإمام الحكم بينهما لم يجز له أن يقضي على غيرهما، فكان مقصوراً على الإذن. والإمامة بخلاف ذلك لا تخصص بالتخصيص والبقاع، ولا يجوز أن يشترك إمامان في النظر في الأمة فهذا فرق ما بينهما. أقضية القاضي قبل عزله 520 - وإذا عزل الإمام القاضي فأحكامه نافذة وقضاياه ماضية، حتى يصله كتاب العزل وشهادة الرسول بذلك، فحينئذ لا ينفذ له حكم في المستقبل. تصرفات الوكيل قبل العزل 521 - وكذلك قال أصحابنا في الوكيل هو على وكالته وتصرفه جائز إلى أن يرد عزله إليه أو يشافهه بذلك الموكل. متى يعزل الوكيل نفسه 522 - وكذلك الوكيل ليس له عزل نفسه بغير علم الموكل. 523 - وقد خالفنا الشافعي في الفصلين جميعاً وقال لكل واحد منهما أن يعزل هذا العزل الوكيل، والوكيل يعزل نفسه، وقال في عزل القاضي بخلاف ذلك أنه لا يملك الإمام عزله. فصل ما يدعى على القاضي بعد العزل 524 - وإذ قد ذكرنا جواز عزل القاضي، وجب أن نذكر ما يدعى عليه بعد العزل.

525 - قال أصحابنا: وإذا ادعى رجل على القاضي المعزول أنه قتل ابنه وهو قاض، أو أخذ ماله، أو أرضه، أو ما في يده، أو شيئاً ذكره من العقود والطلاق والعتاق، وإنك فعلت بي ذلك ظلماً وتعدياً فقال القاضي: قامت عليك البينة عندي بما فعلت، أو أقررت بذلك لمن حكمت له بما حكمت، فالقول قول القاضي المعزول، ولا يمين عليه في ذلك كائناً ما كان ذلك، ولا تقبل بينة يقيمها على ذلك. 526 - ولو قال الطالب للمعزول: - ما أقر ابني عندك، ولا قامت عليه بينة أنه فعل ما يجب به القود، وحضر الرجل الذي ذكر المعزول أنه قضى له بالقود والحق وكذب القاضي في ذلك، وقال لم يقر لي عندك، ولا قامت بينة بذلك، فالقول قول المعزول في ذلك، ولا يسئل عليه إذا كان المدعى يقر أنه فعل ذلك وهو قاض. 527 - وكذلك سائر الحقوق إذا كانت مستهلكة ليست بقائمة. 528 - وإن كانت داراً أو عقاراً فقال المدعي: - أخرج هذا القاضي من يدي هذا الشيء ودفعه إلى هذا ظلماً فقال القاضي: كانت عليك بينة أو إقرار فلا شيء على القاضي في ذلك. 529 - وأما ما هو في يده فإن صدق القاضي أنه حكم له بهذا الشيء لم يقبل قوله، ولا قول المعزول ودفع إلى الطالب، إلا أن يقدم بينة أنه قضى به و"هو قاض". 530 - وهذا حكم كل شيء قائم في الحال. 531 - وإن قال الذي في يده الشيء: هذا لي، وما حكم به هذا أبداً لي، فالقول قول من في يديه الشيء، ولا يقبل قول الخصم ولا القاضي في ذلك. ولا ضمان على القاضي لأنه يقول حكمت بالحق اللازم، فلا شيء عليه.

فصل كتب المعزول تصل بعد العزل

532 - وكل موضع اعترف الذي في يديه الشيء أنه أخذه بالحكم فأنه يرد على الطالب إلا أن يقيم بينة على الحكم. 533 - وإن كان الشيء مستهلكاً فالقول قول الذي هلك في يديه، وقول القاضي المعزول، ولا ضمان على واحد منهما. 534 - وإنما لم يقبل إقرار القاضي بعد العزل لأنه لا يملك إنشاء الحكم بذلك فلا يملك الإقرار إذا كان قائماً، وليس عن أصحابنا نص أن يكون في ذلك بمنزلة الشاهد، إلا ما حكيناه في خليفته الذي لم يجعل له استخلافه، أنه لا يقبل منه إلا أن يأتي معه من يشهد بذلك، فيقبل قوله مثله؟ 535 - واختلف أصحاب الشافعي في ذلك: هل يكون بمنزلة الشاهد؟ على وجهين: أحدهما يكون بمنزلة الشاهد، لأنه ليس فيه أكثر من أن يشهد على فعل نفسه، وهذا لا يوجب رد شهادته، كما إذا قالت المرأة: أرضعت هذا الفتى، وهذا قول الاصطرخي. والثاني أنه لا يكون شاهداً فيه لأن شهادته لنفسه بالحكم تثبت له العدالة وهذا ينبغي أن يكون قولنا. فصل كتب المعزول تصل بعد العزل 536 - وما كتبه قبل العزل من الكتب الحكمية فوصل إلى المكتوب إليه بعد العزل، لم يقبله، ولم يحكم به، وهو بمنزلة الكاتب إذا مات لم تقبل كتابته. 537 - وقال الشافعي تقبل، كما تقبل إذا مات. فصل التظلم من القاضي المعزول 538 - وإذا تظلم من المعزول متظلم، وسأل القاضي المولى إحضاره لم

فصل الإدعاء على القاضي بالجور في الحكم

يحضره حتى يسأله عما بينهما، لأنه ربما تقصد أن يقدمه ليحلف من غير حق. 539 - وإن قال: لي عليه مال من معاملة أو غصب أو إتلاف أو رشوة أخذها مني على حكمه أحضره، وهذا أيضاً قولنا في الدعوى عليه. 540 - قالوا: وإن قال: حكم على رجل بشهادة عبدين أو فاسقين ففيه وجهان: أحدهما أنه يحضره كما يحضره إذا ادعى عليه مالاً، والثاني لا يحضره حتى يقيم عليه بينة بما يدعيه، لأنه لا تتعذر إقامة البينة. 541 - فأن أحضره فقال: ما حكمت عليه إلا بشهادة حرين مسلمين فالقول قوله لأنه أمين، ولا يمين عليه عندنا، وقال بعض أصحاب الشافعي عليه اليمين كالمودع إذا ادعى عليه بجناية. فصل الإدعاء على القاضي بالجور في الحكم 542 - وإذا ادعى عليه أنه حكم بجور نظرت في ذلك: فإن كان مما يسوغ فيه الاجتهاد أمضاه، وإن كان لا يسوغ فيه الاجتهاد أبطله، كما يبطل حكم نفسه إذا رده الإجماع. 543 - وهذا قول الشافعي أيضاً في هذا الفصل. فصل الإدعاء بأن القاضي أخطأ في حكمه 544 - وإذا ادعى عليه الخطأ في حكمه فهو يترتب على خطأ القاضي إذا كان قاضياً قبل العزل.

فصل إقرار القاضي المعزول بتعمد الجور

545 - وخطأ القاضي على وجهين: أولهما ما هو من حقوق الله تعالى كالحدود فهو في بيت المال. والثاني حق العباد فذلك راجع على من حكم له به، يغرم ذلك المقضي له، ولا شيء على القاضي فيه كالقتل والمال إذا لم يقدر على رده بعينه غرم المثل أو القيمة أو الدية، فإن كان قائماً بعينه رده على صاحبه، وهذا بأن يتبين أن الشهود ذمة أو محدودون في قذف أو عبيد، وترد المرأة إلى زوجها والعبد يرد إلى الرق والمال إلى صاحبه، ولا غرم على القاضي لأنه تعلق على الحكم الظاهر وما كلف بعلم الغيب. فصل إقرار القاضي المعزول بتعمد الجور 546 - وإذا أقر المعزول أنه فعل ذلك عمداً، وأنه جار وقضى بما لا يلزم لزمه ذلك في ماله، وزالت عدالته. 547 - ويعزل إن كان والياً ويؤدب مع الضمان وإن كان معزولاً. هذا قول أصحابنا جميعاً. 548 - وقد قال أصحابنا إذا أقر القاضي أنه حكم لهذا الرجل بجور وباطل سقطت عدالته بإقراره، وعزل عن القضاء، وغرم ذلك الحق ولا ينقض قضاؤه، ولا يصدق على نقض ما قضى ولا فرق بين أن يكون معزولاً أو قال ذلك وهو قاض. 549 - وكذلك قالوا: لا يقبل قول الشهود أنهم شهدوا بباطل إذا كان الحكم قد نفذ ومضى. وسنذكر في الشهادات من ذلك ما يجب.

باب معاملة القاضي

550 - وإذ قد ذكرنا حكم الولاية والعزل فلنذكر حكم معاملة القاضي. باب معاملة القاضي وهذا باب معاملة القاضي للناس في ماله ومال من يلي عليه: 551 - قال الطحاوي رحمه الله في أدب الحكام: الحاكم أجير المسلمين فلا ينبغي له أن يتشاغل بمتجر يقطعه عن النظر في أمورهم، فإن نظر في متجر أو صنعة من غير أن ينقطع بذلك عما أسند إليه جاز. 552 - قال أصحابنا: - ولا يكره له الشراء والبيع بنفسه لأن النبي عليه السلام باع واشترى، وكذلك الأئمة الأربعة باعوا واشتروا، وفعلهم حجة وإتباعهم سنة. 553 - وقال الشافعي: يكره له البيع والشراء بنفسه. 554 - وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق أبي الأسود الدؤلي

فصل الإشراف على كتابه وأصحاب مسائله

أنه قال: (ما عدل وال اتجر في رعيته أبداً). 555 - وذكر عن شريح أنه قال: شرط على عمر رحمه الله حين ولاني القضاء أن لا أبيع ولا ابتاع ولا أرتشي ولا أقضي وأنا غضبان. ولأنه يحابي. 556 - فإن احتاج إلى ذلك وكل وكيلاً ينوب عنه، ولا يكون معروفاً، فإن عرف استبدل به من لا يعرف، فإن لم يجد تولى بنفسه، لأنه لابد له منه. 557 - فإذا وقعت لم يبايعه حكومة استخلف من يحكم بينه وبين خصمه لأنه لا يؤمن أن يميل معه. 558 - ولو كان ما قالوه يقوى عند الله ويلزمه بين الناس لما كان أولى بأن يفعل ذلك إلا أئمة العدل، والعدالة والأمانة يمنعان الميل وهما رأس مال القاضي فإذا لم يوجدا لم يصح القضاء، ولو كره ذلك للقاضي لكره للشاهد، ولمنع قول الشهادة، وهذا لا يجوز. وقد قال تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}. فصل الإشراف على كتابه وأصحاب مسائله 559 - وينبغي للقاضي أن يشرف على كاتبه وأصحاب مسائله وأمنائه،

فصل إقراض أموال الأيتام بشرط قيام المقترض بمؤونة الصبي

ويتفقد أمورهم، ويجوز له أن يحاسب بنفسه الأمناء والأوصياء، ويقتصد في أمر الرزق على من يستعمله على مال يتيم أو وقف. 560 - وما كان من مال يتيم في يد وصيه، وهو أمين عليه قيم به فأمره إليه. 561 - وإن لم يكن له وصي اختار له وصياً من قرابته ممن يوثق به، فإن لم يكن فمن الجيران، فإن لم يكن في الجيران من يصلح لذلك فمن غيرهم فيجعله وصياً، ويفرض له رزقاً ويشهد له بذلك ويصير كالوصي، يجوز له ما يجوز للوصي. 562 - وإن لم يجعله وصياً بل حافظاً لماله ولدخله ونفقته وخرجه لم يجز له إلا ما جعله إليه من ذلك. فصل إقراض أموال الأيتام بشرط قيام المقترض بمؤونة الصبي 563 - وللقاضي أن يقرض أموال الأيتام على الثقات ويكتب عليهم بذلك فهو أحوط من الودائع وآمن العواقب. 564 - ويتفقد أحوال من يقرضه ذلك في كل مدة فإن وقف على تغير حال أبدل به سواه من الموسرين من الثقات لأنه قد يصير معسراً بعد اليسار. 565 - ويفعل في ذلك ما يرى أنه أحوط وأصلح لليتيم. 566 - وقد رأينا شيخنا قاضي القضاة رحمه الله يودع ذلك عند الأمناء ويجري على الأيتام ويبيع عليهم حتى يأكلوا ذلك. 567 - وربما أعطى في بعض الأحوال من يتجر للصبي. 568 - وكان في بعضها يكتب المال على من يسلمه إليه ويكلفه مؤنة الصبي من عنده وهذا أحوط إذا كانا المدفوع إليه ثقة. 569 - وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اسعوا في أموال اليتامى لا تأكلها النفقة، ودفعت عائشة رضي الله عنها مال أيتام إلى مولاها أسلم تجارة.

قضاء الرباع

فصل تعيين أيام للقضاء 570 - وللقاضي أن يخص نفسه بزمان يصرفه في مصالحه وحوائجه والنظر في أهله وخلوته، ويعين للقضاء يوماً يكون قد صرف إليه وسعه ويحضر فيه الناس ويعرفونه به، فيقصد في ذلك اليوم وليس عليه صرف زمانه أجمع إلى القضاء. قضاء الرباع 571 - وكل ربع له قاض يقضي فيه، وعلى بابه من يقضي في الفرض والدين. يوم مجلس الدامغاني 572 - وكان شيخنا قاضي القضاة رحمه الله يوم مجلسه الثلاثاء فيحضره الشهود والوكلاء والخصوم ويستغرق اليوم جميعه في المحاضر والسجلات وقراءة الكتب، فلما صارت شهوده من التجار والمتعيشين في البيع والشراء جعل مجلسته في يوم السبت. 573 - وكان يجلس طرفي النهار فيدخل عليه الناس، وربما وصل الدرس، وأكثر الأحوال لا يصله لاسيما بعد توليه القضاء. تعليقه الخلاف على الدامغاني 574 - وما عرفت أحداً من جماعة أصحابه علق عليه تعليقة كاملة من أول الفقه إلى آخره لا في الخلاف ولا في المذهب، وقد علق كل إنسان غير ما علق الآخر، ولعله إذا جمع يكمل الخلاف، وما أظنه يكمل لأحد من الناس. فصل عيادة القاضي المريض ... الخ 575 - قال أصحابنا وللقاضي أن يعود المريض ويشهد الجنازة، ويجيب إلى الدعوة العامة والخاصة إذا كان ممن جرت عادته به.

قبول الهدية

قبول الهدية 576 - وقال الشافعي إن كانت له عادة بأن يهدي إليه من ذوي رحم أو مودة، فإن كانت له حاجة في الحال لم يقبل الهدية، وإن لم تكن له حاجة نظر: فإن كان ما أهدى له أزيد مما جرت به العادة أو أرفع لم يجز له قبولها لأن الزيادة بالولاية، وإن كانت مثل الأول جاز له قبولها. 577 - (و) قال بعض أصحابه: الأولى أن لا يقبل (إذ) يجوز أن تكون له حكومة منتظرة في المستقبل. حضوره الولائم 578 - قالوا: ويجوز أن يحضر الولائم لأن وليمة غير العرس تستحب الإجابة إليها. 579 - قالوا: وفي وليمة العرس وجهان: أحدهما أنها فرض على الأعيان والثاني فرض على الكفاية، ولا يخص بعضهم بالإجابة دون بعض لأن في ذلك ميلاً وترك العدل. 580 - فأن كثرت عليه وقطعته عن الحكم ترك الحضور في حق الجميع لأن الإجابة إما أن تكون سنة أو فرضاً على الكفاية أو فرضاً على الأعيان، وذلك كله لا يضر بالمسلمين تركه، وترك القضاء يضر بالمسلمين فكان تقديم القضاء أولى. 581 - وسنذكر في أبواب المدعى من يجوز له أن يعدى عليه ومن لا يجوز، ومن يجوز أن يقضي له ومن لا يجوز، وما يحله قضاؤه لغيره وما لا يحله قضاؤه وحكم القضاء له وعليه، وعلى من يتعلق به من الناس، فهذه الأبواب يقع الكلام فيها في القاضي، وما يتعلق به من المسائل والشروط. 582 - وأما الكلام في المقضي له وهو المدعى عليه وما يتعلق به من الأبواب والفصول فأول ذلك:

ذكر المدعي والصفة التي يكون عليها

ذكر المدعي والصفة التي يكون عليها 583 - أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. 584 - وهذا كلام: يجب أن يعرف من المدعى ليعمل ببينته، والمدعى عليه ليعمل على يمينه. 585 - والذي قاله شيخنا قاضي القضاة رحمه الله في شرح كتاب الدعوى من مختصر المحاكم مما علقناه عنه ودرسناه عليه فذكر الدعوى وذكر بعدها المدعي، وهذا أصح، لأن المدعي من له دعوى، فقال: تعريف الدعوى 586 - الدعوى عبارة عن قول يقصد به إثبات شيء عار عن برهان. ومتى كان فيها حجة أو برهان لم تكن دعوى. 587 - ولهذا لا يقال للنبي أنه مدع بعد قيام المعجز على ما قاله، ولا لمن استدل بذلك على قوله أنه مدع. ويقال لمن ليس له حجة مدع. هذا حده في اللغة. 588 - واختلف أصحابنا فيه هل يعتبر بالشرع أم لا؟

589 - فكان أبو سعيد البردعي يقول هو على ما كان لم يتغير. 590 - وقال غيره قد تغير ونقل إلى شيء دون شيء. 591 - وقد كانت في شرع من تقدم أيضاً كذلك. 592 - روى عن قتادة في قوله (تعالى): {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}. قال: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. وقال الحسن البصري رحمه الله "فصل الخطاب" طلب العلم بالقضاء. وقال شريح: الشهود والإيمان. 593 - وروى الخصاف عن مجاهد في قوله (تعالى): {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ}، قال: ليست النبوة ولكنه العلم والقرآن والفقه. 594 - وذكر عن عمر بن عبد العزيز (أنه) قال: خمس إذا اخطأ القاضي فيهن خصلة كانت فيه وصمة:

أن يكون فهيماً. وأن يكون عفيفاً. وأن يكون صابراً. وأن يكون عادلاً. سؤولاً عن العلم. فصل 595 - واختلف أصحابنا في المدعي من هو؟ 596 - فقال الكرخي رحمه الله: هو الذي يقصد بدعواه إثبات حق على الغير في يده أو في ذمته، والمدعى عليه من لا توجد هذه الصفة فيه. 597 - واعترض عليه بأن من في يديه الشيء إذا ادعاه على الخارج أنه اشتراه منه فهو مدع، ولا يقصد ما قال. 598 - ومن أصحابنا من قال المدعي هو الذي يقصد أمراً خفياً ليزل به أمراً جلياً. 599 - ومنهم من قال: المدعي هو الذي يدعي أمراً حادثاً، والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر،

شرط الصفة (المصلحة)

وألزم عليه مسألة الشك. 600 - ومنهم من قال: المدعي هو الذي في قوله نعم وبلى وايش والمدعى عليه من في قوله لا ولم وما. 601 - ومنهم من قال: المدعي هو الذي إذا تَرك تُرك والمدعى عليه إذا ترك لم يترك. 602 - ومنهم من قال: المدعي هو الذي (يقول) ما يضر به الغير وينفع به نفسه والمدعى عليه من يقول ما ينفع به نفسه وأن لم يضر به غيره. 603 - وقال محمد في كتاب الدعوى: المدعي هو الطالب. والمدعى عليه هو المنكر. 604 - وكل هذه الوجوه ذكرها رحمه الله وعليها كلام حذفته. شرط الصفة (المصلحة) 605 - وينبغي أن يكون المدعي عاقلاً على صفة يصح معها قوله، وتسمع دعواه، ولا فرق في المدعي بين الحر والعبد، والذكر والأنثى، والبالغ والصبي المأذون له، والطالب لنفسه أو لغيره، إذا كان له ولاية على الغير أو قد أذن له. في ذلك مما تجوز فيه النيابة. 606 - وإذا قد ذكرنا صفة المدعي فينبغي أن نذكر جواز العدوى بقوله:

جواز العدوى بقول المدعي

جواز العدوى بقول المدعي 607 - اتفق أصحابنا على جواز العدوى بقول المدعي قبل أن يعلم أنه محق أو مبطل إذا كان المدعى عليه في المصر. 608 - قال أبو يوسف: على هذا أدركنا الناس، وكان ابن أبي ليلى يفعله ولا ينكره أبو حنيفة ولا يعيبه. 6.9 - وهو قول الشافعي أيضاً وأصحابه. 610 - وقد رأيت شيخنا قاضي القضاة رحمه الله إذا جاءه أحد يستعدي على بعض الكبار راسله وقال له: - أما أن ترضي خصمك أو تحضر مجلس الحكم وكان ربما أنفد إلى كل واحد بوكيله على باب الحكم. وكان لا يعجل بالاستدعاء، وهو فعل لا يبعد عن الصواب، وله وجه. 611 - وقال الطحاوي في أدبه: - إذا استعدى على رجل قال له: من هو؟ فإذا قال: فلان. قال له: - ادعه إلي فإن قال: دعوته فلم يجب. قال:

سأدفع إليه طابعاً "حينئذ، وإن شاء الله احلفه أنه امتنع وهو قادر على المجيء". 612 - فإذا دفع إليه طابعاً فإن قال لا يحضر بهذا الطابع فلان فلو ناديناه بشاهدين يشهدان على امتناعه، كان ذلك صواباً. 613 - وقد روى الخصاف في جواز العدوى بقول الخصم أخباراً منها أن رجلاً من أراش (كذا) قدم مكة بابل وقباعها من أبي جهل فمطله وظلمه فقام في المسجد فقال: - يا معشر قريش! أتى رجل غريب ابن سبيل، وأني بعت إبلاً من أبي جهل فمطلني وظلمني، فمن رجل يعديني عليه فيأخذ لي بحقي؟ قال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس جالس، فقالوا: ذلك الرجل يعديك عليه، فانطلق إليه فذكر له ذلك فقام معه. وبعثت قريش في أثرها رجلاً، وإنما فعلوا ذلك استهزاء لما قد علموا بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي جهل من العداوة. قال فأتى الباب فضربه، فقيل من هذا؟ فقال محمد: فخرج أبو جهل وما في وجهه رائعة من الذعر. فقال: - اعط هذا حقه. قال:

نعم، فدخل فأخرج حقه وأعطاه إياه فجاء الرسول فأخبرهم، وجاء الرجل فوقف عليهم فقال: - جزاه الله خيراً فقد أخذ لي بحقي. قال فلم ينصرفوا إن جاء أبو جهل فقالوا: - ويلك ما صنعت؟! فقال: - والله ما هو إن ضرب على الباب. فقال محمد فذهب قوامي فخرجت إليه وإذا معه فحل ما رأيت مثل هامته وأنيابه لفحل قط إن كان ليأكلني لو امتنعت، فوا الله ما ملكت نفسي إن أعطيت حقه. 614 - وهذا الخبر قد دل على جواز العدوى بقول الخصم، لأنه قبل عليه السلام قوله في ذلك، ودل على أن الفحل الذي معه وما لحق أبا جهل منه معجزة له صلى الله عليه وسلم إذ مثل ذلك لا يكون إلا لنبي والشاهد له بذلك مثل أبي جهل الذي لو قدر على غير ذلك لفعل. 615 - وقد تقدم حديث عمر رضي الله عنه وإنفاذه إلى زوجة الذي قال له أنه وجد معها عبده بأبي واقد. 616 - وقد روى في ذلك أخبار (كثيرة) وهو فعل الحكام اليوم في البلاد. 617 - ورأيت في بلد الرحبة في باب الجامع مسماراً عليه ختم القاضي، فإذا أراد أحد إحضار خصمه قصد باب الجامع وطبع عليه الشمع، وحمل خصمه إلى القاضي، ولا يجسر أحد على رد الخاتم، وفيه منفعة كثيرة للضعيف وهيبة على القوي، ولا أعلم من سن ذلك من القضاة، ولا سمعت في ذلك شيئاً فأحكيه. 618 - وذكر الخصاف أنه كان على خاتم سعيد بن أشوع الهمداني قاضي الكوفة: أجب (القاضي) سعيد بن أشوع.

باب الموضع الذي يعدى عليه

619 - وإذ قد ذكرنا جواز العدوى بقوله فإلى أي موضع يعدى عليه القاضي. باب الموضع الذي يعدى عليه وهذا باب الموضع الذي يعدى القاضي على الخصوم: 620 - اتفق أصحابنا وأصحاب الشافعي على أنه يعدى على الخصم إذا كان في المصر أو خارجاً عن المصر في موضع يمكن الرجوع إليه، وأن يبيت المدعى عليه فيه في بقية يومه، فأما إذا كان خارجاً عن المصر، بعيداً لا يقدر على الرجوع في يومه إلى بيته ومنزله لم يحضره حتى يقيم البينة عليه بالحق، ويكتب إلى الوالي بإحضاره، ولا يعطيه خاتماً لأنه يصعب على من خارج المصر الشهود على رد الخاتم، وفي الحاضر لا يصعب ذلك. 621 - وقد قال أصحاب الشافعي في الغائب أنه لا يحضره حتى يحقق الحق، غير أنهم قالوا إن كان الغائب في موضع فيه حاكم كتب إليه لينظر بينهما، وإن لم يكن من ينظر بينهما يحضره حتى يحقق الدعوى كما يقول، قالوا لأنه يجوز أن يكون ما يدعيه عنده لا يستحق إحضاره كثمن الكلب وقيمة الخمر للنصارى. "لأنه يشق عليه الحضور لما لا يجب عليه، وليس هذا كالحاضر فإنه لا يشق عليه الحضور. قالوا فإذا حقق الدعوى على الغائب أحضره لأن أبا بكر رضي الله عنه كتب إلى المهاجر بن أميه أن ابعث إلي بقيس بن المكشوح وأحلفه

باب كيفية إحضار الخصم إلى القاضي

على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين يميناً أنه ما قتل داودية (كذا). لأنه لو لم يلزمه الحضور أدى ذلك إلى إبطال حقه. 622 - وإذا قد بينا الموضع يحضر منه في البلد وخارجه فلنذكر كيفية إحضار الخصم". باب كيفية إحضار الخصم إلى القاضي 623 - وينبغي للقاضي إذا أراد إحضار خصم أن يدعوه بأرفق الوجوه، وأجمل الأقوال، لأنه يدعوه إلى حكم الله ودينه. 624 - وعلى المدعى عليه الإجابة إلى ذلك، ولا يسعه التأخير. دليل القاعدة 625 - قال الله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ

باب العذر الذي يسقط الحضور

أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}. فأدب الله تعالى أحسن الآداب، وقوله أصدق القول. 626 - فكما يجب على المدعي الترفق بخصمه ليتمكن من استيفاء حقه، فكذلك يجب على المطلوب الإجابة إلى ما يدعى إليه، وأيهما تعدى ما قلناه إثم، وربما فسق إن لم يكن له عذر. 627 - وإن امتنع عليه: فإن كان لغير عذر أثم، وإن كان لعذر لم يأثم. 628 - وهذا يوجب أن نذكر العذر الذي يسقط الحضور. باب العذر الذي يسقط الحضور وهذا باب العذر الذي يسقط الحضور. 629 - اتفق الفقهاء على أن المرض الذي لا يستطيع معه الحضور بنفسه إلى الحكم يسقط الحضور عنه، لأن المرض يسقط الصيام وأركان الصلاة الواجبة والصوم، فجاز أن يسقط الحضور. 630 - ويسقط الحضور أن تكون امرأة غير برزة، لأن الحياء في النساء يمنع من استيفاء مالها من الحق. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وأغد يا أنس على امرأة هذا فإن اعترفت فأرجمها" ولم يكلفها الحضور مع اعتراف من اعترف أنه زنا بها. وكذلك قال عمر لأبي واقد الليثي في امرأة الرجل الذي زعم أنه وجد عبده معها ولم يكلفها الحضور. 631 - والجنون يسقط الحضور، وكذلك زوال العقل بالسكر والإغماء.

باب الامتناع من الحضور إلى القاضي

632 - وأما كيفية القضاء عليهم فسنذكر ذلك في باب ما يجوز القضاء على المريض والمخدرة إن شاء الله. 633 - وإذ قد ذكرنا العذر فلنذكر الامتناع. باب الامتناع من الحضور إلى القاضي وهذا باب يذكر فيه الامتناع من الحضور إلى القاضي: 634 - وإذا امتنع الخصم من الحضور مع خصمه قبل أن يدعوه القاضي إلى الحكم لم يكن للحاكم تأديبه على ذلك إذا صح عنده، وإن قلنا أنه يأثم. 635 - وأما إذا وردته طينة القاضي وخاتمه والمحضر فإن القاضي يحضره بالوالي. 636 - ويتقدم بما يراه من تأديبه إذا شهد عنده شاهدان بامتناعه، ولا يسأل عنهما بعد أن يكونا مستورين، إن شاء حبسه قليلاً وإن شاء كثيراً وإن رأى تأديبه بكشف الرأس وغير ذلك مما يكون فيه إقامة حشمة الحكم. فصل 637 - وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أربعة من الشهود لا يسأل عنهم: شاهد رد الطينة. وشاهد تعديل العلانية. وشاهد المعرفة الذي يدعو به القاضي من غير قرعة. والرجل يستعدي على الرجل يريد اشخاصه إلى المصر فيقيم عليه شاهدين بحق يدعيه قبله.

638 - وقال ابن سماعة: اسأل عن شاهدي رد الطينة والأشخاص. 639 - وإن حضر المدعي وقال: - ق توارى خصمي في منزله ولا يحضر معي الحكم. فإنه يأمر الوالي بإحضاره. 640 - فإن قال الوالي لم أظفر بالرجل وأنا أطلبه، وإذا ظفرت به أحضرته فقال المدعي للقاضي: - أختم لي على منزله فإنه فيه. لم يحبه القاضي إلى ذلك حتى يشهد عنده اثنان أنه في منزله، بعد أن يقولوا اليوم رأيناه أو أمس أو منذ ثلاثة أيام فيجيبه إلى ذلك ويختم. 641 - وإن كانت رؤية قديمة لم يختم. 642 - فإذا ختم على منزله بشهادة الشهود فحضر المدعى عليه، والخاتم على بابه، فقال المدعي أنه لا يحضر، وقد جلس في منزله فانصب له وكيلاً، واستمع من شهودي عليه، فإن أبا حنيفة ومحمد قالا: لا ينصب لا وكيلاً ولا يقضي. لأن نصب الوكيل قضاء عليه. 643 - وقال أبو يوسف: إذا صح عند القاضي أنه في منزله نادى على بابه ثلاثاً: أنه إن لم تحضر قضيت عليك. فإن لم يحضر أقام قيما وسمع من البينة. 644 - وقد روى عن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة أنه لا ينصب عنه وكيلاً.

الهجوم على الغائب والتسمير

645 - وقال الخصاف عنه أنه قال في كتاب «أدب القاضي»: «ولو حضر بكتاب إلى قاضٍ بحق على رجل فلم يحضر المطلوب، ولو يوكل فشهد بذلك الشهود فإنه يقبل كتاب القاضي والبينة وينفذ القضاء عليه. الهجوم على الغائب والتسمير 646 - وقد حكى الطحاوي في «أدب القضاء الصغير» له أن بعضهم كان يرى الهجوم على الغايب، وبعضهم لا يراه، وبعضهم يرى التسمير على الأبواب وبعضهم لا يراه. 647 - وقال بعض الحكام: أجلس رجلاً على بابه، ويمنع من الدخول والخروج من منزله، إلا من الطعام والشراب فإنه لا يمنع عنهما، ويضيق عليه حتى يخرج فيحكم عليه. ترتيب الهجوم 648 - قال الخصاف: ومن رأى الهجوم من أصحابنا على الخصم في منزله إذا تبين ذلك فيكون ذلك بالنساء والخدم والرجال فيقدم النساء في الدخول ويدخلون نساء المطلوب في بيت ثم يفتش الدار ثم يدخل البيت الذي فيه النساء خاصة، فإذا وجد أخرج. الهجوم على غفلة 649 - ولا يكون الهجوم إلا على غفلة من غير استثمار، يدخل النساء أولاً، فإذا تقدمن في المنزل من النساء دخل الرجال.

نقد مبدأ الهجوم على الغائب

نقد مبدأ الهجوم على الغائب 650 - وهذا الوجه عندي ضعيف، لأنه ربما كان الخصم وحده في البيت، فكما لا يجوز دخول الرجال على النساء، لا يجوز أيضاً دخول النساء على الرجال، وهذا أمر يتوهم، فعلة المنع حاصلة، فينبغي أن لا يجوز. 651 - وقدي روى الخصاف أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه استعمل عبد الرحمن بن محزم على الري فأخذ المال وتواري عند نعيم بن دجاجة الاسدي، فأرسل عليه رضي الله عنه من يخرجه من دار نعيم، فجاء معهم إلى علي فقال له: - إن مفارقتك لكفر وإن المقام لذل. فأمر بالكف عنه. 652 - وعن عمر رضي الله عنه أنه بلغه عن نائحة في ناحية في المدينة يجتمع عندها فأتاها فهجم عليها في منزلها ثم ضربها بالدرة حتى سقط خمارها. فقيل له: - يا أمير المؤمنين! أن خمارها قد سقط. فقال: لا حرمه لها: ذكره الخصاف أيضاً. 653 - ولا أعرف لأصحاب الشافعي في الهجم والتسمير وما ذكرناه قولاً فاحكيه، إلا ما قدمناه أن الوالي يحضره إذا امتنع، فأما هذا التفضيل فلم أره فيما حضر من كتبهم عند تأليف هذا الكتاب.

باب دعوى النساء والدعوى عليهن

654 - وإذ قد ذكرنا حكم الامتناع من الحضور فهل يستوي الرجال والنساء أم يخلفون؟ وهذا يقتضي ذكر مالهن وعليهن. باب دعوى النساء والدعوى عليهن وهذا باب يذكر فيه دعوى النساء والدعوى عليهن. 655 - أعلم أن حكم النساء حكم الرجال في الخصام والمنازعات: الحرة كالحر والأمة كالعبد لا يختلفان في الدعاوى والبينات ولا الإيمان ولا المحاكمات: ملكها كملك الرجل فيما يملك من الأموال وحدها كحده وقذفها كقذفه وقتلها كقتله، وما يفترقان فيه من الأحكام فإنما هو مستثنى من هذا الأصل. 656 - وإذا استعدى رجل على امرأة أو امرأة على امرأة إلى القاضي، وادعى عليها مالاً في يدها أو ديناً في ذمتها أو حقاً يجب القضاء به والحكم إذا وجد شرط الحكم فإن القاضي يحضرها كما يحضر الرجل إلا أن تكون غير برزه فلا يحضرها ولكنه ينفذ إليها من يسألها عن دعوى خصمها. 657 - وسنذكر كيفية القضاء عليها في باب القضاء على من له عذر يمنعه من الحضور. 658 - وأما إذا كانت مخدرة، وكان لها حق على غيرها، من قريب أو بعيد أو زوج فأرسلت إلى القاضي وسألته الدعوى على خصمها، فإنه ينفذ إليها شاهدين وبعض الوكلاء فتوكل في ذلك، ويشهد الشهود عليها، ويدعي الوكيل بما يتوجه لها من حق، فإن وجب عليها يمين فيما يقضي به للوكيل لها فإنه يرسل إليها من يسأل عن ذلك، ويستوفي اليمين إن كان اليمين يجب عليها. 659 - وسنذكر فيما بعد ما يقبل قولها فيه بلا يمين، وما يقبل مع يمينها، ونذكر الخلاف في ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.

باب دعوى العبيد والمكاتبين ومن فيه رق

660 - هذا حكم الأحرار والحراير إذا كانوا من أهل التكليف قد ذكرناه. وبقى حكم الرقيق. باب دعوى العبيد والمكاتبين ومن فيه رق 661 - والعبيد والرقيق على ضربين: منهم من يتصرف لنفسه ومنهم من يتصرف لغيره. 662 - فالمكاتب يتصرف لنفسه في سائر عقود المعاملات من البيع والشراء والشركة والمضاربات والمطالبة بالشفعة والإجارات، وهو كالحر فيما يدعي على غيره من العقود والجنايات، ويثبت بينه وبين مولاه أروش الجنايات، وقيم المتلفات والشفع والأشرية والرد بالعيب، وهو في هذه الأحكام معه كالأجنبي وهو كالعبد في النكاح والهبة والتبرعات وعتق ما في يديه من الرقيق. 663 - وسنذكر ما فيه من الخلاف في كتابه إن شاء الله. 664 - والعبد المأذون كالمكاتب إذا كان عليه دين، وكالعبد المحجور إذا لم يمكن عليه دين. 665 - والمعتق بعضه كالمكاتب عند أبي حنيفة. 666 - وإذا ادعى رجل على مكاتب دعوى في نفس أو طرف أو مال أو غصب أو اتلاف فأن القاضي يسمع الدعوى ويعدى عليه. 667 - وكذلك إذا ادعي المكاتب تسمع دعواه، وأعدى القاضي على خصمه، ونظر فيما يدعيه فحكم عليه إذا كان مثله مما يحكم به. 668 - وكذلك حكم المأذون له في التجارة.

باب دعوي الولي عن الصغير

669 - والمكاتبة كالمكاتب، والمأذونه كالمأذون، وكذلك المعتق بعضها كالمعتق بعضه. 770 - وأما العبد القن والأمة القن فهما في الدعاوي بخلاف من ذكرنا إلا في دعوى العتق والكتابة والتدبير على المولي، فإن دعوى العبد القن على مولاه تسمع، ويسأل المولي عنها، وكذلك التدبير والكتابة والاستيلاد. 671 - فأما الجنايات والعقود بغير إذن المولي لا تسمع، بل الخصم في ذلك هو المولي. 672= وإذا قد ذكرنا حكم دعوى البالغ الحر والعبد المأذون ومن ذكرناه فبقى دعوى الغير عن الغير. باب دعوي الولي عن الصغير وهذا باب دعوي الولي عن الصغير: 673 - أعلم أن الصغير لما كان غير مكلف وكان يحتاج إلي ما يحتاج البالغ من المأكول والمشروب والملبوس والتعليم، وكان عاجزاً عن ذلك غير كامل ولا مكلف رخص الشرع في التصرف في ماله لوليه كأبيه وجده إذا كانا من أهل الولاية.

صفات الولي على الصغير

صفات الولي على الصغير 674 - وإنما يكونان كذلك إذا كان عدلين أمينين، لا اختلاف بينهما في دين ولا دار ولهما ضبط وتمييز. شرط تصرف الولي عليه 675 - ولا يجوز تصرف الولي عليه حتى يكون للصبي فيه النفع، ولا يكون عليه في مضرة. 676 - ولا يبيع ما فيه غبن ماله. 677 - وليس له إسقاط حقوقه الواجبة له بغير عوض يحصل له، أو عرض يوفى على ذلك. 678 - وسنبين في المعاملات ما يجب من ذلك وأما الغرض ها هنا أنه يجوز للولي أن يدعي الحق الذي يجب للصغير على غيره من أثمان البياعات وقيم المتلفات وأروش الجنايات. 679 - وله أن يقيم البينة بذلك. 680 - ويتسلم ما قضى به للصبي من ثمن أو مهر أو أجرة أو نفقة. 681 - وهو أولى بالتصرف من الحاكم والأم وسائر الأقارب. 682 - وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "أنت ومالك لأبيك". 683 - وأول فائدة هذه الإضافة أن تفيد جواز التصرف. 684 - وله أن يستنيب في الخصومة، ويوكل في كل ما يجوز أن يتولاه بنفسه.

باب جواز دعوى الوكيل لغيره

685 - وكل تصرفه يلزم الصبي بعد بلوغه، وليس له إبطال ما أجزنا له التصرف فيه بعد البلوغ. 686 - ولما كان له التصرف بنفسه وبغيره، وجب ذكر جواز نيابة الغير. باب جواز دعوى الوكيل لغيره وهذا باب يذكر فيه جواز دعوى الوكيل لغيره. 687 - أعلم أن الوكيل إذا صحت وكالته ولزمته حجته جاز للقاضي أن يسمع دعواه، والدعوى عليه فيما يصح أن يتولاه لغيره. 688 - وهو كالولي، لأن النبي صلي الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة، وعروة البارقي في شراء أضحية، وكذلك أئمة العدل ووجوه الصحابة والتابعين، وهو عمل الناس في جميع الأمصار. 689 - وللوكيل المخاصمة فيما وكل به ما لم يخرج من الوكالة بموت

باب يذكر فيه دعوى الأمين نصب الأمناء

الموكل أو موت من وكل عليه أو عزل نفسه أو عزل من وكله أو بلوغ من وكل له من الصغار أو موتهم. 690 - وسنذكر في كتاب الوكالة ما يجوز من ذلك وما لا يجوز، ونذكر الخلاف في مسائل الخلاف في ذلك. 691 - وتصرف الوكيل موقوف على الأمر، فليس له أن يتصرف في غير ما أمر به. 692 - وقد يتصرف عن البالغ تارة وعن الصغير أخرى. 693 - ولما جاز أن يموت الوكيل والولي ويحتاج الصغير إلى من يتصرف عليه وجب ذكر ذلك، وليس ذلك إلا إلى الأمين. وهذا باب يذكر فيه دعوى الأمين نصب الأمناء 694 - ولما كان القاضي منصوباً للتصرف في مصالح المسلمين، وهو نائب عن الإمام، وكان يجب عليه حفظ ما انتهي إليه من أمر أو مال أو حفظ ضالة أو تسلم مال تركة أو وقف أو وصية، وكان لا يجوز له أن يتولي ذلك بنفسه، ولا يقوم بحفظ ما يجب عليه لكثرته، جعل الشرع له أن ينصب الأمناء على الأيتام والوقوف ومال من غاب من الناس، وبيع ما يجب بيعه وحفظ ثمنه، وكان مصوناً عن أن يدعي عليه الدعاوى في عقوده وما يأمر به جعل ذلك إلى أمينه ليخرج من هذه العهدة فلهذا قلنا يجوز للأمين أن يدعي عن غيره وأن يدعى عليه ما يجب على الغير إذا لم يمكن أن يقضى عليه.

باب دعوى الوصي

695 - ويكون الأمين كالولي والوكيل في ذلك. 696 - وهذا لا خلاف فيه أن للقاضي أن يفعله بمطلق الولاية، ويستفيده بنظر الحكم. إطلاق التصرف للأمين وتقييده 697 - وقد يجعل القاضي إلى الأمين التصرف على سبيل العموم تارة وعلى سبيل الخصوص أخرى. 698 - وهذا يقتضي ذكر ما يصير به تصرفه عاماً، وذلك إنما يكون بأن يجعله وصياً. باب دعوى الوصي وهذا باب يذكر فيه دعوى الوصي: 699 - أعلم أنه لما كان التصرف يقع على وجهين عن الغير: في حالة الحياة وفيما بعد الموت جوز له أن يوكل حالة الحياة وأن يوصي إلى غيره بعد الموت. 700 - فالوكيل لا يتصرف بعد موت الموكل فيما وكل به، والوصي لا يتصرف حال حياة الموصي فيما أسند إليه بلا خلاف في هذه الجملة. 701 - ويكون الوصي وصياً من جهة الإنسان في ماله، وفيما يتعلق به، ويكون وصياً فيما يتعلق بغيره كولده. 702 - وتثبت الوصية للوصي بالأب والجد وأن علا في حق صغار ولده، ويكون وصيا بقول القاضي له: جعلناك وصيا على مال فلان أو ورثته الصغار. 703 - وسنذكر في الوصايا ما يجوز تصرفه فيه وما لا يجوز، ونذكر الخلاف في مسائل الوصايا إن شاء الله، وإنما ذكرنا هاهنا جواز دعواه والدعوى عليه.

باب دعوى الشريك والدعوى عليه

704 - وإذ قد ذكرنا ذلك، وجب أن نذكر حكم الدعوى له ولغيره. باب دعوى الشريك والدعوى عليه وهذا باب دعوى الشريك والدعوى عليه. أنواع الشركات 705 - والشركة على ضربين: شركة عقود، وشركة أملاك. شركة الأملاك 706 - وشركة الأملاك تصح ويثبت حكمها من المكلف وغير المكلف كالميراث والوصية واروش الاتلاف، وما يدعي على الميت ويدعيه له، فالواحد ينوب فيه عن الجماعة. شركة العقود وأنواعها 707 - والشركة في العقود تنقسم إلى أربعة أقسام: منها مفاوضة. ومنها عنان. ومنها شركة أبدان. والرابع شركة وجوه. 708 - وسنذكر في كتاب الشركة حكم ذلك، والخلاف فيه. وإنما ذكرنا هاهنا دعوي الشريك على غيره بما يجب لشريكه، والدعوى عليه، وهذا مجمع على صحته إذا صحت الشركة بأن يدعي أنه اشتري له ولشريكه. 709 - وإذا قد ذكرنا جواز دعوى الشريك في الوجوه الأربعة، وكان من الشركة ما يكون من أحد الجانبين مال ومن الآخر عمل وجب ذكر ذلك.

باب دعوى المضارب

باب دعوى المضارب وهذا باب دعوى المضارب. 710 - والمضاربة إذا صحت جاز للعامل الدعوى على غير لمال المضاربة، وتكون كدعواه ودعوى رب المال إذا اجتمعا في الدعوى لذلك. 711 - وسنذكر في كتاب المضاربة ما يدعيه كل واحد على صاحبه، وعلى غيره، ونذكر الخلاف فيما فيه خلاف والوفاق فيما فيه وفاق. 712 - وإذ قد ذكرنا ذلك وجب ذكر دعوى المولي عن العبيد. باب دعوى المولى على عبده وعن عبده وهذا باب يذكر فيه جواز دعوى المولى على عبده وعن عبده. 713 - أما ما يدعيه عن عبده فهو كل حق يجب للمولي ويكون قوله فيه مقبولاً كالجناية عليه خطأ. 714 - وكل ما لا يقبل فيه قوله على العبد فالخصم فيه العبد، وهذا كالقتل العمد والردة والزنا والقذف والسرقة إذا كانت الدعوى لطلب القطع، وإن كانت لوجوب الضمان سمعت على المولى. 715 - وسنذكر في العتاق والكتابة والتدبير والاستيلاد دعوى العبد على مولاه، ودعوى المولى عليه إن شاء الله، ونذكر الخلاف في ذلك والوفاق، ونرتب ذلك كما رتبنا غيره. 716 - وإذا قد ذكرنا حكم المقضي له، وهو المدعي فلنذكر حكم المقضي عليه وهو المدعى عليه.

باب المقضي عليه

باب المقضي عليه وهذا باب نذكر فيه أحوال المدعى عليه وصفاته التي يكون عليها. أهلية المدعى عليه 717 - والدعوى لا تصح على من لا يقبل قوله لو اعترف بها وصدق المدعي، وهذا كالدعوى على الصغير والمجنون ومن ليس له تمييز. شرط الصفة 718 - ولا على من له تمييز ولكن الحق لا يلزمه وإنما يلزم غيره إذا لم يكن بينهما شيء يوجب قبول قوله عليه. 719 - فأما إذا كان كالنائب عن غيره أو يتصرف عليه بالولاية فنبين في كل كتاب ما يقبل إقراره فيه وما لا يقبل، ونذكر الخلاف في ذلك إن شاء الله ونبين كيفية القضاء عليه وله في الدعاوى، فيحتاج أن يكون عاقلاً مميزاً. 720 - وقد يجوز أن يكون حراً، ويجوز أن يكون عبداً، ويجوز أن يكون ذكراً ويجوز أن يكون أنثى، ويجوز أن يكون مأذوناً له في التجارة عاقلاً غير بالغ، ويجوز أن يكون مسلماً، ويجوز أن يكون كافراً، وهذه صفة المدعى عليه إذا أدعي عليه، وقد يكون حاضراً ويكون غائباً. باب القضاء على الحاضر في المجلس والبلد وهذا باب يذكر فيه القضاء على الحاضر في المجلس والبلد. 721 - أجمع الفقهاء على العدوى على من في البلد إذا كان صحيحاً سالماً أنه يعدي عليه ويحضره مجلس الحكم.

722 - فإذا حضر سمع من المدعي دعواه وسأله المدعى عليه من الدعوى إذا صحت، فإن أقر أمره بالخروج مما أقر به. 723 - وإن لم يقر سأل المدعي البينة. 724 - ولا يسمع البينة إلا بعد الإنكار وهذا فصل لا خلاف فيه أنه لا يسمع البينة إذا سكت، ولابد من الإنكار ليصبح سماع البينة. 725 - وهو أصلنا في القضاء على الغائب، أنه لا يقضي عليه حتى يوجد الإنكار الذي هو شرط سماع البينة. 726 - وقد قال أصحابنا: لو كان غائباً عن المصر على مسيرة أقل من نصف يوم لم يعد عليه إلا ببينة تشهد عليه أن له عليه هذه الدعوى، فيحضره له. 727 - قال الطحاوي: "وهذا قول أبي يوسف، وكان لا يسأل عن شهود العدوى"، وقد ذكرنا الرواية فيما تقدم من رواية ابن سماعة. 728 - وقال مالك أن كان غائباً على أقل من مسيرة تقصر فيه الصلاة سمع من المدعي بينه في الدين، ولم يسمع بنيته على العقار. 729 - وقال الشافعي: لم يعد عليه ببلد فيه حاكم، ويقال للخصم: أمض فخاصمه هناك. 730 - واختلف أصحاب الشافعي إذا كان في البلد هل يسمع بنيته على وجهين: أحدهما أنه يسمع ويقضي عليه كالغائب. والثاني وهو المذهب أنها لا تسمع كالحاضر في مجلس الحكم.

الدعوى على العليل ومن إليه

الدعوى على العليل ومن إليه 731 - وإذا كان المدعى عليه عليلاً لا يمكنه حضور مجلس الحكم، وصح ذلك عند القاضي قال للمدعي: - أصبر حتى يصبر خصمك إلى حال يمكنه الحضور. فإن أمكنه الحضور أحضره. 732 - فإن لم يصبر وطلب المدعي الحكم فإن القاضي يرسل إليه أميناً من أمنائه ومعه شاهدين ممن يعرف المريض، وكذلك إن كانت امرأة غير برزة فهي مثل المريض، فيذكر الأمين صفة المدعي ودعواه وأن القاضي أمره أن يسألك ذلك، فإن جحدت أحلفتك كما أمر القاضي. 733 - فإن أقر المريض أو المرأة شهد الشاهدان وأمره الأمين أن يوكل وكيلاً يحضر معه مجلس الحكم ليخاصم المدعي. 734 - فإذا وكل حضر الشاهدان وشهدا بما أقر به بمحضر من وكيله وكذلك إذا جحد يقيم خصما له أو عليه ببينة المدعي، وإن كان قد حلف أيضاً. 735 - وإذا أبى أن يخلف عرض عليه اليمين ثلاث مرات، فإذا تحقق النكول حضر وكيله فشهد بذلك الشاهدان بمحضر من الوكيل وألزم القاضي ذلك الحق. 736 - وسنذكر ما في اليمين والنكول في موضعه إن شاء الله. 737 - وللمدعي أن يصبر حتى يبرأ المريض فيحضره إلى القاضي فيستحلفه على الدعوى. 738 - وهذا حكم الدعوى على العليل والمرأة التي لم تبرز.

فصل في الترجمة

فصل في الترجمة 739 - فإن كان المدعي أو المدعى عليه أعجميا أو لا يعرف القاضي لغته، وهما أو أحدهما على هذه الصفة أو لا يعرف أحدهما الأخر فعلى القاضي أن يأمر عدلين يترجمان للمدعي وللمدعى عليه وله، ويفهم هو أيضاً ذلك. 740 - وهذا قول محمد بن الحسن (الشيباني) وزفر، والظاهر من قول الشافعي أنه يعتبر في الترجمة اثنين، ولا يقبل أقل من ذلك. 741 - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف يقبل قول الواحد العدل في الترجمة فصل في الأخرس 742 - وإن كان الرجل أخرس يفهم الإشارة أمر الحاكم عدلين إن يشيرا إليه بما يدعي عليه، فإن جحد سمعت بينة المدعي، وإن لم تكن بينة استحلفه بالإشارة على ما يفهمه، لأن الأخرس في الدعاوى والعقود كالناطق. 743 - وإنما الخلاف في شهادته ولعانه. 744 - ومن الفقهاء من قال لا يصح إقراره بالإشارة لأنها لا تقوم مقام الكلام، ذكر الخلاف الخصاف في أدبه للقضاء، وسنذكر ذلك في الشهادات إن شاء الله. فصل الدعوى على الطفل في حجر القاضي 745 - فإن كان المدعى عليه طفلاً في حجر القاضي أقام له وكيلاً يدفع عنه ويقول: لا علم لي بما يدعيه على فلان.

باب القضاء على الغائب

746 - وإن حضر طفل إلى القاضي وقال: - إن لي مالاً ولا قيم لي عليه. فإن القاضي يقيم له قيماً بما يحفظ ما يذكر أنه له. 747 - وحال الحاضر لا يخلو من هذه الأقسام كلها. 748 - وإذ قد ذكرنا ذلك فلنذكر القضاء على الغائب. باب القضاء على الغائب وهذا باب جواز القضاء على الغائب وما قيل في ذلك. 749 - قال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز القضاء على الغائب، ولا تسمع عليه بينة إلا أن يحضر أو يحضر وكيل له فيقضي عليه حينئذ، ولا فرق بين سائر الأموال والحقوق في ذلك. 750 - وروي عن أبي يوسف أنه كان يأخذ في ذلك بالأعذار فيقول: أن يغب ولم يحضر وصح ذلك عند الحاكم أنه في منزله نادى على بابه على ما ذكرناه فيما تقدم، وأقام عنه قيما وسمع من البينة. 751 - وكان مالك بن أنس يقضي على الغائب في الدين دون العقار، ودون غيره من الحقوق إلا أن يغيب غيبة منقطعة فيقضي حينئذ في الجميع. 752 - وكان الشافعي يقضي على الغائب بما يقضي به على الحاضر من البينة. وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حين ولاه اليمين: - لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر فجعل شرط القضاء عليه سماع قول الآخر. 753 - وإذا لم يجز القضاء للغائب من غير خصم فكذلك القضاء عليه، لأنه أحد الخصمين. 754 - وإذ قد ذكرنا الغائب وجب أن نذكر من غاب إلى المعاد.

باب جواز القضاء على الميت

باب جواز القضاء على الميت وهذا باب يذكر فيه جواز القضاء على الميت. 755 - والموت لا يبطل ما على الميت من حقوق الأموال، ولا يبطل ما له من ذلك، وإن بطل بعض الحقوق التي ليست بمال ولا تؤول إلى مال كخيار الشرط والنكاح وخيار الشفعة والقبول. 759 - وأجمعوا على أن حقوقه المالية تستوفي له بعد الموت على حكم ملكه، وتقضى منها ديونه وتنفذ منها وصاياه. 757 - وإن موته لا يبطل ما عليه من حق إذا خلف تركة. 758 - والحكم على الميت لا على ورثته، ولهذا يجوز الحكم بحضور بعض الورثة أو الوصي، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء نعلمه. 759 - وسنذكر في كل كتاب من المعاملات ما قيل. 760 - وإذا صحت الدعوى عليه فكيف يقضى عليه. باب كيفية القضاء على الميت وهذا باب كيفية القضاء على الميت: 761 - قال أصحابنا: ولا يثبت الحق على الميت إلا بحضور بعض الورثة أو الوصي عنه أو وصي يقيمه القاضي عنه. 762 - ولا يثبت الحق عليه بدعوى على غريم له عليه دين، ولا موصي له بشيء من ماله، ولا يكون أحد منها عنه خصماً. 763 - وإذا ثبت الحق عليه استحلف المقضي له أنه ما استوفاه ولا ابرأه ولا اعتاض عنه، ولا وجد من جهته ما يبطل حقه. 764 - وسنذكر عند الأيمان كيفية اليمين.

باب كيفية القضاء على الورثة

765 - وإن أسقط الوارث يمينه لم يسقط لأنها يمين على حق للميت. 766 - وإذ قد ذكرنا القضاء على الميت فلنذكر القضاء على وارثه. باب كيفية القضاء على الورثة وهذا باب كيفية القضاء على الورثة. 767 - قد قلنا أن القضاء على الميت يقع لا على الورثة، وأن الوارث نائب عنه في التركة، يستوفي ما وجب له، دون ما لم يجب له، فإذا أدعى رجل وله وارث سواه لزم المقر في حصته حتى يستغرق حصته عندنا. 768 - وقال الشافعي يلزمه في مقدار ما يخصه. 769 - وسنذكر ذلك في الإقرار. 769 - وإن كانت عينا أخذ حصة المقر والباقون على حقوقهم في قول الفريقين. 770 - وإن كان الورثة صغاراً أقام له القاضي وصياً فيدلي بحجة الصغار، فإذا ثبت الحق لم يسلمه إليه حتى يستحلف مع البينة. 771 - فإذا كان الورثة في بلد والغرماء والمال في آخر، فطلب الغرماء إن يسمع بينتهم ويقضي لهم بحقوقهم وينصب عنها وصياً، فإن كان البلد منقطعاً لا يصله الناس فعل ذلك، ونصب لهم وصياً. وإن كان البلد غير منقطع لم يثبت حقوقهم ولم يسمع بينة عليهم حتى يحضر بعضهم. 772 - وإن طلبوا منه أن يسمع ويكتب إلى حاكم البلد الذي فيه الورثة كتب لهم بما يصح عنده من ذلك، ثم يعمل المكتوب إليه بعد الثبوت بما كان يعمله من القضاء واليمين، ويسمع من الورثة مالهم من حجة ثم يكتب إلى الأول يعرفه ما فعل ليستوفي لهم ما لهم من التركة وما عليهم من الإيمان. 773 - وقال الشافعي: يثبت الحق عليهم، وهي مسألة القضاء على الغائب، ويثبت الحكم دون نقل الشهادة.

774 - وإذا قال الغريم: إن مال الميت قد تفرقه الورثة وأتلفوه فاحجر عليه حتى أقيم بينه بحقي، لم يجبه إلى ذلك حتى يثبت حقه. 775 - وقد قال بعض أصحابنا: إن رأي القاضي ذلك على سبيل الاحتياط اياما فعل ذلك، فإن لم يثبت له شيء وإلا أطلق يد الوارث. هذا إن كان الوارث غير مأمون، وإن كان مأموناً لم يفعل ذلك. وكذلك أن أدعي رجل وصية واستحسن القاضي ذلك فعله. وهذا على حسب اجتهاد القاضي وما يقع في قلبه. 776 - وإن كان بعض الورثة صغيراً حاضراً وبعضهم غائباً، نصب عن الصغير وصياً، فإذا قضى عليه كان القضاء على الصغير والكبير الغائب. 777 - وهذا قولهم جميعاً. 778 - ولو كان للميت ولدان كبيران أحدهما غائب والآخر حاضر، فقال الحاضر: لأبي على فلان ألف درهم، ولي مثل ذلك على أبي. قال يسمع بينة الأب على الأجنبي، ولا يسمع بينه الوارث إلا على الوارث أو الوصي. 779 - وقال الشافعي: يسمع أيضاً بينه الوارث. وهو فرع لمسئلة القضاء على الغائب. 780 - وإقرار الوصي بعين من التركة أو دين لا يقبل، وإن كان وارثاً قبل في حصته. 781 - وإذا ترك الرجل الميت ألف درهم وعليه دين، وترك أبناً، فقال الابن: - هذه وديعة كانت عند أبي لفلان، وصدقه فلان وغريم الميت أو كذبوه أو قال الغريم لا أدري لمن هي، أو قال الابن: لا أدري لمن هي، ولكن ليست

باب القضاء على من هرب من الخصم

لأبي، فإنها للغرماء دون مدعي الوديعة، ولا يصدق الغرماء في كونها وديعة لأنهم يجعلون الميت مرتهناً في قبره. 782 - ولا يمين على الوارث للمدعي لأن إقراره لا يقبل. 783 - فإن قال الغرماء: إنا نعلم أنها لهذا المدعي فإن القاضي يقضيهم الألف، ويرجع المدعي للوديعة عليهم فيأخذ الألف منهم بإقرارهم أنها له. 784 - وإذا قد ذكرنا القضاء على الميت ومن ذكرناه، وجب ذكر القضاء على من هرب من الخصم. باب القضاء على من هرب من الخصم وهذا باب يذكر فيه القضاء على من هرب وتغيب. 785 - وإذا هرب الخصم من الحكم فلا يخلو: أما أن يكون قبل سماع الدعوى والبينة. أو بعد سماع الدعوى والبينة. أو بعد سماع الدعوى قبل سماع البينة. 786 - فإن هرب قبل ذلك كله فهو كالغائب عن القاضي على اختلاف المذاهب: فمن يقضي على الغائب يقضي عليه. ومن لا يقضي على الغائب لا يقضي عليه. 787 - وإن كان بعد سماع البينة لا يؤثر هربه في الحكم، وكان للقاضي أن يقضي عليه وينفذ الحكم الذي يوجبه عليه إذا كانت البينة معدلة. 788 - وإن كان مما يجب على المدعي اليمين مع البينة استحلف المدعي لأنه يستحلف وإن لم يطلب ذلك الخصم في مواضع منها الرد بالعيب والشفعة والدين على الميت. 789 - وسنبين ذلك فيما بعد إن شاء الله.

790 - وقد ذكرنا ما قال أبو يوسف في النداء على بابه ثلاثاً، ثم نصب الخصم عنه، ثم القضاء عليه، وذكرنا قوله فيما تقدم من هذا الكتاب، وبينا كيفية الطلب والإحضار والهجم على البيوت، وختم الأبواب، وما في ذلك من خلاف. 791 - وليس في هرب الخصم اعتراف منه بالدعوى، ولا تصديق للمدعي فيه إدعاء، وقد يجوز أن يكون عاجزاً عن الجواب فيلزمه ما لا يتوجه عليه. فالقاضي يفعل في ذلك ما يؤدي إليه اجتهاده ورأيه في الحكم عليه، والامتناع من الحكم عليه. 793 - وإذ قد ذكرنا صفة المقضي عليه وأحواله، فلتذكر ما يقع القضاء به من الأمور.

باب ما يقع القضاء به

باب ما يقع القضاء به 793 - وأما الكلام فيما يقع القضاء به من الأمور كالبينة والعلم والإقرار والإيمان فيشتمل على أبواب: منها الكلام في الشهود. باب الشهادة 794 - أعلم أن الشهادة على الحق للمدعي أحد طرق الحاكم إلى الحكم والقضاء. 795 - وهي أكد الحجج والطرق، لأنه لا خلاف في وجوب العمل بها في الحدود والقصاص والأموال والفروج. 796 - واختلفوا في علم القاضي هل يقضي به أم لا، على ما نبينه في بابه وموضعه. 797 - فالشهود حجة لله تعالي ولرسوله وللمؤمنين بعضهم على بعض. 798 - وهي رتبة شريفة ومنزلة جليلة قال الله تعالى:

{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وقال: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} 799 - فالله تعالي شهيد على رسله بما أوحي إليهم، وبما فعلوه في أداء الرسالة، والرسول شهيد على الصحابة وأتباعه بما أدي إليهم من الشرع وبين لهم من الدين وافترض عليهم من الأحكام. والجيل الأول شهود على الجيل الثاني وكل أمة عن من بعدهم. 800 - وقد جمع الله تعالى بين العلماء في الآية الأولى وبين الأنبياء لمشاركة العلماء للأنبياء عليهم السلام في العلم، وأفردت الأمة في الآية الثانية بالثناء والمدح، وجعلهم في الآية الثالثة شهداء على الناس، وأشهد الرسول عليه السلام. 801 - فالشهود لهم مراتب يتفاضلون فيها كما يتفاضل الرسل في المنازل مع تساويهم في الرسالة، فكذلك الشهود. 802 - وقد أمر الله تعالى بالشهادة وبين لنا صفة الشهود بعد أن بين لنا العدد.

اختيار القاضي شهوده

803 - وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "البينة على من أدعي واليمين على المدعى عليه". وقال: "إذا رأيت مثل الشمس فأشهد وإلا فدع". وقال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 804 - فالشهود أمناء الله والرسول والأمة فينبغي لمن ميزه الله تعالى على خلقه بقبول القول على غيره ونفوذ شهادته عليه أن يعرف الله تعالى وما شرفه به وميزه ورفع من قدره وعظمه، فيسوي بين ظاهره وباطنه وسره وعلانيته. اختيار القاضي شهوده 805 - وعلى القاضي أن يختار من الشهود كل معروف السريرة طاهر السيرة ميمون النقيبة طاهر الأخلاق. وسنبين في (باب) ذكر العدالة ما يجب من ذلك ويشترط. 806 - فيوفي كل شاهد حقه من الإكرام وموضعه من الدين، ويزيد في منزلة من ظاهره أجمل وباطنه أسلم، ليقتدي به في الطريقة بقية الشهود ويسلكوا سبيله في التجريح والتحفظ والتيقظ. 807 - وهذا باب طويل وفيه علم كثير يتشعب إلى شعب كثيرة وأمور جمة، وهذا كلام في الجملة دون التفصيل.

باب الكلام في عدد الشهود

808 - وإذ قد ذكرنا حكم الجملة فلنذكر بالتفصيل. باب الكلام في عدد الشهود وهذا باب الكلام في عدد الشهود. 809 - أعلم أن الشرع ورد باعتبار العدد في الشهادة، وخالف في مواضع قبول الشهادة. عدد الشهود في الزنا والقذف 810 - فأعتبر في الزنا أربعة لا امرأة فيهم ولا عبد ولا صبي ولا مجنون ولا متهم. 811 - وأجمع الفقهاء على قبول الشهادة في ذلك من العرب والعجم وسائر أصناف الناس إذا كانوا عدولاً، وسنبين صفة العدل في بابه. 812 - وليس من شرط الشهادة أن يكون قرشياً أو عربياً أو عالماً بالأحكام أو يحفظ القرآن أو الآثار والسيرة (النبوية). 813 - وكل رجل يجوز قبول قوله في الحدود يجوز قبول قوله في غير الحدود. 814 - وكل عدد تثبت به الحدود يجوز أن يثبت به غير الحدود. 815 - ويجوز أن يثبت غير الحدود بما لا يثبت به الحد. عدد الشهود في القصاص 816 - والأربعة تعتبر في حد الزنا والقذف ليسقط الحد عن القاذف. 817 - ويقبل في القصاص شهادة رجلين. عدد الشهود في الديات 818 - وفي الديات شهادة رجل وامرأتين، وكذلك النكاح وسائر العقود عندنا.

شهادة الواحد

819 - فأكمل الشهادات أربعة رجال وبعدها رجلان وبعدها رجل وامرأتان. شهادة الواحد 820 - وشهادة الواحد مقبولة، ولها باب يجيء والنساء لهن باب. 821 - وإذ قد ذكرنا العدد في الشهادة فقد بقي أن نصف العدد بصفة. باب الكلام في صفة الشهود وهذا باب الكلام في صفة الشهود. 822 - أعلم أن أسم الشاهد يقع على المحق والمبطل، فيقال شاهد عدل وشاهد جور. 823 - وإذا قلت: شاهد، اشتمل على مشهود به، ومشهود له، ومشهود عليه، ومشهود عنده. 824 - فالمشهود به: الحق المقضي به. 825 - والمشهود له: المدعي. 826 - والمشهود عليه: المدعى عليه. 827 - والمشهود عنده: الحاكم. وقد تقدم ذكر ذلك إلا المقضي به. شروط الشاهد 830 - ولا يكون شاهدا في الشرع مقبول القول في الحقوق حتى يجتمع فيه شرائط: منها أن يكون بالغاً، ومنها أن يكون عاقلاً، ومنها أن يكون حراً، ومنها أن يكون مسلماً، ومنها أن يكون عدلاً، ومنها أن يكون عالماً بما يشهد به من الحقوق أو في حكم العالم بذلك.

شرط البلوغ

شرط البلوغ شهادة الصبيان في الجراح 831 - أما اعتبار البلوغ في الشاهد فمجمع عليه في سائر الحقوق المحكوم بها، وهذا قولنا وقول الشافعي أن الصبي لا يقبل قوله في الشهادة على غيره. وقال مالك تقبل شهادة الصبيان في الجراح قبل أن يفترقوا. نقد قول مالك 832 - ولو قبل قولهم (في الجراح) قبل في غير الجراح. وقد ذكرنا الخبر القاضي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم". شرط العقل 833 - وأما اعتبار العقل فمجمع عليه، وقد قال عليه السلام "والمجنون حتى يفيق" وكان المعنى فيه أنه غير مكلف فلم يتوجه عليه فرض إقامة الشهادة. شرط الحرية 834 - وأما اعتبار الحرية في الشهادة فهو قولنا وقول الشافعي، وهو المروي عن ابن عباس وشريح ومجاهد ومكحول وعطاء وعامر واياس بن معاوية والحسن (البصري) ورواه عمرو بن شعيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 835 - وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يجيز شهادة العبيد، وهو قول مالك بن أنس وأحمد. 836 - وعن إبراهيم أنه قال: تجوز شهادة العبيد في الشيء الطفيف.

إعادة الشهادات بعد العتق

إعادة الشهادات بعد العتق 837 - قال أصحابنا: وإن شهد وهو عبد فرد الحاكم شهادته لعلة الرق ثم أعتق فأعاد الشهادة جازت وحكم بها الحاكم لأنه لم يردها للتهمة. 838 - وهو قول الشافعي أيضاً. قبول خبر العبد في الشرعيات 839 - وأجمعوا على قبول خبره في الشرعيات. شرط الإسلام 840 - وأما اعتبار الإسلام في الشاهد، فهو قولنا وقول عامة الفقهاء إذا كان المشهود عليه مسلماً، إلا شيء سمعناه عن الحنابلة أنهم أجازوا شهادة الذمي على المسلم في الوصية لظاهر الآية. 841 - وقد روي عن مجاهد وعبيدة السلماني وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي " أو آخران من غيركم من المشركين". وهو قول ابن عباس: 842 - فأما شهادة الكفار بعضهم على بعض فهي جائزة: اختلفت مللهم أو اتفقت، لأن الكفر عند أصحابنا ملة واحدة. 843 - وقد روي عن عمرو بن ميمون أنه أجاز شهادة مجوسي علي نصراني أو يهودي، وهو قول ابن سيرين ونافع وإبراهيم ووكيع وحماد والضحاك.

844 - وقال قتادة: لا تجوز شهادة النصراني على اليهودي، ولا اليهودي على النصراني. 845 - وقال إبراهيم (النخعي): لا يتوارث أهل ملتين، ولا تجوز شهادة بعضهم على بعض. 846 - وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: "لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا المسلمين وهو قول عطاء بن أبي ربح والشافعي". 847 - قال أصحابنا: ولو شهد الذمي على مثله فأسلم المشهود عليه قبل الحكم والقضاء أبطلت الشهادة، وإن كان بعد الحكم لم تبطل، كما لو فسق الشهود. 848 - وهذا في سائل الحقوق كلها أنها لا تبطل، إلا الحدود والقتل العمد والقصاص في النفس وفيما دون النفس فأنى ادرأ ذلك، وادرأ عنه القطع في السرقة وأضمنه المال. 849 - وقال أبو يوسف: ادرأ عنه القصاص في النفس وفيما دونها، وأضمنه دية ذلك، ولا يرجع المشهود عليه بذلك على الشاهدين. 850 - ولو أسلم الشاهدان بعد إسلامه وقد قضى القاضي بذلك في الحدود والقصاص فجدد الشهادة عليه أمضيت القصاص وأنفذته ويدرأ عنه الحدود. 851 - وقال الخصاف: "والقياس عندي أن أمضيه عليه وأن أسلم لأنهما صارا إلى حالة يجوز شهادتهما عليه". 852 - ولو كان الشاهدان أسلما أولاً، ثم أسلم بعد ذلك المشهود عليه فجددا الشهادة ولم يكن الحاكم أبطلها أمضيت الشهادة والحكم. 853 - وقد قال أصحابنا: إذا شهدا على ذمي في حال الكفر فرد الحاكم

في اعتبار العدالة

شهادتهما لأجل التهمة، ثم أسلما بعد ذلك فأعادا الشهادة به لم تقبل، لأنه ردهما للتهمة. 854 - ولو كانت شهادة على مسلم فأبطلها لأجل الكفر ثم أسلما فشهدا بها، فهو جائز ويحكم بها عندنا وعند الشافعي، ولا أعلم في ذلك خلافاً. 855 - ولا فرق بين أن يشهد وهو كافر أو لا يشهد إلا بعد الإسلام. 856 - وكذلك قد أصحابنا في العبد إذا عتق والصبي إذا بلغ مثل ذلك، لأن الرد لم يكن لأجل التهمة. 857 - وسنذكر في باب ما ترد به الشهادة سائر ما ترد به الشهادة إن شاء الله. في اعتبار العدالة 858 - فأما اعتبار العدالة في الشاهد فمجتمع عليه عند الفقهاء في الحكم بها وفي قبول خبر الراوي والعمل به في الشرعيات، فيحتاج أن يعلم ما العدل؟ وما الشرائط المعتبرة في الرجل ليكون عدلاً؟ تعريف العدل 859 - فالعدل في الأصل مصدر، وهو مقابل للجور، وحقيقته التسوية بين الأمرين أو الخصمين وترك الميل إلى أحدهما.

العدل في عرف أهل الشرع

860 - ولهذا قال الله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} 861 - والعدل هو كل فعل تعدى الفاعل، وسواء كان ضرراً بالغير أو نفعاً له، يقال حكم الحاكم بالعدل بين الخصمين، وإن كان قد نفع أحدهما وأضر بالآخر. 862 - وقد تعورف استعماله في فاعل العدل، يقال ملك عدل وعادل، فعدل ضد الجور وعادل ضد الجائر، وهو يوضع موضع المدح للشخص، ولهذا لا يوصف من عدل بين اثنين في الظلم، وقسمة اللصوص لما أخذوا أنه عدل ولا عادل إلا بتفسير وتقييد، وكذلك إذا استووا في القسمة لا يقال عدول. العدل في عرف أهل الشرع 863 - والعدل في عرف أهل الشرع كل مقبول الشهادة على غيره عند السلطان والحاكم. شرائط العدل 864 - ويدخل فيها شرائط كبيرة منها أن يجتنب الكبائر وما يستخف بفعله من الأمور ويذهب بالمروءة عند العموم، لأن مرتكب ذلك فاسق بإجماع المسلمين. 865 - والفاسق غير معمول بقوله، وقد دل القرآن على التثبيت في خبره. تعريف الفسق 866 - والفسق هو الخروج عن الشيء في اللغة. وقد جاء في الشرع مطلقاً لمن فعل الكبائر أنه خارج عن أمر مولاه.

الفسق من طريق الاعتقادات

867 - وقد قال تعالى في حق إبليس: "ففسق عن أمر ربه" يعني خرج. 868 - وقد اختلف في شهادة الكافر على ما ذكرناه، ولم يختلف في شهادة الفاسق. 869 - وسنذكر في بابه ما فيه من العلم إن شاء الله عند البلوغ إليه. 870 - ومنها أن يكون عادلاً في جميع ما يجب العدل فيه على الدوام، لأنه لا يصح أن يكون عدلاً غير العادل. 871 - ومنها أن لا يكون كاذباً لأن الكذب معصية توجب اتهامه في خبرة فلا يحصل الظن بمخبره فلا يكون عدلاً. 872 - وقد ذكرنا البلوغ والعقل لأن به يجتنب المعاصي ويسارع إلى الطاعات. الفسق من طريق الاعتقادات 873 - واختلف في الفسق من طريق الاعتقادات هل يمنع قبول الشهادة والخبر أم لا. فمنهم من قال يمنع وإن كان متحرجاً في أفعاله، نافرًا من الذب. وذهب جل الفقهاء من أصحابنا وغيرهم إلى قبول خبره وشهادته. 874 - واتفقوا على أن فسقه من طريق الجرح، وأنه يمنع كالزنا والسرقة.

اعتبار العلم بما يشهد به

875 - وقد قبل الفقهاء رواية الصدر الأول بعد وقوع الفرقة بينهم واختلاف الكلمة وقتل بعضهم لبعض بالتأويل. وقبل التابعون جميعًا رواية الفريقين جميعًا للأحكام. ولولا ذلك لما عرفنا ما جرى بصفين والجمل والدار وأخبار الدولتين. 876 - والعدالة شرط في قبول الخبر فكذلك الشهادة. 877 - وسنذكر في باب الشهادة وما يليها جميع المسائل المتعلقة بهذا الشأن إن شاء الله. اعتبار العلم بما يشهد به 878 - وأما اعتبار العلم بما يشهد به الشاهد فمجمع عليه، وبه ورد القرآن والسنة. 879 - ولا يحل له الشهادة بغير ما يعلم، ولا مع الشك فيما شهد به، ولا مع جهالة المشهود له. 880 - وقد قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- في الشاهد إذا عرف خطه في الكتاب ولم يتذكر الشهادة أنه لا يجوز له أن يشهد بذلك. 881 - وإذا شهد فعلم الحاكم لم ينفذ الحكم. 882 - وقد قال أبو يوسف ومحمد: له أن يشهد إذا عرف الخط، وكذلك قال أبو حنيفة إذا عرف المجلس ولم يذكر الشهادة. 883 - وقد روى عن الحسن (البصري) وأخيه سعيد أنهما شهدا على شهادة ثم دعيا إلى إقامتها فنسيها الحسن وذكرها سعيد، فقال سعيد المحسن: أشهد أنا قد شهدنا عليهما أنا وأنت. قال: كذلك؟ قال: نعم. فذهب الحسن فشهد معه. 884 - وإذ قد ذكرنا الكلام في صفة الشهود فلنذكر مواضع الشهادة.

باب الموضع الذي يعتبر فيه قول الرجالة خاصة

باب الموضع الذي يعتبر فيه قول الرجالة خاصة 885 - أما الحدود والقصاص في النفس والطرف والقطع في السرقة وحد القذف وقاطع الطريق فإنه لا يثبت إلا بشهادة الرجال العدول خاصة. 886 - ولا يحكم بشهادة الشهود في ذلك إلا بعد المسألة عن عدالتهم. 887 - وقد ذكرنا في باب ما يعتبر في جواز الشهادة وطريق حصولها ما يعتبر في التزكية ليكون الرجل عدلاً. 888 - وهذه الجملة لا خلاف فيها أنها لا تثبت بشهادة النساء ولا بشهادة الرجال والنساء. 889 - وإذا شهد الرجال والنساء بذلك في القتل الخطأ ثبت المال والدية والضمان في السرقة دون القصاص والقطع. 890 - ولا يقبل في القتل العمد والقطع العمد شهادة النساء مع الرجال، وهو قل الشافعي في القتل العمد لا يختلف. 891 - وفي السرقة يثبت المال دون القطع. وكل ما عدا ما ذكرناه فإنه يثبت عندنا بشهادة الرجال والنساء كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق على مال، وسائر ما يثبت عند الحاكم بالرجلين في غير الحدود والقصاص. 892 - وقال الشافعي لا ينعقد النكاح ولا يثبت ولا الرجعة ولا الطلاق ولا الوكالة ولا الوصية ولا الصلح من دم العمد ولا الكتابة ولا كل ما ليس بمال ولا يؤول إلى مال إلا بالرجال خاصة إلا الرضاع. 893 - وكان ينبغي له أن لا يثبت الموت والإسلام بشهادة الرجال والنساء، فإن قالوا ذلك سمع قولهم وادي ذلك إلى أن لا يصلى على مسلم ويرثه الكافر، ويدفن في مقابر الكفار. 894 - والأمر عندنا بخلاف ذلك.

باب شهادة النساء خاصة

باب شهادة النساء خاصة وهذا باب ما تقبل به شهادة النساء خاصة. قال أصحابنا: 895 - شهادة النساء مقبولة في عيوب النساء، وما لا يطلع عليه الرجال كالنظر إلى فرج المرأة والشهادة أنها بكر أو ثيب. 896 - ولا تقبل شهادة الرجال بذلك، كما لا تقبل شهادة النساء إذا شهدن أنه خصي أو فحل. 897 - وقبل أبو حنيفة شهادة القابلة وحدها إذا كان هناك حمل ظاهر أو إقرار من الرجل بالحمل، أو كان النكاح باقيًا. 898 - ومتى خلت الشهادة من واحدة من هذه الوجوه لم يقبلها. 899 - وقبلها أبو يوسف ومحمد. 900 - وعند الشافعي "لا يقبل أقل من أربع نسوة في هذه المواضع، وقبل الشافعي" شهادة النساء وحدهن في الرضاع. 901 - ولم يقبل ذلك أصحابنا حتى يكون معهن رجل فيقبل ذلك. 902 - وسنذكر في كل كتاب مسائله. 903 - وقد قبل الجميع قول النساء في الحيض والنفاس والذبيحة وأخبار الشرع الواردة في الأحكام فيما يسقط بالشهادة وما لا يسقط. 904 - وقد ذكرنا ما يجوز أن يتصرف فيه النساء من حقهن وحق غيرهن فيما مضى. 905 - وإذ قد ذكرنا ما يقبل قولهن فيه، فهذا ما يقبل فيه قول النساء والرجال. باب ما يقبل من قول النساء 906 - اتفق الفقهاء على قبول شهادتهن في البيع والإجارة والرهن والمضاربة

باب ما يقبل فيه قول العبيد

والغصب وسائر ما يجب به المال، إذا كان معهن رجل، ولا تقبل شهادتهن إذا انفردن وإن كثرن في العدد. 907 - وعندنا تقبل على كتاب القاضي إلى القاضي وفي الأحصان والرجعة والطلاق والعتاق والنسب والولاء وسائر ما عدى الحدود والقصاص. 908 - وكل موضع قبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي تقبل فيه شهادة الرجال والنساء. 909 - وإن شئت قلت: كل موضع تقبل فيه الشهادة على الشهادة يقبل فيه قول الرجال والنساء. 910 - وقبل الشافعي الشهادة على الشهادة في النكاح والرجعة والكتاب الوارد من القاضي إلى القاضي، ولم يقبل فيه شهادة الرجال والنساء. 911 - وارتكب بعض أصحابه قبول كتاب القاضي، والشهادة على الشهادة في الحدود والقصاص، ولم يقبل في ذلك شهادة النساء وإن كن قد أقامهن الشرع مقام الرجل في الأموال فاعتبر مذهبنا على أحد الوجهين الذين قد بينا. 912 - فأما تفريغ الشافعي فمختلف، يقبل في الطلاق إذا ادعى شهادة الرجال والنساء ولا يقبل في جانب الزوجة إذا ادعى الزوج النكاح، وفي البيع يقبل في الموضعين، وفي الرد بالعيب وفي الطلاق على مال يثبت المال ولا يثبت الطلاق الذي يستحق به المال (فتفريعه) على أصوله يحتاج إلى عدد المسائل وحفظها. 913 - وسنذكر في كل كتاب ما خالف فيه إن شاء الله. 914 - وإذ قد ذكرنا قول الرجال والنساء فلنذكر قبول قول العبيد. باب ما يقبل فيه قول العبيد وهذا باب ما يقبل فيه قول العبيد.

915 - اتفق أصحابنا أن قول العبيد يقبل في هلال رمضان، ودخول وقت الصلاة، وكون الشاة ذكية أو ميتة، ونجاسة الماء، والأذن في دخول الدار بقوله، وقبول الهدية على يده، ووجوب العمل بما رواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والأئمة من أحكام الشرع، وقبول فتواه في الشرعيات، وقبول قوله في التزكية، وقبول إمامته في الصلاة كالأحرار. 916 - وأجاز أبو حنيفة أمانة إذا أذن له مولاه. 917 - وقال الشافعي يجوز بغير إذن مولاه، وهو قول أبي يوسف ومحمد. 918 - وأجاز الجميع طلاقه بغير إذن مولاه، وأنه في (الحنث) كالحر في الإيمان والظهر والقتل والسرقة والإقرار بما يجب به إتلاف نفسه أو عضو منه، وامتنعوا من قبول شهادته في الأموال. 919 - وقد ذكرنا فيما تقدم أن عليًا -رضي الله عنه- قبل شهادة العبد، وهو قول مالك بن أنس وإبراهيم قبلها في الشيء الطفيف. 920 - واتفقوا على أنه والحر سواء في الصلوات والصيام. 921 - واختلفوا في نكاحه بغير إذن مولاه: فأجازه مالك، ولم يجزه أصحابنا والشافعي. 922 - وأنه في الكفارة بغير المال مثل الحر العاجز عن المال. 923 - واختار أصحابنا إجباره على النكاح ولم يجزه الشافعي وإن كان مكلفاً. 924 - وفي الصغير اختلف أصحابه. 925 - واختلف في قتل الحر به فعندنا هما سواء. 926 - وعند الشافعي لا يقتل به الحر. 927 - وسيجيء في كل كتاب ما فيه من المسائل إن شاء الله. 928 - وإذ قد ذكرنا ذلك فلنذكر من ظاهره العدالة:

باب من ظاهره العدالة

باب من ظاهره العدالة وهذا باب ما يقبل فيه قول من ظاهره العدالة. 929 - قال أبو حنيفة: ويقبل قول من ظاهرة العدالة في الشهادة في سائر الحقوق المالية أو ما يجرى مجراها إلا أن يطعن فيه الخصم، فيسأل عنه سراً ويزكا في العلانية. 930 - وقال أبو يوسف ومحمد: يقبل قوله حتى يشك فيه، كما في الحدود. 931 - وهو قول الشافعي. 932 - واتفق الفريقان على أنه ينعقد بحضوره النكاح، ويكفي في ذلك عدالة الظاهر. 933 - ومن أصحابنا من قال لا ينعقد، وخبره مقبول في الشرعيات. 934 - وسائر ما يقبل فيه قول العبد يقبل قوله فيه. 935 - وهو كالعبد عند الجميع في الوصية. وولاية النكاح. 936 - وإذا حكمه رجلان جاز أن يحكم بينهما. 937 - وفي جواز الصلوة خلفه وقبول فتواه والرجوع إلى تعريفه في الشهادة وخبرة في العزل والولاية ورؤية الهلال وأحكام آخر تمر في الكتاب في مواضعها. وإذ قد ذكرنا قول العدل وقول من ظاهره العدالة (فلنذكر ما يقبل قول الفاسق فيه). باب ما يقبل قول الفاسق فيه 938 - ويقبل قول الفاسق على نفسه في سائر العقود والحقوق والحدود، وينعقد البيع له ولغيره بقوله، وكذلك سائر العقود.

شهادة الفاسق على النكاح

939 - وقال الشافعي: إن كان العقد في حق نفسه صح بقوله، وإن كان في حق غيره لم يقبل في النكاح وقبل في سائر العقود إذا كان وكيلاً. شهادة الفاسق على النكاح 940 - وعندنا ينعقد النكاح بشهادة الفاسق وعند الشافعي لا ينعقد. إمامة الفاسق في الصلاة 941 - ويصح إمامة الفاسق في الجمعة وغيرها عندنا وعند الشافعي. 942 - وقال مالك لا يصح أن يؤم الفاسق العدل في الصلوة. 943 - ولا يقبل قوله في الشهادة على الحقوق لا أنا حكمنا بكذبه وإنما رددنا شهادته لأنه لم يوجد شرط قبول شهادته، لأنه تعالى قال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وقال: {فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ}. 944 - وقد قبل أصحابنا قوله في رد الطينة، وامتناع الخصوم من الحضور وعملوا على قوله في قبول الهدية، وقبلوا قوله في نجاسة الماء وطهارة الثوب وكون الشاة ذكية أوميتة والأذن في دخول الدار وقال الجميع لو شهد عند الحاكم فرد شهادته ثم تاب وأصلح وأدى الشهادة أنه تقبل كما يقبل قول الصبي وفرقوا بينه وبين الكافر والعبد، أنها تقبل إذا أعادها. 945 - وقالوا يجوز أن يكون وصيًا ووكيلاً. 946 - وأجاز الجميع أمانة لأهل الحرب وأنه في ذلك كالعدل.

باب الشاهد واليمين

947 - واتفقوا على أنه لو تحمل شهادة وهو فاسق وأداها وهو عدل أنها تقبل ويحكم بها. 948 - وأنه في الحدود والعقود مثل العدل. 949 - وسنذكر في باب الحجر ما يؤثر فيه النسق ولا يؤثر لأنه أشبه موضع بذكره. 950 - وإذ قد ذكرنا حكم الشهود، إذا كملت صفاتهم وعددهم فلنذكر صفاتهم وحكمهم إذا نقصوا. باب الشاهد واليمين وهذا باب ذكر الشاهد واليمين وما يقضي به فيه. 951 - اتفق أصحابنا جميعاً على أنه لا يقضي بشاهد ويمين الطالب في شيء من الحقوق كائنًا ما كان ذلك الحق. 952 - وهو قول الشعبي وإبراهيم (النخعي) والزهري. 953 - وقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك، رواه الجماعة وتلقته الأمة بالقبول. وقال الشافعي يقبل الشاهد ويمين الطالب.

954 - وقال البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ولو كان الحكم يجوز بشاهد ويمين لما قصر الله تعالى الشهادة على رجلين أو رجل وامرأتين. ألا ترى أنه لما جاز بقول اثنين لم يحتج إلى بيان ما زاد على ذلك. 955 - وقد طعن أصحاب الحديث في حديث الشاهد واليمين فحملوه على كل طريق ممكن. 956 - والأصل أن مال الغير لا يجوز أن يقبل فيه قول غيره، ويسلم إلى المدعى إلا في موضع اتفق الناس عليه، ولم يتفق على الشاهد الواحد واليمين فإن اليمين قول المدعى فلا يقضى له.

957 - قال الشافعي: والبينة بينتان بينة كاملة عدد الشهود لا يحلف معها وبينة ناقصة العدد في المال يحلف مقيمها معها. 958 - قال: وكل ما كان من مال تحول من مالك إلى مالك غيره حتى يصير فيه مثله أو مثل معناه قضى فيه باليمين مع الشاهد، وكذلك كل ما وجب مال من قتل أو جرح لا قصاص فيه، أو إقرار أو غير ذلك مما يوجب المال. 959 - قال: ولو أتى قوم بشاهد أن لأبيهم على فلان حقًا أو أن فلاناً قد أوصى لهم، فمن حلف منهم مع شاهده استحق موروثه أو وصيته دون من لم يحلف. 960 - فإن كان فيهم معتوه وقف حقه حتى يعقل فيحلف أو يموت فيقوم وارثه مقامه فيحلف ويستحق. 961 - ولا يستحق أخ بيمين أخيه. 962 - وليس الغريم والموصى له في معنى الوارث في شيء. 963 - ولو أقام شاهداً أنه سرق له متاعاً من حرز يساوي ما تقطع فيه اليد حلف مع شاهده واستحق المال، ولا تقطع اليد لأن الحد ليس بمال. كرجل قال امرأتي طالق وعبدي حر إن كنت غصبت فلاناً هذا العبد فشهد له عليه بغضبه شاهد واحد، فيحلف ويستحق الغصب ولا يثبت عليه الطلاق ولا العتاق لأنه ليس حكم الحد حكم المال. 964 - قال: ولو أقام شاهداً على جارية أنها له، وابنها ولد منه حلف وقضى له بالجارية وكانت أم ولده بإقراره، لأن أم الولد مملوكة ولا يقضي له بالدين لأنه لا يملكه على أنه ابنه.

965 - قال المزني: وقد قال في موضع آخر يأخذها وولدها ويكون ابنه. قال المزني وهذا ابنه بقوله الذي لم يختلف وهو قوله لو أقام شاهداً على عبد في يدي آخر سرقة أنه كان عبداً ثم غصبه هذا بعد العتق إنه يحلف ويأخذه ويكون مولاه على أن يسترقه كما لا يأخذ ابنه على أنه يسترقه، فإذا اجتزه في المولى لزمه في الابن. 966 - قال ولو أقام شاهداً أن أباه تصدق بهذه الدار عليه صدقة محرمة موقوفة، وعلى أخوين له، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم أو على المساكين فمن حلف منهم ثبت حقه وصار ما بقي ميراثاً. وإن حلفوا معاً خرجت الدار من مال صاحبها وصارت إلى من جعلت له حياته ومضى الحكم لهم فيها. وإن جاء بعدهم ممن وقفت عليه إذا ماتوا فقام مقام الوارث وإن لم يحلف إلا واحد فنصيبه منها وهو الثلث صدقة على ما شهد به شاهده ثم نصيبه على من تصدق به أبوه عليه بعده وبعد أخويه. 967 - واعترض المزني على الشافعي وقال أن من قوله أن الموقف عليه لا يملك رقبة الوقف، وإنما يملك المنفعة، فكيف يحلف من لا ملك له في الرقبة؟ وقد قال أن عبداً لو ادعى على سيده أنه اعتق وأقام عليه شاهداً واحداً أن العبد لا يحلف مع شاهده لأنه لا يملك ما كان يملكه السيد من رقبته، فكذلك ينبغي أن يكون قوله في الوقف، وأفسد تفريع صاحبه في الباب بعد أن ذكر جملة الفروع له، وبالغ في الرد عليه. 968 - وتفريع العمل على الشاهد واليمين لا يستقيم لأنه يعمل به في موضع دون آخر، ويختلف جنبه المحكوم به في ذلك اختلافاً شديداً والصواب عندنا -والله أعلم- أن الحكم لا يجوز به. 969 - وقد اختلف أصحابنا إذا حكم الحاكم به هل ينقض حكمه أم لا؟ فمنهم من نقضه ومنهم من لا ينقضه.

باب ما يقبل فيه شهادة الاستفاضة من الأشياء

970 - وسنفرد باباً فيما ينقض فيه قضاء القاضي ولا ينقض وما يخله وما لا يخله إن شاء الله. 971 - وإذ قد ذكرنا ما يقضي به من طريق معرفة الشاهد وعلمه فلنذكر ما يسمع من غيره. باب ما يقبل فيه شهادة الاستفاضة من الأشياء 972 - اعلم أن ههنا مسائل أجمع الفقهاء على قبول شهادة الاستفاضة فيها، ومسائل اختلفوا فيها. 972 - فأما المسائل التي اجمعوا على قبول شهادة الاستفاضة فيها فمنها: النسب فإنه يجوز أن يشهد لم يدركه، لأنا نشهد أن محمداً النبي -صلى الله عليه وسلم- (هو) ابن عبد الله وأبا بكر (هو) ابن تحافة وعمر (هو) ابن الخطاب وعثمان (هو) ابن عفان وعلي (هو) ابن أبي طالب -رضي الله عنهم-، ولم ندرك ذلك ولا شهدنا الآباء ولا البنيين. 973 - ولا فرق بين النسب إلى الأب أو إلى الأم لأنا نشهد أن الحسن والحسين (هما) أبناء فاطمة عليهم السلام. 974 - ومن رأى رجلاً ينسب إلى فلان بن فلان وهو لم يشاهد المنسوب إليه ولكنه سمع الناس يقولون ذلك وسعه الشهادة له بالنسب. 975 - ولو رأى رجلاً يقول أنا ابن فلان الفلاني لم يسعه أن يشهد

الشهادة على الموت

له بالنسب حتى يسمع ذلك من العامة ويظهر الخبر بذلك بين الناس من غير تواطئ. 976 - ولو نزل بين قوم وهم لا يعرفونه فقال: أنا فلان بن فلان لم يسعهم أن يشهدوا له (بالنسب) حتى تقع معرفة ما قال في قلوبهم. 977 - وقد حد بعض أصحابنا ذلك بأن يقيم معهم سنة. 978 - وإن وقع ذلك في قلوبهم قبل السنة لم يسعهم أن يشهدوا بنسبه. 979 - وقال محمد: لا تسعهم الشهادة حتى يسمع ذلك من رجلين عدلين من أهل البلدة التي هي بلده. الشهادة على الموت 980 - والشهادة على الموت: تثبت بالاستفاضة كالنسب. 981 - وإذا شهدوا أنه وارثه لا يعلمون له وارثاً غيره قضيت له بالميراث. 982 - وإذا قضيت بنسب إلى رجل وحكمت بميراثه ثم قامت بينه أنه فلان ابن فلان "الفلاني" نسبوه إلى أب آخر غير الذي نسبه إليه الأول وأنه عصبته ووارثه لم يعلموا وارثاً غيره لم أقبل الشهادة ولم أحول نسبه عن الأول، ولا من محتد إلى غيره ولا من عشيرة إلى غيرها إذا كان الأول محكوماً به. 983 - ولا يكلف الشهود أن يقولوا أنه لا وارث لفلان غير هذا لأنه غيب، وقولهم لا نعلم يكفي في الشهادة.

شهادة الشهود على معرفة النساء في مدينة السلام

984 - وإن قالوا: لا نعلم له وارثاً في العراق غير فلان، فالشهادة جائزة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد لا تجوز حتى ينهوا الشهادة ويقولون لا يعلمون. 985 - ويجوز للجيران ولمن عرف إنساناً أن يشهد أنه ابن فلان، لأن الشهادة على النسب بالسماع المتواتر جائزة، ويسعه أن يشهد بقول النساء والخادم ومن لا يعرف بعدالة ويرجع إلى ذلك لأن قول هؤلاء في الخبر المستفيض والعدول سواء. 986 - وقال بعض أصحابنا لا يسعه أن يشهد بمعرفة المرأة ونسبها حتى يدخل عليها، وعندها جماعة نساء ممن يثق بهن فيقلن هذه فلانة بنت فلان ثم يتركها أياماً ثم ينظر إليها بحضرة نسوة أخر فيعرفنه أياها كما عرفنه (في) الأولى ويتردد إليها شهرين أو ثلاثة، فإذا وقعت معرفتها في قلبه بقول رجال ونساء شهد لها بذلك وعليها. شهادة الشهود على معرفة النساء في مدينة السلام 987 - ورأيت الشهود بمدينة السلام يشهدون على معرفة النساء بقول العامة والدلالين ويشهدون بين يدي شيخنا قاضي القضاة رحمه الله، فيقولون: - نشهد- أطال الله بقاء سيدنا السيد الأجل الإمام الأوحد قاضي القضاة - على إقرار فلانة بنت فلان، وقد عرفتها بعينها واسمها ونسبها، وما رجعوا إلا إلى من ذكرناه في التعريف. قبول الاستفاضة على الولاية والخلع 988 - وتقبل الاستفاضة على الولاية والعزل والخلع لأن بذلك نعرف الولايات وكثير لا يشهد بيعة ولا خلعاً.

إدعاء رجلين نكاح امرأة

فصل الشهادة على موت إنسان 989 - فإذا أخبر الشاهد بالموت رجل أو امرأة ثقة، وقالوا نحن عاينا موت فلان، وسعة الشهادة بموته، ولا يسعه أن يشهد على ما يصنع أهل من تعى إليهم أنه مات حتى يخبر بذلك من شهد موته، فيجوز أن يشهد. وليس كل من شهدنا بموته عاينا ذلك لأنا نشهد بموت الصحابة -رضي الله عنهم- والعلماء ولم نر ذلك. فصل الشهادة على النكاح بالسماع 990 - ويجوز أن يشهد بنكاح لم يحضره أن فلانة زوجة فلان وأن فلاناً زوج فلانة بالسماع من الجيران ممن يعرف أمرهم، كما يشهد أن عائشة -رضي الله عنها- زوجة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأن علياً زوج فاطمة وأن عمر زوج بنتها أم كلثوم -رضي الله عنهم- أجمعين، وإن لم يشاهدوا ذلك، ألا ترى أن الغائب يقدم فيقال له قد تزوج فلان بفلانة ويمضي على ذلك الشهور ألا يشهد لها بالنكاح؟ 991 - وكذلك الصغير يكبر فلو كان بينهما ولد ينسب إليهما أما يشهد بنسبه إليهما؟ 992 - كل ذلك يجوز أن يشهد به. 993 - وهذا لا خلاف فيه بين الناس نعلمه. إدعاء رجلين نكاح امرأة 994 - قال أصحابنا: وإذا ادعى رجلان نكاح امرأة فأقرت لأحدهما فهي امرأته، فإن أقام الآخر البينة أنها امرأته قضيت بها له وأبطلت إقرارها للأول. 995 - وإن أقاما بينة لكل واحد أنها امرأته فهي لصاحب الوقت الأول إذا وقتا، وإن لم يوقتا لم أحكم بها لواحد منهما.

تنازع على نكاح امرأة

996 - وقد قال أصحابنا: إنها إذا كانت في منزل أحدهما وتحت يده والبينة مطلقة فصاحب اليد أولى. 997 - وقد اختلف أصحابنا إذا وقت أحدهما ولم يوقت الآخر في الملك، أنه يقضي للذي لم يوقت عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف يقضي لصاحب الوقت. 998 - وسنذكر هذه المسألة وأشباهها في الدعاوى إن شاء الله. تنازع على نكاح امرأة 999 - وإذا ادعى نكاح امرأة وهي تجحد فأقام بينة وقضى له بها، فجاء رجل وأقام البينة على مثل ذلك لم أحكم بها له وهي زوجة للأول إلا أن يوقت وقتاً قبل وقت الذي قضى بها له، وهي لصاحب الوقت الأقدم منهما. الشهادات على المعاملات 1000 - وقال أصحابنا: ولا تجوز الشهادة على العنق والطلاق والقتل والغصب والجراحات والبيوع والديون وما يدور بين الناس من المعاملات إلا بمعاينة أو إقرار. الولاء المشهور 1001 - واختلف أصحابنا في الولاء المشهور، فلم يقبل أبو حنيفة ومحمد في الاستفاضة وجعلاه كالعتق. 1002 - وقال أبو يوسف تجوز كالنسب. لا ينقل الولاء بعد ثبوته 1003 - وإذا ثبت الولاء من رجل بأن شهد الشهود أنه مولاه الذي اعتقه

فصل الملك المشهور إلخ

وقد مات فقضى له بالولاء والميراث فلو حضر آخر فادعا ولاءه وشهد له الشهود أنه مولاه لم يقض بهذه البينة ولم ينقل الولاء بعد ثبوته كما لا ينقل النسب بعد ثبوته. فصل الملك المشهور إلخ 1004 - وقال أصحابنا: لا تجوز الاستفاضة في الملك المشهور، وقبل ذلك الشافعي. 1005 - وفي الوقف المشهور خلاف برواية عن أبي يوسف أنه يقبل في الملك إنما هو لمن يتصرف في ذلك بالبيع والعقود والإجارة والإرث والوصية. 1006 - وقال أبو حنيفة: إذا رأيت الدار في يدي رجل أو الثوب أو الدابة وسعك أن تشهد أن ذلك له بظاهر اليد. 1007 - واختلف أصحاب الشافعي في اليد هل تدل على الملك أم لا؟ فمنهم من قال تدل على الملك. ومنهم من قال لا تدل على ذلك. 1008 - ولو كانت اليد لا تدل (على الملك) لما سمعت الدعوى على من في يده الشيء وجعل القول قوله في ذلك. 1009 - وقال محمد عن أبي حنيفة في الجامع الصغير. - إذا رأى الشاهد في يد إنسان شيئاً وسعه أن يشهد له بالملك إلا العبد والأمة. 1010 - وقال أبو يوسف لا يسع ذلك حتى يقع في قلب الشاهد ذلك، ولم يفرق في الأمالي بين الحيوان والرقيق. 1011 - وقال الخصاف: إذا أشهد من أدرك الملك ولم يعاين المالك كامرأة لا تخرج ولا يراها الرجال، فإن كان ذلك مشهوراً عند العلوم فالشهادة على ذلك جائزة، وإن لم

باب الشهادة وما يعتبر في جوازها وطريق حصولها والتزكية

يكن الملك والمالك مشهوراً لم تجز الشهادة على ملك ذلك إلا أن يشهد من عاين الشيء في يده. 1012 - وإن شهد على الملك من لم يعاين الملك، ولكن عاين من ينسب إليه الشيء فرأى المالك لم تجز له الشهادة، إنما تجوز الشهادة إذا كان الشاهد قد عاين الدار ولم يعاين المالك إذا كان مشهوراً في الاستحسان، وفي القياس لا يجوز ذلك. 1013 - وقد ارتكب بعض أصحاب الشافعي أن العقود تثبت بالاستفاضة ولو ثبت ذلك بالاستفاضة لما اعتبر علم الشاهد في شيء من الشهادات. 1014 - وإذ قد ذكرنا حكم ما يشهد به الشاهد من طريق العلم وما يثبت من طريق الاستفاضة وجب ذكر الشهادة وما يعتبر في جوازها وطريق حصولها وما يعتبر في التزكية. باب الشهادة وما يعتبر في جوازها وطريق حصولها والتزكية - وهذا باب الشهادة وما يعتبر في جوازها وطريق حصولها والتزكية. 1015 - وقد كان الواجب أن يذكر هذا الباب في أول أبواب الشهادات إلا أنا أخرناه لأنه كلام في الطريق إلى معرفة ما قدمناه. 1016 - وقد ذكرنا صفة أصحاب المسائل عن الشهود فيما تقدم، وذكرنا صفة العدل وبينا من ذلك في أول الأبواب المقدمة ما فيه كفاية. 1017 - ونحن نذكر في هذا ما قاله العلماء وشرطوه في جواز قبوله. وقد قال أهل العلم ومن صنف في هذا الشأن أقوالاً كثيرة، ونحن نحكي في هذا الباب جملاً منها مقصورة يبين بها الغرض إن شاء الله. 1018 - فقال إبراهيم النجعي:

العدل في المسلمين من لم يطعن عليه في بطن ولا فرج. 1019 - وقال الشعبي: شهادة الرجل جائزة ما لم يضرب حداً أو يعلم عليه فرية في دينه. 1020 - وقد روى عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه سأل رجلاً عن رجل فقال له: ما علمت عنه إلا خيراً، فقال له: حسبك. 1021 - وعن شريح أنه قال لخصم أيت؟ شهود عدل فأنا قد أمرنا بالعدل وأنت فاسأل عنه، فإن قالوا الله أعلم به فهم يعرفون أن يقولوا أنه مريب ولا تجوز شهادة مريب، وإن قالوا ما علمناه إلا عدلاً مسلماً فهو إن شاء الله كذلك وتجوز شهادته. 1022 - وكان الحسن يجوز شهادة المسلمين إلا أن يجرح الخصم الشاهد. 1023 - وروى عن الحسن أن رجلاً أتاه فقال أن أياس بن معاوية رد شهادتي. فقام معه الحسن فقال ما منعك وروى يا لكع! لم رددت شهادة هذا؟ أما بلغك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم. قال: أيها الشيخ إن الله يقول: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وإن هذا ممن ليس يرضى من الشهداء قال محمد بن الحسن فخصم إياس الحسن. 1024 - وقد روى الحذاء أن أياس بن معاوية قضى في يوم قضية ماصيرا فيها يمين ولا سأل فيها بينة.

من كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري 1025 - وقد روى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كتب إلى أبي موسى: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة". 1026 - وقد روى عن محمد بن عبد الرحمن الموصلي. أنه قال: قلت لا يأس بن معاوية: أخبرت أنك لا تجيز شهادة الإشراف بالعراق ولا التجار الذين يركبون البحر؟ قال: أجل، أما الذين يركبون البحر، فإنهم يركبون إلى الهند حتى يغرر بدينهم ويمكنوا عدوهم منهم من أجل طمع الدنيا فعرفت أن هؤلاء أن أعطى أحدهم درهمين في شهادتهم لم يتحرج بعد تعريرهم بدينه. وأما الذين يتجرون في قرى فارس فإنهم يطعمونه الربا وهم يعلمون، أفأجيز شهادة أكلة الربا؟ وأما الإشراف فإن الإشراف بالعراق إذا نابت أحداً منهم نائبة أتى إلى سيد قومه فشهد له، وشفع، وقد كنت أرسلت إلى عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر إلا يأتي بشهادة.

طريق معرفة العدل أو التزكية

وقد كان علي بن موسى يجيز شهادة أهل الأهواء ويراهم أهلاً لها إذا أدخلهم في الهوى الدين إلا الخطابية فإن بعضهم يقبل يمين بعض ويشهد له فلا أجيز شهادة هؤلاء، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقالا بجواز الشهادة في هذا على النكاح. 1027 - وقد روى عن ابن شبرمة أنه قال: ثلاث لم يعمل بها أحد قبلي ولا يتركهن أحد بعدي: المسألة عن الشهود في السر. وإثبات حجج الخصمين. وتحلية الشهود في المسألة. طريق معرفة العدل أو التزكية 1028 - وطريق معرفة العدل إنما هو سؤال القاضي عنه.

1029 - وقد ذكرنا صفة أصحاب المسائل فيما تقدم، وههنا نذكر كيفية المسألة. 1030 - قال أصحابنا: يسأل في السر، عن أنسابهم وحلاهم ومجالسهم فيسأل أهل الثقة والأمانة من جيرانهم ممن يصلح لذلك، وليس كل عدل يصلح أن يسأل عن الشهود لأنه قد يكون عدلاً فيه غفلة، فإذا سأل فقيل هو عدل جائز الشهادة أخبر القاضي بذلك في السر فيقبل القاضي ما يأتيه من التعديل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. 1031 - وقال أبو حنيفة رجلان أفضل، وقال محمد لا يقبل إلا رجلين، وهو قول الشافعي. 1032 - والرأي للقاضي أن يستظهر برجل آخر في المسائل، فإذا أتاه الأول بشيء من أمر الشهود دفع إلى الآخر أيضاً أسماء الشهود وأمره بالمسألة ولم يعلمه بما جاءه به الأول، فإن اتفقا أخذ به وأمر الطالب أن يأتي يقوم يعدلونهم في العلانية فإذا فعل ذلك أحضر الخصم والشهود ثم يسأل المعدلين عن رجل رجل من الشهود عن اسمه واسم أبيه وعدالته فإذا بينوا ذلك أخذ بشهادتهم. 1033 - وإنما يعدل في العلانية لئلا يقع اسم على اسم فلهذا وجب في العلانية. 1034 - وإذا اختلف أصحاب المسائل على الشاهد فأتى هذا بما تقبل معه الشهادة وهذا ما يوجب الرد امتحن القاضي ذلك بنفسه، ونظر ما السبب في ذلك فإن صح أحد الأمرين أمضاه وإذا لم يكن في الجيران من يصلح للمسألة سأل من في أسواقهم ممن يصلح لذلك. 1035 - وإن كانت الشهادة بحد أو قصاص سأل الجيران ذلك وبحث واستقصى المسألة في معرفة ذلك. 1036 - وإذا لم تثبت العدالة عنده بالمسألة قال للطالب: زدني شهوداً ولا يعرفه القدح في شهوده.

1037 - فإن قال الطالب: - شهودي هم عدول، وعندي من يزكيهم من العدول، وأتى بذلك أعاد القاضي المسألة وكشف عنهم وعن من جرحهم. 1038 - فإذا عرف الجرح حكم به وقدمه على التعديل لأنه زيادة علم بحال الشهود. 1039 - وإذا عدله اثنان فما زاد وجرحه واحد فالتعديل أولى. 1040 - فإن جرحه اثنان وعدله مائة فالجرح أولى عندنا، وهو قول الشافعي أيضاً. 1041 - وإذا عدله واحد وجرحه واحد فالجرح أولى. 1042 - وقال الشافعي لا يحكم بواحد منهما. 1043 - ولا يجب بيان سبب الجرح عند أصحابنا جميعاً، ويكفي أن يقول ليس بعدل. 1044 - وقال الشافعي ينبغي بيان ما جرحه به لأنه ربما يكون ذلك لا يوجب رد شهادته. وإذا ثبتت العدالة فقال الشهود بالتزكية ليس هو عدل كلفاً ببيان ما يبطل العدالة من أفعاله. 1045 - وذكر ذلك الخصاف عن محمد بن الحسن وعندنا لا يحكم بالفسق وعنده يحكم. 1046 - وإذا شهد على المطلوب بالحق شهود فأقام المطلوب بينة أن الطالب استأجرهم ليشهدوا له بهذه الشهادة لم يقبل من بينه المطلوب، وهذا تهاتر عند أبي حنيفة ويقبل غيره وترد الشهادة. 1047 - وقبل أبو حنيفة تعديل الولد لوالده والوالد لولده، وكل ذي رحم فإنه يقبل تعديله لرحمه.

إثبات الحرية عند جهل القاضي بها

1048 - وقال الشافعي يعمل في العدالة والفسق بعلمه. 1049 - وإذا جهل إسلامه لم يحكم حتى يسأل عن إسلامه، ولا يعمل بإسلامه بظاهر الدار كما يعمل في اللقيط بإسلامه بظاهر الدار لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل الأعرابي عن إسلامه لما شهد برؤية شهر رمضان. 1050 - ويرجع في إسلامه إلى قوله، كما رجع النبي -عليه السلام- إلى قول الأعرابي وهذا قول الجميع. إثبات الحرية عند جهل القاضي بها 1051 - وإذا جهل حريته، أو قال المشهود عليه هما عبدان، فقالا نحن أحرار لم نملك قط لم يقبل الشهادة عندنا حتى تثبت الحرية. ولو كان يسأل عن حريتها فأخبر بذلك ثقة نفذت الشهادة عند بعض أصحابنا واختار القول الأول الخصاف. 1052 - وقال أصحاب الشافعي في ذلك وجهان أحدهما أنه يقبل قولهما لأن الظاهر من الدار حرية أهلها كما أن الظاهر الإسلام؟ ثم يثبت الإسلام بقوله كذلك الحرية، والوجه الثاني قالوا وهو الأظهر أنها لم تثبت بقولهما كما قلنا، قالوا لأنه يملك الإسلام إذا كان كافراً بقوله ولا يملك أن يصير حراً بقوله إذا كان عبداً، ولا يحكم لمجهول العدالة لأنه لا يؤمن فيه الفسق. فصل 1053 - وإذا عرفت عدالته كتب اسمه وكنيته وصنعته وسوقه ومسكنه حتى لا يشتبه بغيره، ويذكر من شهد له حتى لا يكون ممن لا تقبل شهادته له من

والد أو ولد، ويذكر من شهد عليه حتى لا يكون ممن لا تجوز شهادته عليه، ويذكر قدر ما شهد به لأنه قد يكون ممن يقبل قوله في قليل ولا يقبل في كثير. فصل 1054 - واختلف أصحاب الشافعي هل يحكم القاضي في الجرح والتعديل بأصحاب المسائل أو بمن عدل أو جرح من الجيران؟ فقال أبو إسحق يحكم بشهادة الجيران لأنهم يشهدون بالجرح والتعديل، قال فعلى هذا يجوز أن يقتصر على الواحد من أصحاب المسائل ويجوز بلفظ الخبر، ويسمى للحاكم من عدل أو جرح، ثم يسمع الشهادة بالجرح والتعديل من الجيران على شرط الشهادة في العدد ولفظ الشهادة، وحمل لفظ الشافعي في العدد على الجيران. 1055 - وقال الأصطخري يحكم بشهادة أصحاب المسائل لأن الجيران لا يلزمهم الحضور، فعلى هذا لا يكون أصحاب المسائل أقل من اثنين ويجوز أن يكون من أخبرهم من الجيران واحداً، إذا وقع في نفوسهم صدقة، ويجب أن يشهد أصحاب المسائل عند القاضي على طريق الشهادة، ولفظ الشهادة. وحمل قول الشافعي في العدد على أصحاب المسائل. 1056 - وإن بعث باثنين فعادوا بالجرح حكم بالجرح وإن عادوا بالتعديل حكم بالتعديل، وإن عاد واحد بالجرح وعاد الآخر بالتعديل لم يحكم بالتعديل ولا بالجرح بقول واحد منهما. 1057 - قال بعض أصحابنا: - ويكفي أن يقول الشاهد هو عدل في قبول شهادته. 1058 - وقال الشافعي لا يقبل في التعديل حتى يقول عدل لي وعلى.

نقد قاضي القضاة لتهاونه في إعادة السؤال عن شهوده

1059 - ومن أصحابه من قال: يكفي قوله عدل، كما قلناه، وهو الأصطخري لأن قوله عدل يقتضي أن يكون عدلاً له وعليه. 1060 - ومنهم من قال هو شرط، وهو أبو إسحق لأن قوله عدل لا يقتضي العدالة. 1062 - ولا يقبل التعديل إلا ممن تقدمت معرفته وطالت صحبته وخبرته بالشاهد لأن المقصود معرفة العدالة من الباطن، ولا يعرف ذلك لمن لم تتقدم صحبته، وفي الجرح يقبل ممن تقدمت صحبته وممن تأخرت منه المعرفة. 1063 - ويعيد المسألة عن الشهود بعد أشهر أو سنة إذا كثرت شهاداتهم، فإن ذلك أحوط. 1064 - وقد قال أصحاب الشافعي إذا أعاد الشهادة في مدة قريبة لم يسأل عن الشاهد وإن طال الزمان ففيه وجهان: أحدهما لا يجب لأن الأصل بقاء العدالة والثاني أنه يجوز أن يتغير بطول الزمان الحال فلا يحكم حتى يسأل. نقد قاضي القضاة لتهاونه في إعادة السؤال عن شهوده 1065 - وقد رأينا شيوخ شيخنا قاضي القضاة رحمه الله وقد طال بهم وبه الزمان وهم شهوده لا يسأل عنهم ولا يبحث. فصل 1066 - قال أبو يوسف إذا أقام الرجل عند قوم ستة أشهر لم يظهر منه إلا الصلاح وسعهم أن يعدلوه، ثم رجع وقال: لا يعدلونه حتى يقيم سنة كاملة فإن في ذلك يتبين أمره. 1067 - والعدلان المميزان إذا عدلا رجلاً عند رجل وسعه أن يعدله إذا وقع في قلبه أنهما صادقان وليس الرجل أكثر حالاً من القاضي.

فصل طعن الخصم في عدالة الشهود

1068 - ويقبل ذلك أيضًا من رجل وامرأتين، ولا يسأل من النساء إلا من تعرف الأحوال وتخالط القاضي فأما من هي في البيوت فلا. فصل طعن الخصم في عدالة الشهود 1069 - وإذا شهد عند القاضي رجال فقال الخصم: أنا أقيم بينة عندك أنهم عبيد أو فساق أو محدودون في قذف أو فيهم مانع يمنع الشهادة على، وأتى بشهود فشهدوا بذلك قبل ذلك وأخرجهم من العدالة. 1070 - ولو شهدوا بأمر قديم يجوز أن يتاب منه ويصفح لم يقبل ذلك، ولم يخرجهم من العدالة، وإن كان في أمر يسير قبل ذلك. فصل تعديل المشهود عليه الشهود 1071 - وإذا شهد على رجل بحق فعدله المشهود عليه، قال أبو حنيفة: إن كان بعد الشهادة فقال هم عدول على ولى أمضى الحاكم الحكم، وإن كان قبل الشهادة عليه ثم أنكر ما شهدوا لم ينفذ عليه، وسأل عنهم، فإن عدلوا أنفذ الحكم وإن عدل أحدهما بعد الشهادة وقال قد غلط على لم يقبل تعديله وكان للحاكم أن يسأل. 1072 - ولو أنه قال: ما شهد به فلان أو هما على حق أو هو الحق أجاز الشهادة ولم يسأل عن الآخر. 1073 - وإن كان قال ذلك قبل الشهادة وقال ما ظننت أنه يشهد على إلا بالحق وقد شهد بباطل فإن القاضي يسأل ولا يقبل قوله الأول، وهو قول زفر والحسن بن زياد. 1074 - وإن شهدا بما ادعاه الخصم فقال بعد ذلك هما عدلان فيما شهدا به على أو جائزاً الشهادة لي وعلى أنفذ ذلك ولا يسأل عنهما.

فصل العدل

1074 - وقال أبو يوسف لا يجتزى بذلك فإن عدلا أنفذ الحكم وإلا رده ذكره في الأمالي كذا ورواه الخصاف في أدبه. 1075 - ولأصحاب الشافعي وجهان: الأول يقبل تعديل الخصم والثاني لا يقبل من غير تفصيل ذكروه لأن المسألة حق له فإذا أسقطها نفذ الحكم عليه والثاني أن التعديل حق الله تعالى ولا يجوز الحكم له بالعدالة بقول المدعي عليه وحده. 1076 - وإن قال الخصم المدعى عليه: شهدا علي بالحق، أو هذه الشهادة حق أو صدقاً فيما شهدا به، أو هما صادقان في هذه الشهادة التي شهدا بها أنفذ الحكم بقوله، ولا يحتاج إلى أن يسأل لأن هذا إقرار منه. فصل العدل 1077 - وإذا كانت أكثر أمور الإنسان حسنة فهو عدل إذا لم يرتكب كبيرة، وإن كان قد ارتكب كبيرة وتاب وأصلح قبلت شهادته في قول أبي يوسف. 1078 - وقال غيره إذا كان الرجل ملازماً للجماعة مؤدياً للفرائض، معروفاً بصدق المعاملة مؤدياً للأمانة، صدوق اللسان فهو عدل، وإن كانت منه السقطة من الصغائر يستغفر منها ولا يعود إلى مثلها فهو عدل. 1079 - وإذا شهد عند الحاكم الشهود وارتاب منهم فله أن يسألهم عن تحمل الشهادة ويفرقهم ويسأل كل واحد منهم على الانفراد عن صفة التحمل، ومكانه وزمانه، لما روى أن أربعة شهدوا على امرأة بالزنا عند دانيال عليه السلام ففقرهم وسألهم فاختلفوا فدعا عليهم فنزلت عليهم نار فأحرقتهم. 1080 - فإن فرقهم فاختلفوا سقطت شهادتهم وإن اتفقوا فالمستحب أن يعظهم

باب ما ترد به شهادة الشاهد

فقد روى أبو حنيفة قال: كنت عند محارب بن دثار وهو قاضي الكوفة فجاءه رجل وادعى على رجل حقاً فأنكره، فأحضر المدعى شاهدين فشهدا له، فقال المشهود عليه: والذي تقوم به السموات والأرض لقد كذبا على في الشهادة، وكان محارب بن دثار متكئاً فاستوى جالساً وقال: - سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الطير لتخفق أجنحتها وترمى بما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار، فإن صدقتما فأثبتا وإن كذبتما فغطيا رأسيكما وانصرفا. فغطيا رأسيهما وانصرفا. فصل 1081 - ويقبل في تزكية السر العبد والمحدود في القذف والمرأة ومن ظاهره العدالة لأنه خبر كما قبلوا في هلال رمضان، ولم يقبلوا في شهادة العلانية إلا شهادة من تجوز شهادته بالحقوق أما رجلان أو رجل وامرأتان. 1082 - وقد ذكرنا فيما تقدم خلاف الشافعي. 1083 - وإذ قد ذكرنا الشهادة وما يعتبر في جوازها وجب أن نذكر ما ترد به شهادة الشاهد. باب ما ترد به شهادة الشاهد وهذا بابا ما ترد به شهادة الشاهد مما اتفق عليه واختلف فيه: 1084 - اتفق علماء الأمصار على أن الفسق يمنع قبول الشهادة وأنه إذا فسق الشاهد لم يجز للحاكم الحكم بها.

الحكم بشهادة الفاسق

الحكم بشهادة الفاسق 1085 - وحكى القدوري رحمه الله في التجريد في مسألة ولاية الفاسق أن من أصحابنا من قال إذا حكم بشهادته نفذ حكمه. نقد 1086 - وهذا قول يرده الإجماع ويدفعه النظر، لأن شرط قبول قول الشاهد يقف على وجود العدالة ورضاء المسلمين عن الشهود، والفاسق غير مرضي ولا عدل فلا يجوز الحكم بشهادته، والحاكم إذا حكم بذلك مع العلم فقد فسق وخرج من الحكم، وفساد هذا القول أوضح من تكلف الدلالة عليه. شهادة الماجن 1087 - وترد شهادة من يكثر الكذب ويتظاهر بالمجون والفجور ويكثر البحث في المذاهب والمقالات. 1088 - وكذلك إذا تظاهر بالمذاهب الردية والبدع الظاهرة. 1089 - وترد شهادة من يلعب بالحمام ويطيرها من المواضع ومن يناطح بالأكباش والحيوان كله ويقامر. شهادة لاعب الشطرنج 1090 - ورد أصحابنا شهادة من يلعب بالشطرنج. 1091 - وقال الشافعي لا ترد شهادته بذلك. وحكى الخصام في المفصل أنه إذا كان لا يقطعه ذلك عن الصلاة ولا يشغله عن الدين ولا يكثر الحلف عليه ولا يقامر فشهادته جائزة.

1092 - وقال إنه يرد شهادة من ترك صلوة الجماعة ثلاثاً من غير تأويل. 1093 - وترد شهادة من يشتم الصحابة -رضي الله عنهم-. 1094 - قال أبو يوسف لأن شتم الجيران يمنع قبول الشهادة فشتم الصحابة -رضي الله عنهم- أولى (أن ترد به الشهادة). 1095 - وترد شهادة شارب الخمر ومن يسكر من النبيذ لأنه بذلك يفسق. 1096 - وترد شهادة من يلعب بالملاهي. 1097 - وقال الخصاف: إذا كان يلعب بهذه الملاهي ولا تشغله عن الطاعات ولا ينسب أهلها إلى المجانة والفجور وأفعال الصلاح عليه أغلب قبلت شهادته. 1098 - وترد شهادته بخصلة واحدة من الفسق، ولا تقبل شهادته حتى يكون عدلاً في أفعاله، ولا يقرف بريبة. 1099 - وترد شهادة من يكثر منه الكذب الفاحش ولا يتحفظ في أقواله وإن كان يقع منه في البدارات والخير عليه أغلب قبلت شهادته، هكذا ذكر الخصاف. 1100 - وترد شهادة النائح والنائحة، والمغني والمغنية، ومن يقطع الطريق ويتلصص، وأهل العصبية، والعاشر، وآكل الربا ومرتكب الربا، ومن يلوط بالصبيان والنساء. 1101 - وقال أبو يوسف: من يتهم بشتم الصحابة -رضي الله عنهم- لا يمنع من قبول قوله إلا أن يقولوا سمعناه يشتم الصحابة. 1102 - ولو قالوا هو متهم بالفجور لم يقبل قوله.

فصل من لا تجوز شهادتهم

وذكر في الفرق بينهما أن من يتهم بذلك من الشتم فقد أثبت له العدالة، والشتم لا يقبل إلا بالسماع وإذا قالوا يتهم بالفجور فما أثبتوا له العدالة. 1103 - وترد شهادة من لا يؤدي زكاته وصدقته. فصل 1104 - ولا ترد شهادة الأخ لأخيه وهو قول عروة بن الزبير وابن سيرين والشعبي وإبراهيم (النخعي) وقتادة، وهو قول الشافعي وأصحابنا. 1105 - وقال الحسن (بن زياد اللؤلؤي) لا تجوز شهادة الأخ لأخيه، وهو قول مالك لأن القصاص يجري بينهما فهو كالأجنبي، وليس من حيث لم تجر مناكحة الأخ لأخيه ينبغي أن لا تقبل شهادته كما لو شهد لأم زوجته وبنته. فصل من لا تجوز شهادتهم 1106 - روت عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لا تجوز شهادة الابن لأبيه، ولا الأب لابنه ولا المرأة لزوجها ولا الزوج للمرأة ولا الأجير لمن استأجره ولا السيد لعبده ولا العبد لسيده ولا الشريك لشريكه. 1107 - وذكره الخصاف، وهو قول إبراهيم (النخعي) وشريح (القاضي). 1108 - وكان الشعبي لا يجيز شهادة الرجل لابنه، ولا شهادة المرأة لزوجها، ويجيز شهادة الابن لأبيه والرجل لامرأته. 1109 - وكان سفيان (الثوري) يرى جواز شهادة الرجل لامرأته ولا يجيز شهادتها له.

1110 - وروي عن شريح أنه أجاز شهادة زوج وأب. 1111 - واتفق أصحابنا على أنه يجوز شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده ولا أحد الزوجين لصاحبه ولا المكاتب لمولاه، ولا المولى له، وكذلك المدبر وبأم الولد، والمعنق بعضه ولا لولد ولده وإن سفلوا، ولا فرق بين ولد البنت وبين ولد (الابن) ولا لأجداده ولا جداته من قبل أبيه ومن قبل أمه. 1112 - وأجاز الشافعي شهادة الزوج لزوجته وكذلك الزوجة لزوجها لأنه ليست بينهما عصبية. 1113 - ونحن نقول بينهما سبب يوجب التوارث من غير حجب كالولادة. 1114 - وقد أجاز بعضهم شهادة الوالد لولده والولد لوالده وإن سفلوا وعلوا، وهو قول المزني وأبي ثور من أصحاب الشافعي. 1115 - وقد روى عنه عليه السلام أنه قال: - أنت ومالك لأبيك. ولأنه متهم فجرى مجرى الشهادة لنفسه فلا تقبل. فصل 1116 - وقالوا: لا تقبل شهادة من لا مروءة له كالقول والرقاص، ومن يضحك الناس ويسخرون منه ومن يمشي مكشوف الرأس والبدن في المواضع التي لا يعتاد أهلها ذلك، ويأكل في الأسواق بحضرة الناس، لأن المرؤة من الإنسانية، لأنها مشتقة من المرأ، وقد روى أبو مسعود البدري عن النبي

فصل اللعب بالشطرنج

- (ص) - أنه قال: "مما أدرك من النبوة الأولى إذا لم تستح فأضع ما شئت" ولأن من لا يستقبح القبح لا يستقبح الكذب فلا يوثق بقوله. فصل 1117 - واختلف في شهادة أصحاب الصنائع الدينية كالكنائس والزبال والحجام والقيم في الحمام والنخال إذا حسنت طريقتهم في الدين، فمنهم من قال لا تقبل شهادتهم لدنائهم في صناعتهم. 1118 - وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. والوجه الثاني: أنها تقبل لأنه قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ولأن هذه صناعات مباحة، وبالناس إليها حاجة، وعلى هذا كثير من أصحابنا. 1119 - وكره أصحابنا شهادة النخاس والصيرفي وتجار الأسواق، وردوا شهادة من يكثر الحلف منهم على ما يبيعه ويشتريه. 1120 - فأما من استقام منهم في الطريقة وعرف بصدق اللهجة في بيعه وشرائه فليست الصناعة بضائرة له، ولولا ذلك لما عرفنا بشهادتهم قيم الدواب والأواني وعيوب الحيوان، ولابد في كل صنعة من مستور وصالح مستقيم، وعلى هذه الأحوال وجد الناس بعضهم بعضاً. فصل اللعب بالشطرنج 1121 - قال الشافعي: وإذا لعب بالشطرنج على عوض نظرت: فإن خرج كل واحد منهما مالاً على أن من غلب مهما أخذ المال، فهو قمار تسقط به العدالة وترد به الشهادة. وإن أخرج واحد منهما مالاً على أنه أن غلب أحدهما (فهو) له، وإن

غلب صاحبه أخذ المال، لم يصح القيد، لأنه ليس من آلات الحرب فلا يصح بذل العوض فيه، ولا ترد الشهادة لأنه ليس بقمار، قالوا لأن القمار هو أن لا يخلو أحد من أن يغنم أو يغرم وههنا أحدهما يغنم ولا يغرم، وهذا عندنا هو القمار [لأن القمار هو] أن يغنم أحدهما ولا يغرم. 1122 - قالوا وإن اشتغل به عن الصلوة في وقتها مع العلم، فإن لم يتكرر ذلك منه لم ترد شهادته، وإن أكثر منه ردت شهادته لأنه من الصغائر، وفرق بين قليلها وكثيرها. 1123 - قالوا: إن ترك فيه المروءة بأن لعب على الطريق أو تكلم في لعبها بسخف من الكلام أو اشتغل به الليل والنهار ردت شهادته لتركه المرؤة. 1124 - قالوا: وقد لعب به ابن عباس وابن الزبير وأبو هريرة وسعيد بن المسيب وإن سعيد بن جبير كان يلعب مزوياً؟ 1125 - قال أصحابنا: هذا لعب لا حاجة بنا إليه في الدين ولا الدنيا، فهو كأربعة عشر. وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية والميسر هو القمار. 1126 - وقد روى عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه مر بقوم يلعبون فتلا قوله تعالى: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ}. 1127 - واختلف أصحاب الشافعي في النرد فمنهم من قال أنه حرام وترد به الشهادة، وقال أبو إسحق هو كالشطرنج. 1128 - وقد روى أبو موسى الأشعري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله.

وروى أبو بريده أن رسول الله - (ص) - قال: "من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه، ولأن المعول فيه على ما يخرجه الفص فأشبه الأزلام. 1129 - قالوا: ويخالف الشطرنج فإن المعول عليه على رأيه، وهذا لا يصح لأن النرد يحتاج مع العصي إلى رأى ووضع ومعرفة بالنقل والبيوت، ويخلف اللعب به كالشطرنج سواء.

فصل شرب قليل من النبيذ

1130 - وقالوا: لا يجوز اللعب بالأربعة عشر ولم يختلفوا، فهذه الجملة حكوها في هذا الباب. فصل شرب قليل من النبيذ 1131 - واختلف أصحاب الشافعي فيمن شرب قليلاً من النبيذ، فمنهم من قال إن كان يعتقد بحرمته فسق وردت شهادته، ومنهم من قال لا يفسق ولا ترد شهادته كما قلناه، قالوا وهو المذهب لأن استحلال الشيء أعظم من فعله بدليل من استحل الربا كفر ولا يكفر من فعله، فإذا لم ترد شهادة المستحل فمن لا يستحل أولى. 1132 - واختلفوا في وجوب الحد عليه مع قبول شهادته، فقال المزني لا يجب الحد كما لا ترد الشهادة به، وقال غيره منهم: يجب لأنه يردع عن الشرب ويحتاج إلى رادع كالخمر، وهذا لا يصح لأن [شارب] الخمر يفسق ويكفر المستحل، وكيف يجب الحد بأمر مختلف فيه والاجتهاد فيه يسوغ. فصل المغني بغير آلة 1133 - قد قلنا أنه لا تقبل شهادة المغني لما ورد عن ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: الغناء ينبت النفاق (؟) في القلب كما ينبت الماء البقل. 1134 - وإذا كان بغير آلة مطربة فليس بمحرم. 1135 - وقد روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بجارية لحسان وهي تقول: هل على ويحكما ... إن لهوت من حرج؟ فقال -صلى الله عليه وسلم- لا حرج إن شاء الله. وروى عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت:

ترنم بالبيت والبيتين

كان عندي جاريتان تغنيان فدخل أبو بكر -رضي الله عنه- فقال: مزمور الشيطان في بيت رسول الله! -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: دعها فإنها أيام عيد. ترنم بالبيت والبيتين. 1136 - فإن غنى لنفسه أو سمع غناء جارية ولم يكثر منه لم ترد شهادته لأن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان إذا خلا في داره ترنم بالبيت والبيتين. وأنه مر عليه عبد الرحمن بن عوف وهو يترنم فقال: - اسمعتني يا عبد الرحمن؟ قال: نعم. فقال: إنا إذا خلونا في بناء لنا نقول كما يقول الناس. وروى عن أبي الدرداء وهو من زهاد الصحابة وفقهائها أنه قال: إني لأجم قلبي بشيء من الباطل استعين به على الحق.

فضائل أبي حنيفة للصيمري

فضائل أبي حنيفة للصيمري 1137 - وقد سمعنا من شيخنا قاضي القضاة رحمه الله في فضائل أبي حنيفة التي صنفها أستاذه القاضي أبو عبد الله الصميري رحمه الله أن أبا حنيفة كان في جواره رجل فكان يصعد السطح ويتغنى بهذا الشعر: (أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر) (كأني لم أكن فيهم وليدا ... ولم تك نسبتي في آل عمرو) فأخذه الوالي فلم يسمع كلامه وصوته كما جرت العادة، فسال عنه فأخبر بخبره فقصد الوالي وأخرجه من الحبس وقال له: - ما أضعناك يا فتى. 1138 - وقد صنف في السماع كتب مفردة وطول فيها القول واختصر، ولم أر لأصحابنا في هذا الباب إلا كلاماً مجملاً غير مفصل ولا مشروح، ولعل قولهم في المغنى الذي ترد شهادته من اتخذ الغناء أو يغشاه الناس للسماع لأن في ذلك تركاً للمروءة، وكذلك أن اتخذ جارية وقصده الناس لسماع الغناء منها، أو حملها إلى المواضع لتغنى فهذا هو الذي ترد شهادته لا محالة لأنه قد جمع إلى ترك المروءة الدياثة. تفشي الصوفية في أهل العلم في عصر السمناني 1139 - وقد رأيت جماعة من أهل العلم وشيوخاً من أصحابنا ومن أصحاب الشافعي يستمعون القول ويقومون يرقصون مع الصوفية. 1140 - ورأيت بهمذان غير واحد من أصحاب الشافعي يجمعون مع القصب الدف في الأوقات وفيهم أئمة وقضاة وأشراف من أصحاب الحديث والرواية.

تحريم آلات الطرب من غير غناء

تحريم آلات الطرب من غير غناء 1141 - ويحرم استعمال الآلات التي تطر من غير غناء كالعود والطنبور والمعزفة والطبل والمزمار والرباب. 1142 - وقد حكى عن محمد بن سعد الزهري أنه كان يلعب بالعود ويتخذه وفيه خلاف لا يعتد به. 1143 - وقد روى عن ابن عباس -رضي الله عنه- تفسير قوله تعالى: "إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة والقنين والكوبة الطبل والقنين البربط". 1144 - وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: مسخ أمة من أمتي بشربهم الخمر وضربهم بالكوبة والمعازف. 1145 - قال الشيرازي رحمه الله في كتاب المهذب له:

رد الشهادة بالإكثار من الصغائر

ويكره القضيب الذي يزيد الغناء طرباً ولا يطرب إذا انفرد لأنه تابع للغناء فكان حكمه الغناء. رد الشهادة بالإكثار من الصغائر 1146 - وترك الشهادة بما يكثر من الصغائر كما ترد بالكبائر إذا انفردت، فأما إذا قلت الصغائر وندرت فلا ترد بها الشهادة لأنه تعالى قال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ}. ولأن أحداً من الخلق لا يخلو من الصغائر أو الهم بها. الحداء 1147 - وقال الجميع أن الحداء مباح لا يكره لما روى عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كان مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة نام بالوادي حاديان.

نشيد الأعراب

وروت عائشة -رضي الله عنها- قالت: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال .. وكان انجشه مع النساء فقال -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن رواحة: حرك بالقوم فاندفع يرتجز فنبعه انجشه فاعتقت الإبل في السير. فقال -صلى الله عليه وسلم: يا أنجشة رويدك رفقاً بالقوارير. نشيد الأعراب 1148 - ويجوز استماع نشيد الأعراب لما روى عمرو بن الشريد عن أمه قال: أردفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وراءه ثم قال: أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم، فأنشدته بيتاً، فقال: هيه فأنشدته بيتاً آخر فقال هية: حتى أنشدته مائة بيت.

تحسين الصوت بالقرآن

تحسين الصوت بالقرآن 1149 - قال الشافعي: ويستحب تحسين الصوت بالقرآن، وأما إذا قرأ بالألحان فقال أصحابنا أنه قال في موضع يكره وقال في موضع آخر لا أكره هذا. 1150 - قالوا: وليس ذلك اختلاف موضعين وإنما هو إخلاف حالين، فالذي قال يكره إذا تجاوز الحد، ولا يعلم بين أصحابنا خلاف يخالف هذه الجملة والتفصيل، ولعل ذلك وفاق. 1151 - وقد روى عن أبي موسى الأشعري أنه كان يطرب بالقرآن وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان سمعه وهو لا يعلم فلما علم به قال: يا رسول الله لو علمت لحبرته تحبيراً. وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: - ما أذن الله بشيء مثل ما أذن لنبي أن يترنم بالقرآن. وقال -صلى الله عليه وسلم-: - ليس منا معاشر الأنبياء من لم يغرد؟ بالقرآن. وذكر أبو عبيد في الغريب له؟ قال معناه الاستغناء؟ بالقرآن. وقال الشافعي: - لو كان المراد به الاستغناء؟ لكان قال من لم يتغن بالقرآن، وحمل الخبر على تحسين الصوت، وهو الظاهر من الخبر ولأن قراءته بألحان يوجب الإصغاء إليه وفراغ القلب نحوه، وهذا أمر معلوم. قول الشعر 1152 - ويجوز قول الشعر وحمله، وقد كان للنبي -صلى الله عليه- شعراء

فسق شاهد الزور

منهم كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت، وقال الشعر علي بن أبي طالب حتى روى عنه، وكان في التابعين والصحابة العدد الكثير (من الشعراء) وكان معاوية ابن أبي سفيان يقوله ثم تركه، وقد وفدت الشعراء على النبي -صلى الله عليه وسلم- ومدحوه فمدحه كعب بن زهير بقصيدة: (باتت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم أثرها لم يجز مكبول) فوهبه؟ بردته فباعها لمعاوية بعشرة آلاف درهم، وهي التي مع الخلفاء إلى اليوم من بني العباس -رضي الله عنه-. 1153 - وهو كالكلام مباحه كمباحة ومحظوره كمحظوره وقبيحه كقبيحه. 1154 - وقد روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام". فما ترد به الشهادة من الكلام يرد به في الشعر، وما لا ترد به الشهادة من الكلام فالشعر مثله، لأنه كلام على صفة مخصوصة. فسق شاهد الزور قال أصحابنا: 1155 - ومن شهد بالزور فقد فسق وردت شهادته، فقد روى خريم بن

فاتك قال: صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلوة الصبح فلما أنصرف قام قائماً ثم قال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثلاث مرات، ثم تلا قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}. 1156 - وقد تقدم ما رواه أبو حنيفة عن محارب بن دثار فيما تقدم من هذا الباب في الفصل الذي قلنا أنه يفرق الشهود مع التهمة. 1157 - ويعلم أنه شاهد زور بثلاثة أشياء: أحدها أن يقر على نفسه أنه شهد بالزور. والثاني أن تقوم عليه بذلك بنية. والثالث أن يشهد بما تكذبه العقول وشاهد الحال. 1158 - فإن أقر على نفسه لم يبطل ما شهد به قبل هذا القول، وكذلك إذا قامت عليه بينة بعد القضاء لأن هذا تهاتر.

إشهار من ثبت تزويره

1159 - ولو أنه شهد بحق لرجل وشهد آخر به لغيره لم يكن واحد منهما شاهد زور، لأنه ليس أحدهما بأن يكذب أولى من الآخر. إشهار من ثبت تزويره 1160 - وإذا أثبت أنه زور، قال أبو حنيفة: أشهر حاله ولا يضر به. 1161 - وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي للإمام أن يعزره إذا رأى ذلك. 1162 - وإن كان من ذوي الهيئات لم يناد عليه عند بعضهم، وهو قول أبي علي من أصحاب الشافعي. 1163 - وعندنا ينادي عليه ليحذره الناس. 1164 - وقد روى (أبو هريرة) عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: قل ما في الفاسق ليحذره الناس. وروى عنه أنه قال: اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. شهادة الظنين والجار إلى نفسه غنماً إلخ 1165 - قال أصحابنا: ولا تقبل شهادة ظنين، ولا جار إلى نفسه غنماً، ولا دافع عنها غرماً، ولا شهادة الوكيل لمن وكله، ولا الشريك عما هو شريك فيه ولا من هو وصي لليتيم ولا عليه. 1166 - وقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:

فصل شهادة الخصي والأقلف

لا تقبل شهادة ظنين ولا مريب. 1167 - فإن عزل الوكيل وشهد بعد العزل فيما كان وكل بالخصومة فيه، فإن كان قد خاصم لم تقبل شهادته أبداً. 1168 - وإن كان لم يخاصم في ذلك فقد اختلف في ذلك فمنهم من يقبل شهادته وهو أبو حنيفة ومنهم من لا يقبل ذلك وهو صاحباه. 1169 - وكذلك اختلفوا في المحجور عليه لأجل الدين إذا شهد الغريم له إذا كان معسراً فمنهم من قال لا تقبل ومنهم من قال تقبل. فصل شهادة الخصي والأقلف 1170 - وأجاز أصحابنا شهادة الخصي إذا كان الخصي عدلاً في جميع الحقوق والحدود وقد قبل عمر بن الخطاب (ر) شهادة علقمة الخصي على قدامة بن مظعون. 1171 - واختلف في شهادة الأقلف فقال ابن عباس: - الأقلف لا تجوز شهادته، ولا تقبل له صلاة ولا تؤكل له ذبيحة، وهو قول جابر بن زيد. 1172 - وروى الخصاف أن النبي (ص) سأل عن الأقلف أيحج بيت الله؟ قال: - لا، حتى يختتن. 1173 - وروى شداد بن أوس، قال، قال رسول الله (ص): الختان للرجال سنة وللنساء مكرمة. 1174 - والختان عند أصحابنا واجب وليس بفرض.

فصل شهادة ولد الزنا

1175 - وقال الشافعي هو فرض، وقال مالك فرض في الرجل سنة في المرأة. 1176 - وقد روى عن الحسن في الشيخ يسلم، قال: لا عليه أن لا يختن، ولا يضره ذلك في شهادته ولا في إمامته. 1177 - وقال أصحابنا إن كان يخالف الضرر على نفسه فلا شيء عليه بعد ذلك. فصل شهادة ولد الزنا 1178 - واختلف في شهادة ولد الزنا فقال أصحابنا: - شهادته في كل شيء جائزة، وفي الحدود إذا كان عدلاً، وهو قول الشافعي وعطاء. 1179 - وقال مالك ويحيى بن سعيد: شهادته مقبولة في كل شيء إلا في الزنا خاصة. 1180 - وقد روى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن رجلاً شهد عنده على رجل شهادة فقال المشهود عليه، أنه لا تقبل شهادته، قال: لم؟ قال: لأنه لا يدري من أبوه فقال أءتني بشاهدين سواه. فصل شهادة المتسمع 1181 - واختلف في شهادة المتسمع، وهو الذي يختبئ ولا يراه المشهود عليه فيسمع قوله ويشهد عليه، من غير أن يشهده على نفسه. فقال أصحابنا يجوز ذلك ولا تحتاج الشهادة إلى أن يحملهم المقر. 1182 - وقال مالك: لا تجوز حتى يشهد الشهود ويقول لهم اشهدوا، وإن كان الشاهد لا يرى الخصم لم يشهد عليه لأنه لا يعلم أنه عين المقر.

شهادة رجلين على جرحه أخا لهما إلخ

1183 - وفرق مالك بين الطلاق والعتاق فأجاز ذلك في الطلاق والعتاق وإن لم يشهدهم إذا سمع الشاهد ذلك. 1184 - وقال إبراهيم الشعبي: لا تجوز شهادة المختبئ. 1185 - وقال أصحابنا: - إذا قال الجماعة أو المتعاقدان للشاهد: - لا تشهد علينا بما نقول كان له أن يشهد، وفيه خلاف متقدم، وهو قول مالك. شهادة رجلين على جرحه أخاً لهما إلخ 1186 - ولو شهد رجلان على رجل أنه جرح أخاهما وهما وارثاه قبل الإندمال لم يقبل، لأنه قد يسري إلى نفسه، وتجب الدية لهما. 1187 - وإن شهدا له بمال وهو مريض فمنهم من قال: لا تقبل الشهادة لأنهما متهمان لأنه قد يموت ويكون المال لهما فلم يقبل كما لو شهدا بالجراحة. 1188 - ومنهم من قال: - تقبل لأن الحق ثبت للمريض ثم ينتقل بالموت إليهما، وفي الجناية إذا وجبت الدية وجبت لهما لأنها تجب بموته فلم تقبل. 1189 - ولو شهدا له بالجراحة وله ابن قبلت شهادتهما لأنهما غير متهمين. 1190 - ولو مات الابن وصار الأخوان وارثين فإن مات قبل الحكم بشهادتهما بطلب الشهادة، ولو مات بعد القضاء والحكم لم تبطل الشهادة، يعتبر ذلك بالفسق والعمى. شهادة من يدفع ضرراً عن نفسه 1191 - ولو شهد الموالي على غريم المكاتب أو الوصي على غرم الميت أو الوكيل على غريم الموكل بالإبراء من الدين أو بفسق الشهود بالدين لم تقبل الشهادة، لأنه قد يدفع بذلك عن نفسه ضرراً.

شهادة الوالد والولد

1192 - واختلف أصحابنا في شهادة أهل المحلة والعاقلة إذا شهدوا بالقتل على غيرهم فلم يقبل ذلك أبو حنيفة، وقبله صاحباه. 1193 - وقال الشافعي: إن كان موسرين لم تقبل شهادتهما لأنهما يدفعان عن نفسهما الغرم من الدية، وإن كانا فقيرين أجزت شهادتهما. 1194 - وقال في موضع آخر: إن كانا من أباعد العصبات بحيث لا يصل العقل إليهما حتى يموت من قبلهما قبلت شهادتهما. 1195 - ومن أصحابه من جعل المسألة على قولين ونقل جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى، ومنهم من جعل كل مسألة على وصفها وقال: تقبل شهادة الأباعد، ولا تقبل شهادة الأقرب الفقير لأنه معدود في العاقلة، واليسار يعتبر عند الحول. شهادة الوالد والولد 1196 - وتقبل شهادة الوالد على ولده، والولد على والده في سائر الحقوق. 1197 - ومن أصحاب الشافعي من قال: لا تقبل شهادة الولد على والده في إيجاب القصاص وحد القذف لأنه لا يلزمه القصاص بقتله، ولا حد القذف بقذفه فلا يلزمه ذلك. 1198 - نقول: والمذهب ما نقول لأنه غير متهم. 1199 - واختلف فيمن شهدا على رجل أنه قذف ضرة أمهما: فقال الشافعي في القديم: لا تقبل لأنهما يجران إلى أمهما نفعاً لأنه يجب عليه بقذفها الحد فيحتاج إلى اللعان فيفرق بينه وبين ضرة الأم. 1200 - وقال في الجديد تقبل وهو قولنا لأن حق أمهما لا يزيد بمفارقة الضرة. 1201 - وكذلك اختلفوا في طلاق الضرة على هذا الخلاف سواء. فصل شهادة العدو 1202 - وقبل أصحابنا شهادة العدو على عدوه.

فصل شهد لمن لا تجوز له الشهادة ولمن تجوز

1203 - وقال الشافعي لا تقبل لأن العداوة تمنع العدالة ونحن نقبل شهادة المسلم على الذمي وهما أشد عداوة. 1204 - وقال الشافعي: العدو متهم في الشهادة. فصل شهد لمن لا تجوز له الشهادة ولمن تجوز 1205 - وإذا شهد لمن لا تجوز الشهادة له ولمن تجوز له الشهادة، فاتفق أصحابنا أنه تبطل الشهادة في حق من لا تجوز له الشهادة، واختلف في حق الآخر، فمنهم من قال تبطل أيضاً في حقه لأن الشهادة إذا أبطل بعضها بطل جميعها، ومنهم من قال لا تبطل في حق الآخر لأنه يجوز أن يبتدئ بالشهادة في حقه. فصل شهادة التائب 1206 - ومن فسق بنوع من أنواع الفسق وتاب من الذنب وأصلح قبلت شهادته كالسارق وشارب الخمر والزاني. 1207 - وقد روى الحسن أن رجلاً من قريش سرق بعيراً على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقطع يده ثم كان يشهد بعد ذلك فيجيز شهادته. 1208 - وروى عن أبي خيرة، أنه قطع يده علي بن أبي طالب عليه السلام من المفصل، وأنه شهد عند المغيرة بن عبد الله فقال له: - من قطعك؟ فقال: - علي بن أبي طالب. قال: - ما أراه إلا ظلمك!

شهادة المحدود في القذف

قال: - والله ما ظلمني. فأجاز شهادته. 1209 - وهو قول شريح وعطاء والشافعي ومالك، ولا نعلم فيه خلافاً بين الفقهاء المعروفين. شهادة المحدود في القذف 1210 - واختلف في المحدود في القذف إذا تاب، فقال أصحابنا جميعاً إن شهادته لا تقبل وتوبته فيما بين الله وبينه. 1211 - وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في القذف، وهو المروى في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى، وهو قول الحسن وشريح وإبراهيم وابن عباس. 1212 - وقال عطاء وطاووس ومجاهد وعكرمة ومسروق والشعبي وعبد الله بن عبيد والزهري والعوام بن حوشب وسليمان بن يسار ويزيد بن عبد الله بن قسيط ويحيى بن سعيد وربيعة -رضي الله عنهم- قالوا إذا تاب قبلت شهادته وهو قول مالك بن أنس والشافعي في آخرين. فصل في كيفية التوبة من القاذف 1213 - روى عن الشعبي وطاووس والضحاك أنهم قالوا: توبته أن يكذب نفسه عند السلطان، وهو قول الشافعي أن توبته أكذاب نفسه، واختلف أصحابه: فقال أبو سعيد الأصطخري: توبته أن يقول كذبت فيما قلت ولا أعود إلى مثله، وقال أبو إسحق وأبو علي بن أبي هريرة يقول: قذفي له كان باطلاً، ولا يقول كنت كاذباً.

فصل التوبة من المعصية

1214 - قال علي بن موسى القمي من أصحابنا في أحكام القرآن الصغير: لا سبيل لنا إلى تصحيح توبة القاذف لأنه إن قال كذبت فقد علمنا ذلك وحكمنا به، ولكذبه حددناه، وقد قال تعالى: {فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ}، وإن كان صادقاً فيما قال فلا يجوز أن يشهد على نفسه بالكذب، وإن قال كنت صادقاً فهذا نكران للقذف هذا معنى كلامه. 1215 - وقال أصحابنا في قوله تعالى: وأولئك هم الفاسقون خبر، وقوله إلا الذين تابوا فرجع إلى أقرب المذكورين وهو الخبر دون ما تقدم لاختلاف الجمل المتقدمة. 1216 - ولا خلاف أنه يحد مع توبته فلو كانت التوبة ترجع إلى ما تقدم لسقط الحد. فصل التوبة من المعصية 1217 - والتوبة من المعصية أن يعزم على أن لا يفعل مثلها في المستقبل، ويستغفر الله عما مضى ويندم على ما فعل هذا إذا لم يتعلق بها حق آدمي. 1218 - فإن تعلق بها حق آدمي فالتوبة أن يؤدي ذلك الحق إلى مالكه أو يسأله حتى يبرئه. 1219 - وقد روى إبراهيم النخعي أن عمر -رضي الله عنه- رأى رجلاً يصلي مع النساء فضربه بالدرة فقال الرجل: -

فصل تعلق حد ال

والله لئن أحسنت فقد ظلمتني. وإن كنت أسأت فما علمتني فقال عمر -رضي الله عنه-: - اقتص فقال: - لا اقتص قال: فاعف عني فقال: لا أعفو عنك فافترقا على ذلك، ثم لقيه من الغد، فتغير لون عمر، فقال له الرجل: - يا أمير المؤمنين (أرى) ما كان مني أسرع فيك! قال: - أجل قال: - فاشهد أني قد عفوت عنك. 1220 - وإن لم يقدر على صاحب الحق نوى أنه إن لقيه أوفاه حقه. فصل تعلق حد الله 1221 - وإذا تعلق بالمعصية حد الله تعالى كحد الزنا والشرب، فإن لم يظهر ذلك فالأولى أن يستره على نفسه لما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من أتى من هذه القاذورات فليستتر بستر الله تعالى، فإنه من أبدا لنا صفحته أقمنا عليه حد الله". 1222 - فإن أظهره لم يأثم لأن ماعزاً والغامدية اعترفا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالزنا فرجمهما ولم ينكر عليهما. فصل التوبة المعتبرة 1223 - والتوبة التي ترد التائب إلى حال الشهادة من الزنا والسرقة والشرب

فصل التوبة على من يحد

فحكم عليه ثم تاب إذا صلح عمله وفارق طريقته المذمومة لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا}. 1224 - واختلف أصحابنا في مقدار المدة بعد التوبة فمنهم من قال سنة كاملة لأنها تجمع الفصول الأربعة التي تتغير فيها الطباع، ومنهم من لم يقدر ذلك (وردها) إلى اجتهاد الحاكم. 1225 - والتوبة من الردة إظهار الشهادتين والرجوع إلى ملازمة الدين والقيام بفروضه وفعل نوافله وسننه مع الإمكان. فصل التوبة على من يحد 1226 - واختلف أصحاب الشافعي فيمن شهد ولم تقبل شهادته بالقذف هل يحد أم لا؟ وبنوا التوبة على القول بوجوب الحد، فقالوا إن قلنا يحد تجب عليه التوبة، وإن قلنا لا يحد فلا توبة عليه. فصل شهادة المولى لمكاتبه إلخ 1227 - وإذا شهد المولى لمكاتبه بمال فردت شهادته ثم أدى المكاتب المال وعتق وأعاد المولى له بالشهادة بالمال لم تقبل الشهادة لأنها ردت لأجل التهمة. 1228 - وكذلك إذا شهد العبد والكافر فردت شهادتهما لأجل التهمة لم تقبل إذا أعادا، وإن كانت لأجل الكفر والرق قبلت. 1228 - وكذلك إذا شهد العبد والكافر فردت شهادتهما لأجل التهمة لم تقبل إذا أعادا، وإن كانت لأجل الكفر والرق قبلت. 1229 - وقال أبو العباس من أصحاب الشافعي تقبل شهادة المولى إذا أعاد الشهادة، قال لأن المعنى قد زال بالعتق. ورد عليه أصحابه وقالوا مثل قولنا، لأنه رد للتهمة فهو كالفاسق.

فصل الشهادة المتبادلة

فصل الشهادة المتبادلة 1230 - قال أصحابنا: ومن ترك مالاً وورثة فشهد رجلان لرجلين على الميت بدين وشهد المشهود لهما للشاهدين بمثل ذلك فالشهادة باطلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وابن أبي ليلى لأنه يشتركون في التركة. 1231 - وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير إن الشهادة جائزة. 1232 - وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنهم إن جاءوا جميعاً فالشهادة باطلة وإن جاءوا مفترقين فشهد الأولان لمن ادعى ثم عادا وادعيا وشهد الآخران فشهادتها جميعاً جائزة. 1233 - وقد ضعف أصحابنا ذلك لأنه يوجب مقاسمة الأولين ما أخذاه إذا لم يترك غير ما أخذاه. 1234 - ولو شهد أحد الفريقين بدين على الميت وشهد أولئك لمن شهدا بأرض أو عرض في يد الميت فالشهادة جائزة. الشهادة على ما يوجب الشركة في تركة الميت 1235 - وكل شهادة لا توجب الشركة في تركة الميت فهي جائزة، وما توجب الاشتراك فهي باطلة. 1236 - ولو كانت هذه الشهادة على حق وهو يجحد جازت شهادة الفريقين في جميع الأحوال. فصل تبادل الشهادة بالوصية 1237 - ولو شهدا بالوصية لهما وشهد الآخران بمثل ذلك فهي كالشهادة بالدين على الخلاف من الصحة والبطلان.

باب الشهادة على الشهادة

فصل الشهادة على طلاق الأمة 1238 - وإذا شهد الموليان أن الزوج طلق الأمة، وهي تدعي ذلك، لم تجز في قولهم جميعاً، وإن لم تدع جازت شهادتهما في قول أبي يوسف ولا تجوز في قول محمد، ولا رواية عن أبي حنيفة تعرف في ذلك. 1239 - ولو شهد رجلان لرجل أنه ابن الميت ثم شهد الابن ورجل المشاهدين بدين على الميت ألف درهم فالشهادة باطلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند غيرهما تجوز. والله أعلم. فصل شهادة الأعمى والأخرس 1240 - قد ذكرنا أن العمى يمنع قبول الشهادة إذا طرئ قبل الحلم خلافاً لأبي يوسف والشافعي، وإن زال العمى فشهد جازت الشهادة وهو كالخرس إذا زال، والعقل إذا رجع، وقبل الشافعي شهادته فيما تقبل فيه الاستفاضة من غير تفصيل، وإذا ضبط ولم يجره على القتل والأفعال ولا على العقود التي تثبت بالصوت. 1241 - وقد ذكرنا فيما تقدم من هذه الأشياء ما يمنع مجتمعاً ومفترقاً. 1242 - وسنذكر ما ترد فيه الشهادة من حيث الحكم والاختلاف والتعارض بين الدعاوى من الكتب والحوادث إن شاء الله. 1243 - وإذ قد ذكرنا حكم الشهادة في الأبواب المتقدمة فلنذكر حكم الشهادة على الشهادة. باب الشهادة على الشهادة دليل جوازها وهذا باب يذكر فيه حكم الشهادة على الشهادة وما قيل في ذلك: 1244 - اعلم أنه لا آية من كتاب الله ولا سنة ثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا وصلت إلينا في جواز الشهادة على الشهادة، والفقهاء قد علموا

باب الموضع الذي تقبل فيه الشهادة على الشهادة

بذلك وذكروه في الكتب، ولعله قد كان فيه سنة فاكتفوا فيه بالعلم أو قاسوا ذلك ذلك على الأخبار في الدين ووجوب العمل بها. الشهادات على شهادة الميت 1245 - وقد روى الخصاف في آداب القضاء عن علي بن أبي طالب عليه السلام [أنه] قال: لا نقبل على شهادة الميت دون رجلين. 1246 - وقد روى عن الشعبي [أنه] قال: لا تجوز شهادة الشاهد على الشاهد حتى يكونا اثنين. 1247 - وإذا شهد النفر على شهادة رجل واحد فهو واحد والاثنان على الاثنين فرجل واحد. 1248 - وإن شريحاً كان إذا شهد عنده رجل عل شهادة رجل قال: - قل أشهدني ذوو عدل. 1249 - فهذا ما روى في الباب ويكفي أن يكون فيه أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- قائلاً به: وهو فيه الصحابة، وهو قول أصحابنا جميعاً وبه قال مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم، والحاجة إليه داعمة إذا غاب الشهود أو ماتوا فينبغي أن يكون ذلك جائزاً. 1250 - وإذا قد ذكرنا جواز ذلك في الشرع فلنذكر موضع قبول ذلك. باب الموضع الذي تقبل فيه الشهادة على الشهادة وهذا باب الموضع الذي يقبل فيه ذلك: 1251 - اجمع أصحابنا جميعاً أنها مقبولة في كل حق يثبت في المال، وما لا يسقط بالشبهة من الحقوق. 1251 - فأما الحدود والقصاص فلا يقبل ذلك فيه عندنا. 1252 - وقال الشافعي تقبل في الأموال وحقوق الآدميين وفيما لا يسقط بالشبهة من حقوق الله تعالى.

باب عدد شهود الفرع

1253 - فأما الحدود كحد الربا والسرقة وقطع الطريق وشرب الخمر ففيهما قولان: أحدهما يجوز لأنه يثبت بالشهادة فجاز أن يثبت بالشهادة على الشهادة كحقوق الآدميين. والثاني لا يجوز لأن المقصود بالشهادة التوتق للحق، وحقوق الله تعالى مبينة على الدرء والإسقاط وهذا ليس هو الوجه، ولكن الوجه عندنا أن الحدود لا يجوز أن تستوفي إلا بنص أو اتفاق، ولا نص ولا اتفاق في ذلك فلا يجوز أن يفعله ولا قياس ذلك على الأموال لأن الأموال يجوز دخول البدل والإباحة فيها ويثبت حكم ذلك لها، وفي الحدود والقصاص لا يجوز، لأن الرجل لو ادعى عليه قتلا فقال: ما قتلت ولكن يقتلني فقد وهبت نفسي له لم يجز له القتل، وفي المال يجوز إذا وهب، وقال لا شيء له علي وقد وهبت له. 1254 - وعلى المذهبين إن كل ما يجوز أن يثبت بالشهادة على الشهادة يثبت بكتاب القاضي إلى القاضي لأنه يحتاج إلى تحمل الشهود الكتاب المكتتب فهو كشهود الأصل يحتاج إلى تحمل. 1255 - وإذ قد ذكرنا موضع القبول فلنذكر عدد الشهود. باب عدد شهود الفرع في موضع قبولها 1256 - قال أصحابنا: لا يجوز في ذلك أقل من اثنين على الواحد لأنه نقل لقوله إلى الحاكم، فهو كنقل الإقرار. 1257 - فإن شهد اثنان على شهادة كل واحد من الشاهدين جاز ذلك عندنا. 1258 - ويجوز في هلال رمضان الواحد على الواحد في الغيم والاثنين على الاثنين في شهادة شوال وسائر الشهور، والعبد على العبد والمرأة على المرأة، فما يثبت في الأصل يثبت بمثله إذ شهد به شاهد الفرع.

فصل (الشهود على شهود الأصل إن كانوا أربعة)

1259 - ويعتبر في الواحد الفرد في رمضان وباقي الشهود لا يجوز بالواحد، بل يعتبر كما يثبت بالشهود اثنان أو رجل وامرأتان. 1260 - وقال الشافعي، في أحد قوليه لا يجوز حتى يكون على شهادة كل واحد اثنان، والقول الآخر كقولنا. 1261 - ويجوز عندنا بشهادة رجل وامرأتين كما يجوز في الحق المشهود به. 1262 - وقال الشافعي لا تجوز إلا برجلين. 1263 - وقال لو كان شهود الأصل رجلاً وامرأتين قبل في أحد القولين شهادة اثنين على شهادة كل واحد منهم. ولا يقبل في القول الآخر إلا ستة يشهد كل اثنين على شهادة كل واحد منهم. 1264 - وإن كان شهود الأصل أربع نسوة في الولادة والرضاع قبل في أحد القولين شهادة رجلين على كل واحدة منهن، ولا يقبل في الآخر إلا شهادة ثمانية يشهد كل اثنين على شهادة [كل] واحدة منهن. فصل (الشهود على شهود الأصل إن كانوا أربعة) 1265 - وإن كان شهود الأصل أربعة من الرجال وهو حد الزنا، وقال أنه تقبل فيه الشهادة على الشهادة، فإن قلنا تقبل من شاهدين على شاهدي الأصل في غير الزنا ففي حد الزنا قولان أحدهما أنه يكتفي شاهدان في إثبات شهادة الأربعة، كما يكفي في إثبات شهادة اثنين، والثاني أنه يحتاج إلى أربعة لأن فيما يثبت باثنين يحتاج في شهادة كل واحد منهما إلى العدد الذي يثبت به أصل الحق وهو اثنان، وأصل الحق ههنا لا يثبت بدون الأربعة فلم تثبت شهادتهم إلا بأربعة. 1266 - قالوا: وإن قلنا فيما يثبت بشاهدين لا يقبل إلا أربعة ففي حد الزنا قولان أحدهما أنه يحتاج إلى ثمانية لتثبت شهادة كل شاهد بشهادة واحد. والثاني أنه يحتاج إلى ستة عشر رجلاً لأن شهادة كل واحد لا تثبت إلا بما يثبت به أصل الحق وذلك أربعة، وقد نقض هذا الأصل بأنه يثبت الأصل بالرجال والنساء في المال ولا يعتبر في الفرع مثل ذلك، ونجيزه [كذا].

فصل 1267 - وإذا شهد عشرة على الواحد فهي شهادة واحد، وإذا شهد عشر نسوة على رجل فهي شهادة رجل [واحد] وإن شهدوا على امرأة فهي شهادة واحدة، ولو شهد اثنان على شهادة عشرة رجال جاز ذلك وحكم به الحاكم عندنا. 1268 - وينبغي على قول الشافعي أن لا تثبت شهادة العشرة (إلا) بعشرين في أحد قوليه. 1269 - ولو شهدا على امرأة جاز ذلك، وعلى (المدعى) أن يتم البينة. 1270 - ولو شهد عشر من النساء على شهادة رجل وامرأتين أو امرأة لم يقبل الحاكم ذلك حتى يشهد معهن رجل. فصل 1271 - قال (الشافعي؟): وليس لمن سمع الشاهد يشهد غيره أن يشهد عليه حتى يشهد شاهد الأصل، لأنه لو أخبر رجلاً بأن فلاناً أقر لفلان بكذا لم يكن للمخبر أن يشهد بذلك على شهادته. 1272 - قال أصحاب الشافعي: ولا تصح الشهادة على الشهادة إلا من ثلاثة أوجه. أحدها أن يسمع رجلاً (يقول) أشهد أن لفلان على فلان كذا فيضاف إلى سبب يوجبه من ثمن مبيع أو مهر لأنه لا يحتمل مع ذكر السبب إلا الوجوب. والثاني: أن يسمعه يشهد عند الحاكم على رجل بحق، لأنه لا يشهد عند الحاكم إلا بما يلزم الحكم به. والثالث: أن يستدعيه رجل بأن يقول: أشهد أن لفلان على رجل كذا وأشهد على شهادتي بذلك، لأنه لا يستدعيه (إلا) على واجب، لأن الاستدعاء وثيقة والوثائق لا تكون إلا على واجب، وأما إذا سمع رجلاً في دكانه أو طريقه يقول: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم ولم يقل: أشهد على شهادتي لم يحكم به لأنه قد يكون وعداً فلم يجز تحمل الشهادة عليه. 1273 - قالوا: وإن سمع رجلاً يقول: لفلان على ألف درهم فهل يجوز أن يشهد عليه بذلك؟

فصل كيفية شهادة شاهدي الفرع

فهو وجهان: أحدهما أنه لا يجوز أن يشهد عليه، كما لا يجوز أن يتحمل الشهادة عليه. والثاني، قالوا وهو المنصوص أنه يجو أن يشهد عليه. والفرق بينه وبين التحمل أن المقر يوجب الحق على نفسه فجاز من غير استدعاء والشاهد يوجب الحق على غيره فاعتبر فيه الاستدعاء، ولأن الشهادة أكد؟ فصل كيفية شهادة شاهدي الفرع 1274 - فأما أصحابنا فقالوا: يسأل القاضي شاهدي الفرع كيف يشهدان فإن قالا: نشهد أن فلان بن فلان أشهدنا على شهادته أنه يشهد أن فلان بن فلان أقر عندنا وأشهدنا على نفسه أن لفلان هذا عليه ألفاً، وقال لنا اشهدا على شهادتي: إني أشهد أن فلاناً أقر على أن لفلان ألفاً فهذه شهادة صحيحة والحكم بها واجب. 1275 - وإن قالا: إنه قال لنا: أشهد إني أشهد على إقرار فلان لفلان بكذا وكذا فإن أبا حنيفة قال: لا أقبل ذلك، وقال أبو يوسف في الإملاء هو جائز. 1276 - وقال: لو قال أني أشهد لفلان على فلان بألف درهم أقر بها فاشهد بذلك فشهد على شهادته فهو جائز. 1277 - وقال أبو حنيفة: لا يجوز حتى يقول: أشهد على شهادتي. فصل السؤال عن عدالة شاهد الأصل 1278 - وإذا شهدا على شهادة غيرهما سألهما عن عدالة الذي شهدا على شهادته فإن قالا هو عدل، أو كان يعرف عدالتهما أو أخبراه بعدالتهما لم يسأل. 1279 - وإن قالا لا نجيز هما لم يقبل شهادتهما. 1280 - فإن قال الطالب: أنا آتيك بمن يعدل لم يقبل ذلك ولا يحكم بهذه الشهادة لأنهما لم يعدلا هما فلم يصدقا، وذلك طعن فيهما. 1280 - وهذا قول محمد. 1281 - وقال أبو يوسف: أقبل ذلك وأسأل عنهما.

فصل شروط الحكم بشهادة الفرع

1282 - ويجب أن يذكر المقر والمقر له ويعرفانهما بأبلغ ما يعرف به كل واحد منهما. 1283 - وقال أصحاب الشافعي عنه: - وإن قالا نشهد على شهادة عدلين، لم يحكم لأنه يجوز أن يكونوا عدولاً عندهم غير عدول عند الحاكم ويجب أن يوردا الشهادة على الصفة التي تحملاها في الوجوه التامة. فصل شروط الحكم بشهادة الفرع 1284 - ولا يجوز الحكم بشهادة شهود الفرع إلا أن يكون شهود الأصل (قد ماتوا) أو هم مرضى لا يقدرون على الحضور، أو يكونوا على مسافة تقصر في مثلها الصلاة عند أبي حنيفة. وقال أبو موسى والشافعي: إذا كان بحيث لا يرجع في يومه إلى منزله فهو عذر تجوز معه الشهادة، وإن كان يقدر على الرجوع إلى منزله في يومه وليلته لم يجز، لأن الأصل إن قدر عليه لم يجز الحكم بالبدل إلا لضرورة. واتفق الجميع على أنهما (إن حضرا) مجلس الحكم قبل الشهادة أو بعد الشهادة قبل الحكم أنه لا يحكم (بشهادة الفرع) وإنما يحكم بالأصل. وكذلك، لو رجع شهود الأصل قبل الحكم وقبل السماع بطلت شهادة الفرع. فصل الشهادة على شهادة الأب وقضائه 1285 - قال أصحابنا: (إن) شهد رجلان على شهادة أبيهما بحق لرجل على آخر جاز ذلك، ولو شهدا على قضية أبيهما أنه قضى لرجل على رجل بحق من الحقوق وقد كان أبوهما

تسمية شهود الأصل

قاضياً لم يجز ذلك، لأن القضية فعل أبيهما فلا يجوز ذلك [وقد ذكر هذه] المسألة الخصاف. تسمية شهود الأصل 1286 - ولابد في الشهادة من تسمية شهود الأصل وهو أن يقولوا: نحن نعرفهما ولكن لا نعرف اسميهما. وفي الأخبار يقبل ذلك ولا يجب عندنا ذكر اسم الراوي، وهو خلاف في الخبر. 1287 - وإذا قد ذكرنا حكم الشهادة على الشهادة وشهادة الرجل، وكان الحكم يقع بغير الشهادة وبحكم الحاكم بذلك وهو النكول وما يتبعه من الإيمان والعلم والإقرار وجب ذكر ذلك.

باب النكول عن الأيمان

باب النكول عن الأيمان وهذا باب النكول عن الإيمان إذا توجهت اليمين وعدمت البينة. 1288 - كان الواجب أن نذكر هذا الباب بعد توجه اليمين على المدعى عليه وعدم البينة وإنما قدمناه في الموضع لأنه طريق إلى الحكم والقضاء وأن القاضي يجب أن يكون سابقاً لمواضع الحكم وكيفية القضاء وماله أن يفعل وما عليه أن يترك، ولهذا المعنى قدمنا الكلام على ما ذكرناه وقدمنا النكول على الإيمان، لأن اليمين يترتب على بذل الحالف والنكول سكوت عن الجواب وهو الأصل فلهذا قدمنا ذلك. الآثار المروية في النكول 1289 - اعلم أن النكول والحكم به ليس فيه نص من كتاب ولا سنة، وإنما هو أمر فعله الصحابة والتابعون -رضي الله عنهم-. 1290 - واجمع أهل العلم على أنه له حكماً يتعين به القضاء، وسنبين ذلك في بابه في كيفية القضاء. 1291 - والذي روى في ذلك من الآثار عن الصحابة ومن في عصرهم من التابعين ممن لم ينقرض العصر ألا وهم من أهل الاجتهاد ويعد خلافهم معهم. 1292 - ذكر الخصاف عن ابن أبي مليكه عن ابن عباس رحمه الله أنه أمره أن يستحلف امرأة فأبت أن تحلف فألزمها ذلك. 1293 - وروى عن سالم أن ابن عمر باع غلاماً بثمانمائة درهم فوجد به المشتري عيباً فخاصمه إلى عثمان -رضي الله عنه- فقال: -

بعثه بالبراءة. فقال: - احلف لقد بعته وما به عيب تعلمه. قال: - بعته بالبراءة، وأبى أن يحلف. فرده عثمان عليه. 1294 - وروى الحرث قال: - نكل رجل عند شريح عن اليمين فقضى عليه، فقال الرجل: - أنا أحلف. فقال: - قد قضى قضائي. 1295 - وروى عن مغيرة وابن شبرمة أنهما قالا: - اشترى عبد الله غلاماً لامرأة فلما ذهب إلى منزلة حم الغلام، فجاء الغلام فخاصم إلى الشعبي فقال لعبد الله. - بينتك على أن لك ذلك؟ قال: - ليس لي بينة. فقال الرجل: - احلف أنه لم يبعه. فقال الرجل: - أنا أرد على عبد الله. فقضى الشعبي باليمين. فقال: - إما أن تحلف وإما أن أرد عليك الغلام.

باب الموضع الذي يقضى فيه بالنكول

1296 - فهذا ما روي فيه عن الصحابة والتابعين. 1297 - وقضاء الصحابة والأئمة منتشر في الأمة، ولو كان ذلك لا يجوز لا نكروه. 1298 - وقد أجمع الفقهاء جميعاً على أنه بعد النكول على قولين: منهم من يرد اليمين فيحلف المدعى ويأخذ الحق. ومنهم من قال يأخذ الحق ولا يمين عليه، ولو أن للنكول حكماً ليس لغيره لما جاز الحكم بيمين المدعى، ولهذا لو حلف ابتداء لما استحق الحق. 1299 - وسنذكر في باب رد اليمين ما قيل في ذلك. 1300 - فإذا عرفت أن النكول هو طريق إلى الحكم وجب أن نذكر الموضع الذي يقضي فيه بالنكول. باب الموضع الذي يقضى فيه بالنكول وهذا باب الموضع الذي يقضي فيه بالنكول وما لا يقضى فيه، وما قيل في ذلك. تكييف النكول 1301 - اعلم أن عمدة الباب أن النكول عند أبي حنيفة رحمه الله يقوم مقام البذل فكل ما يصح بذله يجوز أن يحكم فيه بالنكول. وكل موضع لا يصح بذله لا يحكم فيه بنكول. 1302 - وقال أبو يوسف ومحمد: هو بمنزلة الإقرار، فما يصح بإقراره يجوز أن يحكم فيه بنكوله. 1303 - وهو فرع على توجيه اليمين عند أبي حنيفة، فما لا يمين فيه لا يقضي فيه بالنكول. 1304 - والذي لا يمين فيه عنده: الحدود وهي الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف وقطع الطريق، والنكاح والرجعة والفيء والإيلاء والولاء والنسب والرق. 1305 - وقال أبو يوسف وزفر: يستخلف في كل شيء إلا في الحدود خاصة.

1306 - وهو قول محمد. 1307 - فالنكول يقضي به عند أبي حنيفة في الأموال كلها والطلاق والعتاق وما يصح بذله وكل الحقوق عنده سواء إلا القود والقصاص فإنه إذا ادعى القود في النفس فنكل عن اليمين فأبو حنيفة يحبسه حتى يقر أو يحلف، ويقضي بالنكول فيما دون النفس. 1308 - وقال أبو يوسف ومحمد يقضي في النفس وفيما دونها بالأروش والديات لا بالقصاص. 1309 - فأبو حنيفة لا يقضي في النفس بقصاص ولا دية، وهما يقضيان بالدية دون القصاص، وفي الطرف يقضي أبو حنيفة بالقصاص وهما بالديات. 1310 - وقال زفر: النفس وما دونها سواء ويقضي في الجميع بالنكول إذا نكل اقتص كما يقضي بالمال. 1311 - وقال الشافعي ومالك: لا يقضي بالنكول في شيء، ويرد اليمين فإن حلف المدعى قضى له بالحق. 1312 - هذا في كل موضع يدعى الحق ودين ويرد فيه اليمين إلا في مواضع منها إنهم قالوا إذا ادعى حق لميت ورثة المسلمون فأنكر ذلك ونكل عن اليمين فقال الأصطخري يقضي بالنكول لأنه لا يمكن رد اليمين على المسلمين ولا على القاضي فيقضي للضرورة. 1313 - وقال غيره من أصحابه يحبس المدعى عليه حتى يقر أو يحلف ولا يقضي بالنكول. 1314 - وقضى في إثبات لعان الزوج بالحد عليه، وفي نكول المرأة بالحد والرجم إن كانت قد دخل بها. 1315 - وفي القسامة بنكول المدعين 1316 - وفي الزكاة إذا حلف العامل أنه قد فرقها فنكل. 1317 - وكذلك إذا أراد اليمين فنكل المدعى عنها يسقط حقه ولا يجوز له بعد ذلك أن يحلف كما قلناه نحن وتفريعه في رد اليمين سنذكره في بابه إن شاء الله.

باب كيفية القضاء بالنكول

1318 - فهذه المواضع التي يقضي فيها والتي لا يقضي فيها. 1319 - وإذ قد ذكرنا مواضع القضاء والمواضع التي لا يقضي فيها وجب ذكر كيفية القضاء [بالنكول]. باب كيفية القضاء بالنكول وهذا باب كيفية القضاء بالنكول. صيغة القضاء بالنكول 1320 - قال أصحابنا: وإذا ادعى رجل حقاً على رجل وحضر عند الحاكم ولا بينة له وطلب اليمين بعد توجهها نحوه فامتنع عن اليمين فإن القاضي يقول: - احلف على ذلك بالله ماله ما يدعى عليك من الحق. يكرر ذلك ثلاث مرات. فإن لم يحلف ألزمه الحق وحكم عليه. 1321 - ومن أصحابنا من قال: يقول القاضي له: - إني أعرض عليك اليمين. ثلاث مرات فإن حلفت وإلا ألزمتك دعوى خصمك بنكولك عن اليمين وامتناعك عنها، انحلف بالله على ما أنكرت من دعوى خصمك ويعقد واحداً بيده، أتحلف بالله على ما أنكرت من دعوى خصمك ثانية، ويعقد اثنين، أتحلف بالله على ما أنكرت من دعوى خصمك. ثلاثاً ويعقد ثلاثاً، ثم يعلمه أنه قد ألزمه ما أدعاه خصمه ثم لا يقبل يمينه بعد ذلك ولا ينفعه اليمين بها. كذا قال الطحاوي في آداب القضاء الصغير له. الحلف بعد العرض وقبل القضاء 1322 - وقال الخصاف: إذا حلف بعد العرض عليه قبل القضاء جاز ذلك ولم يكن له أن يقضي عليه بالنكول. اقتران النكول بالقضاء 1323 - وهذا إنما ذكرناه لأنه بعد النكول يحتاج إلى القضاء، ولا يلزم

استئناف العرض

الحق بالنكول حتى ينضم إليه القضاء كما لا يلزم الحق بالشهود حتى ينضم إلى الشهادة حكم الحاكم بها فيلزم حينئذ الحق. 1324 - وقد كان أبو حنيفة يقول: النكول مرة واحدة إنه إذا نكل عن اليمين وأبى أن يحلف لزمته دعوى المدعى من غير أن يعرض عليه، لما ذكره أبو موسى الضرير في مختصره. استئناف العرض 1325 - وقاله الطحاوي في أدبه عن بعض أصحابنا ومن نكل عن اليمين مرة أو مرتين ثم سأل المدعى أن يؤخره يوماً أو يومين لينظر في أمره ثم أحضره بعد فإن القاضي يستأنف العرض عليه ولا يعتمد بما مضى من العرض. امتناع المدعي عليه عن الإقرار والإنكار 1326 - قال أصحابنا وإذا قال المدعى عليه لا أقر ولا أنكر أودعه القاضي في حبسه حتى يقر أو ينكر. 1327 - وقال الشافعي يقول له القاضي: - إن أجبت وإلا جعلتك ناكلاً. 1328 - ويستحب أن يقول له ذلك ثلاثاً فإن لم يجب جعله ناكلاً وحلف المدعى وقضى له، قال لأنه لا يخلو إذا أجاب أن يقر أو ينكر، فإن أقر فقد قضى عليه بما يجب على المقر وإذا أنكر فقد وصل إنكاره بالنكول عن اليمين فقضينا بما يجب إنكاره. 1329 - وهذا التقسيم لا يصح لأنه يحتمل أن يقر ببعض الحق وينكر البعض فلا يكون قد قضى عليه بإقرار ولا إنكار فما قال أصحابنا أولى.

طلب الخصم اليمين

فصل دعوى المدعي عليه وجود حساب بينه وبين المدعي 1330 - وإن قال بيني وبينه حساب أو مناظرة قال له القاضي: ذلك إليه. 1331 - وقال الشافعي يؤخره ثلاثة أيام لأنها مدة قريبة، وإن لم يذكر عدداً جعله ناكلاً وحول اليمين. فصل دعوى المدعي عليه أن المدعي كان قد استحلفه 1332 - فإن قال قد استحلفني على هذه الدعوى، فإن كان القاضي يحفظ ذلك لم يستحلفه وإن كان لا يحفظ استحلفه. 1333 - وإن قال: قد أحلفني عند رجل من الرعية، احلفه القاضي، إذا سأل، ولم يمنع من ذلك ما استخلفه غيره. طلب الخصم اليمين 1334 - وكذلك إذا حلفه القاضي قبل طلب الخصم اليمين لم يعتد بيمينه على ذلك. فصل طلب المدعي عليه التأجيل مع إقراره 1335 - وإن أقر بما ادعى عليه وسأل الخصم أن يؤجله شفع القاضي له إذا سأله، وليس ذلك بواجب على القاضي لما روى ابن عباس رحمه الله عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رجلاً رفع إليه غريماً له فسأله الغريم أن ينظره شهراً، فقال له عليه السلام: انظره فأبى فتحمل عنه. 1336 - وإن سكت فلم يتكلم المدعى عليه بعد الدعوى لم يعجل الحاكم عليه واستكشف عن أمره وهل به صم أو خرس، فإذا اتضح له حاله وأنه لا آفه به عرض عليه اليمين ثلاثاً وقضى عيه بنكوله.

باب اليمين

1337 - هكذا ذكر المسألة الخصاف إذا لم يقر ولم يتكلم. 1338 - وقد ذكرنا أنه إذا قال: لا أقر ولا أنكر يحبسه، وإن الطحاوي روى ذلك، وهذا خلاف رواية الخصاف (وقول) الخصاف يوافق مذهب الشافعي في رد اليمين. 1339 - والصحيح عندنا ما قاله الطحاوي في ذلك لما ذكرناه من الوجه فيه، ولأن البينة لا تسمع عليه في هذه الحال عندنا حتى يحصل الإنكار الذي هو شرط سماعها فكذلك الحكم بالنكول. 1340 - وإذ قد ذكرنا حكم النكول وموضع الحكم به وكيفيته، وجب أن نذكر اليمين وصفتها ومواضع وجوبها، وسقوطها، وما يثبت من حكمها ومالا يثبت. باب اليمين وهذا باب اليمين وما يجب في معرفتها وشروطها. 1341 - اعلم أن اليمين وضعت لقطع الخصام كما وضعت البينة لذلك. 1342 - وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- موضعها، روى ابن عباس أنه عليه السلام قضى باليمين على المدعى عليه، وروى عن النبي -عليه السلام- أنه قضى باليمين على المطلوب، وروى عن عبد الله بن مسعود (عن النبي) أنه قال: - من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال رجل مسلم لقيى الله وهو

عليه غضبان، وتلا الآية فقال الأشعث: في والله نزلت كان بيني وبين رجل من اليهود ارض فجحدتى فقدمته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: - الك بينة. - فقلت: لا فقال: لليهودي: احلف فقلت: يا رسول الله إذا يحلف فيذهب بمالي فأنزل الله "الذين يشترون بعهد الله" الآية. 1343 - وقد روى عبد الله بن عوف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر منادياً فنادى حتى بلغ إليه: - لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين وإن اليمين على المدعى عليه. 1344 - وقال سعيد بن المسيب:

باب صفة اليمين

مضت السنة أن اليمين على المدعى عليه وفي ذلك إجماع الصحابة والفقهاء -رضي الله عنهم-، إن المدعى إذا لم يجد بينة على ما يدعى أن اليمين على المدعى عليه إلا في مواضع نذكرها اختلفوا فيها، وإن الخصومة ترتفع حتى يجد ما يوجب الحق كما أن البينة تقطع الخصومة. 1345 - واليمين ليست عندنا بينة ولا تجرى مجرى البينة في إثبات الحقوق، وإنما وضعت لدفع الدعوى، فإذا ثبت أنها معمول بها، وهي طريق إلى قطع الخصومة وأحد أسباب القاضي التي يستوفيها وجب ذكر صفة اليمين. باب صفة اليمين وهذا باب صفة اليمين وكيف يحلف القاضي. 1346 - أعلم أن الناس اختلفوا في تأكيد اليمين وألفاظها. 1347 - فالذي روى في خبر ابن ركانة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حلفه حين طلق

فصل (عظة القاضي الخصم قبل الاستحلاف)

البثة، والله ما أردت إلا واحدة، فقال: والله ما أردت إلا واحدة فرد عليه زوجته ولم يؤكد اليمين بصفة ولا جمع بين اسمين، فإن رأى الحاكم فعل مثل هذا فهو يمين يقطع الخصومة. 1348 - ولا خلاف أن رجلاً لو قال: والله لا دخلت الدار ثم دخلها حنث ووجب عليه الكفارة بالحلف باسم الله وحده. 1349 - وكذلك كل اسم لله تعالى مثل الرحمن الرحيم والقادر والغالب وسائر أسمائه تعالى في ذلك سواء. 1350 - ومن أصحابنا من قال: نحلفه فنقول للخصم: قل والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب المدرك الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ما لفلان هذا عليك ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه، وهو كذا، ولا شيء منه إذا كانت الدعوى في المال. 1351 - وسنبين في كل كتاب كيف يحلف على دعواه إن شاء الله. 1352 - هكذا قال الخصاف. وقال الطحاوي: يضم إلى الطالب الغالب وأسقط المدرك، وقال الذي يعلم السر والعلانية، هكذا ذكر في المختصر. 1353 - ويضم في يمين اليهودي: بالله الذي أنزل التوراة على موسى والنصارى بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي بالله الذي خلق النار وباقي الناس بالله. فصل (عظة القاضي الخصم قبل الاستحلاف) 1354 - وإذا أراد الاستحلاف فينبغي للقاضي أن يعظ الخصم، ويقرأ عليه: {الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} الآية والخبر الذي رويناه عن ابن مسعود في الباب الأول. 1355 - وينبغي أن تكون اليمين على نسق دعوى المدعي.

باب ما يجب فيه اليمين

1356 - ويجب أن يتبع الحالف لفظ القاضي على الخفض دون الرفع والنصب ويحتفظ ما يدعى المدعى وما يستحلف المدعى عليه، حتى تكون اليمين على نسق واحد، وإن قطعها الحالف أعادها عليه حتى يأتي بها بلا قطع ولا استثناء حتى تكون اليمين موصولة. 1357 - وإذا مضى في اليمين فسأل المدعى القاضي قطعها، وقال حسبي أنا أو حسبي أخلافه لم يتممها عليه. فصل (تغليظ اليمين) 1358 - ولا تغلظ اليمين عندنا بالمكان ولا الزمان. 1359 - وقال الشافعي: إذا كانت في دم أو مال عظيم يحنث فيه لو حلف في مكة بين المقام والحجر، وفي المدينة على المنبر، وفي سائر البلاد في الجامع على المنبر بعد العصر. 1360 - قال أصحابنا: ولا يبعث اليهود إلى الكنيسة ولا النصارى إلى البيعة ولا المجوس إلى بيت النار ليقسموا هناك. 1361 - وقال الشافعي: يستحلفكم في مواضع عباداتهم وهذا لا يجوز لأن ذلك تعظيم لبيوتهم وهذا لا يجوز عندنا. 1362 - ولا يستقبل به القبلة ولا يدخله المسجد وحيث ما حلف الخصم جاز لأن الأرض لله جميعاً، وهو بكل مكان تعالى. 1363 - وإذا قد ذكرنا صفة اليمين وعلى من تجب [فلنذكر ما لا تجب فيه]. باب ما يجب فيه اليمين وهذا باب ما لا يجب فيه يمين، ولا يحلف القاضي فيه.

فصل اليمين في النسب

1364 - اتفق أصحابنا جميعاً أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن ابن زياد وسائر أصحابنا على أن الحدود كلها لا يستحلف فيها ولا يجب فيها يمين على من أدعيت عليه، إلا السرقة إن أدعا مالاً أخذه فإنهم يحلفون عليه فإن نكل عن اليمين لزمه المال ولا قطع عليه عندهم جميعاً لأن القطع لا يثبت بالنكول. 1365 - وقد حكينا فيما تقدم أن أبا حنيفة لا يستحلف في النكاح، والرجعة، والولاء والرق والفيء في مدة الإيلاء، والنسب، وإن باقي أصحابنا يختلفون في ذلك كله، وإن النكول بذل عند أبي حنيفة وعند سائر أصحابنا يقوم مقام الإقرار، ولو قام مقام الإقرار لكان ينبغي أن يثبت في الحدود لأنها تثبت بالإقرار. فصل اليمين في النسب 1366 - واختلف أصحابنا في الموضع الذي يثبت فيه اليمين في النسب: فمنهم من قال يثبت في كل موضع لو أقر به لزمه وثبت النسب منه كالابن والأب، وإن كان لا يثبت بقوله لم يثبت الاستحلاف إلا أن يدعى مالاً في يد المدعى عليه أو قبله لا يثبت المال إلا أن يستحلف على نسبه كالميراث والنفقة، فإن نكل عن اليمين شاركه في المال الذي في يديه كالأخ مع الأخ ولا يثبت النسب. لا يمين فيما لا تقبل إقراره به 1367 - قال أصحابنا: ولو ادعى رجل على آخر أنه وصى لفلان، وقد مات أو وكيل له وإن على فلان مالاً له فأنكر ذلك فلا يمين عليه إذا لم يكن وارثاً لأنه لو أقر لم يقبل منه. 1368 - ولو ادعى رجلان عبداً في يد آخر أنهما اشترياه منه فأقر لأحدهما بالشراء وأنكر الآخر وطلب يمينه لم يحلفه القاضي، لأنه لو أقر لما قبل. 1369 - وكذلك لو نكل عن اليمين لأحدهما فقضى له وطلب الآخر اليمين لم يحلف. 1370 - وكذلك المرأة يدعيها رجلان فتقر لأحدهما فهي للأول والأصل

في هذا الباب أن كل ما لا يقبل إقراره لو اقر به لم يستحلف عليه كالهبة والصدقة وغير ذلك فإنه لا يحلفه للآخر. 1371 - وقالوا: لو ادعى أحدهما الشراء والآخر الرهن أو الإجارة فأقر بالرهن والإجارة وطلب المشتري تحليفه فإنه يحلفه، وإن أقر بالشراء فالمشتري بالخيار إن شاء صبر حتى يفتكه من الرهن أو تمضي المدة في الإجارة ويأخذ وإن شاء نقض البيع. 1372 - ولو أقر لصاحب الشراء أولاً فطلب المدعى للرهن والإجارة يمينه لم يستحلف له لأنه لو أقر لما قبل منه. 1373 - قال: ولو ادعى كل واحد الإجارة فأقر لأحدهما لم يستحلف الآخر، وإن أقر لهما جميعاً فهما بالخيار على قول من يجيز إجارة المشاع. 1374 - وقال لو أن رجلاً ادعى على آخر أنه اشترى الدال التي في موضع كذا، وحددها بألف درهم وأنه شفيعها بدار له تلاصقها، فقال المدعى عليه هذه الدار في يدي لابني الطفل فقد لزمه إقراره لابنه بالدار، فإن قال المدعى حلفه لي إني ما أنا شفعيها، فإنه أراد بهذا الإقرار دفعي عن حقي فإنه لا يمين عليه لأنه لو أقر بالشراء بعد ذلك لم يقبل، وهو خصم عن ابنه، فإن أقام المدعى بينة بالشراء فالأب خصم ويقضي عليه. 1375 - وقالوا: لو ادعى رجل على آخر أنه شريك له في الوصية إليه من فلان وطلب منه اليمين فلا يمين عليه ولا يسأله القاضي عن ذلك لأنه لو أقر ما جاز ذلك، وإن احضر بينة سمعها وجعله وصياً معه. 1376 - وهذه مواضع لا يستحلف فيها وكل ما يرد من هذا الجنس فهو مثله. 1377 - فأما ما يجب فيه اليمين فهو أكثر من أن يحصى في هذا الكتاب، وإذ نحن ذكرنا الدعاوى في المسائل من الكتب جاءت المسائل مشروحة في مواضعها إن شاء الله. 1378 - ونحن نذكر ما يجب فيه اليمين على الجملة على البتات والعلم.

باب ما يجب فيه اليمين على البت

باب ما يجب فيه اليمين على البت وما يجب على العلم والفرق بينهما 1379 - وأصل هذا الباب أن كل حق ادعى على الإنسان أنه فعله أو عقده أو أعطاه أو أخذه فاليمين فيه على البت والقطع. 1380 - وكل ما ادعى على غيره أو بسبب غيره فهو على العلم. 1381 - هذا قول أصحابنا. 1382 - وكان شريح يحلف على البت والقطع فيما يدعى على المدعى عليه من دين. فإن حلف وإلا أخذه به. 1383 - وقال إذا كان لأبيك على إنسان دين يدعيه ويقيم بينة فإن حلف المدعى مع بينته وإلا لم يعطه. 1384 - وقال إبراهيم [النخعي] يستحلف في هذا على العلم مثل قول أصحابنا. وبقولنا قول الشافعي في هذا الباب. 1385 - قال أصحابنا: وإذا ادعى رجل على آخر إن أباه مات وله عليه ألف درهم فإن أقر بموته سأل عن الدين، فإن أنكر الدين حلفه: ما تعلم لهذا على أبيك هذا المال ولا شيئاً منه. 1386 - وإن قال لم يصل إلى من مال أبى شيء وأدعى على أنه وصل إليه ما ادعاه وزيادة فإنه يحلف على أنه ما وصل إليك شيء من مال أبيك. 1387 - ولو قال المدعى عليه ليس على يمين لأنه لم يصل إلى شيء لم يقبل منه ويحلفه على علمه ما يعلم أن أحداً على أبيك المال الذي يدعى ولا شيء منه "لأن المدعى" يثبت المال على الميت ويتبع تركته في يد من هي.

1388 - وإن ادعى على الوارث حقاً سماه وأنه على الميت أو على وصية، فإن الوارث يستحلف على علمه. 1389 - وكذلك إذا ادعى الشراء على البائع قبله حلف على العلم أنه لا يعلم أنه اشترى مالاً ادعاه قبله. 1390 - وإن عرض بذكر أقاله أورد بعيب حلف أنه ما يعلم أن هذا الشيء شرى لهذا من فلان قبل أن تشتريه أنت. 1391 - وإن ادعى رجل على آخر أن عبده أتلف مالاً أو جنى جناية في نفس أو دونها خطأ فإن المولى يحلف على علمه، وإن كان قتل عمد لم يكن على المولى يمين، لأنه لا يقبل قوله على العبد. 1392 - وكذلك إذا ادعى الرجل على غيره أنه دفع إلى وكيله ما يجب أو ما عليه، حلف الموكل على العلم. 1393 - وإن ادعى الشراء منه أو البيع أو الإجارة، وأطلق فاليمين على البت. 1394 - وإن ادعى رجل على رجل داراً في يديه فقال المدعى عليه: هذه الدار ورثتها من أبي والمدعى يقول: وصلت إليك من غير إرث فإنه يحلف على البت ولا يقبل قوله في الإرث. 1395 - وإن قال المدعى عليه للقاضي أحلف المدعى أنها ما وصلت إلى من ميراث أبي حلف على العلم، فإذا حلف المدعى له على علمه أحلف الوارث على البتات، ولو امتنع المدعى من اليمين حلف الوارث على علمه. 1396 - وإن ادعى رجل على آخر أن أباه قد مات وله عليه كذا فقال المدعى عليه: قد مات أبي ولهذا عليه ما ذكر، فقال المدعى قد ترك مالاً سماه، مثل ما أقر له به أو أكثر، فقال المدعى عليه ترك أبي هذا المال وهو لأخوتي وهم اثنان أو ثلاثة كبار أو بعضهم صغير وبعضهم كبير فإن القاضي يجعل الألف كلها للغريم، ولا يقبل قول الابن أن هؤلاء أخوته بعد ما ثبت الدين على الميت، إذا كانوا لا يعرفون إلا بقوله، وإن كانوا يعرفون لم يقبل إقراره إلا بحصته خاصة.

باب رد اليمين على المدعي

1397 - وكل ما على هذا الجنس فعلى هذا الأصل. إذا كانت الدعوى على الغير فليمين على العلم، وإن كانت على الخصم فهي على البت. 1398 - وإذ قد ذكرنا حكم اليمين على المدعى عليه فقد بقى أن نذكر ردها على المدعى باب رد اليمين على المدعي من قال ترد اليمين ومن قال لا ترد على المدعى. 1399 - اتفق الفقهاء في سائر الأعصار على العمل بما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قوله البينة على المدعى واليمين على المدعي عليه، فجمع في هذا الخبر جميع البينات وجميع الأيمان فلا يجوز أن [توجه] يمين في جانب المدعى. 1400 - وليس في رد اليمين سنة ثابتة تلقتها الأمة بالقبول، وإنما في ذلك خلاف بين الصحابة والتابعين والفقهاء. خلاف الفقه في تحويل اليمين 1401 - فالذي ذهب إليه أصحابنا أن اليمين لا تحول عن الموضع الذي وضعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو قول ابن عباس والحكم وإبراهيم. 1402 - وقال مالك: إذا نكل المدعى عليه عن اليمين لم يقض عليه القاضي حتى يكلف المدعى، ولا يستحلف القاضي المدعى حتى يرد المدعى عليه اليمين على المدعى. 1403 - وقال الشافعي إذا نكل المدعى عليه حلف المدعى فإن حلف استحق وإن أبى لم يستحق. 1404 - فإن قال المدعى عليه: أنا أحلف قبل أن يستحلف المدعى، قال ليس له ذلك لأنه قد أبطل اليمين عنه حيث جعلها على المدعي.

قضية بين عثمان والمقداد بن الأسود

قضية بين عثمان والمقداد بن الأسود 1405 - وقد روى الشعبي أن المقداد بن الأسود استسلف من عثمان بن عفان -رضي الله عنه- سبعة آلاف درهم فأتاه بأربعة آلاف درهم، فقال عثمان: كانت سبعة آلاف، قال المقداد ما كانت إلا أربعة، فارتفعا إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وذلك في خلافته فقال المقداد: يا أمير المؤمنين ليحلف أنها كما يقول وليأخذها. فقال عمر: قد أنصفك أحلف كما تقوم وخذها. فقال عثمان: لا أحلف. فقال (عمر بن الخطاب): فأما الآن فخذ ما أعطاك. قال فأخذها. فلما قام المقداد قال عثمان:

(من كان يرد اليمين)

والله إن كانت لسبعة آلاف فقال عمر: فما منعك أن تحلف وقد جعل ذلك إليك، والله أن هذه السماء وأن هذه الأرض، وأن هذه الشمس وأن هذا النهار. فقال عثمان: خشية أن يوافق قدر بلا فيقال يمينه [كذا]. (من كان يرد اليمين) 1406 - وكان شريح يرد اليمين وكذلك الشعبي ويحيى بن سعيد وعمر ابن عبد العزيز وعبد الله بن عتبة. فصل قول الشافعي في النكول 1407 - واختلف قول الشافعي في نكول المدعى عليه مع يمين المدعى. فقال في أحد القولين هما بمنزلة البينة لأنه حجة المدعى، وقال في القول الآخر بمنزلة الإقرار لأن النكول صار من جهة المدعى عليه واليمين ترتبت عليه فصار كإقراره. 1408 - فإن نكل المدعى عن اليمين سأل عن سبب نكوله، وفرق بين المدعى عليه وبينه حين لم يسأله لأن نكول المدعى عليه أوجب للمدعى حقاً في رد اليمين والقضاء له، فلم يجز سؤال المدعى عليه، وبنكول المدعى لا يجب لغيره حق يسقط بسؤاله، فإن ذكر سبب أو خيار فهو على حقه من اليمين ولا يضيق عليه في المدة وترك ما تارك. 1409 - وفي المدعى عليه قدر ثلاثة أيام، فإن قال منعني أبي لا أختار أن أحلف (كذا) حكم بنكوله وسقط حقه، وإن بذل اليمين بعد النكول لم يقبل في هذه الدعوى لأنه أسقط حقه فيها. فصل 1410 - قال: وإن كان للمدعى شاهد واحد واختار أن يحلف المدعى عليه جاز، وينتقل اليمين إلى جانب المدعى عليه. 1411 - وإن أراد أن يحلف مع شاهده لم يكن له أن يحلف في هذا المجلس، لأن اليمين انتقلت عنه إلى جانب غيره فلم تعد إليه.

إقامة البينة بعد اليمين

فإن عاد في مجلس آخر، واستأنف الدعوى جاز أن يقيم الشاهد ويحلفه معه، لأن حكم الدعوى الأولى قد سقط. 1412 - قال: وإن حلف المدعى عليه في الدعوى الأولى سقطت عنه المطالبة، وإن نكل عن اليمين له لم يقض عليه بنكوله وشاهد المدعى. 1413 - وهل يرد اليمين على المدعى ليحلف مع الشاهد؟ فيه قولان أحدهما أنها لا ترد لأنها كانت في جانبه وقد أسقطها وصارت إلى جانب غيره فلم تعد إليه كالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين فردت على المدعى فنكل عنها فإنها لا ترد إلى المدعى عليه. 1414 - والقول الثاني أنها ترد لأنها غير الأولى لأن اليمين الأولى لا يحكم بها إلا في المال وما يقصد به المال يقضي بها في جميع الحقوق التي تسمع بها الدعوى. 1415 - قال: وإن قلنا لا ترد حبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر، وإن قلنا ترد حلف مع الشاهد واستحق. 1416 - وإذا قد ذكرنا اليمين وردها فلنذكر البينة بعد اليمين ما حكمها؟ إقامة البينة بعد اليمين 1417 - اعلم أن الدعوى إذا توجهت وصحت وحصل الإنكار من الخصم فإن القاضي يسأل المدعى ألك بينة؟ فإن قال: نعم سأله: أحاضره هي أم غائبة؟ فإن قال: هي حاضرة. فإن أبا حنيفة قال: لا استحلفه واطلب البينة

الإقرار بعد البينة

وقال أبو يوسف: إذا طلب الخصم استحلافه فإنه يستحلفه لأنه ربما يتورع ويقر فيعني الخصم عن إقامة البينة وتعديل الشهود، ولا استحلفه حتى يطلب الخصم ذلك. 1418 - وهذا قول الشافعي وعن محمد مثله. 1419 - وأما إن كانت غائبة أو كانت حاضرة ورأى القاضي ذلك فحلف المدعى عليه ثم أحضره القاضي يقضي بالبينة ويبطل اليمين لما روى (أبو) سعيد الخدري عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال. اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة. وهو قول شريح وطاووس وإبراهيم. وبه قال الشافعي وغيره. 1420 - وقال ابن أبي ليلى وغيره: قد مضى القضاء ولا يقضي بالبينة. الإقرار بعد البينة 1421 - ولا خلاف أنه وأقر بعد اليمين قبل إقراره وحكم عليه فكذلك إذا قامت البينة. 1422 - وعكس ذلك إذا أبرأه من الحق فإنه لا يقبل الأمرين. فصل 1423 - ولا فرق عندنا بين أن يقول: - احلف وأنت برئ. أو: إذا حلفت فأنت برئ من الحق فحلف ثم قامت البينة بالحق أنه يقضي بالبينة لأن البراءة لا تقف على شرط فلا تصح البراءة إذا حلف. فصل 1424 - فإن قال المدعى عليه أحلفه لي أنه يستحق ما شهدت به البينة لم يحلفه لأن في ذلك طعناً في البينة العادلة، ولأنه لا يجمع عليه إقامة البينة واليمين. 1425 - وكذا قال الشافعي أيضاً.

فصل 1426 - فإن ادعى أنه أبراني من الحق أو قضيته إياه فإنه يحلفه أنه لم يبره ولم يقضه لأنه ليس في ذلك قدح في البينة، وما يدعيه محتمل فحلف عليه. فصل 1427 - فإن قال: ليس لي بينة حاضرة ولا غائبة، وكل بينة تشهد لي فهي كاذبة، وطلب أحلافه فحلف ثم أقام البينة فإن أبا حنيفة قال: احكم بالبينة. 1428 - وإن قال: لا بينة لي ولا شهادة لي عند فلان فيما أدعى ولا عند فلان، ثم ادعى شهادتهما، أو قال: كل شهادة يشهدون لي بها على هذا الحق فلا حق لي بها ثم أحضر البينة حكم بها. 1429 - هكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة. 1430 - وقال محمد: إذا قال ليست لي بينة عليه بهذا الحق ثم أحضر بينة لم اسمعها ولو أحكم بها. 1431 - وقال أصحاب الشافعي في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها أنها لا تسمع لأنه كذبها بقوله. والثاني: إنه إذا كان هو الذي استوثق بالبينة لم تسمع لأنه كذبها. وإن كان غيره أستوثق بالبينة سمعت لأنه لم يعلم بالبينة فرجع قوله إلى ما عنده. والثالث أنها تسمع بكل حال لأنه يجوز أن يكون ما علم، وإن علم فلعله نسي فرجع قوله لا بينة لي إلى ما يعتقده. 1432 - وقد ذهب بعض أصحابنا إلى هذه الجملة.

فصل أخذ الكفيل من المدعى عليه

فصل أخذ الكفيل من المدعى عليه 1433 - وإن قال: - لي بينة بما ادعيه فخذ لي كفيلاً لأحضرها أخذ منه كفيلاً ثلاثة أيام إذا كان من أهل المصر. 1434 - وقال أبو يوسف أخذ منه كفيلاً إلى وقت يمكنه التقدم فيه. 1435 - وقال قتادة وأبو هاشم ليس عليه إقامة كفيل. وهو قول الشعبي. 1436 - وعن شريح أنه قال لا كفالة في حد. 1437 - وقال بعض أصحابنا: هذا يدل على أنهم كانوا يأخذون في غير الحد. 1438 - وقال أبو يوسف: وعلى أخذ الكفيل أدركنا قضاتنا يعملون. 1439 - وقال الشافعي: ليس له ملازمته ولا أخذ الكفيل. 1440 - قال أصحابنا: وإن كان الرجل مسافراً أجله إلى حين قيامه من المجلس، فإن أحضر بينة وإلا خلى سبيله. 1441 - فإن أشكل عليه هل هو مسافر أو مقيم فإن أقر الطالب أنه مسافر أجله المجلس وإن أنكر وادعى أنه مقيم عمل على ما يصح عنده من ذلك. 1442 - وإن كانت الدعوى في حد القذف أو قصاص في النفس أو فيما دونها من طرف أو جراحة فإن أبا حنيفة قال لا كفالة في ذلك. وقال أبو يوسف آخذه بالكفيل ثلاثة أيام، وإن أقر المطلوب أو قامت بينة حبسه ولم يأخذ كفيلاً. 1443 - وإن كانت الجراحة يجب بها المال ولا حكم القصاص في ذلك آخذه بالكفيل.

فصل 1444 - وإن شهد له عليه شاهد واحد عدل حبسه القاضي إلى أن يتم الشهادة، وإن لم يعرف الشاهد لم يحبسه. 1445 - وقال بعض أصحاب الشافعي في ذلك قولين: أحدهما مثل ما قلناه. والثاني لا يحبسه. 1446 - ومنهم من فرق وقال: إن كان الحق مما يثبت باليمين مع الشاهد حبسه لأن الخصم يتمكن من وصوله إلى حقه بيمينه مع الشاهد. وإن كان بخلاف ذلك لم يحبسه. 1447 - وقال أبو يوسف ومحمد إذا شهد واحد عدل كفلناه ولم تحبسه. 1448 - وقال أصحابنا: وإن كانت الدعوى في حد الزنا وشرب الخمر والسكر من النبيذ وطلب الكفيل لم يؤخذ به ولم يلزمه، وكذلك حد السرقة إذا طلب القطع لم يؤخذ الكفيل وإن طلب المال أخذ. 1449 - ويؤخذ الكفيل فيما يجب فيه التعزيز. 1450 - وقال أبو يوسف ومحمد آخذ في دعوى القصاص الكفيل وفيما يتعلق بحقوق الناس وكذلك إذا قام الشهود ولم يعدلوا وطلب الكفيل حتى يعدلهما فله ذلك. 1451 - ويختار كفيل موثوق به وله مال. 1452 - واختلف أصحاب الشافعي إذا طلب الخصم حبسه حتى يسأل عن البينة في الباطن. فمنهم من قال يحبس وهو الصحيح لأن الظاهر العدالة. والثاني وهو قول الأصطخري لا يحبس لأن الأصل براءة الذمة.

فصل ملازمة الممتنع عن الكفيل

فصل ملازمة الممتنع عن الكفيل 1453 - وإن امتنع من الكفيل فله ملازمته بالنهار والليل حتى يحضر البينة. 1454 - وقال الشافعي ليس له ملازمته، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: - (شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك). 1455 - وإنما قلنا له ذلك لئلا يؤدي إلى هربه فيضيع حق المدعى. 1456 - وقد اتفق الجميع على إحضاره من البلد بقول المدعى فصل 1457 - فإن ادعى ما ينقل ويحول وهو في يده وطلب الكفيل بهما جميعاً فله ذلك وإن أبى أمر القاضي أن يلزمه ويلزم ذلك الشيء حتى يعطيه كفيلاً بهما. 1458 - وقال الشافعي: ليس له الملازمة ولا لزوم ذلك الشيء. 1459 - وقال أصحابنا: في العقار يأخذ كفيلاً بنفسه دون العقار. 1460 - وإن أعطاه فيما ينقل ويحول بالشيء كفيلاً دون نفسه فله أن يلزمه حتى يعطيه كفيلاً بنفسه. وإن قال أنا أقيم وكيلاً عن نفسي جائز ما صنع على، وقد أقمت بالشيء كفيلاً قبل ذلك منه. 1461 - وإن كانت الدعوى في دين كان عليه أن يقيم كفيلاً مع الوكيل بنفسه. 1462 - وإن قال أنا أعطيته كفيلاً بالمال والمسألة بحالها لم يقبل منه إلا برضى الخصم. 1463 - وأما العقار إذا أعطاه وكيلاً في خصومته وأخذ من الوكيل كفيلاً بنفسه دفع العقار إلى الوكيل وأبا أن يعطيه كفيلاً بنفسه لم يجبر على ذلك. فصل هل يحكم بعد البينة في غيبة المدعى عليه؟ 1464 - وإذا قامت البينة بشيء من ذلك ثم غاب المدعى عليه، ولم يكن له

فصل إثبات الوصية والوكالة

كفيل أو كان فغاب الكفيل أو غاب الوكيل وزكيت البينة وأراد المدعى من القاضي الحكم فإنه لا يقضي بشيء من ذلك. 1465 - وهذا قول محمد بن الحسن لأنه قضاء على غائب. 1466 - وقال أبو يوسف أنه إذا كان قد سمع البينة على الخصم أو وكيله ثم تغيب هو أو وكيله فإنه يحكم عليه وينفذ القضاء ويجعله على حجته. 1467 - وقال الشافعي: يقضي عليه مع الغيبة. فصل إثبات الوصية والوكالة 1468 - وإن ادعى الوصية أو الوكالة من الغير وطلب الكفيل حتى يقيم البينة بالوصية والدين لمن وكله لم يجبه إلى ذلك. 1469 - ولو كانت الوصية والوكالة ثابتة عنده وطلب الكفيل أخذ له الكفيل وأخذه ثلاثة أيام كما إذا أدعى الحق لنفسه. 1470 - ولو شهد له بالوصية والوكالة ولم تزك البينة وطلب الكفيل، لم يكن له ذلك، إنما له ذلك إذا شهدت البينة وحكم بالوصية والوكالة وهو قول أصحابنا جميعاً. 1471 - ولو أدعى الدين والوصية في مجلس واحد وأقام بذلك شهوده فإنه تسمع بينته الوصية والوكالة، وتسمع الشهادة على الحق ويقضي به وينفذ الجميع استحساناً. 1472 - والقياس أن لا يثبت الحق ولا بينة عليه حتى تثبت الوصية والوكالة أولاً، فإذا حكم بذلك سمع بعد ذلك الدعوى على الحق الذي يدعيه. 1473 - وحكى الخصاف خلاف أبي حنيفة وأبي يوسف فقال: على قول أبي حنيفة لا يقبل وعلى قول أبي يوسف يسمع على الجميع دفعة واحدة.

فصل 1474 - ولو أن رجلاً أحضر رجلاً إلى الحاكم وقال له أن هذا وصي فلان أو وكيله وطلب من الحاكم أن يأخذ منه كفيلاً حتى يثبت الوصية أو الوكالة لم يجبه إلى ذلك، كذلك إن أقر بالوصية وقال ليس في يدي للميت حق فالقول قوله في ذلك، وإن طلب المدعى أن يأخذ منه كفيلاً ليثبت الحق عليه ثم يبيع مال الميت أجابه إلى ذلك. فصل 1475 - وإن أدعى على رجل أن أباه مات وأنه وارثه وأن أخاه مات وهو وارثه وأن على هذا الرجل حقاً لهما واريد أن آخذ منه كفيلاً حتى أقيم البينة بما ذكرت أخذ منه كفيلاً لمدة ثلاثة أيام. 1476 - وكل حق أدعاه إنسان لنفسه وطلب الكفيل أخذ به إلا المسافر وما لا يجوز أخذ الكفيل به مما تقدم. فصل 1477 - ويؤخذ للرجل من المرأة والمرأة من الرجل إذا كان كل واحد يدعى النكاح على الآخر، حتى يقيم البينة أو يعدل، وكذلك إذا أدعى رق العبد أو الأمة. فصل 1478 - وإذا مات المطلوب بالحق أو مات الكفيل بطلت الكفالة وإن مات الطالب فالكفيل على حاله. 1479 - وإن سلم الكفيل المكفول به إلى وصي الميت برئ وإن سلمه إلى وارثه بريء من حصة ذلك الوارث، ولمن بقي حقه من الكفالة بحاله.

فصل 1480 - وإذا قدم الرجل إلى الحاكم رجلاً فأنكر فأحلفه ثم قدمه ثانية فقال المدعي عليه بجميع دعواه لم يجبره القاضي على ذلك إذا رأى ذلك وإن علم أنه بعينه أمره أن يجمع الدعوى. فصل 1481 - وإن شهد على الرجل عند الحاكم بحق عدلان، وهو لا يعلم أن له دفع البينة فإن القاضي يقول له: - قد شهد عليك فلان وفلان وقد ثبت عندي عدالتهما، فهل عندك ما يجرحهما؟ فإن أتى بما يوجب الجرح وقفت الشهادة. 1482 - هذا إذا كان لا يعلم المدعى عليه ذلك، فإن كان عالماً بذلك فللحاكم أن يقول له ذلك وله أن يسكت. 1483 - وعند أبي حنيفة الحكم ماض ما لم يطعن الخصم وقد مضت. 1484 - وإن قال: لي بينة بالقضاء أو الإبراء أجل ثلاثة أيام في ذلك وإلا حلف المدعى عليه أنه لم يبره ولم يقضه، وله أن يلازمه إلى أن يقيم البينة بالجرح أو القضاء لأن الحق قد ثبت في الظاهر، وكل هذا قول الشافعي أيضاً في هذا الباب. 1485 - وإذا قد ذكرنا حكم الشهادة والنكول والإيمان وما تقدم في هذه الأبواب وجب ذكر الرجوع عن الشهادة.

باب الرجوع عن الشهادة

باب الرجوع عن الشهادة وهذا باب الرجوع عن الشهادة: 1486 - كان الواجب أن يؤخر هذا الباب إلى بعد الفراغ من جميع ما يقضي القاضي من الحقوق غير أن في تقديمه معرفة حكم الرجوع قبل علم ما يرجع عنه، لأنه ينبغي أن يكون مضموماً إلى الشهادة لأنه يتلوها في الكتب، فلهذا قدمنا ذلك لأننا رتبنا الكتاب على غير ترتيب من تقدم في هذا العلم. 1487 - واتفق الفقهاء على أن الشهود إذا رجعوا بعد الحكم والقضاء أنه لا يبطل القضاء. سابقة من أقضية علي 1488 - ونحن نفصل مسائل الرجوع في ذلك على الوفاق والخلاف. 1489 - والأصل في هذا الباب ما روى الشعبي أن رجلين أتيا علياً -رضي الله عنه- برجل فشهدا عليه أنه سرق فقطع يده، ثم جاءا بعد ذلك بآخر فقالا غلطنا في الأول إنما كان هذا الذي سرق فأبطل عليه السلام شهادتهما على الآخر وضمنهما دية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما. رجوع الشهود قبل الحكم 1490 - قال أصحابنا إذا رجع الشهود قبل الحكم بطلت الشهادة ولا يحكم بشيء. وهو قول عامة الفقهاء. 1491 - وقال أبو ثور يحكم بشهادتهما لأنهما يحتمل أن يكونا صادقين في الشهادة كاذبين في الرجوع. ويحتمل أن يكونا صادقين في الرجوع كاذبين في الشهادة فلا يحكم مع الشك كما إذا جهل عدالة الشهود. الرجوع بعد القضاء في المال 1492 - وإن رجعا بعد القضاء في المال غرما ما شهدا به، ولا يرد الحكم. الرجوع قبل الاستيفاء 1493 - وإن رجعا بعد الحكم قبل الاستيفاء فإن كان في حد أو قصاص

لم يجز الاستيفاء لأن هذه الحقوق تسقط بالشبهة والرجوع شبهة ظاهرة فلم يجز الاستيفاء. 1494 - وقد كان حماد بن سليمان يقول: إن كان حال الشاهد عند الرجوع خيراً من حاله عند الشهادة فإن القضاء يبطل، ويضمنان للمقضي له مثل الحق. 1495 - وكان أبو حنيفة يقول ذلك ثم رجع إلى أنه لا يبطل القضاء فصار أيضاً هذا شبهة في منع الاستيفاء. 1496 - وإن كان المشهود به مالاً أو عقاراً أو ديناً فإنه يستوفى ذلك كله وعليهما الضمان، وهو ظاهر مذهب الشافعي. 1497 - وقال أصحابه ينقض لأن الحكم غير مستقر قبل الاستيفاء وهذا لا يصح لأن الحكم نفذ والشبهة لا تؤثر فيه فجاز الاستيفاء.

فصل رجوع الشهود بما يوجب القتل

فصل رجوع الشهود بما يوجب القتل 1498 - وإن شهدوا بما يوجب القتل ثم رجعوا فإنه لا يقتل واحد منهم في كل حال. وقال الشافعي ينظر فإن قالوا تعمدنا القتل بشهادتنا وجب عليهم القود، وهو قول الحسن وإبراهيم. 1499 - لنا أن الشهود لم يقتلوا وهم سبب يجوز أن ينفك مسببه عنه فلا يجب القود. 1500 - وهم يقولون هما الجآه إلى قتل المشهود عليه فصارا كما لو أكرهاه. 1501 - وفرق أصحابنا بين الأمرين بأن الولي بالخيار إن شاء قتل وإن شاء لم يقل بخلاف المكره فإنه ملجأ. 1502 - ولو كان الحاكم كالمكره لوجب القصاص على الحاكم. 1503 - قال (أي الشافعي) وإن قالوا تعمدنا الشهادة ولم نعلم أنه يقتل، وهم يجهلون قتله وجبت عليهم دية مغلظة لما فيه من العمد ومؤجلة لما فيه من الخطأ. 1504 - وإن قالوا أخطأنا وجبت عليهم دية مخففة لأنه خطأ لا يتحمله العاقلة لأنها وجبت باعترافهم وهذا يبين لك أنهم ليسوا في حكم المكرهين للقاضي.

فصل 1505 - وإن اتفقوا على أن بعضهم تعمد وبعضهم أخطأ وجب على المخطئ قسطه من الدية المخففة وعلى المتعمد قسطه من الدية المغلظة، ولا يجب عليه القود مشاركة المخطئ له. 1506 - وقال ربيعة: إذا رجعوا عن القتل والقطع فعليهم العقل ولا عقوبة عليهم لأن التائب لا يعاقب مخافة أن لا ينزع أحد، وإن نزع بعضهم وأقام بعض كان العقل على من نزع. فصل 1507 - قال الشافعي: وإن اختلفوا فقال بعضهم تعمدنا كلنا وقال بعضهم بل أخطأنا كلنا وجب على المقر بعمد الجميع القود، وعلى المقر بخطأ الجميع قسطه من الدية المخففة فجمع بين القود والمال في نفس واحدة. فصل 1508 - وإن كانوا أربعة شهود بالرجم فقال اثنان منهم عمدنا وأخطأ هذان وقال الآخران بل عمدنا وأخطأ الأولان ففيه قولان: أحدهما أنه يجب القود على الجميع لأن كل واحد أقر بالعمد. والثاني لا قود على أحد منهم بل يجب على كل واحد قسطه من الدية المغلظة لأنه لا يؤاخذ أحد إلا بإقراره، وكل واحد منهم أقر بعمد شاركه فيه مخطئ فلا يجب عليه القود بإقرار غيره بالعمد. قالوا وهو الصحيح.

فصل 1509 - وإن قال اثنان: تعمدنا كلنا، وقال الآخران عمنا وأخطأ الأولان، فعلى الأولين القود وفي الآخرين قولان أحدهما يجب عليهما القود والثاني وهو المذهب لا يجب، ويجب عليهما قسطهما من الدية المغلظة. 1510 - وإن قال بعضهم عمدت ولا أعلم حال الباقين، فإن قال الباقون عمدنا وجب القود على الجميع، وإن قالوا أخطأنا سقط القود على الجميع.

فصل رجوع الشهود بالزنا

فصل رجوع الشهود بالزنا 1511 - وإذا شهد أربعة بالزنا، فإن رجعوا قبل القضاء جدوا جميعاً، وإن رجعوا بعد القضاء والاستيفاء غرموا الدية ووجب عليهم الحد. 1512 - وقال زفر: يغرمون الدية ولا أحد. 1513 - وقال ابن أبي ليلى يقتلون جميعاً والشافعي قوله تقدم. 1514 - وإن رجع واحد منهم بعد القضاء والحكم والاستيفاء فعلى الراجع ربع الدية والحد في قول الثلاثة من علمائنا. وقال زفر لأحد لأن المقذوف ميت ولا حد على الثلاثة في قولهم جميعاً. فصل 1515 - وإن رجع قبل القضاء والإمضاء فعلى الجميع الحد الراجع ومن بقي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وقال زفر يحد الراجع وحده، وهو قول الشافعي. فصل 1516 - وإن رجع بعد القضاء قبل الإمضاء حد وحد من بقى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر، كما لو رجع قبل القضاء. 1517 - وقال محمد يحد الراجع وحده كما بعد الإمضاء. فصل 1518 - وإن شهد بالحد خمسة ما زاد ثم رجع ما زاد على الأربع فلا حد عليه ولا ضمان لبقاء من يثبت معه الحد من الشهود. 1519 - وكذلك قال الشافعي لا قود على من رجع مع بقاء الأربعة. 1520 - وهل يجب عليه من الدية شيء؟

فصل رجوع شهود الإحصان

قالوا فيه وجهان أحدهما أنه لا يجب لبقاء وجوب القتل عليه، والثاني يجب خمس الدية لأن الرجم هو بشهاداتهم والصحيح عندهم مثل قولنا. فصل 1521 - وإذا رجع اثنان من الخمسة وقالوا أخطأنا كلنا ففي الدية وجهان أحدهما أنهما يضمنان الخمسين اعتباراً بعددهم، والثاني أنهما يضمنان ربع الدية، وهو قولنا في الرجوع تعتبر أبداً من بقى من الشهود فثبت به ما ثبت من البينة والباقي ثلاثة أرباع الدية. فصل رجوع شهود الإحصان 1522 - وإذا رجع شهود الزنا وشهود الإحصان بعد الرجم فالضمان عندنا على شهود الزنا خاصة، ولا ضمان على شهود الإحصان. 1523 - وقال زفر الضمان على الفريقين بينهم نصفان بالسوية. 1524 - وقال أصحاب الشافعي في شهود الإحصان ثلاثة أوجه: 1525 - أحدهما أنه لا يجب لأنهم لم يشهدوا بما يوجب القتل وهذا قولنا. والثاني أنه يجب على الجميع لأن الرجم لم يستوف إلا بهم، وهذا قول زفر. والثالث أنهما إن شهدا بالإحصان قبل ثبوت الزنا يضمنان على وجهين أحدهما نصف الدية والثاني يجب عليهما ثلث الدية لأنه رجم بشهادة ستة فوجب على الاثنين ثلث الدية. فصل 1526 - وإن شهد أربعة بالزنا، وشهد اثنان منهما بالإحصان قبلت شهادتهم.

1527 - وقال الشافعي تقبل إلا فيما يجران بهذه الشهادة إلى أنفسهما نفعاً أو يدفعان بها عنهما غرماً. فصل 1528 - فإن شهدوا رجم الشهود عليه ثم رجعوا فالدية عليهم أرباعاً لأن شهود الإحصان لا يضمنون. 1529 - وقال أصحاب الشافعي إذا قلنا يجب الضمان على شهود الإحصان ففي هذه المسألة وجهان: أحدهما أنه لا يجب لأجل الشهادة بالإحصان بشيء بل يجب على من شهد بالإحصان نصف الدية كأربعة أنفس جنا اثنان منهما جنايتين واثنان أربعة جنايات. والثاني أنه يجب الضمان لأجل الشهادة بالإحصان. وإذا قلنا يجب على شاهدي الإحصان نصف الدية وعلى شاهدي الزنا النصف وجب ههنا على الشاهدين بشهادتهما بالإحصان نصف الدية وقسم النصف بينهم نصفين على شاهدي الإحصان النصف وعلى الآخرين النصف فيصير على شاهدي الإحصان ثلاثة أرباع الدية وعلى الآخرين ربعها. وإذا قلنا يجب على شاهدي الإحصان ثلث الدية وجب ههنا عليهما الثلث بشهادتهما بالإحصان وقسم الباقي بينهم نصفين فيصير على شهود الإحصان ثلثا الدية وعلى شهود الزنا الثلث.

فصل ضمان شهود التزكية

فصل ضمان شهود التزكية 1530 - وإذا شهد على رجل أربعة بالزنا وشهد اثنان بتزكيتهم ثم بان أن الشهود كانوا كفاراً أو عبيداً وجب الضمان لأن المرجوم قتل بغير حق ولا شيء على شهود الزنا لأنهم يقولون أنا شهدنا بالحق ولولي الدم أن يطالب من شاء من الإمام والمزكين لأن الإمام رجم والمزكين ألجآه فإن طلب الإمام رجع على المزكين لأنه رجمه بشهادتهما. وإن طالب المزكيين لم يرجعا على الإمام لأنهما كالآلة له. وهذا قول الشافعي. 1531 - وقال أصحابنا: ما كان من خطأ الإمام في الحدود فالضمان في بيت المال وما كان من أموال الناس فالضمان على المحكوم له، وكذلك القصاص. 1532 - وإن رجع المزكون في الزنا أو بأن الشهود عبيد أو كفار وقد رجم المشهود عليه غرموا الدية في قول أبي حنيفة. ضمان الدية 1533 - وعندنا إذا بان رق الشهود أو كفرهم فالدية في بيت المال. وهذا في الزنا. 1534 - وقد اختلف عن أبي حنيفة في الدية إذا استوفى الولي القود فروى عنه أن ضمان الدية في مال المشهود له [للمشهود عليه]. وروى عنه أنها على عاقلته ذكره الطحاوي في مختصره.

فصل الرجوع عن الشهادة بالعتق

فصل الرجوع عن الشهادة بالعتق 1535 - وإذا فهدا بالعتق ثم رجعا بعد الحكم وجب عليهما قيمة العبد لأنهما عليه حكماً فضمناه كما لو اتلفاه (حقيقة). فصل الرجوع عن الشهادة بالتدبير 1536 - ولو شهدا بالتدبير ثم رجعا بعد الحكم فعليهما ضمان ما بين قيمة العبد مدبراً إلى قيمته غير مدبر. 1537 - فإن مات المولى بعد ذلك وعتق العبد من الثلث كان عليهما ضمان بقية قيمته عبداً للورثة. فصل الرجوع عن الشهادة بالكتابة 1538 - ولو شهدا بالكتابة أنه كاتبه على ألفي درهم إلى سنة وقيمة العبد ألف فقضى بذلك ثم رجعا فإن المولى بالخيار إن شاء ضمن الشاهدين ألف درهم حالة وإن شاء اتبع المكاتب بألفي درهم، الخيار له، فإن ضمن الشاهدين رجعا على المكاتب بمال الكتابة إلى أجله فإذا قضيا ذلك احتبسا من ذلك ألف درهم لأنفسهما وتصدقا بالفضل من ذلك ألف درهم لأنفسهما وتصدقا بالفضل من ذلك لأنه ربح ما لم يضمن. 1539 - وأي الوجهين كان وعتق المكاتب فإن ولاه لمولاه. ولو لم يعتق المكاتب وعجز فعاد رقيقاً برئ الشاهدان من الضمان ووجب على المولى رد شيء إن كان قبضة منهما من قيمته عليهما.

فصل رجوع شاهدي الطلاق

فصل رجوع شاهدي الطلاق 1540 - وإن شهد شاهدان أنه طلق امرأته ثم رجعا بعد الحكم، فإن كان بعد الدخول فلا ضمان عليهما لأنهما لم يتلفا عليه ماله قيمة فصار كما لو اتلفاها. 1541 - وقال الشافعي: يجب عليها مهر المثل لأنهما أتلفا عليه مقوماً كما لو أتلفا ماله قيمة. 1542 - وإن كان قبل الدخول رجع على الشاهدين بنصف الصداق إن كان لها مسمى، وإن كان الواجب لها المتعة فعليهما ما يقضي عليه من ذلك لأنهما قررا عليه ما هو بغرض السقوط. 1543 - ولأصحاب الشافعي طريقان في وجوب الضمان. فصل رجوع شاهدي الطلاق وشاهدي الدخول 1544 - وإذا شهد اثنان بالطلاق وآخران بالدخول، ثم رجع الجميع، والصداق المقضي به لها ألف فإن القاضي يقضي بضمان الصداق عليهم أرباعاً، على شاهدي الطلاق من ذلك الربع وعلى شاهدي الدخول من ذلك ثلاثة أرباعه. فصل 1545 - وإذا شهدا بالنكاح وهي تجحد على صدق ألف، ثم رجعا، فالنكاح بحاله ونظر إلى الألف فإن كان قدر مهر المثل فلا ضمان عليهما وإن كان ناقصاً عن مهر المثل لم يضمنا أيضاً لأنهما أتلفا ما ليس له قيمة. 1546 - وعن أبي يوسف أنهما يضمنان تمام مهر المثل.

رجوع الشاهدين على الصلح بين ولي المقتول والقاتل على مال

1547 - وإن كانت المرأة هي المدعية ضمنا للزوج ما زاد على قدر مهر المرأة لأنه مال اتلفاه عليه. فصل رجوع شاهدي البيع 1548 - وإذا شهدا بالبيع وقضى به القاضي وسلم المبيع ثم رجعا فإن كان الثمن بقيمة المبيع فلا رجوع عنهما بحال، وإن كان في ذلك نقص عن (قيمة) المبيع رجع عليهما بتمام القيمة وفاضل الثمن أيهما كان المنكر بخلاف النكاح في ذلك. فصل رجوع شاهدي الإجارة 1549 - وإن كان رجوعهما عن الإجارة: إن كان المدعي صاحب الدار فلا ضمان عليهما فيما زاد من أجرة المثل وإنما ينظر إلى الأجرة المقضي بها فإن كانت المنفعة التي استوفاها المستأجر فيها بقيمة الأجرة فلا شيء عليهما وإن كانت أكثر من القيمة رجع بالفضل عليهما. فصل رجوع الشاهدين في شهادتهما على ولي المقتول بالعفو عن القاتل 1550 - وإذا شهدا على ولي المقتول بالعفو عن القاتل وقضي عليه بذلك ثم رجعا عن الشهادة فإن أبا حنيفة ومحمداً قالا لا ضمان عليهما، وهو قول أبي يوسف الذي رواه محمد، وروى أصحاب الأمالي عن أبي يوسف أنه قال عليهما ضمان الدية لولي المقتول. رجوع الشاهدين على الصلح بين ولي المقتول والقاتل على مال 1551 - ولو لم يشهد على العفو ولكنهما شهدا على القاتل أنه صالح ولي المقتول من الدم على مال ثم رجعا عن شهادتهما فإنه ينظر فيما شهدا عليه من المال. فإن كان مقدار الدية أو دونها فلا ضمان عليهما، وإن كان أفضل من ذلك فعليهما ضمان الفضل لأن العفو ليس بمال، وما زاد على الدية فقد أتلفاه عليه.

فصل العدد في الرجوع

فصل العدد في الرجوع 1552 - وإذا شهد رجل وامرأتان بالمال ثم رجعوا وجب على الرجل النصف وعلى كل واحدة من النساء الربع لأن كل امرأتين كالرجل. 1553 - وإن شهد ثلاثة رجال ثم رجعوا وجب على كل واحد الثلث وإن رجع واحد وبقي اثنان فلا ضمان عليه عندنا. 1554 - وقال أصحاب الشافعي يلزمه ضمان الثلث لأن المال يثبت بشهادة الجميع في أحد الوجهين، والثاني مثل قولنا. فصل 1555 - فإن رجع اثنان وبقي واحد فعلى الراجعين النصف كل واحد الربع. 1556 - وإن شهد رجلان وامرأة وقضى بالحق ثم رجعوا جميعاً فالضمان على الرجلين دون المرأة. فصل رجوع عن شهادة شهد فيها رجل وعشر نسوة 1557 - وإن شهد رجل وعشر نسوة ثم رجعوا عن الشهادة فعلى الرجل السدس وعلى النسوة خمسة أسداس، لأن كل امرأتين برجل. وقال أبو يوسف ومحمد على الرجل النصف وعلى جميع النسوة النصف ولأصحاب الشافعي وجهان مثل الخلاف بين أصحابنا. 1558 - قالوا والمذهب قول أبي حنيفة. فصل 1559 - وإن رجع ثماني نسوة فلا ضمان عليهن عند أصحابنا جميعاً.

1560 - قال أصحاب الشافعي وهو الصحيح عندنا. 1561 - وإن رجع تسع نسوة فعليهن الربع لأنه بقى ما يثبت به ثلاثة أرباع الحق. 1562 - ولو رجع الرجل وثمان نسوة فعلى الرجل نصف الحق لأنه قد بقي امرأتان تشهدان بالحق. فصل 1563 - وإذا شهد ذميان على ذمي بخمر ثم رجعا فأسلم المطلوب فلا ضمان على الشاهدين وإن أسلم الشاهدان يضمنان في قول محمد وهذا مثل غصب الخمر. فصل 1564 - وإذا شهد شاهدان على شهادة أربعة، وشهد آخران على شهادة شاهدين ثم رجع الفريقان فأبو يوسف يجعل الضمان على من شهد على الأربعة الثلثان والثلث على من شهد للاثنين. 1565 - وقال محمد الضمان على الفريقين نصفان. 1566 - وإذا شهد اثنان على اثنين وشهد اثنان على آخرين ثم رجع من كل واحد من الفريقين واحد، فنصف الضمان على الراجعين في رواية الأصل، ويقال أنه قول أبي يوسف. 1567 - وقال في الجامع الكبير: على الراجعين ثمنان ونصف ثمن، ويقال هو قول محمد. فصل 1568 - وإذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين وقضى وحضر الأولاد فأنكرا الإشهاد فلا ضمان على أحد الفريقين في قولهم جميعاً. 1569 - ولو أقرا بالإشهاد ورجعا وقالا كذبنا فلا ضمان عليهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.

1570 - وقال محمد يجب الضمان. 1571 - ولو رجع شهود الفرع ضمنا في قولهم جميعاً. 1572 - وقال الخصاف أن محمداً روى أنه لا شيء على شاهدي الأصل إذا رجعا. 1573 - وقال روى أبو يوسف في الأمالي عن أبي حنيفة أنه قال: إن قالا قد أشهدناهما ورجعنا ضمنا ذلك الحق، وإن قالا لم نشهدهما بهذه الشهادة وما شهد به عنا باطل لم يكن عليهما ضمان. فصل 1574 - ولو قال شهود الفرع: قد أشهدانا بهذه الشهادة ولكنهما كذبا فيها وقد نفذ الحكم لم يلتفت إلى هذا القول ولا يلزمهما بذلك الضمان لأنهما لم يرجعا عن شهادتهما. 1575 - وكذلك لو قالا قد أشهدانا وقد رجعا أو أخبرنا أنهما قد رجعا فعليهما الضمان. 1576 - ولو قالا لم يشهدانا بهذه الشهادة أو قد غلطا في هذه الشهادة فعليهما الضمان على شهود الفرع. 1577 - وإن قال الأولان: قد كنا أشهدناهما بذلك وقد رجعنا لأنا توهمنا فالضمان على شهود الفرع. 1578 - ولو كان قال الالان: لم نشهدهما ولكنا نحن نشهد بذلك وهو حق ثابت على المطلوب فالضمان على الذين شهدوا عند الحاكم. فصل 1579 - وإن ادعى الخصم على الشهود أنهما قد رجعا عن شهادتهما وهما ينكران ذلك لم يكونا خصمين. 1580 وإن أقام بينة لم تسمع عليهما.

فصل رجوع شاهدي الهبة

فصل رجوع شاهدي الهبة 1581 - وإذا شهدا بالهبة وهو يجحد فقضي عليه بذلك ثم رجع الشاهدان فعليهما ضمان قيمة ما شهدا به للمشهود عليه، فإذا قبض ذلك لم يكن له الرجوع عن الهبة أبداً لأنه قد اعتاض عن ذلك. فصل 1582 - وإذا شهدا على رجل أنه أقر أن هذه الأمة ولدت منه وهو ينكر فقضى بشهادتهما عليه بذلك ثم رجعا عن شهادتهما كان له عليهما ضمان ما بين قيمتها مملوكة وقيمتها أم ولد، فإن توفى المولى بعد ذلك فعتقت كان عليهما بقية قيمتها أمة يرد ذلك إلى تركة مولاها فيكون حكمه حكمها. 1583 - ولو كانا شهد أن مولاها أقر أنها ولدت منه أبناً لها في يده، والمسألة على حالها كان عليهما لمولاها في الأمة ما ذكرنا وفي الولد ضمان قيمته. 1584 - فإن قبض المولى ذلك ثم مات فورثه هذا الابن، كان عليه أن يرد على الشاهدين مما ورث مثل ما أخذه (المورث) من الشاهدين في حياته من قيمة أمه لأنه يقول إن الميت أخذ ذلك ظلماً وأنه باقي في تركته لهما. 1585 - وإذا قد ذكرنا حكم الشهادات والرجوع عنها فقد بقي لنا علم القاضي وما يجوز الحكم به والمحاضر وكيفية ذلك.

باب علم القاضي وما يجوز أن يقضي فيه بعلمه وما لا يجوز

باب علم القاضي وما يجوز أن يقضي فيه بعلمه وما لا يجوز 1586 - أعلم أن علم القاضي طريق إلى القضاء في حال دون حال، وعلى صفة دون صفة وفي حق دون حق. وينقسم في الحكم به كما ينقسم أمر البينة. 1587 - وإنما يحصل له العلم بأن يسمع قولا يجب به على قائله حق أو يجب به على غيره أو يشاهد فعلاً يلزم لفاعليه أو لغير فاعله. 1588 - وعلم القاضي يكون على ضرورب منه ما يعلم به قبل البلوغ وقبل الولاية من الأقوال التي يسمعها والأفعال التي يشاهدها، ومنه ما يعلمه بعد البلوغ قبل الولاية، ومنه ما يعلمه بعد الولاية ولكنه في غير عمله الذي وليه، ومنه ما يعلمه بعد الولاية في عمله الذي وليه: علمه قبل البلوغ والولاية 1589 - أما ما علمه قبل البلوغ والولاية في غير عمله ثم ولي وحضر عمله فدفع إليه ما سمع من العقود أو شاهد من الأفعال التي يتعلق بها الأحكام فإن أبا حنيفة يقول: لا يقضي بعلمه في شيء من ذلك بحال. 1590 - وروى الخصاف عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في الإملاء أنه قال: - لو سمع طلاق امرأته أو عتق أمته ثم استقضى فرفع إليه ذلك فإنه يحول بين الرجل وبين المرأة والأمة ولا يقضي به ولا يحكم بالطلاق والعتاق. 1591 - وقال أبو يوسف ومحمد يقضي بما علمه قبل الولاية في غير عمله في جميع الحقوق والأموال وعلمه أكثر من الشهادة عنده لأنه يقين. 1592 - وقالا لا يحكم في الحد والزنا والسرقة وشرب الخمر والسكر بعلمه.

فصل علمه في عمله بعد الولاية

1593 - وللشافعي قولان: أحدهما لا يقضي بعلمه في شيء. والثاني أنه يقضي في كل شيء. 1594 - وقد ذكر أبو موسى الضرير في مختصره أن من أصحابنا من قال يقضي بعلمه في كل شيء حتى الحدود. قال أبو حنيفة: وإنما لم يجز لأنه بمزلة الشاهد وقول الشاهد لا يقضي به في الحقوق. 1595 - واتفق جميع الفقهاء على أنه لو شهد عنده قبل الولاية في غير عمله أنه لا يقضي به في عمله. فجعل أبو حنيفة علمه كذلك. فصل علمه في عمله بعد الولاية 1596 - وأما علمه في عمله وبعد الولاية فإنه يقضي به عندهم جميعاً في الأشياء إلا الحدود فإنه لا يقضي بها، واستثنوا من ذلك حد القذف فقالوا يقضي به. وهذا قول أصحابنا. 1597 - وروى عن محمد بن الحسن أنه لا يقضي حتى يكون معه في المال شاهد آخر وفي الزنا ثلاثة عدول. وقد قال به بعض أصحاب الشافعي. فصل 1598 - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف. إذا قال الحاكم [لرجل أن هذا الرجل] لآخر: أنه ثبت عندي أن هذا الرجل قد سرق ما يجب القطع به وقد حكمت به عليه فأقطع يده وسع المأثور قطع يده.

فصل نسيان القاضي ما في ديوانه

وكذلك إن قال ذلك في الزنا وهو محصن وسعه الرجم. 1599 - وقال محمد في آخر قوليه على ما حكاه الطحاوي في المختصر أنه لا يسعه ذلك حتى يكون القاضي عدلاً عنده وغير متهم، ويكون معه في الزنا ثلاثة سواه عدول وفي السرقة آخر، وقياس قوله في المال مثل ذلك. فصل 1600 - ولو أن رجلاً قال للقاضي: - إنك حكمت لي على فلا بكذا والقاضي لا يذكر ذلك وأحضر المدعي بينة تشهد على القاضي بما أدعاه فإن أبا يوسف قال: لا يجيبه إلى ذلك، ولا يسمع من البينة ذلك لأنها تشهد على أنه كان منه ما لا يعلمه من نفسه. 1601 - وقال محمد: يجيبه إلى ذلك ويسمع من البينة ويقضي به إذا ثبت عنده. 1602 - وبه قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وقال: أنا أقبل ذلك، ووافقه محمد بن سماعة وقالا: ليس هذا أكثر من قضية قاض دفعت إليه وهو لا يعلمها. 1603 - وفرق أبو يوسف بين المسألتين بأنه لم يوجد في قضيته غير البينة، فأما حكمه فهو بمنزلة الشهادة لا يقوم بذلك إلا أن يذكره، وفرق بينه وبين ما وجد في ديوانه بأنه تحت ختمه فلا يؤثر ذكره فيه. 1604 - واختلف أصحاب الشافعي في ذلك على وجهين كالخلاف الذي بيناه. وذهب كل واحد من أصحابه إلى قول واحد من أصحابنا. فصل نسيان القاضي ما في ديوانه 1605 - وقال أبو حنيفة:

فصل ما يجده القاضي في ديوان غيره

"وكل أمر يجده الحاكم في ديوانه وتحت ختمه وهو لا يذكره فإنه لا يقضي به". 1606 - وقال أبو يوسف ومحمد: يحكم بذلك كله لأنه لا يتذكر كلما عنده. 1607 - واختار الشافعي قول أبي حنيفة. شهادة كاتبي القاضي 1608 - وقال محمد: لو ضاع محضر رجل من الديوان أو لم يكتب محضر فشهد كاتبا القاضي عنده أن شهود هذا المحضر شهدوا عندهما بما كان في مختصره وهو كذا والقاضي لا يذكر ذلك، لم يقبل شهادتهما لأنهما لم يشهدا بالحق ولا شهدا على شهادة الشهود. 1609 - وقد ذكرنا في الشهادة على الشهادة أن لأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه في تحمل شهود الفرع في أحدهما أنه يجوز مثل هذا من كاتبي الحاكم. 1610 - واتفق الفريقان أنه لو قال الكاتبان- والمحضر قد ضاع- أن المقر في المحضر كان قد أقر عندك بكذا وسمعناه حين أقر بذلك فإنه يقبل هذه الشهادة على إقراره لا بإقراره عنده. فصل ما يجده القاضي في ديوان غيره 1611 - وما وجد في ديوان غيره ممن تقدمه من إقرار أو بينة لم ينفذه، ويستأنف الحكم. 1612 - وهذا لا خلاف فيه لأنه غير مشهود به عنده. فصل عزل عن القضاء ثم رد إليه 1613 - ولو عزل عن القضاء ورد إليه فإن أبا يوسف قال:

فصل ما يحكم به القاضي

لا يقضي بشيء مما كان في ديوانه الأول إلا ما كان يذكره من إقرار لرجل بحق ما وإن لم يذكره لم يحكم به، ولا يحكم بالبينة وإن ذكرها حتى يعيدها فيشهد عنده دفعة أخرى، لأن هذا عمل مستأنف. فصل ما يحكم به القاضي 1614 - وما يحكم به القاضي على ثلاثة أوجه: منها ما يثبته بالبينة من الأحكام. ومنها ما يثبته بعلمه من ذلك. ومنها ما يحكم به غيره ويرتفع إليه أما بينة أو كتاب حكمي يصل إليه. أو إعلام أعلمه قاض غيره. لا ينقض القاضي حكمه باجتهاد جديد 1615 - فأما ما يثبته من الحكم عن نفسه فليس له أن يتعرض لفسخه بعد ذلك ولا أبطاله إلا أن يخالف النص المعلوم أو المعمول به بإجماع الأمة ولا ينقضه باجتهاد أظهر عنده من الأول، بل يستأنف الحكم والقضاء ولا يرد الأول. 1616 - وإن كان في ذلك خلاف، فقضي بخلاف رأيه ومذهبه، وهو لا يذكر ذلك ولكن على ما قضى به بعض العلماء فإن أبا حنيفة قال: - يمضي هذا الفصل ولا يرجع عنه. 1617 - وقال أبو يوسف: يرد ذلك، ويقضي بما كان عليه رأيه، وهذا كحكمه بما يذهب إليه الشافعي أو مالك في مسألة يخالف أو حنيفة والقاضي على مذهب أبي حنيفة، والمسائل على ذلك كثيرة.

نفاذ الحكم ظاهرا أو باطنا

فصل هل ينقض الحاكم حكم غيره؟ 1618 - فأما ما حكم به غيره ويرفع إليه فمن ذلك ما يجب عليه إمضاؤه وتنفيذه ومنها ما يجب عليه إبطاله ونقضه، ومنها ما يدعه لا يحكم به ولا يرده. نفاذ الحكم ظاهراً أو باطناً 1619 - اعلم أن الفقهاء اختلفوا في حكم الحاكم هل ينفذ ظاهراً أو باطناً أم لا؟ فقال أبو حنيفة: كل حكم يملك الحاكم إنشاء مثله بولاية الحكم، فإنه إذا حكم به ينفذ ظاهراً وباطناً ويجعل الحلال حراماً والحرام عليه حلالاً. وكل ما ليس له فعل مثله بولاية الحكم لا ينفذ إلا في الظاهر. 1620 - وقال أبو يوسف ومحمد: حكم الحاكم لا يغير صفة المحكوم به فإنه على ما كان عليه عند الله، وإنما ينفذ في الظاهر خاصة، وهو قول الشافعي. 1621 - ومثال الأول العقود التي يملكها على الصغار والكبار، والثاني الغصوب والجنايات والأموال الظاهرة. ما ورد في القضاء بالظاهر من الآثار 1622 - ونحن نذكر من ذلك مسائل ليعرف الحال فيها، ونقدم ما روى في ذلك من الآثار ليكون القاضي قد عرف الحال وما يترتب عليه: الأثر الأول 1623 - فروت أم سلمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: - أنكم تختصمون إلي وأن بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أنا بشر، فمن قضيت له من مال أخيه شيئاً فلا يأخذه، إنما أقطع له قطعة من النار.

1624 - وقد ذكر الفقهاء خبر أبي هريرة عنه عليه السلام أن رجلين احتكما إليه أحدهما أعلم بالخصومة والآخر بها جاهل فلم يلبث العالم أن قضى له فقام فمضى المقضي له وبقى المقضي عليه فقال: - والله الذي لا إله إلا هو أن حقي لحق. فقال عليه السلام: علي بالرجل. فأتى به فأخبره بما كان من الآخر فقال: - إن شئت عاودته فعاوده فلم يلبث أن قضى له فقام الرجل وحلف الآخر فلم يزل كذلك يفعل ثلاث مرات فقال الرابعة إن شئت عاودته ولكن أعلم أن من اقتطع بخصومته وجدله مال امرئ مسلم بغير حق فإنما يقطع قطعة من النار. فقال الرجل فإن الحق معه. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متكأ فجلس فقال: - من اقتطع بخصومته وجد له مال امرئ مسلم بغير حق فليتبوأ مقعده من النار. قال أبو هريرة: فكانت الآخرة أشد من الأولى. 1625 - وروى المقداد عن أبيه أن رجلاً خطب امرأة وهو دونها في الحسب فأبت أن تتزوجه فأدعى أنه تزوجها وأقام شاهدين عند علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقالت: - أني لم أتزوجه. قال: قد زوجك الشاهدان. وأمضى عليها النكاح. 1626 - قال أبو يوسف:

وكتب إلى سعيد يرويه عن يزيد أن رجلين شهدا على رجل أنه طلق امرأته يزور ففرق القاضي بينهما، ثم تزوجها أحد الشاهدين. قال الشعبي: 1627 - فجعل أبو حنيفة ما روى عن النبي -عليه السلام- محمولاً على الأموال الظاهرة والجنايات وما روى علي -رضي الله عنه- والشعبي محمولاً على العقود وجمع بين العملين. 1628 - فعلى هذا الأصل امرأة استأجرت رجلين فشهدا لها على زوجها بالطلاق الثلاث وهو زور ففرق بينهما ثم تزوجها أحد الشاهدين فهو جائز وتحل للشاهد وتحرم على الزوج الأول عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي تقع الفرقة في الظاهر دون الباطن ولا يحل لها أن تتزوج بأحد من الناس ولا بأحد الشاهدين، ولا يتزوج الرجل بأختها ولا أربعا سواها، وقالوا مع هذا القول أنها لا يمكن الزوج الأول أن يطأها ولا يخلو بها. 1629 - وقال أبو حنيفة. "فلو كان النكاح قائماً بعد الفرقة ثابتاً بين الزوجين لكان إذا وطئها بعد ذلك لا يحد واحد منهما وقد قالوا يحد. 1630 - وقالوا لو تزوجها رجل جاهل بحالها كانت حلالاً له فكيف يحل فرج واحد لاثنين؟ ولو بلى الثاني بمثل ما بلى به الأول لكان لآخر أن يتزوجها فيؤدي إلى أن تكون حلالاً لجماعة رجال في حالة واحدة وهذا لا يجوز. 1631 - وأبو حنيفة جعل فرقة القاضي طلاقاً لأنه يملك الطلاق على العنين والمؤلى إذا لم يفيء إلى زوجته ويزوج من لا ولي لها، فإذا حكم بالنكاح والطلاق صار من طريق الحكم كأنه هو الذي طلق بنفسه وتزوج بنفسه وباع ورد بالعيب. 1632 - وقد اتفق الجميع على أنه إذا فرق في اللعان وكان الزواج كاذباً عليها أن الفرقة تقع في الظاهر والباطن وتحل لسائر الناس وتحرم على الزوج. 1633 - وهذا قول الشافعي في اللعان.

فصل مالا يمضيه القاضي من أقضية غيره

1634 - وأبو يوسف ومحمد قالا في الكل إنما يقع في الظاهر، واللعان والطلاق سواء في ذلك، وهذا حكم النكاح والطلاق والعتاق والإقالة والبيع والرد بالعيب. 1635 - وأما إذا ادعى مالا في يد غيره أو حيواناً أو رقيقاً أو مهماً كان وشهد له شهود زور فقضى له بذلك لم يسعه أن يأكل ذلك ولا يسع أحد الشاهدين أن يشتري ذلك ولا يأكله إن ورثه وإن قدر المحكوم عليه على أخذ ذلك وتغييبه عن الذي قضى له به وسعه ذلك، ولكن في الجارية لا يحل له أن يطأها خوفاً من وجوب الحد عليه، فأما إن سرقها وغيبها فإنها تحل له. 1636 - وإن اشترى رجل جاهلاً بالحال ذلك المقضي به وسعة التصرف فيه. 1637 - وإذا شهد له بقتل ولي له بالزور فقضى بالقصاص أو الدية لم يكن له ذلك، وكان محرماً عليه، وكذلك هبة المال في رواية وفي أخرى هو مثل العقود. 1638 - ومسائل هذا الباب كثيرة والأصل فيها واحد. فصل مالا يمضيه القاضي من أقضية غيره 1639 - وإذا ثبت ذلك ثم رفع هذا الحكم إلى قاض آخر فكل ما كان من قضاء سائغ غير شنيع أمضاه وإن كان جوراً أو خلاف نص أو إجماع لم يمضه. 1640 - وإن كان الأول فاسقاً أو محدوداً أو ممن لا يجوز شهادته، لو شهد لم ينفذ حكمه، وينفذ ما فيه خلاف بين الفقهاء وإن كان خلاف رأيه إلا في مسائل نذكرها في فصل مفرد استثناها أصحابنا. 1641 - فإن نقضه الثاني ثم ارتفع إلى ثالث نفذ قضاء الأول وأبطل قضاء الثاني، وهذا مثل أن يحكم حاكم بأنه إذا زنا بامرأة لم تحرم الزوجة ولا وطئ بنتها وقضى بصحة نكاح المرأة ثم رفع ذلك إلى من يرى تحريمها بذلك الفعل أمضى النكاح ونفذ قضاء الأول لأنه مختلف فيه.

1642 - واختلف أصحابنا في الزوج فمنهم من قال إن كان يعلم أن ذلك الفعل يحرم لم يسعه المقام مع الزوجة، وإن كان جاهلاً وسعه المقام. 1643 - وكذلك حال الزوجة، وكذلك لو حلف فقال إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثاً فتزوج امرأة فرافعته إلى من يرى إبطال يمينه فحكم إبطالها ورفعت بعد ذلك إلى من يرى صحتها بعد الحكم الأول وجعلها زوجة وحكم الزوج والزوجة في ذلك سواء إن كان يعلم أن ذلك عامل فيه لم يسعه المقام. وإن كان جاهلاً وسعه المقام. 1644 - ومنهم من قال يسعه المقام في الحالين. 1645 - وكذلك طلاق المكره إذا أبطله ثم رفع إلى آخر فأوقعه ثم رفع إلى ثالث نفذ الأول وأبطل الثاني. 1646 - وكذلك إذا قضى بالقافه والقرعة في رقيق الميت أو رد نكاح امرأة بعيب. 1647 - وكل ما لا يخالف نصاً أو كتاباً أو سنة أو إجماعاً فإنه ينفذ وهذا قول أصحابنا. 1648 - وقال الشافعي: - إن كان القاضي الأول عامياً وحكم أبطل حكمه وجعله كمن لا ينفذ حكمه إذا حكم. فصل 1649 - واختلف أصحابنا فيمن قضى بالشهد واليمين أو بقتل في قسامة

أو بيع أم ولد أو متعة إلى أجل، وإذا قضى على من أعتق نصف عبده أو نصف أمته فقضى بإبطال ذلك أو قضى بالخلاص في الدار والرقيق أو بإبطال حقه لتركه سنين لم يطالب من دار، أو لا حق للنساء في القود وأنه للأولياء فإنه ينقض القضاء في هذا كله عند أكثر أصحابنا. 1650 - وحكى ذلك الخصاف من غير خلاف. وقال غيره من أصحابنا أن ذلك كله ينفذ ولا يبطله. 1651 - وإذا كان الجاني حياً فهو موضع الخلاف وإن كان قد أقيد لم يحكم في ذلك بشيء. 1652 - ولو قضى برد عبد أصابته حمى عند المشتري فرد على بائعه بغير بينة ولا إقرار فإنه يبطله ولا ينفذه. 1653 - وإذا حكم بإبطال ما فعلت المرأة بغير إذن زوجها في بيع وتصرف ورفع إلى آخر أبطل ذلك وأجاز تصرفها إذا كانت بالغة عاقلة وحكمها في ذلك حكم الرجل، وبهذا جاء الشرع والقرآن. 1654 - وكذلك إذا رفع إليها المهر قبل الدخول فاشترت به الجهاز ثم طلقها قبل الدخول فقضى الزوج بنصف الجهاز ثم رفع إلى قاض أبطله ولم ينفذه لأنه غير المفروض. 1655 - وإذا طلق امرأته وهي حبلى أو حائض أو قبل الدخول بها فقضى قاض بإبطال ذلك أو نقضه ثم رفع إلى من لا يرى ذلك أبطله ونفذ على الزوج ما كان منه. 1656 - وقالوا لو ضرب قاض رجلاً حداً في التعريض وأبطل شهادته أبطلنا الحد وأطلقنا شهادته. 1657 - وإن قضى في العنين أنه لا يؤجل نقضه وأجل العنين لأنه خلاف الإجماع من العلماء. 1658 - وإن قضى بما فيه خلاف متقدم فإن كان خطأ عند العلماء رد ذلك. 1659 - وإن كان عند أهل زمانه أنه صواب أنفذه.

فصل فسق القاضي بعد الحكم وما إليه

1660 - وإنما يرد ما كان خلاف العلماء وخارجاً عن لسان الأمة والكتاب والسنة. 1661 - وقالوا لو كان له مال على آخر فقال إن لم أقضك اليوم فامرأتي طالق ثلاثاً وعبدي حر فتغيب عنه المطالب فخشي المطلوب أن يحنث فرفع ذلك إلى الحاكم وأخبره بالحال فنصب وكيلاً وأمره بقبض المال وحكم بذلك ثم رفع إلى آخر قال أبو يوسف: لا يجوز هذا وقال غيره من أصحابنا يجوز. وهو قياس قول الشافعي. 1662 - وقالوا في رجل قدم رجلاً وقال: لأبي على هذا الرجل مال، وأبى غائب وأخاف أن يتوارى هذا فرأى قاض أن يجعله وكيلاً لأبيه وقبل بينته على المال وحكم به ثم رفع إلى آخر أبطله. 1663 - قالوا ويستحسن أن يجيز هذا في المفقود أن جعل ابنه وكيلاً في طلب حقوق أبيه. فصل فسق القاضي بعد الحكم وما إليه 1664 - وإذا بان أن القاضي عبد أو محدود في قذف أو فاسق أو مرتش في الحكم منذ ولى فإن قضاءه يرد ولا ينفذ منه شيء. 1665 - وإن ولى وهو أمين فقضى وحكم ثم فسق بعد ذلك أو عمى أو صار إلى حالة لا تنفذ أحكامه فما كان قبل ذلك نفذ وما كان بعد تلك الحالة لا. 1666 - وحكى القدوري في التجريد في كتاب النكاح أن من أصحابنا من قال إذا فسق فهو على حكمه إلى أن يخرجه الإمام من القضاء وليس هذا بالمذهب وإنما ارتكبه في مسألة الفاسق هل يكون ولياً. 1667 - والمرأة إذا قضت في الحدود والقصاص ترد، ولا يرد قضاؤها فيما تجوز شهادتها فيه. فصل قضاء القاضي لمن ولاه ولولد الإمام 1668 - ويجوز قضاء القاضي لمن ولاه وعليه ويجوز قضاؤه لولد الإمام وعليه.

فصل من لا يجوز قضاؤه له

1669 - ويجوز قضاؤه لأخيه وأخته وعمه وخاله وخالته وعمته. 1670 - ولقاضي القضاة وعليه. 1671 - ولكل من تجوز شهادته له. فصل من لا يجوز قضاؤه له 1672 - ولا يجوز أن يقضي لولده ولا ولد ولده وإن سفل، ولا لأبيه ولا لجده وآبائه وإن علو. ولا لزوجته ولا عبده المأذون ولا مكاتبه وإن كان على عبده دين أو لم يكن من يجوز قضاؤه له 1673 - ويجوز قضاؤه لأب امرأته ولأمها وسائر قرابتها، ولا يقضي لهم بعد الموت إذا كانت الزوجة وارثة. وكذلك زوجة الابن والأب والجد يجوز في حالة الحياة، ولا يجوز بعد الموت إذا كان وارثاً. 1674 - وقالوا لو قدم إليه من لا يجوز قضاؤه من سائر ما ذكرنا فإنه لا ينظر بينهما. فإن فعل وتوجه الحكم على من لا يجوز قضاؤه له فحكم عليه فحكمه جائزة وإن تقدم إليه أبوه وأمه فتوجه القضاء لأحدهما على الآخر ففيه خلاف بين أصحابنا في جواز ذلك ورده. 1675 - وكذلك إذا شهد على أبيه بالنكاح وهو يجحد فيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد. وقد ذكرنا خلاف الناس في الشهادة في ذلك والقضاء مثله مع أبي ثور وسفيان وغيرهما. 1676 - وقالوا لو شهد عند القاضي شهود لرجل بحق على آخر فحكم أو

شهادة القاضي المعزول على إقرار

لم يحكم حتى عزل فمات الشهود أو غابوا فسأل الخصم المعزول أن يشهد على شهادة الشهود عنده فإنه لا يقبل ذلك وإن شهد ردت شهادته. 1677 - ومن أصحاب الشافعي من قبل تقبل ويكون شاهد فرع. شهادة القاضي المعزول على إقرار 1678 - واتفق الفريقان على أنه لو أقر لرجل بحق عند المعزول فإن المعزول يجوز له أن يشهد عند الثاني على إقراره، ويحكم القاضي بذلك إذا كان عدلاً. 1679 - وإذا قد ذكرنا حكم علم القاضي وما يقضي به من البينة والإقرار، وما ينفذ فيه حكمه وما لا ينفذ، وجب ذكر كتاب القاضي إلى القاضي لأنه طريق إلى الحكم به أيضاً.

باب كتاب القاضي إلى القاضي

باب كتاب القاضي إلى القاضي وهذا باب يذكر فيه كتاب القاضي إلى القاضي. 1680 - اعلم أن كتب القضاة إلى القضاة يقع الكلام فيها في مواضع. منها جواز ذلك في الجملة. ومنها كيفية قبولها. ومنها الموضع الذي يقبل فيه. ومنها فيما يقبل ولا يقبل. ومنها من الذي يقبلها من القضاء. جواز قبول كتب القاضي إلى القاضي 1681 - أما جواز قبولها في الجملة فقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كتب إلى الضحاك بن سفيان الكلابي أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.

فصل كيفية قبول كتاب القاضي

ولأن بالناس حاجة إلى ذلك، وهو فعل أئمة العدل وولاة الجوز وفعل سائر الحكام في سائر الأعصار فوجب أن يكون ذلك. فصل 1682 - ويكتب بما ثبت عنده من الحقوق ليحكم به وبما حكم به لينفذه الثاني، وهذا لا خلاف فيه أن يكتب به. فصل كيفية قبول كتاب القاضي 1683 - وأما كيفية القبول فلا يقبل بغير بينة. 1684 - وقال أبو ثور يقبل بغير بينة. وذكر الخصاف عن الشعبي أنه كان يجيز كتاب القاضي إذا جاءه بغير بينة. وذكر عن ابن أبي زائد قال: جئت بكتاب قاضي الكوفة إلى أياس بن معاوية فقبله ولم يسألني بينة عليه ففتحه ثم نشره فوجد لي فيه شهادة شاهدين على رجل من أهل البصرة بخمسمائة درهم فقال لرجل على رأسه: - اذهب إلى زياد فقل له أرسل إلى فلان بن فلان فخذ منه خمسمائة درهم وأدفعها إلى هذا. قال فذهب بي ففعل. 1685 - وقال من أجاز ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد كان يعمل

فصل سماع البينة على غائب

بكتبه بغير شهادة، وكان يدعو بكتبه إلى الإسلام كما يدعو بقوله، وهو فعل الخلفاء والأمراء إلى اليوم. وعندنا وعند الشافعي ومالك لا يقبل، لأنه يدعى على القاضي الكتاب فيحتاج إلى شهود على ذلك لقوله عليه السلام: البينة على المدعي. فصل 1686 - ولا يقبل الكتاب وإن عرف الخط والختم. 1687 - وقال أبو سعيد الاصطخري: - إذا عرف المكتوب إليه خط القاضي الكاتب وختمه جاز قبوله، وهذا خطأ لأن الخط يشبه الخط والختم يشبه الختم فلا يؤمن أن يزور على الخط والختم. فصل 1688 - وإن كتب الشهادة التي ثبتت عنده اعتبر مسافة تقصر فيها الصلوة كالشهادة على الشهادة. 1689 - وإن كان قد حكم لم يعتبر ذلك وهو قول الشافعي أيضاً في الفصلين. فصل سماع البينة على غائب 1690 - وإذا طلب الرجل من القاضي أن يسمع من بينته على رجل غائب في بلد آخر ليكتب له بحث لزمه إلى قاضي ذلك البلد، فإن القاضي يسمع من بينته ويذكر اسمه ونسبه إن كان معروفاً عنده، وإن كان لا يعرفه سأل الشهود عن ذلك ثم أثبته، وكذلك اسم المدعى عليه ونسبه إلى أبيه وجده وقبيلته وصناعته، وإن لم يذكروا القبيلة وذكروا الأب والجد قبل ذلك أيضالً، ولا يقبل إن قالوا: زيد الكوفي أو البصري لأن ذلك غير معروف. 1691 - ولا يكتب القاضي حتى تثبت عدالة الشهود عنده، فإذا عدلوا كتب

بما ثبت عنده من حقه وأثبت أشماء الشهود الذين شهدوا عنده وأنسابهم وحلاهم ومواضعهم وأنه قد سأل عنهم فعدلوا عنه. فصل 1692 - ولابد أن يقرأ كتابه على الشهود الذين يشهدهم على الكتاب، ويدفع لإليهم نسخة تكون معهم ويختم الكتاب بحضرتهم ويشهدهم أن هذا كتابه إلى القاضي فلان بن فلان قاضي بلد كذا، وهذا خاتمي عليه ويدفع الكتاب إلى الطالب. 1693 - وقال الشافعي: استحب ذلك ولا أوجبه. 1694 - وقال الحسن: قال أبو حنيفة: "وإن قرأ عليهم الكتاب ولم يختمه بحضرتهم وهم لا يحفظون ما فيه وليس نسخة معهم لم يجز ذلك. 1695 - وقال أبو يوسف: يجوز الكتاب ويقبله الذي يرد عليه وإن لم يقرأه عليهم بعد أن يشهدهم على نفسه أنه كتابه وخاتمه، وهو قول الشافعي. فصل 1696 - قال أبو يوسف: - وانفذ كتب الخلفاء بغير بينة، وينفذ الخلفاء كتب القضاة بغير بينة. 1697 - وقال أبو حنيفة والشافعي لا يقبل الجميع بغير بينة. فصل وقال أبو يوسف: 1698 - ويقبل كتاب القاضي إذا قال:

فصل ما يجوز فيه كتاب القاضي إلى القاضي

من فلان بن فلان إلى قاضي بلد كذا أو إلى من يصل إليه هذا الكتاب من قضاة المسلمين وحكامهم ولم يعين اسم أحد بعد أن يكون من يصله مولى قبل الكتاب، ولا يقبله من ولي بعد ذلك. 1699 - ولا يقبل هذا عند أبي حنيفة على هذا الإطلاق. 1700 - كما لا يقبل كتاب من يكتب فيقول: من قاض من قضاة المسلمين. ولا يذكر نسبه واسمه. 1701 - وأول من عمل بالعراق من القضاة على قول أبي يوسف هو شيخنا قاضي القضاة رحمه الله لأنه امتنع أن يخاطب قضاة خراسان فسلك هذه الطريقة وكانت غريبة في العمل، فعمل بها جميع قضاة الوقت وكتبوا هم إليه بمثل ذلك، وصار سنة مألوفة لطول نظره وعمله بها ولو كان هذا مذهبنا لما سبق الناس إليه في العمل وحده. فصل ما يجوز فيه كتاب القاضي إلى القاضي 1702 - وكتب القضاة إلى القضاة جائزة في سائر حقوق الناس: الديون والعقارات والشركات والغصوب والودائع. 1703 - واتفق أصحابنا على أنه لا يكتب في الحيوان الدواب والرقيق وجميع ما ينقل ويحول. واختلفوا في العبد فقال أبو يوسف:

أكتب في العبد إذا حلوه ووصفوه فإذا ورد الكتاب على القاضي ختم في عنق العبد وبعث به مع الرجل الذي أتاه بهذا الكتاب وأخذ منه كفيلاً بالعبد حتى يصير العبد إلى الكاتب فيشهد الشهود على عين العبد ثم يكتب القاضي كتاباً آخر إلى القاضي فيحكم بالعبد للطالب ويبرئ كفيله، وأجاز ذلك في العبد دون الأمة. 1704 - أبو حنيفة سوى في جميع المنقولات. 1705 - كما قالوا بأنه لا يسمع الدعوى على منقول حتى يكون حاضراً عند الحاكم ويشهد الشهود على عينه. 1706 - وكما لا تجوز الشهادة فيه على الشهادة لا يجوز كتاب القاضي فيه إلى القاضي. 1707 - وكذلك قال الشافعي في كتاب القاضي إلى القاضي. فصل 1708 - ولا يكتب في حد ولا قصاص كائناً ما كان في نفس ولا طرف. 1709 - ولا يكتب لرجل أنه قد وفا فلاناً ماله عليه، أو سلمت الوديعة التي كا نت له عندي أو أنه وهبها لي أو أبراني لأني لا أعلم هل يدعي ذلك أم لا. 1710 - وكذلك لو كان حاضراً ما يسمع هذه الدعوى. 1711 - وقالوا: لا يكتب بإسقاط شفعة عليه لغائب أنه كان قد أسقطها عنه. 1712 - وقال محمد بن الحسن: اكتب له بذلك. 1713 - ولا يكتب لامرأة ادعت طلاقاً على زوجها وهو غائب وقالت لا آمن أن يتعرض لي هناك.

فصل 1714 - وقالوا لو حضر المطلوب بالدين والمشتري والزوجة وقال: قدمني خصمي إلى قاضي كذا فقضى علي بالدين والشراء والنكاح، وقد كان استوفى ذلك مني وسقطت شفعته عني وطلقت منه، وأقام كل واحد بينته بذلك فإنه يكتب له ويسمع، وهذا اتفاق والأول على الخلاف. فصل 1715 - وإذا كنت فيما يجوز أن يكتب فيه فضاع الكتاب من المدعي، فسأل أن يكتب له بدله فإنه يفعل، ويذكر في الكتاب الثاني أن الخصم ذكر أنه ضاع الكتاب الأول. 1716 - وكذلك إن انتقل المطلوب إلى بلد آخر كتب له كتاباً آخر إلى البلد الآخر. فصل 1717 - قال أصحابنا: لو ثبت حقه وكتب له فحضر المطلوب عند الكتاب، فإنه لا يحكم بشهادة من شهد عنده حتى يعيدوا الشهادة بحضرته لأنها شهادة على غائب. 1718 - وإذا ثبت نسب أو غرث وعدد ورثة عنده كتب بذلك كله. فصل 1719 - ويكتب لكل جناية يجب بها المال قليلاً كان أو كثيراً إذا ثبت عنده. 1720 - ولا يكتب في دار حتى يحدها بأربعة حدود أو ثلاثة عند أبي حنيفة، وعند زفر والشافعي لابد من ذكر الحدود كلها. وعند أبي يوسف ومحمد يكفي إذا كان ذلك مشهوراً.

فصل 1721 - وما علمه القاضي فيما خلا الحدود والقصاص وطلب صاحب الحق أن يكتب له بذلك فعل وفسر الحال في ذلك، فإن كان من رأي القاضي أن لا يقضي بما علمه قبل القضاء لم يقبل ذلك، وإن كان رأيه أنه يجوز، قبل ذلك. 1722 - ولو علم وهو يهودي فأسلم أو هو عبد فأعتق أو صبي فبلغ ثم استقضى بعد العتق والإسلام والبلوغ وسأله الطالب أن يكتب له فكتب بذلك فإن أبا حنيفة قال: لا ينفذ المكتوب إليه. 1723 - وقال أبو يوسف ينفذ وجعل ذلك كالشهادة إذا زال المانع. 1724 - وهو قول الشافعي. 1725 - وفرق أبو حنيفة بين الحكم والشهادة لأن الحاكم لا يحكم بعلمه وإن لم يكن هناك منع، فمع المنع أولى. فصل 1726 - وتكتب له شهادة الرجل الواحد والمرأة الواحدة، فإذا وصل الكتاب إلى المكتوب إليه قال للخصم. - هات تمام الشهادة، كما لو شهد وهو حاضر. فصل 1727 - وقال أصحابنا: - لو حضر رجل وامرأة فادعيا أن لهما ولداً في يد إنسان قد سرقه وأنه معروف النسب منهما، ونحن نقيم البينة بذلك عندك فاكتب لنا بذلك إلى فلان القاضي فإنه يكتب في قول أبي يوسف. 1728 - وقال أبو حنيفة.

فصل ادعت أنها حرة

لا يكتب بذلك. 1729 - وقال أبو يوسف: لا أكتب للأحرار إلا الأب أو الأم أو الزوج يدعي المرأة، ولا أكتب لما سوى الأبوين ما داما أحياء فإذا مات الأبوان كتب لكل وارث. فصل 1730 - وقالوا: لو استحق رجل أمة لقضى القاضي للمستحق بها، فقال المطلوب: - أمتي اشتريتها من فلان بن فلان وهو في بلد كذا، ودفعت إليه الثمن، وشهودي ههنا فاسمع منهم واكتب لي فإن القاضي يكتب له ما يصح عنده من ذلك. وهذا اتفاق. فصل ادعت أنها حرة 1731 - وإذا ادعت جارية في يد رجل أنها حرة الأصل، وقد كانت أقرت بالرق وأقامت بينة بحرية الأصل فجعلها القاضي حرة، فقال الخصم: اشتريتها من فلان وهو في موضع كذا فاسمع مني شهودي واكتب لي، فإنه يفعل ويكتب له بما سمع. 1732 - ولو لم تقم البينة بحرية الأصل ولا كانت أقرت بالرق ولا بينة لمن هي في يده بالرق عليها فجعلها القاضي حرة، فقال من هي في يده للقاضي: فإنه لا يسمع من شهوده ولا يكتب له، وليس هذا كالبينة في المسألة الأول، لأن ذلك شهادة على من كانت في يده من الباعة والمشترين والقاضي في مسألتنا أخرجها من يد المشتري بإنكار الرق ودعواها أنها حرة فليس هذا حكماً على البائع، لأن البائع والمشتري قد أجمعها على أنها كانت مقرة بالرق، ولهذا لو

فصل كتابه القاضي في عقار في يد غائب

حضر البائع فأقر له المشتري برقها واعترف هذا بالبيع والتسليم لم يلزم رد الثمن لأن الاستحقاق ليس بالبينة. فصل 1733 - ولو قال المشتري للقاضي: حلف البائع أنها ليست بحرة الأصل حلفه القاضي. فإن حلف فلا شيء عليه، وإن نكل عن اليمين ألزمه القاضي برد الثمن على المشتري. فصل كتابه القاضي في عقار في يد غائب 1734 - ولو ادعى عقاراً في بلد القاضي وحدده وقال: إنه لي، وهو في يد فلان الغائب فاسمع بينتي واكتب لي فإنه يفعل ذلك ويكتب، وإنما فعل ذلك لأن الغائب هو الخصم فلابد من سماع حجته، فإذا وصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه أحضر الخصم وقرأ عليه الكتاب وسأله عن حجة يدلي بها، فإن أدلى بحجة وإلا حكم عليه. فصل العقار في بلد المكتوب إليه 1735 - وإن كان الشيء في بلد المكتوب إليه فإنه إن أدلى بحجة وإلا أمره بالتسليم ثم سجل للطالب بذلك، يشهد على نفسه، فإذا أورد الطالب القضية على الكاتب وأقام بينة عليها وليس خصمه حاضراً لم يقبل ذلك ولم ينفذ الحكم، ولكن المكتوب إليه إذا حكم للطالب وأمر المطلوب بالتسليم إليه، فإن امتنع من ذلك والدار في بلد الكاتب فإنه يكتب إليه كتاباً معه يحكي كتابه الذ يوصله بما ثبت لفلان عنده، ويخبره أنه جمع بين الطالب والمطلوب، وقرأه عليهما بعد الشهادة بأنه كتابك إلى وخاتمك، فدعوته بحجة فلم يأت بما يدفع ما ثبت لفلان عليه، وإني حكمت لفلان عليه بذلك وسجلت به سجلاً، وأمرت بتسليم ذلك إلى فلان، والخروج إليه منه فامتنع من تسليمه إليه،

فصل ما يفعله حين يرد عليه كتاب قاض آخر

وذلك قبلك وفي عملك، وسألني الكتاب إليك وإعلامك قضيتي له بذلك لتسلم إليه الدار وتأمر بدفعها إليه فأجبته إلى ذلك فأعلمتك به، فاعمل بما يجب في ذلك عليك، وسلم هذه الدار المذكورة إلى فلان موص كتابي هذا على الواجب في الشرع والدين. فصل ما يفعله حين يرد عليه كتاب قاضٍ آخر 1736 - وإذا ورد الكتاب على القاضي من قاض بحق برجل يجوز أن يكتب به، فإن القاضي يجمع بين الذي جاء بالكتاب وبين خصمه والشهود الذين يشهدون على الكتاب، فإذا حضر الخصم وادعى عليه الحق فإن أقر فلا كلام، وحكم بإقراره وإن أنكر أحضر الكتاب، فإذا شهد الشهود أن هذا كتاب فلان إليك وهو قضي بلد كذا وكذا وهذا خاتمة فإن القاضي يسألهم هل قرأه عليهم وختمه بحضرتهم أم لا؟ فإن شهدوا بذلك كله قبله وإن قالوا لم يقرأه علينا ولكنه ختمه بحضرتنا أو قرأه علينا ولم يختمه بحضرتنا لم يقبله ولم يحكم بما فيه. 1737 - وقال أبو يوسف يقبله في ذلك كله ويحكم به. وهو قول الشافعي أيضاً. ويحكم حينئذ بما فيه إذا كان شرط "الحكم" به موجوداً فيه. 1738 - وإذا كان العنوان: فلان بن فلان إلى فلان لم يقبله. وكذلك إذا قال: من أبي فلان إلى ابي فلان، لم يقبله عند أبي حنيفة إلا أن تكون الكنية معروفة مشهورة كأبي حنيفة. 1739 - وقال أبو يوسف يقبل إذا قالوا هذا كتاب القاضي إليك. 1740 - وقال أبو حنيفة: إذا ذكروا اسم الجد ولم ينسبه إلى أبيه لم يقبل. 1741 - وعند أبي يوسف يقبل إذا قالوا كتاب القاضي إليك. 1742 - وقال محمد بن الحسن: إذا لم تكن الأسماء والكنى في داخل وكانت على العنوان لم يقبله ولم يحكم به.

موت المكتوب إليه الخ

1743 - ويقبل عند أبي يوسف والشافعي. فصل تعديل الشهود على كتاب القاضي 1744 - وإذا شهدوا على الكتاب وخاتم القاضي وهو كتاب صحيح لم يفضه القاضي حتى تثبت عنده عدالة الشهود، فإذا ثبت فضله بحضرة الطالب والمطلوب، وإن لم يثبت العدالة لم يفضه وجعله في درج المحضر حتى يسأل عن الشهود، فإن لم يعدلوا قال للطالب زدني شهوداً على التاب. 1745 - وهذا قول جميع من اعتبر الشهادة عليه وجعلها شرطاً في قبوله. فصل موت القاضي الكاتب وعزله 1746 - وإن لم يصل الكتاب حتى مات القاضي الكاتب، أو عزل، أو عمي أو فسق، أو صار في حالة لا يقبل حكمه، لم يقبل الكتاب ولم ينفذ عندنا. 1747 - وقال الشافعي يقبل، ويحكم به إذا كان قد حكم به وإن كان لم يحكم به لم يقبل في الفسق ولا فيما سوى الموت كما لو فسق شهود الأصل. فصل ضاع الكتاب وهرب الخصم 1748 - ولو ضاع الكتاب قبل أن يوصله أو هرب الخصم، فسأله المدعي أن يكتب له كتاباً إلى القاضي الكاتب، أو إلى البلد الذي صار إليه الخصم، ويعرف صورة الحال، فليس عليه أن يفعل ذلك عندنا. موت المكتوب إليه الخ 1749 - وقال أصحابنا: لو مات المكتوب إليه أو عزل أو فسق ثم ولى غيره القضاء لم يجز له قبوله والحكم به.

فصل وصول الكتاب بعد مغادرة الخصم

1750 - وقال الشافعي: لمن ولى أنه يقبله ويحكم به لأن المعول على ما حفظه شهود الكتاب وتحملوه. ومن تحمل شهادة وجب على كل قاض العمل بها. 1751 - وعندنا أن القاضي المكتوب إليه كشهود الفرع إذا حملوا الشهادة لم يكن لغير من حملها أن يقبل ذلك ولا يشهد. فصل وصول الكتاب بعد مغادرة الخصم 1752 - ولو وصل الكتاب إلى القاضي وقد خرج خصمه من البلد، وطلب من القاضي أن يكتب له بذلك إلى البلد الآخر، أنه وصله من فلان القاضي فإنه يكتب له بذلك إلى ثالث ورابع وكذلك أبداً حتى ينتهي إلى البلد الذي فيه الخصم. فصل مرض الشهود في الطريق 1753 - وقال لو مرض الشهود في الطريق فاشهدوا على شهادتهم لقوم آخرين فإن القاضي يقبل ذلك ويسمع الشهادة على الشهادة مثل الشهود بالكتاب، وكذلك أن بدا للشهود من السفر. فصل 1754 - ولو قال الطالب للقاضي: أكتب إلى قاضي كذا فإن كان خصمي هناك وإلا أكتب إلى قاضي كذا، فإنه يفعل ذلك، فإذا ورد الكتاب على الأول وسأله أن يكتب إلى الثاني فإنه يفعل ذلك ويكتب على ما سأل.

فصل إلى فلان أو فلان

فصل إلى فلان أو فلان 1755 - وإن كتب الكتاب إلى فلان أو فلان فأي القاضيين ورد عليه الكتاب أنفذه وعمل به عند أبي يوسف لأنه لو كتب إلى من يصل إليه من القضاة جاز ذلك عنده إذا كانت ولايته قبل أن ينفذ الكتاب وأنفذه وأجازه. 1756 - وعند الشافعي ينفذه وإن ولي بعد الكتاب. 1757 - وقال أبو حنيفة لا ينفذ الكتاب ولا يقبله إلا إذا عين واحداً من الناس. فصل هرب الخصم بعد فض الكتاب 1758 - وإذا هرب الخصم بعد فض الكتاب وقراءته عليه قبل الحكم به، فسأل الطالب القاضي أن يكتب له إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم، فعند أبي يوسف ينصب له وكيلاً ويحكم كما لو أقام رجل بينة على دعواه بمحضر من خصمه ثم غاب المطلوب، فإنه ينصب عنه وكيلاً وينفذ الحكم عليه. وقال ههنا لا يكتب. 1759 - وقال محمد: - لا يقضى عليه بشيء حتى يحضر إلا أن يكون المطلوب أقرَّ بالحق ثم غاب فإنه يحكم عليه. 1760 - وقال أبو يوسف هما سواء، ويحكم عليه إذا غاب. 1761 - وقال محمد في «كتاب القاضي» إذا كان قد سمع من البينة بمحضر من المطلوب ثم غاب ولم ير الحكم عليه فإنه يكتب إلى قاضي ذلك البلد الذي هو فيه. 1762 - والشافعي يحكم على الغائب وعلى من في المصر في أحد الوجهين. 1763 - وإذا مات المطلوب بالحق فإن القاضي يسمع الكتاب على وارثه أو وصِيه ويحكم بما فيه إن كان تاريخ الكتاب قبل الموت أو بعده.

فصل كتاب القاضي بما لا يراه المكتوب إليه

فصل كتاب القاضي بما لا يراه المكتوب إليه 1764 - وإن ورد كتاب القاضي بما لا يراه المكتوب إليه جائزاً مما قد اختلف فيه العلماء لم ينفذه لأنه ليس بقضية، وإنما هو بمنزلة الشهادة. 1765 - وإن كان قد حكم وأمضى الحكم بذلك أمضاه، لأنه بمنزلة ما حكم به مما يختلف فيه العلماء. 1766 - وهو قول الشافعي في القصاص أيضاً. فصل الإضافة للأب والجد 1767 - وإن كان في الكتاب أن فلاناً أقام عندي بينة أن له على فلان كذا لم يقبل الكتاب حتى يضيفه إلى أبيه وإلى جده، أو يحادثه ويعرفه بما يعرف به، ومتى كان في ذلك البلد إنسان على مثل ذلك الاسم والنسب والصناعة لم يقبل الكتاب إلا أن يقيم الطالب بينة أنه هو المكتوب فيه الكتاب. فصل تشابه الأسماء في البلد 1768 - وإن لم يكن أنفذ الحاكم الكتاب فقال المطلوب أنا أقيم بينة أن في هذا البلد رجلاً كان على هذا الاسم وأنه مات، لم أقبل ذلك إلا أن يكون حياً، ولا أنظر في حال من مات إلا أن يكون موته بعد تاريخ الشهادة بالحق الذي في الكتاب. فإن كان بعد التاريخ أبطلت الكتاب حتى ينسب إلى شيء أعلم أنه هو. وإن كان الذي على ذلك الاسم قد مات قبل ذلك بزمان ودهر أنفذت الكتاب على الحي. 1769 - وقال الشافعي: وإذا وصل الكتاب إلى الم كتوب إليه فحضر الخصم وقال: لست بفلان بن فلان فالقول قوله مع يمينه، لأن الأصل أنه لا مطالبة عليه.

الإشهاد على ثبوت الحق بالبينة

1770 - وإن أقام المدعي البينة أنه فلان بن فلان، فقال إلا أني غير المحكوم عليه لم يقبل قوله الأول إلا أن يقيم بينة أن له من يشاركه في جميع ما وصف، لأن الأصل عدم من يشاركه فلم يقبل قوله من غير بينة فإن أقام بينة أن له من يشاركه في جميع ما وصف به، توقف عن الحكم حتى يثبت من الحكم عليه منها. فصل 1771 - وإذا حكم المكتوب إليه على المدعى عليه بالحق، فقال المحكوم عليه: أكتب بي إلى الحاكم الكاتب أنك حكمت علي حتى لا يدعى ثانياً، فقد اختلف في ذلك: فمنهم من قال يلزمه لأنه لا يأمن أن يدعي عليه ثانياً ويقيم عليه البينة فيقضى عليه ثانياً. ومنهم من قال لا يلزمه لأن الحاكم أنما يكتب ما حكم به أو ثبت عنده، والكاتب هو الذي حكم أو ثبت عنده دون المكتوب إليه. فصل الإشهاد على ما ثبت من الإقرار 1772 - وإذا ثبت عند القاضي حق بالإقرار فسأله المقر له أن يشهد على نفسه بما ثبت عنده من الإقرار لزمه ذلك لأنه لا يؤمن أن ينكر المقر فيلزمه الإشهاد ليكون حجة له إذا أنكره. فصل الإشهاد على ثبوت الحق بيمين المدعي 1773 - قال أصحاب الشافعي: وإن ثبت عنده الحق بيمين المدعى بعد نكول المدعى عليه، فسأله المدعي أن يشهد على نفسه، لزمه لأنه لا حجة للمدعي غير الإشهاد. الإشهاد على ثبوت الحق بالبينة 1774 - وإن ثبت عنده الحق بالبينة فسأل الإشهاد ففيه وجهان: أحدهما

فصل الإشهاد على براءة الحالف

أنه لا يجب لأن له بالحق بينة فلم يلزم القاضي تجديد بينة أخرى، وهذا قول عامة صحابنا. والثاني يلزمه لأن في إشهاده على نفسه تعديلاً لبينته وأساساً لحقه وإلزاماً لخصمه. فصل الإشهاد على براءة الحالف 1775 - وإذا ادعى على رجل حق فأنكره وحلف عليه، وسأل الحالف القاضي أن يشهد على براءته لزمه الإشهاد ليكون حجة له في سقوط الدعوى، حتى لا يطلب الحق مرة أخرى. فصل إثبات ما جرى في الخصومة في المحضر 1776 - واختلف في لزوم القاضي أن يثبت في المحضر بما جرى في الخصومة إذا طلب أحد الخصمين: فمنهم من أوجبه ومنهم من لم يوجبه. 1777 - واتفق الجميع على أنه لا يجب الإشهاد عليه والتسجيل إذا لم يكن عنده كاغد من بيت المال وإن كان عنده أو دفع إليه الخصم الكاغد فعندنا لا يلزمه، وعند أصحاب الشافعي يلزمه في أحد الوجهين وكذلك قولهم في المحضر. أخذ القاضي الأجر على السجل 1778 - وحكى شيخنا قاضي القضاة رحمه الله عن ابن شريح أنه أخذ على سجل سجل به ألف دينار، وكان بينه وبين ابن داود خصومة فولب عليه أبو بكر بن داود الخصم، وقال له:

طالبه بالدنانير، وشنع عليه فلما اجتمع الخصم به وعزم على المطالب قال له ابن شريح: - بمن ترضى من أهل العلم يحكم بيننا فهل ترضى بابن داود؟ فقال الرجل: نعم فحضرا عنده والرجل يعرف باطن ابن داود في القضية، فلما رأى ابن شريح قد أقبل إليه قام له واستقبله. فقال ابن شريح له: - يا أيها الشيخ هل يجب على الحاكم أن يسجل على نفسه بما ثبت عنده؟ فقال: - لا يجب عليه ذلك فقال ابن شريح: - فما لا يجب عليه هل يجوز أن يأخذ عنه عوضاً أم لا؟ فقال: له أن يأخذ عنه العوض. فقال له: - فاعلم هذا الشيخ أنه لا يجب على رد ما أخذت على سجلي على نفسي. 1779 - وهذا مذهب لا يصح، لأنه قد لا يجب على الإنسان الشيء ومع هذا لا يجوز أن يأخذ العوض عليه كصلوة النافلة. 1780 - وقد ذكرنا فيما تقدم قولهم في الأجرة على الشهادة والرزق على الحكم عندنا فلا معنى لإعادته. فصل 1781 - ولا يقبل الكتاب إذا قال فيه: على فلان بن فلان البكري أو التميمي حتى ينسبه إلى الفخذ الذي هو منه. 1782 - ولو قال الخصم: أنا فلان بن فلان الفلاني وليس لهذا على شيء لم يقبل ذلك منه ولم يكن في هذا حجة.

عمل قاضي القضاة بالمشافهة

فصل 1783 - وإن قال دفعت المال إليه أو أبراني أو أتى مخرجاً بذلك قبل القاضي ذلك منه. 1784 - وإن قال: لست بفلان بن فلان الفلاني والقاضي لا يعرفه، فالقول قوله، وقد مضت. فصل رسول القاضي إلى القاضي ومشافهته 1785 - وإذا أرسل القاضي إلى القاضي رسولاً بما كتب به أو شافهه به في عمله لم يقبل ذلك ولم ينفذه لأن الكتاب بمنزلة الشهادة. عمل قاضي القضاة بالمشافهة 1786 - وكان شيخنا قاضي القضاة رحمه الله يعلم خلفاءه ما ثبت عنده من الحقوق مشافهة وبرسالة ويحكمون بذلك على الخصوم ويستوفون الحقوق ويحبسون بذلك القول لهم، والنص في الرواية ما ذكرناه دون ما كان يعمله. فصل 1787 - وإذا مات الكاتب أو عزل بعد وصول الكتاب وقراءة ما فيه أمضاه. ولو فسق أو صار في حال لا يجوز حكمه من ذهاب عقله بعد وصول الكتاب لم ينفذ ما فيه ورده هذا القاضي. 1788 - وقال أبو يوسف: إذا عمي بعد الوصول أنفذ، كما لو مات، وهو قول الشافعي. كتاب العامل وقاضي الرستاق 1789 - ولا يقبل القاضي كتاب عامل ولا قاضي رستاق ولا قرية إلا قاضي مصر من الأمصار أو مدينة فيها منبر وكان شيخنا قاضي القضاة رحمه الله يقبل كتب قضاة السواد ويحكم بها، غير أن سواد العراق في كل موضع منبر وخطبة، وفي بعضه أسواق وحكمه حكم المدن في غير العراق. فصل 1790 - وقالوا لو كتب القاضي إلى الأمير الذي استعمله وهو معه في المصر

كتابة القاضي بما تسمع فيه البينة

- أصلح الله الأمير ثم قص القصة وبعثه مع ثقة ولم يشهد على الكتاب جاز وقال محمد: استحسن أن ينفذه وإن كان في مصر آخر لم ينفذه حتى يكتب اسم الأمير واسم أبيه واسم القاضي واسم أبيه. فصل 1791 - وإن انكسر خاتم القاضي وعليه خواتم الشهود فإن القاضي يقبله، وكذلك لو شهدوا أنه قرأه علينا وأشهدنا عليه فإنه يقبله، وكذلك إن كان الكتاب منشوراً أو في أسفله خاتم فإنه يقبله إذا شهد الشهود عليه، وإنه قرأه عليهم، وهكذا قول أبي يوسف والشافعي في هذه الوجوه كلها. 1792 - وفي قول أبي حنيفة لا يقبل. فصل الطعن في الشهود والقاضي والكاتب 1793 - وإذا طعن المطلوب بالحق في الشهود أو القاضي الكاتب وذكر فيهم ما يوجب وقوف حكمه وشهادتهم، وأقام بينة بأنهم فسقة أو محدودون في قذف أو عبيد أو ذمة، فهذا شبهة توقف الحكم وتمنع من إمضاءه، وهذا في قول جميع من نعلمه من الفقهاء ممن لا يقبل شهادة محدودة أو عبد أو ذمي في ذلك على ما تقدم بيان ذلك. كتابة القاضي بما تسمع فيه البينة 1794 - وكل ما استمع فيه بينة ويحكم بها إذا كان حاضراً فإنه يكتب بها إذا كان غائباً إلا المواضع التي ذكرناها من الحدود والقصاص وما ذكرناه، وفي هذه الأبواب والفصول مسائل كثيرة نذكرها في المحكوم به. 1795 - وإذ قد ذكرنا صفة القاضي وما يجب كونه عليه من الأمور والمقتضي له وطريق القضاء، وذكرنا ما في ذلك من المسائل والأبواب، وجب ذكر المقضي به من الحقوق وهذا يقتضي أن نذكر الكتب والمعاملات وسائلاً الأفعال والأقوال، ونرتب ذلك على ترتيب الكتب، ونبدأ في ذلك إن شاء الله بكتاب البيوع.

كتاب البيوع

المقضي به من الحقوق كتاب البيوع وهذا كتاب البيوع أنواع البيع 1796 - اعلم أن البيوع على ثلاث أضرب: بيع مجمع عليه وعلى صحته وبيع مجمع على تحريمه وفساده وبيع مختلف فيه، يجوز عند بعض الفقهاء ولا يجوز عند بعضهم. أسباب الخلاف في البيع 1797 - والخلاف الواقع في البيع إما أن يكون في أصل البيع أو في صحته أو فساده أو في قبضه، أو في ثمنه، أو في مقداره أو في تأجيل الثمن أو في الثمن والمبيع جميعاً أو شرط الخيار أو في مقداره أوفي الرهن المشروط فيه أو كفيل فيه أو يدعيه المتعاقدان لهما أو لغيرهما أو ورثتهما أو ورثة أحدهما أو وكيلهما أو في العيب بالعوضين أو أحدهما. 1798 - ونحن نفصل هذه الجملة، ونذكر ما اتف قعليه منها، وما هو مختلف فيه، ونذكر جملة ما يشتمل عليه البيع من مسائل الخلاف المتكلم فيه والمناظر فيه اليوم دون ما بعد وشذ القائل به. باب الرجل يدعي على غيره بيع سلعة 1799 - وإذا ادعى على رجل بيع سلعة أو عقار أو حيوان أو شيء تسمع الدعوى عليه فإن القاضي يعدى عليه، فإذا أحضر إليه سوى بينهما في المجلس ولم يرفع شريفاً على وضيع ولا مسلماً على ذمي، ولم يخص أحدهما بأمر ولا تقريب ولا سر [كذا] ولا يسأله عن حاله وبذلك جاءت السنة وثبتت القضايا.

1800 - فإذا حضرا بين يديه سأل المدعي عن دواه فإن كانت في منقول اعتبر حضوره عنده وإن كانت في عقار اعتبر أن يحده بحدوده ويصفه ويميزه. ترتيب التسليم 1801 - وإذا ادعى عليه البيع بالثمن المعلوم وصحت الدعوى من وجوه الفاسد والجهالات سأل المدعى عليه، فإن أقر أمر بتسليم المبيع أولاً عند الشافعي ثم يأمر المشتري بتسليم الثمن. 1802 - وقال أصحابنا جميعاً إذا أقر بالبيع أمر المشتري بتسليم الثمن إذا كان ديناً وإذا كان عيناً بعين أو ثمناً بثمن سلما معاً. 1803 - وللشافعي في ذلك ثلاثة أقوال: أحدهما كما قلنا والثاني الخيار إلى الحاكم والثالث يقرع بينهما حالة جحد البيع 1804 - وإن جحد البيع سأل المدعي عن البينة، - ألك بذلك بينة ألم لا؟ فإن قال لا بينة لي، قال له: - لك اليمين على الخصم. ثم أعلم المدعى عليه بذلك، وقال له: - أتحلف؟ فإذا قال نعم وبذلك اليمين، قال للمدعي: تريد أن أحلفه لك؟ فإن قال نعم قال للمدعى عليه: أتحلف؟ فإذا قال: نعم

قال له: قل والله، وحلفه بهذه اليمين التي وصفناها وبما وصفنا، ويقول له: - بالله ما بعته الذي ادعاه من العبد أو الدار بالثمن الذي ادعى. تعريض البائع 1805 - إلا أن يعرض البائع أن الإنسان قد يبيع ثم يرجع إليه بأمر آخر فإنه يحلفه: - ما بينك وبين هذا بيع تام قائم الساعة فيما ادعى. 1806 - وروي عن ابن زياد أنه قال: لا أحلفه إلا على هذا الأخير عرض الخصم أو لم يعرض، لأن حلفه على هذا يأتي على دعوى المدعى. 1807 - وقال بعض أصحاب الشافعي: - يحلفه: لا يستحق عليك هذا الذي يدعيه بالبيع. 1808 - ومن أصحابنا من قال: أحلفه ما هذه الدار شراء لهذه الساعة بما ادعى من الثمن؟ 1809 - وإن شاء حلفه: ما هذا البيع الذي ادعى عليك في ذلك قائم له فيها الساعة بهذا الثمن على ما ادعى. 1810 - فإن حلف برئ من الدعوى وإن نكل عن اليمين قضى عليه بالبيع عندنا، وعند الشافعي ومالك برد الثمن. فصل 1811 - وإن قال: لي بينة ولكن غائبة عم المجلس فحلفه لي:

فأبو حنيفة لا يحلفه. وأبو يوسف يحلفهن وبه قال الشافعي، وقد مضى شرح ذلك فيما تقدم. 1812 - وإنما جعلنا القول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم التبايع، فمن ادعى البيع فهو المدعي. 1813 - وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: - "إذا اخلف المتبايعان فالقول ما قال البائع" ولأن الأصل بقاء ذلك وزواله مشكوك فيه، وهذا شأن جميع العقود التي يدعيها بعض الناس على بعض، فاجعل الأصل عدم ما يدعيه الإنسان على غيره من سائر الدعاوى، لأن الأصل براءة الذمة وفراغ الساحة وطريق شغلها إنما هو الشرع. 1814 - وكذلك إن كان المدعي للبيع صاحب السلعة والمشتري هو المنكر للبيع فالحكم في ذلك سواء، ولا فرق في هذا بين دعوى الرجل لنفسه أو لغيره أو لولده أو لشريكه أو لمولاه أو لعبده، فالحكم في ذلك سواء. 1815 - ولا خلاف بين العلماء أن القول قول المنكر للبيع مع يمينه، وإنه لابد من اليمين لتسقط الدعوى في البيع وفيما يصح بدله عند أبي حنيفة. 1816 - وما لا يصح فقد ذكرنا فيما تقدم ما يستحلف فيه وما لا يستحلف فيه فلا وجه لإعادته.

فصل اتفاقهما على البيع واختلافهما في فساده الأصل في العقود الصحة

فصل اتفاقهما على البيع واختلافهما في فساده الأصل في العقود الصحة 1817 - وأما إذا اتفقا على البيع، واختلفا في فساده فالأصل عدم الفساد، لأن دخول كل متعاقدين في عقد اعتراف منهما بصحة ذلك العقد. 1818 - والوجه الآخر: القول لمن يدعي الفساد. 1819 - إلا أن يكون العقد يشهد بالفاسد أو فيما يقتضي الفساد فيعمل بذلك فيه، ويجعل القول قول من يدعيه كالمشتري لام ولد أو لمكاتب أو مدبر أو مالا يجوز شراؤه ولا بيعه عند الحاكم الذي ارتفع فلا يسمع الدعوى. فصل اختلافهما في القبض الأصل عدم القبض 1820 - وإذا اختلفا في قبض المبيع أو قبض الثمن فالقول قول الذي ينفي ذلك، والبنية بينة المثبت للقبض منهما إذا أقاما بينة. 1821 - وهذا لا خلاف فيه لأن الأصل عدم القبض، والقضب أمر حادث فمن ادعاه فهو المدعي، فإذا شهدت بينة بأنه لم يقبض، والأخرى بالقبض فبينة القبض مثبتة للحكم والأخرى نافية، فتكون بينة القبض أولى. فصل 1822 - وإذا اشترى الرجل سمناً أو غيره في زق فاتزنه، ثم جاء الزق ليرده فقال البائع: - ليس هذا زقي، فالقول قول المشتري مع يمينه، لأنه مشتر للسمن

فصل الاختلاف في قيمة المقبوض وقيمة غير المقبوض

ومؤتمن في الزق فالقول قول المشتري، إذا جاء بما هو مؤتمن عليه فقال: - هذا هو: كان القول قوله وجعل المضمون عليه من الزق ما يقوله، والبائع يدعي عليه الزيادة فالقول قوله إنه لم يستوف إلا ما يقوله. فصل الاختلاف في قيمة المقبوض وقيمة غير المقبوض 1823 - وإذا اشترى عبدين فقبض أحدهما فمات عنده، ومات الآخر عند البائع، ثم اختلفا في قيمة المقبوض وفي قيمة الآخر فالقول قول المشتري. قال محمد: ألا ترى أنه لو اشترى طعاماً فقبض بعضه وهلك الباقي عند البائع فقال قبضت ثلثه وقال البائع قبضت نصفه فالقول قول المشتري لأنه الضامن، ولأنه لو أنرك لكان القول قوله. فصل موت أحد المبيعين عند المشتري ورد الآخر بالعيب واختلافهما في قيمة الميت 1824 - ولو كان المشتري قبض العبدين فمات أحدهما عنده وجاء بالآخر يرده بالعيب واختلفا في قيمة الميت كان القول قول البائع مع يمينه، لأن المشتري يدعي براءة نفسه بعود هذا العبد إليه زيادة على ما يقوله البائع، ولا يشبه المسألة الأولى لأن التسليم واجب على البائع بالبيع فلا يصدق البائع في أنه قد برئ منه، ولأنه دخل في ضمان المشتري، ويقسم الثمن على قيمة الذي يرده غير معيب وعلى قيمة الميت كما أقر به البائع فيرده بما يخصه ويلزمه حصة

فصل اختلافهما في المبيع أو الثمن

الميت، لأنا جعلنا القول قول البائع فيما يخص هذا العبد إذا كان جميعاً في ضمان المشتري. 1825 - وإن أقاما بينة كانت البينة بينة البائع أيضاً، لأنه أقام البينة على زيادة قيمة الميت، والوجه الذي قبلنا بينته غير الوجه الذي جعلنا القول قوله فميا يسقط عن المشتري من الثمن، وقبلنا بينته في زيادة الثمن للميت. 1826 - وكذلك لو كان مكان العبدين عدلاً رطب فإنه يقسم الثمن كذلك عند التنازع على سواء. فصل اختلافهما في المبيع أو الثمن 1827 - قال أصحابنا: وإذا اختلف المتبايعان في المبيع أو الثمن فإنهما يتحالفان، سواء أكان ذلك عيناً أو في الذمة، فإن كان في الذمة، فكل ما كان معقوداً عليه فإنه يثبت التحالف فيه عندنا، والتحالف يثبت في الجملة بين المتعاقدين. 1828 - وقال داود (الظاهري) لا يثبت. 1829 - لنا خبر ابن مسعود أنه عليه السلام قال: "إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا". أو لأن كل واحد منهما يدعي على صاحبه عقداً غير العقد الذي يدعيه الآخر. فيجب على كل واحد اليمين على دعوى الآخر. فصل اختلافهما في الثمن مع قيام السلعة 1830 - وإذا اختلف البائع والمشتري في الثمن والسلعة قائمة في يدي البائع أو المشتري فالقول قول البائع لأنه عليه التسليم. قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول قول البائع".

قال أبو الحسن رحمه الله كان القياس عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله أن يكون القول قول المشتري مع يمينه، لكنهم تركوا القياس لأجل الخبر. 1831 - وقال أبو حازم القاضي إذا كانت السلعة معها فالقياس أن يكون القول قول المشتري وإن كانت السلعة في يد البائع فالقياس أن يتحالفا على ما ورد به الخبر، لأن السلعة إذا كانت في يدي البائع فكل واحد منهما يدعي حقاً على صاحبه فيجب أن يتحالفا، وإذا قبضت فلا حق للمشتري في الدعوى لأن الملك قد وصل إليه بالقبض وإنما الدعوى للبائع عليه، فيجب أن يجعل القول قوله إلا أنهما يتحالفان للخبر. 1832 - وقال الحسن بن أبي مالك وأبو عبد الله البلخي القياس أن يجعل القول قول المشتري في الوجهين جميعاً، وإنما ترك للأثر لأنهما اتفقا على أن الملك للمشتري والبائع يدعي عليه الزيادة وهو ينكرها فالقول قوله. 1833 - وقال بعض أصحابنا هذا خطأ لأن الخلاف في العقد وعليه ويتحالفان ولو كان ذلك اختلافاً في الدين لكان على الزيادة دون ما يعترف به من الدين. 1834 - وقال في كتاب الدعوى: كان ينبغي في القياس أنهما متى حلفا أنه بيع بألف درهم كفى ولكن تركنا هذا القياس للأثر، لأنهما اتفقا على أن الملك للمشتري وقد اتفقا على قدر ما اتفقا عليه من الثمن، والبائع يدعي الزيادة، فكان القول قول المشتري، لأنه يدعي الظاهر والبينة بينة البائع، لأنه يدعي خلاف الظاهر، وإنما تركنا ذلك لقوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة فالقول قول رب السلعة أو يترادان". 1835 - وروي أنه قال: "إذا اختلف المتبايعان والبيع قائم فالقول قول البائع أو يترادان". فقال الكرخي رحمه الله: هذا الخبر ورد بخلاف قياس الأصول، فقد ورد بضرب آخر في القياس لأنه لا خلاف أنهما لو أجمعا على أن الملك كان لزيد ثم أجمعا أنه انتقل إلى عمرو واختلفا في الجهة التي انتقل منها إليه فقال عمرو

فصل من الذي يبدأ في اليمين

ملكت ذلك بهبة أو صدقة وقال زيد ملكت ذلك بالشراء فالقول قول زيد، كما أنه لو ادعى عليه الملك وأنكره كان القول قوله دون قول مدعي الملك، وإذا صح ذلك وجب أن يكون القول قول المالك فيما ملك به عليه، كما يكون القول قوله في الجهة التي انتقل بها الملك، وقد فرق بين الموضعين بأنه في الهبة لم يوافقه على جهة الملك وفي مسألتنا قد وافق البائع المشتري على أنه ملك بالشراء فينبغي أن يكون القياس بخلاف الخبر. 1836 - وإنما يكون القول قوله مع يمينه وإن لم ترد اليمين في الخبر لأن من دفع دعوى غيره عليه حقاً كان القول قوله مع يمينه ويحلف المشتري أيضاً لأن المشتري يدعي عليه البدل الذي يدعيه البائع فيجب أن يحلف. 1837 - وهذا أصل جاز فيما يصح بذله عند أبي حنيفة مما يستحلف فيه وعند أبي يوسف والشافعي في كل ما يصح الإقرار به إلا الحدود خاصة وأيهما نكل عن اليمين لزمه دعوى صاحبه ولا يرد اليمين، وقال الشافعي برد اليمين. فصل من الذي يبدأ في اليمين 1838 - والذي يبدأ به في اليمين البائع، وهذا قول أبي يوسف الأول، وهو قول زفر ثم رجع وقال الذي يبدأ به في اليمين هو المشتري، وهو قول محمد لأنه المبتدأ به في الثمن إذا كان غير معين. 1839 - وقد بينا أن الشافعي يبدأ بتسليم المبيع فيبدأ بيمين البائع. 1840 - وقال الطحاوي في أدب الحكام الصغير له: قال أبو حنيفة: إذا اختلف المتبايعان في الثمن قبل القبض وبعده فإنهما يتحالفان ويترادان ويبدأ باليمين البائع. 1841 - وذلك أن الحسن بن زياد روى عن أبي حنيفة أنهما إذا اختلفا في الثمن بدأت بالمشتري وإن اختلفا في المبيع بدأت بالبائع.

فصل في العين بالعين والدين بالدين

1842 - واختلافهما في المبيع أن يقول المشتري اشتريت منك ثوبين ويقول البائع بعتك ثوباً واحداً، فيبدأ ههنا بالبائع. 1843 - والخلاف في الثمن أن يقول: بعت بألف ويقول المشتري بخمسمائة، فنبدأ ههنا بالمشتري. فصل في العين بالعين والدين بالدين 1844 - وهذا إذا كان الثمن ديناً. فإن كان عيناً بعين، أو كان الثمن والمبيع ديناً فإن الحاكم بالخيار في البداية بأيهما شاء لأنه ليس هناك ما يوجب تقديم أحدهما على الآخر. 1845 - وكان الكرخي رحمه الله يقول: الرواية في العين بالعين، والدين بالدين قياس المذهب. فصل اختلفا في الثمن والسلعة مستهلكة 1846 - وإن اختلفا في الثمن والسلعة مستهلكة في يدي المشتري باستهلاك أو أكل فالقول قول المشتري مع يمينه، ويلزمه ما أقر به من الثمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف. 1847 - وقال محمد والشافعي يتحالفان، ويكون على المشتري قيمة السلعة والقول في القيمة قول المشتري مع يمينه. 1848 - ولو أقاما بينة أخذت بينة البائع لأنه يثبت الزيادة على المشتري وإنما لم يثبت التحالف مع هلاك السلعة لأن الخبر ورد معللاً بقيام السلعة، ولأن بعد الهلاك لا يصح فسخ البيع بالعيب وكذلك بالتحالف والإقالة لأنه لا فائدة من اليمين الأولى لأن القول قوله في القيمة.

فصل السلم المبيع في الذمة

فصل السلم المبيع في الذمة 1849 - وإذا كان المبيع في الذمة سلما واختلفا في الجودة أو الرداءة أو الوسط أو في قدره فإنهما يتحالفان لأن هذه المعاني معقود عليها في السلم فالاختلاف فيها اختلاف في نفس المعقود عليه. وإن كان الخلاف في صفات العين لم يثبت التحالف لأنها غير معقود عليها. فصل كيف يحلف البائع 1850 - وكيف يحلف البائع ههنا؟ قال أصحابنا: - يقول بالله ما بعت بألف وإنما بعت بألفين. قالوا: الثمن إنما يكون على النفي ولكن ههنا يدعي الشراء فيه بألف وهو يرد ذلك فيمينه ههنا على الإثبات ولا يكون يميناً على الإثبات إلا ههنا ولكنها على وجه التبع للنفي، ومثل هذا جائز، لأن المودع إذا قال رددت الوديعة، وإن كانت اليمين على الإثبات إلا أن معناه أنه لا يستحق على الوديعة فكذلك هذا، لكن في هذه الزيادة فائدة، لأنه إذا حلف أنه ما باع بألف يجوز أن يقول قد بعت بألف وخمسمائة، فإذا قال بعت بألفين لم يمكن أن يدعي بعد ذلك. 1851 - والمشتري يحلف فيقول: بالله ما اشتريت بألفين وإنما اشتريت بألف كما قلناه في البائع. فصل كيف يحلف البائع 1852 - وإذا حلفا جميعاً فإنه يبقى المبيع بينهما قائماً ولا يفسخه الحاكم

فصل اختلافهما في جنس ما أسلم فيه

حتى يسأل ذلك أحدهما لأن دعوى كل واحد قد بطلت بيمين الآخر فصار بيعاً بغير بدل فيفسد، والبيع الفاسد يحتاج في رفعه إلى حكم الحاكم، لأنه يجوز أن يرجع أحدهما إلى تصديق الآخر، وليس هذا كفرقة اللعان عندنا لأن الفرقة حق لله تعالى، فلو تراضيا على البقاء على النكاح لم يجز ذلك فلهذا فرق من غير مسألة. فصل اختلافهما في جنس ما أسلم فيه 1853 - وإذا قال أحدهما أسلمت اليك في كر حنطة، وقال المطلوب في كر شعير تحالفا لأنه اختلاف في المعقود عليه. ولا يشبه هذا اختلافهما في ذرع الثوب إذا كان عيناً أنه لا تخالف لأنه ليس معقوداً على اصفة في البيع لأن زيادة الذرع عندما يكون للمشتري ونقصانه لا يوجب حط جزء من الثمن، ويفسخ العقد بينهما. 1854 - وقال أصحاب الشافعي في فسخ العقد بعد التحالف وجهان: أحدهما كما قلناه. والثاني ينفسخ بنفس التحالف. اليمين في السلم 1855 - ويبدأ في السلم بيمين المطلوب في قول أبي يوسف الأول، وهو قول زفر.

فصل اختلافهما في مكان الإيفاء

وفي الثاني بيمين الطالب وهو قول محمد لأنه جعل المطلوب كالبائع والطالب كالمشتري. فصل 1856 - وإن أقاما جميعاً بينة أخذت بينة الطالب لأنه ادعى جنساً وأنكره الآخر فوجب أن تكون البنية بينته، لأنه أثبت ما ادعاه، والمطلوب أقام البينة على شيء قد أبرأه عنه ورد إقراره فيه. فصل اختلافهما في مكان الإيفاء 1857 - وإن اختلفا في مكان الإيفاء فالقول قول المطلوب والبينة بينة الطالب في قول أبي حنيفة. 1858 - وقال أبو يوسف ومحمد يتحالفان وهو قول الشافعي لأن المكان اختلاف في غير المحلوف عليه فصار كالاختلاف في الرد بالعيب، وهما يقولان القيمة تختلف بالأماكن فصار كالعقود عليه. فصل اختلافهما في الثمن بعد هلاك إحدى العينين 1859 - وإذا كان المبيع عينين فهلكت إحداهما ثم اختلفا في الثمن فإن أبا حنيفة قال: - لا يثبت التحالف إلا أن يرضى البائع أن لا يأخذ من الهالك ثمناً ولا قيمة ويجعله كأنه لم يكن فحينئذ كأنه لم يكن فحينئذ يتحالفان ويرد الباقي. 1860 - وقال أبو يوسف يتحالفان في الباقي ويلزمه عن الهالك الثمن والقول قول المشتري فيه.

فصل اختلافهما في المسلم والمسلم به

1861 - وقال محمد والشافعي: يتحالفان ويرد الباقي وقيمة الهالك، وهذا إذا كان المشتري قد قبض. 1862 - وجعل أبو يوسف ذلك كالرد بالعيب إذا هلك البعض رد الباقي. 1863 - ومحمد يوجب التحالف مع قيام المبيع ومع هلاكه كله ويرد القيمة. 1864 - وأبو حنيفة جعل ذلك كالإقالة ومضى على أصله من القياس. 1865 - وإن أقاما جميعاً بينة فالبينة بينة الطالب لأنه اجتمع بينتان إحداهما له والأخرى عليه فكانت التي عليه أولى. فصل اختلافهما في المسلم والمسلم به 1866 - وإذا اختلفا فقال أحدهما أسلمت إليك عشرة دراهم في كرى حنطة وقال الآخر بل سلمت لي عشرين درهماً في كر وحد فإنهما يتحالفان وأيهما نكل لزمته دعوى صاحبه. 1867 - وإن أقاما البينة جميعاً قبلت بينة الطالب في كرين وبينة المطلوب في عشرين درهماً لأنا نأخذ بالزيادة من البينتين وكل واحدة تثبت حقاً على الآخر فينبغي أن يقضى به. فصل 1868 - وإن قال الطالب: خمسة دراهم في كر حنطة وقال المسلم إليه: عشرة دراهم في كر شعير فأقاما جميعاً البينة فإنه يقبل بينة الطالب في الحنطة وبينة المطلوب في العشرة فتقبل بينة كل واحد منهما في الزيادة. 1869 - وقال الشافعي تتهاتر البينتان. 1870 - وقال محمد: ذلك سليمان: خمسة في كر حنطة وخمسة في كر شعير. 1871 - وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلين تنازعا في

فصل الاختلاف في الأجل أو الخيار أو الرهن ... الخ

بعير وأقام كل واحد منهما البينة على النتاج فقضي به بينهما نصفين، وهذا على الشافعي لأنه سوى المسألتين وعلى محمد أنه لم يجر بينهما إلا عقد واحد فلا يجوز أن يلزمهما عقدان. 1872 - وليس كذلك إذا كان رأس المال جنسين لأنه لا يمكن أن يدخل أحدهما في الآخر وفي مسألتنا يدخل الأقل في الأكثر. 1873 - ومحمد يقول يجب أن تصحح البينتان جميعاً 1874 - وكل واحد يدعي غير ما يدعيه الآخر من المعقود عليه فهو كما لو ادعى أحدهما عبداً والآخر جارية. فصل الاختلاف في الأجل أو الخيار أو الرهن ... الخ 1875 - وإذا اختلفا في الأجل أو الخيار أو الرهن أو الكفيل أو الضمين فإنهما لا يتحالفان عندنا ويكون القول قول من ينفي ذلك. 1876 - وقال زفر والشافعي يتحالفان، لأنه اختلاف في غير المعقود عليه فلا يتحالفان وهما قاسا ذلك على اختلافهما في المعقود عليه. فصل 1877 - وإذا كان الاختلاف في الأجل فقال الطالب شرطت لك كذا من الأجل وقد مضى وادعى المطلوب أجلاً أبعد منه وأنه لم يحل فالقول قول الطالب مع يمينه. 1878 - والأجل حق للمطلوب لأنه لو أسقط الأجل وعجل المسلم فيه أجبر رب السلم على قبوله، وهو يدعي الزيادة على ما أقر به الطالب فالقول قول من ينفي الزيادة. فإذا ادعى الطالب إيفاءه لم يصدق عليه البينة أنه قد أوفاه الذي أقر به كمن أقر بدين وادعى إيفاءه. 1879 - وإن أقاما بينة فالبينة بينة المطلوب. 1880 - ولو قال الطالب: أجلتك شهراً وقد مضى.

فصل نفي أحدهما شرط الأجل وادعاءه الآخر

وقال المطلوب لم يمض إنما أخذت منك الساعة فالقول قول المطلوب أيضاً، وكان القياس أن تكون البينة بينة الطالب لأنه يدعي الإيفاء فصار كمن يدعي إيفاء الدين. وإنما جعلنا بينة المطلوب أولى لأنه يثبت اختلافهما بعمل فيه التأجيل عن الشهر الذي أقام البينة على إيفائه به فهو مثل أن يقيم البينة أنه أوفاه الدراهم وأقام الذي له الدين أن عليه مائة دينار ولم تعارضه بينة في ذلك، وكذلك في الشهر الذي أثبت هو الأجل لم تعارضه فيه بينة الطالب، والوجه الذي جعلنا القول قوله غير الوجه الذي قبلنا بينته. فصل نفي أحدهما شرط الأجل وادعاءه الآخر 1881 - وإن نفى أحدهما شرط الأجل وادعاء الآخر فالقول قول الذي ادعاه أيهما كان. 1882 - ولا يصدق الآخر على الفساد للسلم والقياس أن يكون القول قول من ينكر الأجل لأن الأجل يدعى على الطالب وهو جاحد فلا يصدق عليه كما لا تصديق في زيادة الثمن، وكما لو أنكر السلم رأساً والاستحسان أن يكون القول قول من يدعي الأجل إلا أن يكون المثبت للأجل هو الذي يستحق عليه فلا يكون ذلك استحساناً، ويكون قياساً، ويكون السلم فاسداً عند أبي يوسف ومحمد وعند أبي حنيفة يثبت السلم استحساناً. 1883 - وجه قولهما أن الأجل في السلم حق للمطلوب على الطالب فلا يجوز أن يستحقه المطلوب عليه بقوله، كما لا يجوز أن يستحق عليه بقوله أن هذا رهنه عندي، أو أن هذه الدار أجرها مني. 1884 - والاستحسان أن يكون القول قول من يدعيه لأن تسمية السلم تقضي ثبوت الأجل، لأنه عبارة عن تقديم أحد العوضين وتأخير الآخر، وقد أجمعا على أن ذلك سلم فصار كأنما قد اعترفا بثبوت الأجل في ذلك ولو اعترفا بذلك ثم قال الطالب لم يكن أو قال المطلوب لم يؤجل لم يصدق واحد منهما لأن المنكر بعد ذلك مدع لفساد العقد الذي اعترفا به، وليس يمنع أن يستحق بما يجري

فصل قاعدة من لزمه شيء فالقول قوله مع يمينه

مجرى الاعتراف لأن البائع لو قال بعت ما لم يكن لي أو قال المشتري اشتريت ما لم يكن للبائع بعد اعترافهما بالبيع لم يصدقا في ذلك، وكما لو أقرا بعقد نكاح وادعى أحدهما أنه كان بغير شهود لم يصدق في ذلك. 1885 - ويثبت الأجل وإن كان مجهولاً ويرجع إلى قول المسلم إليه إذا كان ما ادعاه في العادة، وإن ادعى شيئاً منع منه العادة التي يتعارف الناس ذلك فلا يكون القول قوله ويرجع فيه إلى العادة، ولا يتحالفان ولا يترادان في اختلاف الأجل خلافاً للشافعي. فصل قاعدة من لزمه شيء فالقول قوله مع يمينه 1886 - وإذا تتاركا السلم بعد قبض رأس المال ثم اختلفا في رأس المال فالقول قول المطلوب مع يمينه، لأنه يدعي عليه زيادة وهو ينكرها فالقول قوله. 1887 - وقالوا لو رد المبيع على البائع بعيب ثم اختلفا في الثمن جعل القول قول البائع أنه ما قبض إلا ذلك القدر لأن من رزمه شيء فالقول قوله مع يمينه. فصل اختلافهما في المعقود عليه في السلم 1888 - وإذا اختلفا فقال رب السلم أسلمت إليك في ثوب هروى وقال الذي عليه السلم بل هو زطي فأنه يحلف الذي عليه السلم بالله ما هو بهروى فإن حلف برئ، وعلى الطالب أن يحلف بالله ما هو زطي، فإذا حلف رد رأس المال لأنه اختلاف في نفس المعقود عليه فوجب التحالف. 1889 - وأيهما نكل لزمه دعوى صاحبه ويصير كأنه صدقه فيما يدعي عليه. 1890 - وإن أقاما جميعاً بينة فالبينة بينة الطالب لأنه أثبت المطلوب بينته

فصل اختلفا في السلم وفي رأس المال

ثوباً زطياً، وقد أبرأه الطالب منه والبراءة تصح لأنها في الذمة، وقد أثبت الطالب ببينته ثوباً هروياً فوجب أن تقبل بينته عليه لأنه ما ادعاه. 1891 - وإن اتفقا على أنه ثوب يهودي غير أن الطالب قال: هو ستة أذرع في ثلاث أذرع، وقال المطلوب هو خمسة أذرع في ثلاثة فهذا والأولى في القياس سواء يتحالفان ويترادان، وبالقياس نأخذ. 1892 - وأما في الاستحسان فينبغي أن يكون القول قول المطلوب مع يمينه لأن الذروع صفة، والاختلاف في الصفات لا يوجب التحالف والتراد، كما لا يوجب ذلك في البيع. 1893 - والقياس أن السلم عقد على صفة ثبتت في الذمة، فهو اختلاف في نفس المعقود عليه كما لو اختلفوا في العين المبيعة، والذرعان في المبيع صفة فيه وليس بمعقود عليه لأنه لا ينقص بنقصانه ولا يزيد بزيادته عندنا. فصل اختلفا في السلم وفي رأس المال 1894 - وإذا اختلفا في السلم وفي رأس المال ولم يقبضه ولم يتفرقا فقال المسلم إليه: أسلمت إلى هذه الجارية في مائة مختوم حنطة، وقال رب السلم، بل أسلمت إليك هذا العبد في مائتي مختوم حنطة تحالفا وترادا لأنه اختلاف في المعقود عليه. 1895 - وإن أقاما بينة لزمته الجارية بمائة مختوم حنطة، ولزمه العبد بمائتي مختوم حنطة لأن كل واحد منهما قد أثبت عقدا غير العقد الذي أثبته الآخر ولم يعارض فيه الآخر لأن عقد الجارية بمائة، وعقد العبد بمائتين. فصل إنكار قبض رأس المال 1896 - وإذا قال الرجل: أسلمت إلى عشرة دراهم في كر حنطة، ثم

قال بعدما سكت: ولكن لم أقبض رأس المال، أو قال رب السلم: قد قبضت، فالقول قول رب السلم. 1897 - وكذلك لو قال: أسلمت لي ثوباً في كر حنطة فهو مثل ذلك، وهذا استحسان، وكان القياس أن لا يكون قابضاً من يقول قبضت الثوب والدرهم، لأن قوله: أسلمت لي ليس هو إقراراً بالقبض وإنما هو إخبار عن العقد، وإن كان إقراره يتحمل أنه بالعقد والقبض فوجب أن لا يلزم إلا بيقين، والاستحسان أنه قد جعل قوله أسلمت لي في العادة بمنزلة قوله أسلفت إلي، وهي عبارة عن القبض فقوله بعد ذلك: لم أقبض رأس المال رجوع فلا يصدق فيه. 1898 - وعلى هذا قال أصحابنا: إذا قال لفلان علي ألف درهم ثم جارية باعنيها، ثم قال: لم أقبضها، وقال الآخر: قد قبضت كل المال عليه لأنه لا يلزمه المال إلا بالقبض فإقراره بالمال إقرار بالقبض وصل أو قطع في قول أبي حنيفة. 1899 - وعند أبي يوسف يقبل إن وصل ولا يقبل إن قطع. وقال الشافعي: يقبل وصل أو قطع ولا يشبه هذا عندنا إذا أشار إلى عبد بعينه لأن الثمن يجوز أن يكون ثابتاً في المعين. فصل 1900 - وإذا اختلفا فقال رب السلم: أسلمت إليك هذا الثوب في كر حنطة وقال المسلم إليه: بل أسلمت إلي هذين الثوبين في كر حنطة تحالفا وترادا لأنه اختلاف في المعقود عليه وإن أقاما بينة فالبينة بينة المسلم إليه بالقولين جميعاً لأن البينة على شيء حصل الإقرار معه لا تقبل، وإنما تقبل على شيء حصل الإنكار (معه) وهو الثوب الزائد.

فصل اختلافهما في قبض رأس المال في المجلس

فإن قال المسلم إليه: أسلمت إلي ثوبين في كر حنطة، وقال رب السلم: بل أسلمت إليك أحدهما وهو هذا بعينه في كر حنطة وكر شعير "وأقاما البينة قضي للمسلم إليه الثوبين جميعاً وقضي عليه بكر حنطة وكر شعير" لأن هذا ادعى زيادة المسلم فيه. فصل اختلافهما في قبض رأس المال في المجلس 1901 - وإن اختلفا في قبض رأس المال في المجلس فقال أحدهما: تفرقنا من غير قبض وهو رب السلم، وأقاما بينة بذلك فالبينة بينة المسلم إليه لأن بينة رب السلم بينة على النفي، وذلك لا يقبل، وبينة الآخر تثبت صحة السلم. 1902 - ولون كانت الدراهم في يد رب السلم بأعيانها فقال المسلم إليه أودعنيها أو غصبها بعد قبضي لها، وقد قامت البينة فالقبض كان القول قوله ويقضى له بالدراهم إن أقام البينة على القبض وأن تلك الدراهم له. فصل اختلاف ورثة البائع والمشتري في الثمن 1903 - وإذا كان البائع قد مات واختلف في الثمن ورثة البائع والمشتري فالقول قول ورثة البائع إن كان المبيع في أيديهم. والقول قول المشتري إن كان المبيع في يده، وكذلك لو مات المشتري وبقي البائع كان القول قول الذي في يده منهم، وهذا استحسان والقياس في هذا

فصل ازدياد السلعة خيرا

والأول سواء أن يكون القول قول المشتري في ذلك كله، فتركوا ذلك للأثر، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. 1904 - وقال محمد الشافعي يتحالفان ويترادان وحياتهما وموتهما سواء إذا لم يعتبرا قيام السلعة فأبو حنيفة حصر الحلف بحياتهما وقيام السلعة للخبر، فما عدا موضع الخبر فهو متروك على ما بوجبه القياس، وإن تخالف بين الورثة بعضهم في بعض، فإذا كان في يد ورثة البائع لم تزل يدهم إلا بالقبض، وإن كان في يد ورقة المشتري فقد أقر البائع بزوال ملكه، وهو يدعي عليه الثمن وليس من حيث قلم الورثة مقام الميت في الرد بالعيب يجب أن يقوموا ههنا مقامه، لأن في العيب قد بقي عند البائع حصة من الثمن للمشتري فيصح لهم المطالبة بذلك. فصل ازدياد السلعة خيراً 1905 - وإن كانت السلعة في يد المشتري قد زادت خيراً، وكانت جارية فولدت، أو جني عليها، وأخذ المشتري إرثها لم يكن بينهما تحالف على ما تقدم في القياس عند أبي حنيفة وأبي يوسف. نقصان السلعة 1906 - وإن كانت نقصت أو جنى عليها المشتري فالقول قول المشتري أيضاً إلا أن يرضى البائع بأخذها ناقصة، لأنه إذا هلك بعض المبيع فليس المبيع قائماً بعينه، وأما إذا رضي فقد أخرج ما نقص من المبيع فصار في الحكم كأن البيع لم يقع إلا على هذا القائم، دون الهالك، لأن الاختلاف بين المتبايعين لا يقع فيه، لأنه خرج من جملة المبيع، والاختلاف إنما هو في تصحيح الثمن، وصار هذا كما

فصل اختلفا وقد خرجت السلعة من ملك المشتري

لو كان المبيع عبدين فمات أحدهما ورضي البائع أن يأخذ الحي ولا يطالبه بثمن الميت. فصل اختلفا وقد خرجت السلعة من ملك المشتري 1907 - وإذا اختلفا وقد خرجت السلعة من ملك المشتري فالقول قول المشتري في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن القياس يوجب المنع من موجب خبر التحالف، والخبر مشروط بقيام السلعة، والأمر ههنا بخلافه. فصل رجوع السلعة إلى المشتري بغير الوجه الذي خرجت به من يده 1908 - وكذلك إن رجعت إليه بوجه غير الوجه الذي خرجت به من يديه فالقول قول المشتري لأن الملك محدد فلا يجوز أن يفسخ الملك لأجل الاختلاف في العقد الأول. 1909 - وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف. 1910 - وقال محمد: يتحالفان ويترادان، لأن الذي أوجب التحالف مع بقاء السلعة على حالها هو أنه لا يجوز أن يستحق كل واحد منهما على صاحبه ملكه بقوله. 1911 - وأما إذا خرج عن ملكه لم يصح فيه التراد لفوات المبيع، وفوات المبيع يسقط التحالف. فصل باعها البائع من رجلين 1912 - فإن كان البائع باعها من رجلين فباع أحدهما نصفه من شريكه

ثم اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري الذي باع نصفه ويتحالفان على حصة الآخر. 1913 - قال الكرخي رحمه الله: وهذا عندي إذا رضي البائع أن يأخذ هذا النصف لأن في ذلك تفريق الصفقة عليه كاثنين اشتريا عبداً ثم وجدا به عيباً فليس لواحد منهما أن يرد على قول أبي حنيفة، وقال يحتمل أن يكون مسألة الكتاب على قول أبي يوسف ومحمد أيضاً لأن البائع يقول: أنا لم أرض بتفريق الصفقة علي، ولا يشبه هذا العيب عندهما لأنه كان موجوداً في حالة العقد. 1914 - وإذا اشترى عدلاً زطياً وأقر أنه زطي فلم يره وقبضه ثم جاء بعد ذلك برده وقال وجدته كرابيس لم يصدق لأنه قد أقر بالاستيفاء لما اشترى فدعواه بعد الإقرار أنه لم يستوف تكذيب لما أقر به بوجب أن لا يصدق. 1915 - ولو كان قال: لا أدري أزطي هو أم لا لكن أخذته على قولك فانظر إليه، ثم جاء به فرده وقال وجدته كرابيس، كان مصدقاً لأنه لم يتقدم منه إقرار بقبض ما اشتراه، ولأنه إذا كان فيه خيار الرؤية فإنه إذا نقض المبيع المشترى انتقض. 1916 - فإذا قال المشتري هذا ثوبك وقد نقضت البيع فيه حصل في يده

فصل اختلاف الصفات

ثوب لغيره، فالقول قوله، وإذا لم يكن فيه خيار وأنكر البائع أن يكون هذا ثوبه فالقول قوله ولا يصدق المشتري. فصل 1917 - وإذا اشترى ثوباً وقال البائع (هو) هروى وقال المشتري. لا أدري وقد رآه ولكن أخذه على ما يقول ثم جاء به يرده وقال وجدته يهودياً، لم يصدق لأنه لم يكن فيه خيار وقد كان رآه، ولا يشبه هذا إذا اشترى عبداً لم يره أن له فيه خيار الرؤية، ألا ترى أنه لو قال اشتريت هذا الفرس وأشار إليه فإذا هو برذون لم يكن له ردها. 1918 - وإذا نظر إلى عدل مطوى ولم ينشره ثم اشتراه فليس له أن يرده إلا من عيب، لأن العادة أن يكون مطوياً، كذلك هذا. فصل اختلاف الصفات 1919 - ولو اشتريت جارية على أنها خراسانية فوجدها سندية جاز له ردها وهذا بمنزلة العيب فيها لأن معانيها تختلف وتتفاوت تفاوتاً كثيرا فصار كاختلاف الجنس، وإن كان بنو آدم كلهم جنساً واحداً، إلا ترى أن الأجسام كلها وإن كانت جنساً واحداً فإنها إذا اختلفت الصفات التي هي عليها وتفاوتت المعاني المطلوبة منها صارت في الحكم والتعارف كالأجناس المختلفة في الأصل، وإن كانت الجسمية لها جامعة وكان كونها جوهراً يقتضي فيه المماثلة. فصل اشتراط الخيار للآخر 1920 - وإذا اشترى لغيره شيئاً واشترط الخيار للآمر، فقال البائع قد

رضي الآمر بإسقاط الخيار، وأنكر الوكيل فالقول قوله ولا يمين عليه، قالوا: ولو كانت اليمين عليه لم يكن له أن يرده حتى يحضر الآمر وله أن يرده بغير يمين، وهو بمنزلة الأجنبي فيما يدعي البائع على الآمر، والوكيل إنما يكون خصماً فيما بينهما من حقوق العقد، والبائع بما يدعي يريد إبطال ما هو مستحق عليه من الفسخ فوجب أن لا يصدق. 1921 - والوكيل فيما يدعي على الموكل كالوصي فيما يدعي على الميت والورثة من الحقوق، وإن أقام البائع بينة أن الآمر قد رضي فالبيع لازم للآمر لأنه إذا ثبت رضاء الآمر سقط الخيار الذي للوكيل لأن خيار الموكل هو الخيار الذي يثبت له لأن ذلك لا يثبت إلا للعاقد، إلا أنه إذا ثبت فلا فصل عن أن يثبت لزيد أو لعمرو، فإذا ثبت لهما فأيهما أجازه جاز وإن لم يقم البينة وصدقه المشتري فيه وقال الآمر في الثلاث بحضرة البائع قد أبطلت لزم المشتري، لأن إقرار الوكيل برضا الآخر بمنعه من رده على البائع ولا يجوز إقراره على البائع، وإبطال الآمر البيع بحضرة البائع جائز، فإذا كان كذلك لزم البيع الوكيل إلا أن يرى أن الوكيل لو رضي بالعيب لزمه ولا يلزم الآمر، ويكون الآمر على خياره. 1922 - وإن كانت هذه المقالة منهم بعد الثلاث لزم الآمر لأن مضي المدة يصحح البيع، ويسقط الخيار، ولا يمكن فسخه فجاز البيع بنفسه، فبعد ذلك لا يصدق الآمر على دعوى النقض مع أن البيع قد لزمه. فصل 1923 - وإذا اشترى رجل ثوبين كل واحد منهما بعشرة دراهم على أنه بخيار ثلاثة أيام فهلك أحدهما عند المشتري فليس له أن يرد الباقي. 1924 - وكذلك إن أصابه عيب من عمله أو من غير عمله لأن الخيار إذا ثبت منه من إتمامه. 1925 - وفوات بعض المبيع في ضمان المشتري يمنع من الفسخ فيه فيجب أن يكون مانعاً من الفسخ فيما بقي، لأن ليس له أن يتم البيع في بعض ما وقع عليه العقد دون بعض فوجب أن يبطل خياره.

فصل الالتزام التحييري (صار التعيين)

1926 - وإن كان الخيار في أن يأخذ أحدهما دون الآخر فهلك أحدهما أو دخله عيب لزمه ثمنه ورد الباقي. 1927 - وهذا استحسان في الاثنين والثلاثة ولا يجوز في الأربعة وفيما زاد ووجه القياس والاستحسان معلوم. فصل الالتزام التحييري (صار التعيين) 1928 - وإذا اشترى الرجل عبدين أحدهما بألف درهم والآخر بخمسمائة على أن يأخذ أحدهما، أيهما شاء ويرد الآخر فماتا فقال البائع مات الذي بألف، قبل وقال المشتري مات الذي بخمسمائة، قبل، لم يصدق واحد منهما على ما قال، ويحلف المشتري على ما يعلم أنه مات الذي بألف قبل، ويحلف البائع ما يعلم أن الذي بخمسمائة مات أولاً، لأن البائع يدعي أنه لزمه الثمن ألف درهم، والمشتري ينكر ذلك فيحتاج أن يحلف عليه والمشتري يدعي أن الإماتة حدثت في يد البائع فله أن يحلف البائع، لأنه لو امتنع البائع أن يحلف سقط عن المشتري الزيادة على ما أقر به من الثمن، فله أن يحلف البائع عليه، فإن حلفا جميعاً لزمه نصف ثمن كل واحد منهما لأنه لم يثبت واحد منهما بعينه، أنه المبيع فصار كأنهما ماتا معاً، وهذه اليمين لا على جهة التحالف، وهذا قول أبي يوسف الأول، وقال أبو يوسف بعد ذلك: القول قول المشتري إلا أن يقيم الآخر البينة، وهو قول محمد لأنا لو حلفناهما جميعاً فنكلا أو حلفا لم نتوصل إلى الحكم بأحد المبيعين بل يبقى الأمر بعد اليمين كما كان بوجب أن يسقط اليمين، ويجعل القول قول المشتري لأن الخيار في ذلك كان للبائع فوجب أن يكون القول قوله فيما حصل عليه من الثمن، لأن أحدهما كان مضموناً، والآخر أمانة فإن لم يعلم المبيع من ذلك غرم نصف ثمن كل واحد منهما، فإن قامت لهما بينة لزم الألف.

فصل هل يقع الفسخ ظاهرا وباطنا؟

1929 - وكذلك لو حدث بهما عيب فاختلفا في الذي أصابه العيب أولاً ثم أقاما البينة لأن البائع ادعى زيادة على ما أقر له به وأثبت ذلك بالبينة، بما هو خلاف الظاهر فوجب أن يحكم به، ويلزم المشتري. فصل هل يقع الفسخ ظاهراً وباطناً؟ 1930 - وإذا فسخ الحاكم العقد عن المتداعين فهو فسخ للعقد في الظاهر والباطن عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف أنه يفسخ في الظاهر. 1931 - ولأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه: أحدهما كقول أبي حنيفة. والثاني كقول أبي يوسف. والثالث: إن كان البائع هو الظالم وقع الفسخ في الظاهر دون الباطن. 1932 - أو حنيفة جعله كفرقة اللعان والرد بالعيب لأنه لأجل الظلامة. وأبو يوسف قال السبب هو الجهل بالثمن، وهو في الباطن معلوم مجهول في الظاهر فوقع الفسخ في الظاهر. والثالث لهم أن البائع يمكنه تصديق المشتري فيزول الظلم فإن كان مولكماً وقع الفسخ في الظاهر والباطن. فصل اختلاف ورثة المتعاقدين في البيع 1933 - وإذا اختلف ورثة المتعاقدين في المبيع لم يتحالفا والقول قول ورثة المشتري. 1934 - وقال الشافعي يتحالفان لأن الأصل عندنا ترك التحالف على ماضي وهو يقول اختلفا في المال فهم كالمتعاقدين. 1935 - وأبو حنيفة يفرق بينهم كما فرق الجميع في اللعان.

فصل اختلاف الوكيلين في الثمن

فصل اختلاف الوكيلين في الثمن 1936 - وإذا كان المبيع بين وكيلين فاختلفا في الثمن ففيه وجهان: أحدهما يتحالفان لأنهما عاقدان. والثاني لا تحالف لأن أحدهما إذا نكل لزمه في نفسه دون موكله. فصل اختلافهما في عين المبيع 1937 - وإذا اختلفا في عين المبيع فقال البائع: بعتك هذا العبد. وقال المشتري: اشتريت هذه الجارية فكل واحد يحلف على دعوى صاحبه على وجهة التحالف. 1938 - ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان. أحدهما يثبت التحالف كالخلاف في المبيع الواحد. والثاني مثل قولنا: 1939 - وإنما قلنا ذلك لأن ههنا خلافاً في مبيعين لا واحد، وكل واحد ينكر دعوى الآخر. 1940 - وإن أقاما بينة قيض لكل واحد بما ادعاه على صاحبه. 1941 - وقال أصحاب الشافعي: وإن أقام البائع بينة أنه باعه العبد وجب على المشتري الثمن، فإن كان في يده أقر في يده، وإن كان في يد البائع ففيه وجهان: أحدهما يجبر المشتري على قبضه لأن البينة قد شهدت له بالملك وهذا قولنا. والثاني لا يجبر لأن البينة شهدت له بما لا يدعيه فلم يسلم إليه، فعلى هذا يسلم إلى الحاكم ليحفظه.

فصل اختلاف في شرط مفسد

فصل 1942 - وإذا اختلفا في الأجل أو قدره، أو الرهن أو قدره، أو الكفيل فلا ت حالف بينهما، ويكون القول قول من ينفي الأجل وقوله في القدر، وكذلك الرهن وقدره لأنه لا اختلاف في عين المعقود عليه البيع. 1943 - وقال الشافعي يتحالفان وقد مضت أيضاً. فصل اختلاف في شرط مفسد 1944 - وإن اختلفا في شرط يفسد البيع لم يتحالفان، ويكون القول قول من يدعي الصحة. 1945 - ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان في التحالف بناء على القولين في شرط الخيار في الكفالة: أحدهما مثل قولنا. والثاني أن القول قول من يدعي الفساد لأن الأصل قال عدم العقد فكان القول قول من يدعي ذلك، وهذا لا يصح لأنهما قد اعترفا بالعقد والأصل عدم الفساد. فصل اختلافهما في الصرف بعد التفرق 1946 - وإن اختلفا في الصرف بعد التفرق فقال أحدهما تفرقنا من غير قبض. وقال الآخر تفرقنا بعد القبض فمنهم من قال القول قول من يدعي التفرق قبل القبض، لأن الأصل عدم القبض، والثاني القول قول من يدعي التفرق بعد القبض لأن الأصل صحة العقد وينبغي أن يحكم القبض، فإن كان في يد

باب الاختلاف في الرد بالعيب

كل واحد منهما ما عقد عليه فالقول قول من يدعي القبض في المجلس لأنه الظاهر. وإن كان لم يقبض فالأصل عدمه وهو مستدام لم يوجد. فصل اختلافهما بعد التفرق في التراضي والفسخ 1947 - وإن اختلفا بعد التفرق فقال أحدهما: تفرقنا عن تراض، وقال الآخر: تفرقنا عن فسخ فالقول قول من يدعي التراضي لأن الأصل عدم الفسخ وبقاء العقد. 1948 - ومن أصحاب الشافعي من قال: القول قول من يدعي الفسخ لأن الأصل عدم اللزوم ومنع المشتري من التصرف وهذا بناء على أصلهم في خيار المجلس أنه يثبت لكل واحد حتى يتفرقا أن يتخايرا وقد مضت. باب الاختلاف في الرد بالعيب 1949 - قال أصحابنا: وإذا ادعى عيباً ظاهراً على البائع سأله القاضي عن ذلك فإن أقر أنه باعه وبه العيب ولم يدع البراءة منه ولا الرضا به رده عليه. فصل هل يختلف المشتري في الرد بالعيب 1950 - فإن قال: قد علم بالعيب حين اشتراه أو على أني بريء من العيب أو من كل عيب أو قد علم بعد الشراء ورضي به فجحد ذلك كله فإنه يحلفه: ما علم بهذا العيب حين اشتراه ولا برأته منه، ولا رضيت به منذ رأيته ولا عرضته على بيع بعد علمك به ولا خرج عن ملك ولا شيء منه.

1951 - وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يحلف القاضي حتى يطلب المدعي لذلك وهو البائع يمينه وإن لم يطلب لم يحلفه. 1952 - وقال أبو يوسف: يستحلفه وإن لم يطلب. وكذلك الخلاف في الشفيع. فصل 1953 - وإذا كان العيب غير ظاهر في عبد أو أمة، أو لا يعرف القاضي أنه عيب "فإن القاضي لا يسأل البائع عنه حتى يثبت أنه عيب في الحال". لأن الخلاف فيه فرع على وجوده في الحال فما لم يكن موجوداً لا تصح دعواه له. فصل 1954 - فإن قال: البائع يعلم أن العيب به في هذه الحال، سأله عنه فإن اقر به وبوجوده سأله، هل بعته وبه العيب؟ فإن قال: إنما حدث عند المشتري فالقول قوله مع يمينه: لقد فعته هذا العبد وسلمته إليه، وما به هذا العيب، فإذا حلف طلب من المشتري البينة أنه كان في يد البائع هذا في العيب الذي يحدث مثله في يد المشتري، وإن كان لا يحدث مثله فالقول قول المشتري على ما تقدم. فصل 1955 - وإن كان العيب من طريق الحكم ثمل الإباق والسرقة والجنون والبول في الفراش، فإنه يسأل البائع فإن أنكر وجوده بالعبد في الحال وطلب المشتري يمينه على ذلك، فإن أبا يوسف ومحمد قالا: يحلف البائع بالله ما يعلم بهذا العبد جن عند المشتري ولا أبق ولا سرق ولا بال في الفراش.

فصل البيع بالبراءة

1956 - فلو حلف قيل للمشتري: تثبت أن هذا العبد في هذه الحالة حتى استحلفه لك البتة. فإن نكل عن اليمين الأولى التي هي على العلم، حلفه يميناً أخرى على البتة لقد باعه وقبضه وما جن قبل ذلك قط ولا سرق ولا بال في فراشه منذ بلغ مبلغ الرجال ولا أبق، فإن حلف فلا شيء عليه حتى يثبت ذلك بالبينة. وإن نكل رده عليه. فصل 1957 - والجنون عيب لازم في الصغير والكبير، والسرقة والإباق والبول ليس بعيب في الصغير، وله أن يرد بذلك في الصغر ولا يرد به بعد الكبر، لأن ذلك قد زال وخرج عن عادة الصبيان. فصل البيع بالبراءة 1958 - والبيع بالبراءة من العيوب جائز، ويدخل في ذلك سائر العيوب، ما علمه البائع وما لم يعلمه، وما وقف عليه المشتري وما لم يقف عليه، وسائر الأموال في ذلك سواء. 1959 - وقال الشافعي البيع باطل في أحد أقواله، وقد فرق بين الحيوان وغير الحيوان وبين العيب الظاهر به والباطن، وله تفصيل كثير في ذلك. 1960 - والبيع عندنا يقع على الموجود دون ما فات من أوصاف المبيع، فكأنه قال: بعت هذا الموجود الحاضر خاصة دون ما يقتضي اسم العبد وإطلاقه من سلامة البينة. فصل 1961 - وإذا شهد شاهدان على البراءة من كل عيب في جارية، فوجد

بها عيباً كان له أن يردها به، وكذلك لو شهدا على البراءة من الإباق ثم اشتراها أحدهما فوجدها آبقة فله أن يردها لأن الشهاد بالبراءة ليست بإقرار بالعيب من الشاهد ولا من البائع ولا من المشتري. فصل 1962 - وإن اشترى جارية ولم يبرأ إليه من عيوبها فوطئها المشتري ثم وجد بها عيباً لم يكن له أن يردها عندنا، سواء كانت بكراً أو ثيباً. 1963 - وقال زفر ومالك يردها في الحالين. 1964 - وقال الشافعي: يردها إذا كانت ثيباً ولا يرد في البكر. 1965 - وقال ابن أبي ليلى يردها ويرد معها مهرها. 1966 - وعندنا يرجع بأرش العيب كما لو هلكت عند المشتري، والوطء عيب فيها فهو كما لو حدث بها عيب عند المشتري فإنه يمنع الرد بالعيب، لأنه يؤدي إلى تفريق الصفقة على البائع، ويؤدي إلى ردها إليه على خلاف ما خرجت من ملكه، وهذا لا يجوز، ولو حدث بها عيب فلم يختلفوا في أنه يمنع الرد بالعيب إلا على قول بعضهم أن الخيار للمشتري إن شاء أخذ أرش العيب وأمسك وإن شاء رد أرش العيب ورد، وهو قول الحنابلة، وقياس قول ابن أبي ليلى في الوطء. فصل 1967 - وكل موضع كان له الرد فأمسكها ولم يرد، سقط حقه من الرجوع، وكذلك إذا رضي البائع فأخذها معيبة فامتنع من الرد فلا أرش له عليه، وقد أبطل حقه بامتناعه من الرد.

فصل 1968 - وإذا باعها بعد الوطء فقد سقط حقه في الأرش لأنه كان للبائع أن يقبلها ويسقط حكم الوطء وهذا لا خلاف فيه. فصل 1969 - وإن وطئها غير المشتري بزنا أو نكاح أو زوجها المشتري ولم يطأها الزوج، ثم وجد بها عيباً لم يكن له أن يردها، ولكنه يرجع بنقصان العيب لأن هذه الأمور عيب بها حدث، ولهذا من اشترى أمة فخرج لها زوج ثبت له الخيار لأنه عيب. فصل 1970 - ولو كان لها زوج عند البائع فوطئها عند البائع أو عند المشتري، كان له أن يردها بالعيب، لأنه وطأ الزوج لم يوجب عقراً، لأنه كان واجباً بالعقد، ولأنه مستحق على البائع قبل البيع وعلى المشتري قبل الشراء فلا يمنع الرجوع الاستخدام، وإن كانت بكراً بوطئها الزوج منع الرد لأنه فوت جزءاً منها فصار كقطع طرفها، وقد وافقنا الشافعي على ذلك. فصل 1971 - ولو صبغ الثوب أو خاطه قميصاً سقط حقه من الرجوع، وله أرش العيب، فإن باعه بعد الصبغ والخياطة فله أرش لأنه لم يكن للبائع أن يقول أنا أقبل ذلك، لأن الصبغ للمشتري زيادة مال فلا يجوز تسليمها للبائع

فصل ظهور عيب بالجارية بعد اعتقاها أو تدبيرها

فصل 1972 - وإذا ولدت الجارية عند رجل ولداً أو وطئها وباعها وكتم ذلك، ثم علم المشتري بذلك فليس له الرد بذلك لأنه لم يشرط له البكارة، ولا أنها ما ولدت، وذلك تصرف مباح فهو كالاستخدام. فصل ظهور عيب بالجارية بعد اعتقاها أو تدبيرها 1973 - قالوا ولو أعتق الجارية أو دبرها أو استولدها ثم وجد بها عيباً فله الرجوع بالأرش استحساناً، وبالقياس أن لا يرجع بشيء لأنه منع الجارية من الرد بفعل مضمون فصار كما لو باع (والاستحسان) أن العتاق لا يتعلق به الضمان في جميع الأحوال إذا كان أحد الشريكين معسراً فهو كالموت الذي لا يسقط الضمان. فصل تعذر الرد بفعل المضمون 1974 - وإن كان المبيع عبداً فقتله المشتري أو طعاماً فأكله أو أكل بعضه أو باعه أو وهبه ثم اطلع على عيب فإنه لا يرجع بأرش ولا يرد ما بقي عند أبي حنيفة ومحمد. 1975 - وروي عن أبي يوسف أنه يرجع في العتق ويرد ما بقي وهو قول الشافعي. 1976 - وقد روي عن أبي حنيفة مثل ذلك والأول عنه أشهر لأنه تعذر الرد بفعل مضمون في ملك العين في جميع الأحوال فهو كالبيع، وأبو يوسف جعل ذلك كالعتق والموت في الرجوع بالأرش.

فصل 1977 - وإذا باع المشتري العبد فاطلع المشتري الثاني على عيب به فرده عليه لم يكن له أن يرده على البائع الأول إذا كان الرد بغير قضاء قاض، وإن كان بقضاء قاض رجع به، لأنه إذا كان القضاء كان فسخاً للملك فعاد الملك الأول وإن كان بغير قضاء فهو تمليك مبتدأ وليس له أن يرد بغير الملك الأول. 1978 - وقال الشافعي: الجميع سواء ويرد على البائع الأول إذا كان لم يعلم بذلك، وإذا علم لم يكن له الرد. وهو يقول أن فسخ العقد بالعيب قطع للملك في الحال، ولهذا يرد مع الوطئ. فصل 1979 - وكل ما كان نقصاناً في الخلقة أو زيادة فيها فهو عيب، ويحد ذلك بأن كل ما كان عند التجار عيباً يؤثر نقسان القيمة فهو عيب، ولا فرق بين ما هو زيادة أو نقصان أو من طريق الحكم كالزنا والسرقة والفسق. 1980 - وقد فرق أصحابنا بين الغلام والجارية فقالوا: الزنا عيب في الجارية دون الغلام وكذلك البخر والنتن. 1981 - وسوى في ذلك الشافعي، وقال: الجميع عيب. 1982 - وقد ذكر أصحابنا عيوباً كثيراً في باب مفرد في الأصول، وكل ذلك المرجع فيه إلى العادة وما يقول التجار. فصل 1983 - وإذا ادعى أنه باعه الجارية وشرط له البكارة، وهي الآن غير بكر. فقال: بعت بكراً وسلمت بكراً. فإن القاضي يريها للنساء فإن قلن بكراً فلا شيء للمشتري وإن قلن ثيباً

فصل العيب في موضع لا ينظر إليه إلا النساء

حلف البائع: لقد بعتها وسلمتها له وهي بكر، فإن حلف فلا شيء عليه لأن زوال البكارة يجوز أن يحدث في يد المشتري وإن نكل عن اليمين ردت إليه. 1984 - فإن قال إن بها حملاً أراها النساء، فإن قلن: ليس بها حمل فلا سبيل للمشتري على البائع، وإن قلن أنها حامل حلف البائع لقد باعها وسلمها وما بها هذا الحمل. 1985 - وقد ذكر الخصاف أن بعض أصحابنا قال: لا أحلف على ذلك لأن هذا لا يعلم، وشهادة النساء في هذا شهادة على عيب. 1986 - وقال أصحابنا أن الشهادة في هذا شهادة على مثل شهادة الطب بالداء الباطن، مثل وجع الطحال والكبد والأمراض التي ليست بظاهرة. فصل 1987 - وإذا كانت الدعوى بعد موت الجارية والعبد، فعلى المشتري أن يثبت ذلك فإن كان عند البائع لم يستحلف البائع على عمله، فإن شهدوا أن العيب كان عند المشتري فقال المشتري كان به ذلك عند البائع استحلف له البائع وإن قال البائع يعلم أنه كان به عنده حلف على علمه فإن نكل ألزمه يميناً أخرى على البت، فإن نكل رد على المشتري حصة العيب من الثمن. فصل العيب في موضع لا ينظر إليه إلا النساء 1988 - وإن كان العيب في موضع لا ينظر إليه إلا النساء مثل الرتق

فصل مصراة نقص لبنها

والعفل وغيره مما في البدن فشهد النساء به، فإن البائع يحلف: "لقد باعها وسلمها وما بها هذا العيب". 1989 - ولا ترد عليه شهادة النساء إذا كان قد قبضها، وهذا قول أبي يوسف، وإن كان قبل القبض ردها بشهادة النساء. 1990 - وقال محمد هذا والأول سواء، ولا أردها بشهادة النساء وأحلف البائع. 1991 - وقال بعض أصحابنا أردها بشهادة النساء لأن الرد من طريق الحكم، فهو كشهادة القابلة، ويثبت الميراث من طريق الحكم. 1992 - وكل موضع وجب الرد على البائع استحلف المشتري على ما قدمناه. فصل مصراة نقص لبنها 1993 - وإذا اشترى مصراة فحلبها فنقص اللبن لم يكن له أن يردها على البائع. وقال أبو يوسف في رواية الخيار إليه إن شاء ردها وإن شاء أمسكها. 1994 - وكذلك إن وجد بها عيباً لم يردها. 1995 - والنماء الحادث يمنع الرد، وسواء كان منفصلاً أو كان متصلاً إذا كان باقياً في يده. 1996 - وقال الشافعي: ترد ولا يمنع النماء الرد، وقال الشافعي إن اختار رد المصراة رد بدل اللبن الذي أخذه.

فصل الجارية المصراة

1997 - واختلف أصحابه في الذي يرد فقال ابن شريح: يرد في كل بلد من غالب قوته وحمل حديث أبي هريرة على من قوت بلده التمر، وحديث ابن عمر على من قوت بلده القمح. كما قال في الفطرة، وقال أبو إسحق: الواجب التمر، وهو قول أبي يوسف في الرواية التي ترد، واختلفوا إذا كان الصاع أكثر من قيمة الشاة أو مثل قيمتها، فمنهم من قال تجب القيمة صاع بالحجاز لأنا لو أوجبنا صاعاً قيمته مثل الشاة لصار للبائع الشاة وبدلها بوجب قيمة الصاع بالحجاز. 1998 - وقال بعض أصحابه: يلزمه صاع وإن كانت قيمته أكثر من قيمة الشاة لأنه ليس ببدل عن الشاة وإنما هو بدل عن اللبن كما لو غصب عبداً فخصاه فإنه يرده مع قيمته، وعندنا لا يرد العبد وقيمته بل الخيار إلى المالك في الغصب. 1999 - وقد قالوا أن النماء الحادث في يد المشتري يكون للمشتري ولا يرده مع الأصل، وههنا قالوا يرد قيمته، وهذا تناقض من القول، وقد قالوا لو كان اللبن باقياً فأراد رده فقال أبو إسحق لا يجبر البائع على أخذه لأن الحلب ينقص لأنه يسرع إليه الفساد فإن رضي جاز، ومن أصحابه من قال يخير. 2000 - لأن نقصانه حصل بمعنى يستعلم به العيب فلم يمنع الرد. فصل الجارية المصراة 2001 - وإن اشترى جارية مصراة ففيه أربعة أوجه: أحدها أنه يردها ويرد معها صاعاً لأنه يقصد لبنها فثبت بالتدليس فيه الخيار، والثاني أنه يردها ولا يرد بدل اللبن لأنه لا يقصد بالعوض. والثالث لا يردها لأن المقصود عينها دون لبنها. والرابع لا يردها ويرجع بالأرش. 2002 - وقالوا: إن اشترى أتاناً مصراة فإنه يردها ويرد بدل لبنها إذا قالوا

فصل اشترى شاة بشرط أن تحلب

إن اللبن طاهر كالشاة، وإن قالوا أنه نجس ففيه وجهان أحدهما أنه يرده ولا يرد بدل اللبن لأنه لا قيمة له، والثاني يمكسها ويأخذ بالأرش. فصل اشترى شاة بشرط أن تحلب 2003 - وإن ابتاع شاة بشرط أن تحلب كل يوم خمسة أرطال فلهم وجهان في فساد البيع وصحته، وعندنا البيع فاسد، وحكمه حكم البياعات الفاسدة. فصل إيجاب المبيع لاثنين 2004 - وإذا أوجب المبيع لاثنين ووجدا به عيباً، أو كان مبيعاً لم يرياه فليس لأحدهما أن ينفرد بالرد دون صاحبه عند أبي حنيفة. 2005 - وقال أبو يوسف ومحمد له ذلك. وهو قول الشافعي، لأن في رد أحدهما تفريقاً للصفقة على البائع، وذلك عنت. 2006 - وهما قالا هو الذي رضي بذلك حيث أوجب البيع لاثنين. وأبو حنيفة يقول: رضي بذلك أن يكون في ملك الغير لا ملكه. فصل الصلاح على أرش العيب 2007 - ويجوز الصلح على أرش العيب مع إمكان الرد عندنا. 2008 - وقال الشافعي لا يجوز لأنه يأخذ بدل الفائت من المبيع كما لو تعذر الرد.

فصل اشترى عبدا بشرط أنه كافر أو كاتب

فصل اشترى عبداً بشرط أنه كافر أو كاتب 2009 - وإذا اشترى عبداً بشرط أنه كافر فكان مسلماً فلا خيار في الرد. وقال الشافعي له الخيار كما لو شرط كاتباً فكان لا يكتب. وعندنا الإسلام زيادة في العبد، وليس بنقص فلم يثبت الخيار. فصل الزنا والبخر 2010 - والزنا والبخر ليس بعيب في الغلام وهو عيب في الجارية. وقال الشافعي هو عيب فيهما إلا أن يكون من داء يرد به في الجميع. فصل 2011 - وإذا اشترى عبدين فقبضهما فوجد بأحدهما عيباً كان له رده على البائع وإن كان قبل القبض فهو بالخيار إن شاء أخذهما وإن شاء ردهما، وليس له رد المعيب منهما. 2012 - وقال زفر يرد في الفصلين، وهو أحد قولي الشافعي. فصل امتناع الرجوع بالأرش 2013 - وإذا قتل المشتري العبد المشتري أو أكل الطعام ثم اطلع على عيب فليس له الرجوع بأرش. 2014 - وقال الشافعي له الرجوع بالأرش. 2015 - وفرق أبو يوسف ومحمد بين الأكل والقتل فقالا: يرجع في الأكل ولا يرجع في القتل، وقد ذكرنا وجه ذلك فيما تقدم.

فصل الرجوع بأرش العيب

فصل الرجوع بأرش العيب 2016 - وإذا اشترى الرجل ما مأكوله في جوفه كالبيض والرمان والبطيخ فوجده فاسداً فإنه لا يرده، ولكن يرجع بأرش العيب. 2017 - وقال الشافعي: له رده، وهذا خطأ لأنه أدخل عليه بالكسر عيباً آخر لم يكن في يد البائع فصار كما لو جنى على العبد وأراد أن يرده. 2018 - وقد حكي عن بعض الفقهاء أنه يرده ويرد أرش ما نقص بالكسر، وهو قول الحنابلة في ذلك، والرد أنما يكون على ما وقع عليه العقد والأرش المردود لم يكن عند العقد فلا يقع عليه الفسخ. فصل بيع العبد الجاني 2019 - وبيع العبد الجاني جائز، ولا فرق بين الخطأ والعمد في ذلك. 2020 - وقال بعض أصحاب الشافعي في ذلك قولين أحدهما أنه باطل. والثاني مثل قولنا. واختلف في موضع القولين فمنهم من قال في العمد ومنهم من قال في الخطأ ومنهم من سوَّى بين الجميع. 2021 - وكذلك الخلاف في العبد المرتد. 2022 - وإذا قتل في يد المشتري بقصاص أو ردة كانت في يد البائع رجع المشتري بجمع الثمن على البائع، وكذلك القطع في السرقة. 2023 - وقال أبو يوسف ومحمد يرجع بما بين قيمته مباح الدم وغير سارق، وذكر الشافعي القولين جميعاً. فصل 2024 - واختلف في العبد هل يملك الأموال إذا ملك؟ فقال أصحابنا لا يملك لأنه مملوك والمملوك لا يملك.

فصل حكم النماء الحادث

2025 - وقال مالك وداود يملك بالتملك وهو أحد قولي الشافعي لأنه يملك البضع كالحر والبضع إنما يستفاد بالعقد، ولا يملك حقيقة ولهذا لا يملك نقله بالسبب الذي ملكه به إلى غيره بعوض ولا بغير عوض، ولو ملك المال لملك أرش أطرافه لأنهما أقرب إليه. فصل حكم النماء الحادث 2026 - والنماء الحادث من الولد والثمرة قبل القبض يدخل في المبيع وينقسم الثمن عليه، وإن هلك هلك بغير شيء. 2027 - وقال الشافعي يكون للمشتري بغير شيء ولا ينقسم الثمن وإن كان موجوداً عند العقد ففيه قولان، وهذا يؤدي إلى سلامة النماء للمشتري بغير عوض، ويرد الأصل بالعيب، وهذا لا نظير له في الأصل. فصل حق البائع في حبس المبيع لمشتريين دفع أحدهما نصيبه من الثمن 2028 - وإذا اشترى الرجلان سلعة فدفع أحدهما نصيبه من الثمن لم يكن له أن يأخذ نصيبه [من السلعة] حتى يستوفي البائع جميع الثمن عند أبي حنيفة ومحمد. 2029 - وقال أبو يوسف له ذلك إذا دفع نصيبه، وإن دفع جميع الثمن له قبض جميع السلعة ولا يكون متطوعاً عند أبي حنيفة. 2030 - وقال أبو يوسف ومحمد ليس له قبضه، يكون متطوعاً فيما وزن وهو قول الشافعي. فصل قطع البائع يد العبد قبل القبض 2031 - وإذا قطع البائع يد العبد المبيع قبل القبض فالمشتري بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذه بنصف الثمن.

فصل اشتراط أن يكون العبد أقطع

2032 - وقال الشافعي: إن أجاز البيع أخذه بكل الثمن لأن البائع احتبس جزءاً من المبيع ومنع من تسليمه فسقط من الثمن بقدرة كما لو باعه ثوبين فأتلف أحدهما. 2033 - ولو جنى عليه أجنبي فالمشتري بالخيار إن شاء أجاز البيع واتبع الجاني فأخذ أرش الجناية، وإن شاء فسخ وكان للبائع أن تتبعه بالجناية. فصل 2034 - وإذا ذهب بآفة من السماء فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ بجميع الثمن وإن شاء فسخ لأن الأوصاف داخلة في العقد ولها حكم الجملة وإن لم تكن مضمونة، وإنما دخلت على وجه التبع. فصل اشتراط أن يكون العبد أقطع 2035 - ولو اشترى عبداً على أنه أقطع فكان صحيحاً كان له ولا خيار ولو حدث به عيب ثبت الخيار لما ذكرناه. فصل إذا قطع المشتري يد العبد 2036 - وإذا قطع المشتري يد العبد صار قابضاً لجمعية، ودخل في ضمانه، لأنه فعل فيه فعلاً صار به مضموناً عليه، ولا يختص فعله بما فعل لأنه دخل الجملة عيب بفعله كان قابضاً لجميعه. فصل 2037 - وإن تلف العبد من الجناية ولم يكن البائع منعه من التسليم أو هلك

بغير ذلك فالثمن لازم لمشتري لأنه قد قبضه وصار مضموناً عليه وإن كان في يد الغير. فصل 2038 - وإن كان البائع قد منعه من التسليم فإن مات من الجناية فالضمان على المشتري ويلزمه جميع الثمن لأن النصف يضمن بالجناية والنصف الآخر بالسراية فيلزمه الجميع. 2039 - وإن كان هلك من غير الجناية لزم المشتري نصف الثمن لأن البائع بالمنع صار مسترجعاً لما بقي من العبد فيلزم المشتري حصة ما أتلف وأرشه فحسب. فصل 2040 - وإذا قطع البائع يده أولاً، ثم قطع المشتري رجله من خلاف فسرى منها فالعبد لازم للمشتري فنصف الثمن ويرجع على البائع بنصف الثمن الذي أعطاه، لأنه كان المشتري بالخيار لما جنى البائع لأنه فرق عليه الصفقة، فإذا فعل بعد ذلك ما يقتضي إبطال خياره وأنه يصير راضياً بما بقي من المبيع فلهذا ألزمه ضمان نصف الثمن وسقط النصف عنه. فصل 2041 - ولو قطع المشتري يده أولاً ثم قطع البائع رجله من خلاف ثم برئ منهما كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ العبد وأعطاه ثلاثة أرباع الثمن، وإن شاء تركه وعليه نصف الثمن بقطع اليد لأنه لما جنى المشتري صار البيع معيباً كله فصار قابضاً لجميع المبيع، وكان حق البائع قائماً في الجنس فإذا جنى صار مسترداً لما بقي وخير المشتري لأن البائع فرق عليه الصفقة فيما بقي، فإذا اختار لزمه قيمة ما بقي دون ما أخذه البائع لأن ما يأخذه البائع ينتقض البيع فيه.

باب من الخيار في المرابحة والتولية

فصل 2042 - ولو كان المشتري نقد الثمن ولم يقبض العبد ثم قطع يده ثم قطع البائع رجله من خلاف فسرى فالعبد للمشتري ولا خيار له لأن البائع لم يكن له حق في الاسترداد، ويكون على البائع قيمة ما أتلف، كما يكون على الأجنبي سواء، لأنه لم يبق له قيمة حق ولا حبس والذي يجب نصف قيمة العبد مقطوع يد لا نصف قيمة العبد كاملاً كمن قطع يد عبد مقطوع اليد وجب عليه نصف القيمة في الحال والوقت. 2043 - وإن كان البائع قطع يده أولاً والمسألة بحالها ثم قطع المشتري رجله فالعبد لازم للمشتري بنصف الثمن ويرجع على البائع بنصف الثمن الذي أعطاه، وقد مضى الوجه في ذلك. فصل 2044 - وإن قبض المشتري العبد بغير إذن البائع ولم يكن نقده الثمن فجاء البائع وقطع يده في يد المشتري ولم يأخذه حتى مات العبد من قطع اليد أو من غير ذلك، فإن كان مات من قطع اليد فقد بطل البيع ولا شيء من المشتري فيه لأن البائع قد استرجعه بالجناية عليه فكأنه مات في يده. وإن مات من غير ذلك فعلى المشتري نصف الثمن لأن البائع قد استرد نصف البد بالجناية، ولم تسر الجناية فيكون بها مسترداً للباقي فلزمه ضمانه. باب من الخيار في المرابحة والتولية 2045 - وإذا خانه في بيع المرابحة، وعلم بذلك المشتري فهو بالخيار:

إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذه بما قال عند أبي حنيفة ومحمد. 2046 - وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى والشافعي يحط الخيانة وحصتها من الربح لأن العقد لا يخرج عن موضوعه بالخيانة. 2047 - واتفق الجميع على أنه يحط في التولية لأن التولية أن تكون بمثل الثمن الذي اشتراه من غير زيادة، والمرابحة أن تكون بزيادة والحطيطة أن يحط من الثمن الأول. 2048 - وإذا تصرف المشتري في المبيع سقط حقه ولا شيء له عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يرجع بالخيانة وبحصتها من الربح. فصل 2049 - وإذا حط البائع المشتري من الثمن شيئاً باعه مرابحة بما بقي من الثمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقال الشافعي وزفير يبيعه بالثمن الذي اشتراه من غير حطيطة. فصل 2050 - إذا اشترى عبداً بألف إلى شهر ثم باعه من البائع بأقل من ذلك لم يجز عند أصحابنا استحساناً، والقياس أن يجوز، وهو قول الشافعي وتعرف بمسألة زيد بن أرقم.

فصل 2051 - وإذا اشترى ثوباً بعشرة فباعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة وأراد بيعه مرابحة باعه بخمسة. وإن باعه بعشرين ثم اشتراه بعشرة لم يبعه مرابحة حتى يبين، وهذا قول أبي حنيفة. 2052 - وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي يبيعه مرابحة على الثمن الباقي قليلاً كان أو كثيراً. 2053 - وكان الكرخي رحمه الله يقول: لا أعرف لهذه المسألة وجهاً، وكان غيره يقول هذا من الورع قاله أبو حنيفة. 2054 - ومنهم من قال أن المرابحة تجمع فيها جميع العقود وتجعل كالعقد الواحد كأجرة القصار والمطرز وغير ذلك. فصل 2055 - وإذا اشترى ممن لا تجوز له شهادته من ذوي الأرحام لم يجز له أن يبيعه حتى يبين ذلك عند أبي حنيفة. 2056 - وقال أبو يوسف ومحمد يجوز من غير بيان. 2057 - ولو اشترى من عبده أو مكاتبة لم يبعه حتى يبين في قولهم جميعاً. فصل 2058 - وإذا أسلم ثوبين على صفة واحدة وقبضهما لم يجز له أن يبيع أحدهما مرابحة عند أبي حنيفة ويجوز عندهما، وهو قول الشافعي. 2059 - وإذا ولدت الجارية أو أثمر الشجر أو تناتج الحيوان فلا بأس ببيع الأصل والزيادة مع مرابحة لأن هذه الزيادات جزء من الأصل، وهي داخلة في البيع فصار كأنه اشتراها مع الأصل. فصل 2060 - فإن كان قد استهلك الزيادة لم يبع الأصل مرابحة حتى يبين ما

فصل اشترى طعاما فأكل نصفه

أصاب الأصل من ذلك، وكذلك الألبان والأصواف والسمون وكل ما يوجد من الحيوان حتى يبين ذلك للمشتري. فصل 2061 - وإن هلكت هذه الزيادات من غير فعل مضمون أو منتفع به فله أن يبيعه مرابحة ولا يبين وإن كانت قد نقصت أصولها لأن المرابحة بيع بما حصل الأصل عليه من الثمن. فصل 2062 - وإذا اشترى متاعاً فله أن يحمل عليه أجرة القصار والكرى، ويقول: قام علي بكذا ولا يقول اشتريت بكذا. فصل اشترى طعاماً فأكل نصفه 2063 - وإذا اشترى طعاماً فأكل نصفه فله أن يبيع النصف الثاني مرابحة من غير بيان، وكذلك كل ما يكال أو يوزن من ذوات الأمثال. 2064 - وإذا اشترى ثياباً كل ثوب بعشرة فله أن يبيع كل ثوب مرابحة بعشرة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. 2065 - وإذا اشترى بالحنطة والشعير فله أن يبيع بذلك مرابحة وهو كالثمن. فصل 2066 - ويبيع ما اشتراه من شريكه وصديقه مرابحة ولا يبين لأنه لا تقبل شهادته له فهو كالأجنبي. 2067 - وإذا اشترى معيباً ورضي بالعيب باع ولم يبين ذلك كما لو دخله عيب، وفي هذا الباب مسائل كثيرة.

باب من البيوع الفاسدة

باب من البيوع الفاسدة 2068 - وهذا باب يجمع فيه ما يقول أصحابنا أن بيعه فاسد، وما يقول المخالف لهم أنه فاسد وغير فاسد. 2069 - فمن ذلك إذا اشترى عدلاً زطياً على أنه خمسون ثوباً بألف فوجده أحد وخمسين ثوباً أو تسعة وأربعين فالبيع فاسد لأنه باع ما تناوله العقد وما لم يتناوله فصار الثمن والمبيع مجهولين، ولأنه لو باع خمسين ثوباً من أحد وخمسين كان البيع باطلاً كذلك هذا، وحصة الناقص من الألف مجهولة لا تعلم فلم يصح. فصل 2070 - وإذا اشترى عبدين صفقة واحدة فإذا أحدهما حر فالبيع فاسد فيما عند أبي حنيفة ولا فرق بين أن يسمي لهما ثمناً واحداً أو يبين لكل واحد ثمناً. 2071 - وقالا إن سمى لكل واحد ثمن صح في العبد لأنه جعل ما لا يجوز بيعه شرطاً فيما يجوز فأبطل العقد، ولهذا لا يجوز له أن يقبل الشراء في أحد العبدين. 2072 - وقال الشافعي يصح البيع في العبد في أحد قوليه، وما الذي يلزمه من الثمن فيه قولان أحدهما تلزمه الحصة والثاني جميع الثمن وجعل ذلك كالنكاح لأجنبية وأخته. فصل باع عبده وعبد غيره 2073 - وإذا باع عبده وعبد غيره صح البيع في عبده ووقف في عبد الغير. 2074 - وقال الشافعي لا يصح في أحد قوليه بناء على تفريق الصفقة.

فصل باع صبرة كل قفيز بدرهم

فصل باع صبرة كل قفيز بدرهم 2075 - وإذا باع صبرة طعام كل قفيز بدرهم صح البيع في قفيز واحداً. ويبطل فيما زاد. 2076 - وقال أبو يوسف ومحمد يصح في الجميع وبه قال الشافعي. 2077 - لأن الثمن مجهول عند العقد فأوجب بطلان البيع فيما زاد على القفيز. فصل بيع ذراع من دار 2078 - وإذا باع ذراعاً من دار لم يجز حتى يبين الموضع. 2079 - وقالا والشافعي يجوز ويقسم على جملة الذرعات. 2080 - لأن المبيع مجهول موضعه غير معلوم. فصل 2081 - وإذا اشترى شاتين فإذا واحدة منهما ذبيحة مجوسي أو قد ترك المسلم التسمية عليها عمداً أو ميتة فالبيع فاسد. 2082 - وكذلك لو اشترى دنين خلا فإذا أحدهما خمر لأن البيع اشتمل على الصحيح والفاسد والفساد في نفس المعقود عليه فيبطل. فصل 2083 - وإذا اشترى داراً كل ذراع بدرهم ولم يبين موضع الذراع فالبيع باطل في الجميع، وفرق بين هذا وبين قفيز من صبرة، أنه يصح على قفيز واحد. 2084 - وهذا قول أبي حنيفة، وعندهما يصح وهو قول الشافعي.

فصل اشترى عبدا بشرط العتق

فصل 2085 - وإذا اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرع بعشرة دراهم فكان أحدهم عشر ذراعاً فالجميع للمشتري ولا خيار له، وإن وجده تسعة أذرع فهو بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء فسخ لأن الذرع صفة في المذروعات لا يقابله قسط من الثمن، وهو بخلاف المكيل والموزون، فإن الموزون والمكيل إذا زاد يكون للبائع، وإذا نقص عن القدر يكون الباقي للمشتري بحصته من الثمن لأنه معقود عليه وليس بصفة. فصل 2086 - وإذا اشترى سلعة بثمن إن عجله كان كذا وإن كان مؤجلاً فبكذا وتفرقا على هذا فهو فاسد لأنه صفقتان في صفقة. فصل اشترى عبداً بشرط العتق 2087 - وإن اشترى عبداً بشرط العتق فالبيع باطل. 2088 - وقال الشافعي البيع جائز بشرط العتق. 2089 - ولو شرط الكتابة أو التدبير أو البيع أو الاستيلاد فالبيع باطل بالاتفاق فجعل أبو حنيفة البيع بشرط العتق مثل ذلك. 2090 - فإذا قبضه المشتري وأعتقه لزمه الثمن استحساناً عند أبي حنيفة، وقالا يلزمه القيمة، وقد روي ذلك عنه أيضاً. 2091 - لأنه بيع مضمون بالقيمة لفساده كسائر البيوع الفاسدة. وأبو حنيفة جعل ذلك كالعتق على مال اعتبر المسمى في ذلك. فصل بيع العبد المغصوب ... الخ 2092 - قال أصحابنا بيع العبد المغصوب والرهن والآبق موقوف، فإن حضر

فصل اشترى فصا على أنه ياقوت

وسلم تم البيع ولا خيار للمشتري، وليس ذلك أسوأ حالا من [بيع] ملك الغير. 2093 - وكذلك أن باع سمكاً محصورا في حظيرة فأن كان يحتاج إلى صيد فالبيع باطل، وإذا كان لا يحتاج إلى ذلك فالبيع صحيح. فصل اشترى فصاً على أنه ياقوت 2094 - فإذا اشترى فصاً على أن ياقوت فإذا هو غير ذلك فالبيع باطل لأنه خلاف ما اشتراه. فصل 2095 - ولا يجوز بيع مكاتب ولا مدبر ولا أم ولد ولا ولدها ولا النحل ولا دود القز ولا أراضي مكة ولا بيع الوقوف في سائر الأرض ولا لبن الآدميات وكل هذا فيه خلاف الشافعي وغيره. خيار الجس 2097 - وجوز بيع الأعمى وشراؤه وله الخيار بالجس إذا كان مما يجس فإذا جس (سقط خياره). خيار الرؤية 2097 - وبيع ما لم يره المشترى جائز وشراؤه جائز وللمشتري الخيار إذا رآه، لأنه بيع مقدور على تسليمه عند وجوب التسليم فهو كالجوز واللوز، وفي ذلك خبر مروى أيضاً وقياس على سائر العقود أنه لا يعتبر فيها الرؤية. فصل شراء الكافر العبد المسلم 2098 - وشراء الكافر للعبد المسلم جائز وقال الشافعي لا يجوز.

باب الخيار في البيع من طريق الحكم والشرط

2099 - وكذلك المصحف. 2100 - واتفق الفريقان على أن الكافر يجوز له أن يبيع العبد المسلم له أو لغيره فجعل أبو حنيفة الشراء مثل ذلك. 2101 - واتفقوا على أنه يملك بالميراث والوصية على الخلاف. 2102 - وأجاز أبو حنيفة أن يوكل المسلم ذميا فيشتري له خمراً أو خنزيراً ويلزمه الثمن وقالا والشافعي لا تجوز الوكالة. 2103 - وكذلك قالوا في الصيد إذا وكل المحرم حلالا فاشتراه يجوز على الأمر عند أبي حنيفة وقالا الشافعي لا يجوز. 2104 - وفي المأذون يجوز عندهم جميعا. 2105 - وكذلك المكاتب إذا عجز انتقل الخمر إلى المولى. 2106 - وفي هذا الباب مسائل كثيرة على الخلاف والوفاق لا تحصى كثرة. فصل باب الخيار في البيع من طريق الحكم والشرط 2107 - وخيار المجلس لا يثبت عندنا في شيء من العقود.

فصل شرط الخيار في المطعومات والمأكولات

2108 - وقال الشافعي يثبت في البيع قولا واحدا وفي كل عق معاوضه يقصد به المال كالإجارة وغيرها. 2109 - واتفقوا على أنه يثبت في البيع خيار الشرك ثلاثة أيام. 2110 - واختلفوا فيما زاد على ذلك فقال أبو حنيفة لا يجوز، وهو قول الشافعي. 2111 - وقال أبو يوسف ومحمد يجوز إذا كان معلوماً كالأجل، وهو قول مالك وأحمد. 2112 - ولا يجوز الخيار في بيع الرقيق والحيوان إلا بالشرط. 2113 - وقال بعض الفقهاء عهدة الرقيق ثلاثا من غير شرط. 2114 - وإذا اشترى سلعة على أنه أن لم ينقده الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فهو كشرك الخيار يجوز عند أبي حنيفة في الثلاث، وعندهما فيما زاد. 2115 - وقال زفر والشافعي البيع باطل. فصل شرط الخيار في المطعومات والمأكولات 2116 - وشرط الخيار يجوز في سائر المطعومات والمأكولات. 2117 - وقال الشافعي لا يجوز ولا يجوز في الصرف والسلم. 2118 - وإجازة مالك ثلاثة أيام. 2119 - ولا يعتبر التقابض في المجلس في غير الصرف والسلم عندنا. 2120 - وقال الشافعي يعتبر في المطعومات أيضا. 2121 - لأنها تعتبر بالعقد، فهي كالحيوان والثياب وسائر المثمنات عندنا. فصل اشتراط الخيار للغير 2122 - وإذا اشترط الخيار لغيره صح عندنا، وكان الخيار للعاقد لأنه من موجب العقد وحقوق العقد تتعلق بالعاقد.

فصل خيار الغبن

2123 - وللشافعي قولان أحدهما لا يصح والثاني يصح لمن شرط له ويكون كالوكيل. فصل 2124 - وخيار الثلاث لا يورث لأنه خيار لتتميم العقد كخيار القبول. 2125 - وقال الشافعي يورث لأنه من حقوق العقد، ليس لمن وجب عليه إبطاله. 2126 - واتفق الفريقان أن الأجل يبطل بالموت فجعل أبو حنيفة الخيار مثله لأنه مدة ملحقة بالعقد. خيار الرؤية 2127 - وفي خيار الرؤية روايتان في بطلانه بالموت. انتقال خيار التعيين للورثة 2128 - وخيار التعيين لأحد العبدين إذا اشترى على أنه (له) أن يأخذ أيهما شاء فمات قبل الخيار انتقل إلى الورثة. بطلان العقد المقترن بخيار التعيين 2129 - وقال زفر والشافعي بيع عبد من عبدين باطل. 2130 - واتفقوا على بطلان البيع فيما زاد على ثلاثة عبيد. فصل خيار الغبن 2131 - وقال أصحابنا إذا غبن في البيع لم يثبت الخيار. 2132 - وقال مالك إذا كان الثلث فما زاد يثبت له الخيار.

فصل القبض في البيع الفاسد

فصل القبض في البيع الفاسد 2133 - وإذا قبض في البيع الفاسد بأذن البائع ملك المشتري المبيع بالقيمة عندنا. 2134 - وقال الشافعي لا يملك. 2135 - وأن تصرف المشتري فيه بعد كل تصرف لا يلحقه الفسخ ومنع حق الرجوع فيه. 2136 - وكذلك إذا زاد فيه زيادة لها قيمة. 2137 - وإذا تصرف بما يلحقه الفسخ لم يمنع البائع ولا المشتري من الفسخ. 2138 - وإذا فسخ في الموضع الذي يجب فيه الفسخ تتبعه الزوائد في الفسخ عند الجميع، وقد تملك المبيع بالقيمة كما تملك بالثمن كالشفيع يأخذ تارة بقيمة الشخص إذا كان عوضا من ذوات القيم.

باب من بيوع ذوي الأرحام

فصل أنواع البيوع من حيث الصحة والبطلان والفساد والوقف. 2139 - والبيع على ثلاثة أضرب: بيع صحيح وبيع فاسد وبيع موقوف. 2140 - وقال الشافعي البيع الموقوف على الإجازة باطل. 2141 - واتفق الفريقان على أن البيع يقف على الفسخ لا للإجازة. 2142 - وقلنا، والشافعي أن خيار الشرط شرط للفسخ لا للإجازة. 2143 - وقال مالك الإجازة شرط. 2144 - وفائدة الخلاف إذا مضت مدة الخيار ثم البيع عندنا وعنده يبطل ويرجع إلى البائع. فصل باب من بيوع ذوي الأرحام 2145 - وإذا كان في ملك الرجل عبدان أحدهما صغير والآخر كبير، فليس له أن يفرق بينهما في البيع كالأب والابن والأم والبنت. 2146 - وأن الفرق بينهما جاز البيع عند أبي حنيفة ومحمد وكان مكروها. 2147 - وقال أبو يوسف والشافعي البيع باطل حتى يجمع. 2148 - واتفقوا على أنه لو باعهما جميعاً ثم وجد المشتري بأحدهما عيبا كان له أن يرده خاصة. 2149 - وروى عن أبي يوسف أنه ليس له أن يرد. 2150 - وروى عنه رواية أخرى أن سائر ذوي الأرحام مثل الأب والأم. 2151 - وفرق الشافعي بين الأب وسائر ذوي الأرحام كالأخ والعم والعمة والأخت. 2152 - واتفقوا على أنه يجوز أن يعتق أحدهما دون الآخر، وأن يكاتب. 2153 - وأن أستولد الأمة أو دبرها فله أن يفرق.

باب بيع الأمة الحامل

2154 - وروى ابن زياد عن أبي حنيفة أنه في التدبير والاستيلاد لا يفرق لأنهما على ملكه، والملك لم يزل، وفي العتق زال الملك فجاز له البيع بعد ذلك. 2155 - وفي هذا البيع مسائل كثيرة وخلاف ووفاق. فمن كان له ولمكاتب له أو عبد تاجر عليه دين مملوكان فأراد أن يفرق بينهما فرق لأن ما في يد المكاتب والمأذون خارج عن يده فهم كالأجنبي، وغير ذلك من فروع المسائل. باب بيع الأمة الحامل 2156 - وإذا كانت الأمة بين رجلين فباع أحدهما نصيبه من رجل وهي حامل وأدعى المشتري الحبل وادعاه البائع والذي لم يبع معا فأن ولدته لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه من البائع وشريكه وينتقض البيع، ويرد المشتري نصف العقر على الذي لم يبع بإقراره بالوطء. 2157 - وقال الحاكم: قوله ويرد المشتري نصف العقر ليس بسديد، والصواب أن يرد جميع العقر على الشريكين. 2158 - وهذا في رواية أبي سليمان، لأنها أم ولد لهما فيجب جميع العقر لهما لأنه وطئها بشبهة ملكه. 2159 - وإنما يثبت نسبه من الشريكين لأن دعواهما دعوى علوق قبلت في ملك الغير ولأن دعواهما أكثر من دعوى الأب ولد جارية ابنه لأن للأب شبهة ملك. فصل 2160 - وأن جاءت به لأكثر من ستة أشهر ثبت من المشتري ومن الذي لم يبع، وعلى البائع نصف العقر للذي لم يبع لأن الملك لهما وقد انقطع

باب الاستبراء في الجواري

حكم العلوق لأنه ليس فيه دلالة على أن العلوق كان في ملكها فوجب اعتبار الملك، والملك دون الذي باع وإنما لزم نصف العقر لأن إقرار البائع بالوطء في حال كان الملك لهما قبل بيعه فلا يلزمه بإقرار غيره. فصل نزاع على حمل جارية من زوج 2161 - وإذا أقر المولى أن حمل جاريته من زوج كان زوجها منه ثم أراد أن يدعيه لنفسه فأن كان ذلك الزوج صدق المولى أو لم يصدقه ولم يكذبه لا تجوز دعوى المولى في قولهم جميعاً ولا يثبت النسب. 2162 - ولو أنه كذبه ثم ادعاه المولى لنفسه فأن في قوله أبي حنيفة لا تجوز دعواه أيضا. 2163 - وفي قول أبي يوسف ومحمد تجوز. باب الاستبراء في الجواري 2164 - ولا نعلم خلافا بين العلماء في أصل الاستبراء وقد روى عنه عليه السلام أنه قال: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة. 2165 - ولا توطأ الحامل حتى تضع ولا من تحيض حيضة، وأن كانت لا تحيض فشهر لأنه أقيم مقام حيضة في حق الصغيرة والآيسة. فصل 2166 - وإذا اشترى جارية حائضا فأنه لا يحتسب بالحيضة وعليه أن يستبرئها بحيضة أخرى عند أبي حنيفة ومحمد وأحدى الروايتين عند أبي يوسف وروى عن أبي يوسف أنه لا استبراء عليه، وهو قول إبراهيم النخعي. 2167 - وكذلك الخلاف لو حاضت في يدي البائع أو كانت بكراً فإن

الاستبراء واجب عند أبي حنيفة ومحمد ولا يجب عند أبي يوسف في إحدى الروايتين لأن المقصود العلم ببراءة رحمها. فصل 2168 - وأن ارتفع حيضها لا من حمل يعلم أنه بها لمرض أو عارض فأن أبا حنيفة قال لا يطؤها حتى يمضي عليها ثلاثة في رواية ومثله روى عن أبي يوسف، وفي بعضها أربعة أشهر، وفي رواية عنه حتى يعلم أن رحمها برئ من الحمل. 2169 - وقال محمد بن الحسن يدعها أربعة أشهر وعشرا، وهي عدة الوفاة، وروى عنه أيضا أنه قال شهرين وخمسة أيام عدة الأمة في الوفاة، وإنما أعتبر هذه المدة لأن حيضها يجوز أن يتأخر، وإنما حدوداً ذلك بما ذكرنا لأن في مثل ذلك يتبين الحمل ويتحرك الولد في الرحم فصل 2170 - وإذا باع جارية فلم يقبضها المشتري حتى تقايلا البيع فالقياس أن يجب على البايع الاستيراء في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة في الإملاء، وهو قوله الأول، وفي الاستحسان لا يجب الاستبراء وهو قول أبي حنيفة الآخر وهو قولهما. فصل 2171 - ولو كان المشتري قبضها ثم أقاله فباعها فولدت عند المشتري فماتت الجارية وبقة الولد فأدعى البائع الولد فأن النسب يثبت ويرد البائع جميع الثمن في قول أبي حنيفة ولا يمسك لأجل الولد شيئاً، وفي قولهما لا يرد حصة الأم من الثمن، وهذا فرع لمسألة أخرى أن أم الولد ليست بمال.

فصل لا استبراء على الزانية

فصل 2172 - ولو قبض المشتري الجارية فوجد بها عيبا فردها أو كان البائع قد باعه منها سهما ثم ردها ثم أقاله في الشقص فعليه الاستبراء لأنه وجد سبب الاستبراء. فصل 2173 - وإذا رجعت الآبقة أو ردت المغصوبة أو فكت المرهونة أو عجزت المكاتبة فالاستبراء على المولى في ذلك، ولو وهبها لولد له صغير أو كبير ثم اشتراها لنفسه فعليه الاستبراء لأنه ملك جديد. 2174 - ولو قبضها المشتري بشراء وفسخ القاضي البيع لأجل الفساد فعليه الاستبراء في الاستحسان، وكان القياس أن لا يجب، وكذلك كان القياس أن لا يجب الاستبراء على البائع إذا باع بشرط الخيار ثم فسخ، وهذا مبني على أصلنا أن البيع الفاسد إذا قبض المشتري المبيع ملك المشتري، وعند الشافعي لا يملك فيجب أن لا يجب الاستبراء كالمغصوبة. فصل 2175 - وإذا زوج الرجل أمته فطلقها الزوج قبل الدخول كان للمولى أن يقربها بعد أن يستبرئها بحيضة، لأن الوطئ قد كان حل لغيره فيجب عليه الاستبراء، ولم يسقط ذلك إذا لم تجب عدة. 2176 - وأن كان النكاح فاسداً وفرق قيه لم يكن عليه الاستبراء لأنه لا يستباح به الوطئ. 2177 - ولو وهب جارية فرجع فيها فعليه الاستبراء. فصل لا استبراء على الزانية 2178 - ولا يجب الاستبراء على الزانية، فأن حملت منه لم يطأها حتى تضع، والأمة الحرة في ذلك سواء.

بيع النخل وفيه ثمرة 2179 - رجل اشترى أرضا ونخلا بألف درهم، والأرض تساوي ألفا والنخل مثل ذلك فأثمر النخل في يدي البائع قمرا يساوي ألفا فاستهلك البائع الثمر فأنه يسقط عن المشتري ثلث الثمن وعليه ثلثا الثمن في قول أبي حنيفة ومحمد وفي قياس أبي يوسف عنه ربع الثمن ويجب عليه ثلاثة أرباع الثمن فهما يقسمان الثمن على الأرض والنخل ثم يحط ذلك الهالك من الثمن، وعند أبي يوسف أن التمر دخل فيما يخص النخل خاصة، لأن البيع واقع على الأرض والنخل كالتبع فهو يشابه من اشترى أمه فولدت ولدين فأن الثمن يقسم عليم، وخلاف آخر للمشتري ويأخذ بمقدار ما بقي عليه من الثمن وعندنا للمشتري الخيار. فصل 2180 - وإذا باع النخلي وعليه تمر فهو للبائع سواء أبرت أم لم تؤبر

2181 - وقال الشافعي: إذا أبرت فهي للبائع وأن لم تؤبر فهي للمشتري. 2182 - وعند ابن أبي ليلى هي للمشتري في الحالين. 2183 - وعندنا لا يدخل في البيع بشرط لأنه يمكن أفرادها بالبيع فهي في حكم عين أخرى لأنها ثمرة ظاهرة كالمؤبرة. فصل 2184 - وإذا باع الثمرة وأطلق البيع جاز ووجب على المشتري قطعها. 2185 - وقال الشافعي: لا يجوز مطلقا إذا كان لم يبد صلاحها إلا بشرط القطع، لأن كل ثمرة جاز بيعها بشرط القطع جاز مطلقا كما لو بدا الصلاح، ولأن الشرط غرر في البيع. فصل 2186 - وأن شرط تركها فأنه يبطل العقد عند أبي حنيفة وأبي يوسف. 2187 - وقال الشافعي: إذا كان قد بدا صلاحها لم يبطل البيع. 2188 - لأن ما جاز بيعه بشرط القطع لا يجوز بشرط الترك كالتي لم يبد صلاحها. فصل 2189 - ولا فرق بين أن يكون قد تناهي عظمها أو لم يتناه أن شرط الترك يفسد البيع، وقال محمد: يجوز استحسانا لانه شرط تركها فصار كما لو لم يبد صلاحها فصل 2190 - وإذا اشترى رطبا على رؤوس النخل بخرصه تمرا لم يجز. وقال الشافعي يجوز فيما دون خمسة أوسق، ولا يجوز فيما زاد على ذلك.

فصل بيع الشاة باللحم

2191 - ولو جاز ذلك لجاز في الزيادة، وكان يحوز في سائر الثمار والحبوب، وقد أجمعنا على أن ذلك لا يجوز. فصل 2192 - ويجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل عند أبي حنيفة. وعندها والشافعي لا يجوز. 2193 - وأجمعوا على جواز بيع العتيق من التمر بالحديث. 2194 - واختلف أبو يوسف ومحمد في بيع العنب بالزبيب. 2196 - وأجاز أصحابنا بيع الحنطة بالسويق فقال أبو حنيفة لا يجوز. وقال أبو يوسف ومحمد يجوز. 2196 - وأجاز أصحابنا بيع الدقيق بالدقيق إذا كان على صفة واحدة. 2197 - وقال الشافعي لا يجوز. فصل بيع الشاة باللحم 2198 - وبيع الشاة باللحم جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف. 2199 - وقال محمد يجوز على وجه الاعتبار. 2300 - وقال الشافعي لا يجوز بحال لأنه معدود بموزون فصار كالدرهم. فصل 2301 - وبيع الشاة التي في ضرعها لبن او على ظهرها صوف بلبن من

جنس لبنها أو [صوف] جنس صوفها جائز عند أبي حنيفة على وجه الاعتبار. 2302 - وقال غيره لا يجوز. 2303 - ومن أصحابنا من فرق بين الصوف واللبن ومنهم من سوى في ذلك وقال: الخلاف في الجميع واحد. فصل 2304 - وأجازوا بيع الزيت بالزيتون والشيرج بالسمسم على وجه الاعتبار بأن يكون في الدهن مثل ما في السمسم وزيادة في مقابلة اللبن. 2305 - وقال زُفَر ومالك لا يجوز. فصل 2306 - وإذا باع شاة واستثنى أطرافها لم يحز البيع. 2307 - وقال بعض الفقهاء يجوز وهم الحنابلة. 2308 - وفي هذا الضرب مسائل كثيرة. 2309 - وأجاز أصحابنا بيع الحنطة بالشعير متفاضلا ومتساويا. 2310 - وقال مالك لا يجوز لأنهما جنسان، فهما كالدنانير والدراهم. فصل 2311 - والربا يجري في مكيل جنس عندنا إذا بيع بمثله، وكذلك الموزون. 2312 - وقال الشافعي الربا يختص بالمطعومات والأثمان. فصل 2313 - والجنس يحرم عندنا النسأ كما يحرم النسأ بالمعنى المضموم إليه.

باب من السلم

باب من السلم 2314 - وكل ما تضبط صفته ويعلم قدره فالسلم فيه جائز إذا ذكر جنسا معدوما ولوعا وقدرا معلوما أو صفة معلومة، وكان موجودا فالسلم في أيدي الناس من يوم العقد إلى يوم المحال وذكر الأجل في ذلك، وقبض رأس المال في المجلس، وسمى موضع تسليمه فذلك جائز بإجماع، إذا كان رأس المال معلوما، وكلما أنخرم من هذه الشروط شرط دخل الخلاف في العقد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اسلم فأسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" بعد نهيه عن بيع ما ليس عند الإنسان. فصل تعجيل أحد البدلين 2318 - وأجاز الشافعي السلم حالا ومؤجلا وامتنع أصحابنا من ذلك، وقالوا: لا يجوز إلا بأجل لأنه لا فرق بين السلف والسلم واللفظ وإذا كان حالا لم يتمكن من التسليم عقب العقد. فصل السلم في المعدوم 2316 - وأجاز السلم في المعدوم إذا كان موجودا عند المحل. 2316 - وقال أصحابنا لا يجوز حتى يكون موجودا عند الطرفين، وفيما

فصل ما يجوز السلم فيه

بين ذلك، لأن ذلك وقت يجوز أن يحل فيه بالموت، والموت فكان وجوده شرطا كالمحل المشروط خلاف الشافعي يكفي وجوده عند المحل المشروط. فصل ما يجوز السلم فيه 2318 - وأجاز أصحابنا السلم في الجوز واللوز والفستق والحنطة والشعير والبر والزيت والقطن والزعفرات، وكل ما يكال وكل ما يوزن وكل ما يعد ويتقارب ولا يتفاوت كاللبن والآجر والنورة والطوابيق والمسوح والأكسية والثياب والزجاج والآنية، وفي بعض ذلك حلا وفيه وفاق. ومسائل السلم كثيرة. فصل قرض مال بمثله 2319 - أجاز أصحابنا قرض ماله مثل من المكيل والموزون. 2320 - وقالوا: لا يجوز قرض ذوات القيم. 2321 - وقال الشافعي يجوز إلا الحوار ومن أصحابه من أجاز الجميع. فصل 2322 - وقالوا: لو اشترى بذهب وفضة وسمي وزنا معلوما كان الثمن منقسما من كل جنس نصفه. 2323 - وقال الشافعي لا يجوز حتى يبين كل واحد.

فصل 2324 - وأجاز الجميع صرف ما في ذمة كل واحد في ذمة الآخر، واعتبروا القبض في الصرف في المجلس. 2325 - وقال أصحابنا أن الدراهم والدنانير لا تتعين بالعقد. 2326 - وقال أبو الحسن تتعين ولا تستحق أعيانها. 2327 - وقال زفر تتعين وبه قال الشافعي. 2328 - ولو تعينت لما صح العقد عليها مع الإطلاق. ومسائل البيوع كثيرة، وسمعت شيخنا قاضي القضاة رحمه الله يقول أن أبا بكر الخوارزمي رحمه الله جمع كتاب البيوع من كتب محمد وأصحابنا من جميع الكتب فكانت خمسين ألفا وزيادة وأنه وقع ذلك إليه. 2329 - وفي الذي ذكرت من هذه المسائل في هذا الكتاب ما لم يذكره غيري في أدب القضاء، كالطحاوي والخصاف فأنهما لم يودعا كتبها من ذلك شيئاً.

كتاب الرهن

كتاب الرهن تعريف 2330 - الرهن عقد وثيقة يفتقر إلى إيجاب وقبول، وهو جائز قبل القبض غير لازم، وإنما يلزم بالقبض. 2331 - وقال مالك: يلزم من غير قبض. 2332 - وهول لازم للراهن ليس له إبطاله إلا (أن) يقضي ما هو رهن به، لأنه قد تعلق به حق غيره. فصل 2333 - ولو رهن نصف عبد أو دار أو مكيل أو موزون غير مقسوم فالرهن فاسد عندنا. 2334 - وقال الشافعي: كل ما جاز بيعه جاز رهنه وعندنا أن كل ما جاز رعنه جاز بيعه، ويجوز رهنه لأنه أعم من الرهن. 2335 - وبيع ما في الذمة يحوز، ولا يجوز رهنه. 2336 - ويجوز بيع التركة قبل القبض ولا يجوز رهنها. 2337 - وعقد هذا الباب: أن كل ما يجوز رهنه ابتداء فأنه يجوز في حالة البقاء فأنظر أبدا إلى ما يستحق من الرهن، فأن كان الباقي يجوز أن يبتدئ فيه الرهن فالرهن بحالة فيه ولا يبطل، وأن كان لا يجوز ابتداء فالرهن قد بطل، ولا فرق بين الشريك وغيره. 2338 - وسائر الأموال في ذلك سواء العقار والعبيد والمكيل والموزون

فصل الرهن في السفر

والثياب والنخل والشجر وسائر ضروب الأموال في ذلك سواء، وأن قبض الجميع لم يصح الرهن أيضا، وكذلك أن كان الرهن مقسوما فاستحق بعضه مشاعا بطل الرهن، وأن كان معينا والباقي يجوز رهنه بحاله. 2339 - ومسائل هذا الباب كثيرة، والأصل واحد، ولا فرق بين أن يأذن الشريك في ذلك أو لا يأذن أن الرهن لا يصح. فصل الرهن في السفر 2340 - ويجوز الرهن في الحضر كما يجوز في السفر خلافا لأهل الظاهر. حظر الانتفاع بالرهن 2341 - ولا يجوز للراهن الانتفاع بالرهن. وقال الشافعي له الانتفاع إذا كان له منفعة. رهن العين المغصوبة 2342 - وإذا رهن العين المغصوبة عند الغاصب جاز الرهن وزال ضمان الغصب. 2343 - وقال الشافعي ضمان الغصب بحاله. إعتاق العبد المرهون 2344 - وإذا أعتق الراهن العبد المرهون جاز عتقه موسرا كان أو معسرا. وللشافعي في ذلك ثلاثة أقول: مثل قولنا ولا يعتق، والثالث الفرق بين المعسر والموسر. تقبيل الجارية المرهونة 2345 - وأن قبل المرتهن الجارية المرهونة من غير شبهة لم يجب الحد في أحدى الروايتين لأنها محبوسة في يديه بحق له في رقبتها.

فصل 2346 - وإن وطئ بأذن الراهن فولدت منه فالولد عبد. 2347 - وقال الشافعي حر. 2348 - لأن أذنه ليس أكثر من تزويجه بها ولو تزوجها كان الولد عبداً. 2349 - وإذا باع المرتهن الرهن قبل حلول الدين بإذن الراهن فالبيع جائز والثمن رهن. 2350 - خلاف الشافعي لا يكون رهنا. ولو شرط له ذلك أو شرط أن يعجل الدين فالبيع جائز ويلزم تسليم ذلك. 2351 - خلاف الشافعي البيع باطل على هذا الشرط. 2352 - ورهن العبد الجاني والمرتد جائز منا يجوز البيع. 2353 - وقال الشافعي لا يصح في أحد قوليه. الزيادة في الرهن والدين 2354 - وتجوز الزيادة في الرهن. 2355 - ولا تجوز في الدين. 2356 - وقال أبو يوسف يجوز فيهما. 2357 - وقال زفر لا يجوز فيهما. 2358 - وللشافعي قولان في ذلك. إقرار الراهن بجناية العبد المرهون 2359 - ولا يجوز إقرار الراهن على العبد المرهون بالجناية. 2360 - وقال الشافعي في أحد قوليه يجوز. 2361 - وإذا قتل العبد المرهون في يد المرتهن بالردة ثبت الخيار في فسخ البيع. 2362 - خلاف الشافعي لا يثبت. 2363 - وإذا علق عتق عبده بصفة ثم رهنه جاز الرهن.

فصل توكيل المرتهن ببيع الرهن

2364 - وقال الشافعي لا يجوز رهنه، وله تفصيل في تعجيل الصفة وتأخيرها على محل الدين لأنه يجوز بيعه فجاز رهنه. تحول العصير المرهون خمراً. 2365 - وإذا رهن عصيراً فصار خمرا لم يبطل الرهن. 2366 - وقال الشافعي يبطل. 2367 - وأن عادت خلا فالمرتهن أحق بها من الغرماء. رهن ما يسرع إليه الفساد 2368 - ورهن ما يسرع إليه الفساد بالدين الحال أو المؤجل جائز. 2369 - وقال الشافعي لا يجوز. فصل توكيل المرتهن ببيع الرهن 2370 - ويجوز أن يكون المرتهن وكيلا ببيع الرهن عند محله 2371 - وقال الشافعي لا يجوز. 2372 - ولا يملك الراهن عزل الوكيل عن بيع الرهن إذا وكله بالبيع 2373 - وقال الشافعي يملك. فصل تبعة هلاك ثمن الرهن 2374 - وإذا باع العدل الرهن فهلك الثمن فهو من ملك المرتهن لأن اليد للمرتهن دون الراهن لأن الراهن لو أراد فسخ يد العدل لم يكن له ذلك والمرتهن له ذلك. 2375 - وقال الشافعي يكون من مال الراهن.

فصل استحقاق الرهن

فصل استحقاق الرهن 2376 - وإذا استحق الرهن بعد البيع على المشتري رجع على العدل البائع. 2377 - وقال الشافعي يرجع على الراهن. 2378 - لأن حقوق العقد تعلق بالعاقد عندنا دون من عقد له في كل ما تصح إضافته إلى العاقد من العقود. 2379 - وإذا أدعى العدل تسليم الثمن إلى المرتهن فالقول قوله. 2380 - وقال الشافعي لا يقبل قوله عليه. 2381 - لأنه أمين له واليد يد المرتهن وأن تعلق بها حق الراهن. دفع العبد الرهن في الجناية 2382 - وإذا دفع العبد الرهن في الجناية بطل من الدين بحساب ذلك. 2383 - وقال الشافعي لا يبطل. 2384 - والرهن مضمون عندنا بالأقل من قيمته ومن الدين. 2385 - وقال الشافعي هو أمانة. 2386 - ولو كان أمانة لقبل قول المرتهن في الرد على الراهن كسائر الأمانات، ولكان المرتهن وغيره في ثمنه سواء. فصل رهن المكاتب 2387 - ويجوز رهن المكاتب بدين المكاتبة. 2388 - وقال الشافعي لا يجوز 2389 - لأنه دين واجب كسائر ديونه.

باب اختلاف الراهن والمرتهن

فصل تزويج الأمة المرهونة 2390 - ويجوز للراهن تزويج الأمة المرهونة بغير أذن المرتهن. 2391 - وقال الشافعي لا يجوز فصل الزيادة من الرهن 2392 - والزيادة من الرهن تدخل في الرهن. 2393 - وقال الشافعي لا يدخل المنفصل ويدخل المتصل. 2394 - لأنه حق ثابت في الأم فسرى إلى الولد كالملك والعتاق. فصل الشرط الفاسد في الرهن 2395 - وإذا شرط في الرهن شرطا فاسدا بطل الشرط وصح الرهن. وقال الشافعي يبطل الرهن. 2396 - لأنه عقد شرك في لزومه القبض كالهبة. باب اختلاف الراهن والمرتهن 23970 وإذا اختلف الراهن والمرتهن في الدين فالقول قول الراهن في الدين، معي يمنه، ولا خلاف في ذلك. 2398 - وأن اقاما البينة فالبينة بينة المرتهن لأنها تثبت الزيادة فصل 2399 - وأن قال الراهن وهنت بخمسائة وقال المرتهن بل بألف،

فصل اختلافهما في قيمة الرهن

والدين ألف على الراهن فالقول قول الراهن، كما لو أنكر الرهن كان القول قوله في ذلك. 2400 - وإذا قال المرتهن قبضت خمرا. وقال الراهن بل صارت العين خمرا عندك، فالقول قول المرتهن. 2401 - وقال الشافعي القول قول الراهن. 2402 - لأنه لم يقر بقبض يوجب الضمان. فصل 2403 - وأن قال الراهن رهنتها عندك بجميع مالك من الدين وهو ألف، وقال المرتهن رهنتها بخمسمائة والجارية الرهن تساوي ألفا فأن الحسن بن زياد قال عن أبي حنيفة أن القول قول الراهن ويترادان بعد التحالف. 2404 - وأن مات الراهن قبل التحالف كانت بما قال المرتهن لأنه ينكر الضمان. فصل اختلافهما في قيمة الرهن 2405 - ولو اتفقنا على أن الجارية رهن واختلفا في قيمة الجارية، وقد هلكت في يد المرتهن فقال المرتهن كانت قيمتها خمسمائة وقال الراهن الفا فالقول قول المرتهن في قيمة الهالك. 2406 - وأن أقاما بينة فالبينة بينة الراهن لأنها تثبت الضمان والزيادة. فصل 2407 - وأن اختلفا فقال المرتهن رهنتني هذين العبدين بألف. وقال الراهن لا أحدهما بألف لم تقبل دعوى أحدهما على صاحبه، ويحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه. فصل 2408 - وإذا كان الرهن أمة فولدت ثم ماتت الأمة وبقي الولد، واختلفا في قيمة الأم فالقول قول المرتهن والبينة بينة الراهن، وكذلك الحيوان والشجر والثياب وسائر الأعيان مثل ذلك.

فصل 1409 - وإذا اختلفا فقال الراهن: قبضت مني الرهن فهلك في يدك وقال المرتهن: بل قبضته أنت مني فهلك في يدك فالقول الراهن مع يمينه لأن المرتهن قد أقر بقبضه فهو في ضمانه. 2410 - وأن أقاما جميعا البينة على ما قالا أخذت بينة الراهن لأنه المدعي للقضاء، لأن هلاك الرهن في يد المرتهن بمنزلة القضاء. فصل 2411 - وأن قال المرتهن هلك في يد الراهن قبل أن أقبضه، وقال الراهن هلك في يد المرتهن فالقول قول المرتهن لأنه لم يغير مقتضي شيء، فأن أقاما البينة أخذت بينة الراهن لأنها تثبت القضاء وتشهد بعين الظاهر. فصل 2412 - وأن قال المرتهن: رهنتي هذين الشوبين وقبضتها فقال الراهن: رهنتك أحدهما فالقول قول الراهن. 2413 - وأن أقاما بينة، أخذت بينة المرتهن. فصل 2144 - وإذا كان الرهن عبدا والدين الفين والعبد يساوي ألفا وقد ذهبت عينه واختلفا في قيمته فقال الراهن كانت قيمته يومك رهنتك الفين فقد ذهب نصف دينك، وقال المرتهن بل كانت قيمته خمسمائة وإنما زاد بعد ذلك وإنما ذهب ربع حقي فالقول قو الراهن مع يمينه. 2415 - فأن أقاما جميعا بينة على ما ادعياه أخذت بينة الراهن لأنه يدعي القضاء والبراءة، والعبد مضمون على المرتهن، وهو ينصرف في ملك الراهن فهو كالغاصب.

2416 - وإذا اختلف هو والمغصوب منه فالقول قول المغصوب منه لأنه لا يصدق فيما يوجب سقوط الضمان عنه. فصل 2417 - وإذا ادعى الرهن وأنكر الراهن الرهن أو أقر بالرهن وأنكر التسليم فالقول قوله وعلى المدعي البينة أنه أرتهن وقبض. 2418 - فأن أقام بينة رجلين أو رجلا وامرأتين أنه ارتهن وشهدوا على معاينة القبض أو أقرار الراهن بذلك فهو سواء. 2419 - وهذا قول أبي حنيفة الأخير، وهو قول أبي يوسف ومحمد لأنهما أثبتا الرهن بالشهادة فصل 2420 - ولو شهد أحدهما أنه رهن بمائة وشهد الآخر بمائتين، والمرتهن يدعي مائتين فالشهادة باطلة عند أبي حنيفة. 2441 - وقالا يكون رهنا بمائة والقول قول الراهن في الزيادة. 2422 - وعند الشافعي يحلف مع الشاهد الواحد، ويكون رهنا بمائتين. 2432 - واتفق الجميع على أنه لو شهد أحدهما بحنطة والآخر بقول أن الشهادة باطلة ولا شيء على الراهن من ذلك. 2424 - ولو ادعى الراهن أنه رهن بمائة وخمسين، وذلك قيمته، وأقاما على ذلك شاهدا وشهد له آخر بمائة وقال المرتهن مائة وخمسون وهذا رهن بمائة فالقول في ذلك قول المرتهن مع يمينه إلا أن يقدم الراهن شاهدا آخر على ما ادعاه. 2426 - وأن أقاما جميعا بينة فالبينة بينة الراهن لأنها تثبت الزيادة والقضاء

فصل اشتراط الرهن بالثمن

فصل اشتراط الرهن بالثمن 2427 - وإذا باعه متاعا على أن يرهنه عبدا بالثمن فجحد المشتري ذلك وأقام عليه بينة بالبيع والرهن فأنه لا يجبر الرهن على تسلم الرهن، لأنه غير مقبوض، ولكن له الخيار في فسخ البيع، ولا يجبر على تمام البيع إلا أن يسلم الراهن العبد إلى المرتهن أو مقامه رهنا آخر يرضي به المرتهن فيجبر على ذلك لأن الرهن لا يلزم من غير قبض، وقد شرط في الثمن صفة فأثبت الخيار له في ذلك. فصل 2428 - وإذا ادعى الرهن رجلان كل واحد يقول رهنه عندي والرهن يدي الراهن، وأقام كل واحد بينة بما ادعاه فليس الرهن عند واحد منهما في القياس وبه نأخذ والاستحسان أن يكون بينهما، وأن كان في أيديهما فهو كذلك أيضا في القياس والاستحسان. 2429 - وأن كان في يدي أحدهما فهول له إلا أن يقيم الآخر البينة أنه رهنه قبله بوقت وإذا وقتا وقتين فهو الأول منهما، وإذا لم يوقتا فليس برهن لأحدهما في القياس، وهذا هو المذهب لأنه يقتضي إشاعة الرهن ورهن المشاع لا يصح. فصل 2430 - ولو مات الراهن والرهن في أيديهما وأقاما بينة كل واحد أن رهن عنده، فأنه يباع لهما ويقضي دينهما، وضربا مع الغرماء بما فضل لهما في تركة الميت، ويأخذ الغرماء ما فضل من ثمن الرهن عند أبي حنيفة ومحمد واستحسانا. 2431 - والقياس أن الرهن باطل وهو قول أبي يوسف ويكون بين الغرماء بالحصص ولا يسلم لهما. فصل 2432 - وإذا كان المرتهن اثنين فوع أحدهما الرهن عند صاحبه والرهن مما يحتمل القسمة فالدافع ضامن قيمته عند أبي حنيفة.

فصل الرهن لدى عدل

2433 - وقال أبو يوسف ومحمد لا يضمن ولا ضمان على القابض في قولهم جميعا. فصل الرهن لدى عدل 2434 - وإذا وضع الرهن على يدي عدل فهو جائز عندنا. وعند الشافعي. ومالك. 2435 - وقال ابن أبي ليلى لا يجوز الرهن حتى يكون في يد المرتهن. 2436 - لأن يد العدل للمرتهن عندنا لأنه يملك إخراجه متى شاء ويبطل الرهن. 2437 - فأن باع العدل العبد الرهن وذهب الثمن كله أو بعضه قبل القبض جاز في قول أبي حنيفة ومحمد. 2438 - وقال أبو يوسف والشافعي هبة الوكيل الثمن قبل القبض باطلة، كما لو وهب بعد القبض. فصل 2439 - وإذا ادعى رجل الرهن والآخر الشراء والرهن في يدي الراهن فبينة المشترى أولى. 2440 - وأن كان في يد المرتهن فالمرتهن أولي به، إلا أنه يقيم المشتري البينة أنه قبل، ويقدم الأول في العقدين مها على الآخر أيهما كان. فصل 2441 - وإذا ادعى الرجل على غيره أنه رهنه هذا العبد بألف، وهو في يدي المدعي عليه والآخر ينكر ذلك قبل بينة الراهن. 2442 - وأن هلك لزمه جميع قيمة العبد لأنه صار بالجحود غاصباً فلزمه جميع قيمته.

فصل إبراء المرتهن الراهنة

فصل 2443 - وإذا رهن عند صبي لا يعقل القبض فالرهن باطل، فأن كبر وبلغ جاز بيعه "بتسليط الراهن عند أبي يوسف ومحمد، وذكر الخصاف أنه لا يجوز عند أبي حنيفة البيع بعد الكبر لأنه لم يصح الرهن. فصل إبراء المرتهن الراهنة 2444 - وإذا ابرأ المرتهن الراهن من الدين أو هبة والرهن في يديه فتلفت قبل رده على الراهن من غير تعد فلا ضمان على المرتهن عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف. 2445 - والقياس أن يضمن قدر الرهن وهو قول زفر بن الهذيل. فصل 2446 - وإذا تطوع الرجل بفصل ثمن المبيع أو طلاق الزوجة ثم استحق المبيع أو رد بعيب أو طلقت المرأة قبل الدخول فأن المتطوع يرجع بما له على البائع ويرجع الصداق إليه عند علمائنا الثلاثة. 2447 - وقال زفر يرجع على الزوج والمشتري دون المتطوع بذلك. فصل جناية الرهن 2448 - وأن كان فيه فضل ففدى فهو متطوع أن كان الراهن حاضرا، وأن كان غائبا فليس بمتطوع في رواية محمد عن أبي حنيفة. 2449 - وروى الحسن عنه بالضد أن كان غائبا فهو متطوع وأن كان حاضرا فليس بمتطوع. 2450 - وقال هو متطوع في الحالين. فصل 2451 - وإذا رهن الأب أو الوصي مال اليتيم في دين نفسه جاز عند أبي حنيفة ومحمد.

فصل قضاء جزء من الدين الموثق برهن

2452 - وروي عن أبي يوسف أنه لا يجوز. فصل قضاء جزء من الدين الموثق برهن 2453 - وإذا كان الرهن أعيانا كل عين بعشرة فقضي الراهن عشره يكن له أن يأخذ من الرهن شيئا حتى يؤدي الجميع في رواية الأصل. 2454 - وقال في الزيادات له أن يأخذ ما أدى عنه. 2455 - ويقال هو قول محمد خاصة. فصل رهن أرض فيها نخل 2456 - وإذا رهن أرضا فيها نخل بألف، وقيمة الأرض وقيمة النخل مثل ذلك فاحترق النخل فالأرض رهن بخمسمائة وسقط من الدين خمسمائة، فان نبت في الأرض نخل يساوي خمسمائة فأن هذا النخل والأرض رهن بثلثي الدين عند أبي حنيفة ومحمد، ولا فرق بين أن ينبت من عروق الأول أو من الأرض. 2457 - وفي قياس أبي يوسف أن نبت من عروق الأول يكون رهنا بنصف الدين إذا نبت من الأرض. فصل 2458 - وإذا رهن العبد الجاني والمرتد فقتل في يدي المرتهن وهو لا يعلم بما كان منه فهو من مال الراهن عند أبي حنيفة، وكذلك إذا قطع في السرقة. 2459 - وعند صاحبيه يقوم حلال وغير حلال ويغرم نقصان ذلك من الدين كما قالا في البيع. 2460 - ولو ضرب حداً أو عزر فنقص قيمته ذهب من الدين بحساب ذلك في قولهم جميعاً.

باب رهن الفضة والذهب وذوات الأمثال

فصل رهن أحد المتفاوضين 2461 - ورهن أحد المتفاوضين جائز كما تجوز كفالته. 2462 - وإذا ادعى الرهن فهو لنفسه وعندها لا يجوز. فصل جناية ولد الرهن 2463 - وإذا جنى ولد الرهن جناية فدفع بها لم يبطل من الدين شيء. 2464 - وأن فقأت الأم عيني الابنة فدفعت بها، وأخذت الابنة مكانها فالابنة رهن بالدين كله، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف. 2465 - وقال محمد تكون رهنا بحصتها ويسقط من الدين بمقدار نقصان العينين، والخيار إلى الراهن أن شاء افتكها وأن شاء تركها فأن فقأت الابنة عيني الأم بعد ذلك فدفعت وأخذت الأم قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ينبغي أن تكون رهنا بجميع الدين. 2466 - وفي القياس يسقط من الدين بحساب ذلك من العينين. 2467 - وفي قول محمد ينبغي في القياس أن يسقط مما بقي من الدين نقصان العينين. 2469 - وفي الاستحسان أن يسق نقصان العينين من جميع الدين. 2469 - وفي هذا الباب عجائب من المسائل. باب رهن الفضة والذهب وذوات الأمثال 2470 - وإذا ارتهن قلب فضة فيه عشرة دراهم، وقيمة القلب أقل من عشرة فانكسر عند المرتهن فأنه ضامن لقيمته مصوغا من الذهب ويكون القلب له ويرجع بماله.

2471 - وإن كان المال إلى أجل كان الذهب الذي غرم المرتهن رهنا مكانه. 2472 - ولو لم ينكسر ولكنه هلك فأنه يذهب بما فيه عند أبي حنيفة. 2473 - وقال أبو يوسف ومحمد يكون على المرتهن قيمته من الذهب ويكون رهنا مكانه ويرجع بما له. 2474 - وهذا قولهم في الأصل. 2475 - وقال الكرخي في المختصر الذي له: إذا ارتهن الرجل دراهم بيضاء والرهن سوداء ووزن الدين والرهن سواء فهلك الرهن فهو بالدين. 2476 - وكذلك لو كان قلبا ووزنه عشرة يساوي للصنعة اثني عشر ... أو يساوي تسعة وهو رهن بعشرة فأن هلك فهو بجميع الدين، وهو بما فيه ... 2477 - وأن أنهشم القلب في يد المرتهن من غير فعله أو انكسرت الدراهم فأن المرتهن لا يضمن شيئا، ويقال للراهن أد الدين كله وخذ الرهن، وهو قول أبي حنيفة، وهو قياس قول زفر، رواه الحسن وأبو يوسف. وقال محمد في الزيادات هو قياس قول أبي حنيفة ورواه ابن سماعة في ألآمالي ونوادره. 2478 - وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان الرهن مساويا للدين الذي هو الرهن به في الوزن فضل عن قيمته فهلك فهو بم فيه. 2479 - وهذا قولهم جميعا. 2480 - وأن كان الفضل في الوزن وال والرهن انقص قيمة، وهما سواء في الوزن فهلك فأن أبا يوسف قال: أن كان الرهن دراهم أو دنانير أو ماله مثل ضمن مثله للراهن ورجع بدينه. 2481 - وكذلك قال محمد في المصنوع وغيره. 2484 - فأن رضي المرتهن أن يجعل ذلك الرهن قصاصا بالدين إذا كان يغرم مثله فذلك له. 2483 - قال الكرخي: رحمه الله:

وهو عندي قول محمد، ولا ينبغي أن يكون في الفصل خلاف. 2484 - وكذلك رهن المكيل بجنسيته والموزون بجنسيته. 2485 - وأن كان الرهن فضة أو ذهبا بذهب فانكسر في يد المرتهن غير فعله، وهو أكثر قيمة من الدين فهو في قول أبي حنيفة على ما ذكرت ولا يلتفت إلى الوزن الفاضل إذا كان الوزن سواء، وإنما يعتبرون في الدين ولا يلتفت إلى الوزن الفاضل إذا كان الوزن سواء، وإنما يعتبرون في الدين وزن الرهن، فإذا سواء فالرهن على حاله. 2486 - وقال أبو يوسف، إذا كان الفضل لصناعته والفضل سدس القيمة فانكسر فروى محمد عن أبي حنيفة أن خمسة أسداس القلب مضمون من الوزن والأمانة وهو رواية محمد عن أبي يوسف. 2487 - وروى عنه بشر بن الوليد أنه يضمن قيمة القلب كله ومثله في كل المصوغ. 2488 - وفي كتاب الرهن عجب من المسائل وهو كتاب كبير وما فيه من الخلاف قد ذكرته ومسائل التفريع لا يمكن ذكرها اجمع. فصل 2489 - وجناية الرهن على الراهن أو على ماله هدر عند أبي حنيفة. 2490 - وأن جني على المرتهن فهو هدر عند أبي حنيفة. 2491 - وقال أبو يوسف ومحمد يجب الدفع أو الفداء، هذا إذا كانت قيمته والدين سواء. 2492 - وأن كانت قيمته أكثر من الدين فأن الجناية معتبرة في قولهم جميعا. فصل 2493 - ولو كان الرهن عبدا فجني عليه عبد قيمته مائة فدفع به فهو رهن بألف [كذا] الراهن على فكاكه بذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف. 2494 - وقال محمد الخيار إلى المولى أن شاء سلمه بالدين وأن شاء افتكه.

فصل رهن المستعار

2495 - وقال زفر سقط من الدين تسع مائة ويفتكه بمائه. فصل رهن المستعار 2496 - وإذا استعار رجل من رجل ثوبا أو عبدا أو ما شاء من الأموال ليرهنه فذلك جائز، وله أن يرهنه بما أحب من الأموال أو بما شاء من القدر قليلا كان أو كثيرا. 2497 - وإذا أطلق الرجل القول ولم يعين ففي هذه المسألة خلاف الشافعي في جواز ذلك في أحد قوليه. فصل 2498 - رجل له على آخر مائة درهم فأعطاه رهنا وقال هذا رهن ببعض مالك فالرهن فاسد في قول زفر ويهلك بالقيمة. 2499 - وقال أبو يوسف يهلك بما شاء المرتهن. فصل 2500 - رجلان لهما على رجل دين فارتهنا منه رهنا بينهما فقضاهما قال أحد المرتهنين أن المال الذي لنا على فلان باطل والأرض في أيدينا تلجئه قال أبو يوسف يبطل الرهن. 2501 - وقال محمد: لا يبطل الرهن ويبرأ من حصة صاحبه. فصل ما يجوز به الرهن من الديون والأعيان 2502 - ولا يجوز الرهن إلا بدين صحيح أو عين مضمونه ولا يجوز بالأمانات كالعواري والمضاربة والشركة والودائع. 2503 - وإذ قد ذكرنا بعض المسائل في الرهن فوجب أن نذكر التفليس والحجر لأنه إسقاط حق وإثبات رجوع في أمر فكان ذكره بعد الرهن أولى بالتقديم على الحجر.

كتاب التفليس

كتاب التفليس 2504 - والمفلس بالثمن في حال حياته، وإذا مات مفلسا فوجد رجل عين كاله الذي باعه فهو أسوة الغرماء، ولا يكون أحق به في حال الحياة ولا بعد الموت. 2505 - وأن أفلس المشتري قبل قبض السلعة من البائع فأنها تباع له. 2506 - وقال الشافعي يرجع في سلعته في جميع الأحوال في الحياة والموت ما لم يزد فيها أو يخرج عن ملكه. 2507 - وقال مالك: يرجع في الحياة دون الموت، لأنه أسقط حقه عن الملك بالبيع، وعن الحبس بالتسليم فلا يثبت له رجوع فيه كالمرتهن إذا رد الراهن وأبطله وكما لو باعه أو زاد فيه أو نقص نقصا تعلق به حق الغير. فصل قاعدة التنفيذ جبراً على المدين المتمنع 2508 - وإذا امتنع من عليه الدين من قضائه حبسه القاضي، ويكلف أن يبيع ماله بنفسه وكان القياس أن لا يقضي عنه الدراهم في الدنانير وهو مذهب ابن أبي ليلى. 2509 - وقال أبو يوسف ومحمد: يبيع القاضي عليها إذا امتنع. 2510 - وهو قول الشافعي.

فصل البينة على الإعسار

فصل البينة على الإعسار 2511 - ولا تسمع بينه بإعساره قبل المدة في رواية. 2512 - وفي أخرى تسمع، وقد مضت في أول الكتاب. لا يمين مع البينة على الإعسار 2513 - ولا يمين عليها إذا أقام بينة بالإعسار. وقال الشافعي يحلف مع ذلك. الظفر بجنس الحق 2514 - وقالوا جميعاً: لو وجد رجل جنس حقه عند غريمه فله أخذ بحقه. 2515 - وأن كان غير جنسه لم يأخذه عندنا إلا برضائه. 2516 - وقال الشافعي له أخذه. فصل قاعدة 2517 - واتفق الفقهاء بأسرهم أنه إذا لم يجد ماله بعينه فأنه أسوة الغرماء. 2518 - وكذلك أن رجع إليه بملك جديد. فصل 2519 - ولو باعه حائطا 0 وهو البستان بلغة الحجاز- لا ثمرة فيه، أو أرضا لا زرع فيها ثم أفلس المشتري، وكان قد أثمر أو زرع، فأن كان النخل قد

أبر والأرض قد زرعت كان له الخيار في الأرض والنخل، ويبقى الثمار إلى الجذاذ والزرع إلى الحصاد إذا أراد الغرماء تأخير ذلك، وأن أراد الغرماء بيع الثمرة قبل الجذاد والزرع قبل الحصاد فلهم ذلك. 2520 - وكذلك لو باع أمة فولدت قم أفلس كانت له أن شاء والولد للغرماء وأن كانت حبلي كانت له حبلي. 2521 - وإذا لم يؤبر حتى أفلس فلم يخبر (؟) البائع حتى أبرت كان له النخل دون الثمرة لأنه لا يملك عين ماله إلا بالفلس ولا خيار له، وكذلك كل ما كان يخرج من ثمر النخل في الأكمام فتشق كمائمه وما يشبهه، فإذا اشق قبل النخل وأن لم يؤبر. فصل 2522 - ولو قال المالك: أخذت عين مالي قبل الإيبار، وقال المفلس بعده فالقول قوله مع يمينه، وعلى البائع البينة. وأن صدقة الغرماء لم أجعل لهم شيئاً لأنهم أقروا أنه للبائع. فصل 2523 - وأن صدقة المفلس وكذبة الغرماء فمن أجاز إقراراه أجازه ومن لم يجزه، لم يجزه وأحلف الغرماء الذين يدفعونه، وأن وجد بعض ماله كان له بحصته، ويضرب مع الغرماء في بقيته. فصل 2524 - وقال: وأن كانت أرضا فبنيت أو غرست خيرته بين أن يعطي ما بني وغرس وبين أن يسلك البناء والغرس للغرماء إلا أن يشاء المفلس والغرماء أن يقلعوه ويضمنونه ما نقص القلع والنقص فيكون لهم، وقال في موضع آخر أن لم يأخذه بالعمارة وأبي الغرماء أن يقلعوه لم يكن له إلا الثمن يحاص الغرماء به. 2525 - قال المزني والأول بقوله أشبه وأولى. وفي هذا الكتاب مسائل كثيرة وأصوله ما ذكرت، ولما كان المفلس تارة يقضي الدين وتارة يباع عليه، وتارة يحجر عليه وجب ذكر الحجر.

كتاب الحجر

كتاب الحجر 2526 - الحجر في اللغة المنع وهو في الشرع منع مخصوص. أسباب الحجر 2527 - وأسباب الحجر عند أبي حنيفة ثلاثة: الجنون والصغر والرق الذي فيه معنى الحجر لكن لأجل حق المولى، فما لا يتعلق به حق المولى فأنه جائز التصرف فيه. 2528 - واختلف الفقهاء في الحجر لأجل الفساد والتبذير. 2529 - فذكر الطحاوي في باب الحجر على السفيه الذي في عقله نقصا وفي أفعاله إسراف وتبذير وهو مضيع للمال لا يحفظه ولا يحوطه أن القاضي يحجر عليه. 2530 - وإنما قال أبو حنيفة لا يحجر حر في الدين أي لا يحجر على من حبسه القاضي للغرماء، وروى عنه أبو يوسف ومحمد أن لا يحجر على حر بفساد ولا غيره، وهذا قوله في الخلاف، والذي رواه الخصاف أنه قال الحجر باطل على الحر. 2531 - وأما أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي فيحجرون على السفيه.

من يحجر عليهم عند أبي حنيفة 2532 - وذكر أبو الليث السمرقندي في خلاف أصحابنا له أن أبا حنيفة كان لا يحجر على الحر إلا على ثلاث: على جهال المفتين. وعلى المتطببة الجهال. وعلى السفهاء المفاليس. 2533 - واتفقت الرواية عنه أن الغلام إذا بلغ مفسداً أن لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة. 2534 - وقالا والشافعي ومالك لا يدفع، وأنه أن باع بعد بلوغه واشترى أو وهب أو تصدق فهو جائز ما صنع، وأنه يحال بينه وبين ماله إلى المدة التي ذكرت وأن تصرفه مع هذا بالبيع جائز ويدفع إليه المال مع فساده بعد هذه المدة المضروبة ويكون أولى بماله من سائر الناس. 2535 - قال أرأيت لو بلغ ستين سنة أو ثمانين سنة، وله أولاد قد صاروا حكاماً أكان ينبغي لابنه أن يحجر عليه" هذا عندي قبيح: وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي لا يدفع إليه المال حتى يؤنس رشده. 2536 - وقالا: ما باعه واشتراه نظر القاضي في ذلك فأجاز ماله فيه حظ وأبطل ما لا خط له فيه إلا في أشياء منها أنه يخرج من ولاية القاضي ولا يجوز أمر الوصي عليه ويجوز عتقه ويسعى العبد في قيمته، وكذلك تدبيره ويسعى العبد المدبر بعد موته وتجوز وصيته بالحج وأبواب البر وإقراره بجميع الحدود وتجوز دعوته ولد جاريته وتصير أم ولد له، وتسعى في شيء بعد موته.

2537 - وإن ادعى نسب مملوك له يولد مثله لمثله صحت دعوته وثبت نسبة ويسعى في قيمته وهو بمنزلة مريض وهب له ابنه وعليه دين له يسعى في قيمته، ويدفع إلى الغرماء. 2538 - ويجوز نكاحه وطلاقه، وأن حنث في يمين كفر بالصوم، ولم يكن عليها ان يكفر في ماله، وكذلك أن ظاهر فعليه الصوم وأن اعتق عن ظهارة جاز العتق وسعى العبد ولم يجزه من كفارة الظهار، وكذلك القتل. 2539 - ولا يمنع من حجة الإسلام وزكاة ماله، وتدفع النفقة إلى ثقة يحج فينفق عليه جميع ما يلزمه في كفارات الحج فهو فيها كالعبد الذي يحج بأذن مولاه. 2540 - والمرأة والرجل سواء إلا في الخلع مع زوجها على مال فأن الخلع جائز ولا يلزمها المال. من بلغ مفسداً كان محجوراً لذاته 2541 - وقال محمد: إذا بلغ غير مصلح فهو محجوز عليه، حجر القاضي أو لم يحجر. ولا يجوز تصرفه في ماله إلا ما فيه توفر عليه. من بلغ مفلساً لا يعد محجوراً لذاته. 2542 - وقال أبو يوسف والشافعي: لا يكون محجورا عليه حتى يحجر القاضي، فإذا طرى إصلاح فك الحجر وإذا طرى الفساد حجر. تصرف المحجور في ماله 2543 - واجمع القائلون بالحجر على أنه إلا يجوز تصرفه في ماله. 2544 - وقال محمد: أن أمره القاضي ببيع أو شراء فقبل فهو جائز، وكان أمر القاضي إخراجا له من الحجر. 2545 - وأن أذن في شراء البر خاصة فهو إطلاق من الحجر.

2546 - ولو أذن بمحضر من أهل سوقه وقال: لا أقبل إقراره ما كان بمعاينة الشهود فهو كما قال. 2547 - وقالوا في الصبي المأذون والعبد لو قال الولي والمولى ذلك لم يصح ولزمها ما أقر، لأن المفسد يؤدن له على وجه النظر والتوفير عليه. تكامل أهليه المرأة بالبلوغ 2548 - وقال أصحابنا: إذا بلغت الجارية رشيدة دفع إليها ما لها وأن لم تتزوج. 2549 - وهو قول الشافعي، لان الله سوى بينها وبين الغلام. خلاف مالك في أهلية المرأة 2550 - وقال مالك: لا يدفع إليها حتى تتزوج. 2551 - ولو كان تزويجها شرطا في الدفع كان الغلام مصلها كالعقل والبلوغ مدة البلوغ 2552 - وقال أبو حنيفة: مدة البلوغ في الغلام ثمان عشرة سنة وفي الجارية سبع عشرة سنة. 2553 - وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي خمس عشرة فيهما. إمارات البلوغ 2554 - ويكون البلوغ بالسن كما يكون بالحلم. 2555 - وقال داود لا يكون البلوغ إلا بالحلم خاصة دون السن. 2556 - والإتيان لا يدل على البلوغ عند أبي حنيفة ومحمد. 2557 - وروى عن أبي يوسف أنه يدل على البلوغ وهو قول الشافعي. 2558 - وهل يكون بلوغا أو دلالة عليه؟ فيه خلاف بينهم.

فصل إطلاق القاضي محجور قاض آخر

الحجر بطرؤ السفه 2559 - وإذا طرى السفه والتبذير على الحجر لم يحجر عليه، والشافعي يحجر، وهو قولهما. هل يحجر بطرؤ الفسق؟ 2560 - وإذا طرى الفسق على الرجل لم يحجر عليه. 2561 - وقال الشافعي يحجر. 2562 - وكل ما كان من تصرف قبل ذلك فهو جائز، وما كان بعد ذلك يجز. 2563 - والفساد الذي يستحق به الحجر [هو فعل] من كان مفسداً لا يبالي ما صنع به. حالة الفساد مع حفظ المال 2564 - وقال أصحابنا إذا كان فاسد الدين صاحب فجور حافظاً لماله لم يستحق الحجر، وقال الشافعي يحجر. 2565 - وقال محمد: يحجر على من أسرف من الرجال في تضييع ماله في شرب النبيذ والملاهي والفجور. فصل إطلاق القاضي محجور قاض آخر 2566 - وإذا حجر القاضي على رجل فأطلقه آخر وأجاز ما صنع كان إطلاقه جائزاً، وجاز ما صنع في ماله قبل الإطلاق وبعده من جميع تصرفه إلا ما أبطله قاض قبل ذلك من عقوده فأنه ينفذ قضاؤه. 2576 - وأن لم يفعل القاضي ذلك وأجاز إقرار المحجور عليه وضعه ثم رفع إلى قاض آخر فأنه ينفذ ما صنع الأول ويرد ما فعل الثاني.

2568 - وإن باع المفسد وقبض الثمن لم يكن لمن دفع المال إليه أن يرجع عليه بماله. 2569 - والسفيه والمفسد سواء في الحجر عليهما. 2570 - وقال محمد لا يجوز أن يزوج ابنته وأخته وهما صغيرتان فأن فعل فهو باطل، ولا أراه وليا.

باب اختلاف المحجور عليه ومن عامله

باب اختلاف المحجور عليه ومن عامله 2571 - وإذا طرى الفساد وكان قد باع واشترى فاختلفا هو والمشتري فقال المشتري اشتريت قبل الحجر، وقال المحجور عليه بل بعد الحجر على فالقول قول المحجور عليه. 2572 - وأن أقاما بينة فالبينة المشتري لأنه يدعي الصحة. 2573 - وأن اختلفا بعد الإطلاق من الحجر، فقال المشتري اشتريت بعد الإطلاق وقال الآخر بل وأنا محجور علي، فالقول قول المشتري ههنا اعتبارا بحالة الإطلاق. 2574 - ون أقاما بينة، فمنهم من قال بينة المشتري أولى، ومنهم من قال بالعكس، وفي هذه المسألة نظر. وسنذكر في الإقرار ما يشبه هذا إن شاء الله. فصل الإشهاد على الحجر 2575 - وإذا حجر الإمام لسفه أو فساد أشهد عليه بذلك وبين الوقت إن حجر.

فصل طلب الحجر حسبة

فصل طلب الحجر حسبة 2576 - وإذا أحضر معه رجلا فذكر أنه يحتسب فيما يتكلم به، فذكر للقاضي أنه الذي أحضره سفيه مضيع لماله مفسد له غير مأمون عليه، سأله البينة العادلة على ما قال. 2577 - فأن أقام بينة حجر عندهما، وعند الشافعي، ولا يحجر عند أبي حنيفة إلا أن يكون صغيراً. سقوط الحجر بالبلوغ 2578 - والبلوغ يسقط الحجر بنفسه. قاعدة ما ينبغي ذكره في حكم الحجر 2579 - وإذا حجر ذكر في الكتاب صفة الرجل وأنه مضيع مفسد. ما يكتب في كتاب التولية على مال الصغير 2580 - وإذا ولى أميناً من أمنائه مال الييم، والقيام به كتب: أني وليته إلى حين بلوغه وإيناس رشده. ما يكتب في حكم الحجر بالدين 2581 - وإذا كان الحجر بسبب دين لرجل أو ديون بين ذلك في كتاب الحجر.

فصل إلزام المحجور بالاقتصاد

فصل 2582 - وإذا باع المحجور عليه من ماله لمن حجر عليه جاز، وإنما لا يجوز مع غيره لأن الحق له عليه فهو كما لو قضاه أجزت ذلك وفككت الحجر. مشاركة الغرماء من استوفى منهم شيئاً 2583 - وأن قضي بعض الغرماء شيئاً شاركه من بقى، ولم يسلم له ذلك. استهلاك المحجور عليه مالاً لغيره 2584 - ولو استهلك لغيره مالا بمعاينة الشهود لزمه وشارك الغرماء. فصل إلزام المحجور بالاقتصاد 2585 - ولا يمكن أن يسرف في المأكول والملبوس بعد الحجر ولا في الحبس وإنما يجوز من ذلك ما فيه اقتصاد. فصل مهر من تزوجها محبوس بالدين 2586 - وإذا تزوج امرأة في الحبس فزاد على مهر مثلها كان لها أن تخاصم الغرماء بمقدار مهر مثلها، وما زاد يلزمه فيما استفاد من المال، ولا يلزمه فيما بين يديه. فصل وكذلك لو اشترى جارية لم يجر إلا ما فيه الحظ والتوفير عليه.

فصل الحجر على المدين المختفي

المحجور عليه كالمريض 2588 - وهو كالمريض في امره وفعله. فصل الحجر على المدين المختفي 2589 - وإذا اختفى المطلوب فقال الطالب: أخاف أن يلجأ فأحجر أيها القاضي عليه حجر أن كان المال ثابتاً. وأن كان غير ثابت لم يحجر. فصل إقرار المحجور عليه بدين 2590 - وإذا أقر بدين بعد الحجر لم يقبل إلا ببينة تشهد أنه كان عليه قبل الحجر. فإذا قضى الأول قضى بعد ذلك الثاني. 2591 - ويجوز إقراره فيما يستفيد من المال. 2592 - ولا يجوز في المال الذي حجر عليه الغرماء. 2593 - وفي هذا الكتاب كل غريب من المسائل وهو كتاب كبير لا تستقيم فيه الفروع على قول من أجاز الحجر لأختلاف فروعه عليه وأضطراب المسائل، وقد ذكرت ما فيه كفاية وضبطت له الأصول، والله ولي التوفيق.

كتاب الضمان والكفالة

كتاب الضمان والكفالة تعريف 2594 - والضمان ضم ذمة إلى ذمة. 2595 - والكفالة مثل ذلك. 2596 - ولا فرق بين الكفالة والضمان والحمالة والقبالة.

فصل مكان التسليم

2597 - وهو عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول ورضي المضمون له شرط في صحة الضمان عند أبي حنيفة ومحمد. 2598 - وقال أبو يوسف والشافعي ليس بشرط. 2599 - ويصح ضمان النفس، كما يصح ضمان المال. 2600 - وقد أبطل الشافعي الكفالة بالنفس. ألفاظ الكفالة 2601 - ولا فرق عندنا بين أن يقول: كفلت لم بنفس فلان أو روحه أو جسمه أو جسده أو رأسه أو جزء منه شائع في صحة الكفالة. 2602 - وكل عضو لو أضاف إليه الطلاق أو جزء وقع، فالكفالة إذا أضافها إليه تصح وتكون الكفالة بإحضاره إلى الحاكم. فصل مكان التسليم 2603 - وذا كفل بنفس رجل على أن يسلمه في مصره، أو كفل في المصر ولم يشرط، فسلمه إليه في مفازة لا يبرأ في قولهم جميعاً. 2604 - وأن سلمه في مصر آخر له سلطان غير مصره برئ منه عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يبرأ حتى يدفعه في المصر الذي كفل فيه.

فصل المبادرة بكفالة النفس

فصل المبادرة بكفالة النفس 2605 - وأن كفل بنفس رجل ولم يخاطبه أحد فأنه لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد. 2606 - ويجوز في قول أبي يوسف الأخير لأن ذلك شطر العقد. توقف الكفالة بالنفس على إجازة الطالب 2607 - وأن خاطبه إنسان أجنبي فهو جائز إذا أجازه الطالب لأنه عقد موقوف تام فوقف على الإجازة. 2608 - فأن خاطبه المطلوب وهو صحيح لا يجوز في قول أبي حنيفة ومحمد أيضا. 2609 - ولو كان المطلوب مريضاً فقال لورثته اكفلوا عنى فالقياس أن لا يجوز عندهما أيضا، والاستحسان أن يجوز. 2610 - خلاف أبي يوسف والشافعي في الفصلين. فصل 2611 - ولو قال المريض لأجنبي أكفل عني فتكفل فمن أصحابنا من قال هو مثل المورثة. 2612 - وقال بعضهم لا يجوز وهو خلاف الورثة. 2613 - وعند أبي يوسف في قوله الأخير هذا جائز وهو قول الشافعي. فصل الكفالة البدلية 2614 - ولو تكفل بنفس المطلوب على أنه أن لم يسلمه إلى الطالب غدا

فصل التكفل بمال إن لم يحضر المكفول

أو في وقت وقته فعليه نفس فلان آخر فالكفالة الأولى جائزة بالاتفاق، وكفالة الثاني جائزة عند أبي حنيفة وقول أبي يوسف الأخير ولا تجوز في قوله الأول وهو قول محمد. فصل التكفل بمال إن لم يحضر المكفول 2615 - ولو أنه قال: أن لم أسلمه غدا فمالك عليه على فهو جائز في قولهم جميعاً. 2616 - فأن أحضره في الوقت لم يلزمه ضمان المال، وأن لم يحضره لزمه المال وبطلت كفالة النفس عندهم جميعاً. فصل 2617 - ولو قال له: أن لم أوافك به عدا فمالك على فلان إنسان آخر فعلى أو فلك على ألف درهم فهو على الخلاف المتقدم، لأن الكفالة يجوز تعليقها بالشرط كالطلاق. خلاف الشافعي. 2618 - وتصح في المجهول وبالمجهول. 2619 - خلاف الشافعي. لقوله عليه السلام الزعيم غارم. وقال "وأنا به زعيم" والغرم اللزوم في اللغة فصل 2620 - وقالوا لو قال له: أن لم أوافك به غدا فما لفلان على فلان علي أو لي لازم فالكفالة الأولى جائزة والثانية باطلة في قولهم جميعاً.

فصل 2621 - وإذا كفل العبد بمال عن سيده بغير إذنه لم يجز وإذا كان بإذنه فأن اعتق المولى العبد فادى المال إلى الطالب لم يرجع على المولى عند علمائنا الثلاثة وقال زفر يرجع. فصل 2622 - ولو كان على العبد دين فكفل به بإذنه المولى لم يجز، فأن اعتقه المولى في مرضه ثم مات لم تجز الكفالة عند أبي حنيفة ما لم يؤد السعاية. 2623 - وفي قولهما صحت الكفالة بالموت، لأن الحر ما دام يسعى فهو كالعبد عنده. فصل 2624 - وإذا تكفل عن ميت بدين، فأن كان له وفاء صحت الكفالة باتفاق وكذلك أن كان له ضامن، وأن كان لم يخلف وفاء ولا ضميناً فالكفالة باطلة عند أبي حنيفة لأنه دين سقطت المطالبة به على التأبيد فلم تجز الكفالة به منا لو أبرأ منه. 2625 - وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي تجوز الكفالة لما روى في خبر أبي قتادة انه قال للنبي عليه السلام في الميت الذي قدم ليصلي عليه فامتنع لأجل الدين فقال أبو قتادة: هما على دين وأنت منها برئ فعلى عليه وقياساً على دين الحي فأنه يصح إبراؤه منه. فصل 2626 - وإذا اقترض النصراني من النصراني خمرا وكفل نصراني بهما فاسلم الطالب برئ الكفيل والمطلوب باتفاق.

2627 - وإذا أسلم المطلوب برئ الكفيل والمطلوب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. 2628 - وقال محمد: الطالب بالخيار أن شاء أخذ من الكفيل الخمر وأن شاء أخذ من المطلوب القيمة، فأن أخذ من الكفيل يرجع على المطلوب بالقيمة. وهذه رواية علقمة بن مرتد بن يزيد عن أبي حنيفة. 2629 - ولو أسلم الكفيل فأن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا شيء على الكفيل ويرجع الطالب على المطلوب بالخمر. 2630 - وعند محمد الطالب بالخيار أن شاء أخذ من الكفيل القيمة وأن شاء أخذ من المطلوب الخمر، فأن أخذ من الكفيل لم يرجع على المطلوب بشيء يعني الكفيل. فصل 2631 - ولو لم يكن قرضا، ولكن كان ثمن مبيع وبه كفيل فأسلم البائع أو المشتري بطل البيع وسقطت الخمرة عن الكفيل في قولهم جميعا. 2632 - وأن أسلم الكفيل فهو على الخلاف. 2633 - وعند الشافعي البيع باطل والقرض ولا يصح الضمان بناء على أصله أن الخمر ليست بمال في حق أحد، وحكم الذمي والمسلم في ذلك سواء. فصل 2634 - وإذا أبرأ الكفيل برئ ولا يرجع على المكفول بشيء يعني الكفيل. ولو قال الطالب برئت إلى برئ الكفيل ويرجع الكفيل على المطلوب في هذين الفصلين باتفاق.

فصل قاعدة من يصح منه الضمان

فصل 2635 - ولو قال: برئت، ولم يقل إلى فأن في قول أبي يوسف يرجع على المطلوب، وهو بمنزلة قوله برئت إلى. وقال محمد لا يرجع، وهو مثل برئت إلى. وقال محمد لا يرجع، وهو مثل قوله ابرأتك. فصل 2636 - ولو أن رجلا مات وعليه دين فابرأ الطالب الميت فقبل الورثة جاز، وأن رد الورثة فالدين على حاله في قول أبي يوسف. 2637 - وفي قول محمد وقعت البراءة وسقط الدين. فصل قاعدة من يصح منه الضمان 2638 - ويصح الضمان من كل جائز التصرف في ماله باتفاق. 2639 - فأما المحجور عليه لسفه فلا يصح ضمانه عند من يرى الحجر جائزاً، ويصح عند من أبطله. 2640 - ولا يصح ضمان صبي ولا مجنون لأنه إيجاب مال بعقد فلم يصح من الصبي والمجنون كالبيع. فصل ضمان من حجر عليه لأجل الفلس 2641 - واتفق الجميع على أن من حجر عليه لأجل الفلس أن ضمانه يصح لأنه إيجاب مال في الذمة بالعقد فصح من المفلس كالشراء بمال في الذمة. فصل ضمان العبد بغير إذن 2642 - واختلف في العبد إذا ضمن بغير إذن المولى فمنهم من قال يصح

فصل ضمان المكاتب

ضمانه ويتبع به إذا اعتق لأنه لا ضرر فيه على المولى، لأنه يطالب به بعد العتق. 2643 - ومنهم من قال لا يصح لأنه عقد يتضمن إيجاب مال فلم يصح بغير إذن كالنكاح، وهذا قولنا. فصل 2644 - وإذا ضمن بإذن المولى صح ضمانه لأن الحجر لحقه فزال بإذنه. 2645 - واختلف فيه من أين يقضي فقالوا: أن قال أقض من كسبك قضاه من الكسب. 2646 - وأنق قال مما في يديك من مالي قضى من ذلك. 2647 - وأن لم يذكر القضاء فمنهم من قال يتبع به إذا اعتق لأنه إذن في الضمان دون الأداء. 2648 - ومنهم من قال يقضي من كسبه أن كان له كسب، أو من الذي في يديه أن كان في يديه مال، ويتعلق عندنا برقبته. فصل ضمان المكاتب 2649 - واختلف في ضمان المكاتب. فقال أصحابنا: لا يصح بغير دين المكاتبة لأنه تبرع، وأن كان إذن له مولاه. 2650 - وقال الشافعي في المكاتب وتبرعه بإذن المولى على قولين ثم بناء [ذلك] على ذلك في الصحة والفساد.

فصل معرفة المضمون عنه أوله

فصل معرفة المضمون عنه أوله 2651 - واختلف في معرفة المضمون عنه والمضمون له من لم يعتبر الرضا، فمنهم من شرط ذلك، ومنهم من لم يشترطه. فصل 2652 - وأن باعه بشرط أن يضمن له الثمن ضامن لم يجز حتى يعين الضامن، لأن الغرض يختلف باختلاف من يضمن فهو كالرهن. فصل 2653 - وأن عين الضامن فالقياس أن يبطل البيع والاستحسان أن يصح. 2654 - وكذلك قالوا إذا شرط رهن لأنه ليس من مقتضي عقد البيع، والاستحسان أنه وثيقة بالثمن وصفة فيه فهو كالأجل. فصل ما يصح الضمان به من الديون 2655 - ويصح الضمان بكل دين لازم كالثمن والأجرة وعوض القرض ودين السلم وأرش الجناية وغرامة المتلف. وكل دين جاز أخذ الرهن به جاز ضمانه لأنه وثيقة يستوفي منها الحق. 2656 - واختلف في دين الكتابة فقال أصحابنا يصح الرهن به وضمانه من أحد المكاتبين ولا يضمنه حر عنه. 2657 - وقال الشافعي لا يصح لأنه لا يلزمه أداؤه عنده. 2658 - وعندنا ليس له أن يعجز نفسه.

فصل ضمان المجهول

فصل ضمان المجهول 2659 - يصح ضمان المجهول لأنه إثبات مال في الذمة فهو كالإقرار. 2660 - وقال الشافعي لا يصح كالثمن في البيع. 2661 - واختلف أصحابنا في ضمان أبل الدية فمنهم من قال لا يصح لأنه مجهول اللون والصفة. ومنهم من قال يصح لأنه معلوم السن والعدد، ويرجع في اللون والصفة عرف البلد؟. فصل ضمان ما لم يجب 2662 - ويصح ضمان ما لم يجب كقوله: ما داينت بع فلانا فعلى ضمانه لأنه عند المطالبة معلوم فهو كضمان الدرك. 2663 - وقال الشافعي لا يصح ضمانه ما لم يجب. فصل ضمان الدرك. 2664 - واختلف أصحابه في ضمان الدرك، وفيه إجماع سابق لمن ارتكب ذلك. 2665 - وقد قال الجميع أنه لو قال الرجل: الق متاعك فن البحر وعلى ضمانة أنه يصح.

فصل تعليق الضمان على شرك

فصل تعليق الضمان على شرك 2666 - ويجوز تعليقه على شرط لأنه يصح مع الجهالة، ويجوز تعليقه بحظر وغرر فهو كالطلاق والعتاق. 2667 - وقال الشافعي/ لا يصح لأنه إثبات مال لآدمي كالثمن. فصل الضمان المؤجل 2668 - ويجوز الضمان حالا ومؤجلا على حسب ما يشترط. 2669 - وقال الشافعي: يجوز ضمان الحال إلى أجل لأنه رفق ومعروف. 2670 - وعندنا أنه لا يجوز تأجيل الدين الحال وأن كان رفقا ومعروفا. 2671 - واختلف أصحابنا هل يجوز أن يضمن المؤجل حالا؟ فمنهم من أجاز كما يضمن الحال مؤجلا ومنهم من قال لا يجوز لأنه فرع لما على المضمون عنه فلا يجوز أن يكون الفرع معجلا والأصل مؤجلا وبذا يبطل إذا كان حالا وضمن مؤجلا، فأن الفرع بخلاف الأصل. فصل شرط الخيار في الضمان 2672 - ويجوز شرط الخيار في الضمان عندنا. 2673 - وقال الشافعي لا يصح لأنه عقد فهو كالبيع ولا يبطل بالشروط الفاسدة، وقال الشافعي يبطل.

فصل موت المكفول عنه بالنفس

فصل موت المكفول عنه بالنفس 2674 - وإذا مات المكفول عنه بالنفس برئ الكفيل لأنه سقط عنه الحضور فسقط عن كفيله، كما لو برئ من المال برئ الكفيل. فصل تعذر إحضار المكفول عنه بالنفس 2675 - وإذا تعذر على الكفيل إحضاره لبعده وغيته تأخرت المطالبة عن الكفيل ولا يحبس ولكن يؤجل مدة ذهابه ومجيئه، فأن جاء به وإلا حبس، لأن التسليم يجب بحسب الإمكان. فصل الكفالة بالحدود والقصاص 2676 - ولا يجوز الكفالة بالحدود والقصاص عند أبي حنيفة. 2677 - وقال أبو يوسف ومحمد تجوز. 2678 - وكان أبو الحسن يقول: تجوز عندهم جميعا. 2679 - وإنما لا يطالبه القاضي لأن المقصود بالكفالة التوثيق والقاضي مأمور بالتوصل إلى درئ الحدود فلا يتوثق. 2680 - واتفقوا على أن الكفالة بنفس الحد والقصاص لا تجوز، لأنه لا يمكن استيفاء ذلك من الكفيل. فصل مطالبة الكفيل والمكفول 2681 - وله أن يطالب المكفول والكفيل جميعا أيهما شاء، ولا تكون مطالبته لأحدهما إبراء للآخر من الطلب.

فصل وفاء المضمون عنه الدين

2682 - وهذا قول الشافعي أيضا. 2683 - وفرق أصحابنا بين هذا وبين عاصب الغاصب فقالوا: إذا طالب أحدهما لم يكن له أن يطالب الآخر، لأنه مال ثابت في ذمتهما فله أن يطالب كل واحد منهما. 2684 - وقال ابن أبي ليلى: ليس له أن يطالب الأصيل وقد برئ بالضمان كما ليس له أن يطالب المحيل. 2685 - وفرق أصحابنا بين المحيل وبين المكفول عنه في المطالبة. 2686 - وسوى زفر وعافية بن زيد بين الجميع، وقال له أن يطالب الأصيل والفرع جميعاً في الحوالة كالضمان. فصل 2687 - وأن ضمن الضامن آخر [جاز الضمان] لأنه دين ذابت كالأصل، والأول وأن ضمن المضمون عنه عن الضامن لم يجز لأن المضمون عنه أصل والضامن فرع فلا يجوز أن يصير الفرع أصلا والأصب فرعا، ولأنه يضمن بالضمان ما في ذمته. فصل وفاء المضمون عنه الدين 2688 - وإذا قبض المضمون له الحق من المضمون عنه برئ الضامن، لأنه وثيقة فانحلت بقبض الحق كالرهن. 2689 - وأن قبض من القاضي برئ المضمون عنه لأنه استوفى الحق من الوثيقة فبرئ من عليه الدين كما لو قضي الدين من ثمن الرهن.

باب اختلافهما في الكفالة والضمان

فصل إبراء المضمون عنه 2690 - وأن ابرأ المضمون عنه برئ الكفيل، وأن ابرأ الكفيل لم يبرأ المضمون عنه عندنا والشافعية ومنهم من قال يبرأ أيضا، وهو قول داود فيما رأيت في الخلاف. فصل باب اختلافهما في الكفالة والضمان 2691 - وإذا قال الطالب للكفيل: كفلت مالي على فلان وهو ألف درهم. فقال الكفيل بل هو خمسمائة أو كفلت بالنصف من ذلك فالقول قول الكفيل والبينة بينة المطالب لأنها تثبت الضمان. فصل 2692 - فأن قال: مالك على فلان فهو على فأقام البينة عليه بماله لزم الكفيل ذلك، وأن لم يقم البينة فالقول قول الكفيل فيما يقر به من الحق عليه. فصل 2693 - وإذا ادعى على عبد رجل فأنكر العبد والمولى فأقام بينة بحضرة المولى فأن العبد يحبس ويؤخذ منه كفيل، وفي قول أبي حنيفة. 2694 - وقال أبو يوسف: يأخذ من العبد كفيلا ولا يأخذ من مولاه. فصل 2695 - وإذا ادعى على رجل أنه كفل بنفس فلان فأنكر الكفيل فأن القاضي يحلف بالله:

ماله قبلك هذه الكفالة، ولا يحلفه ما كفلت له في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. 2696 - وروى عن أبي يوسف رواية أخرى أنه يحلفه بالله ما كفلت. فصل 2697 - وأن كانت الدعوى في القرض، ويحلف بالله ما استقرضت، إلا أن يعرض المطلوب بأن الإنسان قد يستقرض وير فحينئذ يحلفه بالله ما له قبلك هذا الحق. فصل 2698 - وإذا ادعى على رجل أنه كفل عن فلان بأمره وأنكر الكفيل فالقول قوله، فأن أقام المدعي البينة وقضي عليه بها وأخذ عليه بها وأخذ منه كفيلا كان له أن يرجع على المطلوب في قول الثلاثة من علمائنا. 2699 - وقال زفر لا يرجع لأنه قد أنكر في أول أمره. فصل 2700 - ولو كفل عن رجل إلى سنة فمات الكفيل قبل السنة حل ما عليه وللطالب أن يأخذ من ماله كما يأخذ من مال الأصيل لو مات، ثم لا يرجع ورثة الكفيل إلا بعد ما يجل الأجل في قوله علمائنا الثلاثة، ويرجع في قول زفر في الحال. فصل 2701 - وكل عين أمانة في يد الغير كالوديعة والعارية والمستأجرة أو مضمونه بغيرها كالبيع في يد البائع والرهن في يد الراهن فأن ضمان ذلك لا يصح لأنها أمانة.

2702 - وكل عين مضمونة على الإنسان كالمغصوب والمبيع الفاسد، والمقبوض على سوم البيع فأنه يصح ضمانه ويلزم تسليمه وأن هلك وجب على الضامن القيمة. 2703 - فأن ضمن تسليم المبيع وما يجب تسليمه على من هو في يده صح الضمان. 2704 - وفي هذا الكتاب مسائل كثيرة وما ذكرنا أصوله، ولما كان الضمان ضم ذمة إلى أخرى وكانت الحوالة تشبه الضمان في أنها يستوفي فيها الحق وجب ذكرها.

كتاب الحوالة

كتاب الحوالة جواز الحوالة 2705 - اعلم أن العلماء اجمعوا على جواز الحوالة في الجملة، وأن اختلفوا في مواضع ذلك وشرائطه لقوله عليه السلام من أحيل على ملئ فليبعه [وقوله فظل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع]. 2706 - وقال أصحابنا: ولا تجوز إلا بالديون الثابتة في الذمم ولا يجوز بالأعيان، لأنها مأخوذة من التحويل وتحويل ما في ذمة إلى أخرى ممكن، والأعيان يجب تسليمها، والتسليم لا يتحول من عين إلى أخرى. 2707 - وسائر الديون سواء. 2708 - وقال الشافعي: لا تجوز إلا على كل دين يجوز بيعه كعوض القرض وبذل المتلف، فأما ما لا يجوز بيعه كدين السلم ومال الكتابة فلا تجوز الحوالة به. قال لأن الحوالة بيع في الحقيقة لأن المحتال يبيع ما في ذمة المحيل بما في ذمة المحال عليه، والمحيل يبيع ما في ذمة المحال عليه بما عليه من الدين فلا يجوز إلا فيما يجوز بيعه.

فصل جنس المال المحال

فصل جنس المال المحال 2709 - واختلف في جنس المال الذي يقبل الحوالة وتجوز به. 2710 - فمنهم من قال لا تجوز إلا فيما له مثل كالإثمار والحبوب وما شبهها لأن المقصد بالحوالة إيصال الغريم إلى حقه على الوفاء من غير زيادة ولا نقصان، ولا يمكن ذلك إلا فيما له مثل، ولا يجوز فيما سواه. 2711 - ومنهم من قال: تجوز بكل ما ثبت في الذمة بعقد السلم لأنه مال بعث في الذمة يجوز بيعه كذوات الأمثال. فصل معلومية المال في الحوالة 2712 - ولا تجوز إلا بمال معلوم لأنه لا يجوز الرجوع إلى أحد منهما دون صاحبه. 2713 - واختلف أصحاب الشافعي في أبل الدية فمنهم من قال لا يجوز بيعها. قالوا وهو الصحيح لأنه مجهول الصفة ولا يجوز السلم فيه. ومنهم من أجازه لأنه معلوم العدد والسن فجاز الحوالة به. فصل تساوي الحقين 2714 - ولا تجوز إلا أن يكون الحقان متساويين في الصفة والحلول والتأجيل. 2715 - فإن اختلفا في شيء من ذلك لم تصح الحوالة لأنها إرفاق كالقرض.

فصل الحوالة على من لا دين عليه

فصل 2716 - وإن كان لرجل على رجلين ألف، على كل واحد منهما خمسمائة وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه الخمسمائة التي عليه فأحال عليهما رجلا له عليه ألف على أن يطالب من شاء منهما بألف فقد اختلف في ذلك. 2717 - فمنهم من جوز ذلك، وقال تصح الحوالة لأنه لا يأخذ إلا قدر حقه. 2718 - ومنهم من قال لا تصح لأنه سيستفيد بالحوالة زيادة في المطالبة وذلك لا يصح، ولأن الحوالة بيع فإذا خيره بين الرجلين صار كأنه قال: بعتك أحد هذين الثوبين، وينبغي على قول أصحابنا أن يشترط الخيار كالبيع. فصل الحوالة على من لا دين عليه 2719 - وتجوز الحوالة على من له عليه دين ومن لا دين له عليه كما تجوز الكفالة. 2720 - ومن أصحاب الشافعي من قال لا تجوز إلا على من له عليه دين لأنه بيع ما في الذمة. 2771 - وقال بعض أصحابه يطالب بتخليصه كما يطالب الضامن المضمون عنه فأن قضاه بأذنه رجع على المحيل وأن قضاه بغير أذنه لم يرجع. فصل رضا المحتال 2722 - ولا تصح الحوالة من غير رضا المحتال لأنه نقل من ذمة إلى غيرها فاعتبر رضا صاحب الحق كما لو باعه بالدين عينا.

فصل رضا المحال عليه

فصل رضا المحال عليه 2723 - وكذلك يعتبر رضا المحال عليه. 2724 - وقال الشافعي إن كان لا حق له عليه اعتبر رضاه إذا صحح الحوالة، وأن كان له عليه حق فرضاه شرط عند المزني والاصطخرى، قالوا والمذهب أنه لا يعتبر رضاه. لأن رضا المحال شرط فكذلك المحتال عليه، ولا يشبه الوكيل بالقبض، لأنه لا يجب عليه الدفع إليه ولا التسليم، وهو يقبض نفس ما عليه لا على سبيل العوض، وفي مسألتنا بخلافه. فصل 2725 - وإذا صحت الحوالة فليس له أن يطالب المحيل ما دام الحق يقدر على استيفائه. 2726 - وقال الشافعي: قد برئت ذمة المحيل ولا يرجع على المحيل بحال. 2727 - وقال زفر وعافية بن زيد: له المطالبة لكل واحد ومنهما كما نقول في الضمان لأنه نقل الحق إلى محل آخر فصار كما لو باعه عينا، ولأنه قادر على استيفاء حقه فهو كما لو آجره عينا بمال عليه. فصل إفلاس المحال عليه وجحوده 2728 - وإذا أحاله على ملجأ فأفلس أو جحد الحق وحلف أو مات مفلساً فأنه يرجع على المحيل عند أبي يوسف ومحمد في هذه الوجوه الثلاثة. 2729 - وقال أبو حنيفة لا يرجع إلا إذا جحد وحلف أو مات مفلساً، فأما إذا فلسه القاضي وحجر فليس له الرجوع. 2730 - وقال الشافعي لا يرجع بحال.

2731 - لأنه لم يسلم لع ما عاوضه عن حقه فكان له الرجوع، كما لو باعه عينا فهلكت قبل القبض، لأنه قد تعذر عليه الوصول إلى حقه قبل قبضه فصار كالمبيع إذا هلك في يد البائع رجع المشتري بالثمن عليه، كذلك هذا. فصل 2732 - واختلف أصحاب الشافعي إذا أحاله على رجل بشرط أنه ملئ فبان أنه معسر. 2733 - قال المزني لا خيار له. 2734 - وأنكر أبو العباس هذا وقال: له الخيار لأنه غره بالشرط. فصل 2735 - وإذا اشترى رجل سلعة بألف ثم أحل المشتري البائع بألف على رجل، ثم وجد بالمبيع عيبا فرده فقال أبو حنيفة وصاحباه وهو اختيار أبي على الطبري لا تبطل الحوالة، ويطالب البائع المحال عليه بالمال، ويرجع المشتري على البائع بالثمن لأنه قد تصرف في أحد العوضين فلا يبطل بالرد. 2726 - وقال المزني وأبو إسحق تبطل الحوالة. 2727 - وهو قول زفر، لأن الحوالة بالثمن، وقد انفسخ البيع فيه فبطلت الحوالة لبطلان ما ترتب عليه. 2738 - ولو استحق المبيع أو وجد حرا بطلت الحوالة باتفاق لأن التصرف وقع باطلاً في الابتداء. المحيل والمحال 2739 - قال أصحابنا:

وإذا طالب المحال عليه بمثل مال الحوالة فقال المحيل أحلت بدين لي عليك لم يقبل قوله، وكان عليه مثل الدين لأن المحال عليه لما قبل الحوالة وجب له في الظاهر مثلها لما على المحيل، فإذا ادعى المحيل أنه كان له عليه مثله فقد ادعى خلاف الظاهر، والأصل براءة ذمة المحال عليه فلا يقبل قوله عليه بغير بينة. فصل 2740 - وأن طالب المحيل المحال بما أحاله به وقال: أني أحلتك لتقبضه لي وقال المحال بل أحلتني بدين لي عليك، فالقول قول المحيل لأنه قد يحيله ليستوفي، ويستوفى لنفسه، فلا يوجب عليه المال بالشك. فصل 2741 - وأن أحال رجلا له عليه دين على رجل له عليه دين، ثم اختلفا: فقال المحيل: وكلتك. وقال المحال: بل أحلتني. فالقول قول المحيل إذا اختلفا في اللفظ بلا خلاف لأنهما اختلفا في اللفظ فكان القول قول من يستفاد من جهته الحكم. 2742 - وأن اتفقا على لفظ الحوالة ثم اختلفا فقال المحيل: وكلتلك. وقال المحال: بل أحلتني. فمنهم من قال: القول قول المحال لأنه اللفظ يشهد له بما قال، ومنهم من قال القول قول المحتل لأنه يدعي بقاء الحق في الذمة، والمحتال يدعي انتقال الحق. فصل 2743 - وإن قال المحيل أحلتك.

فصل السفاتج

وقال المحتال بل وكلتني فهو على الخلاف المتقدم أيضا، ومنهم من قال الصحيح قول المحال لأنه يتفي الضمان، ولهذا إذا أقاما بينة قبلت بينة المحيل لأنه تثبت القضاء. فصل السفاتج 2744 - قال أصحابنا: ونكره السفاتج لأنها قرض استفيد فيه خطر الطريق، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قرض جر منفعة، ولأنها تمليك دراهم بمثلها، فإذا اشترط الدفع في بلد آخر فقد صار مؤجلا والأجل لا يصح في الأعيان، وهذا هو القياس. إذا لم يشترط الدفع في بلد آخر فاستحسنوا وقالوا لا يكره لأن المردود في القرض جعل كالمقبوض ابتداء فصار كالأعيان، وتأجيل العين لا يصح. فلم يكن ذلك تأجيلا فلذلك لم يكن. فصل 2745 - وإذا قال المحال عليه للمحيل: ابرأني من المال وأنكر فالقول قول المحيل أنه لم يبرئ، فأن أقاما بينة فالبينة بينة المحال عليه لأنها تشهد بخلاف الظاهر. وأن نكل عن اليمين بر المحال عليه، وليس له أن يرجع على المحيل في البراءة والنكول لأنه قد سقط حقه فلا يثبت له الرجوع. وليس ذلك كما لو جحد الحوالة وحلف لأنه لم يستوف ما وجب له. 2746 - وهذه أصول هذا الكتاب، وفيه فروع كثيرة، وإذ قد ذكرنا حكم البيوع وما ذكرنا من الحوالة بالثمن والكفالة والرهن وما قدمناه، وكانت الإجازة في حكم بيع المنافع وجب أن نذكرها في هذا الموضع.

كتاب الإجاره

كتاب الإجاره وهذا كتاب الإجارة تعريف 2747 - اعلم أن الإجارة عقد على منفعة ببدل. جوازها 2748 - والقياس كان يقضي أن لا تجوز لأنها عقد على معدوم، وإليه ذهب.

أبو حنيفة وصاحباه. 2749 - والاستحسان أن تجوز لأن الله تعالى قال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} وأجر النبي عليه السلام والصحابة استأجرت وأجرت، وهو فعل جميع المسلمين في سائر الإعصار. قاعدة ما تجوز إجازته 2750 - وكل عين لها منفعة تجوز أجارتها وأن كان بيعها لا يجوز كالحر وأم الولد والوقف، لأنه عقد على منفعة فهو كالنكاح يجوز على الحر والعبد. 2751 - وتجوز إجارة العقار والضياع والمنازل والحوانيت والسفن والحيوان الجمال والدواب والرقيق والبغال والحمير والبقر والآت الصناع كلها والمكاييل والموازين والبسط والزلالي والغرف والبساتين. أنواع الإجازة 2752 - والإجارة على نوعين: إجارة مدة وإجارة عمل. ذكر المدة والعمل 2753 - فكل عين يجوز أن يستأجرها مدة معلومة لينتفع بها فيها فهو جائز.

فصل المدة

وإن شرط عملا في المدة بطلت الإجارة لأنه لا يجمع ذكر المدة والعمل العقد. 2754 - فإن ذكر المدة سكت عن العمل، وأن ذكر العمل سكت عن المدة. 2755 - فأن استأجر دارا شهرا لم يحتج إلى بيان ما يعمل فيها. 2756 - وان استأجر رجلا مدة ليستعمله في عمل من الأعمال جاز. 2757 - فأن قال له على أن يخيط اليوم هذا القميص فالإجارة فاسدة، فأن خاط القميص فله الأقل من أجرة المثل والمسعى عندنا. 2757 - وهذا شأن جميع الإجارات الفاسدة. 2758 - وقال الشافعي تجب أجرة المثل بالغت ما بلغ. فصل 2759 - ولا تجب أجرة المثل في الإجارة الفاسدة إلا باستيفاء المنفعة دون التمكن كما لا يجب المهر في النكاح الفاسد إلا بالوطئ دون العقد. 2760 - وقال الشافعي تجب الأجرة بالتمكن كما يجب في الصحيح وفرق بين النكاح الصحيح والفاسد. 2761 - ولا فرق بين فاسد الإجارة وفاسد النكاح. فصل المدة 2762 - وكل مدة معلومة تجوز الإجارة إليها عندنا. 2763 - وقال الشافعي: لا تجوز أكثر من سنة، وفيما زاد على ذلك قولان أحدهما لا تجوز فوق ثلاث سنين، وفي قول آخر فوق ثلاثين سنة، لأنها مدة معلومة فصارت كالسنة والعمل على القول الآخر. استئجار العبد 2764 - واختلف أصحابنا في استئجار العبد مدة لا يمكن في الظاهر أن

فصل إجارة المشاع

يعيش إليها، فمنهم من أجر ذلك، ومنهم من قال لا تجوز كإجارة العبد ألف سنة وما زاد على ما يعيش إليه الناس في الغالب. فصل 2765 - ولا فرق عندنا بين أن يؤجره المدة في أولها أو مدة لم تحضر كمن أجر [في] شعبان وهما في رجب جاز عندنا. 2766 - وقال الشافعي لا تجوز. 2767 - ولا فرق بين أن يؤجرها من المستأجر أو من غيره، ومنهم من فرق. بيع العين قبل مدة الإجارة 2768 - وهل للمؤجر أن يبيع العين قبل المدة؟ فيه روايتان: أحدهما يجوز، والأخرى لا يجوز. فصل إجارة المشاع 2769 - ولا تجوز إجارة المشاع عند أبي حنيفة من غير الشريك، وفي الشريك روايتان أحدهما لا تجوز، وهو قول زفر. وفي الأشاعة الطارئة روايتان في إبطال الإجارة: وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي إجارة المشاع جائزة. ولا فرق بين الشريك وغيره. ولا فرق بين ما يحتمل القسمة وما لا يحتمل. ولا بين الطارئ والمقارن في ذلك لأن كل ما جاز بيعه جازت إجارته كالمفرز.

فصل إجارة شهر بدرهم

فصل إجارة شهر بدرهم. 2771 - وتصح في الشهر الواحد. وكلما دخل من شهر يوم صحت إجارة جميعه كذلك أبداً. وقال الشافعي باطلة في الجميع. 2772 - فاتفق الجميع على أنه لو باع صبرة كل قفيز بدرهم صح في القفيز الواحد وفيما زاد إجازة الشافعي في جميعها. فصل بيان أول المدة 2773 - وإذا استأجر دارا شهرا وأطلق المدة صح العقد وكان أول المدة عقد العقد. 2774 - وقال الشافعي لا يجوز حتى يبين أول المدة ويذكره. فصل ما يجوز وما لا يجوز في الإجارات 2775 - لا تجوز إجارة دار بدار. 2776 - وتجوز إجارة عبد بدار. 2777 - واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون النفع في مقابلة البضع. 2779 - وأجازوا أن يكون ما عليه من الدين في مقابلة ما عمله له. فصل بيع ما أجره 2780 - واختلفوا في بيع ما أجره في المدة. 2781 - فأوقف أصحابنا البيع فيه. 2782 - وقال أبو يوسف الإجارة كالعيب فان رضى لزمه البيع، وأن لم يعلم فهو بالخيار في فسخ البيع. 2783 - وأجاز الشافعي البيع في جميع الأحول.

فصل إجارة الحيوان

فصل إجارة الحيوان 2784 - وأجاز أصحابنا أجارة الكلب وسائر الحيوان وبيعه. 2785 - وقال الشافعي لا يجوز (بيعه) وفي أجارته وجهان أحدهما لا تجوز والأخر تجوز. فصل إجارة الفحل للعزاب 2786 - ولم يجز أصحابنا إجارة الفحل للضراب. 2787 - وهو المذهب عند الشافعي. 2788 - ومن أصحابه من أجاز الإجارة. 2789 - وهو قول مالك. 2790 - لأنه لا قيمة له، وهو محرم، وفيه نهى عن النبي عليه السلام. فصل بيان حصة السنة 2791 - وإذا استأجر دارا سنين ولم يبين حصة كل سنة جاز. 27920 وقال الشافعي لا يجوز حتى يبين. 2793 - ولو وجب بيان الحصة للسنين لوجب بيان حصة الشهور والأيام.

فصل موت العبد المستأجر

فصل موت العبد المستأجر 2794 - ولو مات العبد المستأجر قبل مدة الإجارة لم تجب أجرة ما بقى عندنا. 2795 - وقال بعض الفقهاء تجب كما يجب المهر. فصل انقضاء الإجارة 2796 - الإجارة تبطل بموت كل واحد من المتعاقدين عندنا. 2797 - وقال الشافعي لا تبطل. 2798 - والنكاح لا يبقى بعد الموت، ولا تستوفي المنافع من ملك غير العاقد. فصل كيفية حلول أجرة الدار والعمل 2799 - وتجب أجرة الدار حالا فحالا، وأن كان عملا فعند الفراغ من العمل لأن المنافع غير مملوكه فلا يملك الأجرة. 2800 - وقال الشافعي تجب بنفس العقد، وهو قول زفر. 2801 - وقد روى عن أبي حنيفة أن الأجرة لا تجب إلا بعد انقضاء المدة والفراغ من العمل في قوله الأول. فصل استئجار ما أجره 2802 - وإذا استأجر ما أجره لم يجز عندنا. 2803 - وقال الشافعي يجوز، لأنه يستوفى على حكم ملكه فلا يجوز استيفاء المنفعة بحكم عقد الغير كما لو اشترى زوجته من المولى. فصل 2804 - ولا يجوز أن يؤجر ما استأجره قبل قبضه كما لا يجوز بيع ما اشتراه قبل القبض. 2805 - وقال الشافعي يجوز.

إجارة الظئر

فصل شرط الخيار في الإجارة 2806 - ويجوز شرط الخيار في الإجارة. 2807 - وقال الشافعي لا يجوز. فصل خيار العيب 2808 - واتفق الجميع على أنه يثبت خيار العيب في ذلك. فصل المحمل المغطى 2809 - ولو اكترى محملا مغطى إلى مكة ولم يشاهده جاز. 2810 - وقال الشافعي لا يجوز. فصل 2811 - وإذا استأجر دابة فله ان يرد بدل ما أكل من زاد وشرب من ماء بحسب العادة. 2812 - وقال الشافعي لا يجوز. فصل إجارة الجهول 2813 - ولا تجوز أجارة مجهول، ولا بدل غير معلوم كما لا يجوز في البيع. إجارة الظئر 2814 - واختلف في الظئر إذا استأجرها بطعامها وكسوتها. فأجاز ذلك أبو حنيفة، وجعل ذلك موكولا إلى أهل الصبي. 2815 - وقال أبو يوسف ومحمد لا يجوز، وهو قول الشافعي. فصل 2815 - وإذا أحر بجنس ما استأجر لم يطلب له الربح حتى يعمل في الدار عملا يزيد به النفع. 2816 - وقال الشافعي يطيب.

فصل ما تلف عند الأجير المشترك من غير فعله

فصل 2817 - وإذا أجاز المستأجر بيع الدار في المدة بطلت الإجارة. 2818 - وقال الشافعي لا تبطل. فصل ما تلف عند الأجير المشترك من غير فعله 2819 - ولا ضمان على الأجير المشترك فيما تلف في يديه من غير فعله. 2820 - وما أتلف من عمله فهو مضمون عليه. 2821 - خلاف أبي يوسف ومحمد، والشافعي في أحد قوليه يضمن. 2822 - وقال زفر لا يضمن في الوجهين جميعًا وهو أحد قوليه أيضًا. فصل 2823 - وإذا أجر عبده وأعتقه والصبي إذا بلغ فلهما الخيار. 2824 - وقال الشافعي لا خيار لهما. 2825 - وإن أجر مال الصبي ثم بلغ فلا خيار له. 2826 - وقال الشافعي له الخيار. 2827 - ولو زوج أمته ثم بلغ فلا خيار له عند الجميع. فصل إجارة الكتب 2828 - وإجارة الدفاتر للقراءة لا تجوز. 2829 - وقال الشافعي تجوز.

فصل استئجار الدراهم والدنانير

فصل استئجار الدراهم والدنانير 2830 - واختلف في استئجار الدراهم والدنانير للتجمل بها، والمكاييل للزينة والمعيار فأجازه الكرخي، ومنعه غيره. 2831 - واختلف أصحاب الشافعي مثل ذلك. فصل إجارة العبد المسلم من الذمي 2832 - واختلف أصحابنا في إجارة العبد المسلم من الذمي، وخرج أصحاب الشافعي ذلك على وجهين كالبيع. 2833 - وقد أجر علي عليه السلام نفسه من امرأة يهودية ليسقي كل دلو بتمرة. فصل استئجار الحائط 2834 - ولا تجوز إجارة حائط ليضع عليه خشبة أو يبني سترة. 2835 - وقال الشافعي يجوز. فصل استئجار رجل لنقل الخمر 2836 - ويجوز أن يستأجر رجلاً لينقل الخمر. 2837 - وقال الشافعي لا يجوز. لأنه عمل معلوم. فصل استئجار دار ليتخذها مصلى 2838 - وإن استأجر دارًا ليتخذها مصلى ومسجدًا لم يجز.

فصل الدلال

2839 - وقال الشافعي يجوز. 2840 - وأجاز أصحابنا بيت السواد أن يتخذ بيعة، ومنهم من أسقط الخلاف. فصل الدلال 2841 - وإذا استأجر رجلاً ليبيع له ثوبًا فالإجارة باطلة لأنه يقف على فعل الغير. 2842 - وقال الشافعي يجوز. الأجرة على الطاعات 2843 - ولا تجوز الإجارة لتعليم القرآن ولا بشيء من الطاعات والمعاصي. 2844 - وقال الشافعي يجوز في تعليم العلوم والقرآن وكل منفعة مباحة، لأنه يقف على فعل عدم. فصل شرطان في عقد 2845 - وإن شرط أن يعمل في الدار الجديد بدرهم، وإن سكن فنصف درهم جاز في قوله الأول، ولا يجوز في الثاني. 2846 - وهو قولهما وقول الشافعي. 2847 - وإن قال إن خطت الثوب اليوم فبدرهم وإن خطته غدًا فبنصف (درهم) فالشرط الأول جائز والثاني باطل. 2848 - وقال زفر: الشرطان باطلان، وهو قول الشافعي. 2849 - وقالا جائزان.

فصل استأجره ليقتص

فصل استأجره ليقتص 2850 - وإن استأجره ليقتص له في النفس فالإجارة باطلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. 2851 - وقال محمد والشافعي جائزة. 2852 - ولو كان على الطرف لجاز عندهم جميعًا. فصل أجرة القصاص 2853 - وأجرة القصاص في الطرف على المقتص له. 2854 - وقال الشافعي على المقتص منه. فصل استئجار الدابة 2855 - وإذا استأجر دابة إلى موضع معلوم فبقيت في يده مدة يمكن أن يمر إليه فلا أجرة عليه. وقال الشافعي عليه الأجرة. 2856 - ولو ساقها في الطريق ولم يركب وجب عليه الأجرة باتفاق. فصل كفيل بالأجرة 2857 - وإذا أعطاه بالأجرة قبل وجوبها كفيلاً أو أبرأه منها أو صارفه عليها فهو جائر. 2858 - وعن أبي يوسف أنه لا يجوز قبل الوجوب.

باب من اختلافهما في الإجارة

باب من اختلافهما في الإجارة فصل ادعى أنه أجره داره 2859 - وإذا ادعى رجل على آخر أنه أجره داره وأنكر فالقول قوله مع يمينه، فإن أقام بينة قضى بالإجارة إذا كانت على مدة معلومة واستوفيت شروط الصحة، ولا خلاف في هذا الفصل. فصل اختلافهما في الثوب 2860 - وإذا اختلف رب الثوب والخياط في الثوب فقال رب الثوب أمرتك بقميص، وقال الخياط بقباء، فالقول قول رب الثوب عندنا. 2861 - وكذلك إذا اختلف هو والصباغ فقال الصباغ أمرتني بأحمر وقال رب الثوب بأخضر. 2862 - وقال ابن أبي ليلى القول قول الخياط والصباغ. 2863 - وقال الشافعي بالقولين جميعًا. 2864 - ومن أصحابنا من قال له قول آخر أنهما يتحالفان في ذلك لأن الأذن مستفادة من جهة رب الثوب فكان القول قوله فيه كما لو ادعى ابنه ونفاه فإن القول قوله. فصل اختلافهما في قدر المنفعة أو الأجرة 2865 - وإذا اختلفا في قدر المنفعة أو الأجرة أو فيهما فإنهما يتحالفان، فياسًا على البيع، لاختلافهما في المعقود عليه.

فصل اختلافهما في مقدار الأجرة

2866 - وإذا تحالفا في ذلك كان الحكم في ذلك كالحكم في البيع على ما قدمنا من الخلاف في فسخ العقد بهما أو بالحاكم لأن الإجارة كالبيع لأنها بيع المنافع. فصل اختلافهما في مقدار الأجرة 2867 - وإن قال أجرتني الدار سنة بخمسة وقال المؤجر بعشرة تحالفا كما قدمنا، وأيهما نكل عن اليمين لزمه دعوى الأجر. 2868 - وقياس قولهم في البداية باليمين إن يبدأ المؤجر كما يبدأ البائع على قول أبي يوسف، وقول محمد يبدأ المشتري فينبغي أن يبدأ بالمستأجر ههنا. 2869 - هذا إذا اختلفا قبل العمل والسكنى. 2870 - فإن اختلفا بعد فراغ العمل ومضي المدة فالقول قول المستأجر مع يمينه كالخلاف بعد هلاك السلعة. فصل العمرة ببينة المؤجر 2871 - وإن أقاما بينة أخذت بينة المؤجر لأنها تثبت الزيادة في ذلك فكانت أولى، ولأن المستأجر بينته تنفي والأخرى تثبت فكانت أولى بالعمل. فصل اختلافهما في المدة أو قدر المسافة 2872 - وإذا اختلفا في المدة أو قدر المسافة فهو على ما مضى من التحالف والنكول. 2873 - وإن أقاما جميعًا البينة أخذت بينة المستأجر لأنها تثبت زيادة المدة والمسافة والأخرى تنفي ذلك فيكون المثبت أولى.

فصل ادعاء كل واحد منهما فضل

فصل ادعاء كل واحد منهما فضلاً 2874 - وإذا ادعى كل واحد منهما فضلاً. 2875 - فقال المؤجر أجرتك إلى القصر بعشرة وقال المستأجر أجرتني إلى الكوفة بعشرة تحالفا، وأيهما نكل لزمه دعوى الآخر، وإن أقام أحدهما بينة قضى بها. وإن أقاما جميًعا البينة قبلت بينة كل واحد على فضل عقده لأنها تثبت استحقاقًا له على الآخر فتقبل في الفضل. فصل اختلافهما في المسافة والأجرة 2876 - ولو قال المؤجر: أجرتك إلى القصر بدينار، وقال المستأجر إلى الكوفة بعشرة دراهم، فهي إلى الكوفة بدينار وعشرة لأنهما اختلفا في أجر الدابة إلى القصر، فأقاما البينة، فالبينة بينة المؤجر، ثم ادعى المستأجر إجارة إلى الكوفة بعشرة، لأن القصر نصف الطريق، وجحد ذلك المؤجر فتكون البينة المثبتة للإجارة أولى، فلهذا قضينا بها إلى الكوفة بدينار وعشرة دراهم. فصل اختلافهما في طول الثوب وعرضه 2877 - ولو دفع غزلاًَ إلى الحائك لينسج له ثوبًا سبعًا في أربعة فنسجه ستًا في أربعة، فصاحب الثوب بالخيار. إن شاء سلم له الثوب وضمنه مثل غزله، وإن شاء أخذه وأعطاه بحساب ذلك من الأجر الذي سماه، لأن غرض صاحب الثوب لم يسلم له، لأنه ينتفع بالطويل ما لا ينتفع بالقصير، فكان الخيار له، فإن اختار الأخذ أخذ بحسابه،

فصل إفساد صفة المصنوع

كمن استأجر رجلاً ليضرب له لبنًا معدودًا فضرب بعضه وفات وقت الضرب استحق بحساب ما عمل، كذلك هذا. فصل إفساد صفة المصنوع 2878 - ولو نسجه على ما قال من الذرع إلا أنه أفسد الصفة فجاء به رقيقًا وقد أمره بالصفيق، أو جاء به صفيفًا وقد أمره بالرقيق فصاحب الثوب بالخيار إن شاء ضمنه مثل غزله، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه أجر مثله، لا يتجاوز به ما سمى، لأنه أتى بالمعقود عليه وخالف في صفة فثبت له الخيار. فصل الزيادة في ذرع المصنوع 2879 - وإذا ما أتى بالذرع والصفة المعقود عليها وزاد في ذرعه، فصاحب الثوب بالخيار إن شاء ضمنه مثل غزله وكان الثوب للصانع، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه المسمى، ولا يزيد في الأجر لزيادة الذرع، لأن الصفة تغيرت فيثبت الخيار، ولا أجرة فيما زاد لأنه عمله بغير إذن صاحبه. فصل اختلافهما حول ما زاد في الثوب بالصبغ 2880 - وإذا دفع رجل إلى صباغ ثوبًا ليصبغه أحمر فصبغه، واختلفا: فقال الصباغ عملته بدرهم. وقال رب الثوب بدانقين. فإن أقاما بينة أخذت بينة الصباغ، وإن لم يكن لهما بينة فإني أنظر إلى ما زاد الصبغ في الثوب، فإن كانت درهمًا أو أكثر أعطيته أكثر بعد أن يحلف الصباغ ما صبغه بدانقين، وإن كان الصبغ زاد أقل من دانقين أعطيته دانقين، ولم

فصل اختلافهما حول الاتفاق على أجرة الصانع

يذكر أصحابنا في الكتاب إذا زاد على دانقين ونقص عن درهم، وينبغي أن يعطي ما زاد على ذلك كما قالوا في مهر المثل. فصل اختلافهما حول الاتفاق على أجرة الصانع 2881 - وإذا عمل الصانع [على] ما أراد رب الثوب ثم اختلفا. فقال رب الثوب عملته بلا أجرة. وقال الصانع بل عملته بأجرة. فالقول قول رب الثوب عند أبي حنيفة؛ لأن المنافع لا تتقوم إلا بعقد والصانع يدعيه ورب الثوب ينكره فلا يصدق. 2882 - وقال أبو يوسف: إن كان حريفًا وله عادة أن يعمل بأجرة فله الأجرة؛ لأن المعتاد كالمنطوق به في العقد كنقد البلد. 2883 - وقال محمد: إن كان الصانع منتدبًا لهذه الصنعة وهي حرفته فالقول قوله أنه بأجرة لأن الظاهر معه في ذلك. فصل حبس الشيء المصنوع بالأجرة 2884 - وإذا عمل الصانع ما استؤجر عليه فله حبسه حتى يستوفي الأجرة. ليس للحمال حق حبس البضاعة 2885 - وليس ذلك للحمال والجمال وهذا ظاهر المذهب. 2886 - ومنهم من قال: ليس له حبس ذلك لأنه لم يرهن العين عنده، فلم يجز له حبسها كالحمال.

فصل عدم ذكر أجرة الخياط

2887 - ومن قال له الحبس يقول: إن عمله ملكه فجاز له حبسه على عوضه، كالمبيع في يد البائع. فصل عدم ذكر أجرة الخياط 2888 - وإذا دفع إليه الثوب ليخيطه ولم يذكر له الأجرة ففيه أربعة أقاويل. 2889 - أحدها أنه تلزمه الأجرة وهو اختيار المزني؛ لأنه استهلك عمله فلزمه أجرته. 2890 - والثاني أن قال له خطه لزمه، وإن بدأ الرجل فقال: أعطني لأخيطه لم يلزمه، وهو قول أبي إسحاق. 2891 - لأنه أمره فقد لزمه بالأمر والعمل لا يلزمه إلا بالأجرة فلزمته. وإن لم يأمر لم يوجد فلم يجب الأجر. 2892 - والثالث: أنه إن كان الصانع معروفًا بأخذ الأجرة صار العرف في حقه كالشرط. 2893 - والرابع لا يلزمه بحال، وهو الصحيح عندنا. وهو قول أبي حنيفة، والمعمول به من مذهب الشافعي، لأنه لم يجر بينهما عقد يقتضي العوض، والصانع يجوز أن يتطوع بعمل فلا يستحق أجرة. فصل ضمان الحمال 2894 - وإذا استأجر رجلاً ليحمل له شيئًا على ظهره أو دابته إلى موضع فزلق ووقع فانكسر المتاع، فهو ضامن، وصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته عند أول الحمل ولا أجرة له، وإن شاء ضمنه قيمته وقت الوقوع وأعطاه من الأجرة بحساب ذلك.

فصل استحقاق الأجرة

2895 - وكذلك الجواب إن تعمد الكسر. 2896 - وقال زفر إذا تعمد الكسر لا خيار ويضمن في المكان الذي كسره ويعطيه الأجر. 2897 - وقيل إن قول أبي حنيفة إذا تعمد الكسر مثل قول زفر. فصل استحقاق الأجرة 2898 - وتستحق الأجرة بثلاثة أشياء: إما أن يعجل الأجرة فيملك بالتعجيل أو يشترط التعجيل أو يستوفي المنفعة. 2899 - وقد قالوا: لو استأجر إبلاً إلى مكة قال أبو حنيفة لا يعطى الأجر حتى يرجع، وفي قوله الآخر يعطي بحساب ذلك كلما سار، وهو قولهما. 2900 - وقال أبو يوسف في الأمالي ليس له أن يعطيه حتى يذهب ثلث الطريق أو ربعه. فصل الاستئجار بطعام موصوف 2901 - وإذا استأجر بطعام موصوف وبين الصفة لا يصح حتى يبين موضع التسليم عند أبي حنيفة. 2902 - وقال أبو يوسف ومحمد: يسلم إليه عند الدار. 2903 - ولو كان طعامًا معينًا سلم عند الطعام في قولهم جميعًا. فصل استئجار المكاتب ظئرًا 2904 - وإذا استأجر مكاتب ظئرًا فعجز بطلت الإجارة؛ لأنه لا يملك العقد

فصل اختلاف المؤجر والمستأجر في الدابة

بعد العجز، ولو كانت مكاتبة أجرت نفسها ظئرًا أو أجرت أمتها ثم عجزت فالإجارة بحالها في قول أبي يوسف. 2905 - وقال محمد تبطل الإجارة: 2906 - ولو كانت أمة مأذونة أجرت نفسها فحجر عليها المولى فالإجارة صحيحة باقية إلى آخر المدة؛ لأن العقد وقع للمولى في الابتداء. فصل اختلاف المؤجر والمستأجر في الدابة 2907 - وإذا اختلف المؤجر والمستأجر في الدابة: فقال المستأجر استأجرتها إلى بغداد بعشرة. وقال المؤجر أجرتها إلى القصر وهو نصف الطريق بخمسة عشر. فعند أبي حنيفة في قوله الأول وهو قول زفر والحسن يقضي بالإجارة بخمسة عشر إلى بغداد. 2908 - وفي قول أبي حنيفة الآخر وهو قول أبي يوسف ومحمد يقضي بالعشرة إلى بغداد. فصل تجاوز المكان الذي استأجر الدابة إليه 2909 - وإذا استأجر دابة إلى مكان فجاوز ذلك المكان صار ضامنًا. 2910 - فإذا رجع إلى ذلك المكان برئ من الضمان في قول أبي حنيفة الأول، وهو قول زفر، وفي قولهما وهو قوله الآخر لا يخرج من الضمان ما لم يصل إلى صاحبها. 2911 - وكذلك الخلاف في العارية، وفي الوديعة اتفقوا أنه يبرأ. فصل ضمان مستأجر الفسطاط 2912 - وإذا استأجر فسطاطًَا وسلمه إلى غيره فهو ضامن في قول أبي يوسف.

باب فيما يلزم المكري والمكتري

2913 - وقال محمد لا يضمن كمن استأجر دارًا وأجرها لغيره لا يضمن. فصل استئجار طريق في دار 2914 - وإذا استأجر طريقًا في دار رجل ولم يبين موضعه فالإجارة فاسدة عند أبي حنيفة وتجوز عند أبي يوسف ومحمد؛ لأنها بمجهول فلا تجوز إجارته. فصل استأجره ليضرب لبنًا 2915 - وإذا استأجره ليضرب له لبنًا، فضرب اللبن وطلب الأجرة، فإنها لا تجب حتى يشرح اللبن عند أبي يوسف ومحمد، وتجب عند أبي حنيفة إذا أقامه؛ لأن الشرح زيادة عمل في اللبن على ضربه، وبالقيام قد ثبت سلامته، لا يجب ما زاد. فصل اختلافهما في رد الشيء المصنوع 2916 - وإذا اختلف المستأجر والصانع فقال الخياط رددت الثوب عليك، وقاب رب الثوب لم ترد، فالقول قول الصانع عند أبي حنيفة، وقالا القول قول رب الثوب لأنه أمين كالمودع وهما جعلاه كالغاصب. باب فيما يلزم المكري والمكتري 2917 - ويجب على المكري ما يحتاج إليه للتمكن من الانتفاع كمفتاح

فصل ما على المكتري

الدار وزمام الجمال، والبرة التي في أنفه، والحزاب والثقب والسرج واللجام للفرس، لأن التمكن عليه لا يحصل إلا بذلك. 2918 - وإن تلف شيء منه في يد المكتري لم يضمن، كما لا يضمن المستأجر. 2919 - وعلى المكرى بدله لأن التمكن يستحق عليه. 2920 - وما يحتاج إليه كمال الانتفاع كالدلو والحبل والمحمل والغطاء فهو على المكتري. فصل 2921 - واختلف فيما يشد به أحد المحملين إلى الآخر. فمنهم من قال هو على المكري لأنه من آلة التمكن. ومنهم من قال هو على المكترى لأنه بمنزلة تأليف المحمل. فصل ما على المكتري 2922 - وعلى المكتري إشالة الحمل وحطه وسوق الظهر وقوده لأن العادة أنه يتولى ذلك. 2923 - وعليه أن ينزل الراكب للطهارة وصلاة الفرض؛ لأنه لا يمكن ذلك على الظهر. علف الظهر 2924 - وعلى المكري علف الظهر وسقيه لأنه من مقتضى التمكن.

فصل رد المستأجر

فصل رد المستأجر 2925 - واختلف في رد المستأجر بعد انقضاء الإجارة: فمنهم من قال لا يلزمه قبل المطالبة لأنه أمانة في يده فلا يلزمه الرد كالوديعة. 2926 - ومنهم من قال يلزمه لأنه غير مأذون في إمساكها بعد المدة كالعارية المؤقتة. فصل حدود ما يستعمل في المنفعة 2927 - وللمستأجر أن يستعمل مثل المنفعة المعقود عليها بالمعروف، وما دون ذلك من الانتفاع، فلمن استأجر أن يدع المتاع ولا يسكن لأنه دون السكن. 2928 - واختلف هل له أن يدع فيها ما تتسارع إليه النار؟ فمنهم من منع ذلك لأن النار تثقب الحائط فتخرب الدار. ومنهم من أجازه؛ لأن ذلك متعارف في السكن. ما ينتفع به من القميص المكترى 2929 - ومن اكترى قميصًا فليس له النوم فيه ليلاً، وجوز بالنهار؛ لأن الثوب يخلع ليلاً. فصل ما له أن يفعله في الظهر المستأجر 2930 - وله أن يضرب الظهر ويكيحه باللجام وبالرجل لئلا يسقط للاستصلاح فإن عطب من ذلك فعليه الضمان عند أبي حنيفة لأن ذلك يباح بشرط السلامة وكضرب الزوجة.

فصل استأجر ليزرع حنطة

2931 - وقالا لا ضمان. 2932 - واختلف فيه أصحاب الشافعي. فصل استأجر ليزرع حنطة 2933 - وإذا استأجر ليزرع حنطة فله أن يزرع مثلها، وما دونها في الضرر، ولا يزرع ما فوقها، لأن الدون قد يرد بعض حقه وما زاد لا يستحقه. فصل اكترى لحمل القطن 2934 - ولو اكترى لحمل القطن لم يحمل عليه الحديد لأنه أضر على الظهر من القطن لاجتماعه وثقله. فصل 2935 - ولو إكراه للحديد فله أن يحمل القطن لأنه أوطأ، وقال الشافعي ليس له ذلك لأن الريح تدخل فيه فتزيد ثقله. فصل الإرداف 2936 - وإذا أردف خلفه إنسانًا فعطبت الدابة فعلى الرديف. لأنه تلف بفعل مباح ومحظور، وإن كانت بحيث لا يعقب أحد لزمه الضمان جميعه لأنه أتلف ذلك. فصل زاد في الأوقرة. 2937 - وإن استأجره لحمل عشرة أوقرة فحمل عليه أحد عشر وقرًا

فصل إعارة المستأجر

فمنهم من أوجب عليه ضمان وقر واحد لأنه تعدى فيه، والباقي يستحقه، ومنهم من قال بالزيادة خرج أن يستحق المنفعة المعقود عليها. فصل 2938 - وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة: إذا شرب نبيذًا فسكر فالمحرم هو الشربة الأخيرة لأن عندها حصل السكر، وفيها وقع التعدي. 2939 - وقال أبو يوسف يعتبر الجميع حرامًا لأنها والذي قبلها وقع السكر (به)، ولو انفردت لم تؤثر. وكذلك قوله في الإجارة إذا زاد على المستحق. فصل إعارة المستأجر 2940 - وله أن يستوفي المنفعة بنفسه وبعيره إذا كان دونه في الاستعمال.

باب فسخ الإجارة

باب فسخ الإجارة الفسخ بالعيب 2941 - وتفسخ الإجارة بالعيب الموجود بها الذي يؤثر في الانتفاع، وفيما يحدث فيها لأنها كالبيع وهذا بمقر الدابة وبجرحها وإنقطاع الماء والشرب وفساد الدولاب والنهر وخراب الدار والدكان وموت العبد والدابة وجفاف لبن المرضعة وموت الصبي، وإذا أفلس المستأجر وقام من السوق، وإذا باع القاضي الدار في دين عليه، وإذا برئ الضرس الذي يقلعه، ومسائل كثيرة من هذا الجنس في بعضها خلاف، وفي البعض وفاق. فصل غصب العين المستأجرة 2942 - وإذا غصبت العين المستأجرة من يد المستأجر فإن كان العقد على موصوف في الذمة طالب المؤجر بإقامة عين مقامها، وإن كان على العين فللمستأجر أن يفسخ العقد لأنه تأخر حقه فثبت له حق الفسخ. 2943 - وإن لم يفسخ وكان الإجارة على عمل لم ينفسخ لأنه يمكن استيفاءه إذا وجده، وإن كانت على مدة فانقضت فعندنا قد انفسخت الإجارة ويرجع بالإجرة إن كان تسلمها وإن لم يكن تسلم فلا شيء عليه. 2944 - وللشافعي قولان: أحدهما ينفسخ العقد ويرجع المستأجر على المؤجر بالمسمى ويرجع المؤخر على الغاصب بأجرة المثل. والثاني لا ينفسخ بل يخير المستأجر بين الفسخ ويرجع على المؤجر بالمسمى ثم يرجع المؤجر على الغاصب بأجره المثل، وبين أن يقر العقد ويرجع على الغاصب بأجرة المثل.

فصل مصير البناء والغرس بعد إنقضاء الإجارة

فصل مصير البناء والغرس بعد إنقضاء الإجارة 2945 - وإذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض بناء أو غرس، لزم المستأجر قلع ذلك وتسليم الأرض كما أخذها فارغة غير مشغولة. 2946 - وقال الشافعي: إذا شرط في العقد القلع عند الفراغ وجب عليه القلع، وإن أطلق العقد فالمؤجر بالخيار إن شاء طالبه بالقطع وضمن له النقصان الذي حصل بالقطع وإن شاء أعطاه القيمة وملك الغرس، وإن شاء تركه بأجرة المثل. 2947 - وهذا لا يصح لأنه غير معهود في البناء والغرس فلا يستحق تبقيته في ملك المؤجر، كما لو أجره داره وترك فيها متاعه فإنه يكلف نقله كذلك هذا مثله، والشافعي جعل ذلك كالزرع إذا انقضت المدة وهو في الأرض، والفرق بينهما أن الزرع له غاية ينتظر إليها فلا يضر به الغرس بخلافه وورد إن الزرع كالثمرة فإنا نترك ذلك بأجر مثله. 2948 - وكتاب الإجارة من الكتاب الكبار، وفيه كل عجيب من المسائل، وفي هذا الذي ذكرت إشارة إلى المقصود في الأصول، والله الموفق. وإذا قد ذكر الإجارة، وكانت المزارعة نوعًا منها وجب ذكرها.

كتاب المزارعة

كتاب المزارعة جواز المزارعة 2949 - اعلم أن المزارعة عقد اختلف الفقهاء في جوازه وصحته في أصله. 2950 - فقال أبو حنيفة لا تجوز بحال. 2951 - وقول الشافعي إذا انفردت الأرض عن النخل والشجر. 2952 - وبه قال مالك. 2953 - وهو قول ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ورافع بن خديج من الصحابة رضي الله عنهم. 2954 - وقال أبو يوسف ومحمد وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وأحمد هي جائزة. 2955 - وهو مذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعمار وابن مسعود رضي الله عنهما. فصل ما يجوز استئجار الأرض به 2956 - ويجوز استئجار الأرض بكل ما جاز أن يكون بدلاً في البيع وثمنًا له لأن البدل لا يختلف في العقود. 2957 - وقال بعض الفقهاء والسلف لا تجوز إلا بالدراهم والدنانير، ولا تجوز بما يخرج منها. 2958 - وإذا كان الخارج من الأرض لا يمنع أن يكون عوضًا في البيع فكذلك الإجارة.

فصل شرط زراعة نوع بعينه

فصل شرط زراعة نوع بعينه 2959 - وإذا شرط أن يزرع في الأرض نوعًا فزرع ما هو أقل ضررًا منه جاز. 2960 - وقال أهل الظاهر لا يجوز إلا ما شرط خاصة. فصل المزارعة على أربعة أوجه 2961 - وتفريع كتاب المزارعة على قول من أجازها فقال أبو يوسف ومحمد: المزارعة على أربعة أوجه: [فثلاثة أوجه منها تجوز المزارعة عليها، ووجه منها لا تجوز المزارعة عليه]. 2962 - أحدها إذا كانت الأرض والبذر لواحد والعمل والبقر لآخر جازت المزراعة لأن رب الأرض يستأجر العامل ببعض الخارج، والبقر غير مستأجر بل هو مع العمل فجازت المزراعة. 2963 - والثاني أن تكون الأرض لواحد والعمل والبقر والبذر لواحد فهو جائز أيضًا لأن العامل مستأجر للأرض، والبقر غير مستأجر، وإنما يستعمله لنفسه وذلك لا يمنع صحة العقد. 2964 - والثالث أن تكون الأرض والبقر والبذر لواحد والعمل من جهة

فصل جهالة المدة

الآخر لأنه مستأجر للعامل ببعض ما يخرج من الأرض وذلك جائز، والبقر فليس يستأجره لأن الرجل لا يستأجر بقر نفسه وإنما يعمل بها. 2965 - والرابع: إذا كان البذر والعمل لواحد والأرض والبقر للآخر فهي باطلة، لأن صاحب البذر هو المستأجر، والبقر في هذه المسألة مستأجر ببعض الخارج لأنه تابع للعمل المعقود عليه وذلك لا يجوز. وقد روى عن أبي يوسف في الإملاء أن هذا الوجه أيضًا جائز لأن العامل كالمضارب، ولو دفع رب المال داب يحمل عليها المتاع جاز ذلك فكذلك هذا. فصل جهالة المدة 2966 - ولا تجوز عندهما على مدة غير معلومة كما لا تجوز الإجارة إلا على مدة معلومة، وكذلك كان القياس في البدل الآخر، لكنه ترك للأثر والحاجة. فصل الشياع في جميع الخارج 2967 - ولا تجوز إلا أن يذكر اسم العامل على طريق الشياع في جميع الخارج كالعامل في المضاربة. 2968 - وإن شرط له من الريع قدرًا معلومًا فسدت المزارعة لأنه يجوز أن لا يخرج غير ذلك القدر، فلأيهما شرط ذلك فهو سواء في الفساد. فصل أجر العامل في المزارعة الفاسدة 2969 - وإذا فسدت المزارعة فللعامل أجر مثله، ويكون الريع لصاحب البذر لأنه مما ملكه، وللآخر أجر عمله لأنه به حصلت الفائدة. فصل لا شيء للعامل مع عدم الخارج 2970 - وإن لم يخرج في الأرض شيء فلا شيء للعامل في المزارعة الصحيحة.

فصل البذر من رب الأرض

لأنه شرط له جزءًا من الخارج ولم يحصل، كما لا يكون للمضارب منهما إذا لم يربح. فصل البذر من رب الأرض 2971 - وإن كان البذر من قبل رب الأرض فللعامل أجر مثله لأنه لا يزداد على ما شرط. 2972 - وقال محمد أجر مثله بالغًا ما بلغ لأنها عقد كالإجارة، وقد تقدم شأن ذلك. فصل البذر من العامل 2973 - وإن كان البذر من قبل العامل فلرب الأرض أجر مثلها لأن العامل استوفى منفعة الأرض فكان عليه بدلها. فصل امتناع صاحب البذر 2974 - قالا: وإذا عقدا المزارعة فامتنع صاحب البذر من العمل لم يجبر عليه، وإن امتنع الذي ليس من قبله البذر أجبره الحاكم على العمل، لأن الذي من قبله البذر لا يتوصل إلى الوفاء بالعقد إلا بإتلاف ماله الذي هو البذر فلا يجبر عليه، كمن استأجر رجلاً لهدم داره، لأنه يلحقه ضرر فلا يلزمه الوفاء. فصل انقضاء المدة والزرع لم يدرك 2975 - وإذا انقضت مدة المزارعة والزرع لم يدرك كان على الزارع أجر مثل نصيبه من الزرع إلى أن يستحصد لأنه منتفع بملك غيره من غير إذن، وذلك لا يجوز بغير عوض، وقلع نصيبه ضرر عليه ويمكن إيفاء الحقين بتبقيته إلى وقت الحصاد.

فصل النفقة على الزرع

فصل النفقة على الزرع 2976 - والنفقة على الزرع عليهما على مقدار حقوقهما. 2977 - وأجرة الحصاد والرفاع والدياس عليهما، وكذلك التذرية لأن هذا عمل بعد كمال الزرع فكان عليهما. 2978 - وما كان [من] بذر وسقي فعلى المزارع لأنه معقود عليه، وما كان بعد القسمة فعلى كل واحد منهما أجرة عمله. فصل موت رب الأرض قبل الزرع 2979 - وإذا مات رب الأرض قبل أن يزرع بعدما كرب وحفر الأنهار بطلت المزارعة، ولم يكن على ورثة الأرض شيء لأجل الكراب وغيره، لأنه ليس في الفسخ إتلاف مال المزارع فلم تجز تبقية المزارعة حتى يستوفي حقه، وأما العمل فلم يقومه بالعقد، وإنما قومه بالخارج ولم يوجد ذلك. فصل 2980 - وإذا شرط بعض الخارج لعبد أحدهما والعبد مأذون له، والبذور من قبل رب الأرض والشرط لعبد رب الأرض ولا دين عليه فإنه يكون للمولى، سواء شرط عمل العبد أو لم يشرط، وإن كان على العبد دين فإن شرط عليه العمل جاز، وإن لم يشرط عليه العمل فما شرط للعبد يكون للدافع. 2981 - وإن كان عبد المزارع، ولم يكن على العبد دين فما شرط للعبد

فصل التبن لمن؟

يكون للمزارع، وإن كان عليه دين فإن شرط عليه العمل جاز وصار كأنه دفع المزارعة إلى اثنين وإن لم يشرط عليه العمل فإن قياس قول أبي حنيفة ما شرط للعبد يكون لرب الأرض والبذور. 2982 - وفي قول أبي يوسف ومحمد ما شرط للعبد يكون لمولاه لأن المولى يملك كسبه وإن كان عليه دين، وهذا إذا كان البذر من قبل الدافع. فصل التبن لمن؟ 2983 - وحكى الطحاوي في المختصر إن التبن لصاحب البذر عند محمد. وروى عن أبي يوسف أنه لا يجوز حتى يكون التبن بينهما، وروى ذلك في الإملاء، ثم وجدنا محمدًا قد رجع إلى قول أبي يوسف. فصل الحصاد والدياس على من؟ 2984 - وإذا شرط الحصاد والدياس على المزارع فالمزارعة فاسدة. 2985 - وروى عن أبي يوسف أنه يجوز، وهو اختيار شيوخ خراسان وما وراء النهر لأن العادة أن يفعل ذلك. فصل اختلاف الحصة باختلاف ميعاد الزرع 2986 - وإن دفع أرضًا على أنه أن زرع في أول جمادي الأولى فللزارع

باب اختلافهما القول لمن في حصة المزارع

النصف، وإن زرع في آخره فله الثلث فالشرط الأول جائز، والثاني باطل عند أبي حنيفة، على قياس قول من أجاز المزارعة، وهو مثل اختلاف الإجارة فيكون عندهما الشرطان جائزين. باب اختلافهما القول لمن في حصة المزارع 2987 - وإذا اختلفا فقال الدافع شرطت لك النصف وقال المزارع النصف وزيادة عشرة أقفزة فالقول قول الدافع في قياس قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد القول قول المزارع. اختلافهما في العشر 2988 - وإن اختلفا في العشر فكله على رب الأرض في قياس قول أبي حنيفة. سرقة الزرع قبل حصاده أو بعده 2989 - وإن سرق الزرع بعدما حصد سقط عن رب الأرض نصف العشر وعليه أن يغرم نصف العشر. 2990 - وإن سرق قبل الحصاد سقط عنه الكل. 2991 - وقول أبي يوسف ومحمد العشر عليهما على قدر الخارج والشرط، وإن سرق سقط العشر ولا فرق فيما قبل الحصاد وبعده. فصل الغاصب يزرع الأرض 2992 - والغاصب إذا زرع الأرض فإن لم ينقص فالعشر على الزارع أو الخراج عندهم جميعًا، وإن نقصت الأرض فالعشر والخراج على رب الأرض عند أبي حنيفة، لأنه أخذ العوض عنها، وعندهما على المزارع في جميع الأحوال. وإذ قد ذكرنا مسائل المزارعة وذكرنا بعضًا من جملها وجب ذكر المساقاة.

كتاب المساقاة

كتاب المساقاة وهذا كتاب المساقاة 2993 - اعلم أن الخلاف في جواز المساقاة كالخلاف في المزارعة، فأبو حنيفة لا يجيزها بحال. 2994 - وأبو يوسف ومحمد يجيزانها على شراط منها أن تذكر مدة معلومة وجزء معلوم شائع من الثمر. 2995 - وهو قول الشافعي ومالك. 2996 - وسوى أبو حنيفة بينها وبين المزارعة في البطلان، سويا هما في الصحة والجواز. 2997 - وفرق الشافعي بين المزارعة وبين المساقاة فأجاز المساقاة وأبطل المزارعة، ولا فرق بينهما فيما ورد من الأثر والحاجة لأن النبي عامل بجزء من الخارج فاشية المزارعة. 2998 - وقال أبو حنيفة ينبغي أن نأخذ بالنهي وقد روي عن النبي عليه السلام أنه نهى عن المخابرة.

2999 - قال ابن الأعرابي ذلك مشتق من معاملة أهل خيبر ثم صارت بعد مستعملة حتى يقال للإجارة مخابرة وهما في معنى واحد فإذا أبطل أحدهما بطل الآخر. فصل 3000 - وأجازها الشافعي على النخيل والكرم في قوله الجديد، وقال في القديم تجوز على كل الثمار، وهو قول أبي يوسف ومحمد. 3001 - ومن الناس من قال لا تجوز إلا على النخل. 3002 - لأنها شجرة كالنخل. فصل 3003 - وأجاز أبو يوسف ومحمد المساقاة على الثمرة القائمة. 3004 - وهو قول الشافعي في الأم، لأنه إذا جاز على المعدوم فعلى الموجود أولى. 3005 - وقال الشافعي في (مختصر) البويطي لا تجوز لأن المساقاة عقد على غرر، وإنما أجيز على المعدوم للحاجة.

فصل مساقاة في أحد القراحين

فصل 3006 - وإذا دفع نخله مساقاة ولم يذكر المدة حمل على الثمرة التي تخرج في السنة استحسانًا عندنا. 3007 - وقال الشافعي لا تصح المساقاة. فصل مساقاة في أحد القراحين 3008 - ولا تجوز على ثمرة نخل غير معلوم بأن يقول ساقيتك في أحد القراحين، أما هذا أو هذا؛ لأنه (مجهول) عندنا فلا يصح مع الجهالة كالبيع ولا الإجارة. فصل لا مساقاة على ما لا حمل له 3009 - ولا يصح على شجر لا حمل له ولا يرجى ذلك منه لأنه لا عوض يسلم للعامل من حيث الظاهر. فصل حدوث الثمرة بعد المدة 3010 - ولو ساقى عشرة سنين فانقضت المدة ثم اطلعت ثمرة السنة العاشرة لم يكن للعامل فيها حق لأنها ثمرة حدثت بعد انقضاء المدة. 3011 - وإن اطلعت قبل انقضاء المدة وانقضت المدة وهي طلع أو بلح تعلق بها حق العامل لأنها حدثت في المدة. فصل لا تصح المساقاة إلا على جزء معلوم 3012 - ولا تجوز (المساقاة) إلا على جزء معلوم كالنصف والربع وما

فصل تناهي التمر

يجري هذا المجرى من الأجزاء المعلومة، لحديث ابن عمر أنه عامل على شطر الثمرة، والشطر النصف في ظاهر اللغة. فصل 3012 - ويجوز عندهما على سائر الشجر والنبات والرطبات وأصول الباذنجان لأن النبي عليه السلام عامل أهل خيبر على نصف الثمر، وهي بلاد لا تخلو من سائر ما ذكرناه؛ ولأنها جازت للضرورة، وهذا موجود فيما ذكرنا. فصل تناهي التمر 3014 - وإن كانت الثمرة تزيد بالعمل جازت المساقاة، وإن كانت قد تناهت لم تجز؛ لأنها إن زادت فقد وجد العمل الذي تزيد به فصحت، وفي الثاني بخلافه. فصل 3015 - ويكون للعامل أجر مثله لأنها إجارة فاسدة. فصل بطلانها بالموت 3016 - وتبطل عندهما بالموت. فصل الاغترار 3017 - وتفسخ بالاغترار كما تفسخ الإجارة. 3018 - وقال الشافعي لا تبطل، كما لا تبطل الإجارة عنده. فصل دفع الشريك نخله مساقاة 3019 - وقالا: لو دفع أحد الشريكين إلى شريكه نخلة مساقاة، لم يجز. 3020 - وقال الشافعي لا تصح إلا على عمل معلوم. وإن عمل لم يستحق الأجرة لأنه عمل في ملك نفسه فلا يجب له أجرة على غيره.

فصل ما تنعقد به المساقاة من الألفاظ

فإن قال: إن سقيته بالسيح فلك الثلث وأن سقيته بالناضخ فلك النصف لم يجز لأنه عقد على مجهول. فصل ما تنعقد به المساقاة من الألفاظ 3021 - وتنعقد بلفظ المساقاة وبما يؤدي إلى معناه؛ لأن القصد فيه المعنى دون اللفظ. فصل خيار الشرط في المساقاة 3022 - ولا يثبت عند الشافعي فيها خيار الشرط؛ لأنه إذا فسخ لا يمكن رد المعقود عليه. فصل خيار المجلس 3023 - وفي خيار المجلس لأصحابه وجهان. فصل معيار ما ينبغي على العامل عمله 3024 - وعلى العامل أن يعمل بما فيه مستزاد في الثمرة من التلقيح وضرب الجريد وإصلاح الأجاجين وتنقية السواقي والسقر (كذا) وقلع

فصل متى تملك الثمرة

الحشيش المضر بالنخل وعلى رب النخل ما فيه حفظ الأصل من سد الحيطان ونصب الدولاب وشراء الثيران؛ لأن ذلك يراد لحفظ الأصل. 3025 - واختلف في الجذاد واللقاط فمنهم من قال لا يلزم العامل بل يكون عليهما، كما يكون الحصاد عليهما لأن ذلك يحتاج إليه بعد الكمال، ومنهم من قال يلزم العامل لأنه لا تستغني الثمرة عنه. فصل 3026 - وأن شرط أن يعمل معه غلمان رب الأرض لم يصح لأن عمل الغلام كعمل المالك. 3027 - ومنهم من قال يجوز لأنهم ماله فهم كالثور والدولاب. فصل متى تملك الثمرة 3028 - ويملك العامل الثمرة بالظهور، كما يملك في المضاربة. 3029 - ومن أصحاب الشافعي من خرّج ذلك على القولين في العامل في المضاربة. 3030 - ومنهم من قال: يملك في المساقاة قولاً واحدًا لأن الثمرة لم تجعل وقاية لرأس المال. فصل العامل أمين 3031 - والعامل أمين فيما يدعى عليه من هلاك أو خيانة لأن رب المال أئتمنه في ذلك فهو كالمودع. فصل ثبوت خيانة العامل 3032 - وإذا ثبتت خيانة ضم إليه من يحفظه، ولا تزال يده لأن العمل مستحق عليه.

فصل اختلافهما في العوض

فصل 3033 - وإن هرب رجع الأمر إلى الحاكم ليستأجر عنه من يعمل عنه بدله. فصل 3034 - وإذا عمل العامل، وتقاسما الثمرة ثم استحق النخل، رجع العامل على من ساقاه بالإجرة لأن الغرض لم يسلم له، وقد غره فلزمه الضمان. فصل اختلافهما في العوض 3035 - وإذا اختلفا في العوض المشروط فقال العامل: شرطت النصف، وقال رب العمل شرطت الثلث، فقياس قول أبي حنيفة أن يكون القول قول رب النخل. 3036 - وقياس قولهما أن يكون القول قول العامل كما قالا في المزارعة. 3037 - وعند الشافعي يتحالفان قياسًا على البيع. 3038 - وعندنا القياس في البيع أن لا تحالف وإنما تركناه للأثر. 3039 - وإذ قد ذكرنا عقود المعاوضة من الطرفين وجب ذكر ما ليس له عوض من أحدهما وهذا يكون في الهبة.

كتاب الهبة

ما ليس له عوض من أحدهما من العقود جواز الهبة كتاب الهبة 3040 - اعلم أن الهبة في الجملة عقد جائز في الشرع. تعريف 3041 - وهي عقد في سائر الأزمان جائز، وإن اختلف في شروطها ومواضع صحتها وهي عقد على مال من أحد الطربين وثواب من الجانب الآخر. الندب إلى الهبة 3042 - وهي مندوب إليها. وقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: - تهادوا وتحابوا. وهي للأقارب أفضل كما روى عبد الله عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: - الراحمون يرحمهم الله، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء،

فصل الإيجاب والقبول

الرَحمِ شِجنَة فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله. 3043 - وأجمعت الأمة على جواز الهبة. فصل الإيجاب والقبول 3044 - ونفتقر إلى إيجاب وقبول، ولا تصح بغير ذلك. 3045 - وقد قال الأصم وصاحبه تصح بغير قبول، وهو قول الحسن والشعبي، كما تصح البراءة والعتق بغير قبول لأنه إسقاط حق فلا تفتقر إلى قبول كالعتق. 3046 - وهذا لا يصح لأنه عقد تمليك فافتقر إلى إيجاب وقبول كالبيع والنكاح. فصل القبض في الهبة 3047 - ولا تلزم من غير قبض، وبه قال الشافعي، ومالك قال تلزم من غير قبض، كما يلزم البيع ولأنها عقد تبرع فافتقر إلى معنى آخر ينضم إليه كالوصية.

فصل القبض في المجلس

فصل القبض في المجلس 3048 - وإذا وهب عينًا فقبضها في المجلس بغير إذن ملكها، وفي رواية أنه لا يملكها حتى يأذن له في القبض. 3049 - ومن أصحابنا من قال في ذلك قياس واستحسان، القياس أن لا يملك وبه قال الشافعي لأن القبض في الهبة يقف عليه تمام العقد فهو كالقبول والاستحسان أن المقصود بالهبة التمليك والعقد إذن فما يتم به الملك كالإيجاب إذن في القبول. القبض بعد المجلس 3050 - ولا يجوز أن يقبض بعد المجلس إلا بإذن في قولهم جميعًا؛ لأن ذلك يجري مجرى القبول ولا يصح القبول بعد التفرق، كذلك هذا. 3051 - وأن أذن له في القبض فقبض بعد التفرق ففيه قياس واستحسان، القياس أن لا يصح لأن الإذن لا يثبت حكمه بعد التفرق كما لا يثبت حكم القبول، والاستحسان أن يجوز كما لو أذن له في قبض البيع جاز بعد التفرق كذلك هذا، وفيه خبر مروي. فصل ما تجوز هبته 3052 - وكل عين تجوز هبتها يجوز بيعها وليس كل ما جاز بيعه تجوز

فصل هبة ما لم يره

هبته لأن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تجوز عند أبي حنيفة، وتجوز عند الشافعي، والدين في الذمة تجوز هبته ولا يجوز بيعه من غير من هو عليه. فصل هبة ما لم يره 3053 - وهبة ما لم يره جائز إذا سلم الموهوب إليه؛ لأنه يجوز في البيع عندنا. 3054 - وقال الشافعي ما لا يجوز هبته من المجهول لا يصح [بيعه] وكذلك كا ما لا يقدر على تسليمه وما لم يتم ملكه عليه كالمبيع قبل القبض لأنه يقصد به الملك كالبيع. فصل التعليق على شرط مستقبل 3055 - ولا يجوز تعليقها على شرط مستقبل كالبيع. فصل وجوب القبول في المجلس 3056 - والقبول في الهبة على المجلس. 3057 - ومن أصحاب الشافعي من قال، هو على الفور، قالوا وهو الصحيح. 3058 - وقال أبو العباس يصح على التراخي.

فصل ألفاظ الهبة

فصل ألفاظ الهبة 3059 - وتصح بلفظ الهبة بأن تقول وهبت لك أو أعطيتك أو ملكتك أو نحلتك أو منحتك أو أبحتك أو أعمرتك فكل ذلك جائز. فصل العمرى 3060 - وقال الشافعي إن قال: أعمرتك هذه الدار حياتك أو جعلتها لك عمرك ولعقبك من بعدك فهذه عطية صحيحة تتم بالإيجاب والقبول وتملك بالقبض كما نقول نحن في ذلك؛ لأن عليه السلام قال: - أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ ولأنه أعطى عطاء وقع في المواريث.

فصل الرقبي

3061 - وإن قال: أعمرتك هذه الدار حياتك، ولم يشترط شيئًا ففيه قولان: القديم هو باطل. والجديد هو جائز صحيح، وهو قولنا يكون للمعمر في حيازته ولورثته بعده وهو الصحيح لخبر جابر لأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك. 3062 - فإن قال: أعمرتك حياتك فإن مت عادت إلي إن كنت حيًا وإلى ورثتي إن كنت ميتًا، فعلى قولين: أحدهما يصح ويبطل الشرط وهو قولنا. الثاني: يبطل لأنه قد نفى مقتضى العقد. فصل الرقبي 3063 - وأما إذا قال: أرقبتك هذه الدار، أو: داري لك رقبي، وهي أن يقول إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك. قال أبو حنيفة ومحمد ذلك باطل، ولا يملك. 3064 - وقال أبو يوسف جائز.

فصل العطية لبعض الولد

3065 - وهو قول مالك. وأحد قولي الشافعي. فصل العطية لبعض الولد 3066 - ويكره أن يخص بعض ولده بالعطية فإن فعل جاز. 3067 - وقال بعض الفقهاء لا يجوز. 3068 - وقد روى خبر النعمان بن بشير مختلفًا فروى فيه أنه قال: أكل ولدك فعلت به هكذا؟ فقال لا، فقال: أشهد غيري، وهذا يدل على الجواز، وروى أنه قال: لا أشهد على جور. فصل التسوية بين الأولاد في الهبة 3071 - ومن وهب لذي محرم منه فليس له أن يرجع فيما وهب. 3072 - وقال الشافعي يرجع الأب والجد والأم والجدة ولا يرجع سائر الأقارب المحرم مناكحتهم لأجل النسب كالأخ والأخت. فصل رجوع الأجنبي فيما وهب 3073 - ويرجع الأجنبي فيما وهب.

فصل لا رجوع لأحد الزوجين فيما وهب

3074 - وقال الشافعي لا يرجع الأجنبي بحال؛ لأنه عقد تبرع فجاز الرجوع فيه كالعارية. فصل لا رجوع لأحد الزوجين فيما وهب 3075 - ولا يرجع أحد الزوجين فيما وهب. 3076 - خلاف مالك في الزوجة أنها ترجع دون الزوج. 3077 - لأنها أحد الزوجين فلا ترجع فيما وهبت كالزوج. فصل الرجوع في هبته لأخيه 3078 - وإذا وهب لأخيه وهو عبد فله أن يرجع فيها في قولهم جميعًا. 3079 - وأن وهب لعبد أخيه هبة فله الرجوع عند أبي حنيفة. 3080 - وعند أبي يوسف ومحمد لا يرجع لأن الملك يحصل للأخ. فصل هبة المشاع 3081 - وإذا وهب لرجلين دارًا أو ألف درهم أو كلما يحتمل القسمة لم يجز عند أبي حنيفة لأنه هبة مشاع فيما يحتمل القسمة.

فصل هبة الدين والإذن بقبضه

3082 - وعند أبي يوسف ومحمد يجوز وهو قول الشافعي. 3083 - واتفقوا أنه لو وهب نصف عبد أو مالاً يقسم إنه يجوز. 3084 - ولو تصدق بعشرة دراهم على غنيين فهو مثل الهبة عند أبي حنيفة. وإن كانا فقيرين جاز. 3085 - وقال أبو يوسف ومحمد يجوز في الوجهين؛ لأن الملك يخرج جملة واحدة من مال الواهب. فصل 3086 - ولو وهب لأحدهما الثلث وللآخر الثلثين لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف. 3087 - وجاز عند محمد. 3088 - فرق أبو يوسف بين هذه المسألة والتي قبلها؛ لأن هذا غير مطلق العقد؛ لأن مطلق العقد يقتضي التساوي. 3089 - ومحمد يقول هذا تفسير لما تناوله العقد فهو كما لو قال: لك النصف وله النصف. فصل هبة الدين والإذن بقبضه 3090 - وإذا وهب دينًا على رجل وأذن له في قبضه جاز استحسانًا. والقياس أن لا يجوز. 3091 - لأنه حق مادام في الذمة فلا تجوز هبته كالمنافع. ووجه المذهب أن قبضه يقوم مقام قبض الواهب فيصير كأنه قبض ووهب.

فصل هبة دقيق في حنطة إلخ

فصل هبة دقيق في حنطة إلخ 3092 - وإن وهب دقيقًا في حنطة أو دهنًا في سمسم لم تجز الهبة، وإن طحن أو استخرج الدهن لأن الفساد في نفس المعقود عليه، ولهذا لا يجوز العقد عليه في غير الهبة. فصل العين في يد الموهوب له 3093 - وإذا كانت العين في يد الموهوب له ملكها ولا يحتاج إلى تجديد قبض استحسانًا، والقياس أن لا يجوز حتى يخلي بين نفسه وبين الهبة. 3094 - لأن القبض السابق يستدام حكمه، وهو موجود عقب العقد، وهذا في الوديعة وكل ما هو أمانة، وإن كان مضمونًا كالغصب صار قابضًا بنفس العقد. 3095 - وقد قالوا في الوديعة إذا باعها من المودع أن يحتاج إلى أن يمضي زمان يصير به قابضًا بأن يخلى بين نفسه وبينها؛ لأن يد المودع يد لمودعه. 3096 - وقالوا في العين المغصوبة تدخل في ضمانه بنفس العقد لأنه قبض مضمون فهو كالمقبوض لأجل البيع. فصل الرجوع في هبة تصدق بها الموهوب له 3097 - وإذا وهب الرجل ثوبًا أو عبدًا فجعله الموهوب له صدقة جاز للواهب الرجوع عند أبي حنيفة ومحمد. 3098 - وقال أبو يوسف لا يجوز له الرجوع لأنه زال ملكه بذلك واستحق عينه، وعند أبي حنيفة له أن يبدله بغيره فلم يلزم الحق فيه. فصل ما يفتقر إليه الرجوع في الهبة 3099 - والرجوع في الهبة يفتقر إلى قضاء أو رضاء، ولا يملك الرجوع بمجرد قوله.

فصل تكييف الرجوع في الهبة

3100 - خلاف ما قاله الشافعي أنه يملك؛ لأن هذا مختلف فيه فافتقر إلى حكم الحاكم كالفسوخ المختلف فيها. فصل تكييف الرجوع في الهبة 3101 - وهل ذلك تمليك مبتدأ أو فسخ العقد؟ فيه روايتان. 3102 - وفائدة ذلك إذا رجع في الهبة والموهوب له مريض، فإن كان بقضاء جاز وإن كان برضاء فهو بمنزلة هبة مبتدأه تعتبر من ثلثه، وتبطل إن كان عليه دين. 3103 - وفي الرواية الأخرى، وسواء بين القضاء والرضا. فصل هل يجمع بين الهبة والصدقة في مال بعينه؟ 3104 - رجل أعطى رجلاً دارًا على أن نصفها هبة ونصفها صدقة فهو جائز عند أبي حنيفة. 3105 - وقال زفر لا يجوز لأن الهبة والصدقة سواء في القبض. فصل تعلم العبد الموهوب زيادة تمنع الرجوع 3106 - واختلف في العبد إذا تعلم الخبز والكتابة أو القرآن هل يمنع الرجوع في الهبة أم لا؟ قال أبو يوسف يمنع الرجوع. 3107 - وقال زفر لا يمنع، ذكره في اختلاف زفر؛ لأن التعليم زيادة فيه فهو كما لو زاد في عينه.

فصل اختلافهما في الزيادة

فصل اختلافهما في الزيادة 3108 - وإذا اختلفا فقال الواهب وهبت العبد لك كبيرًا. وقال الموهوب له: وهبتني صغيرًا فكبر ومهزولاً فسمن فلا رجوع لك على ما فيه فالقول قول الواهب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. 3109 - وقال زفر: القول قول الموهوب له. 3110 - واتفقوا أنهما لو اختلفا في الصبغ فقال الواهب وهبته مصبوغًا، وقال الموهوب له أنا صبغته إن القول قول الموهوب له لأن الصبغ زيادة غير حاضرة. فصل قبض الأب ووصية للصغير إلخ 3111 - ويقبض الأب لابنه الصغير من نفسه ومن غيره، وكذلك وصى الأب بعده والجد ووصيه، وسائر من له ولاية على الصبي. 3112 - ويجوز قبض الأم له إذا كان في حجرها. 3113 - ولا يجوز قبض من ليس في حجره وإن كان ذا رحم له محرماه. قبض الصغير لنفسه 3114 - وإن قبض الصبي لنفسه وهو يعقل جاز قبضه. 3115 - وإن قبض في حال حياة الأب جاز استحسانًا والقياس أن لا يجوز لأن عليه ولاية لغيره. فصل موانع الرجوع 3116 - ويمنع الرجوع: الزيادة المتصلة، والعوض وموت أحد المتعاقدين وخروج الشيء من ملك الموهوب له، وما يجري هذا المجرى.

فصل هبة اثنين لواحد وواحد لاثنين

فصل هبة اثنين لواحد وواحد لاثنين 3117 - وإذا وهب اثنان دارا لواحد جاز عند أصحابنا جميعًا. 3118 - وإن وهب الواحد لاثنين لم يجز عند أبي حنيفة، وجاز عندهما. فصل شرط العوض في الهبة 3119 - وإذا شرط العوض لم تبطل الهبة. 3120 - وفي أحد قولي الشافعي تبطل. 3121 - لأن كل عوض جاز من غير شرط جاز مع الشرط كالنكاح. فصل حمل أحكام الهبة بشرط العوض. 3122 - والهبة بشرط العوض عقدها عقد هبة وجوازها جواز البيع. 312 - وقال زفر تصير عقد بيع فيلزم العقد، ومتى استحق العوض رجع فيما وهب، وإن استحق بعضه لم يرجع لأن الباقي يجوز أن يكون عوضًا ابتداء إلا أن يرد ما بقي لأنه لم يسلم له العوض. وكذلك إن وجد به عيبًا. فصل اختلافهما في كونهما بعوض 3124 - واختلفوا فيه إذا قال الواهب وهبتك بعوض وقال الموهوب له وهبتني بغير عوض. فمنهم من قال القول قول الواهب، وهو المذهب عندنا لأنه لم يقر بخروج العين من ملكه إلى الموهوب له.

فصل الإبراء من الدين

3125 - ومنهم من قال القول قول الموهوب له لأن الواهب أقر بالهبة وادعى العوض والأصل عدمه. فصل الإبراء من الدين 3126 - ويصح إبراءه من الدين وإن لم يقبل الذي عليه. ومن أصحابنا من قال لا يفتقر إلى قبول ويبطل بالرد، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه. ومنهم من قال يبطل بالرد ويفتقر إلى قبول كالبيع والنكاح، وهو قول زفر، والأول أصح لأنه إسقاط حق كالعتاق والطلاق. 3127 - ويصح في المجهول. 3128 - وقال الشافعي لا يصح في المجهول. 3129 - لأنه إسقاط حق فصح في المجهول كالطلاق والعتاق. فصل الصدقة بجميع ماله 3130 - وإذا قال الرجل جميع مالي صدقة، فإنه يتصدق بجميع ماله الذي يجب فيه الزكاة استحسانًا؛ لأن النذور محمولة على أصول الواجبات في أصل الشرع، والزكاة تجب في بعض المال دون بعض فكذلك هنا. 3131 - والقياس أن يتصدق بجميع ماله، وهو قول زفر لأن الجميع ماله، وقد دخل تحت لفظ الصدقة. فصل قوله ما أملك صدقة 3132 - ولو أنه قال: ما أملك صدقة، تصدق بجميع ماله، واتفق قولنا وقول زفر.

فصل لا عوض في الهبة لمن هو دونه

3133 - وذكر أبو الليث في خلافة لأصحابنا عن أبي يوسف أنه قال. إن قال: ما أملك تصدق بالكل كما قال زفر، وإن قال مالي صدقة تصدق بمال التجارة والسوائم. 3134 - وفي قول مالك يتصدق بثلث ماله. 3135 - وعن الشافعي يلزمه كفارة يمين، ولا يتصدق بشيء. فصل لا عوض في الهبة لمن هو دونه 3136 - وقال أصحاب الشافعي: إذا وهب لمن هو دونه لم يلزمه أن يثيبه بعوض لأن القصد الصلة، فلم تجب الزكاة. 3137 - وكذلك إن وهب النظير لم يجب العوض لأن المقصود المحبة وتأكيد الصداقة. 3138 - وإن وهب لمن هو أعلى منه ففيه قولان: قال في القديم يلزمه أن يثيبه بعوض لأن مقصود العقد التماس العوض فصار العرف كالمشروط. وقال في الجديد لا يجب لأنه تمليك بغير عوض فأشبه النظير وهذا قولنا، وهو الصحيح. 3139 - وكتاب الهبة من الكتب الكبار لأصحابنا وفيه مسائل مشكلة وفروع مختلفة ومسائل من الدور، وذكر ما فيه فلا يمكن، وفي الذي ذكرت أصول وبعض الفروع، والواقع من المسائل. وإذ قد ذكرنا هبة الأعيان وكانت العارية هبة المنافع وجب ذكرها.

كتاب العارية

كتاب العارية وهذا كتاب العارية. العارية قربة 3140 - العارية قربة مندوب إليها. تعريف 3141 - وهي عقد على المنافع بغير بدل يحصل للمالك إلا الشكر والثواب. أساسها في السنة 3142 - وقد استعار النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية درعًا وقال عليه السلام: العارية مردودة. وقال له صفوان: أغصب يا محمد! فقال: بل عارية مؤداة. وروي مضمونة ومؤداة. أساسها من الإجماع 3143 - وهو إجماع من العلماء لا يختلفون في جوازها. هل للمستعير أن يعير 3144 - وإذا أطلق العارية فللمستغير أن يعيرها لغيره؛ لأن إطلاقه يقتضي الرضا بالاستعمال. 3145 - وأن عين المستعمل وخصه فله أن يعير لمن لا يختلف الاستعمال.

3146 - ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان في الجواز. أحدهما مثل قولنا. والثاني لا يجوز؛ لأنه مستعير فلا يعيرها كما لو عين ولم يطلق. 3147 - وقال أصحابنا قد ملكه المنافع فجاز أن يستوفيها بغيره كالرضا له بالمنفعة. العارية لا تؤجر 3148 - ولا يجوز له أن يؤجرها لأن الإجارة عقد لازم فلا تصح في العارية لأنها لا تلزم، ويصح للمعير الرجوع عنها فتبطل الإجارة. الاستيفاء بنفسه 3149 - وقد يجوز أن يستوفي بنفسه، ولا يؤجرها لغيره، كما أن الطعام إذا قدم لرجل جاز له الأكل ولا يجوز له البيع. تمليك أم إباحة 3150 - واختلف أصحابنا هل هي تمليك للمنافع أو إباحة للتصرف؟ فحكى عن الكرخي رحمه الله أنها إباحة وعن الرازي أنها تمليك. 3151 - ولو ملكت جاز أخذ العوض عنها كهبة العين. ما يعار 3152 - وكل عين لها منفعة تبقى العين بعد الاستيفاء فعاريتها جائزة، كالحيوانات والرقيق والداوب والعقار والدور والضياع وآلات الصناع ومتاع البيت.

3153 - وما لا منفعة له من الأعيان فلا تجوز عاريته لأنه لا منفعة فيه، والعارية إنما هي إباحة المنافع. ما يعد قرضًا لا عارية 3154 - وإن استعار دراهم أو دنانير أو مكيلاً أو موزونًا وأطلق العارية فإن ذلك قرض؛ لأن المنفعة لا تمكن بغير ذلك ولا يمكن إلا بالاتفاق، وقد ذكر لفظ يقتضي الرجوع فصار كأنه صرح بلفظ القرض. التقيد بقول المعير 3155 - وإن قال: تعير بها المكيال أو الميزان أو تتجمل بهما أو تزين الدكان فليس له إنفاقها ولا التصرف فيها إلا بما قال لأنه حجر عليه ومنعه من التصرف. العارية أمانة 3156 - وهي عندنا أمانة غير مضمونة. شرط الضمان 3157 - وإن شرط الضمان: فمن أصحابنا من قال تصير مضمونة. وحكاه الشافعي عن محمد بن الحسن. 3158 - وقال غيره ليست بمضمونة، وإن شرط الضمان. 3159 - وقال الشافعي: هي مضمونة في جميع الأحوال. 3160 - لأنه قبضها بلا إذن مالكها لا على وجه الوثيقة والبدل كالوديعة. 3161 - وقد قالوا: لو تلفت بالاستعمال إلا جزاءًا لم يضمن. كيفية الضمان واختلف أصحاب الشافعي في كيفية الضمان فمنهم من قال: يضمن عند الهلاك، وهو الصحيح.

فصل ولد المستعار

ومنهم من قال أعلا ما كانت قيمتها كالمغصوب هذا إذا كانت من ذوات القيم. فإن كانت من ذوات الأمثال- وقالوا فيما لا مثل له إنه يضمن بأكثر ما كانت قيمته- لزمه مثلها. وإن قالوا إنه يضمن قيمته يوم التلف ضمنها بقيمتها. فصل ولد المستعار 3162 - واختلف في ولد المستعار: فمنهم من قال هو مضمون لأن الأصل مضمون كالغصب. ومنهم من قال لا يضمن لأنه لم يدخل في الإعارة. 3163 - وعندنا لا يضمن لأنه حدث بغير فعله وتلف بغير فعله من غير مطالبة من له الحق كولد الوديعة. فصل ضمان العارية بالتعدي 3164 - واتفق الفريقان أن العارية تضمن بالتعدي فيها كما تضمن الوديعة. 3165 - وتضمن بالجحود؛ لأن ذلك تضمن به سائر الأمانات، فكذلك العارية. فصل ضمان مستعير المغصوب 3166 - ومن غصب عينًا فأعارها والمستعير لا يعلم فتلفت في يده فضمن المالك المستعير فليس له أن يرجع على الغاصب. 3167 - وهو قول الشافعي، وسمعت شيخنا قاضي القضاة رحمه الله يحكي في الدروس أنه يرجع على الغاصب في رواية، وسواء بينه وبين المودع للغاصب

فصل الرجوع في العارية

إذا ضمن، والصحيح أنه لا يرجع، وهذا في ضمان العين. ضمان أجرة المنافع 3168 - وقال أصحاب الشافعي: فإن ضمنه أجرة المنفعة فهل يرجع على الغاصب؟ قولان على القولين فيمن غصب طعامًا وقدمه إلى مالكه أحدهما يرجع لأنه غيره والثاني لا يرجع لأن المنافع تلفت تحت يده. فصل الرجوع في العارية 3169 - ويجوز للمعير أن يرجع في العارية بعد القبض. 3170 - وللمستعير أن يرد لأن ذلك إباحة فجاز لكل واحد منهما رده كإباحة الطعام، وهذا لا خلاف فيه. فصل مؤونة الرد 3171 - وإذا فسخ العقد وجب مؤونه الرد على المستعير لقوله عليه السلام. عارية مؤداة. ولأنه يجب الرد عليه كالمغصوب إذا طلبه فصل متى يبرأ بالرد من الضمان 3172 - وإذا ردها إلى المعير أو وكيله أو الدابة إلى اصطبلها والعين إلى دار مالكها أو سلمها إلى أحد من عياله ومن جرت العادة بحفظ ماله برئ من الضمان. 3173 - وقال الشافعي لا يبرأ حتى يرد على المالك ووكيله؛ لأن هذا حكم العادة في العواري.

فصل استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله

3174 - وقد فرق أصحابنا بين ذلك وبين من استعار الحلي والجوهر فقالوا فيه ما قال الشافعي لأن العادة ألا ترد إلى الدار. 3175 - وقالوا في الوديعة لو ردها إلى داره لم يبرأ من الضمان؛ لأن المودع لم يرض بمن في داره لحفظها فصار مفرطًا. فصل استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله 3176 - ومن استعار عينًا فله أن يستوفي منفعتها بنفسه وبوكيله لأن يده قائمة مقام يد المستعير. التوقيت والإطلاق 3177 - وتجوز الإعارة مطلقة ومؤقتة. 3178 - ولا يجوز في الإجارة الإطلاق. 3179 - لأنه إباحة فجاز مطلقًا ومعينًا كإباحة الطعام. فصل ما لمستعير الأرض 3180 - وإذا قال: أعرتك هذه الأرض لتنتفع بها جاز له أن يزرع ويغرس لأن الإذن عام مطلق. فصل ما يجوز عند تعيين الانتفاع 3181 - وأن عين له ما يفعل، جاز له فعله وفعل ما هو أقل ضررًا منه، كما قلنا في الإجارة. والغرس أكثر ضررًا من الزرع، والبناء أكثر من الغرس.

فصل رجوع من أذن بالبناء والغرس

فصل رجوع من أذن بالبناء والغرس 3182 - وإذا أذن له في الغرس والبناء فبنى أو غرس فله أن يرجع، ويكلفه القطع بغير ضمان؛ لأن هذا مقتضى العارية. 3183 - وإن وقت العارية، فله المطالبة بالقلع بعد المدة بغير ضمان، وفي المدة يضمن. 3184 - وقال زفر لا ضمان عليه وقت أو لم يوقت. 3185 - وقال ابن أبي ليلى عليه الضمان وقت أو أطلق. 3186 - وقال الشافعي ليس له ذلك إلا بشرط الضمان. 3187 - لأنه عندنا غير مغرور فلا يجب الضمان. فصل اشتراط القلع 3188 - واتفق الفريقان على أنه إذا شرط عليه القلع أنه يقلع بغير ضمان لقوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم. 3189 - فإن كان يضر بالأرض فللمالك أن يعطيه قيمة ذلك مقلوعًا عندنا ويملك الغرس والبناء. 3190 - وقال الشافعي: لا يلزمه تسوية الأرض لأنه لما شرط القلع فقد رضي بما يحصل بالقلع من الحفر، ولأنه مأذون فيه فلا يلزم الضمان. فصل نقصان قيمة الغرس 3191 - وقال: إن نقصت قيمة الغرس ولم يكن اشتراط القلع فإن اختار المستعير القلع كان له ذلك لأنه ملكه فملك نقله، فإذا قلعه فهل يلزمه تسوية الأرض؟ فيه وجهان:

فصل دخول المعير في الأرض

أحدهما لا يلزمه لأنه رضى لما علم بما يؤول إليه القلع، والثاني يلزمه لأن القلع باختياره لأنه لو امتنع لم يجبر عليه فلزمه تسوية الأرض، ويجبر المستعير على القلع إذا ضمن نقض ذلك القلع. فصل دخول المعير في الأرض 3192 - قالوا- أعني أصحاب الشافعي- وإذا أقررنا الغراس في ملكه فأراد المعير أن يدخل إلى الأرض ليتفرج أو ليستظل بالغرس لم يكن للمستعير منعه؛ لأن الذي استحق المستعير مواضع الغرس، فأما البياض فلا حق له فيه فجاز للمالك التصرف فيه. 3193 - وإذا أراد المستعير دخولها نظرت: فإن كان للفرجة لم يجز لأنه قد رجع في الإعارة فلا يجوز دخولها من غير إذن، وإن كان لإصلاح الغرس أو أخذ الثمرة ففيه وجهان: أحدهما لا يملك لأن حقه إقرار الغرس والبناء دون ما سواه. والثاني أنه يملك، قالوا وهو الصحيح؛ لأن الإذن في الغرس إذن فيما يعود بصلاحه وأخذ ثماره. فصل 3194 - قالوا: وإن أراد المعير بيع الأرض جاز لأنه لا حق فيها لغيره فجاز بيعه. 3195 - وإن أراد المستعير بيع الغرس من غير المعير ففيه وجهان: أحدهما يجوز لأنه ملك له لا حق لغيره فيه. والثاني لا يجوز لأن ملكه غير مستقر لأن للمعير أن يبذل له القيمة ويقلعه أو يأخذهما لنفسه. 3196 - قالوا: والأول أصح لأنه بمنزلة الشخص المشفوع.

فصل هل التفريط شرط في المسؤولية؟

فصل هل التفريط شرط في المسؤولية؟ 3197 - وقالوا: وإن حمل السيل طعام رجل إلى أرض آخر فنبت فيها فهل يجبر صاحب الطعام على قلعه؟ فيه وجهان أحدهما لا يجبر لأنه غير مفرط في إنباته. والثاني يجبر وهو الصحيح. وهو قياس قولنا. لأنه أشغل ملك غيره بملكه من غير إذن فأجبر على إزالته كما لو انتشر شجره في دار غيره. فصل اختلافهما حول دابة أمعارة هي أم مستأجرة؟ 3198 - وإذا ركب دابة غيره ثم اختلفا فقال المالك أكريتكها على الأجرة. وقال الراكب بل أعرتنيها فلا أجرة لك فالقول قول الراكب. 3199 - وهو قول الشافعي في كتاب العارية. 3200 - وقال أصحابه: أنه قال في كتاب المزارعة أن المزارع إذا ادعى العارية والمالك الإجارة إن القول قول المالك. فمن أصحابه من حمل كل مسألة على ظاهرها. ومن أصحابه من نقل جواب كل مسألة إلى أخرى وجعلها على قولين. 3201 - لأن المنافع عندنا لا تقوم بغير عقد، والأصل براءة الذمة وفراغ الساحة ولم يوجد ما يستحق الأجرة، وإذا جعلوا القول قول المالك حلف واستحق الأجرة.

فصل قدر الأجرة

فصل قدر الأجرة 3202 - وفي قدر الأجرة وجهان: أحدهما يجب المسمى لأنه قبل قوله فيها وحلف عليها. والثاني تجب أجرة المثل وهو الصحيح. 3203 - قالوا وإن نكل عن اليمين لم ترد على المتصرف لأن اليمين إنما ترد ليستحق بها حق، والمتصرف لا يدعي حقًا فلم ترد عليه. 3204 - قالوا: فإن قلنا إن القول قول المتصرف حلف وبرئ من الأجرة، فإن نكل ردت اليمين على المالك، فإذا حلف استحق المسمى وجهًا واحدًا لأن يمينه بعد النكول كالبينة في أحد القولين وكالإقرار في الآخر، وأيهما كان وجب المسمى. فصل تلف الدابة بعد الركوب 3205 - وإن تلفت الدابة بعد الركوب ثم اختلفا: فمن جعل القول قول المالك حكم بالأجرة. ومن جعل القول قول الراكب فمنهم من حكم عليه بأقل الأمرين من الأجرة والقيمة لاتفاقهما على استحقاقه، ومنهم من قال لا يلزمه شيء لأنه لا يدعي القيمة والأجرة لا تستحق عليه. فصل ادعاء المالك الغصب والمتصرف العارية 3206 - وإذا قال المالك غصبتها فعليك الأجرة وقال المتصرف بل أعرتنيها فلا أجرة على، فإن المزني نقل عن الشافعي أن القول قول المستعير، ومن أصحابه من قال المسألة على طريقين: أحدهما الفرق بين الأرض والدابة ومنهم من قال الجمع على قولين: لأن الخلاف في وجوب الأجرة.

فصل خلافهما بعد الهلاك

فصل خلافهما بعد الهلاك 3207 - فإن كان الخلاف بعد الهلاك فالقول قول المالك لأنه لم يقر بما يوجب سقوط حقه والراكب يدعي عقدًا يسقط الضمان فلا يقبل قوله. فصل 3208 - وإن اختلفا فقال المالك أعرتك وقال الراكب بل أجرتنيها فالقول قول المالك لأنهما اتفقا أن الملك له واختلفا في صفة الانتقال فكان القول قول المالك، ولا فرق بين أن تكون باقية أو هالكة عندنا. 3209 - وقال أصحاب الشافعي إن كانت العين قد تلفت نظرت فإن لم تعين مدة لمثلها أجرة فإن المالك يدعي القيمة والراكب يقر بأجرة، فإن كانت القيمة أكبر من الإجرة لم يستحق حتى يحلف. 3210 - وإن كانت القيمة مثل الأجرة أو أقل منها ففيه وجهان أحدهما يستحق من غير يمين لأنهما اتفقا على الاستحقاق، والثاني لا يستحق من غير يمين لأنه أسقط من الأجرة، وهو يدعي القيمة بحكم العارية والراكب ينكر فلم يستحق من غير يمين. فصل ادعاء المالك الغصيب والراكب الإجارة 3211 - وإذا قال المالك: غصبتها. وقال الراكب بل أجرتنيها فالقول قول المالك لأن الأصل عدم الإجارة، فإن كانت موجودة ردها ولا شيء عليه وإن كانت تالفة غرم القيمة. 3212 - وفي هذا الكتاب مسائل كثيرة، وفي الذي ذكرت أصوله وبعض الفروع. ولما كان إحياء الموات يملك بغير عوض، وكان ذلك يفتقر إلى إذن الإمام ولا يفتقر إلى إذن أحد صار في معنى التبرع فوجب أن يذكر ههنا.

كتاب إحياء الأموات - كتاب إحياء الموات

كتاب إحياء الأموات! وهذا كتاب إحياء الأموات! 3213 - اعلم أن الموات كل أرض بطل الانتفاع بها إما لعدم الماء وخراب الأنهار أو لكثرة الماء كالبطائح والصروات. تحديد معنى الإحياء 3214 - والإحياء هو أن يجعلها منتفعًا بها. 3215 - وحقيقته فيما كان عامرًا فخراب؛ لأنه يبطل الانتفاع به كما يبطل الانتفاع بالحيوان إذا مات، غير أن موت الحيوان يبطل ملك المالك عنه، وخراب الأرض لا يزيل ملك المالك عنها. فصل ما لا يجوز إحياؤه لغير مالكه 3216 - وكل أرض لها مالك معين من المسلمين أو أهل الذمة أو موقوفة على بعض فإنه لا يجوز إحياؤها لغير مالكها بلا اختلاف. فصل ما يجوز إحياؤه 3217 - وما لا يعرف له مالك معين، وإن كان عليه أثر العمارة فإنه يجوز إحياؤه لقوله عليه السلام: - "من أحيا أرضًا ميتة فهي له".

فصل ما قرب من العامر

3218 - وقال أصحاب الشافعي: الإحياء على ثلاثة أوجه: 3219 - منها ما باد ولم يعرف مالكه كالحرز العادي، فإنه يجوز إحياؤه لقوله: - "عادي الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعد". رواه طاووس. 3220 - وهذا قولنا. 3221 - فإن كان في دار الإسلام فهو كاللقطة وإن كان في دار الحرب فهو كالركاز. 3222 - والوجه الثاني انه لا يملك بالإحياء لأنه إن كان في دار الإسلام فهو لمسلم، أو ذمي، أو لبيت المال فلا يجوز إحياؤه. وإن كان في دار الحرب جاز أن يكون لكافر إذا لم تبلغه الدعوة فلا يحل ماله بالإحياء. 3223 - والثالث أنه إن كان في دار الإسلام لم يملك وإن كان في دار الحرب ملك. 3224 - وعندنا الجميع سواء إذا عدم المالك نظر الإمام في ذلك نظر المصالح. فصل ما قرب من العامر 3225 - وما قرب من العامر فليس بموات وما بعد فهو موات. 3226 - وحده أبو يوسف أنه الذي إذا وقف على طرف العامر ونادى بأعلى صوته لم يسمع، جاز إحياؤه. 3227 - وقال الشافعي: ما يحتاج إليه لمصلحة العامر من المرافق كحريم البئر وفناء الدار والطريق وميل الماء لا يجوز إحياؤه لأنه تابع للعامر، وكذلك ما بين العامر من الرحاب والشوارع ومقاعد الأسواق لا يجوز تملك بالإحياء.

فصل الإحياء سبب للتمليك

3228 - لأنه من العامر فليس بموات، وما عدا ذلك فليس لأحد فيه حق فجاز أن يملك. فصل الإحياء سبب للتمليك 3229 - والإحياء سبب للتمليك يصح من كل من يجوز أن يملك المال لأنه فعل يملك فيه كالاصطياد. 3230 - ولا فرق عندنا بين المسلم والذمي والحر والعبد والمأذون له والمكاتب. 3231 - وقال الشافعي: لا يجوز للإمام أن يأذن لذمي في الإحياء. 3232 - لأنه يملك الأرض بالبيع والهبة فملك بالإحياء كالمسلم؛ ولأنه يتعلق به حق لكافة المسلمين. وقوله عليه السلام: ثم هي لكم مني خطاب لمن حضره فيدخل فيه المسلم والذمي؛ لأن حكمه حكم بيت المال. فصل إذن الإمام 3233 - وقال أبو حنيفة لابد من إذن الإمام في الإحياء ليقع الملك.

فصل ماهية الإحياء

3234 - وقال أبو يوسف ومحمد يجوز بغير إذن الإمام. 3235 - وهو قول الشافعي؛ لأنه مال وصل إلينا. 3236 - لأنه مال وصل إلينا بزوال يد أهل الشرك فلا يجوز لأحد أن ينفرد به بغير إذن الإمام كالغنيمة ومال بيت المال. فصل ماهية الإحياء 3237 - والإحياء أن يعمر الأرض ويعرضها للانتفاع، ويرجع في ذلك إلى العرف. فإن كان يريد السكنى بنى سور الدار أو حجر إن جرت العادة به، وإن كان للزراعة حرث وكرب وساق الماء وحفر البئر والعين وما يقرب من الانتفاع. فصل ما يترتب على الإحياء 328 - وإذا أحيا الأرض ملكها وما فيها من المعادن كالبلور والفيروزج والحديد والرصاص لأنه من أجزاء الأرض فملكه بالإحياء كما يملك بالشراء وكما يملك الماء والعين فيها. 3239 - ومن أصحاب الشافعي من قال: لا يملك إلا الماء وما ينبع منها. فصل استثناء الكلأ 3240 - ولا يملك ما نبت فيها من الكلأ وما لا ينبته الناس.

فصل حريم العين وما إليه

3241 - وقال بعض أصحاب الشافعي يملك. 3242 - لأنه عليه السلام قال: لا حمى في الأراك. وقال: الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار. 3243 - ولا خلاف أنه لو فرخ الطير في الشجر لم يملكه. ولو ولد في أرضه ظبي لم يملكه كذلك ما ذكرناه. فصل حريم العين وما إليه 3244 - ويملك حريم العين فيما يحتاج إليه من الفناء، وفناء البئر للعطن أربعون ذراعًا وللزرع في قول أبي يوسف ومحمد ستون ذراعًا وحريم البئر خمسمائة ذراع في رواية الطحاوي وثلثمائة في رواية القدوري في المختصر إلا أن يتجاوز الحبل فيكون له منها [منتهى] الحبل في البئر. فصل تصرف المحيي فيما أحياه 3245 - ومن ملك درًا بإحياء أو شراء فجعل داره مقصرة أو مدبغة لم يكن للآخر منعه لأنه تصرف في ملكه. فصل ما يمنع منه المحيي من التصرفات 3246 - وإن طرح في أصل حائطه سرجينًا منع لأنه يضر بالحائط. 3247 - وإن حفر جبًا في أصل حائطه لم يمنع منه لأنه تصرف في ملكه.

فصل حفر الآخر بئرا

3248 - وقال بعضهم يمنع لأنه يضر بالحاجر الذي بينهما في الأرض. فصل حفر الآخر بئرًا 3249 - وإن ملك بئرًا بالإحياء فجاء آخر وحفر بئرًا ناحية على حريمه فنقص ماء الأولى لم يمنع منه لأنه تصرف في ملكه ولا حق لغيره فيه. فصل المحجر أحق بما تحجر 3250 - وإن تحجر مواتًا بإذن الإمام أو بغير إذنه عند من أجاز ذلك، وهو أن يشرع في إحيائه ولم يتم فهو أحق به من غيره لقوله عليه السلام: - من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به. فصل تصرفات المحيي بما أحياه 3251 - ويورث ما ملك بالإحياء، ويباع ويوهب ويتصرف فيه بسائر التصرف بالإملاك لأنه ملك بسبب صحيح. فصل المعدن الظاهر في الموات 3252 - من سبق في الموات إلى معدن طاهر لا يحتاج إلى مؤونة كالماء والقار والملح والنوشادر والياقوت والرخام والبرام، والكحل فهو أحق به لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد. فصل إذا طالت مدة التحجر 3253 - واختلف فيه إذا أطال المقام هل يمنع أم لا؟ فمنهم من قال يمنع

فصل تدخل الإمام

لأنه يضر تحجيره، ومنهم من قال لا يمنع لأنه لم يسبق إليه أحد. فصل تدخل الإمام 3254 - وللإمام أن يخص بالمكان إذا تشاحنا فيه أحدهما. فصل معدن الذهب والفضة وما يطبع 3255 - واختلف في معدن الذهب والفضة وما يطبع هل يملك بالإحياء أم لا؟ 3256 - فمنهم من قال يملك، وهو قولنا ومنهم من قال لا يملك. 3257 - لأنه تصرف بإذن الإمام فكان كمال بيت المال. فصل الارتفاق فيما بين العامر 3258 - ويجوز الارتقاق فيما بين العامر من الشوارع والطرقات والرحاب الواسعة بالقعود للبيع والشراء، لإتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على ذلك من غير نكير؛ ولأنه لا ضرر على أحد في ذلك، وله أن يظل بما لا يضر بالمارة من ثوب وبارية لأنه مباح للحاجة. فصل 3259 - وإذا قام وترك المتاع لم يكن لغيره فيه حق مادام متاعه، ولغيره إن يقعد إذا قام لأن حقه سقط بقيامه.

فصل إطالة المقام

فصل إطالة المقام 3260 - وهل أن يطيل المقام؟ فيه خلاف: فإن تشاح فيه إثنان فمنهم من قال: يقرع بينهما، ومنهم من قال يخص الإمام من شاء منهما. فصل للإمام أن يحمي ويقطع 3261 - ويجوز للإمام أن يحمي أو يقطع الموات إلا ما يضر بكافة المسلمين ويتعلق بمصالح العامة، كالآبار التي يشربون منها، والملح الذي يمتارون منه والكلاء. ويجوز أن يحمي لإبل الصدقة وخيل المجاهدين. فصل ما أقطعه النبي 3262 - أما جواز الإقطاع فقد أقطع النبي عليه السلام لوائل أرضًا وأرسل معه معاوية، وأقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه فقال: أعطوه حيث وقع السوط. فصل إقطاع الخلفاء 3263 - وأقطع أبو بكر وأقطع عمر وكذلك عثمان وعلي، وهو فعل أئمة العدل وولاة الجور في سائر الأزمان، بل فعل الخوارج والملوك من غير نكير يظهر على فاعله وطالبه ولو عدد بأمر من أقطع أو اقتطع لطال الكتاب.

فصل مقدار ما يجوز إقطاعه

فصل مقدار ما يجوز إقطاعه 3264 - وينبغي أن لا يقطع أحدًا إلا مما يتمكن من عمارته وأحيائه؛ لأنه إذا أعطاه أكثر من ذلك دخل الضرر على المسلمين من غير فائدة. المعادن الظاهرة 3265 - ولا تقطع المعادن الظاهرة، لما روى أبيض بن حمال أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملح مأرب فأقطعه ثم إن الأقرع بن حابس قال: - يا رسول الله، إني قد وردت الملح في الجاهلية، وهو بأرض ليس بها ملح. ومن ورده أخذه وهو مثل الماء العد بأرض فاستقال أبيض فقال أبيض قد

فصل المعادن الباطنة

أقلته فيه على أن يجعله صدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو منك صدقة، وهو مثل الماء العد من ورده أخذه. فصل المعادن الباطنة 3266 - واختلف أصحاب الشافعي في المعادن الباطنة فمنهم من قال إن قلنا الملك بالإحياء جاز إقطاعها لأنه موات يجوز أن يملك بالإحياء، وإن قلنا: لا يملك بالإحياء فهل يجوز إقطاعه؟ فيه قولان: أحدهما يجوز لأن الانتفاع به يفتقر إلى المؤن كموات الأرض، والثاني لا يجوز لأنه معدن لا يملك بالإحياء فلم يجز إقطاعه ويرعى ما فيه من الكلأ لما روى الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: - لا حمى إلا لله ورسوله. فصل 3267 - فالرسول صلى الله عليه وسلم له أن يحمي لنفسه وللمسلمين، فأما نفسه فما حمى لها، ولكنه حمى للمسلمين لأنه حمى البقيع لخيل المسلمين. فصل 3268 - وأما الأئمة فلا تحمي لنفسها ولهم أن يحموا لخيل المجاهدين ونعم الصدقة والجزية وماشية من يضعف عن الإبعاد في طلب النجعة. 3269 - وللشافعي قولان: أحدهما [مثل] قولنا والثاني لا يجوز.

معارضة أعرابي في الإحياء 3270 - وقد روى عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: أتى أعرابي من أهل نجد عمر فقال: يا أمير المؤمنين: بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام فعلى ما تحييها. فأطرق عمر رحمه الله وجعل يفتل شاربه، وكان إذا كره أمرًا فتل شاربه ونفخ. فلما رأى الأعرابي ما به جعل يردد ذلك فقال عمر: المال مال الله والعباد عباد الله، ولولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرًا في شبر. 3271 - قال مالك رحمه الله: نبئت أنه رحمه الله كان يحمل في كل عام أربعين ألفًا من الظهر وقال مرة من الخيل. عامل الحمي 3272 - وروى زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيًا على الحمى. وقال: يا هنى، اضمم جناحك عن الناس واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة وإياك ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى شيء من زرع، ويحك إن رب الصريمة ورب الغنيمة أن تهلك ماشيته يأتيني فيقول: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين افتاركهم لا أبالك. فالماء والكلأ أيسر عندي من الذهب والورق، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا.

فصل مصير ما حماه الرسول (ص)

فصل مصير ما حماه الرسول (ص) 3273 - وما حماه النبي عليه السلام من الأرض لحاجة وهي باقية لم يجز إحياؤها وإن زالت الحاجة فمنهم من قال يجوز لأن السبب زال، ومنهم من قال لا يجوز لأن ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم نص فلا يجوز نقضه بالاجتهاد. مصير ما حماه الإمام 3274 - وفيما حماه الإمام خلاف هل لمن بعده أن ينقضه أم لا؟ فصل أقصى مدة للتحجير 3275 - ومن أقطعه الإمام مواتًا فعمره فيما بينه وبين ثلاث سنين ملكه وإن جازت ثلاث سنين لم يملكه وعاد إلى حكم الموات؛ لأن عمر قال لبلال بن الحرث إنما أقطعك النبي عليه السلام العقيق لتعمره لا لتحجبه ثم انتزعه منه ورده إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي أنه قال: لا حق لمحتجر فوق ثلاث سنين؛ ولأن القصد عمارة الدار ونفع المسلمين بما يؤخذ من الأرض من الحق. فصل خراجية أم عشرية؟ 3276 - وإذا تم الملك بالإحياء فإن شربت الأرض بماء السماء فهي أرض عشر وإن ساق الماء من أنهار المسلمين التي حفروها أو سقاها بماء المطر

فصل بيع أرض الخراج

أو ساق إليها الماء من بعض الأودية التي هي خلقة في الأرض لم ينبشها الكفار نحو دجلة والفرات فإن أبا يوسف يعتبر حال الأرض التي تحي والأرض التي فيها هذه الأنهار العظام فإن كانت في حيز أرض الخراج حكم بأنها خراجية، وإن كانت في أرض العشر جعلها عشرية. 3277 - وقال محمد تكون عشرية وإن كانت في حيز الخراج ومسقيه من الأنهار التي في أرض الخراج. 3278 - واتفقوا أنه إذا ساق إليها الماء من نهر كان في يد الكفار والأعاجم هم خضروه وأنشاؤه كنهر الملك ونهر الرفيل وما جرى مجراهما من الأنهار فإن الأرض تكون أرض خراج لأن هذه إنما وصلت إلينا بالغلبة وظهورنا عليها فتعلق حق الكافة بها، وحق الكافة في الخراج دون العشر فيجب أن يوضع الخراج عليها. فصل بيع أرض الخراج 3279 - وأرض الخراج يجوز بيعها عندنا وتجري في المواريث، وهي أرض العراق. 3280 - وقال الشافعي نفسه لا أدري ما صنع عمر رضي الله عنه في أرض السواد. 3281 - واختلف أصحابه في تفصيل مذهبه فمنهم من قال باعها والخراج

فصل حكم المياه

ثمن، ومنهم من قال بل رقبها والخراج أجرة، ولهم تفصيل طويل. 3282 - والأصل فيه هو ما ذكرناه، والصحيح عندنا أنها مملوكة يجري فيها البيع لاتفاق العلماء في سائر الأعصار على جواز فعل ذلك. فصل حكم المياه 3283 - والمياه عندنا على أصل الإباحة لا تملك إلا بالأخذ، ولا فرق عندنا بين ما ينبع في ملك لرجل معين أو أحد من الأودية العظام. 3284 - وقال أصحاب الشافعي: كل ما ينبع في أرض مملوكة فصاحب الأرض أحق به لأنه يملكه. 3285 - ومن أصحابه من قال لا يملكه وإنما لا يجوز لغيره أن يدخل ملكه وكان هو أحق به. 3276 - والخلاف في كلأ نبت في الأرض مثل ذلك. 3287 - وعلى صاحب الأرض بذل الماء للشرب وللحيوان، ولا يجب للزرع ولمن احتاج إليه الدخول إلى أرضه وأخذه، لقوله عليه السلام: الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار. 3288 - وقال أبو عبيد بن حرب لا يلزمه بذله كما لا يلزمه بذل الكلأ للماشية وبذل الدلو والحبل، وهذا لا يصح لأنه عليه السلام نهى عن بيع فضل الماء، وقال عليه السلام: - من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ منعته الله تعالى فضل رحمته. 3289 - ولا يلزمه بذله للزرع لأنه لا حرمة له في نفسه، والحيوان له حرمة في نفسه، ولهذا لو كان الزرع له لم يلزمه سقيه، والماشية لو كانت له لزمه سقيها، وهذا كله إذا كان للماء فضل، فإن كان لا يفضل عن صاحبه ويستضر ببذله كان أحق به. فصل 3290 - ولا يجوز بيع ماء في البئر ولا في النهر.

3291 - ومن أصحاب الشافعي من أجازه لأنه غير مملوك للبائع، ومن أخذه ملكه فلا يجوز بيعه كالصيد. فصل 3292 - وإذا كان نهرًا صغيرًا لا يمكن سقي الأرض منه إلا بحبسه، فإن كانت الأرض مستوية بدأ من سقيه أول النهر فحبس الماء حتى يسقي أرضه إلى أن يبلغ إلى الكعب ثم يرسله إلى من يليه، وعلى هذا إلى أن ينتهي آخر الأراضي لما رواه عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في شرب من سيل أن للأعلى أن يشرب قبل الأسفل ويجعل الماء إلى الكعب ثم يرسله إلى أسفل الذي يليه كذلك حتى تنتهي الأرضون وما روي أن الزبير ورجلاً من الأنصار

فصل السقي بالمهايأة

تنازعا في شراج يسقي بها الأرض فقال الأنصاري للزبير: سرح الماء. فأبى الزبير فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للزبير اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري: - إن كان ابن عمتك يا رسول الله. فتلون وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا زبير اسق أرضك واحبس الماء حتى يبلغ الجدر. فصل 3293 - وإن كانت الأرض بعضها أعلى من بعض ولا يقف الماء في الأرض العالية إلى الكعب حتى يقف في الأرض المستغلة إلى الوسط سقي المستغلة حتى يبلغ الماء إلى الكعب ثم يسدها ويسقي العالية حتى يبلغ الكعب. فصل 3294 - وليس لمن شق نهرًا أو حفر بئرًا أن يجيء غيره فيأخذ ماءه بغير إذنه لأنه من مرافق ما أحياه. فصل 3295 - وإذا اشترك جماعة في استنباط عين أو حفر نهر على أن يشتركوا في الماء، فإن دخلوا على أن يتساووا في الماء تساوو في الإنفاق، وإن دخلوا على التفاضل تفاضلوا في الإنفاق، ويكون الماء بينهم على قدر النفقة لأنهم استفادوا ذلك بالإنفاق فكان حقهم على قدر المؤونة. فصل السقي بالمهايأة 3296 - فإن أرادوا سقي أرضهم بالمهأياة يومًا ويومًا، جاز، وإن أرادوا قسمة الماء نصبوا خشبة مستوية قبل الأرض ويفتح فيها كل على قدر حقوقهم فتخرج حصة كل واحد منهم إلى أرضه.

فصل أخذ الماء قبل القسمة

فصل أخذ الماء قبل القسمة 3297 - وإن أراد أحدهم أن يأخذ حقه من الماء قبل القسمة من ساقيه يحفرها إلى أرضه منع من ذلك؛ لأن حريم النهر مشترك فلا يجوز لواحد منهم أن يحفر فيه. فصل نصب رحى قبل القسمة 3298 - وإن أراد أحد أن ينصب رحى قبل القسم وهي لا تضر ويديرها بالماء منع لأنه يتصرف في حريم مشترك وحق مشترك. فصل سقي أرض أخرى 3299 - وإن أراد أن يأخذ الماء ويسقي به أرضًا أخرى ليس لها رسم شرب من هذا النهر فمنهم من قال ليس له ذلك لأنه يجعل لنفسه شربًا لم يكن له، كما لا يجوز لمن له داران في دربين متلاصقين أن يفتح من أحدهما بابًا إلى الأخرى فيجعل لنفسه طريقًا لم يكن له. 3300 - وهذا قول أصحاب الشافعي وإحدى الروايتين عن أصحابنا. 3301 - ومن أصحابنا من قال له ذلك لأنه يأخذ حقه فله أن يعيره وله أن يجمده (كذا) وإلا أدى إلى ضياعه. 3302 - وقد ذكر الطحاوي في مختصره كتاب القسمة أن الدارين إن كانا لساكن واحد جاز له الفتح والعبر من أحدهما إلى الأخرى، وإن كان الساكن لكل دار غير الآخر لم يجز.

فصل اختلافهما في قسمة الماء

3303 - وسمعت شيخنا قاضي القضاة رحمه الله يحكي أن هذه المسألة جرت بين الطبري من أصحاب الشافعي والقاضي الصيمري أستاذه رحمهما الله وطالبه بالحجة فقال الصيمري: إنما منع من ذلك لأن الشفعة تستحق بالطريق في كل درب فلو أجزنا ذلك لأخذ بكل دار شفعة التي في الدرب الآخر، وهذا لا يجوز، وقال في نقل الماء من أرض إلى أخرى إنما لم يجز لأن التنازع إذا وقع في الماء قسم على عدد الجربان ويتبع الشروب فيضر بأصحاب النهر الآخر. فصل اختلافهما في قسمة الماء 3304 - وإذا اختلفا في الماء وقسمته فإن أصحابنا قالوا يقسم على مساحة الأرض فيعطي كل أرض ما يخصها. 3305 - وحكى أبو موسى الضرير في مختصره أن من الفقهاء من قال يقسم على عدد الرؤوس كما قال في الشفعة. فصل اختلافهم في حريم النهر 3306 - وإذا اختلفا في حريم النهر لمن هو. قال أبو حنيفة يكون لصاحب الأرض لأنه جزء منها ويكون تعبير الماء حقًا عليه. 3307 - وقال أبو يوسف ومحمد يكون لصاحب النهر حريمًا لملقي طينه. 3308 - وكم يأخذ من كل جانب؟ قال أبو يوسف مثل ذرع نصف بطن النهر وقال محمد مثل بطن النهر لأنه لا يمكن النفع به إلا بحريم كالبئر. 3309 - وهو قول الشافعي في الحريم أنه لصاحب النهر. فصل اختلافهم في الكري 3310 - وإذا اختلفا في الكرى في النهر فأبو حنيفة يلزم الجميع بالحفر إلى آخر ضيعة كل واحد، فيكرى الأول حتى ينزل عن ضيعته ويسقط من الشركاء كأنه لم يكن وكذلك أبدًا إلى آخر النهر.

فصل كيفية الكري

3311 - وقال أبو يوسف ومحمد يشتركون في الجميع من أوله إلى آخره؛ لأن الماء إذا قام أفسد النهر. فصل كيفية الكري 3312 - وكيف يكون الكري؟ يكون على قدر الجربان في قولهم جميعًا. 3313 - وإذ قد ذكرنا ما يملك بغير عوض بفعل واحد وجب ذكر ما يملك بالشركة.

كتاب الشركة

كتاب الشركة جواز الشركة 3314 - اعلم أن الشركة في الجملة جائزة. 3315 - وقد كانت في الجاهلية وسائر الشرائع، وهي في الإسلام ثابتة. 3316 - وأقرهم النبي عليه الصلاة والسلام عليها. 3317 - وقد روي أن أسامة بن شريك العقيلي أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: - أتعرفني. - فقال: - وكيف لا أعرفك وقد كفت شريكي، كنت نعم الشريك لا تداري ولا تماري. 3318 - وقد أجازها سائر الفقهاء.

فصل أنواع شركة العقود

أنواع الشركات 3319 - وهي على ضربين: شركة أملاك وشركة عقود. ما يصح فيه الشركة وما لا يصح 3320 - فالشركة تثبت في الملك بالميراث والوصايا والوقوف والهبات والغنيمة. وتصح في الأعيان والمنافع. 3321 - ولا تصح في استباحة البضع في النكاح ولا في ملك اليمين. فصل أنواع شركة العقود 3322 - وشركة العقود على ضربين: 1 - منها ما يصح بفعلهما وهي الشركة في البيع والإجارة. 2 - ومنها ما يشتركان عليه فيما يبيعان ويشتريان وهي على أربعة أضرب: 3323 - شركة مفاوضة (2): وهي التي يعتبر في صحتها التساوي في المال

والصفات، ولا تصح بين مسلم وذمي، ولا حر وعبد ولا كبير وصغير، ولا يجوز أن يبقى لأحدهما من المال الناض ما لا يدخل في الشركة، 3324 - ومتى زاد مال أحدهما على الآخر فسدت الشركة وهذا قول أصحابنا. 3325 - وقال ابن ليلى: ما يرثه أحدهما أو يوهب له أو يحصل بسبب من الأسباب فهو لهما أيضًا.

3326 - وقال الشافعي: إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فليس في الدنيا عقد باطل. تكييف شركة المفاوضة 3327 - وهي عقد يتضمن الوكالة والكفالة من كل واحد منهما لصاحبه لأن تصرف الغير لا يجوز على غيره إلا بإنه أو ولائه عليه. وإذا لم يكن وليًا فهو وكيل وكفيل. 3328 - ويكون كل ما يشتريه أحدهما لهما وما يلزمه من العقود عليهما، وما تلف بالغصب والاستهلاك عليها عند أبي حنيفة. 3329 - وقال أبو يوسف يلزم المستهلك خاصة لأنه ليس من الشركة. 3330 - وأبو حنيفة يقول يصح ضمانه فدخل في الشركة. 3331 - وما تكفل أحدهما من مال لزم صاحبه عند أبي حنيفة. 3332 - وقال أبو يوسف يلزم الكفيل وحده. 3333 - وما يشتريه أحدهما من الطعام لنفسه القياس أن يكون لهما، والاستحسان أن يكون لمن اشتراه لأنه يحتاج إليه فهو كالكسوة والزوجة

فصل شركة العنان

يكون له والقياس أنه يصح أن يشتري للشركة فكان يجب دخوله فيها. 3324 - وقد روي عن أبي يوسف أنها تصح بين المسلم والذمي. 3335 - لأن الخمر مستثناة في حق أهل الذمة. فصل شركة العنان 3336 - والضرب الثاني شركة العنان وهي شركة أخص من الأولى 3337 - وقال مالك لا أعرف العنان. 3338 - وتجوز عندنا مع تساوي الصفة واختلاف الصفة في العاقد والمعقود عليه من المال. 3339 - وتصح من المسلم والذمي والحر والعبد والصبي والبالغ. 3340 - ويجوز أن يبقى لشريكه من المال الناض ما يفضل عن الشركة. 3341 - وتجوز مع خلط المال وغير خلطه.

فصل ما يكره من شركة العنان

فصل ما يكره من شركة العنان 3342 - ويكره شركة المسلم للذمي لقول ابن عباس لا تشاركن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مجوسيًا. 3343 - قال أبو حمزة: قلت لم؟ قال لأنهم يربون، والربا لا يحل. فصل ما تصح به الشركة 3344 - ولا تصح الشركة إلا على الدراهم والدنانير ولا تصح على العروض. 3345 - قال ابن أبي ليلى: تصح على العروض أيضًا. 3346 - واختلف الرواية في الفلوس إذا كانت نافقة: فهي في رواية مثل العين الذهب والفضة وفي الأخرى كالعروض لأن الدراهم والدنانير بهما تعرف القيمة ويقوم المستهلك. فصل حكم ما له مثل من العروض 3347 - وأما العروض فعلى ضربين: منها ما له مثل وهو المكيل والموزون، فإذا اشتركا على ذلك وخلطاه جاز ذلك. 3348 - وروي عن أبي يوسف أنه لا يجوز. 3349 - ولأصحاب الشافعي وجهان في جواز ذلك لأنها من ذوات الأمثال كالذهب والفضة والثاني أنها من غير جنس الأثمان كالعروض.

فصل ما لا مثل له من العروض

فصل ما لا مثل له من العروض 3350 - والضرب الثاني ما لا مثل له كالحيوان والثياب، وما له قيمة لا تجوز الشركة عليه لأن القيمة تزيد وتنقص فلا يؤمن أن يأخذ أحدهما ما لصاحبه. فصل الخلط 3351 - والخلط غير شرط في صحة الشركة في الأثمان عندنا. 3352 - وقال الشافعي هو شرط. فصل شرط وحدة جنس المالين 3353 - واعتبر الشافعي في صحة العنان أن يكون مال أحدهما من جنس مال الآخر وعلى صفته، فإن كان مال أحدهما دنانير والآخر دراهم أو مال أحدهما صحاحًا والآخر قراضة، أو مال أحدهما من سكة ومال الآخر من سكة أخرى لم تصح الشركة. فصل التفاضل في الربح أو المال 3354 - ولا تصح الشركة عنده مع التساوي في المال، والتفاضل في الربح ولا التفاضل في المال والتساوي في الربح

فصل الربح والوضيعة

3355 - وهو قول زفر. 3356 - وقال أصحابنا تجوز في هذه الوجوه كلها إذا تساوت القيمة في النقود المختلفة. فصل الربح والوضيعة 3357 - وقالوا: يكون الربح على ما شرطاه والوضيعة على قدر رأس المال. 3358 - وقال الشافعي الجميع على قدر رأس المال. فصل الوكالة دون الكفالة 3359 - وهي معقودة عندنا على الوكالة دون الكفالة لأنها لا تقتضي التساوي. فصل مأخذ التسمية 3360 - وهي مأخوذة من عنان الدابة وبهذا فارقت المفاوضة. قول علي في الربح والوضيعة 3361 - وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: الربح على ما شرطاه والوضيعة على رأس المال. 3362 - ولأن ما جاز أن يستحق به الربح في المضاربة جاز أن يستحق به في الشركة كالمال؛ ولأن الوكالة تجوز على هذا الوجه فجازت الشركة

فصل تفاضل المالين

ولأنهما مالان كأنهما ربع العشر في جميع الأحوال كالجنس الواحد والصفة الواحدة. وكونهما لا يخلطان لم يمنع أن يكونا من جنس الأثمان، وبهذا فارق العروض. فصل تفاضل المالين 3363 - اختلف أصحاب الشافعي هل تجوز مع تفاضل المالين في القدر؟ على وجهين: منهم من قال تصح ومنهم من منع ذلك. 3364 - والصحيح قالوا هو الأول، وهو قولنا لأن المقصود بالشركة حاصل مع التفاضل في القدر. فصل هلاك المالين أو أحدهما 3365 - وإذا هلك المالان قبل الخلط أو أحدهما بطلت الشركة لأنه معقود عليه وقد فات كالمبيع إذا تلف في يد البائع. فصل ما اشترياه على الشركة 3366 - وإن اشتريا لو أحدهما شيئًا قبل الهلاك على الشركة فهو بينهما ويلزمهما

فصل ما لكل شريك من التصرفات

الثمن بالحصص لأنهما اشتريا على الشركة وثبت الثمن عليهما جميعًا. فصل ما لكل شريك من التصرفات 3367 - ولكل واحد أن يتصرف في المال بغير إذن الآخر، وقال الشافعي ليس له ذلك. 3368 - لأن هذا مقتضى الشركة وعادة التجار، فحمل الأمر عليه. فصل السفر بالمال وإيداعه 3369 - ويسافر بالمال، ويودعه لمن أحب لأن هذا هو العادة. فصل دفع مال شركة العنان مضاربة 3370 - وهل له أن يدفع ذلك مضاربة إلى غيره؟ قال في الأصل عن أبي حنيفة يجوز ذلك، وقال الحسن عنه لا

فصل شركة الأبدان والصنائع

يجوز بغير إذن شريكه لأن هذا شركة لغيرهما، والصحيح هو الأول لأن له أن يستأجر من يعمل في المال بأجرة. فصل شركة الأبدان والصنائع 3371 - والضرب الثالث من الشركة شركة الأبدان والصنائع. 3372 - فهي جائزة عندنا اتفقت الصفة أم اختلفت. 3373 - وقال زفر: إن اشتركا في عمل واحد جاز، وإن كان عملهما مختلفًا لم يجز كالخياط والقصار والحداد والإسكاف. 3374 - وقال الشافعي لا تجوز شركة الأبدان بحال. 3375 - لقوله عليه السلام: "المسلمون عند شروطهم"، ولأنها شركة يتعاقدها الناس فصارت كالعنان. 3376 - وقال الشافعي: إذا عملا وكسبا أخذ كل واحد أجرة عمله لأنه بذل عمله فاختص بها. 3377 - وقال في شركة المفاوضة: يأخذ كل واحد منهما ربح ماله وأجرة عمله، وكل واحد منهما يضمن ما غصبه واشتراه دون صاحبه. فصل شركة الوجوه 78 - والضرب الرابع من الشركة شركة الوجوه، وهي أن يعقدا الشركة

فصل انعقادها على الوكالة

على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ما يشتريه بوجهه، فهذه شركة جائزة عندنا. 3379 - وقال الشافعي باطلة. فصل انعقادها على الوكالة 3380 - وهي منعقدة على الوكالة فيما يشتريه كل واحد منهما لصاحبه وله؛ لأنها نوع شركة يتعامل عليها الناس كالعنان. 3381 - وقول من قال إن الشركة تبطل إذا هلك المال، فإذا عقدها مع عدم المال كان العقد باطلاً لا يصح؛ لأن الرجل لو وكل رجلاً بأن يشتري له متاعًا بمال معين فهلك بطلت الوكالة، ولو وكله بشراء في الذمة صحت الوكالة فكذلك ههنا رضي بإثبات المال في ذمته. فصل مأخذ التسمية 3382 - وإنما سميت وجوه لأنه لا يشتري بالنسيئة إلا من له قول صحيح ووجه بين الناس. فصل توزيع الربح 3383 - ويكون الربح بينهما على قدر ما دخل في ضمان كل واحد منهما لأن الربح يستحق إما بالمال أو العمل أو الضمان، فالمال مجمع عليه في شركة العنان، والعمل في المضاربة، والضمان فقد دل عليه الشرع لما نهى عن ربح ما لم يضمن وهذا قد ضمن.

فصل الاحتطاب والاحتشاش إلخ

فصل الاحتطاب والاحتشاش إلخ 3384 - ولا تجوز الشركة على الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد لأن ذلك مباح لا يملك، وإنما يملك بالحيازة فمن أخذه ملكه ولهذا لو وكل رجلاً بأن يصطاد له لم يصح وكان ما يأخذه لنفسه، ولكل واحد منهما ما أخذه من الصيد والحطب والحشيش. فصل احتش أحدهما وأعانه الآخر 3385 - روي إن احتش أحدهما وأعانه الآخر فهو كله للذي احتش وللآخر أجر مثله لا يجاوز به أجر ما سمي في قول أبي يوسف. 3386 - وقال محمد أجر مثله بالغًا ما بلغ. فصل مسألة البغل والرواية 3387 - وإذا كان لرجل بغل ولآخر رواية فاشتركا على أن يسقي الماء ويكون الكسب بينهما لم تصح الشركة، ويكون الكسب كله للسقاء وعليه أجرة الرواية إن كان البغل له، وإن كانت الراوية له فأجرة البغل عليه.

فصل الشركة بين صاحب جمل وصاحب بغل

3388 - لأنها شركة على مباح فلم تصح كالعبيد. 3389 - وقال أصحاب الشافعي: وإذا أخذ رجل من رجل جملاً ومن آخر رواية على أن يسقي الماء ويكون للكسب بينهم فقد قال الشافعي في موضع يجوز، وقال في موضع آخر لا يجوز، فمن أصحابه من قال إن كان الماء مملوكًا للسقاء فالكسب له ويرجع عليه صاحب الحمل والراوية بأجرة المثل، وإن كان الماء مباحًا فالكسب بينهم أثلاثًا؛ لأنه استقى الماء على أن يكون بينهم فكان الكسب بينهم. 3390 - ومنهم من قال: إن كان الماء مملوكًا للسقاء كان الكسب له ويرجعان عليه بالإجرة، وإن كان مباحًا ففيه قولان: أحدهما يكون بينهم أثلاثًا لأنه أخذه على أن يكون بينهم فدخل في ملكه كما لو اشترى شيئًا منهم بإذنهم، والثاني أن يكسب للسقاء لأنه مباح اختص بحيازته ويرجعان عليه بأجر المثل لأنهم لم يبذلا منفعة الجمل والراوية فرجعا بأجرة المثل. فصل الشركة بين صاحب جمل وصاحب بغل 3391 - وقد قال أصحابنا: لو أن رجلاً له جمل ولآخر بغل فاشتركا على أن يحملا عليهما المتا، ويكون الكسب بينهما نصفين فالشركة فاسدة، وما عمل كل واحد منهما لنفسه، وإن اختلط قسم على قدر أجرة كل واحد منهما مثل المبيعين المختلفين يقسم الثمن عليهما. فصل 3392 - ولو تقبلا الحمل وحملا على الجمل والبغل قسم الأجر بينهما نصفين لأنهما ضمنا ذلك بالسواء.

فصل مشاركة المرتد

فصل مشاركة المرتد 3393 - وأيهما مات بطلت الشركة، وكذلك إذا ارتد أحدهما ولحق بالدار؛ لأن أمره قد بطل فبطلت الشركة. فصل تصرف المرتد 3394 - وهذا قول أبي حنيفة لأن تصرف المرتد موقوف عنده. 3395 - وعند أبي يوسف تصرفه تصرف الصحيح، وعند محمد تصرف المريض. 3396 - ولو كان مكان الرجل امرأة فتصرفها جائز لأنها لا تقتل بالردة عندهم جميعًا. فصل الشريك أمين 3397 - والشريك أمين فيما في يده، فإن هلك المال من غيره فعله فلا ضمان عليه لأنه أمر في الحفظ والتصرف، وكاد الهالك في يده كالهالك في يد شريكه كالمودع. فصل القول قول من في ادعاء الهلاك 3398 - وإن ادعى الهلاك فالقول قوله لأنه أمين كالمودع.

فصل ادعاء الخيانة

3399 - وقال الشافعي: إن كان بسبب ظاهر فالقول قوله بغير بينة في السبب، فإذا أقام البينة بالسبب فالقول قوله في الهلاك. 3400 - وإن كان بسبب غير ظاهر فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه يتعذر إقامة البينة على الهلاك فكان القول قوله مع يمينه. فصل ادعاء الخيانة 3401 - وإذا ادعى أحدهما على آخر خيانة فأنكر شريكه فالقول قوله لأن الأصل عدم الخيانة. فصل قرينة اليد 3402 - وإن كان في يده عين فادعى شريكه بأن ذلك من مال الشركة، وادعى هو أنه له فالقول قوله مع يمينه لأن من في يده شيء فالظاهر أنه له. فصل القول لمن فيما اشتراه الشريك 3404 - وإن اشترى شيئًا فيه ربح وادعى الشريك أنه اشتراه للشركة

فصل الشركة عقد غير لازم

وقال الذي في يديه: إنما اشتريته لنفسي أو اشترى شيئًا فيه خسارة فادعى الشريك أنه اشتراه لنفسه وقال هو إنما اشتريته للشركة فالقول قوله مع يمينه لأنه اعترف بعقده ونيته. فصل الشركة عقد غير لازم 3404 - والشركة عقد جائز غير لازم، وأيهما فسخ الشركة انفسخ بينهما جميعًا. فصل اشترى جارية للوطء بإذن 3405 - وإذا اشترى أحد المتفاوضين جارية لوطئها بإذن شريكه جاز، وإذا أدى الثمن من مال الشركة يكون شريكه متطوعًا في نصيبه ولا يرجع بشيء عليه في قول أبي حنيفة، وعندهما لشريكه أن يرجع عليه بنصف الثمن، ويكون إذن الشريك على وجه القرض. فصل رجوعه بنصف ثمن الطعام 3406 - واتفقوا أنه يرجع في الطعام إذا اشتراه لعياله بنصف الثمن، ذكره في الجامع الصغير.

فصل تأخير الدين

فصل تأخير الدين 3407 - والدين إذا كان لمتفاوضين فأخر أحدهما الدين تأخر في حقه وحق شريكه سواء أقال له اعمل برأيك أو لم يقل، وفي شركة العنان إذا أخر إن قال أحدهما لصاحبه اعمل برأيك فهو مثل المفاوضة يجوز تأخيره في الكل، وإن لم يقل كل واحد منهما لصاحبه اعمل فيه برأيك، فإذا كان هو الذي تولى العقد جاز تأخيره في الكل، وإن كان صاحبى تولى العقد أو كلاهما لم يجز تأخيره في نصيبه ولا نصيب شريكه عند أبي حنيفة وعند محمد يجوز في نصيبه ولا يجوز في نصيب شريكه ويضمن حصة شريكه في قول أبي حنيفة ومحمد ولا يجوز في قول أبي يوسف، وهو مثل اختلاف الوكيل إذا حط أو أبرأه أو أخره. 3408 - ولو كان تولى العقد أحدهما أو كلاهما فإن في قول أبي حنيفة لا يجوز في شيء وفي قولهما يجوز في نصيبه خاصة. فصل الآثار المروية في المضاربة 3409 - ومسائل الشركة كثيرة وفيها كل عجب وإذ قد ذكرنا شركة المال من الطرفين وجب ذكر شركة المال من أحدهما

كتاب المضاربة

كتاب المضاربة وهذا كتاب المضاربة المضاربة والقراض 3410 - ترجم أصحابنا هذا الكتاب بالمضاربة وقال أهل الحجاز يترجم بالقراض، والضرب مشتق من الضرب في الأرض. فصل الآثار الواردة في المضاربة 3411 - وقد روي عن عائشة رحمها الله أنها دفعت مال أيتام عندها مضاربة. 3412 - وكان العباس رحمه الله إذا دفع إلى رجل مالاً مضاربة شرط عليه أن لا يسافر به في بر ولا بحر ولا ينزل به واديًا ولا يشتري به ذات كبد رطبة، وإن فعل شيئًا من ذلك ضمن فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم [ذلك] فأجازه.

فصل أحكام المضاربة

فصل أحكام المضاربة 3413 - وعقد المضاربة له أحكام: فقبل التصرف فيه يكون المال أمانة كالوديعة لأنه قبض بإذن صاحبه لا على وجه التمليك والوثيقة. فصل 3414 - وإذا اشترى به فهو كالة لأنه تصرف في مال غيره بإذنه وإذا ربح صار شريكًا لأنه ملك جزءًا من المال. فصل المضاربة الفاسدة. 3415 - وإذا فسد العقد صار إجارة لأن الواجب أجر المثل وهذا يجب في الإجارة. فصل مخالفة العامل 3416 - وإذا خالف صار غاصبًا لأنه يتصرف في مال غيره بغير إذنه. فصل عقد على مال وعمل 3417 - وهي عقد على مال من أحد الجانبين وعلى عمل من الجانب الآخر، وبهذا خالفت الشركة.

فصل شرط الربح

فصل شرط الربح 3418 - ولابد من شرط الربح فيها؛ لأنه إن شرط الربح لرب المال كان ذلك بضاعة وإن شرط للعامل كان قرضًا. 3419 - وقال الشافعي يكون مضاربة فاسدة، فالتمليك ينعقد به البيع والهبة. فصل في العروض 3420 - ولا تنعقد على العروض. 3421 - وبه قال الشافعي. 3422 - وقال ابن أبي ليلى تنعقد. 3423 - لأن القيمة مختلفة فيؤدي إلى أخذ جزء من رأس المال ونصيب العامل. فصل مال معلوم 3424 - ولا تجوز إلا على مال معلوم الوزن والقدر والصفة. 3425 - فإن قارضه على دراهم جزفًا لم يصح لأنه يقتضي رد رأس المال فإذا كان مجهولاً لا يدري ما يرد فبطل العقد.

فصل دفع إليه كيسين أحدهما مضاربة والآخر وديعة

فصل دفع إليه كيسين أحدهما مضاربة والآخر وديعة 3426 - واختلف فيه إذا دفع إليه كيسين في كل واحد ألف درهم فقال اعمل بأحدهما مضاربة والآخر وديعة عندك. فمنهم من قال يصح لأنهما متساويان معلومان، ومنهم من قال لا يصح لأنه لم يبين مال المضاربة من الوديعة. فصل المضاربة في مال الوديعة 3427 - وإذا كان عند رجل وديعة فقال له المالك اعمل بها مضاربة جاز لأن المال بيده معلوم العدد والصفة. فصل المضاربة في المغصوب 3428 - وإن كانت الألف مغصوبة عنده فمنهم من قال تصح المضاربة كالوديعة، ومنهم من قال لا تصح لأنه مقبوض قبض ضمان فلا يصير مقبوضًا قبض أمانة، والأول عندنا أصح. فصل على جزء من الربح معلوم 3429 - ولا تصح إلا على جزء من الربح معلوم، فإن كان غير معلوم لم تصح لأنه يقع على القليل والكثير.

فصل عند عدم اشتراط الربح

فصل عند عدم اشتراط الربح 3430 - وإذا لم يشترط الربح لم يكن العقد مضاربة بل بضاعة أو قرضًا. فصل بالدراهم المغشوشة 3431 - وتصح بالدراهم المغشوشة لأن التعامل يصح بها كالجياد. 3432 - وقال الشافعي لا تصح لأنها مغشوشة كما لو كان الغش أكثر. فصل المضاربة بثمن الثوب 3432 - وإن أعطاه ثوبًا وقال له بعه واعمل بثمنه مضاربة جاز. 3434 - وقال الشافعي لا يجوز. 3435 - لأنه وكله ببيع الثوب وإن يشتري بثمنه غيره فجاز كالوكيل. فصل شيوع الربح 3436 - ولا يجوز حتى يكون الربح بينهما مشاعًا فإن سمي لأحدهما دراهم مسماة لم يجز، لأنه يجوز أن لا يربح غير ذلك فيؤدي إلى أن ينفرد أحدهما بالربح كله.

فصل الشروط الفاسدة

فصل الشروط الفاسدة 3437 - والشروط الفاسدة التي تؤدي إلى جهالة الربح تفسد المضاربة؛ لأن الربح هو المعقود عليه، وجهالة المعقود عليه توجب الفساد. فصل شرط الوضيعة 3438 - وما لا يؤدي إلى جهالة الربح كشرط الوضيعة أن يكون عليهما لا يمنع الصحة ويكون على رب المال؛ لأن من شرط الوضيعة أن يكون على رب المال فلا تلزم غيره. فصل استحقاق العامل الربح 3439 - ولا يستحق العامل الربح إلا بالشرط لأن رب المال يستحق الربح لأنه نماء ماله، فلا يفتقر إلى شرط، ولهذا إذا فسدت كان جميع الربح له. 3440 - والمضارب لا يستحق إلا في مقابلة عمله، وذلك لا يتقوم إلا بالعقد. فصل مقدار حصة العامل 3441 - وأي جزء شرط للعامل من النصف والثلث وما زاد ونقص جاز

فصل الربح بيننا

لأنه يستحقه بالشرط، فلا فرق بين القليل والكثير. فصل الربح بيننا 3442 - وإن قال رب المال على أن يكون الربح بيننا: فمنهم من قال لا يصح لأنه مجهول لأنه يقع على التساوي والتفاضل، ومنهم من قال يصح، وهو الصحيح لأن الإضافة تقتضي التساوي كما لو (قال) هذه الدار لزيد ولعمرو. فصل لي نصف الربح 3443 - ولو قال علي أن لي نصف الربح، أعني رب المال، فالقياس أن لا يصح لأنه ذكر حقه وسكت عن الباقي، وهو يستحقه مع السكوت فلم يصح، والاستحسان أن يصح ويكون بينهما نصفين؛ لأن الربح بينهما. 3444 - فإذ ذكر نصيب نفسه حمل الباقي على أنه للشريك كما قال تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} دل على أن الباقي للأب. 3445 - ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما أنه لا يصح لأن الربح كله لرب المال، ولم يذكر العامل.

فصل لك النصف

فصل لك النصف 3446 - وإن قال علي إن لك النصف صح عندنا لأن مال رب المال لا يحتاج إلى شرط، وإنما يحتاج العامل إلى ذلك، والباقي يبقى على رب المال، وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي. 3447 - ومنهم من قال لا يصح لأنه لم يبين ما لرب المال. فصل لك النصف ولي الثلث 3448 - وعلى هذا الأصل لو قال: لك النصف ولي الثلث وسكت عن السدس كان لرب المال لأنه ثبت الجميع له مع السكوت. فصل فضل الله بيننا 3449 - ولو دفع المال وقال: اشتر به فما كان من فضل الله فهو بيننا، فإن ذلك مضاربة استحسانًا، لأن الفضل لا يحصل إلا بالبيع، والقياس أن لا يكون مضاربة لأنه لم يذكر البيع والشراء. فصل تسلم مال المضاربة 3450 - ولابد من تسليم المال إلى المضارب، وزوال يد رب المال عنه؛ لأنه

فصل المضاربة المطلقة والمقيدة

أمانة فلا يتم بقدر قبض كالوديعة، وبهذا فارقت التركة. فصل المضاربة المطلقة والمقيدة 3451 - وتجوز المضاربة مطلقة ومقيدة بمدة معينة. 3452 - ومن أصحاب الشافعي من قال: لا تجوز بشرط المدة فيه لأنه تجوز مطلقًا فلا تجوز مؤقتًا كالنكاح والبيع. 3453 - ومنهم من قال إنه عقد إلى مدة علي أن لا يبيع بعدها لم يصح لأن العامل يستحق البيع لأجل الربح، وإن عقدها على مدة على أن لا يشتري بعدها صح؛ لأنه يملك البيع بعدها. فصل التعميم والتخصيص في المضاربة 3454 - ويجوز عندنا أن يعم بها سائر التجارات وسائر الأشخاص، ويجوز أن يخصها بنوع دون نوع، وأن يشتري من رجل بعينه، وبأن لا يبيع إلا في سوق بعينه. 3455 - وقال الشافعي لا تصح إلا على التجارة من جنس يعم، كالثياب والطعام والفاكهة في وقتها، فإن عقدها على ما لا يعم كالياقوت الأحمر والخيل البلق، والتجارة في سلعة بعينها لم يصح. 3456 - لأن الوكالة تصح على هذا الوجه فكذلك المضاربة كما لو عمم.

فصل ما يتولاه العامل

فصل ما يتولاه العامل 3457 - وعلى العامل أن يتولى ما جرت العادة به كالنشر والطي والإيجاب والقبول ووزن الثمن وما خف كالعود والمسك لأن العادة جرت بذلك بين التجار. فصل التقاضي 3458 - وإن سرق المال منه او غصب فله أن يخاصم فيه الغاصب والسارق لأن التجارة تقتضي حفظ المال. 3459 - وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. ومنهم من قال ليس له الخصومة لأنها معقودة على التجارة فلا تدخل فيها الخصومة. فصل دفع المضارب مال مضاربة 3460 - وليس له أن يدفع المال مضاربة إلا أن يقول له اعمل برأيك، فإن فعل ضمن وهو قول الشافعي وقولنا. فصل الخلاف في كتاب المضاربة 3461 - والخلاف في كتاب المضاربة عند أصحابنا يتفرع على أربع مسائل

3462 - أحدها أن رجلاً لو دفع إلى آخر مضاربة بالنصف ثم زاده سدس الربح فإن كان ذلك قبل القسمة جازت الزيادة والحط في قولهم جميعًا، وإن كان بعد القسمة تجوز الزيادة والحط في قول إلى يوسف. وعند محمد يجوز الحط ولا تجوز الزيادة. فصل حساب الهالك من الربح 3463 - والثانية أن يدفع ألفًا مضاربة فعمل بها من ربح ألفًا، ثم دفع إليه ألفًا أخرى بالثلث وأمره أن يعمل فيها برأيه، فخلط خمسمائة من الألف الثاني بالأول فصارت ألفين وخمسمائة، فهلك من الجملة ألف فأبو يوسف يجعل الهالك كله من الربح، ويقال هو قول أبي حنيفة. 3464 - وقال محمد يهلك من المالين جميعًا أربعة أخماسه من الأول وخمسه من الباقي قياسًا على ما قالوا في كتاب الإيمان إذا أطعم عشرة مساكين صاعًا جاز في قول محمد ويجعل بمنزلة كفارتين مختلفتين، وأبو حنيفة وأبو يوسف يجعلان ذلك بمنزلة كفارة واحدة. فصل 3465 - والثالثة إذا استأجر أجيرًا ثم دفع إلى الأجير ألف درهم مضاربة في قول محمد جازت المضاربة والربح على ما شرطاه، ويرجع الآخر بمقدار ما عمل من المضاربة.

فصل 3466 - والرابعة أن رجلاً لو دفع إلى رجل ألفًا مضاربة، فاشترى بالألف ثيابًا ثم استقرض مائة درهم ثم اكترى بها بغالاً تحمل الثياب، ثم أراد أن يبيعها مرابحة قال في الكتاب يبيعها مرابحة على ألف ومائة، وحصة الهالك للمضارب، وقيل هو قول أبي حنيفة، وعندهما لا يبيع إلا بألف والمضارب متطوع. فصل اشترى من يعتق عليه 3467 - وإذا اشترى المضارب من يعتق عليه صح الشراء، وإذا ظهر في المال ربح عتق عليه. ومن أصحاب الشافعي من قال لا يصح الشراء ولا يعتق لأنه لا يملك بظهور الربح في أحد القولين. فصل اشترى زوج المرأة 3468 - ولو اشترى زوج المرأة صح الشراء وبطل النكاح وقال الشافعي لا يصح الشراء لأنه يضر برب المال. وكذلك المأذون إذا اشترى إلى مولاه جاز، وعتق عليه إن لم يكن عليه دين خلافه لا يصح.

فصل ضياع المال في المضاربة الفاسدة 3469 - وحكى الطحاوي في المختصر أن المال إذا ضاع في المضاربة الفاسدة فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة، وقالا عليه الضمان. 3470 - لأنه قبض على وجه الأمانة. فصل السفر بمال المضاربة 3471 - وقال في المختصر أيضًا. وللعامل أن يسافر بمال المضاربة حيث شاء من بر وبحر رواه محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. 3472 - وروى أصحاب الأمالي عن أبي يوسف عنه، إنه ليس له أن يسافر به.

3473 - وقال أبو يوسف من رأيه له أن يسافر به نحو قطربل من بغداد. 3474 - وإذا خالف وضمن وربح يتصدق بالربح عند أبي حنيفة.

3475 - وقال أبو يوسف ومحمد لا يتصدق به لأنه يضمنه. فصل أجر مثل العامل في المضاربة الفاسدة 3476 - وللعامل في المضاربة الفاسدة أجر مثله وإن لم يربح، ومنهم من قال لا شيء له إذا لم يربح؛ لأن عمله مشروط في الربح. فصل نفقة العامل في المضاربة إذا سافر بها 3477 - وإذا أذن له في السفر عند الشافعي أو بغير إذن عندنا في رواية الجواز، فنفقته في مال المضاربة عندنا. 3478 - وللشافعي قولان أحدهما مثل قولنا والثاني لا نفقة له. 3479 - وفي كيفية النفقة وجهان: أحدهما جميع النفقة. والثاني ما زاد على نفقة الإقامة لأن ذلك لزمه لأجل السفر. فصل اختلافهما في التلف والخيانة 3480 - وإذا اختلفا في تلف المال أو الخيانة فالقول قول العامل لأنه أمين فكان القول قوله.

فصل اختلافهما في رد المال 3481 - وإذا اختلفا في رد المال فادعا العامل الرد وأنكره رب المال فالقول قول العامل لأنه أمين. 3482 - ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما هذا والثاني لا يقبل لأنه قبض لمنفعة نفسه. فصل اختلافهما في السهم المشروط 3483 - وإن اختلفا في قدر السهم المشروط، فادعى العامل النصف، وقال رب المال الثلث، فالقول قول رب المال عند أصحابنا الثلاثة؛ لأنه لو أنكر الربح رأسًا كان القول قوله، فكذلك قدره. 3484 - وقال زفر القول قول العامل لأنهما اتفقا على أنه يستحق المضاربة، وظاهر الحال التساوي فكان القول قوله. 3485 - وقال الشافعي يتحالفان لأنهما اختلفا في عوض مشروط في العقد فتحالفا كالمتبايعين. فصل اختلافهما في قدر رأس المال 3486 - ولو اختلفا في قدر رأس المال فقال رب المال هو ألفان ولك ثلث

الربح، وقال العامل بل ألف وشرطه لي النصف وفي يد المضارب ألفان فالقول قول رب المال في شرط الربح، والقول قول المضارب في قدر رأس المال. 3487 - وقال زفر القول قول رب المال في الوجهين. 3488 - وقد قال أبو حنيفة أولاً بأن القول قول القابض فيما قبض لأنه لو أنكر القبض رأسًا كان القول قوله، فكذا إذا أقر بقبض شيء، وزفر يقول الربح مستفاد من أصل رأس المال. 3489 - ولو اتفقا أن جملة المال مضاربة، وادعى العامل في المضاربة استحقاقًا منها، ونفاه المالك، فالقول قوله، وفرقوا بين هذا وبين قوله بعض هذين الألفين لي خلطته بها أو بضاعة في يدي، لأنهما لم يتفقا أن الجميع من مال المضاربة ولم يعترف لرب المال إلا بهذا القدر فكان القول قوله. 3490 - وقال الشافعي: إن لم يكن في المال ربح فالقول قول العامل لأن الأصل عدم القبض، وإن كان فيه ربح ففيه وجهان: أحدهما أن القول قول العامل لما ذكرناه والثاني يتحالفان لأنهما اختلفا فيما يستحقان من الربح. فصل 3491 - وإن كان في المال عبد فقال رب المال اشتريته للمضاربة، وقال العامل اشتريته لنفسي، أو قال رب المال اشتريته لنفسك، وقال العامل للمضاربة فالقول قول العامل لأنه أمين فيما يخبر به.

3492 - وإن أقاما جميعًا بينة فالبينة بينة رب المال إن ادعاه للمضاربة. 3493 - ومن أصحاب الشافعي من قال لا يحكم ببينة رب المال لأنه يجوز أن يشتري لنفسه بمال المضاربة على وجه التعدي فلا تكون للمضاربة. فصل اختلافهما في تعيين البلد 3494 - وإن اختلفا: فقال: أمرتك بأن تشتري الحنطة خاصة، قال العامل لم تخص شيئًا فالقول قول العامل لأنه يدعي مطلق الإذن والتصرف، والأصل العموم. 3495 - وإن اتفقا على الخصوص: فقال أحدهما أمرتك بالبر، وقال الآخر بالطعام فالقول قول رب المال عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. 3496 - وقال زفر القول قول رب المال في الفصلين جميعًا؛ لأن الإذن يستفاد من جهته، فكان القول قوله. فصل 3497 - وإن كان في المال عبد فقال رب المال نهيتك عن شرائه، وأنكر العامل، فالقول قول العامل لأنه دعوى خيانة عليه فكان القول قوله فيما قال. فصل اختلافهما في العموم والخصوص 3498 - ولو اختلفا فقال: أمرتك أن تعمل به في بلد كذا، وقال العامل

بل لم تعين لي بلدًا فالقول قول العامل على الرواية التي تقول له السفر بالمال بمطلق العقد. 3499 - وعند زفر القول قول رب المال في ذلك. فصل بطلان الضاربة بالموت 3500 - وهي عقد غير لازم وتبطل بموت كل واحد منهما، وليس لرب المال أن يعزل العامل بغير علمه، كما ليس له أن يعزل الوكيل. 3501 - خلاف الشافعي له ذلك. فصل بيع ما اشتراه من رب المال 3502 - وإذا اشترى المضارب شيئًا فباعه من رب المال، أو رب المال باع المضارب شيئًا فالبيع جائز لأن الملك له، 3503 - وقال زفر البيع باطل لأنه يصير مشتريًا لماله بماله. فصل 3504 - ولو أن المضارب دفع مال المضاربة إلى غريم مضاربة بغير إذن رب المال، فهلك المال في يديه قبل أن يعمل فلا ضمان عليه. 3505 - وقال زفر يضمن.

3506 - وعن أبي حنيفة أنه قال (لا) يضمن، وإن هلك بعد العمل ما لم يربح فيه. فصل ادعاء العامل الغلط فيما أقر به من ربح 3507 - وإذا قال المضارب ربحت ألفًا، وادعى أنه غلط فيه، أو أظهر ذلك خوفًا من نزع المال من يده لم يقبل منه لأن هذا رجوع عن إقراره بمال لغيره فلم يقيل في حصة الآخر. 3508 - والمضاربة من أمهات الكتب ولا يمكن ذكر كل مسائلها، وإذا قد ذكرنا المضاربة وكان المأذون يتصرف عن الغير، ويشبه المضارب وجب ذكره.

كتاب المأذون له في التجارة

كتاب المأذون له في التجارة جواز الإذن للعبد في التجارة 3509 - اعلم أن الإذن للعبد العاقل في التجارة جائز، والأصل فيه أن العباس رضي الله عنه كان له عشرة أعبد مع كل عبد عشرة آلف يتجرون له. 3510 - وقد روي عنه عليه السلام أنه كان يقبل دعوة المملوك، ولا يجوز أن يجيب دعوة المحجور عليه فينبغي أن تكون دعوة المأذون. فصل جواز الإذن للعبد البالغ والصبي العاقل 3511 - ويصح الإذن للبالغ من العبيد، ومن يعقل من الصبيان. 3512 - وقال الشافعي لا يصح الإذن للصبي في التجارة لأن قوله يقبل في التجارة. 3513 - لأن قوله يقبل في الهدية والإذن في دخول الدار فصح الإذن له كالبالغ وعكسه المجنون. فصل الإذن العام 3514 - ويجوز الإذن له على العموم وفي سائر التجارات، وهو فك للحجر عندنا لأنه يتصرف لنفسه ولا يرجع على مولاه فيما يلزمه، وهو

مخالف للمضارب والوكيل في التصرف؛ لأنهما يرجعان على الآمر، وهذا لا خلاف فيه. فصل الإذن في نوع من التجارة أو في زمان معين 3515 - وإذا أذن له في نوع من التجارة فهو مأذون له في كل نوع. 3516 - وقال زفر يختص تصرفه بما أذن له فيه، وهو قول الشافعي. 3517 - وكذلك الخلاف إذا أذن له في زمان بعينه فهو مأذون في جميع الأزمان والأماكن. 3518 - خلافهما يصير محجورًا عليه بعد المدة. 3519 - لأنه فك حجره إذن. فصل هل للمأذون له دعوة التجار؟ 3520 - وإذا رآه يبيع ويشتري ولم ينكر عليه فهو مأذون له عندنا. 3521 - خلاف زفر والشافعي. 3522 - وهو القياس، لأن السكوت لا يدل على الإذن، وإنما جعلناه إذنًا لأن تصرف العبد لا يحتاج إلى إذن، بل يحتاج إلى إمساك المولى عنه، والإذن أمر زائد على الإمساك لأنه يتصرف لنفسه.

فصل إجارته نفسه 3523 - ويصح أن يؤجر نفسه عندنا، ولا يجوز عند الشافعي. 3524 - لأنه استفاد التصرف بإذن المولى كالمكاتب. 3525 - ويتخذ الدعوة للتجار. 3526 - خلاف الشافعي لا يجوز. 3527 - لأن العادة جارية بذلك للتجار. فصل إباق المأذون 3528 - وإذا أبق المأذون صار محجورًا عليه عندنا. 529 - خلاف الشافعي. 3530 - لأنه امتنع تصرف المولى فيه، وصار في يد نفسه فبطل الإذن. فصل شراؤه في الذمة بغير إذن 3531 - ويجوز أن يأذن المأذون لعبده. 3532 - وقالوا في المضاربة يجوز أن يأذن لعبد المضاربة. 3533 - وروى هشام عن محمد أنه لا يجوز لأنه دون تصرف المأذون فلا يصح إذنه.

فصل 3535 - ولا يجوز أن يتجر بغير إذن المولى لأن منافعه مستحقة له فلا يملك التصرف فيها. فصل رد المبيع 3536 - وإذا اشترى شيئًا في الذمة بغير إذن وقف على إجازة المولى؛ لأنه عقد معاوضة فلا يصح بغير إذن مولاه كالنكاح. 3537 - وقال بعض أصحاب الشافعي يصح. 3538 - لأنه محجور عليه لحق غيره فصح شراؤه في الذمة كالمفلس. 3539 - ومن أصحابه من قال: يصح الشراء ويدخل في ملك المولى لأنه كسب للعبد، فكان للمولى كما لو احتش. 3540 - قالوا ويثبت الثمن في ذمته، فإن علم البائع طالب بعد العتق؛ لأنه رضي بذمته وإن كان لا يعلم فهو بالخيار بين أن يصبر وبين أن يفسخ. فصل تصرفات الصبي المحجور 3541 - ويجب رد المبيع عندنا، وعند من قال لا يصح منهم لأنه مقبوض عن بيع فاسد.

فصل صلاحية المأذون في التصرف 3542 - ويبيع بالنقد والنسيئة وفي الحضر والسفر لأنه فلك للحجر. 3543 - خلاف الشافعي لا يملك شيئًا من ذلك. فصل شراؤه من يعتق على مولاه 3544 - وإذا اشترى من يعتق على مولاه صح شراؤه، ويعتق عليه، إن لم يكن عليه دين، عند أبي حنيفة. 3545 - وللشافعي قولان في صحة الشراء. فصل إذن الأب والوصي للصبي 3546 - وإذن الأب والوصي للصبي جائز ويملك التصرف في التجارات كلها، وله أن يبيع ما ورثه من أبيه في رواية. 3547 - وروي عن أبي حنيفة أنه لا يجوز له إلا فيما يكون من تجارته وما دخل تحت الإذن وقال الشافعي لا يصح. فصل تصرفات الصبي المحجور 3548 - وإذا باع للصبي المحجور عليه شيئًا أو اشتراه أو تزوج أو فعل ذلك غيره

له فكبر الصبي وأجاز بإجازته. 3549 - وقال زفر لا يجوز بإجازته، وهو قول الشافعي. 3550 - واتفق الجميع على أنه لو وهب أو أعتق أو طلق فأدرك وأجاز، لم يجز. فصل قول المولى: بايعوا عبدي 3551 - وإذا قال المولى لقوم: بايعوا عبدي فلانًا فبايعوه، والعبد لا يعلم بالإذن صار مأذونًا له، وقال في الزيادات لو أذن الأب والصبي لا يعلم لا يصير مأذونًا فمن أصحابنا من قال في المسألة روايتان ومنهم من قال: الفرق وقع لوضع المسألة، ولا يصير المأذون محجورًا عليه حتى يعلم بالحجر وهو على أذنه. 3552 - ولو أرسل إليه المولى رسولاً صار محجورًا عليه، عدلاً كان أو غير عدل، في قولهم جميعًا. 3553 - وإن أخبره إنسان بغير رسالة، فإن كان عدلاً صار محجورًا عليه، وعندنا من أخبره بذلك من صبي أو امرأة أو عبد، صار محجورًا عليه. 3554 - وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: ما لم يخبره رجلان أو رجل وامرأتان لا يصير محجورًا عليه.

والخلاف في الوكيل مثل ذلك. فصل تكيف التدبير والاستيلاء 3555 - وتدبير الأمة ليس بحجر والاستيلاء لها حجر. 3556 - خلاف زفر، وهو القياس. فصل 3557 - وإذا كان الخيار للمشتري فأذن للعبد في المدة فهو اختيار للبيع وبطل الخيار. 3558 - وإن الخيار للبائع فأذن له في التجارة بغير محض من المشتري لم يكن ذلك نقضًا للبيع ما لم يلحقه الدين عند أبي حنيفة ومحمد. 3559 - وقال أبو يوسف يعد ناقضًا للبيع. فصل حق الغرماء على زيادة مال المأذون 3560 - والمأذون إذا وهب له هبة أو تصدق عليه بصدقة أو كانت أمة فولدت فالغرماء أحق بذلك عند أبي حنيفة وصاحبيه.

3561 - وقال زفر: لا حق للغرماء في ذلك لأنه ليس من تجارته. فصل 3562 - والمأذون إذا كان لرجلين فأدانه أحد المولين مائة درهم، وأجنبي مائة درهم، ثم بيع العبد (بمائة) أو مات أو ترك مائة قسم ذلك بينهما أثلاثًا: الثلث للمولى والثلثان للأجنبي عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم الثمن أرباعًا للأجنبي ثلاثة أرباع وللمولى الذي أدانه الربع. 3563 - ونظير المسألة المدبر إذا قتل رجلاً عمدًا وآخر خطأ فعفى ولي الدم قسم ثمن المدبر على هذا الخلاف. 3564 - وهذه ثمان مسائل ذكرها قاضي القضاة في درس الجامع الكبير عليه مما اتفقوا عليه ومما اختلفوا فيه ومنها ما أعطى أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه فيها الثلث وهما الربع وهو ما ذكرناه. 3565 - ومنها ما أعطى أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه الربع وهما ثلاثة أرباع وهي مسألة الدعوى إذا ادعى أحدهما جميع الدار والآخر النصف وهي في يد ثالث، قال أبو حنيفة رحمه الله لصاحب النصف الربع ولصاحب الجميع ثلاثة أرباع الدار، وقسماهما ذلك على الدعوى لصاحب النصف الثلث وللآخر الثلثان، ومن ذلك الوصية بجميع المال ولآخر بنصفه فإن أجاز الورثة، كان لصاحب الجميع

ثلاثة أرباع عند أبي حنيفة رضي الله عنه والربع لصاحب النصف، وإن ردوا لم يضرب أحدهما بما زاد على الثلث عنده وقسم الثلث عليهما نصفين. 3566 - وقالا والشافعي يقسم على ثلاثة ويضرب كل واحد بجميع ما أوصى له به. 3567 - والمسائل تمر في كل باب مسألة إن شاء الله تعالى. كتاب المأذون للشيباني 3568 - ولمحمد بن الحسن كتاب المأذون الكبير والصغير، وهو كتاب أكبر من جميع ما ذكرنا في هذا الكتاب، وفيه مسائل كثيرة لا تحصى كثرة. 3569 - وفي الذي ذكرناه ما يجوز أن ينتفع به وأصل يبنى عليه ما يقع وإذ قد ذكرنا حكم الشركة والتصرف عن الغير وجب ذكر الأمانات إذا سلمت إلى الغير على جهة الأمانة.

كتاب الوديعة

كتاب الوديعة وهذا كتاب الوديعة حوار الوديعة 3570 - اعلم أن الوديعة أمر بلى الناس به قديمًا وحديثًا، ولهجوا بذلك، وفيها عون المسلم. 3571 - وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} وفي جوازها في الجلة إجماع الفقهاء. فصل الوديعة أمانة 3572 - وهي أمانة عند الجميع.

3573 - وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أودع فهلكت أو تلفت فلا ضمان عليه" وقال أبو بكر رحمه الله في وديعة هلكت في عهده: لا ضمان عليه وإنما هي أمانة. فصل تعريف الوديعة 3574 - ولأنه قبض العين بإذن مالكها لا على وجه التمليك ولا وثيقة فلا يضمن. 3575 - والذي يضمن (هو المفرط) روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أودعني رجل ستة آلاف درهم فهلكت فضمنني عمر.

3576 - فيحتمل أنه فرط في ذلك. 3577 - وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس على المستغير غير المغل ضمان ولا على المستعير غير المغل ضمان". فصل قبول الوديعة غير واجب 3578 - وعندنا لا يجب قبول الوديعة بحال. 3579 - وقال أصحاب الشافعي: إذا خاف إن لم عليه يقبل أن تهلك تعين عليه قبولها لأن حرمة المال كحرمة النفس لقوله عليه الصلاة والسلام: "حرمة مال المؤمن كحرمة دمه". 3580 - وحفظ ماله لا يجب عليه عندما فكيف يجب عليه حفظ مال غيره. 3581 - وقد قلنا إن الحجر لا يجب في حق المبذر. 3582 - ولا خلاف أنه إذا لم يخف وغلب في ظن المودع أنه يخون فيها أنه لا يجب عليه القبول.

فصل أهلية المودع 3583 - ولا تصح إلا من مالك التصرف في ماله، فإن أودعه من لا يملك التصرف لم يجز له القبول. 3584 - فإن قبل فهو ضامن لأنه قبل مالاً ممن لا يملك التصرف فيه كما لو غصبه وعلم بالغصب وقبل الوديعة. فصل وديعة الصبي والسفيه 3585 - واختلف الفقهاء في الصبي والسفيه إذا أودع رجلاص وخاف الرجل إن لم يقبل الوديعة أن يستهلك المال فأخذه على وجهين: منهم من أجاز له الأخذ. ومنهم من لم يجزه. وخرج أصحاب الشافعي ذلك على قولين في المحرم إذا خلص طائرًا من جارحة فأمسكه ليحفظه فتلف، فقالوا: يضمن في أحد القولين لأنه ثبتت يده عليه من غير استئمان، والثاني لا يضمن لأنه قصد حفظه.

فصل أهلية الوديع 3586 - ولا يصح الإيداع إلا عند جائز التصرف، فإن أودع صبيًا أو سفيهًا لم يصح الإيداع عند الشافعي لأنهما ليسا من أهل الحفظ. فصل أودع صبيًا 3587 - فإن أودع صبيًا فتلف عنده لم يضمن لأنه لا يلزمه حفظه. فصل 3588 - وإن أتلفه لم يضمن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، ويضمن عند أبي يوسف رحمه الله تعالى. 3589 - ولأصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه وجهان مثل الخلاف لنا. 3590 - لأنه مكنه من إتلافه فصار كما لو باعه مالاً وسلمه إليه. 3591 - وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول: لم يسلطه على إتلافه، فصار كما لو أتلفه من غير إيداع.

فصل 3592 - وإن كان عبدًا محجورًا عليه لم يضمن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى حتى يعتق. 3593 - وقال أبو يوسف رحمه الله يضمن في الحالين والوجه كما مضى. فصل القبول في الإيداع بالقول والفعل 3594 - ويصح الإيداع بالقبول بالقول وبالفعل لأنه يدل على الأمانة والحفظ. فصل انقضاء الوديعة 3595 - وتنفسخ بكل ما تنفسخ به الوكالة من الموت والجنون والإغماء والعزل. 3596 - لأنه وكيل في الحفظ فصار كالوكيل في التصرف. فصل ولد الوديعة 3597 - وإذا ولدت الوديعة فالولد أمانة كأمه في الحكم. 3598 - ومن أصحاب الشافعي من قال: لا يجوز له إمساكه حتى يعلم

المالك، كما قالوا في الثوب تلقيه الريح في داره. فصل شرط ضمان الوديعة لا يعتبر 3599 - ولا تعتبر مضمونة بالشرط لأنها أمانة كما لا يعتبر المضمون أمانة بالشرط؛ لأنه موجب العقد فلا يتغير. فصل سفر المودع 3600 - وللمودع أن يسافر بالوديعة ويقيم بها، ولا فرق بين ما له حمل ومؤونة، وبين ما لا يحتاج إلى ذلك. 3601 - وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ما له حمل ومؤونة لا يجوز أن يسافر به، فإن فعل ضمن لأن المؤونة تلتزم المالك وهو لم يأذن.

3602 - وقال الشافعي يلزمه الضمان بكل حال لأن إذنه عام في الحفظ. فصل تسليمها لمن في عياله 3603 - وإذا سلم المودع الوديعة إلى من في عياله، ومن يحفظ به ماله فلا ضمان عليه إن تلفت. 3604 - وقال الشافعي يضمن. 3605 - لأن بهؤلاء يحفظ ماله وليس عليه أكثر من ذلك. فصل نهي المودع عن حفظها بغيره 3606 - فإن نهاه أن يدفعه إلى أحد منهم فدفعه إليه، فإن كان مما لابد له منه لم يضمن وإن كان ممن له بد ضمن. 3607 - وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه يضمن في الوجهين لأن يدهم كيده. 3608 - ولو قال له احفظ في يمينك فجعله في الشمال لم يضمن لن كلاهما واحد.

فصل التعدي في الوديعة 3609 - وإذا تعدى في الوديعة ثم زال التعدي برئ من الضمان، وكذلك سائر الأمانات عندنا. 3610 - وقال الشافعي لا يبرأ. 3611 - وهو قول زفر رحمه الله تعالى، ذكره أبو موسى (الضرير) في «مختصره»؛ لأنه إذا زال التعدي عادت إلى يدٍ قامت مقام المالك عن طريق الحكم كيد الوكيل. فصل تلفت بعد تغير نيته 3612 - وإذا فتح الكيس أو الصندوق أو نوى إنفاق الوديعة ثم تلفت بعد ذلك لم يضمن. 3613 - وقال الشافعي يضمن. 3614 - لأنها تلفت بغير فعله. فصل المخالفة في الدار 3615 - وإذا أمره أن يجعل الوديعة في دارٍ فجعلها في أخرى فهو مخالف ويضمن.

3616 - وإن قال له اجعله في هذا البيت من الدار فجعلها في بيت آخر لم يضمن، وحكى أبو موسى (الضرير) في مختصره عن محمد بن سماعة عن محمد رحمهم الله تعالى أنه يضمن، ذكر أنه في النوادر. 3617 - وهو قول الشافعي. 3618 - لأن الدار حرز واحد فهي كزوايا البيت. فصل القول لمن في الدفع لشخص آخر؟ 3619 - وقال رب المال ادفعه إلى فلان فقال المودع قد دفعته إليه فالقول قول المودع عندنا في براءة نفسه. 3620 - وقال الشافعي لا يقبل قوله على رب الوديعة. 3621 - لأنه أقر له بإذن خاص فقيل قوله. فصل تسليم الوديعة للحاكم 3622 - وقال الشافعي: إذا أراد السفر وعنده وديعة فإنه يسلمها إلى مالكها، إن قدر عليه أو وكيله، وإن لم يجد سلمها إلى الحاكم لأنه لا يجب عليه المقام ولا يجوز له السفر بها فوجب أن يسلمها إلى الحاكم لأنه ينوب

عن الغائب، وإن سلمها إليه مع القدرة على المالك، أو وكيله يضمن لأنه فرط في ذلك، ولا ولاية للحاكم مع الحضور كما لا ولاية له في النكاح. فصل تسليم من حضره الموت الوديعة 3623 - وكذلك إذا حضره الموت فهو مثل الغيبة سواء. فصل صاحب الوديعة يضرب مع غرماء الميت. 3624 - وإذا أقر بالوديعة ووصفها ولو توجد في تركته، فإن صاحبها يضرب بها مع الغرماء وتقدم على التركة عندنا لأنها صارت مضمونة بالجهل كما لو اختلطت بماله. 3625 - ومن أصحاب الشافعي من قال لا يضمن لأنه أصلها أمانة فلا يضمن بالشك. فصل 3626 - وإن أودع الوديعة غيره فهلكت فالضمان على الأولاد عند أبي حنيفة

في قوله الثاني. 3627 - وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله تعالى يضمن أيهما شاء. 3628 - لأن الفعل الواحد لا يوجب ضمانين من جنس واحد فيستحق واحد في حالة واحدة. 3629 - وعندهما يضمن الأول بالتسليم والثاني يأخذه ما لم يكن له أخذه. 3630 - وقال ابن أبي ليلى لا ضمان على واحد منهما لأن للمودع أن يودع ماله وما في يده. فصل 3631 - فإن ضمن الثاني وكان يعلم بالحال لم يرجع على الأول، فإن كان لا يعلم ففيه وجهان: 3632 - أحدهما يرجع لأنه دخل على أنه أمانة وهو قولهما أيضًا، والثاني لا يضمن لأنه هلك في يده.

3633 - وقال أصحاب الشافعي: إن قلنا يرجع على الأول لم يكن للأول أن يضمنه إذا ضمن وإن قلنا لا يرجع فهل يرجع عليه الأول؟ قالوا يرجع عليه. فصل خلط الوديعة 3634 - وإذا خلط الوديعة بجنسها ضمن لأن الخلط تعد منه، وإن كان المخلوط به لصاحبها فقد اختلف في الضمان فمنهم من أوجبه ومنهم من نفاه. 3635 - لأنه مال صاحبها فلا يضمن. فصل سقي الدابة المودعة وعلفها 3636 - وعليه سقي الدابة وعليه وعلفها فإن نهاه عن ذلك لم يضمن، ومن أصحاب الشافعي من قال يضمن وهو الاصطخري. فصل إخراج الوديعة 3637 - وإذا أخرج الوديعة لمصلحة لها لم يضمن باتفاق.

فصل أخذها منه بغير اختياره 3638 - وإذا أخذت منه فهو لا يضمن لأنه غير مفرط وإن سلم باختياره ضمن لأنه فرط. فصل القول قول المودع في الضياع والرد 3639 - وقول المودع مقبول في ضياع الوديعة بلا خلاف، يحلف أنه ما ضيعها، وكذلك قوله عندنا مقبول في الرد، وهو قول الشافعي ومالك لأنه أمين. 3640 - وقال بعض الفقهاء لا يقبل قوله في الرد لأن الله تعالى قال: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} وهذا عندنا على الاستحباب، كيف يحتاط بالشهادة في البيع. فصل ضمان المودع بالمنع 3641 - وإذا طلب مالكها منع المودع صار ضامنًا لأنه تعدى بالمنع.

فصل إنكار الوديعة 3642 - وإذا قال مالك عندي وديعة، أو ما أودعتني وأقام رب الوديعة البينة قبلت، وحكم بها له. 3643 - وإن أقام المودع بينة بالرد عليه بعد الجحود قبلت كالغاصب يقيم البينة بالرد. 3644 - ومن أصحاب الشافعي من قال لا يقبل قوله في البينة، ولا يسمع، لأن كون البينة بإنكار الإيداع فلم تقبل بالرد والتلف. فصل سبب الهلاك ظاهر أو خفي 3645 - ولا فرق عندنا بين أن يدعي الهلاك بسبب ظاهر أو خفي. 3646 - وفرق الشافعي في ذلك وقال لا يقبل قوله في الظاهر إلا ببينة كالحريق والنهب لأن الظاهر عدمه. فصل ادعاؤه رد الوديعة 3647 - وإذا قال: مالك عندي وديعة أو ما تستحق علي شيئًا، وأقام البينة بالإيداع، فقال: صدقت البينة، ولكن رددت الوديعة أو تلفت، قبل قوله في ذلك لأنه لم يكذب البينة ولم يجحد وإنما قال ما

عندي لك شيء وهو صادق في ذلك. فصل إيداع رجلين آخر ما يكال أو يوزن 3648 - والرجلان إذا أودعا رجلاً ما يكال أو يوزن فغاب أحدهما وحضر الآخر وطلب نصيبه من ذلك لم يكن للمودع أن يعطيه ذلك حتى يحضر الآخر لأنه قضاء على غائب، وهذا قول أبي حنيفة. 3649 - وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى له أن يأخذ النصف، فإن تلف الباقي وحضر الغائب كان له أن يأخذ نصف ما أخذه على وجه الضمان، وإنما أخذه على أنه حقه بشرط سلامة الباقي فإن لم يسلمه رجع إليه. فصل (أودع رجلين) 3650 - وإذا أودع رجلين شيئًا مما يقسم، فأودعه أحدهما عند صاحبه الآخر، فهلك، ضمن في قوله أبي حنيفة، وإن كان مما لا يقسم لم يضمن. 3651 - وقال أبو يوسف ومحمد لا يضمن في الوجهين جميعًا. فصل موت المودع 3652 - وإذا مات المودع وطلب الوديعة ربها فقال الوارث ضاعت في

حياة مورثي أو ردها عليك، وأنكر ذلك، أو قال لا أدري ما حالها فإنها قد صارت دينًا في ماله، وكذلك سائر الأمانات والودائع. 3653 - وقال ابن أبي ليلى وبعض أصحاب الشافعي لا ضمان لربها لأنه لم يتعد، ولم يمنع وما بقي وجه يضمن به، فلا يضمن. فصل مخاصمة غاصب الوديعة 3654 - وللمودع أن يخاصم الغاصب للوديعة ويقطع السارق، ويسترجع العين؛ لأن له يدًا صحيحة في الحفظ. 3655 - وقال بعض أصحاب الشافعي ليس له ذلك. 3656 - وهذا يجب عن طريق الأمر بالمعروف، وعلى كل واحد فكيف المودع. فصل 3657 - وإذا ألقت الريح ثوبًا في دار إنسان فطلبه صاحبه فليس عليه أن يرده عليه، ولكن عليه أن يدخل صاحبه الدار فيأخذه، لأنه لم يأخذه منه فيرده عليه. فصل 3658 - وقال في الجامع الكبير:

رجل أودع عبدًا محجورًا عليه وديعة فدفع العبد إلى محجور عليه آخر فهلك في يد الثاني. 3659 - ففي قول أبي حنيفة له أن يضمن الثاني في الحال، وليس له أن يضمن الأول ما لم يعتق. 3660 - وقال محمد ليس يضمن أحدهما حتى يعتق. فصل 3661 - ولو أودع الثاني ثالثًا والمسألة بحالها، فأبو حنيفة يقول: لا ضمان على الأول حتى يعتق، وعلى الثاني في الحال، ولا ضمان على الثالث. 3662 - وقال أبو يوسف يضمن أي الثلاثة شاء في الحال. 3663 - وقال محمد لا يضمن الأول حتى يعتق، وهو بالخيار في الثاني والثالث يضمن أيهما شاء في الحال. فصل أودع درهمًا فخلطه 3664 - ومن أودع درهمًا أبيض فخلطه في دراهم بيض ضمن عند أبي حنيفة. 3665 - وقال أبو يوسف إن شاء شاركه بقدر درهم في الدراهم.

3666 - وقال محمد ابن الحسن: إن كانت الوديعة هي الغالبة فالأمر على ما قال أبو حنيفة، وإن كانت هي القليلة فالأمر على ما قال أبو يوسف، فجعل الأقل تابعًا للأكثر. 3667 - وفي هذا الكتاب عجيب من المسائل، وفي الذي ذكرت أصول له والواقع. 3668 - وإذ قد ذكرنا ذلك، وكانت الوكالة فيها معنى الأمانة، وقول الوكيل يقبل في بعض الأحوال ولا يقبل في بعضها وجب ذكرها بعد الوديعة.

كتاب الوكالة

كتاب الوكالة فصل وهذا كتاب الوكالة 3669 - اعلم أن الوكالة استنابة في حال الحياة في العقود والتصرف. وهي غير لازمة للوكيل ولا للموكل.

فصل (الأصل في جوازها) 3670 - والأصل في جوازها في الجملة ما رواه أبو موسى في مختصره بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: "أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، وقلت له: إني أريد إلى خبير (أردت الخروج إلى خيبر). فقال: "إذا أتيت إلي وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته". 3671 - وهذا الخير يدل على أنه كان له وكيل ويدل على جواز الدفع من الوكيل إلى غيره بمجرد القول. ويدل على أنه إذا شك في قول الطالب أن لا يدفع إليه. ويدل على أنه أتاه بآية وهي العلامة، أنه يجوز له الدفع بها، والاقتصار عليها. 3672 - ويدل على جواز العلامة بين من يريد ذلك ففيه هذا الفقه. 3673 - وذكر الخصاف وغيره خبر فاطمة بنت قيس قالت:

طلقني زوجي ثلاثًا، فوكل أخاه بنفقتي وخرج إلى اليمين فخاصمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يجعل لي سكنًا ولا نفقة. 3674 - ووكل النبي صلى الله عليه وسلم عروة البارقي في شراء أضحية، فاشترى شاتين وباع إحداهما، وجاء بأضحية ودينار فدعى له بالبركة، فكان لو اشترى ترابًا ربح فيه، قال الشيرازي رحمه الله، هو عروة ابن جعد، والذي ذكره يحيى فيه أنه ابن الجعد الأزدي.

3675 - وذكر الخصاف خبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يوكل أخاه عقيلاً في الخصومة فلما كبر وكل عبد الله بن جعفر. وكان يقول: إن لها فحمًا؟ يحضرها الشيطان. وكان يقول: "ما قضى لوكيلي فلي، وما قضي على وكيلي فعلي". 3676 - وذكر أبو موسى الخبر، وقال فيه، فقال عبد الله فخاصمني طلحة بن عبد الله في ضفير أحدثه علي بين أرض لطلحة وأرضه. قال: والضفير المسناة. قال فقال طلحة: إنه قد أضر بي، وحمل علي السيل، فركب عثمان بن عفان رضي الله عنه معنا. فقال:

والله إني وطلحة نختصم في الموكب وإن معاوية على بغلة شهباء أمام الموكب، قد قدم قبل ذلك وافدًا، فألقى كلمة عرفت فيها أنه قد أعانني بها. قال: أرأيت هذا الضفير أكان على عهد عمر؟ قال: قلت نعم. قال: لو كان جورًا ما تركه عمر. فمشي عثمان رضي الله عنه حتى نظر إلى الضفير فقال: ما أرى ضررًا، وقد كان على عهد عمر ولو كان جورًا لم يدعه عمر. 3677 - وبهذه السنن عمل الفقهاء على جواز الوكالة، وفيها إجماع منهم على الجواز في الجملة. فصل 3678 - وتجوز الوكالة بالبيع والشراء والحوالة والكفالة والشركة والمضاربة والوديعة والإعارة والإجارة والمزارعة والمساقاة

والقرض والهبة والوقف والصدقة؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك كله. فصل 3679 - واختلف في الوكالة في تملك المباحات كالاصطياد والحشيش واستقاء الماء، فقال أصحابنا لا تصح لأنه تملك مباح كالاغتنام، وهو أحد قولي الشافعي، وقال يصح في قول آخر لأنه لا يتعين عليه كالبيع والهبات. فصل التوكيل بالنكاح والطلاق والخلع 3680 - ويجوز التوكيل بالنكاح والطلاق والخلع والعتاق والمكاتبة والتدبير؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وكل عمر ابن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة رضي الله عنهما.

فصل لا توكيل بالاستيلاء 3681 - ولا يصح بالاستيلاء لأن النيابة لا تجوز فيه عنه. فصل (لا توكيل في الإبداع إلخ) 3682 - ولا يجوز في الإيلاء والظهار واللعان؛ لأنها أيمان فلا تحتمل التوكيل. فصل (التوكيل بالرجعة) 3683 - واختلف في الرجعة: فمنهم من قال يجوز التوكيل بها، كما يجوز بالنكاح وهذا قولنا. ومن أصحاب الشافعي من قال لا يجوز، كما لا يجوز في الإيلاء والظهار، وضعفوا هذا الوجه. فصل (الوكالة بإثبات الحقوق) 3684 - وقال أبو حنيفة ومحمد: تجوز الوكالة بإثبات سائر الحقوق كائنًا ما كانت.

3685 - وقال أبو يوسف: إلا في الحدود والقصاص لأنها تسقط بالشبه، ولا تستوفي بالوكالة بإجماع منا إذا كان الموكل في القصاص غائبًا. 3686 - وقال الشافعي: يستوفي في القصاص مع غيبة الموكل كما تستوفي في الدين. 3687 - ونحن نقول لا يجوز أن يستوفي مع العفو الظاهر، ويحتمل أن يكون قد عفى فلا يمكن الرجوع إلى الحق. وقالوا: إذا استوفى مع حضوره فيه قياس واستحسان: القياس لا يجوز كما لا يجوز البيع مع الغيبة والاستحسان إن كل واحد لا يقدر على استيفاء الحق بنفسه ولا يحسن القتل فدعت الضرورة إلى ذلك فجاز.

وهذا لا خلاف فيه. فصل 3688 - ولا يجوز من غير رضا الخصم إلا أن يكون الموكل مريضًا لا يستطيع حضور مجلس الحكم أو غائبًا في مسافة تقصر فيها الصلاة. وهذا قول أبي حنيفة. 3689 - وقال أبو يوسف ومحمد: تجوز من غير رضا الخصم، كما تجوز في قبض الدين وهو قول الشافعي. 3690 - وأبو حنيفة يقول: في هذا ترك التسوية بينهما في الحكم وقد منع الشرع ذلك وقاسه على الحوالة في اعتبار رضا المحتال. 3691 - ولا يلزم حضور جواب الوكيل عند أبي حنيفة لأن الوكالة لم تصح، وفرق بين المريض والصحيح بأن المرض عذر فكذلك السفر وجعل أصحابنا الحياء في المرأة لا تبرز مثل ذلك في العذر والجواز.

فصل الوكالة بفسخ العقود 362 - وتجوز الوكالة في فسخ العقود لأنه إذا جاز في العقد فالفسخ مثله. فصل الوكالة بالإبراء 3693 - ويجوز أن يوكل في الإبراء من الديون كما يجوز في إثباتها واستيفائها. فصل التوكيل بالإقرار 3694 - ويصح عندنا التوكيل بالإقرار في الحقوق. 3695 - وقال أصحاب الشافعي في ذلك وجهان في أحدهما لا يصح. 3696 - وإذا قالوا يصح فهل هو إقرار أم لا؟ على وجهين: أحدهما أنه إقرار، والثاني ليس بإقرار. فصل قبول الوكالة 3697 - ولا تصح الوكالة بغير قبول لأنها عقد فافتقر إلى قبول.

3698 - ويجوز عندنا القبول بالقول والفعل، ويكون التصرف فيما وكل به قبولاً. 3699 - وقال زفر: لا يكون القبول إلا بالكلام. 3701 - لأن التصرف يدل على الرضا. فصل التوكيل بطلب كل حق 3702 - وإذا وكل رجل رجلاً بطلب كل حق له قبل الناس جاز له مطالبة كل غريم كان عليه حق، وطلب كل ما يحدث له من الحقوق، ما لم يخرجه الموكل من الوكالة. 3703 - وقال زفر بن الهذيل: ليس بوكيل فيما يحدث من الحقوق. 3705 - وكذلك إذا وكله بطلب ماله بالكوفة أو مصر بعينه فهو على الخلاف أيضًا، يجوز عند الثلاثة من علمائنا. فصل (الوكالة بقبض على إنسان بعينه) 3704 - ولو وكله بقبض حق له على إنسان بعينه، فليس له أن يقبض من الحقوق إلا ما كان يوم التوكيل في قولهم جميعًا بلا خلاف لأنه توكيل خاص ليس بعام.

فصل (مدى سلطة الوكيل بطلب الحقوق) 3705 - وله أن يتقاضي ديونه ويقبضها إذ