زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
الجزء الأول
الجزء الأول مقدمة التحقيق (بسم الله الرّحمن الرّحيم) الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله، أرسله على فترة من الرّسل، وضلال من الناس، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى، وأيّده بالمعجزات الباهرة والآيات الساطعة الدالّة على صدقه وصدق دعوته. ومن أهم تلك المعجزات التي أعزّ الله بها نبيّه، وهذه الأمّة، كتاب الله وكلامه المنزّل على محمد صلّى الله عليه وسلّم. ترجمة ابن الجوزي «1» هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي القرشي التيميّ البكري الحنبليّ، الواعظ، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصدّيق، واشتهر بابن الجوزي نسبة إلى شرعة الجوز، إحدى محالّ بغداد بالجانب الغربي، وقيل: نسبة إلى جوزة كانت في دار جدّه السابع جعفر بن عبد الله بواسط. ولد ابن الجوزي ببغداد سنة 508 هـ وقيل سنة 510 هـ، وقيل سنة 514 هـ. ولما ترعرع حفظ القرآن وقرأه على جماعة بالروايات، ثم طلب العلم على جمع كثير من العلماء. وقد اشتغل بالوعظ وأوتي حظا عظيما وصيتا بعيدا فيه، فكان يحضر مجالسه الملوك والوزراء والأئمة الكبار. وكان مجلسه لا ينقص عن ألوف كثيرة حتى قيل في بعض مجالسه: إنه حزر الجمع بمائة ألف.
قال الشيخ موفق الدين المقدسي: «كان ابن الجوزي إمام عصره في الوعظ، وصنّف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب فنون، وكان يدرّس الفقه ويصنّف فيه، وكان حافظا للحديث وصنّف فيه..» . وقال ابن رجب: نقم عليه جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتدّ نكيرهم عليه في ذلك.. ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف وهو وإن كان مطلقا على الأحاديث والآثار فلم يكن يحلّ شبه المتكلمين وبيان فسادها. وكان ابن الجوزي معظّما لأبي الوفاء بن عقيل متابعا لأكثر ما يجده من كلامه، وإن كان قد ردّ عليه في بعض المسائل. وكان ابن عقيل بارعا في الكلام، ولم يكن تامّ الخبرة بالحديث والآثار. فلهذا يضطرب تأويله في هذا الباب وتتلوّن فيه آراؤه. وأبو الفرج تابع له في هذا التلوّن. وتصانيف ابن الجوزي كثيرة جدة بلغت، فيما قيل، خمسين ومائتين كتاب، وقد نقل ابن رجب عن ابن القطيعي أن ابن الجوزي ناوله كتابا بخطه سرد فيه تصانيفه. قال ابن الجوزي: أول ما صنّفت وألّفت ولي من العمر ثلاث عشرة سنة. ومن تصانيفه في التفسير: المغني- تذكرة الأريب في معرفة الغريب- نزهة العيون النواظر في الوجوه والنظائر- عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ- زاد المسير في علم التفسير وهو الكتاب الذي نقدّم له. وفي التوحيد وعلم الكلام: دفع شبه التشبه- منهاج الوصول إلى علم الأصول. وفي علم الحديث: جامع المسانيد- غرر الأثر- الموضوعات- العلل المتناهية في الأحاديث الواهية. كما صنف في الفقه وفي التاريخ والوعظ وعلم الرجال «1» . توفي ابن الجوزي ليلة الجمعة بين العشاءين الثاني عشر من شهر رمضان سنة 597 هـ/ 1201 م، وله من العمر سبع وثمانون سنة. وحملت جنازته على رؤوس الناس، وكان الجمع كثيرا جدا، ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من الإمام أحمد بن حنبل. وكان يوما مشهودا حتى قيل: إنه أفطر جماعة من كثرة الزحام وشدة الحر. وكان قد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات: يا كثير العفو يا من ... كثرت ذنوبي لديه جاءك المذنب يرجو ... الصّفح عن جرم يديه أنا ضيف وجزاء ... الضيف إحسان إليه
زاد المسير في علم التفسير
زاد المسير في علم التفسير أقبل المسلمون على كتاب ربهم وكلام خالقهم دراسة وحفظا وعملا، وألّفوا في علومه كتبا ومؤلفات عديدة في التفسير والقراءات واستنباط الأحكام والإعجاز والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول والغريب والمبهمات والفضائل والقصص وغير ذلك. ومن أهم كتب التفسير للقرآن الكريم كتاب «زاد المسير في علم التفسير» لابن الجوزي الذي عمد إلى كتب الذين سبقوه في التفسير فأشبعها دراسة واستفاد من الثغرات التي كانت في تفاسيرهم، ووضع تفسيره هذا مخلّصا إياه من التطويل المملّ ومن الاختصار المخلّ. وقال في مقدمة كتابه: ( ... أني نظرت في جملة من كتب التفسير فوجدتها بين كبير قد يئس الحافظ منه، وصغير لا يستفاد كل المقصود منه، والمتوسط منها قليل الفوائد، عديم الترتيب، وربما أهمل فيه المشكل وشرح غير الغريب، فأتيتك بهذا المختصر اليسير، منطويا على العلم الغزير، ووسمته ب «زاد المسير في علم التفسير» ) . فجاء كتابه وسطا بين التفاسير الطويلة والمختصرة الشديدة الاختصار، مع تميّزه بجملة من الخصائص، إضافة إلى أسلوب ابن الجوزي السّلس المتين والسهل الممتنع. ومن هذه الخصائص أنه تحدّث عمن نزلت بعض الآيات فيهم، وذكر القراءات المشهورة والشاذة أحيانا، وتوقف عند الآيات المنسوخة والتي اختلف العلماء حولها أمنسوخة هي أم لا؟ وأورد أقوال العلماء بهذا الصدد، بالإضافة إلى ردّه كل قول إلى مصدره معتمدا على علماء اللغة مثل: ابن قتيبة وأبي عبيدة والخليل بن أحمد الفراهيدي وعلى النحاة مثل: الفرّاء والزجّاج والأخفش والكسائي ومحمد بن القاسم النحوي وعلى القرّاء مثل: الجحدري وعاصم وغيرهم. منهج التحقيق عملنا في هذا الكتاب على: - تخريج الأحاديث المرفوعة، وما له حكم الرفع تخريجا وافيا. - تصدير التخريج بقولنا «صحيح» ، «حسن» ، «ضعيف» ... وذلك تسهيلا على الطالب واختصارا لوقته. - ترقيم الأحاديث المخرجة ترقيما تسلسليا. - تصويب ما وقع فيه تصحيف أو تحريف. - تخريج الآيات وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية. - شرح بعض المفردات الغربية. هذا ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل متقبلا وأن ينفع به المؤمنين إنه خير سميع وخير بصير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
خطبة الكتاب
خطبة الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم) ربّ يسّر وأعن الحمد لله الذي شرّفنا على الأمم بالقرآن المجيد، ودعانا بتوفيقه على الحكم إلى الأمر الرشيد، وقوّم به نفوسنا بين الوعد والوعيد، وحفظه من تغيير الجهول وتحريف العنيد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. أحمده على التوفيق للتحميد، وأشكره على التحقيق في التوحيد، وأشهد أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، شهادة يبقى ذخرها على التأبيد، وأن محمّدا عبده ورسوله أرسله إلى القريب والبعيد، بشيرا للخلائق ونذيرا، وسراجا في الأكوان منيرا، ووهب له من فضله خيرا كثيرا، وجعله مقدّما على الكلّ كبيرا، ولم يجعل له من أرباب جنسه نظيرا، ونهى أن يدعى باسمه تعظيما له وتوقيرا، وأنزل عليه كلاما قرّر صدق قوله بالتحدي بمثله تقريرا، فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «1» . فصلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأزواجه وأشياعه، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد لمّا كان القرآن العزيز أشرف العلوم، كان الفهم لمعانيه أو في الفهوم، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، وإني نظرت في جملة من كتب التفسير، فوجدتها بين كبير قد يئس الحافظ منه، وصغير لا يستفاد كل المقصود منه، والمتوسّط منها قليل الفوائد، عديم الترتيب، وربما أهمل فيه المشكل، وشرح غير الغريب، فأتيتك بهذا المختصر اليسير، منطويا على العلم الغزير، ووسمته ب «زاد المسير في علم التفسير» . وقد بالغت في اختصار لفظه، فاجتهد- وفّقك الله- في حفظه، والله المعين على تحقيقه، فما زال جائدا بتوفيقه. فصل في فضل علم التفسير (1) روى أبو عبد الرحمن السّلميّ، عن ابن مسعود قال: كنا نتعلّم من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العشر، فلا
فصل في مدة نزول القرآن
نجاوزها إلى العشر الأخر حتى نعلم ما فيها من العلم والعمل. وروى قتادة عن الحسن أنّه قال: ما أنزل الله آية إلا أحبّ أن أعلم فيم أنزلت، وماذا عنى بها. وقال إياس بن معاوية: مثل من يقرأ القرآن ومن يعلم تفسيره أو لا يعلم، مثل قوم جاءهم كتاب من صاحب لهم ليلا، وليس عندهم مصباح، فتداخلهم لمجيء الكتاب روعة لا يدرون ما فيه، فإذا جاءهم المصباح عرفوا ما فيه. فصل: اختلف العلماء: هل التّفسير والتّأويل بمعنى، أم يختلفان؟ فذهب قوم يميلون إلى العربية إلى أنهما بمعنى، وهذا قول جمهور المفسّرين المتقدّمين. وذهب قوم يميلون إلى الفقه إلى اختلافهما، فقالوا: التفسير: إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التّجلّي. والتأويل: نقل الكلام عن وضعه فيما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، فهو مأخوذ من قولك: آل الشيء إلى كذا، أي: صار إليه. فصل في مدّة نزول القرآن روى عكرمة عن ابن عباس قال: أُنزلَ القرآنُ جملة واحدة من اللّوح المحفوظ في ليلة القدر إلى بيت العزّة، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة «1» . وقال الشعبي: فرّق الله تنزيل القرآن، فكان بين أوله وآخره عشرون سنة. وقال الحسن: ذكر لنا أنه كان بين أوّله وآخره ثماني عشرة سنة، أنزل عليه بمكة ثماني سنين، وبالمدينة عشر سنين. فصل: واختلفوا في أول ما نزل من القرآن: (2) فأثبت المنقول أنّ أول ما نزل من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «2» ، رواه عروة عن عائشة وبه قال
قتادة وأبو صالح. وروي عن جابر بن عبد الله: أن أوّل ما نزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. والصحيح أنه لما نزل عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ رجع فتدثّر فنزل: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. (3) يدل عليه ما أخرج في «الصحيحين» من حديث جابر قال: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يحدّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، فجثثت منه رعبا، فرجعت فقلت: زمّلوني، زمّلوني، فدثّروني، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» ، ومعنى جثثت: فرقت. يقال: رجل مجؤوث ومجثوث. وقد صحّفه بعض الرواة فقال: جبنت، من الجبن، والصحيح الأول. وروي عن الحسن وعكرمة: أن أوّل ما نزل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. فصل: واختلفوا في آخر ما نزل: (4) فروى البخاري في أفراده من حديث ابن عباس، قال: آخر آية أنزلت على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، آية الرّبا «1» . (5) وفي أفراد مسلم عنه: آخر سورة نزلت جميعا: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «2» . (6) وروى الضّحّاك عن ابن عباس قال: آخر آية أنزلت: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ «3» ، وهذا مذهب سعيد بن جبير وأبي صالح. (7) وروى أبو إسحاق عن البراء قال: آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ «4» ، وآخر سورة نزلت «براءة» . (8) وروي عن أبيّ بن كعب: أن آخر آية نزلت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ «5» ، إلى آخر السورة.
فصل في الاستعاذة
فصل: لما رأيت جمهور كتب المفسّرين لا يكاد الكتاب منها يفي بالمقصود كشفه حتى ينظر للآية الواحدة في كتب، فربّ تفسير أخلّ فيه بعلم النّاسخ والمنسوخ، أو ببعضه، فإن وجد فيه لم يوجد أسباب النزول، أو أكثرها، فإن وجد لم يوجد بيان المكيّ من المدنيّ، وإن وجد ذلك لم توجد الإشارة إلى حكم الآية، فإن وجد لم يوجد جواب إشكال يقع في الآية، إلى غير ذلك من الفنون المطلوبة. وقد أدرجت في هذا الكتاب من هذه الفنون المذكورة مع ما لم أذكره مما لا يستغني التفسير عنه ما أرجو به وقوع الغناء بهذا الكتاب عن أكثر ما يجانسه. وقد حذرت من إعادة تفسير كلمة متقدمة إلا على وجه الإشارة، ولم أغادر من الأقوال التي أحطت بها إلا ما تبعد صحته مع الاختصار البالغ، فإذا رأيت في فرش الآيات ما لم يذكر تفسيره، فهو لا يخلو من أمرين: إِما أن يكون قد سبق، وإِما أن يكون ظاهرا لا يحتاج إلى تفسير. وقد انتقى كتابنا هذا أنقى التفاسير، فأخذ منها الأصحّ والأحسن والأصون، فنظمه في عبارة الاختصار. وهذا حين شروعنا فيما ابتدأنا له، والله الموفّق. فصل في الاستعاذة قد أمر الله عزّ وجلّ بالاستعاذة عند القراءة بقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) «1» ، ومعناه: إذا أردت القراءة. ومعنى أعوذ: ألجأ وألوذ. فصل في بسْم اللهِ الرحمنِ الرحيم قال ابن عمر: نزلت في كل سورة. وقد اختلف العلماء: هل هي آية كاملة، أم لا؟ وفيه عن أحمد روايتان، واختلفوا: هل هي من الفاتحة، أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان أيضاً. فأما من قال: إِنها من الفاتحة، فإنه يوجب قراءتها في الصلاة إِذا قال بوجوب الفاتحة، وأما من لم يرها من الفاتحة، فانه يقول: قراءتها في الصلاة سنة، ما
عدا مالكاً فانه لا يستحب قراءتها في الصلاة «1» . واختلفوا في الجهر بها في الصلاة فيما يجهر به «2» ، فنقل جماعة عن أحمد: أنه لا يسن الجهر بها، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن مغفَّل، وابن الزبير، وابن عباس، وقال به من كبراء التابعين ومن بعدهم: الحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، وابراهيم، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش، وسفيان الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأبو عبيد في آخرين. وذهب الشافعي إِلى أن الجهر بها مسنون، وهو مروي عن معاوية بن أبي سفيان، وعطاء، وطاوس، ومجاهد. فأما تفسيرها: فقوله: بِسْمِ اللَّهِ اختصار، كأنه قال: أبدأ باسم الله، أو: بدأت باسم الله. وفي الاسم خمس لغات: إِسم بكسر الألف، وأُسم بضم الألف إذا ابتدأت بها، وسم بكسر السين، وسم
بضمّها، وسما. قال الشاعر «1» : والله أسماك سمى مباركا ... آثرك الله به إيثاركا وأَنشدوا «2» : باسم الذي في كل سورةٍ سمه قال الفراء: بعض قيس يقولون: سمه، يريدون: اسمه، وبعض قضاعة يقولون: سُمُه. أَنشدني بعضهم: وعامنا أَعجبنا مقدّمه ... يدعى أبا السمح وقرضاب سُمُه «3» والقرضاب: القطاع، يقال: سيف قرضاب. واختلف العلماء في اسم الله الذي هو «الله» فقال قوم: إِنه مشتق، وقال آخرون: إنه علم ليس بمشتق. وفيه عن الخليل روايتان: إِحداهما: أنه ليس بمشتق، ولا يجوز حذف الألف واللام منه كما يجوز من الرحمن. والثانية: رواها عنه سيبويه: أنه مشتق. وذكر أبو سليمان الخطابي عن بعض العلماء أن أصله في الكلام مشتق من: أله الرجل يأله: إِذا فزع اليه من أمر نزل به. فألهه، أي: أجاره وأمَّنه، فسمي إِلهاً كما يسمّى الرجل إِماماً. وقال غيره: أصله ولاه. فأبدلت الواو همزة فقيل: إله كما قالوا: وسادة وإسادة، ووشاح وإِشاح. واشتق من الوله، لأن قلوب العباد توله نحوه، كقوله تعالى: ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ «4» . وكان القياس أن يقال: مألوه، كما قيل: معبود، إلا أنهم خالفوا به البناء ليكون علماً، كما قالوا للمكتوب: كتاب، وللمحسوب: حساب. وقال بعضهم: أصله من: أله الرجل يأله إِذا تحير، لأن القلوب تتحير عند التفكر في عظمته. وحكي عن بعض اللغويين: أله الرجل يأله إِلاهة، بمعنى: عبد يعبد عبادة. وروي عن ابن عباس أنه قال: «ويذرك وإلاهتك» أي: عبادتك. قال: والتأله: التعبد. قال رؤبة: لله در الغانيات المدَّه ... سبَّحن واسترجعن من تألهي فمعنى الإِله: المعبود. فأما «الرَّحمن» : فذهب الجمهور إِلى أنه مشتق من الرحمة، مبني على المبالغة، ومعناه: ذو الرحمة التي لا نظير له فيها. وبناء فعلان في كلامهم للمبالغة، فإنهم يقولون للشديد الامتلاء: ملآن، وللشديد الشبع: شبعان. قال الخطابي: ف «الرحمن» : ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم، وعمت المؤمن والكافر. و «الرحيم» : خاصّ للمؤمنين. قال عزّ وجلّ: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً «5» . والرحيم: بمعنى الرّاحم.
سورة الفاتحة
سورة الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) (9) روى أبو هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال- وقرأ عليه أبيّ بن كعب أم القرآن- فقال: «والذي نفسي بيده، ما أُنزل في التوراة، ولا في الانجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» . فمن أسمائها: الفاتحة، لأنه يستفتح الكتاب بها تلاوة وكتابة. ومن أسمائها: أم القرآن، وأم الكتاب، لأنها أمت الكتاب بالتقدم. ومن أسمائها: السَّبع المثاني، وإنما سميت بذلك لما سنشرحه في (الحجر) إن شاء الله. واختلف العلماء في نزولها على قولين: أحدهما: أنها مكية، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، والحسن، وأبي العالية، وقتادة، وأبي ميسرة. والثاني: أنها مدنية، وهو مرويّ عن أبي هريرة، ومجاهد، وعبيد بن عمير، وعطاء الخراساني. وعن ابن عباس كالقولين «1» .
فصل: فأما تفسيرها: ف الْحَمْدُ رفع بالابتداء، ولِلَّهِ الخبر. والمعنى: الحمد ثابت لله، ومستقرّ له، والجمهور على كسر لام «لله» ، وضمها ابن [أبي] «1» عبلة، قال الفراء: هي لغة بعض بني ربيعة، وقرأ ابن السَّميفع «2» : «الحمد» بنصب الدال «لله» بكسر اللام. وقرأ أبو نهيك بكسر الدال واللام جميعا. واعلم أن الحمد: ثناء على المحمود، ويشاركه الشكر، إلا أن بينهما فرقاً، وهو: أن الحمد قد يقع ابتداء للثناء، والشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة، وقيل: لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، فتقديره: قولوا: الحمد لله. وقال ابن قتيبة: (الحمد) الثناء على الرجل بما فيه من كرم أو حسب أو شجاعة، وأشباه ذلك. والشكر: الثناء عليه بمعروف أو لاكه، وقد يوضع الحمد موضع الشكر. فيقال: حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرت له على شجاعته. فأما «الرب» فهو المالك، ولا يذكر هذا الاسم في حق المخلوق إلا بالاضافة، فيقال: هذا رب الدار، ورب العبد. وقيل: هو مأخوذ من التربية. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: ربّ فلان صنيعته يربها رباً: إذا أتمها وأصلحها، فهو ربّ ورابٌ. قال الشاعر: يربّ الذي يأتي من الخير إنه ... إذا سئل المعروف زاد وتمُّما قال: والرب يقال على ثلاثة أوجه: أحدها: المالك. يقال: رب الدار. والثاني: المصلح، يقال: رب الشيء. والثالث: السيد المطاع. قال تعالى: فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً «3» . والجمهور على خفض باء «ربِّ» . وقرأ أبو العالية، وابن السّميفع، وعيسى بن عمر بنصبها. وقرأ أبو رزين العقيلي، والربيع بن خثيم «4» وأبو عمران الجوني، برفعها. فأما الْعالَمِينَ فجمع عالم، وهو عند أهل العربية: اسم للخلق من مبتداهم إلى منتهاهم، وقد سموا أهل الزمان الحاضر عالما. فقال الحطيئة: أراح الله منك العالمينا «5»
فأمّا أهل النظر، فالعالم عندهم: اسم يقع على الكون الكلي المحدث من فلكٍ، وسماء، وأرض، وما بين ذلك. وفي اشتقاق «العالم» قولان: أحدهما: أنه من العلم، وهو يقوي قول أهل اللغة. والثاني: أنه من العلامة، وهو يقوي قول أهل النظر، فكأنه إنما سمي عندهم بذلك، لانه دالٌ على خالقه. وللمفسرين في المراد ب «العالمين» هاهنا خمسة أقول: أحدها: الخلق كلّه، السّماوات والأرضون ما فيهنّ وما بينهن. رواه الضحّاك عن ابن عباس. والثاني: كل ذي رُوح دب على وجه الأرض. رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنهم الجن والإنس. روي ايضا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، ومقاتل. والرابع: أنهم الجن والإنس والملائكة، نقل عن ابن عباس أيضا، واختاره ابن قتيبة. والخامس: أنهم الملائكة، وهو مروي عن ابن عباس أيضا. قوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) . قرأ أبو العالية، وابن السميفع، وعيسى بن عمر بالنصب فيهما، وقرأ أبو رزين العقيلي، والربيع بن خثيم، وأبو عمران الجوني بالرفع فيهما. قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) . قرأ عاصم والكسائيّ، وخلق ويعقوب: «مالك» بألف. وقرأ ابن السميفع، وابن أبي عبلة كذلك، إِلا أنهما نصبا الكاف. وقرأ أبو هريرة، وعاصم الجحدري: «ملْكِ» باسكان اللام من غير الألف مع كسر الكاف، وقرأ أبو عثمان النهدي، والشعبي «مَلِكَ» بكسر اللام ونصب الكاف من غير ألف. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعائشة، ومورَّق العجلي: «مَلِكُ» مثل ذلك إلا أنهم رفعوا الكاف. وقرأ أبيّ بن كعب، وأبو رجاء العطاردي «مليك» بياء بعد اللام مكسورة الكاف من غير ألف. وقرأ عمرو بن العاص كذلك، إلا أنه ضمَّ الكاف. وقرأَ أبو حنيفة، وأبو حياة «مَلكَ» على الفعل الماضي، «ويومَ» بالنصب. وروى عبد الوارث عن أبي عمرو: إِسكان اللام، والمشهور عن أبي عمرو وجمهور القراء «مَلِك» بفتح الميم مع كسر اللام، وهو أظهر في المدح، لأن كل ملك مالك، وليس كلّ مالك ملكا. وفي «الدّين» ها هنا قولان: أحدهما: أنه الحساب. قاله ابن مسعود. والثاني: الجزاء. قاله ابن عباس. ولما أخبر الله عزّ وجلّ في قوله: رَبِّ الْعالَمِينَ أنه مالك الدنيا. دل بقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ على أنه مالك الأخرى. وقيل: إِنما خصَّ يوم الدين، لأنه ينفرد يومئذ بالحكم في خلقه. قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ. وقرأ الحسن، وأبو المتوكل، وأبو مجلز «يُعْبَدُ» بضم الياء وفتح الباء. قال ابن الأنباري: المعنى: قل يا محمد: إِياك يعبد، والعرب ترجع من الغيبة إِلى الخطاب، ومن الخطاب الى الغيبة كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ «1» ، وقوله: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (21) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً «2» . وقال لبيد: باتت تشكى إليَّ النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا وفي المراد بهذه العبارة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى التوحيد. روي عن علي، وابن عباس في آخرين. والثاني: أنها بمعنى الطاعة، كقوله: لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ «3» . والثالث: أنها بمعنى
الدعاء كقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي «1» . قوله تعالى: اهْدِنَا فيه أربعة أقوال: أحدها: ثبتنا. قاله عليّ، وأبيّ. والثاني: أرشدنا. والثالث: وفقنا. والرابع: ألهمنا. رويت هذه الثلاثة عن ابن عباس. والصِّراطَ: الطريق. ويقال: إِن أصله بالسين، لأنه من الاستراط وهو: الابتلاع، فالسراط كأنه يسترط المارّين عليه، فمن قرأ بالسين، كمجاهد، وابن محيصن، ويعقوب، فعلى أصل الكلمة، ومن قرأ بالصاد، كأبي عمرو، والجمهور، فلأنها أَخف على اللسان، ومن قرأ بالزاي، كرواية الأصمعي عن أبي عمرو، واحتج بقول العرب: صقر وسقر وزقر. وروي عن حمزة: إِشمام السين زاياً، وروي عنه أنه تلفظ بالصراط بين الصاد والزاي. قال الفراء: اللغة الجيدة بالصاد، وهي لغة قريش الأولى، وعامة العرب يجعلونها سيناً، وبعض قيس يشمُّون الصاد، فيقول: الصراط بين الصاد والسين، وكان حمزة يقرأ «الزراط» بالزاي، وهي لغة لعذرة وكلب وبني القين. يقولون في «أصدق» : أزدق. وفي المراد بالصّراط ها هنا أربعة أقوال: (10) أحدها: أنه كتاب الله، رواه عليّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
والثاني: أنه دين الاسلام. قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وأبو العالية في آخرين. والثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين الله، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. والرابع: أنه طريق الجنة، نقل عن ابن عباس أيضاً. فان قيل: ما معنى سؤال المسلمين الهداية وهم مهتدون؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المعنى: إِهدنا لزوم الصراط، فحذف اللزوم. قاله ابن الأنباري. والثاني: أن المعنى: ثبتنا على الهدى، تقول العرب للقائم: قم حتى آتيك، أي: اثبت على حالك. والثالث: أن المعنى: زدنا هداية. قوله تعالى: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. قال ابن عباس: هم النبيُّون، والصديقون، والشهداء، والصالحون. وقرأ الأكثرون «عليهم» بكسر الهاء، وكذلك «لديهم» و «إِليهم» وقرأهنَّ حمزة بضمها. وكان ابن كثير يصل «1» ضم الميم بواو. وقال ابن الأنباري: حكى اللّغويون في «عليهم» عشر لغات، قرئ بعامّتها «عليهم» بضم الهاء وإسكان الميم «وعليهم» بكسر الهاء وإسكان الميم، و «وعليهمي» بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة، و «عليهُمو» بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة، و «عليهمو» بضم الهاء والميم وإِدخال واو بعد الميم، و «عليهُمُ» بضم الهاء والميم من غير زيادة واو، وهذه الأوجه الستة مأثورة عن القراء، وأوجه أربعة منقولة عن العرب «عليهُمي» بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم، و «عليهُمِ» بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياءٍ، و «عليهِمُ» بكسر الهاء وضم الميم من غير إِلحاق واو، و «عليهِمِ» بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم. (11) فأما «المغضوب عليهم» فهم اليهود و «الضالون» : النصارى. رواه عدي بن حاتم عن
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن قتيبة: والضلال: الحيرة والعدول عن الحقّ. فصل: ومن السّنّة في حق قارئ الفاتحة أن يعقبها ب «آمين» . قال شيخنا أبو الحسن عليّ بن عبيد الله: وسواء كان خارج الصلاة أو فيها. (12) لما روى أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إذا قال الامام (غَيْرِ المغْضُوبِ عَليْهم ولا الضَّالين) فقال من خلفه: آمين، فوافق ذلك قول أهل السماء، غفر له ما تقدم من ذنبه» . وفي معنى «آمين» ثلاثة أقوال: أحدها: أن معنى آمين: كذلك يكون. حكاه ابن الأنباري عن ابن عباس، والحسن. والثاني: أنها بمعنى: اللهم استجب. قاله الحسن والزجاج. والثالث: أنه اسم من أسماء الله تعالى. قاله مجاهد، وهلال بن يساف، وجعفر بن محمد. وقال ابن قتيبة: معناها: يا أمين أجب دعاءنا، فسقطت يا، كما سقطت في قوله: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا «1» ، تأويله: يا يوسف. ومن طوَّل الألف فقال: آمين، أدخل ألف النداء على ألف أمين، كما يقال: آزيد أَقبل: ومعناه: يا زيد. قال ابن الأنباري: وهذا القول خطأ عند جميع النحويين، لأنه إِذا أدخل «يا» على «آمين» كان منادىً مفرداً، فحكم آخره الرفع، فلما أجمعت العرب على فتح نونه، دل على أنه غير منادى، وإنما فتحت نون «آمين» لسكونها وسكون الياء التي قبلها، كما تقول العرب: ليت، ولعل. قال: وفي «آمين» لغتان: «أمين» بالقصر، و «آمين» بالمد، والنون فيهما مفتوحة. أنشدنا أبو العباس عن ابن الاعرابي: سقى الله حياً بين صارة والحمى ... حمى فيْدَ صوبَ المُدْجِنات المواطر «2» أمين وأَدى الله ركباً إليهمُ ... بخير ووقَّاهم حمام المقادر
وأَنشدنا أبو العباس أيضاً: تباعد مني فُطْحُل وابن أمه ... أَمين فزاد الله ما بيننا بعدا وأنشدنا أبو العباس أيضاً: يا رب لا تسلبنّي حبها أبداً ... ويرحم الله عبداً قال آمينا وأَنشدني أَبي: أمين ومن أعطاك منّي هوادة ... رمى الله في أطرافه فاقفعلَّت «1» وأنشدني أبي: فقلت له قد هجت لي بارح الهوى ... أصَاب حمام الموت أَهوننا وجدا أمين وأضناه الهوى فوق ما به ... أمين ولاقى من تباريحه جهدا فصل: نقل الأكثرون عن أحمد أن الفاتحة شرط في صحة الصلاة، فمن تركها مع القدرة عليها لم تصح صلاته وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا تتعين، وهي رواية عن أحمد «2» . (13) ويدل على الرواية الأولى: ما روي في «الصحيحين» من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .
سورة البقرة
سورة البقرة (فصل في فضيلتها) (14) روى أبو هريرة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإنّ البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشّيطان» . (15) وروى أبو أمامة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «أقرأوا الزّهراوين: البقرة وآل عمران، فإنّهما يأتيان يوم القيامة كأنّهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صوافّ، اقرءوا البقرة، فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» . والمراد بالزّهراوين: المنيرتين. يقال لكل منير: زاهر. والغياية: كل شيء أظلّ الإنسان فوق رأسه، مثل السّحابة والغبرة. يقال: غايا القوم فوق رأس فلان بالسيف، كأنهم أظلّوه به. قال لبيد: فتدلّيت عليه قافلا ... وعلى الأرض غيايات الطّفل ومعنى فرقان: قطعتان. والفرق: القطعة من الشيء. قال الله عزّ وجلّ: فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ «1» . والصوّاف: المصطفّة المتضامّة لتظلّ قارئها. والبطلة: السّحرة. (فصل في نزولها) قال ابن عباس: هي أوّل ما نزل بالمدينة، وهذا قول الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وقتادة، ومقاتل. وذكر قوم أنها مدنية سوى آية، وهي قوله عزّ وجلّ: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ «2» ، فإنها نزلت يوم النّحر بمنى في حجّة الوداع. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة البقرة (2) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) فصل: وأما التفسير فقوله: ألم. اختلف العلماء فيها وفي سائر الحروف المقطّعة في أوائل
السور على ستة أقوال «1» : أحدها: أنها من المتشابه الذي لا يعلمه الا الله. قال أبو بكر الصّديق رضي الله عنه: لله عزّ وجلّ في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن أوائل السور، وإلى هذا المعنى ذهب الشعبي، وأبو صالح، وابن زيد. والثاني: أنها حروف من أسماء، فاذا أُلفت ضرباً من التأليف كانت أسماء من أسماء الله عزّ وجلّ. قال علي بن أبي طالب: هي أسماء مقطعة، لو علم الناس تأليفها علموا اسم الله الذي إِذا دعي به أجاب. وسئل ابن عباس عن «آلر» و «حم» و «نون» ، فقال: اسم الرحمن على الهجاء، وإِلى نحو هذا ذهب أبو العالية، والربيع بن أنس. والثالث: أنها حروف أقسم الله بها، قاله ابن عباس، وعكرمة. قال ابن قتيبة: ويجوز أن يكون أقسم بالحروف المقطعة كلها، واقتصر على ذكر بعضها كما يقول القائل: تعلمت «أب ت ث» وهو يريد سائر الحروف، وكما يقول: قرأت الحمد، يريد فاتحة الكتاب، فيسميها بأول حرف منها، وإِنما أقسم بحروف المعجم لشرفها، ولأنها مباني كتبه المنزلة، وبها يذكر ويوحد. قال ابن الانباري: وجواب القسم محذوف، تقديره: وحروف المعجم لقد بين الله لكم السبيل، وأنهجت لكم الدّلالات بالكتاب المنزل، وإِنما حذف لعلم المخاطبين به، ولأن في قوله: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ دليلاً على الجواب. والرابع: انه أشار بما ذكر من الحروف إِلى سائرها، والمعنى: أنه لما كانت الحروف أُصولاً للكلام المؤلف، أخبر أن هذا القرآن إِنما هو مؤلف من هذه الحروف، قاله الفراء، وقطرب. فان قيل: فقد علموا أنه حروف، فما الفائدة في إِعلامهم بهذا؟ فالجواب أنه نبه بذلك على إِعجازه، فكأنه قال: هو من هذه الحروف التي تؤلفون منها كلامكم، فما بالكم تعجزون عن معارضته؟! فاذا عجزتم فاعلموا أنه ليس من قول محمّد عليه السلام.
والخامس: أنها أسماء للسور. روي عن زيد بن أسلم، وابنه، وأبي فاختة سعيد بن علاقة مولى أم هانئ. والسادس: أنها من الرمز الذي تستعمله العرب في كلامها. يقول الرجل للرجل: هل تا؟ فيقول له: بلى، يريد هل تأتي؟ فيكتفي بحرف من حروفه. وأنشدوا: قلنا لها قفي لنا فقالت قاف «1» أراد: قالت: أقف. ومثله: نادوهم أن ألجموا ألا تا ... قالوا جميعا كلّهم بلى فا يريد: ألا تركبون؟ قالوا: بلى فاركبوا. ومثله: بالخير خيرات وإن شراً فا ... ولا أريد الشر إِلا أن تا معناه: وإن شراً فشر ولا أريد الشر إِلا أن تشاء. وإِلى هذا القول ذهب الأخفش، والزجاج، وابن الأنباري. وقال أبو روق عطية بن الحارث الهمدانيّ «2» : (16) كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يجهر بالقراءة في الصلوات كلها، وكان المشركون يصفّقون ويصفّرون، فنزلت هذه الحروف المقطعة، فسمعوها فبقوا متحيرين. وقال غيره: إِنما خاطبهم بما لا يفهمون ليقبلوا على استماعه، لأن النفوس تتطلع إِلى ما غاب عنها. معناه: فاذا أقبلوا اليه خاطبهم بما يفهمون، فصار ذلك كالوسيلة إلى الإبلاغ، إلا أنه لا بد له من معنى يعلمه غيرهم، أو يكون معلوما عند المخاطب، فهذا الكلام يعم جميع الحروف. وقد خص المفسّرون قوله «الم» بخمسة أقوال «3» : أحدها: أنه من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله عزّ وجلّ، وقد سبق بيانه. والثاني: أَن معناه: أَنا الله أعلم. رواه أَبو الضحى عن ابن عباس، وبه قال ابن مسعود، وسعيد بن جبير. والثالث: أنه قسم. رواه أبو صالح عن ابن عباس، وخالد الحذاء عن عكرمة. والرابع: أنها حروف من أسماء. ثم فيها قولان: أَحدهما: أَن الألف من «الله» واللام من «جبريل» والميم من «محمد» ، قاله ابن عباس. فان قيل: إِذا كان قد تنوول من كل اسم حرفه الأول اكتفاءً به، فلم أُخذت اللام من جبريل وهي آخر الاسم؟! فالجواب: أن مبتدأَ القرآن من الله تعالى، فدلَّ على ذلك بابتداء أول حرف من اسمه، وجبريل انختم به التنزيل والإِقراء، فتنوول من اسمه نهاية حروفه، و «محمد» مبتدأ في الإقراء، فتنوول أول حروفه. والقول الثاني: أَن الألف من «الله» تعالى، واللام من «لطيف» والميم من «مجيد» قاله أبو العالية. والخامس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله مجاهد، والشعبي، وقتادة، وابن جريج.
[سورة البقرة (2) : آية 2]
[سورة البقرة (2) : آية 2] ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) قوله تعالى: ذلِكَ فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى هذا، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والكسائي، وأبي عبيدة، والأخفش. واحتج بعضهم بقول خفاف بن ندبة: أَقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافا إِنني أنا ذلكا «1» أي: أنا هذا. وقال ابن الأنباري: إنما أراد: أنا ذلك الذي تعرفه. والثاني: أنها إشارة الى غائب. ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أراد به ما تقدم إنزاله عليه من القرآن. والثاني: أنه أراد به ما وعده أن يوحيه إليه في قوله: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا «2» . والثالث: أنه أراد بذلك ما وعد به أهل الكتاب السّالفة، لأنهم وعدوا بنبيّ وكتاب. والْكِتابُ: القرآن. وسمي كتاباً، لأنه جمع بعضه إلى بعض، ومنه الكتيبة، سميت بذلك لاجتماع بعضها إلى بعض. ومنه: كتبت البغلة «3» . قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ. الرَّيب: الشك. والهدى: الإِرشاد. والمتقون: المحترزون مما اتقوه. وفرَّق شيخنا علي بن عبيد الله بين التقوى والورع، فقال: التقوى: أخذ عدة، والورع: دفع شبهة، فالتقوى: متحقق السبب، والورع: مظنون المسبَّب. واختلف العلماء في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ظاهرها النفي، ومعناها النهي، وتقديرها: لا ينبغي لأحد أن يرتاب به لإتقانه وإحكامه. ومثله: ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ «4» ، أي: ما ينبغي لنا. ومثله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ «5» ، وهذا مذهب الخليل، وابن الأنباري. والثاني: أن معناها: لا ريب فيه أنه هدىً للمتقين. قاله المبرّد. والثالث: أن معناها: لا ريب فيه أنه من عند الله، قاله مقاتل في آخرين. فان قيل: فقد ارتاب به قوم. فالجواب: انه حق في نفسه، فمن حقق النظر فيه علم. قال الشاعر «6» : ليس في الحق يا أمامة ريب ... إنما الريب ما يقول الكذوب فان قيل: فالمتقي مهتد، فما فائدة اختصاص الهداية به؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه أراد المتقين والكافرين، فاكتفى بذكر أحد الفريقين كقوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ «7» ، أراد: والبرد. والثاني: أنه خصَّ المتقين لانتفاعهم به كقوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها «8» ، وكان منذراً لمن يخشى ولمن لا يخشى.
[سورة البقرة (2) : آية 3]
[سورة البقرة (2) : آية 3] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، الايمان في اللغة: التصديق، والشرع أقره على ذلك، وزاد فيه القول والعمل. وأصل الغيب: المكان المطمئن الذي يستتر فيه لنزوله عما حوله، فسمي كلّ مستتر: غيبا. وفي المراد بالغيب ها هنا ستة أقوال: أحدها: أنه الوحي، قاله ابن عباس، وابن جريج. والثاني: القرآن، قاله أبو رزين العقيلي، وزر بن حبيش. والثالث: الله عزّ وجلّ، قاله عطاء، وسعيد بن جبير. والرابع: ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، ونحو ذلك مما ذكر في القرآن. رواه السدي عن أشياخه، وإليه ذهب أبو العالية، وقتادة. والخامس: أنه قدر الله عزّ وجلّ، قاله الزهري. والسادس: أنه الايمان بالرسول في حق من لم يره. قال عمرو بن مرَّة: قال أصحاب عبد الله «1» له: طوبى لك، جاهدت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وجالسته. فقال: إن شأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان مبيِّنا لمن رآه، ولكن أعجب من ذلك: قوم يجدون كتاباً مكتوباً يؤمنون به ولم يروه، ثم قرأ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. قوله تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ. الصلاة في اللغة: الدعاء. وفي الشريعة: أفعال وأقوال على صفات مخصوصة. وفي تسميتها بالصلاة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سميت بذلك لرفع الصَّلا، وهو مغرز الذنب من الفرس. والثاني: أنها من صليت العود، إذا لينته، فالمصلي يلين ويخشع. والثالث: أنها مبنية على السؤال والدعاء، والصلاة في اللغة: الدعاء، وهي في هذا المكان اسم جنس. قال مقاتل: أراد بها هاهنا: الصلوات الخمس. وفي معنى إقامتها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تمام فعلها على الوجه المأمور به، روي عن ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنه المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، قاله قتادة، ومقاتل. والثالث: أنه إِدامتها، والعرب تقول في الشيء الراتب: قائم، وفلان يقيم أرزاق الجند، قاله ابن كيسان. قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أي: أعطيناهم يُنْفِقُونَ أي: يخرجون. وأصل الإِنفاق الإِخراج. يقال: نفقت الدابة: إذا خرجت روحها. وفي المراد بهذه النفقة أربعة أقوال: أحدها: أنها النفقة على الأهل والعيال، قاله ابن مسعود، وحذيفة. والثاني: أنها الزكاة المفروضة، قاله ابن عباس، وقتادة. والثالث: أنها الصدقات النوافل، قاله مجاهد والضحاك. والرابع: أنها النفقة التي كانت واجبة قبل وجوب الزكاة، ذكره بعض المفسرين، وقالوا: إنه كان فرض على الرجل أن يمسك مما في يده مقدار كفايته يومه وليلته. ويفرق باقيه على الفقراء. فعلى قول هؤلاء، الآية منسوخة بآية الزكاة، وغير هذا القول أثبت. واعلم أن الحكمة في الجمع بين الإِيمان بالغيب وهو عقد القلب، وبين الصلاة وهي فعل البدن، وبين الصدقة وهو تكليف يتعلق بالمال، أنه ليس في التكليف قسم رابع، إذ ما عدا هذه الأقسام فهو ممتزج بين اثنين منهما، كالحجّ والصّوم ونحوهما. [سورة البقرة (2) : آية 4] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
[سورة البقرة (2) : آية 5]
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ، اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، رواه الضحاك عن ابن عباس، واختاره مقاتل «1» . والثاني: أنها نزلت في العرب الذين آمنوا بالنبي وبما أُنزل من قبله. رواه أبو صالح عن ابن عباس «2» . قال المفسرون: الذي أنزل إليه، القرآن. وقال شيخنا علي بن عبيد الله: القرآن وغيره مما أُوحي إِليه. قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني الكتاب المتقدمة والوحي، فأما (الآخرة) فهي اسم لما بعد الدنيا، وسميت آخرة، لأن الدنيا قد تقدمتها. وقيل: سميت آخرة لأنها نهاية الأمر. قوله تعالى: يُوقِنُونَ، اليقين: ما حصلت به الثقة، وثلج به الصدر، وهو أبلغ علم مكتسب. [سورة البقرة (2) : آية 5] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً أي على رشاد. وقال ابن عباس: على نور واستقامة. قال ابن قتيبة: الْمُفْلِحُونَ: الفائزون ببقاء الأبد. وأصل الفلاح: البقاء. ويشهد لهذا قول لبيد: نحل بلاداً كلُّها حُلَّ قبلنا ... ونرجو الفلاح بعد عادٍ وحمير يريد: البقاء، وقال الزجاج: المفلح: الفائز بما فيه غاية صلاح حاله. قال ابن الأنباري: ومنه: حيَّ على الفلاح، معناه: هلموا إِلى سبيل الفوز ودخول الجنة. [سورة البقرة (2) : آية 6] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا في نزولها أربعة أقوال: أحدها: أنها نزلت في قادة الأحزاب، قاله أبو العالية. والثاني: أنها نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، قاله الضحاك. والثالث: أنها نزلت في طائفة من اليهود، ومنهم حيي بن أخطب، قاله ابن السائب. والرابع: أنها نزلت في مشركي العرب، كأبي جهل وأبي طالب وأبي لهب وغيرهم ممن لم يسلم «3» ، قاله مقاتل. فأما تفسيرها، فالكفر في اللغة: التغطية. تقول: كفرت الشيء إذا غطيته، فسمي الكافر كافراً، لأنه يغطي الحق. قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ، أي: متعادل عندهم الانذار وتركه، والانذار: إِعلام مع تخويف، وتناذر بنو فلان هذا الأمر: إذا خوّفه بعضهم بعضا.
[سورة البقرة (2) : آية 7]
قال شيخنا علي بن عبيد الله: هذه الآية وردت بلفظ العموم، والمراد بها الخصوص، لأنها آذنت بأن الكافر حين إنذاره لا يؤمن، وقد آمن كثير من الكفار عند إنذارهم، ولو كانت على ظاهرها في العموم، لكان خبر الله لهم خلاف مخبره، ولذلك وجب نقلها إلى الخصوص. [سورة البقرة (2) : آية 7] خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7) قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، الختم: الطبع، والقلب: قطعة من دم جامدة سوداء، وهو مستكن في الفؤاد، وهو بيت النفس، ومسكن العقل، وسمي قلبا لتقلبه. وقيل: لأنه خالص البدن، وإما خصَّه بالختم لأنه محل الفهم. قوله تعالى: وَعَلى سَمْعِهِمْ، يريد: على أسماعهم، فذكره بلفظ التوحيد، ومعناه: الجمع، ونظيره قوله تعالى: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا «1» . وأنشدوا من ذلك: كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكُم تَعِيْشُوا ... فانَّ زَمَانَكُم زمن خميص أي: في أنصاف بطونكم. ذكر هذا القول أبو عبيدة، والزجاج. وفيه وجه آخر، وهو أن العرب تذهب بالسمع مذهب المصدر، والمصدر يوحد، تقول: يعجبني حديثكم، ويعجبني ضربكم. فأما البصر والقلب فهما اسمان لا يجريان مجرى المصادر في مثل هذا المعنى. ذكره الزجاج، وابن القاسم. وقد قرأ عمرو بن العاص، وابن أبي عبلة: (وعلى أسماعهم) . قوله تعالى: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ، الغشاوة: الغطاء. قال الفراء: أما قريش وعامة العرب، فيكسرون الغين من «غشاوة» ، وعكل يضمون الغين، وبعض العرب يفتحها، وأظنها لربيعة. وروى المفضل عن عاصم «غِشاوَةٌ» بالنصب على تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة. فأما العذاب، فهو الألم المستمر، وماء عذب: إذا استمر في الحلق سائغا. [سورة البقرة (2) : آية 8] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها في المنافقين، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وبه قال أبو العالية، وقتادة، وابن زيد «2» . والثاني: أنها في منافقي أهل الكتاب. رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال ابن سيرين: كانوا يتخوفون من هذه الآية. وقال قتادة: هذه الآية نعت المنافق، يعرف بلسانه، وينكر بقلبه، ويصدّق بلسانه، ويخالف بعمله، ويصبح على حالٍ، ويمسي على غيرها، ويتكفّأ تكفّؤ السّفينة، كلما هبّت ريح هبّ معها. [سورة البقرة (2) : آية 9] يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (9) قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ. قال ابن عباس: كان عبد الله بن أُبيّ، ومعتب بن قشير، والجدّ بن
القيس إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، ونشهد أن صاحبكم صادق، فاذا خلوا لم يكونوا كذلك، فنزلت هذه الآية «1» . فأما التفسير، فالخديعة: الحيلة والمكر، وسميت خديعة، لأنها تكون في خفاء. والمخدع: بيت داخل البيت تختفي فيه المرأة، ورجل خادع: إذا فعل الخديعة، سواء حصل مقصوده أو لم يحصل، فاذا حصل مقصوده، قيل: قد خدع. وانخدع الرجل: استجاب للخادع، سواء تعمد الاستجابة أو لم يقصدها، والعرب تسمي الدهر خداعاً، لتلونه بما يخفيه من خير وشر. وفي معنى خداعهم الله خمسة أقوال: أحدها: انهم كانوا يخادعون المؤمنين، فكأنهم خادعوا الله. روي عن ابن عباس واختاره ابن قتيبة. والثاني: انهم كانوا يخادعون نبي الله، فأقام الله نبيه مقامه، كما قال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ «2» ، قاله الزجاج. والثالث: أن الخادع عند العرب: الفاسد. وأنشدوا «3» : [أبيض اللون لذيذ طعمه] «4» ... طيب الريق إِذا الريق خدع أي: فسد. رواه محمد بن القاسم عن ثعلب عن ابن الاعرابي. قال ابن القاسم: فتأويل: يخادعون الله: يفسدون ما يظهرون من الايمان بما يضمرون من الكفر. والرابع: أنهم كانوا يفعلون في دين الله ما لو فعلوه بينهم كان خداعا. والخامس: أنهم كانوا يخفون كفرهم، ويظهرون الإيمان به. قوله تعالى: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ قرأَ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «وما يخادعون» وقرأَ الكوفيون، وابن عامر: (يخدعون) ، والمعنى: أن وبال ذلك الخداع عائد عليهم. ومتى يعود وبال خداعهم عليهم؟ فيه قولان: أحدهما: في دار الدنيا، وذلك بطريقين: أحدهما: بالاستدراج والإِمهال الذي يزيدهم عذابا. والثاني: باطلاع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين على أحوالهم التي أسروها. والقول الثاني: ان عود الخداع عليهم في الآخرة. وفي ذلك قولان: أحدهما: أنه يعود عليهم عند ضرب الحجاب بينهم وبين المؤمنين، وذلك قوله: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ «5» الآية ... والثاني: أنه يعود عليهم عند اطلاع أهل الجنة عليهم، فاذا رأَوهم طمعوا في نيل راحة من قبلهم، فقالوا: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ «6» ، فيجيبونهم: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ «7» . قوله تعالى: وَما يَشْعُرُونَ، أَي: وما يعلمون. وفي الذي لم يشعروا به قولان:
[سورة البقرة (2) : آية 10]
أحدهما: أَنه إِطلاع الله نبيه على كذبهم، قاله ابن عباس. والثاني: أَنه إِسرارهم بأنفسهم بكفرهم، قاله ابن زيد. [سورة البقرة (2) : آية 10] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10) قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، المرض هاهنا: الشك، قاله عكرمة، وقتادة. فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً هذا الإخبار من الله عزّ وجلّ أنه فعل بهم ذلك، و «الأليم» بمعنى المؤلم، والجمهور يقرءون «يكذبون» بالتشديد، وقرأ الكوفيون سوى أبان عن عاصم بالتخفيف مع فتح الياء. [سورة البقرة (2) : آية 11] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو قول الجمهور، منهم ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أن المراد بها قوم لم يكونوا خلقوا حين نزولها، قاله سلمان الفارسي. وكان الكسائي يقرأ بضم القاف من «قيل» والحاء من «حيل» والغين من «غيض» ، والجيم من «جيء» ، والسين من «سيئ» و «سيئت» . وكان ابن عامر يضم من ذلك ثلاثة: «حيل» و «سيق» و «سيئ» . وكان نافع يضم «سيئ» و «سيئت» ، ويكسر البواقي، والآخرون يكسرون جميع ذلك. وقال الفراء: أهل الحجاز من قريش ومن جاورهم من بني كنانة يكسرون القاف في «قيل» و «جيء» و «غيض» ، وكثير من عقيل ومن جاورهم وعامة أسد، يشمون إلى الضمة من «قيل» و «جيء» . وفي المراد بالفساد ها هنا خمسة أقوال: أحدها: أنه الكفر، قاله ابن عباس. والثاني: العمل بالمعاصي، قاله أبو العالية، ومقاتل. والثالث: أنه الكفر والمعاصي، قاله السّدي عن أشياخه. والرابع: أنه ترك امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، قاله مجاهد. والخامس: أنه النفاق الذي صادفوا به الكفار، وأطلعوهم على أسرار المؤمنين، ذكره شيخنا علي بن عبيد الله. قوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ، فيه خمسة أقوال: أحدها: أن معناه إنكار ما عرفوا به، وتقديره: ما فعلنا شيئاً يوجب الفساد. والثاني: أن معناه: إنا نقصد الإصلاح بين المسلمين والكافرين، والقولان عن ابن عباس. والثالث: أنهم أرادوا: في مصافاة الكفار صلاح لا فساد، قاله مجاهد وقتادة. والرابع: أنهم أرادوا أن فعلنا هذا هو الصلاح، وتصديق محمد هو الفساد، قاله السّدي. والخامس: أنهم ظنوا أن مصافاة الكفار صلاح في الدنيا لا في الدين، لأنهم اعتقدوا أن الدّولة «1» إن كانت للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقد أمنوه بمتابعته، وإن كانت للكفار فقد أمنوهم بمصافاتهم، ذكره شيخنا. [سورة البقرة (2) : آية 12] أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ، قال الزجاج: ألا: كلمة يبتدأُ بها، ينبه بها المخاطب،
[سورة البقرة (2) : آية 13]
تدل على صحة ما بعدها. و «هم» : تأكيد للكلام. وفي قوله تعالى: وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ قولان: أحدهما: لا يشعرون أن الله يطلع نبيه على فسادهم. والثاني: لا يشعرون أن ما فعلوه فساد، لا صلاح. [سورة البقرة (2) : آية 13] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا، في المقول لهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: المنافقون، قاله مجاهد، وابن زيد. وفي القائلين لهم قولان: أحدهما: أنهم أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس، ولم يعيّن أحداً من أصحابه. والثاني: أنهم معينون، وهم سعد بن معاذ، وأبو لبابة وأسيد، ذكره مقاتل. وفي الإِيمان الذي دعوا إليه قولان: أحدهما: أنه التصديق بالنبي، وهو قول من قال: هم اليهود. والثاني: أنه العمل بمقتضى ما أظهروه، وهو قول من قال: هم المنافقون. وفي المراد بالناس ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: جميع الصحابة، قاله ابن عبَّاس. والثاني: عبد الله بن سلام، ومن أسلم معه من اليهود، قاله مقاتل. والثالث: معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وجماعة من وجوه الأنصار، عدهم الكلبي. وفيمن عنوا بالسفهاء ثلاثة أقوال: أحدها: جميع الصحابة، قاله ابن عبَّاس. والثاني: النساء والصبيان، قاله الحسن. والثالث: ابن سلام وأصحابه، قاله مقاتل. وفيما عنوه بالغيب من إِيمان الذين زعموا أنهم السفهاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أرادوا دين الإِسلام، قاله ابن عباس، والسُّدي. والثاني: أنهم أرادوا البعث والجزاء، قاله مجاهد. والثالث: أنهم عنوا مكاشفة الفريقين بالعداوة من غير نظر في عاقبة، وهذا الوجه والذي قبله يخرج على أنهم المنافقون، والأول يخرج على أنهم اليهود. قال ابن قتيبة: السّفهاء: الجهلة، يقال: سفه فلان رأيه، إذا جهله، ومنه قيل للبذاء: سفه، لأنه جهل. قال الزجاج: وأصل السَّفه في اللغة: خفة الحلم، ويقال: ثوب سفيه: إِذا كان رقيقاً بالياً، وتسفهت الريح الشجر: إذا مالت به. قال الشاعر «1» : مشين كما اهتزت رماح تسفَّهت ... أعاليَها مرُّ الرياح النواسم «2» قوله تعالى: وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ. قال مقاتل: لا يعلمون أنهم هم السّفهاء. [سورة البقرة (2) : آية 14] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا. اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه، قاله ابن عباس «3» . والثاني: أنها نزلت في المنافقين وغيرهم من أهل الكتاب
[سورة البقرة (2) : آية 15]
الذين كانوا يظهرون للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الإيمان ما يلقون رؤساءهم بضدّه، قاله الحسن. فأما التفسير: ف «إلى» : بمعنى «مع» ، كقوله تعالى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ «1» أي: مع الله. والشياطين: جمع شيطان، قال الخليل: كل متمرّد عند العرب شيطان. وفي هذا الاسم قولان: أحدهما: أنه من شطن، أي: بعد عن الخير، فعلى هذا تكون النون أصليَّة. قال أميَّة بن أبي الصَّلت في صفة سليمان عليه السلام: أيما شاطنٍ عصاه عكاه ... ثم يُلقى في السّجن والأغلال عكاه: أوثقه. وقال النابغة: نأت بسعاد عنك نوىً شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين والثاني: أنه من شاط يشيط: إِذا التهب واحترق، فتكون النون زائدة. وأنشدوا: وقد يشيط على أرماحنا البطل «2» أي: يهلك. وفي المراد: بشياطينهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم رؤوسهم في الكفر، قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، والسّدي. والثاني: إِخوانهم من المشركين، قاله أبو العالية، ومجاهد. والثالث: كهنتهم، قاله الضَّحاك، والكلبي. قوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ. فيه قولان: أحدهما: أنَّهم أرادوا: إنا معكم على دينكم. والثاني: إِنا معكم على النّصرة والمعاضدة. والهزء: السّخرية. [سورة البقرة (2) : آية 15] اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ. اختلف العلماء في المراد، باستهزاء الله بهم على تسعة أقوال: أحدها: أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار، فيسرعون إليه فيغلق، ثم يفتح لهم باب آخر، فيسرعون فيغلق، فيضحك منهم المؤمنون. روي عن ابن عباس. والثاني: أنه إذا كان يوم القيامة جمدت النَّار لهم كما تجمد الإِهالة «3» في القدر، فيمشون فتنخسف بهم. روي عن الحسن البصري. والثالث: أن الاستهزاء بهم: إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، فيبقون في الظلمة، فيقال لهم: ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً «4» ، قاله مقاتل. والرابع: أن المراد به: يجازيهم على استهزائهم، فقوبل اللفظ بمثله لفظاً وإن خالفه معنى، فهو كقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «5» ، وقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ «6» . وقال عمرو بن كلثوم:
[سورة البقرة (2) : آية 16]
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا أراد: فنعاقبه بأغلظ من عقوبته. والخامس: أن الاستهزاء من الله تعالى التّخطئة لهم، والتّجهيل، فمعناه: الله يخطّئ فعلهم، ويجهلهم في الإقامة على كفرهم. والسادس: أن استهزاءه: استدراجه إياهم. والسابع: أنه إيقاع استهزائهم بهم، وردّ خداعهم ومكرهم عليهم. ذكر هذه الأقوال محمّد بن القاسم الأنباري. والثامن: أن الاستهزاء بهم أن يقال لأحدهم في النار وهو في غاية الذل: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) «1» . ذكره شيخنا في كتابه. والتاسع: أنه لما أظهروا من أحكام إسلامهم في الدنيا خلاف ما أبطن لهم في الآخرة، كان كالاستهزاء بهم. قوله: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. فيه أربعة أقوال: أحدها: يمكِّن لهم، قاله ابن مسعود. والثاني: يملي لهم، قاله ابن عباس. والثالث: يزيدهم، قاله مجاهد. والرابع: يمهلهم، قاله الزجاج. والطغيان: الزيادة على القدر، والخروج عن حيز الاعتدال في الكثرة، يقال: طغى البحر: إذا هاجت أمواجه، وطغى السيل: إذا جاء بماء كثير. وفي المراد بطغيانهم قولان: أحدهما: أنه كفرهم، قاله الجمهور. والثاني: أنه عتوهم وتكبرهم، قاله ابن قتيبة. ويَعْمَهُونَ بمعنى: يتحيرون، يقال: رجل عمه وعامه، أي: متحير. قال الراجز «2» : ومَخْفَقٍ من لُهلُهٍ ولُهْلُهِ ... من مهمه يجتنبه في مهمه أعمى الهدى بالجاهلين العُمَّه «3» وقال ابن قتيبة: (يعمهون) يركبون رؤوسهم، فلا يبصرون. [سورة البقرة (2) : آية 16] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16) قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى. في نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في جميع الكفار، قاله ابن مسعود، وابن عباس. والثاني: أنها في أهل الكتاب، قاله قتادة والسدي ومقاتل. والثالث: أنها في المنافقين، قاله مجاهد. واشْتَرَوُا: بمعنى استبدلوا، والعرب تجعل من آثر شيئاً على شيء مشترياً له، وبائعا للآخر. والضلالة والضلال بمعنى واحد. وفيهما للمفسّرين ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد بها ها هنا الكفر، والمراد بالهدى: الإيمان، روي عن الحسن وقتادة والسدي. والثاني: أنها الشك، والهدى: اليقين. والثالث: أنها الجهل، والهدى: العلم. وفي كيفية استبدالهم الضلالة بالهدى ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم آمنوا ثم كفروا، قاله مجاهد. والثاني: أن اليهود آمنوا بالنبي قبل مبعثه، فلما بعث كفروا به، قاله مقاتل. والثالث: أن الكفار لما بلغهم ما جاء به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الهدى فردوه واختاروا الضلال، كانوا كمن أبدل شيئا بشيء، ذكره شيخنا علي بن عبيد الله.
[سورة البقرة (2) : آية 17]
وقوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ. من مجاز الكلام، لأن التجارة لا تربح، وإنما يربح فيها، ومثله قوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ «1» ، يريد: بل مكرهم في الليل والنهار. ومثله: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ «2» ، أي: عزم عليه. وأنشدوا «3» : حارثُ قد فرَّجْتَ عني همي ... فنام ليلي وتجلى غمّي والليل لا ينام، بل ينام فيه، وإِنما يستعمل مثل هذا فيما يزول فيه الإِشكال ويعلم مقصود قائله، فأما إذا أضيف إلى ما يصلح أن يوصف به، وأريد به ما سواه، لم يجز، مثل أن يقول: ربح عبدك، وتريد: ربحت في عبدك. وإلى هذا المعنى ذهب الفراء وابن قتيبة والزجاج. قوله تعالى: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ. فيه خمسة أقوال: أحدها: وما كانوا في العلم بالله مهتدين. والثاني: وما كانوا مهتدين من الضلالة. والثالث: وما كانوا مهتدين إلى تجارة المؤمنين. والرابع: وما كانوا مهتدين في اشتراء الضلالة. والخامس: أنه قد لا يربح التاجر ويكون على هدىً من تجارته غير مستحق للذم فيما اعتمده، فنفى الله عزّ وجلّ عنهم الأمرين مبالغة في ذمّهم. [سورة البقرة (2) : آية 17] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً. هذه الآية نزلت في المنافقين. والمثل بتحريك الثاء: ما يضرب ويوضع لبيان النظائر في الاحوال. وفي قوله تعالى: اسْتَوْقَدَ قولان: أحدهما: أن السين زائدة، وأنشدوا «4» : وداعٍ دعا يا من يجيب إِلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب أراد: فلم يجبه، وهذا قول الجمهور، منهم الأخفش وابن قتيبة. والثاني: أن السين داخلة للطلب، أراد: كمن طلب من غيره نارا. وفي أَضاءَتْ قولان: أحدهما: أنه من الفعل المتعدي، قال الشاعر: أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه «5» وقال آخر «6» : أضاءت لنا النار وجهاً أغرَّ ... ملتبساً بالفؤاد التباسا والثاني: أنه من الفعل اللازم. قال أبو عبيد: يقال: أضاءت النَّار، وأضاءها غيرها. وقال الزجاج: يقال: ضاء القمر، وأضاء. وفي «ما» قولان: أحدهما: أنها زائدة، تقديره: أضاءت حوله. والثاني: أنها بمعنى الذي.
[سورة البقرة (2) : آية 18]
وحول الشَّيء: ما دار من جوانبه. والهاء: عائدة على الْمستوقد. فان قيل: كيف وحد، فقال: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ، ثم جمع فقال: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ؟ فالجواب: أن ثعلبا حكى عن الفراء أنه قال: إنما ضرب المثل للفعل، لا لأعيان الرجال، وهو مثل للنفاق، وإنما قال: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ لأن المعنى ذاهب إلى المنافقين، فجمع لذلك. قال ثعلب: وقال غير الفراء: معنى الذي: الجمع، وحد أولاً للفظه، وجمع بعد لمعناه، كما قال الشاعر «1» : فإنَّ الذي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهُمْ ... هُمُ القَوْمُ كلُّ القوم يا أم خالد «2» فجعل «الذي» جمعاً. فصل: اختلف العلماء في الذي ضرب الله تعالى له هذا المثل من أحوال المنافقين على قولين: أحدهما: أنه ضرب لكلمة الإسلام التي يلفظون بها، ونورها صيانة النفس وحقن الدماء، فاذا ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ، كما سلب صاحب النَّار ضوءه. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس. والثاني: أنه ضرب لإِقبالهم على المؤمنين وسماعهم ما جاء به الرسول، فذهاب نورهم: إِقبالهم على الكافرين والضلال، وهذا قول مجاهد. وفي المراد ب «الظلمات» ها هنا أربعة أقوال: أحدها: العذاب، قاله ابن عباس. والثاني: ظلمة الكفر، قاله مجاهد. والثالث: ظلمة يلقيها الله عليهم بعد الموت، قاله قتادة. والرابع: أنها نفاقهم، قاله السدي. فصل: وفي ضرب المثل لهم بالنار ثلاث حكم: إحداهنّ: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه، فاذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، فكأنهم لما أقروا بألسنتهم من غير اعتقاد قلوبهم كان نور إيمانهم كالمستعار. والثانية: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة الحطب، وهو له كغذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إِلى مادة الاعتقاد ليدوم. والثالثة: أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ظلمة لم يجد معها ضياء، فشبه حالهم بذلك. [سورة البقرة (2) : آية 18] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ. الصمم: انسداد منافذ السمع، وهو أشد من الطرش. وفي البكم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الخرس، قاله مقاتل، وأبو عبيد، وابن فارس. والثاني: أنه عيب في اللسان لا يتمكن معه من النطق، وقيل: إن الخرس يحدث عنه. والثالث: أنه عيب في الفؤاد يمنعه أن يعي شيئاً فيفهمه، فيجمع بين الفساد في محل الفهم ومحل النطق. ذكر هذين القولين شيخنا. وقوله تعالى: فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا يرجعون عن ضلالتهم، قاله قتادة ومقاتل. والثاني: لا يرجعون إِلى الإسلام، قاله السدي. والثالث: لا يرجعون عن الصمم والبكم والعمى، وإنما أضاف الرجوع إليهم، لأنهم انصرفوا باختيارهم، لغلبة أهوائهم عن تصفح الهدى بآلات
[سورة البقرة (2) : آية 19]
التصفح، ولم يكن بهم صمم ولا بكم حقيقة، ولكنهم لما التفتوا عن سماع الحق والنطق به كانوا كالصّم البكم. والعرب تسمي المعرض عن الشيء: أعمى، والملتفت عن سماعه: أصمّ، قال مساكين الدّارميّ: ما ضرّ لي جارا أجاوره ... ألا يكون لبابه ستر أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الخدر وتصمُّ عما بينهم أذني ... حتى يكون كأنه وقر «1» [سورة البقرة (2) : آية 19] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ، أو: حرف مردود على قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً «2» ، واختلف العلماء فيه على ستة أقوال: أحدها: أنه داخل ها هنا للتخيير، تقول العرب: جالس الفقهاء أو النحويين، ومعناه: انت مخير في مجالسة أي الفريقين شئت، فكأنه خيرنا بين أن نضرب لهم المثل الأول أو الثاني. والثاني: أنه داخل للابهام فيما قد علم الله تحصيله، فأبهم عليهم ما لا يطلبون تفصيله، فكأنه قال: مثلهم كأحد هذين، ومثله قوله تعالى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً «3» ، والعرب تبهم ما لا فائدة في تفصيله. قال لبيد: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إِلا من ربيعة أو مضر أي: هل أنا إلا من أحد هذين الفريقين، وقد فنيا، فسبيلي أن أفنى كما فنيا. والثالث: أنه بمعنى: بل. وأنشد الفراء: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح والرابع: أنه للتفصيل، ومعناه: بعضهم يشبه بالذي استوقد ناراً، وبعضهم بأصحاب الصيّب. ومثله قوله تعالى: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى «4» ، معناه: قال بعضهم، وهم اليهود: كونوا هودا، وقال النصارى: كونوا نصارى. وكذلك قوله: فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ «5» ، معناه: جاء بعضهم بأسنا بياتاً، وجاء بعضهم بأسنا وقت القائلة. والخامس: أنه بمعنى الواو. ومثله قوله تعالى: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ «6» . قال جرير: نال الخلافة أو كانت له قدراً ... كما أتى ربَّه موسى على قدر «7»
والسادس: أنه للشك في حق المخاطبين، إذ الشك مرتفع عن الحق عزّ وجلّ، ومثله قوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ «1» ، يريد: الإعادة أهون من الابتداء فيما تظنون. فأما التفسير لمعنى الكلام: أو كأصحاب صيب، فأضمر الأصحاب، لأن في قوله: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ، دليلاً عليه. والصيب: المطر. قال ابن قتيبة: هو فيعل من صاب يصوب: إذا نزل من السماء، وقال الزجاج: كل نازل من علو إلى استفال، فقد صاب يصوب، قال الشاعر «2» : كأنهمُ صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب وفي «الرعد» ثلاثة أقوال: (17) أحدها: أنه صوت ملك يزجر السحاب، وقد روي هذا المعنى مرفوعا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وبه
قال ابن عباس ومجاهد. وفي رواية عن مجاهد: أنه صوت ملك يسبح. وقال عكرمة: هو ملك يسوق السحاب كما يسوق الحادي الابل. والثاني: أنه ريح تختنق بين السماء والأرض. وقد روي عن أبي الجلد أنه قال: الرعد: الريح. واسم أبي الجلد: جيلان بن أبي فروة البصري، وقد روى عنه قتادة. والثالث: أنه اصطكاك أجرام السحاب «1» ، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. وفي البرق ثلاثة أقوال «2» : (18) أحدها: أنه مخاريق يسوق بها الملك السحاب، روي هذا المعنى مرفوعاً إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو قول علي بن أبي طالب. وفي رواية عن علي قال: هو ضربة بمخراق من حديد. وعن ابن عباس: أنه ضربة بسوط من نور. قال ابن الانباري: المخاريق: ثياب تلفّ، ويضرب بها بعض الصبيان بعضاً، فشبه السوط الذي يضرب به السحاب بذلك المخراق. قال عمرو بن كلثوم: كأن سيوفنا فينا وفيهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا وقال مجاهد: البرق: مصع ملك، والمصع: الضرب والتحريك. والثاني: أن البرق: الماء، قاله أبو الجلد. وحكى ابن فارس أن البرق: تلألؤ الماء. والثالث: أنه نار تنقدح من اصطكاك أجرام السحاب لسيره، وضرب بعضه لبعض، حكاه شيخنا. والصواعق: جمع صاعقة، وهي صوت شديد من صوت الرعد يقع معه قطعة من نار تحرق ما تصيبه. وروي عن شهر بن حوشب: أن الملك الذي يسوق السحاب، إذا اشتد غضبه، طار من فيه النار، فهي الصواعق. وقال غيره: هي نار تنقدح من اصطكاك أجرام السحاب. قال ابن قتيبة: وإنما سميت صاعقة، لأنها إذا أصابت قتلت، يقال: صعقتهم، أي: قتلتهم. قوله تعالى: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يفوته أحد منهم، فهو جامعهم يوم القيامة. ومثله قوله تعالى: أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً «3» ، قاله مجاهد. والثاني: أن الإحاطة: الإهلاك، مثل قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ «4» . والثالث: أنه لا يخفى عليه ما يفعلون.
[سورة البقرة (2) : آية 20]
[سورة البقرة (2) : آية 20] يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) قوله تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ، يكاد بمعنى: يقارب، وهي كلمة إذا أثبتت انتفى الفعل، وإذا نفيت ثبت الفعل. وسئل بعض المتأخرين فقيل له: أنحوي هذا العصر ما هي كلمة ... جرت بلسانيْ جرهم وثمود إذا نفيت والله يشهد أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود ويشهد للاثبات عند النفي قوله تعالى: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً «1» ، وقوله: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها «2» ، ومثله: وَلا يَكادُ يُبِينُ «3» ، ويشهد للنفي عند الإثبات قوله تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ ويَكادُ سَنا بَرْقِهِ «4» ويَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ «5» . وقال ابن قتيبة: كاد: بمعنى هم ولم يفعل. وقد جاءت بمعنى فعل. قال ذو الرمة: ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه ميّ سافراً كاد يَبرَق أي: لو تعرضت له لبرق، أي: دهش وتحير. قلت: وقد قال ذو الرمة في المنفية ما يدل على أنها تستعمل على خلاف الأصل، وهو قوله: اذا غيَّر النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حبِّ ميَّة يبرح «6» أراد: لم يبرح. قوله تعالى: يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ. قرأ الجمهور «يخطف» بفتح الياء وسكون الخاء وفتح الطاء، وقرأَ أبان بن تغلب، وأبان بن يزيد كلاهما عن عاصم، بفتح الياء وسكون الخاء وكسر الطاء مخففاً. ورواه الجعفي عن أبي بكر عن عاصم، بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الطاء، وهي قراءة الحسن كذلك، إلا أنه كسر الياء. وعنه: فتح الياء والخاء مع كسر الطاء المشددة. ومعنى «يخطف» : يستلب، وأصل الاختطاف: الاستلاب، ويقال لما يخرج به الدلو: خطاف، لأنه يختطف ما علق به. قال النابغة: خطاطيف حجْنٍ في حبالٍ متينة ... تمُدُّ بها أيدٍ إِليك نوازع والحجن: المتعقفة، وجمل خيطف: سريع المر، وتلك السرعة الخطفى. قوله تعالى: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ. قال الزجاج: يقال: ضاء الشيء يضوء، وأضاء يضيء، وهذه اللغة الثانية هي المختارة. فصل: واختلف العلماء ما الذي يشبه الرعد مما يتعلق بأحوال المنافقين على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التخويف الذي في القرآن، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ما يخافون أن يصيبهم من المصائب
[سورة البقرة (2) : آية 21]
إذا علم النبي والمؤمنون بنفاقهم، قاله مجاهد والسدي. والثالث: أنه ما يخافونه من الدعاء إلى الجهاد، وقتال من يبطنون مودته، ذكره شيخنا. واختلفوا: ما الذي يشبه البرق من أحوالهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما يتبين لهم من مواعظ القرآن وحكمه. والثاني: أنه ما يضيء لهم من نور إسلامهم الذي يظهرونه. والثالث: أنه مثل لما ينالونه باظهار الإسلام من حقن دمائهم، فانه بالإِضافة إِلى ما ذخر لهم في الأجل كالبرق. واختلفوا في معنى قوله: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ، على قولين: أحدهما: أنهم كانوا يفرون من سماع القرآن لئلا يأمرهم بالجهاد مخافة الموت، قاله الحسن والسدي. والثاني: أنه مثل لإِعراضهم عن القرآن كراهية له، قاله مقاتل. واختلفوا في معنى: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ على أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: كلما أتاهم القرآن بما يحبون تابعوه، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: أن إضاءة البرق حصول ما يرجونه من سلامة نفوسهم وأموالهم، فيسرعون إلى متابعته، قاله قتادة. والثالث: أن تكلمهم بالاسلام، ومشيهم فيه: اهتداؤهم به، فاذا تركوا ذلك وقفوا في ضلالة، قاله مقاتل. والرابع: أن إِضاءته لهم: تركهم بلا ابتلاء ولا امتحان، ومشيهم فيه: إقامتهم على المسالمة باظهار ما يظهرونه. ذكره شيخنا. فأما قوله تعالى: وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ، فمن قال: إضاءته: إتيانه إياهم بما يحبون، قال: إظلامه: إتيانه إياهم بما يكرهون. وعلى هذا سائر الأقوال التي ذكرناها بالعكس. ومعنى قامُوا: وقفوا. قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ، قال مقاتل: معناه: لو شاء لأذهب أسماعهم وأبصارهم عقوبة لهم. قال مجاهد: من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في نعت المنافقين. [سورة البقرة (2) : آية 21] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ. اختلف العلماء فيمن عنى بهذا الخطاب على أربعة أقوال: أحدها: أنه عام في جميع الناس، وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه خطاب لليهود دون غيرهم، قاله الحسن ومجاهد. والثالث: أنه خطاب للكفار من مشركي العرب وغيرهم، قاله السدي. والرابع: أنه خطاب للمنافقين واليهود، قاله مقاتل. والنَّاسِ اسم للحيوان الآدمي وسموا بذلك لتحركهم في مراداتهم. والنوس: الحركة. وقيل: سمّوا ناسا لما يعتريهم من النسيان. وفي المراد بالعبادة ها هنا قولان: أحدهما: التوحيد. والثاني: الطاعة، رويا عن ابن عباس. والخلق: الإيجاد. وإنما ذكر من قبلهم، لأنه أبلغ في التذكير، وأقطع للجحد، وأحوط في الحجة. وقيل: إنما ذكر من قبلهم، لينبّههم على الاعتبار بأحوالهم في إثابة مطيع، ومعاقبة عاص. وفي (لعل) قولان: أحدهما: أنها بمعنى كي، وأنشدوا في ذلك: وقلتم لنا كفُّوا الحروب لعلنا ... نكفُّ ووثّقتم لنا كل مَوثِق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب في الملا متألق
[سورة البقرة (2) : آية 22]
يريد: لكي نكف، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل وقطرب وابن كيسان. والثاني: أنها بمعنى الترجي، ومعناها: اعبدوا الله راجين للتقوى، ولأن تقوا أنفسكم- بالعبادة- عذاب ربكم. وهذا قول سيبويه. قال ابن عباس: لعلكم تتقون الشرك، وقال الضحاك: لعلكم تتقون النار. وقال مجاهد: لعلّكم تطيعون. [سورة البقرة (2) : آية 22] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً. إنما سميت الأرض أرضاً لسعتها، من قولهم: أرِضت القرحة: إذا اتسعت، وقيل: لانحطاطها عن السماء، وكل ما سفل: أرض، وقيل: لأن الناس يرضونها بأقدامهم، وسميت السماء سماء لعلوها. قال الزجاج: وكل ما علا على الأرض فاسمه بناء، وقال ابن عباس: البناء ها هنا بمعنى السقف. قوله تعالى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ، يعني: من السحاب، ماءً يعني المطر. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً، يعني: شركاء، أمثالا. يقال: هذا ند هذا، ونديده. وفيما أريد بالأنداد ها هنا قولان: أحدهما: الأصنام، قاله ابن زيد. والثاني: رجال كانوا يطيعونهم في معصية الله، قاله السدي. قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فيه ستة أقوال: أحدها: وأنتم تعلمون أنه خلق السماء، وأنزل الماء، وفعل ما شرحه في هذه الآيات، وهذا المعنى مرويّ عن ابن عباس وقتادة ومقاتل. والثاني: وأنتم تعلمون أنه ليس ذلك في كتابكم التوراة والانجيل، روي عن ابن عباس أيضاً، وهو يخرج على قول من قال: الخطاب لأهل الكتاب. والثالث: وأنتم تعلمون أنه لا ند له، قاله مجاهد. والرابع: أن العلم ها هنا بمعنى العقل، قاله ابن قتيبة. والخامس: وأنتم تعلمون أنه لا يقدر على فعل ما ذكره أحد سواه. ذكره شيخنا علي بن عبيد الله. والسادس: وأنتم تعلمون أنها حجارة، سمعته من الشيخ أبي محمد بن الخشّاب. [سورة البقرة (2) : آية 23] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ. سبب نزولها أن اليهود قالوا: هذا الذي يأتينا به محمد لا يشبه الوحي، وإنا لفي شك منه، فنزلت هذه الآية. وهذا مروي عن ابن عباس ومقاتل. و «إن» ها هنا لغير شك، لأن الله تعالى علم أنهم مرتابون، ولكن هذا عادة العرب، يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فأطعني. وقيل: إنها ها هنا بمعنى إِذ، قال أبو زيد: ومنه قوله تعالى: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «1» . قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، قال ابن قتيبة: السورة تهمز ولا تهمز، فمن همزها جعلها من أسأرت، يعني أفضلت كأنها قطعة من القرآن، ومن لم يهمزها جَعلها من سُورةَ البناء، أي منزلة بعد منزلة. قال النّابغة في النّعمان:
[سورة البقرة (2) : آية 24]
أَلم تر أن الله أعطاك سُورة ... ترى كل مَلْك دونها يتذبذب والسورة في هذا البيت: سورة المجد، وهي مستعارة من سورة البناء. وقال ابن الأنباريّ: قال أبو عبيدة: إِنما سُميت السورة سورة لأنه يرتفع فيها من منزلة إِلى منزلة، مثل سورة البناء. معنى: أَعطاك سورة، أَي: منزلة شرف ارتفعت إليها عن منازل الملوك. قال ابن القاسم: ويجوز أَن تكون سميت سورة لشرفها، تقول العرب: له سورة في المجد، أي: شرف وارتفاع، أو لأنها قطعة من القرآن من قولك: أسأرت سُؤراً، أَي: أبقيت بقية. وفي هاء «مثله» قولان: أحدهما: أنها تعود على القرآن المنزّل «1» ، قاله قتادة والفرّاء ومقاتل. والثاني: أنها تعود على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيكون التقدير: فأتوا بسورة من مثل هذا العبد الأمي، ذكره أبو عبيدة والزجاج وابن القاسم. فعلى هذا القول: تكون «من» لابتداء الغاية، وعلى الأول: تكون زائدة. قوله تعالى: وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فيه قولان: أحدهما: أن معناه: استعينوا من المعونة، قاله السدي والفراء. والثاني: استغيثوا، من الاستغاثة، وأنشدوا: فلما التقت فرساننا ورجالهم ... دعوا يال كعب واعتزينا لعامر «2» وهذا قول ابن قتيبة. وفي «شهدائهم» ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم آلهتهم، قاله ابن عباس والسديّ ومقاتل والفراء. قال ابن قتيبة: وسموا شهداء، لأنهم يشهدونهم ويحضرونهم. وقال غيره: لأنهم عبدوهم ليشهدوا لهم عند الله. والثاني: أنهم أعوانهم، روي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أَن معناه: فأتوا بناس يشهدون أن ما تأتون به مثل القرآن، روي عن مجاهد. قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في قولكم: إن القرآن ليس من عند الله، قاله ابن عباس. [سورة البقرة (2) : آية 24] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24) قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا في هذه الآية مضمر مقدّر، يقتضي الكلام تقديمه، وهو أَنه لما تحداهم بما في الآية الماضية من التحدي، فسكتوا عن الاجابة قال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، وفي قوله تعالى: وَلَنْ تَفْعَلُوا أعظم دلالة على صحة نُبوَّة نبينا، لأنه أخبر أنهم لا يفعلون، ولم يفعلوا. والوقود: بفتح الواو: الحطب، وبضمها: التوقد، كالوضوء بالفتح: الماء، وبالضم: المصدر، وهو اسم حركات المتوضّئ. وقرأ الحسن وقتادة: وُقودها، بضم الواو، والاختيار الفتح. والناس أوقدوا فيها بطريق العذاب. والحجارة، لبيان قوتها وشدتها، إِذ هي محرقة للحجارة. وفي هذه الحجارة
[سورة البقرة (2) : آية 25]
قولان: أَحدهما: أنها أصنامهم التي عبدوها، قاله الربيع بن أنس. والثاني: أنها حجارة الكبريت، وهي أشد الأشياء حراً، إذا أحميت يعذبون بها. ومعنى أُعِدَّتْ: هيئت. وإِنما خوَّفهم بالنار إِذا لم يأتوا بمثل القرآن، لأنهم إذا كذبوه، وعجزوا عن الإتيان بمثله ثبتت عليهم الحجة، وصار الخلاف عناداً، وجزاء المعاندين النار. [سورة البقرة (2) : آية 25] وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25) قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا. البشارة: أول خبر يرد على الإنسان، وسمي بشارة، لأنه يؤثر في بشرته، فان كان خيراً، أثر المسرة والانبساط، وإن شراً، أثر الانجماع والغم، والأغلب في عرف الاستعمال أن تكون البشارة بالخير، وقد تستعمل في الشر، ومنه قوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) «1» . قوله تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. يشمل كل عمل صالح، وقد روي عن عثمان بن عفان أنّه قال: أخلصوا الأعمال. وعن عليّ عليه السلام أنه قال: أقاموا الصلوات المفروضات. فأما الجنات، فجمع جنَّة. وسميت الجنة جنة، لاستتار أرضها بأشجارها، وسمي الجن جناً، لاستتارهم، والجنين من ذلك، والدّرع جنة، وجن الليل: إذا ستر، وذكر عن المفضل أن الجنة: كل بستان فيه نخل. وقال الزجاج: كل نبت كثف وكثر وستر بعضه بعضاً، فهو جنة. قوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا، أي: من تحت شجرها لا من تحت أرضها. قوله تعالى: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: هذا الذي طعمنا من قبل، فرزق الغداة كرزق العشيّ، روي عن ابن عباس والضحاك ومقاتل. والثاني: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، قاله مجاهد وابن زيد. والثالث: أن ثمر الجنة إذا جُنيَ خلفه مثله، فاذا رأوا ما خلف الجنى، اشتبه عليهم، فقالوا: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ، قاله يحيى بن أبي كثير وأبو عبيدة. قوله تعالى: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه متشابه في المنظر واللون، مختلف في الطعم، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية والضحاك والسدي ومقاتل. والثاني: أنه متشابه في جودته، لا رديء فيه، قاله الحسن وابن جريج. والثالث: أنه يشبه ثمار الدنيا في الخلقة والاسم، غير أنه أحسن في المنظر والطعم، قاله قتادة وابن زيد. فان قال قائل: ما وجه الامتنان بمتشابهه، وكلّما تنوعت المطاعم واختلفت ألوانها كان أحسن؟! فالجواب: أنا إن قلنا: إنه متشابه المنظر مختلف الطعم، كان أغرب عند الخلق وأحسن، فانك لو رأيت تفاحة فيها طعم سائر الفاكهة، كان نهاية في العجب. وإن قلنا: إنه متشابه في الجودة جاز اختلافه في
[سورة البقرة (2) : آية 26]
الألوان والطعوم. وإن قلنا: إنه يشبه صورة ثمار الدنيا مع اختلاف المعاني كان أطرف وأعجب، وكل هذه مطالب مؤثرة. قوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ. أي: الخَلْق، فانهن لا يحضن ولا يبلن ولا يأتين الخلاء، وفي الخُلُق، فانهن لا يحسدن ولا يغرن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن. قال ابن عباس: نقية عن القذى والأذى. قال الزجاج: ومُطَهَّرَةٌ أبلغ من طاهرة لأنه للتكثير. والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له. [سورة البقرة (2) : آية 26] إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (26) وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا. في سبب نزولها قولان: أحدهما: أنه لما نزل قوله تعالى: ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ «1» ، ونزل قوله: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً «2» . قالت اليهود: وما هذا من الأمثال؟! فنزلت هذه الآية «3» ، قاله ابن عباس والحسن وقتادة ومقاتل والفراء. والثاني: أنه لما ضرب الله المثلين، وهما قوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً «4» ، وقوله: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ «5» ، قال المنافقون: الله أجل وأعلى من أن يضرب هذه الأمثال، فنزلت هذه الآية، رواه السدي عن أشياخه. وروي عن الحسن ومجاهد نحوه. والحياء بالمد: الانقباض والاحتشام، غير أن صفات الحق عزّ وجلّ لا يطلع لها على ماهية وإنما تمر كما جاءت. (19) وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن ربكم حييّ كريم» ، وقيل: معنى لا يستحيي: لا يترك، لأن كل ما
يستحيى منه يترك. وحكى ابن جرير الطبري عن بعض اللغويين أن معنى لا يستحيي: لا يخشى. ومثله: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ «1» ، أي: تستحيي منه. فالاستحياء والخشية ينوب كل واحد منهما عن الآخر. وقرأ مجاهد وابن محيصن: لا يستحي بياء واحدة، وهي لغة. وقوله تعالى: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا. قال ابن عباس: أن يذكر شبهاً، واعلم أن فائدة المثل أن يبين للمضروب له الأمر الذي ضرب لأجله، فينجلي غامضه. قوله تعالى: ما بَعُوضَةً. «ما» زائدة، وهذا اختيار أبي عبيدة والزجاج والبصريين. وأنشدوا للنابغة: قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... [إلى حمامتنا أو نصفه فقد] «2» وذكر أَبو جعفر الطبري أن المعنى: ما بين بعوضة إِلى ما فوقها، ثم حذف ذكر «بين» و «إِلى» إِذ كان في نصب البعوضة، ودخول الفاء في «ما» الثانية دلالة عليهما، كما قالت العرب: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، وله عشرون ما ناقة فجملاً، وهي أحسن الناس ما قرناً فقدماً [يعنون: ما بين قرنها إلى قدمها] . وقال غيره: نصب البعوضة على البدل من المثل. وروى الأصمعي عن نافع: «بعوضةٌ» بالرفع، على إِضمار هو، والبعوضة: صغيرة البقّ. وفي قوله تعالى: فَما فَوْقَها، فيه قولان: أحدهما: أن معناه فما فوقها في الكبر، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، والفراء. والثاني: فما فوقها في الصغر، فيكون معناه: فما دونها، قاله أبو عبيدة. قال ابن قتيبة: وقد يكون الفوق بمعنى: دون، وهو من الأضداد، ومثله: الجون يقال للأسود والأبيض. والصريم: الصبح والليل. والسّدفة: الظلمة والضوء. والجلل: الصغير والكبير. والنّاهل: العطشان والرّيان. والماثل: القائم واللاطئ بالأرض. والصارخ: المغيث والمستغيث. والهاجد: المصلي بالليل والنائم. والرهوة: الارتفاع والانحدار. والتلعة: ما ارتفع من الارض وما انهبط من الارض. والظن: يقين وشك. والاقراء: الحيض والاطهار. والمفرع في الجبل: المصعد، وهو المنحدر. والوراء: يكون خلفاً وقدّاماً. وأسررت الشيء: أخفيته وأعلنته. وأخفيت الشىء: أظهرته وكتمته. ورتوت الشيء: شددته، وأرخيته. وشعبت الشيء: جمعته وفرقته. وبُعت الشيء بمعنى: بعته واشتريته. وشريت الشيء: اشتريته وبعثته. والحي خلوف: غيب، ومتخلفون. واختلفوا في قوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، هل هو من تمام قول الذين قالوا: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، أو هو مبتدأ من كلام الله عزّ وجلّ؟ على قولين: أحدهما: أنه تمام الكلام الذي قبله، قاله الفراء، وابن قتيبة. قال الفراء: كأنهم قالوا: ماذا اراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد، يضل به هذا، ويهدي به هذا؟! ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله. فقال الله: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ. والثاني: أنه مبتدأ من قول الله تعالى، قاله السّدّيّ ومقاتل.
[سورة البقرة (2) : آية 27]
فأما الفسق فهو في اللغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها، فالفاسق: الخارج عن طاعة الله إِلى معصيته. وفي المراد بالفاسقين ها هنا، ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: المنافقون، قاله أبو العالية والسّدّيّ. والثالث: جميع الكفار. [سورة البقرة (2) : آية 27] الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ. هذه صفة للفاسقين، وقد سبقت فيهم الأقوال الثلاثة. والنقض: ضد الإِبرام، ومعناه: حل الشىء بعد عقده. وينصرف النقض إِلى كل شىء بحسبه، فنقض البناء: تفريق جمعه بعد إحكامه. ونقض العهد: الإعراض عن المقام على أحكامه. وفي هذا العهد ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما عهد إِلى أهل الكتاب من صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم والوصية باتباعه، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: ما عُهد اليهم في القرآن، فأقروا به ثم كفروا فنقضوه، قاله السدي. والثالث: أنه الذي أخذه عليهم حين استخرج ذرية آدم من ظهره، قاله الزجاج. ونحن وإن لم نذكر ذلك العهد، فقد ثبت بخبر الصادق فيجب الايمان به. وفي «من» قولان: أحدهما: أنها زائدة. والثاني: أنها لابتداء الغاية، كأنه قال: ابتداء نقض العهد من بعد ميثاقه. وفي هاء «ميثاقه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله سبحانه. والثاني: أنها ترجع إلى العهد، فتقديره: بعد إحكام التّوثّق فيه. وفي الذي أمر الله به أن يوصل، ثلاثة أقوال: أحدها: الرحم والقرابة، قاله ابن عباس وقتادة والسّدّي. والثاني: أنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قطعوه بالتكذيب، قاله الحسن. والثالث: الإيمان بالله، وأن لا يفرق بين أحد من رسله، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، قاله مقاتل. وفي فسادهم في الأرض ثلاثة أقوال: أحدها: استدعاؤهم الناس إلى الكفر، قاله ابن عباس. والثاني: أنه العمل بالمعاصي، قاله السّدّيّ، ومقاتل. والثالث: أنه قطعهم الطريق على من جاء مهاجرا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ليمنعوا الناس من الإسلام. والخسران في اللغة: النّقصان. [سورة البقرة (2) : آية 28] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، في «كيف» قولان: أحدهما: أنه استفهام في معنى التعجب، وهذا التعجب للمؤمنين، أي: اعجبوا من هؤلاء كيف يكافرون، وقد ثبتت حجة الله عليهم، قاله ابن قتيبة والزجاج. والثاني: أنه استفهام خارج مخرج التقرير والتوبيخ، تقديره: ويحكم كيف تكفرون بالله! قال العجاج: أطرباً وأَنت قنسريّ ... [والدهر بالانسان دواريُّ] «1» أراد: أتطرب وأنت شيخ كبير؟! قاله ابن الأنباري. قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً. قال الفرّاء: أي: وقد كنتم أمواتا. ومثله:
[سورة البقرة (2) : آية 29]
أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ «1» ، أي: قد حصرت. ومثله: وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ» ، فقد كذبت، ولولا إضمار «قد» لم يجز مثله في الكلام. وفي الحياتين، والموتتين أقوال: أصحها: أن الموتة الأولى، كونهم نطفاً وعلقاً ومضغاً، فأحياهم في الأرحام، ثم يميتهم بعد خروجهم إِلى الدنيا، ثم يُحييهم للبعث يوم القيامة، وهذا قول ابن عباس وقتادة ومقاتل والفراء وثعلب، والزجاج، وابن قتيبة، وابن الأنباري. [سورة البقرة (2) : آية 29] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، أي: لأجلكم، فبعضه للانتفاع، وبعضه للإتباع. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، أي: عمد إلى خلقها، والسماء: لفظها لفظ الواحد، ومعناها معنى الجمع، بدليل قوله: فَسَوَّاهُنَّ. وأيهما أسبق في الخلق: الأرض، أم السماء؟ فيه قولان: أحدهما: الأرض، قاله مجاهد. والثاني: السماء، قاله مقاتل. واختلفوا في كيفية تكميل خلق الأرض وما فيها، فقال ابن عبَّاس: بدأ بخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماوات في يومين، ثم دحا الأرض وبينها الجبال، وقدر فيها أقواتها في يومين. وقال الحسن ومجاهد: جمع خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام متوالية، ثم خلق السماء في يومين. والعليم: جاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم. [سورة البقرة (2) : آية 30] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ. كان أبو عبيدة يقول: «إذ» ملغاة، وتقدير الكلام: وقال ربك، وتابعه ابن قتيبة، وعاب ذلك عليهما الزجاج وابن القاسم. وقال الزجاج: إذ: معناها: الوقت، فكأنه قال: ابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة. والملائكة: من الألوك، وهي الرسالة، قال لبيد: وغلام أرسلتْه أمه ... بألوك فبذلنا ما سأل وواحد الملائكة: ملك، والأصل فيه: ملأك. وأنشد سيبويه: فلست لإِنسي ولكن لملأكٍ ... تنزل من جوِّ السماء يصوب قال أبو إِسحاق: ومعنى ملأك: صاحب رسالة، يقال: مألَكة ومألُكة وملأكة. ومآلك: جمع مألكة. قال الشاعر «3» : أبلغ النعمان عني مألكاً ... أنه قد طال حبسي وانتظاري وفي هؤلاء الملائكة قولان: أحدهما: أنهم جميع الملائكة، قاله السدي عن أشياخه. والثاني:
أنهم الذين كانوا مع إبليس حين أُهبط إلى الأرض، ذكره أبو صالح عن ابن عباس. ونقل أنه كان في الأرض خلق قبل آدم، فأفسدوا، فبعث الله إبليس في جماعة من الملائكة فأهلكوهم. واختلفوا ما المقصود في إخبار الله عزّ وجلّ الملائكة بخلق آدم على ستة أقوال: أحدها: أن الله تعالى علم في نفس إبليس كبراً، فأحب أن يطلع الملائكة عليه، وأن يظهر ما سبق عليه في علمه، رواه الضحاك عن ابن عباس، والسدي عن أشياخه. والثاني: أنه أراد أن يبلو طاعة الملائكة، قاله الحسن. والثالث: أنه لما خلق النار خافت الملائكة، فقالوا: ربنا لمن خلقت هذه؟ قال: لمن عصاني، فخافوا وجود المعصية منهم، وهم لا يعلمون بوجود خلق سواهم، فقال لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قاله ابن زيد. والرابع: أنه أراد إظهار عجزهم عن الإحاطة بعلمه. فأخبرهم حتى قالوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها؟ فأجابهم: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ. والخامس: أنه أراد تعظيم آدم بذكره بالخلافة قبل وجوده، ليكونوا معظّمين له إذ أوجده. والسادس: أنه أراد إعلامهم بأنه خلقه ليسكنه الأرض، وإن كان ابتداء خلقه في السماء. والخليفة: هو القائم مقام غيره، يقال: هذا خلف فلان وخليفته. قال ابن الأنباري: والأصل في الخليفة خليف، بغير هاء، فدخلت الهاء للمبالغة بهذا الوصف، كما قالوا: علّامة ونسّابة. وفي معنى خلافة آدم قولان: أحدهما: أنه خليفة عن الله تعالى في إقامة شرعه، ودلائل توحيده، والحكم في خلقه، وهذا قول ابن مسعود ومجاهد «1» . والثاني: أنه خلف من سلف في الأرض قبله، وهذا قول ابن عباس والحسن. قوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ظاهر الألف للاستفهام، دخل على معنى العلم ليقع به تحقيق، ومعناها الإيجاب، تقديره: ستجعل فيها من يفسد فيها، قاله أبو عبيدة. قال جرير: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايَا ... وأندى العالَمِينَ بطون راح معناه: أنتم خير من ركب المطايا. والثاني: أنهم قالوه لاستعلام وجه الحكمة، لا على وجه الاعتراض، ذكره الزجاج. والثالث: أنهم سألوا عن حال أنفسهم، فتقديره: أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبح بحمدك، أم لا؟ وهل علمت الملائكة أنهم يفسدون بتوقيف من الله تعالى، أم قاسوا على حال من قبلهم؟ فيه قولان: أحدهما: أنه بتوقيف من الله تعالى، قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وابن زيد وابن قتيبة، وروى السدي عن أشياخه: أنهم قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضاً، فقالوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها. والثاني: أنهم قاسوه على أحوال من سلف قبل آدم، روي نحو هذا عن ابن عباس وأبي العالية ومقاتل. قوله تعالى: وَيَسْفِكُ الدِّماءَ. قرأ الجمهور بكسر الفاء، وضمّها طلحة بن مصرف وإبراهيم بن أبي عبلة، وهما لغتان، وروي عن طلحة وابن مقسم «ويُسَفِّك» : بضم الياء وفتح السين وتشديد الفاء مع
كسرها، وهي لتكثير الفعل وتكريره. وسفكُ الدم: صبُّه وإراقته وسفحه، وذلك مستعمل في كل مضيّع، إلا أن السفك يختص الدم، والصب والسفح والإِراقة يقال في الدم وفي غيره. وفي معنى تسبيحهم أربعة أقوال: أحدها: أنه الصلاة، قاله ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أنه قول: سبحان الله، قاله قتادة. والثالث: أنه التعظيم والحمد، قاله أبو صالح. والرابع: أنه الخضوع والذل، قاله محمد بن القاسم الأنباريّ. وقوله تعالى: وَنُقَدِّسُ لَكَ. القدس: الطهارة، وفي معنى تقديسهم ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: نتطهر لك من أعمالهم، قاله ابن عباس. والثاني: نعظمك، ونكبرك، قاله مجاهد. والثالث: نصلي لك قاله قتادة. قوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ. فيه أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: أعلم ما في نفس إبليس من البغى والمعصية، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي عن أشياخه. والثاني: أعلم أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون، قاله قتادة. والثالث: أعلم أني أملأ جهنم من الجنة والناس، قاله ابن زيد. والرابع: أعلم عواقب الأمور، فانا أبتلي من تظنون أنه مطيع، فيؤديه الابتلاء إلى المعصية كإبليس، ومن تظنون به المعصية فيطيع، قاله الزجاج. (الإشارة إلى خلق آدم عليه السلام) (20) روى أبو موسى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: «إنّ الله، عزّ وجلّ، خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، وبين ذلك، والخبيث والطيب» ، قال الترمذي: هذا حديث صحيح. (21) وقد أخرج البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: «خلق الله تعالى آدم طوله ستون ذراعاً» . (22) وأخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنّه قال: «خلق الله آدم بعد
[سورة البقرة (2) : آية 31]
العصر يوم الجمعة آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، ما بين العصر إلى الليل» . قال ابن عباس: لما نفخ فيه الروح، أتته النفخة من قبل رأسه، فجعلت لا تجري منه في شيء إلا صار لحما ودما. [سورة البقرة (2) : آية 31] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها. في تسميته بآدم قولان: أحدهما: لأنه خلق من أديم
[سورة البقرة (2) : آية 32]
الأرض، قاله ابن عباس وابن جبير والزجاج. والثاني: أنه من الأدمة في اللون، قاله الضحاك والنضر بن شميل وقطرب. وفي الأسماء التي علَّمه قولان: أحدهما: أنه علمه كل الأسماء، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. والثاني: أنه علمه أسماء معدودة لمسميات مخصوصة. ثم فيها أربعة أقوال: أحدها: أنه علمه أسماء الملائكة، قاله أبو العالية. والثاني: أنه علَّمه أسماء الأجناس دون أنواعها، كقولك: إِنسان وملك وجني وطائر، قاله عكرمة. والثالث: أنه علمه أسماء ما خلق في الأرض من الدواب والهوام والطير، قاله الكلبي ومقاتل ابن قتيبة. والرابع: أنه علمه أسماء ذريته، قاله ابن زيد. قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ. يريد: أعيان الخلق على الملائكة، قال ابن عباس: الملائكة هاهنا: هم الذين كانوا مع إبليس خاصة. قوله تعالى: أَنْبِئُونِي: أخبروني. قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فيه قولان: أحدهما: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقا هو أفضل منكم وأعلم، قاله الحسن. والثاني: أني أجعل فيها من يفسد فيها، قاله السدي عن أشياخه. [سورة البقرة (2) : آية 32] قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قوله تعالى: قالُوا سُبْحانَكَ. قال الزجاج «1» : لا اختلاف بين أهل اللغة أن التسبيح هو: التنزيه لله تعالى عن كل سوء. والعليم بمعنى: العالم جاء على بناء «فعيل» للمبالغة. وفي الحكيم قولان: أحدهما: أنه بمعنى الحاكم، قاله ابن قتيبة «2» . والثاني: المحكم للأشياء، قاله الخطّابيّ «3» . [سورة البقرة (2) : آية 33] قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) قوله تعالى: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ، أي: أخبرهم، وروي عن ابن عباس: «أنبئهم» بكسر الهاء، قال أبو علي: قراءة الجمهور على الأصل، لأن أصل هذا الضمير أن تكون الهاء مضمومة فيه، ألا ترى أنك تقول: ضربهم وأبناءهم، وهذا لهم. ومن كسر أتبع كسر الهاء التي قبلها وهي كسرة الباء. والهاء والميم تعود على الملائكة. وفي الهاء والميم من «أسمائهم» قولان: أحدهما: أنها تعود على المخلوقات التي عرضها، قاله الأكثرون. والثاني: أنها تعود على الملائكة، قاله الربيع بن أنس. وفي الذي أبدوه قولان: أحدهما: أنه قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، ذكره السدي عن أشياخه. والثاني: أنه ما أظهروه من السمع والطاعة لله حين مروا على جسد آدم، فقال إبليس: إن فضّل عليكم هذا ما تصنعون؟ فقالوا: نطيع ربنا، فقال إبليس في نفسه: لئن فضّلت عليه لأهلكنه، ولئن فضّل عليّ
[سورة البقرة (2) : آية 34]
لأعصينه، قاله مقاتل. وفي الذي كتموه قولان: أحدهما: أنه اعتقاد الملائكة أن الله تعالى لا يخلق خلقاً أكرم منهم، قاله الحسن وأبو العالية وقتادة. والثاني: أنه ما أسره إبليس من الكبر والعصيان. رواه السدي عن أشياخه، وبه قال مجاهد وابن جبير ومقاتل. [سورة البقرة (2) : آية 34] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا. عامة القراء على كسر التاء من الملائكة، وقرأَ أبو جعفر والأعمش بضمها في الوصل، قال الكسائيّ: هي لغة، أزد شنوءة. وفي هؤلاء الملائكة قولان: أحدهما: أنهم جميع الملائكة، قاله السدي عن أشياخه. والثاني: أنهم طائفة من الملائكة، روي عن ابن عباس، والأول أصح. والسجود في اللغة: التواضع والخضوع، وأنشدوا: ساجد المنخر ما يرفعه ... خاشع الطرف أصم المستمع وفي صفة سجودهم لآدم قولان: أحدهما: أنه على صفة سجود الصلاة، وهو الأظهر. والثاني: أنه الانحناء والميل المساوي للركوع. قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ. في هذا الاستثناء قولان «1» : أحدهما: أنه استثناء من الجنس، فهو على هذا القول من الملائكة، قاله ابن مسعود في رواية، وابن عباس. وقد روي عن ابن عباس أنه كان من الملائكة، ثم مسخه الله تعالى شيطاناً. والثاني: أنه من غير الجنس، فهو من الجن، قاله الحسن والزهري. قال ابن عباس: كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدير أمر السماء الدنيا. فان قيل: كيف استثني وليس من الجنس؟ فالجواب: أنه أمر بالسجود معهم، فاستثني منهم لأنه لم يسجد، وهذا كما تقول: أمرت عبدي وإخوتي فأطاعوني إلا عبدي، هذا قول الزجاج. وفي إبليس قولان: أحدهما: اسم أعجمي ليس بمشتق، ولذلك لا يصرف، هذا قول أبي عبيدة، والزّجّاج وابن الأنباري. والثاني: أنه مشتق من الإِبلاس، وهو: اليأس، روي عن أبي صالح، وذكره ابن قتيبة وقال: إِنه لم يصرف، لانه لا سمي له، فاستثقل. قال شيخنا أبو منصور اللغوي «2» : والأول أصح، لأنه لو كان من الإِبلاس لصرف، أَلا ترى أنك لو سميت رجلاً: بإِخريط وإِجفيل لصرف في المعرفة. قوله تعالى: أَبى معناه: امتنع، وَاسْتَكْبَرَ استفعل من: الكبر. وفي وَكانَ قولان: أحدهما: أنها بمعنى: صار، قاله قتادة. والثاني: أنها بمعنى الماضي، فمعناه: كان في علم الله كافراً، قاله مقاتل وابن الأنباري.
[سورة البقرة (2) : آية 35]
[سورة البقرة (2) : آية 35] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) قوله تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، زوجه: حواء، قال الفراء: أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: زوج، ويجمعونها: الأزواج، وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون: زوجة، ويجمعونها: زوجات. قال الشاعر: فان الذي يسعى يحرّش زوجتي ... كماشٍ إِلى أسد الشرى يستبيلها «1» وأنشدني أبو الجراح: يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل اذا انحلت عرى الذنب وفي الجنة التي أسكنها آدم قولان: أحدهما: جنة عدن. والثاني: جنة الخلد. والرغد: الرزق الواسع الكثير، يقال: أرغد فلان: إذا صار في خصب وسعة. قوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ أي: بالأكل لا بالدُّنو منها. وفي الشجرة ستة أقوال: أحدها: أنها السنبلة، وهو قول ابن عباس، وعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وقتادة، وعطية العوفي، ومحارب بن دثار، ومقاتل. والثاني: أنها الكرم، روي عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وجعدة بن هبيرة. والثالث: أنها التين، روي عن الحسن، وعطاء بن أبي رباح، وابن جريج. والرابع: أنها شجرة يقال لها: شجرة العلم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والخامس: أنها شجرة الكافور، نقل عن علي بن أبي طالب. والسادس: أنها النخلة، روي عن أبي مالك. وقد ذكروا وجهاً سابعاً عن وهب بن منبه أنّه قال: هي شجرة يقال لها شجرة الخلد، وهذا لا يعدّ وجها لأن الله تعالى سمّاها شجرة الخلد وإنما الكلام في جنسها. قوله تعالى: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ. قال ابن الأنباري: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ويقال: ظلم الرجل سقاءه اذا سقاه قبل أن يخرج زبده. قال الشاعر: وصاحب صدق لم تربني شكاته ... ظلمت وفي ظلمي له عامداً أجرُ أراد بالصاحب: وطب اللبن، وظلمه إِياه: أن يسقيه قبل أن يخرج زبده. والعرب تقول: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه، ويقال: قد ظلم الماء الوادي: إذا وصل منه إِلى مكان لم يكن يصل إليه فيما مضى. فان قيل: ما وجه الحكمة في تخصيص تلك الشجرة بالنهي؟ فالجواب: أنه ابتلاء من الله تعالى بما أراد. وقال أبو العالية «2» : كان لها ثفل «3» من بين أشجار الجنة، فلما أكل منها، قيل: أخرج إلى
[سورة البقرة (2) : آية 36]
الدار التي تصلح لما يكون منك. [سورة البقرة (2) : آية 36] فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (36) قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها. أزلهما بمعنى: استزلهما، وقرأ حمزة «1» : «فأزالهما» ، أراد: نحاهما. قال أبو علي الفارسي: لما كان معنى اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ: اثبتا فيها، فثبتا فأزالهما، وقابل حمزة الثبات بالزوال الذي يخالفه، ويقوي قراءته: فَأَخْرَجَهُما. والشيطان: إبليس، وأضيف الفعل اليه، لأنه السبب. وفي هاء عَنْها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تعود إلى الجنة. والثاني: ترجع إلى الطاعة. والثالث: ترجع إلى الشجرة. فمعناه: أزلّهما بزلة صدرت عن الشجرة. وفي كيفية إزلاله لهما، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه احتال حتى دخل اليهما الجنة، وكان الذي أدخله الحية «2» ، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: أنه وقف على باب الجنة، وناداهما، قاله الحسن. والثالث: أنه وسوس اليهما، وأوقع في نفوسهما من غير مخاطبة ولا مشاهدة، قاله ابن إسحاق «3» ، وفيه بعد. قال الزجاج: الأجود: أن يكون خاطبهما، لقوله: وَقاسَمَهُما «4» . واختلف العلماء في معصية آدم بالأكل، فقال قوم: إنه نهي عن شجرة بعينها، فأكل من جنسها، وقال آخرون: تأول الكراهة في النهي دون التحريم. قوله تعالى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا، الهبوط بضم الهاء: الانحدار من علوّ، وبفتح الهاء: المكان الذي يهبط فيه. وإلى من انصرف هذا الخطاب؟ فيه ستة أقوال: أحدها: أنه انصرف إلى آدم وحواء والحية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: إلى آدم وحواء وإبليس والحية، حكاه السدي عن ابن عباس. والثالث: إلى آدم وإبليس، قاله مجاهد «5» . الرابع: إلى آدم وحواء وإبليس، قاله مقاتل. والخامس: إلى آدم وحواء وذريتهما، قاله الفراء. والسادس: إلى آدم وحواء فحسب، ويكون لفظ الجمع واقعاً على التثنية، كقوله: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ «6» ذكره ابن الأنباري، وهو العلة في قول مجاهد أيضاً. واختلف العلماء: هل أهبطوا جملة أو متفرّقين؟ على قولين:
[سورة البقرة (2) : آية 37]
أحدهما: أنهم أهبطوا جملة، لكنهم نزلوا في بلاد متفرقة، قاله كعب «1» ، ووهب. والثاني: أنهم أهبطوا متفرقين، فهبط إبليس قبل آدم، وهبط آدم بالهند، وحواء بجُدَّة، وإِبليس بالأبلَّة «2» ، قاله مقاتل. وروي عن ابن عباس أنه قال: أهبطت الحية بنصيبين، قال: وأمر الله تعالى جبريل بإخراج آدم، فقبض على ناصيته وخلصه من الشجرة التي قبضت عليه، فقال: أيها الملك ارفق بي. قال جبريل: إني لا أرفق بمن عصى الله، فارتعد آدم واضطرب، وذهب كلامه، وجبريل يعاتبه في معصيته، ويعدّد نعم الله عليه، قال: وأُدخل الجنة ضحوة، وأُخرج منها بين الصلاتين، فمكث فيها نصف يوم، خمسمائة عام مما يعد أهل الدنيا. وفي العداوة المذكورة هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذرية بعضهم أعداء لبعض، قاله مجاهد. والثاني: أن إبليس عدو لآدم وحواء، وهما له عدو، قاله مقاتل. والثالث: أن إبليس عدو للمؤمنين، وهم أعداؤه، قاله الزجاج. وفي المستقر قولان: أحدهما: أن المراد به القبور، حكاه السدي عن ابن عباس. والثاني: موضع الاستقرار، قاله أبو العالية، وابن زيد، والزجاج، وابن قتيبة، وهو أصح. والمتاع: المنفعة. والحين: الزمان. قال ابن عباس: إِلى حِينٍ، أي: إلى فناء الأجل بالموت. [سورة البقرة (2) : آية 37] فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. تلقّى: بمعنى أخذ، وقبل. قاله ابن قتيبة: كأن الله تعالى أوحى إليه أن يستغفره ويستقبله بكلام من عنده، ففعل ذلك آدم فتاب عليه. وقرأ ابن كثير: (فتلقى آدمَ) بالنصب، (كلماتٌ) بالرفع على أن الكلمات هي الفاعلة. وفي الكلمات أقوال: أحدها: أنها قوله تعالى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ «3» ، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء الخراساني، وعبيد بن عمير، وأبيّ بن كعب، وابن زيد «4» . والثاني: أنه قال: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك إِليّ قبل غضبك؟ قال: بلى. قال: ألم تسجد لي ملائكتك وتسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: أي ربّ، إِن تبت وأصلحت، أراجعي أنت إِلى الجنة؟ قال: نعم. حكاه السدي عن ابن عباس. والثالث: أنه قال: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، فأنت خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك،
[سورة البقرة (2) : آية 38]
وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم، رواه ابن [أبي نجيح] «1» عن مجاهد، وقد ذكرت أقوال من كلمات الاعتذار تقارب هذا المعنى. قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْهِ. أصل التوبة: الرجوع، فالتوبة من آدم: رجوعه عن المعصية، وهي من الله تعالى: رجوعه عليه بالرحمة، والثواب الذي كلما تكررت توبة العبد تكرر قبوله، وإنما لم تذكر حواء في التوبة، لأنه لم يجر لها ذكر، لا أن توبتها لم تقبل. وقال قوم: إذا كان معنى فعل الاثنين واحداً جاز أن يذكر أحدهما ويكون المعنى لهما كقوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «2» ، وقوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى «3» . [سورة البقرة (2) : آية 38] قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً. في إعادة ذكر الهبوط- وقد تقدم- قولان: أحدهما: أنه أعيد لأن آدم أهبط إِهباطين، أحدهما من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض. وأيهما الاهباط المذكور في هذه الآية؟ فيه قولان. والثاني: أنه إِنما كرر الهبوط توكيداً. قوله تعالى: فَأَمَّا، قال الزجاج: هذه «إِن» التي للجزاء، ضمت إليها «ما» ، والأصل في اللفظ «إِن ما» مفصولة، ولكنها مدغمة، وكتبت على الإدغام، فاذا ضمت «ما» إلى «إِن» لزم الفعل النون الثقيلة أو الخفيفة. وإنما تلزمه النون لأن «ما» تدخل مؤكدة، ودخلت النون مؤكدة أيضاً، كما لزمت اللام النون في القسم في قولك: والله لتفعلن، وجواب الجزاء الفاء. وفي المراد ب «الهدى» ها هنا قولان: أحدهما: أنه الرسول، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: الكتاب، حكاه بعض المفسرين. قوله تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ. وقرأ يعقوب «فلا خوفَ» بفتح الفاء من غير تنوين، وقرأ ابن محيصن بضم الفاء من غير تنوين. والمعنى: فلا خوف عليهم فيما يستقبلون من العذاب، ولا هم يحزنون عند الموت. والخوف لأمر مستقبل، والحزن لأمر ماض. [سورة البقرة (2) : آية 39] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39) قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا، في «الآية» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها العلامة، فمعنى آية: علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها والذي بعدها، قال الشاعر: ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يحبون الطعاما وقال النابغة: توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
[سورة البقرة (2) : آية 40]
وهذا اختيار أبي عبيد. والثاني: أنها سميت آية، لأنها جماعة حروف من القرآن، وطائفة منه. قال أبو عمرو الشيباني: يقال: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم. وأنشدوا: خرجنا من النّقبين لا حيّ مثلنا ... بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا «1» والثالث: أنها سميت آية، لأنها عجب، وذلك أن قارئها يستدل إذا قرأها على مباينتها كلام المخلوقين، وهذا كما تقول: فلان آية من الآيات أي: عجب من العجائب. ذكره ابن الأنباري. وفي المراد بهذه الآيات أربعة أقوال: أحدها: آيات الكتاب التي تتلى. والثاني: معجزات الأنبياء. والثالث: القرآن. والرابع: دلائل الله في مصنوعاته. وأصحاب النار: سكّانها، سمّوا أصحابا، لصحبتهم إياها بالملازمة. [سورة البقرة (2) : آية 40] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ. اسرائيل: هو يعقوب، وهو اسم أعجمي. قال ابن عباس: ومعناه: عبد الله. وقد لفظت به العرب على أوجه، فقالت: إسرائل، وإسرال، وإسرائيل. وإسرائين. قال أمية «2» : إنني زارد الحديد على النا ... س دروعاً سوابغ الأذيال لا أرى من يعينني في حياتي ... غير نفسي إِلا بني إسرال وقال أعرابي صاد ضبّاً، فأتى به أهله: يقول أهل السوق لما جينا: ... هذا ورب البيت إسرائينا أراد: هذا مما مسخ من بني إسرائيل. والنعمة: المنة، ومثلها: النعماء. والنعمة: بفتح النون: التنعم، وأراد بالنعمة: النعم، فوحدها، لأنهم يكتفون بالواحد من الجميع كقوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ «3» ، أي: ظهراء. وفي المراد بهذه النعمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ما استودعهم من التوراة التي فيها صفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس. والثاني: أنها ما أنعم به على آبائهم وأجدادهم إِذ أنجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوهم، وأعطاهم التوراة، ونحو ذلك، قاله الحسن والزجاج، وإنما منّ عليهم بما أَعطى آباءهم، لأن فخر الآباء فخر للأبناء، وعار الآبار عار على الأبناء. والثالث: أنها جمع نعمة على تصريف الأحوال. والمراد من ذكرها: شكرها، إذ من لم يشكر فما ذكر. قوله تعالى: وَأَوْفُوا. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: أوفيت، وأهل نجد يقولون: وفيت، بغير ألف. قال الزجاج: يقال: وفى بالعهد، وأوفى به، وأنشد:
[سورة البقرة (2) : آية 41]
أما ابن طوق فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها «1» وقال ابن قتيبة: يقال: وفيت بالعهد، وأوفيت به، وأوفيت الكيل، لا غير. وفي المراد بعهده: أربعة أقوال: أحدها: أنه ما عهده إليهم في التوراة من صفة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه الإسلام، قاله أبو العالية. والرابع: أنه العهد المذكور في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً «2» ، قاله قتادة. قوله تعالى: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ قال ابن عباس: أدخلكم الجنة. قوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، أي: خافون. [سورة البقرة (2) : آية 41] وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) قوله تعالى: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ، يعني القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يعني التوراة او الإنجيل، فإن القرآن يصدقهما أنهما من عند الله، ويوافقهما في صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ. إنما قال: أوّل كافر، لأن التقدّم الى الكفر أعظمَ من الكفر بعد ذلك، إذ المبادر لم يتأمل الحجة، وإنما بادر بالعناد، فحاله أشد. وقيل: ولا تكونوا أول كافر به بعد أن آمن، والخطاب لرؤساء اليهود. وفي هاء «به» قولان: أحدهما: أنها تعود إلى المنزّل، قاله ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أنها تعود على ما معهم، لأنهم إذا كتموا وصف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو معهم، فقد كفروا به، ذكره الزجاج. قوله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ. أي: لا تستبدلوا ثمناً قليلاً. وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما كانوا يأخذون من عرض الدنيا. والثاني: بقاء رئاستهم عليهم. والثالث: أخذ الأجرة على تعليم الدين. [سورة البقرة (2) : آية 42] وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) قوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ. تلبسوا: بمعنى تخلطوا. يقال: لبست الأمر عليهم، ألبسه: إذا عميته عليهم، وتخليطهم: أنهم قالوا: إن الله عهد إلينا أن نؤمن بالنبي الأمي، ولم يذكر أنه من العرب. وفي المراد بالحق قولان: أحدهما: أنه أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس، ومجاهد وقتادة، وأبو العالية، والسدي ومقاتل. والثاني: أنه الإسلام، قاله الحسن. [سورة البقرة (2) : آية 43] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ. يريد: الصلوات الخمس، وهي هاهنا اسم جنس، والزكاة: مأخوذة من الزكاء، وهو النماء والزيادة. يقال: زكا الزرع يزكو زكاء. وقال ابن الأنباري:
[سورة البقرة (2) : آية 44]
معنى الزكاة في كلام العرب: الزيادة والنماء، فسميت زكاة، لأنها تزيد في المال الذي تخرج منه، وتوفره، وتقيه من الآفات، ويقال: هذا أزكى من ذاك، أي: أزيد فضلاً منه. قوله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ. أي: صلوا مع المصلين. قال ابن عباس: يريد محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، وأصحابه رضي الله عنهم. وقيل: إِنما ذكر الركوع، لأنه ليس في صلاتهم ركوع، والخطاب لليهود. وفي هذه الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع، وهي إحدى الروايتين عن أحمد رضي الله عنه. [سورة البقرة (2) : آية 44] أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ. قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كان الرجل يقول لقرابته من المسلمين في السر: اثبت على ما أنت عليه فإنه حق «1» . والألف في «أتأمرون» ألف الاستفهام، ومعناه التوبيخ. وفي «البر» هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التمسك بكتابهم، كانوا يأمرون باتباعه ولا يقومون به. والثاني: اتّباع محمّد صلّى الله عليه وسلّم، روي القولان عن ابن عباس. والثالث: الصدقة، كانوا يأمرون بها، ويبخلون. ذكره الزجاج. قوله تعالى: وَتَنْسَوْنَ، أي: تتركون. وفي «الكتاب» قولان: أحدهما: أنه التوراة، قاله الجمهور. والثاني: أنه القرآن، فلا يكون الخطاب على هذا القول لليهود. [سورة البقرة (2) : آية 45] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45) قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ. الأصل في الصبر: الحبس، فالصابر حابس لنفسه عن الجزع. وسمي الصائم صابراً لحبسه نفسه عن الأكل والشرب والجماع، والمصبورة: البهيمة تتخذ غرضاً. وقال مجاهد: الصبر هاهنا: الصوم. وفيما أمروا بالصبر عليه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أداء الفرائض، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أنه ترك المعاصي، قاله قتادة. والثالث: عدم الرئاسة، وهو خطاب لأهل الكتابين، ووجه الاستعانة بالصلاة أنه يتلى فيها ما يرغب في الآخرة، ويزهد في الدنيا. قوله تعالى: وَإِنَّها، في المكنى عنها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الصلاة، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والجمهور. والثاني: أنها الكعبة والقبلة، لأنها لما ذكر الصلاة، دلت على القبلة، ذكره الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثالث: أنها الاستعانة، لأنها لما قال: وَاسْتَعِينُوا دل على الاستعانة، ذكره محمد بن القاسم النحوي. قوله تعالى: لَكَبِيرَةٌ، قال الحسن والضحاك: الكبيرة: الثقيلة، مثل قوله تعالى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ «2» ، أي: ثقل. والخشوع في اللغة: التطامن والتواضع، وقيل: السّكون. [سورة البقرة (2) : آية 46] الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ. الظن هاهنا: بمعنى اليقين «3» ، وله وجوه قد ذكرناها
[سورة البقرة (2) : آية 47]
في كتاب «الوجوه والنظائر» . [سورة البقرة (2) : آية 47] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) قوله تعالى: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ، يعني: على عالمي زمانهم، قاله ابن عباس، وأبو العالية ومجاهد وابن زيد. قال ابن قتيبة: وهو من العام الذي أريد به الخاص. [سورة البقرة (2) : آية 48] وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) قال الزجاج: كانت اليهود تزعم أَن آباءها الأنبياء تشفع لهم يوم القيامة، فآيسهم الله بهذه الآية من ذلك. وفي قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً إضمار، تقديره: اتقوا عذاب يوم، أو: ما في يوم. والمراد باليوم: يوم القيامة. و «تجزي» بمعنى تقضي. قال ابن قتيبة: يقال: جزى الأمر عني يجزي، بغير همز، أي: قضى عني، وأجزأني يجزئني، مهموز، أي: كفاني. قوله تعالى: نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ، قالوا: المراد بالنفس هاهنا: النفس الكافرة، فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاصّ. قوله تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ. قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، إلا أن قتادة فتح الياء، ونصب الشفاعة، ليكون الفعل لله تعالى، قال: أبو علي: من قرأ بالتاء، فلأنَّ الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل مؤنث، فيلزم أن يلحق المسند أيضاً علامة التأنيث، ومن قرأ بالياء فلأنَّ التأنيث في الاسم الذي أسند إليه الفعل ليس بحقيقي، فحمل على المعنى، كما أن الوعظ والموعظة بمعنى واحد، وفي الآية إضمار، تقديره: لا يقبل منها فيه شفاعة. والشفاعة مأخوذة من الشفع الذي يخالف الوتر، وذلك أن سؤال الشفيع يشفع سؤال المشفوع له. فأما «العدل» فهو الفداء، وسمي عدلاً، لأنه يعادل المفدى. واختلف اللغويون: هل «العدل» و «العدل» فتح العين وكسرها يختلفان، أم لا؟ فقال الفراء: العدل بفتح العين: ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل بكسرها: ما عادل الشيء من جنسه، فهو المثل، تقول: عندي عدل غلامك، بفتح العين: إذا أردت قيمته من غير جنسه، وعندي عدل غلامك، بكسر العين: إذا كان غلام يعدل غلاماً. وحكى الزجاج عن البُصريين أن العَدل والعِدل في معنى المثل، وأن المعنى واحد، سواء كان المثل من الجنس أو من غير الجنس. قوله تعالى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، أي: يمنعون من عذاب الله. [سورة البقرة (2) : آية 49] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)
[سورة البقرة (2) : آية 50]
قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ تقديره: واذكروا إذ نجيناكم، وهذه النعم على آبائهم كانت. وفي آلِ فِرْعَوْنَ ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أهل مصر، قاله مقاتل. والثاني: أهل بيته خاصة، قاله أبو عبيدة. والثالث: أتباعه على دينه، قاله الزجاج. وهل الآل والأهل بمعنى، أو يختلفان؟ فيه قولان. وقد شرحت معنى الآل في كتاب «النظائر» . وفرعون: اسم أعجمي، وقيل: هو لقبه. وفي اسمه أربعة أقوال: أحدها: الوليد بن مصعب، قاله الأكثرون. والثاني: فيطوس، قاله مقاتل. والثالث: مصعب بن الريان، حكاه ابن جرير الطبري. والرابع: مغيث، ذكره بعض المفسرين. قوله تعالى: يَسُومُونَكُمْ، أي: يولونكم، يقال: فلان يسومك خسفاً، أي: يوليك ذلاً واستخفافاً. وسُوءَ الْعَذابِ: شديده. وكان الزجاج يرى أن قوله: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ تفسير لقوله: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ، وأبى هذا بعض أهل العلم، فقال: قد فرق الله بينهما في موضع آخر، فقال: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ «1» ، وإنما سوء العذاب: استخدامهم في أصعب الأعمال، وقال الفرّاء: الموضع الذي فيه الواو، يبين أنه قد مسهم من العذاب غير الذبح، فكأنه قال: يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح. قوله تعالى: وَيَسْتَحْيُونَ، أي: يستبقون نِساءَكُمْ، أي: بناتكم. وإنما استبقوا نساءكم للاستذلال والخدمة. وفي البلاء هاهنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى النعمة، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو مالك، وابن قتيبة والزجاج. والثاني: أنه النقمة، رواه السدي عن أشياخه. فعلى هذا القول يكون «ذا» في قوله تعالى: ذلِكُمْ: عائداً على سومهم سوء العذاب، وذبح أبنائهم واستحياء نسائهم، وعلى القول الأول يعود على النجاة من آل فرعون. قال أبو العالية: وكان السبب في ذبح الأبناء، أن الكهنة قالت لفرعون: سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه، فقتل الأبناء. قال الزجاج: فالعجب من حمق فرعون، إن كان الكاهن عنده صادقا، فما ينفع القتل؟! وإن كان كاذبا فما معنى القتل؟! [سورة البقرة (2) : آية 50] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) قوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ، الفرق: الفصل بين الشيئين، و «بكم» بمعنى «لكم» . وإِنما ذكر آل فرعون دونه، لأنه قد علم كونه فيهم. وفي قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، قولان: أحدهما: أنه من نظر العين، ومعناه: وأنتم ترونهم يغرقون. والثاني: أَنه بمعنى: العلم كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ «2» ، قاله الفراء. (الاشارة إِلى قصتهم) روى السدي عن أشياخه: أن الله تعالى أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل، وألقى على القبط الموت، فمات بكر كل رجل منهم، فأصبحوا يدفنونه، فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس، قال عمرو بن ميمون: فلما خرج موسى بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك، فما صاح ديك ليلتئذ. قال أبو السليل: لما انتهى موسى إِلى البحر قال: هيه أبا خالد «3» ، فأخذه أفكل، يعني:
[سورة البقرة (2) : آية 51]
رعدة، قال مقاتل: تفرق الماء يميناً وشمالاً كالجبلين المتقابلين، وفيهما كوىً ينظر كل سبط إلى الآخر. قال السدي: فلما رآه فرعون متفرقاً قال: ألا ترون البحر فرق مني، فانفتح لي؟! فأتت خيل فرعون فأبت أن تقتحم، فنزل جبريل على ماذيانة فتشامت الحصن «1» ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها، حتى إِذا همَّ أولهم أن يخرج، ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم. [سورة البقرة (2) : آية 51] وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ. قرأ أبو جعفر وأبو عرو: «وعدنا» بغير ألف هاهنا، وفي (الأعراف) و (طه) ، ووافقهما أبان عن عاصم في (البقرة) خاصة. وقرأ الباقون «واعدنا» بألف. ووجه القراءة الأولى: إفراد الوعد من الله تعالى، ووجه الثانية: أنه لما قبل موسى وعد الله عزّ وجلّ، صار ذلك مواعدة بين الله تعالى وبين موسى. ومثله: لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا «2» . ومعنى الآية: وعدنا موسى تتمة أربعين يوما أو انقضاء أربعين ليلة. وموسى: اسم أعجمي، أصله بالعبرانية: موشا، فمو: هو الماء، وشا: هو الشجر، لأنه وجد عند الماء والشجر، فعرب بالسين. ولماذا كان هذا الوعد؟ فيه قولان: أحدهما: لأخذ التوراة. والثاني: للتكليم. وفي هذه المدة قولان: أحدهما: أنها ذو القعدة وعشر من ذي الحجة! وهذا قول من قال: كان الوعد لإعطاء التوراة. والثاني: أنها ذو الحجة وعشر من المحرم، وهو قول من قال: كان الوعد للتكليم. وإنما ذكرت الليالي دون الأيام، لأن عادة العرب التأريخ بالليالي، لأن أول الشهر ليله، واعتماد العرب على الأهلة، فصارت الأيام تبعا لليالي. وقال أبو بكر النقاش «3» : إنما ذكر الليالي، لأنه أمره أن يصوم هذه الأيام ويواصلها بالليالي، فلذلك ذكر الليالي، وليس بشيء. [سورة البقرة (2) : آية 52] ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) قوله تعالى: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ، من بعده، أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل. (الإشارة إِلى اتخاذهم العجل) روى السدي عن أشياخه أنه لما انطلق موسى، واستخلف هارون، قال هارون: يا بني إسرائيل! إِن الغنيمة لا تحل لكم، وإِن حليّ القبط غنيمة فاجمعوه واحفروا له حفيرة «4» ، فادفنوه، فان أحلّه
[سورة البقرة (2) : آية 53]
موسى فخذوه، وإلا كان شيئاً لم تأكلوه، ففعلوا. قال السدي: وكان جبريل قد أتى إلى موسى ليذهب به إلى ربه، فرآه السامريّ، فأنكره وقال: إن لهذا شأناً، فأخذ قبضة من أثر حافر الفرس، فقذفها في الحفيرة، فظهر العجل. وقيل: إِن السامريّ أمرهم بالقاء ذلك الحليّ، وقال: إنما طالت غيبة موسى عنكم لأجل ما معكم من الحلي، فاحفروا لها حفيرة وقربوه إلى الله، يبعث لكم نبيكم، فإنه كان عارية، ذكره أبو سليمان الدمشقي. وفي سبب اتخاذ السامري عجلاً قولان: أحدهما: أن السامري كان من قوم يعبدون البقر، فكان ذلك في قلبه، قاله ابن عباس. والثاني: أن بني إسرائيل لما مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، أعجبهم ذلك، فلما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً وأنكر عليهم، أخرج السامريّ لهم في غيبته عجلاً لما رأى من استحسانهم ذلك، قاله ابن زيد. وفي كيفية اتخاذ العجل قولان: أحدهما: أن السامري كان صوّاغاً فصاغه وألقى فيه القبضة، قاله علي وابن عباس. والثاني: أنهم حفروا حفيرة، وألقوا فيها حلي قوم فرعون وعواريهم تنزهاً عنها، فألقى السامريّ القبضة من التراب فصار عجلاً. روي عن ابن عباس أيضاً. قال ابن عباس: صار لحماً ودماً وجسداً، فقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى قد جاء، وأخطأ موسى الطريق، فعبدوه وزفنوا حوله «1» . [سورة البقرة (2) : آية 53] وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) قوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ، الكتاب: التوراة. وفي الفرقان خمسة أقوال: أحدها: أنه النصر، قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني: أنه ما في التوراة من الفرق بين الحق والباطل، فيكون الفرقان نعتاً للتوراة، قاله أبو العالية. والثالث: أنه الكتاب، فكرره بغير اللفظ. قال عدي بن زيد: فألفى قولها كذباً ومينا «2» وقال عنترة: أقوى وأقفر بعد أم الهيثم «3» هذا قول مجاهد، واختيار الفرّاء والزّجّاج. والرابع: أنه فرق البحر لهم، ذكره الفراء والزجاج وابن القاسم. والخامس: أنه القرآن. ومعنى الكلام: لقد آتينا موسى الكتاب، ومحمداً الفرقان، ذكره الفرّاء، وهو قول قطرب. [سورة البقرة (2) : آية 54] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ. القوم: اسم للرجال والنساء،
قال الله تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ «1» ، وقال زهير: وما أدري وسوف إِخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء؟! وإنما سموا قوماً، لأنهم يقومون بالأمور. قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ، قال أبو علي: كان ابن كثير ونافع «2» وعاصم «3» وابن عامر «4» وحمزة والكسائي «5» يكسرون الهمزة من غير اختلاس ولا تخفيف. وروى اليزيدي وعبد الوارث «6» عن أبي عمرو «7» : «بارئْكم» بجزم الهمزة. روى عنه العباس بن الفضل «8» : «بارئكم» مهموزة غير مثقلة. وقال سيبويه «9» : كان أبو عمرو يختلس الحركة في: «بارئكم» و «يأمركم» وما أشبه ذلك مما تتوالى فيه الحركات، فيرى من يسمعه أنه قد أسكن ولم يسكن. والبارئ: الخالق. ومعنى فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ: ليقتل بعضكم بعضاً. قاله ابن عباس ومجاهد. واختلفوا فيمن خوطب بهذا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خطاب للكل، قاله السدي عن أشياخه. والثاني: أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد، قاله مقاتل. والثالث: أنه خطاب للعابدين فحسب، أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الإشارة بقوله: «ذا» في: «ذلكم» قولان: أحدها: أنه يعود إِلى القتل. والثاني: أنه يعود إلى التوراة. (الإِشارة إِلى قصتهم في ذلك) قال ابن عباس: قالوا لموسى: كيف يقتل الآباء الأبناء، والإخوة الإخوة؟ فأنزل الله عليهم ظلمة
[سورة البقرة (2) : الآيات 55 إلى 56]
لا يرى بعضهم بعضاً، فقالوا: فما آية توبتنا؟ قال: أن يقوم السلام ولا يقتل، وترفع الظلمة. فقتلوا حتى خاضوا في الدماء، وصاح الصبيان: يا موسى: العفو العفو. فبكى موسى، فنزلت التوبة، وقام السّلام، وارتفعت الظلمة. قال مجاهد: بلغ القتلى سبعين ألفاً. قال قتادة: جعل القتل للقتيل شهادة، وللحيّ توبة. [سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 56] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً. في القائلين لموسى ذلك قولان: أحدهما: أنهم السبعون المختارون، قاله ابن مسعود وابن عباس. والثاني: جميع بني إِسرائيل إلا من عصم الله منهم، قاله ابن زيد، قال: وذلك أنه أتاهم بكتاب الله، فقالوا: والله لا نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول: هذا كتابي. وفي جَهْرَةً قولان: أحدهما: أنه صفة لقولهم، أي: جهروا بذلك القول، قاله ابن عباس، وأبو عبيدة. والثاني: أنها الرؤية البيّنة، أي: أرناه غير مستتر بشيء، يقال: فلان يتجاهر بالمعاصي، أي: لا يستتر من الناس، قاله الزجاج. ومعنى «الصاعقة» : ما يصعقون منه، أي: يموتون. ومن الدليل على أنهم ماتوا، قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ هذا قول الأكثرين. وزعم قوم أنهم لم يموتوا، واحتجوا بقوله تعالى: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً «1» وهذا قول ضعيف، لأن الله تعالى فرق بين الموضعين، فقال هناك: فَلَمَّا أَفاقَ، وقال هاهنا: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ والإفاقة للمغشي عليه، والبعث للميت. قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: ينظر بعضكم إلى بعض كيف يقع ميتاً. والثاني: ينظر بعضكم إِلى إِحياء بعض. والثالث: تنظرون العذاب كيف ينزل بكم، وهو قول من قال: نزلت نار فأحرقتهم. [سورة البقرة (2) : آية 57] وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) قوله تعالى: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ. الغمام: السحاب، سمي غماماً، لأنه يغم السماء، أي: يسترها، وكل شيء غطيته فقد غممته، وهذا كان في التيه. وفي «المن» ثمانية أقوال: أحدها: أنه الذي يقع على الشجر فيأكله الناس، قاله ابن عباس والشعبي والضحاك. والثاني: أنه الترنجبين «2» ، روي عن ابن عباس أيضاً، وهو قول مقاتل. والثالث: أنه صمغه، قاله مجاهد. والرابع: أنه يشبه الرب الغليظ «3» ، قاله عكرمة. والخامس: أنه شراب، قاله أبو العالية، والربيع بن أنس. والسادس: أنه خبز الرقاق مثل الذرة، أو مثل النَّقي، قاله وهب.
[سورة البقرة (2) : آية 58]
والسابع: أنه عسل، قاله ابن زيد. والثامن: أنه الزنجبيل، قاله السدي «1» . وفي «السلوى» قولان: أحدهما: أنه طائر، قال بعضهم: يشبه السماني، وقال بعضهم: هو السماني. والثاني: أنه العسل، ذكره ابن الانباري، وأنشد «2» : وقاسمها بالله جهداً لأنتم ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها قوله تعالى: وَما ظَلَمُونا، قال ابن عباس: ما نقصونا وضرّونا، بل ضرّوا أنفسهم. [سورة البقرة (2) : آية 58] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ. في القائل لهم قولان: أحدهما: أنه موسى بعد مضيّ الأربعين سنة. والثاني: أنه يوشع بن نون بعد موت موسى. والقرية: مأخوذة من الجمع، ومنه: قريت الماء في الحوض. والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء. وفي المراد بهذه القرية قولان: أحدهما: أنها بيت المقدس، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسّدّيّ والرّبيع، وروي عن ابن عباس أنها أريحا. قال السدي: وأريحا: هي أرض بيت المقدس. والثاني: أنها قرية من أداني قرى الشام، قاله وهب «3» . قوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ، قال ابن عباس: وهو أحد أبواب بيت المقدس، وهو يدعى:
[سورة البقرة (2) : آية 59]
باب حطة، وقوله: سُجَّداً، أي: ركعاً. قال وهب: أمروا بالسجود شكرا لله عزّ وجلّ إذ ردهم إليها. قوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ قرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة (حطةً) بالنصب. وفي معنى «حطة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: استغفروا، قاله ابن عباس ووهب. قال ابن قتيبة: وهي كلمة أُمروا أن يقولوها في معنى الاستغفار، من: حططت، أي: حط عنا ذنوبنا. والثاني: أن معناها: قولوا: هذا الأمر حق كما قيل لكم، ذكره الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أن معناها: لا إله إلا الله، قاله عكرمة. قال ابن جرير الطبري: فيكون المعنى: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم، وهو قول «لا إِله إِلا الله» . ولماذا أمروا بدخول القرية؟ فيه قولان: أحدهما: أن ذلك لذنوب ركبوها فقيل: (ادخلوا القرية) (وادخلوا الباب سجداً نغفر لكم خطاياكم) ، قاله وهب. والثاني: أنهم ملوا المن والسلوى، فقيل: اهْبِطُوا مِصْراً، فكان أول ما لقيهم أريحا، فأمروا بدخولها. قوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (نغفر لكم) بالنون مع كسر الفاء. وقرأ نافع وأبان عن عاصم «يغفر» بياء مضمومة وفتح الفاء. وقرأ ابن عامر بتاء مضمومة مع فتح الفاء. [سورة البقرة (2) : آية 59] فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) قوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. اعلم أن الله عزّ وجلّ، أمرهم في دخولهم بفعل وقول، فالفعل السجود، والقول: حطة، فغير القوم الفعل والقول. فأما تغيير الفعل ففيه خمسة أقوال: (23) أحدها: أنهم دخلوا متزحفين على أوْراكهم. رواه أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والثاني: أنهم دخلوا من قبل أستاههم، قاله ابن عباس وعكرمة. والثالث: أنهم دخلوا مقنعي رؤوسهم، قاله ابن مسعود. والرابع: أنهم دخلوا على حروف عيونهم، قاله مجاهد. والخامس: أنهم دخلوا مستلقين، قاله مقاتل. وأما تغيير القول ففيه خمسة أقوال: (24) أحدها: أنهم قالوا مكان «حطة» : حبة في شعرة، رواه أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. والثاني: أنهم قالوا: حنطة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، ووهب، وابن يزيد. والثالث: أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعرة، قاله ابن مسعود.
[سورة البقرة (2) : آية 60]
والرابع: أنهم قالوا: حبة حنطة مثقوبة فيها شعيرة سوداء، قاله السدي عن أشياخه. والخامس: أنهم قالوا: سنبلاثا، قاله أبو صالح. فاما الرجز فهو العذاب، قاله الكسائي وأبو عبيدة والزّجّاج. وأنشدوا لرؤبة: كم رأينا في ذي عديد مبزي ... حتى وقمنا كيده بالرجز «1» وفي ماهية هذا العذاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ظلمة وموت، فمات منهم في ساعة واحدة، أربعة وعشرون ألفاً، وهلك سبعون ألفا عقوبة، قاله ابن عباس. والثاني: أنه أصابهم الطاعون، عذبوا به أربعين ليلة ثم ماتوا، قاله وهب بن منبه. والثالث: أنه الثلج، هلك به منهم سبعون ألفا، قاله سعيد بن جبير. [سورة البقرة (2) : آية 60] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) قوله تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ. استسقى بمعنى: استدعى ذلك، كقولك: استنصر. وفي «الحجر» قولان: أحدهما: أنه حجر معروف عين لموسى، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة، وعطية، وابن زيد، ومقاتل، واختلفوا في صفته على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان حجراً مربعاً، قاله ابن عباس. والثاني: كان مثل رأس الثور، قاله عطية. والثالث: مثل رأس الشاة، قاله ابن زيد. وقال سعيد بن جبير: هو الذي ذهب بثياب موسى. فجاءه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول لك: ارفع هذا الحجر، فلي فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فكان اذا احتاج إلى الماء ضربه. والقول الثاني: أنه أمر بضرب أي حجر كان، والأول أثبت. قوله تعالى: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ. تقدير معناه: فضرب فانفجرت، فلما عرف بقوله: «فانفجرت» أنه قد ضرب، اكتفى بذلك عن ذكر الضرب، ومثله: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ «2» ، قاله الفراء. ولما كان القوم اثني عشر سبطا، أخرج الله لهم اثني عشرة عينا، ولأنه كان فيهم تشاحن فسلموا بذلك منه. قوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا. العثو: أشد الفساد، يقال: عثي، وعثا، وعاث. قال ابن الرقاع: لولا الحياء وأن رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم [سورة البقرة (2) : آية 61] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (61) قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ، هذا قولهم في التّيه، وعنوا بالطعام
الواحد: المن والسلوى. قال محمد بن القاسم: كان المن يؤكل بالسلوى والسلوى بالمن، فلذلك كانا طعاماً واحداً. والبقل هاهنا: اسم جنس، وعنوا به: البقول، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: تذهب العامة إِلى أن البقل: ما يأكله الناس خاصة دون البهائم من النبات الناجم الذي لا يحتاج في أكله إلى طبخ، وليس كذلك إِنما البقل: العشب، وما ينبت الربيع مما يأكله الناس والبهائم، يقال: بقلت الأرض، وأبقلت، لغتان فصيحتان: إذا أنبت البقل. وابتقلت الإبل وتبقّلت: إذا رعت. قال أبو النجم يصف الإبل: تبقلت في أول التبقل ... بين رماحي مالك ونهشل وفي «القثاء» لغتان: كسر القاف، وضمها، والكسر أجود، وبه قرأ الجمهور. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء «1» ، وقتادة وطلحة بن مصرف، والأعمش بضم القاف. قال الفراء: الكسر لغة أهل الحجاز، والضم لغة تيم، وبعض بني أسد. وفي «الفوم» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحنطة، قاله ابن عباس، والسدي عن أشياخه، والحسن وأبو مالك. قال الفراء: هي لغة قديمة، يقول أهلها: فوَموا لنا، أي: اختبزوا لنا. والثاني: أنه الثوم، وهو قراءة عبد الله وأبيّ: «وثومها» واختاره الفراء، وعلل بأنه ذكر مع ما يشاكله، والفاء تبدل من الثاء، كما تقول العرب: الجدث، والجدف: للقبر، والأثافي والأفافي: للحجارة التي توضع تحت القدر. والمغاثير والمغافير: لضرب من الصمغ. وهذا قول مجاهد، والربيع بن أنس، ومقاتل، والكسائي، والنضر بن شميل وابن قتيبة. والثالث: أنه الحبوب، وذكره ابن قتيبة والزجاج. قوله تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى، أي: أردأ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، أي: أعلى، يريد: أن المن والسلوى أعلى ما طلبتم. قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فيه قولان: أحدهما: أنه اسم لمصر من الأمصار غير معين، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وإنما أمروا بالمصر، الذي طلبوه في الأمصار. والثاني: أنه أراد البلد المسمى بمصر. وفي قراءة عبد الله والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش «مصر» بغير تنوين، قال أبو صالح عن ابن عباس: أراد مصر فرعون، وهذا قول أبي العالية والضحاك، واختاره الفراء، واحتج بقراءة عبد الله. قال: وسئل عنها الأعمش، فقال: هى مصر التي عليها صالح بن علي «2» . وقال مفضل الضبي «3» : سميت مصراً، لأنها آخر حدود المشرق، وأول حدود المغرب، فهي حد بينهما. والمصر: الحد. وأهل هجر يكتبون في عهدهم: اشترى فلان الدار بمصورها، أي: بحدودها. وقال عدي: وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا وحكى ابن فارس أن قوماً قالوا: سميت بذلك لقصد الناس إِياها. كقولهم: مصرت الشاة، إذا حلبتها، فالناس يقصدونها، ولا يكادون يرغبون عنها إذا نزلوها.
[سورة البقرة (2) : آية 62]
قوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ، أي: ألزموها، قال الفراء: الذلة والذل: بمعنى واحد، وقال الحسن: هي الجزية. وفي المسكنة قولان: أحدهما: أنها الفقر والفاقة، قاله أبو العالية، والسدي، وأبو عبيدة، وروي عن السدي قال: هي فقر النفس. والثاني: أنها الخضوع، قاله الزّجّاج. قوله تعالى: وَباؤُ، أي: رجعوا. وقوله تعالى: ذلِكَ إشارة إِلى الغضب. وقيل: إِلى جميع ما ألزموه من الذّلة والمسكنة وغيرهما. قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ. كان نافع يهمز «النبيين» و «الأنبياء» و «النبوة» وما جاء من ذلك، إلا في موضعين في الاحزاب: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ» ، إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ «2» ، وإنما ترك الهمزة في هذين الموضعين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد، وباقي القراء لا يهمزون جميع المواضع. قال الزجاج: الأجود ترك الهمز. واشتقاق النبي من: نبأ، وأنبأ، أي: أخبر. ويجوز أن يكون من: نبا ينبو: إذا ارتفع، فيكون بغير همز: فعيلاً، من الرفعة. قال عبد الله بن مسعود: كانت بنو اسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبيّ، ثم تقوم سوق بقلهم في آخر النهار. قوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: بغير جرم، قاله ابن الأنباري. والثاني: أنه توكيد كقوله تعالى: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ «3» . والثالث: أنه خارج مخرج الصّفة لقتلهم أنه ظلم، فهو كقوله: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ «4» ، فوصف حكمه بالحق، ولم يدل على أنه يحكم بغير الحق. قوله تعالى: وَكانُوا يَعْتَدُونَ، العدوان: أشد الظلم. وقال الزجاج: الاعتداء: مجاوزة القدر في كل شيء. [سورة البقرة (2) : آية 62] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، فيهم خمسة أقوال: أحدها: أنهم قوم كانوا مؤمنين بعيسى قبل أن يبعث محمد صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم الذين آمنوا بموسى، وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى، فآمنوا به وعملوا بشريعته إلى أن جاء محمد. وهذا قول السدي عن أشياخه. والثالث: أنهم المنافقون، قاله سفيان الثوري «5» . والرابع: أنهم الذين كانوا يطلبون الإسلام، كقس بن ساعدة، وبحيرا، وورقة بن نوفل، وسلمان. والخامس: أنهم المؤمنون من هذه الأمة. قوله تعالى: وَالَّذِينَ هادُوا، قال الزجاج: أصل هادوا في اللغة: تابوا. وروي عن ابن مسعود أن اليهود سموا بذلك لقول موسى: هُدْنا إِلَيْكَ «6» ، والنصارى لقول عيسى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ. وقيل سموا النصارى لقرية نزلها المسيح، اسمها: ناصرة، وقيل: لتناصرهم. فأما «الصابئون» فقرأ الجمهور بالهمز في جميع القرآن. وكان نافع لا يهمز كل المواضع. قال
[سورة البقرة (2) : آية 63]
الزجاج: معنى الصابئين: الخارجون من دين إلى دين، يقال: صبأ فلان: إذا خرج من دينه. وصبأت النجوم: إذا طلعت، وصبأ نابُه: إِذا خرج. وفي الصابئين سبعة أقوال: أحدها: أنه صنف من النصارى ألين قولاً منهم، وهم السائحون المحلَّقة أوساط رؤوسهم، روي عن ابن عباس. والثاني: أنهم قوم بين النصارى والمجوس، ليس لهم دين، قاله مجاهد. والثالث: أنهم قوم بين اليهود والنصارى، قاله سعيد بن جبير. والرابع: قوم كالمجوس، قاله الحسن والحكم. والخامس: فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور، قاله أبو العالية. والسادس: قوم يصلون إلى القبلة، ويعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور، قاله قتادة. والسابع: قوم يقولون: لا إِله إلا الله، فقط، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، قاله ابن زيد. قوله تعالى: مَنْ آمَنَ، في إعادة ذكر الإيمان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لما ذكر مع المؤمنين طوائف من الكفار رجع قوله: مَنْ آمَنَ إليهم. والثاني: أن المعنى من أقام على إيمانه. والثالث: أن الايمان الأول نطق المنافقين بالإسلام. والثاني: اعتقاد القلوب. قوله تعالى: وَعَمِلَ صالِحاً. قال ابن عباس: أقام الفرائض. فصل: وهل هذه الآية محكمة أم منسوخة؟ فيه قولان: أحدهما: أنها محكمة، قاله مجاهد والضحاك في آخرين، وقدروا فيها: إن الذين آمنوا، ومن آمن من الذين هادوا. والثاني: أنها منسوخة بقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ «1» ، ذكره جماعة من المفسّرين. [سورة البقرة (2) : آية 63] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ. الخطاب بهذه الآية لليهود. والميثاق: مفعال من التوثق بيمين أو عهد أو نحو ذلك من الأمور التي تؤكد القول. وفي هذا الميثاق ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة، فكرهوا الإِقرار بما فيها، فرفع عليهم الجبل، قاله مقاتل. قال أبو سليمان الدمشقي: أعطوا الله عهداً ليعملُنَّ بما في التوراة، فلما جاء بها موسى فرأوا ما فيها من التثقيل، امتنعوا من أخذها، فرفع الطور عليهم. والثاني: أنه ما أخذه الله تعالى على الرسل وتابعيهم من الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، ذكره الزجاج. والثالث: ذكره الزجاج أيضاً، فقال: يجوز أن يكون الميثاق يوم أخذ الذرية من ظهر آدم. قوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ، قال أَبو عبيدة: الطور في كلام العرب: الجبل. وقال ابن قتيبة: الطور: الجبل بالسريانية. وقال ابن عباس: ما أنبت من الجبال فهو طور، وما لم ينبت فليس بطور. وأي الجبال هو؟ فيه ثلاثة أَقوال: أحدها: جبل من جبال فلسطين، قاله ابن عباس. والثاني: جبل نزلوا بأصله، قاله قتادة. والثالث: الجبل الذي تجلى له ربه، قاله مجاهد. وجمهور العلماء على أنه إنما رفع الجبل عليهم لإبائهم التوراة. وقال السدي: لإبائهم دخول الأرض المقدّسة.
[سورة البقرة (2) : آية 64]
قوله تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ. وفي المراد «بقوّة» أربعة أقوال: أحدها: الجد والاجتهاد، قاله ابن عباس وقتادة والسدي. والثاني: الطاعة، قاله أبو العالية. والثالث: العمل بما فيه، قاله مجاهد. والرابع: الصدق، قاله ابن زيد. قوله تعالى: وَاذْكُرُوا ما فِيهِ، قولان: أحدهما: اذكروا ما تضمنه من الثواب والعقاب، قاله ابن عباس. والثاني: معناه: ادرسوا ما فيه، قاله الزجاج. قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، قال ابن عباس: تتقون العقوبة. [سورة البقرة (2) : آية 64] ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ، أي: أعرضتم عن العمل بما فيه من بعد إعطاء المواثيق ليأخذنّه بجد، فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين بالعقوبة. [سورة البقرة (2) : آية 65] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ. السبت: اليوم المعروف، قاله ابن الأنباري: ومعنى السبت في كلام العرب: القطع، يقال: قد سبت رأسه: إذا حلقه وقطع الشعر منه، ويقال: نعل سبتية: إِذا كانت مدبوغة بالقرظ محلوقة الشعر، فسمي السبت سبتاً، لأن الله عزّ وجلّ ابتدأ الخلق فيه، وقطع فيه بعض خلق الأرض، أو: لأن الله تعالى أمر بني إسرائيل بقطع الأعمال وتركها. وقال بعضهم: سمي سبتاً، لأن الله تعالى أمرهم بالاستراحة فيه من الأعمال، وهذا خطأ، لأنه لا يعرف في كلام العرب: سبت بمعنى: استراح. وفي صفة اعتدائهم في السبت قولان: أحدهما: أنهم أخذوا الحيتان يوم السبت، قاله الحسن ومقاتل. والثاني: أنهم حبسوها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، وذلك أن الرجل كان يحفر الحفرة ويجعل لها نهراً إلى البحر، فاذا كان يوم السبت فتح النهر، وقد حرم الله عليه العمل يوم السبت، فيقبل الموج بالحيتان حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت الخروج فلا يطيق، فيأخذها يوم الأحد، قاله السدي. (الإشارة إلى قصة مسخهم) روى عثمان بن عطاء عن أبيه قال: نودي الذين اعتدوا في السبت ثلاثة أصوات: نودوا: يا أهل القرية، فانتبهت طائفة [ثم نودوا: يا أهل القرية فانتبهت طائفة] «1» أكثر من الأولى، ثم نودوا: يا أهل القرية، فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقال الله لهم: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برءوسهم: بلى. قال قتادة: فصار القوم قردة تعاوي، لها أذناب بعد ما كانوا رجالا ونساء. وفي رواية عن قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، وما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم. وقال غيره: كانوا نحواً من سبعين ألفاً، وعلى هذا القول العلماء، غير ما روي عن مجاهد أنه قال: مسخت قلوبهم ولم تمسخ أبدانهم، وهو قول بعيد، قال ابن
[سورة البقرة (2) : آية 66]
عباس: لم يحيوا على الأرض إلا ثلاثة أيّام، ولم يحي مسخ في الأرض فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام، وماتوا في اليوم الثامن، وهذا كان في زمان داود عليه السلام. قوله تعالى: خاسِئِينَ: الخاسئ في اللغة: المبعد، يقال للكلب: اخسأ، أي: تباعد. [سورة البقرة (2) : آية 66] فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) قوله تعالى: فَجَعَلْناها. في المكنى عنها أربعة أقوال: أحدها: أنها الخطيئة، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: العقوبة، رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال الفراء: الهاء كناية عن المسخة التي مسخوها. والثالث: أنها القرية، والمراد أهلها، قاله قتادة وابن قتيبة. والرابع: أنها الأمة التي مسخت، قاله الكسائي، والزجاج. وفي النكال قولان: أحدهما: أنه العقوبة، قاله مقاتل. والثاني: العبرة، قاله ابن قتيبة والزجاج. قوله تعالى: لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لما بين يديها من القرى وما خلفها، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: لما بين يديها من الذنوب، وما خلفها: ما عملوا بعدها، رواه عطية عن ابن عباس. والثالث: لما بين يديها من السنين التي عملوا فيها بالمعاصي، وما خلفها: ما كان بعدهم في بني اسرائيل لئلا يعملوا بمثل أعمالهم، قاله عطية. وفي المتقين قولان: أحدهما: أنه عام في كل متق إلى يوم القيامة، قاله ابن عباس. والثاني: أن المراد بهم أمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، قاله السدي عن أشياخه، وذكره عطية وسفيان. [سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى 68] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (68) قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً. (ذكر السبب في أمرهم بذبح البقرة) روى ابن سيرين عن عبيدة قال: كان في بني اسرائيل رجل عقيم لا يولد له، وله مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله واحتمله ليلا، فأتى به حيّا آخرين، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض، فأتوا موسى فذكروا له ذلك، فأمرهم بذبح البقرة. وروى السدي عن أشياخه أن رجلاً من بني إِسرائيل كانت له بنت وابن أخ فقير، فخطب إليه ابنته، فأبى، فغضب وقال: والله لأقتلنّ عمي، ولآخذنّ ماله ولأنكحنّ ابنته، ولآكلنّ ديته، فأتاه فقال: قد قدم تجار في بعض أسباط «1» بني إِسرائيل، فانطلق معي فخذ لي من تجارتهم لعلي أصيب فيها ربحاً، فخرج معه، فلما بلغا ذلك السبط، قتله الفتى، ثم رجع، فلما أصبح، جاء كأنه يطلب عمّه لا يدري أين هو،
[سورة البقرة (2) : الآيات 69 إلى 70]
فاذا بذلك السبط قد اجتمعوا عليه، فأمسكهم وقال: قتلتم عمّي، وجعل يبكي وينادي: وا عمّاه. قال أبو العالية: والذي سأل موسى أن يسأل الله البيان: القاتل، وقال غيره: بل القوم اجتمعوا فسألوا موسى. فلما أمرهم بذبح بقرة قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً؟ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: «هزؤا» بضم الهاء والزاي والهمزة، وقرأ حمزة، وإِسماعيل، وخلف في اختياره، والفراء عن عبد الوارث، والمفضل: «هزأ» باسكان الزاي. ورواه حفص بالضم من غير همزة، وحكى أبو علي الفارسي أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فمن العرب من يثقله، ومنهم من يخففه، نحو العسر واليسر. قوله تعالى: قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. وإِنما انتفى من الهزء، لأن الهازئ جاهل لاعب. فلما تبين لهم أن الأمر من عند الله، قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ. قال الزجاج: وإنما سألوا: ما هي، لأنهم لا يعلمون أن بقرة يحيا بضرب بعضها ميت. فأما الفارض فهي: المسنة، يقال: فرضت البقرة فهي فارض: إذا أسنت. والبكر: الصغيرة التي لم تلد، والعوان: دون المسنّة، وفوق الصغيرة، يقال: حرب عوان: إِذا لم تكن أول حرب، وكانت ثانية. [سورة البقرة (2) : الآيات 69 الى 70] قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) في الصفراء قولان: أحدهما: أنه من الصفرة، وهو: اللون المعروف، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنها السّوداء، قاله الحسن البصري، ورده جماعة، فقال ابن قتيبة: هذا غلط في نعوت البقر، وإنما يكون ذلك في نعوت الإبل، يقال: بعير أصفر، أي: أسود، لأن السوداء من الإبل يشوب سوادها صفرة، ويدل على ذلك قوله تعالى: فاقِعٌ لَوْنُها، والعرب لا تقول «أسود فاقع» إنما تقول: «أسود حالك» و «أصفر فاقع» . قال الزجاج: وفاقع نعت للأصفر الشديد الصفرة، يقال: أصفر فاقع، وأحمر قانئ وأخضر ناضر، وأبيض يقق، وأسود حالك، وحلكوك ودجوجي، فهذه صفات المبالغة في الألوان «1» . ومعنى تَسُرُّ النَّاظِرِينَ: تعجبهم، قال ابن عباس: شدد القوم فشدّد عليهم.
[سورة البقرة (2) : آية 71]
(25) وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: «لولا أن بني إسرائيل استثنوا لم يعطوا الذي أعطوا» ، يعني بذلك قولهم: وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. وفي المراد باهتدائهم قولان: أحدهما: أنهم أرادوا: المهتدون إلى البقرة، وهو قول الأكثرين. والثاني: إِلى القاتل، ذكره أبو صالح عن ابن عباس. [سورة البقرة (2) : آية 71] قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) قوله تعالى: قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ، قال قتادة: لم يذلها العمل فتثير الأرض. قال ابن قتيبة: يقال في الدواب: دابة ذلول: بينة الذل. بكسر الذال، وفي الناس: رجل ذليل بين الذل، بضم الذال. تُثِيرُ الْأَرْضَ: تقلبها للزراعة، ويقال للبقرة: المثيرة. قال الفراء: لا تقفن على ذلول، لأن المعنى: ليست بذلول فتثير الأرض. وحكى ابن القاسم أن أبا حاتم السجستاني أجاز الوقف على ذلول، ثم أنكره عليه جداً، وعلل بأن التي تثير الأرض لا يعدم منها سقي الحرث، ومتى أثارت الأرض كانت ذلولاً. ومعنى: وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ: لا يستقى عليها الماء لسقي الزرع. قوله تعالى: مُسَلَّمَةٌ فيه أربعة أقوال: أحدها: مسلَّمة من العيوب، قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل. والثاني: مسلَّمة من العمل، قاله الحسن وابن قتيبة. والثالث: مسلّمة من الشية، قاله مجاهد وابن زيد. والرابع: مسلَّمة القوائم والخلق، قاله عطاء الخراساني. فأما الشية، فقال الزجاج: الوشي في اللغة: خلط لون بلون. ويقال: وشيت الثوب أشيه شية ووشياً، كقولك: وديت فلاناً أدية دية. ونصب: لا شِيَةَ فِيها، على النفي. معنى الكلام: ليس فيها لون يفارق سائر لونها، وقال عطاء الخراساني: لونها لون واحد. قوله تعالى: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، قال ابن قتيبة: الآن: هو الوقت الذي أنت فيه، وهو حدّ الزمانين، حد الماضي من آخره، وحد المستقبل من أوله، ومعنى جِئْتَ بِالْحَقِّ: بينت لنا. قوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، فيه قولان: أحدهما: لغلاء ثمنها، قاله ابن كعب القرظي. والثاني: لخوف الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم، قاله وهب. قال ابن عباس: مكثوا يطلبون البقرة
[سورة البقرة (2) : آية 72]
أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل، فأبى أن يبيعها الا بملء مسكها ذهباً، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وعبيدة، ووهب، وابن زيد، والكلبي، ومقاتل في مقدار الثمن. فأما السبب الذي لأجله غلا ثمنها، فيحتمل وجهين: أحدهما: أنهم شددوا فشدد الله عليهم. والثاني: لإكرام الله عزّ وجلّ صاحبها، فإنه كان براً بوالديه. فذكر بعض المفسرين أنه كان شاب من بني اسرائيل براً بأبيه، فجاء رجل يطلب سلعة هي عنده، فانطلق ليبيعه إياها، فاذا مفاتيح حانوته مع أبيه، وأبوه نائم، فلم يوقظه ورد المشتري، فأضعف له المشتري الثمن، فرجع إلى أبيه فوجده نائماً، فعاد إلى المشتري فرده، فأضعف له الثمن، فلم يزل ذلك دأبهما حتى ذهب المشتري، فأثابه الله على بره بأبيه أن نتجت له بقرة من بقرة تلك البقرة. وروي عن وهب بن منبه في حديث طويل: أن فتى كان براً بوالديه، وكان يحتطب على ظهره، فاذا باعه تصدق بثلثه، وأعطى أمه ثلثه، وأبقى لنفسه ثلثه، فقالت له أمه يوماً: إني ورثت من أبيك بقرة، فتركتها في البقر على اسم الله، فاذا أتيت البقر، فادعها باسم إله إبراهيم، فذهب فصاح بها، فأقبلت، فأنطقها الله، فقالت: اركبني يا فتى، فقال: لم تأمرني أمي بهذا. فقالت: أيها البر بأمه، لو ركبتني لم تقدر عليّ، فانطلق، فلو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله لانقلع ببرّك لأمك. فلما جاء بها قالت أمه: بعها بثلاثة دنانير على رضىً مني، فبعث الله ملكاً فقال: بكم هذه؟ قال: بثلاثة دنانير على رضىً من أمي. قال: لك ستة ولا تستأمرها، فأبى، ورجع إلى أمه فأخبرها، فقالت: بعها بستة على رضىً مني، فجاء الملك فقال: خذ اثني عشر ولا تستأمرها، فأبى، وعاد إِلى أمه فأخبرها، فقالت: يا بني، ذاك مَلَك، فقل له: بكم تأمرني أن أبيعها؟ فجاء إليه فقال له ذلك، فقال: يا فتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل في بني إسرائيل «1» . [سورة البقرة (2) : آية 72] وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً هذه الآية مؤخرة في التلاوة، مقدمة في المعنى، لأن السبب في الأمر بذبح البقرة قتل النفس، فتقدير الكلام: وإِذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها، فسألتم موسى فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً. ونظيرها قوله تعالى: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) قَيِّماً «2» ، أراد: أنزل الكتاب قيماً، ولم يجعل له عوجاً، فأخر المقدم وقدم المؤخر، لأنه من عادة العرب، قال الفرزدق: إِن الفرزدق صخرة ملمومة ... طالت فليس تنالها الأوعالا أراد: طالت الأوعالَ. وقال جرير: طاف الخيال وأين منك لماما ... فارجع لزورك بالسلام سلاماً أراد: طاف الخيال لماماً، وأين هو منك؟ وقال الآخر: خير من القوم العصاة أَميرهم ... - يا قوم فاستحيوا- النساء الجلَّس أراد: خير من القوم العصاة النساء، فاستحيوا من هذا. ومعنى قوله تعالى: فَادَّارَأْتُمْ: اختلفتم، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الزّجّاج: ادّارأتم،
[سورة البقرة (2) : آية 73]
بمعنى: تدارأتم، أي: تدافعتم، وألقى بعضكم على بعض، تقول: درأت فلاناً: إذا دفعته، وداريته: إذا لاينته، ودريته إذا ختلته، فأدغمت التاء في الدال، لأنهما من مخرج واحد، فأما الذي كتموه فهو أمر القتيل. [سورة البقرة (2) : آية 73] فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) قوله تعالى: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها . من قال: أقاموا في طلبها أربعين سنة، قال: ضربوا قبره، ومن لم يقل ذلك، قال: ضربوا جسمه قبل دفنه، وفي الذي ضرب به ستة أقوال: أحدها: أنه ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف، رواه عكرمة عن ابن عباس. قال أبو سليمان الدمشقي: وذلك العظم هو أصل الأذن، وزعم قوم أنه لا يكسر ذلك العظم من أحد فيعيش. قال الزجاج: الغضروف في الأذن، وهو: ما أشبه العظم الرقيق من فوق الشحمة، وجميع أعلى صدفة الأذن، وهو معلق الشنوف، فأما العظمان اللذان خلف الأذن الناتئان من مؤخر الأذن، فيقال لهما: الخشَّاوان، والخششاوان، واحدهما: خُشَّاء، وخُشُشاء. والثاني: أنه ضرب بالفخذ، روي عن ابن عباس أيضاً، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وذكر عكرمة ومجاهد أنه الفخذ الأيمن. والثالث: أنه البضعة التي بين الكتفين، رواه السدي عن أشياخه. والرابع: أنه الذنب، رواه ليث عن مجاهد. والخامس: أنه عجب الذنب، وهو عظم عليه بني البدن، روي عن سعيد بن جبير. والسادس: أنه اللسان، قاله الضحاك. وفي الكلام اختصار تقديره: فقلنا: اضربوه ببعضها ليحيا، فضربوه فحيي، فقام فأخبر بقاتله. وفي قاتله أربعة أقوال: أحدها: بنو أخيه، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: ابنا عمه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهذان القولان يدلان على أن قاتله أكثر من واحد. والثالث: ابن أخيه، قاله السدي عن أشياخه وعبيدة. والرابع: أخوه، قاله عبد الرحمن بن زيد. قوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب لقوم موسى. والثاني: لمشركي قريش، احتج عليهم إذ جحدوا البعث بما يوافق عليه أهل الكتاب. قال أبو عبيدة: وآياته: عجائبه. [سورة البقرة (2) : آية 74] ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ، قال ابراهيم بن السري: قست في اللغة: غلظت ويبست وعست. فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه. والقاسي: والعاسي: الشديد الصلابة. وقال ابن قتيبة: قست وعست وعتت واحد، أي: يبست. وفي المشار إليهم بها قولان: أحدهما: جميع بني إسرائيل. والثاني: القاتل. قال ابن عباس: قال الذين قتلوه بعد أن سمى قاتله: والله ما قتلناه. وفي كاف «ذلك» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إشارة إلى إحياء الموتى، فيكون الخطاب لجميع بني إسرائيل. والثاني: إلى كلام القتيل، فيكون الخطاب للقاتل، ذكرهما المفسرون. والثالث: إلى ما شرح من الآيات من مسخ القردة والخنازير، ورفع الجبل وانبجاس الماء، وإحياء القتيل، ذكره الزجاج.
[سورة البقرة (2) : آية 75]
وفي «أو» أقوال، هي بعينها مذكورة في قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ «1» ، وقد تقدمت. قوله تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ، قال مجاهد: كل حجر ينفجر منه الماء، وينشق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فمن خشية الله. [سورة البقرة (2) : آية 75] أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ. في المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خاصة، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم المؤمنون، تقديره: أفتطمعون أن تصدقوا نبيكم، قاله أبو العالية وقتادة. والثالث: أنهم الأنصار، فانهم لما أسلموا أحبوا إسلام اليهود للرضاعة التي كانت بينهم، ذكره النقاش. قال الزجاج: وألف «أفتطمعون» ألف استخبار، كأنه آيسهم من الطمع في إيمانهم. وفي سماعهم لكلام الله قولان: أحدهما: أنهم قرءوا التوراة فحرّفوها، هذا قول مجاهد والسدي في آخرين، فيكون سماعهم لكلام الله بتبليغ نبيهم، وتحريفهم: تغيير ما فيها. والثاني: أنهم التّسعون رجلا الذين اختارهم موسى، فسمعوا كلام الله كفاحاً عند الجبل، فلمّا جاءوا إلى قومهم قالوا: قال لنا: كذا وكذا، وقال في آخر قوله: إن لم تستطيعوا ترك ما أنهاكم عنه فافعلوا ما تستطيعون. هذا قول مقاتل، والأول أصح. وقد أنكر بعض أهل العلم، منهم الترمذي صاحب «النوادر» هذا القول إِنكاراً شديداً، وقال: إنما خص بالكلام موسى وحده، وإلا فأي ميزة؟ وجعل هذا من الأحاديث التي رواها الكلبي وكان كذاباً. ومعنى عَقَلُوهُ: سمعوه ووَعوْه. وفي قوله تعالى: وَهُمْ يَعْلَمُونَ قولان: أحدهما: وهم يعلمون أنهم حرّفوه. والثاني: وهم يعلمون عقاب تحريفه. [سورة البقرة (2) : الآيات 76 الى 77] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا. هذه الآية نزلت في نفر من اليهود، كانوا إذا لقوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم، هذا قول ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وابن زيد ومقاتل «2» . وفي معنى: بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قولان: أحدهما: بما قضى الله عليكم، والفتح: القضاء،
[سورة البقرة (2) : آية 78]
ومنه قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ «1» ، قال السدي عن أشياخه: كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم. والثاني: أن معناه: بما علمكم الله. قال ابن عباس وأبو العالية وقتادة: الذي فتحه عليهم، ما أنزله من التوراة في صفة محمّد صلّى الله عليه وسلّم. وقال مقاتل: كان المسلم يلقى حليفه، أو أخاه من الرضاعة من اليهود، فيسأله: أتجدون محمداً في كتابكم؟ فيقولون: نعم، إنه لحق. فسمع كعب بن الأشرف وغيره، فقال لليهود في السر: أتحدثون أصحاب محمد بما فتح الله عليكم؟ أَي: بما بين لكم في التوراة من أمر محمد ليخاصموكم به عند ربكم باعترافكم أنه نبي، أفلا تعقلون أن هذا حجة عليكم «2» ؟! قوله تعالى: عِنْدَ رَبِّكُمْ فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى: في حكم ربكم، كقوله تعالى: فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ «3» . والثاني: أنه أراد به يوم القيامة. [سورة البقرة (2) : آية 78] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ، يعنى: اليهود. والأمي: الذي لا يكتب ولا يقرأ، قاله مجاهد. وفي تسميته بالأمي قولان: أحدهما: لأنه على خلقة الأمة التي لم تتعلم الكتاب، فهو على جبلته، قاله الزجاج. والثاني: أنه ينسب إلى أمه، لأن الكتابة في الرجال كانت دون النساء. وقيل: لأنه على ما ولدته أمه. قوله تعالى: لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ، قال قتادة: لا يدرون ما فيه. قوله تعالى: إِلَّا أَمانِيَّ جمهور القراء على تشديد الياء، وقرأ الحسن، وأبو جعفر، بتخفيف الياء، وكذلك: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ «4» ولَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ «5» فِي أُمْنِيَّتِهِ «6» ، ووَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ «7» ، كله بتخفيف الياء وكسر الهاء من «أمانيهم» ولا خلاف في فتح ياء «الأماني» . وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الأكاذيب. قال ابن عباس: إلا أمانيَّ: يريد إلا قولاً يقولونه بأفواههم كذباً. وهذا قول مجاهد واختيار الفراء. وذكر الفراء أن بعض العرب قال لابن دأب «8» وهو يحدث: أهذا شيء رويته، أم شيء تمنّيته؟ يريد: افتعلته. والثاني: أن الأماني: التلاوة، فمعناه: لا يعلمون فقه الكتاب، إنما يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم، قال الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليلة ... تمنّي داود الزّبور على رسل
[سورة البقرة (2) : آية 79]
وهذا قول الكسائي والزجاج. والثالث: أنها أمانيهم على الله، قاله قتادة. قوله تعالى: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ، قال مقاتل: ليسوا على يقين، فان كذب الرؤساء أو صدقوا تابعوهم. [سورة البقرة (2) : آية 79] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ. هذه الآية نزلت في أهل الكتاب الذين بدلوا التوراة وغيّروا صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيها. وهذا قول ابن عباس وقتادة وابن زيد وسفيان. فأما الويل: فروى أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: (26) «ويل: واد في جهنم، يهوي الكافر فيه أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» . وقال الزجاج: الويل: كلمة تقولها العرب لكل من وقع في هلكة، ويستعملها هو أيضاً. وأصلها في اللغة: العذاب والهلاك. قال ابن الأنباري: ويقال: معنى الويل: المشقة من العذاب، ويقال: أصله: وي لفلان، أي: حزن لفلان، وكثر الاستعمال للحرفين، فوصلت اللام ب «وي» وجعلت حرفاً واحداً ثم خبر عن «ويل» بلام أُخرى، وهذا اختيار الفراء. والكتاب هاهنا: التوراة. وذكر الأيدي توكيد، والثمن القليل: ما يفنى من الدنيا. وفيما يكسبون قولان: أحدهما: أنه عوض ما كتبوا. والثاني: إثم ما فعلوا. [سورة البقرة (2) : آية 80] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (80) قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً، وهم: اليهود. وفيما عنوا بهذه الأيام قولان: أحدهما: أنهم أرادوا أربعين يوماً، قاله ابن عباس وعكرمة، وأبو العالية، وقتادة، والسدي. ولماذا قدروها بأربعين؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم قالوا: بين طرفي جهنم مسيرة أربعين
[سورة البقرة (2) : الآيات 81 إلى 82]
سنة، ونحن نقطع مسيرة كل سنة في يوم، ثم ينقضي العذاب وتهلك النار، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم قالوا: عتب علينا ربنا في أمر، فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة، ثم يدخلنا الجنة، فلن تمسنا النار إِلا أربعين يوماً تحلّة القسم، وهذا قول الحسن وأبي العالية. والثالث: أنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، قاله مقاتل. والقول الثاني: أن الأيام المعدودة سبعة أيام، وذلك لأن عندهم أن الدنيا سبعة آلاف سنة، والناس يعذبون لكل ألف سنة يوماً من أيام الدنيا، ثم ينقطع العذاب، قاله ابن عباس. قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً، أي: عهد إليكم أنه لا يعذّبكم إلا هذا المقدار؟! [سورة البقرة (2) : الآيات 81 الى 82] بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82) قوله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً بلى: بمنزلة «نعم» إلا أن «بلى» جواب النهي، و «نعم» جواب الإيجاب، قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: ما لك عليَّ شيء، فقال الآخر: نعم، كان تصديقاً أن لا شيء له عليه. ولو قال: بلى كان رداً لقوله: قال ابن الأنباري: وإنما صارت «بلى» تتصل بالجحد، لأنها رجوع عن الجحد إلى التحقيق، فهي بمنزلة «بل» . و «بل» سبيلها أن تأتي بعد الجحد، كقولهم: ما قام أخوك، بل أبوك. وإذا قال الرجل للرجل: ألا تقوم؟ فقال له: بلى أراد: بل أقوم، فزاد الألف على «بل» ليحسن السكوت عليها، لأنه لو قال: بل، كان يتوقع كلاماً بعد بل، فزاد الألف ليزول هذا التوهم عن المخاطب، ومعنى بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً: بل من كسب. قال الزجاج: بلى: رد لقولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً. والسيئة هاهنا: الشرك في قول ابن عباس وعكرمة، وأبي وائل، وأبي العالية، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل. وَأَحاطَتْ بِهِ، أي: أحدقت به خَطِيئَتُهُ، وقرأ نافع «خطيئاته» بالجمع. قال عكرمة: مات ولم يتب منها، وقال أبو وائل: الخطيئة: صفة للشرك، قال أبو علي: إما أن يكون المعنى: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها، من حيث أن المحيط أكثر من المحاط به، فيكون كقوله تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ «1» ، وقوله: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها «2» ، أو يكون معنى أحاطت به: أهلكته، كقوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ «3» . [سورة البقرة (2) : آية 83] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ، هذا الميثاق مأخوذ عليهم في التوراة. وقوله تعالى: لا تَعْبُدُونَ قرأ عاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر: بالتاء على الخطاب لهم. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: بالياء على الإخبار عنهم. قوله تعالى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، أي: ووصّيناهم بآبائهم
وأمهاتهم خيراً. قال الفراء: والعرب تقول: أوصيك به خيراً، وآمرك به خيراً، والمعنى: آمرك أن تفعل به، ثم تحذف «أن» فيوصل الخير بالوصية والأمر. قال الشاعر: عجبت من دهماء إذ تشكونا ... ومن أبي دهماء إذ يوصينا خيراً بها كأننا جافونا وأما الإحسان إلى الوالدين فهو برهما. قال ابن عباس: لا تنفض ثوبك فيصيبهما الغبار. وقالت عائشة: ما بر والده من شدَّ النظر إليه، وقال عروة: لا تمتنع عن شيء أحبَّاه. قوله تعالى: وَذِي الْقُرْبى، أي: ووصيناهم بذي القربى أن يصلوا أرحامهم. وأما اليتامى فجمع: يتيم. قال الأصمعي: اليتم في الناس، من قبل الأب، وفي غير الناس: من قبل الأمّ. وقال ابن الأنباري: قال ثعلب: اليتم معناه في كلام العرب: الانفراد: فمعنى صبي يتيم: منفرد عن أبيه. وأنشدنا: أفاطم إِني هالك فتبيَّني ... ولا تجزعي كلّ النّساء يتيم وقال: يروى: يتيم ويئيم، فمن روى يتيم بالتاء أراد: كل النساء ضعيف منفرد. ومن روى بالياء أراد: كل النساء يموت عنهن أزواجهن. وقال: أنشدنا ابن الأعرابي: ثلاثة أحباب: فحب علاقة ... وحب تِملاَّق وحبُّ هو القتل «1» قال: فقلنا له: زدنا، فقال: البيت يتيم، أي: هو منفرد. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: إذا بلغ الصبي، زال عنه اسم اليتم. يقال منه: يتم ييتم يُتما وَيَتما، وجمع اليتيم: يتامى، وأيتام. وكل منفرد عند العرب يتيم ويتيمة. قال: وقيل: أصل اليتم: الغفلة، وبه سمي اليتيم، لأنه يتغافل عن برّه. والمرأة تدعى: يتيمة ما لم تزوج، فاذا تزوجت زال عنها اسم اليتم، وقيل: لا يزول عنها اسم اليتم أبداً. وقال أبو عمرو، اليتم: الإبطاء، ومنه أخذ اليتيم، لأن البر يبطئ عنه. «والمساكين» : جمع مساكين، وهو اسم مأخوذ من السكون، كأن المساكين قد أسكنه الفقر. وقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن عامر: حُسْناً بضم الحاء والتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي: (حَسَناً) بفتح الحاء والتثقيل. قال أبو علي: من قرأ «حُسْناً» فجائز أن يكون الحسن لغة في الحسن، كالبُخْل، والبَخَل، والرُشد والرشَد. وجاء ذلك في الصفة كما جاء في الاسم، ألا تراهم قالوا: العُرب والعرَب ويجوز أن يكون الحسن مصدراً كالكفر والشكر والشغل، وحذف المضاف معه، كأنه قال: قولوا قولاً ذا حسن. ومن قرأ (حَسَناً) جعله صفة، والتقدير عنده: قولوا للناس قولاً حسناً، فحذف الموصوف. واختلفوا في المخاطب بهذا على قولين: أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن جبير، وابن جريج. ومعناه: اصدقوا وبينوا صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم. والثاني: أنهم أمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، قال أبو العالية: قولوا للناس معروفاً، وقال محمّد بن عليّ بن الحسين عليه السلام: كلموهم بما تحبون أن يقولوا لكم. وزعم قوم أن المراد بذلك مساهلة الكفار في دعائهم إِلى الإسلام. فعلى هذا، تكون منسوخة بآية السيف.
[سورة البقرة (2) : الآيات 84 إلى 85]
قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ، أي: أعرضتم إلا قليلاً منكم، وفيهم قولان: أحدهما: أنهم أوّلوهم الذين لم يبدلوا. والثاني: أنهم الذين آمنوا بالنبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم في زمانه. [سورة البقرة (2) : الآيات 84 الى 85] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ، أي: لا يسفك بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم بعضاً من داره. قال ابن عباس: ثم أقررتم يومئذ بالعهد، وأنتم اليوم تشهدون على ذلك، فالإِقرار على هذا متوجه إِلى سلفهم، والشهادة متوجهة إِلى خلفهم. ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، أي: يقتل بعضكم بعضاً. روى السدي عن أشياخه قال: كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج فكانوا يقاتلون في حرب سمير «1» ، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النّضير، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، فيغلبونهم فيقتلون ويخربون الديار ويخرجون منها، فاذا أسر الرجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيِّرهم العرب بذلك فتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟! فيقولون: أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتلهم. فتقول العرب: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: نستحيي أن يستذلّ حلفاؤنا، فعيّرهم الله عزّ وجلّ، فقال: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ إلى قوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، فكان إِيمانهم ببعضه فداءهم الأسارى، وكفرهم قتل بعضهم بعضاً. قوله تعالى: تُظْهِرُونَ، قرأ عاصم وحمزة والكسائي (تظاهرون) ، وفي التحريم: «تظهرا» «2» ، بتخفيف الظاء، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بتشديد الظاء مع إثبات الألف. قال أبو علي: من قرأ (تظّاهرون) بتشديد الظاء، أدغم التاء في الظاء، لمقاربتها لها، فخفف بالإدغام. ومن قرأ (تظاهرون) خفيفة، حذف التاء التي أدغمها أولئك من اللفظ، فخفف بالحذف. والتاء التي أدغمها ابن كثير هي التي حذفها عاصم. وروي عن الحسن وأبي جعفر «تظَّهرون» بتشديد الظاء من غير ألف، فالتظاهر: التعاون. قال ابن قتيبة: وأصله من الظهر، فكأن التظاهر: أن يجعل كل واحد من الرجلين الآخر ظهراً له يتقوى به، ويستند إِليه. قال مقاتل: والإثم: المعصية، والعدوان: الظلم. قوله تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ، أصل الأسر: الشد. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (أُسارى) ، وقرأ الأعمش وحمزة «أسرى» ، قال الفراء: أهل الحجاز يجمعون الأسير: «أَسارى» وأهل نجد أكثر كلامهم «أَسرى» وهو أجود الوجهين في العربية، لأنه بمنزلة قولهم: جريح وجرحى، وصريع وصرعى، وروى الأصمعي عن أبي عمرو قال: الأسارى: ما شدوا، والأسرى: في أيديهم،
[سورة البقرة (2) : آية 86]
إلا أنهم لم يشدّوا. قال الزجاج: «فَعْلى» جمع لكل ما أصيب به الناس في أبدانهم وعقولهم. يقال هالك وهلكى، ومريض ومرضى، وأحمق وحمقى، وسكران وسكرى، فمن قرأ: أُسارى، فهي جمع الجمع. يقال: أسير وأسرى وأسارى جمع أسرى. قوله تعالى: تُفادُوهُمْ، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «تفدوهم» ، وقرأ نافع وعاصم والكسائي: تُفادُوهُمْ بألف. والمفادة: إِعطاء شيء، وأخذ شيء مكانه. أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ، وهو: فكاك الأسرى. وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وهو: الإخراج والقتل. وقال مجاهد: تفديه في يد غيرك، وتقتله أنت بيدك؟! وفي المراد بالخزي قولان: أحدهما: أنه الجزية، قاله ابن عباس. والثاني: قتل قريظة ونفي النضير، قاله مقاتل. [سورة البقرة (2) : آية 86] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ. قال ابن عباس: هم اليهود. وقال مقاتل: باعوا الآخرة بما يصيبونه من الدنيا. [سورة البقرة (2) : آية 87] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يريد التوراة: وقفَّينا: أتبعنا. قال ابن قتيبة: وهو مأخوذ من القفا، يقال: قفوت الرجل: إذا سرت في أثره. والبينات: الآيات الواضحات كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى. وأيدناه: قويناه. والأيد: القوة. وفي روح القدس ثلاثة أقوال: أحدها: أنه جبريل. والقدس: الطهارة، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي في آخرين. وكان ابن كثير يقرأ: (بروح القدْس) ساكنة الدال. قال أبو علي: التخفيف والتثقيل فيه حسنان، نحو: العنْق والعنُق، والطنْب والطُنُب. وفي تأييده به ثلاثة أقوال ذكرها الزجاج: أحدها: أنه أيَّد به لإظهار حجته وأمر دينه. والثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذا أرادوا قتله. والثالث: أنه أيد به في جميع أحواله. والقول الثاني: أنه الاسم الذي كان يحيي به الموتى، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه الإنجيل، قاله ابن زيد. [سورة البقرة (2) : آية 88] وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (88) قوله تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ قرأ الجمهور بإسكان اللام، وقرأ قوم منهم الحسن وابن محيصن بضمها. قال الزجاج: من قرأ: غُلْفٌ بتسكين اللام، فمعناه: ذوات غلف، فكأنهم قالوا: قلوبنا في أوعية، ومن قرأ «غلُف» بضم اللام، فهو جمع «غلاف» فكأنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم وهي أوعية للعلم؟! فعلى الأول يقصدون إعراضه عنهم، وكأنهم يقولون: ما نفهم شيئاً. وعلى الثاني يقولون: لو كان قولك حقا لقبلته قلوبنا. وقوله تعالى: فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ فيه خمسة أقوال: أحدها: فقليل من يؤمن منهم، قاله ابن
[سورة البقرة (2) : الآيات 89 إلى 90]
عباس وقتادة. والثاني: أن المعنى: قليل ما يؤمنون به. قال معمر: يؤمنون بقليل مما في أيديهم، ويكافرون بأكثره. والثالث: أن المعنى: فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً. ذكره ابن الأنباري، وقال: هذا على لغة قوم من العرب، يقولون: قلما رأيت مثل هذا الرجل، وهم يريدون: ما رأيت مثله. والرابع: فيؤمنون قليلاً من الزمان كقوله تعالى: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ «1» ، ذكره ابن الأنباري أيضا. والخامس: أن المعنى: فإيمانهم قليل، ذكره ابن جرير الطبري. وحكى في «ما» قولين: أحدهما: أنها زائدة. والثاني: أن «ما» تجمع جميع الأشياء ثم تخص بعض ما عمته بما يذكر بعدها. [سورة البقرة (2) : الآيات 89 الى 90] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يعني: القرآن. ويَسْتَفْتِحُونَ: يستنصرون. وكانت اليهود إذا قاتلت المشركين استنصروا باسم نبيّ الله محمد صلّى الله عليه وسلّم «2» . قوله تعالى: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، بئس: كلمة مستوفية لجميع الذم، ونقيضها: «نعم» . واشتروا، بمعنى: باعوا، والذي باعوها به قليل من الدنيا. قوله تعالى: بَغْياً قال قتادة: حسداً. ومعنى الكلام: كفروا بغياً، لأَنْ نزَّل الله الفضل على النبي صلّى الله عليه وسلّم. وفي قوله تعالى: بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ خمسة أقوال: أحدها: أن الغضب الأول لاتخاذهم العجل، والثاني: لكفرهم بمحمد، حكاه السدي عن ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أن الأول
[سورة البقرة (2) : آية 91]
لتكذيبهم رسول الله. والثاني: لعداوتهم لجبريل. رواه شهر عن ابن عباس. والثالث: أن الأول حين قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ» ، والثاني: حين كذّبوا نبي الله. رواه أبو صالح عن ابن عباس، واختاره الفراء. والرابع: أن الأول لتكذيبهم بعيسى والإنجيل. والثاني: لتكذيبهم بمحمد والقرآن، قاله الحسن، والشعبي، وعكرمة، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل. والخامس: أن الأول لتبديلهم التّوراة. والثاني: لتكذيبهم محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، قاله مجاهد. والمهين: المذلّ. [سورة البقرة (2) : آية 91] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، يعني: القرآن، قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا، يعنون: التّوراة. وفي قوله تعالى: وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ قولان: أحدهما: أنه أراد بما سواه. ومثله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ «2» ، قاله الفراء ومقاتل. والثاني: بما بعد الذي أنزل عليهم، قاله الزجاج. قوله تعالى: وَهُوَ الْحَقُّ يعود على ما وراءه. قوله تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ هذا جواب قولهم: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا، فإن الأنبياء جاءوا بتأييد التوراة. وإنما نسب القتل إلى المتأخّرين لأنهم في ذلك على رأي المتقدّمين. وتقتلون بمعنى: قتلتم، فوضع المستقبل في موضع الماضي، لأن الوهم لا يذهب إلى غيره. وأنشدوا في ذلك: شهدَ الحطيئةُ حين يلقى رَبَّه ... أنَ الوليدَ أحقُّ بالعذرِ أراد: يشهد. [سورة البقرة (2) : الآيات 92 الى 93] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ، فيها قولان: أحدهما: ما في الألواح من الحلال والحرام، قاله ابن عباس. والثاني: الآيات التسع، قاله مقاتل. وفي هاء «بعده» قولان: أحدهما: أنها تعود إلى موسى، فمعناه: من بعد انطلاقه إلى الجبل، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أنها تعود إلى المجيء، لأن «جاءكم» يدل على المجيء، وفي ذكر عبادتهم العجل تكذيب لقولهم: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا. قوله تعالى: قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا، قال ابن عباس: كانوا إذا نظروا إلى الجبل، قالوا: سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا: سمعنا وعصينا. قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ، أي: سقوا حب العجل، فحذف المضاف، وهو الحب، وأقام المضاف إليه مقامه، ومثله قوله: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ «3» أي: وقت الحج. وقوله:
[سورة البقرة (2) : الآيات 94 إلى 96]
أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ «1» أي: أجعلتم صاحب سقاية الحاج. وقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «2» ، أي: أهلها. وقوله: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ «3» ، أي: ضِعف عذاب الحياة. وقوله: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ «4» ، أي: بيوت صلوات. وقوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ «5» ، أي: مكركم فيهما. وقوله: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ «6» ، أي: أهله. ومن هذا قول الشاعر: أُنبئت أنَّ النَّارَ بَعْدَكَ أُوقدت ... واستبَّ بَعْدَكَ يا كليب المجلس أي: أهل المجلس، وقال الآخر: وشر المنايا ميِّت بين أهله أي: وشر المنايا منية ميت بين أهله. قوله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ، أي: أن تكذّبوا المرسلين، وتقتلوا النبيين بغير حق، وتكتموا الهدى. قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، في «إِن» قولان: أحدهما: أنها بمعنى: الجحد، فالمعنى: ما كنتم مؤمنين إذ عصيتم الله، وعبدتم العجل. والثاني: أن تكون «إِن» شرطاً معلقاً بما قبله، فالمعنى: إن كنتم مؤمنين فبئس الإيمان إيمان يأمركم بعبادة العجل وقتل الأنبياء، ذكرهما ابن الأنباريّ. [سورة البقرة (2) : الآيات 94 الى 96] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96) قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ، كانت اليهود تزعم أن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وولده، فنزلت هذه الآية. ومن الدليل على علمهم بأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صادق، أنهم ما تمنوا الموت، وأكبر الدليل على صدقه أنه أخبر أنهم لا يتمنونه بقوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ فما تمناه أحد منهم. والذي قدمته أيديهم: قتل الأنبياء وتكذيبهم، وتبديل التوراة. قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ، اللام: لام القسم، والنون توكيد له، والمعنى: ولتجدنَّ اليهود في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا. وفي الَّذِينَ أَشْرَكُوا قولان: أحدهما: أنهم: المجوس، قاله ابن عباس، وابن قتيبة والزجاج. والثاني: مشركو العرب، قاله مقاتل. قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ، في الهاء والميم من «أحدهم» قولان: أحدهما: أنها تعود على الذين أشركوا، قاله الفرّاء. والثاني: ترجع إلى اليهود، قاله مقاتل.
[سورة البقرة (2) : الآيات 97 إلى 99]
قال الزجاج: وإنما ذكر أَلْفَ سَنَةٍ لأنها نهاية ما كانت المجوس تدعو بها لملوكها، كان الملك يحيّا بأن يقال له: عش ألف نيروز، وألف مهرجان. قوله تعالى: وَما هُوَ فيه قولان ذكرهما الزجاج: أحدهما: أنه كناية عن أحدهم الذي جرى ذكره، تقديره: وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره. والثاني: أن يكون «هو» كناية عما جرى من التعمير، فيكون المعنى: وما تعميره بمزحزحه من العذاب، ثم جعل «أن يعمّر» مبيناً عنه، كأنه قال: ذلك الشيء الدنيء ليس بمزحزحه من العذاب. [سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى 99] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99) قوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ. قال ابن عباس: (27) أقبلت اليهود إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: من يأتيك من الملائكة؟ قال: جبريل. فقالوا: ذاك ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا، فنزلت هذه الآية والتي تليها. وفي جبريل إحدى عشرة لغة: إحداها: جبريل، بكسر الجيم والراء من غير همز، وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ ابن عامر، وأبو عمرو. قال ورقة بن نوفل: وجبريل يأتيه وميكال معْهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل وقال عمران بن حطان: والروح جبريل فيهم لا كفاء له ... وكان جبريل عند الله مأمونا
وقال حسان: وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء واللغة الثانية: «جَبريل» بفتح الجيم وكسر الراء، وبعدها ياء ساكنة من غير همز على وزن: فَعليل، وبها قرأ الحسن البصري، وابن كثير، وابن محيصن. وقال الفراء: لا أشتهيها، لأنه ليس في الكلام فَعليل، ولا أرى الحسن قرأها إلا وهو صواب، لأنه اسم أعجمي. والثالثة: «جَبرئيل» : بفتح الجيم والراء، وبعدها همزة مكسورة على وزن: جَبرعيل، وبها قرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي. قال الفراء: وهي لغة تميم وقيس، وكثير من أهل نجد. وقال الزجاج: هي أجود اللغات، وقال جرير: عبدوا الصليب وكذّبوا بمحمدٍ ... وبجبرئيل وكذَّبوا ميكالا والرابعة: جَبرئِل، بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء واللام، مكسورة من غير مد على وزن جَبرعِل، رواها أبو بكر عن عاصم. والخامسة: «جَبرئِلّ» بفتح الجيم وكسر الهمزة وتشديد اللام، وهى قراءة أبان عن عاصم ويحيى بن يعمر. والسادسة: جبرائيل، بهمزة مكسورة بعدها ياء مع الألف. والسابعة: جبراييل بيائين بعد الألف أولاهما مكسورة. والثامنة: جَبرين، بفتح الجيم ونون مكان اللام. والتاسعة: جِبرين، بكسر الجيم وبنون، قال الفراء: هي لغة بني أسد. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن الأنباري قال: في جبريل تسع لغات، فذكرهنَّ. وذكر ابن الأنباري في كتاب «الرد على من خالف مصحف عثمان» : «جبرائل» ، بفتح الجيم وإثبات الألف مع همزة مكسورة ليس بعدها ياء. وجبرئين، بفتح الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون. فأما ميكائيل، ففيه خمس لغات: إحداهن: «ميكال» ، مثل: مِفعال بغير همز، وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم. والثانية: «ميكائيل» باثبات ياء ساكنة بعد الهمزة، مثل: ميكاعيل، وهي لغة تميم وقيس، وكثير من أهل نجد، وبها قرأ ابن عامر، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم. والثالثة: «ميكائل» بهمزة مكسورة بعد الألف من غير ياء، مثل ميكاعِل، وبها قرأ نافع وابن شنبوذ، وابن الصباح، جميعاً عن قنبل. والرابعة: «ميكئل» ، على وزن ميكعل، وبها قرأ ابن محيصن. والخامسة: «ميكائين» بهمزة معها ياء ونون بعد الألف، ذكرها ابن الأنباري. قال الكسائي: جبريل وميكائيل، اسمان لم تكن العرب تعرفهما، فلما جاءا عرَّبتهما. قال ابن عباس: جبريل وميكائيل، كقوله: عبد الله، وعبد الرحمن، ذهب إلى أن «إيل» اسم الله، واسم الملك «جبر» و «ميكا» . وقال عكرمة: معنى جبريل: عبد الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله. وقد دخل جبريل وميكائيل في الملائكة، لكنه أعاد ذكرهما لشرفهما، كقوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) «1» . وإنما قال: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ، ولم يقل: لهم، ليدل على أنهم كافرون بهذه العداوة.
[سورة البقرة (2) : الآيات 100 إلى 101]
[سورة البقرة (2) : الآيات 100 الى 101] أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً، الواو واو العطف، أُدخلت عليها ألف الاستفهام. قال ابن عباس ومجاهد: والمشار اليهم: اليهود، وقيل: العهد الذي عاهدوه، أنهم قالوا: والله لئن خرج محمد لنؤمننَّ به. وروي عن عطاء أنها العهود التي كانت بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبينهم، فنقضوها، كفعل قريظة والنضير. ومعنى نبذه: رفضه. قوله تعالى: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، يعني اليهود. والكتاب: التوراة. وفي قوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ قولان: أحدهما: أنه القرآن. والثاني: أنه التوراة، لأن الكافرين بمحمد صلّى الله عليه وسلّم قد نبذوا التوراة. [سورة البقرة (2) : آية 102] وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن اليهود كانوا لا يسألون النبي عن شيء من التوراة إلا أجابهم، فسألوه عن السحر وخاصموه به، فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية. والثانية: أنه لما ذكر سليمان في القرآن قال يهود المدينة: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن ابن داود كان نبياً؟! والله ما كان إلا ساحراً، فنزلت هذه الآية، قاله ابن إسحاق. و «تتلو» بمعنى: تلت، و «على» بمعنى: «في» قاله المبرد. قال الزجاج وقوله: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد ملك سليمان. وفي كيفية ما تلت الشياطين على ملك سليمان ستة أقوال: أحدها: أنه لما خرج سليمان عن ملكه كتبت الشياطين السحر، ودفنته في مصلاه، فلما توفي استخرجوه، وقالوا: بهذا كان يملك الملك، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. والثاني: أن آصف كان يكتب ما يأمر به سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان، استخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكذباً، وأضافوه إلى سليمان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثالث: أن الشياطين كتبت السحر بعد موت سليمان، ثم أضافته إليه، قاله عكرمة. والرابع: أن الشياطين ابتدعت السحر، فأخذه سليمان، فدفنه تحت كرسيه لئلا يتعلمه الناس، فلما قبض استخرجته، فعلمته الناس وقالوا: هذا علم سليمان، قاله قتادة. والخامس: أن سليمان أخذ عهود الدواب، فكانت الدابة إذا أصابت إنساناً طلب إليها بذلك العهد، فتخلّي عنه، فزاد السحرة السجع والسحر، قاله أبو مجلز. والسادس: أن الشياطين كانت في عهد سليمان تسترق السمع، فتسمع من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة
الناس، فيجدونه كما قالوا، حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتاب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتاب في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحداً يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان جاء شيطان إلى نفر من بني إسرائيل، فدلهم على تلك الكتاب وقال: إنما كان سليمان يضبط أمر الخلق بهذا ففشا في الناس أن سليمان كان ساحرا، واتخذ بنو إسرائيل تلك الكتاب، فلما جاء محمّد صلّى الله عليه وسلّم، خاصموه بها، هذا قول السّدّيّ. و «سليمان» : اسم عبراني، وقد تكلمت به العرب في الجاهلية، وقد جعله النابغة سليماً ضرورة، فقال: ونسج سليم كل قضّاء ذائل «1» واضطر الحطيئة فجعله: سلاَّماً، فقال: فيه الرماح وفيه كل سابغة ... جدلاءَ محكمة من نسج سلاَّم وأرادا جميعاً: داود أبا سليمان، فلم يستقم لهما الشعر، فجعلاه: سليمان وغيّراه. كذلك قرأته على شيخنا أبي منصور اللغوي. وفي قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ دليل على كفر الساحر، لأنهم نسبوا سليمان إلى السحر، لا إلى الكفر. قوله تعالى: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم بتشديد نون (ولكنّ) ونصب نون (الشياطين) . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتخفيف النون من «لكنْ» ورفع نون «الشياطين» . قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وقرأ ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والزهري «الملِكين» بكسر اللام، وقراءة الجمهور أصح. وفي «ما» قولان «2» : أحدهما: أنها
معطوفة على «ما» الأولى، فتقديره: واتبعوا ما تتلو الشياطين وما أُنزل على الملكين. والثاني: أنها معطوفة على السحر، فتقديره: يعلّمون الناس السحر، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين. فإن قيل: إذا كان السحر نزل على الملكين، فلماذا ذكره؟ فالجواب من وجهين: ذكرهما ابن السري: أحدهما: أنهما كانا يعلمان الناس: ما السحر، ويأمران باجتنابه، وفي ذلك حكمة لأن سائلاً لو قال: ما الزنى؟ لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام. والثاني: أنه من الجائز أن يكون الله تعالى امتحن الناس بالملكين، فمن قبل التعلم كان كافراً، ومن لم يقبله فهو مؤمن، كما امتحن بنهر طالوت. وفي الذي أنزل على الملكين قولان: أحدهما: أنه السحر، روي عن ابن مسعود والحسن، وابن زيد. والثاني: أنه التفرقة بين المرء وزوجه، لا السحر، روي عن مجاهد وقتادة، وعن ابن عباس كالقولين. قال الزجاج: وهذا من باب السحر أيضاً. (الإشارة إلى قصة الملكين) ذكر العلماء أن الملكين إنما أنزلا إلى الأرض لسبب، وهو أنه لما كثرت خطايا بني آدم دعت عليهم الملائكة، فقال الله تعالى: لو أنزلت الشهوة والشياطين منكم منزلتهما من بني آدم، لفعلتم مثل ما فعلوا، فحدثوا أنفسهم أنهم إن ابتلوا، اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا من أفضلكم ملكين،
فاختاروا هاروت وماروت. وهذا مروي عن ابن مسعود، وابن عباس. واختلف العلماء: ماذا فعلا من المعصية على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما زنيا، وقتلا، وشربا الخمرة، قاله ابن عباس. والثاني: أنهما جارا في الحكم، قاله عبيد الله بن عتبة. والثالث: أنهما هما بالمعصية فقط. ونقل عن عليّ عليه السلام أن الزهرة كانت امرأة جميلة وأنها خاصمت إلى الملكين هارون وماروت، فراودها كل واحد منهما على نفسها، ولم يُعلم صاحبه، وكانا يصعدان السماء آخر النهار، فقالت لهما: بم تهبطان وتصعدان؟ قالا: باسم الله الأعظم، فقالت: ما أنا بمواتيتكما إلى ما تريدان حتى تعلمانيه، فعلماها إياه، فطارت إلى السماء، فمسخها الله كوكباً «1» . (28) وفي الحديث أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «لعن الزهرة، وقال: إنها فتنت ملَكين» ، إلا أن هذه الأشياء
بعيدة عن الصحة. وتأول بعضهم هذا فقال: إنه لما رأى الكوكب، ذكر تلك المرأة، لا أن المرأة مسخت نجماً. واختلف العلماء في كيفية عذابهما فروي عن ابن مسعود أنهما معلقان بشعورهما إلى يوم القيامة، وقال مجاهد: إن جبّا ملئ ناراً فجعلا فيه. فأما بابل فروي عن الخليل أن ألسن الناس تبلبلت بها. واختلفوا في حدها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها: الكوفة وسوادها، قاله ابن مسعود. والثاني: أنها من نصيبين إلى رأس العين، قاله قتادة. والثالث: أنها جبل في وهدة من الأرض، قاله السدي. قوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي اختبار وابتلاء. قوله تعالى: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، يريد: بقضائه. وَلَقَدْ عَلِمُوا: إشارة إلى اليهود لَمَنِ اشْتَراهُ، يعني: اختاره، يريد: السحر. واللام لام اليمين. فأما الخلاق فقال الزجاج: هو النصيب الوافر من الخير. قوله تعالى: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، أي: باعوها به، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ العقاب فيه. فصل: اختلف الفقهاء في حكم الساحر «1» فمذهب إمامنا أحمد رضي الله عنه أنه يكفر بسحره، قتل به، أو لم يقتل، وهل تقبل توبته؟ على روايتين. وقال الشافعي: لا يكفر بسحره، فان قتل بسحره وقال: سحري يقتل مثله، وتعمدت ذلك، قتل قوداً. وإن قال: قد يقتل، وقد يخطئ، لم يقتل، وفيه الدية. فأما ساحر أهل الكتاب، فانه لا يقتل عند أحمد إلا أن يضر بالمسلمين، فيقتل لنقض العهد، وسواء في ذلك الرجل والمرأة. وقال أبو حنيفة: حكم ساحر أهل الكتاب حكم ساحر المسلمين في
[سورة البقرة (2) : الآيات 103 إلى 104]
إيجاب القتل، فأما المرأة الساحرة، فقال: تحبس، ولا تقتل «1» . [سورة البقرة (2) : الآيات 103 الى 104] وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا يعني: اليهود، والمثوبة: الثواب. لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ قال الزجاج: أي: يعلمون بعلمهم. قوله تعالى: لا تَقُولُوا راعِنا قرأ الجمهور بلا تنوين، وقرأ الحسن، والأعمش، وابن محيصن «2» بالتنوين، و «راعنا» بلا تنوين من راعيت، وبالتنوين من الرعونة، قال ابن قتيبة: راعناً بالتنوين: هو اسم مأخوذ من الرعن والرّعونة، أراد: لا تقولوا جهلاً ولا حمقاً. وقال غيره: كان الرجل إذا أراد استنصات صاحبه، قال: راعني سمعك، فكان المنافقون يقولون: راعنا، يريدون: أنت أرعن. وقوله: انْظُرْنا بمعنى: انتظرنا، وقال مجاهد: انظرنا: اسمع منّا،
[سورة البقرة (2) : آية 105]
وقال ابن زيد: لا تعجل علينا. قوله: وَاسْمَعُوا أي: ما تؤمرون به. [سورة البقرة (2) : آية 105] ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) قوله تعالى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ. قال ابن عباس: هم يهود المدينة، ونصارى نجران، فالمشركون مشركو أهل مكة. أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ، أي: على رسولكم. مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أراد: النبوة والإسلام. وقال أبو سليمان الدمشقي: أراد بالخير: العلم والفقه والحكمة. وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ. في هذه الرحمة قولان: أحدهما: أنها النبوة، قاله علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي بن الحسين، ومجاهد والزجاج. والثاني: أنها الإسلام، قاله ابن عباس ومقاتل. [سورة البقرة (2) : الآيات 106 الى 107] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ. سبب نزولها: أن اليهود قالت لما نسخت القبلة: إن محمداً يحل لأصحابه إذا شاء، ويحرم عليهم إذا شاء فنزلت هذه الآية. قال الزجاج: النسخ في اللغة: إبطال شيءٍ وإقامة آخر مقامه، تقول العرب: نسخت الشمس الظل: إذا أذهبته وحلت محله. وفي المراد بهذا النسخ ثلاثة أقوال: أحدها: رفع اللفظ والحكم. والثاني: تبديل الآية بغيرها. رويا عن ابن عباس، والأول قول السدي، والثاني قول مقاتل. والثالث: رفع الحكم مع بقاء اللفظ، رواه مجاهد عن أصحاب ابن مسعود، وبه قال أبو العالية. وقرأ ابن عامر: «ما ننسخ» بضم النون، وكسر السين. قال أبو علي: أي: ما نجده منسوخاً كقولك: أحمدت فلاناً، أي: وجدته محموداً، وإنما يجده منسوخاً بنسخه إياه. قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «ننسأها» بفتح النون مع الهمزة، والمعنى: نؤخرها. قال أبو زيد: نسأت الإبل عن الحوض، فأنا أنسأها: إذا أخرتها، ومنه: النسيئة في البيع. وفي معنى نؤخرها ثلاثة أقوال: أحدها: نؤخرها عن النسخ فلا ننسخها، قاله الفراء. والثاني: نؤخر إنزالها، فلا ننزلها البتة. والثالث: نؤخرها عن العمل بها بنسخنا إياها، حكاهما أبو علي الفارسي. وقرأ سعد بن أبي وقاص «تنسها» بتاء مفتوحة ونون. وقرأ سعيد بن المسيب والضحاك «تنسها» بضم التاء. وقرأ نافع: «أو ننسها» بنونين: الأولى مضمومة، والثانية ساكنة. أراد: أو ننسكها، من النسيان. قوله تعالى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها، قال ابن عباس: بألين منها، وأيسر على الناس. قوله تعالى: أَوْ مِثْلِها، أي: في الثواب والمنفعة، فتكون الحكمة في تبديلها بمثلها الاختبار. أَلَمْ تَعْلَمْ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التوقيف والتقرير. والملك في اللغة: تمام القدرة واستحكامها، فالله عزّ وجلّ يحكم بما يشاء على عباده ويغيّر ما يشاء من أحكام.
[سورة البقرة (2) : آية 108]
[سورة البقرة (2) : آية 108] أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108) قوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ. في سبب نزولها خمسة أقوال: (29) أحدها: أن رافع بن حريملة، ووهب بن زيد، قالا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ائتنا بكتاب نقرؤه تنزله من السماء علينا، وفجّر لنا أنهارا حتى نتبعك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. (30) والثاني: أن قريشا سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال: «هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل» فأبوا. قاله مجاهد. (31) والثالث: أن رجلاً قال: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم لا نبغيها، ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانوا إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فان كفرها كانت له خزياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة، فقد أعطاكم الله خيراً مما أعطى بني إسرائيل، فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) «1» الآية. وقال: «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفّارات لما بينهن» فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية. (32) والرابع: أن عبد الله بن أبي أميّة المخزوميّ أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في رهط من قريش، فقال: يا محمد، والله لا أؤمن بك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً، فنزلت هذه الآية. ذكره ابن السّائب. (33) والخامس: أن جماعة من المشركين جاءوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال بعضهم: لن نؤمن لك حتى تفجِّر لنا من الأرض ينبوعاً. وقال آخر: لن أؤمن حتى تسير لنا جبال مكة، وقال عبد الله بن أبي أمية: لن أؤمن لك حتى تأتي بكتاب من السماء، فيه: من الله ربّ العالمين إلى ابن أمية: اعلم أني قد أرسلت محمدا إلى الناس. وقال آخر: هلا جئت بكتابك مجتمعاً، كما جاء موسى بالتوراة. فنزلت هذه الآية. ذكره محمّد بن إسحاق الأنباري. وفي المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم قريش، قاله ابن عباس ومجاهد. والثاني:
[سورة البقرة (2) : آية 109]
اليهود، قاله مقاتل. والثالث: جميع العرب، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي أَمْ قولان: أحدهما: أنها بمعنى: بل، تقول العرب: هل لك عليَّ حق، أم أنت معروف بالظلم. يريدون: بل أنت. وأنشدوا: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح ذكره الفرّاء والزّجّاج. والثاني: أنها بمعنى الاستفهام. فان اعترض معترض، فقال: إنما تكون للاستفهام إذا كانت مردودة على استفهام قبلها، فأين الاستفهام الذي تقدمها؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه قد تقدمها استفهام، وهو قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ذكره الفراء، وكذلك قال ابن الأنباري: هي مردودة على الألف في: أَلَمْ تَعْلَمْ، فإن اعترض على هذا الجواب، فقيل: كيف يصح العطف ولفظ: أَلَمْ تَعْلَمْ ينبئ عن الواحد، وتُرِيدُونَ عن جماعة؟ فالجواب: أنه إنما رجع الجواب من التوحيد إلى الجمع، لأن ما خوطب به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقد خوطبت به أمته، فاكتفى به من أمته في المخاطبة الأولى، ثم أظهر المعنى في المخاطبة الثانية. ومثل هذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ «1» . ذكر هذا الجواب ابن الأنباري. فأما الجواب الثاني عن أَمْ فهو أنها للاستفهام، وليست مردودة على شيء. قال الفراء: إذا توسط الاستفهام الكلام ابتدئ بالألف وبأم، وإذا لم يسبقه كلام لم يكن إلا بالألف أو ب «هل» . وقال ابن الأنباري: «أم» جارية مجرى «هل» ، غير أن الفرق بينهما: أن «هل» استفهام مبتدأ، لا يتوسط ولا يتأخر، و «أم» : استفهام متوسط، لا يكون إلا بعد كلام. فأما الرسول ها هنا: فهو: محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والذي سئل موسى من قبل قولهم: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً «2» ، وهل سألوا ذلك نبياً أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنهم سألوا ذلك، فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى ... تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا «3» ، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم بالغوا في المسائل، فقيل لهم بهذه الآية: لعلكم تريدون أن تسألوا محمداً أن يريكم الله جهرة، قاله أبو سليمان الدمشقي. والكفر: الجحود. والإيمان: التصديق. وقال أبو العالية: المعنى: ومن يتبدل الشدة بالرّخاء. وسواء السبيل: وسطه. [سورة البقرة (2) : آية 109] وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) قوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (34) أحدها: أن حيي بن أخطب، وأبا ياسر كانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عبّاس.
[سورة البقرة (2) : آية 110]
(35) والثاني: أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين قدمها، فأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالصفح عنهم، فنزلت هذه الآية، قاله عبد الله بن كعب بن مالك. (36) والثالث: أن نفراً من اليهود دعوا حذيفة وعماراً إلى دينهم، فأبيا، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى وَدَّ: أحب وتمنى. وأَهْلِ الْكِتابِ: اليهود. قال الزجاج: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ موصول: ب وَدَّ كَثِيرٌ، لا بقوله: حَسَداً، لأن حسد الإنسان لا يكون إلا من عند نفسه. والمعنى: مودتهم لكفركم من عند أنفسهم، لا أنه عندهم الحق. فأما الحسد: فهو تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، وتفارقه الغبطة، فانها تمني مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط. وحد بعضهم الحسد، فقال: هو أذى يلحق بسبب العلم بحسن حال الأخيار، ولا يجوز أن يكون الفاضل حسوداً، لأن الفاضل يجري على ما هو الجميل. وقال بعض الحكماء: كل أحد يمكن أن ترضيه إلا الحاسد، فانه لا يرضيه إلا زوال نعمتك. وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي. قوله تعالى: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، قال ابن عباس: فجاء الله بأمره في النضير بالجلاء والنفي، وفي قريظة بالقتل والسبي. فصل: وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود، وأبي العالية، وقتادة رضي الله عنهم: أن العفو والصفح منسوخ بقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ «1» ، وأبى هذا القول جماعة من المفسرين والفقهاء، واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقاً، وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته، والآخر يحتاج إلى حكم آخر. [سورة البقرة (2) : آية 110] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) قوله تعالى: تَجِدُوهُ، أي: تجدوا ثوابه.
[سورة البقرة (2) : الآيات 111 إلى 113]
[سورة البقرة (2) : الآيات 111 الى 113] وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى. قال ابن عباس: (37) اختصم يهود المدينة ونصارى نجران عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، ولا يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وكفروا بالإنجيل وعيسى، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، وكفروا بالتوراة وموسى، فقال الله تعالى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ. واعلم أن الكلام في هذه الآية مجمل ومعناه: قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً. وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إِلا من كان نصرانياً. والهود، جمع: هائد. تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ، أي: ذاك شيء يتمنونه، وظن يظنونه، هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد. قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ، أي: حجتكم إن كنتم صادقين بأن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى. ثم بين الله تعالى أن ليس كما زعموا، فقال: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، وأسلم، بمعنى: أخلص. وفي الوجه قولان: أحدهما: أنه الدين. والثاني: العمل. قوله تعالى: وَهُوَ مُحْسِنٌ، أي: في عمله، فَلَهُ أَجْرُهُ، قال الزجاج: يريد: فهو يدخل الجنة. قوله تعالى: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ، أي: كل منهم يتلو كتابه بتصديق ما كفر به، قاله السدي، وقتادة. كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وفيهم قولان: أحدهما: أنهم مشركو العرب قالوا لمحمد وأصحابه: لستم على شيء، قاله السدي عن أشياخه. والثاني: أنهم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى، كقوم نوح وهود وصالح، قاله عطاء. قوله تعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، قال الزجاج: يريد حكم الفصل بينهم، فيريهم من يدخل الجنة عياناً، ومن يدخل النار عياناً، فأما الحكم بينهم في العقد فقد بينه لهم في الدنيا بما أقام على الصواب من الحجج. [سورة البقرة (2) : آية 114] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114) قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا، فخرب وطرحت الجيف فيه، قاله ابن عباس في آخرين. والثاني: أنها في المشركين
[سورة البقرة (2) : آية 115]
الذين حالوا بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين مكة يوم الحديبية، قاله ابن زيد. وفي المراد بخرابها قولان: أحدهما: أنه نقضها. والثاني: منع ذكر الله فيها. قوله تعالى: أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ، فيه قولان: أحدهما: أنه إخبار عن أحوالهم بعد ذلك. قال السدي: لا يدخل رومي بيت المقدس إلا وهو خائف أن يضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية. والثاني: أنه خبر في معنى الأمر، تقديره: عليكم بالجد في جهادهم كي لا يدخلها أحدٌ إلا وهو خائف. لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن خزيهم الجزية، قاله ابن عباس. والثاني: أنه فتح القسطنطينة، قاله السدي. والثالث: أنه طردهم عن المسجد الحرام، فلا يدخله مشرك أبداً ظاهراً، قاله ابن زيد. [سورة البقرة (2) : آية 115] وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (115) قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. في نزولها أربعة أقوال: (38) أحدها: أن الصحابة كانوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة في ليلة مظلمة، فلم يعرفوا القبلة، فجعل كل واحد منهم مسجداً بين يديه وصلى، فلما أصبحوا إذا هم على غير القبلة، فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. رواه عامر بن ربيعه. (39) والثاني: أنها نزلت في التطوع بالنافلة. قاله ابن عمر. (40) والثالث: أنه لما نزل قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ «1» ، قالوا: إلى أين؟ فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. (41) والرابع: أنه لما مات النجاشي، وأمرهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالصلاة عليه قالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية، قاله قتادة.
[سورة البقرة (2) : آية 116]
قوله تعالى: فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، فيه قولان: أحدهما: فثم الله، يريد: علمه معكم أين كنتم. وهذا قول ابن عباس، ومقاتل. والثاني: فثم قبلة الله، قاله عكرمة، ومجاهد. والواسع: الذي وسع غناه مفاقر عباده، ورزقه جميع خلقه. والسعة في كلام العرب: الغنى. فصل: وهذه الآية مستعملة الحكم في المجتهد إذا صلى إلى غير القبلة، وفي صلاة المتطوع على الراحلة، والخائف. وقد ذهب قوم إلى نسخها، فقالوا: إنها لما نزلت توجه رسول الله إلى بيت المقدس، ثم نسخ ذلك بقوله: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ «1» ، وهذا مروي عن ابن عباس. قال شيخنا علي بن عبيد الله: وليس في القرآن أمر خاص بالصلاة إلى بيت المقدس، وقوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ليس صريحاً بالأمر بالتوجه إلى بيت المقدس، بل فيه ما يدل على أن الجهات كلها سواء في جواز التوجه إليها، فإذا ثبت هذا، دل على أنه وجب التوجه إلى بيت المقدس بالسّنّة، ثم نسخ بالقرآن. [سورة البقرة (2) : آية 116] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116) قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً. اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: أحدها: أنها نزلت في اليهود إذ جعلوا عزيراً ابن الله، قاله ابن عباس. والثاني: أنها نزلت في نصارى نجران حيث قالوا: عيسى ابن الله، قاله مقاتل. والثالث: أنها في النصارى ومشركي العرب، لأن النصارى قالت: عيسى ابن الله، والمشركين قالوا: الملائكة بنات الله، ذكره إبراهيم بن السري. والرابع: أنها في اليهود والنصارى ومشركي العرب، ذكره الثعلبي. فأما القنوت فقال الزجاج: هو في اللغة بمعنيين: أحدهما: القيام. والثاني: الطاعة. والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت: الدعاء في القيام، فالقانت: القائم بأمر الله. ويجوز أن يقع في جميع الطاعات، لأنه إن لم يكن قيام على الرجلين، فهو قيام بالنية. وقال ابن قتيبة: لا أرى أصل القنوت إلا الطاعة، لأن جميع الخلال من الصلاة، والقيام فيها والدعاء وغير ذلك يكون عنها. وللمفسرين في المراد بالقنوت هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الطاعة، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنه الإقرار بالعبادة، قاله عكرمة، والسدي. والثالث: القيام، قاله الحسن، والربيع. وفي معنى القيام قولان: أحدهما: أنه القيام له بالشهادة بالعبودية. والثاني: أنه القيام بين يديه يوم القيامة. فان قيل: كيف عمَّ بهذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن يكون ظاهرها ظاهر العموم، ومعناها معنى الخصوص. والمعنى: كل أهل الطاعة له قانتون. والثاني: أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدوات والعشيات، فنسب القنوت إليهم بذلك. والثالث: أن كل مخلوق قانت له بأثر صنعه فيه، وجري أحكامه عليه، فذلك دليل على ذلّه لربّه. ذكرهنّ ابن الأنباريّ. [سورة البقرة (2) : آية 117] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) قوله تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ. البديع: المبدع، وكل من أنشأ شيئاً لم يسبق إليه قيل له:
[سورة البقرة (2) : آية 118]
أبدعت. قال الخطابي: البديع، فعيل بمعنى: مفعل، ومعناه: أنه فطر الخلق مخترعاً له لا على مثال سبق. قوله تعالى: وَإِذا قَضى أَمْراً، قال ابن عباس: معنى القضاء: الإرادة. وقال مقاتل: إذا قضى أمراً في علمه، فإنما يقول له: كن فيكون. والجمهور على ضم نون فَيَكُونُ، بالرفع على القطع. والمعنى: فهو يكون. وقرأ ابن عامر بنصب النون. قال مكيّ بن أبي طالب: النصب على الجواب ل «كن» ، وفيه بعد. فصل: وقد استدل أصحابنا على قدم القرآن بقوله: كُنْ فقالوا: لو كانت «كن» مخلوقة لافتقرت إلى إيجادها بمثلها وتسلسل ذلك، والتّسلسل محال «1» . فان قيل: هذا خطاب لمعدوم فالجواب أنه خطاب تكوين يُظهر أثر القدرة، ويستحيل أن يكون المخاطب به موجوداً، لأنه بالخطاب كان، فامتنع وجوده قبله أو معه. ويحقق هذا أن ما سيكون متصوّر العلم فضاهى بذلك الموجود، فجاز خطابه لذلك. [سورة البقرة (2) : آية 118] وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ، فيهم ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: النصارى، قاله مجاهد. والثالث: مشركو العرب، قاله قتادة، والسدي عن أشياخه. ولَوْلا بمعنى: هلا. وفي الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: اليهود والنصارى، قاله السدي عن أشياخه. والثالث: اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار، قاله قتادة «3» . تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، أي: في الكفر.
[سورة البقرة (2) : آية 119]
[سورة البقرة (2) : آية 119] إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ. في سبب نزولها قولان: (42) أحدهما: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال يوماً: «ليت شعري ما فعل أبواي!» ، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. (43) والثاني: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا» فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. وفي المراد بِالْحَقِّ هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه القرآن، قاله ابن عباس. والثاني: الإسلام، قاله ابن كيسان. والثالث: الصّدق. قوله تعالى: وَلا تُسْئَلُ، قرأه الأكثرون بضم التاء، على الخبر، والمعنى: لست بمسؤول عن أعمالهم. وقرأ نافع ويعقوب بفتح التاء وسكون اللام، على السؤال عنهم. وجوز أبو الحسن الأخفش أن يكون معنى هذه القراءة: لا تسأل عنهم فإنهم في أمر عظيم، فيكون ذلك على وجه التعظيم لما هم فيه، فأما الجحيم فقال الفرّاء: النّار على النار والجمر على الجمر. وقال أبو عبيدة: الجحيم: النار المستحكمة المسلّطة. وقال الزجاج: الجحيم: النار الشديدة الوقود، وقد جحم فلان النار: إذا شدد وقودها، ويقال لعين الأسد: حجمة لشدة توقدها. ويقال لوقود الحرب، وهو شدة القتال فيها: جاحم. وقال ابن فارس: الجاحم: المكان الشديد الحر. قال الأعشى: يُعدون للهيجاء قبل لقائها ... غداة احتضار البأس والموت جاحم ولذلك سميت الجحيم. وقال ابن الأنباري: قال أحمد بن عبيد: إنما سميت النار جحيماً، لأنها أكثر وقودها، من قول العرب: جحمت النار أجحمها: إذا أكثرت لها الوقود. قال عمران بن حطان: يرى طاعة الله الهدى وخلافه ... الضّلالة يصلي أهلها جاحم الجمر [سورة البقرة (2) : آية 120] وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) قوله تعالى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى. في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (44) أحدها: أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلّي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى قبلتهم، فلمّا
[سورة البقرة (2) : الآيات 121 إلى 124]
صرف إلى الكعبة يئسوا منه، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم دعوه إلى دينهم، فنزلت، قاله مقاتل. والثالث: أنهم كانوا يسألونه الهدنة، ويطمعونه في أنه إن هادنهم وافقوه فنزلت، ذكر معناه الزجاج. قال الزجاج: والملة في اللغة: السنة والطريقه «1» . قال ابن عباس: وهُدَى اللَّهِ هاهنا: الإسلام. وفي الذي جاءه من العلم أربعة أقوال: أحدها: أنه التحول إلى الكعبة، قاله ابن عباس. والثاني: أنه البيان بأن دين الله الإسلام. والثالث: أنه القرآن. والرابع: العلم بضلالة القوم. ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ ينفعك وَلا نَصِيرٍ يمنعك من عقوبته. [سورة البقرة (2) : الآيات 121 الى 124] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ. اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في الذين آمنوا من اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: في المؤمنين من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قاله عكرمة، وقتادة. وفي الكتاب قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله قتادة. والثاني: أنه التوراة، قاله مقاتل. قوله تعالى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، أي: يعملون به حق عمله، قاله مجاهد. قوله تعالى: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ في هاء بِهِ قولان: أحدهما: أنها تعود على الكتاب. والثاني: على النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم. وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ، والابتلاء: الاختبار. وفي إبراهيم ست لغات: أحدها: إِبراهيم، وهي اللغة الفاشية. والثانية: إبراهُم. والثالثة: ابراهَم. والرابعة: إِبراهِمْ، ذكرهن الفراء. والخامسة: إِبراهام. والسادسة: إِبرهم. قال عبد المطلب: عذت بما عاذ به إِبرهم ... مستقبل الكعبة وهو قائم وقال أيضا: نحن آل الله في كعبته ... لم يزل ذاك على عهد ابرهم
وفي الكلمات خمسة أقوال: أحدها: أنها خمس في الرأس، وخمس في الجسد. أما التي في الرأس، فالفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك. وفي الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستطابة بالماء، والختان، رواه طاوس عن ابن عباس. والثاني: أنها عشر ست في الإنسان، وأربع في المشاعر، فالتي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب، والسواك، والغسل من الجنابة، والغسل يوم الجمعة. والتي في المشاعر: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة. رواه حنش بن عبد الله عن ابن عباس. والثالث: أنها المناسك، رواه قتادة عن ابن عباس. والرابع: أنه ابتلاه بالكوكب، والشمس، والقمر، والهجرة، والنار، وذبح ولده، والختان، قاله الحسن. والخامس: أنها كل مسألة في القرآن، مثل قوله: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً «1» ، ونحو ذلك، قاله مقاتل. فمن قال: هي أفعال فعلها قال: معنى فَأَتَمَّهُنَّ: عمل بهن. ومن قال: هي دعوات ومسائل قال: معنى فَأَتَمَّهُنَّ: أجابه الله إليهن. وقد روي عن أبي حنيفة أنه قرأ «2» «إبراهيم» برفع الميم «ربه» بنصب الباء، على معنى: اختبر ربه هل يستجيب دعاءه، ويتخذه خليلاً أم لا؟ قوله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، في الذرية قولان: أحدهما: أنها فعلية من الذر، لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم كالذر. والثاني: أن أصلها ذرُّورة، على وزن: فعلولة، ولكن لما كثر التضعيف أبدل من الراء الأخيرة ياءً، فصارت: ذروية، ثم أدغمت الواو في الياء، فصارت: ذرية، ذكرهما الزجاج، وصوب الأول. وفي العهد هاهنا سبعة أقوال: أحدها: أنه الإمامة «3» ، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير. والثاني: أنه الطاعة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: الرحمة، قاله عطاء وعكرمة. والرابع: الدين، قاله أبو العالية. والخامس: النبوة، قاله السدي عن أشياخه. والسادس: الأمان، قاله أبو عبيدة. والسابع: الميثاق، قاله ابن قتيبة، والأول أصح. وفي المراد بالظالمين هاهنا قولان: أحدهما: أنهم الكفار، قاله ابن جبير، والسدي. والثاني: العصاة، قاله عطاء.
[سورة البقرة (2) : آية 125]
[سورة البقرة (2) : آية 125] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ، البيت هاهنا: الكعبة، والألف واللام تدخل للمعهود، أو للجنس، فلما علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس انصرف إلى المعهود، قال الزجاج: والمثاب والمثابة واحد، كالمقام والمقامة، قال ابن قتيبة: والمثابة: المعاد، من قولك: ثبت إلى كذا، أي: عدت إليه، وثاب إليه جسمه إذا رجع بعد العلّة، فأراد: أن الناس يعودون إليه مرة بعد مرة. قوله تعالى: وَأَمْناً، قال ابن عباس: يريد أن من أحدث حدثاً في غيره، ثم لجأ إليه فهو آمن، ولكن ينبغي لأهل مكة أن لا يبايعوه، ولا يطعموه، ولا يسقوه، ولا يؤووه، ولا يكلم حتى يخرج، فاذا خرج أقيم عليه الحد «1» . قال القاضي أبو يعلى: وصف البيت بالأمن، والمراد جميع الحرم كما قال: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ، والمراد: الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام، وهذا على طريق الحكم، لا على وجه الخبر فقط. وفي مَقامِ إِبْراهِيمَ، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحرم كله، قاله ابن عباس. والثاني: عرفة والمزدلفة والجمار، قاله عطاء. وعن مجاهد كالقولين. وقد روي عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، قالوا: الحج كله مقام إبراهيم. والثالث: الحجر، قاله سعيد بن جبير، وهو الأصح. (45) قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت. وفي سبب وقوف إبراهيم على الحجر قولان: أحدهما: أنه جاء يطلب ابنه إسماعيل، فلم يجده، فقالت له زوجته: انزل، فأبى، فقالت: فدعني أغسل رأسك، فأتته بحجر فوضع رجله عليه، وهو راكب، فغسلت شقه، ثم رفعته وقد غابت رجله فيه، فوضعته تحت الشق الآخر وغسلته، فغابت رجله فيه، فجعله الله من شعاره، ذكره السدي عن ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أنه قام على الحجر لبناء البيت، وإسماعيل يناوله الحجارة، قاله سعيد بن جبير.
[سورة البقرة (2) : آية 126]
قرأ الجمهور، منهم: ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: وَاتَّخِذُوا بكسر الخاء على الأمر. وقرأ نافع، وابن عامر بفتح الخاء على الخبر. (46) قال ابن زيد: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أين ترون أن أصلّي بكم» ؟ فقال عمر: إلى المقام، فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. قال: رضي الله ذلك من أعمالهم. وقال أبو علي: وجه فتح الخاء أنه معطوف على ما أُضيف إليه، كأنه قال: وإذ اتخذوا. ويؤكد الفتح في الخاء أن الذي بعده خبر، وهو قوله: وَعَهِدْنا. قوله تعالى: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ، أي: أمرناهما وأوصيناهما. وإِسماعيل: اسم أعجمي، وفيه لغتان: إسماعيل، و: إسماعين. وأنشدوا: قال جواري الحي لما جينا ... هذا ورب البيت إسماعينا قوله تعالى: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ، قال قتادة: يريد من عبادة الأوثان والشرك، وقول الزور. فان قيل: لم يكن هناك بيت، فما معنى أمرهما بتطهيره؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه كانت هناك أصنام، فأمر بإخراجها، قاله عكرمة. والثاني: أن معناه: ابنياه مطهراً، قاله السدي. والعاكفون: المقيمون، يقال: عكف يعكف ويعكف عكوفاً: إذا أقام، ومنه: الاعتكاف. (47) وقد روى ابن عباس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: «إِن الله تعالى يُنزل في كلّ ليلة ويوم عشرين ومائة رحمة تنزل على البيت: ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين» . [سورة البقرة (2) : آية 126] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً، البلد: صدر القرى، والبالد: المقيم بالبلد، والبلدة: الصدر، ووضعت الناقة بلدتها: إذا بركات. والمراد بالبلد هاهنا: مكة. ومعنى آمِناً: ذا أمنٍ. وأمن البلدة مجاز، والمراد: أمن من فيه. وفي المراد بهذا الأمن ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سأله
[سورة البقرة (2) : الآيات 127 إلى 129]
الأمن من القتل. والثاني: من الخسف والقذف. والثالث: من القحط والجدب. قال مجاهد: قال إبراهيم: لمن آمن، فقال الله عزّ وجلّ: ومن كفر فسأرزقه. قوله تعالى: فَأُمَتِّعُهُ، وقرأ ابن عامر: «فأمتعه» بالتخفيف، من أمتعت. وقرأ الباقون بالتشديد من: مَتَّعت. والإمتاع: إعطاء ما تحصل به المتعة. والمتعة: أخذ الحظ من لذة ما يشتهي. وبماذا يمتعه؟ فيه قولان: أحدهما: بالأمن. والثاني: بالرزق. والاضطرار: الإلجاء إلى الشّيء، والمصير: ما ينتهي إليه الأمر. [سورة البقرة (2) : الآيات 127 الى 129] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ. القواعد: أساس البيت، واحدها: قاعدة. فأما قواعد النساء فواحدتها: قاعد، وهي العجوز. رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا، أي: يقولان: ربنا، فحذف ذلك كقوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ «1» ، أراد: يقولون. والسَّمِيعُ بمعنى: السامع، لكنه: أبلغ، لأن بناء فعيل للمبالغة. قال الخطابي: ويكون السماع بمعنى القبول والإجابة. كقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (48) «أعوذ بك من دعاء لا يسمع» ، أي: لا يستجاب. وقول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: قبل الله حمد من حمده. وأنشدوا: دَعَوْتُ الله حتَّى خِفْتُ أنْ لاَ ... يَكُوْنَ الله يسمع ما أقول (إشارة إلى بناء البيت) (49) روى أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، قال: «كانت الملائكة تحج إِلى البيت قبل آدم» .
وقال ابن عباس: لما أهبط آدم قال الله تعالى له: يا آدم! اذهب فابن لي بيتاً فطف به، واذكرني حوله كما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي. فأقبل يسعى حتى انتهى إلى البيت الحرام، وبناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وحراء، فكان آدم أول من أسس البيت، وطاف به، ولم يزل كذلك حتى بعث الله الطوفان، فدرس موضع البيت، فبعث الله إبراهيم وإسماعيل. وقال علي بن أبي طالب، عليه السلام: لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت ضاق به ذرعاً، ولم يدر كيف يصنع، فأنزل الله عليه كهيئة السحابة، فيها رأس يتكلم، فقال: يا إبراهيم! علّم على ظلي، فلمّا علّم ارتفعت. وفي رواية عنه أنه كان يبني عليها كل يوم، قال: وحفر إبراهيم من تحت السكينة، فأبدى عن قواعد، ما تحرك القاعدة منها دون ثلاثين رجلاً. فلما بلغ موضع الحجر، قال لإسماعيل: التمس لي حجراً فذهب يطلب حجراً، فجاء جبريل بالحجر الأسود، فوضعه، قال: من جاءك بهذا الحجر؟ قال: جاء به من لم يتكل على بنائي وبنائك. وقال ابن عباس، وابن المسيب، وأبو العالية: رفعا القواعد التي كانت قواعد قبل ذلك. وقال السّدّيّ: لمّا أمره ببناء البيت لم يدر أين يبني، فبعث الله ريحاً، فكنست حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل الطوفان. قوله تعالى: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، قال الزجاج: المسلم في اللغة: الذي قد استسلم لأمر الله، وخضع. والمناسك: المتعبدات. فكل متعبد منسَك ومنسِك. ومنه قيل للعابد: ناسك. وتسمى الذبيحة المتقرّب بها إلى الله تعالى: النسيكة. وكأن الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة لله تعالى. قوله تعالى: وَأَرِنا مَناسِكَنا، أي: مذابحنا، قاله مجاهد. وقال غيره: هي جميع أفعال الحج. وقرأ ابن كثير: «وأرنا» بجزم الراء. و «رب أرني» و «أرنا اللذين أضلانا» . وقرأ نافع، وحمزة، والكسائيّ وَأَرِنا بكسر الراء في جميع ذلك. وقرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر كذلك، إلا أنهما أسكنا الراء من «أرنا اللذين» وحدها. قال الفرّاء: أهل الحجاز يقولون: «أرنا أذين أضلانا» وكثير من العرب يجزم الراء، فيقول: «أرنا مناسكنا» ، وقرأ بها بعض الثقات. وأنشد بعضهم: قالت سليمى اشتر لنا دقيقاً ... واشترْ فعجل خادماً لبيقاً وأنشدني الكسائي: ومن يتقْ فان الله معه ... ورزق الله مؤتاب وغادي «1» قال قتادة: أراهما الله مناسكهما: الموقف بعرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، والطواف، والسعي. وقال أبو مجلز: لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل، فأراه الطواف، ثم أتى به جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبعاً، وقال له: ارم
وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به الجمرة الوسطى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فقال له: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به الجمرة القصوى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات. فقال له: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان، ثم أتى به منى، فقال: هاهنا يحلق الناس رؤوسهم، ثم أتى به جمعاً، فقال: هاهنا يجمع الناس، ثم أتى به عرفة، فقال: أعرفت؟ قال: نعم. قال: فمن ثم سميت عرفات. قوله تعالى: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، في الهاء والميم من فِيهِمْ قولان: أحدهما: أنها تعود على الذرية، قاله مقاتل والفراء. والثاني: على أهل مكة في قوله: وَارْزُقْ أَهْلَهُ، والمراد بالرّسول: محمّد صلّى الله عليه وسلّم. (50) وقد روى أبو أمامة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قيل: يا رسول الله! ما كان بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبي إِبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أُمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام» . والكتاب: القرآن. والحكمة: السنة، قاله ابن عباس. وروي عنه: الحكمة: الفقه والحلال والحرام، ومواعظ القرآن. وسميت الحكمة حكمة، لأنها تمنع من الجهل. وفي قوله تعالى: وَيُزَكِّيهِمْ، ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: يأخذ الزكاه منهم فيطهرهم بها، قاله ابن عباس والفراء. والثاني: يطهرهم من الشرك والكفر، قاله مقاتل. والثالث: يدعوهم إلى ما يصيرون به أزكياء. قوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ، قال الخطابي: العز في كلام العرب على ثلاث أوجه: أحدها: بمعنى الغلبة، يقولون: من عزّ بزّ، أي: من غلب سلب، يقال منه: عزَّ يعُزُّ، بضم العين من يعز، ومنه قوله تعالى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ «1» . والثاني: بمعنى الشدة والقوة، يقال منه: عز يعَزُّ، بفتح العين من يعز. والثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه: عز يعزّ، بكسر العين من يعزّ، ويتأول معنى العزيز على أنه الذي لا يعادله شيء، ولا مثل له.
[سورة البقرة (2) : الآيات 130 إلى 132]
[سورة البقرة (2) : الآيات 130 الى 132] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ. سبب نزولها: أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه مهاجراً وسلمة إلى الإسلام، فأسلم سلمة، ورغب عن الإسلام مهاجر، فنزلت هذه الآية «1» ، قاله مقاتل. قال الزجاج: و «من» لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها التقرير والتوبيخ. والمعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه. ويقال: رغبت في الشيء: إذا أردته. ورغبت عنه: إذا تركته. وملة إبراهيم: دينه. قوله تعالى: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ فيه أربعة أقوال: أحدها: أنّ معناها: إلا من سفّه نفسه، قاله الأخفش ويونس. قال يونس: ولذلك تعدّى إلى النّفي فنصبها، وقال الأخفش: نصبت النفس لإسقاط حرف الجر، لأن المعنى: إلا من سفه في نفسه. قال الشاعر: نُغالي اللحمَ للأضيافِ نِيئاً ... ونُرخِصُه إذا نضج القدور والثاني: إلا من أهلك نفسه، قاله أبو عبيدة. والثالث: إلا من سفهتْ نفسُه، كما يقال: غبن فلان رأيه، وهذا مذهب الفراء وابن قتيبة. قال الفراء: نقل الفعل عن النفس إلى ضمير «من» ، ونصبت النفس على التشبيه بالتفسير، كما يقال: ضقت بالأمر ذرعاً، يريدون: ضاق ذرعي به، ومثله: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً «2» . والرابع: إلا من جهل نفسه، فلم يفكر فيها، وهو اختيار الزجاج. قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، قال ابن الأنباري: لمن الصالحي الحال عند الله تعالى. وقال الزجاج: الصالح في الآخرة: الفائز. قوله تعالى: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ، وذلك حين وقوع الاصطفاء، قال ابن عباس: لما رأى الكوكب والقمر والشمس، قال له ربه: أسلم، أي: أخلص. قوله تعالى: وَوَصَّى، قرأ ابن عامر وأهل المدينة: «وأوصى» بألف، مع تخفيف الصاد، والباقون بغير ألف مشددة الصاد، وهذا لاختلاف المصاحف. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا ثابت، قال: أخبرنا ابن قشيش، قال: أخبرنا ابن حيَّويه، قال: حدثنا ابن الأنباري، قال: أخبرنا ثعلب، قال: أملى عليَّ خلف بن هشام البزّاز، قال: اختلف مصحفا أهل المدينة وأهل العراق في اثني عشر حرفاً: كتب أهل المدينة: «وأوصى» ، وأهل العراق: «ووصّى» . وكتب أهل المدينة: «سارعوا إلى مغفرة» بغير واو، وأهل العراق: «وسارعوا» «3» . وكتب أهل المدينة: «يقول الذين آمنوا» ، وأهل العراق: «ويقول» «4» .
[سورة البقرة (2) : الآيات 133 إلى 134]
وكتب أهل المدينة: «من يرتدد» ، وأهل العراق: «من يرتدَّ» «1» . وكتب أهل المدينة: «الذين اتّخذوا مسجدا» ، وأهل العراق: «والذين» «2» . وكتب أهل المدينة: «خيراً منهما منقلبا» ، وأهل العراق: «منها» «3» . وكتب أهل المدينة: «فتوكل على العزيز» ، وأهل العراق: «وتوكل» «4» . وكتب أهل المدينة: «وأن يظهر في الأرض الفساد» ، وأهل العراق: «أو أن يظهر» «5» . وكتب أهل المدينة في «حم عسق» : «بما كسبت أيديكم» بغير فاء، وأهل العراق: «فبما» «6» . وكتب أهل المدينة: «ما تشتهيه الأنفس» «7» بالهاء، وأهل العراق: «ما تشتهي» . وكتب أهل المدينة: «فان الله الغني الحميد» في سورة الحديد، وأهل العراق: «فإن الله هو الغني» «8» . وكتب أهل المدينة: «فلا يخاف عقباها» بالفاء، وأهل العراق: «ولا يخاف» «9» . ووصّى أبلغ من أوصى، لأنها تكون لمرات كثيرة، وهاء «بها» تعود على الملّة، قاله عكرمة والزجاج. قال مقاتل: وبنوه أربعة: إسماعيل، وإسحاق، ومدين، ومدائن. وذكر غير مقاتل أنهم ثمانية. قوله تعالى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، يريد: الزموا الإسلام، فاذا أدرككم الموت صادفكم عليه. [سورة البقرة (2) : الآيات 133 الى 134] أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) قوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ. (51) سبب نزولها: أن اليهود قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه يوم مات باليهودية؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ، أي: مضت، يشير إلى إبراهيم وبنيه، ويعقوب وبنيه. [سورة البقرة (2) : الآيات 135 الى 136] وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)
[سورة البقرة (2) : آية 137]
قوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى. معناه: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى، تهتدوا. بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، المعنى: بل نتبع ملة إبراهيم في حال حنيفيته، وفي الحنيف قولان: أحدهما: أنه المائل إلى العبادة، قال الزجاج: الحنيف في اللغة: المائل إلى الشيء، أُخذ من قولهم: رجل أحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. قالت أُم الأحنف ترقصه «1» : والله لولا حَنَفٌ برجله ... ودِقة في ساقه من هزله ما كان في فتيانكم من مثله والثاني: أنه المستقيم، ومنه قيل للأعرج: حنيف، نظراً له إلى السلامة، هذا قول ابن قتيبة. وقد وصف المفسرون الحنيف بأوصاف، فقال عطاء: هو المخلص، وقال ابن السائب: هو الذي يحج. وقال غيرهما: هو الذي يوحّد ويحج، ويضحي ويختتن، ويستقبل الكعبة. فأمّا الأسباط: فهم بنو يعقوب، وكانوا اثني عشر رجلاً، قال الزجاج: السبط في اللغة: الجماعة الذين يرجعون إلى ربّ واحد. والسّبط في اللغة: الشّجرة، فالسّبط: الذين هم من شجرة واحدة. [سورة البقرة (2) : آية 137] فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) قوله تعالى: فَإِنْ آمَنُوا، يعني: أهل الكتاب. وفي قوله تعالى: بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: مثل إيمانكم، فزيدت الباء للتوكيد، كما زيدت في قوله: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ «2» ، قاله ابن الأنباري. والثاني: أن المراد بالمثل هاهنا: الكتاب، وتقديره: فان آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم، قاله أبو معاذ النحوي. والثالث: أن المثل هاهنا: صلة، والمعنى: فان آمنوا بما آمنتم به. ومثله قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «3» ، أي: ليس كهو شيء. وأنشدوا: يا عاذلي دعنيَ من عذلكا ... مثليَ لا يقبل من مثلكا أي: أنا لا أقبل منك. فأما الشقاق فهو المشاقة والعداوة، ومنه قولهم: فلان قد شق عصا المسلمين، يريدون: فارق ما اجتمعوا عليه من اتباع إمامهم، فكأنه صار في شق غير شقهم. قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، هذا ضمان لنصر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. [سورة البقرة (2) : آية 138] صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) قوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ. سبب نزولها: أن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى عليه سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم، يقال له: المعمودية، ليطهروه بذلك، ويقولون: هذا طهور مكان
[سورة البقرة (2) : آية 139]
الختان، فاذا فعلوا ذلك قالوا: صار نصرانياً حقاً، فنزلت هذه الآية «1» ، قاله ابن عباس. قال ابن مسعود وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والنخعي، وابن زيد: صِبْغَةَ اللَّهِ: دينه. قال الفرّاء: صِبْغَةَ اللَّهِ مردودة على الملة «2» . وقرأ ابن عبلة: «صبغةُ الله» بالرفع على معنى: هذه صبغة الله. وكذلك قرأ: «ملةُ إِبراهيم» بالرفع أيضاً على معنى: هذه ملة إبراهيم. قال ابن قتيبة: المراد بصبغة الله: الختان، فسماه صبغة، لأن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء ويقولون: هذا طهرة لهم، كالختان للحنفاء، فقال الله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ، أي: الزموا صبغة الله، لا صبغة النصارى أولادهم، وأراد بها ملة ابراهيم، وقال غيره: إنما سمي الدين صبغة لبيان أثره على الإنسان، كظهور الصبغ على الثّوب. [سورة البقرة (2) : آية 139] قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) قوله تعالى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ، قال ابن عباس: يريد: يهود المدينة، ونصارى نجران. والمحاجة: المخاصمة في الدين، فان اليهود قالت: نحن أهل الكتاب الأول. وقيل: ظاهرت اليهود عبدة الأوثان، فقيل لهم: تزعمون أنكم موحدون، ونحن نوحد، فلم ظاهرتم من لا يوحد؟! قوله تعالى: وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، قال أكثر المفسرين: هذا الكلام اقتضى نوع مساهلة، ثم نسخ بآية السّيف. [سورة البقرة (2) : الآيات 140 الى 141] أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) قوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ.. الآية. سبب نزولها: أن يهود المدينة، ونصارى نجران قالوا للمؤمنين: إن أنبياءَ الله كانوا منا من بني إسرائيل، وكانوا على ديننا، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل «3» . ومعنى الآية: إن الله قد أعلمنا بدين الأنبياء، ولا أحد أعلم به منه. قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو «أَم يقولون» بالياء على وجه الخبر عن اليهود. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: تَقُولُونَ بالتاء لأنّ ما قبلها مخاطبة، وهي أَتُحَاجُّونَنا، وبعدها قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ. وفي الشهادة التي كتموها قولان: أحدهما: أن الله تعالى شهد عندهم بشهادة لإبراهيم ومن ذكر معه أنهم كانوا مسلمين، فكتموها، قاله الحسن، وزيد بن أسلم. والثاني: أنهم كتموا الإسلام وأمر محمد وهم يعلمون أنه نبيّ ودينه الإسلام، قاله أبو العالية، وقتادة.
[سورة البقرة (2) : آية 142]
[سورة البقرة (2) : آية 142] سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ. فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، قاله البراء بن عازب، ومجاهد، وسعيد بن جبير. والثاني: أنهم أهل مكة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنهم المنافقون، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس. وقد يمكن أن يكون الكل قالوا ذلك، والآية نزلت بعد تحويل القبلة. والسفهاء: الجهلة. ما ولاهم، أي: صرفهم عن قبلتهم، يريد: قبلة المقدس. واختلف العلماء في مدّة صلاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت المقدس، بعد قدومه المدينة على ستة أقوال: (52) أحدها: أنه ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر، قاله البراء بن عازب. والثاني: سبعة عشر شهراً، قاله ابن عباس. والثالث: ثلاثة عشر شهراً، قاله معاذ بن جبل. والرابع: تسعة أشهر، قاله أنس بن مالك. والخامس: ستة عشر شهراً. والسادس: ثمانية عشر شهراً، روي القولان عن قتادة. وهل كان استقباله بيت المقدس برأيه، أو عن وحي؟ فيه قولان: أحدهما: أنه كان بأمر الله تعالى ووحيه، قاله ابن عباس «1» ، وابن جريج.
[سورة البقرة (2) : آية 143]
والثاني: أنه كان باجتهاده ورأيه، قاله الحسن وأبو العالية، وعكرمة، والربيع. وقال قتادة: كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاؤوا، بقوله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. ثم أمرهم باستقبال بيت المقدس. وفي سبب اختياره بيت المقدس قولان: أحدهما: ليتألف أهل الكتاب، ذكره بعض المفسرين. والثاني: لامتحان العرب بغير ما ألفوه، قاله الزّجّاج. [سورة البقرة (2) : آية 143] وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143) قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً. سبب نزولها: أن اليهود قالوا: قبلتنا قبلة الأنبياء، ونحن عدلٌ بين الناس، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. والأمة: الجماعة. والوسط: العدل، قاله ابن عباس، وأبو سعيد، ومجاهد، وقتادة، وقال ابن قتيبة: الوسط: العدل الخيار، ومنه قوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ «1» ، أي: أعدلهم وخيرهم. قال الشاعر: همُ وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إِذا نزلت إِحدى الليالي بِمُعْظَم وأصل ذلك أن خير الأشياء أوساطها، والغلو والتقصير مذمومان. وذكر ابن جرير الطبري أنه من التوسط في الفعل، فان المسلمين لم يقصروا في دينهم كاليهود، فإنهم قتلوا الأنبياء، وبدلوا كتاب الله، ولم يغلوا كالنصارى، فانهم زعموا أن عيسى ابن الله. وقال أبو سليمان الدمشقي: في هذا الكلام محذوف، ومعناه: جعلت قبلتكم وسطاً بين القبلتين، فان اليهود يصلّون نحو المغرب، والنصارى نحو المشرق، وأنتم بينهما. قوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فيه قولان: أحدهما: أن معناه: لتشهدوا للأنبياء على أممهم.
[سورة البقرة (2) : آية 144]
قوله تعالى: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، يعني: محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، وبماذا يشهد عليهم؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بأعمالهم، قاله ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وابن زيد. والثاني: بتبليغهم الرسالة، قاله قتادة، ومقاتل. والثالث: بإيمانهم، قاله أبو العالية. فيكون على هذا «عليكم» بمعنى: لكم. قال عكرمة: لا يسأل عن هذه الأمة إلا نبيها. قوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، يريد: قبلة بيت المقدس. إِلَّا لِنَعْلَمَ فيه أربعة أقوال: أحدها: لنرى. والثاني: لنميز. رُويا عن ابن عباس. والثالث: لنعلمه واقعاً، إذ علمه قديم، قاله جماعة من أهل التفسير وهو يرجع إلى قول ابن عباس: «لنرى» . والرابع: أن العلم راجع إلى المخاطبين، والمعنى: لتعلموا أنتم، قاله الفراء. قوله تعالى: مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، أي: يرجع إِلى الكفر، قاله ابن زيد، ومقاتل. قوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً، في المشار إِليها قولان: أحدهما: أنه التولية إلى الكعبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل. والثاني: أنها قبلة بيت المقدس قبل التحول عنها، قاله أبو العالية، والزجاج. قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، نزل على سبب: (54) وهو أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، أرأيت إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ. والإيمان المذكور هاهنا أريد به: الصلاة في قول الجماعة. وقيل: إنما سمى الصلاة إيماناً، لاشتمالها على قول ونية وعمل. قال الفراء: وإنما أسند الإيمان إلى الأحياء من المؤمنين، والمعنى: فيمن مات من المسلمين قبل أن تحول القبلة لأنهم داخلون معهم في الملة. قوله تعالى: لَرَؤُفٌ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «لرؤوف» على وزن: لرعوف، في جميع القرآن، ووجهها: أن فعولاً أكثر في كلامهم من فعل، فباب ضروب وشكور، أوسع من باب حذر ويقظ. وقرأ أبو عمرو وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: «لرؤف» على وزن: رَعُفٍ، ويقال: هو الغالب على أهل الحجاز. قال جرير: ترى للمسلمين عليك حقاً ... كفعل الوالد الرَّؤُف الرحيم والرؤوف بمعنى: الرحيم، هذا قول الزجاج، وذكر الخطابي عن بعض أهل العلم أن الرأفة أبلغ الرحمة وأرقُها. قال: ويقال: الرأفة أخص، والرحمة أعم. [سورة البقرة (2) : آية 144] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)
[سورة البقرة (2) : آية 145]
قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ. سبب نزولها: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يحب أن يوجه إلى الكعبة، قاله البراء «1» ، وابن عباس، وابن المسيب، وأبو العالية، وقتادة. وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية مقدمة في النزول على قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ. واختلفوا في سبب اختيار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الكعبة على بيت المقدس على قولين: أحدهما: لأنّها كانت قبلة إبراهيم، روي عن ابن عباس. والثاني: لمخالفة اليهود، قاله مجاهد. ومعنى تقلب وجهه: نظره إليها يميناً وشمالاً. و (في) بمعنى إلى، وتَرْضاها بمعنى: تحبها. و (الشطر) : النحو من غير خلاف. (55) قال ابن عمر: أتى الناس آت وهم في صلاة الصبح بقباء، فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وأمر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا وهم في صلاتهم. فصل: اختلف العلماء أي وقت حولت القبلة؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها حولت في صلاة الظهر يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، قاله البراء بن عازب «2» ، ومعقل بن يسار. والثاني: أنها حولت يوم الثلاثاء للنصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدمه المدينة، قاله قتادة. والثالث: جمادى الآخرة، حكاه ابن سلامة المفسر عن إبراهيم الحربي. وفي الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قولان: أحدهما: اليهود، قاله مقاتل. والثاني: اليهود والنصارى، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ يشير إلى ما أُمر به من التوجه إلى الكعبة، ثم توعدهم بباقي الآية على كتمانهم ما علموا. ومن أين علموا أنه الحق؟ فيه أربعة أقوال: أحدها: أن في كتابهم الأمر بالتوجه إليها، قاله أبو العالية. والثاني: يعلمون أن المسجد الحرام قبلة إبراهيم. والثالث: أن في كتابهم أن محمداً رسول صادق، فلا يأمر إلا بحق. والرابع: أنهم يعلمون جواز النّسخ. [سورة البقرة (2) : آية 145] وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) قوله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ. سبب نزولها أن يهود المدينة ونصارى
[سورة البقرة (2) : آية 146]
نجران قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ائتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل «1» . قوله تعالى: ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، يريد: الكعبة وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لأن اليهود يصلون قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قبل المشرق وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ فصليت إلى قبلتهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، قال مقاتل: يريد بالعلم: البيان. [سورة البقرة (2) : آية 146] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ. في هاء «يعرفونه» قولان: أحدهما: أنها تعود على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس. والثاني: تعود على صرفه إلى الكعبة، قاله أبو العالية، وقتادة، والسدي، ومقاتل. وروي عن ابن عباس أيضاً. وفي الحق الذي كتموه قولان: أحدهما: أنه النبي صلّى الله عليه وسلّم، قاله مجاهد. والثاني: أنه التوجه إلى الكعبة، قاله السدي، ومقاتل في آخرين. وفي قوله تعالى: وَهُمْ يَعْلَمُونَ قولان: أحدهما: وهم يعلمون أنه حق. والثاني: وهم يعلمون ما على مخالفته من العقاب. [سورة البقرة (2) : آية 147] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) قوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. قال الزجاج: أي: هذا الحق من ربك. والممترون: الشاكُّون، والخطاب عامّ. [سورة البقرة (2) : آية 148] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) قوله تعالى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ ، أي: لكل أهل دين وجهة. المراد بالوجهة: القبلة، قاله ابن عباس في آخرين. قال الزجاج: يقال: جهة، ووجهة. وفي «هو» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إِلى الله تعالى، فالمعنى: الله مولّيها إياهم، أي: أمرهم بالتوجه إليها. والثاني: ترجع إلى المتولي، فالمعنى: هو موليها نفسه، فيكون «هو» ضمير كل. والثالث: يرجع إلى البيت، قاله مجاهد: أمر كل قوم أن يصلُّوا إلى الكعبة. والجمهور يقرءون: «مولّيها» ، وقرأ ابن عامر، والوليد عن يعقوب: «هو مولاها» بألف بعد اللام، فضمير «هو» لكلّ، ومعنى القراءتين متقارب. قوله تعالى: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ، أي: بادروها. وقال قتادة: لا تغلبوا على قبلتكم، يْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ، قال ابن عباس وغيره: هذا في يوم القيامة. فأما إعادة قوله: [سورة البقرة (2) : الآيات 149 الى 150] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)
[سورة البقرة (2) : آية 151]
قوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، فانه تكرير تأكيد، ليحسم طمع أهل الكتاب في رجوع المسلمين أبداً إلى قبلتهم. قوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ، في «الناس» قولان: أحدهما: أنهم أهل الكتاب، قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل. والثاني: مشركو العرب، رواه السدي عن أشياخه. فمن قال بالأول قال: احتجاج أهل الكتاب أنهم قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ما لك تركت قبلة بيت المقدس؟! إن كانت ضلالة فقد دنت الله بها، وإن كانت هدى، فقد نقلت عنها. وقال قتادة: قالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. ومن قال بالثاني قال: احتجاج المشركين أنهم قالوا: قد رجع إلى قبلتكم، ويوشك أن يعود إلى دينكم. وتسمية باطلهم حجة على وجه الحكاية عن المحتج به، كقوله تعالى: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ «1» ، وقوله: فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ «2» . قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، قال الزجاج: معناه: إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول: ما لك عليَّ حجة إِلا الظلم، أي: إلا أن تظلمني، أي: ما لك عليّ البتة ولكنك تظلمين. قال ابن عباس: فَلا تَخْشَوْهُمْ في انصرافكم إلى الكعبة وَاخْشَوْنِي في تركها. [سورة البقرة (2) : آية 151] كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ، قال الزجاج: «كما» لا تصلح أن تكون جواباً لما قبلها، والأجود أن تكون معلقة بقوله: فَاذْكُرُونِي، وقد روي معناه عن عليّ، وابن عباس، ومجاهد، ومقاتل. والآية خطاب لمشركي العرب. وفي قوله: وَيُزَكِّيهِمْ، ثلاثة أقوال، قد سبق ذكرها في قصة إبراهيم. والكتاب: القرآن. والحكمة: السّنّة. [سورة البقرة (2) : آية 152] فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152) قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي. قال ابن عباس، وابن جبير: اذكروني بطاعتي أذكرْكم بمغفرتي. وقال إبراهيم بن السري: كما أنعمت عليكم بالرسالة، فاذكروني بتوحيدي وتصديق نبيي. قال: فان قيل: كيف يكون جواب: كَما أَرْسَلْنا فَاذْكُرُونِي، فان قوله: فَاذْكُرُونِي أمر، وقوله: أَذْكُرْكُمْ جزاؤه فالجواب: أن المعنى: إن تذكروني أذكركم. قوله تعالى: وَاشْكُرُوا لِي، الشكر: الاعتراف بحق المنعم، مع الثناء عليه.
[سورة البقرة (2) : آية 153]
[سورة البقرة (2) : آية 153] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ. سبب نزولها: أن المشركين قالوا: سيرجع محمد إلى ديننا، كما رجع إلى قبلتنا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. وقال ابن عباس: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على أداء الفرائض، وبالصّلاة، وقد سبق الكلام في الصبر، وبيان الاستعانة به وبالصّلاة. [سورة البقرة (2) : آية 154] وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ. سبب نزولها: أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأُحد: مات فلان ببدر، مات فلان بأحد، فنزلت هذه الآية «1» ، قاله ابن عباس. ورفع الأموات بإضمار مكنى من أسمائهم، أي: لا تقولوا: هم أموات، ذكر نحوه الفراء. فان قيل: فنحن نراهم موتى، فما وجه النهي؟ فالجواب أن المعنى: لا تقولوا: هم أموات لا تصل أرواحهم إلى الجنات، ولا تنال من تحف الله ما لا يناله الأحياء، بل هم أحياء، أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، فهم أحياء من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتاً من جهة خروج الأرواح ذكره ابن الأنباري، فان قيل: أليس جميع المؤمنين منعّمين بعد موتهم؟ فلم خصصتم الشهداء؟ فالجواب: أن الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم مرزوقون من مطاعم الجنة ومآكلها، وغيرهم منعم بما دون ذلك، ذكره ابن جرير الطّبريّ. [سورة البقرة (2) : الآيات 155 الى 157] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ. قال الفراء: «من» تدل على أن لكل صنف منها شيئاً مضمراً، فتقديره: بشيء من الخوف، وشيء من الجوع، وشيء من نقص الأموال. وفيمن أُريد بهذه الآية أربعة أقوال: أحدها: أنهم أصحاب النبي خاصة، قاله عطاء. والثاني: أنهم أهل مكة. والثالث: أن هذا يكون في آخر الزمان. قال كعب: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة. والرابع: أن الآية على عمومها. فأما الخوف فقال ابن عباس: وهو الفزع في القتال. والجوع: المجاعة التي أصابت أهل مكة سبع سنين. ونقص من الأموال: ذهاب أموالهم، والأنفس بالموت والقتل الذي نزل بهم، والثمرات لم تخرج كما كانت تخرج. وحكى أبو سليمان الدمشقي عن بعض أهل العلم: أن الخوف في الجهاد والجوع في فرض الصوم، ونقص الأموال: ما فرض فيها من الزكاة والحج ونحو ذلك. والأنفس: ما يستشهد منها في القتال، والثمرات: ما فرض فيها من الصدقات. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ على هذه البلاوي
[سورة البقرة (2) : الآيات 158 إلى 159]
بالجنة. واعلم أنه إنما أخبرهم بما سيصيبهم، ليوطنوا أنفسهم على الصبر، فيكون ذلك أبعد لهم من الجزع. قالُوا إِنَّا لِلَّهِ، يريدون: نحن عبيده يفعل بنا ما يشاء، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، يريدون: نحن مقرّون بالبعث والجزاء على أعمالنا، والثواب على صبرنا. قال سعيد بن جبير: لقد أُعطيتْ هذه الأمة عند المصيبة شيئاً لم يعطه الأنبياء قبلهم الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ. ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب، إِذ يقول: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ «1» . قال الفراء: وللعرب في المصيبة ثلاث لغات: مصيبة، ومصابة، ومصوبة، زعم الكسائي أنه سمع أعرابياً يقول: جبر الله مصوبتك. قوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ. قال سعيد بن جبير: الصلوات من الله: المغفرة، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ بالاسترجاع. وقال عمر بن الخطاب: نعم العدلان، ونعمت العلاوة: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) . [سورة البقرة (2) : الآيات 158 الى 159] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (158) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (159) قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ. في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (56) أحدها: أن رجالاً من الأنصار ممن كان يهلُّ لمناة في الجاهلية- ومناة: صنم كان بين مكة والمدينة- قالوا: يا رسول الله! إنا كنا لا نطَّوف بين الصفا والمروة تعظيماً لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فنزلت هذه الآية. رواه عروة عن عائشة. (57) والثاني: أن المسلمين كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة، لأنه كان على الصفا تماثيل وأصنام فنزلت هذه الآية. رواه عكرمة عن ابن عباس.
(58) وقال الشعبي: كان وثن على الصفا يدعى: إساف، ووثن على المروة يدعى: نائلة، وكان أهل الجاهلية يسعون بينهما ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام كفوا عن السعي بينهما، فنزلت هذه الآية. (59) والثالث: أنّ الصحابة قالت للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة، وإن الله تعالى ذكر الطواف بالبيت، ولم يذكره بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطَّوَّف بهما، فنزلت هذه الآية. رواه الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن جماعة من أهل العلم. قال إبراهيم بن السري: الصفا في اللغة: الحجارة الصلبة الصلدة التي لا تنبت شيئاً، وهو جمع، واحده صفاة وصفا، مثل: حصاة وحصى. والمروة: الحجارة اللينة، وهذان الموضعان من شعائر الله، أي: من أعلام متعبداته. وواحد الشعائر: شعيرة. والشعائر: كل ما كان من موقف أو مسعى أو ذبح. والشعائر: من شعرت بالشيء: إذا علمت به، فسميت الأعلام التي هي متعبدات الله: شعائر. والحج في اللغة: القصد، وكذلك كل قاصد شيئاً فقد اعتمره. والجناح: الإثم، أخذ من جنح: إذا مال وعدل، وأصله من جناح الطائر، وإنما اجتنب المسلمون الطواف بينهما، لمكان الأوثان، فقيل لهم: إن نصب الأوثان بينهما قبل الإسلام لا يوجب اجتنابهما، فأعلم الله عزّ وجلّ أنه لا جناح في التطوف بهما، وأن من تطوع بذلك فان الله شاكر عليم. والشكر من الله، المجازاة والثناء الجميل، والجمهور قرءوا وَمَنْ تَطَوَّعَ بالتاء ونصب العين، منهم: ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأ حمزة، والكسائي «يطوع» بالياء وجزم العين. وكذلك خلافهم في التي بعدها بآيات. فصل: اختلفت الرواية عن إمامنا أحمد في السعي بين الصفا والمروة، فنقل الأثرم أن من ترك السعي لم يجزه حجه. ونقل أبو طالب: لا شيء في تركه عمداً أو سهواً، ولا ينبغي أن يتركه. ونقل الميموني أنه تطوّع «1» .
[سورة البقرة (2) : آية 160]
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى، قال أبو صالح عن ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود، كتموا ما أنزل الله في التوراة من البينات والهدى «1» . فالبينات: الحلال والحرام والحدود والفرائض. والهدى: نعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصفته مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ، قال مقاتل: لبني إسرائيل، وفي الكتاب قولان: أحدهما: أنه التوراة، وهو قول ابن عباس. والثاني: التوراة والإنجيل، قاله قتادة. أُولئِكَ إشارة إلى الكاتمين يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ قال ابن قتيبة: أصل اللعن في اللغة: الطرد، ولعن الله إبليس، أي: طرده، ثم انتقل ذلك فصار قولاً. قال الشماخ وذكر ماءً: ذعرتُ به القطا ونفيتُ عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين أي: الطريد. وفي اللاعنين أربعة أقوال: (60) أحدها: أن المراد بهم: «دواب الأرض» ، رواه البراء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو قول مجاهد، وعكرمة. قال مجاهد: يقولون إنما منعنا القطر بذنوبكم فيلعنونهم. والثاني: أنهم المؤمنون، قاله عبد الله بن مسعود. والثالث: أنهم الملائكة والمؤمنون، قاله أبو العالية، وقتادة. والرابع: أنهم الجن والإنس وكل دابة، قاله عطاء. فصل: وهذه الآية توجب إظهار علوم الدين، منصوصة كانت أو مستنبطة، وتدل على امتناع جواز أخذ الأجرة على ذلك، إذ غير جائز استحقاق الأجر على ما يجب فعله. (61) وقد روى الأعرج عن أبي هريرة أنه قال: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والله الموعد، وأيم الله: لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحداً بشيء أبداً، ثم تلا إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا ... إلى آخرها. [سورة البقرة (2) : آية 160] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا. قال ابن مسعود: إلا الذين تابوا من اليهود وأصلحوا أعمالهم، وبيّنوا صفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كتابهم. فصل: وقد ذهب قوم إلى أن الآية التي قبل هذه منسوخة بالاستثناء في هذه، وهذا ليس بنسخ، لأن الاستثناء إخراج بعض ما شمله اللفظ، وذلك يقتضي التخصيص دون النسخ، ومما يحقق هذا أن
[سورة البقرة (2) : آية 161]
الناسخ والمنسوخ لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك العمل بالآخر، وهاهنا يمكن العمل بالمستثنى والمستثنى منه. [سورة البقرة (2) : آية 161] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ. إنما شرط الموت على الكفر، لأن حكمه يستقر بالموت عليه، فان قيل: كيف قال: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وأهل دينه لا يلعنونه، فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنهم يلعنونه في الآخرة، قال الله عزّ وجلّ: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وقال: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها. والثاني: أن المراد بالناس هاهنا المؤمنون، قاله ابن مسعود وقتادة ومقاتل. فيكون على هذا من العام الذي أريد به الخاص. والثالث: أن اللعنة من الأكثر يطلق عليها: لعنة جميع الناس تغليباً لحكم الأكثر على الأقل. [سورة البقرة (2) : آية 162] خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها تعود إلى اللعنة، قاله ابن مسعود، ومقاتل. والثاني: أنها ترجع إلى النار، وإِن لم يجر لها ذكر فقد علمت. [سورة البقرة (2) : آية 163] وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. قال ابن عباس: إن كفار قريش قالوا: يا محمد صف لنا ربك وانسبه، فنزلت هذه الآية، وسورة الإخلاص. والإله بمعنى: المعبود. [سورة البقرة (2) : آية 164] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. في سبب نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أن المشركين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: اجعل لنا الصفا ذهباً إن كنت صادقاً فنزلت هذه الآية، حكاه السدي عن ابن مسعود، وابن عباس «1» . والثاني: أنهم لما قالوا: انسب لنا ربك وصفه، فنزلت: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، قالوا: فأرنا آية ذلك فنزلت: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله: يَعْقِلُونَ، رواه أبو صالح عن ابن عباس «2» . والثالث: أنه لما نزلت وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، قال كفار قريش: كيف يسع النّاس إله واحد؟
فنزلت هذه الآية، قاله عطاء «1» . فأمّا السَّماواتِ، فتدل على صانعها، إذ هي قائمة بغير عمد، وفيها من الآيات الظاهرة، ما يدل يسيره على مبدعه، وكذلك الأرض في ظهور ثمارها، وتمهيد سهولها وإرساء جبالها، إلى غير ذلك. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ كل واحد منهما حادث بعد أن لم يكن، وزائل بعد أن كان، وَالْفُلْكِ: السفن. قال ابن قتيبة: الواحد والجمع بلفظ واحد. وقال اليزيدي: واحده فلكة، ويذكر ويؤنث. وقال الزجاج: الفلك السفن، ويكون واحداً، ويكون جمعاً، لأن فَعَل، وفُعُل جمعهما واحد، ويأتيان كثيراً بمعنى واحد. يقال: العَجم والعُجم، والعَرب والعربُ، والفلك والفُلك. والفلك: يقال لكلّ مستدير، أو فيه استدارة. و «البحر» : الماء الغزير بِما يَنْفَعُ النَّاسَ من المعايش. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ، يعني: المطر، والمطر ينزل على معنى واحد، وأجزاء الأرض والهواء على معنى واحد، والأنواع تختلف في النبات والطعوم والألوان والأشكال المختلفات، وفي ذلك رد على من قال: إنه من فعل الطبيعة، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يتفق موجبها، إذ المتفق لا يوجب المختلف، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى في قوله: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ «2» . قوله تعالى: وَبَثَّ، أي: فرّق. قرأ ابن كثير الرِّياحِ على الجمع في خمسة مواضع: هاهنا. وفي (الحجر) : وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ «3» ، وفي (الكهف) : تَذْرُوهُ الرِّياحُ «4» ، وفي (الروم) : الحرف الأول (الرياح) . وفي (الجاثية) : وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ «5» ، وقرأ باقي القرآن «الريح» . وقرأ أبو جعفر «الريح» في خمسة عشر موضعاً في (البقرة) ، وفي (الأعراف) : يُرْسِلُ الرِّياحَ «6» ، وفي (إبراهيم) : «اشتدت به الرياح» ، وفي (الحجر) : الرِّياحَ لَواقِحَ، وفي (سبحان) «7» ، وفي (الكهف) : تَذْرُوهُ الرِّياحُ، وفي (الأنبياء) وفي (الفرقان) : أَرْسَلَ الرِّياحَ «8» ، وفي (النمل) . والثاني من (الرّوم) : وفي (سبأ) ، وفي (فاطر) : أَرْسَلَ الرِّياحَ «9» ، وفي (عسق) : «يسكن الرياح» ، وفي (الجاثية) : وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ، تابعه نافع إلا في (سبحان) ، و «رياح» سليمان. وتابع نافعاً أبو عمرو إلا في حرفين: «الريح» في (إبراهيم) و (عسق) . ووافق أبا عمر، وعاصم، وابن عامر. وقرأ حمزة «الريح» جمعاً في موضعين: في (الفرقان) ، والحرف الأول من (الروم) ، وباقيهن على التوحيد. وقرا الكسائي مثل حمزة، إلا إنه زاد عليه في (الحجر) : الرِّياحَ لَواقِحَ، ولم يختلفوا فيما ليس فيه ألف ولام، فمن جمع فكل ريح تساوي أختها في الدلالة على التوحيد والنفع، ومن وحد أراد الجنس. ومعنى تصريف الرياح: تقلّبها شمالاً مرة، وجنوباً مرة، ودبوراً أُخرى، وعذاباً ورحمة، وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ: المذلل. والآية فيه من أربعة أوجه: ابتداء كونه، وانتهاء تلاشيه، وقيامه بلا
[سورة البقرة (2) : آية 165]
دعامة ولا علاقة، وإرساله إلى حيث شاء الله تعالى. (لآيات) . الآية: العلامة. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أخبرنا عاصم قال: أخبرنا ابن بشران قال: أخبرنا ابن صفوان قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني هارون قال: حدثني عفان عن مبارك بن فضاله قال: سمعت الحسن يقول: كانوا يقولون- يعني أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: الحمد لله الرفيق، الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا ينصرف، لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق ربٌ لحادثه، وإن الله تعالى قد حادث بما ترون من الآيات، إنه جاء بضوء طبَّق ما بين الخافقين وجعل فيها معاشاً، وسراجاً وهاجاً، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق، وجاء بظلمة طبَّقت ما بين الخافقين، وجعل فيه شهبا ونجوما، وقمرا منيرا، وإذا شاء بنى بناء، جعل فيه المطر، والبرق، والرعد، والصواعق، ما شاء، وإذا شاء صرف ذلك، وإذا شاء جاء ببرد يقرقف «1» الناس، وإذا شاء ذهب بذلك، وجاء بحرّ يأخذ أنفاس الناس، ليعلم الناس أن لهذا الخلق رباً يحادثه بما ترون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدّنيا وجاء بالآخرة. [سورة البقرة (2) : آية 165] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً. في الأنداد قولان قد تقدما في أول السورة. وفي قوله: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ قولان: أحدهما: أن معناه: يحبونهم كحب الذين آمنوا لله، هذا قول ابن عباس، وعكرمة، وأبي العالية، وابن زيد، ومقاتل، والفراء. والثاني: يحبونهم كمحبتهم لله، أي: يسوون بين الأوثان وبين الله تعالى في المحبة. هذا اختيار الزجاج، قال: والقول الأول ليس بشيء، والدليل على نقضه قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، قال المفسرون: أشد حباً لله من أهل الأوثان لأوثانهم. قوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «يرى» بالياء، ومعناه: لو يرون عذاب الآخرة لعلموا أن القوة لله جميعاً. وقرأ نافع وابن عامر، ويعقوب: «ولو ترى» بالتاء، على الخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد به جميع الناس، وجوابه محذوف، تقديره: لرأيتم أمراً عظيماً، كما تقول: لو رأيت فلانا والسّياط تأخذه. فإنّما حذف الجواب، لأنّ المعنى معلوم. قال أبو علي: وإنما قال: «إِذ» ولم يقل: «إِذا» وإن كانت «إِذ» لما مضى، لإرادة تقريب الأمر، فأتى بمثال الماضي، وإنما حذف جواب «لو» لأنه أفخم، لذهاب المتوعد إلى كل ضرب من الوعيد. وقرا أبو جعفر: «إن القوة» و «إِن الله» بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف، كأنّه يقول: ولا يحزنك ما ترى من محبتهم أصنامهم «إن القوة لله جميعاً» ، قال ابن عباس: القوة: القدرة، والمنعة. [سورة البقرة (2) : الآيات 166 الى 167] إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
[سورة البقرة (2) : آية 168]
قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، فيهم قولان: أحدهما: أنهم القادة والرؤساء، قاله ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة، ومقاتل، والزجاج. والثاني: أنهم الشّياطين، قاله السّدّيّ. قوله تعالى: وَرَأَوُا الْعَذابَ، يشمل الكل. وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ، أي: عنهم، مثل قوله: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً «1» . وفي الْأَسْبابُ أربعة أقوال: أحدها: أنها المودات، وإلى نحوه يذهب ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنها الأعمال، رواه السدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وهو قول أبي صالح وابن زيد. والثالث: أنها الأرحام، رواه ابن جريج عن ابن عباس. والرابع: أنها تشمل جميع ذلك. قال ابن قتيبة: هي الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا، فأما تسميتها بالأسباب، فالسبب في اللغة: الحبل، ثم قيل لكل ما يتوصّل به إلى مقصود: سبب. والكرَّة: الرجعة إلى الدنيا، قاله ابن عباس، وقتادة في آخرين فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ، يريدون: من القادة كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا في الآخرة. كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ، قال الزجاج: أي: كتبرؤ بعضهم من بعض، يريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم، لأن أعمال الكافر لا تنفعه. وقال ابن الأنباري: يريهم الله أعمالهم القبيحة حسراتٍ عليهم إذا رأوا أحسن المجازاة للمؤمنين بأعمالهم، قال: ويجوز أن يكون: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم وجزاءها، فحذف الجزاء وأقام الأعمال مقامه. قال ابن فارس: والحسرة: التلهف على الشيء الفائت. وقال غيره: الحسرة: أشدّ النّدامة. [سورة البقرة (2) : آية 168] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً نزلت في ثقيف، وخزاعة، وبني عامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام، وحرّموا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، قاله ابن السائب. قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، قرأ ابن كثير، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم «خُطوات» مثقلة. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة «خُطْوات» ساكنة الطاء خفيفة. وقرا الحسن، وأبو الجوزاء «خَطْوات» بفتح الخاء وسكون الطاء من غير همز. وقرا أبو عمران الجوني بضم الخاء والطاء مع الهمز. قال ابن قتيبة: خطواته: سبيله ومسلكه، وهي جمع خُطوة، والخطوة بضم الخاء: ما بين القدمين، وبفتحها: الفعلة الواحدة. واتباعهم خطواته: أنهم كانوا يحرّمون أشياء قد أحلها الله، ويحلّون أشياء قد حرمها الله. قوله تعالى: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، أي: بيِّن. وقيل: أبان عداوته بما جرى له مع آدم. [سورة البقرة (2) : آية 169] إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169) قوله تعالى: إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ، السوء: كل إثم وقبح. قال ابن عباس: وإنما سمي سوءاً، لأنه تسوء عواقبه، وقيل: لأنه يسوء إظهاره وَالْفَحْشاءِ من: فحش الشيء: إذا جاز قدره. وفي المراد بها هاهنا خمسة أقوال: أحدها: أنها كل معصية لها حد في الدنيا. والثاني: أنها ما لا يعرف في
[سورة البقرة (2) : آية 170]
شريعة ولا سنة. والثالث: أنها البخل، وهذه الأقوال الثلاثة منقولة عن ابن عباس. والرابع: أنها الزّنا، قاله السدي. والخامس: المعاصي، قاله مقاتل. قوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. أي: أنه حرم عليكم ما لم يحرّم. [سورة البقرة (2) : آية 170] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170) قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ. اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها في الذين قيل لهم: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً، فعلى هذا تكون الهاء والميم عائدة عليهم، وهذا قول مقاتل. والثاني: أنها نزلت في اليهود، وهي قصة مستأنفة، فتكون الهاء والميم كناية عن غير مذكور، ذكره ابن إسحاق عن ابن عباس. والثالث: أنها في مشركي العرب وكفار قريش، فتكون الهاء والميم عائدة إلى قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً، فعلى القول الأول يكون المراد بالذي أنزل الله: تحليل الحلال، وتحريم الحرام. وعلى الثاني يكون: الإسلام. وعلى الثالث: التّوحيد والإسلام. وأَلْفَيْنا بمعنى: وجدنا. قوله تعالى: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من الدين، ولا يهتدون له، أيتبعونهم في خطئهم وافترائهم! [سورة البقرة (2) : الآيات 171 الى 172] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ. في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناها: ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي ينعق بها الراعي، وهذا قول الفراء، وثعلب، قالا جميعاً: أضاف المثل إلى الذين كفروا، ثم شبههم بالراعي، ولم يقل: كالغنم، والمعنى: ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت، فلو قال لها الراعي: ارعي، أو اشربي، لم تدر ما يقول، فكذلك الذين كفروا فيما يأتيهم من القرآن، وإنذار الرسول، فأضيف التشبيه إلى الراعي، والمعنى في المرعي، وهو ظاهر في كلام العرب، يقولون: فلان يخافك كخوف الأسد، والمعنى: كخوفه الأسد، لأن الأسد هو المعروف بأنه المخوف. قال الشاعر: كانت فريضةُ ما تقول كَمَا ... كَانَ الزِّنَاءُ فريضة الرّجم المعنى: كما كان الرجم فريضة الزنى. والثاني: أن معناها: ومثل الذين كفروا، ومثلنا في وعظهم، كمثل الناعق والمنعوق به، فحذف «ومثلنا» اختصاراً، إذ كان في الكلام ما يدل عليه. وهذا قول ابن قتيبة، والزجاج. والثالث: ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي يعبدون، كمثل الذي ينعق، هذا قول ابن زيد، والذي ينعق هو الراعي، يقال: نعق بالغنم، ينعق نعقاً ونعيقاً ونعاقاً ونعقاناً. قال ابن الأنباري: والفاشي في كلام العرب أنه لا يقال: نعق، إلا في الصياح بالغنم وحدها، فالغنم تسمع الصوت ولا تعقل المعنى. صُمٌّ بُكْمٌ إنما وصفهم بالصم والبَكم، لأنهم في تركهم قبول ما يسمعون بمنزلة من لا
[سورة البقرة (2) : آية 173]
يسمع، وكذلك في النطق والنظر، وقد سبق شرح هذا المعنى. [سورة البقرة (2) : آية 173] إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ. قرأ أبو جعفر «الميتة» هاهنا، وفي (المائدة) و (النّحل) ، و «بلدة ميّتا» بالتشديد، حيث وقع. والميتة في عرف الشرع: اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة. وقيل: إن الحكمة في تحريم الميتة أن جمود الدم فيها بالموت يحدث أذىً للآكل، وقد يسمى المذبوح في بعض الأحوال: ميتة حكماً، لأن حكمه حكم الميتة، كذبيحة المرتد فأما الدم فالمحرم منه: المسفوح، لقوله تعالى: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً «1» . قال القاضي أبو يعلى: فأما الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح، وما يبقى في العروق فهو مباح. فأما لحم الخنزير فالمراد: جملته، وإنما خص اللحم، لأنه معظم المقصود. قال الزجاج: الخنزير يشتمل على الذكر والأنثى. ومعنى وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ: ما رفع فيه الصوت بتسمية غير الله، ومثله الإهلال بالحج، إنما هو رفع الصوت بالتّلبية. قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ، أي: ألجئ بضرورة. وقرأ أبو جعفر: (فمن اضّطِر) بكسر الطاء حيث كان. وأدغم ابن محيصن الضاد في الطاء. قوله تعالى: غَيْرَ باغٍ، قال الزجّاج: البغي: قصد الفساد، يقول: بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد. وفي قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ أربعة أقوال: أحدها: أن معناه غير باغ على الولاة، ولا عاد يقطع السبيل، هذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد. والثاني: غير باع في أكله فوق حاجته، ولا متعدٍ بأكلها وهو يجد غيرها. هذا قول الحسن، وعكرمة، وقتادة، والربيع. والثالث: غير باغٍ، أي: مستحلٍ، ولا عاد: غير مضطر، روي عن سعيد بن جبير، ومقاتل. والرابع: غير باغ شهوته بذلك، ولا عاد بالشبع منه، قاله السدي. فصل: معنى الضرورة في إباحة الميته: أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه. سئل أحمد، رضي الله عنه، عن المضطر إذا لم يأكل الميتة، فذكر عن مسروق أنه قال: من اضطر فلم يأكل فمات دخل النّار. وأمّا مقدار ما يأكل فنقل حنبل: يأكل بمقدار ما يقيمه عن الموت، ونقل ابن منصور: يأكل بقدر ما يستغني. فظاهر الأولى: أنه لا يجوز له الشبع، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وظاهر الثانية: جواز الشبع وهو قول مالك «2» .
[سورة البقرة (2) : آية 174]
[سورة البقرة (2) : آية 174] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ. قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كتموا اسم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وغيّروه في كتابهم «1» . والثمن القليل: ما يصيبونه من أتباعهم من الدنيا. أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ، قال الزجاج: معناه: إن الذين يأكلونه يعذّبون به، فكأنهم يأكلون النّار، وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ هذا دليل على أن الله لا يكلم الكفّار ولا يحاسبهم. وفي قوله تعالى: وَلا يُزَكِّيهِمْ، ثلاثة أقوال: أحدها: لا يزكي أعمالهم، قاله مقاتل. والثاني: لا يثني عليهم، قاله الزجاج. والثالث: لا يطهرهم من دنس كفرهم وذنوبهم، قاله ابن جرير. [سورة البقرة (2) : آية 175] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ، أي: اختاروها على الهدى. وفي قوله تعالى: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: فما أصبرهم على عمل يؤدّيهم إلى النار! قاله عكرمة، والربيع. والثاني: ما أجرأهم على النار قاله الحسن، ومجاهد. وذكر الكسائي أن أعرابياً حلف له رجل كاذباً، فقال الأعرابي: ما أصبرك على الله، يريد: ما أجرأك. والثالث: ما أبقاهم في النار، كما تقول: ما أصبر فلاناً على الحبس، أي: ما أبقاه فيه، ذكره الزجاج. والرابع: أن المعنى: فأي شيء صبّرهم على النار؟! قاله ابن الأنباري. وفي «ما» قولان: أحدهما: أنها للاستفهام، تقديرها: ما الذي أصبرهم؟ قاله عطاء، والسدي، وابن زيد، وأبو بكر بن عياش. والثاني: أنها للتعجب،
[سورة البقرة (2) : آية 176]
كقولك: ما أحسن زيداً، وما أعلم عَمراً. وقال ابن الأنباري: معنى الآية التعجب، والله يعجّب المخلوقين، ولا يعجب هو كعجبهم. [سورة البقرة (2) : آية 176] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (176) قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ الإشارة بذلك إلى ما تقدم من الوعيد بالعذاب، فتقديره: ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه. وفي «الكتاب» قولان: أحدهما: أنه التوراة. والثاني: القرآن. وفي «الحق» قولان: أحدهما: أنه العدل، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ضد الباطل، قاله مقاتل. قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فيه قولان: أحدهما: أنه التوراة، ثم في اختلافهم فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن اليهود والنصارى اختلفوا فيها، فادعى النصارى فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود ذلك. والثاني: أنهم خالفوا ما في التوراة من صفة محمّد صلّى الله عليه وسلّم. والثالث: أنهم خالفوا سلفهم في التمسك بها. والثاني: أنه القرآن، فمنهم من قال: شعر، ومنهم من قال: إنما يعلّمه بشر. والشقاق: معاداة بعضهم لبعض. وفي معنى «بعيد» قولان: أحدهما: أن بعضهم متباعد في مشاقة بعض، قاله الزجاج. والثاني: أنه بعيد من الهدى. [سورة البقرة (2) : آية 177] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ. قال قتادة: (62) ذُكر لنا أن رجلاً سأل عن «البِر» ، فأنزلت هذه الآية، فدعاه رسول الله، فتلاها عليه. وفيمن خُوطب بها قولان: أحدهما: أنهم المسلمون. والثاني: أهل الكتابين. فعلى القول الاول معناها: ليس البر كله في الصلاة، ولكن البر ما في هذه الآية. وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، والضحاك وسفيان. وعلى القول الثاني معناها: ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب، وصلاة النصارى إلى المشرق، ولكن البر ما في هذه الآية، وهذا قول قتادة، والربيع، وعوف الأعرابي، ومقاتل. وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الراء، وقرأ الباقون برفعها، قال أبو عليّ:
[سورة البقرة (2) : آية 178]
كلاهما حسن، لأن كل واحد من الاسمين اسم «ليس» وخبرها، معرفة، فاذا اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسماً، والآخر خبراً، كما تتكافأ النكرتان. وفي المراد بالبر ثلاثة أقوال: أحدها: الإيمان. والثاني: التقوى. والثالث: العمل الذي يقرب إلى الله. قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، فيه قولان: أحدهما: أن معناه: ولكن البرّ برّ من آمن بالله. والثاني: ولكن ذا البر من آمن بالله، حكاهما الزجاج. وقرأ نافع، وابن عامر: «ولكن البر» بتخفيف نون «لكن» ورفع «البر» . وإنما ذكر اليوم الآخر، لأن عبدة الأوثان لا يؤمنون بالبعث. وفي المراد بالكتاب هاهنا قولان: أحدهما: أنه القرآن. والثاني: أنه بمعنى الكتاب، فيدخل في هذا اليهود، لتكذيبهم بعض النبيين وردهم القرآن. قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ، في هاء «حبه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى المال. والثاني: إلى الإيتاء. وكان الحسن إذا قرأها قال: سوى الزكاة المفروضة. قوله تعالى: ذَوِي الْقُرْبى، يريد: قرابة المعطي. وقد شرحنا معنى: وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ عند رأس ثلاث وثمانين آية من هذه السورة. فأما «ابن السبيل» ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الضيف، قاله سعيد بن جبير، والضحاك، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنه الذي يمر بك مسافراً، قاله الربيع بن أنس، وعن مجاهد، وقتادة كالقولين. وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: هو المنقطع به يريد بلدا آخر وهو الطريق، وابنه: صاحبه الضارب فيه، فله حق على من يمر به إذا كان محتاجاً. ولعل أصحاب القول الأول أشاروا إلى هذا، لأنه إن كان مسافراً، فانه ضيف لم ينزل. والقول الثالث: أنه الذي يريد سفراً، ولا يجد نفقة، ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي. قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ أي في فك الرقاب. ثم فيه قولان: أحدهما: أنهم المكاتبون يعانون في كتابتهم بما يعتقون به، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، والحسن، وابن زيد، والشافعي. والثاني: أنهم عبيد يشترون بهذا السهم ويعتقون، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مالك بن أنس، وأبو عبيد، وأبو ثور. وعن أحمد كالقولين. وأمّا البأساء فهي: الفقر. والضراء: المرض. وحين البأس: القتال قاله الضحاك. أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، قال أبو العالية: تكلّموا بالإيمان وحقّقوه بالعمل. [سورة البقرة (2) : آية 178] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ. روى شيبان عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغي، وكان الحيّ منهم إذا كان فيهم عدد وعدّة، فقتل عبدهم عبد قوم آخرين قالوا: لن نقتل به إلا حراً، تعززاً لفضلهم على غيرهم. وإذا قتلت امرأة منهم امرأة من آخرين قالوا: لن نقتل بها إلا
رجلا فنزلت هذه الآية «1» . ومعنى «كتب» : فرض، قاله ابن عباس وغيره. والقصاص: مقابلة الفعل بمثله، مأخوذ من: قصّ الأثر، فإن قيل: كيف يكون القصاص فرضاً والولي مخير بينه وبين العفو؟ فالجواب: أنه فرض على القاتل للولي، لا على الولي. قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ، أي: من دم أخيه أي: ترك له القتل، ورضي منه بالدية. ودل قوله: مِنْ أَخِيهِ على أن القاتل لم يخرج عن الإسلام، فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ أي: مطالبته بالمعروف، يأمر آخذ الدية بالمطالبة الجميلة التي لا يرهقه فيها. وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ يأمر المطالب بأن لا يبخس ولا يماطل ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ، قال سعيد بن جبير: كان حكم الله على أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد، ولا يعفى عنه، ولا يؤخذ منه دية، فرخَّص الله لأمة محمد، فان شاء وليّ المقتول عمداً قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية. قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى، أي: ظلم، فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدية فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ، قال قتادة: يقتل ولا تقبل منه الدية. فصل: ذهب جماعة من المفسرين إلى أن دليل خطاب هذه الآية منسوخ، لأنه لما قال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ اقتضى أن لا يقتل العبد بالحر، وكذلك لما قال: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى اقتضى أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب، وذلك منسوخ بقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ «2» ، وقال شيخنا علي بن عبد الله: وهذا عند الفقهاء ليس بنسخ، لأن الفقهاء يقولون: دليل الخطاب حجّة ما لم يعارضه دليل أقوى منه «3» .
[سورة البقرة (2) : آية 179]
[سورة البقرة (2) : آية 179] وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ. قال الزجاج: إذا علم الرجل أنه إن قَتَل قتل أمسك عن القتل، وكان في ذلك حياة للذي هم بقتله ولنفسه، لأنه من أجل القصاص أمسك. وأخذ هذا المعنى الشاعر فقال: أبلغ أبا مالك عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام «1» يريد: أنّهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب. والألباب: العقول، وإنما خصهم بهذا الخطاب وإن كان الخطاب عاماً، لأنهم المنتفعون بالخطاب، لكونهم يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه. وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، قال ابن عباس: لعلكم تتقون الدماء. وقال ابن زيد: لعلك تتقي أن يقتله فتقتل به. فصل: نقل ابن منصور عن أحمد: إذا قتل رجل رجلاً بعصا أو خنقه أو شدخ رأسه بحجر يقتل بمثل الذي قتل به. فظاهر هذا أن القصاص يكون بغير السيف، ويكون بمثل الآلة التي قتل بها، وهو قول مالك والشافعي. ونقل عنه حرب: إذا قتله بخشبة قتل بالسيف. ونقل أبو طالب: إذا خنقه قتل بالسيف. فظاهر هذا أنه لا يكون القصاص إلّا بالسّيف، وهو قول أبي حنيفة «2» .
[سورة البقرة (2) : آية 180]
[سورة البقرة (2) : آية 180] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ. قال الزجاج: المعنى: وكتب عليكم، إلا أن الكلام إذا طال استغنى عن العطف بالواو. وعلم أن معناه معنى الواو، وليس المراد: كتب عليكم أن يوصي أحدكم عند الموت، لأنه في شغل حينئذ، وإنما المعنى: كتب عليكم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية، فيقول الرجل: إذا أنا متُّ، فلفلان كذا، فأما الخير هاهنا فهو المال في قول الجماعة. وفي مقدار المال الذي تقع هذه الوصية فيه ستة أقوال: أحدها: أنه ألف درهم فصاعداً، روي عن علي، وقتادة. والثاني: أنه سبعمائة درهم فما فوقها، رواه طاوس عن ابن عباس. والثالث: ستون ديناراً فما فوقها، رواه عكرمة عن ابن عباس. والرابع: أنه المال الكثير الفاضل عن نفقة العيال. قالت عائشة لرجل سألها: إني أُريد الوصية، فقالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: هذا شيء يسير، فدعه لعيالك. والخامس: أنه من ألف درهم إلى خمسمائة، قاله إبراهيم النخعي. والسادس: أنه القليل والكثير، رواه معمر عن الزهري. فأما المعروف فهو الذي لا حيف فيه. فصل: وهل كانت الوصية ندباً أو واجبة؟ فيه قولان: أحدهما: أنها كانت ندباً. والثاني: أنها كانت فرضاً، وهو أصح، لقوله تعالى: كُتِبَ، ومعناه: فرض. قال ابن عمر: نسخت هذه الآية بآية الميراث. وقال ابن عباس: نسخها: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ. والعلماء متفقون على نسخ الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون، وهم مختلفون في الأقربين الذين لا يرثون: هل تجب الوصية لهم؟ على قولين، أصحّهما أنها لا تجب لأحد «1» . [سورة البقرة (2) : آية 181] فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) قوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ، قال الزجاج: من بدل أمر الوصية بعد سماعه إياها، فانما إثمه على مبدله، لا على الموصي، ولا على الموصى له إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما قد قاله الموصي عَلِيمٌ بما يفعله الموصى إليه.
[سورة البقرة (2) : آية 182]
[سورة البقرة (2) : آية 182] فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) قوله تعالى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم (مُوصٍ) ساكنة الواو، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «مُوَصٍ» مفتوحة الواو مشددة الصاد. وفي المراد بالخوف هاهنا قولان: أحدهما: أنه العلم. والثاني: نفس الخوف، فعلى الأول يكون الجور قد وجد. وعلى الثاني: يخشى وجوده. و «الجنف» : الميل عن الحق. قال الزجاج: جنفاً، أي: ميلاً، أو إثماً أي قصد الإثم. وقال ابن عباس: الجنف: الخطأ، والإثم: التّعمّد، إلّا أنّ المفسّرين علّقوا الجنف على المخطئ، والإثم على العامد. وفي توجيه هذه الآية قولان: أحدهما: أنّ معناها: من حضر رجلاً يموت، فأسرف في وصيته أو قصّر عن حقّ، فليأمره بالعدل، وهذا قول مجاهد. والثاني: أن معناها: من أوصى بجور، فردّ وليّه وصيّته، أو ردّها من أئمة المسلمين إلى كتاب الله وسنة نبيّه فلا إثم عليه، وهذا قول قتادة. قوله تعالى: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، أي: بين الذين أوصى لهم، ولم يجر لهم ذكر، غير أنه لما ذكر الموصي أفاد مفهوم الخطاب أن هناك موصى له، وأنشد الفراء: وما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضاً ... أُريدُ الخَيْرَ أيهما يليني؟! أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني فكنّى في البيت الأول عن الشر بعد ذكره الخير وحده، لما في مفهوم اللفظ من الدّلالة. [سورة البقرة (2) : آية 183] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ. الصيام في اللغة: الإمساك في الجملة، يقال: صامت الخيل: إذا أمسكت عن السير، وصامت الريح: إِذا أمسكت عن الهبوب. والصوم في الشرع: عبارة عن الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع انضمام النية إليه. وفي الذين من قبلنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أهل الكتاب، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم النصارى، قاله الشعبي، والربيع. والثالث: أنهم جميع أهل الملل، ذكره أبو صالح عن ابن عباس. وفي موضع التشبيه في كاف كَما كُتِبَ قولان: أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده. قال سعيد بن جبير: كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم لم يحل له أن يطعم إلى القابلة، والنساء عليهم حرام ليلة الصيام، وهو عليهم ثابت. وقد أرخص لكم. فعلى هذا تكون هذه الآية منسوخة بقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ، فإنها بين صوم أهل الكتاب وبين صوم المسلمين. والثاني: أن التشبيه في عدد الأيام. ثم في ذلك قولان: أحدهما: أنه فرض على هذه الأمة صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقد كان ذلك فرضاً على من قبلهم. قال عطية عن ابن عباس في قوله تعالى: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، قال: كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ برمضان. وقال معمر عن قتادة: كان الله قد كتب على الناس قبل رمضان ثلاثة أيام من كل شهر، فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. والثاني: أنه فرض على من
[سورة البقرة (2) : آية 184]
قبلنا صوم رمضان بعينه. قال ابن عباس: فقدم النصارى يوماً ثم يوماً، وأخَّروا يوماً، ثم قالوا: نقدم عشراً ونؤخر عشراً. وقال السدي عن أشياخه: اشتد على النصارى صوم رمضان، فجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلمّا رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياماً في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يوماً نكفر بها ما صنعنا، فعلى هذا تكون الآية محكمة غير منسوخة. قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، لأن الصيام وصلة إلى التقى، إذ هو يكف النفس عن كثير مما تتطلع إليه من المعاصي، وقيل: لعلّكم تتّقون محظورات الصّوم. [سورة البقرة (2) : آية 184] أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) قوله تعالى: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ، قال الزجاج: نصب «أياماً» على الظرف، كأنه قال: كتب عليكم الصيام في هذه الأيام. والعامل فيه «الصيام» ، كأنَّ المعنى: كتب عليكم أن تصوموا أياماً معدودات. وفي هذه الأيام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ثلاثة أيام من كل شهر. والثاني: أنها ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء. والثالث: أنها شهر رمضان، وهو الأصح، وتكون الآية محكمة في هذا القول، وفي القولين قبله تكون منسوخة. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ، فيه إضمار: فأفطر. فصل: وليس المرض والسفر على الإطلاق، فان المريض إذا لم يضر به الصوم لم يجز له الإفطار، وإنما الرخصة موقوفة على زيادة المرض بالصوم. واتفق العلماء أن السفر مقدر، واختلفوا في تقديره، فقال أحمد، ومالك، والشافعي: أقله مسيرة ستة عشر فرسخاً: يومان، وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله مسيرة ثلاثة أيام، مسيرة أربعة وعشرين فرسخاً. وقال الأوزاعي: أقله مرحلة يوم، مسيرة ثمانية فراسخ. وقيل: إن السفر مشتق من السفر الذي هو الكشف، يقال: سفرت المرأة عن وجهها، وأسفر الصبح: إذا أضاء، فسمي الخروج إلى المكان البعيد: سفراً، لأنه يكشف عن أخلاق المسافر «1» .
[سورة البقرة (2) : آية 185]
قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، نقل عن ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وعلقمة، والزهري في آخرين في هذه الآية أنهم قالوا: كان من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى، يطعم عن كل يوم مسكيناً، حتى نزلت: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فعلى هذا يكون معنى الكلام: وعلى الذين يطيقونه ولا يصومونه فدية، ثم نسخت. وروي عن عكرمة أنه قال: نزلت في الحامل والمرضع. وقرا أبو بكر الصديق، وابن عباس: «وعلى الذين يطوّقونه» بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الواو. قال ابن عباس: هو الشيخ والشيخة. قوله تعالى: فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة والكسائيّ (فدية) منون طَعامُ مَساكِينَ موحد. وقرأ نافع، وابن عامر: «فدية» بغير تنوين «طعام» بالخفض «مساكين» بالجمع، وقال أبو علي: معنى القراءة الأولى: على كل واحد طعام مساكين. ومثله: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ «1» ، أي: اجلدوا كل واحد ثمانين. قال أبو زيد: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلّة، وأعطانا كلّنا مائة، أي: فعل ذلك بكل واحد منا. قال: فأما من أضاف الفدية إلى الطعام، فكإضافة البعض إلى ما هو بعض له، وذلك أنه سمى الطعام الذي يفدى به فدية، ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعم الفدية وغيرها، فهو على هذا من باب: خاتم حديد. وفي قوله تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: من أطعم مسكينين، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أن التّطوّع إطعام مساكين، قاله طاوس. والثالث: أنه زيادة المساكين على قوته، وهو مروي عن مجاهد، وفعله أنس بن مالك لما كبر. وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ عائد إلى من تقدم ذكره من الأصحاء المقيمين المخيّرين بين الصوم والإطعام على ما حكينا في أول الآية عن السلف، ولم يرجع ذلك إلى المرضى والمسافرين، والحامل والمرضع، إذ الفطر في حق هؤلاء أفضل من الصوم، وقد نهوا عن تعريض أنفسهم للتلف، وهذا يقوّي قول القائلين بنسخ الآية. [سورة البقرة (2) : آية 185] شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ. قال الأخفش: شهر رمضان بالرفع على تفسير الأيام، كأنه لما قال: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فسرها فقال: هي شهر رمضان، قال أبو عبيد: وقرأ مجاهد: «شهرَ رمضان» بالنصب، وأُراه نصبه على معنى الإغراء: عليكم شهر رمضان فصوموه كقوله: مِلَّةَ أَبِيكُمْ «2» ،
وقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ «1» ، قلت: وممن قرأ بالنصب معاوية والحسن وزيد بن علي وعكرمة ويحيى بن يعمر. قال ابن فارس: الرمض: حر الحجارة من شدة حر الشمس، ويقال: شهر رمضان، من شدة الحر، لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التى وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، ويجمع على رمضانات وأرمضاء وأرمضة. قوله تعالى: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أنزل القرآن فيه جملة واحدة، وذلك في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا، قاله ابن عباس. والثاني: أنّ معناه: أنزل القرآن بفرض صيامه، وروي عن مجاهد، والضحاك. والثالث: أن معناه: إن القرآن ابتدئ بنزوله فيه على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن إسحاق، وأبو سليمان الدمشقي. قال مقاتل: والفرقان المخرج في الدين من الشبهة والضلالة. قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ «2» ، أي: من كان حاضراً غير مسافر. فإن قيل: ما الفائدة في إعادة
المرض والسفر في هذه الآية، وقد تقدم ذلك؟ قيل: لأن في الآية المتقدمة منسوخاً، فأعاده لئلا يكون مقروناً بالمنسوخ. قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، قال ابن عباس، ومجاهد وقتادة والضحاك: اليسر: الإِفطار في السفر، والعسر: الصوم فيه. وقال عمر بن عبد العزيز: أي ذلك كان أيسر عليك فافعل: الصوم في السفر، أو الفطر. قوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «ولتكملوا» باسكان الكاف خفيفة. وقرأ أبو بكر عن عاصم بتشديد الميم، وذلك مثل: «وصّى» و «أوصى» وقال ابن عباس: ولتكملوا عدة ما أفطرتم. وقال بعضهم: المراد به: لا تزيدوا على ما افترض، كما فعلت النصارى، ولا تنقلوه عن زمانه كما نقلته، وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ، قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال، أن يكبروا لله حتى يفرغوا من عيدهم. فان قيل: ما وجه دخول الواو في قوله: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ، وليس هناك ما يعطف عليه؟ فالجواب: أن هذه الواو عطفت اللام التي بعدها على لام محذوفة، والمعنى: ولا يريد بكم العسر، ليسعدكم، ولتكملوا العدة، فحذفت اللام الأولى لوضوح معناها، ذكره ابن الأنباري. فصل: ومن السنة إظهار التكبير ليلة الفطر، وليلة النحر، وإذا غدوا إلى المصلَّى. واختلفت الرواية عن أحمد، رضي الله عنه، متى يقطع في عيد الفطر، فنقل عنه حنبل: يقطع بعد فراغ الإمام من الخطبة. ونقل الأثرم: إذا جاء المصلَّى، قطع. قال القاضي أبو يعلى: يعني: إذا جاء المصلى وخرج الإمام «1» .
[سورة البقرة (2) : آية 186]
[سورة البقرة (2) : آية 186] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي. في سبب نزولها خمسة أقوال: (63) أحدها: أن أعرابياً جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية، رواه الصلت بن حكيم عن أبيه عن جده. (64) والثاني: أن يهود المدينة قالوا: يا محمد! كيف يسمع ربنا دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام؟! فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. (65) والثالث: أنهم قالوا: يا رسول الله! لو نعلم أية ساعة أحب إلى الله أن ندعو فيها دعونا، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. (66) والرابع: أن أصحاب النبي قالوا له: أين الله؟ فنزلت هذه الآية، قاله الحسن. (67) والخامس: أنه لما حرم في الصوم الأول على المسلمين بعد النّوم الأكل والجماع أكل
رجل منهم بعد أن نام، ووطيء رجل بعد أن نام، فسألوا: كيف التوبة مما عملوا؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. ومعنى الكلام: إذا سألوك عني فأعلمهم أني قريب. وفي معنى «أجيب» قولان: أحدهما: أسمع، قاله الفراء، وابن القاسم. والثاني: أنه من الإِجابة: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، أي: فليجيبوني. قال الشاعر: فلم يستجبه عند ذاك مجيب أراد: فلم يجبه. وهذا قول أبي عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، قال أبو العالية: يعني: يهتدون. فصل: إن قال قائل: هذه الآية تدل على أن الله تعالى يجيب أدعية الداعين، وترى كثيراً من الداعين لا يستجاب لهم! (68) فالجواب: أن أبا سعيد روى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: «ما من مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إِثم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إِما أن يعجل دعوته، وإِما أن يدخرها له في الآخرة، وإِما أن يدفع عنه من السوء مثلها» . وجواب آخر: وهو أن الدعاء تفتقر إجابته إلى شروط أصلها الطاعة لله، ومنها أكل الحلال، فإن أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء، ومنها حضور القلب. (69) ففي بعض الحديث: «لا يقبل الله دعاءً من قلب غافل لاه» .
[سورة البقرة (2) : آية 187]
وجواب آخر: وهو أن الداعي قد يعتقد المصلحة في إجابته إلى ما سأل، وقد لا تكون المصلحة في ذلك، فيجاب إلى مقصوده الأصلي، وهو: طلب المصلحة، وقد تكون المصلحة في التأخير أو في المنع. [سورة البقرة (2) : آية 187] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ. سبب نزول هذه الآية: (70) أن الصحابة كانوا إذا نام الرجل قبل الأكل والجماع، حرما عليه إلى أن يفطر، فجاء شيخ
من الأنصار وهو صائم إلى أهله، فقال: عشوني، فقالوا: حتى نسخن لك طعاماً، فوضع رأسه فنام، فجاؤوا بالطعام، فقال: قد كنت نمت، فبات يتقلب ظهراً لبطن، فلما أصبح أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! إني أردت أهلي الليلة، فقالت: إنها قد نامت، فظننتها تعتل، فواقعتها، فأخبرتني أنها قد نامت، فأنزل الله تعالى في عمر بن الخطاب: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، وأنزل الله في الأنصاري: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، هذا قول جماعة من المفسرين. واختلفوا في اسم هذا الأنصاري على أربعة أقوال «1» : أحدها: قيس بن صرمة، قاله البراء. والثاني: صرمة بن أنس، قاله القاسم بن محمد. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: صرمة بن مالك. والثالث: ضمرة بن أنس. والرابع: أبو قيس بن عمر. وذكر القولين أبو بكر الخطيب. فأما «الرفث» فقال ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعطاء والحسن وابن جبير في آخرين: هو الجماع. قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ، فيه قولان: أحدهما: أن اللباس السّكن. ومثله جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً، أي سكناً. وهذا قول ابن عباس وابن جبير ومجاهد وقتادة. والثاني: أنهن بمنزلة اللباس لإفضاء كل واحد ببشرته إلى بشرة صاحبه، فكنى عن اجتماعهما متجردين باللباس. قال الزجاج: والعرب تسمي المرأة: لباساً وإزاراً، قال النابغة الجعدي: إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنت فكانت عليه لباساً وقال غيره: ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدىً لك من أخي ثقة إِزاري يريد بالإزار: امرأته. قوله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، قال ابن قتيبة: يريد: تخونونها بارتكاب ما حُرِّمَ عليكم. قال ابن عباس: وعنى بذلك فعل عمر، فإنه أتى أهله، فلما اغتسل أخذ يلوم نفسه ويبكي. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، أصل المباشرة: إلصاق البشرة بالبشرة. وقال ابن عباس: المراد بالمباشرة هاهنا الجماع. وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فيه أربعة أقوال «2» : أحدها: أنه الولد، قاله ابن
عباس، والحسن، ومجاهد في آخرين. قال بعض أهل العلم: لما كانت المباشرة قد تقع على ما دون الجماع، أباحهم الجماع الذي يكون من مثله الولد، فقال: وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يريد: الولد. والثاني: أن الذي كتب لهم الرخصة، وهو قول قتادة، وابن زيد. والثالث: أنه ليلة القدر، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. والرابع: أنه القرآن، فمعنى الكلام: اتبعوا القرآن، فما أُبيح لكم وأمرتم به فهو المبتغى، وهذا اختيار الزجاج. قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ. قال عدي بن حاتم: (71) لما نزلت هذه الآية، عمدت إلى عقالين، أبيض وأسود، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أقوم في الليل ولا أستبين الأسود من الأبيض، فلما أصبحت غدوت على رسول الله فأخبرته، فضحك وقال: «إِن كان وسادك إِذاً لعريض، إِنما ذاك بياض النهار من سواد الليل» . (72) وقال سهل بن سعد: نزلت هذه الآية: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، ولم ينزل: مِنَ الْفَجْرِ، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ذلك مِنَ الْفَجْرِ، فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار. فصل: إذا شك في الفجر، فهل يدع السحور أم لا؟ فظاهر كلام أحمد يدل على أنه لا يدع السحور، بل يأكل حتى يستيقن طلوع الفجر. وقال مالك: أكره له أن يأكل إذا شك في طلوع الفجر، فان أكل فعليه القضاء. وقال الشافعي: لا شيء عليه «1» . قوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، في هذه المباشرة قولان: أحدهما: أنها المجامعة، وهو قول الاكثرين. والثاني: أنها ما دون الجماع من اللمس والقبلة، قاله ابن زيد. وقال قتادة: كان الرجل المعتكف إذا خرج من المسجد، فلقي امرأته باشرها إذا أراد ذلك، فوعظهم الله في ذلك. فصل: الاعتكاف في اللغة: اللبث، يقال: فلان معتكف على كذا، وعاكف. وهو فعل مندوب إليه، إلا أن ينذره الإنسان، فيجب. ولا يجوز إلا في مسجد تقام فيه الجماعات، ولا يشترط في حقّ
المرأة مسجد تقام فيه الجماعة، إذ الجماعه لا تجب عليها. وهل يصح بغير صوم؟ فيه عن أحمد روايتان «1» . قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، قال ابن عباس: يعني: المباشرة فَلا تَقْرَبُوها، قال الزجّاج:
[سورة البقرة (2) : آية 188]
الحدود ما منع الله من مخالفتها، فلا يجوز مجاوزتها. وأصل الحد في اللغة: المنع، ومنه: حد الدار، وهو ما يمنع غيرها من الدخول فيها. والحداد في اللغة: الحاجب والبوّاب، وكلّ ما منع شيئاً فهو حداد، قال الأعشى: فقمنا ولما يصحْ ديكنا ... إِلى جونة عند حدادها أي: عند ربها الذي يمنعها إلا بما يريده. وأحدّث المرأة على زوجها، وحدّت فهي حاد، ومحد: إذا قطعت الزينة، وامتنعت منها، وأحددت النظر إلى فلان: إذا منعت نظرك من غيره. وسمي الحديد حديدا، لأنه يمتنع به من الأعداء. قوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ، أي: مثل هذا البيان الذي ذكر. [سورة البقرة (2) : آية 188] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ.
[سورة البقرة (2) : آية 189]
أنها ترجع إلى الأموال، كأنه قال: لا تصانعوا ببعضها جَوَرَة الحكام. والثاني: أنها ترجع إلى الخصومة. إن قيل: كيف أعاد ذكر الأكل فقال: وَلا تَأْكُلُوا لِتَأْكُلُوا؟ فالجواب: أنه وصل اللفظة الأولى بالباطل، والثانية بالإثم، فأعادها للزيادة في المعنى، ذكره ابن الأنباريّ. [سورة البقرة (2) : آية 189] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ. هذه الآية من أولها إلى قوله: وَالْحَجِّ، نزلت على سبب: (74) وهو أن رجلين من الصحابة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو دقيقاً، ثم يزيد ويمتلئ حتى يستدير ويستوي، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ فنزلت: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ، هذا قول ابن عباس «1» . ومن قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها إلى آخرها يدل على سبب آخر: (75) وهو أنهم كانوا إذا حجوا، ثم قدموا المدينة، لم يدخلوا من باب، ويأتون البيوت من ظهورها، فنسي رجل، فدخل من باب، فنزلت: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها هذا قول البراء بن عازب. وفيما كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها لأجله أربعة أقوال: أحدها: أنهم كانوا يفعلون ذلك لأجل الإحرام، قاله ابن عباس، وأبو العالية، والنخعي، وقتادة، وقيس النهشلي. والثاني: لأجل دخول الشهر الحرام، قاله البراء بن عازب. والثالث: أن أهل الجاهلية كانوا إذا همَّ أحدهم بالشيء فاحتبس عنه لم يأت بيته من بابه حتى يأتي الذي كان هم به، قاله الحسن. والرابع: أن أهل المدينة كانوا إذا رجعوا من عيدهم فعلوا ذلك، رواه عثمان بن عطاء عن أبيه.
[سورة البقرة (2) : آية 190]
فأما التفسير فانما سألوه عن وجه الحكمة في زيادة الأهلَّة ونقصانها، فأخبرهم أنها مقادير لما يحتاج الناس إليه في صومهم وحجهم وغير ذلك. والأهلَّة: جمع هلال. وكم يبقى الهلال على هذه التسمية؟ فيه للعرب أربعة أقوال: أحدها: أنه يسمى هلالاً لليلتين من الشهر. والثاني: لثلاث ليال، ثم يسمى قمراً. والثالث: إلى أن يحجر، وتحجيره: أن يستدير بخطة دقيقة، وهو قول الأصمعي. والرابع: إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل. حكى هذه الأقوال ابن السري واختار الأول، قال: واشتقاق الهلال من قولهم: استهل الصبي: إذا بكى حين يولد. وأهل القوم بالحج: إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، فسمي هلالاً لأنه حين يُرى يُهل الناس بذكره. قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى، مثل قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وقد سبق بيانه، واختلف القرّاء في البيوت وما أشبهها، قرأ ابن كثير، وابن عامر، والكسائي بكسر باء «البيوت» وعين «العُيون» وغين «الغُيوب» ، وروي عن نافع أنه ضم باء «البيوت» وعين «العيون» وغين «الغيوب» وجيم «الجيوب» وشين «الشيوخ» ، وروى عنه قالون أنه كسر باء «البيوت» ، وقرأ أبو عمرو، وأبو جعفر بضم الأحرف الخمسة، وكسرهن جميعاً حمزة، واختلف عن عاصم. قال الزجاج: من ضم «البيوت» فعلى أصل الجمع: بيت وبيوت، مثل: قلب وقلوب، وفلس وفلوس. ومن كسر، الياء بعد الباء، وذلك عند البصريين رديء جدا، لأنه ليس في الكلام فعول بكسر الفاء. وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: إذا كان الجمع على فعول، وثانيه ياء، جاز فيه الضم والكسر، تقول: بُيوتٌ وبِيوت، وشُيوخٌ وشيوخ، وقيود وقيود. [سورة البقرة (2) : آية 190] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ (76) سبب نزولها: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما صُدّ عن البيت، ونحر هديه بالحديبية، وصالحه المشركون على أن يرجع من العام المقبل رجع، فلما تجهز في العام المقبل خاف أصحابه أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم ويقاتلوهم، وكره أصحابه القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. قوله تعالى: وَلا تَعْتَدُوا، أي: ولا تظلموا. وفي المراد بهذا الاعتداء أربعة أقوال: أحدها: أنه قتل النساء والولدان، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أن معناه: لا تقاتلوا من لم يقاتلكم، قاله سعيد بن جبير، وأبو العالية، وابن زيد. والثالث: أنه إتيان ما نهوا عنه، قاله الحسن. والرابع: أنه ابتداؤهم بالقتال في الحرم في الشهر الحرام، قاله مقاتل. فصل: اختلف العلماء: هل هذه الآية منسوخة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها منسوخة. واختلف أرباب هذا القول في المنسوخ منها على قولين: أحدهما: أنه
أولها، وهو قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، قالوا: وهذا يقتضي أن القتال يباح في حق من قاتل من الكفار، ولا يباح في حق من لم يقاتل، وهذا منسوخ بقوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ. والثاني: أن المنسوخ منها: وَلا تَعْتَدُوا، ولهؤلاء في هذا الاعتداء قولان: أحدهما: أنه قتل من لم يقاتل. والثاني: أنه ابتداء المشركين بالقتال، وهذا منسوخ بآية السيف. والقول الثاني: أنها محكمة، ومعناها عند أرباب هذا القول: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وهم الذين أعدوا أنفسهم للقتال، فأما من ليس بمعدٍّ نفسه للقتال، كالرهبان والشيوخ الفناة، والزمنى، والمكافيف، والمجانين، فان هؤلاء لا يقاتلون وهذا حكمٌ باقٍ غيرُ منسوخ «1» . فصل: واختلف العلماء في أول آية نزلت في إباحة القتال على قولين: أحدهما: أنها قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، قاله أبو بكر الصِّدِّيق، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والزهري. والثاني: أنها هذه الآية: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قاله أبو العالية، وابن زيد.
[سورة البقرة (2) : آية 191]
[سورة البقرة (2) : آية 191] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) قوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ. أي: وجدتموهم. يقال: ثقفته أثقفه: إذا وجدته. قال القاضي أبو يعلى: قوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، عام في جميع المشركين، إلا من كان بمكة، فانهم أمروا باخراجهم منها، إلا من قاتلهم فإنهم أُمروا بقتالهم، يدل على ذلك قوله في نسق الآية: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، وكانوا قد آذوا المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج، فكأنهم أخرجوهم. فأما الفتنة، ففيها قولان: أحدهما: أنها الشرك، قاله ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وقتادة في آخرين. والثاني: أنها ارتداد المؤمن إلى عبادة الأوثان، قاله مجاهد. فيكون معنى الكلام على القول الأول: شرك القوم أعظم من قتلكم إياهم في الحرم. وعلى الثاني: ارتداد المؤمن إلى الأوثان أشد عليه من أن يقتل محقاً. قوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فان قتلوكم) ، بحذف الألف فيهن. وقد اتفق الكل على قوله: فَاقْتُلُوهُمْ، فاحتجّ من قرأ بالألف بقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، واحتج من حذف الألف بقوله: فَاقْتُلُوهُمْ. فصل: واختلف العلماء في قوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، هل هو منسوخ أم لا؟ فذهب مجاهد في جماعة من الفقهاء إلى أنه محكم وأنه لا يقاتل فيه إلا من قاتل. (77) ويدل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أنه خطب يوم فتح مكة، فقال: «يا أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والارض، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي. وإنما أُحلت لي ساعةً من نهار، ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة» . فبين صلّى الله عليه وسلّم أنه خص في تلك الساعة بالإباحة على سبيل التخصيص، لا على وجه النسخ، فثبت بذلك حظر القتال في الحرم، إلا أن يقاتلوا فيدفعون دفعا، وهذا أمر مستمر الحكم غير منسوخ، وقد ذهب قتادة إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، فأمر بقتالهم في الحل والحرم وعلى كل حال. وذهب الربيع بن أنس، وابن زيد، إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وزعم مقاتل إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ. والقول الأول أصح. قوله تعالى: فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، قال مقاتل: أي: فقاتلوهم. [سورة البقرة (2) : آية 192] فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) قوله تعالى: فَإِنِ انْتَهَوْا. فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: فإن انتهوا عن شركهم وقتالكم.
[سورة البقرة (2) : آية 193]
والثاني: عن كفرهم. والثالث: عن قتالكم دون كفرهم، فعلى القولين الأولين تكون الآية محكمة، ويكون معنى: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غفور لشركهم وجرمهم، وعلى القول الأخير يكون في معنى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ قولان: أحدهما: غفور لكم حيث أسقط عنكم تكليف قتالهم. والثاني: أن معناه: يأمركم بالغفران والرحمة لهم. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية السّيف. [سورة البقرة (2) : آية 193] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ. قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في آخرين: الفتنة هاهنا: الشرك. قوله تعالى: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، قال ابن عباس: أي يخلص له التوحيد. والعدوان: الظلم، وأُريد به هاهنا الجزاء، فسمي الجزاء عدواناً مقابلة للشيء بمثله، كقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ، والظالمون هاهنا المشركون، قاله عكرمة وقتادة في آخرين. فصل: وقد روي عن جماعة من المفسرين، منهم قتادة، أن قوله تعالى: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، منسوخ بآية السيف، وإنما يستقيم هذا إذا قلنا: إن معنى الكلام: فإن انتهوا عن قتالكم مع إقامتهم على دينهم، فأما إذا قلنا: إن معناه: فإن انتهوا عن دينهم فالآية محكمة. [سورة البقرة (2) : آية 194] الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ هذه الآية نزلت على سبب واختلفوا فيه على قولين: (78) أحدهما: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أقبل هو وأصحابه معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي، فصدهم المشركون، فصالحهم نبي الله على أن يرجع عنهم ثم يعود في العام المقبل، فيكون بمكة ثلاث ليال، ولا يدخلها بسلاح، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فلما كان العام المقبل أقبل هو وأصحابه فدخولها، فافتخر المشركون عليه إذ ردوه يوم الحديبية، فأقصه الله منهم وأدخله مكة في الشهر الذي ردوه فيه، فقال: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وأبو العالية، وقتادة في آخرين. (79) والثاني: أن مشركي العرب قالوا للنبي عليه السلام: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ قال: «نعم» ، وأرادوا أن يفتروه في الشهر الحرام، فيقاتلوه فيه، فنزلت هذه الآية، يقول: إن استحلّوا منكم شيئاً في الشهر الحرام، فاستحلوا منهم مثله، هذا قول الحسن، واختاره إبراهيم بن السّريّ الزجّاج.
[سورة البقرة (2) : الآيات 195 إلى 196]
وأما أرباب القول الأول فيقولون: معنى الآية: الشهر الحرام الذي دخلتم فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه عام أول. وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: اقتصصت لكم منهم في ذي القعدة كما صدوكم في ذي القعدة. وقال الزجاج: الشهر الحرام، أي: قتال الشهر الحرام بالشهر الحرام، فأعلم الله عزّ وجلّ أن أمر هذه الحرمات لا تجوز للمسلمين إلا قصاصاً، ثم نسخ ذلك بآية السيف، وقيل: إنما جمع الحرمات، لأنه أراد الشهر الحرام بالبلد الحرام، وحرمة الإحرام. قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ، قال ابن عباس: من قاتلكم في الحرم فقاتلوه. وإنما سمى المقابلة على الاعتداء اعتداءً، لأن صورة الفعلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية. قال الزجاج: والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته، أي: جازيته بظلمه. وجهل فلان عليَّ، فجهلت عليه. وقد سبق بيان هذا المعنى في أول السورة. قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ، قال سعيد بن جبير: واتقوا الله ولا تبدأوهم بقتال في الحرم. [سورة البقرة (2) : الآيات 195 الى 196] وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196) قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. هذه الآية نزلت على سبب، وفيه قولان: (80) أحدهما: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما أمر بالتجهز إلى مكة، قال ناسٌ من الأعراب: يا رسول الله! بماذا نتجهز؟ فو الله ما لنا زاد ولا مال! فنزلت، قاله ابن عباس.
أحدها: أنها ترك النفقة في سبيل الله، قاله حذيفة، وابن عباس، والحسن، وابن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. والثاني: أنها القعود عن الغزو شغلاً بالمال، قاله أبو أيوب الأنصاري. والثالث: أنها القنوط من رحمة الله، قاله البراء، والنعمان بن بشير، وعبيدة. والرابع: أنها عذاب الله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس «1» . قوله تعالى: وَأَحْسِنُوا، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: أحسنوا الإنفاق، وهو قول أصحاب القول الأول. والثاني: أحسنوا الظن بالله، قاله عكرمة، وسفيان، وهو يخرّج على قول من قال: التهلكة: القنوط. والثالث: أن معناه: أدوا الفرائض، رواه سفيان عن أبي إسحاق. قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، قال ابن فارس: الحج في اللغة: القصد، والاعتمار في الحج أصله: الزيارة. قال ثعلب: الحج بفتح الحاء: المصدر، وبكسرها: الاسم. قال: وربما قال الفراء: هما لغتان. وذكر ابن الأنباري في العمرة قولين: أحدهما: الزيارة. والثاني: القصد. وفي إتمامها أربعة أقوال: أحدها: أن معنى إتمامها: أن يفصل بينهما، فيأتي بالعمرة في غير أشهر الحج، قاله عمر بن الخطاب، والحسن وعطاء. والثاني: أن يحرم الرجل من دويرة أهله، قاله علي بن أبي طالب، وطاوس، وابن جبير. والثالث: أنه إذا شرع في أحدهما لم يفسخه حتى يتم، قاله ابن عباس. والرابع: أنه فعل ما أمر الله فيهما، قاله مجاهد. وجمهور القراء على نصب «العمرة» بايقاع الفعل عليها. وقرأ الأصمعي عن نافع والقزاز عن أبي عمرو والكسائي عن أبي جعفر برفعها، وهي قراءة ابن مسعود وأبي رزين والحسن والشّعبيّ.
وممن ذهب إلى أن العمرة واجبة، عليّ، وابن عمر، وابن عباس، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأحمد، والشافعي. وروي عن ابن مسعود، وجابر، والشعبي، وإبراهيم، وأبي حنيفة، ومالك، أنها سنة وتطوع «1» . قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، قال ابن قتيبة: أحصره المرض والعدو: إذا منعه من السفر، ومنه هذه الآية. وحصره العدو: إذا ضيق عليه. قال الزجّاج: يقال للرجل إذا منعه الخوف والمرض من التّصرّف قد أحصر فهو محصر. يقال للرجل إذا حبس: قد حصر، فهو محصور. وللعلماء في هذا الإحصار قولان: أحدهما: أنه لا يكون إلا بالعدو، ولا يكون المريض محصراً. وهذا مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأنس، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد. ويدل عليه قوله: فَإِذا أَمِنْتُمْ. والثاني: أنه يكون بكل حابس من مرض أو عدو أو عذر، وهو قول عطاء، ومجاهد، وقتادة، وأبي حنيفة. وفي الكلام اختصار وحذف، والمعنى: فإن أُحصرتم دون تمام الحج والعمرة فحللتم فعليكم ما استيسر من الهدي. ومثله: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ، تقديره: فحلق، ففدية. والهدي: ما أهدي إلى البيت. وأصله: هديّ مشدد، فخفف، قاله ابن قتيبة. وبالتشديد يقرأ الحسن ومجاهد. وفي المراد فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه شاة، قاله عليّ بن أبي طالب وابن عباس والحسن وعطاء وابن جبير وإبراهيم وقتادة والضحّاك ومغيرة. والثاني: أنه ما تيسر من الإبل والبقر لا غير، قاله ابن عمر وعائشة، والقاسم. والثالث: أنه على قدر الميسرة، رواه طاوس عن ابن عباس، وروي عن الحسن وقتادة قالا: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة. وقال أحمد: الهدي من الأصناف الثلاثة، الإبل والبقر، والغنم، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشّافعيّ رحمهم الله. قوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، قال ابن قتيبة: المحل: الموضع الذي يحل به نحره وهو من: حل يحل. وفي المحل قولان: أحدهما: أنه الحرم، قاله ابن مسعود، والحسن، وعطاء، وطاوس،
ومجاهد، وابن سيرين، والثوري، وأبو حنيفة. والثاني: أنه الموضع الذي أُحصر به فيذبحه ويحل، قاله مالك، والشافعي، وأحمد «1» . قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ، هذا نزل على سبب: (82) وهو أن كعب بن عجرة كثر قمل رأسه حتى تهافت على وجهه، فنزلت هذه الآية فيه، فكان يقول: فيّ أنزلت خاصّة.
فصل: قال شيخنا علي بن عبيد الله: اقتضى قوله: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، تحريم حلاق الشعر، سواء وجد به الأذى، أو لم يجد، حتى نزل فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ، فاقتضى هذا إباحة حلق الشعر عند الأذى مع الفدية، فصار ناسخاً لتحريمه المتقدم. ومعنى الآية: فمن كان منكم- أي: من المحرمين، محصراً كان أو غير محصر- مريضاً، واحتاج إلى لبس أو شيء يحظره الإحرام، ففعله، أو به أذىً من رأسه فحلق ففدية من صيام. وفي الصيام قولان: (83) أحدهما: أنه ثلاثة أيام، روي في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو قول الجمهور. والثاني: أنه صيام عشرة أيام، روي عن الحسن وعكرمة ونافع. وفي الصّدقة قولان: أحدهما: إطعام ستة مساكين، روي في حديث كعب، وهو قول من قال: الصوم ثلاثة أيام. والثاني: أنها إطعام عشرة مساكين، وهو قول من أوجب صوم عشرة أيام. والنسك: ذبح شاة، يقال: نسكت لله، أي: ذبحت له. وفي النسك لغتان: ضم النون والسين، وبها قرأ الجمهور، وضم النون مع تسكين السين، وهي قراءة الحسن. قوله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ، أي: من العدو، إذ المرض لا تؤمن معاودته، وقال علقمة في آخرين: فاذا أمنتم من الخوف أو المرض. فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، معناه: من بدأ بالعمرة في أشهر الحج، وأقام الحج من عامه ذلك فعليه ما استيسر من الهدي. وهذا قول ابن عمر وابن عباس، وابن المسيب، وعطاء، والضحاك. وقد سبق الكلام فيما استيسر من الهدي. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، قال الحسن: هي قبل التّروية بيوم والتّروية، وعرفة، وهذا قول عطاء، والشعبي، وأبي العالية، وابن جبير، وطاوس، وإبراهيم. وقد نقل عن عليّ عليه السّلام. وقد روي عن الحسن، وعطاء قالا: في أيّ العشر شاء صامهنّ. ونقل عن طاوس، ومجاهد، وعطاء، أنهم قالوا: في أي أشهر الحج شاء فليصمهن. ونقل عن ابن عمر أنه قال: من حين يحرم إلى يوم عرفة. فصل: فإن لم يجد الهدي، ولم يصم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر، فماذا يصنع؟ قال عمر بن الخطّاب، وابن عباس، وابن جبير، وطاوس، وإبراهيم: لا يجزيه إلا الهدي ولا يصوم. وقال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام منى. ورواه صالح عن أحمد، وهو قول مالك. وذهب آخرون إلى أنه لا يصوم أيام التشريق، بل يصوم بعدهن. روي عن عليّ. ورواه المرّوذي عن أحمد، وهو قول الشّافعيّ «1» .
فصل: فان وجد الهدي بعد الدخول في صوم الثلاثة الأيام، لم يلزمه الخروج منه، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه الخروج، وعليه الهدي. وقال عطاء: إن صام يومين ثم أيسر فعليه الهدي. وإن صام ثلاثة ثم أيسر، فليصم السبعة، ولا هدي عليه «1» . وفي معنى قوله: فِي الْحَجِّ، قولان: أحدهما: أن معناه: في أشهر الحج. والثاني: في زمن الإحرام بالحج. وفي قوله تعالى: وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ، قولان: أحدهما: إذا رجعتم إلى أمصاركم، قاله ابن عباس، والحسن، وأبو العالية، والشعبي، وقتادة. والثاني: إذا رجعتم من حجكم، وهو قول عطاء، وسعيد بن جبير، وأبي حنيفة، ومالك. قال الأثرم: قلت لأبي عبيد الله، يعني: أحمد بن حنبل: فصيام السّبعة الأيام إذا رجع متى يصومهن؟ أفي الطريق، أم في أهله؟ قال: كل ذلك قد تأوله الناس. قيل لأبي عبد الله: ففرّق بينهن، فرخص في ذلك «2» . قوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، فيه خمسة أقوال: أحدها: أن معناه: كاملة في قيامها مقام الهدي، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، والحسن. قال القاضي أبو يعلى: وقد كان يجوز أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي في باب استكمال الثواب، فأعلمنا الله تعالى أنّ العشرة بكمالها هي
[سورة البقرة (2) : آية 197]
القائمة مقامه. والثاني: أن الواو قد تقوم مقام «أو» في مواضع، منها قوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ، فأزال الله عزّ وجلّ احتمال التخيير في هذه الآية بقوله: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، وإلى هذا المعنى ذهب الزجاج. والثالث: أن ذلك للتوكيد. وأنشدوا للفرزدق: ثلاث واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى شمام «1» وقال آخر: هلّا سألت جوع كندة يوم ولوا أين أينا وقال آخر: كم نعمة كانت له كم كم وكم والقرآن نزل بلغة العرب، وهي تكرر الشيء لتوكيده. والرابع: أن معناه: تلك عشرة كاملة في الفصل، وإن كانت الثلاثة في الحج، والسبعة بعده، لئلا يسبق إلى وهم أحد أن السبعة دون الثلاثة، قاله أبو سليمان الدمشقي. والخامس: أنها لفظة خبر ومعناها: الأمر، فتقديره: تلك عشرة فأكملوها. قوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، في المشار إِليه بذلك قولان: أحدهما: أنه التمتع بالعمرة إلى الحج. والثاني: أنه الجزاء بالنسك والصيام. واللام من «لمن» في هذا القول بمعنى: «على» . فأمّا حاضرو المسجد الحرام فقال ابن عباس، وطاوس، ومجاهد: هم أهل الحرم. وقال عطاء: من كان منزله دون المواقيت. قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: إن هذا الفرض لمن كان من الغرباء، وإنما ذكر أهله، وهو المراد بالحضور، لأن الغالب على الرجل أن يسكن حيث أهله ساكنون. [سورة البقرة (2) : آية 197] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197) قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ. في الحج لغتان: فتح الحاء، وهي لأهل الحجاز، وبها قرأ الجمهور. وكسرها، وهي لتميم، وقيل: لأهل نجد، وبها قرأ الحسن. قال سيبويه: يقال: حج حجاً، كقولهم: ذكر ذكراً. وقالوا: حجة، يريدون: عمل سنة. قال الفراء: المعنى: وقت الحج هذه الأشهر. وقال الزجاج: معناه: أشهر الحج أشهر معلومات. وفي أشهر الحج قولان: أحدهما: أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، قاله ابن مسعود، وابن عمر وابن عباس، وابن الزبير، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، والشّعبيّ، وطاوس، والنخعي، وقتادة، ومكحول، والضحاك، والسدي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، والشّافعيّ، رضي الله عنهم. والثاني: أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة، وهو مروي عن ابن عمر أيضاً، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والزهري، والربيع، ومالك بن أنس. قال ابن جرير الطبري: إنما أراد هؤلاء أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، وقد
كانوا يستحبون أن يفعلوا العمرة في غيرها. قال ابن سيرين: ما أحد من أهل العلم شك في أن عمرةً في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج، وإنما قال: الْحَجُّ أَشْهُرٌ ، وهي شهران وبعض الآخر على عادة العرب. قال الفراء: تقول العرب: له اليوم يومان لم أره، وإنما هو يوم، وبعض آخر. وتقول: زرتك العام، وأتيتك اليوم، وإنما وقع الفعل في ساعة. وذكر ابن الأنباري في هذا قولين: أحدهما: أن العرب توقع الجمع على التثنية، إذا كانت التّثنية أقلّ الجمع. كقوله تعالى: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ «1» ، وإنما يريد عائشة وصفوان، وكذلك قوله: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ «2» ، يريد: داود وسليمان. والثاني: أن العرب توقع الوقت الطويل على الوقت القصير، فيقولون: قتل ابن الزبير أيام الحج، وإنما كان القتل في أقصر وقت. فصل: اختلف العلماء فيمن أحرم بالحج قبل أشهر الحجّ، فقال عطاء، وطاوس ومجاهد، والشافعي: لا يجزئه ذلك، وجعلوا فائدة قوله: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ أنه لا ينعقد الحج إلا فيهن. وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل: يصح الإحرام بالحج قبل أشهر «3» ، فعلى هذا يكون قوله: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، أي: معظم الحج يقع في هذه الأشهر. (84) كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الحج عرفة» . قوله تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، قال ابن مسعود: هو الإهلال بالحج والإحرام به. وقال طاوس وعطاء: هو أن يلبي. وروي عن علي وابن عمر ومجاهد والشعبي في آخرين: أنه إذا قلّد بدنته فقد أحرم، وهذا محمول على أنه قلّدها ناويا الحجّ. ونصّ الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في رواية الأثرم: أن الإحرام بالنية. قيل له: يكون محرماً بغير تلبية؟ قال: نعم إذا عزم على الإحرام، وهذا قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الدخول في الإحرام إلا بالتلبية أو تقليد الهدي وسوقه. قوله تعالى: فَلا رَفَثَ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر: «فلا رفثٌ ولا فسوقٌ» بالضم والتنوين. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بغير تنوين، ولم يرفع أحد منهم لام «جدال» إلا أبو جعفر. قال أبو علي: حجة من فتح أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود، لأنه بالفتح قد نفى جميع الرفث والفسوق، كقوله: لا رَيْبَ فِيهِ، فاذا رفع ونون، كان النفي لواحد منه، وإنما فتحوا لام (الجدال) ، ليتناول النفي جميع جنسه، فكذلك ينبغي أن يكون جمع الاسمين قبله. وحجة من رفع أنه قد علم من فحوى الكلام نفي جميع الرفث، وقد يكون اللفظ واحداً والمراد بالمعنى الجميع، قال الشاعر:
[سورة البقرة (2) : الآيات 198 إلى 199]
فقتلا بتقتيل وضربا بضربكم وفي الرفث ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الجماع، قاله ابن عمر، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة في آخرين. والثاني: أنه الجماع، وما دونه من التعريض به، وهو مروي عن ابن عمر أيضاً، وابن عباس، وعمرو بن دينار في آخرين. والثالث: أنه اللغو من الكلام، قاله أبو عبد الرحمن اليزيدي. وفي الفسوق ثلاثة أقوال: أحدها: أنه السباب، قاله ابن عمر، وابن عباس، وإبراهيم في آخرين. والثاني: أنه التنابز بالألقاب، مثل أن تقول لأخيك: يا فاسق، يا ظالم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه المعاصي، قاله الحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وقتادة في آخرين، وهو الذي نختاره، لأن المعاصي تشمل الكل، ولأن الفاسق: الخارج من الطاعة إلى المعصية. قوله تعالى: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، الجدال: المراء. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: أن معناه: لا يمارينَّ أحد أحداً، فيخرجه المراء إلى الغضب، وفعل ما لا يليق بالحج، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عمر، وابن عباس، وطاوس، وعطاء، وعكرمة، والنخعي، وقتادة، والزهري، والضحاك في آخرين. والثاني: أن معناه: لا شك في الحج ولا مراء، فانه قد استقام أمره وعرف وقته وزال النسيء عنه. (85) قال مجاهد: كانوا يحجون في ذي الحجة عامين، وفي المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين حتى وافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بسنة، ثم حجّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من قابل في ذي الحجة، فذلك حين قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض» ، وإلى هذا المعنى ذهب السدي عن أشياخه، والقاسم بن محمد. قوله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى. (86) قال ابن عباس: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فيسألون الناس، فأنزل الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى، قال الزجاج: أُمروا أن يتزودوا، وأعلموا أن خير ما تزوّد تقوى الله عزّ وجلّ. [سورة البقرة (2) : الآيات 198 الى 199] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ. قال ابن عباس: (87) كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم، ويقولون: أيام ذكر فنزلت هذه الآية.
والابتغاء: الالتماس. والفضل هاهنا: النّفع بالتجارة والكسب قال ابن قتيبة: أفضتم، بمعنى: دفعتم، وقال الزجاج: معناه: دفعتم بكثرة، يقال: أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا فيه، وأكثروا التصرف. وفي تسمية «عرفات» قولان: أحدهما: أن الله تعالى بعث جبريل إلى إبراهيم فحج به، فلما أتى عرفات قال: قد عرفت، فسمّيت «عرفة» ، قاله عليّ عليه السّلام «1» . والثاني: أنها سميت بذلك لاجتماع آدم وحواء، وتعارفهما بها، قاله الضحاك «2» . قال الزجاج والمشعر: المعلم، سمي بذلك لأن الصلاة عنده. والمقام والمبيت والدعاء من معالم الحج، وهو مزدلفة وهي جمع يسمى بالاسمين. قال ابن عمر ومجاهد: المشعر الحرام المزدلفة كلها. قوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ، أي: جزاء هدايته لكم، فان قيل: ما فائدة تكرير الذكر؟ قيل: فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أنه كرره للمبالغة في الأمر به. والثاني: أنه وصل بالذكر الثاني ما لم يصل بالذكر الأول، فحسن تكريره. فالمعنى: اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته. والثالث: أنه كرره ليدل على مواصلته، والمعنى: اذكروه ذكراً بعد ذكر، ذكر هذه الأقوال محمد بن القاسم النحوي. والرابع: أن الذكر في قوله: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ، هو: صلاة المغرب والعشاء اللتان يجمع بينهما بالمزدلفة. والذكر في قوله: كَما هَداكُمْ هو: الذكر المفعول عند الوقوف بمزدلفة غداة جمع، حكاه القاضي أبو يعلى. قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ، في هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الإسلام، قاله ابن عباس. والثاني: أنها ترجع إلى الهدى، قاله مقاتل، والزجاج. والثالث: أنها ترجع إلى القرآن، قاله سفيان الثوري. قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ. قالت عائشة: (88) كانت قريش ومن يدين بدينها، وهم الحمس، يقفون عشيّة عرفة بالمزدلفة، يقولون: نحن قطين البيت، وكان بقية العرب والناس يقفون بعرفات، فنزلت هذه الآية. قال الزجاج: سموا الحمس لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا. والحماسة: الشدة في كل شيء. وفي المراد بالناس هاهنا أربعة أقوال «3» : أحدها: أنهم جميع العرب غير الحمس، ويدل عليه حديث عائشة، وهو قول عروة، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أن المراد بالناس هاهنا: إبراهيم الخليل،
[سورة البقرة (2) : الآيات 200 إلى 203]
عليه السلام، قاله الضحاك بن مزاحم. والثالث: أن المراد بالناس آدم، قاله الزهري. وقد قرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، ومورَّق العجلي: «الناسي» باثبات الياء. والرابع: أنهم أهل اليمن وربيعة، فانهم كانوا يفيضون من عرفات، قاله مقاتل. وفي المخاطبين بذلك قولان: أحدهما: أنه خطاب لقريش، وهو قول الجمهور. والثاني: أنه خطاب لجميع المسلمين، وهو يخرج على قول من قال: الناس آدم، أو إبراهيم. والإفاضة هاهنا على ما يقتضيه ظاهر اللفظ: هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى صبيحة النحر، إلا أن جمهور المفسرين على أنها الإفاضة من عرفات، فظاهر الكلام لا يقتضي ذلك، كيف يقال: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ، ثم أفيضوا من عرفات؟! غير أني أقول: وجه الكلام على ما قال أهل التفسير: أن فيه تقديماً وتأخيراً، تقديره: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله. و «الغفور» : من أسماء الله، عزّ وجلّ، وهو من قولك: غفرت الشيء: إذا غطيته، فكأنّ الغفور الساتر لعبده برحمته، أو الساتر لذنوب عباده. والغفور: هو الذي يكثر المغفرة، لأن بناء المفعول للمبالغة من الكثرة، كقولك: صبور، وضروب، وأكول. [سورة البقرة (2) : الآيات 200 الى 203] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) قوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ. في سبب نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أن أهل الجاهلية كانوا إذا اجتمعوا بالموسم، ذكروا أفعال آبائهم وأيامهم وأنسابهم في الجاهلية، فتفاخروا بذلك فنزلت هذه الآية «1» . وهذا المعنى مرويّ عن الحسن، وعطاء، ومجاهد. والثاني: أن العرب كانوا إذا حدثوا أو تكلموا يقولون: وأبيك إنهم لفعلوا كذا وكذا فنزلت هذه الآية. وهذا مروي عن الحسن أيضاً «2» . والثالث: أنهم كانوا إذا قضوا مناسكهم، قام الرجل بمنى، فقال: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، كثير المال، فأعطني مثل ذلك، فلا يذكر الله، إنما يذكر أباه ويسأل أن يعطى في دنياه فنزلت هذه الآية، وهذا قول السّدّي «3» .
والمناسك: المتعبدات، وفي المراد بها هاهنا قولان: أحدهما: أنها أفعال الحج، قاله الحسن. والثاني: أنها إراقة الدّماء، قاله مجاهد. وفي ذكرهم آباءهم أربعة أقوال: أحدها: أنه إقرارهم بهم. والثاني: أنه حلفهم بهم. والثالث: أنه ذكر إحسان آبائهم إليهم، فانهم كانوا يذكرونهم وينسون إحسان الله إليهم. والرابع: أنه ذكر الأطفال الآباء، لأنهم أول نطقهم بذكر آبائهم، روي هذا المعنى عن عطاء، والضحاك. وفي «أو» قولان: أحدهما: أنها بمعنى «بل» . والثاني: بمعنى الواو. و «الخلاق» قد تقدم ذكره. وفي حسنة الدنيا سبعة أقوال: أحدها: أنها المرأة الصالحة، قاله عليّ عليه السّلام. والثاني: أنها العبادة، رواه سفيان بن حسين عن الحسن. والثالث: أنها العلم والعبادة، رواه هشام عن الحسن. والرابع: المال، قاله أبو وائل، والسدي، وابن زيد. والخامس: العافية، قاله قتادة. والسادس: الرزق الواسع، قاله مقاتل. والسابع: النعمة، قاله ابن قتيبة. وفي حسنة الآخرة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الحور العين، قاله عليّ عليه السلام. والثاني: الجنة، قاله الحسن، والسدي، ومقاتل. والثالث: العفو والمعافاة، روي عن الحسن، والثوري. قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا، قال الزجاج: معناه: دعاؤهم مستجاب، لأن كسبهم هاهنا هو الدعاء، وهذه الآية متعلقه بما قبلها، إلا أنه قد روي أنها نزلت على سبب يخالف سبب أخواتها. (89) فروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله، مات أبي ولم يحج، أفأحج عنه؟ فقال: «لو كان على أبيك دين قضيته، أفكان ذلك يجزئ عنه؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يقضى» ! قال: فهل لي من أجر؟ فنزلت هذه الآية. وفي معنى سرعة الحساب خمسة أقوال: أحدها: أنه قِلَّته، قاله ابن عباس. والثاني: أنه قرب مجيئه، قاله مقاتل. والثالث: أنه لما علم ما للمحاسب وما عليه قبل حسابه، كان سريع الحساب لذلك. والرابع: أن المعنى: والله سريع المجازاة، ذكر هذا القول والذي قبله الزجاج. والخامس: أنه لا يحتاج إلى فكر وروية كالعاجزين، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ في هذا الذكر قولان: أحدهما: أنه التكبير عند الجمرات، وأدبار الصّلوات، وغير ذلك من أوقات الحجّ.
والثاني: أنه التكبير عقيب الصلوات المفروضات. واختلف أرباب هذا القول في الوقت الذي يبتدئ فيه بالتكبير ويقطع على ستة أقوال: أحدها: أنه يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة، إلى ما بعد صلاة العصر من آخر أيام التّشريق، قاله عليّ عليه السلام، وأبو يوسف، ومحمد. والثاني: أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، قاله ابن مسعود، وأبو حنيفة. والثالث: من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد العصر من آخر يوم التشريق، قاله ابن عمر، وزيد بن ثابت وابن عباس، وعطاء. والرابع: أنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد صلاة الظهر من يوم النفر، وهو الثاني من أيام التشريق، قاله الحسن. والخامس: أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، قاله مالك بن أنس، وهو أحد قولي الشافعي. والسادس: أنه يكبر من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، هذا قول للشافعي، ومذهب إمامنا أحمد أنه إن كان محلاً، كبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة أولها الفجر يوم عرفة، وآخرها العصر من آخر أيام التشريق، وإن كان محرماً كبر عقيب سبعة عشر أولها الظهر من يوم النحر، وآخرها العصر من آخر أيام التشريق. وهل يختص هذا التكبير عقيب الفرائض بكونها في جماعة، أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان: إحداهما: يختص بمن صلاها في جماعة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. والثانية: يختص بالفريضة، وإن صلاها وحده، وهو قول الشافعي «1» . وفي الأيام المعدودات ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أيام التشريق، قاله ابن عمر، وابن عباس، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وقتادة في آخرين. والثاني: أنها يوم النحر ويومان بعده، روي عن علي، وابن عمر. والثالث: أنها أيام العشر، قاله سعيد بن جبير، والنخعي. قال الزجاج: و «معدودات» يستعمل كثيراً للشيء القليل، كما يقال: دريهمات وحمامات. قوله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، أي: فمن تعجل النفر الأول في اليوم الثاني من أيام منى، فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى النفر الثاني، وهو اليوم الثالث من أيام منى، فلا إثم عليه. فان قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل، فما بال المتأخر ألحق به، والذي أتى به أفضل؟! فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أن المعنى: لا إثم على المتعجل، والمتأخر مأجور، فقال: لا إثم عليه، لتوافق اللفظة الثانية الأولى كقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ. والثاني: أن المعنى: فلا إثم على المتأخر في ترك استعمال الرخصة. والثالث: أن المعنى: قد زالت آثام المتعجل والمتأخّر التي كانت عليهما قبل حجهما. والرابع: أن المعنى: طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر إنما يكون بشرط التقوى. وفي معنى «لمن اتقى» ثلاثة أقوال: أحدها: لمن اتقى قتل الصيد، قاله ابن عباس. والثاني: لمن اتقى المعاصي في حجه، قاله قتادة. وقال ابن مسعود: إنما مغفرة الله لمن اتقى الله في حجه. والثالث: لمن اتقى فيما بقي من عمره، قاله أبو العالية، وإبراهيم.
[سورة البقرة (2) : آية 204]
[سورة البقرة (2) : آية 204] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا. اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، كان لين الكلام، كافر القلب، يظهر للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم الحسن، ويحلف له أنه يحبه ويتبعه على دينه، وهو يضمر غير ذلك «1» ، هذا قول ابن عباس، والسّدّيّ ومقاتل. والثاني: أنّها فيمن نافق فأظهر بلسانه ما ليس في قلبه. وهذا قول الحسن، وقتادة، وابن زيد. (90) والثالث: أنها نزلت في سرية الرجيع، وذلك أنّ كفّار قريش بعثوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا، فابعث لنا نفرا من أصحابك يعلّمونا ديننا، فبعث صلّى الله عليه وسلّم خبيب بن عدي، ومرثداً الغنوي، وخالد بن بكير، وعبد الله بن طارق، وزيد بن الدِثنَة، وأمرَّ عليهم عاصم بن ثابت، فساروا نحو مكة، فنزلوا بين مكة والمدينة ومعهم تمر، فأكلوا منه، فمرت عجوز فأبصرت النوى، فرجعت إلى قومها وقالت: قد سلك هذا الطريق أهل يثرب، فركب سبعون منهم حتى أحاطوا بهم، فحاربوهم فقتلوا مرثداً، وخالداً، وابن طارق، ونثر عاصم كنانته وفيها سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلاً من عظمائهم، ثم قال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار، فاحم لحمي آخر النهار، ثم أحاطوا به فقتلوه، وأرادوا حزّ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكان قتل بعض أهلها، فنذرت: لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر، فأرسل الله تعالى رَجْلاً من الدبر- وهي الزّنابير- فحمته، فلم يقدروا عليه، فقالوا: دعوه حتى يمسي فجاءت سحابة فأمطرت كالعزالي «2» ، فبعث الله الوادي، فاحتمله فذهب به، وأسروا خبيباً وزيداً، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيباً ليقتلوه، لأنه قتل آباءهم، فلما خرجوا به ليقتلوه، قال: دعوني أصلّي ركعتين، ثم قال: لولا أن تقولوا: جزع خبيب، لزدت، وأنشأ يقول: ولست أبالي حين أُقتل مسلماً ... على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإِله وإِن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع
[سورة البقرة (2) : آية 205]
فصلبوه حياً، فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس حولي من يبلغ رسولك سلامي، فجاءه رجل منهم يقال له: أبو سروعة، ومعه رمح، فوضعه بين يدي خبيب، فقال له خبيب: اتق الله، فما زاده ذلك إلا عتواً. وأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فجاءه سفيان بن حرب حين قدم ليقتله، فقال: يا زيد! أنشدك الله، أتحب أن محمداً مكانك، وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي، ثم قتل. وبلغ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الخبر، فقال: أيكم يحتمل خبيباً عن خشبته وله الجنة؟ فقال الزبير: أنا وصاحبي المقداد، فخرجا يمشيان بالليل ويمكثان بالنهار، حتى وافيا المكان، وإذا حول الخشبة أربعون مشركاً نيام نشاوى، وإذا هو رطب يتثنى لم يتغير فيه شيء بعد أربعين يوماً، فحمله الزبير على فرسه وسار، فلحقه سبعون منهم، فقذف الزبير خبيباً فابتلعته الأرض، وقال الزبير: ما جرأكم علينا يا معشر قريش؟! ثم رفع العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير بن العوام، وأمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد، أسدان رابضان يدفعان عن شبلهما، فان شئتم ناضلتكم، وإن شئتم نازلتكم، وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا، وقدما على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجبريل عنده، فقال: «يا محمد إِن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك» . وقال بعض المنافقين في أصحاب خبيب: ويح هؤلاء المقتولين لا في بيوتهم قعدوا، ولا رسالة صاحبهم أدوا، فأنزل الله تعالى في الزبير والمقداد وخبيب وأصحابه والمنافقين هذه الآية، وثلاث آيات بعدها. وهذا الحديث بطوله مروي عن ابن عباس. قوله تعالى: وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ، فيه قولان: أحدهما: أنه يقول: إن الله يشهد أن ما ينطق به لساني هو الذي في قلبي. الثاني: أنه يقول: اللهم اشهد عليّ بهذا القول. وقرأ ابن مسعود: «ويستشهد الله» بزيادة سين وتاء. وقرأ الحسن، وطلحة بن مصرف، وابن محيصن وابن أبي عبلة: «ويشهد» بفتح الياء «الله» بالرفع. قوله تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ، الخصام: جمع خصم، يقال: خصم وخصام وخصوم. قال الزجاج: والألد: الشديد الخصومة، واشتقاقه من لديدي العنق، وهما صفحتا العنق، ومعناه: أن خصمه في أي وجه أخذ من أبواب الخصومة، غلبه في ذلك. [سورة البقرة (2) : آية 205] وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) قوله تعالى: وَإِذا تَوَلَّى، فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه بمعنى: غضب، روي عن ابن عباس، وابن جريج. والثاني: أنه الانصراف عن القول الذي قاله، قاله الحسن. والثالث: أنه من الولاية، فتقديره: إذا صار والياً، قاله مجاهد والضحاك. والرابع: أنه الانصراف بالبدن، قاله مقاتل وابن قتيبة. وفي معنى «سعى» قولان: أحدهما: أنه بمعنى: عمل، قاله ابن عباس ومجاهد. والثاني: أنه من السعي بالقدم، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الفساد قولان: أحدهما: أنه الكفر. والثاني: الظلم. والحرث: الزرع. والنسل: نسل كل شيء من الحيوان، هذا قول ابن عباس وعكرمة في آخرين. وحكى الزجاج عن قوم: أن الحرث: النساء، والنسل: الأولاد. قال: وليس هذا بمنكر، لأن المرأة تسمى حرثاً. وفي معنى إهلاكه للحرث والنسل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إهلاك ذلك بالقتل والإحراق والإفساد، قاله
[سورة البقرة (2) : آية 206]
الأكثرون. والثاني: أنه إذا ظلم كان الظلم سبباً لقطع القطر، فيهلك الحرث والنسل، قاله مجاهد. وهو يخرج على قول من قال: إنه من التولي. والثالث: أنه إهلاك ذلك بالضلال الذي يؤول إلى الهلاك، حكاه بعض المفسرين. قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ، قال ابن عباس: لا يرضى بالمعاصي. وقد احتجت المعتزلة بهذه الآية، فأجاب أصحابنا بأجوبة. منها: الأول: أنه لا يحبه ديناً، ولا يريده شرعاً، فأما أنه لم يرده وجوداً فلا. والثاني: أنه لا يحبه للمؤمنين دون الكافرين. والثالث: أن الإرادة معنى غير المحبة، فان الإنسان قد يتناول المرّ، ويريد ربط الجرح، ولا يحب شيئاً من ذلك. وإذا بان في المعقول الفرق بين الإرادة والمحبة، بطل ادعاؤهم التساوي بينهما، وهذا جواب معتمد. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ «1» . [سورة البقرة (2) : آية 206] وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206) قوله تعالى: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ، قال ابن عباس: هي الحمية. وأنشدوا: أخذته عزة من جهله ... فتولى مغضباً فعل الضجر ومعنى الكلام: حملته الحمية على الفعل بالإثم. وفي «جهنم» قولان، ذكرهما ابن الأنباري: أحدهما: أنها أعجميَّة لا تجر للتعريف والعجمة. والثاني: أنها اسمٌ عربي، ولم يجر للتأنيث والتعريف. قال رؤبة: رُكَيَّة جهنّام: بعيدة القعر. وقال الأعشى: دعوت خليلي مِسْحَلاً ودعوا له ... جُهنّام جدعاً للهجين المذمّم فترك صرفه يدلُ على أنه اسم أعجمي معرّب. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: فحسبه جهنم جزاء عن إثمه. والثاني: فحسبه جهنم ذلاً من عزه. والمهاد: الفراش، ومهدت لفلان: إذا وطَّأت له، ومنه: مهد الصبي. [سورة البقرة (2) : آية 207] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ، اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على خمسة أقوال: أحدها: أنها نزلت في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو معنى قول عمر وعليّ عليهما السّلام. والثاني: أنها نزلت في الزبير والمقداد حين ذهبا لإنزال خبيب من خشبته، وقد شرحنا القصة. وهذا قول ابن عباس والضحاك. والثالث: أنها نزلت في صهيب الرومي، واختلفوا في قصته.
[سورة البقرة (2) : الآيات 208 إلى 210]
قد علمتم أني من أرماكم بسهمٍ، وأيم الله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فان شئتم دللتكم على مالي. قالوا: فدلنا على مالك نخلِّ عنك، فعاهدهم على ذلك، فنزلت فيه هذه الآية، فلمّا رآه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ربح البيع يا أبا يحيى» ؟ وقرأ عليه القرآن. هذا قول سعيد بن المسيب، وذكر نحوه أبو صالح عن ابن عباس، وقال: إن الذي تلقاه فبشره بما نزل فيه أبو بكر الصديق «1» . وذكر مقاتل أنه قال للمشركين: أنا شيخ كبير لا يضركم إن كنت معكم أو عليكم، ولي عليكم حق لجواري فخذوا مالي غير راحلة، واتركوني وديني، فاشترط أن لا يمنع عن صلاة ولا هجرة، فأقام ما شاء الله، ثم ركب راحلته، فأتى المدينة مهاجراً، فلقيه أبو بكر فبشره وقال: نزلت فيك هذه الآية «2» . وقال عكرمة: إنها نزلت في صهيب، وأبي ذر الغفاري، فأما صهيب، فأخذه أهله فافتدى بماله، وأما أبو ذر، فأخذه أهله فأفلت منهم حتى قدم مهاجراً «3» . والرابع: أنها نزلت في المجاهدين في سبيل الله، قاله الحسن وابن زيد في آخرين. والخامس: أنها نزلت في المهاجرين والأنصار حين قاتلوا على دين الله حتى ظهروا، هذا قول قتادة. و «يشري» كلمة من الأضداد، يقال: شرى، بمعنى: باع، وبمعنى: اشترى، فمعناها على قول من قال: نزلت في صهيب معنى: يشتري. وعلى بقية الأقوال بمعنى: يبيع. [سورة البقرة (2) : الآيات 208 الى 210] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب، كانوا بعد إسلامهم يتقون السبت ولحم الجمل، وأشياء يتقيها أهل الكتاب، رواه أبو صالح عن ابن عباس «4» . والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب الذين
لم يؤمنوا بالنبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، أمروا بالدخول في الإسلام. روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال الضحاك «1» . والثالث: أنها نزلت في المسلمين، يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام كلها، قاله مجاهد وقتادة «2» . وفي «السلم» ثلاث لغات: كسر السين وتسكين اللام. وبها قرأ أبو عمرو وابن عامر في «البقرة» وفتحا السين في «الأنفال» وسورة «محمد» . وفتح السين مع تسكين اللام. وبها قرأ ابن كثير ونافع والكسائي في المواضع الثلاثة، وفتح السين واللام. وبها قرأ الأعمش في «البقرة» خاصة. وفي معنى «السلم» قولان: أحدهما: أنه الإسلام، قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. والثاني: أنها الطاعة، روي عن ابن عباس أيضاً، وهو قول أبي العالية، والربيع. وقال الزجاج: و «كافة» بمعنى الجميع، وهو في اشتقاق اللغة: ما يكف الشيء في آخره، من ذلك: كُفة القميص، وكل مستطيل فحرفه كُفَّة: بضم الكاف. ويقال في كل مستدير: كِفه بكسر الكاف نحو: كِفّة الميزان. ويقال: إنما سميت كُفّة الثوب، لأنها تمنعه أن ينتشر، وأصل الكف: المنع، وقيل لطرف اليد: كف، لأنها تكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف: قد كف بصره أن ينظر. واختلفوا: هل قوله: «كافة» يرجع إلى السلم، أو إلى الداخلين فيه؟ على قولين: أحدهما: أنه راجع إلى السلم، فتقديره: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام. وهذا يخرج على القول الأول الذي ذكرناه في نزول الآية. والثاني: أنه يرجع إلى الداخلين فيه، فتقديره: ادخلوا كلكم في الإسلام، وبهذا يخرج على القول الثاني. وعلى القول الثالث يحتمل قوله: «كافة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون أمراً للمؤمنين بألسنتهم أن يؤمنوا بقلوبهم. والثاني: أن يكون أمراً للمؤمنين بالدخول في جميع شرائِعه. والثالث: أن يكون أمراً لهم بالثبات عليه، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا «3» . و «خطوات الشيطان» : المعاصي. وقد سبق شرحها. و «البينات» : الدلالات الواضحات. وقال ابن جريج: هي الإسلام والقرآن. و «ينظرون» بمعنى: ينتظرون. قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ كان جماعة من السلف يمسكون عن الكلام في مثل هذا. وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه قال: المراد به: قدرته وأمره. قال: وقد بينه في قوله تعالى: وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ . قوله تعالى: فِي ظُلَلٍ، أي: بظلل. والظلل: جمع ظلة. و «الغمام» : السحاب الذي لا ماء فيه. قال الضحاك: في قطع من السحاب. ومتى يكون مجيء الملائكة؟ فيه قولان:
[سورة البقرة (2) : آية 211]
أحدهما: أنه يوم القيامة أيضا، وهو قول الجمهور. والثاني: أنه عند الموت، قاله قتادة. وقرأ الحسن بخفض «الملائكة» . ووَ قُضِيَ الْأَمْرُ: فرغ منه. ووَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، أي: تصير. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم، «تُرجع» بضم التاء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكَسائي بفتحها. فان قيل: فكأن الأمور كانت إلى غيره؟ فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أن المراد به إعلام الخلق أنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب، قاله الزجاج. والثاني: أنه لما عَبَد قومٌ غيره، ونسبوا أفعاله إلى سواه، ثم انكشف الغطاء يوم القيامة ردوا إليه ما أضافوا إلى غيره. والثالث: أن العرب تقول: قد رجع عليَّ من فلان مكروه: إذا صار إليه منه مكروه، وإن لم يكن سبق. قال الشاعر: فانْ تكنِ الأيَّامُ أحَسنَّ مرَةً ... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب ذكرهما ابن الأنباري. ومما يشبه هذا قول لبيد: وما المرء إِلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إِذ هو ساطع أراد: يصير رمادا لا أنّه كان رمادا، ومثله قول أمية بن أبي الصلت: تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا «1» أي: صارا. والرابع: أنه لما كانت الأمور إليه قبل الخلق، ثم أوجدهم فملكهم بعضها رجعت إليه بعد هلاكهم. فإن قيل: قد جرى ذكر اسمه تعالى في قوله: أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، فما الحكمة في أنه لم يقل: وإليه ترجع الأمور؟ فالجواب: أن إعادة اسمه أفخم وأعظم، والعرب إذا جرى ذكر شيء يفخم أعادوا لفظه، وأنشدوا: لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فأعادوا ذكر الموت لفخامته في صدورهم، ذكره الزجّاج. [سورة البقرة (2) : آية 211] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211) قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ الخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم، والمعنى: له وللمؤمنين. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: «سل» بغير همز، وبعض تميم يقولون: «اسأل» بالهمز، وبعضهم يقول: «إِسَلْ» «2» بالألف وطرح الهمز، والأولى أغربهنَّ، وبها جاء الكتاب. وفي المراد بالسؤال قولان: أحدهما: أنه
[سورة البقرة (2) : آية 212]
التقرير والإذكار بالنعم. والثاني: التوبيخ على ترك الشكر. والآية البينة: العلامة الواضحة، كالعصا، والغمام، والمن، والسلوى، والبحر. وفي المراد بنعمة الله قولان: أحدهما: أنها الآيات التي ذكرناها، قاله قتادة. والثاني: أنها حجج الله الدالة على أمر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قاله الزجاج. وفي معنى تبديلها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الكفر بها، قاله أبو العالية ومجاهد. والثاني: تغيير صفة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في التوراة، قاله أبو سليمان الدمشقي. والثالث: تعطيل حجج الله بالتّأويلات الفاسدة. [سورة البقرة (2) : آية 212] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212) قوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا، في نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في أبي جهل وأصحابه، قاله ابن عباس. والثاني: نزلت في علماء اليهود، قاله عطاء. والثالث: في عبد الله بن أبيّ وأصحابه من المنافقين، قاله مقاتل. قال الزجاج: وإِنما جاز في «زين» لفظ التذكير، لأن تأنيث الحياة ليس بحقيقي، إذ معنى الحياة ومعنى العيش واحد. وإلى من يضاف هذا التزيين «1» فيه قولان: أحدهما: أنه يضاف إلى الله. وقرأ أبيّ بن كعب والحسن، ومجاهد، وابن محيصن، وابن أبي عبلة: «زَيّن» بفتح الزاي والياء، على معنى: زيّنها الله لهم. والثاني: أنه يضاف إلى الشيطان، روي عن الحسن. قال شيخنا علي بن عبيد الله: والتزيين من الله تعالى: هو التركيب الطبيعي فإنه وضع في الطبائع محبّة المحبوب لصورة فيه تزينت للنفس، وذلك من صنعه، وتزيين الشيطان بإذكار ما وقع من إغفاله مما مثله يدعو إلى نفسه لزينته، فالله تعالى يزيّن بالوضع، والشيطان يزيّن بالإذكار. وما السبب في سخرية الكفار من المؤمنين؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم سخروا منهم للفقر. والثاني: لتصديقهم بالآخرة. والثالث: لاتّباعهم للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقيل: إنهم كانوا يوهمونهم أنكم على الحق، سخرية منهم بهم. وفي معنى كونهم «فوقهم» ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك على أصله، لأن المؤمنين في عليّين، والكفار في سجين. والثاني: أن حجج المؤمنين فوق شبه الكافرين، فهم المنصورون. والثالث: في أن نعيم المؤمنين في الجنة فوق نعيم الكافرين في الدنيا. قوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فيه قولان: أحدهما: أنه يرزق من يشاء رزقاً واسعاً غير ضيّق. والثاني: يرزق من يشاء بلا محاسبة في الآخرة.
[سورة البقرة (2) : آية 213]
[سورة البقرة (2) : آية 213] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، في المراد ب «الناس» هاهنا ثلاثة أقوال «1» : أحدها: جميع بني آدم، وهو قول الجمهور. والثاني: آدم وحده، قاله مجاهد. قال ابن الأنباري: وهذا الوجه جائز، لأن العرب توقع الجمع على الواحد. ومعنى الآية: كان آدم ذا دين واحد، فاختلف ولده بعده. والثالث: آدم وأولاده كانوا على الحق، فاختلفوا حين قتل قابيلُ هابيلَ. ذكره ابن الأنباري. والأمَّة هاهنا: الصنف الواحد على مقصد واحد. وفي ذلك المقصد الذي كانوا عليه قولان: أحدهما: أنه الإسلام، قاله أبيّ بن كعب، وقتادة، والسدّي، ومقاتل. والثاني: أنه الكفر، رواه عطية عن ابن عباس. ومتى كان ذلك، فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه حين عرضوا على آدم وأقروا بالعبودية، قاله أبيّ بن كعب. والثاني: في عهد إبراهيم كانوا كفاراً، قاله ابن عباس. والثالث: بين آدم ونوح، وهو قول قتادة. والرابع: حين ركبوا السفينة، كانوا على الحق، قاله مقاتل. والخامس: في عهد آدم. ذكره ابن الأنباري. فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ بالجنّة وَمُنْذِرِينَ بالنار. هذا قول الأكثرين. وقال بعض السلف: مبشرين لمن آمن بك يا محمد، ومنذرين لمن كذّبك. والكتاب: اسم جنس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس. وذكر بعضهم أنه في التوراة. وفي المراد بالحق هاهنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى الصدق والعدل. والثاني: أنه القضاء فيما اختلفوا فيه. لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ، في الحاكم هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الله تعالى. والثاني: النبي الذي أنزل عليه الكتاب. والثالث: الكتاب كقوله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ، وقرأ أبو جعفر: «ليُحكَم» بضم الياء وفتح الكاف. وقرأ مجاهد «لتحكم» بالتاء على الخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم. قوله تعالى: فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، يعني: الدين. قوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ في هذه الهاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تعود إلى محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن مسعود. والثاني: إلى الدين، قاله مقاتل. والثالث: إلى الكتاب، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما هاء «أوتوه» فعائدة على الكتاب من غير خلاف. قال الزجاج: ونصب «بغياً» على معنى المفعول له، فالمعنى: لم يوقعوا الاختلاف إلا للبغي، لأنهم عالمون بحقيقة الأمر في كتبهم. وقال الفراء: في اختلافهم وجهان: أحدهما: كفر بعضهم بكتاب بعض. والثاني: تبديل ما بدّلوا.
[سورة البقرة (2) : آية 214]
قوله تعالى: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، أي: لمعرفة ما اختلفوا فيه، أو تصحيح ما اختلفوا فيه. وفي الذي اختلفوا فيه ستة أقوال: أحدها: أنه الجمعة، جعلها اليهود السبت، والنصارى الأحد. (92) فروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له. اليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى» . والثاني: أنه الصلاة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب. والثالث: أنه إبراهيم. قالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً. والرابع: أنه عيسى، جعلته اليهود لفرية، وجعلته النّصارى إلها. والخامس: أنه الكتاب، آمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها. والسادس: أنه الدين، وهو الأصح، لأن جميع الأقوال داخلة في ذلك. قوله تعالى: بِإِذْنِهِ، قال الزجاج: إذنه: علمه. وقال غيره: أمره. قال بعضهم: توفيقه. [سورة البقرة (2) : آية 214] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصحابة أصابهم يوم الأحزاب بلاء وحصر، فنزلت هذه الآية، ذكره السدي عن أشياخه وهو قول قتادة «1» . (93) والثاني: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما دخل المدينة هو وأصحابه اشتد بهم الضر، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. والثالث: أن المنافقين قالوا للمؤمنين: لو كان محمد نبياً لم يُسلط عليكم القتل، فأجابوهم: من قتل منا دخل الجنة، فقالوا: لم تمنّون أنفسكم بالباطل؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. وزعم أنها نزلت يوم أُحد «2» . قال الفراء: أَمْ حَسِبْتُمْ بمعنى: أظننتم، وقال الزجاج: «أم» بمعنى: بل. وقد شرحنا «أم» فيما تقدم شرحاً كافياً. والمثَل بمعنى: الصفة. و «زلزلوا» خُوفوا وحُرِكوا بما يؤذي، وأصل الزلزلة في اللغة من: زل الشيء عن مكانه، فاذا قلت: زلزلته، فتأويله: كررت زلزلته مِن مكانه، وكل ما كان فيه ترجيع كرّرت فيه فاء الفعل، تقول: أقل فلان الشيء: إذا رفعه من مكانه، فاذا كرر رفعه وردّه، قيل:
[سورة البقرة (2) : آية 215]
قلقله. فالمعنى: أنه تكرر عليهم التحريك بالخوف، قاله ابن عباس. البأساء: الشدة والبؤس، والضراء: البلاء والمرض. وكل رسول بعث إلى أمته يقول: مَتى نَصْرُ اللَّهِ، والنصر: الفتح، والجمهور على فتح لام «حتى يقولَ» ، وضمها نافع. فصل: ومعنى الآية: أن البلاء والجهد بلغ بالأمم المتقدمة إلى أن استبطئوا النصر لشدة البلاء. وقد دلت على أن طريق الجنة إنما هو الصبر على البلاء. (94) قالت عائشة: ما شبع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاثة أيام تباعاً من خبز بُرٍ حتى مضى لسبيله. (95) وقال حذيفة: أقرّ أيامي لعيني، يوم أرجع إلى أهلي فيشكون إليَّ الحاجة. قيل: ولم ذلك؟ قال: لأني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إِن الله يتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير، وإِن الله ليحمي المؤمن من الدنيا، كما يحمي المريض أهله الطعام» . أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي صادق، قال: أخبرنا أبو عبد الله الشّيرازيّ، قال: سمعت أبا الطيّب بن الفرخان يقول: سمعت الجنيد يقول: دخلت على سري السقطي وهو يقول: وما رُمتُ الدُخول عليهِ حتى ... حَلَلتُ محلّةَ العبد الذّليل وأغضيتُ الجفون على قذاها ... وصُنتُ النفسَ عن قالٍ وقيل «1» [سورة البقرة (2) : آية 215] يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ، في سبب نزولها قولان: (96) أحدهما: أنها نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان له مال كثيرٌ، فقال: يا
[سورة البقرة (2) : آية 216]
رسول الله بماذا نتصدق، وعلى مَن ننفق؟ فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. (97) والثاني: أن رجلاً قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إِن لي ديناراً، فقال: «أنفقه على نفسك» ، فقال: إن لي دينارين، فقال: «أنفقهما على أهلك» ، فقال: إن لي ثلاثة، فقال: «أنفقها على خادمك» ، فقال: إن لي أربعة، فقال: «أنفقها على والديك» ، فقال: إن لي خمسة، فقال: «أنفقها على قرابتك» ، فقال: إِن لي ستة، فقال: «أنفقها في سبيل الله، وهو أحسنها» ، فنزلت فيه هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. قال الزجاج: «ماذا» في اللغة على ضربين: أحدهما: أن تكون «ذا» بمعنى الذي، و «ينفقون» صلته، فيكون المعنى: يسألونك: أي شيء الذي ينفقون؟ والثاني: أن تكون «ما» مع «ذا» اسماً واحداً، فيكون المعنى: يسألونك: أي شيء الذي ينفقون، قال: وكأنهم سألوا: على مَن ينبغي أن يفضلوا، وما وجه الذي ينفقون؟ لأنهم يعلمون ما المنفق، فأعلمهم الله أن أولى مَن أُفضِل عليه الوالدان والأقربون. والخير: المال، قاله ابن عباس في آخرين. وقال: ومعنى «فللوالدين» : فعلى الوالدين. فصل: وأكثر علماء التفسير على أن هذه الآية منسوخة، قال ابن مسعود: نسختها آية الزكاة. وذهب الحسن إلى إحكامها، وقال ابن زيد هي في النوافل، وهذا الظاهر من الآية، لأن ظاهرها يقتضي الندب، ولا يصح أن يقال: إنها منسوخة، إلا أن يقال: إنها اقتضت وجوب النفقة على المذكورين فيها. [سورة البقرة (2) : آية 216] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، قال ابن عباس: لما فرض الله على المسلمين الجهاد شق عليهم وكرهوه، فنزلت هذه الآية. و «كتب» بمعنى: فرض في قول الجماعة. قال الزجّاج: كرهت الشيء أكرهه كَرَهاً وكُرهاً، وكراهةً وكراهيةً. وكل ما في كتاب الله من الكره، فالفتح فيه جائز، إلا أن أبا عبيد ذكر أن الناس مجتمعون على ضم هذا الحرف الذي في هذه الآية. وإنما كرهوه لمشقَّته على النفوس، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال الفراء: الكُره والكَره: لغتان. وكأن النحويين يذهبون بالكره إلى ما كان منك مما لم تُكره عليه، فإذا أُكرهت على الشيء استحبوا «كَرهاً» بالفتح. وقال ابن قتيبة: الكره بالفتح، معناه الإكراه والقهر، وبالضم معناه: المشقة. ومن نظائر هذا: الجهد: الطاقة، والجَهد: المشقة. ومنهم مَن يجعلهما واحداً. وعُظْم الشيء: أكبره وعظمه: نفسه. وعُرض الشيء: إحدى نواحيه. وعَرضه: خلاف طوله. والأكل: مصدر أكلت، والأُكل: المأكول، وقال أبو علي: هما لغتان، كالفقر والفُقر، والضَّعف والضُّعف، والدَّف والدُّف، والشَّهد والشُّهد. قوله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً، قال ابن عباس: يعنى الجهاد. وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فتح وغنيمة أو شهادة. وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وهو القعود عنه. وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، لا تصيبون
[سورة البقرة (2) : آية 217]
فتحاً ولا غنيمة ولا شهادة. وَاللَّهُ يَعْلَمُ أن الجهاد خير لكم. وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ حين أحببتم القعود عنه. فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها من المحكم الناسخ للعفو عن المشركين. والثاني: أنها منسوخة، لأنها أوجبت الجهاد على الكل، فنسخ ذلك بقوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً «1» . والثالث: إنها ناسخة من وجه، منسوخة من وجه. وقالوا: إن الحال في القتال كانت على ثلاثة مراتب: الأولى: المنع من القتال، ومنه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ «2» . والثانية: أمر الكل بالقتال، ومنه قوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا «3» ، ومثلها هذه الآية. والثالثة: كون القتال فرضاً على الكفاية، وهو قوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، فيكون الناسخ منها إيجاب القتال بعد المنع منه، والمنسوخ وجوب القتال على الكلّ. [سورة البقرة (2) : آية 217] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ. (98) روى جندب بن عبد الله أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث رهطا واستعمل عليهم أبا عبيدة بن الحارث فلما انطلق ليتوجه بكى صبابة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتاباً، وأمره ألا يقرأه إلا بمكان كذا وكذا، وقال: «لا تكرهنَّ أحداً من أصحابك على المسير معك» ، فلما صار إِلى المكان، قرأ الكتاب واسترجع، وقال: سمعاً وطاعة لأمر الله ولرسوله فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب. فرجع رجلان من أصحابه، ومضى بقيتهم، فأتوا ابن الحضرمي فقتلوه، فلم يدروا ذلك اليوم، أمِن رجب، أو من جمادى الآخرة؟ فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأتوا
النبي فحدثوه الحديث فنزلت هذه الآية، فقال بعض المسلمين: لئن كان أصابهم خير فما لهم أجر، فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا إلى قوله: رَحِيمٌ. قال الزهري: اسم ابن الحضرمي: عمرو، واسم الذي قتله عبد الله بن واقد الليثي. قال ابن عباس: كان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، يظنون تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب. وقد روى عطيّة عن ابن عباس أنها نزلت في شيئين: أحدهما: هذا. والثاني: دخول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مكة في شهر حرام يوم الفتح، حين عاب المشركون عليه القتال في شهر حرام «1» . وفي السائلين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك قولان: أحدهما: أنهم المسلمون، سألوه: هل أخطئوا أم أصابوا؟ قاله ابن عباس وعكرمة ومقاتل. والثاني: أنهم المشركون سألوه على وجه العيب على المسلمين، قاله الحسن، وعروة، ومجاهد. والشهر الحرام: شهر رجب، وكان يدعى الأصم، لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح قعقعة تعظيماً له، قِتالٍ فِيهِ أي: يسألونك عن قتال فيه. قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ قال ابن مسعود وابن عباس: لا يحِل. قال القاضي أبو يعلى: كان أهل الجاهلية يعتقدون تحريم القتال في هذه الأشهر، فأعلمهم الله تعالى في هذه الآية ببقاء التحريم. فصل: اختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم: هل هو باق أم نسخ؟ على قولين «2» : أحدهما: أنه باقٍ. روى ابن جريج أن عطاء كان يحلف بالله: ما يحل للناس الآن أن يغزوا في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا فيه أو يغزوا، وما نسخت. والثاني: أنه منسوخ، قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار: القتال جائز في الشهر الحرام، هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «3» ، وبقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ «4» ، وهذا قول فقهاء الأمصار.
[سورة البقرة (2) : آية 218]
قوله تعالى: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، هو مرفوع بالابتداء، وخبر هذه الأشياء: أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ. وفي المراد ب «سبيل الله» هاهنا قولان: أحدهما: أنه الحج، لأنهم صدوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، عن مكة. قاله ابن عباس والسدي عن أشياخه. والثاني: أنه الإسلام، قاله مقاتل. وفي هاء الكناية في قوله «وكفرٌ به» قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى الله تعالى، قاله السدي عن أشياخه، وقتادة، ومقاتل، وابن قتيبة. والثاني: أنها تعود إلى السبيل، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: وخفض «المسجدِ الحرام» نسقا على: سَبِيلِ اللَّهِ، كأنه قال: وصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام. قوله تعالى: وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ لمّا آذوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه اضطروهم إلى الخروج فكأنهم أخرجوهم، فأعلمهم الله أن هذه الأفعال أعظم من قتل كل كافر. «والفتنة» هاهنا بمعنى الشرك، قاله ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، والجماعة. والفتنة في القرآن على وجوه كثير، قد ذكرتها في كتاب «النظائر» . وَلا يَزالُونَ، يعني الكفّار، يُقاتِلُونَكُمْ يعني: المسلمين. وحَبِطَتْ بمعنى: بطلت. [سورة البقرة (2) : آية 218] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا، في سبب نزولها قولان: أحدهما: أنه لما نزل القرآن بالرخصة لأصحاب عبد الله بن جحش في قتل ابن الحضرمي، قال بعض المسلمين: ما لهم أجر، فنزلت هذه الآية «1» ، وقد ذكرنا هذا في سبب نزول قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ، عن جندب بن عبد الله. والثاني: أنه لما نزلت لهم الرخصة قاموا، فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين، فنزلت هذه الآية «2» ، قاله ابن عباس. وقال: هاجَرُوا من مكة إلى المدينة، وَجاهَدُوا في طاعة الله ابن الحضرميّ وأصحابه. ورَحْمَتَ اللَّهِ: مغفرته وجنّته. قال الشعبي: أول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش، وأول مغنم قسم في الإسلام: مغنمه. [سورة البقرة (2) : آية 219] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، في سبب نزولها قولان: (99) أحدهما: أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية. (100) والثاني: أن جماعة من الأنصار جاءوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفيهم عمر، ومعاذ، فقالوا: أفتنا
في الخمر، فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت هذه الآية. وفي تسمية الخمر خمراً ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سميت خمراً، لأنها تخامر العقل، أي: تخالطه. والثاني: لأنها تخمِّر العقل، أي: تستره. والثالث: أنها تخمَّر، أي: تغطَّى. ذكر هذه الأقوال محمد بن القاسم. وقال الزجاج: الخمر في اللغة: ما ستر على العقل، يقال: دخل فلان في خمار الناس، أي: في الكثير الذي يستتر فيهم، وخمار المرأة قناعها، سمي خماراً لأنه يغطّي. قال: والخمر هاهنا في المجمع عليها، وقياس كل ما عمل عملها أن يقال له: خمر، وأن يكون في التحريم بمنزلتها، لأن العلماء أجمعوا على أن القمار كله حرام، وإنما ذكر الميسر من بينه، وجعل كله قياساً على الميسر، والميسر إنما يكون قماراً في الجزر «1» خاصة. فأما الميسر، فقال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة في الآخرين: هو القمار. قال ابن قتيبة: يقال: يسرت: إذا ضربت بالقداح، ويقال للضارب بالقداح: ياسر وياسرون، ويُسر وأيْسار. وكان أصحاب الثروة والأجواد في الشتاء عند شدة الزمان وكلبه ينحرون جزوراً ويجزئونها أجزاء ثم يضربون عليها بالقداح فاذا قمر القامر، جعل ذلك لذوي الحاجة والمسكنة، وهو النفع الذي ذكره الله تعالى، وكانوا يتمادحون بأخذ القداح، ويتسابون بتركها ويعيبون من لا ييسر. قوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ، قرأ الأكثرون «كبير» بالباء، وقرأ حمزة والكسائي بالثاء. وفي إثم الخمر ثلاثة أقوال: أحدها: أن شربها ينقص الدين، قاله ابن عباس. والثاني: أنه إذا شرب سكر فآذى الناس، رواه السدي عن أشياخه. والثالث: أنه وقوع العداوة والبغضاء وتغطية العقل الذي يقع به التمييز، قاله الزجاج. وفي إثم الميسر قولان: أحدهما: أنه يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقع العداوة، قاله ابن عباس. والثاني: أنه يدعو إلى الظلم ومنع الحق. رواه السدي عن أشياخه وجائز أن يراد جميع ذلك. وأما منافع الخمر فمن وجهين: أحدهما: الربح في بيعها. والثاني: انتفاع الأبدان «2» مع التذاذ النفوس. وأما منافع الميسر: فاصابة الرجل المال من غير تعب. وفي قوله تعالى: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما، قولان: أحدهما: أن معناه: وإثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم، قاله سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل. والثاني: وإثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم أيضاً. لأن الإثم الذي يحدث في أسبابهما أكبر من نفعهما. وهذا منقول عن ابن جبير أيضاً، واختلفوا بماذا كانت الخمرة مباحة؟ على قولين: أحدهما: بقوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً «3» ، قاله ابن جبير. والثاني: بالشريعة الاولى، وأقر المسلمون على ذلك حتى حرمت. فصل: اختلف العلماء: هل لهذه الآية تأثير في تحريم الخمر أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها
تقتضي ذمها دون تحريمها، رواه السدي عن أشياخه، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة، ومقاتل. وعلى هذا القول تكون هذه الآية منسوخة. والقول الثاني: أن لها تأثيراً في التحريم، وهو أن الله تعالى أخبر أن فيها إثماً كبيراً والإثم كله محرم بقوله: وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ «1» ، هذا قول جماعة من العلماء، وحكاه الزجاج، واختاره القاضي أبو يعلى للعلة التي بيناها، واحتج لصحته بعض أهل المعاني، فقال: لما قال تعالى: فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وقع التساوي بين الأمرين، فلما قال: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما صار الغالب الإثم، وبقي النفع مستغرقاً في جنب الإثم، فعاد الحكم للغالب المستغرق، فغلب جانب الخطر. فصل: فأما الميسر فالقول فيه مثل القول في الخمر، إن قلنا: إن هذه الآية دلت على التحريم، فالميسر حكمها حرام أيضاً، وإن قلنا: إنها دلت على الكراهة فأقوم الأقوال أن نقول: إن الآية التي في المائدة نصت على تحريم الميسر. قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ، قال ابن عباس: الذي سأله عن ذلك عمرو بن الجموح. قال ابن قتيبة: والمراد بالنفقة هاهنا: الصدقة والعطاء. قوله تعالى: قُلِ الْعَفْوَ، قرأ أبو عمرو برفع واو «العفو» ، وقرأ الباقون بنصبها، قال أبو علي: «ماذا» في موضع نصب، فجوابه العفو بالنصب، كما تقول في جواب: ماذا أنفقت؟ درهماً، أي: أنفقت درهماً، هذا وجه نصب العفو. ومن رفع جعل «ذا» بمنزلة الذي، ولم يجعل «ماذا» اسماً واحداً، فاذا قال قائل: ماذا أنزل ربكم؟ فكأنه قال: ما الذي أنزل ربكم؟ فجوابه: قرآن. قال الزجاج: «العفو» في اللغة: الكثرة والفضل، يقال: قد عفا القوم: إذا كثروا. و «العفو» : يأتي بغير كلفة. وقال ابن قتيبة: العفو: الميسور. يقال: خذ ما عفاك، أي: ما أتاك سهلاً بلا إكراه ولا مشقة. وللمفسرين في المراد بالعفو هاهنا خمسة أقوال: أحدها: أنه ما يفضل عن حاجة المرء وعياله، رواه مقسم عن ابن عباس. والثاني: ما تطيب به أنفسهم من قليل وكثير، رواه عطية عن ابن عباس. والثالث: أنه القصد من الإسراف والإقتار، قاله الحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير. والرابع: أنه الصدقة المفروضة، قاله مجاهد. والخامس: أنه ما لا يتبين عليهم مقداره، من قولهم: عفا الأثر إذا خفي ودرس، حكاه شيخنا عن طائفة من المفسرين «2» . فصل: وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فروى السدي عن أشياخه أنها نسخت بالزكاة، وأبى نسخها آخرون. وفصل الخطاب في ذلك: أنا متى قلنا: إنه فرض عليهم بهذه الآية التصدق بفاضل المال، أو قلنا: أوجبت عليهم هذه الآية صدقة قبل الزكاة، فالآية منسوخة بآية الزّكاة،
[سورة البقرة (2) : آية 220]
ومتى قلنا: إنها محمولة على الزكاة المفروضة كما قال مجاهد، أو على الصدقة المندوب إليها، فهي محكمة. قوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ، قال الزجاج: إنما قال كذلك، وهو يخاطب جماعة، لأن الجماعة معناها: القبيل، كأنه قال: كذلك يا أيها القبيل. وجائز أن تكون الكاف للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، كأنه قال: كذلك يا أيّها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لأن الخطاب له مشتمل على خطاب أمته. وقال ابن الأنباري: الكاف في «كذلك» إشارة إلى ما بيَّن من الإنفاق، فكأنه قال: مثل ذلك الذي بينه لكم في الإنفاق يبيّن الآيات. ويجوز أن يكون «كذلك» غير إشارة إلى ما قبله، فيكون معناه: هكذا، قاله ابن عباس. لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في الدنيا والآخرة فتعرفون فضل ما بينهما، فتعملون للباقي منهما. [سورة البقرة (2) : آية 220] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، في سبب نزولها قولان: (101) أحدهما: أنه لما أنزل الله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «1» ، وإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً «2» ، انطلق من كان عنده مال يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، وجعل يفضل الشيء من طعامِه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم، فذكروه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل. (102) والثاني: أن العرب كانوا يشددون في أمر اليتيم حتى لا يأكلون معه في قصعته، ولا يستخدمون له خادما، فسألوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن مخالطتهم، فنزلت هذه الآية، ذكره السدي عن أشياخه، وهو قول الضحاك. وفي السائلين للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك قولان: أحدهما: أن الذي سأله ثابت بن رفاعة الأنصاري، قاله مقاتل. والثاني: عبد الله بن رواحة، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، قال ابن قتيبة: معناه: تثمير أموالهم، والتنزه عن أكلها لمن وليها خير. وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ، أي: فهم إخوانكم، حُكمهم في ذلك حكم إخوانكم. قال ابن عباس: والمخالطة: أن يشرب من لبنك، وتشرب من لبنه، ويأكل في قصعتك، وتأكل في قصعته.
[سورة البقرة (2) : آية 221]
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ، يريد: المتعمد أكل مال اليتيم، من المتحرّج الذي لا يألو إلا الإصلاح. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ، قال ابن عباس: أي لأحرجكم، ولضيّق عليكم. وقال ابن الأنباري: أصل العنت: التشديد. تقول العرب: فلان يتعنت فلاناً ويعنته، أي: يشدد عليه، ويلزمه المشاقّ، قال: ثم نقلت إلى معنى الهلاك، واشتقاق الحرف «1» من قول العرب: أكمة عنوت: إذا كانت شديدة شاقة المصعد، فجعلت هذه اللفظة مستعملة في كل شدّة. [سورة البقرة (2) : آية 221] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ في سبب نزولها قولان: (103) أحدهما: أن رجلاً يقال له: مرثد بن أبي مرثد بعثه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إلى مكة ليخرج ناسا من المسلمين بها أسرى، فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها: عناق، وكانت خليلة له في الجاهلية، فلما أسلم أعرض عنها، فأتته فقالت: ويحك يا مرثد، ألا تخلو؟ فقال: إن الإسلام قد حال بيني وبينك، ولكن إن شئتِ تزوّجتك، إذا رجعت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، استأذنته في ذلك، فقالت: أبي يتبرّم؟! واستغاثت عليه، فضربوه ضرباً شديداً، ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة رجع إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فسأله: أتحلُّ لي أن أتزوجها؟ فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. وذكر مقاتل بن سليمان أنه أبو مرثد الغنوي. (104) والثاني: أن عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم فزع، فأتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأخبره خبرها فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وما هي يا عبد الله» ؟ فقال: يا رسول الله، هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إِله إِلا الله، وأنك رسول الله، فقال: «يا عبد الله، هذه مؤمنة» . فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنّها ولأتزوجنّها ففعل، فعابه ناس من المسلمين، وقالوا: أنكح أمة، وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رغبة في أحسابهن، فنزلت هذه الآية. رواه السدي عن أشياخه. وقد ذكر بعض المفسرين أن قصة عناق وأبي مرثد كانت سبباً لنزول قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ
، وقصة ابن رواحة كانت سبباً لنزول قوله تعالى: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ. فأما التفسير، فقال المفضَّل: أصل النكاح: الجماع، ثم كثر ذلك حتى قيل للعقد: نكاح. وقد حرّم الله عزّ وجلّ نكاح المشركات عقدا ووطأ. وفي «المشركات» هاهنا قولان: أحدهما: أنه يعُم الكتابيات وغيرهن، وهو قول الأكثرين «1» . والثاني: أنه خاص في الوثنيات، وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، وقتادة. وفي المراد بالأمة قولان: أحدهما: أنها المملوكة، وهو قول الأكثرين، فيكون المعنى: ولَنكاح أمة مؤمنة خير من نكاح حرة مشركة. والثاني: أنها المرأة، وإن لم تكن مملوكة، كما يقال: هذه أمة الله، هذا قول الضحّاك، والأول أصحّ. وفي قوله تعالى: وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ قولان: أحدهما: بجمالها وحسنها. والثاني: بحسبها ونسبها. فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال القائلون بأن المشركات الوثنيات: هي محكمة، وزعم بعض من نصر هذا القول أن اليهود والنصارى ليسوا بمشركين بالله، وإن جحدوا بنبوة نبينا. قال شيخنا: وهو قولٌ فاسد من وجهين: أحدهما: أن حقيقة الشرك ثابتة في حقهم حيث قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله. والثاني: أن كفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، يوجب أن يقولوا: إن ما جاء به ليس من عند الله، وإضافة ذلك إلى غير الله شرك. فأما القائلون بأنها عامة في جميع المشركات، فلهم في ذلك قولان: أحدهما: أن بعض حكمها
[سورة البقرة (2) : آية 222]
منسوخ بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وبقي الحكم في غير أهل الكتاب محكماً. والثاني: أنها ليست بمنسوخة، ولا ناسخة، بل هي عامة في جميع المشركات، وما أخرج عن عمومها من إباحة كافرة فدليل خاص، وهو قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فهذه خصصت عموم تلك من غير نسخ، وعلى هذا عامة الفقهاء. وقد روي معناه عن جماعة من الصحابة، منهم: عثمان، وطلحة، وحذيفة، وجابر، وابن عباس «1» . قوله تعالى: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ، أي: لا تزوجوهم بمسلمة حتى يؤمنوا والكلام في قوله تعالى: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ، وفي قوله تعالى: وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ، مثل الكلام في أول الآية. قوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ، قرأ الجمهور بخفض «المغفرة» وقرأ الحسن، والقزاز، عن أبي عمرو، برفعها. [سورة البقرة (2) : آية 222] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ. روى ثابت عن أنس، قال: (105) كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهن لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسئل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، فأمرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يؤاكلوهن ويشاربوهن ويكونوا معهن في البيوت، وأن يفعلوا كل شيء ما عدا النكاح. (106) وقال ابن عباس: جاء رجل يقال له: ابن الدّحداحة من الأنصار، إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فنزلت هذه الآية.
وفي المحيض قولان: أحدهما: أنه اسم للحيض، قال الزجاج: يقال: قد حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحاضاً ومحيضاً. وقال ابن قتيبة: المحيض: الحيض. والثاني: أنه اسم لموضع الحيض، كالمقيل، فإنه موضع القيلولة، والمبيت موضع البيتوتة. وذكر القاضي أبو يعلى أن هذا ظاهر كلام أحمد. فأما أرباب القول الأول فأكدوه بأن في اللفظ ما يدل على قولهم، وهو أنه وصفه بالأذى، وذلك صفة لتفسير الحيض، لا لمكانه. وأما أرباب القول الثاني، فقالوا: لا يمتنع أن يكون المحيض صفة لموضع، ثم وصفه بما قاربه وجاوره، كالعقيقة، فإنها اسم لشعر الصبي، وسميت بها الشاة التي تذبح عند حلق رأسه مجازاً. والراوية: اسم للجمل، وسميت المزادة راوية مجازاً. والأذى يحصل للواطئ بالنجاسة، ونتن الريح. وقيل: يورث جماع الحائض علة بالغة في الألم. فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ، المراد به اعتزال الوطء في الفرج، لأن المحيض نفس الدم أو نفس الفرج، وَلا تَقْرَبُوهُنَّ، أي: لا تقربوا جماعهن، وهو تأكيد لقوله: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ. قوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ، قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، عن عاصم (حتى يطهرن) خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر، عن عاصم (يطَّهّرن) بتشديد الطاء والهاء وفتحهما. قال ابن قتيبة: يطهرن: ينقطع عنهن الدم، يقال: طهُرت المرأة وطهَرت: إذا رأت الطهر، وإن لم تغتسل بالماء. ومن قرأ: «يطَّهَّرن» بالتشديد أراد: يغتسلن بالماء. والأصل يتطهرن، فأدغمت التاء في الطاء. قال ابن عباس ومجاهد: حتى يطهرن من الدم، فاذا تطهرن اغتسلن بالماء. قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ إباحة من حظر، لا على الوجوب. قوله تعالى: مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ فيه أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: من قبل الطهر، لا من قبل الحيض، قاله ابن عباس، وأبو رزين، وقتادة، والسدي في آخرين. والثاني: أن معناه: فأتوهن من حيث أمركم الله أن لا تقربوهن فيه، وهو محل الحيض، قاله مجاهد. وقال من نصر هذا القول: إنما قال: أَمَرَكُمُ اللَّهُ، والمعنى: نهاكم، لأن النهي أمر بترك المنهي عنه، و «من» بمعنى «في» ، كقوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ «1» . والثالث: فأتوهنّ من قبل التزويج والحلال، لا من قبل الفجور، قاله ابن الحنفية. والرابع: أن معناه: فأتوهن من الجهات التي يحل أن تقرب فيها المرأة، ولا تقربوهن من حيث لا ينبغي مثل أن كن صائمات أو معتكفات أو محرمات. وهذا قول الزجاج وابن كيسان. وفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، قولان: أحدهما: التوابين من الذنوب، قاله عطاء، ومجاهد في آخرين. والثاني: التوابين من إتيان الحيض، ذكره بعض المفسرين. وفي قوله: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، ثلاثة أقوال: أحدها: المتطهرين من الذنوب، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية. والثاني: المتطهرين بالماء، قاله عطاء. والثالث: المتطهرين من إتيان أدبار النساء، روي عن مجاهد.
[سورة البقرة (2) : آية 223]
فصل: أقل الحيض يوم وليلة في إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية: يوم «1» . وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام. وقال مالك وداود: ليس لأقله حد. وفي أكثره روايتان عن أحمد: إحداهما: خمسة عشر يوماً، وهو قول مالك والشافعي. والثانية: سبعة عشر يوماً، وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام. والحيض مانع من عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصّيام دون وجوبه، والجلوس في المسجد، والاعتكاف، والطواف، وقراءة القرآن، وحمل المصحف، والاستمتاع فى الفرج، وحصول نيّة الطّلاق. [سورة البقرة (2) : آية 223] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (107) أحدها: أن اليهود أنكرت جواز إتيان المرأة إلا من بين يديها، وعابت من يأتيها على غير تلك الصفة، فنزلت هذه الآية. روي عن جابر، والحسن، وقتادة. (108) والثاني: أن حياً من قريش كانوا يتزوجون النساء بمكة، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة، تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا ذلك، فأنكرنه، وانتهى الحديث إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية. رواه مجاهد عن ابن عباس. (109) والثالث: أن عمر بن الخطاب جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: هلكت، حوّلت رحلي الليلة،
فنزلت هذه الآية. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والحرث: المزدرع، وكنى به هاهنا عن الجماع، فسماهن حرثاً، لأنهن مزدرع الأولاد، كالأرض للزرع، فان قيل: النساء جمع، فلم لم يقل: حروث؟ فعنه ثلاثة أجوبة، ذكرها ابن القاسم الأنباري النحوي: أحدها: أن يكون الحرث مصدراً في موضع الجمع، فلزمه التوحيد، كما تقول العرب: إخوتك صوم، وأولادك فطر، يريدون: صائمين ومفطرين، فيؤدي المصدر بتوحيده عن اللفظ المجموع. والثاني: أن يكون أراد: حروث لكم، فاكتفى بالواحد من الجمع، كما قال الشاعر: كلوا في نصف بطنكُم تعيشوا أي: في أنصاف بطونكم. والثالث: أنه إنما وحَّد الحرث، لأن النساء شبهن به، ولسن من جنسه، والمعنى: نساؤكم مثل حروث لكم. قوله تعالى: أَنَّى شِئْتُمْ، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بمعنى: كيف شئتم، ثم فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: كيف شئتم، مقبلة أو مدبرة، وعلى كل حال، إذا كان الإتيان في الفرج. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعطية، والسدي، وابن قتيبة في آخرين. والثاني: أنها نزلت في العزل، قاله سعيد بن المسيب، فيكون المعنى: إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا. والقول الثاني: أنه بمعنى: إذا شئتم، ومتى شئتم، وهو قول ابن الحنفية والضحاك، وروي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أنه بمعنى: حيث شئتم، وهذا محكي عن ابن عمر ومالك بن أنس، وهو فاسِد من وجوه: أحدها: أن سالم بن عبد الله لما بلغه أن نافعاً تحدث بذلك عن ابن عمر، قال: كذب العبد، إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن. وأما أصحاب مالك، فانهم ينكرون صحته عن مالك «1» .
(110) والثاني: أن أبا هريرة روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: «ملعون من أتى النساء في أدبارهن» ، فدل على أن الآية لا يراد بها هذا. والثالث: أن الآية نبهت على أنه محل الولد بقوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ، وموضع الزرع: هو مكان الولد. قال ابن الأنباري: لما نصَّ الله على ذكر الحرث، والحرث به يكون النبات، والولد مشبَّه بالنبات، لم يجز أن يقع الوطء في محل لا يكون منه ولد. والرابع: أن تحريم إتيان الحائض كان لعلة الأذى، والأذى ملازم لهذا المحل لا يفارقه. قوله تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ فيه أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: وقدموا لأنفسكم من العمل الصالح، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: وقدموا التسمية عند الجماع، رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث: وقدموا لأنفسكم في طلب الولد، قاله مقاتل. والرابع: وقدّموا طاعة الله واتباع أمره، قاله الزجّاج.
[سورة البقرة (2) : آية 224]
[سورة البقرة (2) : آية 224] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، في سبب نزولها أربعة أقوال: (111) أحدها: أنها نزلت في عبد الله بن رواحة، كان بينه وبين ختنه «1» شيء، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه، وجعل يقول: قد حلفت بالله، ولا يحل لي، إلا أن تبرّ يميني، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. والثاني: أن الرجل كان يحلف بالله أن لا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس، فنزلت هذه الآية، قاله الربيع بن أنس. والثالث: أنها نزلت في أبي بكر حين حلف: لا ينفق على مسطح، قاله ابن جريج «2» . والرابع: نزلت في أبي بكر، حلف أن لا يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم، قاله المقاتلان: ابن حيان، وابن سليمان «3» . قال الفراء: والمعنى: ولا تجعلوا الله مُعترضاً لأيمانكم. وقال أبو عبيد: نصباً لأيمانكم، كأنه يعني: أنكم تعترضونه في كل شيء فتحلفون به. وفي معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناها: لا تحلفوا بالله أن لا تبرّوا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وابن جبير، والضحاك، وقتادة، والسدي، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. والثاني: أن معناها: لا تحلفوا بالله كاذبين لتتقوا المخلوقين وتبرّوهم، وتصلحوا بينهم بالكذب، روى هذا المعنى عطية عن ابن عباس. والثالث: أن معناها: لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارّين مصلحين، فان كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة عليه، هذا قول ابن زيد. [سورة البقرة (2) : آية 225] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، قال الزجاج: اللغو في كلام العرب: ما أطُّرح ولم يعقد عليه أمر، ويسمى ما لا يعتد به، لغواً. وقال ابن فارس: اشتقاق ذلك من قولهم لما لا يعدّ من أولاد الإبل في الدّية أو غيرها لغو، يقال منه: لغا يلغو، وتقول: لغي بالأمر يلغى: إذا لهِج به. وقيل: إن اشتقاق اللغة منه: أي يلهج صاحبها بها. وفي المراد باللغو هاهنا خمسة أقوال: أحدها: أن يحلف على الشيء ويظنّ أنه كما حلف، ثم يتبين له أنه بخلافه، وإلى هذا المعنى ذهب أبو هريرة، وابن عباس، والحسن، وعطاء، والشعبي، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي عن أشياخه، ومالك، ومقاتل. والثاني: أنه: لا والله، وبلى والله، من غير قصد لعقد اليمين، وهو قول عائشة، وطاوس، وعروة، والنخعي، والشافعي. واستدل أرباب هذا القول بقوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ، وكسب القلب: عقده وقصده، وهذان القولان منقولان عن الإمام أحمد، روى عنه ابنه
[سورة البقرة (2) : آية 226]
عبد الله أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين، يرى أنه كذلك، ولا كفارة. والرجل يحلف ولا يعقد قلبه على شيء، فلا كفارة. والثالث: أنه يمين الرجل وهو غضبان، رواه طاوس عن ابن عباس. والرابع: أنه حلف الرجل على معصية، فليحنث، وليكفِّر، ولا إثم عليه، قاله سعيد بن جبير. والخامس: أن يحلف الرجل على شيء، ثم ينساه، قاله النخعي. وقول عائشة أصح الجميع. قال حنبل: سئل أحمد عن اللغو فقال: الرجل يحلف فيقول: لا والله، وبلى والله، لا يريد عقد اليمين، فاذا عقد على اليمين لزمته الكفارة. قوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ، قال مجاهد: أي: ما عقدت عليه قلوبكم. «والحليم» : ذو الصفح الذي لا يستفزه غضب، فيعجل، ولا يستخفه جهل جاهل مع قدرته على العقوبة. قال أبو سليمان الخطابي: ولا يستحق اسم الحليم من سامح مع العجز عن المجازاة، إنما الحليم الصفوح مع القدرة، المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. وقد أنعم بعض الشعراء أبياتاً في هذا المعنى، فقال: لا يدرك المجدَ أقوامٌ وإِن كرموا ... حتى يذلّوا وإِن عزّوا لأقوام ويُشْتَموا فترى الألوانَ مسفرةً ... لا صفح ذلٍ ولكن صفحَ أحلام قال: ويقال: حَلم الرجل يحلمُ حُلُما بضم اللام في الماضي والمستقبل. وحلَم في النوم، بفتح اللام، يحلم حُلماً، اللام في المستقبل والحاء في المصدر مضمومتان. فصل: الأيمان على ضربين، ماضٍ ومستقبل، فالماضي على ضربين: يمين محرمة، وهي: اليمين الكاذبة، وهي أن يقول: والله ما فعلت، وقد فعل. أو: قد فعلت، وما فعل. ويمين مباحة، وهي أن يكون صادقاً في قوله: ما فعلت، أو: لقد فعلت. والمستقبلة على خمسة أقسام: أحدها: يمين عقدها طاعة والمقام عليها طاعة، وحلها معصية، مثل أن يحلف: لأصلينَّ الخمس، ولأصومنَّ رمضان، أو: لا شربت الخمر. والثاني: عقدها معصية، والمقام عليها معصية، وحلها طاعة، وهي عكس الأولى. والثالث: يمين عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلّها مكرهة، مثل أن يحلف: ليَفعلنّ النوافل من العبادات. والرابع: يمين عقدها مكروه، والمقام عليها مكروه، وحلها طاعة، وهي عكس التي قبلها. والخامس: يمين عقدها مباح، والمقام عليها مباح، وحلها مباح مثل أن يحلف: لا دخلت بلداً فيه من يظلم الناس، ولا سلكت طريقا مخوفا، ونحو ذلك «1» . [سورة البقرة (2) : آية 226] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ. (112) قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئاً، فأبت أن تعطيه
حلف أن لا يقربها السنة، والثلاث، فيدعها لا أيّماً ولا ذات بعل، فلما كان الإسلام جعل الله تعالى ذلك للمسلمين أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية. وقال سعيد بن المسيب: كان الإيلاء ضرار أهل الجاهلية، وكان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبداً، فجعل الله تعالى الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وأنزل هذه الآية. قال ابن قتيبة: يؤلون، أي: يحلفون، يقال: آليت من امرأتي، أولي إيلاء: إذا حلف لا يجامعها. والاسم: الأليَّة. وقال الزجاج: يقال من الإيلاء: آليت أولي إيلاء وأليَّة وأُلْوةً وأَلْوَةً وإِلْوَةً، وهي بالكسر أقل اللغات، قال كثير: قليل الألايا حافظٌ ليمينه ... وإِن بدرت منه الأليَّة برَّت وحكي ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: «من» بمعنى: «في» أو: «على» ، والتقدير: على وطء نسائهم، فحذف الوطء، وأقام النساء مقامه، كقوله تعالى: ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ «1» ، أي: على ألسنة رسلك. وقيل: في الكلام حذف، تقديره: يؤلون، يعتزلون من نسائهم. والتربص: الانتظار. ولا يكون مؤلياً إلا إذا حلف بالله لا يصيب زوجته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أشهر فما دون، لم يكن مؤلياً. وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي «2» . وفاؤوا: رجعوا، ومعناه رجعوا إلى
[سورة البقرة (2) : آية 227]
الجماع، قاله عليّ، وابن عباس، وابن جبير، ومسروق، والشعبي، وإذا كان للمؤلي عذر لا يقدر معه على الجماع، فإنه يقول: متى قدرت جامعتها، فيكون ذلك من قوله فيئة فمتى قدر فلم يفعل، أمر بالطلاق، فان لم يطلق، طلق الحاكم عليه. قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قال عليّ، وابن عباس: غفور لإثم اليمين. [سورة البقرة (2) : آية 227] وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، أي: حققوه «1» . وفي عزم الطلاق قولان: أحدهما: أنه إذا مضت الأربعة أشهر استحق عليه أن يفيء، أو يطلق، وهو مروي عن عمر، وعثمان، وعليّ، وابن عمر، وسهل بن سعد، وعائشة، وطاوس، ومجاهد، والحكم، وأبي صالح. وحكاه أبو صالح عن اثني عشر رجلاً من الصحابة، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي. والثاني: أنه لا يفيء حتى يمضي أربعة أشهر، فتطلق بذلك من غير أن يتكلم بطلاق. واختلف أرباب هذا القول فيما سيلحقها من الطلاق على قولين: أحدهما: طلقة بائنة. روي عن عثمان، وعليّ، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وقبيصة بن ذؤيب. والثاني: طلقة رجعية، روي عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن شبرمة. قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فيه قولان: أحدهما: سميع لطلاقه، عليم بنيته. والثاني: سميع ليمينه، عليم بها. [سورة البقرة (2) : آية 228] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، سبب نزولها: أن المرأة كانت إذا طلقت وهي راغبة في زوجها، قالت: أنا حبلى، وليست حبلى، لكي يراجعها، وإن كانت حبلى وهي كارهة، قالت: لست بحبلى، لكي لا يقدر على مراجعتها. فلما جاء الإسلام ثبتوا على هذا، فنزل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ «1» ، ثم نزلت: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. فأما التفسير فالطلاق: التخلية. قال ابن الأنباري: هي من قول العرب: أطلقت الناقة، فطلقت: إذا كانت مشدودة، فأزلت الشد عنها، وخليتها، فشبه ما يقع للمرأة بذلك، لأنها كانت متصلة الأسباب بالرجل، وكانت الأسباب كالشد لها فلما طلقها قطع الأسباب. ويقال: طلقت المرأة وطُلّقت. وقال غيره: الطلاق: من أطلقت الشيء من يدي، إلا أنهم لكثرة استعمالهم اللفظتين فرقوا بينهما، ليكون التطليق مقصوراً في الزوجات. وأما القروء: فيراد بها: الأطهار، ويراد بها الحيض. يقال: أقرأت المرأة إذا حاضت، وأقرأت: إذا طهرت. (113) قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المستحاضة: «تقعد أيام أقرائها» ، يريد: أيام حيضها. وقال الأعشى: وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا «2» مُورِّثةٍ مالاً، وفي الحي رفعةً ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا أراد بالقروء: الأطهار، لأنه لما خرج عن نسائه أضاع أطهارهن. واختلف أهل اللغة في أصل القروء على قولين: أحدهما: أن أصله الوقت، يقال: رجع فلان لقرئه، أي: لوقته الذي كان يرجع
فيه، ورجع لقارئه أيضاً. قال الهذلي: كرهت العقر عقر بني شليل ... إذا هبت لقارئها الرياح فالحيض يأتي لوقت، والطهر يأتي لوقت، هذا قول ابن قتيبة. والثاني: أن أصله الجمع. وقولهم: قرأت القرآن، أي: لفظت به مجموعاً. والقرء: اجتماع الدم في البدن، وذلك إنما يكون في الظّهر، وقد يجوز أن يكون اجتماعه في الرحم، وكلاهما حسن، هذا قول الزجاج. واختلف الفقهاء في الأقراء على قولين «1» : أحدهما: أنها الحيض، روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وعكرمة، والضحاك، والسدي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل رضي الله عنه، فإنه قال: قد كنت أقول: إن القروء: الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض. والثاني: أنها الأطهار، روي عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة، والزهري، وأبان بن عثمان، ومالك بن أنس، والشافعي، وأومأ إليه أحمد. ولفظ قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ، لفظ الخبر، ومعناه: الأمر، كقوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ «2» ، وقد يأتي لفظ الأمر في معنى الخبر كقوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا «3» ، والمراد بالمطلقات في هذه الآية، البالغات المدخول بهن غير الحوامل. قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحمل، قاله عمر، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنه الحيض، قاله عكرمة، وعطية، والنخعي، والزهري. والثالث: الحمل والحيض، قاله ابن عمر، وابن زيد. وقوله تعالى: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، خرِّج مخرج الوعيد لهن والتوكيد، قال الزجاج: وهو كما تقول للرجل: إن كنت مؤمناً فلا تظلم. وفي سبب وعيدهم بذلك قولان: أحدهما: أنه لأجل ما يستحقه الزوج من الرجعة، قاله ابن عباس. والثاني: لأجل إلحاق الولد بغير أبيه، قاله قتادة. وقيل: كانت المرأة إذا
رغبت عن زوجها، قالت: إني حائض، وقد طهرت. وإذا زهدت فيه، كتمت حيضها حتى تغتسل، فتفوته. والبعولة: الأزواج. و «ذلك» : إشارة إلى العدة، قاله مجاهد، والنخعي، وقتادة في آخرين. وفي الآية دليل على أن خصوص آخر اللفظ لا يمنع عموم أوله، ولا يوجب تخصيصه، لأن قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ، عام في المبتوتات والرجعيات، وقوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ خاص في الرجعيات. قوله تعالى: إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً، قيل: إن الرجل كان إذا أراد الإضرار بامرأته، طلقها واحدة وتركها، فاذا قارب انقضاء عدتها راجعها، ثم تركها مدّة، ثم طلقها، فنهوا عن ذلك. وظاهر الآية يقتضي أنه إنما يملك الرجعة على غير وجه المضارة بتطويل العدة عليها، غير أنه قد دل قوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا، على صحة الرجعة وإن قصد الضرار، لأن الرجعة لو لم تكن صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ظالماً بفعلها. قوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وهو: المعاشرة الحسنة، والصحبة الجميلة. (114) روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه سئل عن حق المرأة على الزوج فقال: «أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت» . وقال ابن عباس: إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي لهذه الآية. قوله تعالى: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال. وقال مجاهد: بالجهاد والميراث. وقال أبو مالك: يطلقها، وليس لها من الأمر شيء. وقال الزجاج: تنال منه من اللذة كما ينال منها، وله الفضل بنفقته. (115) وروى أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لو أمرتُ أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» .
[سورة البقرة (2) : آية 229]
وقالت ابنة سعيد بن المسيب: ما كنا نكلم أزواجنا إلا كما تكلمون أمراءكم. فصل: اختلف العلماء في هذه الآية: هل تدخل في الآيات المنسوخات أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها تدخل في ذلك. واختلف هؤلاء في المنسوخ منها، فقال قوم: المنسوخ منها قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، وقالوا: فكان يجب على كل مطلقة أن تعتدّ بثلاثة قروء، فنسخ حكم الحامل بقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ «1» ، وحكم المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها «2» ، وهذا مروي عن ابن عباس، والضحاك في آخرين. وقال قوم: أولها محكم، والمنسوخ قوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ، قالوا: كان الرجل إذا طلق امرأته كان أحق برجعتها، سواء كان الطلاق ثلاثاً، أو دون ذلك، فنسخ بقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ «3» . والقول الثاني: أن الآية كلها محكمة، فأولها عام. والآيات الواردة في العدد خصت ذلك من العموم، وليس بنسخ. وأما ما قيل في الارتجاع، فقد ذكرنا أن معنى قوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ، أي: في العدة قبل انقضاء القروء الثلاثة، وهذا القول هو الصحيح. [سورة البقرة (2) : آية 229] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) قوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ.
(116) سبب نزولها: أن الرجل كان يطلق امرأته، ثم يراجعها ليس لذلك شيء ينتهي إليه، فقال رجل من الأنصار لامرأته: والله لا أؤويك إليّ أبدا ولا تحلِّين مني. فقالت: كيف ذلك؟ قال: أطلقك، فاذا دنا أجلك، راجعتك، فذهبتْ إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، تشكو إليه ذلك فنزلت هذه الآية، فاستقبلها الناس جديداً من كان طلق، ومن لم يكن يطلّق. رواه هشام بن عروة عن أبيه. فأما التفسير، ففي قوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ قولان: أحدهما: أنه بيان لسنَّة الطلاق، وأن يوقع في كل قرءٍ طلقة، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنه بيان للطلاق الذي تملك معه الرجعة، قاله عروة، وقتادة، وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. قوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، معناه: فالواجب عليكم إمساك بمعروف، وهو ما يعرف من إقامة الحق في إمساك المرأة. وقال عطاء، ومجاهد، والضحاك، والسدي: المراد بقوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ: الرجعة بعد الثانية. وفي قوله تعالى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، قولان: أحدهما: أن المراد به: الطلقة الثالثة، قاله عطاء، ومجاهد، ومقاتل. والثاني: أنه الإمساك عن رجعتها حتى تنقضي عدتها، قاله الضحاك، والسدي. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفرّاء وهذا هو الصحيح، لأنه قال عقيب الآية: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، والمراد بهذه الطلقة الثالثة بلا شك، فيجب إذن أن يحمل قوله تعالى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ على تركها حتى تنقضي عدتها، لأنه إن حمل على الثالثة، وجب أن يحمل قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها على رابعة، وهذا لا يجوز. فصل: الطلاق على أربعة أضرب: واجب، ومندوب إليه، ومحظور، ومكروه. فالواجب: طلاق المؤلي بعد التربص، إذا لم يفئ، وطلاق الحكمين في شقاق الزوجين، إذا رأيا الفرقة. والمندوب: إذا لم يتفقا، واشتدَّ الشقاق بينهما، ليتخلصا من الإثم. والمحظور: في الحيض، إذا كانت مدخولاً بها، وفي طهر جامعها فيه قبل أن تطهر. والمكروه: إذا كانت حالهما مستقيمة، وكل واحد منهما قيّم بحال صاحبه. قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً. (117) نزلت في ثابت بن قيس بن شمَّاس، أتت زوجته إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضاً. فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«أتردّين عليه حديقته» ؟ قالت: نعم، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلّم، أن يأخذها، ولا يزداد. رواه عكرمة عن ابن عباس. واختلفوا في اسم زوجته، فقال ابن عباس: جميلة. ونسبها يحيى بن أبي كثير، فقال: جميلة بنت عبد الله بن أبيّ بن سلول، وكناها مقاتل، فقال: أمّ حبيبة بنت عبد الله بن أبيّ. وقال آخرون: إنما هي جميلة أخت عبد الله بن أبيّ، وروى يحيى بن سعيد عن عمرة روايتين: إحداهما: أنها حبيبة بنت سهل. والثانية: سهلة بنت حبيب. وهذا الخلع أول خلع كان في الإسلام. والخوف في الآية بمعنى: العلم. والحدود قد سبق بيان معناها. ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها لبغضها إياه، وخاف الزوج أن يعتدي عليها لامتناعها عن طاعته جاز له أن يأخذ منها الفدية، إذا طلبت ذلك. هذا على قراءة الجمهور في فتح «ياء» يَخافا، وقرأ الحسن، ومجاهد، وأبو جعفر، وحمزة والأعمش: (يُخافا) بضم الياء. قوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ، قال قتادة: هو خطاب للولاة، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما على المرأة فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، وعلى الزوج فيما أخذ، لأنه ثمن حقّه. وقال الفراء: يجوز أن يراد الزوج وحده، وإن كانا قد ذكرا جميعاً كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «1» ، وإنما يخرج من أحدهما. وقوله: نَسِيا حُوتَهُما «2» : وإنما نسي أحدهما. فصل: وهل يجوز له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها؟ فيه قولان «3» : أحدهما: يجوز، وبه قال عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والضحاك ومالك والشافعي. والثاني: لا يجوز، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وطاوس وابن جبير والزّهريّ وأحمد بن
[سورة البقرة (2) : آية 230]
حنبل، وقد نقل عن عليّ والحسن أيضاً. وهل يجوز الخلع دون السلطان؟ قال عمر وعثمان وعليّ وابن عمر وطاوس وشريح والزهري: يجوز، وهو قول جمهور العلماء. وقال الحسن وابن سيرين وقتادة: لا يجوز إلا عند السّلطان. [سورة البقرة (2) : آية 230] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، ذكر مقاتل أن هذه الآية نزلت في تميمة بنت وهب بن عتيك النّضيريّ، وفي زوجها رفاعة بن عبد الرحمن القرظي. (118) وقال غير مقاتل: إنها عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها، فطلقها ثلاثاً، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزّبير، ثم طلّقها، فأتت إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني، فأبتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه طلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» . قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها، يعني: الزوج المطلق مرتين. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: هي الطلقة الثالثة. واعلم أن الله تعالى عاد بهذه الآية بعد الكلام في حكم الخلع إلى تمام الكلام في الطلاق. قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها، يعني: الثاني فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يعني: المرأة، والزوج الأول إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، قال طاوس: ما فرض الله على كل واحد منهما من حسن العشرة والصحبة. قوله تعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها قراءة الجمهور (يبينها) بالياء. وقرأ الحسن ومجاهد، والمفضل عن عاصم بالنون لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، قال الزجاج: يعلمون أن أمر الله حقّ. [سورة البقرة (2) : آية 231] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) قوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، قال ابن عباس: كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها، يفعل ذلك يضارّها ويعضلها بذلك، فنزلت هذه الآية. والأجل هاهنا: زمان العدة. ومعنى البلوغ هاهنا: مقارنة الأجل دون حقيقة الانتهاء إليه، يقال: بلغت المدينة: إذا قاربتها، وبلغتها: إذا دخلتها. وإنما حمل العلماء هذا البلوغ على المقاربة، لأنه ليس بعد انقضاء العدة رجعة. قوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة: المراد به الرجعة قبل انقضاء العدة. قوله تعالى: أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، وهو تركها حتى تنقضي عدّتها.
[سورة البقرة (2) : آية 232]
والمعروف في الإمساك: القيام بما يجب لها من حق، والمعروف في التسريح: أن لا يقصد إضرارها، بأن يطيل عدتها بالمراجعة، وهو معنى قوله: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا، قاله الحسن ومجاهد، وقتادة في آخرين. وقال الضحاك: إنما كانوا يضارّون المرأة لتفتدي وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الاعتداء، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بارتكاب الإثم. قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً فيه قولان: أحدهما: أنه الرجل يطلق أو يراجع، أو يعتق، ويقول: كنت لاعباً. روي عن عمر، وأبي الدرداء، والحسن. والثاني: أنه المضارّ بزوجته في تطويل عدّتها بالمراجعة قبل الطلاق، قاله مسروق، ومقاتل. وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، قال ابن عباس: احفظوا منته عليكم بالإسلام. قال: والكتاب: القرآن. والحكمة: الفقه. وَاتَّقُوا اللَّهَ، في الضرار وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ به وبغيره عَلِيمٌ. [سورة البقرة (2) : آية 232] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) قوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ في سبب نزولها قولان: (119) أحدهما: ما روى الحسن أن معقل بن يسار زوج أخته من رجل من المسلمين، فكانت عنده ما كانت، فطلقها تطليقة ثم تركها ومضت العدّة، وكانت أحق بنفسها، فخطبها مع الخطاب، فرضيت أن ترجع إليه، فخطبها إلى معقل، فغضب معقل، وقال: أكرمتك بها، فطلقتها؟! لا والله! لا ترجع إليك آخر ما عليك. قال الحسن: فعلم الله، عزّ وجلّ، حاجة الرجل إلى امرأته، وحاجة المرأة إلى بعلها، فنزلت هذه الآية، فسمعها معقل، فقال: سمعاً لربي، وطاعة، فدعا زوجها، فقال: أزوجك، وأكرمك. ذكر عبد الغني الحافظ عن الكلبي أنه سمى هذه المرأة، فقال: جميلة بنت يسار. (120) والثاني: أن جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنة عم، فطلقها زوجها تطليقة، فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها، فأبى جابر، وقال: طلقت ابنة عمنا، ثم تريد أن تنكحها الثانية؟! وكانت المرأة تريد زوجها، قد راضته، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. فأما بلوغ الأجل في هذه الآية، فهو انقضاء العدة، بخلاف التي قبلها. قال الشّافعيّ رضي الله عنه: دل اختلاف الكلامين على افتراق البلوغين. قوله تعالى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ، خطاب للأولياء، قال ابن عباس، وابن جبير، وابن قتيبة في آخرين: معناه لا تحبسوهن، والعرب تقول للشدائد: معضلات. وداءٌ عضال: قد أعيا. قال أوس بن حجر: وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا ولكنه النائي إذا كنت آمناً ... وصاحبك الأدنى إِذا الأمر أعضلا
[سورة البقرة (2) : آية 233]
وقالت ليلى الأخيلية: إذا نزل الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها شَفَاها من الدَّاءِ العُضَالِ الذي بها ... غلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها قال الزجاج: وأصل العضل، من قولهم: عضلت الدجاجة، فهي مُعضِل: إذا احتبس بيضها ونشب «1» فلم يخرج، وعضلت الناقة أيضاً: إذا احتبس ولدها في بطنها. قوله تعالى: إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، قال السدي، وابن قتيبة: معناه إذا تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح. قال الشافعي: وهذه الآية أبين آية في أنه ليس للمرأة أن تتزوج إلا بولي. قوله تعالى: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ، قال مقاتل: الإشارة إلى نهي الولي عن المنع. قال الزجاج: إنما قال: «ذلك» ولم يقل: «ذلكم» وهو يخاطب جماعة، لأن لفظ الجماعة لفظ الواحد، فالمعنى: ذلك أيها القبيل. قوله تعالى: ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ، يعني ردّ النساء إلى أزواجهن، أفضل من التّفرقة بينهم، وَأَطْهَرُ، أي: أنقى لقلوبكم من الريبة لئلا يكون هناك نوع محبة، فيجتمعان على غير وجه صلاح. قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فيه قولان: أحدهما: أن معناه: يعلم ودّ كل واحد منهما لصاحبه، قاله ابن عباس، والضحاك. والثاني: يعلم مصالحكم عاجلاً وآجلا، قاله الزجّاج في آخرين. [سورة البقرة (2) : آية 233] وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر، كقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ «2» ، وقال القاضي أبو يعلى: وهذا الأمر انصرف إلى الآباء، لأن عليهم الاسترضاع، لا إلى الوالدات، بدليل قوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ، وقوله تعالى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ «3» ، فلو كان متحتماً على الوالدة، لم تستحق الأجرة، وهل هو عام في جميع الوالدات؟ فيه قولان: أحدهما: أنه خاص في المطلقات، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ومقاتل في آخرين. والثاني: أنه عام في الزوجات والمطلقات، ولهذا يقال: لها أن تؤجر نفسها لرضاع ولدها، سواء كانت مع الزوج، أو مطلقة، قاله القاضي أبو يعلى، وأبو سليمان الدمشقي في آخرين. والحول: السنة، وفي قوله: كامِلَيْنِ قولان: أحدهما: أنه دخل للتوكيد كقوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ «4» . والثاني: أنه لما جاز أن يقول: «حولين» ، ويريد أقل منهما، كما قال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ «5» ، ومعلوم أنه يتعجل في يوم، وبعض آخر. وتقول العرب: لم أر فلاناً منذ يومين، وإنما
يريدون: يوماً وبعض آخر- قال: كاملين لتبيين أنه لا يجوز أن يُنقص منهما، وهذا قول الزجاج، والفراء. فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، فقال بعضهم: هو محكم، والمقصود منه بيان مدة الرضاع، ويتعلق به أحكام، منها أنه كمال الرضاع، ومنها أنه يلزم الأب نفقة الرضاع مدّة الحولين، ويجبره الحاكم على ذلك، ومنها أنه يثبت تحريم الرضاع في مدَّة الحولين، ولا يثبت فيما زاد، ونقل عن قتادة، والربيع بن أنس في آخرين أنه منسوخ بقوله تعالى: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما، قال شيخنا عليّ بن عبيد الله: وهذا قول بعيد، لأن الله تعالى قال في أولها: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ، فلما قال في الثاني: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما خيّر بين الإرادتين، وذلك لا يعارض المدة المقدرة في التمام. قوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ، أي: هذا التقدير بالحولين لمريدي إتمام الرضاعة. وقرأ مجاهد بتاءين «تتم الرضاعةُ» وبالرفع، وهي رواية الحلبي عن عبد الوارث. وقد ذكر التمام على نفي حكم الرضاع بعد الحولين، وأكثر القراء على فتح راء «الرضاعة» ، وقرأ طلحة بن مُصرِّف، وابن أبي عبلة، وأبو رجاء بكسرها، قال الزجاج، يقال: الرضاعة بفتح الراء وكسرها، والفتح أكثر، ويقال: ما حمله على ذلك إلا اللؤم والرضاعة بالفتح هاهنا لا غير. قوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ، يعني: الأب. رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ يعني: المرضعات. وفي قوله: بِالْمَعْرُوفِ دلالة على أن الواجب على قدر حال الرجل في إعساره ويساره، إذ ليس من المعروف إلزام المعسر ما لا يطيقه، ولا الموسر النزر الطفيف. وفي الآية دليل على تسويغ اجتهاد الرأي في أحكام الحوادث، إذ لا يتوصل إلى تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب الظن، إذ هو معتبر بالعادة. قوله تعالى: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، أي: إلا ما تطيقه. لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبان عن عاصم (لا تضارُّ) برفع الراء، وقرأ نافع وعاصم، وحمزة، والكسائي بنصبها، قال أبو عليّ: من رفع، فلأجل المرفوع قبله، وهو «لا تكلفُ» ، فأتبعه بما قبله ليقع تشابه اللفظ، ومن نَصب جعله أمراً، وفتح الراء لتكون حركته موافقة لما قبلها وهو الألف، قال ابن قتيبة: معناه: لا تضارر، فأدغمت الراء في الراء. وقال سعيد بن جبير: لا يحملنّ المطلقة مضارة الزوج أن تلقي إليه ولده. وقال مجاهد: لا تأبى أن ترضعه ضراراً بأبيه، ولا يضارّ الوالد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه، ليحزنها بذلك. وقال عطاء، وقتادة، والزهري، وسفيان، والسدي في آخرين: إذا رضيت بما يرضى به غيرها، فهي أحق به. وقرأ أبو جعفر: «لا تضار» بتخفيفها وإسكانها. قوله تعالى: وَعَلَى الْوارِثِ فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه وارث المولود، وهو قول عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وابن أبي ليلى، وقتادة، والسدي، والحسن بن صالح، ومقاتل في آخرين واختلف أرباب هذا القول، فقال بعضهم: هو وارث المولود من عصبته، كائناً من كان، وهذا مروي عن عمر، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، وسفيان. وقال بعضهم: هو وارث المولود على الإطلاق من الرجال والنساء، روي عن ابن أبي ليلى، وقتادة، والحسن بن صالح، وإسحاق، وأحمد بن حنبل. وقال آخرون: هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود، روي عن أبي حنيفة،
[سورة البقرة (2) : آية 234]
وأبي يوسف، ومحمد. والقول الثاني: أن المراد بالوارث هاهنا، وارث الوالد، روي عن الحسن والسدي. والثالث: أن المراد بالوارث الباقي من والدي الولد بعد وفاة الآخر، روي عن سفيان. والرابع: أنه أريد بالوارث الصبي نفسه، فالنفقة عليه، فإن لم يملك شيئاً، فعلى عصبته، قاله الضحاك، وقبيصة بن ذؤيب. قال شيخنا عليّ بن عبيد الله: وهذا القول لا ينافي قول من قال: المراد بالوارث وارث الصبي، لأن النفقة تجب للموروث على الوارث إذا ثبت إعسار المنفق عليه. وفي قوله تعالى: مِثْلُ ذلِكَ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الإشارة إلى أجرة الرضاع والنفقة، روي عن عمر، وزيد بن ثابت، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وابراهيم، وقتادة، وقبيصة بن ذؤيب، والسدي. واختاره ابن قتيبة. والثاني: أن الإشارة بذلك إلى النهي عن الضرار، روي عن ابن عباس والشعبي والزهري. واختاره الزجاج. والثالث: أنه إشارة إلى جميع ذلك، روي عن سعيد بن جبير ومجاهد ومقاتل وأبي سليمان الدمشقي واختاره القاضي أبو يعلى. ويشهد لهذا أنه معطوف على ما قبله، وقد ثبت أن على المولود له النفقة والكسوة، وأن لا يضار، فيجب أن يكون قوله: مِثْلُ ذلِكَ مشيراً إلى جميع ما على المولود له. قوله تعالى: فَإِنْ أَرادا فِصالًا، الفصال: الفطام. قال ابن قتيبة: يقال: فصلت الصبيّ من أمّه: إذا فطمته. ومنه قيل للحوار «1» إذا قُطع عن الرضاع: فصيل، لأنه فصل عن أمه، وأصل الفصل: التفريق. قال مجاهد: التشاور فيما دون الحولين إن أرادت أن تفطم وأبى، فليس لها، وإن أراد هو، ولم ترد، فليس له ذلك حتى يقع ذلك عن تراض منهما وتشاور، يقول: غير مسيئين إلى أنفسهما وإلى صبيهما. قوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ، قال الزجاج: أي: لأولادكم. قال مقاتل: إِذا لم ترض الأم بما يرضى به غيرها، فلا حرج على الأب أن يسترضع لولده. وفي قوله تعالى: إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ قولان: أحدهما: إذا سلَّمتم أيها الآباء إِلى أمهات الأولاد أُجور ما أرضعن قبل امتناعهن، قاله مجاهد، والسدي. والثاني: إذا سلمتم إلى الظئر أجرها بالمعروف، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. وقرأ ابن كثير (ما أتيتم) بالقصر، قال أبو عليّ: وجهه أن يقدّر فيه: ما أوتيتم نقده أو أوتيتم سوقه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما تقول: أتيت جميلا، أي: فعلته. [سورة البقرة (2) : آية 234] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، أي: يقبضون بالموت. وقرأ المفضَّل عن عاصم «يَتوفون» بفتح الياء في الموضعين. قال ابن قتيبة: هو من استيفاء العدد، واستيفاء الشيء: أن نستقصيه كلّه، يقال: توفّيته واستوفيته، كما يقال: تيقّنت الخير واستيقنته، هذا الأصل، ثم قيل للموت: وفاة وتوفّ يَتَرَبَّصْنَ ينتظرن، قال الفراء: وإنما قال: وَعَشْراً ولم يقل: عشرة، لأن العرب إذا أبهمت العدد من الليالي والأيام، غلّبوا عليه الليالي على الأيام، حتى إنهم ليقولون: صمنا عشراً من شهر رمضان،
لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام، فاذا أظهروا مع العدد تفسيره، كانت الإناث بغير هاء، والذكور بالهاء «1» كقوله تعالى: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً «2» . فان قيل: ما وجه الحكمة في زيادة هذه العشرة؟ فالجواب: أنه يبين صحة الحمل بنفخ الروح فيه، قاله سعيد بن المسيب، وأبو العالية. (121) ويشهد له الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح» . فصل: وهذه الآية ناسخة للتي تشابهها، وهي تأتي بعد آيات، وهي قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ لأن تلك كانت تقتضي وجوب العدة سنة،
[سورة البقرة (2) : آية 235]
وسنذكر ما يتعلق بها هنالك، إن شاء الله. فأما التي نحن في تفسيرها: فقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسختها وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ «1» . والصحيح: أنها عامة دخلها التخصيص، لأن ظاهرها يقتضي وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، سواء كانت حاملاً، أو غير حامل، غير أن قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ خص أُولات الحمل، وهي خاصة أيضاً في الحرائر، فإن الأمة عدتها شهران وخمسة أيام، فبان أنها من العام الذي دخله التخصيص. قوله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، يعني: انقضاء العدة. قوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فيه قولان: أحدهما أن معناه: فلا جناح على الرجال في تزويجهن بعد ذلك. والثاني: فلا جناح على الرجال في ترك الإنكار عليهن إذا تزينَّ وتزوجن. قال أبو سليمان الدمشقي: وهو خطاب لأوليائهن. قوله تعالى: فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ فيه قولان: أحدهما: أنه التزين والتشوف للنكاح، قاله الضحاك، ومقاتل. والثاني: أنه النكاح، قاله الزهري، والسدي. و «الخبير» من أسماء الله تعالى، ومعناه: العالِم بكنه الشيء المطلع على حقيقته. و «الخبير» في صفة المخلوقين، إنما يستعمل في نوع من العلم، وهو الذي يتوصل إليه بالاجتهاد دون النوع المعلوم ببداءة العقول. وعلم الله تعالى سواء فيما غمض ولطف وفيما تجلّى وظهر. [سورة البقرة (2) : آية 235] وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) قوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ، هذا خطاب لمن أراد تزويج معتدة. والتعريض: الإيماء والتلويح من غير كشف، فهو إشارة بالكلام إلى ما ليس له في الكلام ذكر. والخِطبة بكسر الخاء: طلب النكاح، والخُطبة بضم الخاء: مثل الرّسالة التي لها أول وآخر. وقال ابن عباس: التعريض أن يقول: إني أريد أن أتزوج. وقال مجاهد: أن يقول: إنكِ لجميلة، وإِنك لحسنة، وإنك لإلى خير. قوله تعالى: أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ، قال الفراء: فيه لغتان: كننت الشيء، وأكننته. وقال ثعلب: أكننت الشيء: إذا أخفيته في نفسك، وكننته: إذا سترته بشيء. وقال ابن قتيبة: أكننت الشيء: إذا سترته، ومنه هذه الآية، وكننته: إذا صنته، ومنه قوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ «2» ، قال بعضهم: يجعل كننته، وأكننته، بمعنى. قوله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ، قال مجاهد: ذكره إياها في نفسه. قوله تعالى: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا فيه أربعة أقوال: أحدها: أن المراد بالسر هاهنا: النكاح، قاله ابن عباس. وأنشد بيت امرئ القيس: ألا زعمت بسباسةُ «3» اليوم أنني ... كبرتُ وأن لا يشهد السّرّ أمثالي
[سورة البقرة (2) : آية 236]
وفي رواية: يشهد اللهو. قال الفرّاء: ويرى أنه مما كنى الله عنه كقوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ «1» . وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن السر: الإفضاء بالنكاح المحرم، وأنشد «2» : ويَحْرمُ سِرُّ جارتهم عليهم ... ويأكل جارُهم أنفَ القصاع «3» قال ابن قتيبة: استعير السرّ للنكاح، لأن النكاح يكون سراً، فالمعنى: لا تواعدوهن بالتزويج، وهن في العدة تصريحاً، إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً لا تذكرون فيه رفثاً ولا نكاحاً. والثاني: أن المواعدة سراً: أن يقول لها: إني لك محب، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، روي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أن المراد بالسر الزنى، قاله الحسن، وجابر بن زيد، وأبو مجلز، وإبراهيم، وقتادة، والضحاك. والرابع: أن المعنى: لا تنكحوهن في عدتهن سراً، فاذا حلَّت أظهرتم ذلك، قاله ابن زيد. وفي القول المعروف قولان: أحدهما: أنه التعريض لها، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، والقاسم بن محمد، والشعبي، ومجاهد، وإبراهيم، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه إعلام وليها برغبته فيها، وهو قول عبيدة. قوله تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ، قال الزجّاج: لا تعزموا على عقدة النكاح، وحذفت «على» استخفافاً، كما قالوا: ضرب زيد الظَّهر والبطن، معناه: على الظهر والبطن. حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ، أي: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، قال: ويجوز أن يكون «الكتاب» بمعنى «الفرض» كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ «4» ، فيكون المعنى: حتى يبلغ الفرض أجله. قال ابن عباس، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، والسدي: بلوغ الكتاب أجله: انقضاء العدة. قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ، قال ابن عباس: من الوفاء، فاحذروه أن تخالفوه في أمره. والحليم قد سبق بيانه. [سورة البقرة (2) : آية 236] لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) قوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وأبو عمرو «تمسوهن» بغير الف حيث كان، وبفتح التاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف «تماسُّوهن» بألف وضم التاء في الموضعين هنا، وفي الأحزاب ثالث. قال أبو علي: وقد يراد بكل واحد من «فاعل» و «فعل» ما يراد بالآخر، تقول: طارقت النعال وعاقبت اللص. (122) قال مقاتل بن سليمان: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة،
[سورة البقرة (2) : آية 237]
ولم يسم لها مهراً، فطلقها قبل أن يمسّها، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «هل متعتها بشيء؟» قال: لا، قال: «متعها ولو بقلنسوتك» ، ومعنى الآية: ما لم تمسوهن، ولم تفرضوا لهن فريضة. وقد تكون «أو» بمعنى الواو. كقوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً «1» . والمسُّ: النكاح، والفريضة: الصداق، وقد دلت الآية على جواز عقد النكاح بغير تسمية مهر وَمَتِّعُوهُنَّ أي: أعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم على قدر أحوالكم في الغنى والفقر. والمتاع: اسم لما ينتفع به، فذلك معنى قوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، وقرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو «قدْره» باسكان الدال في الحرفين، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي بتحريك الحرفين، وعن عاصم: كالقراءتين وهما لغتان. فصل: وهل هذه المتعة واجبة، أم مستحبة؟ فيه قولان: أحدهما: واجبة، واختلف أرباب هذا القول، لأي المطلقات تجب، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها واجبة لكل مطلقة، روي عن علي والحسن وأبي العالية والزهري. والثاني: أنها تجب لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها صداقاً ولم يمسها، فإنه يجب لها نصف ما فرض، روي عن ابن عمر والقاسم بن محمد وشريح وإبراهيم. والثالث: أنها تجب للمطلقة قبل الدخول إذا لم يسم لها مهراً، فان دخل بها، فلا متعة، ولها مهر المثل، روي عن الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل. والثاني: أن المتعة مستحبة، ولا تجب على أحد، سواء سمى للمرأة، أو لم يسم، دخل بها، أو لم يدخل، وهو قول مالك، والليث بن سعد، والحكم، وابن أبي ليلى. واختلف العلماء في مقدار المتعة، فنقل عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب: أعلاها خادم، وأدناها كسوة يجوز لها أن تصلي فيها، وروي عن حماد وأبي حنيفة: أنه قدر نصف صداق مثلها. وعن الشافعي وأحمد: أنه قدر يساره وإعساره، فيكون مقدرا باجتهاد الحاكم. ونقل عن أحمد: أن المتعة بقدر ما تجزئ فيه الصلاة من الكسوة، وهو درع وخمار. قوله تعالى: مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ، أي: بقدر الإمكان، والحق: الواجب. وذكر المحسنين والمنافقين ضرب من التأكيد. [سورة البقرة (2) : آية 237] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، أي: قبل الجماع وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ أي:
أوجبتم لهن شيئاً التزمتم به، وهو المهر إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، يعني: النساء، وعفو المرأة: ترك حقّها من الصّداق. وفي الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه الزّوج، وهو قول عليّ، وجبير بن مطعم، وابن المسيب، وابن جبير، ومجاهد، وشريح، وجابر بن زيد، والضحاك، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، وابن شبرمة، والشافعي، وأحمد رضي الله عنهم في آخرين. والثاني: أنه الولي، روي عن ابن عباس، والحسن، وعلقمة، وطاوس، والشعبي، وابراهيم في آخرين. والثالث: أنه أبو البكر، روي عن ابن عباس، والزهري، والسدي في آخرين. فعلى القول الأول عفو الزوج: أن يكمل لها الصداق، وعلى الثاني: عفو الولي: ترك حقها إذا أبت، روي عن ابن عباس، وأبي الشعثاء. وعلى الثالث يكون قوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ يختص بالثيبات. وقوله:
[سورة البقرة (2) : آية 238]
أَوْ يَعْفُوَا، يختص أبا البكر، قاله الزهري، والأول أصح، لأن عقدة النكاح خرجت من يد الولي، فصارت بيد الزوج، والعفو إنما يُطلق على ملك الإِنسان، وعفو الولي عفو عما لا يملك، ولأنه قال: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، والفضل في هبة الإنسان مال نفسه، لا مال غيره. قوله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب للزوجين جميعاً، روي عن ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنه خطاب للزوج وحده، قاله الشعبي، وكان يقرأ: «وأن يعفو» بالياء. قوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، خطاب للزوجين، قال مجاهد: هو إتمام الرجل الصّداق، وترك المرأة شطرها. [سورة البقرة (2) : آية 238] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238) قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ، المحافظة: المواظبة والمداومة، والصلوات بالألف واللام ينصرف إلى المعهود، والمراد: الصلوات الخمس. قوله تعالى: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى قال الزّجّاج: هذه الواو تنصرف إلى المعهود والمراد الصلوات الخمس إذا جاءت مخصصة، فهي دالة على فضل الذي تخصّصه، كقوله تعالى: وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ «1» قال سعيد بن المسيب: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه «2» . ثم فيها خمسة أقوال: أحدها: أنها العصر. (123) روى مسلم في أفراده من حديث عليّ رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ قبورهم وبيوتهم ناراً» . (124) وروى ابن مسعود، وسمرة، وعائشة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنها صلاة العصر.
(125) وروى مسلم في أفراده من حديث البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر» ، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وهذا قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن مسعود، وأبيّ، وأبيّ أيوب، وابن عمر في رواية، وسمرة بن جندب، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية عطية، وأبي سعيد الخدري، وعائشة في رواية، وحفصة، والحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء في رواية، وطاوس، والضحاك، والنخعي، وعبيد بن عمير، وزرّ بن حبيش، وقتادة، وأبي حنيفة، ومقاتل في آخرين، وهو مذهب أصحابنا. والثاني: أنها الفجر، روي عن عمر، وعليّ في رواية، وأبي موسى، ومعاذ، وجابر بن عبد الله، وأبي أُمامة، وابن عمر في رواية مجاهد، وزيد بن أسلم، في رواية أبي رجاء العطاردي، وعكرمة، وجابر بن زيد، وأنس بن مالك، وعطاء، وطاوس في رواية ابنه، وعبد الله بن شداد، ومجاهد، ومالك، والشافعي. وروى أبو العالية قال صلّيت مع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الغداة فقلت لهم: أيما الصلاة الوسطى؟ فقالوا: التي صليت قبل. والثالث: أنها الظهر، روي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وأبي سعيد الخدري، وعائشة في رواية، وروى [عاصم بن ضمرة] «1» عن عليّ عليه السلام قال: هي صلاة الجمعة، وهي سائر الأيام الظهر. والرابع: أنها المغرب، روي عن ابن عباس، وقبيصة بن ذؤيب. والخامس: أنها العشاء الأخيرة، ذكره علي بن أحمد النيسابوري في «تفسيره» . وفي المراد بالوسطى ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أوسط الصلوات محلاً. والثاني: أوسطها مقداراً. والثالث: أفضلها، ووسط الشيء: خيره وأعدله. ومنه قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «2» ، فان قلنا: إن الوسطى بمعنى: الفضلى، جاز أن يدّعي هذا كل ذي مذهب فيها. وإن قلنا: إنها أوسطها مقداراً، فهي المغرب، لأن أقل المفروضات ركعتان، وأكثرها أربعاً. وإن قلنا: أوسطها محلاً، فللقائلين: إنها العصر أن يقولوا: قبلها صلاتان في النهار، وبعدها صلاتان في الليل، فهي الوسطى.
[سورة البقرة (2) : آية 239]
ومن قال: هي الفجر، فقال عكرمة: هي وسط بين الليل والنهار، وكذلك قال ابن الأنباري: هي وسط بين الليل والنهار، وقال: وسمعت أبا العباس يعني، ثعلباً يقول: النهار عند العرب أوله: طلوع الشمس. قال ابن الأنباري: فعلى هذا صلاة الصبح من صلاة الليل، قال: وقال آخرون: بل هي من صلاة النهار، لأن أول وقتها أول وقت الصوم. قال: والصواب عندنا أن نقول: الليل المحض خاتمته طلوع الفجر، والنهار المحض أوله: طلوع الشمس، والذي بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس يجوز أن يسمى نهاراً، ويجوز أن يسمى ليلاً، لما يوجد فيه من الظلمة والضوء، فهذا قول يصح به المذهبان. قال ابن الأنباري: ومن قال: هي الظهر، قال: هي وسط النهار، فأما من قال: هي المغرب، فاحتج بأن أول صلاة فرضت، الظهر، فصارت المغرب وسطى، ومن قال: هي العشاء، فإنه يقول: هي بين صلاتين لا تقصران. قوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، المراد بالقيام هاهنا: القيام في الصلاة، فأما القنوت، فقد شرحناه فيما تقدم. وفي المراد به هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الطاعة، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن جبير، والشّعبيّ، وطاوس، والضحاك، وقتادة في آخرين. والثاني: أنه طول القيام في الصلاة، روي عن ابن عمر، والربيع بن أنس، وعن عطاء كالقولين. والثالث: أنه الإمساك عن الكلام في الصلاة.
[سورة البقرة (2) : آية 240]
(128) أن أبا سعيد روى أن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً، قال أبو بكر الأثرم: فقد بيّن أن ذلك الفعل الذي كان يوم الخندق منسوخ. قوله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ، في هذا الذِّكر قولان: أحدهما: أنه الصلاة، فتقديره: فصلوا كما كنتم تصلون آمنين. والثاني: أنه الثّناء على الله، والحمد له. [سورة البقرة (2) : آية 240] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً. (129) روى ابن حيان أن هذه الآية نزلت في رجل من أهل الطائف، يقال له: حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة، ومعه أبواه وامرأته، وله أولاد، فمات فرفع ذلك إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، فأعطى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أبويه وأولاده من ميراثه، ولم يعط امرأته شيئا، غير أنه أمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولاً. قوله تعالى: وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ قرأ أبو عمرو، وحمزة، وابن عامر «وصية» بالنصب، وقرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي «وصية» بالرفع. وعن عاصم كالقراءتين. قال أبو عليّ: من نصب حَمَلَهُ على الفعل، أي: ليوصوا وصية، ومن رفع، فمن وجهين: أحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ، والخبر لأزواجهم. والثاني: أن يضمر له خبراً، تقديره: فعليهم وصية. والمراد منه من قارب الوفاة، فليوص، لأن المتوفى لا يؤمر ولا ينهى. قوله تعالى: مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ، أي: متعوهن إلى الحول، ولا تخرجوهن. والمراد بذلك نفقة السنة وكسوتها وسكناها فَإِنْ خَرَجْنَ أي: من قبل أنفسهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يعني: أولياء الميت فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ يعني التشوف للنّكاح. وفي ماذا رفع الجناح عن الرجال؟ فيه قولان: أحدهما: أنه في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول.
والثاني: في ترك منعهن من الخروج، لأنه لم يكن مقامُها الحولَ واجباً عليها، بل كانت مخيّرة في ذلك. (130) فصل: ذكر علماء التفسير أن أهل الجاهلية كان إذا مات أحدهم، مكثت زوجته في بيته حولاً، ينفق عليها من ميراثه، فاذا تم الحول، خرجت إلى باب بيتها، ومعها بعرة، فرمت بها كلباً، وخرجت بذلك من عدتها. وكان معنى رميها بالبعرة أنها تقول: مكثي بعد وفاة زوجي أهون عندي من هذه البعرة. ثم جاء الإسلام، فأقرهم على ما كانوا عليه من مكث الحول بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالآية المتقدمة في نظم القرآن على هذه الآية، وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً. ونسخ الأمر بالوصية لها بما فرض لها من ميراثه «1» .
[سورة البقرة (2) : آية 241]
[سورة البقرة (2) : آية 241] وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) قوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ قد سبق الكلام في المتعة بما فيه كفاية. [سورة البقرة (2) : آية 242] كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) قوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ، أي: كما بيّن الذي تقدم من الأحكام يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي: يثبت لكم وصف العقلاء باستعمال ما بين لكم، وثمرة العقل استعمال الأشياء المستقيمة، ألا ترى إلى قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ «1» ، وإنما سموا جهالاً لأنهم آثروا أهواءهم على ما علموا أنه الحق. [سورة البقرة (2) : آية 243] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ، معناه: ألم تعلم. قال ابن قتيبة: وهذا على جهة التعجب، كما تقول: ألا ترى إلى ما يصنع فلان؟ قوله تعالى: وَهُمْ أُلُوفٌ فيه قولان: أحدهما: أن معناه: وهم مؤتلفون، قاله ابن زيد. والثاني: أنه من العدد، وعليه العلماء. واختلفوا في عددهم على سبعة أقوال: أحدها: أنهم كانوا أربعة آلاف. والثاني: أربعين ألفاً، والقولان عن ابن عباس. والثالث: تسعين ألفاً، قاله عطاء بن أبي رباح. والرابع: سبعة آلاف، قاله أبو صالح. والخامس: ثلاثين ألفاً، قاله أبو مالك. والسادس: بضعة وثلاثين ألفاً، قاله السدي. والسابع: ثمانية آلاف، قاله مقاتل. وفي معنى: حذرهم من الموت، قولان: أحدهما: أنهم فروا من الطاعون، وكان قد نزل بهم، قاله الحسن، والسدي. والثاني: أنهم أمروا بالجهاد، ففروا منه، قاله عكرمة، والضحاك، وعن ابن عباس، كالقولين. (الإشارة الى قصتهم) روى حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال: كانت أمَّة من بني إِسرائيل إذا وقع فيهم الوجع، خرج أغنياؤهم، وأقام فقراؤهم، فمات الذين أقاموا، ونجا الذين خرجوا، فقال الأشراف: لو
[سورة البقرة (2) : آية 244]
أقمنا كما أقام هؤلاء لهلكنا وقال الفقراء: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء سلمنا، فأجمع رأيهم في بعض السنين على أن يظعنوا جميعاً، فظعنوا فماتوا، وصاروا عظاماً تبرق، فكنسهم أهل البيوت والطرق عن بيوتهم وطرقهم، فمر بهم نبي من الأنبياء، فقال: يا رب لو شئت أحييتهم، فعبدوك، وولدوا أولاداً يعبدونك ويعمرون بلادك. قال: أو أحب إليك أن أفعل؟ قال: نعم. فقيل له: تكلم بكذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تخرج من عند العظام التي ليست منها إلى التي هي منها ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا فتكلم به فنظر إلى العظام تكسى لحماً وعصباً، ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا، فنظر فاذا هم قعود يسبحون الله ويقدسونه. وأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وهذا الحديث يدل على بعد المدة التي مكثوا فيها أمواتاً. وفي بعض الأحاديث: أنهم بقوا أمواتاً سبعة أيام، وقيل: ثمانية أيام. وفي النبي الذي دعا لهم قولان: أحدهما: أنه حزقيل. والثاني: أنه شمعون. فإن قيل كيف أُميت هؤلاء مرتين في الدنيا، وقد قال الله تعالى: إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى «1» ، فالجواب أن موتهم بالعقوبة لم يفن أعمارهم، فكان كقوله تعالى: وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها «2» ، وقيل: كان إحياؤهم آية من آيات نبيهم، وآيات الأنبياء نوادر لا يقاس عليها، فيكون تقدير قوله تعالى: إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى التي ليست من آيات الأنبياء، ولا لأمر نادر. وفي هذه القصة احتجاج على اليهود إذ أخبرهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأمر لم يشاهدوه، وهم يعلمون صحته واحتجاج على المنكرين للبعث، فدلهم عليه بإحياء الموتى في الدنيا، ذكر ذلك جميعه ابن الأنباري. قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ، نبّه عزّ وجلّ بذكر فضله على هؤلاء على فضله على سائر خلقه مع قلّة شكرهم. [سورة البقرة (2) : آية 244] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ في المخاطَبين بهذا قولان: أحدهما: أنهم الذين أماتهم الله، ثم أحياهم، قاله الضحّاك. والثاني: أنه خطاب لأمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فمعناه: لا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء، فما ينفعكم الهرب وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ بما تنطوي عليه ضمائركم. [سورة البقرة (2) : آية 245] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ، قال الزجاج: أصل القرض ما يعطيه الرجل أو يفعله ليجازى عليه، وأصله في اللغة القطع، ومنه أخذ المقراض. فمعنى أقرضته: قطعت له قطعة يجازيني عليها. فإن قيل: فما وجه تسمية الصدقة قرضاً؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن القرض يبدل بالجزاء. والثاني: لأنه يتأخر قضاؤه إلى يوم القيامة. والثالث: لتأكيد استحقاق الثواب به، إذ لا يكون قرض إلا والعوض مستحق به. فأما اليهود فإنهم جهلوا هذا، فقالوا: أيستقرض الله منا؟ وأما المسلمون فوثقوا بوعد الله، وبادروا إلى معاملته. قال ابن مسعود:
(131) لما نزلت هذه الآية، قال أبو الدحداح: وإن الله تعالى ليريد منا القرض؟ فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «نعم» . قال: أرني يدك. قال: إني أقرضت ربي حائطي، قال: وحائطه فيه ستمائة نخلة، ثم جاء إلى الحائط، فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط، فقد أقرضته ربي.
[سورة البقرة (2) : آية 246]
(133) وروى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أنه قال: إن الله يكتب للمؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة. وقرأ هذه الآية، ثم قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة» . والثاني: أنها معلومة المقدار، فالدرهم بسبعمائة، كما ذكر في الآية بعدها، قاله ابن زيد. قوله تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي «يبسط» و «بسطة» بالسين، وقرأهما نافع بالصاد. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: أن معناه: يقتر على من يشاء في الرزق، ويبسطه على من يشاء، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد ومقاتل. والثاني: يقبض يد من يشاء عن الإنفاق في سبيله، ويبسط يد من يشاء بالإنفاق، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ في آخرين. [سورة البقرة (2) : آية 246] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ، قال الفراء: الملأ: الرجال في كل القرآن لا يكون فيهم امرأة، وكذلك القوم والنفر والرهط، وقال الزجاج: الملأ: هم الوجوه، وذوو الرأي، وإنما سمّوا ملأً، لأنهم مليئون بما يحتاج إليه منهم. وفي نبيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه شمويل، قاله ابن عباس، ووهب. والثاني: أنه يوشع بن نون، قاله قتادة. والثالث: أنه نبي، يقال له: سمعون بالسين المهملة، سمته أمه بذلك، لأنها دعت الله أن يرزقها غلاماً، فسُمِع دعاؤها فيه، هذا قول السدي. وسبب سؤالهم ملكاً أن عدوهم غلب عليهم. قوله تعالى: نُقاتِلْ قراءة الجمهور بالنون والجزم، وقرأ ابن أبي عبلة بالياء والرفع، كناية عن الملك. قوله تعالى: هَلْ عَسَيْتُمْ، قراءة الجمهور بفتح السين، وقرأ نافع بكسرها هاهنا، وفي سورة «محمد» وهي لغتان. قوله تعالى: إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، أي فرض أَلَّا تُقاتِلُوا أي: لعلكم تجبنون. قوله تعالى: وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا، يعنون: أُخرج بعضنا، وهم الذين سبوا منهم وقهروا. فظاهره العموم، ومعناه الخصوص. قوله تعالى: تُوَلُّوا، أي: أعرضوا عن الجهاد. إِلَّا قَلِيلًا وهم الذين عبروا النّهر، وسيأتي ذكرهم.
[سورة البقرة (2) : آية 247]
[سورة البقرة (2) : آية 247] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247) قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً، ذكر أهل التفسير أن نبي بني إسرائيل سأل الله أن يبعث لهم ملكاً، فأتى بعصا وقرن فيه دهن، وقيل له: إن صاحبكم الذي يكون ملكاً يكون طوله طول هذه العصا، ومتى دخل عليك رجل فنشق الدهن، فهو الملك، فادهن به رأسه، وملكه على بني إسرائيل فقاس القوم أنفسهم بالعصا، فلم يكونوا على مقدارها. قال عكرمة، والسدي: كان طالوت سقاءً يسقي على حمار له، فضلَّ حماره، فخرج يطلبه. وقال وهب: بل كان دباغاً يعمل الأدم، فضلّت حمر لأبيه فأرسله مع غلام له في طلبها، فمرا ببيت شمويل النبي فدخلا ليسألاه عن ضالتهما، فنشق الدهن، فقام شمويل، فقاس طالوت بالعصا، وكان على مقدارها، فدهنه، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل، فقال طالوت: أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوتهم؟ قال: بلى، قال: فبأية آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره، فكان كما قال. قال الزجاج: طالوت، وجالوت، وداود تنصرف، لأنها أسماء أعجمية، وهي معارف، فاجتمع فيها التعريف والعجمة. ومعنى قوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ من أي جهة يكون له الملك علينا. قال ابن عباس: إنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان، في أحدهما النبوة، وفي الآخر الملك، فلم يكن هو من أحد السبطين. قال قتادة: كانت النبوة في سبط لاوي، والملك في سبط يهوذا. قوله تعالى: وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ، أي: لم يؤت ما يتملّك به الملوك. قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ، أي: اختاره، وهو «افتعل» من الصّفوة. والبسطة: السّعة، قال ابن قتيبة: هو من قولك: بسطت الشيء: إِذا كان مجموعاً، ففتحته، ووسعته. قال ابن عباس: كان طالوت أعلم بني إسرائيل بالحرب، وكان يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه. وهل كانت هذه الزيادة قبل الملك، أم أحدثت له بعد؟ فيه قولان: أحدهما: قبل الملك، قاله وهب، والسدي. والثاني: بعد الملك، قاله ابن زيد. والمراد بتعظيم الجسم، فضل القوة، إذ العادة أن من كان أعظم جسماً، كان أكثر قوة. والواسع: الغنيّ. [سورة البقرة (2) : آية 248] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ، الآية: العلامة، فمعناه: علامة تمليك الله إياه أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ وهذا من مجاز الكلام، لأن التابوت يؤتى به، ولا يأتي، ومثله: فَإِذا عَزَمَ
الْأَمْرُ «1» ، وإنما جاز مثل هذا، لزوال اللبس فيه، كما بينا في قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ «2» . وروي عن ابن مسعود، وابن عباس: أنهم قالوا لنبيهم: إن كنت صادقاً فأتنا بآية تدل على أنه ملك، فقال لهم ذلك. وقال وهب: خيّرهم، أي آية يريدون؟ فقالوا: أن يردَّ علينا التابوت. قال ابن عباس: كان التابوت من عود الشمشار عليه صفائح الذهب، وكان يكون مع الأنبياء إذا حضروا قتالاً، قدموه بين أيديهم يستنصرون به، وفيه السكينة. وقال وهب بن منبه: كان نحواً من ثلاث أذرع في ذراعين. قال مقاتل: فلما تفرقت بنو إسرائيل، وعصوا الأنبياء، سلط الله عليهم عدوهم، فغلبوهم عليه. وفي السكينة سبعة أقوال «3» : أحدها: أنها ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، رواه أبو الأحوص عن عليّ رضي الله عنه. والثاني: أنها دابة بمقدار الهرّ، لها عينان لهما شعاع، وكانوا إذا التقى الجمعان، أخرجت يدها، ونظرت إليهم، فيهزم الجيش من الرعب. رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال مجاهد: السكينة لها رأس كرأس الهرّة وذنب كذنب الهرّة، وجناحان. والثالث: أنها طست من ذهب تغسل فيه قلوب الأنبياء، رواه أبو مالك عن ابن عباس. والرابع: أنها روح من الله تعالى تتكلّم، كانوا إذا اختلفوا في شيء، كلّمهم وأخبرهم ببيان ما يريدون، رواه عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه. والخامس: أن السكينة ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها، رواه ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح، وذهب إلى نحوه الزجاج، فقال: السكينة: من السكون، فمعناه: فيه ما تسكنون إليه إذا أتاكم. والسادس: أن السّكينة معناها هاهنا: الوقار، رواه معمر عن قتادة. والسابع: أن السكينة: الرحمة، قاله الربيع بن أنس. وفي البقية تسعة أقوال: أحدها: أنها رضاض «4» الألواح التي تكسرت حين ألقاها موسى وعصاه، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي. والثاني: أنها رضاض الألواح، قاله عكرمة، ولم يذكر العصا. وقيل: إنما اتخذ موسى التابوت ليجمع رضاض الألواح فيه. والثالث: أنها عصا موسى، والسكينة، قاله وهب. والرابع: عصا موسى، وعصا هارون، وثيابهما، ولوحان من التوراة، والمنُّ، قاله أبو
[سورة البقرة (2) : آية 249]
صالح. والخامس: أن البقية، العلم والتوراة، قاله مجاهد، وعطاء بن رباح. والسادس: أنها رضاض الألواح، وقفيز «1» من مَنٍّ في طست من ذهب، وعصا موسى وعمامته، قاله مقاتل. والسابع: أنها قفيز من مَنٍّ ورضاض الألواح، حكاه سفيان الثوري عن بعض العلماء. والثامن: أنها عصا موسى والنعلان: ذكره الثوري أيضاً عن بعض أهل العلم. والتاسع: أن المراد بالبقية: الجهاد في سبيل الله، وبذلك أمروا، قاله الضحاك. والمراد بآل موسى وآل هارون: موسى وهارون. وأنشد أبو عبيدة: ولا تبك ميتاً بعد ميت أحبة ... عليّ وعباس وآل أبي بكر يريد: أبا بكر نفسه. قوله تعالى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ قرأ الجمهور «تحمله» بالتاء، وقرأ الحسن ومجاهد والأعمش بالياء. وفي المكان الذي حملته منه الملائكة إليهم قولان: أحدهما: أنه كان مرفوعاً مع الملائكة بين السماء والأرض، منذ خرج عن بني إسرائيل، قاله الحسن. والثاني: أنه كان في الأرض. وفي أي مكان كان؟ فيه قولان: أحدهما: أنه كان في أيدي العمالقة قد دفنوه، قال ابن عباس: أخذ التابوت قوم جالوت، فذفنوه في متبرز لهم، فأخذهم الباسور فهلكوا، ثم أخذه أهل مدينة أخرى، فأخذهم بلاء، فهلكوا، ثم أخذه غيرهم كذلك، حتى هلكت خمس مدائن، فأخرجوه على بقرتين، ووجهوهما إلى بني إسرائيل، فساقتهما الملائكة. والثاني: أنه كان في برية التيه، خلّفه فيها يوشع، ولم يعلموا بمكانه حتى جاءت به الملائكة، قاله قتادة. وفي كيفية مجيء الملائكة به قولان: أحدهما: أنها جاءت به بأنفسها، قال وهب: قالوا لنبيهم: اجعل لنا وقتاً يأتينا فيه، فقال: الصبح، فلم يناموا ليلتهم، ووافت به الملائكة مع الفجر، فسمعوا حفيف الملائكة تحمله بين السماء والأرض. والثاني: أن الملائكة جاءت به على عجلة وثورين، ذكر عن وهب أيضاً. فعلى القول الأول: يكون معنى تحمله: تقله، وعلى الثاني: يكون معنى حملها إياه: تسببها في حمله. قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ، أي: علامة تدل على تمليك طالوت. قال المفسرون: فلما جاءهم التابوت وأقروا له بالملك، تأهب للخروج، فأسرعوا في طاعته، وخرجوا معه، فذلك قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 249] فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ، أي: خرج وشخص. وفي عدد من خرج معه ثلاثة أقوال:
[سورة البقرة (2) : آية 250]
أحدها: سبعون ألفاً، قاله ابن عباس. والثاني: ثمانون ألفاً، قاله عكرمة والسدي. والثالث: مائة ألف، قاله مقاتل. قال: وساروا في حر شديد، فابتلاهم الله بالنهر. والابتلاء: الاختبار. وفي النهر لغتان: إحداهما: تحريك الهاء، وهي قراءة الجمهور. والثانية: تسكينها، وبها قرأ الحسن ومجاهد. وفي هذا النهر قولان: أحدهما: أنه نهر فلسطين، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: نهر بين الأردن وفلسطين، قاله عكرمة، وقتادة، والربيع بن أنس. ووجه الحكمة في ابتلائهم أن يعلم طالوت من له نية في القتال منهم، ومن ليس له نيّة. وقوله تعالى: فَلَيْسَ مِنِّي أي ليس من أصحابي. قوله تعالى: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «غَرفة» بفتح الغين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بضمها، قال الزجاج: من فتح الغين أراد المرة الواحدة باليد، ومن ضمها أراد ملء اليد. وزعم مقاتل أن الغرفة كان يشرب منها الرجل ودابته وخدمه ويملأ قربته. وقال بعض المفسرين: لم يرد به غرفة الكف، وإنما أراد المرة الواحدة بقربة أو جرة أو ما أشبه ذلك. وفي عدد القليل الذين لم يشربوا إلا غرفة قولان: أحدهما: أنهم أربعة آلاف، قاله عكرمة والسدي. والثاني: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وهو الصحيح، لما روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لأصحابه يوم بدر: (134) «أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقاء جالوت» ، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر. قوله تعالى: لا طاقَةَ لَنَا، أي: لا قوّة لنا، قال الزجّاج: أطقت الشيء، إطاقة وطاقة، وطوقاً، مثل قولك: أطعته إطاعة وطاعة وطوعاً. واختلفوا في القائلين لهذا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الذين شربوا أكثر من غرفة، فإنهم انصرفوا ولم يشهدوا، وكانوا أهل شك ونفاق، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: أنهم الذين قلت بصائرهم من المؤمنين، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد. والثالث: أنه قول الذين جاوزوا معه، وإنما قال ذلك بعضهم لبعض، لما رأوا من قلتهم، وهذا اختيار الزجاج. قوله تعالى: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ في هذا الظن قولان: أحدهما: أنه بمعنى اليقين، قاله السدي في آخرين. والثاني: أنه الظن الذي هو التردد، فان القوم توهموا لقلة عددهم أنهم سيقتلون فيلقون الله، قاله الزجاج في آخرين. وفي الظانين هذا الظن قولان: أحدهما: أنهم الثلاثمائة والثلاثة عشر، قالوا للراجعين: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، قاله السدي. والثاني: أنهم أُولو العزم والفضل من الثلاثمائة والثلاثة عشر. والفئة: الفرقة، قال الزجاج: وإنما قيل لهم: فئة من قولهم: فأوت رأسه بالعصا، وفأيته: إذا شققته. قوله تعالى: بِإِذْنِ اللَّهِ، قال الحسن: بنصر الله. قوله تعالى: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: أي بالنصر والإعانة. [سورة البقرة (2) : آية 250] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) (134) أخرجه الطبري 5732 عن قتادة مرسلا. وورد عن البراء بن عازب قال «كنا أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلّا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة» . أخرجه البخاري 3958 وهذا هو الصواب، كونه موقوفا.
[سورة البقرة (2) : آية 251]
قوله تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا، أي: صاروا بالبراز من الأرض، وهو ما ظهر واستوى. وأَفْرِغْ بمعنى: اصبب وَثَبِّتْ أَقْدامَنا أي: قوِّ قلوبنا لتثبيت أقدامنا، وإنما تثبت الأقدام عند قوة القلوب. قال مقاتل: كان جالوت وجنوده يعبدون الأوثان. [سورة البقرة (2) : آية 251] فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251) قوله تعالى: فَهَزَمُوهُمْ أي: كسروهم وردوهم، قال الزجاج: أصل الهزم في اللغة: كسر الشيء، وثني بعضه على بعض، يقال: سقاء منهزم ومهزم إذا كان بعضه قد ثني على بعض مع جفاف، وقصب منهزم: قد كسر وشقق، والعرب تقول: هزمت على زيد، أي: عطفت عليه. قال الشاعر: هزمت عليك اليوم يا ابنة مالك ... فجودي علينا بالنوال وأنعمي ويقال: سمعت هزمة الرعد، قال الأصمعي: كأنه صوت فيه تشقق. وداود: هو نبي الله أبو سليمان، وهو اسم أعجمي، وقيل: إن إخوة داود كانوا مع طالوت، فمضى داود لينظر إليهم، فنادته أحجار: خذني، فأخذها، وجاء إلى طالوت، فقال: ما لي إن قتلت جالوت؟ قال: ثلث ملكي، وأنكحك ابنتي، فقتل جالوت. قوله تعالى: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، يعني: آتى داود ملك طالوت. وفي المراد ب «الحكمة» هاهنا قولان: أحدهما: أنها النبوَّة، قاله ابن عباس. والثاني: الزبور، قاله مقاتل. قوله تعالى: وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها صنعة الدروع. والثاني: الزبور. والثالث: منطق الطير. قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ قرأ الجمهور دَفْعُ بغير ألف هاهنا، وفي «الحج» «إن الله يدفع» ، وقرأ نافع، ويعقوب، وأبان (ولولا دفاع الله) . قال أبو علي: المعنيان متقاربان، قال الشاعر «1» : ولقد حَرصتُ بأن أدافع عنهمُ ... فاذا المنية أقبلت لا تدفع وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: أن معناه: لولا أن الله يدفع بمن أطاعه عن من عصاه، كما دفع عن المتخلفين عن طالوت بمن أطاعه، لهلك العُصاة بسرعة العقوبة، قاله مجاهد. والثاني: أن معناه، لولا دفع الله المشركين بالمسلمين، لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المسلمين، وخربوا المساجد، قاله مقاتل. ومعنى: لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ: لهلك أهلها. [سورة البقرة (2) : آية 252] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ، أي: نقص عليك من أخبار المتقدمين. وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ حُكمُك حكمهم، فمن صدقك، فسبيله سبيل من صدقهم، ومن عصاك، فسبيله سبيل من عصاهم.
[سورة البقرة (2) : آية 253]
[سورة البقرة (2) : آية 253] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ، يعني: موسى عليه السلام. وقرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك «1» ، وابن السّميفع: «منهم من كالم الله» بألف خفيفة اللام، ونصب اسم «الله» . وفي المراد بقوله: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ قولان: أحدهما: عنى بالمرفوع درجات، محمّدا عليه السلام، فإنه بعث إلى الناس كافة، وغيره بعث إلى أمته خاصة، هذا قول مجاهد. والثاني: أنه عنى تفضيل بعضهم على بعض فيما آتاه الله، هذا قول مقاتل. قال ابن جرير الطبري: والدرجات: جمع درجة، وهي المرتبة، وأصل ذلك: مراقي السلَّم ودَرجه، ثم يستعمل في ارتفاع المنازل والمراتب. وقد تقدم تفسير «البينات» و «روح القدس» . قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، أي: من بعد الأنبياء. وقال قتادة: من بعد موسى وعيسى. قال مقاتل: وكان بينهما ألف نبي. قوله تعالى: وَلكِنِ اخْتَلَفُوا يعني: الأمم. [سورة البقرة (2) : آية 254] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ، هذه الآية تحث على الصدقات، والإنفاق في وجوه الطاعات. وقال الحسن: أراد الزكاة المفروضة. قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ، يعني: يوم القيامة لا بَيْعٌ فِيهِ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لا بيعَ فيه ولا خلةَ ولا شفاعةَ) بالنصب من غير تنوين، ومثله في «إبراهيم» : «لا بيعَ فيه» ، وفي الطور: «لا لغوَ فيها ولا تأثيمَ» ، وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، جميع ذلك بالرفع والتنوين. قال ابن عباس: لا فدية فيه، وقيل: إنما ذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة، وأخذ البدل. والخلة: الصداقة. وقيل: إنما نفى هذه الأشياء، لأنه عنى عن الكافرين، وهذه الأشياء لا تنفعهم، ولهذا قال: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ. [سورة البقرة (2) : آية 255] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)
قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. (135) روى مسلم في «صحيحه» عن أبيّ بن كعب، أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال له: «يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله أعظم؟» قال: قلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، قال: فضرب في صدري! قال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر» . قال أبو عبيدة: القيوم: الذي لا يزول، لاستقامة وصفه بالوجود، حتى لا يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه. وقال الزجاج: القيوم: القائم بتدبير أمر الخلق. وقال الخطابي: القيوم: هو القائم الدائم بلا زوال، وزنه: «فيعول» من القيام، وهو نعت للمبالغة للقيام على الشيء، ويقال: هو القائم على كل شيء بالرعاية، يقال: قمت بالشيء: إذا وليته بالرعاية والمصلحة. وفي «القيوم» ثلاث لغات: القيّوم، وبه قرأ الجمهور، والقيّام، وبه قرأ عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن أبي عبلة، والأعمش. و «القيّم» ، وبه قرأ أبو رزين، وعلقمة. وذكر ابن الأنباري أنه كذلك في مصحف ابن مسعود، قال: وأصل القيوم: القيووم. فلما اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن، جعلتا ياء مشددة. وأصل القيام: القوام، قال الفراء: وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفيعال، فيقولون للصواغ: صياغ. فأما «السِنَة» فهي: النعاس من غير نوم، ومنه: الوسنان. قال ابن الرقاع: وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس فرنَّقت ... في عينه سنة وليس بنائم «1» قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، قال بعض العلماء: إنما لم يقل: والأرضين، لأنه قد سبق ذكر الجمع في السماوات، فاستغنى بذلك عن إعادته، ومثله: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ولم يقل: والأنوار. قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فيه رد على من قال: ما نعبُدُهم إلا لِيُقَرِّبونا إِلى الله زُلْفى. قوله تعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ، ظاهر الكلام يقتضي الإشارة إلى جميع الخلق، وقال مقاتل: المراد بهم الملائكة. وفي المراد ب ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: أن الذي بين أيديهم أمر الآخرة، والذي خلفهم أمر الدنيا، روي عن ابن عباس، وقتادة. والثاني: أن الذي بين أيديهم الدنيا، والذي خلفهم الآخرة، قاله السدي عن أشياخه، ومجاهد، وابن جريج، والحكم بن عتيبة. والثالث: ما بين أيديهم: ما قبل خلقهم، وما خلفهم: ما بعد خلقهم، قاله مقاتل. قوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ، قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئاً، أو بلغ علمه أقصاه: قد أحاط به. والمراد بالعلم هاهنا المعلوم. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ، أي: احتمل وأطاق. وفي المراد بالكرسي ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كرسي فوق السماء السابعة دون العرش.
[سورة البقرة (2) : آية 256]
(136) قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما السّماوات السبع في الكرسي إِلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة» . وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء. والثاني: أن المراد بالكرسي علم الله تعالى، رواه ابن جبير عن ابن عباس. والثالث: أن الكرسي هو العرش، قاله الحسن. قوله تعالى: وَلا يَؤُدُهُ، أي: لا يثقله، يقال: آده الشيء يؤوده أوداً وإِياداً. والأود: الثقل، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والجماعة. والعلي: العالي القاهر، «فعيل» بمعنى «فاعل» قال الخطابي: وقد يكون من العلو الذي هو مصدر: علا يعلو، فهو عال كقوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى «1» ، ويكون ذلك من علاء المجد والشرف، يقال منه: علي يعلى علاءً. ومعنى العظيم: ذو العظمة والجلال، والعظم في حقه تعالى منصرف إلى عظم الشأن، وجلالة القدر، دون العظم الذي هو من نعوت الأجسام. [سورة البقرة (2) : آية 256] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، في سبب نزولها أربعة أقوال: (137) أحدها: أن المرأة من نساء الأنصار كانت في الجاهلية إذا لم يعش لها ولد، تحلف: لئن
عاش لها ولد لتهوّدنّه. فلما أجليت يهود بني النضير، كان فيهم ناس من أبناء الأنصار. فقال الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا؟ فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. وقال الشعبي: قالت الأنصار: والله لنكرهن أولادنا على الإسلام، فإنّا إنّما جعلنا في دين اليهود إذ لم نعلم ديناً أفضل منه، فنزلت هذه الآية. (138) والثاني: أن رجلا من الأنصار تنصّر له ولدان قبل أن يبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما، وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا، فاختصموا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، هذا قول مسروق. والثالث: أن ناساً كانوا مسترضعين في اليهود، فلما أجلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بني النضير، قالوا: والله لنذهبن معهم، ولندينن بدينهم، فمنعهم أهلوهم، وأرادوا إكراههم على الإسلام، فنزلت الآية «1» . والرابع: أن رجلاً من الأنصار كان له غلام اسمه صبيح، كان يكرهه على الإسلام، فنزلت هذه الآية، والقولان عن مجاهد. فصل: واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، فذهب قوم إلى أنه محكم، وأنه من العام المخصوص، فإنه خص منه أهل الكتاب بأنهم لا يكرهون على الإسلام، بل يخيّرون بينه وبين أداء الجزية، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: ليس الدين ما تدين به في الظاهر على جهة الإكراه عليه، ولم يشهد به القلب، وتنطوي عليه الضمائر، إنما الدين هو المنعقد بالقلب. وذهب قوم إلى أنه منسوخ، وقالوا هذه الآية نزلت قبل الأمر بالقتال، فعلى قولهم، يكون منسوخاً بآية السيف، وهذا مذهب الضحاك، والسدي، وابن زيد. والدين هاهنا: أريد به الإسلام. والرشد: الحق، والغي: الباطل. وقيل: هو الإيمان والكفر. وأما الطاغوت فهو اسم مأخوذ من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، قال ابن قتيبة: الطاغوت: واحد، وجمع، ومذكّر، ومؤنث. قال تعالى: أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ، وقال: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها «2» ، والمراد بالطاغوت هاهنا خمسة أقوال: أحدها: أنه الشيطان «3» ، قاله عمر وابن عباس
[سورة البقرة (2) : آية 257]
ومجاهد والشعبي والسدي ومقاتل في آخرين. والثاني: أنه الكاهن، قاله سعيد بن جبير وأبو العالية. والثالث: أنه الساحر، قاله محمد بن سيرين. والرابع: أنه الأصنام، قاله اليزيدي والزجاج. والخامس: أنه مردة أهل الكتاب، ذكره الزجاج أيضاً. قوله تعالى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى هذا مثلَ للإيمان شبَّه التمسك به بالمتمسك بالعروة الوثيقة. وقال الزجاج: معنى الكلام: فقد عقد لنفسه عقداً وثيقاً. والانفصام: كسر الشيء من غير إبانة. [سورة البقرة (2) : آية 257] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257) قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا، أي: متولي أمورهم، يهديهم، وينصرهم، ويعينهم. والظلمات: الضلالة، والنّور، الهدى، والطّاغوت: الشياطين، هذا قول ابن عباس، وعكرمة في آخرين. وقال مقاتل: الذين كفروا: هم اليهود، والطاغوت: كعب بن الأشرف. قال الزجّاج: الطّاغوت هاهنا: واحد في معنى جماعة، وهذا جائز في اللغة إذا كان في الكلام دليل على الجماعة. قال الشاعر «1» : بِها جِيَفُ الْحَسْرَى فأَمّا عِظامُها ... فَبِيضٌ وأَمّا جلدها فصليب يريد جلودها، فان قيل: متى كان المؤمنون في ظلمة؟ ومتى كان الكفار في نور؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن عصمة الله للمؤمنين عن مواقعة الضلال، إخراج لهم من ظلام الكفر، وتزيين قرناء الكفار لهم الباطل الذي يحيدون به عن الهدى، إخراج لهم من نور الهدى، و «الإخراج» مستعار هاهنا. وقد يقال للممتنع من الشيء: خرج منه، وإن لم يكن دخل فيه. قال تعالى: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «2» ، وقال: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ «3» ، وقد سبقت شواهد هذا في قوله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ «4» . والثاني: أن إيمان أهل الكتاب بالنبي قبل أن يظهر نورٌ لهم، وكفرهم به بعد أن ظهر، خروج إلى الظلمات. والثالث: أنه لما ظهرت معجزات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كان المخالف له خارجاً من نور قد علمه، والموافق له خارجاً من ظلمات الجهل إلى نور العلم. [سورة البقرة (2) : آية 258] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ، قد سبق معنى «ألم تر» . وحاجّ: بمعنى خاصم، وهو نمروذ في قول الجماعة. قال ابن عباس: ملك الأرض شرقها وغربها مؤمنان، وكافران فالمؤمنان سليمان بن داود، وذو القرنين. والكافران: نمروذ، وبختنصر «5» . قال ابن قتيبة:
[سورة البقرة (2) : آية 259]
معنى الآية: حاجَّ إبراهيم، لأن الله آتاه الملك، فأعجب بنفسه وملكه. قوله تعالى: إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قال بعضهم: هذا جواب سؤال سابق غير مذكور، تقديره: أنه قال له: من ربك؟ فقال: ربّي الذين يحيي ويميت. قال نمروذ: أنا أحيي وأميت. قال ابن عباس: يقول: أترك من شئت، وأقتل من شئت. فإن قيل: لم انتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، وعدل عن نصرة الأولى؟ فالجواب: أن إبراهيم رأى من فساد معارضته أمرا يدل على ضعف فهمه، فإنه عارض اللفظ بمثله، ونسي اختلاف الفعلين، فانتقل إلى حجة أخرى، قصداً لقطع المحاجّ لا عجزاً عن نصرة الأولى. وقرأ أبن رزين العقيلي، وابن السميفع: فبهت، بفتح الباء والهاء، وقرأ أبو الجوزاء، ويحيى بن يعمر، وأبو حياة: فبهت بفتح الباء، وضم الهاء. قال الكسائي: ومن العرب من يقول: بهت، وبهت، بكسر الهاء وضمها وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يعني: الكافرين. قال مقاتل: لا يهديهم إلى الحجّة، وعنى بذلك نمروذ. [سورة البقرة (2) : آية 259] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، قال الزجاج: هذا معطوف على معنى الكلام الذي قبله، أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مر على قرية؟ وفي المراد بالقرية قولان: أحدهما: أنها بيت المقدس لما خربه بختنصر، قاله وهب، وقتادة، والربيع بن أنس. والثاني: أنها التي خرج منها الألوف حذر الموت، قاله ابن زيد. وفي الذي مر عليها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عزير، قاله علي بن أبي طالب، وأبو العالية، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وناجية بن كعب، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه أرمياء، قاله وهب، ومجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير. والثالث: أنه رجل كافر شك في البعث، نقل عن مجاهد أيضاً. والخاوية: الخالية، قاله الزجاج. وقال ابن قتيبة: الخاوية: الخراب، والعروش: السقوف، وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ، أي: كيف يحييها. فإن قلنا: إن هذا الرجل نبي، فهو كلام من يؤثر أن يرى كيفية الإعادة، أو يستهولها، فيعظم قدرة الله، وإن قلنا: إنه كان رجلاً كافراً، فهو كلام شاك، والأول أصح. قوله تعالى: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. (الاشارة الى قصته) روى ناجية بن كعب عن عليّ عليه السلام، قال: خرج عزير نبي الله من مدينته، وهو رجل شاب، فمر على قرية، وهي خاوية على عروشها، فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة
عام، ثم بعثه، وأول ما خلق الله منه عيناه، فجعل ينظر إلى عظمه تنضمّ بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحماً، ونفخ فيها الروح. قال الحسن: قبضه الله أول النهار، وبعثه الله آخر النهار بعد مائة سنة. قال مقاتل: ونودي من السماء: كم لبثت؟ قال قتادة: فقال: لبثت يوماً، ثم نظر فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم. فهذا يدل على أنه عزير. وقال وهب بن منبه: أقام أرميا بأرض مصر فأوحى الله إليه أن الحق بأرض إيلياء، فركب حماره، وأخذ معه سلة من عنب وتين، ومعه سقاء جديد، فيه ماء، فلما بدا له شخص بيت المقدس وما حوله من القرى والمساجد نظر إلى خراب لا يوصف فلما رأى هدم بيت المقدس كالجبل العظيم قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ ثم نزل منها منزلاً، وربط حماره، وعلق سقاءه، وألقى الله عليه النوم، ونزع روحه مائة عام، فلما مر منها سبعون عاماً، أرسل الله ملكاً إلى ملك من ملوك فارس، عظيم، فقال: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك، فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها حتى تعود أعمر ما كانت، فانتدب ثلاثمائة قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل، وما يصلحه من أداة العمل، فسار إليها قهارمته ومعهم ثلاثمائة ألف عامل. فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عيني أرميا، وآخر جسده ميت، فنظر إليها تعمر، فلما تمت بعد ثلاثين سنة رد الله إليه الروح، فنظر إلى طعامه وشرابه فلم يتسنّه، ونظر إلى حماره واقفاً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، ونظر إلى الرّمّة في عنق الحمار لم تتغير ولم تنتقص شيئاً وقد نحل جسم أرميا من البلى، فأنبت الله له لحماً جديداً ونشز عظامه وهو ينظر، فقال له الله: (انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال: اعلم أن الله على كل شيء قدير) . وزعم مقاتل أن هذه القصة كانت بعد رفع عيسى عليه السلام. قوله تعالى: كَمْ لَبِثْتَ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم «لبثت» و «لبثتم» في كل القرآن باظهار التاء، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بالإدغام، قال أبو علي الفارسي: من بين «لبثت» فلتباين المخرجين، وذلك أن الظاء والذال والثاء من حيز، والطاء والتاء والدال من حيز، فلما تباين المخرجان، واختلف الحيزان، لم يدغم. ومن أدغمهما أجراها مجرى المثلين، لاتفاق الحرفين في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، واتفاقهما في الهمس، ورأى الذي بينهما من الاختلاف يسيراً، فأجراهما مجرى المثلين. فأما طعامه وشرابه، فقال وهب: كان معه مكتل فيه عنب وتين، وقلة فيها ماء. وقال السدي: كان معه تين وعنب، وشرابه من العصير، ولم يحمض التين والعنب، ولم يختمر العصير. قوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: يَتَسَنَّهْ واقْتَدِهْ «1» وما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ «2» وسُلْطانِيَهْ «3» وما هِيَهْ «4» بإثبات الهاء في الوصل. وقرأ الكسائيّ في حذف موضعين يَتَسَنَّهْ واقْتَدِهْ وكلهم يقف على الهاء. ولم يختلفوا في كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ بالهاء وصلاً ووقفاً. فأما معنى: لَمْ يَتَسَنَّهْ، فقال ابن عباس، والحسن،
[سورة البقرة (2) : آية 260]
وقتادة في آخرين: لم يتغير. وقال ابن قتيبة: لم يتغير بمر السنين عليه، واللفظ مأخوذ من السّنه، يقال: سانهت النخلة: إذا حملت عاماً، وحالت عاماً. قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ، قال مقاتل: انظر إليه، وقد ابيضت عظامه، وتفرقت أوصاله، فأعاده الله. قوله تعالى: وَلِنَجْعَلَكَ اللام صلة مضمر تقديره: فعلنا بك ذلك لنراك قدرتنا، ولنجعلك آية للناس، أي: علَماً على قدرتنا، فأضمر الفعل لبيان معناه. قال ابن عباس: مات وهو ابن أربعين سنة، وابنه ابن عشرين سنة، ثم بعث وهو ابن أربعين وابنه ابن عشرين ومائة، ثم أقبل حتى أتى قومه في بيت المقدس، فقال لهم: أنا عزير، فقالوا: حدثنا آباؤنا أن عزيراً مات بأرض بابل، فقال لهم: أنا هو أرسلني الله إليكم أجدد لكم توراتكم، وكانت قد ذهبت، وليس منهم أحد يقرؤها فأملاها عليهم. قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ، قيل: أراد عظام نفسه، وقيل: عظام حماره، وقيل: هما جميعاً. قوله تعالى: كَيْفَ نُنْشِزُها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو «ننشرها» بضم النون الأولى، وكسر الشين وراء مضمومة. ومعناه: نحييها. يقال: أنشر الله الميت، فنشر. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (ننشزها) بضم النون مع الزاي، وهو من النشز الذي هو الارتفاع. والمعنى: نرفع بعضها إلى بعض للأحياء. وقرأ الأعمش: (ننشزها) بفتح النون ورفع الشين مع الزاي. وقرأ الحسن، وأبان، عن عاصم: ننشرها، بفتح النون مع الراء، كأنه من النشر عن الطي، فكأن الموت طواها، والإحياء نشرها. قوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ، أي: بان له إحياء الموتى، قالَ أَعْلَمُ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «أعلم» مقطوعة الألف، مضمومة الميم. والمعنى: قد علمت ما كنت أعلمه غيباً مشاهدة. وقرأ حمزة والكسائي بوصل الألف، وسكون الميم على معنى الأمر، والابتداء، على قراءتهما بكسر الهمزة، وظاهر الكلام أنه أمر من الله له. وقال أبو علي: نزل نفسه منزلة غيره فأمرها وخاطبها. وقرأ الجعفي «1» عن أبي بكر: «أعلم» بكسر اللام على معنى الأمر بإعلام الغير. [سورة البقرة (2) : آية 260] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى في سبب سؤاله هذا أربعة أقوال: أحدها: أنه رأى ميتة تمزقها الهوام والسباع فسأل هذا السؤال، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وابن جريج، ومقاتل. وما الذي كانت هذه الميتة؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: كان رجلاً ميتاً، قاله ابن عباس. والثاني: كان جيفة حمار، قاله ابن جريج، ومقاتل. والثالث: كان حوتاً ميتاً، قاله ابن زيد.
والثاني: أنه لما بشر باتخاذ الله له خليلاً، سأل هذا السؤال ليعلم صحة البشارة، ذكره السدي عن ابن مسعود، وابن عباس. وروي عن سعيد بن جبير أنه لما بشر بذلك، قال: ما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءك، ويحيي الموتى بسؤالك، فسأل هذا السؤال. والثالث: أنه سأل ذلك ليزيل عوارض الوسواس، وهذا قول عطاء بن أبي رباح. والرابع: أنه لما نازعه نمروذ في إحياء الموتى سأل ذلك ليرى ما أخبر به عن الله تعالى، وهذا قول محمد بن إسحاق. قوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ، أي: أولست قد آمنت أني أحيي الموتى؟ وقال ابن جبير: ألم توقن بالخلة؟ قوله تعالى: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، «اللام» متعلقة بفعل مضمر، تقديره: ولكن سألتك ليطمئن، أو أرني ليطمئن قلبي، ثم في المعنى أربعة أقوال: أحدها: لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، قاله ابن عباس. والثاني: ليزداد قلبي يقيناً، قاله سعيد بن جبير. وقال الحسن: كان إبراهيم موقناً، ولكن ليس الخبر كالمعاينة. والثالث: ليطمئن قلبي بالخلة، روي عن ابن جبير أيضاً. والرابع: أنه كان قلبه متعلقاً برؤية إحياء الموتى، فأراد: ليطمئن قلبه بالنظر، قاله ابن قتيبة. وقال غيره: كانت نفسه تائقة إلى رؤية ذلك، وطالب الشيء قلق إلى أن يظفر بطلبته، ويدلّ على أنه لم يسأل لشك، أنه قال: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى، وما قال: هل تحيي الموتى؟ قوله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ في الذي أخذ سبعة أقوال: أحدها: أنها الحمامة، والديك، والكركيّ، والطّاوس، رواه عبد الله بن هبيرة عن ابن عباس. والثاني: أنها الطّاوس، والديك، والدجاجة السندية، والأوزة، رواه الضحاك عن ابن عباس. وفي لفظ آخر، رواه الضحاك مكان الدجاجه السندية الرأل، وهو فرخ النعام. والثالث: أنها الشّعانين، وكان قرباهم يومئذ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: أنها الطّاوس، والنسر، والغراب، والديك، نقل عن ابن عباس أيضا. والخامس: أنها الدّيك، والطّاوس والغراب، والحمام، قاله عكرمة، ومجاهد، وعطاء، وابن جريج، وابن زيد. والسادس: أنها ديك، وغراب، وبطّ، وطاوس، رواه ليث عن مجاهد. والسابع: أنها الديك، والبطة، والغراب، والحمامة، قاله مقاتل. وقال عطاء الخراساني: أوحى الله إليه أن خذ بطة خضراء وغراباً أسود، وحمامة بيضاء، وديكاً أحمر. قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، قرأ الجمهور بضم الصاد، والمعنى: أملهن إليك، يقال: صرت الشيء فانصار، أي: أملته فمال، وأنشدوا «1» : الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى جيراننا صور «2» فمعنى الكلام: اجمعهن إليك. ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً فيه إضمار قطعهن. قال ابن قتيبة: أضمر «قطعهن» ، واكتفى بقوله: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً، عن قوله: «قطعهن» لأنه يدل عليه، وهذا كما تقول: خذ هذا الثوب، واجعل على كل رمح عندك منه علماً. يريد: قطعه،
وافعل ذلك، وقرأ أبو جعفر، وحمزة، وخلف، والمفضّل، عن عاصم «فصرهنّ» بكسر الصاد. قال اليزيدي: هما واحد، وقال ابن قتيبة: الكسر والضم لغتان. قال الفراء: أكثر العرب على ضم الصاد، وحدثني الكسائي أنه سمع بعض بني سليم يقول: صرته، فأنا أصيره. وروي عن ابن عباس ووهب، وأبي مالك، وأبي الأسود الدؤلي، والسدي، أن معنى المكسورة الصاد: قطعهن. قوله تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً، قال الزجاج: معناه: اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءاً. وروى عوف عن الحسن قال: اذبحهن ونتّفهنّ، ثم قطّعهنّ أعضاء، ثم خلّط بينهنّ جميعا، ثم جزّأهما أربعة أجزاء، وضع على كل جبل جزءاً. ثم تنحى عنهن، فدعاهن، فجعل يعدو كل جزء إلى صاحبه حتى استوين كما كن، ثم أتينه يسعين. وقال قتادة: أمسك رؤوسها بيده، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، والبضعة إلى البضعة، وهو يرى ذلك، ثم دعاهنّ، فأقبلن على أرجلهن يلقي لكل طائر رأسه. وفي عدد الجبال التي قسمن عليها قولان: أحدهما: أنه قسمهنّ على أربعة جبال، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. وروي عن ابن عباس قال: جعلهن أربعة أجزاء في أرباع الأرض، كأنه يعني جهات الإنسان الأربع. والثاني: أنه قسمهن سبعة أجزاء على سبعة أجبال، قاله ابن جريج، والسدي. قوله تعالى: ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً، قال ابن قتيبة: يقال: عدواً، ويقال: مشياً على أرجلهن، ولا يقال للطائر إذا طار: سعى وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي: منيع لا يغلب حَكِيمٌ فيما يدبر. ويزعم مقاتل أن هذه القصة جرت لإبراهيم بالشام قبل أن يكون له ولد، وقبل نزول الصحف عليه، وهو ابن خمس وسبعين سنة «1» .
[سورة البقرة (2) : آية 261]
[سورة البقرة (2) : آية 261] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (261) قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حدثنا عن ثعلب أنه قال: إنما المثل- والله أعلم- للنفقة، لا للرجال، ولكن العرب إذا دل المعنى على ما يريدون، حذفوا، مثل قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ، فأضمر «الحب» لأن المعنى معلوم، فكذلك هاهنا. أراد: مثل نفقة الذين ينفقون ونحو هذا قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ «1» . يريد: بخل الباخلين فحذف البخل. وفي المراد ب «سبيل الله» قولان: أحدهما: أنه الجهاد. والثاني: أنه جميع أبواب البر. قال أبو سليمان الدمشقي: والآية مردودة على قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ، وقد أعلم الله عزّ وجلّ بضرب هذا المثل، أن الحسنة في النفقة في سبيله تضاعف بسبعمائة ضعف. وقال الشعبي: نفقة الرجل على نفسه وأهل بيته تضاعف بسبعمائة ضعف. قال ابن زيد: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، أي: يزيد على السّبعمائة. [سورة البقرة (2) : آية 262] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال ابن السائب ومقاتل: نزلت في عثمان بن عفان في نفقته في غزوة تبوك، وشرائه بئر رومة، ركية بالمدينة، تصدق بها على المسلمين، وفي عبد الرحمن بن عوف حين تصدق بأربعة آلاف درهم، وكانت نصف ماله «2» . وأما المنّ ففيه قولان: أحدهما: أنه المن على الفقير، ومثل أن يقول: قد أحسنت إليك ونعشتك، وهو قول الجمهور. والثاني: أنه المن على الله بالصدقة، روي عن ابن عباس. فإن قيل: كيف مدحهم بترك المنّ. ووصف نفسه بالمنّان؟ فالجواب: يقال: منّ فلان على فلان: إذا أنعم عليه، فهذا الممدوح، قال الشاعر:
[سورة البقرة (2) : آية 263]
فمنِّي علينا بالسلام فإنما ... كلامك ياقوت ودر منظم أراد بالمن الإنعام. وأما الوجه المذموم، فهو أن يقال: منّ فلان على فلان، إذا استعظم ما أعطاه، وافتخر بذلك قال الشاعر في ذلك: أنلت قليلاً ثم أسرعت منَّة ... فنيلك ممنون كذاك قليل ذكر ذلك أبو بكر الأنباري. وفي الأذى قولان: أحدهما: أنه مواجهة الفقير بما يؤذيه، مثل أن يقول له: أنت أبداً فقير، وقد بليت بك، وأراحني الله منك. والثاني: أنه يخبر بإحسانه إلى الفقير، من يكره الفقير إطلاعه على ذلك، وكلا القولين يؤذي الفقير وليس من صفة المخلصين في الصدقة. ولقد حدثنا عن حسان بن أبي سنان أنه كان يشتري أهل بيت الرجل وعياله، ثم يعتقهم جميعاً، ولا يتعرف إليهم، ولا يخبرهم من هو. [سورة البقرة (2) : آية 263] قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ، أي: قول جميل للفقير، مثل أن يقول له: يوسع الله عليك وَمَغْفِرَةٌ أي: يستر على المسلم خلته وفاقته، وقيل: أراد بالمغفرة التجاوز عن السائل إن استطال على المسؤول وقت رده خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وقد سبق بيانه. [سورة البقرة (2) : آية 264] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ، أي: لا تبطلوا ثوابها، كما تبطل ثواب صدقة المرائي الذي لا يؤمن بالله، وهو المنافق فَمَثَلُهُ، أي: مثل نفقته، كَمَثَلِ صَفْوانٍ، قال ابن قتيبة: الصفوان: الحجر، والوابل: أشد المطر، والصلد: الأملس. وقال الزجاج: الصفوان: الحجر الأملس، وكذلك الصفا. وقال ثعلب: الصلد: النقي. وروي عن ابن عباس، وقتادة، فَتَرَكَهُ صَلْداً، قالا: ليس عليه شيء. وهذا مثل ضربه الله تعالى للمرائي بنفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء مما أنفق. [سورة البقرة (2) : آية 265] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، أي: طلباً لرضاه. وفي معنى التثبيت قولان: أحدهما: أنه الإنفاق عن يقين وتصديق، وهذا قول الشّعبيّ، والسدي، في آخرين. والثاني: أنه التثبيت لارتياد محل الإنفاق، فهم ينظرون أين يضعونها، وهذا قول الحسن، ومجاهد، وأبي صالح. قوله تعالى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ الجنة: البستان، وقرأ مجاهد، وعاصم الجحدري «حبة» بالحاء. والربوة: ما ارتفع. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي «بربوة» بضم الراء.
[سورة البقرة (2) : آية 266]
وقرأ عاصم، وابن عامر، بفتح الراء وقرأ الحسن والأعمش بكسر الراء، وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، برباوة، بزيادة ألف، وفتح الراء، وقرأ أبيّ بن كعب، والجحدريّ كذلك، إلا أنهما ضما الراء، وكذلك خلافهم في «المؤمنين» ، قال الزجاج: يقال رَبوة ورِبوة ورُبوة ورباوة. والموضع المرتفع من الأرض، إذا كان له ما يرويه من الماء، فهو أكثر ريعاً من السفل. وقال ابن قتيبة: الربوة الارتفاع، وكل شيء ارتفع وزاد، فقد ربا، ومنه الربا في البيع. قوله تعالى: فَآتَتْ أُكُلَها، قرأ ابن كثير، ونافع: أكلها. والأكل بسكون الكاف حيث وقع، ووافقهما أبو عمرو، فيما أضيف إلى مؤنث، مثل: «أكلها» ، فأما ما أضيف إلى مذكر مثل: أكله؟ أو كان غير مضاف إلى مكنى: مثل أُكُلٍ خَمْطٍ فثقله أبو عمرو. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي جميع ذلك مثقلا. وأكلها: ثمرها. ضِعْفَيْنِ أي: مثلين. فأما «الطّلّ» فقال ابن قتيبة: هو أضعف المطر، وقال الزجاج: هو المطر الدائم، الصغار القطر الذي لا تكاد تسيل منه المثاعب. قال ثعلب: وهذا لفظ مستقبل وهو لأمر ماض، فمعناه: فان لم يكن أصابها وابل فطل، ومعنى هذا المثل: أن صاحب هذه الجنة لا يخيب، فإنها إن أصابها الطل حسنت، وإن أصابها الوابل أضعفت، فكذلك نفقة المؤمن المخلص. والبصير: من أسماء الله تعالى، معناه: المبصر. قال الخطابي: وهو فعيل بمعنى مفعل، كقولهم: أليم بمعنى مؤلم. [سورة البقرة (2) : آية 266] أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) قوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ، هذه الآية متصلة بقوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ، ومعنى: «أيود» أيُحب، وإنما ذكر النخيل والأعناب، لأنهما من أنفس ما يكون في البساتين، وخصّ ذلك بالكبير، لأنه قد يئس من سعي الشباب في اكسابهم. قوله تعالى: وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ، أي: ضعاف، وإذا ضعفت الذرية كان أحنى عليهم، وأكثر إشفاقاً فَأَصابَها يعني: الجنة إِعْصارٌ وهي ريح شديدة، تهب بشدة، فترفع إلى السماء تراباً، كأنه عمود. قال الشاعر: إِن كنت ريحاً فقد لاقيتَ إِعصاراً أي: لاقيت أشد منك. فان قيل: كيف جاز في الكلام أن يكون له جنة فأصابها، ولم يقل: فيصيبها؟ أفيجوز أن يقال: أيودّ أن يصيبَ مالاً، فضاع، والمراد: فيضيع؟ فالجواب: أن ذلك جائز في «وددت» لأن العرب تلقاها مرةً ب «أن» ، ومرةً ب «لو» ، فيقولون: وددت لو ذهبْت عنا، ووددت أن تذهب عنا، قاله الفراء، وثعلب. فصل: وهذه الآية مثلٌ ضربه الله تعالى في الحَسْرةِ بسلب النعمة عند شدّة الحاجة. وفيمن قَصَدَ به ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عُمره، قاله ابن عباس. والثاني: أنه مثل للمفرط في طاعة الله تعالى حتى يموت، قاله مجاهد. والثالث: أنه مثل للمرائي في النفقة، ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه، قاله السّدّيّ.
[سورة البقرة (2) : آية 267]
[سورة البقرة (2) : آية 267] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ، في سبب نزولها قولان: (139) أحدهما: أن الأنصار كانوا إذا جذّوا النخل، جاء كل رجل بشيء من ذلك فعلقه في المسجد، فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان أناسٌ ممن لا يرغب في الخير يجيء أحدهم بالقنو «1» فيه الحشف والشيص، فيعلقه، فنزلت هذه الآية. هذا قول البراء بن عازب. (140) والثاني: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمر بزكاة الفطر، فجاء رجل بتمر رديء، فنزلت هذه الآية. هذا قول جابر بن عبد الله. وفي المراد بهذه النفقة قولان: أحدهما: أنها الصدقة المفروضة، قاله عبيدة السلماني في آخرين. والثاني: أنها التطوع. وفي المراد بالطيب هاهنا قولان: أحدهما: أنه الجيّد الأنفس، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الحلال، قاله أبو معقل في آخرين. قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا، أي: لا تقصدوا. والتيمم في اللغة: القصد. قال ميمون بن قيس: تَيمَمتُ قيساً وكم دونه ... من الأرض من مَهْمَهٍ ذي شزَن «2» وفي الخبيث قولان: أحدهما: أنه الرديء، قاله الأكثرون، وسبب الآية يدل عليه. والثاني: أنه الحرام، قاله ابن زيد. قوله تعالى: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ، قال ابن عباس: لو كان بعضكم يطلب من بعض حقاً له، ثم قضاه ذلك، ولم يأخذه إِلى أن يرى أنه قد أغمض عن بعض حقه. وقال ابن قتيبة: أصل هذا أن يصرف المرء بصره عن الشيء، ويغمضه، فسمي الترخص إغماضاً. ومنه قول الناس للبائع: أغمض، أي: لا تشخص، وكن كأنك لا تبصر. وقال غيره: لما كان الرجل إذا رأى ما يكره
[سورة البقرة (2) : آية 268]
أغمض عينيه، لئلا يرى جميع ما يكره جعل التجاوز والمساهلة في كل شيء إغماضاً. قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، قال الزجاج: لم يأمركم بالتصدق عن عوز، لكنه بلا أخباركم، فهو حميد على ذلك. يقال: قد غني زيد، يغنى غنى، مقصور: إذا استغنى، وقد غني القوم: إذا نزلوا في مكان يغنيهم، والمكان الذي ينزلون فيه مغنى. والغواني: النساء، قيل: إنما سمين بذلك، لأنهن غنين بجمالهن، وقيل: بأزواجهن. فأما «الحميد» فقال الخطابي: هو بمعنى المحمود، فعيل بمعنى مفعول. [سورة البقرة (2) : آية 268] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268) قوله تعالى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، قال الزجاج: يقال: وعدته أعده وعداً وعدة وموعداً وموعدة وموعوداً، ويقال: الفَقر، والفُقر. ومعنى الكلام: يحملكم على أن تؤدّوا من الرديء، يخوفكم الفقر بإعطاء الجيد. ومعنى: يعدكم الفقر، أي: بالفقر، وحذفت الباء. قال الشاعر «1» : أمرتُكَ الخيرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرت بِهِ ... فقد تركتك ذا مال وذا نشبِ وفي الفحشاء قولان: أحدهما: البخل. والثاني: المعاصي. قال ابن عباس: والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلاً في الرّزق. [سورة البقرة (2) : آية 269] يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (269) قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ، في المراد بهذه الحكمة أحد عشر قولاً «2» : أحدها: أنها القرآن، قاله ابن مسعود، ومجاهد، والضحاك، ومقاتل في آخرين. والثاني: معرفة ناسخ القرآن، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره، ونحو ذلك، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: النبوة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: الفهم في القرآن، قاله أبو العالية، وقتادة، وإبراهيم. والخامس: العلم والفقه، رواه ليث عن مجاهد. والسادس: الإصابة في القول، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. والسابع: الورع في دين الله، قاله الحسن. والثامن: الخشية لله، قاله الربيع بن أنس. والتاسع: العقل في الدين، قاله ابن زيد. والعاشر: الفهم، قاله شريك. والحادي عشر: العلم والعمل، لا يسمى الرجل حكيماً إِلا إِذا جمعهما، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ، قرأ يعقوب بكسر تاء «يؤت» ، ووقف عليها بهاء والمعنى: ومن يؤته الله الحكمة. وكذلك هي في قراءة ابن مسعود بهاء بعد التاء. قوله تعالى: وَما يَذَّكَّرُ، قال الزجّاج: أي: وما يفكّر فكراً يذكر به ما قص من آيات القرآن إلا ذوو العقول. قال ابن قتيبة: «أولو» بمعنى: ذوو، وواحد «أولو» «ذو» ، و «أولات» «ذات» .
[سورة البقرة (2) : آية 270]
[سورة البقرة (2) : آية 270] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270) قوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ، النذر: ما أوجبه الإنسان على نفسه، وقد يكون مطلقاً، ويكون معلقاً بشرط. فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، قال مجاهد: يُحصيه، وقال الزجاج: يجازى عليه. وفي المراد بالظالمين هاهنا، قولان: أحدهما: أنهم المشركون، قاله مقاتل. والثاني: المنفقون بالمنّ والأذى والرياء، والمنذرون في المعصية، قاله أبو سليمان الدمشقي. والأنصار: المانعون. فمعناه: ما لهم مانع يمنعهم من عذاب الله. [سورة البقرة (2) : آية 271] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ. (141) قال ابن السائب: لما نزل قوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ، قالوا: يا رسول الله، صدقة السر أفضل، أم العلانية؟ فنزلت هذه الآية. قال الزجاج، يقال: بدا الشيء يبدو: إذا ظهر، وأبديته إبداء: إذا أظهرته، وبدا لي بداء: إذا تغير رأيي عمّا كان عليه. وقوله تعالى: فَنِعِمَّا هِيَ، في «نعم» أربع لغات: «نعم» بفتح النون، والعين، مثل: عَلِمَ. و «نعم» بكسرها، و «نعم» بفتح النون، وتسكين العين، و «نعم» بكسر النون، وتسكين العين. وأما قوله: فَنِعِمَّا هِيَ قرأ نافع في غير رواية «ورش» ، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، والمفضل: «فنعما» ، بكسر النون، والعين ساكنة. وقرأ ابن كثير، وعاصم في رواية حفص، ونافع في رواية «ورش» ، ويعقوب بكسر النون والعين. وقرأ ابن عامر، وحمزة والكسائي، وخلف: «فنعما» بفتح النون، وكسر العين، وكلهم شددوا الميم. وكذلك خلافهم في سورة النساء. قال الزجاج: «ما» في تأويل الشيء، أي: فنعمّ الشيء هو. قال أبو عليّ: نعم الشيء إبداؤها. قوله تعالى فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، فهو الإخفاء. واتفق العلماء على أن إخفاء الصدقة النافلة أفضل من إظهارها، وفي الفريضة قولان: أحدهما: أن إظهارها أفضل، قاله ابن عباس في آخرين. واختاره القاضي أبو يعلى. وقال الزجاج: كان إخفاء الزكاة على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أحسن، فأمّا اليوم، فالناس مسيئون الظن، فاظهارها أحسن. والثاني: إخفاؤها أفضل، قاله الحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب. وقد حمل أرباب القول الأول الصدقات في الآية على الفريضة، وحملوا وَإِنْ تُخْفُوها على النافلة، وهذا قول عجيب. وإنما فضلت صدقة السر لمعنيين: أحدهما: يرجع إلى المعطي، وهو بُعْدُه عن الرياء، وقربه من الإخلاص، والإعراض عما تؤثر النفس من العلانية. والثاني: يرجع إلى المعطى، وهو دفع الذل عنه باخفاء الحال، لأنه في العلانية ينكسر. قوله تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم (ونكفّر) بالنون والرفع، والمعنى: ونحن نكفّر، ويجوز أن يكون مستأنفا.
[سورة البقرة (2) : آية 272]
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائيّ: «ونكفّر» بالنون وجزم الراء. قال أبو علي: وهذا على حمل الكلام على موضع قوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأن قوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في موضع جزم، ألا ترى أنه لو قال: وإِن تخفوها يكون أعظم لأجركم لجزم، ومثله: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ «1» ، حمل قوله و «أكن» على موضع «فأصدَّق» . وقرأ ابن عامر: «ويكفّر» بالياء والرفع، وكذلك حفص عن عاصم على الكناية عن الله عزّ وجلّ، وقرأ أبان عن عاصم، «وتكفّر» بالتاء المرفوعة، وفتح الفاء مع إسكان الراء. قوله تعالى: مِنْ سَيِّئاتِكُمْ، في «من» قولان: أحدهما: أنها زائدة. والثاني: أنها داخلة للتبعيض. قال أبو سليمان الدمشقي: ووجه الحكمة في ذلك أن يكون العباد على خوف ووجل. [سورة البقرة (2) : آية 272] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ في سبب نزولها قولان: (142) أحدهما: أن المسلمين كرهوا أن يتصدقوا على أقربائهم من المشركين، فنزلت هذه الآية، هذا قول الجمهور.
قوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا، لما حثهم على الصدقات والنفقات، دلهم على خير من تُصدّق عليه. وقد تقدم تفسير الإحصار عند قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ «1» . وفي المراد ب الَّذِينَ أُحْصِرُوا أربعة أقوال: أحدها: أنهم أهل الصفة حبسوا أنفسهم على طاعة الله، ولم يكن لهم شيء، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم فقراء المهاجرين، قاله مجاهد. والثالث: أنهم قوم حبسوا أنفسهم على الغزو، فلا يقدرون على الاكتساب، قاله قتادة. والرابع: أنهم قوم أصابتهم جراحات مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فصاروا زمنى. قاله سعيد بن جبير، واختاره الكسائي، وقال: أحصروا من المرض، ولو أراد الحبس، لقال: حُصروا، وإنما الإحصار من الخوف، أو المرض. والحصر: الحبس في غيرهما. وفي سبيل الله قولان: أحدهما: أنه الجهاد. والثاني: الطاعة. وفي الضرب في الأرض قولان: أحدهما: أنه الجهاد لم يمكنهم لفقرهم، نقل عن ابن عباس. والثاني: الكسب، قاله قتادة. وفي الذي منعهم من ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: الفقر، قاله ابن عباس. والثاني: أمراضهم، قاله ابن جبير، وابن زيد. والثالث: التزامهم بالجهاد، قاله الزجاج. قوله تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ، قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي: «يحسبهم» و «يَحْسِبَنَّ» بكسر السين في جميع القرآن. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، بفتح السين في الكل. قال أبو علي: فتح السين أقيس، لأن الماضي إذا كان على «فَعِلَ» ، نحو: حسب، كان المضارع على «يفعل» ، مثل: فرق يفرق، وشرب يشرب، والكسر حسن لموضع السمع. قال ابن قتيبة: لم يرد الجهل الذي هو ضد العقل، إنما أراد الجهل الذي هو ضد الخُبْر، فكأنه قال: يحسبهم من لا يخبرُ أمرهم. والتعفف: ترك السؤال، يقال: عف عن الشيء وتعفّف. والسيما: العلامة التي يعرف بها الشيء، وأصله من السمة. وفي المراد بسيماهم ثلاثة أقوال: أحدها: تجملهم، قاله ابن عباس. والثاني: خشوعهم، قاله مجاهد. والثالث: أثر الفقر عليهم، قاله السدي والربيع بن أنس. وهذا يدل على أن للسيما حكماً يتعلق بها. قال إمامنا أحمد في الميت يوجد في دار الحرب، ولا يعرف أمره: ينظر إلى سيماه، فإن كان عليه سِيما الكفار من عدم الختان، حكم له بحكمهم، فلم يدفن في مقابر المسلمين، ولم يصل عليه، وإن كان عليه سيما المسلمين حكم له بحكمهم «2» . فأما الإلحاف، فهو: الإلحاح، قال ابن قتيبة: يقال: ألحف في المسأله: إذا ألح، وقال الزجاج: معنى ألحف: شَمِل بالمسألة، ومنه اشتقاق اللحاف، لأنه يشمل الإنسان بالتغطية، فإن قيل: فهل كانوا يسألون غير
[سورة البقرة (2) : آية 274]
ملحفين؟ فالجواب: أن لا، وإنما معنى الكلام: أنه لم يكن منهم سؤال، فيكون إلحاف. قال الأعشى: لا يغمز الساق من أينٍ ولا وَصَبٍ ... ولا يعضُّ على شرسوفِهِ الصّفر «1» معناه: ليس بساقه أين ولا وصب، فيغمزها لذلك. قال الفرّاء: ومثله أن تقول: قلّ ما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلك لم تر قليلاً ولا كثيراً من أشباهه، فهم لا يسألون الناس إلحافاً، ولا غير إلحاف. وإلى نحو هذا ذهب الزجاج، وابن الأنباري في آخرين. [سورة البقرة (2) : آية 274] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً، اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: (144) أحدها: أنها نزلت في الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله عزّ وجلّ، رواه حنش الصنعاني عن ابن عباس، وهو قول أبي الدّرداء وأبي أمامه، ومكحول، والأوزاعي في آخرين. (145) والثاني: نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فإنه كانت معه أربعة دراهم، فأنفق في الليل درهماً وبالنهار درهماً، وفي السر درهماً، وفي العلانية درهماً، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وابن السائب، ومقاتل. (146) والثالث: أنها نزلت في عليّ وعبد الرحمن بن عوف، فإن علياً بعث بوسق من تمر إلى أهل الصفة ليلاً وبعث عبد الرحمن إليهم بدنانير كثيرة نهاراً، رواه الضحاك عن ابن عباس.
[سورة البقرة (2) : آية 275]
[سورة البقرة (2) : آية 275] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، الربا: أصله في اللغة: الزّيادة، ومنه الرّبوة والرّابية، وأربى فلان على فلان: زاد. وهذا الوعيد يشمل الأكل، والعامل به، وإنما خصّ الأكل بالذكْر، لأنه معظم المقصود.
[سورة البقرة (2) : آية 278]
قوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا فيه قولان: أحدهما: أن معنى محقه: تنقيصه واضمحلاله، ومنه: محاق الشهر، لنقصان الهلال فيه. روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والثاني: أنه إبطال ما يكون منه من صدقة ونحوها، رواه الضحاك عن ابن عباس. قوله تعالى: وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، قال ابن جبير: يضاعفها. والكَفَّار: الذي يكثر فعل ما يكفر به، والأثيم: المتمادي في ارتكاب الإثم المصرّ عليه. [سورة البقرة (2) : آية 278] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا في نزولها ثلاثة أقوال: (148) أحدها: أنها نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف، وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يأخذون الربا من ثقيف، فلما وضع الله الربا، طالبت ثقيف بني المغيرة بما لهم عليهم، فنزلت هذه الآية، والتي بعدها، هذا قول ابن عباس. (149) والثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان، والعباس، كانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجذاذ، قال صاحب التّمر: إن أخذتما ما لكما لم يبق لي ولعيالي ما يكفي، فهل لكما أن تأخذوا النصف وأضعّف لكما؟ ففعلا، فلما حل الأجل، طلبا الزيادة، فبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنهاهما عليه السّلام، فنزلت هذه الآية، هذا قول عطاء وعكرمة. (150) والثالث: أنها نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في الجاهلية وكانا يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فنزلت هذه الآية، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أَلا إِن كل رباً من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس» هذا قول السدي. قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، إنما قال: ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا لأن كل رباً كان قد ترك، فلم يبق إلا ربا ثقيف. وقال قوم: الآية محمولة على من أربى قبل إسلامه، وقبض بعضه في كفره، ثم أسلم، فيجب عليه أن يترك ما بقي، ويعفى له عما مضى. فأما المراباة بعد الإسلام، فمردودة فيما قبض، ويسقط ما بقي.
[سورة البقرة (2) : آية 279]
[سورة البقرة (2) : آية 279] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر فَأْذَنُوا مقصورة مفتوحة. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم «فآذنوا» بمد الألف وكسر الذال. قال الزجاج: من قرأ: فأذنوا، بقصر الألف وفتح الذال، فالمعنى: أيقنوا. ومن قرأ بمد الألف وكسر الذال، فمعناه: أعلموا كل من لم يترك الربا أنه حرب. قال ابن عباس: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. قوله تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ أي التي أقرضتموها، لا تَظلمون فتأخذون أكثر منها، ولا تُظلَمون فتنقصون منها، والجمهور على فتح «تاء» تظلمون الأولى، وضم «تاء» تظلمون الثانية. وروى المفضل عن عاصم: ضم الأولى، وفتح الثانية. [سورة البقرة (2) : آية 280] وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ. ذكر ابن السائب، ومقاتل أنه لما نزل قوله تعالى: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، قال بنو عمرو بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا، وندع لكم الربا، فشكا بنو المغيرة العسرة، فنزلت هذه الآية «1» . فأما العسرة، فهي الفقر، والضيق. والجمهور على تسكين السين، وضمها أبو جعفر هاهنا، وفي ساعَةِ الْعُسْرَةِ «2» . وقرأ الجمهور بفتح سين «الميسرة» ، وضمها نافع، وتابعه زيد عن يعقوب على ضم السين، إلا أنه زاد، فكسر الراء، وقلب الياء هاء، ووصلها بباء. قال الزجاج: ومعنى وإن كان: وإن وقع. والنظرة التأخير، فأمرهم بتأخير رأس المال بعد إسقاط الربا إذا كان المطالب معسراً، وأعلمهم أن الصدقة عليه بذلك أفضل بقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا والأكثرون على تشديد الصاد، وخففها عاصم مع تشديد الدال. وسكنها ابن أبي عبلة مع ضم الدال فجعله من الصّدق. [سورة البقرة (2) : آية 281] وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، قرأ أبو عمرو بفتح تاء «ترجعون» وضمّها الباقون. قال ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وعطية، ومقاتل في آخرين: هذه آخر آية نزلت من القرآن «3» . قال ابن عباس: وتوفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعدها بأحد وثمانين
[سورة البقرة (2) : آية 282]
يوماً «1» ، وقال ابن جريج: توفي بعدها بتسع ليال. وقال مقاتل: بسبع ليال. [سورة البقرة (2) : آية 282] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ، قال الزجاج: يقال: داينت الرجل إذا عاملته، فأخذت منه بدين، وأعطيته. قال الشاعر «2» : داينت أروى والديون تقضى ... فماطلت بعضاً وأدت بعضاً والمعنى: إذا كان لبعضكم على بعض دين إلى أجل مسمى، فاكتبوه، فأمر الله تعالى بكتب الدّين والإشهاد حفظاً منه للأموال وللناس من الظلم، لأن من كانت عليه البينة قل تحديثه لنفسه بالطمع في إذهابه. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في السلم خاصة. فإن قيل: ما الفائدة في قوله: «بدين» ، و «تداينتم» يكفي عنه؟ فالجواب: إن تداينتم يقع على معنيين: أحدهما: المشاراة والمبايعة والإقراض. والثاني: المجازاة بالأفعال، فالأول يقال فيه: الدين بفتح الدال، والثاني: يقال منه: الدين بكسر الدال. قال تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ، أي: يوم الجزاء. وأنشدوا «3» : دناهم كما دانوا فدلّ بقوله: «بدين» على المراد بقوله: «تداينتم» ، ذكره ابن الأنباري. فأما العدل فهو الحق. قال قتادة: لا تدعن حقاً، ولا تزيدن باطلا. قوله تعالى: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ، أي: لا يمتنع أن يكتب كما علمه الله، وفيه قولان:
أحدهما: كما علمه الله الكتابة، قاله سعيد بن جبير. وقال الشعبي: الكتابة فرض على الكفاية كالجهاد. والثاني: كما أمره الله به من الحق، قاله الزجاج. قوله تعالى وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، قال سعيد بن جبير: يعني المطلوب، يقول: ليمل ما عليه من حق الطالب على الكاتب، وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ، أي: لا ينقص عند الإملاء. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: أمللت أمل، وأمليت أملي لغتان: فأمليت من الإملاء وأمللت من الملل والملال، لأن الممل يطيل قوله على الكاتب ويكرره. قوله تعالى: فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً، في المراد بالسفيه هاهنا أربعة أقوال: أحدها: أنه الجاهل بالأموال، والجاهل بالإملاء، قاله مجاهد، وابن جبير. والثاني: أنه الصبي والمرأة، قاله الحسن. والثالث: أنه الصغير، قاله الضحاك، والسدي. والرابع: أنه المبذر، قاله القاضي أبو يعلى. وفي المراد بالضعيف ثلاثة أقوال: أحدها: أنه العاجز والأخرس ومن به حمق، قاله ابن عباس وابن جبير. والثاني: أنه الأحمق، قاله مجاهد والسدي. والثالث: أنه الصغير، قاله القاضي أبو يعلى. قوله تعالى: أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ، قال ابن عباس: لا يستطيع لعيِّه. وقال ابن جبير: لا يحسن أن يمل ما عليه، وقال القاضي أبو يعلى: هو المجنون. قوله تعالى فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها تعود إلى الحق، فتقديره: فليملل ولي الحق، هذا قول ابن عباس، وابن جبير، والربيع بن أنس، ومقاتل، واختاره ابن قتيبة. والثاني: أنها تعود إلى الذي عليه الحق، وهذا قول الضحاك، وابن زيد، واختاره الزجاج، وعاب قول الأوّلين، فقال: كيف يقبل المدّعى! وما حاجته إلى الكتاب والإشهاد، والقول قوله؟! وهذا اختيار القاضي أبي يعلى أيضاً. والعدل: الإنصاف. وفي قوله تعالى: مِنْ رِجالِكُمْ، قولان: أحدهما: أنه يعني الأحرار، قاله مجاهد. والثاني: أهل الإسلام، وهذا اختيار الزجاج، والقاضي أبي يعلى، ويدل عليه أنه خاطب المؤمنين في أول الآية. قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ، أراد: فإن لم يكن الشهيدان رجلين فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، ولم يرد به: إن لم يوجد رجلان. قوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ، قال ابن عباس: من أهل الفضل والدين. قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى، ذكر الزجاج، أن الخليل، وسيبويه، وسائر النحويين الموثوق بعلمهم، قالوا: معناه: استشهدوا امرأتين، لأن تذكر إِحداهما الأخرى. ومن أجل أن تذكر إحداهما الأخرى. وقرأ حمزة «إن تضل» بكسر الألف. والضلال هاهنا: النسيان، قاله ابن عباس، والضحّاك، والسّدّيّ، ومقاتل، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. فأمّا قوله: «فتذكر» فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بالتخفيف مع نصب الراء، وقرأ حمزة بالرفع مع تشديد الكاف، وقرأ الباقون بالنصب وتشديد الكاف، فمن شدّد أراد الإذكار عند النسيان، وفي قراءة من خفف قولان: أحدهما: أنها بمعنى المشددة أيضاً، وهذا قول الجمهور. قال الضحاك، والربيع بن أنس، والسدي: ومعنى القراءتين واحد. والثاني: أنها بمعنى: تجعل شهادتهما بمنزلة شهادة ذكر، وهذا مذهب سفيان بن عيينة، وحكى الأصمعي عن أبي عمرو نحوه. واختاره القاضي أبو يعلى، وقد رده جماعة، منهم ابن قتيبة. قال أبو
علي: ليس مذهب ابن عيينة بالقوي، لأنهن لو بلغن ما بلغن، لم تجز شهادتهن إلا أن يكون معهن رجل، ولأن الضلال هاهنا: النسيان، فينبغي أن يقابل بما يعادله، وهو التذكير. قوله تعالى: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا، قال قتادة: كان الرجل يطوف في الحِواء «1» العظيم، فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه منهم أحد، فنزلت هذه الآية. وإلى ماذا يكون هذا الدعاء؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إلى تحمل الشهادة، وإثباتها في الكتاب، قاله ابن عباس، وعطية، وقتادة، والربيع. والثاني: إلى إقامتها وأدائها عند الحكام بعد أن تقدمت شهادتهم بها، قاله سعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والشعبي، وأبو مجلز، والضحاك، وابن زيد، ورواه الميمونيّ عن أحمد بن حنبل. والثالث: إلى تحملها وإلى أدائها، روي عن ابن عباس، والحسن، واختاره الزجاج، قال القاضي أبو يعلى: إنما يلزم الشاهد أن لا يأبى إذا دعي لإقامة الشهادة إذا لم يوجد من يشهد غيره، فأما إن كان قد تحملها جماعة، لم تتعين عليه، وكذلك في حال تحملها، لأنه فرض على الكفاية كالجهاد، فلا يجوز لجميع الناس الامتناع منه. قوله تعالى: وَلا تَسْئَمُوا، أي: لا تملّوا ولا تضجروا أن تكتبوا القليل والكثير الذي قد جرت العادة بتأجيله إلى أجله، أي: إلى محل أجله ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، أي: أعدل، وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ لأن الكتاب يذكر الشهود جميع ما شهدوا عليه وَأَدْنى أي: أقرب أَلَّا تَرْتابُوا أي: لا تشكوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ الأموال تِجارَةً أي: إلا أن تقع تجارة. وقرأ عاصم «تجارة» بالنصب على معنى: إلا أن تكون الأموال تجارة حاضرة، وهي البيوع التي يستحق كل واحد منهما على صاحبه تسليم ما عقد عليه من جهته بلا تأجيل. فأباح ترك الكتاب فيها توسعة، لئلا يضيق عليهم أمر تبايعهم في مأكول ومشروب. قوله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ، الإشهاد مندوب إليه فيما جرت العادة بالإشهاد عليه. فصل: وهذه الآية تتضمن الأمر باثبات الدين في كتاب، وإثبات شهادة في البيع والدين. واختلف العلماء، هل هذا أمر وجوب «2» ، أم على وجه الاستحباب؟ فذهب الجمهور إلى أنه أمر ندب واستحباب، فعلى هذا هو محكم، وذهبت طائفة إلى أن الكتابة والإشهاد واجبان، روي عن ابن عمر وأبي موسى ومجاهد وابن سيرين وعطاء والضحاك وأبي قلابة والحكم وابن زيد. ثم اختلف هؤلاء، هل هذا الحكم باقٍ أم منسوخ؟ فذهب أكثرهم إلى أنه محكم غير منسوخ، وذهبت طائفة إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ. قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ، قرأ أبو جعفر بتخفيف الراء من «يضار» وسكونها. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: إن معناه: لا يضارَّ بأن يدعى وهو مشغول، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسدي، والربيع بن أنس، والفراء، ومقاتل. وقال الرّبيع: كان أحدهم
[سورة البقرة (2) : آية 283]
يجيء إلى الكاتب فيقول: اكتب لي، فيقول: إني مشغول، فيلزمه، ويقول: إنك قد أُمرت بالكتابة، فيضاره، ولا يدعه، وهو يجد غيره، وكذلك يفعل الشاهد، فنزلت وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ. والثاني: أن معناه: النهي للكاتب أن يضار من يكتب له بأن يكتب غير ما يمل عليه، وللشاهد أن يشهد بما لم يستشهد عليه، هذا قول الحسن، وطاوس، وقتادة، وابن زيد، واختاره ابن قتيبة، والزجاج. واحتج الزجاج على صحته بقوله تعالى: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ، قال: ولا يسمى من دعا كاتباً ليكتب، وهو مشغول، أو شاهداً فاسقاً، إنما يسمى من حرف الكتاب، أو كذب في الشهادة، فاسقاً. والثالث: أن معنى المضارّة: امتناع الكاتب أن يكتب، والشاهد أن يشهد، وهذا قول عطاء في آخرين. قوله تعالى: وَإِنْ تَفْعَلُوا، يعني: المضارّة. [سورة البقرة (2) : آية 283] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ، إنما خص السفر، لأن الأغلب عدم الكاتب والشاهد فيه، ومقصود الكلام: إذا عدمتم التوثق بالكتاب والإشهاد، فخذوا الرهن. قوله تعالى: فَرِهانٌ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعبد الوارث (فرهن) بضم الراء والهاء من غير ألف، وأسكن الهاء عبد الوارث وجماعة. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي فَرِهانٌ بكسر الراء، وفتح الهاء، وإثبات الألف. قال ابن قتيبة من قرأ فَرِهانٌ أراد: جمع رهن، ومن قرأ «رهن» أراد: جمع رهان، فكأنه جمع الجمع. وقوله تعالى: مَقْبُوضَةٌ، يدل على أن من شرط لزوم الرهن القبض، وقبض الرهن أخذه من راهنه منقولاً، فإن كان مما لا ينقل، كالدور والأرضين، فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه. قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، أي: فإن وثق رب الدين بأمانة الغريم، فدفع ماله بغير كتاب ولا شهود، ولا رهن، فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ وهو المدين أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أن يخون من ائتمنه. وقوله تعالى: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ، قال السدي عن أشياخه: فانه فاجر قلبه. قال القاضي أبو يعلى: إنما أضاف الإثم إلى القلب، لأن المآثم تتعلق بعقد القلب، وكتمان الشهادة إنما هو عقد النّيّة لترك أدائها. [سورة البقرة (2) : آية 284] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ أما إبداء ما في النفس، فانه العمل بما أضمره العبد، أو النطق، وهذا مما يحاسب عليه العبد، ويؤاخذ به، وأما ما يخفيه في نفسه، فاختلف العلماء في المراد بالمخفي في هذه الآية على قولين:
[سورة البقرة (2) : آية 285]
أحدهما: أنه عام في جميع المخفيات، وهو قول الأكثرين. واختلفوا: هل هذا الحكم ثابت في المؤاخذة أم منسوخ؟ على قولين: أحدهما: أنه منسوخ بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، هذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية، والحسن، والشعبي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد، ومقاتل. والثاني: أنه ثابت في المؤاخذة على العموم، فيؤاخذ به من يشاء، ويغفره لمن يشاء، وهذا مروي عن ابن عمر، والحسن، واختاره أبو سليمان الدمشقي، والقاضي أبو يعلى. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: هذه الآية لم تنسخ، ولكن الله عزّ وجلّ إذا جمع الخلائق، يقول لهم: إني مخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطّلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم، ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله تعالى: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، يقول: يخبركم به الله، وأما أهل الشرك والريب، فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، والأكثرون على تسكين راء «فيغفر» وباء «يعذب» منهم ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي. إنما جزموا لإتباع هذا ما قبله، وهو «يحاسبْكم» وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم ويعقوب: برفع الراء، والباء فيهما. فهؤلاء قطعوا الكلام عن الأول، قال ابن الأنباري: وقد ذهب قوم إلى أن المحاسبة هاهنا هي إطلاع الله العبد يوم القيامة على ما كان حدث به نفسه في الدنيا، ليعلم أنه لم يعزب عنه شيء. قال: والذي نختاره أن تكون الآية محكمة، لأن النسخ إنما يدخل على الأمر والنهي. وقد روي عن عائشة أنها قالت: أما ما أعلنت، فالله يحاسبك به، وأما ما أخفيت، فما عُجلت لك به العقوبة في الدنيا. والقول الثاني: أنه أمر خاص في نوع من المخفيات، ولأرباب هذا القول فيه قولان: أحدهما: أنه كتمان الشهادة، قاله ابن عباس في رواية، وعكرمة والشعبي. والثاني: أنه الشك واليقين، قاله مجاهد. فعلى هذا المذكور تكون الآية محكمة. [سورة البقرة (2) : آية 285] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ. (151) روى البخاري ومُسلم في «صحيحيهما» من حديث أبي مسعود البدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه» ، قال أبو بكر النقاش: معناه: كفتاه عن قيام الليل. وقيل: إنهما نزلتا على سبب. (152) وهو ما روى العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، قال: لما أنزل الله تعالى
[سورة البقرة (2) : آية 286]
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، اشتد ذلك على أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأتوا رسول الله ثم جثوا على الركب. فقالوا: قد أُنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير» . فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها آمَنَ الرَّسُولُ. قال الزجاج: لما ذكر ما تشتمل عليه هذه السورة من القصص والأحكام ختمها بتصديق نبيه، والمؤمنين. وقرأ ابن عباس «وكتابه» ، فقيل له في ذلك، فقال: كتاب أكثر من كُتُب، ذهب به إلى اسم الجنس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس. وقد وافق ابن عباس في قراءته حمزة والكسائي وخلف، وكذلك في «التحريم» وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر (وكتبه) هاهنا بالجمع، وفي «التحريم» بالتوحيد. وقرأ أبو عمرو بالجمع في الموضعين. قوله تعالى لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، قرأ أبو عمرو ما أضيف إلى مكنى على حرفين، مثل «رسلنا» و «رسلكم» باسكان السين، وثقَّل ما عدا ذلك. وفي قوله تعالى: عَلى رُسُلِكَ، روايتان، بالتخفيف والتثقيل وقرأ الباقون كل ما كان في القرآن من هذا الجنس بالتثقيل، ومعنى قوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، أي: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وقرأ يعقوب «لا يفرق» بالياء وفتح الراء. قوله تعالى: غُفْرانَكَ، أي: نسألك غفرانك. والمصير: المرجع. [سورة البقرة (2) : آية 286] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286) قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، الوسع: الطاقة، قاله ابن عباس، وقتادة. ومعناه: لا يكلفها ما لا قدرة لها عليه لاستحالته، كتكليف الزمن السعي، والأعمى النظر. فأما تكليف ما يستحيل من المكلف، لا لفقد الآلات، فيجوز كتكليف الكافر الذي سبق في العلم القديم أنه لا يؤمن الإيمان، فالآية محمولة على القول الأول. ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى في سياق الآية رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، فلو كان تكليف ما لا يطاق ممتنعاً، كان السؤال عبثاً، وقد أمر الله تعالى نبيه بدعاء قوم قال فيهم: وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً «1» ، وقال ابن الأنباري: المعنى: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه، وان كنا مطيقين له على تجشم، وتحمل مكروه، فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك، وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه، ومثله قوله تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ «2» . قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ، قال ابن عباس: لها ما كسبت من طاعة وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من معصية. قال أبو بكر النقاش: فقوله: «لها» دليل على الخير، و «عليها» دليل على الشر. وقد ذهب قوم إلى أن «كسبت» لمرة ومرات
و «اكتسبت» لا يكون إلا لشيء بعد شيء، وهما عند آخرين لغتان بمعنى واحد كقوله عزّ وجلّ: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً «1» . قوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا، هذا تعليم من الله تعالى للخلق أن يقولوا ذلك، قال ابن الأنباري: والمراد بالنسيان هاهنا: الترك مع العمد، لأن النسيان الذي هو بمعنى الغفلة قد أمنت الآثام من جهته. والخطأ أيضاً هاهنا من جهة العمد، لا من جهة السهو، يقال: أخطأ الرجل: إذا تعمد، كما يقال: أخطأ إذا أغفل. وفي «الإصر» قولان: أحدهما أنه العهد، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والسدي. والثاني: الثقل، أي: لا تثقل علينا من الفروض ما ثقلته على بني اسرائيل، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، فيه خمسة أقوال «2» : أحدها: أنه ما يصعُب ويشق من الأعمال، قاله الضحاك، والسدي، وابن زيد، والجمهور. والثاني: أنه المحبة، رواه الثوري عن منصور عن إبراهيم. والثالث: الغلمة «3» ، قاله مكحول. والرابع: حديث النفس ووساوسها. والخامس: عذاب النار. قوله تعالى: أَنْتَ مَوْلانا، أي أنت ولينا فَانْصُرْنا أي: أعنا. وكان معاذ إذا فرغ من هذه السورة، قال: آمين.
سورة آل عمران
سورة آل عمران (153) ذكر أهل التفسير أنها مدنيّة، وأن صدرا من أوّلها نزل في وفد نجران، قدموا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ستّين راكبا، فيهم العاقب، والسّيّد، فخاصموه في عيسى، فقالوا: إن لم يكن ولد الله، فمن أبوه؟ فنزلت فيهم صدر (آل عمران) إلى بضع وثمانين آية منها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 3] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) قوله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ يعني: القرآن بِالْحَقِّ يعني: العدل. مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتاب. وقيل: إنما قال في القرآن: «نزّل» بالتشديد، وفي التوراة والإنجيل: أنزل، لأن كل واحد منهما أنزل في مرة واحدة، وأنزل القرآن في مرات كثيرة. فأما التوراة. فذكر ابن قتيبة عن الفراء أنه يجعلها من: وري الزند يري: إذا خرجت ناره، وأوريتُه، يريد أنها ضياء. قال ابن قتيبة: وفيه لغة أخرى: ورى يري، ويقال: وريت بك زنادي. والإنجيل، من نجلت الشيء: إذا أخرجته، وولد الرجل: نجله، كأنه هو استخرجه، يقال: قبح الله ناجليه، أي: والديه، وقيل للماء يظهر من البئر: نجل، يقال: قد استنجل الوادي: إذا ظهر نزوزه. وإنجيل: إفعيل من ذلك، كأن الله أظهر به عافياً من الحق دارساً. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: والإنجيل: أعجمي معرب، قال: وقال بعضهم: إن كان عربياً، فاشتقاقه من النجل، وهو ظهور الماء على وجه الارض، واتساعه، ونجلت الشيء: إذا استخرجته وأظهرته، فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم، وقيل: هو إفعيل من النجل وهو الأصل: فالإنجيل أصل لعلوم وحكم. وفي الفرقان هاهنا قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله قتادة، والجمهور. قال أبو عبيدة: سمي القرآن فرقاناً، لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. والثاني: أنه الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى حين اختلفوا فيه، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ. وقال السّدّيّ: في الآية
[سورة آل عمران (3) : آية 4]
تقديم وتأخير، تقديره: وأنزل التوراة، والإنجيل، والفرقان، فيه هدى للناس. [سورة آل عمران (3) : آية 4] مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ قال ابن عباس: يريد وفد نجران النصارى، كفروا بالقرآن، وبمحمد. والانتقام: المبالغة في العقوبة. [سورة آل عمران (3) : الآيات 5 الى 6] إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، قال أبو سليمان الدمشقي: هذا تعريض بنصارى أهل نجران فيما كانوا ينطوون عليه من كيد النبيّ عليه السلام. وذكر التصوير في الأرحام تنبيه على أمر عيسى. [سورة آل عمران (3) : آية 7] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7) قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ المحكم: المتقن المبيّن. وفي المراد به هاهنا ثمانية أقوال «1» : أحدها: أنه الناسخ، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، السّدّيّ في آخرين. والثاني: أنه الحلال والحرام، روي عن ابن عباس ومجاهد. والثالث: أنه ما علم العلماء تأويله، روي عن جابر بن عبد الله. والرابع: أنه الذي لم ينسخ، قاله الضّحّاك. والخامس: أنه ما لم تتكرر ألفاظه، قاله ابن زيد. والسادس: أنه ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان، ذكره القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد. وقال الشافعي، وابن الأنباري: هو ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً. والسابع: أنه جميع القرآن غير الحروف المقطعة. والثامن: أنه الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحلال والحرام، ذكر هذا والذي قبله القاضي أبو يعلى بن الفرّاء. وأم الكتاب أصله. قاله ابن عباس، وابن جبير، فكأنه قال: هن أصل الكتاب اللواتي يعمل عليهن في الأحكام، ومجمع الحلال والحرام.
وفي المتشابه سبعة أقوال: أحدها: أنه المنسوخ، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والسدي في آخرين. والثاني: أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل، كقيام الساعة، روي عن جابر بن عبد الله. والثالث: أنه الحروف المقطعة كقوله: «ألم» ونحو ذلك، قاله ابن عباس. والرابع: أنه ما اشتبهت معانيه، قاله مجاهد. والخامس: أنه ما تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد. والسادس: أنه ما احتاج إلى بيان، ذكره القاضي أبو يعلى عن أحمد. وقال الشّافعيّ: ما احتمل من التأويل وجوهاً. وقال ابن الأنباري: المحكم ما لا يحتمل التأويلات، ولا يخفى على مميّز، والمتشابه: الذي تعتوره تأويلات. والسابع: أنه القصص والأمثال، ذكره القاضي أبو يعلى. فإن قيل: فما فائدة إنزال المتشابه، والمراد بالقرآن البيان والهدى؟ فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أنه لما كان كلام العرب على ضربين: أحدهما: الموجز الذي لا يخفى على سامعه، ولا يحتمل غير ظاهره. والثاني: المجاز، والكنايات، والإشارات، والتلويحات، وهذا الضرب الثاني هو المستحلى عند العرب، والبديع في كلامهم، أنزل الله تعالى القرآن على هذين الضربين، ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله، فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكماً واضحاً، لقالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا؟ ومتى وقع الكلام إشارة أو كناية، أو تعريض أو تشبيه، كان أفصح وأغرب. قال امرؤ القيس: ما ذرفت عيناك إلّا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتَّل فجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد، وزاد في بلاغته، وقال امرؤ القيس أيضاً: رَمَتْني بَسَهْمٍ أَصَابَ الفُؤَادَ ... غَدَاةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أنتصر وقال أيضاً: فقلت له لما تمطى بصُلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل «1» فجعل لليل صلباً وصدراً على جهة التشبيه، فحسن بذلك شعره. وقال غيره: من كميت أجادها طابخاها ... لم تمت كل موتها في القدور أراد بالطابخين: الليل والنهار على جهة التشبيه. وقال آخر: تبكي هاشماً في كل فجر ... كما تبكي على الفنن الحمام وقال الآخر: عَجِبْتُ لها أَنَّى يَكُونُ غِناؤها ... فَصيحاً ولم تفتح بمنطقها فما فجعل لها غناء وفماً على جهة الاستعارة. والجواب الثاني: أن الله تعالى أنزله مختبراً به عباده، ليقف المؤمن عنده، ويردّه إلى عالمه، فيعظم بذلك صوابه، ويرتاب به المنافق، فيداخله الزيغ، فيستحق بذلك العقوبة، كما ابتلاهم بنهر
طالوت. والثالث: أن الله تعالى أراد أن يشغل أهل العلم بردّهم المتشابه إلى المحكم فيطول بذلك فكرهم، ويتصل بالبحث عنه اهتمامهم فيثابون على تعبهم، كما أثيبوا على سائر عباداتهم، ولو جعل القرآن كله محكماً لاستوى فيه العالم والجاهل، ولم يفضل العالم على غيره، ولماتت الخواطر، وإنما تقع الفكرة والحيلة مع الحاجة إلى الفهم، وقد قال الحكماء: عيب الغنى: أنه يورث البلادة، وفضل الفقر: أنه يبعث على الحيلة، لأنه إذا احتاج احتال. والرابع: أن أهل كل صناعة يجعلون في علومهم معاني غامضة، ومسائل دقيقة ليحرجوا بها من يعلّمون، ويمرّونهم على انتزاع الجواب، لأنهم إذا قدروا على الغامض، كانوا على الواضح أقدر، فلما كان ذلك حسناً عند العلماء، جاز أن يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على هذا النحو، وهذه الأجوبة معنى ما ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري. قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ في الزيغ قولان: أحدهما: أنه الشك، قاله مجاهد، والسدي. والثاني: أنه الميل، قاله أبو مالك، وعن ابن عباس كالقولين، وقيل: هو الميل عن الهدى. وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال: أحدها: أنهم الخوارج، قاله الحسن. والثاني: المنافقون، قاله ابن جريج. والثالث: وفد نجران من النصارى، قاله الربيع. والرابع: اليهود، طلبوا معرفة بقاء هذه الأمة من حساب الجُمّل، قاله ابن السائب. قوله تعالى: فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ قال ابن عباس: يُحيلون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويُلبسون. وقال السدي يقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا، ثم نسخت. وفي المراد بالفتنة هاهنا، ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الكفر، قاله السدي، والربيع، ومقاتل، وابن قتيبة. والثاني: الشبهات، قاله مجاهد. والثالث: إفساد ذات البين، قاله الزجاج. وفي التأويل وجهان: أحدهما: أنه التفسير. والثاني: العاقبة المنتظرة. والراسخ: الثابت، رسخ يرسخ رسوخاً. وهل يعلم الراسخون تأويله أم لا؟ فيه قولان «1» : أحدهما: أنهم لا يعلمونه، وأنهم مستأنفون،
[سورة آل عمران (3) : الآيات 8 إلى 9]
وقد روى طاوس عن ابن عباس أنه قرأ «ويقول الراسخون في العلم آمنّا به» وإلى هذا المعنى ذهب ابن مسعود، وأُبيُّ بن كعب، وابن عباس، وعروة، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، والفراء، وأبو عبيدة، وثعلب، وابن الأنباري، والجمهور. قال ابن الأنباري: في قراءة عبد الله «إن تأويله، إلّا عند الله» وفي قراءة أُبيّ، وابن عباس «ويقول الراسخون» وقد أنزل الله تعالى في كتابه أشياء، استأثر بعلمها، وقوله تعالى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً «1» فأنزل تعالى المجمل، ليؤمن به المؤمن، فيسعد، ويكفر به الكافر، فيشقى. والثاني: أنهم يعلمون، فهم داخلون في الاستثناء. وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله، وهذا قول مجاهد، والربيع، واختاره ابن قتيبة، وأبو سليمان الدمشقي. قال ابن الأنباري: الذي روى هذا القول عن مجاهد ابن أبي نجيح، ولا تصح روايته التفسير عن مجاهد. [سورة آل عمران (3) : الآيات 8 الى 9] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9) قوله تعالى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا أي يقولون: ربنا لا تُمل قلوبنا عن الهدى بعد إذ هديتنا. قال أبو عبد الرحمن السلمي، وابن يعمر، والجحدري «لا تزغ» بفتح التاء «قلوبنا» برفع الباء. ولدنك: بمعنى عندك. والوهاب: الذي يجود بالعطاء من غير استثابة، والمخلوقون لا يملكون أن يهبوا شفاءً لسقيم، ولا ولداً لعقيم، والله تعالى قادر على أن يهب جميع الأشياء. [سورة آل عمران (3) : آية 10] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) قوله تعالى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ أي: لن تدفع، لأن المال يدفع عن صاحبه في الدنيا، وكذلك الأولاد، فأما في الآخرة، فلا ينفع الكافر ماله، ولا ولده. وقوله تعالى: مِنَ اللَّهِ أي: من عذابه [سورة آل عمران (3) : آية 11] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) قوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، في الدأب قولان: أحدهما: أنه العادة، فمعناه: كعادة آل
[سورة آل عمران (3) : آية 12]
فرعون، يريد: كفر اليهود. ككفر من قبلهم، قاله ابن قتيبة. وقال ابن الأنباري: و «الكاف» في «كدأب» متعلقة بفعل مضمر، كأنه قال: كفرت اليهود ككفر آل فرعون. والثاني: أنه الاجتهاد، فمعناه: أن دأب هؤلاء وهو اجتهادهم في كفرهم، وتظاهرهم على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كتظاهر آل فرعون على موسى عليه السلام، قاله الزّجّاج. [سورة آل عمران (3) : آية 12] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ بالتاء ويَرَوْنَهُمْ بالياء، وقرأ نافع ثلاثتهن بالتاء! وقرأهن حمزة، والكسائي بالياء. وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال: (154) أحدها: أن يهود المدينة لما رأوا وقعة بدر، همّوا بالإِسلام، وقالوا: هذا هو النبي الذي نجده في كتابنا، لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا له وقعة أخرى، فلما كانت أُحد، شكّوا، وقالوا: ما هو به، ونقضوا عهدا كان بينهم وبين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة، فقالوا: تكون كلمتنا واحدة، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. (155) والثاني: أنها نزلت في قريش قبل وقعة بدر، فحقق الله وعده يوم بدر، روي عن ابن عباس، والضحاك. (156) والثالث: أن أبا سفيان في جماعة ن قريش، جمعوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد وقعة بدر، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السّائب. [سورة آل عمران (3) : آية 13] قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا في المخاطبين بهذا ثلاثة أقوال «1» : أحدها:
أنهم المؤمنون، روي عن ابن مسعود، والحسن. والثاني: الكفار، فيكون معطوفاً على الذي قبله، وهو يخرج على قول ابن عباس الذي ذكرناه آنفاً. والثالث: أنهم اليهود، ذكره الفراء، وابن الأنباري، وابن جرير. فإن قيل: لم قال قَدْ كانَ لَكُمْ ولم يقل قد كانت لكم: فالجواب من وجهين: أحدهما: أَن ما ليس بمؤنث حقيقي، يجوز تذكيره. والثاني: أنه ردّ المعنى إلى البيان، فمعناه: قد كان لكم بيان فذهب إلى المعنى، وترك اللفظ، وأنشدوا: إنّ امرأ غره منكنَّ واحدةٌ ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور وقد سبق معنى «الآية» ، و «الفئة» وكل مشكل تركت شرحه، فإنك تجده فيما سبق، والمراد بالفئتين: النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، ومشركو قريش يوم بدر. قاله قتادة والجماعة. وفي قوله تعالى: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ قولان: أحدهما: يرونهم ثلاثة أمثالهم قاله الفراء، واحتج بأنك إذا قلت: عندي ألف دينار، وأحتاج إلى مثليه، فانك تحتاج إلى ثلاثة آلاف. والثاني: أن معناه يرونهم ومثلهم، قال الزجاج: وهو الصحيح. قوله تعالى: رَأْيَ الْعَيْنِ أي: في رأي العين. قال ابن جرير: جاء هذا على مصدر رأيته، يقال: رأيته رأياً، ورؤية. واختلفوا في الفئة الرائية على ثلاثة أقوال: هي التي ذكرناها في قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فان قلنا: إن الفئة الرائية المسلمون، فوجهه أن المشركين كانوا يضعفون على عدد المسلمين، فرأوهم على ما هم عليه، ثم نصرهم الله، وكذلك إن قلنا: إنهم اليهود. وإن قلنا: إنهم المشركون، فتكثير المسلمين في أعينهم من أسباب النصر. وقد قرأ نافع: «ترونهم» بالتاء. قال ابن الأنباري: ذهب إلى أن الخطاب لليهود. قال الفراء: ويجوز لمن قرأ «يرونهم» بالياء أن يجعل الفعل لليهود، وإن كان قد خاطبهم في قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ لأن العرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب. وقد شرحنا هذا في «الفاتحة» وغيرها. فإن قيل: كيف يقال: إن المشركين استكثروا المسلمين، وإن المسلمين استكثروا المشركين، وقد بين قوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ «1» أن الفئتين تساوتا في استقلال إحداهما للأخرى؟ فالجواب: أنهم استكثروهم في حال، واستقلوهم في حال، فإن قلنا: إن الفئة الرائية المسلمون، فإنهم رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ما هم عليه، ثم قلل الله المشركين في أعينهم حتى اجترءوا عليهم، فنصرهم الله بذلك السبب. قال ابن مسعود: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً. وقال في رواية اخرى: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا منهم رجلاً فقلت: كم كنتم؟ قال: ألفاً. وإن قلنا: إن الفئة الرائية المشركون فإنهم استقلوا المسلمين في حال، فاجترؤوا عليهم، واستكثروهم في حال، فكان ذلك سبب خذلانهم، وقد نقل أن المشركين لما أسروا يومئذ، قالوا للمسلمين: كم كنتم؟ قالوا: كنا ثلاثمائة وثلاثة عشر. قالوا: ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا. قوله تعالى: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ، أي: يقوي، إِنَّ فِي ذلِكَ في الإشارة قولان: أحدهما: أنها
[سورة آل عمران (3) : آية 14]
ترجع إلى النصر. والثاني: إلى رؤية الجيش مثليهم. والعبرة: الدلالة الموصلة إلى اليقين، المؤدية إلى العلم، وهي من العبور، كأنه طريق يعبر به ويتوصّل به المراد. وقيل: العبرة: الآية التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى العلم. والأبصار: العقول والبصائر. [سورة آل عمران (3) : آية 14] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ قرأ أبو رزين العقيلي وأبو رجاء العطاردي، ومجاهد، وابن محيصن «زين» بفتح الزاي «حب» بنصب الباء، وقد سبق في «البقرة» بيان التزيين. والقناطير: جمع قنطار، قال ابن دريد: ليست النون فيه أصلية، وأحسب أنه معرب. واختلف العلماء: هل هو محدود أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه محدود، ثم فيه أحد عشر قولا: (157) أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية، رواه أبيّ بن كعب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وبه قال معاذ بن جبل، وابن عمر، وعاصم بن أبي النجود، والحسن في رواية. (158) والثاني: أنه اثنا عشر ألف أوقية، رواه أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وعن أبي هريرة كالقولين، وفي رواية عن أبي هريرة أيضاً: اثنا عشر أوقية. (159) والثالث: أنه ألف ومائتا دينار، ذكره الحسن عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ورواه العوفي عن ابن عباس. والرابع: أنه اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وروي عن الحسن، والضحاك، كهذا القول، والذي قبله. والخامس: أنه سبعون ألف دينار، روي عن ابن عمر، ومجاهد. والسادس: ثمانون ألف درهم، أو مائة رطل من الذهب، روي عن سعيد بن المسيب، وقتادة. والسابع: أنه سبعة آلاف دينار، قاله عطاء. والثامن: ثمانية آلاف مثقال، قاله السدي. والتاسع: أنه ألف مثقال ذهب أو فضة، قاله الكلبي. والعاشر: أنه ملء مسك ثور ذهباً، قاله أبو نضرة، وأبو عبيدة. والحادي عشر: أن القنطار: رطل من الذهب، أو الفضة، حكاه ابن الأنباريّ.
[سورة آل عمران (3) : آية 15]
والقول الثاني: أن القنطار ليس بمحدود. وقال الربيع بن أنس «1» : القنطار: المال الكثير، بعضه على بعض، وروي عن أبي عبيدة أنه ذكر عن العرب أن القنطار وزن لا يحدّ، وهذا اختيار ابن جرير الطبري. قال ابن الأنباري قال بعض اللغويين القنطار العقدة الوثيقة المحكمة من المال. وفي معنى المقنطرة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها المضعَّفة، قال ابن عباس: القناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة، وهذا قول الفراء. والثاني: أنها المكملة، كما تقول: بدرة مبدَّرة، وألف مؤلَّفة، وهذا قول ابن قتيبة. والثالث: أنها المضروبة حتى صارت دنانير ودراهم، قاله السّدّيّ. في المسومة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الراعية، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد في رواية، والضحاك، والسدي، والربيع، ومقاتل. قال ابن قتيبة: يقال: سامت الخيل، وهي سائمة: إذا رعت، وأسمتها وهي مسامة، وسومتها، فهي مسوَّمة: إذا رعيتها، والمسومة في غير هذا: المعلمة في الحرب بالسومة وبالسيِّماء أي: بالعلامة. والثاني: أنها المعلمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، واختاره الزجاج، وعن الحسن كالقولين وفي معنى المعلمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها معلمة بالشية، وهو اللون الذي يخالف سائر لونها، روي عن قتادة. والثاني: بالكي، روي عن المؤرج. والثالث: أنها البلق، قاله ابن كيسان. والثالث: أنها الحسان، قاله عكرمة، ومجاهد. فأما الأنعام، فقال ابن قتيبة: هي: الإبل، والبقر، والغنم، واحدها نعم وهو جمع لا واحد له من لفظه. والمآب: المرجع. وهذه الأشياء المذكورة قد تحسن نية العبد بالتلبس بها، فيثاب عليها، وإنما يتوجه الذّم إلى سوء القصد فيها. [سورة آل عمران (3) : آية 15] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) قوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ، روى عطاء بن السائب عن أبي بكر بن حفص قال: لما نزلت زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ قال عمر: يا ربّ الآن حين زيّنتها؟! فنزلت: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ووجه الآية أنه خبَّر أن ما عنده خير مما في الدنيا، وإن كان محبوباً، ليتركوا ما يحبون لما يرجون. فأما الرضوان فقرأ عاصم، إلا حفصا وأبان بن يزيد عنه، برفع الراء في جميع القرآن، واستثنى يحيى والعليمي كسر الراء في المائدة في قوله تعالى: مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ «2» ، وقراء الباقون بكسر الراء، والكسر لغة قريش. قال الزجاج: يقال: رضيت الشيء أرضاه رضىً ومرضاة ورِضواناً ورُضواناً، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ، يعلم من يؤثر ما عنده ممن يؤثر شهوات الدنيا، فهو يجازيهم على أعمالهم.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 16 إلى 17]
[سورة آل عمران (3) : الآيات 16 الى 17] الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17) قوله تعالى: الصَّابِرِينَ أي: على طاعة الله عز وجل، وعن محارمه وَالصَّادِقِينَ في عقائدهم وأقوالهم وَالْقانِتِينَ بمعنى المطيعين لله وَالْمُنْفِقِينَ في طاعته. وقال ابن قتيبة يعني: بالنفقة الصدقة. وفي معنى استغفارهم قولان: أحدهما: أنه الاستغفار المعروف باللسان، قاله ابن مسعود، والحسن في آخرين. والثاني: أنه الصلاة. قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك ومقاتل في آخرين. فعلى هذا إنما سميت الصلاة استغفاراً، لأنهم طلبوا بها المغفرة. فأما السحر، فقال إبراهيم بن السري: السحر: الوقت الذي قبل طلوع الفجر، وهو أول إدبار الليل إلى طلوع الفجر، فوصفهم الله بهذه الطاعات، ثم وصفهم بأنهم لشدّة خوفهم يستغفرون. [سورة آل عمران (3) : آية 18] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ. (160) سبب نزول هذه الآية أن حبرين من أحبار الشّام قدما النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عرفاه بالصفة، فقالا: أنت محمد؟ قال: «نعم» . قالا: وأحمد؟ قال: «نعم» . قالا: نسألك عن شهادة، فإن أخبرتنا بها، آمنّا بك، فقال: «سلاني» . فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله، فنزلت هذه الآية، فأسلما، قاله ابن السائب. وقال غيره: هذه الآية رد على نصارى نجران فيما ادعوا في عيسى عليه السلام، وقد سبق ذكر خبرهم في أول السورة. وقال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، وكان لكل حي من العرب صنم أو صنمان، فلما نزلت هذه الآية، خرّت الأصنام سجداً. وفي معنى شَهِدَ اللَّهُ قولان: أحدهما: أنه بمعنى قضى وحكم، قاله مجاهد والفراء وأبو عبيدة. والثاني: بمعنى بيّن، قاله ثعلب والزجاج. قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب، وأموره المحكمة عند خلقه، أنه لا إله إلا هو. وسئل بعض الأعراب: ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال: إن البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على الصانع الخبير؟! وقرأ ابن مسعود وأبيّ بن كعب وعاصم الجحدري (شهداء الله) بضم «الشين» وفتح «الهاء والدال» وبهمزة مرفوعة بعد المد، وخفض «الهاء» من اسم الله تعالى. قائِماً بِالْقِسْطِ أي بالعدل. قال جعفر الصادق: وإنما كرر لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لأن الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، أي قولوا: لا إله إلا هو.
[سورة آل عمران (3) : آية 19]
[سورة آل عمران (3) : آية 19] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ الجمهور على كسر «إِن» إِلا الكسائي، فإنه فتح «الألف» ، وهي قراءة ابن مسعود، وابن عباس، وأبي رزين، وأبي العالية، وقتادة. قال أبو سليمان الدمشقي: لما ادعت اليهود أنه لا دين أفضل من اليهودية، وادعت النصارى أنه لا دين أفضل من النصرانية، نزلت هذه الآية. قال الزجاج: الدين: اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه، وأمرهم بالإقامة عليه، وأن يكون عادتهم، وبه يجزيهم. وقال شيخنا علي بن عبيد الله: الدين: ما التزمه العبد لله عزّ وجلّ. قال ابن قتيبة: والإسلام الدخول في السلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ومثله الاستسلام، يقال: سلم فلان لأمرك، واستسلم، وأسلم، كما تقول: أشتى الرجل، أي: دخل في الشتاء، وأربع: دخل في الربيع. وفي الذين أوتوا الكتاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، قاله الربيع. والثاني: أنهم النصارى، قاله محمد بن جعفر بن الزبير. والثالث: أنهم اليهود، والنصارى، قاله ابن السائب. وقيل: الكتاب هاهنا: اسم جنس بمعنى الكتاب. وفي الذين اختلفوا فيه أربعة أقوال: أحدها: دينهم. والثاني: أمر عيسى. والثالث: دين الإسلام، وقد عرفوا صحّته. والرابع: نبوة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقد عرفوا صفته. قوله تعالى: إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي: الإيضاح لما اختلفوا فيه بَغْياً بَيْنَهُمْ قال الزجاج: معناه: اختلفوا للبغي، لا لقصد البرهان، وقد ذكرنا في «البقرة» معنى: سريع الحساب. [سورة آل عمران (3) : آية 20] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) قوله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ أي: جادلوك، وخاصموك. قال مقاتل: يعني اليهود، قال ابن جرير: يعني نصارى نجران في أمر عيسى، وقال غيرهما: اليهود والنصارى. فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ قال الفراء: معناه: أخلصت عملي، وقال الزجاج: قصدت بعبادتي إلى الله. قوله تعالى: وَمَنِ اتَّبَعَنِ أثبت الياء في الوصل دون الوقف أهل المدينة والبصرة، وابن شنبوذ عن قنبل، ووقف ابن شنبوذ ويعقوب بياء. قال الزجاج: والأحب إِلىَّ اتباع المصحف. وما حذف من الياءات في مثل قوله تعالى: وَمَنِ اتَّبَعَنِ ولَئِنْ أَخَّرْتَنِ ورَبِّي أَكْرَمَنِ ورَبِّي أَهانَنِ. فهو على ضربين: أحدهما: ما كان مع النون، فإن كان رأس آية، فأهل اللغة يجيزون حذف الياء، ويسمون أواخر الآي الفواصل، كما أجازوا ذلك في الشعر. قال الأعشى: ومن شانئ كاسف باله ... إذا ما انتسبت له أنكرن «1» وهل يمنعني ارتيادي البلا ... د من حذر الموت أن يأتين فأما إذا لم يكن آخر آية أو قافية، فالأكثر إثبات الياء، وحذفها جيد أيضاً، خاصة مع النونات، لأن أصل «اتبعني» «اتبعي» ولكن «النون» زيدت لتسلم فتحة العين، فالكسرة مع النون تنوب عن الياء،
[سورة آل عمران (3) : الآيات 21 إلى 22]
فأما إذا لم تكن النون، نحو غلامي وصاحبي، فالأجود إثباتها، وحذفها عند عدم النون جائز على قلته، تقول: هذا غلام، قد جاء غلاميَ، وغلاميْ. بفتح الياء وإسكانها، فجاز الحذف، لأن الكسرة تدل عليها. قوله تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يريد اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ بمعنى مشركي العرب، وقد سبق في البقرة شرح هذا الاسم. قوله تعالى: أَأَسْلَمْتُمْ قال الفراء: هو استفهام ومعناه الأمر، كقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «1» . فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأن المراد بها تسكين نفس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عند امتناع من لم يجبه، لأنه كان يحرص على إيمانهم، ويتألم من تركهم الإجابة. وذهبت طائفة إلى أن المراد بها الاقتصار على التّبليغ، وهذا منسوخ بآية السيف. [سورة آل عمران (3) : الآيات 21 الى 22] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ قال أبو سليمان الدمشقي: عنى بذلك اليهود والنصارى. قال ابن عباس: والمراد بآيات الله محمد والقرآن. وقد تقدم في «البقرة» شرح قتلهم الأنبياء، والقسط، والعدل. وقرأ الجمهور وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وقرأ حمزة «ويقاتلون» بألف. وروى أبو عبيدة بن الجراح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: (161) «قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عبَّاد بني اسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً في آخر النهار» فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم، وإنما وبخ بهذا الذين كانوا في زمن النّبيّ عليه السلام لأنهم تولوا أولئك، ورضوا بفعلهم. فَبَشِّرْهُمْ بمعنى: أخبرهم، وقد تقدم شرحه في «البقرة» . ومعنى حَبِطَتْ: بطلت. [سورة آل عمران (3) : آية 23] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)
[سورة آل عمران (3) : آية 24]
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ في سبب نزولها أربعة أقوال: (162) أحدها: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخل بيت المدراس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله فقال رجلان منهم: على أي دين أنت؟ فقال: على ملة إبراهيم. قالا: فإنه كان يهودياً. قال: فهلموا إلى التوراة، فأبيا عليه، فنزلت هذه الآية. رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس (163) والثاني: أنّ رجلا وامرأة من اليهود زنيا، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فرفعوا أمرهما إلى النّبيّ عليه السلام رجاء أن يكون عنده رخصة، فحكم عليهما بالرجم، فقالوا: جرْت علينا يا محمد، ليس علينا الرجم. فقال: بيني وبينكم التوراة، فجاء ابن صوريا، فقرأ من التوراة، فلما أتى على آية الرجم، وضع كفه عليها، وقرأ ما بعدها، فقال ابن سلام: قد جاوزها، ثم قام، فقرأها، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم باليهوديِّين، فرجما، فغضب اليهود. فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. (164) والثالث: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا اليهود إلى الإسلام، فقال نعمان بن أبي أوفى: هلم نحاكمك إلى الأحبار. فقال: بل إلى كتاب الله، فقال: بل إلى الأحبار، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. (165) والرابع: أنها نزلت في جماعة من اليهود، دعاهم النبي إلى الإسلام، فقالوا: نحن أحق بالهدى منك، وما أرسل الله نبياً إلا من بني اسرائيل. قال: فأخرجوا التوراة، فإني مكتوب فيها أني نبي، فأبوا، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل بن سليمان. فأما التفسير، فالنصيب الذي أوتوه: العلم الذي علموه من التوراة. وفي الكتاب الذي دعوا إليه قولان: أحدهما: أنه التوراة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه القرآن، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول الحسن وقتادة. وفي الذي أريد أن يحكم الكتاب بينهم فيه أربعة أقوال: أحدها: ملة إبراهيم. والثاني: حد الزنى. رويا عن ابن عباس. والثالث: صحة دين الإسلام، قاله السدي. والرابع: صحّة نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قاله مقاتل. فان قيل: التولي هو الإعراض، فما فائدة تكريره؟ فالجواب من أربعة أوجه: أحدها: التأكيد. والثاني: أن يكون المعنى: يتولون عن الداعي، ويعرضون عما دعا إليه. والثالث: يتولون بأبدانهم، ويعرضون عن الحق بقلوبهم. والرابع: أن يكون الذين تولوا علماءهم، والذين أعرضوا أتباعهم، قاله ابن الأنباريّ. [سورة آل عمران (3) : آية 24] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا يعني: الذي حملهم على التّولي والإعراض أنهم قالوا:
[سورة آل عمران (3) : آية 25]
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وقد ذكرناها في «البقرة» . ويَفْتَرُونَ: يختلقون. وفي الذي اختلقوه قولان: أحدهما: أنه قولهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، قاله مجاهد، والزجاج. والثاني: قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، قاله قتادة، ومقاتل. [سورة آل عمران (3) : آية 25] فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25) قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ معناه: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم لِيَوْمٍ أي: لجزاء يوم، أو لحساب يوم. وقيل «اللام» بمعنى: «في» . [سورة آل عمران (3) : آية 26] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (166) أحدها: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم، لما فتح مكة، ووعد أمته ملك فارس والرّوم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس، وأنس بن مالك. (167) والثاني: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فنزلت هذه الآية، حكاه قتادة. والثالث: أن اليهود قالوا: والله لا نطيع رجلاً جاء ينقل النبوة من بني اسرائيل إلى غيرهم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما التفسير، فقال الزجاج: قال الخليل وسيبويه وجميع النحويين الموثوق بعلمهم: «اللهم» بمعنى «يا الله» ، و «الميم» المشددة زيدت عوضاً من «يا» لأنهم لم يجدوا «يا» مع هذه «الميم» في كلمة، ووجدوا اسم الله عزّ وجلّ مستعملاً ب «يا» إذا لم تذكر الميم، فعلموا أن الميم في آخر الكلمة بمنزلة «ياء» في أولها والضمة التي في «الهاء» هي ضمة الاسم المنادى المفرد. قال أبو سليمان الخطابي: ومعنى «مالك الملك» : أنه بيده، يؤتيه من يشاء، قال: وقد يكون معناه: مالك الملوك، ويحتمل أن يكون معناه: وارث المالك يوم لا يدعيه مدّع، كقوله تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ. قوله تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ في هذا الملك قولان: أحدهما: أنه النبوة، قاله ابن جبير، ومجاهد. والثاني: أنه المال، والعبيد، والحفدة، ذكره الزجاج. وقال مقاتل: تؤتي الملك من تشاء، يعني محمداً وأمته، وتنزع الملك ممن تشاء، يعني فارس الرّوم. وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ محمداً وأمته وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ فارس والروم. وبماذا يكون هذا العز والذل؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: العز بالنصر، والذل بالقهر. والثاني: العز بالغنى، والذل بالفقر. والثالث: العز بالطاعة، والذل بالمعصية. قوله تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ قال ابن عباس: يعني النصر والغنيمة، وقيل: معناه بيدك الخير والشر، فاكتفى بأحدهما، لأنه المرغوب فيه.
[سورة آل عمران (3) : آية 27]
[سورة آل عمران (3) : آية 27] تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27) قوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أي: تدخل ما نقّصت من هذا في هذا. قال ابن عباس، ومجاهد: ما ينقص من أحدهما يدخل في الآخر. قال الزجاج: يقال: ولج الشيء يلج ولوجاً وولجاً وولجة. قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم «وتخرج الحي من الميْت وتخرج الميّت من الحيّ» ، و «لبلد ميت» «1» ، وأَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً «2» ، ووَ إِنْ يَكُنْ مَيْتَةً «3» ، والْأَرْضُ الْمَيْتَةُ «4» : كله بالتخفيف. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ولِبَلَدٍ مَيِّتٍ وإِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ «5» ، وخفف حمزة، والكسائي غير هذه الحروف. وقرأ نافع: «أو من كان ميِّتاً» ، و «الأرض الميِّتة» ، و «لحم أخيه ميّتا» «6» ، وخفف في سائر القرآن ما لم يمت. وقال أبو علي: الأصل التثقيل، والمخفف محذوف منه، وما مات، وما لم يمت في هذا الباب مستويان في الاستعمال. وأنشدوا: ومنهل فيه الغراب مَيتُ ... سَقَيتُ مِنه القومَ واستقيت فهذا قد مات. وقال آخر: «7» ليسَ مَن ماتَ، فاستراحَ بميتٍ ... إِنما المَيْتُ ميّت الأحياء فخفف ما مات، وشدد ما لم يمت. وكذلك قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «8» . ثم في معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إخراج الإنسان حياً من النطفة، وهي ميتة. وإخراج النطفة من الإنسان، وكذلك إخراج الفرخ من البيضة من الطائر، هذا قول ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، والجمهور. والثاني: أنه إخراج المؤمن الحي بالإيمان من الكافر الميت بالكفر، وإخراج الكافر الميت بالكفر من المؤمن الحي بالإيمان، روى نحو هذا الضحاك عن ابن عباس، وهو قول الحسن، وعطاء. والثالث: أنه إخراج السنبلة الحيّة من الحبة الميّتة، والنخلة الحيّة من النواة الميّتة، والنواة الميّتة من النخلة الحية، قاله السدي. وقال الزجاج: يخرج النبات الغض من الحب اليابس، والحب اليابس من النبات الحي النامي. قوله تعالى: بِغَيْرِ حِسابٍ أي: بغير تقتير. قال الزجاج: يقال للذي ينفق موسعاً: فلان ينفق بغير حساب، كأنه لا يحسب ما أنفقه إنفاقا. [سورة آل عمران (3) : آية 28] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قوله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ، في سبب نزولها أربعة أقوال:
[سورة آل عمران (3) : آية 29]
(168) أحدها: أن عبادة بن الصامت كان له حُلفاء من اليهود، فقال يوم الأحزاب: يا رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن أستظهر بهم على العدو، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. (169) والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أُبيّ وأصحابه من المنافقين كانوا يتولون اليهود، ويأتونهم بالأخبار يرجون لهم الظفر من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنهى الله المؤمنين عن مثل فعلهم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. (170) والثالث: أن قوماً من اليهود، كانوا يباطنون نفراً من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فنهاهم قوم من المسلمين عن ذلك، وقالوا: اجتنبوا هؤلاء اليهود، فأبوا، فنزلت هذه الآية. روي عن ابن عباس أيضا. (171) والرابع: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، كانوا يظهرون المودة لكفار مكة، فنهاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك، هذا قول المقاتلين، ابن سليمان، وابن حيان. فأما التفسير، فقال الزجاج: معنى قوله تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أي: لا يجعل المؤمن ولايته لمن هو غير مؤمن، أي: لا يتناول الولاية من مكان دون مكان المؤمنين، وهذا كلام جرى على المثل في المكان، كما تقول: زيد دونك، ولست تريد المكان، ولكنك جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع في المكان، والخسة كالاستفال في المكان. ومعنى فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي: فالله بريء منه. قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً قرأ يعقوب والمفضل عن عاصم «تَقيِّةً» بفتح التاء من غير ألف، قال مجاهد: إلا مصانعة في الدّنيا. قال أبو العالية: التقاة باللسان لا بالعمل. فصل: والتقية رخصة، وليست بعزيمة. قال الإمام أحمد: وقد قيل: إن عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا. وقال: إِذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل، فمتى يتبين الحق؟ وسنشرح هذا المعنى في «النحل» عند قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ «1» ، إن شاء الله. [سورة آل عمران (3) : آية 29] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)
[سورة آل عمران (3) : آية 30]
قوله تعالى: إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ قال ابن عباس: يعني من اتّخاذ الكافرين أولياء. [سورة آل عمران (3) : آية 30] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30) قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً قال الزجاج: نصب «اليوم» بقوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ في ذلك اليوم. قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون متعلقاً بالمصير، والتقدير: والى الله المصير يوم تجد. ويجوز أن يكون متعلقاً بفعل مضمر، والتقدير: اذكر يوم تجد. وفي كيفية وجود العمل وجهان: أحدهما: وجوده مكتوباً في الكتاب. والثاني: وجود الجزاء عليه. والأمد: الغاية. قال الطرماح: كلُّ حيٍّ مُسْتَكْملٌ عِدَة العم ... رِ ومُودٍ إِذا انقضى أمَدُه يريد: غاية أجله. [سورة آل عمران (3) : آية 31] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي، في سبب نزولها أربعة أقوال: (172) أحدها: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقف على قريش، وقد نصبوا أصنامهم. فقالوا: يا محمد إِنما نعبد هذه حباً لله، ليقربونا إلى الله زلفى، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. (173) والثاني: أن اليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحبَّاؤه، فنزلت هذه الآية، فعرضها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليهم، فلم يقبلوها، رواه أبو صالح عن ابن عباس. (174) والثالث: أن ناساً قالوا: إنّا لنحب ربنا حبّاً شديداً، فأحب الله أن يجعل لحبه علماً، فأنزل هذه الآية، قاله الحسن، وابن جريج. (175) والرابع: أن نصارى نجران، قالوا: إنما نقول هذا في عيسى حباً لله وتعظيماً له، فنزلت هذه الآية، ذكره ابن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، واختاره أبو سليمان الدّمشقيّ. [سورة آل عمران (3) : آية 32] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32)
[سورة آل عمران (3) : آية 33]
قوله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (176) أحدها: أن عبد الله بن أبيّ قال لأصحابه: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبّت النّصارى عيسى ابن مريم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. (177) والثاني: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا اليهود إلى الإسلام، فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أشد حبّاً لله مما تدعونا إليه، فنزلت قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ونزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل. والثالث: أنها نزلت في نصارى نجران «1» ، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ. [سورة آل عمران (3) : آية 33] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (33) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ، قال ابن عباس: قالت اليهود: نحن أبناء إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونحن على دينهم، فنزلت هذه الآية. قال الزجاج: ومعنى اصطفاهم في اللغة: اختارهم، فجعلهم صفوة خلقه، وهذا تمثيل بما يرى، لأن العرب تمثل المعلوم بالشيء المرئي، فاذا سمع السامع ذلك المعلوم كان عنده بمنزلة ما يشاهد عياناً، فنحن نُعاين الشيء الصافي أنه النقي من الكدر، فكذلك صفوة الله من خلقه. وفيه ثلاث لغات: صَفوة، وصِفوة، وصُفوة. وأما آدم فعربي وقد ذكرنا اشتقاقه في «البقرة» . وأما نوح، فأعجمي مُعربّ، قال أبو سليمان الدمشقي: اسم نوح: السكن، وإنما سمي نوحاً، لكثرة نوحه. وفي سبب نوحه خمسة أقوال: أحدها: أنه كان ينوح على نفسه، قاله يزيد الرقاشي. والثاني: أنه كان ينوح لمعاصي أهله، وقومه. والثالث: لمراجعته ربه في ولده. والرابع: لدعائه على قومه بالهلاك. والخامس: أنه مر بكلب مجذوم، فقال: اخسأ يا قبيح، فأوحى الله إليه: أعِبتني يا نوح أم عبت الكلب؟ وفي آل إبراهيم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم من كان على دينه، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: أنهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، قاله مقاتل. والثالث: أن المراد ب «آل إبراهيم» هو نفسه، كقوله: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ «2» ، ذكره بعض أهل التفسير. وفي «عمران» قولان: أحدهما: أنه والد مريم، قاله الحسن ووهب. والثاني: أنه والد موسى وهارون، قاله مقاتل. وفي «آله» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عيسى عليه السلام، قاله الحسن. والثاني: أن آله موسى وهارون، قاله مقاتل. والثالث: أن المراد ب «آله» نفسه، ذكره بعض المفسرين. وإنما خصّ هؤلاء بالذكر، لأن الأنبياء كلهم من نسلهم. وفي معنى اصطفاء هؤلاء المذكورين ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد اصطفى دينهم على سائر
[سورة آل عمران (3) : آية 34]
الأديان، قاله ابن عباس، واختاره الفراء، والدمشقي. والثاني: اصطفاهم بالنبوة، قاله الحسن، ومجاهد، ومقاتل. والثالث: اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم. والمراد ب «العالمين» : عالمو زمانهم، كما ذكرنا في «البقرة» . [سورة آل عمران (3) : آية 34] ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) قوله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، قال الزجاج: نصْبُها على البدل، والمعنى: اصطفى ذرية بعضها من بعض. قال ابن الأنباري: وإنما قال: بعضها، لأن لفظ الذرية مؤنث، ولو قال: بعضهم، ذهب إلى معنى الذرية. وفي معنى هذه البعضية قولان: أحدهما: أن بعضهم من بعض في التناصُر والدين، لا في التناسل، وهو معنى قول ابن عباس، وقتادة. والثاني: أنه في التّناسل، لأن جميعهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، ذكره بعض أهل التفسير. قال أبو بكر النقاش: ومعنى قوله: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أن الأبناء ذرية للآباء، والآباء ذرية للأبناء كقوله تعالى: حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ «1» ، فجعل الآباء ذرية للأبناء، وإنما جاز ذلك، لأن الذرّيّة مأخوذة من قوله: ذرأ الله الخلق، فسمي الولد للوالد ذرية، لأنه ذرئ منه، وكذلك يجوز أن يقال للأب: ذرية للابن، لأن ابنه ذرئ منه، فالفعل يتصل به من الوجهين، ومثله: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، فأضاف الحب إلى الله، والمعنى: كحب المؤمن لله، ومثله وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ، فأضاف الحبّ إلى الطعام. [سورة آل عمران (3) : آية 35] إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) قوله تعالى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ، في «إذ» قولان: أحدهما: أنها زائدة، واختاره أبو عبيدة، وابن قتيبة. والثاني: أنها أصلٌ في الكلام، وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: اذكر إذ قالت امرأة عمران، قاله المبرّد، والأخفش. والثاني: أن العامل في إِذْ قالَتِ معنى الاصطفاء، فيكون المعنى: اصطفى آل عمران، إذ قالت امرأة عمران، واصطفاهم إذ قالت الملائكة: يا مريم، هذا اختيار الزجاج. والثالث: أنها من صلة «سميعٌ» تقديره: والله سميعٌ إذ قالت، وهذا اختيار ابن جرير الطبري. قال ابن عباس: واسم امرأة عمران حنة، وهي أم مريم، وهذا عمران بن ماتان، وليس ب «عمران أبي موسى» ، وليست هذه مريم أخت موسى. وبين عيسى وموسى ألف وثمانمائة سنة. والمحَرّر: العتيق. قال ابن قتيبة: يقال: أعتقت الغلام، وحررته: سواء. وأرادت: أي: نذرت أن أجعل ما في بطني محرراً من التعبيد للدنيا، ليعبدك. وقال الزجاج: كان على أولادهم فرضاً أن يطيعوهم في نذرهم، فكان الرجل ينذر في ولده أن يكون خادماً في متعبدهم. وقال ابن اسحاق: كان السبب في نذرها أنه أمسك عنها الولد حتى أسنت، فرأت طائراً يطعم فرخاً له، فدعت الله أن يهب لها ولداً، وقالت: اللهم لك عليَّ إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس، فحملت بمريم، وهلك عمران، وهي حامل. قال القاضي أبو يعلى: والنذر في مثل ما نذرت صحيح في شريعتنا، فإنه إذا نذر الإنسان أن ينشئ ولده الصغير على عبادة الله وطاعته، وأن يعلّمه القرآن، والفقه، وعلم الدّين، صحّ النّذر.
[سورة آل عمران (3) : آية 36]
[سورة آل عمران (3) : آية 36] فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36) قوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، قرأ ابن عامر، وعاصم إلا حفصاً ويعقوب (بما وضعْتُ) بإسكان العين، وضم التاء. وقرأ الباقون بفتح العين، وجزم التاء، قال ابن قتيبة: من قرأ بجزم التاء، وفتح العين، فيكون في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: إني وضعتها أُنثى، وليس الذكر كالأنثى، والله أعلم بما وضعت. ومن قرأ بضم التاء، فهو كلام متصل من كلام أمّ مريم. قوله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى، من تمام اعتذارها، ومعناه: لا تصلح الأنثى لما يصلح له الذكر، من خدمته المسجد، والإقامة فيه، لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس. قال السدي: ظنت أن ما في بطنها غلام، فلما وضعت جارية، اعتذرت. ومريم: اسم أعجمي. وفي الرّجيم قولان: أحدهما: أنه الملعون، قاله قتادة. والثاني: أنه المرجوم بالحجارة، كما تقول: قتيل بمعنى مقتول، قاله أبو عبيدة، فعلى هذا سُمي رجيماً، لأنه يرمى بالنّجوم. [سورة آل عمران (3) : آية 37] فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) قوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وقرأ مجاهد (فتقبَّلْها) بسكون اللام «ربَّها» بنصب الباء (وأنبتها) بكسر الباء وسكون التاء على معنى الدعاء. قال الزجاج: الأصل في العربية: فتقبَّلها بتقبُّل حسن، ولكن «قبول» محمول على قبلها قبولاً يقال: قبلت الشيء قَبولاً، ويجوز قُبولا: إذا رضيته. وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً، أي: جعل نشوءها نشوءاً حسناً، وجاء «نباتاً» على غير لفظ أنبت، على معنى: نبتت نباتاً حسناً. وقال ابن الأنباري: لما كان «أنبت» يدل على نبت حمل الفعل على المعنى، فكأنه قال: وأنبتها، فنبتت هي نباتاً حسناً. قال امرؤ القيس: فَصِرْنَا إِلى الحُسْنَى ورقَّ كَلامُنَا ... ورضتُ فذلَّت صعبةٌ أيَّ إِذلال أراد: أي رياضة، فلما دل «رضت» على «أذللت» حمله على المعنى. وللمفسرين في معنى النبات الحسن، قولان: أحدهما: أنه كمال النشوء، قال ابن عباس: كان تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام. والثاني: أنه ترك الخطايا، حدثنا أنها كانت لا تصيب الذنوب، كما يصيب بنو آدم. قوله تعالى: وَكَفَّلَها، قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «كفلها» بفتح الفاء خفيفة، و «زكرياء» مرفوع ممدود. وروى أبو بكر عن عاصم: تشديد الفاء، ونصب «زكرياء» ، وكان يمد «زكرياء» في كل القرآن في رواية أبي بكر. وروى حفص عن عاصم: تشديد الفاء و «زكريا» مقصور في كل القرآن. وكان حمزة والكسائي يشددان و «كفلها» ، ويقصران «زكريا» في كل القرآن. فأما «زكريا» فقال الفراء: فيه ثلاث لغات: أهل الحجاز يقولون: هذا زكريا قد جاء، مقصور، وزكرياء، ممدود، وأهل نجد يقولون: زكري، فيجرونه، ويلقون الألف. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، عن ابن
دريد، قال: زكريا اسم أعجمي، يقال: زكريُّ، وزكرياء ممدود، وزكريا مقصور. وقال غيره: وزكري بتخفيف الياء، فمن قال: زكرياء بالمد، قال في التثنيه: زكرياوان، وفي الجمع زكرياوون، ومن قال: زكريا بالقصر، قال في التثنيه زكريان كما نقول: مدنيان، ومن قال: زكري بتخفيف الياء، قال في التثنية: زكريان الياء خفيفة، وفي الجمع: زكرون بطرح الياء. (الإشارة إلى كفالة زكريا مريم) قال السدي: انطلقت بها أمها في خرقها، وكانوا يقترعون على الذين يؤتون بهم، فقال زكريا وهو نبيهم يومئذ: أنا أحقكم بها، عندي أختها، فأبوا، وخرجوا إلى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، فجرت الأقلام، وثبت قلم زكريا، فكفلها، قال ابن عباس: كانوا سبعة وعشرين رجلا، فقالوا: نطرح أقلامنا، فمن صعد قلمه مغالباً للجرية فهو أحق بها، فصعد قلم زكريا، فعلى هذا القول كانت غلبة زكريا بمصاعدة قلمه، وعلى قول السدي بوقوفه في جريان الماء. وقال مقاتل: كان يغلق عليها الباب، ومعه المفتاح، لا يأمن عليه أحداً، وكانت إذا حاضت، أخرجها إلى منزله تكون مع أختها أم يحيى، فاذا طهرت، ردها إلى بيت المقدس. والأكثرون على أنه كفلها منذ كانت طفلة بالقرعة، وقد ذهب قوم إلى أنه كفلها عند طفولتها بغير قرعة، لأجل أن أمها ماتت وكانت خالتها عنده. فلما بلغت، أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، وإنما كان الاقتراع بعد ذلك بمدة، لأجل سنة أصابتهم. فقال محمد بن إسحاق: كفلها زكريا إلى أن أصابت الناس سنة، فشكا زكريا إلى بني إسرائيل ضيق يده، فقالوا: ونحن أيضاً كذلك، فجعلوا يتدافعونها حتى اقترعوا، فخرج السهم على جريج النجار، وكان فقيراً، وكان يأتيها باليسير، فينمي، فدخل زكريا، فقال: ما هذا على قدر نفقة جريج، فمن أين هذا؟ قالت: هو من عند الله. والصحيح ما عليه الأكثرون، وأن القوم تشاحوا على كفالتها، لأنها كانت بنت سيدهم وإمامهم عمران، كذلك قال قتادة في آخرين، وأن زكريا ظهر عليهم بالقرعة منذ طفولتها. فأما المحراب فقال أبو عبيدة: المحراب سيد المجالس، ومقدمها، وأشرفها، وكذلك هو من المسجد. وقال الأصمعي: المحراب هاهنا: الغرفة. وقال الزجاج: المحراب في اللغة: الموضع العالي الشريف. قال الشاعر «1» : ربَّةُ مِحْرابٍ إِذا جِئْتُها ... لَمْ ألقها أو أرتقي سلماً قوله تعالى: وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً، قال ابن عباس: ثمار الجنة، فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وهذا قول الجماعة. قوله تعالى: أَنَّى لَكِ هذا أي: من أين؟ قال الربيع بن أنس: كان زكريا إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب «2» ، فإذا دخل وجد عندها رزقاً. وقال الحسن: لم ترتضع ثدياً قط، وكان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول زكريا: أنى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله، فتكلمت وهي صغيرة، وزعم مقاتل أن زكريا استأجر لها ظئراً، وعلى ما ذكرنا عن ابن إسحاق يكون
[سورة آل عمران (3) : آية 38]
قوله لها: أنى لك هذا؟ لاستكثار ما يرى عندها. وما عليه الجمهور أصح. والحساب في اللغة: التقتير والتضييق. [سورة آل عمران (3) : آية 38] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) قوله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قال المفسرون: لما عاين زكريا هذه الآية المعجبة من رزق الله تعالى مريم الفاكهة في غير حينها، طمع في الولد على الكبر. ومِنْ لَدُنْكَ بمعنى: من عندك. والذرية، تقال للجمع، وتقال للواحد، والمراد بها هاهنا: الواحد. قال الفراء: وإنما قال: طيبة، لتأنيث الذرية، والمراد بالطيبة: النقيّة الصالحة. والسميع: بمعنى السامع. وقيل: أراد مجيب الدّعاء. [سورة آل عمران (3) : آية 39] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «فنادته» بالتاء، وقرأ حمزة، والكسائي: «فناداه» بألف ممالة، قال أبو علي: هو كقوله تعالى: وَقالَ نِسْوَةٌ «1» . وقرأ علي، وابن مسعود، وابن عباس: «فناداه» بألف. وفي الملائكة قولان: أحدهما: جبريل وحده، قاله السدي، ومقاتل، ووجهه أن العرب تخبر عن الواحد بلفظ الجمع، تقول ركبت في السفن، وسمعت هذا من الناس. والثاني: أنهم جماعة من الملائكة، وهو مذهب قوم، منهم ابن جرير الطبري. وفي المحراب قولان: أحدهما: أنه المسجد. والثاني: أنه قبلة المسجد. وفي تسمية محراب الصلاة محراباً، ثلاثة أقوال: أحدها: لانفراد الإمام فيه، وبُعده من الناس، ومنه قولهم: فلان حرب لفلان: إذا كان بينهما مباغضة، وتباعد، ذكره ابن الأنباري عن أبيه، عن أحمد بن عبيد. والثاني: أن المحراب في اللغة أشرف الأماكن، وأشرف المسجد مقام الإمام. والثالث: أنه من الحرب، فالمصلي محارب للشيطان. قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ قرأ الأكثرون بفتح الألف على معنى: فنادته الملائكة بأن الله، فلما حذف الجار منها، وصل الفعل إليها، فنصبها. وقرأ ابن عامر، وحمزة، بكسر «إنَّ» فأضمر القول. والتقدير: فنادته، فقالت: إن الله يبشرك. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «يبشرك» بضم الياء، وفتح الباء، والتشديد في جميع القرآن إلا في «حم عسق» : يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ «2» فإنهما فتحا الياء وضما الشين، وخففاها. فأما نافع، وابن عامر، وعاصم، فشددا كل القرآن. وقرأ حمزة: «يبشر» خفيفاً في كل القرآن، إلا قوله تعالى: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ «3» . وقرأ الكسائي «يبشر» مخففة في خمسة مواضع، في (آل عمران) في قصة زكريا، وقصة مريم، وفي بني (إسرائيل) وفي (الكهف) وفي (حم عسق) ، قال الزجاج: وفي «يبشرك» ثلاث لغات: أحدها: يبشرك بفتح الباء وتشديد الشين. والثانية: «يبشرك» باسكان الباء، وضم الشين. والثالثة: «يبشرك» بضم الياء وإسكان الباء، فمعنى «يبشّرك» بالتشديد
و «يبشرك» بضم الياء: البشارة. ومعنى «يبشرك» بفتح الياء: يَسُرّك ويفرحك، يقال: بشَرت الرجل أبشره،: إذا أفرحته، وبشر الرجل يبشر: وأنشد الأخفش والكسائي: وإِذا لقيت الباهشين الى النّدى ... غُبْراً أكفُّهُم بقاعٍ مُمحِل فأعنهمُ وابشَرْ بِما بَشِروا به ... واذا هُمُ نزلوا بضنك فانزل «1» فهذا على بشر يبشَر: إذا فرح. وأصل هذا كله أن بشَرة الإنسان تنبسط عند السرور، ومنه قولهم: يلقاني ببشر، أي: بوجهٍ منبسط. وفي معنى تسميته «يحيى» خمسة أقوال: أحدها: لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه. قاله ابن عباس. والثاني: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان. قاله قتادة. والثالث: لأنه أحياه بين شيخ وعجوز، قاله مقاتل. والرابع: لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها، قاله الزجاج. والخامس: لأن الله أحياه بالطاعة، فلم يعص، ولم يَهمَّ، قاله الحسن بن الفضل. وفي «الكلمة» قولان: أحدهما: أنها عيسى، وسمي كلمة، لأنه بالكلمة كان، وهي «كن» وهذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة والسدّي، ومقاتل، وقيل: إن يحيى كان أكبر من عيسى بستة أشهر، وقتل يحيى قبل رفع عيسى. والثاني: أن الكلمة كتاب الله وآياته، وهو قول أبي عبيدة في آخرين. ووجهه أن العرب تقول: أنشدني فلان كلمة، أي: قصيدة. وفي معنى السيد ثمانية أقوال: أحدها: أنه الكريم على ربه، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنه الحليم التقي، روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال الضحاك. والثالث: أنه الحكيم، قاله الحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء وأبو الشعثاء والربيع ومقاتل. والرابع: أنه الفقيه العالم، قاله سعيد بن المسيب. والخامس: أنه التقي، رواه سالم عن ابن جبير. والسادس: أنه الحَسَن الخلق، رواه أبو روق عن الضحاك. والسابع: أنه الشريف، قاله ابن زيد. والثامن: أنه الذي يفوق قومَه في الخير، قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري: السيد هاهنا الرئيس، والإمام في الخير. فأما «الحصور» فقال ابن قتيبة: هو الذي لا يأتي النساء، وهو فعول بمعنى مفعول، كأنه محصور عنهن، أي: محبوس عنهن. وأصل الحصر: الحبس. ومما جاء على «فعول» بمعنى «مفعول» : ركوب بمعنى مركوب، وحلوب بمعنى محلوب، وهيوب بمعنى مهيب، واختلف المفسرون لماذا كان لا يأتي النساء؟ على أربعة أقوال: أحدها: أنه لم يكن له ما يأتي به النّساء. (178) فروى عمرو بن العاص عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا
[سورة آل عمران (3) : آية 40]
ما كان من يحيى بن زكريا» قال: ثم دلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده إلى الأرض، فأخذ عوداً صغيراً، ثم قال: «وذلك أنّه لم يكن له ما للرّجال إلا مثل هذا العود، ولذاك سماه الله سيداً وحصوراً» وقال سعيد بن المسيب: كان له كالنواة. والثاني: أنه كان لا ينزل الماء، قاله ابن عباس والضحاك. والثالث: أنه كان لا يشتهي النساء، قاله الحسن وقتادة والسدي. والرابع: أنه كان يمنع نفسه من شهواتها، ذكره الماوردي «1» . قوله تعالى: وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ قال ابن الأنباري: معناه: من الصّالحي الحال عند الله. [سورة آل عمران (3) : آية 40] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40) قوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ أي كيف يكون؟!. قال الكميت: أنى ومن أينَ آبَكَ الطرب «2» قال العلماء، منهم الحسن، وابن الأنباري، وابن كيسان: كأنه قال: من أي وجه يكون لي الولد؟ أيكون بازالة العقر عن زوجتي، وردّ شبابي؟ أم يأتي ونحن على حالنا؟ فكان ذلك على سبيل الاستعلام، لا على وجه الشك، قال الزجاج: يقال: غلام بيّن الغلوميَّة، وبين الغلاميَّة، وبين الغلومة. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: الغلام: فعال، من الغُلمة، وهي شدة شهوة النكاح، ويقال للكهل: غلام. قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج: غلام إِذا هزَّ القناة سقاها «3» وكأن قولهم للكهل: غلام، أي: قد كان مرة غلاماً. وقولهم للطفل: غلام على معنى التفاؤل، أي: سيصير غلاماً. قال: وقيل: الغلام الطار الشارب، ويقال للجارية: غلامة. قال الشاعر «4» : يهان لها الغلامة والغلام قوله تعالى: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي: وقد بلغت الكبر، قال الزجاج: كل شيء بلغته فقد بلغك. وفي سنة يومئذ ستة أقوال: أحدها: أنه كان ابن مائة وعشرين سنة، وامرأته بنت ثمان وتسعين، قاله ابن عباس. والثاني: أنه كان ابن بضع وسبعين سنة، قاله قتادة. والثالث: ابن خمس وسبعين، قاله
[سورة آل عمران (3) : آية 41]
مقاتل. والرابع: ابن سبعين، حكاه فضيل بن غزوان. والخامس: ابن خمس وستين. والسادس: ابن ستين، حكاهما الزجاج. قال اللغويون: والعاقر من الرجال والنساء: الذي لا يأتيه الولد، وإنما قال: «عاقر» ولم يقل: عاقرة، لأن الأصل في هذا الوصف للمؤنث، والمذكر فيه كالمستعار، فأجري مجرى «طالق» و «حائض» ، هذا قول الفرّاء. [سورة آل عمران (3) : آية 41] قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (41) قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي: علامة على وجود الحمل. وفي علة سؤاله «آية» قولان: أحدهما: أن الشيطان جاءه، فقال: هذا الذي سمعت من صوت الشيطان، ولو كان من وحي الله، لأوحاه إليك، كما يوحي إليك غيره، فسأل الآية، ذكره السدي عن أشياخه. والثاني: أنه إنما سأل الآية على وجود الحمل ليبادر بالشكر، وليتعجل السرور، لأن شأن الحمل لا يتحقق بأوله فجعل الله آية وجود الحمل حبس لسانه ثلاثة أيام. فأما «الرَمز» فقال الفراء: الرمز بالشفتين، والحاجبين، والعينين، وأكثره في الشفتين. قال ابن عباس: جعل يكلم الناس بيده، وإنما منع من مخاطبة الناس ولم يحبس عن الذكر لله تعالى. وقال ابن زيد: كان يذكر الله، ويشير إلى الناس. وقال عطاء بن السائِب: اعتُقِلَ لسانه من غير مرض. وجمهور العلماء على أنه إنما اعتقل لسانه آيةً على وجود الحمل. وقال قتادة، والربيع بن أنس: كان ذلك عقوبةً له إذ سأل الآية بعد مشافهة الملائكة بالبشارة. قوله تعالى: وَسَبِّحْ قال مقاتل: صل. قال الزجاج: يقال: فرغت من سُبحتي، أي: من صلاتي. وسمّيت الصلاة تسبيحاً، لأن التسبيح تعظيم الله، وتبرئته من السوء، فالصلاة يوصف فيها بكل ما يبرئه من السوء. قوله تعالى: بِالْعَشِيِّ العشي: من حين نزول الشمس إلى آخر النهار وَالْإِبْكارِ ما بين طلوع الفجر إلى وقت الضحى: قال الشاعر: فلا الظلَّ في بَردِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ... ولا الفيءَ مِن بردِ العشيّ يذوق قال الزجاج: يقال: أبكر الرجل يبكر إِبكاراً، وبكر يبكر تبكيراً، وبكر يبكر في كل شيء تقدّم فيه. [سورة آل عمران (3) : آية 42] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) قوله تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ، قال جماعة من المفسرين: المراد بالملائكة: جبريل وحده، وقد سبق معنى الاصطفاء. وفي المراد بالتطهير هاهنا أربعة أقوال: أحدها: أنه التطهير من الحيض، قاله ابن عباس. وقال السدي: كانت مريم لا تحيض. وقال قوم: من الحيض والنفاس. والثاني: من مس الرجال، روي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: من الكفر، قاله الحسن ومجاهد. والرابع: من الفاحشة والإثم، قاله مقاتل. وفي هذا الاصطفاء الثاني أربعة أقوال: أحدها: أنه تأكيد للأول. والثاني: أن الأول للعبادة. والثاني لولادة عيسى عليه السلام. والثالث: أن الاصطفاء الأول اختيار مبهمَ، وعموم يدخل فيه صوالح من النساء، فأعاد الاصطفاء لتفضيلها على نساء العالمين. والرابع: أنه لما أطلق الاصطفاء الاول، أبان بالثاني أنها مصطفاة على النساء دون الرجال. قال ابن
[سورة آل عمران (3) : آية 43]
عباس، والحسن، وابن جريج: اصطفاها على عالمي زمانها. قال ابن الأنباري: وهذا قول الأكثرين. [سورة آل عمران (3) : آية 43] يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) قوله تعالى: يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ قد سبق شرح القنوت في «البقرة» ، وفي المراد به هاهنا أربعة أقوال: أحدها: أنه العبادة، قاله الحسن. والثاني: طول القيام في الصلاة، قاله مجاهد. والثالث: الطاعة، قاله قتادة، والسدي، وابن زيد. والرابع: الإخلاص، قاله سعيد بن جبير. وفي تقديم السجود على الركوع أربعة أقوال: أحدها: أن الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تؤذن بالجمع، فالركوع مقدّم، ذكره الزجاج في آخرين. والثاني: أن المعنى استعملي السجود في حال، والركوع في حال، لا أنهما يجتمعان في ركعة، فكأنه حثٌ لها على فعل الخير. والثالث: أنه مقدم ومؤخر، والمعنى: اركعي واسجدي، كقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ «1» ذكرهما ابن الأنباري. والرابع: أنه كذلك كان في شريعتهم تقديم السجود على الركوع، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قال مقاتل: ومعناه اركعي مع المصلين قُرَّاء بيت المقدس. قال مجاهد: سجدت حتى قرحت. [سورة آل عمران (3) : الآيات 44 الى 46] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ «ذلك» إشارة إلى ما تقدّم من قصّة زكريا، ويحيى، وعيسى، ومريم. والأنباء: الأخبار. والغيب: ما غاب عنك. والوحي: كل شيء دللت به من كلام أو كتاب، أو إشارة، أو رسالة، قاله ابن قتيبة. والوحي في القرآن على أوجه تراها في كتابنا الموسوم ب «الوجوه والنظائر» مونقة. وفي الأقلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها التي يكتب بها، قاله ابن عباس، وابن جبير، والسدي. والثاني: أنها العصيّ، قاله الربيع بن أنس. والثالث: أنها القداح، وهو اختيار ابن قتيبة، وكذلك قال الزجاج: هي قداح جعلوا عليها علامات يعرفونها على جهة القرعة. وإنما قيل للسهم: القلم، لأنه يقلم، أي: يبرى. وكل ما قطعت منه شيئاً بعد شيء، فقد قلمته، ومنه القلم الذي يكتب به، لأنه قُلم مرة بعد مرة، ومنه: قلمت أظفاري. قال: ومعنى: أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ لينظروا أيهم تجب له كفالة مريم، وهو الضمان للقيام بأمرها. ومعنى لَدَيْهِمْ: عندهم. وقد سبق شرح كفالتهم لها آنفاً. وفي المراد بالكلمة هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قول الله له: «كن» فكان، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: أنها بشارة الملائكة مريم بعيسى، حكاه أبو سليمان. والثالث: أن الكلمة اسم لعيسى، وسمي كلمة، لأنه كان عن الكلمة. وقال القاضي أبو يعلى: لأنه يهتدى به كما يهتدى بالكلمة من الله تعالى. وفي تسميته بالمسيح ستة أقوال: أحدها: أنه لم يكن لقدمه أخمص، والأخمص: ما يتجافى عن الأرض من القدم، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: أنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برأ، رواه
[سورة آل عمران (3) : آية 47]
الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه مسح بالبركة، قاله الحسن، وسعيد. والرابع: أن معنى المسيح: الصديق قاله مجاهد، وإبراهيم النخعي، وذكره اليزيدي. قال أبو سليمان الدمشقي: ومعنى هذا أن الله مسحه، فطهره من الذنوب. والخامس: أنه كان يمسح الأرض أي: يقطعها، ذكره ثعلب. وبيانه: أنه كان كثير السياحة. والسادس: أنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، قاله أبو سليمان الدمشقي، وحكاه ابن القاسم. وقال أبو عبيد: المسيح في كلام العرب على معنيين: أحدهما: المسيح الدجال، والأصل فيه: الممسوح، لأنه ممسوح أحد العينين. والمسيح عيسى، وأصله بالعبرانية «مشيحا» بالشين، فلما عربته العرب، أبدلت من شينه سيناً، كما قالوا: موسى، وأصله بالعبرانية موشى. قال ابن الأنباري: وإنما بدأ بلقبه، فقال: المسيح عيسى ابن مريم، لأن المسيح أشهر من عيسى، لأنه قل أن يقع على سميٍّ يشتبه به، وعيسى قد يقع على عدد كثير، فقدمه لشهرته، ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهر من أسمائهم. فأما قوله: عيسى ابن مريم، فإنما نسبه إلى أمه لينفي ما قاله عنه الملحدون من النصارى، إذ أضافوه إلى الله تعالى. قوله تعالى: وَجِيهاً قال ابن زيد: الوجيه في كلام العرب: المحبب المقبول. وقال ابن قتيبة: الوجيه: ذو الجاه. وقال الزجاج: هو ذو المنزلة الرفيعة عند ذوي القدر والمعرفة، يقال: قد وجُه الرجل يوْجُه وجاهة، ولفلان جاه عند الناس، أي: منزلة رفيعة. قوله تعالى: وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قال قتادة: عند الله يوم القيامة. والمهد: مضجع الصبي في رضاعه، وهو مأخوذ من التمهيد، وهو التوطئة. وفي تكليمه للناس في تلك الحال قولان: أحدهما: لتبرئة أمه مما قذفت به. والثاني: لتحقيق معجزته الدالة على نبوته. قال ابن عباس: تكلم ساعة في مهده، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق. وَكَهْلًا قال: ابن ثلاثين سنة أرسله الله تعالى، فمكث في رسالته ثلاثين شهراً، ثم رفعه الله. وقال وهب بن منبه: جاءه الوحي على رأس ثلاثين سنة فمكث في نبوته ثلاث سنين، ثم رفعه الله. وقال ابن الأنباري: كان عليه السلام قد زاد على الثلاثين، ومن أربى عليها، فقد دخل في الكهولة. والكهل عند العرب: الذي قد جاوز الثلاثين، وإنما سمي الكهل كهلاً، لاجتماع قوته، وكمال شبابه، وهو من قولهم: قد اكتهل النبات. وقال ابن فارس: الكهل: الرجل حين وخطه الشّيب. فإن قيل: فقد علم أن الكهل يتكلم، فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة بطول عمره، أي: أنه يبلغ الكهولة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: وَكَهْلًا قال: ذلك بعد نزوله من السماء. والثاني: أنه أخبرهم أن الزمان يؤثر فيه، وأن الأيام تنقله من حال إلى حال، ولو كان إلهاً لم يدخل عليه هذا التغير، ذكره ابن جرير الطبري. والثالث: أن المراد بالكهل: الحليم، قاله مجاهد. [سورة آل عمران (3) : آية 47] قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) قوله تعالى: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ في علة قولها هذا قولان: أحدهما: أنها قالت هذا تعجباً واستفهاماً، لا شكاً وإنكاراً، على ما أشرنا إليه في قصة زكريا، وعلى هذا الجمهور. والثاني: أن الذي خاطبها كان جبريل، وكانت تظنه آدميا يريد بهاً سوءاً، ولهذا قالت: أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ فلما بشّرها
[سورة آل عمران (3) : آية 48]
لم تتيقن صحة قوله، لأنها لم تعلم أنه ملك، فلذلك قالت: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ، قاله ابن الأنباري. قوله تعالى: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ أي: ولم يقربني زوج. والمس: الجماع، قاله ابن فارس. وسمي البشر بشراً، لظهورهم، والبشرة: ظاهر جلد الإنسان، وأبشرت الأرض: أخرجت نباتها. وبشرت الأديم: إذا قشرت وجهه، وتباشير الصبح: أوائله. قال: يعني جبريل: كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي: بسبب، وبغير سبب. وباقي الآية مفسّر في «البقرة» . [سورة آل عمران (3) : آية 48] وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) قوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ قرأ الأكثرون «ونعلمه» بالنون. وقرأ نافع، وعاصم بالياء، فعطفاه على قوله «يبشرك» . وفي الكتاب قولان: أحدهما: أنه كُتُبُ النبيين وعلمهم، قاله ابن عباس. والثاني: الكتابة، قاله ابن جريج ومقاتل. قال ابن عباس: والحكمة الفقه وقضاء النّبيين. [سورة آل عمران (3) : آية 49] وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) قوله تعالى: وَرَسُولًا قال الزجاج: ينتصب على وجهين: أحدهما: ونجعله رسولاً، والاختيار عندي: ويكلم الناس رسولاً. قوله تعالى: أَنِّي أَخْلُقُ قرأ الأكثرون «أني» بالفتح، فجعلوها بدلاً من آية، فكأنه قال: قد جئتكم بأنّي أخلق، وقرأ نافع بالكسر، قال أبو علي «1» : يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مستأنفاً. والثاني: أنه فسر الآية بقوله: إني أخلق، أي: أصور وأقدر. قال ابن عباس: أخذ طيناً، وصنع منه خفاشاً، ونفخ فيه، فاذا هو يطير، ويقال: لم يصنع غير الخفاش، ويقال: إن بني إسرائيل نعتوه بذلك لأنّ الخفّاش عجيبة الخلق. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال لهم: ماذا تريدون؟ قالوا: الخفاش. فسألوه أشدّ الطير خلقا، لأنه يطير من غير ريش. وقال وهب: كان الذي صنعه يطير ما دام الناس ينظرونه، فاذا غاب عن أعينهم، سقط ميتاً، ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق. والأكثرون قرءوا فَيَكُونُ طَيْراً وقرأ نافع هاهنا وفي (المائدة) «طائراً» قال أبو علي: حجة الجمهور قوله تعالى: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ولم يقل: كهيئة الطائر. ووجهة قراءة نافع، أنه أراد: يكون ما أنفخ فيه، أو ما أخلقه، طائراً. وفي «الأكمه» أربعة أقوال: أحدها: أنه الذي يولد أعمى، رواه الضحاك عن ابن عباس، وسعيد عن قتادة، وبه قال اليزيدي، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنه الأعمى، ذكره ابن جريج عن ابن عباس، ومعمر عن قتادة، وبه قال الحسن، والسدي، وحكى الزجاج عن الخليل أن الأكمه: هو الذي يولد أعمى، وهو الذي يعمى، وإن كان بصيراً. والثالث: أنه الأعمش، قاله عكرمة. والرابع: أنه الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل، قاله مجاهد والضحاك.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 50 إلى 51]
والأبرص: الذي به وضح. وكان الغالب على زمان عيسى عليه السلام، علم الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك، إلا أنه ليس في الطب إبراء الأكمه والأبرص، وكان ذلك دليلاً على صدقه. قال وهب: ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفاً، وإنما كان يداويهم بالدعاء. وذكر المفسرون أنه أحيا أربعة أنفس من الموتى. وعن ابن عباس: أن الأربعة كلهم بقي حتى ولد له، إلا سام بن نوح. قوله تعالى: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ قال سعيد بن جبير: كان عيسى إذا كان في المكتب يخبرهم بما يأكلون، ويقول للغلام: يا غلام إن أهلك قد هيّئوا لك كذا وكذا من الطعام فتطعمني منه؟ وقال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وبما خبأتم منه. وعلى هذا المفسرون، إلا أن قتادة كان يقول: وأنبئُكم بما تأكلون من المائدة التي تنزل عليكم، وما تدخرون منها، وكان أخذ عليهم أن يأكلوا منها، ولا يدَّخروا، فلما خانوا، مسخوا خنازير. [سورة آل عمران (3) : الآيات 50 الى 51] وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) قوله تعالى: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ قال الزجاج: نصب «مصدقاً» على الحال، أي: وجئتكم مصدقاً وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ قال قتادة: كان قد حرم عليهم موسى الإبل والثروب «1» وأشياء من الطير، فأحلها عيسى. قوله تعالى: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ أي: بآيات تعلمون بها صدقي وإنما وحد، لأن الكل من جنس واحد مِنْ رَبِّكُمْ أي: من عند ربّكم. [سورة آل عمران (3) : آية 52] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) قوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى أي: علم. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: يقال: أحسستُ بالشيء، وحسست به، وقول الناس في المعلومات «محسوسات» خطأ، إنما الصواب «المحسات» فأما المحسوسات، فهي المقتولات، يقال: حسه: إذا قتله. والأنصار: الأعوان. و «إِلى» بمعنى «مع» في قول الجماعة، قال الزجاج: وإنما حسنت في موضع «مع» لأن «إِلى» غاية و «مع» تضم الشيء بالشيء. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: من أنصاري إلى أن أبين أمر الله. واختلفوا في سبب استنصاره بالحواريين، فقال مجاهد: لما كفر به قومه، وأرادوا قتله، استنصر الحواريّين. وقال غيره: لما كفر به قومه، وأخرجوه من قريتهم، استنصر الحواريين. وقيل: استنصرهم، لإقامة الحق، وإظهار الحجة. والجمهور على تشديد «ياء» الحواريّين. وقرأ الجونيّ، والجحدريّ، وأبو حياة: الحواريون بتخفيف الياء. وفي معنى الحواريّين أقوال: أحدها: أنهم الخواص الأصفياء، قال ابن عباس: الحواريون: أصفياء عيسى. وقال الفراء: كانوا خاصة عيسى. وقال الزجاج: الحواريون في اللغة: الذين أخلصوا،
[سورة آل عمران (3) : آية 53]
ونقوا من كل عيب، وكذلك الدقيق: الحوّاري، إنما سمي بذلك، لأنه ينقى من لباب البر وخالصه. قال حذاق اللغويين: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا وأخلصوا في تصديقهم ونصرتهم. ويقال: عين حوراء: إذا اشتد بياضها، وخلص، واشتد سوادها، ولا يقال: امرأة حوراء، إلا أن تكون مع حور عينها بيضاء. والثاني: أنهم البيض الثياب، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنهم سموا بذلك، لبياض ثيابهم. والثالث: أنهم القصارون، سموا بذلك، لأنهم كانوا يحورون الثياب، أي: يبيضونها. قال الضحاك، ومقاتل: الحواريون: هم القصارون. قال اليزيدي: ويقال للقصارين: الحواريون، لأنهم يبيضون الثياب، ومنه سمي الدقيق: الحُوَّارى، والعين الحوراء: النقية المحاجر. والرابع: الحواريون: المجاهدون. وأنشدوا: ونحن أناسٌ يملأ البَيض هامنا ... ونحن حواريون حين نزاحف جَماجِمُنا يوم اللقاء تراسُنا ... إِلى الموت نمشي ليس فينا تحانف «1» والخامس: الحواريون: الصيادون. والسادس: الحواريون: الملوك «2» ، حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن الأنباري. قال ابن عباس: عدد الحواريين اثنا عشر رجلاً. وفي صناعتهم قولان: أحدهما: أنهم كانوا يصطادون السمك رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: أنهم كانوا يغسلون الثياب، قاله الضحاك، وأبو أرطاة. [سورة آل عمران (3) : آية 53] رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) قوله تعالى: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ هذا قول الحواريين. والذي أنزل: الإنجيل. والرسول: عيسى. وفي المراد بالشاهدين خمسة أقوال: أحدها: أنهم محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، لأنهم يشهدون للرسل بالتبليغ، رواه عكرمة عن ابن عباس «3» . والثاني: أنهم من آمن قبلهم من المؤمنين، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنهم الأنبياء، لأن كل نبي شاهد أمته، قاله عطاء. والرابع: أن الشاهدين: الصادقون، قاله مقاتل. والخامس: أنهم الذين شهدوا للأنبياء بالتّصديق. فمعنى الآية: واعترفنا فاكتبنا مع من فعل فعلنا، هذا قول الزجّاج. [سورة آل عمران (3) : آية 54] وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ قال الزجاج: المكر من الخلق: خبث وخداع، ومن الله عزّ وجلّ: المجازاة، فسمي باسم ذلك، لأنه مجازاة عليه، كقوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «4» ،
[سورة آل عمران (3) : آية 55]
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ، لأن مكره مجازاة، ونصر للمؤمنين. قال ابن عباس: ومكرهم، أن اليهود أرادوا قتل عيسى، فدخل خوخة «1» ، فدخل رجل منهم، فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى إلى السماء، فلما خرج إليهم، ظنّوه عيسى، فقتلوه. [سورة آل عمران (3) : آية 55] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) قوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ قال ابن قتيبة: التوفي، من استيفاء العدد يقال: توفيت، واستوفيت، كما يقال: تيقنت الخبر، واستيقنته، ثم قيل للموت: وفاة، وتوف. وأنشد أبو عبيدة «2» : إِنَّ بني الأدرد ليسوا من أحدٍ ... ليسوا إِلى قيس وليسوا من أسد ولا توفاهم قريش في العدد أي: لا تجعلهم وفاء لعددها، والوفاء: التمام. وفي هذا التوفي قولان: أحدهما: أنه الرفع إلى السماء. والثاني: أنه الموت. فعلى القول الأول يكون نظم الكلام مستقيماً من غير تقديم ولا تأخير، ويكون معنى «متوفيك» قابضك من الأرض وافياً تاماً من غير أن ينال منك اليهود شيئاً، هذا قول الحسن، وابن جريج، وابن قتيبة، واختاره الفراء. ومما يشهد لهذا الوجه قوله تعالى: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ «3» ، أي: رفعتني إلى السماء من غير موت، لأنهم إنما بدلوا بعد رفعه، لا بعد موته. وعلى القول الثاني يكون في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: إني رافعك إليَّ ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك، هذا قول الفراء، والزجاج في آخرين. فتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعَه إلى السماء لا يمنع من موته «4» . قال سعيد بن المسيب: رُفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال مقاتل: رفع من بيت المقدس ليلة القدر في رمضان. وقيل: عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. ويقال: ماتت قبل رفعه. قوله تعالى: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا فيه قولان: أحدهما: أنه رفعه من بين أظهرهم. والثاني: منعهم من قتله «5» . وفي الذين اتبعوه قولان: أحدهما: أنهم مسلمون من أمّة محمّد عليه السلام، لأنهم صدقوا بنبوته، وأنه روح الله وكلمته، وهذا قول قتادة، والرّبيع، وابن السّائب. والثاني:
[سورة آل عمران (3) : آية 56]
أنهم النصارى، فهم فوق اليهود، واليهود مستذلون مقهورون، قاله ابن زيد. قوله تعالى: فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ يعني الدّين. [سورة آل عمران (3) : آية 56] فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا قيل: هم اليهود والنصارى. وعذابهم في الدنيا بالسيف والجزية، وفي الآخرة بالنّار. [سورة آل عمران (3) : آية 57] وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) قوله تعالى: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ قرأ الأكثرون بالنون، وقرأ الحسن، وقتادة، وحفص عن عاصم: «فيوفيهم» بالياء معطوفاً على قوله تعالى إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى. [سورة آل عمران (3) : آية 58] ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) قوله تعالى: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ يعني ما جرى من القصص. مِنَ الْآياتِ يعني الدلالات على صحة رسالتك، إذ كانت أخباراً لا يعلمها أميٌ. وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ قال ابن عباس: هو القرآن. قال الزجاج: معناه: ذو الحكمة في تأليفه ونظمه، وإبانة الفوائد منه. [سورة آل عمران (3) : آية 59] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية، مخاصمة وفد نجران من النصارى للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، في أمر عيسى، وقد ذكرناه في أول السورة «1» . فأما تشبيه عيسى بآدم، فلأنهما جميعاً من غير أب. وقوله تعالى: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ يعني: آدم. قال ثعلب: وهذا تفسير لأمر آدم. وليس بحال. قوله تعالى: ثُمَّ قالَ لَهُ يعني آدم، وقيل لعيسى كُنْ فَيَكُونُ أي: فكان: فأريد بالمستقبل الماضي، كقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ «2» أي: ما تلت. [سورة آل عمران (3) : آية 60] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) قوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ قال الزجاج: الحق مرفوع على خبر ابتداء محذوف، المعنى: الذي أنبأتك به في قصة عيسى الحق من ربك فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي: الشاكين. والخطاب للنبي خطابٌ للخلق، لأنه لم يشك. [سورة آل عمران (3) : آية 61] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) قوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ في هاء «فيه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى عيسى. والثاني:
[سورة آل عمران (3) : آية 62]
إلى الحق. والعلم: البيان والإيضاح. قوله تعالى: فَقُلْ تَعالَوْا قال ابن قتيبة: تعال: تفاعل، من علوت، ويقال للاثنين من الرجال والنساء: تعاليا، وللنساء: تعالين. قال الفراء: أصلها من العلو، ثم إن العرب لكثرة استعمالهم إياها، صارت عندهم بمنزلة «هلم» حتى استجازوا أن يقولوا للرجل، وهو فوق شرف: تعال، أي: اهبط. وإنما أصلها: الصعود. قال المفسرون: أراد بأبنائنا: فاطمة، والحسن، والحسين. وروى مسلم في «صحيحه» من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (179) لما نزلت هذه الآية تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: «اللهم هؤلاء أهلي» . قوله تعالى: وَأَنْفُسَنا فيه خمسة أقوال: أحدها: أراد علي بن أبي طالب، قاله الشعبي. والعرب تخبر عن ابن العم بأنه نفس ابن عمه. والثاني: أراد الإخوان، قاله ابن قتيبة. والثالث: أراد أهل دينه، قاله أبو سليمان الدمشقي. والرابع: أراد الأزواج. والخامس: أراد القرابة القريبة، ذكرهما علي بن أحمد النيسابوري. فأما الابتهال، فقال ابن قتيبة: هو التداعي باللَّعن، يقال: عليه بَهلةُ الله، وبُهلته، أي: لعنته. وقال الزجاج: معنى الابتهال في اللغة: المبالغة في الدعاء وأصله: الالتعان، يقال: بهله الله، أي: لعنه. وأمر بالمباهلة بعد إقامة الحجة. (180) قال جابر بن عبد الله: قدم وفد نجران فيهم السيّد والعاقب فذكر الحديث.. إلى أن قال: فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه أن يغادياه، فغدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل اليهما، فأبيا أن يجيباه، فأقرا له بالخراج فقال: «والذي بعثني بالحقّ لو فعلا لأمطر الوادي نارا» [سورة آل عمران (3) : آية 62] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) قوله تعالى: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ قال الزجاج: دخلت «مِن» هاهنا توكيداً ودليلاً على نفي جميع ما ادعى المشركون من الآلهة. [سورة آل عمران (3) : آية 63] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: عن الملاعنة، قاله مقاتل. والثاني: أنه عن البيان الذي أتى به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قاله الزجاج. والثالث: عن الإقرار بوحدانية الله، وتنزيهه عن الصاحبة والولد، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الفساد هاهنا قولان: أحدهما: أنه العمل بالمعاصي، قاله
[سورة آل عمران (3) : آية 64]
مقاتل. والثاني: الكفر، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ. [سورة آل عمران (3) : آية 64] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، قاله قتاده، وابن جريج، والربيع بن أنس. والثاني: وفد نجران الذين حاجوا في عيسى، قاله السدي ومقاتل. والثالث: أهل الكتابين جميعاً «1» ، قاله الحسن.
[سورة آل عمران (3) : آية 65]
تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله. وجائز أن يكون «أن» في موضوع رفع، كأن قائلاً قال: ما الكلمة؟ فأجيب، فقيل: هي ألاّ نعبد إلا الله. قوله تعالى: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سجود بعضهم لبعض، قاله عكرمة. والثاني: لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله، قاله ابن جريج. والثالث: لا نجعل غير الله رباً، كما قالت النصارى في المسيح، قاله مقاتل والزجّاج. [سورة آل عمران (3) : آية 65] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ. قال ابن عباس والحسن والسدي: (182) اجتمع عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نصارى نجران، وأحبار اليهود، فقال هؤلاء: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقال هؤلاء: ما كان إلا نصرانيا. فنزلت هذه الآية. [سورة آل عمران (3) : آية 66] ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) قوله تعالى: ها أَنْتُمْ قرأ ابن كثير «ها أنتم» مثل: هعنتم، فأبدل من همزة الاستفهام «الهاء» أراد: أأنتم. وقرأ نافع وأبو عمرو «هانتم» ممدوداً استفهام بلا همزة، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، «ها أنتم» ممدوداً مهموزاً ولم يختلفوا في مد «هؤلاء» و «أولاء» . قوله تعالى: فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فيه قولان: أحدهما: أنه ما رأوا وعاينوا قاله قتادة. والثاني: ما أُمروا به ونهوا عنه، قاله السدي. فأما الذي ليس لهم به علم، فهو شأن إبراهيم عليه السلام. روى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان بين إبراهيم وموسى، خمسمائة وخمس وسبعون سنة. وبين موسى وعيسى ألف وستمائة واثنتان وثلاثون سنة «1» . وقال ابن إسحاق: كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة وخمس وستون سنة، وبين موسى وعيسى ألف وتسعمائة وخمس وعشرون سنة. وقد سبق في «البقرة» معنى الحنيف. [سورة آل عمران (3) : الآيات 67 الى 68] ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)
[سورة آل عمران (3) : آية 69]
قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، في سبب نزولها قولان: (183) أحدهما: أن رؤساء اليهود قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لقد علمت أنَّا أولى بدين إبراهيم منك، وأنه كان يهودياً، وما بك إلا الحسد، فنزلت هذه الآية. ومعناها: أحق الناس بدين إبراهيم، الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم على دينه، قاله ابن عباس.
[سورة آل عمران (3) : آية 71]
قوله تعالى: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ قال قتادة: يعني: محمداً والإسلام وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أن بعث محمد في كتابكم، ثم تكفرون به. [سورة آل عمران (3) : آية 71] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) قوله تعالى: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ قال اليزيدي: معناه: لم تخلطون الحق بالباطل؟ قال ابن فارس: واللبس: اختلاط الأمر، وفي الأمر لبسة، أي: ليس بواضح. وفي الحق والباطل أربعة أقوال: أحدها: أن الحق: إقرارهم ببعض أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والباطل: كتمانهم بعض أمره. والثاني: الحق: إيمانهم بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم غدوة، والباطل: كفرهم به عشية، رويا عن ابن عباس. والثالث: الحق: التوراة، والباطل: ما كتبوه فيها بأيديهم، قاله الحسن، وابن زيد. والرابع: الحق: الإسلام. والباطل: اليهودية والنصرانية، قاله قتادة. قوله تعالى: وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ قال قتادة: كتموا الإسلام، وكتموا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم. [سورة آل عمران (3) : آية 72] وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) قوله تعالى: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار، فآمنوا، وإذا كان آخره، فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا، فينقلبون عن دينهم، رواه عطية عن ابن عباس «1» . وقال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر حبراً من اليهود، فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان أول النهار، واكفروا آخره، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمداً ليس بذلك، فيشك أصحابه في دينهم، ويقولون: هم أهل الكتاب، وهم أعلم منا، فيرجعون إلى دينكم، فنزلت هذه الآية «2» . وإلى هذا المعنى ذهب الجمهور. والثاني: أن الله تعالى صرف نبيه إلى الكعبة عند صلاة الظهر، فقال قوم من علماء اليهود: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ يقولون: آمنوا بالقبلة التي صلوا إليها الصبح، واكفروا بالتي صلوا إليها آخر النهار، لعلهم يرجعون إلى قبلتكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس «3» . قال مجاهد وقتادة، والزجاج في آخرين: وجه النهار: أوله. وأنشد الزجاج «4» : من كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
[سورة آل عمران (3) : آية 73]
يجد النساء حواسراً يَنْدبنه ... قد قُمن قبل تبلّج الأسحار «1» [سورة آل عمران (3) : آية 73] وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73) قوله تعالى: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، اختلف العلماء في توجيه هذه الآية على أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحدٌ مما أوتيتم من العلم، وفلق البحر، والمنِّ والسلوى، وغير ذلك، ولا تصدقوا أن يجادلوكم عند ربكم، لأنكم أصح ديناً منهم، فيكون هذا كله من كلام اليهود بينهم، وتكون اللام في «لمن» صلة، ويكون قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ كلاماً معترضاً بين كلامين، هذا معنى قول مجاهد، والأخفش. والثاني: أن كلام اليهود تام عند قوله: لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ والباقي من قول الله تعالى، لا يعترضه شيءٌ من قولهم، وتقديره: قل يا محمد: إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، إلاّ أن تجادلكم اليهود بالباطل، فيقولون: نحن أفضل منكم، هذا معنى قول الحسن، وسعيد بن جبير. وقال الفراء: معنى: «أن يؤتى» : أن لا يؤتى. والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، إلا من تبع دينكم، فأخرت «أن» ، وهي مقدمة في النية على مذهب العرب في التقديم والتأخير، ودخلت اللام على جهة التوكيد، كقوله تعالى: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ «2» أي: ردفكم. وقال الشاعر: ما كنتُ أخدعُ للخليل بخلَّة ... حتى يكون ليَ الخليلُ خَدوعا أراد: ما كنت أخدع الخليل. وقال الآخر «3» : يذمّون للدنيا وهم يحلبونها ... أفاويقَ حتى ما يَدِرُّ لها ثُعْل أراد: يذمون الدنيا، ذكره ابن الأنباري. والرابع: أن اللام غير زائدة، والمعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاء به إلا لليهود. فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين كان عوناً لهم على تصديقه، قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري: لا تؤمنوا أن محمداً وأصحابه على حق، إلا لمن تبع دينكم، مخافة أن يطلع على عنادكم الحق، ويحاجوكم به عند ربكم. فعلى هذا يكون معنى الكلام: لا تقروا بأن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، وقد ذكر هذا المعنى مكي بن أبي طالب النحوي. وقرأ ابن كثير: «أان يؤتى» بهمزتين: الأولى مخفّفة، والثانية مليّنة على الاستفهام، مثل: أانتم أعلم. قال أبو علي: ووجهها أن «أن» في موضع رفع بالابتداء، وخبره: يصدقون به، أو يعترفون به، أو يذكرونه لغيركم، ويجوز أن يكون موضع «أن» نصباً، فيكون المعنى: أتشيعون، أو أتذكرون أن يؤتى
[سورة آل عمران (3) : آية 74]
أحدٌ، ومثله في المعنى: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ «1» . وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرّف: «إن يؤتى» ، بكسر الهمزة، على معنى: ما يؤتى. وفي قوله تعالى أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قولان: أحدهما: أن معناه: ولا تصدقوا أنهم يحاجوكم عند ربكم، لأنهم لا حجة لهم، قاله قتادة. والثاني: أن معناه: حتى يحاجوكم عند ربكم على طريق التعبّد، كما يقال: لا يلقاه أو تقوم الساعة، قاله الكسائي. قوله تعالى: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ قال ابن عباس: يعني النبوة، والكتاب، والهدى يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ لا ما تمنَّيتموه أنتم يا معشر اليهود من أنه لا يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم. [سورة آل عمران (3) : آية 74] يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) قوله تعالى: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ في الرحمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الإسلام، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: النبوة، قاله مجاهد. والثالث: القرآن والإسلام، قاله ابن جريج. [سورة آل عمران (3) : آية 75] وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ قال ابن عباس: أودع رجل ألفا ومائتي أوقيه من ذهب عبد الله بن سلام، فأداها إليه، فمدحه الله بهذه الآية، وأودع رجل فنحاصَ بن عازوراء ديناراً، فخانه «2» . وأهل الكتاب: اليهود. وقد سبق الكلام في القنطار. وقيل. إِن «الباء» في قوله: «بقنطارٍ» بمعنى «على» . فأما الدينار، فقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: الدينار فارسي معرّب، وأصله: دِنّار، وهو وإِن كان معرباً، فليس تعرف له العرب اسماً غير الدينار، فقد صار كالعربيّ، ولذلك ذكره الله عزّ وجلّ في كتابه، لأنه خاطبهم بما عرفوا، واشتقوا منه فِعلاً، فقالوا: رجل مُدَنَّر: كثير الدنانير. وبرذون «3» مدنّر: أشهب مستدير النقش ببياض وسواد. فان قيل: لم خصَّ أهل الكتاب بأن فيهم خائناً وأميناً والخلق على ذلك، فالجواب: أنهم يخونون المسلمين استحلالا لذلك، وقد بيّته في قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ فحذّر منهم. وقال مقاتل: الأمانة إلى من أسلم منهم، والخيانة إلى من لم يسلم. وقيل: إن الذين يؤدون الأمانة: النصارى، والذين لا يؤدونها: اليهود. قوله تعالى: إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: دُمتَ ودُمتم، ومُت ومُتم، وتميم يقولون: مِت ودِمت بالكسر، ويجتمعون في «يفعل» يدوم ويموت. وفي هذا القيام
[سورة آل عمران (3) : آية 76]
قولان: أحدهما: أنه التقاضي، قاله مجاهد، وقتادة، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. قال ابن قتيبة: والمعنى: ما دمت مواظباً بالاقتضاء له والمطالبة. وأصل هذا أن المطالب بالشيء يقوم فيه ويتصرَّف والتارك له يقعد عنه، قال الأعشى: يقوم على الرَّغم في قومه ... فيعفو إِذا شاء أو ينتقم أي: يطالب بالذّحل «1» ولا يقعد عنه. قال تعالى: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ «2» أي: عاملة غير تاركة، وقال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ «3» أي: آخذ لها بما كسبت. والثاني: أنه القيام حقيقة، فتقديره: إلا ما دمت قائماً على رأسه، فإنه يعترف بأمانته، فاذا ذهبت ثم جئت، جحدك، قاله السدي. قوله تعالى: ذلِكَ يعني: الخيانة. والسبيل: الإثم والحرج، ونظيره ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ «4» قال قتادة: إنما استحل اليهود أموال المسلمين، لأنهم عندهم ليسوا أهل كتاب. قوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ قال السدي: يقولون: قد أحلّ الله لنا أموال العرب. وفي قوله تعالى: وَهُمْ يَعْلَمُونَ قولان: أحدهما: يعلمون أن الله قد أنزل في التوراة الوفاء، وأداء الأمانة. والثاني: يقولون الكذب، وهم يعلمون أنه كذب. [سورة آل عمران (3) : آية 76] بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) قوله تعالى: بَلى ردّ الله عزّ وجلّ عليهم قولهم: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ بقوله: بَلى قال الزجاج: وهو عندي وقف التمام، ثم استأنف، فقال: مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ، ويجوز أن يكون استأنف جملة الكلام بقوله: بَلى مَنْ أَوْفى. والعهد: ما عاهدهم الله عزّ وجلّ عليه في التّوراة. وفي «هاء» بِعَهْدِهِ قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى. والثاني: إلى الموفي. [سورة آل عمران (3) : آية 77] إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (185) أحدها: أن الأشعث بن قيس خاصم بعض اليهود في أرض، فجحده اليهودي فقدّمه إلى
[سورة آل عمران (3) : آية 78]
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: «ألك بينة» ؟ قال: لا. قال لليهودي: «أتحلف» ؟ فقال الأشعث: إذاً يحلف فيذهب بمالي. فنزلت هذه الآية. أخرجه البخاري ومسلم. (186) والثاني: أنها نزلت في اليهود، عهد الله إليهم في التوراة تبيّن صفة النبيّ عليه السلام، فجحدوا، وخالفوا لما كانوا ينالون من سفلتهم من الدنيا، هذا قول عكرمة، ومقاتل. (187) والثالث: أن رجلاً أقام سلعته في السوق أول النهار، فلما كان آخره، جاء رجل يساومه، فحلف: لقد منَعَها أول النهار من كذا، ولولا المساء لما باعها به، فنزلت هذه الآية. هذا قول الشعبي، ومجاهد. فعلى القول الأول، والثالث، العهد: لزوم الطاعة، وترك المعصية، وعلى الثاني: ما عهده إلى اليهود في التوراة. واليمين: الحلف. وإن قلنا: إنها في اليهود، والكفار، فإن الله لا يكلمهم يوم القيامة أصلاً. وإن قلنا: إنها في العصاة، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: لا يكلمهم الله كلام خير. ومعنى وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، أي: لا يعطف عليهم بخير مقتاً لهم، قال الزجاج: تقول: فلان لا ينظر إلى فلان، ولا يكلمه معناه: أنه غضبان عليه. قوله تعالى: وَلا يُزَكِّيهِمْ أي: لا يطهّرهم من دنس كفرهم وذنوبهم. [سورة آل عمران (3) : آية 78] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في اليهود، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: في اليهود والنصارى، رواه الضحاك عن ابن عباس. وقوله تعالى: وَإِنَّ هي كلمة مؤكدة، واللام في قوله: «لَفريقاً» توكيد زائد على توكيد «إِنَّ» ، قال ابن قتيبه: ومعنى يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ: يقلبونها بالتحريف والزيادة. والألسنة: جمع لسان، قال أبو عمرو: اللسان يذكر ويؤنَّث، فمن ذكره جمعه: ألسنة، ومن أنَّثه، جمعه: ألسناً. وقال الفراء: اللسان بعينه لم نسمعه من العرب إلا مذكراً. وتقول: سبق من فلان لسان، يعنون به الكلام، فيذكِّرونه. وأنشد ابن الأعرابي: لسانك معسولٌ ونفسُك شحَّة ... وعند الثريا من صديقك مالُكا وأنشد ثعلب «1» : (186) ضعيف. أخرجه الطبري 7275 عن عكرمة مرسلا. وذكره السيوطي في «اللباب» ص 58، ونقل عن الحافظ قوله: الآية محتملة، لكن العمدة في ذلك ما ثبت في الصحيح اه. وهو المتقدم. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» 220 بدون إسناد.
[سورة آل عمران (3) : آية 79]
ندِمت على لسانٍ كان مني ... فليت بأنَّه في جوفِ عِكْمِ «1» والعكم: العدل. ودل بقوله: كان مني، على أن اللسان الكلام. وأنشد ثعلب: أتتني لسان بني عامر ... أحاديثها بعد قول نكر فأنّث لسان، لأنه عنى الكلمة والرّسالة. [سورة آل عمران (3) : آية 79] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) قوله تعالى: ما كانَ لِبَشَرٍ، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (188) أحدها: أن قوماً من رؤساء اليهود والنصارى، قالوا: يا محمد أتريد أن نتّخذك ربّا؟ فقال: معاذ الله، ما بذلك بعثني، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. (189) والثاني: أن رجلاً قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: ألا نسجد لك؟ قال «لا، فإنه لا ينبغي أن يُسجَد لأحد من دون الله» فنزلت هذه الآية، قاله الحسن البصري. والثالث: أنها نزلت في نصارى نجران حيث عبدوا عيسى. قاله الضحاك، ومقاتل. وفيمن عنى ب «البشر» قولان: أحدهما: محمّد صلّى الله عليه وسلّم. والكتاب: القرآن، قاله ابن عباس، وعطاء. والثاني: عيسى، والكتاب: الإنجيل، قاله الضحاك، ومقاتل. والحكم: الفقه والعلم، قاله قتادة في آخرين. قال الزجاج: ومعنى الآية لا يجتمع لرجل نبوَّة، والقول للناس: كونوا عباداً لي من دون الله، لأن الله لا يصطفي الكذبة. قوله تعالى: وَلكِنْ كُونُوا أي: ولكن يقول لهم: كونوا، فحذف القول لدلالة الكلام عليه. فأما الرّبّانيّون، فروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: هم الذين يغذّون الناس بالحكمة، ويربونهم عليها. وقال ابن عباس، وابن جبير: هم الفقهاء المعلِّمون. وقال قتادة، وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء. قال ابن قتيبة: واحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون. وقال أبو عبيد: أحسب الكلمة ليست بعربية، إنما هي عبرانية، أو سريانيّة، وذلك أن عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربانيين. وقال أبو عبيد: وإنما عرفها الفقهاء، وأهل العلم، قال: وسمعت رجلاً عالماً بالكتب يقول: هم العلماء
[سورة آل عمران (3) : آية 80]
بالحلال والحرام، والأمر والنهي. وحكى ابن الأنباري عن بعض اللغويين: الرباني: منسوب إلى الرب، لأن العلم: مما يطاع الله به، فدخلت الألف والنون في النسبة للمبالغة، كما قالوا: رجل لحياني: إذا بالغوا في وصفه بكبر اللحية. قوله تعالى: بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «تعْلَمون» ، باسكان العين، ونصب اللام، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائيّ: (تعلّمون) مثقلا، وكلهم قرءوا: «تدرسون» خفيفة. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين وسعيد بن جبير، وطلحة بن مصرّف، وأبو حياة: «تُدرِّسون» ، بضم التاء مع التشديد. والدراسة: القراءة. قال الزجّاج: ومعنى الكلام: ليكن هديكم في التعليم هدي العلماء والحكماء، لأن العالم إنما يستحق هذا الاسم إذا عمل بعلمه. [سورة آل عمران (3) : آية 80] وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) قوله تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ قرأ ابن عامر، وحمزة، وخلف، ويعقوب، وعاصم في بعض الروايات عنه وعبد الوارث، عن أبي عمرو، واليزيدي في اختياره، بنصب الراء. وقرأ الباقون برفع الراء، فمن نصب كان المعنى: وما كان لبشر أن يأمركم، ومن رفع قطعه مما قبله. قال ابن جريج: ولا يأمركم محمّد. [سورة آل عمران (3) : آية 81] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، قال الزجاج: موضع «إِذ» نصب، المعنى: واذكر في أقاصيصك إذ أخذ الله. قال ابن عباس: الميثاق: العهد. وفي الذي أخذ ميثاقهم عليه قولان: أحدهما: أنه تصديق محمّد صلّى الله عليه وسلّم، روي عن علي، وابن عباس، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه أخذ ميثاق الأول من الأنبياء ليؤمننَّ بما جاء به الآخر منهم، قاله طاوس. قال مجاهد والربيع بن أنس: هذه الآية خطأ من الكتَّاب «1» ، وهي في قراءة ابن مسعود: «وإِذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب» واحتج الربيع بقوله تعالى: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ. وقال بعض أهل العلم: إنما أخذ الميثاق على النبيين وأممهم، فاكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم، لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع، وهذا معنى قول ابن عباس والزّجّاج.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 82 إلى 83]
واختلف العلماء في لام «لما» فقرأ الأكثرون «لما» بفتح اللام مع التخفيف، وقرأ حمزة مثلها، إلا أنه كسر اللام، وقرأ سعيد بن جبير «لما» مشدَّدة الميم، فقراءة ابن جبير، معناها: حين آتيتكم. وقال الفراء في قراءة حمزة: يريد أخذ الميثاق للذي آتاهم، ثم جعل قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ من الأخذ. قال الفراء: ومن نصب اللام جعلها زائدة. و «ما» هاهنا بمعنى الشرط والجزاء، فالمعنى: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم شيئاً من كتاب وحكمة. قال ابن الأنباري: اللام في قوله تعالى: لَما آتَيْتُكُمْ على قراءة من شدَّد أو كسر: جواب لأخذ الميثاق، لأن أخذ الميثاق يمين. وعلى قراءة من خففها، معناها: القسم، وجواب القسم اللام في قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وإنما خاطب، فقال: آتيتكم. بعد أن ذكر النبيين وهم غيَّب، لأن في الكلام معنى قول وحكاية، فقال مخاطباً لهم: لما آتيتكم. وقرأ نافع «آتيناكم» بالنون والألف. قوله تعالى: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ قال عليّ عليه السلام: ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه العهد، إن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. وقال غيره: أخذ ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضُهم بعضاً. والإصر هاهنا: العهد في قول الجماعة. قال ابن قتيبة: أصل الإصر الثِّقل، فسمي العهد إصراً، لأنه منعٌ من الأمر الذي أخذ له، وثقل وتشديد. وكلهم كسر ألف «إصري» وروى أبو بكر، عن عاصم ضمَّه. قال أبو علي: يشبه أن يكون الضم لغة. قوله تعالى: قالَ فَاشْهَدُوا قال ابن فارس: الشهادة: الإخبار بما شوهد. وفيمن خوطب بهذا قولان: أحدهما: أنه خطاب للنّبيين ثم فيه قولان: أحدهما: أن معناه: فاشهدوا على أممكم، قاله علي بن أبي طالب. والثاني: فاشهدوا على أنفسكم، قاله مقاتل. والثاني: أنه خطاب للملائكة، قاله سعيد بن المسيب، فعلى هذا يكون كناية عن غير مذكور. [سورة آل عمران (3) : الآيات 82 الى 83] فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ قرأ أبو عمرو: «يبغون» بالياء مفتوحة. «وإِليه تُرجعون» بالتاء مضمومة، وقرأها الباقون بالياء في الحرفين. وروى حفص عن عاصم: «يبغون» و «يرجعون» بالياء فيهما، وفتح الياء وكسر الجيم، يعقوب على أصله. (190) قال ابن عباس: اختصم أهل الكتابين، فزعمت كلُّ فرقة أنها أولى بدين إبراهيم، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم» . فغضبوا، وقالوا: والله لا نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فنزلت هذه الآية. والمراد بدين الله، دين محمّد صلّى الله عليه وسلّم. وَلَهُ أَسْلَمَ انقاد، وخضع طَوْعاً وَكَرْهاً الطوع: الانقياد بسهولة، والكره: الانقياد بمشقة وإباءٍ من النفس. وفي معنى الطوع والكره ستة أقوال: أحدها:
[سورة آل عمران (3) : الآيات 84 إلى 87]
أن إسلام الكل كان يوم الميثاق طوعاً وكرهاً، رواه مجاهد عن ابن عباس، والأعمش عن مجاهد، وبه قال السدي. والثاني: أن المؤمن يسجد طائعاً، والكافر يسجد ظلُّه وهو كاره، روي عن ابن عباس، ورواه ابن أبي نجيح، وليث عن مجاهد. والثالث: أن الكل أقروا له بأنه الخالق، وإن أشرك بعضهم، فإقراره بذلك حجة عليه في إشراكه، هذا قول أبي العالية، ورواه منصور عن مجاهد. والرابع: أن المؤمن أسلم طائعاً، والكافر أسلم مخافة السيف، هذا قول الحسن. والخامس: أن المؤمن أسلم طائعاً، والكافر أسلم حين رأى بأس الله، فلم ينفعه في ذلك الوقت، وهذا قول قتادة. والسادس: أن إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في جبلّتهم، لا يقدر أحدهم أن يمتنع من جبّلةٍ جبله عليها، ولا على تغييرها، هذا قول الزجاج، وهو معنى قول الشّعبيّ: انقاد كلّهم له. [سورة آل عمران (3) : الآيات 84 الى 87] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (191) أحدها: أن رجلاً من الأنصار ارتدَّ، فلحق بالمشركين، فنزلت هذه الآية، إلى قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فكتب بها قومه إليه، فرجع تائبا فقبل النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك منه وخلَّى عنه. رواه عكرمة عن ابن عباس. وذكر مجاهد والسدي أن اسم ذلك الرجل: الحارث بن سويد. والثاني: أنها نزلت في عشرة رهط ارتدوا، فيهم الحارث بن سويد، فندم، فرجع «1» . رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثالث: أنها في أهل الكتاب، عرفوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثم كفروا به. رواه عطية عن ابن عباس «2» . وقال الحسن: هم اليهود والنصارى. وقيل: إن «كيف» هاهنا لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها الجحد، أي: لا يهدي الله هؤلاء.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 88 إلى 89]
[سورة آل عمران (3) : الآيات 88 الى 89] خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها قال الزجاج أي: في عذاب اللعنة وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي: يؤخّرون عن الوقت. ومعنى: وَأَصْلَحُوا أي: أظهروا أنهم كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوه، وغرّوا به من تبعهم ممن لا علم له. فصل: وهذه الآية استثنت مَن تاب ممن لم يتب، وقد زعم قوم أنها نَسخت ما تضمنته الآيات قبلها من الوعيد، والاستثناء ليس بنسخ. [سورة آل عمران (3) : آية 90] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت فيمن لم يتب من أصحاب الحارث بن سويد، فإنهم قالوا: نقيم بمكة ونتربص بمحمد ريب المنون «1» ، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنها نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن، قاله الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني. والثالث: أنها نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد بعد إيمانهم بصفته، ثم ازدادوا كفراً باقامتهم على كفرهم، قاله أبو العالية. قال الحسن: كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادوا كفراً. وفي عِلة امتناع قبول توبتهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم ارتدوا، وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم، والكفر في ضمائرهم، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم قوم تابوا من الذنوب في الشرك، ولم يتوبوا من الشرك، قاله أبو العالية. والثالث: أن معناه: لن تُقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، وهو قول الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والسدي. والرابع: لن تقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر، وهو قول مجاهد. [سورة آل عمران (3) : آية 91] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ. (192) روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما فتح مكة، دخل من كان من أصحاب
[سورة آل عمران (3) : آية 92]
الحارث بن سويد حياً في الإسلام، فنزلت هذه الآية فيمن مات منهم كافراً. قال الزجاج: وملء الشيء: مقدار ما يملؤه. قال سيبويه، والخليل: والملء بفتح الميم: الفعل، تقول: ملأت الشيء أملؤه ملأً، المصدر بالفتح لا غير. والملاءة: التي تلبس، ممدودة. والملاوة من الدهر: القطعة الطويلة منه، يقولون: ابل جديداً، وتمل حبيباً، أي: عش معه دهراً طويلاً. وذَهَباً منصوب على التمييز. وقال ابن فارس: ربما أُنث الذهب، فقيل: ذهبة، ويجمع على الأذهاب. قوله تعالى: وَلَوِ افْتَدى بِهِ قال الفراء: الواو هاهنا قد يستغنى عنها، ولو حذفت كان صواباً، كقوله تعالى: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ «1» . قال الزجاج: هذا غلط، لأن فائدة الواو بيِّنة، فليست مما يلقى. قال النحاس: قال أهل النظر من النحويين في هذه الآية: الواو ليست مقحمة وتقديره: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً تبرعاً ولو افتدى به. [سورة آل عمران (3) : آية 92] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ، في البر أربعة أقوال: أحدها: أنه الجنة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي في آخرين. قال ابن جرير: فيكون المعنى: لن تنالوا بر الله بكم الذي تطلبونه بطاعتكم. والثاني: التقوى، قاله عطاء، ومقاتل. والثالث: الطاعة، قاله عطية. والرابع: الخير الذي يُستحق به الأجر، قاله أبو روق. قال القاضي أبو يعلى: لم يرد نفي الأصل، وإنما نفي وجود الكمال. فكأنه قال: لن تنالوا البر الكامل. قوله تعالى: حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، فيه قولان: (193) أحدهما: أنه نفقة العبد من ماله وهو صحيح شحيح، رواه ابن عمر عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والثاني: أنه الإنفاق من محبوب المال، قاله قتادة، والضحاك. وفي المراد بهذه النفقة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الصدقة المفروضة، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك. والثاني: أنها جميع الصدقات، قاله ابن عمر. والثالث: أنها جميع النفقات التي يُبتغى بها وجه الله تعالى، سواء كانت صدقة، أو لم تكن، نُقل عن الحسن، واختاره القاضي أبو يعلى. (194) وروى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة
[سورة آل عمران (3) : آية 93]
أكثر أنصاري بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء «1» ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيبٍ. قال أنس: فلما نزلت: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قام أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها حيث أراك الله، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «بخ بخ، ذاك مال رابح أو رائح- شك الراوي «2» - وقد سمعتُ ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» فقسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمِّه. وروي عن عبد الله بن عمر أنه قرأ هذه الآية فقال: لا أجد شيئاً أحب إليَّ من جاريتي رميثة «3» ، فهي حرة لوجه الله، ثم قال: لولا أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها، فأنكحها نافعاً، فهي أم ولده «4» . وسُئل أبو ذر: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سنام العمل، والصّدقة شيء عجب. فقال السائل: يا أبا ذرٍ لقد تركت شيئاً هو أوثق عمل في نفسي ما ذكرته. قال: ما هو؟ قال: الصيام. فقال: قربة وليس هناك، وتلا قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ «5» . قال الزجاج: ومعنى قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي يجازي عليه. [سورة آل عمران (3) : آية 93] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ سبب نزولها أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (195) «أنا على ملة إِبراهيم» فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإِبل، وتشرب ألبانها؟ فقال: «كان ذلك حلالا لإبراهيم» . فقالوا: كل شيء نحرِّمه نحن، فإنه كان محرّماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا. فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم. قاله أبو روق، وابن السائب. و «الطعام» : اسم للمأكول. قال ابن قتيبة: والحلّ: الحلال، والحرم والحرام، واللبس واللباس. وفي الذي حرَّمه على نفسه، ثلاثة أقوال: أحدها: لحوم الإبل وألبانها. روي عن ابن عباس، وهو قول الحسن، وعطاء بن أبي رباح، وأبي العالية في آخرين. والثاني: أنه العروق، رواه سعيد بن جبير عن
[سورة آل عمران (3) : آية 94]
ابن عباس، وهو قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي في آخرين. والثالث: أنه زائدتا الكبد، والكليتان، والشحم إلا ما على الظهر، قاله عكرمة. وفي سبب تحريمه لذلك أربعة أقوال: (196) أحدها: أنه طال به مرضٌ شديد، فنذر: لئن شفاه الله، ليحرِّمنَّ أحبَّ الطعام والشراب إليه، روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والثاني: أنه اشتكى عرق النسا فحرّم العروق، قاله ابن عباس في آخرين. والثالث: أن الأطباء وصفوا له حين أصابه «النسا» اجتناب ما حرمه، فحرمه، رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع: أنه كان إذا أكل ذلك الطعام، أصابه عرق النّسا فيبيت وقيدا «1» ، فحرمه، قاله أبو سليمان الدمشقي. واختلفوا: هل حرّم ذلك بإذن الله، أم باجتهاده؟ على قولين. واختلفوا: بماذا ثبت تحريم الطعام الذي حرمه على اليهود، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حرم عليهم بتحريمه، ولم يكن محرماً في التوراة، قاله عطية. وقال ابن عباس: قال يعقوب: لئن عافاني الله لا يأكله لي ولد. والثاني: أنهم وافقوا أباهم يعقوب في تحريمه، لا أنه حرِّم عليهم بالشرع، ثم أضافوا تحريمه إلى الله، فأكذبهم الله بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها، هذا قول الضحاك. والثالث: أن الله حرمه عليهم بعد التوراة لا فيها. وكانوا إذا أصابوا ذنباً عظيماً، حرم عليهم به طعام طيب، أو صب عليهم عذاب، هذا قول ابن السائب. قال ابن عباس: فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها هل تجدون فيها تحريم لحوم الإبل وألبانها!. [سورة آل عمران (3) : آية 94] فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قوله تعالى: فَمَنِ افْتَرى يقول: اختلق عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي: من بعد البيان في كتابهم، وقيل: من بعد مجيئكم بالتّوراة وتلاوتكم. [سورة آل عمران (3) : آية 95] قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) قوله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ الصدق: الإخبار بالشيء على ما هو به، وضده الكذب. واختلفوا أي خبر عنى بهذه الآية؟ على قولين: أحدهما: أنه عنى قوله تعالى: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا، قاله مقاتل، وأبو سليمان الدمشقي. والثاني: أنه عنى قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا قاله ابن السّائب. [سورة آل عمران (3) : آية 96] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96)
قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ قال مجاهد: افتخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل من الكعبة. وقال المسلمون: الكعبة أفضل. فنزلت هذه الآية. وفي معنى كونه أوّلا قولان: أحدهما: أنه أول بيت كان في الأرض، واختلف أرباب هذا القول، كيف كان أوّل بيت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ظهر على وجه الماء حين خلق الله الأرض، فخلقه قبلها بألفي عام، ودحاها من تحته، فروى سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: كانت الكعبة حشفة «1» على وجه الماء، عليها ملكان يسبحان الليل والنهار قبل الأرض بألفي سنة. وقال ابن عباس: وضع البيت في الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي سنة، ثم دُحيت الأرض من تحت البيت، وبهذا القول يقول ابن عمر، وابن عمرو، وقتادة، ومجاهد، والسدي في آخرين. والثاني: أن آدم استوحش حين أُهبط، فأوحى الله إليه، أن: ابن لي بيتاً في الأرض، فاصنع حوله نحو ما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي، فبناه، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. والثالث: أنه أُهبط مع آدم، فلما كان الطوفان، رُفع فصار معموراً في السماء، وبنى إبراهيم على أثره، رواه شيبان عن قتادة. القول الثاني: أنه أول بيت وُضع للناس للعبادة، وقد كانت قبله بيوت، هذا قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، والحسن، وعطاء بن السائب في آخرين. فأما بكة، فقال الزجاج: يصلح هذا الاسم أن يكون مشتقاً من البَكِّ. يقال: بكَّ الناس بعضهم بعضاً، أي: دفع. واختلفوا في تسميتها ببكة على ثلاثة أقوال: أحدها: لازدحام الناس بها، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والفراء، ومقاتل. والثاني: لأنها تبكّ أعناق الجبابرة، أي: تدُّقها، فلم يقصدها جبارٌ إلا قصمه الله، روي عن عبد الله بن الزبير، وذكره الزجاج. والثالث: لأنها تضع من نخوة المتجبرين، يقال: بككت الرجل، أي: وضعت منه، ورددت نخوته، قاله أبو عبد الرحمن اليزيدي، وقُطرُب. واتفقوا على أن مكة اسمٌ لجميع البلدة. واختلفوا في بكة على أربعة أقوال: أحدها: أنه اسمٌ للبقعة التي فيها الكعبة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو مالك، وإبراهيم، وعطيَّة. والثاني: أنها ما حول البيت، ومكة ما وراء ذلك، قاله عكرمة. والثالث: أنها المسجد، والبيت. ومكة: اسمٌ للحرم كله، قاله الزهري، وضمرة بن حبيب. والرابع: أن بكة هي مكة، قاله الضحاك، وابن قتيبة، واحتج ابن قتيبة بأن الباء تبدل من الميم يقال: سمد رأسه، وسبد رأسه: إذا استأصله. وشر لازم، ولازب. قوله تعالى: مُبارَكاً قال الزجاج: هو منصوب على الحال. المعنى: الذي استقرّ بمكّة في حال بركته. وَهُدىً، أي: وذا هدىً. ويجوز أن يكون «هدى» في موضع رفع، المعنى: وهو هدى. فأما بركته، ففيه تغفر الذنوب، وتضاعف الحسنات، ويأمَن مَن دخله. (197) وروى ابن عمر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من طاف بالبيت، لم يرفع قدما، ولم يضع
[سورة آل عمران (3) : آية 97]
أُخرى، إلا كتب الله له بها حسنة، وحظّ عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة» . قوله تعالى: وَهُدىً لِلْعالَمِينَ، في معنى الهدى هاهنا أربعة أقوال: أحدها: أنه بمعنى القبلة، فتقديره: وقبلة للعالمين. والثاني: أنه بمعنى: الرحمة. والثالث: أنه بمعنى: الصلاح، لأن من قصده، صلحت حاله عند ربه. والرابع: أنه بمعنى: البيان، والدلالة على الله تعالى بما فيه من الآيات التي لا يقدر عليها غيره، حيث يجتمع الكلب والظبي في الحرم، فلا الكلب يهيج الظبي، ولا الظبي يستوحش منه، قاله القاضي أبو يعلى. [سورة آل عمران (3) : آية 97] فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ، الجمهور يقرءون: آيات. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قرأ: (فيه آية بينة مقام إبراهيم) ، وبها قرأ مجاهد. قالا: مقام إبراهيم. فأما مَن قرأ: آياتٌ فقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: الآيات: مقام إبراهيم، وأمنُ مَنْ دخله. فعلى هذا يكون الجمع معبراً عن التثنية، وذلك جائز في اللغة، كقوله تعالى: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ «1» وقال أبو رجاء: كان الحسن يعدّهن، وأنا أنظر إلى أصابعه: مقام إبراهيم، ومَن دخله كان آمناً، ولله على الناس حج البيت. وقال ابن جرير: في الكلام إضمار، تقديره: منهن مقام إبراهيم. قال المفسرون: الآيات فيه كثيرة، منها مقام إبراهيم، ومنها: أمن من دخله، ومنها: امتناع الطير من العلو عليه، واستشفاء المريض منها به، وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا إخرابه، إلى غير ذلك. قال القاضي أبو يعلى: والمراد بالبيت هاهنا: الحرم كلُّه، لأن هذه الآيات موجودة فيه، ومقام إبراهيم ليس في البيت، والآية في مقام إبراهيم أنه قام على حجر، فأثّرت قدماه فيه، فكان ذلك دليلاً على قدرة الله، وصدق إبراهيم. قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، قال القاضي أبو يعلى: لفظه لفظ الخبر، ومعناه: الأمر، وتقديره: ومَنْ دخَله، فأمنوه، وهو عام فيمن جنى جناية قبل دخوله، وفيمن جنى فيه بعد دخوله، إلا
أن الإجماع انعقد على أن من جنى فيه لا يؤمَّن، لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان، فبقي حكم الآية فيمن جنى خارجاً منه، ثم لجأ إلى الحرم. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أحمد في رواية المروذي: إذا قتل، أو قطع يداً، أو أتى حداً في غير الحرم، ثم دخله، لم يقم عليه الحدُّ، ولم يقتصَّ منه، ولكن لا يبايع، ولا يشارى، ولا يؤاكل حتى يخرج، فإن فعل شيئاً من ذلك في الحرم، استوفي منه. وقال أحمد في رواية حنبل: إذا قتل خارج الحرم، ثم دخله، لم يقتل. وإن كانت الجناية دون النفس، فإنه يقام عليه الحد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال مالك والشافعي: يقام عليه جميع ذلك في النفس، وفيما دون النفس «1» . وفي قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً دليل على أنه لا يقام عليه شيء من ذلك، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، والشّعبيّ، وسعيد بن جبير، وطاوس. قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، الأكثرون على فتح حاء «الحج» ، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: بكسرها. قال مجاهد: لما أنزل قوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ قال أهل الملل كلهم: نحن مسلمون، فنزلت هذه الآية، فحجه المسلمون، وتركه المشركون، وقالت اليهود: لا نحجه أبداً. قوله تعالى: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قال النّحويون: «من» بدل من «الناس» ، وهذا بدل البعض، كما تقول: ضربت زيداً رأسه. (198) وقد روي عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وعائشة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه سُئِل: ما السبيل؟ فقال: «من وجد الزّاد والرّاحلة» .
[سورة آل عمران (3) : الآيات 98 إلى 99]
قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ، فيه خمسة أقوال: أحدها: أن معناه: من كفر بالحج فاعتقده غير واجب، رواه مقسم عن ابن عباس، وابن جريج عن مجاهد، وبه قال الحسن، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، ومقاتل. والثاني: من لم يرج ثواب حجه، ولم يخف عقاب تركه، فقد كفر به، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد. والثالث: أنه الكفر بالله، لا بالحج، وهذا المعنى مروي عن عكرمة، ومجاهد. والرابع: أنه إذا أمكنه الحج، فلم يحج حتى مات، وسم بين عينيه: كافر، هذا قول ابن عمر. والخامس: أنه أراد الكفر بالآيات التي أُنزلت في ذكر البيت، لأن قوماً من المشركين قالوا: نحن نكفر بهذه الآيات، هذا قول ابن زيد. [سورة آل عمران (3) : الآيات 98 الى 99] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ. قال الحسن: هم اليهود والنصارى. فأما آيات الله فقال ابن عباس: هي القرآن ومحمّد صلّى الله عليه وسلّم. وأما الشهيد، فقال ابن قتيبة: هو بمعنى الشاهد، وقال الخطابي: هو الذي لا يغيب عنه شيء، كأنه الحاضر الشاهد. قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ. قال مقاتل: دعت اليهود حذيفة، وعمار بن ياسر، إلى دينهم، فنزلت هذه الآية. وفي المراد بأهل الكتاب هاهنا قولان: أحدهما: أنهم اليهودُ والنصارى، قاله الحسن. والثاني: اليهود. قاله زيد بن أسلم، ومقاتل. قال ابن عباس: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: الإسلام، والحج. وقال قتادة: لمَ تصدون عن نبي الله، وعن الإسلام. قال السديُّ: كانوا إذا سئلوا: هل تجدون محمداً في كتبكم؟ قالوا: لا. فصدوا عنه الناس. قوله تعالى: تَبْغُونَها، قال اللغويون: الهاء كناية عن السبيل، والسبيل يذكَّر ويؤَنَّث. وأنشدوا: فلا تبعُد فَكُلُّ فتى أُناس ... سَيُصبِحُ سالكاً تلك السبيلا ومعنى «تبغونها» : تبغون لها، تقول العرب: ابغني خادماً، يريدون: ابتغه لي، فاذا أرادوا: ابتغ معي، وأعني على طلبه، قالوا: ابغني، ففتحوا الألف، ويقولون: وهبتك درهماً، كما يقولون: وهبت لك. قال الشاعر: فتولَّى غُلامُهم ثم نادى ... أظليماً أصيدُكم أم حماراً؟ «1» أراد: أصيدُ لكم. ومعنى الآية: يلتمسون لسبيل الله الزيغ والتحريف، ويريدون ردَّ الإيمان والاستقامة إلى الكفر والاعوجاج، ويطلبون العدول عن القصد، هذا قول الفراء، والزّجّاج، واللغويين.
[سورة آل عمران (3) : آية 100]
قال ابن جرير: خرج هذا الكلام على السبيل، والمعنى: لأهله، كأن المعنى: تبغون لأهل دين الله، ولمن هو على سبيل الحقِ عوجاً. أي: ضلالاً. قال أبو عبيدة: العوج بكسر العين، في الدين، والكلام، والعمل، والعَوج بفتحها، في الحائطِ والجذعِ. وقال الزجاج: العوج بكسر العين: فيما لا ترى له شخصاً، وما كان له شخص قلت: عَوج بفتحها، تقول: في أمره ودينه عِوَج، وفي العصا عَوج. وروى ابن الأنباري عن ثعلب قال: العِوج عند العرب بكسر العين: في كل ما لا يحاط به، والعَوج بفتح العين في كل ما لا يحصَّل، فيقال: في الأرضِ عوج، وفي الدين عوج، لأن هذين يتسعان، ولا يدركان. وفي العَصا عَوج، وفي السن عَوج، لأنهما يحاط بهما، ويبلغ كنههما. وقال ابن أبي فارس: العوج بفتح العين: في كل منتصب، كالحائط. والعِوج: ما كان في بساط أو أرض، أو دين، أو معاش. قوله تعالى: وَأَنْتُمْ شُهَداءُ فيه قولان: أحدهما: أن معناه، وأنتم شاهدون بصحة ما صددتم عنه، وبُطلان ما أنتم فيه، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وقتادة، والأكثرين. والثاني: أن معنى الشهداء هاهنا: العُقلاء، ذكره القاضي أبو يعلى في آخرين. [سورة آل عمران (3) : آية 100] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) (199) سبب نزولها أن الأوس والخزرج كان بينهما حرب في الجاهلية، فلمّا جاء النّبيّ عليه السلام أطفأ تلك الحرب بالإسلام، فبينما رجلان أوسي وخزرجي يتحدثان، ومعهما يهودي، جعل اليهودي يذكِّرِهُما أيامهما، والعداوة التي كانت بينهما حتى اقتتلا، فنادى كل واحد منهما بقومه، فخرجوا بالسلاح، فجاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأصلح بينهم، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد، وعكرمة، والجماعة. قال المفسرون: والخطاب بهذه الآية للأوس والخزرج. قال زيد بن أسلم: وعنى بذلك الفريق: شاس بن قيس اليهودي وأصحابه. قال الزجاج: ومعنى طاعتهم: تقليدهم. [سورة آل عمران (3) : آية 101] وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) قوله تعالى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ. قال ابن قتيبةَ: أي: يمتنع، وأصل العصمة: المنع، قال الزجاج: ويعتصم جَزمٌ ب «من» والجواب: فَقَدْ هُدِيَ [سورة آل عمران (3) : آية 102] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) قال عكرمةُ: نزلت في الأوس والخزرج حين اقتتلوا، وأصلح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بينهم. وفي حَقَّ تُقاتِهِ ثلاثة أقوال: (200) أحدها: أن يطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يشكر فلا يكفر، رواه ابن مسعود
[سورة آل عمران (3) : آية 103]
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وهو قول ابن مسعود، والحسن، وعكرمة، وقتادة، ومقاتل. والثاني: أن يجاهد في الله حق الجهاد، وأن لا يأخذ العبد فيه لومة لائم، وأن يقوموا له بالقسط، ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أن معناه: اتقوه فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه، قاله الزجاج. فصل: واختلف العلماء: هل هذا الكلام محكم أو منسوخ؟ على قولين: أحدهما: أنه منسوخ، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن زيد، والسدي، ومقاتل. قالوا: لما نزلت هذه الآية، شقت على المسلمين، فنسخها قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ «1» . والثاني: أنها محكمة، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو قول طاوس. قال شيخنا علي بن عبد الله: والاختلاف في نسخها وإحكامها، يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها، فالمعتقد نسخها يرى أن حَقَّ تُقاتِهِ الوقوف مع جميع ما يجب له ويستحقه، وهذا يعجز الكل عن الوفاء به، فتحصيله من الواحد ممتنع، والمعتقد إحكامها يرى أن حَقَّ تُقاتِهِ أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته، فكان قوله تعالى: مَا اسْتَطَعْتُمْ مفسراً ل حَقَّ تُقاتِهِ لا ناسخا ولا مخصّصا. [سورة آل عمران (3) : آية 103] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً قال الزجاج: اعتصموا: استمسكوا. فأما الحبل، ففيه ستة أقوال: أحدها: أنه كتاب الله: القرآن. رواه شقيق عن ابن مسعود، وبه قال قتادة، والضحاك، والسدي. والثاني: أنه الجماعة، رواه الشعبي عن ابن مسعود. والثالث: أنه دين الله، قاله ابن عباس، وابن زيد، ومقاتل، وابن قتيبة. وقال ابن زيد: هو الإسلام. والرابع: عهد الله، قاله مجاهد، وعطاء، وقتادة في رواية، وأبو عبيد، واحتج له الزجاج بقول الأعشى: وإِذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلة ... أخذت من الأخرى إِليك حبالها وأنشد ابن الأنباري: فلو حبلاً تناول من سُليمى ... لمدَّ بحبلِها حبلاً متينا «2» والخامس: أنه الإخلاص، قاله أبو العالية. والسادس: أنه أمر الله وطاعته، قاله مقاتل بن حيان. قال الزجاج: وقوله: جَمِيعاً منصوب على الحال، أي: كونوا مجتمعين على الاعتصام به. وأصل
[سورة آل عمران (3) : آية 104]
تَفَرَّقُوا: تتفرَّقوا، إلا أن التاء حذفت لاجتماع حرفين من جنس واحد، والمحذوفة هي الثانية، لأن الأولى دليلة على الاستقبال، فلا يجوز حذف الحرف الذي يدل على الاستقبال، وهو مجزوم بالنهي، والأصل: ولا تتفرقون، فحذفت النون، لتدلّ على الجزم. قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، اختلفوا فيمن أُريد بهذا الكلام على قولين: أحدهما: أنهم مشركو العرب، كان القوي يستبيح الضعيف، قاله الحسن، وقتادة. والثاني: الأوس والخزرج، كان بينهم حرب شديد، قاله ابن إسحاق. والأعداء: جمع عدو. قال ابن فارس: وهو من عَدَا: إِذا ظَلم. قوله تعالى: فَأَصْبَحْتُمْ أي: صرتم. قال الزجاج: وأصل الأخ في اللغة أنه الذي مقصده مقصد أخيه، والعرب تقول: فلان يتوخى مسارّ فلان، أي: ما يسره. والشَّفا: الحرف. واعلم أن هذا مثل ضربه الله لإشرافهم على الهلاك، وقربهم من العذاب، كأنه قال: كنتم على حرف حفرةٍ من النَّار، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا الموت على الكفر. قال السّدّيّ: فأنقذكم منها محمّد صلّى الله عليه وسلّم. [سورة آل عمران (3) : آية 104] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) قوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ قال الزجاج: معنى الكلام: ولتكونوا كلكم أمة تدعون إلى الخير، وتأمرون بالمعروف، ولكن «من» هاهنا تدخل لتحض المخاطبين من سائر الأجناس، وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين، ومثله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ معناه: اجتنبوا الأوثان، فانها رِجس. ومثله قول الشاعر «1» : أخو رغائبَ يُعطيها ويسألها ... يأبى الظُّلامَةَ منه النَّوفل الزفر وهو النوفل الزفر. لأنه وصفه بإعطاء الرغائب. والنوفل: الكثير الإعطاء للنوافل، والزفر: الذي يحمل الأثقال. ويدل على أن الكل أُمروا بالمعروف والنهي عن المنكر قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ قال: ويجوز أن يكون أمر منهم فرقة، لأن الدعاة ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون إليه، وليس الخلق كلهم علماء ينوب بعض الناس فيه عن بعض، كالجهاد. فأما الخير، ففيه قولان: أحدهما: أنه الإسلام، قاله مقاتل. والثاني: العمل بطاعة الله، قاله أبو سليمان الدمشقي. وأما المعروف فهو ما يعرف كل عاقل صوابه، وضده المنكر، وقيل: المعروف ها هنا: طاعة الله، والمنكر: معصيته. [سورة آل عمران (3) : آية 105] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، والحسن في آخرين. والثاني: أنهم الحروريّة «2» ، قاله أبو أمامة.
[سورة آل عمران (3) : آية 106]
[سورة آل عمران (3) : آية 106] يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ قرأ أبو رزين العقيلي، وأبو عمران الجوني، وأبو نهيك: تبيض وتسود، بكسر التاء فيهما. وقرأ الحسن، والزهري، وابن محيصن، وأبو الجوزاء: تبياضُّ وتسوادُّ بألف، ومدة فيهما. وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر. «فأمّا الذين اسوادّت وأمّا الذين ابياضّت» بألف ومدة. قال الزجاج: أخبر الله بوقت ذلك العذاب، فقال: يوم تبيض وجوه. قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنَّة، وتسود وجوه أهل البدعة. وفي الذين اسودت وجوههم، خمسة أقوال: أحدها: أنهم كل من كفر بالله بعد إيمانه يوم الميثاق، قاله أُبيّ بن كعب. والثاني: أنهم الحرورية، قاله أبو أُمامة، وأبو إسحاق الهمذاني. والثالث: اليهود، قاله ابن عباس. والرابع: أنهم المنافقون، قاله الحسن. والخامس: أنهم أهل البدع، قاله قتادة. قوله تعالى: أَكَفَرْتُمْ قال الزجاج: معناه: فيقال لهم: أكفرتم، فحذف القول لأن في الكلام دليلاً عليه، كقوله تعالى: وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا «1» ، أي ويقولان: ربنا تقبَّل منا. ومثله: مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ والمعنى: يقولون: سلام عليكم. والألف لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها التقرير والتوبيخ. فإن قلنا: إنهم جميع الكفار، فإنهم آمنوا يوم الميثاق، ثم كفروا، وإن قلنا: إنهم الحرورية، وأهل البدع، فكفرهم بعد إيمانهم: مفارقة الجماعة في الاعتقاد، وإن قلنا: اليهود، فإنهم آمنوا بالنبي قبل مبعثه، ثم كفروا بعد ظهوره، وإن قلنا: المنافقون، فإنهم قالوا بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم. قوله تعالى: فَذُوقُوا الْعَذابَ أصل الذوق إنما يكون بالفم، وهذا استعارة منه، فكأنهم جعلوا ما يُتَعَرَّف ويُعرف مذوقاً على وجه التشبيه بالذي يعرف عند التطعم، تقول العرب: قد ذُقتُ من إكرام فلان ما يُرغبني في قصده، يعنون: عرفت، ويقولون ذق الفرس، فاعرف ما عنده. قال تميم بن مقبل: أو كاهْتِزَازِ رُديني تُذاوِقُه ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا وقال الآخر: وإنَّ الله ذاقَ حُلومَ قيس ... فلمَا راءَ خِفَّتَها قلاها يعنون بالذوق: العلم. وفي كتاب الخليل: كل ما نزل بإنسان من مكروه، فقد ذاقه. [سورة آل عمران (3) : آية 107] وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (107) قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ قال ابن عباس: هم المؤمنون. ورحمة الله: جنته، قال ابن قتيبة: وسمَّى الجنة رحمة، لأن دخولهم إياها كان برحمته. وقال الزجاج: معناه: في ثواب رحمته، قال: وأعاد ذكر «فيها» توكيدا. [سورة آل عمران (3) : آية 108] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108)
[سورة آل عمران (3) : الآيات 109 إلى 110]
قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ قال بعضهم: معناه: لا يعاقبهم بلا جُرمٍ. وقال الزجاج: أعلمنا أنه يعذب من عذبه باستحقاق. [سورة آل عمران (3) : الآيات 109 الى 110] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ سبب نزولها أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوذا اليهوديين، قالا لابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل: ديننا خير مما تدعونا إليه، ونحن أفضل منكم، فنزلت هذه الآية «1» ، هذا قول عكرمة ومقاتل. وفيمن أُريد بهذه الآية، أربعة أقوال: أحدها: أنهم أهل بدر. والثاني: أنهم المهاجرون. والثالث: جميع الصحابة. والرابع: جميع أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، نقلت هذه الأقوال كلها عن ابن عباس. (201) وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: «إِنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله عز وجل» . قال الزجّاج: وأصل الخطاب لأصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو يعم سائر أمته. وفي قوله تعالى: كُنْتُمْ، قولان: أحدهما: أنها على أصلها، والمراد بها الماضي، ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: كنتم في اللوح المحفوظ. والثاني: أن معناه: خلقتم وجدتم. ذكرهما المفسرون. والثالث: أن المعنى: كنتم مذ كنتم، ذكره ابن الأنباري. والثاني: أن معنى كنتم: أنتم، كقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً «2» . ذكره الفراء، والزجاج. قال ابن قتيبة: وقد يأتي الفعل على بنية الماضي، وهو راهن، أو مستقبل، كقوله تعالى: كُنْتُمْ ومعناه: أنتم، ومثله: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى «3» ، أي: وإذ يقول. ومثله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ «4» ، أي: سيأتي، ومثله:
[سورة آل عمران (3) : آية 111]
كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ «1» ، أي: من هو في المهد، ومثله: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً «2» أي: والله سميع بصير، ومثله: فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ «3» أي: فنسوقه. وفي قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قولان: أحدهما: أن معناه: كنتم خير الناس للناس. قال أبو هريرة: يأتون بهم في السلاسل حتى يدخلوهم في الإسلام. والثاني: أن معناه: كنتم خير الأمم التي أُخرجت. وفي قوله تعالى: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ قولان: أحدهما: أنه شرط في الخيريَّة، وهذا المعنى مروي عن عمر بن الخطاب، ومجاهد، والزجاج. والثاني: أنه ثناء من الله عليهم، قاله الربيع بن أنس. قال أبو العالية: والمعروف: التوحيد. والمنكر: الشرك. قال ابن عباس: وأهل الكتاب: النّصارى واليهود. قوله تعالى: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: مَنْ أسلم، كعبد الله بن سلام وأصحابه. وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ يعني: الكافرين، وهم الذين لم يسلموا. [سورة آل عمران (3) : آية 111] لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً قال مقاتل: سبب نزولها أن رؤساء اليهود عمدوا إلى عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم، فنزلت هذه الآية «4» . قال ابن عباس: والأذى قولهم: «عزير ابن الله» و «المسيح ابن الله» و «ثالث ثلاثة» . وقال الحسن: هو الكذب على الله، ودعاؤهم المسلمين إلى الضلالة. وقال الزجاج: هو البهت والتحريف. ومقصود الآية إعلام المسلمين بأنه لن ينالهم منهم إلا الأذى باللسان من دعائهم إياهم إلى الضلال، وإسماعهم الكفر، ثم وعدهم النَّصرَ عليهم في قوله: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ، وكذلك كان. [سورة آل عمران (3) : آية 112] ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112) قوله تعالى: أَيْنَ ما ثُقِفُوا معناه: أُدركوا وَوُجِدوا، وذلك أنهم أين نزلوا احتاجوا إلى عهد من أهل المكان، وأداء جزية. قال الحسن: أدركتهم هذه الأمة، وإنّ المجوس لتجبيهم الجزية. وأما الحبل، فقال ابن عباس، وعطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الحبل: العهد، قال بعضهم: ومعنى الكلام: إلا بعهدٍ يأخذونه من المؤمنين بإذن الله. قال الزجاج: وما بعد الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ليس من الأول، وإنما المعنى: أنهم أذلاء، إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه. وقد سبق في «البقرة» تفسير باقي الآية.
[سورة آل عمران (3) : آية 113]
[سورة آل عمران (3) : آية 113] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) قوله تعالى: لَيْسُوا سَواءً، في سبب نزولها قولان: (202) أحدهما: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، احتبس عن صلاة العشاء ليلةً حتى ذهب ثلث الليل، ثم جاء فبشرهم، فقال: «إِنه لا يصلي هذه الصلاة أحدٌ من أهل الكتاب» ، فنزلت هذه الآية، قاله ابن مسعود. والثاني: أنه لما أسلم ابن سلاَّم في جماعة من اليهود، قال أحبارهم: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس، ومقاتل. وفي معنى الآية قولان: أحدهما: ليس أمة محمد واليهود سواء، هذا قول ابن مسعود، والسدي. والثاني: ليس اليهود كلهم سواء، بل فيهم من هو قائم بأمر الله، هذا قول ابن عباس، وقتادة. وقال الزجاج: الوقف التام لَيْسُوا سَواءً أي: أهل الكتاب متساوين. وفي معنى «قائمة» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الثابتة على أمر الله، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: أنها العادلة، قاله الحسن، ومجاهد، وابن جريج. والثالث: أنها المستقيمة، قاله أبو عبيد، والزجاج. قال الفراء: ذكر أمة واحدة ولم يذكر بعدها أخرى، والكلام مبني على أخرى، لأن «سواءً» لا بد لها من اثنين، وقد تستجيز العرب إضمار أحد الشيئين إذا كان في الكلام دليل عليه، قال أبو ذؤيب: عصيت إِليها القلب إني لأمرِهِ ... سميعٌ فما أدري أرشد طلابها؟! ولم يقل: أم لا، ولا أم غيّ، لأن الكلام معروف المعنى. وقال آخر «1» : وما أدري إذا يمَّمت أرضاً ... أُريدُ الخَيْرَ أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني ومثله قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً ولم يذكر ضده، لأن في قوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ «2» ، دليلاً على ما أضمر من ذلك، وقد رد هذا القول الزجاج، فقال: قد جرى ذكر أهل الكتاب في قوله تعالى: كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ فأعلم الله أن منهم أمة قائمة. فما الحاجة إلى أن يقال: وأمة غير قائمة؟ وإنما بدأ بذكر فعل الأكثر منهم، وهو الكفر والمشاقة، فذكر من كان منهم مبايناً لهؤلاء. قال: وآناءَ اللَّيْلِ ساعاته، وواحد
[سورة آل عمران (3) : الآيات 114 إلى 115]
الآناء: إنى. قال ابن فارس: يقال: مضى من الليل إنى وإنيان، والجمع: الآناء. واختلف المفسرون: هل هذه الآناء معينة من الليل أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها معينة، ثم فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها صلاة العشاء، قاله ابن مسعود، ومجاهد. والثاني: أنها ما بين المغرب والعشاء، رواه سفيان عن منصور. والثالث: جوف الليل، قاله السدي. والثاني: أنها ساعات الليل من غير تعيين، قاله قتادة في آخرين. وفي قوله تعالى: وَهُمْ يَسْجُدُونَ، قولان: أحدهما: أنه كناية عن الصلاة، قاله مقاتل، والفراء، والزجاج. والثاني: أنه السجود المعروف، وليس المراد أنهم يتلون في حال السجود، ولكنهم جمعوا الأمرين، التلاوة والسّجود. [سورة آل عمران (3) : الآيات 114 الى 115] يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) قوله تعالى: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: تفعلوا، وتكفروه، بالتاء في الموضعين على الخطاب، لقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. قال قتادة: فلن تُكفروه: لن يضل عنكم. وقرأ قوم، منهم: حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وعبد الوارث عن أبي عمرو: يفعلوا، ويكفروه، بالياء فيهما، إخباراً عن الأمة القائمة. وبقية أصحاب أبي عمرو يخيّرون بين الياء والتاء. [سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) قوله تعالى: ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا اختلفوا فيمن أنزلت على أربعة أقوال: أحدها: أنها في نفقات الكفّار، وصدقاتهم، قاله مجاهد. الثاني: في نفقة سفلة اليهود على علمائهم، قاله مقاتل. والثالث: في نفقة المشركين يوم بدر. والرابع: في نفقة المنافقين إذا خرجوا مع المسلمين لحرب المشركين، ذكر هذين القولين أبو الحسن الماوردي. وقال السدي: إنما ضرب الإنفاق مثلاً لأعمالهم في شركهم. وفي الصرّ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه البرد، قاله الأكثرون. والثاني: أنه النّار، قاله ابن عباس، قال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها صرّ لتصويتها عند الالتهاب. والثالث: أن الصرّ: التصويت، والحركة من الحصى والحجارة، ومنه: صرير النعل، ذكره ابن الأنباري. والحرث: الزرع. وفي معنى لَمُوا أَنْفُسَهُمْ قولان: أحدهما: ظلموها بالكفر، والمعاصي، ومنع حق الله تعالى. والثاني: بأن زرعوا في غير وقت الزّرع. قوله تعالى: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ قال ابن عباس: أي: ما نقصهم ذلك بغير جرم أصابوه، وإنما أُنزل بهم ذلك لظلمهم أنفسهم بمنع حق الله منه، وهذا مثل ضربه الله لإبطال أعمالهم في الآخرة.
[سورة آل عمران (3) : آية 118]
وحدّثنا عن ثعلب، قال: بدأ الله عزّ وجلّ هذه الآية بالريح، والمعنى: على الحرث، كقوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ «1» وإنما المعنى على المنعوق به. وقريب منه قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ «2» فخبر عن «الأزواج» وترك «الذين» ، كأنه قال: أزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، فبدأ بالذين، ومراده: بعد الأزواج. وأنشد: لعلِّيَ إن مالت بي الرّيح ميلة ... عن ابن أبي ديَّان أن يتندَّما فخبر عن ابن أبي ديان، وترك نفسه، وإنما أراد: لعل ابن أبي ديان أن يتندما إن مالت بي الريح ميلةً. وقد يبدأ بالشيء، والمراد التأخير، كقوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ «3» والمعنى: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودّة يوم القيامة. [سورة آل عمران (3) : آية 118] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ قال ابن عباس، ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين، ويواصِلون رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة، والصداقة، والجوار، والرضاع، والحلف، فنهوا عن مباطنتهم. قال الزجاج: البطانة: الدُّخلاء الذين يستبطنون أمره وينبسط إليهم، يقال: فلان بطانة لفلان، أي: مُداخل له، مؤانس. ومعنى لا يألونكم: لا يتقون غاية في إلقائكم فيما يُضرُّكم. قوله تعالى: وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي: ودُّوا عَنتكم، وهو ما نزل بكم من مكروه وضرّ، ويقال: فلان يعنت فلاناً، أي: يقصد إدخال المشقة والأذى عليه، وأصل هذا من قولهم: أكمةٌ عنوتٌ، إذا كانت طويلة، شاقة المسلك. قال ابن قتيبة: ومعنى مِنْ دُونِكُمْ أي: من غير المسلمين. والخبال: الشر. قوله تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ قال ابن عباس: أي: قد ظهر لكم منهم الكذب، والشتم، ومخالفة دينكم، قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه الآية دلالة على أنَّه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة «4» ، ولهذا قال أحمد: لا يستعين الإمام بأهل الذِّمة على قتال أهل الحرب، وروي عن عمر أنه بلغه أنَّ أبا موسى استكتب رجلاً من أهل الذمة، فكتب إليه يعنفه، وقال: لا تردوهم إلى العزِّ بعد إذ أذلّهم الله. [سورة آل عمران (3) : آية 119] ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119)
[سورة آل عمران (3) : آية 120]
قوله تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ قال ابن عباس: كان عامة الأنصار يواصلون اليهود ويواصلونهم، فلما أسلم الأنصار بغضهم اليهود، فنزلت هذه الآية. والخطاب بهذه الآية للمؤمنين. قال ابن قتيبة: ومعنى الكلام: ها أنتم يا هؤلاء. فأما «تحبونهم» ، فالهاء والميم عائدة إلى الذين نهوا عن مصافاتهم. وفي معنى محبة المؤمنين لهم أربعة أقوال: أحدها: أنها الميل إليهم بالطباع، لموضع القرابة والرضاع والحلف، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس. والثاني: أنها بمعنى الرحمة لهم، لما يفعلون من المعاصي التي يقابلها العذاب الشديد، وهذا المعنى منقول عن قتادة. والثالث: أنها لموضع إظهار المنافقين الإيمان، روي عن أبي العالية. والرابع: أنها بمعنى الإسلام لهم، وهم يريدون المسلمين على الكفر، وهذا قول المفضّل، والزجّاج. والكتاب: بمعنى الكتاب، قاله الزجاج. قوله تعالى: وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا هذه حالة المنافقين، وقال مقاتل: هم اليهود. والأنامل: أطراف الأصابع. قال ابن عباس: والغيظ: الحنق عليكم، وقيل: هذا من مجاز الكلام، ضُرِب مثلاً لما حلَّ بهم، وإن لم يكن هناك عض على أنملة، ومعنى مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ: ابقوا به حتى تموتوا، وإنما كان غيظهم من رؤية شمل المسلمين ملتئماً. قال ابن جرير: هذا أمر من الله تعالى لنبيه أن يدعو عليهم بأن يهلكم الله كمدا من الغيظ. [سورة آل عمران (3) : آية 120] إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) قوله تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ قال قتادة: وهي الألفة والجماعة. والسيئة: الفرقة والاختلاف، وإصابة طرف من المسلمين. وقال ابن قتيبة: الحسنة: النعمة. والسيئة: المصيبة. قوله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا فيه قولان: أحدهما: على أذاهم، قاله ابن عباس. والثاني: على أمر الله، قاله مقاتل. وفي قوله تعالى: وَتَتَّقُوا قولان: أحدهما: الشرك، قاله ابن عباس. والثاني: المعاصي، قاله مقاتل. قوله تعالى: لا يَضُرُّكُمْ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو «لا يضِركم» بكسر الضاد، وتخفيف الراء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «لا يضركم» بضم الضاد وتشديد الراء. قال الزجاج: الضر والضير بمعنى واحد. فأما الكيد فقال ابن قتيبة: هو المكر. قال أبو سليمان الخطابي: والمحيط: الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وأحاط علمه بالأشياء كلّها. [سورة آل عمران (3) : آية 121] وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ قال المفسرون: في هذا الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ولقد نصركم الله ببدر، وإذ غدوت من أهلك. وقال ابن قتيبة: تبوّئ، من قولك: بوَّأتُك منزلاً: إذا أفدتك إياه، أو أسكنتكه. ومعنى مقاعد للقتال: المعسكر والمصافُّ. واختلفوا في أي يوم كان ذلك، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يوم أُحد، قاله عبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، والزهري، وقتادة والسدي، والربيع وابن إسحاق، وذلك أنه خرج يوم أُحد من بيت عائشة إلى أُحد، فجعل يصف أصحابه للقتال. والثاني: أنه يوم الأحزاب، قاله الحسن، ومجاهد، ومقاتل. والثالث: يوم بدر نقل عن
[سورة آل عمران (3) : آية 122]
الحسن أيضاً. قال ابن جرير: والأول أصح، لقوله تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وقد اتفق العلماء أن ذلك كان يوم أُحد. قوله تعالى: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قال أبو سليمان الدمشقي: سميع لمشاورتك إياهم في الخروج، ومرادهم للخروج عليم بما يخفون من حبّ الشهادة. [سورة آل عمران (3) : آية 122] إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) قوله تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ قال الزجاج: كانت التبوئة في ذلك الوقت. وتفشلا: تجبنا، وتخورا. وَاللَّهُ وَلِيُّهُما، أي: ناصرهما. قال جابر بن عبد الله: (203) نحن هم بنو سلمة، وبنو حارثة، وما نحبُّ أن لو لم يكن ذلك لقول الله: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما. وقال الحسن: هما طائفتان من الأنصار همتا بذلك، فعصمهما الله. وقيل: لما رجع عبد الله بن أُبي في أصحابه يوم أُحد، همت الطائفتان باتباعه، فعصمهما الله. فصل: فأما التوكل، فقال ابن عباس: هو الثقة بالله. وقال ابن فارس: هو إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك، ويقال: فلان وُكَلَهٌ تُكَلَةٌ، أي: عاجز، يكل أمره إلى غيره. وقال غيره: هو تفعل من الوكالة، يقال: وكلت أمري إلى فلان فتوكل به، أي: ضمنه، وقام به، وأنا متوكل عليه. وقال بعضهم: هو تفويض الأمر إلى الله ثقة بحسن تدبيره. [سورة آل عمران (3) : آية 123] وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) قوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ في تسمية بدر قولان: أحدهما: أنها بئر لرجل اسمه بدر، قاله الشعبي. والثاني: أنه اسم للمكان الذي التقوا عليه، ذكره الواقدي عن أشياخه. قوله تعالى: وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أي لقلة العَدد والعُدد لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي لتكونوا من الشّاكرين. [سورة آل عمران (3) : آية 124] إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ قال الشعبي: قال كُرْز بن جابر لمشركي مكة: إني أمدكم بقومي، فاشتد ذلك على المسلمين، فنزلت هذه الآية. وفي أي يوم كان ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: يوم بدر، قاله ابن عباس، وعكرمة ومجاهد، وقتادة. والثاني: يوم أُحد، وعدهم فيه بالمدد إن صبروا، فلما لم يصبروا لم يُمدُّوا، روي عن عكرمة، والضحاك، ومقاتل. والأول أصح. والكفاية: مقدار سد الخلة. والاكتفاء: الاقتصار على ذلك. والإمداد: إعطاء الشيء بعد الشيء. قوله تعالى: مُنْزَلِينَ قرأ الأكثرون بتخفيف الزاي، وشددها ابن عامر.
[سورة آل عمران (3) : آية 125]
[سورة آل عمران (3) : آية 125] بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) قوله تعالى: وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا فيه قولان: أحدهما: أن معناه: من وجههم وسفرهم هذا، قاله ابن عباس والحسن، وقتادة ومقاتل، والزجاج. والثاني: من غضبهم هذا، قاله عكرمة، ومجاهد، والضحاك في آخرين. قال ابن جرير: من قال: من وجههم، أراد ابتداء مخرجهم يوم بدر، ومن قال: من غضبهم أراد ابتداء غضبهم لقتلاهم يوم بدر. وأصل الفور ابتداء الأمر يؤخذ فيه، يقال: فارت القدر: إذ ابتداء ما فيها بالغليان، ثم اتصل. وقال ابن فارس: الفور: الغليان، يقال: فارت القدر تفور، وفار غضبه: إذا جاش، ويقولون: فعله من فوره، أي: قبل أن يسكن. وفي يوم فورهم قولان: أحدهما: أنه يوم بدر، قاله قتادة. والثاني: يوم أُحد، قال مجاهد، والضحاك: كانوا غضبوا يوم أُحد ليوم بدر مما لقوا. قوله تعالى: مُسَوِّمِينَ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم بكسر الواو، والباقون بفتحها، فمن فتح الواو، أراد أن الله سوَّمها، ومن كسرها، أراد أن الملائكة سومت أنفسها. وقال الأخفش: سوّمت خيلها. وفي الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال يوم بدر: (204) «سوموا فإن الملائكة قد سومت» ونسب الفعل إليها، فهذا دليل الكسر. قال ابن قتيبة: ومعنى مسومين: معلمين بعلامة الحرب، وهو من السّيماء، والسومة: العلامة التي يعلم بها الفارس نفسه. قال عليّ عليه السلام: وكان سيماء خيل الملائكة يوم بدر، الصوف الأبيض في أذنابها ونواصيها. وقال أبو هريرة: العهن الأحمر. وقال مجاهد: كانت أذناب خيولهم مجزوزة، وفيها العهن. وقال هشام بن عروة: كانت الملائكة على خيل بلق، وعليهم عمائم صفر. (205) وروى ابن عباس عن رجل من بني غفار قال: حضرت أنا وابن عم لي بدراً، ونحن على شركنا، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل سمعنا فيها حمحمة الخيل، وسمعنا فارساً يقول: أقدم حيزوم، فأما صاحبي فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم انتعشت. (206) وقال أبو داود المازني: إني لأتبع يوم بدر رجلاً من المشركين لأضربه، فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري قد قتله.
[سورة آل عمران (3) : آية 126]
وفي عدد الملائكة يوم بدر خمسة أقوال: أحدها: خمسة آلاف، قاله الحسن. (207) وروى [محمد بن] «1» جبير بن مطعم عن عليّ عليه السلام قال: بينا أنا أمتح «2» من قليب بدر، [إذ] جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها، ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة لم أر أشد منها، فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألفين من الملائكة، وكان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألفين من الملائكة عن يمين رسول الله، وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن يسار رسول الله، وكنت عن يساره، وهزم الله أعداءه. والثاني: أربعة آلاف، قاله الشعبي. والثالث: ألف، قاله مجاهد. والرابع: تسعة آلاف، ذكره الزجاج. والخامس: ثمانية آلاف، ذكره بعض المفسرين. [سورة آل عمران (3) : آية 126] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) قوله تعالى: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ يعني المدد إِلَّا بُشْرى، أي: إلا بشارة تطيِّب أنفسكم، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، فتسكن في الحرب، ولا تجزع. والأكثرون على أن هذا المدد يوم بدر. وقال مجاهد: يوم أُحد، وروي عنه ما يدل على أن الله أمدّهم بالملائكة في اليومين جميعاً، غير أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر. قوله تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي: ليس بكثرة العَدد والعدد. [سورة آل عمران (3) : آية 127] لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) قوله تعالى: لِيَقْطَعَ طَرَفاً معناه: نصركم ببدر ليقطع طرفاً. قال الزجاج: أي: ليقتل قطعةً منهم. وفي أي يوم كان ذلك فيه قولان: أحدهما: في يوم بدر، قاله الحسن، وقتادة، والجمهور. والثاني: يوم أُحد، قتل منهم ثمانية وعشرون، قاله السدي. قوله تعالى: أَوْ يَكْبِتَهُمْ فيه سبعة أقوال: أحدها: أن معناه: يهزمهم، قاله ابن عباس، والزجاج. والثاني: يخزيهم، قاله قتادة، ومقاتل. والثالث: يصرعهم، قاله أبو عبيد، واليزيدي. وقال الخليل: هو الصرع على الوجه. والرابع: يهلكهم، قاله أبو عبيدة. والخامس: يلعنهم، قاله السدي. والسادس: يُظفِّر عليهم، قاله المبرّد. والسابع: يغيظهم، قاله النّصر بن شميل واختاره ابن قتيبة. وقال ابن قتيبة: أهل النظر يرون أن التاء فيه منقلبة عن دال، كأن الأصل فيه: يكبدهم، أي: يصيبهم في
[سورة آل عمران (3) : آية 128]
أكبادهم بالحزن والغيظ، وشدة العداوة، ومنه يقال: فلان قد أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده، والعرب تقول: العدو: أسود الكبد، قال الأعشى: فما أُجْشِمْتُ من إِتيان قوم ... هم الأعداء والأكباد سود كأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة، اسودت، ومنه يقال للعدو: كاشح، لأنه يخبأ العداوة في كشحه. والكشح: الخاصرة، وإنما يريدون الكبد. لأن الكبد هناك. قال الشاعر: وأُضمِر أضغاناً عليَّ كشوحُها «1» والتاء والدال متقاربتا المخرج، والعرب تدغم إحداهما في الأخرى، وتبدل إحداهما من الأخرى، كقولهم: هرت الثوب وهرده: إذا خرقه، وكذلك: كبت العدو، وكبده، ومثله كثير. قوله تعالى: فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ قال الزجاج: الخائب: الذي لم ينل ما أمَّل. وقال غيره: الفرق بين الخيبة واليأس، أن الخيبة لا تكون إلا بعد الأمل، واليأس قد يكون من غير أمل. [سورة آل عمران (3) : آية 128] لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ في سبب نزولها خمسة أقوال: (208) أحدها: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كسرت رباعيته يوم أُحد، وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربّهم عزّ وجلّ؟!» فنزلت هذه الآية. أخرجه مسلم في أفراده من حديث أنس. وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والرّبيع. (209) والثاني: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لعن قوماً من المنافقين، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عمر. والثالث: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم همَّ بسب الذين انهزموا يوم أُحد، فنزلت هذه للآية، فكفَّ عن ذلك، نقل عن ابن مسعود، وابن عباس «2» .
[سورة آل عمران (3) : الآيات 129 إلى 130]
(210) والرابع: أن سبعين من أهل الصفة، خرجوا إلى قبيلتين من بني سليم، عصية وذكوان، فقتلوا جميعا، فدعا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليهم أربعين يوماً، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل بن سليمان. (211) والخامس: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما رأى حمزة ممثلاً به، قال: «لأُمثلن بكذا وكذا منهم» فنزلت هذه الآية، قاله الواقدي. وفي معنى الآية قولان: أحدهما: ليس لك من استصلاحهم أو عذابهم شيء. والثاني: ليس لك من النصر والهزيمة شيء. وقيل: إن «لك» بمعنى «إليك» . قوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ قال الفراء: في نصبه وجهان إن شئت جعلته معطوفاً على قوله تعالى: لِيَقْطَعَ طَرَفاً وإن شئت جعلت نصبه على مذهب «حتى» كما تقول: لا أزال معك حتى تعطيني. ولما نفى الأمر عن نبيه، أثبت أن جميع الأمور إليه بقوله تعالى: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 129 الى 130] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)
[سورة آل عمران (3) : آية 131]
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا قال أهل التفسير: هذه الآية نزلت في ربا الجاهلية. قال سعيد بن جبير: كان الرجل يكون له على الرجل المال، فاذا حلّ الأجل، فيقول: أخّر عني، وأزيدك على مالك، فتلك الأضعاف المضاعفة. [سورة آل عمران (3) : آية 131] وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) قوله تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ قال ابن عباس: هذا تهديد للمؤمنين، لئلا يستحلوا الربا. قال الزجاج: والمعنى: اتقوا أن تحلّوا ما حرّم الله فتكفّروا. [سورة آل عمران (3) : الآيات 132 الى 133] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ كلهم أثبت الواو في وَسارِعُوا إلا نافعاً، وابن عامر، فإنهما لم يذكراها. وقال أبو علي: وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام، فمن قرأ بالواو، عطف وَسارِعُوا على وَأَطِيعُوا ومن حذفها، فلأن الجملة الثانية ملتبسة بالأولى، فاستغنت عن العطف. ومعنى الآية: بادروا إلى ما يوجب المغفرة. وفي المراد بموجب المغفرة هاهنا عشرة أقوال: أحدها: أنه الإخلاص، قاله عثمان بن عفّان رضي الله عنه. والثاني: أداء الفرائض، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والثالث: الإسلام، قاله ابن عباس. والرابع: التكبيرة الأولى من الصلاة، قاله أنس بن مالك. والخامس: الطاعة، قاله سعيد بن جبير. والسادس: التّوبة، قاله عكرمة. والسابع: الهجرة، قاله أبو العالية. والثامن: الجهاد، قاله الضحاك. والتاسع: الصلوات الخمس، قاله يمان. والعاشر: الأعمال الصالحة، قاله مقاتل. قوله تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ قال ابن قتيبة: أراد بالعرض السعة، ولم يرد العرض الذي يخالف الطول، والعرب تقول: بلاد عريضة، أي: واسعة. (212) وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم للمنهزمين يوم أحد: «لقد ذهبتم فيها عريضة» . قال الشاعر «1» : كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كِفَّةُ حابل قال: وأصل هذا من العرض الذي هو خلاف الطول، وإذا عرض الشيء اتسع، وإذا لم يعرض ضاق ودق. وقال سعيد بن جبير: لو ألصق بعضهن إلى بعض كانت الجنة في عرضهنّ.
[سورة آل عمران (3) : آية 134]
[سورة آل عمران (3) : آية 134] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ قال ابن عباس: في العسر واليسر، ومعنى الآية: أنهم رغبوا في معاملة الله، فلم يبطرهم الرخاء فينسيهم، ولم تمنعهم الضراء فيبخلوا. قوله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ قال الزجاج: يقال: كظمت الغيظ: إذا أمسكت على ما في نفسك منه، وكظم البعير على جرَّته: إذا رددها في حلقه. وقال ابن الأنباري: الأصل في الكظم: الإمساك على غيظ وغم. (213) وروى ابن عمر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى» . قوله تعالى: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ فيه قولان: أحدهما: أنه العفو عن المماليك، قاله ابن عباس. والثاني: أنه على إطلاقه، فهم يعفون عمن ظلمهم، قاله زيد بن أسلم، ومقاتل. [سورة آل عمران (3) : الآيات 135 الى 136] وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (214) أحدها: أن امرأة أتت إلى نبهان التمار تشتري منه تمراً فضمّها، وقبّلها، ثم ندم، فأتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. (215) والثاني: أن أنصارياً وثقفياً آخى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بينهما، فخرج الثّقفيّ مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في بعض مغازيه، فكان الأنصاري يتعاهد أهل الثقفي، فجاء ذات يوم فأبصر المرأة قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فدخل ولم يستأذن فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها، فقبّله ثم ندم، فأدبر راجعا،
[سورة آل عمران (3) : آية 137]
فقالت: سبحان الله خنت أمانتك، وعصيت ربك ولم تصب حاجتك، قال: فخرج يسيح في الجبال، ويتوب إلى الله من ذنبه. فلما قدم الثقفي أخبرته المرأة بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه، فندم على صنيعه، فوافقه ساجداً يقول: ذنبي ذنبي، قد خنت أخي. فقال له: يا فلان انطلق إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاسأله عن ذنبك، لعل الله أن يجعل لك منه مخرجاً، فرجع إلى المدينة، فنزلت هذه الآية بتوبته، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وذكره مقاتل. (216) والثالث: أن المسلمين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: بنو إسرائيل أكرم على الله منا! كان أحدهم إذا أذنب، أصبحت كفارة ذنوبه مكتوبة في عتبة بابه، فنزلت هذه الآية، فقال النبيّ عليه السلام: «ألا أخبركم بخير من ذلك» ؟ فقرأ هذه الآية، والتي قبلها، هذا قول عطاء. واختلفوا هل هذه الآية نعت للمنفقين في السراء والضراء؟ أم لقوم آخرين؟ على قولين: أحدهما: أنها نعت لهم، قاله الحسن. والثاني: أنها لصنف آخر، قاله أبو سليمان الدمشقي. والفاحشة: القبيحة، وكل شيء جاوز قدره فهو فاحش. وفي المراد بها هاهنا قولان: أحدهما: أنها الزنى، قاله جابر بن زيد، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنها كل كبيرة، قاله جماعة من المفسرين. واختلفوا في «الظلم» المذكور بعدها، فلم يفرق قوم بينه وبين الفاحشة، وقالوا: الظلم للنفس فاحشة أيضاً، وفرق آخرون، فقالوا: هو الصغائر. وفي قوله تعالى: ذَكَرُوا اللَّهَ قولان: أحدهما: أنه ذكر اللسان، وهو الاستغفار، قاله ابن مسعود، وعطاء في آخرين. والثاني: أنه ذكر القلب، ثم فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه ذكر العرض على الله، قاله الضحاك. والثاني: أنه ذكر السؤال عنه يوم القيامة، قاله الواقدي. والثالث: ذكر وعيد الله لهم على ما أتوا، قاله ابن جرير. والرابع: ذكر نهي الله لهم عنه. والخامس: ذكر غفران الله ذكر القولين أبو سليمان الدمشقي. فأما الإصرار، فقال الزجاج: هو الإقامة على الشيء. وقال ابن فارس: هو العزم على الشيء والثبات عليه. وللمفسرين في المراد بالإصرار ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مواقعة الذنب عند الاهتمام به. وهذا مذهب مجاهد. والثاني: أنه الثبوت عليه من غير استغفار، وهذا مذهب قتادة، وابن إسحاق. والثالث: أنه ترك الاستغفار منه، وهذا مذهب السدي. وفي معنى وَهُمْ يَعْلَمُونَ ثلاثة أقوال: أحدها: وهم يعلمون أن الإصرار يضر، وأن تركه أولى من التمادي، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: يعلمون أن الله يتوب على من تاب، قاله مجاهد، وأبو عمارة. والثالث: يعلمون أنهم قد أذنبوا، قاله السّدّيّ، ومقاتل. [سورة آل عمران (3) : آية 137] قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ السنن: جمع سنة، وهي الطريقة. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: قد مضى قبلكم أهل سنن وشرائع، فانظروا ماذا صنعنا بالمكذبين منهم، وهذا قول
[سورة آل عمران (3) : آية 138]
ابن عباس. والثاني: قد مضت قبلكم سنن الله في إهلاك من كذب من الأمم، فاعتبروا بهم، وهذا قول مجاهد. وفي معنى فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ قولان: أحدهما: أنه السير في السفر. قال الزجاج: إذا سرتم في أسفاركم، عرفتم أخبار الهالكين بتكذيبهم. والثاني: أنه التفكر. ومعنى: فانظروا: اعتبروا، والعاقبة: آخر الأمر. [سورة آل عمران (3) : آية 138] هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) قوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ قال سعيد بن جبير: هذه الآية أول ما نزل من «آل عمران» . وفي المشار إليه ب «هذا» قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل. والثاني: أنه شرح أخبار الأمم السالفة، قاله ابن اسحاق. والبيان: الكشف عن الشيء، بان الشيء: اتضح، وفلانٌ أبين من فلان، اي: أفصح. قال الشعبي: هذا بيان للناس من العمى، وهدىً من الضلالة، وموعظة من الجهل. [سورة آل عمران (3) : آية 139] وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) قوله تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا. (217) سبب نزولها أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما انهزموا يوم أُحد، أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوَّةَ لنا إِلا بك» فنزلت هذه الآيات، قاله ابن عباس. قال ابن عباس، ومجاهد: وَلا تَهِنُوا أي: ولا تضعفوا. وفيما نهوا عن الحزن عليه أربعة أقوال: أحدها: أنه قتل إخوانهم من المسلمين، قاله ابن عباس. والثاني: أنه هزيمتهم يوم أُحد، وقتلهم، قاله مقاتل. والثالث: أنه ما أصاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من شجه، وكسر رباعيته، ذكره الماوردي. والرابع: أنه ما فات من الغنيمة، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. قوله تعالى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، قال ابن عباس: يقول: أنتم الغالبون وآخر الأمر لكم. [سورة آل عمران (3) : آية 140] إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) قوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ. قال ابن عباس: (218) أصابهم يوم أحد قرح، فشكوا إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما لقوا، فنزلت هذه الآية.
[سورة آل عمران (3) : آية 141]
فأما المس، فهو الإصابة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع «قرح» بفتح القاف. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم «قرح» بضم القاف. واختلفوا هل معنى القراءتين واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد: القرح بالفتح: الجراح، والقتل. والقُرح بالضم: ألم الجراح. وقال الزجاج: هما في اللغة بمعنى واحد، ومعناه: الجراح وألمها، قال: ومعنى نداولها: أي: نجعل الدولة في وقت للكفار على المؤمنين إذا عصى المؤمنون، فأما إذا أطاعوا، فهم منصورون، قال: ومعنى وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ أي: ليعلم واقعاً منهم، لأنه عالم قبل ذلك، وإنما يجازي على ما وقع. وقال ابن عباس: معنى العلم هاهنا: الرؤية. قوله تعالى: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ قال أبو الضحى: نزلت في قتلى أُحد، قال ابن جريج: كان المسلمون يقولون: ربنا أرنا يوماً كيوم بدر، نلتمس فيه الشهادة، فاتخذ منهم شهداء يوم أحد. قال ابن عباس: والظالمون هاهنا: المنافقون. وقال غيره: هم الذين انصرفوا يوم أحد مع ابن أبيّ المنافق. [سورة آل عمران (3) : آية 141] وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) قوله تعالى: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا قال الزجاج: معنى الكلام: جعل الله الأيام مداولة بين الناس، ليمحص المؤمنين، ويمحق الكافرين. وفي التمحيص قولان: أحدهما: أنه الابتلاء والاختبار، وأنشدوا «1» : رأيت فضيلاً كان شيئاً ملففاً ... فكشَّفه التمحيص حتى بدا ليا وهذا قول الحسن، ومجاهد، والسدي، ومقاتل، وابن قتيبة في آخرين. والثاني: أنه التنقية، والتخليص، وهو قول الزجاج، وحكي عن المبرّد، قال: يقال: محص الحبل محصاً: إذا ذهب منه الوبر حتى يتخلّص، ومعنى قوله: اللهم محص عنا ذنوبنا: أذهبها عنا. وذكر الزجّاج عن الخليل أن المحص: التخليص، يقال: محصت الشيءُ أمحصه محصاً: إذا أخلصته. فعلى القول الأول التمحيص: ابتلاء المؤمنين بما يجري عليهم، وعلى الثاني: هو تنقيتهم من الذنوب بذلك. قال الفراء: معنى الآية: وليمحص الله بالذنوب عن الذين آمنوا. قوله تعالى: وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ فيه أربعة أقوال: أحدها: يهلكهم، قاله ابن عباس. والثاني: يذهب دعوتهم، قاله مقاتل. والثالث: ينقصهم ويقللهم، قاله الفراء. والرابع: يحبط أعمالهم، ذكره الزجّاج. [سورة آل عمران (3) : الآيات 142 الى 143] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)
[سورة آل عمران (3) : آية 144]
قوله تعالى: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ قال ابن عباس: لما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، بما فعل بشهداء يوم بدر من الكرامة، رغبوا في ذلك، فتمنوا قتالاً يستشهدون فيه، فيلحقون بإخوانهم، فأراهم الله يوم أُحد، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا مَن شاء الله منهم، فنزل فيهم وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ يعني القتال مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ أي: من قبل أن تنظروا إليه يوم أحد فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ يومئذ، قال الفراء، وابن قتيبة: أي: رأيتم أسبابه، وهي السيف ونحوه من السلاح. وفي معنى وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثلاثة أقوال: أحدها: تنظرون إلى السيوف، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ذكر للتوكيد، قاله الأخفش. وقال الزجاج: معناه: فقد رأيتموه، وأنتم بُصراء، كما تقول: رأيت كذا وكذا، وليس في عينك علّة، أي: رأيته رؤية حقيقية. والثالث: أن معناه: وأنتم تنظرون ما تمنيتم. وفي الآية إضمار، أي: فقد رأيتموه فلم انهزمتم!؟ [سورة آل عمران (3) : آية 144] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ. قال ابن عباس: (219) صاح الشيطان يوم أُحد: قتل محمد. فقال قوم: لئن كان قتل لنعطينهم بأيدينا إنهم لعشائرنا وإخواننا، ولو كان محمد حياً لم نهزم، فترخصوا في الفرار، فنزلت هذه الآية. وقال الضحاك: قال قوم من المنافقين: قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة: قال أناس: لو كان نبياً ما قُتل، وقال ناسٌ من عِلْيَة أصحاب رسول الله: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى تلحقوا به، فنزلت هذه الآية. ومعنى الآية: أنه يموت كما ماتت قبله الرُّسل، أفإن مات على فراشه، أو قتل كمن قتل قبله من الأنبياء، أتنقلبون على أعقابكم؟! أي: ترجعون إلى ما كنتم عليه من الكفر؟! وهذا على سبيل المثل، يقال لكل من رجع عما كان عليه: قد انقلب على عقبيه، وأصله: رجعة القهقرى، والعقب: مؤخّر القدم. وقوله تعالى: فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً أي: لن ينقص الله شيئاً برجوعه، وإنما يضر نفسه وَسَيَجْزِي أي: يثيب الشَّاكِرِينَ، وفيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الثابتون على دينهم، قاله علي عليه السلام، وقال: كان أبو بكر أمير الشاكرين. والثاني: أنهم الشاكرون على التوفيق والهداية. والثالث: على الدّين. [سورة آل عمران (3) : آية 145] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) قوله تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ في الإذن قولان:
[سورة آل عمران (3) : آية 146]
أحدهما: أنه الأمر، قاله ابن عباس. والثاني: الإذن نفسه، قاله مقاتل. وقال الزجاج: ومعنى الآية: وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله. قوله تعالى: كِتاباً مُؤَجَّلًا توكيد، والمعنى: كتب الله ذلك كتاباً ذا أجل. والأجل: الوقت المعلوم، ومثله في التوكيد كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ «1» ، لأنه لمّا قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ «2» دلّ على أنه مرفوض، فأكّد بقوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وكذلك قوله تعالى: صُنْعَ اللَّهِ «3» لأنه لما قال: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً «4» دلّ على أنه خلق الله فأكد بقوله: صُنْعَ اللَّهِ. قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها أي: من قصد بعمله الدنيا، أُعطي منها، قليلاً كان أو كثيراً، ومن قصد الآخرة بعمله، أُعطي منها. وقال مقاتل: عنى بالآية: من ثبت يوم أحد، ومن طلب الغنيمة. فصل: وأكثر العلماء على أن هذا الكلام محكم، وذهبت طائفة إلى نسخه بقوله تعالى: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ والصحيح أنه محكم، لأنه لا يؤتى أحد شيئاً إلا بقدرة الله ومشيئته. ومعنى قوله تعالى: نُؤْتِهِ مِنْها أي ما نشاء، وما قدرنا له، ولم يقل: ما يشاء هو. [سورة آل عمران (3) : آية 146] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قرأ الجمهور وَكَأَيِّنْ في وزن «كعيِّن» . وقرأ ابن كثير «وكائن» في وزن «كاعن» . قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: «كأيِّن» مثل: «كعِّين» ينصبون الهمزة، ويشددون الياء. وتميم يقولون: «وكائن» كأنه فاعل من كئت. وأنشدني الكسائي: وكائِن ترى يسعى من الناس جاهداً ... على ابنٍ غدا منه شجاعٌ وعقربُ وقال آخر: وكائِن أصابت مؤمناً من مُصيبةٍ ... على الله عُقباها ومنه ثوابُها وقال ابن قتيبة: كائن بمعنى «كم» مثل قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها «5» وفيها لغتان. «كأين» بالهمزة وتشديد الياء، و «كائن» على وزن «قائل» ، وقد قرئ بهما جميعاً في القرآن، والأكثر والأفصح تخفيفها. قال الشاعر «6» : وكائن أرينا الموتَ من ذي تحيَّةٍ ... إذا ما ازدرانا أو أصرَّ لمأثمِ وقال الآخر» : وكائِن ترى من صامتٍ لكَ معجب ... زيادته أو نقصه في التّكلّم
[سورة آل عمران (3) : آية 147]
قوله تعالى: قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبان، والمفضل كلاهما عن عاصم: «قُتِل» بضم القاف، وكسر التاء من غير ألف، وقرأ الباقون: قاتَلَ بألف، وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأبو رجاء، والحسن، وابن يعمر، وابن جبير، وقتادة، وعكرمة، وأيوب: «ربيون» بضم الراء. وقرأ ابن عباس، وأنس وأبو مجلز، وأبو العالية، والجحدري بفتحها. فعلى حذف الألف يحتمل وجهين ذكرهما الزجّاج: أحدهما: أن يكون قتل للنبي وحده، ويكون المعنى: وكأين من نبي قتل، ومعه ربيون، فما وهنوا بعد قتله. والثاني: أن يكون قتل للربيين، ويكون «فما وهنوا» لمن بقي منهم. وعلى إثبات الألف يكون المعنى: أن القوم قاتلوا، فما وهنوا. وفي معنى الربيين خمسة أقوال: أحدها: أنهم الألوف، قاله ابن مسعود، وابن عباس في رواية، واختاره الفراء. والثاني: الجماعات الكثيرة رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع، واختاره ابن قتيبة. والثالث: أنهم الفقهاء والعلماء، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال الحسن، واختاره اليزيدي، والزجاج. والرابع: أنهم الأتباع، قاله ابن زيد. والخامس: أنهم المتألهون العارفون بالله تعالى، قاله ابن فارس. قوله تعالى: فَما وَهَنُوا فيه قولان: أحدهما: أنه الضعف، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. والثاني: أنه العجز، قاله قتادة. قال ابن قتيبة: والاستكانة: الخشوع والذل، ومنه أخذ المساكين. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: فما وهنوا بالخوف، وما ضعفوا بنقصان القوة، ولا استكانوا بالخضوع. والثاني: فما وهنوا لقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا لما أصابهم. [سورة آل عمران (3) : آية 147] وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) قوله تعالى: وَما كانَ قَوْلَهُمْ يعني الربيين. إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا أي: لم يكن قولهم غير الاستغفار. والإسراف: مجاوزة الحد، وقيل: أريد بالذنوب الصغائر، وبالإسراف: الكبائر. قوله تعالى: وَثَبِّتْ أَقْدامَنا قال ابن عباس: على القتال. وقال الزجاج: معناه: ثبتنا على دينك، فإن الثابت على دينه ثابت في حربه. [سورة آل عمران (3) : آية 148] فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) قوله تعالى: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا فيه قولان: أحدهما: أنه النصر، قاله قتادة. والثاني: الغنيمة، قاله ابن جريج. وروي عن ابن عباس، أنه النصر والغنيمة. وفي حسن ثواب الآخرة قولان: أحدهما: أنه الجنة. والثاني: الأجر والمغفرة. وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين ما يفعلون ويقولون عند لقاء العدوّ. [سورة آل عمران (3) : آية 149] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149)
[سورة آل عمران (3) : آية 150]
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا. قال ابن عباس: نزلت في قول ابن أبي للمسلمين لما رجعوا من أحد: لو كان نبياً ما أصابه الذي أصابه «1» . وفي الذين كفروا هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المنافقون، على قول ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن جريج. والثالث: أنهم عبدة الأوثان، قاله السدي. قالوا: وكانوا قد أمروا المسلمين بالرجوع عن دينهم. ومعنى يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ: يصرفوكم إلى الشّرك. فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ بالعقوبة. [سورة آل عمران (3) : آية 150] بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) قوله تعالى: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ أي: وليكم ينصركم عليهم، فاستغنوا عن موالاة الكفّار. [سورة آل عمران (3) : آية 151] سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) قوله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ. (220) قال السدي: لما ارتحل المشركون يوم أُحد نحو مكة ندموا في بعض الطريق، وقالوا: قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشرذمة، تركتموهم؟! ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، ونزلت هذه الآية. والإلقاء: القذف. والرعب: الخوف. قرأ ابن كثير، ونافع وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة «الرعب» ساكنة العين خفيفة، وقرأ ابن عامر، والكسائي، ويعقوب، وأبو جعفر، مضمومة العين، مثقله، أين وقعت. والسلطان هاهنا: الحجة في قول الجماعة. والمأوى: المكان الذي يؤوى إليه. والمثوى: المقام، والثوى: الإقامة. قال ابن عباس: والظّالمون هاهنا: الكافرون. [سورة آل عمران (3) : آية 152] وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ. (221) قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه من أُحد، قال قومٌ منهم: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النصر؟! فنزلت هذه الآية. وقال المفسرون: وعد الله تعالى المؤمنين
النصر بأحد، فنصرهم فلما خالفوا، وطلبوا الغنيمة، هُزِموا. (222) وقال ابن عباس: ما نُصر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في موطن ما نُصر في أُحد، فأنكر ذلك عليه، فقال: بيني وبينكم كتاب الله، إن الله يقول: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ. فأما الحسُّ، فهو القتل، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والسدي، والجماعة. وقال ابن قتيبة: تحسونهم، أي تستأصلونهم بالقتل، يقال: سَنَةٌ حسوس: إذا أتت على كل شيء، وجراد محسوس: إذا قتله البرد. وفي قوله تعالى: بِإِذْنِهِ ثلاثة أقوال: أحدها: بأمره، قاله ابن عباس. والثاني: بعلمه، قاله الزجاج. والثالث: بقضائه، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ قال الزجاج: أي: جبنتم وَتَنازَعْتُمْ أي: اختلفتم مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ يعني: النصرة. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، معناه: حتى إذا تنازعتم في الأمر، فشلتم وعصيتم، وهذه الواو زائدة، كقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنادَيْناهُ «1» معناه: ناديناه. (223) فأما تنازعهم، فإن بعض الرماة قال: قد إنهزم المشركون، فما يمنعنا من الغنيمة؟ وقال بعضهم: بل نثبت مكاننا كما أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فترك المركز بعضهم، وطلب الغنيمة، وتركوا مكانهم، فذلك عصيانهم، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد أوصاهم: «لو رأيتم الطير تخطفنا فلا تبرحوا من مكانكم» . قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا قال المفسرون: هم الذين طلبوا الغنيمة، وتركوا مكانهم وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وهم الذين ثبتوا. وقال ابن مسعود: ما كنت أظنّ أحدا من
[سورة آل عمران (3) : آية 153]
أصحاب محمد يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية. قوله تعالى: صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي: ردكم عن المشركين بقتلكم وهزيمتكم. لِيَبْتَلِيَكُمْ أي: ليختبركم، فيبين الصابر من الجازع. قوله تعالى: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ فيه قولان: أحدهما: عفا عن عقوبتكم، قاله ابن عباس. والثاني: عفا عن استئصالكم، قاله الحسن. وكان يقول: هؤلاء مع رسول الله، في سبيل الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فما تركوا حتى غموا بهذا الغم، والفاسق اليوم يتجرم كل كبيرة ويركب كل داهية، ويزعم أن لا بأس عليه، فسوف يعلم. قوله تعالى: وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فيه قولان: أحدهما: إذا عفا عنهم، قاله ابن عباس. والثاني: إذ لم يقتلوا جميعا، قاله مقاتل. [سورة آل عمران (3) : آية 153] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) قوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ قال المفسرون: «إذ» متعلقة بقوله تعالى: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وأكثر القراء على ضم التاء، وكسر العين، من قوله تعالى: «تصعدون» وهو من الإصعاد. وروى أبان عن ثعلب، عن عاصم فتحهما، وهي قراءة الحسن، ومجاهد، وهو من الصعود. قال الفراء: الإصعاد في ابتداء الأسفار، والمخارج، تقول: أصعدنا من بغداد إلى خراسان، فإذا صعدت على سلم أو درجة، قلت: صعدت، ولا تقول: أصعدت. وقال الزجاج: كل من ابتدأ مسيراً من مكان، فقد أصعد، فأما الصّعود، فهو من أسفل إلى فوق، قال ومن فتح التاء والعين، أراد الصعود في الجبل. وللمفسرين في معنى الآية قولان: أحدهما: أنه صعودهم في الجبل، قاله ابن عباس ومجاهد. والثاني: أنه الإبعاد في الهزيمة، قاله قتادة، وابن قتيبة. وتَلْوُونَ بمعنى: تعرجون. وقوله تعالى: عَلى أَحَدٍ عام. (224) وقد روي عن ابن عباس أنه أُريد به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يناديهم من خلفهم: «إِليَّ عباد الله، أنا رسول الله» . وقرأت عائشة وأبو مجلز وأبو الجوزاء وحميد «على أُحد» بضم الألف والحاء، يعنون الجبل. قوله تعالى: فَأَثابَكُمْ أي: جازاكم. قال الفراء: الإثابة هاهنا بمعنى عقاب، ولكنه كما قال الشاعر «1» : أخاف زياداً أن يكونَ عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا
[سورة آل عمران (3) : آية 154]
المحدرجة: السياط. والسود فيما يقال: القيود. قوله تعالى: غَمًّا بِغَمٍّ في هذه الباء أربعة أقوال: أحدها: أنها بمعنى «مع» . والثاني: بمعنى «بعد» . والثالث: بمعنى «على» ، فعلى هذه الثلاثة الأقوال يتعلق الغمان بالصحابة. وللمفسرين في المراد بهذين الغمين خمسة أقوال: أحدها: أن الغم الأول ما أصابهم من الهزيمة والقتل، والثاني: إشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين عليهم، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أن الأول قرارهم الأول، والثاني. قرارهم حين سمعوا أن محمداً قد قتل، قاله مجاهد. والثالث: أن الأول ما فاتهم من الغنيمة وأصابهم من القتل والجراح، والثاني: حين سمعوا أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد قتل، قاله قتادة. والرابع: أن الأول ما فاتهم من الغنيمة، والفتح، والثاني: إشراف أبي سفيان عليهم، قاله السدي. والخامس: أن الأول إشراف خالد بن الوليد عليهم، والثاني: إشراف أبي سفيان عليهم، ذكره الثعلبي. والقول الرابع: أن الباءَ بمعنى الجزاء، فتقديره: غمكم كما غممتم غيركم، فيكون أحد الغمين للصحابة، وهو أحد غمومهم التي ذكرناها عن المفسرين، ويكون الغم الذي جُوزوا لأجله لغيرهم. وفي المراد بغيرهم قولان: أحدهما: أنهم المشركون غموهم يوم بدر، قاله الحسن. والثاني: أنه النبي صلّى الله عليه وسلّم غموه حيث خالفوه، فجوزوا على ذلك بأن غمّوا بما أصابهم، قاله الزجاج. قوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا في «لا» قولان: أحدهما: أنها باقية على أصلها، ومعناها النفي، فعلى هذا في معنى الكلام قولان: أحدهما: فأثابكم غماً أنساكم الحزن على ما فاتكم وما أصابكم، وقد روي أنهم لما سمعوا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد قتل، نسوا ما أصابهم وما فاتهم. والثاني: أنه متّصل بقوله تعالى: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ فمعنى الكلام: عفا عنكم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم، لأن عفوه يذهب كل غم. والقول الثاني: أنها صلة، ومعنى الكلام: لكي تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم عقوبة لكم في خلافكم. ومثلها قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ «1» أي: ليعلم. هذا قول المفضل. قال ابن عباس: والذي فاتهم: الغنيمة، والذي أصابهم: القتل والهزيمة. [سورة آل عمران (3) : آية 154] ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154) قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً قال ابن قتيبة: الأمنة: الأمن. يقال: وقعت الأمنة في الأرض. وقال الزجاج: معنى الآية: أعقبكم بما نالكم من الرعب أن أمنكم أمناً تنامون معه، لأن الشديد الخوف لا يكاد ينام. و «نعاساً» منصوب على البدل من «أمنة» ، يقال: نعس الرجل ينعس
نعاساً، فهو ناعس. وبعضهم يقول: نعسان. قال الفراء: قد سمعتها، ولكني لا أشتهيها. قال العلماء: النعاس: أخف النوم. وفي وجه الامتنان عليهم بالنعاس قولان: أحدهما: أنه أمنهم بعد خوفهم حتى ناموا، فالمنة بزوال الخوف، لأن الخائف لا ينام. والثاني: قواهم بالاستراحة على القتال. قوله تعالى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «يغشى» بالياء مع التفخيم، وهو يعود إلى النعاس. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف «تغشى» بالتاء مع الإمالة، وهو يرجع إلى الأمنة. فأما الطائفة التي غشيها النوم، فهم المؤمنون، والطائفة الذين أهمَّتهم أنفسهم: المنافقون، أهمهم خلاص أنفسهم، فذهب النوم عنهم. (225) قال أبو طلحة: كان السيف يسقط من يدي، ثم آخذه، ثم يسقط، وآخذه من النعاس. وجعلت أنظر، وما منهم أحد يومئذ إلا يميد تحت حَجَفَته «1» من النعاس. (226) وقال الزبير: أرسل الله علينا النوم، فما منَّا رجل إلا ذقنه في صدره، فو الله إني لأسمع كالحلم قول معتب بن قشير: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا فحفظتها منه. قوله تعالى: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ فيه أربعة أقوال: أحدها: أنهم ظنُّوا أن الله لا ينصر محمداً وأصحابه، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنهم كذبوا بالقدر، رواه الضحاك، عن ابن عباس. والثالث: أنهم ظنوا أن محمداً قد قتل، قاله مقاتل. والرابع: ظنّوا أن أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم مضمحل، قاله الزجاج. قوله تعالى: ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ، قال ابن عباس: أي: كظن الجاهلية. قوله تعالى: يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه: الجحد، تقديره: ما لنا من الأمر من شيء. قال الحسن: قالوا: لو كان الأمر إلينا ما خرجنا، وإنما أُخرجنا كرهاً. وقال غيره: المراد بالأمر: النصر والظفر، قالوا: إنما النصر للمشركين، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ، أي: النصر والظفر، والقضاء والقدر لِلَّهِ. والأكثرون قرءوا إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ بنصب اللام، وقرأ أبو عمرو برفعها، قال أبو علي: حجة من نصب، أن «كله» بمنزلة «أجمعين» في الإحاطة والعموم، فلو قال: إن الأمر أجمع، لم يكن إلا النَّصب، و «كله» بمنزلة «أجمعين» ، ومن رفع، فلأنه قد ابتدأ به، كما ابتدأ بقوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ. قوله تعالى: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ في الذي أخفوه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قولهم: «لو كنا في
[سورة آل عمران (3) : آية 155]
بيوتنا ما قتلنا هاهنا» . والثاني: أنه إسرارهم الكفر، والشك في أمر الله. والثالث: الندم على حضورهم مع المسلمين بأحد. قال أبو سليمان الدمشقي: والذي قال: هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ عبد الله بن أُبي. والذي قال: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ معتب بن قشير. قوله تعالى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ أي: لو تخلفتم، لخرج منكم من كُتب عليه القتل، ولم ينجه القعود. والمضاجع: المصارع بالقتل. قال الزجاج: ومعنى لَبَرَزَ: صاروا إلى براز، وهو المكان المنكشف. ومعنى وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ أي: ليختبره بأعمالكم، لأنه قد علمه غيباً، فيعلمه شهادة. قوله تعالى: وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ قال قتادة: أراد ليظهرها من الشك والارتياب، بما يريكم من عجائب صنعه من الأمنة، وإظهار سرائر المنافقين. وهذا التمحيص خاص للمؤمنين. وقال غيره: أراد بالتمحيص: إبانة ما في القلوب من الاعتقاد لله، ولرسوله، وللمؤمنين، فهو خطاب للمنافقين. قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: بما فيها. وقال ابن الأنباري: معناه: عليم بحقيقة ما في الصدور من المضمرات، فتأنيث ذات بمعنى الحقيقة، كما تقول العرب: لقيته ذات يوم. فيؤنثون لأن مقصدهم: لقيته مرة في يوم. [سورة آل عمران (3) : آية 155] إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ الخطاب للمؤمنين، وتوليهم: فرارهم من العدو. والجمعان: جمع المؤمنين، وجمع المشركين، وذلك يوم أُحد. واستزلهم: طلب زللهم، قال ابن قتيبة: هو كما تقول: استعجلت فلاناً، أي: طلبت عجلته، واستعملته: طلبت عمله. والذي كسبوا: يريد به الذّنوب. وفي سبب فرارهم يومئذ قولان: أحدهما: أنهم سمعوا أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد قتل، فترخصوا في الفرار «1» ، قاله ابن عباس في آخرين. والثاني: أن الشيطان أذكرهم خطاياهم، فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها، قاله الزجّاج. [سورة آل عمران (3) : آية 156] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا أي كالمنافقين الذين قالوا لإخوانهم في النفاق، وقيل: إخوانهم في النسب. قال الزجاج: وإنما قال: إِذا ضَرَبُوا ولم يقل: إذ ضربوا، لأنه يريد: شأنُهم هذا أبداً، تقول: فلان إذا حدث صدق، وإذا ضُرِب صبر. و «إذا» لما يستقبل، إلا أنه لم يحكم له بهذا المستقبل إلا لما قد خبر منه فيما مضى. قال المفسرون: ومعنى ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ:
[سورة آل عمران (3) : آية 157]
ساروا وسافروا. و «غزىً» جمع غازي. وفي الكلام محذوف تقديره: إذا ضربوا في الأرض فماتوا، أو غزوا، فقتلوا. قوله تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ قال ابن عباس: ليجعل الله ما ظنوا من أنهم لو كانوا عندهم، سلموا، حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ أي: حزناً. قال ابن فارس: الحسرة: التلهف على الشيء الفائت. قوله تعالى: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ أي: ليس تحرُّز الإنسان يمنعه من أجله. قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: «يعملون» بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. قال أبو علي: حجة من قرأ بالياء أنّ قبلها غيبة، وهو قوله عزّ وجلّ: وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ، ومن قرأ بالتاء، فحجته لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا. [سورة آل عمران (3) : آية 157] وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) قوله تعالى: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ اللام في «لئن» لام القسم، تقديره: والله لئن قتلتم في الجهاد أَوْ مُتُّمْ في إقامتكم. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «مُتَّ» و «مُتُّم» و «مُتنا» برفع الميم في جميع القرآن، وروى حفص عن عاصم: أَوْ مُتُّمْ وَلَئِنْ مُتُّمْ برفع الميم في هذين دون باقي القرآن. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي كل ما في القرآن بالكسر. قوله تعالى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي: من أعراض الدنيا التي تتركون الجهاد لجمعها. وقرأ حفص عن عاصم: يجمعون بالياء، ومعناه: خير مما يجمع غيركم مما تركوا الجهاد لجمعه. قال ابن عباس: خير مما يجمع المنافقون في الدنيا. [سورة آل عمران (3) : آية 158] وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) قوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أي: في إقامتكم. أَوْ قُتِلْتُمْ في جهادكم. لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ. وهذا تخويف من القيامة. والحشر: الجمع من سوق. [سورة آل عمران (3) : آية 159] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ قال الفراء وابن قتيبة والزجاج: «ما» هاهنا صلة، ومثله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ. قال ابن الأنباري: دخول «ما» هاهنا يحدث توكيداً. قال النّابغة: المرء يهوى أن يعيش ... وطولُ عيش ما يضرُّه فأكد بذكر «ما» . وفيمن تتعلق به هذه الرحمة قولان: أحدهما: أنها تتعلّق بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والثاني: بالمؤمنين. قال قتادة: ومعنى لِنْتَ لَهُمْ لان جانبك، وحَسُن خُلُقُك، وكثر احتمالك. قال الزجّاج: والفظّ: الغليظ الجانب، السّيئ الخلق، يقال: فظظت تفظ فظاظة وفظظاً، والفظ: ماء الكرش والفرث، وإنما سمي فظاً لغلظ مشربه. فأما الغليظ القلب، فقيل: هو القاسي القلب، فيكون ذكر
الفظاظة والغلظ- وإن كانا بمعنى واحد- توكيداً. وقال ابن عباس: الفظ: في القول، والغليظ القلب: في الفعل. قوله تعالى: لَانْفَضُّوا أي: تفرقوا. وتقول: فضضت عن الكتاب ختمه: إذا فرقته عنه. فَاعْفُ عَنْهُمْ أي: تجاوز عن هفواتهم، وسل الله المغفرة لذنوبهم وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ معناه: استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم. ويقال: إنه من: شرت العسل. وأنشدوا «1» : وقاسمها بالله حقاً لأنتم ... ألذُّ من السَّلوى إذا ما نشورُها قال الزجاج: يقال: شاورت الرجل مشاورة وشوراً، وما يكون عن ذلك اسمه المشورة وبعضهم يقول: المشوْرَة. ويقال: فلان حسن الصورة والشورة، أي: حسن الهيئة واللباس. ومعنى قولهم: شاورت فلاناً، أظهرت ما عنده وما عندي. وشرت الدابة: إذا امتحنتها. فعرفت هيئتها في سيرها. وشرت العسل: إذا أخذته من مواضع النحل. وعسل مشار. قال الأعشى: كأنّ القرنفل والزّنجبيل ... باتا بفيها وأرياً مشاراً والأري: العسل. واختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه مع كونه كامل الرأي، تام التدبير، على ثلاثة أقوال: أحدها: ليستن به من بعده، وهذا قول الحسن، وسفيان بن عيينة. والثاني: لتطيب قلوبهم، وهو قول قتادة، والربيع، وابن إسحاق، ومقاتل. قال الشّافعيّ رضي الله عنه: نظير هذا قوله عليه السلام: (227) «البكر تُستأمر في نفسها» ، إنما أراد استطابة نفسها، فإنها لو كرهت، كان للأب أن يزوجها، وكذلك مشاورة إبراهيم عليه السلام لابنه حين أُمر بذبحه. والثالث: للإعلام ببركة المشاورة، وهو قول الضحاك. ومن فوائد المشاورة أن المشاور إذا لم ينجح أمره، علم أن امتناع النجاح محض قدر، فلم يلم نفسه، ومنها أنه قد يعزم على أمر، فيبين له الصواب في قول غيره، فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح. قال علي عليه السلام: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم. وقال بعض الحكماء: ما استُنْبِطَ الصواب بمثل المشاورة، ولا حُصِّنتِ النعم بمثل المواساة، ولا اكتسب البغضاء بمثل الكبر. واعلم أنه إنما أُمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمشاورة أصحابه فيما لم يأته فيه وحي، وعمهم بالذكر، والمقصود أرباب الفضل والتجارِب منهم. وفي الذي أُمر بمشاورتهم فيه قولان، حكاهما القاضي أبو يعلى: أحدهما: أنه أمر الدنيا خاصة. والثاني: أمر الدين والدنيا، وهو أصح.
[سورة آل عمران (3) : آية 160]
وقد قرأ ابن مسعود، وابن عباس «وشاورهم في بعض الأمر» . قوله تعالى: فَإِذا عَزَمْتَ قال ابن فارس: العزم: عقد القلب على الشيء ويريد أن يفعله. وقد قرأ أبو رزين، وأبو مجلز، وأبو العالية، وعكرمة، والجحدري: (فإذا عزمتُ) بضم التاء. فأما التوكل، فقد سبق شرحه. ومعنى الكلام: فإذا عزمت على فعل شيء، فتوكل على الله، لا على المشاورة. [سورة آل عمران (3) : آية 160] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) قوله تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ قال ابن فارس: النصر: العون، والخذلان: ترك العون. وقيل الكناية في قوله تعالى مِنْ بَعْدِهِ تعود إلى خذلانه. [سورة آل عمران (3) : آية 161] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) قوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، في سبب نزولها سبعة أقوال: (228) أحدها: أن قطيفة من المغنم فقدت يوم بدر، فقال ناس: لعلّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخذها، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. (229) والثاني: أن رجلاً غلَّ من غنائم هوازن يوم حنين، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس. (230) والثالث: أن قوماً من أشراف الناس طلبوا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يخصهم بشيء من الغنائم، فنزلت هذه الآية، نقل عن ابن عباس أيضاً. (231) والرابع: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعث طلائعا، فغنم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم غنيمة، ولم يقسم للطلائع، فقالوا قسم الفيء ولم يقسم لنا، فنزلت هذه الآية، قاله الضّحّاك.
(232) والخامس: أن قوماً غلُّوا يوم بدر، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة.
[سورة آل عمران (3) : آية 162]
(234) قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوماً فذكر الغلول، فعظمه، وعظم أمره، ثم قال: «لا أُلفينَّ أحدَكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك» . الرغاء: صوت البعير، والثغاء: صوت الشاة، والنفس: ما يُغل من السَّبي، والرقاع: الثياب، والصامت: المال. والقول الثاني: أنه يأتي حاملاً إثم ما غل. والثالث: أنه يردُّ عوض ما غل من حسناته. والقول الأوّل أصحّ لمكان الأثر الصّحيح. [سورة آل عمران (3) : آية 162] أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) قوله تعالى: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ اختلفوا في معنى هذه الآية على قولين: أحدهما: أن معناها: أفمن اتبع رضوان الله، فلم يغل، كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ حين غل؟! هذا قول سعيد بن جبير، والضحاك، والجمهور. والثاني: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما أمر المسلمين باتباعه يوم أُحد، اتبعه المؤمنون، وتخلف جماعة من المنافقين، فأخبر الله بحال من تبعه، ومن تخلف عنه، هذا قول الزجّاج. [سورة آل عمران (3) : آية 163] هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) قوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ، قال الزجاج: معناه: هم ذوو درجات. وفي معنى درجات قولان: أحدهما: أنها درجات الجنة، قاله الحسن. والثاني: أنها فضائلهم، فبعضهم أفضل من بعض، قاله الفراء، وابن قتيبة. وفيمن عنى بهذا الكلام قولان: أحدهما: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله، والذين باؤوا بسخط من الله، فلمن اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العذاب، هذا قول ابن عباس. والثاني: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله فقط، فإنهم يتفاوتون في المنازل، هذا قول سعيد بن جبير، وأبي صالح، ومقاتل. [سورة آل عمران (3) : آية 164] لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164)
[سورة آل عمران (3) : آية 165]
قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي: أنعم عليهم. و «أنفسهم» : جماعتهم، وقيل: نسبَهم. وقرأ الضحاك، وأبو الجوزاء: (من أنفَسهم) بفتح الفاء. وفي وجه الامتنان عليهم بكونه من أنفسهم أربعة أقوال: أحدها: لكونه معروف النسب فيهم، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: لكونهم قد خبروا أمره، وعلموا صدقه، قاله الزجاج. والثالث: ليسهل عليهم التعلم منه، لموافقة لسانه للسانهم، قاله أبو سليمان الدمشقي. والرابع: لأن شرفهم يتم بظهور نبي منهم، قاله الماوردي. وهل هذه الآية خاصة أم عامة؟ فيه قولان: أحدهما: أنها خاصة للعرب. روي عن عائشة والجمهور. والثاني: أنها عامة لسائر المؤمنين، فيكون المعنى أنه ليس بملكٍ، ولا من غير بني آدم، وهذا اختيار الزجاج. وقد سبق في (البقرة) بيان باقي الآية. [سورة آل عمران (3) : آية 165] أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) قوله تعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ، قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: لما كان يوم أُحد، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرّ أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فنزلت هذه الآية إلى قوله تعالى قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ قال: بأخذكم الفداء. قوله تعالى أَوَلَمَّا قال الزجاج: هذه واو النسق، دخلت عليها ألف الاستفهام، فبقيت مفتوحة على هيئتها قبل دخولها، ومثل ذلك قول القائل: تكلم فلان بكذا وكذا فيقول المجيب له: أو هو ممن يقول ذلك؟ فأما «المصيبة» فما أصابهم يوم أُحد، وكانوا قد أصابوا مثليها من المشركين يوم بدر، لأنهم قتل منهم سبعون، فقتلوا يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين، وهذا قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والجماعة، إلا أن الزجاج قال: قد أصبتم يوم أُحد مثلها، ويوم بدر مثلها، فجعل المثلين في اليومين. قوله تعالى: أَنَّى هذا، قال ابن عباس: من أين أصابنا هذا ونحن مسلمون؟ قوله تعالى: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: بأخذكم الفداء يوم بدر، قاله عمر بن الخطاب. (235) وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: جاء جبريل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: إن الله قد كره ما صنع قومك من أخذهم الفداء، وقد أمرك أن تخيِّرهم بين أن يضربوا أعناق الأسارى، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يُقتل منهم عدَّتهم، فذكر ذلك للناس، فقالوا: عشائرنا وإخواننا، بل نأخذ منهم الفداء، ويستشهد منا عدّتهم، فقتل منهم يوم أُحد سبعون، عدد أسارى بدر، فعلى هذا يكون المعنى: قل هو بأخذكم الفداءَ، واختياركم القتل لأنفسكم. والثاني: أنه جرى ذلك بمعصية الرماة يوم أُحد، وتركهم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس،
[سورة آل عمران (3) : الآيات 166 إلى 167]
ومقاتل في آخرين. والثالث: أنه بمخالفتهم الرسول في الخروج من المدينة يوم أُحد، فإنه أمرهم بالتحصُّن فيها، فقالوا: بل نخرج، قاله قتادة، والربيع. قال مقاتل: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من النّصر والهزيمة قَدِيرٌ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 166 الى 167] وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ الجمعان: النبي وأصحابه، وأبو سفيان وأصحابه، وذلك في يوم أحد، وقد سبق ذكر ما أصابهم. قوله تعالى: فَبِإِذْنِ اللَّهِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أمره. والثاني: قضاؤه، رويا عن ابن عباس. والثالث: علمه، قاله الزجاج. قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ أي: ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما نالهم، ويظهر نفاق المنافقين بفشلهم وقلة صبرهم. قال ابن قتيبة: والنفاق مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهو جحر من جِِحَرتِه، يخرج منه إذا أخذ عليه الجحر الذي دخل فيه. قال ابن قتيبة: قال الزيادي عن الأصمعي: ولليربوع أربعة أجحرة: النافقاء: وهو الذي يخرج منه كثيراً، ويدخل منه كثيراً. والقاصعاء، سمي بذلك لأنه يخرج تراب الجحر، ثم يقصِّع ببعضه كأنه يسد به فم الجحر، ومنه يقال: جرح فلان قد قصع بالدم: إذا امتلأ ولم يسل. والدّامّاء، سمي بذلك، لأنه يخرج التراب من فم الجحر، ثم يدمُّ به فم الجحر، كأنه يطليه، ومنه يقال: ادمم قدرك بشحم، أي اطلها به. والرّاهطاء، ولم يذكر اشتقاقه، وإنما يتخذ هذه الجحر عدداً، فاذا أخذ عليه بعضها، خرج من بعض. قال أبو زيد: فشبه المنافق به، لأنه يدخل في الإسلام بلفظه، ويخرج منه بعقده، كما يدخل اليربوع من باب ويخرج من باب. قال ابن قتيبة: والنفاق: لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام. قال ابن عباس: والمراد بالذين نافقوا عبد الله بن أُبي، وأصحابه. (236) قال موسى بن عقبة: خرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم أُحد، ومعه المسلمون، وهم ألف رجل، والمشركون ثلاثة آلاف، فرجع عنه ابن أُبي في ثلاثمائة. فأما القتال، فمباشرة الحرب. وفي المراد بالدفع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التكثير بالعدد. رواه مجاهد عن ابن عباس، وهو قول الحسن، وعكرمة، والضحاك، والسدي، وابن جريج في آخرين. والثاني: أن معناه: ادفعوا عن أنفسكم وحريمكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. والثالث: أنه بمعنى القتال أيضاً. قاله ابن زيد. قوله تعالى: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: لو نعلم أن اليوم يجري قتال ما
[سورة آل عمران (3) : آية 168]
أسلمناكم، ذكره ابن اسحاق. والثاني: لو كنا نحسن القتال لاتّبعناكم. والثالث: إن معناه: أن هناك قتلاً وليس بقتال، ذكرهما الماوردي. قوله تعالى: هُمْ لِلْكُفْرِ أي: إلى الكفر أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ أي: إلى الإيمان، وإنما قال: يومئذ، لأنهم فيما قبل لم يظهروا مثل ما أظهروا، فكانوا بظاهر حالهم فيما قبل أقرب إلى الإيمان. قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فيه وجهان ذكرهما الماورديّ: أحدهما: ينطقون بالإيمان، وليس في قلوبهم إلا الكفر. والثاني: يقولون: نحن أنصار، وهم أعداء. وذكر في الذي يكتمون وجهين: أحدهما: أنه النّفاق. والثاني: العداوة. [سورة آل عمران (3) : آية 168] الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) قوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن أُبي. وفي إخوانهم قولان: أحدهما: أنهم إخوانهم في النفاق، قاله ابن عباس. والثاني: إخوانهم في النسب، قاله مقاتل. فعلى الأول يكون المعنى: قالوا لإخوانهم المنافقين: لو أطاعنا الذين قتلوا مع محمد ما قتلوا، وعلى الثاني يكون المعنى: قالوا عن إخوانهم الذين استشهدوا بأحد: لو أطاعونا ما قتلوا. قوله تعالى: وَقَعَدُوا يعني القائلين قعدوا عن الجهاد. قوله تعالى: فَادْرَؤُا أي: فادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّ الحذر ينفع مع القدر. [سورة آل عمران (3) : آية 169] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً قرأ ابن عامر: قتّلوا بالتشديد. واختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في شهداء أُحد. (237) روى ابن عباس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب قال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية» وهذا قول سعيد بن جبير، وأبي الضحى. والثاني: أنها نزلت في شهداء بدر لما أفضوا إلى كرامة الله عزّ وجلّ وقالوا: ربّنا أعلم إخواننا،
[سورة آل عمران (3) : آية 170]
فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس «1» ، وهو قول مقاتل. (238) والثالث: أنها نزلت في شهداء بئر معونة. روى محمد بن إسحاق عن أشياخ له، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعث المنذر بن عمرو في سبعين رجلاً من خيار المسلمين إلى أهل نجد، فلما نزلوا بئر معونة، خرّع حرام بن ملحان إلى عامر بن الطفيل بكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلم ينظر فيه عامر، وخرج رجل من كسر «2» البيت برمح، فضرب به في جنب حرام حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، وقتل سائر أصحابه غير واحد منهم، قال أنس بن مالك: فأنزل الله تعالى فيهم: «بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه» ثم رفعت، فنزلت هذه الآية: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً. فهذا اختلاف الناس فيمن نزلت، واختلفوا في سبب نزولها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الشهداء بعد استشهادهم سألوا الله أن يخبر إخوانهم بمصيرهم، وقد ذكرناه عن ابن عباس. والثاني: أن رجلاً قال: يا ليتنا نعلم ما لقي إخواننا الذين استشهدوا، فنزلت، قاله مقاتل. والثالث: أن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور، تحسروا، وقالوا نحن في النعمة والسرور، وآباؤنا، وأبناؤنا، وإخواننا، في القبور، فنزلت هذه الآية، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. فأما التفسير، فمعنى الآية: لا تحسبنهم أمواتاً كالأموات الذين لم يقتلوا في سبيل الله، وقد بينا هذا المعنى في (البقرة) وذكرنا أن معنى حياتهم: أن أرواحهم في حواصل طير تأكل من ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها. قال مجاهد: يرزقون من ثمر الجنة. [سورة آل عمران (3) : آية 170] فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) قوله تعالى: فَرِحِينَ قال ابن قتيبة: الفرح: المسرة، فأما الذي آتاهم الله، فما نالوا من كرامة الله ورزقه، والاستبشار: السرور بالبشارة، بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ إخوانهم من المسلمين. وفي سبب استبشارهم بهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ الله تعالى لمّا أخبر بكرامة الشهداء، أخبر الشهداء بأني قد أنزلت على نبيكم، وأخبرته بأمركم فاستبشروا، وعلموا أن إخوانهم سيحرصون على الشهادة، قاله سعيد بن جبير. والثاني: يستبشرون بإخوانهم الذين يرجون لهم الشهادة، يقولون: إن قتلوا نالوا ما نلنا من الفضل، قاله قتادة. والثالث: أن الشهيد يؤتى بكتاب فيه ذكر من تقدم عليه من إخوانه وأهله، وفيه يقدم عليه فلان يوم كذا وكذا، فيستبشر بقدومه، كما يستبشر أهل الغائب به، هذا قول السدي.
[سورة آل عمران (3) : آية 171]
و «الهاء» و «الميم» في قوله تعالى: أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ تعود إلى الذين لم يلحقوا بهم. قال الفراء: معناه: يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم، ولا حزن. وفي ماذا يرتفع «الخوف» و «الحزن» عنهم؟ فيه قولان: أحدهما: لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم، ولا يحزنون على ما خلفوا من أموالهم. والثاني: لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه، ولا يحزنون على مفارقة الدنيا فرحاً بالآخرة. [سورة آل عمران (3) : آية 171] يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) قوله تعالى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ قال مقاتل: برحمة ورزق. قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ قرأ الجمهور بالفتح على معنى: ويستبشرون بأن الله، وقرأ الكسائي بالكسر على الاستئناف. [سورة آل عمران (3) : آية 172] الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ في سبب نزولها قولان: (239) أحدهما: أن المشركين لما انصرفوا يوم أحد، ندب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه لاتباعهم، ثم خرج بمن انتدب معه، فلقي أبو سفيان قوماً، فقال: إن لقيتم محمداً، فأخبروه أني في جمع كثير، فلقيهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسألهم عنه؟ فقالوا: لقيناه في جمع كثير، ونراك في قلةٍ، فأبى إلا أن يطلبه، فسبقه أبو سفيان، فدخل مكة، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، والجمهور. (240) والثاني: أن أبا سفيان لما أراد الانصراف عن أُحد، قال: يا محمد، موعد بيننا وبينك موسم بدر، فلما كان العام المقبل، خرج أبو سفيان، ثم ألقى الله في قلبه الرعب، فبدا له الرجوع، فلقي نُعيم بن مسعود، فقال: إني قد واعدت محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وهذا عام جدب، لا يصلح لنا، فثبطهم عنا، وأعلمهم أنَّا في جمع كثير، فلقيهم فخوفهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وخرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه، حتى أقاموا ببدر ينتظرون أبا سفيان، فنزل قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الآيات. وهذا المعنى مروي عن مجاهد، وعكرمة. والاستجابة: الإجابة. وأنشدوا: فلم يستجبه عند ذاك مجيب «1»
[سورة آل عمران (3) : آية 173]
أي: فلم يجبه. وفي مراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وخروجه وندب الناس إلى الخروج ثلاثة أقوال: أحدها: ليرهب العدو باتباعهم. والثاني: لموعد أبي سفيان. والثالث: لأنه بلغه عن القوم أنهم قالوا: أصبتم شوكتهم، ثم تركتموهم. وقد سبق الكلام في القرح. قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ أي: أحسنوا بطاعة الرسول، واتقوا مخالفته. [سورة آل عمران (3) : آية 173] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ في المراد بالناس ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ركب لقيهم أبو سفيان، فضمن لهم ضماناً لتخويف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، قاله ابن عباس، وابن إسحاق. والثاني: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي، قاله مجاهد، وعكرمة، ومقاتل في آخرين. والثالث: أنهم المنافقون، لمّا رأوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتجهز، نهوا المسلمين عن الخروج، وقالوا: إن أتيتموهم في ديارهم، لم يرجع منكم أحد، هذا قول السدي. قوله تعالى: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يعني أبا سفيان وأصحابه. قوله تعالى: فَزادَهُمْ إِيماناً قال الزجاج: زادهم ذلك التخويف ثبوتاً في دينهم، وإِقامة على نصرة نبيهم، وقالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ أي: هو الذي يكفينا أمرهم. فأما «الوكيل» ، فقال الفراء: الوكيل: الكافي، واختاره ابن القاسم. وقال ابن قتيبة: هو الكفيل، قال: ووكيل الرجل في ماله: هو الذي كفله له، وقام به. وقال الخطابي: الوكيل: الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم، وحقيقته: أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه. وحكى ابن الأنباري أن قوماً قالوا: الوكيل: الرّبّ. [سورة آل عمران (3) : آية 174] فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) قوله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ الانقلاب: الرجوع. وفي النعمة، ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الأجر، قاله مجاهد. والثاني: العافية، قاله السدي. والثالث: الإيمان والنصر، قاله الزجاج. وفي الفضل، ثلاثة أقوال: أحدها: ربح التجارة، قاله مجاهد، والسدي، وهذا قول من يرى أنهم خرجوا لموعد أبي سفيان. قال الزهري: لما استنفر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم المسلمين لموعد أبي سفيان ببدر، خرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا سفيان، فهو الذي خرجنا إليه، وإن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا، وكانت بدر متجراً يوافى كل عام، فانطلقوا فقضوا حوائجهم، وأخلف أبو سفيان الموعد. والثاني: أنهم أصابوا سرية بالصفراء، فرزقوا منها، قاله مقاتل. والثالث: أنه الثواب، ذكره الماوردي. قوله تعالى: لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ قال ابن عباس: لم يؤذهم أحد. وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ في طلب القوم. وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ أي: ذو منّ بدفع المشركين عن المؤمنين. [سورة آل عمران (3) : آية 175] إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) قوله تعالى: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ قال الزجاج: معناه: ذلك التخويف كان فعل الشيطان، سوّله للمخوِّفين. وفي قوله تعالى: يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ قولان:
[سورة آل عمران (3) : آية 176]
أحدهما: أن معناه: يخوّفكم بأوليائه، قاله الفراء، واستدلّ بقوله تعالى: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً «1» أي: ببأس، وبقوله تعالى: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ «2» أي: بيوم التلاق. وقال الزجاج: معناه: يخوفكم من أوليائه، بدليل قوله تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ. وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وإبراهيم، وابن قتيبة. وأنشد ابن الأنباري في ذلك «3» : وأيقنتُ التفرُّقَ يوم قالوا ... تُقُسِّمَ مال أربد بالسهام أراد: أيقنت بالتفرق. قال: فلما أسقط الباء أعمل الفعل فيما بعدها ونصبه. قال: والذي نختاره في الآية: أن المعنى: يخوفكم أولياءه. تقول العرب: قد أعطيت الأموال، يريدون: أعطيت القوم الأموال، فيحذفون القوم، ويقتصرون على ذكر المفعول الثاني. فهذا أشبه من ادعاء «باء» ما عليها دليل، ولا تدعو إليها ضرورة. والثاني: أن معناه: يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين، قاله الحسن والسدي، وذكره الزجاج. قوله تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ يعني: أولياء الشيطان وَخافُونِ في ترك أمري. وفي «إنْ» قولان: أحدهما: أنها بمعنى: «إذ» ، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنها للشرط، وهو قول الزجّاج في آخرين. [سورة آل عمران (3) : آية 176] وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) قوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، قرأ نافع «يحزنك» «ليحزنني» «ليحزن» بضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن، إلا في (الأنبياء) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ «4» ، فإنه فتح الياء، وضم الزاي. وقرأ الباقون كل ما في القرآن بفتح الياء وضم الزاي. قال أبو علي: يشبه أن يكون نافع تبع في سورة (الأنبياء) أثراً، أو أحب أن يأخذ بالوجهين. وفي الذين يسارعون في الكفر أربعة أقوال: أحدها: أنهم المنافقون، ورؤساء اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: المنافقون، قاله مجاهد. والثالث: كفار قريش، قاله الضحاك. والرابع: قوم ارتدوا عن الإسلام، ذكره الماوردي. وقيل: معنى مسارعتهم في الكفر: مظاهرتهم للكفار، ونصرهم إياهم. فإن قيل: كيف لا يحزنه المسارعة في الكفر؟ فالجواب: لا يحزنك فعلهم، فإنك منصور عليهم. قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً فيه قولان: أحدهما: لن ينقصوا الله شيئاً بكفرهم، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: لن يضروا أولياء الله شيئاً، قاله عطاء. قال ابن عباس: والحظ: النصيب، والآخرة: الجنة. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في النار. [سورة آل عمران (3) : آية 177] إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177)
[سورة آل عمران (3) : آية 178]
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ، قال مجاهد: المنافقون آمنوا ثم كفروا، وقد سبق في (البقرة) معنى الاشتراء. [سورة آل عمران (3) : آية 178] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ، اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: أحدها: في اليهود والنصارى والمنافقين، قاله ابن عباس. والثاني: في قريظة والنضير، قاله عطاء. والثالث: في مشركي مكة، قاله مقاتل. والرابع: في كل كافر، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع: «ولا يحسبن الذين كفروا» «ولا يحسبن الذين يبخلون» «ولا يحسبنّ الذين يفرحون» بالياء وكسر السين، ووافقهم ابن عامر غير أنّه فتح السين، وقرأ حمزة بالتاء، وقرأ عاصم والكسائي كل ما في هذه السورة بالتاء غير حرفين وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ فإنهما بالياء، إلا أن عاصماً فتح السين، وكسرها الكسائي، ولم يختلفوا في وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا أنها بالتاء. نُمْلِي لَهُمْ: أي: نطيل لهم في العمر، ومثله: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا. قال ابن الأنباري: واشتقاق «نملي لهم» من الملوة، وهي المدة من الزمان، يقال: مَلوة من الدهر، ومِلوة، ومُلوة، ومَلاوة، وملاوة، وملاوة، بمعنى واحد، ومنه قولهم: وتملّ حبيباً، أي: لتطل أيامك معه. قال متمم بن نويرة: بودِّيَ لو أني تملَّيت عمره ... بما لي من مال طريف وتالد «1» [سورة آل عمران (3) : آية 179] ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) قوله تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ في سبب نزولها خمسة أقوال: أحدها: أن قريشا قالت: تزعم يا محمد أن من اتبعك فهو في الجنة، ومن خالفك فهو في النار؟! فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس «2» . والثاني: أن المؤمنين سألوا أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق، فنزلت هذه الآية، هذا قول أبي العالية. (241) والثالث: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: عُرضتْ عليَّ أُمتي، وأُعلمت من يؤمن بي ومن يكفر، فبلغ ذلك المنافقين فاستهزءوا وقالوا: فنحن معه ولا يعرفنا، فنزلت هذه الآية، هذا قول السّدّيّ.
[سورة آل عمران (3) : آية 180]
والرابع: أن اليهود، قالت: يا محمد قد كنتم راضين بديننا، فكيف بكم لو مات بعضكم قبل نزول كتابكم؟! فنزلت هذه الآية. هذا قول عمر مولى غفرة. والخامس: أن قوماً من المنافقين ادَّعوْا أنهم في إيمانهم مثل المؤمنين، فأظهر الله نفاقهم يوم أُحد، وأنزل هذه الآية، هذا قول أبي سليمان الدمشقي. وفي المخاطب بهذه الآية قولان: أحدهما: أنهم الكفار والمنافقون، وهو قول ابن عباس، والضحاك. والثاني: أنهم المؤمنون، فيكون المعنى: ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق. قال الثعلبي: وهذا قول أكثر أهل المعاني. قوله تعالى: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو، وابن عامر حَتَّى يَمِيزَ ولِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ بفتح الياء والتخفيف. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب: «يميز» بالتشديد، وكذلك في الأنفال: «ليميّز الله الخبيث» . قال أبو علي: مزت وميَّزت لغتان. قال ابن قتيبة: ومعنى يميز: يخلص. فأما الطيب، فهو المؤمن. وفي الخبيث قولان: أحدهما: أنه المنافق، قاله مجاهد، وابن جريج. والثاني: الكافر، قاله قتادة، والسدي. وفي الذي وقع به التمييز بينهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الهجرة والقتال، قاله قتادة، وهو قول من قال: الخبيث: الكافر. والثاني: أنه الجهاد، وهو قول من قال: هو المنافق. قال مجاهد: فميّز الله يوم أُحد بين المؤمنين والمنافقين، حيث أظهروا النفاق وتخلّفوا. والثالث: أنه جميع الفرائض والتكاليف. فإن المؤمن مستور الحال بالإقرار، فإذا جاءت التكاليف بانَ أمرُه، هذا قول ابن كيسان. وفي المخاطب بقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ قولان: أحدهما: أنهم كفار قريش، فمعناه: ما كان الله ليبين لكم المؤمن من الكافر، لأنهم طلبوا ذلك، فقالوا: أخبرنا بمن يؤمن ومن لا يؤمن، هذا قول ابن عباس. والثاني: أنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فمعناه: وما كان الله ليطلع محمداً على الغيب، قاله السّدّيّ. و «يجتبي» بمعنى يختار، قاله الزجاج وغيره. فمعنى الكلام على القول الأول: أن الله لا يطلع على الغيب أحداً إلا الأنبياء الذين اجتباهم، وعلى القول الثاني: أن الله لا يطلع على الغيب أحداً إلا أنه يجتبي من يشاء فيطلعه على ما يشاء. [سورة آل عمران (3) : آية 180] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في الذين يبخلون أن يؤدوا زكاة أموالهم، وهو قول ابن مسعود وأبي هريرة، وابن عباس في رواية أبي صالح، والشعبي، ومجاهد، وفي رواية السدي في آخرين. والثاني: أنها في الأحبار الذين كتموا صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ونبوته، رواه عطية عن ابن عباس، وابن جريج عن مجاهد، واختاره الزجاج. قال الفراء: ومعنى الكلام: لا يحسبن الباخلون البخل هو خيراً لهم، فاكتفى بذكر «يبخلون» من البخل، كما تقول: قدم فلان، فسررت به، أي: سررت بقدومه. قال الشاعر:
[سورة آل عمران (3) : آية 181]
إِذا نُهي السفيهُ جرى إِليه ... وخالف والسفيه إِلى خلاف «1» يريد جرى إلى السفه. والذي آتاهم الله على قول من قال: البخل بالزكاة: هو المال، وعلى قول من قال: البخل بذكر صفة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو العلم. قوله تعالى: هُوَ إشارة إلى البخل وليس مذكوراً، ولكنه مدلول عليه ب «يبخلون» . وفي معنى تطويقهم به أربعة أقوال: أحدها: أنه يجعل كالحية يطوق بها الإنسان. (242) روى ابن مسعود عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا مُثِّل له يوم القيامة شجاع «2» أقرع يفر منه، وهو يتبعه حتى يطوق في عنقه» ثم قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وهذا مذهب ابن مسعود، ومقاتل. والثاني: أنه يجعل طوقاً من نار، رواه منصور عن مجاهد، وإبراهيم. والثالث: أن معنى تطويقهم به: تكليفهم أن يأتوا به، رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد. والرابع: أن معناه: يلزم أعناقهم إثمه، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال ابن عباس: يموت أهل السّماوات وأهل الأرض، ويبقى رب العالمين، قال الزجاج: خوطب القوم بما يعقلون، لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثاً إذا كان ملكاً له، وقال ابن الأنباري: معنى الميراث: انفراد الرجل بما كان لا ينفرد به، فلما مات الخلق، وانفرد عزّ وجل صار ذلك له وراثة. قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «يعملون» بالياء إتباعاً لقوله تعالى سَيُطَوَّقُونَ وقرأ الباقون بالتاء، لأنّ قبله وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا. [سورة آل عمران (3) : آية 181] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ في سبب نزولها قولان: (243) أحدهما: أن أبا بكر الصّدّيق رضي الله عنه دخل بيت مدراس اليهود، فوجدهم قد
[سورة آل عمران (3) : آية 182]
اجتمعوا على رجل منهم، اسمه فنحاص، فقال له أبو بكر: اتّق الله وأسلم، فو الله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله. فقال: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر. وإنه إلينا لفقير، ولو كان غنيّا عنّا ما استقرضنا. فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والله لولا العهد الذي بيننا لضربت عنقك. فذهب فنحاص يشكو إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأخبره أبو بكر بما قال، فجحد فنحاص، فنزلت هذه الآية، ونزل فيما بلغ من أبي بكر من الغضب وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً «1» ، هذا قول ابن عباس، وإلى نحوه ذهب مجاهد، وعكرمة والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه لما نزل قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً «2» قالت اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغني، فنزلت هذه الآية، هذا قول الحسن، وقتادة. وفي الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، أربعة أقوال: أحدها: أنه فنحاص بن عازوراء اليهودي، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: حيي بن أخطب، قاله الحسن وقتادة. والثالث: أن جماعة من اليهود قالوه. قال مجاهد: صكَّ أبو بكر رجلاً من الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ لم يستقرضنا وهو غني؟! والرابع: أنه النَّباش بن عمرو اليهودي، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا قرأ حمزة وحده: «سيُكتب» بياء مضمومة و «قتلُهم» بالرفع و «يقول» بالياء، وقرأ الباقون: سَنَكْتُبُ ما قالُوا بالنّون، ووَ قَتْلَهُمُ بالنصب و «نقول» بالنون، وقرأ ابن مسعود «ويقال» وقرأ الأعمش وطلحة: «ويقول» . وفي معنى سَنَكْتُبُ ما قالُوا قولان: أحدهما: سنحفظ عليهم ما قالوا، قاله ابن عباس. والثاني: سنأمر الحفظة بكتابته، قاله مقاتل. قوله تعالى: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ أي: ونكتب ذلك. فإن قيل: هذا القائل لم يقتل نبياً قط! فالجواب: أنه رضي بفعل متقدميه لذلك، كما بينا في قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ. قال الزجاج: ومعنى عَذابَ الْحَرِيقِ: عذاب محرق، أي: عذاب بالنار، لأن العذاب قد يكون بغير النّار. [سورة آل عمران (3) : آية 182] ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) قوله تعالى: ذلِكَ إشارة إلى العذاب، والذي قدّمت أيديهم: الكفر والخطايا. [سورة آل عمران (3) : آية 183] الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183)
[سورة آل عمران (3) : آية 184]
قوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا. قال ابن عباس: (244) نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وجماعة من اليهود، أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: إن الله عهد إلينا، أي: أمرنا في التوراة: أن لا نؤمن لرسول، أي: لا نصدق رسولاً يزعم أنه رسول، حتى يأتينا بقربان تأكله النار. قال ابن قتيبة: والقربان: ما تُقرب به إلى الله تعالى من ذبح وغيره. وإنما طلبوا القربان، لأنه كان من سنن الأنبياء المتقدمين، وكان نزول النار علامة القبول. قال ابن عباس: كان الرجل يتصدق، فإذا قبلت منه، نزلت نار من السماء فأكلته، وكانت ناراً لها دويُّ، وحفيف. وقال عطاء: كان بنو إسرائيل يذبحون لله، فيأخذون أطايب اللحم، فيضعونها في وسط البيت تحت السماء، فيقوم النبي في البيت، ويناجي ربه، فتنزل نار، فتأخذ ذلك القربان، فيخر النبي ساجداً، فيوحي الله إليه ما يشاء. قال ابن عباس: قل يا محمد لليهود قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ أي: بالآيات، وَبِالَّذِي سألتم من القربان. [سورة آل عمران (3) : آية 184] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184) قوله تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ معناه: لست بأول رسول كذب. قال أبو علي: وقرأ ابن عامر وحده «بالبينات وبالزبر» بزيادة باءٍ، وكذلك في مصاحف أهل الشام، ووجهه أن إعادة الباء ضرب من التأكيد، ووجه قراءة الجمهور أن الواو قد أغنت عن تكرير العامل، تقول: مررت بزيد وعمرو، فتستغني عن تكرير الباء. قوله تعالى: وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ قال أبو سليمان: يعني به الكتاب النّيّرة بالبراهين والحجج. [سورة آل عمران (3) : آية 185] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185) قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ. قال ابن عباس: (245) لما نزل قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ «1» قالوا: يا رسول الله إنما نزل في بني آدم، فأين ذكر الموت في الجن، والطير، والأنعام، فنزلت هذه الآية. وفي ذكر الموت تهديد للمكذبين بالمصير، وتزهيد في الدنيا وتنبيه على اغتنام الأجل. وفي قوله تعالى: وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بشارة للمحسنين، وتهديد للمسيئين.
[سورة آل عمران (3) : آية 186]
قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ قال ابن قتيبة: نُجِّي وأُبعد. فَقَدْ فازَ قال الزجاج: تأويل فاز. تباعد عن المكروه ولقي ما يحب، يقال لمن نجا من هلكة ولمن لقي ما يغتبط به: قد فاز. قوله تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ يريد أن العيش فيها يغر الإنسان بما يمنِّيه من طول البقاء، وسيقطع عن قريب. قال سعيد بن جبير: هي متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، فأما من يشتغل بطلب الآخرة، فهي له متاع بلاغ إلى ما هو خير منها. [سورة آل عمران (3) : آية 186] لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) قوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سبب نزولها خمسة أقوال: (246) أحدها: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرَّ بمجلس فيه عبد الله بن أُبيّ، وعبد الله بن رواحة، فغشي المجلس عجاجة الدابة، فخمر ابن أُبيّ أنفه بردائه، وقال: لا تغبّروا علينا، فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم دعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال ابن أُبي: إنه لا أحْسَنَ مما تقول، إن كان حقاً فلا تؤذنا في مجالسنا. وقال ابن رواحة: اغشنا به في مجالسنا يا رسول الله، فإنَّا نحب ذلك، فاستبَّ المسلمون، والمشركون، واليهود، فنزلت هذه الآية، رواه عروة عن أسامة بن زيد. والثاني: أن المشركين واليهود كانوا يؤذون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه أشدّ الأذى، فنزلت هذه الآية، قال كعب بن مالك الأنصاري. والثالث: أنها نزلت فيما جرى بين أبي بكر الصديق، وبين فنحاص اليهودي «1» ، وقد سبق ذكره عن ابن عباس. والرابع: أنها نزلت في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر الصديق، قاله أبو صالح عن ابن عباس. واختاره مقاتل. وقال عكرمة: نزلت في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأبي بكر الصديق، وفنحاص اليهودي «2» . (247) والخامس: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، كان يحرِّض المشركين على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
[سورة آل عمران (3) : آية 187]
وأصحابه في شعره، وهذا مذهب الزهري. قال الزجّاج: ومعنى لَتُبْلَوُنَّ: لتخبرنّ، أي: توقع عليكم المحن، فيعلم المؤمن حقاً من غيره. و «النون» دخلت مؤكدة مع لام القسم، وضمت الواو لسكونها وسكون النون. وفي البلوى في الأموال قولان: أحدهما: ذهابها ونقصانها. والثاني: ما فرض فيها من الحقوق. وفي البلوى في الأنفس أربعة أقوال: أحدها: المصائب، والقتل. والثاني: ما فرض من العبادات. والثالث: الأمراض. والرابع: المصيبة بالأقارب، والعشائر. وقال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم، وباعوا رباعهم، وعذبوهم. قوله تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى، والَّذِينَ أَشْرَكُوا: مشركو العرب وَإِنْ تَصْبِرُوا على الأذى وَتَتَّقُوا الله بمجانبة معاصيه. قوله تعالى: فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي: ما يعزم عليه، لظهور رشده. فصل: والجمهور على إحكام هذه الآية، وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور منسوخ بآية السّيف. [سورة آل عمران (3) : آية 187] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن جبير، والسدي، ومقاتل. فعلى هذا، الكتاب: التوراة. والثاني: أنهم اليهود والنصارى، والكتاب: التوراة والإنجيل. والثالث: أنهم جميع العلماء فيكون الكتاب اسم جنس. قوله تعالى: لَتُبَيِّنُنَّهُ. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم، وزيد عن يعقوب (ليبيننه للناس ولا يكتمونه) بالياء فيهما، وقرأ الباقون، وحفص عن عاصم بالتاء فيهما. وفي هاء الكناية في «لتبيننه» و «تكتمونه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وهذا قول من قال: هم اليهود. والثاني: أنها ترجع إلى الكتاب، قاله الحسن، وقتادة، وهو أصح، لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب. وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا «1» .
[سورة آل عمران (3) : آية 188]
قوله تعالى: فَنَبَذُوهُ قال الزجاج: أي: رمَوْا به، يقال للذي يطرح الشيء ولا يعبأ به: قد جعلت هذا الأمر بظهر. قال الفرزدق: تميمَ بنَ قيس لا تكوننَّ حَاجَتي ... بظَهْرٍ ولا يعيا عليَّ جوابها «1» معناه: لا تكونن حاجتي مُهمَلة عندك، مطرحة. وفي هاء «فنبذوه» قولان: أحدهما: أنها تعود إلى الميثاق. والثاني: إلى الكتاب. قوله تعالى: وَاشْتَرَوْا بِهِ يعني: استبدلوا بما أخذ الله عليهم القيام به، ووعدهم عليه الجنة ثَمَناً قَلِيلًا أي: عرضا يسيرا من الدنيا. [سورة آل عمران (3) : آية 188] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وقرأ أهل الكوفة: لا تحسبنَّ بالتاء. وفي سبب نزولها ثمانية أقوال «2» : (248) أحدها: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، سأل اليهود عن شيء، فكتموه، وأخبروه بغيره، وأروه أنهم قد أخبروه به، واستحمدوا بذلك إِليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، فنزلت هذه الآية. والثاني: أنها نزلت في قوم من اليهود، فرحوا بما يصيبون من الدنيا، وأحبّوا أن يقول الناس: إنهم علماء، وهذا القول والذي قبله عن ابن عباس. والثالث: أن اليهود قالوا: نحن على دين إبراهيم، وكتموا ذكر محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير «3» . والرابع: أن يهود المدينة كتبت إلى يهود العراق واليمن، ومن بلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها، أن محمداً ليس بنبي، فاثبتوا على دينكم، فاجتمعت كلمتهم على الكفر به، ففرحوا بذلك، وقالوا: نحن أهل الصوم والصّلاة، وأولياء
الله، فنزلت هذه الآية «1» ، هذا قول الضحاك، والسدي. (249) والخامس: أن يهود خيبر أتوا النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، فقالوا: نحن على رأيكم، ونحن لكم ردء، وهم مستمسكون بضلالتهم، فأرادوا أن يحمدهم نبيّ الله بما لم يفعلوا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. والسادس: أن ناساً من اليهود جهزوا جيشا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، واتفقوا عليهم، فنزلت هذه الآية، قاله إبراهيم النخعي» . والسابع: أن قوماً من أهل الكتاب دخلوا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثم خرجوا من عنده فذكروا للمسلمين أنهم قد أخبروا بأشياء قد عرفوها، فحمدوهم، وأبطنوا خلاف ما أظهروا، فنزلت هذه الآية، ذكره الزجاج «3» . (250) والثامن: أن رجالاً من المنافقين كانوا يتخلّفون عن الغزو مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإذا قدم اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو سعيد الخدري، وهذا القول يدل على أنها نزلت في المنافقين، وما قبله من الأقوال يدل على أنها في اليهود. وفي الذي أتوا ثمانية «4» أقوال: أحدها: أنه كتمانهم ما عرفوا من الحق. والثاني: تبديلهم التوراة. والثالث: إيثارهم الفاني من الدنيا على الثواب. والرابع: إضلالهم الناس. والخامس: اجتماعهم على تكذيب النبي. والسادس: نفاقهم بإظهار ما في قلوبهم ضده. والسابع: اتفاقهم على محاربة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذه أقوال من قال: هم اليهود. والثامن: تخلُّفهم في الغزوات، وهذا قول من قال: هم المنافقون. وفي قوله تعالى: وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ستة أقوال: أحدها: أحبّوا أن يحمدوا على إجابة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عن شيء سألهم عنه وما أجابوه. والثاني: أحبّوا أن يقول الناس: إنهم علماء، وليسوا كذلك. والثالث: أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة والصيام، وهذه الأقوال الثلاثة عن ابن
[سورة آل عمران (3) : آية 189]
عباس. والرابع: أحبوا أن يحمدوا على قولهم: نحن على دين إبراهيم، وليسوا عليه، قاله سعيد بن جبير. والخامس: أحبوا أن يحمدوا على قولهم: إنا راضون بما جاء به النبي، وليسوا كذلك، قاله قتادة. وهذه أقوال من قال: هم اليهود. والسادس: أنهم كانوا يحلفون للمسلمين، إذا نصروا: إنا قد سررنا بنصركم، وليسوا كذلك، قاله أبو سعيد الخدري، وهو قول من قال: هم المنافقون. قوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «فلا يحسبُنهم» ، بالياء وضم الباء. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: بالتاء، وفتح الباء. قال الزجاج: إنما كررت «تحسبنهم» لطول القصة، والعرب تعيد إذا طالت القصة «حسبت» وما أشبهها، إعلاماً أن الذي يجرى متصل بالأول، وتوكيداً له، فتقول: لا تظننَّ زيداً إذا جاء وكلمك بكذا وكذا، فلا تظننَّه صادقاً. قوله تعالى بِمَفازَةٍ قال ابن زيد، وابن قتيبة: بمنجاة. [سورة آل عمران (3) : آية 189] وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيه تكذيب القائلين: بأنه فقير. وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تهديد لهم، أي: لو شئت لعجلت عذابهم. [سورة آل عمران (3) : آية 190] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (251) أحدها: أن قريشاً قالوا لليهود: ما الذي جاءكم به موسى؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء. وقالوا للنصارى: ما الذي جاءكم به عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقالوا: ادع ربك يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزلت هذه الآية، رواه ابن جبير عن ابن عباس. والثاني: أن أهل مكة سألوه أن يأتيهم بآية، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنه لما نزل قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ «1» قالت قريش: قد سوى بين آلهتنا، إئتنا بآية، فنزلت هذه الآية، قاله أبو الضحى، واسمه: مُسلم بن صُبيح. فأما تفسير الآية فقد سبق. [سورة آل عمران (3) : آية 191] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً في هذا الذكر ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الذّكر في
[سورة آل عمران (3) : آية 192]
الصّلاة، يصلي قائما، فإن لم يستطع، فعلى جنب، هذا قول علي، وابن مسعود، وابن عباس، وقتادة. والثاني: أنه الذكر في الصلاة وغيرها، وهو قول طائفة من المفسرين. والثالث: أنه الخوف، فالمعنى: يخافون الله قياماً في تصرفهم وقعوداً في دعتهم، وعلى جنوبهم في منامهم. قوله تعالى: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال ابن فارس: الفكرة: تردد القلب في الشيء. قال ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكرٍ خيرٌ من قيام ليلة، والقلب ساه. قوله تعالى: رَبَّنا قال الزجاج: معناه: يقولون: ربنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي: خلقته دليلاً عليك، وعلى صدق ما أتت به أنبياؤك. ومعنى سُبْحانَكَ: براءةً لك من السوء، وتنزيهاً لك أن تكون خلقتهما باطلاً، فَقِنا عَذابَ النَّارِ فقد صدَّقْنا أنّ لك جنّة ونارا. [سورة آل عمران (3) : آية 192] رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ قال الزجاج: المخزى في اللغة المذلّ المحقور بأمر لزمه وبحجة. يقال: أخزيته، أي: ألزمته حجةً أذللته معها. وفيمن يتعلق به هذا الخزي قولان: أحدهما: أنه يتعلق بمن يدخلها مخلَّداً، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن المسيّب، وابن جبير، وقتادة، وابن جريج، ومقاتل. والثاني: أنه يتعلق بكل داخل إليها، وهذا المعنى مروي عن جابر بن عبد الله، واختاره ابن جرير الطبري، وأبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ قال ابن عباس: وما للمشركين من مانع يمنعهم عذاب الله تعالى. [سورة آل عمران (3) : آية 193] رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً في المنادي قولان: أحدهما: أنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس، وابن جريج، وابن زيد، ومقاتل. والثاني: أنه القرآن، قاله محمد بن كعب القرظي، واختاره ابن جرير الطبري. قوله تعالى: يُنادِي لِلْإِيمانِ فيه قولان: أحدهما: ينادي إلى الإيمان، ومثله: الَّذِي هَدانا لِهذا «1» ، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها «2» ، قاله الفراء. والثاني: بأنه مقدم ومؤخر، والمعنى: سمعنا منادياً للإيمان ينادي، قاله أبو عبيدة. قوله تعالى: وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا قال مقاتل: امح عنا خطايانا. وقال غيره: غطها عنا، وقيل: إنما جمع بين غفران الذنوب، وتكفير السيئات، لأن الغفران بمجرد الفضل، والتكفير بفعل الخير. وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «الأبرار» و «الأشرار» و «ذات قرار» وما كان مثله بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح. ومعنى مَعَ الْأَبْرارِ: فيهم، قال ابن عباس: وهم الأنبياء والصّالحون.
[سورة آل عمران (3) : آية 194]
[سورة آل عمران (3) : آية 194] رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) قوله تعالى: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا قال ابن عباس: يعنون: الجنة عَلى رُسُلِكَ أي: على ألسنتهم. فإن قيل: ما وجه هذه المسألة والله لا يخلف الميعاد؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه خرج مخرج المسألة، ومعناه: الخبر، تقديره: فآمنا، فاغفر لنا لتؤتينا ما وعدتنا. والثاني: أنه سؤال له، أن يجعلهم ممن آتاه ما وعده، لا أنهم استحقوا ذلك، إذ لو كانوا قد قطعوا أنهم من الأبرار لكانت تزكية لأنفسهم. والثالث: أنه سؤال لتعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء، لأنه وعدهم نصراً غير مؤقت، فرغبوا في تعجيله، ذكر هذه الأجوبة ابن جرير، وقال: أولى الأقوال بالصواب، أن هذه صفة المهاجرين، رغبوا في تعجيل النصر على أعدائهم. فكأنهم قالوا: لا صبر لنا على حلمك عن الأعداء فعجّل خزيهم، وظفرنا عليهم. [سورة آل عمران (3) : آية 195] فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ. (252) روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فنزلت هذه الآية. واستجاب: بمعنى أجاب. والمعنى: أجابهم بأن قال لهم: إني لا أُضيع عمل عامل منكم ذكرا أو أُنثى. وفي معنى قوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ثلاثة أقوال: أحدها: بعضكم من بعض في الدين، والنُصرة والموالاة. والثاني: حكم جميعكم في الثواب واحد، لأن الذكور من الإناث والإناث من الذكور. والثالث: كلكم من آدم وحواء. قوله تعالى: فَالَّذِينَ هاجَرُوا أي: تركوا الأوطان والأهل والعشائر وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: المؤمنين الذين أخرجوا من مكة بأذى المشركين، فهاجروا، وَقُتِلُوا المشركين وَقُتِلُوا. قرأ ابن كثير، وابن عامر: «وقاتلوا وقتّلوا» مشددة التاء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم: «وقاتلوا وقتلوا» خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي: و «قتلوا وقاتلوا» . قال أبو علي: تقديم «قتلوا» جائز، لأن المعطوف بالواو يجوز أن يكون أولاً في المعنى، مؤخراً في اللفظ.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 196 إلى 197]
قوله تعالى: ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قال الزجاج: هو مصدرٌ مؤكد لما قبله، لأن معنى وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ: لأثيبنّهم. [سورة آل عمران (3) : الآيات 196 الى 197] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) قوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في اليهود، ثم في ذلك قولان: أحدهما: أن اليهود كانوا يضربون في الأرض. فيصيبون الأموال، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. (253) والثاني: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أراد أن يستسلف من بعضهم شعيراً، فأبى إلّا على رهن، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لو أعطاني لأوفيته، إني لأمينٌ في السماء أمينٌ في الأرض» فنزلت، ذكره أبو سليمان الدمشقي. والقول الثاني: أنها نزلت في مشركي العرب كانوا في رخاءٍ، فقال بعض المؤمنين: قد أهلكنا الجهد، وأعداء الله فيما ترون، فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل. قال قتادة: والخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد غيره. وقال غيره: إنما خاطبه تأديباً وتحذيراً، وإن كان لا يغتر. وفي معنى «تقلبهم» ثلاثة أقوال: أحدها: تصرُّفهم في التجارات، قاله ابن عباس، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: تقلُّب ليلهم ونهارهم، وما يجري عليهم من النعم، قاله عكرمة ومقاتل. والثالث: تقلُّبهم غير مأخوذين بذنوبهم، ذكره بعض المفسرين. قال الزجاج: ذلك الكسب والربح متاع قليل، وقال ابن عباس: منفعة يسيرة في الدنيا. والمهاد: الفراش. [سورة آل عمران (3) : آية 198] لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) قوله تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ قرأ أبو جعفر: «لكنَّ» بالتشديد هاهنا، وفي «الزُمر» قال مقاتل: وحدوا. قال ابن عباس: «النزل» الثواب. قال ابن فارس: النُّزُل: ما يهيأ للنّزيل، والنّزيل: الضّيف. [سورة آل عمران (3) : آية 199] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال:
[سورة آل عمران (3) : آية 200]
(254) أحدها: أنها نزلت في النجاشي، لأنه لما مات صلّى عليه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال قائل: يصلي على هذا العلج النصراني، وهو في أرضه؟! فنزلت هذه الآية، هذا قول جابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس. وقال الحسن، وقتادة: فيه وفي أصحابه. والثاني: أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. والثالث: في عبد الله بن سلام، وأصحابه، قاله ابن جريج، وابن زيد، ومقاتل. والرابع: في أربعين من أهل نجران، وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى، فآمنوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، قاله عطاء «1» . قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يعني: القرآن، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ يعني: كتابهم. والخاشع: الذليل. لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي: عرضاً من الدنيا كما فعل رؤساء اليهود. وقد سلف بيان سرعة الحساب. [سورة آل عمران (3) : آية 200] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: نزلت في انتظار الصّلاة بعد الصّلاة، وليس يومئذ غزوٌ يرابَط. وفي الذي أمروا بالصبر عليه خمسة أقوال: أحدها: البلاء والجهاد، قاله ابن عباس. والثاني: الدين، قاله الحسن، والقرظي، والزجاج. والثالث: المصائب، روي عن الحسن أيضاً. والرابع: الفرائض، قاله سعيد بن جبير. والخامس: طاعة الله، قاله قتادة. وفي الذي أمروا بمصابرته قولان: أحدهما: العدو، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: الوعد الذي وعدهم الله: قاله عطاء، والقرظيّ.
وفيما أمروا بالمرابطة عليه قولان: أحدهما: الجهاد للأعداء، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة في آخرين. قال ابن قتيبة: وأصل المرابطة والرباط: أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم في الثغر، كلٌ يُعدُّ لصاحبه. والثاني: أنه الصلاة، أُمروا بالمرابطة عليها، قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن. وقد ذكرنا في (البقرة) معنى «لعلّ» ، ومعنى «الفلاح» «1» .
سورة النساء
سورة النساء مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة النساء (4) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) اختلفوا في نزولها على قولين «1» : أحدهما: أنها مكيَّة، رواه عطيّة عن ابن عباس، وهو قول الحسن، ومجاهد، وجابر بن زيد، وقتادة. والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. وقيل: إنها مدنية، إِلا آية نزلت بمكة في عثمان بن طلحة حين أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يأخذ منه مفاتيح الكعبة، فيسلِّمها إلى العبّاس، وهي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «2» ذكره الماوردي. قوله تعالى: اتَّقُوا رَبَّكُمُ فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى الطاعة، قاله ابن عباس. والثاني: بمعنى الخشية. قاله مقاتل. والنفس الواحدة: آدم، وزوجها حواء، و «من» في قوله تعالى: وَخَلَقَ مِنْها للتبعيض في قول الجمهور. وقال ابن بحر: «منها» ، أي: من جنسها. واختلفوا أي وقت خلقت له، على قولين: أحدهما: أنها خلقت بعد دخوله الجنة، قاله ابن مسعود، وابن عباس. والثاني: قبل دخوله الجنة، قاله كعب الأحبار، ووهب، وابن إسحاق. قال ابن عباس: لما خلق الله آدم، ألقى عليه النوم، فخلق حواء من ضِلَع من أضلاعه اليُسرى، فلم تؤذه بشيء، ولو وجد الأذى ما عطف عليها أبداً، فلما استيقظ قيل: يا آدم ما هذه؟ قال: حواء. قوله تعالى: وَبَثَّ مِنْهُما قال الفراء: بثَّ: نشر، ومن العرب من يقول: أبث الله الخلق، ويقولون: بثثتك ما في نفسي، وأبثثتك. قوله تعالى: الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ قرأ ابن كثير، وابن عامر، والبرجمي، عن أبي بكر، عن عاصم.
[سورة النساء (4) : آية 2]
واليزيدي، وشجاع، والجعفي، وعبد الوارث، عن أبي عمرو: «تسّاءلون» بالتشديد. وقرأ عاصم، وحمزة والكسائي، وكثير من أصحاب أبي عمرو عنه بالتخفيف. قال الزجاج: الأصل: تتساءلون، فمن قرأ بالتشديد. أدغم التاء في السين، لقرب مكان هذه من هذه، ومن قرأ بالتخفيف، حذف التاء الثانية لاجتماع التاءين. وفي معنى «تساءلون به» ثلاثة أقوال: أحدها: تتعاطفون به، قاله ابن عباس. والثاني: تتعاقدون، وتتعاهدون به. قاله الضحاك، والربيع. والثالث: تطلبون حقوقكم به، قاله الزجاج. فأما قوله «والأرحام» فالجمهور على نصب الميم على معنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفسّرها على هذا ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسُّدّي، وابن زيد. وقرأ الحسن، وقتادة، والأعمش، وحمزة بخفض الميم على معنى: تساءلون به وبالأرحام، وفسرها على هذا الحسن، وعطاء والنخعي. وقال الزجاج: الخفض في «الأرحام» خطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار الشعر، وخطأ في الدين، لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (255) «لا تحلفوا بآبائِكم» ، وذهب إلى نحو هذا الفرّاء، وقال ابن الأنباري: إِنما أراد، حمزة الخبر عن الأمر القديم الذي جرت عادتهم به، فالمعنى: الذي كنتم تساءلون به وبالأرحام في الجاهلية. قال أبو علي: من جر، عطف على الضمير المجرور بالباء، وهو ضعيف في القياس، قليل في الاستعمال، فترك الأخذ به أحسن. فأما الرقيب، فقال ابن عباس، ومجاهد: الرقيب: الحافظ. وقال الخطابي: هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، وهو في نعوت الآدميين الموكل بحفظ الشيء، المترصد له، المتحرز عن الغفلة فيه، يقال منه: رقبت الشيء أرقبه رقبة. [سورة النساء (4) : آية 2] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2) قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ. (256) سبب نزولها: أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ، طلب ماله فمنعه، فخاصمه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت، قاله سعيد بن جبير. والخطاب بقوله تعالى: «وآتوا» للأولياء والأوصياء. قال الزجاج: وإِنما سموا يتامى بعد البلوغ، بالاسم الذي كان لهم، وقد كان يقال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يتيم أبي طالب. قوله تعالى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، قرأ ابن محيصن: «تبدلوا» بتاء واحدة. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: أنه إِبدال حقيقة، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه أخذ الجيّد، وإعطاء الرديء
[سورة النساء (4) : آية 3]
مكانه، قاله سعيد بن المسيب، والضحاك، والنخعي، والزهري، والسُّدّي. قال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدراهم الجياد، ويطرح مكانها الزيوف. والثاني: أنه الربح على اليتيم، واليتيم غرّ لا عِلْمَ له، قاله عطاء. والقول الثاني: أنه ليس بإبدال حقيقة، وإنما هو أخْذه مستهلكاً، ثم فيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا لا يورثون النساء والصغار، وإنما يأخذ الميراث الأكابر من الرجال، فنصيب الرجل من الميراث طيب، وما أخذه من حق اليتيم خبيث، هذا قول ابن زيد. والثاني: أنه أكل مال اليتيم بدلاً من أكل أموالهم، قاله الزجاج. و «إلى» بمعنى «مع» والحوب: الإِثم. وقرأ الحسن، وقتادة، والنخعي بفتح الحَاء. قال الفرّاء: أهل الحجاز يقولون: حُوب بالضم، وتميم يقولونه بالفتح. قال ابن الأنباري: وقال الفراء: المضموم الاسم، والمفتوح المصدر. قال ابن قتيبة: وفيه ثلاث لغات: حوب، وحوب، وحاب. [سورة النساء (4) : آية 3] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3) قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى اختلفوا في تنزيلها وتأويلها على ستة أقوال: أحدها: أن القوم كانوا يتزوجون عدداً كثيراً من النساء في الجاهلية، ولا يتحرّجون من ترك العدل بينهن، وكانوا يتحرّجون في شأن اليتامى، فقيل لهم بهذه الآية: احذروا من ترك العدل بين النساء، كما تحذرون من تركه في اليتامى. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير والضحاك، وقتادة، والسدي ومقاتل. والثاني: أن أولياء اليتامى كانوا يتزوجون النساء بأموال اليتامى، فلما كثر النساء، مالوا على أموال اليتامى، فَقُصِروا على الأربع حفظاً لأموال اليتامى. وهذا المعنى مرويٌّ عن ابن عباس أيضاً، وعكرمة. والثالث: أن معناها: وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في صدقات اليتامى إذا نكحتموهن، فانكحوا سواهن من الغرائب اللواتي أحلَّ الله لكم، وهذا المعنى مروي عن عائشة. والرابع: أن معناها: وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في نكاحهن، وحذرتم سوء الصحبة لهن، وقلة الرغبة فيهن، فانكحوا غيرهن، وهذا المعنى مروي عن عائشة أيضا، والحسن. والخامس: أنهم كانوا يتحرّجون من ولاية اليتامى، فأمِروا بالتحرّج من الزنى أيضا، ونُدبوا إلى النكاح الحلال، وهذا المعنى مروي عن مجاهد. والسادس: أنهم تحرجوا من نكاح اليتامى، كما تحرجوا من أموالهم، فرخّص الله لهم بهذه الآية، وقصرهم على عدد يمكن العدل فيه، فكأنه قال: وإِن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن، فانكحوهن، ولا تزيدوا على أربع لتعدلوا، فإن خفتم أن لا تعدلوا فيهن، فواحدة، وهذا المعنى مروي عن الحسن «1» .
قال ابن قتيبة: ومعنى قوله: وإن خفتم، أي: فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين اليتامى. يقال: أقسط الرجل: إذا عدل، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: (257) المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة. ويقال قسط الرجل: إذا جار، ومنه قول الله أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً. وفي معنى العدل في اليتامى قولان: أحدهما: في نكاح اليتامى. والثاني: في أموالهم. قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ أي: ما حل لكم. قال ابن جرير: وأراد بقوله تعالى: ما طاب لكم، الفعل دون أعيان النساء، ولذلك قال: «ما» ولم يقل: «من» واختلفوا: هل النكاح من اليتامى، أو من غيرهن؟ على قولين قد سبقا. قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ. قال الزجاج: هو بدل من «ما طاب لكم» ومعناه: اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً. وإِنما خاطب الله العرب بأفصح اللغات، وليس من شأن البليغ أن يعبّر في العدد عن التسعة باثنتين، وثلاث، وأربع، لأن التسعة قد وضعت لهذا العدد، فيكون عِيَّاً في الكلام. وقال ابن الأنباري: هذه الواو معناها التفرّق، وليست جامعة، فالمعنى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وانكحوا ثُلاث في غير الحال الأولى، وانكحوا رُباع في غير الحالين. وقال القاضي أبو يعلى: الواو هاهنا لإِباحة أيِّ الأعداد شاء، لا للجمع، وهذا العدد إنما هو للأحرار، لا للعبيد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: هم كالأحرار. ويدل على قولنا: أنه قال: فانكحوا، فهذا منصرف إلى مَن يملك النكاح، والعبد لا يملك ذلك بنفسه، وقال في سياقها فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، والعبد لا ملك له، فلا يباح له الجمع إِلا بين اثنتين. قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فيه قولان: أحدهما: علمتم. والثاني: خشيتم. قوله تعالى: أَلَّا تَعْدِلُوا قال القاضي أبو يعلى: أراد العدل في القسم بينهن. قوله تعالى: فَواحِدَةً أي: فانكحوا واحدة، وقرأ الحسن، والأعمش، وحميد: «فواحدةٌ» بالرفع، المعنى، فواحدة تقنع. قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني: السراري. قال ابن قتيبة: معنى الآية: فكما تخافون أن لا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أيضا أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن، فَقَصَرَهم على أربع، ليقدروا على العدل، ثم قال: فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هؤلاء الأربع، فانكحوا واحدة، واقتصروا على ملك اليمين. قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أي: أقرب. وفي معنى تَعُولُوا ثلاثة أقوال: أحدها: تميلوا، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وإبراهيم، وقتادة، والسدي، ومقاتل، والفراء. وقال
[سورة النساء (4) : آية 4]
أبو مالك، وأبو عبيدة، تجوروا. قال ابن قتيبة، والزجاج: تجوروا وتميلوا بمعنى واحد. واحتكم رجلان من العرب إلى رجل، فحكم لأحدهما، فقال المحكوم عليه: إنك والله تعول علي، أي تميل وتجور. والثاني: تضلوا، قاله مجاهد. والثالث: تكثر عيالكم، قال ابن زيد، ورواه أبو سليمان الدمشقي في «تفسيره» عن الشّافعيّ، وردّه الزجّاج، فقال: أهل اللغة يقولون: هذا القول خطأ، لأن الواحدة يعولها، وإِباحة ملك اليمين أزيد في العيال من أربع. [سورة النساء (4) : آية 4] وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4) قوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً اختلفوا فيمن خوطب بهذا على قولين: أحدهما: أنهم الأزواج، وهو قول الجمهور، واحتجوا بأن الخطاب للناكحين قد تقدم، وهذا معطوف عليه، وقال مقاتل: كان الرجل يتزوج بلا مهر، فيقول: أرثكِ وترثيني، فتقول المرأة: نعم، فنزلت هذه الآية. والثاني: أنه متوجّه إلى الأولياء ثم فيه قولان: أحدهما: أن الزّوج كان إذا زوج أيّمة حاز صداقها دونها، فنهوا بهذه الآية، هذا قول أبي صالح واختاره الفراء، وابن قتيبة. والثاني: أن الرجل كان يعطي الرجل أخته ويأخذ أخته مكانها من غير مهر، فنهوا عن هذا بهذه الآية، رواه أبو سليمان التيمي عن بعض أشياخه. قال ابن قتيبة: والصدقات: المهور، واحدها: صدقة. وفي قوله تعالى: نِحْلَةً أربعة أقوال: أحدها: أنها بمعنى الفريضة، قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد ومقاتل. والثاني: أنها الهبة والعطية، قاله الفراء. قال ابن الأنباري: كانت العرب في الجاهلية لا تعطي النساء شيئا من مهورهن، فلما فرض الله لهن المهر، كان نحلة من الله، أي: هبة للنساء، فرضا على الرجال. وقال الزجاج: هو هبة من الله للنساء. قال القاضي أبو يعلى: وقيل: إِنما سمي المهر: نحلة، لأن الزّوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع بعد النكاح في ملك المرأة، ألا ترى أنها لو وُطئت بشبهة، كان المهر لها دون الزوج، وإِنما الذي يستحقه الزوج الاستباحة، لا الملك. والثالث: أنها العطية بطيب نفس، فكأنه قال: لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون، قاله أبو عبيدة. والرابع: أن معنى «النحلة» : الديانة، فتقديره: وآتوهن صدقاتهن ديانة، يقال: فلان ينتحل كذا، أي: يدين به، ذكره الزجاج عن بعض العلماء. قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ يعني: النساء المنكوحات. وفي لَكُمْ قولان: أحدهما: أنه يعني الأزواج. والثاني: الأولياء. و «الهاء» في مِنْهُ كناية عن الصّداق، قال الزّجّاج: ومِنْهُ هاهنا للجنس، كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ معناه: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن، فكأنه قال: كلوا الشيء الذي هو مهر، فيجوز أن يسأل الرجل المهر كلّه. ونَفْساً: منصوب على التمييز. فالمعنى: فان طابت أنفسهن لكم بذلك، فكلوه هنيئا مريئا. وفي الهنيء ثلاثة أَقوال: أحدها: أنه ما تؤمن عاقبته. والثاني: ما أعقب نفعا وشفاءً. والثالث: أنه الذي لا ينغِّصُه شيء. وأما «المريء» فيقال: مرئ الطّعام: إذا انهضم، وحمدت عاقبته.
[سورة النساء (4) : آية 5]
[سورة النساء (4) : آية 5] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ، المراد بالسفهاء خمسة أقوال: أحدها: أنهم النساء، قاله ابن عمر. والثاني: النساء والصبيان، قاله سعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، والفراء، وابن قتيبة. وعن الحسن ومجاهد كالقولين. والثالث: الأولاد، قاله أبو مالك، وهذه الأقوال الثلاثة مروية عن ابن عباس، وروي عن الحسن، قال: هم الأولاد الصغار. والرابع: اليتامى، قاله عكرمة، وسعيد بن جبير في رواية. قال الزجاج: ومعنى الآية: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، بدليل قوله تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيها وإنما قال: «أموالكم» ذكراً للجنس الذي جعله الله أموالاً للناس. وقال غيره: أضافها إِلى الولاة، لأنهم قوّامها. والخامس: أن القول على إِطلاقه، والمراد به كل سفيه يستحق الحجر عليه، ذكره ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي، وغيرهما، وهو ظاهر الآية. وفي قوله تعالى: أَمْوالَكُمُ قولان: أحدهما: أنه أموال اليتامى. والثاني: أموال السفهاء. قوله تعالى: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً قرأ الحسن: «اللاتي جعل الله لكم قِواماً» . وقرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائيّ، وأبو عمرو: «قياما» بالألف، وقرأ نافع، وابن عامر: «قَيِّماً» بغير ألف. قال ابن قتيبة: قياماً وقواماً بمنزلة واحدة، تقول: هذا قوام أمرك وقيامه، أي: ما يقوم به أمرك. وذكر أبو علي الفارسي أن «قواماً» و «قياماً» و «قيماً» ، بمعنى القوام الذي يقيم الشأن، قال: وليس قول من قال «القيم» هاهنا: جمع «قيمة» بشيء. قوله تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيها أي: منها. وفي «القول المعروف» ثلاثة أقوال: أحدها: العدة الحسنة، قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، ومقاتل. والثاني: الردّ الجميل، قاله الضحاك. والثالث: الدعاء، كقولك: عافاك الله، قاله ابن زيد. [سورة النساء (4) : آية 6] وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى. (258) سبب نزولها أن رجلاً، يقال له: رفاعة، مات وترك ولداً صغيراً، يقال له: ثابت، فوليه عمّه، فجاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله؟ ومتى أدفع إِليه ماله؟ فنزلت هذه الآية، ذكر نحوه مقاتل. والابتلاء: الاختبار. وبماذا يختبرون؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم يختبرون في عقولهم، قاله ابن عباس، والسدي، وسفيان، ومقاتل. والثاني: يختبرون في عقولهم ودينهم، قاله الحسن، وقتادة. وعن مجاهد كالقولين. والثالث: في عقولهم ودينهم، وحفظهم أموالهم، ذكره الثعلبي. قال القاضي أبو يعلى: وهذا الابتلاء قبل البلوغ.
قوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ قال ابن قتيبة: أي: بلغوا أن ينكحوا النساء فَإِنْ آنَسْتُمْ أي: علمتم، وتبيّنتم. وأصل: أنست: أبصرت. وفي الرشد أربعة أقوال: أحدها: الصلاح في الدين، وحفظ المال، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: الصلاح في العقل، وحفظ المال، روي عن ابن عباس والسدي. والثالث: أنه العقل، قاله مجاهد، والنخعي. والرابع: العقل، والصلاح في الدين، روي عن السدي. فصل: واعلم أن الله تعالى علَّق رفع الحجر عن اليتامى بأمرين: بالبلوغ والرشد، وأمر الأولياء باختبارهم، فإذا استبانوا رشدهم، وجب عليهم تسليم أموالهم إليهم. والبلوغ يكون بأحد خمسة أشياء، ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء: الاحتلام، واستكمال خمس عشرة سنة، والإِنبات، وشيئان يختصان بالنساء: الحيض والحمل «1» . قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً خطاب للأولياء، قال ابن عباس: لا تأكلوها بغير حقّ.
وَبِداراً تُبادِرون أكل المال قبل بلوغ الصبِيّ وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ بماله عن مال اليتيم. وفي الأكل بالمعروف أربعة أقوال: أحدها: أنه الأخذ على وجه القرض، وهذا مروي عن عمر، وابن عباس، وابن جبير، وأبي العالية، وعبيدة، وأبي وائل، ومجاهد، ومقاتل. والثاني: الأكل بمقدار الحاجة من غير إِسراف، وهذا مروي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وعطاء، والنخعي، وقتادة، والسدي. والثالث: أنه الأخذ بقدر الأجرة إِذا عمل لليتيم عملاً، روي عن ابن عباس، وعائشة، وهي رواية أبي طالب، وابن منصور، عن أحمد رضي الله عنه. والرابع: أنه الأخذ عند الضرورة، فان أيسر قضاه، وإن لم يوسر، فهو في حل، وهذا قول الشعبي «1» . فصل: واختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أو منسوخة؟ على قولين: أحدهما: محكمة، وهو قول عمر، وابن عباس، والحسن، والشعبي، وأبي العالية، ومجاهد، وابن جبير، والنخعي، وقتادة في آخرين. وحكمها عندهم أن الغني ليس له أن يأكل من مال اليتيم شيئاً، فأما الفقير الذي لا يجد ما يكفيه، وتشغله رعاية مال اليتيم عن تحصيل الكفاية، فله أن يأخذ قدر كفايته بالمعروف من غير إِسراف. وهل عليه الضمان إذا أيسر؟ فيه قولان لهم: أحدهما: أنه لا ضمان عليه، بل يكون كالأجرة له على عمله، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وأحمد بن حنبل. والثاني: إذا أيسر وجب عليه القضاء، روي عن عمر وغيره، وعن ابن عباس أيضا كالقولين. والقول الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ «2» وهذا مروي عن ابن عباس ولا يصح. قوله تعالى: فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ قال القاضي أبو يعلى: هذا على طريق الاحتياط لليتيم، والولي، وليس بواجب، فأما اليتيم، فإنه إذا كانت عليه بيِّنة، كان أبعد من أن يدّعي عدم القبض، وأما الوليّ، فإنه تظهر أمانته، ويسقط عنه اليمين عند إِنكار اليتيم للدَّفع. وفي «الحسيب» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الشهيد، قاله ابن عباس، والسدّي، ومقاتل. والثاني: أنه الكافي، من قولك: أحسبَني هذا الشيءُ، أي كفاني، والله حسيبي وحسيبك، أي: وكافينا، أي يكون حكماً بيننا كافيا، قال الشاعر «3» : ونُقْفي وليد الحي إن كان جائعاً ... ونُحسِبُه إن كان ليس بجائع
[سورة النساء (4) : آية 7]
أي: نعطيه ما يكفيه حتى يقول: حسبي. قاله ابن قتيبة والخطابي. والثالث: أنه المحاسب، فيكون في مذهب جليس، وأكيل، وشريب، حكاه ابن قتيبة والخطّابيّ. [سورة النساء (4) : آية 7] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ. (259) سبب نزولها أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك ثلاث بنات وامرأة، فقام رجلان من بني عمّه، يقال لهما: قتادة، وعرفطة «1» فأخذوا ماله، ولم يعطيا امرأته، ولا بناته شيئاً، فجاءت امرأته إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فذكرت له ذلك، وشكت الفقر، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال قتادة: كانوا لا يورِّثون النساء، فنزلت هذه الآية. والمراد بالرجال: الذكور، وبالنساء: الإِناث، صغاراً كانوا أو كبارا. و «النصيب» : الحظ من الشيء، وهو مجمل في هذه الآية، ومقداره معلوم من موضع آخر، وذلك مثل قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ «2» وقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً «3» . والمفروض: الذي فرضه الله، وهو آكدُ من الواجب. [سورة النساء (4) : آية 8] وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8)
قوله تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى في هذه القسمة قولان: أحدهما: قسمة الميراث بعد موت الموروث، فعلى هذا يكون الخطاب للوارثين، وبهذا قال الأكثرون، منهم ابن عباس، والحسن، والزهري. والثاني: أنها وصيّة الميّت قبل موته، فيكون مأموراً. بأن يعيّن لمن لا يرثه شيئاً، روي عن ابن عباس، وابن زيد. قال المفسّرون: والمراد بأولي القربى: الذين لا يرثون، فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي: أعطوهم منه، وقيل: أطعموهم، وهذا على الاستحباب عند الأكثرين، وذهب قوم إِلى أنه واجب في المال، فان كان الورثة كباراً، تولوا إِعطاءهم، وإِن كانوا صغاراً تولّى ذلك عنهم وليّ مالهم، فروي عن عبيدة أنه قسم مال أيتام، فأمر بشاة، فاشتريت من مالهم، وبطعام فصنع، وقال: لولا هذه الآية لأحببت أن يكون من مالي، وكذلك فعل محمّد بن سيرين في أيتامِ ولِيَهم، وكذلك روي عن مجاهد: أن ما تضمّنتْه هذه الآية واجب. وفي «القول المعروف» أربعة أقوال: أحدها: أن يقول لهم الولي حين يعطيهم: خذ بارك الله فيك، رواه سالم الأفطس، عن ابن جبير. والثاني: أن يقول الولي: إِنه مال يتامى، وما لي فيه شيء، رواه أبو بشر عن ابن جبير، وفي رواية أخرى عن ابن جبير، قال: إِن كان الميت أوصى لهم بشيء أُنفذت لهم وصيَّتهم، وإِن كان الورثة كباراً رضخوا لهم، وإن كانوا صغاراً، قال وليُّهم: إِني لست أملك هذا المال، إِنما هو للصغار، فذلك القول المعروف. والثالث: أنه العِدَة الحسنة، وهو أن يقول لهم أولياء الورثة: إِن هؤلاء الورثة صغار، فاذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حقكم. رواه عطاء بن دينار، عن ابن جبير. والرابع: أنهم يُعْطَوْنَ من المال، ويقال لهم عند قسمة الأرضين والرقيق: بورك فيكم، وهذا القول المعروف. قال الحسن والنخعي: أدركنا الناس يفعلون هذا. فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها محكمة، وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عباس، والحسن، وأبي العالية، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وقد ذكرنا أن ما تضمنته من الأمر مستحب عند الأكثرين، وواجب عند بعضهم. والقول الثاني: أنها منسوخة، نسخها قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ رواه مجاهد عن ابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيّب، وعكرمة، والضّحّاك، وقتادة في آخرين «1» .
[سورة النساء (4) : آية 9]
[سورة النساء (4) : آية 9] وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9) قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً اختلفوا في المخاطب بهذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خطاب للحاضرين عند الموصي. وفي معنى الآية على هذا القول قولان: أحدهما: وليخش الذين يحضرون موصياً في ماله أن يأمروه بتفريقه فيمن لا يرثه، فيفرّقه ويترك ورثته، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. والثاني: على الضدّ من هذا القول، وهو أنه نهي لحاضري الموصي أن يمنعوه من الوصية لأقاربه، وأن يأمروه بالاقتصار على ولده، وهذا قول مقسم، وسليمان التيمي في آخرين. والقول الثاني: أنه خطاب لأولياء اليتامى، متعلّق بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً فمعنى الكلام: أحسنوا فيمن وليتم من اليتامى، كما تحبّون أن يحسن ولاة أولادكم بعدكم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، وابن السائب. والثالث: أنه خطاب للأوصياء أمروا بأداء الوصيّة على ما رسم الموصي، وأن تكون الوجوه التي عينها مرعيّة بالمحافظة كرعي الذرّية الضعاف من غير تبديل، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ «1» فأمر الوصي، بهذه الآية إِذا وجد ميلاً عن الحق أن يستعمل قضيّة الشرع، ويصلح بين الورثة، ذكره شيخنا علي بن عبيد الله، وغيره في «الناسخ والمنسوخ» ، فعلى هذا تكون الآية منسوخة، وعلى ما قبله تكون محكمة. و «الضعاف» : جمع ضعيف، وهم الأولاد الصغار، وقرأ حمزة: ضعافاً، بإمالة العين. قال أبو علي: ووجهها: أن ما كان على «فعال» وكان أوله حرفاً مستعلياً مكسوراً، نحو ضعاف، وقفاف، وخفاف حسنت فيه الإِمالة، لأنه قد يُصَعَّدُ بالحرف المستعلي، ثم يُحْدرُ بالكسر، فيستحب أن لا يُصَعَّد بالتفخيم بعد التصوُّب بالكسر، فيجعل الصوت على طريقة واحدة، وكذلك قرأ حمزة: خافُوا عَلَيْهِمْ بامالة الخاء، والإِمالة هاهنا حسنة، وإِن كانت «الخاء» حرفاً مستعلياً، لأنه يطلب
[سورة النساء (4) : آية 10]
الكسرة التي في «خِفت» فينحو نحوها بالإِمالة. والقول السّديد: الصّواب. [سورة النساء (4) : آية 10] إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن رجلاً من غطفان، يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه، فأكله، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل بن حيان «1» . والثاني: أن حنظلة بن الشمردل ولي يتيما، فأكل ماله، فنزلت هذه الآية، ذكره بعض المفسرين. وإنما خصّ الأكل بالذكْر، لأنه معظم المقصود، وقيل: عبّر به عن الأخذ. قال سعيد بن جبير: ومعنى الظلم: أن يأخذه بغير حق. وأما ذكر «البطون» فللتوكيد، كما تقول: نظرت بعيني، وسمعت بأذني. وفي المراد بأكلهم النار قولان: أحدهما: أنهم سيأكلون يوم القيامة ناراً، فسمي الأكل بما يؤول إليه أمرهم، كقوله تعالى: أَعْصِرُ خَمْراً «2» قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلماً، ولهب النار يخرج مِن فيه، ومن مسامعه، وأذنيه، وأنفه، وعينيه، يعرفه مَن رآه يأكل مال اليتيم. والثاني: أنه مَثَل. معناه: يأكلون ما يصيرون به إلى النّار، كقوله تعالى: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ «3» أي: رأيتم أسبابه. قوله تعالى: وَسَيَصْلَوْنَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، «وسيصلون» بفتح الياء، وقرأ الحسن، وابن عامر، بضم الياء، ووافقهما ابن مقسم، إِلاَّ أنه شدّد. والمعنى: سيُحرَّقون بالنار، ويُشْوَوْن. والسعير: النار المستعرة، واستِعار النارِ: توقُّدها. فصل: وقد توهم قومٌ لا علم لهم بالتفسير وفقهه، أن هذه الآية منسوخة، لأنهم سمعوا أنها لما نزلت، تحرج القوم عن مخالطة اليتامى، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «4» وهذا غلط، وإِنما ارتفع عنهم الحرج بشرط قصد الإصلاح، لا على إباحة الظّلم. [سورة النساء (4) : آية 11] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ في سبب نزولها ثلاثة أقوال:
(260) أحدها: أن جابر بن عبد الله مرض، فعاده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: كيف أصنع في مالي يا رسول الله، فنزلت هذه الآية، رواه البخاري ومسلم. (261) والثاني: أنّ امرأة جاءت إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله قُتِل أبو هاتين معك يوم أحد، وقد استفاء «1» عمهما مالهما، فنزلت، روي عن جابر بن عبد الله أيضاً. (262) والثالث: أن عبد الرحمن أخا حسان بن ثابت مات، وترك امرأة، وخمس بنات، فأخذ ورثته ماله، ولم يعطوا امرأته، ولا بناته شيئاً، فجاءت امرأته تشكو إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي. قال الزجاج: ومعنى يوصيكم: يفرض عليكم، لأن الوصيّة منه فرض «2» . وقال غيره: إنما ذكره بلفظ الوصية لأمرين: أحدهما: أن الوصية تزيد على الأمر، فكانت آكد. والثاني: أن في الوصية حقاً للموصي، فدل على تأكيد الحال بإضافته إلى حقه. وقرأ الحسن. وابن أبي عبلة: «يوصِّيكم» بالتشديد. قوله تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يعني، للابن من الميراث مثل حظ الأنثيين. ثم ذكر نصيب الإِناث من الأول فقال فَإِنْ كُنَّ يعني: البنات نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ وفي قوله تعالى: فَوْقَ قولان: أحدهما: أنها زائدة، كقوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ. والثاني: أنها بمعنى الزيادة. قال القاضي أبو يعلى: إنما نص على ما فوق الاثنتين، والواحدة، ولم ينص على الاثنتين، لأنه لما جعل لكل واحدة مع الذكر الثلث، كان لها مع الأنثى الثلث أولى. قوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً قرأ الجمهور بالنصب، وقرأ نافع بالرفع، على معنى: وإِن وقعت، أو وجدت واحدة.
قوله تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ قال الزجاج: أبواه تثنية أَبٍ وأبة، والأصل في الأم أن يقال لها: أبة، ولكن استغنى عنها بأم، والكناية في قوله «لأبويه» عن الميت وإن لم يجرِ له ذكر. وقوله تعالى: فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ أي: إِذا لم يخلف غير أبوين، فثلث ماله لأمه، والباقي للأب، وإِنما خص الأم بالذّكر، لأنه لو اقتصر على قوله تعالى: وَوَرِثَهُ أَبَواهُ ظنّ الظان أن المال يكون بينهما نصفين، فلما خصّها بالثلث، دل على التفضيل. وقرأ ابن كثير، ونافع وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: فَلِأُمِّهِ وفِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ «1» وفِي أُمِّها «2» وفِي أُمِّ الْكِتابِ بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر إذا وصلا، وحجتهما: أنهما أتبعا الهمزة ما قبلها، من ياء أو كسرة. قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ أي: مع الأبوين، فإنهم يحجبون الأم عن الثلث، فيردونها إلى السدس، واتفقوا على أنهم إذا كانوا ثلاثة إخوة حجبوا، فإن كانا أخوين، فهل يحجبانها؟ فيه قولان: أحدهما: يحجبانها عن الثلث، قاله عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، والجمهور. والثاني: لا يحجبها إِلا ثلاثة، قاله ابن عباس، واحتج بقوله: إِخوة. والأخوة: اسم جمع، واختلفوا في أقل الجمع، فقال الجمهور: أقله ثلاثة، وقال قوم: اثنان، والأول: أصح. وإِنما حجب العلماء الأم بأخوين لدليل اتفقوا عليه، وقد يُسمّى الاثنان بالجمع، قال الزجاج: جميع أهل اللغة يقولون: إن الأخوين جماعة، وحكى سيبويه أن العرب تقول: وضعا رحالهما، يريدون: رَحْلَي راحلتيهما. قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ أي: هذه السهام إِنما تقسم بعد الوصيّة والدّين. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم «يوصَى بها» بفتح الصاد في الحرفين. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «يوصي» فيهما بالكسر، وقرأ حفص، عن عاصم الأولى بالكسر، والثانية بالفتح. واعلم أن الدَّين مؤخّر في اللفظ، مقدم في المعنى، لأن الدين حق عليه، والوصيّة حق له، وهما جميعا مقدمان على حق الورثة إِذا كانت الوصيّة في ثلث المال، و «أو» لا توجب الترتيب، إِنما تدل على أن أحدهما إِن كان، فالميراث بعده، وكذلك إن كانا. قوله تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فيه قولان: أحدهما: أنه النفع في الآخرة، ثم فيه قولان: أحدهما: أن الوالد إذا كان أرفع درجة من ولده، رفع إليه ولده، وكذلك الولد، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. والثاني: أنه شفاعة بعضهم في بعض، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. والقول الثاني: أنه النفع في الدنيا، قاله مجاهد. ثم في معناه قولان: أحدهما: أن المعنى: لا تدرون هل موت الآباء أقرب، فينتفع الأبناء بأموالهم، أو موت الأبناء، فينتفع الآباء بأموالهم؟ قاله ابن بحر. والثاني: أن المعنى: أن الآباء والأبناء يتفاوتون في النفع، حتى لا يدري أيهم أقرب نفعاً، لأن الأولاد ينتفعون في صغرهم بالآباء، والآباء ينتفعون في كبرهم بالأبناء، ذكره القاضي أبو يعلى. وقال الزجاج: معنى الكلام: أن الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة. ولو وكل ذلك إِليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فتضعون الأموال على غير حكمة. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بما يصلح
[سورة النساء (4) : آية 12]
خلقه، حَكِيماً فيما فرض. وفي معنى «كان» ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناها: كان عليماً بالأشياء قبل خلقها، حكيماً فيما يقدِّر تدبيره منها، قاله الحسن. والثاني: أن معناها: لم يزل. قال سيبويه: كأنّ القوم شاهدوا علما وحكمة، فقيل له: إن الله كان كذلك، أي: لم يزل على ما شاهدتم، ليس ذلك بحادث. والثالث: أن لفظة «كان» في الخبر عن الله عزّ وجلّ يتساوى ماضيها ومستقبلها، لأن الأشياء عنده على حال واحدة، ذكر هذه الأقوال الزجّاج. [سورة النساء (4) : آية 12] وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) قوله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً قرأ الحسن: «يُوَرِّثُ» بفتح الواو، وكسر الراء مع التشديد. وفي الكلالة أربعة أقوال: أحدها: أنها ما دون الوالد والولد، قاله أبو بكر الصّدّيق. وقال عمر بن الخطاب: أتى عليّ حين وأنا لا أعرف ما الكلالة، فإذا هو: من لم يكن له والد ولا ولد، وهذا قول علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، والزهري، وقتادة، والفراء، وذكر الزجاج عن أهل اللغة، أن «الكلالة» : من قولهم: تكلله النسب، أي: لم يكن الذي يرثه ابنه، ولا أباه. قال: والكلالة سوى الوالد والولد، وإنما هو كالاكليل على الرأس. وذكر ابن قتيبة عن أبي عبيدة أنه مصدر تكلله النسب: إذا أحاط به. والابن والأب: طرفان للرجل. فاذا مات، ولم يخلفهما، فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمّي ذهاب الطّرفين: كلالة. والثاني: أن الكلالة: من لا ولد له، رواه ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، وهو قول طاوس. والثالث: أن الكلالة: ما عدا الوالد، قاله الحكم. والرابع: أن الكلالة: بنو العم الأباعد، ذكره ابن فارس، عن ابن الأعرابي «1» . واختلفوا على ما يقع اسم الكلالة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اسم للحي الوارث، وهذا مذهب أبي بكر الصديق، وعامة العلماء الذين قالوا: إن الكلالة مِن دون الوالد والولد، فانهم قالوا: الكلالة: اسم للورثة إِذا لم يكن فيهم ولد ولا والد، قال بعض الأعراب: مالي كثير، ويرثني كلالة متراخ
[سورة النساء (4) : آية 13]
نسبهم. والثاني: أنه اسم للميت، قاله ابن عباس: والسدي، وأبو عبيدة في جماعة. قال القاضي أبو يعلى: الكلالة: اسم للميت، ولحاله، وصفته، ولذلك انتصب. والثالث: أنه اسم للميت والحي، قاله ابن زيد. وفيما أخذت منه الكلالة قولان: أحدهما: أنه اسم مأخوذ من الإِحاطة، ومنه الاكليل، لإحاطته بالرأس. والثاني: أنه مأخوذ من الكلال، وهو التعب، كأنه يصل إلى الميراث من بُعد وإِعياء. قال الأعشى: فآليتُ لا أرثي لها من كلالةٍ ... ولا من حفى حتّى تزور محمّدا قوله تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ يعني: من الأم بإجماعهم. قوله تعالى: فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ قال قتادة: ذكرهم وأنثاهم فيه سواء. قوله تعالى: غَيْرَ مُضَارٍّ قال الزجاج: «غير» منصوب على الحال، والمعنى: يوصي بها غير مضار، يعني: للورثة. [سورة النساء (4) : آية 13] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ قال ابن عباس: يريد ما حدَّ الله من فرائضه في الميراث وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في شأن المواريث يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ قرأ ابن عامر، ونافع: «ندخله» بالنون في الحرفين جميعاً، والباقون بالياء فيهما. [سورة النساء (4) : آية 14] وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14) قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ فلم يرض بقسمه يُدْخِلْهُ ناراً، فان قيل: كيف قطع للعاصي بالخلود؟ فالجواب: أنه إِذا ردَّ حكم الله، وكفر به، كان كافرا مخلدا في النار. [سورة النساء (4) : آية 15] وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) قوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ قال الزجاج: «التي» تجمع اللاتي واللواتي. قال الشاعر: من اللواتي والتي واللاتي ... زعمن أني كَبِرتْ لِدَاتي «1» وتجمع اللاتي بإثبات التاء وحذفها. قال الشاعر: من اللاتي لم يحججن يبغين حِسبة ... ولكن لِيَقْتُلْنَ البريء المغفَّلا والفاحشة: الزنى في قول الجماعة.
[سورة النساء (4) : آية 16]
وفي قوله تعالى: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ قولان: أحدهما: أنه خطاب للأزواج. والثاني: خطاب للحكام، فالمعنى: اسمعوا شهادة أربعة منكم، ذكرهما الماوردي. قال عمر بن الخطاب: إنما جعل الله عزّ وجلّ الشهود أربعة ستراً ستركم به دون فواحشكم. ومعنى «منكم» : من المسلمين. قوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ قال ابن عباس: كانت المرأة إِذا زنت، حبست في البيت حتى تموت، فجعل الله لهن سبيلا، وهو الجلد أو الرجم. [سورة النساء (4) : آية 16] وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16) قوله تعالى: وَالَّذانِ قرأ ابن كثير: «واللذانّ» بتشديد النون، و «هذانّ» في طه والحج و «هاتين» في القصص: «إحدى ابنتيّ هاتينّ» و «فذانّك» كله بتشديد النون. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، بتخفيف ذلك كله، وشدد أبو عمرو «فذانِّك» وحدها. وقوله: واللذان: يعني: الزانيين. وهل هو عام، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه عامٌّ في الأبكار والثُّيَّب من الرجال والنساء، قاله الحسن، وعطاء. والثاني: أنه خاص في البكرين إِذا زنيا، قاله أبو صالح، والسدّي، وابن زيد، وسفيان. قال القاضي أبو يعلى: والأول أصح، لأن هذا تخصيص بغير دلالة. قوله تعالى: يَأْتِيانِها يعني الفاحشة. قوله تعالى فَآذُوهُما فيه قولان: أحدهما: أنه الأذى بالكلام، والتعيير، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والسدي، والضحاك، ومقاتل. والثاني: أنه التعيير، والضرب بالنعال، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. فَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فَأَعْرِضُوا عن أذاهما. وهذا كله كان قبل الحد. فصل: كان حد الزانيين، فيما تقدم، الأذى لهما، والحبس للمرأة خاصة، فنسخ الحكمان جميعا، واختلفوا بماذا وقع نسخهما: (263) فقال قوم بحديث عبادة بن الصامت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، الثَّيِّب بالثَّيب جلد مائة، ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة» وهذا على قول من يرى نسخ القرآن بالسنة. وقال قوم: نسخ بقوله تعالى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ «1» قالوا: وكان قوله
[سورة النساء (4) : آية 17]
تعالى وَالَّذانِ يَأْتِيانِها للبكرين، فنسخ حكمها بالجلد، ونسخ حكم الثيّب من النساء بالرجم «1» . وقال قوم: يحتمل أن يكون النسخ وقع بقرآن، ثم رفع رسمه، وبقي حكمه. لأن في حديث عبادة «قد جعل الله لهن سبيلا» والظاهر: أنه جعل بوحي لم تستقر تلاوته. قال القاضي أبو يعلى: وهذا وجه صحيح، يخرج على قول من لم ينسخ القرآن بالسنة. قال: ويمتنع أن يقع النسخ بحديث عبادة، لأنه من أخبار الآحاد، والنسخ لا يجوز بذلك. [سورة النساء (4) : آية 17] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ قال الحسن: إِنما التوبة التي يقبلها الله. فأما «السوء» ، فهو المعاصي، سمي سوءاً لسوء عاقبته. قوله تعالى: بِجَهالَةٍ قال مجاهد: كل عاصٍ فهو جاهل حين معصيته. وقال الحسن، وعطاء، وقتادة، والسدي في آخرين: إنما سُمّوا جهالاً لمعاصيهم، لا أنهم غير مُميّزين. وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء، لأن المسلم لو أتى ما يجهله، كان كمن لم يوقع سوءاً، وإنما يحتمل أمرين: أحدهما: أنهم عملوه، وهم يجهلون المكروه فيه. والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جُهَّالاً، لإِيثارهم القليل على الرّاحة الكثيرة، والعاقبة الدّائمة.
[سورة النساء (4) : آية 18]
وفي «القريب» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التوبة في الصحة، رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال السدي، وابن السائب. والثاني: أنه التوبة قبل معاينة ملك الموت. رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال أبو مجلز. والثالث: أنه التوبة قبل الموت، وبه قال ابن زيد في آخرين. [سورة النساء (4) : آية 18] وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18) قوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ في السيئات ثلاثة أقوال: أحدها: الشرك، قاله ابن عباس، وعكرمة. والثاني: أنها النفاق، قاله أبو العالية، وسعيد بن جبير. والثالث: أنها سيئات المسلمين، قاله سفيان الثوري، واحتجّ بقوله تعالى: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ. قوله تعالى: حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ في الحضور قولان: أحدهما: أنه السَّوْق «1» ، قاله ابن عمر. والثاني: أنه معاينة الملائكة لقبض الروح، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقد روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: أنزل الله تعالى بعد هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ «2» الآية. فحرّم المغفرة على مَن مات مشركاً، وأرجأ أهل التّوحيد إلى مشيئته، فعلى هذا تكون منسوخة في حق المؤمنين. [سورة النساء (4) : آية 19] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً. (264) سبب نزولها: أن الرجل كان إِذا مات، كان أولياؤه أحق بامرأته، إِن شاؤوا زوجوها، وإِن شاؤوا لم يزوّجوها، فنزلت هذه الآية. قاله ابن عباس. وقال في رواية أخرى: كانوا في أول الإِسلام إِذا مات الرجل، قام أقرب الناس منه، فيُلقي على امرأته ثوباً، فيرث نكاحها. وقال مجاهد: كان إِذا توفي الرجل، فابنه الأكبر أحق بامرأته، فينكحها إِن شاء، أو يُنكحها من شاء. (265) وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته من بعده، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فنزلت هذه الآية.
قال عكرمة، واسم هذه المرأة: كبيشة بنت معن بن عاصم «1» ، وكان هذا في العرب. وقال أبو مجلز: كانت الأنصار تفعله. وقال ابن زيد: كان هذا في أهل المدينة. وقال السّدي: إنما كان ذلك للأولياء ما لم تسبق المرأة، فتذهب إِلى أهلها، فإن ذهبت، فهي أحق بنفسها. وفي معنى قوله تعالى: أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً قولان: أحدهما: أن ترثوا نكاح النساء، وهذا قول الجمهور. والثاني: أَن ترثوا أموالهن كرهاً. روى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كان يُلقي حميم «2» الميت على الجارية ثوباً، فان كانت جميلة تزوجها، وإِن كانت دَميمة حبسها حتى تموت، فيرثها. واختلف القراء في فتح كاف «الكره» وضمّها في أربعة مواضع: هاهنا، وفي التوبة، وفي الأحقاف في موضعين، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو بفتح الكاف فيهن، وضمهن حمزة. وقرأ عاصم، وابن عامر بالفتح في النّساء والتّوبة، وبالضم في الأحقاف. وهما لغتان، قد ذكرناهما في البقرة. وفيمن خوطب بقوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خطاب للأزواج، ثم في العضل الذي نهى عنه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الرجل كان يكره صحبة امرأته، ولها عليه مهر، فيحبسها، ويضربها لتفتدي، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي. والثاني: أن الرجل كان ينكح المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، فيفارقها على أن لا تتزّوج إِلاّ بإذنه، ويشهد على ذلك، فاذا خطبت، فأرضته، أذن لها، وإِلا عضلها، قاله ابن زيد. والثالث: أنهم كانوا بعد الطلاق يعضلون، كما كانت الجاهلية تفعل، فنهوا عن ذلك، روي عن ابن زيد أيضا. وقد ذكرنا في البقرة أن الرجل كان يطلق المرأة، ثم يراجعها، ثم يطلقها كذلك أبداً إِلى غير غاية، يقصد إِضرارها، حتى نزلت الطَّلاقُ مَرَّتانِ «3» . والقول الثاني: أنه خطاب للأولياء، ثم في ما نهوا عنه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الرجل كان في الجاهلية إذا كانت له قرابة قريبة، ألقى عليها ثوبه، فلم تتزّوج أبداً غيره إِلا بإذنه، قاله ابن عباس. والثاني: أن اليتيمة كانت تكون عند الرجل، فيحبسها حتى تموت، أو تتزوّج بابنه، قاله مجاهد. والثالث: أن الأولياء كانوا يمنعون النساء من التزويج، ليرثوهن، روي عن مجاهد أيضا. والقول الثالث: انه خطاب لورثة أزواج النساء الذين قيل لهم: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً. كان الرجل يرث امرأة قريبة، فيعضلها حتى تموت، أو تردّ عليه صداقها. هذا قول ابن عباس في آخرين «4» وعلى هذا يكون الكلام متّصلاً بالأول، وعلى الأقوال التي قبله يكون ذكر العضل منفصلاً عن
[سورة النساء (4) : آية 20]
قوله تعالى: أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ. وفي الفاحشة قولان: أحدهما: أنها النشوز على الزوج، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة في جماعة. والثاني: الزنى، قاله الحسن، وعطاء، وعكرمة في جماعة. قد روى معمر، عن عطاء الخراساني، قال: كانت المرأة إذا أصابت فاحشة، أخذ زوجها ما ساق إليها، وأخرجها، فنسخ ذلك بالحد. قال ابن جرير: وهذا القول ليس بصحيح، لأن الحد حق الله، والافتداء حق للزوج، وليس أحدهما مبطلاً للآخر، والصحيح: أنها إِذا أتت بأي فاحشةٍ كانت، من زنى الفرج، أو بذاءة اللسان، جاز له أن يعضلها، ويُضيِّق عليها حتى تفتدي. فأما قوله تعالى: مُبَيِّنَةٍ فقرأ ابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم: «مُبيَّنة» ، و «آيات مبيَّنات» «1» بفتح الياء فيهما جميعاً. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم: بكسر الياء فيهما، وقرأ نافع، وأبو عمرو «مبينة» كسراً و «آيات مبينات» فتحا. وقد سبق ذكر «العِشرة» . قوله تعالى: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً قال ابن عباس: ربما رزق الله منهما ولداً، فجعل الله في ولدها خيراً كثيراً. وقد نَدَبت الآية إِلى إِمساكِ المرأة مع الكراهة لها، ونبَّهت على معنيين: أحدهما: أن الإِنسان لا يعلم وُجوهَ الصلاح، فرب مكروهٍ عاد محموداً، ومحمودٍ عاد مذموماً. والثاني: أن الإِنسان لا يكاد يجد محبوباً ليس فيه ما يكره، فليصبِر على ما يكره لما يُحِبُ. وأنشدوا في هذا المعنى: وَمَن لم يُغَمِّضْ عيْنَه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يَمُتْ وهو عاتِبُ ومن يتَتَبَّع جاهداً كل عَثْرَةٍ ... يجدها ولا يسلم له الدّهر صاحب [سورة النساء (4) : آية 20] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) قوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ هذا الخطاب للرجال. والزوج: المرأة. وقد سبق ذكر «القنطار» في (آل عمران) . قوله تعالى: فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً إنما ذلك في حق من وطئها، أو خلا بها، وقد بيّنَتْ ذلك الآية التي بعدها. قال القاضي أبو يعلى: وإنما خصّ النهي عن أخذ شيء مما أعطى بحال الاستبدال، وإن كان المنع عامّا، لئلّا يظنّ أنه لما عاد البضع إلى ملكها، وجب أن يسقط حقها من المهر، أو يظن ظان أن الثانية أولى بالمهر منها، لقيامها مقامها. وفي البهتان قولان: أحدهما: أنه الظلم، قاله ابن عباس، وابن قتيبة. والثاني: الباطل، قاله الزجاج. ومعنى الكلام: أتأخذونه مباهتين آثمين.
[سورة النساء (4) : آية 21]
[سورة النساء (4) : آية 21] وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21) قوله تعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ أي: كيف تستجيزون أخذه. وفي «الإِفضاء» قولان: أحدهما: أنه الجماع، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، ومقاتل، وابن قتيبة. والثاني: الخلوة بها، وإن لم يغشها، قاله الفراء. وفي المراد بالميثاق هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الذي أخذه الله للنساء على الرجال الإِمساك بمعروف، أو التسريح بإحسان. هذا قول ابن عباس، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه عقد النكاح، قاله مجاهد، وابن زيد. والثالث: أنه أمانة الله، قاله الرّبيع. [سورة النساء (4) : آية 22] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (22) قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما حرّم الله إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، فنزلت هذه الآية. (266) وقال بعض الأنصار: توفي أبو قيس بن الأسلت، فخطب ابنه قيس امرأته، فأتت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تستأذنه، وقالت: إنما كنت أعده ولداً، فنزلت هذه الآية. قال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصلناه عن ثعلب، عن الكوفيين، والمبرّد عن البصريين، أن «النكاح» في أصل اللغة: اسم للجمع بين الشيئين. وقد سموا الوطء نفسه نكاحاً من غير عقد. قال الأعشى: ومنكوحة غير ممهورة «1» يعني المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد. قال القاضي أبو يعلى: قد يطلق النكاح على العقد، قال الله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ «2» وهو حقيقة في الوطء، مجازا في العقد، لأنه اسم للجمع، والجمع: إنما يكون بالوطء، فسمّي العقد نكاحاً، لأنه سبّب إليه. قوله تعالى: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ فيه ستة أقوال: أحدها: أنها بمعنى: بعد ما قد سلف، فإن الله يغفره، قاله الضحاك، والمفضّل. وقال الأخفش: المعنى: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم، فإنكم تعذّبون به، إِلا ما قد سلف، فقد وضعه الله عنكم. والثاني: أنها بمعنى: سوى ما قد سلف، قاله الفرّاء.
[سورة النساء (4) : آية 23]
والثالث: أنها بمعنى: لكن ما قد سلف فدعوه، قاله قطرب. وقال ابن الأنباري: لكن ما قد سلف، فإنه كان فاحشة. والرابع: أن المعنى: ولا تنكحوا كنكاح آبائِكم النساء، أي: كما نكحوا على الوجوه الفاسدة التي لا تجوز في الإسلام إِلا ما قد سلف في جاهليّتكم، من نكاح لا يجوز ابتداء مثله في الإسلام، فإنه معفو لكم عنه، وهذا كقول القائل: لا تفعل ما فعلت، أي: لا تفعل مثل ما فعلت، ذكره ابن جرير «1» . والخامس: أنها بمعنى «الواو» فتقديرها: ولا ما قد سلف، فيكون المعنى: إِقطعوا ما أنتم عليه من نكاح الآباء، ولا تبتدئوا، قاله بعض أهل المعاني. والسادس: أنها للاستثناء، فتقدير الكلام: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الجائز الذي كان عقده بينهم إِلا ما قد سلف منهم بالزنى، والسفاح، فإنهن حلال لكم، قاله ابن زيد. قوله تعالى: إِنَّهُ يعني النكاح، و «الفاحشة» : ما يفحش ويقبح. و «المقت» : أشد البغض. وفي المراد بهذا «المقت» قولان: أحدهما: أنه اسم لهذا النكاح، وكانوا يسمّون نكاح امرأة الأب في الجاهلية: مقتاً، ويُسمّون الولد منه: المقتي. فاعلموا أن هذا الذي حرِّم عليهم من نكاح امرأة الأب لم يزل منكراً في قلوبهم ممقوتاً عندهم. هذا قول الزجاج. والثاني: أنه يوجب مقت الله لفاعله، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ. قوله تعالى: وَساءَ سَبِيلًا قال ابن قتيبة: أي: قبُح هذا الفعل طريقا. [سورة النساء (4) : آية 23] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ قال الزجاج: الأصل في أمّهات: أمّات، ولكن الهاء زيدت مؤكّدة، كما زادوها في: أهرقت الماء، وإِنما أصله: أرقت. قوله تعالى: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ إنما سُمّين أمهات، لموضع الحرمة. واختلفوا: هل يعتبر في الرضاع العدد، أم لا؟ فنقل حنبل، عن أحمد: أنه يتعلق التحريم بالرضعة الواحدة، وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، والحسن، وطاوس، والشعبي، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وأصحابه. ونقل محمد بن العباس، عن أحمد: أنه يتعلق التحريم بثلاث رضعات. ونقل أبو الحارث، عن أحمد: لا يتعلق بأقل من خمس رضعات متفرقات، وهو قول الشافعي «2» .
قوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أمهات النساء: يحرَّمن بنفس العقد على البنت، سواء دخل بالبنت، أو لم يدخل، وهذا قول عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وعمران بن حصين ومسروق، وعطاء، وطاوس، والحسن، والجمهور. وقال عليّ رضي الله عنه في رجل طلق امرأته قبل الدخول: له أن يتزوج أمها، وهذا قول مجاهد، وعكرمة «1» . قوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ الرّبيبة: بنت امرأة الرّجل من غيره. ومعنى الربيبة: مربوبة، لأن الرجل يربّيها، وخرج الكلام على الأعم من كون التربية في حجر الرجل، لا على الشرط «2» . قوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ قال الزجاج: الحلائل: الأزواج. وحليلة بمعنى محلّة، وهي
[سورة النساء (4) : آية 24]
مشتقة من الحلال. وقال غيره: سُميت بذلك، لأنها تحل معه أينما كان. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: الحليل: الزوج، والحليلة: المرأة، وسُمّيا بذلك، إِما لأنهما يحلان في موضع واحد، أو لأن كل واحد منهما يحال صاحبه، أي: ينازله، أو لأن كل واحد منهما يحل إِزار صاحبه. قوله تعالى: الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ قال عطاء: إِنما ذكر الأصلاب، لأجل الأدعياء. والكلام في قوله تعالى: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ على نحو ما تقدم في الآية التي قبلها. وقد زادوا في هذا قولين آخرين: أحدهما: إِلا ما قد سلف من أمر يعقوب عليه السلام، لأنه جمع بين أم يوسف وأختها، وهذا مروي عن عطاء، والسدي، وفيه ضعف لوجهين: أحدهما: أن هذا التحريم يتعلق بشريعتنا، وليس كل الشرائع تتفق، ولا وجه للعفو عنا فيما فعله غيرنا. والثاني: أنه لو طولب قائل هذا بتصحيح نقله، لعَسُر عليه. والقول الثاني: أن تكون فائدة هذا الاستثناء أن العقود المتقدّمة على الأختين لا تنفسخ، ويكون للانسان أن يختار إِحداهما. (267) ومنه حديث فيروز الديلمي قال: أسلمت وعندي أُختان، فأتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «طلق إِحداهما» ، ذكره القاضي أبو يعلى. [سورة النساء (4) : آية 24] وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24) قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ. أما سبب نزولها: (268) فروى أبو سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهنّ، فسألنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، فاستحللناهن. وأما خلاف القُرّاء، فقرأ ابن كثير، ونافع، وابو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة بفتح الصاد في كل القرآن، وفتح الكسائي الصاد في هذه وحدها، وقرأ سائر القرآن «والمحصِنات» و «محصِنات» . قال ابن قتيبة: والإِحصان: أن يحمي الشيء، ويمنع منه، فالمحصنات من النساء: ذوات الأزواج، لأن الأزواج أحصنوهن، ومنعوا منهن. قال الله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، والمحصنات: الحرائر وإن لم يكنَّ متزوجات، لأن الحرّة تُحصَن وتَحصِن، وليست كالأمة، قال الله
تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ وقال: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ يعني: الحرائر. والمحصنات: العفائف. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ يعني العفائف وقال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أي: عفّت. وفي المراد بالمحصنات هنا ثلاثة أقوال: أحدها: ذوات الأزواج. وهذا قول ابن عباس. وسعيد بن المسيب والحسن، وابن جبير، والنخعي، وابن زيد، والفراء، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: العفائف: فإنهن حرام على الرجال إلا بعقد نكاح، أو ملك يمين. وهذا قول عمر بن الخطاب، وأبي العالية، وعطاء، وعبيدة، والسدي. والثالث: الحرائر، فالمعنى: أنهن حرام بعد الأربع اللواتي ذُكِرْنَ في أول السورة، روي عن ابن عباس، وعبيدة. فعلى القول الأول في معنى قوله تعالى: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قولان: أحدهما: أن معناه: إِلاَّ ما ملكت أيمانكم من السبايا في الحروب، وعلى هذا تأوَّلَ الآية عليٌ، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وكان هؤلاء لا يرون بيع الأمة طلاقاً. والثاني: إِلا ما ملكت أيمانكم من الإِماء ذوات الأزواج، بسبي أو غير سبي، وعلى هذا تأوَّلَ الآية ابنُ مسعود، وأُبيُّ بن كعب، وجابر، وأنس. وكان هؤلاء يرون بيع الأمة طلاقاً. وقد ذكر ابن جرير، عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن: أنهم قالوا: بيع الأمة طلاقها، والأول أصح. (269) لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم خيّر بريرة إِذ أعتقتها عائشة، بين المقام مع زوجها الذي زوَّجها منه سادتُها في حال رقّها، وبين فراقه، ولم يجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم عتق عائشة إِيّاها طلاقاً، ولو كان طلاقاً لم يكن لتخييره إِياها معنى. ويدل على صحة القول الأول ما ذكرناه من سبب نزول الآية. وعلى القول الثاني: العفائف حرام إِلا بملك، والملك يكون عقداً، ويكون ملك يمين. وعلى القول الثالث: الحرائِر حرام بعد الأربع إِلا ما ملكت أيمانكم من الإِماء، فانهن لم يُحصَرن بعدد. قوله تعالى: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال الزجاج: هو منصوب على التوكيد، محمول على المعنى، لأن معنى «حرمت عليكم أمهاتكم» : كتب الله عليكم هذا كتاباً، قال: ويجوز أن ينتصبَ على جهة الأمر، ويكون «عليكم» مفسراً له، فيكون المعنى: إلزموا كتاب الله. قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أي: ما بعد هذه الأشياء، إِلا أن السُّنة قد حرَّمت تزويج المرأة على عمتها، وتزويجها على خالتها «1» . وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران: «كتب الله عليكم» بفتح الكاف، والتاء، والباء، من غير ألف، ورفع
الهاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: وأحَلَّ بفتح الحاء، وقرأ حمزة، والكسائي: بضم الألف. فصل: قال شيخنا علي بن عبيد الله: وعامة العلماء ذهبوا إِلى أن قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ تحليل ورد بلفظ العموم، وأنه عموم دخله التخصيص، والمخصص له: (270) نهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن تنكح المرأة على عمتها، أو على خالتها. وليس هذا على سبيل النسخ. وذهب طائفة إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث. قوله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ أي: تطلبوا إِمَّا بصداق في نكاح، أو ثمن في ملك مُحْصِنِينَ قال ابن قتيبة: متزوّجين، وقال الزجاج: عاقدين التزويج، وقال غيرهما: متعفّفين غير زانين. والسفاح: الزنى، قال ابن قتيبة.. أصله من سفحت القربة: إِذا صببتها، فسمّي الزّنى سفاحا، لأنه حين يسافح يصب النطفة، وتصب المرأة النطفة. وقال ابن فارس: السفاح: صب الماء بلا عقد، ولا نكاح، فهو كالشيء يسفح ضياعاً. قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فيه قولان: أحدهما: أنه الاستمتاع في النكاح بالمهور، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والجمهور. والثاني: أنه الاستمتاع إلى أجل مُسمىً من غير عقد نكاح. وقد روي عن ابن عباس أنه كان يفتي بجواز المتعة، ثم رجع عن ذلك. وقد تكلف قوم من مفسّري القُرّاء، فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه: (271) نهى عن متعة النساء، وهذا تكلُّف لا يحتاج إليه، لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أجاز المتعة، ثم منع منها، فكان قوله منسوخاً بقوله. وأما الآية، فإنها لم تتضمّن جواز المتعة، لأنه تعالى قال فيها: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فدل ذلك على النّكاح الصحيح.
[سورة النساء (4) : آية 25]
قال الزجّاج: ومعنى قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فما نكحتموهن على الشريطة التي جرت، وهو قوله: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ أي: عاقدين التزويج فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي: مهورهن. ومن ذهب في الآية إلى غير هذا، فقد أخطأ، وجهل اللغة. قوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ فيه ستة أقوال: أحدها: أن معناه: لا جناح عليكم فيما تركته المرأة من صداقها، ووهبته لزوجها، هذا مروي عن ابن عباس، وابن زيد. والثاني: ولا جناح عليكم فما تراضيتم به من مقام، أو فرقة بعد أداء الفريضة، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: ولا جناح عليكم أيها الأزواج إذا أعسرتم بعد الفرض لنسائكم فيما تراضيتم به من أن ينقصنكم، أو يُبرِئنكم، قاله أبو سليمان التيمي. والرابع: لا جناح عليكم إذا انقضى أجل المتعة أن يزدنكم في الأجل، وتزيدونهن في الأجر من غير استبراء، قاله السدي، وهو يعود إلى قصّة المتعة. والخامس: لا جناح عليكم أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب هو للتي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه. قاله الزجاج. والسادس: أنه عام في الزيادة، والنقصان، والتأخير، والإِبراء، قاله القاضي أبو يعلى «1» . [سورة النساء (4) : آية 25] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا «الطول» : الغنى والسعة في قول الجماعة. و «المحصنات» : الحرائِر، قال الزجاج: والمعنى: من لم يقدر على مهر الحرّة، يقال: قد طال فلان طَولاً على فلان، أي: كان له فضل عليه في القدرة. والمراد بالفتيات هاهنا: المملوكات، يقال: للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، وقد سُمّي بهذا الاسم من ليس بمملوك. قرأت على شيخنا الإِمام أبي منصور اللغوي قال: المتفتية: الفتاة والمراهقة، ويقال للجارية الحدثة: فتاة، وللغلام: فتى. قال القتيبي: وليس الفتى بمعنى الشاب والحدث، إِنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال. فأما ذكر الايمان، فشرط في إِباحتهن، ولا يجوز نكاح الأمة الكتابية، هذا قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجوز.
قوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ قال الزجاج: معناه: اعملوا على ظاهركم في الإِيمان، فإنكم متعبدون بما ظهر من بعضكم لبعض. قال: وفي قوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ وجهان: أحدهما: أنه أراد النسب، أي كلكم ولد آدم. ويجوز أن يكون معناه: دينكم واحد، لأنه ذكر هاهنا المؤمنات. وإِنما قيل لهم ذلك، لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفخر بالأحساب، وتُسمّي ابن الأمة: الهجين، فأعلم الله عزّ وجلّ أن أمر العبيد وغيرهم مستوٍ في باب الإِيمان، وإِنما كُره التزويج بالأمة، وَحَرُمَ إذا وجَدَ إلى الحُرّة سبيلاً، لأن وُلْدَ الأمة من الحُرّ يصيرون رقيقاً، ولأن الأمة ممتهنة في عشرة الرجال، وذلك يشق على الزوج. قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: كلكم بنو آدم، فلا يتداخلْكم شُموخ وأنفة من تزوج الإِماء عند الضرورة. وقال ابن جرير: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض، لينكح هذا فتاة هذا. قوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ يعني: الإِماء بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، أي: سادتهن. و «الأجور» : المهور. وفي قوله: بِالْمَعْرُوفِ قولان: أحدهما: أنه مقدم في المعنى، فتقديره: انكحوهن بإذن أهلهن بالمعروف، أي: بالنكاح الصحيح وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. والثاني: أن المعنى: وآتوهن أجورهن بالمعروف، كمهور أمثالهن. قال ابن عباس: مُحْصَناتٍ: عفائف غير زوانٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ يعني: أخلاَّء، كان الجاهلية يحرّمون ما ظهر من الزنى، ويستحلّون ما خفي. وقال في رواية أخرى: «المسافحات» : المعلنات بالزّنى. و «المتّخذات أخدَان» : ذات الخليل الواحد. وقال غيره: كانت المرأة تتخذ صديقاً تزني معه، ولا تزني مع غيره. قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «أحصن» مضمومة الألف. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم: بفتح الألف، والصاد. قال ابن جرير: من قرأ بالفتح، أراد: أسلمن، فصرن ممنوعات الفروج عن الحرام بالاسلام، ومن قرأ بالضم، أراد: فاذا تزوّجن، فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج. فأما «الفاحشة» ، فهي الزّنى، والْمُحْصَناتُ: الحرائر، و «العذاب» : الحد. قال القاضي أبو يعلى: وليس الإسلام والتزويج شرطاً في إِيجاب الحدّ على الأمة، بل يجب وإِن عُدِما، وإِنما شرط الإِحصان في الحدّ، لئلا يتوهم متوهّم أن عليها نصف ما على الحرة إِذا لم تكن محصنة، وعليها مثل ما على الحرّة إِذا كانت محصنة. قوله تعالى: ذلِكَ الإِشارة إلى إِباحة تزويج الإِماء. وفي الْعَنَتَ خمسة أقوال: أحدها: أنه الزنى، قاله ابن عباس، والشعبي، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل، وابن قتيبة. والثاني: أنه الهلاك، ذكره أبو عبيدة، والزجاج. والثالث: لقاء المشقة في محبة الأمة، حكاه الزجاج. والرابع: أن العنت هاهنا: الإِثم. والخامس: أنه العقوبة التي تعنته، وهي الحد، ذكرهما ابن جرير الطبري. قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية تدل على إِباحة نكاح الإِماء المؤمنات بشرطين: أحدهما: عدم طَول الحرّة. والثاني: خوف الزنى، وهذا قول ابن عباس، والشعبي، وابن جبير، ومسروق، ومكحول، وأحمد، ومالك، والشافعي. وقد روي عن علي، والحسن، وابن المسيّب، ومجاهد،
[سورة النساء (4) : آية 26]
والزهري، قالوا: ينكح الأمة، وإِن كان موسراً، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. قوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ، قال ابن عباس والجماعة: عن نكاح الإِماء، وإِنما ندب إِلى الصّبر عنه، لاسترقاق الأولاد. [سورة النساء (4) : آية 26] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ. اللام بمعنى «أن» ، وهذا مذهب جماعة من أهل العربيّة، واختاره ابن جرير، ومثله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ «1» ، وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ «2» ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا «3» . والبيان من الله تعالى بالنص تارةً، وبدلالة النّص أخرى. قال الزجّاج: و «السّنن» : الطُرُق، فالمعنى يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء وتابعيهم. وقال غيره: معنى الكلام: يريد الله ليُبيّن لكم سنن من قبلكم من أهل الحق والباطل، لتجتنبوا الباطل وتجيبوا الحق، ويهديكم إلى الحق. [سورة النساء (4) : آية 27] وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) قوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ قال الزجاج: يريد أن يدلكم على ما يكون سبباً لتوبتكم. وفي الذين اتبعوا الشهوات أربعة أقوال: أحدها: أنهم الزناة، قاله مجاهد، ومقاتل. والثاني: اليهود والنصارى، قاله السدي. والثالث: أنهم اليهود خاصّة، ذكره ابن جرير. والرابع: أهل الباطل، قاله ابن زيد. قوله تعالى: أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً أي: عن الحق بالمعصية. [سورة النساء (4) : آية 28] يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28) قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ التخفيف: تسهيل التكليف، أو إِزالة بعضه. قال ابن جرير: والمعنى: يريد أن يُيَسِّر لكم بإذنه في نكاح الفتيات المؤمنات لمن لم يستطع طولاً لحرّة. وفي المراد بضعْف الإنسان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الضعف في أصل الخلقة. قال الحسن: هو أنه خُلق من ماءٍ مهين. والثاني: أنه قلة الصبر عن النساء، قاله طاوس، ومقاتل. والثالث: أنه ضعف العزم عن قهر الهوى، وهذا قول الزجّاج، وابن كيسان. [سورة النساء (4) : آية 29] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ، الباطل: ما لا يحل في الشرع. قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «تجارة» بالرفع. وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم بالنصب، وقد بينّا العلة في آخر (البقرة) . قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه على ظاهره، وأن الله حرم على
[سورة النساء (4) : آية 30]
العبد قتل نفسه، وهذا الظاهر. والثاني: أن معناه: لا يقتل بعضكم بعضاً، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والسدي، ومقاتل، وابن قتيبة. والثالث: أن المعنى: لا تكلفوا أنفسكم عملاً ربّما أدى إلى قتلها وإِن كان فرضاً. (272) وعلى هذا تأولها عمرو بن العاص في غزاة ذات السلاسل حيث صلى بأصحابه جُنباً في ليلة باردة، فلمّا ذكر ذلك للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال له: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال: يا رسول الله إِني احتلمتُ في ليلة باردة، وأشفقت إِن اغتسلت أن أهلِك، فذكرت قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. والرابع: أن المعنى: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظها، فكأنما قتلها، هذا قول الفضيل بن عياض. والخامس: لا تقتلوها بارتكاب المعاصي. [سورة النساء (4) : آية 30] وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً في المشار إِليه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه قتل النفس، قاله ابن عباس، وعطاء. والثاني: أنه عائد إِلى كل ما نهى الله عنه من أوّل السورة إلى هاهنا، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث: قتل النفس، وأكل الأموال بالباطل، قاله مقاتل. [سورة النساء (4) : آية 31] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31) قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ، اجتناب الشيء: تركه جانباً. وفي الكبائر أحد عشر قولاً: (273) أحدها: أنها سبع. فروى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إِلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» . (274) وقد روي هذا الحديث من طريق آخر عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «الكبائر سبع، الإِشراك بالله أولهن، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بداراً أن يكبروا، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، وانقلاب إلى أعرابية بعد هجرة» .
وروي عن عليّ عليه السلام قال: هي سبع، فعدّ هذه. وروي عن عطاء أنه قال: هي سبع، وعدّ هذه، إِلا أنه ذكر مكان الإِشراك والتعرّب شهادة الزور وعقوق الوالدين. (275) والثاني: أنها تسع. روى عبيد بن عمير، عن أبيه، وكان من الصّحابة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه سئل ما الكبائر؟ فقال: «تسع، أعظمهن الإِشراك بالله، وقتل نفس المؤمن بغير حق، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والسحر، وأكل الرّبا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً» . (276) والثالث: أنها أربع. روى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «الكبائِر: الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» «1» . (277) وروى أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الكبائر، أو سئل عنها، فقال: «الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين» وقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو شهادة الزور» . وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائِر أربع: الإِشراك بالله، والأمن لمكر الله، والقنوط من رحمة الله، والإِياس من روح الله، وعن عكرمة نحوه. (278) والرابع: أنها ثلاث. فروى عمران بن حصين، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الشرك بالله، وعقوق الوالدين- وكان متكئا فاحتفز «2» - قال: والزّور» .
[سورة النساء (4) : آية 32]
(279) وروى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، فقال: الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين- وكان متكئا فجلس- فقال: وشهادة الزور» فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. (280) وأخرجا في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود قال: سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أي الذنب أكبر؟ قال: «أن تجعل لله تعالى نِدّاً وهو خَلَقَكَ» . قلتُ: ثم أيّ؟ قال: «ثم أن تَقْتُلَ وَلَدَكَ مخافة أن يَطْعَمَ معك» . قلت: ثم أيّ؟ قال: «أن تُزانيَ حليلة جارك» . والخامس: أنها مذكورة من أوّل السورة إِلى هذه الآية، قاله ابن مسعود وابن عباس. والسادس: أنها إِحدى عشرة: الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وقتل النفس. وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والسحر، والخيانة. روي عن ابن مسعود أيضا. والسابع: أنها كل ذنب يختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. والثامن: أنها كل ما أوجب الله عليه النار في الآخرة، والحدّ في الدنيا، روى هذا المعنى أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. والتاسع: أنها كلُّ ما عُصي الله به، روي عن ابن عباس، وعبيدة «1» ، وهو قول ضعيف. والعاشر: أنها كل ذنب أوعَدَ الله عليه النار، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك في رواية، والزجاج. والحادي عشر: أنها ثمان، الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، وقذف المحصنة، والزنا، وأكل مال اليتيم، وقول الزور، واقتطاع الرجل بيمينه وعهدِه ثمناً قليلاً. رواه مُحْرزِ، عن الحسن البصري. قوله تعالى: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ روى المفضّل، عن عاصم: «يكفر» «ويدخلكم» بالياء فيهما، وقرأ الباقون بالنون فيهما، وقرأ نافع، وأبان، عن عاصم، والكسائي، عن أبي بكر، عن عاصم: «مَدخلاً» بفتح الميم هاهنا، وفي «الحج» وضم الباقون «الميم» ، ولم يختلفوا في ضم «ميم» مُدْخَلَ صِدْقٍ ومُخْرَجَ صِدْقٍ «2» . قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون «المدخل» مصدراً ويجوز أن يكون مكاناً، سواءً فتح، أو ضمّ: قال السدي: السيئات هاهنا: هي الصغائِر. والمدخل الكريم: الجنّة. قال ابن قتيبة: والكريم: بمعنى: الشّريف. [سورة النساء (4) : آية 32] وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32)
قوله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (281) أحدها: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله: يغزو الرجال، ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. (282) والثاني: أن النساء قلن: وددن أن الله جعل لنا الغزو، فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. (283) والثالث: أنه لما نزل لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قال الرجال: إِنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا، كما فضّلنا عليهن في الميراث، وقال النساء: إِنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة، والسدي. وفي معنى هذا التمني قولان: أحدهما: أن يتمنّى الرجل مال غيره، قاله ابن عباس، وعطاء. والثاني: أن يتمنى النساء أن يكن رجالاً. وقد روي عن أم سلمة أنها قالت: يا ليتنا كنا رجالاً، فنزلت هذه الآية «1» . وللتّمني وجوه: أحدها: أن يتمنّى الإِنسان أن يحصل له مال غيره، ويزول عن الغير، فهذا الحسد. والثاني: أن يتمنّى مثل ما لغيره، ولا يحب زواله عن الغير، فهذا هو الغبطة وربما لم يكن نيل ذلك مصلحة في حق المتمنّي. قال الحسن: لا تمنَّ مال فلان، ولا مال فلان، وما يدريك لعل هلاكه في ذلك المال؟ والثالث: أن تتمنى المرأة أن تكون رجلاً، ونحو هذا مما لا يقع، فليعلم العبد أن الله أعلم بالمصالح، فليرض بقضاء الله، ولتكن أمانيه الزيادة من عمل الآخرة. قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ فيه قولان: أحدهما: أن المراد بهذا الاكتساب: الميراث، وهو قول ابن عباس، وعكرمة. والثاني: أنه الثواب والعقاب. فالمعنى: أن المرأة تثاب كثواب الرجل، وتأثم كإثمه، هذا قول قتادة، وابن السائب، ومقاتل، واحتجّ على صحته أبو سليمان الدمشقي بأن الميراث لا يحصل بالاكتساب، وبأن الآية نزلت لأجل التمني والفضل. قوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ قرأ ابن كثير، والكسائي، وأبان، وخلف في اختياره «وسلوا الله» «فسل الذين» «فسل بني إِسرائيل» «وسل من أرسلنا» وما كان مثله من الأمر المواجه به، وقبله «واو» أو «فاء» فهو غير مهموز عندهم. وكذلك نقل عن أبي جعفر، وشيبة «2» . وقرأ الباقون
[سورة النساء (4) : آية 33]
بالهمز في ذلك كله، ولم يختلفوا في قوله تعالى: وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا «1» أنه مهموز. وفي المراد بالفضل قولان: أحدهما: أن الفضل: الطّاعة، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، والسدي. والثاني: أنه الرزق، قاله ابن السائِب، فيكون المعنى: سلوا الله ما تتمنونه من النعم، ولا تتمنوا مال غيركم. [سورة النساء (4) : آية 33] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) قوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ الموالي: الأولياء، وهم الورثة من العصبة وغيرهم. ومعنى الآية: لكل إِِنسان موالي يرثون ما ترك. وارتفاع الوالدين والأقربين على معنيين من الإِعراب: أحدهما: أن يكون الرفع على خبر الابتداء، والتقدير: وهم الوالدان والأقربون، ويكون تمام الكلام قوله: مِمَّا تَرَكَ. والثاني: أن يكون رفعا على أن الفاعل التّارك للمال، فيكون الوالدان، هم المولى. قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «عاقدت» بالألف، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «عقدت» بلا ألف. قال أبو علي: من قرأ بالألف، فالتقدير: والذين عاقَدَتهم أيمانكم، ومن حذف الألف، فالمعنى: عقدت حِلْفهم أيمانكم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إِليه مقامه. وفيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أهل الحلف، كان الرجل يحالف الرجل، فأيّهما مات ورثه الآخر، فنسخ ذلك بقوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «2» ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وروى عنه عطيّة قال: كان الرجل يلحق الرجل في الجاهلية، فيكون تابعه، فإذا مات الرجل، صار لأهله الميراث، وبقي تابعه بغير شيء، فأنزل الله «والذين عاقدت أيمانكم» فأعطي من ميراثه، ثم نزل من بعد ذلك وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ، وممن قال هم الحُلفاء: سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة. (284) والثاني: أنهم الذين آخى بينهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهم المهاجرون والأنصار، كان المهاجرون يورّثون الأنصار دون ذوي رحمهم للأخوة التي عقدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينهم. رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وبه قال ابن زيد. والثالث: أنهم الذين كانوا يتبنّون أبناء غيرهم في الجاهلية، هذا قول سعيد بن المسيّب. فأمّا أرباب القول الأول، فقالوا: نسخ حكم الحلفاء الذين كانوا يتعاقدون على النصرة والميراث بآخِرِ (الأنفال) ، وإِليه ذهب ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، والشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا الحكم باقٍ غير أنه جعل ذوي الأرحام أولى من
[سورة النساء (4) : آية 34]
موالي المعاقدة. وذهب قوم إِلى أن المراد: فآتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة من غير ميراث، وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد. وذهب قوم آخرون إلى أن المعاقدة: إِنما كانت في الجاهلية على النصرة لا غير، والإسلام لم يُغيّر ذلك، وإنما قرّره. (285) فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أيّما حلف كان في الجاهلية، فإن الإِسلام لم يزده إِلاّ شدّة» أراد: النصر والعون. وهذا قول سعيد بن جبير، وهو يدل على أن الآية محكمة. [سورة النساء (4) : آية 34] الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34) قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. (286) سبب نزولها: أن رجلاً لطم زوجته لطمةً فاستعدت عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وذكر المفسّرون أنه سعد بن الربيع الأنصاري «1» . قال ابن عباس: «قوّامون» أي: مسلّطون على تأديب النساء في الحق. وروى هشام بن محمّد عن أبيه «2» في قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ قال: إِذا كانوا رجالا، وأنشد: أكلّ امرئ تحسبين امرأ ... وناراً توقّدُّ باللَّيل نارا «3» قوله تعالى: بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ يعني: الرجال على النساء، وفضل الرجل على المرأة بزيادة العقل، وتوفير الحظ في الميراث، والغنيمة، والجمعة، والجماعات، والخلافة، والإمارة، والجهاد، وجعل الطلاق إليه، إلى غير ذلك. قوله تعالى: وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ قال ابن عباس يعني: المهر والنفقة عليهن. وفي «الصالحات» قولان: أحدهما: المحسنات إِلى أزواجهن، قاله ابن عباس. والثاني: العاملات بالخير، قاله ابن المبارك. قال ابن عباس: و «القانتات» : المطيعات لله في أزواجهنّ، والحافظات للغيب، أي:
لغيب أزواجهن. وقال عطاء، وقتادة: يحفظن ما غاب عنه الأزواج من الأموال، وما يجب عليهن من صيانة أنفسهن لهم. قوله تعالى: بِما حَفِظَ اللَّهُ قرأ الجمهور برفع اسم «الله» . وفي معنى الكلام على قراءتهم ثلاثة أقوال: أحدها: بحفظ الله إِياهن، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل، وروى ابن المبارك، عن سفيان، قال: بحفظ الله إِياها أن جعلها كذلك. والثاني: بما حفظ الله لهن مهورهن، وإيجاب نفقتهن، قاله الزجاج. والثالث: أن معناه: حافظات للغيب بالشيء الذي يحفظ به أمر الله، حكاه الزجاج. وقرأ أبو جعفر بنصب اسم الله. والمعنى: بحفظهن الله في طاعته. قوله تعالى: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ في الخوف قولان: أحدهما: أنه بمعنى العلم، قاله ابن عباس. والثاني: بمعنى الظن لما يبدو من دلائِل النشوز، قاله الفراء، وأنشد: وما خِفْتُ يا سلاَّم أنّك عائِبي «1» قال ابن قتيبة: والنشوز: بغض المرأة للزوج، يقال: نَشَزَت المرأة على زوجها، ونشصت: إِذا فركته «2» ، ولم تطمئن عنده، وأصل النشوز: الانزعاج. وقال الزجاج: أصله من النشز، وهو المكان المرتفع من الأرض. قوله تعالى: فَعِظُوهُنَّ قال الخليل: الوعظ: التذكير بالخير فيما يرق له القلب. قال الحسن: يعظها بلسانه، فان أبت، وإِلا هجرها. واختلفوا في المراد بالهجر في المضجع على أربعة أقوال: أحدها: أنه ترك الجماع، رواه سعيد بن جبير، وابن أبي طلحة، والعوفيُّ، عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير، ومقاتل. والثاني: أنه ترك الكلام، لا ترك الجماع، رواه أبو الضحى، عن ابن عباس، وخصيف، عن عكرمة، وبه قال السدي، والثوري. والثالث: أنه قول الهُجْرِ من الكلام في المضاجع، روي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة. فيكون المعنى: قولوا لهنَّ في المضاجع هُجْراً من القول. والرابع: أنه هجر فراشها، ومضاجعتها. روي عن الحسن، والشعبي، ومجاهد، والنخعي، ومقسم، وقتادة. قال ابن عباس: اهجرها في المضجع، فان أقبلت وإِلاَّ فقد أذن الله لك أن تضرِبَها ضرباً غير مبرّح. وقال جماعة من أهل العلم: الآية على الترتيب، فالوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، والضرب عند تكرّره، واللجاج فيه. ولا يجوز الضرب عند ابتداء النشوز. قال القاضي أبو يعلى: وعلى هذا مذهب أحمد. وقال الشافعي: يجوز ضربها في ابتداء النشوز. قوله تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ قال ابن عباس: يعني في المضجع فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي: فلا تتجنّ عليها العلل. وقال سفيان بن عيينة: لا تكلّفها الحُبَّ، لأن قلبها ليس في يدها. وقال ابن جرير: المعنى: فلا تلتمسوا سبيلاً إِلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل، وذلك أن تقول لها وهي مطيعة لك: لست لي مُحبّة، فتضربها، أو تؤذيها. قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً قال أبو سليمان الدمشقي: لا تبغوا على أزواجكم،
[سورة النساء (4) : آية 35]
فهو ينتصر لهن منكم. وقال الخطابي: الكبير: الموصوف بالجلال، وكبر الشأن، يصغر دون جلاله كل كبير. ويقال: هو الذي كبر عن شبه المخلوقين. [سورة النساء (4) : آية 35] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (35) قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما، في الخوف قولان: أحدهما: أنه الحذر مِن وجود ما لا يتيقّن وُجوده، قاله الزجاج. والثاني: أنه العلم، قاله أبو سليمان الدمشقي. قال الزجاج: والشقاق: العداوة، واشتقاقه من المتشاقين، كل صنف منهم في شقّ. و «الحكم» : هو القيّم بما يسند إِليه. وفي المأمور بانفاذ الحكمين قولان: أحدهما: أنه السلطان إذا ترافعا إليه، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. والثاني: الزوجان، قاله السدي. قوله تعالى: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً قال ابن عباس: يعني الحكمين. وفي قوله تعالى: يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما قولان: أحدهما: أنه راجع إلى الحكمين، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وعطاء، والسدي، والجمهور. والثاني: أنه راجع إلى الزوجين، ذكره بعض المفسّرين. فصل: والحكمان وكيلان للزوجين، ويُعتبرُ رضى الزوجين فيما يحكمان به، هذا قول أحمد وأبي حنيفة وأصحابه. وقال مالك والشافعي: لا يفتقرُ حكمُ الحكمين إلى رضى الزّوجين «1» .
[سورة النساء (4) : آية 36]
[سورة النساء (4) : آية 36] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36) قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ قال ابن عباس: وحِّدوه. قوله تعالى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً قال الفرّاء: أغراهم بالإِحسان إِلى الوالدين. قوله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى فيه قولان: أحدهما: أنه الجار الذي بينك وبينه قرابة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل في آخرين. والثاني: أنه الجار المسلم، قاله نوف الشامي. فيكون المعنى: ذي القربى منكم بالإِسلام. قوله تعالى: وَالْجارِ الْجُنُبِ روى المفضّل، عن عاصم: «والجار الجنب» بفتح الجيم، وإِسكان النون. قال أبو علي: المعنى: والجار ذي الجنب، فحذف المضاف. وفي الجار الجنب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الغريب الذي ليس بينك وبينه قرابة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل في آخرين. والثاني: أنه جارك عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك، رواه الضحاك، عن ابن عباس. والثالث: أنه اليهودي والنصراني، قاله نوف الشامي. وفي الصاحب بالجنب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الزوجة، قاله علي، وابن مسعود، والحسن، وإبراهيم النخعي، وابن أبي ليلى. والثاني: أنه الرفيق في السفر، قاله ابن عباس في رواية مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن قتيبة. وعن سعيد بن جبير كالقولين. والثالث: أنه الرفيق، رواه ابن جريج، عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. قال ابن زيد: هو الذي يلصق بك رجاء خيرك. وقال مقاتل: هو رفيقك حضراً وسفراً. وفي ابن السبيل أقوال قد ذكرناها في (البقرة) . قوله تعالى: وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني: المملوكين. وقال بعضهم: يدخل فيه الحيوان البهيم. قال ابن عباس: والمختال: البطرُ في مشيته، والفخور: المفتخر على الناس بكبره. وقال مجاهد: هو الذي يعد ما أعطى، ولا يشكر الله، وقال ابن قتيبة: المختال: ذو الخيلاء والكبر. وقال الزجاج: المختال: الصَّلِف التيّاه الجهول. وإِنما ذكر الاختيال هاهنا، لأن المختال يأنف من ذوي قراباته، ومن جيرانه إذا كانوا فقراء. [سورة النساء (4) : آية 37] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37) قوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ذكر المفسرون أنها نزلت في اليهود. فأما سبب نزولها، فقال ابن عباس: كان كَرْدَم بن زيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالاً من الأنصار من أصحاب رسول
[سورة النساء (4) : آية 38]
الله صلّى الله عليه وسلّم وكانوا يخالطونهم، وينتصحون لهم، فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فإنّا نخشى عليكم الفقر، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون، فنزلت هذه الآية. وفي الذي بخلوا به وأمروا الناس بالبخل به قولان: أحدهما: أنه المال، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: أنه إظهار صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونبوّته، قاله مجاهد، وقتادة، والسدي. قوله تعالى: وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «بالبخْل» خفيفاً. وقرأ حمزة والكسائي: «بالبَخَل» محركاً، وكذلك في سورة الحديد. وفي الذين آتاهم الله من فضله قولان: أحدهما: أنهم اليهود، أوتوا علم نعت النبي صلّى الله عليه وسلّم، فكتموه، هذا قول الجمهور. والثاني: أنهم أرباب الأموال بخلوا بها، وكتموا الغنى، ذكره الماوردي في آخرين «1» . قوله تعالى: وَأَعْتَدْنا قال الزجاج: معناه: جعلنا ذلك عتاداً لهم، أي: مثبتاً لهم. [سورة النساء (4) : آية 38] وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس ومجاهد ومقاتل. والثاني: أنهم المنافقون، قاله السدي، والزجاج وأبو سليمان الدمشقي. والثالث: مشركو مكة أنفقوا على عداوة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ذكره الثعلبي. والقرين: الصاحب المؤالف، وهو فعيل من الاقتران بين الشيئين. وفي معنى مقارنة الشّيطان قولان: أحدهما: مصاحبته في الفعل. والثاني: مصاحبته في النار. [سورة النساء (4) : آية 39] وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) قوله تعالى: وَماذا عَلَيْهِمْ المعنى: وأي شيء على هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله، لو آمنوا!. وفي الإنفاق المذكور هاهنا قولان: أحدهما: أنه الصدقة، قاله ابن عباس. والثاني: الزكاة، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ. وفي قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً تهديد لهم على سوء مقاصدهم.
[سورة النساء (4) : آية 40]
[سورة النساء (4) : آية 40] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ قد شرحنا الظلم فيما سَلف، وهو مستحيل على الله عزّ وجلّ، لأن قوماً قالوا: الظلم: تصرّف فيما لا يملك، والكل ملكه، وقال آخرون: هو وضع الشيء في غير موضعه، وحكمته لا تقتضي فعلاً لا فائدة تحته. ومثقال الشيء: زنة الشيء. قال ابن قتيبة: يقال: هذا على مثقال هذا، أي: على وزنه. قال الزجاج: وهو مفعال من الثقل. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: يظن الناس أن المثقال وزن دينار لا غير، وليس كما يظنون. مثقال كل شيء: وزنه، وكل وزن يسمى مثقالاً، وإن كان وزن ألف. قال الله تعالى: وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن صنجة مثقال الميزان، فقال: فارسي، ولا أدري كيف أقول، ولكني أقول: مثقال، فإذا قلت للرجل: ناولني مثقالاً، فأعطاك صنجة ألف، أو صنجة حبّة، كان ممتثلاً. وفي المراد بالذرّة خمسة أقوال: أحدها: أنه رأس نملة حمراء، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: ذرّة يسيرة من التراب، رواه يزيد بن الأصم، عن ابن عباس. والثالث: أصغر النمل، قاله ابن قتيبة، وابن فارس. والرابع: الخردلة. والخامس: الواحدة من الهباء الظاهر في ضوء الشمس إذا طلعت من ثقب، ذكرهما الثعلبي. واعلم أن ذكر الذرّة ضرب مثل بما يعقل، والمقصود أنه لا يظلم قليلاً ولا كثيراً. قوله تعالى: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً قرأ ابن كثير، ونافع: «حسنة» بالرفع. وقرأ الباقون بالنصب. قال الزجاج: من رفع، فالمعنى: وإِن تحدثْ حسنة، ومن نصب، فالمعنى: وإن تك فعلته حسنة. قوله تعالى: يُضاعِفْها قرأ ابن عامر، وابن كثير: «يُضعِّفها» بالتشديد من غير ألف. وقرأ الباقون: «يضاعفها» بألف مع كسر العين. قال ابن قتيبة: يضاعفها بالألف: يعطي مثلها مرات، ويضعفها بغير ألف: يعطي مثلها مرّة. قوله تعالى: مِنْ لَدُنْهُ أي: من قبله. والأجر العظيم: الجنّة «1» . [سورة النساء (4) : آية 41] فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ قال الزجاج: معنى الآية فكيف يكون حال هؤلاء يوم القيامة، فحذف الحال، لأن في الكلام دليلاً عليه. ولفظ «كيف» لفظ الاستفهام، ومعناها:
[سورة النساء (4) : آية 42]
التوبيخ. والشهيد: نبي الأمة. وبماذا يشهد فيه أربعة أقوال: أحدها: بأنه قد بلغ أمّته. قاله ابن مسعود، وابن جريج، والسدي، ومقاتل. والثاني: بإيمانهم، قاله أبو العالية. والثالث: بأعمالهم، قاله مجاهد، وقتادة. والرابع: يشهد لهم وعليهم، قاله الزجاج. قوله تعالى: وَجِئْنا بِكَ يعني: نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم. وفي «هؤلاء» ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم جميع أمته، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه يشهد عليهم. والثاني: يشهد لهم فتكون «على» بمعنى: اللام. والقول الثاني: أنهم الكفار يشهد عليهم بتبليغ الرسالة، قاله مقاتل. والثالث: اليهود والنصارى، ذكره الماورديّ. [سورة النساء (4) : آية 42] يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42) قوله تعالى: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو: «لو تُسْوى» ، بضم التاء، وتخفيف السين. والمعنى: ودُّوا لو جُعِلُوا تراباً، فكانوا هم والأرض سواء، هذا قول الفرّاء في آخرين. قال أبو هريرة: إِذا حشر الله الخلائق، قال للبهائم، والدّواب، والطير: كوني تراباً. فعندها يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً. وقرأ نافع، وابن عامر: «لو تَسَّوّى» ، بفتح التاء، وتشديد السين، والمعنى: لو تتسوى، فأدغمت التاء في السين، لقربها منها. قال أبو علي: وفي هذه القراءة اتّساع، لأن الفعل مسند إِلى الأرض، وليس المراد: ودّوا لو صارت الأرض مثلهم، وإنما المعنى: ودّوا لو يتسوّون بها. ثم في المعنى للمفسرين قولان: أحدهما: أن معناه: ودّوا لو تخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها، قاله قتادة، وأبو عبيدة، ومقاتل. والثاني: أن معناه: ودّوا أنهم لم يبعثوا، لأن الأرض كانت مستوية بهم قبل خروجهم منها، قاله ابن كيسان، وذكر نحوه الزجاج. وقرأ حمزة، والكسائي: «لو تسوّى» ، بفتح التاء، وتخفيف السين والواو مشدّدة ممالة، وهي بمعنى: تتسوّى، فحذف التاء التي أدغمها نافع، وابن عامر. فأما معنى القراءتين، فواحد. قوله تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً في الحديث قولان: أحدهما: أنه قولهم: ما كنا مشركين، هذا قول الجمهور. والثاني: أنه أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصفته ونعته، قاله عطاء. فعلى الأول يتعلق الكتمان بالآخرة، وعلى الثاني يتعلق بما كان في الدنيا، فيكون المعنى: ودوا أنهم لم يكتموا ذلك. وفي معنى الآية ستة أقوال: أحدها: ودّوا إِذا فضحتهم جوارحهم أنهم لم يكتموا الله شركهم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس. والثاني: أنهم لما شهدت عليهم جوارحهم لم يكتموا الله حديثا بعد ذلك، روي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أنهم في موطن لا يكتمونه حديثا، وفي موطن يكتمون، ويقولون: ما كنا مشركين، قاله الحسن. والرابع: أن قوله تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً كلام مستأنف لا يتعلق بقوله: «لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ» ، هذا قول الفرّاء، والزجاج. ومعنى: لا يكتمون الله حديثاً: لا يقدرون على كتمانه، لأنه ظاهر عند الله. والخامس: أن المعنى: ودّوا لو سوّيت بهم الأرض، وأنهم لم يكتموا الله حديثا. والسادس: أنهم لم يعتقدوا قولهم: ما كنا مشركين كذباً، وإِنما اعتقدوا أن عبادة الأصنام طاعة، ذكر القولين ابن الأنباري. وقال القاضي أبو يعلى: أخبروا بما توهّموا، إِذ كانوا
[سورة النساء (4) : آية 43]
يظنون أنهم ليسوا بمشركين، وذلك لا يخرجهم عن أن يكونوا قد كذبوا. [سورة النساء (4) : آية 43] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى. (287) روى أبو عبد الرحمن السلمي، عن عليّ بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا، وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منّا، وحضرت الصلاة، فقدّموني، فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، فنزلت هذه الآية. وفي رواية أخرى، عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ رضي الله عنه أن الذي قدموه، وخلط في هذه السورة، عبد الرحمن بن عوف. وفي معنى قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ قولان: أحدهما: لا تتعرّضوا بالسكر في أوقات الصلاة. والثاني: لا تدخلوا في الصلاة في حال السكر، والأول أصح، لأن السكران لا يعقل ما يخاطب به. وفي معنى: وَأَنْتُمْ سُكارى قولان: أحدهما: من الخمر، قاله الجمهور. والثاني: من النوم، قاله الضحاك، وفيه بعد. وهذه الآية اقتضت إِباحة السكر في غير أوقات الصلاة، ثم نسخت بتحريم الخمر. قوله تعالى: وَلا جُنُباً قال ابن قتيبة: الجنابة: البعد، قال الزجاج: يقال: رجل جنب، ورجلان جُنب، ورجال جُنب، كما يقال: رجل رضى، وقوم رضى. وفي تسمية الجنب بهذا الاسم قولان: أحدهما: لمجانبة مَائهِ محله. والثاني: لما يلزمه من اجتناب الصلاة، وقراءة القرآن، ومسّ المصحف، ودخول المسجد «1» .
قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إِلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين للماء فتيمّموا، وتصلّوا. وهذا المعنى مروي عن عليّ رضي الله عنه. ومجاهد، والحكم، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل، والفراء، والزجاج. والثاني: لا تقربوا مواضع الصلاة- وهي المساجد- وأنتم جنب إِلا مجتازين، ولا تقعدوا. وهذا المعنى مروي عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، والحسن، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبي الضحى، وأحمد، والشافعي، وابن قتيبة «1» . وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير، كالقولين، فعلى القول الأول: «عابر السبيل» : المسافر، وقربان الصّلاة:
فعلها، وعلى الثاني: «عابر السبيل» : المجتاز في المسجد، وقربان الصلاة: دخول المسجد الذي تفعل فيه الصلاة. قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى، في سبب نزول هذا الكلام قولان: (288) أحدهما: أن رجلاً من الأنصار كان مريضاً فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذكر له ذلك، فنزلت: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ قاله مجاهد. (289) والثاني: أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصابتهم جراحات، ففشت فيهم وابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى الآية كلها، قاله إبراهيم النخعي. قال القاضي أبو يعلى: وظاهر الآية يقتضي جواز التيمم مع حصول المرض الذي يستضرّ معه باستعمال الماء، سواء كان يخاف التلف، أو لا يخاف، وكذلك السفر يجوز فيه التيمم عند عدم الماء، سواء كان قصيراً، أو طويلاً، وعدم الماء ليس بشرط في جواز التيمم للمريض، وإنما الشرط: حصول الضرر، وأما السفر، فعدم الماء شرط في إِباحة التيمم، وليس السفر بشرط، وإنما ذكر السفر، لأن الماء يُعدم فيه غالبا «1» .
قوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ «أو» بمعنى الواو، لأنها لو لم تكن كذلك، لكان وجوب الطّهارة على المريض والمسافر غير متعلق بالحدث. والغائِط: المكان المطمئن من الأرض، فكني عن الحدث بمكانه، قاله ابن قتيبة. وكذلك قالوا للمزادة: راوية، وإنما الرَّاوية للبعير الذي يُسقى عليه، وقالوا للنساء: ظعائن، وإِنما الظعائن: الهوادج، وكنَّ يكن فيها، وسموا الحدث عذرة، لأنهم كانوا يلقون الحدث بأفنية الدّور. قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «أو لامستم» بألف هاهنا، وفي (المائدة) وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف في اختياره، والمفضّل عن عاصم، والوليد بن عتبة، عن ابن عامر «أو لمستم» بغير ألف هاهنا، وفي «المائدة» . وفي المراد بالملامسة قولان: أحدهما: أنها الجماع، قاله علي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنها الملامسة باليد، قاله ابن مسعود، وابن عمر، والشعبي، وعبيدة، وعطاء، وابن سيرين، والنخعي، والنهدي، والحكم، وحماد. قال أبو علي: اللّمس يكون باليد، وقد اتسع فيه، فأوقع على غيره، فمن ذلك وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ «1» أي: عالجنا غيب السماء، ومنا من يسترقه فيلقيه إلى الكهنة، ويخبرهم به. فلما كان اللّمس يقع على غير المباشرة باليد، قال: فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ «2» فخصّ اليد، لئلا يلتبس بالوجه الآخر، كما قال: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ «3» لأنّ الابن قد يتبنّى وليس من الصّلب «4» .
قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماء فَتَيَمَّمُوا. (290) سبب نزولها: أن عائشة رضي الله عنها كانت مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في بعض أسفاره، فانقطع عقد لها، فأقام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على التماسه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنزلت هذه الآية، فقال أسيد بن حُضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. أخرجه البخاري، ومسلم. (291) وفي رواية أخرى أخرجها البخاري، ومسلم أيضاً: أن عائشة استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجالاً في طلبها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، وشكوا ذلك إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت آية التيمم. والتيمم في اللغة: القصد، وقد ذكرناه في قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ. وأمّا الصعيد: فهو التراب، قاله علي، وابن مسعود، والفراء، وأبو عبيد، والزجاج، وابن قتيبة. وقال الشافعي: لا يقع اسم الصعيد إِلا على تراب ذي غبار. وفي الطيّب قولان: أحدهما: أنه الطاهر. والثاني: الحلال. قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ الوجه الممسوح في التيمم هو المحدود في الوضوء.
وفيما يجب مسحه من الأيدي ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إلى الكوعين حيث يقطع السارق. (292) روى عمّار عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «التيمم ضربة للوجه والكفين» ، وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، والأوزاعي، ومكحول، ومالك، وأحمد، وإِسحاق، وداود. والثاني: أنه إِلى المرفقين. (293) روى ابن عباس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أنه تيمم، فمسح ذراعيه. وبهذا قال ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، وأبو حنيفة، والشافعي، وعن الشعبي كالقولين. والثالث: أنه يجب المسح من رؤوس الأنامل إِلى الآباط. (294) روى عمار بن ياسر قال: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فنزلت الرّخصة في المسح،
فضربنا بأيدينا ضربةً لوجوهنا، وضربةً لأيدينا إِلى المناكب والآباط. وهذا قول الزهري «1» . قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قال الخطابي: «العفو» : بناء للمبالغة. و «العفو» : الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسيء. وقيل: إِنه مأخوذ من عفت الريح الأثر: إِذا درسته، وكأن العافي عن الذنوب يمحوه بصفحه عنه.
[سورة النساء (4) : آية 44]
[سورة النساء (4) : آية 44] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ، اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت. (295) والثاني: أنها نزلت في رجلين كانا إذا تكلّم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لويا ألسنتهما وعاباه، روي القولان عن ابن عباس. والثالث: أنها نزلت في اليهود، قاله قتادة. وفي النصيب الذي أوتوه قولان: أحدهما: أنه علم نبوّة محمّد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والثاني: العلم بما في كتابهم دون العمل. قوله تعالى: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ قال ابن قتيبة: هذا من الاختصار، والمعنى: يشترون الضلالة بالهدى، ومثله وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ «1» أي: تركنا عليه ثناءً حسناً، فحذف الثناء لعلم المخاطب. وفي معنى اشترائِهم الضلالة أربعة أقوال: أحدها: أنه استبدالهم الضلالة بالايمان، قاله أبو صالح، عن ابن عباس. والثاني: أنه استبدالهم التكذيب بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد ظهوره بإيمانهم به قبل ظهوره، قاله مقاتل. والثالث: أنه إِيثارهم التكذيب بالنبي لأخذ الرشوة، وثبوت الرئاسة لهم، قاله الزجاج. والرابع: أنه إِعطاؤهم أحبارهم أموالهم على ما يصنعونه من التكذيب بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا خطاب للمؤمنين. والمراد بالسّبيل: طريق الهدى. [سورة النساء (4) : آية 45] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) قوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ فهو يعلمكم ما هم عليه، فلا تستنصحوهم، وهم اليهود، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا لكم، فمن كان وليه، لم يضره عدوه. قال الخطابي: «الولي» : الناصر، و «الولي» : المتولي للأمر، والقائم به، وأصله من الولي، وهو القرب، و «النصير» : فعيل بمعنى فاعل. [سورة النساء (4) : آية 46] مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46) قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قال مقاتل: نزلت في رفاعة بن زيد، ومالك ابن الضَّيف، وكعب بن أسيد، وكلهم يهود. وفي «من» قولان، ذكرهما الزجاج: أحدهما: أنها من صلة الذين أوتوا الكتاب، فيكون المعنى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا. والثاني: أنها مستأنفة، فالمعنى: من الذين هادوا قوم يحرّفون، فيكون قوله:
[سورة النساء (4) : آية 47]
يحرّفون، صفة، ويكون الموصوف محذوفاً، وأنشد سيبويه: وَمَا الدَّهر إِلاَّ تَارَتانِ فمِنْهما ... أموتُ وأُخرى أبتغي العيشَ أكْدَحُ «1» والمعنى: فمنهما تارة أموت فيها. قال أبو علي الفارسي: والمعنى: وكفى بالله نصيراً من الذين هادوا، أي: إن الله ينصر عليهم. فأما «التحريف» ، فهو التغيير. والْكَلِمَ: جمع كلمة. وقيل: إِن «الكلام» مأخوذ من «الكلْم» ، وهو الجرحُ الذي يشق الجلد واللحم، فسمي الكلام كلاماً، لأنه يشق الأسماع بوصوله إِليها، وقيل: بل لتشقيقه المعاني المطلوبة في أنواع الخطاب. وفي معنى تحريفهم الكلم قولان: أحدهما: أنهم كانوا يسألون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الشيء، فإذا خرجوا، حرفوا كلامه، قاله ابن عباس. والثاني: أنه تبديلهم التوراة، قاله مجاهد. قوله تعالى: عَنْ مَواضِعِهِ، أي: عن أماكنه ووجوهه. قوله تعالى: وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا قال مجاهد: سمعنا قولك، وعصينا أمرك. قوله تعالى: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ فيه قولان: أحدهما: أن معناه: اسمع لا سمعت، قاله ابن عباس، وابن زيد، وابن قتيبة. والثاني: أن معناه: اسمع غير مقبول ما تقول، قاله الحسن، ومجاهد. وقد تقدم في (البقرة) معنى: وراعنا. قوله تعالى: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ قال قتادة: «اللي» : تحريك ألسنتهم بذلك. وقال ابن قتيبة معنى «لياً بألسنتهم» : أنهم يحرفون «راعنا» عن طريق المراعاة، والانتظار إلى السّبّ والرّعونة. قال ابن عباس: لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مما بدّلوا وَأَقْوَمَ أي أعدل وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ بمحمد. قوله تعالى: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا فيه قولان: أحدهما: فلا يؤمن منهم إِلا قليل، وهم عبد الله بن سلام، ومن تبعه، قاله ابن عباس. والثاني: فلا يؤمنون إِلا إيماناً قليلاً، قاله قتادة، والزجاج. قال مقاتل: وهو اعتقادهم أن الله خلقهم ورزقهم. [سورة النساء (4) : آية 47] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا سبب نزولها: (296) أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دعا قوماً من أحبار اليهود، منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد إلى الإِسلام، وقال لهم: إنكم لتعلمون أن الذي جئت به حق، فقالوا: ما نعرف ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس.
[سورة النساء (4) : آية 48]
وفي الذين أوتوا الكتاب قولان: أحدهما: أنهم اليهود، قاله الجمهور. والثاني: اليهود والنصارى، ذكره الماوردي. وعلى الأول يكون الكتاب: التوراة، وعلى الثاني: التوراة والإنجيل. والمراد بما نزلنا: القرآن، وقد سبق في (البقرة) بيان تصديقه لما معهم. قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً في طمس الوجوه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إِعماء العيون، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. والثاني: أنه طمس ما فيها من عين، وأنف، وحاجب، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، واختيار ابن قتيبة. والثالث: أنه ردّها عن طريق الهدى، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، ومجاهد، والضحاك، والسدي. وقال مقاتل: من قبل أن نطمس وجوهاً، أي: نحوّل الملّة عن الهدى والبصيرة. فعلى هذا القول يكون ذكر الوجه مجازاً. والمراد: البصيرة والقلوب. وعلى القولين قبله يكون المراد بالوجه: العضو المعروف. قوله تعالى: فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها خمسة أقوال: أحدها: نُصيِّرُها في الأقفاء، ونجعل عيونها في الأقفاء، هذا قول ابن عباس، وعطيّة. والثاني: نُصيِّرُها كالأقفاء، ليس فيها فم، ولا حاجب، ولا عين، وهذا قول قوم، منهم ابن قتيبة. والثالث: نجعل الوجه منبتاً للشعر، كالقرود، هذا قول الفراء. والرابع: نَنفيها مدبرة عن ديارها ومواضعها. وإِلى نحوه ذهب ابن زيد. قال ابن جرير: فيكون المعنى: من قبل أن نطمسَ وجوهَهم التي هم فيها. وناحيتهم التي هم بها نزول، (فنردها على أدبارها) من حيث جاءوا بديّاً «1» من الشام. والخامس: نردها في الضلالة، وهذا قول الحسن، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ومقاتل. قوله تعالى: أَوْ نَلْعَنَهُمْ يعود إلى أصحاب الوجوه. وفي معنى لعن أصحاب السّبت قولان: أحدهما: مسخهم قردة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل. والثاني: طردهم في التيه حتى هلك فيه أكثرهم، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا قال ابن جرير: الأمر هاهنا بمعنى المأمور، سُمِّي باسم الأمر لحدوثه عنه. [سورة النساء (4) : آية 48] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (48) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (297) قال ابن عمر: لما نزلت
[سورة النساء (4) : آية 49]
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً «1» قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: والشّرك؟ فكره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك، فنزلت هذه. وقد سبق معنى الإِشراك. والمراد من الآية: لا يغفر لمشرك مات على شركه. وفي قوله تعالى: لِمَنْ يَشاءُ نعمة عظيمة من وجهين: أحدهما: أنها تقتضي أن كل ميّت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب، وإِن مات مصراً. والثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين، وهو أن يكونوا على خوف وطمع. [سورة النساء (4) : آية 49] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ. (298) سبب نزولها: أن مرحب بن زيد، وبحري بن عون- وهما من اليهود، أتيا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأطفالهما، ومعهما طائفة من اليهود فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ قال: لا، قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إِلا كُفِّر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفّر عنا بالنهار، فنزلت هذه الآية. هذا قول ابن عباس. وفي قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ قولان: أحدهما: ألم تُخبر، قاله ابن قتيبة. والثاني: ألم تعلم، قاله الزجاج. وفي الذين يزكون أنفسهم قولان: أحدهما: اليهود على ما ذكرنا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل. والثاني: أنهم اليهود، والنصارى، وبه قال الحسن، وابن زيد. ومعنى «يزكون أنفسهم» : يزعمون أنهم أزكياء، يقال: زكى الشيء: إِذا نما في الصلاح. وفي الذي زكّوا به أنفسهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم برَّؤوا أنفسهم من الذنوب، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. والثاني: أن اليهود قالوا: إِن أبناءنا الذين ماتوا يزكوننا عند الله، ويشفعون لنا، رواه عطية، عن ابن عباس. والثالث: أن اليهود كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم، هذا قول عكرمة، ومجاهد، وأبي مالك. والرابع: أن اليهود والنصارى قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ «2» وقالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى «3» ، هذا قول الحسن، وقتادة. قوله تعالى: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ أي: يجعله زاكياً، ولا يظلم الله أحداً مقدار فتيل قال ابن جرير: وأصل «الفتيل» : المفتول، صُرف عن مفعول إلى فعيل، كصريع، ودهين. وفي الفتيل قولان: أحدهما: أنه ما يكون في شقّ النواة، رواه عكرمة، عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك، وقتادة، وعطية، وابن زيد، ومقاتل، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنه ما يخرج بين الأصابع من الوسخ إِذا دلكن، رواه العوفي، عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وأبو مالك، والسّدّيّ، والفرّاء.
[سورة النساء (4) : آية 50]
[سورة النساء (4) : آية 50] انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وهو قولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وقولهم لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى وقولهم: لا ذنب لنا ونحو ذلك مما كذّبوا فيه، وَكَفى بِهِ أي: وحسبُهم بقيلهم الكذب إِثْماً مُبِيناً يتبيّن كذبهم لسامعيه. [سورة النساء (4) : آية 51] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ في سبب نزولها أربعة أقوال: أحدُها: أن جماعة من اليهود قدموا على قريش، فسألوهم: أديننا خيرٌ، أم دين محمد؟ فقال اليهود: بل دينكم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. (299) والثاني: أن كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، قدما مكة، فقالت لهما قريش: أنحن خيرٌ، أم محمدٌ؟ فقالا: أنتم، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة في روايةٍ. وقال قتادة: نزلت في كعب، وحيي، ورجلين آخرين من بني النضير قالوا لقريش: أنتم أهدى من محمد. والثالث: أن كعب بن الأشرف وهو الذي قال لكفار قريش: أنتم أهدى من محمد، فنزلت هذه الآية. وهذا قول مجاهد، والسدي، وعكرمة في رواية. والرابع: أن حيي بن أخطب قال للمشركين: نحن وإِياكم خيرٌ من محمد، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن زيد. والمراد بالمذكورين في هذه الآية اليهود. وفي «الجبت» سبعة أقوال: أحدها: أنه السّحر، قاله عمر بن الخطاب، ومجاهد، والشعبي. والثاني: الأصنام، رواه عطية، عن ابن عباس. وقال عكرمة: الجبت: صنم. والثالث: حيي بن أخطب، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والفراء. والرابع: كعب بن الأشرف، رواه الضحاك، عن ابن عباس، وليث عن مجاهد. والخامس: الكاهن، روي عن ابن عباس، وبه قال ابن سيرين، ومكحول. والسادس: الشيطان، قاله سعيد بن جبير في رواية، وقتادة، والسدي. والسابع: الساحر، قاله أبو العالية، وابن زيد. وروى أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: الجبت: الساحرُ بلسان الحبشة. وفي المراد بالطاغوت ها هنا ستة أقوال: أحدها: الشيطان، قاله عمر بن الخطاب، ومجاهد في رواية، والشعبي، وابن زيد. والثاني: أنه اسم للذين يكونون بين يدي الأصنام يعبّرون عنها ليضلوا الناس، رواه العوفي، عن ابن عباس. والثالث: كعب بن الأشرف، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والفراء. والرابع: الكاهن، وبه قال سعيد بن جبير، وأبو العالية، وقتادة، والسدي. والخامس: أنه الصنم، قاله عكرمة. وقال: الجبت والطاغوت صنمان. والسادس: السّاحر،
[سورة النساء (4) : الآيات 52 إلى 53]
روي عن ابن عباس، وابن سيرين، ومكحول. فهذه الأقوال تدل على أنهما اسمان لمسميين. وقال اللغويون منهم ابن قتيبة، والزجاج: كل معبود من دون الله، من حجر، أو صورة، أو شيطان، فهو جبت وطاغوت «1» . قوله تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني لمشركي قريش: أنتم أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، يعنون النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه سَبِيلًا في الدّيانة والاعتقاد. [سورة النساء (4) : الآيات 52 الى 53] أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53) قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ هذا استفهام معناه الإِنكار، فالتقدير: ليس لهم. وقال الفراء: قوله فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً جوابٌ لجزاء مضمرٍ، تقديره: ولئن كان لهم نصيب لا يؤتون الناس نقيراً. وفي «النقير» أربعة أقوال: أحدها: أنه النقطة التي في ظهر النواة، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد، ومقاتل، والفرّاء، وابن قتيبة في آخرين. والثاني: أنه القشر الذي يكون في وسط النواة، رواه التيمي، عن ابن عباس. وروي عن مجاهد: أنه الخيط الذي يكون في وسط النواة. والثالث: أنه نقر الرجل الشيء بطرف إِبهامه، رواه أبو العالية، عن ابن عباس. والرابع: أنه حبّة النواة التي في وسطها، رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد. قال الأزهري: و «الفتيل» و «النقير» و «القطمير» : تضرب أمثالا للشيء التّافه الحقير. [سورة النساء (4) : آية 54] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54) قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ. (300) سبب نزولها: أن أهل الكتاب قالوا: يزعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع، وله تسع نسوة، فأيُّ ملك أفضل من هذا، فنزلت، رواه العوفي، عن ابن عباس. وفي «أم» قولان: أحدهما: أنها بمعنى ألف الاستفهام، قاله ابن قتيبة. والثاني: بمعنى «بل» قاله
[سورة النساء (4) : آية 55]
الزجاج. وقد سبق ذكر «الحسد» في (سورة البقرة) والحاسدون هاهنا: اليهود. وفي المراد بالناس ها هنا أربعة أقوال: أحدها: النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي ومقاتل. والثاني: النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأبو بكر، وعمر، روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والثالث: العرب، قاله قتادة. والرابع: النبي والصحابة، ذكره الماوردي. وفي الذي آتاهم الله من فضله ثلاثة أقوال: أحدها: إِباحة الله تعالى نبيه أن ينكح ما شاء من النساء من غير عدد، روي عن ابن عباس، والضحاك، والسدي. والثاني: أنه النبوّة، قاله ابن جريج، والزجاج. والثالث: بعثة نبي منهم على قول من قال: هم العرب «1» . قوله تعالى: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ يعني: التوراة، والإِنجيل، والزبور. كله كان في آل إِبراهيم، وهذا النبي من أولاد إِبراهيم. وفي الحكمة قولان: أحدهما: النبوة، قاله السدي، ومقاتل. والثاني: الفقه في الدين، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الملك العظيم خمسة أقوال «2» : أحدها: ملك سليمان، رواه عطيّة، عن ابن عباس. والثاني: ملك داود، وسليمان في النساء، كان لداود مائة امرأة، ولسليمان سبعمائة امرأة وثلاثمائة سريّة «3» ، رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال السدّي. والثالث: النبوّة، قاله مجاهد. والرابع: التأييد بالملائكة، قاله ابن زيد في آخرين. الخامس: الجمع بين سياسة الدنيا، وشرع الدين، ذكره الماورديّ. [سورة النساء (4) : آية 55] فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55) قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ فيمن تعود عليه الهاء والميم قولان: أحدهما: اليهود الذين أنذرهم نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وهذا قول مجاهد، ومقاتل، والفراء في آخرين. فعلى هذا القول في هاء بِهِ ثلاثة أقوال: أحدها: تعود على ما أنزل الله على نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قاله مجاهد: قال أبو سليمان: فيكون الكلام مبنيا على قوله تعالى: عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وهو النبوة، والقرآن. والثاني: أنها تعود إِلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فتكون متعلقة بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ يعني بالناس: محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، ويكون المراد بقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ عبد الله بن سلام، وأصحابه. والثالث: أنها تعود إلى النَّبأِ عن آل إِبراهيم، قاله الفرّاء.
[سورة النساء (4) : آية 56]
والقول الثاني: أن الهاء، والميم في قوله فَمِنْهُمْ تعود إِلى آل إِبراهيم، فعلى هذا في هاء بِهِ قولان: أحدهما: أنها عائدة إِلى إِبراهيم، قاله السدي. والثاني: إِلى الكتاب، قاله مقاتل. قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن جبير، وعكرمة، وابن يعمر، والجحدري: «من صُدّ عنه» برفع الصاد. وقرأ أُبيُّ بنُ كعبٍ، وأبو الجوزاء وأبو رجاء والجوني: بكسر الصاد. [سورة النساء (4) : آية 56] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56) قوله تعالى: سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً قال الزجاج: أي نشويهم في نارٍ. (301) ويروى أن يهوديّة أهدت إِلى النبي صلّى الله عليه وسلّم شاة مصليّة، أي مشوية. وفي قوله تعالى بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها قولان: أحدهما: أنها غيرها حقيقة، ولا يلزم على هذا أن يقال: كيف بُدلت جلود التذت بالمعاصي بجلود ما التذت، لأن الجلود آلة في إيصال العذاب إِليهم، كما كانت آلة في إيصال اللذّة، وهم المعاقبون لا الجلود. والثاني: أنها هي بعينها تعاد بعد احتراقها، كما تعاد بعد البلى في القبور. فتكون الغيرية عائدة إِلى الصفة، لا إِلى الذات، فالمعنى: بدلناهم جلوداً غير محترقة، كما تقول: صُغت من خاتمي خاتما آخر. وقال الحسن البصري: في هذه الآية: تأكلهم النارُ كل يوم سبعين ألف مرّة، كلما أكلتهم قيل لهم: عودوا، فعادوا. [سورة النساء (4) : آية 57] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (57) قوله تعالى: وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا قال الزجاج: هو الذي يُظلُّ من الحرّ والريح، وليس كلُّ ظلٍّ كذلك، فأعلم الله تعالى أن ظل الجنة ظليل لا حرّ معه، ولا برد. فان قيل: أفي الجنة برد أو حر يحتاجون معه إلى ظل؟ فالجواب: أن لا، وإنما خاطبهم بما يعقلون مثله، كقوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا «1» . وجواب آخر: وهو أنه إِشارة إِلى كمال وصفها، وتمكين بنائِها، فلو كان البرد أو الحرّ يتسلط عليها، لكان في أبنيتها وشجرها ظلّ ظليل.
[سورة النساء (4) : آية 58]
[سورة النساء (4) : آية 58] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (302) أحدها: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما فتح مكة، طلب مفتاح البيت من عثمان بن أبي طلحة، فذهب ليعطيه إِياه، فقال العباس: بأبي أنت وأُمّي اجمعه لي مع السقاية، فكفّ عثمان يده مخافة أن يعطيه للعباس، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «هات المفتاح» فأعاد العباس قوله، وكفّ عثمان، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أرني المفتاح إن كنت تؤمن بالله وباليوم الآخر» فقال: هاكَه يا رسول الله بأمانة الله، فأخذ المفتاح، ففتح البيت، فنزل جبريل بهذه الآية، فدعا عثمان، فدفعه إِليه. رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والزهري، وابن جريج، ومقاتل. والثاني: أنها نزلت في الأمراء. رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال زيد بن أسلم، وابنه، ومكحول، واختاره أبو سليمان الدمشقي، وقال: أُمر الأمراء أن يؤدوا الأمانة في أموال المسلمين. والثالث: أنها نزلت عامة، وهو مروي عن أبي بن كعب، وابن عباس، والحسن، وقتادة، واختاره القاضي أبو يعلى. واعلم أن نزولها على سبب لا يمنع عموم حكمها، فإنها عامة في الودائع وغيرها من الأمانات. وقال ابن مسعود: الأمانة في الوضوء، وفي الصلاة، وفي الصوم، وفي الحديث، وأشد ذلك في الودائِع. قوله تعالى: نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ يقول: نعم الشيء يعظكم به، وقد ذكرناه في (البقرة) . [سورة النساء (4) : آية 59] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في سبب نزولها قولان: (303) أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس السّهمي إِذ بعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم في سريّة، أخرجه البخاري، ومسلم، من حديث ابن عباس.
(304) والثاني: أن عمّار بن ياسر كان مع خالد بن الوليد في سريّة، فهرب القوم، ودخل رجلٌ منهم على عمار، فقال: إِني قد أسلمتُ، هل ينفعني، أو أذهب كما ذهب قومي؟ قال عمار: أقم فأنت آمن، فرجع الرجل، وأقام فجاء خالد، فأخذ الرجل، فقال عمّار: إِني قد أمنته، وإِنه قد أسلم، قال: أتجير علي وأنا الأمير؟ فتنازعا، وقدما على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. قوله تعالى: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ طاعة الرسول في حياته: امتثال أمره، واجتناب نهيه، وبعد مماته: اتباع سُنّته. وفي أولي الأمر أربعة أقوال: أحدها: أنهم الأمراء، قاله أبو هريرة، وابن عباس في رواية، وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل. والثاني: أنهم العلماء، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو قول جابر بن عبد الله والحسن وأبي العالية وعطاء والنخعي والضحاك، ورواه خصيف عن مجاهد. والثالث: أنهم أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال بكر بن عبد الله المزني. والرابع: أنهم أبو بكر وعمر، وهذا قول عكرمة «1» . قوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ قال الزجاج: معناه: اختلفتم. وقال كل فريق: القول قولي. واشتقاق المنازعة: أن كل واحد ينتزع الحجة. قوله تعالى: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ في كيفيّة هذا الرد قولان: أحدهما: أن ردّه إلى الله ردّه إلى كتابه، ورده إِلى النبي رده إلى سنّته، هذا قول مجاهد، وقتادة، والجمهور. قال القاضي أبو يعلى: وهذا الرّد يكون من وجهين: أحدهما: إلى المنصوص عليه باسمه ومعناه. والثاني: الرّد إِليهما من جهة الدلالة عليه، واعتباره من طريق القياس، والنظائر. والقول الثاني: أن ردّه إلى الله ورسوله أن يقول من لا يعلم الشيء: الله ورسوله أعلم، ذكره قومٌ، منهم الزجّاج.
[سورة النساء (4) : آية 60]
وفي المراد بالتأويل أربعة أقوال: أحدها: أنه الجزاء، والثواب، وهو قول مجاهد، وقتادة. والثاني: أنه العاقبة، وهو قول السدي، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. والثالث: أنه التصديق، مثل قوله تعالى: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ. قاله ابن زيد في رواية. والرابع: أن معناه: ردّكم إِياه إلى الله ورسوله أحسن من تأويلكم، ذكره الزجّاج «1» . [سورة النساء (4) : آية 60] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا في سبب نزولها أربعة أقوال: (305) أحدها: أنها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إِلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي، فأتيا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقضى لليهودي، فلمّا خرجا، قال المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إِلَيه، فقصّا عليه القصّة، فقال: رويداً حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج، فضرب به المنافق حتى برد «2» ، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس.
[سورة النساء (4) : آية 61]
(306) والثاني: أنّ أبا برزة» الأسلمي كان كاهناً يقضي بين اليهود، فتنافر إليه ناس من المسلمين فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة، عن ابن عباس. (307) والثالث: أن يهودياً ومنافقاً كانت بينهما خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي، لأنه لا يأخذ الرشوة، ودعا المنافق إلى حكامهم، لأنهم يأخذُون الرشوة، فلما اختلفا، اجتمعا أن يحكما كاهناً، فنزلت هذه الآية، هذا قول الشعبي. (308) والرابع: أن رجلاً من بني النضير قتل رجلاً من بني قريظة، فاختصموا، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن، فقال المسلمون من الفريقين: بل إِلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأبى المنافقون، فانطلقوا إِلى الكاهن، فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي. والزَّعم والزُّعم لغتان، وأكثر ما يستعمل في قول ما لا تتحقّق صحته، وفي الذين زعموا أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله قولان: أحدهما: أنه المنافق. والثاني: أن الذي زعم أنه آمن بما أنزل إِليه المنافق، والذي زعم أنه آمن بما أنزل من قبله اليهودي. والطاغوت: كعب بن الأشرف، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والربيع، ومقاتل. قوله تعالى: وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ قال مقاتل: أن يتبرؤوا من الكهنة، و «الضلال البعيد» : الطّويل. [سورة النساء (4) : آية 61] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ قال مجاهد: هذه الآية والتي قبلها نزلتا في خصومة اليهودي، والمنافق، والهاء والميم في «لهم» : إِشارة إِلى الذين يزعمون، وما أَنْزَلَ اللَّهُ: أحكام القرآن. وَإِلَى الرَّسُولِ أي: إلى حكمه «2» .
[سورة النساء (4) : آية 62]
[سورة النساء (4) : آية 62] فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (62) قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ أي: كيف يصنعون ويحتالون إذا أصابتهم عقوبة من الله؟ وفي المراد بالمصيبة قولان: أحدهما: أنه تهديد ووعيد. والثاني: أنه قتل المنافق الذي قتله عمر. وفي الذي قدمت أيديهم ثلاثة أقوال: أحدها: نفاقهم واستهزاؤهم. والثاني: ردّهم حكم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والثالث: معاصيهم المتقدّمة. قوله تعالى: إِنْ أَرَدْنا بمعنى. ما أردنا. قوله تعالى: إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لما قتل عمر صاحبهم، جاءوا يطلبون بدمه، ويحلفون ما أردنا في المطالبة بدمه إِلا إِحساناً إِلينا، وما يوافق الحق في أمرنا. والثاني: ما أردنا بالترافع إلى عمر إلا إحسانا وتوفيقا. والثالث: أنهم جاءوا يعتذرون إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من محاكمتهم إِلى غيره، ويقولون: ما أردنا في عدولنا عنك إِلا إحساناً بالتقريب في الحكم، وتوفيقاً بين الخصوم دون الحمل على مرّ الحقّ. [سورة النساء (4) : آية 63] أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ أي: من النفاق والزيغ. وقال ابن عباس: إِضمارهم خلاف ما يقولون فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تعاقبهم وَعِظْهُمْ بلسانك وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً أي: تقدّم إِليهم: إِن فعلتم الثانية، عاقبتكم. وقال الزجاج: يقال: بَلُغ الرجل يبْلُغُ بلاغة فهو بليغ: إِذا كان يبلغ بعبارة لسانه كُنه ما في قلبه. وقد تكلم العلماء في حدّ «البلاغة» فقال بعضهم: «البلاغة» : إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وقيل: «البلاغة» : حسن العبارة مع صحة المعنى، وقيل: البلاغة: الإِيجاز مع الإِفهام، والتصرّف من غير إِضجار. قال خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وخيرُ الكلام ما شوّق أوّله إِلى سماع آخره، وقال غيره: إِِنما يستحق الكلام اسم البلاغة إِذا سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إِلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك. فصل: وقد ذهب قوم إلى أن «الإِعراض» المذكور في هذه الآية منسوخ بآية السيف. [سورة النساء (4) : آية 64] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64) قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ قال الزجاج: «من» دخلت للتوكيد. والمعنى:
[سورة النساء (4) : آية 65]
وما أرسلنا رسولاً إِلا ليطاع. وفي قوله: بِإِذْنِ اللَّهِ قولان: أحدهما: أنه بمعنى: الأمر، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الاذن نفسه، قاله مجاهد. وقال الزجاج: المعنى: إِلا ليطاع بأن الله أذن له في ذلك. وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يرجع إلى المتحاكمين اللذين سبق ذكرهما. قال ابن عباس: ظلموا أنفسهم بسخطهم قضاء الرّسول: جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ من صنيعهم. [سورة النساء (4) : آية 65] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ في سبب نزولها قولان: (309) أحدهما: أنها نزلت في خصومة كانت بين الزبير وبين رجل من الأنصار في شراج الحرّة «1» ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للزبير: «اسق ثم أرسل إِلى جارك» فغضب الأنصاري، قال: يا رسول الله، أن كان ابن عمّتك! فتلوّن وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال للزبير: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يبلغ الجَدْر» قال الزبير: فو الله ما أحسب هذه الآية نزلت إِلاّ في ذلك. أخرجه البخاري ومسلم. والثاني: أنها نزلت في المنافق، واليهودي اللذين تحاكما إِلى كعب بن الأشرف، وقد سبقت قصتهما، قاله مجاهد «2» . قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ أي: لا يكونون مؤمنين حتى يحكموك، وقيل: «لا» ردٌ لزعمهم أنهم مؤمنون، والمعنى: فلا، أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك. ثم استأنف، فقال: وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم، أي: فيما اختلفوا فيه. وفي «الحرج» قولان: أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي في آخرين. والثاني: الضيق، قاله أبو عبيدة، والزجاج. وفي قوله: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً قولان: أحدهما: يسلموا لما أمرتهم به، فلا يعارضونك، هذا قول ابن عباس، والزجاج، والجمهور. والثاني: يسلّموا ما تنازعوا فيه لحكمك، قاله الماورديّ «3» .
[سورة النساء (4) : الآيات 66 إلى 68]
[سورة النساء (4) : الآيات 66 الى 68] وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68) قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ (310) سبب نزولها: أن رجلاً من اليهود قال: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلناها. فقال ثابت بن قيس بن الشماس: والله لو كتب الله علينا ذلك لفعلنا، فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي. قال الزجاج: «لو» يمتنع به الشيء لامتناع غيره، تقول: لو جاءني زيد لجئته. والمعنى: أن مجيئك امتنع لامتناع مجيئه، وكَتَبْنا بمعنى: فرضنا. والمعنى: لو أنا فرضنا على المؤمنين بك أن اقتلوا أنفسكم. قرأ أبو عمرو: أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، بكسر النون، «أو اخرجوا» بضم الواو. وقرأ ابن عامر، وابن كثير، ونافع، والكسائي: «أن اقتلوا» «أو اخرجوا» بضم النون والواو. وقرأ عاصم، وحمزة بكسرهما. والمعنى: لو فرضنا عليهم كما فرضنا على قوم موسى، لم يفعله إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ هذه قراءة الجمهور. وقرأ ابن عامر: «إِلا قليلاً» بالنصب. وَلَوْ أَنَّهُمْ يعني: المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ أي: ما يذكرون به من طاعة الله، والوقوف مع أمره، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وأثبت لأمورهم. وقال السّدّيّ: وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً أي: تصديقا. [سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (311) أحدها: أن ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان شديد المحبّة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فرآه رسول الله يوما
فعرف الحزن في وجهه، فقال: يا ثوبان ما غير وجهك؟ قال: ما بي من وجع غير أني إِذا لم أرك اشتقت إِليك، فأذكر الآخرة، فأخاف أن لا أراك هناك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. (312) والثاني: أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالوا له: ما ينبغي أن نفارقك في الدنيا، فانك إِذا فارقتنا رفعت فوقنا، فنزلت هذه الآية. هذا قول مسروق. (313) والثالث: أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو محزون، فقال: ما لي أراك محزوناً؟ فقال: يا رسول الله غداً ترفع مع الأنبياء، فلا نصل إِليك. فنزلت هذه الآية. هذا قول سعيد بن جبير. قال ابن عباس: ومن يطع الله في الفرائض، والرسول في السُنن. قال ابن قتيبة: والصدّيق: الكثير الصدق، كما يقال: فسّيق، وسكّير، وشرّيب، وخمّير، وسكيت، وفجّير، وعشّيق، وضلّيل، وظلّيم: إِذا كثر منه ذلك. ولا يقال ذلك لمن فعل الشيء مرّة، أو مرتين حتى يكثر منه ذلك، أو يكون عادة. فأما الشهداء، فجمع شهيد وهو القتيل في سبيل الله. وفي تسميته بالشهيد خمسة أقوال: أحدها: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنّة، قاله ثعلب. والثاني: لأن ملائكة الرحمة تشهده. والثالث: لسقوطه بالأرض، والأرض: هي الشاهدة، ذكر القولين ابن فارس اللغوي. والرابع: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل، قاله أبو سليمان الدمشقي. والخامس: لأنه يشهد ما أعدّ الله له من الكرامة بالقتل، قاله شيخنا على بن عبيد الله. فأما الصالحون، فهو اسم لكل من صَلُحَتْ سريرتُه وعلانيتُه. والجمهور على أن النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين عام في جميع من هذه صفته. وقال عكرمة: المراد بالنبيين هاهنا محمد، والصديقين أبو بكر، وبالشهداء عمر وعثمان وعلي، وبالصالحين سائر الصحابة. قوله تعالى: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً قال الزجاج: «رفيقاً» منصوب على التمييز، وهو ينوب عن رفقاء، قال الشاعر: بِها جِيَفُ الْحَسْرَى فأَمّا عظامُها ... فبيضٌ وأَمّا جلدُها فصليب «1» وقال آخر: في حلقكم عظم وقد شجينا «2» يريد: في حلوقكم عظام. ذلِكَ الْفَضْلُ الذي أعطى المذكورين مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً بالمقاصد والنيات.
[سورة النساء (4) : آية 71]
[سورة النساء (4) : آية 71] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) قوله تعالى: خُذُوا حِذْرَكُمْ فيه قولان: أحدهما: احذروا عدوّكم. والثاني: خذوا سلاحكم. قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُباتٍ قال ابن قتيبة: أي: جماعات، واحدتها: ثبة، يريد جماعة بعد جماعة. وقال الزجاج: «الثباتُ» : الجماعات المتفرّقة. قال زهير: وقد أغْدُوا على ثُبَةٍ كِرامٍ ... نَشَاوى واجدين لما نشاء قال ابن عباس: فانفروا ثبات، أي: عصباً، سرايا متفرِّقين، أو انفروا جميعاً، يعنى كلكم. فصل: وقد نقل عن ابن عباس أن هذه الآية وقوله انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا «1» وقوله تعالى: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً «2» منسوخات بقوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً «3» قال أبو سليمان الدمشقي: والأمر في ذلك بحسب ما يراه الإِمام، وليس في هذا من المنسوخ شيء. [سورة النساء (4) : الآيات 72 الى 73] وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ اختلفوا فيمن نزلت على قولين: (314) أحدهما: أنها في المنافقين، كعبد الله بن أُبيّ، وأصحابه كانوا يتثاقلون عن الجهاد، فان لقيت السريّة نكبة، قال من أبطأ منهم: لقد أنعم الله عليّ، وإِن لقوا غنيمةً، قال: يا ليتني كنت معهم. هذا قول ابن عباس، وابن جريج. والثاني: أنها نزلت في المسلمين الذين قلّت علومُهم بأحكام الدين، فتثبطوا لقلة العلم، لا لضعف الدين، ذكره الماوردي وغيره. فعلى الأول تكون إِضافتهم إِلى المؤمنين بقوله «منكم» لموضع نطقهم بالإِسلام، وجريان أحكامه عليهم، وعلى الثاني تكون الإِضافة حقيقة. قال ابن جرير: اللام في لَمَنْ لام تأكيد. قال الزجاج: واللام في لَيُبَطِّئَنَّ لام القسم، كقولك: إِن منكم لمن أحلف بالله ليبطئن، يقال: «أبطأ الرجل» و «بطؤ» فمعنى «أبطأ» : تأخّر، ومعنى «بطؤ» : ثقُل. وقرأ أبو جعفر: «ليبطئن» بتخفيف الهمزة. وفي معنى «ليبطئن» قولان: أحدهما: ليبطئن هو نفسه، وهو قول ابن عباس. والثاني: ليبطئن غيره، قاله ابن جريج. قال ابن عباس: و «المصيبة» : النكبة. و «الفضل من الله» : الفتح والغنيمة. قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ قرأ ابن كثير، وحفص، والمفضّل، عن عاصم:
[سورة النساء (4) : آية 74]
(كأن لم تكن) بالتاء، لأن الفاعل المسند إِليه مؤنّث في اللفظ، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: يكن بالياء، لأن التأنيث ليس بحقيقي. قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى: ليقولن يا ليتني كنت معهم، كأن لم يكن بينكم وبينه مودّة، أي: كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم، ويجوز أن يكون هذا الكلام معترضا به، فيكون المعنى: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فان أصابتكم مصيبة، قال: قد أنعم الله علي، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة. فيكون معنى «المودّة» أي: كأنه لم يعاقدكم على الإيمان. [سورة النساء (4) : آية 74] فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) قوله تعالى: الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يشرون هاهنا: بمعنى يبتغون في قول الجماعة. وأنشدوا: وشرَيْتُ ... بُرداً ليتني ... من بَعْدِ بُردٍ كُنْتُ هامة «1» و «برد» غلام له باعه. ومعنى الآية: ليكن قتال المقاتِلينَ على وجه الإِخلاص وطلب الآخرة. قوله تعالى: فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ خرج مخرج الغالب، وقد يثاب من لم يَغلِب ولَم يُقتل. [سورة النساء (4) : آية 75] وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) قوله تعالى: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ قال الفراء: تقديره: وفي المستضعفين. وكذلك روي عن ابن عباس. وقال الزجاجِ: المستضعفون في موضع خفض، والمعنى في سبيل الله، وسبيل المستضعفين، أي: ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء؟ قال ابن عباس: وهم ناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا. و «القرية» : مكة في قول الجماعة. قال الفراء: وإِنما خفض الظَّالِمِ لأنه نعت للأهل، فلما عاد الأهل على القرية كان فعل ما أضيف إِليها بمنزلة فعلها، تقول: مررت بالرجل الواسعة داره. قوله تعالى: وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا قال أبو سليمان: سألوا الله ولياً من عنده يلي إِخراجهم منها، ونصيراً يمنعهم من المشركين. قال ابن عباس: (315) فلما فتح رسول الله مكّة، جعل الله عزّ وجلّ النبيّ عليه السلام وليّهم، واستعمل عليهم
[سورة النساء (4) : آية 76]
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عتاب بن أسيد، فكان نصيراً لهم، ينصف الضعيف من القوي. [سورة النساء (4) : آية 76] الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76) قوله تعالى: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ الطاغوت هاهنا في معنى جماعة، كقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ معناه: ولحم الخنازير. قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ يعني: مكره وصنيعه كانَ ضَعِيفاً حيث خذل أصحابه يوم بدر. [سورة النساء (4) : آية 77] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ اختلفوا فيمن نزلت على قولين: (316) أحدهما: أنها نزلت في نفر من المهاجرين، كانوا يحبون أن يؤذن لهم في قتال المشركين وهم بمكّة قبل أن يُفرَضَ القتال، فنُهوا عن ذلك، فلما أُذِنَ لهم فيه، كَرِههُ بعضُهُم. روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول قتادة، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنها نزلت واصفةً أحوال قومٍ كانوا في الزمان المتقدّم، فحُذّرت هذه الأمّة من مثلِ حالهم، روى هذا المعنى عطية، عن ابن عباس. قال أبو سليمان الدمشقي: كأنه يومئ إِلى قصة الذين قالوا: إِبعث لنا مَلِكاً. وقال مجاهد: هي في اليهود. فأما كفُّ اليد، فالمراد به: الامتناع عن القتال، ذلك كان بمكة. و «كُتب» بمعنى: فُرض، وذلك بالمدينة، هذا على القول الأول. قوله تعالى: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ في هذا الفريق ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المنافقون. والثاني: أنهم كانوا مؤمنين، فلما فرض القتال، نافقوا جُبناً وخوفاً. والثالث: أنهم مؤمنون غير أن طبائعهم غلبتهم، فنفرت نفوسُهم عن القتال. قوله: يَخْشَوْنَ النَّاسَ في المراد بالناس قولان: أحدهما: كفار مكة. والثاني: جميع الكفار. قوله تعالى: أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً قيل: إِن «أو» بمعنى الواو، و «كتبت» بمعنى: فرضت. و «لولا» بمعنى «هلاّ» ، قال الفراء: إِذا لم تر بعدها اسماً فهي استفهامٌ بمعنى هلاّ، وإِذا رأيت بعدها اسما مرفوعا، فهي
[سورة النساء (4) : آية 78]
التي جوابها اللام، تقول: لولا عبد الله لضربتك. وقال ابن قتيبة: إِذا رأيتها بغير جواب، فهي بمعنى «هلاّ» ، تقول: لولا فعلت كذا، ومثلها «لوما» ، فاذا رأيت ل «لولا» جواباً، فليست بمعنى «هلاّ» ، إِنما هي التي تكون لأمر يقع بوقوع غيره، كقوله تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «1» . قلت: فأما «لولا» التي لها جوابٌ فكثيرة في الكلام، وأنشدوا في ذلك: لولا الحياءُ وأن رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت امَّ القاسم «2» وأما التي بمعنى «هلاّ» فأنشدوا منها: تعدّون عقر النّيب أفضَلَ مجدِكُم ... بني ضَوْطَرى لولا الكَميَّ المقنَّعا «3» أراد: فهلاّ تعدون الكمي، والكمي: الداخل في السّلاح. وفي الأجل القريب قولان: أحدهما: أنه الموت، فكأنهم قالوا: هلاّ تركتنا نموت موتاً، وعافيتنا من القتل، هذا قول السدي، ومقاتل. والثاني: أنه إِمهال زمان، فكأنهم قالوا: هلاّ أخرت فرض الجهاد عنّا قليلاً حتى نكثر ونقوى، قاله أبو سليمان الدمشقي في آخرين. قوله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ أي: مدّة الحياة فيها قليلة. قوله تعالى: وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ولا يظلمون بالياء. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم: بالتاء، وقد سبق ذكر المتاع والفتيل. [سورة النساء (4) : آية 78] أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ. سبب نزولها أن المنافقين قالوا في حقّ شهداء أُحُد: لو كانوا عندنا ما ماتوا، وما قتلوا، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس «4» ، ومقاتل. والبروج: الحصون، قاله ابن عباس وابن قتيبة. وفي «المشيّدة» خمسة أقوال «5» : أحدها: أنها الحصينة، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: المطولة، قاله أبو مالك، ومقاتل، وابن قتيبة. والثالث: المجصّصة، قاله
[سورة النساء (4) : آية 79]
هلال بن خبّاب، واليزيدي. والرابع: أنها المبنيّة بالشيِّد، وهو الجص، قاله أبو سليمان الدمشقي. والخامس: أنها بروج في السماء، قاله الربيع بن أنس، والثوري. وقال السدّي: هي قصور بيض في السماء مبنيّة. قوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ اختلفوا فيهم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المنافقون واليهود، قاله ابن عباس. والثاني: المنافقون، قاله الحسن. والثالث: اليهود، قاله ابن السري. وفي الحسنة والسيئة قولان: أحدهما: أن الحسنة: الخصب، والمطر. والسيئة: الجدب، والغلاء، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. والثاني: أن الحسنة: الفتح والغنيمة، والسيئة: الهزيمة والجراح، ونحو ذلك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وفي قوله تعالى: مِنْ عِنْدِكَ قولان: أحدهما: بشؤمك، قال ابن عباس. والثاني: بسوء تدبيرك، قاله ابن زيد. قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قال ابن عباس: الحسنة والسيئة، أما الحسنة، فأنعم بها عليك، وأما السيئة، فابتلاك بها. قوله تعالى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ وقف أبو عمرو، والكسائي على الألف من «فما» في قوله تعالى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ ومالِ هذَا الْكِتابِ ومالِ هذَا الرَّسُولِ وفَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا، والباقون وقفوا على اللام. فأما «الحديث» ، فقيل: هو القرآن، فكأنّه قال: لا يفقهون القرآن، فيؤمنون به، ويعلمون أن الكل من عند الله. [سورة النساء (4) : آية 79] ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) قوله تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ في المخاطب بهذا الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عامٌ، فتقديره: ما أصابك أيها الإِنسان، قاله قتادة. والثاني: أنه خطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم، والمراد به غيره، ذكره الماوردي. وقال ابن الأنباري: ما أصابك الله من حسنة، وما أصابك الله به من سيئة، فالفعلان يرجعان إلى الله عزّ وجلّ. وفي «الحسنة» و «السيئة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحسنة: ما فُتح عليه يوم بدر، والسيئة: ما أصابه يوم أُحد، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. والثاني: الحسنة: الطاعة، والسيئة: المعصية، قاله أبو العالية. والثالث: الحسنة: النعمة، والسيئة: البليّة، قاله ابن قتيبة، وعن أبي العالية نحوه، وهو أصح، لأن الآية عامة. وروى كرداب، عن يعقوب: «ما أصابك من حسنة فمن الله» بتشديد النون ورفعها ونصب الميم وخفض اسم الله، «وما أصابك من سيئة فمن نَفسُك» بنصب الميم ورفع السين. وقرأ ابن عباس: «وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك» . وقرأ ابن مسعود: «وأنا عددتها عليك» . قوله تعالى: فَمِنْ نَفْسِكَ أي: فبذنبك، قاله الحسن، وقتادة، والجماعة، وذكر فيه ابن الأنباري وجهاً آخر، فقال: المعنى: أفمن نفسك، فأضمرت ألف الاستفهام كما أضمرت في قوله وَتِلْكَ نِعْمَةٌ أي: أوَ تلك نعمة. قوله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا قال الزجاج: ذكر الرسول مؤكّد لقوله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ، والباء في «بالله» مؤكّدة. والمعنى: وكفى بالله شهيدا. و «شهيدا» : منصوب على التمييز، لأنك إذا قلت: كفى بالله، ولم تبيّن في أي شيء الكفاية كنت مبهماً. وفي المراد بشهادة الله هاهنا ثلاثة أقوال:
[سورة النساء (4) : آية 80]
أحدها: شهيداً لك بأنك رسوله، قاله مقاتل. والثاني: على مقالتهم، قاله ابن السائب. والثالث: لك بالبلاغ، وعليهم بالتكذيب والنفاق، قاله أبو سليمان الدمشقي. فان قيل: كيف عاب الله هؤلاء حين قالوا: إِن الحسنة من عند الله، والسيئة من عند النبي عليه السلام، وردّ عليهم بقوله تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثم عاد فقال: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فهل قال القوم إِلا هكذا؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنهم أضافوا السّيئة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تشاؤماً به، فردّ عليهم، فقال: كلٌ بتقدير الله. ثم قال: ما أصابك من حسنة، فمن الله، أي: من فضله، وما أصابك من سيئة، فبذنبك، وإِن كان الكل من الله تقديراً. والثاني: أن جماعة من أرباب المعاني قالوا: في الكلام محذوف مقدّر، تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، يقولون: ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك. فيكون هذا من قولهم. والمحذوف المقدّر في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا «1» أي: يقولان: ربنا. ومثله أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ «2» أي: فحلق، ففدية. ومثله فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ «3» أي: فيقال لهم. ومثله وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ «4» أي: يقولون سلام. ومثله أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ «5» أراد: لكان هذا القرآنَ. ومثله وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «6» أراد: لعذّبكم. ومثله رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا أي: يقولون. وقال النَّمِرُ بنُ تولب: فإنَّ المنيَّة من يخشَها ... فَسَوْفَ تُصَادِفُه أينما أراد: أينما ذهب. وقال غيره: فأُقْسِمُ لَوْ شيءٌ أتانا رسولُه ... سواكَ وَلكِن لم نجد لَك مدفعا «7» أراد: لرددناه. [سورة النساء (4) : آية 80] مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80) قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ سبب نزولها: (317) أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن أحبني، فقد أحب الله» فقال المنافقون: لقد قارب هذا الرجل الشرك، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل.
[سورة النساء (4) : آية 81]
ومعنى الكلام: من قَبِلَ ما أتى به الرسول، فانما قبل: ما أمر الله به، ومن تولّى، أي: أعرض عن طاعته. وفي «الحفيظ» قولان: أحدهما: أنه الرّقيب، قاله ابن عباس. والثاني: المحاسب، قاله السدي، وابن قتيبة. فصل: قال المفسّرون: وهذا كان قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. [سورة النساء (4) : آية 81] وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) قوله تعالى: وَيَقُولُونَ طاعَةٌ. (318) نزلت في المنافقين، كانوا يؤمنون عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليأمنوا، فاذا خرجوا، خالفوا، هذا قول ابن عباس. قال الفرّاء: والرّفع في «طاعة» على معنى: أمرُك طاعة. قوله تعالى: بَيَّتَ طائِفَةٌ قرأ أبو عمرو، وحمزة: بيت، بسكون «التاء» وإدغامها في «الطاء» ، ونصب الباقون «التاء» ، قال أبو علي: التاء والطاء والدال من حيز واحد، فحسن الإِدغام، ومَن بيّن، فلانفصال الحرفين، واختلاف المخرجين. قال ابن قتيبة: والمعنى (فاذا برزوا من عندك) أي خرجوا، (بيت طائفة منهم غير الذي تقول) ، أي «1» قالوا، وقدّروا ليلاً غير ما أعطوك نهاراً. قال الشاعر: أتوني فلم أرض ما بيَّتوا ... وكانوا أتَوْني بشيء نُكُرْ «2» والعرب تقول: هذا أمر قد قُدِّر بليل، [وفرغ منه بليل، ومنه قول الحارث بن حِلِّزة: أجمعوا أمرهم عشاءً فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء] «3» وقال بعضهم: بيّت، بمعنى: بدّل، وأنشد: وبيَّتَ قولِيَ عند المليك ... قاتلك الله عبدا كفورا «4» وفي قوله تعالى: غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ قولان: أحدهما: غير الذي تقول الطائفة عندك، وهو قول ابن عباس، وابن قتيبة. والثاني: غير الذي تقول أنت يا محمّد، وهو قول قتادة، والسّدّيّ.
[سورة النساء (4) : آية 82]
قوله تعالى: وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يكتبه في الأعمال التي تثبتها الملائكة، قاله مقاتل في آخرين. والثاني: ينزله إِليك في كتابه. والثالث: يحفظه عليهم ليجازوا به، ذكر القولين الزجاج. قال ابن عباس: فأعرض عنهم: فلا تعاقبهم، وثق بالله عز وجل، وكفى بالله ثقة لك. قال: ثم نسخ هذا الإِعراض، وأُمِر بقتالهم. فإن قيل: ما الحكمة في أنه ابتدأ بذكرهم جملة، ثم قال: بَيَّتَ طائِفَةٌ، والكل منافقون؟ فالجواب من وجهين، ذكرهما أهل التفسير: أحدهما: أنه أخبر عمن سهر ليله، ودبَّر أمرهُ منهم دون غيره منهم. والثاني: أنه ذكر من علم أنه يبقى على نفاقه دون من علم أنّه يرجع. [سورة النساء (4) : آية 82] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ قال الزجاج: «التدبّر» : النظر في عاقبة الشيء. و «الدّبْر» النحل، سُمي دبراً، لأنه يُعْقِبُ ما يُنتفع به، و «الدّبْر» : المال الكثير، سُمي دبراً لكثرته، لأنه يبقى للأعقاب، والأدبار. وقال ابن عباس: أفلا يتدبّرون القرآن، فيتفكّرون فيه، فيرون تصديق بعضه لبعض، وأن أحداً من الخلائق لا يقدر عليه. قال ابن قتيبة: والقرآن من قولك: ما قرأت الناقة سلى «1» قط، أي: ما ضمّت في رحمها ولداً، وأنشد أبو عبيدة: هِجانُ اللّون لم تقرأ جنينا «2» وإنما سُمي قرآنا، لأنه جمع السور، وضمها. قوله تعالى: لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التناقض، قاله ابن عباس، وابن زيد، والجمهور. والثاني: الكذب، قاله مقاتل، والزجاج. والثالث: أنه اختلاف تفاوت من جهة بليغ من الكلام، ومرذول، إِذ لا بدّ للكلام إِذا طال من مرذول، وليس في القرآن إِلا بليغ، ذكره الماورديّ في جماعة. [سورة النساء (4) : آية 83] وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83) قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ في سبب نزولها قولان: (319) أحدهما: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما اعتزل نساءه، دخل عمر المسجد، فسمع الناس يقولون: طلّق
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نساءه، فدخل على النبي عليه السلام فسأله: أطّلقت نساءك؟ قال: «لا» . فخرج فنادى: ألا إِن رسول الله لم يطلّق نساءه. فنزلت هذه الآية. فكان هو الذي استنبط الأمر. انفرد بإخراجه مسلم، من حديث ابن عباس، عن عمر. (320) والثاني: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إِذا بعث سريّة من السرايا فَغَلَبَتْ أو غُلِبَت، تحدثوا بذلك، وأفشوه، ولم يصبروا حتى يكون النبي هو المتحدِّث به. فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وفي المشار إِليهم بهذه الآية قولان: أحدهما: أنهم المنافقون. قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: أهل النفاق، وضعفة المسلمين، ذكره الزجاج. وفي المراد بالأمن أربعة أقوال: أحدها: فوز السريّة بالظفر والغنيمة، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه الخبر يأتي إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه ظاهر على قوم، فيأمن منهم، قاله الزجاج. والثالث: أنه ما يعزم عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الموادعة والأمان لقومٍ، ذكره الماوردي. والرابع: أنه الأمن يأتي من المأمَن وهو المدينة، ذكره أبو سليمان الدمشقي مُخرجاً من حديث عمر. وفي الْخَوْفِ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه النكبة التي تُصيب السريّة، ذكره جماعة من المفسّرين. والثاني: أنه الخبر يأتي أن قوماً يجمعون للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيخاف منهم، قاله الزجاج. والثالث: ما يعزم عليه النبي من الحرب والقتال، ذكره الماوردي. قوله تعالى: أَذاعُوا بِهِ قال ابن قتيبة: أشاعوه. وقال ابن جرير: والهاء عائدة على الأمر. قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ يعني: الأمر إِلَى الرَّسُولِ حتى يكون هو المخبر به وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وفيهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم أبو بكر، وعمر، قاله عكرمة. والثالث: العلماء، قاله الحسن، وقتادة، وابن جريج. والرابع: أمراء السرايا، قاله ابن زيد، ومقاتل. وفي الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ قولان: أحدهما: أنهم الذين يتتبعونه من المذيعين له، قاله مجاهد. والثاني: أنهم أُولو الأمر، قاله ابن زيد. و «الاستنباط» في اللغة: الاستخراج. قال الزجاج: أصله من النبط، وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر، يقال من ذلك: قد أنبط فلان في غضراء، أي: استنبط الماء من طين حُرّ. والنبط: سُموا نبطاً، لاستنباطهم ما يخرج من الأرض. قال ابن جرير: ومعنى الآية: وإِذا جاءهم خبر عن سريّة للمسلمين بخير أو بشر أفشوه، ولو سكتوا حتى يكون الرسول وذوو الأمر يتولون الخبر عن ذلك، فيصححوه إِن كان صحيحاً، أو يبطلوه إِن كان باطلاً، لعلم حقيقة ذلك من يبحث عنه من أُولى الأمر. قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. في المراد بالفضل أربعة أقوال: أحدها: أنه رسول الله. والثاني: الإِسلام. والثالث: القرآن. والرابع: أُولو الأمر. وفي الرحمة أربعة أقوال: أحدها: أنها الوحي. والثاني: اللّطف. والثالث: النعمة. والرابع: التّوفيق.
[سورة النساء (4) : آية 84]
قوله تعالى: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا في معنى هذا الاستثناء ثلاثة أقوال: أحدها: أنه راجع إِلى الإِذاعة، فتقديره: أذاعوا به إِلا قليلاً. وهذا قول ابن عباس وابن زيد، واختاره القرّاء وابن جرير. والثاني: أنه راجع إِلى المستنبطين، فتقديره: لَعلمه الذين يستنبطونه منهم إِلا قليلاً، وهذا قول الحسن وقتادة، واختاره ابن قتيبة. فعلى هذين القولين في الآية تقديم وتأخير. والثالث: أنه راجع إلى اتِّباع الشيطان، فتقديره: لاتبعتم الشيطان إِلا قليلاً منكم، وهذا قول الضحاك، واختاره الزجاج. وقال بعض العلماء: المعنى: لولا فضل الله بإرسال النبي إِليكم، لضللتم إلا قليلاً منكم كانوا يستدركون بعقولهم معرفة الله، ويعرفون ضلال من يَعبُد غيره، كقس بن ساعدة. [سورة النساء (4) : آية 84] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (84) قوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سبب نزولها: (321) أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما ندب الناس لموعد أبي سفيان ببدر الصُغرى بعد أُحُد، كره بعضهم ذلك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وفي «فاء» فَقاتِلْ قولان: أحدهما: أنه جوابُ قوله وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ. والثاني: أنها متصلة بقوله وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذكرهما ابن السريّ. والمرادُ بسبيل الله: الجهاد. قوله تعالى: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ أي: إِلا المجاهدة بنفسك. و «حرّض» : بمعنى حضّض. قال الزجاج: ومعنى عَسَى في اللغة: معنى الطمع والإِشفاق. والإِطماع من الله واجب. و «البأس» : الشدّة. وقال ابن عباس: والله أشدّ عذابا. قال قتادة: و «التّنكيل» : العقوبة. [سورة النساء (4) : آية 85] مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85) قوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً، في المراد بالشفاعة أربعة أقوال: أحدها: أنها شفاعة الإِنسان للانسان، ليجتلب له نفعاً، أو يُخلصه من بلاء، وهذا قول الحسن ومجاهد وقتادة، وابن زيد. والثاني: أنها الإِصلاح بين اثنين، قاله ابن السائب. والثالث: أنه الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ذكره الماوردي. والرابع: أن المعنى: مَن يَصرْ شفعاً لوِترِ أصحابك يا محمد، فيشفعهم في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله، قاله ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي. وفي الشفاعة السيئة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها السعي بالنميمة، قاله ابن السائب، ومقاتل. والثاني: أنها الدّعاء على المؤمنين والمؤمنات، وكانت اليهود تفعله، ذكره الماوردي. والثالث: أن المعنى: من يشفع وتر أهل الكفر، فيقاتل المؤمنين قاله ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي.
[سورة النساء (4) : آية 86]
قال الزجاج: و «الكفل» في اللغة: النصيب، وأخذ من قولهم: اكتفلت البعير: إذا أدرت على سنامه، أو على موضع من ظهره كِساء، وركبتَ عليه. وإِنما قيل له: كِفل، لأنه لم يستعمل الظهر كله، وإِنما استعمل نصيباً منه. وفي المقيت» سبعة أقوال: أحدها: أنه المقتدر، قال أحيحة بن الجلاّح: وذي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفس عنه ... وكنتُ على مساءته مُقيتاً «1» وإِلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، وابن جرير، والسدي، وابن زيد، والفراء، وأبو عبيد، وابن قتيبة، والخطّابي. والثاني: أنه الحفيظ، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والزجاج. وقال: هو بالحفيظ أشبه، لأنه مشتقّ من القوت، يقال: قُتُّ الرجل أقوته قوتاً: إِذا حفظت عليه نفسه بما يقوته. والقوت: اسم الشيء الذي يحفظ نفسه، ولا فضل فيه على قدر الحفظ، فمعنى المقيت: الحافظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة من الحفظ. قال الشاعر: أليَ الفَضْلُ أمْ عليّ إِذا حُو ... سبْتُ إِنّي على الحساب مُقيتُ والثالث: أنه الشهيد، رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد، واختاره أبو سليمان الدمشقي. والرابع: أنه الحسيب، رواه خصيف عن مجاهد. والخامس: الرقيب، رواه أبو شيبة عن عطاء. والسادس: الدائم، رواه ابن جريج عن عبد الله بن كثير. والسابع: أنه معطي القوت، قاله مقاتل بن سليمان. وقال الخطّابي: المقيت يكون بمعنى معطي القوت، قال الفرّاء: يقال: قاته وأقاته. [سورة النساء (4) : آية 86] وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ في التحيّة قولان: أحدهما: أنها السلام، قاله ابن عباس والجمهور. والثاني: الدّعاء، ذكره ابن جرير والماوردي. فأما «أحسن منها» فهو الزيادة عليها، وردها: قول مثلها. قال الحسن: إِذا قال أخوك المسلم: السلام عليكم، فردَّ السلام، وزد: ورحمة الله. أو رُد ما قال ولا تزد. وقال الضحاك: إِذا قال: السلام عليك، قلت: وعليكم السلام ورحمة الله، وإِذا قال: السلام عليك ورحمة الله، قلتَ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهذا منتهى السلام. وقال قتادة: بأحسن منها للمسلم، أو ردّوها على أهل الكتاب «2» .
[سورة النساء (4) : آية 87]
[سورة النساء (4) : آية 87] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ قال مقاتل: نزلت في الذين شكّوا في البعث. قال الزجاج: واللام في «لَيجمعنكم» لام القسم، كقولك: واللهِ ليجمعنّكم، قال: وجائِز أن تكون سُميت القيامة، لقيام الناس من قبورهم، وجائِز أن تكون، لقيامهم للحساب. قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً إِنما وصف نفسه بهذا، لأن جميع الخلق يجوز عليهم الكذب، ويستحيل في حقّه. [سورة النساء (4) : آية 88] فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88)
قوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ في سبب نزولها سبعة أقوال «1» : (322) أحدها: أن قوماً أسلموا، فأصابهم وَبَاء بالمدينة وحِماها، فخرجوا فاستقبلهم نفرٌ من المسلمين، فقالوا: ما لكم خرجتم؟ قالوا: أصابنا وباء بالمدينة، واجتويناها «2» ، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوةٌ؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه. (323) والثاني: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما خرج إِلى أُحد، رجع ناسٌ ممن خرج معه، فافترق فيهم أصحاب رسول الله، ففرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا نقتلهم، فنزلت هذه الآية، هذا في «الصحيحين» من قول زيد بن ثابت. (324) والثالث: أن قوماً كانوا بمكة تكلموا بالإِسلام وكانوا يعاونون المشركين، فخرجوا من مكة لحاجة لهم، فقال قوم من المسلمين: اخرجوا إِليهم فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عدوّكم. وقال قوم: كيف نقتلهم وقد تكلموا بمثل ما تكلمنا به؟ فنزلت هذه الآية، رواه عطية عن ابن عباس. (325) والرابع: أن قوماً قدموا المدينة، فأظهروا الإِسلام، ثم رجعوا إلى مكة، فأظهروا الشرك، فنزلت هذه الآية، هذا قول الحسن، ومجاهد. (326) والخامس: أن قوماً أعلنوا الإِيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة، فاختلف المؤمنون فيهم، فنزلت هذه الآية، وهذا قول الضّحّاك.
[سورة النساء (4) : آية 89]
(327) والسادس: أن قوماً من المنافقين أرادوا الخروج من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إِنه قد أصابتنا أوجاع في المدينة، فلعلنا نخرج فنتماثل، فإنا كنا أصحاب بادية، فانطلقوا، واختلف فيهم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي. (328) والسابع: أنها نزلت في شأن ابن أُبيّ حين تكلّم في عائشة بما تكلّم، وهذا قول ابن زيد. وقوله تعالى: فَما لَكُمْ خطاب للمؤمنين. والمعنى: أي شيء لكم في الاختلاف في أمرهم؟ و «الفئة» : الفرقة. وفي معنى «أركسهم» أربعة أقوال: أحدها: ردّهم، رواه عطاء، عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: ركست الشيء، وأركسته: لغتان، أي: نكسهم وردهم في كفرهم، وهذا قول الفراء، والزجاج. والثاني: أوقعهم، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. والثالث: أهلكهم، قاله قتادة. والرابع: أضلّهم، قاله السدّي. فأما الذي كسبوا، فهو كفرهم، وارتدادهم. قال أبو سليمان. إِنما قال: أتريدون أن تهدوا مَن أضل الله، لأن قوماً من المؤمنين قالوا: إِخواننا، وتكلموا بكلمتنا. قوله تعالى: فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا فيه قولان: أحدهما: إِلى الحجة، قاله الزجاج. والثاني: إِلى الهدى، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ. [سورة النساء (4) : آية 89] وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (89) قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا أخبر الله عزّ وجلّ المؤمنين بما في ضمائِر تلك الطائِفة، لئلا يحسنوا الظنّ بهم، ولا يجادلوا عنهم، وليعتقدوا عداوتهم. قوله تعالى: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ أي: لا توالوهم فإنهم أعداء لكم حَتَّى يُهاجِرُوا أي: يرجعوا إِلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن عباس: فإن تولوا عن الهجرة والتوحيد، فَخُذُوهُمْ أي: ائسروهم، واقتلوهم حيث وجدتموهم في الحِل والحرم. فصل: قال القاضي أبو يعلى: كانت الهجرة فرضاً إِلى أن فتحت مكّة «1» . وقال الحسن: فرض
[سورة النساء (4) : آية 90]
الهجرة باق، واعلم أن الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: أحدها: من تجب عليه، وهو الذي لا يقدر على إِظهار الإِسلام في دار الحرب، خوفاً على نفسه، وهو قادرٌ على الهجرة، فتجب عليه لقوله أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها «1» . والثاني: من لا تجب عليه بل تستحب له، وهو من كان قادراً على إِظهار دينه في دار الحرب. والثالث: من لا تستحب له وهو الضعيف الذي لا يقدر على إِظهار دينه، ولا على الحركة كالشيخ الفاني، والزّمِن، فلم تستحب له للحوق المشقّة. [سورة النساء (4) : آية 90] إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ هذا الاستثناء راجع إِلى القتل، لا إِلى الموالاة وفي «يصلون» قولان: أحدهما: أنه بمعنى يتّصلون ويلجئون. (329) قال ابن عباس: كان هلال بن عويمر الأسلمي وادع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أن لا يعينه ولا يعين عليه. فكان من وصل إِلى هلال من قومه وغيرهم، فلهم من الجوار مثل ما لهلال. والثاني: أنه بمعنى ينتسبون، قاله ابن قتيبة، وأنشد. إِذا اتَّصلَتْ قالتْ أبكرَ بنَ وائلٍ ... وبكرٌ سَبَتْها والأنوفُ رواغمُ يريد: إِذا انتسبت، قالت: أبكراً، أي: يا آل بكر. وفي القوم المذكورين أربعة أقوال: أحدها: أنهم بنو بكر بن زيد مناة، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف، قاله عكرمة. والثالث: أنهم بنو مدلج، قاله الحسن. والرابع: خزاعة وبنو مدلج، قاله مقاتل. قال ابن عباس: «والميثاق» : العهد. قوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ فيه قولان: أحدهما: أن معناه: أو يصلون إلى قوم جاءوكم، قاله الزجاج في جماعة. والثاني: أنه يعود إِلى المطلوبين للقتل. فتقديره: أو رجعوا فدخلوا فيكم، وهو بمعنى قول السدي. قوله تعالى: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ فيه قولان: أحدهما: أن فيه إِضمار «قد» . والثاني: أنه خبرٌ بعد خبر، فقوله جاؤُكُمْ: خبرٌ قد تم، وحصِرت: خبرٌ مستأنف، حكاهما
[سورة النساء (4) : آية 91]
الزجاج. وقرأ الحسن ويعقوب والمفضل، عن عاصم: «حَصِرةً صدورُهم» على الحال. و «حصرت» : ضاقت، ومعنى الكلام: ضاقت صدورهم عن قتالكم للعهد الذي بينكم وبينهم، أو يقاتلوا قومَهم، يعني قريشاً. قال مجاهد: هلال بن عويمر هو الذي حصِر صَدرُه أن يقاتلكم، أو يقاتل قومه. قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ قال الزجاج: أخبر أنه إِنما كفّهم بالرعب الذي قذف في قلوبهم. وفي السَّلَمَ قولان: أحدهما: أنه الإِسلام، قاله الحسن. والثاني: الصُلح، قاله الربيع، ومقاتل. فصل: قال جماعة من المفسّرين: معاهدة المشركين وموادعتهم المذكورة في هذه الآية منسوخة بآية السيف. قال القاضي أبو يعلى: لما أعزّ الله الإِسلام أُمروا أن لا يقبلوا من مشركي العرب إِلاَّ الإسلام أو السّيف «1» . [سورة النساء (4) : آية 91] سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) قوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: (330) أحدها: أنها نزلت في أسد وغطفان، كانوا قد تكلموا بالإِسلام ليأمنوا المؤمنين بكلمتهم، ويأمنوا قومهم بكفرهم، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. والثاني: أنها نزلت في بني عبد الدار، رواه الضحاك، عن ابن عباس. (331) والثالث: أنها نزلت في قوم أرادوا أخذ الأمان من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقالوا: لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، قاله قتادة. (332) والرابع: أنها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان يأمن في المسلمين والمشركين،
[سورة النساء (4) : آية 92]
فينقل الحديث بين النبي عليه السلام وبينهم، ثم أسلم نُعيم، هذا قول السدي. ومعنى الآية: ستجدون قوماً يظهرون الموافقة لكم ولقومهم، ليأمنوا الفريقين، كلما دعوا إلى الشرك، عادوا فيه، فان لم يعتزلوكم في القتال، ويلقوا إليكم الصّلح، ويكفوا أيديهم عن قتالكم، فخذوهم، أي: ائسروهم، واقتلوهم حيث أدركتموهم، وأولائكم جعلنا لكم عليهم حجة بيّنة في قتلهم. فصل: قال أهل التفسير: والكف عن هؤلاء المذكورين في هذه الآية منسوخ بآية السّيف. [سورة النساء (4) : آية 92] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً في سبب نزولها قولان: (333) أحدهما: أن عياش بن أبي ربيعة أسلم بمكّة قبل هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم خاف أن يظهر إِسلامه لقومه، فخرج إِلى المدينة فقالت أُمُّه لابنيها أبي جهل، والحارث ابني هشام، وهما أخواه لأمّه: والله لا يُظلّني سقف، ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتياني به. فخرجا في طلبه، ومعهما الحارث بن زيد، حتى أتوا عيّاشاً وهو مُتحَصّنٌ في أُطُم «1» ، فقالوا له: انزل فإن أُمّك لم يُؤوها سقفٌ، ولم تذق طعاماً، ولا شراباً، ولك علينا أن لا نحول بينكَ وبين دينك، فنزل، فأوثقوه، وجلده كلُّ واحد منهم مائة جلدة، فقدموا به على أُمّه، فقالت: والله لا أحُلُّك من وَثاقك حتى تكفُر، فطُرِحَ موثقاً في الشمس حتى أعطاهم ما أرادوا، فقال له الحارث بن زيد: يا عياش لئن كان ما كنت عليه هدى لقد تركته، وإِن كان ضلالاً لقد ركبته فغضب، وقال: والله لا ألقاك خالياً إلا قتلتك، ثم أفلت عياش بعد ذلك وهاجر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، ثم أسلم الحارث بعده وهاجر، ولم يعلم عياش، فلقيه يوماً فقتله، فقيل له: إنه قد أسلم، فجاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبره بما كان، وقال: لم أشعر باسلامه، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وهو قول سعيد بن جبير، والسدّي، والجمهور. (334) والثاني: أن أبا الدرداء قتل رجلاً قال لا إِله إِلا الله في بعض السّرايا، ثم أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم،
فذكر له ما صنع، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن زيد. قال الزجاج: معنى الآية: وما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمنا البتّة. والاستثناء ليس من الأوّل، وإنما المعنى: إلا أن يخطئ المؤمن. روى أبو عبيدة، عن يونس: أنه سأل رؤبة عن هذه الآية، فقال: ليس له أن يقتله عمداً ولا خطأ «1» ، ولكنّه أقام «إِلا» مقام «الواو» قال الشاعر: وكلُّ أخٍ مُفَارقُه أخوهُ ... لَعَمْرُ أبيكَ إِلاَّ الفَرقَدَانِ «2» أرَادَ: والفَرْقَدَانِ. وقال بعضُ أهل المعاني: تقديرُ الآية: لكن قد يقتله خطأ، وليس ذلك فيما جعل الله له، لأن الخطأ لا تصح فيه الإِباحة، ولا النهي. وقيل: إِنما وقع الاستثناء على ما تضمنته الآية من استحقاق الإثم، وإِيجاب القتل. قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ قال سعيدُ بنُ جبير: عتق الرقبة واجبٌ على القاتِل في ماله، واختلفوا في عتق الغلام الذي لا يصح منه فعل الصلاة والصيام، فروي عن أحمد جوازه، وكذلك روى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهذا قول عطاء، ومجاهد. وروي عن أحمد: لا يجزئ إِلا من صام وصلى، وهو قول ابن عباس في رواية، والحسن، والشعبي، وإِبراهيم، وقتادة. قوله تعالى: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ قال القاضي أبو يعلى: ليس في هذه الآية بيان من تلزمه هذه الدية، واتفق الفقهاء على أنها عاقلة القاتل، تحملها عنه على طريق المواساة، وتلزم العاقلة في ثلاث سنين، كل سنة ثلثها، والعاقلة: العصبات من ذوي الأنساب. ولا يلزم الجاني منها شيء. وقال أبو حنيفة: هو كواحد من العاقلة «3» . وللنفس ستة أبدال: من الذهب ألف دينار، ومن الوَرِق اثنا عشر ألف درهم، ومن الإبل مائة، ومن البقرة مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، وفي الحلل روايتان عن أحمد. إِحداهما: أنها أصل، فتكون مائتا حلة. فهذه دية الذكر الحرّ المسلم، ودية الحُرّة المسلمة على النصف من ذلك «4» . قوله
تعالى: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا قال سعيد بن جبير: إِلا أن يتصدّق أولياء المقتول بالدية على القاتل. قوله تعالى: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فيه قولان: أحدهما: أن معناه: وإِن كان المقتول خطأ من قوم كفار، ففيه تحرير رقبة من غير دية، لأن أهل ميراثه كفار. والثاني: وإِن كان مقيماً بين قومه، فقتله من لا يعلم بإيمانه، فعليه تحرير رقبة ولا دية، لأنه ضيّع نفسه بإقامته مع الكفار، والقولان مرويّان عن ابن عباس، وبالأول قال النخعي، وبالثاني سعيد بن جبير. وعلى الأول تكون «مِن» للتبعيض، وعلى الثاني تكون بمعنى في. قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فيه قولان: أحدهما: أنه الرجل من أهل الذّمة يُقتل خطأ، فيجب على قاتله الدية، والكفارة، هذا قول ابن عباس، والشّعبيّ، وقتادة، والزّهريّ. ولأبي حنيفة، والشافعي، ولأصحابنا تفصيل في مقدار ما يجب من الدية «1» . والثاني: أنه المؤمن يقتل، وقومه مشركون، ولهم عقد، فديته لقومه، وميراثه للمسلمين، هذا قول النخعي. قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ اختلفوا هل هذا الصيام بدل من الرقبة وحدها إِذا عدِمها، أو بدل من الرقبة والدية؟ فقال الجمهور: عن الرقبة وحدها، وقال مسروق، ومجاهد، وابن سيرين: عنهما. واتفق العلماء على أنه إِذا تخلّل صوم الشهرين إِفطار لغير عذر، فعليه الابتداء، فأما إِذا تخللها المرض، أو الحيض، فعندنا لا ينقطع التتابع. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: المرض يقطع! والحيض لا يقطع، وفرق بينهما بأنه يمكن في العادة صوم شهرين بلا مرض، ولا يمكن ذلك في الحيض، وعندنا أنها معذورة في الموضعين «2» .
[سورة النساء (4) : آية 93]
قوله تعالى: تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ قال الزجاج: معناه: فعل الله ذلك توبة منه. قوله: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً أي: لم يزل عليماً بما يُصلح خلقه من التكليف حَكِيماً فيما يقضي بينهم، ويدبّره في أمورهم. [سورة النساء (4) : آية 93] وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93) قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً. (335) سبب نزولها: أن مقيس بن صُبابة وجد أخاه هشام بنُ صبابة قتيلاً في بني النّجار، وكان مسلما، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رسولاً من بني فهر، فقال له: إِيت بني النجّار، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إِن رسول الله يأمركم إِن علمتم قاتل هشام، فادفعوه إلى مقيس، وإِن لم تعلموا له قاتلاً، فادفعوا إِليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك، فقالوا: والله ما نعلم له قاتلاً، ولكنّا نعطي ديته، فأعطوه مائة من الإِبل، ثم انصرفا راجعين إِلى المدينة، فأتى الشيطان مقيس بن صُبابة، فقال: تقبل دية أخيك، فيكون عليك سبّة ما بقيت. اقتل الذي معك مكان أخيك، وافضل بالدّية، فرمى الفهري بصخرةٍ، فشدخ رأسه، ثم ركب بعيراً منها، وساق بقيّتها راجعاً إلى مكة، وهو يقول: قتلت به فهراً وحمَّلْتُ عقلهُ ... سُراةَ بني النّجار أرباب فارِع وأدركت ثأري واضَّطجعْتُ موسداً ... وكنت إِلى الأصنام أول راجع «1» فنزلت هذه الآية، ثم أهدر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دمه يوم الفتح، فقتل، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وفي قوله تعالى: مُتَعَمِّداً قولان: أحدهما: متعمداً لأجل أنه مؤمن، قاله سعيد بن جبير. والثاني: متعمداً لقتله، ذكره بعض المفسرين. وفي قوله تعالى: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ قولان: أحدهما: أنها جزاؤه قطعاً. والثاني: أنها جزاؤه إِن جازاه. واختلف العلماء هل للمؤمن إِذا قتل مؤمناً متعمداً توبة أم لا؟ فذهب الأكثرون إِلى أن له توبة، وذهب ابن عباس إِلى أنه لا توبة له. فصل: اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة؟ فقال قوم: هي محكمة،
واحتجّوا بأنها خبرٌ، والأخبار لا تحتمل النسخ، ثم افترق هؤلاء فرقتين، إِحداهما قالت: هي على ظاهرها، وقاتل المؤمن مخلد في النار، والفرقة الثانية قالت: هي عامة قد دخلها التخصيص بدليل أنه لو قتله كافر، ثم أسلم الكافر، انهدرت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا ثبت كونها من العامّ المخصّص، فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون قَتله مستحلاً، فيستحق الخلود لاستحلاله. وقال قومٌ: هي مخصوصة في حقّ من لم يَتُب، واستدلوا بقوله تعالى في «الفرقان» : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً «1» . وقال آخرون: هي منسوخة بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «2» .
[سورة النساء (4) : آية 94]
[سورة النساء (4) : آية 94] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا في سبب نزولها أربعة أقوال: (336) أحدها: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعث سريّة فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم، وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مالٌ كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إِله إِلا الله، فأهوى إِليه المقداد بن الأسود فقتله. فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً يشهد أن لا إِله إِلا الله؟! لأذكرن ذلك للنبي. فلما قدموا على النبي صلّى الله عليه وسلّم قالوا له: يا رسول الله إِن رجلاً شهد أن لا إِله إِلا الله، فقتله المقداد، فقال: ادعوا لي المقداد، فقال: يا مقداد أقتلت رجلاً قال: لا إِله إِلا الله، فكيف لك ب «لا إِله إِلا الله غداً» ! فنزلت هذه الآية. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للمقداد: كان رجل مؤمن يخفي إِيمانه مع قوم كفار فأظهر إِيمانه فقتلته؟ وكذلك كنت تخفي إِيمانك بمكة قبل. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. (337) والثاني: أن رجلاً من بني سليم مرَّ على نفرٍ من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه غنم، فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّم عليكم إِلا ليتعوّذ منا، فعمدوا إِليه فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية. رواه عكرمة، عن ابن عباس. (338) والثالث: أن قوماً من أهل مكة سمعوا بسريّة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنها تريدهم فهربوا، وأقام
رجل منهم كان قد أسلم، يقال له: مرداس، وكان على السريّة رجل، يقال له: غالب بن فضالة، فلما رأى مرداس الخيل، كبر، ونزل إِليهم، فسلم عليهم، فقتله أسامة بن زيد، واستاق غنمه، ورجعوا إِلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبروه، فوجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ذلك وجدا شديدا، وأنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال السدي: كان أسامة أمير السريّة. (339) والرابع: أن رسول الله بعث أبا حدرد الأسلمي، وأبا قتادة، ومحلِّم بن جثامة في سريّة إِلى إِضم «1» ، فلقوا عامر بن الأضبط الأشجعي، فحيّاهم بتحية الإِسلام، فحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله، وسلبه بعيراً وسقاء. فلما قدموا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أخبروه، فقال: أقتلته بعد ما قال آمنت؟! ونزلت هذه الآية. رواه ابن أبي حدرد، عن أبيه. فأما التفسير، فقوله تعالى: إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: سرتم وغزوتم. وقوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: فَتَبَيَّنُوا بالنون من التبيين للأمر قبل الإِقدام عليه. وقرأ حمزة والكسائي وخلف «فتثبّتوا» بالثاء من الثبات وترك الاستعجال، وكذلك قرءوا في «الحجرات» . قوله تعالى: لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، وحفص، عن عاصم، والكسائي: «السلام» بالألف مع فتح السين. قال الزجاج: يجوز أن يكون بمعنى التسليم، ويجوز أن يكون بمعنى الاستسلام. وقرأ نافع. وابن عامر، وحمزة، وخلف، وجبَلة عن المفضل عن عاصم: «السلم» بفتح السين واللام من غير ألف وهو من الاستسلام. وقرأ أبان بن يزيد عن عاصم بكسر السّين وإِسكان اللام من غير ألف. و «السلم» : الصُلح. وقرأ الجمهور: لست مؤمناً، بكسر الميم، وقرأ علي، وابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية، ويحيى بن يعمر وأبو جعفر: بفتح الميم من الأمان. قوله تعالى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا و «عرضها» : ما فيها من مال، قلَّ أو كثر. قال المفسّرون: والمراد به: ما غنموه من الرجل الذي قتلوه. قوله تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ فيه قولان: أحدهما: أنه ثواب الجنة، قاله مقاتل. والثاني: أنها أبواب الرّزق في الدنيا، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: كذلك كنتم تأمنون من قومكم المؤمنين بهذه الكلمة، فلا تُخيفوا من قالها، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني:
[سورة النساء (4) : آية 95]
كذلك كنتم تُخفون إِيمانكم بمكة كما كان هذا يخفي إِيمانه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثالث: كذلك كنتم من قبل مشركين، قاله مسروق وقتادة وابن زيد. قوله تعالى: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ في الذي مَنّ به أربعة أقوال: أحدها: الهجرة، قاله ابن عباس. والثاني: إِعلان الإِيمان، قاله سعيد بن جبير. والثالث: الإِسلام، قاله قتادة، ومسروق. والرابع: التوبة على الذي قتل ذلك الرجل، قاله السدي. قوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا تأكيد للأول. [سورة النساء (4) : آية 95] لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95) قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ قال أبو سليمان الدمشقي: نزلت هذه الآية من أجل قوم كانوا إِذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود. (340) وقال زيد بن ثابت: إني لقاعد إلى جنب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إِذ غشيَته السكينة، ثم سرِّي عنه، فقال: «اكتب» (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون ... ) الآية، فقام ابن أمِّ مكتوم، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ فو الله ما قضى كلامَه حتى غشيت رسول الله السكينة، ثم سرِّي عنه، فقال: اقرأ، فقرأت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون) ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فألحقتها. قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ يعني عن الجهاد، والمعنى: أن المجاهدين أفضل. قال ابن عباس: وأُريد بهذا الجهاد غزوة بدر. وقال مقاتل: غزاة تبوك. قوله تعالى: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة: «غيرُ» برفع الرّاء، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وخلف، والمفضل: بنصبها. قال أبو علي: من رفع الراء، جعل «غير» صفة للقاعدين، ومن نصبها، جعلها استثناءً من القاعدين «1» . وفي «الضّرر» قولان:
[سورة النساء (4) : آية 96]
أحدهما: أنه العجز بالزّمانة والمرض، ونحوهما. قال ابن عباس: هم قوم كانت تحسبهم عن الغزاة أمراض وأوجاع. وقال ابن جبير، وابن قتيبة: هم أولو الزّمانة. وقال الزجاج: الضرر: أن يكون ضريراً أو أعمى أو زمناً. والثاني: أنه العذر، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. قوله تعالى: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً في هؤلاء القاعدين قولان: أحدهما: أنهم القاعدون بالضرر، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: القاعدون من غير ضرر، قاله أبو سليمان الدمشقي. قال ابن جرير: والدرجة: الفضيلة. فأما الحسنى فهي الجنة في قول الجماعة. قوله تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ قال ابن عباس: القاعدون هاهنا: غير أولي الضرر، وقال سعيد بن جبير: هم الذين لا عذر لهم. [سورة النساء (4) : آية 96] دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (96) قوله تعالى: دَرَجاتٍ مِنْهُ قال الزجاج: درجات، في موضع نصب بدلا من قوله تعالى: أَجْراً عَظِيماً، وهو مفسر للأجر. وفي المراد بالدرجات قولان «1» : أحدهما: أنها درجات الجنة، قال ابن مُحيريز: الدرجات: سبعون درجة ما بين كل درجتين حُضْرُ الفرس الجواد المضَّمرِ «2» سبعين سنة، وإِلى نحوه ذهب مقاتل. والثاني: أن معنى الدرجات: الفضائل، قاله سعيد بن جبير. قال قتادة: كان
[سورة النساء (4) : آية 97]
يقال: الإِسلام درجة، والهجرة في الإِسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وقال ابن زيد: الدرجات: هي السبع التي ذكرها الله تعالى في براءة حين قال: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ... إِلى قوله: وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ... «1» . فان قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى ذكر في أول الكلام درجة، وفي آخره درجات؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن الدرجة الأولى تفضيل المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر منزلة، والدرجات: تفضيل المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر منازل كثيرة، وهذا معنى قول ابن عباس. والثاني: أن الدرجة الأولى درجة المدح والتعظيم، والدرجات: منازل الجنة، ذكره القاضي أبو يعلى. [سورة النساء (4) : آية 97] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (341) أحدها: أن أناساً كانوا بمكة قد أقروا بالإِسلام، فلمّا خرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إِلى بدر لم تدع قريش أحداً إِلا أخرجوه معهم، فقتل أولئك الذين أقروا بالإِسلام، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. (342) وقال قتادة: نزلت في أناس تكلموا بالإِسلام، فخرجوا مع أبي جهل، فقتلوا يوم بدر، واعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل منهم. (343) والثاني: أن قوماً نافقوا يوم بدر، وارتابوا، وقالوا: غرّ هؤلاء دينهم وأقاموا مع المشركين حتى قتلوا، فنزلت فيهم هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. (344) والثالث: أنها نزلت في قوم تخلفوا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي، ضربت الملائكة وجهه ودبره، رواه العوفي عن ابن عباس. وفي «التوّفي» قولان: أحدهما: أنه قبض الأرواح بالموت، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: الحشر إِلى النار، قاله الحسن. قال مقاتل: والمراد بالملائكة ملك الموت وحده. وقال في موضع
[سورة النساء (4) : الآيات 98 إلى 99]
آخر: ملك الموت وأعوانه، وهم ستة، ثلاثة يَلون أرواح المؤمنين، وثلاثة يَلون أرواح الكفّار. قال الزجاج: «ظالمي أنفسهم» نصب على الحال، والمعنى: تتوفّاهم في حال ظلمهم أنفسهم، والأصل. ظالمين، لأن النون حذفت استخفافاً. فأما ظلمهم لأنفسهم، فيحتمل على ما ذكر في قصّتهم أربعة أقوال: أحدها: أنه ترك الهجرة. والثاني: رجوعهم إلى الكفر. والثالث: الشك بعد اليقين. والرابع: إِعانة المشركين. قوله تعالى: فِيمَ كُنْتُمْ قال الزجاج: هو سؤال توبيخ، والمعنى: كنتم في المشركين أو في المسلمين. قوله تعالى: قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قال مقاتل: كنا مقهورين في أرض مكة، لا نستطيع أن نذكر الإِيمان، قالت الملائكة: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً يعني المدينة فَتُهاجِرُوا فِيها يعني: إليها. وقول الملائكة لهم يدل على أنهم كانوا يستطيعون الهجرة. [سورة النساء (4) : الآيات 98 الى 99] إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) قوله تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ. (345) سبب نزولها: أن المسلمين قالوا في حق المستضعفين من المسلمين بمكة: هؤلاء بمنزلة الذين قتلوا ببدر، فنزلت هذه الآية. قاله مجاهد. قال الزجاج: «المستضعفين» نصب على الاستثناء من قوله تعالى: مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ. قال أبو سليمان: «المستضعفون» : ذوو الأسنان، والنساء، والصبيان. قوله تعالى: لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً أي: لا يقدرون على حيلة في الخروج من مكة، ولا على نفقةٍ، ولا قوّةٍ. وفي قوله تعالى: وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قولان: أحدهما: أنهم لا يعرفون الطريق إِلى المدينة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد. والثاني: أنهم لا يعرفون طريقاً يتوجّهون إِليه، فإن خرجوا هلكوا، قاله ابن زيد. وفي عَسَى قولان: أحدهما: أنها بمعنى الإِيجاب، قاله الحسن. والثاني: أنها بمعنى الترجّي، فالمعنى: أنهم يرجون العفو، قاله الزجّاج. [سورة النساء (4) : آية 100] وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) قوله تعالى: يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً قال سعيد بنُ جبير، ومجاهد: متزحزحاً عما يكره. وقال ابن قتيبة: المراغم والمهاجر: واحد، يقال: راغمت وهاجرت، وأصله: أن الرجل كان إِذا أسلم، خرج عن قومه، مُراغِماً، أي: مغاضِباً لهم، ومهاجِراً، أي: مقاطِعاً من الهجران، فقيل للمذهب: مراغم، وللمصير إلى النبي عليه السلام هجرة، لأنها كانت بهجرة الرجل قومه. وفي السّعة قولان: أحدهما: أنها السّعة في الرّزق، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: التمكّن
[سورة النساء (4) : آية 101]
من إِظهار الدين، قاله قتادة. قوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ اتفقوا على أنه نزل في رجل خرج مهاجراً، فمات في الطريق، واختلفوا فيه على ستة أقوال: (346) أحدها: أنه ضمرة بن العيص، وكان ضريراً موسِراً، فقال: احملوني فحمل، وهو مريض، فمات عند التنعيم، فنزل فيه هذا الكلام، رواه سعيد بن جبير. (347) والثاني: أنه العيص بن ضمرة بن زنباع الخزاعي، أمر أهله أن يحملوه على سريره، فلما بلغ التنعيم، مات، فنزلت فيه هذه الآية، رواه أبو بشر عن سعيد بن جبير. (348) والثالث: أنه ابن ضمرة الجندعي، مرض فقال لبنيه: أخرجوني من مكة، فقد قتلني غمّها، فقالوا: أين؟ فأومأ بيده نحو المدينة، يريد الهجرة، فخرجوا به، فمات في الطريق، فنزل فيه هذا، ذكره ابن إِسحاق. وقال مقاتل: هو جُندب بن ضمرة. (349) والرابع: أن اسمه سبرة، فلما نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ إِلى قوله: مُراغَماً كَثِيراً قال لأهله وهو مريض: احملوني، فإني موسِر، ولي من المال ما يُبلغني إِلى المدينة، فلما جاوز الحرم، مات فنزل فيه هذا، قاله قتادة. (350) والخامس: أنه رجل من بني كنانة هاجر فمات في الطريق، فسخر منه قومُه، فقالوا: لا هو بلغ ما يريد، ولا أقام في أهله حتى يدفن، فنزل فيه هذا، قاله ابن زيد. (351) والسادس: أنه خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام، خرج مهاجراً، فمات في الطريق، ذكره الزبير بن بكّار. وقوله تعالى: وَقَعَ معناه وجب. [سورة النساء (4) : آية 101] وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) قوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ.
(352) روى مجاهد عن أبي عياش الزَّرقي قال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعُسفان «1» ، وعلى المشركين خالد بن الوليد، قال: فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غِرّة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر فيما بين الظهر والعصر. والضرب في الأرض: السفر، والجُناح: الإِثم، والقصر: النقص، والفتنة: القتل. وفي القصر قولان: أحدهما: أنه القصر مِن عدد الركعات. والثاني: أنه القصرُ من حدودها. وظاهر الآية يدل على أن القصر لا يجوز إِلا عند الخوف، وليس الأمر كذلك، وإِنما نزلت الآية على غالب أسفار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو. وقيل: إِن قوله: أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ كلام تام. وقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ كلامٌ مبتدأ، ومعناه: وإِن خفتم. واختلف العلماء هل صلاة المسافر ركعتين مقصورة أم لا؟ فقال قوم: ليست مقصورة، وإِنما فرض المسافر ذلك، وهو قول ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، والسدي، وأبي حنيفة، فعلى هذا القول قصر الصلاة أن تكون ركعة، ولا يجوز ذلك إِلا بوجود السفر والخوف، لأن عند هؤلاء أن الركعتين في السفر إِذا لم يكن فيه خوفٌ تمام غير قصر. (353) واحتجوا بما روى ابن عباس أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلى بذي قرد «2» ، فصف الناس خلفه صفّين، صفاً خلفه، وصفاً موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء، إِلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا. (354) وعن ابن عباس أنه قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. والثاني: أنها مقصورةٌ، وليست بأصل، وهو قول مجاهد وطاوس، وأحمد، والشافعي. (355) قال يعلى بن أميّة: قلت لعمر بن الخطاب: عجبت من قصر الناس اليوم، وقد أمنوا وإنما
قال الله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: صدقةٌ تصدق الله بها عليكم. فاقبلوا صدقته. فصل: وإِنما يجوز للمسافر القصر إِذا كان سفرُهُ مُباحاً، وبهذا قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز له القصر في سفر المعصية. فأما مدة الإِقامة التي إِذا نواها أتم الصلاة، وإِن نوى أقلَّ منها، قصر، فقال أصحابنا: إِقامة اثنين وعشرين صلاة، وقال أبو حنيفة: خمسة عشر يوماً. وقال مالك، والشّافعيّ: أربعة أيام «1» .
[سورة النساء (4) : آية 102]
[سورة النساء (4) : آية 102] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ سبب نزولها: (356) أن المشركين لما رأوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأصحابه قد صلّوا الظهر، ندموا إِذْ لم يكبوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائِهم، يعنون العصر، فإذا قاموا فشدوا عليهم، فلما قاموا إِلى صلاة العصر، نزل جبريل بهذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس. قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ خطابٌ للنبيّ عليه السلام، ولا يدلُ على أن الحكم مقصورٌ عليه، فهول كقوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً «1» وقال أبو يوسف: لا تجوزُ صلاة الخوف بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والهاء والميم مِن «فيهم» تعودُ على الضاربين في الأرض «2» .
قوله تعالى: فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ أي: ابتدأتها، فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ أي: لتقف، ومثله وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا «1» . وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فيهم قولان: أحدهما: أنهم الباقون، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم المصلون معه، ذكره ابن جرير، قال: وهذا السّلاح كالسّيف، يتقلده الإِنسان، والخنجر يشده إِلى ذراعه. قوله تعالى: فَإِذا سَجَدُوا يعني المصلين معه فَلْيَكُونُوا في المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم الطّائفة التي لم تصل، أُمرت أن تحرس الطائفة المصلية، وهذا معنى قول ابن عباس. والثاني: أنهم المصلون معه، أُمروا إِذا سجدوا أن ينصرفوا إِلى الحَرَس. واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود، فقال قوم: إِذا أتموا مع الإِمام ركعةً أتموا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم، وقال آخرون: ينصرفون عن ركعةٍ، واختلف هؤلاء، فقال بعضهم: إِذا صلوا مع الإِمام ركعة وسلموا، فهي تجزئهم. وقال آخرون منهم أبو حنيفة: بل ينصرفون عن تلك الركعة إلى الحَرَس وهم على صلاتهم، فيكونوا في وجه العدو مكان الطّائفة التي لم تصل، وتأتي تلك الطائفة. واختلفوا في الطائفة الأخرى، فقال قوم: إِذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائِتة، ثم يسلّم بهم، وقال آخرون: بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم. وقال آخرون: بلى يصلي بالطائفة الثانية ركعة ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ثم تجيء الأولى، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجيء الأخرى، فتتم صلاتها، وهذا مذهب أبي حنيفة «2» .
[سورة النساء (4) : آية 103]
قوله تعالى: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ قال ابن عباس: يريد الذين صلوا أوّلاً. وقال الزجاج: يجوز أن يريد به الذين وجاه العدو، لأن المصلي غير مقاتل، ويجوز أن يكون الجماعة أمروا بحمل السلاح، لأنه أرهب للعدو، وأحرى أن لا يقدموا عليهم. و «الجناح» الإِثم، وهو من: جنحت: إِذا عدلت عن المكان، وأخذت جانبا عن القصد. فالمعنى: أنكم إِذا وضعتم أسلحتكم، لم تعدلوا عن الحق. قوله تعالى: إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ قال ابن عباس: رخّص لهم في وضع الأسلِحة لثقلها على المريض وفي المطر، وقال: وخذوا حذركم كي لا يتغفّلوكم. [سورة النساء (4) : آية 103] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) قوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ يعني صلاة الخوف، وقَضَيْتُمُ بمعنى: فرغتم. قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ في هذا الذِّكر قولان: أحدهما: أنه الذكر لله في غير الصلاة، وهذا قول ابن عباس، والجمهور قالوا: وهو التسبيح، والتكبير، والدعاء، والشكر. والثاني: أنه الصلاة، فيكون المعنى: فصلوا قياماً، فان لم تستطيعوا فقعوداً، فان لم تستطيعوا فعلى جنوبكم، هذا قول ابن مسعود. وفي المراد بالطمأنينة قولان: أحدهما: أنه الرجوع إلى الوطن عن السفر، وهو قول الحسن، ومجاهد وقتادة. والثاني: أنه الأمن بعد الخوف، وهو قول السدي، والزجاج، وأبي سليمان الدمشقي. وفي إِقامة الصلاة قولان: أحدهما: إِتمامها، قاله مجاهد وقتادة والزجاج وابن قتيبة. والثاني: أنه إِقامة ركوعها وسجودها، وما يجب فيها مما قد يترك في حالة الخوف، هذا قول السدي.
[سورة النساء (4) : آية 104]
قوله تعالى: كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً أي: فرضا. وفي «الموقوتا» قولان: أحدهما: أنه بمعنى المفروض، قاله ابن عباس. ومجاهد، والسدي، وابن زيد. والثاني: أنه الموقت في أوقات معلومة، وهو قول ابن مسعود، وقتادة، وزيد بن أسلم، وابن قتيبة. [سورة النساء (4) : آية 104] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) قوله تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ قال أهل التفسير: (357) سبب نزولها: أن النبي عليه السلام أمر أصحابه لما انصرفوا من أُحد أن يسيروا في أثر أبي سفيان وأصحابه، فشكوا ما بِهِم من الجراحات، فنزلت هذه الآية. قال الزجاج: ومعنى «تهنوا» : تضعفوا، يقال: وَهَنَ يهِنُ: إذا ضَعُفَ، وكلُّ ضَعْفٍ فهو وَهْنٌ. وابتغى القوم: طلبهم بالحرب. و «القوم» هاهنا: الكفار إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ أي: توجَعون، فانهم يجدون من الوجع بما ينالهم من الجراح والتعب، كما تجدون، وأنتم مع ذلك ترجون ما لا يرجون. وفي هذا الرجاء قولان: أحدهما: أنه الأمل، قاله مقاتل. قال الزجاج: وهو إِجماع أهل اللغة الموثوق بعلمهم. والثاني: أنه الخوف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الفرّاء: ولم نجد الخوف بمعنى الرجاء إِلا ومعه جحد، فإذا كان كذلك كان الخوف على جهة الرجاء والخوف، وكان الرجاء كذلك، كقوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً «1» وقوله: لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ «2» قال الشاعر: لا ترتجي حين تلاقي الذّائدا ... أسبعةً لاقَتْ معاً أم واحداً «3» وقال الهذلي: إِذا لَسَعَتْه النَّحل لم يَرْجُ لَسْعَها ... وخالفها في بيت نُوْبٍ عَوامِلِ «4» ولا يجوز رجوتك وأنت تريد خفتك، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك. قال الزجاج: وإِنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف، لأنه أمل قد يخاف أن لا يتم، فعلى القول الأول يكون المعنى: ترجون
[سورة النساء (4) : آية 105]
النصر وإِظهار دينكم والجنة. وعلى الثاني: تخافون من عذاب الله ما لا يخافون. [سورة النساء (4) : آية 105] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105) قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (358) أحدها: أن طُعمة بن أبيرق سرق درعاً لقتادة بن النعمان، وكان الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتشر من خرق في الجراب، حتى انتهى إِلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود، فالتمست الدرعَ عند طعمة، فلم توجد عنده، وحلف: ما لي بها علم، فقال أصحابها: بلى والله، لقد دخل علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق، فلما حلف تركوه، واتّبعوا أثر الدّقيق حتى انتهوا إلى منزلي اليهودي فأخذوه، فقال: دفعَها إِليَّ طعمة، فقال قوم طعمة: انطلقوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وليجادل عن صاحبنا فإنه بريء، فأتوه فكلموه في ذلك، فهم أن يفعل، وأن يعاقب اليهودي، فنزلت هذه الآيات كلها. رواه أبو صالح عن ابن عباس. (359) والثاني: أن رجلاً من اليهود، استودع طُعمة بن أبيرق درعاً، فخانها، فلما خاف اطلاعهم عليها، ألقاها في دار أبي مُليل الأنصاري، فجادل قوم طعمة عنه، وأتوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فسألوه أن يبرئه، ويكذّب اليهودي، فنزلت الآيات. هذا قول السدي، ومقاتل. (360) والثالث: أن مشربة «1» رفاعة بن زيدُ نقبت، وأخذ طعامه وسلاحه، فاتهم به بنو أبيرق، وكانوا ثلاثة: بشير، ومبشّر، وبشر، فذهب قتادة بن النعمان إِلى النبيّ عليه السلام فقال: يا رسول الله إِن أهل بيت منّا فيهم جفاء «2» نقبوا مشربة لعمّي رفاعة بن زيد، وأخذوا سلاحه، وطعامه، فقال: أنظرُ في ذلك، فذهب قوم من قوم بني أبيرق إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: إِن قتادة بن النعمان، وعمّه عمدوا إلى
[سورة النساء (4) : آية 106]
أهل بيت منّا يرمونهم بالسرقة وهم أهل بيت إِسلام وصلاح، فقال النبي لقتادة: رميتهم بالسرقة على غير بيّنة! فنزلت هذه الآيات. قاله قتادة بن النعمان. والكتاب: القرآن. والحق: الحكم بالعدل. لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ: أي لتقضي بينهم. وفي قوله تعالى: بِما أَراكَ اللَّهُ قولان «1» : أحدهما: أنه الذي علّمه، والذي علّمه أن لا يقبل دعوى أحد على أحد إِلا ببرهان. والثاني: أنه ما يؤدي إليه اجتهاده، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً قال الزجاج: لا تكن مخاصماً، ولا دافعاً عن خائن. واختلفوا هل خاصم عنه أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه قام خطيباً فعذره. رواه العوفي عن ابن عباس «2» . والثاني: أنه همَّ بذلك، ولم يفعله، قاله سعيد بن جبير، وقتادة «3» . قال القاضي أبو يعلى: وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يخاصم عن غيره في إِثبات حق أو نفيه، وهو غير عالم بحقيقة أمره، لأن الله تعالى عاتب نبيّه على مثل ذلك. [سورة النساء (4) : آية 106] وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ في الذي أُمر بالاستغفار منه قولان «4» : أحدهما: أنه القيام بعذر. والثاني: أنه العزم على ذلك.
[سورة النساء (4) : الآيات 107 إلى 108]
[سورة النساء (4) : الآيات 107 الى 108] وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) قوله تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ أي: يُخوِّنون أنفسهم، فيجعلونها خائنة بارتكاب الخيانة. قال عكرمة: والمراد بهم: طُعمة بن أُبيرق، وقومه الذين جادلوا عنه. (361) وفي حديث العوفي عن ابن عباس قال: انطلق نفرٌ من عشيرةِ طُعمة ليلاً إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: إِن صاحبنا بريء. و «الاستخفاء» : الاستتار، والمعنى: يستترون من الناس لئلاَّ يطّلعوا على خيانتهم وكذبهم، ولا يستترون من الله، وهو معهم بالعلم. وكلُّ ما فُكِّر فيه، أو خيض فيه بليل، فقد بُيّت. وجمهور العلماء على أن المشار إِليه بالاستخفاء والتبييت، قوم طعمة. والذي بيّتوا: احتيالهم في براءة صاحبهم بالكذب. وقال الزجاج: هو السارق نفسه، والذي بيّت أنه قال: أرمي اليهودي بأنّه سارق الدرع، وأحلف أني لم أسرقها، فتقبل يميني، ولا تقبل يمين اليهوديّ. [سورة النساء (4) : آية 109] ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) قوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ قال الزجاج: «ها» للتنبيه، وأعيدت في أوله. والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم. و «المجادلة، والجدال» : شدة المخاصمة، و «الجدل» : شدّة الفتل. والكلام يعود إلى مَن احتج عن السارق. فأما قوله: «عنهم» فانه عائِد إلى السارق. و «عليهم» بمعنى «لهم» . والوكيل: القائم بأمر مَن وكله. فكأنه قال: من الذي يتوكّل لهم منكم في خصومة ربّهم؟! [سورة النساء (4) : آية 110] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ اختلفوا في نزولها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت خطاباً للسارق، وعَرْضاً للتّوبة عليه. رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد، ومقاتل. والثاني: أنها للذين جادلوا عنه من قومه، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنه عنى بها كل مسيء ومُذنب. ذكره أبو سليمان الدمشقي. وإِطلاقُها لا يمنع أن تكون نزلت على سبب. وفي هذا السوء ثلاثة أقوال: أحدها: أنه السرقة. والثاني: الشّرك. والثالث: أنه كل ما يأثم به. وفي هذا الظلم قولان: أحدهما: أنه رمي البريء بالتُّهمة. والثاني: ما دون الشّرك. [سورة النساء (4) : آية 111] وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) قوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً أي: ومن يعمل ذنباً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ يقول: إنّما يعود
[سورة النساء (4) : آية 112]
وباله عليه. قاله مقاتل. وهذه في طُعمة أيضا. [سورة النساء (4) : آية 112] وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (112) قوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً جمهور العلماء على أنها نزلت متعلقة بقصة طُعمة بن أبيرق. (362) وقد روى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن أبيِّ بن سلول إِذ رمى عائشة عليها السلام بالإفك. وفي قوله تعالى: خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً أربعة أقوال «1» : أحدها: أن «الخطيئة» يمين السارق الكاذبة، و «الإِثم» : سرقته الدرع، ورميه اليهودي، قاله ابن السائب. والثاني: أن «الخطيئة» ما يتعلق به من الذنب، و «الإِثم» : قذفه البريء، قاله مقاتل. والثالث: أن «الخطيئة» قد تقع عن عمد، وقد تقع عن خطأ، و «الإثم» : يختصّ العمد. قاله ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. وذكر الزجاج أن الخطيئة نحو قتل الخطأ الذي يرتفع فيه الإِثم. والرابع: أنه لمّا سمى الله عزّ وجلّ بعض المعاصي خطيئة، وبعضها إِثماً، أعلم أن من كسب ما يقع عليه أحد هذين الاسمين، ثم قذف به بريئاً، فقد احتمل بهتانا، ذكره الزجّاج أيضا. فأمّا قوله تعالى: ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً أي: يقذفُ بما جناه بريئاً منه. فإن قيل: الخطيئة والإِثم اثنان، فكيف قال: به، فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أنه أراد: ثم يرم بهما، فاكتفى بإعادة الذكر على الإثم من إِعادته على الخطيئة، كقوله تعالى: انْفَضُّوا إِلَيْها «2» فخصّ التجارة، والمعنى للتجارة واللهو. والثاني: أن الهاء تعودُ على الكسب، فلما دلّ ب «يكسب» على الكسب، كنى عنه. والثالث: أن الهاء راجعة على معنى الخطيئة والإِثم، كأنه قال: ومَن يكسب ذنباً، ثم يرم به. ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري. والرابع: أن الهاء تعود على الإِثم خاصة، قاله ابن جرير الطبري. وفي المراد بالبريء الذي قذفه هذا السارق قولان: أحدهما: أنه كان يهودياً، قاله ابن عباس، وعكرمة، وابن سيرين وقتادة وابن زيد، وسمّاه عكرمة، وقتادة: زيد بن السمين «3» . والثاني: أنه كان مسلماً، روي عن ابن عباس، وقتادة بن النعمان، والسدي، ومقاتل، واختلفوا في ذلك المسلم، فقال
[سورة النساء (4) : آية 113]
الضحاك عن ابن عباس: هو عائشة لما قذفها ابن أبيّ، وقال قتادة بن النعمان: هو لبيد بن سهل، وقال السدي، ومقاتل: هو أبو مُليل الأنصاري. فأما البهتان: فهو الكذب الذي يُحيّر من عِظَمه، يقال: بهت الرجل: إِذا تحيّر. قال ابن السائب: فقد احتمل بهتاناً برميه البريء، وإِثماً مبيناً بيمينه الكاذبة. [سورة النساء (4) : آية 113] وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ في سبب نزولها قولان: أحدهما: أنها متعلقة بقصة طُعمة وقومه، حيث لبَّسُوا على النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر صاحبهم، هذا قول ابن عباس من طريق ابن السائب «1» . (363) والثاني: أنَّ وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: جئناك نبايعك على أن لا نُحشرْ ولا نُعشرْ، وعلى أن تمتّعنا بالعزَّى سنةً، فلم يجبهم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس في رواية الضحاك. وفي المراد بفضل الله ورحمته قولان: أحدهما: النبوّة والعصمة. والثاني: الإِسلام والقرآن، رويا عن ابن عباس. قال مقاتل: لولا فضل الله عليك حيث بيّن لك أمر طعمة وحوّلك بالقرآن عن تصديق الخائِن لهمّت طائفة منهم أن يُضِلُّوك. قال الفرّاء: والمعنى لقد همّت. فإن قيل: كيف قال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ وقد همت باضلاله؟ فالجواب: أنه لولا فضل الله، لظهر تأثير ما همّوا به. فأما الطائفة، فعلى رواية ابن السائب عن ابن عباس: قوم طعمة، وعلى رواية الضحاك: وفد ثقيف. وفي الإِضلال قولان «2» : أحدهما: التخطئة في الحكم: والثاني: الاستزلال عن الحقّ. قال
[سورة النساء (4) : آية 114]
الزجاج: وما يضلُّون إِلا أنفسهم، لأنهم يعملون عمل الضّالين، فيرجع الضلال إِليهم. فأما «الكتاب» ، فهو القرآن. وفي «الحكمة» ثلاثة أقوال: أحدها: القضاء بالوحي، قالَه ابن عباس. والثاني: الحلال والحرام، قاله مقاتل. والثالث: بيانُ ما في الكتاب، وإِلهام الصواب، وإِلقاء صحة الجواب في الرّوع، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي قوله تعالى: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الشرع، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أخبار الأولين والآخرين، قاله أبو سليمان. والثالث: الكتاب والحكمة، ذكره الماوردي. وفي قوله تعالى: وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ثلاثة اقوال: أحدها: أنه المنة بالإِيمان. والثاني: المنّة بالنبوّة، هذان عن ابن عباس. والثالث: أنه عامّ في جميع الفضل الذي خصّه الله به، قاله أبو سليمان. [سورة النساء (4) : آية 114] لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) قوله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ قال ابن عباس: هُم قومُ طعمة، وقال مقاتل: وكلهم يهود تناجوا في أمر طعمة، وقال مجاهد: هو عام في نجوى جميع الناس. قال الزجاج: ومعنى النجوى: ما تنفردُ به الجماعة أو الاثنان، سِرَّاً كان أو ظاهراً. ومعنى «نجوت الشيء» في اللغة. خلّصته وألقيته، يقال: نجوت الجلد: إِذا ألقيته عن البعير وغيره. قال الشاعر: فقلتُ انجُوَا عنها نجا الجلد إِنّه ... سيرُضيكما منها سَنَامٌ وغارِبُهُ «1» وقد نجوت فلاناً: إِذا استنكهته، قال الشاعر: نجوتُ مجالداً فوجدتُ منه ... كريحِ الكلب مات قديمَ عهد «2» وأصله كله من النَّجوة، وهو ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر يصف سيلاً: فَمَنْ بنجوَته كَمَن بعَقوَته ... والمُسْتكنُّ كَمَن يمشي بقِرْواح «3» والمراد بنجواهم: ما يدبِّرونه بينهم من الكلام. فأما قوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ فيجوز أن يكون بمعنى: إِلا في نجوى من أمر بصدقة، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول، فيكون بمعنى: لكن من أمر بصدقةٍ، ففي نجواهم خير. وأمّا قوله تعالى: أَمَرَ بِصَدَقَةٍ فالمعنى: حثّ عليها. وأما المعروف، ففيه قولان: أحدهما: أنه الفرض، روي عن ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنه عام في جميع أفعال البرّ، وهو
[سورة النساء (4) : آية 115]
اختيار القاضي أبي يعلى، وأبي سليمان الدمشقي. [سورة النساء (4) : آية 115] وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115) قوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ في سبب نزولها قولان: (364) أحدهما: أنه لما نزل القرآن بتكذيب طُعمة، وبيان ظلمه، وخاف على نفسه من القطع والفضيحة، هرب إِلى مكة، فلحق بأهل الشرك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، والسدي. (365) وقال مقاتل: لما قدم مكة نزل على الحجاج بن علاط السُلمي فأحسن نزله، فبلغه أن في بيته ذهباً، فخرج في الليل فنقب حائط البيت، فعلموا به فأحاطوا بالبيت، فلما رأوه، أرادوا أن يرجموه، فاستحيا الحجاج، لأنه ضيفه، فتركوه، فخرج، فلحق بحرّة بني سليم يعبُد صنمهم حتى مات على الشرك، فنزل فيه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. وقال غيره: بل خرج مع تجارٍ فسرق منهم شيئاً، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقيل: ركب سفينةً، فسرق فيها مالاً، فعُلِمَ به، فألقي في البحر. والقول الثاني: أن قوماً قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلموا، ثم ارتدُّوا، فنزلت فيهم هذه الآية، روي عن ابن عباس. ومعنى الآية: ومَن يخالف الرسول في التوحيد، والحدود، مِن بعد ما تبيّن له التوحيد والحكم، ويتبع غير دين المسلمين، نولِّه ما تولى، أي: نكله إِلى ما اختار لنفسه، ونصله جهنم: ندخله إِياها. قال ابن فارس: تقول صليت اللحم أصليه: إِذا شويته، فإن أردت أنك أحرقته، قلت: أصليته. وساءت مصيراً، أي: مرجعاً يصار إليه «1» .
[سورة النساء (4) : آية 116]
[سورة النساء (4) : آية 116] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ في سبب نزولها قولان: أحدهما: أنها نزلت في حق طعمة بن أبيرق لما هرب من مكة، ومات على الشرك، وهذا قول الجمهور، منهم سعيد بن جبير. (366) والثاني: أن شيخاً من الأعراب جاء إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إني مُنهَمك في الذنوب، إِلا أني لم أشرك بالله منذ عرفته، وإني لنادمٌ مستغفرٌ، فما حالي؟ فنزلت هذه الآية، روي عن ابن عباس. فأما تفسيرها، فقد تقدم. [سورة النساء (4) : الآيات 117 الى 118] إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) قوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً، «إن» بمعنى: «ما» ويَدْعُونَ بمعنى: يعبدون. والهاء في دُونِهِ ترجع إلى الله عزّ وجلّ. والقراءة المشهورة إِناثاً. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: «إِلا وَثَناً» ، بفتح الواو، والثاء من غير ألف. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين: «أُنُثاً» ، برفع الهمزة والنون من غير ألف. وقرأ أبو العالية، ومعاذ القارئ، وأبو نُهيك: (أناثاً) ، برفع الهمزة وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو هريرة، والحسن، والجوني: «إِلا أنثى» ، على وزن «فعلى» . وقرأ أيوب السختياني: «إِلا وُثنا» ، برفع الواو والثاء من غير ألف. وقرأ مورّق العجلي: (أُثُناً) ، برفع الهمزة والثاء من غير ألف. قال الزجاج: فمن قال: إِناثاً، فهو جمع أنثى وإِناث، ومَن قال: أنثاً، فهو جمع إِناث، ومن قال: أُثنا، فهو جمع وثن، والأصل: وُثنٌ، إِلا أن الواو إِذا انضمّت جاز إِبدالها همزة، كقوله تعالى: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ «1» الأصل: وقتت. وجائز أن يكون أُثُن أصلها: أُثْن، فأتبعت الضمّةُ الضمةَ، وجائِز أن يكون أثن، مثل أسد وأسد.
[سورة النساء (4) : آية 119]
فأما المفسرون، فلهم في معنى الإِناث أربعة أقوال «1» : أحدها: أن الإِناث بمعنى الأموات، قاله ابن عباس: والحسن في رواية، وقتادة. وقال الحسن: كل شيء لا روح فيه، كالحجر، والخشبة، فهو إِناث. قال الزجاج: والموات كلها يخبر عنها، كما يخبر عن المؤنّث، تقول من ذلك: الأحجار تعجبني، والدراهم تنفعني. والثاني: أن الإِناث. الأوثان، وهو قول عائشة، ومجاهد. والثالث: أن الإِناث اللاّت والعُزّى ومناة، كلهن مؤنّث، وهذا قول أبي مالك، وابن زيد والسدي. وروى أبو رجاء عن الحسن قال: لم يكن حيٌ من أحياء العرب إِلاّ ولهم صنم يسمّونه: أُنثى بني فلان، فنزلت هذه الآية. قال الزجاج: والمعنى: ما يدعون إِلا ما يُسمّونه باسم الإِناث. والرابع: أنها الملائكة كانوا يزعمون أنها بناتُ الله، قاله الضحاك. وفي المراد بالشيطان ثلاثة أقوال: أحدها: شيطانٌ يكون في الصنم. قال ابن عباس: في كل صنم شيطان يتراءى للسدنة فيكلمهم. وقال أبيُّ بن كعب: مع كل صنم جنيّة. والثاني: أنه إِبليس، وعبادته: طاعته فيما سوّل لهم، هذا قول مقاتل، والزجاج. والثالث: أنه أصنامهم التي عبدوا، ذكره الماوردي. فأما «المريد» فقال الزجاج: «المريد» : المارد، وهو الخارج عن الطاعة، ومعناه: أنه قد مرد في الشّر، يقال: مرد الرجل يمرُد مُروداً: إِذا عتا، وخرج عن الطاعة. وتأويل المرود: أن يبلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف، وأصله في اللغة: املساس الشيء، ومنه قيل للانسان: أمرد: إِذا لم يكن في وجهه شعر، وكذلك يقال: شجرة مرداء: إِذا تناثر ورقها، وصخرة مرداء: إذا كانت ملساء. وفي قوله تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُ قولان: أحدهما: أنه ابتداء دعاء عليه باللعن، وهو قول من قال: هو الأوثان. والثاني: أنه إِخبار عن لعن متقدم، وهو قول من قال: هو إِبليس. قال ابن جرير: المعنى: قد لعنه الله. قال ابن عباس: معنى الكلام: دحره الله، وأخرجه من الجنة. وَقالَ يعني إِبليس: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً. قال ابن قتيبة: أي حظاً افترضته لنفسي منهم، فأضلّهم. وقال مقاتل: النّصيب المفروض في اللغة: القطع أنَّ مِنْ كل ألفٍ إنسانٌ واحد في الجنة، وسائِرهم في النار. قال الزجاج: «الفرض» في اللغة: القطع، و «الفُرضة» : الثلمة تكون في النهر. و «الفرض» في القوس: الحز الذي يشد فيه الوتر، والفرض فيما ألزمه الله العباد: جعله حتما عليهم قاطعا. [سورة النساء (4) : آية 119] وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119)
قوله تعالى: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ قال ابن عباس: عن سبيل الهدى، وقال غيره: ليس له من الضلال سوى الدّعاء إليه. وفي قوله تعالى: وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ أربعة أقوال: أحدها: أنه الكذب الذي يخبرهم به، قال ابن عباس: يقول لهم: لا جنة، ولا نار، ولا بعث. والثاني: أنه التسويف بالتوبة، روي عن ابن عباس. والثالث: أنه إيهامُهم أنهم سينالون من الآخرة حظاً، قاله الزجاج. والرابع: أنه تزيين الأماني لهم، قاله أبو سليمان. قوله تعالى: فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ قال قتادة، وعكرمة، والسدي: هو شق أذن البَحيرة، قال الزجاج: ومعنى «يبتكن» يُشقّقن، يقال: بتكت الشيء أبتكه بتكاً: إِذا قطعته، وَبتَكه وبَتَك، مثل قطعه وقطع. وهذا في البحيرة كانت الجاهلية إِذا ولدت الناقة خمسة أبطن، وكان الخامس ذكراً، شقّوا أذن الناقة، وامتنعوا من الانتفاع بها، ولم تُطردْ عن ماءٍ، ولا مرعى، وإِذا لقيها المعيي، لم يركبها. سوّل لهم إِبليس أن هذا قربةٌ إِلى الله تعالى. وفي المراد بتغيير خلق الله خمسة أقوال «1» : أحدها: أنه تغيير دين الله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن في رواية، وسعيد بن المسيّب وابن جبير والنخعي والضحاك والسدي وابن زيد ومقاتل. وقيل: معنى تغيير الدّين: تحليل الحرام وتحريم الحلال. والثاني: أنه تغيير الخلق بالخصاء، رواه عكرمة عن ابن عباس، وهو مرويٌ عن أنس بن مالك، وعن مجاهد وقتادة وعكرمة، كالقولين. والثالث: أنه التغيير بالوشم، وهو قول ابن مسعود، والحسن في رواية. والرابع: أنه تغيير أمر الله، رواه أبو شيبة عن عطاء. والخامس: أنه عبادة الشمس والقمر والحجارة، وتحريم ما حرّموا من الأنعام، وإِنما خلق ذلك للانتفاع به، قاله الزجاج. قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ في المراد بالولي قولان: أحدهما: أنه بمعنى الرب، قاله مقاتل. والثاني: من الموالاة، قاله أبو سليمان الدمشقي. فان قال قائل: من أين لإِبليس العلم بالعواقب حتى قال: ولأضلنّهم. وقال في سورة الأعراف وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ «2» . وقال في سورة بني إِسرائيل لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا «3» ، فعنه ثلاثة أجوبة. أحدها: أنه ظن ذلك، فتحقّق ظنه، وذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ «4» قاله الحسن، وابن زيد. وفي سبب ذلك الظن قولان: أحدهما: أنه لما قال الله تعالى له:
[سورة النساء (4) : الآيات 120 إلى 122]
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ «1» علم أنه ينال ما يريد. والثاني: أنه لما استزلَّ آدم، قال: ذرّية هذا أضعف منه. والثاني: أن المعنى: لأحرضنّ ولأجتهدنّ في ذلك، لا انه كان يعلم الغيب، قاله ابن الأنباري. والثالث: أن من الجائِز أن يكون علم من جهة الملائكة بخبر من الله تعالى أن أكثر الخلق لا يشكرون، ذكره الماوردي. فان قيل: فلم اقتصر على بعضهم؟ فقال: نَصِيباً مَفْرُوضاً «2» وقال: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ وقال: إِلَّا قَلِيلًا فعنه ثلاثة أجوبة. أحدها: أنه يجوز أن يكون علم مآل الخلق من جهة الملائكة، كما بينّا. والثاني: أنه لما لم ينلْ من آدم كل ما يريد، طمع في بعض أولاده، وأيس من بعض. والثالث: انه لما عاين الجنّة والنار، علم أنهما خلقتا لمن يسكنهما، فأشار بالنصيب المفروض إلى ساكني النار. [سورة النساء (4) : الآيات 120 الى 122] يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (120) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122) قوله تعالى: يَعِدُهُمْ يعني: الشيطان يعد أولياءه. وفيما يعدهم به قولان: أحدهما: أنه لا بعث لهم، قاله مقاتل. والثاني: النصرة لهم، ذكره أبو سليمان الدمشقي، وفيما يُمنِّيهم قولان: أحدهما: الغرور والأماني، مثل أن يقول: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا مرادك: والثاني: الظفر بأولياء الله. قوله تعالى: وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً أي: باطلاً يغرُّهم به. فأما المحيص، فقال الزجاج: هو المعدِل والملجأ، يقال: حِصتُ عن الرجل أحيص، ورووا: جضتُ أجيض بالجيم والضاد، بمعنى: حصت، ولا يجوز ذلك في القرآن، وإِن كان المعنى واحداً، لأن القراءة سنّة، والذي في القرآن أفصحُ مما يجوز، ويقال: حُصتُ أحوص حوصاً وحياصة: إِذا خطت، قال الأصمعي: يقال: حصْ عين صقرك، أي: خط عينه، والحوصُ في العين: ضيق مؤخرها، ويقال: وقع في حيصَ بيصَ، وحاص باص: إِذا وقع فيما لا يقدر على التخلص منه. [سورة النساء (4) : آية 123] لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (123) قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (367) أحدها: أن أهل الأديان اختصموا، فقال أهل التّوراة: كتابنا خير الكتاب، ونبيّنا خير
الأنبياء، وقال أهل الإِنجيل مثل ذلك، وقال المسلمون: كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم الأنبياء، فنزلت هذه الآية، ثم خيّر بين الأديان بقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ. رواه العوفي عن ابن عباس، وإِلى هذا المعنى ذهب مسروق وأبو صالح وقتادة والسدي. (368) والثاني: أن العرب قالت: لا نُبعثُ، ولا نعذبُ، ولا نحاسب، فنزلت هذه الآية، هذا قول مجاهد. (369) والثالث: أن اليهود والنصارى قالوا: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: لا نُبعث، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة. قال الزجاج: اسم «ليس» مضمر، والمعنى: ليس ثواب الله عز وجل بأمانيكم، وقد جرى ما يدل على الثواب، وهو قوله تعالى: سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. وفي المشار إليهم بقوله «أمانيكم» قولان «1» : أحدهما: أنهم المسلمون على قول الأكثرين. والثاني: المشركون على قول مجاهد. فأما أماني المسلمين، فما نقل من قولهم: كتابنا ناسخ للكتب، ونبينا خاتم الأنبياء، وأماني المشركين قولهم: لا نبعث، وأماني أهل الكتاب قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإِن النار لا تمسُّنا إِلا أياماً معدودة، وأنّ كتابنا خير الكتاب، ونبيّنا خير الأنبياء، فأخبر الله عزّ وجلّ أن دخول الجنة والجزاء، بالأعمال لا بالأماني. وفي المراد «بالسوء» قولان «2» : أحدهما: أنه المعاصي.
[سورة النساء (4) : آية 124]
(370) ومنه حديث أبي بكر الصديق أنه قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فإذا عملنا سوءاً جُزينا به، فقال: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء «1» ؟ فذلك ما تُجزَون به. والثاني: أنه الشرك، قاله ابن عباس، ويحيى بن أبي كثير. وفي هذا الجزاء قولان: أحدهما: أنه عام في كل من عمل سوءاً فإنه يجازى به، وهو معنى قول أُبيِّ بن كعب، وعائشة، واختاره ابن جرير، واستدل عليه بحديث أبي بكر الذي قدمناه. والثاني: أنه خاص في الكفار يجازَوْن بكل ما فعلوا، فأما المؤمن فلا يجازى بكل ما جنى، قاله الحسن البصري. وقال ابن زيد: وعد الله المؤمنين أن يكفّر عنهم سيئاتهم، ولم يَعِد المشركين. قوله تعالى: وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا قال أبو سليمان: لا يجد مَن أراد الله أن يجزيه بشيءٍ من عمله ولياً، وهو القريب، ولا ناصراً يمنعه من عذاب الله وجزائِه. [سورة النساء (4) : آية 124] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)
[سورة النساء (4) : آية 125]
قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ. (371) قال مسروق: لما نزلت لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء، فنزلت وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ، وهذه تدل على ارتباط الإِيمان بالعمل الصالح، فلا يقبل أحدهما إِلاّ بوجود الآخر، وقد سبق ذكر «النّقير» . [سورة النساء (4) : آية 125] وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (125) قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ قال ابن عباس: خيّر الله بين الأديان بهذه الآية. وأَسْلَمَ بمعنى: أخلص. وفي «الوجه» قولان: أحدهما: أنه الدين. والثاني: العمل. وفي الإحسان قولان: أحدهما: أنه التوحيد، قاله ابن عباس. والثاني: القيام لله بما فرض الله، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي اتِّباع ملة إِبراهيم قولان: أحدهما: اتباعه على التوحيد والطاعة. والثاني: اتباع شريعته، اختاره القاضي أبو يعلى. فأما الخليل، فقال ابن عباس: الخليل الصفي، وقال غيره: المصافي، وقال الزجاج: هو المُحبُّ الذي ليس في محبّته خلل. قال: وقيل: الخليل: الفقير، فجائِز أن يكون إبراهيم سُمّي خليل الله بأنه أحبّه محبةً كاملةً، وجائِز أن يكون لأنه لم يجعل فقرَه وفاقته إِلاّ إِليه، و «الخُلّة» : الصداقة، لأن كلَّ واحد يسدُّ خلل صاحبه، و «الخَلة» بفتح الخاء: الحاجة: سُميت خَلَّة للاختلال الذي يلحق الانسان فيما يحتاج إِليه، وسمي الخَلّ الذي يؤكل خلاً، لأنه اختلّ منه طعم الحلاوة. وقال ابن الأنباري: الخليل: فعيل من الخُلة، والخلّة: المودّة. وقال بعض أهل اللغة: الخليل، المحب، والمحب الذي ليس في محبته نقص ولا خلل، والمعنى: أنه كان يحبُ الله، ويحبهُ الله محبة لا نقص فيها، ولا خلل، ويقال: الخليل: الفقير، فالمعنى: اتّخذه فقيرا ينزل فقره وفاقته به، لا بغيره. وفي سبب اتخاذ الله له خليلاً ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اتخذه خليلاً لإِطعامه الطعام. (372) روى عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «يا جبريل، لم اتخذ الله إِبراهيم خليلا؟ قال: لإِطعامه الطعام» . (373) والثاني: أن الناس أصابتهم سنَة فأقبلوا إِلى باب إِبراهيم يطلبون الطعام، وكانت له مِيرَة من صديق له بمصر في كل سنة، فبعث غلمانه بالإِبل إِلى صديقه، فلم يعطهم شيئا، فقالوا: لو احتملنا
[سورة النساء (4) : آية 126]
من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فملؤوا الغرائِر» رملاً، ثم أتوا إِبراهيم عليه السلام، فأعلموه، فاهتم إِبراهيم لأجل الخلق. فنامَ وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان، ففتحت الغرائر، فاذا دقيق حُواري، فأمرت الخبازين فخبزوا، وأطعموا الناس، فاستيقظ إِبراهيم، فقال: من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله عزّ وجلّ، فيومئذٍ اتخذه الله خليلا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنه اتخذه خليلاً لكسره الأصنام، وجداله قومه، قاله مقاتل. [سورة النساء (4) : آية 126] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126) قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً أي: أحاط علمه بكل شيء. [سورة النساء (4) : آية 127] وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127) قوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ في سبب نزولها خمسة أقوال: (374) أحدها: أنهم كانوا في الجاهلية لا يورِّثون النساء والأطفال، فلما فرض الله المواريث في هذه السورة، شق ذلك عليهم، فسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد. (375) والثاني: أن ولي اليتيمة كان يتزوّجها إِذا كانت جميلةً وهَوِيَها، فيأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال حتى تموت، فاذا ماتت ورثها، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (376) والثالث: أنهم كانوا لا يؤتون النساء صَدُقَاتِهِنَّ، ويتملَّك ذلك أولياؤهنّ، فلما نزل قوله
تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول عائشة عليها السلام. (377) والرابع: أن رجلاً كانت له امرأة كبيرة، وله منها أولاد، فأراد طلاقها، فقالت: لا تفعل، واقسم لي في كل شهر إِن شئت أو أكثر فقال: لئن كان هذا يصلحُ، فهو أحبُ إِليّ، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فذكر له ذلك، فقال: «قد سمع الله ما تقول، فإن شاء أجابك» ، فنزلت هذه الآية، والتي بعدها، رواه سالم الأفطس عن سعيد بن جبير. والخامس: أن ولي اليتيمة كان إِذا رغب في مالها وجمالها لم يبسط لها في صداقها، فنزلت هذه الآية، ونهوا أن ينكحوهنّ، أو يبلغوا بهنّ سنتهن من الصداق، ذكره القاضي أبو يعلى. وقوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ أي: يطلبون منك الفتوى، وهي تبيين المشكل من الأحكام. وقيل: الاستفتاء: الاستخبار. قال المفسّرون: والذي اسْتَفْتَوه فيه، ميراث النساء، وذلك أنهم قالوا: كيف ترث المرأة والصبي الصغير؟ قوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ قال الزجاج: موضع «ما» رفع، المعنى: الله يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب أيضا يفتيكم فيهنّ. وهو قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ الآية. والذي تلي عليهم في التزويج قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ «1» . وفي يتامى النساء قولان: أحدهما: أنهنّ النساء اليتامى، فأضيفت الصّفة إِلى الاسم، كما تقول: يوم الجمعة. والثاني: أنهن أمهات اليتامى، فأضيف إِليهن أولادهن اليتامى. وفي الذي كتب لهن قولان: أحدهما: أنه الميراث، قاله ابن عباس، ومجاهد في آخرين. والثاني: أنه الصداق. ثم في المخاطب بهذا قولان: أحدهما: أنهم أولياء المرأة كانوا يحوزون صداقها دونها. والثاني: ولي اليتيمة، كان إِذا تزوجها لم يعدل في صداقها. وفي قوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ قولان: أحدهما: وترغبون في نكاحهن رغبة في جمالهن، وأموالهن، هذا قول عائشة، وعبَيدة. والثاني: وترغبون عن نكاحِهن لقبحهنّ، فتمسكوهن رغبة في أموالهن، وهذا قول الحسن. قوله تعالى: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ قال الزجاج: موضع «المستضعفين» خفض على قوله تعالى: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ المعنى: وفي الولدان. قال ابن عباس: يريد أنهم لم يكونوا يورّثون صغيراً من الغلمان والجواري، فنهاهم الله عن ذلك، وبيّن لكلّ ذي سهم
[سورة النساء (4) : آية 128]
سهمه. قوله تعالى: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ قال الزجاج: موضع «أن» خفض، فالمعنى: في يتامى النساء، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. قال ابن عباس: يريد العدل في مهورهن ومواريثهنّ. [سورة النساء (4) : آية 128] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128) قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (378) أحدها: أن سودة خشيت أن يطلّقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. (379) والثاني: أن بنت محمد بن مسلمة كانت تحت رافع بن خديج، فكره منها أمراً، إِما كِبَراً، وإِما غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني، واقسم لي ما شئت، فنزلت هذه الآية، رواه الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب، وقال مقاتل: واسمها خويلة «1» . والثالث: قد ذكرناه عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في نزول الآية التي قبلها. (380) وقالت عائشة: نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فلا يستكثر منها، ويريد فراقها، ولعلها تكون له محبة أو يكون لها ولد فتكره فراقه، فتقول له: لا تطلقني وأمسكني، وأنت في حل من شأني. رواه البخاري، ومسلم. وفي خوف النشوز قولان: أحدهما: أنه العلم به عند ظهوره. والثاني: الحذر من وجوده لأماراته. قال الزجاج: والنشوز من بعل المرأة: أن يُسيء عشرتها، وأن يمنعها نفسه ونفقته. وقال أبو
[سورة النساء (4) : آية 129]
سليمان: نشوزاً، أي: نبواً عنها إِلى غيرها، أو إعراضا عنها، واشتغالاً بغيرها. فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «يصّالحا» بفتح الياء والتشديد. والأصل: «يتصالحا» ، فأدغمت التاء في الصاد. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «يُصلحا» بضم الياء والتخفيف. قال المفسرون: والمعنى: أن يوقعا بينهما أمرا يرضيان به، وتدوم بينهما الصحبة، مثل أن تصبر على تفضيله. وروي عن علي، وابن عباس: أنهما أجازا لهما أن يصطلحا على ترك بعض مهرها، أو بعض أيامها، بأن يجعله لغيرها. وفي قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ قولان «1» : أحدهما: خير من الفرقة، قاله مقاتل، والزجاج. والثاني: خيرٌ من النشوز والإِعراض، ذكره الماوردي. قال قتادة: متى ما رضيت بدون ما كان لها، واصطلحا عليه، جاز، فان أبتْ لم يصلح أن يحبسها على الخسف. قوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ «أحضرت» بمعنى: ألزمت. و «الشّح» : الإِفراط في الحرص على الشيء. وقال ابن فارس: «الشح» : البخل مع الحرص، وتشاح الرجلان على الأمر: لا يريدان أن يفوتهما، وفيمن يعود إِليه هذا الشح من الزوجين قولان: أحدهما: المرأة، فتقديره: وأحضرت نفس المرأة الشح بحقها من زوجها، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير. والثاني: الزوجان جميعاً، فالمرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح عليها بنفسه إِذا كان غيرُها أحبَّ إِليه، هذا قول الزجاج. وقال ابن زيد: لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئاً فتحلله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئاً من مالها، فتعطّفه عليها. قوله تعالى: وَإِنْ تُحْسِنُوا فيه قولان: أحدهما: بالصّبر على التي يكرها. والثاني: بالإِحسان إِليها في عشرتها. قوله تعالى: وَتَتَّقُوا يعني الجور عليها فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فيجازيكم عليه. [سورة النساء (4) : آية 129] وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ قال أهل التفسير: لن تطيقوا أن تسوّوا بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع، لأن ذلك ليس من كسبكم وَلَوْ حَرَصْتُمْ على ذلك فَلا تَمِيلُوا إِلى التي تحبون في النفقة والقسم. وقال مجاهد: لا تتعمّدوا الإِساءة فتذروا الأخرى كالمعلقة قال ابن عباس: المعلقة: التي لا هي أيِّم، ولا ذات بعل. وقال قتادة: المعلقة: المسجونة. قوله تعالى: وَإِنْ تُصْلِحُوا أي: بالعدل في القسمة وَتَتَّقُوا الجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لميل القلوب.
[سورة النساء (4) : الآيات 130 إلى 132]
[سورة النساء (4) : الآيات 130 الى 132] وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (132) قوله تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يقول: وإِن أبت المرأة أن تسمح لزوجها بإيثار التي يميل إِليها، واختارت الفرقة، فإن الله يغني كلَّ واحد من سعته. قال ابن السائِب: يغني المرأة برجل، والرجل بامرأة. ثم ذكر ما يوجبُ الرغبة إِليه في طلب الخير، فقال: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني: أهل التوراة، والإِنجيل، وسائر الكتاب وَإِيَّاكُمْ يا أهل القرآن أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ قيل: وحّدوه وَإِنْ تَكْفُرُوا بما أوصاكم به فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فلا يضرّه خلافكم. وقيل: له ما في السماوات، وما في الأرض من الملائكة، فهم أطوع له منكم. وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى «الغني الحميد» «1» ، وفي آل عمران معنى «الوكيل» «2» . [سورة النساء (4) : آية 133] إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133) قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ قال ابن عباس: يريد المشركين والمنافقين وَيَأْتِ بِآخَرِينَ أطوع له منكم. وقال أبو سليمان: هذا تهدّد للكفار، يقول: إِن يشأ يهلككم كما أهلك مَن قبلكم إِذ كفروا به، وكذّبوا رسله. [سورة النساء (4) : آية 134] مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134) قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا قيل: إِن هذه الآية نزلت من أجل المنافقين كانوا لا يصدِّقون بالقيامة، وإِنما يطلبون عاجل الدنيا، ذكره أبو سليمان. وقال الزجاج: كان مشركو العرب يتقربون إِلى الله ليعطيهم من خير الدنيا، ويصرف عنهم شرّها، ولا يؤمنون بالبعث، فأعلم الله عزَّ وجلَّ أن خير الدنيا والآخرة عنده. وذكر الماوردي أن المراد بثواب الدنيا: الغنيمة في الجهاد، وثواب الآخرة: الجنة. قال: والمراد بالآية: حث المجاهد على قصد ثواب الله. [سورة النساء (4) : آية 135] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ في سبب نزولها قولان:
(381) أحدهما: أن فقيراً وغنياً اختصما إِلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فكان صَغْوُه «1» مع الفقير يرى أن الفقير لا يَظلم الغني، فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي. والثاني: أنها متعلقة بقصّة ابن أُبيرق، فهي خطاب للذين جادلوا عنه، ذكره أبو سليمان الدمشقي «2» . و «القوّام» : مبالغة مِن قائِم. و «القسط» : العدل. قال ابن عباس: كونوا قوّالين بالعدل في الشهادة على من كانت، ولو على أنفسكم. وقال الزجاج: معنى الكلام: قوموا بالعدل، واشهدوا لله بالحق، وإِن كان الحق على الشاهد، أو على والديه، أو قريبه «3» ، إِنْ يَكُنْ المشهود له غَنِيًّا فالله أولى به، وإِن يكن فقيراً فالله أولى به. فأما الشهادة على النفس، فهي إِقرار الإِنسان بما عليه من حق. وقد أمرت الآية بأن لا ينظر إِلى فقر المشهود عليه، ولا إِلى غناه، فإن الله تعالى أولى بالنظر إِليهما. قال عطاء: لا تحيفوا على الفقير، ولا تعظموا الغني، فتمسكوا عن القول فيه. وممن قال: إِن الآية نزلت في الشهادات، ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، والزّهريّ، وقتادة، والضحاك. قوله تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا فيه أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: فلا تتبعوا الهوى، واتقوا الله أن تعدِلوا عن الحق، قاله مقاتل. والثاني: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، قاله الزجاج. والثالث: فلا تتبعوا الهوى كراهية أن تعدلوا عن الحق. والرابع: فلا تتبعوا الهوى فتعدلوا، ذكرهما الماوردي. قوله
[سورة النساء (4) : آية 136]
تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، والكسائي، تلووا، بواوين، الأولى مضمومة، واللام ساكنة. وفي معنى هذه القراءة ثلاثة أقوال: أحدها: أن يلوي الشاهد لسانه بالشهادة إِلى غير الحق. قال ابن عباس: يلوي لسانه بغير الحق، ولا يقيم الشهادة على وجهها، أو يعرض عنها ويتركها. وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد. والثاني: أن يلوي الحاكم وجهه إِلى بعض الخصوم، أو يُعرِضَ عن بعضهم، روي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أن يلوي الإِنسان عنقه إِعراضاً عن أمر الله لكبره وعتوِّه. ويكون: «أو تعرضوا» بمعنى: وتعرضوا، ذكره الماوردي. وقرأ الأعمش، وحمزة، وابن عامر: «تلوا» بواو واحدة، واللاّم مضمومة. والمعنى: أن تلوا أمور الناس، أو تتركوا، فيكون الخطاب للحكّام. [سورة النساء (4) : آية 136] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ في سبب نزولها قولان: (382) أحدهما: أن عبد الله بن سلام، وأسداً، وأُسيداً ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلاماً، وسلمة، ويامين. وهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا رسول الله نؤمن بك، وبكتابك، وبموسى، والتوراة، وعزير، ونكفر بما سوى ذلك من الكتاب والرسل، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن مؤمني أهل الكتاب كان بينهم وبين اليهود كلام لما أسلموا، فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل «1» . وفي المشار إليهم بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنهم المسلمون، قاله الحسن، فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا بمحمد والقرآن اثبتوا على إِيمانكم. والثاني: اليهود والنصارى، قاله الضحاك، فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى، والتوراة، وبعيسى، والإِنجيل: آمنوا بمحمد والقرآن. والثالث: المنافقون، قاله مجاهد، فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا في الظّاهر بألسنتهم، آمنوا بقلوبكم.
[سورة النساء (4) : آية 137]
قوله تعالى: وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «نزِّل على رسوله، والكتاب الذي أُنزل من قبل» مضمومتين. وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: نَزَلَ على رسوله، والكتاب الذي أنْزَلَ مفتوحتين. والمراد بالكتاب: الذي نزل على رسوله القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل: كل كتاب أنزل قبل القرآن، فيكون «الكتاب» ها هنا اسم جنس. [سورة النساء (4) : آية 137] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنها في اليهود آمنوا بموسى، ثم كفروا بعد موسى، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمّد عليه السلام، هذا قول ابن عباس. وروي عن قتادة قال: آمنوا بموسى، ثم كفروا بعبادة العجل، ثم آمنوا به بعد عوده، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد. والثاني: أنها في اليهود والنصارى، آمن اليهود بالتوراة، وكفروا بالإِنجيل، وآمن النصارى بالإِنجيل. ثم تركوه فكفروا به، ثم ازدادوا كفراً بالقرآن وبمحمد، رواه شيبان عن قتادة. وروي عن الحسن قال: هم قوم من أهل الكتاب، قصدوا تشكيك المؤمنين، فكانوا يظهرون الإيمان ثم الكفر، ثم ازدادوا كفراً بثبوتهم على دينهم. وقال مقاتل: آمنوا بالتوراة وموسى، ثم كفروا من بعد موسى، ثم آمنوا بعيسى والإِنجيل، ثم كفروا من بعده، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن. والثالث: أنها في المنافقين آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ماتوا على كفرهم، قاله مجاهد. وروى ابن جريج عن مجاهد ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال: ثبتوا عليه حتى ماتوا. قال ابن عباس: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ما أقاموا على ذلك وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين. قال: وإِنما علق امتناع المغفرة بكفر بعد كفر، لأن المؤمن بعد الكفر يُغفرُ له كفره، فإذا ارتدّ طولب بالكفر الأوّل «2» .
[سورة النساء (4) : آية 138]
[سورة النساء (4) : آية 138] بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) قوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ زعم مقاتل أنه لما نزلت المغفرة في سورة الفتح للنبي والمؤمنين قال عبد الله بن أُبيّ ونفر معه: فما لنا؟ فنزلت هذه الآية «1» . وقال غيره: كان المنافقون يتولَّون اليهود، فأُلحِقوا بهم في التبشير بالعذاب. وقال الزجاج: معنى الآية: اجعل موضع بشارتهم العذاب. والعرب تقول: تحيتك الضَّربُ، أي: هذا بدلٌ لك من التحيّة. قال الشاعر: وخيلٍ قد دلفتُ لها بخيل ... تحيّة بينهم ضرب وجيع «2» [سورة النساء (4) : آية 139] الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139) قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ قال ابن عباس: يتخذون اليهود أولياء في العون والنُّصرة. قوله تعالى: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ أي: القوة بالظهور على محمد وأصحابه، والمعنى: أيتقون بهم؟ قال مقاتل: وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب على قتال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وقال الزجاج: أيبتغي المنافقون عند الكافرين العزة. و «العزَّة» : المنعة، وشدة الغلبة، وهو مأخوذ من قولهم: أرض عَزاز. قال الأصمعي: العزاز: الأرض التي لا تنبت. فتأويل العزة: الغلبة والشدة التي لا يتعلق بها إذلال. قالت الخنساء: كَأَنْ لم يكونوا حِمىً يُتَّقَى ... إِذْ النَّاسُ إِذ ذَاكَ مَن عَزّ بَزَّا أي: من قوي وغَلَبَ سَلبَ. ويقال: قد استُعِزَّ على المريض، أي: اشتد وجعه. وكذلك قول الناس: يَعزُّ عليّ أن يفعل، أي: يشتد، وقولهم: قد عزَّ الشيء: إِذا لم يوجد، معناه: صعب أن يوجد، والباب واحد. [سورة النساء (4) : آية 140] وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ وقرأ عاصم، ويعقوب: «نَزَّل» بفتح النون والزاي. قال المفسّرون: الذي نزل عليهم في النهي عن مجالستهم، قوله في الأنعام وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ «3» وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن ويكذبون به، فنهى الله المسلمين عن مجالستهم. وآيات الله: هي القرآن. والمعنى: إِذا سمعتم الكفر بآيات الله، والاستهزاء بها، فلا تقعدوا معهم حتى يأخذوا في حديث غير الكفر، والاستهزاء. إِنَّكُمْ إِن جالستموهم على ما هم عليه من ذلك، فأنتم مِثْلُهُمْ، وفي ماذا تقع المماثلة فيه، قولان: أحدهما:
[سورة النساء (4) : آية 141]
في العصيان. والثاني: في الرضى بحالهم، لأن مُجالس الكافر غير كافر. وقد نبّهت الآية على التحذير من مجالسة العصاة. قال إِبراهيم النّخعيّ: إنّ الرجل ليجلس فيتكلم بالكلمة، فيرضي الله بها، فتصيبُه الرحمة فتعمُّ من حوله، وإِن الرجل ليجلس في المجلس، فيتكلم بالكلمة، فيسخط الله بها، فيصيبه السّخط، فيعمّ من حوله. [سورة النساء (4) : آية 141] الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141) قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ قال أبو سليمان: هذه الآية نزلت في المنافقين خاصة. قال مقاتل: كان المنافقون يتربصون بالمؤمنين الدوائِر، فإن كان الفتح، قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ فاعطونا من الغنيمة. وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ، أي دولةٌ على المؤمنين، قالوا للكفار: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ؟ قال المبرِّد: ومعنى: ألم نستحوذ عليكم: ألم نغلبْكم على رأيكم. وقال الزجاج: ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم. و «نستحوذ» في اللغة، بمعنى: نستولي، يقال: حُذْت الإِبل، وحُزْتها: إِذا استوليت عليها وجمعتها. وقال غيره: ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة؟ وقال ابن جريج: ألم نبين لكم أنا على دينكم؟ وفي قوله تعالى: وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ثلاثة أقوال: أحدها: نمنعكم منهم بتخذيلهم عنكم. والثاني: بما نعلمكم من أخبارهم. والثالث: بصرفنا إيّاكم عن الدخول عن الإِيمان. ومراد الكلام: إِظهار المنّة من المنافقين على الكفار، أي: فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم. قوله تعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني المؤمنين والمنافقين. قال ابن عباس: يريد أنه أخّر عقاب المنافقين. قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا سبيل لهم عليهم يوم القيامة، روى يُسيْع الحضرمي عن علي بن أبي طالب أن رجلاً جاءه، فقال: أرأيت قول الله عزّ وجلّ: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون، فقال: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ يوم القيامة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. هذا مروي عن ابن عباس، وقتادة. والثاني: أن المراد بالسبيل: الظهور عليهم، يعني: أن المؤمنين هم الظاهرون، والعاقبة لهم، وهذا المعنى في رواية عكرمة، عن ابن عباس. والثالث: أن السبيل: الحجة. قال السدي: لم يجعل الله عليهم حجة، يعني فيما فعلوا بهم من القتل والإِخراج من الديار. قال ابن جرير: لما وعد الله المؤمنين أنه لا يدخل المنافقين مدخلهم من الجنة، ولا المؤمنين مدخل المنافقين، لم يكن للكافرين على المؤمنين حجة بأن يقولوا لهم: أنتم كنتم أعداءنا، وكان المنافقون أولياءنا، وقد اجتمعتم في النار. [سورة النساء (4) : آية 142] إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ أي: يعملون عمل المخادع. وقيل: يخادعون نبيّه،
[سورة النساء (4) : آية 143]
وهو خادعهم، أي: مجازيهم على خداعهم. وقال الزجاج: لما أمر بقبول ما أظهروا، كان خادعاً لهم بذلك. وقيل: خداعه إِياهم يكون في القيامة بإطفاء نورهم، وقد شرحنا طرفاً من هذا في (البقرة) . قوله تعالى: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى أي: متثاقلين. وكُسالى : جمع كسلان، و «الكسل» : التثاقل عن الأمر. وقرأ أبو عمران الجونيّ: «كسالى» بفتح الكاف، وقرأ ابن السّميقع: «كسلى» ، بفتح الكاف من غير ألف. وإنما كانوا هكذا، لأنهم يصلّون حذراً على دمائهم، لا يرجون بفعلها ثواباً، ولا يخافون بتركها عقابا. قوله تعالى: يُراؤُنَ النَّاسَ أي: يصلُّون ليراهم الناس. قال قتادة: والله لولا الناس ما صلى المنافق. وفي تسمية ذكرهم بالقليل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سُمّي قليلاً، لأنه غير مقبول، قاله علي رضي الله عنه، وقتادة. والثاني: لأنه رياء، ولو كان لله لكان كثيراً، قاله ابن عباس، والحسن. والثالث: أنه قليل في نفسه، لأنهم يقتصرون على ما يظهر، دون ما يخفى من القراءة والتّسبيح، ذكره الماورديّ. [سورة النساء (4) : آية 143] مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) قوله تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ المذبذب: المتردّد بين أمرين، وأصل التذبذب: التحرّك، والاضطراب، وهذه صفة المنافق، لأنه محيّر في دينه لا يرجع إِلى اعتقاد صحيح. قال قتادة: ليسوا بالمشركين المصرّحين بالشرك، ولا بالمؤمنين المخلصين. قال ابن زيد: ومعنى بَيْنَ ذلِكَ: بين الاسلام والكفر، لم يظهروا الكفر فيكونوا إِلى الكفار، ولم يصدّقوا الإِيمان، فيكونوا إِلى المؤمنين. قال ابن عباس: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا إِلى الهدى. (383) وقد روى ابن عمر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مثل المنافق: مثل الشاة العائِرة «1» بين الغنمين تُعيرُ إِلى هذه مرةً، وإِلى هذه مرة، ولا تدري أيّها تتبّع» . [سورة النساء (4) : آية 144] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144) قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ في المراد بالكافرين قولان: أحدهما: اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: المنافقون، قال الزجاج: ومعنى الآية: لا تجعلوهم بطانتكم وخاصّتكم. والسلطان: الحجة الظاهرة، وإنما قيل للأمير: سلطان، لأنه حجة الله في أرضه، واشتقاق السلطان: من السليط. والسَّليط: ما يستضاء به، ومن هذا قيل للزيت: السَّليط. والعرب تؤنِّث السلطان وتذكِّره، تقول: قضت عليك السلطان، وأمرتك السلطان، والتذكير أكثر، وبه جاء القرآن، فمن أنَّث، ذهب إِلى معنى الحجة، ومن ذكَّر، أراد صاحب السلطان. قال ابن الأنباريّ: تقدير
[سورة النساء (4) : آية 145]
الآية: أتريدون أن تجعلوا لله عليكم بموالاة الكافرين حجة بيِّنة تلزمكم عذابه، وتكسبكم غضبه؟ [سورة النساء (4) : آية 145] إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: بفتح الراء، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: بتسكين الراء. قال الفراء: وهي لغتان. قال أبو عبيدة: جهنم أدراك، أي: منازلٌ، وأطباق. فكل منزل منها: درك. وحكى ابن الأنباري عن بعض العلماء أنه قال: الدركات: مراق، بعضها تحت بعض. وقال الضحاك: الدرج: إِذا كان بعضها فوق بعضها، والدرك: إِذا كان بعضها أسفل من بعض. وقال ابن فارس: الجنة درجات، والنار دركات. وقال ابن مسعود في هذه الآية: هم في توابيت من حديد مبهمة عليهم. قال ابن الأنباري: المبهمة: التي لا أقفال عليها، يقال: أمرٌ مبهم: إذا كان ملتبسا ولا يعرف معناه، ولا بابه. قوله تعالى: وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً قال ابن عباس: مانعاً من عذاب الله. [سورة النساء (4) : آية 146] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا قال مقاتل: سبب نزولها: أن قوماً قالوا عند ذكر مستقر المنافقين: فقد كان فلان وفلان منافقين، فتابوا، فكيف يُفْعَل بهم؟ فنزلت هذه الآية «1» . ومعنى الآية: إِلا الذين تابوا من النفاق وَأَصْلَحُوا أعمالهم بعد التوبة وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ أي: استمسكوا بدينه. وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ فيه قولان: أحدهما: أنه الإِسلام، وإِخلاصه: رفع الشرك عنه، قاله مقاتل. والثاني: أنه العمل، وإِخلاصه: رفع شوائِب النفاق والرياء منه، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ في «مع» قولان: أحدهما: أنها على أصلها، وهو الاقتران. وفي ماذا اقترنوا بالمؤمنين؟ فيه قولان: أحدهما: في الولاية، قاله مقاتل. والثاني: في الدين والثواب. قاله أبو سليمان. والثاني: أنها بمعنى «مِن» فتقديره: فأولئك من المؤمنين، قاله الفراء. [سورة النساء (4) : آية 147] ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147) قوله تعالى: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ «ما» حرف استفهام، ومعناه: التقرير، أي: إِن الله لا يعذِّب الشاكر المؤمن، ومعنى الآية: ما يصنع الله بعذابكم إِن شكرتم نعمه، وآمنتم به وبرسوله. والإيمان مقدّم في المعنى وإِن أخِّر في اللفظ. وروي عن ابن عباس أن المراد بالشكر: التوحيد. قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً أي: للقليل من أعمالكم، عليما بنيّاتكم، وقيل: شاكرا، أي: قابلا.
[سورة النساء (4) : آية 148]
[سورة النساء (4) : آية 148] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148) قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ في سبب نزولها قولان: (384) أحدهما: أن ضيفاً تضيّف قوماً فأساؤوا قِراهُ فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصةً في أن يشكوا، قاله مجاهد. (385) والثاني: أن رجلاً نال من أبي بكر الصّدّيق والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم حاضر، فسكت عنه أبو بكر مراراً، ثم ردّ عليه، فقام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال أبو بكر: يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئاً، حتى إِذا رددت عليه قمت؟! فقال: «إِن ملكا كان يجيب عنك، فلما رددت عليه، ذهب الملك، وجاء الشيطان» فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل. واختلف القراء في قراءة إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فقرأ الجمهور بضم الظاء، وكسر اللام. وقرأ عبد الله بن عمرو، والحسن، وابن المسيب، وأبو رجاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، بفتحهما. فعلى قراءة الجمهور، في معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: إِلا أن يدعو المظلوم على مَن ظلمه، فإن الله قد أرخص له، قاله ابن عباس. والثاني: إِلا أن ينتصر المظلومُ من ظالمه، قاله الحسن، والسدي. والثالث: إِلا أن يخبر المظلوم بظلم من ظلمه، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. وروى ابن جريج عنه قال: إِلا أن يجهر الضيف بذم من لم يضيفه. فأما قراءة مَن فتح الظاء، فقال ثعلب: هي مردودة على قوله تعالى: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِلا من ظلم. وذكر الزجاج فيها قولين: أحدهما: أن المعنى: إِلا أن الظالم يجهر بالسوء ظلماً. والثاني: إِلا أن تجهروا بالسوء للظالم. فعلى هذا تكون «إِلا» في هذا المكان استثناءً منقطعاً، ومعناها: لكن المظلوم يجوز له أن يجهرَ لظالمه بالسوء. ولكن الظالم قد يجهر بالسوء. واجهروا له بالسوء. وقال ابن زيد: إِلا من ظلم، أي: أقام على النفاق، فيجهر له بالسوء حتى يَنْزِع. قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً أي: لما تجهرون به من سوء القول عَلِيماً بما تخفون. وقيل: سميعاً لقول المظلوم، عليماً بما في قلبه، فليتق الله، ولا يقل إِلا الحق. وقال الحسن: من ظُلِم، فقد رخّص له أن يدعو على ظالمه من غير أن يعتدي، مثل أن يقول: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد.
[سورة النساء (4) : آية 149]
[سورة النساء (4) : آية 149] إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149) قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً قال ابن عباس: يريد من أعمال البرِّ كالصيام والصدقة. وقال بعضهم: إِن تبدوا خيراً بدلاً من السوء. وأكثرهم على أن «الهاء» في تُخْفُوهُ تعود إِلى الخير. وقال بعضهم: تعود إِلى السوء. قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قال أبو سليمان: أي: لم يزل ذا عفوٍ مع قدرته، فاعفوا أنتم مع القدرة. [سورة النساء (4) : آية 150] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود، كانوا يؤمنون بموسى، وعزير، والتّوراة، ويكافرون بعيسى، والإِنجيل، ومحمد، والقرآن، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم اليهود والنصارى، آمَن اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإِنجيل وعيسى، وآمن النصارى بالإِنجيل وعيسى، وكفروا بمحمد والقرآن، قاله قتادة. ومعنى قوله تعالى: وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ أي: يريدون أن يفرّقوا بين الإِيمان بالله، والإِيمان برسله، ولا يصح الإِيمان به والتكذيب برسله أو ببعضهم وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ أي: بين إِيمانهم ببعض الرُسُلِ، وتكذيبهم ببعض سَبِيلًا أي: مذهباً يذهبون إِليه، وقال ابن جريج: دينا يدينون به. [سورة النساء (4) : الآيات 151 الى 152] أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152) قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا ذكر «الحقّ» هاهنا توكيا لكفرهم إزالةً لتَوَهُّم مَن يتوهم أن إِيمانهم ببعض الرّسل يزيل عنهم اسم الكفر. [سورة النساء (4) : آية 153] يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ في سبب نزولها ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنهم سألوه أن ينزِّل كتاباً عليهم خاصّة، هذا قول الحسن، وقتادة.
[سورة النساء (4) : آية 154]
(386) والثاني: أن اليهود والنصارى أتوا إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: لا نُبايعك حتى تأتينا بكتابٍ من عند الله إِلى فلان أنك رسول الله، وإِلى فلان بكتاب أنك رسول الله، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن جريج. (387) والثالث: أن اليهود سألوا النبيّ عليه السلام أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً كما نزلت التوراة على موسى، هذا قول القرظي، والسدي. وفي المراد بأهل الكتاب قولان: أحدهما: اليهود والنصارى. والثاني: اليهود. وفي المراد بالكتاب المنزّل من السماء قولان: أحدهما: كتاب مكتوب غير القرآن. والثاني: كتاب بتصديقه في رسالته. وقد بيّنا في البقرة معنى سؤالهم رؤية الله جهرة، واتّخاذهم العجل. والْبَيِّناتُ الآيات التي جاء بها موسى. فإن قيل: كيف قال: ثم اتخذوا العجل، و «ثم» تقتضي التراخي، والتأخر، أفكان اتخاذ العجل بعد قولهم: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً؟ فعنه أربعة أجوبة: ذكرهن ابن الأنباري. أحدهن: أن تكون «ثم» مردودة على فعلهم القديم، والمعنى: وإِذْ وَعَدْنا موسى أربعين فخالفوا أيضاً، ثم اتخذوا العجل. والثاني: أن تكون مقدمة في المعنى، مؤخّرة في اللفظ، والتقدير: فقد اتخذوا العجل، ثم سألوا موسى أكبر من ذلك، ومثله فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ «1» المعنى: فألقه إِليهم، ثم انظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم. والثالث: أن المعنى، ثم كانوا اتخذوا العجل، فأضمر الكون. والرابع: أن ثم معناها التأخير في الإِخبار، والتقديم في الفعل، كما يقول القائِل: شربت الماء، ثم أكلت الخبز، يريد: شربت الماء، ثم أخبركم أني أكلت الخبز بعد إِخباري بشرب الماء. قوله تعالى: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ أي: لم نستأصل عبدة العجل. و «السلطان المبين» : الحجّة البيّنة. قال ابن عباس: اليد والعصا. وقال غيره: الآيات التّسع. [سورة النساء (4) : آية 154] وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) قوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ أي: بما أعطوا الله من العهد والميثاق: ليعملُنَّ بما في التوراة. قوله تعالى: لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ قرأ نافع: «لا تعْدُّوا» بتسكين العين وتشديد الدال، وروى عنه ورش «تَعَدُّوا» بفتح العين وتشديد الدال، وقرأ الباقون «تَعْدوا» خفيفة، وقد ذكرنا هذا وغيره في البقرة. و «الميثاق الغليظ» : العهد المؤكّد.
[سورة النساء (4) : آية 155]
[سورة النساء (4) : آية 155] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ «ما» صلة مؤكّدة. قال الزجاج: والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم، وهو أن الله أخذ عليهم الميثاق أن يُبيّنوا ما أنزل عليهم من ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وغيره. والجالب للباء العامل فيها، وقوله تعالى: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ «1» أي: بنقضهم ميثاقهم، والأشياء التي ذكرت بعده حرّمنا عليهم. وقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ «2» بدل من قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ. وجعل الله جزاءهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم. وقال ابن فارس: الطّبع: الختم ومن ذلك طبع الله على قلب الكافر كأنه ختم عليه حتى لا يصل إِليه هدى ولا نور فلم يوفّق لخير، والطابع: الخاتم يختم به. قوله تعالى: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا فيه قولان: أحدهما: فلا يؤمن منهم إِلا القليل، وهم عبد الله بن سلام، وأصحابه، قاله ابن عباس. والثاني: المعنى: إِيمانهم قليل، وهو قولهم: ربنا الله، قاله مجاهد. [سورة النساء (4) : آية 156] وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) قوله تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ في إِعادة ذكر الكفر فائِدة وفيها قولان: أحدهما: أنه أراد: وبكفرهم بمحمد والقرآن، قاله ابن عباس. والثاني: وبكفرهم بالمسيح، وقد بشروا به، قاله أبو سليمان الدمشقي. فأما «البهتان» فهو في قول الجماعة: قذفهم مريم بالزّنى. [سورة النساء (4) : الآيات 157 الى 158] وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) قوله تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ قال الزجاج: أي باعترافهم بقتلهم إِيَّاه، وما قتلوه، يُعذَّبون عذابَ من قتل، لأنهم قتلوا الذي قتلوا على أنّه نبي. وفي قوله تعالى: رَسُولَ اللَّهِ قولان: أحدهما: أنه من قول اليهود، فيكون المعنى: أنه رسول الله على زعمه. والثاني: أنه من قول الله، لا على وجه الحكاية عنهم. قوله تعالى: وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ أي: أُلقِي شبهُه على غيره. وفيمن أُلقي عليه شبهه قولان: أحدهما: أنه بعض من أراد قتله من اليهود. روى أبو صالح عن ابن عباس: أن اليهود لما اجتمعت على قتل عيسى، أدخله جبريل خوخة لها رَوزنة «3» ، ودخل وراءه رجل منهم، فألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج على أصحابه، قتلوه يظنونه عيسى، ثم صلبوه، وبهذا قال مقاتل وأبو سليمان. والثاني: أنه رجُلٌ من أصحاب عيسى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن عيسى خرج على أصحابه لما أراد الله رفعه، فقال: أيكم يُلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شابّ، فقال:
[سورة النساء (4) : آية 159]
أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد القول، فقام الشاب، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد، فقال الشاب: أنا، فقال: نعم أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، وجاء اليهود، فأخذوا الرجل، فقتلوه، ثم صلبوه «1» . وبهذا القول قال وهب بن منبه، وقتادة، والسدي. قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ في المختلفين قولان: أحدهما: أنهم اليهود، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان: أحدهما: أنها كناية عن قتله، فاختلفوا هل قتلوه أم لا؟ وفي سبب اختلافهم في ذلك قولان: أحدهما: أنهم لما قتلوا الشخص المشبّه كان الشبه قد أُلقي على وجهه دون جسده، فقالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره، ذكره ابن السائب. والثاني: أنهم قالوا: إِن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وإِن كان هذا صاحبنا، فأين عيسى يعنون الذي دخل في طلبه، هذا قول السدي. والثاني: أن «الهاء» كناية عن عيسى، واختلافهم فيه قول بعضهم: هو ولد زنى، وقول بعضهم، هو ساحر. والثاني: أن المختلفين النصارى، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى قتله، هل قتل أم لا؟ والثاني: أنها ترجع إِليه، هل هو إِله أم لا؟ وفي هاء «منه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى قتله. والثاني: إِلى نفسه، هل هو إِلهٌ، أم لغيرِ رشدة «2» ، أم هو ساحر؟ قوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ قال الزجاج: «اتباع» منصوب بالاستثناء، وهو استثناء ليس من الأول. والمعنى: ما لهم به من علم إِلا أنهم يتبعون الظن، وإِن رُفع جاز على أن يجعل علمهم اتباع الظن، كما تقول العرب: تحيّتك الضّرب. قوله تعالى: وَما قَتَلُوهُ في «الهاء» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إِلى الظن فيكون المعنى: وما قتلوا ظنّهم يقيناً، هذا قول ابن عباس. والثاني: أنها ترجع إِلى العلم، أي: ما قتلوا العلم به يقيناً، تقول: قتلته يقيناً، وقتلته علماً للرأي والحديث. هذا قول الفراء، وابن قتيبة. قال ابن قتيبة: وأصل هذا: أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علماً أحيط به، إِنما كان ظناً. والثالث: أنها ترجع إلى عيسى، فيكون المعنى: وما قتلوا عيسى حقاً، هذا قول الحسن، وقال ابن الأنباري: اليقين مؤخر في المعنى، فالتقدير: وما قتلوه، بل رفعه الله إليه يقينا. [سورة النساء (4) : آية 159] وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159) قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قال الزجاج: المعنى: وما منهم أحد إلّا ليؤمننّ
به، ومثله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها «1» . وفي أهل الكتاب قولان: أحدهما: أنهم اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: اليهود والنصارى، قاله الحسن، وعكرمة. وفي هاء «به» قولان: أحدهما: أنها راجعة إلى عيسى، قاله ابن عباس: والجمهور. والثاني: أنها راجعة إلى محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قاله عكرمة. وفي هاء «موته» قولان «2» : أحدهما: أنها ترجع إِلى المؤمِن. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ليس يهودي يموتُ أبداً حتى يؤمن بعيسى، فقيل لابن عباس: إِن خرّ من فوق بيْت؟ قال: يتكلم به في الهُويِّ «3» . قال: وهي في قراءة أُبي: «قبل موتهم» ، وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يؤمن اليهودي قبل أن يموت، ولا تخرج روح النصراني حتى يشهد أن عيسى عبد. وقال عكرمة: لا تخرج روج اليهوديّ والنّصرانيّ حتى يؤمن بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم. والثاني: أنها تعود إِلى عيسى، روى عطاء عن ابن عباس قال: إِذا نزل إِلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني، ولا أحدٌ يعبد غير الله إِلا اتّبعه، وصدّقه، وشهد أنه روح الله، وكلمته، وعبده
[سورة النساء (4) : آية 160]
ونبيّه. وهذا قول قتادة، وابن زيد، وابن قتيبة، واختاره ابن جرير، وعن الحسن كالقولين وقال الزجاج: هذا بعيدٌ، لعموم قوله: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ والذين يبقوْن حينئِذ شرذمة منهم، إِلا أن يكون المعنى: أنهم كلهم يقولون: إن عيسى الذي ينزل لقتل الدجّال نؤمن به. قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً قال قتادة: يكون عليهم شهيداً أنه قد بلَّغ رسالات ربه، وأقرّ بالعبودية على نفسه. [سورة النساء (4) : آية 160] فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا قال مقاتل: حرّم الله على أهل التوراة الربا، وأن يأكلوا أموال الناس ظلماً، ففعلوا، وصدوا عن دين الله، وعن الإِيمان بمحمد عليه السلام، فحرّم الله عليهم ما ذكر في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ «1» عقوبة لهم. قال أبو سليمان: وظلمهم: نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وما ذكر في الآيات قبلها. وقال مجاهد: وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال: صدّهم أنفسهم وغيرهم عن الحق. قال ابن عباس: صدهم عن سبيل الله، يعني الإِسلام، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أي: بالكذب على دين الله، وأخذ الرُّشى على حكم الله، وتبديل الكتاب التي أنزلها الله ليستديموا المأكل. [سورة النساء (4) : آية 161] وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) قوله تعالى: وَأَعْتَدْنا أي: أعددنا للكافرين، يعني اليهود، وقيل: إِنما قال «منهم» ، لأنه علم أنّ قوما منهم يؤمنون، فيأمنون العذاب. [سورة النساء (4) : آية 162] لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162) قوله تعالى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قال ابن عباس: هذا استثناء لمؤمني أهل الكتاب، فأما الراسخون، فهم الثّابتون في العلم. قال أبو سليمان: وهم عبد الله بن سلام، ومَن آمَن معه، والذين آمنوا من أهل الإِنجيل ممّن قَدِمَ مع جعفر من الحبشة، والمؤمنون، يعني أصحاب رسول الله. فأما قوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ فهم القائمون بأدائها كما أُمروا. وفي نصب «المقيمين» أربعة أقوال: أحدها: أنه خطأٌ من الكاتب، وهذا قول عائشة «2» ، وروي عن عثمان بن عفان أنه قال: إِن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها «3» . وقد قرأ ابن مسعود،
[سورة النساء (4) : آية 163]
وأُبيّ، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والجحدري: «والمقيمون الصلاة» بالواو. وقال الزجاج: قول من قال إِنه خطأ، بعيدٌ جداً، لأن الذين جمعوا القرآن هم أهل اللغة، والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئاً يُصلِحُه غيرهم؟! فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم. وقال الأنباري: حديثُ عثمان لا يصح، لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئاً فاسداً، ليُصلحه من بعده. والثاني: أنه نسقٌ على «ما» والمعنى يؤمنون بما أنزل إِليك، وبالمقيمين الصلاة، فقيل: هم الملائكة، وقيل: الأنبياء. والثالث: أنه نسقٌ على الهاء والميم من قوله مِنْهُمْ فالمعنى: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إِليك. قال الزجاج: وهذا رديء عند النحويين، لا ينسق بالظاهر المجرور على المضمر المجرور إِلا في الشّعر. والرابع: أنه منصوبٌ على المدح، فالمعنى: اذكر المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة. وأنشدوا: لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سُمُّ العُداة وآفةُ الجُزْرِ النازلين بكلِّ معترَكٍ ... والطيبون مَعاقِدَ الأُزْرِ «1» وهذا على معنى: اذكر النازلين، وهم الطيبون، ومن هذا قولك: مررت بزيد الكريمِ، إن أردت أن تخلصَه من غيره. فالخفض هو الكلام، وإِن أردت المدح والثناء، فإن شئت نصبت، فقلت: بزيد الكريمَ، كأنك قلت: اذكر الكريم، وإِن شئت رفعت على معنى: هو الكريمُ. وتقول: جاءني قومك المطعمين في المحْل، والمغيثون في الشدائِد على معنى: اذكر المطعمين، وهم المغيثون، وهذا القول اختيار الخليل، وسيبويه. فهذه الأقوال حكاها الزجاج، واختار هذا القول. [سورة النساء (4) : آية 163] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قال ابن عباس: قال عدي بن زيد، وسُكين: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشرٍ من شيءٍ بعد موسى، فنزلت هذه الآية. وقد ذكرنا في «آل عمران» معنى الوحي، وذكرنا نوحا هنالك. وإِسحاق: أعجمي، وإِن وافق لفظ العربي، يقال: أسحقه الله يسحقه إِسحاقاً، ويعقوب: أعجمي. فأما اليعقوب، وهو ذكر الحجل وهي القبج «2» فعربيّ، كذلك قرأته على شيخنا أبي
[سورة النساء (4) : آية 164]
منصور اللغوي، وأيوب: أعجمي، ويونس: اسم أعجمي. قال أبو عبيدة، يقال: يُونُس ويُونِس بضم النون وكسرها، وحكى أبو زيد الأنصاري عن العرب همزة مع الكسرة والضمّة والفتحة. وقال الفراء: يونس بضم النون من غير همز لغة أهل الحجاز، وبعض بني أسد يقول: يؤنس بالهمز، وبعض بني عُقيل يقول: يونس بفتح النون من غير همز. والمشهور في القراءة يونُس برفع النون من غير همز. وقد قرأ ابن مسعود، وقتادة، ويحيى بن يعمر، وطلحة: يؤنس بكسر النون مهموزا. وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران والجحدري: يُونَس بفتح النون من غير همز. وقرأ أبو المتوكل: يؤنس بفتح النون مهموزاً. وقرأ أبو السّماك العدوي: يونِس بكسر النون من غير همز. وقرأ عمرو بن دينار برفع النون مهموزاً. وهارون: اسمٌ أعجمي، وباقي الأنبياء قد تقدم ذكرهم. فأما الزبور، فأكثر القرّاء على فتح الزَاي، وقرأ أبو رزين، وأبو رجاء، والأعمش، وحمزة بضم الزاي. قال الزجاج: فمن فتح الزاي، أراد: كتاباً، ومن ضم، أراد: كتُباً. ومعنى ذكر «داود» أي: لا تنكروا تفضيل محمد بالقرآن، فقد أعطى الله داود الزبور. وقال أبو علي: كأنَّ حمزة جعل كتاب داود أنحاء، وجعل كلَّ نحو زبراً، ثم جمع، فقال: زُبُوراً. وقال ابن قتيبة: الزَّبُور فَعُول بمعنى مفعول، كما تقول: حلوب وركوب بمعنى: محلوب ومركوب، وهو من قولك: زبرت الكتاب أزبره زبراً: إِذا كتبته، قال: وفيه لغة أخرى: الزُبور بضم الزاي، كأنه جمع. [سورة النساء (4) : آية 164] وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً تأكيد كلّم بالمصدر يدل على أنه سمع كلام الله حقيقة. روى أبو سليمان الدمشقي، قال: سمعت إِسماعيل بن محمد الصفّار يقول: سمعت ثعلبا يقول: لولا أن الله تعالى أكّد الفعل بالمصدر، لجاز أن يكون كما يقول أحدنا للآخر: قد كلمتُ لك فلاناً، بمعنى: كتبت إِليه رقعة، أو بعثت إِليه رسولاً، فلما قال: تكليماً، لم يكن إِلا كلاماً مسموعا من الله. [سورة النساء (4) : آية 165] رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165) قوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ أي: لئلا يحتجوا في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل، لأن هذه الأشياء إِنما تجب بالرّسل. [سورة النساء (4) : آية 166] لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) قوله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ في سبب نزولها قولان: (388) أحدهما: أن النبي عليه السلام دخل على جماعة من اليهود، فقال: «إِني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله» ، فقالوا: ما نعلم ذلك. فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. (389) والثاني: أن رؤساء أهل مكّة أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: سألنا عنك اليهود، فزعموا أنّهم
[سورة النساء (4) : آية 167]
لا يعرفونك، فائتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن السائب. قال الزجاج: الشاهد: المبيِّن لما يشهد به، فالله عزّ وجلّ بيَّن ذلك، ويعلم مع إِبانته أنه حق. وفي معنى أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ثلاثة أقوال: أحدها: أنزله وفيه علمه، قاله الزجاج. والثاني: أنزله من علمه، ذكره أبو سليمان الدمشقي. والثالث: أنزله إِليك بعلمٍ منه أنك خيرته من خلقه، قاله ابن جرير. قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ، فيه قولان: أحدهما: يشهدون أنَّ الله أنزله. والثاني: يشهدون بصدقك. قوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً قال الزجاج: «الباء» دخلت مؤكِّدة. والمعنى: اكتفوا بالله في شهادته. [سورة النساء (4) : آية 167] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (167) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال مقاتل وغيرُهُ: هُم اليهود كفروا بمحمد، وصدُّوا الناس عن الإِسلام. قال أبو سليمان: وكان صدُّهم عن الإِسلام قولهم للمشركين ولأتباعهم: ما نجد صفة محمد في كتابنا. [سورة النساء (4) : الآيات 168 الى 169] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا قال مقاتل وغيره: هم اليهود أيضاً كفروا بمحمد والقرآن. وفي الظلم المذكور هاهنا قولان: أحدهما: أنه الشرك، قاله مقاتل. والثاني: أنه جحدهم صفة محمّد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في كتابهم. قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ يريد من مات منهم على الكفر. وقال أبو سليمان: لم يكن الله ليستر عليهم قَبيح فعالهم، بل يفضحهم في الدنيا، ويعاقبهم بالقتل والجلاء والسّبي، وفي الآخرة بالنار وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ينجون فيه. وقال مقاتل: طريقاً إِلى الهدى وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعني كان عذابهم على الله هيّنا. [سورة النساء (4) : آية 170] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (170) قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ الكلام عامّ، وروي عن ابن عباس أنه قال: أراد المشركين. قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ أي: بالهدى، والصدق. قوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ قال الزجاج عن الخليل وجميع البصريين: إنه منصوبٌ بالحمل على معناه، لأنك إِذا قلت: انته خيراً لك، وأنت تدفعه عن أمرٍ فتدخله في غيره، كان المعنى: انته وأتِ خيراً لك، وادخل في ما هو خير لك. وأنشد الخليل وسيبويه قول عمر بن أبي ربيعة: فواعديه سَرْحَتَيْ مالك ... أَوِ الرُّبا بينهما أسهلا «1»
[سورة النساء (4) : آية 171]
كأنّه قال: ائتي مكاناً أسهل. قوله تعالى: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: هو غني عنكم. وعن إِيمانكم. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما يكون من إِيمان أو كفر حَكِيماً في تكليفكم مع علمه بما يكون منكم. [سورة النساء (4) : آية 171] يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ قال مقاتل: نزلت في نصارى نجران: السّيد والعاقِب ومَن معهما «1» . والجمهور على أن المراد بهذه الآية: النصارى. وقال الحسن: نزلت في اليهود والنصارى. والغلو: الإفراط ومجاوزة الحد، ومنه غلا السّعر. وقال الزجاج: الغلو: مجاوزة القدر في الظلم. وغلو النصارى في عيسى: قول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم: هو ابن الله، وقول بعضهم: هو ثالث ثلاثة. وعلى قول الحسن غلو اليهود فيه قولهم: إنه لغير رشدة «2» . وقال بعض العلماء: لا تغلوا في دينكم بالزيادة في التشدّد فيه. قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي: لا تقولوا: إِن الله له شريك أو ابن أو زوجة. وقد ذكرنا معنى «المسيح» والكلمة في (آل عمران) . وفي معنى وَرُوحٌ مِنْهُ سبعة أقوال: أحدها: أنه روح ٌمن أرواح الأبدان. قال أبيّ بن كعب: لما أخذ الله الميثاق على بني آدم كان عيسى روحاً من تلك الأرواح، فأرسله إِلى مريم، فحملت به. والثاني: أن الروح النفخ، فسُمّي روحاً، لأنه حدث عن نفخة جبريل في درع «3» مريم. ومنه قول ذي الرمّة: وَقُلتُ لهُ ارْفعهَا إِليك وأحْيِها ... بروحِك واقْتَتْه لها قيتة قدرا «4»
[سورة النساء (4) : آية 172]
هذا قول أبي رَوق. والثالث: أن معنى وَرُوحٌ مِنْهُ إِنسان حيٌ باحياء الله له. والرابع: أن الروح: الرحمة، فمعناه: ورحمة منه، ومثله وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ «1» . والخامس: أن الروح هاهنا جبريل. فالمعنى ألقاها الله إلى مريم، والذي ألقاها روحٌ منه، ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو سليمان الدمشقي. والسادس: أنه سمّاه روحاً، لأنه يحيا به الناس كما يحيون بالأرواح، ولهذا المعنى سمي القرآن روحاً، ذكره القاضي أبو يعلى. والسابع: أن الرّوح: الوحي أوحى إلى مريم يبشرها به، وأوحى إِلى جبريل بالنفخ في درعها، وأوحى إِلى ذات عيسى أن: كن فكان. ومثله: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ «2» أي. بالوحي، ذكره الثعلبي. فأما قوله «منه» فانه إِضافة تشريفٍ، كما تقول: بيت الله، والمعنى من أمره، ومما يقاربها قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ «3» . قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ قال الزجاج: رفعه بإضمار: لا تقولوا آلهتُنا ثلاثة إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ أي: ما هو إِلا إِلهٌ واحد سُبْحانَهُ ومعنى «سبحانه» : تبرئته مِن أن يكون له ولد. قاله أبو سليمان: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي: قيّما على خلقه، مدبّرا لهم. [سورة النساء (4) : آية 172] لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) قوله تعالى: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ. (390) سبب نزولها: أن وفد نجران وفدوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: يا محمد لَمْ تذكر صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى، قال: وأي شيءٍ أقول له؟ هو عبد الله، قالوا: بل هو الله، فقال: إِنه ليس بعار عليه أن يكون عبد الله، قالوا: بلى، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: معنى يستنكف: يأنَف، واصله في اللغة من نكفت الدمع: إِذا نحيته باصبُعِكَ من خدّك. قال الشاعر: فبانوا فلولا ما تذكَّرُ منهم ... من الحِلْفِ لم يُنكَفْ لعينيك مَدْمعُ «4» قوله تعالى: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ قال ابن عباس: هم حملة العرش. [سورة النساء (4) : آية 173] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (173) قوله تعالى: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ أي: ثواب أعمالهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ مضاعفة الحسنات.
[سورة النساء (4) : آية 174]
(391) وروى ابن مسعود عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله تعالى: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ قال: يدخلون الجنة وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدّنيا. [سورة النساء (4) : آية 174] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174) قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ في البُرهان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحجة، قاله مجاهد، والسدي. والثاني: القرآن، قاله قتادة. والثالث: أنه النبيّ محمّد عليه السلام، قاله سفيان الثوري. فأما النور المبين، فهو القرآن، قاله قتادة، وإنما سمّاه نوراً، لأن الأحكام تبين به بيان الأشياء بالنّور. [سورة النساء (4) : آية 175] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (175) قوله تعالى: وَاعْتَصَمُوا بِهِ أي: استمسكوا. وفي «هاء» به قولان: أحدهما: أنها تعود إلى النور وهو القرآن، قاله ابن جريج. والثاني: تعود إِلى الله تعالى، قاله مقاتل. وفي «الرحمة» قولان: أحدهما: أنها الجنة، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنها نفس الرحمة، والمعنى: سيرحمهم، قاله أبو سليمان. وفي «الفضل» قولان: أحدهما: أنه الرزق في الجنة، قاله مقاتل. والثاني: أنه الإِحسان، قاله أبو سليمان. قوله تعالى: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي: يوفقهم لإِصابة الطريق المستقيم. وقال ابن الحَنفية: الصراط المستقيم: دين الله. [سورة النساء (4) : آية 176] يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ في سبب نزولها قولان: (392) أحدهما: أنها نزلت في جابر بن عبد الله. روى أبو الزبير عن جابر قال: مرضت فأتاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعودني هو وأبو بكر وهما ماشيان فوجدني قد أغمي عليّ، فتوضّأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم صبَّ علي من وَضوئه، فأفقت، وقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي وكان لي تسع أخوات، ولم
يكن لي ولد؟ فلم يجبني بشيء، ثم خرج وتركني، ثم رجع إِليّ وقال: يا جابر لا أراك ميتاً من وجعك هذا، وإنّ الله عزّ وجلّ قد أنزل في أخواتك، وجعل لهن الثلثين، فقرأ عليَّ هذه الآية: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فكان جابر يقول: أنزلت هذه الآية فيَّ. والثاني: أن الصحابة أهمّهم بيان شأن الكلالة فسألوا عنها نبي الله، فنزلت هذه الآية، هذا قول قتادة «1» . (393) وقال سعيد بن المسيب: سأل عمر بن الخطّاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كيف نورّث الكلالة؟ فقال: «أو ليس قد بين الله ذلك، ثم قرأ: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً فأنزل الله عزّ وجلّ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. قوله تعالى: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ أي: مات لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ يريد: ولا والِد: فاكتفى بذكر أحدهما، ويدلُ على المحذوف أنَّ الفتيا في الكلالة، وهي مَن ليس له ولد ولا والد «2» . قوله تعالى: وَلَهُ أُخْتٌ يريد من أبيه وأُمه فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ عند انفرادها وَهُوَ يَرِثُها أي: يستغرق ميراث الأُخت إِذا لم يكن لها ولد ولا والد، وهذا هو الأخ من الأب والأم، أو من الأب فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ يعني: أُختين. وسئل الأخفش ما فائدة قوله «اثنتين» وكانَتَا لا يُفسّر إِلا باثنتين؟ فقال: أفادت العدد العاري عن الصفة، لأنه يجوز في كانَتَا صغيرتين، أو حرتين، أو صالحتين، أو طالحتين، فلما قال: اثْنَتَيْنِ فاذا اطلاق العدد على أي وصف كانتا عليه. فَلَهُمَا الثُّلُثانِ من تركة أخيهما الميت وَإِنْ كانُوا يعني المخلفين. قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا قال ابن قتيبة: لئلا تضلوا. وقال الزجاج: فيه قولان: أحدهما: أن لا تضلوا، فأضمرت لا. والثاني: كراهية أن تضلوا، وهو قول البصريين. قال ابن جريج: أن تضلوا في شأن المواريث.
سورة المائدة
سورة المائدة قال ابن عباس، والضّحّاك: هي مدنيّة. وقال مقاتل: نزلت نهارا وكلّها مدنيّة. وقال أبو سليمان الدّمشقيّ: فيها من المكّي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ قال: وقيل: فيها من المكّيّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ والصّحيح أنّ قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ نزلت بعرفة يوم عرفة، فلهذا نسبت إلى مكة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المائدة (5) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اختلفوا في المخاطبين بهذا على قولين: أحدهما: أنهم المؤمنون من أُمتنا، وهذا قول الجمهور. والثاني: أنهم أهل الكتاب، قاله ابن جريج. وبِالْعُقُودِ: العهود، قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والضحاك والسدي والجماعة وقال الزجاج: «العقود» : أوكد العهود. واختلفوا في المراد بالعهود هاهنا على خمسة أقوال «1» : أحدها: أنها عهود الله التي أخذها على عباده فيما أحلّ وحرّم، وهذا قول ابن عباس ومجاهد. والثاني: أنها عهود الدين كلها، قاله الحسن. والثالث: أنها عهود الجاهلية، وهي الحِلْفُ الذي كان بينهم، قاله قتادة. والرابع: أنها العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من الإِيمان بالنبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن جريج، وقد ذكرنا عنه أن الخطاب للكتابيين. والخامس: أنها عقود الناس بينهم من بيع ونكاح، أو عقد الإِنسان على نفسه من نذر أو يمين، وهذا قول ابن زيد «2» .
قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ في بهيمة الأنعام ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنها أجنّة الأنعام التي توجد ميتة في بطون أُمهاتها إِذا ذبحت الأُمهات، قاله ابن عمر، وابن عباس. والثاني: أنها الإِبل، والبقر، والغنم، قاله الحسن، وقتادة، والسدي. وقال الربيع: هي الأنعام كلها. وقال ابن قتيبة: هي الإِبل، والبقر، والغنم، والوحوش كلها. والثالث: أنها وحش الأنعام كالظباء، وبقر الوحش، روي عن ابن عباس، وأبي صالح. وقال الفراء: بهيمة الأنعام: بقر الوحش، والظباء، والحمر الوحشيّة. قال الزجاج: وإِنما قيل لها بهيمة، لأنها أبهمت عن أن تميّز، وكل حي لا يميّز فهو بهيمة. قوله تعالى: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ، روي عن ابن عباس أنه قال: هي الميتة وسائِر ما في القرآن تحريمه. وقال ابن الأنباري: المتلو علينا من المحظور الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ. قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ قال أبو الحسن الأخفش: أوفوا بالعقود غير محلي الصيد، فانتصب على الحال. وقال غيره: المعنى: أُحلت لكم بهيمة الأنعام غير مستحلي اصطيادها، وأنتم حرم، قال الزجاج: الحرم: المحرمون، وواحد الحرم: حرام، يقال: رجل حرام، وقومٌ حرمٌ. قال الشاعر: فقلت لها فيئي إِليك فإنني ... حرامٌ وإِني بعد ذاك لبيبُ «2» أي: ملبّ. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ أي: الخلق له يحل ما يشاء لمن يشاء، ويحرم ما يريد على من يريد.
[سورة المائدة (5) : آية 2]
[سورة المائدة (5) : آية 2] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2) قوله تعالى: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ في سبب نزولها قولان. (394) أحدهما: أن شريح بن ضبيعة أتى المدينة، فدخل على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: إِلام تدعو؟ فقال: «إِلى شهادة أن لا إِله إِلا الله، وأنِّي رسولُ الله» ، فقال: إِن لي أُمراء خلفي أرجع إِليهم أشاورهم، ثم خرج، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما الرجل بمسلم» ، فمر شريح بسرح لأهل المدينة، فاستاقه، فلما كان عام الحُديبية، خرج شريح إِلى مكة معتمراً، ومعه تجارة، فأراد أهل السّرح أن يغيروا عليه كما أغار عليهم، فاستأذنوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال السّدّي: اسمه الحطم بن هند البكري. قال: ولما ساق السَّرح جعل يرتجز: قدْ لَفَّها الليل بسوّاقٍ حُطَم ... ليس براعي إِبل ولا غنم ولا بجزّارٍ على ظَهْرِ وضم ... باتوا نيَاما وابنُ هندٍ لم ينم بات يُقاسِيهَا غلامٌ كالزَّلَمْ ... خَدلَّجُ الساقين ممسوحُ القدم «1» (395) والثاني: أن ناساً من المشركين جاءوا يؤمون البيت يوم الفتح مهلّين بعمرة، فقال المسلمون: لا ندع هؤلاء بل نغير عليهم، فنزل قوله تعالى وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ. قال ابن قتيبة: وشعائِر الله: ما جعله الله علماً لطاعته. وفي المراد بها هنا سبعة أقوال «2» : أحدها: أنها مناسك الحج، رواه الضّحّاك عن ابن عباس. وقال الفرّاء: كان عامّة العرب لا يرون الصّفا
والمروة من الشعائر، ولا يطوفون بينهما، فقال الله تعالى: لا تستحلوا ترك ذلك. والثاني: أنها ما حرم الله تعالى في حال الإحرام، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: دين الله كله، قاله الحسن. والرابع: حدود الله، قاله عكرمة وعطاء. والخامس: حَرمُ الله، قاله السدي. والسادس: الهدايا المشعرة لبيت الله الحرام، قاله أبو عبيدة والزجاج. والسابع: أنها أعلام الحرم، نهاهم أن يتجاوزوها غير محرمين إِذا أرادوا دخول مكة، ذكره الماوردي، والقاضي أبو يعلى. قوله تعالى: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ قال ابن عباس: لا تُحِلُّوا القتال فيه. وفي المراد بالشهر الحرام ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ذو القَعدة، قاله عكرمة، وقتادة. والثاني: أن المراد به الأشهر الحرم. قال مقاتل: كان جنادة بن عوف يقوم في سوق عكاظ كلَّ سنة فيقول: ألا إِني قد أحللت كذا، وحرّمت كذا. والثالث: أنه رجب، ذكره ابن جرير الطبري. والهدي: كل ما أهدي إِلى بيت الله تعالى من شيءٍ. وفي الْقَلائِدَ قولان: أحدهما: أنها المقلَّدات مِن الهدي، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنها ما كان المشركون يقلدون به إِبلهم وأنفسهم في الجاهلية، ليأمنوا به عدوّهم، لأن الحرب كانت قائمة بين العرب إِلا في الأشهر الحُرُم، فمن لقوة مقلِّداً نفسه، أو بعيره، أو مشعراً بُدُنَهُ أو سائِقاً هدياً لم يُتعرض له. قال ابن عباس: كانَ مَن أراد أن يسافر في غير الأشهر الحُرُم، قلد بعيره من الشعر والوبر، فيأمَن حيثُ ذهب. (396) وروى مالك بن مِغوَل عن عطاء قال: كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم، فيأمنون به إِذا خرجوا من الحرم، فنزلت هذه الآية. وقال قتادة: كان الرجل في الجاهلية إِذا خرج من بيته يريد الحج تقلّد من السَّمُرِ، فلم يَعرِض له أحد، وإِذا رجع تقلَّد قلادة شعر، فلم يعرض له أحد. وقال الفراء: كان أهل مكة يُقلّدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يُقلّدون بالوبر والشعر. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال «1» : أحدها: لا تستحلّوا المقلَّدات من الهدي. والثاني: لا تستحلوا أصحاب القلائد. والثالث: أن هذا نهيٌ للمؤمنين أن ينزعوا شيئاً من شجر الحرم، فيتقلّدوه كما كان المشركون يفعلون في جاهليتهم، رواه عبد الملك عن عطاء، وبه قال مطرف، والربيع بن أنس. قوله تعالى: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ «الآمّ» : القاصد، و «البيت الحرام» : الكعبة، والفضل: الربح في التجارة، والرضوان من الله يطلبونه في حجّهم على زعمهم. ومثله قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي «2» ، وقيل: ابتغاء الفضل عام، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصّة.
قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا لفظُه لفظُ الأمر، ومعناه الإِباحة، نظيره فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ «1» وهو يدلُ على إِحرامٍ متقدّم. قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ وروى الوليد عن يعقوب «يجرمنْكم» بسكون النون، وتخفيفها. قال ابن عباس: لا يحملنّكم، قال غيره: لا يدخلنكم في الجُرم، كما تقول: آثمتُه أي: أدخلته في الإثم، وقال ابن قتيبة: لا يكسبنكم يقال: فلان جارمُ أهله، أي: كاسُبهم، وكذلك جريمتهم. وقال الهُذلي: ووصف عقاباً: جريمةَ ناهضٍ في رأس نِيْقٍ ... تَرَى لِعظَامِ ما جَمَعَتْ صَليبا «2» والناهض: فرخها، يقول: هي تكسب له، وتأتيه بقوته. و «الشنآن» البغض، يقال: شنئته أشنؤه: إِذا أبغضته. وقال ابن الأنباري: «الشنآن» : البغض، و «الشنآن» بتسكين النون: البغيض. واختلف القراء في نون الشنآن، فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بتحريكها، وأسكنها ابن عامر، وروى حفص عن عاصم تحريكها، وأبو بكر عنه تسكينها، وكذلك اختُلف عن نافع. قال أبو علي: «الشَّنآن» ، قد جاء وصفاً، وقد جاء اسماً، فمن حرّك، فلأنه مصدر، والمصدر يكثر على فَعَلان، نحو النَّزَوان، ومن سكَّن. قال: هو مصدر، وقد جاء المصدر على فَعْلان، تقول: لويته دينَه لَيَّانًا، فالمعنى في القراءتين واحد، وإِن اختلف اللفظان. واختلفوا في قوله تعالى: أَنْ صَدُّوكُمْ فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالكسر، وقرأ الباقون بالفتح، فمن فتح جعل الصّد ماضياً، فيكون المعنى من أجل أن صدوكم، ومن كسرها، جعلها للشرط، فيكون الصّد مترقَّباً. قال أبو الحسن الأخفش: وقد يكون الفعل ماضيا مع الكسر، كقوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ «3» وقد كانت السرقة عندهم قد وقعت، وأنشد أبو علي الفارسي: إِذا ما انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْني لئيمةٌ ... وَلَمْ تَجِدي من أن تُقِرِّي بها بُدّا فانتفاء الولادة أمر ماض وقد جعله جزاء، والجزاء إِنما يكون بالمستقبل فيكون المعنى إِن ننتسب لا تجدني مولود لئيمة. قال ابن جرير: وقراءة مَن فتح الألف أبيَن، لأن هذه السورة نزلت بعد الحديبية، وقد كان الصدّ تقدّم. فعلى هذا في معنى الكلام قولان: أحدهما: ولا يحملنكم بغض أهل مكة أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا فيه، فتقاتلوهم، وتأخذوا أموالهم إِذا دخلتموه، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: لا يحملنكم بغض أهل مكة، وصدّهم إِياكم أن تعتدوا بإتيان ما لا يحل لكم من الغارة على المعتمرين من المشركين، على ما سبق في نزول الآية. قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى قال الفراء: لِيُعِن بعضكم بعضاً. قال ابن عباس: البرّ ما
[سورة المائدة (5) : آية 3]
أُمرت به، و «التقوى» : ترك ما نُهيت عنه. فأمّا «الإثم» فالمعاصي. والعدوان: التّعدّي في حدود الله، قاله عطاء. فصل: اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها محكمة، روي عن الحسن أنه قال: ما نسخ من المائدة شيء، وكذلك قال أبو ميسرة في آخرين قالوا: ولا يجوز استحلال الشعائر، ولا الهدي قبل أوان ذبحه، واختلفوا في «القلائد» فقال قوم: يحرم رفع القلادة عن الهدي حتى ينحر، وقال آخرون: كانت الجاهلية تقلِّد من شجر الحرم، فقيل لهم: لا تستحلُّوا أخذ القلائد من الحرم، ولا تصدوا القاصدين إِلى البيت. والثاني: أنها منسوخة، وفي المنسوخ منها أربعة أقوال: أحدها: أن جميعها منسوخ، وهو قول الشعبي. والثاني: أنها وردت في حق المشركين كانوا يقلِّدون هداياهم، ويظهرون شعائِر الحج من الاحرام والتلبية، فنُهي المسلمون بهذه الآية عن التعرّض لهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «1» وهذا قول الأكثرين. والثالث: أن الذي نُسخ قوله تعالى: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ نسخه قوله تعالى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا «2» روي عن ابن عباس، وقتادة. والرابع: أن المنسوخ منها: تحريم الشهر الحرام، وآمّون البيت الحرام: إِذا كانوا مشركين، وهدي المشركين. إِذا لم يكن لهم من المسلمين أمان، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ. [سورة المائدة (5) : آية 3] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ مفسّرٌ في «البقرة» ، فأمّا وَالْمُنْخَنِقَةُ فقال ابن عباس: هي التي تختنق فتموت، وقال الحسن، وقتادة: هي التي تختنق بحبل الصائد وغيره. قلت: والمنخنقة حرام كيف وقع ذلك، قال ابن قتيبة: وَالْمَوْقُوذَةُ: التي تُضرب حتى توقَذ، أي: تشرف على الموت، ثم تترك حتى تموت، وتؤكل بغير ذكاة، ومنه يقال: فلان وقيذ، وقد وقذته العبادة. و «المتردّية» : الواقعة من جبل أو حائط، أو في بئر، يقال: تردى: إِذا سقط. وَالنَّطِيحَةُ: التي تنطحها شاة أخرى أو بقرة، «فعيلة» في معنى «مفعولة» وَما أَكَلَ السَّبُعُ وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو مجلز، وابن أبي ليلى: السَّبع: بسكون الباء. والمراد: ما افترسه فأكل بعضه إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي: إِلا ما لحقتم من هذا كله وبه حياة، فذبحتموه «3» . فأما الاستثناء، ففيه قولان: أحدهما: أنه يرجع إِلى المذكور من عند قوله تعالى:
وَالْمُنْخَنِقَةُ. والثاني: أنه يرجع إِلى ما أكل السبع خاصة، والعلماء على الأول. فصل في الذكاة: قال الزجاج: أصل الذكاة في اللغة: تمام الشيء، فمنه الذكاء في السن، وهو تمام السِّن. قال الخليل: الذكاء: أن تأتي على قروحه سنة، وذلك تمام استكمال القوة، ومنه الذكاء في الفهم، وهو أن يكون فهماً تاماً، سريع القبول. وذكّيت النار، أي: أتممت إِشعالها. وقد روي عن عليّ، وابن عباس، والحسن، وقتادة أنهم قالوا: ما أدركت ذكاته بأن توجد له عينٌ تَطْرِف أو ذنب يتحرك، فأكله حلالٌ. قال القاضي أبو يعلى: ومذهب أصحابنا أنه إِن كان يعيش مع ما به، حل بالذبح، فان كان لا يعيش مع ما به، نظرت، فان لم تكن حياته مستقرّة، وإِنما حركته حركة المذبوح، مثل أن شُقَّ جوفه، وأُبينت حشوته، فانفصلت عنه، لم يحل أكله، وإِن كانت حياته مستقرة يعيش اليوم واليومين، مثل أن يشق جوفه، ولم تقطع الأمعاء، حل أكله. ومن الناس من يقول: إِذا كانت فيه حياة في الجملة أُبيح بالذكاة، والصحيح ما ذكرنا، لأنه إِذا لم تكن فيه حياة مستقرة، فهو في حكم الميت. ألا ترى أن رجلاً لو قطع حُشْوَةَ آدمي، ثم ضرب عنقه آخر، فالأول هو القاتل، لأن الحياة لا تبقى مع الفعل الأول. وفي ما يجب قطعه في الذكاة روايتان «1» : إِحداهما: أنه الحلقوم والمريء والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء، فإن نقص من ذلك شيئاً لم يؤكل، هذا ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله. والثانية: يجزئ قطع الحلقوم والمريء، وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزئ قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. وقال مالك: يجزئ قطع الأوداج، وإِن لم يقطع الحلقوم. وقال الزجاج: الحلقوم بعد الفم، وهو موضع النفَس، وفيه شعب تتشعب منه في الرئة.
والمريء: مجرى الطعام، والودجان: عرقان يقطعهما الذابح. فأما الآلة التي تجوز بها الذكاة، فهي كل ما أنهر الدم، وفرى الأوداج سوى السن والظفر، سواء كانا منزوعين أو غير منزوعين. وأجاز أبو حنيفة الذكاة بالمنزوعين. فأما البعير إِذا توحش أو تردى في بئر، فهو بمنزلة الصيد ذكاته عقره. وقال مالك: ذكاته ذكاة المقدور عليه. فإن رمى صيداً فأبان بعضه وفيه حياة مستقرة فذكّاه، أو تركه حتى مات جاز أكله، وفي أكل ما بان منه روايتان. قوله تعالى: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ في النصب قولان: أحدهما: أنها أصنام تنصب، فتُعبد من دون الله، قاله ابن عباس، والفراء، والزجاج، فعلى هذا القول يكون المعنى، وما ذبح على اسم النُّصب، وقيل لأجلها، فتكون «على» بمعنى «اللام» ، وهما يتعاقبان في الكلام، كقوله تعالى: فَسَلامٌ لَكَ «1» أي: عليك، وقوله تعالى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها «2» . والثاني: أنها حجارة كانوا يذبحون عليها، ويشرِّحون اللحم عليها ويعظمونها، وهو قول ابن جريج. وقرأ الحسن، وخارجة عن أبي عمرو: على النَّصْب، بفتح النون، وسكون الصاد، قال ابن قتيبة، يقال: نُصُبٌ ونُصْبُ ونَصْبٌ، وجمعه أنصاب. قوله تعالى: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ قال ابن جرير: أي: وأن تطلبوا عِلم ما قُسم لكم، أو لم يقسم بالأزلام، واستفعلت من القسم، قسم الرزق والحاجات. قال ابن قتيبة: الأزلام: القداح، واحدها: زَلَم وزُلَم. والاستقسام بها: أن يضرب بها فيعمل بما يخرج فيها من أمرٍ أو نهي، فكانوا إِذا أرادوا أن يقتسموا شيئاً بينهم، فأحبُّوا أن يعرفوا قسم كل امرئٍ تعرفوا ذلك منها، فأخِذ الاستقسام من القِسم وهو النصيب. قال سعيد بن جبير: الأَزلام: حصى بيض، كانوا إِذا أرادوا غدواً، أو رواحاً، كتبوا في قدحين، في أحدهما: أمرني ربي، وفي الآخر: نهاني ربي، ثم يضربون بهما، فأيهما خرج، عملوا به. وقال مجاهد: الأزلام: سهام العرب، وكعاب «3» فارس التي يتقامرون بها. وقال السدي: كانت الأزلام تكون عند الكهنة. وقال مقاتل: في بيت الأصنام. وقال قوم: كانت عند سدنة الكعبة. قال الزجاج: ولا فرق بين ذلك وبين قول المنجمين: لا تخرج من أجل نجم كذا، أو اخرج من أجل نجم كذا. قوله تعالى: ذلِكُمْ فِسْقٌ في المشار إِليه بذلكم قولان: أحدهما: أنه جميع ما ذكر في الآية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وبه قال سعيد بن جبير. والثاني: أنه الاستقسام بالأزلام، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والفسق: الخروج عن طاعة الله إِلى معصيته. قوله تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ في هذا «اليوم» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اليوم الذي دخل فيه رسول الله مكة في حجة الوداع، قاله أبو صالح عن ابن عباس «4» . وقال ابن السائب: نزلت ذلك اليوم. والثاني: أنه يوم عرفة، قاله مجاهد، وابن زيد.
والثالث: أنه لم يرد يوماً بعينه، وإِنما المعنى: الآن يئسوا، كما تقول: أنا اليوم قد كبرت، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: العرب توقع اليوم على الزمان الذي يشتمل على الساعات والليالي، فيقولون: قد كنت في غفلة، فاليوم استيقظت، يريدون: فالآن، ويقولون: كان فلان يزورنا، وهو اليوم يجفونا، ولا يقصدون باليوم قصد يوم واحد. قال الشاعر: فيومٌ علينا ويوم لنا ... ويومٌ نُساء ويومٌ نُسر «1» أراد: فزمان لنا، وزمان علينا، ولم يقصد ليوم واحد لا ينضم إِليه غيره. وفي معنى يأسهم قولان: أحدهما: أنهم يئسوا أن يرجع المؤمنون إلى دين المشركين، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: يئسوا من بطلان الإِسلام، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: وإِنما يئسوا من إِبطال دينهم لما نقل الله خوف المسلمين إِليهم. وأمنهم إِلى المسلمين، فعلموا أنهم لا يقدرون على إِبطال دينهم، ولا على استئصالهم، وإِنما قاتلوهم بعد ذلك ظناً منهم أن كفرهم يبقى. قوله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ قال ابن جريج: لا تخشوهم أن يظهروا عليكم، وقال ابن السائب: لا تخشوهم أن يظهروا على دينكم، واخشوني في مخالفة أمري. قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. (397) روى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إِلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إِنكم تقرؤون آيةً من كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وأيّ آية هي؟ قال: قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فقال عمر: إِني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله، والساعة التي نزلت فيها، والمكان الذي نزلت فيه على رسول الله وهو قائم بعرفة في يوم جمعة. وفي لفظ «نزلت عشيّة عرفة» قال سعيد بن جبير: عاش رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد ذلك أحداً وثمانين يوماً «2» . فأما قوله تعالى: الْيَوْمَ ففيه قولان: أحدهما: أنه يوم عرفة، وهو قول الجمهور. والثاني: أنه ليس بيوم معيّن، رواه عطيّة عن ابن عباس، وقد ذكرنا هذا آنفاً. وفي معنى إِكمال الدين خمسة أقوال «3» : أحدها: أنه إِكمال فرائضه وحدوده، ولم ينزل بعد هذه
[سورة المائدة (5) : آية 4]
الآية تحليل ولا تحريم، قاله ابن عباس، والسُدّي، فعلى هذا يكون المعنى: اليوم أكملت لكم شرائِع دينكم. والثاني: أنه بنفي المشركين عن البيت، فلم يحج معهم مشرك عامئذ، قاله سعيد بن جبير، وقتادة. وقال الشعبي: كمال الدين هاهنا: عزه وظهوره، وذلّ الشّرك ودروسه، لا تكامل الفرائض والسّنن، لأنّها لم تزل تنزل إِلى أن قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعلى هذا يكون المعنى: اليوم أكملت لكم نصر دينكم. والثالث: أنه رفع النسخ عنه. وأما الفرائض فلم تزل تنزل عليه حتى قُبض، روي عن ابن جبير أيضاً. والرابع: أنه زوال الخوف من العدو، والظهور عليهم، قاله الزجاج. والخامس: أنه أمن هذه الشريعة من أن تنسخ بأخرى بعدها، كما نسخ بها ما تقدمها. وفي إِتمام النعمة ثلاثة أقوال: أحدها: منع المشركين من الحج معهم، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة. والثاني: الهداية إِلى الإيمان، قاله ابن زيد. والثالث: الإِظهار على العدو، قاله السدي. قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ أي: دعته الضرورة إِلى أكل ما حرُم عليه. فِي مَخْمَصَةٍ أي: مجاعة، والخمص: الجوع. قال الشاعر يذم رجلاً: يَرَى الخمْصَ تعذيباً وإِن يلق شَبْعَةً ... يَبِتْ قلبُه من قِلَّة الهمِّ مُبْهما «1» وهذا الكلامُ يرجع إِلى المحرمات المتقدّمة من الميتة والدم، وما ذكر معهما. قوله تعالى: غَيْرَ مُتَجانِفٍ قال ابن قتيبة: غير مائل إلى ذلك، و «الجنف» : الميل. وقال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: غير متعمد لإِثم. وفي معنى «تجانف الإِثم» قولان: أحدهما: أن يتناول منه بعد زوال الضرورة، روي عن ابن عباس في آخرين. والثاني: أن يتعرّض لمعصية في مقصده، قاله قتادة. وقال مجاهد: من بغى وخرج في معصية، حرم عليه أكله. قال القاضي أبو يعلى: وهذا أصح من القول الأول، لأن الآية تقتضي اجتماع تجانف الاثم مع الاضطرار، وذلك إنما يصحّ في سفر العاصي، ولا يصح حمله على تناول الزِّيادة على سد الرّمق، لأن الاضطرار قد زال. قال أبو سليمان: ومعنى الآية: فمن اضطر فأكله غير متجانف لإِثم، فإن الله غفور، أي: متجاوز عنه، رحيم إِذْ أحل ذلك للمضطر. [سورة المائدة (5) : آية 4] يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (4) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ في سبب نزولها قولان: (398) أحدهما: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما أمر بقتل الكلاب، قال الناس: يا رسول الله ماذا أحلّ لنا من
هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت هذه الآية، أخرجه أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث أبي رافع عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. (399) وكان السبب في أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقتلها أن جبريل عليه السلام استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأذن له، فلم يدخل وقال: «إِنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة» ، فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. (400) والثاني: أن عدي بن حاتم، وزيد الخيل الذي سمّاه رسول الله: زيد الخير، قالا: يا رسول الله إِنا قومٌ نصيد بالكلاب والبُزاة «1» ، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما لا ندرك ذكاته، وقد حرّم الله الميتة، فماذا يحلُّ لنا منها؟ فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير. قال الزجاج: ومعنى الكلام: يسألونك أي شيء أُحل لهم؟ قل: أُحلّ لكم الطيبات، وأُحل لكم صيد ما علّمتم من الجوارح، والتأويل أنهم سألوا عنه ولكن حذف ذكر صيد ما علمتم، لأن في الكلام دليلاً عليه. وفي الطيبات قولان: أحدهما: أنها المباح من الذبائح. والثاني: أنها ما استطابته العربُ مما لم يحرّم. فأما الْجَوارِحِ فهي ما صيد به من سباع البهائم والطير، كالكلب، والفهد، والصقر والبازي، ونحو ذلك مما يقبل التعليم «2» . قال ابن عباس: كل شيءٍ صاد فهو جارح. وفي تسميتها بالجوارح قولان: أحدهما: لكسب أهلها بها. قال ابن قتيبة: أصل الاجتراح: الاكتساب، يقال: امرأة لا جارح لها، أي: لا كاسب. والثاني: لأنها تجرح ما تصيد في الغالب، ذكره الماوردي. قال أبو سليمان الدمشقي: وعلامة التعليم أنك إِذا دعوته أجاب، وإذا أسّدته على الصيد استأسد، ومضى في طلبه، وإِذا أمسك أمسك عليك لا على نفسه. وعلامة إِمساكه عليك: أن لا يأكل منه شيئاً، هذا في السباع والكلاب «3» ، فأما تعليم جوارح الطير فبخلاف السباع، لأن الطائر إِنما يُعلّم الصيد بالأكل،
والفهد، والكلب، وما أشبههما يعلمون بترك الأكل، فهذا فرق ما بينهما. وفي قوله تعالى: مُكَلِّبِينَ ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أصحاب الكلاب، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول ابن عمر، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك، والسدي، والفراء، والزجاج، وابن قتيبة. قال الزجاج: يقال: رجل مكلّب وكلاّبي، أي: صاحب صيد بالكلاب. والثاني: أن معنى مُكَلِّبِينَ: مُصرّين على الصيد، وهذا مروي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. والثالث: ان مُكَلِّبِينَ بمعنى: معلمين. قال أبو سليمان الدمشقي: وإِنما قيل لهم: مكلبين، لأن الغالب من صيدهم إِنما يكون بالكلاب. قال ثعلب: وقرأ الحسن، وأبو رزين: مُكْلِبين، بسكون الكاف، يقال: أكلب الرجل: إِذا كثرت كلابه، وأمشى: إِذا كثرت ماشيته، والعرب تدعو الصائد مكلّبا. قوله تعالى: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ قال سعيد بن جبير: تؤدّبونهن لطلب الصيد. وقال الفراء: تؤدّبونهن أن لا يأكلن صيدهن. واختلفوا هل إِمساك الصائد عن الأكل شرط في صحة التعليم أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه شرط في كل الجوارح، فان أكلت، لم يؤكل، روي عن ابن عباس، وعطاء. والثاني: أنه ليس بشرط في الكل، ويؤكل وإِن أكلت، روي عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبي هريرة، وسلمان الفارسي. والثالث: أنه شرط في جوارح البهائم، وليس بشرط في جوارح الطير، وبه قال الشعبي، والنخعي، والسدي، وهو أصح لما بيّنا أن جارح الطير يعلم على الأكل، فأبيح ما أكل منه، وسباع البهائم تعلم على ترك الأكل، فأبيح ما أكلت منه. فعلى هذا إِذا أكل الكلب والفهد من الصيد، لم يبحْ أكله. فأما ما أكل منه الصقر والبازي، فمباح، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وقال مالك: يباح أكل ما أكل منه الكلب، والفهد، والصقر، فإن قتل الكلب، ولم يأكل، أُبيح. وقال أبو حنيفة: لا يباح، فان أدرك الصيد، وفيه حياة، فمات قبل أن يذكيه، فإن كان ذلك قبل القدرة على ذكاته أُبيح، وإِن أمكنه فلم يذكّه، لم يبحْ، وبه قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يباح في الموضعين. فأما الصيد بكلب المجوسي، فروي عن أحمد أنه لا يكره، وهو قول الأكثرين، وروي عنه الكراهة، وهو قول الثوري لقوله تعالى: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ وهذا خطاب للمؤمنين «1» . قال القاضي أبو يعلى: ومنع أصحابنا الصيد بالكلب الأسود، وإِن كان معلماً، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بقتله،
[سورة المائدة (5) : آية 5]
والأمر بالقتل: يمنع ثبوت اليد، ويبطل حكم الفعل، فيصير وجوده كالعدم، فلا يباح صيده «1» . قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ قال الأخفس: «من» زائدة كقوله تعالى: فِيها مِنْ بَرَدٍ «2» . قوله تعالى: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الإِرسال، قاله ابن عباس، والسدي، وعندنا أن التسمية شرط في إِباحة الصيد «3» . والثاني: ترجع إِلى الأكل فتكون التسمية مستحبّة. قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ قال سعيد بن جبير: لا تستحلوا ما لم يذكر اسم الله عليه. [سورة المائدة (5) : آية 5] الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5) قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ قال القاضي أبو يعلى: يجوز أن يريد باليوم اليوم الذي أنزلت فيه الآية، ويجوز أن يريد اليوم الذي تقدم ذكره في قوله تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ، وفي قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وقيل: ليس بيوم معيّن، وقد سبق الكلام في «الطيبات» وإنما كرّر إِحلالها تأكيداً. فأما أهل الكتاب، فهم اليهود والنّصارى. وطعامهم: ذبائحهم،
هذا قول ابن عباس، والجماعة. وإِنما أريد بها الذبائح خاصّة، لأن سائر طعامهم لا يختلف بمن توَّلاه من مجوسي وكتابي، وإِنما الذكاة تختلف، فلما خصّ أهل الكتاب بذلك، دل على أن المراد الذبائح، فأما ذبائح المجوس، فأجمعوا على تحريمها. واختلفوا في ذبائح من دان باليهودية والنصرانية من عبدة الأوثان «1» ، فروي عن ابن عباس أنه سُئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال: لا بأس بها، وتلا قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ وهذا قول الحسن، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعكرمة، وقتادة، والزهري، والحكم، وحماد. وقد روي عن علي، وابن مسعود في آخرين أن ذبائحهم لا تحل. ونقل الخرقي عن أحمد في نصارى بني تغلب روايتين. إِحداهما: تباح ذبائحهم، وهو قول أبي حنيفة، ومالك. والثانية: لا تباح. وقال الشافعي: من دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن، لم يبح أكل ذبيحته. قوله تعالى: وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ أي: وذبائحكم لهم حلال، فاذا اشتروا منا شيئاً كان الثمن لنا حلالاً، واللحم لهم حلالاً. قال الزجاج. والمعنى: أُحل لكم أن تطعموهم. فصل: وقد زعم قوم أن هذه الآية اقتضت إِباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقاً وإِن ذكروا غير اسم الله عليها، فكان هذا ناسخاً لقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ «2» والصحيح أنها أطلقت إِباحة ذبائحهم، لأن الأصل أنهم يذكرون الله فيُحمل أمرهم على هذا. فإن تيقنّا أنهم ذكروا غيره فلا نأكل ولا وجه للنسخ، وإِلى هذا الذي قلته ذهب علي، وابن عمر، وعبادة، وأبو الدرداء، والحسن في جماعة.
قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ فيهن قولان: أحدهما: العفائف، قاله ابن عباس. والثاني: الحرائِر، قاله مجاهد. وفي قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قولان: أحدهما: الحرائِر أيضاً، قاله ابن عباس. والثاني: العفائِف، قاله الحسن، والشعبي، والنخعي، والضحاك والسدي، فعلى هذا القول يجوز تزويج الحرّة منهن والأمة. فصل: وهذه الآية أباحت نكاح الكتابية. وقد روي عن عثمان أنه تزوج نائِلة بنت الفرافصة على نسائه وهي نصرانية. وعن طلحة بن عبيد الله: أنه تزوج يهودية. وقد روي عن عمر، وابن عمر كراهة ذلك. واختلفوا في نكاح الكتابية الحربية، فقال ابن عباس: لا تحل، والجمهور على خلافه، وإِنما كرهوا ذلك، لقوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «1» ، والنكاح يوجب الود. واختلفوا في نكاح نساء تغلب، فروي عن عليّ رضي الله عنه الحظر، وبه قال جابر بن زيد، والنخعي، وروي عن ابن عباس الإباحة. وعن أحمد روايتان. واختلفوا في إماء أهل الكتاب، فروي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد: أنه لا يجوز نكاحهن، وبه قال الأوزاعي، ومالك، واللّيث بن سعد، والشافعي، وأصحابنا، وروي عن الشعبي، وأبي ميسرة جواز ذلك، وبه قال أبو حنيفة. فأما المجوس، فالجمهور على أنهم ليسوا بأهل كتاب، وقد شذّ من قال: إِنهم أهل كتاب. (401) ويبطل قولهم قولُه عليه السلام: «سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب» . فأما «الأجور» ، و «الإحصان» ، و «السّفاح» ، و «الأخذان» فقد سبق في سورة النساء. قوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. (402) سبب نزول هذا الكلام: أن الله تعالى لما رخَّص في نكاح الكتابيات قلن بينهن: لولا أن الله تعالى قد رضي علينا، لم يبح للمؤمنين تزويجنا، وقال المسلمون: كيف يتزوّج الرجل منا الكتابية، وليست على ديننا، فنزلت: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل بن حيّان: نزلت فيما أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إِحصان المسلمين إِياهن بالذي يخرجهن من الكفر. وروى ليث عن مجاهد: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ قال: الإِيمان بالله تعالى، وقال الزجاج: معنى الآية: من أحل ما حرّم الله، أو حرّم ما أحلّه الله فهو كافر. وقال أبو سليمان: من جحد ما أنزله الله من شرائِع الإِيمان، وعرفه من الحلال والحرام، فقد حبط
[سورة المائدة (5) : آية 6]
عمله المتقدّم. وسمعت الحسن بن أبي بكر النّيسابوريّ الفقيه يقول: إنّما أباح الله عزّ وجلّ الكتابيّات، لأنّ بعض المسلمين قد يعجبه حسنهن، فَحَذَّر ناكحهنَّ من الميل إِلى دينهن بقوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [سورة المائدة (5) : آية 6] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ قال الزجاج: المعنى: إِذا أردتم القيام إِلى الصلاة، كقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «1» قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: إذا آخيت فآخ أهل الحسب، وإِذا اتجرت فاتجر في البزّ «2» . قال: ويجوز أن يكون الكلام مقدّماً ومؤخراً، تقديره: إِذا غسلتم وجوهكم، واستوفيتم الطهور، فقوموا إِلى الصلاة. وللعُلماء في المراد بالآية قولان «3» . أحدهما: إِذا قمتم إِلى الصلاة محدثين، فاغسلوا، فصار الحدث مضمراً في وجوب الوضوء، وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، والفقهاء. والثاني: أن الكلام على إِطلاقه من غير إِضمار، فيجب الوضوء على كل من يريد الصلاة، محدثاً كان، أو غير محدث، وهذا مروي عن عليّ رضي الله عنه وعكرمة، وابن سيرين. ونقل عنهم أن هذا الحكم غير منسوخ، ونقل عن جماعة من العلماء أن ذلك كان واجباً، ثم نسخ بالسنّة. (403) وهو ما روى بُريدة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوءٍ واحدٍ، فقال له عمر: لقد صنعت شيئاً لم تكن تصنعه؟ فقال: «عمداً فعلته يا عمر» .
وقال قوم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناها: إِذا قمتم إِلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فاغسلوا وجوهكم «1» . قوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ «إِلى» حَرْفٌ موضوعٌ للغاية، وقد تدخل الغاية فيها تارة، وقد لا تدخل، فلما كان الحديث يقيناً، لم يرتفع إِلا بيقين مثله، وهو غسل المرفقين. فأما الرأس فنقل عن أحمد وجوب مسح جميعه «2» ، وهو قول مالك، وروي عنه: يجب مسح أكثره، وروي عن أبي حنيفة روايتان: إِحداهما: أنه يتقدّر بربع الرأس. والثانية: بمقدار ثلاث أصابع. قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: بكسر اللام عطفاً على مسح الرأس، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم، ويعقوب: بفتح اللام عطفاً على الغَسل، فيكون من المقدم والمؤخّر. قال الزجاج: الرِّجل من أصل الفخذ إِلى القدم، فلما حدّ الكعبين، عُلمَ أن الغسل ينتهي إِليهما، ويدل على وجوب الغَسل التحديد بالكعبين، كما جاء في تحديد اليد «إلى المرافق» ولم يجيء في شيء من المسح تحديد. ويجوز أن يراد الغسل على قراءة الخفض، لأن التحديد بالكعبين يدل على الغسل، فينسق بالغسل على المسح. قال الشاعر:
يا ليتَ بَعْلك قد غدا ... متقلِّداً سيفاً ورُمحاً «1» والمعنى: وحاملاً رمحاً. وقال الآخر. علفتها تبناً وماءً بارِداً «2» والمعنى: وسقيتها ماءً بارداً. وقال أبو الحسن الأخفش: يجوز الجرّ على الإِتباع، والمعنى: الغسل، نحو قولهم: جحر ضبٍ خربٍ. وقال ابن الأنباري: لما تأخّرت الأرجل بعد الرؤوس، نسقت عليها للقرب والجوار، وهي في المعنى نسق على الوجوه كقولهم: جحر ضبٍّ خَربٍ، ويجوز أن تكون منسوقة عليها، لأن العرب تسمّي الغسل مسحاً، لأن الغسل لا يكون إِلا بمسح. وقال أبو علي: مَن جرّ فحُجَّتُه أنه وجد في الكلام عاملين: أحدهما: الغسل، والآخر: الباء الجارّة، ووجه العاملين إِذا اجتمعا: أن يحمل الكلام على الأقرب منهما دون الأبعد، وهو «الباء» هاهنا، وقد قامت الدلالة على أن المراد بالمسح: الغسل من وجهين «3» :
أحدهما: أن أبا زيد قال: المسح خفيف الغسل، قالوا: تمسحت للصلاة، وقال أبو عبيدة: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ «1» ، أي ضرباً، فكأن المسح في الآية غسل خفيف. فإن قيل: فالمستحب التكرار ثلاثاً؟ قيل: إِنما جاءت الآية بالمفروض دون المسنون. والوجه الثاني: أن التحديد والتوقيت إِنما جاء في المغسول دون الممسوح، فلما وقع التحديد مع المسح، عُلم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد، وحجة من نصب أنه حَمل ذلك على الغسل لاجتماع فُقهاء الأمصار على الغسل. قوله تعالى: إِلَى الْكَعْبَيْنِ «إِلى» بمعنى «مع» ، والكعبان: العظمان الناتئان من جانبي القدم. قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا أي: فتطهروا، فأدغمت التاء في الطاء، لأنهما من مكان واحد، وقد بيّن الله عزّ وجلّ طهارة الجنب في سورة النّساء بقوله تعالى: حَتَّى تَغْتَسِلُوا «2» وقد ذكرنا هناك الكلام في تمام الآية إلى قوله تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ و «الحرج» : الضيق، فجعل الله الدين واسعاً حين رخّص في التيمم. قوله تعالى: وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ أي: يريد أن يطهركم. قال مقاتل: من الأحداث والجنابة، وقال غيره: من الذنوب والخطايا، لأن الوضوء يكفر الذنوب. قوله تعالى: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ في الذي يتمُّ به النعمة أربعة أقوال: أحدها: بغفران الذنوب. (404) قال محمد بن كعب القرظي: حدثني عبد الله بن دارة، عن حمران قال: مررت على عثمان بفخّارةٍ من ماءٍ، فدعا بِها فتوضأ، فأحسن الوضوء ثم قال: لو لم أسمعه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غير مرة أو مرّتين أو ثلاثاً ما حدّثتكم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما توضأ عبد فأحسن الوضوء، ثم قام إِلى الصلاة، إِلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى» قال محمد بن كعب: وكنت إِذا سمعت الحديث التمسته في القرآن. فالتمست هذا فوجدته في قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ «3» فعلمت أن الله لم يتم النعمة عليه حتى غفر له ذنوبه، ثم قرأت الآية التي في المائدة: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إِلى قوله وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ فعلمت أنه لم يتم النعمة عليهم حتى غفر لهم.
[سورة المائدة (5) : آية 7]
والثاني: بالهداية إِلى الإِيمان، وإِكمال الدين، وهذا قول ابن زيد. والثالث: بالرخصة في التيمم، قاله مقاتل، وأبو سليمان. والرابع: ببيان الشرائِع، ذكره بعض المفسّرين. [سورة المائدة (5) : آية 7] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني النعم كلَّها. وفي هذا حثٌ على الشكر. وفي الميثاق أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه إِقرار كل مؤمن بما آمن به. قال ابن عباس: لما أنزل الله الكتاب، وبعث الرسول، فقالوا: آمنا، ذكَّرهم ميثاقه الذي أقرُّوا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء. والثاني: أنه الميثاق الذي أخذه من بني آدم حين أخرجهم من ظهره، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وابن زيد. والثالث: أنه ما وثق على المؤمنين على لسان نبيه عليه السلام من الأمر بالوفاء بما أقرّوا به من الإِيمان. روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والرابع: أنه الميثاق الذي أخذ من الصّحابة على السمع والطاعة في بيعة العقبة، وبيعة الرضوان، ذكره بعض المفسّرين. قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ قال مقاتل: اتقوه في نقض الميثاق إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: بما فيها من إيمان وشكّ. [سورة المائدة (5) : آية 8] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (8) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت من أجل كفار قريش أيضا، وقد تقدّم ذكرهم في قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ روى نحو هذا أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. (405) والثاني: أن قريشاً بعثت رجلاً ليقتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأطلع الله نبيه على ذلك، ونزلت هذه الآية، والتي بعدها، هذا قول الحسن. (406) والثالث: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذهب إِلى يهود بني النضير يستعينهم في ديةٍ، فهمُّوا بقتله، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد، وقتادة. ومعنى الآية: كونوا قوامين لله بالحق، ولا يحملنَّكم بغض قوم على ترك العدل اعْدِلُوا في
[سورة المائدة (5) : الآيات 9 إلى 10]
الولي والعدو هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أي: إِلى التقوى. والمعنى: أقرب إِلى أن تكونوا متقين، وقيل: هو أقرب إلى اتّقاء النّار. [سورة المائدة (5) : الآيات 9 الى 10] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10) قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ في معناها قولان: أحدهما: أن المعنى: وعدهم الله أن يغفر لهم ويأجرهم فاكتفى بما ذكر عن هذا المعنى. والثاني: أن المعنى: وعدهم فقال: لهم مغفرة. وقد بيّنّا في البقرة معنى «الجحيم» » . [سورة المائدة (5) : آية 11] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) في سبب نزولها أربعة أقوال «2» : (407) أحدها: أن رجلاً من محارب قال لقومه: الا أقتل لكم محمداً، فقالوا: وكيف تقتله؟ فقال: أفتك به، فأقبل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسيفه في حجره، فأخذه، وجعل يهزّه، ويهمّ به، فيَكْبِتُه الله، ثم قال: يا محمد ما تخافني؟ قال: لا، قال: لا تخافني وفي يدي السّيف؟! قال: يمنعني الله منك، فأغمد السيف، فنزلت هذه الآية، رواه الحسن البصري عن جابر بن عبد الله. وفي بعض الألفاظ: فسقط السّيف من يده. وفي لفظ آخر: فما قال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم شيئاً ولا عاقبه. واسم هذا الرجل: غورث بن الحارث من محارب خصفة.
[سورة المائدة (5) : آية 12]
(408) والثاني: أن اليهود عزموا على الفتك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكفاه الله شرّهم، قال ابن عباس: صنعوا له طعاماً، فأوُحِيَ إِليه بشأنهم، فلم يأت. (409) وقال مجاهد، وعكرمة: خرج إِليهم يستعينهم في دية، فقالوا: اجلس حتى نعطيك، فجلس هو وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض، وقالوا: لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن، فمن يظهر على هذا البيت، فيطرح عليه صخرة؟ فقال عمرو بن جحّاش: أنا، فجاء إِلى رحى عظيمة ليطرحها عليه، فأمسك الله يده، وجاء جبريل، فأخبره، وخرج، ونزلت هذه الآية. (410) والثالث: أن بني ثعلبة، وبني مُحارب أرادوا أن يفتكوا بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبأصحابه، وهم ببطن نخلة في غزاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم السابعة، فقالوا: إِِن لهم صلاة هي أحبّ إِليهم من آبائِهم وأمهاتهم، فإذا سجدوا وقعنا بهم، فأطلع الله نبيه على ذلك، وأنزل صلاة الخوف، ونزلت هذه الآية، هذا قول قتادة. والرابع: أنها نزلت في حق اليهود حين ظاهروا المشركين على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هذا قول ابن زيد. [سورة المائدة (5) : آية 12] وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (12) قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ قال أبو العالية: أخذ الله ميثاقهم أن يخلصوا له العبادة، ولا يعبُدوا غيره. وقال مقاتل: أن يعملوا بما في التوراة. وفي معنى النقيب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الضمين، قاله الحسن، ومعناه: أنه ضمين ليعرف أحوال من تحت يده، ولا يجوز أن يكون ضميناً عنهم بالوفاء، لأن ذلك لا يصح ضمانه. وقال ابن قتيبة: هو الكفيل على القوم. والنقابة شبيهة بالعرافة. والثاني: أنه الشاهد، قاله قتادة. وقال ابن فارس: النقيب: شاهد القوم، وضمينهم. والثالث: الأمين، قاله الربيع بن أنس، واليزيدي، وهذه الأقوال تتقارب. قال الزجاج: النقيب في اللغة، كالأمين والكفيل، يقال: نقب الرجل على القوم ينقب: إِذا صار نقيباً عليهم، وصناعته النقابة، وكذلك عرِّف عليهم: إِذا صار عريفاً، ويقال لأول ما يبدو من الجرب: النّقبة، ويجمع النّقب والنّقب. وقال الشاعر:
[سورة المائدة (5) : آية 13]
متبذِلاً تبدو محاسنُه ... يضعُ الهناء مواضِعَ النُّقب «1» ويقال: في فلان مناقب جميلة، وكل الباب معناه: التأثير الذي له عُمق ودخول، ومن ذلك نقبت الحائِط، أي: بلغت في النقب آخِرَه، والنقبة من الجرب: داء شديد الدخول. وإِنما قيل: نقيب، لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرف مناقبهم، وهو الطريق إِلى معرفة أمورهم. ونقل أن الله تعالى أمر موسى وقومه بالسّير إلى الأرض المقدسة، وكان يسكنها الجبارون، فقال تعالى: يا موسى اخرج إِليها وجاهد من فيها من العدو، وخُذْ من قومك اثني عشر نقيباً، من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أُمروا به، فاختاروا النقباء. وفيما بعثوا له قولان: أحدهما: أن موسى بعثهم إِلى بيت المقدس، ليأتوه بخبر الجبارين، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي. والثاني: أنهم بعثوا ضمناء على قومِهِمْ بالوفاء بميثاقهم، قاله الحسن، وابن إِسحاق. وفي نبوّتهم قولان: أصحهما: أنهم ليسوا بأنبياء. قوله تعالى: وَقالَ اللَّهُ في الكلام محذوف. تقديره: وقال الله لهم. وفي المقول لهم قولان: أحدهما: أنهم بنو إِسرائيل، قاله الجمهور. والثاني: أنهم النقباء، قاله الربيع، ومقاتل. ومعنى إِنِّي مَعَكُمْ أي: بالعون والنصرة، وفي معنى: وَعَزَّرْتُمُوهُمْ قولان: أحدهما: أنه الإِعانة والنصر، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد وقتادة والسدي. والثاني: أنه التعظيم والتوقير، قاله عطاء واليزيدي، وأبو عبيدة، وابن قتيبة. قوله تعالى: وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً في هذا الإقراض قولان: أحدهما: أنه الزكاة الواجبة. والثاني: صدقة التطوع. وقد شرحنا في البقرة معنى القرض الحسن. قوله تعالى: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ يشير إِلى الميثاق فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي: أخطأ قصد الطريق. [سورة المائدة (5) : آية 13] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ في الكلام محذوف، تقديره: فنقضوا، فبنقضهم لعنّاهم. وفي المراد بهذه اللعنة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها التعذيب بالجزية، قاله ابن عباس. والثاني: التعذيب بالمسخ، قاله الحسن، ومقاتل. والثالث: الإِبعاد من الرحمة، قاله عطاء، والزجاج. قوله تعالى: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: قاسِيَةً بالألف، يقال: قست، فهي قاسية، وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضّل، عن عاصم: «قسيّةً» بغير ألف مع تشديد الياء، لأنه قد يجيء فاعل وفعيل، مثل شاهد وشهيد، وعالم وعليم. و «القسوة» : خلاف اللّين والرّقة. وقد ذكرنا هذا في (البقرة) .
[سورة المائدة (5) : آية 14]
وفي تحريفهم الكلم ثلاثة أقوال: أحدها: تغيير حدود التوراة، قاله ابن عباس. والثاني: تغيير صفة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قاله مقاتل. والثالث: تفسيره على غير ما أُنزل، قاله الزجاج. قوله تعالى: عَنْ مَواضِعِهِ مبيّن في (سورة النساء) . قوله تعالى: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ النسيان هاهنا: الترك عن عمد. والحظ: النصيب. قال مجاهد: نسوا كتاب الله الذي أُنزل عليهم، وقال غيره: تركوا نصيبهم من الميثاق المأخوذ عليهم. وفي معنى ذُكِّرُوا بِهِ قولان: أحدهما: أمروا. والثاني: أوصوا. قوله تعالى: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ وقرأ الأعمش «على خيانة منهم» قال ابن قتيبة: الخائِنة: الخيانة. ويجوز أن تكون صفة للخائِن، كما يقال: رجلٌ طاغية، وراوية للحديث. قال ابن عباس: وذلك مثل نقض قريظة عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وخروج كعب بن الأشرف إِلى أهل مكة للتّحريض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لم ينقضوا العهد، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه. وقيل: بل القليل ممن لم يؤمن. قوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ واختلفوا في نسخها على قولين: أحدهما: أنها منسوخة، قاله الجمهور. واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها آية السّيف. والثاني: قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... «1» . والثالث: قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً ... «2» . (411) والثاني: أنها نزلت في قوم كان بينهم وبين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عهد، فغدروا، وأرادوا قتل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأظهره الله عليهم، ثم أنزل الله هذه الآية، ولم تنسخ. قال ابن جرير: يجوز أن يعفى عنهم في غدرةٍ فعلوها، ما لم ينصبوا حرباً، ولم يمتنعوا من أداء الجزية والإقرار بالصّغار، فلا يتوجّه النّسخ. [سورة المائدة (5) : آية 14] وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14) قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ قال الحسن: إِنما قال: قالوا: إِنا نصارى، ولم يقُل: من النصارى، لِيَدل على أنهم ليسوا على منهاج النصارى حقيقة، هم الذين اتبعوا المسيح. وقال قتادة: كانوا بقرية، يقال لها: ناصرة، فسمّوا بهذا الاسم، قال مقاتل: أُخذ عليهم الميثاق، كما أخذ على أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد، فتركوا ما أُمروا به. قوله تعالى: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ قال النّصر: هيّجنا، وقال المؤرّج: حرّشنا بعضهم على بعض وقال الزجاج: ألصقنا بهم ذلك، يقال: غريت بالرّجل غرى مقصوراً: إِذا لصقت به، هذا قول الأصمعيّ.
[سورة المائدة (5) : آية 15]
وقال غير الأصمعي: غريت به غراءً ممدود، وهذا الغراء الذي يُغرى به إِنما يلصق به الأشياء، ومعنى أغرينا بينهم العداوة والبغضاء: أنهم صاروا فرقاً يكفّر بعضهم بعضاً. وفي الهاء والميم مِن قوله بَيْنَهُمُ قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى اليهود والنصارى، قاله مجاهد وقتادة والسدي. الثاني: أنها ترجع إِلى النصارى خاصة، قاله الربيع. وقال الزجاج: هم النصارى، منهم النسطوريّة واليعقوبيّة والملكيّة، وكل فرقة منهم تعادي الأخرى. وفي تمام الآية وعيد شديد لهم. [سورة المائدة (5) : آية 15] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (15) قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود. والثاني: اليهود والنّصارى. و «الرّسول» : محمّد صلّى الله عليه وسلّم. قوله تعالى: يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ قال ابن عباس: أخفوا آية الرّجم «1» ، وأمر محمّد عليه السلام وصفته وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ يتجاوز، فلا يخبرهم بكتمانه. فان قيل: كيف كان له أن يمسك عن حق كتموه فلا يبينه؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه كان متلقياً ما يؤمر به، فإذا أُمِر باظهار شيءٍ من أمرهم، أظهره، وأخذهم به، وإِلا سكت. والثاني: أن عقد الذّمة إِنما كان على أن يُقرّوا على دينهم، فلما كتموا كثيراً مما أُمروا به، واتخذوا غيره ديناً، أظهر عليهم ما كتموه مِن صفته وعلامة نبوته، لتتحقّق معجزته عندهم، واحتكموا إِليه في الرجم، فأظهر ما كتموا مما يوافق شريعته، وسكت عن أشياء ليتحقق إِقرارهم على دينهم. قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ قال قتادة: يعني بالنور: النبي محمّدا صلّى الله عليه وسلّم. وقال غيره: هو الإِسلام، فأما الكتاب المبين، فهو القرآن. [سورة المائدة (5) : آية 16] يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ يعني: بالكتاب. ورضوانه: ما رضيه الله تعالى. و «السُبل» ، جمع سبيل، قال ابن عباس: سبل السلام: دين الاسلام. وقال السدي: «السلام» : هو الله، و «سبله» : دينه الذي شرعه. قال الزجاج: وجائِز أن يكون «سُبل السلام» طريق السَّلامة التي مَن سلكها سَلِمَ في دينه، وجائز أن يكون «السلام» اسم الله عزَّ وجلَّ، فيكون المعنى: طرق الله عزّ وجلّ. قوله تعالى: وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ قال ابن عباس: يعني الكفر إِلَى النُّورِ يعني: الإِيمان بِإِذْنِهِ أي: بأمره وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو الإسلام. وقال الحسن: طريق الحقّ. [سورة المائدة (5) : آية 17] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)
[سورة المائدة (5) : آية 18]
قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قال ابن عباس: هؤلاء نصارى أهل نجران، وذلك أنهم اتخذوه إِلهاً قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: فمن يقدر أن يدفع من عذابه شيئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ أي: فلو كان إِلهاً كما تزعمون لقَدَرَ أن يردّ أمرَ اللهِ إِذا جاءه بإهلاكه أو إِهلاك أمّه، ولما نزل أمر الله بأمّه، لم يقدرْ أن يدفع عنها. وفي قوله تعالى: يَخْلُقُ ما يَشاءُ ردٌ عليهم حيث قالوا للنبي: فهات مثله من غير أب «1» . فإن قيل: فلم قال وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ولم يقل: وما بينهن؟ فالجواب أن المعنى: وما بَين هذين النوعين من الأشياء، قاله ابن جرير. [سورة المائدة (5) : آية 18] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى قال مقاتل: هم يهود المدينة، ونصارى نجران. وقال السدي: قالوا: إِن الله تعالى أوحى إِلى إِسرائيل: إِنَّ ولدك بكري من الولد. فأدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوماً حتى تطهّرهم، وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أخرجوا كلَّ مختون من بني إِسرائيل. وقيل: إِنهم لما قالوا: المسيح ابن الله، كان معنى قولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ أي: منّا ابن الله. وفي قوله: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ إِبطال لدعواهم، لأن الأب لا يعذّب ولده، والحبيبُ لا يُعذّبُ حبيبه وهم يقولون: إِن الله يعذبنا أربعين يَوماً بالنار. وقيل: معنى الكلام: فلمَ عذّب منكم من مسخه قردةً وخنازير؟ وهم أصحاب السبت والمائِدة. قوله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ أي: أنتم كسائِر بني آدم تُجازَوْن بالإِحسان والإِساءة. قال عطاء: يغفر لمن يشاء، وهم الموحدون، ويعذّب من يشاء، وهم المشركون. [سورة المائدة (5) : آية 19] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا. (412) سبب نزولها: أن معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب، قالوا: يا معشر اليهود اتقوا الله، والله إِنكم لتعلمون أنه رسول الله، كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه بصفته. فقال وهب بن يهوذا، ورافع: ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله بعد موسى من كتاب، ولا أرسل رسولاً بشيراً ولا نذيراً بعده، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. فأما «الفترة» فأصلها السكون، يقال: فتر الشيء يَفتر فتوراً: إذا سكنت حدّته، وانقطع عمّا كان
[سورة المائدة (5) : آية 20]
عليه، والطرف الفاتر: الذي ليس بحديد. والفتور: الضعف. وفي مدّة الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة أقوال: أحدها: أنه كان بين عيسى ومحمّد عليهما السلام ستمائة سنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سلمان الفارسي، ومقاتل. والثاني: خمسمائة سنة وستون سنة، قاله قتادة. والثالث: أربع مائة وبضع وثلاثون سنة، قاله الضحاك. والرابع: خمسمائة سنة وأربعون سنة، قاله ابن السائب. وقال أبو صالح عن ابن عباس عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أي: انقطاع منهم، قال: وكان بين ميلاد عيسى، وميلاد محمّد عليهما السّلام خمسمائة سنة وتسعة وتسعون سنة، وهي فترة. وكان بعد عيسى أربعة من الرسل، فذلك قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ «1» . قال: والرابع لا أدري من هو. وكان بين تلك السنين مائة سنة، وأربع وثلاثون نبوّة وسائِرها فترة. قال أبو سليمان الدمشقي: والرابع، والله أعلم: خالد بن سنان الذي قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (413) «نبيٌ ضيَّعه قومُه» . قوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا قال الفرّاء: كي لا تقولوا: مثل قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «2» . وقال غيره: لئلا تقولوا، وقيل: كراهة أن تقولوا. [سورة المائدة (5) : آية 20] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20) قوله تعالى: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ فيهم قولان: أحدهما: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى، وانطلقوا معه إِلى الجبل، جعلهم الله أنبياء بعد موسى وهارون، وهذا قول ابن السائب ومقاتل. والثاني: أنهم الأنبياء الذين أُرْسِلوا من بني إِسرائيل بعد موسى، ذكره الماوردي. وبماذا جعلهم ملوكاً؟ فيه ثمانية أقوال: أحدها: بالمن والسلوى والحجر. والثاني: بأن جعل للرجل منهم زوجةً وخادماً. والثالث: بالزوجة والخادم والبيت، رويت هذه الثلاثة عن ابن عباس، وهذا الثالث اختيار الحسن، ومجاهد. والرابع: بالخادم والبيت، قال عكرمة. والخامس: بتمليكهم الخدم. وكانوا أول مَن ملك الخدم، ومن اتخذ خادماً فهو ملك، قاله قتادة. والسادس: بكونهم أحراراً يملك الإِنسان منهم نفسه وأهله وماله، قاله السدّي. والسابع: بالمنازل الواسعة، فيها المياه الجارية، قاله الضحاك. والثامن: بأن جعل لهم الملك والسلطان، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ اختلفوا فيمن خوطب بهذا على قولين: أحدهما: أنهم قوم موسى، وهذا مذهب ابن عباس، ومجاهد. قال ابن عباس: ويعني بالعالمين: الذين
[سورة المائدة (5) : آية 21]
هم بين ظهرانيهم. وفي الذي آتاهم ثلاثة أقوال: أحدها: المن والسّلوى والحجر والغمام، رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به. والثاني: أنه الدار والخادم والزوجة، رواه عطاء عن ابن عباس. قال ابن جرير: ما أُوتي أحد من النِّعم في زمان قوم موسى ما أُوتوا. والثالث: كثرة الأنبياء فيهم، ذكره الماورديّ. والثاني: أن الخطاب لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وهذا مذهب سعيد بن جبير وأبي مالك. [سورة المائدة (5) : آية 21] يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) قوله تعالى: يا قَوْمِ ادْخُلُوا وقرأ ابن محيصن: «يا قوم ادخلوا» بضمّ الميم، وكذلك «يا قوم اذكروا» و «يا قوم اعبدوا» «1» . وفي معنى الْمُقَدَّسَةَ قولان: أحدهما: المطهرة، قاله ابن عباس، والزجاج. قال: وقيل للسطل: القَدَس، لأنهُ يتطهّر منه، وسُمّي بيت المقدس، لأنه يتطهر فيه من الذنوب. وقيل: سمّاها مقدّسة، لأنها طهرت من الشرك، وجعلت مسكناً للأنبياء والمؤمنين. والثاني: أن المقدَّسة: المباركة، قاله مجاهد. وفي المراد بتلك الأرض أربعة أقوال: أحدها: أنها أريحا: رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال السدي، وابن زيد. قال السدي: أريحا هي أرض بيت المقدس. وروي عن الضحاك أنه قال: المراد بهذه الأرض إيلياء وبيت المقدس. قال ابن قتيبة: وقرأت في مناجاة موسى أنه قال: اللهم إِنَّك اخترت من الأنعام الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن البيوت بكة وإِيلياء ومن إِيلياء بيت المقدس، فهذا يدل على أن إِيلياء الأرض التي فيها بيت المقدس، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي أن إِيلياء بيت المقدس، وهو معرَّب. قال الفرزدق: وبيتانِ بَيْتُ الله نحْنُ ولاته ... وبيت بأعلى إيلياء مشرّف والثاني: أنها الطور وما حوله، رواه مجاهد عن ابن عباس وقال به. والثالث: أنها دمشق وفلسطين وبعض الأردُن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: أنها الشام كلها، قاله قتادة. وفي قوله تعالى: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بمعنى أمرَكم وفرض عليكم دخولها، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: أنه بمعنى: وهبها الله لكم، قاله محمد بن إِسحاق. وقال ابن قتيبة: جعلها لكم. والثالث: كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكنكم. فإن قيل: كيف قال: فإنها محرمة عليهم، وقد كتبها لهم؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه إِنما جعلها لهم بشرط الطاعة، فلما عصَوْا حرَّمها عليهم. والثاني: أنه كتبها لبني إِسرائيل، وإِليهم صارت، ولم يعنِ موسى أن الله كتبها للذين أُمِرُوا بدخولها بأعيانهم. قال ابن جرير: ويجوز أن يكون الكلام خرج مخرج العموم، وأُريد به الخصوص فتكون مكتوبة لبعضهم، وقد دخلها يوشع، وكالب. قوله تعالى: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فيه قولان: أحدهما: لا ترجعوا عن أمر الله إِلى معصيته. والثاني: لا ترجعوا إلى الشّرك به.
[سورة المائدة (5) : آية 22]
[سورة المائدة (5) : آية 22] قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) قوله تعالى: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ قال الزجاج: الجبار من الآدميّين: الذي يُجبِر الناس على ما يريد، يقال: جبار: بَيِّنُ الجَبَرِيَّة، والجِبِرِيَّة بكسر الجيم والباء، والجَبَرُوَّةُ والجُبُّورة والتَّجبار والجَبَرُوت. وفي معنى وصفه هؤلاء بالجبارين ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا ذوي قوّة، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم كانوا عظام الخلْق والأجسام، قاله قتادة. والثالث: أنهم كانوا قتَّالين، قاله مقاتل. (الإِشارة إِلى القصَّة) قال ابن عباس: لما نزل موسى وقومه بمدينة الجبارين، بعث اثني عشر رجلاً، ليأتوه بخبرهم، فلقيَهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائِه، فأتى بهم المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا، فقالوا لهم: من أين أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى بعثنا لنأتيَه بخبركم، فأعطوهم حبَّةً من عنبٍ توقر «1» الرجل، وقالوا لهم، قولوا لموسى وقومه: اقدروا قدر فاكههم، فلما رجعوا، قالوا: يا موسى إِن فيها قوماً جبارين. وقال السدي: كان الذي لقيهم، يقال له: عاج، يعني: عوج بن عناق، فأخذ الاثني عشر، فجعلهم في حُجرته وعلى رأسه حُزمة حطب، وانطلق بهم إِلى امرأته، فقال: انظري إِلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، فطرحهم بين يديها، قال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا، بل خلِّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا. فلما خرجوا قالوا: يا قوم إِن أخبرتم بني إِسرائيل بخبر القوم، ارتدوا عن نبي الله، فأخذوا الميثاق بينهم على كتمان ذلك، فنكث عشرة، وكتم رجلان، وقال مجاهد: لما رأى النُّقباءُ الجبارينَ، وجدوهم يدخل في كمِّ أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إِلا خمسة أو أربعة، ويدخل في شطر الرّمّانة إذ نزع حبّها خمسة أو أربعة، فرجع النقباء كلُّهم ينهى سبطه عن قتالهم إِلا يوشع، وابن يوقنّا «2» . [سورة المائدة (5) : آية 23] قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قوله تعالى: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ في الرجلين ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوقنة، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: ابن يوقنّا، وهما من النقباء. والثاني: أنهما كانا من الجبارين فأسلما، روي عن ابن عباس. والثالث: أنهما كانا في مدينة الجبارين، وهما على دين موسى، قاله الضحاك. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء، وأيوب: «يُخافون» بضم الياء، على معنى أنهما كانا من العدوّ، فخرجا مؤمنين. وفي معنى «خوفهم» ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم خافوا الله وحده. والثاني: خافوا الجبارين، ولم يمنعهم خوفهم قول الحق. والثالث: يُخاف منهم، على قراءة ابن جبير. وفيما أنعم به عليهما أربعة أقوال: أحدها: الإِسلام، قاله ابن عباس.
[سورة المائدة (5) : آية 24]
والثاني: الصلاح والفضل واليقين، قاله عطاء. والثالث: الهُدى، قاله الضحاك. والرابع: الخوف، ذكره ابن جرير عن بعض السلف. قوله تعالى: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ قال ابن عباس: قال الرجلان: ادخلوا عليهم باب القرية فانهم قد مُلئوا منّا رعبا وفرقا. [سورة المائدة (5) : آية 24] قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24) قوله تعالى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا قال ابن زيد: قالوا له: انظر كما صنع ربك بفرعون وقومه، فليصنع بهؤلاء. وقال مقاتل: فاذهب أنت وسل ربَّك النصر. وقال غيرهما: اذهب أنت وليُعِنْكَ ربك. (414) قال ابن مسعود: لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون صاحبه أحبُّ إِليَّ مما عُدِلَ به، أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إِنا هاهنا قاعدون، ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فرأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشرق لذلك وجهه وسُرّ به. (415) وقال أنس: استشار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس يوم خرج إِلى بدر، فأشار عليه أبو بكر، ثم استشارهم، فأشار عليه عمر فسكت، فقال رجل من الأنصار: إِنما يريدكم، فقالوا: يا رسول الله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب وأنت وربك فقاتلا إِنا هاهنا قاعدون، ولكن والله لو ضربت أكبادها حتى تبلغ برك الغماد لكنّا معك. [سورة المائدة (5) : آية 25] قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) قوله تعالى: لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فيه قولان: أحدهما: لا أملك إِلا نفسي، وأخي لا يملك إِلا نفسه. والثاني: لا أملك إِلا نفسي وإِلاّ أخي، أي: وأملك طاعة أخي، لأن أخاه إِذا أطاعه فهو كالمِلْكِ له، وهذا على وجه المجاز، كما روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: (416) «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر» فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إِلا لك يا رسول الله، يعني: أنِّي متصرّف حيث صرّفتني، وأمرك جائِز في مالي. قوله تعالى: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قال ابن عباس: اقض بيننا وبينهم. وقال أبو عبيدة: باعد، وافصل، وميّز. وفي المراد بالفاسقين ثلاثة أقوال: أحدها: العاصون، قاله ابن عباس.
[سورة المائدة (5) : آية 26]
والثاني: الكاذبون، قاله ابن زيد. والثالث: الكافرون، قاله أبو عبيدة، قال السدي: غضب موسى حين قالوا له: اذهب أنت وربك، فدعا عليهم، وكانت عجلة من موسى عجلها. [سورة المائدة (5) : آية 26] قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26) قوله تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ الإِشارة إِلى الأرض المقدَّسة. ومعنى تحريمها عليهم: منعهم منها. فأمّا نصب «الأربعين» ، فقال الفراء: هو منصوب بالتحريم، وجائز أن يكون منصوباً ب «يتيهون» . وقال الزجاج: لا يجوز أن ينتصب بالتحريم، لأن التفسير جاء أنها محرَّمة عليهم أبداً، قلت: وقد اختلف المفسرون في ذلك، فذهب الأكثرون، منهم عكرمة، وقتادة، إِلى ما قال الزجاج، وأنها حرّمت عليهم أبداً، قال عكرمة: فإنها محرّمة عليهم أبداً يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذهب قومٌ، منهم الربيع بن أنس، إِلى أنها حُرِّمَت عليهم أربعين سنة، ثم أمروا بالسير إِليها، وهذا اختيار ابن جرير. قال: إِنما نصبت بالتحريم، والتحريم كان عاماً في حق الكلِّ، ولم يدخلها في هذه المدة منهم أحد، فلما انقضت، أُذن لمن بقي منهم بالدخول مع ذراريهم. قال أبو عبيدة: ومعنى: يتيهون: يحورون ويضلون. (الإشارة إلى قصتهم) قال ابن عباس: حرّم الله على الذين عَصَوْا دُخُولَ بيت المقدس، فلبثوا في تيههم أربعين سنة، وماتوا في التيه، ومات موسى وهارون، ولم يدخل بيت المقدس إِلا يوشع وكالب بأبناء القوم، وناهض يوشع بمن بقي معه مدينة الجبارين فافتتحها. وقال مجاهد: تاهوا أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا. وقال السدي: لما ضرب الله عليهم التيه، ندم موسى على دعائه عليهم، وقالوا له: ما صنعت بنا، أين الطعام؟ فأنزل الله المنَّ. قالوا: فأين الشراب؟ فأُمِر موسى أن يضرب بعصاه الحجر. قالوا: فأين الظلُّ؟ فظلّل عليهم الغمام. قالوا: فأين اللباس؟ وكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرّق لهم ثوب، وقُبض موسى ولم يبق أحد ممن أبى دخول قرية الجبارين إِلاَّ مات، ولم يشهد الفتح. وفيه قول آخر أنه لما مضت الأربعون خرج موسى ببني إِسرائيل من التيه، وقال لهم: ادخلوا هذه القرية، فكلوا منها حيث شئتم رغداً، وادخلوا الباب سجداً، وقولوا حطةٌ ... إِلى آخر القصّة. وهذا قول الربيع بن أنس، وعبد الرّحمن بن زيد. قال ابن جرير الطبري، وأبو سليمان الدمشقي: وهذا الصحيح، وأن موسى هو الذي فتح مدينة الجبارين مع الصالحين من بني إِسرائيل، لأن أهل السيرة أجمعوا على أن موسى هو قاتل عوج، وكان عوج ملكهم، وكان بلعم بن باعوراء فيمن سباه موسى وقتله، ولم يدخل مع موسى من قدمائهم غير يوشع وكالب، وإِنما حرِّمت على الذين لم يطيعوا. وفي مسافة أرض التيه قولان: أحدهما: تسعة فراسخ، قاله ابن عباس. قال مقاتل: هذا عرضها، وطولها ثلاثون فرسخاً. والثاني: ستة فراسخ في طول اثني عشر فرسخاً، حكاه مقاتل أيضاً. قوله تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قال الزجاج: لا تحزن على قوم شأنهم المعاصي، ومخالفة الرسل. وقال ابن قتيبة: يقال أسيت على كذا، أي: حزنت، فأنا آسي أسى.
[سورة المائدة (5) : آية 27]
[سورة المائدة (5) : آية 27] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ النبأ: الخبر. وفي ابنيْ آدم قولان: أحدهما: أنهما ابناه لِصُلبه، وهما قابيل وهابيل، قاله ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنهما أخوان من بني إِسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وهذا قول الحسن، والعلماء على الأول، وهو أصح لقوله تعالى: لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ «1» ولو كان من بني إِسرائيل، لكان قد عرف الدّفن. (417) ولأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال عنه: «إِنه أول من سن القتل» . وقوله تعالى: بِالْحَقِّ أي: كما كان. والقربان: فعلان من القرب، وقد ذكرناه في آل عمران. وفي السبب الذي قربا لأجله قولان: أحدهما: أن آدم عليه السلام كان قد نُهِي أن يُنْكِحَ المرأة أخاها الذي هو توأمها، وأُجيز له أن يُنكحها غيره من إِخوتها، وكان يولد له في كل بطن ذكر وأُنثى، فولدت له ابنة وسيمة، وأخرى دميمة، فقال أخو الدميمة لأخي الوسيمة: أنكحني أُختك، وأُنكحك أُختى، فقال أخو الوسيمة: أنا أحق بأختي، وكان أخو الوسيمة صاحب حرث، وأخو الدميمة صاحب غنم، فقال: هلمَّ فلنقرّب قرباناً، فأينا تُقُبِّل قربانُه فهو أحقُّ بها، فجاء صاحب الغنم بكبش أبيض أعين أقرن، وجاء صاحب الحرث بصُبْرَةٍ «2» من طعام، فتُقُبِّل الكبش، فخزنه الله في الجنة أربعين خريفاً، فهو الذي ذبحه إِبراهيم، فقتله صاحب الحرث، فوَلَدُ آدم كلهم من ذلك الكافر، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: أنهما قرّباه من غير سبب. روى العوفي عن ابن عباس أن ابنيْ آدم كانا قاعدَين يوماً، فقالا: لو قرّبنا قرباناً، فجاء صاحب الغنم بخير غنمه وأسمنها، وجاء الآخر ببعض زرعه، فنزلت النار، فأكلت الشاة، وتركت الزرع، فقال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أن قربانك تُقُبِّل، وأنك خيٌر مني لأقتلنَّك. واختلفوا هل قابيل وأُخته وُلدا قبل هابيل وأُخته، أم بعدهما؟ على قولين، وهل كان قابيل كافراً أو فاسقاً غير كافر؟ فيه قولان: وفي سبب قبول قربان هابيل قولان: أحدهما: أنه كان أتقى الله من قابيل. والثاني: أنه تقرّب بخيار ماله، وتقرب قابيل بشرِّ ماله. وهل كان قربانهما بأمر آدم، أم من قِبل أنفسهما؟ فيه قولان: أحدهما: أنه كان وآدم قد ذهب إِلى زيارة البيت. والثاني: أن آدم أمرهما بذلك.
[سورة المائدة (5) : آية 28]
وهل قُتل هابيل بعد تزويج أُخت قابيل، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه قتله قبل ذلك لئلا يصل إِليها. والثاني: أنه قتله بعد نكاحها. قوله تعالى: قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ وروى زيد عن يعقوب: «لأقتلنْك» بسكون النون وتخفيفها. والقائل: هو الذي لم يُتقبَّل منه. قال الفراء: إِنما حذف ذكره، لأن المعنى يدل عليه، ومثل ذلك في الكلام أن تقول: إِذا رأيت الظالم والمظلوم أعنت، وإِذا اجتمع السفيه والحليم حُمِد، وإِنما كان ذلك، لأن المعنى لا يشكل، فلو قلت: مرّ بي رجلٌ وامرأةٌ، فأعنتُ، وأنت تريد أحدهما، لم يجز، لأنه ليس هناك علامة تدل على مُرادِك. وفي المراد بالمتقين قولان: أحدهما: أنهم الذين يتقون المعاصي، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم الذين يتقون الشرك، قاله الضحاك. [سورة المائدة (5) : آية 28] لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) قوله تعالى: ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ فيه قولان: أحدهما: أما أنا بمنتصرٍ لنفسي، قاله ابن عباس. والثاني: ما كنت لأبتدئك، قاله عكرمة. وفي سبب امتناعه من دفعه عنه قولان: أحدهما: أنه منعه التحرُّج مع قدرته على الدفع وجوازه له، قاله ابن عمر وابن عباس. والثاني: أن دفع الانسان عن نفسه لم يكن في ذلك الوقت جائزاً، قاله الحسن ومجاهد. وقال ابن جرير: ليس في الآية دليل على أن المقتول علم عزم القاتل على قتله، ثم ترك الدفع عن نفسه، وقد ذُكر أنه قتله غِيلةً، فلا يدَّعى ما ليس في الآية إلا بدليل. [سورة المائدة (5) : آية 29] إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29) قوله تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فيه قولان: أحدهما: إِني أُريد أن ترجع بإثم قتلي وإِثمك الذي في عنقك، هذا قول ابن مسعود، وابن عباس. ومجاهد، وقتادة، والضحاك. والثاني: أن تبوء بإثمي في خطاياي، وإِثمك في قتلك لي، وهو مروي عن مجاهد أيضاً. قال ابن جرير: والصحيح عن مجاهد القول الأول. (418) وقد روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث ابن مسعود عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا تقتل نفس ظلماً إِلاّ كان على ابن آدم الأول كِفْل من دمِها، لأنه كان أول من سن القتل» . فإن قيل: كيف أراد هابيل وهو من المؤمنين أن يبوء قابيل بالإِثم وهو معصية، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ فعنه ثلاثة أجوبة «1» : أحدها: أنه ما أراد لأخيه الخطيئة، وإِنما أراد: إِن قتلتني أردت أن تبوء بالإِثم، وإِلى هذا المعنى ذهب الزجاج. والثاني: أن في الكلام محذوفا، وتقديره: إني
[سورة المائدة (5) : آية 30]
أُريد أن لا تبوء بإثمي وإِثمك، فحذف «لا» كقوله تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي: أن لا تميد بكم، ومنه قول امرئ القيس: فقلتُ يمينُ اللهِ أبرحُ قَاعِدَاً ... وَلَوْ قطَّعوا رأسي لَدَيْكِ وأوصالي «1» أراد: لا أبرح. وهذا مذهب ثعلب. والثالث: أن المعنى: أريد زوال أن تبوء باثمي وإِثمك، وبطلان أن تبوء باثمي وإِثمك. فحذف ذلك، وقامت «أن» مقامه، كقوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ «2» أي: حبّ العجل، ذكره والذي قبله ابن الأنباري. قوله تعالى: وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ الإِشارة إلى مصاحبة النّار. [سورة المائدة (5) : آية 30] فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30) قوله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ فيه خمسة أقوال: أحدها: تابعته على قتل أخيه، قاله ابن عباس. والثاني: شجَّعته، قاله مجاهد. والثالث: زيَّنت له، قاله قتادة. والرابع: رخَّصت له، قاله أبو الحسن الأخفش. والخامس: أنَّ «طوّعت» فعَّلت من «الطوع» والعرب تقول: طاع لهذه الظبية أصول هذا الشجر، وطاع له كذا، أي: أتاه طوعاً، حكاه الزجاج عن المبرّد. وقال ابن قتيبة: شايعتْه وانقادت له، يقال: لساني لا يَطوع بكذا، أي: لا ينقاد، وهذه المعاني تتقارب. وفي كيفية قتله ثلاثة أقوال: أحدها: أنه رماه بالحجارة حتى قتله، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: ضرب رأسه بصخرة وهو نائم، رواه مجاهد عن ابن عباس، والسدي عن أشياخه. والثالث: رضخ رأسه بين حجرين، قال ابن جريج: لم يدر كيف يقتله، فتمثّل له إِبليس، وأخذ طائِراً فوضع رأسه على حجر، ثم شدخه بحجر آخر، ففعل به هكذا، وكان ل «هابيل» يومئذٍ عشرون سنة. وفي موضع مصرعه ثلاثة أقوال: أحدها: على جبل ثور، قاله ابن عباس. والثاني: بالبصرة، قاله جعفر الصادق. والثالث: عند عَقْبَة حِرَاء، حكاه ابن جرير الطّبريّ. وفي قوله تعالى: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ثلاثة أقوال: أحدها: من الخاسرين الدنيا والآخرة، فخسرانه الدنيا: أنه أسخط والديه، وبقي بلا أخ، وخسرانه الآخرة: أنه أسخط ربه، وصار إِلى النار، قاله ابن عباس. والثاني أنه أصبح من الخاسرين الحسنات، قاله الزجاج. والثالث: من الخاسرين أنفسهم بإهلاكهم إيّاها، قاله القاضي أبو يعلى. [سورة المائدة (5) : آية 31] فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ قال ابن عباس: حمله على عاتقه، فكان إِذا مشى تخطُّ يداه ورجلاه في الأرض، وإِذا قعد وضعه إِلى جنبه حتى رأى غرابين اقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، ثم بحث
[سورة المائدة (5) : آية 32]
له الأرض حتى واراه بعد أن حمله سنين. وقال مجاهد: حمله على عاتقه مائة سنة. وقال عطية: حمله حتى أروح «1» . وقال مقاتل: حمله ثلاثة أيام. وفي المراد بسوأة أخيه قولان: أحدهما: عورة أخيه. والثاني: جيفة أخيه. قوله تعالى: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، فان قيل: أليس الندم توبة، فَلِم لم يقبل منه؟ فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أنه يجوز أن لا يكون الندم توبة لمن تقدَّمنا، ويكون توبة لهذه الأمة، لأنها خصّت بخصائِص لم تشارَك فيها، قاله الحسن بن الفضل. والثاني: أنه ندم على حمله لا على قتله. والثالث: أنه ندم إِذ لم يواره حين قتله. والرابع: أنه ندم على فوات أخيه، لا على ركوب الذنب. وفي هذه القصّة تحذير من الحسد، لأنه الذي أهلك قابيل. [سورة المائدة (5) : آية 32] مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) قوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ قال الضحاك: من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلماً، وقال أبو عبيدة: من جناية ذلك، ومن جري ذلك. قال الشاعر: وأهل خباءٍ صالحٍ ذَاتُ بينهم ... قدِ احتربوا في عاجِلٍ أنا آجِلُه «2» أي: جانيه وجارٌ ذلك عليهم. وقال قوم: الكلام متعلق بما قبله، والمعنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك. فعلى هذا يَحسن الوقف هاهنا، وعلى الأول لا يحسن الوقف. والأوّل أصحّ. وكَتَبْنا بمعنى: فرضنا. ومعنى قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أي: قتلها ظلماً ولم تقتل نفساً. أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ «فساد» منسوق على نَفْسٍ، المعنى: أو بغير فساد تستحق به القتل. وقيل: أراد بالفساد هاهنا: الشرك. وفي معنى قوله تعالى: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً خمسة أقوال: أحدها: أن عليه إِثم من قتل الناس جميعاً، قاله الحسن، والزجاج. والثاني: أنه يصلى النار بقتل المسلم، كما لو قتل الناس جميعاً، قاله مجاهد، وعطاء. وقال ابن قتيبة: يُعذَّبُ كما يُعذَّب قاتل النَّاسِ جميعاً. والثالث: أنه يجب عليه من القصاص مثل ما لو قتل الناس جميعاً، قاله ابن زيد. والرابع: أن معنى الكلام: ينبغي لجميع الناس أن يُعينوا ولي المقتول حتى يُقيدوه منه، كما لو قتل أولياءَهم جميعاً، ذكره القاضي أبو يعلى. والخامس: أن المعنى: من قتل نبياً أو إِماماً عادلاً، فكأنما قتل الناس جميعاً، رواه عكرمة عن ابن عباس. والقول بالعموم أصح. فإن قيل: إِذا كان إِثم قاتل الواحد كاثم من قتل الناس جميعاً، دل هذا على أنه لا إِثم عليه في
[سورة المائدة (5) : آية 33]
قتل مَن يقتله بعد قتل الواحد إِلى أن يفنى الناس؟ فالجواب: أن المقدار الذي يستحقّه قاتل الناس جميعاً معلوم عند الله محدود، فالذي يقتل الواحد يلزمه ذلك الإِثم المعلوم، والذي يقتل الاثنين يلزمه مثلاه، وكلما زاد قتلاً زاده الله إِثماً، ومثل هذا قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها «1» فالحسنة معلوم عند الله مقدار ثوابها، فعاملها يعطى بمثل ذلك عشر مرات. وهذا الجواب عن سؤال سائل إِن قال: إِذا كان من أحيا نفساً فله ثواب من أحيا الناس، فما ثواب من أحيا الناس كلَّهم؟ هذا كله منقول عن المفسرين. والذي أراه أن التشبيه بالشيء تقريبٌ منه، لأنه لا يجوز أن يكون إِثم قاتل شخصين كإثم قاتل شخص، وإِنما وقع التشبيه ب «كأنما» ، لأن جميع الخلائِق من شخص واحد، فالمقتول يتصوّر منه نشر عدد الخلق كلِّهم. وفي قوله تعالى: وَمَنْ أَحْياها خمسة أقوال: أحدها: استنقذها من هلكةٍ، روي عن ابن مسعود، ومجاهد. قال الحسن. من أحياها من غرق أو حرق أو هلاك. وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: من شدَّ عَضُدَ نبي أو إِمامٍ عادِلٍ، فكأنما أحيا الناس جميعاً. والثاني: ترك قتل النفس المحرّمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد في رواية. والثالث: أن يعفو أولياء المقتول عن القصاص، قاله الحسن وابن زيد وابن قتيبة. والرابع: أن يزجر عن قتلها وينهى. والخامس: أن يعين الوليَّ على استيفاء القصاص لأن في القصاص حياةً، ذكرهما القاضي أبو يعلى. وفي قوله تعالى: فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً قولان: أحدهما: فله أجر من أحيا الناس جميعاً، قاله الحسن وابن قتيبة. والثاني: فعلى جميع الناس شكره كما لو أحياهم، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ يعني: بني إِسرائيل الذين جرى ذكرهم. [سورة المائدة (5) : آية 33] إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33) قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في سبب نزولها أربعة أقوال: (419) أحدها: أنها نزلت في ناسٍ من عُرَينة قدموا المدينة، فاجتووها، فبعثهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في
إِبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، فصحوا، وارتدوا عن الاسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإِبل، فأرسل رسول الله في آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمَّر أعينهم، وألقاهم بالحرَّة حتى ماتوا، ونزلت هذه الآية، رواه قتادة عن أنس، وبه قال سعيد بن جبير، والسدي. (420) والثاني: أن قوماً من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخيّر الله رسوله بهذه الآية: إِن شاء أن يقتلهم، وإِن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. (421) والثالث: أن أصحاب أبي بُردة الأسلمي قطعوا الطريق على قوم جاءوا يريدون الاسلام، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. (422) وقال ابن السائب: كان أبو بردة، واسمه هلال بن عويمر، وادع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين لم يُهَجْ، ومن مرّ بهلال إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يُهِجْ، فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الاسلام بناسٍ من قوم هلال، فَنَهَدُوا إِليهم، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، ولم يكن هلال حاضراً، فنزلت هذه الآية. والرابع: أنها نزلت في المشركين، رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن «1» . واعلم أن ذكر «المحاربة» لله عزّ وجلّ في الآية مجاز. وفي معناها للعلماء قولان: أحدهما: أنه سمّاهم محاربين له تشبيهاً بالمحاربين حقيقة، لأن المخالف محارب، وإِن لم يحارب. فيكون المعنى:
يخالفون الله ورسوله بالمعاصي. والثاني: أن المراد: يحاربون أولياء الله، وأولياء رسوله. وقال سعيد بن جبير: أراد بالمحاربة لله ورسوله، الكفر بعد الاسلام. وقال مقاتل: أراد بها الشرك «1» . فأما «الفساد» فهو القتل والجراح وأخذ الأموال، وإِخافة السبيل. قوله تعالى: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا اختلف العلماء هل هذه العقوبة على التّرتيب، أم على التّخيير؟ فمذهب أحمد رضي الله عنه أنها على الترتيب «2» ، وأنهم إِذا قتلوا، وأخذوا المال، أو قتلوا ولم يأخذوا، قُتِلوا وصلِّبوا، وإِن أخذوا المال، ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإِن لم يأخذوا المال، نُفوا. قال ابن الأنباري: فعلى هذا تكون «أو» مبعّضة، فالمعنى: بعضهم يفعل به كذا، وبعضهم كذا، ومثله قوله تعالى: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى «3» المعنى: قال بعضهم هذا، وقال بعضهم هذا. وهذا القول اختيار أكثر اللغويين. وقال الشافعي: إِذا قتلوا وأخذوا المال، قُتِلوا وصُلِّبوا، وإِذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قُتلوا ولم يُصلَّبوا، وإِذا أخذوا المال ولم يَقتلوا، قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وقال مالك: الإِمام مخير في إِقامة أيِّ الحدود شاء، سواء قتلوا أو لم يقتلوا، أخذوا المال أو لم يأخذوا، والصلب بعد القتل. وقال أبو حنيفة، ومالك: يُصْلب ويُبعج برمحٍ حتى يموت. واختلفوا في مقدار زمان الصّلب. فعندنا أنه يُصلب بمقدار ما يشتهر صلبُه. واختلف أصحاب الشافعي، فقال بعضهم: ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال بعضهم: يترك حتى يسيل صديده. قال أبو عبيدة: معنى «من خلاف» أن تُقطَع يدُه اليُمنى ورجله اليسرى، يُخالَف بين قطعهما. فأما «النفي» فأصله الطرد والإِبعاد. وفي صفة نفيهم أربعة أقوال: أحدها: إِبعادهم من بلاد الاسلام إِلى دار الحرب، قاله أنس بن مالك، والحسن، وقتادة، وهذا إِنما يكون في حق المحارب المشرك، فأما المسلم فلا ينبغي أن يُضطر إِلى ذلك. والثاني: أن يُطلبوا لِتُقام عليهم الحدود، فيُبعدوا، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثالث: إِخراجهم مِن مدينتهم إِلى مدينة أُخرى، قاله سعيد بن جبير. وقال مالك: ينفى إِلى بلدٍ غير بلده، فيحبس هناك. والرابع: أنه الحبس، قاله أبو حنيفة وأصحابه. وقال أصحابنا: صِفَةُ النفي: أن يُشرّد ولا يترك يأوي في بلد، فكلما حَصَل في بلد نُفي إِلى بلد غيره. وفي «الخزي»
[سورة المائدة (5) : آية 34]
قولان: أحدهما: أنه العقاب. والثاني: الفضيحة. وهل يثبت لهم حكم المحاربين في المصر، أم لا؟ ظاهر كلام أصحابنا أنه لا يثبت لهم ذلك في المصر وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي، وأبو يوسف: المصر والصحارى سواء «1» ، ويعتبر في المال المأخوذ قدر نصاب، كما يُعتبر في حقِّ السَّارِقِ، خلافاً لمالك. [سورة المائدة (5) : آية 34] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا قال أكثر المفسّرين: هذا الاستثناء في المحاربين المشركين إِذا تابوا من شركهم وحربهم وفسادهم، وآمنوا قبل القدرة عليهم، فلا سبيل عليهم فيما أصابوا من مال أو دمٍ، وهذا لا خلاف فيه. فأما المحاربون المسلمون، فاختلفوا فيهم، ومذهب أصحابنا: أن حدود الله تسقط عنهم مِن انحتام القتل والصلب والقطع والنفي. فأما حقوق الآدميين من الجراح والأموال، فلا تسقطها التوبة، وهذا قول الشّافعيّ «2» . [سورة المائدة (5) : الآيات 35 الى 37] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (37) قوله تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ في «الوسيلة» قولان: أحدهما: أنها القربة، قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، والفراء. وقال قتادة: تقربوا إِليه بما يرضيه. قال أبو عبيدة: يقال: توسلت إليه، أي: تقرّبت إليه. وأنشد:
[سورة المائدة (5) : آية 38]
إِذا غفل الواشُونَ عُدْنَا لِوَصِْلَنا ... وَعَاَد التَّصَافي بيننا وَالوَسَائلُ «1» والثاني: المحبة، يقول: تحببوا إِلى الله، هذا قول ابن زيد. [سورة المائدة (5) : آية 38] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما قال ابن السائب: نزلت في طُعمة بن أُبيرق «2» ، وقد مضت قصّته في سورة النّساء. ووَ السَّارِقُ: إِنما سُمّي سارقاً، لأنه يأخذ الشيء في خفاءٍ، واسترق السّمع: إِذا تسمَّع مستخفياً. قال المبرّد: والسارق هاهنا مرفوع بالابتداء، لأنه ليس القصد منه واحداً بعينه، وإِنما هو، كقولك: مَنْ سَرَق فاقطعْ يده. وقال ابن الأنباري: وإِنّما دخلت الفاء، لأن في الكلام معنى الشرط، تقديره: من سرق فاقطعوا يَدَهُ، قال الفرّاء: وإِنما قال: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما لأن كلَّ شيءٍ موحّد من خلق الإنسان إِذا ذُكِرَ مضافاً إِلى اثنين فصاعداً، جُمع، تقول: قد هشمت رؤوسَهما وملأت ظهورهما وبطونهما ضرباً، ومثله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما «3» وإِنما اختير الجمع على التثنية، لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين في الانسان: اليدين، والرجلين، والعينين، فلما جرى أكثره على هذا، ذُهِبَ بالواحد منه إِذا أُضيف إِلى اثنين مذهب التثنية، وقد يجوز تثنيتهما. قال أبو ذؤيب. فتخالسا نفسيهما بنوافذٍ ... كَنَوَافِذِ العُبُط التي لا تُرقَع «4» فصل: وهذه الآية اقتضت وجوب القطع على كلِّ سارق «5» ، وبينت السُنَّة أن المراد به السارقُ لِنِصابٍ من حِرْزِ مثله، كما قال تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ» . (423) ونهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن قتل النساء، والصبيان، وأهل الصّوامع. واختُلِفَ في مقدار النصاب، فمذهب أصحابنا: أن للسّرقة نصابين: أحدهما: من الذهب ربع دينار، ومن الورق ثلاثة دراهم، أو
قيمة ثلاثة دراهم مِن العروض وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: لا يقطع حتى تبلغ السّرقة عشرة دراهم. وقال الشافعي: الاعتبار في ذلك بربع دينار، وغيره مقوَّمٌ به، فلو سرق درهمين قيمتهما ربع دينار، قُطع، فان سَرق نصاباً من التّبر، فعليه القطع. وقال أبو حنيفة: لا يقطع حتى يبلغ ذلك نصاباً مضروباً، فان سرق منديلاً لا يساوي نصاباً، في طرفه دينار، وهو لا يعلم، لا يقطع. وقال الشافعي: يقطع. فإن سرق ستارة الكعبة، قطع، خلافاً لأبي حنيفة. فإن سرق صَبياً صغيراً حُراً، لم يقطع، وإِن كان على الصغير حُلي. وقال مالك: يقطع بكل حال. وإِذا اشترك جماعة في سرقة نصاب، قطعوا «1» ، وبه قال مالك، إِلا أنه اشترط أن يكون المسروق ثقيلاً يحتاج إِلى معاونة بعضهم لبعض في إِخراجه. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا قطع عليه بحال ويجبُ القطع على جاحد العاريَّة عندنا، وبه قال سعيد بن المسيب، والليث بن سعد، خلافاً لأكثر الفقهاء. فصل: فأما الحرز، فهو ما جعل للسكنى، وحفظ الأموال، كالدور والمضارب والخيم التي يسكنها الناس، ويحفظون أمتعتهم بها، فكل ذلك حِرز، وإِن لم يكن فيه حافظ ولا عنده، وسواء سُرِق من ذلك وهو مفتوح الباب، أو لا باب له إِلا أنه محجّر بالبناء. فأما ما كان في غير بناءٍ ولا خيمة، فإنه ليس في حرز إِلا أن يكون عنده من يحفظه. ونقل الميموني عن أحمد: إِذا كان المكان مشتركاً في الدّخول إِليه، كالحمام والخيمة لم يقطع السارق منه، ولم يُعتَبَر الحافظ. ونقل عنه ابن منصور: لا يقطع سارق الحمام إِلا أن يكون على المتَاع أجير حافظ. فأما النبّاش، فقال أحمد في رواية أبي طالب: يقطع، وبه قال مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى. وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة: لا يقطع. فصل: فأما موضع قطع السارق «2» ، فمن مَفْصِل الكَفِّ، ومِن مَفْصِلِ الرِّجْلِ. فأمّا اليد اليسرى
[سورة المائدة (5) : الآيات 39 إلى 40]
والرجل اليُمنى، فروي عن أحمد: لا تقطع، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي حنيفة، وروي عنه: أنها تقطع، وبه قال مالك، والشافعي. ولا يثبت القطع إِلا باقراره مرتين، وبه قال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: يثبت بمرّة. ويجتمع القطع والغرم موسِراً كان أو معسراً. وقال أبو حنيفة: لا يجتمعان، فان كانت العين باقية أخذها ربُّها، وإِن كانت مستهلكة، فلا ضمان. وقال مالك: يضمنها إِن كان موسراً، ولا شيء عليه إِن كان معسراً «1» . قوله تعالى: نَكالًا مِنَ اللَّهِ قد ذكرنا «النكال» في البقرة. قوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال سعيد بن جبير: شديد في انتقامه، حكيم إذا حكم بالقطع. قال الأصمعي: قرأت هذه الآية، وإِلى جنبي أعرابيٌ، فقلت: والله غفور رحيم، سهواً، فقال الأعرابي: كلام مَن هذا؟ قلت: كلام الله. قال: أعد فأعدت: والله غفور رحيم، فقال: ليس هذا كلام الله، فتنبهت، فقلت: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. فقال: أصبت، هذا كلام الله. فقلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟ فقال: يا هذا عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. [سورة المائدة (5) : الآيات 39 الى 40] فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) قوله تعالى: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ. سبب نزولها:
[سورة المائدة (5) : آية 41]
(424) أن امرأة كانت قد سرقت، فقالت: يا رسول الله هل لي من توبة؟ فنزلت هذه الآية. قاله عبد الله بن عمرو. وقال سعيد بن جبير: فمن تاب من بعد ظلمه، أي: سرقته، وأصلح العمل، فإن الله يتجاوز عنه، إِن الله غفور لما كان منه قبل التوبة، رحيم لمن تاب. [سورة المائدة (5) : آية 41] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (41) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال «1» : (425) أحدها: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرّ بيهودي وقد حمموه «2» وجلدوه، فقال: أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: أنشدُك الله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولكنّه كثر في أشرافنا، فكنا نترك الشريف، ونُقيمه على الوضيع، فقلنا: تعالوا نُجْمِعْ على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ إنّي أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه» فأمَرَ به فَرُجم، ونزلت هذه الآية، رواه البراء بن عازب.
(426) والثاني: أنها نزلت في ابن صوريا آمن ثم كفر، وهذا المعنى مروي عن أبي هريرة. (427) والثالث: أنها نزلت في يهودي قتل يهودياً، ثم قال: سلوا محمداً فإن كان بُعِثَ بالدّية، اختصمنا إِليه، وإِن كان بعث بالقتل، لم نأته، قاله الشعبي. والرابع: أنها نزلت في المنافقين، قاله ابن عباس، ومجاهد «1» . (428) والخامس: أن رجلاً من الأنصار أشارت إِليه قريظة يوم حِصارهم: على ماذا ننزل؟ فأشار إِليهم: أنه الذّبح، قاله السدي. (429) قال مقاتل: هو أبو لبابة بن عبد المنذر، قالت له قريظة: اننزل على حُكم سعدٍ؟ فأشار بيده: أنه الذّبح، وكان حليفاً لهم. قال أبو لبابة: فعلمت أني قد خُنتُ الله ورسوله، فنزلت هذه الآية. ومعنى الكلام: لا يحزنك مسارعة الذي يُسارِعُون في الكفر من الذين قالوا آمنّا بأفواههم وهم المنافقون، ومن الذين هادوا وهم اليهود. سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ قال سيبويه: هو مرفوعٌ بالابتداء. قال أبو الحسن الأخفش: ويجوز أن يكونَ رفعُه على معنى: ومن الذين هادوا سماعون للكذب. وفي معناه أربعة أقوال: أحدها: سماعون منك ليكذبوا عليك. والثاني: سماعون للكذب، أي: قائلون له. والثالث: سماعون للكذب الذي بدَّلوه في توراتهم. والرابع: سماعون للكذب، أي قابلون له، ومنه: «سمع الله لمن حمده» أي: قبل. وفي قوله تعالى: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ قولان: أحدهما: يسمعون لأولئك، فهم عيونٌ لهم. والثاني: سمّاعون من قوم آخرين، وهم رؤساؤهم المبدِّلون التوراة. وفي السمّاعين للكذب، وللقوم الآخرين قولان: أحدهما: أن «السّماعين للكذب» يهود المدينة، والقوم الآخرون الذين لم يأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يهود فدَك. والثاني: بالعكس من هذا. وفي تحريفهم الكلم خمسة أقوال: أحدها: أنه تغيير حدود الله في التوراة، وذلك أنهم غيّروا الرّجم، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: تغيير ما يسمعونه من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالكذب عليه، قاله الحسن. والثالث: إِخفاء صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والرابع: إِسقاط القود بعد استحقاقه. والخامس: سوء التأويل. وقال ابن جرير: المعنى يُحرّفون حكم الكلم، فحذف ذكر الحكم لمعرفة السامعين بذلك.
[سورة المائدة (5) : آية 42]
قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ قال الزجاج: أي من بعد أن وَضَعه الله مواضعه، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه. قوله تعالى: يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ في القائلين لهذا قولان: (430) أحدهما: أنهم اليهود، وذلك أن رجلاً وامرأةً من أشرافهم زنيا، فكان حدهما الرّجم، فكرهت اليهود رجمهما، فبعثوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسألونه عن قضائه في الزّانيين إِذا أُحصِنَا، وقالوا: إِن أفتاكم بالجلد فخذوه، وإِن أفتاكم بالرّجم فلا تعملوا به، هذا قول الجمهور. (431) والثاني: أنهم المنافقون. قال قتادة: وذلك أن بني النضير كانوا لا يُعطون قريظة القود إِذا قتلوا منهم، وإِنما يعطونهم الدية، فإذا قتلت قريظة من النضير لم يَرْضوا إلا بالقود تعززا عليهم، فقتل بنو النضير رجلا من قريظة عمداً، فأرادوا رفع ذلك إِلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال رجل من المنافقين: إِن قتيلكم قتيل عمد، ومتى ترفعوا ذلك إِلى محمد خشيتُ عليكم القود، فان قُبِلَتْ منكم الدِّية فأعطوا، وإِلا فكونوا منه على حذر. وفي معنى فَاحْذَرُوا ثلاثة أقوال: أحدها: فاحذروا أن تعملوا بقوله الشديد. والثاني: فاحذروا أن تُطْلِعُوه على ما في التوراة فيأخذكم بالعمل به. والثالث: فاحذروا أن تسألوه بعدها. قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ في «الفتنة» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى الضلالة، قاله ابن عباس ومجاهد. والثاني: العذاب، قاله الحسن، وقتادة. والثالث: الفضيحة، ذكره الزجاج. قوله تعالى: فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: لا تغني عنه، ولا تقدر على استنقاذه. وفي هذا تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم من حزنه على مسارعتهم في الكفر. قوله تعالى: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ قال السدّي: يعني المنافقين واليهود، لم يُرِدْ أن يطهر قلوبهم من دَنَسِ الكُفر، ووسَخ الشِّرك بطهارة الإِيمان والإِسلام. قوله تعالى: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أما خزي المنافقين، فبهتك ستره وإِطلاع النبي على كفرهم، وخزي اليهود بفضيحتهم في إِظهار كذبهم إِذ كتموا الرجم، وبأخذ الجزية منهم. قال مقاتل: وخزي قريظة بقتلهم وسبيهم، وخزي النّضير بإجلائهم. [سورة المائدة (5) : آية 42] سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) قوله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ قال الحسن: يعني حكام اليهود يسمعون الكذب ممن يكذبُ عندهم في دعواه، ويأتيهم برشوة فيأخذونها. وقال أبو سليمان: هم اليهود يسمعون الكذب، وهو قول بعضهم لبعض: محمد كاذب، وليس بنبي، وليس في التوراة رجم، وهم يعلمون كذبهم. قوله تعالى:
[سورة المائدة (5) : آية 43]
أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو جعفر «السُّحُتُ» مضمومة الحاء مثقَّلة. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة «السُّحْتُ» ساكنة الحاء خفيفة. وروى خارجة بن مصعب عن نافع «أكّالون للسَّحْت» بفتح السين وجزم الحاء. قال أبو علي: السُّحْت والسُّحُتُ لغتان، وهما اسمان للشيء المسحوت، وليسا بالمصدر، فأما من فتح السين، فهو مصدر سحتٍ، فأوقع اسم المصدر على المسحوت، كما أوقع الضرب على المضروب في قولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير. وفي المراد بالسحت ثلاثة أقوال: أحدها: الرشوة في الحكم. والثاني: الرشوة في الدين، والقولان عن ابن مسعود. والثالث: أنه كل كسب لا يحل، قاله الأخفش. قوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فيمن أُريد بهذا الكلام قولان: أحدهما: اليهوديان اللذان زنيا، قاله الحسن، ومجاهد، والسدي. والثاني: رجلان من قريظة والنضير قتل أحدهما الآخر، قاله قتادة. وقال ابن زيد: كان حيي بن أخطب قد جعل للنضيريّ ديتين، والقرظي دية، لأنه كان من النضير، فقالت قريظة: لا نرضى بحكم حُيي، ونتحاكم إِلى محمد، فقال الله تعالى لنبيّه: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ الآية. فصل: اختلف علماء التفسير في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها منسوخة، وذلك أن أهل الكتاب كانوا إِذا ترافعوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان مخيَّراً، إِن شاء حكم بينهم، وإِن شاء أعرض عنهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فلزمه الحكم، وزال التخيير، وهذا مروي عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والسدي. والثاني: أنها محكمة، وأن الإِمام ونوابه في الحكم مخيّرون إِذا ترافعوا إِليهم، إِن شاؤوا حكموا بينهم، وإِن شاؤوا أعرضوا عنهم، وهذا مروي عن الحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو الصحيح، لأنه لا تنافي بين الآيتين، لأن إِحداهما: خيَّرت بين الحكم وتركه. والثانية: بينت كيفية الحكم إِذا كان. [سورة المائدة (5) : آية 43] وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) قوله تعالى: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ قال المفسّرون: هذا تعجيب من الله عزّ وجلّ لنبيه من تحكيم اليهود إِياهُ بعد علمهم بما في التوراة من حكم ما تحاكموا إِليه فيه، وتقريع لليهود إِذ يتحاكمون إِلى مَن يجحدون نبوته، ويتركون حكم التوراة التي يعتقدون صحتها. قوله تعالى: فِيها حُكْمُ اللَّهِ فيه قولان: أحدهما: حكم الله بالرجم، وفيه تحاكموا، قاله الحسن. والثاني: حكمه بالقود، وفيه تحاكموا، قاله قتادة. قوله تعالى: ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فيه قولان: أحدهما: من بعد حكم الله في التوراة. والثاني: من بعد تحكيمك. وفي قوله تعالى: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ قولان: أحدهما: ليسوا بمؤمنين لتحريفهم التوراة. والثاني: ليسوا بمؤمنين أن حكمك من عند الله لجحدهم نبوّتك.
[سورة المائدة (5) : آية 44]
[سورة المائدة (5) : آية 44] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44) قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية: استفتاء اليهود رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أمر الزانيين، وقد سبق «1» . و «الهدى» : البيان. فالتّوراة مبيّنة صحة نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ومبينة ما تحاكموا فيه إِليه. و «النور» : الضياء الكاشف للشبهات، والموضح للمشكلات. وفي «النبيين الذين أسلموا» ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الأنبياء من لَدُنْ موسى إِلى عيسى، قاله الأكثرون. فعلى هذا القول في معنى «أسلموا» أربعة أقوال: أحدها: سلموا لحكم الله، ورضوا بقضائه. والثاني: انقادوا لحكم الله، فلم يكتموه كما كتم هؤلاء. والثالث: أسلموا أنفسهم إِلى الله عزّ وجلّ. والرابع: أسلموا لما في التوراة ودانوا بها، لأنه قد كان فيهم من لم يعمل بكل ما فيها كعيسى عليه السلام. قال ابن الأنباري: وفي «المسلم» قولان: أحدهما: أنه سُمّي بذلك لاستسلامه وانقياده لربه. والثاني: لإِخلاصه لربّه، من قوله تعالى: وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ «2» أي: خالصاً له. والثاني: أن المراد بالنبيين نبيّا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قاله الحسن، والسدي. وذلك حين حكم على اليهود بالرّجم، وذكره بلفظ الجمع كقوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ «3» . وفي الذي حكم به منها قولان: أحدهما: الرجم والقود. والثاني: الحكم بسائِرها ما لم يرد في شرعه ما يخالف. والثالث: النبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ومن قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم، قاله عكرمة. قوله تعالى: لِلَّذِينَ هادُوا قال ابن عباس: تابوا من الكفر. قال الحسن: هم اليهود. قال الزجاج: ويجوز أن يكون في الآية تقديم وتأخير. على معنى: إِنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونورٌ للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين أسلموا. فأما «الربانيون» فقد سبق ذكرهم في (آل عمران) . وأما «الأحبار» فهم العلماء واحدهم حَبر وحِبر، والجمع أحبار وحبور. وقال الفراء: أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار: حِبر بكسر الحاء. وفي اشتقاق هذا الاسم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من الحَبار وهو الأثر الحسن، قاله الخليل. والثاني: أنه من الحِبر الذي يكتب به، قاله الكسائي. والثالث: أنه من الحبر الذي هو الجمال والبهاء. (432) وفي الحديث «يخرج رجل من النار قد ذهَبَ حِبْرُه وسبره» أي: جماله وبهاؤه. فالعالم
بَهِيٌ بجمال العلم، وهذا قول قطرب. وهل بين الرّبانيين والأحبار فَرْق أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا فرق، والكل العلماء، هذا قول الأكثرين، منهم ابن قتيبة، والزجاج. وقد روي عن مجاهد أنه قال: الرّبانيون: الفُقهاء العُلماء، وهم فوق الأحبار. وقال السدي: الربانيون العلماء، والأحبار القُرّاء. وقال ابن زيد: الربانيون: الولاة، والأحبار: العُلماء، وقيل: الربانيون: علماء النصارى، والأحبار: علماء اليهود. قوله تعالى: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ قال ابن عباس: بما استودعوا من كتاب الله وهو التوراة. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: يحكمون بحكم ما استحفظوا. والثاني: العلماء بما استحفظوا. قال ابن جرير: «الباء» في قوله تعالى: بِمَا اسْتُحْفِظُوا من صلة الأحبار. وفي قوله تعالى: وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ قولان: أحدهما: وكانوا على ما في التوراة من الرَّجم شهداء، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: وكانوا شهداء لمحمد عليه السلام بما قال أنه حق. رواه العوفي عن ابن عباس. قوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، وابن عامر، والكسائي «واخشون» بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ أبو عمرو بياء في الوصل، وبغير ياء في الوقف، وكلاهما حسنٌ. وقد أشرنا إِلى هذا في سورة آل عمران «1» . ثم في المخاطبين بهذا قولان. أحدهما: أنهم رؤساء اليهود، قيل لهم: فلا تخشوا الناس في إِظهار صفة محمد، والعمل بالرّجم، واخشوني في كتمان ذلك، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. قال مقاتل: الخطاب ليهود المدينة، قيل لهم: لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرّجم، ونعت محمد، واخشوني في كتمانه. والثاني: أنهم المسلمون، قيل لهم: لا تخشوا الناس، كما خشيت اليهود الناس، فلم يقولوا الحق، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا في المراد بالآيات قولان: أحدهما: أنها صفة محمّد صلّى الله عليه وسلّم والقرآن. والثاني: الأحكام والفرائِض. والثمن القليل مذكور في البقرة. فأمّا قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ. وقوله تعالى بعدها: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. فاختلف العلماء فيمن نزلت على خمسة أقوال «2» : أحدها: أنها نزلت في اليهود خاصة، رواه عبيد بن عبد الله عن ابن عباس، وبه قال قتادة. والثاني: أنها نزلت في المسلمين، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا المعنى. والثالث: أنها عامّة في
[سورة المائدة (5) : آية 45]
اليهود، وفي هذه الأمَّة، قاله ابن مسعود، والحسن، والنخعي، والسدي. والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى، قاله أبو مجلز. والخامس: أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، قاله الشعبي. وفي المراد بالكفر المذكور في الآية الأولى قولان: أحدهما: أنه الكفر بالله تعالى. والثاني: أنه الكفر بذلك الحكم، وليس بكفر ينقل عن الملّة. وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له، وهو يعلم أن الله أنزله، كما فعلت اليهود، فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلاً إِلى الهوى من غير جحود، فهو ظالم وفاسِق. وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومَن أقرَّ به ولم يحكم به فهو فاسق وظالم. [سورة المائدة (5) : آية 45] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) قوله تعالى: وَكَتَبْنا أي: فرضنا عَلَيْهِمْ أي: على اليهود فِيها أي: في التوراة. قال ابن عباس: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، فما بالهم يخالفون، فيقتلون النفسين بالنفس، ويفقئون العينينِ بالعين؟ وكان على بني إِسرائيل القصاص أو العفو، وليس بينهم دية في نفس ولا جُرح، فخفف الله عن أُمة محمد بالدية. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: النَّفسَ بالنفسِ، والعينَ بالعينِ، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسنَ بالسنِ، ينصبون ذلك كلَّه، ويرفعون «والجروحُ» . وكان نافع، وعاصم، وحمزة ينصبون ذلك كلَّه، وكان الكسائي يقرأ: «أن النفس بالنفس» نصباً، ويرفع ما بعد ذلك. قال أبو علي: وحجّته أن الواو لعطف الجُمل، لا للاشتراك في العامل، ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى، لأن معنى: وكتبنا عليهم: قلنا لهم: النفس بالنفس، فحمل العين على هذا، وهذه حجّة من رفع الجروح. ويجوز أن يكون مستأنفاً، لا أنه ممّا كُتب على القوم، وإِنما هو ابتداء ايجاب. قال القاضي أبو يعلى: وقوله تعالى: العين بالعين، ليس المراد قلع العين بالعين، لتَعذّر استيفاء المماثلة، لأنا لا نقف على الحدِّ الذي يجب قلعه، وإِنما يجب فيما ذهب ضوؤها وهي قائمةٌ، وصفة ذلك أن تُشدَّ عين القالع، وتُحمى مرآة، فتقدّم من العين التي فيها القصاص حتى يذهب ضوؤها. وأما الأنف فإذا قطع المارن، وهو ما لان منه، وتركت قصبته، ففيه القصاص، وأما إِذا قطع من أصله، فلا قصاص فيه، لأنه لا يمكن استيفاء القصاص، كما لو قطع يده من نصف الساعد. وقال أبو يوسف، ومحمد: فيه القصاص إِذا استوعب. وأما الأُذن، فيجب القصاص إذا استُوعِبَت، وعرف المقدار. وليس في عظمٍ قصاص إِلا في السن، فان قلعت قلع مثلها، وإِن كُسِرَ بعضُها، برد بمقدار ذلك. وقوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ يقتضي إِيجاب القصاص في سائِر الجراحات التي يمكن استيفاء المثل فيها. قوله تعالى: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ يشير إِلى القصاص. فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ في هاء «له» قولان:
[سورة المائدة (5) : آية 46]
أحدهما: أنها إِشارة إِلى المجروح، فاذا تصدّق بالقصاص كفّر من ذنوبه، وهو قول ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والحسن، والشعبي. والثاني: إِشارة إِلى الجارح إِذا عفا عنه المجروح، كفر عنه ما جنى، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وهو محمول على أن الجاني تاب من جنايته، لأنه إِذا كان مُصرّاً فعقوبة الإِصرار باقية. [سورة المائدة (5) : آية 46] وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) قوله تعالى: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ أي: وأتبعنا على آثار النبيّين الذين أسلموا بِعِيسَى فجعلناه يقفو آثارهم مُصَدِّقاً أي: بعثناه مُصدّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً ليس هذا تكرار للأول، لأن الأول لعيسى، والثاني للإنجيل، لأن عيسى كان يدعو إِلى التصديق بالتوراة، والإِنجيل أنزل وفيه ذكر التّصديق بالتّوراة. [سورة المائدة (5) : آية 47] وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47) قوله تعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ قرأ الأكثرون بجزم اللام على معنى الأمر، تقديره: وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه. وقرأ الأعمش، وحمزة بكسر اللام، وفتح الميم على معنى «كي» ، فكأنه قال: وآتيناه الإِنجيل لكي يحكم أهل الإِنجيل بما أنزل الله فيه. [سورة المائدة (5) : آية 48] وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ يعني القرآن بِالْحَقِّ أي: بالصدق مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ قال ابن عباس: يريد كلَّ كتاب أنزله الله تعالى. وفي «المهيمن» أربعة أقوال: أحدها: أنه المؤيمن، رواه التميمي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. وعكرمة، وعطاء، والضحاك. وقال المبرّد: «مهيمن» في معنى: «مؤيمن» إِلا أن الهاء بدل من الهمزة، كما قالوا: أرقت الماء، وهرقت، وإِيّاك وهِيّاك. وأرباب هذا القول يقولون: المعنى: أن القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتاب. إِلا أن ابن أبي نجيح روى عن مجاهد: ومُهيمَناً عليه. قال: محمد مؤتمن على القرآن. فعلى قوله، في الكلام محذوف، كأنه قال: وجعلناك يا محمد مهيمناً عليه، فتكون هاء «عليه» راجعة إِلى القرآن. وعلى غير قول مجاهد ترجع إلى الكتاب المتقدّمة. والثاني: أنه الشاهد، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل. والثالث: أنه المصدِّق على ما أخبر عن الكتاب، وهذا قول ابن زيد، وهو قريبٌ من القول الأول. والرابع: أنه الرقيب الحافظ، قاله الخليل.
قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ يشير إِلى اليهود بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إِليك في القرآن وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ. قاله أبو سليمان: المعنى: فترجع عما جاءك. قال ابن عباس: لا تأخذ بأهوائِهم في جَلد المُحصَن. قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً قال مجاهد: الشرعة: السُّنة، والمنهاج: الطريق. وقال ابن قتيبة: الشرعة والشريعة واحد، والمنهاج: الطريق الواضح. فان قيل: كيف نسق «المنهاج» على «الشرعة» وكلاهما بمعنى واحد؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن بينهما فرقاً من وجهين: أحدهما: أن «الشرعة» ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق المستمر، قاله المبرّد. والثاني: أن «الشرعة» الطريق الذي ربما كان واضحاً، وربما كان غير واضح، والمنهاج: الطريق الذي لا يكون إِلا واضحاً، ذكره ابن الأنباري. فلما وقع الاختلاف بين الشرعة والمنهاج، حَسُنَ نسق أحدهما على الآخر. والثاني: أن الشِّرعة والمنهاج بمعنى واحد، وإِنما نسق أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين. قال الحطيئة: ألا حَبَّذّا هندٌ وأرضٌ بها هِندُ ... وهندٌ أتى من دُونها النَّأْي والبُعْدُ فنسق البُعد على النأي لما خالفه في اللفظ، وإِن كان موافقاً له في المعنى، ذكره ابن الأنباري. وأجاب عنه أربابُ القول الأول، فقالوا: «النأي» كل ما قلّ بعده أو كثُر كأنه المفارقة، والبعد إِنما يُستعمل فيما كثرت مسافة مفارقته. وللمفسرين في معنى الكلام قولان: أحدهما: لكل ملة جعلنا شرعةً ومنهاجاً، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإِنجيل شريعة، ولأهل القرآن شريعة، هذا قول الأكثرين. قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمةِ موسى، وعيسى، وأمة محمد، فللتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللفرقان شريعة، يُحِلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرّم ما يشاء بلاءً، ليعلمَ من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يُقبل غيره، التوحيدُ والإِخلاصُ لله الذي جاءت به الرسل. والثاني: أن المعنى: لكل مَن دخل في دين محمّد جعلنا القرآن شرعة ومنهاجا، هذا قول مجاهد. قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً فيه قولان: أحدهما: لجمعكم على الحق. والثاني: لجعلكم على ملةٍ واحدةٍ وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ أي: ليختبركم فِي ما آتاكُمْ من الكتاب، وبيّن لكم من الملل. فإن قيل: إِذا كان المعنى بقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً: نبينا محمداً مع سائر الأنبياء قبله، فمن المخاطب بقوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ؟ فالجواب: أنه خطاب لنبينا، والمراد به سائِر الأنبياء والأمم. قال ابن جرير: والعرب من شأنها إِذا خاطبت غائباً، فأرادت الخبر عنه أن تغلِّب المخاطَب، فتخرج الخبر عنهما على وجه الخطاب. قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ قال ابن عباس، والضحاك: هو خطابٌ لأمة محمد عليه السلام. قال مقاتل: و «الخيرات» : الأعمال الصالحة: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ مِن الدِّين. قال ابن جرير: قد بين ذلك في الدنيا بالأدلّة والحجج، وغدا بيبّنه بالمجازاة.
[سورة المائدة (5) : آية 49]
[سورة المائدة (5) : آية 49] وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49) قوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ سبب نزولها: (433) أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسد «1» ، وعبد الله بن صُوريا، وشأس بن قيس، قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إِلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فأتَوه، فقالوا: يا محمد، قد عرفتَ أنَّا أحبارُ اليهود وأشرافُهم، وأنَّا إِن تبعناك، اتبعك اليهود، وإِن بيننا وبين قوم خصومة، فنحاكمهم إِليك، فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك، فأبى ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ونزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. وذكر مقاتل: أن جماعة من بني النضير قالوا له: هل لك أن تحكم لنا على أصحابنا أهل قريظة في أمر الدماء، كما كنا عليه من قبلُ، ونبايعك؟ فنزلت هذه الآية. قال القاضي أبو يعلى: وليس هذه الآية تكراراً لما تقدّم، وإِنما نزلتا في شيئين مختلفين: أحدهما: في شأن الرّجم. والآخر: في التسوية في الديات حتى تحاكموا إِليه في الأمرين. قوله تعالى: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ أي: يصرفوك عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ وفيه قولان: أحدهما: أنه الرّجم، قاله ابن عباس. والثاني: شأن القصاص والدماء، قاله مقاتل. قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فيه قولان: أحدهما: عن حكمك. والثاني: عن الإِيمان، فاعلم أن إِعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعذبهم ببعض ذنوبهم. وفي ذكر البعض قولان: أحدهما: أنه على حقيقته، وإِنما يصيبهم ببعض ما يستحقونه. والثاني: أن المراد به الكل، كما يُذكر لفظ الواحد ويراد به الجماعة، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ «2» والمراد: جميع المسلمين. وقال الحسن: أراد ما عجَّله من إِجلاء بني النضير وقتل بني قريظة. قوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ قال المفسّرون: أراد اليهود. وفي المراد بالفسق هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: الكفر، قاله ابن عباس. والثاني: الكذب، قاله ابن زيد. والثالث: المعاصي، قاله مقاتل. [سورة المائدة (5) : آية 50] أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ قرأ الجمهور «يبغون» بالياء، لأن قبله غَيبة، وهي قوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ. وقرأ ابن عامر «تبغون» بالتاء، على معنى: قل لهم. (434) وسبب نزولها: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما حكم بالرّجم على اليهوديّين تعلّق بنو قريظة ببني النّضير،
[سورة المائدة (5) : آية 51]
وقالوا: يا محمد هؤلاء إِخواننا، أبونا واحد، وديننا واحد، إِذا قتلوا منا قتيلاً أعطونا سبعين وسقاً من تمر، وإِن قتلنا منهم واحداً أخذوا منا أربعين ومائة وسْق، وإِن قتلنا منهم رجلاً قتلوا به رجلين، وإِن قتلنا امرأةً قتلوا بها رجلاً، فاقض بيننا بالعدل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لبني النضير على بني قريظة فضل في عقل ولا دم» فقال بنو النضير: والله لا نرضى بقضائك، ولا نطيع أمرك، ولنأخذن بأمرنا الأوّل، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الزجاج: ومعنى الآية: أتطلب اليهود حكماً لم يأمر الله به، وهم أهل كتاب الله، كما تفعل الجاهلية؟! قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً قال ابن عباس: ومن أعدل؟! وفي قوله تعالى: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ قولان: أحدهما: يوقنون بالقرآن، قاله ابن عباس. والثاني: يوقنون بالله، قاله مقاتل. وقال الزجاج: من أيقن تبيّن عدلَ الله في حكمه. [سورة المائدة (5) : آية 51] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (435) أحدها: أنها نزلت في أبي لُبابة حين قال لبني قريظة إِذ رضوا بحكم سعد: إِنه الذّبح، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول عكرمة. (436) والثاني: أن عُبادة بن الصّامت قال: يا رسول الله إِن لي موالي من اليهود، وإِني أبرأ إِلى الله مِن ولاية يهود، فقال عبد الله بن أُبيّ: إِنّي رجلٌ أخاف الدوائر، ولا أبرأ إِلى الله مِن ولاية يهود، فنزلت هذه الآية، قاله عطية العوفي.
[سورة المائدة (5) : آية 52]
(437) والثالث: أنه لما كانت وقعة أُحد خافت طائفةٌ من الناس أن يُدال عليهم الكُفَّارُ، فقال رجل لصاحبه: أمّا أنا فألحق بفلان اليهودي، فآخذ منه أماناً، أو أتهوّد معه، فنزلت هذه الآية، قاله السدي، ومقاتل. قال الزجاج: لا تتولوهم في الدين. وقال غيره: لا تستنصروا بهم، ولا تستعينوا، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في العون والنصرة. قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ فيه قولان: أحدهما: من يتولهم في الدين، فانه منهم في الكفر. والثاني: من يتولهم في العهد فانه منهم في مخالفة الأمر. [سورة المائدة (5) : آية 52] فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (52) قوله تعالى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ قال المفسّرون: نزلت في المنافقين، ثم لهم في ذلك قولان: (438) أحدهما: أن اليهود والنصارى كانوا يميرون «1» المنافقين ويقرضونهم فيُوادُّونهم، فلما نزلت لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ قال المنافقون: كيف نقطع مودّة قوم إِن أصابتنا سنة وسَّعوا علينا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وممن قال: نزلت في المنافقين، ولم يعين: مجاهد، وقتادة. والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أُبيّ، قاله عطيّة العوفي «2» . وفي المراد بالمرض قولان: أحدهما: أنه الشك، قاله مقاتل. والثاني: النّفاق، قاله الزجّاج. وفي قوله تعالى: يُسارِعُونَ فِيهِمْ ثلاثة أقوال: أحدها: يسارعون في موالاتهم ومناصحتهم، قاله مجاهد، وقتادة. والثاني: في رضاهم، قاله ابن قتيبة. والثالث: في معاونتهم على المسلمين، قاله الزجاج. وفي المراد «بالدائرة» قولان: أحدهما: الجدب والمجاعة، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: نخشى أن يدور علينا الدّهر بمكروه، يعنون الجدب، فلا يبايعوننا، ونمتار فيهم فلا يميروننا. والثاني: انقلاب الدولة لليهود على المسلمين، قاله مقاتل. وفي المراد بالفتح أربعة أقوال: أحدها: فتح مكة، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: فتح قرى اليهود، قاله الضحاك. والثالث: نصر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على مَن خالفه، قاله قتادة، والزجاج. والرابع: الفَرَج، قاله ابن قتيبة. وفي الأمر أربعة أقوال: أحدها: إجلاء
[سورة المائدة (5) : آية 53]
بني النضير وأخذ أموالهم، وقتل قريظة، وسبي ذراريهم، قاله ابن السائِب، ومقاتل. والثاني: الجزية، قاله السدي. والثالث: الخصب، قاله ابن قتيبة. والرابع: أن يؤمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم باظهار أمر المنافقين وقتلهم، قاله الزجاج. وفيما أسرُّوا قولان: أحدهما: موالاتهم. والثاني: قولهم: لعل محمّدا لا ينصر. [سورة المائدة (5) : آية 53] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (53) قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ أبو عمرو، بنصب اللام على معنى: وعسى أن يقول. ورفعه الباقون، فجعلوا الكلام مستأنفاً. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: «يقول» ، بغير واو، مع رفع اللام، وكذلك في مصاحف أهل مكة والمدينة. قال المفسرون: لما أجلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بني النضير، اشتد ذلك على المنافقين، وجعلوا يتأسفون على فراقهم، وجعل المنافق يقول لقريبه المؤمن إِذا رآه جادّاً في معاداة اليهود: أهذا جزاؤهم منك، طال والله ما أشبعوا بطنك؟ فلما قُتلت قريظة، لم يُطق أحدٌ من المنافقين ستر ما في نفسه، فجعلوا يقولون: أربعمائة حُصِدوا في ليلةٍ، فلما رأى المؤمنون ما قد ظهر من المنافقين، قالوا: أَهؤُلاءِ يعنون المنافقين الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ قال ابن عباس: أغلظوا في الأيمان. وقال مقاتل: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ القسم بالله. وقال الزجاج: اجتهدوا في المبالغة في اليمين إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ على عدوّكم حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ بنفاقهم. [سورة المائدة (5) : آية 54] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (54) قوله تعالى: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: يرتدَّ، بإدغام الدال الأولى في الأخرى، وقرأ نافع، وابن عامر: يرتدد، بدَّالين. قال الزجاج: «يرتدد» هو الأصل، لأن الثاني إِذا سُكِّن مِن المضاعف، ظهر التضعيف. فأما «يرتد» فأدغمت الدال الأولى في الثانية، وحرِّكت الثانية بالفتح، لالتقاء الساكنين. قال الحسن: علم الله أن قوماً يرجعون عن الإِسلام بعد موت نبيهم عليه السلام، فأخبرهم أنه سيأتي بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. وفي المراد بهؤلاء القوم ستة أقوال «1» : أحدها: أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الرّدَّة، قاله علي بن أبي طالب، والحسن عليهما السلام، وقتادة، والضحاك، وابن جريج. قال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانِعي الزكاة، وقالوا: أهل القبلة، فتقلَّد ابو بكر سيفه، وخرج وحده، فلم يجدوا بُداً من الخروج على أثره. والثاني: أبو بكر، وعمر، روي عن الحسن، أيضاً. والثالث: أنهم قومُ أبي موسى الأشعريّ.
[سورة المائدة (5) : الآيات 55 إلى 56]
(439) روى عياض الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هم قوم هذا» يعني: أبا موسى. والرابع: أنهم أهل اليمن، رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد. والخامس: أنهم الأنصار، قاله السدي. والسادس: المهاجرون والأنصار، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قال ابن جرير: وقد أنجز الله ما وَعَد فأتى بقومٍ في زمن عمر كانوا أحسن موقعاً في الإِسلام ممّن ارتد. قوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قال علي بن أبي طالب عليه السلام: أهل رِقَّة على أهل دينهم، أهل غِلظةٍ على من خالفهم في دينهم. وقال الزجاج: معنى «أذلة» : جانبهم ليّن على المؤمنين، لا أنهم أذلاّءُ. يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ لأن المنافقين يراقبون الكفار، ويظاهرونهم، ويخافون لومهم، فأعلم الله عزّ وجلّ أن الصحيحَ الإِيمان لا يخاف في الله لومة لائم، ثم أعلمك أن ذلك لا يكون إِلا بتوفيقه، فقال: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يعني: محبتهم لله، ولين جانبهم للمسلمين، وشدّتهم على الكافرين. [سورة المائدة (5) : الآيات 55 الى 56] إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (56) قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: (440) أحدها: أن عبد الله بن سلام وأصحابه جاءوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: إِن قوماً قد أظهروا لنا العداوة، ولا نستطيع أن نجالس أصحابك لبُعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقالوا: رضينا
[سورة المائدة (5) : آية 57]
بالله وبرسوله وبالمؤمنين، وأذَّن بلال بالصلاة، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإذا مساكين يسأل الناس، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هل أعطاك أحدٌ شيئاً» ؟ قال: نعم. قال: «ماذا» ؟ قال: خاتم فضة. قال: «من أعطاكه» ؟ قال: ذاك القائِم، فاذا هو علي بن أبي طالب، أعطانيه وهو راكع، فقرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. وقال مجاهد: نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع «1» . والثاني: أن عبادة بن الصّامت لما تبرأ من حلفائه اليهود نزلت هذه الآية في حقه «2» ، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنها نزلت في أبي بكر الصديق، قاله عكرمة. والرابع: أنها نزلت فيمن مضى من المسلمين ومن بقي منهم، قاله الحسن. قوله تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ فيه قولان: أحدهما: أنهم فعلوا ذلك في ركوعهم، وهو تصدق علي عليه السلام بخاتمه في ركوعه. والثاني: أن من شأنهم إِيتاء الزكاة وفعل الركوع. وفي المراد بالركوع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه نفس الركوع على ما روى أبو صالح عن ابن عباس. وقيل: إِن الآية نزلت وهُم في الركوع. والثاني: أنه صلاة التطوّع بالليل والنهار، وإنما أُفرد الركوع بالذكر تشريفاً له، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أنه الخضوع والخشوع، وأنشدوا «3» : لا تُذِلَّ الفقيرَ عَلََّك أنْ ... تركع يَوْماً والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ ذكره الماوردي. فأما حِزْبَ اللَّهِ فقال الحسن: هم جند الله. وقال أبو عبيدة: أنصار الله. ثم فيهم قولان: أحدهما: أنهم المهاجرون والأنصار، قاله ابن عباس. والثاني: الأنصار، ذكره أبو سليمان. [سورة المائدة (5) : آية 57] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً سبب نزولها: (441) أن رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث كانا قد أظهرا الإسلام، ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادُّونهما، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس.
[سورة المائدة (5) : آية 58]
فأما اتخاذهم الدّين هزُواً ولعباً، فهو إِظهارهم الإِسلام وإِخفاؤهم الكفر وتلاعبهم بالدين. والذين أُوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، والكفار: عبدة الأوثان. قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة: وَالْكُفَّارَ بالنّصب على معنى: لا تتخذوا الكفار أولياء. وقرأ أبو عمرو والكسائي: «والكفارِ» خفضاً، لقرب الكلام من العامل الجارِّ، وأمال أبو عمرو الألف. وَاتَّقُوا اللَّهَ أن تولّوهم. [سورة المائدة (5) : آية 58] وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) قوله تعالى: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ في سبب نزولها قولان: (442) أحدهما: أن منادي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إِذا نادى إِلى الصلاة، وقام المسلمون إِليها، قالت اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلّوا، على سبيل الاستهزاء والضحك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. (443) والثاني: أن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين على ذلك، وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية، فان كنت تدَّعي النبوّة، فقد خالفت في هذا الأذان الأنبياء قبلك، فما أقبح هذا الصوت، وأسمج هذا الأمر، فنزلت هذه الآية، ذكره بعض المفسّرين. (444) وقال السُدّي: كان رجل من النصارى بالمدينة إِذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: حُرِق الكاذب، فدخلت خادمه ذات ليلة بنارٍ وهو نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله. والمناداة: هي الأذان، واتخاذهم إِيّاها هزواً: تضاحكهم وتغامزهم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ما لهم في إِجابة الصلاة، وما عليهم في استهزائهم بها. [سورة المائدة (5) : آية 59] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59) قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا. (445) سبب نزولها: أن نفراً من اليهود أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فسألوه عمّن يؤمن به من الرُّسل، فذكر جميع الأنبياء، فلما ذكر عيسى، جحدوا نبوّته، وقالوا: والله ما نعلم ديناً شراً من دينكم، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله ابن عباس. وقرأ الحسن، والأعمش: «تَنْقَمون» بفتح القاف. قال الزجاج: يقال: نَقَمْتُ على الرجل أنقم،
[سورة المائدة (5) : آية 60]
ونَقِمْت عليه أنقَمُ، والأول أجود. ومعنى «نقمت» : بالغت في كراهة الشيء، والمعنى: هل تكرهون منا إِلا إِيماننا، وفسقكم، لأنكم علمتم أننا على حقّ، وأنكم فسقتم. [سورة المائدة (5) : آية 60] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60) قوله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ قال المفسرون: سبب نزولها قول اليهود للمؤمنين: والله ما علمنا أهل دينٍ أقلّ حظّاً منكم في الدنيا والآخرة، ولا ديناً شرّاً من دينكم. وفي قوله تعالى: بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ قولان: أحدهما: بشرٍّ من المؤمنين، قاله ابن عباس. والثاني: بشرٍّ مما نقمتم مِن إِيماننا، قاله الزجاج. فأما «المثوبة» فهي الثواب. قال الزجاج: وموضع «مَنْ» في قوله تعالى: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ إِن شئت كان رفعاً، وإِن شئت كان خفضاً، فمن خفض جعله بدلاً مِن «شرٍّ» فيكون المعنى: أُنبئكم بمن لعنه الله؟ ومن رفع فباضمار «هو» كأنَّ قائلاً قال: مَن ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله. قال أبو صالح عن ابن عباس: من لعنه الله بالجزية، وغضب عليه بعبادة العجل، فهم شر مثوبة عند الله. وروي عن ابن عباس أن المسخَين من أصحاب السبت: مسخ شبابهم قردة، ومشايخهم خنازير. وقال غيره: القردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى. وكان ابن قتيبة يقول: أنا أظنُّ أن هذه القردة والخنازير هي المسوخ بأعيانها توالدت. قال: واستدللت بقوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ فدخول الألف واللام يدل على المعرفة، وعلى أنها القردة التي تعاين، ولو كان أراد شيئاً انقرض ومضى، لقال: وجعل منهم قردة وخنازير، إِلا أن يصحّ حديث أم حبيبة في «المسوخ» فيكون كما قال عليه السلام. قلت أنا: (446) وحديث أم حبيبة في «الصحيح» انفرد بإخراجه مسلم، وهو أنّ رجلا سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، القردة والخنازير هي ممّا مُسِخ؟ فقال النبي عليه السلام: «إن الله لم يمسخ قوماً أو يهلك قوماً، فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة، وإِن القردة والخنازير قد كانت قبل ذلك» وقد ذكرنا في سورة البقرة عن ابن عباس زيادة بيان ذلك، فلا يُلتفت إِلى ظن ابن قتيبة. قوله تعالى: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ فيها عشرون قراءة. قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع، والكسائي: «وعبد» بفتح العين والباء والدال، ونصب تاء «الطاغوت» . وفيها وجهان: أحدهما: أن المعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت. والثاني: أن المعنى: من لعنه الله وعبد الطاغوت. وقرأ حمزة: «وعَبُدَ الطاغوتِ» بفتح العين والدال، وضم الباء، وخفض تاء الطاغوت. قال ثعلب: ليس لها وجه إِلا أن يجمع فَعْل على فَعُل. وقال الزجاج: وجهها أن الاسم بني على «فَعُل» كما تقول: عَلُم زيد، ورجل حَذُر، أي: مبالغ في الحذر. فالمعنى: جعل منهم خَدَمة
[سورة المائدة (5) : آية 61]
الطاغوت ومن بلغ في طاعة الطاغوت الغاية. وقرأ ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، «وعَبَدُوا» ، بفتح العين والباء ورفع الدال على الجمع «الطاغوتَ» بالنصب. وقرأ ابن عباس، وابن أبي عبلة: «وعَبَدَ» بفتح العين والباء والدال، إِلا أنهما كسرا تاء «الطاغوت» . قال الفراء: أرادا «عبدة» فحذفا الهاء. وقرأ أنس بن مالك: «وعَبيدَ» بفتح العين والدال وبياء بعد الباء وخفض تاء «الطاغوت» . وقرأ أيوب، والأعمش: «وعُبَّدَ» ، برفع العين ونصب الباء والدال مع تشديد الباء، وكسر تاء «الطاغوت» . وقرأ أبو هريرة، وأبو رجاء، وابن السميفع، «وعابد» بألف، مكسورة الباء مفتوحة الدال، مع كسر تاء الطّاغوت. وقرأ أبو العالية، ويحيى بن وثَّاب: «وعُبُدَ» برفع العين والباء وفتح الدال، مع كسر تاء الطاغوت. قال الزجاج: هو جمع عبيد، وعُبُد مثل رغيف، ورغُف، وسرير، وسُرُر، والمعنى: وجعل منهم عبيد الطاغوت. وقرأ أبو عمران الجوني، ومورّق العجلي، والنخعي: «وعُبِدَ» برفع العين وكسر الباء مخففة، وفتح الدال مع ضم تاء «الطاغوت» . وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعكرمة: «وعَبَّد» بفتح العين والدال وتشديد الباء، مع نصب تاء الطاغوت. وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو نهيك: «وعَبْدَ» بفتح العين والدال، وسكون الباء خفيفة مع كسر تاء الطّاغوت. وقرأ قتادة، وهذيل بن شرحبيل: «وعَبَدَة» بفتح العين والباء والدال وتاء في اللفظ منصوبة بعد الدال «الطواغيت» بالف وواو وياء بعد الغين على الجمع. وقرأ الضحاك، وعمرو بن دينار: «وعُبَدَ» برفع العين وفتح الباء والدال مع تخفيف الباء، وكسر تاء «الطاغوت» . وقرأ سعيد بن جبير، والشعبي: «وعَبْدَة» مثل حمزة، إِلا أنهما رفعا تاء «الطاغوت» . وقرأ يحيى بن يعمر، والجحدري: «وعَبُدُ» بفتح العين ورفع الباء مع كسر تاء «الطاغوت» . وقرأ أبو الأشهب العطاردي: «وعُبْدَ» برفع العين وتسكين الباء، ونصب الدال، مع كسر تاء «الطاغوت» . وقرأ أبو السّمّال: «وعبدة» بفتح العين والباء والدال وتاء في اللفظ بعد الدال مرفوعة مع كسر تاء «الطّاغوت» . وقرأ معاذ القارئ: «وعابد» مثل قراءة أبي هريرة إِلا أنه ضم الدال. وقرأ أبو حياة: «وعُبّادَ» بتشديد الباء وبألف بعدها مع رفع العين، وفتح الدال. وقرأ ابن حَذْلَمْ، وعمرو بن فائد: «وعبّاد» مثل أبي حياة إِلا أن العين مفتوحة والدال مضمومة. وقد سبق ذكر «الطاغوت» في سورة البقرة. وفي المراد به هاهنا قولان: أحدهما: الأصنام. والثاني: الشيطان. قوله تعالى: أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً أي: هؤلاء الذين وصفناهم شر مكاناً من المؤمنين، ولا شرّ في مكان المؤمنين، ولكن الكلام مبني على كلام الخصم، حين قالوا للمؤمنين: لا نعرف شراً منكم، فقيل: من كان بهذه الصّفة، فهو شرّ منهم. [سورة المائدة (5) : آية 61] وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (61) قوله تعالى: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا. (447) قال قتادة: هؤلاء ناسٌ من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فيخبرونه أنهم مؤمنون بما جاء به، وهم متمسّكون بضلالتهم.
[سورة المائدة (5) : آية 62]
قوله تعالى: وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ أي: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين، فالكفر معهم في حالتيهم، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ من الكفر والنّفاق. [سورة المائدة (5) : آية 62] وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (62) قوله تعالى: وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يعني: اليهود يُسارِعُونَ، أي: يبادرون فِي الْإِثْمِ وفيه قولان: أحدهما: أنه المعاصي، قاله ابن عباس. والثاني: الكفر، قاله السدي. فأما العدوان فهو الظلم. وفي «السحت» ثلاثة أقوال: أحدها: الرّشوة في الحكم. والثاني: الرشوة في الدين. والثالث: الربا. [سورة المائدة (5) : آية 63] لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (63) قوله تعالى: لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ «لولا» بمعنى: «هلاّ» ، و «الربّانيون» مذكورون في آل عمران، ووَ الْأَحْبارُ قد تقدم ذكرهم في هذه السورة. وهذه الآية من أشد الآيات على تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الله تعالى جمع بين فاعل المنكر وتارك الإِنكار في الذم. قال ابن عباس: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخاً من هذه الآية. [سورة المائدة (5) : آية 64] وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ قال أبو صالح عن ابن عباس: نزلت في فنحاص اليهودي وأصحابه، قالوا: يد الله مغلولة. وقال مقاتل: فنحاص وابن صلوبا «1» ، وعازر بن أبي عازر. وفي سبب قولهم هذا ثلاثة أقوال: أحدها: أن الله تعالى كان قد بسط لهم الرزق، فلما عصوا الله تعالى في أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم وكفروا به كفَّ عنهم بعض ما كان بسط لهم، فقالوا: يد الله مغلولة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. والثاني: أن الله تعالى استقرض منهم كما استقرض من هذه الأمة، فقالوا: إِن الله بخيل، ويده مغلولة فهو يستقرضنا، قاله قتادة. والثالث: أن النصارى لما أعانوا بختنصر المجوسي على تخريب بيت المقدس، قالت اليهود: لو كان الله صحيحاً لمنعنا منه، فيده مغلولة، ذكره قتادة أيضاً. والمغلولة: الممسَكة المنقبضة. وعن ماذا عَنوا أنها ممسكة، فيه قولان: أحدهما: عن العطاء، قاله ابن عباس، وقتادة، والفرّاء، وابن قتيبة، والزجّاج. والثاني: ممسكة من عذابنا، فلا يعذبنا إِلا تحلّة القسم بقدر عبادتنا العجل، قاله الحسن. وفي قوله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ثلاثة أقوال: أحدها: غلت في جهنم، قاله الحسن. والثاني: أُمسكت عن الخير، قاله مقاتل. والثالث: جُعِلوا بُخلاء، فهم أبخل قوم، قاله الزجّاج. قال ابن
الأنباري: وهذا خبر أخبر الله تعالى به الخلق أن هذا قد نزل بهم، وموضعه نصب على معنى الحال. تقديره: قالت اليهود هذا في حال حكم الله بغل أيديهم، ولعنته إِياهم، ويجوز أن يكون المعنى: فغلت أيديهم، ويجوز أن يكون دعاء، معناه: تعليم الله لنا كيف ندعو عليهم، كقوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ «1» وقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «2» . وفي قوله تعالى: وَلُعِنُوا بِما قالُوا ثلاثة أقوال: أحدها: أُبعدوا من رحمة الله. والثاني: عذّبوا قردة بالجزية، وفي الآخرة بالنّار. الثالث: مُسخوا قردة وخنازير. (448) وروى ابن عباس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من لعن شيئاً لم يكن للعنه أهلاً رجعت اللعنة على اليهود بلعنة الله إِياهم» . قال الزجاج: وقد ذهب قومٌ إِلى أن معنى «يد الله» : نعمته، وهذا خطأ ينقضه بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ فيكون المعنى على قولهم: نعمتاه، ونعم الله أكثر من أن تحصى. والمراد بقوله: بل يَداهُ مَبْسُوطَتانِ: أنه جواد ينفق كيف يشاء، وإِلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري. قال ابن عباس: إِن شاء وسَّع في الرزق، وإِن شاء قتَّر. قوله تعالى: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً قال الزجاج: كلما أُنزل عليك شيء كفروا به، فيزيد كفرهم. و «الطّغيان» هاهنا: الغلو في الكفر. وقال مقاتل: وليزيدن بني النضير ما أُنزل إِليك من ربك من أمر الرجم والدّماء طغياناً وكفراً. قوله تعالى: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فيمن عني بهذا قولان: أحدهما: اليهود والنصارى، قاله ابن عباس: ومجاهد، ومقاتل. فإن قيل: فأين ذكر النصارى؟ فالجواب: أنه قد تقدم في قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ. والثاني: أنهم اليهود، قاله قتادة. قوله تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ذِكْر إِيقاد النار مَثَلٌ ضُربَ لاجتهادهم في المحاربة، وقيل: إِن الأصل في استعارة اسم النار للحرب أن القبيلة من العرب كانت إِذا أرادت حرب أُخرى أوقدت النار على رؤوس الجبال، والمواضع المرتفعة، ليعلم استعدادهم للحرب، فيتأهب من يريد إِعانتهم. وقيل: كانوا إِذا تحالفوا على الجدِّ في حربهم، أوقدوا ناراً، وتحالفوا. وفي معنى الآية قولان: أحدهما: كلما جمعوا لحرب النبي صلّى الله عليه وسلّم فرّقهم الله. والثاني: كلما مكروا مكراً رده الله. قوله
[سورة المائدة (5) : آية 65]
تعالى: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً فيه أربعة أقوال: أحدها: بالمعاصي، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: بمحو ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من كتبهم، ودفع الإِسلام، قاله الزجاج. والثالث: بالكفر. والرابع: بالظّلم، ذكرهما الماورديّ. [سورة المائدة (5) : آية 65] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ يعني: اليهود والنصارى آمَنُوا بالله وبرسله وَاتَّقَوْا الشرك لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ التي سلفت. [سورة المائدة (5) : آية 66] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (66) قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ قال ابن عباس: عملوا بما فيها. وفيما أُنزل إِليهم من ربهم قولان: أحدهما: كتب أنبياء بني إِسرائيل. والثاني: القرآن، لأنهم لما خوطبوا به، كان نازلاً إِليهم. قوله تعالى: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ فيه قولان: أحدهما: لأكلوا بقطر السماء، ونبات الأرض، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أن المعنى: لوسِّع عليهم، كما يقال: فلان في خير من قرنه إِلى قدمه، ذكره الفراء، والزجاج. وقد أعلم الله تعالى بهذا أن التقوى سبب في توسعة الرزق كما قال: لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «1» وقال: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ «2» . قوله تعالى: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ يعني: من أهل الكتاب، وهم الذين أسلموا منهم، قاله ابن عباس، ومجاهد. وقال القرظي: هم الذين قالوا: المسيح عبد الله ورسوله. و «الاقتصاد» الاعتدال في القول والعمل من غير غلوّ ولا تقصير. [سورة المائدة (5) : آية 67] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (67) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت على أسباب: روى الحسن أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (449) «لما بعثني الله برسالته، ضقت بها ذرعاً، وعرفت أن من الناس من يكذِّبني» ، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يهابُ قريشاً واليهود والنصارى، فأنزل الله هذه الآية.
(450) وقال مجاهد: لما نزلت يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ قال: «يا رب كيف أصنع؟ إِنما أنا وحدي يجتمع عليَّ الناس» ، فأنزل الله وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. (451) وقال مقاتل: لما دعا اليهود، وأكثر عليهم، جعلوا يستهزئون به، فسكت عنهم، فحُرِّض بهذه الآية. (452) وقال ابن عباس: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُحرَسُ فيرسل معه أبو طالب كلَّ يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية، فقال: «يا عمّاه إِن الله قد عصمني من الجن والإِنس» . (453) وقال أبو هريرة: نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجلٌ فأخذه، فقال: يا محمد من يمنعني منك؟ فقال: «الله» ، فنزل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. (454) وقالت عائشة: سهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة، فقلت: ما شأنك؟ قال: ألا رجلٌ صالح يحرسني الليلة، فبينما نحن في ذلك إِذ سمعت صوت السّلاح، فقال: «من هذا» ؟ فقال: سعد وحذيفة جئنا نحرسك، فنام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى سمعت غطيطه «1» ، فنزلت وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فأخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأسه من قبة أدم «2» وقال «انصرفوا أيها النّاس، فقد عصمني الله تعالى» .
[سورة المائدة (5) : آية 68]
قال الزجّاج: قوله تعالى: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ معناه: بلغ جميع ما أُنزل إِليك، ولا تراقبن أحداً، ولا تتركنَّ شيئاً منه مخافة أن ينالك مكروه، فان تركت منه شيئاً، فما بلَّغت. قال ابن قتيبة: يدل على هذا المحذوف قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ. وقال ابن عباس: إِن كتمت آية فما بلَّغت رسالتي. وقال غيره: المعنى: بلِّغ جميع ما أُنزل إِليك جهراً، فان أخفيت شيئاً منه لخوف أذىً يلحقك، فكأنك ما بلَّغت شيئاً. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «رسالته» على التوحيد. وقرأ نافع «رسالاته» على الجمع. قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ قال ابن قتيبة: أي يمنعك منهم. وعصمة الله: منعه للعبد من المعاصي، ويقال: طعام لا يعصم، أي: لا يمنع من الجوع. فان قيل: فأين ضمان العصمة وقد شُجَّ جبينه، وكسِرت رَباعيته، وبولغ في أذاه؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه عصمه من القتل والأسرِ وتلفِ الجملة، فأمّا عوارض الأذى، فلا تمنع عصمة الجملة. والثاني: أن هذه الآية نزلت بعد ما جرى عليه ذلك، لأن «المائدة» من أواخر ما نزل. قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ فيه قولان: أحدهما: لا يهديهم إِلى الجنة. والثاني: لا يعينهم على بلوغ غرضهم. [سورة المائدة (5) : آية 68] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (68) قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ سبب نزولها: (455) أن اليهود قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ألست تؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها حق؟ قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، فأنا بريء من إِحداثكم. فقالوا: نحن على الهدى، ونأخذ بما في أيدينا، ولا نؤمن بك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. فأما أهل الكتاب، فالمراد بهم اليهود والنّصارى. وقوله تعالى: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أي: لستم على شيء من الدين الحق حتى تقيموا التوراة والإِنجيل، وإِقامتهما: العمل بما فيهما، ومن ذلك الإِيمان بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم. وفي الذي أُنزل إِليهم من ربهم قولان قد سبقا، وكذلك باقي الآية. [سورة المائدة (5) : آية 69] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ قد ذكرنا تفسيرها في البقرة. وكذلك اختلفوا في إِحكامها ونسخها كما بينا هناك. فأما رفع «الصابئين» فذكر الزجاج عن البصريين، منهم الخليل، وسيبويه أن قوله: «والصابئون» محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء. والمعنى: إِن الذين آمنوا والذين هادوا من آمَن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
[سورة المائدة (5) : آية 70]
والصابئون والنصارى كذلك أيضاً، وأنشدوا: وإِلاَّ فاعلموا أنَّا وأنتم ... بُغاةٌ ما بقينا في شقاق «1» المعنى: فاعلموا أنا بُغاة ما بقينا في شقاق، وأنتم أيضا كذلك. [سورة المائدة (5) : آية 70] لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (70) قوله تعالى: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ قال مقاتل: أخذ ميثاقهم في التوراة بأن يعملوا بما فيها. قال ابن عباس: كان فيمن كُذِّبُوا. محمد وعيسى، وفيمن قتلوا: زكريا ويحيى. قال الزجاج: فأما التكذيب، فاليهود والنصارى يشتركون فيه. وأمّا القتل فيختصّ اليهود. [سورة المائدة (5) : آية 71] وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (71) قوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر: تَكُونَ بالنصب، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «تكون» بالرفع، ولم يختلفوا في رفع «فتنة» . قال مكي بن أبي طالب: من رفع جعل «أن» مخفّفة من الثقيلة، وأضمر معها «الهاء» ، وجعل «حسبوا» بمعنى: أيقنوا، لأن «أن» للتأكيد، والتأكيد لا يجوز إِلا مع اليقين. والتقدير: أنه لا تكون فتنة. ومن نصب جعل «أن» هي الناصبة للفعل، وجعل «حسبوا» بمعنى: ظنوا. ولو كان قبل «أن» فعلٌ لا يصلح للشك، لم يجز أن تكون إِلا مخففة من الثقيلة، ولم يجز نصب الفعل بها، كقوله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ «2» وعَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ «3» . وقال أبو علي: الأفعال ثلاثة: فعلٌ يدلُ على ثبات الشيء واستقراره، نحو العلم والتيقّن، وفعلٌ يدلُ على خلاف الثبات والاستقرار، وفعلٌ يجذب إِلى هذا مرة، وإِلى هذا أُخرى، فما كان معناه العلم، وقعت بعده «أن» الثقيلة، لأن معناها ثبوت الشيء واستقراره، كقوله تعالى: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ «4» أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى «5» ، وما كان على غير وجه الثبات والاستقرار نحو: أطمع وأخاف وأرجو، وقعت بعده «أن» الخفيفة، كقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ «6» تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ «7» فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما «8» أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي «9» ، وما كان متردداً بين الحالين مثل حسبتُ وظننت، فإنه يُجعلُ تارةً بمنزلة العلم، وتارةً بمنزلة أرجو وأطمع، وكلتا القراءتين في وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ قد جاء بها التنزيل. فمثل مذهب من نصب: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ «10» أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا «11»
[سورة المائدة (5) : آية 72]
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا «1» ، ومثلُ مذهب مَنْ رفع: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ «2» أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ «3» . قال ابن عباس: ظنوا أن الله لا يعذّبهم، ولا يبتليهم بقتلهم الأنبياء، وتكذيبهم الرسل. قوله تعالى: فَعَمُوا وَصَمُّوا قال الزجاج: هذا مثل تأويله: أنهم لم يعملوا بما سمعوا ورأوا من الآيات، فصاروا كالعمي الصمّ. قوله تعالى: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فيه قولان: أحدهما: رفع عنهم البلاء، قاله مقاتل. وقال غيره: هو ظفرهم بالأعداء، وذلك مذكور في قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ. والثاني: أن معنى «تاب عليهم» : أرسل إِليهم محمداً يعلمهم أن الله قد تاب عليهم إِن آمنوا وصدقوا، قاله الزجاج. وفي قوله تعالى: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا قولان: أحدهما: لم يتوبوا بعد رفع البلاء، قاله مقاتل. والثاني: لم يؤمنوا بعد بعثة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قاله الزجاج. قوله تعالى: كَثِيرٌ مِنْهُمْ أي: عمي وصم كثيرٌ منهم، كما تقول: جاءني قومُك أكثرُهم. قال ابن الأنباري: هذه الآية نزلت في قوم كانوا على الكفر قبل أن يبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما بعث كذبوه بغياً وحسداً، وقدَّروا أن هذا الفعل لا يكون مُوبقاً لهم، وجانياً عليهم، فقال الله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي: ظنوا ألا تقع بهم فتنة في الإِصرار على الكفر، فعموا وصموا بمجانبة الحق. ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي: عرّضهم للتّوبة بأن أرسل محمّدا صلّى الله عليه وسلّم وإِن لم يتوبوا، ثم عموا وصموا بعد بيان الحق بمحمد، كثيرٌ منهم، فخصّ بعضهم بالفعل الأخير، لأنهم لم يجتمعوا كلهم على خلاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. [سورة المائدة (5) : آية 72] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (72) قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قال مقاتل: نزلت في نصارى نجران، قالوا ذلك. قوله تعالى: وَقالَ الْمَسِيحُ أي: وقد كان المسيح قال لهم وهو بين أظهرهم: إِنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة. [سورة المائدة (5) : آية 73] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ قال مجاهد: هم النصارى. قال وهب بن منبّه: لما وُلد عيسى لم يبق صنم إِلا خرَّ لوجهه، فاجتمعت الشياطين إِلى إِبليس، فأخبروه، فذهب فطاف أقطار الأرض، ثم رجع، فقال: هذا المولود الذي ولد من غير ذكر، أردت أن أنظر إِليه، فوجدت الملائكة قد حفّت بأمِّه، فليتخلف عندي اثنان من مردتكم، فلما أصبح. خرج بهما في
[سورة المائدة (5) : آية 74]
صورة الرجال، فأتوا مسجد بني إِسرائيل وهم يتحدثون بأمر عيسى، ويقولون: مولود من غير أب. فقال إِبليس: ما هذا ببشر، ولكن الله أحبَّ أن يتمثّل في امرأةٍ ليختبر العباد، فقال أحد صاحبيه: ما أعظم ما قلت، ولكن الله أحب أن يتخذ ولداً. وقال الثالث: ما أعظم ما قلت، ولكن الله أراد أن يجعل إِلها في الأرض، فألقوا هذا الكلام على ألسنة الناس، ثم تفرَّقوا، فتكلم به الناس. وقال محمد بن كعب: لمّا رفع عيسى اجتمع مائة من علماء بني إِسرائيل، وانتخبوا منهم أربعة، فقال أحدهم: عيسى هو الله كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إِلى السماء، لأنه لا يحيي الموتى ولا يبرئ الأكمه والأبرص إِلا الله. وقال الثاني: ليس كذلك، لأنا قد عرفنا عيسى، وعرفنا أُمه، ولكنّه ابن الله. وقال الثالث: لا أقول كما قلتما، ولكن جاءت به أُمه من عمل غير صالح. فقال الرابع: لقد قلتم قبيحاً، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته، فخرجوا، فاتبع كلَّ رجل منهم عُنُقٌ «1» من الناس. قال المفسّرون: ومعنى الآية: أن النصارى قالت: الإِلهية مشتركة بين الله وعيسى ومريم، وكل واحد منهم إِلهٌ. وفي الآية إِضمار، فالمعنى: ثالث ثلاثة آلهة، فحذف ذكر الآلهة، لأن المعنى مفهوم، لأنه لا يكفر من قال: هو ثالث ثلاثة، ولم يرد الآلهة، لأنه ما من اثنين إِلا وهو ثالثهما، وقد دل على المحذوف قوله تعالى: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ. قال الزجاج: ومعنى ثالث ثلاثة: أنه أحد ثلاثة. ودخلت «من» في قوله تعالى: وَما مِنْ إِلهٍ للتوكيد. والذين كفروا منهم، هم المقيمون على هذا القول. وقال ابن جرير: المعنى: ليَمسّن الذين يقولون: المسيح هو الله، والذين يقولون: إِن الله ثالث ثلاثة، وكلّ كافر يسلك سبيلهم، عذاب أليم. [سورة المائدة (5) : آية 74] أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) قوله تعالى: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ قال الفراء: لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الأمر، كقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. [سورة المائدة (5) : آية 75] مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قوله تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ فيه ردٌ على اليهود في تكذيبهم رسالته، وعلى النصارى في ادّعائهم إِلهيَّته. والمعنى: أنه ليس بالهٍ، وإِنما حكمُه حكم من سبقه من الرسل. وفي قوله تعالى: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ردٌ على من نسبها من اليهود إِلى الفاحشة. قال الزجاج: والصدّيقة: المبالغة في الصدق، وصدِّيق «فعِّيل» من أبنية المبالغة، كما تقول: فلانٌ سكّيت، أي: مبالغ في السكوت. وفي قوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ قولان: أحدهما: أنه بيّن أنهما يعيشان بالغذاء، ومن لا يُقيمه إِلا أكل الطعام فليس باله، قاله الزجاج. والثاني: أنه نبه بأكل الطعام على عاقبته، وهو الحدث، إِذ لا بد لآكل الطعام من الحدث، قاله ابن قتيبة. قال: وقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ من ألطف ما يكون من الكناية. و «يؤفكون» : يُصرفون عن الحق ويُعدَلون، يقال: أفِك الرجل عن كذا:
[سورة المائدة (5) : آية 76]
إِذا عدل عنه، وأرض مأفوكة: محرومة المطر والنّبات، كأنّ ذلك صرف عنها وعدل. [سورة المائدة (5) : آية 76] قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قوله تعالى: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال مقاتل: قل لنصارى نجران: أتعبدون من دون الله، يعني عيسى ما لا يملك لكم ضراً في الدنيا، ولا نفعاً في الآخرة. والله هو السميع لقولهم: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، العليم بمقالتهم. [سورة المائدة (5) : آية 77] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (77) قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ قال مقاتل: هم نصارى نجران. والمعنى: لا تغلوا في دينكم، فتقولوا غير الحق في عيسى. وقد بيّنا معنى «الغلو» في آخر سورة (النساء) . قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ قال أبو سليمان: من قبل أن تَضِلُّوا. وفيهم قولان: أحدهما: أنهم رؤساء الضَّلالَةِ من اليهود. والثاني: رؤساء اليهود والنصارى، والآية خطاب للذين كانوا في عصر نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم نُهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم. [سورة المائدة (5) : آية 78] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (78) قوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ في لعنهم قولان: أحدهما: أنه نفس اللعن، ومعناه المباعدة من الرحمة. قال ابن عباس: لُعنوا على لسان داود، فصاروا قردة، ولعنوا على لسان عيسى في الإِنجيل. قال الزجاج: وجائز أن يكون داود وعيسى أُعْلِمَا أن محمداً نبيّ، ولعنا من كفر به. والثاني: أنه المسخ، قاله مجاهد، لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى لسان عيسى، فصاروا خنازير. وقال الحسن، وقتادة: لعن أصحاب السبت على لسان داود، فانهم لما اعتدوا، قال داود: اللهم العنهم، واجعلهم آية، فمسخوا قردة. ولعن أصحاب المائدة على لسان عيسى، فانهم لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت، فجُعلوا خنازير. قوله تعالى: ذلِكَ بِما عَصَوْا أي: ذلك اللعن بمعصيتهم لله تعالى في مخالفتهم أمره ونهيه، وباعتدائِهم في مجاوزة ما حدّه لهم. [سورة المائدة (5) : آية 79] كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (79) قوله تعالى: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ التناهي: تفاعل من النهي، أي: كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً عن المنكر. وذكر المفسّرون في هذا المنكر ثلاثة أقوال: أحدها: صيدُ السّمك يوم السبت. والثاني: أخذ الرشوة في الحكم. والثالث: أكل الربا، وأثمان الشحوم. وذِكْر المنكر منكَّراً يدل على الإِطلاق، ويمنع هذا الحصر، ويدلُ على ما قلنا:
[سورة المائدة (5) : الآيات 80 إلى 81]
(456) ما روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إِن الرجل من بني إِسرائيل كان إِذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيراً، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريبه، فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم» . قوله تعالى: لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ قال الزجاج: اللاّم دخلت للقسم والتوكيد، والمعنى: لبئس شيئاً فعلهم. [سورة المائدة (5) : الآيات 80 الى 81] تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (80) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (81) قوله تعالى: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ في المشار إِليهم قولان: أحدهما: أنهم المنافِقُون، روي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. والثاني: أنهم اليهود، قاله مقاتل في آخرين، فعلى هذا القول انتظام الآيات ظاهر، وعلى الأول يرجع الكلام إلى قوله تعالى فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ. وفي الذين كفروا قولان: أحدهما: أنهم اليهود، قاله أرباب القول الأول. والثاني: أنهم مشركو العرب، قاله أرباب هذا القول الثاني. قوله تعالى: لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي: بئسما قدموا لمعادهم أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قال الزجاج: يجوز أن تكون «أن» في موضع رفع على إِضمار هو، كأنه قيل: هو أن سخط الله عليهم. [سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 83] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ قال المفسّرون: نزلت هذه الآية وما بعدها مما يتعلق بها في النجاشي وأصحابه. قال سعيد بن جبير: بعث النجاشي قوما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأسلموا، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها، وسنذكر قصّتهم فيما بعد. قال الزجاج: واللام في «لتجدن» لام القسم، والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال، و «عداوة» منصوب على التمييز، واليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين حسداً للنبيّ عليه السّلام. قوله تعالى: وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني: عبدة الأوثان. فأما الذين قالوا إِنا نصارى، فهل هذا عام
في كل النصارى أم خاص؟ فيه قولان: أحدهما: أنه خاص، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه أراد النجاشي وأصحابه لما أسلموا، قاله ابن عباس وابن جبير. والثاني: أنهم قوم من النصارى كانوا متمسّكين بشريعة عيسى، فلما جاء محمد عليه السلام أسلموا، قاله قتادة. والقول الثاني: أنه عام. قال الزجاج: يجوز أن يراد به النصارى لأنهم كانوا أقلَّ مظاهرةً للمشركين من اليهود. قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً قال الزجاج: «القس» و «القسيس» من رؤساء النصارى. وقال قطرب: القسيس: العالم بلغة الروم، فأما الرهبان: فهم العباد أرباب الصوامع. قال ابن فارس: الترهّب: التعبّد، فان قيل: كيف مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا وليس ذلك من أمرِ شريعتنا؟ فالجواب: أنه مدحهم بالتمسّك بدين عيسى حين استعملوا في أمر محمد ما أخذ عليهم في كتابهم، وقد كانت الرهبانية مستحسنة في دينهم. والمعنى: بأن فيهم علماء بما أوصى به عيسى من أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم. قال القاضي أبو يعلى: وربما ظن جاهلٌ أن في هذه الآية مدح النصارى، وليس كذلك، لأنه إِنما مدح مَن آمن منهم، ويدل عليه ما بعد ذلك، ولا شك أن مقالة النصارى أقبح من مقالة اليهود. قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، أي: لا يتكبرون عن إتباع الحق. قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ. (457) قال ابن عباس: لمّا حضر أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بين يدي النّجاشيّ، وقرءوا القرآن، سمع ذلك القسيسون والرهبان، فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فقال الله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ إلى قوله تعالى: الشَّاهِدِينَ. (458) وقال سعيد بن جبير: بعث النجاشي من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقرأ عليهم القرآن، فبكوا ورقُّوا، وقالوا: نعرف والله، وأسلموا، وذهبوا إِلى النجاشي فأخبروه فأسلم، فأنزل الله فيهم وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ... الآية. (459) وقال السدي: كانوا اثني عشر رجلاً سبعة من القسيسين، وخمسة من الرّهبان، فلمّا قرأ عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم القرآن، بكوا وآمنوا، فنزلت هذه الآية فيهم «1» .
[سورة المائدة (5) : الآيات 84 إلى 86]
قوله تعالى: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، أي: مع من يشهد بالحق. وللمفسرين في المراد بالشاهدين هاهنا أربعة أقوال: أحدها: محمد وأُمته، رواه علي بن أبي طلحة، وعكرمة عن ابن عباس. والثاني: أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلّم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: الذين يشهدون بالإِيمان، قاله الحسن. والرابع: الأنبياء والمؤمنون، قاله الزجّاج. [سورة المائدة (5) : الآيات 84 الى 86] وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (86) قوله تعالى: وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ قال ابن عباس: لامهم قومهم على الإِيمان، فقالوا هذا، وفي القوم الصالحين ثلاثة أقوال: أحدها: أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس. والثاني: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، قاله ابن زيد. والثالث: المهاجرون الأولون، قاله مقاتل. قوله تعالى: وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ قال ابن عباس: ثواب المؤمنين. [سورة المائدة (5) : الآيات 87 الى 88] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (460) أحدها: أن رجالاً من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، منهم عثمان بن مظعون، حرّموا اللحم والنساء على أنفسهم، وأرادوا جبّ أنفسهم ليتفرّغوا للعبادة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لم أُومر بذلك» ، ونزلت هذه الآية، رواه العوفي عن ابن عباس.
(461) وروى أبو صالح عن ابن عباس، قال: كانوا عشرة: أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون، والمقداد بن الأسود، وسالم مولى أبي حذيفة، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون، فتواثقوا على ذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «من رغب عن سنَّتي فليس مني» ونزلت هذه الآية. (462) قال السدي: كان سبب عزمهم على ذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جلس يوماً، فلم يزدهم على التخويف، فرقَّ الناس، وبكوا، فعزم هؤلاء على ذلك، وحلفوا على ما عزموا عليه. (463) وقال عكرمة: إِن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون، والمقداد، وسالماً مولى أبي حُذيفة في أصحابه، تبتَّلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح «1» ، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إِلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إِسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت هذه الآية. (464) والثاني: أن رجلاً أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: إِني إِذا أكلت من هذا اللحم، أقبلت على النساء، وإِني حرَّمته عليّ، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس. (465) والثالث: أن ضيفاً نزل بعبد الله بن رواحة، ولم يكن حاضراً، فلما جاء، قال لزوجته: هل أكل الضيف؟ فقالت: انتظرتك. فقال: حبست ضيفي من أجلي؟! طعامك عليّ حرام. فقالت: وهو عليَّ حرام إِن لم تأكله، فقال الضيف: وهو عليَّ حرام إِن لم تأكلوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال: قرّبي طعامك، كلوا بسم الله، ثم غدا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأخبره بذلك فقال: أحسنت، ونزلت هذه الآية، وقرأ حتى بلغ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، رواه عبد الرحمن بن زيد عن أبيه. فأما «الطيبات» فهي اللذيذات التي تشتهيها النّفوس ممّا أبيح، وفي قوله تعالى: وَلا تَعْتَدُوا خمسة أقوال: أحدها: لا تجبّوا أنفسكم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وإِبراهيم. والثاني: لا
[سورة المائدة (5) : آية 89]
تأتوا ما نهى الله عنه، قاله الحسن. والثالث: لا تسيروا بغير سيرة المسلمين مِن ترك النساء، وإِدامة الصيام، والقيام، قاله عكرمة. والرابع: لا تحرّموا الحلال، قاله مقاتل. والخامس: لا تغصبوا الأموال المحرّمة، ذكره الماورديّ. [سورة المائدة (5) : آية 89] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ سبب نزولها: (466) أنه لما نزل قوله تعالى: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ قال القوم الذين كانوا حرّموا النساء واللحم: يا رسول الله كيف نصنع بأيْماننا التي حلفنا عليها؟ فنزلت هذه الآية، رواه العوفي عن ابن عباس. وقد سبق ذكر «اللغو» في سورة البقرة. قوله تعالى: بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «عقدتم» بغير ألف، مشددة القاف. قال أبو عمرو: معناها: وكدّتم، وقرأ أبو بكر، والمفضّل عن عاصم: «عقَدْتُم» خفيفة بغير ألف، واختارها أبو عبيد. قال ابن جرير: معناها: أوجبتموها على أنفسكم «1» . وقرأ ابن عامر: «عاقدتم» بألف، مثل «عاهدتم» . قال القاضي أبو يعلى: وهذه القراءة المشددة لا تحتمل إِلا عقد قول. فأما المخففة، فتحتمل عقد القلب، وعقد القول. وذكر المفسّرون في
معنى الكلام قولين: أحدهما: ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم عليه قلوبكم في التعمد لليمين، قاله مجاهد. والثاني: بما عقَّدتم عليه قلوبكم أنه كذب، قاله سعيد بن جبير. قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ «1» قال ابن جرير: الهاء عائدةٌ على «ما» في قوله: «بما عقَّدتم» . فصل: فأما إِطعام المساكين «2» ، فروي عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن عباس، والحسن في آخرين: أنّ لكلّ مساكين مدّ برّ، وبه قال مالك، والشافعي. وروي عن عمر، وعليّ، وعائشة في آخرين: لكلّ مساكين نصف صاع من بُرّ، قال عمر، وعائشة: أو صاعاً من تمر، وبه قال أبو حنيفة. ومذهب أصحابنا في جميع الكفارات التي فيها إِطعام، مثل كفارة اليمين، والظهار، وفدية الأذى، والمفرّطة في قضاء رمضان، مُدّ بُرٍّ، أو نصف صاع تمر أو شعير. ومِنْ شرط صحة الكفارة، تمليك الطعام للفقراء، فإن غدَّاهم وعشَّاهم، لم يجزئه، وبه قال سعيد بن جبير، والحكم، والشافعي. وقال الثوري، والأوزاعي: يجزئه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك «3» . ولا يجوز صرف مدّين إلى مساكين واحد «4» ، ولا إخراج القيامة في الكفارة، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز. قال الزجاج: وإِنما وقع لفظ التّذكير في المساكين، ولو كانوا إِناثاً لأجزأ، لأن المغلَّب في كلام العرب التذكير. وفي قوله تعالى: مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ قولان: أحدهما: من أوسطه في القدر، قاله عمر، وعلي، وابن عباس، ومجاهد.
والثاني: مِن أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر، والأسود، وعَبيدة، والحسن، وابن سيرين. وروي عن ابن عباس قال: كان أهل المدينة يقرون للحُرِّ مِن القوت أكثر ما للمملوك، وللكبير أكثر ما للصغير، فنزلت مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ليس بأفضله ولا بأخسِّه. وفي كسوتهم خمسة أقوال: أحدها: أنها ثوبٌ واحدٌ، قاله ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، وعطاء، والشافعي. والثاني: ثوبان، قاله أبو موسى الأشعري، وابن المسيّب، والحسن، وابن سيرين، والضحاك. والثالث: إِزار ورداء وقميص، قاله ابن عمر. والرابع: ثوب جامع كالملحفة، قاله إِبراهيم النخعي. والخامس: كسوة تجزئ فيها الصلاة، قاله مالك. ومذهب أصحابنا: أنه إِن كسا الرجل، كساه ثوباً، والمرأة ثوبين، درعاً وخماراً، وهو أدنى ما تُجزئ فيه الصلاة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو الجوزاء ويحيى بن يعمر: «أو كُسوتهم» بضم الكاف. وقد قرأ سعيد بن جبير وأبو العالية وأبو نهيك ومعاذ القارئ: «أو كاسوتهم» بهمزة مكسورة مفتوحة الكاف مكسورة التاء والهاء. وقرأ ابن السميفع وأبو عمران الجوني مثله، إِلا إنهما فتحا الهمزة. قال المصنف: ولا أرى هذه القراءة جائزة لأنها تسقط أصلاً من أصول الكفارة. قوله تعالى: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ تحريرها: عتقها، والمراد بالرقبة: جملة الشخص. واتفقوا على اشتراط إِيمان الرقبة في كفارة القتل لموضع النص. واختلفوا في إِيمان الرقبة المذكورة في هذه الكفارة على قولين: أحدهما: أنه شرط، وبه قال الشافعي، لأن الله تعالى قيد بذكر الإِيمان في كفارة القتل، فوجب حمل المطلق على المقيّد. والثاني: ليس بشرط، وبه قال أبو حنيفة، وعن أحمد رضي الله عنه في إِيمان الرقبة المعتقة في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع، والمنذورة، روايتان. قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ اختلفوا فيما إِذا لم يجده، صام، على خمسة أقوال: أحدها: أنه إِذا لم يجد درهمين صام، قاله الحسن. والثاني: ثلاثة دراهم، قاله سعيد بن جبير. والثالث: إِذا لم يجد إِلا قَدْرَ ما يكفِّر به، صام، قاله قتادة. والرابع: مائتي درهم، قاله أبو حنيفة. والخامس: إِذا لم يكن له إِلا قدر قوته وقوت عائلته يومه وليلته «1» ، قاله أحمد، والشافعي. وفي تتابع الثّلاثة أيام «2» ، قولان: أحدهما: أنه
[سورة المائدة (5) : آية 90]
شرط، وكان أُبيّ، وابن مسعود يقرآن: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وبه قال ابن عباس، ومجاهد، وطاوس، وعطاء، وقتادة، وأبو حنيفة، وهو قول أصحابنا. والثاني: ليس بشرط، ويجوز التفريق، وبه قال الحسن، ومالك. وللشافعي فيه قولان. قوله تعالى: ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ فيه إِضمار تقديره: إذا حلفتم وحنثتم. وفي قوله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: أقلّوا منها، ويشهد له قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، وأنشدوا: قليل الألايا حافظ ليمينه «1» والثاني: احفظوا أنفسكم من الحنث فيها. والثالث: راعوها لكي تؤدّوا الكفّارة عند الحنث فيها. [سورة المائدة (5) : آية 90] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ في سبب نزولها أربعة أقوال: (467) أحدها: أن سعد بن أبي وقاص أتى نفراً من المهاجرين والأنصار، فأكل عندهم، وشرب الخمر قبل أن تحرم، فقال: المهاجرون خير من الأنصار، فأخذ رجلٌ لَحْي جمل فضربه، فجدع أنفه، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره، فنزلت هذه الآية، رواه مصعب بن سعد عن أبيه. (468) وقال سعيد بن جبير: صنع رجل من الأنصار صنيعاً، فدعا سعد بن أبي وقاص، فلما أخذت فيهم الخمرة افتخروا واستبُّوا، فقام الأنصاري إِلى لحي بعير، فضرب به رأس سعد، فإذا الدم على وجهه، فذهب سعد يشكو إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنزل تحريم الخمر في قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله تعالى: تُفْلِحُونَ. (469) والثاني: أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت التي في «البقرة» فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت التي في النساء لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية، رواه أبو ميسرة عن عمر. (470) والثالث: أن أُناساً من المسلمين شربوها، فقاتل بعضهم بعضاً، وتكلموا بما لا يرضاه الله من القول، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
[سورة المائدة (5) : الآيات 91 إلى 92]
(471) والرابع: أن قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثَمِلوا عبث بعضهم ببعض، فلما صحَوْا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان!! والله لو كان بي رؤوفاً ما صنع بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن، وكانوا إِخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد ذكرنا الخمر والميسر في البقرة «1» وذكرنا في «النصب» في أوّل هذه السورة «2» قولين، وهما اللذان ذكرهما المفسرون في الأنصاب. وذكرنا هناك «الأزلام» . فأما الرجس، فقال الزجاج: هو اسمٌ لكل ما اسْتُقْذِرَ من عمل، يقال: رَجُس الرَّجل يرجُس، ورَجِسَ يَرْجَسُ: إِذا عمل عملاً قبيحاً، والرَّجس بفتح الراء: شدّة الصوت، فكأن الرِّجسَ، العملُ الذي يقبح ذكره، ويرتفع في القبح، ويقال: رعدٌ رجّاس: إِذا كان شديد الصوت. قوله تعالى: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ قال ابن عباس: من تزيين الشيطان. فإن قيل: كيف نُسِبَ إِليه، وليس من فعله؟ فالجواب: أن نسبته إِليه مجاز، وإِنما نسب إِليه، لأنه هو الداعي إِليه، المزيّن له، ألا ترى أن رجلاً لو أغرى رجلاً بضرب رجل، لجاز أن يقال له: هذا من عملك. قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوهُ قال الزجاج: اتركوه. واشتقاقه في اللغة: كونوا جانباً منه. فإن قيل: كيف ذكر في هذه الآية أشياء، ثم قال: فاجتنبوه؟ فالجواب: أن الهاء عائدةٌ على الرجس، والرجس واقعٌ على الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، ورجوع الهاء عليه بمنزلة رجوعها على الجمع الذي هو واقعٌ عليه، ومنبئ عنه، ذكره ابن الأنباريّ. [سورة المائدة (5) : الآيات 91 الى 92] إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أما «الخمر» فوقوع العداوة والبغضاء فيها على نحو ما ذكرنا في سبب نزول الآية من القتال والمماراة. وأما الميسر، فقال قتادة: كان الرجل يقامر على أهله وماله، فيُقمَرُ ويبقى حزيناً سليباً، فينظر إِلى ماله في يد غيره، فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء. قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فيه قولان: أحدهما: أنه لفظ استفهام، ومعناه الأمر. تقديره: انتهوا. قال الفراء: ردّد علي أعرابيٌ: هل أنت ساكتٌ، هل أنت ساكت؟ وهو يريد: اسكت، اسكت. والثاني: أنه استفهام، لا بمعنى الأمر. ذكر شيخنا علي بن عبيد الله أن جماعة كانوا يشربون الخمر بعد
[سورة المائدة (5) : آية 93]
هذه الآية، ويقولون: لم يحرّمها، إِنما قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فقال بعضنا: انتهينا، وقال بعضنا: لم ننته، فلما نزلت قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ حُرّمت، لأن «الإِثم» اسمٌ للخمر. وهذا القول ليس بشيء، والأوّل أصح. قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما أمَرَاكم، واحذروا خلافهما فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي: أعرضتم، فاعلموا أنما على رسولنا محمد البلاغ المبين وهذا وعيدٌ لهم، كأنه قال فاعلموا أنّكم قد استحققتم العقاب لتولّيكم. [سورة المائدة (5) : آية 93] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا سبب نزولها: (472) أن ناسا من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ماتوا وهم يشربون الخمر، إِذ كانت مباحة، فلما حرِّمت قال ناس: كيف بأصحابنا وقد ماتوا وهم يشربونها؟! فنزلت هذه الآية، قاله البراء بن عازب. و «الجناح» : الإِثم. وفيما طعموا ثلاثة أقوال: أحدها: ما شربوا من الخمر قبل تحريمها، قاله ابن عباس، قال ابن قتيبة: يقال: لم أطعم خُبْزاً وأدماً ولا ماءً ولا نوماً. قال الشاعر: فَإنْ شئتِ حرَّمتُ النِّساء سِواكُم ... وإِن شئتِ لم أطْعَمْ نُقَاخاً ولا بَرْدَا «1» النقاخ: الماء البارد الذي ينقخ الفؤاد ببرده، والبرد: النوم. والثاني: ما شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر. والثالث: ما طعموا من المباحات. وفي قوله تعالى: إِذا مَا اتَّقَوْا ثلاثة أقوال: أحدها: اتقوا بعد التحريم، قاله ابن عباس. والثاني: اتقوا المعاصي والشرك. والثالث: اتقوا مخالفة الله في أمره. وفي قوله تعالى: وَآمَنُوا قولان: أحدهما: آمنوا بالله ورسوله. والثاني: آمنوا بتحريمها. قوله تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال مقاتل: أقاموا على الفرائض.
[سورة المائدة (5) : آية 94]
قوله تعالى: ثُمَّ اتَّقَوْا في هذه التقوى المعادة أربعة أقوال: أحدها: أن المراد خوف الله عزّ وجلّ. والثاني: أنها تقوى الخمر والميسر بعد التحريم. والثالث: أنها الدوام على التقوى. والرابع: أن التقوى الأولى مخاطبة لمن شربها قبل التحريم، والثانية لمن شربها بعد التحريم. قوله تعالى: وَآمَنُوا في هذا الإِيمان المُعاد قولان: أحدهما: صدّقوا بجميع ما جاء به محمّد صلّى الله عليه وسلّم. والثاني: آمنوا بما يجيء من الناسخ والمنسوخ. قوله تعالى: ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا في هذه التقوى الثالثة أربعة أقوال: أحدها: اجتنبوا العودَ إِلى الخمر بعد تحريمها، قاله ابن عباس: والثاني: اتقوا ظلم العباد. والثالث: توقوا الشبهات. والرابع: اتقوا جميع المحرّمات. وفي الإِحسان قولان: أحدهما: أحسنوا العمل بترك شربها بعد التحريم، قاله ابن عباس. والثاني: أحسنوا العمل بعد تحريمها، قاله مقاتل. [سورة المائدة (5) : آية 94] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (94) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ. (473) قال المفسّرون: لما كان عام الحديبية، وأقام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالتنعيم، كانت الوحوش والطير تغشاهم في رحالهم، وهم مُحرِمون، فنزلت هذه الآية، ونهوا عنها ابتلاء. قال الزجاج: اللام في «ليبلونَّكم» لام القسم، ومعناه: لنختبرن طاعتكم من معصيتكم. وفي «من» قولان: أحدهما: أنها للتبعيض، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه عنى صيد البرِّ دون صيد البحر. والثاني: أنه عنى الصيد ما داموا في الإِحرام كأنَّ ذلك بعض الصيد. والثاني: أنها لبيان الجنس، كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ. قوله تعالى: تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ قال مجاهد: الذي تناله اليد: الفراخ والبيض، وصغار الصيد، والذي تناله الرماح: كبار الصيد. قوله تعالى: لِيَعْلَمَ اللَّهُ قال مقاتل: ليرى الله من يخافه بالغيب ولم يَره، فلا يتناول الصيد وهو مُحرم فَمَنِ اعْتَدى فأخذ الصيد عمداً بعد النهي للمُحرِم عن قتل الصيد فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ قال ابن عباس: يوسع بطنه وظهره جلدا، وتسلب ثيابه. [سورة المائدة (5) : آية 95] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (95)
قوله تعالى: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ بيّن الله عزّ وجلّ بهذه الآية من أيِّ وجهٍ تقع البلوى، وفي أيِّ زمانٍ، وما على من قتله بعد النهي؟. وفي قوله: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ثلاثة أقوال: أحدها: وأنتم محرمون بحج أو عمرة، قاله الأكثرون. والثاني: وأنتم في الحرم، يقال: أحرم: إِذا دخل في الحرم، وأنجد: إِذا أتى نجداً. والثالث: الجمع بين القولين. قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فيه قولان: أحدهما: أن يتعمّد قتله ذاكراً لإِحرامه، قاله ابن عباس، وعطاء. والثاني: أن يتعمد قتله ناسياً لإِحرامه، قاله مجاهد. فأما قتله خطأً، ففيه قولان: أحدهما: أنه كالعمد، قاله عمر، وعثمان، والجمهور. قال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنّة في الخطأ، يعني: ألحقت المخطئ بالمتعمّد في وجوب الجزاء. (474) وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «الضبع صيد وفيه كبش إِذا قتله المحرم» . وهذا عامّ في العامد والمخطئ. قال القاضي أبو يعلى: أفاد تخصيص العمد بالذكر ما ذكر في أثناء الآية من الوعيد، وإِنما يختصّ ذلك بالعامد. والثاني: أنه لا شيء فيه، قاله ابن عباس وابن جبير وطاوس وعطاء وسالم والقاسم وداود. وعن أحمد روايتان، أصحهما الوجوب. قوله تعالى: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «فجزاء مثل» مضافة وبخفض «مثل» . وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «فجزاءٌ» منون «مثلُ» مرفوع. قال أبو علي: من أضاف، فقوله تعالى: مِنَ النَّعَمِ يكون صفة للجزاء، وإِنما قال: مثل ما قتل، وإِنما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، لأنهم يقولون: أنا أُكرِمُ مثلك، يريدون: أنا أُكرِمُك، فالمعنى: جزاء ما قتل. ومَن رفع «المثل» ، فالمعنى: فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول، والتقدير: فعليه جزاء. قال ابن قتيبة: النعم: الإِبل، وقد يكون البقر والغنم، والأغلب عليها الإِبل. وقال الزجاج: النعم في اللغة: الإِبل والبقر والغنم، فان انفردت الابل، قيل لها: نعم، وإِن انفردت البقر والغنم، لم تسم نعماً. فصل: قال القاضي أبو يعلى: والصيد الذي يجب الجزاء بقتله: ما كان مأكول اللحم، كالغزال، وحمار الوحش، والنعامة، ونحو ذلك، أو كان متولداً من حيوان يؤكل لحمه، كالسِّمع، فإنه متولد من الضبع، والذئب، وما عدا ذلك من السباع كلها، فلا جزاء على قاتلها سواء ابتدأ قتلها، أو عدت عليه فقتلها دفعاً عن نفسه، لأن السبع لا مثل له صورة ولا قيمة، فلم يدخل تحت الآية. (475) ولأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أجاز للمحرم قتل الحيّة، والعقرب، والفويسقة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور، والسَّبع العادي. قال: والواجب بقتل الصيد فيما له مثلٌ من الأنعام مثله، وفيما لا مثل
له قيمته، وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: الواجب فيه القيامة، وحمل المثل على القيامة، وظاهرُ الآية يردُّ ما قال، ولأن الصحابة حملوا الآية على المثل من طريق الصورة، فقال ابن عباس: المثل: النظير، ففي الظبية شاة، وفي النعامة بعير. قوله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ يعني بالجزاء، وإِنما ذكر اثنين، لأن الصيد يختلف في نفسه، فافتقر الحكم بالمثل إلى عدلين. وقوله تعالى: مِنْكُمْ يعني: من أهل ملتكم. قوله تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ قال الزجاج: هو منصوب على الحال، والمعنى: يحكمان به مقدّراً أن يهدى «1» . ولفظ قوله «بالغ الكعبة» لفظ معرفة، ومعناه: النكرة. والمعنى: بالغاً الكعبة، إِلا أن التنوين حُذف استخفافاً. قال ابن عباس: إِذا أتى مكّة ذبحه، وتصدّق به. قوله تعالى: أَوْ كَفَّارَةٌ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: أَوْ كَفَّارَةٌ منوناً طَعامُ رفعاً. وقرأ نافع، وابن عامر: «أو كفّارة» رفعا غير منوّن «طعام مساكين» على الاضافة. قال أبو علي: من رفع ولم يضف، جعله عطفاً على الكفارة عطف بيان، لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة إِلى الطعام، لأن الكفارة لقتل الصيد، لا للطعام، ومن أضاف الكفارة إِلى الطعام، فلأنه لما خيّر المكفِّر بين الهدي، والطعام، والصيام، جازت الإِضافة لذلك، فكأنه قال: كفارةُ طعامٍ، لا كفارة هدي، ولا صيام. والمعنى: أو عليه بدل الجزاء والكفارة، وهي طعامُ مساكين «2» . وهل يعتبر في إِخراج الطعام قيمة النظير، أو قيمة الصيد؟ فيه قولان: أحدهما: قيمة النظير، وبه قال عطاء، والشافعي، وأحمد. والثاني: قيمة الصيد، وبه قال قتادة، وأبو حنيفة، ومالك. وفي قدر الإطعام لكلّ
[سورة المائدة (5) : آية 96]
مساكين قولان: أحدهما: مدّان من بُرٍّ، وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة. والثاني: مُدُّ بُرٍّ، وبه قال الشافعي، وعن أحمد روايتان، كالقولين. قوله تعالى: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً قرأ أبو رزين، والضحاك، وقتادة، والجحدري، وطلحة: «أو عِدل ذلك» ، بكسر العين. وقد شرحنا هذا المعنى في البقرة. قال أصحابنا: يصوم عن كل مُدّ بُرٍّ، أو نصف صاع تمر، أو شعير يوماً. وقال أبو حنيفة: يصوم يوماً عن نصف صاع في الجميع. وقال مالك، والشافعي: يصوم يوماً عن كلِّ مدٍّ من الجميع. فصل: وهل هذا الجزاء على الترتيب، أم على التخيير؟ فيه قولان: أحدهما: أنه على التخيير بين إِخراج النظير، وبين الصيام، وبين الإِطعام. والثاني: أنه على الترتيب، إِن لم يجد الهدي، اشترى طعاماً، فإن كان معسراً صام، قاله ابن سيرين. والقولان مرويّان عن ابن عباس، وبالأول قال جمهور الفقهاء. قوله تعالى: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ أي: جزاء ذنبه. قال الزجاج: «الوبال» : ثقل الشيء في المكروه، ومنه قولهم: طعامٌ وبيل، وماءُ وبيل: إذا كانا ثقيلين. قال الله عزّ وجلّ: فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا أي: ثقيلاً شديداً. قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ فيه قولان: أحدهما: ما سلف في الجاهلية، من قتلهم الصيد، وهم محرمون، قاله عطاء. والثاني: ما سلف من قتل الصيد في أوّل مرّة، حكاه ابن جرير، والأول أصح. فعلى القول الأول يكون معنى قوله: وَمَنْ عادَ في الإِسلام، وعلى الثاني: وَمَنْ عادَ ثانية بعد أولى. قال أبو عبيدة: «عاد» في موضع يعود، وأنشد: إِن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً ... وإِن ذكِرْتُ بسوءٍ عندهم أذِنُوا «1» قوله تعالى: فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ «الانتقام» : المبالغة في العقوبة، وهذا الوعيد بالانتقام لا يمنع إِيجاب جزاء ثانٍ إِذا عاد، وهذا قول الجمهور، وبه قال مالك والشافعي، وأحمد. وقد روي عن ابن عباس، والنخعي، وداود: أنه لا جزاء عليه في الثاني، إنّما وعد بالانتقام. [سورة المائدة (5) : آية 96] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ قال أحمد: يؤكل كلُّ ما في البحر إِلا الضِّفدِع والتِّمساح، لأن التمساح يأكل الناس يعني: أنه يَفْرِسُ. وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يباح منه إِلا السمك. وقال ابن أبي ليلى، ومالك: يباح كلُّ ما فيه من ضفدع وغيره.
[سورة المائدة (5) : الآيات 97 إلى 98]
فأما طعامه، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما نبذه البحر ميّتاً، قاله أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وأبو أيوب، وقتادة. والثاني: أنه مليحه، قاله سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير والسدّي، وعن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة كالقولين. واختلفت الرواية عن النخعي. فروي عنه كالقولين، وروي عنه أنه جمع بينهما، فقال: طعامه المليح «1» ، وما لفظه. والثالث: أنه ما نبت بمائة من زروع البرّ، وإِنما قيل لهذا: طعام البحر، لأنه ينبت بمائه، حكاه الزجاج. وفي المتاع قولان: أحدهما: أنه المنفعة، قاله ابن عباس، والحسن وقتادة. والثاني: أنه الحلّ قاله النخعي. قال مقاتل: متاعاً لكم يعني المقيمين، وللسيارة، يعني المسافرين. قوله تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً أما الاصطياد فمحرّم على المحرم «2» ، فإن صيد لأجله، حَرُم عليه أكله خلافاً لأبي حنيفة، فإن أكل فعليه الضمان خلافاً لأحد قولي الشافعي. فإن ذبح المُحرم صيداً، فهو ميتة، خلافاً لأحد قولي الشافعي أيضاً. فإن ذبح الحلال صيداً في الحرم، فهو ميتة أيضاً، خلافا لأكثر الحنفيّة. [سورة المائدة (5) : الآيات 97 الى 98] جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ جعل بمعنى: صيّر. وفي تسمية الكعبة كعبة قولان: أحدهما: لأنها مربعة، قاله عكرمة، ومجاهد. والثاني: لعُلوها ونتوئها، يقال: كعبت المرأة كعابة، وهي كاعب، إِذا نتأ ثديها. ومعنى تسمية البيت بأنه حرام: أنه حَرُم أن يصاد عنده، وأن يختلى ما عنده من الخلا، وأن يُعضَدَ شجرُه، وعظمت حرمته. والمراد بتحريم البيت سائِر الحرم، كما قال: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ «3» وأراد: الحرم. والقيام: بمعنى القوام. وقرأ ابن عامر: قيما بغير ألف. قال أبو علي: وجهه على أحد أمرين، إِما أن يكون جعله مصدراً، كالشبع. أو حذف الألف وهو يريدها، كما يُقصر الممدود. وفي معنى الكلام ستة أقوال: أحدها: قياماً للدين، ومعالم للحج، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: قياماً لأمرِ مَن توجه إِليها، رواه العوفي عن ابن عباس. قال قتادة: كان الرجل لو جرّ كلّ
[سورة المائدة (5) : آية 99]
جريرة، ثم لجأ إليها، لم يتناول. والثالث: قياماً لبقاء الدين، فلا يزال في الأرض دين ما حُجَّت واستُقْبِلت، قاله الحسن. والرابع: قوام دنيا وقوام دين، قاله أبو عبيدة. والخامس: قياماً للناس، أي: مما أُمروا أن يقوموا بالفرض فيه، ذكره الزجاج. والسادس: قياماً لمعايشهم ومكاسبهم بما يحصل لهم من التجارة عندها، ذكره بعض المفسرين. فأما الشهر الحرام، فالمراد به الأشهر الحرم، كانوا يأمن بعضهم بعضاً فيها، فكان ذلك قواماً لهم، وكذلك إِذا أهدى الرجل هدياً أو قلد بعيره أمِنَ كيف تصرّف، فجعل الله تعالى هذه الأشياء عصمة للناس بما جعل في صدورهم من تعظيمها. قوله تعالى: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا ذكر ابن الأنباري في المشار إِليه بذلك أربعة أقوال: أحدها: أن الله تعالى أخبر في هذه السورة بغيوب كثيرة من أخبار الأنبياء وغيرهم، وأطلع على أشياء من أحوال اليهود والمنافقين، فقال: ذلك لتعلموا، أي: ذلك الغيب الذي أنبأتكم به عن الله يدلكم على أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض، ولا تخفى عليه خافية. والثاني: أن العرب كانت تسفك الدماء بغير حلها، وتأخذ الأموال بغير حقها، ويقتل أحدهم غير القاتل، فاذا دخلوا البلد الحرام، أو دخل الشهر الحرام، كفُّوا عن القتل. والمعنى: جعل اللهِ الكعبة أمناً، والشهر الحرام أمناً، إِذ لو لم يجعل للجاهلية وقتاً يزول فيه الخوف لهلكوا، فذلك يدل على أنه يعلم ما في السّماوات وما في الأرض. والثالث: أن الله تعالى صرف قلوب الخلق إِلى مكة في الشهور المعلومة، فاذا وصلوا إِليها عاش أهلها معهم، ولولا ذلك ماتوا جوعاً، لعلمه بما في ذلك من صلاحهم، وليستدلوا بذلك على أنه يعلم ما في السّماوات وما في الأرض. والرابع: أن الله تعالى جعل مكة أمناً، وكذلك الشهر الحرام، فإذا دخل الظبي الوحشي الحرم، أنس بالناس، ولم ينفر من الكلب، ولم يطلبه الكلب، فإذا خرجا عن حدود الحرم، طلبه الكلبُ، وذُعِر هو منه، والطائِر يأنس بالناس في الحرم، ولا يزالُ يطير حتى يقرب من البيت، فإذا قرب منه عدل عنه، ولمْ يطرْ فوقه إِجلالاً له، فإذا لحقه وجعٌ طرح نفسه على سقف البيت استشفاءً به، فهذه الأعاجيب في ذلك المكان، وفي ذلك الشهر قد دللن على أن الله تعالى يعلم ما في السّماوات وما في الأرض. [سورة المائدة (5) : آية 99] ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (99) قوله تعالى: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ في هذه الآية تهديدٌ شديد. وزعم مقاتل أنها نزلت والتي بعدها، في أمر شُريح بن ضُبيعة وأصحابه، وهم حجاج اليمامة حين همّ المسلمون بالغارة عليهم، وقد سبق ذكر ذلك في أول السورة. وهل هذه الآية محكمةٌ، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنها محكمة، وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ، وليس عليه الهُدى. والثاني: أنها كانت قبل الأمر بالقتال، ثم نسخت بآية السّيف.
[سورة المائدة (5) : آية 100]
[سورة المائدة (5) : آية 100] قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ. (476) روى جابر بن عبد الله أن رجلاً قال: يا رسول الله إِن الخمر كانت تجارتي، فهل ينفعني ذلك المال إِن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِن الله لا يقبل إِلاّ الطيِّب» فنزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وفي الخبيث والطيب أربعة أقوال: أحدها: الحلال والحرام، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: المؤمِن والكافر، قاله السدي. والثالث: المطيع والعاصي. والرابع: الرديء والجيِّد، ذكرهما الماوردي. ومعنى الإعجاب هاهنا: السّرور بما يتعجّب منه. [سورة المائدة (5) : آية 101] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قوله تعالى: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ في سبب نزولها ستة أقوال: (477) أحدها: أن الناس سألوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضباً خطيباً، فقال: «سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا بينته لكم» ، فقام رجل من قريش، يقال له: عبد الله بن حُذافة كان إِذا لاحى «1» يُدعى إِلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله مَن أبي؟ قال: أبوك حُذافة، فقام آخر، فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام عمر فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إِماماً، إِنَّا حديثو عهدٍ بجاهلية، والله أعلم مَن أباؤنا، فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن أبي هريرة، وقتادة عن أنس. (478) والثاني: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطب الناس، فقال: «إِن الله كتب عليكم الحجّ، فقام عكاشة
[سورة المائدة (5) : آية 102]
ابن مُحصن، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: أما إِني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عني ما سكتُّ عنكم، فإنما هلكَ من هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالِهم، واختلافهم على أنبيائهم» فنزلت هذه الآية، رواه محمد بن زياد عن أبي هريرة. وقيل: إِن السائل عن ذلك الأقرع بن حابس. (479) والثالث: أن قوما كانوا يسألون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استهزاء، فيقول الرجل: مَن أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فنزلت هذه الآية، رواه أبو الجويرية «1» عن ابن عباس. (480) والرابع: أن قوماً سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فنزلت هذه الآية، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير. والخامس: أن قوماً كانوا يسألون الآيات والمعجزات، فنزلت هذه الآية، روي هذا المعنى عن عكرمة. والسادس: أنها نزلت في تمنيهم الفرائض، وقولهم: وددنا أن الله تعالى أذِنَ لنا في قتال المشركين، وسؤالهم عن أحبِّ الأعمال إِلى الله، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قال الزجاج: أَشْياءَ في موضع خفض إِلا أنها فتحت، لأنها لا تنصرف. وتُبْدَ لَكُمْ: تظهر لكم. فأعلم الله تعالى أن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، لأنه يسوء الجواب عنه. وقال ابن عباس: إِن تبد لكم، أي: إِن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك. قوله تعالى: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ أي: حين ينزل القرآن فيها بفرض أو إِيجاب، أو نهي أو حكم، وليس في ظاهر ما نزل دليل على شرح ما بكم إِليه حاجة، فإذا سألتم حينئذ عنها تبد لكم. وفي قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْها قولان: أحدهما: أنها إِشارة إِلى الأشياء. والثاني: إِلى المسألة. فعلى القول الأول في الآية تقديم وتأخير. والمعنى: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، عفا الله عنها. ويكون معنى: عفا الله عنها: أمسك عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكماً. وعلى القول الثاني، الآية على نظمها، ومعنى: عفا الله عنها: لم يؤاخذ بها. [سورة المائدة (5) : آية 102] قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (102) قوله تعالى: قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ في هؤلاء القوم أربعة أقوال: أحدها: أنهم الذين سألوا عيسى نزول المائدة، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: أنهم قوم صالح حين سألوا النّاقة، هذا
[سورة المائدة (5) : آية 103]
على قول السدي. وهذان القولان يخرجان على أنهما سألوا الآيات. والثالث: أن القوم هم الذين سألوا في شأن البقرة وذبحها، فلو ذبحوا بقرةً لأجزأت، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم، قاله ابن زيد. وهذا يخرج على سؤال من سأل عن الحج، إِذ لو أراد الله أن يشدِّد عليهم بالزيادة في الفرض لشدّد. والرابع: أنهم الذين قالوا لنبيٍ لهم: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، وهذا عن ابن زيد أيضاً، وهو يخرج على من قال: إِنما سألوا عن الجهاد والفرائض تمنياً لذلك. قال مقاتل: كان بنو إِسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أخبروهم بها تركوا قولهم ولم يصدّقوهم، فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين. [سورة المائدة (5) : آية 103] ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ أي: ما أوجب ذلك، ولا أمر به. وفي «البحيرة» أربعة أقوال: أحدها: أنها الناقة إِذا نُتِجَتْ خمسة أبطن نظروا إِلى الخامس، فإن كان ذكراً نحروه، فأكله الرجال والنساء، وإِن كان أنثى شقوا أُذنها، وكانت حراماً على النساء لا ينتفعن بها، ولا يذقن من لبنها، ومنافعها للرجال خاصة، فإذا ماتت، إشترك فيها الرجال والنساء، قاله ابن عباس، واختاره ابن قتيبة. والثاني: أنها الناقة تلد خمس إِناث ليس فيهن ذكر، فيَعْمِدون إِلى الخامسة، فيَبْتِكُون أُذنها، قاله عطاء. والثالث: أنها ابنة السائِبة، قاله ابن إِسحاق، والفراء. قال ابن إِسحاق: كانت الناقة إِذا تابعت بين عشر إِناث، ليس فيهن ذكر، سُيِّبت، فإذا نُتِجَتْ بعد ذلك أُنثى، شقّت أُذنها، وسمّيت بحيرة، وخليت مع أُمها. والرابع أنها الناقة كانت إِذا نُتِجَت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكراً بحروا أُذنها، أي: شقُّوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع عن مرعى، وإِذا لقيها لم يركبها، قاله الزجاج. فأما «السائبة» ، فهي فاعلة بمعنى: مفعولة، وهي المسيّبة، كقوله تعالى: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ: أي مرضيّة. وفي السائِبة خمسة أقوال: أحدها: أنها التي تُسيّب من الأنعام للآلهة، لا يركبون لها ظهراً، ولا يحلبون لها لبناً، ولا يجزُّون منها وبراً، ولا يحملون عليها شيئاً، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أن الرجل كان يُسيّب من ماله ما شاء، فيأتي به خزنة الآلهة، فيطعمون ابن السبيل من ألبانِه ولحومه إِلا النساء، فلا يطعمونهن شيئاً منه إِلا أن يموت، فيشترك فيه الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وقال الشّعبيّ: كانوا يهدون آلهتهم الإِبل والغنم، ويتركونها عند الآلهة، فلا يشرب منها إِلا رجلٌ، فان مات منها شيءٌ أكله الرجال والنساء. والثالث: أنها الناقة إِذا ولدت عشرة أبطن، كلهن إِناث، سيّبت، فلم تركب، ولم يجز لها وبر، ولم يشرب لبنها إِلا ضيف أو ولدُها حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء، ذكره الفراء. والرابع: أنها البعير يُسيّب بنذر يكون على الرجل إِن سلمه الله تعالى من مرض أو بلّغه منزله أن يفعل ذلك، قاله ابن قتيبة. قال الزجاج: كان الرجل إِذا نذر لشيء من هذا، قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ولا تمنع من ماء ومرعى. والخامس: أنه البعير يحج عليه الحجة، فيُسيّب، ولا يستعمل شكراً لنجحها، حكاه الماوردي عن الشافعي.
[سورة المائدة (5) : آية 104]
وفي «الوصيلة» خمسة أقوال: أحدها: أنها الشاة إِذا نُتِجَت سبعة أبطن، نظروا إِلى السابع، فإن كان أُنثى، لم ينتفع النساء منها بشيء إِلا أن تموت، فيأكلها الرجال والنساء، وإِن كان ذكراً، ذبحوه، فأكلوه جميعاً، وإِن كان ذكراً وأُنثى، قالوا: وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا تذبح، ومنافعها للرجال دون النساء، فإذا ماتت، اشترك فيها الرجال والنساء، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وذهب إِلى نحوه ابن قتيبة، فقال: إِن كان السابع ذكراً، ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإِن كان أُنثى، تركت في النعم، وإِن كان ذكراً وأُنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم تذبح، لمكانها، وكانت لحومها حراماً على النساء، ولبن الأُنثى حراماً على النساء إِلا أن يموت منها شيء فيأكله الرجال والنساء. والثاني: أنها الناقة البكر تبتكر في أول نتاج الإِبل بالأُنثى، ثم تثنّي بالأنثى، فكانوا يستبقونها لطواغيتهم، ويَدْعونها الوصيلة، أي: وصلت إِحداهما بالأُخرى، ليس بينهما ذكر، رواه الزهري عن ابن المسيّب. والثالث: أنها الشاة تنتج عشر إِناثٍ متتابعاتٍ في خمسة أبطن، فيدعونها الوصيلة، وما ولدت بعد ذلك فللذكور دون الإِناث، قاله ابن إِسحاق. والرابع: أنها الشاة تنتج سبعة أبطن، عناقين عناقين «1» ، فإذا ولدت في سابعها عناقاً وجدياً، قيل: وصلت أخاها، فجَرت مجرى السائبة، قاله الفراء. والخامس: أن الشاة كانت إِذا ولدت أُنثى، فهي لهم، وإِذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم فإن ولدت ذكراً وأُنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، قاله الزجاج. وفي «الحام» ستة أقوال: أحدها: أنه الفحل، ينتج من صلبه عشرة أبطن، فيقولون: قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم، ولا يحملُ عليه، قاله ابن مسعود، وابن عباس، واختاره أبو عبيدة، والزجاج. والثاني: أنه الفحل يولد لولده، فيقولون: قد حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه، ولا يجزُّون وبره، ولا يمنعونه ماءً، ولا مرعى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، واختاره الفراء، وابن قتيبة. والثالث: أنه الفحل يظهر من أولاده عشر إِناثٍ من بناته، وبنات بناته، قاله عطاء. والرابع: أنه الذي ينتج له سبع إِناث متواليات، قاله ابن زيد. والخامس: أنه الذي لصُلبه عشرة كلها تضرِب في الإِبل، قاله أبو روق. والسادس: أنه الفحل يضرب في إِبل الرجل عشر سنين، فيخلَّى ويقال: قد حمى ظهره، ذكره الماوردي عن الشافعي. قال الزجاج: والذي ذكرناه في البحيرة، والسائِبة، والوصيلة، والحام أثبت ما روينا عن أهل اللغة. وقد أعلم الله عزّ وجلّ في هذه الآية أنه لم يحرّم من هذه الأشياء شيئاً، وأن الذين كفروا افتروا على الله عزّ وجلّ. قال مقاتل: وافتراؤهم: قولهم: إِن الله حرَّمه، وأمرنا به. وفي قوله تعالى: وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ قولان: أحدهما: وأكثرهم، يعني: الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب على الله من الرؤساء الذين حرموا، قاله الشعبي. والثاني: لا يعقلون أن هذا التحريم من الشّيطان، قاله قتادة. [سورة المائدة (5) : آية 104] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (104)
[سورة المائدة (5) : آية 105]
قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعني: إِذا قيل لهؤلاء المشركين الذين حرَّموا على أنفسهم هذه الأنعام: تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ في القرآن من تحليل ما حرّمتم على أنفسكم، قالوا: حَسْبُنا أي: يكفينا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الدين والمنهاج أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً من الدين وَلا يَهْتَدُونَ له، أيتّبعونهم في خطئهم. [سورة المائدة (5) : آية 105] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ في سبب نزولها قولان: (481) أحدهما: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كتب إِلى هَجَر، وعليهم المنذر بن ساوي يدعوهم إِلى الإسلام، فإن أبوا فليُؤدُّوا الجزية، فلما أتاه الكتاب، عرضه على مَن عنده من العرب واليهود والنصارى والمجوس، فأقرُّوا بالجزية، وكرهوا الإسلام، فكتب إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أما العرب فلا تقبل منهم إِلا الإسلام أو السّيف، وأما أهل الكتاب والمجوس، فاقبل منهم الجزية» فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسلمت العرب، وأعطى أهل الكتاب والمجوس الجزية، فقال منافقو مكة: عجباً لمحمدٍ يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، وقد قبل من مجوس هَجر، وأهل الكتاب الجزية، فهلاّ أكرههم على الإسلام، وقد ردَّها على إِخواننا من العرب، فشق ذلك على المسلمين، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. (482) وقال مقاتل: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يقبل الجزية إِلا من أهل الكتاب فلما أسلمت العرب طوعاً وكرهاً، قبلها من مجوس هَجَر، فطعن المنافقون في ذلك، فنزلت هذه الآية. والثاني: أن الرجل كان إِذا أسلم، قالوا له: سفهت آباءك وضللتهم، وكان ينبغي لك أن تنصرهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد «1» . قال الزجاج: ومعنى الآية: إِنما ألزمكم الله أمر أنفسكم، ولا يؤاخذكم بذنوب غيركم، وهذه الآية لا توجب ترك الأمر بالمعروف، لأن المؤمن إِذا تركه وهو مستطيع له، فهو ضالّ، وليس بمهتدٍ. وقال عثمان بن عفان: لم يأت تأويلُها بعد. وقال ابن مسعود: تأويلُها في آخر الزّمان: قولوا ما قبل منكم، فإذا غلبتم، فعليكم أنفسكم. وفي قوله تعالى: لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قولان:
[سورة المائدة (5) : آية 106]
أحدهما: لا يضركم من ضل بترك الأمر بالمعروف إِذا اهتديتم أنتم للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قاله حُذيفة بن اليمان، وابن المسيّب. والثاني: لا يضرُّكم من ضل من أهل الكتاب إِذا أدُّوا الجزية، قاله مجاهد. وفي قوله تعالى: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تنبيهٌ على الجزاء. فصل: فعلى ما ذكرنا عن الزجاج في معنى الآية، هي محكمة، وقد ذهب قومٌ من المفسرين إِلى أنها منسوخة، ولهم في ناسخها قولان: أحدهما: أنه آية السيف. والثاني: أن آخرها نسخ أولها. روي عن أبي عبيد أنه قال: ليس في القرآن آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه، وموضع المنسوخ منها إلى قوله تعالى: لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ والناسخ: قوله: إِذا اهتديتم. والهُدى هاهنا: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. [سورة المائدة (5) : آية 106] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ. (483) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان تميم الدّاري، وعدي بن بداء يختلفان إِلى مكة، فصحبهما رجلٌ من قريش من بني سهم، فمات بأرض ليس فيها أحد من المسلمين، فأوصى إِليهما بتركته، فلما قدما، دفعاها إِلى أهله، وكتما جاماً كان معه من فضة، وكان مخوَّصاً بالذهب، فقالا: لم نره، فأُتي بهما إِلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فاستحلفهما بالله: ما كتما، وخلى سبيلهما، ثم إِن الجام وُجدَ عند قومٍ من أهل مكة، فقالوا: ابتعناه من تميم الدّاري، وعدي بن بداء، فقام أولياء السهمي، فأخذوا الجام، وحلف رجلان منهم بالله: إِن هذا الجام جام صاحبنا، وشهادتنا أحق مِن شهادتهما، وما اعتدينا، فنزلت هذه الآية، والتى بعدها. قال مقاتل: واسم الميِّت: بُزيلُ بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي، وكان تميم، وعدي نصرانيين، فأسلم تميم، ومات عديٌ نصرانياً. فأما التفسير: فقال الفراء: معنى الآية: ليشهدكم اثنان إِذا حضر أحدكم الموت. قال الزجاج: المعنى: شهادة هذه الحال شهادة اثنين، فحذف «شهادة» ويقوم «اثنان» مقامهما. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: ليشهدكم في سفركم إِذا حضركم الموت، وأردتم الوصيّة اثنان. وفي هذه الشهادة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الشهادة على الوصيّة التي ثبتت عند الحكام، وهو قول ابن مسعود، وأبي موسى، وشريح، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والثوري، والجمهور. والثاني: أنها أيمان الوصي بالله تعالى إذا
ارتاب الورثة بهما، وهو قول مجاهد. والثالث: أنها شهادة الوصيّة، أي: حضورها، كقوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ «1» ، جعل الله الوصي هاهنا اثنين تأكيداً، واستدل أرباب هذا القول بقوله تعالى: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ قالوا: والشاهد لا يلزمه يمينٌ. فأما «حضور الموت» فهو حضور أسبابه ومقدماته. وقوله تعالى: حِينَ الْوَصِيَّةِ، أي: وقت الوصية. وفي قوله: «منكم» قولان: أحدهما: من أهل دينكم وملتكم، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وشريح، وابن سيرين، والشعبي، وهو قول أصحابنا. والثاني: من عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضاً، قاله الحسن وعكرمة، والزّهريّ، والسّدّيّ. قوله تعالى: أَوْ آخَرانِ تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم. وفي قوله تعالى: مِنْ غَيْرِكُمْ قولان: أحدهما: من غير ملتكم ودينكم، قاله أرباب القول الأول. والثاني: من غير عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضاً، قاله أرباب القول الثاني. وفي «أوْ» قولان: أحدهما: أنها ليست للتخيير، وإِنما المعنى: أو آخران من غيركم إِن لم تجدوا منكم، وبه قال ابن عباس، وابن جبير. والثاني: أنها للتّخيير، ذكره الماورديّ. فصل: والقائل بأن المراد بالآية شهادة مسلمين من القبيلة، أو من غير القبيلة لا يشك في إِحْكَامِ هذه الآية. فأما القائل بأن المراد بقوله: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أهل الكتاب إِذا شهدوا على الوصيّة في السفر، فلهم فيها قولان: أحدهما: أنها محكمة، والعمل على هذا باق، وهو قول ابن عباس. وابن المسيب، وابن جبير، وابن سيرين، وقتادة، والشعبي، والثوري، وأحمد في آخرين. والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ «2» وهو قول زيد بن أسلم، وإليه يميل أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، قالوا: وأهل الكفر ليسوا بعدول. والأول أصح، لأن هذا موضع ضرورة كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال. قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ هذا الشرط متعلق بالشهادة، والمعنى: ليشهدكم اثنان إِن أنتم ضربتم في الأرض، أي: سافرتم. فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ فيه محذوفٌ، تقديره: وقد أسندتم الوصية إِليهما، ودفعتم إِليهما مالكم تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ خطابٌ للورثة إِذا ارتابوا. وقال ابن عباس: هذا من صلة قوله: «أو آخران من غيركم» أي: من الكفار، فأما إِذا كانا مسلمين، فلا يمين عليهما. وفي هذه الصلاة قولان «3» : أحدهما: صلاة العصر، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال شريح، وابن جبير، وإِبراهيم، وقتادة، والشعبي. والثاني: من بعد صلاتهما في دينهما، حكاه السدي عن ابن عباس «4» . وقال به. وقال الزجاج: كان الناس بالحجاز يحلفون بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس. وقال ابن قتيبة: لأنه وقت يعظمه أهل الأديان. قوله تعالى: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ أي: فيحلفان إِنِ ارْتَبْتُمْ أي: شككتم يا أولياء الميّت. ومعنى
[سورة المائدة (5) : آية 107]
الآية: إِذا قدم الموصى إِليهما بتركة المتوفي، فاتهمهما الوارث، استحلفا بعد صلاة العصر: أنهما لم يسرقا، ولم يخونا. فالشرط في قوله: «إِن ارتبتم» متعلق بتحبسونهما، كأنه قال: إِن إِرتبتم حبستموهما فاستحلفتموهما، فيحلفان بالله: لا نَشْتَرِي بِهِ أي: بأيماننا، وقيل: بتحريف شهادتنا، فالهاء عائدة على المعنى. ثَمَناً أي: عرضاً من الدنيا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى أي: ولو كان المشهود له ذا قرابة منا، وخصّ ذا القرابة، لميل القريب إِلى قريبه. والمعنى: لا نحابي في شهادتنا أحداً، ولا نميل مع ذي القربى في قول الزور وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنما أُضيفت إِليه، لأمره بإقامتها، ونهيه عن كتمانها، وقرأ سعيد بن جبير: «ولا نكتم شهادةً» بالتنوين «الله» بقطع الهمزة وقصرها، وكسر الهاء، ساكنة النون في الوصل. وقرأ سعيد بن المسيب، وعكرمة «شهادة» بالتنوين والوصل منصوبة الهاء. وقرأ أبو عمران الجوني «شهادة» بالتنوين وإِسكانها في الوصل «الله» بقطع الهمزة وقصرها مفتوحة الهاء، وقرأ الشعبي وابن السميفع «شهادة» بالتنوين وإِسكانها في الوصل «الله» بقطع الهمزة، ومدّها، وكسر الهاء. وقرأ أبو العالية، وعمرو بن دينار مثله، إِلاّ أنهما نصبا الهاء. واختلف العلماء لأي معنىً وجبت اليمين على هذين الشاهدين، على ثلاثة أقوال: أحدها: لكونهما من غير أهل الإسلام، روي هذا المعنى عن أبي موسى الأشعري. والثاني: لوصيّةٍ وقعت بخط الميِّت وفَقَدَ ورثتُهُ بعضَ ما فيها، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: لأن الورثة كانوا يقولون: كان مال ميِّتنا أكثر، فاستخانوا الشاهدين، قاله الحسن، ومجاهد. [سورة المائدة (5) : آية 107] فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) قوله تعالى: فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً. قال المفسرون: (484) لما نزلت الآية الأولى، دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عديًّا وتميماً، فاستحلفهما عند المنبر: أنهما لم يخونا شيئاً مما دفع إِليهما فحلفا، وخلَّى سبيلهما، ثم ظهر الإِناء الذي كتماه، فرفعهما أولياء الميّت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنزلت فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً. ومعنى «عثر» : اطّلع أي: إِن عثر أهل الميت، أو مَن يلي أمره، على أن الشاهدين اللذين هما آخران من غيرنا اسْتَحَقَّا إِثْماً لميلهما عن الاستقامة في شهادتهما فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما أي: مقام هذين الخائنين مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: «استُحِق» بضم التاء، الْأَوْلَيانِ على التثنية. وفي قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ قولان: أحدهما: أنهما الذمّيان. والثاني: الوليّان. فعلى الأول في معنى اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ أربعة أقوال: أحدها: استحق عليهم الإِيصاء، قال ابن الأنباري: المعنى: من القوم الذين استحق فيهم الإِيصاء، استحقه الأوليان بالميت، وكذلك قال
الزجاج: المعنى: من الذين استحقت الوصية أو الإِيصاء عليهم. والثاني: أنه الظلم، والمعنى: من الذين استحق عليهم ظلم الأولَيان فحذف الظلم، وأقام الأوليين مقامه، ذكره ابن القاسم أيضاً. والثالث: أنه الخروج مما قاما به من الشهادة، لظهور خيانتهما. والرابع: أنه الإثم، والمعنى: استحق منهم الإثم، ونابت «على» عن «مِن» كقوله تعالى: عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ «1» أي: منهم. وقال الفراء: «على» بمعنى «في» كقوله تعالى: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ «2» أي: في ملكه، ذكر القولين أبو علي الفارسي. وعلى هذه الأقوال مفعول «استُحق» محذوف مُقدّر. وعلى القول الثاني في معنى اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ قولان: أحدهما: استحق منهم الأوليان، وهو اختيار ابن قتيبة. والثاني: جني عليهم الإثم، ذكره الزجاج. فأما «الأوليان» فقال الأخفش: الأوليان: اثنان، واحدهما: الأولى، والجمع: الأولون: ثم للمفسرين فيهما قولان: أحدهما: أنهما أولياء الميت، قاله الجمهور، قال الزجاج: «الأوليان» في قول أكثر البصريين يرتفعان على البَدَلِ مما في «يقومان» والمعنى: فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين. وقال أبو علي: لا يخلو الأوليان أن يكون ارتفاعهما على الابتداء، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في «يقومان» والتقدير: فيقوم الأوليان. والقول الثاني: أن الأوليان: هما الذّميان، والمعنى: أنهما الأوليان بالخيانة، ذكرهما ابن الأنباريّ، فعلى هذا يكون المعنى: يقومان، إِلا من الذين استحق عليهم. قال الشاعر: فليتَ لنا مِنْ ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ... مُبَرَّدَةً باتَتْ على طهيان «3» أي بدلاً من ماء زمزم. وروى قرّة عن ابن كثير، وحفص عن «4» عاصم: «استحق» بفتح التاء والحاء «الأوليان» على التثنية، والمعنى: استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها، فحذف المفعول. وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: «استحق» برفع التاء، وكسر الحاء، «الأولين» بكسر اللام، وفتح النون على الجمع، والتقدير: من الأولين الذين استحق فيهم الإِثم، أي: جني عليهم، لأنهم كانوا أولين في الذكر، ألا ترى أنه قد تقدم ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ على قوله تعالى: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ. وروى الحلبي عن عبد الوارث «الأوَّلَين» بفتح الواو وتشديدها، وفتح اللام، وسكون الياء، وكسر النون، وهو تثنية: أوَّل. وقرأ الحسن البصري: «استحق» بفتح التاء والحاء، «الأوّلان» تثنية «أوَّل» على البدل من قوله: «فآخران» . وقال ابن قتيبة: أشبه الأقوال بالآية أن الله تعالى أراد أن يعرِّفنا كيف يشهد بالوصية عند حضور الموت فقال: ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي: عدلان من المسلمين، وعلم أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت، فلا يجد من يشهده من المسلمين، فقال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، أي: من غير أهل دينكم، فالذّمّيّان في السّفر
[سورة المائدة (5) : آية 108]
خاصّة إذا لم يوجد غيرهما، تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ أراد: تحبسونهما من بعد صلاة العصر إِن ارتبتم في شهادتهما، وخشيتم أن يكونا قد خانا، أو بدَّلا فإذا حلفا، مضت شهادتهما، فإن عثر أي: ظهر على أنهما استحقا إِثماً، أي: حنثا في اليمين بكذب أو خيانة، فآخران، أي: قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت الذين استحق منهم الأوليان، وهما الوليان يقال: هذا الأولى بفلان، ثم يحذف من الكلام «بفلان» فيقال: هذا الأولى، وهذان الأوليان، و «عليهم» بمعنى: «منهم» فيحلفان بالله: لقد ظهرنا على خيانة الذميين، وكذبهما، وما اعتدينا عليهما، ولشهادتنا أصح، لكفرهما وإِيماننا، فيرجع على الذّميين بما اختانا، وينقض ما مضى من الحكم بشهادتهما تلك. وقال غيره: لشهادتنا، أي: ليميننا أحق، وسميت اليمين شهادة، لأنها كالشهادة على ما يحلفُ عليه أنه كذلك. قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص، والمطّلب بن أبي وَداعة السهميان، فحلفا بالله، ودُفِعَ الإناء إِليهما وإلى أولياء الميّت. [سورة المائدة (5) : آية 108] ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108) قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أي: ذلك الذي حكمنا به من ردّ اليمين، أَقرب إِلى إِتيان أهل الذّمّة بالشهادة على وجهها، أي: على ما كانت، وأقرب أن يخافوا أن تردَّ أيمان أولياء الميت بعد أيْمانهم، فيحلفون على خيانتهم، فيفتضحوا، ويغرموا، فلا يحلفون كاذبين إِذا خافوا ذلك. وَاتَّقُوا اللَّهَ أن تحلفوا كاذبين، أو تخونوا أمانة، واسمعوا الموعظة. [سورة المائدة (5) : آية 109] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109) قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ قال الزجّاج: نصب «يوم» محمول على قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ: واتقوا يوم جمعة للرسل. ومعنى مسألته للرسل توبيخ الذين أُرسلوا إِليهم. فأما قول الرسل: لا عِلْمَ لَنا ففيه ستة أقوال «1» : أحدها: أنهم طاشت عقولهم حين زفرت جهنم، فقالوا: لا عِلْمَ لَنا ثم تُرَدُّ إِليهم عقولُهم، فينطلقون بحجتهم، رواه أبو الضحى عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، والسدي. والثاني: أن المعنى لا عِلْمَ لَنا إِلاّ علمٌ أنت أعلم به منا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أنّ المراد بقوله تعالى: ماذا أُجِبْتُمْ: ماذا عملوا بعدكم، وأحدثوا، فيقولون: لا عِلْمَ لَنا، قاله ابن جريج، وفيه بُعْد. والرابع: أن المعنى: لا عِلْمَ لَنا مع علمك، لأنك تعلم الغيب، ذكره الزجاج. والخامس: أن المعنى: لا عِلْمَ لَنا كعلمك، إِذ كنت تعلم ما أظهر القوم وما أضمروا، ونحن نعلم ما أظهروا، ولا نعلم ما أضمروا، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا، هذا اختيار ابن الأنباري. والسادس: لا عِلْمَ لَنا بجميع أفعالهم إِذ كنا نعلم بعضها وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان بعد وفاتنا، وإِنما يستحق الجزاء بما تقع به الخاتمة، حكاه ابن الأنباريّ. قال المفسّرون: إذا ردّ الأنبياء
[سورة المائدة (5) : آية 110]
العلم إِلى الله أُبْلِسَتِ الأممُ، وعلمت أن ما أتته في الدنيا غير غائب عنه، وأن الكل لا يخرجون عن قبضته. قوله تعالى: عَلَّامُ الْغُيُوبِ قال الخطابي: العلاَّم: بمنزلة العليم، وبناء «فعَّال» بناء التكثير، فأما «الغيوب» فجمع غيب، وهو ما غاب عنك. [سورة المائدة (5) : آية 110] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (110) قوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى قال ابن عباس: معناه: وإِذ يقول. قوله تعالى: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ في تذكيره النعم فائدتان: إِحداهما: إِسماع الأمم ما خصه به من الكرامة. والثانية: توكيد حجَّته على جاحده. ومن نعمه على مريم أنه اصطفاها وطهرها، وأتاها برزقها من غير سبب. وقال الحسن: المراد بذكر النعمة: الشكر. فأما النعمة، فلفظها لفظ الواحد، ومعناها الجمع. فإن قيل: لم قال هاهنا: فَتَنْفُخُ فِيها وفي آل عمران (فيه) «1» ؟ فالجواب: أنه جائِز أن يكون ذكر الطير على معنى الجميع، وأنَّث على معنى الجماعة، وجاز أن يكون «فيه» للطّير، «وفيها» للهيئة ذكره أبو علي الفارسي. قوله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ قرأ ابن كثير، وعاصم هاهنا، وفي «هود» و «الصف» : إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ، وقرأ في «يونس» : لَسِحْرٌ مُبِينٌ بألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، الأربعة «سحرٌ مبين» بغير ألف، فمن قرأ «سحر» أشار إِلى ما جاء به، ومن قرأ «ساحر» ، أشار إلى الشّخص. [سورة المائدة (5) : آية 111] وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (111) وفي الوحي إلى الحواريين قولان: أحدهما: أنه بمعنى الإِلهام، قاله الفراء. وقال السدي: قذف في قلوبهم. والثاني: أنه بمعنى الأمر، فتقديره: أمرت الحواريين، و «إلى» صلة، قاله أبو عبيدة. وفي قوله تعالى: وَاشْهَدْ قولان: أحدهما: أنهم يعنون الله تعالى. والثاني: عيسى عليه السّلام. وقوله تعالى: بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ أي: مخلصون للعبادة والتوحيد. وقد سبق شرح ما أهمل هاهنا فيما تقدم. [سورة المائدة (5) : آية 112] إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)
[سورة المائدة (5) : آية 113]
قوله تعالى: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ قال الزجاج: أي: هل يقدر. وقرأ الكسائي: «هل تستطيع» بالتاء، ونصْب الرب. قال الفراء: معناه: هل تقدر أن تسأل ربك. قال ابن الأنباري: ولا يجوز لأحدٍ أن يتوهم أن الحواريين شكُّوا في قدرة الله، وإِنما هذا كما يقول الإنسان لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي، وهو يعلم أنه مستطيع، ولكنّه يريد: هل يسهل عليك. وقال أبو علي: المعنى: هل يفعل ذلك بمسألتك إِيّاه. وزعم بعضهم أنهم قالوا ذلك قبل استحكام إِيمانهم ومعرفتهم، فردَّ عليهم عيسى بقوله: اتقوا الله، أن تنسبوه إِلى عجز، والأول أصح. فأما «المائدة» فقال اللغويون: المائدة: كل ما كان عليه من الأخونة «1» طعام، فإذا لم يكن عليه طعام فليس بمائدة، والكأس: كل إِناء فيه شراب فإذا لم يكن فيه شراب، فليس بكأس، ذكره الزجاج. قال الفراء: وسمعت بعض العرب يقول للطبق الذي تهدى عليه الهدية: هُوَ المُهْدَى، مقصور، ما دامت عليه الهدية، فإذا كان فارغاً رجع إِلى اسمه إِن كان طبقاً أو خواناً أو غير ذلك. وذكر الزجاج عن أبي عبيدة أن لفظها فاعلة، وهي في المعنى مفعولة، مثل عِيشَةٍ راضِيَةٍ. قال أبو عبيدة: وهي من العطاء، والممتاد: المفتعل المطلوب منه العطاء، قال الشاعر: إِلى أمير المؤمنين الممتادِ «2» وَمَادَ زيدٌ عَمْراً: إِذا أعطاه. قال الزجاج: والأصل عندي في «مائدة» أنها فاعلةٌ من: ماد يميد: إِذا تحرّك، فكأنها تميد بما عليها. وقال ابن قتيبة: المائدة: الطعام، من: مادني يميدني، كأنها تميد الآكلين، أي: تعطيهم، أو تكون فاعلة بمعنى: مفعول بها، أي: ميد بها الآكلون. قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: اتقوه أن تسألوه البلاء، لأنها إِن نزلت وكذّبتم، عُذبتم، قاله مقاتل. والثاني: أن تسألوه ما لم تسأله الأُمم قبلكم، ذكره أبو عبيد. والثالث: أن تشكُّوا في قدرته. [سورة المائدة (5) : آية 113] قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قوله تعالى: قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها هذا اعتذار منهم بيّنوا به سبب سؤالهم حين نهوا عنه. وفي إِرادتهم للأكل منها ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أرادوا ذلك للحاجة، وشدة الجوع، قاله ابن عباس. والثاني: ليزدادوا إِيماناً، ذكره ابن الأنباري. والثالث: للتبرك بها، ذكره الماورديّ. وفي قوله تعالى: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ثلاثة أقوال: أحدها: تطمئن إِلى أن الله تعالى قد بعثك إِلينا نبياً. والثاني: إِلى أن الله تعالى قد إختارنا أعواناً لك. والثالث: إِلى أن الله تعالى قد أجابك. وقال ابن عباس: قال لهم عيسى: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً، ثم لا تسألونه شيئاً إِلا أعطاكم؟ فصاموا، ثم سألوا المائدة. فمعنى: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا في أنّا إِذا صمنا ثلاثين يوماً لم نسأل الله شيئاً إِلا أعطانا. وفي هذا العلم قولان: أحدهما: أنه علمٌ يحدث لهم لم يكن، وهو قول مَن قال: كان سؤالهم قبل استحكام معرفتهم. والثاني: أنه زيادة علم إِلى علم، ويقين إِلى يقين، وهو قول من قال: كان سؤالهم بعد
[سورة المائدة (5) : آية 114]
معرفتهم. وقرأ الأعمش: «وتعلم» بالتاء، والمعنى: وتعلم القلوب أن قد صدقتنا. وفي قوله تعالى: مِنَ الشَّاهِدِينَ أربعة أقوال: أحدها: من الشاهدين لله بالقدرة، ولك بالنبّوة. والثاني: عند بني إِسرائيل إِذا رجعنا إِليهم، وذلك أنهم كانوا مع عيسى في البرِيّة عند هذا السؤال. والثالث: من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما شاهدنا من الآيات الدالة على أنك نبي. والرابع: من الشاهدين لك عند الله بأداء ما بعثت به. [سورة المائدة (5) : آية 114] قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قوله تعالى: تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وقرأ ابن محيصن، وابن السميفع، والجحدري: «لأولانا وأخرانا» برفع الهمزة، وتخفيف الواو، والمعنى: يكون اليوم الذي نزلت فيه عيداً لنا، نعظِّمه نحن ومن بعدنا، قاله قتادة، والسدي. وقال كعب: أُنزلت عليهم يوم الأحد، فاتخذوه عيداً. وقال ابن قتيبة: عيداً، أي: مجمعاً. قال الخليل بن أحمد: العيد: كل يوم يجمع، كأنهم عادوا إِليه. وقال ابن الأنباري: سُمِّيَ عيداً للعودِ من الترح إِلى الفرح. قوله تعالى: وَآيَةً مِنْكَ أي علامة منك تدل على توحيدك، وصحة نبوة نبيك. وقرأ ابن السميفع، وابن محيصن، والضحاك «وأنه منك» بفتح الهمزة، وبنون مشدّدة. وفي قوله تعالى: وَارْزُقْنا قولان: أحدهما: ارزقنا ذلك من عندك. والثاني: ارزقنا الشكر على ما أنعمت به من إجابتك لنا. [سورة المائدة (5) : آية 115] قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (115) قوله تعالى: قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ قرأ نافع وعاصم وابن عامر «منزِّلها» بالتشديد، وقرأ الباقون خفيفة. وهذا وعدٌ بإجابة سؤال عيسى. واختلف العلماء: هل نزلت أم لا؟ على قولين «1» : أحدهما: أنها نزلت، قاله الجمهور، فروى وهب بن منبِّه عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: لما رأى عيسى أنهم قد جدّوا في طلبها لبس جُبَّة من شعر، ثم توضأ، واغتسل، وصفَّ قدميه في محرابه حتى استويا، وألصق الكعب بالكعب، وحاذى الأصابع بالأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وطأطأ رأسه خضوعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت تسيل دموعه على خده، وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض من دموعه حيال وجهه، ثم رفع رأسه إِلى السماء، فقال: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، فبينما عيسى كذلك، هبطت عليهم مائدةٌ من السماء، سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من تحتها، وغمامة من فوقها، وعيسى يبكي ويتضرَّع، ويقول: إِلهي اجعلها سلامةً، لا تجعلها عذاباً، حتى استقرَّت بين يديه، والحواريون من حوله، فأقبل هو وأصحابه حتى قعدوا حولها، وإِذا عليها منديلٌ مغطَّى، فقال عيسى: أيكم أوثق بنفسه وأقل بلاءً عند ربه فليأخذ
هذا المنديل، وليكشف لنا عن هذه الآية. قالوا: يا روح الله أنت أولانا بذلك، فاكشف عنها، فاستأنف وضوا جديداً، وصلى ركعتين، وسأل ربه أن يأذن له بالكشف عنها، ثم قعد إِليها، وتناول المنديل، فإذا عليها سمكة مشوية، ليس فيها شوك، وحولها من كل البقل ما خلا الكرَّاث، وعند رأسها الخل، وعند ذنبها الملح، وحولها خمسة أرغفةٍ، على رغيف تمر، وعلى رغيف زيتون، وعلى رغيف خمس رمانات. فقال شمعون رأس الحواريين: يا روح الله أمِن طعام الدنيا هذا، أمِّن طعام الجنة؟ فقال عيسى: سبحان الله أما تنتهون! ما أخوفني عليكم. قال شمعون: لا وإِله بني إِسرائيل ما أردت بهذا سوءاً. قال عيسى: ليس ما ترون عليها من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، إِنما هو شيءٌ ابتدعه الله، فقال له: «كن» فكان أسرع من طرفة عين. فقال الحواريون: يا روح الله إِنما نريد أن ترينا في هذه الآية آية، فقال: سبحان الله! ما اكتفيتم بهذه الآية؟! ثم أقبل على السمكة فقال: عودي بإذن الله حيةً طريةً، فعادت تضطرب على المائدة، ثم قال: عودي كما كنت، فعادت مشوية، فقال: يا روح الله كن أنت أول من يأكل منها، فقال: معاذ الله بل يأكل منها مَن سألها، فلما رأوا امتناعه، خافوا أن يكون نزولها عقوبة، فلما رأى عيسى ذلك دعا لها الفقراء والزَّمنى واليتامى، فقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، ليكون مهنؤها لكم، وعقوبتها على غيركم، فأكل منها ألف وسبعمائة إِنسان، يصدرون عنها شباعاً وهي كهيئتها حين نزلت، فصحَّ كل مريض، واستغنى كل فقير أكل منها، ثم نزلت بعد ذلك عليهم، فازدحموا عليها، فجعلها عيسى نوباً بينهم، فكانت تنزل عليهم أربعين يوماً، تنزل يوماً وتغبُّ «1» يوماً، وكانت تنزل عند ارتفاع الضحى، فيأكلون منها حتى إِذا قالوا، ارتفعت إِلى السماء وهم ينظرون إِلى ظلها في الأرض «2» . وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرةً وعشية، حيث كانوا. وقال غيره: نزلت يوم الأحد مرتين. وقيل: نزلت غدوة وعشية يوم الأحد، فلذلك جعلوه عيداً. وفي الذي كان على المائدة ثمانية أقوال: أحدها: أنه خبز ولحم، روي عن عمار بن ياسر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: (485) «نزلت المائدة من السماء خبزاً ولحما» .
[سورة المائدة (5) : آية 116]
والثاني: أنها سمكة مشوية، وخمس أرغفة، وتمر، وزيتون، ورمان. وقد ذكرناه عن سلمان. والثالث: ثمرٌ من ثمار الجنة، قاله عمار بن ياسر، وقال قتادة: ثمرٌ من ثمار الجنة، وطعامٌ من طعامها. والرابع: خبزٌ، وسمكٌ، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وأبو عبد الرحمن السلمي. والخامس: قطعةٌ من ثريد، رواه الضحاك عن ابن عباس. والسادس: أنه أنزل عليها كل شيء إِلا اللحم، قاله سعيد بن جبير. والسابع: سمكةٌ فيها طعم كلِّ شيءٍ من الطعام، قاله عطية العوفي. والثامن: خبز أرز وبقل، قاله ابن السائِب. والقول الثاني: أنها لم تنزل، روى قتادة عن الحسن أن المائِدة لم تنزل، لأنه لما قال الله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ قالوا: لا حاجة لنا فيها. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: أُنزلت مائدة عليها ألوانٌ من الطعام، فعرضها عليهم، وأخبرهم أنه العذاب إِن كفروا، فأبوها فلم تنزل. وروى ليث عن مجاهد قال: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لخلقه، لينهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه، ولم ينزل عليهم شيء، والأول أصح. قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ أي: بعد إِنزال المائدة. وفي العذاب المذكور قولان: أحدهما: أنه المسخ. والثاني: جنسٌ من العذاب لم يعذَّب به أحد سواهم. قال الزجاج: ويجوز أن يعجل لهم في الدنيا، ويجوز أن يكون في الآخرة. وفي «العالمين» قولان: أحدهما: أنه عام. والثاني: عالمو زمانهم. وقد ذكر المفسرون أن جماعة من أصحاب المائدة مسخوا. وفي سبب مسخهم ثلاثة أقوال: (486) أحدها: أنهم أمروا أن لا يخونوا، ولا يدَّخِروا، فخانوا وادخروا، فمسخوا قردةً وخنازير، رواه عمار بن ياسر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والثاني: أن عيسى خصَّ بالمائدة الفقراء، فتكلم الأغنياء بالقبيح من القول، وشكَّكوا الناس فيها، وارتابوا، فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم، مسخهم الله خنازير، قاله سلمان الفارسي. والثالث: أن الذين شاهدوا المائدة، ورجعوا إِلى قومهم، فأخبروهم، فضحك بهم من لم يشهد، وقالوا: إِنما سحر أعينكم، وأخذ بقلوبكم، فمن أراد الله به خيراً، ثبت على بصيرته، ومن أراد به فتنة، رجع إِلى كفره. فلعنهم عيسى، فأصبحوا خنازير، فمكثوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا، قاله ابن عباس. [سورة المائدة (5) : آية 116] وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) قوله تعالى: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ في زمان هذا القول قولان: أحدهما: أنه يقوله له يوم القيامة، قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج.
[سورة المائدة (5) : آية 117]
والثاني: أنه قاله له حين رفعه إِليه، قاله السدي، والأول أصح. وفي «إِذْ» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها زائِدة، والمعنى: وقال الله، قاله أبو عبيدة. والثاني: أنها على أصلها، والمعنى: وإذ يقول الله له، قاله ابن قتيبة. والثالث: أنها بمعنى: «إذا» ، كقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا «1» والمعنى: إِذا. قال أبو النجم: ثم جزاكَ الله عنِّي إِِذ جزى ... جنَّاتِ عَدْنٍ في السّماوات العلا ولفظ الآية لفظ الاستفهام، ومعناها التوبيخ لِمن ادّعى ذلك على عيسى. قال أبو عبيدة: وإِنما قال: «إِلهين» ، لأنهم إِذ أشركوا فعل ذكر مع فعل أنثى ذكَّروهما. فإن قيل: فالنصارى لم يتخذوا مريم إلهاً، فكيف قال الله تعالى ذلك فيهم؟ فالجواب: أنهم لما قالوا: لم تلد بشراً، وإِنما ولدت إِلهاً، لزمهم أن يقولوا: إِنها من حيث البعضية بمثابة مَن ولدته، فصاروا بمثابة من قاله. قوله تعالى: قالَ سُبْحانَكَ أي: براءة لك من السوء ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ أي: لست أستحق العبادة فأدعو الناس إِليها. وروى عطاء بن السائب عن ميسرة قال: لما قال الله تعالى لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ رُعِد كل مَفْصِل منه حتى وقع مخافة أن يكون قد قاله، وما قال: إِني لم أقل، ولكنه قال: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ. فإن قيل: ما الحكمة في سؤال الله تعالى له عن ذلك وهو يعلم أنه ما قاله؟ فالجواب: أنه تثبيت للحجة على قومه، وإِكذاب لهم في ادّعائهم عليه أنه أمرهم بذلك، ولإِنه إِقرارٌ من عيسى بالعجز في قوله: وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ وبالعبودية في قوله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ. قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي قال الزجاج: تعلم ما أُضمره، ولا أعلم ما عندك علمُه، والتأويل: تعلم ما أعلم وأنا لا أعلم ما تعلم. [سورة المائدة (5) : آية 117] ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) قوله تعالى: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ قال مقاتل: وحِّدوه. قوله تعالى: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً أي: على ما يفعلون ما كنت مقيماً فيهم، وقوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي فيه قولان: أحدهما: بالرفع إِلى السماء. والثاني: بالموت عند انتهاء الأجل. و «الرقيب» مشروحٌ في سورة (النساء) ، و «الشّهيد» في (آل عمران) . [سورة المائدة (5) : آية 118] إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ قال الحسن، وأبو العالية: إِن تعذبهم، فبإقامتهم على كفرهم، وإِن تغفر لهم، فبتوبة كانت منهم. وقال الزجاج: علم عيسى أن منهم من آمن، ومنهم من أقام
[سورة المائدة (5) : الآيات 119 إلى 120]
على الكفر، فقال في جملتهم: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ أي: إِن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك، وأنت العادل فيهم، لأنك قد أوضحت لهم الحق، فكفروا، وإِن تغفر لهم، أي: وإِن تغفر لمن أقلع منهم، وآمَن، فذلك تفضّل منك، لأنه قد كان لك أن لا تغفر لهم بعد عظيم فريتهم، وأنت في مغفرتك لهم عزيز، لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك. وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا ينبغي لأحدٍ أن يعترض عليك، فإن عذبتهم، فلا اعتراض عليك، وإِن غفرت لهم- ولست فاعلاً إِذا ماتوا على الكفر- فلا اعتراض عليك. وقال غيره: العفو لا ينقص عزّك، ولا يخرج عن حكمك. (487) وقد روى أبو ذر قال: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قيام ليلةٍ بآيةٍ يردِّدها: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. [سورة المائدة (5) : الآيات 119 الى 120] قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) قوله تعالى: قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ قرأ الجمهور برفع «اليوم» ، وقرأ نافع بنصبه على الظرف. قال الزجاج: المعنى: قال الله هذا لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم، ويجوز أن يكون على معنى: قال الله هذا الذي ذكرناه يقع في يوم ينفع الصادقين صدقهم. والمراد باليوم: يوم القيامة. وإِنما خصّ نفع الصدق به لأنه يوم الجزاء. وفي هذا الصدق قولان: أحدهما: أنه صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة. والثاني: صدقهم في الآخرة ينفعهم هنالك. وفي هذه الآية تصديقٌ لعيسى فيما قال. قوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أي: بطاعتهم، وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه. وفي قوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تنبيهٌ على عبودية عيسى، وتحريضٌ على تعليق الآمال بالله وحده.
الجزء الثاني
الجزء الثاني فهرس الموضوعات الموضوع: الصفحة 6- تفسير سورة الأنعام: 7 7- تفسير سورة الأعراف: 100 8- تفسير سورة الأنفال: 186 9- تفسير سورة التوبة: 230 10- تفسير سورة يونس: 314 11- تفسير سورة هود: 355 12- تفسير سورة يوسف: 411 13- تفسير سورة الرعد: 479 14- تفسير سورة إبراهيم: 503 15- تفسير سورة الحجر: 522 16- تفسير سورة النحل: 548.
سورة الانعام
سورة الانعام (فصل في نزولها:) روى مجاهد عن ابن عباس: أنّ سورة الأنعام مما نزل بمكّة. وهذا قول الحسن، وقتادة، وجابر بن زيد. (488) وروى يوسف بن مهران عن ابن عبّاس، قال: نزلت سورة الأنعام جملة ليلا بمكّة. وحولها سبعون ألف ملك. (489) وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هي مكيّة، نزلت جملة واحدة، ونزلت ليلا وكتبوها من ليلتهم، غير ست آيات منها مدنيّات قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى آخر الثّلاث آيات «1» ، وقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ «2» الآية. وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ «3» إلى آخر الآيتين. وذكر مقاتل نحو هذا. وزاد آيتين: قوله: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ «4» ، وقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ «5» . وروي عن ابن عباس، وقتادة قالا: هي مكّيّة، إلّا آيتين نزلتا بالمدينة قوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. وقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ «6» . وذكر أبو الفتح بن شيطاء: أنّها
[سورة الأنعام (6) : آية 1]
مكية، غير آيتين نزلتا بالمدينة قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ، والتي بعدها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الأنعام (6) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) فأمّا التّفسير، فقال كعب: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام، وخاتمتها خاتمة هود وإنما ذكر السّماوات والأرض، لأنهما من أعظم المخلوقات. والمراد «بالجَعل» : الخلق. وقيل: إنّ «جعل» هاهنا: صلة والمعنى: والظلمات. وفي المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال: أحدها: الكفر والإيمان، قاله الحسن. والثاني: الليل والنهار، قاله السدي. والثالث: جميع الظّلمات والأنوار. قال قتادة: خلق السّماوات قبل الأرض، والظلماتِ قبل النور، والجنةَ قبل النار. قوله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: المشركين بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أي: يجعلون له عَدِيلاً، فيعبدون الحجارة المواتَ، مع إِقرارهم بأنه الخالق لِما وُصِف. يقال: عدلت هذا بهذا: إِذا ساويته به. قال أبو عبيدة: هو مقدَّم ومؤخَّر، تقديره: يعدلون بربهم. وقال النّصر بن شميل: الباء: بمعنى «عن» . [سورة الأنعام (6) : آية 2] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ يعني: آدم، وذلك أنه لما شك المشركون في البعث، وقالوا: من يحيي هذه العظام؟ أعلمهم أنه خلقهم من طين، فهو قادر على إِعادة خلقهم. قوله تعالى: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ فيه ستة اقوال «1» : أحدها: أن الأجل الأول: أجل الحياة إلى الموت والأجل الثّاني: أجل الموت إلى البعث، روي عن ابن عباس، والحسن، وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، ومقاتل. والثاني: أن الأجل الأول: النوم الذي تُقْبَضُ فيه الروح، ثم ترجع في حال اليقظة والأجل المسمى عنده: أجل موت الإِنسان. رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أن الأجل الأول: أجل الآخرة متى يأتي، والأجل الثاني: أجل الدنيا، قاله مجاهد في رواية. والرابع: أن الأول: خلق الأشياء في ستة أيام، والثاني: ما كان بعد ذلك إلى يوم القيامة، قاله عطاء الخراساني. والخامس: أن الأول: قضاه حين أخذ الميثاق على خلقه، والثاني: الحياة في الدنيا، قاله
[سورة الأنعام (6) : آية 3]
ابن زيد، كأنه يشير إِلى أجل الذرية حين أحياهم وخاطبهم. والسادس: أن الأول: أجل من قد مات من قبل، والثاني: أجل من يموت من بعد، ذكره الماوردي. قوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ أي بعد هذا البيان تَمْتَرُونَ وفيه قولان: أحدهما: تشكّون قاله قتادة، والسدي. وفيما شكوا فيه قولان: أحدهما: الوحدانية. والثاني: البعث. والثاني: يختلفون: مأخوذ من المراء، ذكره الماورديّ. [سورة الأنعام (6) : آية 3] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (3) قوله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ فيه أربعة اقوال «1» : أحدها: هو المعبود في السماوات وفي الأرض، قاله ابن الأنباري. والثاني: وهو المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض، قاله الزجاج. والثالث: وهو الله في السماوات، ويعلم سركم وجهركم في الأرض، قاله ابن جرير. والرابع: أنه مقدَّم ومؤخَّر. والمعنى: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض، ذكره بعض المفسّرين. [سورة الأنعام (6) : الآيات 4 الى 5] وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5) قوله تعالى: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ نزلت في كفار قريش. وفي «الآية» قولان: أحدهما: أنها الآية من القرآن. والثاني: المعجزة، مثل انشقاق القمر. والمراد بالحق: القرآن. والأنباء: الأخبار. والمعنى: سيعلمون عاقبة استهزائهم. [سورة الأنعام (6) : آية 6] أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6) قوله تعالى: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ القرن: اسم أهل كل عصر. وسمُّوا بذلك، لاقترانهم في الوجود: وللمفسرين في المراد بالقرن سبعة أقوال «2» : (490) أحدها: أنه أربعون سنة، ذكره ابن سيرين عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم. والثاني: ثمانون سنة، رواه أبو صالح عن ابن عبّاس.
(491) والثالث: مائة سنة، قاله عبد الله بن بسر «1» المازني وأبو سلمة بن عبد الرحمن. والرابع: مائة وعشرون سنة، قاله زُرارة بن أوفى، وإياس بن معاوية. والخامس: عشرون سنة، حكاه الحسن البصري. والسادس: سبعون سنة، ذكره الفراء. والسابع: أن القرن: أهل كل مدة كان فيها نبيٌّ، أو طبقة من العلماء، قلَّتِ السّنون، أو كثرت بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (492) «خيركم قرني» يعني: أصحابي «ثم الذين يلونهم» يعني: التابعين «ثم الذين يلونهم» يعني: الذين أخذوا عن التابعين. فالقرن: مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان فهو في كل قوم على مقدار أعمالهم. واشتقاق القرن: من الاقتران. وفي معنى ذلك الاقتران قولان: أحدهما: أنه سمي قرنا، لأنه المقدار الذي هو أكثر ما يقترن فيه أهل ذلك الزمان في بقائهم. هذا اختيار الزجاج. والثاني: أنه سمي قرناً، لأنه يَقْرِنُ زماناً بزمانٍ، وأُمَّةً بأمَّةٍ، قاله ابن الأنباري. وحكى ابن قتيبة عن أبي عبيدة قال: يرون أن أقل ما بين القرنين: ثلاثون سنة. قوله تعالى: مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ قال ابن عباس: أعطيناهم ما لم نُعطِكم. يقال: مكَّنتُه ومكَّنتُ له: إذا أقدرته على الشيء باعطاء ما يصح به الفعل من العدة. وفي هذه الآية رجوع من الخبر إلى الخطاب. فأما السماء: فالمراد بها المطر. ومعنى «أرسلنا» : أنزلنا. و «المدرار» : مفعال، من درَّ يَدِرُّ والمعنى: نرسلها كثيرة الدَّرِّ. ومِفعال: من أسماء المبالغة، كقولهم: امرأة مذكار: إذا كانت كثيرة الولادة للذكور، وكذلك مئناث. فان قيل: السماء مؤنَّثَة، فلم ذكَّر مدراراً؟! فالجواب: أن حكم ما انعدل من النعوت عن منهاج الفعل وبنائه، أن يلزم التذكير في كلِّ حال، سواء كان وصفاً لمذكّر أو مؤنّث كقولهم: امرأة مذكار، ومعطار وامرأة مذكر، ومؤنث: وهي كفور، وشكور. ولو
[سورة الأنعام (6) : آية 7]
بُنيتْ هذه الأوصاف على الفعل، لقيل: كافرة، وشاكرة، ومُذْكِرَة فلما عدل عن بناء الفعل، جرى مجرى ما يستغني بقيام معنى التأنيث فيه عن العلامة كقولهم: النعلَ لبستُها، والفأسَ كسرتُها، وكان إيثارهم التذكير للفرق بين المبني على الفعل، والمعدول عن مِثْلِ الأفاعيل. والمراد بالمدرار: المبالغة في اتصال المطر ودوامه يعني: أنها تَدِرُّ وقت الحاجة إليها لا أنها تدوم ليلاً ونهاراً، فتفسد، ذكره ابن الأنباري. [سورة الأنعام (6) : آية 7] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) قوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ. (493) سبب نزولها: أن مشركي مكة قالوا: يا محمد، والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة، يشهدون أنه من عند الله، وأنك رسوله، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. قال ابن قتيبة: والقرطاس: الصحيفة، يقال للرامي إذا أصاب الصحيفة: قَرْطَسَ. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: القرطاس قد تكلموا به قديماً. ويقال: إن أصله غير عربي. والجمهور على كسر قافه، وضمها أبو رزين، وعكرمة، وطلحة، ويحيى بن يعمر. فأما قوله تعالى: فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ فهو توكيد لنزوله، وقيل: إنما علَّقه باللمس باليد إبعاداً له عن السحر، لأن السحر يُتَخَيَّلُ في المرئيات دون الملموسات. ومعنى الآية: إنّهم يدفعون الصّحيح. [سورة الأنعام (6) : آية 8] وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ قال مقاتل: (494) نزلت في النَّضْر بن الحارث، وعبد الله بن أبي أُمية، ونوفل بن خويلد. و «لولا» بمعنى «هلاّ» أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ نصدقه: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً فعاينوه ولم يؤمنوا، لَقُضِيَ الْأَمْرُ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: لماتوا، ولم يؤخروا طرفة عين لتوبة، قاله ابن عباس. والثاني: لقامت الساعة، قاله عكرمة، ومجاهد. والثالث: لعجل لهم العذاب، قاله قتادة. [سورة الأنعام (6) : آية 9] وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9)
[سورة الأنعام (6) : الآيات 10 إلى 11]
قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ أي: ولو جعلنا الرسول إليهم مَلكَاً، لجعلناه في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون رؤية المَلَك على صورته، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ أي: لشبَّهنا عليهم. يقال: ألبست الأمر على القوم، أُلبِسه أي: شبهته عليهم، وأشكلته. والمعنى: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكّوا، فلا يدرون أمَلَكٌ هو أم آدميٌ؟ فأضللناهم بما به ضلّوا قبل أن يُبعث المَلَك. وقال الزجاج: كانوا يلبسون على ضعفتهم في أمر النّبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إنما هذا بشر مثلكم فقال تعالى: لو رأوا المَلَك رجلاً، لكان يلحقهم فيه من الَّلبْسِ مثلُ ما لحق ضعفتهم منه. وقرأ الزّهريّ، ومعاذ القارئ، وأبو رجاء: «وللبّسنا» ، بالتشديد، «عليهم ما يلبّسون» ، مشدّدة أيضا. [سورة الأنعام (6) : الآيات 10 الى 11] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قوله تعالى: فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا أي: أحاط. قال الزجاج: الحيق في اللغة: ما اشتمل على الإِنسان من مكروه فعله، ومنه: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ «1» أي: لا ترجع عاقبة مكروهه إلا عليهم. قال السّدّيّ: وقع بهم العذاب الّذي استهزءوا به. [سورة الأنعام (6) : آية 12] قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) قوله تعالى: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ المعنى: فان أجابوك، وإلا ف قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قال ابن عباس: قضى لنفسه أنه أرحم الراحمين. قال الزجاج: ومعنى كتب: أوجب ذلك إيجاباً مؤكداً، وجائز أن يكون كتب في اللوح المحفوظ وإنما خُوطِبَ الخلقُ بما يعقلون، فهم يعقلون أن توكيد الشيء المؤخَّر أن يحفظ بالكتاب. وقال غيره: رحمته عامة فمنها تأخير العذاب عن مستحقِّه، وقبول توبة العاصي. قوله تعالى: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ اللام: لام القسم. كأنه قال: والله ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه. وذهب قوم إلى أن «إلى» بمعنى: «في» ثم اختلفوا، فقال قوم: في يوم القيامة. وقال آخرون: في قبوركم إلى يوم القيامة. قوله تعالى: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي: بالشرك، فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، لِما سبق فيهم من القضاء. وقال ابن قتيبة: قوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ مردود إلى قوله: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ الذين خسروا. [سورة الأنعام (6) : آية 13] وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ.
[سورة الأنعام (6) : آية 14]
(495) سبب نزولها أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً في أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً، وترجع عما أنت عليه، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وفي معنى «سكن» قولان: أحدهما: أنه من السكنى. قال ابن الأعرابي: «سكن» بمعنى حلّ. والثاني: أنه من السكون الذي يضاد الحركة. قال مقاتل: من المخلوقات ما يستقر بالنهار، وينتشر بالليل ومنها ما يستقر بالليل، وينتشر بالنهار. فان قيل: لم خص السكون بالذكر دون الحركة؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن السكون أعم وجوداً من الحركة. والثاني: أن كل متحرك قد يسكن، وليس كل ساكن يتحرك. والثالث: أن في الآية إضماراً والمعنى: وله ما سكن وتحرك كقوله تعالى تَقِيكُمُ الْحَرَّ «1» أراد: والبرد فاختصر. [سورة الأنعام (6) : آية 14] قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا. (496) ذكر مقاتل أن سبب نزولها، أن كفَّار قريش قالوا: يا محمد، ألا ترجع إلى دين آبائك؟ فنزلت هذه الآية. وهذا الاستفهام معناه الإنكار أي: لا أتخذ وليا غير الله أتولاه، وأعبده، وأستعينه. قوله تعالى: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الجمهور على كسر راء «فاطر» . وقرأ ابن أبي عبلة برفعها. قال أبو عبيدة: الفاطر، معناه: الخالق. وقال ابن قتيبة: المبتدئ. (497) ومنه «كل مولود يولد على الفطرة» أي: على ابتداء الخلقة، وهو الإقرار بالله حين أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم. وقال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتُها، أي: أنا ابتدأتها. قال الزجاج: إن قيل: كيف يكون الفطر بمعنى الخلق والانفطار الانشقاق في قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (1) «2» فالجواب: إنما يرجعان إلى شيء واحد، لأن معنى «فطرهما» : خلقهما خلقاً قاطعاً. والانفطار، والفطور: تقطُّعٌ وتشقُّقٌ. قوله تعالى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قرأ الجمهور بضم الياء من الثاني ومعناه: وهو يرزق ولا
[سورة الأنعام (6) : آية 15]
يُرزق، لأن بعض العبيد يرزق مولاه. وقرأ عكرمة والأعمش «ولا يَطعم» بفتح الياء. قال الزجاج: وهذا الاختيار عند البصراء بالعربية، ومعناه: وهو يَرزق ويُطْعِمُ ولا يأكل. قوله تعالى: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أي: أول مسلم من هذه الأمة وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال الأخفش: معناه: وقيل لي: لا تكوننَّ، فصارت: أمرت، بدلاً من ذلك لأنه حين قال: أمرت، قد أخبر أنه قيل له. [سورة الأنعام (6) : آية 15] قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قوله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) زعم بعض المفسرين أنه كان يجب عليه أن يخاف عاقبة الذنوب، ثم نسخ ذلك بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «1» ، والصحيح أن الآيتين خبر، والخبر لا يدخله النسخ، وإنما هو معلق بشرط، ومثله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ «2» . [سورة الأنعام (6) : آية 16] مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) قوله تعالى: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم مَنْ يُصْرَفْ بضم الياء وفتح الراء، يعنون: العذاب. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم «يَصرِف» بفتح الياء وكسر الراء الضمير قوله: إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ومما يحسّن هذه القراءة قوله تعالى: فَقَدْ رَحِمَهُ، فقد اتفق إسناد الضميرين إلى اسم الله عزّ وجلّ، ويعني بقوله: يصرف العذاب يَوْمَئِذٍ، يعني: يوم القيامة، وَذلِكَ يعني: صرف العذاب. [سورة الأنعام (6) : آية 17] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ الضر: اسم جامع لكل ما يتضرَّرُ به الإِنسان، من فقر ومرض وغير ذلك والخير: اسم جامع لكلّ ما ينتقع به الإِنسان. وللمفسرين في الضر والخير قولان: أحدهما: أن الضر السقم والخير: العافية. والثاني: أنّ الضّرّ: الفقر، والخير: الغنى. [سورة الأنعام (6) : آية 18] وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ القاهر: الغالب، والقهر: الغلبة. والمعنى: أنه قهر الخلق فصرّفهم على ما أراد طوعاً وكرهاً فهو المستعلي عليهم، وهم تحت التّسخير والتذليل. [سورة الأنعام (6) : آية 19] قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) قوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً.
[سورة الأنعام (6) : آية 20]
(498) سبب نزولها: أن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، ما نرى أحداً يصدِّقُك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من يشهد أنك رسول الله فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الآية: قل لقريش: أيُّ شيء أعظم شهادة؟ فان أجابوك، وإلا فقل: الله، وهو شهيد بيني وبينكم على ما أقول. وقال الزّجّاج: أمره الله تعالى أن يحتجّ عليهم بأنّ شهادة الله عزّ وجلّ في نُبُوَّته أكبر شهادة، وأن القرآن الذي أتى به، يشهد له أنه رسول الله، وهو قوله: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ ففي الإِنذار به دليل على نبوته، لأنه لم يأت أحد بمثله، ولا يأتي وفيه خبر ما كان وما يكون ووعد فيه بأشياء، فكانت كما قال. وقرأ عكرمة، وابن السميفع، والجحدري «وأَوحَى إليَّ» بفتح الهمزة والحاء «القرآن» بالنّصب فأمّا «الإنذار» ، فمعناه: التّخويف، ومعنى وَمَنْ بَلَغَ أي: من بلغ إليه هذا القرآن، فإني نذير له. قال القرظي: من بلغه القرآن فكأنّما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وكلَّمه. (499) وقال أنس بن مالك: لما نزلت هذه الآية، كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ. قوله تعالى: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى هذا استفهام معناه الانكار عليهم. قال الفراء: وإنما قال: «أُخرى» ولم يقل: «آخر» لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث، كما قال: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى «1» . وقال: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى «2» . [سورة الأنعام (6) : آية 20] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ، في الكتاب قولان: أحدهما: أنه التوراة والإِنجيل وهذا قول الجمهور. والثاني: أنه القرآن. وفي هاء يَعْرِفُونَهُ ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. (500) وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لعبد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيه بمكة الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ، فكيف هذه المعرفة؟ فقال: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ولأَنَا أشد معرفة بمحمّد صلى الله عليه وسلم مني بابني. فقال عمر: وكيف ذاك؟ فقال: إني أشهد أنه رسول الله حقا، ولا أدري ما يصنع النساء «3» .
[سورة الأنعام (6) : آية 21]
والثاني: أنها ترجع إلى الدين والنبي. فالمعنى: يعرفون الإسلام أنّه دين الله عزّ وجلّ، وأن محمداً رسول الله، قاله قتادة. والثالث: أنها ترجع إلى القرآن. فالمعنى: يعرفون الكتاب الدال على صدقه ذكره الماوردي. وفي الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ قولان: أحدهما: أنهم مشركو مكة. والثاني: كفّار أهل الكتابين. [سورة الأنعام (6) : آية 21] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي: اختلق على الله الكذب في ادعاء شريك معه. وفي «آياته» قولان: أحدهما: أنها محمد والقرآن، قاله ابن السائب. والثاني: القرآن، قاله مقاتل. والمراد بالظلم المذكور في هذه الآية: الشّرك. [سورة الأنعام (6) : آية 22] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً انتصب «اليوم» بمحذوف تقديره: واذكر يوم نحشرهم. قال ابن جرير: والمعنى: لا يفلحون اليوم، ولا يوم نحشرهم. وقرأ يعقوب: «يحشرهم» «ثم يقول» بالياء فيهما. وفي الذين عني قولان: أحدهما: المسلمون والمشركون. والثاني: العابدون والمعبودون. وقوله: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ سؤال توبيخ. والمراد بشركائهم: الأوثان وإِنما أضافها إليهم لأنّهم زعموا أنّها شركاء لله. وفي معنى تَزْعُمُونَ قولان: أحدهما: يزعمون أنهم شركاء مع الله. والثاني: يزعمون أنها تشفع لهم. [سورة الأنعام (6) : آية 23] ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «ثم لم تكن» بالتاء، «فتنتُهم» بالرفع. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: «تكن» بالتاء أيضا، «فتنتَهم» بالنصب وقد رُويت عن ابن كثير ايضاً. وقرأ حمزة، والكسائي: «يكن» بالياء، «فتنتَهم» بالنصب. وفي «الفتنة» أربعة أقوال «1» : أحدها: أنها بمعنى الكلام والقول. قال ابن عباس، والضحاك: لم يكن كلامُهُم. والثاني: أنها المعذرة. قال قتادة، وابن زيد: لم تكن معذرتهم. قال ابن الأنباري: فالمعنى: اعتذروا بما هو مُهْلِكٌ لهم، وسبب لفضيحتهم. والثالث: أنها بمعنى البلية. قال عطاء الخراساني: لم تكن بليتهم. وقال ابو عبيد: لم تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة، وزادتهم لائمة. والرابع: أنها بمعنى الافتتان. والمعنى: لم تكن عاقبة فتنتهم. قال الزجاج: لم يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤوا منه. ومثل ذلك في اللغة
[سورة الأنعام (6) : آية 24]
أن ترى إنسانا يحب غاوياً، فاذا وقع في هَلَكَةٍ تبرأ منه فيقول: ما كانت محبتك لفلان إِلا أن انتفيت منه. قال: وهذا تأويل لطيف، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام، وتصرُّفَ العربِ في ذلك. وقال ابن الأنباري: المعنى: أنهم افتتنوا بقولهم هذا، إذ كذبوا فيه، ونفوَا عن أنفسهم ما كانوا معروفين به في الدنيا. قوله تعالى: إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «واللهِ ربِّنا» بكسر الباء. وقرأ حمزة، والكسائيّ، وخلف: بنصب الباء. وفي هؤلاء القوم الذين هذا وصفهم قولان «1» : أحدهما: أنهم المشركون. والثاني: المنافقون. ومتى يحلفون؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا من كان مسلماً، قالوا: تعالوا نكابر عن شركنا، فحلفوا، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم إذا دخلوا النار، ورأوا أهل التّوحيد يخرجون، فحلفوا واعتذروا، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. والثالث: أنهم إذا سئلوا: أين شركاؤكم؟ تبرؤوا، وحلفوا: ما كنا مشركين، قاله مقاتل. [سورة الأنعام (6) : آية 24] انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي: باعتذارهم بالباطل. وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي: ذهب ما كانوا يدّعون ويختلقون من أن الاصنام شركاء لله، وشفعاؤهم في الآخرة. [سورة الأنعام (6) : الآيات 25 الى 26] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (26) قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ. (501) سبب نزولها: أن نفراً من المشركين، منهم عتبة، وشيبة، والنضر بن الحارث، وأُميَّةُ وأُبيّ ابنا خلف، جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمعوا إليه، ثم قالوا للنضر بن الحارث: ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بَِنيَّةً، ما أدري ما يقول؟ إلا أني أرى تحرك شفتيه، وما يقول إلا أساطير الأولين، مثلما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. فأما «الأكنّة» ، فقال الزجاج: هي جمع كنان، وهو الغطاء مثل عنان وأعنّة.
وأما: «أن يفقهوه» ، فمنصوب على انه مفعول له. المعنى: وجعلنا على قلوبهم أكنَّة لكراهة أن يفقهوه، فلما حذفت اللام، نصبت الكراهة ولما حذفت الكراهة، انتقل نصبُها إلى «أنْ» . «الوقر» : ثِقَلُ السمع، يقال: في أذنه وَقْر، وَقد وُقِرَتِ الأذن تُوْقَر. قال الشاعر: وكلامٌ سيّئ قد وُقِرَتْ ... أُذُني عنه وما بي من صَمَمْ «1» والوقِر، بكسر الواو أن يُحَمَّل البعير وغيره مقدار ما يطيق، يقال: عليه وَقْر، ويقال: نخلة موقِر، وموقِرة، وإنما فُعل ذلك بهم مجازاة لهم باقامتهم على كفرهم، وليس المعنى أنهم لم يفهموه، ولم يسمعوه ولكنهم لما عدلوا عنه، وصرفوا فكرهم عما عليهم في سوء العاقبة، كانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ أي: كل علامة تدل على رسالتك، لا يُؤْمِنُوا بِها. ثمّ أعلم الله عزّ وجلّ مقدار احتجاجهم وجدلهم، وأنهم إنما يستعملون في الاحتجاج أن يقولوا: إِنْ هذا، أي: ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وفيها قولان: أحدهما: أنها ما سُطِّر من أخبارهم وأحاديثهم. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: أساطير الأولين: كذبهم، وأحاديثهم في دهرهم. وقال أبو الحسن الاخفش: يزعم بعضهم أن واحدة الأساطير: أسطورة. وقال بعضهم: أسطارة ولا أُراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد، نحو عباديد ومذاكير وأبابيل. وقال ابن قتيبة: أساطير الأولين: أخبارهم وما سطر منها، أي: ما كتب، ومنه قوله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ «2» أي: يكتبون، واحدها سطر، ثم أسطار، ثم أساطير جمع الجمع، مثل قول، وأقوال، وأقاويل. والقول الثاني: أن معنى أساطير الأولين: الترهات. قال أبو عبيدة: واحد الأساطير: أسطورة، وإسطارة، ومجازها مجاز التُرهات. قال ابن الأنباري: الترهات عند العرب: طرق غامضة، ومسالك مشكلة، يقول قائلهم: قد أخذنا في ترهات البسابس، يعني: قد عدلنا عن الطريق الواضح إلى المشكل وعمّا يعرف إلى ما لا يعرف. و «البسابس» : الصحاري الواسعة، والتُّرَّهات: طرق تتشعب من الطريق الأعظم، فتكثر وتُشكِل، فجُعلت مثلا لما لا يصح وينكشف. فان قيل: لم عابوا القرآن بأنه أساطير الأولين، وقد سطر الأولون ما فيه علم وحكمة، وما لا عيب على قائله؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى أنه ليس بوحي من الله. والثاني: أنهم عابوه بالإِشكال والغموض، استراحة منهم إلى البهت والباطل. فعلى الجواب الأول تكون «أساطير» من التسطير، وعلى الثاني تكون بمعنى الترهات، وقد شرحنا معنى التُّرَّهات. قوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ في سبب نزولها قولان: (502) أحدهما: أن أبا طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتباعد عمّا جاء
به، فنزلت فيه هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهو قول عمرو بن دينار، وعطاء بن دينار، والقاسم بن مخيمرة. (503) وقال مقاتل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب يدعوه إلى الإِسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبيّ صلى الله عليه وسلم سوءاً، فسألوا أبا طالب أن يدفعه إِليهم، فيقتلوه، فقال: ما لي عنه صبر فقالوا: ندفع إليك من شبابنا من شئت مكان ابن أخيك، فقال أبو طالب: حين تروح الإِبل، فان حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعتُه إليكم، وقال: والله لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِم ... حَتَّى أُوَسَّدَ في التُّرَابِ دَفِينَا فَاصْدَعْ بأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ... وابْشِرْ وقَرَّ بذاكَ مِنْكَ عُيُونا وَعَرضْتَ دِيناً لاَ مَحَالَةَ أنَّه ... مِنْ خَيْرِ أدْيانِ البريَّةِ دِينا لَولا المَلاَمَةُ أو حَذَاري سُبَّةُ ... لَوَجَدْتَني سَمْحَاً بذَاكَ مُبِيْنَا «1» فنزلت فيه هذه الآية (504) والثاني: أن كفار مكة كانوا ينهون الناس عن اتّباع النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ويتباعدون بأنفسهم عنه، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال ابن الحنفية، والضحاك، والسدّي. فعلى القول الأول، يكون قوله تعالى: «وهم» كنايةً عن واحد وعلى الثاني: عن جماعة. وفي هاء «عنه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى النّبي صلى الله عليه وسلم. ثم فيه قولان «2» . أحدهما: ينهون عن أذاه والثاني: عن اتِّباعه. والقول الثاني: أنها تَرْجِع إلى القرآن، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. وَيَنْأَوْنَ بمعنى
[سورة الأنعام (6) : آية 27]
يبعدون. وفي هاء «عنه» قولان: أحدهما: أنها راجعة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم. والثاني: إلى القرآن. قوله تعالى: وَإِنْ يُهْلِكُونَ أي: وما يهلكون إِلَّا أَنْفُسَهُمْ بالتباعد عنه وَما يَشْعُرُونَ أنّهم يهلكونها. [سورة الأنعام (6) : آية 27] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ في معنى «وقفوا» ستة أقوال. أحدها: حُبِسُوا عليها، قاله ابن السائب. والثاني: عُرِضُوا عليها، قاله مقاتل. والثالث: عاينوها. والرابع: وقفوا عليها وهي تحتهم. والخامس: دخلوا إليها فعرفوا مقدار عذابها، تقول: وقفت على ما عند فلان، أي فهمته وتبيَّنته، ذكر هذه الأقوال الثلاثة الزجاج، واختار الأخير. وقال ابن جرير: عَلَى هاهنا بمعنى «في» . السادس: جعلوا عليها وقفا، كالوقوف المؤبَّدة على سبلها، ذكره الماورديّ. والخطاب بهذه الآية للنّبي صلى الله عليه وسلم، والوعيد للكفار، وجواب «لو» محذوف، ومعناه: لو رأيتهم في تلك الحال، لرأيت عجباً. قوله تعالى: وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم برفع الباء من «نكذبُ» والنون من «نكونُ» . قال الزجاج: والمعنى أنهم تمنَّوا الرد، وضمنوا أنهم لا يكذِّبون. والمعنى: يا ليتنا نُرَدُّ، ونحن لا نكذب بآيات ربِّنا، رُدِدْنا أو لم نُردَّ، ونكون من المؤمنين، لأنّا قد عاينّا مالا نكذب معه أبداً. قال: ويجوز الرفع على وجه آخر، على معنى «يا ليتنا نرد» ، يا ليتنا لا نكذب، كأنهم تمنوا الرد والتوفيق للتصديق. وقال الأخفش: إذا رفعت جعلته على مثل اليمين، كأنهم قالوا: ولا نكذب- واللهِ- بآيات ربِّنا، ونكون- والله- من المؤمنين. وقرأ حمزة إلا العجليَّ «1» ، وحفص عن عاصم، ويعقوب: بنصب الباء من «نكذبَ» ، والنون من «نكونَ» . قال مكي بن أبي طالب: وهذا النصب على جواب التمني، وذلك بإضمار «أن» ، حملاً على مصدر «نرد» ، فأضمرت «أن» لتكون مع الفعل مصدراً، فعطف بالواو مصدراً على مصدر. وتقديره: يا ليت لنا ردّا، وانتفاء من التكذيب، وكوناً من المؤمنين. وقرأ ابن عامر برفع الباء من «نُكذبُ» ، ونصب النون من «نكون» بالرّفع قد بيَّنا علته، والنصب على جواب التمني. [سورة الأنعام (6) : الآيات 28 الى 29] بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) قوله تعالى: بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ «بل» : ها هنا ردّ لكلامهم، أي: ليس الأمر على ما قالوا من أنهم لو ردُّوا لآمنوا. وقال الزجاج: «بل» استدراك وإيجاب بعد نفي تقول: ما جاء زيد بل عمرو. وفي معنى الآية أربعة أقوال: أحدها: بدا ما كان يخفيه بعضهم عن بعض، قاله الحسن. والثاني: بدا بنطق الجوارح ما كانوا يخفون من قبل بألسنتهم، قاله مقاتل. والثالث: بدا لهم جزاء ما كانوا
[سورة الأنعام (6) : آية 30]
يخفونه، قاله المبرد. والرابع: بدا للأتباع ما كان يُخفيه الرؤساء، قاله الزجاج. قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ قال ابن عباس: لعادوا إلى ما نُهوا عنه من الشرك، وإنهم لكاذبون في قولهم: وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. قال ابن الانباري: كذَّبهم الله في إخبارهم عن أنفسهم أنهم إن رُدُّوا آمنوا ولم يكذبوا، ولم يكذِّبْهم في التمني. قوله تعالى: وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا هذا إِخبار عن منكري البعث. (505) قال مقاتل: لما أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم كفار مكة بالبعث، قالوا هذا. وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا حكاية قولهم، لو ردوا لقالوا «1» . [سورة الأنعام (6) : آية 30] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قال مقاتل: عُرِضُوا على ربهم قالَ أَلَيْسَ هذا العذاب بِالْحَقِّ. وقال غيره: أليس هذا البعث حقا؟ فعلى قول مقاتل: بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بالعذاب، وعلى قول غيره: تَكْفُرُونَ بالبعث. [سورة الأنعام (6) : آية 31] قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (31) قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ إنما وُصِفُوا بالخسران، لأنهم باعوا الإيمان بالكفر، فعظم خسرانهم. والمراد بلقاء الله: البعث والجزاء والساعة: القيامة والبغتة: الفجأة. قال الزجاج: كلُّ ما أتى فجأة فقد بغت يقال: قد بغته الأمر يَبْغَتُه بَغْتاً وبغتةً: إذا أتاه فجأة. قال الشاعر: وَلكَِنَّهم بانُوا وَلَمْ أَخْشَ بَغْتَةً ... وَأَفْظَعُ شيءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ «2» قوله تعالى: يا حَسْرَتَنا الحسرة: التلهف على الشيء الفائت، وأهل التفسير يقولون: يا ندامتنا. فإن قيل: ما معنى دعاء الحسرة، وهي لا تعقِلُ؟ فالجواب: أن العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن عظيم ما تقع فيه، جعلته نداءً، فتدخِلُ عليه «يا» للتنبيه، والمراد تنبيه الناس، لا تنبيه المنادي. ومثله قولهم: لا أرينّك ها هنا. لفظه لفظ الناهي لنفسه، والمعنى للمنهي ومن هذا قولهم: يا خَيْلَ الله اركبي، يراد: يا فرسان خيل الله. وقال سيبويه: إذا قلتَ: يا عجباه، فكأنك قلت: احضر وتعال يا عَجَبُ، فهذا زمانك. فأما التفريط فهو: التضييع. وقال الزجاج: التفريط في اللغة: تقدمه العجز. وفي المكني عنه بقوله: «فيها» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الدنيا، فالمعنى: على ما ضيعنا في الدنيا من عمل الآخرة، قاله مقاتل. والثاني: أنها الصَّفقة، لأن الخسران لا يكون إلّا في صفقة، وترك
[سورة الأنعام (6) : آية 32]
ذكرها اكتفاءً بذكر الخسران قاله ابن جرير. والثالث: أنها الطاعة ذكره بعض المفسرين. فأما الأوزار، فقال ابن قتيبة: هي الآثام، وأصل الوزر: الحمل على الظهر. وقال ابن فارس: الوزر: الثقل. وهل هذا الحمل حقيقة؟ فيه قولان: أحدهما: أنه على حقيقته. قال عمير بن هانئ: يحشر مع كل كافر عمله في صورة رجل قبيح، كلمَّا كان هَوْلٌ عظَّمه عليه، وزاده خوفا، فيقول: بئس الجليس أنت، ما لي ولك؟ فيقول: أنا عملك، طالما ركبتني في الدنيا، فلأركبنك اليوم حتى أُخزيَك على رؤوس الناس، فيركبُه ويتخطى به الناس حتى يقف بين يدي ربه، فذلك قوله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ وهذا قول السدي، وعمرو بن قيس الملائي، ومقاتل. والثاني: أنه مثل، والمعنى: يحملون ثقل ذنوبهم، قاله الزجاج. قال. فجعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أَثْقَلِ ما يُتحَمَّل. ومعنى أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ: بئس الشيء شيئا يزرونه، أي يحملونه. [سورة الأنعام (6) : آية 32] وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (32) قوله تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وما الحياة الدنيا في سرعة انقطاعها، وقصر عمرها إلا كالشيء يلعب به. والثاني: وما أمر الدنيا والعمل لها إلا لعب ولهو، فأما فعل الخير، فهو من عمل الآخرة، لا من الدنيا. والثالث: وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو، لاشتغالهم عما أمروا به. واللعب: ما لا يُجدي نفعاً. قوله تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ اللام: لام القسم، والدار الآخرة: الجنة «أفلا يعقلون» فيعملون لها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو وحمزة، والكسائي، «يعقلون» بالياء، في الأنعام والأعراف ويوسف ويس، وقرءوا في القصص بالتاء. وقرأ نافع كل ذلك بالياء، وروى حفص، عن عاصم كل ذلك بالتاء، إلا في يس فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ «1» ، بالياء وقرأ ابن عامر الذي في يس بالياء، والباقي بالتاء. [سورة الأنعام (6) : آية 33] قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ في سبب نزولها أربعة أقوال: (506) أحدها: أن رجلا من قريش يقال له: الحارث بن عامر، قال: والله يا محمد ما كذبتنا قط فنتَّهِمَك اليوم، ولكنا إن نتَّبعْك نُتَخَطَّفْ من أرضنا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: كان الحارث بن عامر يكذِّب النبي في العلانية، فاذا خلا مع أهل بيته، قال: ما محمد من أهل الكذب، فنزلت فيه هذه الآية «2» .
والثاني: أن المشركين كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا فيما بينهم: إنه لَنبي، فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح «1» . (507) والثالث: أن أبا جهل قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نُكذب الذي جئت به، فنزلت هذه الآية، قاله ناجية بن كعب. (508) وقال أبو يزيد المدني: لقي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فصافحه أبو جهل فقيل له: أتصافح هذا الصابئ؟ فقال: والله إني لأعلم أنه نبي، ولكن متى كنا تبعاً لبني عبد مناف؟ فأنزل الله هذه الآية. (509) والرابع: أن الأخنس بن شريق لقي أبا جهل فقال الأخنس: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو، أم كاذب؟ فليس ها هنا من يسمع كلامك غيري. فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء، والسقاية، والحجابة، والنُّبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فنزلت هذه الآية، قاله السّدّيّ، ذكره الطبريّ مطوّلا. فأما الذي يقولون، فهو التّكذيب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والكفر بالله. وفي الآية تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم وتعزية عما يواجهونه به. قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ قرأ نافع، والكسائي: «يُكْذِبُونَك» بالتخفيف وتسكين الكاف. وفي معناها قولان: أحدهما: لا يُلْفُونَك كاذباً قاله ابن قتيبة. والثاني: لا يكذِّبون الشيء الذي جئت به، إنما يجحدون آياتِ الله، ويتعرَّضون لعقوباته. قال ابن الأنباري: وكان الكسائي يحتج لهذه القراءة بأن العرب تقول: كذبْتُ الرجل: إذا نسبْتَه إلى الكذب وصنعة الأباطيل من القول وأكذبتُه: إذا أخبرتَ أن الذي يحدث به كذب، ليس هو الصانع له. قال: وقال غير الكسائي: يقال: أكذبتُ الرجل: إذا أدخلتَه في جملة الكذابين، ونسبتَه إلى صفتهم، كما يقال: أبخلتُ الرجل: إذا نسبتَه إلى البخل، وأجبنتُه: إذا وجدتَه جبانا. قال الشاعر: فَطَائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكُمْ ... وَطَائِفَةٌ قالوا مُسِيءٌ ومذنب «2»
[سورة الأنعام (6) : آية 34]
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة وابن عامر: «يكَذِّبونك» بالتشديد وفتح الكاف وفي معناها خمسة أقوال: أحدها: لا يكذِّبونك بحجة، وإنما هو تكذيب عِناد وبَهْتٍ، قاله قتادة، والسدي. والثاني: لا يقولون لك: إنك كاذب، لعلمهم بصدقك، ولكن يكذِّبون ما جئت به، قاله ناجية ابن كعب. والثالث: لا يكذِّبونك في السر، ولكن يكذِّبونك في العلانية، عداوةً لك، قاله ابن السائب، ومقاتل. والرابع: لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأت به مما في كتبهم: كذبت. والخامس: لا يكذِّبونك بقلوبهم، لأنهم يعلمون أنك صادق، ذكر القولين الزجاج. وقال أبو علي: يجوز أن يكون معنى القراءتين واحداً وإن اختلفت اللفظتان، إلا أن «فعّلتُ» : إذا أرادوا أن ينسبوه إلى أمر أكثر من «فعلت» . ويؤكد أنَّ القراءتين بمعنىً، ما حكاه سيبويه أنهم قالوا: قلَّلتُ، وأقللت، وكثَّرتُ، وأكثرت بمعنىً. قال أبو علي: ومعنى «لا يكذِّبونك» : لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب فيما أخبرتَ به مما جاء في كتبهم، ويجوز أن يكون معنى الحقيقة: لا يصادفونك كاذباً، كما تقول: أحمدت فلانا: إذا أصبتَه محموداً، لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ بألسنتهم ما يعلمونه يقينا، لعنادهم. وفي «آيات الله» ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنها محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. والثاني: محمد والقرآن، قاله ابن السّائب. والثالث: القرآن، قاله مقاتل. [سورة الأنعام (6) : آية 34] وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) قوله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ هذه تعزية له على ما يلقى منهم. قال ابن عباس: فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا رجاء ثوابي، وَأُوذُوا حتى نُشروا بالمناشير، وحُرقوا بالنار حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا بتعذيب من كذبهم. قوله تعالى: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ فيه خمسة أقوال: أحدها: لا خُلْفَ لمواعيده، قاله ابن عباس. والثاني: لا مبدِّل لما أخبر به وما أمر به، قاله الزجاج. والثالث: لا مبدل لحكوماته وأقضيته النافذة في عباده، فعبّرت الكلمات عن هذا المعنى، كقوله تعالى: وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ أي: وجب ما قضي عليهم. فعلى هذا القول، والذي قبله، يكون المعنى: لا مبدل لحكم كلمات الله، ولا ناقض لما حكم به، وقد حكم بنصر أنبيائه بقول: لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي «1» . والرابع: أن معنى الكلام معنى النهي، وإن كان ظاهره الإخبار فالمعنى: لا يُبدِّلَن أحد كلمات الله، فهو كقوله: لا رَيْبَ فِيهِ. والخامس: أن المعنى: لا يقدر أحد على تبديل كلام الله، وإن زخرف واجتهد، لأن الله تعالى صانه برصين اللفظ، وقويم الحكم، أن يختلط بألفاظ أهل الزيغ، ذكر هذه الألفاظ الثلاثة ابن الأنباري. قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ أي: فيما صبروا عليه من الأذى فنُصروا. وقيل: إن «مِن» صلة.
[سورة الأنعام (6) : آية 35]
[سورة الأنعام (6) : آية 35] وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35) قوله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ. (510) سبب نزولها: أنّ الحارث بن عامر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش فقال: يا محمد، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات، فإن فعلت آمنا بك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. و «كبر» : بمعنى «عظم» . وفي إعراضهم قولان: أحدهما: عن استماع القرآن. والثاني: عن اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم. فأما «النفق» ، فقال ابن قتيبة: النفق في الأرض: المدخل، وهو السَّرب. والسُّلَّم في السماء: المصعد. وقال الزجاج: النفق: الطريق النافذ في الأرض. والنافقاء، ممدود: أحد جحِرة اليربوع يَخرِقه من باطن الأرض إلى جلدة الأرض، فاذا بلغ الجلدة أرقَّها، حتى إنْ رابه ريب، دفع برأسه ذلك المكان وخرج، ومنه سمي المنافق، لأنه أبطن غير ما أظهر، كالنافقاء الذي ظاهره غير بين، وباطنه حفر في الأرض. و «السلّم» مشتق من السلامة، وهو الشيء الذي يسلّمك إلى مصعدك. والمعنى: فان استطعت هذا فافعل، وحذف «فافعل» ، لأن في الكلام دليلا عليه. وقال أبو عبيدة: السلّم: السبب والمرقاة، تقول: اتخذتني سُلَّماً لحاجتك، أي: سببا. وفي قوله تعالى: فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ قولان: أحدهما: بآية قد سألوك إيّاها، وذلك أنهم سألوا نزول ملك الموت، ومثل آيات الأنبياء، كعصا موسى، وناقة صالح. والثاني: بآية هي أفضل من آيتك. قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لو شاء أن يطبعهم على الهدى لطبعهم. والثاني: لو شاء لأنزل ملائكة تضطرُّهم إلى الإيمان. ذكرهما الزجاج. والثالث: لو شاء لآمنوا كلهم، فأخبر إنما تركوا الإيمان بمشيئته، ونافذ قضائه. قوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا تجهل أنه لو شاء لجمعهم على الهدى. والثاني: لا تجهل أنه يؤمن بك بعضهم، ويكفر بعضهم. والثالث: لا تكونن ممن لا صبر له، لأن قلة الصبر من أخلاق الجاهلين. [سورة الأنعام (6) : آية 36] إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) قوله تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أي: إنما يجيبك من يسمع، والمراد به سماع قبول. وفي المراد بالموتى قولان: أحدهما: أنهم الكفار، قاله الحسن، ومجاهد وقتادة، فيكون المعنى: إنما يستجيب المؤمنون فأما الكفار، فلا يستجيبون حتى يبعثهم الله تعالى: ثم يحشرهم كفاراً، فيجيبون اضطراراً. والثاني: أنهم الموتى حقيقة، ضربهم الله تعالى مثلاً والمعنى: أن الموتى لا يستجيبون حتى يبعثهم الله، فكذلك الذين لا يسمعون.
[سورة الأنعام (6) : آية 37]
قوله تعالى: ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ يعني: المؤمنين والكافرين، فيجازي الكلّ. [سورة الأنعام (6) : آية 37] وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قال ابن عباس: نزلت في رؤساء قريش. و «لولا» : بمعنى «هلاّ» وقد شرحناها في سورة النساء. وقال مقاتل: أرادوا بالآية مثل آيات الأنبياء. وقال غيره: أرادوا نزول ملك يشهد له بالنبوَّة. وفي قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ثلاثة أقوال: أحدها: لا يعلمون بأنّ الله سبحانه وتعالى قادر على إنزال الآية. والثاني: لا يعلمون ما عليهم من البلاء في إنزالها، لأنهم إن لم يؤمنوا بها، زاد عذابهم. والثالث: لا يعلمون المصلحة في نزول الآية. [سورة الأنعام (6) : آية 38] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ قال ابن عباس: يريد كل ما دبَّ على الأرض. قال الزجاج: وذكر الجناحين توكيد، وجميع ما خُلق لا يخلو إما أن يدبّ، وإمّا أن يطير. وقوله تعالى: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ قال مجاهد: أصناف مصنفة. وقال أبو عبيدة: أجناس يعرفون الله ويعبدونه. وفي معنى «أمثالكم» أربعة أقوال: أحدها: أمثالكم في كون بعضها يفقه عن بعض، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: في معرفة الله، قاله عطاء. والثالث: أمثالكم في الخلق والموت والبعث، قاله الزجاج. والرابع: أمثالكم في كونها تطلب الغذاء، وتبتغي الرزق، وتتوقَّى المهالك، قاله ابن قتيبة. قال ابن الانباري: وموضع الاحتجاج من هذه الآية أن الله تعالى ركَّب في المشركين عقولاً، وجعل لهم أفهاما ألزمهم بها أن يتدبَّروا أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم ويتمسكوا بطاعته، كما جعل للطير أفهاما يعرف بها بعضها إشارة بعض، وهدى الذَّكَرَ منها لإتيان الأنثى، وفي كل ذلك دليل على نفاذ قدرة المركب ذلك فيها. قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ في الكتاب قولان: أحدهما: أنه اللوح المحفوظ. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ما تركنا شيئا إلا وقد كتبناه في أم الكتاب، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة، وابن زيد. والثاني: أنه القرآن. روى عطاء عن ابن عباس: ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم. فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المعنى: ما فرطنا في شيء بكم إليه حاجة إلا وبيناه في الكتاب، إما نصاً، وإما مجملاً، وإما دلالة، كقوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ «1» أي: لكل شيء يحتاج إليه في أمر الدين. قوله تعالى: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ فيه قولان «2» : أحدهما: أنه الجمع يوم القيامة.
[سورة الأنعام (6) : آية 39]
(511) روى أبو ذر قال: «انتطحت شاتان عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر، أتدري فيما انتطحتا؟ قلت: لا. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما» . (512) وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدله أن يأخذ للجمَّاء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً، فيقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. والثاني: أن معنى حشرها: موتها، قاله ابن عباس، والضّحّاك. [سورة الأنعام (6) : آية 39] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم صُمٌّ عن القرآن لا يسمعونه، وَبُكْمٌ عنه لا ينطقون به فِي الظُّلُماتِ أي: في الشرك والضلالة. مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ فيموت على الكفر وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو الإسلام. [سورة الأنعام (6) : آية 40] قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (40) قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة: «أرأيتم»
[سورة الأنعام (6) : آية 41]
و «أرأيتكم» و «أرأيت» بالألف في كل القرآن مهموزاً وليَّن الهمزة نافع في الكل. وقرأ الكسائي بغير همز ولا ألف. قال الفراء: العرب تقول: أرأيتك، وهم يريدون: أخبرني. فأمّا عذاب الله، ففي المراد به ها هنا قولان: أحدهما: أنه الموت، قاله ابن عباس. والثاني: العذاب الذي كان يأتي الأمم الخالية، قاله مقاتل. فأما الساعة، فهي القيامة. قال الزجاج: وهو اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد، وللوقت الذي يبعثون فيه. قوله تعالى: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ أي: أتدعون صنماً أو حجراً لكشفِ ما بكم؟! فاحتج عليهم بما لا يدفعونه، لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله. وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ جواب لقوله تعالى: «أرأيتكم» ، لأنه بمعنى أخبروا، كأنه قيل لهم: إن كنتم صادقين، فأخبروا من تدعون عند نزول البلاء بكم؟. [سورة الأنعام (6) : آية 41] بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (41) قوله تعالى: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ قال الزجاج: أعلمهم أنهم لا يدعون في الشدائد إلا إياه وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لأنهم عبدوا الأصنام. فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ المعنى: فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم، وهذا على اتساع الكلام مثل قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «1» ، أي: اهل القرية. وَتَنْسَوْنَ: يجوز أن يكون بمعنى «تتركون» ويجوز أن يكون المعنى: إنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم. [سورة الأنعام (6) : آية 42] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ في الآية محذوف، تقديره: ولقد أرسلنا إلى أُمم من قبلك رسلا فخالفوهم، فأخذناهم بالبأساء وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الزمانة والخوف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنها البؤس، وهو الفقر، قاله ابن قتيبة. والثالث: أنها الجوع، ذكره الزجاج. وفي الضرَّاء ثلاثة أقوال: أحدها: البلاء، والجوع، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: النقص في الأموال والأنفس، ذكره الزجاج. والثالث: الاسقام والأمراض، قاله أبو سليمان. قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ أي: لكي يتضرعوا. والتضرع: التذلل والاستكانة. وفي الكلام محذوف تقديره: فلم يتضرّعوا. [سورة الأنعام (6) : آية 43] فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43) قوله تعالى: فَلَوْلا معناه: «فهلاَّ» . والبأس: العذاب. ومقصود الآية: أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قد أرسل إلى قوم قبله بلغوا من القسوة أنهم أخذوا بالشدائد، فلم يخضعوا، وأقاموا على كفرهم، وزين لهم الشيطان ضلالتهم فأصرّوا عليها.
[سورة الأنعام (6) : آية 44]
[سورة الأنعام (6) : آية 44] فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ قال ابن عباس: تركوا ما وعظوا به. فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يريد رخاء الدنيا وسرورها. وقرأ أبو جعفر، وابن عامر: «فتَّحنا» بالتشديد هنا وفي الأعراف، وفي الأنبياء: «فُتِّحت» ، وفي القمر: «فتّحنا» ، والجمهور على تخفيفهن. قال الزجاج: أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير، حتى إذا ظنوا أن ما كان نزل بهم، لم يكن انتقاماً، وما فُتح عليهم، باستحقاقهم، أخذناهم بغتة، أي: فاجأهم عذابنا. وقال ابن الانباري: إنما أراد بقوله تعالى: «كل شيء» : التأكيد، كقول القائل: أكلنا عند فلان كلَّ شيء، وكنا عنده في كل سرور، يريد بهذا العموم تكثير ما يصفه والإطناب فيه، كقوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ «1» . وقال الحسن: من وُسِّع عليه فلم ير أنه لم يُمكر به، فلا رأي له ومن قُتِّر عليه فلم ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ هذه الآية، وقال: مُكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجاتهم ثم أُخذوا. قوله تعالى: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ في المبلس خمسة اقوال: أحدها: أنه الآيس من رحمة الله عزّ وجلّ، رواه الضحاك عن ابن عباس وقال في رواية أخرى: الآيس من كل خير. وقال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي يسكت عند انقطاع حجته، فلا يكون عنده جواب: قد أبلس. قال العجَّاج: يا صَاحِ هَلْ تعْرِفُ رَسْماً مُكْرَساً ... قَالَ نَعَمْ! أعْرِفُه! وأبْلَسَا «2» أي: لم يَحِرْ جواباً. وقيل: المكرس: الذي قد بعرت فيه الإبل، وبوَّلت، فيركب بعضه بعضاً. والثاني: أنه المفتضح. قال مجاهد: الإبلاس: الفضيحة. والثالث: أنه المهْلك، قاله السدي. والرابع: أنه المجهود المكروب الذي قد نزل به من الشّر ما لا يستطيعه، قاله ابن زيد. والخامس: أنه الحزين النادم، قاله أبو عبيدة، وأنشد لرؤبة: وحَضَرتْ يوم الخميس الأخماس ... وفي الوجوه صُفرةٌ وإِبلاس أي: اكتئاب، وكسوف، وحزن. وقال الزجاج: هو الشديد الحسرة، الحزين، اليائس. وقال في موضع آخر: المبلس: السّاكت المتحيّر. [سورة الأنعام (6) : آية 45] فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45) قوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا قال ابن السائب: دابرهم: الذي يتخلف في آخرهم. والمعنى: أنهم استؤصلوا. وقال أبو عبيدة: دابرهم: آخرهم الذي يدبرهم: قال ابن قتيبة: هو كما
[سورة الأنعام (6) : آية 46]
يقال: اجتُثَّ أصلهم. قال المفسرون: وإنما حمد نفسه على قطع دابرهم، لأن ذلك إنعام على رسلهم الذين كذبوهم، وعلّم الحمد على كفايته شرّ الظّالمين. [سورة الأنعام (6) : آية 46] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ أي: أذهبها وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ حتى لا تعرفون شيئا مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ؟ في هاء «به» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تعود على الفعل، والمعنى: يأتيكم بما أخذ الله منكم، قاله الزجاج. وقال الفراء: إذا كنيت عن الأفاعيل، وإن كثرتْ، وحَّدتَ الكناية، كقولك للرجل: إقبالك وإدبارك يؤذيني. والثاني: أنها تعود إلى الهدى، ذكره الفراء. فعلى هذا تكون الكناية عن غير مذكور، ولكن المعنى يشتمل عليه، لأن من أُخذ سمعه وبصره وُختم على قلبه لم يهتد. والثالث: أنها تعود على السمع، ويكون ما عُطف عليه داخلاً معه في القصة، لأنه معطوف عليه، ذكره الزّجّاج. والجمهور يقرءون: مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ بكسر هاء «به» . وروى المسيبَّي عن نافع: «بهُ انظر» : بالضم. قال أبو علي: من كسر، حذف الياء التي تلحق الهاء في نحو: بهي عيب، ومن ضم، فعلى قول من قال: فخسفنا بهو بدارهو الأرض، فحذف الواو. قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ قال مقاتل: يعني تكون العلامات في أُمور شتى، فيخوفهم بأخذ الأسماع والأبصار والقلوب، وبما صُنع بالأُمم الخالية ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ، أي: يعرضون فلا يعتبرون. [سورة الأنعام (6) : آية 47] قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً قال الزجاج: البغتة: المفاجأة والجهرة: أن يأتيهم وهم يرونه. هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ أي: هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم، لأنكم كفرتم معاندين، فقد علمتم أنكم ظالمون. [سورة الأنعام (6) : الآيات 48 الى 49] وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49) قوله تعالى: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ أي: بالثواب ومنذرين بالعقاب وليس إرسالهم ليأتوا بما يقترحونه من الآيات. ثم ذكر ثواب من صدق، وعقاب من كذب في تمام الآية والتي بعدها. وقال ابن عباس: يفسقون: بمعنى يكافرون. [سورة الأنعام (6) : آية 50] قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ.
[سورة الأنعام (6) : آية 51]
(513) سبب نزولها: أن أهل مكة قالوا: يا محمد، لو أنزل الله عليك كنزاً فتستغني به، فانك فقير محتاج أو تكون لك جنة تأكل منها، فانك تجوع، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال الزّجّاج: وهذه الآية متّصلة بقوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، فأعلمهم أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي، ولا يعلم الغيب فيخبرهم به إلا بوحي، ولا يقول: إنه مَلَكٌ، لأن الملك يشاهد من أمور الله تعالى ما لا يشاهده البشر. وقرأ ابن مسعود، وابن جبير، وعكرمة، والجحدري: «إني ملك» بكسر اللام. وفي الأعمى والبصير قولان: أحدهما: أن الأعمى: الكافر، والبصير: المؤمن، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: الأعمى: الضال، والبصير: المهتدي، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. وفي قوله تعالى: أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ قولان: أحدهما: فيما بُيِّن لكم من الآيات الدالة على وحدانيته وصدق رسوله. والثاني: فيما ضُرب لكم من مثل الأعمى والبصير وأنهما لا يستويان. [سورة الأنعام (6) : آية 51] وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) قوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ قال الزجاج: يعني بالقرآن، وإنما ذكر الذين يخافون الحشر دون غيرهم، وإن كان مُنْذِراً لجميع الخلق، لأن الحجة على الخائفين الحشر أظهر، لاعترافهم بالمعاد، فهم أحد رجلين: إما مسلم، فيُنذَر ليؤديَ حق الله عليه في إسلامه، وإما كتابي، فأهل الكتاب مجمعون على البعث. وذِكر الولي والشفيع، لأن اليهود والنصارى ذكرت أنها أبناء الله وأحبّاؤه، فأعلم عزّ وجلّ أن أهل الكفر ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع. وقال غيره: ليس لهم من دونه ولي، أي: ليس لهم غير الله ولي ولا شفيع، لأن شفاعة الشافعين بأمره. وقال أبو سليمان الدمشقي: هذه الآية متعلقة بقوله: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ «1» . روى سعد بن أبي وقّاص قال:. [سورة الأنعام (6) : آية 52] وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ، روى سعد بن أبي وقاص قال: (514) نزلت هذه الآية في ستة: فيّ، وفي ابن مسعود، وصهيب، وعمار، والمقداد، وبلال. قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهؤلاء، فاطردهم عنك. فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فنزلت هذه الآية.
(515) وقال خباب بن الأرتِّ: نزلت فينا، كنا ضعفاء عند النبيّ صلى الله عليه وسلم يعلّمنا بالغداة والعشي ما ينفعنا، فجاء الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فقالا: إنا من أشراف قومنا، وإنا نكره أن يرونا معهم، فاطردهم إذا جالسناك. قال: «نعم» . فقالوا: لا نرضى حتى تكتب بيننا كتاباً، فأتُي بأديم ودواة، ودعا علياً ليكتب، فلما أراد ذلك، ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بقوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ إلى قوله: فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، فرمى بالصحيفة ودعانا، فأتيناه وهو يقول: «سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة» . فدنونا منه يومئذ حتى وضعنا ركبنا على ركبته. (516) وقال ابن مسعود: مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده خبَّاب، وصهيب، وبلال، وعمَّار، فقالوا: يا محمد، رضيتَ بهؤلاء، أتريد أن نكون تبعاً لهم؟! فنزلت: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ. (517) وقال عكرمة: جاء عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل، في أشراف بني عبد مناف، إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم في صدورنا، وأدنى لاتِّباعنا إياه، فأتاه أبو طالب فحدثه بذلك، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون، فنزلت هذه الآيات، فأقبل عمر يعتذر من مقالته. (518) وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في الموالي، منهم بلال، وصهيب، وخبّاب، وعمّار، ومهجع، وسلمان، وعامر بن فهيرة، وسالم مولى أبي حذيفة وأن قوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ نزلت فيهم أيضا. (519) وقد روى العوفي عن ابن عباس: أنّ أناسا من الأشراف قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: نؤمن لك، وإذا صلينا فأخِّر هؤلاء الذين معك، فليصلوا خلفنا. فعلى هذا، إنما سألوه تأخيرهم عن الصّفّ، وعلى
الأقوال التي قبله، سألوه طردهم عن مجلسه. قوله تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ في هذا الدعاء خمسة أقوال «1» : أحدها: أنه الصلاة المكتوبة، قاله ابن عمر، وابن عباس. وقال مجاهد: هي الصلوات الخمس وفي رواية عن مجاهد، وقتادة قالا: يعني صلاة الصبح والعصر. وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك. والثاني: أنه ذكر الله تعالى، قاله إبراهيم النخعي، وعنه كالقول الأول. والثالث: أنه عبادة الله، قاله الضحاك. والرابع: أنه تعلم القرآن غدوة وعشية، قاله أبو جعفر. والخامس: أنه دعاء الله بالتوحيد، والإخلاص له، وعبادته، قاله الزجاج. وقرأ الجمهور: «بالغداة» وقرأ ابن عامر ها هنا وفي سورة الكهف أيضا: «بالغُدْوَةِ» بضم الغين وإسكان الدال وبعدها واو. قال الفراء: والعرب لا تدخل الألف واللام على «الغدوة» لأنها معرفة بغير ألف ولام، ولا تضيفها العرب يقولون: أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون: غُدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة. وقال أبو علي: الوجه: الغداة، لأنها تستعمل نكرة، وتتعرف باللام وأما غُدوة، فمعرفة. وقال الخليل: يجوز أن تقول: أتيتك اليوم غُدوة وبُكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة، فهذا وجه قراءة ابن عامر. فان قيل: دعاء القوم كان متصلاً بالليل والنهار، فلماذا خص الغداة والعشي؟ فالجواب: أنه نبه بالغداة على جميع النهار، وبالعشي على الليل، لأنه إذا كان عمل النهار خالصا له، كان عمل الليل أصفى. قوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قال الزّجّاج: أي يريدون الله، فشهد الله لهم بصحة النيات، وأنهم مخلصون في ذلك. وأما الحساب المذكور في الآية، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حساب الأعمال،
[سورة الأنعام (6) : آية 53]
قاله الحسن. والثاني: حساب الأرزاق. والثالث: أنه بمعنى الكفاية. والمعنى: ما عليك من كفايتهم، ولا عليهم كفايتك. قوله تعالى: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ قال ابن الأنباري: عظم هذا الأمر على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وخُوِّفَ بالدخول في جملة الظالمين، لأنه كان قد همّ بتقديم الرّؤساء على الضّعفاء. [سورة الأنعام (6) : آية 53] وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) قوله تعالى: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ المعنى: وكما ابتلينا قبلك الغني بالفقير، ابتلينا أيضاً بعضهم ببعض. و «فتنا» بمعنى: ابتلينا واختبرنا لِيَقُولُوا، يعني الكبراء: أَهؤُلاءِ يعنون الفقراء والضعفاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بالهدى؟ وهذا استفهام معناه الانكار، كأنهم أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة. قال ابن السائب: ابتلى الله الرؤساء بالموالي فاذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله، أنف أن يسلم، ويقول: سبقني هذا! قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ أي: بالذين يشكرون نعمته إذا منَّ عليهم بالهداية. والمعنى: إنما يهدي الله من يعلم أنه يشكر. والاستفهام في «أليس» ، معناه التقرير، أي: إنه كذلك. [سورة الأنعام (6) : آية 54] وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) قوله تعالى: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال: (520) أحدها: أنها نزلت في رجال أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظيمة، فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، قاله أنس بن مالك. (521) والثاني: أنها نزلت في الذين نُهي عن طردهم، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسّلام، وقال: «الحمد الله الذي جعل في أُمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» ، قاله الحسن وعكرمة. (522) والثالث: أنها نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحمزة، وجعفر، وعثمان بن مظعون، وأبي عبيدة، ومصعب بن عمير، وسالم، وأبي سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم، وعمار، وبلال، قاله عطاء. (523) والرابع: أن عمر بن الخطاب كان اشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأخير الفقراء، استمالة
[سورة الأنعام (6) : آية 55]
للرؤساء إلى الإسلام، فلما نزلت: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ، جاء عمر بن الخطّاب يعتذر من مقالته ويستغفر منها، فنزلت فيه هذه الآية، قاله ابن السائب. (524) والخامس: أنها نزلت مبِّشرة باسلام عمر بن الخطاب فلما جاء وأسلم تلاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه أبو سليمان الدمشقي. فأما قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فمعناه: يصدِّقون بحججنا وبراهيننا. قوله تعالى: فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ فيه قولان: أحدهما: أنه أُمر بالسلام عليهم تشريفا لهم وقد ذكرناه عن الحسن، وعكرمة. والثاني: أنه أُمر بابلاغ السلام إليهم عن الله تعالى، قاله ابن زيد. قال الزجاج: ومعنى السلام: دعاء للانسان بأن يسلم من الآفات. وفي السوء قولان: أحدهما: أنه الشرك. والثاني: المعاصي. وقد ذكرنا في سورة النساء معنى الجهالة. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي: «أنه من عمل منكم سوءاً» «فانه غفور» بكسر الألف فيهما. وقرأ عاصم، وابن عامر: بفتح الألف فيهما. وقرأ نافع. بنصب ألف «أنه» وكسر ألف «فانه غفور» . قال أبو علي: من كسر ألف «إنه» جعله تفسيرا للرحمة ومن كسر ألف «فانه غفور» فلأن ما بعد الفاء حكمه الابتداء، ومن فتح ألف «أنه من عمل» جعل «أنَّ» بدلا من الرحمة، والمعنى: كتب ربكم «أنه من عمل» ، ومن فتحها بعد الفاء أضمر خبراً تقديره: فله «أنه غفور رحيم» والمعنى: فله غفرانه. وكذلك قوله تعالى: فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ «1» معناه: فله أن له نار جهنم، وأما قراءة نافع، فانه أبدل من الرحمة: واستأنف ما بعد الفاء. [سورة الأنعام (6) : آية 55] وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي: وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وأعلامنا على المشركين، كذلك نبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل. قال ابن قتيبة: ومعنى تفصيلها: إتيانها متفرقة شيئاً بعد شيء. قوله تعالى: وَلِتَسْتَبِينَ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «ولتستبين» بالتاء، «سبيل» بالرفع. وقرأ نافع، وزيد عن يعقوب: بالتاء أيضا، إلا أنهما نصبا السبيل. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «وليستبين» بالياء، «سبيل» بالرفع. فمن قرأ وَلِتَسْتَبِينَ بالياء أو التاء، فلأن السبيل تذكر وتؤنث على ما بينا في آل عمران، ومن نصب اللام، فالمعنى: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. وفي سبيلهم التي بُيِّنت له، قولان: أحدهما: أنها طريقهم في الشرك، ومصيرهم إلى الخزي، قاله ابن عباس. والثاني: أنها مقصودهم في طرد الفقراء عنه، وذلك إنما هو الحسد، لا إيثار مجالسته واتِّباعه، قاله أبو سليمان.
[سورة الأنعام (6) : آية 56]
فان قيل: كيف انفردت لام «كي» في قوله: «ولتستبين» وسبيلها أن تكون شرطاً لفعل يتقدمها أو يأتي بعدها؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري بجوابين: أحدهما: أنها شرط لفعل مضمر، يراد به: ونفعل ذلك لكي تستبين. والثاني: أنها معطوفة على لام مضمرة، تأويله: نفصّل الآيات لينكشف أمرهم، ولتستبين سبيلهم. [سورة الأنعام (6) : آية 56] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قوله تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: الأصنام. وفي معنى تَدْعُونَ قولان: أحدهما: تدعونهم آلهة. والثاني: تعبدون قاله ابن عباس. وأهواؤهم: دينهم. قال الزجاج: أراد إنما عبدتموها على طريق الهوى، لا على طريق البيّنة والبرهان. ومعنى «إذاً» معنى الشرط والمعنى: قد ضللت إن عبدتها. وقرأ طلحة، وابن أبي ليلى: «قد ضللت» بكسر اللام. [سورة الأنعام (6) : آية 57] قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57) قوله تعالى: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي. (525) سبب نزولها أن النضر بن الحارث وسائر قريش قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: يا محمد ائتنا بالعذاب الذي تَعِدُنا به، استهزاءً وقام النضر عند الكعبة وقال: اللهم إن كان ما يقول حقا، فائتنا بالعذاب فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس. فأما البينة، فهي الدلالة التي تفصل بين الحق والباطل. قال الزجاج: أنا على أمر بيِّن، لا متبعٌ لهوى. قوله تعالى: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ في هاء الكناية، ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الرب. والثاني: ترجع إلى البيان. والثالث: ترجع إلى العذاب الذي طلبوه استهزاءً. قوله تعالى: ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي: ما بيدي. وفي الذي استعجلوا به قولان: أحدهما: أنه العذاب قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: أنه الآيات التي كانوا يقترحونها ذكره الزجاج. قوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ فيه قولان: أحدهما: أنه الحكم الذي يفصل به بين المختلفين بايجاب الثواب والعقاب. والثاني: أنه القضاء بانزال العذاب على المخالف. قوله تعالى: يَقُصُّ الْحَقَّ قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع «يَقُصُّ الحق» بالصاد المشددة، من القصص والمعنى: أن كل ما أخبر به فهو حق. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «يقضي الحق» من القضاء والمعنى: يقضي القضاء الحقّ.
[سورة الأنعام (6) : آية 58]
[سورة الأنعام (6) : آية 58] قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) قوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي: من العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قال ابن عباس: يقول: لم أمهلكم ساعة، ولأهلكتكم. قوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: إن شاء عاجلهم، وإن شاء أخَّر عقوبتهم. والثاني: أعلم بما يؤول إليهم أمرهم، وأنه قد يهتدي منهم قوم، ولا يهتدي آخرون فلذلك يؤخّرهم. [سورة الأنعام (6) : آية 59] وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59) قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ قال ابن جرير: المفاتح: جمع مفتح يقال: مفتح ومفتاح، فمن قال: مفتح، جمعه: مفاتح. ومن قال: مفتاح، جمعه: مفاتيح. وفي «مفاتح الغيب» سبعة أقوال: أحدها: أنها خمس لا يعلمها إلا الله عزّ وجلّ. (526) روى البخاري في أفراده من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله» . (527) قال ابن مسعود: أُوتي نبيُّكم علم كل شيء إلا مفاتيحَ الغيب. والثاني: أنها خزائن غيب السماوات من الأقدار والأرزاق، قاله ابن عباس. والثالث: ما غاب عن الخلق من الثواب والعقاب، وما تصير إليه الأمور، قاله عطاء. والرابع: خزائن غيب العذاب، متى ينزل، قاله مقاتل. والخامس: الوُصلة إلى علم الغيب إذا اسْتُعْلم، قاله الزجاج. والسادس: عواقب الأعمار وخواتيم الأعمال. والسابع: ما لم يكن، هل يكون، أم لا يكون؟ وما يكون كيف يكون، وما لا يكون إن كان، كيف يكون؟ فأما البَرُّ، فهو القفر. وفي البحر قولان: أحدهما: أنه الماء، قاله الجمهور. والثاني: أنه القرى، قاله مجاهد. قوله تعالى: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها قال الزجاج: المعنى: أنه يعلمها ساقطة وثابتة، كما تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه، ليس تأويله: اعرفه في حال مجيئه فقط. فأما ظلمات الأرض، فالمراد بها بطن الأرض. وفي الرطب واليابس، خمسة أقوال: أحدها: أن الرطب: الماء، واليابس: البادية. والثاني: الرّطب. ما ينبت، واليابس: ما لا يُنبِت. والثالث: الرطب: الحي، واليابس: الميت. والرابع: الرطب: لسان المؤمن يذكر الله، واليابس: لسان الكافر لا يتحرك بذكر الله. والخامس: أنهما الشيء
[سورة الأنعام (6) : آية 60]
ينتقل من إحدى الحالتين إلى الأخرى، فهو يعلمه رطباً، ويعلمه يابساً. وفي الكتاب المبين قولان: أحدهما: أنه اللوح المحفوظ قاله مقاتل. والثاني: أنه علم الله المتقَنُ ذكره الزجاج. فان قيل: ما الفائدة في إِحصاء هذه الأشياء في كتاب؟ فعنه ثلاثة أجوبة، ذكرهن ابن الأنباري: أحدها: أنه أحصاها في كتاب، لتقف الملائكة على نفاذ علمه. والثاني: أنه نبه بذلك عباده على تعظيم الحساب، وأعلمهم أنه لا يفوته ما يصنعون، لأن من يثبت ما لا ثواب فيه ولا عقاب، فهو إلى إثبات ما فيه ثواب وعقاب أسرع. والثالث: أن المراد بالكتاب: العلم فالمعنى: أنها مثبتة في علمه. [سورة الأنعام (6) : آية 60] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ يريد به النوم، لأنه يقبض الأرواح عن التصرف، كما يقبض بالموت. وقال ابن عباس: يقبض أرواحكم في منامكم. وجرحتم: بمعنى كسبتم. ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ أي: يوقظكم فيه، أي: في النهار. لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى أي: لتبلغوا الأجل المسمى لانقطاع حياتكم، فدل باليقظة بعد النوم على البعث بعد الموت. [سورة الأنعام (6) : آية 61] وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) قوله تعالى: وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً الحفظة: الملائكة، واحدهم: حافظ، والجمع: حفظة، مثل كاتب وكتبة، وفاعل وفعلة. وفيما يحفظونه قولان: أحدهما: أعمال بني آدم قاله ابن عباس. والثاني: أعمالهم وأجسادهم، قاله السدي. قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وقرأ حمزة: «توفاه رسلنا» وحجته أنه فعل مسند إلى مؤنث غير حقيقي، وإنما التأنيث للجمع، فهو مثل: وَقالَ نِسْوَةٌ «1» . وفي المراد بالرسل ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أعوان مَلَك الموت، قاله ابن عباس. وقال النخعي: أعوانه يتوفَّون النفوس، وهو يأخذها منهم. والثاني: أن المراد بالرسل: مَلَك الموت وحده، قاله مقاتل. والثالث: أنهم الحفظة، قاله الزجاج. قوله تعالى: وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ قال ابن عباس: لا يضيِّعون. فان قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وبين قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ «2» ؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه يجوز أن يريد بالرّسل ملك كالموت وحده، وقد يقع الجمع على الواحد. والثاني: أن أعوان مَلَك الموت يفعلون بأمره، فأضيف الكل إلى فعله. وقيل: تَوَفيّ أعوان ملك الموت بالنزع، وتوفِّي ملك الموت بأن يأمر الأرواح فتجيب، ويدعوها فتخرج، وتوفِّي الله تعالى بأن يخلق الموت في الميّت.
[سورة الأنعام (6) : آية 62]
[سورة الأنعام (6) : آية 62] ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62) قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ يعني العباد. وفي متولي الردِّ قولان: أحدهما: أنهم الملائكة، رَدَّتهم بالموت إلى الله تعالى. والثاني: أنه الله عزّ وجلّ، ردهم بالبعث في الآخرة. وفي معنى ردهم إلى الله تعالى، قولان: أحدهما: أنهم ردوا إلى المكان الذي لا يملك الحكم فيه إلا الله وحده. والثاني: أنهم ردوا إلى تدبيره وحده لأنه لما أنشأهم كان منفرداً بتدبيرهم، فلما مكنهم من التصرف صاروا في تدبير أنفسهم، ثم كفهم عنه بالموت فصاروا مردودين إلى تدبيره. قوله تعالى: أَلا لَهُ الْحُكْمُ يعني القضاء. وبيان سرعة الحساب، في سورة البقرة. [سورة الأنعام (6) : الآيات 63 الى 64] قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قوله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ، مشدَّدَين. وقرأ يعقوب، والقزاز عن عبد الوارث: بسكون النون وتخفيف الجيم. قال الزجاج: والمشدَّدة أجود للكثرة. وظلمات البر والبحر: شدائدها والعرب تقول لليوم الذي تلقى فيه شدة: يوم مظلم، حتى إنهم يقولون: يوم ذو كواكب، أي: قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل. قال الشاعر: فِدَىً لِبَنِي ذُهْلِ بنِ شَيْبَانَ نَاقَتِي ... إذا كَانَ يَوْماً ذا كَواكَب أشْنَعَا «1» قوله تعالى: تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً أي: مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر إلى الشيء، والحاجة. قوله تعالى: وَخُفْيَةً قرأ عاصم إلا حفصا: «وخِفية» بكسر الخاء وكذلك في سورة الأعراف. وقرأ الباقون بضم الخاء، وهما لغتان. قال الفراء: وفيها لغة أخرى بالواو، ولا تصلح في القراءة: خِفْوة، وخَفْوة. ومعنى الكلام، أنكم تدعونه في أنفسكم، كما تدعونه ظاهراً: «لئن أنجيتنا» ، كذلك قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو: «لئن أنجيتنا» ، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «لئن أنجانا» بألف، لمكان الغيبة في قوله: «تدعونه» . وكان حمزة، والكسائي، وخلف، يميلون الجيم. قوله تعالى: مِنْ هذِهِ يعني: في أي شدة وقعتم، قلتم: «لئن أنجيتنا من هذه» . قال ابن عباس: و «الشّاكرون» ها هنا: المؤمنون. وكانت قريش تسافر في البر والبحر، فاذا ضلوا الطريق وخافوا الهلاك، دعَوُا الله مخلصين، فأنجاهم. فأما «الكرب» فهو الغم الذي يأخذ بالنّفس، ومنه اشتقّت الكربة. [سورة الأنعام (6) : آية 65] قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)
قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ فيه قولان: أحدهما: أن الذي فوقهم: العذاب النازل من السماء، كما حُصب قوم لوط، وأصحاب الفيل. والذي من تحت أرجلهم: كما خُسف بقارون، قاله ابن عباس، والسدي، ومقاتل. وقال غيرهم: ومنه الطوفان، والريح، والصيحة، والرجفة. والقول الثاني: أن الذي من فوقهم: من قِبَل أمرائهم. والذي من تحتهم من سَفَلتهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال في رواية أخرى: الذي من فوقهم: أئمة السوء والذي من تحت أرجلهم: عبيد السوء. قوله تعالى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً قال ابن عباس: يَبُثُّ فيكم الأهواء المختلفة، فتصيرون فِرَقاً. قال ابن قتيبة: يلبسكم: من الالتباس عليهم. والمعنى: حتى تكونوا شِيعَاً، أي: فرقا مختلفين. ثم يذيق بعضكم بأس بعض بالقتال والحرب. وقال الزجاج: يلبسكم، أي: يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق. يقال: لَبَسْتُ عليهم الأمر، ألبسه: إذا لم أبيِّنه. ومعنى شيعاً: أي يجعلكم فرقاً، فاذا كنتم مختلفين، قاتل بعضكم بعضاً. قوله تعالى: وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ أي: يقتل بعضكم بيد بعض. وفيمن عُني بهذه الآية، ثلاثة أقوال: أحدها: أنها في المسلمين أهل الصلاة، هذا مذهب ابن عباس، وأبي العالية، وقتادة. (528) وقال أُبي بن كعب في هذه الآية: هن أربع خلال، وكلُّهن عذاب، وكلُّهن واقع قبل يوم القيامة، فمضت اثنتان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، أُلبسوا شيعاً، وأذيق بعضهم بأس بعض. وثنتان واقعتان لا محالة: الخسف، والرجم. والثاني: أن العذاب للمشركين، وباقي الآية للمسلمين، قاله الحسن. (529) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يصيبكم بعذاب أصابه مَن كان قبلكم، فأعطانيها، وسألته إن لا يسلِّط عليكم عدواً يستبيح بيضتكم، فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض، فمنعنيها» . والثالث: أنها تهدُّدٌ للمشركين، قاله ابن جرير الطّبريّ، وأبو سليمان الدّمشقي.
[سورة الأنعام (6) : آية 66]
[سورة الأنعام (6) : آية 66] وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) قوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ في هاء «به» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها كناية عن القرآن. والثاني: عن تصريف الآيات. والثالث: عن العذاب. قوله تعالى: قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ فيه قولان: أحدهما: لست حفيظاً على أعمالكم لأُجازيكم بها، إنما أنا منذر، قاله الحسن. والثاني: لست حفيظاً عليكم، أخذكم بالإيمان، إنما أدعوكم إلى الله تعالى، قاله الزجاج. فصل: وفي هذا القدر من الآية قولان: أحدهما: أنه اقتضى الاقتصار في حقهم على الإنذار من غير زيادة، ثم نسخ ذلك بآية السيف. والثاني: أن معناه: لست حفيظاً عليكم، إنما أُطالبكم بالظواهر من الإِقرار والعمل، لا بالأسرار فعلى هذا هو محكم. [سورة الأنعام (6) : آية 67] لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) قوله تعالى: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ أي: لكل خبر يخبر الله به وقت يقع فيه من غير خلف ولا تأخير. قال السدي: فاستقر نبأ القرآن بما كان يَعِدهم من العذاب يوم بدر. وقال مقاتل: منه في الدنيا يوم بدر، وفي الآخرة جهنّم. [سورة الأنعام (6) : آية 68] وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فيمن أريد بهذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: المشركون. والثاني: اليهود. والثالث: أصحاب الأهواء. والآيات: القرآن. وخوض المشركين فيه: تكذيبهم به واستهزاؤهم، ويقاربه خوض اليهود، وخوض أهل الأهواء، والمراء، والخصومات. قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي: فاترك مجالستهم، حتى يكون خوضهم في غير القرآن. وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ وقرأ ابن عامر: «يُنَسِّينَّكَ» ، بفتح النون، وتشديد السين، والنون الثانية. ومثل هذا: غَرّمْتُهُ وأغرمتُه. وفي التنزيل: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ «1» والمعنى: إذا أنساك الشيطان، فقعدت معهم ناسياً نَهْيَنَا لك، فلا تقعد بعد الذكرى. والذكر والذكرى: واحد. قال ابن عباس: قم إذا ذكرت والظّالمون: المشركون. [سورة الأنعام (6) : آية 69] وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) قوله تعالى: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (530) أحدها: أن المسلمين قالوا: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه
[سورة الأنعام (6) : آية 70]
فمنعناهم، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ولا أن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية. (531) والثاني: أن المسلمين قالوا: إنا نخاف الإثم إن لم ننههم عن الخوض، فنزلت هذه الآية. (532) والثالث: أن المسلمين قالوا: لو قمنا عنهم إذا خاضوا، فانا نخشى الإثم في مجالستهم، فنزلت هذه الآية. هذا عن مقاتل، والأولان عن ابن عباس. قوله تعالى: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ فيه قولان: أحدهما: يتقون الشرك. والثاني: يتقون الخوض. قوله تعالى: مِنْ حِسابِهِمْ يعني: حساب الخائضين. وفي «حسابهم» قولان: أحدهما: أنه كفرهم وآثامهم. والثاني: عقوبة خوضهم. قوله تعالى: وَلكِنْ ذِكْرى أي: ولكن عليكم أن تذكروهم، وفيما تذكرونهم به، قولان: أحدهما: المواعظ. والثاني: قيامكم عنهم. قال مقاتل: إذا قمتم عنهم، منعهم من الخوض الحياء منكم، والرغبة في مجالستكم. قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فيه قولان: أحدهما: يتقون الاستهزاء. والثاني: يتقون الوعيد. فصل: وقد ذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة، لأنها اقتضت جواز مجالسة الخائضين والاقتصار على تذكيرهم، ثم نسخت بقوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ «1» . والصحيح أنها محكمة، لأنها خبر، وإنما دلت على أن كل عبد يختص بحساب نفسه، ولا يلزمه حساب غيره. [سورة الأنعام (6) : آية 70] وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70) قوله تعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً فيهم قولان: أحدهما: أنهم الكفار. والثاني: اليهود والنصارى. وفي اتخاذهم دينهم لعباً ولهواً، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه استهزاؤهم بآيات الله إذا سمعوها. والثاني: أنهم دانوا بما اشتَهوا، كما يلهون بما يشتهون. والثالث: أنهم يحافظون على دينهم إذا اشتَهوا، كما يلهون إذا اشتَهوا. قال الفراء: ويقال: إنه ليس من قوم إلا ولهم عيد، فهم يلهون في أعيادهم، إلّا أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم، فان أعيادهم صلاة وتكبير وبرٌ وخير. فصل: ولعلماء الناسخ والمنسوخ في هذا القدر من الآية، قولان: أحدهما: أنه خرج مخرج
[سورة الأنعام (6) : الآيات 71 إلى 72]
التّهديد، كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً «1» . فعلى هذا هو محكم، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد. والثاني: أنه اقتضى المسامحة لهم والإعراض عنهم، ثم نسخ بآية السيف وإلى هذا ذهب قتادة، والسدي. قوله تعالى: وَذَكِّرْ بِهِ أي: عظ بالقرآن. وفي قوله: أَنْ تُبْسَلَ قولان: أحدهما: لئلا تبسل نفس، كقوله تعالى: أَنْ تَضِلُّوا «2» . والثاني: ذكرّهم إبسال المبسلين بجناياتهم لعلَّهم يخافون. وفي معنى «تبسل» سبعة اقوال: أحدها: تُسْلَم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، والسدي. وقال ابن قتيبة: تُسْلَم إلى الهلكة. قال الشاعر: وإبسالي بَنّي بِغَيْرِ جُرْمٍ ... بَعَوْناه ولا بِدِمٍ مُرَاقِِ «3» أي: بغير جرم أجرمناه والبَعْوُ: الجناية. وقال الزجاج: تُسْلَمُ بعملها غير قادرة على التخلص. والمستبسل: المستسلم الذي لا يعلم أنه يقدر على التخلص. والثاني: تُفْضَح، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: تُدفع، رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع: تُهلَكُ، روي عن ابن عباس أيضاً. والخامس: تُحبس وتُؤخذ، قاله قتادة، وابن زيد. والسادس: تُجزى، قاله ابن السائب، والكسائي. والسابع: تُرتهن، قاله الفراء. وقال أبو عبيدة: تُرتهن وتسلم وأنشد: هُنَالِكَ لا أرْجُو حَياةً تَسُرُّنِي ... سَمِيْرَ اللَّيالي مُبْسَلاً بالجَرَائِر «4» سمير الليالي: أبَدَ الليالي. فأما الولي: فهو الناصر الذي يمنعها من عذاب الله. والعدل: الفداء. قال ابن زيد: وإن تفتد كلَّ فداء لا يقبل منها. فأما الحميم، فهو الماء الحار. قال ابن قتيبة: ومنه سمي الحمّام. [سورة الأنعام (6) : الآيات 71 الى 72] قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) قوله تعالى: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي أنعبد ما لا يضرنا إن لم نعبده، ولا ينفعنا إن عبدناه، وهي الأصنام. وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا أي: نرجع إلى الكفر بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ إلى الإسلام، فنكون كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ. وقرأ حمزة: «استهواه الشياطين» ، على قياس قراءته: «توفاه رُسْلُنا» . وفي معنى «استهوائها» قولان: أحدهما: أنها هوت به وذهبت، قاله ابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: تُشبَّه له الشياطين، فيتبعها حتى تهوي به في الأرض، فتضلّه. والثاني: زيَّنت له هواه، قاله الزجاج. قال: و «حيران» منصوب على الحال، أي: استهوته في حال حيرته. قال السّدّيّ: قال المشركون للمسلمين:
[سورة الأنعام (6) : آية 73]
اتَّبِعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فقال تعالى: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ فنكون كرجل كان مع قوم على طريق، فضلّ، فحيرته الشياطين، وأصحابه على الطريق يدعونه: يا فلان هلم إلينا، فانا على الطريق، فيأبى. (533) وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الرّحمن بن أبي بكر الصديق، دعاه أبوه وأُمه إلى الإسلام فأبى. قال مقاتل: والمراد بأصحابه: أبواه «1» . قوله تعالى: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى هذا رد على من دعا إلى عبادة الأصنام، وزجرٌ عن إجابته، كأنه قيل له: لا تفعل ذلك، لأن هدى الله هو الهدى، لا هدى غيره. قوله تعالى: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ قال الزجاج: العرب تقول: أمرتك أن تفعل، وأمرتك لتفعل، وأمرتك بأن تفعل. فمن قال: «بأن» فالباء للالصاق. والمعنى: وقع الأمر بهذا الفعل، ومن قال: «أن تفعل» فعلى حذف الباء ومن قال: «لتفعل» فقد أخبر بالعلة التي لها وقع الامر. قال: وفي قوله: وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وجهان: أحدهما: أُمرنا لأن نسلم، ولأن نقيم الصلاة. والثاني: أن يكون محمولاً على المعنى، لأن المعنى: أُمرنا بالإسلام، وبإقامة الصّلاة. [سورة الأنعام (6) : آية 73] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ فيه أربعة أقوال: أحدها: خلقهما للحق. والثاني: خلقهما حقاً. والثالث: خلقهما بكلامه وهو الحق. والرابع: خلقهما بالحكمة. قوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قال الزجاج: الأجود أن يكون منصوباً على معنى: واذكر يوم يقول كن فيكون، لأن بعده وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ فالمعنى: واذكر هذا وهذا. وفي الذي يقول له كن فيكون، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يوم القيامة، قاله مقاتل. والثاني: ما يكون في القيامة. والثالث: أنه الصور، وما ذكر من أمر الصور يدل عليه، قالهما الزجاج. قال: وخُصَّ ذلك اليوم بسرعة إيجاد الشيء، ليدل على سرعة أمر البعث. قوله تعالى: قَوْلُهُ الْحَقُّ أي: الصدق الكائن لا محالة وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ. وروى إسحاق بن يوسف الأزرق عن أبي عمرو «ننفخ» بنونين. ومعنى الكلام: أن الملوك يومئذ لا ملك لهم، فهو المنفرد بالملك وحده، كما قال: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ «2» . وفي «الصور» قولان: أحدهما: أنه قرن ينفخ فيه.
(534) روى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصور، فقال: «هو قرن ينفخ فيه. وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق. وحكى ابن قتيبة: أن الصور: القرن، في لغة قوم من أهل اليمن، وأنشد: نحن نطحنا غَدَاةَ الجَمْعَيْن ... بالضَّابِحَاتِ في غُبارِ النَّقْعَيْن نَطْحاً شَدِيدَاً لا كَنَطْحِ الصّورَيْن «1» وأنشد الفراء: لَوْلاَ ابنُ جَعْدَةَ لَم يُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُم ... وَلاَ خُرَاسَانُ حتَّى يُنْفَخَ الصُّوْرُ «2» وهذا اختيارُ الجمهور. والثاني: أن الصور جمع صورة يقال: صورة وصور، بمنزلة سورة وسور، كسورة البناء والمراد نفخ الأرواح في صُوَرِ الناس، قاله قتادة، وأبو عبيدة. وكذلك قرأ الحسن، ومعاذ القارئ، وأبو مِجْلَز، وأبو المتوكل «في الصُّوَر» بفتح الواو. قال ثعلب: الأجود أن يكون الصور: القرن، لأنه قال عزّ وجلّ: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ثم قال: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ولو كان الصُّوَر، كان: ثم نُفخ فيها، أو فيهن وهذا يدل على أنه واحد وظاهر القرآن يشهد أنه يُنفخ في الصُّور مرتين. (535) وقد روى أهل التفسير عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصّور قرن ينفخ فيه
[سورة الأنعام (6) : آية 74]
ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع. والثانية: نفخة الصعق. والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين» . قال ابن عباس: وهذه النفخة المذكورة في هذه الآية هي الأولى، يعني: نفخة الصعق. قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وهو ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه، وَالشَّهادَةِ وهو ما شاهدوه ورأوه. وقال الحسن: يعني بذلك السر والعلانية. [سورة الأنعام (6) : آية 74] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ في «آزر» أربعة أقوال: أحدها: أنه أسم أبيه، روي عن ابن عباس، والحسن، والسدي، وابن إسحاق. والثاني: أنه اسم صنم، فأما اسم أبي إبراهيم، فتارح، قاله مجاهد. فيكون المعنى: أتتخذ آزر أصناماً؟ فكأنه جعل أصناماً بدلاً من آزر، والاستفهام معناه الإنكار. والثالث: أنه ليس باسم، إنما هو سبّ بعيب، وفي معناه قولان: أحدهما: أنه المعوَّج، كأنه عابه بزيغه وتعويجه عن الحق، ذكره الفراء. والثاني: أنه المخطئ، فكأنّه قال: يا مخطئ أتتخذ أصناماً؟ ذكره الزجاج. والرابع: أنه لقب لأبيه، وليس باسمه، قاله مقاتل بن حيان. قال ابن الانباري: قد يغلب على اسم الرجل لقبه، حتى يكون به أشهر منه باسمه. والجمهور على قراءة «آزر» بالنصب. وقرأ الحسن، ويعقوب بالرفع. قال الزجاج: من نصب، فموضع «آزر» خفضٌ بدلاً من أبيه ومن رفع فعلى النداء. [سورة الأنعام (6) : آية 75] وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ أي: وكما أريناه البصيرة في دينه، والحق في خلاف قومه، نريه مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وقيل: «نري» بمعنى أرينا. قال الزجاج: والملكوت بمنزلة المُلك، إلا أن الملكوت أبلغ في اللغة، لأن الواو والتاء يزادان للمبالغة ومثل الملكوت: الرغبوت والرهبوت. قال مجاهد: ملكوت السماوات والأرض: آياتها تفرّجت له السماوات السبع، حتى العرشُ، فنظر فيهن، وتفرجت له الأرضون السبع، فنظر فيهن. وقال قتادة: ملكوت السّماوات: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض: الجبال والشجر والبحار. وقال السدي: أُقيم على صخرة، وفتحت له السماوات والأرض، فنظر إلى ملك الله عزّ وجلّ، حتى نظر إلى العرش، وإلى منزله من الجنّة، وفتحت
[سورة الأنعام (6) : آية 76]
له الأرضون السبع، حتى نظر إلى الصخرة التي عليها الأرضون. قوله تعالى: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ هذا عطف على المعنى، لأن معنى الآية: نريه ملكوت السّماوات والأرض ليستدل به، وليكون من الموقنين. وفي ما يوقِن به ثلاثة أقوال: أحدها: وحدانية الله وقدرته. والثاني: نبوته ورسالته. والثالث: ليكون موقنا بعلم كل شيء حساً، لا خبراً. [سورة الأنعام (6) : آية 76] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ قال الزجاج: يقال: جن عليه الليل، وأجنه الليل: إذا أظلم، حتى يستر بظلمته ويقال لكل ما ستر: جنّ، وأجنّ، والاختيار أن يقال: جنّ عليه الليل، وأجنه الليل. الإشارة إلى بذء قصة إبراهيم عليه السلام: روى أبو صالح عن ابن عباس قال: وُلد إبراهيم في زمن نُمروذ، وكان لنمروذ كُهَّان، فقالوا له: يولد في هذه السنة مولود يفسد آلهة أهل الأرض، ويدعوهم إلى غير دينهم، ويكون هلاك أهل بيتك على يديه، فعزل النساء عن الرجال، ودخل آزر إلى بيته، فوقع على زوجته، فحملت، فقال الكهان لنمروذ: إن الغلام قد حمل به الليلة. فقال: كل من ولدت غلاما فاقتلوه. فلما أخذ أُم إبراهيم المخاضُ، خرجت هاربة، فوضعته في نهر يابس، ولفّته في خرقة، ثم وضعته في حَلْفاء، وأخبرت به أباه، فأتاه، فحفر له سرباً، وسد عليه بصخرة، وكانت أُمه تختلف إليه فترضعه، حتى شب وتكلم، فقال لأُمه: من ربي؟ فقالت: أنا. قال: فمن ربكِ؟ قالت: أبوك. قال: فمن رب أبي؟ قالت: اسكت. فسكت، فرجعت إلى زوجها، فقالت: إن الغلام الذي كنا نتحدث أنه يغير دين أهل الأرض، ابنك. فأتاه، فقال له مثل ذلك. فلما جنَّ عليه الليل، دنا من باب السرب، فنظر فرأى كوكباً. قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم «رأى» ، بفتح الراء والهمزة وقرأ أبو عمرو: «رَإى» بفتح الراء وكسر الهمزة، وقرأ أبن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم. «رِإى» ، بكسر الراء والهمزة، واختلفوا فيها إذا لقيها ساكن، وهو آت في ستة مواضع: رَأَى الْقَمَرَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ وفي النحل وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا «1» وفي الكهف: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ «2» ، وفي الأحزاب: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ «3» . وقرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة إلا العبسي، وخلف في اختياره: بكسر الراء وفتح الهمزة في الكل، وروى العبسي كسرة الهمزة أيضاً، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: وابن عامر، والكسائي: بفتح الراء والهمزة. فان اتصل ذلك بمكني، نحو: رآك، ورآه، ورآها فان حمزة، والكسائي، وخلف، والوليد عن ابن عامر، والمفضل، وأبان، والقزاز عن عبد الوارث، والكسائي عن أبي بكر: يكسرون الراء، ويميلون الهمزة. وفي الكوكب الذي رآه قولان: أحدهما: أنه الزهرة، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: المشتري، قاله مجاهد، والسدي. قوله تعالى: قالَ هذا رَبِّي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه على ظاهره. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قال هذا ربي، فعبده حتى
[سورة الأنعام (6) : الآيات 77 إلى 78]
غاب، وعبد القمر حتى غاب، وعبد الشمس حتى غابت واحتج أرباب هذا القول بقوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي وهذا يدل على نوع تحيير، قالوا: وإنما قال هذا في حال طفولته على ما سبق إلى وهمه، قبل أن يثبت عنده دليل. وهذا القول لا يرتضى، والمتأهِلّون للنبوة محفوظون من مثل هذا على كل حال. فأما قوله: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي فما زال الأنبياء يسألون الهدى، ويتضرّعون في دفع الضّلال عنهم، كقولهم: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ «1» ، ولأنه قد آتاه رشده من قبل، وأراه ملكوت السّماوات والأرض ليكون موقناً، فكيف لا يعصمه عن مثل هذا التحيير؟! والثاني: أنه قال ذلك استدراجاً للحجة، ليعيب آلهتهم ويريهم بغضها عند أفولها، ولا بد أن يضمر في نفسه: إما على زعمكم، أو فيما تظنون، فيكون كقوله: أَيْنَ شُرَكائِيَ «2» ، وإما أن يضمر: يقولون، فيكون كقوله تعالى: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا «3» ، أي: يقولان ذلك، ذكر نحو هذا أبو بكر بن الانباري، ويكون مراده استدراج الحجة عليهم، كما نقل عن بعض الحكماء أنه نزل بقوم يعبدون صنما، فأظهر تعظيمه، فأكرموه، وصدروا عن رأيه، فدهمهم عدو، فشاورهم ملِكهم، فقال: ندعو إلهنا ليكشف ما بنا، فاجتمعوا يدعونه، فلم ينفع، فقال: ها هنا إله ندعوه، فيستجيب، فدعَوُا الله، فصرف عنهم ما يحذرون، وأسلموا. والثالث: أنه قال مستفهما، تقديره: أهذا ربي؟ فأضمرت ألف الاستفهام، كقوله: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ «4» ؟ أي: أفَهُمُ الخالدون؟ قال الشاعر: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأيْتَ بِوَاسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلام مِنَ الرَّبَابِ خَيَالاَ «5» أراد: أكذبتك؟ قال ابن الأنباري: وهذا القول شاذ، لأن حرف الاستفهام لا يضمر إذ كان فارقاً بين الإخبار والاستخبار وظاهر قوله: هذا رَبِّي أنه إشارة إلى الصانع. وقال الزجاج: كانوا أصحاب نجوم، فقال: هذا ربي، أي هذا الذي يدبرني، فاحتج عليهم أن هذا الذي تزعمون أنه مدبر، لا نرى فيه إلّا مدَّبر. و «أفل» بمعنى: غاب يقال: أفل النجم يأفُل ويأفِل أفولاً. قوله تعالى: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ أي: حبَّ ربٍّ معبود، لأن ما ظهر وأفل كان حادثا مدبّرا. [سورة الأنعام (6) : الآيات 77 الى 78] فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ قال ابن قتيبة: سمي القمر قمراً لبياضه والأقمر: الأبيض وليلة قمراء، أي: مضيئة. فأما البازغ، فهو الطالع. ومعنى لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي: لئن لم يثبِّتني على الهدى. فان قيل: لم قال في الشمس: هذا، ولم يقل: هذه؟ فعنه أربعة أجوبه: أحدها: أنه رأى ضوء الشمس، لا عينها، قاله محمد بن مقاتل. والثاني: أنه أراد: هذا الطالع ربي، قاله الأخفش. والثالث: أن الشمس بمعنى الضياء والنور، فحمل الكلام على المعنى. والرابع: أن الشمس ليس في لفظها علامة من علامات التأنيث، وإنما يشبه لفظها لفظ المذكَّر، فجاز تذكيرها. ذكره والذي قبله ابن الأنباري.
[سورة الأنعام (6) : الآيات 79 إلى 80]
[سورة الأنعام (6) : الآيات 79 الى 80] إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) قوله تعالى: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ قال الزجاج: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله رب العالمين عزّ وجلّ. وباقي الآية قد تقدم. وقوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قال ابن عباس: جادلوه في آلهتهم، وخوَّفوه بها، فقال منكراً عليهم: أَتُحاجُّونِّي. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: أَتُحاجُّونِّي وتَأْمُرُونِّي بتشديد النون. وقرأ نافع، وابن عامر بتخفيفها، فحذفا النون الثانية لالتقاء النونين. ومعنى أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ أي: في توحيده. وَقَدْ هَدانِ، أي: بيَّن لي ما به اهتديت. وقرأ الكسائي: «هداني» ، بامالة الدال. والإمالة حسنة فيما كان أصله الياء، وهذا من هدى يَهدي. قوله تعالى: وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ أي: لا أرهب آلهتكم، وذلك أنهم قالوا: نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء، فقال: لا أخافها لأنها لا تضر ولا تنفع إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً فله أخاف وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي: عَلِمه علماً تاما. [سورة الأنعام (6) : الآيات 81 الى 82] وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) قوله تعالى: وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ أي: من هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخافون أنتم أنكم أشركتم بالله الذي خلقكم ورزقكم، وهو قادر على ضركم ونفعكم ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً أي: حجة فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ أي: بأن يأمن العذاب، الموحّدُ الذي يعبد من بيده الضر والنفع؟ أم المشرك الذي يعبد ما لا يضر ولا ينفع؟ ثم بين الأحق من هو بقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أي: لم يخلطوه بشرك. (536) روى البخاري، ومسلم في «صحيحيهما» من حديث ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية، شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، وأينا ذلك؟ فقال: إنّما هو الشّرك، ألم تسمعوا ما قاله لقمان لابنه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «1» ؟
[سورة الأنعام (6) : آية 83]
وفيمن عني بهذه الآية، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إبراهيم وأصحابه، وليست في هذه الأمة، قاله علي بن أبي طالب. وقال في رواية أخرى: هذه الآية لإبراهيم خاصة، ليس لهذه الأمة منها شيء. والثاني: أنه من هاجر إلى المدينة، قاله عكرمة. والثالث: أنها عامة، ذكره بعض المفسرين. وهل هي من قول ابراهيم لقومه، أم جواب من الله تعالى؟ فيه قولان. [سورة الأنعام (6) : آية 83] وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) قوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا يعني ما جرى بينه وبين قومه من الاستدلال على حدوث الكوكب والقمر والشمس، وعيبهم، إذ سووا بين الصغير والكبير، وعبدوا من لا ينطق، وإلزامه إياهم الحجة. آتَيْناها إِبْراهِيمَ أرشدناه إليها بالإلهام. وقال مجاهد: الحجة قول ابراهيم: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ؟ قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عمرو وابن عامر: «درجاتِ من نشاء» ، مضافا. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائيّ دَرَجاتٍ، منوّنا، وكذلك قرءوا في (يوسف) . ثم في المعنى قولان: أحدهما: أن الرفع بالعلم والفهم والمعرفة. والثاني: بالاصطفاء للرسالة. قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ قال ابن جرير: حكيم في سياسة خلقه، وتلقينه أنبياءه الحج على أممهم المكذبة عَلِيمٌ بما يؤول إليه أمر الكلّ. [سورة الأنعام (6) : الآيات 84 الى 87] وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) قوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ ولداً لصلبه وَيَعْقُوبَ ولدا لإسحاق كُلًّا من هؤلاء المذكورين هَدَيْنا أي: أرشدنا. قوله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ في «هاء الكناية» ، قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى نوح رواه أبو صالح عن ابن عباس، واختاره الفراء، ومقاتل، وابن جرير الطبري. والثاني: إلى إبراهيم، قاله عطاء. وقال الزجاج: كلا القولين جائز، لأن ذكرهما جميعاً قد جرى، واحتج ابن جرير للقول الأول بأن الله تعالى، ذكر في سياق الآيات لوطاً، وليس من ذرية إبراهيم، وأجاب عنه أبو سليمان الدمشقي بأنه يحتمل أن يكون أراد: ووهبنا له لوطاً في المعاضدة والنصرة، ثم قوله تعالى: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ من أبين دليل على انه إبراهيم، لأن افتتاح الكلام إنما هو بذكر ما أثاب به إبراهيم. فأما «يوسف» فهو اسم أعجمي. قال الفراء: «يوسف» . بضم السين من غير همز، لغة أهل الحجاز، وبعض بني أسد يقول: «يؤسف» ، بالهمز، وبعض العرب يقول: «يوسِف» بكسر السين، وبعض بني عُقيل يقول: «يوسَف» بفتح السين. قوله تعالى: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي: كما جزينا إبراهيم على توحيده وثباته على دينه، بأن
[سورة الأنعام (6) : آية 88]
رفعنا درجته، ووهبنا له أولاداً أنبياء أتقياء، كذلك نجزي المحسنين. فأما عيسى، وإلياس، واليسع، ولوطا، فأسماء أعجمية، وجمهور القرّاء يقرءون «اليسع» بلام واحدة مخففة، منهم ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو وابن عامر. وقرأ حمزة، والكسائيّ ها هنا وفي (ص) «إلِلْيَسَّعَ» بلامين مع التشديد. قال الفراء: وهي أشبه بالصواب، وبأسماء الأنبياء من بني إسرائيل، ولأن العرب لا تدخل على «يَفْعَل» ، إذا كان في معنى فلان، ألفاً ولاماً، يقولون: هذا يسع قد جاء، وهذا يعمر، وهذا يزيد، فهكذا الفصيح من الكلام. وأنشدني بعضهم. وَجَدْنا الوَلِيْد بنَ اليَزْيِد مباركاً ... شَدِيْداً بأحْناءِ الخِلافَةِ كاهِلُه «1» فلما ذكر الوليد بالألف واللام، أتبعه يزيد بالألف واللام، وكلٌ صواب. وقال مكي: من قرأه بلام واحدة، فالأصل عنده: يسع، ومن قرأه بلامين، فالأصل عنده: لَيْسَعُ، فأدخلوا عليه حرف التعريف. وباقي أسماء الأنبياء قد تقدم بيانها، والمراد بالعالمين: عالمو زمانهم. قوله تعالى: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ «من» ها هنا للتبعيض. قال الزجاج: المعنى: هدينا هؤلاء، وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم. وَاجْتَبَيْناهُمْ مثل اخترناهم واصطفيناهم، وهو مأخوذ من جبيت الشيء: إذا أخلصته لنفسك. وجبيت الماء في الحوض: إذا جمعته فيه. فأمّا الصّراط المستقيم، فهو التّوحيد. [سورة الأنعام (6) : آية 88] ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (88) قوله تعالى: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ قال ابن عباس: ذلك دين الله الذي هم عليه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ. وَلَوْ أَشْرَكُوا يعني الأنبياء المذكورين لَحَبِطَ أي: لبطل وزال عملهم، لأنه لا يقبل عمل مشرك. [سورة الأنعام (6) : آية 89] أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (89) قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني الكتاب التي أنزلها عليهم. والحكم: الفقه والعلم فَإِنْ يَكْفُرْ بِها يعني بآياتنا. وفيمن أُشير إليه ب «هؤلاء» ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنهم أهل مكة، قاله ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة. والثاني: أنهم قريش، قاله السدي. والثالث: أمّة النبيّ صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن.
[سورة الأنعام (6) : آية 90]
قوله تعالى: فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قال أبو عبيدة: فقد رزقناها قوماً. وقال الزجاج: وكلنا بالإيمان بها قوماً. وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال: أحدها: أنهم أهل المدينة من الأنصار، قاله ابن عباس، وابن المسيب، وقتادة، والسدي. والثاني: الأنبياء والصالحون، قاله الحسن. وقال قتادة: هم النبيُّون الثمانية عشر، المذكورون في هذا المكان، وهذا اختيار الزجاج، وابن جرير. والثالث: أنهم الملائكة، قاله أبو رجاء. والرابع: أنهم المهاجرون والأنصار. [سورة الأنعام (6) : آية 90] أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (90) قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ يعني النبيين المذكورين. وفي قوله تعالى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قولان: أحدهما: بشرائعهم وبسننهم فاعملْ، قاله ابن السائب. والثاني: اقتدِ بهم في صبرهم، قاله الزجاج. وكان ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، يثبتون الهاء من قوله: «اقتده» في الوصل ساكنة. وكان حمزة، والكسائيّ وخلف، ويعقوب، والكسائي عن أبي بكر، واليزيدي في اختياره، يحذفون الهاء في الوصل. ولا خلاف في إثباتها في الوقف، وإسكانها فيه. قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً يعني على القرآن. والذكرى: العظة. والعالمون ها هنا: الجنّ والإنس. [سورة الأنعام (6) : آية 91] وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ في سبب نزولها سبعة أقوال «1» :
(537) أحدها: أن مالك بن الصيف رأس اليهود، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أتجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين» ؟ قال: نعم. قال: «فأنت الحبر السمين» . فغضب، ثم قال: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس وكذلك قال سعيد بن جبير، وعكرمة: نزلت في مالك بن الصيف. (538) والثاني: أن اليهود قالوا: يا محمد، أنزل الله عليك كتاباً؟ قال: «نعم» . قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً، فنزلت هذه الآية، رواه الوالبي عن ابن عباس. (539) والثالث: أن اليهود قالوا: يا محمد، إن موسى جاء بألواح يحملها من عند الله، فائتنا بآية كما جاء موسى، فنزل: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ، إلى قوله: عَظِيماً «1» . فلما حدَّثهم بأعمالهم الخبيثة، قالوا: والله ما أنزل الله عليك ولا على موسى وعيسى، ولا على بشر، من شيء، فنزلت هذه الآية، قاله محمد بن كعب. والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى، آتاهم الله علما، فلم ينتفعوا به، قاله قتادة. (540) والخامس: أنها نزلت في فنحاص اليهودي، وهو الذي قال: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قاله السدي. (541) والسادس: أنها نزلت في مشركي قريش، قالوا: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. والسابع: أن أولها، إلى قوله: مِنْ شَيْءٍ في مشركي قريش. وقوله تعالى: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى في اليهود، رواه ابن كثير عن مجاهد. وفي معنى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ثلاثة أقوال: أحدها: ما عظَّموا الله حق عظمته، قاله ابن
[سورة الأنعام (6) : آية 92]
عباس، والحسن، والفراء، وثعلب، والزجاج. والثاني: ما وصفوه حقّ صفته، قاله أبو العالية، واختاره الخليل. والثالث: ما عرفوه حق معرفته، قاله أبو عبيدة. قوله تعالى: «يجعلونه قراطيس» معناه: يكتبونه في قراطيس. وقيل: إنما قال: قراطيس، لأنهم كانوا يكتبونه في قراطيس مقطَّعة، حتى لا تكون مجموعة، ليخفوا منها ما شاؤوا. قوله تعالى: «يبدونها» قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «يجعلونه قراطيس يبدونها» و «يخفون» بالياء فيهن. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: بالتاء فيهن. فمن قرأ بالياء، فلأن القوم غُيّب، بدليل قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. ومن قرأ بالتاء، فعلى الخطاب والمعنى: تبدون منها ما تحبون، وتخفون كثيراً، مثل صفة محمّد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم، ونحو ذلك مما كتموه. قوله تعالى: وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ في المخاطب بهذا قولان: أحدهما: أنهم اليهود، قاله الجمهور. والثاني: أنه خطاب للمسلمين، قاله مجاهد. فعلى الأول: عُلِّموا ما في التوراة وعلى الثاني: عُلِّموا على لسان محمّد صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ هذا جواب لقوله: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ وتقديره: فإن أجابوك، وإلا فقل: الله أنزله. قوله تعالى: ثُمَّ ذَرْهُمْ تهديد. وخوضهم: باطلهم. وقيل: إن هذا أمر بالإعراض عنهم، ثم نسخ بآية السيف. [سورة الأنعام (6) : آية 92] وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) قوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ يعني القرآن. قال الزجاج: والمبارك: الذي يأتي من قِبَله الخير الكثير. والمعنى: أنزلناه للبركة والإنذار. قوله تعالى: مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتاب. قوله تعالى: وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى قرأ عاصم إلا حفصا: «ولينذر» بالياء فيكون الكتاب هو المنذر. وقرأ الباقون: بالتاء، على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. فأما أم القرى، فهي مكة. قال الزجاج: والمعنى: لتنذر أهل أم القرى. وفي تسميتها بأم القرى أربعة أقوال: أحدها: أنها سميت بذلك، لأن الأرض دُحيت من تحتها، قاله ابن عباس. والثاني: لأنها أقدمُها، قاله ابن قتيبة. والثالث: لأنها قبلة جميع الناس، يَؤُمُّونها. والرابع: لأنها كانت أعظم القرى شأناً، ذكرهما الزجاج. قوله تعالى: وَمَنْ حَوْلَها قال ابن عباس: يريد الأرض كلها. قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن. والثاني: إلى النبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم. والمعنى: من آمن بالآخرة آمن به ومن لم يؤمن به، فليس إيمانه بالآخرة حقيقة، ولا يعتد به، ألا ترى إلى قوله: وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ فدل على أنه أراد المؤمنين الذين يحافظون على الصّلوات.
[سورة الأنعام (6) : آية 93]
[سورة الأنعام (6) : آية 93] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أن أولها، إلى قوله: وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ نزل في مُسيلمة الكذاب. وقوله تعالى: وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ (542) نزل في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان قد تكلم بالإسلام، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحايين فاذا أُملي عليه: «عزيز حكيم» كتب: «غفور رحيم» فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا وذاك سواء. فلما نزلت: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) أملاها عليه، فلما انتهى إلى قوله: خَلْقاً آخَرَ عجب عبد الله بن سعد، فقال: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذا أنزلت عليَّ، فاكتبها» فشك حينئذ، وقال: لئن كان محمد صادقاً، لقد أوحي إليَّ كما أوحي إليه، ولئن كان كاذباً، لقد قلت كما قال، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال عكرمة: ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة. والقول الثاني: أن جميع الآية في عبد الله بن سعد، قاله السّدّيّ.
[سورة الأنعام (6) : آية 94]
(543) والثالث: أنها نزلت في مسيلمة، والأسود العنْسيّ، قاله قتادة. فان قيل: كيف أفرد قوله: أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ من قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى وذاك مفترٍ أيضا؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن الوصفين لرجل واحد، وصف بأمر بعد أمر ليدل على جرأته. والثاني: أنه خص بقوله: أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ بعد أن عم بقوله: افْتَرى عَلَى اللَّهِ لأنه ليس كل مفترٍ على الله يدعي أنه أوحي إليه، ذكرهما ابن الأنباري. قوله تعالى: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي: سأقول. قال ابن عباس: يعنون الشّعر، وهم المستهزئون. وقيل: هو قول عبد الله بن سعد بن أبي سرح. قال الزجاج: وهذا جواب لقولهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا. قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فيهم ثلاثة أقوال: (544) أحدها: أنهم قوم كانوا مسلمين بمكة، فأخرجهم الكفار معهم إلى قتال بدر، فلما أبصروا قلّة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا عن الإيمان فنزل فيهم هذا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنهم الذين قالوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قاله أبو سليمان. والثالث: الموصوفون في هذه الآية، وهم المفترون والمدَّعون الوحي إليهم، ومماثلة كلام الله. قال الزجاج: وجواب «لو» محذوف، والمعنى: لو تراهم في غمرات الموت لرأيت عذاباً عظيماً. ويقال لكل من كان في شيء كبير: قد غمر فلاناً ذلك. قال ابن عباس: غمرات الموت: سكراته. قال ابن الانباري: قال اللغويون: سميت غمرات لأن أهوالها يغمرن من يقعن به. قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بالضرب، قاله ابن عباس. والثاني: بالعذاب، قاله الحسن، والضحاك. والثالث: باسطوها لقبض الأرواح من الأجساد، قاله الفراء. وفي الوقت الذي يكون هذا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: عند الموت. قال ابن عباس: هذا عند الموت، الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وملك الموت يتوفاهم. والثاني: يوم القيامة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: في النار، قاله الحسن. قوله تعالى: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ فيه إضمار «يقولون» وفي معناه قولان: أحدهما: استسلموا لإخراج أنفسكم. والثاني: أخرجوا أنفسكم من العذاب إن قدرتم. قوله تعالى: تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ قال أبو عبيدة: الهون: مضموم، وهو الهوان وإذا فتحوا أوله، فهو الرِّفق والدَّعة. قال الزجاج: والمعنى: تجزَون العذاب الذي يقع به الهوان الشّديد. [سورة الأنعام (6) : آية 94] وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
[سورة الأنعام (6) : آية 95]
قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى. (545) سبب نزولها: أن النضر بن الحارث قال: سوف تشفع لي اللاَّت والعزى، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. ومعنى فرادى: وُحداناً. وهذا إخبار من الله تعالى بما يوبِّخ به المشركين يوم القيامة. قال أبو عبيدة: فرادى، أي: فرد فرد. وقال ابن قتيبة: فرادى: جمع فرد. وللمفسرين في معنى «فرادى» خمسة اقوال متقاربة المعنى: أحدها: فرادى من الأهل والمال والولد، قاله ابن عباس. والثاني: كل واحد على حدة، قاله الحسن. والثالث: ليس معكم من الدنيا شيء، قاله مقاتل. والرابع: كل واحد منفرد عن شريكه في الغيّ، وشقيقه، قاله الزجاج. والخامس: فرادى من المعبودين، قاله ابن كيسان. قوله تعالى: كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فيه ثلاثة اقوال: أحدها: لا مال ولا أهل ولا ولد. والثاني: حفاةً عراةً غرلاً. والغرل: القلف. والثالث: أحياءً. وخولناكم: بمعنى ملّكناكم. وَراءَ ظُهُورِكُمْ أي: في الدنيا. والمعنى أن ما دأبتم في تحصيله في الدنيا فني، وبقي الندم على سوء الاختيار. وفي شفعائهم، قولان: أحدهما: أنها الأصنام. قال ابن عباس: شفعاؤكم، أي: آلهتكم الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم. وزَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ أي: عندكم شركاء. وقال ابن قتيبة: زعمتم أنهم لي في خلقكم شركاء. والثاني: أنها الملائكة كانوا يعتقدون شفاعتها، قاله مقاتل. قوله تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: بالرفع. وقرأ نافع، والكسائي، وحفص عن عاصم: بنصب النون على الظرف. قال الزجاج: الرفع أجود، ومعناه: لقد تقطَّع وصلكم، والنصب جائز ومعناه: لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم. وقال ابن الانباري: التقدير: لقد تقطع ما بينكم، فحذف «ما» لوضوح معناها. قال أبو علي: الذين رفعوه، جعلوه اسماً، فأسندوا الفعل الذي هو «تقطَّع» إليه والمعنى: لقد تقطع وصلكم. والذين نصبوا، أضمروا اسم الفاعل في الفعل، والمضمر هو الوصل فالتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم. وفي الذي كانوا يزعمون قولان: أحدهما: شفاعة آلهتهم. والثاني: عدم البعث والجزاء. [سورة الأنعام (6) : آية 95] إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى في معنى الفلق قولان: أحدهما: أنه بمعنى الخلق، فالمعنى: خالق الحب والنوى، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، ومقاتل. والثاني: أن الفلق بمعنى الشق. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: أنه فلق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والسدي، وابن زيد. والثاني: أنه الشقان اللَّذان في الحب والنوى، قاله مجاهد، وأبو مالك. قال ابن السائب: الحب: ما لم يكن له نوى، كالبرّ
[سورة الأنعام (6) : آية 96]
والشعير والنوى: مثل نوى التمر. قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ قد سبق تفسيره في (آل عمران) . قوله تعالى: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: كيف تُصرفون عن الحقّ بعد هذا البيان. [سورة الأنعام (6) : آية 96] فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ في معنى الفلق قولان قد سبقا. فأما الإصباح، فقال الأخفش: هو مصدر من أصبح. وقال الزجاج: الإصباح والصبح واحد. وللمفسرين في الإصباح، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أنه إضاءة الفجر، قاله مجاهد. وقال ابن زيد: فلق الإصباح من الليل. والثالث: أنه نوَّر النهار، قاله الضحاك. وقرأ أنس بن مالك، والحسن، وأبو مجلز، وأيوب، والجحدري: «فالق الأَصباح» بفتح الهمزة. قال أبو عبيدة: ومعناه جمع صبح. قوله تعالى: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «جاعل» بألف، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «وجعل» بغير ألف. «الليلَ» نصباً. قال أبو عليّ: من قرأ: «وجاعل» فلأجل «فالق» وهم يراعون المشاكلة. ومن قرأ: «جعل» فلأنّ «فاعلا» ها هنا. بمعنى: «فعل» بدليل قوله: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً. فأما السكن، فهو ما سكنْتَ إليه. والمعنى: أن الناس يسكنون فيه سكون راحة. وفي الحسبان قولان: أحدهما: أنه الحساب، قاله الجمهور. قال ابن قتيبة: يقال: خذ من كل شيء بحسبانه، أي: بحسابه. وفي المراد بهذا الحساب، ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما يجريان إلى أجل جُعل لهما، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: يجريان في منازلهما بحساب، ويرجعان إلى زيادة ونقصان، قاله السدي. والثالث: أن جريانهما سبب لمعرفة حساب الشهور، والأعوام، قاله مقاتل. والقول الثاني: أن معنى الحسبان: الضياء، قاله قتادة. قال الماوردي: كأنه أخذه من قوله تعالى: وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ «1» أي: ناراً. قال ابن جرير: وليس هذا من ذاك في شيء. [سورة الأنعام (6) : آية 97] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ جعل، بمعنى خلق. وإنما امتنَّ عليهم بالنجوم، لأن سالكي القفار وراكبي البحار، إنما يهتدون في الليل لمقاصدهم بها. [سورة الأنعام (6) : آية 98] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني آدم فَمُسْتَقَرٌّ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، إلا رُويساً: بكسر القاف. وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: بفتحها. قال الزجاج: من كسر، فالمعنى: «فمنكم مستقِر» ومن نصب، فالمعنى: «فلكم مستقَرّ» . فأما مستودع،
[سورة الأنعام (6) : آية 99]
فبالفتح، لا غير. ومعناه على فتح القاف: «ولكم مستودع» وعلى كسرها «ومنكم مستودع» . وللمفسّرين في معنى المستقر والمستودع تسعة أقوال «1» : أحدها: فمستقر في الأرحام، ومستودع في الأصلاب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، والنخعي، وقتادة، والسدي، وابن زيد. والثاني: المستقر في الأرحام، والمستودع في القبر، قاله ابن مسعود. والثالث: المستقر في الأرض، والمستودع في الأصلاب، رواه ابن جبير عن ابن عباس. والرابع: المستقر والمستودع في الرحم، رواه قابوس عن أبيه عن ابن عباس. والخامس: المستقر حيث يأوي، والمستودع حيث يموت، رواه مقسم عن ابن عباس. والسادس: المستقر في الدنيا والمستودع في القبر. والسابع: المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا، وهو عكس الذي قبله، رويا عن الحسن. والثامن: المستقر في الدنيا، والمستودع عند الله تعالى، قاله مجاهد. والتاسع: المستقر في الأصلاب، والمستودع في الأرحام، قاله ابن بحر، وهو عكس الأول. [سورة الأنعام (6) : آية 99] وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَخْرَجْنا بِهِ أي: بالمطر. وفي قوله تعالى: نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ قولان: أحدهما: نبات كل شيء من الثمار، لأن كل ما ينبت، فنباته بالماء. والثاني: رزق كل شيء وغذاؤه. وفي قوله تعالى: فَأَخْرَجْنا مِنْهُ قولان: أحدهما: من الماء، أي: به. والثاني: من النبات. قال الزجاج: الخَضِر بمعنى الأخضر يقال: اخضرَّ، فهو أخْضر، وخَضِر، مثل أعوَّر، فهو أعْوَر، وعَوِر. قوله تعالى: نُخْرِجُ مِنْهُ أي: من الخضر حَبًّا مُتَراكِباً كالسنبل والشعير. والمتراكب: الذي بعضه فوق بعض. قوله تعالى: وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وروى الخفّاف عن أبي عمرو: «قُنوان» بضم القاف وروى هارون عنه بفتحها. قال الفراء: معناه: ومن النخل ما قنوانه دانية وأهل الحجاز يقولون: «قِنوان» بكسر القاف وقيس يضمّونها وضبّة، وتميم يقولون: «قنيان» أنشدني المفضّل عنهم:
فأثَّتْ أعَالِيْهِ وآدَتْ أصُوْلُه ... وَمَالَ بِقِنْيانٍ من البُسْرِ أحْمَرَا «1» ويجتمعون جميعاً، فيقولون: «قِنو» و «قُنو» ولا يقولون: «قِني» ولا «قُني» وكلب تقول: «ومال بقنيان» . قلت: هذا البيت لامرئ القيس رواه أبو سعيد السكري: «ومال بِقِنوان» مكسورة القاف مع الواو، ففيه أربع لغات: قِنوان، وقُنوان، وقنيان، وقنيان و «أثّت» : كثرت ومنه: شعر أثيث. و «آدت» : اشتدت. وقال ابن قتيبة: القنوان: عذوق النخل، واحدها: قنو، جمع على لفظ تثنية ومثله: صنو وصنوان في التثنية، وصنوان في الجميع. وقال الزجاج: قِنوان: جمع قِنو، وإذا ثنيته فهما قِنوان، بكسر النون. ودانية، أي: قريبة المتناول، ولم يقل: «ومنها قنوان بعيدة» لأن في الكلام دليلاً أن البعيدة السحيقة قد كانت غير سحيقة، فاجتزئ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة كقوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ «2» . وقال ابن عباس: القُنوان الدانية: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. قوله تعالى: وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ قال الزجاج: هو نسق على قوله: «خضراً» وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ المعنى: وأخرجنا منه شجر الزيتون والرمان وقد روى أبو زيد عن المفضّل: «وجنات» بالرفع. قوله تعالى: مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مشتبها في المنظر وغير متشابه في الطعم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: مشتبهاً ورقه، مختلفاً ثمره، قاله قتادة، وهو في معنى الأول. والثالث: منه ما يشبه بعضه بعضاً، ومنه ما يخالف. قال الزجاج: وإنما قرن الزيتون بالرمان، لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من أوله إلى آخره. قال الشاعر. بُورِكَ الميّت الغَريبُ كما بو ... رِكَ نَضْحُ الرُّمَّانِ والزَّيْتُونِ «3» ومعناه: أن البركة في ورقه اشتمالُه على عوده كلِّه. قوله تعالى: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ، وكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ، ولِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ: بالفتح في ذلك. وقرأ حمزة. والكسائي، وخلف: بالضّمّ فيهنّ. قال الزّجّاج: يقال: ثمرة، ثمر، وثِمَار، وثُمُر فمن قرأ: «إلى ثُمُره» بالضم أراد جمع الجمع. وقال أبو علي: يحتمل وجهين: أحدهما: هذا، وهو أن يكون الثمر جمع ثمار، والثاني: أن تكون الثمر جمع ثمرة، وكذلك: أكمة، وأُكُم، وخشبة وخُشُب. قال الفراء: يقول: انظروا إليه أول ما يَعْقِد، وانظروا إلى ينعه، وهو نضجه وبلوغه. وأهل الحجاز يقولون: يَنْعَ، بفتح الياء، وبعض أهل نجد يضمونها. قال ابن قتيبة: يقال: ينَعت الثّمر، وأينعت: إذا أدركت، وهو اليُنْع واليَنْع. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، والأعمش، وابن محصن: «ويُنعِه» بضم الياء. قال الزجاج: الينع: النُضج. قال الشاعر:
[سورة الأنعام (6) : آية 100]
في قِبَابٍ حَوْلَ دَسْكَرَةٍ ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعا «1» وبيَّن الله تعالى لهم بتصريف ما خلق، ونقله من حال إلى حال لا يقدر عليه الخلق، أنه كذلك يبعثهم. قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قال ابن عباس: يصدِّقون أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى. وقال مقاتل: يصدّقون بالتّوحيد. [سورة الأنعام (6) : آية 100] وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (100) قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ جعلوا، بمعنى وصفوا. قال الزجاج: نصبُ «الجن» من وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولاً، فيكون المعنى: وجعلوا لله الجنَ شركاء ويكون الجن مفعولاً ثانيا، كقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً «2» . والثاني: أن يكون الجن بدلاً من شركاء، ومفسراً للشركاء. وقرأ ابو المتوكل، وأبو عمران، وأبو حياة، والجحدري: «شركاء الجنُ» برفع النون وقرأ ابن عبلة، ومعاذ القارئ: «الجنِّ» بخفض النون. وفي معنى جعلهم الجن شركاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان، فجعلوهم شركاء لله، قاله الحسن، والزجاج. والثاني: قالوا: إن الملائكة بنات الله فهم شركاؤه، كقوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً فسمى الملائكة جنَّاً لاجتنانهم، قاله قتادة والسدي، وابن زيد. والثالث: أن الزنادقة قالوا: الله خالق النور والماء والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب، وفيهم نزلت هذه الآية. قاله ابن السائب «3» . قوله تعالى: وَخَلَقَهُمْ في الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الجاعلين له الشركاء، فيكون المعنى: وجعلوا للذي خلقهم شركاء لا يخلقون. والثاني: أنها ترجع إلى الجن، فيكون المعنى: والله خلق الجن، فكيف يكون الشريك لله مُحدِثا؟ ذكرهما الزجاج. قوله تعالى: وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ وقرأ نافع: «وخرّقوا» بالتشديد، للمبالغة والتكثير، لأن المشركين ادَّعوا الملائكةَ بناتِ الله، والنصارى المسيحَ. واليهود عزيراً. وقرأ ابن عباس، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: «وحرّفوا» بحاء غير معجمة وبتشديد الراء وبالفاء. وقرأ ابن السّميفع، والجحدريّ: «وخارقوا» بألف وخاء معجمة قال السدي: أما «البنون» ، فقول اليهود، عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، وأما «البنات» فقول مشركي العرب: الملائكة بناتُ الله. قال الفراء: خرّقوا، واخترقوا، وخلقوا، واختلقوا، بمعنى افتروا. وقال أبو عبيدة: خرقوا: جعلوا. قال الزّجّاج: ومعنى:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 101 إلى 102]
«بغير علم» أنهم لم يذكروه من علم، إنما ذكروه تكذّبا. [سورة الأنعام (6) : الآيات 101 الى 102] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) قوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ قال الزجاج: أي: من أين يكون له ولد، والولد لا يكون إلا من صاحبة؟! واحتج عليهم في نفي الولد بقوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فليس مثل خالق الأشياء، فكيف يكون الولد لمن لا مثل له؟! فاذا نُسب إليه الولد، فقد جعُل له مثل. [سورة الأنعام (6) : آية 103] لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ في الإدراك قولان «1» : أحدهما: أنه بمعنى الإحاطة. والثاني: بمعنى الرؤية. وفي «الأبصار» قولان: أحدهما: أنها العيون، قاله الجمهور. والثاني: أنها العقول، رواه عبد الرّحمن بن مهدي عن أبي حصين القارئ. ففي معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: لا تحيط به الأبصار، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء. وقال الزجاج: معنى الآية: الإحاطة بحقيقته، وليس فيها دفع للرؤية، لِما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرؤية، وهذا مذهب أهل السُنَّة والعلم والحديث. والثاني: لا تدركه الأبصار إذا تجلَّى بنوره الذي هو نوره، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثالث: لا تدركه الأبصار في الدنيا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال
[سورة الأنعام (6) : آية 104]
الحسن، ومقاتل، ويدل على أن الآية مخصوصة بالدنيا، قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «1» فقيَّد النظر إليه بالقيامة، وأطلق في هذه الآية، والمطلق يحمل على المقيد. وقوله تعالى: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فيه القولان: قال الزجاج: وفي هذا الإعلام دليل على أنَّ خَلْقَه لا يدركون الأبصار، أي: لا يعرفون حقيقة البصر، وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه، دون أن يبصر من غيرهما من أعضائه فأعلم الله أن خلقاً من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه، ولا يحيطون بعلمه فكيف به عزّ وجلّ؟! فأما «اللطيف» ، فقال أبو سليمان الخطابي: هو البرّ بعباده، الذي يلطف لهم من حيث لا يعلمون، ويسبِّب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون. قال ابن الاعرابي: اللطيف: الذي يوصل إليك أرَبَك في رِفق ومنه قولهم: لطف الله بك ويقال: هو الذي لَطُفَ عن أن يُدرَك بالكيفية. وقد يكون اللطف بمعنى الدقة والغموض، ويكون بمعنى الصغر في نعوت الأجسام، وذلك مما لا يليق بصفات الباري سبحانه. وقال الأزهري: اللطيف من أسماء الله، معناه: الرفيق بعباده والخبير: العالم بكنه الشيء، المطّلع على حقيقته. [سورة الأنعام (6) : آية 104] قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ البصائر: جمع بصيرة، وهي الدلالة التي توجب البصر بالشيء والعلم به. قال الزجاج: والمعنى: قد جاءكم القرآن الذي فيه البيان والبصائر فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ نفع ذلك وَمَنْ عَمِيَ فعلى نفسه ضرر ذلك، لأن الله عزّ وجلّ غني عن خلقه. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي: لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ والوكيل، وهذا قبل الأمر بالقتال. (فصل:) وذكر المفسرون أن هذه الآية نسخت بآية السيف. وقال بعضهم: معناها: لست رقيباً عليكم، أحصي أعمالكم فعلى هذا لا وجه للنّسخ. [سورة الأنعام (6) : آية 105] وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ قال الأخفش: وَكَذلِكَ معناها: وهكذا. وقال الزجاج: المعنى: وَمِثْلُ ما بيَّنَّا فيما تُلي عليك، نُبيِّن الآيات، قال ابن عباس: نصرِّف الآيات، أي نبيِّنها في كل وجه، ندعوهم بها مرَّة، ونخوفهم بها أُخرى. وَلِيَقُولُوا يعني أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن «دارست» . قال ابن الانباري: معنى الآية: وكذلك نصرف الآيات، لنلزمهم الحجة، وليقولوا: دارست وإنما صرّف الآيات ليسعد قوم بفهمها والعمل بها، ويشقى آخرون بالإعراض عنها فمن عمل بها سعد، ومن قال: دارست، شقي. قال الزجاج: وهذه اللام في «ليقولوا» يسميها أهل اللغة لام الصيرورة. والمعنى: أن السّبب الذي أدّاهم إلى أن يقولوا: دارست!، هو تلاوة الآيات، وهذا كقوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً «2» وهم لم يطلبوا بأخذه أن يعاديهم، ولكن كان عاقبة الأمر أن صار لهم عدواً وحزناً. ومثله أن تقول: كتب فلان الكتاب لحتفه، فهو لم يقصد أن يُهلك نفسه بالكتاب. ولكن العاقبة كانت الهلاك. فأما «دارست» فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «دارست»
[سورة الأنعام (6) : الآيات 106 إلى 107]
بالألف وسكون السين وفتح التاء ومعناها: ذاكرت أهل الكتاب. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «درست» بسكون السين وفتح التاء، من غير ألف، على معنى: قرأت كتب أهل الكتاب. قال المفسرون: معناها: تعلمت من جبر، ويسار. وسنبين هذا في قوله: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ «1» إن شاء الله. وقرأ ابن عامر، ويعقوب: «درست» بفتح الراء والسين وسكون التاء من غير ألف. والمعنى: هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة قد درست. أي: قد مضت وامّحت. وجميع من ذكرنا فتح الدال في قراءته. وقد روي عن نافع أنه قال: «دُرِسَت» برفع الدال وكسر الراء وتخفيف التاء، وهي قراءة ابن يعمر ومعناها قُرئت. وقرأ أبي بن كعب: «دَرُسَتْ» بفتح الدال والسين وضم الراء وتسكين التاء. قال الزجاج: وهي بمعنى: «دَرَسَتْ» أي: امّحت إلا أن المضمومة الراء أشدّ مبالغة. وقرأ معاذ القارئ، وأبو العالية، ومورِّق: «دُرِّسْتَ» برفع الدال، وكسر الراء وتشديدها ساكنة السين. وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرّف: «دَرَسَ» بفتح الراء والسين بلا ألف ولا تاء. وروى عصمة عن الأعمش: «دارس» بألف. قوله تعالى: وَلِنُبَيِّنَهُ يعني: التصريف لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ما تبين لهم من الحق فيقبلوه. [سورة الأنعام (6) : الآيات 106 الى 107] اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) قوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ قال المفسرون: نسخ بآية السيف. قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا فيه ثلاثة اقوال حكاها الزجاج: أحدها: لو شاء لجعلهم مؤمنين. والثاني: لو شاء لأنزل آية تضطرهم إلى الإيمان. والثالث: لو شاء لا ستأصلهم، فقطع سبب شركهم. قال ابن عباس: وباقي الآية نسخ بآية السيف. [سورة الأنعام (6) : آية 108] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ في سبب نزولها قولان: (546) أحدهما: أنه لما قال للمشركين: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ «2» قالوا: لتنتهينَّ يا محمد عن سبِّ آلهتنا وعيبها، أو لنهجونَّ إلهك الذي تعبده، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
[سورة الأنعام (6) : آية 109]
(547) والثاني: أن المسلمين كانوا يسبون أوثان الكفار، فيردون ذلك عليهم، فنهاهم الله تعالى أن يستسبوا لربهم قوماً جهلة لا علم لهم بالله، قاله قتادة. ومعنى «يدعون» : يعبدون، وهي الأصنام. فَيَسُبُّوا اللَّهَ أي: فيسبوا من أمركم بعيبها، فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى، لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم، وإن أشركوا به. وقوله تعالى: عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ، أي: ظلماً بالجهل. وقرأ يعقوب: «عُدُوّاً» ، بضم العين والدال وتشديد الواو. والعرب تقول في الظلم: عدا فلان عَدْواً وعُدُوّاً وعُدواناً. وعدا، أي: ظلم. قوله تعالى: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ أي: كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأصنام، وطاعة الشيطان، كذلك زينا لكل جماعة اجتمعت على حق أو باطل عملهم من خير أو شر. قال المفسرون: وهذه الآية نسخت بتنبيه الخطاب في آية السيف. [سورة الأنعام (6) : آية 109] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ في سبب نزولها قولان: (548) أحدهما: أنه لما نزل في (الشعراء) : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً «1» قال المشركون: أنزلها علينا حتى والله نؤمن بها فقال المسلمون: يا رسول الله، أنزلها عليهم لكي يؤمنوا فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس. (549) والثاني: أن قريشاً قالوا: يا محمد، تخبرنا أنّ موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر، فينفجر منها اثنتا عشرة عيناً، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود كانت لهم ناقة، فائتنا بمثل هذه الآيات حتى نصدَّقك: فقال: «أي شيء تحبون؟» قالوا: أن تجعل لنا الصفا ذهباً. قال: «فان فعلت تصدقوني؟» فقالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتّبعنّك أجمعين. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح الصّفا ذهبا، ولكني لم أرسل آية فلم يصدَّق بها، إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتُهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اتركهم حتى يتوب تائبهم» ، فنزلت هذه الآية إلى قوله: يَجْهَلُونَ، هذا قول محمد بن كعب القرظي. وقد ذكرنا معنى جَهْدَ أَيْمانِهِمْ في (المائدة) وإنما حلفوا على ما اقترحوا من الآيات،
[سورة الأنعام (6) : آية 110]
كقولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً «1» . قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي: هو القادر على الإتيان بها دوني ودون أحد من خلقه وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها أي: يدريكم أنها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وخلف في اختياره: بكسر الألف، فعلى هذه القراءة يكون الخطاب بقوله «يشعركم» للمشركين، ويكون تمام الكلام عند قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ ويكون المعنى: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت؟ وتكون «إنها» مكسورة على الاستئناف والإخبار عن حالهم. وقال أبو علي: التقدير: وما يشعركم إيمانهم؟ فحذف المفعولُ. والمعنى: لو جاءت الآية التي اقترحوها، لم يؤمنوا. فعلى هذا يكون الخطاب للمؤمنين. قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: «وما يشعركم إنها» فقلت: ما منعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع إنما قال: وَما يُشْعِرُكُمْ ثم ابتدأ فأوجب، فقال: «إنها إذا جاءت لا يؤمنون» ولو قال: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ كان ذلك عذراً لهم. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي: «أنها» بفتح الألف فعلى هذا، المخاطب بقوله: وَما يُشْعِرُكُمْ رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: وما يدريكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وفي قراءة أُبي: «لعلها إذا جاءت لا يؤمنون» . والعرب تجعل «أن» بمعنى «لعل» . يقولون: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً، أي: لعلك. قال عدي بن زيد: أعَاذِلُ ما يُدْرِيْكِ أنَّ مَنِيَّتي ... إلى سَاعَةٍ في اليَوْمِ أو في ضُحَى غَدِ أي: لعل منيتي. وإلى هذا المعنى ذهب الخليل، والفراء في توجيه هذه القراءة. والثاني: أن المعنى: وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون، وتكون «لا» صلة كقوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ «2» وقوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ «3» ، ذكره الفراء ورده الزجاج واختار الأول. والأكثرون على قراءة: «يؤمنون» بالياء منهم ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وحفص عن عاصم وقرأ ابن عامر، وحمزة: بالتاء، على الخطاب للمشركين. قال أبو علي: من قرأ بالياء، فلأنَّ الذين أقسموا غُيَّبٌ، ومن قرأ بالتاء، فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب. [سورة الأنعام (6) : آية 110] وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) قوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ التقليب: تحويل الشيء عن وجهه. وفي معنى الكلام، أربعة أقوال: أحدها: لو أتيناهم بآية كما سألوا، لقلبنا أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان بها، وحُلْنا بينهم وبين الهدى، فلم يؤمنوا كما لم يؤمنوا بما رأوا قبلها، عقوبة لهم على ذلك. وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد. والثاني: أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى الدنيا فالمعنى: لو رُدُّوا لحُلْنا بينهم وبين الهدى كما حُلْنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا، روى هذا المعنى ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: ونقلّب أفئدة هؤلاء وأبصارهم عن الإيمان بالآيات كما لم يؤمن أوائلهم
[سورة الأنعام (6) : آية 111]
من الأمم الخالية بما رأوا من الآيات، قاله مقاتل. والرابع: أن ذلك التقليب في النار، عقوبة لهم، ذكره الماوردي. وفي هاء «به» أربعة أقوال. أحدها: أنها كناية عن القرآن. والثاني: عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم. والثالث: عما ظهر من الآيات. والرابع: عن التقليب. وفي المراد ب «أول مرة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرة الأولى: دار الدنيا. والثاني: أنها معجزات الأنبياء قبل محمّد عليه السلام. والثالث: أنها صرف قلوبهم عن الإيمان قبل نزول الآيات أن لو نزلت والطغيان والعمه مذكوران في (البقرة) . [سورة الأنعام (6) : آية 111] وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ. (550) سبب نزولها: أن المستهزئين أتوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم في رهط من أهل مكة، فقالوا له: ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم: أحق ما تقول، أم باطل؟ أو أرنا الملائكة يشهدون لك أنك رسول الله، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الآية: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ كما سألوا وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى فشهدوا لك بالنبوة وَحَشَرْنا أي: جمعنا: عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ في الدنيا قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، فأخبر أن وقوع الإيمان بمشيئته، لا كما ظنوا أنهم متى شاؤوا آمنوا، ومتى شاؤوا لم يؤمنوا. فأمّا قوله تعالى: «قِبَلاً» ، فقرأ ابن عامر، ونافع: بكسر القاف وفتح الباء. قال ابن قتيبة: معناها: معاينة. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة والكسائي: «قُبُلا» بضم القاف والباء. وفي معناها، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه جمع قبيل، وهو الصِّنْف فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء قبيلاً قبيلاً، قاله مجاهد، واختاره أبو عبيدة، وابن قتيبة. والثاني: أنه جمع قبيل أيضاً، إلا أنه: الكفيل فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء، فكَفَلَ بصحة ما تقول، اختاره الفراء، وعليه اعتراض، وهو أن يقال: إذا لم يؤمنوا بانزال الملائكة، وتكليم الموتى، فَلأَنْ لا يؤمنوا بالكفالة التي هي قول، أولى. فالجواب: أنه لو كَفَلَت الأشياء المحشورة، فنطق ما لم ينطق، كان ذلك آية بينة. والثالث: أنه بمعنى المقابل، فيكون المعنى: وحشرنا عليهم كل شيء، فقابلهم، قاله ابن زيد. قال أبو زيد: يقال: لقيت فلاناً قِبَلاً وقَبَلاً وقُبُلاً وقبيلا وقبليّا ومقابلة، وكله واحد، وهو المواجهة. قال أبو علي: فالمعنى في القرآن- على ما قاله أبو زيد- واحد، وإن اختلفت الألفاظ. قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ فيه قولان: أحدهما: يجهلون أن الاشياء لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى. والثاني: أنهم يجهلون أنهم لو أوتوا بكل آية ما آمنوا.
[سورة الأنعام (6) : آية 112]
[سورة الأنعام (6) : آية 112] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (112) قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا أي: وكما جعلنا لك ولأُمتك شياطين الإنس والجن أعداءً، كذلك جعلنا لمن تقدَّمك من الأنبياء وأُممهم والمعنى: كما ابتليناك بالأعداء، ابتلينا مَنْ قبلك، ليعظم الثواب عند الصبر على الأذى. قال الزّجّاج: «عدوّ» : في معنى أعداء، و «شياطين الإنس والجن» : منصوب على البدل من «عدو» ، ومفسر له ويجوز أن يكون: «عدواً» منصوب على أنه مفعول ثان، المعنى: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداءً لأُممهم «1» . وفي شياطين الإنس والجن ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم مردة الإنس والجن، قاله الحسن، وقتادة. والثاني: أن شياطين الإنس: الذين مع الإنس، وشياطين الجن: الذين مع الجن، قاله عكرمة، والسدي. والثالث: أن شياطين الإنس والجن: كفارهم، قاله مجاهد. قوله تعالى: يُوحِي أصل الوحي: الإعلام والدلالة بِسَتر وإخفاء. وفي المراد به ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: يأمر. والثاني: يوسوس. والثالث: يشير. وأما زُخْرُفَ الْقَوْلِ، فهو ما زُيِّن منه، وحُسِّن، ومُوِّه، وأصل الزخرف: الذهب. قال أبو عبيدة: كل شيء حسَّنته وزيَّنتَه وهو باطل، فهو زخرف. وقال الزجاج: «الزخرف» في اللغة: الزينة فالمعنى: أن بعضهم يزين لبعض الأعمال القبيحة و «غروراً» منصوب على المصدر وهذا المصدر محمول على المعنى، لأن معنى إيحاء الزخرف من القول: معنى الغرور، فكأنه قال: يَغرُّون غُروراً. وقال ابن عباس: زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً: الأمانيُّ بالباطل. قال مقاتل: وَكّلَ إبليسُ بالإنس شياطين يُضِلُّونَهم، فاذا التقى شيطان الإنس بشيطان الجن قال أحدهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضللْ أنت صاحبك بكذا وكذا، فذلك وحي بعضهم إلى بعض. وقال غيره: إن المؤمن إذا أعيا شيطانه، ذهب إلى متمرد من الإنس، وهو شيطان الإنس، فأغراه بالمؤمن ليفتنه. وقال قتادة: إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين. وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد عليَّ من شيطان الجن، لأنّي كإذا تعوَّذت من ذاك ذهب عني، وهذا يجرني إلى المعاصي عِياناً. قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ في هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الوسوسة. والثاني: ترجع إلى الكفر. والثالث: إلى الغرور، وأذى النبيّين. قوله تعالى: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ قال مقاتل: يريد كفار مكة وما يفترون من الكذب. وقال غيره: فذر المشركين وما يخاصمونك به مما يوحي إليهم أولياؤهم، وما يختلقون من كذب، وهذا القدر من هذه الآية منسوخ بآية السيف.
[سورة الأنعام (6) : آية 113]
[سورة الأنعام (6) : آية 113] وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) قوله تعالى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أي: ولتميل والهاء: كناية عن الزخرف والغرور. والأفئدة: جمع فؤاد، مثل غراب وأغربة. قال ابن الأنباري: فعلنا بهم ذلك لكي تصغى إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، «وليرضوا» الباطل، وَلِيَقْتَرِفُوا أي: ليكتسبوا، وليعملوا ما هم عاملون. [سورة الأنعام (6) : آية 114] أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) قوله تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً. (551) سبب نزولها: أن مشركي قريش قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حَكَمَاً إن شئت من أحبار اليهود، وإن شئت من أحبار النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك، فنزلت هذه الآية، ذكره الماوردي. فأما الحَكَمُ، فهو بمعنى الحاكم والمعنى: أفغير الله أطلب قاضيا بيني وبينكم؟! والْكِتابَ: القرآن، و «المفصل» : المبين الذي بان فيه الحق من الباطل، والأمر من النهي، والحلال من الحرام. وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ فيهم قولان: أحدهما: علماء أهل الكتابين، قاله الجمهور. والثاني: رؤساء أصحاب النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلم، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأشباههم، قاله عطاء. قوله تعالى: يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ قرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: «منزّل» بالتشديد وخفّفها الباقون. [سورة الأنعام (6) : آية 115] وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع: «كلمات» على الجمع وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، «كلمة» على التوحيد وقد ذكرت العرب الكلمة، وأرادت الكثرة يقولون: قال قُسّ في كلمته، أي: في خطبته، وزهير في كلمته، أي: في قصيدته. وفي المراد بهذه الكلمات ثلاثة أقوال: أحدها: أنها القرآن، قاله قتادة. والثاني: أقضيتُه وعداته. والثالث: وعده ووعيده وثوابه وعقابه. وفي قوله تعالى: صِدْقاً وَعَدْلًا قولان: أحدهما: صدقاً فيما أخبر، وعدلاً فيما قضى وقدَّر. والثاني: صدقاً فيما وعد وأوعد، وعدلاً فيما أمر ونهى. وفي قوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ قولان: أحدهما: لا يقدر المفترون على الزيادة فيها والنقصان منها. والثاني: لا خُلف لمواعيده، ولا مغير لحكمه. [سورة الأنعام (6) : آية 116] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) قوله تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ.
[سورة الأنعام (6) : آية 117]
(552) سبب نزولها: أن الكفار قالوا للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل ربُّكم؟ فنزلت هذه الآية، ذكره الفراء. والمراد ب أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ: الكفار، وفي ماذا يطيعهم فيه أربعة أقوال: أحدها: في أكل الميتة. والثاني: في أكل ما ذبحوا للأصنام. والثالث: في عبادة الأوثان. والرابع: في اتباع ملل الآباء. وسَبِيلِ اللَّهِ: دينه. قال ابن قتيبة: ومعنى يَخْرُصُونَ: يحدسون ويوقعون ومنه قيل للحازر: خارص. فان قيل: كيف يجوز تعذيب من هو على ظنٍ من شركه، وليس على يقينٍ من كفره! فالجواب: انهم لما تركوا التماس الحجة، واتبعوا أهواءهم، واقتصروا على الظن والجهل، عُذِّبوا، ذكره الزّجّاج. [سورة الأنعام (6) : آية 117] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ قال الزجاج: موضع «مَنْ» رفع بالابتداء، ولفظها لفظ الاستفهام والمعنى: إن ربك هو أعلم أيُّ الناس يَضل عن سبيله. وقرأ الحسن: «من يُضِل» بضم الياء وكسر الضاد، وهي رواية ابن أبي شريح. قال أبو سليمان: ومقصود الآية: لا تلتفت إلى قسم من أقسم أنه يؤمن عند مجيء الآيات، فلن يؤمن إلا من سبق له القدر بالإيمان. [سورة الأنعام (6) : آية 118] فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
[سورة الأنعام (6) : آية 119]
(553) سبب نزولها: أن الله تعالى لما حرم الميتة، قال المشركون للمؤمنين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم، يريدون الميتة، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. [سورة الأنعام (6) : آية 119] وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) قوله تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا قال الزجاج: المعنى: وأي شيء يقع لكم في أن لا تأكلوا؟ وموضع «أن» نصب، لأن «في» سقطت، فوصل المعنى إلى «أن» فنصبها. قوله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «فصَّل لكم ما حرم عليكم» مرفوعتان وقرأ نافع، وحفص عن عاصم، ويعقوب، والقزاز عن عبد الوارث: «فَصَّل» بفتح الفاء، «ما حَرَّم» بفتح الحاء، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «فَصَّل» بفتح الفاء، «ما حُرِّم» بضم الحاء. قال الزجاج: أي: فُصِّل لكم الحلال من الحرام، وأُحل لكم في الاضطرار ما حُرِّم. وقال سعيد بن جبير: فُصِّل لكم ما حُرِّم عليكم، يعني: ما بُيِّن في (المائدة) من الميتة، والدم، إلى آخر الآية. «وإن كثيراً ليضَلون بأهوائهم» يعني: مشركي العرب يَضلون في أمر الذبائح وغيره، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «ليضلون» ، وفي (يونس) : «ربنا ليَضِلوا» وفي (ابراهيم) : «أنداداً ليَضلوا» وفي (الحج) : «ثاني عطفه ليَضل» وفي (لقمان) : «ليَضل عن سبيل الله بغير علم» وفي (الزمر) : «أنداداً ليَضل» ، بفتح الياء في هذه المواضع الستة وضمهن عاصم وحمزة، والكسائي. وقرأ نافع، وابن عامر: «ليَضَلون بأهوائهم» . وفي (يونس) «ليَضلوا» بالفتح وضما الأربعة الباقية. فمن فتح، أراد: أنهم هم الذين ضلوا ومن ضم، أراد: أنهم أضلوا غيرهم، وذلك أبلغ في الضلال، لأن كل مضلّ ضالّ؟ وليس كلّ ضال مضلّا. [سورة الأنعام (6) : آية 120] وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) قوله تعالى: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ، في الإثم ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الزنا، رواه أبو صالح عن ابن عباس فعلى هذا، في ظاهره وباطنه قولان: أحدهما: أن ظاهره: الإعلان به، وباطنه: الاستسرار به، قاله الضحاك، والسدي. قال الضحاك: وكانوا يرون الاستسرار بالزنا حلالاً. والثاني: أن ظاهره نكاح المحرمات، كالأُمهات، والبنات، وما نكح الآباء. وباطنه: الزنا، قاله سعيد بن جبير. والثاني: أنه عام في كل إثم. والمعنى: ذروا المعاصي، سرَّها وعلانيتها وهذا مذهب أبي العالية، ومجاهد، وقتادة، والزجاج. وقال ابن الأنباري: المعنى: ذروا الإثم من جميع جهاته. والثالث: أن الإثم: المعصية، إلّا أنّ المراد به ها هنا أمر خاصّ. قال ابن زيد: ظاهره ها هنا: نزع أثوابهم، إذ كانوا يطوفون بالبيت عراة، وباطنه: الزّنا.
[سورة الأنعام (6) : آية 121]
[سورة الأنعام (6) : آية 121] وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ سبب نزولها مجادلة المشركين للمؤمنين في قولهم: أتأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله! على ما ذكرنا في سبب قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ هذا قول ابن عباس. (554) وقال عكرمة: كتبت فارس إلى قريش: إن محمداً وأصحابه لا يأكلون ما ذبحه الله، ويأكلون ما ذبحوا لأنفسهم فكتب المشركون إلى أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فوقع في أنفس ناسٍ من المسلمين من ذلك شيء، فنزلت هذه الآية. وفي المراد بما لم يذكر اسم الله عليه أربعة أقوال: أحدها: أنه الميتة، رواه ابن جبير عن ابن عباس. والثاني: أنه الميتة والمنخنقة، إلى قوله تعالى: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، روي عن ابن عباس. والثالث: أنها ذبائح كانت العرب تذبحها لأوثانها، قاله عطاء. والرابع: أنه عام فيما لم يسمَّ الله عند ذبحه وإلى هذا المعنى ذهب عبد الله بن يزيد الخطمي، ومحمد بن سيرين. (فصل:) فان تعمَّد ترك التسمية، فهل يباح؟ فيه عن أحمد روايتان «1» . وإن تركها ناسياً أُبيحت. وقال الشافعي: لا يحرم في الحالين جميعاً. وقال شيخنا علي بن عبيد الله: فاذا قلنا: إن ترك التسمية عمداً يمنع الإباحة، فقد نُسخ من هذه الآية ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ «2» . وعلى قول الشافعي: الآية محكمة. قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ يعني: وإنَّ أكلَ ما لم يُذكر عليه اسم الله لفسق، أي: خروج عن الحقّ والدّين. وفي المراد بالشياطين ها هنا قولان: أحدهما: أنهم شياطين الجن، روي عن ابن عباس الثاني: قوم من أهل فارس، وقد ذكرناه عن عكرمة. فعلى الأولى: وحيهم الوسوسة، وعلى الثاني: وحيهم الرسالة. والمراد ب «أوليائهم» الكفار الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك أكل الميتة «3» . ثم
[سورة الأنعام (6) : آية 122]
فيهم قولان: أحدهما: أنهم مشركو قريش. والثاني: اليهود وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ في استحلال الميتة إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ. [سورة الأنعام (6) : آية 122] أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122) قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال: (555) أحدها: أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وأبي جهل، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، وحمزة لم يؤمن بَعْدُ، فأُخبر حمزةُ بما فعل أبو جهل، فأقبل حتى علا أبا جهل بالقوس، فقال له: أما ترى ما جاء به؟ سفَّه عقولنا، وسبَّ آلهتنا، فقال حمزة: ومن أسفهُ منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله؟! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس. (556) والثاني: أنَّها نزلت في عمَّار بن ياسر، وأبي جهل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. (557) والثالث: في عمر بن الخطاب، وأبي جهل، قاله زيد بن أسلم، والضّحّاك. والرابع: في النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي جهل، قاله مقاتل. والخامس: أنها عامة في كل مؤمن وكافر، قاله الحسن في آخرين. وفي قوله تعالى: كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ قولان: أحدهما: كان ضلا فهديناه، قاله مجاهد. والثاني: كان جاهلاً، فعلَّمناه، قاله الماوردي. وقرأ نافع: «ميّتاً» بالتشديد قال أبو عبيدة: الميتة،
[سورة الأنعام (6) : آية 123]
مخففة: من ميّتة، والمعنى واحد. وفي «النور» ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الهدى، قاله ابن عباس. والثاني: القرآن، قاله الحسن. والثالث: العلم. وفي قوله تعالى: يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ثلاثة أقوال: أحدها: يهتدي به في الناس، قاله مقاتل. والثاني: يمشي به بين الناس إلى الجنة. والثالث: ينشر به دينه في الناس، فيصير كالماشي! ذكرهما الماوردي. قوله تعالى: كَمَنْ مَثَلُهُ المثل: صلة والمعنى: كمن هو في الظلمات. وقيل: المعنى: كمن لو شُبّه بشيء كان شبيهُه من في الظلمات. وقيل: المراد بالظّلمات ها هنا: الكفر. قوله تعالى: كَذلِكَ زُيِّنَ أي: كما بقي هذا في ظلماته لا يتخلص منها، كذلك زين لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الشّرك والمعاصي. [سورة الأنعام (6) : آية 123] وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (123) قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ: أي: وكما زينا للكافرين عملهم، فكذلك جعلنا في كل قرية أكابرَ مجرميها، وقيل معناه: وكما جعلنا فُسَّاق مكة أكابرها، فكذلك جعلنا فُسَّاق كل قرية أكابرها. وإنما جعل الأكابر فُسَّاقَ كلِّ قرية، لأنهم أقرب إلى الكفر بما أعطوا من الرياسة والسعة. وقال ابن قتيبة: تقدير الآية: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر و «أكابر» لا ينصرف، وهم العظماء. قوله تعالى: لِيَمْكُرُوا فِيها قال أبو عبيدة: المكر: الخديعة، والحيلة، والفجور، والغدر، والخلاف. قال ابن عباس: ليقولوا فيها الكذب. قال مجاهد: أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعةً، ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمّد صلى الله عليه وسلم، يقولون للناس: هذا شاعر، وكاهن. قوله تعالى: وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ أي: ذلك المكر بهم يحيق. [سورة الأنعام (6) : آية 124] وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124) قوله تعالى: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ. (558) سبب نزولها: أن أبا جهل قال: زاحمتنا بنو عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كَفَرَسَيْ رِهَان، قالوا: منَّا نبيٌ يوحى إليه. والله لا نؤمن به ولا نَتَّبعِهُ أو أن يأتيَنَا وحي كما يأتيه، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. قال الزجاج: الهاء والميم تعود على الأكابر الذين جرى ذكرهم. وقال أبو سليمان: تعود على المجادلين في تحريم الميتة، قال مقاتل: والآية: انشقاق القمر، والدخان، قال ابن عباس في قوله تعالى: مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ قال: حتى يوحى إلينا، ويأتينا جبريل، فيخبرنا أن محمداً صادق. قال
[سورة الأنعام (6) : آية 125]
الضحاك: سأل كل واحد منهم أن يختص بالرسالة والوحي. قوله تعالى: «الله أعلم حيث يجعل رسالاته» وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: «رسالتَه» بنصب التاء على التوحيد والمعنى: أنهم ليسوا لها بأهل، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقاً لكنتُ أولى بها منك، لأني أكبرُ منك سناً، وأكثرُ منك مالاً، فنزل قوله تعالى: «الله أعلم حيث يجعل رسالاته» . وقال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل مبعثهم مطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه عليهم، فيقال: إنما كانوا رؤساء فاتُّبِعوا، فكان الله أعلم حيث جعل الرسالة ليتيم أبي طالب، دون أبي جهل والوليد، وأكابر مكة. قوله تعالى: سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ قال أبو عبيدة: الصَّغَار: أشد الذل. وقال الزجاج: المعنى: هم، وإن كانوا أكابر في الدّنيا، فسيصيبهم صغار عند الله، أي: صغار ثابت لهم عند الله. وجائز أن يكون المعنى: سيصيبهم عند الله صغار، وقال الفراء: معناه: صغار من عند الله، فحذفت «مِنْ» . وقال ابو رَوقْ: صغار في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة. [سورة الأنعام (6) : آية 125] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ قال مقاتل: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. قوله تعالى: يَشْرَحْ صَدْرَهُ قال ابن الاعرابي: الشرح: الفتح. قال ابن قتيبة: ومنه يقال: شرحتُ لك الأمر، وشرحتُ اللحم: إذا فتحتَه. وقال ابن عباس: «يشرحْ صدره» أي: يوسعْ قلبه للتوحيد والإيمان. (559) وقد روى ابن مسعود أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ، فقيل له: يا رسول الله، وما هذا الشرح؟ قال: «نور يقذفه الله في القلب، فينفتح القلب» . قالوا: فهل لذلك من أمارة؟ قال: «نعم» . قيل: وما هي؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» . قوله تعالى: ضَيِّقاً قرأ الأكثرون بالتشديد. وقرأ ابن كثير: «ضيقا» ، وفي (الفرقان) :
[سورة الأنعام (6) : آية 126]
«ضَيْقاً» «1» بتسكين الياء خفيفة. قال أبو علي: الضَّيِّق، والضَّيْق: مثل الميّت، والميْت. قوله تعالى: حَرَجاً قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: حَرَجاً بفتح الراء. وقرأ نافع، وابو بكر عن عاصم: بكسر الراء، قال الفراء: وهما لغتان. وكذلك قال يونس بن حبيب النحوي: هما لغتان، إلا أن الفتح أكثر على ألسنة العرب من الكسر، ومجراهما مجرى الدَّنَفِ والدَّنِفَ. وقال الزجاج: الحرج في اللغة: أضيق الضّيق. قوله تعالى: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «يصَّعد» بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير ألف. وقرأ أبو بكر عن عاصم: «يصّاعد» بتشديد الصاد وبعدها ألف. وقرأ ابن كثير: «يَصْعَد» بتخفيف الصاد والعين من غير ألف والصاد ساكنة، وقرأ ابن مسعود، وطلحة: «تصْعَدُ» بتاء من غير ألف. وقرأ أُبيُّ بن كعب: «يتصاعد» بألف وتاء. قال الزّجّاج: قوله تعالى: «كأنما يصّاعد في السماء» و «يصَّعَّد» ، أصله: «يتصاعد» ، و «يتصعد» ، إلا أن التاء تدغم في الصاد لقربها منها، والمعنى كأنه قد كُلِّف أن يَصْعَدَ إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه. ويجوز أن يكون المعنى: كأن قلبه يصعد في السماء نُبُوّاً عن الإسلام والحكمة. وقال الفراء: ضاق عليه المذهب، فلم يجد إلا أن يصعد في السماء، وليس يقدر على ذلك. وقال ابو علي: «يَصَّعَّد» و «يَصّاعد» : من المشقة، وصعوبة الشيء، ومنه قول عمر: ما تَصَعَّدني شيء كما تصعدتني خطبة النكاح، أي: ما شق عليَّ شيء مشقتها. قوله تعالى: كَذلِكَ أي: مثل ما قصصنا عليك. يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ وفيه خمسة أقوال: أحدها: أنه الشيطان، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. يعني: أن الله يسلِّطه عليهم. والثاني: أنه المأثم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنه مالا خير فيه، قاله مجاهد. والرابع: العذاب، قاله عطاء، وابن زيد، وأبو عبيدة. والخامس: أنه اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، قاله الزجاج. وهذه الآية تقطع كلام القَدَريَّة، إذ قد صرحت بأن الهداية والإضلال متعلّقة بإرادة الله تعالى. [سورة الأنعام (6) : آية 126] وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) قوله تعالى: وَهذا صِراطُ رَبِّكَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه القرآن، قاله ابن مسعود. والثاني: التوحيد، قاله ابن عباس. والثالث: ما هو عليه من الدِّين، قاله عطاء. ومعنى استقامته: أنه يؤدِّي بسالكه إلى الفوز، قال مكي بن أبي طالب: و «مستقيماً» : نصب على الحال من «صراط» ، وهذه الحال يقال لها: الحال المؤكدة، لأن صراط الله، لا يكون إلا مستقيماً، ولم يؤت بها لتفرق بين حالتين، إذ لا يتغير صراط الله عن الاستقامة أبدا، وليست هذه الحال كالحال من قولك: «هذا زيد راكباً» ، لأن زيداً قد يخلو من الرّكوب. [سورة الأنعام (6) : آية 127] لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (127) قوله تعالى: لَهُمْ دارُ السَّلامِ يعني الجنة. وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال: أحدها: أن السّلام،
[سورة الأنعام (6) : آية 128]
هو الله، وهي داره، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة والسدي. والثاني: أنها دار السلامة التي لا تنقطع، قاله الزجاج. والثالث: أن تحية أهلها فيها السلام، ذكره أبو سليمان الدمشقي. والرابع: أن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، ففي ابتداء دخولهم: ادْخُلُوها بِسَلامٍ «1» ، وبعد استقرارهم: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ «2» . وقوله تعالى: إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً «3» وعند لقاء الله سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ «4» ، وقوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ «5» . ومعنى: عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: مضمونة لهم عنده، وَهُوَ وَلِيُّهُمْ أي: متولي إيصال المنافع إليهم، ودفع المضار عنهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من الطّاعات. [سورة الأنعام (6) : آية 128] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) قوله تعالى: «ويوم نحشرهم جميعاً» يعني الجن والإنس. وقرأ حفص عن عاصم: «يحشرهم» بالياء. قال أبو سليمان: يعني: المشركين وشياطينهم الذين كانوا يوحون إليهم بالمجادلة لكم فيما حرَّمه الله من الميتة. قوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ فيه إضمار، فيقال لهم: يا معشر والمعشر: الجماعة أمرهم واحد، والجمع: المعاشر. وقوله: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أي: من إغوائهم وإضلالهم. وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ يعني الذين أضلهم الجن: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ فيه ثلاثة أقوال: (560) أحدها: أن استمتاع الإنس بالجن: أنهم كانوا إذا سافروا، فنزلوا وادياً، وأرادوا مبيتاً، قال أحدهم: أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر أهله واستمتاع الجن بالإنس: أنهم كانوا يفخرون على قومهم، ويقولون: قد سدنا الإنس حتى صاروا يعوذون بنا، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل، والفراء. والثاني: أن استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم فيما يغرونهم به من الضلالة والكفر والمعاصي. واستمتاع الإنس بالجن: أن الجن زَيَّنَتْ لهم الأمور التي يهوَوْنَها، وشَّهوْها إليهم حتى سهل عليهم فعلها، روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس، وبه قال محمد بن كعب، والزجاج. والثالث: أن استمتاع الجن بالإنس: إغواؤهم إياهم. واستمتاع الإنس بالجن: ما يتلقَّون منهم من السحر والكهانة ونحو ذلك. والمراد بالجن في هذه الآية: الشياطين. قوله تعالى: وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا فيه قولان: أحدهما: الموت، قاله الحسن، والسّدّيّ.
[سورة الأنعام (6) : آية 129]
والثاني: الحشر، ذكره الماوردي. قوله تعالى: قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ قال الزجاج: المثوى: المقام و «خالدين» منصوب على الحال. المعنى: النار مقامكم في حال خلود دائم إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ هو استثناء من يوم القيامة، والمعنى: خالِدِينَ فِيها مذ يبعثون إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من مقدار حشرهم من قبورهم، ومدتهم في محاسبتهم. ويجوز أن تكون إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن يزيدهم من العذاب. وقال بعضهم: إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب وقيل في هذا غير قول، ستجدها مشروحة في (هود) إن شاء الله. [سورة الأنعام (6) : آية 129] وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129) قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً في معناه أربعة اقوال «1» : أحدها: نجعل بعضهم أولياء بعض، رواه سعيد عن قتادة. والثاني: نُتْبِعُ بعضهم بعضاً في النار بأعمالهم من الموالاة، وهي المتابعة، رواه معمر عن قتادة. والثالث: نسلِّط بعضهم على بعض، قاله ابن زيد. والرابع: نكل بعضهم إلى بعض ولا نعينهم، ذكره الماوردي. قوله تعالى: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي: من المعاصي. [سورة الأنعام (6) : آية 130] يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130) قوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ قرأ الحسن، وقتادة: «تأتكم» بالتاء، سُلٌ مِنْكُمْ . واختلفوا في الرسالة إلى الجن على أربعة اقوال «2» : أحدها: أن الرسل كانت تبعث إلى الإِنس خاصة، وأن الله تعالى بعث محمّدا صلى الله عليه وسلم إلى الإِنس والجن، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن رسل الجن، هم الذين سمعوا القرآن، فولَّوا إلى قومهم منذرين، روي عن ابن عباس أيضاً. وقال مجاهد: الرسل من الإِنس، والنذر من الجن، وهم قوم يسمعون كلام الرسل، فيبلِّغون الجن ما
[سورة الأنعام (6) : آية 131]
سمعوا. والثالث: أن الله تعالى بعث إليهم رسلاً منهم، كما بعث إلى الإِنس رسلاً منهم، قاله الضحاك ومقاتل وأبو سليمان، وهو ظاهر الكلام. والرابع: أن الله تعالى لم يبعث إليهم رسلاً منهم وإنما جاءتهم رسل الإِنس، قاله ابن جريج والفراء والزجاج. قالوا: ولا يكون الجمع في قوله تعالى: لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ مانعاً أن تكون الرسل من أحد الفريقين، كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ، وإنما هو خارج من الملح وحده. وفي دخول الجن الجنة إذا آمنوا قولان: أحدهما: يدخلونها، ويأكلون ويشربون، قاله الضّحّاك. والثاني: ثوابهم أن يجاروا من النار ويصيروا تراباً، رواه سفيان عن ليث. قوله تعالى: قُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي أي: يقرءون عليكم كتبي، يُنْذِرُونَكُمْ أي: يخوّفونكم بيوم القيامة. وفي قوله تعالى: هِدْنا عَلى أَنْفُسِنا قولان: أحدهما: أقررنا على أنفسنا بانذار الرسل لنا. والثاني: شهد بعضنا على بعض بانذار الرسل إياهم. ثم أخبرنا الله تعالى بحالهم، فقال: غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: بزينتها وإمهالهم فيها شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي: أقروا أنهم كانوا في الدنيا كافرين. وقال مقاتل: ذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشّرك والكفر. [سورة الأنعام (6) : آية 131] ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (131) قوله تعالى: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ قال الزجاج: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل، وأمر عذاب من كذب، لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، أي: لا يهلكهم حتى يبعث إليهم رسولاً. قال ابن عباس: «بظلم» أي: بشرك وَأَهْلُها غافِلُونَ لم يأتهم رسول. [سورة الأنعام (6) : آية 132] وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) قوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا أي: لكل عامل بطاعة الله أو بمعصيته درجات، أي: منازل يبلغها بعمله، إن كان خيراً فخيراً، وإن كان شراً فشراً. وإنما سميت درجات لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط، كتفاضل الدرج. قوله تعالى: عَمَّا يَعْمَلُونَ قرأ الجمهور بالياء وقرأ ابن عامر بالتاء على الخطاب. [سورة الأنعام (6) : الآيات 133 الى 134] وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قوله تعالى: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ يريد: الغني عن خلقه ذُو الرَّحْمَةِ قال ابن عباس: بأوليائه وأهل طاعته. وقال غيره: بالكل. ومن رحمته تأخير الانتقام من المخالفين. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ بالهلاك وقيل: هذا الوعيد لأهل مكة وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ أي: ابتدأكم مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ يعني: آباءهم الماضين. إِنَّ ما تُوعَدُونَ به من مجيء السّعة والحشر لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي: بفائتين. قال أبو عبيدة: يقال: أعجزني كذا، أي: فاتني وسبقني.
[سورة الأنعام (6) : آية 135]
[سورة الأنعام (6) : آية 135] قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) قوله تعالى: عَلى مَكانَتِكُمْ وقرأ أبو بكر عن عاصم: «مكاناتكم» على الجمع. قال ابن قتيبة: أي: على موضعكم، يقال: مكان ومكانة، ومنزل ومنزلة. وقال الزجاج: اعملوا على تمكنكم. قال: ويجوز أن يكون المعنى: اعملوا على ما أنتم عليه. تقول للرجل إذا أمرته أن يثبت على حال: كن على مكانتك. قوله تعالى: إِنِّي عامِلٌ أي: عامل ما أمرني به ربي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو. وابن عامر، وعاصم: «تكون» بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي: بالياء. وكذلك خلافهم في (القصص) ، ووجه التأنيث، اللفظ، ووجه التذكير، أنه ليس بتأنيث حقيقي. وعاقبة الدار: الجنة. والظالمون ها هنا: المشركون. فان قيل: ظاهر هذه الآية أمرهم بالاقامة على ما هم عليه، وذلك لا يجوز. فالجواب: أن معنى هذا الأمر المبالغة في الوعيد فكأنه قال: أقيموا على ما أنتم عليه، إن رضيتم بالعذاب، قاله الزجاج. (فصل:) وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أن المراد بها التهديد فعلى هذا هي محكمة. والثاني: أن المراد بها ترك القتال، فعلى هذا هي منسوخة بآية السيف. [سورة الأنعام (6) : آية 136] وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (136) قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ قال ابن قتيبة: ذرأ، بمعنى خلق. مِنَ الْحَرْثِ وهو الزرع. (والأنعام) : الإبل والبقر والغنم، وكانوا إذا زرعوا، خطوا خطاً، فقالوا: هذا لله، وهذا لآلهتنا، فإذا حصدوا ما جعلوه لله، فوقع منه شيء فيما جعلوه لآلهتهم، تركوه وقالوا: هي إليه محتاجة وإذا حصدوا ما جعلوه لآلهتهم، فوقع منه شيء في مال الله، أعادوه إلى موضعه. وكانوا يجعلون من الأنعام شيئا لله فاذا ولدت إناثها ميِّتاً أكلوه، وإذا ولدت أنعام آلهتهم ميِّتاً عظموه فلم يأكلوه. وقال الزجاج: معنى الآية: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيباً، وجعلوا لشركائهم نصيباً، يدل عليه قوله تعالى: فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا، فدل بالإِشارة إلى النصيبين على نصيب الشركاء وكانوا إذا زكا ما لله، ولم يزكُ ما لشركائهم، ردوا الزاكي على أصنامهم، وقالوا: هذه أحوج، والله غني وإذا زكا ما للأصنام، ولم يزكُ ما لله، أقروه على ما به. قال المفسرون: وكانوا يَصرفون ما جعلوا لله إلى الضِّيفان والمساكين. فمعنى قوله: فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ أي: إلى هؤلاء. ويصرفون نصيب آلهتهم في الزرع إلى النفقة على خُدَّامها. فأما نصيبها في الأنعام، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان للنفقة عليها أيضاً. والثاني: أنهم كانوا يتقربون به، فيذبحونه لها. والثالث: أنه البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وقال الحسن: كان إذا هلك ما لأوثانهم غَرِموه، وإذا هلك ما لله لم يَغْرَمُوه. وقال
[سورة الأنعام (6) : آية 137]
ابن زيد: كانوا لا يأكلون ما جعلوه لله حتى يذكروا عليه اسم أوثانهم، ولا يذكرون الله على ما جعلوه للأوثان. فأما قوله: «بزَعمهم» فقرأ الجمهور: بفتح الزاي وقرأ الكسائي، والأعمش: بضمها. وفي الزعم ثلاث لغات: ضم الزاي، وفتحها، وكسرها ومثله: السُّقط، والسَّقط والسِّقط والفَتْك والفُتْك، والفِتْك والزَّعم، والزُّعم، والزِّعم، قال الفراء: فتح الزاي في الزَّعم، لأهل الحجاز وضمها لأسد وكسرها لبعض قيس فيما يحكي الكسائيّ. [سورة الأنعام (6) : آية 137] وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (137) قوله تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ أي: ومثل ذلك الفعل القبيح فيما قسموا بالجهل زيَّن. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون «وكذلك» مستأنفاً، غير مشارٍ به إلى ما قبله فيكون المعنى: وهكذا زيّن. وقرأ الجمهور: «زَيَّن» بفتح الزاي والياء، ونصب اللام من «قَتْلَ» ، وكسر الدال من «أولادِهم» ، ورفع «الشّركاء» ووجه هذه القراءة ظاهر. وقرأ ابن عامر: بضم زاي «زين» ، ورفع اللام، ونصب الدال من «أولادهم» ، وخفض «الشركاء» . قال أبو علي: ومعناها: قتلُ شركائهم أولادَهمُ ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به، وهذا قبيح، قليل في الاستعمال. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والحسن: «زُيِّن» بالرفع، «قتلُ» بالرفع أيضاً، «أولادِهم» بالجر، «شركاؤُهم» رفعاً. قال الفراء: رفع القتل إذا لم يسمَّ فاعله، ورفع الشركاء بفعل نواه، كأنه قال: زيَّنه لهم شركاؤهم. وكذلك قال سيبويه في هذه القراءة كأنه قيل: مَن زيَّنه؟ فقال: شركاؤهم. قال مكي بن أبي طالب: وقد روي عن ابن عامر أيضاً أنه قرأ بضم الزاي، ورفع اللام، وخفض الأولاد والشركاء فيصير الشركاء اسماً للأولاد، لمشاركتهم للآباء في النسب والميراث والدِّين. وللمفسرين في المراد بشركائهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم الشياطين، قاله الحسن، ومجاهد، والسدِّي. والثاني: شركاؤهم في الشرك، قاله قتادة. والثالث: قوم كانوا يخدمون الاوثان، قاله الفراء، والزجاج. والرابع: أنهم الغُواة من الناس، ذكره الماوردي. وإنما أضيف الشركاء إليهم، لأنهم هم الذين اختلقوا ذلك وزعموه. وفي الذي زيَّنوه لهم من قتل أولادهم قولان: أحدهما: أنه وأدْ البنات أحياءً خيفة الفقر، قاله مجاهد. والثاني: أنه كان يحلف أحدهم أنه إن ولد له كذا وكذا غلاماً أن ينحر أحدهم، كما حلف عبد المطلب في نحر عبد الله، قاله ابن السائب، ومقاتل. قوله تعالى: لِيُرْدُوهُمْ أي: ليهلكوهم. وفي هذه اللام قولان: أحدهما: أنها لام «كي» . والثاني: أنها لام العاقبة، كقوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا «1» أي: آل أمرهم إلى الردى، لا أنهم قصدوا ذلك. قوله تعالى: وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ أي: ليخلطوا. قال ابن عباس: ليُدخلوا عليهم الشك في دينهم وكانوا على دين إسماعيل، فرجعوا عنه بتزيين الشّياطين.
[سورة الأنعام (6) : آية 138]
قوله تعالى: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا دفنوا بناتهم قالوا: إن الله أمرنا بذلك فقال: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ أي: يكذبون وهذا تهديد ووعيد، فهو محكم، وقال قوم: مقصوده ترك قتالهم، فهو منسوخ بآية السيف. [سورة الأنعام (6) : آية 138] وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (138) قوله تعالى: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ الحرث: الزرع، والحجر: الحرام والمعنى: أنهم حرَّموا أنعاماً وحرثاً جعلوه لأصنامهم. قال ابن قتيبة: وإنما قيل للحرام: حجر، لأنه حُجر على الناس أن يصيبوه. وقرأ الحسن، وقتادة: «حُجْر» بضم الحاء. قال الفراء: يقال: حِجْر، وحُجْر، بكسر الحاء وضمها وهي في قراءة ابن مسعود: «حرج» ، مثل: «جذب» و «جبذ» . وفي هذه الأنعام التي جعلوها للأصنام قولان: أحدهما: أنها البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. والثاني: أنها الذبائح للأوثان، وقد سبق ذكرهما. قوله تعالى: لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ هو كقولك: لا يذوقها إلا من نريد. وفيمن أطلقوا له تناولها قولان: أحدهما: أنهم منعوا منها النساء، وجعلوها للرجال، قاله ابن السائب. والثاني: عكسه، قاله ابن زيد. قال الزجاج: أعلم الله عزّ وجلّ أن هذا التحريم زعم منهم، لا حجة فيه ولا برهان. وفي قوله تعالى: وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الحام، قاله ابن عباس. والثاني: البحيرة، كانوا لا يحجُّون عليها، قاله أبو وائل. والثالث: البحيرة، والسائبة، والحام، قاله السدي. قوله تعالى: وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا هي قربان آلهتهم، يذكرون عليها اسم الأوثان خاصة. وقال أبو وائل. هي التي كانوا لا يحجُّون عليها وقد ذكرنا هذا عنه في قوله تعالى: حُرِّمَتْ ظُهُورُها، فعلى قوله، الصفتان لموصوف واحد. وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء لا إن رُكِبوا ولا إن حملوا ولا إن حلبوا، ولا إن نتجوا. وفي قوله تعالى: افْتِراءً عَلَيْهِ قولان: أحدهما: أن ذكر أسماء أوثانهم وترك ذكر الله! هو الافتراء. والثاني: أن إضافتهم ذلك إلى الله تعالى، هو الافتراء لأنهم كانوا يقولون: هو حرّم ذلك. [سورة الأنعام (6) : آية 139] وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قوله تعالى: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ يعني بالأنعام: المحرمات عندهم، من البحيرة، والسائبة، والوصيلة. وللمفسرين في المراد بما في بطونها ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه اللبن،
[سورة الأنعام (6) : آية 140]
قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: الأجنَّة، قاله مجاهد. والثالث: الولد واللبن، قاله السدي، ومقاتل. قوله تعالى: خالِصَةٌ لِذُكُورِنا قرأ الجمهور: «خالصة» على لفظ التأنيث. وفيها أربعة أوجه. أحدها: أنه إنما أُنثت، لأن الأنعام مؤنثة، وما في بطونها مثلها، قاله الفراء. والثاني: أن معنى «ما» التأنيث، لأنها في معنى الجماعة فكأنه قال: جماعة ما في بطون هذه الأنعام خالصة، قاله الزجاج. والثالث: أن الهاء دخلت للمبالغة في الوصف، كما قالوا: «علاّمة» و «نسّابة» . والرابع: أنه أُجري مجرى المصادر التي تكون بلفظ التأنيث عن الأسماء المذكَّرة كقولك: عطاؤك عافية، والرخص نعمة، ذكرهما ابن الأنباري. وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، والضحاك، والأعمش، وابن أبي عبلة: «خالصٌ» بالرفع، من غير هاء. قال الفراء: وإنما ذُكِّر لتذكير «ما» . وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وعكرمة، وابن يعمر: «خالصُهُ» برفع الصاد والهاء على ضمير مذكَّر، قال الزجاج: والمعنى: ما خلص حياً. وقرأ قتادة: «خالصةً» بالنصب. فأما الذكور، فهم الرجال، والأزواج: النساء. قوله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً قرأ الأكثرون: «يكن» بالياء، «ميتة» بالنصب وذلك مردود على لفظ «ما» . والمعنى وإن يكن ما في بطون هذه الأنعام ميتة. وقرأ ابن كثير: «يكن» بالياء، «ميتةٌ» بالرفع. وافقه ابن عامر في رفع الميتة غير أنه قرأ: «تكن» بالتاء. والمعنى: وإن تحدث وتقع، فجعل «كان» : تامة لا تحتاج إلى خبر. وقرأ أبو بكر عن عاصم: «تكن» بالتاء، «ميتةً» بالنصب. والمعنى: وإن تكن الأنعام التي في البطون ميتة. قوله تعالى: فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ يعني الرجال والنساء. سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ قال الزجاج: أراد جزاء وصفهم الذي هو كذب. [سورة الأنعام (6) : آية 140] قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (140) قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ وقرأ ابن كثير، وابن عامر: «قتَّلوا» بالتشديد. قال ابن عباس: نزلت في ربيعة، ومضر، والذين كانوا يدفنون بناتهم أحياءً في الجاهلية من العرب. وقال قتادة: كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم بنته مخافة السبي والفاقة، ويغذو كلبه. قال الزجاج: وقوله: «سفهاً» منصوب على معنى اللام. تقديره: للسفه تقول: فعلت ذلك حذر الشر. وقرأ ابن السّميفع، والجحدريّ، ومعاذ القارئ: «سفهاء» برفع السين وفتح الفاء والهمزة بالمدّ وبالنصب والهمز. قوله تعالى: بِغَيْرِ عِلْمٍ: أي: كانوا يفعلون ذلك للسفه من غير أن أتاهم علم في ذلك وحرَّموا ما رزقهم الله من الأنعام والحرث، وزعموا أن الله أمرهم بذلك.
[سورة الأنعام (6) : آية 141]
[سورة الأنعام (6) : آية 141] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ فيه أربعة أقوال: أحدها: أن المعروشات ما انبسط على وجه الأرض، فانتشر مما يعرَّش، كالكرم، والقرع، والبِطيخ وغير معروشات: ما قام على ساق، كالنخل، والزرع، وسائر الأشجار. والثاني: أن المعروشات: ما أنبته الناس وغير معروشات: ما خرج في البراري والجبال من الثمار، رويا عن ابن عباس. والثالث: أن المعروشات، وغير المعروشات: الكرم، منه ما عرش، ومنه ما لم يعرش، قاله الضحاك. والرابع: أن المعروشات: الكروم التي قد عُرّش عنبها، وغير المعروشات: سائر الشّجر الذي لا يعرّش، قاله أبو عبيدة. والأُكُلُ: الثمر. وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً قد سبق تفسيره. قوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ هذا أمر إباحة وقيل: إنما قدَّم الأكل لينهى عن فعل الجاهلية في زروعهم من تحريم بعضها. قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قرأ ابن عامر، وعاصم وأبو عمرو: بفتح الحاء، وهي لغة أهل نجد، وتميم. وقرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، والكسائي: بكسرها، وهي لغة أهل الحجاز، ذكره الفراء. وفي المراد بهذا الحق قولان «1» : أحدهما: أنه الزكاة، روي عن أنس بن مالك، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، وجابر بن زيد، وابن الحنفية، وقتادة في آخرين فعلى هذا، الآية محكمة. والثاني: أنه حق غير الزكاةُ فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر، وترك ما سقط من الزرع والثمر، قاله عطاء ومجاهد. وهل نُسخ ذلك، أم لا؟ إن قلنا: إنه أمر وجوب، فهو منسوخ بالزكاة وإن قلنا: إنه أمر استحباب، فهو باقي الحكم. فان قيل: هل يجب إيتاء الحق يوم الحصاد؟ فالجواب: إن قلنا: إنه
[سورة الأنعام (6) : آية 142]
إطعام من حضر من الفقراء، فذلك يكون يوم الحصاد وإن قلنا: إنه الزكاة، فقد ذُكرت عنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن الأمر بالإِيتاء محمول على النخيل، لأن صدقتها تجب يوم الحصاد. فأما الزروع، فالأمر بالإيتاء منها محمول على وجوب الإخراج إلا أنه لا يمكن ذلك عند الحصاد فيؤخَّر إلى زمان التنقية، ذكره بعض السلف. والثاني: أن اليوم ظرف للحق، لا للايتاء فكأنه قال: وآتوا حقه الذي وجب يوم حصاده بعد التنقية. والثالث: أن فائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب فيه بنفس خروجه وبلوغه، إنما يجب يوم حصوله في يد صاحبه. وقد كان يجوز أن يتوهم أن الحق يلزم بنفس نباته قبل قطعه، فأفادت الآية أن الوجوب فيما يحصل في اليد، دون ما يتلف، ذكر الجوابين القاضي أبو يعلى. وفي قوله تعالى: وَلا تُسْرِفُوا ستة أقوال «1» : أحدها: أنه تجاوز المفروض في الزكاة إلى حد يُجحف به، قاله أبو العالية، وابن جريج. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن ثابت بن قيس بن شماس صرم خمسمائة نخلة، ثم قسمها في يوم واحد، فأمسى ولم يترك لأهله شيئا، فكره الله تعالى له ذلك، فنزلت: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. والثاني: أنّ الإسراف: يمنع الصدقة الواجبة! قاله سعيد بن المسيب. والثالث: أنه الإِنفاق في المعصية، قاله مجاهد، والزهري. والرابع: أنه إشراك الآلهة في الحرث والأنعام، قاله عطيّة، وابن السائب. والخامس: أنه خطاب للسلطان لئلا يأخذ فوق الواجب من الصدقة، قاله ابن زيد. والسادس: أنه الإسراف في الأكل قبل أداء الزّكاة، قاله ابن بحر. [سورة الأنعام (6) : آية 142] وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) قوله تعالى: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً هذا نسق على ما قبله والمعنى: أنشأ جنّاتٍ وأنشأ حمولة وفرشاً. وفي ذلك خمسة أقوال: أحدها: أن الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرشَ: صغارها، قاله ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وابن قتيبة. والثاني: أن الحمولة: ما انتفعت بظهورها، والفرش: الراعية، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أن الحمولة: الإبل: والخيل، والبغال، والحمير، وكل شيء يُحمَل عليه. والفرش: الغنم: رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والرابع:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 143 إلى 145]
الحمولة: من الإبل، والفرش: من الغنم، قاله الضحاك. والخامس: الحمولة: الإبل والبقر. والفرش: الغنم، وما لا يحمل عليه من الإبل، قاله قتادة. وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل وأبو الجوزاء: «حُمولة» بضم الحاء. قوله تعالى: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قال الزجاج: المعنى: لا تحرِّموا ما حرمتم مما جرى ذكره، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي: طرقه. قال: وقوله تعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ بدل من قوله تعالى: حَمُولَةً وَفَرْشاً. والزوج، في اللغة: الواحد الذي يكون معه آخر. قلت: وهذا كلام يفتقر إلى تمام، وهو أن يقال: الزوج: ما كان معه آخر من جنسه، فحينئذ يقال لكل واحد منهما: زوج. [سورة الأنعام (6) : الآيات 143 الى 145] ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) قوله تعالى: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ الضأن: ذوات الصوف من الغنم، والمعز: ذوات الشعر منها. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: من «المعَز» بفتح العين. وقرأ نافع، وحمزة، وعاصم، والكسائي: بتسكين العين. والمراد بالأنثيين: الذكر والأنثى. قُلْ آلذَّكَرَيْنِ من الضأن والمعز حرم الله عليكم أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ منها؟ المعنى: فان كان ما حرّم الله عليكم الذكرين. فكل الذكور حرام، وإن كان حرم الأنثيين، فكل الإناث حرام، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فهي تشتمل على الذكور، وتشتمل على الإناث، وتشتمل على الذكور والإناث، فيكون كل جنين حراماً. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: ألَحِقَكم التحريم من جهة الذّكرين، أم من جهة الأنثيين؟ فان قالوا: من جهة الذكرين حَرُم عليهم كل ذكر، وإن قالوا: من جهة الأنثيين، حرمت عليهم كل أُنثى، وإن قالوا: من جهة الرحم، حَرُمَ عليهم الذكر والأنثى. وقال ابن جرير الطبري: إن قالوا: حَرَّم الذكرين، أوجبوا تحريم كل ذكر من الضأن والمعز، وهم يستمتعون بلحوم بعض الذكران منها وظهوره، وفي ذلك فساد دعواهم. وإن قالوا: حرَّم الأنثيين أوجبوا تحريم لحوم كل أُنثى من ولد الضأن والمعز، وهم يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره. وإن قالوا: ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فقد كانوا يستمتعون ببعض ذكورها وإناثها. قال المفسرون: فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الآية والتي بعدها، لأنهم كانوا يحرِّمون أجناساً من النعم، بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال. وفي قوله تعالى: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ إبطال لما حرَّموه من البحيرة، والسائبة، والوصيلة والحام. وفي قوله تعالى: أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ، إبطال قولهم: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا. قوله تعالى: نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ قال الزجاج: المعنى: فسروا ما حرمتم بعلم، أي: أنتم لا علم
[سورة الأنعام (6) : آية 145]
لكم، لأنكم لا تؤمنون بكتاب. أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ أي: هل شاهدتم الله قد حرَّم هذا، إذا كنتم لا تؤمنون برسول؟ قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحي، ومن جاء بعده. والظّالمون ها هنا: المشركون. [سورة الأنعام (6) : آية 145] قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ نبْههم بهذا على أن التحريم والتحليل، إنما يثبت بالوحي، وقال طاوس، ومجاهد: معنى الآية: لا أجد محرماً مما كنتم تستحلون في الجاهلية إلا هذا. والمراد بالطاعم: الآكل. إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أي: إلا أن يكون المأكول ميتة. قرأ ابن كثير، وحمزة: «إلا أن يكون» بالياء، «ميتة» نصبا! وقرأ ابن عامر: «إلا أن تكون» بالتاء، «ميتةٌ» بالرفع على معنى: إلا أن تقع ميتةٌ، أو تحدث ميتةٌ. أَوْ دَماً مَسْفُوحاً قال قتادة: إنما حُرِّمَ المسفوحُ. فأما اللحم إذا خالطه دم، فلا بأس به. وقال الزجاج: المسفوح: المصبوب. وكانوا إذا ذَكَّوا يأكلون الدم كما يأكلون اللحم. والرجس: اسم لما يُستقذَر، وللعذاب. أَوْ فِسْقاً المعنى: أو أن يكون المأكول فسقا. أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي: رُفع الصوت على ذبحه باسم غير الله، فسمي ما ذُكر عليه غير اسم الله فسقاً والفسق: الخروج من الدين. (فصل:) اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين «1» :
[سورة الأنعام (6) : آية 146]
أحدهما: أنها محكمة. ولأرباب هذا القول في سبب إحكامها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها خبر، والخبر لا يدخله النسخ. والثاني: أنها جاءت جواباً عن سؤال سألوه فكان الجواب بقدر السؤال، ثم حُرِّم بعد ذلك ما حُرِّم. والثالث: أنه ليس في الحيوان محرم إلا ما ذُكر فيها. والقول الثاني: أنها منسوخة بما ذكر في (المائدة) من المنخنقة والموقوذة، وفي السُنَّةِ من تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير. وقيل: إن آية (المائدة) داخلة في هذه الآية، لأنّ تلك الأشياء كلّها ميتة. [سورة الأنعام (6) : آية 146] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (146) قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وقرأ الحسن، والأعمش: «ظُفْرٍ» بسكون الفاء وهذا التحريم تحريم بلوى وعقوبة. وفي ذي الظفر ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما ليس بمنفرج الأصابع، كالإبل، والنعام، والإوَزِّ، والبط، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسّدّيّ. والثاني: أنّه الإبل فقط، قاله ابن زيد. والثالث: كل ذي حافر من الدواب، ومخلب من الطير، قاله ابن قتيبة. قال: وسمي الحافر ظفراً على الإستعارة والعرب تجعل الحافر والأظلاف موضع القدم، استعارة وأنشدوا: سَأمْنْعُها أوْ سَوْفَ أجْعَلُ أمْرَهَا ... إلى مَلِكٍ أظلافُه لم تُشقَّق «1» أراد قدميه وإنما الأظلاف للشاء والبقر. قال ابن الأنباري: الظّفر ها هنا، يجري مجرى الظفر للانسان. وفيه ثلاث لغات أعلاهن: ظُفُر ويقال: ظُفْر، وأُظفور. وقال الشاعر: ألم تر أنَّ الموتَ أدْرَك مَنْ مَضَى ... فلم يُبْقِ منه ذا جناح وذا ظُفُر وقال الآخر: لقد كنتُ ذا نابٍ وظُفْرٍ على العِدَى ... فأصبحتُ ما يَخْشَوْنَ نابي ولا ظُفْري وقال الآخر: ما بين لُقمته الأولى إذا انحَدَرَتْ ... وبين أخرى تليها قِيْدُ أُظْفُور «2» وفي شحوم البقر والغنم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إنما حرّم من ذلك شحوم الثروب خاصة، قاله قتادة. والثاني: شحوم الثروب والكلى، قاله السدي، وابن زيد. والثالث: كل شحم لم يكن مختلطا
[سورة الأنعام (6) : آية 147]
بعظم، ولا على عظم، قاله ابن جريج. وفي قوله تعالى: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما علق بالظهر من الشحوم، قاله ابن عباس. والثاني: الأَليْةَ، قاله أبو صالح، والسدي. والثالث: ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما، قاله قتادة. فأما الحوايا، فللمفسرين فيها أقوال تتقارب معانيها. قال ابن عباس، والحسن، وابن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة: هي المباعر. وقال ابن زيد: هي بنات اللبن، وهي المرابض التي تكون فيها الأمعاء. وقال الفراء: الحوايا: هي المباعر، وبنات اللبن، وقال الاصمعي: هي بنات اللبن، واحدها: حاوياء، وحاوية، وحَويّة. قال الشاعر: أقْتُلُهم ولا أرى مُعاويه ... الجاحِظَ العَيْنِ العَظيمَ الحاويهْ «1» وقال الآخر: كأنَّ نقيق الحَبِّ في حاويائه ... فحيحُ الأفاعي أو نقيقُ العقارِب «2» وقال أبو عبيدة: الحوايا اسم لجميع ما تحوّى من البطن، أي: ما استدار منها. وقال الزجاج: الحوايا: اسم لجميع ما تحوّى من الأمعاء، أي: استدار. وقال ابن جرير الطبري: الحوايا: ما تحوّى من البطن. فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي المباعر، وتسمى: المرابض، وفيها الأمعاء. قوله تعالى: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ فيه قولان: أحدهما: أنه شحم البطن والألَيْة، لأنهما على عظم، قاله السدي. والثاني: كل شحم في القوائم، والجنب، والرأس. والعينين، والأذنين، فهو مما اختلط بعظم، قاله ابن جريج. واتفقوا على أن ما حملت ظهورهما حلال، بالاستثناء من التحريم. فأما ما حملت الحوايا، أو ما اختلط بعظم، ففيه قولان: أحدهما: أنه داخل في الاستثناء، فهو مباح والمعنى: وأُبيح لهم ما حملت الحوايا من الشّحم وما اختلط بعظم، وهذا قول الأكثرين. والثاني: أنه نسق على ما حرِّم، لا على الاستثناء فالمعنى: حرَّمنا عليهم شحومهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت الظهور، فانه غير محرم، قاله الزجاج. فأما «أو» المذكورة هاهنا، فهي بمعنى الواو، كقوله تعالى آثِماً أَوْ كَفُوراً. قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ أي: ذلك التحريم عقوبة لهم على بغيهم. وفي بغيهم قولان: أحدهما: أنه قتلهم الأنبياء، وأكلهم الربا. والثاني: أنه تحريم ما أحلّ لهم. [سورة الأنعام (6) : آية 147] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) قوله تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ. (561) قال ابن عباس: لمّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين: «هذا ما أُوحي إليَّ أنَّه محرَّم على المسلمين وعلى اليهود» ، قالوا: فانك لم تصب، فنزلت هذه الآية.
[سورة الأنعام (6) : آية 148]
وفي المكذبين قولان: أحدهما: المشركون، قاله ابن عباس. والثاني: اليهود، قاله مجاهد. والمراد بذكر الرحمة الواسعة، أنه لا يعجل بالعقوبة. والبأس: العذاب. وفي المراد بالمجرمين قولان: أحدهما: المشركون. والثاني: المكذّبون. [سورة الأنعام (6) : آية 148] سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148) قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أي: إذا لزمتْهم الحجة، وتيقَّنوا باطل ما هم عليه من الشّرك وتحريم ما لم يحرِّمه الله لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا، فجعلوا هذا حجة لهم في إقامتهم على الباطل فكأنهم قالوا: لو لم يرض ما نحن عليه، لحال بيننا وبينه، وإنما قالوا ذلك مستهزئين، ودافعين للاحتجاج عليهم، فيقال لهم: لم تقولون عن مخالفيكم: إنهم ضالُّون، وإنما هم على المشيئة أيضاً؟ فلا حجة لهم، لأنهم تعلَّقوا بالمشيئة، وتركوا الأمر، ومشيئة الله تعم جميع الكائنات، وأمره لا يعمّ مراداته، فعلى العبد اتباع الأمر، وليس له أن يتعلَّل بالمشيئة بعد ورود الأمر. قوله تعالى: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال ابن عباس: أي: قالوا لرسلهم مثلما قال هؤلاء لك، حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا أي: عذابنا. قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ أي: كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرَّمتم إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ لا اليقين و «إن» بمعنى «ما» . و «تخرصون» : تكذبون. [سورة الأنعام (6) : آية 149] قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قوله تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ قال الزجاج: حجَّته البالغة: تبيينه أنه الواحد، وإرساله الأنبياء بالحجج المعجزة. قال السدي: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ يوم أخذ الميثاق. [سورة الأنعام (6) : آية 150] قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) قوله تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ قال الزجاج: زعم سيبويه أن هَلُمَّ هاء ضمت إليها «لُمَّ» ، وجعلتا كالكلمة الواحدة فأكثر اللغات أن يقال: «هلمَّ» : للواحد والاثنين والجماعة بذلك جاء القرآن. ومن العرب من يثنِّي ويجمع ويؤنث، فيقول للذكر: «هلمَّ» وللمرأة: «هلمِّي» ، وللاثنين «هلمَّا» ، وللثنتين: «هلمَّا» ، وللجماعة: «هلمُّوا» ، وللنسوة: «هلمُمْن» . وقال ابن قتيبة: هَلُمَّ، بمعنى: «تعال» . وأهل الحجاز لا يثنُّونها ولا يجمعونها، وأهل نجد يجعلونها من «هَلْمَمَتْ» فيثنُّون ويجمعون ويؤنِّثون، وتوصل باللام، فيقال: «هلم لك» ، «وهلم لكما» . قال: وقال الخليل: أصلها «لُم» ، وزيدت الهاء في أولها. وخالفه الفراء فقال: أصلها «هل» ضم إليها «أُمّ» ، والرفعة التي في اللام من همزة «أُمّ» لما تركت انتقلت إلى ما قبلها وكذلك «اللهم» يرى أصلها: «يا ألله أمِّنا بخير» فكثرت في الكلام، فاختلطت، وتركت الهمزة. وقال ابن الانباري: معنى «هلم» : أقبل وأصله: «أُمَّ يا رجل» ، أي: «اقصد» ، فضموا «هل» إلى «أم» وجعلوهما حرفاً واحداً، وأزالوا «أم» عن التّصرّف،
[سورة الأنعام (6) : آية 151]
وحوّلوا ضمّة همزة «أم» إلى اللام، وأسقطوا الهمزة، فاتصلت الميم باللام. وإذا قال الرجل للرجل «هلم» ، فأراد أن يقول: لا أفعل، قال: «لا أهَلُمّ ولا أُهَلِمُّ» . قال مجاهد: هذه الآية جواب قولهم: إن الله حرم البحيرة، والسائبة. قال مقاتل: الذين يشهدون أن الله حرَّم هذا الحرث والأنعام، فَإِنْ شَهِدُوا أن الله حرَّمه فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ أي: لا تصدّق قولهم. [سورة الأنعام (6) : آية 151] قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً «ما» بمعنى «الذي» . وفي «لا» قولان: أحدهما: أنها زائدة كقوله تعالى: أَلَّا تَسْجُدَ. والثاني: أنها ليست زائدة، وإنّما هي باقية فعلى هذا القول، في تقدير الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون قوله: «أن لا تشركوا» ، محمولا على المعنى فتقديره: أتل عليكم أن لا تشركوا، أي أتل تحريم الشرك. والثاني: أن يكون المعنى: أوصيكم أن لا تشركوا، لأنّ قوله تعالى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحساناً، ذكرهما الزجاج. والثالث: أن الكلام تم عند قوله: حَرَّمَ رَبُّكُمْ. ثم في قوله: «عليكم» قولان: أحدهما: أنها إغراء، كقوله عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ «1» ، فالتقدير: عليكم أن لا تشركوا، ذكره ابن الانباري. والثاني: أن يكون بمعنى: فُرض عليكم، ووجب عليكم أن لا تشركوا. وفي هذا الشرك قولان: أحدهما: أنه ادعاء شريك مع الله عزّ وجلّ. والثاني: أنه طاعة غيره في معصيته. قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ يريد دفن البنات أحياءً، مِنْ إِمْلاقٍ أي: من خوف فقر. قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ فيه خمسة اقوال: أحدها: أن الفواحش: الزنا، وما ظهر منه: الإعلان به، وما بطن: الاستسرار به، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي. والثاني: أن ما ظهر: الخمر، ونكاح المحرمات. وما بطن: الزنا، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد. والثالث: أن ما ظهر: الخمر، وما بطن: الزنا، قاله الضحاك. والرابع: أنه عام في الفواحش. وظاهرها: علانيتها، وباطنها: سِرُّها، قاله قتادة. والخامس: أن ما ظهر: أفعال الجوارح، وما بطن: اعتقاد القلوب، ذكره الماوردي في تفسير هذا الموضع، وفي تفسير قوله: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ «2» . والنفس التي حرَّم الله: نفس مسلم أو معاهد. والمراد بالحقّ: ادن الشّرع. [سورة الأنعام (6) : آية 152] وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)
قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إنما خص مال اليتيم، لأن الطمع فيه، لقلِّة مراعيه وضعف مالكه أقوى. وفي قوله: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أربعة أقوال: أحدها: أنه أكل الوصي المصلح للمال بالمعروف وقت حاجته، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: التجارة فيه، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي. والثالث: أنه حفظه له إلى وقت تسليمه إليه، قاله ابن السائب. والرابع: أنه حفظه عليه، وتثميره له، قاله الزجاج. قال: و «حتى» محمولة على المعنى فالمعنى: احفظوه عليه حتى يبلغ أشده، فاذا بلغ أشده، فادفعوه إليه. فأما الأشُدُّ، فهو استحكام قوة الشباب والسنِّ. قال ابن قتيبة: ومعنى الآية: حتى يتناهى في النبات إلى حدِّ الرجال. يقال: بلغ أشده: إذا انتهى منتهاه قبل أن يأخذ في النقصان. وقال أبو عبيدة: الأَشُدُّ لا واحد له منه فان أُكرهوا على ذلك، قالوا: شَدَّ، بمنزلة: ضَبَّ والجمع: أضبّ. قاله ابن الانباري: وقال جماعة من البصريين: واحد الأشُدِّ: شُدٌ، بضم الشين. وقال بعض البصريين: واحد الأشُدِّ: شِدّةٌ، كقولهم: نِعمة، وأنْعُم. وقال بعض أهل اللغة: الأشُدُّ: اسم لا واحد له. وللمفسرين في الأشُد ثمانية أقوال: أحدها: أنه ثلاث وثلاثون سنة، رواه ابن جبير عن ابن عباس. والثاني: ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أربعون سنة، روي عن عائشة عليها السلام. والرابع: ثماني عشرة سنة، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. والخامس: خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة. والسادس: أربعة وثلاثون سنة، قاله سفيان الثوري. والسابع: ثلاثون سنة، قاله السدي. وقال: ثم جاء بعد هذه الآية: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ «1» فكأنه يشير إلى النسخ. والثامن: بلوغ الحلم، قاله زيد بن أسلم، والشعبي، ويحيى بن يعمر، وربيعة، ومالك بن أنس، وهو الصحيح. ولا أظن بالذين حكينا عنهم الأقوال التي قبله فسروا هذه الآية بما ذُكر عنهم، وإنما أظن أن الذين جمعوا التفاسير، نقلوا هذه الأقوال من تفسير قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ إلى هذا المكان، وذلك نهاية الأشُدِّ، وهذا ابتداء تمامه وليس هذا مثل ذاك. قال ابن جرير: وفي الكلام محذوف، ترك ذكره اكتفاءً بدلالة ما ظهر عما حُذف، لأن المعنى: حتى يبلغ أشده فإذا بلغ اشده، وآنستم منه رشدا، فادفعوا إليه ماله. وهذا الذي ذكره ابن جرير ليس بصحيح، لأنّ إيناس الرّشد استفيد من سورة (النساء) وكذلك أولياء اليتامى، فحُمل المطلق على المقيد. قوله تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ أي: أتمّوه ولا تنقصوا منه. وَالْمِيزانَ أي: وَزْنَ الميزان. والقسط: العدل. لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي: ما يسعها. ولا تضيق عنه. قال القاضي أبو يعلى: لما كان الكيل والوزن يتعذر فيهما التحديد بأقل القليل، كُلّفنا الاجتهاد في التحري، دون تحقيق الكيل والوزن. قوله تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا أي: إذا تكلمتم أو شهدتم، فقولوا الحق، ولو كان المشهود له أو عليه ذا قرابة. وعَهْد الله يشتمل على ما عهده إلى الخلق وأوصاهم به، وعلى ما أوجبه الإنسان على نفسه من نذر وغيره. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: لتذَّكَّروه وتأخذوا به. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «تذّكّرون» و «يذّكّرون» و «يذّكّر الإنسان» و «أن يذّكّر» ، و «ليذّكّروا» مشدّدا ذلك
[سورة الأنعام (6) : آية 153]
كلُّه. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم، وابن عامر كل ذلك بالتشديد، إلا قوله تعالى: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ فانهم خففوه. روى أبان، وحفص عن عاصم: «يذكرون» خفيفة الذال في جميع القرآن. قرأ حمزة، والكسائي: «يذّكّرون» مشدداً إذا كان بالياء، ومخفّفا إذا كان بالتاء. [سورة الأنعام (6) : آية 153] وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو: «وأنّ» بفتح الألف مع تشديد النون. قال الفراء: إن شئت جعلت «أن» مفتوحة بوقوع «أتل» عليها وإن شئت جعلتها خفضاً، على معنى: ذلكم وصاكم به، وبأن هذا صراطي مستقيماً. وقرأ ابن عامر بفتح الألف أيضاً، إلا أنه خفف النون، فجعلها مخففة من الثقيلة وحكم إعرابها حكم تلك. وقرأ حمزة، والكسائي: بتشديد النون مع كسر الألف. قال الفراء: وكسر الألف على الاستئناف. وفي الصراط قولان: أحدهما: أنه القرآن. والثاني: الإسلام. وقد بينا إعراب قوله: «مستقيما» . فأما «السُّبُل» ، فقال ابن عباس: هي الضلالات. وقال مجاهد: البدع والشبهات. وقال مقاتل: أراد ما حرَّموا على أنفسهم من الأنعام والحرث. فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ أي: فتضلِّكم عن دينه. [سورة الأنعام (6) : آية 154] ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) قوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ قال الزّجّاج: «ثمّ» ها هنا للعطف على معنى التلاوة فالمعنى: أتل ما حرم ربكم، ثم اتل عليكم ما آتاه الله موسى. وقال ابن الانباري: الذي بعد «ثم» مقدَّم على الذي قبلها في النية والتقدير: ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمّد صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ في قوله تعالى: تَماماً قولان: أحدهما: أنها كلمة متصلة بما بعدها تقول: أعطيتك كذا تماماً على كذا، وتماما لكذا، وهذا قول الجمهور. والثاني: أن قوله: تَماماً كلمة قائمة بنفسها، غير متصلة بما بعدها والتقدير: آتينا موسى الكتاب تماماً، أي: في دفعة واحدة، لم نفرِّق إنزاله كما فُرِّق إنزال القرآن، ذكره أبو سليمان الدمشقي. وفي المشار إليه بقوله: أَحْسَنُ أربعة أقوال: أحدها: أنه الله عزّ وجلّ: ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: تماماً على إحسان الله إلى أنبيائه، قاله ابن زيد. والثاني: تماما على إحسان الله تعالى إلى موسى وعلى هذين القولين، يكون «الذي» بمعنى «ما» . والقول الثاني: أنه إبراهيم الخليل عليه السلام فالمعنى: تماماً للنعمة على إبراهيم الذي أحسن في طاعة الله، وكانت نُبُوَّة موسى نعمة على إبراهيم، لأنه من ولده، ذكره الماوردي. والقول الثالث: أنه كل محسن من الانبياء، وغيرهم. وقال مجاهد: تماماً على المحسنين، أي: تماماً لكل محسن. وعلى هذا القول، يكون «الذي» بمعنى «مَن» ، و «على» بمعنى لام الجر ومن هذا قول العرب: أتم عليه، وأتم له. قال الراعي:
[سورة الأنعام (6) : آية 155]
رعته أشهرا وخلا عليها «1» أي: لها. قال ابن قتيبة: ومثل هذا أن تقول: أوصي بمالي للذي غزا وحج تريد: للغازين والحاجِّين. والقول الرابع: أنه موسى. ثم في معنى: «أحسن» قولان: أحدهما: أَحْسَنَ في الدنيا بطاعة الله عزّ وجلّ. قال الحسن، وقتادة: تماما لكرامته في الجنة إلى إحسانه في الدنيا. وقال الربيع: هو إحسان موسى بطاعته. وقال ابن جرير: تماماً لنعمنا عنده على إحسانه في قيامه بأمرنا ونهينا. والثاني: أحسن في العلم وكُتُبَ اللهِ القديمةِ وكأنه زيد على ما أحسنه من التوراة ويكون «التمام» بمعنى الزيادة، ذكره ابن الانباري. فعلى هذين القولين، يكون «الذي» بمعنى: «ما» . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رزين، والحسن، وابن يعمر: «على الذي أحسنُ» ، بالرفع. قال الزجاج: معناه: على الذي هو أحسن الأشياء. وقرأ عبد الله بن عمرو، وأبو المتوكل، وأبو العالية: «على الذي أُحْسِنَ» برفع الهمزة وكسر السين وفتح النون وهي تحتمل الإحسان، وتحتمل العلم. قوله تعالى: وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ أي: تبياناً لكل شيء من أمر شريعتهم مما يحتاجون إلى علمه، لكي يؤمنوا بالبعث والجزاء. [سورة الأنعام (6) : آية 155] وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) قوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ يعني القرآن، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا أن تخالفوه لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. قال الزّجّاج: لتكونوا راجين للرّحمة. [سورة الأنعام (6) : آية 156] أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) قوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا. سبب نزولها: (562) أن كفار مكة قالوا: قاتل الله اليهود والنصارى، كيف كذّبوا أنبياءهم فو الله لو جاءنا نذير وكتاب، لكنَّا أهدى منهم، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. قال الفراء: «أن» في موضع نصب في مكانين: أحدهما: أنزلناه لئلا تقولوا. والآخر: من قوله: واتقوا أن تقولوا. وذكر الزجاج عن البصريين، أن معناه: أنزلناه، كراهة أن تقولوا ولا يجيزون إضمار «لا» . فأما الخطاب بهذه الآية، فهو لأهل مكة والمراد إثبات الحجة عليهم بانزال القرآن كي لا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على اليهود والنصارى، وكنا غافلين عمّا فيهما. و «دراستهم» : قراءتهم الكتاب. قال الكسائي. وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ لا نعلم ما هي، لأن كتبهم لم تكن بلُغَتِنَا، فأنزل الله كتاباً بلغتهم لتنقطع حجّتهم.
[سورة الأنعام (6) : آية 157]
[سورة الأنعام (6) : آية 157] أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) قوله تعالى: لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ قال الزجاج: إنما كانوا يقولون هذا، لأنهم مُدِلُّون بالأذهان والأفهام، وذلك أنهم يحفظون أشعارهم وأخبارهم، وهم أُمِّيُّون لا يكتبون. فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ أي: ما فيه البيان وقطع الشبهات. قال ابن عباس: فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ أي: حجة، وهو النبي، والقرآن، والهدى، والبيان، والرحمة، والنعمة. فَمَنْ أَظْلَمُ أي: أكفر مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ يعني محمداً والقرآن. وَصَدَفَ عَنْها: أعرض فلم يؤمن بها. وسوء العذاب: قبيحه. [سورة الأنعام (6) : آية 158] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ أي: ينتظرون إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «تأتيهم» بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي: «يأتيهم» بالياء. وهذا الإتيان لقبض أرواحهم. وقال مقاتل: المراد بالملائكة: ملك الموت وحده. قوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ قال الحسن: أو يأتي أمْرُ ربك. وقال الزجاج: أو يأتيَ إهلاكه وانتقامه، إمِّا بعذاب عاجل، أو بالقيامة. قوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ وروى عبد الوارث إلا القزاز: بتسكين ياء «أو يأتي» ، وفتحها الباقون. وفي هذه الآية أربعة أقوال: (563) أحدها: أنه طلوع الشمس من مغربها، رواه أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن مسعود في رواية زرارة بن أوفى عنه، وعبد الله بن عمرو، ومجاهد وقتادة، والسدي. (564) وقد روى البخاري، ومسلم في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فاذا طلعت ورآها الناس، آمن مَن عليها، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً» . (565) وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزال التّوبة مقبولة حتى
[سورة الأنعام (6) : آية 159]
تطلع الشمس من مغربها، فاذا طلعت، طُبع على كلّ قلب بما فيه، وكفي الناس العمل» . والثاني: أنه طلوع الشمس والقمر من مغربهما، رواه مسروق عن ابن مسعود. والثالث: أنه إحدى الآيات الثلاث، طلوع الشمس من مغربها، والدابة، وفتح يأجوج ومأجوج، روى هذا المعنى القاسم عن ابن مسعود. والرابع: أنه طلوع الشمس من مغربها، والدجَّال، ودابة الأرض، قاله أبو هريرة والأول أصح. والمراد بالخير ها هنا: العمل الصالح وإنما لم ينفع الإيمان والعمل الصالح حينئذ، لظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان. وقال الضحاك: من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه، قبِل منه، كما يقبل منه قبل الآية. وقيل: إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها، أن الملحدة والمنجمين، زعموا أن ذلك لا يكون، فيريهم الله تعالى قدرته، ويطلعها من المغرب كما أطلعها من المشرق، ولتحقق عجز نمرود حين قال له إبراهيم: فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ «1» . (فصل:) وفي قوله: قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ قولان: أحدهما: أن المراد به التهديد، فهو محكم. والثاني: أنه أمر بالكف عن القتال، فهو منسوخ بآية السيف. [سورة الأنعام (6) : آية 159] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «فرّقوا» مشددة. وقرأ حمزة، والكسائي: «فارقوا» بألف. وكذلك قرءوا في (الروم) فمن قرأ: «فرّقوا» ، أراد: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض. ومن قرأ: «فارقوا» ، أراد: باينوا. وفي المشار إليهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم أهل الضلالة من هذه الأمة، قاله أبو هريرة. والثاني: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والسدي. والثالث: اليهود، قاله مجاهد. والرابع: جميع المشركين، قاله الحسن. فعلى هذا القول، دينهم: الكفر الذي يعتقدونه ديناً، وعلى ما قبله، دينهم: الذي أمرهم الله به. والشِّيَع: الفرق والأحزاب. قال الزجاج: ومعنى «شيّعتُ» في اللغة: اتبعت. والعرب تقول: شاعكم السلام، وأشاعكم، أي: تبعكم. قال الشاعر: ألا يا نَخْلَةً مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ... بَرُوْدِ الظِّلِّ شَاعَكُم السَّلاَمُ «2» وتقول: أتيتك غداً، أو شِيَعة، أي: أو اليوم الذي يتبعه. فمعنى الشيعة: الذين يتبع بعضهم بعضاً، وليس كلهم متّفقين.
[سورة الأنعام (6) : آية 160]
وفي قوله تعالى: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ قولان: أحدهما: لست من قتالهم في شيء ثم نسخ بآية السيف، وهذا مذهب السدي. والثاني: لست منهم، أي: أنت بريء منهم، وهم منك برآء، إنما أمرهم إلى الله في جزائهم، فتكون الآية محكمة. [سورة الأنعام (6) : آية 160] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وقرأ يعقوب، والقزاز عن عبد الوارث: «عَشْرٌ» بالتنوين، «أمثالُها» بالرفع. قال ابن عباس: يريد من عَمِلَها، كتبت له عشر حسنات. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا جزاء مِثْلَها. وفي الحسنة والسيئة ها هنا قولان: أحدهما: أن الحسنة: قول لا إله إلا الله. والسيئة: الشرك، قاله ابن مسعود، ومجاهد، والنخعي. والثاني: أنه عام في كل حسنة وسيئة. (566) روى مسلم في «صحيحه» من حديث أبي ذرّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عزّ وجلّ: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أَزِيدُ، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أَغْفِر» . فان قيل: إذا كانت الحسنة كلمة التوحيد، فأي مثل لها حتى يجعل جزاءُ قائلها عشر أمثالها؟ فالجواب: أن جزاء الحسنة معلوم القدر عند الله، فهو يجازي فاعلها بعشر أمثاله، وكذلك السيئة. وقد أشرنا إلى هذا في (المائدة) عند قوله: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً «1» . فان قيل: المثل مذكَّر، فلم قال: عَشْرُ أَمْثالِها والهاء إنما تسقط في عدد المؤنث؟ فالجواب: أن الأمثال خلقت حسنات مؤنثة وتلخيص المعني: فله عشر حسنات أمثالها، فسقطت الهاء من عشر، لأنها عدد مؤنَّث، كما تسقط عند قولك: عشر نعال، وعشر جباب. [سورة الأنعام (6) : آية 161] قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قوله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال الزجاج: أي: دلَّني على الدين الذي هو دين الحق. ثم فسَّر ذلك بقوله: دِيناً قِيَماً قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: «قيما» مفتوحة القاف،
[سورة الأنعام (6) : الآيات 162 إلى 163]
مشددة الياء. والقيم: المستقيم. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «قِيَماً» بكسر القاف وتخفيف الياء. قال الزجاج: وهو مصدر، كالصِّغَر والكِبَر. وقال مكي: من خففه بناه على «فِعَل» وكان أصله أن يأتي بالواو، فيقول: «قِوَماً» كما قالوا: عِوَض، وحِوَل، ولكنه شذ عن القياس. قال الزجاج: ونصب قوله: دِيناً قِيَماً محمول على المعنى، لأنه لما قال: «هداني» دل على عرّفني ديناً ويجوز أن يكون على البدل من قوله: إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فالمعنى: هداني صراطاً مستقيماً ديناً قيماً. و «حنيفاً» منصوب على الحال من إبراهيم، والمعنى: هداني ملّة إبراهيم في حال حنيفيّته. [سورة الأنعام (6) : الآيات 162 الى 163] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي يريد: الصلاة المشروعة. والنّسك: جمع نسيكة. وفي النّسك ها هنا أربعة أقوال: أحدها: أنها الذبائح قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وابن قتيبة. والثاني: الدين، قاله الحسن. والثالث: العبادة. قال الزجاج: النسك كلُّ ما تُقُرِّب به إلى الله عزّ وجلّ، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح. والرابع: أنه الدين، والحج، والذبائح، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قوله تعالى: وَمَحْيايَ وَمَماتِي الجمهور على تحريك ياء «محياي» ، وتسكين ياء «مماتي» . وقرأ نافع: بتسكين ياء «محياي» ، ونصب ياء «مماتي» ، ثم للمفسرين في معناه قولان: أحدهما: أن معناه: لا يملك حياتي ومماتي إلا الله. والثاني: حياتي لله في طاعته، ومماتي لله في رجوعي إلى جزائه. ومقصود الآية أنه أخبرهم أن أفعالي وأحوالي لله وحده، لا لغيره كما تشركون أنتم به. قوله تعالى: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قال الحسن، وقتادة: أوّل المسلمين من هذه الأمّة. [سورة الأنعام (6) : آية 164] قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) قوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا. (567) سبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع عن هذا الأمر، ونحن لك الكُفلاء بما أصابك من تبعة، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. قوله تعالى: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها أي: لا يُؤْخذُ سواها بعملها. وقيل: المعنى: إلا عليها عقاب معصيتها، ولها ثواب طاعتها. وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى قال الزجاج: لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى. والمعنى: لا يؤخذ أحد بذنب غيره. قال أبو سليمان: ولما ادَّعت كل فرقة من اليهود والنصارى والمشركين أنهم أولى بالله من غيرهم. عرفهم أنه الحاكم بينهم بقوله تعالى:
[سورة الأنعام (6) : آية 165]
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، ونظيره: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «1» . [سورة الأنعام (6) : آية 165] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ قال أبو عبيدة: الخلائف: جمع خليفة. قال الشماخ: تُصيْبُهُمُ وتُخْطُئُني المَنايا ... وأخْلُفُ في رُبُوعٍ عَنْ رُبوع «2» وللمفسرين فيمن خلفوه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم خلفوا الجن الذين كانوا سكان الأرض قاله ابن عباس. والثاني: أن بعضهم يخلف بعضاً قاله ابن قتيبة. والثالث: أن أمة محمد خلفت سائر الأمم، ذكره الزجاج. قوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ أي: في الرزق، والعلم، والشرف، والقوة، وغير ذلك لِيَبْلُوَكُمْ أي: ليختبركم، فيظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب. قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ فيه قولان: أحدهما: أنه سماه سريعاً، لأنه آتٍ، وكل آتٍ قريبٌ. والثاني: أنه إذا شاء العقوبة، أسرع عقابه.
سورة الأعراف
سورة الأعراف (فصل في نزولها:) روى العوفي، وابن أبي طلحة، وأبو صالح عن ابن عباس، أن سورة (الأعراف) من المكّيّ، وهذا قول الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وجابر بن زيد، وقتادة. وروي عن ابن عباس، وقتادة أنها مكّيّة، إلّا خمس آيات أوّلها قوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ «1» . وقال مقاتل: كلّها مكّيّة، إلّا قوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ إلى قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «2» فإنهنّ مدنيّات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الأعراف (7) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المص (1) فأما التفسير، فقوله تعالى: المص قد ذكرنا في أول سورة البقرة كلاماً مجملاً في الحروف المقطعة أوائلَ السور، فهو يعم هذه أيضاً. فأما ما يختص بهذه الآية ففيه سبعة أقوال: أحدها: أن معناه: أنا الله أعلم وأفضل، رواه أبو الضحى عن ابن عباس. والثاني: أنه قَسَمٌ أقسم الله به، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أنها اسم من أسماء الله تعالى، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: أن الألف مفتاح اسمه «الله» ، واللام مفتاح اسمه «لطيف» ، والميم مفتاح اسمه «مجيد» ، قاله أبو العالية «3» . والخامس: أن المص اسم للسورة، قاله الحسن. والسادس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. والسابع: أنها بعض كلمة. ثم في تلك الكلمة قولان: أحدهما: المصوّر، قاله السدي. والثاني: المصير إلى كتاب أنزل إليك، ذكره الماوردي. [سورة الأعراف (7) : آية 2] كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) قوله تعالى: كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ قال الأخفش: رفع الكتاب بالابتداء. ومذهب الفراء أن الله تعالى اكتفى في مفتَتَح السور ببعض حروف المعجم عن جميعها، كما يقول القائل: «اب ت ث»
[سورة الأعراف (7) : آية 3]
ثمانية وعشرون حرفا فالمعنى: حروف المعجم: كتاب أنزلناه إليك. قال ابن الانباري: ويجوز أن يرتفع الكتاب باضمار: هذا الكتاب. وفي الحرج قولان: أحدهما: أنه الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة. والثاني: أنه الضيق، قاله الحسن، والزجاج. وفي هاء «منه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الكتاب فعلى هذا، في معنى الكلام قولان: أحدهما: لا يضيقنَّ صدرك بالإبلاغ، ولا تخافنَّ، قاله الزجاج. والثاني: لا تشُكَنَّ أنه من عند الله. والقول الثاني: أنها ترجع إلى مضمر، وقد دل عليه الإِنذار، وهو التكذيب، ذكره ابن الانباري. قال الفراء: فمعنى الآية: لا يضيقنَّ صدرك إن كذبوك. قال الزجاج: وقوله تعالى: لِتُنْذِرَ بِهِ مقدَّم والمعنى: أُنزل إليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، فلا يكن في صدرك حرج منه. وَذِكْرى يصلح أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض فأما النصب، فعلى قوله: أُنزل إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين أي ولتذكِّرَ به ذكرى، لان في الإنذار معنى التذكير. ويجوز الرفع على أن يكون: وهو ذكرى، كقولك: وهو ذكرى للمؤمنين. فأما الخفض، فعلى معنى: لتنذر، لأن معنى «لتنذر» : لأن تنذر المعنى للانذار والذكرى، وهو في موضع خفض. [سورة الأعراف (7) : آية 3] اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (3) قوله تعالى: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ إن قيل: كيف خاطبه بالإفراد في الآية الأولى، ثم جمع بقوله: «اتبعوا» ؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه لما علم أن الخطاب له ولأمته، حسن الجمع لذلك المعنى. والثاني: أن الخطاب الأول خاص له والثاني محمول على الإِنذار، والإِنذار في طريق القول، فكأنه قال: لتقول لهم منذرا: اتَّبِعُوا ... ، ذكرهما ابن الانباري. والثالث: أن الخطاب الثاني للمشركين، ذكره جماعة من المفسّرين قالوا: والذي أنزل إليهم القرآن. وقال الزجاج: الذي أنزل: القرآن وما أتى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لأنه مما أنزل عليه، لقوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «1» . وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي: لا تتولوا مَنْ عدل عن دين الحق، وكلُّ من ارتضى مذهباً فهو ولي أهل المذهب. وقوله تعالى: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ما: زائدة مؤكِّدة والمعنى: قليلاً تتذكرون. قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: «تذّكّرون» مشددة الذال والكاف. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «تذكّرون» خفيفة الذال مشددة الكاف. قال أبو علي: من قرأ «تذَّكرون» بالتشديد، أراد «تتذكرون» فأدغم التاء في الذال، وإدغامها فيها حسن، لأن التاء مهموسة، والذال مجهورة والمجهور أزيد صوتاً من المهموس وأقوى فإدغام الأنقص في الأزيد حسن. فأما حمزة ومن وافقه، فانهم حذفوا التاء التي أدغمها هؤلاء، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة. وقرأ ابن عامر: «يتذكرون» بياء وتاء، على الخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلم والمعنى: قليلاً ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب. [سورة الأعراف (7) : آية 4] وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4) قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها، و «كم» تدل على الكثرة، و «رب» : موضوعة للقلّة. قال
[سورة الأعراف (7) : آية 5]
الزجاج: المعنى: وكم من أهل قرية، فحذف الأهل، لأن في الكلام دليلاً عليه. وقوله تعالى: فَجاءَها بَأْسُنا محمول على لفظ القرية والمعنى: فجاءهم بأسنا غفلة وهم غير متوقعين له إما ليلاً وهم نائمون، أو نهاراً وهم قائلون. قال ابن قتيبة: بأسنا: عذابنا، وبياتا: ليلاً. وقائلون: من القائلة نصف النهار. فان قيل: إنما أتاها البأس قبل الإهلاك، فكيف يقدَّم الهلاك؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن الهلاك والبأس يقعان معاً، كما تقول: أعطيتني فأحسنت وليس الإحسان بعد الإِعطاء ولا قبله، وإنما وقعا معاً، قاله الفراء. والثاني: أن الكون مضمر في الآية، تقديره: أهلكناها، وكان بأسنا قد جاءها، فأُضمر الكون، كما أُضمر في قوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ «1» ، أي: ما كانت الشياطين تتلوه، وقوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ «2» ، أي: إن يكن سرق. والثالث: أن في الآية تقديماً وتأخيراً، تقديره: وكم من قرية جاءها بأسنا بياتاً، أو هم قائلون فأهلكناها، كقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ «3» أي: رافعك ومتوفيك، ذكرهما ابن الانباري. قوله تعالى: أَوْ هُمْ قائِلُونَ قال الفراء: فيه واو مضمرة والمعنى: فجاءها بأسنا بياتاً، أو وهم قائلون، فاستثقلوا نسقا على نسق. [سورة الأعراف (7) : آية 5] فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5) قوله تعالى: فَما كانَ دَعْواهُمْ قال اللغويون: الدّعوى ها هنا بمعنى الدعاء والقول. والمعنى: ما كان قولهم وتداعيهم إذ جاءهم العذاب إلا الاعتراف بالظلم. قال ابن الانباري: وللدعوى في الكلام موضعان: أحدهما: الإدعاء. والثاني: القول والدعاء. قال الشاعر: إذا مَذِلَتْ رِجْلي دعوتُكِ أشْتفي ... بدَعْواكِ مِنْ مذل بها فيهون «4» [سورة الأعراف (7) : الآيات 6 الى 7] فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (7) قوله تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يعني: الأمم يُسأَلون: هل بلَّغكم الرُّسُلُ وماذا أجبتم؟ ويسأل الرسل: هل بَلَّغتم، وماذا أُجبتم؟. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أي: فلنُخبرنَّهم بما عملوا بعلم منا وَما كُنَّا غائِبِينَ عن الرسل والأمم. وقال ابن عباس: يوضع الكتاب، فيتكلّم بما كانوا يعملون. [سورة الأعراف (7) : الآيات 8 الى 9] وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9) قوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ أي: العدل. وإنما قال: «موازينه» لأن «من» في معنى جميع، يدل عليه قوله: فَأُولئِكَ. وفي معنى يَظْلِمُونَ قولان: أحدهما: يجحدون. والثاني: يكافرون. قال الفراء: والمراد بموازينه: وزنه. والعرب تقول: هل لك في درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان دارك، ووزن دارك ويريدون: حذاء دارك. قال الشاعر:
قَدْ كنتُ قَبْلَ لقائكم ذا مِرّةٍ ... عندي لكلِّ مُخَاصِمٍ ميزانُه «1» يعني: مثل كلامه ولفظه. (فصل:) والقول بالميزان مشهور في الحديث، وظاهر القرآن ينطق به. وأنكرت المعتزلة ذلك، وقالوا: الأعمال أعراض، فكيف توزن؟ فالجواب: أن الوزن يرجع إلى الصحائف، بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: (568) «إنّ الله عزّ وجلّ يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الناس يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سِجِلاً، كُلُّ سِجِلٍّ مدُّ البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظُلم عليك اليوم، فيُخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فتوضع السجِلاَّت في كفة، والبطاقة في كفة قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة» أخرجه أحمد في «مسنده» ، والترمذي. (569) وروى أبو هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب، فلا يزن جناح بعوضة» ، فعلى هذا يوزن الإنسان. قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان، له لسان وكِفّتان. فأما المؤمن، فيؤتى بعمله في أحسن صورة، فيوضع في كفة الميزان، فيخف وزنه. وقال الحسن: للميزان لسان وكفتان. وجاء في الحديث: (570) أن داود عليه السلام سأل ربه ان يريه الميزان، فأراه إياه فقال: يا إلهي، من يقدر أن يملأ كفتيه حسنات؟ فقال: يا داود، إني إذا رضيت عن عبدي، ملأتها بتمرة. وقال حذيفة: جبريل صاحب الميزان يوم القيامة يقول له ربه: زن بينهم، ورُدَّ من بعضهم على بعض فيرد على المظلوم من الظالم ما وجد له من حسنة. فان لم تكن له حسنة، أخذ من سيئات المظلوم، فرد على سيئات الظالم، فيرجع وعليه مثل الجبل. فإن قيل: أليس الله عزّ وجلّ يعلم مقادير الأعمال، فما الحكمة في وزنها؟ فالجواب أن فيه خمسة حكم: إِحداها: امتحان الخلق بالإِيمان بذلك في الدنيا. والثانية: إظهار علامة السعادة والشقاوة في الأخرى. والثالثة: تعريف العباد ما لهم من خير وشر. والرابعة: إقامة
[سورة الأعراف (7) : آية 10]
الحجة عليهم. والخامسة: الإعلام بأن الله عادل لا يظلم. ونظير هذا أنه أثبت الاعمال في كتاب، واستنسخها من غير جواز النسيان عليه. [سورة الأعراف (7) : آية 10] وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (10) قوله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ فيه قولان: أحدهما: مكنَّاكم إياها. والثاني: سهَّلنا عليكم التصرف فيها. وفي المعايش قولان: أحدهما: ما تعيشون به من المطاعم والمشارب. والثاني: ما تتوصَّلون به إلى المعايش، من زراعة، وعمل، وكسب. وأكثر القراء على ترك الهمز في «معايش» وقد رواها خارجة عن نافع مهموزة. قال الزجاج: وجميع النحويين البصريين يزعمون أن همزها خطأ، لأن الهمز إنما يكون في الياء الزائدة، نحو صحيفة وصحائف فصحيفة من الصحف والياء زائدة، فأما معايش، فمن العيش فالياء أصلية. قوله تعالى: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي: شكركم قليل. وقال ابن عباس: يريد أنكم غير شاكرين. [سورة الأعراف (7) : آية 11] وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ فيه ثمانية أقوال «1» : أحدها: ولقد خلقناكم في ظهر
[سورة الأعراف (7) : آية 12]
آدم، ثم صورناكم في الأرحام، رواه عبد الله بن الحارث عن ابن عباس. والثاني: ولقد خلقناكم في أصلاب الرجال، وصورناكم في أرحام النساء، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. والثالث: «ولقد خلقناكم» ، يعني آدم، «ثم صورَّناكم» ، يعني ذريته من بعده رواه العوفي عن ابن عباس. والرابع: «ولقد خلقناكم» ،: يعني آدم، «ثم صورناكم» في ظهره، قاله مجاهد. والخامس: «خلقناكم» نطفاً في أصلاب الرجال، وترائب النساء، «ثم صورَّناكم» عند اجتماع النطف في الأرحام، قاله ابن السائب. والسادس: «خلقناكم» في بطون أُمهاتكم، «ثم صورناكم» فيما بعد الخلق بشقّ السّمع والبصر، قاله معمر. والسابع: «خلقناكم» ، يعني آدم خلقناه من تراب، «ثم صورناكم» ، أي: صوَّرناه، قاله الزجاج، وابن قتيبة. قال ابن قتيبة: فجعل الخلق لهم إذ كانوا منه فمن قال: عنى بقوله: «خلقناكم» آدم، فمعناه: خلقنا أصلكم ومن قال: صورنا ذريته في ظهره، أراد إخراجهم يوم الميثاق كهيئة الذر. والثامن: «ولقد خلقناكم» يعني الأرواح، «ثم صورناكم» يعني الأجساد، حكاه القاضي أبو يعلى في «المعتمد» . وفي «ثم» المذكورة مرتين قولان: أحدهما: أنها بمعنى الواو، قاله الأخفش. والثاني: أنها للترتيب، قاله الزجاج. [سورة الأعراف (7) : آية 12] قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ «ما» استفهام، ومعناها الإنكار. قال الكسائيّ: «لا» ها هنا زائدة. والمعنى: ما منعك أن تسجد؟. وقال الزجاج: موضع «ما» رفع. والمعنى أي شيء منعك من السجود؟ و «لا» زائدة مؤكدة ومثله: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ «1» قال ابن قتيبة: وقد تزاد «لا» في الكلام. والمعنى: طرحُها لإباءٍ في الكلام، أو جحد، كهذه الآية. وإنما زاد «لا» لأنه لم يسجد. ومثله: أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ «2» على قراءة من فتح «أنها» ، فزاد «لا» لأنهم لم يؤمنوا ومثله: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ «3» . وقال الفرّاء: «لا» ها هنا جحد محض، وليست بزائدة، والمنع راجع إلى تأويل القول، والتأويل: من قال لك: لا تسجد؟، فأحل المنع محل القول، ودخلت بعده «أن» ليدل على تأويل القول الذي لم يتصرح لفظه. وقال ابن جرير: في الكلام محذوف، تقديره: ما منعك من السجود، فأحوجك أن لا تسجد؟. قال الزجاج: وسؤال الله تعالى لإبليس «ما منعك» توبيخ له، وليُظهر أنه معاند، ولذلك لم يتب، وأتى بشيء في معنى الجواب، ولفظه غير جواب، لأن قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ إنما هو جواب، أيكما خير؟ ولكن المعنى: منعني من السجود فضلي عليه. ومثله قولك للرجل: كيف كنت؟ فيقول: أنا صالح وإنما الجواب: كنت صالحا، فيجيب بما يُحتاج إليه وزيادة. قال العلماء: وقع الخطأ من إبليس حين قاس مع وجود النص، وخفي عليه فضل الطين على النار وفضله من وجوه: أحدها: أن من طبع النار الطيش والالتهاب والعجلة، ومن طبع الطين الهدوء والرزانة. والثاني: أن الطين سبب الإنبات والإيجاد، والنّار سبب الإعدام
[سورة الأعراف (7) : آية 13]
والإهلاك. والثالث: أن الطين سبب جمع الأشياء، والنّار سبب تفريقها. [سورة الأعراف (7) : آية 13] قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قوله تعالى: فَاهْبِطْ مِنْها في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى السماء، لأنه كان فيها، قاله الحسن. والثاني: إلى الجنة، قاله السدي. قوله تعالى: فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها، إن قيل: فهل لأحد أن يتكبر في غيرها؟ فالجواب: أن المعنى: ما للمتكبر أن يكون فيها، وإنما المتكبر في غيرها. وأما الصاغر، فهو الذليل. والصغار: الذل. قال الزجاج: استكبر إبليس بابائه السجود، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك. [سورة الأعراف (7) : الآيات 14 الى 15] قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قوله تعالى: قالَ أَنْظِرْنِي أي أمهلني وأخرني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فأراد أن يعبر قنطرة الموت وسأل الخلود، فلم يجبه إلى ذلك، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم. وقد بين مدة إمهاله في «الحجر» بقوله: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ «1» . وفي ما سأل الإمهال له قولان: أحدهما: الموت. والثاني: العقوبة. فان قيل: كيف قيل له: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ وليس أحد أُنظِر سواه؟ فالجواب: أن الذين تقوم عليهم الساعة منظرون إلى ذلك الوقت بآجالهم، فهو منهم. [سورة الأعراف (7) : آية 16] قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) قوله تعالى: فَبِما أَغْوَيْتَنِي في معنى هذا الإِغواء قولان: أحدهما: أنه بمعنى الإِضلال، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: أنه بمعنى الإهلاك، ومنه قوله: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا «2» أي: هلاكاً، ذكره ابن الأنباري. وفي معنى «فبما» قولان: أحدهما: أنها بمعنى القسم، أي: فباغوائك لي. والثاني: أنها بمعنى الجزاء، أي: فبأنك أغويتني، ولأجل أنك أغويتني لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ. قال الفراء، والزجاج: أي على صراطك. ومثله قولهم: ضُرب زيد الظهر والبطن. وفي المراد بالصّراط ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه طريق مكة، قاله ابن مسعود، والحسن، وسعيد بن جبير كأن المراد صدُّهم عن الحج. والثاني: أنه الإِسلام، قاله جابر بن عبد الله، وابن الحنفية، ومقاتل. والثالث: أنه الحقّ، قاله مجاهد. [سورة الأعراف (7) : آية 17] ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17) قوله تعالى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فيه سبعة أقوال «3» : أحدها: «من بين أيديهم» أشككهم في آخرتهم، «ومن خلفهم» أرغبهم في دنياهم، «وعن أيمانهم» أي: من قبل
[سورة الأعراف (7) : الآيات 18 إلى 19]
حسناتهم، «وعن شمائلهم» من قِبل سيئاتهم، قاله ابن عباس وقتادة. والثاني: مثلُه، إلا أنهم جعلوا «من بين أيديهم» الدنيا، «ومن خلفهم» الآخرة، قاله النخعي، والحكم بن عتيبة. والثالث: مثل الثاني، إلا أنهم جعلوا «وعن أيمانهم» من قبل الحق أصدَّهم عنه، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل الباطل أردُّهم إليه، قاله مجاهد، والسدي. والرابع: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من سبيل الحق، وَمِنْ خَلْفِهِمْ من سبيل الباطل، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ من قبل آخرتهم، «وعن شمائلهم» من أمر الدنيا، قاله أبو صالح. والخامس: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ «وعن أيمانهم» من حيث يبصرون، وَمِنْ خَلْفِهِمْ «وعن شمائلهم» من حيث لا يبصرون، نقل عن مجاهد أيضاً. والسادس: أن المعنى: لأتصرفن لهم في الإِضلال من جميع جهاتهم، قاله الزجاج، وأبو سليمان الدمشقي. فعلى هذا، يكون ذكر هذه الجهات، للمبالغة في التأكيد. والسابع: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فيما بقي من أعمارهم، فلا يقدمون فيه على طاعة، «ومن خلفهم» فيما مضى من أعمارهم، فلا يتوبون فيه من معصية، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ من قبل الغنى، فلا ينفقونه في مشكور، «وعن شمائلهم» من قبل الفقر، فلا يمتنعون فيه من محظور، قاله الماوردي. قوله تعالى: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ فيه قولان: أحدهما: موحِّدين، قاله ابن عباس. والثاني: شاكرين لنعمتك، قاله مقاتل. فان قيل: من أين علم إبليس ذلك؟ فقد أسلفنا الجواب عن هذا في سورة (النساء) . [سورة الأعراف (7) : الآيات 18 الى 19] قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) قوله تعالى: قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً وقرأ الأعمش: «مذوماً» بضم الذال من غير همز. قال الفراء: الذَّأْمُ: الذَّمُّ يقال: ذأمْتُ الرجلَ، أذأَمُه ذأمْاً وذممتُه، أذُمُّه ذمّاً وذِمْتُه، أذيمُه ذيما ويقال: رجل مذءوم، ومذموم، ومَذيم، بمعنى. قال حسان بن ثابت: وأقاموا حتى أبيروا جميعاً ... في مَقامٍ وكُلُّهم مذءوم «1» قال ابن قتيبة: المذؤوم: المذموم بأبلغ الذم. والمدحور: المقصى المبعَد. وقال الزجاج: معنى المذؤوم كمعنى المذموم، والمدحور: المبعد من رحمة الله. واللام من «لأملأن» : لام القسم والكلام بمعنى الشرط والجزاء، كأنه قيل له: من تبعك، أُعذبْه، فدخلت اللام للمبالغة والتوكيد. فلام «لأملأن» هي لام القسم، ولام «لَمن تبعك» توطئة لها. فأما قوله: «منهم» فقال ابن الانباري: الهاء والميم عائدتان على ولد آدم لانه حين قال: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ «2» كان مخاطباً لولد آدم، فرجع إليهم، فقال: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فجعلهم غائبين، لأن مخاطبتهم في ذا الموضع توقع لَبْساً والعرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب. ومن قال: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ خطاب لآدم، قال: أعاد الهاء والميم على ولده، لأن ذكره يكفي من ذكرهم والعرب تكتفي بذكر الوالد من ذكر الأولاد إذا انكشف المعنى وزال اللبس. قال الشاعر: أرى الخَطَفى بَذَّ الفرزدقُ شِعْرَهُ ... ولكنَّ خيراً من كليب مجاشع
[سورة الأعراف (7) : آية 20]
أراد: أرى ابن الخطفى، فاكتفى بالخطفى من ابنه. قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ يعني أولاد آدم المخالفين وقرناءهم من الشّياطين. [سورة الأعراف (7) : آية 20] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) قوله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ قيل: إن الوسوسة: إخفاء الصوت. قال ابن فارس: الوسواس: صوت الحلي، ومنه وسواس الشيطان. و «لهما» بمعنى «إليهما» ، لِيُبْدِيَ لَهُما أي: ليظهر لهما ما وُورِيَ عَنْهُما أي: ستر. وقيل: إن لام «ليبدي» لام العاقبة وذلك أن عاقبة الوسوسة أدت إلى ظهور عورتهما، ولم تكن الوسوسة لظهورها. قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ قال الأخفش، والزجاج: معناه: ما نهاكما إلا كراهة أن تكونا ملَكَين. وقال ابن الانباري: المعنى: إلا أن لا تكونا، فاكتفى ب «أن» من «لا» فأسقطها. فان قيل: كيف انقاد آدم لإبليس، مستشرفاً إلى أن يكون ملكاً، وقد شاهد الملائكة ساجدة له؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه عرف قربهم من الله، واجتماع أكثرهم حول عرشه، فاستشرف لذلك، قاله ابن الأنباري. والثاني: أن المعنى: إلا أن تكونا طويلَي العمر مع الملائكة أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ لا تموتان أبداً، قاله أبو سليمان الدمشقي. وقد روى يعلى بن حكيم عن ابن كثير: «أن تكونا ملِكين» بكسر اللام، وهي قراءة الزّهريّ. [سورة الأعراف (7) : الآيات 21 الى 25] وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (24) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25) قوله تعالى: وَقاسَمَهُما قال الزجاج: حلف لهما، فدلاَّهما في المعصية بأن غرَّهما. قال ابن عباس: غرَّهما باليمين، وكان آدم لا يظن أن أحداً يحلف بالله كاذباً. قوله تعالى: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ أي: فلما ذاقا ثمر الشجرة. قال الزجاج: وهذا يدل على أنهما إنما ذاقاها ذواقاً، ولم يبالغا في الأكل. والسوأة كناية عن الفرج، لا أصل له في تسميته. ومعنى وَطَفِقا أخذا في الفعل والأكثر: طفِق يَطْفَقُ وقد رويت: طفقَ يَطْفِقُ، بكسر الفاء، ومعنى يَخْصِفانِ يجعلان ورقة على ورقة، ومنه قيل للذي يرقع النعل: خصاف. وفي الآية دليل على أن إظهار السوأة قبيح من لدن آدم ألا ترى إلى قوله: لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما فانهما بادرا يستتران لقبح التكشف. وقيل: إنما سميت السوأةُ سوأةً، لأن كشفها يسوء صاحبها. قال وهب بن منبه: كان لباسهما نوراً على فروجهما، لا يرى أحدهما عورة الآخر فلما أصابا الخطيئة، بدت لهما سوءاتهما. وقرأ الحسن: «سوأتُهما» على التوحيد وكذلك قرأ «يِخِصّفان» بكسر الياء والخاء مع تشديد الصاد. وقرأ الزهري: بضم الياء وفتح الخاء مع تشديد الصاد. وفي الورق قولان: أحدهما: ورق
[سورة الأعراف (7) : آية 26]
التين، قاله ابن عباس. والثاني: ورق الموز، ذكره المفسرون. وما بعد هذا قد سبق تفسيره إِلى قوله: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ يعني الأرض. واختلف العلماء في تاء «تخرجون» فقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو: بضم التاء وفتح الراء، هاهنا وفي (الرّوم) : وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ «1» . وفي (الزّخرف) : كَذلِكَ تُخْرَجُونَ «2» وفي (الجاثية) : لا يُخْرَجُونَ مِنْها «3» . وقرأهن حمزة، والكسائي: بفتح التاء وضم الراء. وفتح ابن عامر التاء في (الاعراف) فقط. فأما التي في (الروم) إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ «4» ، وفي (سأل سائل) يَوْمَ يَخْرُجُونَ «5» فمفتوحتان من غير خلاف. [سورة الأعراف (7) : آية 26] يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً. (571) سبب نزولها: أن ناساً من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراةً، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. وقيل: إنه لما ذكر عري آدم، منّ علينا باللباس. وفي معنى أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: خلقنا لكم. والثاني: ألهمناكم كيفية صنعه. والثالث: أنزلنا المطر الذي هو سبب نبات ما يتخذ لباساً. وأكثر القرّاء قرءوا: «وريشاً» . وقرأ ابن عباس والحسن وزرّ بن حبيش وقتادة والمفضل، وأبان عن عاصم: «ورياشاً» بألف. قال الفراء: يجوز أن تكون الرياش جمع الريش، ويجوز أن تكون بمعنى الريش كما قالوا: لبس، ولباس. فلما كَشَفْنَ اللِّبْس عنه مَسَحْنَهُ ... بأطراف طَفْل زانَ غَيْلاً مُوَشَّماً «6» قال ابن عباس، ومجاهد: «الرياش» : المال وقال عطاء: المال والنعيم. وقال ابن زيد: الريش: الجَمال وقال معبد الجهني: الريش: الرزق وقال ابن قتيبة: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس. وقال الزجاج: الريش: اللباس وكل ما ستر الإِنسان في جسمه ومعيشته. يقال: تريَّش فلان، أي: صار له ما يعيش به. أنشد سيبويه: رياشي منكُم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما «7»
[سورة الأعراف (7) : آية 27]
وعلى قول الأكثرين: الريش والرياش بمعنى. قال قطرب: الريش والرياش واحد. وقال سفيان الثوري: الريش: المال، والرياش: الثياب. قوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة: «ولباسُ التقوى» بالرفع. وقرأ ابن عامر، ونافع، والكسائي: بنصب اللباس. قال الزجاج: من نصب اللباس، عطف به على الريش ومن رفعه، فيجوز أن يكون مبتدأً، ويجوز أن يكون مرفوعاً باضمار: هو المعنى: وهو لباس التقوى، أي: وستر العورة لباس المتقين. وللمفسرين في لباس التقوى عشرة أقوال «1» : أحدها: أنه السمت الحسن، قاله عثمان بن عفان ورواه الذيَّال بن عمرو عن ابن عباس. والثاني: العمل الصالح، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: الإيمان، قاله قتادة، وابن جريج، والسدي فعلى هذا، سمي لباس التقوى، لأنه يقي العذاب. والرابع: خشية الله تعالى، قاله عروة بن الزبير. والخامس: الحياء، قاله معبد الجهني، وابن الانباري. والسادس: ستر العورة للصلاة، قاله ابن زيد. والسابع: انه الدرع، وسائر آلات الحرب، قاله زيد بن علي. والثامن: العفاف، قاله ابن السائب. والتاسع: أنه ما يُتَّقى به الحر والبرد، قاله ابن بحر. والعاشر: أن المعنى: ما يَلْبَسه المتقون في الآخرة، خير مما يلبسه أهل الدنيا، رواه عثمان بن عطاء عن أبيه. قوله تعالى: ذلِكَ خَيْرٌ قال ابن قتيبة: المعنى: ولباس التقوى خير من الثياب، لأن الفاجر، وإِن كان حسن الثوب، فهو بادي العورة و «ذلك» زائدة. قال الشاعر في هذا المعنى: إنِّي كأنِّي أرَى مَنْ لا حَياءَ لَه ... وَلاَ أمَانَةَ وَسْطَ القَوْمِ عُريانا «2» قال ابن الانباري: ويقال: لباس التقوى، هو اللباس الأول، وإنما أعاده لِما أخبر عنه بأنه خير من التعرِّي، إذ كانوا يتعبدون في الجاهلية بالتعرِّي في الطواف. قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ قال مقاتل: يعني: الثيابُ والمالُ من آيات الله وصنعه، لكي يذّكروا، فيعتبروا في صنعه. [سورة الأعراف (7) : آية 27] يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ قال المفسرون: هذا الخطاب للذين كانوا يطوفون
[سورة الأعراف (7) : آية 28]
عراةً والمعنى: لا يخدعنَّكم ولا يضلنَّكم بغروره، فيزِّين لكم كشف عوراتِكم، كما أخرج أبويكم من الجنة بغروره. وأضيف الإخراج ونزع اللباس إليه، لأنه السبب. وفي «لباسهما» أربعة أقوال: أحدها: أنه النور، رواه أبو صالح عن ابن عباس وقد ذكرناه عن ابن منبه. والثاني: أنه كان كالظُفُر فلما أكلا، لم يبق عليهما منه إلا الظُفر، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وابن زيد. والثالث: أنه التقوى، قاله مجاهد. والرابع: أنه كان من ثياب الجنة، ذكره القاضي أبو يعلى. قوله تعالى: لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما أي: ليري كل واحد منهما سوأة صاحبه. إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ قال مجاهد: قبيله: الجن والشياطين. قال ابن عباس: جعلهم الله تعالى يَجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم. قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ قال الزجاج: سلَّطناهم عليهم، يزيدون في غيّهم. وقال أبو سليمان: جعلناهم موالين لهم. [سورة الأعراف (7) : آية 28] وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28) قوله تعالى: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً فيمن عني بهذه الآية ثلاثة أقوال: (572) أحدها: أنهم الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة. والفاحشة: كشف العورة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وزيد بن أسلم، والسدي. (573) والثاني: أنهم الذين جعلوا السائبة والوصيلة والحام، وتلك الفاحشة، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنهم المشركون والفاحشة: الشرك، قاله الحسن، وعطاء. قال الزجاج: فأعلمهم عزّ وجلّ أنه لا يأمر بالفحشاء، لأن حكمته تدل على أنه لا يفعل إلا المستحسن. والقسط: العدل. والعدل: ما استقر في النفوس أنه مستقيم لا ينكره مميِّز، فكيف يأمر بالفحشاء، وهي ما عظم قبحه؟! [سورة الأعراف (7) : آية 29] قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)
[سورة الأعراف (7) : آية 30]
قوله تعالى: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فيه أربعة أقوال: أحدها: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد، فصلُّوا فيه، ولا يقولنَّ أحدكم: أُصلي في مسجدي، قاله ابن عباس، والضحاك، واختاره ابن قتيبة. والثاني: توجهوا حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة، قاله مجاهد، والسّدّيّ، وابن زيد. الثالث: اجعلوا سجودكم خالصاً لله تعالى دون غيره، قاله الربيع بن أنس. والرابع: اقصدوا المسجد في وقت كل صلاة، أمراً بالجماعة لها، ذكره الماوردي. وفي قوله: وَادْعُوهُ قولان: أحدهما: أنه العبادة. والثاني: الدّعاء. وفي قوله تعالى: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قولان: أحدهما: مُفْردين له العبادة. والثاني: موحِّدين غير مشركين. وفي قوله: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ثلاثة أقوال: أحدها: كما بدأكم سعداء وأشقياء، كذلك تبعثون، روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والقرظي، والسدي، ومقاتل، والفراء. والثاني: كما خُلقتم بقدرته كذلك يعيدكم، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن وابن زيد والزجاج، وقال: هذا الكلام متصل بقوله: فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ «1» . والثالث: كما بدأكم لا تملكون شيئا، كذلك تعودون، ذكره الماوردي. [سورة الأعراف (7) : آية 30] فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) قوله تعالى: فَرِيقاً هَدى قال الفراء: نصب الفريق ب «تعودون» . وقال ابن الانباري: نصب «فريقا» «وفريقا» على الحال من الضمير الذي في «تعودون» ، يريد: تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين، بعضكم سعداء، وبعضكم أشقياء. قوله تعالى: حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ أي: بالكلمة القديمة، والإرادة السّابقة. [سورة الأعراف (7) : آية 31] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ. (574) سبب نزولها: أن ناساً من الأعراب كانوا يطوفون بالبيت عراةً، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تعلِّق على فرجها سيوراً، وتقول:
اليومَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ... وَمَا بَدا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس. (575) وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: كانوا إذا حجوا، فأفاضوا من منى، لا يصلح لأحد منهم في دينه الذي اشترعوا أن يطوف في ثوبيه، فيلقيهما حتى يقضي طوافه، فنزلت هذه الآية. (576) وقال الزهري: كانت العرب تطوف بالبيت عراةً، إلا الحمس «1» قريشٌ وأحلافها، فمن جاء من غيرهم، وضع ثيابه وطاف في ثوبي أحمس، فان لم يجد من يُعيره من الحمس، ألقى ثيابه وطاف عرياناً، فان طاف في ثياب نفسه، جعلها حراماً عليه إذا قضى الطواف، فلذلك جاءت هذه الآية. وفي هذه الزينة قولان: أحدهما: الثياب. ثم فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنه ورد في ستر العورة في الطواف، قاله ابن عباس، والحسن في جماعة. والثاني: أنه ورد في ستر العورة في الصلاة، قاله
[سورة الأعراف (7) : آية 32]
مجاهد، والزجاج. والثالث: أنه ورد في التزين بأجمل الثياب في الجمع والأعياد، ذكره الماوردي. والثاني: أن المراد بالزينة: المشط، قاله أبو رزين. قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا قال ابن السائب: كان أهل الجاهلية لا يأكلون في أيام حَجِّهم دَسَماً، ولا ينالون من الطعام إلّا قوتا، تعظيما لحجّتهم، فنزل قوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا. وفي قوله: وَلا تُسْرِفُوا أربعة اقوال «1» : أحدها: لا تسرفوا بتحريم ما أحل لكم، قاله ابن عباس. والثاني: لا تأكلوا حراماً، فذلك الإِسراف، قاله ابن زيد. والثالث: لا تشركوا، فمعنى الإسراف ها هنا: الإشراك، قاله مقاتل. والرابع: لا تأكلوا من الحلال فوق الحاجة، قاله الزجاج. (577) ونُقل أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، فقال علي: قد جمع الله تعالى الطب في نصف آية من كتابنا. قال: ما هي؟ قال: قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا. قال النصراني: ولا يؤثر عن نبيكم شيء من الطب، فقال: قد جمع رسولنا علم الطب في ألفاظ يسيرة. قال: وما هي؟ قال: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعوِّدوا كل بدن ما اعتاد» . فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً. قال المصنف: هكذا نقلتُ هذه الحكاية، إلا أن هذا الحديث المذكور فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يثبت. وقد جاءت عنه في الطب أحاديث قد ذكرتها في كتاب: «لقط المنافع في الطّب» . [سورة الأعراف (7) : آية 32] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أن المشركين عيَّروا المسلمين، إذ لبسوا الثياب في الطواف، وأكلوا الطيبات، فنزلت، رواه أبو صالح عن ابن عباس «2» . والثاني: أنهم كانوا يُحرِّمون أشياء أحلَّها الله من الزروع وغيرها، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة
[سورة الأعراف (7) : آية 33]
عن ابن عباس «1» . والثالث: نزلت في طوافهم بالبيت عراة، قاله طاوس وعطاء. وفي زينة الله قولان: أحدهما: أنها ستر العورة فالمعنى: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم؟ والثاني: أنها زينة اللباس. وفي الطيبات قولان: أحدهما: أنها الحلال. والثاني: المستلذ. ثم في ما عني بها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها البحائر، والسوائب، والوصائل، والحوامي التي حرَّموها، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: أنها السَّمْنْ، والألبان، واللحم، وكانوا حرَّموه في الإحرام، قاله ابن زيد. والثالث: الحرث، والأنعام، والألبان، قاله مقاتل. قوله تعالى: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً قال ابن الانباري: «خالصة» نصب على الحال من لام مضمرة، تقديرها: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة، فحذفت اللام لوضوح معناها، كما تحذف العرب أشياء لا يُلبِس سقوطها. قال الشاعر: تَقُوْلُ ابْنَتِي لَمّا رَأتْنيَ شَاحِبَاً ... كأنَّكَ يحميك الطّعام طبيب تتابع أحداث تخرّمن أخوتي ... فشيَّبن رَأْسي، والخُطُوُبُ تُشِيْبُ أراد: فقلت لها: الذي اكسبني ما ترين، تتابع أحداث، فحذف لانكشاف المعنى: قال المفسرون: إن المشركين شاركوا المؤمنين في الطيبات، فأكلوا ولبسوا ونكحوا، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للمؤمنين، وليس للمشركين منها شيء. وقيل: خالصة لهم من ضرر أو إِثم. وقرأ نافع: «خالصةٌ» بالرفع. قال الزجاج: ورفعُها على أنه خبر بعد خبر، كما تقول: زيد عاقل لبيب والمعنى: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الدنيا، خالصةٌ يوم القيامة. قوله تعالى: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي: هكذا نبّينها. [سورة الأعراف (7) : آية 33] قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ قرأ حمزة: «ربي» باسكان الياء. ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ فيه ستة أقوال: أحدها: أن المراد بها الزنا، ما ظهر منه: علانيته، وما بطن: سرُّه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والثاني: أن ما ظهر: نكاح الأمهات، وما بطن: الزنا، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال علي بن الحسين. والثالث: أن ما ظهر: نكاح الأبناء نساء الآباء، والجمع بين الأختين، وأن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وما بطن: الزنا، روي عن ابن عباس أيضا. والرابع: أن ما ظهر: الزنا، وما بطن: العزل، قاله شريح. والخامس: أن ما ظهر: طواف الجاهلية عراة، وما بطن: الزنا، قاله مجاهد. والسادس: أنه عامٌّ في جميع المعاصي. ثم في «ما ظهر منها وما بطن» قولان: أحدهما: أن الظاهر: العلانية، والباطن: السر، قاله أبو سليمان الدمشقي. والثاني: أن ما ظهر: أفعال الجوارح، والباطن: اعتقاد القلوب، قاله الماوردي. وفي الإثم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الذنب الذي لا يوجب الحدَّ، قاله ابن عباس والضحاك، والفرَّاء. والثاني: المعاصي
[سورة الأعراف (7) : آية 34]
كلها، قاله مجاهد. والثالث: أنه الخمر، قاله الحسن وعطاء. قال ابن الانباري: أنشدنا رجل في مجلس ثعلب بحضرته، وزعم أن أبا عبيدة أنشده: نَشْرَبُ الإثْمَ بالصُّواع جِهَاراً ... وَنَرى المُتْكَ بيننا مُسْتَعَاراً «1» فقال أبو العباس: لا أعرفه، ولا أعرف الإثم: الخمر، في كلام العرب. وأنشدنا رجل آخر: شَرِبْتُ الإثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بالعُقُولِ «2» قال أبو بكر: وما هذا البيت معروفاً أيضا في شعر من يحتج بشعره، وما رأيت أحدا من أصحاب الغريب أدخل الإثم في أسماء الخمر، ولا سمَّتها العرب بذلك في جاهلية وإسلام. فان قيل: إن الخمر تدخل تحت الإثم، فصواب، لا لأنه اسم لها. فان قيل: كيف فصل الإثم عن الفواحش، وفي كل الفواحش إثم؟ فالجواب: أن كل فاحشة إثم، وليس كل إثم فاحشة، فكان الإثم كل فعل مذموم والفاحشة: العظيمة فأما البغي، فقال الفراء: هو الاستطالة على الناس. قوله تعالى: وَأَنْ تُشْرِكُوا قال الزّجّاج: «أن» نصب فالمعنى: حرَّم الفواحش، وحرَّم الشرك. والسلطان: الحجة. قوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ عام في تحريم القول في الدّين من غير يقين. [سورة الأعراف (7) : آية 34] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34) قوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ. (578) سبب نزولها: أنهم سألوا النبيّ صلّى الله عليه وسلم العذاب، فأُنزلت، قاله مقاتل. وفي الأجل قولان: أحدهما: أنه أجل العذاب. والثاني: أجل الحياة. قال الزجاج: الأجل: الوقت المؤقت. فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً المعنى: ولا أقل من ساعة. وإنما ذكر الساعة، لأنها أقل أسماء الأوقات. [سورة الأعراف (7) : الآيات 35 الى 37] يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37) (578) لا أصل له، عزاه المصنف لمقاتل، وهو ممن يضع الحديث، ومقاتل هذا يجعل لكل آية سببا للنزول، وليس كذلك.
[سورة الأعراف (7) : آية 38]
قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ قال الزجاج: أضمر: «فأطيعوهم» . وقد سبق معنى «إما» في سورة (البقرة) والباقي ظاهر إلى قوله: يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ ففي معناه سبعة أقوال «1» . أحدها: ما قُدّر لهم من خير وشر، رواه مجاهد عن ابن عباس. والثاني: نصيبهم من الأعمال، فيُجزَون عليها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: ما كُتِبَ عليهم من الضلالة والهدى، قاله الحسن. وقال مجاهد، وابن جبير: من السعادة والشقاوة. والرابع: ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار والأعمال، قاله الربيع، والقرظي، وابن زيد. والخامس: ما كتب لهم من العذاب، قاله عكرمة، وأبو صالح، والسدي. والسادس: ما أخبر الله تعالى في الكتاب كلِّها: أنه من افترى على الله كذباً، اسودَّ وجهه، قاله مقاتل. والسابع: ما أخبر في الكتاب من جزائهم، نحو قوله: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى «2» ، قاله الزجاج. فاذن في الكتاب خمسة أقوال: أحدها: أنه اللوح المحفوظ. والثاني: كُتُبُ الله كلُّها. والثالث: القرآن. والرابع: كتاب أعمالهم. والخامس: القضاء. قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أعوان مَلَكِ الموت، قاله النخعي. والثاني: ملك الموت وحده، قاله مقاتل. والثالث: ملائكة العذاب يوم القيامة. وفي قوله: يَتَوَفَّوْنَهُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: يتوفَّونهم بالموت، قاله الأكثرون. والثاني: يتوفَّونهم بالحشر إلى النار يوم القيامة، قاله الحسن. والثالث: يتوفَّونهم عذاباً، كما تقول: قتلت فلاناً بالعذاب، وإن لم يمت، قاله الزجاج. قوله تعالى: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ أي: تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ، وهذا سؤال تبكيت وتقريع. قال مقاتل: المعنى: فليمنعوكم من النار. قال الزجاج: ومعنى ضَلُّوا عَنَّا: بطلوا وذهبوا، فيعترفون عند موتهم أنهم كانوا كافرين. وقال غيره: ذلك الاعتراف يكون يوم القيامة. [سورة الأعراف (7) : آية 38] قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) قوله تعالى: قالَ ادْخُلُوا إن الله تعالى يقول لهم ذلك بواسطة الملائكة، لأن الله تعالى لا يكلّم
[سورة الأعراف (7) : آية 39]
الكفار يوم القيامة. قال ابن قتيبة: و «في» بمعنى «مع» . وفي قوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ قولان: أحدهما: مضت إلى العذاب. والثاني: مضت في الزمان، يعني كفار الأمم الماضية. قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها وهذه أُخُوَّةُ الدِّين والملَّة، لا أُخُوَّةُ النسب. قال ابن عباس: يلعنون من كان قبلهم. قال مقاتل: كلما دخل أهل ملّة، لعنوا أهل ملَّتهم، فيلعن اليهودُ اليهودَ، والنصارى النصارى، والمشركون المشركين، والأتباع القادة، ويقولون: أنتم ألقيتمونا هذا الملقى حين أطعناكم. وقال الزجاج: إنما تلاعنوا، لأن بعضهم ضل باتباع بعض. قوله تعالى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا قال ابن قتيبة: أي: تداركوا، فأدغمت التاء في الدال، وأُدخلت الألف ليَسْلَم السكون لِما بعدها، يريد تتابعوا فيها واجتمعوا. قوله تعالى: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: آخر أُمِّة لأول أُمِّة، قاله ابن عباس. والثاني: آخر أهل الزمان لأوّلِّيهم الذين شرعوا له ذلك الدِّين، قاله السدي. والثالث: آخرهم دخولاً إلى النار، وهم الأتباع، لأوِّلهم دخولاً، وهم القادة، قاله مقاتل. قوله تعالى: هؤُلاءِ أَضَلُّونا قال ابن عباس: شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها. قوله تعالى: فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً قال الزجاج: أي: عذاباً مضاعفاً. قوله تعالى: قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ أي: عذاب مضاعف وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ. قرأ أبو بكر، والمفضل عن عاصم: «يعلمون» ، بالياء، قال الزجاج: والمعنى: لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر. وقرأ الباقون: «تعلمون» بالتاء، وفيها وجهان ذكرهما الزجاج: أحدهما: لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق من العذاب. والثاني: لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ذلك. وقيل: إنما طلب الأتباع مضاعفة عذاب القادة، ليكون أحد العذابين على الكفر، والثاني على إغرائهم به، فأجيبوا لِكُلٍّ ضِعْفٌ أي: كما كان للقادة ذلك، فلكم عذاب بالكفر، وعذاب بالاتّباع. [سورة الأعراف (7) : آية 39] وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) قوله تعالى: فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فيه قولان: أحدهما: في الكفر، نحن وأنتم فيه سواء، قاله ابن عباس. والثاني: في تخفيف العذاب، قاله مجاهد. قوله تعالى: بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ قال مقاتل: من الشّرك والتّكذيب. [سورة الأعراف (7) : آية 40] إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي: بحججنا وأعلامنا التي تدل على توحيد الله ونبوَّة الأنبياء، وتكبَّروا عن الإيمان بها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ. قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم: وابن عامر: «تُفتَّح» بالتاء، وشددوا التاء الثانية. وقرأ أبو عمرو: «لا تُفْتَح» بالتاء خفيفة، ساكنة الفاء. وقرأ حمزة، والكسائي: «لا يُفْتَح» بالياء مضمومة خفيفة. وقرأ اليزيدي عن اختياره: «لا تَفتح» بتاء مفتوحة «أبوابَ السماء» بنصب الباء، فكأنه أشار إلى أفعالهم. وقرأ الحسن: بياء مفتوحة، مع نصب الأبواب، كأنه
يشير إلى الله عزّ وجلّ. وفي معنى الكلام أربعة أقوال: أحدها: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، رواه الضحاك عن ابن عباس، وهو قول أبي موسى الأشعري، والسدي في آخرين، والأحاديث تشهد به. والثاني: لا تفتح لأعمالهم، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم، رواه عطاء عن ابن عباس. والرابع: لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم، قاله ابن جريج، ومقاتل. وفي السماء قولان: أحدهما: أنها السماء المعروفة، وهو المشهور. والثاني: أنّ المعنى: لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلونها، لأن الجنة في السماء، ذكره الزجاج. قوله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ الجمل: هو الحيوان المعروف. فان قال قائل: كيف خصّ الجمل من دون سائر الدواب، وفيها ما هو أعظم منه؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن ضرب المثل بالجمل يحصّل المقصود والمقصود أنهم لا يدخلون الجنة، كما لا يدخل الجمل في ثقَب الإبرة، ولو ذكر أكبر منه أو أصغر منه، جاز، والناس يقولون: فلان لا يساوي درهماً، وهذا لا يغني عنك فتيلاً، وإن كنا نجد أقل من الدرهم والفتيل. والثاني: أن الجمل أكبر شأناً عند العرب من سائر الدواب، فانهم يقدِّمونه في القوِّة على غيره، لأنه يوقَر بحمله فينهض به دون غيره من الدواب، ولهذا عجَّبهم من خلق الإبل، فقال: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ «1» ، فآثر الله تعالى ذكره على غيره لهذا المعنى. ذكر الجوابين ابن الانباري. قال: وقد روى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قرأ: «حتى يلج الجُمَّلُ» بضم الجيم وتشديد الميم، وقال: هو القلس الغليظ. قلت: وهي قراءة أبي رزين، ومجاهد، وابن محيصن، وأبي مجلز، وابن يعمر، وأبان عن عاصم. قال: وروى مجاهد عن ابن عباس: «حتى يلج الجُمَلُ» بضم الجيم وفتح الميم وتخفيفها. قلت: وهي قراءة قتادة، وقد رويت عن سعيد بن جبير، وأنه قرأ: «حتى يلج الجُمْل» بضم الجيم وتسكين الميم. قلت: وهي قراءة عكرمة. قال ابن الأنباري: فالجُمَل يحتمل أمرين: يجوز أن يكون بمعنى الجُمَّلُ، ويجوز أن يكون بمعنى جملة من الجِمال، قيل في جمعها: جمل، كما يقال: حُجْرة، وحُجَر، وظُلْمة، وظُلَم. وكذلك من قرأ: «الجُمْلَ» يسوغ له أن يقول: الجُمْلُ، بمعنى الجُمَّل، وأن يقول: الجُمْل، جمع جُمْلة، مثل بُسْرة، وبُسْر. وأصحاب هذه القراءات يقولون: الحبل والحبال، أشبه بالإبرة والخيوط من الجمال. وروى عطاء بن يسار عن ابن عباس أنه قرأ: «الجُمْل» بضم الجيم والميم، وبالتخفيف، وهي قراءة الضحاك، والجحدري. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء: «الجَمْل» بفتح الجيم، وبسكون الميم خفيفة. قوله تعالى: فِي سَمِّ الْخِياطِ السم في اللغة: الثَّقب. وفيها ثلاث لغات: فتح السين، وبها قرأ الأكثرون، وضمها، وبه قرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وقتادة، وابن محيصن، وطلحة بن مصرف، وكسرها، وبه قرأ أبو عمران الجوني، وأبو نهيك، والأصمعي عن نافع. قال ابن القاسم: والخياط: المِخْيَط، بمنزلة اللحاف والملحف، والقِرام والمقرم. وقد قرأ ابن مسعود، وأبو رزين، وأبو مجلز: «في سمّ المخيط» . قال الزجاج: الخياط: الإبرة، وسَمُّها: ثقبها. والمعنى: أنهم لا يدخلون الجنّة
[سورة الأعراف (7) : الآيات 41 إلى 42]
أبداً. قال ابن قتيبة: هذا كما يقال: لا يكون ذلك حتى يشيب الغراب، ويبيضّ القار. قوله تعالى: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي مثل ذلك نجزي الكافرين أنهم لا يدخلون الجنّة. [سورة الأعراف (7) : الآيات 41 الى 42] لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42) قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ المهاد: الفراش. وفي المراد بالغواشي ثلاثة أقوال: أحدها: اللحف، قاله ابن عباس، والقرظي، وابن زيد. والثاني: ما يغشاهم من فوقهم من الدخان، قاله عكرمة. والثالث: غاشية فوق غاشية من النار، قاله الزجاج. قال ابن عباس: والظالمون ها هنا: الكافرون. [سورة الأعراف (7) : آية 43] وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) قوله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ فيمن عني بهذه الآية أربعة أقوال: أحدها: أهل بدر. روى الحسن عن علي عليه السلام أنه قال: (579) فينا والله أهل بدر نزلت: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ. وروى عمرو بن الشريد عن عليٍّ أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزبير، من الذين قال الله: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ. والثاني: أنهم أهل الأحقاد من أهل الجاهلية حين أسلموا. (580) روى كثير النَّوَّاء عن أبي جعفر قال: نزلت هذه الآية في علي، وأبي بكر، وعمر، قلت لأبي جعفر: فأي غل هو؟ قال: غل الجاهلية، كان بين بني هاشم وبني تيم وبني عدي في الجاهلية شيء، فلما أسلم هؤلاء، تحابوا، فأخذتْ أبا بكر الخاصرةُ، فجعل عليٌّ يسخِّن يده ويكمِّد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية. والثالث: عشرة من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود، قاله أبو صالح «1» . والرابع: أنها في صفة أهل الجنة إذا دخلوها.
(581) روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يخلُصُ المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا هُذِّبوا ونُقّوا، أذن لهم في دخول الجنّة. فو الّذي نفسي بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» . وقال ابن عباس: أول ما يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، تعرض لهم عينان، فيشربون من إحدى العينين، فيُذهب الله ما في قلوبهم من غلٍّ وغيره مما كان في الدنيا، ثم يدخلون إلى العين الأخرى، فيغتسلون منها، فتُشرق ألوانهم، وتصفو وجوههم، وتجري عليهم نضرة النعيم. فأما النزع، فهو قلع الشيء من مكانه. والغل: الحقد الكامن في الصدر. وقال ابن قتيبة: الغل: الحسد والعداوة. قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا قال الزجاج: معناه: هدانا لِما صيّرنا إلى هذا. قال ابن عباس: يعنون ما وصلوا إليه من رضوان الله وكرامته. وروى عاصم بن ضمرة عن علي عليه السلام قال: تستقبلهم الولدان كأنهم لؤلؤ منثور، فيطوفون بهم كاطافتهم بالحميم جاء من الغيبة، ويبشرونهم بما أعدَّ الله لهم، ويذهبون إلى أزواجهم فيبشِّرونهنَّ، فيستخفهنَّ الفرح، فيقمن على أُسْكُفَّةِ الباب، فيقلن: أنت رأيته، أنت رأيته؟ قال: فيجيء إلى منزله فينظر في أساسه، فاذا صخر من لؤلؤ، ثم يرفع بصره، فلولا أن الله ذلَّله لذهب بصره، ثم ينظر أسفل من ذلك، فاذا هو بالسُّرر الموضونة، والفرش المرفوعة، والزرابي المبثوثة، فعند ذلك قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ. كلهم قرأ «وما كنَّا» باثبات الواو، غير ابن عامر، فانه قرأ «ما كنا لنهتديَ» بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. قال أبو علي: وجه الاستغناء عن الواو أن القصة ملتبسة بما قبلها فأغنى التباسها به عن حرف العطف، ومثله رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ «1» . قوله تعالى: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ هذا قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرّسل عيانا. وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ قال الزجاج: إنما قال «تلكم» لأنهم وعدوا بها في الدنيا، فكأنه قيل لهم: هذه تلكم التي وُعدتم بها. وجائز أن يكون هذا قيل لهم حين عاينوها قبل دخولهم إليها. وقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر «أورثْتُموها» غير مدغمة. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي «أورثتموها» مدغمة، وكذلك قرءوا في (الزخرف) قال أبو علي: من ترك الادغام، فلتباين مخرج الحرفين، ومن أدغم، فلأن التاء والثاء مهموستان متقاربتان. وفي معنى «أورثتموها» أربعة أقوال: (582) أحدها: ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنّة
[سورة الأعراف (7) : الآيات 44 إلى 45]
ومنزل في النار، فأما الكافر فانه يرث المؤمنَ منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة» فذلك قوله: أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقال بعضهم: لما سمي الكفار أمواتاً بقوله: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ «1» . وسمّى المؤمنين أحياء بقوله: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا «2» أورث الأحياء الموتى. والثاني: أنهم أورثوها عن الأعمال، لأنها جُعلت جزاءً لأعمالهم، وثواباً عليها، إذ هي عواقبها، حكاه أبو سليمان الدمشقي. والثالث: أن دخول الجنة برحمة الله، واقتسامَ الدرجات بالأعمال. فلما كان يفسَّر نيلها لا عن عوض، سميت ميراثاً. والميراث: ما أخذته عن غير عوض. والرابع: أن معنى الميراث ها هنا: أن أمرهم يؤول إليها كما يؤول الميراث إلى الوارث. [سورة الأعراف (7) : الآيات 44 الى 45] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45) قوله تعالى: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا أي: من العذاب؟ وهذا سؤال تقرير وتعيير. قالُوا نَعَمْ. قرأ الجمهور بفتح العين في سائر القرآن، وكان الكسائي يكسرها. قال الأخفش: هما لغتان. قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أي: نادى منادٍ. أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ قرأ ابن كثير في رواية قنبل، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: «أنْ لعنةُ الله» خفيفة النون ساكنة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: «أنّ» بالتشديد، «لعنةَ الله» بالنصب. قال الأخفش: و «أنْ» في قوله: أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ «3» وقوله: أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ، وقوله: أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ «4» ، وأَنْ قَدْ وَجَدْنا، هي «أنّ» الثقيلة خففت. قال الشاعر: في فِتْيَةٍ كَسُيْوفِ الهِنْدِ قَد عَلِمُوا ... أنْ هَالِكٌ كلُّ من يَحْفَى ويَنْتَعِلُ «5» وأنشد أيضاً: أُكاشِرُهُ وَأعْلَمُ أَنْ كِلاَنَا ... عَلَى ما سَاءَ صَاحِبَه حَرِيْصُ «6» ومعناه: أنه كلانا وتكون «أن قد وجدنا» في معنى: أي: قال ابن عباس: والظّالمون ها هنا: الكافرون. قوله تعالى: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: أذن المؤذن ان لعنة الله على الذين كفروا وصدّوا عن
[سورة الأعراف (7) : آية 46]
سبيل الله، وهو الإسلام. وَيَبْغُونَها عِوَجاً مفسَّر في سورة آل عمران «1» . وَهُمْ بِالْآخِرَةِ أي: وهم بِكَوْن الآخرة كافرون. [سورة الأعراف (7) : آية 46] وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) قوله تعالى: وَبَيْنَهُما حِجابٌ أي بين الجنة والنار حاجز، وهو السور الذي ذكره الله تعالى في قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ «2» ، فسمي هذا السور بالأعراف لارتفاعه. قال ابن عباس: الأعراف: هو السور الذي بين الجنة والنار، له عرف كعرف الديك. وقال أبو هريرة: الأعراف: جبال بين الجنة والنار، فهم على أعرافها، يعني: على ذراها، خلِقتها كخِلقة عرف الديك. قال اللغويون: الأعراف عند العرب: كل ما ارتفع من الأرض وعلا يقال لكل عال: عُرف، وجمعه: أعراف. قال الشاعر: كلُّ كِنازٍ لَحُمُه نِيَافِ ... كالعَلَم المُوفي على الأَعْرافِ «3» وقال الآخر: وَرِثت بِنَاءَ آبَاءٍ كِرَامٍ ... عَلَوْا بالمَجْدِ أعْرَافَ البِنَاءِ وفي «أصحاب الأعراف» قولان: أحدهما: أنهم من بني آدم، قاله الجمهور. وزعم مقاتل أنهم من أُمة محمد صلّى الله عليه وسلم خاصة. وفي أعمالهم تسعة أقوال «4» : (583) أحدها: أنهم قوم قُتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم، ومنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله، وهذا مرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم. والثاني: أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تبلغ بهم حسناتهم دخول الجنة، ولا سيئاتهم دخول النار، قاله ابن
[سورة الأعراف (7) : آية 47]
مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو هريرة، والشعبي، وقتادة. والثالث: أنهم أولاد الزنا، رواه صالح مولى التوأمة عن ابن عباس. والرابع: أنهم قوم صالحون فقهاء علماء، قاله الحسن، ومجاهد فعلى هذا يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة. والخامس: أنهم قوم رضي عنهم آباؤهم دون أُمهاتهم، أو أُمهاتهم دون أبائهم، رواه عبد الوهاب بن مجاهد عن إبراهيم. والسادس: أنهم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدِّلوا دينهم، قاله عبد العزيز بن يحيى. والسابع: أنهم أنبياء، حكاه ابن الانباري. والثامن: أنهم أولاد المشركين، ذكره المنجوفي في تفسيرة. والتاسع: أنّهم قوم عملوا لله تعالى، لكنهم راءوا في عملهم، ذكره بعض العلماء. والقول الثاني: أنهم ملائكة، قاله أبو مجلز، واعتُرض عليه، فقيل: إنهم رجال، فكيف تقول: ملائكة؟ فقال: إنهم ذكور وليسوا باناث. وقيل: معنى قوله تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ أي: على معرفة أهل الجنة من أهل النار، ذكره الزجاج، وابن الانباري. وفيه بُعد وخلاف للمفسرين. قوله تعالى: يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ أي: يعرف أصحابُ الأعراف أهل الجنة وأهل النار. وسيما أهل الجنة: بياض الوجوه، وسيما أهل النار: سواد الوجوه، وزرقة العيون. والسيما: العلامة. وإنما عرفوا الناس، لأنهم على مكانٍ عالٍ يشرفون فيه على أهل الجنة والنار. وَنادَوْا يعني: أصحاب الأعراف أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ. وفي قوله: لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ قولان: أحدهما: أنه إخبار من الله تعالى لنا أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها، قاله الجمهور. والثاني: أنه إخبار من الله تعالى لأهل الأعراف إذا رأوا زمرة يُذهَب بها إلى الجنة أن هؤلاء لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها، هذا قول السّدّيّ. [سورة الأعراف (7) : آية 47] وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) قوله تعالى: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ يعني أصحاب الأعراف. والتلقاء: جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة. وقال أبو عبيدة: تلقاء أصحاب النار، أي: حيالهم. [سورة الأعراف (7) : آية 48] وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) قوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ روى أبو صالح عن ابن عباس قال: ينادون: يا وليد بن المغيرة، يا أبا جهل بن هشام، يا عاص بن وائل، يا أمية بن خلف، يا أُبَيّ بن خلف، يا سائر رؤساء الكفاء، ما أغنى عنكم جمعكم في الدنيا المال والوالد. وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أي: تتعظَّمون عن الإيمان. [سورة الأعراف (7) : آية 49] أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) قوله تعالى: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ فيه قولان: أحدهما: أن أهل النار أقسموا أن أهل الأعراف داخلون النار معنا، وأن الله لن يدخلهم الجنة، فيقول الله تعالى لأهل النار: أَهؤُلاءِ يعني أهل الأعراف الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ رواه وهب بن منبه عن ابن عباس.
[سورة الأعراف (7) : آية 50]
(584) قال حذيفة: بينا أصحاب الأعراف هنالك، اطَّلع عليهم ربهم فقال لهم: ادخلوا الجنة فاني قد غفرت لكم. والثاني: أن أهل الأعراف يرون في الجنة الفقراء والمساكين الذين كان الكفّار يستهزئون بهم، كسلمان، وصهيب، وخبَّاب، فينادون الكفار: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ وأنتم في الدنيا لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ. قاله ابن السائب «1» . فعلى هذا ينقطع كلام أهل الأعراف عند قوله: بِرَحْمَةٍ ويكون الباقي من خطاب الله لأهل الجنة. وقد ذكر المفسرون في قوله: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون خطاباً من الله لأهل الأعراف، وقد ذكرناه. والثاني: أن يكون خطاباً من الله لأهل الجنة. والثالث: أن يكون خطاباً من أهل الأعراف لأهل الجنة، ذكرهما الزجاج. فعلى هذا الوجه الأخير، يكون معنى قول أهل الأعراف لأهل الجنة: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ: اعلوا إلى القصور المشرفة، وارتفعوا إلى المنازل المنيفة، لأنهم قد رأوهم في الجنة: وروى مجاهد عن عبد الله بن الحارث قال: يؤتى بأصحاب الأعراف إلى نهر يقال له: الحياة، عليه قضبان الذهب مكلَّلة باللؤلؤ، فيُغمسون فيه، فيخرجون، فتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، ويقال لهم: تمنَّوا ما شئتم، ولكم سبعون ضعفاً، فهم مساكين أهل الجنة. [سورة الأعراف (7) : آية 50] وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (50) قوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ قال ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنّة، وطمع أهل النار في الفرج بعد اليأس، فقالوا: يا رب، إن لنا قرابات من أهل الجنة، فائذن لنا حتى نراهم ونكلِّمهم، فنظروا إليهم وإلى ما هم فيه من النعيم فعرفوهم. ونظر أهل الجنّة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم، قد اسودَّت وجوههم وصاروا خلقاً آخر، فنادى أصحابُ النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم، فينادي الرجل أخاه: يا أخي قد احترقتُ فأغثني فيقول: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ. قال السدي: عنى بقوله: أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ الطعام. قال الزّجّاج: أعلم الله عزّ وجلّ أن ابن آدمَ غيرُ مستغنٍ عن الطعام والشراب، وإن كان معذّبا. [سورة الأعراف (7) : آية 51] الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51) قوله تعالى: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً قال ابن عباس: هم المستهزئون. والمعنى: أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم. وقال أبو رَوْق: دينهم: عيدهم. وقال قتادة: لَهْواً وَلَعِباً أي: أكلاً وشرباً. وقال غيره: هو ما زيَّنه الشيطان لهم من تحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام،
[سورة الأعراف (7) : آية 52]
والمكاء، والتصدية، ونحو ذلك من خصال الجاهلية. قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ قال الزجاج: أي: نتركهم في العذاب كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا. و «ما» نسق على «كما» في موضع جر. والمعنى: وكجحدهم. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: فاليوم نتركهم في النار على علم منا ترك ناسٍ غافلٍ كما استعملوا في الإعراض عن آياتنا وهم ذاكرون ما يستعمله من نسي وغَفَل. [سورة الأعراف (7) : آية 52] وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ يعني القرآن. فَصَّلْناهُ أي: بينَّاه بايضاح الحق من الباطل. وقيل: فصَّلناه فصولاً مرة بتعريف الحلال، ومرة بتعريف الحرام، ومرة بالوعد، ومرة بالوعيد، ومرة بحديث الأمم. وفي قوله تعالى: عَلى عِلْمٍ قولان: أحدهما: على علم منا بما فصَّلناه. والثاني: على علم منا بما يصلحكم مما أنزلناه فيه. وقرأ ابن السميفع، وابن محيصن، وعاصم، والجحدريّ، ومعاذ القارئ: «فضّلناه» بضاد معجمة. [سورة الأعراف (7) : آية 53] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53) قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ قال ابن عباس: تصديق ما وُعدوا في القرآن. يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ وهو يوم القيامة يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ أي: تركوه مِنْ قَبْلُ في الدنيا قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ أي بالبعث بعد الموت. قوله تعالى: أَوْ نُرَدُّ قال الزجاج: المعنى: أو هل نُردُّ. وقوله. فَنَعْمَلَ منصوب على جواب الفاء للاستفهام. [سورة الأعراف (7) : آية 54] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54) قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ اختلفوا أي يوم بدأ بالخلق على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يوم السبت. (585) روى مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بيدي، فقال:
«خلق الله عزّ وجلّ التربة يومَ السبت، وخلق الجبال فيها يومَ الأحد، وخلق الشجر يومَ الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النُّور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يومَ الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» ، وهذا اختيار محمد بن إسحاق. وقال ابن الانباري: وهذا إجماع أهل العلم. والثاني: يوم الأحد، قاله عبد الله بن سلام، وكعب، والضحاك، ومجاهد، واختاره ابن جرير الطبري، وبه يقول أهل التوراة. والثالث: يوم الاثنين، قاله ابن إسحاق، وبهذا يقول أهل الإنجيل. ومعنى قوله: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي: في مقدار ذلك، لأن اليوم يعرف بطلوع الشمس وغروبها، ولم تكن الشمس حينئذ. قال ابن عباس: مقدار كل يوم من تلك الأيام ألف سنة، وبه قال كعب، ومجاهد، والضحاك، ولا نعلم خلافاً في ذلك. ولو قال قائل: إنها كأيام الدنيا، كان قوله بعيداً من وجهين: أحدهما: خلاف الآثار. والثاني: أن الذي يتوهمه المتوهِّم من الإِبطاء في ستة آلاف سنة، يتوهمه في ستة أيام عند تصفح قوله: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1» . فان قيل: فهلاَّ خلقها في لحظة، فانه قادر؟ فعنه خمسة أجوبة: أحدها: أنه أراد أن يوقع في كل يوم أمراً تستعظمه الملائكة ومن يشاهده، ذكره ابن الانباري. والثاني: أن التثبُّت في تمهيد ما خُلق لآدم وذرّيّته قبل
وجوده، أبلغُ في تعظيمه عند الملائكة. والثالث: أن التعجيل أبلغ في القدرة، والتثبيت أبلغ في الحكمة، فأراد إظهار حكمته في ذلك، كما يظهر قدرته في قول: كُنْ فَيَكُونُ. والرابع: انه علّم عباده التثبُّت، فاذا تثبت من لا يزلُّ، كان ذو الزّلل أولى بالتثبُّت. والخامس: أن ذلك الإمهال في خلق شيء بعد شيء، أبعد من أن يُظن أن ذلك وقع بالطبع أو بالاتفاق. قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال الخليل بن أحمد: العرش: السرير وكل سرير لملك يسمى عرشاً وقلما يُجمع العرش إلا في اضطرار واعلم أن ذكر العرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام. قال أُمية بن أبي الصلت: مجِّدوا الله فَهْو لِلمَجْدِ أهْلُ ... ربُّنا في السَّمَاءِ أمْسَى كَبِيْرا بالبناء الأعلى الذي سبق النَّا ... س وسوَّى فوق السمَّاءِ سَرِيرَا شَرْجَعَاً لا يَنَالُهُ نَاظِرُ العَيْ ... نِ تَرَى دُوْنَه المَلائِكَ صُوْرا وقال كعب: إن السماوات في العرش كالقنديل معلَّق بين السماء والأرض. وروى إسماعيل بن أبي خالد عن سعد الطائي قال: العرش ياقوتة حمراء. وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية. وقد شذَّ قوم فقالوا: العرش بمعنى الملك. وهذا عدول عن الحقيقة الى التجوُّز، مع مخالفة الأثر ألم يسمعوا قوله عزّ وجلّ: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ أتراه كان المُلك على الماء؟ وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء؟ وبعضهم يقول: استوى بمعنى استولى «1» ، ويحتج بقول الشاعر: حتَّى اسْتَوى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقٍ وبقول الشاعر أيضاً: هُمَا اسْتَويا بِفَضْلِهِما جَمِيْعاً ... عَلى عَرْشِ المُلوكِ بغَيْرِ زُوْرِ وهذا منكر عند اللغويين. قال ابن الاعرابي: العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى، ومن قال ذلك فقد أعظم. قالوا: وإنما يقال: استولى فلان على كذا، إذا كان بعيداً عنه غير متمكن منه، ثمّ
[سورة الأعراف (7) : آية 55]
تمكّن منه والله عزّ وجلّ لم يزل مستولياً على الأشياء والبيتان لا يعرف قائلهما، كذا قال ابن فارس اللغوي. ولو صحّا، فلا حجة فيهما لما بيَّنَّا من استيلاء من لم يكن مستولياً. نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة. قوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «يُغْشي» ساكنة الغين خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «يُغَشّي» مفتوحة الغين مشددة، وكذلك قرءوا في سورة الرعد «1» . قال الزجاج: المعنى: أن الليل يأتي على النهار فيغطيِّه وإنما لم يقل: ويغشي النهار الليل، لأن في الكلام دليلاً عليه وقد قال في موضع آخر: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ «2» . وقال أبو علي: إنما لم يقل: يغشي النهار الليل، لأنه معلوم من فحوى الكلام، كقوله: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ «3» ، وانتصب الليل والنهار، لأن كل واحد منهما مفعول به. فأما الحثيث، فهو السريع. قوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ قرأ الأكثرون: بالنّصب فيهنّ، وهو على معنى: خلق السماوات والشمس. وقرأ ابن عامر: «والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ» بالرّفع فيهنّ ها هنا وفي (النحل) «4» ، تابعه حفص في قوله تعالى: وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ في (النحل) فحسب. والرفع على الاستئناف. والمسخرات: المذلَّلات لما يراد منهنَّ من طلوع وأفول وسير على حسب إرادة المدبّر لهنَّ. قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ لأنه خلقهم وَالْأَمْرُ فله أن يأمر بما يشاء. وقيل: الأمر: القضاء. قوله تعالى: تَبارَكَ اللَّهُ فيه أربعة أقوال: أحدها: تفاعل من البركة، رواه الضحاك عن ابن عباس وكذلك قال القتيبيُّ، والزجاج. وقال أبو مالك: افتعل من البركة. وقال الحسن: تجيء البركة من قِبَله. وقال الفراء: تبارك: من البركة وهو في العربية كقولك: تقدس ربنا. والثاني: أن تبارك بمعنى تعالى، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وكذلك قال أبو العباس: تبارك: ارتفع والمتبارِك: المرتفِع. والثالث: أن المعنى: باسمه يُتبرَّك في كل شيء، قاله ابن الانباري. والرابع: أن معنى «تبارك» تقدس، أي: تطهر، ذكره ابن الأنباري أيضا. [سورة الأعراف (7) : آية 55] ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) قوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً التضرع: التذلُّل والخضوع. والخُفية: خلاف العلانية. قال الحسن: كانوا يجتهدون في الدعاء، ولا تسمع إلا همساً. ومن هذا حديث أبي موسى: (586) «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً» .
[سورة الأعراف (7) : آية 56]
وفي الاعتداء المذكور ها هنا قولان: أحدهما: أنه الاعتداء في الدعاء. ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يدعو على المؤمنين بالشر، كالخزي واللعنة، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. والثاني: أن يسأل ما لا يستحقه من منازل الأنبياء، قاله أبو مجلز. والثالث: أنه الجهر في الدعاء، قاله ابن السائب. والثاني: أنه مجاوزة المأمور به، قاله الزّجّاج. [سورة الأعراف (7) : آية 56] وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) قوله تعالى: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها فيه ستة أقوال: أحدها: لا تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان. والثاني: لا تفسدوها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل. والثالث: لا تفسدوها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة. والرابع: لا تعصوا، فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم بعد أن أصلحها بالمطر والخصب. والخامس: لا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه. والسادس: لا تفسدوها بتكذيب الرسل بعد إصلاحها بالوحي. وفي قوله: وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً قولان: أحدهما: خوفاً من عقابه، وطمعاً في ثوابه. والثاني: خوفاً من الردِّ وطمعاً في الإِجابة. قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قال الفراء: رأيت العرب تؤنِّث القريبة في النسب، لا يختلفون في ذلك، فاذا قالوا: دارك منا قريب، أو فلانة منّا قريب، ومن القرب والبعد، ذكّروا وأنَّثوا، وذلك أنهم جعلوا القريب خَلَفاً من المكان، كقوله: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ «1» ، وقوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً «2» ، ولو أُنِّث ذلك لكان صواباً. قال عروة: عَشِيَّةَ لاَ عَفْرَاءُ مِنْكَ قريبةٌ ... فَتَدْنُو وَلاَ عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعيدُ وقال الزجاج: إنما قيل: «قريب» لأن الرحمة والغفران والعفو بمعنى واحد، وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي. وقال الأخفش: جائز أن تكون الرّحمة ها هنا في معنى المطر. [سورة الأعراف (7) : آية 57] وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ قرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم: «الرياح» على الجمع. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: «الريح» على التوحيد. وقد يأتي لفظ التوحيد ويراد به الكثرة كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، ومثله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ «3» . قوله تعالى: «نَشْراً» قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ونافع: «نُشراً» بضم النون والشين أرادوا جمع نشور، وهي الريح الطيبة الهبوب، تهب من كل ناحية وجانب. قال أبو عبيدة: النشر: المتفرّقة من كلّ جانب. قال أبو علي: يحتمل أن تكون النشور بمعنى المنشر، وبمعنى المنتشر، وبمعنى النّاشر يقال:
أنشر الله الريح، مثل أحياها، فنشرت، أي: حييت. والدليل على أنّ إنشار الرّيح إحياؤها قولُ الفقعسي: وهبَّتْ له رِيْحُ الجَنُوبِ وأُحْيِيَتْ ... له رَيْدَةٌ يُحيي المِيَاهَ نَسِيْمُهَا «1» ويدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت. قال الشاعر: إنِّي لأرْجُو أَنْ تَمُوْتَ الرِّيْحُ ... وأقعد اليَوْمَ وَأسْتَرِيْحُ والرَّيدة والريدانة: الريح. وقرأ ابن عامر، وعبد الوارث، والحسن البصري: «نُشْراً» بالنون مضمومة وسكون الشين، وهي في معنى «نُشُراً» . يقال: كُتُبْ وكُتْب، ورُسُل ورُسْل. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، والمفضل عن عاصم: «نَشْرا» بفتح النون وسكون الشين. قال الفراء: النَّشْر: الريح الطّيّبة اللّينة التي تنشئ السحاب. وقال ابن الانباري: النَّشْر: المنتشرة الواسعة الهبوب. وقال أبو علي: يحتمل النَّشْر أن يكون خلاف الطيِّ، كأنها كانت بانقطاعها كالمطويَّة. ويحتمل أن يكون معناها ما قاله أبو عبيدة في النشر: أنها المتفرقة في الوجوه ويحتمل أن يكون من النّشر الذي هو الحياة، كقول الشاعر: يا عَجَباً لِلْمِّيتِ النَّاشِرِ «2» قال: وهذا هو الوجه. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، ومورِّق العجلي: «نَشَراً» بفتح النون والشين. قال ابن القاسم: وفي النَّشَر وجهان: أحدهما: أن يكون جمعاً للنشور، كما قالوا: عَمود وَعَمد، وإهاب وأهَب. والثاني: أن يكون جمعاً، واحده ناشر، يجري مجرى قوله: غائب وغَيَبٌ، وحافد وحفد وكلّ هؤلاء القرّاء نوّن الكلمة. وكذلك اختلافهم في (سورة الفرقان) «3» و (سورة النمل) «4» . هذه قراءات من قرأ بالنون. وقد قرأ آخرون بالباء فقرأ عاصم إلا المفضل: «بُشْرى» بالباء المضمومة وسكون الشين مثل فُعْلى. قال ابن الانباري: وهي جمع بشيرة، وهي التي تبشِّر بالمطر. والأصل ضم الشين، إلا أنهم استثقلوا الضمتين. وقرأ ابن خثيم، وابن حذلم مثله، إلا أنهما نوَّنا الراء. وقرأ ابو الجوزاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بضم الباء والشين، وهذا على أنها جمع بشيرة. والرحمة هاهنا: المطر سماه رحمة لأنه كان بالرحمة. و «أقلّتِ» بمعنى حملت. قال الزجاج: السحاب: جمع سحابة. قال ابن فارس: سمي السحابَ لانسحابه في الهواء. قوله تعالى: ثِقالًا أي: بالماء. وقوله تعالى: سُقْناهُ ردَّ الكناية إلى لفظ السحاب، ولفظه لفظُ واحدٍ. وفي قوله: «لبلد» قولان: أحدهما: إلى بلد. والثاني: لإحياء بلد. والميْتُ: الذي لا يُنْبَتُ فيه، فهو محتاج إلى المطر. وفي قوله تعالى: فَأَنْزَلْنا بِهِ ثلاثة أقوال: أحدها: أن الكناية ترجع إلى السحاب. والثاني: إلى المطر، ذكرهما الزجاج. والثالث: إلى البلد، ذكره ابن الانباري. فأما هاء فَأَخْرَجْنا بِهِ فتحتمل الأقوال الثلاثة.
[سورة الأعراف (7) : آية 58]
قوله تعالى: كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى أي: كما أحيينا هذا البلد. وقال مجاهد: نحيي الموتى بالمطر كما أحيينا البلد الميْت به. قال ابن عباس: يرسل الله تعالى بين النفختين مطراً كمني الرجال، فينبت الناس به في قبورهم كما نبتوا في بطون أُمهاتهم. قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ قال الزجاج: لعل: ترجٍ. وإنما خوطب العباد على ما يرجوه بعضهم من بعض والمعنى: لعلكم بما بيَّناه لكم تستدلُّون على توحيد الله وأنه يبعث الموتى. [سورة الأعراف (7) : آية 58] وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) قوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يعني الأرضَ الطيبةَ التربة، يَخْرُجُ نَباتُهُ وقرأ ابن أبي عبلة: «يُخرِج» بضم الياء وكسر الراء، «نباتَه» بنصب التاء، وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ كذلك أيضاً. وروى ابان عن عاصم: «لا يُخرِج» بضم الياء وكسر الراء. والمراد بالذي خبث: الأرض السبخة. قوله تعالى: إِلَّا نَكِداً قرأ الجمهور: بفتح النون وكسر الكاف، وقرأ أبو جعفر: «نَكَداً» بفتح الكاف. وقرأ مجاهد، وقتادة، وابن محيصن: «نَكْداً» باسكان الكاف. قال أبو عبيدة: قليلاً عسيراً في شدة، وأنشد: لا تُنْجِزُ الوَعْدَ إنْ وَعَدْتَ وإنْ ... أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تَافِهاَ نَكِداً «1» قال المفسرون: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فالمؤمن إذا سمع القرآن وعقله انتفع به وبان أثره عليه، فشُبِّه بالبلد الطيب الذي يُمرع ويُخصب ويحسن أثر المطر عليه وعكسه الكافر. [سورة الأعراف (7) : الآيات 59 الى 62] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62) قوله تعالى: اعْبُدُوا اللَّهَ قال مقاتل: وحِّدوه وكذلك في سائر القصص بعدها. قوله تعالى: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قرأ الكسائي: «غيرِه» بالخفض. قال أبو علي: جعل غيراً صفة ل «إله» على اللفظ. قوله تعالى: أُبَلِّغُكُمْ قرأ أبو عمرو: «أُبْلِغكم» ساكنة الباء خفيفة اللام. وقرأ الباقون: «أُبَلِّغكم» مفتوحة الباء مشددة اللام. قوله تعالى: وَأَنْصَحُ لَكُمْ يقال: نصحته ونصحت له، وشكرته وشكرت له. قوله تعالى: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي: من مغفرته لمن تاب عليه وعقوبته لمن أصرَّ. وقال مقاتل: أعلمُ من نزول العذاب ما لا تعلمونه وذلك أن قوم نوح لم يسمعوا بقوم عذّبوا قبلهم.
[سورة الأعراف (7) : الآيات 63 إلى 64]
[سورة الأعراف (7) : الآيات 63 الى 64] أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64) قوله تعالى: أَوَعَجِبْتُمْ قال الزجاج: هذه واو العطف، دخلت عليها ألف الاستفهام، فبقيت مفتوحة. وفي الذِّكر قولان: أحدهما: الموعظة. والثاني: البيان. وفي قوله: عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ قولان: أحدهما: أن «على» بمعنى: «مع» ، قاله الفراء. والثاني: أن المعنى: على لسان رجل منكم، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: قَوْماً عَمِينَ قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته وشدة بطشه. [سورة الأعراف (7) : الآيات 65 الى 70] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قوله تعالى: وَإِلى عادٍ المعنى: وأرسلنا إلى عاد أَخاهُمْ هُوداً. قال الزجاج: وإنما قيل: أخوهم، لأنه بشر مثلهم من ولد أبيهم آدم. ويجوز أن يكون أخاهم لأنه من قومهم. وقال أبو سليمان الدمشقي: وعاد قبيلة من ولد سام بن نوح وإنما سماه أخاهم لأنه كان نسيباً لهم، وهو وهُم من ولد عاد بن عَوْص بن إرم بن سام. قوله تعالى: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ قال ابن قتيبة: السفاهة: الجهل. وقال الزجاج: السفاهة: خِفَّة الحُلم والرأي يقال: ثوب سفيه، إذا كان خفيفاً. وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ فكفروا به، ظانَّين، لا مستيقنين. قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ هذا موضع أدب للخلق في حسن المخاطبة، فانه دفع ما سبُّوه به من السفاهة بنفيه فقط. قوله تعالى: وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ قال الضحاك: أمين على الرسالة. وقال ابن السائب: كنت فيكم أميناً قبل اليوم. قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ ذكَّرهم النعمة حيث أهلكَ من كان قبلهم، وأسكنهم مساكنهم. وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أي: طولاً وقوَّة. وقال ابن عباس: كان أطولُهم مائةَ ذراع، وأقصرُهم ستينَ ذراعاً. قال الزجاج: وآلاء الله: نعمه واحدها: إلى. قال الشاعر: أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزَالَ وَلاَ ... يَقْطَعُ رِحْماً وَلاَ يَخُوْنُ إلى «1» ويجوز أن يكون واحدها «إليا» ، «وألى» .
[سورة الأعراف (7) : الآيات 71 إلى 72]
قوله تعالى: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا أي: من نزول العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في أن العذاب نازل بنا. وقال عطاء: في نبوَّتك وإرسالك إلينا. [سورة الأعراف (7) : الآيات 71 الى 72] قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72) قوله تعالى: قالَ قَدْ وَقَعَ أي وجب عليكم مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ قال ابن عباس: عذاب وسخط. وقال أبو عمرو بن العلاء: الرّجز والرّجس بمعنى واحد، قلبت السين زاياً. قوله تعالى: أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ يعني: الأصنام. وفي تسميتهم لها قولان: أحدهما: أنهم سمَّوها آلهة. والثاني: أنهم سمَّوها بأسماء مختلفة. والسلطان: الحجة: فَانْتَظِرُوا نزول العذاب إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ الذي يأتيكم من العذاب في تكذيبكم إيّاي. [سورة الأعراف (7) : الآيات 73 الى 74] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قوله تعالى: وَإِلى ثَمُودَ قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلَّة مائها. قال ابن فارس: الثَّمد: الماء القليل الذي لا مادة له. قوله تعالى: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ في إضافتها إليه قولان: أحدهما: أن ذلك للتخصيص والتفضيل، كما يقال: بيت الله. والثاني: لأنها كانت بتكوينه من غير سبب. قوله تعالى: لَكُمْ آيَةً أي: علامة تدل على قدرة الله وإنما قال: «لكم» لأنهم هم الذين اقترحوها، وإن كانت آية لهم ولغيرهم. وفي وجه كونها آية قولان: احدهما: أنها خرجت من صخرة ملساء، فتمخَّضت بها تمخُّضَ الحامل، ثم انفلقت عنها على الصفة التي طلبوها. والثاني: أنها كانت تشرب ماء الوادي كله في يوم، وتسقيهم اللبن مكانه. قوله تعالى: فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ قال ابن الأنباري: ليس عليكم مؤنتها وعلفها. و «تأكل» مجزوم على جواب الشرط المقدر، أي: إن تذروها تأكل. قوله تعالى: وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، أي: لا تصيبوها بعقر. قوله تعالى: وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي: أنزلكم يقال: تبوأ فلان منزلاً: إذا نزله. وبوَّأتُهُ: أنزلته. قال الشاعر: وبُوِّئتْ في صَمْيمِ مَعْشَرِهَا ... فَتَمَّ في قَوْمِها مبوّؤها «1»
[سورة الأعراف (7) : الآيات 75 إلى 76]
أي أنزلت من الكريم في صميم النسب، قاله الزجاج. قوله تعالى: تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً السهل: ضد الحزن. والقصر: ما شُيِّد وعلا من المنازل. قال ابن عباس: اتخذوا القصور في سهول الأرض للصيف، ونقبوا في الجبال للشتاء. قال وهب بن منبه: كان الرجل منهم يبني البنيان، فيمرّ عليه مائة سنة، فيخرب، ثم يجدّده، فيمرّ عليه مائة سنة، فيخرب ثم يجدّده، فيمرّ عليه مائة سنة، فيخرب فأضجرهم ذلك، فاتّخذوا من الجبال بيوتا. [سورة الأعراف (7) : الآيات 75 الى 76] قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76) قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وقرأ ابن عامر «وقال الملأ» بزيادة واو وكذلك هي في مصاحفهم. ومعنى الآية: تكبَّروا عن عبادة الله. لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا يريد: المساكين. لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل من قوله «للذين استضعفوا» لأنهم المؤمنون أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ هذا استفهام إنكار. [سورة الأعراف (7) : الآيات 77 الى 78] فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78) قوله تعالى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ أي: قتلوها. قال ابن قتيبة: والعقر يكون بمعنى: القتل. (587) ومنه قوله عليه السلام عند ذكر الشهداء: «من عقر جواده» . وقال ابن إسحاق: كَمَن لها قاتلها في أصل شجرة فرماها بسهم، فانتظم به عَضَلة ساقها، ثم شد عليها بالسيف فكسر عُرقوبها، ثم نحرها. قال الازهري: العقر عند العرب: قطع عرقوب البعير، ثم جعل العقر نحراً، لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره. قوله تعالى: وَعَتَوْا قال الزّجّاج: جازوا المقدار في الكفر. قال أبو سليمان: عتوا عن اتِّباع أمر ربهم. قوله تعالى: بِما تَعِدُنا أي: من العذاب. قوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قال الزّجّاج: الرّجفة: الزّلزلة الشديدة.
[سورة الأعراف (7) : الآيات 79 إلى 82]
قوله تعالى: فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ أي: في مدينتهم. فإن قيل: كيف وحّد الدّار ها هنا، وجمعها في موضع آخر، فقال: فِي دِيارِهِمْ «1» ؟ فعنه جوابان، ذكرهما ابن الأَنباري: أحدهما: أنه أراد بالدار: المعسكر، أي: فأصبحوا في معسكرهم. وأراد بقوله: في ديارهم: المنازل التي ينفرد كل واحد منها بمنزل. والثاني: أنه أراد بالدار: الديار، فاكتفى بالواحد من الجميع، كقول الشاعر: كُلُوا في نِصْفِ بِطْنِكُم تَعِيشُوا وشواهد هذا كثيرة في هذا الكتاب. قوله تعالى: جاثِمِينَ قال الفراء: أصبحوا رماداً جاثما. وقال أبو عبيدة: أي: بعضهم على بعض جثُوم. والجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل. وقال ابن قتيبة: الجثوم: البروك على الرُّكَب. وقال غيره: كأنهم أصبحوا موتى على هذه الحال. وقال الزجاج: أصبحوا أجساماً ملقاة في الأرض كالرماد الجاثم. قال المفسرون: معنى «جاثمين» : بعضهم على بعض، أي: إنهم سقط بعضهم على بعض عند نزول العذاب. [سورة الأعراف (7) : الآيات 79 الى 82] فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) قوله تعالى: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ يقول: انصرف صالح عنهم بعد عقر الناقة، لأن الله تعالى أوحى إليه أن اخرُجْ من بين أظهرهم، فاني مهلكهم. وقال قتادة: ذكر لنا أن صالحاً أسمع قومَه كما أسمع نبيكم قومَه، يعني: بعد موتهم. قوله تعالى: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ يعني إتيان الرجال. ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ قال عمرو ابن دينار: ما نزا ذكَر على ذكر في الدنيا حتى كان قوم لوط. وقال بعض اللغويين: لوط: مشتق من لطت الحوض: إذا ملسته بالطين. قال الزجاج وهذا غلط، لأنه اسم أعجمي كاسحاق، ولا يقال: إنه مشتق من السحق وهو البعد. قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ هذا استفهام إنكار. والمسرف: المجاوز ما أُمر به. وقوله تعالى: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ يعني: لوطاً وأتباعه المؤمنين إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ قال ابن عباس: يتنزَّهون عن أدبار الرجال وأدبار النّساء. [سورة الأعراف (7) : الآيات 83 الى 84] فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)
[سورة الأعراف (7) : آية 85]
قوله تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ في أهله قولان: أحدهما: ابنتاه. والثاني: المؤمنون به. إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أي: الباقين في عذاب الله تعالى: قال أبو عبيدة: وإنما قال: «من الغابرين» لأن صفة النساء مع صفة الرجال تُذكَّر إذا أشرك بينهما. قوله تعالى: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً قال ابن عباس: يعني: الحجارة. قال مجاهد: نزل جبريل فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط ورفعها ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم أتبعوا بالحجارة. [سورة الأعراف (7) : آية 85] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) قوله تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ قال قتادة: مدين: ماء كان عليه قوم شعيب، وكذلك قال الزجاج، وقال: لا ينصرف، لأنه اسم البقعة. وقال مقاتل: مدْيَن: هو ابن ابراهيم الخليل لصلبه. وقال أبو سليمان الدمشقي: مدين: هو ابن مديان بن ابراهيم، والمعنى: أرسلنا إلى ولد مدين، فعلى هذا: هو اسم قبيلة. وقال بعضهم: هو اسم للمدينة. فالمعنى: وإلى أهل مدين. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: مدين أسم أعجمي. فان كان عربياً، فالياء زائدة، من قولهم: مدن بالمكان: إذا أقام به. قوله تعالى: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ قال الزجاج: البَخْسُ: النقص والقلَّة يقال: بَخَسْتُ أبْخَسُ بالسين، وبخصت عينه، بالصاد لا غير. وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي: لا تعملوا فيها بالمعاصي بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل، وإرسال الرسل. قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: مصدِّقين بما أخبرتكم عن الله. [سورة الأعراف (7) : آية 86] وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) قوله تعالى: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ أي: بكل طريق تُوعِدُونَ مَن آمن بشعيب بالشر، وتخوِّفونهم بالعذاب والقتل. فان قيل: كيف أفرد الفعل، وأخلاه من المفعول فهلاَّ قال: توعِدون بكذا؟ فالجواب: أن العرب إذا أخلت هذا الفعل من المفعول، لم يدل إلا على شر يقولون: أوعدت فلاناً. وكذلك إذا أفردوا: وعدت من مفعول، لم يدل إلا على الخير. قال الفرّاء: يقولون: وعدته خيرا، ووعدته شراً فاذا أسقطوا الخير والشر، قالوا: وعدته: في الخير، وأوعدته: في الشرّ فإذا جاءوا بالباء، قالوا: وعدته بالشرّ، وقال الراجز: أوْعَدَنِي بالسِّجْنِ والأدَاهِمِ «1» قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: إذا أرادوا أن يذكروا ما تهدَّدوا به مع أوعدت، جاءوا بالباء، فقالوا: أوعدته بالضرب، ولا يقولون: أوعدته الضّرب. قال السّدّيّ: كانوا
[سورة الأعراف (7) : الآيات 87 إلى 88]
عشّارين. وقال ابن زيد: كانوا يقطعون الطريق. قوله تعالى: وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: تصرفون عن دين الله من آمن به. وَتَبْغُونَها عِوَجاً مفسر في (آل عمران) «1» . قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ قال الزجاج: جائز أن يكون المعنى: جعلكم أغنياء بعد أن كنتم فقراء وجائز أن يكون: كثّر عددَكم بعد أن كنتم قليلاً، وجائز أن يكونوا غير ذوي مقدرة وأقدار، فكثّرهم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 87 الى 88] وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) قوله تعالى: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا أي: إن أختلفتم في رسالتي، فصرتم فريقين، مصدِّقين ومكذِّبين فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا بتعذيب المكذبين، وإنجاء المصدِّقين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ لأنه العدل الذي لا يجوز. قوله تعالى: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يعنون ديننا، وهو الشرك. قال الفراء: جعل في قوله: «لتعودن» لاماً كجواب اليمين، وهو في معنى شرط ومثله في الكلام: والله لأضربنَّك أو تُقِرّ لي، فيكون معناه معنى: «إلا» ، أو معنى: «حتى» . قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ أي: أو تجبروننا على ملتكم إن كرهناها؟! والألف للاستفهام. فان قيل: كيف قالوا: «لتعودن» ، وشعيب لم يكن في كفر قطّ، فيعود إليه؟ ففيه جوابان: أحدهما: أنهم لما جمعوا في الخطاب معه من كان كافراً، ثم آمن، خاطبوا شعيباً بخطاب أتباعه، وغلَّبوا لفظهم على لفظه، لكثرتهم، وانفراده. والثاني: أن المعنى: لتصيرُنّ إلى ملتنا فوقع العَود على معنى الابتداء، كما يقال: قد عاد عليَّ من فلان مكروه، أي: قد لحقني منه ذلك وإن لم يكن سبق منه مكروه. قال الشاعر: فانْ تكنِ الأيَّامُ أحَسنَّ مرَةً ... إليَّ فقد عَادَتْ لَهُنُّ ذُنوْبُ «2» وقد شرحنا هذا في قوله: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ في (سورة البقرة) «3» . وقد ذكر معنى الجوابين الزجاج، وابن الأنباري. [سورة الأعراف (7) : الآيات 89 الى 93] قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93)
قوله تعالى: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ وذلك أن القوم كانوا يدّعون أن الله أمرهم بما هم عليه، فلذلك سمَّوه مِلَّةً. وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها أي: في الملة، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي: إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها، وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً قال ابن عباس: يعلم ما يكون قبل أن يكون. قوله تعالى: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا أي: فيما توعدتمونا به، وفي حراستنا عن الضلال. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ قال أبو عبيدة: احكم بيننا، وأنشد أَلاَ أَبْلِغْ بَنِي عُصْمٍ رَسُوْلاً ... بأنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ «1» قال الفراء: وأهل عُمان يسمون القاضي: الفاتح والفتَّاح. قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى: أظهِر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وينكشف فجائز أن يكونوا سألوا بهذا نزول العذاب بقومهم ليظهر أن الحق معهم. قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا فيه أربعة أقوال: أحدها: كأن لم يعيشوا في دارهم، قاله ابن عباس، والأخفش. قال حاتم طيء: غَنِيْنَا زَمَاناً بالتَّصَعْلُكِ وَالغِنَى ... فَكُلاًّ سَقَانَاه بكأْسَيْهِما الدَّهْرُ «2» فَمَا زَادَنَا بَغْيَاً عَلَى ذِي قَرَابَةٍ ... غِنَانَا، ولا أزْرَى بأحْسَابِنَا الفَقْرُ «3» قال الزجاج: معنى غنينا: عشنا. والتصعلك: الفقر، والعرب تقول للفقير: الصعلوك. والثاني: كأن لم يتنعَّموا فيها، قاله قتادة. والثالث: كأن لم يكونوا فيها، قاله ابن زيد، ومقاتل. والرابع: كأن لم ينزلوا فيها، قاله الزجاج. قال الأصمعي: المغاني: المنازل، يقال: غنينا بمكان كذا، أي: نزلنا به. وقال ابن قتيبة: كأن لم يقيموا فيها، ومعنى: غنينا بمكان كذا: أقمنا. قال ابن الأنباري: وإنما كرر قوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً للمبالغة في ذمهم كما تقول: أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا. قوله تعالى: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ فيه قولان: أحدهما: أَعْرِض. والثاني: انْصَرِف. وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي قال قتادة: أسمع شعيب قومَه، وأسمع صالح قومَه كما أسمع نبيكم قومَه يوم بدر، يعني: أنه خاطبهم بعد الهلاك. فَكَيْفَ آسى أي: أحزن. وقال أبو اسحاق: أصاب شعيباً على قومه حزنٌ شديد، ثم عاتب نفسه، فقال: كيف آسى على قوم كافرين.
[سورة الأعراف (7) : آية 94]
[سورة الأعراف (7) : آية 94] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ قال الزجاج: يقال لكل مدينة: قرية، لاجتماع الناس فيها. وقال غيره: في الآية اختصار، تقديره: فكذّبوه. إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وقد سبق تفسير البأساء والضّرّاء في سورة الأنعام، وتفسير التّضرّع في هذه السورة. ومقصود الآية: إعلام النبيّ صلّى الله عليه وسلم بسنّة الله في المكذّبين، وتهديد قريش. [سورة الأعراف (7) : الآيات 95 الى 97] ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (97) قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ فيه قولان: أحدها: أن السيئة: الشدة والحسنة الرخاء، قاله ابن عباس. والثاني: السيئة: الشر والحسنة: الخير، قاله مجاهد. قوله تعالى: حَتَّى عَفَوْا قال ابن عباس: كثروا، وكثرت أموالهم. وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فنحن مثلهم يصيبنا ما أصابهم، يعني: أنهم أرادوا أن هذا دأب الدهر وليس بعقوبة فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي فجأة بنزول العذاب وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بنزوله حتى أهلكهم. قوله تعالى: لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ قال الزجاج: المعنى: أتاهم الغيث من السماء، والنبات من الأرض، وجعل ذلك زاكياً كثيرا. [سورة الأعراف (7) : الآيات 98 الى 99] أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99) قوله تعالى: أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى قرأ ابن كثير، وابن عامر، ونافع: «أو أمن أهلُ» باسكان الواو. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيّ: أَوَأَمِنَ بتحريك الواو. وروى ورش عن نافع: «أو أمن» يدغم الهمزة، ويلقي حركتها على الساكن. [سورة الأعراف (7) : الآيات 100 الى 101] أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101) قوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ وقرأ يعقوب: «نَهِد» بالنون، وكذلك في (طه) «1» ، و (السجدة) «2» . قال الزجاج: من قرأ بالياء، فالمعنى: أو لم يبيِّن الله لهم. ومن قرأ بالنون، فالمعنى: أو لم نبيِّن. وقوله تعالى: وَنَطْبَعُ ليس بمحمول على «أصبناهم» ، لأنه لو حمل على «أصبناهم» لكان: ولطبعنا. وإنما المعنى: ونحن نطبع على قلوبهم. ويجوز أن يكون محمولا على الماضي،
[سورة الأعراف (7) : آية 102]
ولفظه لفظ المستقبل، كما قال: أَنْ لَوْ نَشاءُ، والمعنى: لو شئنا. وقال ابن الانباري: يجوز أن يكون معطوفاً على: أصبنا، إذ كان بمعنى نُصيب فوضع الماضي في موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال، كما قال: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ «1» أي: إن يشأ، يدل عليه قوله: وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً، قال الشاعر: إنْ يَسْمَعُوا رِيْبِةً طارُوا بِهَا فَرَحاً ... مِنَّي، وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا «2» أي: يدفنوا: قوله تعالى: فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أي لا يقبلون، ومنه: «سمع الله لمن حمده» ، قال الشاعر: دَعَوْتُ الله حتَّى خِفْتُ أنْ لاَ ... يَكُوْنَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أقُوْل «3» قوله تعالى: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ فيه خمسة أقوال «4» : أحدها: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنهم يكذِّبون به يوم أقرّوا له بالميثاق حين أخرجهم من صلب آدم، هذا قول أُبيِّ بن كعب. والثاني: فما كانوا ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذِّبوا به يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من صلب آدم، فآمنوا كرهاً حيث أقروا بالألسن، وأضمروا التكذيب، قاله ابن عباس، والسدي. والثالث: فما كانوا لو رددناهم إلى الدنيا بعد موتهم ليؤمنوا بما كذَّبوا به من قبل هلاكهم، هذا قول مجاهد. والرابع: فما كانوا ليؤمنوا بما كذَّب به أوائلهم من الأمم الخالية، بل شاركوهم في التكذيب، قاله يمان بن رباب. والخامس: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات والعجائب بما كذّبوا قبل رؤيتها. [سورة الأعراف (7) : آية 102] وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102) قوله تعالى: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ قال مجاهد: يعني: القرون الماضية. مِنْ عَهْدٍ قال أبو عبيدة: أي: وفاء. قال ابن عباس: يريد الوفاء بالعهد الذي عاهدهم حين أخرجهم من صلب آدم. وقال الحسن: العهد ها هنا: ما عهده إليهم مع الأنبياء أن لا يشركوا به شيئا.
[سورة الأعراف (7) : الآيات 103 إلى 107]
قوله تعالى: وَإِنْ وَجَدْنا قال أبو عبيدة: وما وجدنا أكثرهم إلّا الفاسقين. [سورة الأعراف (7) : الآيات 103 الى 107] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107) قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: الأنبياء المذكورين. قوله تعالى: فَظَلَمُوا بِها قال ابن عباس: فكذَّبوا بها. وقال غيره: فجحدوا بها. قوله تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ «على» بمعنى الباء. قال الفراء: العرب تجعل الباء في موضع «على» تقول: رميت بالقوس، وعلى القوس، وجئت بحال حسنة، وعلى حال حسنة. وقال أبو عبيدة: «حقيق» بمعنى: حريص. وقرأ نافع، وأبان عن عاصم: «حقيق عليَّ» بتشديد الياء وفتحها، على الاضافة. والمعنى: واجب عليَّ. قوله تعالى: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ قال ابن عباس: يعني: العصا. فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي: أطلق عنهم وكان قد استخدمهم في الأعمال الشاقة. فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ قال أبو عبيدة: أي: حية ظاهرة. قال الفراء: الثعبان: أعظم الحيات، وهو الذكر. وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس: الثّعبان: الحيّة الذّكر. [سورة الأعراف (7) : الآيات 108 الى 122] وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (110) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (113) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (122) قوله تعالى: وَنَزَعَ يَدَهُ قال ابن عباس: أدخل يده في جيبه، ثم أخرجها، فاذا هي تبرق مثل البرق، لها شعاع غلب نور الشمس، فخرَّوا على وجوههم ثم أدخلها جيبه فصارت كما كانت. قال مجاهد: بيضاء من غير برص. قوله تعالى: فَماذا تَأْمُرُونَ قال ابن عباس: ما الذي تشيرون به عليَّ؟ وهذا يدل على أنه من قول فرعون، وأن كلام الملأ انقطع عند قوله: مِنْ أَرْضِكُمْ. قال الزجاج: يجوز أن يكون من قول الملأِ، كأنهم خاطبوا فرعون ومن يخصه، أو خاطبوه وحده لأنه قد يقال للرّئيس المطاع: ماذا ترون؟
قوله تعالى: أَرْجِهْ قرأ ابن كثير «أرجئهو» مهموز بواو بعد الهاء في اللفظ. وقرأ ابن عمرو مثله، غير أنه يضم الهاء ضمة، من غير أن يبلغ بها الواو وكانا يهمزان: «مرجئون» و «ترجئ» وقرأ قالون والمسيّبي عن نافع «أرجهِ» بكسر الهاء، ولا يبلغ بها الياء، ولا يهمز. وروى عنه ورش: «أرجهي» يصلها بياء، ولا يهمز بين الجيم والهاء. وكذلك قال إسماعيل بن جعفر عن نافع، وهي قراءة الكسائي. وقرأ حمزة: «أرجهْ» ساكنة الهاء غير مهموز، وكذلك قرأ عاصم في غير رواية المفضل، وقد روى عنه المفضل كسر الهاء من غير إشباع ولا همز، وهي قراءة أبي جعفر، وكذلك اختلافهم في سورة (الشعراء) «1» . قال ابن قتيبة: أرِّجْهُ: أخّره وقد يهمز، يقال: أرجأت الشيء، وأرجيته. ومنه قوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ «2» . قال الفراء: بنو أسد تقول: أرجيت الأمر، بغير همز، وكذلك عامة قيس وبعض بني تميم يقولون: أرجأت الأمر، بالهمز، والقراء مولَعون بهمزها، وترك الهمز أجود. قوله تعالى: وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ يعني مدائن مصر، حاشِرِينَ أي: من يحشر السحرة إليك ويجمعهم. وقال ابن عباس: هم الشرط. قوله تعالى: يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «ساحرٍ» وفي (يونس) : بِكُلِّ سَحَّارٍ» وقرأ حمزة والكسائي: «سحّارٍ» في الموضعين ولا خلاف في (الشّعراء) أنّها: سَحَّارٍ «4» . قوله تعالى: إِنَّ لَنا لَأَجْراً قرأ ابن كثير، ونافع، وحفص عن عاصم إِنَّ لَنا لَأَجْراً مكسورة الألف على الخبر، وفي (الشعراء) : «آينَّ» ممدودة مفتوحة الألف، غير أن حفصا روى عن عاصم في (الشعراء) : «أإن» «5» بهمزتين. وقرأ أبو عمرو: «آين لنا» ممدودة في السورتين. وقرأ أبن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بهمزتين في الموضعين. قال أبو علي: الاستفهام أشبه بهذا الموضع، لأنهم لم يقطعوا على أن لهم الأجر، وإنما استفهموا عنه. قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي: ولكم مع الأجر المنزلة الرفيعة عندي. قوله تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ قال أبو عبيدة: عَشَّوْا أعين الناس وأخذوها. وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي: خوَّفوهم. وقال الزجاج: استَدعَوا رهبتهم حتى رهبهم الناس. قوله تعالى: فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ وقرأ كعاصم: تَلْقَفُ ساكنة اللام، خفيفة القاف هاهنا وفي (طه) ، و (الشعراء) . وروى البزّيّ. وابن فُلَيح عن ابن كثير: «تلقف» بتشديد التاء. قال الفراء: يقال: لقفْتُ الشيء، فأنا ألقَفُه لَقفْاً ولَقَفاناً والمعنى: تبتلع. قوله تعالى: ما يَأْفِكُونَ أي: يكذبون، لأنهم زعموا أنها حيّات. قوله تعالى: فَوَقَعَ الْحَقُّ قال ابن عباس: استبان. وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من السحر. (الإشارة إلى قصتهم) اختلفوا في عدد السحرة على ثلاثة عشر قولاً. أحدها: اثنان وسبعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: اثنان وسبعون ألفاً، روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال مقاتل. والثالث: سبعون،
[سورة الأعراف (7) : الآيات 123 إلى 125]
روي عن ابن عباس أيضاً. والرابع: اثنا عشر ألفا، قاله كعب. والخامس: سبعون ألفاً، قاله عطاء، وكذلك قال وهب في رواية، ألا أنه قال: فاختار منهم سبعة آلاف. والسادس: سبعمائة. وروى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب أنه قال: كان عدد السحرة الذين عارضوا موسى سبعين ألفاً متخيَّرين من سبعمائة ألف، ثم إن فرعون اختار من السبعين الألف سبعمائة. والسابع: خمسة وعشرون ألفاً، قاله الحسن. والثامن: تسعمائة، قاله عكرمة. والتاسع: ثمانون ألفاً، قاله محمد بن المنكدر. والعاشر: بضعة وثلاثون ألفاً، قاله السدي. والحادي عشر: خمسة عشر ألفاً، قاله ابن اسحاق. والثاني عشر: تسعة عشر ألفاً، رواه أبو سليمان الدمشقي. والثالث عشر: أربع مائة، حكاه الثعلبي. فأما أسماء رؤسائهم، فقال ابن اسحاق: رؤوس السحرة ساتور، وعاذور، وحُطحُط، ومُصَفَّى، وهم الذين آمنوا، كذا حكاه ابن ماكولا. ورأيت عن غير ابن اسحاق: سابوراً، وعازوراً. وقال مقاتل: اسم أكبرهم. شمعون. قال ابن عباس: ألقوا حبالاً غلاظاً، وخشباً طُوالا، فكانت ميلاً في ميل، فألقى موسى عصاه، فاذا هي أعظم من حبالهم وعصيهم، قد سدت الأفق، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً، فابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيِّهم، وجعلت تأكل جميع ما قدرت عليه من صخرة أو شجرة، والناس ينظرون، وفرعون يضحك تجلُّداً، فأقبلت الحيَّة نحو فرعون، فصاح: يا موسى، يا موسى فأخذها موسى، وعرفت السحرة أن هذا من السماء، وليس هذا بسحر، فخرُّوا سُجَّداً، وقالوا آمنا برب العالمين، فقال فرعون: إياي تعنون؟ فقالوا: ربَّ موسى وهارون، فأصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء. وقال وهب بن منبه. لما صارت ثعباناً حملت على الناس فانهزموا منها، فقتل بعضهم بعضاً، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً. وقال السدي: لقي موسى أمير السحرة، فقال: أرأيت إن غلبتك غدا، أتؤمن بي؟ فقال الساحر: لآتين غدا بسحر لا يغلبه السّحر، فو الله لئن غلبتني لأومننَّ بك. فان قيل: كيف جاز أن يأمرهم موسى بالإلقاء، وفعل السحر كفر؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن مضمون أمره: إن كنتم محقين فألقوا. والثاني: ألقوا على ما يصح، لا على ما يفسد ويستحيل، ذكرهما الماوردي. والثالث: إنما أمرهم بالإلقاء لتكون معجزته أظهر، لأنهم إذا ألقوا، ألقى عصاه فابتلعت ذلك، ذكره الواحدي. فان قيل: كيف قال: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ، وإنما سجدوا باختيارهم؟ فالجواب: أنه لما زالت كل شبهة بما أظهر الله تعالى من أمره، اضطرهم عظيم ما عاينوا إلى مبادرة السجود، فصاروا مفعولين في الإلقاء تصحيحاً وتعظيماً لشأن ما رأوا من الآيات، ذكره ابن الأنباري. قال ابن عباس: لما آمنت السحرة، اتبع موسى ستّمائة ألف من بني إسرائيل. [سورة الأعراف (7) : الآيات 123 الى 125] قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (125) قوله تعالى: آمَنْتُمْ بِهِ قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو: «أآمنتم به» بهمزة ومدة على الاستفهام. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «أآمنتم به» فاستفهموا بهمزتين، الثانية ممدودة. وقرأ حفص عن عاصم: «آمنتم به» على الخبر. وروى ابن الإخريط عن ابن كثير: «قال
[سورة الأعراف (7) : الآيات 126 إلى 128]
فرعون وأمنتم به» فقلب همزة الاستفهام واواً، وجعل الثانية مليَّنة بين بين. وروى قنبل عن القواس مثل رواية ابن الإخريط، غير أنه كان يهمز بعد الواو. وقال أبو علي: همز بعد الواو، لأن هذه الواو منقلبة عن همزة الاستفهام، وبعد همزة الاستفهام همزة «أفَعَلْتُم» فحققها ولم يخففها. قوله تعالى: إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ قال ابن السائب: لصنيع صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على مصر فتخرجوا منها أهلها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة ما صنعتم، لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وهو قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى. قال ابن عباس: أول من فعل ذلك، وأوّل من صلب، فرعون. [سورة الأعراف (7) : الآيات 126 الى 128] وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (127) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قوله تعالى: وَما تَنْقِمُ مِنَّا أي: وما تكره منّا شيئا، ولا تطعن علينا إلا لأنا آمنا. رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً قال مجاهد: على القطع والصلب حتى لا نرجع كفاراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ أي: مخلصين على دين موسى. قوله تعالى: أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ هذا إِغراء من الملأِ لفرعون. وفيما أرادوا بالفساد في الأرض قولان: أحدهما: قتل أبناء القبط، واستحياء نسائهم، كما فعلوا ببني اسرائيل، قاله مقاتل. والثاني: دعاؤهم الناس إلى مخالفة فرعون وترك عبادته. قوله تعالى: وَيَذَرَكَ جمهور القراء على نصب الراء وقرأ الحسن برفعها. قال الزجاج: من نصب «ويذرَك» نصبه على جواب الاستفهام بالواو والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك؟ ومن رفعه جعله مستأنفاً، فيكون المعنى: أتذر موسى وقومه، وهو يذرك وآلهتك، والأجود أن يكون معطوفاً على «أتذر» فيكون المعنى: أتذر موسى، وأ يذرك موسى؟ أي: أتطلق له هذا؟ قوله تعالى: وَآلِهَتَكَ قال ابن عباس: كان فرعون قد صنع لقومه أصناماً صغاراً، وأمرهم بعبادتها، وقال أنا ربكم ورب هذه الأصنام، فذلك قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى. وقال غيره: كان قومه يتعبّدون تلك الأصنام تقرباً إليه. وقال الحسن: كان يعبد تيساً في السر. وقيل: كان يعبد البقر سراً. وقيل: كان يجعل في عنقه شيئا يعبده. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو العالية، وابن محيصن: «والإِهتك» بكسر الهمزة وقصرها وفتح اللام وبألف بعدها. قال الزجاج: المعنى: ويذرك وربوبيتك وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الإِلاهة: العبادة فالمعنى: ويذرك وعبادة الناس إياك. قال ابن قتيبة: من قرأ: «وإِلاهتك» أراد: ويذرك والشمس التي تعبد، وقد كان في العرب قوم يعبدون الشمس ويسمونها آلهةً. قال الأعشى: فَمَا أَذْكُرُ الرَّهْبَ حتَّى انْقَلَبْتُ ... قُبيْلَ الإلهَةِ مِنْها قَرِيْبا يعني الشمس، والرهب: ناقته. يقول: اشتغلت بهذه المرأة عن ناقتي إلى هذا الوقت. قوله تعالى: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ قرأ أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «سنقتّل»
[سورة الأعراف (7) : الآيات 129 إلى 130]
و «يقتلون أبناءكم» بالتشديد، وخففهما نافع. وقرأ ابن كثير: «سَنَقْتُلُ» خفيفة، و «يقتّلون» مشددة، وإنما عدل عن قتل موسى إلى قتل الأبناء لعلمه أنه لا يقدر عليه. وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ أي: عالون بالملك والسلطان. فشكا بنو إسرائيل إعادة القتل على أبنائهم، فقال موسى: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا على ما يُفعل بكم إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ. وقرأ الحسن، وهبيرة عن حفص عن عاصم: «يورِّثها» بالتشديد. فأطمعهم موسى أن يعطيهم الله أرض فرعون وقومه بعد إهلاكهم. قوله تعالى: وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ فيها قولان: أحدهما: الجنّة. والثاني: النّصر والظّفر. [سورة الأعراف (7) : الآيات 129 الى 130] قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) قوله تعالى: قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا في هذا الأذى ستة أقوال: أحدها: أن الأذى الأول والثاني أخذ الجزية، قاله الحسن. والثاني: أن الأول ذبح الأبناء، والثاني إدراك فرعون يوم طلبهم، قاله السدي. والثالث: أن الأول أنهم كانوا يسخَّرون في الأعمال إلى نصف النهار، ويرسَلون في بقيته يكتسبون. والثاني تسخيرهم جميع النهار بلا طعام ولا شراب، قاله جويبر. والرابع: أن الأول تسخيرهم في ضرب اللَّبِن، وكانوا يعطونهم التّبن الذي يخلط به الطين والثاني أنهم كلِّفوا ضرب اللَّبِن وجعلَ التبن عليهم، قاله ابن السائب. والخامس: أن الأول قتل الأبناء، واستحياء البنات، والثاني تكليف فرعون إيّاهم ما لا يطيقون، قاله مقاتل. والسادس: أن الأول استخدامهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم، والثاني إعادة ذلك العذاب. وفي قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا قولان: أحدهما: تأتينا بالرّسالة ومن بعد جئتنا بها قاله ابن عباس. والثاني: تأتينا بعهد الله أنه سيخلِّصنا ومن بعد ما جئتنا به، ذكره الماوردي. قوله تعالى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ قال الزجاج: عسى: طمع وإشفاق، إلا أن ما يُطمِع الله فيه فهو واجب. قوله تعالى: وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ في هذا الاستخلاف قولان: أحدهما: أنه استخلاف من فرعون وقومه. والثاني: استخلاف عن الله تعالى، لأن المؤمنين خلفاء الله في أرضه، وفي الأرض قولان: أحدهما: أرض مصر، قاله ابن عباس. والثاني: أرض الشام، ذكره الماوردي. قوله تعالى: فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ قال الزجاج: أي: يراه بوقوعه منكم، لأنه إنما يجازيهم على ما وقع منهم، لا على ما علم أنه سيقع منهم. قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ قال أبو عبيدة: مجازُه: ابتليناهم بالجدوب. وآل فرعون: أهل دينه وقومه. وقال مقاتل: هم أهل مصر. قال الفراء: «بالسنين» أي: بالقحط والجدوب عاماً بعد عام. وقال الزجاج: السنون في كلام العرب: الجدوب، يقال: مستهم السَّنة، ومعناه: جدب السَّنة، وشدة السَّنة. وإنما أخذهم بالضراء، لأن أحوال الشدة تُرِقُ القلوب، وتُرغِّب فيما عند الله وفي الرجوع اليه. قال قتادة: أما السنون، فكانت في بواديهم ومواشيهم، وأما نقص الثمرات، فكان في
[سورة الأعراف (7) : آية 131]
أمصارهم وقراهم. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: يبس لهم كل شيء، وذهبت مواشيهم، حتى يبس نيل مصر، فاجتمعوا إلى فرعون فقالوا له: إن كنت رباً كما تزعم، فاملأ لنا نيل مصر، فقال غُدْوة يصبِّحكم الماء، فلما خرجوا من عنده، قال: أيَّ شيء صنعت؟ أنا أقدر أن أجيء بالماء في نيل مصر؟ غدوة أصبح، فيكذِّبوني. فلما كان جوف الليل، اغتسل، ثم لبس مِدرعة من صوف، ثم خرج حافياً حتى اتى بطن نيل مصر فقام في بطنه، فقال: اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر أن تملأ نيل مصر ماء، فاملأه، فما علم إلا بخرير الماء لما أراد الله به من الهلكة. قلت: وهذا الحديث بعيد الصحة لأن الرجل كان دهرياً لا يثبت إِلهاً. ولو صح، كان إقراره بذلك كاقرار إبليس، وتبقى مخالفته عنادا. [سورة الأعراف (7) : آية 131] فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) قوله تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ وهي الغيث والخصب وسعة الرزق والسلامة قالُوا لَنا هذِهِ أي: نحن مستحقوها على ما جرى لنا من العادة في سعة الرزق، ولم يعلموا أنه من الله فيشكُروا عليه. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ وهي القحط والجدب والبلاء يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أي: يتشاءموا بهم. وكانت العرب تزجر الطير، فتتشاءم بالبارح، وهو الذي يأتي من جهة الشمال، وتتبرك بالسانح، وهو الذي يأتي من جهة اليمين. قوله تعالى: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ قال أبو عبيدة: «ألا» تنبيه وتوكيد ومجاز. «طائرهم» حظهم ونصيبهم، وقال ابن عباس «ألا إنما طائرهم عند الله» أي: إن الذي أصابهم من الله. وقال الزجاج: المعنى: ألا إن الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وُعدوا به في الآخرة، لا ما ينالهم في الدّنيا. [سورة الأعراف (7) : الآيات 132 الى 133] وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133) قوله تعالى: وَقالُوا مَهْما قال الزجاج: زعم النحويون أن أصل «مهما» ماما، ولكن أبدل من الألف الأولى الهاء ليختلف اللفظ ف «ما» الأولى هي «ما» الجزاء، و «ما» الثانية هي التي تزاد تأكيداً للجزاء، ودليل النحويين على ذلك أنه ليس شيء من حروف الجزاء إلا و «ما» تزاد فيه، قال الله عزّ وجلّ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ «1» كقولك: إن تثقفنهم، وقال: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ «2» ، وتكون «ما» الثانية للشرط والجزاء، والتفسير الأول هو الكلام، وعليه استعمال الناس. قال ابن الأنباري: فعلى قول من قال: إن معنى «مه» الكف، يحسن الوقف على «مه» ، والاختيار عندي أن لا يوقف على «مه» دون «ما» لأنّهما في المصحف حرف واحد. وفي الطوفان ثلاثة أقوال «3» :
أحدها: أنه الماء. قال ابن عباس: أُرسل عليهم مطر دائم الليلَ والنهارَ ثمانية أيام، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير وقتادة والضحاك وأبو مالك ومقاتل واختاره الفراء وابن قتيبة. (588) والثاني: أنه الموت، روته عائشة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وبه قال مجاهد، وعطاء، ووهب بن منبه، وابن كثير. والثالث: أنه الطاعون، نقل عن مجاهد، ووهب أيضاً. وفي القمَّل سبعة أقوال: أحدها: أنه السوس الذي يقع في الحنطة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال به. والثاني: أنه الدَّبى، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء. وقال قتادة: القمَّل: أولاد الجراد. وقال ابن فارس: الدَّبى: الجراد إذا تحرك قبل أن تنبت أجنحته. والثالث: أنه دواب سود صغار، قاله الحسن، وسعيد بن جبير. وقيل: هذه الدواب هي السوس. والرابع: أنه الجعلان، قاله حبيب بن ثابت. والخامس: أنه القمل، ذكره عطاء الخراساني، وزيد بن أسلم. والسادس: أنه البراغيث، حكاه ابن زيد. والسابع: أنه الحَمنان، واحدتها: حَمنانة، وهي ضرب من القِردان، قاله أبو عبيدة. وقرأ الحسن، وعكرمة، وابن يعمر: «القُمْل» برفع القاف وسكون الميم. وفي الدم قولان: أحدهما: أن ماءهم صار دماً، قاله الجمهور. والثاني: أنه رعاف أصابهم، قاله زيد بن اسلم. (الإِشارة إلى شرح القصة) قال ابن عباس: جاءهم الطوفان، فكان الرجل لا يقدر ان يخرج إلى ضيعته، حتى خافوا الغرق، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشفه عنا، ونؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل فدعا لهم، فكشفه الله عنهم، وأنبت لهم شيئاً لم ينبته قبل ذلك، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد فأكل ما أنبتت الأرض، فقالوا: ادع لنا ربك، فدعا، فكشف الله عنهم، فأحرزوا زروعهم في البيوت، فأرسل الله عليهم القُمَّل، فكان الرجل يخرج بطحين عشرة أجربة إلى الرحى، فلا يرى منها ثلاثة أقفزة، فسألوه، فدعا لهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، ولم يكن شيء أشد منها، كانت تجيء إلى القدور وهي تغلي وتفور، فتلقي أنفسها فيها، فتفسد طعامهم وتطفئ نيرانهم، وكانت الضّفادع برّية، فأورثها الله عزّ وجلّ برد الماء والثرى إلى يوم القيامة، فسألوه، فدعا لهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فجرت أنهارهم وقُلُبهم دماً، فلم يقدروا على الماء العذب، وبنو إسرائيل في الماء العذب، فاذا دخل الرجل منهم يستقي من أنهار بني اسرائيل صار ما دخل فيه دماً، والماء من بين يديه ومن خلفه صافٍ عذبٌ لا يقدر عليه، فقال فرعون: أقسم بالهي يا موسى لئن كشفتَ عنا الرّجز
[سورة الأعراف (7) : الآيات 134 إلى 136]
لنؤمننّ بك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، فدعا موسى، فذهب الدم وَعَذُبَ ماؤهم، فقالوا: والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل. قوله تعالى: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ قال ابن قتيبة: بين الآية والآية فصل. قال المفسرون: كانت الآية تمكث من السبت إلى السبت، ثم يبقون عقيب رفعها شهراً في عافية، ثم تأتي الآية الأخرى. وقال وهب بن منبه: بين كل آيتين أربعون يوماً. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: مكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات، الجراد والقمّل والضّفادع والدّم. وفي قوله تعالى: «فاستكبروا» قولان: أحدهما: عن الإيمان. والثاني: عن الانزجار. [سورة الأعراف (7) : الآيات 134 الى 136] وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (136) قوله تعالى: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أي: نزل بهم العذاب. وفي هذا العذاب قولان «1» : أحدهما: أنه طاعون أهلك منهم سبعين ألفاً، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. والثاني: أنه العذاب الذي سلَّطه الله عليهم من الجراد والقُمَّل وغير ذلك، قاله ابن زيد. قال الزجاج: «الرجز» : العذاب، أو العمل الذي يؤدي إلى العذاب. ومعنى الرجز في العذاب: أنه المقلقل لشدته قلقلة شديدة متتابعة. وأصل الرجز في اللغة: تتابع الحركات، فمن ذلك قولهم: ناقة رجزاء، إذا كانت ترتعد قوائمها عند قيامها. ومنه رجز الشعر، لأنه أقصر أبيات الشعر، والانتقالُ من بيت إلى بيت، سريعٌ، نحو قوله: يَا لَيْتَنِي فِيْهَا جَذَعْ ... أَخُبُّ فيها وَأضَعْ وزعم الخليل أن الرَّجَز ليس بشعر، وإنما هو أنصاف أبيات وأثلاث. قوله تعالى: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ فيه أربعة أقوال: أحدها: أن معناه: بما أوصاك أن تدعوه به. والثاني: بما تقدم به إليك أن تدعوه فيجيبك. والثالث: بما عهد عندك في كشف العذاب عمن آمن. والرابع: أن ذلك منهم على معنى القسم، كأنهم أقسموا عليه بما عهد عنده أن يدعو لهم. قوله تعالى: إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ أي: إلى وقت غرقهم. إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أي: ينقضون العهد. قوله تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ قال أبو سليمان الدمشقي: انتصرنا منهم باحلال نقمتنا بهم، وتلك
[سورة الأعراف (7) : الآيات 137 إلى 138]
النقمة تغريقنا إياهم في اليم. قال ابن قتيبة: اليم: البحر بالسريانية. قوله تعالى: وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ فيه قولان: أحدهما: عن الآيات، وغفلتهم: تركهم الاعتبار بها. والثاني: عن النقمة. [سورة الأعراف (7) : الآيات 137 الى 138] وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (137) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) قوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ يعني بني إسرائيل. الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ أي: يُستَذلون بذبح الأبناء، واستخدام النساء، وتسخير الرجال. مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مشارق الشام ومغاربها، قاله الحسن. والثاني: مشارق أرض الشام ومصر. والثالث: أنه على إطلاق في شرق الأرض وغربها. قوله تعالى: الَّتِي بارَكْنا فِيها قال ابن عباس: بالماء والشجر. قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى وهي وعد الله لبني إسرائيل باهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض، وذلك في قوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ «1» ، وقد بَيَّنا علة تسمية ذلك كلِّه في (آل عمران) . وقوله تعالى: بِما صَبَرُوا فيه قولان: أحدهما: على طاعة الله تعالى. والثاني: على أذى فرعون. قوله تعالى: وَدَمَّرْنا أي: أهلكنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ من العمارات والمزارع، والدمار: الهلاك. وَما كانُوا يَعْرِشُونَ أي: يبنون. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «يعرشون» بكسر الراء ها هنا وفي (النحل) . وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بضم الراء فيهما. وقرأ ابن أبي عبلة: «يُعرِّشون» بالتشديد، قال الزجاج: يقال: عَرَشَ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ: إذا بنى. قوله تعالى: يَعْكُفُونَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر،: «يَعْكُفُون» بضم الكاف. وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل: بكسر الكاف. وقرأ ابن أبي عبلة: بضم الياء وتشديد الكاف. قال الزجاج: ومعنى يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ: يواظبون عليها ويلازمونها، يقال لكل من لزم شيئاً وواظب عليه: عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ. قال قتادة: كان أولئك القوم نزولاً بالرقة، وكانوا من لخم. وقال غيره: كانت أصنامهم تماثيل البقر. وهذا إخبار عن عظيم جهلهم حيث توهموا جواز عبادة غير الله بعد ما رأوا الآيات. [سورة الأعراف (7) : الآيات 139 الى 140] إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140) قوله تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ قال ابن قتيبة: مُهلَك. والتبار: الهلاك.
[سورة الأعراف (7) : آية 141]
قوله تعالى: قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً أي: أطلب لكم، وهذا استفهام إنكار. قال المفسّرون، منهم ابن عباس، ومجاهد: والعالمون ها هنا: عالمو زمانهم. [سورة الأعراف (7) : آية 141] وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) قوله تعالى: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ قرأ ابن عامر: «وإذ أنجاكم» على لفظ الغائب المفرد. [سورة الأعراف (7) : آية 142] وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) قوله تعالى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً المعنى: وعدناه انقضاء ثلاثين ليلة. قال ابن عباس: قال موسى لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة، فلما فصل إلى ربه زاده عشراً، فكانت فتنتهم في ذلك العشر. فان قيل: لم زيد هذا العشر؟ فالجواب: أن ابن عباس قال: صام تلك الثلاثين ليلهن ونهارهن، فلما انسلخ الشهر، كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول شيئاً من نبات الأرض فمضغه، فأوحى الله تعالى إليه: لا كلمتك حتى يعود فوك على ما كان عليه، أما علمت أن رائحة فم الصائم أحب إليَّ من ريح المسك؟ وأمره بصيام عشرة أيام. وقال أبو العالية: مكث موسى على الطور أربعين ليلة، فبلغَنا أنه لم يُحدث حتى هبط منه. فان قيل: ما معنى فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقد عُلم ذلك عند انضمام العشر إلى الثلاثين. فالجواب من وجوه: أحدها: أنه للتأكيد. والثاني: ليدل أن العشر، ليالٍ لا ساعات. والثالث: لينفي تمام الثلاثين بالعشر أن تكون من جملة الثلاثين، لأنه يجوز أن يسبق إلى الوهم أنها كانت عشرين ليلة فأُتمت بعشر. وقد بينا في سورة (البقرة) لماذا كان هذا الوعد. قوله تعالى: وَأَصْلِحْ قال ابن عباس: مرهم بالإصلاح. وقال مقاتل: ارفق. [سورة الأعراف (7) : الآيات 143 الى 144] وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا قال الزجاج، أي: للوقت الذي وقَّتنا له. وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ أسمعه كلامه، ولم يكن بينه وبين الله عزّ وجلّ فيما سمع أحد. قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ أي: أرني نفسك. قوله تعالى: قالَ لَنْ تَرانِي تعلق بهذا نُفاة الرؤية وقالوا: «لن» لنفي الأبد «1» ، وذلك غلط،
لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ «1» ثم أخبر عنهم بتمنِّيه في النار بقوله تعالى: يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ «2» ، ولأن ابن عباس قال في تفسيرها: لن تراني في الدنيا. وقال غيره: هذا جواب لقول موسى: «أرني» ، ولم يُرد: أرني في الآخرة، وإنما أراد في الدنيا، فأُجيب عما سأل. وقال بعضهم: لن تراني بسؤالك. وفي هذه الآية دلالة على جواز الرؤية، لأن موسى مع علمه بالله تعالى، سألها، ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها، ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك، لأنّ معرفة الأنبياء لله ليس فيها نقص، ولأن الله تعالى لم ينكر عليه المسألة وإنما منعه من الرؤية، ولو استحالت عليه لقال: «لا أُرى» ألا ترى أن نوحا لما قال: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي أنكر عليه بقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ «3» ، ومما يدل على جواز الرؤية أنه علَّقها باستقرار الجبل، وذلك جائز غير مستحيل، فدل على أنها جائزة، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما استحال علَّقه بمستحيل فقال: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ «4» . قوله تعالى: فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ أي: ثبت ولم يتضعضع. قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ قال الزجاج: ظهر، وبان. جَعَلَهُ دَكًّا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «دكّا» منوّنة مقصورة ها هنا وفي (الكهف) . وقرأ عاصم: «دكّاً» ها هنا منوَّنة مقصورة، وفي (الكهف) : «دكاء» ممدودة غير منونة. وقرأ حمزة والكسائي: «دكاء» ممدودة غير منونة في الموضعين. قال أبو عبيدة: «جعله دكّا» أي: مندكّا والمندكّ: المستوي والمعنى: مستوياً مع وجه الأرض، يقال: ناقة دكَّاء، أي: ذاهبة السنام مستوٍ ظهرها. قال ابن قتيبة: كأن سنامها دُكَّ، أي: التصق، قال: ويقال: إن أصل دككتُ: دققت، فأبدلت القاف كافاً لتقارب المخرجين. وقال أنس بن مالك في قوله: «جعله دكاً» : ساخ الجبل. قال ابن عباس: واسم الجبل: زبير، وهو أعظم جبل بمدين، وإن الجبال تطاولت ليتجلَّى لها، وتواضع زبير فتجلى له. قوله تعالى: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فيه قولان: أحدهما: مغشياً عليه، قاله ابن عباس والحسن وابن زيد. والثاني: ميتاً، قاله قتادة ومقاتل. والأول أصح، لقوله تعالى: فَلَمَّا أَفاقَ وذلك لا يقال للميت. وقيل: بقي في غشيته يوماً وليلة. قوله تعالى: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ فيما تاب منه ثلاثة أقوال: أحدها: سؤال الرّؤية، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها. والثالث: اعتقاد جواز رؤيته في الدنيا. وفي قوله تعالى: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قولان «5» : أحدهما: أنك لن تُرى في الدنيا، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أول المؤمنين من بني إسرائيل، رواه عكرمة عن ابن عباس.
[سورة الأعراف (7) : آية 145]
قوله تعالى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ فتح ياء «إني» ابن كثير، وأبو عمرو. وقرأ ابن كثير، ونافع «برسالتي» قال الزجاج: المعنى: اتخذتك صفوة على الناس برسالاتي وبكلامي، ولو كان إنما سمع كلام غير الله لما قال: «برسالاتي وبكلامي» لأن الملائكة تنزل إلى الأنبياء بكلام الله. [سورة الأعراف (7) : آية 145] وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) قوله تعالى: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ في ماهية الألواح سبعة أقوال: أحدها: أنها زبرجد، قاله ابن عباس. والثاني: ياقوت، قاله سعيد بن جبير. والثالث: زمرُّد أخضر، قاله مجاهد. والرابع: بَرَد، قاله أبو العالية. والخامس: خشب، قاله الحسن. والسادس: صخر، قاله وهب بن منبه. والسابع: زمرد وياقوت، قاله مقاتل. وفي عددها أربعة أقوال: أحدها: سبعة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: لوحان، رواه أبو صالح عن ابن عباس، واختاره الفراء. قال: وإنما سماها الله تعالى ألواحاً، على مذهب العرب في إيقاع الجمع على التثنية، كقوله تعالى: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ «1» يريد داود؟؟؟؟، وسليمان، وقوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما «2» . والثالث: عشرة، قاله وهب. والرابع: تسعة، قاله مقاتل. وفي قوله تعالى: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قولان: أحدهما: من كل شيء يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام والواجب وغيره. والثاني: من الحِكَم والعِبَر. قوله تعالى: مَوْعِظَةً أي: نهياً عن الجهل. وَتَفْصِيلًا أي: تبييناً لكل شيء من الأمر والنهي والحدود والأحكام. قوله تعالى: فَخُذْها بِقُوَّةٍ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بجدٍّ وحزم، قاله ابن عباس. والثاني: بطاعة، قاله أبو العالية. والثالث: بشكر، قاله جويبر. قوله تعالى: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها إن قيل: كأن فيها ما ليس بحسن؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن المعنى: يأخذوا بحسنها، وكلها حَسَن، قاله قطرب، وقال ابن الأنباري: ناب «أحسن» عن «حسن» كما قال الفرزدق: إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنى لَنَا ... بَيْتاً دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ «3» أي: عزيزة طويلة. وقال غيره: «الأحسن» ها هنا صلة، والمعنى أن يأخذوا بها. والثاني: أن بعض ما فيها أحسن من بعض. ثم في ذلك خمسة أقوال: أحدها: أنهم أُمروا فيها بالخير ونُهوا عن الشر، فَفِعْلُ الخير هو الأحسن. والثاني: أنها اشتملت على أشياء حسنة بعضها أحسن من بعض، كالقصاص والعفو والانتصار والصبر، فأُمِروا أن يأخذوا بالأحسن، ذكر القولين الزجاج. فعلى هذا القول، يكون المعنى: انهم يتبعون العزائم والفضائل، وعلى الذي قبله، يكون المعنى: أنهم يتبعون الموصوف بالحسن وهو الطاعة، ويجتنبون الموصوف بالقبح وهو المعصية. والثالث: أحسنها:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 146 إلى 147]
الفرائض والنوافل، وأدونها في الحسن: المباح. والرابع: أن يكون للكلمة معنيان أو ثلاثة، فتصرف إلى الاشبه بالحق. والخامس: أن أحسنها: الجمع بين الفرائض والنوافل. قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ فيها أربعة أقوال «1» : أحدها: أنها جهنم، قاله الحسن، ومجاهد. والثاني: انها دار فرعون وقومه، وهي مصر، قاله عطية العوفي. والثالث: أنها منازل من هلك من الجبابرة والعمالقة، يريهم إياها عند دخولهم الشام، قاله قتادة. والرابع: أنها مصارع الفاسقين، قاله السدي. ومعنى الكلام: سأُرِيكم عاقبة من خالف أمري، وهذا تهديد للمخالف، وتحذير للموافق. [سورة الأعراف (7) : الآيات 146 الى 147] سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147) قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها خاصة لأهل مصر فيما رأوا من الآيات. والثاني: أنها عامة، وهو أصح. وفي الآيات قولان: أحدهما: أنها آيات الكتاب المتلوَّة. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أمنعُهم فهمها. والثاني: أمنعهم من الإيمان بها. والثالث: أصرفهم عن الاعتراض عليها بالإبطال. والثاني: أنها آيات المخلوقات كالسماء والأرض والشمس والقمر وغيرها، فيكون المعنى: أصرفهم عن التفكر والاعتبار بما خلقتُ. وفي معنى يتكبَّرون قولان: أحدهما: يتكبَّرون عن الإيمان واتباع الرسول. والثاني: يحقِّرون الناس ويرون لهم الفضل عليهم. قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: «سبيل الرشد» بضم الراء خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي: «سبيل الرَّشد» بفتح الراء والشين مثقلة. قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قال الزجاج: فعل الله بهم ذلك بأنهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ،
[سورة الأعراف (7) : آية 148]
أي: كانوا في تركهم الإيمان بها والتدبر لها بمنزلة الغافلين. ويجوز أن يكون المعنى: وكانوا عن جزائها غافلين. [سورة الأعراف (7) : آية 148] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (148) قوله تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل للميقات. مِنْ حُلِيِّهِمْ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «من حُليّهم» بضم الحاء. وقرأ حمزة، والكسائي: «حِليّهم» بكسر الحاء. وقرأ يعقوب: بفتحها وسكون اللام وتخفيف الياء. والحُليّ: جمع حَلْيٍ، مثل ثَدْي وثُدِيٍّ، وهو اسم لما يُتحسَّن به من الذهب والفضة. قال الزجاج: ومن كسر الحاء من «حليهم» أتبع الحاء كسر اللام. والجسد: هو الذي لا يعقل ولا يميز، إنما هو بمعنى الجثة فقط. قال ابن الانباري: ذِكر الجسد دلالة على عدم الروح منه، وأن شخصه شخص مثال وصورة، غير منضم إليهما روح ولا نفس. فأما الخُوار، فهو صوت البقرة، يقال: خَارَتْ البقرة تَخُورُ، وَجَأرَتَ تَجْأَرُ وقد نُقِلَ عن العرب انهم يقولون في مثل صوت الإنسان من البهائم: رَغَا البعير، وجَرْجَرَ وهَدَرَ وقَبْقَبَ، وصَهَل الفرس وحَمْحَمَ، وشَهَقَ الحمار ونَهَقَ، وشَحَجَ البغل، وثَغَتْ الشاة ويَعَرَتْ، وثَأجَتَ النّعجة، وبغم الظّبي ونزب، وزأر الأسد ونَأَتَ، ووَعْوَعَ الذئب، ونَهَم الفِيْلُ، وزَقَحَ القِرْدُ، وَضَبَحَ الثَّعْلَبُ، وعَوَى الكَلْبُ وَنَبَحَ، ومَاءتِ السِّنّور، وَصَأت الفأرة، ونَغَقَ الغُرَابُ معجمةَ الغين، وزقأ الدِّيك وسَقَعَ، وصَفَرَ النسْرُ، وَهَدَرَ الحمام وَهَدَلَ، ونَقَضَتِ الضَّفَادِع ونقَّت، وعَزَفَتِ الجِنَّ. قال ابن عباس كان العجل إذا خار سجدوا وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وفي رواية أبي صالح عنه: أنه خار خورة واحدة ولم يُتبعها مثلها، وبهذا قال وهب، ومقاتل. وكان مجاهد يقول: خواره حفيف الريح فيه وهذا يدل على أنه لم يكن فيه روح. وقرأ أبو رزين العقيلي، وابو مجلز: «له جُوار» بجيم مرفوعة. قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ أي: لا يستطيع كلامهم. وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أي: لا يبيِّن لهم طريقاً إلى حجة. اتَّخَذُوهُ يعني اتخذوه إلهاً. وَكانُوا ظالِمِينَ قال ابن عباس: مشركين. [سورة الأعراف (7) : الآيات 149 الى 152] وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) قوله تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي: ندموا. قال الزجاج: يقال للرجل النادم على ما فعل، المتحسر على ما فرّط: قد سُقط في يده وأُسقط في يده. وقرأ ابن السميفع، وأبو عمران الجوني:
«سَقَطَ» بفتح السين. قال الزجاج: والمعنى: ولما سقط النّدم في أيديهم، يشبّه ما في القلب وفي النفس بما يُرى بالعين. قال المفسرون: هذا الندم منهم إنما كان بعد رجوع موسى. قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: «يرحْمنا ربُّنا» «ويغفرْ لنا» بالياء والرفع. وقرأ حمزة، والكسائي: «ترحمنا» «وتغفر لنا» بالتاء، «ربنا» بالنصب. قوله تعالى: غَضْبانَ أَسِفاً في الأسِفِ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحزين، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي. والثاني: الجزِع، قاله مجاهد. والثالث: أنه الشديد الغضب، قاله ابن قتيبة، والزجاج. وقال أبو الدرداء: الأسف: منزلة وراء الغضب أشدّ منه. قوله تعالى: قالَ أي: لقومه بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي فتح ياء «بعديَ» أهل الحجاز، وأبو عمرو والمعنى: بئس ما عملتم بعد فراقي من عبادة العجل. أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ قال الفراء: يقال: عَجِلْتُ الأمر والشيء: سبقتُه، ومنه هذه الآية. وأعجلته: استحثثته. قال ابن عباس: أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له؟! قال الحسن: يعنيَ وَعْدَ الأربعين ليلة. قوله تعالى: وَأَلْقَى الْأَلْواحَ التي فيها التوراة. وفي سبب إلقائه إياها قولان: أحدهما: أنه الغضب حين رآهم قد عبدوا العجل، قاله ابن عباس. (589) والثاني: أنه لما رأى فضائل غير أمّته من أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم اشتد عليه، فألقاها، قاله قتادة «1» ، وفيه بُعد. قال ابن عباس: لما رمى بالألواح فتحطمت، رُفع منها ستة أسباع، وبقي سُبع. قوله تعالى: وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ في ما أخذ به من رأسه ثلاثة أقوال: أحدها: لحيته وذؤابته. والثاني: شعر رأسه. والثالث: أُذنه. وقيل: إنما فعل به ذلك، لأنه توهم أنه عصى الله بمُقامه بينهم وتركِ اللحوق به، وتعريفِه ما أحدثوا بعده ليرجع إليهم فيتلافاهم ويردّهم إلى الحقّ، وذلك قوله تعالى: ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ «2» . قوله تعالى: ابْنَ أُمَّ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «قال ابن أُمَّ» نصباً. وقرأ أبن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بكسر الميم، وكذلك في (طه) «3» قال
[سورة الأعراف (7) : آية 153]
الزجاج: من فتح الميم فلكثرة استعمال هذا الاسم، ومن كسر أضافه إلى نفسه بعد أن جعله اسماً واحداً، ومن العرب من يقول: «يا ابن أمي» باثبات الياء. قال الشاعر: يَا ابْنَ أُمِّي ويَا شُقَيِّقَ نَفْسِي ... أنتَ خَلَّفْتَنِي لدهرٍ شديدِ «1» وقال أبو علي: يحتمل أن يريد من فتح: «يا ابن أم» أُمَّا، ويحذف الألف، ومن كسر: «ابن أمي» فيحذف الياء. فان قيل: لم قال: «يا ابن أمَّ» ولم يقل: «يا ابن أب» ؟ فالجواب أن ابن عباس قال: كان أخاه لأبيه وأُمه، وإنما قال له ذلك ليرقّقه عليه. قال أبو سليمان الدمشقي: والإِنسان عند ذكر الوالدة أرقُّ منه عند ذكر الوالد. وقيل: كان لأمه دون أبيه، حكاه الثعلبي. قوله تعالى: إِنَّ الْقَوْمَ يعني عبدة العجل. اسْتَضْعَفُونِي أي: استذلُّوني فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ قرأ ابن عباس، وابن محيصن وحميد: «فلا تَشْمَت» بتاء مفتوحة مع فتح الميم، «الاعداءُ» بالرفع، وقرأ مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وأبو رجاء: «فلا تَشْمِتْ» بفتح التاء وكسر الميم، «الأعداءَ» بالنصب. وقرأ أبو الجوزاء، وابن أبي عبلة مثل ذلك، إلا أنهما رفعا «الأعداء» . ويعني بالأعداء: عبدة العجل. وَلا تَجْعَلْنِي في موجدتك وعقوبتك لي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وهم عبدة العجل. فلما تبين له عُذْرُ أخيه قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي. قوله تعالى: وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فيها قولان: أحدهما: أنها الجزية، قاله ابن عباس. والثاني: ما أمروا به من قتل أنفسهم، قاله الزجاج. فعلى الأول يكون ما أُضيف إليهم من الجزية في حق أولادهم، لأن أولئك قُتلوا ولم يؤدّوا جزية. قال عطية: وهذه الآية فيما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء لتولِّيهم متخذي العجل ورضاهم به. قوله تعالى: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ قال ابن عباس: كذلك أُعاقب من اتخذ إلهاً دوني، وقال مالك بن انس: ما من مبتدع الا وهو يجد فوق رأسه ذلَّة، وقرأ هذه الاية. وقال سفيان بن عيينة: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلَّة تغشاه، قال: وهي في كتاب الله تعالى: قالوا: وأين هي؟ قال: أو ما سمعتم قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قالوا: يا أبا محمد، هذه لأصحاب العجل خاصة، قال: كلا، أتلو ما بعدها. وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة. [سورة الأعراف (7) : آية 153] وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ فيها قولان: أحدهما: أنها الشرك. والثاني: الشرك وغيره من الذنوب. ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها يعني السيئات. وفي قوله تعالى: وَآمَنُوا قولان: أحدهما: آمنوا بالله وهو يُخرَّج على قول من قال: هي الشرك. والثاني: آمنوا بأن الله تعالى يقبل التوبة. إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها يعني السّيئات.
[سورة الأعراف (7) : آية 154]
[سورة الأعراف (7) : آية 154] وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ وقرأ ابن عباس، وأبو عمران «سَكّت» بفتح السين وتشديد الكاف وبتاء بعدها، «الغضبَ» بالنصب. وقرأ سعيد بن جبير، وابن يعمر، والجحدري «سُكِّت» بضم السين وتشديد الكاف مع كسرها. وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، وطلحة «سَكَنَ» بنون. قال الزجاج «سكت» بمعنى سكن، يقال: سكت يسكت سَكْتاً: إذا سكن، وسكت يسكت سكْتاً وسكوتاً: إذا قطع الكلام. قال: وقال بعضهم: المعنى: ولما سكت موسى عن الغضب، على القلب، كما قالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي. والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة، والأول هو قول أهل العربية. قوله تعالى: أَخَذَ الْأَلْواحَ يعني التي كان ألقاها. وفي قوله تعالى: وَفِي نُسْخَتِها قولان: أحدهما: وفيما بقي منها قاله ابن عباس. والثاني: وفيما نُسخ فيها قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ فيهم قولان: أحدهما: أنه عام في الذين يخافون الله، وهو معنى قول قتادة. والثاني: أنّهم أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم خاصّة، وهو معنى قول قتادة. [سورة الأعراف (7) : آية 155] وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155) قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ المعنى: اختار من قومه، فحُذف «من» ، تقول العرب: اخترتك القوم، أي: اخترتك من القوم، وأنشدوا: مِنَّا الذي اخِتيرَ الرِّجَالَ سََمَاحةً ... وجُوداً إذا هبَّ الرِّياح الزَّعازعُ «1» هذا قول ابن قتيبة، والفراء، والزجاج. وفي هذا الميقات أربعة أقوال: أحدها: أنه الميقات الذي وَقَّتَهُ الله لموسى ليأخذ التوراة، أُمر أن يأتيَ معه بسبعين، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال نوف البِكَاليُّ. والثاني: أنه ميقات وَقَّتَهُ الله تعالى لموسى، وأمره أن يختار من قومه سبعين رجلا ليدعوا ربّهم، فدعوا فقالوا: اللهمّ أعطنا ما لم تعط أحداً قبلنا، ولا تعطيه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك، وأخذتهم الرجفة، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أنه ميقات وَقَّتَهُ الله لموسى، لأن بني إسرائيل قالوا له: إن طائفة تزعم أن الله لا يكلمك، فخذ معك طائفة منا ليسمعوا كلامه فيؤمنوا فتذهب التهمة، فأوحى الله اليه ان أختر من خيارهم سبعين، ثم ارتقِ بهم على الجبل انت وهارون، واستخلف يوشع بن نون، ففعل ذلك قاله وهب بن منبه. والرابع: أنه ميقات وَقَّتَهُ الله لموسى ليلقاه في ناس من بني إسرائيل، فيعتذر إليه من فِعْل عبدة العجل، قاله السدي. وقال ابن السائب: كان موسى لا يأتي ربّه إلا بإذن منه. فأما الرجفة فهي الحركة الشديدة. وفي سبب أخذها إياهم أربعة أقوال: أحدها: أنه ادعاؤهم على موسى قتل هارون، قاله علي بن أبي طالب. والثاني: اعتداؤهم في الدعاء، وقد ذكرناه في رواية ابن
[سورة الأعراف (7) : الآيات 156 إلى 158]
أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أنهم لم ينهَوْا عبدة العجل ولم يرضَوْا نُقل عن ابن عباس أيضا، وقال قتادة، وابن جريج: لم يأمروهم بالمعروف، ولم ينهَوْهم عن المنكر، ولم يزايلوهم. والرابع: أنّهم طلبوا سماع الكلام من الله تعالى، فلما سمعوه قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً «1» قاله السدي وابن إسحاق. قوله تعالى: قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ قال السدي: قام موسى يبكي ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارهم لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ. وقال الزجاج: لو شئت أمتَّهم قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة. وقيل: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا وإياي، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني. قوله تعالى: أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا قال المبرِّد: هذا استفهام استعطاف، أي: لا تُهلكْنا. وقال ابن الانباري: هذا استفهام على تأويل الجحد، إذ أراد لست تفعل ذلك. و «السّفهاء» ها هنا: عبدة العجل. وقال الفراء: ظن موسى أنهم أُهلكوا باتخاذ أصحابهم العجل. وإنما أُهلكوا بقولهم: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً. قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ فيها قولان: أحدهما: أنها الابتلاء، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وأبو العالية. والثاني: العذاب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة. قوله تعالى: أَنْتَ وَلِيُّنا أي: ناصرنا وحافظنا. [سورة الأعراف (7) : الآيات 156 الى 158] وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) قوله تعالى: وَاكْتُبْ لَنا أي: حقق لنا وأوجب فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وهي الأعمال الصالحة وَفِي الْآخِرَةِ المغفرة والجنة إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي: تبنا، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو العالية، وقتادة، والضحاك، والسدي. وقال ابن قتيبة: ومنه الَّذِينَ هادُوا «2» كأنهم رجعوا من شيء إلى شيء. وقرأ أبو وجزة السعدي: «إنا هِدنا» بكسر الهاء. قال ابن الأنباري: المعنى: لا نتغيَّر يقال: هاد يهود ويهيد.
قوله تعالى: قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ. وقرأ الحسن البصري، والأعمش، وأبو العالية: «من أساء» بسين غير معجمة مع النصب. قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في هذا الكلام أربعة اقوال: أحدها: أن مخرجه عام ومعناه خاص، وتأويله: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، قاله ابن عباس. والثاني: أن هذه الرحمة على العموم في الدنيا، والخصوص في الآخرة وتأويلها: ورحمتي وسعت كل شيء في الدنيا، البرَّ والفاجر، وفي الآخرة هي للمتقين خاصة، قاله الحسن، وقتادة. فعلى هذا، معنى الرحمة في الدنيا للكافر أنه يُرزق ويُدفع عنه، كقوله في حقّ قارون: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ «1» . والثالث: أن الرحمة: التوبة، فهي على العموم، قاله ابن زيد. والرابع: أن الرحمة تَسَع كل الخلق إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدِّر دخولهم فيها لوسعتهم، قاله ابن الانباري. قال الزجاج: وسعت كل شيء في الدنيا. فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ في الآخرة. قال المفسرون: معنى «فسأكتبها» : فسأوجبها. وفي الذين يتقون قولان: أحدهما: أنهم المتقون للشرك، قاله ابن عباس. والثاني: للمعاصي، قاله قتادة. وفي قوله تعالى. وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ قولان: أحدهما: أنها زكاة الأموال، قاله الجمهور. والثاني: أن المراد بها طاعة الله ورسوله، قاله ابن عباس والحسن، ذهبا إلى أنها العمل بما يزكِّي النفس ويطهِّرها. وقال ابن عباس، وقتادة: لما نزلت وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فنزعها الله من إبليس، فقال: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ، فقالت اليهود والنّصارى: نحن نتَّقي، ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا، فنزعها الله منهم، وجعلها لهذه الأمة، فقال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ. وقال نَوفٌ: قال الله تعالى لموسى: أجعل لكم الأرض طهوراً ومسجداً، وأجعل السكينة معكم في بيوتكم، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. فأخبر موسى قومه بذلك، فقالوا: لا نريد أن نصلّي إلّا في الكنائس ولا أن تكون السكينة إلا في التابوت، ولا أن نقرأ التوراة إلا نظراً، فقال الله تعالى: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ إلى قوله: الْمُفْلِحُونَ. وفي هؤلاء المذكورين في قوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ إلى قوله: الْمُفْلِحُونَ قولان: أحدهما: أنهم كلّ من آمن بمحمّد صلّى الله عليه وسلم، وتبعه، قاله ابن عباس. والثاني: أنه محمد صلّى الله عليه وسلم، قاله السدي، وقتادة. وفي تسميته بالأمي قولان: أحدهما: لأنه لا يكتب. والثاني: لأنه من أُمَّ القرى. قوله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ أي: يجدون نعته ونبوَّته. قوله تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ قال الزجاج: يجوز أن يكون مستأنَفاً، ويجوز أن يكون «يجدونه مكتوباً عندهم» أنه يأمرهم بالمعروف. قال ابن عباس: المعروف: مكارم الأخلاق، وصلة الارحام. والمنكر: عبادة الأوثان، وقطع الأرحام. وقال مقاتل: المعروف: الإيمان، والمنكر: الشّرك. وقال غيره: المعروف: الحق، لأن العقول تعرف صحته، والمنكر: الباطل، لأن العقول تنكر صحته. وفي الطيبات أربعة أقوال: أحدها: أنها الحلال، والمعنى: يُحل لهم الحلال. والثاني: أنها ما
[سورة الأعراف (7) : آية 159]
كانت العرب تستطيبه. والثالث: أنها الشحوم المحرَّمة على بني إسرائيل. والرابع: ما كانت العرب تحرِّمه من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وفي الخبائث ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الحرام، فالمعنى: ويحرِّم عليهم الحرام. والثاني: أنها ما كانت العرب تستخبثه ولا تأكله، كالحيات، والحشرات. والثالث: ما كانوا يستحلُّونه من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي «إِصرهم» . وقرأ ابن عامر «آصارهم» ممدودة الألف على الجمع. وفي هذا الإِصر قولان «1» : أحدهما: أنه العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة، قاله ابن عباس. والثاني: التشديد الذي كان عليهم من تحريم السّبت، والشّحوم والعروق، وغير ذلك من الأمور الشاقة، قاله قتادة. وقال مسروق: لقد كان الرجل من بني إسرائيل يذنب الذنب، فيصبح وقد كُتب على باب بيته: إن كفارته أن تنْزِع عينيك، فيْنزِعهُما. قوله تعالى: وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ قال الزجاج: ذِكر الأغلال تمثيل، ألا ترى أنك تقول: جعلت هذا طوقاً في عنقك، وليس هناك طوق، إنما جعلت لزومه كالطوق. والأغلال: أنه كان عليهم أن لا يُقبَل منهم في القتل دية، وأن لا يعملوا في السبت، وأن يَقْرِضُوا ما أصاب جلودهم من البول. قوله تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يعني بمحمّد صلّى الله عليه وسلم وَعَزَّرُوهُ وروى أبان «وعَزَروه» بتخفيف الزاي. وفي المعنى قولان: أحدهما: نصروه وأعانوه، قاله مقاتل. والثاني: عظَّموه، قاله ابن قتيبة. والنور الذي أنزل معه: القرآن، سماه نورا، لأن بيانه في القلوب كبيان النور في العيون. وفي قوله «معه» قولان: أحدهما: أنها بمعنى «عليه» . والثاني: بمعنى أُنزل في زمانه. قال قتادة: أما نصره، فقد سُبقتم إليه، ولكن خيركم من آمن به واتبع النور الذي أُنزل معه. قوله تعالى: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ في الكلمات قولان «2» : أحدهما: أنها القرآن، قاله ابن عباس. وقال قتادة: كلماته: آياته. والثاني: أنها عيسى ابن مريم، قاله مجاهد، والسّدّيّ. [سورة الأعراف (7) : آية 159] وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) قوله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ فيه قولان: أحدهما: يدعون إلى الحق. والثاني: يعملون به.
[سورة الأعراف (7) : الآيات 160 إلى 162]
قوله تعالى: وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال الزجاج: وبالحق يحكمون. وفي المشار إليهم بهذا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم قوم وراء الصين لم تبلغهم دعوة الإِسلام، قاله ابن عباس، والسُّدي. والثاني: أنهم من آمن بالنبيّ صلّى الله عليه وسلم مثل ابن سلام وأصحابه، قاله ابن السائب. والثالث: أنهم الذين تمسكوا بالحق في زمن أنبيائهم، ذكره الماوردي. [سورة الأعراف (7) : الآيات 160 الى 162] وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162) قوله تعالى: وَقَطَّعْناهُمُ يعني قوم موسى، يقول: فرَّقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً يعني أولاد يعقوب، وكانوا اثنى عشر ولداً، فولد كل واحد منهم سبطاً. قال الفراء: وإنما قال «اثنتي عشرة» والسبط ذكَر، لأن بعده «أُمما» فذهب بالتأنيث إلى الأمم، ولو كان «اثني عشر» لتذكير السبط، كان جائزاً. وقال الزجاج: المعنى: وقطَّعناهم اثنتي عشرة فرقة، «أسباطاً» نعت «فرقة» كأنه يقول: جعلناهم أسباطاً، وفرَّقناهم أسباطاً، فيكون «أسباطاً» بدلاً من «اثنتي عشرة» و «أُمماً» من نعت أسباط. والأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل ليُفصل بين ولد إسماعيل وبين ولد إسحاق. وقال أبو عبيدة: الأسباط: قبائل بني إسرائيل، أحدهم: سبط. ويقال: من أي سبط أنت؟ أي: من أي قبيلة وجنس؟ قوله تعالى: فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ قال ابن قتيبة: انفجرت يقال: تبجَّس الماء، كما يقال: تفجَّر والقصة مذكورة في سورة (البقرة) . قوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «نغفر لكم خطيئاتكم» بالتاء مهموزة على الجمع. وقرأ أبو عمرو «نغفر لكم خطاياكم» مثل: قضاياكم، ولا تاء فيها. وقرأ نافع «تُغفَر» بالتاء مضمومة «خطيئاتُكم» بالهمز وضم التاء، على الجمع، وافقه ابن عامر في «تُغفَر» بالتاء المضمومة، لكنه قرأ «خطيئتكم» على التّوحيد. [سورة الأعراف (7) : آية 163] وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (163) قوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ يعني أسباط اليهود، وهذا سؤال تقرير وتوبيخ يقرِّرهم على قديم كفرهم، ومخالفة أسلافهم الأنبياء، ويخبرهم بما لا يُعلم إلا بوحي. وفي القرية خمسة أقوال «1» :
[سورة الأعراف (7) : آية 164]
أحدها: أنها أيلة «1» ، رواه مُرّة عن ابن مسعود، وأبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي. والثاني: أنها مَدْيَن، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثالث: أنها ساحل مدين، روي عن قتادة. والرابع: أنها طبرية، قاله الزهري. والخامس: أنها قرية يقال لها: مقنا «2» ، بين مدين وعينونا، قاله ابن زيد. ومعنى حاضِرَةَ الْبَحْرِ مجاورة البحر وبقربه وعلى شاطئه. إِذْ يَعْدُونَ قال الزجاج: أي يظلمون، يقال: عدا فلان يعدو عُدْواناً وعَداءً وعَدْواً وعُُدّواً: إذا ظلم، وموضع «إذ» نصب والمعنى: سلهم عن وقت عَدْوِهم في السبت. إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ في موضع نصب أيضاً ب «يَعْدُونَ» والمعنى: سلهم إذ عَدَوْا في وقت الإتيان. شُرَّعاً أي: ظاهرة. كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أي: مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم بفسقهم. ويحتمل على بعد أن يكون المعنى وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كذلك، أي: لا تأتيهم شُرَّعاً ويكون نَبْلُوهُمْ مستأنفا. وقرأ الأعمش، وأبان، والمفضل عن عاصم: «يُسبِتون» بضم الياء. [سورة الأعراف (7) : آية 164] وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) قوله تعالى: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ قال المفسرون: افترق أهل القرية ثلاث فرق فرقة صادت وأكلت، وفرقة نهت وزجرت، وفرقة أمسكت عن الصيد، وقالت للفرقة الناهية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ لاموهم على موعظة قوم يعلمون أنهم غير مقلعين، فقالت الفرقة الناهية: مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «معذرةُ» رفعاً، أي: موعظتُنا إياهم معذرةٌ، والمعنى أن الأمر بالمعروف واجب علينا، فعلينا موعظة هؤلاء عذراً إلى الله. وقرأ حفص عن عاصم: «معذرةً» نصباً، وذلك على معنى نعتذر معذرةً. وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: وجائز أن ينتفعوا بالموعظة فيتركوا المعصية. [سورة الأعراف (7) : الآيات 165 الى 167] فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ يعني: تركوا ما وُعظوا به أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وهم الناهون عن المنكر. والذين ظلموا هم المعتدون في السبت. قوله تعالى: بِعَذابٍ بَئِيسٍ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «بئيس» على وزن فعيل، فالهمزة بين الباء والياء. وقرأ نافع: «بِيسٍ» بكسر الباء من غير همز. وقرأ ابن عامر كذلك، إلا
[سورة الأعراف (7) : آية 168]
أنه همز. وروى خارجة عن نافع: «بَيْسٍ» بفتح الباء من غير همز، على وزن «فَعْلٍ» . وروى أبو بكر عن عاصم: «بَيْأسٍ» على وزن «فَيْعَلٍ» . وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأيوب: «بَيْآسٍ» على وزن «فَيْعالٍ» . وقرأ أبو عبد الرّحمن السّلمي، ومعاذ القارئ: «بَئِسٍ» بفتح الباء وكسر الهمزة من غير ياء على وزن «تعس» . وقرأ الضحاك، وعكرمة: «بَيِّسٍ» بتشديد الياء مثل «قيِّم» . وقرأ أبو العالية، وأبو مجلز: «بَئِسَ» بفتح الباء والسين وبهمزة مكسورة من غير ياء ولا ألف على وزن «فَعِلَ» . وقرأ أبو المتوكل، وأبو رجاء: «بائسٍ» بألف ومَدّة بعد الباء وبهمزة مكسورة بوزن «فاعِلٍ» . قال أبو عبيدة: البئيس: الشّديد، وأنشد: حيفا عَليَّ وما تَرَى ... لي فيِهمُ أثراً بَئيسَا «1» وقال الزجاج: يقال: بَئس يبأس بأساً، والعاتي: الشديد الدخول في الفساد، المتمرد الذي لا يقبل موعظة. وقال ابن جرير: «فلما عتوا» أي: تمردوا فيما نُهوا عنه وقد ذكرنا في سورة (البقرة) : قصة مسخهم. وكان الحسن البصري يقول: والله ما لحوم هذه الحيتان بأعظم عند الله من دماء قوم مسلمين. قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ فيه أربعة أقوال: أحدها: أعلم، قاله الحسن، وابن قتيبة، وقال: هو من آذنتك بالأمر. وقال ابن الانباري: «تأذن» بمعنى آذن كما يقال: تعلَّم أن فلاناً قائم، أي: اعلم. وقال أبو سليمان الدمشقي: أي: أعلم أنبياء بني إسرائيل. والثاني: حتم، قاله عطاء. والثالث: وعد، قاله قطرب. والرابع: تألّى، قاله الزجاج. قوله تعالى: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ أي: على اليهود. وقال مجاهد: على اليهود والنصارى بمعاصيهم. مَنْ يَسُومُهُمْ أي: يولِّيهم سُوءَ الْعَذابِ. وفي المبعوث عليهم قولان: أحدهما: أنه محمّد صلّى الله عليه وسلم، وأمته، قاله ابن عباس. والثاني: العرب، كانوا يجبونهم الخراج، قاله سعيد بن جبير، قال: ولم يجْبِ الخراجَ نَبيٌ قط إلا موسى، جباه ثلاث عشرة سنة، ثم أُمسك إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم. وقال السدي بعث الله عليهم العرب يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم. وفي سوء العذاب أربعة أقوال: أحدها: الجزية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: المسكنة والجزية، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: الخراج، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والرابع: أنه القتال حتى يُسلموا، أو يُعطوا الجزية. [سورة الأعراف (7) : آية 168] وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) قوله تعالى: وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً قال أبو عبيدة: فرَّقناهم فِرقاً. قال ابن عباس: هم اليهود، ليس من بلد إلا وفيه منهم طائفة. وقال مقاتل: هم بنو إسرائيل. وقيل: معناه: شتات أمرهم وافتراق كلمتهم. مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وهم المؤمنون بعيسى ومحمد عليهما السلام. وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وهم الكفار. وقال ابن جرير: إنما كانوا على هذه الصفة قبل أن يبعث عيسى، وقبل ارتدادهم.
[سورة الأعراف (7) : آية 169]
قوله تعالى: وَبَلَوْناهُمْ أي: اختبرناهم بِالْحَسَناتِ وهي الخير، والخصب، والعافية، وَالسَّيِّئاتِ وهي الجدب، والشر، والشدائد فالحسنات والسيئات تحث على الطاعة، أما النّعم فلطلب الازدياد منها، وخوف زوالها، والنقمُ فلكشفها، والسلامة منها. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: لكي يتوبوا. [سورة الأعراف (7) : آية 169] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي: من بعد الذين وصفناهم. خَلْفٌ وقرأ الجوني، والجحدري: «خَلَفٌ» بفتح اللام. قال أبو عبيدة: الخَلَفُ والخَلَفُ واحد وقوم يجعلون المحرَّك اللام، للصالح، والمسكَّن، لغير الصالح. وقال ابن قتيبة: الخَلْفُ: الرديء من الناس ومن الكلام، يقال: هذا خَلْفٌ من القول. وقال ابن الأنباري: أكثر ما تستعمل العرب الخَلْفَ، باسكان اللام، في الرديء المذموم، وتفتح اللام في الفاضل الممدوح. وقد يوقع الخَلْفُ على الممدوح، والخلَفُ على المذموم غير أن المختار ما ذكرناه. وفي المراد بهذا الخَلْف ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنهم اليهود، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: النصارى. والثالث: أن الخَلْفَ من أُمة محمد صلّى الله عليه وسلم، والقولان عن مجاهد. فان قيل: الخَلْفُ واحد، فكيف قال: يَأْخُذُونَ وكذلك قال في (مريم) أَضاعُوا «2» ؟ فقد ذكر ابن الأنباري عنه جوابين: أحدهما: أن الخَلْف جمع خالف، كما أن الركب جمع راكب، والشَّرْب جمع شارب. والثاني: أي الخَلْف مصدر يكون للاثنين والجميع، والمذكر والمؤنث. قوله تعالى: وَرِثُوا الْكِتابَ أي: انتقل إليهم انتقال الميراث من سلف إلى خلف، فيخرج في الكتاب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التوراة. والثاني: الإنجيل. والثالث: القرآن. قوله تعالى: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أي: هذه الدنيا، وهو ما يعرض لهم منها. وقيل: سماه عرضاً، لقلة بقائه. قال ابن عباس: يأخذون ما أحبوا من حلال أو حرام. وقيل: هو الرِّشوة في الحكم. وفي وصفه بالأدنى قولان: أحدهما: أنه من الدُّنُوِّ. والثاني: أنه من الدناءة. قوله تعالى: سَيُغْفَرُ لَنا فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: إنا لا نؤاخَذ، تمنِّياً على الله الباطلَ. والثاني: أنه ذنْب يغفره الله لنا، تأميلاً لرحمة الله تعالى. وفي قوله تعالى: وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ
[سورة الأعراف (7) : آية 170]
قولان: أحدهما: أن المعنى: لا يشبعهم شيء، فهم يأخذون لغير حاجة، قاله الحسن. والثاني: أنهم أهل إصرار على الذنوب، قاله مجاهد. قوله تعالى: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قال ابن عباس: وكّد الله عليهم في التوراة أن لا يقولوا على الله إلا الحق، فقالوا الباطل، وهو ما أوجبوا على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يتوبون منها، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار. قوله تعالى: وَدَرَسُوا ما فِيهِ معطوف على «ورثوا» . ومعنى «درسوا ما فيه» : قرءوه، فكأنه قال: خالفوا على علم. وَالدَّارُ الْآخِرَةُ أي: ما فيها من الثواب خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الباقي خير من الفاني. قرأ ابن عامر ونافع وحفص عن عاصم بالتاء، والباقون بالياء. [سورة الأعراف (7) : آية 170] وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم «يمسّكون» مشدّدة، وقرءوا وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ «1» مخفّفة، وقرأهما أبو عمرو بالتشديد. وروى أبو بكر عن عاصم أنه خففهما. ويقال: مسَّكتُ بالشيء، وتمسّكت به، واستمسكت به، وامتسكت به. وهذه الآية نزلت في مؤمني أهل الكتاب الذين حفظوا حدوده ولم يُحرِّفوه، منهم عبد الله بن سلام واصحابه. قال ابن الأنباري: وخبر «الذين» : «إنا» وما بعده، وله ضمير مقدر بعد «المصلحين» تأويله: والذين يمسّكون بالكتاب إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، ولهذه العلة وَعَدَهُم حفظَ الأجر بشرطٍ، إذ كان منهم من لم يصلح. قال: وقال بعض النحويين: المصلحون يرجعون على الذين، وتلخيص المعنى عنده: والذين يمسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجرهم، فأظهرت كنايتهم بالمصلحين، كما يقال: عليٌّ لقيتُ الكسائي، وأبو سعيد رويت عن الخدري، يراد: لقيتُهُ ورويت عنه. قال الشاعر: فيا ربّ لَيلى أنْتَ في كُلِّ مَوطِنٍ ... وَأنْتَ الذي في رَحْمِةِ الله أطْمَعُ «2» أراد في رحمته، فأظهر ضمير الهاء. [سورة الأعراف (7) : آية 171] وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) قوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ أي: واذكر لهم إذ نتقنا الجبل، أي: رفعناه. قال مجاهد: أُخرج الجبل من الأرض، ورفع فوقهم كالظُلَّة، فقيل لهم: لتؤمنُنَّ أو ليقعنَّ عليكم. قال قتادة: نزلوا في أصل جبل، فرُفع فوقهم، فقال: لتأخُذُنَّ أمري، أو لأرمينكم به. قوله تعالى: وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ فيه قولان: أحدهما: أنه الظن المعروف. والثاني: أنه بمعنى اليقين. وباقي الآية مفسر في (البقرة) .
[سورة الأعراف (7) : آية 172]
[سورة الأعراف (7) : آية 172] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ. روى ابن عباس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: (590) «أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان» - ونعمان قريب من عرفة، ذكره ابن قتيبة- «فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذَّر، ثم كلَّمهم قِبَلاً، وقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ» . ومعنى الآية: وإذ أخذ ربكم من ظهور بني آدم. فقوله تعالى: مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل من بَنِي آدَمَ. وقيل: إنما قال: مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل: من ظهر آدم، لأنه أخرج بعضهم من ظهور بعض، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لأنه قد علم أنهم بنوه، وقد أُخرجوا من ظهره. وقوله تعالى: ذُرِّيَّتَهُمْ قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي «ذُرِّيَّتَهُم» على التوحيد. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر «ذُرِّيَّاتهِم» على الجمع. قال أبو علي: الذُّرِّية تكون جمعاً، وتكون واحداً. وفي قوله تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ ثلاثة أقوال: أحدها: أشهدهم على أنفسهم باقرارهم، قاله مقاتل. والثاني: دلَّهم بخلقه على توحيده، قاله الزجاج. والثالث: أنه أشهد بعضهم على بعض باقرارهم بذلك، قاله ابن جرير. قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ والمعنى: وقال لهم: ألست بربكم؟ وهذا سؤال تقرير. قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا. قال السدي: قوله «شهدنا» خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. ويحسن الوقف على قوله «بلى» لأن كلام الذرية قد انقطع. وزعم الكلبي ان الذّرّية لمّا قالت: «بلى» ، قال الله تعالى للملائكة: «اشهدوا» فقالوا: «شهدنا» . وروى أبو العالية عن أُبَيِّ بن كعب قال: جمعهم جميعاً، فجعلهم أزواجاً، ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم، ثم قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أنك إلهنا. قال: فإنّي أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ لم نعلم بهذا. وقال السدي: أجابته طائفة طائعين، وطائفة كارهين تقيةً. قوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا قرأ أبو عمرو «أن يقولوا» ، «أو يقولوا» بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالتاء فيهما. قال أبو علي: حجة أبي عمرو قوله: «وإذ أخذ ربك» وقوله تعالى: «قالوا بلى» ، وحجة من قرأ بالتاء، أنه قد جرى في الكلام خطاب: «ألست بربكم قالوا بلى شهدنا» . ومعنى قوله: «تقولوا» : لئلّا
[سورة الأعراف (7) : آية 173]
تقولوا، ومثله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ «1» . وفي قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا قولان: أحدهما: أنه إشارة إلى الميثاق والإقرار. والثاني: أنه إشارة إلى معرفة أنه الخالق. قال المفسرون: وهذه الآية تذكير من الله تعالى بما أخذ على جميع المكلَّفين من الميثاق، واحتجاج عليهم لئلا يقول الكفار: إنا كنّا عن هذا الميثاق غافلين لم نذكره، ونسيانهم لا يُسقط الاحتجاج بعد أن أخبر الله تعالى بذلك على لسان النبيّ صلّى الله عليه وسلم الصادق. وإذا ثبت هذا بقول الصادق، قام في النفوس مقام الذِّكر، فالاحتجاج به قائم. [سورة الأعراف (7) : آية 173] أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) قوله تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاتبَّعنا منهاجهم على جهلٍ منَّا بآلهيتك أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ في دعواهم أن معك إلهاً، فقطع الله احتجاجهم بمثل هذا، إذ أذكرهم أخذ الميثاق على كل واحد منهم. وجماعة أهل العلم على ما شرحنا من أنه استنطق الذر، وركَّب فيهم عقولاً وأفهاماً عرفوا بها ما عرض عليهم. وقد ذكر بعضهم أن معنى أخذ الذرية: إخراجهم إلى الدنيا بعد كونهم نطفاً، ومعنى إشهادهم على أنفسهم: اضطرارهم إلى العلم بأنه خالقهم بما أظهر لهم من الآيات والبراهين. ولما عرفوا ذلك ودعاهم كلُّ ما يرون ويشاهدون إلى التصديق، كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهِدين على أنفسهم بصحته، كما قال: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ «2» يريدهم بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا: نحن كفرة، كما يقول الرجل: قد شهدتْ جوارحي بصدقك، أي: قد عرفْته. ومن هذا الباب قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ «3» أي: بيَّن وأعلم وقد حكى نحو هذا القول ابن الأنباري، والأول أصح، لموافقة الآثار. [سورة الأعراف (7) : آية 174] وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي: وكما بينَّا في أخذ الميثاق الآيات، ليتدبَّرها العباد فيعملوا بموجبها وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: ولكي يرجعوا عمَّا هم عليه من الكفر إلى التوحيد. [سورة الأعراف (7) : آية 175] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ قال الزجاج: هذا نسق على ما قبله، والمعنى: أتل عليهم إذ أخذ ربك، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا وفيه ستة أقوال «4» : (591) أحدها: أنَّه رجل من بني إِسرائيل يقال له: بلعم بن أبر، قاله ابن مسعود. وقال ابن
عباس: بلعم بن باعوراء. وروي عنه: أنه بلعام بن باعور، وبه قال مجاهد، وعكرمة، والسدي. وروى العوفي عن ابن عباس أن بلعماً من أهل اليمن. وروى عنه ابن أبي طلحة أنه من مدينة الجبَّارين. (592) والثاني: أنه أُميَّة بن أبي الصلت، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وأبو روق، وزيد بن أسلم، وكان أميّة قد قرأ الكتاب، وعلم أن الله مرسِل رسولاً، ورجا أن يكون هو، فلما بعث النبيّ صلّى الله عليه وسلم، حسده وكفر. والثالث: أنه أبو عامر الراهب، روى الشعبي عن ابن عباس قال: الأنصار تقول: هو الراهب الذي بُني له مسجد الشِّقاق، وروي عن ابن المسيب نحوه. والرابع: أنه رجل كان في بني اسرائيل، أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت له امرأة له منها ولد، وكانت سمجة دميمة، فقالت ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله لها، فلما علمت أن ليس في بني إسرائيل مثلها، رغبت عن زوجها وأرادت غيره، فلما رغبت عنه، دعا الله أن يجعلها كلبة نَبَّاحَةً، فذهبت منه فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس بنا على هذا صبر أن صارت أمُّنا كلبةً نبَّاحة يعيِّرنا الناس بها، فادع الله أن يردَّها إلى الحال التي كانت عليها أولاً، فدعا الله، فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات الثلاث، رواه عكرمة عن ابن عباس، والذي روي لنا في هذا الحديث «وكانت سَمِجة» بكسر الميم، وقد روى سيبويه عن العرب أنهم يقولون: رجل سَمْج: بتسكين الميم، ولم يقولوا: سَمِج بكسرها. والخامس: أنه المنافق، قاله الحسن. والسادس: أنه كل من انسلخ من الحق بعد أن أُعطيَه من اليهود والنصارى والحنفاء، قاله عكرمة. وفي الآيات خمسة أقوال «1» : أحدها: أنه اسم الله الأعظم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ابن جبير. والثاني: أنها كتاب من كتب الله عزّ وجلّ. روى عكرمة عن ابن عباس قال: هو بلعام، أوتي كتاباً فانسلخ منه. والثالث: أنه أوتي نبوّة، فَرَشاهُ قومه على أن يسكت، ففعل، وتركهم على ما هم عليه، قاله مجاهد، وفيه بُعد، لأن الله تعالى لا يصطفي لرسالته إلا معصوماً عن مثل هذه الحال. والرابع: أنها حُجج التوحيد، وفهم أدلّته. والخامس: أنها العلم بكتب الله عزّ وجلّ. والمشهور في التفسير أنه بلعام وكان من أمره على ما ذكره المفسرون أن موسى عليه السلام غزا البلد الذي هو فيه، وكانوا كفاراً، وكان هو مجاب الدعوة، فقال ملكهم: ادع على موسى، فقال: إنه من أهل ديني،
[سورة الأعراف (7) : آية 176]
ولا ينبغي لي أن أدعوَ عليه، فأمر الملك أن تنحت خشبة لصَلبه، فلما رأى ذلك، خرج على أتان ليدعوَ على موسى، فلما عاين عسكرهم، وقفت الأتان فضربها، فقالت: لم تضربني، وهذه نار تتوقَّد قد منعتني أن أمشي؟ فارجع، فرجع إلى الملك فأخبره، فقال: إما أن تدعو عليهم، وإما أن أصلبك، فدعا على موسى باسم الله الأعظم أن لا يدخل المدينة، فاستجاب الله له، فوقع موسى وقومه في التيه بدعائه، فقال موسى: يا ربِّ، بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعم. فقال: يا رب، فكما سمعت دعاءه عليَّ، فاسمع دعائي عليه، فدعا اللهَ أن ينزع منه الاسم الأعظم، فنزع منه. وقيل: إنه أمر قومه أن يزيِّنوا النساء ويرسلوهنَّ في العسكر ليَفشو الزنا فيهم، فيُنصروا عليهم. وقيل: إن موسى قتله بعد ذلك. وروى السدي عن أشياخه أن بلعم أتى إلى قومه متبرِّعاً، فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل، فانكم إذا خرجتم لقتالهم، دعوتُ عليهم فهلكوا، فكان فيما شاء عندهم من الدنيا، وذلك بعد مضي الأربعين سنة التي تاهوا فيها، وكان نبيهم يوشع، لا موسى. قوله تعالى: فَانْسَلَخَ مِنْها أي: خرج من العلم بها. قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ قال ابن قتيبة: أدركه. يقال: اتبَّعتُ القوم: إذا لحقتَهم، وتبعتُهم: سرتُ في أثرهم. وقرأ طلحة بن مصرِّف: «فاتّبعه» بالتشديد. وقال اليزيدي: أتبْعه واتَّبعه: لغتان. وكأن «أتبعه» خفيفة بمعنى: قفاه، و «اتّبعه» مشددة: حذا حذوه. ولا يجوز أن تقول: أتبْعناك، وأنت تريد: اتَّبعناك، لأن معناها: اقتدينا بك. وقال الزجاج: يقال: تبع الرجل الشيء واتَّبعه بمعنى واحد. قال الله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ «1» وقال: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ «2» . قوله تعالى: فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ فيه قولان: أحدهما: من الضالين، قاله مقاتل. والثاني: من الهالكين الفاسدين، قاله الزجاج. [سورة الأعراف (7) : آية 176] وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) قوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها في هاء الكناية في «رفعناه» قولان «3» : أحدهما: أنها تعود إلى الإِنسان المذكور، وهو قول الجمهور فيكون المعنى: ولو شئنا لرفعنا منزلة هذا الإنسان بما علّمنا. والثاني: أنها تعود إلى الكفر بالآيات، فيكون المعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بآياتنا، وهذا المعنى مروي عن مجاهد. وقال الزجاج: لو شئنا لحُلْنا بينه وبين المعصية. قوله تعالى: وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ أي: ركن إلى الدنيا وسكن. قال الزجاج: يقال: أخلد
[سورة الأعراف (7) : الآيات 177 إلى 178]
وخلد، والأول أكثر في اللغة. والأرض ها هنا عبارة عن الدنيا، لأن الدنيا هي الأرض بما عليها. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: أنه رَكَن إلى أهل الدنيا، ويقال: إنه أرضى امرأته بذلك لأنها حملته عليه. وقيل: أرضى بني عمِّه وقومَه. والثاني: أنه ركن إلى شهوات الدنيا وقد بُيِّن ذلك بقوله تعالى: وَاتَّبَعَ هَواهُ والمعنى أنه انقاد لما دعاه إليه الهوى. قال ابن زيد: كان هواه مع قومه. وهذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذا مالوا عن العلم إلى الهوى. قوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ معناه: أن هذا الكافر، إن زجرتَه لم ينزجر، وإن تركتَه لم يهتد، فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب، فانه إن طُرد وحُمل عليه بالطرد كان لاهثاً، وإن تُرك وربض كان أيضاً لاهثاً، والتشبيه بالكلب اللاهث خاصة فالمعنى: فمثله كمثل الكلب لاهثاً وإنما شبهه بالكلب اللاهث، لأنه أخسُّ الأمثال على أخس الحالات وأبشعها. وقال ابن قتيبة: كل لاهث إنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب، فانه يلهث في حال راحته وحال كلاله، فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، كالكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث، أو تركته على حاله رابضاً لهث. قال المفسرون: زُجِرَ في منامه عن الدعاء على بني اسرائيل فلم ينزجر، وخاطبتْه أتانه فلم ينته، فضُرب له هذا المثل ولسائر الكفّار فذلك قوله تعالى: ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا لأن الكافر إن وعظته فهو ضال، وإن تركتَه فهو ضال وهو مع إرسال الرسل إليه كمن لم يأته رسول ولا بيِّنة. قوله تعالى: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ قال عطاء: قَصَصَ الذين كفروا وكذّبوا أنبياءهم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 177 الى 178] ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178) قوله تعالى: ساءَ مَثَلًا يقال: ساء الشيء يسوء: إذا قَبُح، والمعنى: ساء مثلاً مثل القوم، فحُذِف المضاف، فنُصب «مثلاً» على التمييز. قوله تعالى: وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ أي: يضُرُّون بالمعصية. [سورة الأعراف (7) : آية 179] وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179) قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا أي: خلقنا. قال ابن قتيبة: ومنه ذرية الرجل، إنما هي الخلق منه، ولكن همزها يتركه أكثر العرب. قوله تعالى: لِجَهَنَّمَ هذه اللام يسميها بعض أهل المعاني لام العاقبة، كقوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً، ومثله قول الشاعر: أمْوالُنَا لِذَوِي المِيْرَاثِ نَجْمَعُهَا ... وَدُوْرُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيْها ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز يعزِّيه بموت ابنه، فقال: تعزَّ أمِيْرَ المؤمنينَ فإنَّه ... لِما قَدْ تَرَى يُغْذَى الصَّغِيْرُ ويُوْلَدُ وقد أخبر الله عزّ وجلّ في هذه الآية بنفاذ عِلمه فيهم أنهم يصيرون إليها بسبب كفرهم.
[سورة الأعراف (7) : آية 180]
قوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها لمّا أعرض القوم عن الحق والتفكر فيه، كانوا بمنزلة من لم يفقه ولم يُبصر ولم يسمع. وقال محمد بن القاسم النحوي: أراد بهذا كله أمر الآخرة، فانهم يعقلون أمر الدنيا. قوله تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ شبَّههم بالأنعام لأنها تسمع وتبصر ولا تعتبر، ثم قال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء يعلم أكثرهم أنه معاند فيُقدِم على النار، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ عن أمر الآخرة. [سورة الأعراف (7) : آية 180] وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (180) قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى. سبب نزولها: (593) أن رجلاً دعا الله في صلاته، ودعا الرحمنَ، فقال أبو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً، فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله هذه الآية، قاله مقاتل. فأما الحسنى، فهي تأنيث الأحسن. ومعنى الآية أن أسماء الله حسنى، وليس المراد أن فيها ما ليس بحسن. وذكر الماوردي أن المراد بذلك ما مالت إليه النفوس من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنّقمة. وقوله تعالى: فَادْعُوهُ بِها أي: نادوه بها، كقوله: يا الله، يا رحمن. قوله تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «يُلحِدُون» بضمّ الياء، وكذلك في سورة (النّحل) و (السّجدة) «1» . وقرأ حمزة: «يَلحَدون» بفتح الحاء والياء فيهن، ووافقه الكسائيّ، وخلف في سورة (النحل) «2» . قال الاخفش: أَلْحَد ولَحَدَ: لغتان فمن قرأ بهما أراد الأخذ باللغتين، فكأن الإلحاد: العدول عن الاستقامة. وقال ابن قتيبة: يجورون عن الحق ويعدلون ومنه لَحْدُ القبر، لأنه في جانب. قال الزجاج: ولا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يسمِّ به نفسه، فيقول: يا جواد، ولا يقول: يا سخي ويقول: يا قوي، ولا يقول: يا جلْد، ويقول: يا رحيم، ولا يقول: يا رفيق، لأنه لم يصف نفسه بذلك. قال أبو سليمان الخطابي: ودليل هذه الآية أن الغلط في أسمائه والزيغ عنها إلحادٌ، ومما يُسمع على ألسنة العامة قولهم: يا سبحانُ، يا برهانُ، وهذا مهجور مستهجن لا قدوة فيه، وربما قال بعضهم: يا رب طه ويس. وقد أنكر ابن عباس على رجل قال: يا رب القرآن. وروي عن ابن عباس أن إلحادهم في أسمائه أنهم سمَّوا بها أوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فاشتقوا اللات من الله، والعزَّى من العزيز، ومناة من المنَّان. (فصل:) والجمهور على أن هذه الآية محكمة، لأنها خارجة مخرج التّهديد، كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً «3» ، وقد ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بآية القتال، لأنّ قوله تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ يقتضي الإِعراض عن الكفار، وهذا قول ابن زيد.
[سورة الأعراف (7) : آية 181]
[سورة الأعراف (7) : آية 181] وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) قوله تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ أي: يعملون به، وَبِهِ يَعْدِلُونَ أي: وبالعمل به يعدلون. وفيمن أُريد بهذه الآية أربعة أقوال: أحدها: أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون باحسان من هذه الأمة، قاله ابن عباس. وكان ابن جريج يقول: (594) ذُكر لنا أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «هذه أُمتي، بالحق يأخذون ويعطون ويقضون. (595) وقال قتادة: بلغنا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم كان إذا تلا هذه الآية قال: «هذه لكم وقد أعطي القومُ مثلها» ثم يقرأ: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) «1» . والثاني: أنهم من جميع الخلق، قاله ابن السائب. والثالث: أنهم الأنبياء. والرابع: أنهم العلماء، ذكر القولين الماوردي. [سورة الأعراف (7) : الآيات 182 الى 183] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا قال أبو صالح عن ابن عباس: هم أهل مكة. وقال مقاتل: نزلت في المستهزئين من قريش. قوله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ قال الخليل بن أحمد: سنطوي أعمارهم في اغترار منهم. وقال أبو عبيدة: الاستدراج: أن يُتدرج إلى الشيء في خُفية قليلاً قليلاً ولا يُهجم عليه، وأصله من الدَّرَجة، وذلك أن الراقي والنازل يرقى وينزل مَرقاة مرقاة ومنه: دَرَجَ الكتابَ: إذا طواه شيئاً بعد شيء ودرج القوم: إذا ماتوا بعضُهم في إثر بعض. وقال اليزيدي: الاستدراج: أن يأتيه من حيث لا يعلم. وقال ابن قتيبة: هو ان يذيقهم من بأسه قليلاً قليلاً من حيث لا يعلمون، ولا يباغتهم به ولا يجاهرهم. وقال الأزهري: سنأخذهم قليلاً قليلاً من حيث لا يحتسبون وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من النّعيم ما يغتبطون به ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غرَّتهم أغفل ما يكونون. قال الضحاك: كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة. وفي قوله تعالى: مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ قولان: أحدهما: من حيث لا يعلمون بالاستدراج. والثاني: بالهلكة. قوله تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ الإملاء: الإمهال والتأخير. قوله تعالى: إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ قال ابن عباس: إن مَكري شديد. وقال ابن فارس: الكيد: المكر فكل شيء عالجته فأنت تَكيدُه. قال المفسرون: مكر الله وكيده: مجازاة أهل المكر والكيد على نحو ما بيّنا في (البقرة) «2» و (آل عمران) «3» من ذِكر الاستهزاء والخداع والمكر.
[سورة الأعراف (7) : الآيات 184 إلى 186]
[سورة الأعراف (7) : الآيات 184 الى 186] أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ سبب نزولها: (596) أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، علا على الصفا ليلة، ودعا قريشاً فخذاً فخذاً: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، فحذَّرهم بأس الله وعقابه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوِّت حتى الصباح، فنزلت هذه الآية، قاله الحسن، وقتادة. ومعنى الآية: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جِنة، أي: جنون، فحثَّهم على التفكر في أمره ليعلموا أنه بريء من الجنون، إِنْ هُوَ أي: ما هو إِلَّا نَذِيرٌ أي: مخوِّف مُبِينٌ يبيِّن طريق الهدى. ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ليستدلوا على أن لها صانعاً مدبراً وقد سبق بيان الملكوت في (الأنعام) «1» . قوله تعالى: وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ قرأ ابن مسعود، وأبيٌّ، والجحدري: «آجالهم» . ومعنى الآية: أو لم ينظروا في الملكوت وفيما خلق الله من الأشياء كلِّها، وفي أنْ عسى أن تكون آجالهم قد قربت فيهلِكوا على الكفر، ويصيروا إلى النار، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ يعني القرآن وما فيه من البيان. ثم ذكر سبب إعراضهم عن الإيمان، فقال: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: «ونذرهم» بالنون والرفع. وقرأ أبو عمرو بالياء وبالرّفع. وقرأ حمزة والسكائيّ: «ويذرْهُم» بالياء مع الجزم خفيفة، فمن قرأ بالرفع استأنف، ومن جزم «ويذرْهم» عطفَ على موضع الفاء. قال سيبويه: وموضعها جزْم فالمعنى: من يضلل الله يَذَرْه وقد سبق في سورة (البقرة) «2» معنى الطّغيان والعمه. [سورة الأعراف (7) : آية 187] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ في سبب نزولها قولان: (597) أحدهما: أن قوماً من اليهود قالوا: يا محمد، أخبرنا متى الساعة؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس.
(598) والثاني: أن قريشاً قالت: يا محمد، بيننا وبينك قرابة، فبيِّن لنا متى الساعة؟ فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. وقال عروة: الذي سأله عن الساعة عتبة بن ربيعة. والمراد بالسّاعة ها هنا التي يموت فيها الخلق. قوله تعالى: أَيَّانَ مُرْساها قال أبو عبيدة: أي: متى مُرساها؟ أي: منتهاها. ومرسى السفينة: حيث تنتهي. وقال ابن قتيبة: «أيّان» بمعنى: متى و «متى» بمعنى: أيّ حين، ونرى أن أصلها: أيّ أوانٍ فحذفت الهمزة والواو، وجعل الحرفان واحداً، ومعنى الآية: متى ثبوتها؟ يقال: رسا في الأرض، أي: ثبت، ومنه قيل للجبال: رواسي. قال الزجاج: ومعنى الكلام: متى وقوعها؟ قوله تعالى: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي: قد استأثر بعلمها لا يُجَلِّيها أي: لا يظهرها في وقتها إِلَّا هُوَ. قوله تعالى: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيه أربعة أقوال «1» : أحدها: ثَقُل وقوعها على أهل السماوات والأرض، قاله ابن عباس، ووجهه أن الكلَّ يخافونها، محسنهم ومسيئهم. والثاني: عظُم شأنها في السماوات والأرض، قاله عكرمة، ومجاهد، وابن جريج. والثالث: خفي أمرها، فلم يُعلم متى كونها، قاله السدي. والرابع: أن «في» بمعنى «على» فالمعنى: ثقلت على السماوات والأرض، قاله قتادة. قوله تعالى: لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً أي: فجأة. قوله تعالى: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه من المقدَّم والمؤخَّر، فتقديره: يسألونك عنها كأنك حفيّ، أي: برّ بهم، كقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا. قال العوفي عن ابن عباس، وأسباط عن السدي: كأنك صديق لهم. والثاني: كأنك حفي بسؤالهم، مجيب لهم. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: كأنك يعجبك سؤالهم. وقال خصيف عن مجاهد: كأنّك تحبّ أن يسألونك عنها. وقال الزجاج: كأنك فَرِح بسؤالهم. والثالث: كأنك عالم بها، قاله الضحاك عن ابن عباس، وهو قول ابن زيد، والفراء. والرابع: كأنك استحفيت السؤال عنها حتى علمتها، قاله ابن ابي نجيح عن مجاهد. وقال عكرمة: كأنّك مسؤول عنها. وقال ابن قتيبة: كأنك معنيٌّ بطلب علمها. وقال ابن الانباري: فيه تقديم وتأخير، تقديره: يسألونك عنها كأنك حفيٌّ بها، والحفيُّ في كلام العرب: المعنيُّ. قوله تعالى: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ أي: لا يعلمها إلا هو وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ قال مقاتل في آخرين: المراد بالنّاس ها هنا أهل مكّة.
[سورة الأعراف (7) : آية 188]
وفي قوله تعالى: لا يَعْلَمُونَ قولان: أحدهما: لا يعلمون أنها كائنة، قاله مقاتل. والثاني: لا يعلمون أن هذا مما استأثر الله بعلمه، قاله أبو سليمان الدّمشقي. [سورة الأعراف (7) : آية 188] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا سبب نزولها. (599) أن أهل مكة قالوا: يا محمد، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو، فتشتري فتربح، وبالأرض التي تريد أن تُجدب، فترتحل عنها إلى ما قد أخصب؟ فنزلت هذه الآية، روي عن ابن عباس. وفي المراد بالنفع والضر قولان: أحدهما: أنه عامّ في جميع ما ينفع ويضر، قاله الجمهور. والثاني: أن النفع: الهدى، والضَّر: الضلالة، قاله ابن جريج. قوله تعالى: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي: إلا ما أراد أن أملكه بتمليكه إياي ومن هو على هذه الصفة فكيف يعلم علم الساعة؟ قوله تعالى: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ فيه أربعة أقوال: أحدها: لو كنت أعلم بجدب الأرض وقحط المطر قبل كون ذلك لهيَّأت لسنة الجدب ما يكفيها، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: لو كنت أعلم ما أربح فيه إذا اشتريته لاستكثرت من الخير، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثالث: لو كنت أعلم متى أموت لا لاستكثرت من العمل الصالح، قاله مجاهد. والرابع: لو كنت أعلم ما أسأل عنه من الغيب لأَجبت عنه. وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ أي: لم يلحقني تكذيب، قاله الزجاج. فأما الغيب، فهو كل ما غاب عنك. ويخرج في المراد بالخير ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه العمل الصالح. والثاني: المال. والثالث: الرزق. قوله تعالى: وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ فيه أربعة اقوال: أحدها: أنه الفقر، قاله ابن عباس. والثاني: أنه كل ما يسوء، قاله ابن زيد. والثالث: الجنون، قاله الحسن. والرابع: التكذيب، قاله الزجاج. فعلى قول الحسن، يكون هذا الكلام مبتدأ، والمعنى: وما بي من جنون إنما أنا نذير، وعلى باقي الأقوال يكون متعلّقا بما قبله. [سورة الأعراف (7) : الآيات 189 الى 191] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني بالنفس: آدم، وبزوجها: حواء. ومعنى لِيَسْكُنَ إِلَيْها: ليأنس بها ويأتي إليها. فَلَمَّا تَغَشَّاها أي: جامعها. قال الزجاج: وهذا أحسن
كناية عن الجماع. والحمل، بفتح الحاء: ما كان في بطن، أو أخرجتْه شجرة. والحمل، بكسر الحاء: ما يُحمل. والمراد بالحمل الخفيف: الماء. قوله تعالى: فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرَّت به، قعدت وقامت ولم يُثقلها. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك: «فاستمرت به» وقرأ أُبَيُّ بن كعب، والجونيّ: «فاستمارّت به» بزيادة ألف. وقرأ عبد الله بن عمرو، والجحدري: «فمارَّت به» بألف وتشديد الراء. وقرأ أبو العالية، وأيوب، ويحيى بن يعمر: «فَمَرَتْ به» خفيفة الراء، أي: شكّت وتمارت أحملت، أم لا؟ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ، أي: صار حملها ثقيلاً. وقال الأخفش: صارت ذا ثقل. يقال: أثمرنا، أي: صرنا ذوي ثمر. قوله تعالى: دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما يعني آدم وحواء لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً وفي المراد بالصالح قولان: أحدهما: أنه الإنسان المشابه لهما، وخافا أن يكون بهيمة، هذا قول الأكثرين. والثاني: أنه الغلام، قاله الحسن، وقتادة. (شرح السبب في دعائهما) (600) ذكر أهل التفسير أن إبليس جاء حواء، فقال: ما يدريك ما في بطنكِ، لعله كلب أو خنزير أو حمار وما يدريك من أين يخرج، أيشق بطنك، أم يخرج من فيك، أو من منخريك؟ فأحزنها ذلك، فدعوا الله حينئذ، فجاء إبليس فقال: كيف تجدينك؟ قالت: ما أستطيع القيام إذا قعدت، قال: أفرأيت إن دعوت الله، فجعله إنساناً مثلك ومثل آدم، أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم. فلما ولدته سويَّاً، جاءها إبليس فقال: لم لا تُسمِّينه بي كما وعدتني، فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فسمته: عبد الحارث، وقيل: عبد شمس برضى آدم، فذلك قوله تعالى:
[سورة الأعراف (7) : آية 191]
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ. قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «شركاء» بضم الشين والمدّ، جمع شريك. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «شِركاً» مكسورة الشين على المصدر، لا على الجمع. قال أبو علي: من قرأ «شِرْكاً» حذف المضاف، كأنه أراد: جعلا له ذا شِرك، وذوي شريك فيكون المعنى: جعلا لغيره شِركاً، لأنه إذا كان التقدير: جَعلا له ذوي شرك، فالمعنى: جعلا لغيره شركاً وهذه القراءة في المعنى كقراءة من قرأ «شركاء» . وقال غيره: معنى «شركاء» : شريكاً، فأوقع الجمع موقع الواحد كقوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ «1» . والمراد بالشريك: إبليس، لأنهما أطاعاه في الاسم، فكان الشرك في الطاعة، لا في العبادة ولم يقصدا أن الحارثَ ربُّهما، لكن قصدا أنه سبب نجاة ولدهما وقد يُطلَق العبد على من ليس بمملوك. قال الشاعر: وإني لَعبدُ الضَّيف ما دَامَ ثَاوياً ... وما فيَّ إلا تِلْكَ مَنْ شِيْمَةِ العَبْدِ «2» وقال مجاهد: كان لا يعيش لآدم ولد، فقال الشيطان: إذا وُلد لكما ولد فسمياه عبد الحارث، فأطاعاه في الاسم، فذلك قوله تعالى: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، هذا قول الجمهور، وفيه قول ثان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أشرك آدم، إن أول الآية لَشكر، وآخرها مَثَل ضربه الله لمن يعبده في قوله عزّ وجلّ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما. وروى قتادة عن الحسن، قال: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهوَّدوهم ونصَّروهم. وروي عن الحسن، وقتادة قالا: الضمير في قوله: «جعلا له شركاء» عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم، لا إلى آدم وحواء. وقيل: الضمير راجع إلى الولد الصالح، وهو السليم الخلْق، فالمعنى: جعل له ذلك الولدُ شركاء. وإنما قال: «جعلا» لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأُنثى. قال ابن الأنباري: الذين جعلوا له شركاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء. فتأويل الآية: فلما آتاهما صالحاً، جعل أولادُهُما له شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «3» . وذهب السدي إلى أن قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ في مشركي العرب خاصة، وأنها مفصولة عن قصة آدم وحوّاء. [سورة الأعراف (7) : آية 191] أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) قوله تعالى: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً قال ابن زيد: هذه لآدم وحواء حيث سمّيا ولدهما عبد شمس، والشمس لا تخلق شيئاً. وقال غيره: هذا راجع إلى الكفار حيث أشركوا بالله الاصنام، وهي لا تخلق شيئا. وقوله تعالى: وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي: وهي مخلوقة. قال ابن الأنباري: وإنما قال: «ما» ثم قال: «وهم يُخلَقون» لأن «ما» تقع على الواحد والاثنين والجميع وإنما قال: «وهم» وهو يعني الأصنام، لأن عابديها أدّعَوا أنها تعقل وتميِّز، فأجريت مجرى الناس، فهو كقوله تعالى:
[سورة الأعراف (7) : آية 192]
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ «1» ، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ «2» ، وقوله تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ «3» ، قال الشاعر: تمزَّزْتُها والدِّيكُ يَدْعُو صَبَاحَهُ ... إذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دنَوْا فتصوَّبُوا «4» وأنشد ثعلب لعبدة بن الطبيب: إذْ أشْرَفَ الدِّيكُ يَدْعُو بَعْضَ أُسْرَتِه ... لَدَى الصَّبَاحِ وَهُمْ قَوْمٌ مَعَازِيْلُ «5» لمّا جعله يدعو، جعل الدِّيَكَة قوماً، وجعلهم معازيل، وهم الذين لا سلاح معهم، وجعلهم أسرة وأسرة الرجل: رهطه وقومه. [سورة الأعراف (7) : آية 192] وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) قوله تعالى: وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً يقول: إن الأصنام لا تستطيع نصر مَنْ عبدها، ولا تمنع من نفسها. [سورة الأعراف (7) : آية 193] وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193) قوله تعالى: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ فيه قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الأصنام، فالمعنى: وإن دعوتم أيها المشركون أصنامكم إلى سبيل رشاد لا يتبعوكم، لأنهم لا يعقلون. والثاني: أنها ترجع إلى الكفار، فالمعنى: وإن تدع يا محمد هؤلاء المشركين إلى الهدى، لا يتَّبعوكم، فدعاؤكم إياهم وصمتكم عنهم سواء، لأنهم لا ينقادون إلى الحق. وقرأ نافع «لا يَتْبعوكم» بسكون التاء. [سورة الأعراف (7) : الآيات 194 الى 196] إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام عِبادٌ أَمْثالُكُمْ في أنهم مسخَّرون مذلَّلون لأمر الله. وإنما قال «عباد» وقال: فَادْعُوهُمْ، وإن كانت الأصنام جماداً، لما بيّنا عند قوله تعالى: وَهُمْ يُخْلَقُونَ. قوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ أي: فليجيبوكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنَّ لكم عندهم نفعاً وثواباً. أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها في المصالح أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها في دفع ما يؤذي. وقرأ أبو
[سورة الأعراف (7) : آية 197]
جعفر «يبطشون» بضمّ الطّاء ها هنا وفي (القصص) «1» و (الدخان) » . أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها المنافع من المضار أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها تضرعكم ودعاءكم؟ وفي هذا تنبيه على تفضيل العابدين على المعبودين، وتوبيخ لهم حيث عبدوا مَنْ هم أفضل منه. قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ قال الحسن: كانوا يخوِّفونه بآلهتهم، فقال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ، ثُمَّ كِيدُونِ أنتم وهم فَلا تُنْظِرُونِ أي: لا تؤخِّروا ذلك. وكان ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي يقرءون «ثم كيدون» بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ أبو عمرو، ونافع في رواية ابن حماد بالياء في الوصل. وروى ورش، وقالون، والمسيِّبي بغير ياء في الوصل، ولا وقف. فأما «تنظرون» فأثبت فيها الياء يعقوب في الوصل والوقف. إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ أي: ناصري الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وهو القرآن، أي: كما أيّدني بإنزال الكتاب ينصرني. [سورة الأعراف (7) : آية 197] وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني الأصنام لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ أي: لا يقدرون على منعكم ممن أرادكم بسوء، ولا يمنعون أنفسهم من سوء أريد بهم. [سورة الأعراف (7) : آية 198] وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198) قوله تعالى: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا في المراد بهؤلاء قولان: أحدهما: أنهم الأصنام. ثم في قوله تعالى: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ قولان: أحدهما: يواجهونك، تقول العرب: داري تنظر إلى دارك، وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ لأنه ليس فيهم أرواح. والثاني: وتراهم كأنهم ينظرون إليك، لأن لهم أعيناً مصنوعة، فأسقط كاف التشبيه، كقوله تعالى: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى «3» أي: كأنهم سكارى، وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ في الحقيقة. وإنما أخبر عنهم بالهاء والميم، لأنهم على هيئة بني آدم. والقول الثاني: أنهم المشركون، فالمعنى: وتراهم ينظرون إليك بأعينهم ولا يبصرون بقلوبهم. [سورة الأعراف (7) : آية 199] خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ العفو: الميسور، وقد سبق شرحه في سورة البقرة «4» . وفي الذي أُمر بأخذ العفو منه ثلاثة أقوال: أحدها: أخلاق الناس، قاله ابن الزبير، والحسن، ومجاهد فيكون المعنى: إقبل الميسور من أخلاق الناس، ولا تستقص عليهم فتظهر منهم البغضاء. والثاني: أنه المال، وفيه قولان: أحدهما: أن المراد بعفو المال: الزكاة، قاله مجاهد في رواية، والضّحّاك. والثاني: أنها صدقة كانت تؤخذ قبل فرض الزكاة، ثم نُسخت بالزكاة، روي عن ابن عباس. والثالث: أن المراد به: مساهلة المشركين والعفو عنهم، ثم نسخ بآية السيف، قاله ابن زيد.
[سورة الأعراف (7) : الآيات 200 إلى 201]
قوله تعالى: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي بالمعروف. وفي قوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قولان: أحدهما: أنهم المشركون، أُمر بالإِعراض عنهم، ثم نُسخ ذلك بآية السيف. والثاني: أنه عام فيمن جهل، أُمر بصيانة النفس عن مقابلتهم على سفههم، وإن وجب عليه الإنكار عليهم. وهذه الآية عند الأكثرين كلها محكمة، وعند بعضهم أن وسطها محكم وطرفيها منسوخان على ما بيَّنا. [سورة الأعراف (7) : الآيات 200 الى 201] وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ. قال ابن زيد: (601) لما نزلت «خذ العفو» قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «يا رب كيف بالغضب» ؟ فنزلت هذه الآية. فأمّا قوله تعالى: وَإِمَّا فقد سبق بيانه في (البقرة) في قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً «1» ، وقال أبو عبيدة: ومجاز الكلام: وإما تستخفَّنَّك منه خفة وغضب وَعَجَلة. وقال السدي: النزغ: الوسوسة وحديث النفس. قال الزجاج: النزغ: أدنى حركة تكون، تقول: قد نزغته: إذا حركته. وقد سبق معنى الاستعاذة. قوله تعالى: إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «طيف» بغير ألف. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة: «طائف» بألف ممدوداً مهموزاً. وقرأ ابن عباس وابن جبير والجحدري والضحاك: «طَيِّفٌ» بتشديد الياء من غير ألف. وهل الطائف والطيف بمعنى واحد، أم يختلفان؟ فيه قولان: أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وهما ما كان كالخيال والشيء يُلم بك، حكي عن الفراء. وقال الأخفش: الطيف أكثر في كلام العرب من الطّائف، قال الشاعر: ألا يا لقوم لِطَيْفِ الخَيال ... أرَّقَ مِنْ نَازِحٍ ذي دَلاَلِ «2» والثاني: أن الطائف: ما يطوف حول الشيء، والطيف: اللَّمة والوسوسة والخَطْرة، حكي عن أبي عمرو، وروي عن ابن عباس أنه قال: الطائف: اللَّمة من الشيطان، والطيف: الغضب. وقال ابن الأنباري: الطائف: الفاعل من الطيف والطيف عند أهل اللغة: اللَّمم من الشيطان وزعم مجاهد أنه الغضب. قوله تعالى: تَذَكَّرُوا فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: تذكَّروا الله إذا همُّوا بالمعاصي فتركوها، قاله مجاهد. والثاني: تفكَّروا فيما أوضح الله لهم من الحجة، قاله الزجاج. والثالث: تذكَّروا غضب الله
[سورة الأعراف (7) : آية 202]
والمعنى: إذا جرّأهم الشيطان على ما لا يحل، تذكَّروا غضب الله فأمسكوا، فاذا هم مبصرون لمواضع الخطأ بالتّفكر. [سورة الأعراف (7) : آية 202] وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202) قوله تعالى: وَإِخْوانُهُمْ في هذه الهاء والميم قولان: أحدهما: أنها عائدة على المشركين فتكون هذه الآية مقدَّمة على التي قبلها، والتقدير: وأعرض عن الجاهلين، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ قرأ نافع: «يمدونهم» بضم الياء وكسر الميم. والباقون: بفتح الياء وضم الميم. قال أبو علي: عامة ما جاء في التنزيل فيما يُحمَد ويُستَحب: أمددت، على أفعلت، كقوله تعالى: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ «1» أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ «2» وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ «3» ، وما كان على خلافه يجيء على: مددت كقوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ «4» فهذا يدل على أن الوجه فتح الياء، إلّا أنّ وجه قراءة نافع منزلة فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «5» . قال المفسرون: «يمدونهم في الغي» أي: يزيِّنونه لهم، ويريدون منهم لزومه فيكون معنى الكلام: أن الذين اتَّقَوا إذا جرَّهم الشيطان إلى خطيئة، تابوا منها، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين، وقد جرى ذكرهم لقوله تعالى: مِنَ الشَّيْطانِ فالمعنى: وإخوان الشياطين يَمدُّونهم. والثاني: أن الهاء والميم ترجع إلى المتقين فالمعنى: وإخوان المتقين من المشركين، وقيل: من الشياطين يمدونهم في الغي، أي: يريدون من المسلمين أن يدخلوا معهم في الكفر، ذكر هذا القول جماعة منهم ابن الأنباري. فان قيل: كيف قال: «وإخوانهم» وليسوا على دينهم؟ فالجواب: أنا إن قلنا: إنهم المشركون، فجائز أن يكونوا إخوانهم في النسب، أو في كونهم من بني آدم، أو لكونهم يظهرون النصح كالإخوان فإن قلنا: إنهم الشياطين، فجائز أن يكونوا لكونهم مصاحبين لهم، والقول الأول أصح. قوله تعالى: ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ وقرأ الزهري وابن أبي عبلة: «لا يقصِّرون» بالتشديد. قال الزجاج: يقال: أقصر يُقْصِر، وقصّر يقصِّر. قال ابن عباس: لا الإنس يقصِّرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين تُقصِر عنهم فعلى هذا يكون قوله تعالى: يُقْصِرُونَ من فعل الفريقين، وهذا على القول المشهور ويخرّج على القول الثاني أن يكون هذا وصفا للإخوان فقط. [سورة الأعراف (7) : آية 203] وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) قوله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ يعني به المشركين. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: إذا لم تأتهم
[سورة الأعراف (7) : آية 204]
بآية، سألوها تعنتاً، قاله ابن السائب. والثاني: إذا لم تأتهم بآية لإبطاء الوحي، قاله مقاتل: وفي قوله: لَوْلا اجْتَبَيْتَها قولان: أحدهما: هلاَّ افتعلتها من تلقاء نفسك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، والفراء، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين، وحكي عن الفراء أنه قال: العرب تقول: اجتبيت الكلام، واختلقته، وارتجلته: إذا افتعلته من قبل نفسك. والثاني: هلاَّ طلبتها لنا قبل مسألتك؟ ذكره الماوردي والأول أصح. قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي أي: ليس الأمر لي. قوله تعالى: هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن. قال أبو عبيدة: البصائر بمعنى الحجج والبرهان والبيان، واحدتها: بصيرة. وقال الزجاج: معنى البصائر: ظهور الشيء وبيانه. [سورة الأعراف (7) : آية 204] وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ اختلفوا في نزولها على خمسة أقوال. (602) أحدها: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة المكتوبة، فقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. (603) والثاني: أن المشركين كانوا يأتون رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا صلى، فيقول بعضهم لبعض: لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن المسيب. (604) والثالث: أن فتى من الأنصار كان كلّما قرأ النبيّ صلّى الله عليه وسلم شيئاً، قرأ هو، فنزلت هذه الآية، قاله الزهري. (605) والرابع: أنهم كانوا يتكلمون في صلاتهم أول ما فُرضت، فيجيء الرجل فيقول لصاحبه: كم صليتم؟ فيقول: كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. (606) والخامس: أنها نزلت تأمر بالإنصات للامام في الخطبة يوم الجمعة، روي عن عائشة، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار في آخرين.
[سورة الأعراف (7) : آية 205]
[سورة الأعراف (7) : آية 205] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ في هذا الذكر أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه القراءة في الصلاة، قاله ابن عباس فعلى هذا، أُمر أن يقرأ في نفسه في صلاة الإسرار. والثاني: أنه القراءة خلف الإمام سراً في نفسه، قاله قتادة. والثالث: أنه ذِكْرُ الله باللسان. والرابع: أنه ذِكر الله باستدامة الفكر، لا يغفل عن الله تعالى، ذكر القولين الماوردي. وفي المخاطب بهذا الذِكر قولان: أحدهما: أنه المستمع للقرآن، إما في الصلاة، وإما من الخطيب، قاله ابن زيد. والثاني: أنه خطاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم، ومعناه عام في جميع المكلفين. قوله تعالى: تَضَرُّعاً وَخِيفَةً التضرع: الخشوع في تواضع والخيفة: الحذر من عقابه. قوله تعالى: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ الجهر: الإِعلان بالشيء ورجل جهير الصوت: إذا كان صوته عالياً. وفي هذا نص على أنه الذِّكر باللسان ويحتمل وجهين: أحدهما: قراءة القرآن. والثاني: الدعاء، وكلاهما مندوب إلى إخفائه، إلا أن صلاة الجهر قد بيّن أدبها في قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها «2» . فأما الغدوُّ: فهو جمع غُدوة والآصال: جمع أُصُل، والأُصُل جمع أصيل فالآصال جمع الجمع، والآصال: العشيات. وقال أبو عبيدة: هي ما بين العصر إلى المغرب وأنشد: لَعَمْري لأَنْتَ البيتُ أُكْرِمُ أهلَه ... وأقْعُدُ في أفيائه بالأصَائِل «3» وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني بالغدوّ: صلاة الفجر وبالآصال: صلاة العصر. [سورة الأعراف (7) : آية 206] إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني الملائكة. لا يَسْتَكْبِرُونَ أي: لا يتكبَّرون ويتعظَّمون
عَنْ عِبادَتِهِ، وفي هذه العبادة قولان: أحدهما: الطّاعة. الثاني: الصّلاة والخضوع فيها. وفي قوله تعالى: وَيُسَبِّحُونَهُ قولان: أحدهما: ينزِّهونه عن السوء. والثاني: يقولون: سبحان الله. قوله تعالى: وَلَهُ يَسْجُدُونَ أي: يصلّون. وقيل: سبب نزول هذه الآية أن كفار مكة قالوا: أنسجد لما تأمُرنا؟ فنزلت هذه الآية تخبر أن الملائكة وهم أكبر شأنا، لا يتكبَّرون عن عبادة الله. وقد روى أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: (607) «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله، أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرتُ بالسّجود فعصيت فلي النّار» .
سورة الأنفال
سورة الأنفال وهي مدنيّة بإجماعهم. وحكى الماورديّ عن ابن عباس أنّ فيها سبع آيات مكّيّات، أوّلها: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا «1» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الأنفال (8) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (608) أحدها: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن اسر أسيراً فله كذا وكذا» ، فأما المشيخة، فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان، فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقال المشيخة للشبان: أشركونا معكم، فانا كنا لكم ردءاً فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فنزلت سورة (الأنفال) ، رواه عكرمة عن ابن عباس. (609) والثاني: أن سعد بن أبي وقاص أصاب سيفاً يوم بدر، فقال: يا رسول الله، هبه لي، فنزلت هذه الآية، رواه مصعب بن سعد عن أبيه. وفي رواية أخرى عن سعد قال: قتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأتيت به رسول الله، فقال: «اذهب فاطرحه في القَبَض» فرجعت، وبي ما لا
يعلمه إلا الله فما جاوزت إلا قريبا حتى نزلت سورة (الأنفال) ، فقال: «اذهب فخذ سيفك» . (610) وقال السدي: اختصم سعد وناس آخرون في ذلك السّيف، فسألوا النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فأخذه النبيّ صلّى الله عليه وسلم منهم، فنزلت هذه الآية. (611) والثالث: أن الأنفال كانت خالصة لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، ليس لأحد منها شيء، فسالوه أن يعطَيهم منها شيئاً، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وفي المراد بالأنفال ستة أقوال: أحدهما: أنها الغنائم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، وأبو عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين. وواحد الانفال: نفل، قال لبيد: إنَّ تقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ ... وباذنِ اللهِ ريْثي وعَجَلْ والثاني: أنها ما نفّله رسول الله صلّى الله عليه وسلم القاتلَ من سلَبِ قتيله. والثالث: أنها ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عَبْد أو دابة بغير قتال، قاله عطاء. وهذا والذي قبله مرويان عن ابن عباس أيضاً. (612) والرابع: أنه الخُمس الذي أخذه رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الغنائم، قاله مجاهد. والخامس: أنه أنفال السرايا، قاله علي بن صالح بن حيّ. وحكي عن الحسن قال: هي السرايا التي تتقدم أمام الجيوش. والسادس: أنها زيادات يُؤْثِرُ بها الإِمام بعضَ الجيش لما يراه من المصلحة، ذكره الماوردي. وفي «عن» قولان: أحدهما: أنها زائدة، والمعنى: يسألونك الأنفال وكذلك قرأ سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وأُبيُّ بن كعب وأبو العالية: «يسألونك الأنفال» بحذف «عن» . والثاني: أنها أصل، والمعنى: يسألونك عن الأنفال لمن هي؟ أو عن حكم الأنفال وقد ذكرنا في سبب نزولها ما يتعلق بالقولين. وذُكر أنهم إنما سألوا عن حكمها لأنها كانت حراماً على الأُمم قبلهم. (فصل:) واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فقال بعضهم: إنها ناسخة من وجه، منسوخة من وجه، وذلك أن الغنائم كانت حراماً في شرائع الأنبياء المتقدمين، فنسخ الله ذلك بهذه الآية، وجعل الأمر في الغنائم إلى ما يراه الرّسول صلّى الله عليه وسلم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ «1» . وقال آخرون: المراد بالأنفال شيئان: أحدهما: ما يجعله الرّسول صلّى الله عليه وسلم لطائفة من شجعان العسكر ومتقدميه، يستخرج به نصحهم، ويحرِّضهم على القتال. والثاني: ما يفضُل
[سورة الأنفال (8) : آية 2]
من الغنائم بعد قسمتها كما روي عن ابن عمر قال: (613) بعثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سريَّة، فغنمنا إبلاً، فأصاب كل واحد منّا عشر بعيراً، ونفلنا بعيراً بعيراً. فعلى هذا هي محكمة، لأن هذا الحكم باقٍ إلى وقتنا هذا. (فصل:) ويجوز النَّفَل قبل إحراز الغنيمة، وهو أن يقول الإمام: من أصاب شيئاً فهو له، وبه قال الجمهور. فأما بعد إحرازها، ففيه عن أحمد روايتان. وهل يستحق القاتل سَلَبَ المقتول إذا لم يشرطه له الإمام، فيه قولان: أحدهما: يستحقه، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي. والثاني: لا يستحقه ويكون غنيمة للجيش، وبه قال أبو حنيفة ومالك وعن أحمد روايتان كالقولين. قوله تعالى: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي: يحكمان فيها ما أرادا، فَاتَّقُوا اللَّهَ بترك مخالفته وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ قال الزجاج: معنى «ذات بينكم» حقيقة وصلكم. والبين: الوصل كقوله تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ «1» . ثم في المراد بالكلام قولان: أحدهما: أن يَرُدَّ القويُّ على الضعيف، قاله عطاء. والثاني: ترك المنازعة تسليماً لله ورسوله. قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: اقبلوا ما أُمرتم به في الغنائم وغيرها. [سورة الأنفال (8) : آية 2] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ قال الزجاج: إذا ذُكرتْ عظمتُه وقدرتُه وما خوَّف به من عصاه، فزعت قلوبهم، قال الشاعر: لَعَمْرُكَ مَا أدْري وإِنِّي لأوجَلُ ... على أيِّنا تعدوا المنيَّة أوَّلُ «2» يقال: وجِل يَوْجَل وياجَل ويَيْجَل ويِيجَل، هذه أربع لغات حكاها سيبويه. وأجودها: يَوْجَل. وقال السدي: هو الرجل يهمُّ بالمعصية، فيذكر الله فينزِع عنها. قوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ أي: آيات القرآن. وفي قوله: زادَتْهُمْ إِيماناً ثلاثة أقوال: أحدها: تصديقاً، قاله ابن عباس. والمعنى: أنهم كلما جاءهم شيء عن الله آمنوا به، فيزدادوا إيماناً بزيادة الآيات. والثاني: يقيناً، قاله الضحاك. والثالث: خشية الله، قاله الربيع بن أنس. وقد ذكرنا معنى التّوكّل في سورة آل عمران «3» . [سورة الأنفال (8) : آية 3] الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
[سورة الأنفال (8) : آية 4]
قوله تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ قال ابن عباس: يعني الصلوات الخمس. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني الزّكاة. [سورة الأنفال (8) : آية 4] أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، قال الزجاج: «حقاً» منصوب بمعنى دلت عليه الجملة، والجملة أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، فالمعنى: أحَقَّ ذلك حقاً. وقال مقاتل: المعنى: أولئك هم المؤمنون لا شك في إيمانهم كشكِّ المنافقين. قوله تعالى: لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال عطاء: الجنة يرتقونها بأعمالهم، والرزق الكريم: ما أُعدَّ لهم فيها. [سورة الأنفال (8) : الآيات 5 الى 6] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (5) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ في متعلَّق هذه الكاف خمسة أقوال: أحدها: أنها متعلقة بالأنفال. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أن تأويله: امض لأمر الله في الغنائم وإن كرهوا، كما مضيت في خروجك من بيتك وهم كارهون، قاله الفراء. والثاني: أنّ الأنفال لله والرسول صلّى الله عليه وسلم بالحق الواجب، كما أخرجك ربك بالحق، وإن كرهوا ذلك، قاله الزجاج. والثالث: أن المعنى: يسألونك عن الأنفال مجادلة، كما جادلوك في خروجك، حكاه جماعة من المفسرين. والثاني: أنها متعلقة بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا، والمعنى: إن التقوى والاصلاح خير لكم، كما كان إخراج الله نبيه محمداً خيراً لكم وإن كرهه بعضكم، هذا قول عكرمة. والثالث: أنها متعلّقة بقوله تعالى: يُجادِلُونَكَ، فالمعنى: مجادلتهم إياك في الغنائم كاخراج الله إياك إلى بدر وهم كارهون، قاله الكسائيّ. والرابع: أنها متعلّقة بقوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، والمعنى: وهم المؤمنون حقاً كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ذكره بعض ناقلي التفسير. والخامس: أن «كما» في موضع قَسَم، معناها: والذي أخرجك من بيتك، قاله أبو عبيدة، واحتج بأن «ما» في موضع «الذي» ومنه قوله: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى «1» ، قاله ابن الأنباري. وفي هذا القول بُعْد، لأن الكاف ليست من حروف الاقسام. وفي هذا الخروج قولان: أحدهما: أنه خروجه إلى بدر، وكره ذلك طائفة من أصحابه، لأنهم علموا أنهم لا يظفرون بالغنيمة إلا بالقتال. والثاني: أنه خروجه من مكة إلى المدينة للهجرة. وفي معنى قوله: «بالحق» قولان: أحدهما: أنك خرجت ومعك الحق. والثاني: أنك خرجت بالحق الذي وجب عليك. وفي قوله تعالى: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ قولان: أحدهما: كارهون خروجك. والثاني: كارهون صرف الغنيمة عنهم، وهذه كراهة الطبع لمشقة السفر والقتال، وليست كراهةً لأمر الله تعالى. قوله تعالى: يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ يعني في القتال يوم بدر، لأنّهم خرجوا بغير عدّة، فقالوا: هلّا
[سورة الأنفال (8) : الآيات 7 إلى 8]
أخبرتنا بالقتال لنأخذ العُدَّة، فجادلوه طلبا للرخصة في ترك القتال. وفي قوله تعالى: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ثلاثة أقوال: أحدهما: تبيَّن لهم فرضُه. والثاني: تبيَّن لهم صوابه. والثالث: تبيَّن لهم أنك لا تفعل إلا ما أُمِرتَ به. وفي «المجادلين» قولان: أحدهما: أنهم طائفة من المسلمين، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: أنهم المشركون، قاله ابن زيد، فعلى هذا، يكون جدالهم في الحق الذي هو التوحيد، لا في القتال. فعلى الأول، يكون معنى قوله تعالى: كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ أي: في لقاء العدو وَهُمْ يَنْظُرُونَ، لأن أشد حال من يساق إلى الموت أن يكون ناظراً إليه، وعالماً به. وعلى قول ابن زيد: كأنما يساقون إلى الموت حين يُدعَوْن إلى الإسلام لكراهتهم إيّاه. [سورة الأنفال (8) : الآيات 7 الى 8] وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) قوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ. (614) قال أهل التفسير: أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش، حتى إذا دنا من بدر، نزل جبريل فأخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلم بذلك، فخرج في جماعة من أصحابه يريدهم، فبلغهم ذلك فبعثوا عمرو بن ضمضم الغفاري إلى مكة مستغيثاً، فخرجت قريش للمنع عنها، ولحق أبو سفيان بساحل البحر، ففات رسولَ الله، ونزل جبريل بهذه الآية: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ. والمعنى: اذكروا إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين. والطائفتان: أبو سفيان وما معه من المال، وأبو جهل ومن معه من قريش فلما سبق أبو سفيان بما معه كتب إلى قريش: إن كنتم خرجتم لتُحرِزوا ركائبكم فقد أحرزتُها لكم. فقال أبو جهل: والله لا نرجع. وسار رسول الله صلّى الله عليه وسلم يريد القوم. فكره أصحابه ذلك وودُّوا أن لو نالوا الطائفة التي فيها الغنيمة دون القتال فذلك قوله: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ أي: ذاتِ السلاح. يقال: فلان شاكي السلاحِ بالتخفيف، وشاكٌّ في السلاح بالتشديد، وشائك. قال أبو عبيدة: ومجاز الشوكة الحد يقال: ما أشد شوكةَ بني فلان، أي: حَدَّهم. وقال الأخفش: إنما أنَّث «ذات الشوكة» لأنه يعني الطائفة. قوله تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ في المراد بالحق قولان «1» : أحدهما: أنه الإسلام، قاله
[سورة الأنفال (8) : الآيات 9 إلى 10]
ابن عباس في آخرين. والثاني: أنه القرآن، والمعنى: يُحِق ما أنزل إليك من القرآن. قوله تعالى: بِكَلِماتِهِ أي: بِعداتِه التي سبقت من إعزاز الدّين، كقوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ «1» . قوله تعالى: وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ أي: يجتث أصلهم وقد بَيَّنَّا ذلك في (الأنعام) «2» . قوله تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ المعنى: ويريد أن يقطع دابر الكافرين كيما يحق الحق. وفي هذا الحق القولان المتقدمان. فأما الباطل، فهو الشرك والمجرمون ها هنا: المشركون. [سورة الأنفال (8) : الآيات 9 الى 10] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ. (615) سبب نزولها ما روى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي صلّى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيِّف، ونظر إلى المشركين وهم ألف وزيادة، فاستقبل القبلة، ثم مدَّ يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: «اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تُهْلِكْ هذه العصابة لا تُعبَدْ في الأرض أبداً» فما زال يستغيث ربه ويدعوه، حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر الصديق فأخذ رداءه فردّاه به، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فانه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله تعالى: إِذْ قال ابن جرير: هي من صلة «يبطل» . وفي قوله تعالى: تَسْتَغِيثُونَ قولان: أحدهما: تستنصرون. والثاني: تستجيرون. والفرق بينهما أن المستنصر يطلب الظفر، والمستجير يطلب الخلاص. وفي المستغيثين قولان: أحدهما: أنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم والمؤمنون، قاله الزّهري. والثاني: أنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قاله السدي. فأما الإمداد فقد سبق في (آل عمران) «3» . وقوله تعالى: بِأَلْفٍ قرأ الضحاك، وأبو رجاء: «بآلاف» بهمزة ممدودة وبألف على الجمع. وقرأ أبو العالية، وأبو المتوكل: «بألوف» برفع الهمزة واللام وبواو بعدها على الجمع. وقرأ ابن حَذْلَم، والجحدري: «بأُلُفٍ» بضم الألف واللام من غير واو ولا ألف، وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران: «بِيَلْفٍ» بياء مفتوحة وسكون اللام من غير واو ولا ألف. فأما قوله: مُرْدِفِينَ فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «مردِفين» بكسر الدال. قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والفراء: هم المتتابعون. وقال أبو علي: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكونوا مردفين مثلهم، تقول: أردفت زيداً دابتي فيكون المفعول الثاني محذوفاً في الآية. والثاني: أن يكونوا جاءوا
[سورة الأنفال (8) : آية 11]
بعدهم تقول العرب: بنو فلان مردوفونا، أي: هم يجيئون بعدنا. قال أبو عبيدة: مردفين: جاءوا بعدُ. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «مردَفين» بفتح الدال. قال الفراء: أراد: فُعِلَ ذلك بهم، أي: إن الله أردف المسلمين بهم. وقرأ معاذ القارئ، وأبو المتوكل الناجي، وأبو مجلز: «مُرَدَّفين» بفتح الراء والدال مع التشديد. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو عمران: «مُردِفين» برفع الراء وكسر الدال. وقال الزجاج: يقال: ردفت الرجلَ: إذا ركبتُ خلفه، وأردفتُه: إذا أركبتُه خلفي. ويقال: هذه دابة لا تُرادِف، ولا يقال: لا تُردِف. ويقال: أردفتُ الرجلَ: إذا جئتَ بعده. فمعنى «مردفين» يأتون فرقة بعد فرقة. ويجوز في اللغة: مُرَدِّفين ومُرُدِّفين ومُرِدِّفين، فالدال مكسورة مشددة على كل حال، والراء يجوز فيها الفتح والضم والكسر. قال سيبويه: الأصل مرتدفين، فأدغمت التاء في الدال فصارت مُرَدِّفين لأنك طرحت حركة التاء على الراء وإن شئت لم تطرح حركة التاء، وكسرت الراء لالتقاء الساكنين. والذين ضموا الراء، جعلوها تابعة لضمة الميم. وقد سبق في (آل عمران) «1» تفسير قوله تعالى: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى، وكان مجاهد يقول: ما أمد الله النبي صلّى الله عليه وسلم بأكثر من هذه الألف التي ذُكرت في سورة (الأنفال) «2» وما ذَكَر الثلاثة والخمسةَ إلا بشرى، ولم يُمَدُّوا بها والجمهور على خلافه، وقد ذكرنا اختلافهم في عدد الملائكة في سورة (آل عمران) «3» . [سورة الأنفال (8) : آية 11] إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11) قوله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ قال الزجاج: «إذ» موضعها نصب على معنى: وما جعله الله إلا بشرى، في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون المعنى: اذكروا إذ يغشاكم النعاس. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «إذ يغشاكم» بفتح الياء وجزم الغين وفتح الشين وألف، «النعاسُ» بالرفع. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «يُغَشِّيكم» بضم الياء وفتح الغين مشددة الشين مكسورة، «النعاسَ» بالنصب. وقرأ نافع: «يُغْشِيكم» بضم الياء وجزم الغين وكسر الشين «النعاسَ» بالنصب. وقال أبو سليمان الدمشقي: الكلام راجع على قوله تعالى: وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ إذ يغشاكم النعاس. قال الزجاج: و «أمنةَ» منصوب: مفعول له، كقولك: فعلت ذلك حذر الشر. يقال: أمنتُ آمَنُ أمْناً وأماناً وأمَنَةً. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو المتوكل، وأبو العالية، وابن يعْمر، وابن محيصن: «أمْنَةً منه» بسكون الميم. قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماء. (616) قال ابن عباس: نزل النبيّ صلّى الله عليه وسلم يوم بدر، وبينه وبين الماء رملة، وغلبهم المشركون على
[سورة الأنفال (8) : الآيات 12 إلى 14]
الماء، فأصاب المسلمينَ الظمأُ، وجعلوا يصلّون محدِثين، وألقى الشيطان في قلوبهم الوسوسة، يقول: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلُّون محدِثين، فأنزل الله عليهم مطراً، فشربوا وتطَّهروا، واشتد الرمل حين أصابه المطر، وأزال الله رجز الشيطان، وهو وسواسه، حيث قال: قد غلبكم المشركون على الماء. وقال ابن زيد: رجز الشيطان: كيده، حيث أوقع في قلوبهم أنه ليس لكم بهؤلاء القوم طاقة. وقال ابن الأنباري: ساءهم عدم الماء عند فقرهم إليه، فأرسل الله السماء، فزالت وسوسة الشيطان التي تُكسب عذابَ الله وغضبه، إذ الرجز: العذاب. قوله تعالى: وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ الربط: الشد. و «على» في قول بعضهم صلة، فالمعنى: وليربط قلوبكم. وفي الذي ربط به قلوبهم وقوَّاها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الصبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه الإيمان، قاله مقاتل. والثالث: أنه المطر الذي أرسله يثبِّت به قلوبهم بعد اضطرابها بالوسوسة التي تقدم ذكرها. قوله تعالى: وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ في هاء «به» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الماء فان الأرض كانت رَمِلة، فاشتدت بالمطر، وثبتت عليها الأقدام، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي في آخرين. والثاني: انها ترجع إلى الربط، فالمعنى: ويثبت بالربط الأقدام، ذكره الزّجّاج. [سورة الأنفال (8) : الآيات 12 الى 14] إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (12) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (13) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (14) قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ قال الزجاج: «إذ» في موضع نصب، والمعنى: وليربط إذ يوحي. ويجوز أن يكون المعنى: واذكروا إذ يوحي. قال ابن عباس: وهذا الوحي إلهام. قوله تعالى: إِلَى الْمَلائِكَةِ وهم الذين أمدَّ بهم المسلمين. أَنِّي مَعَكُمْ بالعون والنصرة. فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا فيه أربعة أقوال: أحدها: قاتلوا معهم، قاله الحسن. والثاني: بشِّروهم بالنصر فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ويقول: أبشروا فان الله ناصركم، قاله مقاتل. والثالث: ثبِّتوهم بأشياء تُلْقُونها في قلوبهم تَقوى بها، ذكره الزجاج. والرابع: صححوا عزائمهم ونياتهم على الجهاد، ذكره الثعلبي. فأما الرعب، فهو الخوف. قال السائب بن يسار: كنا إذا سألنا يزيد بن عامر السُّوائيَّ عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين كيف؟ كان يأخذ الحصى فيرمي به الطَّست فيطِنُّ، فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا. قوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ في المخاطب بهذا قولان «1» : أحدهما: أنهم الملائكة. قال
[سورة الأنفال (8) : الآيات 15 إلى 16]
ابن الأنباري: لم تعلم الملائكة أين تقصد بالضرب من الناس، فعلَّمهم الله تعالى ذلك. والثاني: أنهم المؤمنون، ذكره جماعة من المفسرين. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: فاضربوا الأعناق، و «فوق» صلة، وهذا قول عطية، والضحاك، والأخفش، وابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: «فوق» بمعنى «على» ، تقول: ضربته فوق الرأس، وضربته على الرأس. والثاني: اضربوا الرؤوس لانها فوق الأعناق، وبه قال عكرمة. وفي المراد بالبنان ثلاثة أقوال: أحدها: إنه الأطراف، قاله ابن عباس، والضحاك. وقال الفراء: علَّمَهم مواضع الضرب، فقال: اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل. وقال أبو عبيدة، وابن قتيبة: البنان: أطراف الأصابع. قال ابن الأنباري: واكتفى بهذا من جملة اليد والرِّجل. والثاني: أنه كل مَفْصِل، قاله عطية، والسدي. والثالث: أنه الأصابع وغيرها من جميع الأعضاء، والمعنى: أنه أباحهم قتلهم بكل نوع، هذا قول الزجاج. قال: واشتقاق البنان من قولهم: أبَنَّ بالمكان: إذا أقام به فالبنان به يُعتمل كلُّ ما يكون للاقامة والحياة. قوله تعالى: لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ «ذلك» إشارة إلى الضرب، و «شاقوا» بمعنى: جانبوا، فصاروا في شقِّ المؤمنين. قوله تعالى: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ خطاب للمشركين والمعنى: ذوقوا هذا في عاجل الدنيا. وفي فتح «أنَّ» قولان: أحدهما: باضمار فعل، تقديره: ذلكم فذوقوه واعلموا أن للكافرين. والثاني: أن يكون المعنى: ذلك بأن للكافرين عذاب النار. فاذا ألقيت الباء، نصبت. وإن شئت، جعلت «أن» في موضع رفع يريد: ذلكم فذوقوه، وذلكم أن للكافرين عذاب النار، هذا معنى قول الفرّاء. [سورة الأنفال (8) : الآيات 15 الى 16] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) قوله تعالى: إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً، الزحف: جماعة يزحفون إلى عدوهم قاله الليث. والتزاحف: التداني والتقارب، قال الأعشى: لِمَنِ الظَّعَائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّف «1» قال الزجاج: ومعنى الكلام: إذا واقفتموهم للقتال فلا تُدبروا وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يوم حربهم دُبُرَهُ إلا أن يتحرف ليقاتل، أو يتحيز إلى فئة ف «متحرِّفاً» و «متحيِّزاً» منصوبان على الحال. ويجوز أن يكون نصبهما على الاستثناء فيكون المعنى: إلا رجلاً متحرفاً أو متحيزاً. وأصل متحيز: مُتْحَيْوِز فأدغمت الياء في الواو. قوله تعالى: وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ أي: مرجعه إليها ولا يدل ذلك على التخليد.
[سورة الأنفال (8) : الآيات 17 إلى 18]
(فصل:) اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هذه خاصة في أهل بدر، وهو مروي عن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، والحسن، وابن جبير، وقتادة، والضحاك. وقال آخرون: هي على عمومها في كل منهزم وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. وقال آخرون هي على عمومها، غير أنها نسخت بقوله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ «1» فليس للمسلمين أن يفروا من مِثلَيهم، وبه قال عطاء بن أبي رباح. وروى أبو طالب عن أحمد أنه سئل عن الفرار من الزحف، فقال: لا يفر رجل من رجلين فان كانوا ثلاثة، فلا بأس. وقد نُقل نحو هذا عن ابن عباس، وقال محمد بن الحسن: إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفاً، فليس لهم أن يفروا من عدوهم، وإن كثُر عددهم. ونقل نحو هذا عن مالك. ووجهه ما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: (617) «ما هُزم قوم إذا بلغوا اثني عشر ألفاً من قلة إذا صبروا وصدقوا» . [سورة الأنفال (8) : الآيات 17 الى 18] فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (18) قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وقرأ ابن عامر، وأهل الكوفة إلا عاصماً «ولكِنِ اللهُ قتلهم» «ولكنِ اللهُ رمى» بتخفيف النون ورفع اسم الله فيهما. وسبب نزول هذا الكلام أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما رجعوا عن بدر جعلوا يقولون: قَتَلْنا وقَتَلْنا، هذا معنى قول مجاهد. فأما قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ففي سبب نزوله ثلاثة أقوال: (618) أحدها: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال لعلي: ناولني كفاً من حصباء، فناوله، فرمى به في وجوه القوم، فما بقي منهم أحد إلا وقعت في عينه حصاة» . وقيل: أخذ قبضة من تراب، فرمى بها، وقال: «شاهت الوجوه» فما بقي مشرك إلا شُغل بعينه يعالج التراب الذي فيها، فنزلت وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وذلك يوم بدر هذا قول الأكثرين. وقال ابن الأنباري: وتأويل شاهت: قبحت يقال: شاه وجهه يشوه شَوهاً وشُوهة، ويقال: رجل أشوه، وامرأة شوهاء: إذا كانا قبيحين. (619) والثاني: أن أُبي بن خلف أقبل يوم أحد إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم يريده، فاعترض له رجال من
المؤمنين، فأمرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فخلّوا سبيله، وطعنه النبيّ صلّى الله عليه وسلم بحربته، فسقط أُبيٌّ عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور، فقالوا: إنما هو خدش، فقال: والذي نفسي بيده، لو كان الذي بي بأهل الحجاز لماتوا أجمعون، فمات قبل أن يَقْدَم مكة فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن المسيب عن أبيه. (620) والثالث: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم رمى يوم خيبر بسهم، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحَقيق وهو على فراشه، فنزلت هذه الآية، ذكره أبو سليمان الدمشقي في آخرين. قوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ اختلفوا في معنى إضافة قتلهم إليه على أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه قتلهم بالملائكة الذين أرسلهم. والثاني: أنه أضاف القتل إليه لأنه تولَّى نصرهم. والثالث: لأنه ساقهم إلى المؤمنين، وأمكنهم منهم. والرابع: لأنه ألقى الرعب في قلوبهم. وفي قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: وما ظفرت أنت ولا أصبت، ولكن الله اظفرك وأيدك، قاله أبو عبيدة. والثاني: وما بلغ رميُك كفاً من تراب أو حصى أن تملأ عيون ذلك الجيش الكثير، إنما الله تولى ذلك قاله الزجاج. والثالث: وما رميت قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً أي: لُينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والأجر. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لدعائهم عَلِيمٌ بنيَّاتهم. قوله تعالى: ذلِكُمْ قال الزّجّاج: موضعه رفع
[سورة الأنفال (8) : الآيات 19 إلى 20]
والمعنى: الأمر ذلكم. وقال غيره: «ذلكم» إشارة إلى القتل والرمي والبلاء الحسن. وَأَنَّ اللَّهَ أي: واعلموا أن الله. والذي ذكرناه في فتح «أنّ» في قوله تعالى: وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ هو مذكور في فتح «أنّ» هذه. قوله تعالى: مُوهِنُ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو «مُوَهِّنٌ» بفتح الواو وتشديد الهاء منونة «كيدَ» بالنصب. وقرأ أبن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «موهنٌ» ساكنة الواو «كيدَ» بالنصب. وروى حفص عن عاصم «موهنُ كيدِ» مضاف. والموهن: المضعف، والكيد: المكر. [سورة الأنفال (8) : الآيات 19 الى 20] إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) قوله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا، في سبب نزولها خمسة أقوال: (621) أحدها: أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم استنصروا الله وسألوه الفتح، فنزلت هذه الآية وهذا المعنى مرويّ عن أبي بن كعب، وعطاء الخراساني. (622) والثاني: أن أبا جهل قال: اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. (623) والثالث: أن المشركين أخذوا بأستار الكعبة قبل خروجهم إلى بدر، وقالوا اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم القبيلتين فنزلت هذه الآية قاله السدي. (624) والرابع: أن المشركين قالوا: اللهم إنا لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. والخامس: أنهم قالوا بمكة: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «1» ، فعذِّبوا يوم بدر، قاله ابن زيد. فخرج من هذه الأقوال أن في المخاطَبين بقوله تعالى: «إن تستفتحوا» قولان: أحدهما: أنهم المؤمنون. والثاني: المشركون وهو الأشهر.
[سورة الأنفال (8) : الآيات 21 إلى 22]
وفي الاستفتاح قولان: أحدهما: انه الاستنصار قاله ابن عباس، والزجاج في آخرين. فان قلنا: إنهم المسلمون، كان المعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النّصر بالملائكة وإن قلنا: هم المشركون احتمل وجهين. أحدهما: إن تستنصروا فقد جاء النصر عليكم. والثاني: إن تستنصروا لأحب الفريقين إلى الله، فقد جاءكم النصر لأحب الفريقين. والثاني: أن الاستفتاح: طلب الحكم، والمعنى: إن تسألوا الحكم بينكم وبين المسلمين، فقد جاءكم الحكم وإلى هذا المعنى ذهب عكرمة، ومجاهد، وقتادة. فأمّا قوله تعالى: وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فهو خطاب للمشركين على قول الجماعة. وفي معناه قولان: أحدهما: إن تنتهوا عن قتال محمّد صلى الله عليه وسلم، والكفر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: إن تنتهوا عن استفتاحكم فهو خير لكم لأنه كان عليهم لا لهم، ذكره الماوردي. وفي قوله تعالى: وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ قولان: أحدهما: وإن تعودا إلى القتال، نَعُدْ إلى هزيمتكم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: وإن تعودوا إلى الاستفتاح، نعد إلى الفتح لمحمّد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. قوله تعالى: وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً أي: جماعتكم وإن كثرت، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ بالعون والنصر. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: «وإِن الله» بكسر الألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «وأَن» بفتح الألف. فمن قرأ بكسر «أن» استأنف. قال الفراء: وهو أحب إليَّ من فتحها. ومن فتحها، أراد: ولأن الله مع المؤمنين. قوله: تعالى وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ فيه قولان: أحدهما: لا تولّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: لا تولَّوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ما نزل من القرآن، روي القولان عن ابن عباس. [سورة الأنفال (8) : الآيات 21 الى 22] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصيّ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: في اليهود، قريظة والنضير. روي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: في المنافقين، قاله ابن إسحاق، والواقدي، ومقاتل. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: أنهم قالوا: سمعنا، ولم يتفكَّرُوا فيما سمعوا، فكانوا كمن لم يسمع، قاله الزجاج. والثاني: أنهم قالوا: سمعنا سماع من يقبل، وليسوا كذلك، حكي عن مقاتل. قوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ اختلفوا فيمن نزلت على قولين «2» :
[سورة الأنفال (8) : آية 23]
أحدهما: أنها نزلت في بني عبد الدار بن قصيّ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: في المنافقين، قاله ابن إسحاق، والواقدي. والدواب: اسم كل حيوان يَدِبُّ وقد بينا في سورة (البقرة) «1» معنى الصم والبكم، ولم سماهم بذلك. [سورة الأنفال (8) : آية 23] وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً فيه أربعة أقوال: أحدها: ولو علم فيهم صدقاً وإسلاماً. والثاني: لو علم فيهم خيراً في سابق القضاء. والثالث: لو علم أنهم يَصْلُحون. والرابع: لو علم أنهم يَصْغَوْنَ. وفي قوله: لَأَسْمَعَهُمْ ثلاثة أقوال «2» : أحدها: لأسمعهم جواب كلِّ ما يسألون عنه، قاله الزجاج. والثاني: لرزقهم الفهم، قاله أبو سليمان الدمشقي. والثالث: لأسمعهم كلام الموتى يَشهدون بنبوَّتك، حكاه الماوردي. وفي قوله تعالى: وَهُمْ مُعْرِضُونَ قولان: أحدهما: مكذِّبون، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: وهم معرضون عمّا أسمعهم لمعاندتهم، قاله الزّجّاج. [سورة الأنفال (8) : آية 24] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) قوله تعالى: اسْتَجِيبُوا أي: أجيبوا. قوله تعالى: إِذا دَعاكُمْ يعني الرسول لِما يُحْيِيكُمْ وفيه ستة أقوال «3» : أحدها: أن الذي يحييكم: كلُّ ما يدعو الرسولُ إليه، وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس. (625) وفي أفراد البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلىّ قال: كنت أصلّي في المسجد فدعاني
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجبه، ثم أتيتُه فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم؟» قلت: بلى، ولا أعود إن شاء الله. والثاني: أنه الحق، رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. والثالث: أنه الإيمان، رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال السدي. والرابع: أنه اتِّباع القرآن، قاله قتادة، وابن زيد. والخامس: أنه الجهاد، قاله ابن إسحاق. وقال ابن قتيبة: هو الجهاد الذي يحيي دينَهم ويعليهم. والسادس: أنه إحياء أمورهم، قاله الفراء. فيخرَّج في إحيائهم خمسة أقوال: أحدها: أنه إصلاح أمورهم في الدنيا والآخرة. والثاني: بقاء الذكر الجميل لهم في الدنيا، وحياة الأبد في الآخرة. والثالث: أنه دوام نعيمهم في الآخرة. والرابع: أنه كونهم مؤمنين، لأن الكافر كالميِّت. والخامس: أنه يحييهم بعد موتهم، وهو على قول من قال: هو الجهاد، لأن الشهداءَ أحياءٌ، ولأن الجهاد يُعِزُّهم بعد ذُلِّهم، فكأنَّهم صاروا به أحياءً. قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وفيه عشرة أقوال «1» : أحدها: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والثاني: يحول بين المؤمن وبين معصيته، وبين الكافر وبين طاعته، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك والفراء. والثالث: يحول بين المرء وقلبه حتى لا يتركه يعقل، قاله مجاهد. قال ابن الأنباري: المعنى يحول بين المرء وعقله، فبادروا الأعمال، فانكم لا تأمنون زوال العقول، فتحصُلون على ما قدمتم. والرابع: أن المعنى: هو قريب من المرء، لا يخفى عليه شيء من سرِّه، كقوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ «2» ، وهذا معنى قول قتادة. والخامس: يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع إيماناً ولا كفراً إلا بإذنه، قاله السدي. والسادس: يحول بين المرء وبين هواه، ذكره ابن قتيبة. والسابع: يحول بين المرء وبين ما يتمنَّى بقلبه من طول العمر والنَّصر وغيره. والثامن: يحول بين المرء وقلبه بالموت، فبادروا الأعمال قبل وقوعه. والتاسع: يحول بين المرء وقلبه بعلمه، فلا يضمر العبد شيئاً في نفسه إلا والله عالم به، لا يقدر على تغييبه عنه. والعاشر: يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن، فيأمن بعد خوفه، ويخاف بعد أمنه، ذكر معنى هذه الأقوال ابن الأنباري. وحكى الزجاج أنهم لما فكَّروا في كثرة عدوِّهم وقلة عددهم، فدخل الخوف قلوبهم، أعلمهم الله تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدله بالخوفِ الأمنَ، ويبدل عدوّه بالقوّة الضّعف، وقد أعلمت
[سورة الأنفال (8) : آية 25]
هذه الآية أن الله تعالى هو المقلِّب للقلوب، المتصرِّف فيها. قوله تعالى: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي: للجزاء على أعمالكم. [سورة الأنفال (8) : آية 25] وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25) قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: (626) أحدها: أنها نزلت في أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله ابن عباس، والضحاك. (627) وقال الزبير بن العوام: لقد قرأناها زماناً، وما نُرى أنَّا مِن أهلها، فاذا نحن المَعْنِيُّون بها. (628) والثاني: أنها نزلت في رجلين من قريش، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ولم يسمِّهما. (629) والثالث: أنها عامة. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: في هذه الآية، أمر الله المؤمنين أن لا يُقِرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب. وقال مجاهد: هذه الآية لكم أيضاً. (630) والرابع: أنها نزلت في علي، وعمار، وطلحة، والزبير، قاله الحسن. وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل. وفي الفتنة ها هنا سبعة أقوال: أحدها: القتال. والثاني: الضلالة. والثالث: السكوت عن إنكار المنكر. والرابع: الاختبار. والخامس: الفتنة بالأموال والأولاد. والسادس: البلاء. والسابع: ظهور البدع. فأمّا قوله تعالى: لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً فقال الفراء: أمرهم، ثم نهاهم، وفيه طرف من الجزاء، وإن كان نهيا، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ «1» أمرهم، ثم نهاهم وفيه تأويل الجزاء. وقال الأخفش: «لا تصيبن» ليس بجواب، وإنما هو نهي بعد نهي ولو كان جواباً ما دخلت النون. وذكر ابن الأنباري فيها قولين: أحدهما: أن الكلام تأويله تأويل الخبر، إذ كان المعنى: إن لا يتَّقوها، تُصِبْ الذين ظلموا، أي: لا تقع بالظالمين دون غيرهم، لكنها تقع بالصالحين والطالحين فلما ظهر الفعل ظهور النهي، والنهي راجع إلى معنى الأمر، إذ القائل يقول: لا تقم، يريد: دع القيام، ووقع مع هذا جواباً للأمر، أو كالجواب له، فأُكِّد له شبه النهي، فدخلت النون المعروف دخولها في النهي وما يضارعه. والثاني: أنّها
[سورة الأنفال (8) : آية 26]
نهي محض، معناه: لا يقصدنَّ الظالمون هذه الفتنة، فيهلكوا فدخلت النون لتوكيد الاستقبال، كقوله تعالى: لا يَحْطِمَنَّكُمْ. وللمفسرين في معنى الكلام قولان: أحدهما: لا تصيبن الفتنةُ الذين ظلموا. والثاني: لا يصيبن عقاب الفتنة. فان قيل: فما ذنب مَن لم يظلم؟ فالجواب: أنه بموافقته للأشرار، أو بسكوته عن الإنكار، أو بتركه للفرار، استحق العقوبة. وقد قرأ عليٌّ، وابن مسعود، وأُبيُّ بن كعب «لَتصيبنَّ الذين ظلموا» بغير ألف. [سورة الأنفال (8) : آية 26] وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ قال ابن عباس: نزلت في المهاجرين خاصة، كانت عِدَّتُهم قليلةً، وهم مقهورون في أرض مكة، يخافون أن يستلبهم المشركون. وفي المراد بالناس ثلاثة أقوال «1» : أحدهما: أنهم أهل مكة، قاله ابن عباس. والثاني: فارس والروم، قاله وهب بن منبِّه. والثالث: أنهم المشركون الذين حضروا بدراً، والمسلمون قليلون يومئذ، قاله قتادة. قوله تعالى: فَآواكُمْ فيه قولان: أحدهما: فآواكم إلى المدينة بالهجرة، قاله ابن عباس، والأكثرون. والثاني: جعل لكم مأوى تسكنون فيه آمنين، ذكره الماوردي. وفي قوله تعالى: وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ قولان: أحدهما: قوَّاكم بالملائكة يوم بدر، قاله الجمهور. والثاني: عضدكم بنصره في بدر وغيرها، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي قوله تعالى: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ قولان: أحدهما: أنها الغنائم التي أحلَّها لهم، قاله السدي. والثاني: أنها الخيرات التي مكّنهم منها، ذكره الماوردي. [سورة الأنفال (8) : آية 27] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) قوله تعالى: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال «2» : (631) أحدها: أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر وذاك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لما حاصر قريظة سألوه أن يصالحهم على ما صالح عليه بني النضير، على أن يسيروا إلى أرض الشام، فأبى أن يعطيَهم
ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبَوا، وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحاً لهم، لأن ولده وأهله كانوا عندهم، فبعثه إليهم، فقالوا: ما ترى، أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه: إنه الذبح فلا تفعلوا، فأطاعوه، فكانت تلك خيانته قال أبو لبابة: فما زالت قدمايَ حتى عَرفتُ أني قد خنت الله ورسوله، ونزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس، والأكثرين. (632) وروي أن أبا لبابة ربط نفسه بعد نزول هذه الآية إلى سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموتَ أو يتوب الله عليَّ، فمكث سبعة أيام كذلك، ثم تاب الله عليه، فقال: والله لا أَحُلُّ نفسي حتى يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلم هو الذي يَحُلنُّي، فجاء فحلَّه بيده، فقال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجزئك الثلث» . (633) والثاني: أن جبريل أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اخرجوا إليه واكتموا» ، فكتب إليه رجل من المنافقين: إن محمداً يريدكم، فخذوا حذركم، فنزلت هذه الآية، قاله جابر بن عبد الله. والثالث: أنها نزلت في قتل عثمان بن عفان، قاله المغيرة بن شعبة «1» . (634) والرابع: أن قوماً كانوا يسمعون الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفشونه حتى يبلغ المشركين، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. وفي خيانة اللهِ قولان: أحدهما: ترك فرائضه. والثاني: معصية رسوله. وفي خيانة الرسول قولان: أحدهما: مخالفته في السرِّ بعد طاعته في الظاهر. والثاني: ترك سنّته. وفي المراد بالأمانات ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنها الفرائض، قاله ابن عباس. وفي خيانتها قولان. أحدهما: تنقيصها. والثاني: تركها. والثاني: أنها الدِّين، قاله ابن زيد فيكون المعنى: لا تُظهروا الإيمان وتُبطنوا الكفر. والثالث: أنها عامة في خيانة كلِّ مُؤتَمَنٍ، ويؤكِّده نزولها في ما جرى لأبي لبابة.
[سورة الأنفال (8) : الآيات 28 إلى 29]
[سورة الأنفال (8) : الآيات 28 الى 29] وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ قال ابن عباس: هذا خطاب لأبي لبابة، لأنه كانت له أموال وأولاد عند بني قريظة. فأما الفتنة، فالمراد بها: الابتلاء والامتحان الذي يُظهر ما في النفس من اتِّباع الهوى أو تجنُّبِه وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ خير من الأموال والأولاد. قوله تعالى: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ أي: بترك معصيته، واجتناب الخيانة لله ورسوله. قوله تعالى: يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً فيه أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه المخرج، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك، وابن قتيبة، والمعنى: يجعل لكم مخرجاً في الدين من الضلال. والثاني: أنه النجاة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والسدي. والثالث: أنه النصر، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الفراء. والرابع: أنه هدى في قلوبهم يفرقون به بين الحق والباطل، قاله ابن زيد، وابن إسحاق. [سورة الأنفال (8) : آية 30] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا هذه الآية متعلّقة بقوله: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ «2» فالمعنى: أَذْكِرِ المؤمنين ما مَنَّ الله به عليهم، واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا. (الإشارة إلى كيفية مكرهم) (635) قال أهل التفسير: لمّا بويع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة، أشفقت قريش أن يعلوَ أمره، وقالوا: والله لكأنكم به قد كرَّ عليكم بالرجال، فاجتمع جماعة من أشرافهم ليدخلوا دار الندوة فيتشاوروا في أمره، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ كبير، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا شيخ من أهل نجد، سمعت ما اجتمعتم له، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا من رأيي نصحاً، فقالوا: ادخل، فدخل معهم، فقالوا: انظروا في أمر هذا الرجل، فقال بعضهم: احبسوه في
[سورة الأنفال (8) : آية 31]
وَثاق، وتربَّصوا به ريب المنون. فقال إبليس: ما هذا برأي، يوشك أن يثب أصحابه فيأخذوه من أيديكم. فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم. فقال: ما هذا برأي، يوشك أن يجمع عليكم ثم يسير إليكم. فقال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة غلاماً، ثم نعطي كل غلام سيفاً فيضربوه به ضربة رجل واحد، فيفرَّق دمه في القبائل، فلا أظن هذا الحي من قريش يقوى على حرب قريش كلِّها، فيقبلون العَقل ونستريح. فقال إبليس: هذا والله الرأي. فتفرَّقوا عن ذلك. وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت في مضجعه تلك الليلة، وأمر علياً فبات في مكانه، وبات المشركون يحرسونه، فلمّا أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذن له الله في الخروج إلى المدينة، وجاء المشركون لَّما أصبحوا، فرأوا علياً، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فاقتصُّوا أثره حتى بلغوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن عليه نسج العنكبوت. فأما قوله تعالى: لِيُثْبِتُوكَ فقال ابن قتيبة: معنا: ليحبسوك. يقال: فلان مثبت وجعاً: إذا لم يقدر على الحركة. وللمفسرين فيه قولان: أحدهما: ليثبتوك في الوَثاق، قاله ابن عباس والحسن في آخرين. والثاني: ليثبتوك في الحبس، قاله عطاء والسدي في آخرين. وكان القومُ أرادوا أن يحبسوه في بيت ويسدوا عليه بابه ويلقوا إليه الطعام والشراب، وقد سبق بيان المكر في (آل عمران) «1» . [سورة الأنفال (8) : آية 31] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا. (636) ذكر أهل التفسير أن هذه الآيه نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة، وأنه لمّا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر قصص القرون الماضية، قال: لو شئت لقلت مثل هذا. وفي قوله تعالى: قَدْ سَمِعْنا قولان: أحدهما: قد سمعنا منك ولا نطيعك. والثاني: قد سمعنا قبل هذا مثله، وكان النضر يختلف إلى فارس تاجراً فيسمع العبّاد يقرءون الإنجيل. وقد بين التحدِّي كذب من قال لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا. وقد سبق معنى الأساطير في (الأنعام) «2» . [سورة الأنفال (8) : آية 32] وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32) قوله تعالى: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: (637) أحدها: أنها نزلت في النضر أيضاً، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير،
[سورة الأنفال (8) : آية 33]
ومجاهد، وعطاء، والسدي. (638) والثاني: أنها نزلت في أبي جهل، فهو القائل لهذا قاله أنس بن مالك، وهو مخرج في «الصحيحين» . والثالث: أنها نزلت في قريش، قالوا هذا ثم ندموا فقالوا: غفرانك اللهم، فأنزل الله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ رواه أبو معشر عن يزيد بن رومان، ومحمد بن قيس. وفي المشار إليه بقوله تعالى: إِنْ كانَ هذا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه القرآن. والثاني: كل ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر بالتوحيد وغيره. والثالث: أنه إكرام محمد صلّى الله عليه وسلم بالنّبوة من بين قريش. [سورة الأنفال (8) : آية 33] وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ في المشار إليه قولان: أحدهما: أهل مكة. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: وما كان الله ليعذبهم وأنت مقيم بين أظهرهم. قال ابن عباس: لم تُعذَّب قرية حتى يخرج نبيُّها والمؤمنون معه. والثاني: وما كان الله ليعذِّبهم وأنت حي قاله أبو سليمان. والثاني: أن المشار إليهم المؤمنون، والمعنى: وما كان الله ليعذب المؤمنين بضرب من العذاب الذي أهلك به مَن قبلهم وأنت حي ذكره أبو سليمان الدمشقي. فصل: قال الحسن، وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، وفيه بُعد، لأن النسخ لا يدخل على الأخبار. (639) وقال ابن أبزى: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكّة، فأنزل الله عزّ وجلّ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ فخرج إلى المدينة، فأنزل الله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وكان أولئك البقية من المسلمين بمكة يستغفرون! فلما خرجوا أنزل الله: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ. وجميع أقوال المفسّرين تدلّ على أنّ قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، كلام مبتدأ من إخبار الله عزّ وجلّ. وقد روي عن محمد بن إسحاق أنه قال: هذه الآية من قول المشركين، قالوا: والله إنَّ الله لا يعذبنا ونحن نستغفر، فردّ الله تعالى عليهم ذلك بقوله: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ. قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفي معنى هذا الكلام خمسة أقوال «1» :
[سورة الأنفال (8) : آية 34]
أحدها: وما كان الله معذِّب المشركين، وفيهم من قد سبق له أن يؤمن رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، واختاره الزجاج. والثاني: وما كان الله معذِّبَهم وهم يستغفرون الله، فانهم كانوا يلّبون ويقولون: غفرانك وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، وفيه ضعف، لأن استغفار المشرك لا أثر له في القبول. والثالث: وما كان الله معذِّبَهم، يعني المشركين، وهم- يعني المؤمنين الذين بينهم- يستغفرون روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال الضّحّاك، وابن مالك. قال ابن الأنباري: وُصفوا بصفة بعضهم، لأن المؤمنين بين أظهرهم، فأوقع العموم على الخصوص، كما يقال: قتل أهل المسجد رجلاً، وأخذ أهل البصرة فلاناً، ولعله لم يفعل ذلك إلا رجل واحد. والرابع: وما كان الله معذِّبهم وفي أصلابهم مَن يستغفر الله، قاله مجاهد. قال ابن الأنباري: فيكون معنى تعذيبهم: إهلاكهم فالمعنى: وما كان الله مهلكهم، وقد سبق في علمه أنه يكون لهم أولاد يؤمنون به ويستغفرونه فوصفهم بصفة ذراريهم، وغُلِّبوا عليهم كما غُلِّب بعضهم على كلهم في الجواب الذي قبله. والخامس: أن المعنى لو استغفروا لما عذَّبهم الله، ولكنهم لم يستغفروا فاستحقُّوا العذاب وهذا كما تقول العرب: ما كنت لأهينَك وأنت تكرمني يريدون: ما كنت لأهينك لو أكرمتني، فأما إذ لست تكرمني، فانك مستحقٌّ لإهانتي، وإلى هذا القول ذهب قتادة والسدي. قال ابن الأنباري: وهو اختيار اللغويين. وذكر المفسرون في معنى هذا الاستغفار ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الاستغفار المعروف وقد ذكرناه عن ابن عباس. والثاني: أنه بمعنى الصلاة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ومنصور عن مجاهد، وبه قال الضحاك. والثالث: أنه بمعنى الإِسلام رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال عكرمة. [سورة الأنفال (8) : آية 34] وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) قوله تعالى: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ هذه الآية أجازت تعذيبهم، والأُولى نفت ذلك. وهل المراد بهذا: العذابُ الاولُ، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه هو الأول، إلا أن الأول امتنع بشيئين: أحدهما: كون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم. والثاني: كون المؤمنين المستغفرين بينهم فلما وقع التمييز بالهجرة، وقع العذاب بالباقين يوم بدر، وقيل: بل وقع بفتح مكة. والثاني: أنهما مختلفان، وفي ذلك قولان:
[سورة الأنفال (8) : آية 35]
أحدهما: أن العذاب الثاني قَتْلُ بعضِهم يوم بدر، والأول استئصال الكُلِّ، فلم يقع الأول لِما قد عُلم من إيمان بعضهم، وإسلام بعضِ ذراريهم، ووقع الثاني. والثاني: أن العذاب الأول عذاب الدنيا. والثاني: عذاب الآخرة، قاله ابن عباس، فيكون المعنى: وما كان اللهُ معذِّبَ المشركين لاستغفارهم في الدنيا، وما لهم ألا يعذبهم الله في الآخرة. قوله تعالى: وَهُمْ يَصُدُّونَ قال الزجاج: المعنى وهم يصدون عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أولياءَه. وفي هاء الكناية في قوله تعالى: وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى «المسجد الحرام» ، وهو قول الجمهور. قال الحسن: إن المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بهذا. والثاني: أنها تعود إلى الله عزّ وجلّ، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: إِنْ أَوْلِياؤُهُ أي: ما أولياؤه إِلَّا الْمُتَّقُونَ للشرك والمعاصي، ولكنَّ أكثر أهل مكة لا يعلمون من الأولى ببيت الله. [سورة الأنفال (8) : آية 35] وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) قوله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ. (640) سبب نزولها أنهم كانوا يطوفون بالبيت ويصفِّقون ويَصْفِرُون ويضعون خدودهم بالأرض، فنزلت هذه الآية قاله ابن عمر. فأما المكاء، ففيه قولان: أحدهما: أنه الصَّفير، قاله ابن عمر وابن عباس وابن جبير وقتادة وأبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة. قال ابن فارس: يقال: مكا الطائر يمكو مُكاءً: إذا صَفَر، ويقال: مَكِيَتْ يده تَمكى مَكىً، مقصور، أي: غلُظت وخشُنت، ويقال: تمكّى: إذا توضّأ. وأنشدوا: كالمُتَمَكِّي بدمِ القتيلِ «1» وسئل أبو سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء، فجمع كفَّيِه، وجعل يَصْفِر فيهما. والثاني: أنه إدخال أصابعهم في أفواههم يخلطون به وبالتّصدية على محمّد صلى الله عليه وسلم صلاتَه، قاله مجاهد. قال ابن الأنباري: أهل اللغة ينكرون أن يكون المكاء إدخالَ الأصابع في الأفواه، وقالوا: لا يكون إلا الصفير. وفي التصدية قولان: أحدهما: أنها التَّصفيق، قاله ابن عمر، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. قال ابن قتيبة: يقال صدَّى: إذا صفَّق بيديه. قال الراجز: ضنَّت بخَدٍّ وجَلَت ْعَن خَدِّ ... وأنا مِنْ غَرْوِ الهوى أُصَدِّي «2» الغرو: العجب، يقال: لا غرو من كذا، أي: لا عجب. والثاني: أن التصدية: صدُّهم الناس عن البيت الحرام، قاله سعيد بن جبير: وقال ابن زيد: وهو صدّهم عن سبيل الله ودينه.
[سورة الأنفال (8) : آية 36]
(641) وزعم مقاتل أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في المسجد الحرام، قام رجلان من المشركين من بني عبد الدار عن يمينه فيصفِران، ورجلان عن يساره فيصفِّقان، فتختلط على النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاته وقراءته، فقتلهم الله ببدر، فذلك قوله تعالى: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بتوحيد الله. فان قيل: كيف سمى المكاءَ والتصديةَ صلاةً؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري: أحدهما: أنهم جعلوا ذلك مكان الصلاة، ومشهور في كلام العرب أن يقول الرجل: زرت عبد الله، فجعل جفائي صِلَتي، أي: أقام الجفاء مقام الصّلة، قال الشاعر: قلت اطْعِمِني عَمِيْمُ تَمْرَا ... فَكَانَ تَمْريْ كَهْرَةً وَزَبْرا أي: أقام الصياح عليَّ مقام التمر. والثاني: أن من كان المكاءُ والتصديةُ صلاتَه فلا صلاة له، كما تقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء، يريدون: مِنَ السخاء عيبه فلا عيب له، قال الشاعر: فتىً كَمُلَتْ خيراتُهُ غير أنَّه ... جوادٌ فلا يُبقي من المال باقيا «1» [سورة الأنفال (8) : آية 36] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال «2» : (642) أحدها: أنها نزلت في المطعِمين ببدر، وكانوا اثني عشر رجلاً يطعمون الناس الطعام، كل رجل يطعم يوماً، وهم: عتبة وشيبة، ومُنبّه ونُبَيه ابنا الحجاج، وأبو البَخْتَري، والنضر بن الحارث، وأبو جهل وأخوه الحارث، وحكيم بن حزام وأُبَيُّ بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، هذا قول أبي صالح عن ابن عباس. (643) والثاني: أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب، استأجر يوم أُحُد ألفين من الأحابيش لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب، قاله سعيد بن جبير.
[سورة الأنفال (8) : آية 37]
(644) وقال مجاهد: نزلت في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أُحُد. (645) والثالث: أنها نزلت في أهل بدر، وبه قال الضحاك. فأما سبيل الله، فهو دين الله. قوله تعالى: ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً أي تكون عاقبة نفقتهم ندامة لأنهم لم يظفروا. [سورة الأنفال (8) : آية 37] لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (37) قوله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر «ليميز» خفيفة. وقرأ حمزة، والكسائي «ليميّز» بالتشديد وهما لغتان: مِزْتُه وميَّزتُه. وفي لام «ليميز» قولان: أحدهما: أنها متعلقة بقوله تعالى: فَسَيُنْفِقُونَها، قاله ابن الأنباري. والثاني: أنّها متعلّقة بقوله: إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ، قاله ابن جرير الطبري. وفي معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: ليميز أهل السعادة من أهل الشقاء، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال السدي، ومقاتل: يميز المؤمن من الكافر. والثاني: ليميِّز العمل الطيب من العمل الخبيث، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: ليميز الإنفاق الطيب في سبيله، من الانفاق الخبيث في سبيل الشيطان، قاله ابن زيد، والزجاج. قوله تعالى: وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ أي: يجمع بعضه فوق بعض، وهو قوله تعالى: فَيَرْكُمَهُ. قال الزجاج: الركم: أن يُجعَل بعضُ الشيء على بعض، يقال: ركمت الشيء أركُمه رَكماً والركام: الاسم فمن قال: المراد بالخبيث: الكفار، فانهم في النار بعضهم على بعض ومن قال: أموالهم، فله في ذلك قولان: أحدهما: أنها أُلقيت في النار ليعذَّب بها أربُابها، كما قال تعالى: فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ. والثاني: أنهم لمَّا عظَّموها في الدنيا، أراهم هوانها بالقائها في النار كما تُلقى الشمس والقمر في النار، لَيرى مَن عبدهما ذُلَّهما. [سورة الأنفال (8) : آية 38] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا نزلت في أبي سفيان وأصحابه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وفي معنى الآية قولان: أحدهما: إن ينتهوا عن المحاربة يُغْفَرْ لهم ما قد سلف من حربهم، فلا يُؤاخَذون به، وإن يعودوا إلى المحاربة، فقد مضت سنة الأولين في نصر الله أولياءه، وقيل: في قتل من قُتِل يوم بدر وأُسر. والثاني: إن ينتهوا عن الكفر يُغْفَر لهم ما قد سلف من الإثم وإن يعودوا إليه، فقد مضت سُنَّةُ الأولين من الأمم السالفة حين أُخذوا بالعذاب المستأصِل. قال يحيى بن معاذ في هذه الآية: إنَّ توحيداً لم يعجِزْ عن هدم ما قبله من كفر، لا يعجِزُ عن هدم ما بعده من ذنب.
[سورة الأنفال (8) : آية 39]
[سورة الأنفال (8) : آية 39] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي: شرك. وقال الزجاج: حتى لا يفتن الناس فتنة كفر ويدلّ عليه قوله تعالى: وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. قوله تعالى: فَإِنِ انْتَهَوْا أي: عن الكفر والقتال فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وقرأ يعقوب إلا روحاً «بما تعملون» بالتاء. [سورة الأنفال (8) : آية 40] وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) قوله تعالى: وَإِنْ تَوَلَّوْا أي: أعرضوا عن الإيمان وعادوا إلى القتال فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ أي وليكم وناصركم. قال ابن قتيبة: نِعْمَ الْمَوْلى أي نعم الولي وَنِعْمَ النَّصِيرُ أي: الناصر، مثل قدير وقادر، وسميع وسامع. [سورة الأنفال (8) : آية 41] وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ اختلفوا، هل الغنيمة والفيء بمعنى واحد، أم يختلفان؟ على قولين: أحدهما: أنهما يختلفان، ثم في ذلك قولان: أحدهما: أن الغنيمة: ما ظُهر عليه من أموال المشركين، والفيء: ما ظُهر عليه من الأرضين، قاله عطاء بن السائب. والثاني: أن الغنيمة: ما أُخذ عنوةً، والفيء: ما أُخذ عن صلح، قاله سفيان الثوري. وقيل: بل الفيء: ما لم يوجَفْ عليه بخيل ولا ركاب، كالعشور والجزية، وأموال المهادنة والصلح، وما هربوا عنه. والثاني: أنهما واحد، وهما كل ما نيل من المشركين، ذكره الماوردي: وقال الزجاج: الأموال ثلاثة أصناف فما صار إلى المسلمين من المشركين في حال الحرب، فقد سماه الله تعالى: أنفالاً وغنائم وما صار من المشركين من خراج أو جزية مما لم يؤخذ في الحرب، فقد سماه: فيئاً، وما خرج من أموال المسلمين، كالزكاة، والنذر، والقرب، سماه: صدقة. وأما قوله تعالى: مِنْ شَيْءٍ فالمراد به: كل ما وقع عليه اسم شيء. قال مجاهد: المِخْيَط من الشيء. قوله تعالى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وروى عبد الوارث: «خُمْسَهُ» بسكون الميم. وفي المراد بالكلام قولان: أحدهما: أن نصيب الله مستَحَقٌ يُصرف إلى بيته. (646) قال أبو العالية: كان يجاء بالغنيمة فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، فيقسم أربعة
بين الناس ثم يجعل من السهم الخامس للكعبة وهذا مما انفرد به أبو العالية فيما يقال. والثاني: أنّ ذكر الله ها هنا لأحد وجهين: أحدهما: لأنه المتحكِّم فيه، والمالك له، والمعنى: فان للرسول خمسة ولذي القربى كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. والثاني: أن يكون المعنى: إن الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى، وهذا قول الجمهور. فعلى هذا تكون الواو زائدة، كقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنادَيْناهُ، المعنى: ناديناه ومثله كثير. فصل: أجمع العلماء على أن أربعة أخماس الغنيمة لأهل الحرب خاصة فأما الخمس الخامس، فكيف يقسم؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يقسم منه لله وللرسول ولمن ذكر في الآية. وقد ذكرنا أن هذا مما انفرد به أبو العالية، وهو يقتضي أن يقسم على ستة أسهم. والثاني: أنه مقسوم على خمسة أسهم: سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، على ظاهر الآية، وبه قال الجمهور. والثالث: أنه يقسم على أربعة أسهم. فسهم الله عزّ وجلّ وسهم رسوله عائد على ذوي القربى. (647) لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يأخذ منه شيئاً، وهذا المعنى رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. فصل: فأمّا سهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فانه كان يصنع فيه ما بيَّنَّا. وهل سقط بموته، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لم يسقط بموته، وبه قال أحمد والشافعي في آخرين. وفيما يُصنَع به قولان: أحدهما: أنه للخليفة بعده، قاله قتادة. والثاني: أنه يُصْرَفُ في المصالح، وبه قال أحمد والشافعي. والثاني: أنه يسقط بموته كما يسقط الصفيُّ، فيرجع إلى جملة الغنيمة، وبه قال أبو حنيفة. وأما ذوو القربى، ففيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم جميع قريش. قال ابن عباس: كنا نقول: نحن هم فأبى علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. والثاني: بنو هاشم وبنو المطلب، وبه قال أحمد والشافعي. والثالث: أنهم بنو هاشم فقط، قاله أبو حنيفة. وبماذا يستحقون؟ فيه قولان: أحدهما: بالقرابة وإن كانوا أغنياء، وبه قال أحمد والشافعي. والثاني: بالفقر لا بالاسم، وبه قال أبو حنيفة. وقد سبق في البقرة «1» معنى اليتامى والمساكين وابن السبيل. وينبغي أن تُعتبر في اليتيم أربعة أوصاف: موت الأب وإن كانت الأم باقية. والصِّغَر. لقوله عليه السلام: (648) «لا يُتْمَ بعد حُلُم» ، والإِسلام لأنه مال للمسلمين. والحاجة لأنه معدّ للمصالح.
[سورة الأنفال (8) : آية 42]
قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ هو يوم بدر، فُرق فيه بين الحق والباطل بنصر المؤمنين. والذي أُنزل عليه يومئذ قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ نزلت حين اختلفوا فيها. فالمعنى: إن كنتم آمنتم بذلك، فاصدروا عن أمر الرسول في هذا أيضا. [سورة الأنفال (8) : آية 42] إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) قوله تعالى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «بالعِدوة» و «العِدوة» العين فيهما مكسورة. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: بضم العين فيهما. قال الأخفش: لم يُسمع من العرب إلا الكسر. وقال ثعلب: بل الضم أكثر اللغتين. قال ابن السِّكّيت: عُدوة الوادي وعِدوته: جانبه والجمع: عُدىً وعِدىً. والدنيا: تأنيث الأدنى وضدها: القصوى وهي تأنيث الأقصى وما كان من النعوت على «فُعلى» من ذوات الواو، فان العرب تحوِّلُه إلى الياء، نحو: الدنيا، من: دنوت والعليا، من: علوت لأنهم يستثقلون الواو مع ضم الأول، وليس في هذا اختلاف، إلا أن أهل الحجاز قالوا: القُصوى، فأظهروا الواو، وهو نادر وغيرهم يقول: القصيا. قال المفسرون: إذ أنتم بشفير الوادي الأدنى من المدينة، وعدوّكم بشفيره الأقصى إلى مكة، وكان الجمعان قد نزلا وادي بدر على هذه الصفة، والركب: أبو سفيان وأصحابه. قال الزجاج: من نصب «أسفلَ» اراد: والركب مكانا أسفل منكم، ويجوز الرّفع على معنى: والرّكب أشدّ تسفّلا منكم. قال قتادة كان المسلمون أعلى الوادي، والمشركون أسفله. وفي قوله: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ قولان: أحدهما: لو تواعدتم، ثم بلغكم كثرتهم، لتأخَّرتم عن الميعاد، قاله ابن اسحاق. والثاني: لو تواعدتم على الاجتماع في المكان الذي اجتمعتم فيه من عِدوتي وادي بدر لاختلفتم في الميعاد، قاله أبو سليمان. وقال الماوردي: كانت تقع الزيادة والنقصان، أو التقدم والتأخر من غير قصد لذلك. قوله تعالى: وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وهو إعزاز الإسلام وإذلال الشرك. قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ. وروى خلف عن يحيى: «ليُهلَك» بضم الياء وفتح اللام. قوله تعالى: وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «من حيَّ» بياء واحدة مشددة، وهذه رواية حفص عن عاصم، وقنبل عن ابن كثير. وروى شِبْلٌ عن ابن كثير، وابو بكر عن عاصم: «حيِي» بياءين الأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، وهي قراءة نافع. فمن قرأ
[سورة الأنفال (8) : آية 43]
بياءين، بيَّن ولم يُدغم. ومن أدغم ياء «حيي» فلاجتماع حرفين من جنس واحد. وفي معنى الكلام قولان: أحدهما: ليُقتَل من قُتل من المشركين عن حُجة، ويبقى من بقي منهم عن حُجة. والثاني: ليكفر من كفر بعد حُجة، ويؤمن من آمن عن حُجة. [سورة الأنفال (8) : آية 43] إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43) قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا فيه قولان: (649) أحدهما: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى عسكر المشركين في المنام قبل لقائهم في قلَّة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال مجاهد: لما أخبر أصحابه بأنه رآهم في المنام قليلاً، كان ذلك تثبيتاً لهم. قال أبو سليمان الدمشقي: والكلام متعلق بما قبله، فالمعنى: وإن الله لسميع لما يقوله أصحابك، عليم بما يضمرونه، إذ حدثتَهم بما رأيت في منامك. والثاني: إذ يريكهم الله بعينك التي تنام بها، قاله الحسن «1» . قال الزجاج: وكثير من النحويين يذهبون إلى هذا المذهب. ومعناه عندهم: إذ يريكهم الله في موضع منامك، أي: بعينك ثم حذف الموضع، واقام المنام مقامه. قوله تعالى: لَفَشِلْتُمْ أي: لجبنتم وتأخَّرتم عن حربهم. وقال مجاهد: لفشل أصحابك، ولرأوا ذلك في وجهك. قوله تعالى: وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي: لاختلفتم في حربهم، فكان ذلك من دواعي هزيمتكم، وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ من المخالفة والفشل. [سورة الأنفال (8) : آية 44] وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) قوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا قال مقاتل: صدَّق الله رؤيا رسوله التي أخبر بها المؤمنين عن قلة عدوهم قبل لقائهم، بأن قلَّلهم وقت اللقاء في أعينهم. وقال ابن مسعود: لقد قلُّوا في أعيننا، حتى قلت لرجل إلى جانبي: أتُراهم سبعين؟ قال: أُراهم مائة حتى أخذنا رجلاً منهم، فسألناه، فقال: كنَّا ألفاً. قال أبو صالح عن ابن عباس: استقلَّ المسلمون المشركين، والمشركون المسلمين، فاجترأ بعضهم على بعض. فإن قيل: ما فائدة تكرير الرّؤية ها هنا. وقد ذكرت في قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن الأولى كانت في المنام، والثانية في اليقظة. والثاني: أنّ الأولى للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، والثانية له ولأصحابه. فان قيل: تكثير المؤمنين في أعين الكافرين
[سورة الأنفال (8) : الآيات 45 إلى 46]
أولى، لمكان إعزازهم. فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنهم لو كثروا في أعينهم، لم يقدموا عليهم، فلم يكن قتال، والقتال سبب النصر، فقلَّلهم لذلك. والثاني: أنه قلَّلهم لئلا يتأهَّب المشركون كل التأهُّب فاذا تحقق القتال، وجدهم المسلمون غير مستعدين، فظفروا بهم. والثالث: أنه قلَّلهم ليحمل الأعداء عليهم في كثرتهم، فيغلبهم المسلمون، فيكون ذلك آية للمشركين ومنبِّهاً على نصرة الحقّ. [سورة الأنفال (8) : الآيات 45 الى 46] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) قوله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا الفئة: الجماعة. وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً فيه قولان: أحدهما: أنه الدعاء والنصر. والثاني: ذكر الله على الإِطلاق. قوله تعالى: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا قد سبق ذكر التنازع والفشل آنفا. قوله تعالى: وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وروى أبان: «ويذهبْ» بالياء والجزم. وفيه أربعة أقوال: أحدها: تذهب شدَّتكم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال السدي: حِدَّتكم وجدُّكم. وقال الزجاج: صولتكم وقوتكم. والثاني: يذهب نصركم، قاله مجاهد، وقتادة. والثالث: تتقطَّع دولتكم، قاله أبو عبيدة. وقال ابن قتيبة: يقال: هبَّت له ريح النصر: إذا كانت له الدولة. ويقال: له الريح اليوم: أي الدولة. والرابع: أنها ريح حقيقة، ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله فتضرب وجوه العدو ومنه قوله عليه السلام: (650) «نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهْلِكتْ عادٌ بالدَّبور» وهذا قول ابن زيد، ومقاتل. [سورة الأنفال (8) : آية 47] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً. (651) قال المفسرون: هم أبو جهل ومن خرج معه من مكة، خرجوا ليدفعوا عن عيرهم التي كانت مع أبي سفيان، ومعهم القيان والمعازف، وهم يشربون الخمور. فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز ما معه، كتب إليهم: إني قد أحرزت أموالكم فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نفعل حتى نَرِدَ بدراً فنقيم ثلاثاً، وننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمور، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابونا.
[سورة الأنفال (8) : آية 48]
فساروا إلى بدر، فكانت الوقعة فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. فأما البطر فهو الطغيان في النعم، وترك شكرها. والرياء: العمل من أجل رؤية الناس. وسبيل الله هاهنا: دينه. [سورة الأنفال (8) : آية 48] وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (48) قوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ. (652) قال عروة بن الزبير: لما أجمعت قريش المسير إلى بدر، ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب، فتبدَّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجيّ، وكان من اشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعا. وفي المراد بأعمالهم ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: شركهم. والثاني: مسيرهم إلى بدر. والثالث: قتالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ أي: صارتا بحيث رأت إحداهما الأخرى. وفي المراد بالفئتين قولان: أحدهما: فئة المسلمين، وفئة المشركين، وهو قول الجمهور. والثاني: فئة المسلمين، وفئة الملائكة، ذكره الماوردي. قوله تعالى: نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ قال أبو عبيدة: رجع من حيث جاء. وقال ابن قتيبة: رجع القهقري. قال ابن السائب: كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة، آخذاً بيد الحارث بن هشام فرأى الملائكة فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: أفراراً من غير قتال؟ فقال: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ، فلما هُزم المشركون، قالوا: هَزَمَ الناسَ سراقةُ، فبلغه ذلك، فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم. قال قتادة: صدق عدوّ الله في قوله: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ، ذُكر لنا أنه رأى جبريل ومعه الملائكة، فعلم أنه لا يد له بالملائكة، وكذب عدو الله في قوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوَّة له بهم. وقال عطاء: معناه: إني أخاف الله أن يهلكني. وقال ابن الانباري: لما رأى نزول الملائكة، خاف أن تكون القيامة فيكون انتهاء إنظاره فيقع به العذاب. ومعنى «نكص» رجع هارباً بخزي وذلّ. واختلفوا في قوله تعالى: وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ هل هو ابتداء كلام أو تمام الحكاية عن إبليس، على قولين. [سورة الأنفال (8) : آية 49] إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ قال ابن عباس: هم قوم من أهل المدينة من الأوس
[سورة الأنفال (8) : آية 50]
والخزرج. فأما الذين في قلوبهم مرض، ففيهم ثلاثة أقوال: (653) أحدها: أنهم قوم كانوا قد تكلَّموا بالإِسلام بمكة فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر كُرهاً فلما رأوا قلَّة المسلمين وكثرة المشركين ارتابوا ونافقوا وقالوا: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وإليه ذهب الشعبي في آخرين. وعدَّهم مقاتل فقال: كانوا سبعة: قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن زمعة وعلي بن أمية بن خلف والعاص بن منبه بن الحجاج والوليد بن الوليد بن المغيرة والوليد بن عتبة بن ربيعة. والثاني: أنهم المشركون، لما رأوا قلة المسلمين، قالوا: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن. والثالث: أنهم قوم مرتابون، لم يظهروا عداوة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ذكره الماوردي. والمرض ها هنا: الشّكّ، والإشارة بقوله تعالى: «هؤلاء» إلى المسلمين وإنما قالوا هذا، لأنهم رأوا قلَّة المسلمين، فلم يشكّوا في أن قريشا تغلبهم. [سورة الأنفال (8) : آية 50] وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (50) قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ قرأ الجمهور «يتوفى» بالياء. وقرأ ابن عامر «تتوفى» بتاءين. قال المفسرون: نزلت في الرهط الذين قالوا: «غرَّ هؤلاءِ دينهُم» . وفي المراد بالملائكة ثلاثة أقوال: أحدها: ملك الموت وحده، قاله مقاتل. والثاني: ملائكة العذاب، قاله أبو سليمان الدمشقي. والثالث: الملائكة الذين قاتلوا يوم بدر، ذكره الماوردي. وفي قوله تعالى: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ أربعة أقوال: أحدها: يضربون وجوههم ببدر لما قاتلوا، وأدبارهم لما انهزموا. والثاني: أنّهم جاءوهم من بين أيديهم ومن خلفهم، فالذين أمامهم ضربوا وجوههم، والذين وراءهم ضربوا أدبارهم. والثالث: يضربون وجوههم يوم القيامة إذ لقوهم، وأدبارهم إذا ساقوهم إلى النار. والرابع: أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت بسياط من نار. وهل المراد نفس الوجوه والأدبار، أم المراد ما أقبل من أبدانهم وأدبر؟ فيه قولان. وفي قوله تعالى وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ قولان: أحدهما: أنه في الدنيا وفيه إضمار «يقولون» ، فالمعنى: يضربون ويقولون، كقوله تعالى. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا «1» أي: ويقولان. قال النابغة: كأنكَ مِنْ جِمالِ بَني أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رجليه بشنّ «2»
[سورة الأنفال (8) : آية 51]
والمعنى: كأنّك جمل من جمال بني أقيش، هذا قول الفراء وأبي عبيدة. والثاني: أن الضرب لهم في الدنيا، فاذا وردوا يوم القيامة إلى النار، قال خزنتها: ذوقوا عذاب الحريق، هذا قول مقاتل. [سورة الأنفال (8) : آية 51] ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (51) قوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي: بما كسبتم من قبائح أعمالكم. وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ لا يظلم عباده بعقوبتهم على الكفر، وإن كان كفرهم بقضائه، لأنه مالك، فله التّصرّف في ملكه كما شاء فيستحيل نسبة الظّلم إليه. [سورة الأنفال (8) : آية 52] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (52) قوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ أي: كعادتهم: والمعنى: كذَّب هؤلاء كما كذَّب أولئك، فنزل بهم العذاب كما نزل بأولئك. قال ابن عباس: أيقن آل فرعون أن موسى نبيُّ الله وكذّبوه، فكذلك هؤلاء في حقّ محمد صلى الله عليه وسلم. [سورة الأنفال (8) : آية 53] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ أي: ذلك الأخذ والعقاب بأن الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا بالكفران وترك الشّكر. قال مقاتل: والمراد بالقوم ها هنا أهل مكة، أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ثمّ بعث فيهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فلم يعرفوا المنعم عليهم، فغيَّر الله ما بهم. وقال السدي: كذَّبوا بمحمد فنقله الله إلى الأنصار. قال أبو سليمان الخطابي: والقوي يكون بمعنى القادر، فمن قوي على شيء فقد قدر عليه، وقد يكون معناه: التّامُّ القُوَّة الذي لا يستولي عليه العجز في حال، والمخلوق وإن وُصف بالقُوَّة فقوَّته متناهية وعن بعض الأمور قاصرة. [سورة الأنفال (8) : آية 54] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (54) قوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: كذَّب أهل مكة بمحمد والقرآن، كما كذب آل فرعون بموسى والتوراة، وكذَّب مَنْ قبلهم بأنبيائهم. قال مكي بن أبي طالب: الكاف من «كدأب» في موضع نصب، نعت لمحذوف تقديره: غيَّرنا بهم لما غيروا تغييراً مثل عادتنا في آل فرعون، ومثلها الآية الأولى، إلا أن الأولى للعادة في العذاب تقديره: فعلنا بهم ذلك فعلاً مثل عادتنا في آل فرعون. قوله تعالى: فَأَهْلَكْناهُمْ يعني الأمم المتقدمة، بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالريح، فكذلك أهلكنا كفار مكة ببدر. وقال بعضهم: يعني بقوله: «فأهلكناهم» الذين أهلكوا ببدر.
[سورة الأنفال (8) : آية 55]
[سورة الأنفال (8) : آية 55] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) قوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال أبو صالح عن ابن عباس: نزلت في بني قريظة من اليهود، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه. [سورة الأنفال (8) : آية 56] الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56) قوله تعالى: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ في «مِنْ» أربعة أقوال: أحدها: أنها صلة والمعنى: الذين عاهدتهم. والثاني: أنها للتبعيض، فالمعنى: إن شر الدواب الكفار. وشرُّهم الذين عاهدت ونقضوا. والثالث: أنها بمعنى «مع» والمعنى: عاهدت معهم. والرابع: أنها دخلت، لأن العهد أُخذ منهم. قوله تعالى: ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أي: كلما عاهدتهم نقضوا. وفي قوله تعالى: وَهُمْ لا يَتَّقُونَ قولان: أحدهما: لا يتَّقون نقض العهد. والثاني: لا يتَّقون الله في نقض العهد. قال المفسرون: (654) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد يهود قريظة أن لا يحاربوه ولا يعاونوا عليه، فنقضوا العهد وأعانوا عليه مشركي مكة بالسلاح، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا ثم عاهدوه الثانية، فنقضوا ومالؤوا الكفار يوم الخندق، وكتب كعب بن الأشرف إلى مكة يوافقهم على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. [سورة الأنفال (8) : آية 57] فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) قوله تعالى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ قال أبو عبيدة: مجازه: فان تثقفنَّهم. فعلى قوله، تكون «ما» زائدة. وقد سبق بيان «فاما» في (البقرة) «1» . قال ابن قتيبة: فمعنى «تثقفنهم» تظفر بهم. فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ أي: افعل بهم فعلاً من العقوبة والتنكيل يتفرَّق به من وراءهم من أعدائك. قال: ويقال: شرد بهم، أي: سمِّع بهم، بلغة قريش. قال الشاعر: أُطوِّف في الأباطح كُلَّ يوم ... مَخَافَةَ أن يُشرِّد بي حَكيمُ «2» وقال ابن عباس: نَكِّل بهم تنكيلاً يشرد غيرهم من ناقضي العهد، لعلّهم يذكرون النّكال فلا ينقضون العهد. [سورة الأنفال (8) : آية 58] وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58) قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً قال المفسّرون: الخوف ها هنا بمعنى العلم، والمعنى: إن علمت من قوم قد عاهدتهم خيانة، وهي نقض عهد. وقال مجاهد: نزلت في بني قريظة.
[سورة الأنفال (8) : آية 59]
وفي قوله تعالى: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ أربعة أقوال «1» : أحدها: فألقِ إليهم نقضك العهد لتكون وإياهم في العلم بالنّقض سواء، وهذا قول الأكثرين، واختاره الفراء، وابن قتيبة، وأبو عبيدة. والثاني: فانبذ إليهم جهراً غير سرٍّ، ذكره الفراء أيضاً في آخرين. والثالث: فانبذ إليهم على مهل، قاله الوليد بن مُسلم. والرابع: فانبذ إليهم على عدل من غير حيف، وأنشدوا: فاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدُرِ الأعدَاءِ ... حتَّى يُجيبُوك إلى السَّواءِ «2» ذكره أبو سليمان الدمشقي. [سورة الأنفال (8) : آية 59] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «ولا تحسِبن» بالتاء وكسر السين إلا أن عاصماً فتح السين. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: بالياء وفتح السين. وفي الكافرين ها هنا قولان: أحدهما: جميع الكفار، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنهم الذين انهزموا يوم بدر، ذكره محمد بن القاسم النحوي وغيره. و «سبقوا» بمعنى فاتوا. قال ابن الأنباري: وذلك أنهم أشفقوا من هلكة تنزل بهم في بعض الأوقات فلما سلموا منها، قيل: لا تحسبنّ أنهم فاتونا بسلامتهم الآن، فانهم لا يعجزونا، أي: لا يفوتونا فيما يستقبلون من الأوقات. قوله تعالى: إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ قرأ الجمهور: بكسر الألف. وقرأ ابن عامر: بفتحها وعلى قراءته اعتراض. لقائل أن يقول: إذا كان قد قرأ «يحسبن» بالياء، وقرأ «أنهم» بالفتح، فقد أقرَّهم على أنهم لا يُعجزون ومتى علموا أنهم لا يعجزون، لم يلاموا. فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: المعنى: «لا يحسبن الذين كفروا سبقوا» لا يَحسِبُنَّ أنهم يعجزون و «لا» زائدة مؤكدة. وقال أبو علي: المعنى: لا يحسبنَّ الذين كفروا أنفسَهم سبقوا وآباءَهم سبقوا، لأنهم لا يفوتون، فهم يُجزَون على كفرهم. [سورة الأنفال (8) : آية 60] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60)
قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ في المراد بالقوة أربعة اقوال «1» : (655) أحدها: أنها الرمي، رواه عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحكم بن أبان: هي النبل. والثاني: ذكور الخيل، قاله عكرمة. والثالث: السلاح، قاله السدي، وابن قتيبة. والرابع: أنه كل ما يُتقوَّى به على حرب العدو من آلة الجهاد. قوله تعالى: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ يعني ربطها واقتناءها للغزو وهو عام في الذكور والإناث في قول الجمهور. وكان عكرمة يقول: المراد بقوله تعالى: «ومن رباط الخيل» إناثها. قوله تعالى: تُرْهِبُونَ بِهِ روى رويس، وعبد الوارث «تُرَهِّبُون» بفتح الراء وتشديد الهاء، أي: تخيفون وترعبون به عدو الله وعدوكم، وهم مشركو مكة وكفار العرب. قوله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي: من دون كفار العرب. واختلفوا فيهم على خمسة أقوال «2» : أحدها: أنهم الجن. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (656) «هم الجنّ، فإنّ الشيطان لا يخبِّل أحداً في داره فرس عتيق» .
[سورة الأنفال (8) : آية 61]
والثاني: أنهم بنو قريظة، قاله مجاهد. والثالث: أهل فارس، قاله السدي. والرابع: المنافقون، قاله ابن زيد. والخامس: اليهود، قاله مقاتل. [سورة الأنفال (8) : آية 61] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) قوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ قرأ أبو بكر عن عاصم «للسِّلم» بكسر السين. قال الزجاج: السَّلْم: الصلح والمسالمة. يقال: سَلم وسِلم وسَلَم في معنى واحد، أي: إن مالوا إلى الصلح فمِل إليه. قال الفراء: إن شئت جعلت «لها» كناية عن السَّلم لأنها تؤنّث، وإن شئت جعلتها للفعلة، كقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ «1» . فان قيل: لم قال «لها» ولم يقل: «إليها» ؟ فالجواب: أن «اللام» و «إلى» تنوب كل واحدة منهما عن الأخرى. وفيمن أريد بهذه الآية قولان: أحدهما: المشركون، وأنها نسخت بآية السيف «2» . والثاني: أهل الكتاب. فان قيل: إنّها نزلت في ترك حربهم إذا بذلوا الجزية وقاموا بشرط الذمة، فهي محكمة. وإن قيل: نزلت في موادعتهم على غير جزية، توجّه النّسخ لها بآية الجزية. [سورة الأنفال (8) : الآيات 62 الى 63] وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) قوله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا قال مقاتل: يعني يهود قريظة أَنْ يَخْدَعُوكَ بالصلح لتكف عنهم، حتى إذا جاء مشركو العرب، أعانوهم عليك فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ. قال الزجاج: فان الذي يتولىَّ كفايتك الله هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ أي: قوَّاك. وقال مقاتل: قوَّاك بنصره وبالمؤمنين من الأنصار يوم بدر. قوله تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ يعني الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانت بينهم عداوة في الجاهلية، فألَّف الله بينهم بالإسلام. وهذا من أعجب الآيات، لأنهم كانوا ذوي أنفة شديدة فلو أن رجلاً لطم رجلاً، لقاتلت عنه قبيلته حتى تدرك ثأره، فآل بهم الإِسلام إلى أن يقتل الرجل ابنه وأباه. [سورة الأنفال (8) : آية 64] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) قوله تعالى: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ فيه قولان: أحدهما: حسبُك اللهُ، وحسبُ من اتَّبَعَكَ، هذا قول أبي صالح عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد، ومقاتل، والأكثرون. والثاني: حسبُك اللهُ ومتَّبِعُوكَ، قاله مجاهد. وعن الشعبي كالقولين. وأجاز الفرّاء والزّجّاج الوجهين.
[سورة الأنفال (8) : الآيات 65 إلى 66]
(657) وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثون، ثم أسلم عمر فصاروا أربعين، فنزلت هذه الآية. قال أبو سليمان الدمشقي: وهذا لا يحفظ، والسورة مدنية باجماع، والقول الأول أصحّ. [سورة الأنفال (8) : الآيات 65 الى 66] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) قوله تعالى: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ قال الزجاج: تأويله: حُثَّهم. وتأويل التحريض في اللغة: أن يحث الإنسان على الشيء حثاً يعلم معه أنه حارض إن تخلف عنه. والحارض: الذي قد قارب الهلاك. قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ لفظُ هذا الكلام لفظ الخبر، ومعناه الأمر، والمراد: يقاتلوا مائتين، وكان هذا فرضاً في أول الأمر، ثم نسخ بقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ففُرض على الرجل أن يثبت لرجلين، فان زادوا جاز له الفرار. قال مجاهد: وهذا التشديد كان في يوم بدر. واتفق القراء على قوله إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ فقرؤوا «يكن» بالياء واختلفوا في قوله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً، وفي قوله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ فقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: بالتاء فيهما. وقرأهما عاصم، وحمزة، والكسائي: بالياء. وقرأ أبو عمرو «يكن منكم مائة يغلبوا» بالياء، «فان تكن منكم مائة صابرة» بالتاء. قال الزجاج: من أنَّث، فللفظ المائة ومن ذكَّر، فلأن المائة وقعت على عدد مذكر. وقال أبو علي: من قرأ بالياء، فلأنه أريد منه المذكر، بدليل قوله تعالى: «يغلبوا» ، وكذلك المائة الصابرة هم رجال، فقرؤوها بالياء، لموضع التذكير. فأما أبو عمرو، فانه لمّا رأى صفة المائة مؤنّثة بقوله تعالى: «صابرة» أنث الفعل، ولما رأى «يغلبوا» مذكراً، ذكّر. ومعنى الكلام: إن يكن منكم عشرون صابرون يثبتون عند اللقاء، يغلبوا مائتين، لأن المؤمنين يحتسبون أفعالهم، وأهل الشرك يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، فاذا صَدَقهم المؤمنون القتال لم يثبتوا وذلك معنى قوله تعالى: لا يَفْقَهُونَ. قوله تعالى: وَعَلِمَ وروى المفضل «وعلم» بضمّ العين «أن فيكم ضعفا» وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائيّ بضم الضاد. وقرأ عاصم، وحمزة: بفتح الضاد. وكذلك خلافهم في (الروم) «1» . قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. قال الزجاج: والمعنى في القراءتين واحد،
[سورة الأنفال (8) : آية 67]
يقال: هو الضَّعف والضُّعف، والمَكث والمُكث، والفَقر والفُقر، وفي اللغة كثير من باب فَعْل وفُعْل، والمعنى واحد. وقرأ أبو جعفر «وعلمَ أن فيكم ضُعَفَاءَ» على فُعَلاءَ. فأما قوله تعالى: بِإِذْنِ اللَّهِ فهو إعلام بأن الغلبة لا تقع إلّا بإرادته. [سورة الأنفال (8) : آية 67] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ. (658) روى مسلم في أفراده من حديث عمر بن الخطاب قال: لما هزم الله المشركين يوم بدر، وقُتل منهم سبعون وأسر سبعون، استشار النبيّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً، فقال أبو بكر: يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوَّةً لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً. فقال رسول الله: «ما ترى يا ابن الخطاب» ؟ قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان، قريبٌ لعمر، فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فلان فيضرِبَ عنقه، حتى يعلم الله عزّ وجلّ أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فَهِويَ رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت، فأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد، غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان. فقلت: يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فان وجدت بكاءً بكَيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من الفداء. لقد عُرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة» لشجرة قريبة، فأنزل الله «ما كان لنبي أن يكون له أسرى» إلى قوله «عظيم» .
[سورة الأنفال (8) : آية 68]
(659) وروي عن ابن عمر قال: لما أشار عمر بقتلهم وفاداهم رسول الله أنزل الله تعالى «ما كان لنبي» إلى قوله «حلالاً طيبا» ، فلقي النبيّ صلى الله عليه وسلم عمر فقال «كاد يصيبنا في خلافك بلاء» . فأما الأسرى، فهو جمع أسير، وقد ذكرناه في سورة البقرة «1» . والجمهور قرءوا «أن يكون له» بالياء، لأنّ الأسرى مذكّر. وقرأ أبو عمرو «أن تكون» ، قال أبو علي: أنَّثَ على لفظ الأسرى، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير والرجال فهو مؤنّث اللفظ. والأكثرون قرءوا «أسرى» وكذلك «لمن في أيديكم من الأسرى» . وقرأ أبو جعفر، والمفضل «أُسارى» في الموضعين، ووافقهما أبو عمرو، وأبان في الثاني. قال الزجاج: والإثخان في كل شيء: قُوَّة الشيء وشِدَّته. يقال: قد أثخنه المرض: إذا اشتدت قُوَّته عليه. والمعنى: حتى يبالغ في قتل أعدائه. ويجوز أن يكون المعنى: حتى يتمكن في الأرض. قال المفسرون: معنى الآية: ما كان لنبي أن يحبس كافراً قدر عليه للفداء أو المن قبل الإثخان في الارض. وكانت غزاة بدر أول قتال قاتله رسول الله، ولم يكن قد أثخن في الأرض بعد. تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وهو المال. وكان أصحاب رسول الله قد فادوا يومئذ بأربعة آلاف أربعة آلاف. وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ قولان: أحدهما: يريد لكم الجنة، قاله ابن عباس. والثاني: يريد العمل بما يوجب ثواب الآخرة، ذكره الماوردي. فصل: وقد روي عن ابن عباس، ومجاهد في آخرين: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً «2» ، وليس للنسخ وجه، لأن غزاة بدر كانت وفي المسلمين قِلَّةٌ فلما كثروا واشتدَّ سلطانُهم، نزلت الآية الأخرى، ويبيّن هذا قوله تعالى: حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ. [سورة الأنفال (8) : آية 68] لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (68) قوله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في معناه خمسة أقوال «3» : أحدها: لولا أن الله كتب في أمّ
[سورة الأنفال (8) : الآيات 69 إلى 70]
الكتاب أنه سيُحِلُّ لكم الغنائم لمسَّكم فيما تعجَّلتم من المغانم والفداء يوم بدر قبل أن تؤمروا بذلك عذابٌ عظيم، روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. وقال أبو هريرة: تعجَّل ناس من المسلمين فأصابوا الغنائم، فنزلت الآية. والثاني: لولا كتاب من الله سبق أنَّه لا يعذِّب من أتى ذنباً على جهالةٍ لعوقبتم، روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس، وابن جريج عن مجاهد. وقال ابن اسحاق: سبق أن لا أعذِّب إلا بعدَ النهي، ولم يكن نهاهم. والثالث: لولا ما سبق لأهل بدر أن الله لا يعذِّبهم، لعُذِّبتم، قاله الحسن، وابن جبير، وابن أبي نجيح عن مجاهد. والرابع: لولا كتاب من الله سبق من أنه يغفر لمن عمل الخطايا ثم علم ما عليه فتاب، ذكره الزجاج. والخامس: لولا القرآن الذي اقتضى غفران الصغائر، لعُذِّبتم، ذكره الماوردي. فيخرج في الكتاب قولان: أحدهما: أنه كتاب مكتوب حقيقة. ثم فيه قولان: أحدهما: أنه ما كتبه الله في اللوح المحفوظ. والثاني: أنه القرآن. والثاني: أنه بمعنى القضاء. [سورة الأنفال (8) : الآيات 69 الى 70] فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ قال الزجاج: الفاء للجزاء. والمعنى: قد أحللت لكم الفداء فكلوا. والحلال منصوب على الحال. (660) قال مقاتل: إن الله غفور لما أخذتم من الغنيمة قبل حِلِّها، رحيم بكم إذْ أحَلَّها لكم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، وخبَّاب بنَ الأرتِّ يوم بدر على القبض، وقسمها النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وانطلق بالأسارى، فيهم العباس، وعقيل، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وكان مع العباس يومئذ عشرون أوقية من ذهب، فلم تحسب له من فدائه، وكلِّف أن يفدي ابني أخيه، فأدَّى عنهما ثمانين أوقية من ذهب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أضعفوا على العباس الفداء» فأخذوا منه ثمانين أوقية، وكان فداء كل أسير أربعين أوقية. فقال العباس لرسول الله: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشاً بكفَّيَّ. فقال له: «أين الذهب الذي تركته عند أم الفضل» ؟ فقال: أي الذهب؟ فقال: «إنك قلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فان حدث بي حدث، فهو لك ولولدك» فقال: ابن أخي، مَن أخبرك؟ فقال: «الله أخبرني» ، فقال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قبل اليوم وأمر ابني أخيه فأسلما. وفيهم نزلت: قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى الآية. وروى العوفي عن ابن عباس أنها نزلت في جميع من أُسر يوم بدر. (661) وقال ابن زيد: لما بُعِثَ رسول الله أتاه رجالٌ، فقالوا: لولا أنَّا نخاف هؤلاء القوم
[سورة الأنفال (8) : الآيات 71 إلى 72]
لأسلمنا، ولكنَّا نشهد أن لا إِله إِلا الله وأنَّك رسولُ الله. فلما كان يوم بدر، قال المشركون: لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره واستحللنا ماله، فخرج أولئك القوم، فقُتلت طائفة منهم وأُسرت طائفة. فأما الذين قُتلوا، فهم الذين قال الله فيهم: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ «1» . وأما الذين أُسروا فقالوا: يا رسول الله أنت تعلم أنا كنا نشهد أن لا إِله إِلا الله وأنك رسول الله، وإنما خرجنا مع هؤلاء خوفاً منهم. فذلك قوله تعالى: قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إلى قوله تعالى: عَلِيمٌ حَكِيمٌ. فأمّا قوله تعالى: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً فمعناه إسلاماً وصدقاً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ من الفداء. وفيه قولان: أحدهما: أكثر مما أُخذ منكم. والثاني: أحلُّ وأطيب. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن أبي عبلة: «مما أخَذ منكم» بفتح الخاء يشيرون إلى الله تعالى. وفي قوله تعالى: وَيَغْفِرْ لَكُمْ قولان: أحدهما: يغفر لكم كفركم وقتالكم رسول الله، قاله الزجاج. والثاني: يغفر لكم خروجكم مع المشركين، قاله ابن زيد في تمام كلامه الأوّل. [سورة الأنفال (8) : الآيات 71 الى 72] وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) قوله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ يعني: إن أراد الأُسراء خيانتك بالكفر بعد الإسلام فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ إذ كفروا به قبل أسرهم. وقال ابن زيد: فقد خانوا بخروجهم مع المشركين وقد ذكرنا عنه أنها نزلت في قوم تكلَّموا بالإسلام. وقال مقاتل: المعنى: إن خانوك أمكنتك منهم فقتلتهم وأسرتهم كما أمكنتُك ببدر. قال الزجاج: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخيانة إن خانوها، حَكِيمٌ في تدبيره عليهم ومجازاته إياهم. قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: المهاجرين الذين هجروا ديارهم وأموالهم وقومهم في نصرة الدين. وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا يعني: الأنصار، آووا رسولَ الله، وأسكنوا المهاجرين ديارهم، ونصروهم على أعدائهم أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ فيه قولان: أحدهما: في النصرة. والثاني: في الميراث. قال المفسرون: كانوا يتوارثون بالهجرة، وكان المؤمن الذي لم يهاجر لا يرث قريبه المهاجر، وهو معنى قوله تعالى: ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر، وعاصم، والكسائي: «وَلايتهم» بفتح الواو. وقرأ حمزة: بكسر الواو. قال الزجاج: المعنى: ليس بينكم وبينهم ميراث حتى يهاجروا. ومن كسر واو الولاية، فهي بمنزلة الإمارة وإذا فتحت، فهي من النصرة. وقال يونس النّحوي: الولاية، بالفتح، لله عزّ وجلّ، والوِلاية، بالكسر، من وُليِّت الأمر. وقال أبو عبيدة: الوَلاية، بالفتح، للخالق والوِلاية، للمخلوق. قال ابن الأنباري: الولاية، بالفتح،
[سورة الأنفال (8) : الآيات 73 إلى 74]
مصدر الوليِّ، والوِلاية: مصدر الوالي، يقال: وليّ بين الوَلاية، ووالٍ بيِّن الولاية، فهذا هو الاختيار ثم يصلح في ذا ما يصلح في ذا. وقال ابن فارس: الوَلاية، بالفتح: النصرة، وقد تكسر. والوِلاية، بالكسر: السلطان. فصل: وذهب قوم إلى أن المراد بهذه الولاية موالاة النصر والمودَّة. قالوا: ونسخ هذا الحكم بقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ «1» فأما القائلون بأنها ولاية الميراث، فقالوا: نسخت بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «2» . قوله تعالى: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ أي: إن استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا فانصروهم، إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد، فلا تغدروا بأرباب العهد. وقال بعضهم: لم يكن على المهاجر أن ينصرَ من يهاجر إلّا أن يستنصره. [سورة الأنفال (8) : الآيات 73 الى 74] وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ فيه قولان «3» : أحدهما: في الميراث، قاله ابن عباس. والثاني: في النصرة، قاله قتادة. وفي قوله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ قولان: أحدهما: أنه يرجع إلى الميراث، فالمعنى: إلاَّ تأخذوا في الميراث بما أمرتكم، قاله ابن عباس. والثاني: أنه يرجع إلى التّناصر. فالمعنى: إلّا تتعاونوا وتتناصروا في الدين، قاله ابن جريج. وبيانه: أنه إذا لم يتولَّ المؤمنُ المؤمنَ تولِّياً حقاً، ويتبرأ من الكافر جداً، أدَّى ذلك إلى الضلال والفساد في الدين. فاذا هجر المسلم أقاربه الكفار، ونصر المسلمين، كان ذلك أدعى لأقاربه الكفار إلى الإسلام وترك الشرك. قوله تعالى: وَفَسادٌ كَبِيرٌ قرأ أبو هريرة، وابن سيرين، وابن السميفع: «كثير» بالثاء. قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي: هم الذين حقَّقوا إيمانهم بما يقتضيه من الهجرة والنصرة، بخلاف من أقام بدار الشرك. والرزق الكريم: هو الحسن، وذلك في الجنّة.
[سورة الأنفال (8) : آية 75]
[سورة الأنفال (8) : آية 75] وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ أي: من بعد المهاجرين الأولين. قال ابن عباس: هم الذين هاجروا بعد الحديبية. قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ أي: في المواريث بالهجرة. قال ابن عباس: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، وكانوا يتوارثون بذلك الإخاء حتى نزلت هذه الآية، فتوارثوا بالنسب. قوله تعالى: فِي كِتابِ اللَّهِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اللوح المحفوظ. والثاني: أنه القرآن- وقد بيَّن لهم قسمة الميراث في سورة (النساء) «1» . والثالث: أنه حكم الله، ذكره الزّجّاج.
سورة التوبة
سورة التّوبة [سورة التوبة (9) : آية 1] بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فصل في نزولها: هي مدنية باجماعهم، سوى الآيتين اللتين في آخرها لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ «1» فانها نزلت بمكة. (662) روى البخاري في «صحيحه» من حديث البراء قال: آخر سورة نزلت براءة. وقد نُقل عن بعض العرب أنه سمع قارئاً يقرأ هذه السورة، فقال الأعرابي: إني لأحسب هذه من آخر ما نزل من القرآن. قيل له: ومن أين علمت؟ فقال: إني لأسمع عهوداً تُنْبَذُ، ووصايا تُنَفَّذ. فصل: واختلفوا في أول ما نزل من (براءة) على ثلاثة أقوال: أحدها: أن أول ما نزل منها قوله تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ «2» ، قاله مجاهد. والثاني: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا «3» ، قاله أبو الضحى وأبو مالك. والثالث: إِلَّا تَنْصُرُوهُ «4» ، قاله مقاتل. وهذا الخلاف إنما هو في أول ما نزل منها بالمدينة، فانهم قد قالوا: نزلت الآيتان اللتان في آخرها بمكة. فصل: ولها تسعة أسماء: أحدها: سورة التوبة. والثاني: براءة وهذان مشهوران بين الناس. والثالث: سورة العذاب، قاله حذيفة. والرابع: المُقَشْقِشَة، قاله ابن عمر. والخامس: سورة البَحوث، لأنها بحثت عن سرائر المنافقين، قاله المقداد بن الأسود. والسادس: الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين، قاله ابن عباس. والسابع: المبعثِرة، لأنها بعثرت أخبار الناس وكشفت عن سرائرهم، قاله الحارث بن يزيد وابن إسحاق. والثامن: المثيرة، لأنها أثارت مخازي المنافقين ومثالبهم، قاله قتادة. والتاسع: الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، قاله الزّجّاج.
فصل: وفي سبب امتناعهم من كتابة التسمية في أولها ثلاثة أقوال: (663) أحدها: رواه ابن عباس، قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى (الأنفال) وهي من المثاني، وإلى (براءة) وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما «بسم الله الرّحمن الرّحيم» ؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُنزل عليه الشيء يدعو بعضَ مَن يكتب، فيقول: «ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» ، وكانت (الأنفال) من أوائل ما نزل بالمدينة، و (براءة) من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها وقُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُبيِّن لنا أنها منها، فظننا أنها منها فمن ثَمَّ قرنتُ بينهما ولم أكتب بينهما: «بسم الله الرحمن الرحيم» . وذُكر نحو هذا المعنى عن أُبَيِّ بن كعب. قال الزجاج: والشبه الذي بينهما، أن في (الأنفال) ذكر العهود، وفي (براءة) نقضها. وكان قتادة يقول: هما سورة واحدة. والثاني: رواه محمد ابن الحنفية، قال: قلت لأبي: لِمَ لم تكتبوا في (براءة) «بسم الله الرحمن الرحيم» ؟ فقال: يا بنيَّ، إن (براءة) نزلت بالسيف، وإن «بسم الله الرحمن الرحيم» أمانٌ. وسئل سفيان بن عيينة عن هذا، فقال: لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين. والثالث: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما كتب في صلح الحديبية «بسم الله الرحمن الرحيم» ، لم يقبلوها وردُّوها، فما ردها الله عليهم «1» ، قاله عبد العزيز بن يحيى المكي. فصل: فأما سبب نزولها. (664) فقال المفسرون: أخذت العرب تنقض عهوداً بَنَتْها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره الله تعالى بالقاء عهودهم إليهم، فأنزل براءة في سنة تسع، فبعث رسول الله أبا بكر أميراً على الموسم ليقيم للناس
الحج في تلك السنة، وبعث معه صدراً من (براءة) ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، فقال: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذِّن في الناس بذلك» ، فخرج عليٌّ على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله، أُنزِل في شأني شيء؟ قال: «لا، ولكن لا يبلغ عني إلا رجل مني، أما ترضى أنك كنتَ صاحبي في الغار، وأنك صاحبى على الحوض» ؟ قال: بلى يا رسول الله. فسار أبو بكر أميراً على الحج، وسار علي ليؤذِّن ب «براءة» . فصل: وفي عدد الآيات التي بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول براءة خمسة أقوال: أحدها: أربعون آية، قاله عليٌّ عليه السلام. والثاني: ثلاثون آية، قاله أبو هريرة. والثالث: عشر آيات، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: سبع آيات، رواه ابن جريج عن عطاء. والخامس: تسع آيات، قاله مقاتل. فصل: فان توهَّم مُتَوهِّمٌ أن في أخذ (براءة) من أبي بكر، وتسليمها إلى عليٍّ، تفضيلاً لعليٍّ على أبي بكر، فقد جهل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجرى العرب في ذلك على عادتهم. قال الزجاج: وقد جرت عادة العرب في عقد عهدها ونقضها، أن يتولىَّ ذلك على القبيلة رجل منها فكان. وجائز أن تقول العرب إذا تلا عليها نقضَ العهد مَن ليس من رهط النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خلاف ما نعرف فينا في نقض العهود، فأزاح النبيّ صلى الله عليه وسلم العلّة بما فعل. وقال عمرو بن بحر: ليس هذا بتفضيل لعليٍّ على أبي بكر، وإنما عاملهم بعادتهم المتعارفة في حَلِّ العقد، وكان لا يتولىَّ ذلك إلا السَّيِّدُ منهم، أو رجل من رهطه دَنِيّاً، كأخ، أو عم وقد كان أبو بكر في تلك الحَجة الإمام، وعليٌّ يأتمُّ به، وأبو بكر الخطيب، وعليّ يستمع. (665) وقال أبو هريرة: بعثني أبو بكر في تلك الحجة مع المؤذِّنين الذين بعثهم يؤذِّنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان فأذَّن معنا علي ب (براءة) وبذلك الكلام. (666) وقال الشعبي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً يؤذن بأربع كلمات: «ألا لا يحج بعد العام مشرك، ألا ولا يطوف بالبيت عريان، ألا ولا يدخل الجنة إلا مسلم، ألا ومن كانت بينه وبين محمّد
[سورة التوبة (9) : آية 2]
مدَّة فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله» . فصل: فأما التفسير، فقوله تعالى: بَراءَةٌ قال الفراء: هي مرفوعة باضمار «هذه» ، ومثله سُورَةٌ أَنْزَلْناها «1» . وقال الزجاج: يقال: بَرِئْتُ من الرجل والدَّيْن براءةً، وبرئتُ من المرض وبرأتُ أيضاً أبرأُ برءا، وقد رووا: برأت أبرأ بروءا. ولم نجد في ما لامه همزة: فَعَلْتُ أفعل، إلا هذا الحرف. ويقال: بريت القلم، وكل شيء نحتَّه: أبريه بَرْياً، غير مهموز. وقرأ أبو رجاء، ومورق، وابن يعمر: «براءةً» بالنصب. قال المفسرون: والبراءة هاهنا: قطع الموالاة، وارتفاع العصمة، وزوال الأمان. والخطاب في قوله تعالى: إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الذي يتولَّى المعاهدة، وأصحابُه راضون فكأنهم بالرضا عاهدوا أيضاً وهذا عام في كل من عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل: هم ثلاثة أحياء من العرب: خزاعة، وبنو مدلج، وبنو جذيمة. [سورة التوبة (9) : آية 2] فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (2) قوله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أي: انطلقوا فيها آمنين لا يقع بكم مِنَّا مكروه. إن قال قائل: هذه مخاطبة شاهد، والآية الأولى إخبار عن غائب، فعنه جوابان: أحدهما: أنه جائز عند العرب الرجوع من الغيبة إلى الخطاب. قال عنترة: شَطَّتْ مَزارُ العاشِقينَ فأصبَحتْ ... عَسِراً عليَّ طِلابُكِ ابنةَ مَخْرَمِ «2» هذا قول أبي عبيدة. والثاني: أن في الكلام إضماراً، تقديره: فقل لهم: سيحوا في الارض، أي: اذهبوا فيها، وأقبلوا، وأدبروا، وهذا قول الزجاج. واختلفوا فيمن جُعلت له هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال «3» : أحدها: أنها أمان لأصحاب
[سورة التوبة (9) : آية 3]
العهد، فمن كان عهده أكثر منها، حُطَّ إليها، ومن كان عهده أقل منها، رفع إليها، ومن لم يكن له عهد، فأجله انسلاخ المحرَّم خمسون ليلة، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك. والثاني: أنها للمشركين كافَّةً، مَنْ له عهد، ومَنْ ليس له عهد، قاله مجاهد، والزهري، والقرظي. والثالث: أنها أجل لمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آمنه أقلَّ من أربعة أشهر، أو كان أمانه غير محدود فأما من لا أمان له، فهو حرب، قاله ابن إِسحاق. والرابع: أنها أمان لمن لم يكن له أمان ولا عهد فأما أرباب العهود، فهم على عهودهم إلى حين انقضاء مُددهم، قاله ابن السائب. ويؤكده ما روي أن علياً نادى يومئذ ومَن كان بينه وبين رسول الله عهد، فعهده إلى مدَّته. وفي بعض الألفاظ: فأجله أربعة أشهر. واختلفوا في مدة هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقوال «1» : أحدها: أنها الأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله ابن عباس. والثاني: أن أولها يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، وآخرها العاشر من ربيع الآخر، قاله مجاهد، والسدي، والقرظي. والثالث: أنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، لأن هذه الآية نزلت في شوال، قاله الزهري. قال أبو سليمان الدمشقي: وهذا أضعف الأقوال، لأنه لو كان كذلك، لم يجز تأخير إعلامهم به إلى ذي الحجة، إذ كان لا يلزمهم الأمر إلا بعد الإعلام. والرابع: أن أولها العاشر من ذي القعدة، وآخرها العاشر من ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم، ثم صار في السنة الثانية في العشر من ذي الحجة. (667) وفيها حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «إن الزمان قد استدار» ، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي: وإن أُجِّلْتُمْ هذه الأربعة الأشهر فلن تفوتوا الله. قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ قال الزجاج: الأجود فتح «أن» على معنى: اعلموا أن، ويجوز كسرها على الاستئناف. وهذا ضمان من الله نصرة المؤمنين على الكافرين. [سورة التوبة (9) : آية 3] وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (3)
قوله تعالى: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: إعلام ومنه أَذان الصلاة. وقرأ الضحاك، وأبو المتوكل، وعكرمة، والجحدري، وابن يعمر: «وَإِذْنٌ» بكسر الهمزة وقصرها ساكنة الذال من غير ألف. قوله تعالى: إِلَى النَّاسِ أي: للناس. يقال: هذا إعلام لك، وإليك. والناس ها هنا عامّ في المؤمنين والمشركين. وفي يوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه يوم عرفة، قاله عمر بن الخطاب، وابن الزبير، وأبو جحيفة، وطاوس، وعطاء. والثاني: يوم النحر، قاله أبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن أبي أوفى، وابن المسيب، وابن جبير، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، والزهري، وابن زيد، والسدي في آخرين. وعن علي، وابن عباس، كالقولين. والثالث: أنه أيام الحج كلُّها، فعبَّر عن الأيام باليوم، قاله سفيان الثوري. قال سفيان. كما يقال: يوم بعاث، ويوم الجمل، ويوم صفِّين يراد به: أيام ذلك، لان كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً. وعن مجاهد، كالأقوال الثلاثة. وفي تسميته بيوم الحج الأكبر ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنه سمَّاه بذلك لأنه اتفق في سنة حج فيها المسلمون والمشركون، ووافق ذلك عيدَ اليهود والنصارى، قاله الحسن. والثاني: أن الحج الأكبر: هو الحج، والأصغر: هو العمرة، قاله عطاء، والشعبي. والثالث: أن الحج الأكبر: القِران، والأصغر: الإفراد، قاله مجاهد. قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ وقرأ الحسن، ومجاهد، وابن يعمر: «إِن الله» بكسر الهمزة. مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي: من عهد المشركين، فحذف المضاف. وَرَسُولِهِ رفعٌ على الابتداء، وخبره مضمر على معنى: ورسولُه أيضا بريء. وقرأ أبو رزين، وأبو مجلز، وأبو رجاء، ومجاهد، وابن يعمر، وزيد عن يعقوب: «ورسولَه» بالنصب. ثم رجع إلى خطاب المشركين بقوله تعالى: فَإِنْ تُبْتُمْ أي: رجعتم عن الشرك، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن الإيمان.
[سورة التوبة (9) : آية 4]
[سورة التوبة (9) : آية 4] إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال أبو صالح عن ابن عباس: فلما قرأ علي (براءة) ، قالت بنو ضمرة: ونحن مثلهم أيضاً؟ قال: لا، لأن الله تعالى قد استثناكم ثم قرأ هذه الآية. وقال مجاهد: هم قوم كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ومدة، فأُمر أن يفي لهم. قال الزجاج: معنى الكلام: وقعت البراءة من المعاهدين الناقضين للعهود، إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوكم، فليسوا داخلين في البراءة ما لم ينقضوا العهد. قال القاضي أبو يعلى: وفضل الخطاب في هذا الباب: أنه قد كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين جميع المشركين عهد عامٌّ، وهو أن لا يُصدَّ أحدٌ عن البيت، ولا يُخافَ أحد في الشهر الحرام، فجعل الله عهدهم أربعة أشهر وكان بينه وبين أقوام منهم عهود إلى آجال مسمَّاة، فأُمر بالوفاء لهم وإتمام مدّتهم إذا لم يخش غدرهم. [سورة التوبة (9) : آية 5] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فيها قولان: أحدهما: أنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله الأكثرون. والثاني: أنها الأربعة الأشهر التي جُعلت لهم فيها السياحة، قاله الحسن في آخرين، فعلى هذا، سميت حُرُماً لأن دماء المشركين حرِّمت فيها. قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ أي: مَن لم يكن له عهد حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ قال ابن عباس: في الحلّ والأشهر الحرم. قوله تعالى: وَخُذُوهُمْ أي: ائسروهم والأخيذ: الأسير. وَاحْصُرُوهُمْ أي: احبسوهم والحصر: الحبس. قال ابن عباس: إن تحصَّنوا فاحصروهم. قوله تعالى: وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ قال الأخفش: أي: على كل مرصد فألقى «على» وأعمل الفعل، قال الشاعر: نُغالي اللحمَ للأضيافِ نِيئاً ... ونرخصه إذ نَضِجَ القُدُور «1» المعنى: نغالي باللحم، فحذف الباء كما حذف «على» . وقال الزجاج: «كل مرصد» ظرف، كقولك: ذهبتُ مذهباً، فلستَ تحتاج أن تقول في هذه إلا ما تقوله في الظروف، مثل: خلف، وقُدّام. قوله تعالى: فَإِنْ تابُوا أي: من شركهم. وفي قوله تعالى: وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ قولان: أحدهما: اعترفوا بذلك. والثاني: فعلوه. فصل: واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: أن حكم الأسارى كان وجوبَ قتلهم، ثم نسخ بقوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً «2» ، قاله الحسن، وعطاء في آخرين. والثاني: بالعكس، وأنه كان الحكم في الأسارى: أنه لا يجوز قتلهم صبرا، وإنما يجوز المنّ
[سورة التوبة (9) : آية 6]
أو الفداء بقوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً ثم نُسخ بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، قاله مجاهد، وقتادة. والثالث: أن الآيتين محكمتان، والأسير إذا حصل في يد الإمام، فهو مخيَّر، إن شاءَ مَنَّ عليه، وإن شاء فاداه، وإن شاء قتله صبراً، أيَّ ذلك رأى فيه المصلحة للمسلمين فعلَ، هذا قول جابر بن زيد، وعليه عامة الفقهاء، وهو قول الإمام أحمد. [سورة التوبة (9) : آية 6] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ قال المفسرون: وإن أحد من المشركين الذين أمرتك بقتلهم استأمنك يبتغي أن يسمع القرآن وينظر فيما أُمر به ونُهي عنه، فأَجِرْه، ثم أبلغه الموضع الذي يأمن فيه. وفي قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ قولان: أحدهما: أن المعنى: ذلك الذي أمرناك به من أن يُعرَّفوا ويُجاروا لجهلهم بالعلم. والثاني: ذلك الذي أمرناك به من ردِّه إلى مأمنه إذا امتنع من الإيمان، لأنهم قوم جهلة بخطاب الله. [سورة التوبة (9) : آية 7] كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) قوله تعالى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ أي: لا يكون لهم ذلك، إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وفيهم ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنهم بنو ضمرة، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم قريش، قاله ابن عباس أيضاً. وقال قتادة: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فنكثوا وظاهروا المشركين. والثالث: أنهم خزاعة، قاله مجاهد. (668) وذكر أهل العلم بالسِّيَر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صالح سهيل بن عمرو في غزوة الحديبية، كتب بينه وبينه: «هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكفُّ بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبةً مكفوفةً، وأنَّه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، ومن أحبّ أن يدخل في عهد قريش
[سورة التوبة (9) : آية 8]
وعقدها فعل، وأنَّه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه ردَّه إليه، وأنه من أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردُّوه، وأن محمداً يرجع عنَّا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا في قابل في أصحابه، فيقيم بها ثلاثاً لا يدخل علينا بسلاح، إلا سلاح المسافر، السيوفَ في القُرب» ، فوثبتْ خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ووثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عهد قريش وعقدها. ثم إن قريشاً أعانت بني بكر على خزاعة بالرجال والسلاح فبيَّتوا خزاعة ليلاً، فقتلوا منهم عشرين رجلاً. ثم إن قريشاً ندمت على ما صَنَعَتْ، وعلموا أنَّ هذا نقضٌ للعهد والمدة التي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج قوم من خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصابهم، فخرج إليهم وكانت غزاة الفتح. قال أبو عبيدة: الإسلال: السرقة، والإغلال: الخيانة. قال ابن الأعرابي: وقوله: «وأن بيننا عيبة مكفوفة» مَثَل، أراد: أنَّ صُلْحَنَا مُحْكَم مُسْتَوْثَقٌ منه، كأنه عيبة مشرجة. وزعم بعض المفسّرين أنّ قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ نُسخ بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. [سورة التوبة (9) : آية 8] كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (8) قوله تعالى: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ قال الزجاج: المعنى: كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم، فحذف ذلك، لأنه قد سبق، قال الشاعر: وخَبَّرُتماني أنَّما الموتُ بالقُرى ... فكيفَ وهذي هضبةٌ وقليبُ «1» أي فكيف مات وليس بقرية؟ ومثله قول الحطيئة: فكيف ولم أَعْلَمْهُمُ خذلوكُمُ ... على مُعظَمٍ ولا أديمَكُمُ قَدُّوا «2» أي: فكيف تلومونني على مدح قوم؟ واستغنى عن ذكر ذلك، لأنه قد جرى في القصيدة ما يدلّ على ما أضمر. وقوله تعالى: يَظْهَرُوا يعني: يقدروا ويظفروا. وفي قوله تعالى: لا يَرْقُبُوا ثلاثة أقوال: أحدها: لا يحفظوا، قاله ابن عباس. والثاني: لا يخافوا، قاله السدي. والثالث: لا يراعوا، قاله قطرب. وفي الإلِّ خمسة أقوال «3» : أحدها: أنه القرابة، رواه جماعة عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، والسدي، ومقاتل، والفراء، وأنشدوا: إنَّ الوشاة كثيرٌ إن أطعتهمُ ... لا يرقبون بنا إلاً ولا ذِمَمَا وقال الآخر:
[سورة التوبة (9) : الآيات 9 إلى 11]
لعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِنْ قُرَيش ... كالِّ السَّقْبِ من رَأْلِ النَّعامِ «1» والثاني: أنه الجوار، قاله الحسن. والثالث: أنه الله عزّ وجلّ، رواه ابن أبي نجيج عن مجاهد، وبه قال عكرمة. والرابع: أنه العهد، رواه خصيف عن مجاهد، وبه قال ابن زيد، وأبو عبيدة. والخامس: أنه الحِلْف، قاله قتادة. وقرأ عبد الله بن عمرو وعكرمة وأبو رجاء وطلحة بن مصرّف: «إيلاً» بياء بعد الهمزة. وقرأ ابن السميفع والجحدري: «ألاً» بفتح الهمزة وتشديد اللام. وفي المراد بالذمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها العهد، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، والضحاك في آخرين. والثاني: التذمم ممن لا عهد له، قاله أبو عبيدة، وأنشد: لاَ يَرْقُبُوْنَ بِنَا إلاً ولا ذِمَمَا والثالث: الأمان، قاله اليزيديّ، واستشهد بقوله صلى الله عليه وسلم: (669) «ويسعى بذمتهم أدناهم» . قوله تعالى: يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يرضونكم بأفواههم في الوفاء، وتأبى قلوبهم إلا الغدر. والثاني: يرضونكم بأفواههم في العِدَة بالإيمان، وتأبى قلوبهم إلا الشرك. والثالث: يرضونكم بأفواههم في الطاعة، وتأبى قلوبهم إلا المعصية، ذكرهنَّ الماوردي. قوله تعالى: وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ قال ابن عباس: خارجون عن الصّدق، ناكثون للعهد. [سورة التوبة (9) : الآيات 9 الى 11] اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) قوله تعالى: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا في المشار إليهم قولان: أحدهما: أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه، قاله مجاهد. والثاني: أنهم قوم من اليهود، قاله أبو صالح. فعلى الأول، آيات الله: حججه. وعلى الثاني: هي آيات التوراة. والثمن القليل: ما حصَّلوه بدلاً من الآيات. وفي وصفه بالقليل وجهان: أحدهما: لأنه حرام، والحرام قليل. والثاني: لأنه من عَرَض الدنيا الذي بقاؤه قليل. وفي قوله تعالى: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ثلاثة أقوال: أحدها: عن بيته، وذلك حين منعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحديبية دخول مكّة. والثاني: عن دينه بمنع الناس منه. والثالث: عن طاعته في الوفاء بالعهد.
[سورة التوبة (9) : آية 12]
[سورة التوبة (9) : آية 12] وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) قوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ. قال ابن عباس: (670) نزلت في أبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد حين أعانوا بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسير إليهم فينصر خزاعة، وهم الذين همّوا بإخراج الرّسول صلى الله عليه وسلم. فأما النّكث، فمعناه: النّقض. والأيمان ها هنا: العهود. والطعن في الدِّين: أن يعاب، وهذا يوجب قتل الذميّ إذا طعن في الإسلام، لأن المأخوذ عليه أن لا يطعن فيه «1» . قوله تعالى: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي «أئمة» بتحقيق الهمزتين. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: بتحقيق الأولى وتليين الثانية. والمراد بأئمة الكفر: رؤوس المشركين وقادتهم. إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ أي: لا عهود لهم صادقة هذا على قراءة من فتح الألف، وهم الأكثرون. وقرأ ابن عامر «لا إِيمان لهم» بالكسر وفيها وجهان ذكرهما الزجاج: أحدهما: أنه وصف لهم بالكفر ونفي الإيمان. والثاني: لا أمان لهم، تقول: آمنته إيماناً، والمعنى: فقد بطل أمانكم لهم بنقضهم. وفي قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ قولان: أحدهما: عن الشّكر. والثاني: عن نقض العهود.
[سورة التوبة (9) : الآيات 13 إلى 15]
وفي «لعل» قولان: احدهما: أنها بمعنى الترجِّي، المعنى: ليرجى منهم الانتهاء، قاله الزجاج. والثاني: أنها بمعنى: «كي» ، قاله أبو سليمان الدمشقي. [سورة التوبة (9) : الآيات 13 الى 15] أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) قوله تعالى: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً قال الزجاج: هذا على وجه التوبيخ، ومعناه الحضّ على قتالهم. قال المفسرون: وهذا نزل في نقض قريش عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عاهدهم بالحديبية حيث أعانوا على خزاعة. وفي قوله تعالى: وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ قولان: أحدهما: أنهم أبو سفيان في جماعة من قريش، كانوا فيمن همّ بإخراج الرّسول صلى الله عليه وسلم من مكة. والثاني: انهم قوم من اليهود، غدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضوا عهده وهمَّوا بمعاونة المنافقين على إخراجه من المدينة. قوله تعالى: وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فيه قولان: أحدهما: بدءوكم باعانتهم على حلفائكم، قاله ابن عباس. والثاني: بالقتال يوم بدر، قاله مقاتل. قوله تعالى: أَتَخْشَوْنَهُمْ قال الزجاج: أتخشون أن ينالكم من قتالهم مكروه؟! فمكروه عذاب الله أحق أن يُخشى إن كنتم مصدِّقين بعذابه وثوابه. قوله تعالى: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قال ابن عباس، ومجاهد: يعني خزاعة. قوله تعالى: وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ أي: كَربها وَوجْدها بمعونة قريشٍ بني بكر عليها. قوله تعالى: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ قال الزجاج: هو مستأنف وليس بجواب «قاتِلوهم» . وفيمن عُنِي به قولان: أحدهما: بنو خزاعة، والمعنى: ويتوب الله على من يشاء من بني خزاعة، قاله عكرمة. والثاني: أنه عام في المشركين كما تاب على أبي سفيان، وعكرمة، وسهيل. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بنيّات المؤمنين، حَكِيمٌ فيما قضى. [سورة التوبة (9) : آية 16] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (16) قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا في المخاطب بهذا قولان: أحدهما: أنهم المؤمنون، خوطبوا بهذا حين شق على بعضهم القتال، قاله الأكثرون. والثاني: أنهم قوم من المنافقين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج معه إلى الجهاد تعذيراً، قاله ابن عباس. وإنما دخلت الميم في الاستفهام، لأنه استفهام معترض في وسط الكلام، فدخلت لتفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ. قال الفراء: ولو أُريد به الابتداء، لكان إما بالألف، أو ب «هل» ، ومعنى الكلام: أن يتركوا بغير امتحان يبَين به الصادق من
[سورة التوبة (9) : الآيات 17 إلى 18]
الكاذب. وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ أي: ولمّا تجاهدوا فيعلم الله وجود ذلك منكم وقد كان يعلم ذلك غيباً، فأراد إظهار ما علم ليجازي على العمل. فأما الوليجة، فقال ابن قتيبة: هي البطانة من غير المسلمين، وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلاً من المشركين وخليطاً ووادّاً وأصله من الولوج. قال أبو عبيدة: وكل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم فهو وليجة فيهم. [سورة التوبة (9) : الآيات 17 الى 18] ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (17) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) قوله تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «مسجد الله» على التوحيد، «إنما يعمر مساجدَ الله» على الجمع. وقرأ عاصم، ونافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي على الجمع فيهما. (671) وسبب نزولها أن جماعة من رؤساء قريش أُسروا يوم بدر فيهم العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيَّروهم بالشِّرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبّخ العبّاس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرّحم، فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: وهل لكم من محاسن؟ قالوا: نعم، لنحن أفضل منكم أجراً إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل في جماعة. وفي المراد بالعِمارة قولان: أحدهما: دخوله والجلوس فيه. والثاني البناء له وإصلاحه فكلاهما محظور على الكافر. والمراد من قوله تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أي: يجب على المسلمين منعهم من ذلك. قال الزّجّاج: وقوله تعالى: شاهِدِينَ حال. المعنى: ما كانت لهم عمارته في حال إقرارهم بالكفر، أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ لأن كفرهم أذهب ثوابها. فان قيل: كيف يشهدون على أنفسهم بالكفر، وهم يعتقدون أنهم على الصواب؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه قول اليهودي: أنا يهودي، وقول النصراني: أنا نصراني، قاله السدي. والثاني: أنهم ثبَّتوا على أنفسهم الكفر بعدولهم عن أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو حق لا يخفى على مميِّز، فكانوا بمنزلة من شهد على نفسه. والثالث: أنهم آمنوا بأنبياء شهدوا لمحمّد صلى الله عليه وسلم بالتصديق، وحرَّضوا على اتِّباعه، فلما آمنوا بهم وكذِّبوه، دلُّوا على كفرهم، وجرى ذلك مجرى الشهادة على أنفسهم بالكفر، لأن الشهادة هي تبيين وإظهار، ذكرهما ابن الأنباري. فان قيل: ما وجه قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ولم يذكر الرسول، والإيمانُ لا يتم إلا به؟ فالجواب: أن فيه دليلاً على الرّسول، لقوله تعالى: وَأَقامَ الصَّلاةَ
[سورة التوبة (9) : الآيات 19 إلى 22]
أي: الصلاة التي جاء بها الرسول، قاله الزجاج. فان قيل: فَعَسى ترجّ، وفاعل هذه الخصال مهتد بلا شك. فالجواب أن «عسى» من الله واجبة، قاله ابن عباس. فان قيل: قد يعمر مساجد الله من ليس فيه هذه الصفات. فالجواب: أن المراد أنه من كان على هذه الصفات المذكورة، كان من أهل عمارتها وليس المراد أن من عمرها كان بهذه الصّفة. [سورة التوبة (9) : الآيات 19 الى 22] أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ في سبب نزولها ستة أقوال: (672) أحدها: رواه مسلم في «صحيحه» من حديث النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الاسلام إلا أن أسقيَ الحاجَّ، وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الاسلام إلا أن أعْمُرَ المسجدَ الحرامَ، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة، ولكني إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه، فنزلت هذه الآية. (673) والثاني: أن العباس بن عبد المطلب قال يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نَعمُر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني» ، فنزلت هذه الآية، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (674) والثالث: أنّ المشركين قالوا: عمارة البيت الحرام، والقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفتخرون بالحرم من أجل أنهم أهله، فنزلت هذه الآية، رواه عطية العوفي عن ابن عباس. (675) والرابع: أن علياً والعباس وطلحة- يعني سادن الكعبة- افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب
[سورة التوبة (9) : آية 23]
البيت، بيدي مفتاحه، ولو أشاء بتُّ فيه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية، والقائم عليها، ولو أشاء بتُّ في المسجد. وقال علي: ما أدري ما تقولون، لقد صليت ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فنزلت هذه الآية، قاله الحسن، والشعبي، والقرظي. (676) والخامس: أنهم لما أُمروا بالهجرة قال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة: أنا صاحب الكعبة فلا نهاجر، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله مجاهد. (677) والسادس: أن علياً قال للعباس: ألا تلحق بالنبيّ صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألستُ في أفضلَ من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟ فنزلت هذه الآية والتي بعدها، قاله مُرَّة الهَمْداني، وابن سيرين. قال الزجاج: ومعنى الآية: أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله؟ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. قال الحسن: كان يُنبذ زبيبٌ، فيسقُون الحاج في الموسم. وقال ابن عباس: عمارة المسجد: تجميره، وتخليقه، فأخبر الله أن أفعالهم تلك لا تنفعهم مع الشرك، وسماهم ظالمين لشركهم. قوله تعالى: أَعْظَمُ دَرَجَةً قال الزجاج: هو منصوب على التمييز. والمعنى: أعظم من غيرهم درجة. والفائز: الذي يظفر بأمنيته من الخير. فأما النعيم، فهو لين العيش. والمقيم: الدّائم. [سورة التوبة (9) : آية 23] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ في سبب نزولها خمسة أقوال: (678) أحدها: أنه لما أُمر المسلمون بالهجرة، جعل الرجل يقول لأهله: إنا قد أُمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك، ومنهم من يتعلق به عياله وزوجته فيقولون: نَنْشُدك الله أن تدعنا إلى غير شيء، فيرقُّ قلبه فيجلس معهم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. (679) والثاني: أنه لما أمر الله المؤمنين بالهجرة، قال المسلمون: يا نبي الله، إن نحن اعتزلنا مَنْ خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وخربت ديارنا، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك عن ابن عباس.
[سورة التوبة (9) : آية 24]
(680) والثالث: أنه لما قال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة: أنا أحجب الكعبة فلا نهاجر، نزلت هذه الآية والتي قبلها، هذا قول قتادة، وقد ذكرناه عن مجاهد. (681) والرابع: أن نفراً ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى الله عن ولايتهم، وأنزل هذه الآية، قاله مقاتل. (682) والخامس: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالجهاز لنصرة خزاعة على قريش، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، نعاونهم على قومنا؟ فنزلت هذه الآية، ذكره أبو سليمان الدّمشقي. [سورة التوبة (9) : آية 24] قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (24) قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ الآية، في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (683) أحدها: أنها نزلت في الذين تخلَّفوا مع عيالهم بمكة ولم يهاجروا، قاله أبو صالح عن ابن عباس. (684) والثاني: أن علي بن أبي طالب قدم مكة، فقال لقوم: ألا تهاجرون؟ فقالوا: نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن سيرين. (685) والثالث: أنه لما نزلت الآية التي قبلها، قالوا: يا رسول الله، إن نحن اعتزلنا مَنْ خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وعشيرتنا، وذهبت تجارتنا، وخربت ديارنا، فنزلت هذه الآية، ذكره بعض المفسرين في هذه الآية، وذكره بعضهم في الآية الأولى كما حكيناه عن ابن عباس. فأما العشيرة، فهم الأقارب الأدنون. وروى أبو بكر عن عاصم «وعشيراتُكم» على الجمع. قال أبو علي: وجهه أن كل واحد من المخاطَبين له عشيرة، فاذا جمعت قلت: عشيراتكم وحجة من افرد: أن العشيرة واقعة على الجمع، فاستغنى بذلك عن جمعها. وقال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة: عشيرات، إنما يجمعونها على عشائر. والاقتراف بمعنى الاكتساب. والتربص: الانتظار. وفي قوله تعالى: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ قولان: أحدهما: أنه فتح مكة، قاله مجاهد والأكثرون، ومعنى الآية: إن كان المُقام في أهاليكم، وكانت الأموال التي اكتسبتموها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها لفراقكم بلدكم وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ من الهجرة، فأقيموا غير مثابين، حتى
[سورة التوبة (9) : آية 25]
تُفتح مكة، فيسقط فرض الهجرة. والثاني: أنه العقاب، قاله الحسن. [سورة التوبة (9) : آية 25] لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) قوله تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ أي: في أماكن. قال الفراء: وكل جمع كانت فيه ألف قبلها حرفان وبعدها حرفان لم يُجْرَ، مثل، صوامع، ومساجد: وجُريَ «حنين» لأنه اسم لمذكَّر، وهو وادٍ بين مكة والطائف، وإذا سمَّيتَ ماءً أو وادياً أو جبلاً باسم مذكَّر لا علَّة فيه، أجريته، من ذلك: حنين، وبدر، وحِراء، وثَبِير، ودابق. ومعنى الآية: أنّ الله عزّ وجلّ أعلمهم أنهم إنما يغلبون بنصر الله لا بكثرتهم. وفي عددهم يوم حنين أربعة أقوال: أحدها: أنهم كانوا ستة عشر ألفاً، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: عشرة آلاف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: كانوا اثني عشر ألفاً، قاله قتادة، وابن زيد، وابن إسحاق، والواقدي. والرابع: أحد عشر ألفا وخمسمائة، قاله مقاتل. قال ابن عباس: (686) فقال ذلك اليوم سلمة بن سلامة بن وقش، وقد عجب لكثرة الناس: لن نُغلَب اليوم من قلّة، فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامُه، ووُكلِوا إلى كلمة الرجل، فذلك قوله تعالى إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً. وقال سعيد بن المسيب: القائل لذلك أبو بكر الصديق. وحكى ابن جرير أنّ القائل لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» . وقيل: بل العباس. وقيل: رجل من بني بكر. قوله تعالى: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي: برحبها. قال الفراء: والباء هاهنا بمنزلة «في» كما تقول: ضاقت عليكم الأرض في رحبها وبرحبها. (الإشارة إلى القصة) قال أهل العلم بالسيرة: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، تآمر عليه أشراف هوازن وثقيف، فجاؤوا حتى نزلوا أوطاس «2» ، وأجمعوا المسير إليه، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما التقَوا أعجبتهم كثرتُهم فهُزموا. (687) وقال البراء بن عازب: لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فأقبلوا بالسهام، فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[سورة التوبة (9) : الآيات 26 إلى 27]
وبعضهم يقول: ثبت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم يومئذ جماعة من أصحابه منهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث. وبعضهم يقول: لم يبق معه سوى العباس وأبي سفيان. (688) فجعل النبي يقول للعباس: «نادِ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة» فنادى، وكان صيِّتاً، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنَّت إلى أولادها، يقولون: يا لبّيك، فنظر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى قتالهم، فقال: «الآن حمي الوطيس، أنا النبي لا كذب، انا ابن عبد المطلب» ثم قال للعباس: «ناولني حَصَيات» فناوله، فقال: «شاهت الوجوه» ورمى بها، وقال: «انهزموا وربِّ الكعبة» ، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا. (689) وقيل: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاً من تراب، فرماهم به فانهزموا. وكانوا يقولون: ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه بالتّراب. [سورة التوبة (9) : الآيات 26 الى 27] ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ أي: بعد الهزيمة. قال أبو عبيدة: هي فعيلة من السكون، وأنشد: لِلّهِ قَبْرٌ غَالَها ماذا يُجِنُّ ... لقد أَجَنَّ سكينةً وَوَقارا «1» وكذلك قال المفسرون: الأمن والطمأنينة. قوله تعالى: وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها قال ابن عباس: يعني الملائكة. وفي عددهم يومئذ ثلاثة أقوال: أحدها: ستة عشر ألفاً، قاله الحسن. والثاني: خمسة آلاف، قاله سعيد بن جبير. والثالث: ثمانية، قاله مجاهد، يعني: ثمانية آلاف. وهل قاتلت الملائكة يومئذ، أم لا؟ فيه قولان. وفي قوله تعالى: وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أربعة أقوال: أحدها: بالقتل، قاله ابن عباس والسدي. والثاني: بالقتل والهزيمة، قاله ابن أبزى ومقاتل. والثالث: بالخوف والحذر، ذكره الماوردي. والرابع: بالقتل والأسر وسبي الأولاد وأخذ الأموال، ذكره بعض ناقلي التفسير. قوله تعالى: ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ أي: يوفِّقه للتوبة من الشّرك. [سورة التوبة (9) : آية 28] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)
قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ قال أبو عبيدة: معناه: قذر. قال الزجاج: يقال لكل شيء مستقذَر: نجَسٌ. وقال الفراء: لا تكاد العرب تقول: نِجْسٌ، إلا وقبلها رِجْسٌ، فاذا أفردوها قالوا: نَجَس. وفي المراد بكونهم نجساً ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنهم أنجاس الأبدان، كالكلب والخنزير، حكاه الماوردي عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز. وروى ابن جرير عن الحسن قال: من صافحهم فليتوضأ. والثاني: أنهم كالأنجاس لتركهم ما يجب عليهم من غسل الجنابة، وإن لم تكن أبدانهم أنجاساً، قاله قتادة. والثالث: أنه لما كان علينا اجتنابهم كما تجتنب الأنجاسُ، صاروا بحكم الاجتناب كالأنجاس، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح. قوله تعالى فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ قال أهل التفسير: يريد جميع الحرم. بَعْدَ عامِهِمْ هذا وهو سنة تسع من الهجرة، وهي السنة التي حج فيها أبو بكر الصّديق وقرئت (براءة) . وقد أخذ أحمد رضي الله عنه بظاهر الآية، وأنه يحرم عليهم دخول الحرم، وهو قول مالك، والشافعي. واختلفت الرواية عنه في دخولهم غير المسجد الحرام من المساجد، فروي عنه المنع أيضاً إلا لحاجة، كالحرم، وهو قول مالك. وروي عنه جواز ذلك، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز لهم دخول المسجد الحرام، وسائر المساجد «2» . قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً وقرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، والشعبي، وابن السميفع: «عايلة» . (690) قال سعيد بن جبير: لما نزلت إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
[سورة التوبة (9) : آية 29]
شقَّ على المسلمين، وقالوا: مَنْ يأتينا بطعامنا؟ وكانوا يَقْدَمون عليهم بالتجارة، فنزلت وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً قال الأخفش: العيلة: الفقر. يقال: عال يعيل عَيْلة: إذا افتقر. وأعال إعالة فهو يُعيل: إذا صار صاحب عيال. وقال أبو عبيدة: العيلة ها هنا مصدر عالَ فلانٌ: إذا افتقر، وأنشد: وَمَا يَدري الفقيرُ مَتى غِناه ... وما يَدري الغنيُّ متى يَعيل «1» وللمفسرين في قوله: «وإنْ» قولان: أحدهما: أنها للشرط، وهو الأظهر. والثاني: أنها بمعنى «وإذ» ، قاله عمرو بن فائد. قالوا: وإنما خاف المسلمون الفقر، لأن المشركين كانوا يحملون التجارات إليهم، ويجيئون بالطعام وغيره. وفي قوله تعالى: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أنزل عليهم المطر عند انقطاع المشركين عنهم، فكثر خيرهم، قاله عكرمة. والثاني: أنه أغناهم بالجزية المأخوذة من أهل الكتاب، قاله قتادة، والضحاك. والثالث: أن أهل نجد، وجُرَشَ، وأهل صنعاء أسلموا، فحملوا الطعام إلى مكة على الظَّهْرِ، فأغناهم الله به، قاله مقاتل. قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قال ابن عباس: عليم بما يصلحكم حَكِيمٌ فيما حكم في المشركين. [سورة التوبة (9) : آية 29] قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (29) قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ قال المفسرون: نزلت في اليهود والنصارى. قال الزجاج: ومعناها: لا يؤمنون بالله إيمان الموحِّدين، لأنهم أقرُّوا بأنه خالقُهم وأنَّه له ولد، وكذلك إيمانهم بالبعث لأنهم لا يقرُّون بأنَّ أهل الجنة يأكلون ويشربون. وقال الماوردي: إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بحقوقه، وهم لا يقرُّون بها، فكانوا كمن لا يُقِرُّ به. قوله تعالى: وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قال سعيد بن جبير: يعني الخمر والخنزير. قوله تعالى: وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ في الحق قولان: أحدهما: أنه اسم الله، فالمعنى: دين الله، قاله قتادة. والثاني: أنه صفة للدين، والمعنى: ولا يدينون الدِّينَ الحقَّ فاضاف الاسم إلى الصفة. وفي معنى «يدينون» قولان: أحدهما: أنه بمعنى الطاعة، والمعنى: لا يطيعون الله طاعةَ حقٍّ، قاله أبو عبيدة. والثاني: أنه من: دان الرجل يدين كذا: إذا التزمه. ثم في جملة الكلام قولان: أحدهما: أن المعنى: لا يدخلون في دين محمّد صلى الله عليه وسلم، لأنه ناسخ لما قبله. والثاني: لا يعملون بما في التّوراة من اتّباع محمّد صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ قال ابن الأنباري: الجزية: الخراج المجعول عليهم سميت جزية، لانها قضاء لما عليهم أُخذ من قولهم: جَزى يَجْزي: إذا قضى ومنه قوله تعالى: لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً «2» .
(691) وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تَجْزِي عن أحدٍ بعدَك» . وفي قوله تعالى: عَنْ يَدٍ ستة أقوال: أحدها: عن قهر، قاله قتادة، والسدي. وقال الزجاج: عن قهر وذُلٍّ. والثاني: أنه النقد العاجل، قاله شريك، وعثمان بن مقسم. والثالث: أنه إعطاء المبتدئ بالعطاء، لا إعطاء المكافئ، قاله ابن قتيبة. والرابع: أن المعنى: عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم. والخامس: عن إنعام عليهم بذلك لأن قبول الجزية منهم إنعام عليهم، حكاهما الزجاج. والسادس: يؤدُّونَها بأيديهم، ولا ينفذونها مع رسلهم، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَهُمْ صاغِرُونَ الصاغر: الذليل الحقير. وفي ما يُكَلَّفونه من الفعل الذي يوجب صغارهم خمسة أقوال: أحدها: أن يمشوا بها ملبّيين، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن لا يُحمدوا على إعطائهم، قاله سلمان الفارسي. والثالث: أن يكونوا قياماً والآخذ جالساً، قاله عكرمة. والرابع: أن دفع الجزية هو الصغار. والخامس: أن إجراء أحكام الإسلام عليهم هو الصغار. (فصل:) واختُلف في الذين تؤخذ منهم الجزية من الكفار، فالمشهور عن أحمد: أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس، وبه قال الشافعي. ونقل الحسن بن ثواب عن أحمد: أنه من سُبي من أهل الأديان من العرب والعجم، فالعرب إن أسلموا، وإلا السيف، وأولئك إن أسلموا، وإلا الجزية فظاهر هذا أن الجزية تؤخذ من الكل، إلا من عابدي الأوثان من العرب فقط، وهو قول أبي حنيفة، ومالك «1» . (فصل:) فأما صفة الذين تؤخذ منهم الجزية، فهم أهل القتال. فأما الزَّمِنُ، والأعمى، والمفلوج، والشيخ الفاني، والنساء، والصبيان، والراهب الذي لا يخالط الناس، فلا تؤخذ منهم. (فصل:) فأما مقدارها، فقال أصحابنا: على الموسر: ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط: أربعة وعشرون، وعلى الفقير المعتمل: اثنا عشر، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِق أربعون درهماً، وسواء في ذلك الغني والفقير. وقال الشافعي: على الغني والفقير دينار. وهل تجوز الزيادة والنقصان مما يؤخذ منهم؟ نقل الأثرم عن أحمد: أنها تزاد وتنقَص على قدر طاقتهم، فظاهر هذا: أنها على اجتهاد الإمام ورأيه. ونقل يعقوب بن بختان: أنه
[سورة التوبة (9) : الآيات 30 إلى 31]
لا يجوز للامام أن ينقص من ذلك، وله أن يزيد. (فصل:) ووقت وجوب الجزية: آخر الحول، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: تجب في أول الحول. فأما إذا دخلت سنة في سنة، فهل تسقط جزية السنة الماضية؟ عندنا لا تسقط، وقال أبو حنيفة: تسقط. فأما إذا أسلم، فانها تسقط بالإسلام. فأما إن مات فكان ابن حامد يقول: لا تسقط. وقال القاضي أبو يعلى: يحتمل أن تسقط. [سورة التوبة (9) : الآيات 30 الى 31] وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة: «عزيرُ ابن الله» بغير تنوين. وقرأ عاصم، والكسائي، ويعقوب، وعبد الوارث عن أبي عمرو: منوّناً. قال مكي بن أبي طالب: من نوَّن عزيراً رفعه على الابتداء، و «ابن» خبره. ولا يحسن حذف التنوين على هذا من «عزير» لالتقاء الساكنين. ولا تحذف ألف «ابن» من الخط، ويكسر التنوين لالتقاء الساكنين. ومن لم ينون «عزيراً» جعله أيضاً مبتدأ، و «ابن» صفة له فيُحذف التنوينُ على هذا استخفافاً لالتقاء الساكنين، ولأن الصّفة مع الموصوف الشيء الواحد، وتحذف ألف «ابن» من الخط، والخبر مضمر تقديره: عزير بن الله نبيُّنا وصاحبنا. (692) وسبب نزولها أن سلاَم بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصّيف، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: كيف نتَّبِعُكَ وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزير ابن الله؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال ابن عمر، وابن جريج: إن القائل لذلك فنحاص. فأما عزير، فقال شيخنا أبو منصور اللغوي: هو اسم أعجمي معرب، وإن وافق لفظ العربية، فهو عِبراني كذا قرأته عليه. وقال مكي بن أبي طالب: العزير عند كل النحويين: عربي مشتق من قوله: يعزِّروه. وقال ابن عباس: إنما قالوا ذلك، لأنهم لما عملوا بغير الحق، أنساهم الله التوراة، ونسخها من صدورهم، فدعا عزير اللهَ تعالى فعاد إليه الذي نسخ من صدورهم، ونزل نور من السماء فدخل جوفه، فأذَّن في قومه فقال: قد آتاني الله التوراة فقالوا: ما أُوتيها إلا لأنه ابن الله. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: أن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل، وهدم بيت المقدس، وقتل من قرأ التوراة، كان عزير غلاماً، فتركه. فلما توفي عزير ببابل، ومكث مائة عام، ثم بعثه الله تعالى إلى بني اسرائيل، فقال: أنا عزير فكذَّبوه وقالوا: قد حدَّثنا آباؤنا أن عزيراً مات ببابل، فان كنتَ عزيراً فأملل علينا التوراة فكتبها لهم فقالوا: هذا ابن الله. وفي الذين قالوا هذا عن عزير ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم
جميع بني اسرائيل، روي عن ابن عباس. والثاني: طائفة من سلفهم، قاله الماوردي. والثالث: جماعة كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم قولان: أحدهما: فنحاص وحده، وقد ذكرناه عن ابن عمر، وابن جريج. والثاني: الذين ذكرناهم في أول الآية عن ابن عباس. فان قيل: إن كان قولَ بعضهم، فلِمَ أُضيف إلى جميعهم؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن إيقاع اسم الجماعة على الواحد معروف في اللغة، تقول العرب: جئت من البصرة على البغال، وإن كان لم يركب إلا بغلاً واحداً. والثاني: أن من لم يقله، لم ينكره. قوله تعالى: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ في سبب قولهم هذا قولان: أحدهما: لكونه ولد من غير ذكَر. والثاني: لأنه أحيى الموتى، وأبرأ الكُمْةَ والبُرص وقد شرحنا هذا المعنى في (المائدة) . قوله تعالى: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ إن قال قائل: هذا معلوم، فما فائدته؟ فالجواب: أنّ معنى أنه قول بالفم، لا بيانَ فيه ولا برهانَ ولا تحته معنى صحيح، قاله الزجاج. قوله تعالى: يُضاهِؤُنَ قرأ الجمهور: من غير همز. وقرأ عاصم: «يضاهئون» . قال ثعلب: لم يتابع عاصماً أحد على الهمز. قال الفراء: وهي لغة. قال الزجاج: يضاهون: يشابهون قولَ من تقدَّمَهم من كَفَرتِهم، فانما قالوه اتباعاً لمتقدِّميهم. وأصل المضاهاة في اللغة: المشابهة والأكثر ترك الهمز واشتقاقه من قولهم: امرأة ضهياء، وهي التي لا ينبت لها ثدي. وقيل: هي التي لا تحيض، والمعنى: أنها قد أشبهت الرجال. قال ابن الأنباري: يقال: ضاهَيت، وضاهأت: إذا شبَّهتَ. وفي الَّذِينَ كَفَرُوا ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم عبدة الأوثان، والمعنى: أن أولئك قالوا: الملائكة بنات الله، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم اليهود، فالمعنى: أن النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، شابهوا اليهود في قولهم: عزير ابن الله، قاله قتادة، والسدي. والثالث: أنهم أسلافهم، تابعوهم في أقوالهم تقليداً، قاله الزجاج، وابن قتيبة. وفي قوله تعالى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: لعنهم الله، قاله ابن عباس: والثاني: قتلهم الله، قاله أبو عبيدة. والثالث: عاداهم الله، ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي: من أين يصرفون عن الحق. قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ قد سبق في (المائدة) معنى الأحبار والرهبان. (693) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية، فقال: «أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم،
[سورة التوبة (9) : آية 32]
ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئاً استحلُّوهْ، واذا حرموا عليهم شيئاً حرّموه» «1» . فعلى هذا المعنى: إنهم جعلوهم كالأرباب وإن لم يقولوا: إنهم أرباب. قوله تعالى: وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ قال ابن عباس: اتخذوه ربّا. [سورة التوبة (9) : آية 32] يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ قال ابن عباس: يخمدوا دين الله بتكذيبهم، يعني: أنهم يكذبون به ويُعرضون عنه يريدون إبطاله بذلك. وقال الحسن وقتادة: نور الله: القرآن والإسلام. فأما تخصيص ذلك بالأفواه، فلما ذكرنا في الآية قبلها. وقيل: إن الله تعالى لم يذكر قولاً مقروناً بالأفواه والألسن إلا وهو زور. قوله تعالى: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ قال الفرّاء: إنّما دخلت «إلا» ها هنا، لأن في الإباء طرفاً من الجحد، ألا ترى أنّ «أبيت» كقولك: «لم أفعل» ، فكأنه بمنزلة قولك: ما ذهب إلا زيد، قال الشاعر: فَهَلْ لِيَ أُمٌّ غيرُها إن تركتُها ... أبى الله إلا أن أكُون لَها ابنما «2» وقال الزجاج: المعنى: ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره. قال مقاتل: «يتم نوره» أي: يظهر دينه. [سورة التوبة (9) : آية 33] هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ يعني محمّدا صلى الله عليه وسلم بِالْهُدى وفيه ثلاثة أقوال: أحدها:
[سورة التوبة (9) : آية 34]
أنه التوحيد. والثاني: القرآن. والثالث: تبيان الفرائض. فأما دين الحق، فهو الإسلام. وفي قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ قولان: أحدهما: أن الهاء عائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: ليعلّمه شرائع الدِّين كلَّها، فلا يخفى عليه منها شيء، قاله ابن عباس. والثاني: أنها راجعة إلى الدين. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: ليظهر هذا الدين على سائر الملل. ومتى يكون ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: عند نزول عيسى عليه السلام، فانه يتبعه أهل كل دين، وتصير المللُ واحدة، فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام أو أدَّوا الجزية، قاله أبو هريرة، والضحاك. والثاني: أنه عند خروج المهدي. قاله السدي. والقول الثاني: أن إظهار الدِّين إنما هو بالحجج الواضحة، وإن لم يدخل الناس فيه. [سورة التوبة (9) : آية 34] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (34) قوله تعالى: إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى. وفي الباطل أربعة أقوال: أحدها: أنه الظلم، قاله ابن عباس. والثاني: الرشا في الحكم، قاله الحسن. والثالث: الكذب، قاله أبو سليمان. والرابع: أخذه من الجهة المحظورة، قاله القاضي أبو يعلى: والمراد: أخذ الأموال، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم المقصود من المال. وفي المراد بسبيل الله ها هنا قولان: أحدهما: الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس، والسدي. والثاني: أنه الحق في الحكم. قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنها نزلت عامّة في أهل الكتاب والمسلمين، قاله أبو ذر، والضحاك. والثاني: أنها خاصَّة في أهل الكتاب، قاله معاوية بن أبي سفيان. والثالث: أنها في المسلمين، قاله ابن عباس، والسدي. وفي الكنز المستحقّ عليه هذا الوعيد ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما لم تؤدَّ زكاته. (694) قال ابن عمر: كل مال أُدِّيتْ زكاتُه وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكلّ مال لا
[سورة التوبة (9) : آية 35]
تؤدَّى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً على وجه الأرض، وإلى هذا المعنى ذهب الجمهور. فعلى هذا، معنى الإنفاق: إخراج الزكاة. والثاني: أنه ما زاد على أربعة آلاف، روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: أربعة آلاف نفقة، وما فوقها كنز. والثالث: ما فضل عن الحاجة، وكان يجب عليهم إخراج ذلك في أول الإسلام ثم نُسخ بالزكاة. فان قيل: كيف قال: «ينفقونها» وقد ذكر شيئين؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن المعنى: يرجع إلى الكنوز والأموال. والثاني: أنه يرجع إلى الفضة، وحذُف الذهب، لأنه داخل في الفضة، قال الشاعر: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وأنْتَ بِمَا ... عندك راضٍ والرأي مختلفُ «1» يريد: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ، ذكر القولين الزجاج. وقال الفراء: إن شئت اكتفيت بأحد المذكورين، كقوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً «2» ، وقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها «3» ، وأنشد: إني ضمنت لمن أتاني ما جَنَى ... وأبى وكان وكنت غير غَدورِ «4» ولم يقل: غدورين، وإنما اكتفى بالواحد لاتفاق المعنى. قال أبو عبيدة: والعرب إذا أشركوا بين اثنين قصروا، فخبَّروا عن أحدهما استغناء بذلك، وتحقيقاً لمعرفة السامع بأن الآخر قد شاركه، ودخل معه في ذلك الخبر، وأنشد: فمن يك أمسى بالمدينة رحْلُهُ ... فاني وقيَّارٌ بها لغريب «5» والنصب في «قيار» أجود، وقد يكون الرفع. وقال حسان بن ثابت: إنَّ شرخَ الشبابِ والشّعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا «6» ولم يقل: يعاصيا. [سورة التوبة (9) : آية 35] يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) قوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها أي: على الأموال. (695) قال ابن مسعود: والله ما من رجل يُكوى بكنز، فيوضعُ دينار على دينار ولا درهم على
[سورة التوبة (9) : آية 36]
درهم، ولكن يوسَّع جلده، فيوضع كل دينار. ودرهم على حدته. وقال ابن عباس: هي حيَّة تنطوي على جنبيه وجبهته، فتقول: أنا مالك الذي بخلت به «1» . قوله تعالى: هذا ما كَنَزْتُمْ فيه محذوف تقديره: ويقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ أي: عذاب ذلك. فان قيل: لم خصَّ الجباه والجنوب والظهور من بقية البدن؟ فالجواب: أن هذه المواضع مجوَّفة، فيصل الحر إلى أجوافها، بخلاف اليد والرجل. (696) وكان أبو ذرٍّ يقول: بشر الكنَّازين بكيّ في الجباه وكيّ في الجنوب وكيٍّ في الظهور، حتى يلتقي الحرُّ في أجوافهم. وجواب آخر: وهو أن الغنيَّ إذا رأى الفقير، انقبض وإذا ضمه وإياه مجلس، ازورّ عنه ووِّلاه ظهره، قاله أبو بكر الورّاق. [سورة التوبة (9) : آية 36] إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ قال المفسرون: نزلت هذه الآية من أجل النسيء الذي كانت العرب تفعله، فربما وقع حجهم في رمضان، وربما وقع في شوال، إلى غير ذلك وكانوا يستحلُّون المحرَّم عاماً، ويحرِّمون مكانه صفر، وتارة يحرِّمون المحرَّم ويستحلُّون صفر. قال الزّجّاج: أعلم الله عزّ وجلّ أن عدد شهور المسلمين التي تُعُبِّدوا بأن يجعلوه لسنتهم: اثنا عشر شهراً على منازل القمر فجعل حجهم وأعيادهم على هذا العدد، فتارة يكون الحج والصوم في الشتاء، وتارة في الصيف، بخلاف ما يعتمده أهل الكتاب، فانهم يعملون على أن السنة ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوماً وبعض يوم. وجمهور القراء على فتح عين «اثنا عشر» . وقرأ أبو جعفر: اثنا عشر، وأحد عْشر، وتسعة عْشر، بسكون العين فيهن. قوله تعالى: فِي كِتابِ اللَّهِ أي: في اللوح المحفوظ. قال ابن عباس: في الإمام الذي عند الله، كتبه يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وفيها قولان: أحدهما: أنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، قاله الأكثرون. وقال القاضي أبو يعلى: إنما سماها حُرُماً لمعنيين. أحدهما: تحريم القتال فيها، وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون ذلك أيضاً. والثاني: لتعظيم انتهاك المحارم فيها أشدَّ من تعظيمه في غيرها، وكذلك تعظيم الطاعات فيها. والثاني: انها الأشهُر التي أُجِّل المشركون فيها للسياحة، ذكره ابن قتيبة.
[سورة التوبة (9) : آية 37]
قوله تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فيه قولان: أحدهما: ذلك القضاء المستقيم، قاله ابن عباس. والثاني: ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوي، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ اختلفوا في كناية «فيهنَّ» على قولين: أحدهما: أنها تعود على الاثني عشر شهراً، قاله ابن عباس. فعلى هذا يكون المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالاً، ولا حلالها حراماً، كفعل أهل النسيء. والثاني: أنها ترجع إلى الأربعة الحرم، وهو قول قتادة، والفراء واحتج بأن العرب تقول لما بين الثلاثة إلى العشرة: لثلاث ليال خَلَوْنَ، وأيام خلون فاذا جُزتَ العشَرة قالوا: خلتْ ومضتْ ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة: هُنَّ، وهؤلاء فاذا جزتَ العشرة، قالوا: هي، وهذه: إرادةَ أن تُعرف سمة القليل من الكثير. وقال ابن الأنباري: العرب تعيد الهاء والنون على القليل من العدد، والهاء والألف على الكثير منه والقلَّة: ما بين الثلاثة إلى العشرة، والكثرة: ما جاوز العشرة. يقولون: وجهتُ إليك أكبُشاً فاذبحْهُنَّ، وكباشاً فاذبحها فلهذا قال: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وقال: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ لأنه يعني بقوله تعالى: «فيهن» الأربعة. ومن قال من المفسرين: إنه يعني بقوله تعالى «فيهن» الاثني عشر، فانه ممكن لأن العرب ربما جعلت علامة القليل للكثير، وعلامة الكثير للقليل. وعلى قول من قال: ترجع «فيهن» إلى الأربعة يُخرَّج في معنى الظلم فيهن أربعة أقوال: أحدها: أنه المعاصي فتكون فائدة تخصيص النهي عنه بهذه الأشهر، أن شأن المعاصي يعظُم فيها أشدَّ من تعظيمه في غيرها، وذلك لفضلها على ما سواها، كقوله تعالى: وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ «1» وإن كانا قد دخلا في جملة الملائكة، وقوله: فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ «2» وإن كانا قد دخلا في جملة الفاكهة، وقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ «3» وإن كان منهياً عنه في غير الحج، وكما أُمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى وإن كان مأموراً بالمحافظة على غيرها، هذا قول الأكثرين. والثاني: أن المراد بالظلم فيهنَّ فعل النسيء، وهو تحليل شهر محرَّم، وتحريم شهر حلال، قاله ابن اسحاق. والثالث: أنه البداية بالقتال فيهن فيكون المعنى: فلا تظلموا أنفسكم بالقتال فيهن إلا أن تُبدَؤوا بالقتال، قاله مقاتل. والرابع: أنه ترك القتال فيهن فيكون المعنى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم بترك المحاربة لعدوِّكم، قاله ابن بحر، وهو عكس قول مقاتل. والسرُّ في أن الله تعالى عظَّم بعض الشهور على بعض، ليكون الكفُّ عن الهوى فيها ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها تدريجاً للنفس إلى فراق مألوفها المكروه شرعا. [سورة التوبة (9) : آية 37] إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (37) قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ الجمهور على همز النسيء ومَدِّه وكسر سينه. وروى شبل عن ابن كثير: «النِّسْءُ» على وزن النِسْع. وفي رواية أخرى عن شبل: «النَّسِيُّ» مشددة الياء من غير همز، وهي قراءة أبي جعفر والمراد بالكلمة التأخير. قال اللغويون: النّسيء: تأخير الشّيء.
[سورة التوبة (9) : آية 38]
وكانت العرب تحرِّم الأشهر الأربعة، وكان هذا مما تمسَّكت به من ملة إبراهيم فربما احتاجوا إلى تحليل المحرَّم للحرب تكون بينهم، فيؤخِّرون تحريم المحرَّم إلى صفر، ثم يحتاجون إلى تأخير صفر أيضاً إلى الشهر الذي بعده ثم تتدافع الشهور شهراً بعد شهر حتى يستدير التحريم على السنَّة كلِّها، فكأنهم يستنسئون الشهر الحرام ويستقرضونه، فأعلم الله تعالى أن ذلك زيادة في كفرهم لأنهم أحلُّوا الحرام وحرّموا الحلال لِيُواطِؤُا أي ليوافقوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فلا يخرجون من تحريم أربعة، ويقولون: هذه بمنزلة الأربعة الحرم، ولا يبالون بتحليل الحرام وتحريم الحلال. وكان القوم لا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم، قال الفراء: كانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا الصَّدَرَ عن مِنًى قام رجل من بني كنانة يقال له: نُعيم بن ثعلبة، وكان رئيس الموسم، فيقول: أنا الذي لا أُعابُ ولا أُجابُ ولا يُرَدُّ لي قضاء فيقولون: أنسئنا شهراً يريدون: أخِّر عنا حرمة المحرم، واجعلها في صفر، فيفعل ذلك. وإنما دعاهم إلى ذلك توالي ثلاثة أشهر حُرُم لا يُغِيرون فيها، وإنما كان معاشهم من الإغارة، فتستدير الشهور كما بيَّنَّا. وقيل: إنما كانوا يستحلُّون المحرَّم عاماً، فاذا كان من قابل ردُّوه إلى تحريمه. قال أبو عبيد: والتفسير الأول أحب إليَّ، لأن هذا القول ليس فيه استدارة. (697) وقال مجاهد: كان أولَ من أظهر النسيء جنادةُ بن عوف الكناني، فوافقت حجَةُ أبي بكر ذا القعدة. ثم حجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم في العام المقابل في ذي الحجة، فذلك حين قال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» . وقال الكلبي: أول من فعل ذلك نُعيم بن ثعلبة. قوله تعالى: يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «يَضِل» بفتح الياء وكسر الضاد، والمعنى: أنهم يكتسبون الضلال به. وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم: «يُضَلُّ» بضم الياء وفتح الضاد على ما لم يُسم فاعله. وقرأ الحسن البصري، ويعقوب إلا الوليد: «يُضِل» بضم الياء وكسر الضاد وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: يُضِلُّ الله به. والثاني: يُضِلّ الشيطان به، ذكرهما ابن القاسم. والثالث: يُضِلّ به الذين كفروا الناس، لأنهم الذين سنُّوه لهم. قال أبو علي: التقدير: يُضل به الذين كفروا تابعيهم. وقال ابن القاسم: الهاء في «به» راجعة إلى النسيء، وأصل النسيء: المنسوء، أي: المؤخَّر، فينصرف عن «مفعول» إلى «فعيل» كما قيل: مطبوخ وطبيخ، ومقدور وقدير، قال: وقيل: الهاء راجعة إلى الظلم، لأن النسيء كَشَفَ تأويل الظلم، فجرى مجرى المظهر والأوّل اختيارنا. [سورة التوبة (9) : آية 38] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) قوله تعالى: ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا.
[سورة التوبة (9) : آية 39]
(698) قال المفسّرون: لمّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزوة تبوك، وكان في زمن عسرة وجدب وحرٍّ شديد، وقد طابت الثمار، عَظُمَ ذلك على الناس وأحبوا المُقام، فنزلت هذه الآية. وقوله تعالى: ما لَكُمْ استفهام معناه التّوبيخ. وقوله تعالى: انْفِرُوا معناه: اخرجوا، وأصل النفر: مفارقة مكان إلى مكان آخر لأمر هاج إلى ذلك. وقوله تعالى: اثَّاقَلْتُمْ قال ابن قتيبة: أراد: تثاقلتم، فأدغم التاء في الثاء، وأحدثت الألف ليسكن ما بعدها، وأراد: قعدتم. وفي قراءة ابن مسعود، والأعمش: «تثاقلتم» . وفي معنى إِلَى الْأَرْضِ ثلاثة أقوال: أحدها: تثاقلتم إلى شهوات الدنيا حين أخرجت الأرض ثمرها، قاله مجاهد. والثاني: اطمأننتم إلى الدنيا، قاله الضحاك. والثالث: تثاقلتم إلى الإقامة بأرضكم، قاله الزجاج. قوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا أي: بنعيمها من نعيم الآخرة، فما يُتمتَّع به في الدنيا قليل بالإضافة إلى ما يَتمتَّع به الأولياء في الجنة. [سورة التوبة (9) : آية 39] إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) قوله تعالى: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ. (699) سبب نزولها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حثَّهم على غزو الروم تثاقلوا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. وقال قوم: هذه خاصّة فيمن استنفره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفر. (700) قال ابن عباس: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيّا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأُمسك عنهم المطر فكان عذابهم. وفي قوله تعالى: وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وعيد شديد في التخلُّف عن الجهاد، وإعلام بأنه يستبدل لنصر نبيه قوماً غير متثاقلين. ثم أعلمهم أنهم إن تركوا نصره لم يضروه، كما لم يضرُرْه ذلك إذْ كان بمكة. وفي هاء «تضرُّوه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله، والمعنى: لا تضروا الله بترك النفير، قاله الحسن. والثاني: أنها ترجع إلى رسول الله. فالمعنى: لا تضروه بترك نصره، قاله الزجاج. (فصل:) وقد روي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، قالوا: نسخ قوله تعالى: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً
[سورة التوبة (9) : آية 40]
بقوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً «1» . وقال أبو سليمان الدمشقي: ليس هذا من المنسوخ، إذ لا تنافي بين الآيتين، وإنما حكم كل آية قائم في موضعها. وذكر القاضي أبو يعلى عن بعض العلماء أنهم قالوا: ليس ها هنا نسخ، ومتى لم يقاوم أهل الثغور العدوَّ، ففرضٌ على الناس النفير إليهم، ومتى استغنَوا عن إعانة مَن وراءهم، عُذر القاعدون عنهم. وقال قوم: هذا في غزوة تبوك، ففُرِض على الناس النّفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. [سورة التوبة (9) : آية 40] إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ أي: بالنفير معه فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إعانةً على أعدائه، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا حين قصدوا إهلاكه على ما شرحنا في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا «2» فأعلمهم أن نصره ليس بهم. قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ العرب تقول: هو ثاني اثنين، أي: أحد الاثنين، وثالث ثلاثة، أي: أحد الثلاثة، قال الزّجّاج: وقوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ منصوب على الحال المعنى: فقد نصره الله أحد اثنين، أي: نصره منفرداً إلا من أبي بكر، وهذا معنى قول الشعبي: عاتب الله أهل الأرض جميعاً في هذه الآية غير أبي بكر. وقال ابن جرير: المعنى: أخرجوه وهو أحد الاثنين، وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. فأما الغار، فهو ثَقب في الجبل، وقال ابن فارس: الغار: الكهف، والغار: نبت طيِّب الرِّيح، والغار: الجماعة من الناس، والغاران: البطن والفرج، وهما الأجوفان، يقال: إنما هو عبد غارَيْه قال الشاعر: ألَم تر أنَّ الدَّهْرَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ... وأنَّ الفَتَى يَسْعَى لِغَارَيْهِ دَائِبَا «3» قال قتادة: وهذا الغار في جبل بمكة يقال له: ثور. قال مجاهد: مكثا فيه ثلاثاً. وقد ذكرت حديث الهجرة في كتاب «الحدائق» .
(701) قال أنس بن مالك: أمر الله عزّ وجلّ شجرة فنبتت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسترته، وأمر العنكبوت فنسجت في وجهه، وأمر حمامتين وحشيتين فوقعتا في فم الغار، فلما دنوا من الغار، عَجِل بعضهم لينظر، فرأى حمامتين، فرجع فقال: رأيت حمامتين على فم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد. (702) وقال مقاتل: جاء القائف فنظر إلى الأقدام فقال: هذه قدم ابن أبي قحافة، والأخرى لا أعرفها، إلا أنها تشبه القدم التي في المقام. وصاحبه في هذه الآية أبو بكر. (703) وكان أبو بكر قد بكى لما مرَّ المشركون على باب الغار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» ؟ وفي السكينة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الرحمة، قاله ابن عباس. والثاني: الوقار، قاله قتادة. والثالث: السكون والطمأنينة، قاله ابن قتيبة، وهو أصح. وفي هاء «عليه» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى أبي بكر، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وحبيب بن أبي ثابت. واحتجَ من نصر هذا القول بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مطمئناً. والثاني: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. والثالث: أنّ الهاء ها هنا في معنى تثنية، والتقدير: فأنزل الله سكينته عليهما، فاكتفى باعادة الذِّكر على أحدهما من إعادته عليهما، كقوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «1» ، ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: وَأَيَّدَهُ أي: قوّاه، يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم بلا خلاف. بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة. ومتى كان ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، قاله ابن عباس. والثاني: لما كان في الغار، صَرفت الملائكة وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته، قاله الزجاج. فان قيل: إذا وقع الاتفاق أن هاء الكناية في «أيده» ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف تفارقها هاء «عليه» وهما متفقان في نظم الكلام؟ فالجواب: أن كل حرف يُردُّ إلى الأليق به، والسكينة إنما يَحتاج إليها المنزعج، ولم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم منزعجاً. فأما التأييد بالملائكة، فلم يكن إلا للنبيّ صلى الله عليه وسلم ونظير هذا قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ «2» يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم، وَتُسَبِّحُوهُ يعني الله عزّ وجلّ.
[سورة التوبة (9) : آية 41]
قوله تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى فيها قولان: أحدهما: أن كلمة الكافرين الشرك، جعلها الله السفلى لأنها مقهورة، وكلمة الله وهي التوحيد، هي العليا، لأنها ظهرت، هذا قول الأكثرين. والثاني: أن كلمة الكافرين ما قدَّروا بينهم في الكيد به ليقتلوه، وكلمة الله أنه ناصره، رواه عطاء عن ابن عباس. وقرأ ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، ويعقوب: «وكلمةَ الله» بالنصب. قوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي: في انتقامه من الكافرين حَكِيمٌ في تدبيره. [سورة التوبة (9) : آية 41] انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) قوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا. (704) سبب نزولها أنّ المقداد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عظيماً سميناً، فشكا إليه وسأله أن يأذن له، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. وفي معنى «خفافاً وثقالاً» أحد عشر قولاً: أحدها: شيوخاً وشباباً، رواه أنس عن أبي طلحة، وبه قال الحسن، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، وأبو صالح، وشَمْرُ بن عطية، وابن زيد في آخرين. والثاني: رجّالةً وركباناً، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الأوزاعي. والثالث: نِشاطاً وغير نِشاط، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، ومقاتل. والرابع: أغنياء وفقراء، روي عن ابن عباس. ثم في معنى هذا الوجه قولان: أحدهما: أن الخفاف: ذوو العسرة وقلَّة العيال، والثقال: ذوو العيال والميسرة، قاله الفراء. والثاني: أن الخفاف: أهل الميسرة، والثقال: أهل العسرة، حكي عن الزجاج. والخامس: ذوي عيال، وغير ذوي عيال. قاله زيد بن أسلم. والسادس: ذوي ضياع، وغير ذوي ضياع، قاله ابن زيد. والسابع: ذوي أشغال، وغير ذوي أشغال، قاله الحكم. والثامن: أصحَّاء، ومرضى، قاله مرة الهمداني، وجويبر. والتاسع: عزَّاباً ومتأهِّلين، قاله يمان بن رئاب. والعاشر: خفافاً إلى الطاعة، وثقالاً عن المخالفة، ذكره الماوردي. والحادي عشر: خفافاً من السلاح، وثقالاً بالاستكثار منه، ذكره الثعلبي. (فصل:) روى عطاء الخراساني عن ابن عباس ان هذه الآية منسوخة بقوله «1» تعالى:
[سورة التوبة (9) : آية 42]
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً «1» . وقال السّدّيّ: نسخت بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى «2» . قوله تعالى: وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ قال القاضي أبو يعلى: أوجب الجهاد بالمال والنفس جميعاً، فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال، فعليه الجهاد بماله، بأن يعطيه غيره فيغزو به، كما يلزمه الجهاد بنفسه إذا كان قوياً. وإن كان له مال وقوَّة، فعليه الجهاد بالنفس والمال. ومن كان معدماً عاجزاً، فعليه الجهاد بالنّصح لله ورسوله، لقوله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ «3» . قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ فيه قولان: أحدهما: ذلكم الجهاد خير لكم من تركه والتثاقل عنه. والثاني: ذلكم الجهاد خير حاصل لكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما لكم من الثّواب. [سورة التوبة (9) : آية 42] لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (42) قوله تعالى: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً قال المفسرون: نزلت في المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك. ومعنى الآية: لو كان ما دُعوا إليه عَرَضاً قريباً. والعرض: كلُّ ما عرض لك من منافع الدنيا، فالمعنى: لو كانت غنيمةً قريبة، أو كان سفراً قاصداً، أي: سهلاً قريباً، لاتَّبعوك طمعاً في المال وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ قال ابن قتيبة: الشقة: السفر وقال الزجاج: الشقة: الغاية التي تقصد وقال ابن فارس: الشقة: مصير إلى أرض بعيدة، تقول: شقّة شاقّة. قوله تعالى: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ يعني المنافقين إذا رجعتم إليهم لَوِ اسْتَطَعْنا وقرأ زائدة عن الأعمش، والأصمعي عن نافع: «لوُ استطعنا» بضم الواو، وكذا أين وقع، مثل: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ «4» ، كأنه لما احتيج إلى حركة الواو، حركت بالضم لأنها أخت الواو، والمعنى: لو قدرنا وكان لنا سَعَةٌ في المال. يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بالكذب والنفاق وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ لأنهم كانوا أغنياء ولم يخرجوا. [سورة التوبة (9) : آية 43] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (43) قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ كان عليه السّلام قد أذن لقوم من المنافقين في التخلُّف لمَّا خرج إلى تبوك، قال ابن عباس: ولم يكن يومئذ يعرف المنافقين. (705) قال عمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: أذّنه للمنافقين، وأخذه
[سورة التوبة (9) : الآيات 44 إلى 45]
الفداء من الأسارى فعاتبه الله كما تسمعون. قال مورِّق: عاتبه ربُّه بهذا. وقال سفيان بن عيينة: انظر إلى هذا اللطف، بدأه بالعفو قبل أن يعيِّره بالذَّنْب. وقال ابن الأنباري: لم يخاطَب بهذا لجرم أجرمه، لكنَّ الله وقَّره ورفع من شأنه حين افتتح الكلام بقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان كريماً عليه: عفا الله عنك، ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله عنك، هلاَّ زرتني. قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا فيه قولان: أحدهما: أن معناه: حتى تعرف ذوي العذر في التخلُّف ممن لا عذر له. والثاني: لو لم تأذن لهم لقعدوا وبان لك كذبهم في اعتذارهم. قال قتادة: ثم إن الله تعالى نسخ هذه الآية بقوله تعالى: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ «1» . [سورة التوبة (9) : الآيات 44 الى 45] لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) قوله تعالى: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ قال ابن عباس: هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود. قال الزجاج: أعلم الله عزّ وجلّ نبيّه صلى الله عليه وسلم أنَّ علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان. (فصل:) وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله تعالى: لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ «2» إلى آخر الآية. قال أبو سليمان الدّمشقي: وليس للنّسخ ها هنا مدخل، لإمكان العمل بالآيتين، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذر، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم من حاجة، وكان المنافقون إذا كانوا معه فعرضت لهم حاجة، ذهبوا من غير استئذانه. [سورة التوبة (9) : الآيات 46 الى 47] وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) قوله تعالى: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ يعني المستأذنين له في القعود. وفي المراد بالعُدَّة قولان: أحدهما: النية، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: السلاح والمركوب وما يصلح للخروج، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والانبعاث: الانطلاق. والتثبُّط: ردُّك الإنسان عن الشيء يفعله. قوله تعالى: وَقِيلَ اقْعُدُوا في القائل لهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أُلهموا ذلك خذلاناً لهم. قاله مقاتل. والثاني: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قاله غضباً عليهم. والثالث: أنه قول بعضهم لبعض، ذكرهما الماوردي «3» . وفي المراد بالقاعدين قولان: أحدهما: أنهم القاعدون بغير عذر، قاله ابن السائب. والثاني: أنهم القاعدون بعذر، كالنساء والصبيان، ذكره عليّ بن عيسى. قال الزّجّاج: ثم أعلم الله عزّ وجلّ لم كره خروجهم،
[سورة التوبة (9) : آية 48]
فقال: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا والخبال: الفساد وذهاب الشيء. وقال ابن قتيبة: الخبال: الشر. فان قيل: كأن الصحابة كان فيهم خبال حتى قيل: ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا؟ فالجواب: أنه من الاستثناء المنقطع، والمعنى: ما زادوكم قوَّة، لكن أوقعوا بينكم خبالاً. (706) وقيل: سبب نزول هذه الآية أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خرج، ضرب عسكره على ثنيَّة الوداع، وخرج عبد الله بن أُبيّ، فضرب عسكره على أسفل من ذلك فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخلَّف ابن أُبي فيمن تخلَّف من المنافقين، فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ قال الفراء: الإيضاع: السير بين القوم. وقال أبو عبيدة: لأسرعوا بينكم، وأصله من التخلل. قال الزجاج: يقال: أوضعت في السير: أسرعت. قوله تعالى: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ قال الفراء: يبغونها لكم. وفي الفتنة قولان: أحدهما: الكفر، قاله الضحاك، ومقاتل، وابن قتيبة. والثاني: تفريق الجماعة، وشتات الكلمة. قال الحسن: لأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات بينكم. قوله تعالى: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ فيه قولان: أحدهما: عيون ينقلون إليهم أخباركم، قاله مجاهد، وابن زيد. والثاني: مَن يسمع كلامهم ويطيعهم، قاله قتادة، وابن إسحاق. [سورة التوبة (9) : آية 48] لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (48) قوله تعالى: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ في الفتنة قولان: أحدهما: الشر، قاله ابن عباس. والثاني: الشرك، قاله مقاتل. قوله تعالى: مِنْ قَبْلُ أي: مِنْ قَبْلِ غزوة تبوك. وفي قوله تعالى: وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ خمسة أقوال: أحدها: بَغَوْا لك الغوائل، قاله ابن عباس. وقيل: إن اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على طريقه ليلاً ليفتكوا به، فسلَّمه الله منهم. والثاني: احتالوا في تشتُّت أمرك وإبطال دينك، قاله أبو سليمان الدمشقي. قال ابن جرير: وذلك كانصراف ابن أُبيّ يوم أُحد بأصحابه. والثالث: أنه قولهم ما ليس في قلوبهم. والرابع: أنه ميلهم إليك في الظاهر، وممالأة المشركين في الباطن. والخامس: أنه حلفهم بالله لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، ذكر هذه الأقوال الثلاثة الماوردي. قوله تعالى: حَتَّى جاءَ الْحَقُّ يعني النصر وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ يعني الإسلام. [سورة التوبة (9) : آية 49] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (49) قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي
[سورة التوبة (9) : الآيات 50 إلى 51]
(707) سبب نزولها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجَدِّ بن قيس: «يا جَدُّ، هل لك في جِلاد بني الأصفر، لعلك أن تغنم بعض بنات الأصفر» ، فقال: يا رسول الله، ائذن لي فأقيم، ولا تفتني ببنات الأصفر. فأعرض عنه، وقال: «قد أذنت لك» ، ونزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وهذه الآية وما بعدها إلى قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ في المنافقين. قوله تعالى: وَمِنْهُمْ يعني المنافقين مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي أي: في القعود عن الجهاد، وهو الجد بن قيس. وفي قوله تعالى: وَلا تَفْتِنِّي أربعة أقوال: أحدها: لا تفتنّي بالنساء، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد. والثاني: لا تُكسبني الإثم بأمرك إيَّايَ بالخروج وهو غير متيسِّر لي، فآثم بالمخالفة، قاله الحسن، وقتادة، والزجاج. والثالث: لا تكفِّرني بإلزامك إيَّايَ الخروج، قاله الضحاك. والرابع: لا تصرفني عن شغلى، قاله ابن بحر. قوله تعالى: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا في هذه الفتنة أربعة أقوال: أحدها: أنها الكفر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الحرج، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: الإثم، قله قتادة، والزجاج. والرابع: العذاب في جهنم، ذكره الماوردي. [سورة التوبة (9) : الآيات 50 الى 51] إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قوله تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ أي: نصر وغنيمة. والمصيبة: القتل والهزيمة. يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا أي: عَمِلنا بالحزم فلم نخرج. وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ بمصابك وسلامتهم. قوله تعالى: إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما قضى علينا، قاله ابن عباس. والثاني: ما بيَّن لنا في كتابه من أنَّا نظفر فيكون ذلك حسنى لنا، أو نقتل فتكون الشهادةُ حسنى لنا أيضاً، قاله الزجاج. والثالث: لن يصيبنا في عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي وُعدنا، ذكره الماوردي. قوله تعالى: هُوَ مَوْلانا أي: ناصرنا. [سورة التوبة (9) : آية 52] قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قوله تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا أي: تنتظرون. والحسنيان: النصر والشهادة. وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ في هذا العذاب قولان: أحدهما: الصواعق، قاله ابن عباس. والثاني: الموت، قاله ابن جُرَيج. قوله تعالى: أَوْ بِأَيْدِينا يعني: القتل.
[سورة التوبة (9) : آية 53]
[سورة التوبة (9) : آية 53] قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (53) قوله تعالى: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً. (708) سبب نزولها أن الجدّ بن قيس قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما عرض عليه غزو الروم: إذا رأيت النساء افتتنت ولكن هذا مالي أعينك به، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. قال الزجاج: وهذا لفظ أمر، ومعناه معنى الشرط والجزاء، المعنى: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين لن يُتقبَّل منكم. ومثله في الشعر قول كثيِّر: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةً ... لَدينا ولا مَقْلِيَّةً إن تَقَلَّتِ «1» لم يأمرها بالإساءة، ولكن أعلمها أنها إن أساءت أو أحسنت فهو على عهدها. قال الفراء. ومثله اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ «2» . [سورة التوبة (9) : آية 54] وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (54) قوله تعالى: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «تقبل» بالتاء: وقرأ حمزة، والكسائيّ: «يقبل» بالياء. وقال أبو علي: من أنَّث، فلأن الفعل مسند إلى مؤنَّث في اللفظ ومن قرأ بالياء، فلأنه ليس بتأنيث حقيقي، فجاز تذكيره كقوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ «3» . وقرأ الجحدري: «أن يَقبل» بياء مفتوحة، «نفقاتِهم» بكسر التاء. وقرأ الأعمش: «نفقتهم» بغير ألف، مرفوعة التاء. وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء: «أن يَقبل» بالياء «نفقتهم» بنصب التاء على التوحيد. قوله تعالى: إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ قال ابن الانباري: «أن» هاهنا مفتوحة، لأنها بتأويل المصدر مرتفعة ب «منعهم» ، والتقدير: وما منعهم قبول النفقة منهم إلا كفرهم بالله. قوله تعالى: إِلَّا وَهُمْ كُسالى قد شرحناه في سورة (النساء) «4» . قوله تعالى: وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ لأنهم يعدُّون الإنفاق مغرماً. [سورة التوبة (9) : آية 55] فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (55) قوله تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ أي: لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من الأموال والأولاد.
[سورة التوبة (9) : الآيات 56 إلى 57]
وفي معنى الآية أربعة أقوال «1» : أحدها: فلا تعجبك أحوالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن قتيبة. فعلى هذا في الآية تقديم وتأخير، ويكون تعذيبهم في الآخرة بما صنعوا في كسب الأموال وإنفاقها. والثاني: أنها على نظمها، والمعنى: ليُعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد، فهي لهم عذاب، وللمؤمنين أجر، قاله ابن زيد. والثالث: أن المعنى: ليعذبهم بأخذ الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل الله، قاله الحسن. فعلى هذا ترجع الكناية إلى الأموال وحدها. والرابع: ليعذبهم بسبي أولادهم وغنيمة أموالهم، ذكره الماوردي. فعلى هذا تكون في المشركين. قوله تعالى: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ أي: تخرج، يقال: زهق السّهم: إذا جاوز الهدف. [سورة التوبة (9) : الآيات 56 الى 57] وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) قوله تعالى: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أي: مؤمنون، ويَفْرَقُونَ بمعنى يخافون. فأما الملجأ، فقال الزجاج: الملجأ واللَّجأ مقصور مهموز، وهو المكان الذي يُتحصن فيه. والمغارات: جمع مغارة، وهو الموضع الذي يغور فيه الإنسان، أي: يستتر فيه. وقرأ سعيد بن جبير، وابن أبي عبلة: «أو مُغارات» بضم الميم لأنه يقال: أغرت وغُرت: إذا دخلتَ الغور. وأصل مدَّخَل: مدتخل، ولكن التاء تبدل بعد الدال دالاً، لأن التاء مهموسة، والدال مجهورة، والتاء والدال من مكان واحد، فكان الكلام من وجه واحد أخف. وقرأ أُبيٌّ، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء: «أو مُتَدَخَّلاً» برفع الميم، وبتاء ودال مفتوحتين، مشددة الخاء. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران: «مُندخَلاً» بنون بعد الميم المضمومة. وقرأ الحسن، وابن يعمر، ويعقوب: «مدخلاً» بفتح الميم وتخفيف الدال وسكونها. قال الزجاج: من قال: «مَدْخلاً» فهو من دخل يدخل مدخلاً ومن قال: «مُدْخلاً» فهو من أدخلته مُدخلاً، قال الشاعر: الحمد لله مُمْسَانا ومُصْبَحَنَا ... بالخير صبَّحنا رَبِّي ومسَّانا «2» ومعنى مدّخل: أنهم لو وجدوا قوماً يدخلون في جملتهم لَوَلَّوْا إليه، أي: إلى أحد هذه الأشياء وَهُمْ يَجْمَحُونَ أي: يسرعون إسراعاً لا يرد فيه وجوهَهم شيء. يقال: جمح وطمح: إذا أسرع ولم يردَّ وجهه شيء ومنه قيل: فرس جموح للذي إذا حمل لم يرده اللجام.
[سورة التوبة (9) : آية 58]
[سورة التوبة (9) : آية 58] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فيمن نزلت فيه قولان: (709) أحدهما: أنه ذو الخويصرة التّميمي، قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم يوماً: اعدل يا رسول الله، فنزلت هذه الآية. ويقال: أبو الخواصر. ويقال: ابن ذي الخويصرة. (710) والثاني: أنه ثعلبة بن حاطب كان يقول: إنما يعطي محمد من يشاء، فنزلت هذه الآية. قال ابن قتيبة: «يلمزك» يعيبك ويطعن عليك. يقال: همزت فلاناً ولمزته: إذا اغتبته وعبته، والأكثرون على كسر ميم «يلمزك» . وقرأ يعقوب، ونظيف عن قنبل، وأبان عن عاصم، والقزّاز عن عبد الوارث: «يلمزون» و «يلمزك» و «لا تلمزوا» بضم الميم فيهنَّ. وقرأ ابن السميفع: «يلامزك» مثل: يفاعل. وقد رواها حماد بن سلمة عن ابن كثير. قال أبو علي الفارسي: وينبغي أن تكون فاعلت في هذا من واحد، نحو: طارقت النعل، وعافاه الله، لأن هذا لا يكون من النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقرأ الأعمش: «يلمِّزك» بتشديد الميم من غير ألف، مثل: يفعّلك. قال الزجاج: يقال: لمزت الرجل ألمِزُه وألمُزَه، بكسر الميم وضمها: إذا عبته، وكذلك: همزته أهمزه، قال الشاعر: إذا لقيتُك تُبْدِي لي مُكَاشَرَةً ... وإن تَغَيَّبْتُ كنتَ الهامز اللّمزه «1» [سورة التوبة (9) : الآيات 59 الى 60] وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي: قنعوا بما أُعطوا. إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ في الزيادة، أي: لكان خيراً لهم. وهذا جواب «لو» ، وهو محذوف في اللفظ. ثم بيَّن المستحق للصدقات بقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ اختلفوا في صفة الفقير والمساكين على ستة أقوال «2» : أحدها: أن الفقير: المتعفف عن السّؤال، والمساكين: الذي يسأل
وبه رَمَق، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وجابر بن زيد والزهري والحكم وابن زيد ومقاتل. والثاني: أن الفقير: المحتاج الذي به زمانة، والمساكين: المحتاج الذي لا زمانة به، قاله قتادة. والثالث: الفقير: المهاجر، والمساكين: الذي لم يهاجر، قاله الضحاك بن مزاحم والنّخعيّ. والرابع: الفقير: فقير المسلمين، والمساكين: من أهل الكتاب، قاله عكرمة. والخامس: أن الفقير: من له البلغة من الشيء، والمساكين: الذي ليس له شيء، قاله أبو حنيفة ويونس بن حبيب ويعقوب بن السكّيت وابن قتيبة. واحتجوا بقول الراعي: أمَّا الفقيرُ الذي كانتْ حَلُوبَتُه ... وفقَ العيال فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ «1» فسماه فقيراً، وله حَلوبة تكفيه وعياله. وقال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا والله، بل مساكين يريد: أنا أسوأ حالاً من الفقير. والسادس: أنّ الفقير أمسّ حاجة من المساكين، وهذا مذهب أحمد، لأن الفقير مأخوذ من انكسار الفَقار، والمسكنة مأخوذة من السكون والخشوع، وذلك أبلغ. قال ابن الأنباري: ويروى عن الأصمعيّ أنه قال: المساكين أحسن حالاً من الفقير. وقال أحمد بن عبيد: المساكين أحسن حالاً من الفقير، لأن الفقير أصله في اللغة: المفقور الذي نزعت فَقره من فِقَرِ ظهره، فكأنه انقطع ظهره من شدة الفقر، فصُرف عن مفقور إلى فقير، كما قيل: مجروح وجريح، ومطبوخ وطبيخ، قال الشاعر: لَمّا رأى لُبَدَ النُّسُورِ تَطَايَرَتْ ... رَفَعَ القَوادِمَ كالفقيرِ الأعْزَلِ «2» قال: ومن الحجة لهذا القول قوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ «3» فوصف بالمسكنة من له سفينة تساوي مالاً قال: وهو الصحيح عندنا. قوله تعالى: وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وهم السعاة لجباية الصدقة، يُعْطَوْنَ منها بقدر أُجُور أمثالهم، وليس ما يأخذونه بزكاة. قوله تعالى: وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألَّفهم على الإسلام بما يعطيهم، وكانوا ذوي شرف، وهم صنفان: مسلمون، وكافرون. فأما المسلمون، فصنفان صنف كانت نِيَّاتُهم في الإسلام ضعيفة، فتألَّفهم تقويةً لِنيَّاتهم، كعُيَيْنة بن حصن، والأقرع وصنف كانت نياتهم حسنة، فأُعطوا تألُّفاً لعشائرهم من المشركين، مثل عدي بن حاتم. وأما المشركون، فصنفان، صنف يقصدون المسلمين بالأذى، فتألَّفهم دفعاً لأذاهم، مثل عامر بن الطفيل وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام،
تألَّفهم بالعطية ليؤمنوا، كصفوان بن أُمية. وقد ذكرت عدد المؤلفة في كتاب «التلقيح» . وحكمهم باقٍ عند أحمد في رواية، وقال أبو حنيفة، والشافعي: حكمهم منسوخ. قال الزهري: لا أعلم شيئا نسخَ حكم المؤلَّفة قلوبهم. قوله تعالى: وَفِي الرِّقابِ قد ذكرناه في سورة (البقرة) «1» . قوله تعالى: وَالْغارِمِينَ وهم الذين لزمهم الدَّين ولا يجدون القضاء. قال قتادة: هم ناس عليهم دَيْنٌ من غير فساد ولا إِسراف ولا تبذير، وإنما قال هذا، لأنه لا يؤمَن في حق المفسد إذا قُضِيَ دَيْنُه أن يعود إلى الاستدانة لذلك ولا خلاف في جواز قضاء دينه ودفع الزكاة إليه، ولكن قتادة قاله على وجه الكراهية. قوله تعالى: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: الغزاة والمرابطين. ويجوز عندنا أن يعطى الأغنياء منهم والفقراء، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يعطى إلا الفقير منهم. وهل يجوز أن يصرف من الزكاة إلى الحج، أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان. قوله تعالى: وَابْنِ السَّبِيلِ هو المسافر المنقطع به، وإن كان له مال في بلده قاله مجاهد، وقتادة، وأبو حنيفة، وأحمد. فأما إذا أراد أن ينشئ سفراً، فهل يجوز أن يعطى؟ قال الشافعي: يجوز، وعن أحمد نحوه وقد ذكرنا في سورة (البقرة) فيه أقوالاً فيه أقوالاً عن المفسرين. قوله تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ يعني أن الله افترض هذا. (فصل:) وحدُّ الغنى الذي يمنع أخذ الزكاة عند أصحابنا بأحد شيئين: أن يكون مالكاً لخمسين درهماً، أو عِدلها من الذهب، سواء كان ذلك يقوم بكفايته أو لا يقوم، والثاني: أن يكون له كفاية، إمّا بصنعة، أو أجرة عقار، أو عروض للتجارة يقوم ربحها بكفايته. وقال أبو حنيفة: الاعتبار في ذلك أن يكون مالكاً لنصاب تجب عليه فيه الزكاة. فأما ذوو القربى الذين تحرم عليهم الصدقة، فهم بنو هاشم، وبنو المطلب. وقال أبو حنيفة: تحرم على ولد هاشم، ولا تحرم على ولد المطلب. ويجوز أن يعمل على الصدقة من بني هاشم وبني المطلب ويأخذ عمالته منها، خلافاً لأبي حنيفة. فأما موالي بني هاشم وبني المطلب، فتحرم عليهم الصدقة، خلافاً لمالك. ولا يجوز أن يعطيَ صدقته مَنْ تلزمه نفقتُه وبه قال مالك، والثوري. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يعطي والداً وإن علا، ولا ولداً وإن سفل، ولا زوجه، ويعطي مَنْ عَداهم. فأما الذميُّ فالأكثرون على أنه لا يجوز إعطاؤه. وقال عبيد الله بن الحسن: إذا لم يجد مسلماً، أعطي الذمي. ولا يجب استيعاب الأصناف ولا اعتبار عدد من كل صنف وهو قول أبي حنيفة، ومالك وقال الشافعي: يجب الاستيعاب من كل صنف ثلاثة. فأما إذا أراد نقل الصدقة من بلد المال إلى موضع تُقصر فيه الصلاة، فلا يجوز له ذلك، فان نقلها لم يُجزئه وهو قول مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يكره نقلها، وتجزئه. قال أحمد: ولا يعطي الفقير أكثر من خمسين درهماً. وقال أبو حنيفة: أكره أن يعطي رجل واحد من الزكاة مائتي درهم، وإن أعطيته أجزأك. فأما الشافعي، فاعتبر ما يدفع الحاجةَ من غير حدّ. فان أعطى من يظنّه فقيرا، فبان أنه
[سورة التوبة (9) : آية 61]
غنيّ، فهل يجزئ، فيه عن أحمد روايتان. [سورة التوبة (9) : آية 61] وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (61) قوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (711) أحدها: أن خِذام بن خالد، والجُلاس بن سويد، وعبيد بن هلال في آخرين، كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا، فانا نخاف أن يبلغه فيقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا، فانما محمد أُذنٌ سامعة، ثم نأتيه فيصدِّقنا فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس. (712) والثاني: إن رجلاً من المنافقين يقال له: نَبْتَل بن الحارث، كان ينمّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أُذن، مَنْ حدَّثه شيئاً صدقه نقول ما شئنا، ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا، فنزلت هذه الآية قاله محمد بن إسحاق. (713) والثالث: أن ناساً من المنافقين منهم جلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، اجتمعوا، فأرادوا أن يقعوا في النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعندهم غلام من الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه، فتكلموا وقالوا: لئن كان ما يقوله محمد حقاً، لنحن شر من الحمير، فغضب الغلام، وقال: والله إِن ما يقوله محمد حق، وإنكم لشرٌ من الحمير ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فدعاهم فسألهم، فحلفوا أن عامراً كاذب، وحلف عامر أنهم كذبُوا، وقال: اللهم لا تفرِّق بيننا حتى تبيِّنَ صدق الصادق، وكذب الكاذب فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ، قاله السدي. فأما الأذى فهو عيبه ونقل حديثه. ومعنى أُذُنٌ يقبل كل ما قيل له، قال ابن قتيبة: الأصل في هذا أن الأُذُنَ هي السامعة، فقيل لكل من صدَّق بكل خبر يسمعه: أذن. وجمهور القرّاء يقرءون: هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ بالتثقيل. وقرأ نافع: «هو أذنٌّ قل أُذْنُ خير» باسكان الذال فيهما. ومعنى أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي: أذن خير، لا أُذُنُ شرّ يسمع الخير فيعمل به، ولا يعمل بالشرَّ إذا سمعه. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن يعمر، وابن أبي عبلة «أُذُنٌ» بالتنوين، «خيرٌ» بالرفع. والمعنى: إن كان كما قلتم، يسمع منكم ويصدِّقكم، خيرٌ لكم من أن يكذِّبكم. قال أبو علي: يجوز أن تطلق الأذن على الجملة كما قال الخليل: إنما سميت النابُ من الإبل لمكان الناب البازل، فسميت الجملة كلُّها به، فأجرَوا على الجملة اسم الجارحة لإرادتهم كثرة استعماله لها في الإصغاء بها. ثم بيّن
[سورة التوبة (9) : آية 62]
ممن يَقبل، فقال: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ قال ابن قتيبة: الباء واللام زائدتان والمعنى: يصدِّق اللهَ ويصدِّقُ المؤمنين. وقال الزجاج: يسمع ما ينزِّله الله عليه، فيصدِّق به، ويصدِّق المؤمنين فيما يخبرونه به. وَرَحْمَةٌ أي: وهو رحمة، لأنه كان سبب إيمان المؤمنين. وقرأ حمزة «ورحمةٍ» بالخفض. قال أبو علي: المعنى: أُذُنُ خيرٍ ورحمة. والمعنى: مستمعُ خيرٍ ورحمةٍ. [سورة التوبة (9) : آية 62] يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (62) قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ. (714) قال ابن السائب: نزلت في جماعة من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم، أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم، ويحلفون ويعتلّون. وقال مقاتل: منهم عبد الله بن أُبيّ، حلف لا يتخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولَيكونَنَّ معه على عدوِّه. وقد ذكرنا في الآية التي قبلها أنهم حلفوا أنهم ما نطقوا بالعيب. وحكى الزجاج عن بعض النحويين أنه قال: اللام في: «ليرضوكم» بمعنى القسم، والمعنى: يحلفون بالله لكم لنرضينَّكم. قال: وهذا خطأ، لأنّهم حلفوا أنهم ما قالوا ما حكي عنهم ليُرضُوا باليمين، ولم يحلفوا أنهم يُرضُون في المستقبل. قلت: وقول مقاتل يؤكد ما أنكره الزجاج، وقد مال إليه الأخفش. قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ فيه قولان: أحدهما: بالتوبة والإِنابة. والثاني: بترك الطعن والعيب. فان قيل: لم قال: «يُرضُوه» ولم يقل: يرضوهما؟ فقد شرحنا هذا عند قوله تعالى: وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ «1» . [سورة التوبة (9) : آية 63] أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا روى أبو زيد عن المفضل «ألم تعلموا» بالتاء. أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ فيه قولان: أحدهما: من يخالف الله، قاله ابن عباس. والثاني: من يعاد الله، كقولك: من يُجانِبِ الله ورسوله، أي: يكون في حدٍّ، واللهُ ورسولُه في حدٍّ. قوله تعالى: فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ قرأ الجمهور: «فأن» بفتح الهمزة، وقرأ أبو رزين، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بكسرها، فمن كسر، فعلى الاستئناف بعد الفاء، كما تقول: فله نار جهنم. ودخلت «إِنّ» مؤكدة. ومن قال: «فأَنَّ له» فانما أعاد «أنَّ» الأولى توكيداً لأنه لما طال الكلام، كان إعادتها أوكد. [سورة التوبة (9) : آية 64] يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (64)
[سورة التوبة (9) : الآيات 65 إلى 66]
قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (715) أحدها: أن المنافقين كانوا يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم، ويقولون: عسى الله أن لا يفشي سرَّنا فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. (716) والثاني: أن بعض المنافقين قال: لوددت أني جُلدت مائة جلدة، ولا ينزل فينا شيء يفضحنا، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. (717) والثالث: أنّ جماعة من المنافقين وقفوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة عند مرجعه من تبوك ليفتكوا به، فأخبره جبريل عليه السلام، ونزلت هذه الآية، قاله ابن كيسان. وفي قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ قولان: أحدهما: أنه إخبار من الله عزّ وجلّ عن حالهم، قاله الحسن، وقتادة واختاره ابن القاسم. والثاني: أنه أمر من الله عزّ وجلّ لهم بالحذر، فتقديره: ليحذر المنافقون، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: والعرب ربما أخرجت الأمر على لفظ الخبر، فيقولون: يرحم الله المؤمن، ويعذب الكافر يريدون: ليرحم وليعذب، فيسقطون اللام ويُجْرُونَه مجرى الخبر في الرفع، وهم لا ينوون إلا الدعاء والدعاء مضارع للأمر. قوله تعالى: قُلِ اسْتَهْزِؤُا هذا وعيد خرج مخرج الأمر تهديداً. وفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ وجهان: أحدهما: مظهر ما تُسِرُّون. والثاني: ناصر مَنْ تخذلون، ذكرهما الماوردي. [سورة التوبة (9) : الآيات 65 الى 66] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (66) قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ في سبب نزولها ستة أقوال: (718) أحدهما: أن جَدَّ بنَ قيس، ووديعة بن خذام، والجُهَير بن خُمَير، كانوا يسيرون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك، فجعل رجلان منهم يستهزئان برسول الله صلى الله عليه وسلم. والثالث يضحك مما يقولان ولا يتكلم بشيء، فنزل جبريل فأخبره بما يستهزئون به ويضحكون فقال لعمار بن ياسر: «اذهب فسلهم عما كانوا يضحكون منه، وقل لهم: أحرقكم الله» ، فلما سألهم، وقال: أحرقكم الله
علموا أنه قد نزل فيهم قرآن، فأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الجُهَير: والله ما تكلَّمت بشيء، وإنما ضحكت تعجّبا من قولهم فنزل قوله تعالى: لا تَعْتَذِرُوا يعني جَدَّ بن قيس، ووديعة إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ يعني الجهير نُعَذِّبْ طائِفَةً يعني الجدّ ووديعة، وهذا قول أبي صالح عن ابن عباس. (719) والثاني: أن رجلاً من المنافقين قال: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، ولا أرغبَ بطوناً، ولا أكذبَ، ولا أجبنَ عند اللقاء يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال له عوف بن مالك. كذبت، لكنّك منافق، لأخبرنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، هذا قول ابن عمر وزيد بن أسلم والقرظي. (720) والثالث: أن قوماً من المنافقين كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن كان ما يقول هذا حقاً، لنحن شرٌّ من الحمير فأعلم الله نبيه ما قالوا، ونزلت: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ، قاله سعيد بن جبير. (721) والرابع: أن رجلاً من المنافقين قال: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا، وما يُدريه ما الغيب؟ فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. (722) والخامس: أن ناساً من المنافقين قالوا: يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات فأطلع الله نبيّه على ذلك، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «احبسوا علي الرَّكب» ، فأتاهم، فقال: «قلتم كذا وكذا» ، فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. (723) والسادس: أن عبد الله بن أُبيٍّ، ورهطاً معه، كانوا يقولون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لا ينبغي، فإذا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، فقال الله تعالى: قُلْ لهم أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ؟ قاله الضّحّاك. فقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي: عما كانوا فيه من الاستهزاء لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أي: نلهو بالحديث. وقوله تعالى: قَدْ كَفَرْتُمْ أي: قد ظهر كفركم بعد إظهاركم الإيمان وهذا يدل على أن الجِدَّ واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء. قوله تعالى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ قرأ الأكثرون «إن يُعْفَ» بالياء، «تعذّب» بالتاء. وقرأ
[سورة التوبة (9) : الآيات 67 إلى 70]
عاصم غير أبان «إن نَعْفُ» ، «نُعَذِّبْ» ، بالنون فيهما ونصب «طائفةً» ، والمعنى: إن نعف عن طائفة منكم بالتوفيق للتوبة، نعذِّب طائفةً بترك التّوبة. وقيل: الطّائفتان ها هنا ثلاثة، فاستهزأ اثنان وضحك واحد. ثم أنكر عليهم بعض ما سمع. وقد ذكرنا عن ابن عباس أسماء الثلاثة، وأن الضاحك اسمه الجُهَيْر، وقال غيره: هو مَخْشِيُّ بن خُمَيْر. وقال ابن عباس ومجاهد: الطائفة الواحد فما فوقه. وقال الزجاج: أصل الطائفة في اللغة الجماعة ويجوز أن يقال للواحد طائفة، يراد به نفس طائفة. وقال ابن الأنباري: إذا أريد بالطائفة الواحد كان أصلها طائفاً، على مثال: قائم وقاعد، فتدخل الهاء للمبالغة في الوصف، كما يقال: راوية، علّامة، نسّابة. قال عمر بن الخطّاب: ما فُرغ من تنزيل براءة حتى ظننا أن لن يبقى منا أحد إلا سينزل فيه شيء. [سورة التوبة (9) : الآيات 67 الى 70] الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) قوله تعالى: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ قال ابن عباس: بعضهم على دين بعض وقال مقاتل: بعضهم أولياء بعض يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وهو الكفر وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وهو الإيمان. وفي قوله تعالى: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ أربعة أقوال: أحدها: يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد. والثاني: عن كل خير، قاله قتادة. والثالث: عن الجهاد في سبيل الله. والرابع: عن رفعها في الدعاء إلى الله، ذكرهما الماوردي. قوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ قال الزجاج: تركوا أمره، فتركهم من رحمته وتوفيقه. قال: وقوله تعالى: هِيَ حَسْبُهُمْ أي: هي كفاية ذنوبهم، كما تقول: عذَّبتُك حسبَ فِعلك، وحسبُ فلان ما نزل به، أي: ذلك على قدر فعله. وموضع الكاف في قوله تعالى: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ نصب، أي: وعدكم الله على الكفر به كما وعد الذين من قبلكم. وقال غيره: رجع عن الخبر عنهم إلى مخاطبتهم، وشبَّههم في العدول عن أمره بمن كان قبلهم من الأمم الماضية. قوله تعالى: فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ قال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا. وقال الزجاج: بحظهم من الدنيا. قوله تعالى: وَخُضْتُمْ أي: في الطعن على الدِّين وتكذيب نبيكم كما خاضوا. أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا لأنها لم تُقبل منهم، وفي الآخرة، لأنهم لا يثابون عليها، وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ بفوت الثواب وحصول العقاب.
[سورة التوبة (9) : الآيات 71 إلى 72]
قوله تعالى: وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ قال ابن عباس: يريد نمرود بن كنعان وَأَصْحابِ مَدْيَنَ يعني قوم شعيب وَالْمُؤْتَفِكاتِ قرى لوط. قال الزجاج: وهم جمع مؤتفكة، ائتفكت بهم الأرض، أي: انقلبت. قال: ويقال إنَّهم جميع من أُهلك، كما يقال للهالك: انقلبت عليه الدنيا. قوله تعالى: أَتَتْهُمْ يعني هذه الأمم رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فكذَّبوا بها فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ قال ابن عباس: ليهلكم حتى يبعث فيهم نبياً ينذرهم، والمعنى أنهم أهلكوا باستحقاقهم. [سورة التوبة (9) : الآيات 71 الى 72] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي: بعضهم يوالي بعضاً، فهم يد واحدة، يأمرون بالإيمان، وينهون عن الكفر. قوله تعالى: فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ قال أبو عبيدة: في جنات خُلْد، يقال: عَدَن فلان بأرض كذا، أي: أقام ومنه: المْعِدنُ، وهو في مَعْدِن صدق، أي: في أصل ثابت. قال الأعشى: وإن تَستضيفوا إلى حِلْمه ... تُضافوا إلى راجح قد عَدَن «1» أي: رزين لا يُستخف. قال ابن عباس: جنات عدن، هي بُطنان الجنة، وبُطنانها: وسطها، وهي أعلى درجة في الجنة، وهي دار الرّحمن عزّ وجلّ، وسقفها عرشه، خلقها بيده، وفيها عين التسنيم، والجنان حولها محدقة بها. قوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ قال ابن عباس: أكبر مما يوصف. وقال الزجاج: أكبر مما هم فيه من النعيم. فان قيل: لم كان الرضوان أكبر من النعيم؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن سرور القلب برضى الرب نعيم يختص بالقلب، وذاك أكبر من نعيم الأكل والشرب. (724) وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عزّ وجلّ لأهل الجنة: يا أهل الجنة، هل رضيتم؟ فيقولون: ربّنا وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك! فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أُحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا» .
[سورة التوبة (9) : آية 73]
والثاني: أن الموجِب للنعيم الرضوان، والموجَب ثمرة الموجب، فهو الأصل. [سورة التوبة (9) : آية 73] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) قوله تعالى: جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ أما جهاد الكفار فبالسيف. وفي جهاد المنافقين قولان «1» : أحدهما: أنه باللسان، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس. والثاني: جهادهم باقامة الحدود عليهم، روي عن الحسن وقتادة. فان قيل: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بجهادهم وهو يعلم أعيانهم، فكيف تركهم بين أظهر أصحابه فلم يقتلهم «2» ؟. فالجواب: أنه إنما أُمر بقتال من أظهر كلمة الكفر وأقام عليها، فأما من إذا أُطلع على كفره، أنكر وحلف وقال: إني مسلم، فإنّه أمر أن يأخذ بظاهر أمره، ولا يبحث عن سِرِّه. قوله تعالى: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ قال ابن عباس: يريد شدة الانتهار لهم، والنظر بالبغضة والمقت. وفي الهاء والميم من «عليهم» قولان: أحدهما: أنه يرجع إلى الفريقين، قاله ابن عباس. والثاني: إلى المنافقين، قاله مقاتل. [سورة التوبة (9) : آية 74] يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (74) قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا في سبب نزولها ثلاثة أقوال «3» :
(725) أحدها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر المنافقين فعابهم فقال الجُلاس بن سويد: إن كان ما يقول على إخواننا حقاً لنحن شرٌّ من الحمير. فقال عامر بن قيس: والله إنه لصادق ولأنتم شرٌّ من الحمير وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فأتى الجلاسُ فقال: ما قلت شيئاً، فحلفا عند المنبر، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وذهب إِلى نحوه الحسن ومجاهد وابن سيرين. (726) والثاني: أن عبد الله بن أُبيٍّ قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليُخرجن الأعزُّ منها الأذل، فسمعه رجل من المسلمين، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه، فجعل يحلف بالله ما قال، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. (727) والثالث: أن المنافقين كانوا إذا خَلَوْا، سبُّوا رسول الله وأصحابه، وطعنوا في الدين فنقل حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ذلك، فحلفوا ما قالوا شيئاً، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. فأما كلمة الكفر، فهي سبّهم الرّسول صلى الله عليه وسلم وطعنهم في الدّين. وفي سبب قوله تعالى: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا أربعة أقوال: (728) أحدها: أنها نزلت في ابن أُبيّ حين قال: لئن رجعنا إلى المدينة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة. (729) والثاني: أنها نزلت فيهم حين همّوا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه مجاهد عن ابن عباس، قال: والذي همَّ رجل يقال له: الأسود. وقال مقاتل: هم خمسة عشر رجلاً، هَمُّوا بقتله ليلة العقبة. (730) والثالث: أنه لما قال بعض المنافقين: إن كان ما يقول محمد حَقّاً، فنحن شرٌّ من الحمير وقال له رجل من المؤمنين: لأنتم شرٌّ من الحمير، همَّ المنافق بقتله فذلك قوله تعالى: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا، هذا قول مجاهد. (731) والرابع: أنهم قالوا في غزوة تبوك: إذا قدمنا المدينة، عقدنا على رأس عبد الله بن أُبيّ تاجاً نباهي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينالوا ما همّوا به.
[سورة التوبة (9) : آية 75]
قوله تعالى: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ قال ابن قتيبة: أي: ليس ينقمون شيئاً، ولا يتعرفون من الله إلا الصنع، ومثله قول الشاعر: مَا نَقَمَ النَّاسُ مِنْ أُمَيَّة إلاَّ ... أَنَّهُمْ يَحْلُمونَ إِنْ غَضِبُوا «1» وأنَّهم سَادَةُ المُلُوْكِ وَلاَ ... تَصْلُحُ إلاّ عَلَيْهِمُ العَرَبُ وهذا ليس مما يُنقم وإنما أراد أن الناس لا ينقمون عليهم شيئاً، وكقول النابغة: ولا عَيْبَ فِيْهِم غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهم ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ «2» أي: ليس فيهم عيب. قال ابن عباس: كانوا قبل قدوم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة في ضَنْك من معاشهم، فلما قدم عليهم، غنموا، وصارت لهم الأموال. فعلى هذا، يكون الكلام عامّاً. وقال قتادة: هذا في عبد الله بن أُبيّ. (732) وقال عروة: هو الجلاس بن سويد، قُتل له مولى، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته، فاستغنى فلما نزلت فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ قال الجلاس: أنا أتوب إلى الله. قوله تعالى: وَإِنْ يَتَوَلَّوْا أي: يعرضوا عن الإيمان. قال ابن عباس: كما تولَّى عبد الله بن أُبّي، يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار. [سورة التوبة (9) : آية 75] وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ في سبب نزولها أربعة أقوال: (733) أحدها: أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ادع الله
أن يرزقني مالاً، فقال: «ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تؤدي شكرَهُ، خير من كثير لا تطيقه» ، قال: ثم قال مرة أخرى، فقال: «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فو الّذي نفسي بيده، لو شئتُ أن تسير معي الجبال ذهباً وفضة، لسارت» فقال: والذي بعثك بالحق، لئن دعوتَ الله أن يرزقني مالاً، لأوتينّ كلّ ذي حقّ
حقّه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارزق ثعلبة مالاً» ، فاتخذ غنماً، فنمت، فضاقت عليه المدينة، فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نَمت، حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، ثم نمت، فترك الجمعة. فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُخبر خبره، فقال: «يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة» ، وأنزل الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً «1» وأنزل فرائض الصدقة فبعث رسول الله رجلين على الصدقة، وكتب لهما كتاباً يأخذان الصدقة، وقال: «مُرّا بثعلبة، وبفلان» رجل من بني سُليم، فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا إلا جزية، ما هذه إلا أُخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إليَّ. فانطلقا فأُخبر السُلَميّ، فاستقبلهما بخيار ماله، فقالا: لا يجب هذا عليك فقال: خذاه، فان نفسي بذلك طيبة فأخذا منه. فلما فرغا من صدقتهما، مرّا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقال: ما هذه إلا أُخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا، فأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان، فنزلت هذه الآية إلى قوله تعالى: وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ، وكان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة، فخرج إلى ثعلبة، فأخبره فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: «إن الله قد منعني أن أقبل صدقتك» فجعل يحثو التراب على رأسه. فقال: «هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني» . فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقبل منه شيئاً، فلما ولي أبو بكر، سأله أن يقبل منه، فأبى، فلما ولي عمر، سأله أن يقبل منه، فأبى، فلما ولي عثمان، سأله أن يقبلها فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر، فلم يقبلها وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه. روى هذا الحديث القاسم عن أبي أمامة الباهلي. (734) وقال ابن عباس: مرّ ثعلبة على مجلس، فأشهدهم على نفسه: لئن آتاني الله من فضله، آتيت كل ذي حق حقه، وفعلت كذا وكذا. فآتاه الله من فضله، فأخلف ما وعد فقص الله علينا شأنه. (735) والثاني: أن رجلاً من بني عمرو بن عوف، كان له مال بالشام، فأبطأ عنه، فجُهد له جُهداً شديداً، فحلف بالله لئن آتانا من فضله، أي: من ذلك المال، لأصَّدقَّن منه، ولأصِلَنَّ، فأتاه ذلك المال، فلم يفعل، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس: قال ابن السائب: والرجل حاطب بن أبي بلتعة. (736) والثالث: أن ثعلبة ومُعتِّب بن قُشير، خرجا على ملأٍ، فقالا: والله لئن رزقنا الله لنصَّدَّقنَّ. فلما رزقهما، بخلا به، فنزلت هذه الآية، قاله الحسن، ومجاهد.
[سورة التوبة (9) : آية 76]
(737) والرابع: أن نبتل بن الحارث، وجَدّ بن قيس، وثعلبة بن حاطب، ومعتّب بن قشير، قالوا: لئن آتانا الله من فضله لنصدقن. فلما آتاهم من فضله بخلوا به، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. فأما التفسير، فقوله تعالى: وَمِنْهُمْ يعني المنافقين مَنْ عاهَدَ اللَّهَ أي: قال: عليَّ عهدُ الله لَنَصَّدَّقَنَّ الأصل: لنتصدقن، فأدغمت التاء في الصاد لقربها منها. وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ أي: لنعملنَّ ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم والإِنفاق في الخير. وقد روى كَهْمَس عن معبد بن ثابت أنه قال: إنما هو شيء نوَوْه في أنفسهم، ولم يتكلموا به ألم تسمع إلى قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ. [سورة التوبة (9) : آية 76] فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) قوله تعالى: فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي: ما طلبوا من المال بَخِلُوا بِهِ ولم يفوا بما عاهدوا وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ عن عهدهم. [سورة التوبة (9) : الآيات 77 الى 78] فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (78) قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ أي: صيَّر عاقبة أمرهم النفاق. وفي الضمير في «أعقبهم» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله، فالمعنى: جازاهم الله بالنفاق، وهذا قول ابن عباس ومجاهد. والثاني: أنها ترجع إلى البخل، فالمعنى: أعقبهم بخلُهم بما نذروا نفاقاً، قاله الحسن. قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا يعني المنافقين أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وهو ما في نفوسهم وَنَجْواهُمْ حديثهم بينهم. [سورة التوبة (9) : آية 79] الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (79) قوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ في سبب نزولها قولان: (738) أحدهما: أنه لما نزلت آية الصدقة، جاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لَغَنِيٌّ عن صاع هذا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو مسعود. (739) والثاني: أن عبد الرحمن بن عوف جاء بأربعين أوقية من ذهب، وجاء رجل من الأنصار
[سورة التوبة (9) : آية 80]
بصاع من طعام فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياءً، وإنْ كان اللهُ ورسولهُ لَغنيَّين عن هذا الصاع، قاله ابن عباس. وفي هذا الأنصاري قولان: أحدهما: أنه أبو خيثمة، قاله كعب بن مالك. والثاني: أنه أبو عقيل. وفي اسم أبي عقيل ثلاثة أقوال: أحدها: عبد الرحمن بن بِيْجَان، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ويقال: ابن بِيْحان ويقال: سِيْحَان. وقال مقاتل: هو أبو عقيل بنُ قيس. والثاني: أن اسمه الحَبْحَاب، قاله قتادة. والثالث: الحُبَاب. قال قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف، وجاء عاصم بن عدي بن العَجلان بمائة وَسق من تمر. ويَلْمِزُونَ بمعنى يعيبون. والْمُطَّوِّعِينَ أي: المتطوعين، قال الفراء: أدغمت التاء في الطاء، فصارت طاءً مشددة. والجُهد لغة أهل الحجاز، ولغة غيرهم الجَهد. قال أبو عبيدة: الجهد، بالفتح والضم سواء، ومجازه: طاقتهم. وقال ابن قتيبة: الجُهد: الطاقة والجَهد: المشقة. قال المفسرون: عُني بالمطوِّعين عبدُ الرحمن، وعاصم، وبالذين لا يجدون إلا جهدهم: أبو عقيل. وقوله تعالى: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ أي: جازاهم على فعلهم، وقد سبق هذا المعنى. [سورة التوبة (9) : آية 80] اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (80) قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ. (740) سبب نزولها: أنه لما نزل وعيد اللامزين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا، فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سوف أستغفر لهم أكثر من سبعين، لعل الله يغفر لهم» فنزل قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ «1» ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وظاهر قوله: «استغفر لهم» الأمر، وليس كذلك إنما المعنى: إن استغفرت، وإن لم تستغفر، لا يغفر لهم، فهو كقوله تعالى: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً «2» ، وقد سبق شرح هذا المعنى هناك، هذا قول المحققين. وذهب قوم إلى أن ظاهر اللفظ يعطي أنه إن زاد على السبعين، رجي لهم الغفران. ثم نسخت بقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.
[سورة التوبة (9) : آية 81]
فان قيل: كيف جاز أن يستغفر لهم، وقد أُخبر بأنهم كفروا؟ فالجواب: أنه إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إِسلامهم من غير أن يتحقق خروجهم عن الإسلام، ولا يجوز أن يقال: علم كفرهم ثم استغفر. فان قيل: ما معنى حصر العدد بسبعين؟ فالجواب: أن العرب تستكثر في الآحاد من سبعة، وفي العشرات من سبعين. [سورة التوبة (9) : آية 81] فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (81) قوله تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ يعني المنافقين الذين تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. والمخلَّف: المتروك خلفَ من مضى. بِمَقْعَدِهِمْ أي: بقعودهم. وفي قوله تعالى: خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ قولان: أحدهما: أن معناه: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أبو عبيدة. والثاني: أن معناه: مخالَفَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو منصوب، لأنه مفعول له، فالمعنى: بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الزجاج. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، والأعمش، وابن أبي عبلة: «خَلْفَ رسول اللهِ» ، ومعناها: أنهم تأخَّروا عن الجهاد. وفي قوله تعالى: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قولان: أحدهما: أنه قول بعضهم لبعض، قاله ابن اسحاق، ومقاتل. والثاني: أنهم قالوه للمؤمنين، ذكره الماوردي. وإنما قالوا هذا، لأن الزمان كان حينئذ شديد الحر. قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لمن خالف أمر الله. وقوله تعالى: يَفْقَهُونَ معناه: يعلمون. قال ابن فارس: الفقه: العلم بالشيء. تقول: فَقِهْتُ الحديث أَفْقَهُهُ وكل علم بشيء: فقه. ثم اختص به علم الشريعة، فقيل لكل عالم بها: فقيه. قال المصنف: وقال شيخنا علي بن عبيد الله: الفقه في إطلاق اللغة: الفهم، وفي عرف الشريعة: عبارة عن معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال المكلَّفين، بنحو التحليل، والتحريم، والإيجاب، والإجزاء، والصحة، والفساد، والغرم، والضمان، وغير ذلك. وبعضهم يختار أن يقال: الفِقْه: فَهْمُ الشيء، وبعضهم يختار أن يقال: علم الشيء. [سورة التوبة (9) : آية 82] فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد. وفي قلَّة ضحكهم وجهان: أحدهما: أن الضحك في الدنيا، لكثرة حزنها وهمومها، قليل، وضحكهم فيها أقل، لِما يتوجه إليهم من الوعيد. والثاني: أنهم إنما يضحكون في الدنيا، وبقاؤها قليل. وَلْيَبْكُوا كَثِيراً في الآخرة. قال أبو موسى الأشعري: إن أهل النار ليبكون الدموع في النار، حتى لو أُجريت السفن في دموعهم لجرت، ثم إنهم ليبكون الدم بعد الدموع، فلمثل ما هم فيه فليُبكي. قوله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي: من النّفاق والمعاصي. [سورة التوبة (9) : آية 83] فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (83) قوله تعالى: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ أي: ردك من غزوة تبوك إلى المدينة إِلى طائِفَةٍ من المنافقين الذين تخلَّفوا بغير عذر. وإنما قال: إِلى طائِفَةٍ لأنه ليس كل من تخلَّف عن تبوك كان منافقاً.
[سورة التوبة (9) : آية 84]
فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك إلى الغزو، فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً إلى غَزاة، إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ عني أَوَّلَ مَرَّةٍ حين لم تخرجوا إلى تبوك. وذكر الماوردي في قوله تعالى: أَوَّلَ مَرَّةٍ قولين: أحدهما: أول مرة دُعيتم. والثاني: قبل استئذانكم. وأمّا الخالفون، فقال أبو عبيدة: الخالف: الذي خلف بعد شاخص، فقعد في رحله، وهو الذي يتخلَّف عن القوم. وفي المراد بالخالفين قولان: أحدهما: أنهم الرجال الذين تخلَّفوا لأعذار، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم النّساء قاله الحسن، وقتادة. [سورة التوبة (9) : آية 84] وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (84) قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ. (741) سبب نزولها: أنه لما توفي عبد الله بن أبيّ، جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعطني قميصك حتى أكفنه فيه، وصلِّ عليه، واستغفر له. فأعطاه قميصه فقال: آذِنِّي أصلي عليه، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه، جذبه عمر بن الخطاب، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: «أنا بين خيرتين» : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ «1» فصلى عليه، فنزلت هذه الآية، رواه نافع عن ابن عمر. (742) قال قتادة: ذُكر لنا أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ما يُغْني عنه قميصي من عذاب الله تعالى، والله إني لأرجو أن يُسْلِمَ به ألف من قومه» . قال الزجاج: فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لمَّا رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد الصلاة عليه. فأمّا قوله تعالى: «منهم» فإنه يعني المنافقين. وقوله تعالى: وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ. (743) قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا دُفن الميت، وقف على قبره ودعا له فنهي عن ذلك في حق المنافقين. وقال ابن جرير: معناه: لا تتولَّ دفنه وهو من قولك: قام فلان بأمر فلان. وقد تقدم تفسيره. [سورة التوبة (9) : الآيات 85 الى 89] وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (85) وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (87) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)
[سورة التوبة (9) : آية 90]
قوله تعالى: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ. سبق تفسيره. قوله تعالى: وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ هذا عامّ في كل سورة. وقال مقاتل: المراد بها سورة (براءة) . قوله تعالى: أَنْ آمِنُوا أي: بأن آمنوا. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: استديموا الإيمان. والثاني: افعلوا فعل من آمن. والثالث: آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم، فعلى هذا يكون الخطاب للمنافقين. قوله تعالى: اسْتَأْذَنَكَ أي: في التّخلّف. أُولُوا الطَّوْلِ يعني الغنى، وهم الذين لا عذر لهم في التخلُّف. وفي «الخوالف» قولان: أحدهما: أنهم النساء، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وشمر بن عطية، وابن زيد، والفراء. وقال أبو عبيدة: يجوز أن تكون الخوالف ها هنا النساء، ولا يكادون يجمعون الرجال على تقدير فواعل، غير أنهم قد قالوا: فارس، والجميع: فوارس، وهالك هوالك. قال ابن الأنباري: الخوالف لا يقع إلا على النساء، إذ العرب تجمع فاعلة: فواعل فيقولون: ضاربة، وضوارب، وشاتمة، وشواتم ولا يجمعون فاعلاً: فواعل، إلا في حرفين: فوارس، وهوالك فيجوز أن يكون مع الخوالف: المتخلفات في المنازل. ويجوز أن يكون: مع المخالفات العاصيات. ويجوز أن يكون: مع النساء العجزة اللاتي لا مدافعة عندهن. والقول الثاني: أن الخوالف: خساس الناس وأدنياؤهم يقال: فلان خالفة أهله: إذا كان دونهم، ذكره ابن قتيبة. فأما «طَبَع» ، فقال أبو عبيدة: معناه: ختم. و «الخيرات» جمع خَيْرة. وللمفسرين في المراد بالخيرات ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الفاضلات من كل شيء، قاله أبو عبيدة. والثاني: الجواري الفاضلات، قاله المبرِّد. والثالث: غنائم الدنيا ومنافع الجهاد، ذكره الماوردي. [سورة التوبة (9) : آية 90] وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (90) قوله تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ وقرأ ابن مسعود: «المعتذرون» . وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن يعمر، ويعقوب «المُعْذِرون» بسكون العين وتخفيف الذال. وقرأ ابن السميفع «المعاذرون» بألف. قال أبو عبيدة: المعذِّرون من يعذِّر وليس بجادّ وإنما يعرِّض بما لا يفعله أو يُظهر غير ما في نفسه. وقال ابن قتيبة: يقال: عذَّرتُ في الأمر: إذا قصَّرتَ، وأعذرتُ: جَدَدْتَ. وقال الزجاج: من قرأ «المعذِّرون» بتشديد الذال، فتأويله: المعتذرون الذين يعتذرون، كان لهم عذر، أو لم يكن، وهو ها هنا أشبه بأن يكون لهم عذر، وأنشدوا: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلاَمِ عَليْكُما ... وَمَنْ يَبْكِ حولا كاملا فقد اعتذر «1» أي: فقد جاء بعذر، ويجوز أن يكون «المعذِّرون» الذين يعذِّرون، يوهمون أنّ لهم عذرا، ولا
[سورة التوبة (9) : الآيات 91 إلى 93]
عذر لهم، ويجوز في النحو: المعِذِّرون بكسر العين، والمعُذِّرون بضم العين، غير أنه لم يُقرأ بهما، لأن اللفظ بهما يثقل. ومن قرأ «المعْذرون» بتسكين العين، فتأويله: الذين أُعذروا وجاءوا بعذر. وقال ابن الأنباري: المعذّرون ها هنا: المعتذرون بالعذر الصحيح. وأصل الكلمة عند أهل النحو: المعتذرون، فحوِّلت فتحة التاء إلى العين، وأبدلت الذال من التاء وأدغمت في الذال التي بعدها فصارتا ذالاً مشددة، ويقال في كلام العرب: اعتذر، إذا جاء بعذر صحيح، وإذا لم يأت بعذر. قال الله تعالى: قُلْ لا تَعْتَذِرُوا فدل على فساد العذر، وقال لبيد: وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَاملاً فَقَد اعْتَذَر أي: فقد جاء بعذر صحيح. وكان ابن عباس يقرأ «المعذِّرون» ويقول: لعن الله المعذِّرين. يريد: لعن الله المقصِّرين من المنافقين وغيرهم. والمعْذرون: الذين يأتون بالعذر الصحيح فبان من هذا الكلام أن لهم عذراً على قراءة من خفف. وهل يثبت لهم عذر على قراءة من شدد؟ فيه قولان. قال المفسرون: جاء هؤلاء ليؤذَن لهم في التخلُّف عن تبوك، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علّة، جرأة على الله تعالى. [سورة التوبة (9) : الآيات 91 الى 93] لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (93) قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في عائذ بن عمرو وغيره من أهل العذر، قاله قتادة. والثاني: في ابن مكتوم، قاله الضحاك. وفي المراد بالضعفاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الزمنى والمشايخ الكبار قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم الصغار. والثالث: المجانين سموا ضعافاً لضعف عقولهم، ذكر القولين الماوردي. والصحيح انهم الذين يضعفون لزَمانةٍ، أو عَمىً، أو سِنٍّ أو ضَعف في الجسم. والمرضى: الذين بهم أعلال مانعة من الخروج للقتال، والَّذِينَ لا يَجِدُونَ هم المُقِلُّون، والحرج: الضيق في القعود عن الغزو بشرط النصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وفيه وجهان: أحدهما: أن المعنى: إذا برئوا من النفاق. والثاني: إذا قاموا بحفظ الذراري والمنازل. فان قيل بالوجه الأول، فهو يعم جميع المذكورين. وإن قيل بالثاني. فهو يخص المقلِّين. وإنما شُرط النصح، لأن من تخلف بقصد السعي بالفساد، فهو مذموم ومن النصح لله: حث المسلمين على الجهاد، والسعي في إصلاح ذات بينهم، وسائر ما يعود باستقامة الدين. قوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي من طريق بالعقوبة، لأن المحسن قد سد باحسانه باب العقاب. قوله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ نزلت في البكَّائين، واختُلف في عددهم وأسمائهم.
[سورة التوبة (9) : آية 94]
(744) فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هم ستة: عبد الله بن مغفَّل، وصخر بن سلمان، وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعُلَيَّة بن زيد الانصاري، وسالم بن عُمير، وثعلبة بن عنمة، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم، فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» فانصرفوا باكين. وقد ذكر محمد بن سعد كاتب الواقدي مكان صخر بن سلمان: سلمة بن صخر، ومكان ثعلبة بن عنمة: عمرو بن عنمة. قال: وقيل: منهم معقل بن يسار. (745) وروى ابن إسحاق عن أشياخ له أن البكَّائين سبعة من الأنصار: سالم بن عُمير، وعُلَية بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، وعمرو بن الحُمام بن الجموح، وعبد الله بن مغفَّل. وبعض الناس يقول: بل عبد الله بن عمرو المزني، وعِرباض بن سارية، وهرميّ بن عبد الله أخو بني واقف. (746) وقال مجاهد: نزلت في بني مقرّن، وهم سبعة وقد ذكرهم محمد بن سعد، فقال: النعمان بن عمرو بن مقرن. وقال أبو خيثمة: هو النعمان بن مقرن، وسويد بن مقرن، ومعقل بن مقرّن، وسنان بن مقرّن، وعقيل بن مقرّن، وعبد الرحمن بن مقرن، وعبد الرحمن بن عقيل بن مقرن. وقال الحسن البصري: نزلت في أبي موسى وأصحابه. وفي الذي طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم عليه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الدواب، قاله ابن عباس. والثاني: الزاد، قاله أنس بن مالك. والثالث: النعال، قاله الحسن. [سورة التوبة (9) : آية 94] يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) قوله تعالى: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ. (747) قال ابن عباس: نزلت في المنافقين، يعتذرون إليكم إذا رجعتم من غزوة تبوك، فلا تعذروهم فليس لهم عذر. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون، فقال الله تعالى: قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لن نصدقكم، قد أخبرنا الله أنه ليس لكم عذر وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ إن عملتم خيراً وتبتم من تخلُّفكم ثُمَّ تُرَدُّونَ بعد الموت إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فيخبركم بما كنتم تعملون في السر والعلانية. [سورة التوبة (9) : آية 95] سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (95)
[سورة التوبة (9) : آية 96]
قوله تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ قال مقاتل: حلف منهم بضعة وثمانون رجلاً، منهم جَدّ بن قيس، ومُعتِّب بن قشير. قوله تعالى: لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فيه قولان: أحدهما: لتصفحوا عن ذنبهم. والثاني: لأجل إعراضكم. وقد شرحنا في (المائدة) معنى الرّجس. [سورة التوبة (9) : آية 96] يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (96) قوله تعالى: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ (748) قال مقاتل: حلف عبد الله بن أُبيّ للنبي صلى الله عليه وسلم لا أتخلف عنك، ولأكونَنَّ معك على عدوِّك وطلب منه أن يرضى عنه، وحلف عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعمر بن الخطّاب، وجعلوا يترضّون النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلّموهم» . [سورة التوبة (9) : آية 97] الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً قال ابن عباس: نزلت في أعاريب أسد وغطفان وأعراب من حول المدينة، أخبر الله أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر أهل المدينة، لأنهم أقسى وأجفى من أهل الحضر. قوله تعالى: وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا قال الزجاج: «أن» في موضع نصب، لأن الباء محذوفة من «أن» ، المعنى: أجدر بترك العلم. تقول: جدير أن تفعل، وجدير بأن تفعل، كما تقول: أنت خليق بأن تفعل، أي: هذا الفعل ميسَّر فيك فاذا حذفت الباء لم يصلح إلا ب «أن» ، وإن أتيت بالباء، صلح ب «أن» وغيرها، فتقول: أنت جدير بأن تقوم وجدير بالقيام. فاذا قلت: أنت جديرٌ القيامَ، كان خطأً، وإنما صلح مع «أن» لأن «أن» تدل على الاستقبال، فكأنها عوض من المحذوف. فأما قوله تعالى: حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ فيعني به الحلال والحرام والفرائض. وقيل: المراد بالآية أن الأعم في العرب هذا. [سورة التوبة (9) : آية 98] وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) قوله تعالى: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ إذا خرج في الغزو، وقيل: ما يدفعه من الصدقة مَغْرَماً لأنه لا يرجو له ثواباً. قال ابن قتيبة: المغرم: هو الغُرم والخُسر. وقال ابن فارس: الغُرم: ما يلزم أداؤه، والغرام: اللازم، وسمي الغريم لإلحاحه. وقال غيره: وفي الالتزام ما لا يلزم. قوله تعالى: وَيَتَرَبَّصُ أي: وينتظر بِكُمُ الدَّوائِرَ أي: دوائر الزمان بالمكروه، بالموت، أو القتل، أو الهزيمة. وقيل: ينتظر موت الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المشركين. قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بضم السين. وقرأ نافع، وعاصم وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «السّوء» بفتح السين وكذلك قرءوا في سورة (الفتح) «1» ، والمعنى:
[سورة التوبة (9) : آية 99]
عليهم يعود ما ينتظرونه لك من البلاء. قال الفراء: وفتح السين من السَّوء هو وجه الكلام. فمن فتح أراد المصدر من: سُؤْتُه سَوْءاً ومَساءَةً، ومن رفع السين، جعله اسما، كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب. لا يجوز ضمّ السّين في قوله تعالى: ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ «1» ولا في قوله تعالى: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ «2» لأنه ضدٌّ لقولك: رجُلُ صِدْق. وليس للسوء ها هنا معنى في عذاب ولا بلاء، فيضمّ. [سورة التوبة (9) : آية 99] وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) قوله تعالى: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ قال ابن عباس: وهم من أسلم من الأعراب، مثل جُهينة، وأسلم، وغِفار. وفي قوله تعالى: وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قولان: أحدهما: في الجهاد. والثاني: في الصدقة. فأما القربات، فجمع قُربة، وهي: ما يقرِّب العبدَ من رضى الله ومحبته. قال الزجاج: وفي القربات ثلاثة أوجه: ضم الراء، وفتحها، وإسكانها. وفي المراد بصلوات الرسول قولان: أحدهما: استغفاره، قاله ابن عباس. والثاني: دعاؤه، قاله قتادة، وابن قتيبة، والزجاج، وأنشد الزجاج: عليكِ مثلُ الذي صَلَّيتِ فاغْتَمِضِي ... نَوْماً، فانَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مضطَجَعا «3» قال: إن شئتَ قلتَ: مثلَ الذي، ومثلُ الذي فالأول أَمْرٌ لها بالدعاء، كأنه قال: ادعي لي مثل الذي دعوتِ. والثاني بمعنى: عليكِ مثلُ هذا الدعاء. قوله تعالى: أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «قربةٌ لهم» خفيفة. وروى ورش، وإسماعيل بن جعفر عن نافع، وأبان، والمفضل عن عاصم: «قُرُبةٌ لهم» بضم الراء. وفي المشار إليها وجهان: أحدهما: أن الهاء ترجع إلى نفقتهم وإيمانهم. والثاني: إلى صلوات الرسول. قوله تعالى: سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ قال ابن عباس: في جنّته. [سورة التوبة (9) : آية 100] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ فيهم ستة أقوال: أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وقتادة. والثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، وهي الحديبية، قاله الشعبي. والثالث: أنهم أهل بدر، قاله عطاء بن أبي رباح. والرابع: أنهم جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حصل لهم السبق بصحبته. قال محمد بن كعب القرظي: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وأوجب لهم الجنّة محسنهم ومسيئهم
[سورة التوبة (9) : آية 101]
في قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ. والخامس: أنهم السابقون بالموت والشهادة، سبقوا إلى ثواب الله تعالى. ذكره الماوردي. والسادس: أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة، ذكره القاضي أبو يعلى. قوله تعالى: مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ قرأ يعقوب: «والأنصارُ» برفع الراء. قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ من قال: إن السابقين جميع الصحابة، جعل هؤلاء تابعي الصحابة، وهم الذين لم يصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: والذين اتَّبعوهم باحسان إلى أن تقوم الساعة. ومن قال: هم المتقدمون من الصحابة، قال: هؤلاء تبعوهم في طريقهم، واقتدَوْا بهم في أفعالهم، ففضِّل أولئك بالسبق، وإن كانت الصحبة حاصلة للكل. وقال عطاء: اتباعهم إياهم باحسان: أنهم يذكرون محاسنهم ويترحَّمون عليهم. قوله تعالى: تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ قرأ ابن كثير: «من تحتها» فزاد «من» وكسر التاء الثانية. وقوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يعم الكل، قال الزجاج: رضي الله أفعالهم، ورضوا ما جازاهم به. [سورة التوبة (9) : آية 101] وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (101) قوله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ قال ابن عباس: مُزَينة، وجُهيَنة، وأسلَم، وغِفار، وأشجع، كان فيهم بعد إسلامهم منافقون. قال مقاتل: وكانت منازلهم حول المدينة. وقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ قال ابن عباس: مرنوا عليه وثبتوا، منهم عبد الله بن أُبَيّ، وجَدّ بن قيس، والجلاس، ومعتِّب، ووَحْوَح، وأبو عامر الراهب. وقال أبو عبيدة: عَتَوْا ومَرَنُوا عليه، وهو من قولهم: تمرَّد فلان، ومنه: شيطان مريد. فان قيل: كيف قال: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا، وليس يجوز في الكلام: مِن القوم قعدوا؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن تكون «من» الثانية مردودة على الأولى والتقدير: وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون، ثم استأنف «مردوا» . والثاني: أن يكون في الكلام «مَنْ» مضمر، تقديره: ومن أهل المدينة مَنْ مردوا فأُضمرت «مَنْ» لدلالة «من» عليها، كقوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ «1» يريد: إلا مَنْ له مقام معلوم وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله تعالى: «منافقون» . والثالث: أن «مَرَدُوا» متعلق بمنافقين، تقديره: ومِنْ أهل المدينة منافقون مَرَدُوا، ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري. قوله تعالى: لا تَعْلَمُهُمْ فيه وجهان: أحدهما: لا تعلمهم أنت حتى نُعْلِمَكَ بهم. والثاني: لا تعلم عواقبهم. قوله تعالى: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ فيه عشرة أقوال «2» : أحدها: أن العذاب الأول في الدنيا، وهو فضيحتهم بالنفاق. والعذاب الثاني: عذاب القبر، قاله ابن عباس.
[سورة التوبة (9) : آية 102]
(749) قال: وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيباً، فقال: «يا فلان اخرج فانك منافق، ويا فلان اخرج» ففضحهم. والثاني: أن العذاب الأول: إقامة الحدود عليهم، والثاني: عذاب القبر وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أن أحد العذابين: الزكاة التي تؤخذ منهم، والآخر: الجهاد الذي يُّؤْمَرون به، قاله الحسن. والرابع: الجوع، وعذاب القبر، رواه شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال أبو مالك. والخامس: الجوع والقتل، رواه سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. والسادس: القتل والسبي، رواه معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال ابن قتيبة: القتل والأسر. والسابع: أنهم عُذِّبِوا بالجوع مرتين، رواه خُصَيف عن مجاهد. والثامن: أن عذابهم في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد، وفي الآخرة بالنار، قاله ابن زيد. والتاسع: أن الأول: عند الموت، تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، والثاني: في القبر بمنكر ونكير، قاله مقاتل بن سليمان. والعاشر: أن الأول بالسيف، والثاني عند الموت قاله مقاتل بن حيان. قوله تعالى: ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ يعني عذاب جهنّم. [سورة التوبة (9) : آية 102] وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ اختلفوا فيمن نزلت على قولين: (750) أحدهما: أنهم عشرة رهط تخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلمّا دنا رجوع النبيّ صلى الله عليه وسلم، أوثق سبعةٌ منهم أنفسَهم بسواري المسجد. فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «من هؤلاء» ؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلَّفوا عنك، فأقسموا بالله لا يطلقون أنفسهم حتى تطلقهم أنت وتعذرهم، فقال: «وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلَّفوا عن الغزو مع المسلمين» ، فنزلت هذه الآية، فأرسل إليهم فأطلقهم وعذرهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (751) وروى العوفي عن ابن عباس أن الذين تخلفوا كانوا ستة، فأوثق أبو لبابة نفسه ورجلان
[سورة التوبة (9) : آية 103]
معه، وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم، فلما نزلت هذه الآية، أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن خِذام الأنصاري. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وزيد بن أسلم: كانوا ثمانية. وقال قتادة: ذُكر لنا أنهم كانوا سبعة «1» . والثاني: أنها نزلت في أبي لبابة وحده. واختلفوا في ذنبه على قولين: أحدهما: أنه خان الله ورسوله باشارته إلى بني قريظة حين شاوروه في النزول على حكم سعد أنه الذبح، وهذا قول مجاهد، وقد شرحناه في سورة الأنفال «2» . والثاني: أنه تخلُّفه عن تبوك. قاله الزهري. فأما الاعتراف، فهو الاقرار بالشيء عن معرفة. والاعتراف بالذنب أدعى إلى صدق التوبة والقبول. قوله تعالى: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً قال ابن جرير: وُضع الواوُ مكان الباء، والمعنى: بآخر سيء، كما يقال: خلطت الماءَ واللبن. وفي ذلك العمل قولان: أحدهما: أن العمل الصالح: ما سبق من جهادهم، والسّيئ: التأخر عن الجهاد، قاله السدي. والثاني: أن العمل الصالح: توبتهم، والسّيئ: تخلّفهم، ذكره الفرّاء. وفي قوله تعالى: عَسَى اللَّهُ قولان: أحدهما: أنه واجب من الله تعالى، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ترديد لهم بين الطمع والإشفاق، وذلك يصد عن اللهو والإهمال. [سورة التوبة (9) : آية 103] خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً. (752) قال المفسّرون: لمّا تاب الله عزّ وجلّ على أبي لبابة وأصحابه، قالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا فتصدق بها عنا، فقال «ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً» فنزلت هذه الآية.
[سورة التوبة (9) : الآيات 104 إلى 105]
وفي هذه الصدقة قولان «1» : أحدهما: أنها الصدقة التي بذلوها تطوعاً، قاله ابن زيد، والجمهور. والثاني: الزكاة، قاله عكرمة. قوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وقرأ الحسن «تطهرْهم بها» بجزم الراء. قال الزجاج: يصلح أن يكون قوله: «تطهرهم» نعتاً للصدقة كأنه قال: خذ من أموالهم صدقة مطهّرة. والأجود أن يكون للنبيّ صلى الله عليه وسلم، المعنى: فانك تطهرهم بها ف «تطهرْهم» بالجزم، على جواب الأمر، المعنى: إن تأخذ من أموالهم، تطهرْهم. ولا يجوز في: «تُزكِّيهم» إلا إثبات الياء. اتّباعاً للمصحف. قال ابن عباس: «تطهرهم» من الذنوب، «وتزكيهم» : تصلحهم. وفي قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ قولان: أحدهما: استغفر لهم، قاله ابن عباس. والثاني: ادع لهم، قاله السدي. قوله تعالى: إِنَّ صَلاتَكَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم «إن صلواتك» على الجمع. وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم «إن صلاتك» على التوحيد. وفي قوله تعالى: سَكَنٌ لَهُمْ خمسة أقوال: أحدها: طمأنينة لهم أن الله قد قَبِلَ منهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وقال أبو عبيدة: تثبيت وسكون. والثاني: رحمة لهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: قُرْبَةٌ لهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع: وَقَارٌ لهم، قاله قتادة. والخامس: تزكية لهم، حكاه الثعلبي. قال الحسن وقتادة: وهؤلاء سوى الثلاثة الذين خلّفوا. [سورة التوبة (9) : الآيات 104 الى 105] أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ قرأ الجمهور «يعلموا» بالياء. وروى عبد الوارث «تعلموا» بالتاء. وقوله تعالى: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ قال أبو عبيدة: أي: من عَبيده، تقول: أخذته منك، وأخذته عنك. وقوله تعالى: وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ قال ابن قتيبة: أي: يقبلها. ومثله: خُذِ الْعَفْوَ «2» أي: اقبله.
[سورة التوبة (9) : آية 106]
قوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا قال ابن زيد: هذا خطاب للذين تابوا. [سورة التوبة (9) : آية 106] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) قوله تعالى: «وآخرون مرجؤون» وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي مُرْجَوْنَ بغير همز. (753) والآية نزلت في كعب بن مالك، ومُرارةَ بن الربيع، وهلال بن أمية، وكانوا فيمن تخلف عن تبوك من غير عذر، ثم لم يبالغوا في الاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم، ونهى الناس عن كلامهم ومخالطتهم حتى نزل قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا «1» . قال الزجاج: «وآخرون» عطف على قوله: «ومن أهل المدينة» ، فالمعنى: منهم منافقون، ومنهم «آخرون مرجَوْن» أي: مؤخَّرون و «إما» لوقوع أحد الشيئين، والله تعالى عالم بما يصير إليه أمرهم، لكنه خاطب العباد بما يعلمون، فالمعنى: ليكن أمرهم عندكم على الخوف والرجاء. قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي: عليم بما يؤول إليه حالهم، حكيم بما يفعله بهم. [سورة التوبة (9) : آية 107] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (107) قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «والذين» بواو، وكذلك هي في مصاحفهم. وقرأ نافع، وابن عامر: «الذين» بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام. قال أبو علي: من قرأ بالواو، فهو معطوف على ما قبله، نحو قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ «2» ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ «3» وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ «4» ، والمعنى: ومنهم الذين اتخذوا مسجداً. ومن حذف الواو، فعلى وجهين: أحدهما: أن يضمر- ومنهم الذين اتّخذوا- كقوله تعالى: أَكَفَرْتُمْ، المعنى: فيقال لهم: أكفرتم. والثاني: أن يضمر الخبر بعدُ، كما أُضمر في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ «5» المعنى: يُنتقم منهم ويعذَّبون. (754) قال أهل التفسير: لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فأتاهم، فصلى فيه حسدهم إخوتهم بنو غَنْم بن عَوف، وكانوا من منافقي الأنصار، فقالوا: نبني مسجداً، ونرسل إلى رسول الله فيصلي فيه، ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام وكان أبو عامر قد ترهَّب في الجاهلية وتنصَّر، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، عاداه، فخرج إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن أعدّوا ما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجداً، فاني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند الروم فأُخرج محمداً وأصحابه، فبنوا هذا المسجد إلى جنب مسجد قباء وكان الذين بنوه اثني عشر رجلاً: خِذام بن خالد ومِن داره أُخرج المسجد، ونَبْتَل بن الحارث، وبِجِاد بن عثمان، وثعلبة بن حاطب، ومُعتِّب بن قُشير، وعبَّاد بن حُنَيف، ووديعة بن ثابت، وأبو حبيبة بن الأزعر، وجارية بن عامر، وابناه يزيد ومُجمِّع وكان مُجمِّع إمامهم فيه، ثم صلحت حاله، وبحزج جد عبد الله بن حنيف، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أردتَ بما أرى» ؟ فقال: والله ما أردت إلا الحسنى، وهو كاذب. وقال مقاتل: الذي حلف مُجمِّع. (755) وقيل: كانوا سبعة عشر فلمّا فرغوا منه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنما قد ابتنينا مسجداً لذي العلَّة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصليَ فيه فدعا بقميصه ليلبسه، فنزل عليه القرآن وأخبره الله خبرهم، فدعا معن بن عدي، ومالك بن الدُّخشُم في آخرين، وقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وأحرِقوه» ، وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتُخذ كُناسة تُلقى فيها الجيف. ومات أبو عامر بالشام وحيداً غريباً. فأما التفسير، فقال الزجاج: «الذين» في موضع رفع، المعنى: ومنهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً. و «ضراراً» انتصب مفعولاً له، المعنى: اتخذوه للضرار والكفر والتفريق والإرصاد. فلما حذفت اللام، أفضى الفعل فنَصب. قال المفسرون: والضرار بمعنى المُضارّة لمسجد قباء، وَكُفْراً بالله ورسوله وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ لأنهم كانوا يصلُّون في مسجد قباء جميعاً، فأرادوا تفريق جماعتهم، والإرصاد: الانتظار، فانتظروا به مجيء أبي عامر، وهو الذي حارب الله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار. وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا أي: ما أردنا إِلَّا الْحُسْنى أي: ما أردنا بابتنائه إلا الحسنى وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: طاعة الله. والثاني: الجنة. والثالث: فعل التي هي أحسن من إقامة الدين والاجتماع للصلاة. وقد ذكرنا اسم الحالف.
[سورة التوبة (9) : آية 108]
[سورة التوبة (9) : آية 108] لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) قوله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أي: لا تصلِّ فيه أبداً. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى أي: بني على الطاعة، وبناه المتقون مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أي: منذ أول يوم. قال الزجاج: «مِنْ» في الزمان، والأصل: منذ ومذ، وهو الأكثر في الاستعمال. وجائز دخول «من» لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض، ومثله قول زهير: لِمَنِ الديارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ ... أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ شَهْرِ «1» وقيل معناه: مِن مَرِّ حِجج ومِن مَرِّ شهر. وفي هذا المسجد ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الذي فيه منبره وقبره. (756) روى سهل بن سعد أن رجلين اختلفا في عهد رسول الله في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد الرسول، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال «هو مسجدي هذا» وبه قال ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب. (757) والثاني: أنه مسجد قباء، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير،
وقتادة، وعروة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، ومقاتل. والثالث: أنه كل مسجد بني في المدينة، قاله محمد بن كعب. قوله تعالى: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا. سبب نزولها: (758) أن رجالاً من أهل قباء كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية، قاله الشعبي.
(759) قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية، أتاهم رسول الله فقال: «ما الذي أثنى الله به عليكم»
[سورة التوبة (9) : آية 109]
فقالوا: إنا نستنجي بالماء. فعلى هذا، المراد به الطهارة بالماء. وقال أبو العالية: أن يتطهروا من الذّنوب. [سورة التوبة (9) : آية 109] أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) قوله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي «أَسس» بفتح الألف في الحرفين جميعاً وفتح النون فيهما. وقرأ نافع وابن عامر «أُسس» بضم الألف «بنيانُه» برفع النون. والبنيان مصدر يراد به المبني. والتأسيس: إحكام أس البناء، وهو أصله، والمعنى: المؤسِّس بنيانه متقياً يخاف الله ويرجو رضوانه خير، أم المؤسس بنيانه غير متق؟ قال الزجاج: وشفا الشيء: حرفُه وحدُّه. والشفا مقصور، يكتب بالألف ويثنى شفوان. قوله تعالى: جُرُفٍ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي «جُرُف» مثقَّلاً. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: «جُرْف» ساكنة الراء. قال أبو علي: فالضم الأصل، والإسكان تخفيف، ومثله: الشُّغُل والشُّغْل. قال ابن قتيبة: المعنى: على حرف جرف هائر. والجرف: ما يتجرف بالسيول من الأودية. والهائر: الساقط. ومنه: تهوَّر البناء وانهار: إذا سقط. وقرأ ابن كثير: وحمزة «هار» بفتح الهاء. وأمال الهاء نافع وأبو عمرو. وعن عاصم كالقراءتين. قوله تعالى: فَانْهارَ بِهِ أي: بالباني فِي نارِ جَهَنَّمَ. قال الزجاج: وهذا مثل، والمعنى: أن بناء هذا المسجد كبناء على جرف جهنم يتهوَّر بأهله فيها. وقال قتادة: ذُكر لنا أنهم حفروا فيه حفرة فرؤي فيها الدخان. قال جابر: رأيت المسجد الذي بني ضراراً يخرج منه الدّخان. [سورة التوبة (9) : آية 110] لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) قوله تعالى: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ يعني: مسجد الضرار الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: شكّاً ونفاقاً، لأنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في بنائه، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: حسرة وندامة، لأنهم ندموا على بنائه، قاله ابن السائب ومقاتل. والثالث: أن المعنى: لا يزال هدم بنيانهم حزازة وغيظاً في قلوبهم، قاله السدي، والمبرِّد. قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ قرأ الأكثرون: «إلا» وهو حرف استثناء. وقرأ يعقوب «إلى أن» فجعله حرف جر. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «تُقَطَّع» بضم التاء. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: «تَقَطَّع» بفتح التاء. ثم في المعنى قولان:
[سورة التوبة (9) : آية 111]
أحدهما: إلا أن يموتوا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في آخرين. والثاني: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم، ذكره الزّجّاج. [سورة التوبة (9) : آية 111] إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ. (760) سبب نزولها أن الأنصار لما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلاً، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم» ، قالوا: فاذا فعلنا ذلك، فما لنا؟ قال: «الجنة» قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الآية، قاله محمد بن كعب القرظي. فأما اشتراء النفس فبالجهاد. وفي اشتراء الأموال وجهان: أحدهما: بالإِنفاق في الجهاد. والثاني: بالصدقات. وذِكْرُ الشّراء ها هنا مجاز لأن المشتري حقيقة هو الذي لا يملك المشترى، فهو كقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ «1» والمراد من الكلام أن الله أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم عن ذلك بالجنة فعبَّر عنه بالشراء لِما تضمن من عوض ومعوض. وكان الحسن يقول: لا والله، إنْ في الدنيا مؤمن إلا وقد أُخذت بيعته. وقال قتادة: ثامَنَهم والله فأغلى لهم. قوله تعالى: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم «فيَقتلون ويُقتَلون» فاعل ومفعول. وقرأ حمزة، والكسائي «فيُقتلون ويَقتُلون» مفعول وفاعل. قال أبو علي: القراءة الأولى بمعنى أنهم يَقتُلون أولاً ويُقتلون، والأخرى يجوز أن تكون في المعنى كالأولى، لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم فان لم يقدَّر فيه التقديم، فالمعنى: يقتُل من بقي منهم بعد قتل من قُتل، كما أن قوله تعالى: فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ «2» ما وهن من بقي بِقَتْلِ من قُتل. ومعنى الكلام: إن الجنة عوض عن جهادهم، قَتَلوا أو قُتلوا. وَعْداً عَلَيْهِ قال الزجاج: نصب «وعداً» بالمعنى، لأن معنى قوله: بِأَنَ
[سورة التوبة (9) : آية 112]
لَهُمُ الْجَنَّةَ: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا، قال: وقوله تعالى: فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يدل على أن أهل كل ملة أُمروا بالقتال ووُعدوا عليه الجنة. قوله تعالى: وَمَنْ أَوْفى أي: لا أحد أوفى بما وعد مِنَ اللَّهِ. فَاسْتَبْشِرُوا أي: فافرحوا بهذا البيع. [سورة التوبة (9) : آية 112] التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) قوله تعالى: التَّائِبُونَ. (761) سبب نزولها: أنه لما نزلت التي قبلها، قال رجل: يا رسول الله، وإن سرق وإن زنى وإن شرب الخمر؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. قال الزجاج: يصلح الرفع هاهنا على وجوه أحدها: المدح، كأنه قال: هؤلاء التائبون، أو هم التائبون. ويجوز أن يكون على البدل، والمعنى: يقاتل التائبون فهذا مذهب أهل اللغة، والذي عندي أنه رفعٌ بالابتداء، وخبره مضمر، المعنى: التائبون ومن ذُكر معهم لهم الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا إذا لم يقصدوا ترك الجهاد ولا العناد، لأن بعض المسلمين يجزئ عن بعض في الجهاد. وللمفسرين في قوله تعالى: التَّائِبُونَ قولان: أحدهما: الراجعون عن الشرك والنفاق والمعاصي. والثاني: الراجعون إلى الله في فعل ما أمر واجتناب ما حظر. وفي قوله تعالى: الْعابِدُونَ ثلاثة أقوال: أحدها: المطيعون لله بالعبادة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: المقيمون الصلاة، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثالث: الموحِّدون، قاله سعيد بن جبير. قوله تعالى: الْحامِدُونَ قال قتادة: يحمدون الله تعالى على كل حال. وفي السائحين أربعة أقوال: أحدها: الصائمون، قاله ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة في آخرين. قال الفراء: ويرى أهل النظر أن الصائم إنما سمي سائحاً تشبيهاً بالسائح، لأن السائح لا زاد معه والعرب تقول للفرس إذا كان قائماً لا علف بين يديه: صائم، وذلك أن له قُوتين، غدوة وعشية، فشُبه به صيام الآدمي لتسحُّره وإفطاره. والثاني: أنهم الغزاة، قاله عطاء. والثالث: طلاب العلم، قاله عكرمة. والرابع: المهاجرون، قاله ابن زيد. قوله تعالى: الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ يعني في الصلاة الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وهو طاعة الله وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو معصية الله. فان قيل: ما وجه دخول الواو في قوله تعالى: وَالنَّاهُونَ؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن الواو إنما دخلت هاهنا لأنها الصفة الثامنة، والعرب تعطف بالواو على السّبعة، كقوله تعالى: وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ «1» وقوله في صفة الجنّة: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «2» ، ذكره جماعة من المفسرين. والثاني: أن الواو إنما دخلت على الناهين لأن الآمر بالمعروف ناه عن
[سورة التوبة (9) : الآيات 113 إلى 114]
المنكر في حال أمره، فكان دخول الواو دلالة على أن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، والسائحون بالسياحة دون الحامدين في بعض الأحوال والأوقات. قوله تعالى: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ قال الحسن: القائمون بأمر الله. [سورة التوبة (9) : الآيات 113 الى 114] ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (113) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ في سبب نزولها أربعة أقوال: (762) أحدها: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أميّة، فقال: «أي عم، قل معي: لا إله إلا الله، أحاجُّ لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزالا يكلِّمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: أنا على ملَّة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنك» ، فنزلت ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية، ونزلت: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ «1» أخرجه البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه. (763) وقيل: إنه لمّا مات أبو طالب، جعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستغفر له، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا، وقد استغفر ابراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه؟ فاستغفروا للمشركين، فنزلت هذه الآية. قال أبو الحسين بن المنادي: هذا لا يصح، إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمّه «لأستغفرنّ لك ما لم أُنهَ عنك» قبل أن يموت، وهو في السياق، فأما أن يكون استغفر له بعد الموت، فلا، فانقلب ذلك على الرواة، وبقي على انقلابه. (764) والثاني: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبر أمه آمنة، فتوضأ وصلى ركعتين، ثمّ بكى فبكى الناس
لبكائه، ثم انصرف إليهم، فقالوا: ما الذي أبكاك؟ فقال: «مررت بقبر أمي فصليت ركعتين، ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها، فنُهيت، فبكيت، ثم عدت فصلّيت ركعتين، واستأذنت ربي أن أستغفر لها، فزُجرت زجراً، فأبكاني» ، ثمّ دعا براحلته فركبها فما سار هنيّة، حتى قامت الناقة لثقل الوحي فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا والأية التي بعدها، رواه بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (765) والثالث: أن رجلاً استغفر لأبويه، وكانا مشركين، فقال له علي بن أبي طالب: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكر ذلك عليّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، رواه أبو الخليل عن علي عليه السلام. (766) والرابع: أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال: «بلى، والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» ، فنزلت هذه الآية، وبيَّن عذر إبراهيم، قاله قتادة. ومعنى قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي: من بعد ما بان أنهم ماتوا كفاراً. قوله تعالى: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فيه قولان: أحدهما: أن إبراهيم وعد أباه الاستغفار، وذلك قوله تعالى: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي «1» ، وما كان يعلم أن الاستغفار للمشركين محظور حتى أخبره الله تعالى بذلك. والثاني: أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن فلما تبيَّن لإبراهيم عداوة أبيه لله تعالى بموته على الكفر، ترك الدعاء له. فعلى الأول، تكون هاء الكناية في «إيَّاه» عائدة على آزر، وعلى الثاني، تعود على إبراهيم. وقرأ ابن السميفع، ومعاذ القارئ، وأبو نهيك: «وعدها أباه» بالباء.
[سورة التوبة (9) : الآيات 115 إلى 116]
وفي الأوَّاه ثمانية أقوال «1» : (767) أحدها: أنه الخاشع الدَّعَّاء المتضرع، رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنه الدَّعَّاء، رواه زِرٌّ عن عبد الله، وبه قال عبيد بن عمير. والثالث: الرحيم، رواه أبو العبيد بن العامري عن ابن مسعود، وبه قال الحسن، وقتادة، وأبو ميسرة. والرابع: أنه الموقن، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والضحاك. والخامس: أنه المؤمن، رواه العوفي، ومجاهد، وابن أبي طلحة عن ابن عباس. والسادس: أنه المسبِّح، رواه أبو إسحاق عن أبي ميسرة، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن جبير. والسابع: أنه المتأوِّه لذِكر عذاب الله، قاله الشعبي. قال أبو عبيدة: مجاز أواه مجاز فَعّال من التأوّه، ومعناه: متضرِّع شَفَقَاً وفَرَقاً ولزوماً لطاعة ربه، قال المُثَقَّب: إذا ما قمتُ أرْحَلُها بليل ... تأَوَّهُ آهةَ الرجل الحزينِ «2» والثامن: أنه الفقيه، رواه ابن جريج عن مجاهد. فأما الحليم، فهو الصّفوح عن الذّنوب. [سورة التوبة (9) : الآيات 115 الى 116] وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (116) قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً الآية. (768) سبب نزولها: أنه لما نزلت آية الفرائض، وجاء النسخ، وقد غاب قوم وهم يعلمون بالأمر الأول مثل أمر القبلة والخمر، ومات أقوام على ذلك، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال قوم: المعنى: أنه بيَّن أنه لم يكن ليأخذهم بالاستغفار للمشركين قبل تحريمه، فاذا حرَّمه ولم يمتنعوا عنه، فقد ضلوا. وقال ابن الأنباري: في الآية حذف واختصار، والتأويل: حتى يتبين لهم ما يتقون، فلا يتقونه، فعند ذلك يستحقون الضّلال فحذف ما حذف لبيان معناه، كما تقول العرب: أمرتك بالتجارة فكسبتَ الأموال يريدون: فتجرت فكسبت.
[سورة التوبة (9) : آية 117]
[سورة التوبة (9) : آية 117] لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (117) قوله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ قال المفسرون: تاب عليه من إذنه للمنافقين في التخلُّف. وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام، وذلك أنه لما كان سببَ توبة التّائبين، ذكر معهم، كقوله تعالى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ «1» . قوله تعالى: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ قال الزجاج: هم الذين اتبعوه في غزوة تبوك، والمراد بساعة العسرة: وقت العسرة، لأن الساعة تقع على كل الزمان، وكان في ذلك الوقت حرٌّ شديدٌ، والقوم في ضيقة شديدة، كان الجمل بين جماعة يعتقبون عليه، وكانوا في فقر، فربما اقتسم التمرة اثنان، وربما مص التمرة الجماعة ليشربوا عليها الماء، وربما نحروا الإبل فشربوا من ماء كروشها من الحر. (769) وقيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن ساعة العسرة فقال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستتقطع، حتى إن الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنّ الله تعالى قد عوَّدك في الدعاء خيراً، فادع لنا. قال: «تحب ذلك» ؟ قال: نعم. فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ قرأ حمزة، وحفص عن عاصم: «كاد يزيغ» بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: تميل إلى التخلف عنه، وهم ناس من المسلمين هَمُّوا بذلك، ثم لحقوه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن القلوب مالت إلى الرجوع للشدة التي لقوها، ولم تَزِغ عن الإيمان، قاله الزجاج. والثالث: أن القلوب كادت تزيغ تلفاً بالجهد والشدة، ذكره الماوردي. قوله تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ كرر ذكر التوبة، لأنه ليس في ابتداء الآية ذكر ذنبهم، فقدم ذِكر التوبة فضلاً منه، ثم ذكر ذنبهم، ثم أعاد ذكر التّوبة. [سورة التوبة (9) : آية 118] وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وقرأ أبو رزين، وأبو مجلز، والشعبي، وابن يعمر:
[سورة التوبة (9) : آية 119]
«خالفوا» بألف. وقرأ معاذ القارئ، وعكرمة، وحميد: «خَلَفُوا» بفتح الخاء واللام المخففة. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو العالية: «خَلَّفوا» بفتح الخاء واللام مع تشديدها. وهؤلاء هم المرادون بقوله تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ وقد تقدّمت أسماؤهم. وفي معنى «خُلّفوا» قولان: أحدهما: خُلِّفوا عن التوبة، قاله ابن عباس، ومجاهد. فيكون المعنى: خُلِّفوا عن توبة الله على أبي لبابة وأصحابه إذ لم يخضعوا كما خضع أولئك. والثاني: خُلِّفوا عن غزوة تبوك، قاله قتادة. وحديثهم مندرج في توبة كعب بن مالك «1» ، وقد رويتها في كتاب «الحدائق» . قوله تعالى: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي: ضاقت مع سَعَتها. (770) وذلك أن المسلمين مُنعوا من معاملتهم وكلامهم، وأُمروا باعتزال أزواجهم، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم مُعرِضاً عنهم. وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ بالهمِّ والغمِ. وَظَنُّوا أي: أيقنوا أَنْ لا مَلْجَأَ أي: لا معتصَم من الله ومن عذابه إلا هو. ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ أعاد التوبة تأكيداً، لِيَتُوبُوا قال ابن عباس: ليستقيموا. وقال غيره: وفَّقهم للتوبة ليدوموا عليها ولا يرجعوا إلى ما يبطلها. وسئل بعضهم عن التوبة النصوح، فقال: أن تضيق على التائب الارضُ، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب وصاحبيه. [سورة التوبة (9) : آية 119] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ في سبب نزولها قولان: أحدهما: أنها نزلت في قصة الثلاثة المتخلِّفين. والثاني: أنها في أهل الكتاب. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمّد صلى الله عليه وسلم وكونوا مع الصادقين. وفي المراد بالصادقين خمسة أقوال: أحدها: أنه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن عمر. والثاني: أبو بكر وعمر، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. وقد قرأ ابن السّميفع، وأبو المتوكّل، ومعاذ القارئ: «مع الصَّادِقَيْنِ» بفتح القاف وكسر النون على التثنية. والثالث: أنهم الثلاثة الذين خُلِّفوا، صدقوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن تأخُّرهم، قاله السدي. والرابع: أنهم المهاجرون، لأنهم لم يتخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد، قاله ابن جريج. قال أبو سليمان الدمشقي. وقيل: إن أبا بكر الصديق احتج بهذه الآية يوم السقيفة، فقال: يا معشر الأنصار، إن الله يقول في كتابه: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا إلى قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ من هم؟ قالت الأنصار: أنتم هم. قال: فان الله تعالى يقول: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا أن نكون معكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء. والخامس: أنه عامّ، قاله قتادة. و «مع» بمعنى: «مِنْ» ، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود: «وكونوا من الصادقين» .
[سورة التوبة (9) : الآيات 120 إلى 121]
[سورة التوبة (9) : الآيات 120 الى 121] ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (121) قوله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ قال ابن عباس: يعني: مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في غزوة غزاها، وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ لا يرضَوا لأنفسهم بالخفض والدّعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرِّ والمشقة. يقال: رغبت بنفسي عن الشيء: إذا ترفعت عنه. قوله تعالى: ذلِكَ أي: ذلك النهي عن التخلُّف بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وهو العطش، وَلا نَصَبٌ وهو التّعب، وَلا مَخْمَصَةٌ وهي المجاعة، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أسراً أو قتلا أو هزيمة، فأعلمهم الله أنه يجازيهم على جميع ذلك. قوله تعالى: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً قال ابن عباس: تمرة فما فوقها، وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً مقبلين أو مدبرين إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أي: أُثبت لهم أجر ذلك، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ أي: بأحسن ما كانُوا يَعْمَلُونَ. فصل: قال شيخنا علي بن عبيد الله: اختلف المفسرون في هذه الآية، فقالت طائفة: كان في أول الأمر لا يجوز التّخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان الجهاد يلزم الكل ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً وقالت طائفة: فرض الله تعالى على جميع المؤمنين في زمان النبيّ صلى الله عليه وسلم ممن لا عذر له الخروج معه لشيئين: أحدهما: أنه من الواجب عليهم أن يَقُوه بأنفسهم. والثاني: أنه إذا خرج الرسول فقد خرج الدِّين كلُّه، فأُمروا بالتظاهر لئلا يقلَّ العدد، وهذا الحكم باقٍ إلى وقتنا فلو خرج أمير المؤمنين إلى الجهاد، وجب على عامة المسلمين متابعته لما ذكرنا. فعلى هذا، الآية محكمة. قال أبو سليمان: لكل آية وجهها، وليس للنسخ على إحدى الآيتين طريق. [سورة التوبة (9) : آية 122] وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) قوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً في سبب نزولها أربعة أقوال «1» :
(771) أحدها: أنه لمّا أنزل الله عزّ وجلّ عيوب المنافقين في غزوة تبوك، قال المؤمنون: والله لا نتخلَّف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سريَّة أبداً. فلما أرسل السرايا بعد تبوك، نفر المسلمون جميعاً، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. (772) والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على مضر، أجدبت بلادهم فكانت القبيلة منهم تقبل
[سورة التوبة (9) : الآيات 123 إلى 126]
بأسرها إلى المدينة من الجُهد ويظهرون الإسلام وهم كاذبون فضيَّقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (773) والثالث: أن ناساً أسلموا، وخرجوا إلى البوادي يعلِّمون قومهم، فنزلت: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ «1» ، فقال ناس من المنافقين: هلك من لم ينفر من أهل البوادي، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. (774) والرابع: أن ناساً خرجوا إلى البوادي يعلِّمون الناس ويَهدونهم، ويصيبون من الحطب ما ينتفعون به فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فأقبلوا من البادية كلهم، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد. قال الزجاج: ولفظ الآية لفظ الخبر، ومعناها الأمر، كقوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ «2» ، والمعنى: ينبغي أن ينفر بعضهم، ويبقى البعض. قال الفراء: ينفِر وينفُر، بكسر الفاء وضمها، لغتان. واختلف المفسرون في المراد بهذا النفير على قولين: أحدهما: أنه النفير إلى العدو، فالمعنى: ما كان لهم أن ينفروا بأجمعهم، بل تنفر طائفة، وتبقى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم طائفة. لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ يعني الفرقةَ القاعدين. فاذا رجعت السرايا، وقد نزل بعدهم قرآن أو تجدَّد أمر، أعلموهم به وأنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس. والثاني: أنه النفير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تنفر منهم طائفة ليتفقه هؤلاء الذين ينفرون، ولينذروا قومهم المتخلِّفين، هذا قول الحسن، وهو أشبه بظاهر الآية. فعلى القول الأول، يكون نفير هذه الطائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خرج إلى غزاة أو مع سراياه. وعلى القول الثاني، يكون نفير الطائفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لاقتباس العلم. [سورة التوبة (9) : الآيات 123 الى 126] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (125) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ قد أُمر بقتال الكفار على العموم، وإنما يُبتدَأ بالأقرب فالأقرب. وفي المراد بمن يليهم خمسة أقوال: أحدها: أنهم الروم، قاله ابن عمر. والثاني: قريظة والنضير وخيبر وفدك، قاله ابن عباس. والثالث: الديلم، قاله الحسن. والرابع: العرب، قاله ابن زيد. والخامس: أنه عام في قتال الأقرب فالأقرب، قاله قتادة. وقال الزّجّاج: وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي أن يقاتل أهل كل ثغر الذين يلونهم. قال: وقيل: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم ربّما تخطّى في حربه الذين
[سورة التوبة (9) : آية 127]
يلونه من الأعداء ليكون ذلك أهْيَبَ له، فأُمر بقتال من يليه ليُستَنَّ بذلك. وفي الغلظة ثلاث لغات: غِلظة، بكسر الغين وبها قرأ الأكثرون. وغَلظة، بفتح الغين، رواها جبلة عن عاصم، وغُلظة، بضم الغين، رواها المفضل عن عاصم، ومثلها: جِذوة وجَذوة وجُذوة، ووِجنة ووَجنة ووُجنة، ورِغوة ورَغوة ورُغوة، ورِبوة ورَبوة ورُبوة، وقِسوة وقَسوة وقُسوة، وإِلوة وأَلوة وأُلوة، في اليمين. وشاة لِجْبة ولَجْبة ولُجْبة: قد ولىَّ لبنها. قال ابن عباس في قوله «غلظة» : شجاعة. وقال مجاهد: شدة. قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً هذا قول المنافقين بعضهم لبعض استهزاءً بقول الله تعالى. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً لأنهم إذا صدَّقوا بها وعملوا بما فيها، زادتهم إيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي: يفرحون بنزولها وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: شك ونفاق. وفي المراد بالرجس ثلاثة أقوال: أحدها: الشك، قاله ابن عباس. والثاني: الإثم، قاله مقاتل. والثالث: الكفر، لأنهم كلما كفروا بسورة زاد كفرهم، قاله الزجاج. قوله تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ يعني المنافقين. وقرأ حمزة: «أولا ترون» بالتاء على الخطاب للمؤمنين. وفي معنى يُفْتَنُونَ ثمانية أقوال «1» . أحدها: يكذبون كذبة أو كذبتين يُضلِّون بها، قاله حذيفة بن اليمان. والثاني: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: يُبْتَلَوْنَ بالغزو في سبيل الله، قاله الحسن، وقتادة. والرابع: يُفْتَنون بالسَّنَة والجوع، قاله مجاهد. والخامس: بالأوجاع والأمراض، قاله عطية. والسادس: يَنقضُون عهدهم مرة أو مرّتين، قاله يمان. والسابع: يكافرون، وذلك أنهم كانوا إذا أخبرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بما تكلَّموا به إذ خَلَوْا، علموا أنه نبي، ثم يأتيهم الشيطان فيقول: إنما بلغه هذا عنكم، فيشركون، قاله مقاتل بن سليمان. والثامن: يُفضَحون باظهار نفاقهم، قاله مقاتل بن حيان. قوله تعالى: ثُمَّ لا يَتُوبُونَ أي من نفاقهم وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ أي يعتبرون ويتّعظون. [سورة التوبة (9) : آية 127] وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (127) قوله تعالى: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ. (775) قال ابن عباس: كانت إذا أُنزلت سورة فيها عيب المنافقين، وخطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرَّض بهم في خطبته، شق ذلك عليهم ونظر بعضهم إلى بعض يريدون الهرب يقولون: هَلْ
[سورة التوبة (9) : آية 128]
يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ من المؤمنين إن قمتم؟ فان لم يرهم أحد خرجوا من المسجد. قال الزجاج: كأنهم يقولون ذلك إيماءً لئلا يعلم بهم أحد، ثُمَّ انْصَرَفُوا عن المكان، وجائز عن العمل بما يسمعون. وقال الحسن: ثم انصرفوا على عزم التّكذيب بمحمّد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. قوله تعالى: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ قال ابن عباس: عن الإيمان. وقال الزّجّاج: أضلّهم مجازاة على فعلهم. [سورة التوبة (9) : آية 128] لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (128) قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ قرأ الجمهور بضم الفاء. وقرأ ابن عباس، وأبو العالية، والضحاك، وابن محيصن. ومحبوب عن أبي عمرو: بفتحها. وفي المضمومة أربعة أقوال: أحدها: من جميع العرب، قاله ابن عباس وقال: ليس في العرب قبيلة إلّا وقد ولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: ممن تعرفون، قاله قتادة. والثالث: من نكاحٍ لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، قاله جعفر الصّادق. والرابع: بشر مثلكم، فهو آكد للحجة، لأنكم تفقهون عمَّن هو مثلكم، قاله الزجاج. وفي المفتوحة ثلاثة أقوال: أحدها: أفضلكم خُلُقاً. والثاني: أشرفكم نسبا. والثالث: أكثركم طاعة لله عزّ وجلّ. قوله تعالى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ فيه قولان: أحدهما: شديد عليه ما شقَّ عليكم، رواه الضحاك عن ابن عباس. قال الزجاج: شديد عليه عنتكم. والعنت: لقاء الشدة. والثاني: شديد عليه ما آثمكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قوله تعالى: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ قال ابن عباس: سماه باسمين من أسمائه. وقال أبو عبيدة: «رؤوف» فعول، من الرأفة، وهي أرق من الرحمة ويقال: «رؤف» ، وأنشد: ترى للمؤمنين عليك حقاً ... كفعل الوالد الرؤف الرحيم «1» وقيل: رؤوف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين. [سورة التوبة (9) : آية 129] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: أعرضوا عن الإيمان فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ أي: يكفيني رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. وقرأ ابن محيصن: «العظيمُ» برفع الميم. وإنما خص العرش بالذِّكر، لأنه الأعظم، فيدخل فيه الأصغر. (776) قال أُبيّ بن كعب: آخر آية أُنزلت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ إلى آخر السّورة.
سورة يونس
سورة يونس فصل في نزولها: روى عطيّة، وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكيّة، وبه قال الحسن، وعكرمة. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن فيها من المدني قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ «1» الآية. وفي رواية عن ابن عباس: فيها ثلاث آيات من المدنيّ، أوّلها قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ «2» إلى رأس ثلاث آيات، وبه قال قتادة. وقال مقاتل: هي مكيّة، غير آيتين، قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ والتي تليها. وقال بعضهم: هي مكيّة إلا آيتين، وهي قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ «3» والتي تليها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة يونس (10) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (1) فأمّا قوله تعالى: الر: قرأ ابن كثير: «الر» بفتح الراء، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «الر» على الهجاء مكسورة. وقد ذكرنا في أول سورة «البقرة» ما يشتمل على بيان هذا الجنس. وقد خُصَّت هذه الكلمة بستة أقوال «4» : أحدها: أن معناها: أنا الله أرى، رواه الضحاك عن ابن عباس «5» . والثاني: أنا الله الرحمن، رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث: أنه بعض اسم من أسماء الله. روى عكرمة عن ابن عباس قال: «آلر» و «حم» و «نون» حروف الرحمن. والرابع: أنه قَسَمٌ أقسم الله به، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والخامس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله مجاهد، وقتادة. والسادس: أنه اسم للسورة، قاله ابن زيد. وفي قوله تعالى: تِلْكَ قولان: أحدهما: أنه بمعنى «هذه» ، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره أبو عبيدة. والثاني: أنه على أصله. ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ الإشارة إلى الكتاب المتقدمة من التوراة والإِنجيل. قاله مجاهد، وقتادة فيكون المعنى: هذه الأقاصيص التي تسمعونها، تلك
[سورة يونس (10) : الآيات 2 إلى 3]
الآيات التي وصفت في التوراة والإِنجيل. والثاني: أن الإِشارة إِلى الآيات التي جرى ذكرها، من القرآن، قاله الزجاج. والثالث: أن «تلك» إِشارة إِلى «الر» وأخواتها من حروف المعجم، أي: تلك الحروف المفتتحة بها السُّوَر هي آياتُ الْكِتابِ لأن الكتاب بها يتلى، وألفاظه إِليها ترجع، ذكره ابن الأنباري. قال أبو عبيدة: الْحَكِيمِ بمعنى المحكَم المبيَّن الموضَّح. والعرب قد تضع فعيلاً في معنى مُفْعَل قال الله تعالى: ما لَدَيَّ عَتِيدٌ «1» أي: معدّ. [سورة يونس (10) : الآيات 2 الى 3] أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (2) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (3) قوله تعالى: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً: سبب نزولها: أنّ الله تعالى لمّا بعث محمّدا صلى الله عليه وسلم أنكرت الكفار ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد. فنزلت هذه الآية «2» . والمراد بالناس هاهنا: أهل مكة، والمراد بالرّجل: محمّد صلى الله عليه وسلم. ومعنى (منهم) : يعرفون نسبه، قاله ابن عباس. فأما الألِف فهي للتوبيخ والإِنكار. قال ابن الأنباري: والاحتجاج عليهم في كونهم عجبوا من إِرسال محمد، محذوف هاهنا، وهو مبيَّن في قوله: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ «3» أي: فكما وضح لكم هذا التفاضل بالمشاهدة فلا تنكروا تفضيل الله مَنْ شاء بالنبوة. وإنما حذفه هاهنا اعتماداً على ما بيَّنه في موضع آخر. قال: وقيل: إِنما عجبوا من ذكر البعث والنشور لأن الإِنذار والتبشير يتصلان بهما، فكان جوابهم في مواضع كثيرة يدل على كون ذلك مثل قوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ «4» ، وقوله: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ «5» . وفي المراد بقوله: قَدَمَ صِدْقٍ سبعة أقوال: أحدها: أنه الثواب الحسن بما قدَّموا من أعمالهم. رواه العوفي عن ابن عباس، وروى عنه أبو صالح قال: عمل صالح يَقْدمون عليه. والثاني: أنه ما سبق لهم من السعادة في الذِّكر الأول، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: سابقة صدق. والثالث: شفيع صدق، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم يوم القيامة. قاله الحسن. والرابع: سَلَفُ صدق تقدّموهم بالإِيمان، قاله مجاهد، وقتادة. والخامس: مقام صدق لا زوال عنه، قاله عطاء. والسادس: أن قدم الصِّدق: المنزلة الرفيعة. قاله الزجاج. والسابع: أن القدم هاهنا: مصيبة المسلمين بنبيّهم صلى الله عليه وسلم وما يلحقهم من ثواب الله عند أسفهم على فقده ومحبتهم لمشاهدته «6» ، ذكره ابن الأنباري.
[سورة يونس (10) : آية 4]
فإن قيل: لِم آثر القَدَم هاهنا على اليد، والعرب تستعمل اليد في موضع الإِحسان؟ فالجواب: أن القدم ذكرت هاهنا للتقدم، لأن العادة جارية بتقدُّم الساعي على قدميه، والعرب تجعلها كناية عن العمل الذي يُتقدَّم فيه ولا يقع فيه تأخُّر، قال ذو الرمة: لكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّها ... مع الحَسَب العادِيّ طَمَّتْ على البحر «1» فإن قيل: ما وجه إِضافة القدم إِلى الصدق؟ فالجواب: أن ذلك مدح للقدم، وكل شيء أضفته إِلى الصدق، فقد مدحته ومثله: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ «2» وقوله: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ «3» . وفي الكلام محذوف تقديره: أن أوحينا إِلى رجل منهم، فلما أتاهم الوحي قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «لَساحر» بألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «لَسحر» بغير ألف «4» . قال أبو علي: قد تقدّم قوله تعالى: أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ فمن قال: «ساحر» ، أراد الرجل، ومن قال: «سحر» أراد الذي أوحي سحر، أي: الذين تقولون أنتم فيه: إِنه وحي: سحر. قال الزجاج: لما أنذرهم بالبعث والنشور، فقالوا: هذا سحر، أخبرهم أنّ الذي خلق السماوات والأرض قادر على بعثهم بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ وقد سبق تفسيره في سورة الأعراف «5» . قوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قال مجاهد: يقضيه. وقال غيره: يأمر به ويمضيه. قوله تعالى: ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ فيه قولان: أحدهما: لا يشفع أحد إِلا أن يأذن له، قاله ابن عباس. قال الزجاج: لم يَجْرِ للشفيع ذِكر قبل هذا، ولكنَّ الذين خوطبوا كانوا يقولون: الأصنام شفعاؤنا. والثاني: أن المعنى: لا ثانيَ معه، مأخوذ من الشَّفْع «6» ، لأنه لم يكن معه أحد، ثم خلق الأشياء. فقوله تعالى: إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ أي: من بعد أمره أن يكون الخلق فكان. ذكره الماوردي. قوله تعالى: فَاعْبُدُوهُ: قال مقاتل: وحِّدوه. وقال الزّجّاج: المعنى: فاعبدوه وحده. وقوله تعالى: تَذَكَّرُونَ معناه: تتّعظون. [سورة يونس (10) : آية 4] إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (4)
[سورة يونس (10) : الآيات 5 إلى 10]
قوله تعالى: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ أي: مصيركم يوم القيامة. وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا قال الزجاج: «وَعْدَ الله» منصوب على معنى: وعدكم الله وعداً، لأن قوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ معناه: الوعد بالرجوع، و «حقاً» منصوب على: أحقّ ذلك حقّا. قوله تعالى: إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ قرأه الأكثرون بكسر الألف. وقرأت عائشة، وأبو رزين، وعكرمة، وأبو العالية، والأعمش «أنه» بفتحها. قال الزجاج: من كسر، فعلى الاستئناف، ومن فتح، فالمعنى: إِليه مرجعكم، لأنه يبدأ الخلق. قال مقاتل: يبدأ الخلق ولم يكن شيئا، ثم يعيده بعد الموت. فأمّا «القسط» فهو العدل. فإن قيل: كيف خصَّ جزاء المؤمنين بالعدل، وهو في جزاء الكافرين عادل أيضاً؟ فالجواب: أنه لو جمع الفريقين في القسط، لم يتبيَّن في حال اجتماعهما ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم والشرب من الحميم، ففصلهم من المؤمنين ليبيِّن ما يجزيهم به مما هو عدل أيضاً. ذكره ابن الأنباري. فأما الحميم: فهو الماء الحارُّ، وقال أبو عبيدة: كل حار فهو حميم. [سورة يونس (10) : الآيات 5 الى 10] هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (7) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (10) قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً قرأ الأكثرون: «ضياءً» بهمزة واحدة، وقرأ ابن كثير: «ضئاءً» بهمزتين في كل القرآن، أي: ذات ضياء. وَالْقَمَرَ نُوراً أي: ذا نور. وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ أي: قدَّر له، فحذف الجار، والمعنى: هيَّأ ويسَّر له منازل. قال الزجاج: الهاء ترجع إِلى «القمر» : لأنه المقدّر لعلم السنين والحساب. وقد يجوز أن يعود إِلى الشمس والقمر، فحذف أحدهما اختصاراً. وقال الفراء: إن شئتَ جعلت تقدير المنازل للقمر خاصة، لأن به تُعلمَ الشهور، وإن شئت جعلت التقدير لهما، فاكتفي بذكر أحدهما من صاحبه، كقوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «1» . قال ابن قتيبة: منازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً من أول الشهر إلى ثماني وعشرين ليلة، ثم يستسرُّ. وهذه المنازل، هي النجوم التي كانت العرب تنسب إِليها الأنواء، وأسماؤها عندهم: الشِّرََطان، والبُطَيْن، والثُّرَيَّا، والدَّبَرَان، والهَقْعة، والهَنْعة، والذِّراع، والنَّثْرة، والطَّرْفُ، والجبهة، والزُّبْرة، والصَّرْفة، والعَوَّاء، والسِّماك، والغَفْر، والزُّبَانَى، والإِكليل، والقلب، والشَّوْلَة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذَّابح، وسعد بُلَعْ، وسعد السُّعود، وسعد الأخبية، وفَرْغ الدَّلو المقدَّم، وفرغ الدلو المؤخّر، والرّشاء وهو الحوت.
قوله تعالى: ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي: للحق، من إِظهار صنعه وقدرته والدليل على وحدانيته. يُفَصِّلُ الْآياتِ: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «يفصِّل» بالياء. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «نفصِّل الآيات» بالنون، والمعنى: نُبَيِّنُها. لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: يستدلُّون بالأمارات على قدرته. قوله تعالى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ فيه قولان: أحدهما: يتقون الشرك. والثاني: عقوبةَ الله تعالى. فيكون المعنى: إِن الآيات لمن لم يحمله هواه على خلاف ما وضح له من الحق. قوله تعالى: لا يَرْجُونَ لِقاءَنا قال ابن عباس: لا يخافون البعث. وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا: اختاروا ما فيها على الآخرة وَاطْمَأَنُّوا بِها: آثروها. وقال غيره: ركنوا إِليها، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ فيها قولان: أحدهما: أنها آيات القرآن ومحمّد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. والثاني: ما ذكره في أول السورة من صنعه، قاله مقاتل. فأما قوله تعالى: غافِلُونَ فقال ابن عباس: مكذِّبون. وقال غيره: مُعْرِضون. قال ابن زيد: وهؤلاء هم الكفار. قوله تعالى: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قال مقاتل: من الكفر والتكذيب. قوله تعالى: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ فيه أربعة أقوال: أحدها: يهديهم إِلى الجنة ثواباً بإيمانهم. والثاني: يجعل لهم نوراً يمشون به بإيمانهم. والثالث: يزيدهم هدى بإيمانهم. والرابع: يثيبهم بإيمانهم، فأما الهداية فقد سبقت لهم. قوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ أي: تجري بين أيديهم وهم يرونها من علو. قوله تعالى: دَعْواهُمْ فِيها أي: دعاؤهم. وقد شرحنا ذلك في أول الأعراف «1» . وفي المراد بهذا الدعاء قولان: أحدهما: أنه استدعاؤهم ما يشتهون. قال ابن عباس: كلما اشتهى أهل الجنة شيئاً، قالوا: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فيأتيهم ما يشتهون، فاذا طعموا، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فذلك آخر دعواهم. وقال ابن جريج: إِذا مرَّ بهم الطير يشتهونه قالوا: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فيأتيهم المَلَكُ بما اشتَهَوْا، فيسلِّم عليهم فيردُّون عليه: فذلك قوله: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ. فإذا أكلوا حمِدوا ربهم فذلك قوله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. والثاني: أنهم إِذا أرادوا الرغبة إِلى الله تعالى في دعاءٍ يدعونه به قالوا: (سبحانك اللهم) ، قاله قتادة. قوله تعالى: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تحية بعضهم لبعض وتحيَّة الملائكة لهم، قاله ابن عباس. والثاني: أن الله تعالى يُحَيِّيهم بالسلام. والثالث: أن التحية: المُلْك، فالمعنى: مُلكهم فيها سالم، ذكرهما الماوردي. قوله تعالى: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أي: دعاؤهم. وقولهم: أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قرأ أبو مجلز، وعكرمة، ومجاهد، وابن يعمر، وقتادة، ويعقوب: «أنَّ الحمدَ لله» بتشديد النون ونصب الدال. قال الزجاج: أعلم الله أنهم يبتدئون بتعظيم الله وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه. وقال ابن كيسان: يفتتحون كلامهم بالتوحيد، ويختمونه بالتّوحيد «2» .
[سورة يونس (10) : آية 11]
[سورة يونس (10) : آية 11] وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) قوله تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ: ذكر بعضهم أنها نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ «1» والتعجيل: تقديم الشيء قبل وقته. وفي المراد بالآية قولان: أحدهما: ولو يعجِّل الله للنَّاسِ الشرَّ إذا دَعَواْ على أنفسهم عند الغضب وعلى أهليهم، واستعجلوا به، كما يعجِّل لهم الخير، لهلكوا. هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: ولو يعجل الله للكافرين العذاب على كفرهم كما عجَّل لهم خير الدنيا من المال والولد، لعُجِّل لهم قضاء آجالهم ليتعجَّلوا عذاب الآخرة. حكاه الماوردي. ويقوِّي هذا تمامُ الآية وسببُ نزولها. وقد قرأ الجمهور: «لقُضيَ إِليهم» بضم القاف «أجلُهم» بضم اللام. وقرأ ابن عامر: «لقَضَى» بفتح القاف «أجلَهم» بنصب اللام. وقد ذكرنا في أول سورة البقرة «2» معنى الطّغيان والعمه. [سورة يونس (10) : آية 12] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (12) قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ: اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في أبي حذيفة، واسمه هاشم بن المغيرة بن عبد الله المخزومي. قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنها نزلت في عتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة. قاله عطاء. والضُّرُّ: الجهد والشّدة. واللام في قوله: لِجَنْبِهِ بمعنى «على» . وفي معنى الآية قولان: أحدهما: إِذا مسه الضر دعا على جنبه، أو دعا قاعداً، أو دعا قائماً، قاله ابن عباس. والثاني: إِذا مسه الضر في هذه الأحوال، دعا، ذكره الماوردي «3» . قوله تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أعرض عن ادّعاء، قاله مقاتل. والثاني: مَرَّ في العافية على ما كان عليه قبل أن يُبتلى، ولم يتَّعظ بما يناله، قاله الزجاج. والثالث: مَرَّ طاغياً على ترك الشكر. قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا قال الزجاج: «كأن» هذه مخففة من الثقيلة، المعنى: كأنه لم يدعنا، قالت الخنساء: كَأَنْ لم يكونوا حِمىً يُتَّقَى ... إِذْ النَّاسُ إِذ ذَاكَ مَن عَزّ بَزَّا «4» قوله تعالى: كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ المعنى: كما زُيّن لهذا الكافر الدعاء عند البلاء والإِعراض عند الرَّخاء، كذلك زُيّن للمسرفين، وهم المجاوزون الحدَّ في الكفر والمعصية، عملهم.
[سورة يونس (10) : آية 13]
[سورة يونس (10) : آية 13] وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) قوله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ: قال مقاتل: هذا تخويف لكفار مكة. والظلم هاهنا بمعنى الشرك. وفي قوله: وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا: قولان: أحدهما: أنه عائد على أهل مكة، قاله مقاتل. والثاني: على القرون المتقدمة، قاله أبو سليمان. قال ابن الأنباري: ألزمهم الله ترك الإِيمان لمعاندتهم الحق وإِيثارهم الباطل. وقال الزجاج: جائز أن يكون جعل جزاءهم الطبع على قلوبهم، وجائز أن يكون أعلم ما قد علم منهم. قوله تعالى: كَذلِكَ نَجْزِي أي: نعاقب ونهلك، الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ: يعني المشركين من قومك. [سورة يونس (10) : آية 14] ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ: قال ابن عباس: جعلناكم يا أُمة محمد خلائف، أي: استخلفناكم في الأرض. وقال قتادة: ما جَعَلَنا اللهُ خلائفَ إِلا لينظر إِلى أعمالنا، فأرُوا الله من أعمالكم خيرا بالليل والنّهار. [سورة يونس (10) : آية 15] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا: اختلفوا فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أنها نزلت في المستهزئين بالقرآن من أهل مكة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنها نزلت في مشركي مكة، قاله مجاهد، وقتادة. والمراد «بالآيات» : القرآن. و «يرجون» بمعنى: يخافون. وفي علَّة طلبهم سوى هذا القرآن أو تبديله قولان: أحدهما: أنهم أرادوا تغيير آية العذاب بالرحمة، وآية الرحمة بالعذاب، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم كرهوا منه ذكر البعث والنشور، لأنهم لا يؤمنون به، وكرهوا عيب آلهتهم، فطلبوا ما يخلو من ذلك، قاله الزجاج. والفرق بين تبديله والإِتيان بغيره، أن تبديله لا يجوز أن يكون معه، والإِتيانُ بغيره قد يجوز أن يكون معه. قوله تعالى: ما يَكُونُ لِي حرَّك هذه الياء ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وأسكنها الباقون. مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي حرَّكها نافع، وأبو عمرو، وأسكنها الباقون. والمعنى: من عند نفسي، فالمعنى: أن الذي أتيتُ به من عند الله لا من عندي فأبدِّله. إِنِّي أَخافُ فتح هذه الياء ابن كثير ونافع وأبو عمرو. إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي أي: في تبديله أو تغييره، عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني في القيامة. فصل: وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ما بيّنّا في نظيرتها في الأنعام «1» ،
[سورة يونس (10) : الآيات 16 إلى 17]
ومقصود الآيتين تهديد المخالفين، وأُضيف ذلك إِلى الرّسول ليصعب الأمر فيه. [سورة يونس (10) : الآيات 16 الى 17] قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) قوله تعالى: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ يعني القرآن. وذلك أنه كان لا يُنزله عليّ فيأمرني بتلاوته عليكم وَلا أَدْراكُمْ بِهِ أي: ولا أعلمكم الله به. قرأ ابن كثير: «وَلأَدْرَاكم» بلام التوكيد من غير ألف بعدها، يجعلها لاماً دخلت على «أدراكم» . وقرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «أدريكم» بالإِمالة. وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة، وشيبة بن نِصاح: «ولا أدرأتُكم» بتاء بين الألف والكاف «1» . فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً: وقرأ الحسن، والأعمش: «عُمْراً» بسكون الميم. قال أبو عبيدة: وفي «العمر» ثلاث لغات: عُمْر، وعُمُر، وعَمْر. قال ابن عباس: أقمت فيكم أربعين سنة لا أحدثِّكم بشيء من القرآن. أَفَلا تَعْقِلُونَ أنه ليس من قِبَلي. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يريد: إِني لم أفْتَرِ على الله ولم أكذب عليه، وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أنّ معه شريكا. والمجرمون ها هنا: المشركون. [سورة يونس (10) : آية 18] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ أي: لا يضرهم إِن لم يعبدوه، ولا ينفعهم إِن عبدوه. قاله مقاتل، والزجاج. قوله تعالى: وَيَقُولُونَ- يعني المشركين- هؤُلاءِ يعنون: الأصنام. قال أبو عبيدة: خرجت كنايتها على لفظ كناية الآدميين. وقد ذكرنا هذا المعنى في سورة الأعراف عند قوله: وَهُمْ يُخْلَقُونَ «2» . وفي قوله: شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قولان:
[سورة يونس (10) : آية 19]
أحدهما: شفعاؤنا في الآخرة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، ومقاتل. والثاني: شفعاؤنا في إٍِصلاح معايشنا في الدنيا، لأنهم لا يُقِرُّون بالبعث، قاله الحسن. قوله تعالى: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ قال الضحاك: أتخبرون الله أنَّ له شريكاً، ولا يعلم الله لنفسه شريكاً في السّماوات ولا في الأرض. [سورة يونس (10) : آية 19] وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) قوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا قد شرحنا هذا في سورة البقرة، وأحسن الأقوال أنهم كانوا على دين واحد موحِّدين، فاختلفوا وعبدوا الأصنام، فكان أول من بعث إِليهم نوح عليه السلام. قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ولولا كلمة سبقت بتأخير هذه الأمة أنه لا يهلكهم بالعذاب كما أهلك الذين من قبلهم لقُضي بينهم بنزول العذاب، فكان ذلك فصلاً بينهم فيما فيه يختلفون من الدِّين. والثاني: أن الكلمة: أن لكل أُمة أجلاً، وللدنيا مدة لا يتقدم ذلك على وقته. والثالث: أن الكلمة: أنه لا يأخذ أحداً إلا بعد إِقامة الحجة عليه. وفي قوله تعالى: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ قولان: أحدهما: لقضي بينهم بإقامة السّاعة. والثاني: بنزول العذاب على المكذّبين. [سورة يونس (10) : آية 20] وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20) قوله تعالى: وَيَقُولُونَ- يعني المشركين- لَوْلا- أي: هلاَّ- أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ مثل العصا واليد وآيات الأنبياء. فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فيه قولان: أحدهما: أن سؤالكم: «لِمَ لم تنزل الآية» غيب، ولا يعلم علَّة امتناعها إِلا الله. والثاني: أن «نزول الآية متى يكون؟» غيب، ولا يعلمه إِلا الله. قوله تعالى: فَانْتَظِرُوا فيه قولان: أحدهما: انتظروا نزول الآية. والثاني: قضاء الله بيننا بإظهار المحقّ على المبطل. [سورة يونس (10) : آية 21] وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (21) قوله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً. سبب نزولها: (777) أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما دعا على أهل مكة بالجدب فقحطوا سبع سنين أتاه أبو سفيان فقال: «ادع
[سورة يونس (10) : الآيات 22 إلى 23]
لنا بالخصب، فإن أخصبنا صدَّقناك» . فدعا لهم، فسُقوا ولم يؤمنوا، ذكره الماوردي. قال المفسرون: المراد بالناس ها هنا: الكفار. وفي المراد بالرحمة والضراء ثلاثة أقوال: أحدها: أن الرحمة: العافية والسرور، والضراء: الفقر والبلاء، قاله ابن عباس. والثاني: الرحمة: الإِسلام، والضراء: الكفر، وهذا في حق المنافقين، قاله الحسن. والثالث: أنّ الرحمة: الخصب، والضراء: الجدب، قاله الضحاك. وفي المراد بالمكر ها هنا أربعة أقوال: أحدها: أنه الاستهزاء والتكذيب، قاله مجاهد، ومقاتل. والثاني: أنه الجحود والرد، قاله أبو عبيدة. والثالث: أنه إِضافة النعم إِلى غير الله، فيقولون: سُقينا بنوء كذا، قاله مقاتل بن حيان. والرابع: أن المكر: النفاق، لأنه إِظهار الإِيمان وإِبطان الكفر، ذكره الماوردي. قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً أي: جزاءً على المكر إِنَّ رُسُلَنا يعني الحفظة يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ أي: يحفظون ذلك لمجازاتكم عليه «1» . وقرأ يعقوب إِلا رويساً وأبا حاتم، وأبان عن عاصم: «يمكرون» بالياء. [سورة يونس (10) : الآيات 22 الى 23] هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ أي: الله هو أسرع مكراً، هو الذي يسيِّركم فِي الْبَرِّ على الدواب، وفي البحر على السفن، فلو شاء انتقم منكم في البر أو في البحر. وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر: «ينشركم» بالنون والشين من النشر، وهو في المعنى مثل قوله: وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً. والفلك: السفن. قال الفراء: الفلك تذكّر وتؤنث، وتكون واحدة وتكون جمعا، قال تعالى ها هنا: جاءَتْها فأنَّثَ، وقال في يس: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ «2» فذكّر. قوله تعالى: وَجَرَيْنَ بِهِمْ: عاد بعد المخاطبة لهم إِلى الإِخبار عنهم. قال الزجاج: كل من أقام الغائب مقام مَن يخاطبه جاز أن يردَّه إِلى الغائب، قال الشاعر:
[سورة يونس (10) : آية 24]
شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا علي طلابك ابنةَ مَخْرَمِ «1» قوله تعالى: بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ أي: ليِّنةٍ: وَفَرِحُوا بِها للينها. جاءَتْها يعني الفلك. قال الفراء: وإِن شئتَ جعلتَها للريح، كأنك قلت: جاءت الريحَ الطيبةَ ريحٌ عاصف، والعرب تقول: عاصف وعاصفة، وقد عصفت الريح وأعصفت، والألف لغة لبني أسد. قال ابن عباس: الريح العاصف: الشديدة. قال الزجاج: يقال: عصفت الريح، فهي عاصف وعاصفة، وأعصفت، فهي معصف ومعصفة. وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي: من كل أمكنة الموج. قوله تعالى: وَظَنُّوا فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى اليقين. والثاني: أنه التّوهّم. وفي قوله تعالى: أُحِيطَ بِهِمْ قولان: أحدهما: دَنوا من الهلكة. قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن العدوَّ إِذا أحاط ببلد، فقد دنا أهله من الهلكة. وقال الزجاج: يقال لكل من وقع في بلاء: قد أحيط بفلان، أي: أحاط به البلاء. والثاني: أحاطت بهم الملائكة، ذكره الزجاج. قوله تعالى: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ دون أوثانهم. قال ابن عباس: تركوا الشرك، وأخلصوا لله الربوبية، وقالوا: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ الريح العاصف لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي: الموحِّدين. قوله تعالى: يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ البغي: الترامي في الفساد. قال الأصمعي: يقال: بغى الجرح: إِذا ترامى إِلى فساد. قال ابن عباس: يبغون في الأرض بالدعاء إِلى عبادة غير الله والعمل بالمعاصي والفساد. يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني أهل مكة. إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أي: جناية مظالمكم بينكم على أنفسكم. وقال الزجاج: عملكم بالظلم عليكم يرجع. قوله تعالى: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا قرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وحفص، وأبان عن عاصم: «متاعَ الحياة الدنيا» بنصب المتاع. قال الزجاج: مَن رفع المتاع، فالمعنى أن ما تنالونه بهذا البغي إِنما تنتفعون به في الدنيا، ومن نصب المتاع، فعلى المصدر. فالمعنى: تمتَّعون متاع الحياة الدنيا. وقرأ أبو المتوكل، واليزيدي في اختياره، وهارون العتكي عن عاصم: «متاع الحياة الدنيا» ، بكسر العين. قال ابن عباس: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: منفعة في الدنيا. [سورة يونس (10) : آية 24] إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ هذا مثل ضربه الله للدنيا الفانية، فشبّهها بمطر نزل من السماء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ يعني التفّ النبات بالمطر وكثر. مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ من الحبوب وغيرها، وَالْأَنْعامُ من المرعى. حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها قال ابن قتيبة: زينتها بالنبات. وأصل الزخرف: الذهب، ثم يقال للنقش والنَّوْر والزَّهر وكل شيء زيّن: زخرف. وقال
[سورة يونس (10) : الآيات 25 إلى 26]
الزجاج: الزخرف: كمال حسن الشيء. قوله تعالى: وَازَّيَّنَتْ قرأه الجمهور «وازينت» بالتشديد. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وأبو عبد الرحمن، والحسن، وابن يعمر: بفتح الهمزة وقطعها ساكنة الزاي، على وزن: وَأَفْعَلَتْ. قال الزجاج: من قرأ «وازَّيَّنَتْ» بالتشديد، فالمعنى: وتزينت، فأدغمت التاء في الزاي، وسكّنت الزاي فاجتلبت لها ألف الوصل ومن قرأ «وأزْينت» بالتخفيف على أفعلت، فالمعنى: جاءت بالزينة. وقرأ أُبَيٌّ، وابن مسعود: «وتزيَّنَتْ» «1» . قوله تعالى: وَظَنَّ أَهْلُها أي: أيقن أهل الأرض أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أي: على ما أنبتته، فأخبر عن الأرض، والمراد النبات، لأن المعنى مفهوم. أَتاها أَمْرُنا أي: قضاؤنا بإهلاكها فَجَعَلْناها حَصِيداً أي: محصوداً لا شيء فيها. والحصيد: المقطوع المستأصَل. كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ قال الزجاج: لم تعمر. والمغاني: المنازل التي يعمُرها الناس بالنزول فيها. يقال: غَنينا بالمكان: إِذا نزلوا به. وقرأ الحسن: «كأن لم يَغْنَ» بالياء، يعني الحصيد. قال بعض المفسرين: تأويل الآية: أن الحياة في الدنيا سبب لاجتماع المال وما يروق من زهرة الدنيا ويعجب، حتى إِذا استتم ذلك عند صاحبه، وظن أنه ممتَّع بذلك، سلب عنه بموته، أو بحادثة تهلكه، كما أن الماء سبب لالتفاف النبات وكثرته، فإذا تزيَّنت به الأرض، وظن الناس أنهم مستمتعون بذلك، أهلكه الله، فعاد ما كان فيها كأن لم يكن. [سورة يونس (10) : الآيات 25 الى 26] وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (26) قوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ: يعني الجنة. وقد ذكرنا معنى تسميتها بذلك عند قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ «2» . واعلم أن الله عمَّ بالدعوة، وخصَّ بالهداية من شاء، لأن الحكم له في خلقه. وفي المراد بالصراط المستقيم أربعة أقوال: (778) أحدها: كتاب الله، رواه عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. (779) والثاني: الإِسلام، رواه النَّوَّاس بن سمعان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
والثالث: الحق، قاله مجاهد، وقتادة. والرابع: المُخرِج من الضلالات والشُّبَه، قاله أبو العالية. قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا: قال ابن عباس: قالوا: لا إِله إِلا الله. قال ابن الأنباري: الحسنى: كلمة مستغنى عن وصفها ونعتها، لأن العرب توقعها على الخَلَّة المحبوبة المرغوب فيها المفروح بها، فكان الذي تعلمه العرب من أمرها يغني عن نعتها، فكذلك المزيد عليها محمول على معناها ومتعرَّف من جهتها، يدل على هذا قول امرئ القيس: فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هَصَرْتُ بغصنٍ ذي شماريخَ مَيَّالِ فَصِرْنَا إِلى الحُسْنَى ورقَّ كَلامُنَا ... ورضتُ فذلَّت صَعْبَةً أيَّ إِذلالِ أي: إِلى الأمر المحبوب. وهصرتُ بمعنى: مددت. والغصن كناية عن المرأة. والباء مؤكدة للكلام كما تقول العرب: ألقى بيده إِلى الهلاك، يريدون: ألقى يده. والشماريخ «1» : كناية عن الذوائب. ورضت معناه: أذللت. ومن أجل هذا قال: أي إِذلال، ولم يقل: أي رياضة. وللمفسرين في المراد بالحسنى خمسة أقوال: (780) أحدها: أنها الجنة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال الأكثرون. والثاني: أنها الواحدة من الحسنات بواحدة، قاله ابن عباس. والثالث: النصرة، قاله عبد الرحمن بن سابط. والرابع: الجزاء في الآخرة، قاله ابن زيد. والخامس: الأمنية، ذكره ابن الأنباري. وفي الزيادة ستة أقوال: أحدها: أنّها النّظر إلى الله عزّ وجلّ. (781) روى مسلم في «صحيحه» من حديث صهيب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الزّيادة: النّظر إلى
[سورة يونس (10) : آية 27]
وجه الله عزّ وجلّ» . وبهذا القول قال أبو بكر الصديق، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة، وابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والسدي، ومقاتل. والثاني: أن الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، رواه الحكم عن عليّ، ولا يصح. والثالث: أن الزيادة: مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها، قاله ابن عباس والحسن. والرابع: أن الزيادة: مغفرة ورضوان، قاله مجاهد. والخامس: أن الزيادة: أن ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به في القيامة، قاله ابن زيد. والسادس: أن الزيادة: ما يشتهونه، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَلا يَرْهَقُ أي: لا يغشى وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وقرأ الحسن، وقتادة، والأعمش: «قَتْر» باسكان التاء، وفيه أربعة أقوال: أحدها: أنه السواد. قال ابن عباس: سواد الوجوه من الكآبة. وقال الزجاج: القتر: الغبرة التي معها سواد. والثاني: أنه دخان جهنم، قاله عطاء. والثالث: الخزي، قاله مجاهد. والرابع: الغبار، قاله أبو عبيدة. وفي الذلة قولان: أحدهما: الكآبة، قاله ابن عباس. والثاني: الهوان، قاله أبو سليمان. [سورة يونس (10) : آية 27] وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (27) قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ قال ابن عباس: عملوا الشرك. جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها: في الآية محذوف، وفي تقديره قولان: أحدهما: أن فيها إضمار «لهم» ، المعنى: لهم جزاءُ سيئة بمثلها، وأنشد ثعلب: فإنْ سَأَل الوَاشُونَ عَنْه فَقُلْ لَهُم ... وَذَاكَ عَطَاءُ لِلوشَاةِ جَزِيْلُ مُلِمٌّ بِلَيْلَى لمَّةً ثُمَّ إِنَّه ... لَهَاجِرُ لَيْلَى بَعْدَهَا فَمُطِيْلُ أراد: هو مُلَمٌّ، وهذا قول الفراء. والثاني: أن فيها إِضمار «منهم» ، المعنى: جزاء سيئة منهم بمثلها، تقول العرب: رأيت القوم صائم وقائم، أي: منهم صائم وقائم، أنشد الفراء: حتَّى إِذَا مَا أَضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ ... وَغُودِرَ البَقْل مَلْوِيٌ وَمَحْصُودُ أي: منه ملوي، وهذا قول ابن الأنباري. وقال بعضهم: الباء زائدة ها هنا. و «من» في قوله تعالى: مِنْ عاصِمٍ صلة، والعاصم: المانع كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ أي:
[سورة يونس (10) : الآيات 28 إلى 29]
أُلبست قِطَعاً قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة: «قِطَعَاً» مفتوحة الطاء، وهي جمع قطعة. وقرأ ابن كثير، والكسائي، ويعقوب: «قِطْعاً» بتسكين الطاء. قال ابن قتيبة: وهو اسم ما قُطع. قال ابن جرير: وإِنما قال: «مُظلماً» ولم يقل: «مُظلمة» لأن المعنى: قطعاً من الليل المظلم، ثم حذفت الألف واللام من «المظلم» ، فلما صار نكرة، وهو من نعت الليل، نُصب على القَطْعِ وقوم يسمُّون ما كان كذلك: حالاً، وقوم: قطعاً. [سورة يونس (10) : الآيات 28 الى 29] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (29) قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً: قال ابن عباس: يُجمع الكفار وآلهتهم، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ: أي: آلهتكم. قال الزجاج: «مكانكم» منصوب على الأمر، كأنهم قيل لهم: انتظروا مكانكم حتى نفصل بينكم، والعرب تتوعَّد فتقول: مكانك، أي: انتظر مكانك، فهي كلمة جرت على الوعيد. قوله تعالى: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وقرأ ابن أبي عبلة: «فزايلنا» بألف، قال ابن عباس: فرَّقنا بينهم وبين آلهتهم. وقال ابن قتيبة: هو من زال يزول وأزلته. وقال ابن جرير: إِنما قال: «فزيلنا» ولم يقل: «فزلنا» لإرادة تكرير الفعل وتكثيره. فإن قيل: كيف تقع الفرقة بينهم وهم معهم في النار، لقوله: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ؟ «1» . فالجواب: أن الفرقة وقعت بتبّري كل معبود ممن عبده، وهو قوله: وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ قال ابن عباس: آلهتهم، يُنْطِق الله الأوثان، فتقول: ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ أي: لا نعلم بعبادتكم لنا، لأنه ما كان فينا روح، فيقول العابدون: بلى قد عبدناكم! فتقول الآلهة: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ لا نعلم بها. قال الزجاج: إِنْ كُنَّا معناه: ما كنا إِلا غافلين. فإن قيل: ما وجه دخول الباء في قوله: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنها دخلت للمبالغة في المدح كما قالوا: أَظْرِفْ بعبد الله، وأنبل بعبد الرحمن، وناهيك بأخينا، وحسبك بصديقنا، هذا قول الفراء وأصحابه. والثاني: أنها دخلت توكيداً للكلام، إِذ سقوطها ممكن، كما يقال: خذ بالخطام، وخذ الخطام، قاله ابن الأنباري. [سورة يونس (10) : آية 30] هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (30) قوله تعالى: هُنالِكَ تَبْلُوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «تبلو» بالباء. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وزيد عن يعقوب: «تتلو» بالتاء. قال الزجاج: «هنالك» ظرف. والمعنى: في ذلك الوقت تبلو، وهو منصوب بتبلو، إِلا أنه غير متمكِّن، واللام زائدة، والأصل: هناك، وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف، والكاف للمخاطبة. و «تبلو» تختبر، أي:
[سورة يونس (10) : آية 31]
تعلم. ومن قرأ: «تتلو» بتاءين، فقد فسرها الأخفش وغيره: تتلو من التلاوة، أي: تقرأ. وفسروه أيضاً: تتبع كل نفس ما أسلفت. ومثله قول الشاعر «1» : قد جعلتْ دلويَ تَسْتَتْلِيني أي: تستتبعني، أي: من ثقلها تستدعي اتباعي إِياها. قوله تعالى: وَرُدُّوا أي في الآخرة إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ الذي يملك أمرهم حقاً لا مَن جعلوا معه من الشركاء وَضَلَّ عَنْهُمْ أي زال وبطل ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الآلهة. [سورة يونس (10) : آية 31] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر، ومن الأرض النّبات، أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ أي خَلْق السمع والأبصار. وقد سبق معنى إِخراج الحي من الميت، والميت من الحيّ. قوله تعالى: وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي: أمر الدنيا والآخرة فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ لأنهم خوطبوا بما لا يقدر عليه إِلا الله، فكان في ذلك دليل توحيده. وفي قوله تعالى: أَفَلا تَتَّقُونَ قولان: أحدهما: أفلا تتَّعظون، قاله ابن عباس. والثاني: تتقون الشرك، قاله مقاتل. [سورة يونس (10) : آية 32] فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) قوله تعالى: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ قال الخطابي: الحق هو المتحقق وجوده، وكل شيء صحّ وجوده وكونه، فهو حقّ. وقوله تعالى: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ قال ابن عباس: كيف تصرفون عقولكم إِلى عبادة من لا يرزق ولا يحيي ولا يميت؟ [سورة يونس (10) : الآيات 33 الى 35] كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) قوله تعالى: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «كلمةُ ربك» ، وفي آخر السورة كذلك. وقرأ نافع، وابن عامر الحرفين «كلماتُ» على الجمع. قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، أي: مِثْل أفعالهم جازاهم ربك، والمعنى: حق عليهم أنهم لا يؤمنون. وقوله: أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بدل من: كَلِمَةُ رَبِّكَ. وجائز أن تكون الكلمة حقت عليهم لأنهم لا يؤمنون، وتكون الكلمة ما وُعدوا به من العقاب. وذكر ابن الأنباري في كَذلِكَ قولين: أحدهما: أنها إشارة إلى مصدر «تصرفون» ، والمعنى:
[سورة يونس (10) : آية 36]
مثل ذلك الصرف حقت كلمة ربك. والثاني: أنه بمعنى هكذا. وفي معنى «حقت» قولان: أحدهما: وجبت. والثاني: سبقت. وفي كلمته قولان: أحدهما: أنها بمعنى وعده. والثاني: بمعنى قضائه. ومن قرأ «كلماتُ» جعل كل واحدة من الكلم التي توعِّدْوا بها كلمة. وقد شرحنا معنى الكلمة في «الأعراف» «1» . قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أي: إلى الحقّ. قوله تعالى: أَمَّنْ لا يَهِدِّي قرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش عن نافع: «يَهَدِّي» بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. قال الزجاج: الأصل يهتدي، فأدغمت التاء في الدال، فطرحت فتحتها على الهاء. وقرأ نافع إِلا ورشاً، وأبو عمرو: «يَهْدِّي» بفتح الياء وإِسكان الهاء وتشديد الدال، غير أن أبا عمرو كان يُشِم الهاء شيئاً من الفتح. وقرأ حمزة، والكسائي: «يَهْدي» بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال. قال أبو علي: والمعنى: لا يهدي غيرَه إِلا أن يُهدَى هو، ولو هُدي الصُّمُّ لم يهتد، ولكن لمّا جعلوه كمن يعقل، أجريت مجراه. وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم: «يِهِدِّي» بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، وكذلك روى أبان وجبلة عن المفضل وعبد الوارث، قال الزجاج: أتبعوا الكسرة الكسرة، وهي رديئة لثقل الكسرة في الياء. وروى حفص عن عاصم، والكسائي عن أبي بكر عنه: «يَهِدِّي» بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، قال الزجاج: وهذه في الجودة كالمفتوحة الهاء، إِلا أن الهاء كُسرت لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن السميفع: «يهتدي» بزيادة تاء. والمراد بقوله: أَمَّنْ لا يَهِدِّي الصم إِلَّا أَنْ يُهْدى. وظاهر الكلام يدل على أن الأصنام إِن هديت اهتديت، وليست كذلك، لأنها حجارة لا تهتدي، إِلا أنهم لما اتخذوها آلهة، عبِّر عنها كما يعبَّر عمن يعقل، ووصفت صفةَ مَن يعقل وإِن لم تكن في الحقيقة كذلك ولهذا المعنى قال في صفتها: أَمَّنْ لأنهم جعلوها كمن يعقل. ولما أعطاها حقها في أصل وضعها، قال: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ «2» . وقال الفراء: أَمَّنْ لا يَهِدِّي أي: أتعبدون ما لا يقدر أن ينتقل من مكانه إِلا أن يحوَّل؟ وقد صرف بعضهم الكلام إِلى الرؤساء والمضلِّين، والأول أصح. قوله تعالى: فَما لَكُمْ قال الزجاج: هو كلام تام، كأنه قيل لهم: أيُّ شيء لكم في عبادة الأوثان؟ ثم قيل لهم: كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي: على أي حال تحكمون؟ وقال ابن عباس: كيف تقضون لأنفسكم؟ وقال مقاتل: كيف تقضون بالجَوْر؟ [سورة يونس (10) : آية 36] وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (36) قوله تعالى: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ أي: كلهم إِلَّا ظَنًّا أي: ما يستيقنون أَنها آلهة، بل يظنون شيئاً فيتَّبعونه. إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً أي: ليس هو كاليقين، ولا يقوم مقام الحق، وقال مقاتل: ظنهم بأنها آلهة لا يدفع عنهم من العذاب شيئاً، وقال غيره: ظنهم أنها تشفع لهم لا يغني عنهم. [سورة يونس (10) : آية 37] وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (37)
[سورة يونس (10) : آية 38]
قوله تعالى: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ قال الزجاج: هذا جواب قولهم: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ «1» وجواب قولهم: افْتَراهُ «2» . قال الفراء: ومعنى الآية: ما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله، فجاءت «أن» على معنى ينبغي. وقال ابن الأنباري: يجوز أن تكون «أن» مع «يفترى» مصدراً، وتقديره: وما كان هذا القرآن افتراءً. ويجوز أن تكون «كان» تامة، فيكون المعنى: ما نزل هذا القرآن، وما ظهر هذا القرآن لأن يفترى، وبأن يفترى، فتُنْصَب «أن» بفقد الخافض في قول الفراء، وتخفض بإضمار الخافض في قول الكسائي. وقال ابن قتيبة: معنى أَنْ يُفْتَرى أي: يضاف إِلى غير الله، أو يُختَلق. قوله تعالى: وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تصديق الكتاب المتقدمة، قاله ابن عباس. فعلى هذا، إِنما قال: الَّذِي لأنه يريد الوحي. والثاني: ما بين يديه من البعث والنشور، ذكره الزجاج. والثالث: تصديق النّبيّ صلى الله عليه وسلم الذي بين يدي القرآن، لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوه قبل سماعهم القرآن، ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ أي: وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمّة محمّد والفرائض التي فرضها عليهم. [سورة يونس (10) : آية 38] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ في «أم» قولان. أحدهما: أنها بمعنى الواو، قاله أبو عبيدة. والثاني: بمعنى بل، قاله الزجاج. قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ قال الزجاج: المعنى: فأتوا بسورة مثلِ سورة منه، فذكر المِثْلَ لأنه إِنما التمس شبه الجنس، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ممن هو في التكذيب مثلكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنه اختلقه. [سورة يونس (10) : آية 39] بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: بما لم يحيطوا بعلم ما فيه من ذِكْر الجنة والنار والبعث والجزاء. والثاني: بما لم يحيطوا بعلم التكذيب به، لأنهم شاكّون فيه. وفي قوله: وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ قولان: أحدهما: تصديق ما وُعدوا به من الوعيد. والتأويل: ما يؤول إِليه الأمر. والثاني: ولم يكن معهم عِلم تأويله، قاله الزجاج. قيل لسفيان بن عيينة: يقول الناس: كل إِنسان عدوُّ ما جهل، فقال: هذا في كتاب الله. قيل له: أين؟ فقال: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ. وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن: من جهل شيئاً عاداه؟ فقال: نعم، في موضعين. قوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وقوله: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ «3» .
[سورة يونس (10) : آية 40]
[سورة يونس (10) : آية 40] وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ في المشار إِليهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: قريش، قاله مقاتل بن سليمان. وفي هاء «به» قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى محمّد صلى الله عليه وسلم ودينه، قاله مقاتل. والثاني: إِلى القرآن، قاله أبو سليمان الدمشقي. وهذه الآية تضمنت الإِخبار عما سبق في علم الله، فالمعنى: ومنهم مَنْ سيؤمن به. وقال الزجاج: منهم من يعلم أنه حق فيصدِّق به ويعاند فيظهر الكفر. وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ أي: يشكُّ ولا يصدِّق. قوله تعالى: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ قال عطاء: يريد المكذبين، وهذا تهديد لهم. [سورة يونس (10) : آية 41] وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) قوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي الآية. قال أبو صالح عن ابن عباس: نسختها آية السيف وليس هذا بصحيح، لأنه لا تنافي بين الآيتين. [سورة يونس (10) : آية 42] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (42) قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: في يهود المدينة، كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستمعون القرآن فيعجبون ويشتهونه ويغلب عليهم الشقاء، فنزلت هذه الآية «1» . والثاني: أنها نزلت في المستهزئين، كانوا يستمعون إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم للاستهزاء والتكذيب، فلم ينتفعوا، فنزلت فيهم هذه الآية «2» ، والقولان مرويَّان عن ابن عباس. والثالث: أنها نزلت في مشركي قريش «3» ، قاله مقاتل. قال الزجاج: ظاهرهم ظاهر من يستمع، وهم لشدة عداوتهم بمنزلة الصم. وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ أي: ولو كانوا مع ذلك جهالاً. وقال ابن عباس: يريد أنهم شرٌّ من الصم، لأن الصم لهم عقول وقلوب، وهؤلاء قد أصمّ الله قلوبهم. [سورة يونس (10) : آية 43] وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (43) قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ قال ابن عباس يريد: متعجبين منك. أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ يريد أن الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون. وقال الزجاج: ومنهم من يُقبل عليك بالنظر، وهو من بغضه لك وكراهته لما يرى من آياتك كالأعمى. وقال ابن جرير: ومنهم من يستمع قولك وينظر إلى
[سورة يونس (10) : آية 44]
حججك على نُبُوَّتك، ولكن الله قد سلبه التّوفيق. وقال مقاتل: وَلَوْ في الآيتين بمعنى «إذا» . [سورة يونس (10) : آية 44] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً لما ذكر الذين سبق القضاء عليهم بالشقاوة، أخبر أن تقدير ذلك عليهم ليس بظلم، لأنه يتصرف في ملكه كيف شاء، وهم إِذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم، لأن الفعل منسوب إِليهم، وإِن كان بقضاء الله. قوله تعالى: وَلكِنَّ النَّاسَ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «ولكنِ الناسُ» بتخفيف النون وكسرها، ورفع الاسم بعدها. [سورة يونس (10) : آية 45] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (45) قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وقرأ حفص: يَحْشُرُهُمْ بالياء. قال أبو سليمان الدمشقي: هم المشركون. قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ فيه قولان: أحدهما: كأن لم يلبثوا في قبورهم، قاله ابن عباس. والثاني: في الدنيا، قاله مقاتل. قال الضحاك: قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم وبعثهم، فصار كالساعة من النهار، لهول ما استقبلوا من القيامة. قوله تعالى: يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قال ابن عباس: إِذا بعثوا من القبور تعارفوا، ثم تنقطع المعرفة. قال الزجاج: وفي معرفة بعضهم بعضاً، وعِلم بعضهم بإضلال بعض، التوبيخُ لهم، وإِثباتُ الحجة عليهم. وقيل: إِذا تعارفوا وبَّخ بعضهم بعضاً، فيقول هذا لهذا: أنت أضللتني، وكسَّبتني دخول النار. قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا هو من قول الله عزّ وجلّ، لا مِن قولهم: والمعنى خسروا ثواب الجنة إِذْ كذَّبوا بالبعث وَما كانُوا مُهْتَدِينَ من الضّلالة. [سورة يونس (10) : الآيات 46 الى 47] وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (46) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (47) قوله تعالى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ قال المفسرون: كانت وقعة بدر مما أراه الله في حياته من عذابهم. أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريَك فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ بعد الموت، والمعنى: إِن لم ننتقم منهم عاجلاً، انتقمنا آجلاً. قوله تعالى: ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ من الكفر والتكذيب. قال الفراء: «ثم» ها هنا عطف، ولو قيل: معناها: هناك الله شهيد، كان جائزا. وقال غيره: «ثم» ها هنا بمعنى الواو. وقرأ ابن أبي عبلة: «ثَمَّ الله شهيد» بفتح الثاء، يراد به: هنالك الله شهيد. قوله تعالى: فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إِذا جاء في الدنيا بعد الإِذن له في دعائهم، قضي بينهم بتعجيل الانتقام منهم، قاله الحسن. وقال غيره: إِذا جاءهم في الدنيا، حُكم عليهم عند اتباعه وخلافه بالطاعة والمعصية.
[سورة يونس (10) : آية 48]
والثاني: إِذا جاء يوم القيامة، قاله مجاهد. وقال غيره: إِذا جاء شاهداً عليهم. والثالث: إِذا جاء في القيامة وقد كذَّبوه في الدنيا، قاله ابن السائب. قوله تعالى: قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ فيه قولان: أحدهما: بين الأمَّة، فأثيب المحسن وعوقب المسيء. والثاني: بينهم وبين نبيّهم. [سورة يونس (10) : آية 48] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ، في القائلين هذا قولان: أحدهما: الأمم المتقدمة، أخبر عنهم باستعجال العذاب لأنبيائهم، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم المشركون الذين أنذرهم نبيّنا صلى الله عليه وسلم، قاله أبو سليمان. وفي المراد بالوعد قولان: أحدهما: العذاب، قاله ابن عباس. والثاني: قيام السّاعة. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنت وأتباعك. [سورة يونس (10) : الآيات 49 الى 52] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (49) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً الآية، قد ذكرت تفسيرها في آيتين من «الأعراف» «1» . قوله تعالى: إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً قال الزجاج: البيات: كل ما كان بليل. وقوله: ماذا في موضع رفع من جهتين: إِحداهما: أن يكون «ذا» بمعنى الذي، المعنى: ما الذي يستعجل منه المجرمون؟ ويجوز أن يكون «ماذا» اسماً واحداً، فيكون المعنى: أي شيء يستعجل منه المجرمون؟ والهاء في «منه» تعود على العذاب. وجائز أن تعود على ذكر الله تعالى، فيكون المعنى: أي شيء يستعجل المجرمون من الله تعالى؟ وعودها على العذاب أجود، لقوله: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ. وذكر بعض المفسرين أن المراد بالمجرمين: المشركون، وكانوا يقولون: نكذب بالعذاب ونستعجله، ثم إِذا وقع العذاب آمنا به فقال الله تعالى موبِّخاً لهم: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ أي: هنالك تؤمنون فلا يُقبل منكم الإِيمان، ويقال لكم: الآن تؤمنون، فأضمر: تؤمنون به مع آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ مستهزئين، وهو قوله: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي: كفروا، عند نزول العذاب ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ، لأنه إِذا نزل بهم العذاب، أفضوا منه إلى عذاب الآخرة الدّائم. [سورة يونس (10) : آية 53] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) قوله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أي: ويستخبرونك أَحَقٌّ هُوَ يعنون البعث والعذاب. قُلْ إِي
[سورة يونس (10) : الآيات 54 إلى 56]
المعنى: نعم وَرَبِّي، وفتح هذه الياء نافع، وأبو عمرو. وإِنما أقسم مع إِخباره تأكيداً. وقال ابن قتيبة: «إِي» بمعنى «بل» ولا تأتي إِلا قبل اليمين صلة لها. قوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ قال ابن عباس: بسابقين. وقال الزجاج: لستم ممن يُعجز أن يجازى على كفره. [سورة يونس (10) : الآيات 54 الى 56] وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (54) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56) قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ قال ابن عباس: أشركَتْ. ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ عند نزول العذاب. وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ يعني: الرؤساء أخفوها من الأتباع. وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: بين الفريقين. وقال آخرون منهم أبو عبيدة والمفضّل: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ بمعنى أظهروها. لأنه ليس بيوم تَصَنُّعٍ ولا تصبُّرٍ، والإِسرار من الأضداد يقال: أسررت الشيء، بمعنى: أخفيته. وأسررته: أظهرته، قال الفرزدق: ولما رأى الحجَّاجَ جرَّد سيفَه ... أسرَّ الحروريُّ الذي كان أضمرا يعني: أظهر. فعلى هذا القول: أظهروا الندامة عند إِحراق النار لهم، لأن النار ألهتهم عن التصنع والكتمان. وعلى الأول: كتموها قبل إِحراق النار إِياهم. قوله تعالى: أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ قال ابن عباس: ما وعد أولياءه من الثواب، وأعداءه من العقاب. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يعني المشركين لا يَعْلَمُونَ. [سورة يونس (10) : آية 57] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قال ابن عباس: يعني قريشاً. قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ يعني القرآن. وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ أي: دواء لداء الجهل. وَهُدىً أي: بيان من الضلالة. [سورة يونس (10) : آية 58] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فيه ثمانية أقوال «1» : أحدها: أن فضل الله: الإِسلام، ورحمته: القرآن، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة وهلال بن يساف. وروي عن الحسن، ومجاهد في بعض الرواية عنهما، وهو اختيار ابن قتيبة. والثاني: أنّ فضل الله: القرآن،
[سورة يونس (10) : آية 59]
ورحمته: أن جعلهم من أهل القرآن، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال أبو سعيد الخدري، والحسن في رواية. والثالث: أن فضل الله: العلم، ورحمته: محمّد صلى الله عليه وسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والرابع: أن فضل الله: الإِسلام، ورحمته: تزيينه في القلوب، قاله ابن عمر. والخامس: أن فضل الله: القرآن، ورحمته: الإِسلام، قاله الضحاك، وزيد بن أسلم، وابنه، ومقاتل. والسادس: أن فضل الله ورحمته: القرآن، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، واختاره الزجاج. والسابع: أن فضل الله: القرآن، ورحمته: السُّنَّة، قاله خالد بن معدان. والثامن: فضل الله: التوفيق، ورحمته: العصمة، قاله ابن عيينة. قوله تعالى: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وأبو مجلز، وقتادة، وأبو العالية، ورويس عن يعقوب: «فلتفرحوا» بالتاء. وقرأ الحسن ومعاذ القارئ وأبو المتوكل مثل ذلك، إِلا أنهم كسروا اللام. وقرأ ابن مسعود وأبو عمران: «فبذلك فافرحوا» . قال ابن عباس: بذلك الفضل والرحمة. هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي مما يجمع الكفار من الأموال. وقرأ أبو جعفر وابن عامر ورويس: «تجمعون» بالتاء. وحكى ابن الأنباري أن الباء في قوله: بِفَضْلِ اللَّهِ خبر لاسم مضمر، تأويله: هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله وبرحمته، فبذلك التّطوّل من الله فليفرحوا. [سورة يونس (10) : آية 59] قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ قال المفسرون: هذا خطاب لكفار قريش، كانوا يحرِّمون ما شاؤوا، ويُحلُّون ما شاؤوا. وأَنْزَلَ بمعنى خلق. وقد شرحنا بعض مذاهبهم فيما كانوا يفعلون من البحيرة والسائبة وغير ذلك في سورة المائدة وسورة الأنعام «1» . قوله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أي: في هذا التّحليل والتّحريم. [سورة يونس (10) : آية 60] وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (60) قوله تعالى: وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في الكلام محذوف، تقديره: ما ظنهم أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حين لم يعجِّل عليهم بالعقوبة وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ تأخير العذاب عنهم. [سورة يونس (10) : آية 61] وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (61) قوله تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ أي: في عمل من الأعمال، وجمعه: شؤون. وَما تَتْلُوا مِنْهُ
[سورة يونس (10) : الآيات 62 إلى 64]
في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها تعود إِلى الشأن. قال الزجاج: معنى الآية: أي وقت تكون في شأن من عبادة الله، وما تلوت من الشأن من قرآن. والثاني: أنها تعود إِلى الله تعالى، فالمعنى: وما تلوت مِنَ الله، أي: من نازل منه من قرآن، ذكره جماعة من العلماء. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمته داخلون فيه، بدليل قوله: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ قال ابن الأنباري: جمع في هذا، ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأوَّلين. قوله تعالى: إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ الهاء عائدة على العمل. قال ابن قتيبة: تفيضون بمعنى تأخذون فيه. وقال الزجاج: تنتشرون فيه، يقال: أفاض القوم في الحديث: إِذا انتشروا فيه وخاضوا. وَما يَعْزُبُ معناه: وما يبعد. وقال ابن قتيبة: ما يبعد ولا يغيب. وقرأ الكسائيّ «يعزب» بكسر الزّاي ها هنا وفي (سبأ) . وقد بيّنا «مثقال ذرة» في سورة النساء. قوله تعالى: وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ قرأ الجمهور بفتح الراء فيهما. وقرأ حمزة، وخلف، ويعقوب، برفع الراء فيهما. قال الزجاج: مَنْ قرأ بالفتح، فالمعنى: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرَّةٍ، ولا مثقالَ أصغرَ من ذلك ولا أكبر، والموضع موضع خفض، إِلا أنه فُتح لأنه لا ينصرف. ومن رفع، فالمعنى: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر. ويجوز رفعه على الابتداء، فيكون المعنى: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ. [سورة يونس (10) : الآيات 62 الى 64] أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ. روى ابن عباس أن رجلاً قال: (782) يا رسول الله، مَن أولياء الله؟ قال: «الذين إِذا رأوا ذُكر الله» . (783) وروى عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء
ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله عزّ وجلّ» قالوا: يا رسول الله. مَنْ هم، وما أعمالهم لعلنا نحبُّهم؟ قال: «هم قوم تحابّوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فو الله إِن وجوههم لنور، وإِنهم لعلى منابر من نور، ولا يخافون إذا خاف النّاس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. قوله تعالى: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فيها ثلاثة أقوال: (784) أحدها: أنها الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له، رواه عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
[سورة يونس (10) : آية 65]
والثاني: أنها بشارة الملائكة لهم عند الموت، قاله الضحاك، وقتادة، والزهري. والثالث: أنها ما بشّر الله عزّ وجلّ به في كتابه من جنته وثوابه، كقوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا «1» ، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ «2» ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ «3» ، وهذا قول الحسن، واختاره الفرّاء، والزّجّاج، واستدلال بقوله: تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ . قال ابن عباس: لا خُلف لمواعيده، وذلك أن مواعيده بكلماته، فإذا لم تبدَّل الكلمات، لم تبدَّل المواعيد. فأما بشراهم في الآخرة، ففيها ثلاثة أقوال: (785) أحدها: أنها الجنة، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، واختارة ابن قتيبة. والثاني: أنه عند خروج الروح تبشَّر برضوان الله، قاله ابن عباس. والثالث: أنها عند الخروج من قبورهم، قاله مقاتل. [سورة يونس (10) : آية 65] وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) قوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ قال ابن عباس: تكذيبهم. وقال غيره: تظاهرهم عليك بالعداوة وإِنكارهم وأذاهم. وتم الكلام هاهنا. ثم ابتدأ فقال: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي: الغلبة له، فهو ناصرك وناصر دينك، هُوَ السَّمِيعُ لقولهم: الْعَلِيمُ بإضمارهم، فيجازيهم على ذلك. [سورة يونس (10) : آية 66] أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (66) قوله تعالى: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ قال الزجاج: أَلا افتتاح كلام وتنبيه، أي: فالذي هم له، يفعل فيهم وبهم ما يشاء. قوله تعالى: وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ أي: ما يتبعون شركاء على الحقيقة، لأنهم يعدُّونها شركاء لله شفعاء لهم، وليست على ما يظنون. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ في ذلك وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ قال ابن عباس: يكذبون. وقال ابن قتيبة: يحدسون ويحزرون.
[سورة يونس (10) : آية 67]
[سورة يونس (10) : آية 67] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ المعنى: إِن ربكم الذي يجب أن تعتقدوا ربوبيته، هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، فيزول تعب النهار وكلاله بالسكون في الليل، وجعل النهار مبصراً، أي: مضيئاً تبصرون فيه. وإِنما أضاف الإِبصار إِليه، لأنه قد فهم السامع المقصود، إِذ النهار لا يبصر، وإِنما هو ظرف يفعل فيه غيره، كقوله: عِيشَةٍ راضِيَةٍ «1» ، إِنما هي مرضية، وهذا كما يقال: ليل نائم، قال جرير: لقد لُمْتِنا يا أمَّ غَيلانَ في السُّرى ... ونمتِ وَما ليلُ المطيِّ بِنائمِ «2» قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع اعتبار، فيعلمون أنه لا يقدر على ذلك إلّا الإله القادر. [سورة يونس (10) : الآيات 68 الى 70] قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70) قوله تعالى: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً قال ابن عباس: يعني أهل مكة، جعلوا الملائكة بنات الله. قوله تعالى: سُبْحانَهُ تنزيه له عما قالوا. هُوَ الْغَنِيُّ عن الزوجة والولد. إِنْ عِنْدَكُمْ أي: ما عندكم مِنْ سُلْطانٍ أي: حجة بما تقولون. قوله تعالى: لا يُفْلِحُونَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا يبقون في الدنيا. والثاني: لا يسعدون في العاقبة. والثالث: لا يفوزون. قال الزجاج: وهذا وقف التمام، وقوله: مَتاعٌ فِي الدُّنْيا مرفوع على معنى: ذلك متاع في الدّنيا. [سورة يونس (10) : آية 71] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ فيه دليل على نبوَّته، حيث أخبر عن قصص الأنبياء ولم يكن يقرأ الكتاب، وتحريضٌ على الصبر، وموعظة لِقومه بذكر قوم نوح وما حلَّ بهم من العقوبة بالتكذيب. قوله تعالى: إِنْ كانَ كَبُرَ أي: عَظُم وشَقَّ عَلَيْكُمْ مَقامِي أي: طول مكثي. وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء «مُقامي» برفع الميم. وَتَذْكِيرِي وعظي. فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ في نصرتي ودفع شركم عني. فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ قرأ الجمهور: «فأجمعوا» بالهمز وكسر الميم، من «أجمعتُ» . وروى الأصمعي عن نافع: «فاجمعوا» بفتح الميم، مِن «جمعت» . ومعنى «أجمعوا أمركم» : أحكِموا
[سورة يونس (10) : الآيات 72 إلى 73]
أمركم واعزموا عليه. قال المؤرِّج: «أجمعت الأمر» أفصح من «أجمعت عليه» ، وأنشد «1» : يا ليتَ شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأَمري مُجْمَعُ فأما رواية الأصمعي، فقال أبو علي: يجوز أن يكون معناها: اجمعوا ذوي الأمر منكم، أي: رؤساءكم. ويجوز أن يكون جعل الأمر ما كانوا يجمعونه من كيدهم الذي يكيدونه، فيكون كقوله: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا «2» . قوله تعالى: وَشُرَكاءَكُمْ قال الفراء وابن قتيبة: المعنى: وادعوا شركاءكم. وقال الزّجّاج: الواو ها هنا بمعنى «مع» ، فالمعنى: مع شركائكم. تقول: لو تُركت الناقة وفصيلها لرضعها، أي: مع فصيلها. وقرأ يعقوب «وشركاؤكم» بالرفع. قوله تعالى: ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً فيه قولان: أحدهما: لا يكن أمركم مكتوماً، قاله ابن عباس. والثاني: غماً عليكم، كما تقول: كرب وكربة، قاله ابن قتيبة. وذكر الزجاج القولين. وفي قوله: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ قولان: أحدهما: ثم أقضوا إِليَّ ما في أنفسكم، قاله مجاهد. والثاني: افعلوا ما تريدون، قاله الزجاج، وابن قتيبة. وقال ابن الأنباري: معناه: اقضوا إِليَّ بمكروهكم وما توعدونني به، كما تقول العرب: قد قضى فلان، يريدون: مات ومضى. [سورة يونس (10) : الآيات 72 الى 73] فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي: أعرضتم عن الإِيمان. فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي: لم يكن دعائي إيّاكم طمعا في أموالكم. وقوله تعالى: إِنْ أَجْرِيَ حرَّك هذه الياء ابن عامر، وأبو عمرو، ونافع، وحفص عن عاصم، وأسكنها الباقون. قوله تعالى: وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ أي: جعلنا الذين نَجَواْ مع نوح خَلَفاً ممن هلك. [سورة يونس (10) : آية 74] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد نوح رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ قال ابن عباس: يريد: إِبراهيم وهوداً وصالحاً ولوطاً وشعيبا. فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي: بان لهم أنهم رسل الله. فَما كانُوا أي: أولئك الأقوام لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا يعني الذين قبلهم. والمراد: أن المتأخرين مَضَواْ على سَنَن المتقدِّمين في التكذيب. وقال مقاتل: فما كانوا ليؤمنوا بما كذَّبوا به من العذاب من قبل نزوله. قوله تعالى: كَذلِكَ نَطْبَعُ أي: كما طبعنا على قلوب أولئك، كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ يعني المتجاوزين ما أمروا به.
[سورة يونس (10) : آية 75]
[سورة يونس (10) : آية 75] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (75) قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ يعني الرّسل الذين أرسلوا بعد نوح. [سورة يونس (10) : الآيات 76 الى 82] فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا وهو ما جاء به موسى من الآيات. قوله تعالى: أَسِحْرٌ هذا قال الزجاج: المعنى: أتقولون للحق لما جاءَكم هذا اللفظ، وهو قولهم: إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ. ثم قررهم فقال: أَسِحْرٌ هذا؟. قال ابن الأنباري: إِنما أدخلوا الألف على جهة تفظيع الأمر، كما يقول الرجل إِذا نظر إِلى الكسوة الفاخرة: أكسوة هذه؟ يريد بالاستفهام تعظيمها، وتأتي الرجلَ جائزةٌ، فيقول: أحقٌّ ما أرى؟ معظِّماً لما ورد عليه. وقال غيره: تقدير الكلام: أتقولون للحق لما جاءكم: هو سحر؟ أسحر هذا؟ فحذف السحر الأولُ اكتفاءً بدلالة الكلام عليه، كقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ «1» المعنى: بعثناهم ليسوؤوا وجوهَكم. قوله تعالى: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا قال ابن قتيبة: لتصرفنا. يقال: لفتُّ فلاناً عن كذا: إِذا صرفته. ومنه الالتفات، وهو الانصراف عما كنت مقبلاً عليه. قوله تعالى: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وروى أبان، وزيد عن يعقوب: «ويكون لكما» بالياء. وفي المراد بالكبرياء ثلاثة أقوال: أحدها: الملك والشّرف، قاله بن عباس. والثاني: الطاعة، قاله الضحاك. والثالث: العلوّ، قاله ابن زيد. قال ابن عباس: والأرض ها هنا: أرض مصر. قوله تعالى: بِكُلِّ ساحِرٍ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «بكل سحَّار» بتشديد الحاء وتأخير الألف. وقوله تعالى: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ قرأ الأكثرون «السحرُ» بغير مدّ، على لفظ الخبر، والمعنى: الذي جئتم به من الحبال والعصيّ، هو السحر، وهذا ردٌّّ لقولهم للحق: هذا سحر، فتقديره: الذي جئتم به السحر، فدخلت الألف واللام، لأن النكرة إِذا عادت، عادت معرفة، كما تقول: رأيت رجلاً، فقال ليَ الرجل. وقرأ مجاهد، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وأبان عن عاصم، وأبو حاتم عن يعقوب: «آلسحر» بمدِّ الألف، استفهاماً. قال الزجاج: والمعنى: أي شيء جئتم به؟ أسحر هو؟ على جهة التوبيخ لهم. وقال ابن الأنباري: هذا الاستفهام معناه التعظيم للسحر، لا على سبيل الاستفهام عن الشيء الذي يُجهل، وذلك مثل قول الإِنسان في الخطأ الذي يستعظمه من إِنسان: أخطأ هذا؟ هو عظيم الشأن في الخطأ. والعرب تستفهم عما هو معلوم عندها، قال امرؤ القيس:
[سورة يونس (10) : الآيات 83 إلى 92]
أغرَّكِ مِنّي أنّ حُبَّكِ قاتلي ... وأنَّك مهما تأمري القلبَ يَفْعَلِ وقال قيس بن ذريح: أراجعة يا لبن أيامُنا الأُلى ... بذي الطَّلح أم لا ما لَهُنَّ رجوعُ «1» فاستفهم وهو يعلم أنهن لا يرجعن. قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ أي: يهلكه، ويُظهر فضيحتكم، إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ لا يجعل عملهم نافعاً لهم. وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ أي: يظهره ويمكنِّه، بِكَلِماتِهِ بما سبق من وعده بذلك. [سورة يونس (10) : الآيات 83 الى 92] فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (88) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (92) قوله تعالى: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ في المراد بالذّرّية ها هنا ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أن المراد بالذرّية: القليل. قاله ابن عباس. والثاني: أنهم أولاد الذين أُرسل إِليهم موسى مات آباؤهم لطول الزمان، وآمنوا هم، قاله مجاهد. وقال ابن زيد: هم الذين نشئوا مع موسى حين كفَّ فرعون عن ذبح
الغلمان. قال ابن الأنباري: وإِنما قيل لهؤلاء: «ذرية» لأنهم أولاد الذين بُعث إِليهم موسى، وإِن كانوا بالغين. والثالث: أنهم قوم، أُمهاتهم من بني إِسرائيل، وآباؤهم من القبط، قاله مقاتل، واختاره الفراء. قال: وإِنما سُمُّوا «1» ذريةً كما قيل لأولاد فارس: الأبناء، لأن أُمهاتهم من غير جنس آبائهم. وفي هاء «قومه» قولان: أحدهما: أنها تعود إِلى موسى، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: إِلى فرعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس «2» . فعلى القول الأول يكون قوله: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أي: وملأ فرعون. قال الفرّاء: إنّما قال: «وملئهم» بالجمع، وفرعون واحد، لأن الملك إذا ذُكر ذهب الوهم إِليه وإِلى من معه، تقول: قدم الخليفة فكثر الناس، تريد: بمن معه. وقد يجوز أن يريد بفرعون: آل فرعون، كقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «3» . وعلى القول الثاني: يرجع ذِكر الملأ إِلى الذرية. قال ابن جرير: وهذا أصح، لأنه كان في الذرِّيةَ من أبوه قبطي وأُمُّه إِسرائيلية، فهو مع فرعون على موسى. قوله تعالى: أَنْ يَفْتِنَهُمْ يعني فرعون، ولم يقل: يفتنوهم، لأن قومه كانوا على مَن كان عليه. وفي هذه الفتنة قولان: أحدهما: أنها القتل، قاله ابن عباس. والثاني: التعذيب، قاله ابن جرير. قوله تعالى: وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ قال ابن عباس: متطاول في أرض مصر وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ حين كان عبداً فادّعى الربوبيَّة. قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا لمّا شكا بنو إِسرائيل إِلى موسى ما يهددّهم به فرعون من ذبح أولادهم، واستحياء نسائهم، قال لهم هذا. وفي قوله: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ثلاثة أقوال: أحدها: لا تهلكنا بعذاب على أيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من قِبَلك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عُذّبِوا ولا سُلِّطْنا عليهم. والثاني: لا تسلِّطهم علينا فيفتنونا، والقولان مرويان عن مجاهد. والثالث: لا تسلِّطهم علينا فيفتتنون بنا، لظنهم أنهم على حق، قاله أبو الضحى، وأبو مجلز. قوله تعالى: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً قال المفسرون: لما أُرسل موسى، أَمر فرعونُ بمساجد بني إِسرائيل فخُرِّبت كلُّها، ومُنعوا من الصلاة، وكانوا لا يصلُّون إِلا في الكنائس فأُمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلُّون فيها خوفاً من فرعون. و «تبوّءا» معناه: اتّخذا، وقد شرحناه في سورة
الأعراف «1» . وفي المراد بمصر قولان: أحدهما: أنه البلد المعروف بمصر، قاله الضحاك. والثاني: أنه الاسكندرية، قاله مجاهد. وفي البيوت قولان: أحدهما: أنها المساجد، قاله الضحاك، والثاني: القصور، قاله مجاهد. وفي قوله: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أربعة أقوال «2» : أحدها: اجعلوها مساجد، رواه مجاهد، وعكرمة، والضحاك عن ابن عباس، وبه قال النخعي، وابن زيد. وقد ذكرنا أن فرعون أمر بهدم مساجدهم، فقيل لهم: اجعلوا بيوتكم قبلة بدلا من المساجد. والثاني: اجعلوها قِبَل القبلة، رواه العوفي عن ابن عباس. وروى الضحاك عن ابن عباس، قال: قِبَل مكة. وقال مجاهد: أُمروا أن يجعلوها مستقبلة الكعبة، وبه قال مقاتل، وقتادة، والفراء. والثالث: اجعلوها يقابل بعضها بعضاً، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال سعيد بن جبير. والرابع: واجعلوا بيوتكم التي بالشام قبلةً لكم في الصلاة، فهي قبلة اليهود إِلى اليوم، قاله ابن بحر. فإن قيل: البيوت جمع، فكيف قال: «قبلة» على التوحيد؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: من قال: المراد بالقبلة الكعبة، قال: وحِّدت القبلة لتوحيد الكعبة. قال: ويجوز أن يكون أراد: اجعلوا بيوتكم قِبَلاً، فاكتفى بالواحد من الجميع، كما قال العباس بن مرداس: فقلنا أسْلِمُوا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور «3» يريد: إِنا إِخوتكم. ويجوز أن يكون وحّد «قبلة» لانه أجراها مجرى المصدر، فيكون المعنى: واجعلوا بيوتكم إِقبالاً على الله، وقصداً لما كنتم تستعملونه في المساجد. ويجوز أن يكون وحَّدها، والمعنى: واجعلوا بيوتكم شيئاً قبلة، ومكاناً قبلة، ومحلة قبلة. قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ قال ابن عباس: أتموا الصلاة وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أنت يا محمد. قال سعيد بن جبير: بشِّرهم بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة. قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا قال ابن عباس: كان لهم من لدن فسطاط مصر إِلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت. قوله تعالى: لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ وفي لام «ليَضِلُّوا» أربعة أقوال: أحدها: أنها لام «كي» والمعنى: آتيتهم ذلك كي يضلوا، وهذا قول الفراء. والثاني: أنها لام العاقبة، والمعنى: إِنك آتيتهم ذلك فأصارهم إِلى الضلال، ومثله قوله: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً أي: آل أمرهم إِلى أن صار لهم عدواً، لا أنهم قصدوا ذلك، وهذا كما تقول للذي كسب مالاً فأدَّاه إِلى الهلاك: إنّما كسب فلان
لحتفه، وهو لم يكسب المال طلباً للحتف، وأنشدوا: وللمنايا تُربِّي كلُّ مُرْضِعَةٍ ... وللخراب يُجِدُّ الناسُ عمرانا «1» وقال آخر: وللموتِ تغذُو الوالداتُ سِخالَها ... كما لخراب الدُّور تُبنى المساكِنُ «2» وقال آخر: فإن يكُنِ الموتُ أفناهم ... فللموت ما تَلِدُ الوالده أراد: عاقبة الأمر ومصيره إِلى ذلك، هذا قول الزجاج. والثالث: أنها لام الدعاء، والمعنى: ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك، ذكره ابن الأنباري. والرابع: أنها لام أجْل، فالمعنى: آتيتهم لأجل ضلالتهم عقوبةً منك لهم، ومثله قوله: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ «3» أي: لأجل إِعراضكم، حكاه بعض المفسرين. وقرأ أهل الكوفة إِلا المفضل، وزيد، وأبو حاتم عن يعقوب: «ليُضِلُّوا» بضم الياء، أي: ليُضلُّوا غيرهم. قوله تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ روى الحلبي عن عبد الوارث: «اطمُس» بضم الميم، عَلى أَمْوالِهِمْ وفيه قولان: أحدهما: أنها جُعلت حجارة، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والضحاك، وأبو صالح، والفراء. وقال القرظي: جُعِل سُكَّرهُم حجارة. وقال ابن زيد: صار ذهبهم ودراهمهم وعدسهم وكل شيء لهم حجارة. وقال مجاهد: مسخ الله النخل والثمار والأطعمة حجارة، فكانت إِحدى الآيات التسع. وقال الزجاج: تطميس الشيء: إِذهابه عن صورته والانتفاعِ به على الحال الأولى التي كان عليها. والثاني: أنها هلكت، فالمعنى: أهلكْ أموالهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، ومنه يقال: طُمست عينه، أي: ذهبتْ، وطُمس الطريق: إِذا عفا ودرس. وفي قوله: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أربعة أقوال: أحدها: اطبع عليها، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مقاتل، والفراء، والزجاج. والثاني: أهلكهم كفاراً، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. والثالث: اشدد عليها بالضلالة، قاله مجاهد. والرابع: أن معناه: قسِّ قلوبهم، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: فَلا يُؤْمِنُوا فيه قولان: أحدهما: أنه دُعَاءٌ عليهم أيضاً، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا، قاله الفراء، وأبو عبيدة، والزجاج. وقال ابن الأنباري: معناه: فلا آمنوا، قال الأعشى: فلا ينْبَسِطْ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ... ولا تَلْقني إِلاّ وأنفُكَ راغِمُ» معناه: لا أنبسط، ولا لقيتني. والثاني: أنه عطف على قوله: لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، فالمعنى: أنك آتيتهم ليَضلُّوا فلا يؤمنوا، حكاه الزّجّاج عن المبرّد.
قوله تعالى: حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ قال ابن عباس: هو الغرق، وكان موسى يدعو، وهارون يؤمِّن، فقال الله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما وكان بين الدعاء والإِجابة أربعون سنة. فان قيل: كيف قال: دَعْوَتُكُما وهما دعوتان؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن الدعوة تقع على دعوتين وعلى دَعَواتٍ وكلامٍ يطول كما بيّنّا في سورة الأعراف «1» أن الكلمة تقع على كلمات، قال الشاعر «2» : وكان دعا دعوةً قومَه ... هلمَّ إِلى أمركم قد صُرِم فأوقع «دعوة» على ألفاظ بيَّنها آخر بيته. والثاني: أن يكون المعنى: قد أُجيبت دعواتكما، فاكتفى بالواحد من ذِكر الجميع، ذكر الجوابين ابن الأنباري. وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم أنه قرأ: «دَعَواتُكما» بالألف وفتح العين. والثالث: أن موسى هو الذي دعا، فالدعوة له، غير أنه لما أمَّن هارون، أُشرك بينهما في الدعوة، لأنّ التّأمين على الدّعوة منهما. وفي قوله تعالى: فَاسْتَقِيما أَربعة أقوال: أحدها: فاستقيما على الرسالة وما أمرتكما به، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: فاستقيما على دعاء فرعون وقومه إِلى طاعة الله، قاله ابن جرير. والثالث: فاستقيما في دعائكما على فرعون وقومه. والرابع: فاستقيما على ديني، ذكرهما أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعانِّ قرأ الأكثرون بتشديد تاء «تتَّبعانِّ» . وقرأ ابن عامر بتخفيفها مع الاتفاق على تشديد نون «تَتَّبعانّ» إِلا أنّ في بعض الرّوايات عن ابن عامر تخفيف. قال الزّجّاج: موضع «تتبعان» جزم، إِلا أن النون الشديدة دخلت للنهي مؤكِّدة، وكسرت لسكونها ولسكون النون التي قبلها، واختير لها الكسر لأنها بعد الألف، فشُبهت بنون الاثنين. قال أبو علي: ومن خفض النون أمكن أن يكون خفف النون الثقيلة، فإن شئت كان على لفظ الخبر، والمعنى الأمر، كقوله: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ «3» ولا تُضَارَّ والِدَةٌ «4» أي: لا ينبغي ذلك، وإِن شئت جعلته حالاً من قوله: فَاسْتَقِيما تقديره: استقيما غير متَّبِعَين. وفي المراد بسبيل الذين لا يعلمون قولان: أحدهما: أنهم فرعون وقومه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الذين يستعجلون القضاء قبل مجيئه ذكره أبو سليمان الدمشقي. فإن قيل: كيف جاز أن يدعوَ موسى على قومه؟ فالجواب: أن بعضهم يقول: كان ذلك بوحي، وهو قول صحيح، لأنه لا يُظن بنبيّ أن يُقدِم على مثل ذلك إلّا عن إذن من الله عزّ وجلّ، لأن دعاءه سبب للانتقام. قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ قال أبو عبيدة: أتبعهم وتبعهم سواء. وقال ابن قتيبة: أتبعهم لحقهم. بَغْياً وَعَدْواً أي: ظلماً. وقرأ الحسن «فاتَّبعهم» بالتشديد، وكذلك شددوا «وعُدُوّاً» مع ضم العين. قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ قرأ ابن كثير ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر «أنه» بفتح الألف، والمعنى: آمنت بأنه، فلما حُذف حرف الجر، وصل الفعل
إِلى «أنَّ» فنُصب. وقرأ حمزة والكسائي «إِنه» بكسر الألف، فحملوه على القول المضمر، كأنه قال: آمنت، فقلت: إِنه. قال ابن عباس: لم يقبل الله إِيمانه عند رؤية العذاب. قال ابن الأنباري: جنح فرعون إِلى التوبة حين أُغلق بابها لحضور الموت ومعاينة الملائكة، فقيل له: (آلآن) أي: الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها، وكنت من المفسدين بالدّعاء إلى عبادة غير الله تعالى؟ والمخاطب له بهذا كان جبريل عليه السلام. (786) وجاء في الحديث «أن جبريل جعل يدسُّ الطين في فم فرعون خشية أن يُغفرَ له» . قال الضّحّاك بن قيس: اذكروا الله في الرَّخاء يذكرْكم في الشدة، إِن يونس عليه السلام كان عبداً صالحاً، وكان يذكر الله، فلما وقع في بطن الحوت سأل الله، فقال الله: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «1» وإِن فرعون كان عبداً طاغياً ناسياً لذِكر الله تعالى، فلما أدركه الغرق قال: آمنت، فقال الله: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ. قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ وقرأ يعقوب «نُنْجيك» مخففة. قال اللغويون، منهم يونس وأبو عبيدة: نُلقيك على نجوة من الأرض، أي: ارتفاع، ليصير عَلَماً أنه قد غرق. وقرأ ابن السميفع «ننحِّيك» بحاء. وفي سبب إِخراجه من البحر بعد غرقه ثلاثة أقوال: أحدها: أن موسى وأصحابه لما خرجوا، قال من بقي من المدائن من قوم فرعون: ما غرق فرعون، ولكنه هو وأصحابه يتصيدون في جزائر البحر، فأوحى الله إِلى البحر أن الفظ فرعون عرياناً، فكانت نجاةَ عِبرةٍ، وأوحى الله تعالى إِلى البحر: أن الفظ ما فيك، فلفظهم البحر بالساحل، ولم يكن يلفظ غريقاً، إِلى يوم القيامة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أن أصحاب موسى قالوا: إِنا نخاف أن يكون فرعون ما غرق، ولا نؤمن بهلاكه، فدعا موسى ربه، فأخرجه حتى أيقنوا بهلاكه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وإِلى نحوه ذهب قيس بن عُبَاد، وعبد الله بن شداد، والسدي، ومقاتل. وقال السدي: لما قال بنو إِسرائيل: لم يغرق فرعون،
[سورة يونس (10) : الآيات 93 إلى 97]
دعا موسى، فخرج فرعون في ستمائة ألف وعشرين ألفاً عليهم الحديد «1» ، فأخذته بنو إِسرائيل يمثِّلون به. وذكر غيره أنه إِنما أخرج من البحر وحده دون أصحابه. وقال ابن جريج: كذَّب بعض بني إِسرائيل بغرقه، فرمى به البحر على ساحل البحر حتى رآه بنو إِسرائيل قُصَيِّراً أحمر كأنه ثور. وقال أبو سليمان: عرفه بنو إِسرائيل بدرع كان له من لؤلؤ لم يكن لأحد مثلها. فأما وجهه فقد غيَّره سخط الله تعالى. والثالث: أنه كان يدَّعي أنه ربٌّ، وكان يعبده قوم، فبيَّن الله تعالى أمره، فأغرقه وأصحابه، ثم أخرجه من بينهم، قاله الزجاج. وفي قوله تعالى: بِبَدَنِكَ أربعة أقوال: أحدها: بجسدك من غير روح، قاله مجاهد. وذِكر البدن دليل على عدم الروح. والثاني: بدرعك، قاله أبو صخر. وقد ذكرنا أنه كانت له درع من لؤلؤ، وقيل: من ذهب، فعُرِف بدرعه. والثالث: نلقيك عرياناً، قاله الزجاج. والرابع: ننجِّيك وحدك، قاله ابن قتيبة. وفي قوله: لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ثلاثة أقوال: أحدها: لتكون لمن بعدك في النكال آية لئلا يقولوا مثل مقالتك، فإنك لو كنت إِلهاً ما غرقت، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: خَلْفَكَ بمعنى بعدك، والآية: العلامة. والثاني: لتكون لبني إِسرائيل آية، قاله السدي. والثالث: لمن تخلّف من قومه، لأنهم أنكروا غرقه على ما ذكرنا في أول الآية، فخرج في معنى الآية قولان: أحدهما: عبرة للناس. والثاني: علامة تدل على غرقه. وقال الزجاج: الآية أنه كان يدَّعي أنه ربٌّ، فبان أمره، وأخرج من بين أصحابه لما غرقوا. وقرأ ابن السميفع، وابو المتوكل، وأبو الجوزاء «لمن خلقك» بالقاف. [سورة يونس (10) : الآيات 93 الى 97] وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (94) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (97) قوله تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي: أنزلناهم منزل صدق، أي منزلاً كريما. وفي المراد ببني إِسرائيل قولان. أحدهما: أصحاب موسى. والثاني: قريظة والنضير. وفي المراد بالمنزل الذي أُنزلوه خمسة أقوال: أحدها: أنه الأردن، وفلسطين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الشام، وبيت المقدس، قاله الضحاك وقتادة. والثالث: مصر، روي عن الضحاك أيضاً. والرابع: بيت المقدس، قاله مقاتل. والخامس: ما بين المدينة والشام من أرض يثرب، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. والمراد بالطيبات: ما أُحل لهم من الخيرات الطيبة. فَمَا اخْتَلَفُوا يعني بني إسرائيل. قال ابن عباس: ما اختلفوا في محمد، لم يزالوا به مصدِّقين، حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ يعني: القرآن، وروي عنه: حتى جاءهم العلم، يعني محمداً. فعلى هذا يكون العلم ها هنا: عبارة عن المعلوم. وبيان هذا أنه لما
[سورة يونس (10) : آية 98]
جاءهم، اختلفوا في تصديقه، وكفر به أكثرهم بغياً وحسداً بعد أن كانوا مجتمعين على تصديقه قبل ظهوره. قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ في تأويل هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد غيره من الشاكّين، بدليل قوله في آخر السورة: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي «1» ، ومثله قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً «2» ثم قال تعالى: بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً «3» ولم يقل: بما تعمل، وهذا قول الأكثرين. والثاني: أن الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو المراد به. ثم في المعنى قولان: أحدهما: أنه خوطب بذلك وإن لم يكن في شك، لأنه من المستفيض في لغة العرب أن يقول الرجل لولده: إن كنت ابني فبِرَّني، ولعبده: إِن كنت عبدي فأطعني، وهذا اختيار الفراء. (787) وقال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شك، ولا سأل. والثاني: أن تكون «إِن» بمعنى «ما» فالمعنى: ما كنت في شكّ فَسْئَلِ، المعنى: لسنا نريد أن نأمرك أن تسأل لأنك شاكّ، ولكن لتزداد بصيرة، ذكره الزجاج. والثالث: أن الخطاب للشاكّين، فالمعنى: إِن كنت أيها الإِنسان في شك مما أُنزل إليك على لسان محمد، فَسَلْ، روي عن ابن قتيبة. وفي الذي أنزل إِليه قولان: أحدهما: أنه أُنزل إِليه أنه رسول الله. والثاني: أنه مكتوب عندهم في التوراة والإِنجيل. قوله تعالى: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ وهم اليهود والنصارى. وفي الذين أُمر بسؤالهم منهم قولان: أحدهما: من آمن منهم، كعبد الله بن سلام، قاله ابن عباس، ومجاهد في آخرين. والثاني: أهل الصدق منهم، قاله الضحاك، وهو يرجع إِلى الأول، لأنه لا يَصْدق إلا من آمن. قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ هذا كلام مستأنف. قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ أي: وجبت عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أي: قوله. وبماذا حقت الكلمة عليهم؟ فيه أربعة أقوال: أحدها: باللعنة. والثاني: بنزول العذاب. والثالث: بالسَّخط. والرابع: بالنقمة. قوله تعالى: وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، قال الأخفش: إِنما أنَّث فعل «كل» لأنه أضافه إلى «آية» وهي مؤنّثة. [سورة يونس (10) : آية 98] فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98)
قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ أي: أهل قرية. وفي «لولا» قولان: أحدهما: أنه بمعنى لم تكن قرية آمنت فَنَفَعَها إِيمانُها أي قُبِلَ منها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ، قاله ابن عباس. وقال قتادة: لم يكن هذا لأمة آمنت عند نزول العذاب إِلا لقوم يونس. والثاني: أنها بمعنى: فهلاّ، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج. قال الزجاج: والمعنى: فهلاّ كانت قرية آمنت في وقت نفعها إيمانها، إلّا قوم يونس؟ وإِلَّا ها هنا استثناء ليس من الأول، كأنه قال: لكن قومُ يونس. قال الفراء: نُصب القوم على الانقطاع مما قبله، ألا ترى أن «ما» بعد «إِلا» في الجحد يتبع ما قبلها؟ تقول: ما قام أحد إِلا أخوك، فإذا قلت: ما فيها أحد إِلا كلباً أو حماراً، نصبتَ، لانقطاعهم من الجنس، كذلك كان قوم يونس منقطعين من غيرهم من أمم الأنبياء، ولو كان الاستثناء وقع على طائفة منهم لكان رفعاً. وذكر ابن الأنباري في قوله: «إِلا» قولين آخرين. أحدهما: أنها بمعنى الواو، والمعنى: وقوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا، وهذا مروي عن أبي عبيدة، والفراء ينكره. والثاني: أن الاستثناء من الآية التي قبل هذه، تقديره: حتى يروا العذاب الأليم إِلا قوم يونس، فالاستثناء على هذا متصل غير منقطع. قوله تعالى: كَشَفْنا عَنْهُمْ أي: صرفنا عنهم عَذابَ الْخِزْيِ أي: عذاب الهوان والذل وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ أي: إِلى حين آجالهم «1» . (الإِشارة إِلى شرح قصتهم) ذكر أهل العلم بالسِّيَر والتفسير أن قوم يونس كانوا ب «نينوى» من أرض الموصل، فأرسل الله عزّ وجلّ إليهم يونس يدعوهم إلى الله ويأمرهم بترك الأصنام، فأبوا، فأخبرهم أن العذاب مصبِّحهم بعد ثلاث، فلما تغشَّاهم العذاب، قال ابن عباس، وأنس: لم يبق بين العذاب وبينهم إِلا قدر ثلثي ميل، وقال مقاتل: قدر ميل، وقال أبو صالح عن ابن عباس: وجدوا حرَّ العذاب على أكتافهم، وقال سعيد بن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوبُ القبرَ، وقال بعضهم: غامت السماء غيماً أسود يُظهر دخانا شديداً، فغشي مدينتهم، واسودَّت سطوحهم، فلما أيقنوا بالهلاك لبسوا المسوح «2» ، وحَثَوْا على رؤوسهم الرماد، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، وعجّوا إلى الله تعالى بالتوبة الصادقة، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس، فاستجاب الله منهم. قال ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادَّوا المظالم بينهم، حتى ان كان الرجل ليأتي إلى الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه، فيرده، وقال أبو الجلْد: لما غشيهم العذاب، مشَوا إِلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا: ما ترى؟ قال: قولوا: يا حيُّ حين لا حيَّ، يا حيُّ مُحيي الموتى، يا حيُّ لا إِله إِلا أنت، فقالوها، فكُشف العذاب عنهم. قال
[سورة يونس (10) : آية 99]
مقاتل: عجّوا إِلى الله أربعين ليلة، فكُشف العذاب عنهم. وكانت التوبة عليهم في يوم عاشوراء يوم الجمعة. قال: وكان يونس قد خرج من بين أظهرهم، فقيل له: ارجع إِليهم، فقال: كيف أرجع إِليهم فيجدوني كاذبا؟ وكان مَن يكذب بينهم ولا بيِّنة له يُقتَل، فانصرف مغاضباً، فالتقمه الحوت. وقال أبو صالح عن ابن عباس: أوحى الله إِلى نبي من أنبياء بني إِسرائيل يقال له شَعيا، فقيل له: ائت فلاناً الملِك، فقل له يبعث إِلى بني إِسرائيل نبياً قوياً أميناً، وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال الملك ليونس: اذهب إِليهم، فقال: ابعث غيري، فعزم عليه أن يذهب، فأتى بحر الروم، فركب سفينة، فالتقمه الحوت، فلما خرج من بطنها أُمر أن ينطلق إلى قومه فانطلق نذيراً لهم، فأبَوْا عليه، فوعدهم بالعذاب، وخرج، فلما تابوا رُفع عنهم. والقول الأول أثبت عند العلماء، وأنه إِنما التقمه الحوت بعد إِنذاره لهم وتوبتهم. وسيأتي شرح قصته في التقام الحوت إِياه في مكانه إِن شاء الله تعالى. فإن قيل: كيف كُشف العذاب عن قوم يونس بعد إِتيانه إِليهم، ولم يُكشَف عن فرعون حين آمن؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن ذلك كان خاصاً لهم كما ذكرنا في أول الآية. والثاني: أن فرعون باشره العذاب، وهؤلاء دنا منهم ولم يباشرهم، فكانوا كالمريض يخاف الموت ويرجو العافية، فأما الذي يعاين، فلا توبة له، ذكره الزجاج. والثالث: أن الله تعالى علم منهم صدق النيات، بخلاف مَن تقدَّمهم من الهالكين، ذكره ابن الأنباري. [سورة يونس (10) : آية 99] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على إِيمان جميع الناس، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إِلا من سبقت له السعادة. قال الأخفش: جاء بقوله: «جميعا» مع «كل» تأكيداً كقوله: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ «1» . قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ قال المفسرون، منهم مقاتل: هذا منسوخ بآية السيف. والصحيح أنه ليس ها هنا نسخ، لأن الإِكراه على الإِيمان لا يصح، لأنه عمل القلب. [سورة يونس (10) : آية 100] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100) قوله تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فيه ستة أقوال: أحدها: بقضاء الله وقدره. والثاني: بأمر الله؟ رُويا عن ابن عباس. والثالث: بمشيئة الله، قاله عطاء والرابع: إِلا أن يأذن الله في ذلك، قاله مقاتل. والخامس: بعلم الله. والسادس: بتوفيق الله، ذكرهما الزجاج، وابن الأنباري. قوله تعالى: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ أي: ويجعل الله الرجسَ. وروى أبو بكر عن عاصم «ونجعل الرجس» بالنون. وفيه خمسة أقوال: أحدها: أنه السخط، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: الإِثم والعدوان، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنه ما لا خير فيه، قاله مجاهد. والرابع: العذاب، قاله الحسن، وأبو عبيدة، والزجاج. والخامس: العذاب والغضب، قاله الفراء. قوله تعالى: عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه. وقيل: لا يعقلون حججه ودلائل توحيده.
[سورة يونس (10) : آية 101]
[سورة يونس (10) : آية 101] قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101) قوله تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال المفسّرون: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات على توحيد الله: انظروا بالتفكر والاعتبار ماذا في السّماوات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانيته ونفاذ قدرته كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، وكلُّ هذا يقتضي خالقاً مدبراً. وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ في علم الله. [سورة يونس (10) : الآيات 102 الى 103] فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) قوله تعالى: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ قال ابن عباس: يعني كفار قريش. إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قال ابن الأنباري: أي: مثل وقائع الله بمن سلف قبلهم، والعرب تكني بالأيام عن الشرور والحروب، وقد تقصد بها أيامَ السرور والأفراح إِذا قام دليل بذلك. قوله تعالى: قُلْ فَانْتَظِرُوا هلاكي إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لنزول العذاب بكم. ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا من العذاب إِذا نزل، فلم يَهلك قوم قط إِلا نجا نبيهم والذين آمنوا معه. قوله تعالى: كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ وقرأ يعقوب، وحفص، والكسائي في قراءته وروايته عن أبي بكر: «ننجِ المؤمنين» بالتخفيف. ثم في هذا الإِنجاء قولان: أحدهما: ننجيهم من العذاب إِذا نزل بالمكذِّبين، قاله الربيع بن أنس. والثاني: ننجيهم في الآخرة من النار، قاله مقاتل. [سورة يونس (10) : الآيات 104 الى 106] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106) قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قال ابن عباس: يعني أهل مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي الإِسلام فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهي الأصنام وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يقدر أن يميتكم. وقال ابن جرير: معنى الآية: لا ينبغي لكم أن تشكُّوا في ديني، لأني أعبد الله الذي يميت وينفع ويضر، ولا تُستَنكرُ عبادة مَنْ يفعل هذا، وإِنما ينبغي لكم أن تشكُّوا وتُنكروا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام التي لا تضرُّ ولا تنفَعُ. فإن قيل: لم قال: الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ولم يقل: «الذي خلقكم» ؟ فالجواب: أن هذا يتضمن تهديدهم، لأن ميعاد عذابهم الوفاة. قوله تعالى: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ المعنى: وأُمرت أن أقم وجهك، وفيه قولان: أحدهما: أخلص عملك. والثاني: استقم باقبالك على ما أُمرت به بوجهك. وفي المراد بالحنيف ثلاثة أقوال. أحدها: أنه المتَّبِع، قاله مجاهد. والثاني: المُخلِص، قاله عطاء. والثالث: المستقيم، قاله القرظي قوله تعالى: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ إِن دعوته وَلا
[سورة يونس (10) : الآيات 107 إلى 109]
يَضُرُّكَ إِن تركتَ عبادته. و «الظالم» الذي يضع الشيء في غير موضعه. [سورة يونس (10) : الآيات 107 الى 109] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (109) قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ أي: بشدة وبلاءٍ فَلا كاشِفَ لذلك إِلَّا هُوَ دون ما يعبده المشركون من الأصنام. وإِن يصبك بخير، أي: برخاء ونعمة وعافية، فلا يقدر أحد أن يمنعك إِياه. يُصِيبُ بِهِ أي: بكل واحد من الضُّر والخير. قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن. والثاني: محمّد صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي: فإنما يكون وبال ضلاله على نفسه. قوله تعالى: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي: في منعكم من اعتقاد الباطل، والمعنى: لست بحفيظ عليكم من الهلاك كما يحفظ الوكيل المتاع من الهلاك. قال ابن عباس: وهذه منسوخة بآية القتال، والتي بعدها أيضاً، وهي قوله: وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ لأن الله تعالى حكم بقتل المشركين، والجزيةِ على أهل الكتاب، والصّحيح: أنه ليس ها هنا نسخ. أما الآية الأولى، فقد ذكرنا الكلام عليها في نظيرتها في «الأنعام» «1» وأما الثانية، فقد ذكرنا نظيرتها في سورة «البقرة» قوله: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ «2» .
سورة هود
سورة هود (فصل في نزولها:) روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكّية كلّها، وبه قال الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وجابر بن زيد، وقتادة. وروي عن ابن عباس أنه قال: هي مكّية، إلّا آية، وهي قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ «1» ، وعن قتادة نحوه. وقال مقاتل: هي مكّية كلّها، إلّا قوله: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ «2» وقوله: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ «3» وقوله: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ «4» . وروى أبو بكر الصّديق رضي الله عنه قال: (788) قلت: يا رسول الله، عجل إليك الشّيب، قال: «شيّبتني هود وأخواتها: الحاقّة، والواقعة، وعمّ يتساءلون، وهل أتاك حديث الغاشية» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة هود (11) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) فأما آلر فقد ذكرنا تفسيرها في سورة يونس.
[سورة هود (11) : الآيات 2 إلى 4]
قال الفرّاء: وكِتابٌ مرفوع بالهجاء الذي قبله، كأنك قلت: حروف الهجاء هذا القرآن، وإِن شئت رفعته باضمار: هذا كتاب، والكتاب: القرآن. وفي قوله: أُحْكِمَتْ آياتُهُ أربعة أقوال: أحدها: أحكمت فلم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتاب والشرائع، قاله ابن عباس، واختاره ابن قتيبة. والثاني: أُحكمت بالأمر والنهي، قاله الحسن، وأبو العالية. والثالث: أُحكمت عن الباطل، أي: مُنعت، قاله قتادة، ومقاتل. والرابع: أُحكمت بمعنى جُمعت، قاله ابن زيد. فإن قيل: كيف عمَّ الآيات ها هنا بالإِحكام، وخص بعضها في قوله: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ «1» ؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن الإِحكام الذي عمَّ به ها هنا، غير الذي خَصَّ به هناك. وفي معنى الإِحكام العامّ خمسة أقوال، قد أسلفنا منها أربعة في قوله: أُحْكِمَتْ آياتُهُ. والخامس: أنه إِعجاز النظم والبلاغة وتضمين الحِكَم المعجزة. ومعنى الإِحكام الخاص: زوال اللَّبْس، واستواء السامعين في معرفة معنى الآية. والجواب الثاني: أن الإِحكام في الموضعين بمعنى واحد. والمراد بقوله: أُحْكِمَتْ آياتُهُ: أُحكم بعضها بالبيان الواضح ومنع الالتباس، فأُوقعَ العمومُ على معنى الخصوص، كما تقول العرب: قد أكلتُ طعام زيد، يعنون: بعضَ طعامه، ويقولون: قُتلنا وربِّ الكعبة، يعنون: قُتل بعضنا، ذكر ذلك ابن الأنباري. وفي قوله: ثُمَّ فُصِّلَتْ ستة أقوال: أحدها: فصِّلت بالحلال والحرام، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: فصِّلت بالثواب والعقاب، رواه جسر بن فرقد «2» عن الحسن. والثالث: فصِّلت بالوعد والوعيد، رواه أبو بكر الهذلي عن الحسن أيضاً. والرابع: فصِّلت بمعنى فسِّرت، قاله مجاهد. والخامس: أُنزلت شيئاً بعد شيء، ولم تنزل جملة، ذكره ابن قتيبة. والسادس: فصِّلت بجميع ما يُحتاج إِليه من الدلالة على التوحيد، وتثبيت نبوَّة الأنبياء، وإِقامة الشرائع، قاله الزجاج. قوله تعالى: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ أي: من عنده. [سورة هود (11) : الآيات 2 الى 4] أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) قوله تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قال الفراء. المعنى: فصِّلت آياته بأن لا تعبدوا إلّا الله وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا. «وأن» في موضع النصب بالقائك الخافض. وقال الزجاج: المعنى: آمركم أن لا تعبدوا إلها غيره، وأن استغفروا. قال مقاتل: والمراد بهذه العبادة: التّوحيد، والخطاب لكفّار مكّة.
[سورة هود (11) : آية 5]
قوله تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ فيه قولان: أحدهما: أن الاستغفار والتوبة هاهنا من الشرك، قاله مقاتل. والثاني: استغفروه من الذنوب السالفة، ثم توبوا إِليه من المستأنفة متى وقعت. وذُكر عن الفراء أنه قال: «ثم» ها هنا بمعنى الواو. قوله تعالى: يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً قال ابن عباس: يتفضل عليكم بالرزق والسَّعَة. وقال ابن قتيبة: يُعمِّركْم. وأصل الإِمتاع: الإِطالة، يقال: أمتع الله بك، ومتَّع الله بك، إِمتاعاً ومتاعاً، والشيء الطويل: ماتع، يقال: جبل ماتع، وقد متاع النهار: إِذا تطاول. وفي المراد بالأجل المسمى قولان: أحدهما: أنه الموت، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة. والثاني: أنه يوم القيامة، قاله سعيد بن جبير. قوله تعالى: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: ويؤت كل ذي فضل من حسنةٍ وخيرٍ فضله، وهو الجنة. والثاني: يؤتيه فضله من الهداية إِلى العمل الصالح. والثاني: أنها ترجع إلى العبيد، فيكون المعنى: ويؤت كل من زاد في إِحسانه وطاعاته ثواب ذلك الفضل الذي زاده، فيفضِّله في الدنيا بالمنزلة الرفيعة، وفي الآخرة بالثواب الجزيل. قوله تعالى: وَإِنْ تَوَلَّوْا أي: تُعرضوا عما أُمرتم به. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمي، وأبو مجلز، وأبو رجاء: «وإِن تُوَلُّوا» بضم التاء. فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ فيه إضمار «فقل» . واليوم الكبير: يوم القيامة. [سورة هود (11) : آية 5] أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (5) قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ، في سبب نزولها خمسة أقوال: (789) أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحلف إِنه ليحبّه، ويضمر خلاف ما يُظهر له، فنزلت فيه هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. (790) والثاني: أنها نزلت في ناس كانوا يستحيون أن يُفضوا إِلى السماء في الخلاء ومجامعة النساء، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه محمد بن عباد عن ابن عباس. (791) والثالث: أنها نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه لئلّا يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قاله عبد الله بن شدّاد.
(792) والرابع: أن طائفة من المشركين قالوا: إِذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمّد صلى الله عليه وسلم، كيف يعلم بنا؟ فأخبر الله عما كتموا، ذكره الزّجّاج. (793) والخامس: أنها نزلت في قوم كانوا لشدة عداوتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا سمعوا منه القرآن حنَوا صدورهم، ونكسوا رؤوسهم، وتغشوا ثيابهم ليبعد عنهم صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل أسماعهم شيء من القرآن، ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ يقال: ثنيت الشيء: إِذا عطفته وطويته. وفي معنى الكلام خمسة أقوال: أحدها: يكتمون ما فيها من العداوة لمحمّد عليه السلام، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: يثنون صدورهم على الكفر، قاله مجاهد. والثالث: يحنونها لئلا يسمعوا كتاب الله، قاله قتادة. والرابع: يثنونها إِذا ناجى بعضهم بعضا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد. والخامس: يثنونها حياءً من الله تعالى، وهو يخرَّج على ما حكينا عن ابن عباس. قال ابن الأنباري: وكان ابن عباس يقرؤها «ألا إِنهم تَثْنَوْني صدورُهم» وفسرها أن ناساً كانوا يستحيون أن يُفضوا إِلى السماء في الخلاء ومجامعة النساء. فَتَثْنَوْنِي: تفْعَوْعِلُ، وهو فعل للصدور، معناه: المبالغة في تثنّي الصدور، كما تقول العرب: احلولى الشيء، يحلَولي: إِذا بالغوا في وصفه بالحلاوة، قال عنترة: ألا قَاتَلَ اللهُ الطُّلُولَ البَوَالِيَا ... وقَاتَلَ ذِكْرَاكَ السنينَ الخَوَالِيَا «1» وقَوْلَكَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لاَ تَنَالُهُ ... إِذا ما هُوَ احْلَوْلَى ألا لَيْتَ ذا ليا فعلى هذا القول، هو في حق المؤمنين، وعلى بقية الأقوال، هو في حق المنافقين. وقد خُرِّج من هذه الأقوال في معنى يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ قولان: أحدهما: أنه حقيقة في الصدور. والثاني: أنه كتمان ما فيها. قوله تعالى: لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ في هاء مِنْهُ قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى الله تعالى. والثاني: إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ قال أبو عبيدة: العرب تدخل «ألا» توكيداً وإِيجاباً وتنبيهاً. قال ابن قتيبة: «يستغشون ثيابهم» : أي: يتغشَّونها ويستترون بها. قال قتادة: أخفى ما يكون ابن آدم، إذا حتى ظهره، واستغشى ثيابه، وأضمر همَّه في نفسه. قال ابن الأنباري: أعلم الله أنه يعلم سرائرهم كما يعلم مظهراتهم. قوله تعالى: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ قد شرحناه في سورة آل عمران «2» .
[سورة هود (11) : الآيات 6 إلى 7]
[سورة هود (11) : الآيات 6 الى 7] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ قال أبو عبيدة: «مِنْ» من حروف الزوائد، والمعنى: وما دابة، والدابة: اسم لكل حيوان يدبّ. وقوله تعالى: إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها قال العلماء: فضلاً منه لا وجوبا عليه. و «على» ها هنا بمعنى «مِنْ» . وقد ذكرنا المستقر والمستودع في سورة الأنعام «1» . قوله تعالى: كُلٌّ فِي كِتابٍ أي: ذلك عند الله في اللوح المحفوظ، هذا قول المفسرين. وقال الزجاج: المعنى: ذلك ثابت في علم الله عزّ وجلّ. قوله تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قال ابن عباس: عرشه: سريره، وكان الماء إِذْ كان العرش عليه على الريح. قال قتادة: ذلك قبل أن يخلق السّماوات والأرض. قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أي: ليختبركم الاختبار الذي يجازي عليه، فيثيب المعتبر بما يرى من آيات السّماوات والأرض. ويعاقب أهل العناد. قوله تعالى: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فيه أربعة أقوال: (794) أحدها: «أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله عزّ وجلّ، وأسرع في طاعة الله» رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: أيكم أعمل بطاعة الله، قاله ابن عباس. والثالث: أيكم أتم عقلاً، قاله قتادة. والرابع: أيكم أزهد في الدنيا، قاله الحسن وسفيان. قوله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ قال الزجاج: السحر باطل عندهم، فكأنهم قالوا: إِن هذا إِلا باطل بيِّن، فأعلمهم الله تعالى أنّ القدرة على خلق السّماوات والأرض تدلّ على بعث الموتى. [سورة هود (11) : آية 8] وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (8) قوله تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ قال المفسرون: هؤلاء كفار مكة، والمراد بالأمَّة المعدودة: الأجل المعلوم، والمعنى: إلى مجيء أمة وانقراض أخرى قبلها. لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ وإِنما قالوا ذلك تكذيبا واستهزاءً. قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ وقال: لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ. وقال بعضهم: لا يُصرف عنهم العذاب إِذا أتاهم. وقال آخرون: إذا أخذتهم سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تغمد
[سورة هود (11) : آية 9]
عنهم حتى يباد أهل الكفر وتعلوَ كلمة الإِخلاص. قوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ قال أبو عبيدة: نزل بهم وأصابهم. وفي قوله: ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ قولان: أحدهما: أنه الرسول صلى الله عليه وسلم والكتاب، قاله أبو صالح عن ابن عباس، فيكون المعنى: حاق بهم جزاء استهزائهم. والثاني: أنه العذاب، كانوا يستهزئون بقولهم: ما يَحْبِسُهُ، وهذا قول مقاتل. [سورة هود (11) : آية 9] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (9) قوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. قاله ابن عباس. والثاني: في عبد الله بن أبي أمية المخزومي، ذكره الواحدي والثالث: أن الإنسان ها هنا اسم جنس، والمعنى: ولئن أذقنا الناس، قاله الزجاج. والمراد بالرحمة: النعمة، من العافية، والمال، والولد. واليؤوس: القنوط، قال أبو عبيدة: هو فعول من يئستُ. قال مقاتل: إِنه ليؤوس عند الشدة من الخير، كفور لله في نعمه في الرّخاء. [سورة هود (11) : آية 10] وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) قوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ قال ابن عباس: صحة وسَعة في الرزق بَعْدَ ضَرَّاءَ بعد مرض وفقر. لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي يريد الضر والفقر. إِنَّهُ لَفَرِحٌ أي: بَطِرٌ. فَخُورٌ قال ابن عباس: يفاخر أوليائي بما أوسعت عليه. فإن قيل: ما وجه عيب الإِنسان في قوله: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، وما وجه ذمه على الفرح، وقد وصف الله الشهداء فقال تعالى: فَرِحِينَ؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: إِنما عابه بقوله: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي لأنه لم يعترف بنعمة الله ولم يحمَده على ما صُرف عنه. وإِنما ذمه بهذا الفرح لأنه يرجع إِلى معنى المرح والتكبُّر عن طاعة الله، قال الشاعر: ولا يُنْسينيَ الحَدَثَانُ عِرْضِي ... ولا أُلقِي من الفَرَحِ الإِزارا «1» يعني من المرح. وفرح الشهداءِ فرحٌ لا كِبْر فيه ولا خُيلاء، بل هو مقرون بالشكر فهو مستحسن. [سورة هود (11) : آية 11] إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا قال الفراء: هذا الاستثناء من الانسان، لأنه في معنى الناس، كقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا «2» . وقال الزجاج: هذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكنِ الذين صبروا. قال ابن عباس: الوصف الأول للكافر، والذين صبروا أصحاب محمد عليه السلام.
[سورة هود (11) : آية 12]
[سورة هود (11) : آية 12] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ. سبب نزولها. (795) أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ «1» فهمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن لا يُسمعهم عيب آلهتهم رجاء أن يتَّبعوه، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. وفي معنى الآية قولان: أحدهما: فلعلك تارك تبليغ بعض ما يوحى إِليك من أمر الآلهة، وضائق بما كُلّفتَه من ذلك صدرُك، خشية أن يقولوا. لولا أُنزل عليه كنز. والثاني: فلعلك لِعظيم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهَّمُ أنهم يُزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربك. فأما الضائق، فهو بمعنى الضيِّق. قال الزجاج: ومعنى أَنْ يَقُولُوا: كراهية أن يقولوا. وإِنما عليك أن تنذرهم بما يُوحى إِليك، وليس عليك أن تأتيهم باقتراحهم من الآيات. قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ فيه قولان: أحدهما: أنه الحافظ. والثاني: الشهيد، وقد ذكرناه في سورة آل عمران «2» . [سورة هود (11) : الآيات 13 الى 14] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ «أم» بمعنى «بل» ، و «افتراه» أتى به من قِبَل نفسه. قُلْ فَأْتُوا أنتم في معارضتي بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في البلاغة مُفْتَرَياتٍ بزعمكم ودعواكم وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلى المعاونة على المعارضة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قولكم: «افتراه» . فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ أي يجيبوكم إِلى المعارضة فقد قامت الحجة عليهم لكم. فإن قيل: كيف وحَّد القول في قوله: «قل فأتوا» ثم جمع في قوله: «فإن لم يستجيبوا لكم» ؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنّ الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وحده في الموضعين، فيكون الخطاب له بقوله «لكم» تعظيماً، لأن خطاب الواحد بلفظ الجميع تعظيم، هذا قول المفسرين. والثاني: أنه وحَّد في الأول لخطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم. وجمع في الثاني لمخاطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله ابن الأنباري. قوله تعالى: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ فيه قولان: أحدهما: أنزله وهو عالم بانزاله، وعالم بأنه حق من عنده. والثاني: أنزله بما أخبر فيه من الغيب، ودلَّ على ما سيكون وما سلف، ذكرهما الزّجّاج.
[سورة هود (11) : الآيات 15 إلى 16]
قوله تعالى: وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي: واعلموا ذلك. فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ استفهام بمعنى الأمر. وفيمن خوطب به قولان: أحدهما: أهل مكة، ومعنى إِسلامهم: إِخلاصهم لله العبادة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد. [سورة هود (11) : الآيات 15 الى 16] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (15) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (16) قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال: أحدها: أنها عامة في جميع الخلق، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنها في أهل القبلة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أنها في اليهود والنصارى، قاله أنس. والرابع: أنها في أهل الرياء، قاله مجاهد. وروى عطاء عن ابن عباس: من كان يريد عاجل الدنيا ولا يؤمن بالبعث والجزاء. وقال غيره: إِنما هي في الكافر، لأن المؤمن يريد الدنيا والآخرة. قوله تعالى: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ أي: أجور أعمالهم فِيها. قال سعيد بن جبير: أُعطوا ثواب ما عملوا من خير في الدنيا. وقال مجاهد: مَنْ عمل عملاً من صِلة، أو صدقة، لا يريد به وجه الله، أعطاه الله ثواب ذلك في الدنيا، ويدرأ به عنه في الدنيا. قوله تعالى: وَهُمْ فِيها قال ابن عباس: أي في الدنيا لا يُبْخَسُونَ أي لا يُنقصون من أعمالهم في الدنيا شيئاً أُولئِكَ الَّذِينَ عملوا لغير الله لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا أي ما عملوا في الدنيا من حسنة وَباطِلٌ ما كانُوا لغير الله سبحانه يَعْمَلُونَ. (فصل:) وذكر قوم من المفسرين، منهم مقاتل، أن هذه الآية اقتضت أن من أراد الدنيا بعمله، أعطي فيها ثواب عمله من الرزق والخير، ثم نُسخ ذلك بقوله: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ «1» ، وهذا لا يصح، لأنه لا يوفّي إِلا لمن يريد. [سورة هود (11) : الآيات 17 الى 18] أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (17) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ في المراد أربعة أقوال: أحدها: أنها الدين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الضحاك. والثالث: القرآن، قاله ابن زيد. والرابع: البيان، قاله مقاتل. وفي المشار إليه ب «مَنْ» قولان: أحدهما: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس والجمهور. والثاني: أنهم المسلمون، وهو يخرَّج على قول الضحاك. وفي قوله تعالى:
وَيَتْلُوهُ قولان: أحدهما: يتبعه. والثاني: يقرؤه. وفي هاء «يتلوه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. والثاني: إِلى القرآن، وقد سبق ذكره في قوله: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ «1» . وفي المراد بالشاهد ثمانية أقوال «2» : أحدها: أنه جبريل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وإِبراهيم في آخرين. والثاني: أنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يتلو القرآن، قاله علي بن أبي طالب، والحسن، وقتادة في آخرين. والثالث: أنه علي بن أبي طالب. و «يتلوه» بمعنى يتبعه، رواه جماعة عن علي بن أبي طالب «3» ، وبه قال محمد بن علي، وزيد بن عليّ. والرابع: أنه رسول لله صلى الله عليه وسلم هو شاهد من الله عزّ وجلّ. قاله الحسين بن علي عليه السلام. والخامس: أنه ملَك يحفظه ويسدده، قاله مجاهد. والسادس: أنه الإِنجيل يتلو القرآن بالتصديق، وإِن كان قد أنزل قبله، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بشَّرت به التوراة، قاله الفراء. والسابع: أنه القرآن ونظمه وإِعجازه، قاله الحسين بن الفضل. والثامن: أنه صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخايله، لأن كل عاقل نظر إِليه علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هاء «منه» ثلاثة أقوال. أحدها: أنها ترجع إِلى الله تعالى. والثاني: إِلى النبي صلى الله عليه وسلم. والثالث: إِلى البيِّنة. قوله تعالى: وَمِنْ قَبْلِهِ في هذه الهاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. والثاني: إِلى القرآن، قاله ابن زيد. والثالث: إِلى الإِنجيل، أي: ومن قبل الإِنجيل كِتابُ مُوسى يتبع محمداً بالتصديق له، ذكره ابن الأنباري. قال الزجاج: والمعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلاً على أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيكون «كتاب موسى» عطفا على قوله تعالى: وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ أي: ويتلوه كتاب موسى عليه السّلام، لأنّ موسى وعيسى عليهما السّلام بشّرا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم في التوراة والإِنجيل. ونصب «إِماما» على الحال. فإن قيل: كيف تتلوه التوراة، وهي قبله؟ قيل: لما بشَّرت به، كانت كأنها تالية له، لأنها تبعته بالتصديق له. وقال ابن الأنباري: «كتاب موسى» مفعول في المعنى، لأن جبريل تلاه على موسى عليه السّلام، فارتفع الكتاب، وهو مفعول بمضمر بعده، تأويله: ومن قبله كتاب موسى كذاك، أي: تلاه جبريل أيضاً، كما تقول العرب: أكرمت أخاك وأبوك، فيرفعون الأب، وهو مكرَم على الاستئناف،
بمعنى: وأبوك مكرَم أيضاً. قال: وذهب قوم إِلى أن كتاب موسى فاعل، لأنه تلا محمداً بالتصديق كما تلاه الإِنجيل. (فصل:) فتلخيص الآية: أفمن كان على بيِّنة من ربه كمن لم يكن؟ قال الزجاج: ترك المضادَّ له، لأن في ما بعده دليلاً عليه، وهو قوله: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ» . وقال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إِلى الدنيا، جاء بهذه الآية، وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم، إِذ كان فيه دليل عليه. وقال ابن الأنباري: إِنما حُذف لانكشاف المعنى، والمحذوف المقدَّر كثير في القرآن والشعر، قال الشاعر: فأُقْسِمُ لَوْ شيءٌ أتانا رسولُه ... سواكَ، وَلكِن لم نَجِدْ لكِ مَدْفعا «2» فإن قلنا: إِن المراد بمن كان على بيِّنة من ربه، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمعنى الآية: ويتبع هذا النبيَّ شاهد، وهو جبريل عليه السلام «منه» أي: من الله. وقيل: «شاهد» هو علي بن أبي طالب عليه السّلام «3» ، «منه» أي: من النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: «يتلوه» يعني القرآن، يتلوه جبريل، وهو شاهد لمحمّد صلى الله عليه وسلم أن الذي يتلوه جاء من عند الله تعالى. وقيل: ويتلو رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وهو شاهد من الله تعالى. وقيل: ويتلو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآنَ، فلسانه شاهد منه. وقيل: ويتبع محمداً شاهد له بالتصديق، وهو الإِنجيل من الله تعالى. وقيل: ويتبع هذا النبي شاهد من نفسه، وهو سَمْتُه وهديه الدالُّ على صدقه. وإِن قلنا: إِن المراد بمن كان على بيِّنة من ربه المسلمون، فالمعنى: أنهم يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو البيِّنة، ويتبع هذا النبي شاهد له بصدقه. قوله تعالى: إِماماً وَرَحْمَةً إِنما سماه إِماماً، لأنه كان يهتدى به، وَرَحْمَةً أي: وذا رحمة، وأراد بذلك التوراة، لأنها كانت إِماما وسبباً لرحمة من آمن بها. قوله تعالى: أُولئِكَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إِشارة إِلى أصحاب موسى. والثاني: إِلى أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم. والثالث: إِلى أهل الحق من أُمة موسى وعيسى ومحمد. وفي هاء «به» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إِلى التوراة. والثاني: إِلى القرآن. والثالث: إلى محمّد صلى الله عليه وسلم. وفي المراد بالأحزاب هاهنا أربعة أقوال: أحدها: جميع الملل، قاله سعيد بن جبير. والثاني: اليهود والنصارى، قاله قتادة. والثالث: قريش، قاله السدي. والرابع: بنو أُمية، وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي، وآل طلحة بن عبد العُزّى، قاله مقاتل. قوله تعالى: فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ أي: إِليها مصيره، قال حسان بن ثابت: أَوْرَدْتُمُوها حِيَاضَ «4» المَوْتِ ضَاحِيَةً ... فالنّار موعدها والموت لاقيها قوله تعالى: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ قرأ الحسن، وقتادة «مُرية» بضم الميم أين وقع. وفي المكنّى
[سورة هود (11) : آية 19]
عنه قولان: أحدهما: أنه الإِخبار بمصير الكافر به، فالمعنى: فلا تك في شك أن موعد المكذِّب به النار، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه القرآن، فالمعنى: فلا تك في شك من أن القرآن من الله تعالى، قاله مقاتل. قال ابن عباس: والمراد بالناس هاهنا: أهل مكة. قوله تعالى: أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ قال الزجاج: ذكر عرضهم توكيداً لحالهم في الانتقام منهم، وإِن كان غيرهم يعرض أيضاً. فأما «الأشهاد» ففيهم خمسة أقوال: أحدها: أنهم الرسل، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: الملائكة، قاله مجاهد وقتادة. والثالث: الخلائق، روي عن قتادة أيضاً. وقال مقاتل: «الأشهاد» الناس، كما يقال: على رؤوس الأشهاد، أي على رؤوس الناس. والرابع: الملائكة والنّبيّون وأمّة محمّد صلى الله عليه وسلم يشهدون على الناس، والجوارح تشهد على ابن آدم، قاله ابن زيد. والخامس: الأنبياء والمؤمنون، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: وفائدة إِخبار الأشهاد بما يعلمه الله تعظيم بالأمر المشهود عليه ودفع المجاحدة فيه. [سورة هود (11) : آية 19] الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (19) قوله تعالى: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قد تقدّم تفسيرها في سورة الأعراف «1» . قوله تعالى: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ قال الزجاج: ذُكرت «هم» ثانية على جهة التّوكيد لشأنهم في الكفر. [سورة هود (11) : الآيات 20 الى 21] أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (21) قوله تعالى: أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ قال ابن عباس: لم يُعجزوني أن آمر الأرض فتُخسف بهم. وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ أي: لا وليِّ لهم ممن يعبدون يمنعهم مني. وقال ابن الأنباري: لما كانت عادة العرب جارية بقولهم: لا وزَرَ لك مني ولا نَفَق، يعنون بالوزر: الجبل، والنفق: السرَبَ، وكلاهما يلجأ إِليه الخائف، أعلم الله تعالى أن هؤلاء الكافرين لا يسبقونه هرباً، ولا يجدون ما يحجز بينهم وبين عذابه من جميع ما يستر من الأرض ويُلجأ إِليه. قال: وقوله: مِنْ أَوْلِياءَ يقتضي محذوفاً، تلخيصه: من أولياءَ يمنعونهم من عذاب الله، فحذف هذا لشهرته. قوله تعالى: يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ يعني الرؤساء الصادِّين عن سبيل الله، وذلك لإِضلالهم أتباعهم واقتداءِ غيرهم بهم. وقال الزجاج: لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ أي: في دار الدنيا، ولا لهم ولي يمنع من انتقام الله، ثم استأنف: يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ لعظم كفرهم بنبيه وبالبعث والنشور. قوله تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ فيمن عني بهذا قولان. أحدهما: أنهم الكفار. ثم في معناه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم لم يقدروا على استماع الخير،
[سورة هود (11) : الآيات 22 إلى 24]
وإِبصار الحق، وفعل الطاعة، لأن الله تعالى حال بينهم وبين ذلك، هذا معنى قول ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أن المعنى: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا يسمعونه، وبما كانوا يبصرون حُجج الله ولا يعتبرون بها، فحذف الباء، كما تقول العرب: لأجزينَّك ما عملت، وبما عملت، ذكره الفراء، وأنشد ابن الأنباري في الاحتجاج له: نُغالي اللحمَ للأضياف نيِئا ... ونبذُله إِذا نضِجَ القُدورُ «1» أراد: نغالي باللحم. والثالث: أنهم من شدة كفرهم وعداوتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم ما كانوا يستطيعون السّمع ليفهموا ما يقول، قاله الزجاج. والقول الثاني: أنهم الأصنام، فالمعنى ما كان للآلهة سمع ولا بصر، فلم تستطع لذلك السمع، ولم تكن تبصر. فعلى هذا، يرجع قوله: «ما كانوا» إِلى أوليائهم، وهي الأصنام، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس أيضا. [سورة هود (11) : الآيات 22 الى 24] لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (24) قوله تعالى: لا جَرَمَ قال ابن عباس: يريد: حقاً إِنهم الأخسرون. وقال الفراء: لا جَرَمَ كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك، وكثر استعمالهم إِياها حتى صارت بمنزلة «حقا» ، ألا ترى أن العرب تقول: لا جرم لآتينَّك، لا جرم لقد أحسنت، وأصلها من جرمتُ، أي: كسبت الذنب. قال الزجاج: ومعنى لا جَرَمَ: «لا» نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، أي كسب لهم ذلك الفعلُ الخسرانَ. وذكر ابن الأنباري أن «لا» رد على أهل الكفر فيما قدَّروه من اندفاع الشر عنهم في الآخرة، والمعنى: لا يندفع عنهم عذابي، ولا يجدون ولياً يصرف عنهم نقمتي، ثم ابتدأ مستأنفاً «جرم» ، قال: وفيها قولان: أحدهما: أنها بمعنى: كسب كفرهم وما قدَّروا من الباطل وقوعَ العذاب بهم. ف جَرَمَ فعل ماض، معناه: كسب، وفاعله مُضمر فيه من ذكر الكفر وتقرير الباطل. والثاني: أن معنى جرم: أحقَّ وصحَّحَ، وهو فعل ماض، وفاعله مضمر فيه، والمعنى: أحقَّ كفرُهم وقوعَ العذاب والخسران بهم، قال الشاعر: ولقد طَعَنْتَ أبا عُيَيْنَةَ طعنةً ... جرمت فزارة بعدها أن يَغْضَبُوا «2» أراد: حقت الطعنةُ فزارة بالغضب. ومن العرب من يغيِّرُ لفظ «جرم» مع «لا» خاصة، فيقول بعضهم: «لا جُرْم» ، ويقول آخرون: «لا جَرْ» باسقاط الميم، ويقال: «لاذا جرم» و «لاذا جر» بغير ميم، و «لا إِن ذا جرم» و «لا عن ذا جرم» ، ومعنى اللغات كلها: حقا.
قوله تعالى: وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ فيه سبعة أقوال: أحدها: خافوا ربهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أنابوا إلى ربهم، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: ثابوا إِلى ربهم، قاله قتادة. والرابع: اطمأنوا، قاله مجاهد. والخامس: أخلصوا، قاله مقاتل. والسادس: تخشَّعوا لربهم، قاله الفراء. والسابع: تواضعوا لربهم، قاله ابن قتيبة. فإن قيل: لم أوثرت «إِلى» على اللام في قوله: وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ، والعادة جارية بأن يقال: أخبتوا لربهم؟ فالجواب: أن المعنى: وَجَّهوا خوفَهم وخشوعهم وإِخلاصهم إِلى ربهم، واطمأنوا إِلى ربهم. قال الفراء: وربما جعلت العرب «إِلى» في موضع اللام، كقوله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها «1» ، وقوله تعالى: الَّذِي هَدانا لِهذا «2» . وقد يجوز في العربية: فلان يخبت إِلى الله، يريد: يفعل ذلك موجهَه إِلى الله. قال بعض المفسرين: هذه الآية نازلة في أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم، وما قبلها نازل في المشركين. ثم ضرب للفريقين مثلا، فقال تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ قال مجاهد: الفريقان: المؤمن والكافر. فأما الأعمى والأصم فهو الكافر، وأما البصير والسميع فهو المؤمن. قال قتادة: الكافر عَمِيَ عن الحق وصُمَّ عنه، والمؤمن أبصرَ الحق وسمعَه ثم انتفع به. وقال أبو عبيدة: في الكلام ضمير، تقديره: مثل الفريقين كمثل الأعمى. وقال الزجاج: مثل الفريقين المسلِمَين كالبصير والسميع، ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم، لأنهم في عداوتهم وتركهم للفهم بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر. قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أي: هل يستويان في المشابهة؟ والمعنى: كما لا يستويان عندكم، كذلك لا يستوي المؤمن والكافر عند الله عزّ وجلّ وقال أبو عبيدة: «هل» هاهنا بمعنى الإِيجاب. لا بمعنى الاستفهام، والمعنى: لا يستويان. قال الفراء: وإِنما لم يقل: «يستوون» لأن الأعمى والأصم من صفةِ واحدٍ، والسميع والبصير من صفةِ واحدٍ، كقول القائل: مررت بالعاقل واللبيب، وهو يعني واحداً قال الشاعر: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرضاً ... أُريدُ الخَيْرَ أيهما يليني «3» فقال: أيهما. وإِنما ذكر الخير وحده، لأن المعنى يُعرف، إِذ المبتغي للخير متَّقٍ للشر. وقال ابن الأنباري: الأعمى والأصم صفتان لكافر، والسميع والبصير صفتان لمؤمن، فرُدَّ الفعلُ إِلى الموصوفين بالأوصاف الأربعة، كما تقول: العاقل والعالم، والظالم والجاهل، حضرا مجلسي، فتثنِّي الخبر بعد ذكرك أربعة، لأن الموصوف بالعلم هو الموصوف بالعقل، وكذلك المنعوت بالجهل هو المنعوت بالظلم، فلما كان المنعوتان اثنين، رجع الخبر إِليهما، ولم يُلتفت إِلى تفريق الأوصاف، ألا ترى أنه يسوغ أن تقول: الأديب واللبيب والكريم والجميل قصدني، فتوحِّد الفعل بعد أوصاف لعلة أن الموصوف بهن واحد، ولا يمتنع عطف النعوت على النعوت بحروف العطف، والموصوفُ واحد، فقد قال تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ثم قال: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ فلم يقتض دخولُ الواو وقوعَ خلاف بين الآمرين والناهين، وقد قيل: الآمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر في حال أمره، وكان
[سورة هود (11) : الآيات 25 إلى 29]
دخول الواو دلالة على الآمر بالمعروف، لأن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر، كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين، والسائحون بالسياحة دون الحامدين، ويدل أيضاً على أن العرب تنسق النعت على النعت والمنعوت واحد، كقول الشاعر يخاطب سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان: يَظُنُّ سعيدٌ وابنُ عمروٍ بأننَّي ... إِذا سامَني ذلاً أكونُ به أرْضَى فنسق ابن عمرو على سعيد، وهو سعيد. [سورة هود (11) : الآيات 25 الى 29] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (27) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (28) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29) قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي «أني» بفتح الألف، والتقدير: أرسلناه بأني، وكأن الوجه بأنه لهم نذير، ولكنه على الرجوع من الإِخبار عن الغائب إِلى خطاب نوح لقومه. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة «إِني» بكسر الألف، فحملوه على القول المضمر، والتقدير: فقال لهم: إِني لكم نذير. قوله تعالى: ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا أي: إِنساناً مثلنا، لا فضل لك علينا. فأما الأراذل، فقال ابن عباس: هم السَّفَلة. وقال ابن قتيبة: هم جمع «أرذل» ، يقال: رجل رَذْل، وقد رَذُل رذالة ورُذُولة. ومعنى: الأراذل: الشرار. قوله تعالى: بادِيَ الرَّأْيِ قرأ الأكثرون «بادِيَ» بغير همز. وقرأ أبو عمرو بالهمز بعد الدال. وكلهم همز «الرأي» غير أبي عمرو. وللعلماء في معنى «بادي» إذا لم يُهمز ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: ما نرى أتباعك إِلا سفلتنا وأرذالنا في بادي الرأي لكل ناظر، يعنون أن ما وصفناهم به من النقص لا يخفى على أحد فيخالفنا، هذا مذهب مقاتل في آخرين. والثاني: أن المعنى أن هؤلاء القوم اتَّبعوك في ظاهر ما يُرى منهم، وطويَّتُهم على خلافك. والثالث: أن المعنى: اتبعوك في ظاهر رأيهم، ولم يتدبروا ما قلتَ، ولو رجعوا إِلى التفكر لم يتبعوك، ذكر هذين القولين الزجاج. قال ابن الأنباري: وهذه الثلاثة الأقوال على قراءة من لم يهمز، لأنه مِن بدا، يبدو: إذا ظهر. فأمّا من همز «بادئ» فمعناه: ابتداء الرأي، أي: اتَّبعوك أول ما ابتدءوا ينظرون، ولو فكروا لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك. قوله تعالى: وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: من فضل في الخلق، قاله ابن عباس. والثاني: في الملك والمال ونحو ذلك، قاله مقاتل. والثالث: ما فُضِّلتم باتِّباعكم نوحاً، ومخالفتكم لنا بفضيلة نتبعكم طلبا لها، ذكره أبو سليمان الدّمشقي.
[سورة هود (11) : الآيات 30 إلى 34]
قوله تعالى: بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ فيه قولان: أحدهما: نتيقنكم، قاله الكلبي. والثاني: نحسبكم، قاله مقاتل. قوله تعالى: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي: على يقين وبصيرة. قال ابن الأنباري: وقوله: «إِن كنت» شرط لا يوجب شكّاً يلحقه، لكن الشك يلحق المخاطَبين من أهل الزيغ، فتقديره: إِن كنتُ على بينة من ربي عندكم. وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فيها قولان: أحدهما: أنها النبوَّة، قاله ابن عباس. والثاني: الهداية، قاله مقاتل. قوله تعالى: فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «فَعَمِيَتْ» بتخفيف الميم وفتح العين. قال ابن قتيبة: والمعنى: عميتم عنها، يقال: عمي عليَّ هذا الأمر: إِذا لم أفهمه، وعميت عنه بمعنى. قال الفراء: وهذا مما حوَّلت العرب الفعل إِليه، وهو في الأصل لغيره، كقولهم: دخل الخاتم في يدي، والخف في رجلي، وإِنما الإِصبع تدخل في الخاتم، والرجل في الخف، واستجازوا ذلك إِذ كان المعنى معروفاً. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «فعُمِّيَتْ» بضم العين وتشديد الميم. قال ابن الأنباري: ومعنى ذلك: فعمّاها الله عليكم إِذ كنتم ممن حُكم عليه بالشقاء. وكذلك قرأ أُبَيّ بن كعب، والأعمش: «فعمّاها عليكم» . وفي المشار إليها قولان: أحدهما: البيِّنة. والثاني: الرحمة. قوله تعالى: أَنُلْزِمُكُمُوها أي: أنُلزمكم قبولها؟ وهذا استفهام معناه الإنكار، يقول: لا نقدر أن نُلزمكم من ذات أنفسنا. قال قتادة: والله لو استطاع نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لألزمها قومه، ولكن لم يملك ذلك «1» . وقيل: كان مراد نوح عليه السلام ردَّ قولهم: وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فبيَّن فضله وفضل مَن آمن به بأنه على بيِّنة من ربه، وقد آتاه رحمةً من عنده، وسُلب المكذِّبون ذلك. قوله تعالى: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي: على نصحي ودعائي إياكم مالاً فتتهموني. وقال ابن الأنباري: لما كانت الرحمة بمعنى الهدى والإِيمان، جاز تذكيرها. قوله تعالى: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا قال ابن جريج: سألوه طردهم أنفة منهم، فقال: لا يجوز لي طردهم، إِذ كانوا يلقون الله فيجزيهم بايمانهم، ويأخذ لهم ممن ظلمهم وصغَّر شؤونهم. وفي قوله تعالى: وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ قولان: أحدهما: تجهلون أن هذا الأمر من الله تعالى، قاله ابن عباس. والثاني: تجهلون لأمركم إِياي بطرد المؤمنين، قاله أبو سليمان. [سورة هود (11) : الآيات 30 الى 34] وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)
[سورة هود (11) : آية 35]
قوله تعالى: وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي أي: من يمنعني من عذاب الله إِن طردتهم. قوله تعالى: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ قال ابن الأنباري: أراد بالخزائن: عِلمَ الغيب المطوي عن الخلق، لأنهم قالوا له: إنما اتَّبعك هؤلاء في الظاهر وليسوا معك، فقال لهم: ليس عندي خزائن غيوب الله فأعلم ما تنطوي عليه الضمائر. وإِنما قيل للغيوب: خزائن، لغموضها عن الناس واستتارها عنهم. قال سفيان بن عيينة: إِنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلتَ خزانةً فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها. قوله تعالى: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ قيل: إِنما قال لهم هذا، لأن أرضهم أجدبت، فسألوه: متى يجيء المطر؟ وقيل: بل سألوه: متى يجيء العذاب؟ فقال: ولا أعلم الغيب. وقوله عزّ وجلّ: وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ جواب لقولهم: ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا «1» . وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ أي: تحتقر وتستصغر المؤمنين. قال الزجاج: «تزدري» تستقل وتستخِس، يقال: زريت على الرجل: إِذا عبت عليه وخسست فعله، وأزريت به: إِذا قصرت به. وأصل تزدري: تزتري، إِلا أن هذه التاء تبدل بعد الزاي دالاً، لأن التاء من حروف الهمس، وحروف الهمس خفية، فالتاء بعد الزاي تخفى، فأبدلت منها الدال لجهرها. قوله تعالى: لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً قال ابن عباس: إِيمانا. ومعنى الكلام: ليس لي أن أطَّلِع على ما في نفوسهم فأقطع عليهم بشيء، وليس لاحتقاركم إِياهم يبطل أجرهم. إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ إِن قلت هذا الذي تقدم ذكره، وقيل: إِن طردتهم. قوله تعالى: قَدْ جادَلْتَنا قال الزجاج: الجدال: هو المبالغة في الخصومة والمناظرة، وهو مأخوذ من الجَدْل، وهو شدة الفتل، ويقال للصقر: أجدل، لأنه من أشدّ الطّير. ويقرأ «فأكثرت جدلنا» . وقوله تعالى: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا قال ابن عباس: يعنون العذاب. إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أنه يأتينا. قوله تعالى: إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ أي: أنصحكم. وفي هذه الآية شرطان: فجواب الأول: النصح، وجواب الثاني: النفع. قوله تعالى: إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يُضلكم، قاله ابن عباس. والثاني: يُهلككم، حكاه ابن الأنباري. وقال: هو قول مرغوب عنه. والثالث: يضلكم ويهلككم، قاله الزجاج. قوله تعالى: هُوَ رَبُّكُمْ أي: هو أولى بكم، يتصرف في ملكه كما يشاء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بعد الموت. [سورة هود (11) : آية 35] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ قال الزجاج: المعنى: أيقولون: افْتَراهُ؟ قال ابن قتيبة: الافتراء: الاختلاق. فَعَلَيَّ إِجْرامِي أي: جرم ذلك الاختلاق إِن كنتُ فعلت. وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ في التكذيب. وقرأ أبو المتوكل، وابن السميفع: «فعليَّ أجرامي» بفتح الهمزة.
[سورة هود (11) : آية 36]
[سورة هود (11) : آية 36] وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (36) قوله تعالى: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ قال المفسرون: لما أوحي إِليه هذا، استجاز الدعاء عليهم، فقال: لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «1» . قوله تعالى: فَلا تَبْتَئِسْ قال ابن عباس ومجاهد: لا تحزن. وقال الفراء والزجاج: لا تستكن ولا تحزن. قال أبو صالح عن ابن عباس: فلا تحزن إِذا نزل بهم الغرق بِما كانُوا يَفْعَلُونَ. [سورة هود (11) : الآيات 37 الى 38] وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (38) قوله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ أي: واعمل السفينة. وفي قوله: بِأَعْيُنِنا ثلاثة أقوال: أحدها: بمرأىً منا، قاله ابن عباس. والثاني: بحفظنا، قاله الربيع. والثالث: بعلمنا، قاله مقاتل. قال ابن الأنباري: إِنما جمع على مذهب العرب في إِيقاعها الجمع على الواحد، تقول: خرجنا إِلى البصرة في السفن، وإِنما جمع، لأن من عادة الملك أن يقول: أمرنا ونهينا. وفي قوله: وَوَحْيِنا قولان: أحدهما: وأمرنا لك أن تصنعها. والثاني: وبتعليمنا إِياك كيف تصنعها. قوله تعالى: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا فيه قولان: أحدهما: لا تسألني الصفح عنهم. والثاني: لا تخاطبني في إِمهالهم. وإِنما نهي عن الخطاب في ذلك صيانة له عن سؤال لا يجاب فيه. (الإِشارة إِلى كيفية عمل السفينة) روى الضحاك عن ابن عباس قال: كان نوح يُضرب ثم يُلفُّ في لِبْدٍ فيُلقى في بيته، يُرَوْن أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم. حتى إِذا يئس من إِيمان قومه، جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصاً، فقال: يا بني، انظر هذا الشيخ لا يغررك، قال: يا أبت أمكني من العصا، فأخذها فضربه ضربةً شجه مُوْضِحَةً، وسالت الدماء على وجهه، فقال: رب قد ترى ما يفعل بي عبادك، فان يكن لك فيهم حاجة فاهدهم، وإِلا فصبِّرني إِلى أن تحكم، فأوحى الله إِليه: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ إلى قوله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ، قال: يا ربّ، وما الفلك؟ قال: بيت من خشب يجري على وجه الماء أُنجّي فيه أهل طاعتي، وأغرق أهل معصيتي، قال: يا ربّ، وأين الماء؟ قال: إِني على ما أشاء قدير، قال: يا ربّ، وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر، فغرس الساج عشرين سنة، وكفّ عن دعائهم، وكفُّوا عنه، إِلا أنهم يستهزئون به، فلما أدرك الشجر، أمره ربّه، فقطعه وجفّفه ولفّقه، فقال: يا ربّ، كيف أتخذ هذا البيت؟ قال: أجعله على ثلاث صور، رأسه كرأس الطّاوس، وجؤجؤه كجؤجؤ الطائر، وذنبه كذنب الديك، واجعلها مطبقة، وبعث الله إِليه جبريل يعلمه، وأوحى الله إِليه أن عجِّل عمل السفينة فقد اشتد غضبي على مَنْ عصاني، فاستأجر نجارين يعملون معه، وسام، وحام، ويافث، معه ينحتون السفينة، فجعل طولها ستمائة ذراع، وعرضها ثلاثمائة وثلاثين ذراعا، وعلوها ثلاثا
[سورة هود (11) : آية 39]
وثلاثين، وفجَّرَ الله له عين القار تغلي غلياناً حتى طلاها. وعن ابن عباس قال: جعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأول الوحوش والسباع والهوام، وفي الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه البطن الأعلى. وروي عن الحسن أنه قال: كانت سفينة نوح طولها ألف ذراع، ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وقال قتادة: كانت فيما ذُكر لنا طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسمائة ذراع، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً. وقال ابن جريج: كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ومائة ذراع، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وكان في أعلاها الطير، وفي وسطها الناس، وفي أسفلها السباع. وزعم مقاتل أنه عمل السفينة في أربعمائة سنة. قوله تعالى: وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ فيه قولان: أحدهما: أنهم رأوه يبني السفينة وما رأوا سفينة قط، فكانوا يسخرون ويقولون: صرت بعد النبوَّة نجاراً؟ وهذا قول ابن إِسحاق. والثاني: أنهم قالوا له: ما تصنع؟ فقال: أبني بيتا يمشي على الماء، فسخروا من قوله، وهذا قول مقاتل. وفي قوله: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ خمسة أقوال: أحدها: إِن تسخروا من قولنا فانا نسخر من غفلتكم. والثاني: إِن تسخروا من فعلنا عند بناء السفينة، فانا نسخر منكم عند الغرق، ذكره المفسرون. والثالث: إِن تسخروا منا في الدنيا، فانا نسخر منكم في الآخرة، قاله ابن جرير. والرابع: إِن تستجهلونا، فانا نستجهلكم، قاله الزجاج. والخامس: إِن تسخروا منا، فانا نستنصر الله عليكم، فسمى هذا سخرية، ليتفق اللفظان كما بينا في قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «1» ، هذا قول ابن الأنباري. قال ابن عباس: لم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر، فلذلك سخروا منه، وإِنما مياه البحار بقيّة الطّوفان. [سورة هود (11) : آية 39] فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (39) قوله تعالى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ هذا وعيد، ومعناه: فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية، ومن هو أحمد عاقبة. وقوله تعالى: مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي: يُذلُّه، وهو الغرق. وَيَحِلُّ عَلَيْهِ أي: ويجب عليه عَذابٌ مُقِيمٌ في الآخرة. [سورة هود (11) : آية 40] حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا فيه قولان: أحدهما: جاء أمرنا بعذابهم وإِهلاكهم. والثاني: جاء عذابنا وهو الماء، ابتدأ بجنبات الأرض فدار حولها كالإِكليل، وجعل المطر ينزل من السماء كأفواه القرب، فجعلت الوحوش يطلبن وسط الأرض هربا من الماء حتى اجتمعن عند السفينة، فحينئذ حمل فيها من كل زوجين اثنين. قوله تعالى: وَفارَ التَّنُّورُ الفور: الغليان والفوَّارة: ما يفور من القِدْر، قاله ابن فارس. قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال: التّنّور: اسم فارسيّ
معرَّب لا تعرف له العرب اسماً غير هذا، فلذلك جاء في التنزيل، لأنهم خوطبوا بما عرفوا. وروي عن ابن عباس أنه قال: التنور، بكل لسان عربي وعجمي. وفي المراد بهذا التنور ستة أقوال: أحدها: أنه اسم لوجه الأرض، رواه عكرمة عن علي عليه السلام. وروى الضحاك عن ابن عباس: التنور: وجه الأرض، قال: قيل له: إِذا رأيت الماءَ قد علا وجهَ الأرض، فاركب أنت وأصحابك، وهذا قول عكرمة، والزهري. والثاني: أنه تنوير الصبح، رواه أبو جحيفة عن عليّ رضي الله عنه. وقال ابن قتيبه: التنوير عند الصلاة. والثالث: أنه طلوع الفجر، روي عن علي أيضا، قال: «وفار التنور» : طلع الفجر. والرابع: أنه طلوع الشمس، وهو منقول عن علي أيضا. والخامس: أنه تنُّور أهله، روى العوفي عن ابن عباس قال: إِذا رأيت تنُّور أهلك يخرج منه الماء، فانه هلاك قومك. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أنه تنُّور آدم عليه السلام، وهبه الله لنوح، وقيل له: إذا فار الماء منه، فاحمل ما أمرت به. وقال الحسن: كان تنوراً من حجارة، وهذا قول مجاهد، والفراء، ومقاتل. والسادس: أنه أعلى الأرض وأشرفها «1» . قال ابن الأنباري: شُبهت أعالي الأرض وأماكنها المرتفعة لعلوها، بالتنانير. واختلفوا في المكان الذي فار منه التنور على ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنه فار من مسجد الكوفة، رواه حبّة العرني عن علي عليه السلام. وقال زِرُّ بن حُبَيش: فار التنور من زاوية مسجد الكوفة اليمنى. وقال مجاهد: نبع الماء من التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته، وكان ذلك بناحية الكوفة. وكان الشعبي يحلف بالله ما كان التنور إِلا بناحية الكوفة. والثاني: أنه فار بالهند، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثالث: أنه كان في أقصى دار نوح، وكانت بالشام في مكان يقال له: عين وردة، قاله مقاتل. قوله تعالى: قُلْنَا احْمِلْ فِيها أي: في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ. وروى حفص عن عاصم: «من كُلٍّ» بالتنوين. قال أبو علي: والمعنى: من كل شيء، ومن كل زوج زوجين، فحذف المضاف. وانتصاب «اثنين» على أنهما صفة لزوجين، وقد علم أن الزوجين اثنان، ولكنه توكيد. قال مجاهد: من كل صنف، ذكراً وأنثى. وقال ابن قتيبة: الزوج يكون واحداً، ويكون اثنين، وهو ها هنا واحد، ومعنى الآية: احمل من كل ذكر وأنثى اثنين. وقال الزجاج: المعنى: احمل زوجين اثنين من كل شىء، والزوج في كلام العرب يجوز أن يكون معه واحد، والاثنان يقال لهما: زوجان، يقال: عندي زوجان من الطير، إِنما يريد ذكراً وأنثى فقط، وقال ابن الأنباري: إِنما قال «اثنين» فثنَّى الزوج، لأنه قصد قصْد الذكر والأنثى من الحيوان، وتقديره: من كل ذكر وأنثى. قوله تعالى: وَأَهْلَكَ أي: وأحمل أهلك. قال المفسرون: أراد بأهله: عياله وولده. إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي: سبق عليه القول من الله بالإِهلاك. قال الضحاك: وهم امرأته وابنه كنعان.
[سورة هود (11) : آية 41]
قوله تعالى: وَمَنْ آمَنَ معناه: واحمل من آمن. وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ وفي عددهم ثمانية أقوال: أحدها: أنهم كانوا ثمانين رجلاً معهم أهلوهم، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: أن نوحاً حمل معه ثمانين إِنساناً، وبنيه الثلاثة، وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح. رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس. والثالث: كانوا ثمانين إِنساناً، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة. والرابع: كانوا أربعين، ذكره ابن جريج عن ابن عباس. والخامس: كانوا ثلاثين رجلاً، رواه أبو نهيك عن ابن عباس. والسادس: كانوا ثمانية، قال الحكم بن عتيبة: كان نوح وثلاثة بنيه وأربع كنائنه. قال قتادة: ذُكر لنا أنه لم ينج في السفينة إِلا نوح وامرأته «1» وثلاثة بنين له، ونساؤهم، فجماعتهم ثمانية، وهذا قول القرظي، وابن جريج. والسابع: كانوا سبعة، نوح، وثلاث كنائن له وثلاثة بنين، قاله الأعمش. والثامن: كانوا عشرة سوى نسائهم، قاله ابن إِسحاق. وروي عنه أنه قال: الذين نَجَوْا مع نوح بنوه الثلاثة، ونساؤهم ثلاث، وستة ممّن آمن به. [سورة هود (11) : آية 41] وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) قوله تعالى: وَقالَ يعني نوحاً للذين أمر بحملهم ارْكَبُوا السفينة. قال ابن عباس: ركبوا فيها لعشر مضين من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء. وقال ابن جريج: دفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر مضين من رجب، فأتت موضع البيت فطافت به أسبوعاً، وكان البيت قد رُفع في ذلك الوقت، ورست بباقردى «2» على الجودي يوم عاشوراء. قال ابن عباس: قرض الفأر حبال السفينة، فشكا نوح ذلك، فأوحى الله تعالى إِليه، فمسح ذنب الأسد، فخرج سنَّوْرانِ، وكان في السفينة عَذِرة، فشكا ذلك إِلى ربه، فأوحى الله تعالى إِليه، فمسح ذنب الفيل، فخرج خنزيران فأكلا ذلك «3» . قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «مُجراها» بضم الميم. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «مَجراها» بفتح الميم، وكسر الراء. وكلّهم قرءوا بضم الميم من «مرساها» ، إِلا أن ابن كثير، وأبا عمرو، وابن عامر، وحفصاً عن عاصم، كانوا يفتحون السين. ونافع، وأبو بكر عن عاصم، كانا يقرءانها بين الكسر والتفخيم. وكان حمزة، والكسائي، وخلف، يميلونها. وليس في هؤلاء أحد جعلها نعتاً لله، وإِنما جعل الوصفين نعتاً لله تعالى، الحسن، وقتادة، وحُميد الأعرج، وإِسماعيل بن مجالد عن عاصم، فقرؤوا «مجريها ومرسيها» بضم الميم، وبياءين صحيحتين، مثل مبديها ومنشيها. وقرأ ابن مسعود: «مجراها» بفتح
[سورة هود (11) : الآيات 42 إلى 43]
الميم، وإِمالة الراء بعدها ألف، «ومرساها» برفع الميم، وإِمالة السين بعدها ألف. وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكّل: «مجراها» بفتح الميم والراء، وبألف بعدها، ومرساها، برفع الميم وفتح السين، وبألف بعدها. وقرأ أبو الجوزاء، وابن يعمر: «مَجراها ومَرساها» بفتح الميم فيهما جميعاً، وفتح الراء والسين، وبألف بعدهما. وقرأ يحيى بن وثاب بفتح الميمين، إِلا أنه أمال الراء والسين فيهما. وقرأ أبو عمران الجوني، وابن جبير، برفع الميم فيهما، وفتح الراء والسين، وبألف بعدهما جميعاً. فمن قرأ بضم الميمين، جعله من أجرى وأرسى. ومن فتحهما، جعله مصدراً من جرى الشيء يجري مَجرى، ورسى يرسي مَرسى. قال الزّجّاج: قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ أي: بالله، والمعنى: أنه أمرهم أن يسمُّوا في وقت جريها ووقت استقرارها. ومن قرأ بضم الميمين، فالمعنى: بالله إِجراؤها، وبالله إرساؤها. ومن فتحهما، فالمعنى: بالله يكون جريها، وبالله يقع إِرساؤها، أي: إِقرارها. وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول: من ضم الميم في «مُجراها» أراد: أجراها اللهُ مجرىً، ومن فتحها، أراد: جرت مَجرى. وقال الضحاك: كان إِذا أراد أن تجري، قال: بسم الله، فجرت. وإذا أراد أن ترسي، قال: بسم الله، فرست. [سورة هود (11) : الآيات 42 الى 43] وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (42) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) قوله تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ شبهه بالجبال في عِظَمه وارتفاعه، ويقال: إِن الماء أرتفع على أطول جبل في الأرض أربعين ذراعاً، ويروي خمس عشرة ذراعاً. وذكر بعض المفسرين أنه ارتفع نحو السماء سبعين فرسخاً من الأرض. قوله تعالى: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ لا يختلفون أنه كان كافراً. وفي اسمه قولان «1» : أحدهما: كنعان، وهو قول الأكثرين. والثاني: اسمه يام، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عبيد بن عمير، وابن إِسحاق. قوله تعالى: وَكانَ فِي مَعْزِلٍ المعزل: المكان المنقطع. ومعنى العزل: التنحية. وفي معنى الكلام وجهان ذكرهما الزجاج: أحدهما: في معزل من السفينة. والثاني: في معزل من دين أبيه. قوله تعالى: يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائيّ «يا بني اركب» مضافة، بكسر الياء. وروى أبو بكر عن عاصم «يا بني» مفتوحة الياء هاهنا، وباقي القرآن مكسورة. وروى حفص عنه بالفتح في كلّ القرآن «يا بنيّ» إِذا كان واحداً. قال النحويون: الأصل في «بُنيّ» ثلاث ياءات، ياء التصغير، وياء بعدها هي لام الفعل، وياء بعد لام الفعل هي ياء الإضافة. فمن قرأ «يا بني» أراد: يا بنيي، فحذف ياء الاضافة، وترك الكسرة تدل عليها، كما
[سورة هود (11) : الآيات 44 إلى 47]
يقال: يا غلام أقبل. ومن فتح الياء، أبدل من كسرة لام الفعل فتحة، استثقالاً لاجتماع الياءات مع الكسرة، فانقلبت ياء الإِضافة ألفاً، ثم حذفت الألف كما تحذف الياء، فبقيت الفتحة على حالها. وقيل: إِن المعنى: يا بني آمن واركب معنا. قوله تعالى: سَآوِي أي: سأصير وأرجع إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي أي: يمنعني مِنَ الْماءِ أي: من تغريق الماء. قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ فيه قولان: أحدهما: لا مانع اليوم من أمر الله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: لا معصوم، ومثله: ماء دافق، أي: مدفوق، وسرٌّ كاتم، وليلٌ نائم، قاله ابن قتيبة. قوله تعالى: إِلَّا مَنْ رَحِمَ قال الزجاج: هذا استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكن من رحم الله فانه معصوم. قال مقاتل: إِلا من رحم فركب السفينة. قوله تعالى: وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ في المكنّى عنهما قولان: أحدهما: أنهما ابن نوح والجبل الذي زعم أنه يعصمه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. والثاني: نوح وابنه، قاله مقاتل. [سورة هود (11) : الآيات 44 الى 47] وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (45) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (47) قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وقف قوم على ظاهر الآية، وقالوا: إِنما ابتلعت ما نبع منها، ولم تبتلع ماء السماء، فصار ذلك بحاراً وأنهاراً، وهو معنى قول ابن عباس. وذهب آخرون إِلى أن المراد: ابلعي ماءك الذي عليك، وهو ما نبع من الأرض ونزل من السماء، وذلك بعد أن غرق ما على وجه الأرض. قوله تعالى: وَيا سَماءُ أَقْلِعِي أي: أمسكي عن إِنزال الماء. قال ابن الأنباري: لما تقدم ذكر الماء، عُلم أن المعنى: أقلعي عن إِنزال الماء. قوله تعالى: وَغِيضَ الْماءُ أي: نقص. قال الزجاج: يقال: غاض الماء يغيض: إِذا غاب في الأرض. ويجوز إِشمام الضم في الغين. قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ قال ابن عباس: غرق مَنْ غرق، ونجا مَنْ نجا. وقال مجاهد: «قضي الأمر» : هلاك قوم نوح. وقال ابن قتيبة: «وقضي الأمر» أي: فرغ منه. قال ابن الأنباري: والمعنى: أُحكمتْ هلكة قوم نوح، فلما دلت القصة على ما يبيِّن هلكتهم، أغنى عن نعت الأمر. قوله تعالى: وَاسْتَوَتْ يعني السفينة عَلَى الْجُودِيِّ وهو اسم جبل. وقرأ الأعمش، وابن أبي عبلة: «على الجودي» بسكون الياء. قال ابن الأنباري: وتشديد الياء في «الجوديّ» لأنها ياء النسبة، فهي كالياء في علوي، وهاشمي. وقد خففها بعض القراء. ومن العرب من يخفف ياء النسبة، فيسكنها في الرفع، والخفض، ويفتحها في النصب، فيقول: قام زيد العلوي، ورأيت زيداً العلوي. قال ابن عباس: دارت السفينة بالبيت أربعين يوماً، ثم وجهها الله إِلى الجودي فاستقرت عليه. واختلفوا أين هذا
الجبل على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بالموصل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك. والثاني: بالجزيرة، قاله مجاهد، وقتادة. وقال مقاتل: هو بالجزيرة قريب من الموصل. والثالث: أنه بناحية آمِد، قاله الزجاج. وفي علة استوائها عليه قولان: أحدهما: أنه لم يغرق، لأن الجبال تشامخت يومئذ وتطاولت، وتواضع هو فلم يغرق، فأرست عليه، قاله مجاهد. والثاني: أنه لما قلَّ الماء أَرْسَتْ عليه، فكان استواؤها عليه دلالة على قلة الماء. قوله تعالى: وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قال ابن عباس: بُعداً من رحمة الله للقوم الكافرين. فان قيل: ما ذنب من أُغرق من البهائم والأطفال؟ فالجواب: أنَّ آجالهم حضرت، فأُميتوا بالغرق، قاله الضحاك، وابن جريج. قوله تعالى: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي إِنما قال نوح هذا، لأن الله تعالى وعده نجاة أهله، فقال تعالى: وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ قال ابن عباس: أعدل العادلين. وقال ابن زيد: فأنت أحكم الحاكمين بالحق. واختلفوا في هذا الذي سأل فيه نوح على قولين: أحدهما: أنه ابن نوح لصلبه، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والجمهور. والثاني: أنه ولد على فراشه لغير رِشدة ولم يكن ابنه «1» . روى ابن الأنباري باسناده عن الحسن أنه قال: لم يكن ابنَه، إِن امرأته فجرت. وعن الشعبي قال: لم يكن ابنه، إِن امرأته خانته، وعن مجاهد نحو ذلك. وقال ابن جريج: ناداه نوح وهو يحسب أنه ابنه، وكان وُلد على فراشه. فعلى القول الأول، يكون في معنى قوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ قولان: أحدهما: ليس من أهل دينك. والثاني: ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإِنما المعنى: ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم. وعلى القول الآخر: الكلام على ظاهره، والأول أصح، لموافقته ظاهر القرآن، ولاجتماع الأكثرين عليه، وهو أولى من رمي زوجة نبيّ بفاحشة «2» .
[سورة هود (11) : آية 48]
قوله تعالى: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة: «إِنه عملٌ» رفع منون «غيرُ صالح» برفع الراء، وفيه قولان: أحدهما: أنه يرجع إلى السؤال فيه، فالمعنى: سؤالك إِياي فيه عمل غير صالح، قاله ابن عباس، وقتادة، وهذا ظاهر، لأنه قد تقدم السؤال فيه في قوله عزّ وجلّ: «رب إِن ابني من أهلي» ، فرجعت الكناية إِليه. والثاني: أنه يرجع إِلى المسؤول فيه. وفي هذا المعنى قولان: أحدهما: أنه لغير رِشدة، قاله الحسن. والثاني: أن المعنى: إِنه ذو عمل غير صالح، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: من قال: هو لغير رِشدة، قال: المعنى: إِن أصل أبنك الذي تظن أنه أبنك عملٌ غير صالح. ومن قال: إِنه ذو عمل غير صالح، قال: حذف المضاف، وأقام العمل مقامه، كما تقول العرب: عبد الله إِقبال وإِدبار، أي: صاحب إِقبال وإِدبار. وقرأ الكسائي: «عَمِلَ» بكسر الميم وفتح اللام «غيرَ صالح» بفتح الراء، يشير إِلى أنه مشرك. قوله تعالى: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: «فلا تسألنَّ» بفتح اللام، وتشديد النون، غير أن نافعاً، وابن عامر، كسرا النون، وفتحها ابن كثير، وحذفوا الياء في الوصل والوقف. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، بسكون اللام وتخفيف النون، غير أن أبا عمرو، وأبا جعفر، أثبتا الياء في الوصل، وحذفاها في الوقف، ووقف عليها يعقوب بالياء، والباقون يحذفونها في الحالين. قال أبو علي: من كسر النون، فقد عدَّى السؤال إِلى مفعولين، أحدهما: اسم المتكلم، والآخر: الاسم الموصول، وحذفت النون المتصلة بياء المتكلم لاجتماع النونات. وأما إِثبات الياء في الوصل فهو الأصل، وحذفها أخف، والكسرة تدل عليها، وتُعلِمُ أن المفعول مراد في المعنى. ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أنه نسبته إِليه، وليس منه. والثاني: في إِدخاله إِياه في جملة أهله الذين وعده نجاتهم. والثالث: سؤاله في إِنجاء كافر من العذاب. قوله تعالى: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن تكون من الجاهلين في سؤالك مَنْ ليس مِنْ حزبك. والثاني: من الجاهلين بوعدي، لأني وعدت بانجاء المؤمنين. والثالث: من الجاهلين بنسبك، لأنه ليس من أهلك. [سورة هود (11) : آية 48] قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (48) قوله تعالى: يا نُوحُ اهْبِطْ قال ابن عباس: يريد: من السفينة إِلى الأرض بِسَلامٍ مِنَّا أي: بسلامه. قوله تعالى: وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ قال المفسرون: البركات عليه أنه صار أباً للبشر جميعاً، لأن جميع الخلق من نسله وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ قال ابن عباس: يريد من ولدك. قال ابن الأنباري: المعنى من ذراري من معك، والمراد المؤمنون من ذريته. ثم ذكر الكفار فقال عزّ وجلّ: وَأُمَمٌ أي من الذرية أيضاً، والمعنى: وفيمن نَصِفُ لك أُمم وفيمن نقصُّ عليك أمره أُمم سَنُمَتِّعُهُمْ أي في
[سورة هود (11) : الآيات 49 إلى 53]
الدنيا ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة. قال محمد بن كعب القرظي: لم يبق مؤمن ولا مؤمنة في أصلاب الرجال وأرحام النساء يومئذ إِلى أن تقوم الساعة إِلا وقد دخل في ذلك السلام والبركات، ولم يبق كافر إِلا دخل في ذلك المتاع والعذاب. [سورة هود (11) : الآيات 49 الى 53] تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) قوله تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ في المشار إليه ب «تلك» قولان: أحدهما: قصة نوح. والثاني: آيات القرآن، والمعنى: تلك من أخبار ما غاب عنك وعن قومك. فان قيل: كيف قال هاهنا: «تلك» ، وفي مكان آخر «ذلك» ؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: «تلك» إِشارة إِلى آيات القرآن، و «ذلك» إِشارة إِلى الخبر والحديث، وكلاهما معروف في اللغة الفصيحة، يقول الرجل: قد قدم فلان، فيقول سامعٌ قولَه: قد فرحت به، وقد سررت بها، فاذا ذكّر، عنى القدوم، وإِذا أنَّث، ذهب إِلى القَدْمَة. قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ هذا يعني القرآن. فَاصْبِرْ كما صبر نوح على أذى قومه إِنَّ الْعاقِبَةَ أي آخر الأمر بالظفر والتمكين لِلْمُتَّقِينَ أي لك ولقومك كما كان لمؤمني قوم نوح. قوله تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ أي: ما أنتم إلّا في إِشراككم مع الله الأوثان. وما بعد هذا قد سبق تفسيره «1» إِلى قوله: يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وهذا أيضاً قد سبق تفسيره في سورة الأنعام «2» . والسبب في قوله لهم ذلك، أن الله حبس المطر عنهم ثلاث سنين وأعقم أرحام نسائهم، فوعدهم إِحياء بلادهم وبسط الرزق لهم إِن آمنوا. قوله تعالى: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الولد وولد الولد، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: يزدكم شدة إِلى شدتكم، قاله مجاهد، وابن زيد. والثالث: خِصباً إِلى خصبكم، قاله الضحاك. قوله تعالى: وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ قال مقاتل: لا تُعرضوا عن التوحيد مشركين. قوله تعالى: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ أي: بحجة واضحة. وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا يعنون الأصنام عَنْ قَوْلِكَ أي: بقولك، و «الباء» و «عن» يتعاقبان.
[سورة هود (11) : الآيات 54 إلى 56]
[سورة هود (11) : الآيات 54 الى 56] إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) قوله تعالى: إِنْ نَقُولُ أي: ما نقول في سبب مخالفتك إِيانا إِلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون لسبِّك إياها، فالذي تُظهر من عيبها لِما لحق عقلك من التغيير. قال ابن قتيبة: يقال: عراني كذا، واعتراني: إِذا ألمَّ بي. ومنه قيل لمن أتاك يطلب نائلك: عارٍ، ومنه قول النابغة: أَتَيْتُكَ عَارِيَاً خَلَقاً ثيابي ... على خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظّنون «1» قوله تعالى: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِلى آخر الآية. حرك ياء «إِنيَ» نافع. ومعنى الآية: إِن كنتم تقولون: إِن الآلهة عاقبتني لطعني عليها، فاني على يقين من عيبها والبراءةِ منها، وها أنا ذا أزيد في الطعن عليها، فَكِيدُونِي جَمِيعاً أي: احتالوا أنتم وأوثانكم في ضرّي، ثم لا تمهلون. قال الزجاج: وهذا من أعظم آيات الرسل، أن يكون الرسول وحدهَ وأُمتُه متعاونة عليه، فيقول لهم: كيدوني، فلا يستطيع أحد منهم ضرَّه، وكذلك قال نوح لقومه: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ «2» . وقال محمّد صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ «3» . قوله تعالى: إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها قال أبو عبيدة: المعنى: أنها في قبضته ومِلكه وسلطانه. فان قيل: لم خص الناصية؟ فالجواب: أن الناصية هي شعر مقدَّم الرأس، فاذا أخذت بها من شخص، فقد ملكت سائر بدنه، وذلَّ لك. قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال مجاهد: على الحق. وقال غيره: في الكلام إِضمار، تقديره: إِن ربي يدل على صراط مستقيم. فان قيل ما وجه المناسبة بين قوله: إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها وبين كونه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؟ فعنه جوابان «4» : أحدهما: أنه لما أخبر أنه آخذ بنواصي الخلق، كان معناه: أنهم لا يخرجون عن قبضته، فأخبر أنه على طريق لا يعدل عنه هارب، ولا يخفي عليه مستتر. والثاني: أن المعنى: أنه وإِن كان قادرا عليهم، فهو لا يظلمهم، ولا يريد إلّا العدل، ذكرهما ابن الأنباري. [سورة هود (11) : آية 57] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)
[سورة هود (11) : آية 58]
قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فيه قولان: أحدهما: أنه فعل ماض، معناه: فان أعرضوا: فعلى هذا، في الآية إِضمار، تلخيصه: فان أعرضوا فقل لهم: قد أبلغتكم، هذا مذهب مقاتل في آخرين. والثاني: أنه خطاب للحاضرين، وتقديره: فان تتولَّوا، فاستثقلوا الجمع بين تاءين متحركتين، فاقتُصر على إِحداهما، وأسقطت الأخرى، كما قال النابغة: المرءُ يَهْوى أَنْ يَعْي ... شَ وطُوْلُ عَيْشٍ قدَ يَضُرُّهْ تَفْنَى بَشَاَشُتُه ويَبْ ... قَى بَعْد حُلْوِ العَيْشِ مُرُّهْ وتَصَرَّفُ الأيّامُ حت ... ى ما يَرَى شيئاً يَسُرُّهْ أراد: وتتصرف الأيام، فأسقط إِحدى التاءين، ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ فيه وعيد لهم بالهلاك. إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ فيه قولان: أحدهما: حفيظ على أعمال العباد حتى يجازيَهم بها. والثاني: أن «على» بمعنى اللام، فالمعنى: لكل شيء حافظ، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء. [سورة هود (11) : آية 58] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58) قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا فيه قولان: أحدهما: جاء عذابنا، قاله ابن عباس. والثاني: جاء أمرنا بهلاكهم. قوله تعالى: نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا فيه قولان: أحدهما: نجيناهم من العذاب بنعمتنا. والثاني: نجيناهم بأن هديناهم إِلى الإِيمان، وعصمناهم من الكفر، روي القولان عن ابن عباس. قوله تعالى: وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ أي: شديد، وهو ما استحقه قوم هود من عذاب الدنيا والآخرة. [سورة هود (11) : آية 59] وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) قوله تعالى: وَتِلْكَ عادٌ يعني القبيلة وَعَصَوْا رُسُلَهُ. لقائل أن يقول: إِنما أُرسل إِليهم هود وحده، فكيف ذُكر بلفظ الجمع؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قد يذكر لفظ الجمع ويراد به الواحد، كقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ والمراد به النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده. والثاني: أن من كذَّب رسولاً واحداً فقد كذَّب الكلَّ. والثالث: أن كل مرة ينذرهم فيها هي رسالة مجدَّدة وهو بها رسول. قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا أي: واتبع الأتباع أمر الرؤساء. والجبار: الذي طال وفات اليد. وللعلماء في الجبار أربعة أقوال: أحدها: أنه الذي يقتل على الغضب ويعاقب على الغضب، قاله الكلبي. والثاني: أنه الذي يجبر الناس على ما يريد، قاله الزجاج. والثالث: أنه المسلَّط. والرابع: أنه العظيم في نفسه، المتكبّر على العباد، ذكرهما ابن الأنباري. والذي ذكرناه يجمع هذه الأقوال، وقد زدنا هذا شرحاً في (المائدة) . وأما العنيد: فهو الذي لا يقبل الحق. قال ابن قتيبة: العَنود، والعنيد، والعاند: المعارض لك بالخلاف عليك. [سورة هود (11) : الآيات 60 الى 69] وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (68) وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)
قوله تعالى: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً أي: أُلحقوا لعنة تنصرف معهم. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي: وفي يوم القيامة لُعنوا أيضاً أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أي بربهم، فحذف الباء، وأنشدوا «1» : أَمَرتُكَ الخيرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ به قال الزجاج: قوله: «ألا» ابتداء وتنبيه، و «بُعدا» منصوب على معنى: أبعدهم الله فبعدوا بعداً، والمعنى: أبعدهم من رحمته. قوله تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ فيه قولان: أحدهما: خلقكم من آدم، وآدم خُلق من الأرض. والثاني: أنشأكم في الأرض. وفي قوله: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها ثلاثة أقوال: أحدها: أعمركم فيها، أي: جعلكم ساكنيها مدة أعماركم، ومنه العمرى، وهذا قول مجاهد. والثاني: أطال أعماركم، وكانت أعمارهم من ألف سنة إِلى ثلاثمائة، قاله الضحاك. والثالث: جعلكم عُمَّارها، قاله أبو عبيدة. قوله تعالى: قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا فيه ثلاثة أقوال «2» : أحدها: أنهم كانوا يرجونه للمملكة بعد ملكهم، لأنه كان ذا حسب وثروة، قاله كعب. والثاني: أنه كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم، وكانوا يرجون رجوعه إِلى دينهم، فلما أظهر إِنذارهم، انقطع رجاؤهم منه، وإِلى نحو هذا ذهب مقاتل. والثالث: أنهم كانوا يرجون خيره، فلما أنذرهم، زعموا أن رجاءهم لخيره قد انقطع، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ إِن قال قائل: لم قال ها هنا: «وإِننا» وقال في «إِبراهيم» : «وإِنا» ؟ فالجواب: أنهما لغتان من لغات قريش السبع التي نزل القرآن عليها. قال الفراء: من قال: «إِننا» أخرج
الحرف على أصله، لأن كناية المتكلمين «نا» فاجتمعت ثلاث نونات، نونا «إِن» والنون المضمومة إلى الألف ومن قال: «إنا» اسثقل الجمع بين ثلاث نونات، فأسقط الثالثة، وأبقى الأولتين وكذلك يقال: إنّ وإٍنني، ولعلّي ولعلني، وليتي وليتني، قال الله تعالى في اللغة العليا: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ «1» ، وقال الشاعر في اللغة الأخرى: أريني جواداً مات هَزْلاً لعلَّني ... أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلاً مخلَّدا «2» وقال الله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ «3» ، وقال الشاعر: كمُنيةِ جابرٍ إِذ قال ليتي ... أصادقه وأُتلفُ بعضَ مالي «4» فأما المريب، فهو الموقع للرّيبة والتّهمة. والرّحمة يراد بها ها هنا: النبوَّة. قوله تعالى: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ التخسير: النقصان. وفي معني الكلام قولان: أحدهما: فما تزيدونني غيرَ بَصَارَةٍ في خسارتكم، قاله ابن عباس. وقال الفراء: المعنى: فما تزيدونني غير تخسيرٍ لكم، أي: كلما اعتذرتم عندي بعذر فهو يزيدكم تخسيراً. وقال ابن الأعرابي: غير تخسير لكم، لا لي. وقال بعضهم: المعنى: فما تزيدونني بما قلتم إِلا نسبتي لكم إِلى الخسارة. والقول الثاني: فما تزيدونني غير الخسران إِن رجعتُ إِلى دينكم، وهذا معنى قول مقاتل. فان قيل: فظاهر هذا أنه كان خاسراً، فزادوه خساراً، فقد أسلفنا الجواب في قوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا «5» . قوله تعالى: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً قد شرحناها في سورة الأعراف «6» . قوله تعالى: تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ أي: استمتعوا بحياتكم، وعبَّر عن الحياة بالتمتع، لأن الحيَّ يكون متمتِّعاً بالحواسِّ. قوله تعالى: ثَلاثَةَ أَيَّامٍ قال المفسرون: لمَّا عُقرت الناقة صَعِدَ فصيلُها إِلى الجبل، ورغا ثلاث مرات، فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم، ألا إِن اليوم الأول تصبح وجوهُكم مُصْفَرَّةً، واليوم الثاني مُحْمَرَّةً، واليوم الثالث مُسْوَدَّةً فلما أصبحوا في اليوم الأول، إِذا وجوههم مصفرة، فصاحوا وضجوا، وبَكَوْا، وعَرَفوا أنَّه العذاب، فلما أصبحوا في اليوم الثاني، إِذا وجوههم محمرة، فضجوا، وبكَوا، فلما أصبحوا في اليوم الثالث، إِذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فصاحوا جميعاً: ألا قد حضركم العذاب فتكفَّنوا وألقَوْا أنفسهم بالأرض، لا يدرون من أين يأتيهم العذاب، فلما أصبحوا في اليوم الرابع، أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كلِّ صاعقة، فتقطَّعتْ قلوبُهم في صدورهم. وقال مقاتل: حفروا لأنفسهم قبوراً، فلما ارتفعت الشمس من اليوم الرابع ولم يأتهم العذاب ظنوا أن الله قد رحمهم فخرجوا من قبورهم يدعو بعضهم بعضاً، إِذ نزل جبريل فقام فوق المدينة فسدّ ضوءَ الشمس فلما عاينوه
دخلوا قبورهم فصاح بهم صيحة: موتوا عليكم لعنة الله، فخرجت أرواحهم وتزلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم. قوله تعالى: ذلِكَ وَعْدٌ أي: العذاب غَيْرُ مَكْذُوبٍ أي: غير كذب. قوله تعالى: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر «يومِئِذٍ» بكسر الميم. وقرأ الكسائي بفتحها مع الإِضافة. قال مكي: من كسر الميم، أعرب وخفض، لإِضافة الخزي إِلى اليوم، ولم يَبْنِهِ ومن فتح، بنى اليوم على الفتح، لإِضافته إِلى غير متمكّن، وهو «إِذ» . وقرأ ابن مسعود «ومن خزيٍ» بالتنوين، «يومَئذ» بفتح الميم. قال ابن الأنباري: هذه الواو في قوله «ومن خزي» معطوفة على محذوف، تقديره: نجيناهم من العذاب ومن خزي يومئذ. قال: ويجوز أن تكون دخلت لفعل مضمر، تأويله: نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا، ونجيناهم من خِزْي يومئذ. قال: وإِنما قال: «وأخذَ» لأن الصيحة محمولة على الصياح. قوله تعالى: أَلا بُعْداً لِثَمُودَ اختلفوا في صرف «ثمود» وترك إِجرائه في خمسة مواضع: في (هود:) أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ، وفي (الفرقان) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ «1» ، وفي (العنكبوت) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ «2» ، وفي (النجم) وَثَمُودَ فَما أَبْقى «3» . قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر بالتنوين في أربعة مواضع منها، وتركوا أَلا بُعْداً لِثَمُودَ فلم يصرفوه. وقرأ حمزة بترك صرف هذه الخمسة الأحرف، وصرفهنَّ الكسائي. واختلف عن عاصم، فروى حسين الجعفي عن أبي بكر عنه أنه أجرى الأربعة الأحرف مثل أبي عمرو وروى يحيى بن آدم أنه أجرى ثلاثة، في (هود) أَلا إِنَّ ثَمُودَ، وفي (الفرقان) و (العنكبوت) . وروى حفص عنه أنه لم يجر شيئاً منها مثل حمزة. واعلم أن ثموداً يراد به القبيلة تارة ويراد به الحي تارة. فإذا أريد به القبيلة لم يصرف، وإِذا أريد به الحي صرف. وما أخللنا به فقد سبق تفسيره إِلى قوله: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ. والرسل ها هنا: الملائكة. وفي عددهم ستة أقوال: أحدها: أنهم كانوا ثلاثة، جبريل، وميكائيل، وإِسرافيل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. وقال مقاتل: جبريل، وميكائيل، وملك الموت. والثاني: أنهم كانوا اثني عشر، روي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: ثمانية، قاله محمد بن كعب. والرابع: تسعة، قاله الضحاك. والخامس: أحد عشر، قاله السدي. والسادس: أربعة، حكاه الماوردي. وفي هذه البشرى أربعة أقوال «4» : أحدها: أنها البشرى بالولد، قاله الحسن، ومقاتل. والثاني: بهلاك قوم لوط، قاله
[سورة هود (11) : آية 70]
قتادة. والثالث: بنبوَّته، قاله عكرمة. والرابع: بأن محمّدا صلى الله عليه وسلم يخرج من صلبه، ذكره الماوردي. قوله تعالى: قالُوا سَلاماً قال ابن الأنباري: انتصب بالقول، لأنه حرف مقول، والسلام الثاني مرفوع باضمار «عليكم» . وقال الفراء: فيه وجهان: أحدهما: أنه أضمر «عليكم» كما قال الشاعر: فَقُلْنَا السَّلاَمُ فَاتَّقَتْ مِنْ أَمِيرِهَا ... فما كان إِلاَّ ومْؤُهَا بِالْحَواجِبِ «1» والعرب تقول: التقينا فقلنا: سلام سلام. والثاني: أن القوم سلَّموا، فقال حين أنكرهم هو: سلام، فمن أنتم؟ لإِنكاره إِياهم. وقرأ حمزة، والكسائي: «قال سِلْم» ، وهو بمعنى: سلام، كما قالوا: حِلّ وحلال، وحِرم وحرام فعلى هذا، يكون معنى «سلِم» : سلام عليكم. قال أبو علي: فيكون معنى القراءتين واحداً وإِن اختلف اللفظان «2» . وقال الزجاج: من قرأ «سِلْم» فالمعنى: أمْرُنا سِلْم، أي: لا بأس علينا. قوله تعالى: فَما لَبِثَ أي: ما أقام حتى جاء بعجل حنيذ، لأنه ظنهم أضيافاً، وكانت الملائكة قد جاءته في صورة الغلمان الوِضَاء. وفي الحنيذ ستة أقوال «3» : أحدها: أنه النضيج، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. والثاني: أنه الذي يَقْطُر ماؤُه وَدَسمُه وقد شوي، قاله شمر بن عطية. والثالث: أنه ما حفرتَ الأرضَ ثم غممتَه، وهو من فعل أهل البادية معروف، وأصله محنوذ، فقيل: حنيذ، كما قيل: طبيخ للمطبوخ، وقتيل للمقتول. هذا قول الفراء. والرابع: أنه المشوي، قاله أبو عبيدة. والخامس: المشوي بالحجارة المحماة، قاله مقاتل وابن قتيبة. والسادس: السميط، ذكره الزجاج وقال: يقال إنه المشوي فقط، ويقال المشوي الذي يقطر، ويقال المشويّ بالحجارة. [سورة هود (11) : آية 70] فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (70) قوله تعالى: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ يعنى الملائكة لا تَصِلُ إِلَيْهِ يعني العجل نَكِرَهُمْ أي: أنكرهم. قال أبو عبيدة: نَكِرهم وأنكرهم واستنكرهم، سواء، قال الأعشى: وَأَنْكَرَتْني وَمَا كانَ الَّذي نَكِرَتْ ... مِنَ الحَوَادِثِ إِلاَّ الشَّيْبَ والصَّلَعَا قوله تعالى: وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أي: أضمر في نفسه خوفاً. قال الفراء: وكانت سُنَّةً في زمانهم إِذا ورد عليهم القوم فأتوهم بالطعام فلم يمسُّوه، ظنوا أنهم عدوّ أو لصوص، فهنالك أوجس في
[سورة هود (11) : الآيات 71 إلى 72]
نفسه خيفة، فرأوا ذلك في وجهه، فقالوا: لا تَخَفْ. قوله تعالى: إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ قال الزجاج: أي: أُرسلنا بالعذاب إِليهم. قال ابن الأنباري: وإِنما أُضمر ذلك ها هنا، لقيام الدليل عليه بذكر الله تعالى له في سورة أخرى. [سورة هود (11) : الآيات 71 الى 72] وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (71) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ واسمها سارة. واختلفوا أين كانت قائمة على ثلاثة أقوال: أحدها: وراء الستر تسمع كلامهم، قاله وهب. والثاني: كانت قائمة تخدمهم، قاله مجاهد، والسدي. والثالث: كانت قائمة تصلي، قاله محمد بن إِسحاق. وفي قوله: فَضَحِكَتْ ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أن الضحك ها هنا بمعنى التعجب، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن معنى «ضحكت» حاضت، قاله مجاهد وعكرمة. قال ابن قتيبة: وهذا من قولهم: ضحكت الأرنب: إِذا حاضت فعلى هذا: يكون حيضها حينئذ تأكيدا للبشارة بالولد. لأن من لا تحيض لا تحمل. وقال الفراء: لم نسمع من ثقة أن معنى (ضحكت) حاضت. قال ابن الأنباري: أنكر الفراء، وأبو عبيدة، وأبو عبيد، أن يكون «ضحكت» بمعنى حاضت وعرفه غيرهم. قال الشاعر: تَضْحَكُ الضَّبْعُ لقَتْلى هُذَيْلٍ ... وَتَرَى الذِّئْبَ لها يَسْتَهِلُّ «2» قال بعض أهل اللغة: معناه: تحيض «3» . والثالث: أنه الضحك المعروف، وهو قول الأكثرين. وفي سبب ضحكها ستة أقوال: أحدها: أنها ضحكت من شدة خوف إِبراهيم من أضيافه، وقالت: من ماذا يخاف إِبراهيم، وإِنما هم ثلاثة، وهو في أهله وغلمانه؟! رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثاني: أنها ضحكت من بشارة الملائكة لإِبراهيم بالولد، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، ووهب بن منبه فعلى هذا، إِنما ضحكت سروراً بالبشارة، ويكون في الآية تقديم وتأخير، المعنى: وامرأته قائمة فبشرناها فضحكت، وهو اختيار ابن قتيبة. والثالث: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، قاله قتادة. والرابع: ضحكت من إِمساك الأضياف عن الأكل، وقالت: عجباً لأضيافنا، نخدمهم بأنفسنا، وهم لا يأكلون طعامنا! قاله السّدّيّ. والخامس: ضحكت سرورا
[سورة هود (11) : آية 73]
بالأمن، لأنها خافت كخوف إِبراهيم، قاله الفراء. والسادس: أنها كانت قالت لإِبراهيم: اضمم إِليك ابن أخيك لوطاً، فانه سينزل العذاب بقومه، فلما جاءت الملائكة بعذابهم، ضحكت سروراً بموافقتها للصواب، ذكره ابن الأنباري. قال المفسرون: قال جبريل لسارة: أَبْشِري أيتها الضاحكة بولد اسمه إِسحاق، وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ، فبشروها أنها تلد إِسحاق، وأنها تعيش إِلى أن ترى ولد الولد. وفي معنى الوراء قولان: أحدهما: أنه بمعنى «بعد» ، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره مقاتل، وابن قتيبة. والثاني: أن الوراء: ولد الولد، روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال الشعبي، واختاره أبو عبيدة. فان قيل: كيف يكون يعقوب وراء إِسحاق وهو ولده لصلبه، وإِنما الوراء: ولد الولد؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: المعنى: ومن وراء المنسوب إِلى إِسحاق يعقوب، لأنه قد كان الوراء لإِبراهيم من جهة إِسحاق، فلو قال: ومن الوراء يعقوب، لم يُعلم أهذا الوراء منسوب إِلى إِسحاق، أم إِلى إِسماعيل؟ فأضيف إِلى إِسحاق لينكشف المعنى ويزول اللبس. قال: ويجوز أن ينسب ولد إِبراهيم من غير إِسحاق إلى سارة على جهة المجاز، فكان تأويل الآية: من الوراء المنسوب إِلى سارة، وإلى إِبراهيم من جهة إِسحاق، يعقوب. ومن حمل الوراء على «بعد» لزم ظاهر العربية. واختلف القراء في «يعقوب» ، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «يعقوبُ» بالرفع. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: يَعْقُوبَ بالنصب. قال الزجاج: وفي رفع «يعقوب» وجهان: أحدهما: على الابتداء المؤخَّر، معناه التقديم والمعنى: ويعقوبُ يَحْدُثُ لها من وراء إِسحاق. والثاني: وثبت لها من وراء إِسحاق يعقوبُ. ومن نصبه. حمله على المعنى، والمعنى: وهبنا لها إِسحاقَ، ووهبنا لها يعقوبَ. قوله تعالى: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ هذه الكلمة تقال عند الإِيذان بورود الأمر العظيم. ولم تُرِد بها الدعاء على نفسها، وإِنما هي كلمة تخفُّ على ألسنة النساء عند الأمر العجيب. وقولها: أَأَلِدُ استفهام تعجّب. قال الزّجّاج: وشَيْخاً منصوب على الحال. قال ابن الأنباري: إِنما أشارت بقولها هذا لتنبِّه على شيخوخيَّته. واختلفوا في سن إِبراهيم وسارة يومئذ على أربعة أقوال «1» : أحدها: أنه كان إِبراهيم ابن تسع وتسعين سنة، وسارة بنت ثمان وتسعين، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه كان إِبراهيم ابن مائة سنة، وسارة بنت تسع وتسعين، قاله مجاهد. والثالث: كان إِبراهيم ابن تسعين، وسارة مثله، قاله قتادة. والرابع: كان إِبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وسارة بنت تسعين، قاله عبيد بن عمير، وابن إسحاق. [سورة هود (11) : آية 73] قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) قوله تعالى: قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي: من قضائه وقدرته، وهو إِيجاد ولد من بين كبيرين. قال السدي: قالت سارة لجبريل: ما آية ذلك؟ فأخذ بيده عوداً يابساً فلواه بين أصابعه فاهتزّ أخضر،
[سورة هود (11) : الآيات 74 إلى 76]
فقالت: هو إِذن لله ذبيحٌ. قوله تعالى: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فيه وجهان: أحدهما: أنه من دعاء الملائكة لهم. والثاني: أنه إِخبار عن ثبوت ذلك لهم. ومن تلك البركات وجود أكثر الأنبياء والأسباط من إِبراهيم وسارة. والحميد بمعنى المحمود. فأما المجيد، فقال ابن قتيبة: المجيد. بمعنى الماجد، وهو الشريف. وقال أبو سليمان الخطابي: هو الواسع الكرم. وأصل المجد في كلامهم: السَّعَة، يقال: رجل ماجد: إِذا كان سخياً واسع العطاء. وفي بعض الأمثال: في كل شجر نار، واستمجدَ المرْخُ والعَفَارُ «1» ، أي: استكثرا منها. [سورة هود (11) : الآيات 74 الى 76] فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ يعني الفَزَع الذي أصابه حين امتنعوا من الأكل يُجادِلُنا فيه إِضمار أخذ وأقبل يجادلنا، والمراد: يجادل رسلنا. قال المفسرون: لما قالوا له: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ قال: أتهلكون قرية فيها مائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أتهلكون قرية فيها خمسون مؤمناً؟ قالوا: لا. قال: أربعون؟ قالوا: لا فما زال ينقص حتى قال: فواحد؟ قالوا: لا. فقال حينئذ: إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها، هذا قول ابن إِسحاق. وقال غيره: قيل له: إِن كان فيهم خمسة لم نعذِّبْهم، فما كان فيهم سوى لوط وابنتيه. وقال سعيد بن جبير: قال لهم: أتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمناً؟ قالوا: لا وكان إِبراهيم يَعُدُّهم أربعة عشر مع امرأة لوط، فسكتَ واطمأنَّتْ نفسه وإِنما كانوا ثلاثة عشر فأُهلكوا. قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ قد فسرناه في (براءة) «2» . فعند ذلك قالت الرسل لإِبراهيم: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا يعنون الجدال. إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بعذابهم. وقيل: قد جاء عذاب ربك، فليس بمردود، لأنّ الله تعالى قد قضى به. [سورة هود (11) : الآيات 77 الى 81] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً قال المفسرون: خرجت الملائكة من عند إِبراهيم نحو قرية
لوط، فأَتَوْهَا عشاءً. وقال السدي عن أشياخه: أَتَوْهَا نصف النهار، فلما بلغوا نهر سدوم لقوا بنت لوط تستقي الماء لأهلها، فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل؟ قالت: نعم، مكانَكم لا تدخلوا حتى آتيكم، فَرَقاً عليهم من قومها فأتت أباها، فقالت: يا أبتاه، أدرك فتياناً على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نَهَوْهُ أن يضيف رجلاً فجاء بهم، ولم يعلم بهم أحد إِلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فجاؤوا يُهْرَعُونَ إِليه. قوله تعالى: سِيءَ بِهِمْ فيه قولان: أحدهما: ساء ظنه بقومه، قاله ابن عباس. والثاني: ساءه مجيء الرسل، لأنه لم يعرفهم، وأشفق عليهم من قومه، قاله ابن جرير. قال الزجاج: وأصل «سيء بهم» سوئ بهم، من السوء، إِلا أن الواو أسكنت ونقلت كسرتها إِلى السين. قوله تعالى: وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً قال ابن عباس: ضاق ذرعاً بأضيافه. قال الفراء: الأصل فيه: وضاق ذرعه بهم، فنُقل الفعل عن الذرع إِلى ضمير لوط، ونُصب الذرع بتحول الفعل عنه، كما قال: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً «1» ومعناه: اشتعل شيب الرأس. قال الزجاج: يقال: ضاق فلان بأمره ذرعاً: إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصاً. وذكر ابن الأنباري فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: وقع به مكروه عظيم لا يصل إِلى دفعه عن نفسه فالذرع كناية عن هذا المعنى. والثاني: أن معناه: ضاق صبره وعظم المكروه عليه وأصله من: ذرع فلاناً القيءُ: إِذا غلبه وسبقه. والثالث: أن المعنى: ضاق بهم وُسْعُه، فناب الذرع والذراع عن الوسع، لأن الذراع من اليد، والعرب تقول: ليس هذا في يدي، يعنون: ليس هذا في وُسْعِي ويدل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع، فيقولون: ضقت بهذا الأمر ذراعاً، قال الشاعر: إِلَيْكَ إِلَيْكَ ضَاقَ بِهِم ذِرَاعَا فأما العصيب، فقال أبو عبيدة: العصيب: الشديد الذي يعصب الناس بالشر، وأنشد: يوم عصيب يعصب الأبطالا ... عَصْبَ القويِّ السَّلَمَ الطِّوالا وقال أبو عبيد: يقال: يوم عصيب ويوم عصبصب: إِذا كان شديداً. قوله تعالى: يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ قال ابن عباس، ومجاهد: «يهرعون» يسرعون. وقال الفراء، والكسائي: لا يكون الإِهراع إِلا إِسراعاً مع رِعدة. قال ابن قتيبة: الإِهراع شبيه بالرِعدة، يقال: أُهرع الرجل: إِذا أسرع، على لفظ ما لم يسم فاعله، كما يقال: أُرعد. قال ابن الأنباري: الإِهراع فعل واقع بالقوم وهو لَهم في المعنى، كما قالت العرب: قد أُولع الرجل بالأمر، فجعلوه مفعولاً، وهو صاحب الفعل، ومثله: أُرعد زيد، وسُهي عمرو من السهو، كل واحد من هذه الأفاعيل خرج الاسم معه مقدراً تقدير المفعول، وهو صاحب الفعل لا يُعرف له فاعل غيره. قال: وقال بعض النحويين: لا يجوز للفعل أن يُجعل فاعله مفعولاً، وهذه الأفعال المذكورة فاعلوها محذوفون، وتأويل «أولع زيد» : أولعه طبعه وجِبلَّته، و «أرعد الرجل» : أرعده غضبه، و «سهي عمرو» جعله ساهياً مالُه أو جهله، و «أُهرع» معناه: أهرعه خوفه ورعبه فلهذه العلة خرِّج هؤلاء الأسماء مخرج المفعول به. قال: وقال بعض
اللغويين: لا يكون الإِهراع إِلا إِسراع المذعور الخائف لا يقال لكل مسرع: مهرع حتى ينضم إِلى إِسراعه جزع وذعر. قال المفسرون: سبب إِهراعهم، أن امرأة لوط أخبرتهم بالأضياف. وَمِنْ قَبْلُ أي: ومن قبل مجيئهم إِلى لوط كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني فعلهم المنكر. وفي قوله: هؤُلاءِ بَناتِي قولان: أحدهما: أنهن بناته لصلبه، قاله ابن عباس. فإن قيل: كيف جمع، وإنّما كن اثنتين؟ فالجواب: أنه قد يقع الجمع على اثنين، كقوله: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ. والثاني: أنه عنى نساء أمته، لأن كل نبي أبو أمته، والمعنى: أنه عرض عليهم التزويج، أو أمرهم أن يكتفوا بنسائهم، وهذا مذهب مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن جريج. فإن قيل: كيف عرض تزويج المؤمنات على الكافرين؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه قد كان يجوز ذلك في شريعته، وكان جائزاً في صدر الإِسلام حتى نسخ، قاله الحسن. والثاني: أنه عرض ذلك عليهم بشرط إِسلامهم، قاله الزجاج، ويؤكده أن عرضهن عليهم موقوف على عقد النكاح، فجاز أن يقف على شرط آخر. قوله تعالى: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ قال مقاتل: هن أحل من إِتيان الرجال. قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ فيه قولان: أحدهما: اتقوا عقوبته. والثاني: اتقوا معصيته. قوله تعالى: وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي حرك ياء «ضيفي» أبو عمرو، ونافع. وفي معنى هذا الخزي ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الفضيحة، قاله ابن عباس. والثاني: الاستحياء، والمعنى: لا تفعلوا بأضيافي فعلاً يلزمني الاستحياء منه، لأن المضيف يلزمه الاستحياء من كل فعل يصل إِلى ضيفه. والعرب تقول: قد خزي الرجل يخزى خِزاية: إذا استحيا، قال الشاعر: مِنَ البِيْضِ لاَ تَخْزَي إِذا الرِّيْحُ أَلْصَقَتْ ... بها مِرْطَهَا أَوْ زَايَلَ الحَلْيُ جِيْدَهَا «1» والثالث: أنه بمعنى الهلاك، لأن المعرة التي تقع بالمضيف في هذه الحال تُلزمه هلكة، ذكرهما ابن الأنباري. قال ابن قتيبة: والضّيف ها هنا: بمعنى الأضياف، والواحد يدل على الجميع، كما تقول: هؤلاء رسولي ووكيلي. قوله تعالى: أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ في المراد بالرشيد قولان: أحدهما: المؤمن. والثاني: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، رويا عن ابن عباس. قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشِد، فيكون المعنى: أليس منكم مرشِد يعظكم ويعرفكم قبيح ما تأتون؟ فيكون الرشيد من صفة الفاعل، كالعليم، والشهيد. ويجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشَد، فيكون المعنى: أليس منكم رجل قد أسعده الله بما منحه من الرشاد يصرفكم عن إِتيان هذه المعرَّة؟ فيجري رشيد مجرى مفعول، كالكتاب الحكيم بمعنى المحكم. قوله تعالى: ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ فيه قولان: أحدهما: ما لنا فيهن حاجة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: لسن لنا بأزواج فنستحقهن، قاله ابن إسحاق، وابن قتيبة.
قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ قال عطاء: وإِنك لتعلم أنا نريد الرجال، لا النساء. قوله تعالى: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أي: جماعة أقوى بهم عليكم. وقيل: أراد بالقوة البطش. أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ أي: أنضم إِلى عشيرة وشيعة تمنعني. وجواب «لو» محذوف على تقدير: لحُلْتُ بينكم وبين المعصية. قال أبو عبيدة: قوله تعالى: «آوي» من قولهم: أويت إِليك، فأنا آوي أُويّاً، والمعنى: صرت إِليك وانضممت. ومجاز الركن ها هنا: العشيرة العزيزة الكثيرة المنيعة، وأنشد «1» : يأوى إِلى رُكْنٍ مِنَ الأَرْكَانِ ... في عدَدٍ طَيْسٍ ومجدٍ باني والطَّيْس: الكثير، يقال: أتانا لبن طيس، وشراب طيس، أي: كثير. واختلفوا أي وقت قال هذا لوط فروي عن ابن عباس أن لوطاً كان قد أغلق بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم وراء الباب، وهم يعالجون الباب ويرومون تسوّر الجدار فلما رأت الملائكة ما يلقى من الكرب، قالوا: يا لوط إِنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإِياهم ففتح الباب، فدخلوا، واستأذن جبريل ربه في عقوبتهم، فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فأعماهم، فانصرفوا يقولون: النجاءَ النجاءَ، فان في بيت لوط أسحر قوم في الأرض وجعلوا يقولون: يا لوط، كما أنت حتى تصبح، يوعدونه فقال لهم لوط: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح، قال: لو أهلكتموهم الآن، فقالوا: أليس الصبح بقريب؟ وقال أبو صالح عن ابن عباس: إِنهم لما تواعدوه، قال في نفسه: ينطلق هؤلاء القوم غداً من عندي، وأبقى مع هؤلاء فيهلكوني، فقال: لو أن لي بكم قوة. قلت: وإِنما يتوجه هذا إِذا قلنا: إِنه كان قبل علمه أنهم ملائكة. وقال قوم: إِنه إِنما قال هذا لما كسروا بابه وهجموا عليه. وقال آخرون: لما نهاهم عن أضيافه فأبَوْا قال هذا. وفي الجملة، ما أراد بالركن نصر الله وعونه، لأنه لم يخل من ذلك، وإِنما ذهب إِلى العشيرة والأسرة. (796) وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إِلى ركن شديد، وما بعث الله نبياً بعده إِلا في ثروة من قومه» . قوله تعالى: لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ قال مقاتل: فيه إِضمار، تقديره: لن يصلوا إِليك بسوء، وذلك أنهم قالوا للوط: إِنا نرى معك رجالاً سحروا أبصارنا، فستعلم غداً ما تَلْقى أنت وأهلُك فقال له جبريل: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ. قوله تعالى: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائيّ «فأسر»
[سورة هود (11) : الآيات 82 إلى 83]
بإثبات الهمز في اللفظ من أسريت. وقرأ ابن كثير، ونافع «فاسر بأهلك» بغير همز من سريت، وهما لغتان. قال الزجاج: يقال: سريت، وأسريت: إِذا سرت ليلاً، قال الشاعر: سريت بهم حتى تكلَّ مَطيُّهم ... وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرسان «1» وقال النابغة: أَسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ «2» تُزجِي الشَّمَالُ عَلَيْهِ جَامِدَ الْبَرَدِ وقد رووه: سرت. فأما أهله، فقال مقاتل: هم امرأته وابنتاه، واسم ابنتيه: رُبْثا وزُعَرثا. وقال السدي: اسم الكبرى: ريَّة، واسم الصغرى: عروبة، والمراد بأهله: ابنتاه. فأما القِطْع، فهو بمعنى القطعة يقال: مضى قِطْع من الليل، أي: قطعة. قال ابن عباس: يريد به: آخر الليل. وقال ابن قتيبة: «بقِطْع» أي: ببقية تبقى من آخره. وقال ابن الأنباري: ذكر القِطَع بمعنى القطعة مختص بالليل، ولا يقال: عندي قِطْع من الثوب، بمعنى: عندي قطعة. قوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى: لا يتخلَّفْ منكم أحد، قاله أبو صالح عن ابن عباس، والثاني: أنه الالتفات المعروف، قاله مجاهد، ومقاتل. قوله تعالى: إِلَّا امْرَأَتَكَ قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بنصب التاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، وابن جمّاز عن أبي جعفر برفع التاء. قال الزجاج: من قرأ بالنصب فالمعنى: فأسر بأهلك إِلا امرأتكَ. ومن قرأ بالرفع حمله على: «ولا يلتفتْ منكم أحد إِلا امرأتك» . وإِنما أُمروا بترك الالتفات لئلا يَرَوْا عظيم ما ينزل بهم من العذاب. قال ابن الأنباري: وعلى قراءة الرفع يكون الاستثناء منقطعاً، معناه: لكن امرأتك فإنها تلتفت فيصيبها ما أصابهم فإذا كان استثناءً منقطعاً كان التفاتُها معصيةً لربها، لأنه ندب إِلى ترك الالتفات. قال قتادة: ذُكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت هَدّة العذاب التفتت فقالت: وا قوماه، فأصابها حجر فأهلكها، وهو قوله: إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ للعذاب الصُّبْحُ. قوله تعالى: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ قال المفسرون: قالت الملائكة: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ فقال: أريد أعجل من ذلك، فقالوا له: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ؟ [سورة هود (11) : الآيات 82 الى 83] فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أمرُ الله الملائكةَ بعذابهم. والثاني: أن الأمر بمعنى العذاب. والثالث: أنه بمعنى القضاء بعذابهم. قوله تعالى: جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها الكناية تعود إِلى المؤتفكات، وهي قرى قوم لوط، وقد
ذكرناها في سورة براءة «1» ، ونحن نشير إلى قصة هلاكهم ها هنا. قال ابن عباس: أمر جبريل لوطاً بالخروج، وقال: اخرج وأخرج غنمك وبقرك، فقال: كيف لي بذلك وقد أُغلقت أبواب المدينة؟ فبسط جناحه، فحمله وبنتيه وما لهم من شيء، فأخرجهم من المدينة، وسأل جبريل ربَّه، فقال: يا رب ولِّني هلاك هؤلاء القوم، فأوحى الله إِليه أن تولّ هلاكهم فلما أن بدا الصبح، غدا عليهم جبريل فاحتملها على جناحه، ثم صَعِدَ بها حتى خرج الطير في الهواء لا يدري أين يذهب، ثم كَفَأهَا عليهم، وسمعوا وَجْبَةً «2» شديدة، فالتفتت امرأة لوط، فرماها جبريل بحجر فقتلها، ثم صَعِدَ حتى أشرف على الأرض، فجعل يتّبع مُسافِرَهم وَرعَاتهم ومَنْ تحوَّل عن القرية، فرماهم بالحجارة حتى قتلهم. وقال السدي: اقتلع جبريل الأرض من سبع أرضين، فاحتملها حتى بلغ بها إِلى أهل السماء الدنيا، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها. وقال غيره: كانت خمس قرى، أعظمها سَدوم، وكان القوم أربعة آلاف ألف. وقيل: كان في كل قرية مائة ألف مقاتل، فلما رفعها إِلى السماء، لم ينكسر لهم إِناء ولم يسقط حتى قلبها عليهم. وقيل: نجت من الخمس واحدة لم تكن تعمل مثل عملهم. وانفرد سعيد بن جبير، فقال: إِن جبريل وميكائيل تولَّيا قلبها. قوله تعالى: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى القرى. والثاني: إِلى الأمة. وفي السّجّيل سبعة أقوال «3» : أحدها: أنها بالفارسية سَنْك وكِلْ، السنك: الحجر، والكل: الطين، هذا قول ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وقال مجاهد: أولها حجر، وآخرها طين. وقال الضحاك: يعني الآجرّ. قال ابن قتيبة: من ذهب إِلى هذا القول، اعتبره بقوله: حِجارَةً مِنْ طِينٍ يعنى الآجر. وحكى الفراء أنه طين قد طبخ حتى صار بمنزلة الرّحاء «4» . والثاني: أنه بحر معلَّق في الهواء بين السماء والأرض، ومنه نزلت الحجارة، قاله عكرمة. والثالث: أن السجيل: اسم السماء الدنيا، فالمعنى: حجارة من السماء الدنيا، قاله ابن زيد. والرابع: أنه الشديد من الحجارة الصلب، قاله أبو عبيدة، وأنشد لابن مقبل: ضرباً تواصَتْ به الأبطالُ سِجِّينَا «5» وردّ هذا القول ابن قتيبة، فقال: هذا بالنون، وذاك باللام، وإِنما هو في هذا البيت فعيل من سجنت، أي: حبست، كأنه يثبت صاحبه. والخامس: أن قوله: مِنْ سِجِّيلٍ كقولك: من سِجلّ، أي: مما كُتب لهم أن يعذَّبوا به، وهذا اختيار الزجاج. والسادس: أنه من أسجلته، أي: أرسلته، فكأنها مرسلة عليهم. والسابع: أنه من أسجلت: إِذا أعطيت، حكى القولين الزّجّاج.
[سورة هود (11) : الآيات 84 إلى 85]
وفي قوله: مَنْضُودٍ ثلاثة أقوال: أحدها: يتبع بعضه بعضا، قاله ابن عباس. والثاني: أنه مصفوف، قاله عكرمة، وقتادة. والثالث: نضد بعضه على بعض، لأنه طين جُمع فجُعل حجارة، قاله الربيع بن أنس «1» . قوله تعالى: مُسَوَّمَةً قاله الزجاج: أي معلَّمة، أُخذ من السُّومة، وهي العلامة. وفي علامتها ستة أقوال: أحدها: بياض في حمرة، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الحسن. والثاني: أنها كانت مختومة، فالحجر أبيض وفيه نقطة سوداء، أو أسود وفيه نقطة بيضاء، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنها المخططة بالسواد والحمرة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: عليها نضح من حمرة فيها خطوط حمر على هيئة الجِزع، قاله عكرمة، وقتادة. والخامس: أنها كانت معلَّمة بعلامة يُعرف بها أنها ليست من حجارة الدنيا، قاله ابن جريج. والسادس: أنه كان على كل حجر منها اسم صاحبه، قاله الربيع. وحكي عن بعض من رأى تلك الحجارة أنه قال: كانت مثل رأس الإبل، ومثل مبارك الإِبل، ومثل قبضة الرجل. وفي قوله تعالى: عِنْدَ رَبِّكَ أربعة أقوال: أحدها: أن المعنى: جاءت من عند ربك، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: عند ربك معدّة، قاله أبو بكر الهذليّ. والثالث: أن المعنى: هذا التسويم لزم هذه الحجارة عند الله إِيذاناً بنفاذ قدرته وشدة عذابه، قاله ابن الأنباري. والرابع: أن معنى قوله تعالى: «عند ربك» : في خزائنه التي لا يُتصرَّف في شيء منها إِلا بإذنه. قوله تعالى: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ في المراد بالظّالمين ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد بالظالمين هاهنا: كفار قريش، خوَّفهم الله بها، قاله الأكثرون. والثاني: أنه عام في كل ظالم قال قتادة: والله ما أجار الله منها ظالماً بعد قوم لوط، فاتقوا الله وكونوا منه على حذر. والثالث: أنهم قوم لوط، فالمعنى: وما هي من الظالمين، أي: من قوم لوط ببعيد، والمعنى: لم تكن لتُخطئهم، قاله الفرّاء. [سورة هود (11) : الآيات 84 الى 85] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) قوله تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ قد فسّرناه في سورة الأعراف «2» . قوله تعالى: وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أي: لا تطفّفوا وكانوا يطفِّفون مع كفرهم. قوله تعالى: إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ فيه قولان:
[سورة هود (11) : الآيات 86 إلى 95]
أحدهما: أنه رخص الأسعار، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد. والثاني: سَعَةُ المال، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال قتادة، وابن زيد. وقال الفراء: أموالكم كثيرة، وأسعاركم رخيصة، فأيّ حاجة بكم إلى سوء الكيل والوزن «1» ؟! قوله تعالى: وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه غلاء السعر، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: القحط والجدب والغلاء. والثاني: العذاب في الدنيا، وهو الذي أصابهم، قاله مقاتل. والثالث: عذاب النار في الآخرة، ذكره الماوردي «2» . قوله تعالى: أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ أي: أتمُّوا ذلك بالعدل. والإِيفاء: الإِتمام. وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بنقص المكيال والميزان. [سورة هود (11) : الآيات 86 الى 95] بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (91) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) قوله تعالى: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ فيه ثمانية أقوال «3» : أحدها: ما أبقى الله بكم من الحلال بعد
إِيفاء الكيل والوزن، خير من البخس، قاله ابن عباس. والثاني: رزق الله خير لكم، روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال سفيان. والثالث: طاعة الله خير لكم، قاله مجاهد، والزجاج. والرابع: حظُّكم من الله خير لكم، قاله قتادة. والخامس: رحمة الله خير لكم، قاله ابن زيد. والسادس: وصية الله خير لكم، قاله الربيع. والسابع: ثواب الله في الآخرة خير لكم، قاله مقاتل. والثامن: مراقبة الله خير لكم، ذكره الفراء. وقرأ الحسن البصري: «تقية الله خير لكم» بالتاء. قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرطَ الإِيمان في كونه خيراً لهم، لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله عزّ وجلّ، عرفوا صحّة ما يقول. وفي قوله عزّ وجلّ: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ثلاثة أقوال: أحدها: ما أُمرْتُ بقتالكم وإِكراهكم على الإِيمان. والثاني: ما أُمرتُ بمراقبتكم عند كيلكم لئلا تبخسوا. والثالث: ما أحفظكم من عذاب الله إِن نالكم. قوله تعالى: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: «أصلاتك» على التوحيد. وفي المراد بصلواته ثلاثة أقوال: أحدها: دينة، قاله عطاء. والثاني: قراءته، قاله الأعمش. والثالث: أنها الصلوات المعروفة. وكان شعيب كثيرَ الصلاة. قوله تعالى: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا قال الفراء: معنى الآية: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ وفي معنى الكلام على قراءة من قرأ بالنون قولان: أحدهما: أن فعلهم في أموالهم هو البخس والتطفيف، قاله ابن عباس فالمعنى: قد تراضينا فيما بيننا بذلك. والثاني: أنهم كانوا يقطعون الدراهم والدنانير، فنهاهم عن ذلك، قاله ابن زيد. وقال القرظي: عُذِّبوا في قطعهم الدراهم. قال ابن الأنباري: وقرأ الضحاك بن قيس الفهري: «ما تشاء» بالتاء، ونسق «أن تفعل» على «أن تترك» ، واستغنى عن الإِضمار. قال سفيان الثوري: في معنى هذه القراءة أنه أمرهم بالزكاة فامتنعوا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك، وابن أبي عبلة: «أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء» بالتاء فيهما «1» ومعنى هذه القراءة كمعنى قراءة الفهري. وفي قوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ أربعة أقوال: أحدها: أنهم قالوه استهزاءً به، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والفراء. والثاني: أنهم قالوا له: إِنك لأنت السفيه الجاهل، فكنى بهذا عن ذلك، ذكره الزجاج. والثالث: أنهم سبّوه بأنه ليس بحليم ولا رشيد، فأثنى الله عزّ وجلّ عليه فقال: بل إِنك لأنت الحليم الرشيد، لا كما قال لك الكافرون، حكاه أبو سليمان الدّمشقي عن أبي الحسن المصّيصي.
والرابع: أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد حقيقة، وقالوا: أنت حليم رشيد، فَلِمَ تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ حكاه الماوردي، وذهب إِلى نحوه ابن كيسان. قوله تعالى: إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي قد تقدّم تفسيره. وفي قوله تعالى: وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحلال قال ابن عباس: وكان شعيب كثيرَ المال. والثاني: النبوَّة. والثالث: العلم والمعرفة. قال الزّجّاج: وجواب الشرط ها هنا متروك، والمعنى: إِن كنت على بينة من ربي، أتبع الضلال؟ فترك الجواب، لعلم المخاطَبين بالمعنى، وقد مرَّ مثل هذا. قوله تعالى: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ قال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه. وقال الزجاج: ما أقصد بخلافكم القصد إِلى ارتكابه. قوله تعالى: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ أي: ما أريد بما آمركم به إِلا إِصلاح أموركم بقدر طاقتي. وقدر طاقتي: إِبلاغكم لا إِجباركم. قوله تعالى: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ فتح تاء «توفيقي» أهل المدينة، وابن عامر. ومعنى الكلام: ما أصابتي الحق في محاولة صلاحكم إِلا بالله، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي: فوضت أمري، وذلك أنهم تواعدوه بقولهم: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أي: أرجع. قوله تعالى: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي حرك هذه الياء ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع. قال الزجاج: لا تكسبنَّكم عداوتكم إِيايَ أن تعذَّبوا. قوله تعالى: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ فيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا قريباً من مساكنهم. والثاني: أنهم كانوا حديثي عهد بعذاب قوم لوط. قال الزجاج: كان إِهلاك قوم لوط أقرب الإِهلاكات التي عرفوها. قال ابن الأنباري: إِنما وحَّد بعيداً، لأنه أزاله عن صفة القوم، وجعله نعتاً مكان محذوف، تقديره: وما قوم لوط منكم بمكان بعيد. قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ قد سبق معنى الرحيم. فأما الودود: فقال ابن الأنباري: معناه: المحب لعباده، من قولهم: ودِدت الرجل أوَدُّه وُدّاً ووِدّاً، ويقال: وددت الرجل ودادا وودادة ووِدادة. وقال الخطابي: هو اسم مأخوذ من الوُدِّ وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون فعولاً في محل مفعول، كما قيل: رجل هيوب، بمعنى مهيب، وفرس رَكوب، بمعنى مركوب، فالله سبحانه مودود في قلوب أوليائه لما يتعرَّفونه من إِحسانه إليهم. والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الوادّ، أي أنه يودّ عباده الصالحين، بمعنى أنه يرضى عنهم بِتَقَبُّلِ أعمالهم ويكون معناه: أن يودّدهم إلى خلقه، كقوله عزّ وجلّ: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا «1» . قوله تعالى: ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ قال ابن الأنباري: معناه: ما نفقه صحة كثير مما تقول، لأنهم كانوا يتديَّنون بغيره، ويجوز أن يكونوا لاستثقالهم ذلك كأنهم لا يفقهونه.
قوله تعالى: وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً فيه أربعة أقوال: أحدها: ضريراً قال ابن عباس وابن جبير وقتادة: كان أعمى. قال الزجاج: ويقال إِن حِمير تسمي المكفوف ضعيفاً. والثاني: ذليلاً، قاله الحسن وأبو روق ومقاتل. وزعم أبو رَوْق أن الله لم يبعث نبياً أعمى ولا نبياً به زمانة. والثالث: ضعيف البصر، قاله سفيان. والرابع: عاجزاً عن التصرف في المكاسب، ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ قال الزجاج: لولا عشيرتك لقتلناك بالرّجم، والرّجم من سيّئ القتلات، وكان رهطه من أهل ملَّتهم، فلذلك أظهروا الميل إِليهم والإِكرام لهم. وذكر بعضهم أنّ الرّجم ها هنا بمعنى الشتم والأذى. قوله تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ فيه قولان: أحدهما: بكريم. والثاني: بممتنع أن نقتلك. قوله تعالى: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وأسكن ياء «رهطي» أهل الكوفة، ويعقوب، والمعنى: أتراعون رهطي فيَّ، ولا تراعون الله فيَّ؟ قوله تعالى: وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى الله تعالى، قاله الجمهور. قال الفراء: المعنى: رميتم بأمر الله وراء ظهوركم. قال الزجاج: والعرب تقول لكل من لا يعبأ بأمر: قد جعل فلان هذا الأمر بظهر، قال الشاعر «1» : تميمَ بنَ قيس لا تكوننَّ حَاجَتي ... بظَهْرٍ فلا يَعْيَا عليَّ جَوَابُها والثاني: أنها كناية عما جاء به شعيب، قاله مجاهد. قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أي: عالم بأعمالكم، فهو يجازيكم بها. وما بعد هذا قد سبق تفسيره «2» إِلى قوله تعالى: سَوْفَ تَعْلَمُونَ. فإن قال قائل: كيف قال ها هنا: «سوف» وفي أخرى: «فسوف» «3» ؟ فالجواب: أن كلا الأمرين حسن عند العرب، إِن أدخلوا الفاء، دلُّوا على اتصال ما بعد الكلام بما قبله، وإِن أسقطوها، بَنَوْا الكلام الأول على أنه قد تم، وما بعده مستأنف، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً «4» والمعنى: فقالوا: أتتخذنا، بالفاء، فحذفت الفاء لتمام ما قبلها. قال امرؤ القيس: فقالتْ يَمينَ الله ما لك حِيلةٌ ... وَمَا إِنْ أرَى عَنْكَ الغَوَاية تَنْجلي خَرَجْتُ بِها أمْشي تَجُرّ وَرَاءَنا ... عَلى إِثرِنَا أذْيَالَ مِرطٍ مُرحَّلِ «5» قال ابن الأنباري: أراد: فخرجتُ، فأسقط الفاء لتمام ما قبلها. ويروى: فقمت بها أمشي. قوله تعالى: وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ قال ابن عباس: ارتقبوا العذاب، فإني أرتقب الثواب. قوله تعالى: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ. قال المفسرون: صاح بهم جبريل فماتوا في أمكنتهم. قال محمد بن كعب: عُذّب أهل مدين بثلاثة أصناف من العذاب، أخذتهم رجفة في ديارهم حتى خافوا أن تسقط عليهم، فخرجوا منها فأصابهم حرٌّ شديد، فبعث الله الظُلَّةَ، فتنادَوا: هلم إِلى الظل فدخلوا جميعاً في الظُلَّة، فصيح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم. قال ابن عباس: لم تعذّب أمّتان
[سورة هود (11) : الآيات 96 إلى 97]
قط بعذاب واحد، إلا قوم شعيب وصالح، فأما قوم صالح، فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب، فأخذتهم من فوقهم، نشأت لهم سحابة كهيئة الظُلَّة فيها ريح بعد أن امتنعت الريح عنهم، فَأَتَوْها يستظلُّون تحتها فأحرقتهم. قوله تعالى: كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ أي: كما هلكت ثمود. قال ابن قتيبة: يقال: بَعِدَ يَبْعَدُ: إِذا كان بُعْده هلكة وبَعُدَ يبعد: إذا نأى. [سورة هود (11) : الآيات 96 الى 97] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (96) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا قال الزجاج: بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته. وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي: حجة بيِّنة. قوله تعالى: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وهو ما أمرهم به من عبادته واتخاذه إِلهاً. وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ أي: مرشد إلى خير. [سورة هود (11) : آية 98] يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) قوله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال الزجاج: يقال: قَدَمْت القوم أقدُمهم، قَدْماً وقُدوما: إِذا تقدمتهم والمعنى: يقدمهم إِلى النار ويدل عليه قوله تعالى: فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ قال ابن عباس: أوردهم بمعنى أدخلهم. وقال قتادة: يمضي بين أيديهم حتى يهجم بهم على النار. وقوله تعالى: وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ قال المفسرون: الوِرد: الموضع الذي ترِده. وقال ابن الأنباري: الوِرد: مصدر معناه: الورود، تجعله العرب بمعنى الموضع المورود فتلخيص الحرف: وبئس المدخل المدخول النار. [سورة هود (11) : آية 99] وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) قوله تعالى: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ. في هذه اللعنة قولان: أحدهما: أنها في الدنيا الغرق، وفي الآخرة عذاب النار، هذا قول الكلبي، ومقاتل. والثاني: أنها اللعنة في الدنيا من المؤمنين، وفي الآخرة من الملائكة، ذكره الماوردي «1» . قوله تعالى: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ قال ابن قتيبة: الرفد: العطية يقول: اللعنة بئس العطية يقال: رفَدته أرفِده: إِذا أعطيته وأعنته. والمرفود: المعطى. [سورة هود (11) : آية 100] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى يعني ما تقدم من الخبر عن القرى المهلَكة. نَقُصُّهُ عَلَيْكَ أي: نخبرك به مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ قال قتادة: القائم: ما يرى مكانه، والحصيد: لا يرى أثره. وقال ابن قتيبة: القائم: الظاهر العين، والحصيد: الذي قد أبيد وحُصد. وقال الزجاج: القائم: ما بقيت حيطانه، والحصيد: الذي خُسِف به وما قد امَّحى أثره.
[سورة هود (11) : آية 101]
[سورة هود (11) : آية 101] وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) قوله تعالى: وَما ظَلَمْناهُمْ أي: بالعذاب والإِهلاك. وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعاصي. فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ أي: فما نفعتهم ولا دفعت عنهم شيئاً لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بالهلاك. وَما زادُوهُمْ يعني الآلهة غَيْرَ تَتْبِيبٍ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه التخسير، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، واختاره ابن قتيبة، والزجاج. والثاني: أنه الشر، قاله ابن زيد. والثالث: التدمير والإِهلاك، قاله أبو عبيدة. فإن قيل: الآلهة جماد، فكيف قال: «زادوهم» ؟ فعنهْ جوابان: أحدهما: وما زادتهم عبادتها. والثاني: أنها في القيامة تكون عونا عليهم فتزيدهم شرّا. [سورة هود (11) : الآيات 102 الى 104] وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ أي: وكما ذُكر من إِهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب أَخْذُ ربك. إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ وصف القرى بالظلم، والمراد أهلها. وقال ابن عباس: الظّلم ها هنا: بمعنى الكفر. قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني ما ذُكر من عذاب الأمم وأخْذِهم. والآية: العبرة والعظة. ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ لأن الخلق يُحشرون فيه، ويَشهده البَرُّ والفاجر، وأهل السماء والأرض.. وَما نُؤَخِّرُهُ وروى زيد عن يعقوب، وأبو زيد عن المفضل «وما يؤخره بالياء» والمعنى: وما نؤخر ذلك اليوم إِلا لوقت معلوم لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ. [سورة هود (11) : الآيات 105 الى 108] يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: «يوم يأتي» بياء في الوصل وحذفوها في الوقف غير أن ابن كثير كان يقف بالياء ويصل بالياء. وقرأ عاصم وابن عامر، وحمزة بغير ياء في الوصل والوقف. قال الزجاج: الذي يختاره النحويون «يوم يأتي» باثبات الياء، والذي في المصحف وعليه أكثر القراءات بكسر التاء، وهذيل تستعمل حذف هذه الياءات كثيراً. وقد حكى الخليل وسيبويه، أن العرب تقول: لا أدرِ، فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة، ويزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال. وقال الفراء: كل ياء ساكنة وما قبلها مكسور، أو واو ساكنة وما قبلها مضموم، فإن العرب
تحذفهما وتجتزئ بالكسرة من الياء وبالضمة من الواو، وأنشدني بعضهم «1» : كفّاك كَفٌّ مَا تُلِيْقُ دِرْهَمَا ... جُوْدَاً وأُخْرى تُعْطِ بالسَّيفِ الدِّما قال المفسرون: وقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ يعني: يأتي ذلك اليوم، لا تكلَّم نفس إِلا بإذن الله، فكل الخلائق ساكتون، إِلا من أذن الله له في الكلام. وقيل: المراد بهذا الكلام الشفاعة. قوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ قال ابن عباس: منهم من كُتبت عليه الشقاوة، ومنهم من كُتبت له السعادة. قوله تعالى: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الزفير كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ينهق، والشهيق كشهيق الحمار في الحلق، وهو آخر ما يفرغ من نهيقه، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، ومقاتل، والفراء. وقال الزجاج: الزفير: شديد الأنين وقبيحه، والشهيق: الأنين الشديد المرتفع جداً، وهما من أصوات المكروبين. وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته في النهيق. والثاني: أن الزفير في الحلق، والشهيق في الصدور، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: الزفير: الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف. وقال ابن فارس: الشهيق ضد الزفير، لأن الشهيق ردُّ النَّفَس، والزفير إِخراج النَّفَس. وقال غيره: الزفير: الشديد، مأخوذ من الزَّفْر، وهو الحَمل على الظهر لشدته والشهيق: النَّفَس الطويل الممتد، مأخوذ من قولهم: جبل شاهق، أي طويل. والثالث: أن الزفير زفير الحمار، والشهيق شهيق البغال، قاله ابن السائب. قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ المعروف فيه قولان: أحدهما: أنها السّماوات المعروفة عندنا، والأرض المعروفة. قال ابن قتيبة، وابن الأنباري: للعرب في معنى الأبد الفاظ تقول: لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما دامت السّماوات والأرض، وما اختلفت الجِرَّة والدِرَّة، وما أطّت الإِبل «2» ، في أشباه لهذا كثيرة، ظناً منهم أن هذه الأشياء لا تتغير، فخاطبهم الله بما يستعملون في كلامهم. والثاني: أنّها سماوات الجنة والنار وأرضهما. قوله تعالى: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ في الاستثناء المذكور في حق أهل النار سبعة أقوال «3» :
أحدها: أن الاستثناء في حق الموحِّدين الذين يخرجون بالشفاعة، قاله ابن عباس، والضحاك. والثاني: أنه استثناء لا يفعله، تقول: والله لأضربنَّك إِلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك على ضربه، ذكره الفراء، وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس: «إِلا ما شاء ربك» قال: فقد شاء أن يخلَّدوا فيها. قال الزجاج: وفائدة هذا، أنه لو شاء أن يرحمهم لرحمهم، ولكنه أعلمنا أنهم خالدون أبداً. والثالث: أن المعنى: خالدين فيها أبداً، غير أن الله تعالى يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم، فيرجع الاستثناء إِلى تلك الحال، قاله ابن مسعود. والرابع: أن «إِلا» بمعنى «سوى» تقول: لو كان معنا رجل إِلا زيد، أي: سوى زيد فالمعنى: خالدين فيها مقدار دوام السّماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود والزيادة، وهذا اختيار الفراء. قال ابن قتيبة: ومثله في الكلام أن تقول: لأُسْكنَنَّك في هذه الدار حولاً إِلا ما شئتَ تريد: سوى ما شئتَ أن أزيدك. والخامس: أنهم إِذا حُشروا وبُعثوا، فهم في شروط القيامة فالاستثناء واقع في الخلود بمقدار موقفهم في الحساب، فالمعنى: خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إِلا مقدار موقفهم للمحاسبة، ذكره الزجاج. وقال ابن كيسان: الاستثناء يعود إِلى مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب قال ابن قتيبة: فالمعنى: خالدين في النار وخالدين في الجنة دوام السماء والأرض إِلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك، فكأنه جعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد على ما كانت العرب تستعمل، وإن كانتا قد تتغيَّران. واستثنى المشيئة من دوامهما، لأن أهل الجنة والنار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا، لا في الجنة، ولا في النار. والسادس: أن الاستثناء وقع على أن لهم فيها زفيراً وشهيقاً، إِلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي لم تُذكر وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذُكر، ولهم مما لم يُذكر ما شاء ربك، ذكره الزجاج أيضاً. والسابع: أنّ «إلّا» بمعنى «كما» ، ومنه قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ «1» ، ذكره الثعلبي. فأما الاستثناء في حق أهل الجنة، ففيه ستة أقوال: أحدها: أنه استثناء لا يفعله. والثاني: أن «إِلا» بمعنى «سوى» . والثالث: أنه يرجع إِلى وقوفهم للحساب ولبثهم في القبور. والرابع: أنه بمعنى: إِلا ما شاء أن يزيدَهم من النعيم الذي لم يذكر. والخامس: أنّ «إلّا» بمعنى «كما» وهذه الأقوال قد سبق شرحها. والسادس: أن الاستثناء يرجع إِلى لبث من لبث في النار من الموحِّدين، ثم أُدخل الجنة، قاله ابن عباس، والضحاك، ومقاتل. قال ابن قتيبة: فيكون الاستثناء من الخلود مُكث أهل الذنوب من المسلمين في النار، فكأنه قال: إِلا ما شاء ربك من إِخراج المذنبين إِلى الجنة، وخالدين في الجنة إِلا ما شاء ربّك من إدخال المذنبين النار مدّة «2» .
[سورة هود (11) : آية 109]
واختلف القراء في «سعِدوا» فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: «سَعِدوا» بفتح السين. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بضمها، وهما لغتان. قوله تعالى: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ نُصب عطاء بما دل عليه الكلام، كأنه قال: أعطاهم النعيم عطاءً. والمجذوذ: المقطوع قال ابن قتيبة: يقال: جذذت، وجددت، وجذفت، وجدفت: إِذا قطعت. [سورة هود (11) : آية 109] فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) قوله تعالى: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ أي: فلا تك يا محمد في شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ المشركون من الأصنام، أنه باطل وضلال، إنّما يقلّدون آباءهم، وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما قُدّر لهم من خير وشر، قاله ابن عباس. والثاني: نصيبهم من الرزق، قاله أبو العالية. والثالث: نصيبهم من العذاب، قاله ابن زيد. وقال بعضهم: لا ينقصهم من عذاب آبائهم. [سورة هود (11) : آية 110] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ فمن مصدِّق به ومكذِّب كما فعل قومك بالقرآن. قال المفسرون: وهذه تعزية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ قال ابن عباس: يريد: إِني أخَّرت أمتك إِلى يوم القيامة، ولولا ذلك لعجَّلت عقاب من كذبك. وقال ابن قتيبة: لولا نَظِرةٌ لهم إِلى يوم الدين لقُضي بينهم في الدنيا. وقال ابن جرير: سبقت من ربك أنه لا يعجِّل على خلقه بالعذاب، لقضي بين المصدِّق منهم والمكذِّب باهلاك المكذب وإِنجاء المصدق. قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي: من القرآن مُرِيبٍ أي: موقع للريب. [سورة هود (11) : آية 111] وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا يشير إِلى جميع من قصَّ قصته في هذه السورة. وقال مقاتل: يعني به كفار هذه الأمة. وقيل: المعنى: وإِن كلاًّ لخلق أو بشر لَيُوَفِّيَنَّهُمْ. قرأ أبو عمرو، والكسائي «وإِنَّ» مشددة النون، «لما» خفيفة. واللام في «لما» لام التوكيد، دخلت على «ما» وهي خبر «إِنّ» . واللام في «لَيوفينَّهم» اللام التي يُتلقَّى بها القَسم، والتقدير: والله ليوفينَّهم، ودخلت «ما» للفصل بين اللامين. قال
[سورة هود (11) : آية 112]
مكي بن أبي طالب: وقيل: إِن «ما» زائدة، لكن دخلت لتفصل بين اللامين اللَّذَيْن يتلقَّيان القسم وكلاهما مفتوح، ففُصل ب «ما» بينهما. وقرأ ابن كثير «وإِنْ» بالتخفيف، وكذلك «لما» . قال سيبويه: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إِنْ عَمْراً لمنطلق، فيخففون «إِنّ» ويُعملونها، وأنشد: وَوَجْهٍ حَسَنِ النَّحرِ ... كأنْ ثَدْيَيْه حُقَّانِ وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «وإِن» خفيفة، «لمَّا» مشددة، والمعنى: وما كلاًّ إِلا وهذا كما تقول: سألتك لمَّا فعلت، وإِلاَّ فعلت، ومثله قوله: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ «1» وقرأ حمزة، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «وإِنّ» بالتشديد، «لمّا» بالتشديد أيضاً. قال أبو علي: هذه قراءة مشكلة، لأنه كما لا يحسن: إِنَّ زيداً إِلا منطلق، كذلك لا يحسن تثقيل «إِنَّ» وتثقيل «لمّا» . وحكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل في «لمّا» ، ولم يُبعد فيما قال. وقال مكي بن أبي طالب: الأصل فيها «لَمِن ما» ثم أدغمت النون في الميم، فاجتمعت ثلاث ميمات في اللفظ، فحذفت الميم المكسورة والتقدير: وإِنَّ كلاًّ لمِن خَلْقٍ ليوفينَّهم. قال: وقيل: التقدير: «لَمَن ما» بفتح الميم في «مَن» فتكون «ما» زائدة، وتحذف إِحدى الميمات لتكرير الميم في اللفظ والتقدير: لَخلقٌ ليوفينَّهم، ومعنى الكلام: ليوفّينّهم جزاء أعمالهم «2» . [سورة هود (11) : آية 112] فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ قال ابن عيينة: استقم على القرآن. وقال ابن قتيبة: امض على ما أمرت به. قوله تعالى: وَمَنْ تابَ مَعَكَ قال ابن عباس: من تاب معك من الشرك. قوله تعالى: وَلا تَطْغَوْا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا تطغوا في القرآن، فتحلّوا وتحرّموا ما لم آمركم به، قاله ابن عباس. والثاني: لا تعصوا ربكم ولا تخالفوه، قاله ابن زيد. والثالث: لا تخلطوا التوحيد بشك، قاله مقاتل. [سورة هود (11) : آية 113] وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113) قوله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا روى عبد الوارث عن أبي عمرو: «تَركُنوا» بفتح التاء وضم الكاف، وهي قراءة قتادة. وروى هارون عن أبي عمرو «تَركِنوا» بفتح التاء وكسر الكاف. وروى محبوب عن أبي عمرو: «تِركَنوا» بكسر التاء وفتح الكاف. وقرأ ابن أبي عبلة «تُركَنوا» بضم التاء وفتح الكاف على ما لم يُسم فاعله. وفي المراد بهذا الركون أربعة أقوال «3» : أحدها: لا تميلوا إلى
[سورة هود (11) : آية 114]
المشركين، قاله ابن عباس. والثاني: لا تَرضوا أعمالهم، قاله أبو العالية. والثالث: لا تلحقوا بالمشركين، قاله قتادة. والرابع: لا تُداهنوا الظلمة، قاله السّدّيّ، وابن زيد. وفي قوله تعالى: فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وجهان. أحدهما: فتصيبكم النار، قاله ابن عباس. والثاني: فيتعدَّى إِليكم ظلمهم كما تتعدَّى النار إِلى إِحراق ما جاورها، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ أي ليس لكم أعوان يمنعونكم من العذاب. [سورة هود (11) : آية 114] وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (114) قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ. (797) أما سبب نزولها، فروى علقمة والأسود عن ابن مسعود أنّ رجلا قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إِني أخذت امرأة في البستان فقبَّلتها، وضممتُها إِليَّ، وباشرتُها، وفعلتُ بها كل شيء، غير أنّي لم أجامعها فسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ الآية، فدعا الرجل فقرأها عليه، فقال عمر: أهي له خاصَّة أم للناس كافَّة؟ قال: «لا، بل للناس كافة» . (798) وفي رواية أخرى عن ابن مسعود: أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله، فذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية، فقال الرجل: أليَ هذه الآية؟ فقال: «لمن عمل بها من أمتي» . (799) وقال معاذ بن جبل: كنت قاعداً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل أصاب من امرأة ما لا يحل له، فلم يدَع شيئاً يصيبه الرجل من امرأته إِلا أصابه منها، غير أنه لم يجامعها؟ فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «توضأ وضوءاً حسناً، ثم قم فصلِّ» ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال معاذ: أهي له خاصة، أم للمسلمين عامة؟ فقال: «بل هي للمسلمين عامة» . واختلفوا في اسم هذا الرجل. (800) فقال أبو صالح عن ابن عباس: هو عمرو بن غزيّة الأنصاري، وفيه نزلت هذه الآية، كان
يبيع التمر، فأتته امرأة تبتاع منه تمراً، فأعجبته، فقال: إِن في البيت تمراً أجود من هذا، فانطلقي معي حتى أعطيك منه فذكر نحو حديث معاذ. وقال مقاتل: هو أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري. وذكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ أنه أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري. وذكر في الذي قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أله خاصة؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أبو اليسر صاحب القصة. والثاني: معاذ بن جبل. والثالث: عمر بن الخطاب «1» . فأما التفسير، فقوله عزّ وجلّ: وَأَقِمِ الصَّلاةَ أي: أتم ركوعها وسجودها. فأما طرفا النهار، ففي الطرف الأول قولان: أحدهما: أنه صلاة الفجر، قاله الجمهور. والثاني: أنه الظهر، حكاه ابن جرير. وفي الطرف الثاني ثلاثة أقوال: أحدها: أنه صلاة المغرب، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: العصر، قاله قتادة. وعن الحسن كالقولين. والثالث: الظهر، والعصر، قاله مجاهد، والقرظي. وعن الضحاك كالأقوال الثلاثة. قوله تعالى: وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ وقرأ أبو جعفر، وشيبة «وزلفا» بضم اللام. قال أبو عبيدة: الزُلَف: الساعات، واحدها: زُلْفَة، أي: ساعة ومنزلة وقربة، ومنه سميت المزدلفة، قال العجّاج: ناجٍ طواه الأينُ مما أوجفا ... طَيَّ اللَّيَالي زُلَفاً فزُلَفا سَماوَةَ الهِلاَل حَتَّى احْقَوْقَفَا «2» قال ابن قتيبة: ومنه يقال: أزلفني كذا عندك، أي: أدناني والمزالف: المنازل والدَّرَج، وكذلك الزُّلَف. وفيها للمفسرين قولان: أحدهما: أنها صلاة العتمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعوف عن الحسن، وابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال ابن زيد. والثاني: أنها صلاة المغرب والعشاء، روي عن ابن عباس أيضاً، ورواه يونس عن الحسن، ومنصور عن مجاهد، وبه قال قتادة، ومقاتل، والزجاج. قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ في المراد بالحسنات قولان: أحدهما: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وابن المسيب، ومسروق، ومجاهد، والقرظي، والضحاك، والمقاتلان: ابن سليمان، وابن حيان. والثاني: أنها سبحان الله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر، رواه منصور عن مجاهد. والأول أصح، لأن الجمهور عليه. وفيه حديث مسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[سورة هود (11) : آية 115]
(801) رواه عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه توضأ، وقال: «من توضأ وضوئي هذا، ثم صلى الظهر، غُفر له ما كان بينها وبين صلاة الصبح، ومن صلى العصر، غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر، ومن صلى المغرب، غفر له ما بينها وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء، غُفر له ما بينها وبين صلاة المغرب، ثم لعله أن يبيت ليلته يتمرَّغ، ثم إِن قام فتوضأ وصلى الصبح، غُفر له ما بينه وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السّيئات» . فأمّا السّيئات المذكورة ها هنا، فقال المفسرون: هي الصغائر من الذنوب. (802) وقد روى معاذ بن جبل، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني قال: «اتق الله حيثما كنت» ، قال: قلت: زدني قال: أتبع السيئة الحسنة تمحها» ، قلت: زدني قال: «خالِقِ الناس بخُلُق حسن» . قوله تعالى: ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ في المشار إِليه ب ذلِكَ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه القرآن. والثاني: إِقام الصلاة. والثالث: جميع ما تقدم من الوصية بالاستقامة، والنهي عن الطغيان، وترك الميل إِلى الظالمين، والقيام بالصلاة. وفي المراد بالذكرى قولان: أحدهما: أنه بمعنى التّوبة. والثاني: بمعنى العظة. [سورة هود (11) : آية 115] وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) قوله تعالى: وَاصْبِرْ فيما أُمر بالصبر عليه قولان: أحدهما: لما يلقاه من أذى قومه. والثاني: الصلاة. وفي المراد بالمحسنين ثلاثة أقوال: أحدها: المصلُّون، قاله ابن عباس. والثاني: المخلصون،
[سورة هود (11) : آية 116]
قاله مقاتل. والثالث: أنهم المحسنون في أعمالهم، قاله أبو سليمان. [سورة هود (11) : آية 116] فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (116) قوله تعالى: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ قال ابن عباس، والفراء: المعنى: فلم يكن. وقال ابن قتيبة: المعنى: فهلاَّ كان من القرون من قبلكم أولو بقية. وروى ابن جماز عن أبي جعفر «أولو بِقْيَةٍ» بكسر الباء وسكون القاف وتخفيف الياء. وفي معنى «أولو بقيَّة» ثلاثة أقوال: أحدها: أولو دين، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: يقال: قوم لهم بقية، وفيهم بقية: إِذا كانت بهم مُسكة وفيهم خير. والثاني: أولو تمييز. والثالث: أولو طاعة، ذكرهما الزجاج، وقال: إِذا قلت: فلان فيه بقية، فمعناه: فيه فضل. قوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا استثناء منقطع، أي: لكنّ قليلاً ممن أنجينا منهم ممن نهى عن الفساد. قال مقاتل: لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي والشرك إِلا قليلاً ممن أنجينا من العذاب مع الرسل. قوله تعالى: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ أي: اتبعوا مع ظلمهم ما أُترفوا فيه مع استدامة نعيمهم، فلم يقبلوا ما ينقص من ترفهم. قال الفراء: آثروا اللذات على أمر الآخرة. قال: ويقال: اتبعوا ذنوبهم السيئة إلى النار. [سورة هود (11) : آية 117] وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (117) قوله تعالى: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ فيه قولان: أحدهما: بغير جرم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: بشرك، ذكره ابن جرير، وأبو سليمان. وفي قوله: وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ثلاثة أقوال: أحدها: ينتصف بعضهم من بعض، رواه قيس بن أبي حازم عن جرير. قال أبو جعفر الطبري: فيكون المعنى: لا يهلكهم إِذا تناصفوا وإِن كانوا مشركين، وإِنما يهلكهم إِذا تظالموا. والثاني: مصلحون لأعمالهم، متمسكون بالطاعة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: مؤمنون، قاله مقاتل. [سورة هود (11) : الآيات 118 الى 119] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً قال ابن عباس: لو شاء أن يجعلهم كلَّهم مسلمين لفعل. قوله تعالى: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في المشار إِليهم قولان «1» : أحدهما: أنهم أهل
[سورة هود (11) : آية 120]
الحق وأهل الباطل، رواه الضحاك عن ابن عباس فيكون المعنى: إِن هؤلاء يخالفون هؤلاء. والثاني: أنهم أهل الأهواء لا يزالون مختلفين، رواه عكرمة عن ابن عباس. قوله تعالى: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ قال ابن عباس: هم أهل الحق. وقال الحسن: أهل رحمة الله لا يختلفون. قولة تعالى: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ في المشار إِليه بذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه يرجع إِلى ما هم عليه. قال ابن عباس: خلقهم فريقين، فريقاً يُرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يُرحم يختلف. والثاني: أنه يرجع إِلى الشقاء والسعادة، قاله ابن عباس أيضاً، واختاره الزجاج، قال: لأن اختلافهم مؤدِّيهم إِلى سعادة وشقاوة. قال ابن جرير: واللام في قوله: «ولذلك» بمعنى «على» . والثالث: أنه يرجع إِلى الاختلاف، رواه مبارك عن الحسن. والرابع: أنه يرجع إِلى الرحمة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة فعلى هذا يكون المعنى: ولرحمته خلق الذين لا يختلفون في دينهم «1» . قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ قال ابن عباس: وجب قول ربك: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ من كفّار الجنّة، وكفّار الناس. [سورة هود (11) : آية 120] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) قوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ قال الزجاج: «كلاً» منصوب ب «نقص» ، المعنى: كل الذي تحتاج إِليه من أنباء الرسل نقص عليك. و «ما» منصوبة بدلاً من كل، المعنى: نقص عليك ما نثبِّت به فؤادك ومعنى تثبيت الفؤاد: تسكين القلب ها هنا، ليس للشك، ولكن كلما كان البرهان والدلالة أكثر، كان القلب أثبت. قوله تعالى: وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ في المشار إِليه ب «هذه» أربعة أقوال: أحدها: أنها السورة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير وأبو العالية، ورواه شيبان عن قتادة. والثاني: أنها الدنيا، فالمعنى: وجاءك في هذه الدنيا، رواه سعيد عن قتادة وعن الحسن كالقولين. والثالث: أنها الأقاصيص المذكورة. والرابع: أنها هذه الآية بعينها، ذكر القولين ابن الأنباري «2» . وفي المراد بالحقّ ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنها البيان. والثاني: صدق القصص والأنباء. والثالث: النبوة. فإن قيل: أليس قد جاءه الحق في كل القرآن، فلم خصّ هذه السّورة؟
[سورة هود (11) : الآيات 121 إلى 122]
فالجواب: أنا إِن قلنا: إِن الحق النبوة، فالإِشارة ب «هذه» إِلى الدنيا، فيكون المعنى: وجاءك في هذه الدنيا النبوة، فيرتفع الإِشكال. وإِن قلنا: إِنها السورة، فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أن المراد بالحق البيان، وهذه السورة جمعت من تبيين إِهلاك الأمم، وشرح مآلهم، ما لم يجمع غيرها، فبان أثر التخصيص، وهذا مذهب بعض المفسرين. والثاني: أن بعض الحق أوكد من بعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا، ولهذا يقول الناس: فلان في الحق إذا كان في الموت، وإِن لم يكن قبله في باطل، ولكن لتعظيم ما هو فيه، فكأن الحق المبين في هذه السورة أجلى من غيره، وهذا مذهب الزجاج. والثالث: أنه خص هذه السورة بذلك لبيان فضلها، وإِن كان في غيرها حق أيضاً، فهو كقوله عزّ وجلّ: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى «1» ، وقوله عزّ وجلّ: وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ «2» ، وهذا مذهب ابن الأنباري. والرابع: أن المعنى: وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك من سائر السور، قاله ابن جرير الطبري. قوله تعالى: وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي: يتعظون إِذا سمعوا هذه السورة وما نزل بالأمم فتلين قلوبهم. [سورة هود (11) : الآيات 121 الى 122] وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) قوله تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ هذا تهديد ووعيد، والمعنى: اعملوا ما أنتم عاملون فستعلمون عاقبة أمركم وَانْتَظِرُوا ما يِعدكم الشيطان إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ما يعِدنا ربنا. (فصل:) قال المفسرون: وهذه الآية اقتضت تركهم على أعمالهم، والاقتناع بإنذارهم، وهي منسوخة بآية السيف. واعلم أنه إِذا قلنا: إِن المراد بالآية التّهديد، لم يتوجّه نسخ. [سورة هود (11) : آية 123] وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) قوله تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: علم ما غاب عن العباد فيهما. وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ قرأ نافع، وحفص عن عاصم «يُرجع الأمر كله» بضم الياء. وقرأ الباقون، وأبو بكر عن عاصم «يَرجع» بفتح الياء، والمعنى: إِن كل الأمور ترجع إِليه في المعاد. فَاعْبُدْهُ أي: وحِّده. وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ أي: ثِقْ به. وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ قرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم «تعلمون» بالتاء. وقرأ الباقون بالياء. قال أبو علي: فمن قرأ بالتاء، فالمعنى: قل لهم: وما ربك بغافل عما تعملون. ومن قرأ بالياء، فالخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولجميع الخلق مؤمِنهم وكافِرهم، فهو أعم من التاء، وهذا وعيد، والمعنى: إِنه يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة «هود» .
سورة يوسف
سورة يوسف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة يوسف (12) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (1) (فصل في نزولها:) هي مكية بالإِجماع. وفي سبب نزولها قولان: (803) أما القول الأول: فروي عن سعد بن أبي وقاص قال: أُنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى: آلر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إلى قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ، فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا، فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ «1» كل ذلك يؤمرون بالقرآن. (804) وقال عون بن عبد الله: ملّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَلَّة، فقالوا: يا رسول الله حدِّثنا، فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ، ثم إِنهم ملوّا مَلَّة أخرى، فقالوا: يا رسول الله، فوق الحديث، ودون القرآن، يعنون القصص، فأنزل الله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ، فأراد الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص، فدلهم على أحسن القصص. (805) والثاني: رواه الضحاك عن ابن عباس قال: سألت اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: حدّثنا عن
[سورة يوسف (12) : آية 2]
أمر يعقوب وولده وشأن يوسف، فأنزل الله عزّ وجلّ: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وذلك أن التوراة بالعبرانية، والإِنجيل بالسريانية، وأنتم قوم عرب، ولو أنزلته بغير العربية ما فهمتموه. وقد بينا تفسير أول هذه السورة في أول سورة يونس، إِلا أنه قد ذكر ابن الأنباري زيادة وجه في هذه السورة، فقال: لما لحق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مللٌ وسآمة، فقالوا له: حدثنا بما يزيل عنا هذا الملل، فقال: تلك الأحاديث التي تقدرون الانتفاع بها وانصراف الملل، هي آيات الكتاب المبين. وفي معنى «المبين» خمسة أقوال: أحدها: البيِّن حلاله وحرامه، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: المبيّن للحروف التي تسقط عن ألسن الأعاجم، رواه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل. والثالث: البيِّن هداه ورشده، قاله قتادة. والرابع: المبيِّن للحق من الباطل. والخامس: البيِّن إِعجازه فلا يعارَض، ذكرهما الماوردي «1» . [سورة يوسف (12) : آية 2] إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى الكتاب، قاله الجمهور. والثاني: إِلى خبر يوسف، ذكره الزجاج، وابن القاسم. قوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا قد ذكرنا معنى القرآن واشتقاقه في سورة النساء «2» . وقد اختلف الناس، هل في القرآن شيء بغير العربية، أم لا، فمذهب أصحابنا أنه ليس فيه شيء بغير العربية. وقال أبو عبيدة. من زعم أن في القرآن لساناً سوى العربية فقد أعظم على الله القول، واحتجّ بقوله: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا «3» . وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة أن فيه من غير لسان العرب، مثل: «سجيل» و «المشكاة» و «اليم» و «الطور» و «أباريق» و «إِستبرق» وغير ذلك. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: قال أبو عبيد: وهؤلاء أعلم من أبي عبيدة، ولكنهم ذهبوا إِلى مذهب، وذهب هو إِلى غيره، وكلاهما مصيب إِن شاء الله، وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال: أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها فعربته فصار عربياً بتعريبها إِياه، فهي عربية في هذه الحالة، أعجمية الأصل، فهذا القول يصدِّق الفريقين جميعاً. قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ قال ابن عباس: لكي تفهموا. [سورة يوسف (12) : آية 3] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (3) قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ قد ذكرنا سبب نزولها في أول الكلام. وقد خُصَّت بسبب آخر «4» : فروي عن سعيد بن جبير قال: اجتمع أصحاب محمّد عليه السلام إلى سلمان، فقالوا:
[سورة يوسف (12) : الآيات 4 إلى 5]
حدِّثنا عن التوراة فانها حسن ما فيها، فأنزل الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ يعني: قصص القرآن أحسن مما في التوراة. قال الزجاج: والمعنى نحن نبين لك أحسن البيان، والقاصُّ: الذي يأتي بالقصة على حقيقتها قال: وقوله تعالى: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي: بوحينا إِليك هذا القرآن. قال العلماء: وإِنما سميت قصة يوسف أحسن القصص، لأنها جمعت ذكر الأنبياء، والصالحين، والملائكة، والشياطين، والأنعام، وسير الملوك، والمماليك، والتجار، والعلماء، والرجال، والنساء، وحيلهن، وذكر التوحيد، والفقه، والسرّ، وتعبير الرؤيا، والسياسة، والمعاشرة، وتدبير المعاش، والصبر على الأذى، والحلم والعزّ، والحكم، إِلى غير ذلك من العجائب. قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ في «إِن» قولان: أحدهما: أنها بمعنى «قد» . والثاني: بمعنى «ما» . قوله تعالى: مِنْ قَبْلِهِ قال ابن عباس: من قبل نزول القرآن. لَمِنَ الْغافِلِينَ عن علم خبر يوسف وما صنع به إخوته. [سورة يوسف (12) : الآيات 4 الى 5] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) قوله تعالى: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ في «إِذ» قولان: أحدهما: أنها صلة للفعل المتقدِّم، والمعنى: نحن نقص عليك إِذ قال يوسف. والثاني: أنها صلة لفعل مضمر، تقديره: اذكر إِذ قال يوسف، ذكرهما الزجاج، وابن الأنباري. قوله تعالى: يا أَبَتِ قرأ أبو جعفر، وابن عامر بفتح التاء، ووقفا بالهاء، وافقهما ابن كثير في الوقف بالهاء، وقرأ الباقون بكسر التاء. فمن فتح التاء، أراد: يا أبتا، فحذف الألف كما تحذف الياء، فبقيت الفتحة دالة على الألف، كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء. ومن وقف على الهاء، فلان تاء التأنيث تبدل منها الهاء في الوقف. وقرأ أبو جعفر: «أحد عشر» ، و «تسعة عشر» ، بسكون العين فيهما. وفيما رآه يوسف قولان: أحدهما: أنه رأى الشمس والقمر والكواكب، وهو قول الأكثرين. قال الفراء: وإِنما قال: «رأيتهم» على جمع ما يعقل، لأن السجود فعل ما يعقل، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ «1» . قال المفسرون: كانت الكواكب في التأويل إِخوته، والشمس أمه، والقمر أباه، فلما قصَّها على يعقوب أشفق من حسد إِخوته. وقال السدي: الشمس أبوه، والقمر خالته، لأن أمه كانت قد ماتت. والثاني: أنه رأى أبويه وإِخوته ساجدين له، فكنى عن ذكرهم، وهذا مروي عن ابن عباس، وقتادة. فأما تكرار قوله تعالى: رَأَيْتُهُمْ فقال الزجاج: إِنما كرره لمَّا طال الكلام توكيداً. وفي سن يوسف لما رأى هذا المنام ثلاثة أقوال: أحدها: سبع سنين. والثاني: اثنتا عشرة سنة. والثالث: سبع عشرة سنة. قال المفسرون: علم يعقوب أن إِخوة يوسف يعلمون تأويل رؤياه، فقال: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً
[سورة يوسف (12) : آية 6]
، قال ابن قتيبة: يحتالوا لك حيلة ويغتالوك. وقال غيره: اللام صلة، والمعنى: فيكيدوك. والعدو المبين: الظّاهر العداوة. [سورة يوسف (12) : آية 6] وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) قوله تعالى: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ قال الزجاج، وابن الأنباري: ومثل ما رأيت من الرفعة والحال الجليلة، يختارك ربك ويصطفيك من بين إِخوتك. وقد شرحنا في الأنعام معنى الاجتباء. وقال ابن عباس: يصطفيك بالنّبوّة. قوله تعالى: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فيه ثلاثة اقوال: أحدها: أنه تعبير الرؤيا، قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة، فعلى هذا سمي تأويلاً لأنه بيان ما يؤول أمر المنام إِليه. والثاني: أنه العلم والحكمة، قاله ابن زيد. والثالث: تأويل أحاديث الأنبياء والأمم والكتاب، ذكره الزّجّاج. قال مقاتل: و «من» ها هنا صلة. قوله تعالى: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بالنبوة، قاله ابن عباس. والثاني: باعلاء الكلمة. والثالث: بأن أحوج إِخوته إِليه حتى أنعم عليهم، ذكرهما الماوردي «1» . وفي آلِ يَعْقُوبَ ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ولده، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: يعقوب وامرأته وأولاده الأحد عشر، أتم عليهم نعمته بالسجود ليوسف، قاله مقاتل. والثالث: أهله، قاله أبو عبيدة، واحتج بأنك إِذا صغَّرت الآل، قلت: أُهيل. قوله تعالى: كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ قال عكرمة: فنعمته على إِبراهيم أن نجاه من النار، ونعمته على إِسحاق أن نجاه من الذبح. قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ أي: عليم حيث يضع النبوة حَكِيمٌ في تدبير خلقه. [سورة يوسف (12) : آية 7] لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) قوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أي: في خبر يوسف وقصة إِخوته آيات أي: عِبَر لمن سأل عنهم، فكل حال من أحواله آية. وقرأ ابن كثير «آيةٌ» «2» . (806) قال المفسرون: وكان اليهود قد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف، فأخبرهم بها كما في التّوراة، فعجبوا من ذلك.
[سورة يوسف (12) : آية 8]
وفي وجه هذه الآيات خمسة أقوال: أحدها: الدّلالة على صدق محمّد عليه السّلام حين أخبر أخبار قوم لم يشاهدهم، ولا نظر في الكتاب. والثاني: ما أظهر الله في قصة يوسف من عواقب البغي عليه. والثالث: صدق رؤياه وصحة تأويله. والرابع: ضبط نفسه وقهر شهوته حتى قام بحق الأمانة. والخامس: حدوث السرور بعد اليأس. فإن قيل: لم خص السائلين، ولغيرهم فيها آيات أيضاً؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن المعنى: للسائلين وغيرهم، فاكتفى بذكر السائلين من غيرهم، كما اكتفى بذكر الحر من البرد في قوله تعالى: تَقِيكُمُ الْحَرَّ. والثاني: أنه إِذا كان للسائلين عن خبر يوسف آية، كان لغيرهم آية أيضاً وإِنما خص السائلين، لأن سؤالهم نتج الأعجوبة وكشف الخبر. [سورة يوسف (12) : آية 8] إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) قوله تعالى: إِذْ قالُوا يعني إِخوة يوسف. لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ يعنون بن يامين. وإِنما قيل له: ابن يامين، لأن أمه ماتت نفساء. ويامين بمعنى الوجع، وكان أخاه لأمه وأبيه. والباقون إِخوته لأبيه دون أمه. فأما العصبة، فقال الزجاج: هي في اللغة الجماعة الذين أمرهم واحد يتابع بعضهم بعضاً في الفعل، ويتعصب بعضهم لبعض. وللمفسرين في العصبة ستة أقوال: أحدها: أنها ما كان أكثر من عشرة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنها ما بين العشرة إِلى الأربعين، روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال قتادة. والثالث: أنها ستة أو سبعة، قاله سعيد بن جبير. والرابع: أنها من عشرة إِلى خمسة عشر، قاله مجاهد. والخامس: الجماعة، قاله ابن زيد، وابن قتيبة، والزجاج. والسادس: عشرة، قاله مقاتل. وقال الفراء: العصبة عشرة فما زاد. قوله تعالى: إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ فيه ثلاثة اقوال: أحدها: لفي خَطَأٍ من رأيه، قاله ابن زيد. والثاني: في شَقَاءٍ، قاله مقاتل والمراد به عناء الدنيا. والثالث: لفي ضلال عن طريق الصواب الذي يقتضي تعديل المحبة بيننا، لأن نفعنا له أعم. قال الزجاج: ولو نسبوه إِلى الضلال في الدين كانوا كفاراً، إِنما أرادوا: إِنه قدَّم ابنين صغيرين علينا في المحبة ونحن جماعة نفعنا أكثر. [سورة يوسف (12) : آية 9] اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (9) قوله تعالى: اقْتُلُوا يُوسُفَ قال أبو علي: قرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي: «مبينٌ اقتلوا» بضمّ التنوين، لأنّ تحريكه يلزم لالتقاء السّاكنين، فحركوه بالضم ليُتبعوا الضمة الضمة، كما قالوا: «مد» «وظلمات» . وقرأ أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، بكسر التنوين، فلم يتبعوا الضمة كما قالوا: «مدَّ» «ظُلُمات» . قال المفسرون: وهذا قولهم بينهم: أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً قال الزجاج: نصب «أرضاً» على إسقاط «في» ، وإفضاء الفعل إِليها والمعنى: أو اطرحوه أرضاً يبعد بها عن أبيه. وقال غيره: أرضاً تأكله فيها السباع. قوله تعالى: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ أي: يفرغ لكم من الشغل بيوسف. وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد يوسف. قَوْماً صالِحِينَ فيه قولان: أحدهما: صالحين بالتوبة من بعد قتله، قاله ابن عباس. والثاني: يصلح حالكم عند أبيكم، قاله مقاتل. وفي قصتهم نكتة عجيبة، وهو أنهم عزموا على التوبة قبل الذنب، وكذلك المؤمن لا ينسى التّوبة وإن كان مرتكبا للخطايا.
[سورة يوسف (12) : الآيات 10 إلى 14]
[سورة يوسف (12) : الآيات 10 الى 14] قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (12) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (13) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (14) قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يهوذا، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب بن منبه، والسدي، ومقاتل. والثاني: أنه شمعون، قاله مجاهد. والثالث: روبيل، قاله قتادة، وابن إِسحاق. فأما غيابة الجب، فقال أبو عبيدة: كل شيء غيَّب عنك شيئاً فهو غيابة. والجب: الرَّكية التي لم تطو. وقال الزجاج: الغيابة: كل ما غاب عنك، أو غيَّب شيئاً عنك، قال المنخَّل: فإنْ أنا يَوْماً غيَّبَتْني غَيَابَتي ... فسِيروا بِسَيْري في العشيرة والأهْلِ والجب: البئر التي لم تطو سميت جباً من أجل أنها قُطعت قطْعاً، ولم يحدث فيها غير القطع من طي وما أشبهه. وقال ابن عباس: «في غيابة الجب» أي: في ظلماته. وقال الحسن: في قعره. وقرأ نافع: «غيابات الجب» فجعل كلّ جزء منه غيابة. وروى خارجة عن نافع: «غيَّابات» بتشديد الياء. وقرأ الحسن، وقتادة، ومجاهد: «غيبة الجب» بغير ألف مع إِسكان الياء «1» . وأين كان هذا الجب، فيه قولان: أحدهما: بأرض الأردن، قاله وهب. وقال مقاتل: هو بأرض الأردن على ثلاث فراسخ من منزل يعقوب. والثاني: ببيت المقدس، قاله قتادة. قوله تعالى: يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ قال ابن عباس: يأخذه بعض من يسير. إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي: إِن أضمرتم له ما تريدون. وأكثر القراء قرءوا «يلتقطه» بالياء. وقرأ الحسن، وقتادة، وابن أبي عبلة بالتاء. قال الزجاج: وجميع النحويين يجيزون ذلك، لأن بعض السيارة سيارة، فكأنه قال: تلتقطه سيارة بعض السيارة. وقال ابن الأنباري: من قرأ بالتاء، فقد أنَّث فعل بعض، وبعض مذكر، وإِنما فعل ذلك حملاً على المعنى، إِذ التأويل: تلتقطه السيارة، قال الشاعر: رأت مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السِّرارُ مِنَ الهِلاَلِ «2» أراد: رأت السنين، وقال الآخر: طُولُ الليالي أَسْرَعتْ في نَقْضي ... طَوَيْنَ طُوِلي وَطَوَيْنَ عَرْضِي أراد: الليالي أسرعت، وقال جرير: لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ ... سُورُ المدينة والجبال الخشّع
أراد: تواضعت المدينة، وقال الآخر: وتشْرَقُ بالْقَوْلِ الَّذي قد أَذَعْتُهُ ... كما شَرقتْ صدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ «1» أراد: كما شرقت القناة. قال المفسرون: فلما عزم القوم على كيد يوسف، قالوا لأبيه: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا قرأ الجماعة «تأمنا» بفتح الميم وإِدغام النون الأولى في الثانية والإِشارة إِلى إِعراب النون المدغمة بالضم قال مكي: لأن الأصل «تأمننا» ثم أدغمت النون الأولى، وبقي الإِشمام يدل على ضمة النون الأولى. والإِشمام: هو ضمّك شفتيك من غير صوت يُسمع، فهو بعد الإِدغام وقبل فتحه النون الثانية. وابن كيسان يسمي الإِشمام الإِشارة، ويسمى الرَّوم إِشماماً والرَّوْم: صوت ضعيف يُسمع خفياً. وقرأ أبو جعفر «تأمنّا» بفتح النون من غير إِشمام إِلى إعراب المدغم. وقرأ الحسن «ما لك لا تأمُنّا» بضم الميم. وقرأ ابن مقسم «تأمننا» بنونين على الأصل والمعنى: ما لك لا تأمنا على يوسف فترسله معنا، فانه قد كبر ولا يعلم شيئاً من أمر المعاش، وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ فيما أشرنا به عليك أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً إِلى الصحراء. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم قالوا له: أرسله معنا، فقال: إِني لَيَحْزُنُني أن تذهبوا به، فقالوا: ما لك لا تأمنّا. قوله تعالى: يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو «نرتع ونلعب» بالنون فيهما، والعين ساكنه وافقهم زيد عن يعقوب في «نرتع» فحسب. وفي معنى «نرتع» ثلاثة أقوال: أحدها: نَلْهُ، قاله الضحاك. والثاني: نَسْعَ، قاله قتادة. والثالث: نأكل يقال: رتعت الإِبل: إِذا رعت، وأرتعتها: إِذا تركتها ترعى. قال الشاعر: وَحْبِيبٍ لي إِذَا لاقيته ... وإذا يخلو لَهُ لَحْمِي رَتَعْ «2» أي أكله، هذا قول ابن الأنباري، وابن قتيبة. وقرأ عاصم، وحمزة والكسائي: «يرتع ويلعب» بالياء فيهما وجزْم العين والباء، يعنون «يوسف» . وقرأ نافع: «نرتعِ» بكسر العين من «نرتع» من غير بلوغ إِلى الياء. قال ابن قتيبة: ومعناها: نتحارس، ويرعى بعضنا بعضاً، أي: يحفظ ومنه يقال: رعاك الله، أي: حفظك. ورويت عن ابن كثير أيضاً «نرتعي» باثبات ياء بعد العين في الوصل والوقف. وقرأ أنس، وأبو رجاء «نرتعي» باثبات ياء بعد العين في الوصل والوقف. وقرأ أنس، وأبو رجاء «نُرتِعْ» بنون مرفوعة وكسر التاء وسكون العين، و «نلعبْ» بالنون. قال أبو عبيدة: أي: نرتع إِبلنا «3» . فأمّا قوله تعالى: «ونلعب» فقال ابن عباس: نلهو.
[سورة يوسف (12) : آية 15]
فإن قيل: كيف لم ينكر عليهم يعقوب ذِكر اللعب؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، قاله أبو عمرو بن العلاء. والثاني: أنهم عَنَوْا مباح اللعب، قاله الماوردي «1» . قوله تعالى: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ أي: يحزنني ذهابكم به، لأنه يفارقني فلا أراه. وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: «الذئب» بالهمز في الثلاثة المواضع. وقرأ الكسائي، وأبو جعفر، وشيبة بغير همز. قال أبو علي: «الذئب» مهموز في الأصل. يقال: تذاءَبَتِ الريح: إِذا جاءت من كل جهة كما يأتي الذئب. وفي علة تخصيص الذئب بالذكر ثلاثة أقوال: أحدها: أنه رأى في منامة أن الذئب شد على يوسف، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أن أرضهم كانت كثيرة الذئاب، قاله مقاتل. والثالث: أنه خافهم عليه فكنى بذكر الذئب، قاله الماوردي «2» . قوله تعالى: وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ فيه قولان: أحدهما: غافلون في اللعب. والثاني: مشتغلون برعيتكم. قوله تعالى: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي: جماعة نرى الذئب قد قصده ولا نرد عنه إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ أي: عاجزون. قال ابن الأنباري: ومن قرأ «عصبةً» بالنصب، فتقديره: ونحن نجتمع عصبة. [سورة يوسف (12) : آية 15] فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ في الكلام اختصار وإِضمار، تقديره: فأرسله معهم فلما ذهبوا. وَأَجْمَعُوا أي: عزموا على أن يجعلوه في غيابة الجبّ. (الإشارة إلى قصّة ذهابهم به) قال المفسرون «3» : قالوا ليوسف: أما تشتاق أن تخرج معنا فتلعب وتتصيد؟ قال: بلى، قالوا: فسل أباك أن يرسلك معنا، قال: أفعل، فدخلوا بجماعتهم على يعقوب، فقالوا: يا أبانا إِن يوسف قد أحب أن يخرج معنا، فقال: ما تقول يا بني؟ قال: نعم يا أبت، قد أرى من إِخوتي اللين واللطف، فأنا أحب أن تأذن لي، فأرسله معهم، فلما أصحروا، أظهروا له ما في أنفسهم من العداوة، وأغلظوا له القول، وجعل يلجأ إِلى هذا، فيضربه، وإِلى هذا، فيؤذيه، فلما فطن لما قد عزموا عليه، جعل ينادي: يا أبتاه، يا يعقوب، لو رأيت يوسف وما ينزل به من إِخوته لأَحَزْنَكَ ذلك وأبكاك، يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك، وضيَّعوا وصيَّتك وجعل يبكي بكاءً شديداً. قال الضحاك عن ابن عباس: فأخذه روبيل فجلد به الأرض، ثم جثم على صدره وأراد قتله، فقال له يوسف: مهلاً يا أخي لا تقتلني، قال: يا
[سورة يوسف (12) : الآيات 16 إلى 17]
ابن راحيل صاحبَ الأحلام، قل لرؤياك تخلصك من أيدينا، ولوى عنقه ليكسرها، فنادى يوسف: يا يهوذا اتق الله فيّ، وخل بيني وبين مَنْ يريد قتلي، فأدركته له رحمة، فقال يهوذا: يا إِخوتاه، ألا أدلكم على أمرٍ هو خير لكم وأرفق به؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: تلقونه في هذا الجب فيلتقطه بعض السّيّارة، قالوا: نفعل فانطلقوا به إِلى الجب، فخلعوا قميصه، فقال: يا إِخوتاه، لِمَ نزعتم قميصي؟ ردوه عليَّ أستر به عورتي ويكون كفناً لي في مماتي فأخرج الله له حجراً في البئر مرتفعاً من الماء، فاستقرت عليه قدماه. وقال السدي: جعلوا يدلونه في البئر، فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إِخوتاه، ردّوا عليّ قميصي أتوارى به، فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً، فدلّوه في البئر، حتى إِذا بلغ نصفها ألقوه إِرادة أن يموت، فكان في البئر ماءٌ فسقط فيه، ثم أوى إِلى صخرة فيها فقام عليها فلما أَلْقَوْهُ في الجب جعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة، فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام. وقال كعب: جمعوا يديه إِلى عنقه ونزعوا قميصه، فبعث الله إِليه مَلَكاً، فحلَّ عنه وأخرج له حجراً من الماء، فقعد عليه وكان يعقوب قد أدرج قميص إِبراهيم الذي كساه الله إِياه يوم أُلْقي في النار في قصبة، وجعلها في عنق يوسف، فألبسه إِياه الملك حينئذ، وأضاء له الجب. وقال الحسن: أُلقي في الجب، فَعَذُبَ ماؤه، فكان يغنيه عن الطعام والشراب ودخل عليه جبريل، فأنس به، فلما أمسى نهض جبريل ليذهب، فقال له يوسف: إِنك إِذا خرجت عني استوحشت، فقال: إِذا رهبت شيئاً فقل: يا صريخ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرِّج كرب المكروبين، قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري. فلما قالها حفّته الملائكة، فاستأنس في الجب ومكث فيه ثلاثة أيام، وكان إِخوته يرعون حول الجب. وقال محمد بن مسلم الطائفي: لما أُلقي يوسف في الجُبِّ، قال: يا شاهدا غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي فرجاً مما أنا فيه قال: فما بات فيه. وفي مقدار سنِّة حين أُلقي في الجب أربعة أقوال: أحدها: اثنتا عشرة سنة، قاله الحسن. والثاني: ست سنين، قاله الضحاك. والثالث: سبع عشرة، قاله ابن السائب، وروي عن الحسن أيضاً. والرابع: ثمان عشرة. قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ فيه قولان: أحدهما: أنه إِلهام، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه وحي حقيقة. قال المفسرون: أُوحي إِليه لتخبرنّ إِخوتك بأمرهم، أي: بما صنعوا بك وأنت عال عليهم. وفي قوله تعالى: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ قولان: أحدهما: لا يشعرون أنك يوسف وقت إِخبارك لهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثاني: لا يشعرون بالوحي، قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد. فعلى الأول يكون الكلام من صلة «لتنبئنهم» وعلى الثاني من صلة «وأوحينا إِليه» . قال حميد: قلت للحسن: أيحسد المؤمنُ المؤمن؟ قال: لا أبا لك، ما نسّاك بني يعقوب؟ [سورة يوسف (12) : الآيات 16 الى 17] وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (16) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (17) قوله تعالى: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ وقرأ أبو هريرة، والحسن، وابن السميفع، والأعمش:
[سورة يوسف (12) : آية 18]
«عشاء» بضمّ العين. قال المفسّرون: جاءوا وقت العتمة ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار بالكذب، فلما سمع صوتهم فزع، وقال: ما لكم يا بَنِيَّ، هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما اصابكم؟ وأين يوسف؟ قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: ننتضل، قاله ابن عباس، وابن قتيبة، قال: والمعنى، يسابق بعضنا بعضاً في الرمي. والثاني: نشتد، قاله السدي. والثالث: نتصيد، قاله مقاتل. فيكون المعنى على الأول: نستبق في الرمي لننظر أينا أسبق سهماً وعلى الثاني: نستبق على الأقدام وعلى الثالث: للصيد. قوله تعالى: وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا أي: ثيابنا. وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا أي: بمصدّق. وفي قوله تعالى: وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ قولان: أحدهما: أن المعنى: وإِن كنا قد صدقنا، قاله ابن إِسحاق. والثاني: لو كنا عندك من أهل الصدق لاتّهمتنا في يوسف لمحبتك إِياه، وظننت أنا قد كذبناك، قاله الزّجّاج. [سورة يوسف (12) : آية 18] وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (18) قوله تعالى: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قال اللغويون: معناه: بدم مكذوب فيه، والعرب تجعل المصدر في كثير من الكلام مفعولاً، فيقولون للكذب مكذوب، وللعقل معقول، وللجلد مجلود، قال الشاعر: حتَّى إِذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظَامِهِ ... لَحْماً وَلاَ لِفُؤَادِهِ مَعْقُولاَ «1» أراد: عقلاً. وقال الآخر: قد والذي سَمَكَ السماءَ بِقُدْرَةٍ ... بُلغ العَزَاءُ وأُدْرِكَ المَجْلُوْدُ «2» يريد: أُدرك الجلد. ويقولون: ليس لفلان عقد رأي، ولا معقود رأي، ويقولون: هذا ماء سكْب، يريدون: مسكوباً، وهذا شراب صب، يريدون: مصبوباً، وماء غور، يعنون: غائراً، ورجل صوم، يريدون: صائماً، وامرأة نَوْح، يريدون: نائحة وهذا الكلام مجموع قول الفراء، والأخفش، والزجاج، وابن قتيبة في آخرين. قال ابن عباس: أخذوا جدياً فذبحوه، ثم غمسوا قميص يوسف في دمه، وأتوه به وليس فيه خرق، فقال: كذبتم، لو كان أكله الذئب لخرّق القميص. وقال قتادة: كان دم ظبية. وقرأ ابن أبي عبلة: «بدمٍ كذباً» بالنصب. وقرأ ابن عباس، والحسن، وأبو العالية: «بدم كدب» بالدال غير معجمة، أي: بدم طريّ. قوله تعالى: بَلْ سَوَّلَتْ أي: زَيَّنَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً غير ما تصفون فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال الخليل: المعنى: فشأني صبر جَميل، والذي أعتقده صبر جميل. وقال الفراء: الصبر مرفوع، لأنه عزّى نفسه وقال: ما هو إِلا الصبر، ولو أمرهم بالصبر، لكان نصباً. وقال قطرب: المعنى: فصبري
[سورة يوسف (12) : آية 19]
صبر جميل. وقرأ ابن مسعود، وأُبيّ، وأبو المتوكل: «فصبراً جميلاً» بالنصب. قال الزجاج: والصبر الجميل لا جزع فيه، ولا شكوى إِلى الناس. قوله تعالى: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ فيه قولان: أحدهما: على ما تصفون من الكذب. والثاني: على احتمال ما تصفون. [سورة يوسف (12) : آية 19] وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (19) قوله تعالى: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ أي: قوم يسيرون فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ قال الأخفش: أنّث السيارة وذكّر الوارد، لأن السيارة في المعنى للرجال. وقال الزجاج: الوارد: الذي يَرِدُ الماء ليستقي للقوم. وفي اسم هذا الوارد قولان: أحدهما: مالك بن ذُعْر بن يؤيب بن عيفا بن مدين بن إِبراهيم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: مجلث بن رعويل، قاله وهب بن منبه. قوله تعالى: فَأَدْلى دَلْوَهُ أي: أرسلها. قال الزجاج: يقال: أدليت الدلو: إِذا أرسلتها لتملأها، ودلوتها: إِذا أخرجتها. قالَ يا بُشْرى قرأه ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «يا بشرايَ» بفتح الياء وإِثبات الألف. وروى ورش عن نافع «بشرايْ» و «محيايْ» و «مثواي» بسكون الياء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي «يا بشرى» بألف بغير ياء. وعاصم بفتح الراء، وحمزة، والكسائي يميلانها. قال الزجاج: من قرأ «يا بشراي» فهذا النداء تنبيه للمخاطبين، لأن البشرى لا تجيب ولا تعقل فالمعنى: أبشروا، ويا أيها البشرى هذا من أوانك، وكذلك إِذا قلت: يا عجباه، فكأنك قلت: اعجبوا، ويا أيها العجب هذا من حينك وقد شرحنا هذا المعنى. فأما قراءة من قرأ «يا بشرى» فيجوز أن يكون المعنى: يا من حضر، هذه بشرى. ويجوز أن يكون المعنى: يا بشرى هذا أوانك على ما سبق بيانه من تنبيه الحاضرين. وذكر السدي أنه نادى بذاك أحدهم وكان اسمه بشرى «1» . وقال ابن الأنباري: يجوز فيه هذه الأقوال، ويجوز أن يكون اسم امرأة. وقرأ أبو رجاء، وابن أبي عبلة: «يا بُشْرَيَّ» بتشديد الياء وفتحها من غير ألف «2» . قال ابن عباس: لما أدلى دَلْوَه تعلق يوسف بالحبل فنظر إِليه فإذا بغلام أحسن ما يكون من الغلمان، فقال لأصحابه: البشرى، فقالوا: ما وراءك؟ قال: هذا غلام في البئر، فأقبلوا يسألونه الشركة فيه، واستخرجوه من الجُبِّ، فقال بعضهم لبعض: اكتموه عن أصحابكم لئلّا يسألوكم الشركة فيه، فإن قالوا: ما هذا؟ فقولوا: استبضعنَاه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر فجاء إخوة يوسف فطلبوه فلم يجدوه في البئر، فنظروا، فإذا هم بالقوم ومعهم
[سورة يوسف (12) : آية 20]
يوسف، فقالوا لهم: هذا غلام أبق منا، فقال مالك بن ذعر: فأنا أشتريه منكم، فباعوه بعشرين درهماً وحُلَّة ونعلين، وأسره مالك بن ذعر من أصحابه، وقال: استبضعَناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. قوله تعالى: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً قال الزجاج: «بضاعةً» منصوب على الحال، كأنه قال: وأسرّوه جاعليه بضاعة. وقال ابن قتيبة: أسرّوا في أنفسهم أنه بضاعة وتجارة. وفي الفاعلين لذاك قولان: أحدهما: أنهم واردو الجب، أسرّوا ابتياعه عن باقي أصحابهم، وتواصَوا أنه بضاعة استبضعهم إِياها أهل الماء وقد ذكرنا هذا المعنى عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. والثاني: أنهم إِخوته، أسروّا أمره وباعوه، وقالوا: هو بضاعة لنا، وهذا المعنى مرويٌّ عن ابن عباس أيضاً «1» . قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ يعمّ الباعة والمشترين. [سورة يوسف (12) : آية 20] وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) قوله تعالى: وَشَرَوْهُ هذا حرف من حروف الأضداد، تقول: شريت الشيء بمعنى بعته وشريته، بمعنى اشتريته. فإن كان بمعنى باعوه، ففيهم قولان: أحدهما: أنهم إِخوته، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنهم السيارة، ولم يبعه إِخوته، قاله الحسن، وقتادة. وإِن كان بمعنى اشتروه، فإنهم السيارة «2» . قوله تعالى: بِثَمَنٍ بَخْسٍ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحرام، قاله ابن عباس،
والضحاك، وقتادة في آخرين. والثاني: أنه القليل، قاله عكرمة، والشعبي. قال ابن قتيبة: البخس: الخسيس الذي بُخس به البائع. والثالث: الناقص، وكانت الدراهم عشرين درهماً في العدد، وهي تنقص عن عشرين في الميزان، قاله أبو سليمان الدمشقي «1» . قوله تعالى: دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ قال الفراء: إِنما قيل: «معدودة» ليُستدَل بها على القلَّة. وقال ابن قتيبة: أي: يسيرة، سهل عددها لقلَّتها، فلو كانت كثيرة لثقل عددها. وقال ابن عباس: كانوا في ذلك الزمان لا يَزِنُون أقل من أربعين درهماً، وقيل: إِنما لم يَزِنُوها لزهدهم فيه. وفي عدد تلك الدراهم خمسة أقوال: أحدها: عشرون درهماً، قاله ابن مسعود، وابن عباس في رواية، وعكرمة في رواية، ونوف الشامي، ووهب بن منبِّه، والشعبي، وعطية، والسدي، ومقاتل في آخرين. والثاني: عشرون درهماً وحُلَّة، ونعلان، روي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: اثنان وعشرون درهماً، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. والرابع: أربعون درهماً، قاله عكرمة في رواية، وابن إِسحاق. والخامس: ثلاثون درهماً، ونعلان، وحُلَّة «2» ، وكانوا قالوا له بالعبرانية: إِما أن تُقرَّ لنا بالعبودية، وإِما أن نأخذَك منهم فنقتلَك، قال: بل أُقرُّ لكم بالعبودية، ذكره إِسحاق بن بشر عن بعض أشياخه. قال المفسرون: اقتسموا ثمنه، فاشترَوا به نعالاً وخفافاً. وكان بعض الصالحين يقول: والله ما يوسف- وإِن باعه أعداؤه- بأعجبَ منك في بيعكَ نفسَكَ بشهوةِ ساعةٍ من معاصيك. قوله تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ الزهد: قلَّة الرغبة في الشيء. وفي المشار إِليهم قولان «3» : أحدهما: أنهم إخوته، قال ابن عباس فعلى هذا، في هاء «فيه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى يوسف، لأنهم لم يعلموا مكانه من الله تعالى، قاله الضحاك، وابن جريج. والثاني: أنها ترجع إِلى الثمن. وفي علَّة زهدهم قولان: أحدهما: رداءته. والثاني: أنهم قصدوا بُعد يوسف، لا الثمن. والثاني: أنهم السيارة الذين اشترَوه. وفي علَّة زهدهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم ارتابوا لقلة ثمنه. والثاني: أن إِخوته وصفوه عندهم بالخيانة والإباق. والثالث: لأنهم علموا أنه حرّ.
[سورة يوسف (12) : آية 21]
[سورة يوسف (12) : آية 21] وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21) قوله تعالى: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ قال وهب: لما ذهبت به السيارة إِلى مصر، وقفوه في سوقها يعرضونه للبيع، فتزايد الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنَه مسكاً، ووزنه ورِقاً، ووزنه حريراً، فاشتراه بذلك الثمن رجل يقال له: قطفير، وكان أمين فرعون وخازنه، وكان مؤمناً. وقال ابن عباس: إِنما اشتراه قطفير من مالك بن ذعر بعشرين ديناراً، وزوجَيْ نعل، وثوبَيْن أبيضين، فلما رجع إِلى منزله قال لامرأته: أكرمي مثواه. وقال قوم: اسمه أُطفير. وفي اسم المرأة قولان: أحدهما: راعيل بنت رعاييل، قاله ابن إِسحاق. والثاني: أزليخا بنت تمليخا، قاله مقاتل. قال ابن قتيبة: «أكرمي مثواه» يعني منزله ومقامه عندك، من قولك: ثويت بالمكان: إِذا أقمت به. وقال الزجاج: أحسني إِليه في طول مُقامه عندنا. قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرَّس في يوسف، فقال لامرأته: «أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا» ، وابنة شعيب حين قالت: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ «1» ، وأبو بكر حين استخلف عمر. وفي قوله تعالى: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا قولان: أحدهما: يكفيَنَا إِذا بلغ أمورنا. والثاني: بالربح في ثمنه. قوله تعالى: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً قال ابن عباس: نتبنَّاه. وقال غيره: لم يكن لهما ولد، وكان العزيز لا يأتي النساء. قوله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ أي: وكما أنجيناه من إِخوته وأخرجناه من ظلمة الجُبِّ، مكنَّا له في الأرض، أي: ملَّكناه في أرض مصر فجعلناه على خزائنها. وَلِنُعَلِّمَهُ قال ابن الأنباري: إِنما دخلت الواو في «ولنعلِّمه» لفعل مضمر هو المجتلب للام، والمعنى: مكنَّا ليوسف في الأرض، واختصصناه بذلك لكي نعلِّمه من تأويل الأحاديث. وقد سبق تفسير «تأويل الأحاديث» . وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى: أنه غالب على ما أراد من قضائه، وهذا معنى قول ابن عباس. والثاني: أنها ترجع إِلى يوسف «2» ، فالمعنى: غالب على أمر يوسف حتى يبلِّغه ما أراده له، وهذا معنى قول مقاتل. وقال بعضهم: والله غالب على أمره حيث أمر يعقوبُ يوسفَ أن لا يقصَّ رؤياه على إِخوته، فعلموا بها، ثم أراد يعقوب أن يلتقطه بعض السيارة فيندرس أمره، فعلا أمره، ثم باعوه ليكون مملوكاً، فغلب أمره حتى ملك، وأرادوا أن يعطفوا أباهم، فأباهم، ثم أرادوا أن يغرّوا يعقوب بالبكاء والدم الذي ألقَوْه على القميص، فلم يَخْفَ عليه، ثم أرادوا أن يكونوا بعده قوماً صالحين، فنسوا ذنبهم إِلى أن أقرُّوا به بعد سنين. فقالوا: إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ «3» ، ثم أرادوا أن يمحوا محبَّته من قلب أبيه، فازدادت، ثم أرادت أزليخا أن تلقي عليه التهمة بقولها: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً «4» ، فغلب أمره، حتى شهد شاهد من أهلها، وأراد يوسف أن
[سورة يوسف (12) : آية 22]
يتخلص من السجن بذكر الساقي، فنسي الساقي حتى لبث في السجن بضع سنين. [سورة يوسف (12) : آية 22] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قد ذكرنا معنى الأشدّ في سورة الأنعام «1» ، واختلف العلماء في المراد به ها هنا على ثمانية أقوال: أحدها: أنه ثلاث وثلاثون سنة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وبه قال مجاهد، وقتادة. والثاني: ثماني عشرة سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال عكرمة. والثالث: أربعون سنة، قاله الحسن. والرابع: بلوغ الحلم، قاله الشعبي، وربيعة، وزيد بن أسلم، وابنه. والخامس: عشرون سنة، قاله الضحاك. والسادس: أنه من نحو سبع عشرة سنة إِلى نحو الأربعين، قاله الزجاج. والسابع: أنه بلوغ ثمان وثلاثين سنة، حكاه ابن قتيبة. والثامن: ثلاثون سنة، ذكره بعض المفسرين «2» . قوله تعالى: آتَيْناهُ حُكْماً فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه الفقه والعقل، قاله مجاهد. والثاني: النبوَّة، قاله ابن السائب. والثالث: أنه جُعل حكيماً، قاله الزجاج، قال: وليس كل عالم حكيماً، إنما الحكيم: العالم المستعمِل علمه، الممتنع به من استعمال ما يجهَّل فيه. والرابع: أنه الإِصابة في القول: ذكره الثعلبي. قال اللغويون: الحكم عند العرب ما يصرف عن الجهل والخطأ، ويمنع منهما، ويردُّ النفس عما يشينها ويعود عليها بالضرر، ومنه: حكمَة الدابة. وأصل أحكمت في اللغة: منعت، وسمي الحاكم حاكماً، لأنه يمنع من الظلم والزّيغ. وفي المراد بالعلم ها هنا قولان: أحدهما: الفقه. والثاني: علم الرؤيا. قوله تعالى: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي: ومثل ما وصفنا من تعليم يوسف وحراسته، نثيب من أحسن عمله، واجتنب المعاصي، فننجِّيه من الهلكة، ونستنقذه من الضّلالة ونجعله من أهل العلم والحكمة كما فعلنا بيوسف. وفي المراد بالمحسنين ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: الصابرون على النوائب. والثاني: المهتدون، رويا عن ابن عباس. والثالث: المؤمنون. قال محمد بن جرير: هذا، وإِن كان مخرج ظاهره على كل محسن، فالمراد به محمّد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: كما فعلت بيوسف بعد ما لقي من البلاء فمكَّنته في الأرض وآتيته العلم، كذلك أفعل بك وأنجيك من مشركي قومك «3» .
[سورة يوسف (12) : آية 23]
[سورة يوسف (12) : آية 23] وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) قوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ أي: طلبت منه المواقعة، وقد سبق اسمها. قال الزجاج: المعنى: راودته عما أرادته مما يريد النساء من الرجال وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قرأ ابن كثير: «هَيْتُ لك» بفتح الهاء وتسكين الياء وضم التاء. وقرأ نافع، وابن عامر: «هِيتَ لك» بكسر الهاء وتسكين الياء وفتح التاء، وهي مروية عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وروى الحُلواني عن هشام عن ابن عامر مثله، إِلا أنه همزه. قال أبو علي الفارسي: هو خطأ. وروي عن ابن عامر: «هِئْتُ لك» بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء، وهي قراءة ابن عباس، وأبي الدرداء، وقتادة. قال الزجاج: هو من الهيئة، كأنها قالت: تهيأت لك. وعن ابن محيصن، وطلحة بن مصرف مثل قراءة ابن عباس إِلا أنها بغير همز. وعن ابن محيصن بفتح الهاء وكسر التاء، وهي قراءة أبي رزين، وحميد. وعن الوليد بن عتبة بكسر الهاء والتاء مع الهمز، وهي قراءة أبي العالية. وقرأ ابن خثيم مثله، إِلا أنه لم يهمز. وعن الوليد بن مسلم عن نافع بكسر الهاء وفتح التاء مع الهمز. وقرأ ابن مسعود، وابن السميفع، وابن يعمر، والجحدري: «هُيِّئتُ لك» برفع الهاء والتاء وبياء مشددة مكسورة بعدها همزة ساكنة. وقرأ أُبَيُّ بن كعب: «ها أنا لك» . وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء بغير همز. قال الزجاج: وهو أجود اللغات، وأكثرها في كلام العرب، ومعناها: هلم لك، أي: أقبل على ما أدعوك إِليه، وقال الشاعر: أَبْلِغْ أمِيْرَ المُؤْمِنْينَ أَخَا العِرَاقِ إِذَا أَتَيْتَا ... أَنَّ العِرَاقَ وأَهْلَهُ عُنُقٌ إِلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَا «1» أي: فأقبل وتعال. وقال ابن قتيبة: يقال: هيَّت فلان لفلان: إِذا دعاه وصاح به قال الشاعر: قد رابني أنَّ الكَرِيَّ أَسْكَتَا ... لو كانَ مَعْنِيَّاً بها لَهَيَّتَا «2» أي: صار ذا سكوت. واختلف العلماء في قوله «هيت لك» بأي لغة هي، على أربعة أقوال: أحدها: أنها عربية قاله مجاهد. وقال ابن الأنباري: وقد قيل: إِنها من كلام قريش، إِلا أنها مما درس وقلَّ في أفواههم آخراً، فأتى الله به، لأن أصله من كلامهم، وهذه الكلمة لا مصدر لها، ولا تصرُّف، ولا تثنية، ولا جمع، ولا تأنيث، يقال للاثنين: هيت لكما، وللجميع: هيت لكم، وللنسوة: هيت لَكُنَّ. والثاني: أنها بالسريانية، قاله الحسن. والثالث: بالحورانية، قاله عكرمة، والكسائي. وقال الفراء: يقال: إِنها لغة لأهل حوران، سقطت إِلى أهل مكة فتكلموا بها. والرابع: أنها بالقبطية، قاله السدي. قوله تعالى: قالَ مَعاذَ اللَّهِ قال الزجاج: هو مصدر، والمعنى: أعوذ بالله أن أفعل هذا، يقال: عذت عياذاً ومعاذاً ومعاذة. إِنَّهُ رَبِّي أي: إِن العزيز صاحبي أَحْسَنَ مَثْوايَ، قال: ويجوز
[سورة يوسف (12) : آية 24]
أن يكون «إنه ربي» يعني الله عزّ وجلّ «أحسن مثواي» أي: توّلاني في طول مُقامي. قوله تعالى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي: إن فعلت هذا فخنته في أهله بعد ما أكرمني فأنا ظالم. وقيل: الظّالمون ها هنا: الزّناة. [سورة يوسف (12) : آية 24] وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ الهم بالشيء في كلام العرب: حديث المرء نفسه بمواقعته ما لم يواقع. فأما همّ أزليخا، فقال المفسرون: دعته إِلى نفسها واستلقت له. واختلفوا في همِّه بها على خمسة أقوال «1» :
أحدها: أنه كان من جنس همّها، ولولا أن الله تعالى عصمه لفعل، وإِلى هذا المعنى ذهب الحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وهو قول عامة المفسرين المتقدمين، واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير، وابن الأنباري. وقال ابن قتيبة: لا يجوز في اللغة: هممت بفلان، وهمّ بي، وأنت تريد اختلاف الهمَّين. واحتجَ منْ نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء الأكابر، ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه. قالوا: ورجوعه عما همّ به من ذلك خوفاً من الله تعالى يمحو عنه سيّئ الهمِّ، ويوجب له علوَّ المنازل. (807) ويدل على هذا الحديث الصّحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن ثلاثة خرجوا فلجؤوا إِلى غار، فانطبقت عليهم صخرة، فقالوا: ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله. فقال أحدهم: اللهم إِنك تعلم أنه كانت لي بنت عم فراودتها عن نفسها فأبت إلّا بمائة دينار، فلمّا أتيت بها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة أُرعدتْ وقالت: إِن هذا لعملٌ ما عملته قطُّ، فقمت عنها وأعطيتها المائة الدينار، فإن كنتَ تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرِج عنا، فزال ثلث الحجر» . والحديث معروف، وقد ذكرته في «الحدائق» ، فعلى هذا نقول: إِنما همت، فترقَّت همَّتها إِلى العزيمة، فصارت مصرَّة على الزنا. فأما هو، فعارضه ما يعارض البشر من خَطَرَاتِ القلب، وحديث النفس، من غير عزم، فلم يلزمه هذا الهمُّ ذنباً، فإن الرجل الصالح قد يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد، فإذا لم يشرب لم يؤاخذ بما هجس في نفسه. (808) وقد قال عليه السلام: «عفي لأمّتي عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تتكلّم أو تعمل» . (809) وقال عليه السّلام: «هلك المصرّون» وليس الإِصرار إِلا عزم القلب، فقد فرَّق بين حديث النفس وعزم القلب. وسئل سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بالهمة؟ فقال: إذا كانت عزما.
(810) ويؤيده الحديث الصّحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: إِذا همّ عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها عليه سيئة» . واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة العزيمة، وإِنما كانت من جهة دواعي الشهوة بقوله: قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي وقولِه: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ وكل ذلك إِخبار ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية، وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم. فإن قيل: فقد سوّى القرآن بين الهمتين، فلم فرقتم؟ فالجواب: أن الاستواء وقع في بداية الهمة، ثم ترقت همتها إِلى العزيمة، بدليل مراودتها واستلقائها بين يديه، ولم تتعد همته مقامها، بل نزلت عن رتبتها، وانحل معقودها. بدليل هربه منها، وقوله: قالَ مَعاذَ. ولا يصح ما يروى عن المفسرين أنه حلّ السراويل وقعد منها مقعد الرجل، فإنه لو كان هذا، دل على العزم، والأنبياء معصومون من العزم على الزنا. والقول الثاني: أنها همت به أن يفترشها، وهمّ بها، أي: تمنَّاها أن تكون له زوجة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والقول الثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، تقديره: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها فلما رأى البرهان، لم يقع منه الهم، فقُدِّم جواب «لولا» عليها، كما يقال: قد كنتَ من الهالكين، لولا أن فلاناً خلَّصك لكنت من الهالكين، ومنه قول الشاعر: فَلا يَدْعُني قَوْمِي صَرِيْحاً لِحُرَّةٍ ... لئن كُنْتُ مَقْتُولاً وتَسْلَم عَامِرُ أراد: لئن كنت مقتولاً وتسلم عامر، فلا يدعني قومي، فقدم الجواب. وإِلى هذا القول ذهب قطرب، وأنكره قوم، منهم ابن الأنباري، وقالوا: تقديم جواب «لولا» عليها شاذ مستكره، لا يوجد في فصيح كلام العرب، فأما البيت المستشهَد به، فمن اضطرار الشعراء، لأن الشاعر يضيق الكلام به عند اهتمامه بتصحيح أجزاء شعره، فيضع الكلمة في غير موضعها، ويقدِّم ما حكمه التأخير، ويؤخِّر ما حكمه التقديم، ويعدل عن الاختيار إلى المستقبح للضّرورة، قال الشاعر: وجزى ربُّه عَنِّي عَدِيَّ بنَ حَاتِمٍ ... بِتَرْكي وَخِذْلاَني جَزَاءً موفَّراً تقديره: جزى عني عديَّ بن حاتم ربُّه، فاضطر إِلى تقديم الرب، وقال الآخر: لَمَّا جْفَا إِخوانُه مُصْعَبَاً ... أدَّى بِذَاكَ البيَعَ صَاعاً بِصاعِ أراد: لما جفا مصعباً إخوانه، وأنشد الفرّاء: طلبا لعرفك يا ابن يحيى بعد ما ... تقطّعت بي دونك الأسباب فزاد تاء على تاء «تقطعت» لا أصل لها ليصلح وزن شعره، وأنشد ثعلب: إِنَّ شَكْلِي وَإِنَّ شَكْلَك شَتَّى ... فَالْزَمِي الخَفْضَ وانعمي تَبْيَضِّضي فزاد ضاداً لا أصل لها لتكمل أجزاء البيت، وقال الفرزدق:
هُمَا تَفَلا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِمَا ... عَلَى النَّابِحِ العَاوِي أشدُّ لِجَامِيا فزاد واواً بعد الميم ليصلح شعره. ومثل هذه الأشياء لا يحمل عليها كتاب الله النازل بالفصاحة، لأنها من ضرورات الشعراء. والقول الرابع: أنه همّ أن يضربها ويدفعها عن نفسه، فكان البرهان الذي رآه من ربه أن الله أوقع في نفسه أنه إِن ضربها كان ضربه إِياها حجة عليه، لأنها تقول: راودني فمنعته فضربني، ذكره ابن الأنباري. والقول الخامس: أنه همّ بالفرار منها، حكاه الثعلبي، وهو قول مرذول، أفَتراه أراد الفرار منها، فلما رأى البرهان أقام عندها؟! قال بعض العلماء: كان همّ يوسف خطيئة من الصغائر الجائزة على الأنبياء، وإِنما ابتلاهم بذلك ليكونوا على خوف منه، وليعرفهم مواقع نعمته في الصفح عنهم، وليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة. قال الحسن: إِن الله تعالى لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعييرا لهم، ولكن لئلا تقنطوا من رحمته. يعني الحسن أن الحجة للأنبياء ألزم، فاذا قبل التوبة منهم، كان إِلى قبولها منكم أسرع. (811) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أحد يلقى الله تعالى إِلا وقد همّ بخطيئة أو عملها، إِلا يحيى بن زكريا، فإنه لم يهم ولم يعملها» . قوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ جواب «لولا» محذوف. قال الزجاج: المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما همّ به. قال ابن الأنباري: لزنى، فلما رأى البرهان كان سبب انصراف الزنا عنه. وفي البرهان ستة أقوال: أحدها: أنه مُثّل له يعقوب. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: نُودي يا يوسف، أتزني فتكون مثل الطائر الذي نُتف ريشه فذهب يطير فلم يستطع؟ فلم يعط على النداء شيئاً، فنودي الثانية، فلم يعط على النداء شيئاً فتمثل له يعقوب فضرب صدره، فقام، فخرجت شهوته من أنامله. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضَّاً على أنامله، فأدبر هارباً، وقال: وحقِّك يا أبت لا أعود أبدا. وقال أبو صالح عن ابن عباس: رأى مثال يعقوب في الحائط عاضَّاً
على شفتيه. وقال الحسن: مثّل له جبريل في صورة يعقوب في سقف البيت عاضَّا على إِبهامه أو بعض أصابعه. وإِلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وابن سيرين، والضحاك في آخرين. وقال عكرمة: كل ولد يعقوب، قد ولد له اثنا عشر ولداً، إلاَّ يوسف فانه ولد له أحد عشر ولداً، فنُقص بتلك الشهوة ولداً. والثاني: أنه جبريل عليه السلام. روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: مثِّل له يعقوب فلم يزدجر، فنودي: أتزني فتكون مثل الطائر نتف ريشه؟! فلم يزدجر حتى ركضه جبريل في ظهره، فوثب. والثالث: أنها قامت إِلى صنم في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال لها يوسف: أي شيء تصنعين؟ قالت: أستحي من إِلهي هذا أن يراني على هذه السوأة، فقال: أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع، ولا أستحي من إِلهي القائم على كل نفس بما كسبت؟ فهو البرهان الذي رأى، قاله عليّ بن أبي طالب، وعليّ بن الحسين، والضحاك. والرابع: أنّ الله تعالى بعث إِليه ملكاً، فكتب في وجه المرأة بالدّم: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا «1» ، قاله الضحاك عن ابن عباس. وروي عن محمد بن كعب القرظي: أنه رأى هذه الآية مكتوبة بين عينيها، وفي رواية أخرى عنه، أنه رآها مكتوبة في الحائط. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: بدت فيما بينهما كف ليس فيها عضد ولا معصم، وفيها مكتوب وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا، فقام هاربا، وقامت، فلمّا ذهب عنهما الرّوع عادت وعاد، فلما قعد إِذا بكفٍّ قد بدت فيما بينهما فيها مكتوب وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» الآية، فقام هارباً، فلما عاد، قال الله تعالى لجبرئيل: أدركْ عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عاضّاً على كفه أو أصبعه وهو يقول: يا يوسف، أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء؟!. وقال وهب بن منبه: ظهرت تلك الكف وعليها مكتوب بالعبرانية أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ «3» ، فانصرفا، فلما عادا رجعت وعليها مكتوب وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (10) كِراماً كاتِبِينَ «4» ، فلما عادا عادت وعليها مكتوب وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى الآية، فعاد، فعادت الرابعة وعليها مكتوب وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، فولَّى يوسف هاربا «5» . والخامس: أنه سيّدُه العزيز دنا من الباب، رواه ابن إِسحاق عن بعض أهل العلم. وقال ابن إِسحاق: يقال: إِن البرهان خيال سيِّده، رآه عند الباب فهرب. والسادس: أن البرهان أنه علِم ما أحل الله مما حرّم الله، فرأى تحريم الزنا، روي عن محمد بن كعب القرظي. قال ابن قتيبة: رأى حجة الله عليه، وهي البرهان، وهذا هو القول الصحيح، وما تقدَّمه فليس بشيء، وإِنما هي أحاديث من أعمال القصاص، وقد أشرت إِلى فسادها في كتاب «المغني في التفسير» . وكيف يُظن بنبيٍّ لله كريمٍ أنه يخوَّف ويرعَّب ويُضطر إِلى ترك هذه المعصية وهو مصرّ؟! هذا غاية القبح.
[سورة يوسف (12) : الآيات 25 إلى 27]
قوله تعالى: كَذلِكَ أي: كذلك أريناه البرهان لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وهو خيانة صاحبه وَالْفَحْشاءَ ركوبَ الفاحشة إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بكسر اللام، والمعنى: إِنه من عبادنا الذين أخلصوا دينهم. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح اللام، أرادوا: من الذين أخلصهم الله من الأسواء والفواحش. وبعض المفسرين يقول: السوء: الزنى، والفحشاء: المعاصي. [سورة يوسف (12) : الآيات 25 الى 27] وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (25) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (26) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) قوله تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ يعني يوسف والمرأة، تبادرا إِلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه، وأراد يوسف أن يسبق ليفتح الباب ويخرج، وأرادت هي إِن سبقت إِمساك الباب لئلا يخرج، فأدركته فتعلقت بقميصه من ورائه، فجذبته إِليها، فقدَّت قميصه من دبر، أي: قطعته من خلفه، لأنه كان هو الهارب وهي الطالبة له. قال المفسرون: قطعت قميصه نصفين، فلما خرجا، ألفيا سيدها، أي: صادفا زوجها عند الباب، فحضرها في ذلك الوقت كيد، فقالت سابقةً بالقول مبرِّئةً لنفسها من الأمر ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً قال ابن عباس: تريد الزّنى إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أي: ما جزاؤه إِلا السّجن أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني الضرب بالسياط، فغضب يوسف حينئذ وقال: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وقال وهب بن منبِّه: قال له العزيز حينئذ: أخنتني يا يوسف في أهلي، وغدرتَ بي، وغررتني بما كنت أرى من صلاحك! فقال حينئذ: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي. قوله تعالى: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها وذلك أنه لما تعارض قولاهما، احتاجا إِلى شاهد يُعلَم به قول الصادق. وفي ذلك الشاهد ثلاثة «1» أقوال: أحدها: أنه كان صبياً في المهد، رواه عكرمة عن ابن عباس «2» ، وشهر بن حوشب عن أبي هريرة، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك، وهلال بن يساف
[سورة يوسف (12) : آية 28]
في آخرين. والثاني: أنه كان من خاصة الملك. رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس. وقال أبو صالح عن ابن عباس: كان ابن عم لها، وكان رجلاً حكيماً، فقال: قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب، فإن كان شقُّ القميص من قدَّامه فأنتِ صادقة وهو كاذب، وإِن كان من خلفه فهو صادق وأنت كاذبة، وقال بعضهم: كان ابن خالة المرأة. والثالث: أنه شقُّ القميص، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وفيه ضعف، لقوله: مِنْ أَهْلِها. فإن قيل: كيف وقعت شهادة الشّاهد ها هنا معلَّقة بشرط، والشارط غير عالم بما يشرطه؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري. أحدهما: أن الشاهد شاهد بأمر قد علمه، فكأنه سمع بعض كلام يوسف وأزليخا، فعلم، غير أنه أوقع في شهادته شرطاً ليَلزم المخاطبين قبولُ شهادته من جهة العقل والتمييز، فكأنه قال: هو الصّادق عندي، فإن تدبّرتم ما أشترطه لكم، عقلتم قولي، ومثل هذا قول الحكماء: إِن كان القَدَر حقاً، فالحرص باطل، وإِن كان الموت يقيناً، فالطمأنينة إِلى الدنيا حمق. والجواب الثاني: أن الشاهد لم يقطع بالقول، ولم يعلم حقيقة ما جرى، وإِنما قال ما قال على جهة إِظهار ما يسنح له من الرأي، فكان معنى قوله: وَشَهِدَ شاهِدٌ: أعلم وبيَّن. فقال: الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ليوقَف على الخائن. فهذان الجوابان يدلان على أن المتكلم رجل. فإن قلنا: إِنه صبي في المهد، كان دخول الشرط مصحِّحاً لبراءة يوسف، لأن كلام مثله أعجوبة ومعجزة لا يبقى معها شكّ. [سورة يوسف (12) : آية 28] فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) قوله تعالى: فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ في هذا الرائي والقائل: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ قولان: أحدهما: أنه الزوج. والثاني: الشاهد. وفي هاء الكناية في قوله: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ «1» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إِلى تمزيق القميص، قاله مقاتل. والثاني: إِلى قولها: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً، فالمعنى: قولكِ هذا من كيدكن، قاله الزجاج. والثالث: إِلى السوء الذي دعته إِليه، ذكره الماوردي. قال ابن عباس: إِنَّ كَيْدَكُنَّ أي: عملكن عَظِيمٌ تخلطن البريء والسّقيم. [سورة يوسف (12) : الآيات 29 الى 30] يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (29) وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30)
[سورة يوسف (12) : الآيات 31 إلى 32]
قوله تعالى: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا المعنى: يا يوسف أعرض. وفي القائل له هذا قولان: أحدهما: أنه ابن عمها وهو الشاهد، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الزوج، ذكره جماعة من المفسرين. قال ابن عباس: أَعرضْ عن هذا الأمر فلا تذكره لأحد، واكتمه عليها. وروى الحلبيّ عن عبد الوارث: «يوسف أعرَضَ عن هذا» بفتح الراء على الخبر. قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ فيه قولان: أحدهما: استعفي زوجك لئلا يعاقبَكِ، قاله ابن عباس. والثاني: توبي من ذنبكِ فإِنكِ قد أثمتِ. وفي القائل لهذا قولان: أحدهما: ابن عمها. والثاني: الزوج. قوله تعالى: إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ يعني: من المذنبين. قال المفسرون: ثم شاع ذلك الحديث في مصر حتى تحدَّث بذلك النساء، وهو قوله: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ، وفي عددهن قولان: أحدهما: أنهن كن أربعاً: امرأة ساقي الملك، وامرأة صاحب دواته، وامرأة خبَّازه، وامرأة صاحب سجنه، قاله ابن عباس. والثاني: أنهن خمس: امرأة الخبَّاز، وامرأة الساقي، وامرأة السجَّان، وامرأة صاحب الدواة، وامرأة الآذن، قاله مقاتل. وأما العزيز، فهو بلغتهم الملك، والفتى بمعنى العبد. قال الزجاج: كانوا يسمون المملوك فتى. وإِنما تكلم النسوة في حقها، طعناً فيها، وتحقيقاً لبراءة يوسف. قوله تعالى: قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي: بلغ حبُّه شَغاف قلبها. وفي الشَّغاف أربعة أقوال: أحدها: أنه جلدةٌ بين القلب والفؤاد، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: أنه غلاف القلب، قاله أبو عبيدة. قال ابن قتيبة: ولم يُرِدِ الغلاف، إِنما أراد القلب، يقال: شغفت فلاناً: إِذا أصبت شغافه، كما يقال: كبدته: إِذا أصبت كبده، وبطنته: إِذا أصبت بطنه. والثالث: أنه حَبَّة القلب وسويداؤه. والرابع: أنه داءٌ يكون في الجوف في الشراسيف، وأنشدوا: وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُوْنَ ذَلِكَ دَاخِلٌ ... دُخُوْلَ الشَّغافِ تَبْتَغِيْهِ الأَصَابِعُ «1» ذكر القولين الزجاج. وقال الأصمعي: الشَّغاف عند العرب: داءٌ يكون تحت الشراسيف في الجانب الأيمن من البطن، والشَّراسيف: مقاطّ رؤوس الأضلاع، واحدها: شُرسوف. وقرأ عبد الله بن عمرو، وعلي بن الحسين، والحسن البصري، ومجاهد، وابن محيصن، وابن أبي عبلة «قد شعفها» بالعين، قال الفراء: كأنه ذهب بها كل مذهب، والشَّعَف: رؤوس الجبال. قوله تعالى: إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: عن طريق الرشد، لحبها إِياه. والمبين: الظّاهر. [سورة يوسف (12) : الآيات 31 الى 32] فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قوله تعالى: فَلَمَّا سَمِعَتْ يعني: امرأة العزيز بِمَكْرِهِنَّ وفيه قولان: أحدهما: أنه قولهنّ
وعيبهن لها، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة. قال الزجاج: وإِنما سمي هذا القول مكراً، لأنها كانت أطلعتهن على أمرها، واستكتمتهن، فمكرن وأفشين سرها. والثاني: أنه مكر حقيقة، وإِنما قلن ذلك مكراً بها لتريَهنّ يوسف، قاله ابن إِسحاق. قوله تعالى: وَأَعْتَدَتْ قال الزجاج: أفعلت من العتاد، وكل ما اتخذته عُدَّةً لشيء فهو عتاد، والعتاد: الشيء الثابت اللازم. فأما المتكأ، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه المجلس فالمعنى: هيأت لهن مجلساً، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنه الوسائد اللائي يتكئن عليها، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال الزجاج: المتكأ: ما يُتَّكأ عليه لطعام أو شراب أو حديث. والثالث: أنه الطعام، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة. قال ابن قتيبة: يقال: اتكأنا عند فلان: إِذا طعمنا، قال جميل بن معمر: فَظَلِلْنَا في نَعْمةٍ واتَّكأْنا ... وَشَرِبْنَا الحَلاَلَ مِنْ قُلَلِهْ «1» والأصل في هذا أن من دَعَوْتَه ليطعم، أعددت له التُّكأة للمقام والطمأنينة، فسمي الطعام متَّكأً على الاستعارة. قال الأزهري: إِنما قيل للطعام: متكأ، لأن القوم إِذا قعدوا على الطعام اتكؤوا، ونُهيت هذه الأمة عن ذلك. وقرأ مجاهد «مُتْكاً» بإسكان التاء خفيفة، وفيه أربعة أقوال: أحدها: أنه الأُتْرُجّ، قاله ابن عباس ومجاهد ويحيى بن يعمر في آخرين، ومنه قول الشاعر: وترى المُتْكَ بَيْنَنَا مُسْتَعَارَا «2» يريد: الأُتْرُجّ. والثاني: أنه الطعام أيضا، قاله عكرمة. والثالث: كل شيء يُحَزُّ بالسكاكين، قاله الضحاك. والرابع: أنه الزُّماورد، روي عن الضحاك أيضاً. وقد روي عن جماعة أنهم فسروا المتَّكأَ بما فسروا به المُتك، فروي عن ابن جريج أنه قال: المتَّكأُ: الأترج، وكل ما يُحَزُّ بالسكاكين. وعن الضحاك قال: المتَّكأُ: كل ما يُحَزُّ بالسكاكين. وفرق آخرون بين القراءتين، فقال مجاهد: من قرأ «متَّكَأً» بالتثقيل، فهو الطعام، ومن قرأ بالتخفيف، فهو الأُتْرُجُّ. قال ابن قتيبة: من قرأ «مُتْكاً» فإنه يريد الأترج، ويقال: الزُّماورد. وأياً ما كان، فإني لا أحسبه سمي مُتْكاً إِلا بالقطع، كأنه مأخوذ من البَتْك، فأبدلت الميم منه باءً، كما يقال: سَمَد رأسه وسَبَده: إِذا استأصله، وشر لازم، ولازب، والميم تبدل من الباء كثيراً، لقرب مخرجيها. قوله تعالى: وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً إِنما فعلت ذلك، لأن الطعام الذي قدمتْ لهن يحتاج إِلى السكاكين. وقيل: كان مقصودها افتضاحهن بتقطيع أيديهن كما فضحنها. قال وهب بن منبه: ناولت كل واحدة منهن أُتْرُجَّةً وسكيناً، وقالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أُعلمكن، ثم قالت ليوسف: اخرج عليهن. قال الزجاج: إِن شئت ضممت التاء من قوله: «وقالت» ، وإِن شئت كسرت، والكسر الأصل لسكون التاء والخاء، ومن ضم التاء، فلثقل الضمة بعد الكسرة. ولم يمكنه أن لا يخرج، لأنه بمنزلة العبد لها. وذكر بعض أهل العلم أنها إِنما قالت: «اخرج» وأضمرت في نفسها «عليهن» ، فأخبر الحق عما في النفس كأن اللسان قد نطق به، ومثله: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً
وَلا شُكُوراً «1» لم يقولوا ذلك، إِنما أضمروه، ويدل على صحة هذا أنها لو قالت له وهو شاب مستحسَن: اخرج على نسوة من طبعهن الفتنة، ما فعل. وفي قوله تعالى: أَكْبَرْنَهُ قولان: أحدهما: أَعْظَمْنَهُ، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال قتادة، وابن زيد. والثاني: حِضْنَ «2» ، رواه الضحاك عن ابن عباس. وروى عليّ بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: حضن من الفَرَح، قال: وفي ذلك يقول الشاعر: نَأْتي النساءَ لدى أطهارهنّ ولا ... نأتي النساء إذا أكثرن إِكبارا «3» وقد روى هذا المعنى ليث عن مجاهد، واختاره ابن الأنباري، وردّه بعض اللغويين، فروي عن أبي عبيدة أنه قال: ليس في كلام العرب «أكبرن» بمعنى «حِضن» ، ولكن عسى أن يكنّ من شدة ما أعظمنه حضن، وكذلك روي عن الزجاج أنه أنكره. قوله تعالى: وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: حَزَزْنَ أيديَهن، وكن يحسبن أنهن يقطّعن طعاماً، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: قطّعن أيدَيهن حتى ألقينها، قاله مجاهد، وقتادة. والثالث: كلَمن الأكُفَّ وأبنَّ الأنامل، قاله وهب بن منبّه. قوله تعالى: وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ قرأ أبو عمرو «حاشا» بألف في الوصل في الموضعين، واتفقوا على حذف الألف في الوقف، وأبو عمرو جاء به على التمام والأصل، والباقون حذفوا. وهذه الكلمة تستعمل في موضعين. أحدهما: الاستثناء. والثاني: التبرئة من الشر. والأصل «حاشا» وهي مشتقة من قولك: كنت في حشا فلان، أي: في ناحيته. والحشا: الناحية، وأنشدوا: بأيِّ الحَشَا أَمْسَى الخَلِيْطُ المُبَايِنُ «4» أي: بأي النواحي، والمعنى: صار يوسف في حشاً من أن يكون بشراً، لفرط جماله. وقيل: صار في حشاً مما قرفته به امرأة العزيز. وقال ابن عباس، ومجاهد: «حاش لله» بمعنى: معاذ الله. قال الفراء: و «بشراً» منصوب، لأن الباء قد استعملت فيه، فلا يكاد أهل الحجاز ينطقون إِلا بالباء، فلما حذفوها أحبوا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه، فنصبوا على ذلك، وكذلك قوله: ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ «5» ، وأما أهل نجد فيتكلمون بالباء وبغير الباء، فإذا أسقطوها، رفعوا، وهو أقوى الوجهين في العربية. قال الزّجّاج: قوله: الرّفع أقوى الوجهين، غلط، لأن كتاب الله أقوى اللغات، ولم يقرأ بالرفع أحد. وزعم الخليل، وسيبويه، وجميع النحويين القدماء أن «بشراً» منصوب، لأنه خبر «ما» و «ما» بمنزلة «ليس» . قلت: وقد قرأ أبو المتوكّل، وأبو نهيك، وعكرمة، ومعاذ القارئ في آخرين: «ما هذا
[سورة يوسف (12) : الآيات 33 إلى 34]
بشر» بالرفع. وقرأ أُبيُّ بنُ كعبٍ، وأبو الجوزاء، وأبو السَّوَّار: «ما هذا بِشِرىً» بكسر الباء والشين مقصوراً منونّاً. قال الفراء: أي: ما هذا بمشترى. وقرأ ابن مسعود: «بشراءٍ» بالمد والهمز مخفوضاً منونّاً. قوله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قرأ أبيّ، وأبو رزين، وعكرمة، وأبو حياة، والجحدري: «ملِك» بكسر اللام. قوله تعالى: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ قال المفسرون: لما ذهلت عقولهن فقطَّعن أيدَيهن، قالت لهن ذلك. فإن قيل: كيف أشارت إِليه وهو حاضر بقولها: «فذلكن» ؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري: أحدهما: أنها أشارت ب «ذلكن» إِلى يوسف بعد انصرافه من المجلس. والثاني: أن في الكلام إِضمار «هذا» تقديره: فهذا ذلكن. ومعنى «لمتنّني فيه» أي: في حبه. ثم أقرت عندهن، فقالت: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ أي: امتنع. قوله تعالى: وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ قال الزجاج: القراءة الجيدة تخفيف «وليكوننْ» والوقف عليها بالألف، لأن النون الخفيفة تبدل منهما في الوقف الألف، تقول: اضربا زيداً، وإِذا وقفت قلت: اضربا. وقد قرئت «وليكوننَّ» بتشديد النون، وأكرهُها، لخلاف المصحف، لأن الشديدة لا يبدل منها شيء. والصاغرون: المذَلُّون. [سورة يوسف (12) : الآيات 33 الى 34] قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (33) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) قوله تعالى: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ قال وهب بن منبه: لما قالت: «فذلكن الذي لمتنّني فيه» قلن: لا لوم عليكِ، قالت: فاطلبن إِلى يوسف أن يسعفني بحاجتي، فقلن: يا يوسف افعل، فقالت: لئن لم يفعل لأخلدنَّه السجن، فعند ذلك قال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وقرأ يعقوب: «السَّجن» بفتح السين ها هنا فحسب. قال الزجاج: من كسر سين «السجن» فعلى اسم المكان، فيكون المعنى: نزول السجن أحب إِليَّ من ركوب المعصية، ومن فتح، فعلى المصدر، المعنى: أن أُسجن أحب إِلي. وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أي: إِلاَّ تعصمني أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي: أمِل إِليهن. يقال: صبا إِلى اللهو يصبو صَبْواً وصُبُوّاً وصَباءً: إِذا مال إليه. وقال ابن الأنباري: ومعنى هذا الكلام: اللهم اصرف عني كيدهن، ولذلك قال: فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ. قال: فإن قيل: إِنما كادته امرأة العزيز وحدها، فكيف قال: «كيدهن» ؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن العرب توقع الجمع على الواحد، فيقول قائلهم: خرجت إِلى البصرة في السفن، وهو لم يخرج إِلا في سفينة واحدة. والثاني: أن المكنيَّ عنه امرأة العزيز والنسوة اللاتي عاضدنها على أمرها. والثالث: أنه عنى امرأة العزيز وغيرها من نساء العالَمين اللاتي لهنّ مثل كيدها. [سورة يوسف (12) : آية 35] ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ في المراد بالآيات ثلاثة أقوال: أحدها: أنها شق القميص، وقضاء ابن عمها عليها، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
[سورة يوسف (12) : آية 36]
والثاني: أنها قدّ القميص، وشهادة الشاهد، وقطع الأيدي، وإِعظام النساء إِياه، رواه مجاهد عن ابن عباس. والثالث: جَمَاله وعِفَّتُه، ذكره الماوردي. قال وهب بن منبه: فأشار النسوة عليها بسجنه رجاء أن يستهوينه حين يخلو لهن في السجن، وقلن: متى سجنتيه قطع ذلك عنكِ قَالَةَ الناس التي قد شاعت، ورأوا أنكِ تبغضينه، ويذلُّه السجن لك، فلما انصرفن عادت إِلى مراودته فلم يزدد إِلا بُعداً عنها، فلما يئست، قالت لسيدها: إِن هذا العبد قد فضحني، وقد أبغضتُ رؤيته، فائذن لي في سجنه، فأذن لها، فسجنتْه وأضرَّتْ به. وقال السدي: قالت: إِما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر بعذري، وإِما أن تحبسه كما حبستني، فظهر للعزيز وأصحابه من الرأي حبس يوسف. قال الزجاج: كان العزيز أمر بالإِعراض فقط، ثم تغيَّر رأيه عن ذلك. قال ابن الأنباري: وفي معنى الآية قولان: أحدهما: «ثم بدا لهم» أي: ظهر لهم بالقول والرأي والفكر سجنه. والثاني: ثم بدا لهم في يوسف بداء، فقالوا: والله لنسجننَّه، فاللام جواب يمين مضمرة. فأما «الحين» ، فهو يقع على قصير الزمان وطويله. وفي المراد به ها هنا للمفسرين خمسة أقوال: أحدها: خمس سنين، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: سنة، روي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: سبع سنين، قاله عكرمة. والرابع: إِلى انقطاع القالَة، قاله عطاء. والخامس: أنه زمان غير محدود، ذكره الماوردي، وهذا هو الصحيح، لأنهم لم يعزموا على حبسه مدة معلومة، وإِنما ذكر المفسّرون قدر ما لبث. [سورة يوسف (12) : آية 36] وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قوله تعالى: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قال الزجاج: فيه دليل على أنه حبس، وإِن لم يُذكر ذلك. و «فتيان» جائز أن يكونا حَدَثين أو شيخين، لأنهم يسمون المملوك فتى. قال ابن الأنباري: إِنما قال: «فتيان» لأنهما كانا مملوكين، والعرب تسمي المملوك فتى، شاباً كان أو شيخاً. قال المفسرون: عُمِّر ملك مصر فملُّوه، فدسُّوا إِلى خبَّازه وصاحب شرابه أن يسمَّاه، فبلغه ذلك فحبسهما، فكان يوسف قال لأهل السجن: إِني أعبِّر الأحلام، فقال أحد الفتيين: هلم فلنجرب هذا العبد العبراني. واختلفوا هل كانت رؤياهما صادقة، أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها كانت كذباً، وإِنما سألاه تجريباً، قاله ابن مسعود، والسدي. والثاني: أنها كانت صدقاً، قاله مجاهد، وابن إِسحاق. والثالث: أن الذي صُلب منهما كان كاذباً، وكان الآخر صادقاً، قاله أبو مجلز. قوله تعالى: قالَ أَحَدُهُما يعني الساقي إِنِّي أَرانِي أي: في النوم أَعْصِرُ خَمْراً أي: عنباً. وفي تسمية العنب خمراً ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سماه باسم ما يؤول إِليه، لأن المعنى لا يلتبس، كما يقال: فلان يطبخ الآجُرَّ ويعمل الدبس، وإِنما يطبخ اللبِن ويصنع التمر، وهذا قول أكثر المفسرين. قال ابن الأنباري: وإِنما كان
[سورة يوسف (12) : الآيات 37 إلى 39]
كذلك، لأن العرب توقع بالفرع ما هو واقع بالأصل كقولهم: فلان يطبخ آجُرَّاً. والثاني: أن الخمر في لغة أهل عُمان اسم للعنب، قاله الضحاك، والزجاج. قال ابن القاسم: وقد نطقت قريش بهذه اللغة وعرفتها. والثالث: أن المعنى: أعصر عنب خمر، وأصل خمر، وسبب خمر، فحذف المضاف، وخلفه المضاف إِليه، كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «1» . قال أبو صالح عن ابن عباس: رأى يوسف ذات يوم الخباز والساقي مهمومَين، فقال: ما شأنكما؟ قالا: رأينا رؤيا، قال: قصّاها عليّ، فقال الساقي: إِني رأيت كأني دخلت كرماً فجنيت ثلاثة عناقيد عنب، فعصرتهن في الكأس، ثم أتيت به الملك فشربه، وقال الخباز: رأيت أني خرجت من مطبخ الملك أحمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز، فوقع طير على أعلاهن فأكل منها، نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أي: أخبرنا بتفسيره. وفي قوله تعالى: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ خمسة أقوال: أحدها: أنه كان يعود المرضى ويداويهم ويعزّي الحزين، رواه مجاهد عن ابن عباس. والثاني: إِنا نراك محسناً إِن أنبأتنا بتأويله، قاله ابن إِسحاق. والثالث: إِنا نراك من العالِمين قد أحسنت العلم، قاله الفراء. قال ابن الأنباري: فعلى هذا يكون مفعول الإِحسان محذوفاً، كما حذف في قوله: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ «2» يعني العنب والسمسم. وإِنما علموا أنه عالم، لنشره العلم بينهم. والرابع: إِنا نراك ممن يحسن التأويل، ذكره الزجاج. والخامس: إِنا نراك محسناً إِلى نفسك بلزومك طاعة الله، ذكره ابن الأنباري. [سورة يوسف (12) : الآيات 37 الى 39] قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (38) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39) قوله تعالى: قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في معنى الكلام قولان: أحدهما: لا يأتيكما طعام تُرْزَقانه في اليقظة إِلا أخبرتكما به قبل أن يصل إِليكما، لأنه كان يخبر بما غاب كعيسى عليه السلام، وهو قول الحسن. والثاني: لا يأتيكما طعام تُرْزَقانه في المنام إِلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما في اليقظة، هذا قول السدي. قال ابن عباس: فقالا له: وكيف تعلم ذلك، ولست بساحر، ولا عرّاف، ولا صاحب نجوم فقال: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي. فإن قيل: هذا كله ليس بجواب سؤالهما، فأين جواب سؤالهما؟ فعنه أربعة أجوبة:
[سورة يوسف (12) : الآيات 40 إلى 41]
أحدها: أنه لما علم أن أحدهما مقتول، دعاهما إِلى نصيبهما من الآخرة، قاله قتادة. والثاني: أنه عدل عن الجواب لما فيه من المكروه لأحدهما، قاله ابن جريج. والثالث: أنه ابتدأ بدعائهما إِلى الإِيمان قبل جواب السؤال، قاله الزجاج. والرابع: أنه ظنهما كاذبَين في رؤياهما، فعدل عن جوابهما ليُعرضا عن مطالبته بالجواب، فلما ألحّا أجابهما، ذكره ابن الأنباري. فأما الملَّة فهي الدين. وتكرير قوله: «هم» للتوكيد. قوله تعالى: ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قال ابن عباس: يريد: أن الله عصمنا من الشرك ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا أي: اتِّباعنا الإِيمان بتوفيق الله. وَعَلَى النَّاسِ يعني المؤمنين بأن دلهم على دينه. وقال ابن عباس: «ذلك من فضل الله علينا» أن جعلنا أنبياء «وعلى الناس» أن بعثنا إِليهم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ من أهل مصر لا يَشْكُرُونَ نعم الله فيوحِّدونه. قوله تعالى: أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ يعني: الأصنام من صغير وكبير خَيْرٌ أي: أعظم صفة في المدح أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يعني أنه أحق بالإِلهية من الأصنام؟ فأما الواحد، فقال الخطابي: هو الفرد الذي لم يزل وحده، وقيل: هو المنقطع القرين، المعدوم الشريك والنظير، وليس كسائر الآحاد من الأجسام المؤلَّفة، فإن كل شيء سواه يُدعى واحداً من جهة، غير واحد من جهات، والواحد لا يثنّى من لفظه، لا يقال: واحدان. والقهار: الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة، وقهر الخلق كلَّهم بالموت. وقال غيره: القهار: الذي قهر كل شيء فذلَّلَه، فاستسلم وذلّ له. [سورة يوسف (12) : الآيات 40 الى 41] ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (41) قوله تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِنما جمع في الخطاب لهما، لأنه أراد جميع من شاركهما في شركهما. وقوله: «من دونه» أي: من دون الله إِلَّا أَسْماءً يعني: الأرباب والآلهة، ولا يصح معاني تلك الأسماء للأصنام، فكأنها أسماء فارغة، فكأنهم يعبدون الأسماء، لأنها لا تصح معانيها. ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ أي: من حجة بعبادتها إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي: ما القضاء والأمر والنهي إِلا له. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي: المستقيم، يشير إِلى التوحيد. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فيه قولان: أحدهما: أنه لا يجوز عبادة غيره. والثاني: لا يعلمون ما للمطيعين من الثواب وللعاصين من العقاب. قوله تعالى: أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً الرب هاهنا: السيد. قال ابن السائب: لما قص الساقي رؤياه على يوسف، قال له: ما أحسن ما رأيت! أما الأغصان الثلاثة، فثلاثة أيام، يبعث إِليك الملك عند انقضائها، فيردك إِلى عملك، فتعود كأحسن ما كنت فيه، وقال للخبَّاز: بئس ما رأيت، السلال الثلاث، ثلاثة أيام، ثم يبعث إِليك الملك عند انقضائهن، فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير من رأسك، فقالا: ما رأينا شيئاً، فقال: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أي: فُرغ منه، وسيقع بكما، صدقتما أو كذبتما.
[سورة يوسف (12) : آية 42]
فإن قيل: لم حتّم على وقوع التأويل، وربما صدق تأويل الرؤيا وكذب؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه حتم ذلك لوحي أتاه من الله، وسبيل المنام المكذوب فيه أن لا يقع تأويله، فلما قال: «قضي الأمر» ، دل على أنه وحي. والثاني: أنه لم يحتم، بدليل قوله: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا، قال أصحاب هذا الجواب: معنى «قضي الأمر» : قُطع الجواب الذي التمستماه من جهتي، ولم يعنِ أن الأمر واقع بكما. وقال أصحاب الجواب الأول: الظّنّ ها هنا بمعنى العلم. [سورة يوسف (12) : آية 42] وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) قوله تعالى: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا يعني الساقي. وفي هذا الظن قولان: أحدهما: أنه بمعنى العلم، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الظن الذي يخالف اليقين، قاله قتادة. قوله تعالى: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ أي: عند صاحبك، وهو الملك، وقل له: إِن في السجن غلاماً حُبس ظلماً. واسم الملك: الوليد بن الريّان. قوله تعالى: فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فيه قولان: أحدهما: فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف لربه، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ابن إِسحاق. والثاني: فأنسى الشيطان يوسف ذكر ربه، وأمره بذكر الملك ابتغاءَ الفرج من عنده، قاله مجاهد ومقاتل والزجاج، وهذا نسيان عمد، لا نسيان سهو، وعكسه القول الذي قبله. قوله تعالى: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ أي: غير ما كان قد لبث قبل ذلك، عقوبة له على تعلُّقه بمخلوق. وفي البضع تسعة أقوال: أحدها: ما بين السبع والتسع. (812) روى ابن عباس أن أبا بكر لما ناحب قريشاً عند نزول الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ، قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ألا احتطتَ، فانَّ البِضْع ما بين السبع إِلى التسع» . والثاني: اثنتا عشرة سنة، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثالث: سبع سنين، قاله عكرمة. والرابع: أنه ما بين الخمس إِلى السبع، قاله الحسن. والخامس: أنه ما بين الأربع إِلى التسع، قاله مجاهد. والسادس: ما بين الثلاث إِلى التسع، قاله الأصمعي، والزجاج. والسابع: أن البضع يكون بين الثلاث والتسع والعشر، قاله قتادة. والثامن: أنه ما دون العشرة، قاله الفراء، وقال الأخفش: البضع: من واحد إلى عشرة. والتاسع: أنه ما لم يبلغ العقد ولا نصفه، قاله أبو عبيدة. قال ابن قتيبة: يعني ما بين الواحد إِلى الأربعة. وروى الأثرم عن أبي عبيدة: البضع: ما بين ثلاث وخمس. وفي جملة ما لبث في السجن ثلاثة أقوال: أحدها: اثنتا عشرة سنة، قاله ابن عباس. والثاني: أربع عشرة، قاله الضحاك. والثالث: سبع سنين، قاله قتادة. قال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: «اذكرني عند ربك» ، قيل
[سورة يوسف (12) : آية 43]
له: يا يوسف، أتخذت من دوني وكيلاً؟ لأطيلنّ حبسك، فبكى، وقال: يا ربّ، أنسى قلبي كَثرةُ البلوى، فقلت كلمة، فويل لإخوتي. [سورة يوسف (12) : آية 43] وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (43) قوله تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ يعني ملك مصر الأكبر إِنِّي أَرى يعني في المنام، ولم يقل: رأيت، وهذا جائز في اللغة أن يقول القائل: أرى، بمعنى رأيت. قال وهب بن منبه: لما انقضت المدة التي وقّتها الله تعالى ليوسف في حبسه، دخل عليه جبريل إِلى السجن، فبشَّره بالخروج وملكِ مصر ولقاءِ أبيه، فلما أمسى الملك من ليلتئذ، رأى سبع بقرات سمان خرجن من البحر، في آثارهن سبع عجاف، فأقبلت العجاف على السمان، فأخذن بأذنابهن فأكلنهن إِلى القرنين، ولم يزد في العجاف شيء، ورأى سبع سنبلات خضر وقد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلنهن حتى أتين عليهن، ولم يزدد في اليابسات شيء، فدعا أشراف قومه فقصها عليهم، فقالوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ. قال الزجاج: والعجاف: التي قد بلغت في الهزال الغاية. والملأ: الذين يُرجع إِليهم في الأمور ويقتدى برأيهم، واللام في قوله: لِلرُّءْيا دخلت على المفعول للتبيين، المعنى: إِن كنتم تعبرون. ثم بيّن باللام فقال: «للرؤيا» . ومعنى عبرتُ الرؤيا وعبَّرتها: أخبرت بآخر ما يؤول إِليه أمرها، واشتقاقه من عبر النهر، وهو شاطئ النهر، فتأويل عبرت النهر: بلغت إِلى عِبْره، أي: إِلى شطه، وهو آخر عرضه. وذكر ابن الأنباري في اللام قولين: أحدهما: أنها للتوكيد. والثاني: أنها أفادت معنى «إِلى» والمعنى: إن كنتم توجّهون العبارة إلى الرّؤيا. [سورة يوسف (12) : آية 44] قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (44) قوله تعالى: قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ قال أبو عبيدة: واحدها ضِغث، مكسورة، وهي ما لا تأويل له من الرؤيا تراه جماعات، تُجمع من الرؤيا كما يُجمع الحشيش، فيقال: ضغث، أي: ملء كف منه. وقال الكسائي: الأضغاث: الرؤيا المختلطة. وقال ابن قتيبة: «أضغاث أحلام» أي: أخلاط مثل أضغاث النبات يجمعها الرجل، فيكون فيها ضروب مختلفة. وقال الزجاج: الضغث في اللغة: الحزمة والباقة من الشيء، كالبقل وما أشبهه، فقالوا له: رؤياك أخلاط أضغاث، أي: حزم أخلاط، ليست برؤيا بيِّنه وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ أي: ليس للرؤيا المختلطة عندنا تأويل. وقال غيره: وما نحن بتأويل الأحلام الذي هذا وصفها بعالمين. والأحلام: جمع حُلُم، وهو ما يراه الإِنسان في نومه مما يصحّ ومما يبطل. [سورة يوسف (12) : الآيات 45 الى 48] وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48)
قوله تعالي: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما يعني الذي تخلص من القتل من الفتيين، وهو الساقي، وَادَّكَرَ اي: تذكر شأن يوسف وما وصَّاه به. قال الزجاج: وأصل ادَّكر: اذتكر، ولكن التاء ابدلت منها الدال، وأدغمت الذال في الدال. وقرأ الحسن: «واذَّكر» بالذال المشددة. وقوله تعالى: بَعْدَ أُمَّةٍ أي: بعد حين، وهو الزمان الذي لبثه يوسف بعده في السجن، وقد سبق بيانه. وقرأ ابن عباس، والحسن «بعد أَمَةً» أراد: بعد نسيان. فإن قيل: هذا يدل على أن الناسي في قوله: «فأنساه الشيطان ذكر ربه» هو الساقي، ولا شك أن من قال: إِن الناسي يوسف يقول: لم ينس الساقي. فالجواب: أن من قال: إِن يوسف نسي، يقول: معنى قوله: «وادَّكر» ذكر، كما تقول العرب: احتلب بمعنى حلب، واغتدى بمعنى غدا، فلا يدل إِذاً على نسيان سبقه. وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: إِنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إِلى تأويل رؤياه، خوفاً من أن يكون ذكره ليوسف سبباً لذكره الذنب الذي من أجله حبس، ذكر هذا الجواب ابن الأنباري. قوله تعالى: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ أي: من جهة يوسف فَأَرْسِلُونِ أثبت الياء فيها وفي وَلا تَقْرَبُونِ «1» أَنْ تُفَنِّدُونِ «2» يعقوب في الحالين، فخاطب الملك وحده بخطاب الجميع، تعظيماً، وقيل: خاطبه وخاطب أتباعه. وفي الكلام اختصار، المعنى: فأرسلوه فأتى يوسف فقال: يا يوسف يا أيها الصدّيق. والصدّيق: الكثير الصدق، كما يقال: فسّيق، وسكّير، وقد سبق بيانه. قوله تعالى: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ يعني الملك وأصحابه والعلماء الذين جمعهم لتعبير رؤياه. وفي قوله: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قولان: أحدهما: يعلمون تأويل رؤيا الملك. والثاني: يعلمون بمكانك فيكون سبب خلاصك. وذكر ابن الأنباري في تكرير «لعلّ» قولين. أحدهما: أن «لعل» الأولى متعلقة بالإِفتاء، والثانية: مبنية على الرجوع، وكلتاهما بمعنى «كي» . والثاني: أن الأولى بمعنى «عسى» ، والثانية بمعنى «كي» فأعيدت لاختلاف المعنيين، وهذا هو الجواب عن قوله: لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ «3» . قال: المفسرون: كان سيِّده العزيز قد مات، واشتغلت عنه امرأته. وقال بعضهم: لم يكن العزيز قد مات، فقال يوسف للساقي: قل للملك: هذه سبع سنين مُخصِبات، ومن بعدهن سبع سنين شداد، إِلا أن يُحتال لهن، فانطلق الرسول إِلى الملك فأخبره، فقال له الملك: ارجع إِليه فقل له: كيف يُصنع؟ فقال: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم «دأْباً» ساكنة الهمزة، إِلا أن أبا عمرو كان إِذا أدرج القراءة لم يهمزها. وروى حفص عن عاصم «دأَباً» بفتح الهمزة. قال أبو علي: الأكثر في «دأب» الإِسكان، ولعل الفتح لغة، ومعنى «دأَباً» أي: زراعة متوالية على عادتكم، والمعنى: تزرعون دائبين. فناب «دأب» عن «دائبين» . وقال الزجاج: المعنى: تدأبون دأباً، ودل على تدأبون «تزرعون» والدأب: الملازمة للشيء والعادة. فإن قيل: كيف حكم بعلم الغيب، فقال: «تزرعون» ولم يقل: إِن شاء الله؟ فعنه أربعة أجوبة:
[سورة يوسف (12) : آية 49]
أحدها: أنه كان بوحي من الله عزّ وجل. والثاني: أنه بنى على علم ما علّمه الله من التأويل الحق، فلم يشك. والثالث: أنه أضمر «إِن شاء الله» كما أضمر إِخوته في قولهم: وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا «1» ، فاضمروا الاستثناء في نياتهم، لأنهم على غير ثقة مما وعدوا، ذكره ابن الأنباري. والرابع: أنه كالآمر لهم، فكأنه قال: ازرعوا. قوله تعالى: فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ فإنه أبقى له، وأبعد من الفساد. والشِّداد: المجدبات التي تشتد على الناس. يَأْكُلْنَ أي: يُذهبن ما قدمتم لهنّ في السنين المخصبة، فوصف السنين بالأكل، وإِنما يؤكل فيها، كما يقال: ليل نائم. قوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي: تحرزون وتدّخرون. [سورة يوسف (12) : آية 49] ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) قوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ إِن قيل: لِمَ أشار إِلى السنين وهي مؤنثة ب «ذلك» ؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن القاسم: أحدهما: أن السبع مؤنثه، ولا علامة للتأنيث في لفظها، فأشبهت المذكّر، كقوله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ «2» فذكّر منفطراً لمّا لم يكن في السماء علم التأنيث، قال الشاعر: فلا مُزْنةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها ... وَلاَ أَرْضٌ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا «3» فذكرّ «أبقل» لِما وصفنا. والثاني: أن «ذلك» إِشارة إِلى الجدب، وهذا قول مقاتل، والأول قول الكلبي. قال قتادة: زاده الله علم عام لم يسألوه عنه. قوله تعالى: فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ فيه قولان أحدهما: يصيبهم الغيث، قاله ابن عباس. والثاني: يغاثون بالخصب. ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم: «يعصرون» بالياء. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء، فوجَّها الخطاب إِلى المستفتين. وفي قوله: «يعصرون» خمسة أقوال: أحدها: يعصرون العنب والزيت والثمرات، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والجمهور. والثاني: «يعصرون» بمعنى يحتلبون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وروى ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد قال: تفسير «يعصرون» يحتلبون الألبان لِسَعَةِ خيرهم واتِّساع خصبهم، واحتج بقول الشاعر: فما عِصْمةُ الأعْرَابِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُم ... طَعَامٌ وَلاَ دَرٌّ مِنَ المَالِ يُعْصَرُ أي: يُحلب. والثالث: ينجون، وهو من العَصَر، والعَصَر: النجاء، والعُصْرة: المنجاة. ويقال: فلان في عُصْرة: إِذا كان في حصن لا يُقدَر عليه، قال الشاعر: صَادِياً يَسْتغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود «4»
[سورة يوسف (12) : الآيات 50 إلى 51]
أي: غياثاً للمغلوب المقهور، وقال عدي: لَوْ بِغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كالغصَّانِ بالماءِ اعْتِصَارِي «1» هذا قول أبي عبيده. والرابع: يصيبون ما يحبون، روي عن أبي عبيدة أيضاً أنه قال: المعتصر: الذي يصيب الشيء ويأخذه، ومنه هذه الآية. ومنه قول ابن أحمر: فإنَّما العَيْشُ بريّانِه ... وأَنْتَ من أفْنَانِه مُعْتَصَر والخامس: يعطون ويفضِلون لِسَعَةِ عيشهم، رواه ابن الأنباري عن بعض أهل اللغة. وقرأ سعيد بن جبير: «يُعصَرون» بضم الياء وفتح الصاد. وقال الزجاج: أراد: يُمطرون من قوله: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً «2» . [سورة يوسف (12) : الآيات 50 الى 51] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) قوله تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ قال المفسرون: لما رجع الساقي إِلى الملك وأخبره بتأويل رؤياه، وقع في نفسه صحة ما قال، فقال: ائتوني بالذي عبّر رؤياي، فجاءه الرسول، فقال: أجب الملك، فأبى أن يخرج حتى تبين براءته مما قُرف به، فقال: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ يعني الملك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ وقرأ ابن أبي عبلة: «النُّسوة» بضم النون، والمعنى: فاسأل الملك أن يتعرف ما شأن تلك النسوة وحالهن ليعلم صحة براءتي، وإِنما أشفق أن يراه الملك بعين مشكوك في أمره أو متّهم بفاحشة، وأحب أن يراه بعد استقرار براءته عنده. وظاهر قوله: إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ أنه يعني الله عزّ وجلّ، وحكى ابن جرير الطبري أنه أراد به سيده العزيز، والمعنى: أنه يعلم براءتي. وقد روي عن نبيّنا صلّى الله عليه وسلم أنه استحسن حزم يوسف وصبره عن التسرع إلى الخروج. فقال صلّى الله عليه وسلم: (813) «إنّ الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إِسحاق بن إِبراهيم، لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبت» .
[سورة يوسف (12) : آية 52]
وفي ذكره للنسوة دون امرأة العزيز أربعة أقوال: أحدها: أنه خلطها بالنسوة، لحسن عِشرةٍ فيه وأدبٍ، قاله الزجاج. والثاني: لأنها زوجة ملك، فصانها. والثالث: لأن النسوة شاهدات عليها له. والرابع: لأن في ذكره لها نوع تهمة، ذكر الأقوال الثلاثة الماوردي. قال المفسرون: فرجع الرسول إِلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك النسوة وفيهن امرأة العزيز، فقال: ما خَطْبُكُنَّ أي: ما شأنكن وقصتكن إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ. فإن قيل: إِنما راودته واحدة، فلم جمعهنّ؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه جمعهن في السؤال ليُعلم عينُ المراوِدة. والثاني: أن أزليخا راودته على نفسه، وراوده باقي النسوة على القبول منها. والثالث: أنه جمعهنَّ في الخطاب، والمعنى لواحدة منهن، لأنه قد يوقع على النوع وصف الجنس إِذا أُمن من اللبس، يدلّ عليه قول النبي صلّى الله عليه وسلم: (814) «إِنكن أكثر أهل النار» فجمعهن في الخطاب والمعنى لبعضهن، ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ قال الزجاج: قرأ الحسن «حاش» بتسكين الشين، ولا اختلاف بين النحويين أن الإِسكان غير جائز، لأن الجمع بين ساكنين لا يجوز، ولا هو من كلام العرب. فأعلم النسوةُ الملكَ براءة يوسف من السوء، فقالت امرأة العزيز: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي: برز وتبين، واشتقاقه في اللغة من الحِصَّة، أي: بانت حصة الحق وجهته من حصة الباطل. وقال ابن القاسم: «حصحص» بمعنى وضح وانكشف، تقول العرب: حصحص البعير في بروكه: إِذا تمكن، وأثَّر في الأرض، وفرَّق الحصى. وللمفسرين في ابتداء أزليخا بالإِقرار قولان: أحدهما: أنها لما رأت النسوة قد برّأنه، قالت: لم يبق إِلا أن يُقبِلن علي بالتقرير، فأقرت، قاله الفراء. والثاني: أنها أظهرت التوبة وحقّقت صدق يوسف، قاله الماوردي. [سورة يوسف (12) : آية 52] ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (52) قوله تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال مقاتل: «ذلك» بمعنى هذا. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: هذا وذلك يصلحان في هذا الموضع وأشباهه، لقرب الخبر من أصحابه، فصار كالمشاهد الذي يشار إِليه بهذا، ولمّا كان متقضياً أمكن أن يشار إِليه بذلك، لأن المتقضّي كالغائب. واختلفوا في القائل لهذا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يوسف «1» ، وهو من أغمض ما يأتي من الكلام أن تحكي عن شخص شيئاً ثم تصله بالحكاية عن آخر، ونظير هذا قوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ هذا قول الملأ فَماذا تَأْمُرُونَ «2» قول فرعون. ومثله: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً هذا قول بلقيس وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ «3» قول الله عزّ وجلّ. ومثله: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا قول الكفار، فقالت الملائكة: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ «4» وإِنما يجوز مثل هذا في الكلام، لظهور الدلالة على المعنى. واختلفوا، أين قال يوسف هذا؟ على قولين: أحدهما: أنه لما رجع الساقي إِلى يوسف فأخبره وهو في السجن بجواب امرأة العزيز والنسوة للملك، قال حينئذ: «ذلك ليعلم» ، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال ابن جريج. والثاني: أنه قاله بعد حضوره مجلس الملك، رواه عطاء عن ابن عباس. قوله تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أي: ذلك الذي فعلت من ردِّي رسول الملك، ليعلم. واختلفوا في المشار إِليه بقوله: «ليعلم» وقوله: «لم أخنه» على أربعة أقوال: أحدها: أنه العزيز، والمعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته بِالْغَيْبِ أي: إِذا غاب عني، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. والثاني: أن المشار إِليه بقوله: «ليعلم» الملك، والمشار إِليه بقوله: «لم أخنه» العزيز، والمعنى: ليعلم الملك أني لم أخن العزيز في أهله بالغيب، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أن المشار إِليه بالشيئين، الملك، فالمعنى: ليعلم الملك أني لم أخنه، يعني الملك أيضاً، بالغيب. وفي وجه خيانة الملك في ذلك قولان: أحدهما: لكون العزيز وزيره، فالمعنى: لم أخنه في امرأة وزيره، قاله ابن الأنباري. والثاني: لم أخنه في بنت أخنه، وكانت أزليخا بنت أخت الملك، قاله أبو سليمان الدمشقي. والرابع: أن المشار إِليه بقوله: «ليعلم» الله عزّ وجلّ، فالمعنى: ليعلم الله أني لم أخنه، روي عن مجاهد، قال ابن الأنباري: نسبَ العلم إِلى الله في الظاهر، وهو في المعنى للمخلوقين، كقوله: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ «5» . فإن قيل: إِن كان يوسف قال هذا في مجلس الملك، فكيف قال: «ليعلم» ولم يقل: لتعلم، وهو يخاطبه؟ فالجواب: أنا إِن قلنا: إِنه كان حاضراً عند الملك، فانما آثر الخطاب بالياء توقيراً للملك، كما يقول الرجل للوزير: إِن رأى الوزير أن يوقّع في قصتي. وإِن قلنا: إِنه كان غائباً، فلا وجه لدخول التاء، وكذلك إِن قلنا: إِنه عنى العزيز، والعزيز غائب عن مجلس الملك حينئذ. والقول الثاني: أنه قول امرأة العزيز، فعلى هذا يتصل بما قبله، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم
[سورة يوسف (12) : الآيات 53 إلى 56]
أخنه في غيبته الآن بالكذب عليه «1» . والثالث: أنه قول العزيز، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، فلم أغفل عن مجازاته على أمانته، حكى القولين الماوردي. قوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ قال ابن عباس: لا يصوِّب عمل الزناة، وقال غيره: لا يرشد من خان أمانته ويفضحه في عاقبته. [سورة يوسف (12) : الآيات 53 الى 56] وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) قوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ، في القائل لهذا ثلاثة أقوال، وهي تقدمت في الآية قبلها. فالذين قالوا: هو يوسف، اختلفوا في سبب قوله لذلك على خمسة أقوال: أحدها: أنه لما قال: «ليعلم أني لم أخنه بالغيب» غمزه جبريل عليه السّلام، فقال: ولا حين هممت؟ فقال: «وما أبرّئ نفسي» رواه عكرمة عن ابن عباس «2» ، وبه قال الأكثرون. والثاني: أن يوسف لما قال: «لم أخنه» ذكر أنه قد همّ بها، فقال: «وما أبرّئ نفسي» ، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنه لمّا قال ذلك،
خاف أن يكون قد زكَّى نفسه، فقال: «وما أبرّئ نفسي» ، قاله الحسن. والرابع: أنه لما قاله، قال له الملك الذي معه: اذكر ما هممت به، فقال: «وما أبرّئ نفسي» ، قاله قتادة. والخامس: أنه لما قاله، قالت امرأة العزيز: ولا يوم حللتَ سراويلك؟ فقال: «وما أبرّئ نفسي» ، قاله السدي «1» . والذين قالوا: هذا قول امرأة العزيز، فالمعنى: وما أبرّئ نفسي من سوء الظن بيوسف، لأنه قد خطر لي. قوله تعالى: لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة، ويعقوب إِلا رويساً: «بالسوء إِلا» بتحقيق الهمزتين. وقرأ أبو عمرو، وابن شنبوذ عن قنبل بتحقيق الثانية وحذف الأولى. وروى نظيف عن قنبل بتحقيق الأولى وقلب الثانية ياءً. وقرأ أبو جعفر، وورش، ورويس بتحقيق الأولى وتليين الثانية بين بين، مثل: «السُّوء عِلاَّ» . وروى ابن فليح بتحقيق الثانية وقلب الأولى واواً، وأدغمها في الواو قبلها، فتصير واواً مكسورة مشددة قبل همزة «إِلا» . قوله تعالى: إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي قال ابن الأنباري: قال اللغويون: هذا استثناء منقطع، والمعنى: إِلا أن رحمة ربي عليها المعتمَد. قال أبو صالح عن ابن عباس: المعنى: إِلا من عصم ربي وقيل «ما» بمعنى «من» . قال الماوردي: ومن قال: هو من قول امرأة العزيز، فالمعنى: إِلا من رحم ربي في قهره لشهوته، أو في نزعها عنه. ومن قال: هو قول العزيز، فالمعنى: إِلا من رحم ربي بأن يكفيَه سوء الظن، أو يثبِّته، فلا يعجل. قال ابن الأنباري: والقول بأن هذا قول يوسف أصح لوجهين: أحدهما: لأن العلماء عليه. والثاني: لأن المرأة كانت عابدة وثن، وما تضمنته الآية أليق أن يكون قول يوسف من قول من لا يعرف الله تعالى. وقال المفسرون: فلما تبين الملك عذر يوسف وعَلِم أمانته، قال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أي: أجعله خالصاً لي، لا يشركني فيه أحد. فإن قيل: فقد رويتم في بعض ما مضى أن يوسف قال في مجلس الملك: «ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب» ، فكيف قال الملك: «ائتوني به» وهو حاضر عنده؟! فالجواب: أن أرباب هذا القول يقولون: أمر الملك باحضاره ليقلِّده الأعمال في غير المجلس الذي استحضره فيه لتعبير الرؤيا. قال وهب: لما دخل يوسف على الملك، وكان الملك يتكلَّم بسبعين لساناً، كان كلما كلَّمه بلسان، أجابه يوسف بذلك اللسان، فعجب الملك، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فقال إِني أحب أن أسمع رؤياي منك شِفاهاً، فذكرها له، قال: فما ترى أيها الصِّدِّيق؟ قال: أرى أن تزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين المخصبة، وتجمع الطعام، فيأتيك الناس فيمتارون، وتجمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد، فقال الملك: ومن لي بهذا؟ فقال يوسف: «اجعلني على خزائن الأرض» . قال ابن عباس: ويريد بقوله: مَكِينٌ أَمِينٌ أي: قد مكَّنتكَ في ملكي وائتمنتكَ فيه. وقال مقاتل: المكين: الوجيه، والأمين: الحافظ.
قوله تعالى: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أي: خزائن أرضك. وفي المراد بالخزائن قولان: أحدهما: خزائن الأموال، قاله الضحاك، والزجاج. والثاني: خزائن الطعام فحسب، قاله ابن السائب. قال الزجاج: وإِنما سأل ذلك لأن الأنبياء بُعثوا بالعدل، فعلم أنه لا أحد أقوَم بذلك منه. وفي قوله تعالى: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ثلاثة أقوال: أحدها: حفيظ لِما ولَّيتني، عليم بالمجاعة متى تكون، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: حفيظ لما استودعتني، عليم بهذه السنين، قاله الحسن. والثالث: حفيظ للحساب، عليم بالألسن، قاله السدي، وذلك أن الناس كانوا يَرِدُون على الملك من كل ناحية فيتكلمون بلغات مختلفة. واختلفوا، هل وَّلاه الملك يومئذ، أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه وَّلاه بعد سنة. (815) روى الضحاك عن ابن عباس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: اجعلني على خزائن الأرض، لاستعمله من ساعته، ولكنه أَخَّر ذلك سنة» . (816) وذكر مقاتل أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لو أن يوسف قال إِني حفيظ عليم إِن شاء الله، لملك من وقته» . قال مجاهد: أسلم الملك على يد يوسف. وقال أهل السِّيَر: أقام في بيت الملك سنة، فلما انصرمت دعاه الملك، فتوَّجه، وردَّاه بسيفه، وأمر له بسرير من ذهب، وضرب عليه كِلَّةً من إِستبرق، فجلس على السرير كالقمر، ودانت له الملوك، ولزم الملك بيته وفوَّض أمره إِليه، وعزل قُطَفِير عما كان عليه، وجعل يوسف مكانه، ثم إِن قطفير هلك في تلك الليالي، فزوَّج الملكُ يوسفَ بامرأة قطفير، فلما دخل عليها، قال: أليس هذا خيراً مما تريدين؟ فقالت: أيها الصِّدِّيق لا تلمني، فاني كنت امرأة حسناء في مُلك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، فغلبتني نفسي، فلما بنى بها يوسف وجدها عذراء، فولدت له ابنين، إفراييم، وميشا، واستوثق له ملك مصر. والقول الثاني: أنه ملَّكه بعد سنة ونصف، حكاه مقاتل عن ابن عباس. والثالث: أنه سلَّم إِليه الأمر من وقته، قاله وهب، وابن السائب. فان قيل: كيف قال يوسف إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ولم يقل: إِن شاء الله؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن ترك الاستثناء أوجب عقوبة بأن أخِّر تمليكُه، على ما ذكرنا عن النبي صلّى الله عليه وسلم. والثاني: أنه أضمر الاستثناء، كما أضمروه في قولهم: وَنَمِيرُ أَهْلَنا. والثالث: أنه أراد أن حفظي وعِلمي يزيدان على حفظ غيري وعِلمه، فلم يحتج هذا إِلى الاستثناء، لعدم الشك فيه، ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري.
[سورة يوسف (12) : آية 57]
فإن قيل: كيف مدح نفسه بهذا القول، ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع؟ فالجواب: أنه لما خلا مدحُه لنفسه من بغي وتكبر، وكان مراده به الوصول إِلى حق يقيمه وعدل يحييه وجور يبطله، كان ذلك جميلاً جائزا. (817) وقد قال نبيّنا عليه السلام: «أنا أكرم ولد آدم على ربه» . وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: والله ما من آية إِلا وأنا أعلم أبِليل نزلت، أم بنهار. وقال ابن مسعود: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإِبل لأتيته. فهذه الأشياء، خرجت مخرج الشكر لله، وتعريف المستفيد ما عند المفيد، ذكر هذا محمد بن القاسم. قال القاضي أبو يعلى: في قصة يوسف دلالة على أنه يجوز للانسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه، وأنه ليس من المحظور في قوله: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ «1» . قوله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الكلام محذوف، تقديره: اجعلني على خزائن الأرض، قال: قد فعلت، فحُذف ذلك، لأن قوله: «وكذلك مكنا ليوسف» يدل عليه، والمعنى: ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في دفع المكروه عنه، وتخليصه من السجن، وتقريبه من قلب الملك، أقدرناه على ما يريد في أرض مصر يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ قال ابن عباس: ينزل حيث أراد. وقرأ ابن كثير، والمفضل: «حيث نشاء» بالنون. قوله تعالى: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا أي: نختصُّ بنعمتنا من النبوَّة والنجاة مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يعني المؤمنين. يقال: إِن يوسف باع أهل مصر الطعام بأموالهم وحُلِيِّهم ومواشيهم وعقارهم وعبيدهم ثم بأولادهم ثم برقابهم، ثم قال للملك: كيف ترى صُنع ربي؟ فقال الملك: إِنما نحن لك تبع، قال: فإني أُشهد الله وأُشهدك أني قد أعتقت أهل مصر ورددت عليهم أملاكهم. وكان يوسف لا يَشبع في تلك الأيام، ويقول: إِني أخاف أن أنسى الجائع. [سورة يوسف (12) : آية 57] وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (57) قوله تعالى: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ المعنى: ما نُعطي يوسف في الآخرة، خير مما أعطيناه في الدنيا، وكذلك غيره من المؤمنين ممن سلك طريقه في الصّبر. [سورة يوسف (12) : آية 58] وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) قوله تعالى: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما فوَّض الملك إلى
[سورة يوسف (12) : الآيات 59 إلى 60]
يوسف أمْر مصر، تلطَّف يوسف للناس، ولم يزل يدعوهم إلى الإسلام، فآمنوا وأحبُّوه، فلما أصاب الناسَ القحطُ، نزل ذلك بأرض كنعان، فأرسل يعقوبُ ولده للميرة، وذاع أمر يوسف في الآفاق، وانتشر عدله ورحمته ورأفته، فقال يعقوب: يا بَني، إِنه قد بلغني أن بمصر ملكاً صالحاً، فانطلقوا إِليه وأقرئوه مني السلام، وانتسبوا له لعله يعرفكم، فانطلقوا فدخلوا عليه، فعرفهم وأنكروه، فقال: من أين أقبلتم؟ قالوا: من أرض كنعان، ولنا شيخ يقال له: يعقوب، وهو يقرئك السلام، فبكى وعصر عينيه وقال: لعلكم جواسيس جئتم تنظرون عورة بلدي، فقالوا: لا والله، ولكنَّا من كنعان، أصابنا الجَهد، فأمرَنا أبونا أن نأتيَك، فقد بلغه عنك خير، قال: فكم أنتم؟ قالوا: أحد عشر أخاً، وكنا اثني عشر فأكل أحدَنا الذئبُ، قال: فمن يعلم صدقكم؟ ائتوني بأخيكم الذي من أبيكم. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: لما دخلوا عليه كلَّموه بالعبرانية، فأمر الترجمان فكلَّمهم ليشبِّه عليهم، فقال للترجمان: قل لهم: أنتم عيون، بعثكم ملككم لتنظروا إِلى أهل مصر فتخبرونه فيأتينا بالجنود، فقالوا: لا، ولكنا قوم لنا أب شيخ كبير، وكنا اثني عشر، فهلك منا واحد في الغنم، وقد خلّفنا عند أبينا أخاً له من أمه، فقال: إِن كنتم صادقين، فخلِّفوا عندي بعضكم رهنا، وائتوني بأخيكم، فحبس عنده شمعون. واختلفوا بماذا عرفهم يوسف على قولين: أحدهما: أنه عرفهم برؤيتهم، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ما عرفهم حتى تعرَّفوا إِليه، قاله الحسن. قوله تعالى: وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ قال مقاتل: لا يعرفونه. وفي علَّة كونهم لم يعرفوه قولان: أحدهما: أنهم جاءوه مقدِّرين أنه ملك كافر، فلم يتأملوا منه ما يزول به عنهم الشك. والثاني: أنهم عاينوا من زِيِّه وحليته ما كان سبباً لإِنكارهم. وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان لابسا ثياب حرير، وفي عنقه طوق من ذهب. فإن قيل: كيف يخفى من قد أُعطي نصف الحسن، وكيف يشتبه بغيره؟ فالجواب: أنهم فارقوه طفلاً ورأوه كبيراً، والأحوال تتغير، وما توهموا أنه ينال هذه المرتبة. وقال ابن قتيبة: معنى كونه أُعطي نصف الحسن، أن الله تعالى جعل للحسن غاية وحدّاً، وجعله لمن شاء من خَلقه، إِما للملائكة، أو للحور، فجعل ليوسف نصف ذلك الحسن، فكأنه كان حُسناً مقارباً لتلك الوجوه الحسنة، وليس كما يزعم الناس من أنه أُعطي هذا الحسن، وأُعطي الناس كلّهم نصف الحسن. [سورة يوسف (12) : الآيات 59 الى 60] وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (60) قوله تعالى: وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ يقال: جهَّزت القوم تجهيزاً: إِذا هيأت لهم ما يصلحهم، وجهاز البيت: متاعه. قال المفسرون: حمل لكل رجل منهم بعيراً، وقال: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ أي: أُتمه ولا أَبْخَسُه، وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ يعني: المضِيفين، وذلك أنه أحسنَ ضيافتهم. ثم أوعدهم على ترك الإِتيان بأخيهم، فقال: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وفيه قولان: أحدهما: أنه يعني به: فيما بعد، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه منعهم الكيل في الحال، قاله وهب بن منبّه.
[سورة يوسف (12) : آية 61]
[سورة يوسف (12) : آية 61] قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (61) قوله تعالى: قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ أي: نطلبه منه، والمراودة: الاجتهاد في الطلب. وفي قوله تعالى: وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: وإنّا لجاءوك به، وضامنون لك المجيء به، هذا مذهب الكلبي. والثاني: أنه توكيد، قاله الزجاج، فعلى هذا يكون الفعل الذي ضمِنوه عائداً إِلى المراودة، فيصحّ معنى التّوكيد. والثالث: وإنّا لمديمون المطالبة به لأبينا، ومتابعون المشورة عليه بتوجيهه، وهذا غير المراودة، ذكره ابن الأنباري. فإن قيل: كيف جاز ليوسف أن يطلب أخاه، وهو يعلم ما في ذلك من إِدخال الحزن على أبيه؟ فعنه خمسة أجوبة: أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك بأمر عن الله تعالى زيادة لبلاء يعقوب ليعظم ثوابه، وهذا الأظهر. والثاني: أنه طلبه لا ليحبسه، فلما عرفه قال: لا أفارقك يا يوسف، قال: لا يمكنني حبسك إِلا أن أنسبك إِلى أمر فظيع، قال: أفعل ما بدا لك، قاله كعب. والثالث: أن يكون قصد تنبيه يعقوب بذلك على حال يوسف. والرابع: ليتضاعف سرور يعقوب برجوع ولديه. والخامس: ليعجِّل سرور أخيه باجتماعه به قبل إِخوته. وكل هذه الأجوبة مدخوله، إِلا الأول، فانه الصحيح. ويدل عليه ما روينا عن وهب بن منبه، قال: لما جمع الله بين يوسف ويعقوب، قال له يعقوب: بيني وبينك هذه المسافة القريبة، ولم تكتب إِليَّ تعرِّفني؟! فقال: إِن جبريل أمرني أن لا أعرِّفك، فقال له: سل جبريل، فسأله، فقال: إِن الله أمرني بذلك، فقال: سل ربك، فسأله، فقال: قل ليعقوب: خفتَ عليه الذئب، ولم تؤمنّي؟ [سورة يوسف (12) : آية 62] وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) قوله تعالى: وَقالَ لِفِتْيانِهِ قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: «لفتيته» . وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «لفتيانه» . قال أبو علي: الفتية جمع فتى في العدد القليل، والفتيان في الكثير. والمعنى: قال لغلمانه: اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ وهي التي اشترَوا بها الطعام فِي رِحالِهِمْ، والرحل: كل شيء يُعَدُّ للرحيل. لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها أي: ليعرفوها إِذَا انْقَلَبُوا أي: رجعوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: لكي يرجعوا. وفي مقصوده بذلك خمسة أقوال: أحدها: أنه تخوف أن لا يكون عند أبيه من الورِق ما يرجعون به مرة أخرى، فجعل دراهمهم في رحالهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنه أراد أنهم إِذا عرفوها، لم يستحلُّوا إِمساكها حتى يردُّوها، قاله الضحاك. والثالث: أنه استقبح أخذ الثمن من والده وإِخوته مع حاجتهم إِليه، فردَّه عليهم من حيث لا يعلمون سبب رده تكرماً وتفضلاً، ذكره ابن جرير الطبري، وأبو سليمان الدمشقي. والرابع: ليعلموا أنّ طلبه لعَوْدهم لم يكن طمعاً في أموالهم، ذكره الماوردي. والخامس: أنه أراهم كرمه وبِرَّه ليكون أدعى إِلى عَوْدهم. [سورة يوسف (12) : الآيات 63 الى 64] فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (63) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)
[سورة يوسف (12) : الآيات 65 إلى 68]
قوله تعالى: فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قال المفسرون: لما عادوا إِلى يعقوب، قالوا: يا أبانا: قَدِمنا على خير رجل، أنزلنا، وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته. وفي قوله تعالى: مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ قولان قد تقدما في قوله: (فلا كيل لكم عندي) . فإن قلنا: إِنه لم يكل لهم، فلفظ «مُنع» بَيِّن. وإِن قلنا: إِنه خوّفهم منع الكيل، ففي المعنى قولان: أحدهما: حُكم علينا بمنع الكيل بعد هذا الوقت، كما تقول للرجل: دخلت والله النار بما فعلت. والثاني: أن المعنى: يا أبانا يُمنع منا الكيل إِن لم ترسله معنا، فناب «مُنع» عن «يمنع» كقوله تعالى: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ «1» أي: يخلده، وقوله: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ «2» ، وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى «3» أي: وإِذ يقول، ذكرهما ابن الأنباري. قوله تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: «نكتل» بالنون. وقرأ حمزة، والكسائي: «يكتل» بالياء. والمعنى: إِن أرسلته معنا اكتلنا، وإِلا فقد مُنعنا الكيل. قوله تعالى: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ أي لا آمنكم عليه إِلا كأمني على يوسف، يريد أنه لم ينفعه ذلك الأمن إِذ خانوه. فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «حفظاً» ، والمعنى: خير حفظاً من حفظكم، وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم: «خير حافظاً» بألف. قال أبو علي: ونصبُه على التمييز دون الحال. [سورة يوسف (12) : الآيات 65 الى 68] وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68) قوله تعالى: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ يعني أوعية الطعام وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ التي حملوها ثمناً للطعام رُدَّتْ قال الزجاج: الأصل «رُدِدَتْ» ، فأدغمت الدال الأولى في الثانية، وبقيت الراء مضمومة. ومن قرأ بكسر الراء جعل كسرتها منقولة من الدال، كما فُعل ذلك في: قيل، وبيع، ليدل على أن أصل الدال الكسر. قوله تعالى: ما نَبْغِي في «ما» قولان: أحدهما: أنها استفهام، المعنى: أي شيء نبغي وقد رُدَّت بضاعتنا إِلينا؟ والثاني: أنها نافية، المعنى: ما نبغي شيئاً، أي: لسنا نطلب منك دراهم نرجع بها
إِليه، بل تكفينا هذه في الرجوع إِليه، وأرادوا بذلك تطييب قلبه ليأذن لهم بالعَود. وقرأ ابن مسعود، وابن يعمر، والجحدري، وأبو حياة «ما تبغي» بالتاء، على الخطاب ليعقوب. قوله تعالى: وَنَمِيرُ أَهْلَنا أي: نجلب لهم الطعام. قال ابن قتيبة: يقال: مار أهله يميرهم مَيْراً، وهو مائر لأهله: إِذا حمل إِليهم أقواتهم من غير بلده. قوله تعالى: وَنَحْفَظُ أَخانا فيه قولان: أحدهما: نحفظ أخانا ابن يامين الذي ترسله معنا، قاله الأكثرون. والثاني: ونحفظ أخانا شمعون الذي أخذ رهينة عنده، قاله الضحاك عن ابن عباس. قوله تعالى: وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ أي: وِقْر بعير، يعنون بذلك نصيب أخيهم، لأن يوسف كان لا يعطي الواحد أكثر من حِمل بعير. قوله تعالى: ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ذلك كيل سريع، لا حبس فيه، يعنون: إِذا جاء معنا، عجَّل الملك لنا الكيل، قاله مقاتل. والثاني: ذلك كيل سهل على الذي نمضي إِليه، قاله الزجاج. والثالث: ذلك الذي جئناك به كيل يسير لا يُقنعُنا، قاله الماوردي. قوله تعالى: حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ أي: تعطوني عهداً أثق به، والمعنى: حتى تحلفوا لي بالله لَتَأْتُنَّنِي بِهِ أي: لتَرُدُّنَّه إِلي. قال ابن الأنباري: وهذه اللام جواب لمضمَر، تلخيصه: وتقولوا: والله لتأتُنّني به. قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فيه قولان: أحدهما: أن يهلك جميعكم، قاله مجاهد. والثاني: أن يُحال بينكم وبينه فلا تقدرون على الإِتيان به، قاله الزجاج. قوله تعالى: فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ أي: أعطَوْه العهد، وفيه قولان: أحدهما: أنهم حلفوا له بحقّ محمّد صلّى الله عليه وسلم ومنزلته من ربه، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنهم حلفوا بالله تعالى، قاله السدي. قوله تعالى: قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ فيه قولان: أحدهما: أنه الشهيد. والثاني: كفيل بالوفاء، رُويا عن ابن عباس. قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ قال المفسرون: لما تجهزوا للرحيل، قال لهم يعقوب: «لا تدخلوا» يعني مصر «من باب واحد» . وفي المراد بهذا الباب قولان: أحدهما: أنه أراد باباً من أبواب مصر، وكان لمصر أربعة أبواب، قاله الجمهور. والثاني: أنه أراد الطرق لا الأبواب، قاله السدي، وروى نحوه أبو صالح عن ابن عباس. وفي ما أراد بذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خاف عليهم العين، وكانوا أُولي جمال وقوة، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنه خاف أن يُغتَالوا لِما ظهر لهم في أرض مصر من التهمة، قاله وهب بن منبه. والثالث: أنه أحب أن يلقَوا يوسف في خَلوة، قاله إِبراهيم النخعي. قوله تعالى: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي: لن أدفع عنكم شيئاً قضاه الله، فإنه إِن شاء أهلككم متفرقين، ومصداقه في الآية التي بعدها ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وهي إِرادته أن يكون دخولهم كذلك شفقة عليهم. قال الزجاج: «إِلا حاجة» استثناء ليس من الأول، والمعنى: لكنْ حاجةٌ في نفس يعقوب قضاها. قال ابن عباس: «قضاها» أي: أبداها وتكلم بها. قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ فيه سبعة أقوال: أحدها: إِنه حافظ لما علَّمناه، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: وإنه لذو علم أنّ دخولهم من أبواب متفرقة لا يغني عنهم من الله شيئاً، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثالث: وإِنه لعامل بما عُلِّم، قاله قتادة. وقال ابن الأنباري: سمّي العمل
[سورة يوسف (12) : آية 69]
علما، لأنّ العلم أول أسباب العمل. والرابع: وإِنه لمتيقن لوعدنا، قاله الضحاك. والخامس: وإِنه لحافظ لوصيِّتنا، قاله ابن السائب. والسادس: وإِنه لعالم بما علَّمناه أنه لا يصيب بنيه إِلا ما قضاه الله، قاله مقاتل. والسابع: وإِنه لذو علم لتعليمنا إيّاه، قاله الفرّاء. [سورة يوسف (12) : آية 69] وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (69) قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ يعني إِخوته آوى إِلَيْهِ أَخاهُ يعني بنيامين، وكان أخاه لأبيه وأمه، قاله قتادة، وضمه إِليه وأنزله معه. قال ابن قتيبة: يقال: آويتُ فلاناً إِليَّ، بمد الألف: إِذا ضممتَه إِليك، وأويت إِلى بني فلان، بقصر الألف: إِذا لجأت إِليهم. وفي قوله: قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ قولان: أحدهما: أنهم لما دخلوا عليه حبسهم بالباب، وأدخل أخاه، فقال له: ما اسمك؟ فقال: بنيامين، قال: فما اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوَي، فوثب إِليه فاعتنقه، فقال: «إِني أنا أخوك» ، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وكذلك قال ابن إِسحاق: أخبره أنه يوسف. والثاني: أنه لم يعترف له بذلك، وإِنما قال: أنا أخوك مكان أخيك الهالك، قاله وهب بن منبه. وقيل: إِنه أجلسهم كل اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحيداً يبكي، وقال: لو كان أخي حياً لأجلسني معه، فضمَّه يوسف إِليه وقال: إنّي أرى هذا وحيدا، فأجلسه معه على مائدته. فلما جاء الليل، نام كل اثنين على منام، فبقي وحيداً، فقال يوسف: هذا ينام معي. فلما خلا به، قال: هل لك أخ من أمك؟ قال: كان لي أخ من أمي فهلك، فقال أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ فقال: أيها الملك، ومن يجد أخاً مثلك؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف، وقام إِليه فاعتنقه، وقال: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ يوسف فَلا تَبْتَئِسْ قال قتادة: لا تأس ولا تحزن، وقال الزجاج: لا تحزن ولا تستكِنْ. قال ابن الأنباري: «تبتئس» : تفتعل، من البؤس، وهو الضُرُّ والشدة، أي: لا يلحقنَّك بؤس بالذي فعلوا. قوله تعالى: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم كانوا يعيِّرون يوسف وأخاه بعبادة جدِّهما أبي أُمهما للأصنام، فقال: لا تبتئس بما كانوا يعملون من التعيير لنا، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: لا تحزن بما سيعملون بعد هذا الوقت حين يسرِّقونك، فتكون «كانوا» بمعنى «يكونون» قال الشاعر: فَأَدْرَكْتُ مَنْ قَدْ كَانَ قَبْلي وَلَمْ أَدَعْ ... لِمَنْ كَانَ بَعْدِي في القَصَائِد مَصْنَعَا وقال آخر: وانْضَحْ جَوانِبَ قَبْرِهِ بِدِمَائِهَا ... فَلَقَدْ يَكُونُ أَخَا دَمٍ وَذَبَائِحِ أراد: فقد كان، وهذا مذهب مقاتل. والثالث: لا تحزن بما عملوا من حسدنا، وحرصوا على صرف وجه أبينا عنّا، وإِلى هذا المعنى ذهب ابن إِسحاق. [سورة يوسف (12) : الآيات 70 الى 72] فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (71) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)
قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قال المفسرون: أوفى لهم الكيل، وحمّل بنيامين بعيراً باسمه كما حمَّل لهم، وجعل السقاية في رحل أخيه، وهي الصواع، فهما اسمان واقعان على شيء واحد، كالبُرِّ والحنطة، والمائدة والخُوان. وقال بعضهم: الاسم الحقيقي: الصواع، والسقاية وصف، كما يقال: كوز، وإِناء، فالاسم الخاص: الكوز. قال المفسرون: جعل يوسف ذلك الصاع مكيالاً لئلا يُكال بغيره. وقيل: كال لإِخوته بذلك، إِكراماً لهم. قالوا: ولما ارتحل إِخوة يوسف وأمعنوا، أرسل الطلب في أثرهم، فأُدركوا وحبسوا، ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ قال الزجاج: أعلم مُعْلم يقال: آذنته بالشيء فهو مؤذن به أي: أعلمته، وآذنت: أكثرت الإِعلام بالشيء، يعني: أنه إِعلام بعد إِعلام. أَيَّتُهَا الْعِيرُ يريد: أهل العير، فأنث لأنه جعلها للعير. قال الفراء: لا يقال: عير، إِلا لأصحاب الإِبل. وقال أبو عبيدة: العير: الإِبل المرحولة المركوبة. وقال ابن قتيبة: العير: القوم على الإِبل. فإن قيل: كيف جاز ليوسف أن يُسرِّق من لم يسرق؟ فعنه أربعة أجوبة: أحدها: أن المعنى: إِنكم لسارقون يوسف حين قطعتموه عن أبيه وطرحتموه في الجب، قاله الزجاج. والثاني: أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف أمر بوضع السقاية في رحل أخيه، فكان غير كاذب في قوله، قاله ابن جرير. والثالث: أن المنادي نادى بالتسريق لهم بغير أمر يوسف. والرابع: أن المعنى: إِنكم لسارقون فيما يظهر لمن لم يعلم حقيقة أخباركم، كقوله: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ «1» أي: عند نفسك، لا عندنا. وقولِ النبي صلّى الله عليه وسلم: (818) «كذب إِبراهيم ثلاث كَذَبات» أي: قال قولاً يشبه الكذب، وليس به. قوله تعالى: قالُوا يعني: إخوة يوسف وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ فيه قولان: أحدهما: على المؤذن وأصحابه. والثاني: أقبل المنادي ومن معه على إِخوة يوسف بالدّعوى. ماذا تَفْقِدُونَ ما الذي ضلَّ عنكم؟ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ. قال الزجاج: الصواع هو الصاع بعينه، وهو يذكّر ويؤنّث، وكذلك الصّاع يذكّر ويؤنّث. وقد قرئ: «صياع» بياء، وقرئ: «صوغ» بغين معجمة، وقرئ: «صَوع» بعين غير معجمة مع فتح الصاد، وضمها، وقرأ أبو هريرة: «صاع الملك» وكل هذه لغات ترجع إِلى معنى واحد، إِلا أن الصوغ، بالغين المعجمة، مصدر صغت، وُصف الإِناء به، لأنه كان مصوغاً من ذهب. واختلفوا في جنسه على خمسة أقوال: أحدها: أنه كان قدحاً من زبرجد. والثاني: أنه كان من نحاس، رويا عن ابن عباس. والثالث: أنه كان شربة من فضة مرصَّعة بالجوهر، قاله عكرمة. والرابع: كان كأساً من ذهب، قاله ابن زيد. والخامس: كان من مِسٍّ «2» ، حكاه الزجاج. وفي صفته قولان: أحدهما: أنه
[سورة يوسف (12) : الآيات 73 إلى 75]
كان مستطيلاً يشبه المكوك. والثاني: أنه كان يشبه الطاس. قوله تعالى: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ يعني الصواع حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أي: كفيل لمن ردَّه بالحِمل، يقوله المؤذّن. [سورة يوسف (12) : الآيات 73 الى 75] قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (73) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ قال الزجاج: «تالله» بمعنى: والله، إِلا أن التاء لا يقسم بها إلّا في الله عزّ وجلّ. ولا يجوز: تالرحمن لأفعلن، ولا: تربي لأفعلن. والتاء تُبدل من الواو، كما قالوا في وُراث: تراث، وقالوا: يتَّزن، وأصله: يوتزن، من الوزن. قال ابن الأنباري: أبدلت التاء من الواو، كما أبدلت في التخمة والتراث والتُجاه، وأصلهنّ من الوخمة والوارث والوجاه، لأنهنّ من الوخامة والوارثة والوَجه. ولا تقول العرب: تالرحمن، كما قالوا: تالله، لأن الاستعمال في الإِقسام كثر بالله، ولم يكن بالرحمن، فجاءت التاء بدلاً من الواو في الموضع الذي يكثر استعماله. قوله تعالى: لَقَدْ عَلِمْتُمْ يعنون يوسف ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ أي: لنظلم أحداً أو نسرق. فإن قيل: كيف حلفوا على عِلم قوم لا يعرفونهم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم قالوا ذلك، لأنهم ردّوا الدراهم ولم يستحلُّوها، فالمعنى: لقد علمتم أنا رددنا عليكم دراهمكم وهي أكثر من ثمن الصاع، فكيف نستحل صاعكم، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثاني: لأنهم لما دخلوا مصر كعموا «1» أفواه إِبلهم وحميرهم حتى لا تتناول شيئاً، وكان غيرهم لا يفعل ذلك، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: أن أهل مصر كانوا قد عرفوهم أنهم لا يظلمون أحداً. قوله تعالى: فَما جَزاؤُهُ المعنى: قال المنادي وأصحابه: فما جزاؤه. قال الأخفش: إِن شئت رددت الكناية إِلى السارق، وإِن شئت رددتها إِلى السرق. قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ أي: في قولكم، وَما كُنَّا سارِقِينَ. قالُوا يعني: إِخوة يوسف جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ أي: يُستعبَد بذلك. قال ابن عباس: وهذه كانت سنّة آل يعقوب. [سورة يوسف (12) : آية 76] فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قوله تعالى: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قال المفسرون: انصرف بهم المؤذن إِلى يوسف، وقال: لا بد من تفتيش أمتعتكم، فَبَدَأَ يوسف بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ لإِزالة التهمة، فلما وصل إِلى وعاء أخيه، قال: ما أظن هذا أخذ شيئاً، فقالوا: والله لا نبرح حتى تنظر في رحله، فهو أطيب لنفسك. فلما فتحوا متاعه وجدوا الصّاع، فذلك قوله: ثُمَّ اسْتَخْرَجَها. وفي هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إِلى السرقة، قاله الفراء. والثاني: إِلى السقاية، قاله الزجاج. والثالث: إلى الصّواع على لغة من
[سورة يوسف (12) : الآيات 77 إلى 79]
يؤنّثه، ذكره ابن الأنباري. قال المفسرون: فأقبلوا على ابن يامين، وقالوا: أي شيء صنعت؟! فضحتنا وأزريت بأبيك الصدِّيق، فقال: وضع هذا في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم، وقد كان يوسف أخبر أخاه بما يريد أن يصنع به. قوله تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ فيه أربعة أقوال: أحدها: كذلك صنعنا له، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: احتلنا له، والكيد: الحيلة، قاله ابن قتيبة. والثالث: أردنا ليوسف، ذكره ابن القاسم. والرابع: دبَّرنا له بأن ألهمناه ما فعل بأخيه ليتوصل إِلى حبسه. قال ابن الأنباري: لما دبَّر الله ليوسف ما دبَّر من ارتفاع المنزلة وكمال النعمة على غير ما ظن إِخوتُه، شُبِّه بالكيد من المخلوقين، لأنهم يسترون ما يكيدون به عمن يكيدونه. قوله تعالى: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ في المراد بالدين ها هنا قولان: أحدهما: أنه السلطان، فالمعنى: في سلطان الملك، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنه القضاء، فالمعنى: في قضاء الملك، لأن قضاء الملك أن من سرق إِنما يُضرب ويُغرَّم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وبيانه أنه لو أجرى أخاه على حكم الملك ما أمكنه حبسه، لأن حكم الملك الغرم والضرب فحسب، فأجرى الله على ألسنة إِخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فكان ذلك مما كاد الله ليوسف لطفاً حتى أظفره بمراده بمشيئة الله، فذلك معنى قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ. وقيل: إِلا أن يشاء الله إِظهار علَّة يستحق بها أخاه. قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وقرأ يعقوب «يرفع درجاتِ من يشاء» بالياء فيهما. وقرأ أهل الكوفة «درجاتٍ» بالتنوين، والمعنى: نرفع الدرجات بصنوف العطاء، وأنواع الكرامات، وابواب العلوم، وقهر الهوى، والتوفيق للهدى، كما رفعنا يوسف. وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أي: فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم مَن هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إِلى الله تعالى، والكمال في العلم معدوم من غيره. وفي مقصود هذا الكلام ثلاثة أقوال: أحدها: أن المعنى: يوسف أعلم من إِخوته، وفوقه من هو أعلم منه. والثاني: أنه نبَّه على تعظيم العِلم، وبيَّن أنه أكثر من أن يُحاط به. والثالث: أنه تعليم للعالم التّواضع لئلّا يعجب. [سورة يوسف (12) : الآيات 77 الى 79] قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (77) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (79) قوله تعالى: قالُوا يعني: إِخوة يوسف إِنْ يَسْرِقْ يعنون ابن يامين فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ يعنون يوسف. قال المفسرون: عوقب يوسف ثلاث مرات، قال للساقي: «اذكرني عند ربك» فلبث في السجن بضع سنين، وقال للعزيز: «ليعلم أني لم أخنه بالغيب» ، فقال له جبريل: ولا حين هممت؟ فقال: «وما أبرّئ نفسي» ، وقال لإِخوته: «إِنكم لسارقون» ، فقالوا: «إِن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل» . وفي ما عنوا بهذه السرقة سبعة أقوال: أحدها: أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه في سني
المجاعة، فيطعمه للمساكين، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني: أنه سرق مكحلة لخالته، رواه أبو مالك عن ابن عباس. والثالث: أنه سرق صنماً لجده أبي أمه، فكسره وألقاه في الطريق، فعيَّره إِخوته بذلك، قاله سعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وقتادة. والرابع: أن عمة يوسف- وكانت أكبر ولد إِسحاق- كانت تحضن يوسف وتحبُّه حباً شديداً، فلما ترعرع، طلبه يعقوب، فقالت: ما أقدر أن يغيب عني، فقال: والله ما أنا بتاركه، فعمدت إِلى منطقة إِسحاق، فربطتها على يوسف تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إِسحاق، فانظروا من أخذها، فوجدوها مع يوسف، فأخبرت يعقوب بذلك، وقالت: والله إِنه لي أصنع فيه ما شئت، فقال: أنت وذاك، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، فذاك الذي عيَّره به إِخوته، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. والخامس: أنه جاءه سائل يوماً، فسرق شيئاً، فأعطاه السائل، فعيَّروه بذلك. وفي ذلك الشيء ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان بيضة، قاله مجاهد. والثاني: أنه شاة، قاله كعب. والثالث: دجاجة، قاله سفيان بن عيينة. والسادس: أن بني يعقوب كانوا على طعام، فنظر يوسف إِلى عَرْق، فخبأه، فعيَّروه بذلك، قاله عطية العوفي، وإِدريس الأودي. قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلِّها ما يوجب السرقة، لكنها تشبه السرقة، فعيَّره إِخوته بذلك عند الغضب. والسابع: أنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إِليه، قاله الحسن. وقرأ أبو رزين، وابن أبي عبلة: «فقد سُرِّق» بضم السين وكسر الراء وتشديدها. قوله تعالى: فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ في هاء الكناية ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إِلى الكلمة التي ذُكرت بعد هذا، وهي قوله تعالى: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنها ترجع إِلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي قولهم: «فقد سرق أخ له من قبل» ، وهذا معنى قول أبي صالح عن ابن عباس، فعلى هذا يكون المعنى: أسرَّ جواب الكلمة فلم يجبهم عليها. والثالث: أنها ترجع إِلى الحُجة، المعنى: فأسر الاحتجاج عليهم في ادعائهم عليه السرقة، ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً فيه قولان: أحدهما: شرٌّ صنيعاً من يوسف لما قدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم، قاله ابن عباس. والثاني: شرٌّ منزلة عند الله، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ فيه قولان: أحدهما: تقولون، قاله مجاهد. والثاني: بما تكذبون، قاله قتادة. قال الزجاج: المعنى: والله أعلم أسرق أخ له أم لا. وذكر بعض المفسرين، أنه لما استخرج الصواع من رحل أخيه، نقر الصواع، ثم أدناه من أذنه، فقال: إِنَّ صواعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثنى عشر رجلاً، وأنكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه، فقال ابن يامين: أيها الملك، سل صواعك عن أخي، أحيّ هو؟ فنقره، ثم قال: هو حي، وسوف تراه، فقال: سل صواعك، من جعله في رحلي؟ فنقره، وقال: إِنَّ صواعي هذا غضبان، وهو يقول: كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من كنت؟ فغضب روبيل، وكان بنو يعقوب إِذا غضبوا لم يطاقوا، فإِذا مسَّ أحدهم الآخر ذهب غضبه، فقال: والله أيها الملك لتتركنَّا، أو لأصيحنَّ صيحةً لا يبقى بمصر امرأة حامل إِلا أَلقتْ ما في بطنها، فقال يوسف لابنه: قم إِلى جنب روبيل فامسسه، ففعل الغلام، فذهب غضبه، فقال روبيل: ما هذا؟! إِن في هذا البلد من ذرية يعقوب؟ قال يوسف: ومَن يعقوب؟ فقال: أيها
[سورة يوسف (12) : الآيات 80 إلى 81]
الملك، لا تذكر يعقوب، فانه إِسرائيل الله ابن ذبيح الله ابن خليل الله. فلمَّا لم يجدوا إِلى خلاص أخيهم سبيلاً، سألوه أن يأخذ منهم بديلاً به، فذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً أي: في سِنِّه، وقيل: في قَدره، فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ أي: تستعبده بدلاً عنه إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فيه قولان: أحدهما: فيما مضى. والثاني: إِن فعلت. قالَ مَعاذَ اللَّهِ قد سبق تفسيره، والمعنى: أعوذ بالله أن نأخذ بريئاً بسقيم. [سورة يوسف (12) : الآيات 80 الى 81] فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (81) قوله تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ أي: يئسوا. وفي هاء «منه» قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى يوسف، فالمعنى: يئسوا من يوسف أن يخلّي سبيل أخيهم. والثاني: إِلى أخيهم، فالمعنى: يئسوا من أخيهم. قوله تعالى: خَلَصُوا نَجِيًّا أي: اعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم، يتناجَون ويتناظرون ويتشاورون، يقال: قوم نجي، والجمع أنجية، قال الشاعر: إِني إِذا ما القومُ كانوا أَنْجِيَهْ ... وَاضّطربَتْ أَعْنَاقُهم كالأَرْشِيَهْ «1» وإِنما وحد «نجياً» لأنه يجري مجرى المصدر الذي يكون للاثنين، والجمع والمؤنث بلفظ واحد. وقال الزجاج: انفردوا متناجين فيما يعملون في ذهابهم إِلى أبيهم وليس معهم أخوهم. قوله تعالى: قالَ كَبِيرُهُمْ فيه قولان: أحدهما: أنه كبيرهم في العقل، ثم فيه قولان «2» : أحدهما: أنه يهوذا، ولم يكن أكبرهم سناً، وإِنما كان أكبرهم سناً روبيل، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، ومقاتل. والثاني: أنه شمعون، قاله مجاهد. والثاني: أنه كبيرهم في السن وهو روبيل، قاله قتادة، والسدي. قوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ في حفظ أخيكم وردِّه إِليه وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ قال الفراء: «ما» في موضع رفع، كأنه قال: ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف، وإِن شئت جعلتها نصباً، المعنى: ألم تعلموا هذا، وتعلموا من قبل تفريطكم في يوسف. وإن
[سورة يوسف (12) : آية 82]
شئت جعلت «ما» صلة، كأنه قال: ومن قبل فرَّطتم في يوسف. قال الزجاج: وهذا أجود الوجوه، أن تكون «ما» لغواً. قوله تعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ أي: لن أخرج من أرض مصر، يقال: بَرِح الرجل بَراحاً: إِذا تنحّى عن موضعه. حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي قال ابن عباس: حتى يبعث إِليَّ أن آتيه أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أو يحكم الله لي، فيردَّ أخي عليّ. والثاني: يحكم الله لي بالسيف، فأحارب من حبس أخي. والثالث: يقضي في أمري شيئاً، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أي: أعدلهم وأفضلهم. قوله تعالى: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وقرأ ابن عباس، والضحاك، وابن أبي سريج عن الكسائي: «سُرِّق» بضم السين وتشديد الراء وكسرها. قوله تعالى: وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا فيه قولان: أحدهما: وما شهدنا عليه بالسرقة إِلا بما علمنا، لأنا رأينا المسروق في رحله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يؤخذ بسرقته إِلا بما علمنا من دينك، قاله ابن زيد. وفي قوله: وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ثمانية أقوال: أحدها: أن الغيب هو الليل، والمعنى: لم نعلم ما صنع بالليل، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وهذا يدل على أن التهمة وقعت به ليلاً. والثاني: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال عكرمة، وقتادة، ومكحول. قال ابن قتيبة: فالمعنى: لم نعلم الغيب حين أعطيناك الموثق لنأتينَّك به أنه يسرق فيؤخذ. والثالث: لم نستطع أن نحفظه فلا يسرق، رواه عبد الوهاب عن مجاهد. والرابع: لم نعلم أنه سرق للملك شيئاً، ولذلك حكمنا باسترقاق السارق، قاله ابن زيد. والخامس: أن المعنى: قد رأينا السرقة قد أُخذت من رحله، ولا علم لنا بالغيب فلعلهم سرَّقوه، قاله ابن إِسحاق. والسادس: ما كنا لغيب ابنك حافظين، إِنما نقدر على حفظه في محضره، فإِذا غاب عنا، خفيت عنا أموره. والسابع: لو علمنا من الغيب أن هذه البلية تقع بابنك ما سافرنا به، ذكرهما ابن الأنباري. والثامن: لم نعلم أنك تُصَابُ به كما أُصبتَ بيوسف، ولو علمنا لم نذهب به، قاله ابن كيسان. [سورة يوسف (12) : آية 82] وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (82) قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ المعنى: قولوا لأبيكم: سل أهل القرية الَّتِي كُنَّا فِيها يعنون مصر وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وأهل العير، وكان قد صحبهم قوم من الكنعانيين. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: وسل القرية والعير فانها تعقل عنك لأنك نبي والأنبياء قد تخاطبهم الأحجار والبهائم، فعلى هذا تسلم الآية من إضمار. [سورة يوسف (12) : آية 83] قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) قوله تعالى: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ في الكلام اختصار، والمعنى: فرجعوا إِلى أبيهم فقالوا له ذلك، فقال لهم هذا، وقد شرحناه في أوّل السّورة. واختلفوا لأي علَّة قال لهم هذا القول، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ظن أن الذي تخلَّف منهم، إِنما تخلف حيلة ومكراً ليصدِّقهم، قاله وهب بن منبه. والثاني: أن المعنى: سوَّلت لكم أنفسكم أنّ
[سورة يوسف (12) : آية 84]
خروجكم بأخيكم يجلب نفعاً، فجرَّ ضرراً، قاله ابن الأنباري. والثالث: سوَّلت لكم أنه سرق، وما سرق. قوله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً يعني: يوسف وابن يامين وأخاهما المقيم بمصر. وقال مقاتل: أقام بمصر يهوذا وشمعون، فأراد بقوله: «أن يأتيني بهم» يعني: الأربعة. قوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ أي: بشدة حزني، وقيل: بمكانهم، الْحَكِيمُ فيما حكم عليّ. [سورة يوسف (12) : آية 84] وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قوله تعالى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ أي: أعرض عن ولده أن يطيل معهم الخطب، وانفرد بحزنه، وهيَّج عليه ذِكر يوسف وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ قال ابن عباس: يا طول حزني على يوسف. قال ابن قتيبة: الأسف: أشد الحسرة. قال سعيد بن جبير: لقد أعطيت هذه الأمّة عند المصيبة ما لم يُعْطَ الأنبياء قبلهم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب، إِذ يقول: «يا أسفى على يوسف» . فإن قيل: هذا لفظ الشكوى، فأين الصبر؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه شكا إِلى الله تعالى، لا مِنْهُ. والثاني: أنه أراد به الدعاء، فالمعنى: يا ربّ ارحم أسفي على يوسف. وذكر ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: نداء يعقوب الأسف في اللفظ من المجاز الذي يُعنى به غير المظهر في اللفظ، وتلخيصه: يا إِلهي ارحم أسفي، أو أنت راءٍ أسفي، وهذا أسفي، فنادى الأسف في اللفظ، والمنادى في المعنى سواه، كما قال: «يا حسرتنا» والمعنى: يا هؤلاء تنبهوا على حسرتنا، قال: والحزن ونفور النفس من المكروه والبلاء لا عيب فيه ولا مأثم إِذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثِّم ولم يشكُ إِلا إِلى ربه، فلما كان قوله: «يا أسفى» شكوى إِلى ربه، كان غير ملوم. وقد روي عن الحسن أن أخاه مات، فجزع الحسن جزعاً شديداً، فعوتب في ذلك، فقال: ما وجدت الله عاب على يعقوب الحزن حيث قال: «يا أسفى على يوسف» . قوله تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ أي: انقلبت إِلى حال البياض. وهل ذهب بصره، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه ذهب بصره، قاله مجاهد. والثاني: ضعف بصره لبياضٍ تغشّاه من كثرة البكاء، ذكره الماوردي. وقال مقاتل: لم يُبصر بعينيه ست سنين. قال ابن عباس: وقوله: «من الحزن» أي: من البكاء، يريد أن عينيه ابيضتا لكثرة بكائه، فلما كان الحزن سبباً للبكاء، سمي البكاء حزناً. وقال ثابت البُناني: دخل جبريل على يوسف، فقال: أيها الملَك الكريم على ربه، هل لك علِم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: ما فعل؟ قال: ابيضت عيناه، قال: ما بلغ حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فهل له على ذلك من أجر؟ قال: أجر مائة شهيد. وقال الحسن البصري: ما فارق يعقوبَ الحزنُ ثمانين سنة، وما جفَّت عينه، وما أحد يومئذ أكرم على الله منه حين ذهب بصره. قوله تعالى: فَهُوَ كَظِيمٌ الكظيم بمعنى الكاظم، وهو الممسك على حزنه فلا يظهره، قاله ابن قتيبة، وقد شرحنا هذا عند قوله: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ «1» .
[سورة يوسف (12) : الآيات 85 إلى 87]
[سورة يوسف (12) : الآيات 85 الى 87] قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (85) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (86) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (87) قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ قال ابن الأنباري: معناه: والله، وجواب هذا القسم «لا» المضمرة التي تأويلها: تالله لا تفتأ، فلما كان موضعها معلوماً خفف الكلام بسقوطها من ظاهره، كما تقول العرب: والله أقصدك أبداً، يعنون: لا أقصدك، قال امرؤ القيس: فقلتُ يمينُ اللهِ أبرحُ قَاعِدَاً ... وَلَوْ قطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالي يريد: لا أبرح، وقالت الخنساء: فَأَقْسَمْتُ آسَى عَلَى هالك ... أو اسأل نائحة ما لها أرادت: لا آسى، وقال الآخر: لَمْ يَشْعُرِ النَّعْشُ مَا عَلَيْهِ مِن ال ... عُرْفِ وَلاَ الحاملون ما حملوا تاللهِ أَنْسَى مُصِيْبتي أَبَدَاً ... مَا أَسْمَعَتْني حَنِيْنَها الإِبِلُ وقرأ أبو عمران، وابن محيصن، وأبو حياة: «قالوا بالله» بالباء، وكذلك كل قسم في القرآن. وأما قوله: «تفتأ» فقال المفسرون وأهل اللغة: معنى «تفتأ» تزال، فمعنى الكلام: لا تزال تذكر يوسف، وأنشد أبو عبيدة: فَمَا فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وتدَّعي ... ويَلْحَقُ منها لاَحِقٌ وتقطّع «1» وأنشد أبو القاسم: فَمَا فَتِئَتْ مِنَّا رِعَالٌ كَأنَّها ... رِعَالٌ القَطَا حَتَّى احْتَوَيْنَ بني صَخْرِ قوله تعالى: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً. فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه الدَّنِف، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال ابن قتيبة: يقال: أحرضه الحزن، أي: أدنفه. قال أبو عبيدة: الحرض: الذي قد أذابه الحزن أو الحُب، وهي في موضع مُحْرَض. وأنشد: إِني امرؤٌ لجَّ بي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي ... حَتى بَلِيتُ وحَتَى شفَّني السَّقَم «2» أي: أذابني. وقال الزجاج: الحرض: الفاسد في جسمه، والمعنى: حتى تكون مدنفاً مريضاً. والثاني: أنه الذاهب العقل، قاله الضحاك عن ابن عباس. وقال ابن إِسحاق: الفاسد العقل. قال الزجاج: وقد يكون الحرض: الفاسد في أخلاقه. والثالث: أنه الفاسد في جسمه وعقله، يقال: رجل حارض وحرض، فحارض يثنَّي ويُجمع ويُؤنث، وحرض لا يُجمع ولا يثنَّى، لأنه مصدر، قاله الفراء. والرابع: أنه الهرم، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد. قوله تعالى: أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ يعنون: الموتى. فان قيل: كيف حلفوا على شيء يجوز
أن يتغير؟ فالجواب: أن في الكلام إِضماراً، تقديره: إِن هذا في تقديرنا وظننا. قوله تعالى: نَّما أَشْكُوا بَثِّي قال ابن قتيبة: البثُّ: أشد الحزن، سمي بذلك، لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثّه. قوله تعالى: لَى اللَّهِ المعنى: إِني لا أشكو إِليكم، وذلك لما عنَّفوه بما تقدم ذِكره. (819) وروى الحاكم أبو عبد الله في «صحيحه» من حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «كان ليعقوب أخ مؤاخٍ، فقال له ذات يوم: يا يعقوب، ما الذي أذهب بصرك؟ وما الذي قوَّس ظهرك؟ قال: أمَّا الذي أذهب بصري، فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوَّس ظهري، فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل، فقال: يا يعقوب إِن الله يقرئك السلام ويقول لك: أما تستحي أن تشكو إِلى غيري؟ فقال: إِنما أشكو بثّي وحزني إِلى الله، فقال جبريل: الله أعلم بما تشكو، ثم قال يعقوب: أي رب، أما ترحم الشيخ الكبير؟ أذهبتَ بصري، وقوَّستَ ظهري، فاردد عليَّ ريحاني أشمه شمَّة قبل الموت، ثم اصنع بي يا رب ما شئت، فأتاه جبريل، فقال: يا يعقوب، إِن الله يقرأ عليك السّلام ويقول: أبشر، فو عزّتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك، اصنع طعاماً للمساكين، فإن أحب عبادي إِليّ المساكين، وتدري لم أذهبتُ بصرك، وقوّست ظهرك، وصنع إِخوة يوسف بيوسف ما صنعوا؟ لأنكم ذبحتم شاة، فأتاكم فلان المساكين وهو صائم، فلم تطعموه منها. فكان يعقوب، بعد ذلك إِذا أراد الغداء أمر منادياً فنادى: ألا مَن أراد الغداء من المساكين فليتغدَّ مع يعقوب، وإِذا كان صائماً أمر منادياً فنادى: من كان صائماً فليُفطر مع يعقوب. وقال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إِلى يعقوب: أتدري لم عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة؟ قال: لا، قال: لأنك شويت عناقاً وقتَّرت على جارك وأكلت ولم تطعمه» . وذكر بعضهم أن السبب في ذلك أن يعقوب ذبح عجل بقرة بين يديها، وهي تخور، فلم يرحمها. فإن قيل: كيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكاً؟ فقد ذكر المفسرون عنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك عن أمر الله تعالى، وهو الأظهر. والثاني: لئلّا يظنّ الملك بتعجيل
[سورة يوسف (12) : الآيات 88 إلى 93]
استدعائه أهله، شدة فاقتهم. والثالث: أنه أحب بعد خروجه من السجن أن يدرِّج نفسه إِلى كمال السرور. والصحيح أن ذلك كان عن أمر الله تعالى، ليرفع درجة يعقوب بالصبر على البلاء. وكان يوسف يلاقي من الحزن لأجل حزن أبيه عظيماً، ولا يقدر على دفع سببه. قوله تعالى: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فيه أربعة أقال: أحدها: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأنّا سنسجد له، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أعلم من سلامة يوسف ما لا تعلمون. قال ابن السائب: وذلك أن ملك الموت أتاه، فقال له يعقوب: هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا. والثالث: أعلم من رحمة الله وقدرته ما لا تعلمون، قاله عطاء. والرابع: أنه لما أخبره بنوه بسيرة العزيز، طمع أن يكون هو يوسف، قاله السدي، قال: ولذلك قال لهم: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا. وقال وهب بن منبه: لما قال له ملك الموت: ما قبضت روح يوسف، تباشر عند ذلك، ثم أصبح، فقال لبنيه: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ. قال أبو عبيدة: «تحسسوا» أي: تخبَّروا والتمِسوا في المظانّ. فان قيل: كيف قال: «من يوسف» والغالب أن يقال: تحسست عن كذا؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري: أحدهما: أن المعنى: عن يوسف، ولكن نابت عنها «من» كما تقول العرب: حدثني فلان من فلان، يعنون عنه. والثاني: أن «مِن» أوثرت للتبعيض، والمعنى: تحسَّسُوا خبراً من أخبار يوسف. قوله تعالى: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: من رحمة الله، قاله ابن عباس، والضحاك. والثاني: من فرج الله، قاله ابن زيد. والثالث: من توسعة الله، حكاه ابن القاسم. قال الأصمعي: الروح: الاستراحة من غم القلب. وقال أهل المعاني: لا تيأسوا من الروح الذي يأتي به الله، إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ لأن المؤمن يرجو الله في الشدائد. [سورة يوسف (12) : الآيات 88 الى 93] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (91) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) قوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ في الكلام محذوف، تقديره: فخرجوا إِلى مصر، فدخلوا على يوسف، ف قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ وكان يسمُّون ملكهم بذلك، مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ يعنون الفقر والحاجة «1» وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ. وفي ماهية تلك البضاعة سبعة أقوال: أحدها: أنها كانت دراهم،
رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: أنها كانت متاعاً رثّاً كالحبل والغرارة، رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس. والثالث: كانت أَقِطاً «1» ، قاله الحسن. والرابع: كانت نعالاً وأدَماً، رواه جويبر عن الضحاك. والخامس: كانت سويق المُقْل، روي عن الضحاك أيضاً. والسادس: حبة الخضراء وصنوبر، قاله أبو صالح. والسابع: كانت صوفاً وشيئاً من سمن، قاله عبد الله بن الحارث. وفي المزجاة خمسة أقوال: أحدها: أنها القليلة. روى العوفي عن ابن عباس قال: دراهم غير طائلة، وبه قال مجاهد، وابن قتيبة. قال الزجاج: تأويله في اللغة أن التزجية: الشيء الذي يدافَع به، يقال: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي به، فالمعنى: جئنا ببضاعة إِنما ندافع بها ونتقوَّت، وليست مما يُتَّسع به، قال الشاعر: الوَاهِبُ المائَةَ الهِجَانَ وَعَبْدَهَا ... عُوذَاً تُزَجِّي خَلْفَهَا أَطْفَالَهَا «2» أي: تدفع أطفالها. والثاني: أنها الرديئة، رواه الضحاك عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: إِنما قيل للرديئة: مزجاة، لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها، قال: وهي من الإِزجاء، والإِزجاء عند العرب: السَّوق والدفع، وأنشد: لِيَبْكِ على مِلحانَ ضيفٌ مُدفَّع ... وَأَرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أَرْمَلاَ «3» أي: تسوقه. والثالث: الكاسدة، رواه الضحاك أيضاً عن ابن عباس. والرابع: الرثّة، وهي المتاع الخَلَق، رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس. والخامس: الناقصة، رواه أبو حصين عن عكرمة. قوله تعالى: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ أي: أتمه لنا ولا تنقصه لرداءة بضاعتنا. قوله تعالى: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: تصدَّق علينا بما بين سعر الجياد والرديئة، قاله سعيد بن جبير، والسدي. قال ابن الأنباري: كان الذي سألوه من المسامحة يشبه التصدُّق، وليس به. والثاني: بردّ أخينا، قاله ابن جريج، قال: وذلك أنهم كانوا أنبياء، والصَّدَقَةُ لا تحل للأنبياء. والثالث: وتصدَّق علينا بالزيادة على حقِّنا، قاله ابن عيينة، وذهب إِلى أن الصدقة قد كانت تحل للأنبياء قبل نبيّنا صلّى الله عليه وسلم، حكاه عنه أبو سليمان الدمشقي، وأبو الحسن الماوردي، وأبو يعلى بن الفراء. قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ أي: بالثواب. قال الضحاك: لم يقولوا: إِن الله يجزيك إِن تصدقت علينا، لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن. قوله تعالى: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ في سبب قوله لهم هذا، ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أخرج إِليهم نسخة الكتاب الذي كتبوه على أنفسهم ببيعه من مالك بن ذعر، وفي آخر الكتاب: «وكتب يهوذا» فلمّا قرءوا الكتاب اعترفوا بصحته وقالوا: هذا كتاب كتبناه على أنفسنا عند بيع عبدٍ كان لنا، فقال يوسف عند ذلك: إِنكم تستحقون العقوبة، وأمر بهم ليُقتَلوا، فقالوا: إِن كنت فاعلاً، فاذهب بأمتعتنا إِلى يعقوب، ثم أقبل يهوذا على بعض إِخوته، وقال: قد كان أبونا متصل الحزن لفقد واحد من ولده، فكيف به إِذا أُخبر بهُلكنا أجمعين؟ فرقَّ يوسف عند ذلك وكشف لهم أمره، وقال لهم هذا القول، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنهم لما قالوا: (مسَّنا وأهلنا الضرُّ) أدركته
الرحمة، فقال لهم هذا، قاله ابن إِسحاق. والثالث: أن يعقوب كتب إِليه كتاباً: إِن رددتَ ولدي، وإِلا دعوتُ عليك دعوةً تدرك السابعَ من ولدك، فبكى، وقال لهم هذا. وفي «هل» قولان: أحدهما: أنها استفهام لتعظيم القصة لا يراد به نفس الاستفهام. قال ابن الأنباري: والمعنى: ما أعظم ما ارتكبتم، وما أسمج ما آثرتم من قطيعة الرحم وتضييع الحق، وهذا مثل قول العربي: أتدري من عصيت؟ هل تعرف من عاديت؟ لا يريد بذلك الاستفهام، ولكن يريد تفظيع الأمر، قال الشاعر: أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي «1» لم يرد الاستفهام، إِنما أراد أن هذا غير مرجوٍّ عندهم. قال: ويجوز أن يكون المعنى: هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف وأخيه من تسليم الله لهما من المكروه؟ وهذه الآية تصديق قوله: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ. والثاني: أن «هل» بمعنى «قد» ، ذكره بعض أهل التفسير. فان قيل: فالذي فعلوا بيوسف معلوم، فما الذي فعلوا بأخيه، وما سعَوا في حبسه ولا أرادوه؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنهم فرَّقوا بينه وبين يوسف، فنغَّصوا عيشه بذلك. والثاني: أنهم آذوْهُ بعد فُقْدِ يوسف. والثالث: أنهم سبّوه لما قُذف بسرقة الصاع. وفي قوله: إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ أربعة أقوال: أحدها: إِذ أنتم صبيان، قاله ابن عباس. والثاني: مذنبون، قاله مقاتل. والثالث: جاهلون بعقوق الأب، وقطع الرحم، وموافقة الهوى. والرابع: جاهلون بما يؤول إِليه أمر يوسف، ذكرهما ابن الأنباري. قوله تعالى: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وابن محيصن: «إِنك» على الخبر، وقرأه آخرون بهمزتين محققتين، وأدخل بعضهم بينهما ألفاً «2» . واختلف المفسرون، هل عرفوه، أم شبّهوه؟ على قولين: أحدهما: أنهم شبّهوه بيوسف، قاله ابن عباس في رواية. والثاني: أنهم عرفوه، قاله ابن إِسحاق. وفي سبب معرفتهم له ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تبسم، فشبَّهوا ثناياه بثنايا يوسف، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنه كانت له علامة كالشامة في قرنه، وكان ليعقوب مثلها، ولإسحاق مثلها، ولسارة، فلما وضع التاج عن رأسه، عرفوه، رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث: أنه كشف الحجاب، فعرفوه، قاله ابن إِسحاق. قوله تعالى: قالَ أَنَا يُوسُفُ قال ابن الأنباري: إِنما أظهر الاسم، ولم يقل: أنا هو، تعظيماً لما وقع به من ظلم إِخوته، فكأنه قال: أنا المظلوم المستحَلُّ منه، المراد قتلُه، فكفى ظهور الاسم من هذه المعاني، ولهذا قال: وَهذا أَخِي وهم يعرفونه، وإِنما قصد: وهذا المظلوم كظلمي. قوله تعالى:
قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بخير الدنيا والآخرة. والثاني: بالجمع بعد الفرقة. والثالث: بالسلامة ثم بالكرامة. قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ قرأ ابن كثير في رواية قنبل: «من يتقي ويصبر» بياء في الوصل والوقف، وقرأ الباقون بغير ياء في الحالين. وفي معنى الكلام أربعة أقوال: أحدها: من يتق الزنى ويصبر على البلاء. والثاني: من يتّق الزّنى ويصبر على العزوبة. والثالث: من يتق الله ويصبر على المصائب، رويت هذه الأقوال عن ابن عباس. والرابع: من يتق معصية الله ويصبر على السجن، قاله مجاهد. قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي: أجر مَنْ كان هذا حاله. قوله تعالى: لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا أي: اختارك وفضَّلك. وبماذا عنوا أنه فضَّله فيه؟ أربعة أقوال: أحدها: بالملك، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: بالصبر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: بالحلم والصفح عنا، ذكره أبو سليمان الدمشقي. والرابع: بالعلم والعقل والحسن وسائر الفضائل التي أعطاه. قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ قال ابن عباس: لمذنبين آثمين في أمرك. قال ابن الأنباري: ولهذا اختير «خاطئين» على «مخطئين» ، وإِن كان «أخطأ» على ألسن الناس أكثر من «خطئ يخطأ» لأنّ معنى خطئ يخطأ، فهو خاطئ: آثم، ومعنى أخطأ يخطئ، فهو مخطئ: ترك الصواب ولم يأثم، قال الشاعر: عِبَادُكَ يخطئون وَأَنْتَ رَبٌّ ... بِكَفَّيْكَ المَنَايَا والحُتُومُ «1» أراد: يأثمون. قال: ويجوز أن يكون آثر «خاطئين» على «مخطئين» لموافقة رؤوس الآيات، لأن «خاطئين» أشبه بما قبلها. وذكر الفراء في معنى «إِن» قولين: أحدهما: وقد كنا خاطئين. والثاني: وما كنا إِلا خاطئين. قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ قال أبو صالح عن ابن عباس: لا أعيِّركم بعد اليوم بهذا أبداً. قال ابن الأنباري: إِنما أشار إِلى ذلك اليوم، لأنه أول أوقات العفو، وسبيل العافي في مثله أن لا يراجع عقوبة. وقال ثعلب: قد ثرَّب فلان على فلان: إِذا عدَّد عليه ذنوبه. وقال ابن قتيبة: لا تعيير عليكم بعد هذا اليوم بما صنعتم، وأصل التثريب: الإِفساد، يقال: ثرَّب علينا: إِذا أفسد. وفي الحديث: (820) «إِذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدَّ، ولا يثرِّب» أي: لا يعيِّرها بالزّنى. قال ابن عباس:
[سورة يوسف (12) : آية 94]
جعلهم في حِلّ، وسأل الله المغفرة لهم. وقال السدي: لما عرّفهم نفسه، سألهم عن أبيه، فقالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصَه، وقال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي وهذا القميص كان في قصبة من فضة معلَّقاً في عنق يوسف لما أُلقي في الجب، وكان من الجنة، وقد سبق ذكره. قوله تعالى: يَأْتِ بَصِيراً قال أبو عبيدة: يعود مبصراً. فان قيل: من أين قطع على الغيب؟ فالجواب: أن ذلك كان بالوحي إليه، قاله مجاهد. قوله تعالى: وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ قال الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنسانا. [سورة يوسف (12) : آية 94] وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قوله تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ أي: خرجت من مصر متوجهة إِلى كنعان. وكان الذي حمل القميص يهوذا. قال السدي: قال يهوذا ليوسف: أنا الذي حملت القميص إِلى يعقوب بدم كذب فأحزنتُه، وأنا الآن أحمل قميصك لأسرَّه، فحمله، قال ابن عباس: فخرج حافياً حاسراً يعدو، ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها. قوله تعالى: قالَ أَبُوهُمْ يعني يعقوب لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ومعنى أجد: أشم، قال الشاعر: وَلَيْسَ صَرِيْرُ النّعش ما تسمعونه ... وَلَكِنَّها أَصْلاَبُ قَوْمٍ تَقَصَّف «1» وَلَيْسَ فَتِيقُ المِسْكِ ما تجدونه ... وَلَكِنَّه ذَاكَ الثَّنَاءُ المُخلَّفُ فان قيل: كيف وجد يعقوب ريحه وهو بمصر، ولم يجد ريحه من الجب وبعد خروجه منه، والمسافة هناك أقرب؟ فعنه جوابان: أحدهما: أن الله أخفى أمر يوسف على يعقوب في بداية الأمر لتقع البلية التي يتكامل بها الأجر، وأوجده ريحه من المكان النازح عند تقضِّي البلاء ومجيء الفرج. والثاني: أن هذا القميص كان في قصبة من فضة معلقا في عنق يوسف على ما سبق بيانه، فلما نشره فاحت روائح الجنان في الدنيا فاتصلت بيعقوب، فعلم أن الرائحة من جهة ذلك القميص. قال مجاهد: هبت ريح فضربت القميص، ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة، فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إِلا ما كان من ذلك القميص، فمن ثم قال: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ. وقيل: إِن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل البشير فأذن لها، فلذلك يستروح كل محزون إِلى ريح الصبا، ويجد المكروبون لها رَوْحاً، وهي ريح لينة تأتي من ناحية المشرق، قال أبو صخر الهذلي: إِذا قُلْتُ هَذَا حِينَ أَسْلُو يَهِيْجُني ... نَسِيْمُ الصَّبا مِنْ حَيْثُ يطَّلِعُ الفَجْرُ قال ابن عباس: وجد ريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال ثمانين فرسخاً. قوله تعالى: لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ فيه خمسة أقوال: أحدها: تُجهِّلونِ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن
[سورة يوسف (12) : آية 95]
عباس، وبه قال مقاتل. والثاني: تسفِّهونِ، رواه عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وقتادة، ومجاهد في رواية. وقال في رواية أخرى: لولا أن تقولوا: ذهب عقلك. والثالث: تكذِّبونِ، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك. والرابع: تهرِّمونِ، قاله الحسن، ومجاهد في رواية. قال ابن فارس: الفَنَد: إِنكار العقل من هرم. والخامس: تعجِّزونِ، قاله ابن قتيبة. وقال أبو عبيدة: تسفِّهون وتعجِّزون وتلومون، وأنشد: يا صاحبيّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي ... فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرٍ بِمَرْدُودِ «1» قال ابن جرير: وأصل التفنيد: الإِفساد، وأقوال المفسرين تتقارب معانيها «2» ، وسمعت الشيخ أبا محمّد بن الخشاب يقول: قوله: «لولا أن تفنِّدون» فيه إضمار تقديره: لأخبرتكم أنه حيّ. [سورة يوسف (12) : آية 95] قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95) قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ قال ابن عباس: بنو بنيه خاطبوه بهذا، وكذلك قال السدي: هذا قول بني بنيه، لأن بنيه كانوا بمصر. وفي معنى هذا الضلال ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بمعنى الخطأ، قاله ابن عباس، وابن زيد. والثاني: أنه الجنون، قاله سعيد بن جبير. والثالث: الشقاء والعناء، قاله مقاتل، يريد بذلك شقاء الدنيا. [سورة يوسف (12) : الآيات 96 الى 98] فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (96) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (97) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ فيه قولان: أحدهما: أنه يهوذا، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال وهب بن منبه، والسدي، والجمهور. والثاني: أنه شمعون، قاله الضحاك. فان قيل: ما الفرق بين قوله ها هنا: فَلَمَّا أَنْ جاءَ وقال في موضع: فَلَمَّا جاءَهُمْ «3» . فالجواب: أنهما لغتان لقريش خاطبهم الله بهما جميعاً، فدخول «أن» لتوكيد مُضِّي الفعل، وسقوطها للاعتماد على إِيضاح الماضي بنفسه، ذكره ابن الأنباري «4» . قوله تعالى: أَلْقاهُ يعني القميص عَلى وَجْهِهِ يعني يعقوب فَارْتَدَّ بَصِيراً، الارتداد: رجوع الشيء إِلى حال قد كان عليها. قال ابن الأنباري: إِنما قال: ارتد، ولم يقل: رُدَّ، لأن هذا من الأفعال المنسوبة إِلى المفعولِين، كقولهم: طالت النخلة، والله أطالها، وتحركت الشجرة، والله قد
حركها. قال الضحاك: رجع إِليه بصره بعد العمى، وقوّته بعد الضعف، وشبابه بعد الهرم، وسروره بعد الحزن. وروى يحيى بن يمان عن سفيان قال: لما جاء البشيرُ يعقوبَ، قال: على أيِّ دين تركت يوسف؟ قال: على الإِسلام، قال: الآن تمت النعمة. قوله تعالى: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فيه أقوال قد سبق ذكرها قبل هذا بقليل. قوله تعالى: يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا سألوه أن يستغفر لهم ما أتوا، لأنه نبيّ مجاب الدعوة. قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي في سبب تأخيره لذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أخَّرهم لانتظار الوقت الذي هو مَظِنَّة الإِجابة، ثم فيه ثلاثة أقوال: (821) أحدها: أنه أخَّرهم إِلى ليلة الجمعة، رواه ابن عباس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم. قال وهب: كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيِّف وعشرين سنة «1» . والثاني: إِلى وقت السّحَر من ليلة الجمعة، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال طاوس: فوافق ذلك ليلة عاشوراء. والثالث: إِلى وقت السَّحَر، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال ابن مسعود، وابن عمر، وقتادة، والسدي، ومقاتل. قال الزجاج: إِنما أراد الوقت الذي هو أخلق لإِجابة الدعاء، لا أنه ضَنَّ عليهم بالاستغفار، وهذا أشبه بأخلاق الأنبياء عليهم السلام. والقول الثاني: أنه دفعهم عن التعجيل بالوعد. قال عطاء الخراساني: طلبُ الحوائج إِلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألا ترى إِلى قول يوسف: (لا تثريب عليكم اليوم) وإِلى قول يعقوب: (سوف أستغفر لكم ربي) . والثالث: أنه أخَّرهم ليسأل يوسف، فان عفا عنهم، استغفر لهم، قاله الشعبي. وروي عن أنس بن مالك أنهم قالوا: يا أبانا إِنْ عفا الله عنا، وإِلا فلا قُرَّة عين لنا في الدنيا، فدعا يعقوبُ وأمَّن يوسف، فلم يُجب فيهم عشرين سنة، ثم جاء جبريل فقال: إِن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعفا عما صنعوا به، واعتقد مواثيقهم من بَعْدُ على النبوَّة. قال المفسرون: وكان يوسف قد بعث مع البشير إِلى يعقوب جَهازاً ومائتي راحلة، وسأله أن يأتيه بأهله وولده. فلما ارتحل يعقوب ودنا
[سورة يوسف (12) : آية 99]
من مصر، استأذن يوسف الملِك الذي فوقه في تلقِّي يعقوب، فأذن له، وأمر الملأ من أصحابه بالركوب معه، فخرج في أربعة آلاف من الجند، وخرج معهم أهل مصر. وقيل: إِن الملك خرج معهم أيضاً. فلما التقى يعقوب ويوسف، بكيا جميعاً، فقال يوسف: يا أبت بكيتَ عليَّ حتى ذهب بصرك، أما علمتَ أن القيامة تجمعني وإِياك؟ قال: أي بني، خشيت أن تسلب دينك فلا نجتمع. وقيل: إِن يعقوب ابتدأه بالسلام، فقال: السّلام عليك يا مذهب الأحزان. [سورة يوسف (12) : آية 99] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) قوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ يعني: يعقوب وولده. وفي هذا الدخول قولان: أحدهما: أنه دخول أرض مصر، ثم قال لهم: ادْخُلُوا مِصْرَ يعني البلد. والثاني: أنه دخول مصر، ثم قال لهم: «ادخلوا مصر» أي: استوطنوها. وفي قوله تعالى: آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ قولان: أحدهما: أبوه وخالته، لأن أمه كانت قد ماتت، قاله ابن عباس والجمهور. والثاني: أبوه وأمه، قاله الحسن، وابن إسحاق. وفي قوله تعالى: إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ أربعة أقوال «1» : أحدها: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، فالمعنى: سوف أستغفر لكم ربي إِن شاء الله، إِنه هو الغفور الرحيم، هذا قول ابن جريج. والثاني: أن الاستثناء يعود إِلى الأمن. ثم فيه قولان: أحدهما: أنه لم يثق بانصراف الحوادث عنهم. والثاني: أن الناس كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، فلا يدخلون إِلا بجوارهم. والثالث: أنه يعود إِلى دخول مصر، لأنه قال لهم هذا حين تلقَّاهم قبل دخولهم، على ما سبق بيانه. والرابع: أن «إِن» بمعنى: «إِذ» : كقوله إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً «2» . قال ابن عباس: دخلوا مصر يومئذ وهم نيّف وسبعون بين ذكر وأنثى. وقال ابن مسعود: دخلوا وهم ثلاثة وتسعون، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا «3» . [سورة يوسف (12) : الآيات 100 الى 101] وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) قوله تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ في «أبويه» قولان: قد تقدما في الآية التي قبلها. والعرش ها هنا: سرير المملكة، أجلس أبويه عليه وَخَرُّوا لَهُ يعني: أبويه وإِخوته. وفي هاء «له» قولان:
أحدهما: أنها ترجع إِلى يوسف، قاله الجمهور. قال أبو صالح عن ابن عباس: كان سجودهم كهيئة الركوع كما يفعل الأعاجم. وقال الحسن: أمرهم الله بالسجود لتأويل الرؤيا. قال ابن الأنباري: سجدوا له على جهة التحية لا على معنى العبادة، وكان أهل ذلك الدهر يحيِّى بعضهم بعضاً بالسجود والانحناء، فحظره رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فروى أنس بن مالك قال: (822) «قال رجل: يا رسول الله! أحدنا يلقى صديقه، أينحني له؟ قال: لا» . والثاني: أنها ترجع إِلى الله، فالمعنى: وخرُّوا لله سجَّداً، رواه عطاء، والضحاك عن ابن عباس، فيكون المعنى: أنهم سجدوا شكراً لله إِذ جمع بينهم وبين يوسف. قوله تعالى: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ أي: تصديق ما رأيت، وكان قد رآهم في المنام يسجدون له، فأراه الله ذلك في اليقظة. واختلفوا فيما بين رؤياه وتأويلها على سبعة أقوال: أحدها: أربعون سنة، قاله سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد بن الهاد ومقاتل. والثاني: اثنتان وعشرون سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: ثمانون سنة، قاله الحسن والفضيل بن عياض. والرابع: ست وثلاثون سنة، قاله سعيد بن جبير وعكرمة والسدي. والخامس: خمس وثلاثون سنة، قاله قتادة. والسادس: سبعون سنة، قاله عبد الله بن شوذب. والسابع: ثماني عشرة سنة، قاله ابن إِسحاق. قوله تعالى: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي أي: إِليّ. والبَدْوُ: البَسْطُ من الأرض. وقال ابن عباس: البدو: البادية، وكانوا أهل عمود وماشية. قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي أي: أفسد بيننا. قال أبو عبيدة: يقال: نزغ بينهم يَنْزَغ، أي: أفسد وهيَّج، وبعضهم يكسر زاي ينزِغ. إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ أي: عالم بدقائق الأمور. وقد شرحنا معنى «اللطيف» في سورة (الأنعام) «1» . فان قيل: قد توالت على يوسف نعم جمّة، فما السّرّ في اقتصاره على ذكر السّجن، وهلّا ذكر الجبّ، وهو أصعب؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه ترك ذِكر الجُبِّ تكرماً، لئلا يذكِّر إِخوته صنيعهم، وقد قال (لا تثريب عليكم اليوم) . والثاني: أنه خرج من الجُبِّ إِلى الرق، ومن السجن إِلى الملك، فكانت هذه النعمة أوفى. والثالث: أن طول لبثه في السجن كان عقوبة له، بخلاف الجُبِّ، فشكر الله على عفوه.
[سورة يوسف (12) : آية 102]
قال العلماء بالسِّيَر: أقام يعقوب بعد قدومه مصر أربعاً وعشرين سنة. وقال بعضهم: سبع عشرة سنة في أهنأ عيش، فلما حضرته الوفاة أوصى إِلى يوسف أن يُحمَل إِلى الشام حتى يدفنه عند أبيه إِسحاق، ففعل به ذلك، وكان عمره مائة وسبعاً وأربعين سنة، ثم إِن يوسف تاق إِلى الجنة، وعلم أن الدنيا لا تدوم فتمنَّى الموت، قال ابن عباس، وقتادة: ولم يتمنَّ الموتَ نبيّ قبله، فقال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ يعني: ملك مصر وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وقد سبق تفسيرها، وفي «مِنْ» قولان: أحدهما: أنها صلة، قاله مقاتل. والثاني: أنها للتبعيض، لأنه لم يؤتَ كلَّ الملك، ولا كلَّ تأويل الأحاديث. قوله تعالى: فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قد شرحناه في (الأنعام) «1» . أَنْتَ وَلِيِّي أي: الذي تلي أمري. تَوَفَّنِي مُسْلِماً قال ابن عباس: يريد: لا تسلبني الإِسلام حتى تتوفاني عليه. وكان ابن عقيل يقول: لم يتمنَّ يوسف الموت، وإِنما سأل أن يموت على صفة، والمعنى: توفني إِذا توفيتني مسلماً، وهذا الصحيح «2» . قوله تعالى: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ والمعنى: ألحقني بدرجاتهم، وفيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل الجنة، قاله عكرمة. والثاني: آباؤه إِبراهيم وإِسحاق ويعقوب، قاله الضحاك، قالوا: فلما احتُضر يوسف، أوصى إِلى يهوذا، ومات، فتشاحَّ الناس في دفنه، كل يُحبُّ أن يُدفن في محلَّته رجاءَ البركة، فاجتمعوا على دفنه في النيل ليمر الماء عليه ويصل إِلى الجميع، فدفنوه في صندوق من رخام، فكان هنالك إِلى أن حمله موسى حين خرج من مصر ودفنه بأرض كنعان. قال الحسن: مات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة. وذكر مقاتل أنه مات بعد يعقوب بسنتين. [سورة يوسف (12) : آية 102] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر يوسف وإِخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنك، فأنزلته عليك دليلاً على نبوَّتك. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ أي: عند إِخوة يوسف إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ أي: عزموا على إِلقائه في الجب وَهُمْ يَمْكُرُونَ بيوسف. وفي هذا احتجاج على صحة نبوّة نبيّنا عليه السّلام، لأنه لم يشاهد تلك القصة، ولا كان يقرأ الكتاب، وقد أخبر عنها بهذا الكلام المعجز، فدلّ على أنه أخبر بوحي. [سورة يوسف (12) : الآيات 103 الى 104] وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (104) قوله تعالى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ قال ابن الأنباري: إِن قريشاً واليهود سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وإِخوته، فشرحها شرحاً شافياً، وهو يؤمّل أن يكون ذلك سببا
[سورة يوسف (12) : آية 105]
لإسلامهم، فخالفوا ظنّه، فحزن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فعزَّاه الله تعالى بهذه الآية «1» . قال الزجاج: ومعناها: وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن تهديهم. وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ أي: على القرآن وتلاوته وهدايتك إِياهم مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ أي: ما هو إِلا تذكرة لهم لما فيه صلاحهم ونجاتهم. [سورة يوسف (12) : آية 105] وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (105) قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ أي: وكم مِنْ آيَةٍ أي: علامة ودلالة تدلهم على توحيد الله، من أمر السّماوات والأرض، يَمُرُّونَ عَلَيْها أي: يتجاوزونها غير مفكّرين ولا معتبرين. [سورة يوسف (12) : آية 106] وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) قوله تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المشركون، ثم في معناها المتعلق بهم قولان: أحدهما: أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم وهم يشركون به، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، وقتادة. والثاني: أنها نزلت في تلبية مشركي العرب، كانوا يقولون: لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك، إِلا شريكاً هو لكْ، تملكه وما ملك، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنهم النصارى، يؤمنون بأنه خالقهم ورازقهم، ومع ذلك يشركون به، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنهم المنافقون، يؤمنون في الظاهر رئاء للناس، وهم في الباطن مشركون، قاله الحسن. فان قيل: كيف وصف المشرك بالإِيمان؟ فالجواب: أنه ليس المراد به حقيقة الإِيمان، وإِنما المعنى: أن أكثرهم، مع إِظهارهم الإيمان بألسنتهم، مشركون. [سورة يوسف (12) : آية 107] أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (107) قوله تعالى: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ قال ابن قتيبة: الغاشية: المجلِّلة تغشاهم. وقال الزجاج: المعنى: يأتيهم ما يغمرهم من العذاب. والبغتة: الفجأة من حيث لم تتوقّع. [سورة يوسف (12) : آية 108] قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) قوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي المعنى: قل يا محمد للمشركين: هذه الدعوة التي أدعو إِليها، والطريقة التي أنا عليها، سبيلي، أي: سُنَّتي ومنهاجي. والسبيل تذكَّر وتؤنَّث، وقد ذكرنا ذلك في (آل عمران) «2» . أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أي: على يقين. قال ابن الأنباري: وكل مسلم لا يخلو من الدعاء إلى الله عزّ وجلّ، لأنه إِذا تلا القرآن، فقد دعا إِلى الله بما فيه. ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: إِلَى اللَّهِ ثم ابتدأ فقال: عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي «3» .
[سورة يوسف (12) : آية 109]
قوله تعالى: وَسُبْحانَ اللَّهِ المعنى: وقل: سبحان الله تنزيها له عمّا أشركوا. [سورة يوسف (12) : آية 109] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا هذا نزل من أجل قولهم: هلاّ بعث الله ملكاً، فالمعنى: كيف تعجَّبوا من إِرسالنا إِياك، وسائر الرسل كانوا على مثل حالك «يوحى إِليهم» ، وقرأ حفص عن عاصم: «نوحي» بالنون. والمراد بالقرى: المدائن. وقال الحسن: لم يبعث الله نبيّاً من أهل البادية، ولا من الجن، ولا من النساء، قال قتادة: لأن أهل القرى أعلم وأحلم من اهل العَمود. قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: المشركين المنكرين نبوَّتك فَيَنْظُرُوا إِلى مصارع الأمم المكذِّبة فيعتبروا بذلك. وَلَدارُ الْآخِرَةِ يعني: الجنة خَيْرٌ من الدنيا لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك. قال الفراء: أضيفت الدار إِلى الآخرة، وهي الآخرة، لأن العرب قد تضيف الشيء إِلى نفسه إِذا اختلف لفظه، كقوله: لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ «1» والحق: هو اليقين، وقولهم: أتيتك عام الأول، ويوم الخميس. قوله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ قرأ أهل المدينة، وابن عامر، وحفص، والمفضَّل، ويعقوب: تَعْقِلُونَ بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء، والمعنى: أفلا يعقلون هذا فيؤمنوا. [سورة يوسف (12) : آية 110] حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ المعنى متعلق بالآية الأولى، فتقديره: وما أرسلنا من قبلك إِلا رجالاً، فدعَوا قومهم، فكذَّبوهم، وصبروا وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم، حتى إِذا استيأس الرسل، وفيه قولان: أحدهما: استيأسوا من تصديق قومهم، قاله ابن عباس. والثاني: من أن نعذِّب قومهم، قاله مجاهد. وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «كُذِّبوا» مشددة الذال مضمومة الكاف «2» ، والمعنى: وتيقَّن الرسل أن قومهم قد كذَّبوهم، فيكون الظّنّ ها هنا بمعنى اليقين، هذا قول الحسن، وعطاء، وقتادة. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائيّ: «كذبوا» خفيفة،
[سورة يوسف (12) : آية 111]
والمعنى: ظن قومهم أن الرسل قد كُذِبوا فيما وُعدوا به من النصر، لأن الرسل لا يظنون ذلك. وقرأ أبو رزين، ومجاهد، والضحاك: «كَذَبوا» بفتح الكاف والذال خفيفة، والمعنى: ظن قومهم أيضاً أنهم قد كَذَبوا، قاله الزجاج. قوله تعالى: جاءَهُمْ نَصْرُنا يعني: الرسل فَنُجِّيَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «فننجي» بنونين «1» ، الأولى مضمومة والثانية ساكنة والياء ساكنة. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر، وحفص، جميعاً عن عاصم، ويعقوب: «فَنُجِّيَ» مشدده الجيم مفتوحة الياء بنون واحدة، يعني: المؤمنين، نجوا عند نزول العذاب. [سورة يوسف (12) : آية 111] لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) قوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ أي: في خبر يوسف وإِخوته. وروى عبد الوارث كسر القاف، وهي قراءة قتادة، وأبي الجوزاء. عِبْرَةٌ أي: عظة لِأُولِي الْأَلْبابِ أي: لذوي العقول السليمة، وذلك من وجهين: أحدهما: ما جرى ليوسف من إِعزازه وتمليكه بعد استعباده، فإنَّ من فَعَلَ ذلك به قادر على إعزاز محمّد صلّى الله عليه وسلم وتعلية كلمته. والثاني: أن من تفكَّر، علم أنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلم مع كونه أمَّياً، لم يأت بهذه القصة على موافقة ما في التوراة مِنْ قِبَل نفسه، فاستدل بذلك على صحة نبوَّته. قوله تعالى: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى في المشار إِليه قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله قتادة. والثاني: ما تقدم من القصص، قاله ابن إِسحاق. فعلى القول الأول، يكون معنى قوله: وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: ولكن كان تصديقا لما بين يديه من الكتاب وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يُحتاج إِليه من أمور الدين وَهُدىً بياناً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: يصدّقون بما جاء به محمّد صلّى الله عليه وسلم. وعلى القول الثاني: وتفصيل كل شيء من نبأ يوسف وإخوته.
سورة الرعد
سورة الرّعد (فصل في نزولها:) اختلفوا في نزولها على قولين: أحدهما: أنها مكّيّة، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، وقتادة. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكّيّة، إلّا آيتين منها، قوله تعالى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ «1» إلى آخر الآية، وقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا «2» . والثاني: أنها مدنيّة، رواه عطاء الخراسانيّ عن ابن عباس، وبه قال جابر بن زيد. وروي عن ابن عباس أنها مدنيّة، إلّا آيتين نزلتا بمكّة، وهما قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ «3» إلى آخرها. وقال بعضهم: المدنيّ منها قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ إلى قوله تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ «4» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 2] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) قوله تعالى: المر قد ذكرنا في سورة (البقرة) جملةً من الكلام في معاني هذه الحروف. وقد روي عن ابن عباس في تفسير هذه الكلمة ثلاثة أقوال «5» : أحدها: أن معناها: أنا الله أعلم وأرى، رواه
[سورة الرعد (13) : آية 3]
أبو الضحى عنه. والثاني: أنا الله أرى، رواه سعيد بن جبير عنه. والثالث: أنا الله الملِك الرحمن، رواه عطاء عنه. قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ في «تلك» قولان، وفي «الكتاب» قولان قد تقدمت في أول «يونس» «1» . قوله تعالى: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: القرآن وغيره من الوحي وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ قال ابن عباس: يعني: أهل مكة. قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون، عرَّف الدليل الذي يوجب التّصديق بالخالق فقال عزّ وجلّ: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ قال أبو عبيدة: العَمَد: متحرك الحروف بالفتحة وبعضهم يحركها بالضمة، لأنها جمع عمود، وهو القياس، لأن كل كلمة هجاؤها أربعة أحرف الثالث منها ألِف أو ياء أو واو، فجميعه مضموم الحروف، نحو رسول، والجمع: رسل، وحمار، والجمع: حُمُر، غير أنه قد جاءت أسامي استعملوا جميعها بالحركة والفتحة، نحو عمود، وأديم، وإِهاب، قالوا: أَدَم، وأَهَب. ومعنى «عمدٍ» : سَوارٍ، ودعائم، وما يَعْمِد البناء. وقرأ أبو حياة: «بغير عُمُد» بضم العين والميم. وفي قوله تعالى: تَرَوْنَها قولان: أحدهما: أن هاء الكناية ترجع إلى السّماوات، فالمعنى: ترونها بغير عَمَد، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، والجمهور. وقال ابن الأنباري: «ترونها» خبر مستأنف، والمعنى: رفع السّماوات بلا دعامة تمسكها، ثم قال: «ترونها» أي: ما تشاهدون من هذا الأمر العظيم، يغنيكم عن إِقامة الدلائل عليه. والثاني: أنها ترجع إِلى العَمَد، فالمعنى: إِنها بعمد لا ترونها، رواه عطاء والضحاك عن ابن عباس، وقال: لها عَمَد على قاف، ولكنكم لا ترون العَمَد، وإِلى هذا القول ذهب مجاهد، وعكرمة، والأول أصح «2» . قوله تعالى: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ اي: ذلَّلهما لما يُراد منهما كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي: إِلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي: يصرِّفه بحكمته. يُفَصِّلُ الْآياتِ أي: يبيِّن الآيات التي تدل أنه قادر على البعث لكي توقنوا بذلك. وقرأ أبو رزين، وقتادة، والنخعي: «ندبِّر الأمر نفصِّل الآيات» بالنون فيهما. [سورة الرعد (13) : آية 3] وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)
[سورة الرعد (13) : آية 4]
قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ قال ابن عباس: بسطها على الماء. وقوله تعالى: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ قال الزجاج: أي جبالا ثوابت، يقال: رسا الشيء يرسو رسوّا، فهو راس: إذا ثبت. جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أي: نوعين: والزوج: الواحد الذي له قرين من جنسه. قال المفسرون: ويعني بالزوجين: الحلو والحامض، والعذب والملح، والأبيض والأسود. قوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ قد شرحناه في سورة الأعراف «1» . [سورة الرعد (13) : آية 4] وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ فيها قولان: أحدهما: أنها الأرض السَّبِخة، والأرض العذبة، تنبت هذه، وهذه إِلى جنبها لا تنبت، هذا قول ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، والضحاك. والثاني: أنها القرى المتجاورات، قاله قتادة، وابن قتيبة، وهو يرجع إِلى معنى الأول «2» . قوله تعالى: وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ رفعاً في الكُلِّ. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان» خفضاً في الكُلِّ. قال أبو علي: من رفع، فالمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وجنَّات، وفي الأرض زرع، ومن خفض حمله على الأعناب، فالمعنى: جنَّاتٌ من أعناب، ومن زرع، ومن نخيل «3» . قوله تعالى: صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ هذا من صفة النخيل. قال الزجاج: الصنوان: جمع صِنْوٍ وصُنْوٍ، ومعناه: أن يكون الأصل واحداً وفيه النخلتان والثلاثُ والأربع. وكذلك قال المفسرون: الصنوان: النخل المجتمع وأصله واحد، وغير صنوان: المتفرِّق. وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي، وابن جبير، وقتادة: «صُنوانٌ» بضم الصاد. قال الفراء: لغة أهل الحجاز «صِنوانٍ» بكسر الصاد، وتميم وقيس يضمون الصاد. قوله تعالى: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، «تسقى» بالتاء، «ونفضّل»
[سورة الرعد (13) : آية 5]
بالنون. وقرأ حمزة، والكسائي «تسقى» بالتاء أيضاً، لكنهما أمالا القاف. وقرأ الحسن «ويفضِّل» بالياء. وقرأ عاصم، وابن عامر «يُسقى» بالياء، «ونفضِّل» بالنون، وكلُّهم كسر الضاد. وروى الحلبي عن عبد الوارث ضمَّ الياء من «يُفضَّل» وفتح الضاد، «بعضُها» برفع الضاد. وقال الفراء: من قرأ «تُسقى» بالتاء ذهب إِلى تأنيث الزرع، والجنَّات، والنخيل «1» ، ومن كسر ذهب إِلى النبت، وذلك كلُّه يُسقى بماءٍ واحد، وأُكْلُه مختلف حامِض وحُلو، ففي هذا آية. قال المفسرون: الماء الواحد: ماء المطر، والأُكُل: الثمر، بعضه أكبر من بعض، وبعضه أفضل من بعض، وبعضه حامض وبعضه حلو، إِلى غير ذلك، وفي هذا دليل على بطلان قول الطبائعيين، لأنه لو كان حدوث الثّمر من طبع الأرض، والهواء، والماء، وجب أن يتفق ما يحدث لاتفاق ما أوجب الحدوث، فلما وقع الاختلاف، دلَّ على مدبِّرٍ قادر، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أنه لا تجوز العبادة إِلا لمن يقدر على هذا. [سورة الرعد (13) : آية 5] وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (5) قوله تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ أي: من تكذيبهم وعبادتهم ما لا ينفع ولا يضرّ بعد ما رأوا من تأثير قدرة الله عزّ وجلّ في خلق الأشياء، فإنكارهم البعث موضعُ عجب. وقيل: المعنى: وإِن تعجب بما وقفت عليه من القِطَع المتجاورات وقدرةِ ربك في ذلك، فعجب جحدهم البعث، لأنه قد بان لهم من خلق السّماوات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة. قوله تعالى: أَإِذا كُنَّا تُراباً قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، «آيذا كنا تراباً آينَّا» جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمدُّ الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مدٍّ. وقرأ نافع «آيذا» مثل أبي عمرو، واختُلف عنه في المَدِّ، وقرأ «إِنا لفي خلق» مكسورة على الخبر. وقرأ عاصم، وحمزة «أإذا كُنَّا» «أإِنا» بهمزتين فيهما. وقرأ ابن عامر «إِذا كُنَّا تراباً» مكسورة الألِف من غير استفهام، «ءاإنا» يهمز ثم يَمُدُّ ثم يهمز على وزن: فاعنّا. وروي عن ابن عامر أيضاً «أإِذا» بهمزتين لا ألِف بينهما. والأغلال جمع غُلٍّ، وفيها قولان: أحدهما: أنها أغلال يوم القيامة، قاله الأكثرون. والثاني: أنها الأعمال التي هي أغلال، قاله الزّجّاج.
[سورة الرعد (13) : الآيات 6 إلى 9]
[سورة الرعد (13) : الآيات 6 الى 9] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (7) اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (8) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (9) قوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في كفار مكة، سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب، استهزاءً منهم بذلك، قاله ابن عباس «1» . والثاني: في مشركي العرب، قاله قتادة. والثالث: في النضر بن الحارث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحقَ من عندك، قاله مقاتل. وفي السيئة والحسنة قولان: أحدهما: بالعذاب قبل العافية، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: بالشرِّ قبل الخير، قاله قتادة. فأما الْمَثُلاتُ فقرأ الجمهور بفتح الميم. وقرأ عثمان، وأبو رزين، وأبو مجلز، وسعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، وابن أبي عبلة برفع الميم. ثم في معناها قولان: أحدهما: أنها العقوبات، قاله ابن عباس. وقال الزجاج: المعنى: قد تقدَّم من العذاب ما هو مثله وما فيه نكال، لو أنهم اتعظوا. وقال ابن الأنباري: المُثْلَةُ: العقوبة التي تُبقي في المعاقَب شَيْناً بتغيير بعض خَلْقِه، من قولهم: مثّل فلان بفلان، إذا شأن خلقه بقَطْعِ أنفه أو أُذُنِهِ، أو سملِ عينيه ونحو ذلك. والثاني: أن المثلاتِ: الأمثالُ التي ضربها الله تعالى لهم، قاله مجاهد، وأبو عبيدة. قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ قال ابن عباس: لذو تجاوزٍ عن المشركين إِذا آمنوا، وإِنه لشديد العقاب للمصرِّين على الشرك. وقال مقاتل: لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب، وإِنه لشديد العقاب إذا عذَّب. (فصل:) وذهب بعض المفسرين إِلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ «2» ، والمحققون على أنها محكَمة. قوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ «لولا» بمعنى هلاَّ، والآية التي طلبوها، مثلُ عصا موسى وناقة صالح. ولم يقنعوا بما رأوا، فقال الله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ أي: مخوِّفٌ عذاب الله، وليس لك من الآيات شيء. وفي قوله تعالى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ستة أقوال «3» : أحدها: أن المراد بالهادي: الله عزّ وجلّ،
رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، والنخعي. فيكون المعنى: إِنما إِليك الإِنذار، والله الهادي. والثاني: أن الهادي: الداعي، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أن الهادي: النبيّ صلّى الله عليه وسلم، قاله الحسن، وعطاء، وقتادة، وابن زيد، فالمعنى: ولكل قوم نبيٌّ ينذرهم. والرابع: أن الهادي: رسول الله صلّى الله عليه وسلم أيضاً، قاله عكرمة، وأبو الضحى، والمعنى: أنت منذرٌ، وأنت هادٍ. والخامس: أن الهادي: العملُ، قاله أبو العالية. والسادس: أن الهاديَ: القائدُ إِلى الخير أو إِلى الشر، قاله أبو صالح عن ابن عباس. (823) وقد روى المفسرون من طرق ليس فيها ما يثبت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية، وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يده على صدره، فقال: «أنا المنذِر» ، وأومأ بيده إِلى منكب عليٍّ، فقال: «أنت الهادي يا عليُّ، بك يُهتدى من بعدي» . قال المصنف: وهذا من موضوعات الرافضة. ثم إِن الله تعالى أخبرهم عن قدرته، رداً على منكري البعث، فقال: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى أي: من علقة أو مُضغة، أو زائد أو ناقص، أو ذكَرٍ أو أنثى، أو واحد أو اثنين أو أكثر، وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ أي: ما تنقص، وَما تَزْدادُ وفيه أربعة أقوال: أحدها: ما تغيض: بالوَضع لأقل من تسعة أشهر، وما تزداد: بالوضع لأكثر من تسعة أشهر، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، والضحاك، ومقاتل، وابن قتيبة، والزجاج. والثاني: وما تغيض: بالسِّقْطِ الناقص، وما تزداد: بالولد التامِّ، رواه العوفي عن ابن عباس، وعن الحسن كالقولين. والثالث: وما تغيض: بإراقة الدم في الحَمْل حتى يتضاءل الولد، وما تزداد: إِذا أمسكَتِ الدمَ فيعظم الولد، قاله مجاهد. والرابع: «ما تغيض الأرحام» مَنْ ولدته من قبل، «وما تزداد» مَنْ تلده من بعد، روي عن قتادة، والسُّدِّي. قوله تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ أي: بقدر. قال أبو عبيدة: هو مِفعالٌ من القَدَرِ. قال ابن عباس: عَلِمَ كُلِّ شيء فقدَّره تقديرا.
[سورة الرعد (13) : آية 10]
قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ قد شرحنا ذلك في (الأنعام) «1» . والْكَبِيرُ بمعنى: العظيم. ومعناه: يعود إِلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلوِّ، فهو أكبر من كُلِّ كبير، لأن كل كبير يصغر بالإِضافة إِلى عظمته. ويقال: «الكبير» الذي كَبُر عن مشابهة المخلوقين. فأمّا الْمُتَعالِ فقرأ ابن كثير «المتعالي» بياء في الوصل والوقف، وكذلك روى عبد الوارث عن أبي عمرو، وأثبتها في الوقف دون الوصل ابنُ شَنْبُوذَ عن قُنْبُل، والباقون بغير ياء في الحالين. والمتعالي هو المتنزِّه عن صفات المخلوقين، قال الخطّابي: وقد يكون بمعنى العالي فوق خَلْقه، وروي عن الحسن أنه قال: المتعالي عمّا يقول المشركون. [سورة الرعد (13) : آية 10] سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (10) قوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ قال ابن الأنباري: ناب «سواءٌ» عن مُستوٍ، والمعنى: مستوٍ منكم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ أي أخفاه وكتمه وَمَنْ جَهَرَ بِهِ أعلنه وأظهره، والمعنى: أن السِرَّ والجهر سواء عنده. قوله تعالى: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ فيه قولان: أحدهما: أن المستخفي: هو المستتر المتواري في ظلمة الليل، والسارب بالنهار: الظاهر المتصرِّف في حوائجه. يقال: سرَبتِ الإِبل تَسرِب: إِذا مضت في الأرض ظاهرةً، وأنشدوا: أرى كُلَّ قَوْمٍ قارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِم ... وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَه فَهْو سَارِبُ أي: ذاهب. ومعنى الكلام: أن الظاهر والخفيِّ عنده سواء، هذا قول الأكثرين. وروى العوفي عن ابن عباس: «ومَنْ هو مستخف» قال: صاحب رِيبة بالليل، فإذا خرج بالنهار أرى الناسَ أنه بريء من الإِثم. والثاني: أن المستخفيَ بالليل: الظاهر، والساربَ بالنهار: المستتر، يقال: انسرب الوحش: إِذا دخل في كِناسِهِ، وهذا قول الأخفش، وذكره قطرب أيضاً واحتج له ابن جرير بقولهم: خَفَيْتُ الشيء: إِذا أظهرتَه، ومنه (أكاد أخفيها) «2» بفتح الألف، أي: أُظهرها، قال: وإِنما قيل للمتواري: ساربٌ، لأنه صار في السرَبِ مستخفياً. [سورة الرعد (13) : آية 11] لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (11) قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ في هاء «له» أربعة أقوال: أحدها: أنها ترجع إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. والثاني: إِلى الملك من ملوك الدنيا، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثالث: إِلى الإِنسان، قاله الزجاج. والرابع: إِلى الله تعالى، ذكره ابن جرير، وأبو سليمان الدمشقي. وفي المعقِّبات قولان: أحدهما: أنها الملائكة، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والحسن، وقتادة في آخرين. قال الزجاج: والمعنى: للإنسان ملائكة يعتقبون، يأتي بعضهم بِعَقِب بعض. وقال أكثر المفسرين: هم الحَفَظَة، اثنان بالنهار واثنان بالليل، إِذا مضى فريق، خلف بعده فريق، ويجتمعون عند صلاة المغرب والفجر. وقال قوم، منهم ابن زيد: هذه الآية خاصة في
[سورة الرعد (13) : آية 12]
رسول الله صلّى الله عليه وسلم، عزم عامر بن الطُّفَيْل وأربد بن قيس على قتله، فمنعه الله منهما، وأنزل هذه الآية «1» . والقول الثاني: أن المعقِّبات حُرَّاس الملوك الذين يتعاقبون الحَرْس، وهذا مروي عن ابن عباس وعكرمة. وقال الضحّاك: هم السلاطين المشركون المحترسون من الله تعالى. وفي قوله تعالى: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ سبعة أقوال: أحدها: يحرسونه من أمر الله ولا يقدرون، هذا على قول من قال: هي في المشركين المحترسين من أمر الله. والثاني: أن المعنى: حِفْظُهم له من أمر الله، قاله ابن عباس، وابن جُبير، فيكون تقدير الكلام: هذا الحفظ ممّا أمرهم الله به. والثالث: يحفظونه بأمر الله، قاله الحسن، ومجاهد، وعكرمة. قال اللغويون: والباء تقوم مقام «مِنْ» ، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. والرابع: يحفظونه من الجن، قاله مجاهد، والنخعي. وقال كعب: لولا أن الله تعالى وكَّل بكم ملائكة يَذُبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم، إذن لتخطَّفَتْكم الجن. وقال مجاهد: ما من عَبْدٍ إِلا ومَلَكٌ موكّل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوامِّ، فإذا أراده شيء، قال: وراءك وراءك، إِلا شيء قد قضي له أن يصيبه. وقال أبو مجلز: جاء رجل من مُراد إِلى عليّ عليه السلام، فقال: احترس، فإن ناساً من مُراد يريدون قتلك، فقال: إِن مع كل رجل ملَكين يحفظانه مما لم يقدَّر، فاذا جاء القدر خلَّيا بينه وبينه، وإِن الأجل جُنَّة حصينة. والخامس: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والمعنى: له معقِّبات من أمر الله يحفظونه، قاله أبو صالح، والفراء. والسادس: يحفظونه لأمر الله فيه حتى يُسْلِموه إِلى ما قدِّر له، ذكره أبو سليمان الدمشقي، واستدل بما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: يحفظونه من أمر الله، حتى إِذا جاء القَدَر خلّوا عنه. وقال عكرمة: يحفظونه لأمر الله. والسابع: يحفظون عليه الحسنات والسيئات، قاله ابن جُريج. قال الأخفش: وإِنما أنَّث المعقّبات لكثرة ذلك منها، نحو النسَّابة، والعلاَّمة ثم ذكَّر في قوله: «يحفظونه» لأن المعنى مذكَّر. قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ أي: لا يسلبهم نِعَمَهُ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ فيعملوا بمعاصيه. قال مقاتل: ويعني بذلك كفار مكة. قوله تعالى: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فيه قولان: أحدهما: أنه العذاب. والثاني: البلاء. قوله تعالى: فَلا مَرَدَّ لَهُ أي: لا يردُّه شيء ولا تنفعه المعقِّبات. وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ يعني: من دون الله مِنْ والٍ أي: من وليّ يدفع عنهم العذاب والبلاء. [سورة الرعد (13) : آية 12] هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (12) قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً فيه أربعة أقوال: أحدها: خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال قتادة: فالمسافر خاف أذاه ومشقَّته والمقيم يرجو منفعته. والثاني: خوفاً من الصواعق وطمعاً في الغيث، رواه عطاء عن ابن عباس، وبه قال الحسن. والثالث: خوفاً للبلد الذي يخاف ضرر المطر وطمعاً لمن يرجو الانتفاع به، ذكره الزجاج. والرابع: خوفاً من العقاب وطمعاً في الثواب، ذكره الماوردي. وكان ابن الزبير إِذا سمع صوت الرعد يقول: إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض.
[سورة الرعد (13) : آية 13]
قوله تعالى: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ أي: ويخلق السحاب الثقال بالماء. قال الفراء: السحاب، وإِن كان لفظه واحداً، فانه جمع واحدته سحابة، جُعل نعته على الجمع، كما قال مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ «1» ولم يقل: أخضر، ولا حسن. [سورة الرعد (13) : آية 13] وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (13) قوله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ فيه قولان: أحدهما: أنه اسم الملَك الذي يزجر السحاب، وصوته: تسبيحه، قاله مقاتل. والثاني: أنه الصوت المسموع. وإِنما خُص الرعد بالتسبيح، لأنه من أعظم الأصوات. قال ابن الأنباري: وإِخباره عن الصوت بالتسبيح مجاز، كما يقول القائل: قد غمَّني كلامك. قوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى الله عزّ وجلّ، وهو الأظهر. قال ابن عباس: يخافون الله، وليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم مَنْ على يمينه ومَنْ على يساره، ولا يَشْغَله عن عبادة الله شيء. والثاني: أنها ترجع إِلى الرعد، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ، اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال: (824) أحدها: أنها نزلت في أربد بن قيس، وعامر بن الطّفيل، أتيا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يريدان الفتك به، فقال: «اللهم اكفنيهما بما شئت» ، فأما أربد فأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاحٍ فأحرقته، وأما عامر فأصابته غُدّة فهلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، هذا قول الأكثرين، منهم ابن جريج، وأربد هو أخو لبيد بن ربيعة لأُمه. (825) والثاني: أنها نزلت في رجل جاء إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: حدِّثني يا محمد عن إِلهك، أياقوت هو؟ أذهبٌ هو؟ فنزلت على السائل صاعقة فأحرقته، ونزلت هذه الآية، قاله عليّ بن أبي طالب عليه السلام. قال مجاهد: وكان يهودياً. (826) وقال أنس بن مالك: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم إِلى بعض فراعنة العرب يدعوه إِلى الله تعالى،
[سورة الرعد (13) : آية 14]
فقال للرسول: وما الله، أمِن ذهب هو، أم مِن فضة، أم من نحاس؟ فرجع إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «ارجع إِليه فادعه» ، فرجع، فأعاد عليه الكلام، إِلى أن رجع إِليه ثالثة، فبينما هما يتراجعان الكلام، إِذ بعث الله سحابة حيال رأسه، فرعدت ووقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه الآية. (827) والثالث: أنها في رجل أنكر القرآن وكذَّب رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم، فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته ونزلت هذه الآية، قاله قتادة. قوله تعالى: وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ فيه قولان: أحدهما: يكذِّبون بعظَمة الله، قاله ابن عباس. والثاني: يخاصِمون في الله، حيث قال قائلهم: أهو من ذهب، أم من فضة؟ على ما تقدم بيانه. قوله تعالى: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ فيه خمسة أقوال: أحدها: شديد الأخذ، قاله عليّ عليه السلام. والثاني: شديد المكر، شديد العداوة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: شديد العقوبة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وقال مجاهد في رواية عنه: شديد الانتقام. وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة والمكر والنكال، وأنشد للأعشى: فَرْعُ نَبْعٍ يهتزُّ في غُصُن المج ... د، غزيرُ النَّدى، شديدُ المِحال إِن يُعاقِب يكُنْ غَراماً وإِن يُعْ ... طِ جَزيلاً فإنَّهُ لا يبالي والرابع: شديد القوَّة، قاله مجاهد. قال الزجاج: يقال: ما حلتُه مِحالاً: إِذا قاويته حتى تبيَّن له أيكما الأشد، والمَحَل في اللغة: الشدة. والخامس: شديد الحقد، قاله الحسن البصري فيما سمعناه عنه مسنداً من طرق، وقد رواه عنه جماعة من المفسرين منهم ابن الأنباري، والنقاش، ولا يجوز هذا في صفات الله عزّ وجلّ. قال النقاش: هذا قول مُنكرٌ عند أهل الخبر والنظر في اللغة لا يجوز أن تكون هذه صفة من صفات الله تعالى. والذي أختاره في هذا ما قاله عليّ عليه السلام: شديد الأخذ، يعني: أنه إِذا أخذ الكافر والظالم لم يفلته من عقوباته. [سورة الرعد (13) : آية 14] لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (14) قوله تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ فيه قولان: أحدهما: أنها كلمة التوحيد، وهي: لا إِله إِلا الله، قاله عليّ وابن عباس والجمهور، فالمعنى له من خَلقه الدعوة الحق، فأضيفت الدعوة إِلى الحق لاختلاف اللفظين. والثاني: أن الله عزّ وجلّ هو الحق، فمن دعاه دعا الحق، قاله الحسن.
[سورة الرعد (13) : آية 15]
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني الأصنام آلهة. قال أبو عبيدة: المعنى: والذين يدعون غيره من دونه. قوله تعالى: لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ أي: لا يجيبونهم. قوله تعالى: إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه العطشان يمدُّ يده إِلى البئر ليرتفع الماء إِليه وما هو ببالغه قاله عليّ عليه السلام، وعطاء. والثاني: أنه الرجل العطشان قد وضع كفَّيه في الماء وهو لا يرفعهما، رواه العوفي عن ابن عباس. والثالث: أنه العطشان يرى خياله في الماء من بعيد، فهو يريد أن يتناوله فلا يقدر عليه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والرابع: أنه الرجل يدعو الماءَ بلسانه ويشير إِليه بيده فلا يأتيه أبداً، قاله مجاهد. والخامس: أنه الباسط كفَّيه ليقبض على ماء حتى يؤدِّيَه إِلى فيه، لا يتم له ذلك، والعرب تقول: من طلب ما لا يجد فهو القابض على الماء، وأنشدوا: وإِنِّي وإِيَّاكم وشَوْقاً إِليكُمُ ... كقابضِ ماءٍ لم تَسِقْهُ أنامِلُهْ «1» أي: لم تحمله، والوَسْق: الحِمْلُ، وقال آخر: فأصبحتُ مما كان بَيْني وبَيْنَها ... مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القَابِضِ الماءَ باليَدِ هذا قول أبي عبيدة، وابن قتيبة. قوله تعالى: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ فيه قولان: أحدهما: وما دعاء الكافرين ربَّهم إِلا في ضلال، لأنّ أصواتهم محجوبة عن الله عزّ وجلّ، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: وما عبادة الكافرين الأصنامَ إِلا في خسران وباطل، قاله مقاتل. [سورة الرعد (13) : آية 15] وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (15) قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ أي: من الملائكة، ومَن في الأرض من المؤمنين طَوْعاً وَكَرْهاً. وفي معنى سجود الساجدين كَرها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سجود مَنْ دخل في الإِسلام بالسيف، قاله ابن زيد. والثاني: أنه سجود ظِلِّ الكافر، قاله مقاتل. والثالث: أن سجود الكاره تذلُّله وانقياده لما يريده الله عزّ وجلّ منه من عافية ومرض وغنى وفقر «2» . قوله تعالى: وَظِلالُهُمْ أي: وتسجد ظلال الساجدين طوعاً وكَرهاً، وسجودُها: تمايلها من جانب إِلى جانب، وانقيادها للتسخير بالطُّول والقِصَر. قال ابن الأنباري: قال اللغويون: الظِّل ما كان بالغَدَوات قبل انبساط الشمس، والفيءُ ما كان بعد انصراف الشمس، وإِنما سُمِّي فيئاً، لأنه فاء، أي: رجع إِلى الحال التي كان عليها قبل ان تنبسط الشمس، وما كان سوى ذلك فهو ظلّ، نحو ظلّ
[سورة الرعد (13) : آية 16]
الإِنسان، وظل الجدار، وظل الثوب، وظل الشجرة، قال حُمَيد بن ثور: فلا الظِّلُّ من بَردِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ... ولا الفيءَ مِن بردِ العَشِيِّ تَذوق وقال لبيد: بينما الظِّلُّ ظَلِيلٌ مُوْنِقٌ ... طَلَعَتْ شَمْسٌ عَلَيْه فاضْمَحَلّ وقال آخر: أيا أثلاث القَاعِ مِنْ بَطْنِ تُوضِحٍ ... حَنِيْنِي إِلى أَظْلالِكُنَّ طَوِيلُ «1» وقيل: إِن الكافر يسجد لغير الله، وظلُّه يسجد لله. وقد شرحنا معنى الغُدُوِّ والآصال في (الأعراف) «2» . [سورة الرعد (13) : آية 16] قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (16) قوله تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ إِنما جاء السؤال والجواب من جهة، لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق كل شيء فلما لم ينكروا، كان كأنهم أجابوا. ثم ألزمهم الحُجة بقوله: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني: الأصنام توليتموهم فعبدتموهم وهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فكيف لغيرهم؟! ثم ضرب مثلاً للذي يعبد الأصنام والذي يعبد الله بقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ يعني المشرك والمؤمن أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «تستوي» بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «يستوي» بالياء. قال أبو علي: التأنيث حسنٌ، لأنه فعلُ مؤنثٍ، والتذكير سائغ، لأنه تأنيث غير حقيقي. ويعني بالظلمات والنور: الشركَ والإِيمان. أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قال ابن الأنباري: معناه: أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فتشابه خلق الله بخلق هؤلاء؟ وهذا استفهام إِنكار، والمعنى: ليس الأمر على هذا، بل إِذا فكَّروا علموا أن الله هو المنفرد بالخلق، وغيره لا يخلق شيئاً. قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ قال الزجاج: قُل ذلك وبيِّنه بما أخبرت به من الدلالة في هذه السورة مما يدل على أنه خالق كل شيء، وقد ذكرنا في (يوسف) «3» معنى الواحد القهّار. [سورة الرعد (13) : الآيات 17 الى 18] أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (17) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (18)
قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني: المطر فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ وهي جمع وادٍ، وهو كل منفرَج بين جبلين يجتمع إِليه ماء المطر فيسيل بِقَدَرِها أي: بمبلغ ما تحمل، فإن صَغُر الوادي، قلَّ الماء، وإِن هو اتسع، كَثُر. وقرأ الحسن، وابن جبير، وأبو العالية، وأيوب، وابن يعمر، وأبو حاتم عن يعقوب: «بقدرها» بإسكان الدال. وقوله تعالى: «فسالت أودية» توسُّع في الكلام، والمعنى: سالت مياهها، فحُذف المضاف، وكذلك قوله: «بقدَرِها» أي: بقدر مياهها. فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً أي: عالياً فوق الماء، فهذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ. ثم ضرب مثلا آخر، فقال: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «توقِدون عليه» بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم بالياء. قال أبو علي: من قرأ بالتاء، فَلِما قبله من الخطاب، وهو قوله: «أفاتخذتم» ، ويجوز أن يكون خطاباً عامّاً للكافّة، ومن قرأ بالياء فلأَنَّ ذِكر الغَيبة قد تقدم في قوله: «أم جعلوا لله شركاء» . ويعني بقوله: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ ما يدخل إِلى النار فيُذاب من الجواهر ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ يعني: الذهب والفضة أَوْ مَتاعٍ يعني: الحديد والصُّفْر والنحاس والرصاص تُتخذ منه الأواني والأشياء التي يُنتفع بها، زَبَدٌ مِثْلُهُ أي: له زَبَد إِذا أُذيب مثل زَبَد السَّيل، فهذا مثل آخر. وفيما ضُرب له هذان المثلان ثلاثة أقوال «1» : أحدها: أنه القرآن، شُبِّه نزوله من السماء بالماء، وشُبِّه قلوبُ العِباد بالأودية تحمل منه على قدر اليقين والشك، والعقل والجهل، فيستكنّ فيها، فينتفع المؤمن بما في قلبه كانتفاع الأرض التي يستقر فيها المطر، ولا ينتفع الكافر بالقرآن لمكان شَكِّه وكفره، فيكون ما حصل عنده من القرآن كالزبَد وكخبَث الحديد لا يُنتفع به. والثاني: أنه الحق والباطل، فالحق شُبِّه بالماء الباقي الصافي، والباطل مشبَّه بالزَّبد الذاهب، فهو وإِن علا على الماء فانه سيمَّحِق، كذلك الباطل، وإِن ظهر على الحق في بعض الأحوال، فإن الله سيُبطله. والثالث: أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فمثَل المؤمن واعتقاده وعمله كالماء المنتفَع به، ومثَل الكافر واعتقاده وعمله كالزبَد. قوله تعالى: كَذلِكَ أي: كما ذُكر هذا، يضرب الله مَثل الحق والباطل. وقال أبو عبيدة: كذلك يمثِّل الله الحق ويمثِّل الباطل. فأما الجُفاء، فقال ابن قتيبة: هو ما رمى به الوادي إِلى جنَباته، يقال: أجفأتِ القِدرُ بزَبَدها: إِذا ألقته عنها. قال ابن فارس: الجُفاء: ما نفاه السيل، ومنه اشتقاق الجَفاء. وقال ابن الأنباري: «جُفاءً» أي: بالياً متفرقاً. قال ابن عباس: إِذا مُسَّ الزَّبَد لم يكن شيئاً. قوله تعالى: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ من الماء والجواهر التي زال زَبَدها فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ فيُنتفع به كَذلِكَ يبقى الحق لأهله. قوله تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى يعني: المؤمنين، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ
[سورة الرعد (13) : آية 19]
يعني: الكفار. قال أبو عبيدة: استجبت لك واستجبتك سواء، وهو بمعنى: أجبت. وفي الحُسنى ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الجنة، قاله ابن عباس، والجمهور. والثاني: أنها الحياة والرزق، قاله مجاهد. والثالث: كل خير من الجنة فما دونها، قاله أبو عبيدة. قوله تعالى: لَافْتَدَوْا بِهِ اي: لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب، ولا يُقبل منهم. وفي سوء الحساب ثلاثة أقوال: أحدها: أنها المناقشة بالأعمال، رواه ابو الجوزاء عن ابن عباس. وقال النخعي: هو أن يحاسَب بذنبه كله، فلا يُغفر له منه شيء. والثاني: أن لا تُقبل منهم حسنة، ولا يُتجاوز لهم عن سيئة. والثالث: أنه التّوبيخ والتّقريع عند الحساب. [سورة الرعد (13) : آية 19] أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (19) قوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أي: إِنما يتَّعظ ذوو العقول. والتّذكّر: الاتّعاظ. [سورة الرعد (13) : الآيات 20 الى 21] الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (21) قوله تعالى: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ في هذا العهد قولان: أحدهما: أنه ما عاهدهم عليه حين استخرجهم من ظهر آدم. والثاني: ما أمرهم به وفرضه عليهم. وفي الذي أمر الله به، عزّ وجلّ، أن يوصل، ثلاثة أقوال قد نسبناها إِلى قائلها في أول سورة «البقرة» «1» ، وقد ذكرنا سوء الحساب آنفا. [سورة الرعد (13) : الآيات 22 الى 24] وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) قوله تعالى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا أي: على ما أُمروا به ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ أي: طلباً لرضاه وَأَقامُوا الصَّلاةَ أتمُّوها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال في طاعة الله. قال ابن عباس: يريد بالصلاة: الصلوات الخمس، وبالإِنفاق: الزكاة. قوله تعالى: وَيَدْرَؤُنَ أي: يدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ. وفي المراد بهما خمسة أقوال: أحدها: يدفعون بالعمل الصالح الشرَّ من العمل، قاله ابن عباس. والثاني: يدفعون بالمعروف المنكر، قاله سعيد بن جبير. والثالث: بالعفو الظلمَ، قاله جُوَيبر. والرابع: بالحلم السفهَ، كأنهم إِذا سُفه عليهم حَلُموا، قاله ابن قتيبة. والخامس: بالتوبة الذنْبَ، قاله ابن كيسان. قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ قال ابن عباس: يريد: عقباهم الجنة، أي: تصير الجنة آخر
[سورة الرعد (13) : آية 25]
أمرهم. قوله تعالى: وَمَنْ صَلَحَ وقرأ ابن أبي عبلة: «صلُح» بضم اللام. ومعنى «صلح» : آمن، وذلك أن الله تعالى ألحق بالمؤمن أهله المؤمنين إِكراماً له، لتقرَّ عينُه بهم. وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ قال ابن عباس: بالتحية من الله والتحفة والهدايا. قوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ قال الزجاج: أُضمر القول ها هنا، لأن في الكلام دليلاً عليه. وفي هذا السلام قولان: أحدهما: أنه التحية المعروفة «1» ، يدخل الملَك فيسلِّم وينصرف. قال ابن الأنباري: وفي قول المسلِّم: سلام عليكم، قولان: أحدهما: أن السلام: الله عزّ وجلّ، والمعنى: الله عليكم، أي: على حفظكم. والثاني: أن المعنى: السلامة عليكم، فالسلام جمع سلامة. والثاني: أن معناه: إِنما سلَّمكم الله تعالى من أهوال القيامة وشرِّها بصبركم في الدنيا. وفيما صبروا عليه خمسة أقوال: أحدها: أنه أمر الله، قاله سعيد بن جبير. والثاني: فضول الدنيا، قاله الحسن. والثالث: الدِّين. والرابع: الفقر، رويا عن أبي عمران الجَوني. والخامس: أنه فقد المحبوب، قاله ابن زيد. [سورة الرعد (13) : آية 25] وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ قد سبق تفسيره في سورة (البقرة) «2» . وقال مقاتل: نزلت في كفّار أهل الكتاب. وقوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ أي: عليهم. [سورة الرعد (13) : آية 26] اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (26) قوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أي: يوسِّع على من يشاء وَيَقْدِرُ أي: يضيِّق. وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا قال ابن عباس: يريد مشركي مكة، فرحوا بما نالوا من الدنيا فطغوا وكذّبوا الرّسل. وقوله تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ أي: بالقياس إِليها إِلَّا مَتاعٌ أي: كالشيء الذي يتمتّع به، ثم يفنى. [سورة الرعد (13) : آية 27] وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (27) قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا نزلت في مشركي مكة حين طلبوا من رسول الله صلّى الله عليه وسلم مثل آيات الأنبياء «3» . قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ أي: يردُّه عن الهدى كما ردّكم بعد ما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ أي: رجع إِلى الحق، وإِنما يرجع إِلى الحق من شاء اللهُ رجوعه، فكأنه قال: ويهدي من يشاء.
[سورة الرعد (13) : الآيات 28 إلى 29]
[سورة الرعد (13) : الآيات 28 الى 29] الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا هذا بدل من قوله: أَنابَ، والمعنى: يهدي الذين آمنوا، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ في هذا الذِّكر قولان: أحدهما: أنه القرآن. والثاني: ذِكر الله على الإِطلاق. وفي معنى هذه الطمأنينة قولان: أحدهما: أنها الحُب له والأُنس به. والثاني: السكون إِليه من غير شك، بخلاف الذين إِذا ذُكر الله اشمأزت قلوبهم. قوله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ قال الزجاج: «ألا» حرف تنبيه وابتداء، والمعنى: تطمئن القلوب التي هي قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب. قوله تعالى: طُوبى لَهُمْ فيه ثمانية أقوال: أحدها: أنه اسم شجرة في الجنة. (828) روى أبو سعيد الخدري «عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» . وقال أبو هريرة: طوبى: شجرة في الجنة، يقول الله عزّ وجلّ لها: تفتَّقي لعبدي عما شاء، فتتفتق له عن الخيل بسروجها ولُجمها، وعن الإِبل بأزمَّتها، وعمَّا شاء من الكسوة. وقال شهر بن حوشب: طوبى: شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها أغصانها، من وراء سور الجنة، وهذا مذهب عطية، وشمر بن عطية، ومغيث بن سُمَي، وأبي صالح. والثاني: أنه اسم الجنة بالحبشية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال المصنف: وقرأت على شيخنا أبي منصور عن سعيد بن مَسْجوح قال: طوبى: اسم الجنة بالهندية، وممن ذهب إِلى أنه اسم الجنة عكرمة، وعن مجاهد كالقولين. والثالث: أن معنى طوبى لهم: فرح وقُرَّة عين لهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والرابع: أن معناه: نُعمى لهم، قاله عكرمة في رواية، وفي رواية أخرى عنه: نعم ما لهم. والخامس: غبطة لهم، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. والسادس: أن معناه: خير لهم، قاله النخعي في رواية، وفي أخرى عنه قال: الخير والكرامة اللَّذان أعطاهم الله، وروى معمر عن قتادة قال: يقول الرجل للرجل: طوبى لك، أي: أصبتَ خيراً، وهي كلمة عربية. والسابع: حسنى لهم، رواه سعيد عن قتادة عن الحسن. والثامن: أن المعنى: العيش الطِّيب لهم. و «طوبى» عند النحويين: فُعلى من الطيب، هذا قول الزجاج. وقال ابن الأنباري: تأويلها: الحال المستطابة، والخَلَّة المستلَذَّة، وأصلها: «طُيْبى» فصارت الياء واواً لسكونها وانضمام ما قبلها كما صارت في «مُوقن» والأصل فيه «مُيْقن» لأنه مأخوذ من اليقين، فغلبت الضمة فيه الياء فجعلتها واوا.
[سورة الرعد (13) : آية 30]
قوله تعالى: وَحُسْنُ مَآبٍ المآب: المرجع والمنقلَب. [سورة الرعد (13) : آية 30] كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (30) قوله تعالى: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ أي: كما أرسلنا الأنبياء قبلك. قوله تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ في سبب نزولها ثلاثة أقوال: (829) أحدها: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم لما قال لكفار قريش: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن؟ فنزلت هذه الآية، وقيل لهم: إِن الرحمن الذي أنكرتم هو ربي، هذا قول الضحاك عن ابن عباس. (830) والثاني: أنهم لما أرادوا كتاب الصلح يوم الحديبية، كتب عليّ عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إِلا مسيلمة، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة، وابن جريج، ومقاتل. (831) والثالث: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يوماً في الحِجْر يدعو، وأبو جهل يستمع إِليه وهو يقول: يا رحمن، فولى مُدْبراً إِلى المشركين فقال: إِن محمداً كان ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إِلهين! فنزلت هذه الآية، ذكره علي بن أحمد النيسابوري. قوله تعالى: وَإِلَيْهِ مَتابِ قال أبو عبيدة: هو مصدر تبت إليه. [سورة الرعد (13) : الآيات 31 الى 32] وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (32) قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ. (832) سبب نزولها أن مشركي قريش قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلم: لو وسَّعت لنا أودية مكة بالقرآن، وسيَّرت
جبالها فاحترثناها، وأحييت من مات منا، فنزلت هذه الآية، رواه العوفي عن ابن عباس. (833) وقال الزبير بن العوّام: قالت قريش لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: ادع الله أن يسيِّر عنا هذه الجبال ويفجِّر لنا الأرض أنهاراً فنزرع، أو يحيي لنا موتانا فنكلمهم، أو يصيّر هذه الصخرة ذهباً فتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فقد كان للأنبياء آيات، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ «1» . ومعنى قوله: أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أي: شقِّقت فجُعلت أنهاراً، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى أي: أُحيوا حتى كلّموا. واختلفوا في جواب «لو» على قولين: أحدهما: أنه محذوف. وفي تقدير الكلام قولان: أحدهما: أن تقديره: لكان هذا القرآن، ذكره الفراء، وابن قتيبة. قال قتادة: لو فُعل هذا بقرآن غيرِ قرآنكم لفُعل بقرآنكم. والثاني: أن تقديره: لو كان هذا كلّه لما آمنوا. ودليله قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ «2» ، قاله الزجاج. والثاني: أن جواب «لو» مقدَّم، والمعنى: وهم يكافرون بالرحمن، ولو أنزلنا عليهم ما سألوا، ذكره الفراء أيضاً. قوله تعالى: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أي: لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإِذا لم يشأْ، لم ينفع ما اقترحوا من الآيات. ثم أكد ذلك بقوله: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا وفيه أربعة أقوال: أحدها: أفلم يتبيَّن، رواه العَوفي عن ابن عباس، وروى عنه عكرمة أنه كان يقرؤها كذلك، ويقول: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وأبي مالك، ومقاتل. والثاني: أفلم يعلم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، وابن زيد. وقال ابن قتيبة: ويقال: هي لغة للنَّخَع «ييأس» بمعنى «يعلم» ، قال الشاعر: أَقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إِذْ يَأْسِرُونَنِي ... أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّي ابنُ فَارِسَ زَهْدَمِ «3» وإِنما وقع اليأس في مكان العلِم، لأن في علمك الشيء وتيقُّنك به يأسَك من غيره. والثالث: أن المعنى: قد يئس الذين آمنوا أن يَهدوا واحداً، ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً، قاله أبو العالية. والرابع: أفلم ييأس الذين آمنوا أن يؤمن هؤلاء المشركون، قاله الكسائي. وقال
[سورة الرعد (13) : آية 33]
الزجاج: المعنى عندي: أفلم ييأس الذين آمنوا من إِيمان هؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون، لأنه لو شاء لهدى الناس جميعاً. قوله تعالى: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فيهم قولان: أحدهما: أنهم جميع الكفار، قاله ابن السائب. والثاني: كفار مكة، قاله مقاتل. فأما القارعة، فقال الزجاج: هي في اللغة: النازلة الشديدة تنزل بأمر عظيم. وفي المراد بها ها هنا قولان: أحدهما: أنها عذاب من السماء، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: السرايا والطلائع التي كان ينفذها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قاله عكرمة «1» . وفي قوله: أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ قولان: أحدهما: أنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فالمعنى: أو تَحُلُّ أنت يا محمد، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة. والثاني: أنها القارعة، قاله الحسن. وفي قوله: حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ قولان: أحدهما: فتح مكة، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: القيامة، قاله الحسن. [سورة الرعد (13) : آية 33] أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33) قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني: نفسه عزّ وجلّ. ومعنى القيام ها هنا: التولي لأمور خَلقه، والتدبير لأرزاقهم وآجالهم، وإِحصاء أعمالهم للجزاء، والمعنى: أفمن هو مجازي كلّ نفس بما كسبت، يثيبها إِذا أحسنت، ويأخذها بما جنت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام؟ قال الفراء: فتُرك جوابه، لأن المعنى معلوم، وقد بيَّنه بعد هذا بقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ كأنه قيل: كشركائهم. قوله تعالى: قُلْ سَمُّوهُمْ أي: بما يستحقونه من الصفات وإِضافةِ الأفعال إِليهم إِن كانوا شركاء لله كما يسمّى الله بالخالق، والرّزاق، والمحيي، والمميت، ولو سمَّوهم بشيء من هذا لكذبوا. قوله تعالى: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ هذا استفهام منقطع مما قبله، والمعنى: فإن سمَّوهم بصفات الله، فقل لهم: أتنبئونه، أي: أتخبرونه بشريك له في الأرض وهو لا يعلم لنفسه شريكاً، ولو كان لَعَلِمَه؟ قوله تعالى: أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أم بظن من القول، قاله مجاهد. والثاني: بباطل، قاله قتادة. والثالث: بكلام لا أصل له ولا حقيقة. قوله تعالى: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ قال ابن عباس: زين لهم الشيطان الكفر. قوله تعالى: وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: «وَصَدُّوا» بفتح الصاد، ومثله في (حم المؤمن) . وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «وصُدُّوا» بالضم فيهما. فمن فتح، أراد: صَدُّوا المسلمين، إِما عن الإِيمان، أو عن البيت الحرام. ومن ضم، أراد: صدّهم الله عن سبيل الهدى. [سورة الرعد (13) : آية 34] لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (34)
[سورة الرعد (13) : آية 35]
قوله تعالى: لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهو القتل، والأسر، والسقم، فهو لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمنين كفَّارة، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ أي: أشد وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ أي: مانع يقيهم عذابه. [سورة الرعد (13) : آية 35] مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (35) قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ أي: صفتها أن الأنهار تجري من تحتها، هذا قول الجمهور. وقال ثعلب: خبر المثَل مُضمَر قبله، والمعنى: فيما نصف لكم مَثَل الجنة، وفيما نقصُّه عليكم خبر الجنة أُكُلُها دائِمٌ قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا وَظِلُّها لأنه لا يزول ولا تنسخه الشمس. قوله تعالى: تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا أي: عاقبة أمرهم المصير إليها. [سورة الرعد (13) : آية 36] وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) قوله تعالى: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم مسلمو اليهود، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: هم عبد الله بن سلام وأصحابه. والثاني: أنهم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قاله قتادة. والثالث: مؤمنو أهل الكتابين من اليهود والنصارى، ذكره الماوردي. والذي أُنزل إِليه: القرآن، فرح به المسلمون وصدَّقوه، وفرح به مؤمنو أهل الكتاب، لأنه صدَّق ما عندهم. وقيل: إِن عبد الله بن سلام ومَن آمَن معه من أهل الكتاب، ساءهم قِلَّة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذِكره في التوراة، فلما نزل ذِكره فرحوا، وكفر المشركون به، فنزلت هذه الآية. فأما الأحزاب، فهم الكفار الذين تحزَّبوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالمعاداة، وفيهم أربعة أقوال «1» : أحدها: أنهم اليهود والنصارى، قاله قتادة. والثاني: أنهم اليهود والنصارى والمجوس، قاله ابن زيد. والثالث: بنو أمية وبنو المغيرة وآل أبي طلحة بن عبد العزّى، قاله مقاتل. والرابع: كفار قريش، ذكره الماوردي. وفي بعضه الذي أنكروه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ذكر الرّحمن والبعث ومحمّد صلّى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. والثاني: أنهم عرفوا بعثة الرسول في كتبهم وأنكروا نبوَّته. والثالث: أنهم عرفوا صدقه، وأنكروا تصديقه، ذكرهما الماوردي.
[سورة الرعد (13) : آية 37]
[سورة الرعد (13) : آية 37] وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (37) قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ أي: وكما أنزلنا الكتاب على الأنبياء بلغاتهم، أنزلنا عليك القرآن حُكْماً عَرَبِيًّا قال ابن عباس: يريد ما فيه من الفرائض. وقال أبو عبيدة: ديناً عربيّاً. قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ فيه قولان: أحدهما: في صلاتك إِلى بيت المقدس بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أن قبلتك الكعبة، قاله ابن السائب. والثاني: في قبول ما دعوك إِليه من مِلَّة آبائك، قاله مقاتل. قوله تعالى: ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ أي: ما لك من عذاب الله من قريب ينفعك وَلا واقٍ يقيك. [سورة الرعد (13) : آية 38] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (38) قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ الآية. (834) سبب نزولها أن اليهود عيَّروا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بكثرة التزويج، وقالوا: لو كان نبياً كما يزعم، شغلته النبوَّة عن تزويج النساء، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الآية: أن الرسل قبلك كانوا بشراً لهم أزواج، يعني النساء، وذريَّة، يعني الأولاد. وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمره، وهذا جواب للذين اقترحوا عليه الآيات. قوله تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لكل أجل من آجال الخَلق كتاب عند الله، قاله الحسن. والثاني: أنه من المقدّم والمؤخّر، والمعنى: لكل كتاب ينزل من السماء أجل، قاله الضحاك والفراء. والثالث: لكل أجل قدَّره الله عزّ وجلّ ولكل أمر قضاه كتاب أُثبت فيه ولا تكون آية ولا غيرها إِلا بأجل قد قضاه الله في كتاب، هذا معنى قول ابن جرير. [سورة الرعد (13) : آية 39] يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (39) قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم: «ويثبت» ساكنة الثاء خفيفة الباء. وقرأ ابن عامر: وحمزة، والكسائي: «ويثبِّت» مشددة الباء مفتوحة الثاء. قال أبو علي: المعنى: ويثبِّته، فاستغنى بتعدية الأول من الفعلين عن تعدية الثاني. واختلف المفسرون في المراد بالذي يمحو ويثبِت على ثمانية أقوال «1» : أحدها: أنه عامّ، في
الرزق، والأجل، والسعادة. والشقاوة، وهذا مذهب عمر، وابن مسعود، وأبي وائل، والضحاك، وابن جريج. والثاني: أنه الناسخ والمنسوخ، فيمحو المنسوخ، ويثبت الناسخ، روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، والقرظي، وابن زيد. وقال ابن قتيبة: «يمحو الله ما يشاء» أي: ينسخ من القرآن ما يشاء «ويثبت» أي: يدعه ثابتاً لا ينسخه، وهو المُحكَم. والثالث: أنه يمحو ما يشاء، ويثبت، إِلا الشقاوة والسعادة، والحياة والموت، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، ودليل هذا القول ما روى مسلم في (صحيحه) من حديث حذيفة بن أسيد قال: (835) سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «إِذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة، يقول الملَك الموكَّل: أذَكر أم أنثى؟ فيقضي الله عزّ وجلّ، ويكتب الملَك، فيقول: أشقي، أم سعيد؟ فيقضي الله، ويكتب الملَك، فيقول: عمله وأجله؟ فيقضي الله، ويكتب الملَك، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها ولا يُنقص منها» . والرابع: يمحو ما يشاء ويثبت، إِلا الشقاوة والسعادة لا يغيَّران، قاله مجاهد. والخامس: يمحو من جاء أجله، ويثبت من لم يجئ أجله، قاله الحسن. والسادس: يمحو من ذنوب عباده ما يشاء فيغفرها، ويثبت ما يشاء فلا يغفرها، روي عن سعيد بن جبير. والسابع: يمحو ما يشاء بالتوبة، ويثبت مكانها حسنات، قاله عكرمة. والثامن: يمحو من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب، قاله الضحاك، وأبو صالح. وقال ابن السائب: القول كلُّه يُكتَب، حتى إِذا كان في يوم الخميس، طُرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلتُ، شربت، دخلت، خرجت، ونحوه، وهو صادق، ويُثبت ما فيه الثواب والعقاب. قوله تعالى: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قال الزجاج: أصل الكتاب. قال المفسرون: وهو اللوح
[سورة الرعد (13) : آية 40]
المحفوظ الذي أُثبت فيه ما يكون ويحدث. وروى أبو الدّرداء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: (836) «إِن الله تعالى في ثلاث ساعات يبقَين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت» . وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هما كتابان، كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب لا يغيّر منه شيء. [سورة الرعد (13) : آية 40] وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (40) قوله تعالى: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أي: من العذاب وأنت حيٌّ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريَك ذلك، فليس عليك إِلا أن تبلّغ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ قال مقاتل: يعني الجزاء. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ نُسخ بآية السيف وفرض الجهاد، وبه قال قتادة. [سورة الرعد (13) : آية 41] أَ