شرح زاد المستقنع للحمد
حمد بن عبد الله الحمد
كتاب الطهارة من الزاد
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين [شرح زاد المستقنع] لفضيلة الشيخ/ حمد بن عبد الله الحمد كتاب الطهارة كانت البداية في هذا الدرس المبارك يوم الأحد بعد صلاة المغرب الموافق 8/10/1414هـ وكانت الدروس كل ليلة ما عدا ليلتيّ الجمعة والسبت*. نسأل الله الإعانة على ما بدأنا به، كما نسأله التوفيق والسداد إنه ولي ذلك والقادر عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله. كتبه: أبو حافظ عبد العزيز الغسلان غفر الله له.
وهذا الدفتر الأول، ويشتمل على شيء من كتاب الطهارة من أول الكتاب إلى: (باب: المسح على الخفين) الدرس الأول (الأحد: 8 / 10 / 1414 هـ) المقدمة: إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ وَنستَعينُهُ ونَتُوبُ إَلَيهِ، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفُسِنَا ومن سيئاتِ أعمالِنَا من يهدِهِ اللهُ، فلا مُضِلَّ لَه، وَمَن يُضلِلْ، فَلا هَادِيَ لَه. وأشهدُ أَن لا إِلهَ إِلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدهُ ورسولُه. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إَلا وَأَنتُم مُّسْلِمُون)) آل عمران آية (102) . ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَّاحِدَةٍ وَّخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مَنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَّنِسَاءاً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَام إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُم رقِيبَا)) النساء آية (1) .
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَولاً سَدِيداً، يُصْلِح لَكُم أَعْمَالَكُم وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبَكُم وَمَن يُّطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) الأحزاب آية (70، 71) . أما بعد: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخير الهدي، هدي محمدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ، وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُهَا، وَكُلَّ مُحدثةٍ بِدْعَة، وكُلَّ بدعةٍ ضلالة، وَكُلَّ ضَلالَةٍ في النَّار. هذه المجالس نتدارس فيها الفقه وهو من أعظم العلوم ومن أفضلها، فإن هذا العلم يتعرف به المسلم على كيفية عبادته لربه سبحانه، ويعبد الله على بصيرة من أمره. إذ العمل لا يتقبل مع الإخلاص إلاّ بأن يكون على السنة صواباً فوجب على المسلم أن يعبد الله على بصيرة من أمره بالتفقه في دين الله تعالى، وبه يعرف المسلم ما أحله الله وما حرمه من البيوع والأنكحة وغير ذلك، وبه يتعلم الحدود والجنايات، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التكليفية التي كلف الله بها عباده وقننها لهم سبحانه وتعالى. فعلم الفقه من أهم العلوم الشرعية فليس يفضل عنه إلا علم التوحيد الذي هو متعلق بالله سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته عز وجل. وإن من الطرق التي يتدارس بها الفقه أن يتعلم من خلال أحد الكتب الفقهية المذهبية فإن ذلك من الطرق الصحيحة السليمة في تعلم الفقه، وليس المقصود من ذلك أن يتلقى ما فيها من صواب وخطأ. بل أن يتدارس وأن يتحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فيما وقع بين أهل العلم من الخلاف. فإن ما يذكره صاحب المؤلَّف الذي نتدارسه أو غيره من المؤلفين بالفقه ليس كله صواباً، وليس كله مجمعاً عليه. بل قد وقع كثير من الخلاف بين أهل العلم. إلا أن هذه الطريقة في التدارس وهي التلقي عن بعض الكتب الفقهية المذهبية أن هذا في الحقيقة فيه فوائد كثيرة: من ذلك:
ـ أنه أسهل ترتيباً من التلقي عن طريق الكتب التي جمع فيها مؤلفها الأحاديث النبوية المشتملة على المسائل الشرعية، فإن هذا بلا شك أسهل ترتيباً وأوضح. بل إن أصحاب الكتب المؤلفة الحديثية، كصاحب بلوغ المرام، والمنتقى من أخبار المصطفى وغير ذلك من الكتب إنما استفادوا ذلك الترتيب من هذه الكتب الفقهية. ـ الأمر الثاني: أنه أبعد عن تشتت ذهن الطالب، فإنه من المعلوم أن الكتب التي جمعت الأحاديث النبوية في الأحكام ليست جامعة للأحكام كلها، إذ الأحكام الشرعية مستفادة من الأحاديث النبوية ومن غيرها؛ فإنها تستفاد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والإجماعات، والقياسات الصحيحة وأقوال الصحابة. وكتب الحديث الفقهية إنما تجمع الأحاديث التي قالها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مسائل الأحكام التكليفية فلا شك أنه ـ حينئذ ـ يكون أبعد للتشتيت فإن الطالب عندما يقرأ الكتاب الفقهي يجد فيه جميع المسائل العلمية التي استفادها العلماء من القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها من الأحكام الشرعية. فيكون أبعد لأَنْ يتشتت ذهنه بأن تجمع له المسائل من مصادر أخرى، بل يجد هذه المسائل موجودة في الكتاب الذي يتدارسه. فإن التدارس من الكتب الفقهية ليس منكراً ـ كما ينكره بعض طلبة العلم ـ هذا أمر ليس بصحيح، بل تدارس ذلك من الطرق السليمة التي مازال يبينها أهل العلم، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن القيم وغيرهم من أهل العلم قد تلقوا الفقه من مثل هذه الطريقة. لكنهم لم يكتفوا ـ كما اكتفى كثير من الناس المقلدين، اكتفوا بها فتلقوا العلم من هذه الكتب ثم اكتفوا بذلك ولم يحرروا ولم يبحثوا عن الحق، بل اكتفوا بما فيها، فهذا أمر ليس بصحيح، وليس مشروعاً وهذا هو التقليد المذموم.
لكن كون المسلم يتعلم منها ويتفقه ويتفهم ثم يبحث عن الحق بدليله؛ فإن هذا أمر سائغ جائز، مازال عليه أهل العلم، والذّم إنما يقع في الصورة المتقدمة بأن يتلقى منها تلقي العلم مجرداً عن دليله، فيأخذ المسائل مقلداً هؤلاء من غير أن يبحث عن الحق بدليله، بل لو عرض له الحق بدليله أباه ورفضه. أو هو قادر على أن يجد الحق بدليله لكنه يعرض عن ذلك، ويكتفي بما تقدم. بخلاف العاجز عن البحث والنظر فإنه يجوز له التقليد، فإن العاجز الذي لا نظر له في المسائل العلمية يسوغ له أن يقلد أحداً من أهل العلم من غير أن يحدد ذلك بصاحب مذهب ولا غيره، بل كل أهل العلم يقلدون كما قال تعالى: {فاسْأَلُوا أهلَ الذّكرِ إنْ كنتُم لا تعلَمُون} (¬1) . * قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) : ومؤلف الكتاب هو شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد المقدسي، المتوفى سنة 960هـ، وهو حنبلي المذهب، وله مؤلفات نافعة في المذهب الحنبلي منها هذا الكتاب (زاد المستقنع) ، ومنها كذلك كتاب: (الإقناع) . وقام بشرحهما البهوتي، المتوفى سنة 1046هـ شرح (زاد المستقنع) بكتاب أسماه: (الروضُ المُرْبِع) ، وشرح الإقناع بكتاب أسماه: (كشاف القناع عن متن الإقناع) . وهما كتابان نافعان. والمؤلف مشهور من مشايخ المذهب الحنبلي، وقد شرع المؤلف بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز. ¬
واقتداء بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رسائله وكتبه فإنه كان يفتتحها بالبسملة، كما ثبت ذلك في الصحيحين من كتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى هرقل عظيم الروم، فإنه كتب فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم: من مُحمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم) (¬1) ، فشرع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالبسملة فيه. وقد قال تعالى عن ملكة سبأ: {قالت يا أيها الملأُ إني أُلقي إلى كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} (¬2) . فهي من سنن أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. وأما ما رواه الخطيب، والحافظ الرهاوي في أربعينه: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) (¬3) فهذا الحديث فيه ابن الجندي، وهو متهم، فالحديث، ضعيف جداً، لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم. (بسم الله) هنا الباء للاستعانة، و (اسم) مجرور بحرف الجر و (الله) مضاف إليه، مضاف إلى اسم، وهما متعلقان بمحذوف فعلي متأخر مناسب، تقديره هنا: (بسم الله أُؤَلِّف) ، وعندما نتوضأ تقديره: (بسم الله أَتَوَضَّأ) ، وعندما نقرأ تقديره: (بسم الله أقرأ) ؛ فهو فعل متأخر عن الجار والمجرور يناسب المقام. (بسم الله) : أي أستعين بالله في قراءتي وأستعين به في وضوئي، وأتبرك بالبداءة باسمه سبحانه وتعالى في تأليفي وفي وضوئي أو في قراءتي ونحو ذلك. ¬
و (الله) : هو العَلَم الأعظم لله عز وجل؛ فهو اسم الله سبحانه وتعالى الذي هو عَلَم من أعلامِهِ. وأصله من الإله: وهو المعبود، وهو يطلق على المعبود سواء كانت عبادته حقاً أو كانت باطلاً، كما قال تعالى: {أنه لا إله إلا أنا} (¬1) ، وقوله {واتخذوا من دونه آلهة} (¬2) : فهي آلهة لكنها باطلة. لذا يقال: لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى. فإذاً (الله) : مشتق من الإله: وهو المعبود، والله هو الاسم الأعظم لله، وهو علمٌ له. (الرحمن) : أيضا اسم من أسمائه وتعالى متضمن لصفته الرحمة التي هي صفة من صفاته تعالى. و (الرحيم) كذلك اسم من أسمائه متضمن لصفة الرحمة أيضا إلا أن الرحمة في الرحمن صفة متعلقة بذاته سبحانه، أي ذو الرحمة الواسعة الشاملة. وأما الرحيم فهي صفة متعلقة بفعله سبحانه: أي ذو الرحمة الواصلة أي إلى من يشاء من خلقه سبحانه. والرحمن: نظراً إلى صفتة الذاتية. والرحيم: نظراً إلى صفته سبحانه وتعالى الفعلية. * قوله: ((الحمد لله حمداً لا ينفد)) . هنا شرع المؤلف بالحمد لما ورد في سنن أبي داود وابن ماجه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع) (¬3) أي ذاهب البركة، فلا بركة فيه. وهذا الحديث رواه الحفاظ عن الزهري مرسلاً. ¬
ورواه قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف، رواه عنه موصولاً بذكر أبي هريرة، والصواب ترجيح رواية من أرسله، فهم الحفاظ ولذلك قال الدارقطني: " فالحديث الصواب أنه مرسل " وعليه فالحديث ضعيف. وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفتتح كلامه بالحمد والثناء على الله. وكذلك اقتداء بالكتاب العزيز، فإن فيه {بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين} . فالحمد يشرع للمسلم أن يفتتح كلامه به. أما هذا الحديث الوارد فهو حديث ضعيف مرسل لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم، وقد حسنه بعض العلماء كالنووي، وابن الصلاح وغيرهما. والصواب أنه ضعيف مرسل من مراسيل الزهري وهي من ضعاف المراسيل. والحمد: هو ذكر محاسن المحمود محبة له وإجلالاً. " ذكر محاسن المحمود " أي فضائله، خيراته، ما عنده من الصفات الحميدة والأفعال الطيبة، هذا كله يسمى حمداً. " محبة وإجلالاً ": فليس مقابل النعمة فحسب، بخلاف الشكر، فإن الشكر أخص منه من هذه الحيثية، فإنه إنما يكون ـ أي الشكر ـ مقابل النعمة، أما الحمد فإنه سواء كان من هذا المحمود نعمة قد أسديت إليك أو لم يكن منه ذلك، فإنك تحمد فلاناً على شجاعته وقوله الحق وصلاحه ونحو ذلك، وإن كان هذا كله لا يصل إليك منه شيء. وكذلك إن أسدى إليك معروفاً فكذلك يسمَّى حمداً. أما الشكر فهو أخص منه، فالشكر: لا يكون إلا مقابل النعمة، والله عز وجل يحمد على كل حال، ولا يحمد على كل حال سواه سبحانه وتعالى.
وقد ثبت في سنن ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال) (¬1) . إذاً الحمد: هو ذكر محاسن المحمود سواء كان مقابل النعمة أو لم يكن مقابلها. فالله يحمد على كل صفاته سواء التي يصل إلينا منها شيء من النعم، أو كانت الصفات اللازمة منه سبحانه كحياته سبحانه. فالله يحمد على حياته، ويحمد على غيرها من صفاته سواء كانت الصفات اللازمة أو الصفات المتعدية. إذن: الحمد هو ذكر محاسن المحمود تحية له وإجلالاً. (حمداً لا ينفد) : أي نفس الحمد لا ينفد. أما قول الحامد فإنه سينفد بنفاده وموته، فإنه ينقطع حمده لكن هذه المحاسن وهذه الفضائل، هذه الصفات التي يتصف الله بها لا تنفد، فهي صفات لا تنفد، فالله عز وجل لا يزال متصفاً بصفات الكمال ولن يزال على ذلك. كما أنه سبحانه لا يزال محموداً من خلقه: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (¬2) أما من حيث الأفراد فإن من مات منهم أو شغل بأمر من الأمور فإن حمده يقف وينقطع. لكن الله عز وجل لا يزال محموداً من خلقه من حيث العموم. كما أنه سبحانه لا يزال متصفاً بصفات الحمد. (لا ينفد) : أي لا ينقطع. * قوله: ((أفضل ما ينبغي أن يحمد)) . فهو أهل الثناء والمجد ـ سبحانه ـ ولا يحصى الثناء عليه، فيثنى عليه سبحانه بما ينبغي له سبحانه. ¬
* قوله: ((وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد)) . (صلى الله) : أي أثنى. فالصلاة من الله عز وجل هي الثناء؛ كما قال ذلك أبو العالية. وقيل: هي الرحمة، وهو ضعيف. والصواب أن الصلاة من الله هي الثناء؛ لأن الله عز وجل قد عطف أحدهُما على الآخر. {عليهم صلوات من ربهم ورحمة} (¬1) فدل على أنهما متغايران إذ الأصل في التعاطف هو التغاير؛ كما أن الرحمة عامة، وأما الصلاة فهي خاصة فناسب ألا تفسر الصلاة بها. إذن الصلاة من الله عز وجل هي الثناء فعندما تقول: " اللهم صل على محمد " أي بمعنى: اللهم اثن على محمد واثن عليه عند ملئك المقربين. وعندما يدعو الإنسان بالصلاة؛ فالمراد من ذلك أنه يدعو له بأن يثني الله عز وجل عليه. إذن الصلاة من الله هي: الثناء. (وسلم) : السلام من السلامة؛ وهي البراءة من النقائص والعيوب والآفات: أي يدعو الله بأن يسلمه من كل نقص وعيب لا يليق به ـ أي الآدمي، ومن كل آفة. فإذن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجمع له بين الصلاة والسلام. الصلاة: بأن يثني الله عليه وهذا جلب خير. والسلام: أن يدعي الله بأن يسلم عليه: أي يلقي عليه السلامة من الآفات والعيوب فهذا دفع ضر، فيجتمع له بين جلب الخير ودفع الضر. * (على أفضل المصطفين) : المصطفين: جمع مصطفى وهو المختار من الصفوة: وهي خلاصة الشيء. فالمصطفون هم المختارون من الله سبحانه، الذين اختارهم الله على خلقه؛ لأنهم خلاصة خلقه. ¬
وهم الأنبياء والرسل، وهو عليه الصلاة والسلام أفضل هؤلاء، فهو أفضل رسل الله عليهم صلاة الله وسلامه جميعاً. ويدخل في ذلك أولو العزم، كإبراهيم عليه السلام وموسى وعيسى عليهم السلام، وغيرهم من أنبياء الله فكلهم مفضولون بالنسبة إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو سيدهم وأفضلهم، فهو سيد البشر ولا فخر؛ كما صح ذلك عنه في الحديث المتفق عليه (¬1) . * قوله: ((وعلى آله وصحبه ومن تبعهم)) . (آله) : من آل يؤول إذا رجع. وقيل بمعنى أهل وهو ضعيف، ضعّفه ابن القيم في كتابه في الصلاة [على] النبي - صلى الله عليه وسلم - من عدة أوجه، ليس هذا موضع ذكرها. فـ: (آله) : أصلها من آل يؤول، إذا رجع. فآل الرجل: هم الراجعون إليه المضافون إليه المنتسبون إليه. هم آل الرجل. وآل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم إطلاقان: 1ـ إطلاق خاص، 2ـ إطلاق عام. * أما الإطلاق الخاص: فهم قرابته وزوجاته. فزوجاته وذريته وسائر قرابته هم آله، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (أما علمت أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة) (¬2) : فالمراد من (آل محمد) : هم أقاربه من بني هاشم، وذريته عليه الصلاة والسلام من فاطمة رضي الله عنها وزوجاته على قول قاله بعض أهل العلم تقدم البحث فيه. ¬
وقوله عليه الصلاة والسلام أيضاً: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) (¬1) : فهنا زوجاته وأهل بيته خاصة فهم آله هنا. وهذا أخص من الإطلاق السابق أيضا. * أما الإطلاق العام: فهم أتباعه عامة من قرابته المؤمنين، ومن ذريته ومن زوجاته ومن سائر أتباعه من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد قال تعالى: {أدْخلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ العَذَاب} (¬2) ، فهنا لا شك أن آل فرعون ليس أهله خاصة، وإنما أهله ومن اتبعه على باطِلِهِ فَهُم آلُ فِرعَوْن. كما أنه يدخل فيه - وهذا أخص إطلاقات آل، يدخل فيه - الشخص نفسه. فالشخص نفسه عندما يقال آل فلان، يدخل فيه الشخص نفسه، ما لم تكن هناك قرينة تمنع من دخوله، ومنه قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (اللهم صل على آل أبي أوفى) ، فإن هذا المتصدق المزكي، وهو أبو أوفى أحق الناس بالدخول في هذه الجملة (اللهم صل على آل أبي أوفى) (¬3) : أي عليه وعلى آله ـ كما أن قوله تعالى {أدخلوا آل فرعون أشدّ العَذاب} (¬4) ، يدخل فيهم فرعون ولا شك. ¬
إذن تبين من هذا أن (آل) يدخل فيها الشخص نفسه وتدخل فيها زوجاته وذريته، ويدخل فيها سائر قرابته، ويدخل فيها على وجه العموم أتباعه والسياق يحكم، فالسياق هو [الـ]ـحاكم. فمثلاً: قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) (¬1) ، هنا: النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يدعو بهذا الدعاء لأهله خاصة بأن لا يكون عندهم غنى زائد، وإنما يكون عندهم ما يتقوتون به كفاية، ومثل هذا الدعاء اللائق أن يكون للشخص نفسه وأهله خاصة دون أن يتعدى هذا إلى سائر قرابته ممن قد لا يكون متحملاً لمثل هذه المعيشة بأن يكون قوتاً، وممن قد يكون محباً للغنى، ونحو ذلك. لذا كان أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليهن رضوان الله، كُنَّ قد أجيبت لهنّ هذه الدعوة، فكُنَّ حتى بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معيشتهنّ قوتاً وما فَضَلَ فإنهنّ يتصدقن به. وأما آله من قرابته من بني هاشم فإنه كان فيهم الأغنياء وكان فيهم الفقراء. إذن لفظة (آل) : من آل يؤول، إذا رجع، ومعناها الحاكم فيه السياق، فإنه قد يراد بها العموم وقد يراد بها القرابة والذرية والزوجات، وقد يدخل فيها الشخص نفسه، وحكم ذلك كما تقدم إلى السياق. (مُحمد) : هو اسمه الذي هو أعظم أسمائه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو اسم مفعول على وزن: مُفَعَّل، نحو مُعَظَّم، ومُقَدّس، ومُبجَّل، ونحو ذلك. وهذا الوزن يراد منه تكرار حدوث الفعل الذي اشتق منه هذا الاسم، فيكون المعنى: من لا يزال يحمد، فهو لا يزال يُحمَد حَمْداً بعد حمد من الله عز وجل وملائكته: أي لا يزال يثنى عليه ويذكر بمحاسن أفعاله وفضائله عليه الصلاة والسلام من الله والملائكة ومن المؤمنين. بل يحمد من الناس عامة؛ كما يكون هذا يوم يكون له المقام المحمود. ¬
حتى مَن كَذَّبَ بِهِ، وأنكر نُبُوَّته؛ فإنه يحمد على ما فيه عليه السلام من الصفات الحميدة، فهو محمود، قد تكرر فيه الحمد فلا يزال يحمد. وهذا الاسم " محمد ": هذا اسمه في التوراة. ومن أسمائه (أحمد) : وهو اسمه في الإنجيل، كما قال تعالى: {ومبشراً برسُولٍ يأتي من بعدي اسمُهُ أحمد} (¬1) . واسم " أحمد": فيه مزيد معنى على المعنى المتقدم؛ وهو أنه أحمد لله عز وجل من غيره: أي أكثر حمداً لله سبحانه وتعالى. ومنه (¬2) معنى آخر؛ أنه أفضل حمداً من غيره يعني: كما أن له الكمية في كونه محمداً: أي حمده كثير لا يزال متكرراً من الله: أي ليس لله إنما من الله فهو كذلك أحمد أي أحمد من غيره عند الله وعند ملائكته. فهو محمود حمداً أفضل وأكثر، أكثر كمية، وأفضل كيفية من غيره، فهو محمد أي لا يزال يحمد وحمده عليه الصلاة والسلام فاضل عن حمد غيره، فحمده أي ثناء الله عليه، وثناء غيره عليه، أعظم وأبجل من ثنائهم على غيره صلوات الله وسلامه عليه. كما أنه أحمد لله سبحانه من غيره، محمد عليه الصلاة والسلام، أفضل كيفية وأكثر كمية من حمد غيره؛ فهو أكثر الناس حمداً وأعظم الحامدين لله عز وجل. (وآله) : وآله هنا: هم قرابته وزوجاته وذريته، للعطف، فإنه عطف الصحابة عليهم. فيكون حينئذ: نقول بالمعنى الخاص لدخول أتباعه بالمعنى العام. (وأصحابه) : جمع صحب، وصحب جمع صاحب وهو من لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤمنا به، ومات على ذلك، فعلى ذلك لو أن رجلاً لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤمناً ونظر إليه، لكنه ارتد ثم رجع إلى الإسلام فهو صحابي؛ لأن هذا الوصف ثابت فيه، فقد لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مؤمن به، وإن طرأ على ذلك ردة. ¬
وعليه أيضا، من لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجالسه لكنه لم يكن مؤمناً به ثم آمن بعد ذلك لكنه لم يسعد برؤيته؛ فإنه لا يكون صحابياً وإنما يكون تابعياً. فإذن الصحابي هو من رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان في تلك الحال مؤمناً بالله عز وجل. ومثل ذلك من منعت رؤيته مانع كأن يكون أعمى لا يبصر فهو صحابي لأن الذي منع من الرؤية إنما هو كونه أعمى وليس المقصود هو مجرد الرؤية فحسب بل اللُّقيا ثابتة له فيكون صحابياً أيضاً. (ومن تعبد) : أي تعبد لله وتذلل له وأطاعه، والعبادة ـ كما قال شيخ الإسلام: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. * قوله: ((أما بعد)) . (أمّا) : أي مهما يكن من شيء، فأما هنا تنوب عن أداة الشرط وعن فعله، و (أما) بمعنى (مهما يكن من شيء) . (بعدُ) : هنا ظرف زمان، مبني على الضمة في محل نصب، لكون المضاف إليه محذوف، والأصل "بعد ذلك"، والمعنى: (مهما يكن من شيء بعد ذلك) . * قوله: ((فهذا مختصر في الفقه)) . المختصر: اسم مفعول من الاختصار. والاختصار في الكلام: هو أن تقل الألفاظ وتكثر المعاني. وهذا ممدوح ـ حقيقة ـ؛ لأنه أسهل للحفظ وأجمع للأحكام ولكن بشرط ألاّ يكون ذلك فيه غموض بحيث يحتاج إلى مشقة وتعب لتفهمه وتفهيمه، يعني تعلمه وتعليمه يحتاج إلى مشقة؛ لأن ألفاظه غامضة فهذا مذموم. (الفقه) : الفقه لغة: الفهم ومنه قوله تعالى: {واحْلُل عقدة من لساني يفقَهُوا قولي} (¬1) : أي يفهموه. اصطلاحاً: معرفة الأحكام الشرعية التكليفية العملية من أدلتها التفصيلية. ¬
(معرفة) : سواء كان هذا علماً يقينياً جازماً أو كان ظناً غالباً يغلب على الظن، لأن العلم لا يدرك باليقين كله، بل منه ما يكون ظناً غالباً ليس من الظن المذموم الظن المرجوح أو الظن السيئ، وإنما المراد به أن يغلب على ظنه، فيكون احتمال الصواب أكثر من احتمال الخطأ، فإنه ليست المسائل الشرعية كلها - بل ولا أكثرها - يدرك باليقين، بل الكثير أو الأكثر إنما يدرك بالظن الغالب، لذا يقال: " الراجح " أي من القولين المحتملين للصواب أي هذا هو القول الراجح الذي احتمال الصواب فيه أكثر من احتمال الخطأ. (الأحكام الشرعية) : ليست أحكاماً عقلية ولا عادية، وإنما هي أحكام شرعية أي منسوبة إلى الشرع. (التكليفية) : التي يكلف بها العباد. (العملية) : تخرج بذلك الاعتقادية، فهي ليست داخله فيها، فليس البحث هنا في باب التوحيد ولا الأسماء والصفات ولا اليوم الآخر. هذا محل بحثه كتب العقائد وكتب التوحيد، إنما هنا في الأحكام العملية من صلاة وصوم وطلاق وبيوع ونحو ذلك. (بأدلتها التفصيلية) : لابد أن يكون ذلك مع الدليل وإلا لم يكن فقها، فإن الرجل إذا عرف مسألة من المسائلِ الشرعيةِ لكنه لا يعرف دليلها فليس بفقيهٍ فيها. وكذلك لو كان عالماً بكتاب من كتب الفقهاء مطلعاً عليهِ عارفاً بمعانيه، لكن ليس عنده أدلة شرعية تدل على هذه المسائل فهو ليس بفقيه. فالفقيه من جمع بين فهم المسألة ومعرفة دليلها، لابد من فهم المسألة مع معرفة دليلها. فليس بعالم من فهم المسائل وأحاط بمعانيها لكنه جاهل بأدلتها الشرعية بإجماع العلماء، لذا أجمع العلماء - كما حكى ذلك ابن عبد البر - على أن المقلد ليس بعالم.
و (التفصيلية) : ضد الإجمالية، فالإجمالية: هي الأصول العامة كالقياس والإجماع والسنة والكتاب هذه تسمى أدلة إجمالية لكنَّ الأدلة التفصيلية هي: ما تضمنه باب القياس من القياس في مسألة معينة، والأحاديث النبوية بأفرادها، يسمى أدلة تفصيلية، لكن السنة من حيث العموم تسمى أدلة إجمالية وقد تقدم البحث في هذا في شرح الأصول. * قوله: ((من مقنع الإمام الموفق أبي محمد)) . المقنع: هو كتاب ألَّفَهُ الشيخ: موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي ـ رحمه الله تعالى ـ المتوفى سنة 620هـ. وهو شيخ المذهب وإمام الحنابلة ـ رحمهم الله تعالى ـ مع علمه بالسنة والعقيدة فهو من أهل العلم المشهورين. وله هذا المُؤلف وهو المقنع، هذا المؤلف: جمع فيه المسائل الفقهية في المذهب الحنبلي لكنه لم يكتف بقول واحد في المسألة بل يذكر في المسألة روايتين أو وجهين أو احتمالين. ـ والفرق بين الرواية والوجه والاحتمال: (وهذه كلها داخله في المذهب يعني: المذهب الحنبلي فيه مسائل خلافية، وكذلك المذهب الشافعي في (¬1) مسائل خلافية في المذهب نفسه) . فالرواية هي: ما قاله الإمام نفسه. فإذا قيل: " وفي هذه المسألة عن الإمام أحمد روايتان " أي قولان منسوبان إليه نفسه. بمعنى: أفتى بقول ثم أفتى بقول آخر لكنهم لا يعرفونه التاريخ حتى يرجحوا أو أنهم عرفوا التاريخ فرجحوا وبقيت تلك الرواية. ومعلوم أن الإمام مهما علا قدره وكثر علمه فإنه يتغير قوله فيبدو له من الترجيحات ما لم يبدُ له سابقاً فيقول قولاً وبعد فترة من الزمن يقول قولاً آخراً؛ لأنه تبين له أن ذاك الدليل الذي استدل به مثلاً ضعيف أو لا وجه أو نحو ذلك أو أنه منسوخ أو غير ذلك فينتقل إلى قول آخر أو يبلغه دليل لم يكن قد بلغه، فحينئذ ينتقل إلى قول آخر. ¬
أما ما أضيف إلى أصحابه ـ أي أصحاب الإمام أحمد ـ أي العلماء الذين تقعدوا بقواعده وتأصلوا بأصوله فخرّجوا على مذهبه وفرعوا المسائل؛ لأن ما نقل عن الإمام أحمد لا يحيط بالمسائل الفقهية كلها. لكن العلماء الذي اقتدوا به أو أخذوا هذه الأصول والقواعد فجعلوها أصولاً وفرعوا منها مسائل، فجمع لنا هذا الفقه. فليست كل مسألة من المسائل في الفقه الحنبلي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي مضافة إلى الإمام نفسه الذي ينتسب إليه، ليس كذلك. وإنما هي مضافة إما إليه نفسه وإما إلى أصحابه الذين تقعدوا بقواعده، وهذا تخريج على نفس القواعد، فليست خارجة عن قواعد الإمام لكنهم اختلفوا فبعضهم رأى هذا القول وبعضهم رأى القول الآخر فيقال في المسألة وجهان. ـ أما الاحتمال: فهو ما يصح أن يكون وجهاً في المذهب. إذن ليس بوجه لكن يأتي عالم بعد ذلك فيقول: " هذا احتمال" ينفي أن يكون وجهاً فينفى أن تخرج على قواعد الإمام رحمه الله. وحينئذٍ تبين لنا: أن العارف بقواعد أحمد وأصوله يمكنه أن يختار القول الراجح من هذين القولين. لذا المذهب فيه راجح ومرجوح، فمثلاً: ألّف صاحب الإنصاف كتابه في الراجح من مسائل الخلاف أي في مذهب أحمد. وكذلك صاحب الفروع يرجح، وكذلك الموفق وغيره. وعندما يقال (ظاهر المذهب) : أي الراجح منه. (والمشهور في المذهب) : أي الراجح في المذهب. فالمتفقه في مذهب الحنابلة يمكنه أن يرجح الحق من مسائل الخلاف فيه. كما أن العارف بالأدلة الشرعية والمتمرس فيها يمكنه أن يرجح فيما يختلف فيه أهل العلم عامة من الحنابلة وغيرهم. إذن المقنع: ليس فيه قول واحد عن الإمام أحمد أو أصحابه، وإنما يذكر احتمالات. فأتى هذا المؤلف واختار من الروايتين رواية واختار من كل وجهين وجها هو الظاهر والمذهب والمشهور فيه عنده، وإلا فقد يقع خطأ منه فيختار ما ليس بمشهور في المذهب ويكون المشهور في المذهب بخلاف ما اختاره.
ـ والمقنع: لم يذكر فيه الأدلة أو التعليلات للاختصار، والموفق له أربع مؤلفات في الفقه جعلها مرتبة. 1ـ كتاب العمدة وهذا المؤلف لا يذكر فيه الخلافات في المذهب وإنما يكتفي بقول واحد وربما ذكر الدليل أحياناً ليتمرس الطالب على معرفة الأدلة الشرعية. 2ـ ثم يترقى معه إلى كتاب المقنع وقد تقدمت صفته. 3ـ ثم يترقى إلى كتاب الكافي: وهو على طريقة المقنع، لكن فيه زيادة أدلة وتعليلات فيضيف الأدلة والتعليلات التي تركها في كتاب المقنع. 4ـ ثم يأتي بعد ذلك كتاب (المغني) في الفقه المقارن يذكر أقوال الحنابلة ويذكر أقوال الشافعية وغير ذلك من أقوال أهل العلم فهو في الفقه المقارن، ويذكر أدلة هؤلاء وهؤلاء ويستدل للحنابلة فهو كتاب واسع. قال بعضهم جامعاً كتبه: كفى الخلق بالكافي وأقنع طالباً ... بمقنع فقه عن كتاب مطول وأغني بمغني الفقه من كان باحثاً ... وعمدته من يعتمدها يحصل. ولا شك أن كتبه واختياراته ومؤلفاته ـ رحمه الله ـ من أنفع المؤلفات في الفقه الحنبلي وأكثرها بركة ونفعاً فرحمه الله تعالى. * قوله: ((وربما حذفت فيه مسائل نادرة الوقوع وزدت على ما مثله يعتمد، إذ الهمم قد قصرت 000)) : ففيه مسائل قد حذفها من المقنع لا لشيء إلا لندرة وقوعها، فهي مسائل يقل وقوعها فلم يحتج إلى ذكرها؛ لأن الحاجة إليها ضعيفة. (وزدت على ما مثله يعتمد) : فهو قد زاد على المقنع زيادات رأى أنها مهمة فزادها. قال: (إذ الهمم قد قصرت والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت) : هذا تعليل للاختصار ولحذف المسائل النادرة الوقوع. (والأسباب المثبطة عن نيل المراد) : ومن أعظمها المعاصي. * قوله: ((ومع صغر حجمه حوى - جمع - ما يغني عن التطويل)) : فهو كتاب مع صغر حجمه كما قال، قد حوى مسائل كثيرة تغني عن التطويل الموجود في غيره من الكتب. * قوله: ((ولا حول ولا قوة إلا بالله)) :
لا حول: أي لا تحول لنا من حال إلى حال لا يمكننا أن نتحول من شدة إلى خفة من فقر إلى غنى من جهل إلى علم من شرك إلى توحيد من معصية إلى طاعة لا حول لنا إلا بالله سبحانه وتعالى. أي لا تحول لأحد من حال إلى حال من حال سيئة إلى حسنة إلا بالله سبحانه وتعالى. (ولا قوة) : كذلك لا قوة يستعان بها إلا قوة الله عز وجل. * قوله: ((وهو حسبنا)) : حسبنا: أي كافينا، فالحسب هو الكافي {يا أيها النبي حَسْبُكَ الله} (¬1) أي كافيك الله. * قوله: ((ونعم الوكيل)) : أي نعم الوكيل الله سبحانه وتعالى. أي نعم المتوكل عليه الذي تفوض الأمور إليه فيدفع الضر ويجلب النفع الله سبحانه، فهو المتوكل عليه سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثاني (يوم الاثنين 9/10/1414هـ) * قوله: ((كتاب الطهارة)) الكتاب: مصدر كتب يكتب كتبا وكتاباً وكتابة، وهو بمعنى مكتوب. والكتب في اللغة: الجمع، يقال: (تكتب بنو فلان) إذا اجتمعوا. ومنه سميت الكتيبة " وهي جماعة الخيل " سميت كتيبة لاجتماعها. فيكون المعنى هنا: الجامع لأحكام الطهارة. فهذا المكتوب هنا قد جمع فيه المؤلف ما يحتاج إليه في مسائل الطهارة. ـ أما الطهارة في اللغة: فهي النظافة والنزاهة عن الأقذار سواء كانت هذه الأقذار حسية أو معنوية. فإذا أزال القذر الثابت على بدنه أو على ثوبه أو على بقعته فإن هذا طهارة. وإذا أزال القذر المعنوي كالشرك بالله والمعاصي فهذه طهارة أيضاً. ومنه سمي المشركون نجس؛ لكونهم قد وقع فيهم القذر المعنوي، وإن كانوا طاهرين طهارة حسية وأن الكافر إذا صوفح أو جلس على بقعة فلا تتنجس اليد ولا البقعة؛ لأن نجاسته نجاسة معنوية. فالنجاسة الحسية والمعنوية: التنزه عنهما يسمى طهارة، هذا هو تعريف الطهارة لغة. والذي يهمنا تعريفها اصطلاحاً، وقد عرفها المؤلف بقوله: ¬
* قوله: ((وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث)) : (ارتفاع الحدث) الحدث هو: وصف " أي معنى من المعاني فهو ليس حسياً " يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما يشترط فيه الطهارة كمس المصحف والطواف عند جمهور أهل العلم ونحوه مما تشترط فيه الطهارة. فهو إذن ـ أي الحدث ـ ليس شيئاً محسوساً يرى بالأبصار أو يمس بالأيدي وإنما هو شيء معنوي. إذن الطهارة: هي ارتفاع الحدث: فلا يبقى قائماً في الجسد بل يزول عنه ويرتفع. فإذا توضأ المسلم الوضوء الشرعي وكان قد أحدث قبل ذلك، فإن هذا الوضوء يرفع الحدث الذي قام به، فهو طهارة. والغسل كذلك، فالجنب مثلاً قد قام به وصف - فليس شيئاً محسوساً قام به - يمنعه من الصلاة، وإنما هو شيء معنوي، فإذا اغتسل ذهب منه هذا الشيء المعنوي فبقي ليس بمحدث بل طاهر. (وما في معناه) : كذلك ما في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة كما أن ارتفاع الحدث بالغسل أو الوضوء يسمى طهارة فكذلك ما يكون في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة. وفي هذه الصورة إما أن يكون الحدث موجوداً أو لا يكون موجودا، وهو إن كان موجوداً فإن هذا الفعل الذي يسمى طهارة لم يزله بل هو باق، لذا قلنا (ما في معناه) ؛ لأنه لو كان ارتفاعاً لما قلنا (في معنى ارتفاع الحدث) . إذاً: يدخل في لفظة (وما في معناه) صورتان: 1ـ الصورة الأولى: أن يكون الحدث ليس بمرتفع بل هو باق، ومع ذلك يسمى طهارة. 2ـ ألا يكون محدثاً لكنه فَعَلَ فِعْل الطهارة. أما الصورة الأولى: فمثالها من لديه سلس بول والمرأة المستحاضة ونحو ذلك، فإنهم عندما يتوضؤون الوضوء الشرعي حدثهم باقٍ غير ذاهب؛ لأن الحدث عندهم متجدد ولكنهم قد تطهروا طهارة شرعية صحيحة، فهي على صورة الوضوء الشرعي الصحيح، ولكن مع ذلك الحدث باقٍ، فهذه تسمى طهارة شرعية لكنها ليست ارتفاعاً للحدث. فالحدث باق وإنما هي في معنى ارتفاع الحدث.
ـ وأما إذا كان الحدث غير موجود، فمثال ذلك: الوضوء المستحب أو الغسل المستحب كغسل الجمعة؛ فإنه يسمى طهارة، والشخص عندما يغتسل غسل الجمعة ليس عليه حدث، فهو في معنى ارتفاع الحدث؛ لأنه شابهه في الصورة فغسل الجمعة كغسل الجنابة تماماً. وكذلك: الوضوء المستحب: وهو ما يسمى بتجديد الوضوء، فعندما يجدد وضوءه فإنه عليه طهارة وليس بمحدث ومع هذا فإن الفعل يسمى تطهراً وما فعله فهو طهارة. كذلك الغسلات التي بعد الغسلة الأولى؛ فإن الشخص عندما يتوضأ، الواجب عليه أن يغسل كل عضو مرة مرة، فالتكرار لا يرد على الحدث؛ لأن الوارد على الحدث إنما هو غسل واحد، فعندما يغسل يديه ثلاثاً فالغسلة الأولى تزيل الحدث المتعلق بيديه، وأما الغسلتان الأخريان فإنهما لا تردان على حدث فهما في معنى ارتفاع الحدث. إذن: ما يكون في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة، فمن به سلس بول أو نحوه من الأحداث المتجددة، فوضوءه أو غسله يسمى طهارة. والغسل المستحب كغسل الجمعة - أو على القول بوجوبه أيضاً - فهو لا يرد على حدث حتى على القول بوجوبه ويسمى طهارة. وكذلك غسل الميت يسمى طهارة، وكذلك الوضوء المستحب يسمى طهارة، وسائر الأغسال المستحبة تسمى كذلك طهارة ونحو ذلك. (وزوال الخبث) : الخبث: المراد به هنا: النجاسة الحسية؛ لأن الفقهاء ليس مبحثهم في الخبث المعنوي كالشرك، وإنما مبحثهم في الخبث الحسي: وهي النجاسة التي حكم الشارع بنجاستها. وسيأتي البحث في هذا؛ فإن المؤلف قد بوَّب باباً كاملاً في النجاسة وإزالتها، والذي يهمنا هنا هو تعريف الطهارة. فالنجاسة الحسية كالبول والعذرة ونحو ذلك زوالها عن البدن أو البقعة أو الثوب يسمى طهارة، فعندما يزول الخبث الواقع الطارئ على الثوب فينظَّف بالماء أو يزول بغير ذلك؛ فإن هذا يسمى طهارة. وقال هنا (زوال الخبث) ، ولم يقل: (إزالة الخبث) ؛ لأن النية لا تشترط في إزالة النجاسة.
فلو أن رجلاً علق ثوباً فنزل عليه مطر وفيه نجاسة؛ فإنه لم يفعل المكلف هنا التطهير، والثوب قد طهر بزوال نجاسته بسبب نزول المطر عليه. ولو غسل ثيابه وفيها نجاسة وهو لا يعلم بوجود هذه النجاسة وغسل ثيابه لإزالة ما فيها من الأوساخ الأخرى ولا يعلم أن فيها نجاسة، فهو لم ينو إزالة النجاسة ومع ذلك تزول؛ لأن النجاسة من باب التروك وليس من باب الأفعال، فالمقصود هو إزالتها سواء زالت بفعل المكلف ونيته أو بفعله بدون نية أو زالت بفعل غير واقع عليه التكليف كماء السماء أو نحو ذلك، فإن النجاسة تزول وعلى هذا فلو أن المؤلف قال: (رفع الحدث) : لكان الأولى؛ لأن الحدث لابد في رفعه من نية. فلو أن رجلاً اغتسل بغير نية وتبيّن أن عليه جنابة، فإن هذا الغسل لا يجزئه؛ لأنه لم ينو إزالة الجنابة الواقعة عليه، وسيأتي الكلام على هذا في بابه إن شاء الله. * قوله: ((المياة ثلاثة)) : المياه: جمع كثرة لماء، وأصله موه، لذا جمع القلة منه (أمواه) ، وجمع الكثرة منه (مياه) . (ثلاثة) : أي شرعاً، وإلا فإنها في الواقع قد تنقسم إلى أكثر من هذه الأقسام، لكن المقصود هنا أقسامها من حيث حكم الشارع فيها. فذكر هنا أن المياه تنقسم إلى ثلاثة وهي: 1ـ الطهور أي المطهر 2ـ والطاهر وهو الطاهر بنفسه غير المطهر لغيره. 3ـ والنجس. هكذا قسمه فقهاء الحنابلة وغيرهم فهو مذهب الجمهور، وأن المياه تنقسم إلى ثلاثة. والمؤلف هنا سيذكر القسم الأول وما يتعلق به من مسائل ثم يذكر القسم الثاني وما يتعلق به من مسائل ثم يذكر القسم الثالث وما يتعلق به من مسائل، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وغيرهم من أن المياه تنقسم إلى ثلاثة. والراجح ما ذهب إليه المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية من أن المياه تنقسم إلى قسمين اثنين: ماء طاهر، وماء نجس، فالطاهر هو الطهور المطهر، والقسم الثاني هو الماء النجس.
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: " وإثبات ماء طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة " (1) . وسيأتي البحث في هذا عند الكلام في القسم الثاني من أقسام المياه. ـ إذن: قوله: (ثلاثة) : فيه نظر، فالصواب والصحيح ـ وسيأتي الاستدلال له ـ أن المياه إنما تنقسم إلى قسمين: مياه طاهرة يصح للمسلم أن يتطهر بها، ومياه نجسة. وأما أن يكون هناك ماء يسمى ماءً وهو مع ذلك لا يطهر فهذا ليس بصحيح وسيأتي مزيد بحث فيه في موضعه – إن شاء الله -. قوله: ((طهور لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره)) : هذا القسم الأول: هو الطهور: فهو طاهر بنفسه مطهر لغيره، بل لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره. (النجس الطارئ) : لأن هناك نجس ليس بطارئ، بل هو نجس نجاسة عينيّة. النجس الطارئ: هو الموضع أو المحل الذي وردت عليه النجاسة، فهو في أصله طاهر لكن وردت عليه نجاسة، فهذا يسمى النجس حكماً، والنجاسة هنا طارئة عليه، ليست بأصلية، فهذا هو الذي قابل لإزالة النجاسة فيعود طاهراً كما كان. وأما النجس عيناً: فهو الذي قد خلقه الله نجساً فهذا لا يُزال بأي شيء كان. مثال ذلك: البول أو العذرة أو الكلب أو الخنزير ونحو ذلك، فهذه نجاستها نجاسة عينية، بمعنى: أنها لا يمكن أبداً أن تزول عنها هذه النجاسة التي خلقها الله عز وجل عليها مهما فعل فيها من أدوات التطهير. إذن الكلام إنما هو على المحل الذي ترد عليه النجاسة، فهذا هو النجس حكماً؛ لأنه طاهر في الأصل فالنجاسة طرأت عليه فأصبح في حكم الشيء النجس. فإذا أزيلت هذه النجاسة فإنه حينئذ يعود طاهراً. (ولا يزيل النجس الطارئ غيره) : إذن يقرر المؤلف أن هذا النوع من المياه أولاً يرفع الحدث، وهو كذلك يزيل النجس، بل لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره. أما كونه لا يرفع الحدث غيره فسيأتي البحث في باب التيمم، عن التيمم أهو رافع أو مبيح؟
وفقهاء الحنابلة يرون أنه مبيح، لذا هذا التعريف يجري على قاعدتهم، وسيأتي البحث في هذا. * وقوله هنا كذلك: ((لا يزيل النجس الطارئ غيره)) : يدل على أنه لو كانت هناك نجاسة فصب عليها شيء آخر من المواد كالكيميائية مثلا، أو أزيل بتراب أو نحو ذلك فإن النجاسة تبقى ولا تزول. بمعنى: ثوب أزيلت نجاسته بغير الماء أو زالت نجاسته بغير الماء، هل يزول ذلك أم لا؟ قالوا: لا يزول إلا بالماء، هذا هو مذهب الحنابلة. فعلى ذلك إذا أزيل بحكة مثلاً وكان مما يقبل الحك، أو أزيل بأي طريق آخر، بمواد كيميائية أو نحو ذلك أو بتراب فإنه عندهم لا يزول واستدلوا بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: في دم الحيض يصيب الثوب: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه) (¬1) متفق عليه. ¬
قالوا: فقد خصص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الماء بالذكر، واستدلوا كذلك بالحديث المتفق عليه في أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يهراق على بول الأعرابي ذنوباً من ماء) (¬1) متفق عليه. قالوا: فخصص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذلك الماء بالذكر. ـ وذهب فقهاء الأحناف: إلى أن الماء ليس فقط هو المزيل للنجاسة، بل أي شيء تزول به النجاسة؛ فإن المحل يطهر، كأن يزول بالتراب أو بمرور الزمن ونحو ذلك مما تزول به النجاسة بالشمس وغير ذلك، فمتى زالت النجاسة ولم يبق لها أثر يمكن إزالته فإنها حينئذ تطهر، وهذا هو القول الراجح. ¬
ودليله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الثابت في سنن أبي داود: (إذا وطئ أحدكم الأذى في نعله فإن التراب لها طهور) (¬1) . فجعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التراب طهوراً للنعل إذا أصابها الأذى. ¬
ومثل ذلك ما ثبت في سنن أبي داود، أنه عليه الصلاة والسلام، قال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإذا رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه ثم يصل فيهما) (¬1) فهذا الحديث يدل على أن المسح كاف في إزالة الأذى الواقع في النعلين. ـ ثم إن النجاسة هي علة التنجس، فإذا زالت هذه النجاسة بأي طريق فإنه لا مبرر لانتفاء الحكم عليه. وقد قعّد الفقهاء القاعدة المشهورة: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. فإذا ثبتت العلة ثبت الحكم، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم. إذن الراجح: أنه ليس الماء الطهور فقط هو المزيل للنجاسة. بل كل طريق تزول به النجاسة فإنه يكون الشيء طاهراً. فمثلاً: رجل وضع ثوبه في محل تشرق فيه الشمس فزالت النجاسة عنه، ولم يبق لها أثر مطلقاً فإنه حينئذ يكون الشيء طاهراً وهكذا. * قوله: ((وهو الباقي على خلقته)) : هذا هو الماء الطاهر، وهو الباقي على خلقته التي خلقه الله عليها من مياه الأنهار ومياه البحار ومياه الآبار ومياه الأمطار ونحو ذلك. فالباقي على خلقته هو الطهور، ويدخل في ذلك البرد، والثلج ونحو ذلك كل هذا داخل في ذلك الباب. ¬
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد) (¬1) . لكن يجب أن يعلم أن الثلج والبرد لا يثبت به - مع كونه طهوراً لا يثبت به - الغسل حتى يجري على الأعضاء؛ لأن حقيقة الغسل جريان الماء على أعضاء المغسل أو المتوضئ. فغسل الأعضاء حقيقته جريان الماء عليها. فإذا كان البرد أو الثلج خفيفاً يجري الماء عند إدراته (¬2) على الأعضاء - يجري عليها - فإنه يثبت غسلاً ويصح الوضوء به أو الغسل. وأما إذا كان لا يجري كأن يكون ثخيناً ثقيلاً فإنه حينئذ لا يجزئ، فإذا ماع فتوضأ أو اغتسل فإنه حينئذ يجزئه ذلك. ـ وهل يستثنى من الماء شيء؟ (أ) ذهب بعض الفقهاء المتقدمون (¬3) كما يروى ذلك عن ابن عمرو، من أن مياه البحار ليست بطهورة، وخالف في ذلك جماهير الفقهاء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وقالوا بطهوريتها وأنها مياه طهورة. ¬
وهذا هو الحق وقد دل عليه الحديث الذي رواه الأربعة وغيرهم وصححه البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل له: يا رسول الله: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر، قال: (هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته) (¬1) . فالبحر هو الطهور ماؤه، فمياه البحار يجوز للمسلم أن يتوضأ منها وأن يغتسل ولا حرج في شيء من ذلك. (ب) واستثني بالنصوص الصحيحة عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام، آبار ثمود سوى بئر الناقة. ¬
فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (نزل الناس مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة) (1) . فهذا يدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يتطهر بمياه آبار ثمود سوى بئر الناقة فإنه يجوز له أن يتطهر به. (ج) الثانية: بئر برهوت: فقد كره الفقهاء أن يتوضأ منها أو يغتسل وهي بئر بحضرموت. وقد روى الطبراني في "الكبير"، وقد رواه الضياء في "المختارة" من طريق الطبراني في "الكبير" أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم) إلى أن قال: (وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت) (2) وهو حديث حسن. وهي بئر معروفة في حضرموت. فهذا الحديث يدل على كراهية الغسل أو الوضوء فيها كما قال ذلك الفقهاء. * مسألة: (ماء زمزم) : هل يكره أن يتوضأ وأن يغتسل وأن يزيل الخبث منه أم لا يكره؟؟
ـ أما الوضوء منه، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ذلك جائز، واستدلوا بما رواه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على مسند أبيه، من حديث علي بن أبي طالب: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ (1) . هذا الحديث يدل على جواز الوضوء من ماء زمزم وأنه لا حرج في ذلك ولا بأس. ـ وعند الإمام أحمد خلاف المشهور في المذهب عنه كراهية ذلك. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بكراهية الاغتسال دون الوضوء وأن الغسل مكروه دون الوضوء. ـ أما القول بأن الوضوء مكروه فإنه لا دليل عليه والحديث النبوي الذي تقدم ذكره يرده. وأما الغسل منه فليس في الحديث أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اغتسل. وهل هناك ما يمنع من الاغتسال أم يقال إن الاغتسال مثل الوضوء؟؟ روى الفاكهي في "أخبار مكة" وهو من علماء القرن الثالث، بإسناد صحيح عن العباس بن عبد المطلب وابنه "والعباس هو ساقي الناس من ماء زمزم فكان على سقاية زمزم ـ رضي الله عنه" قالا: (لا أحله لمغتسل وهو لمتوضئ وشارب حل وبِلّ) (2) أي برؤ من الأمراض. فهنا قال هذان الصحابيان من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورضي الله عنهما. قالا: (لا أحله لمغتسل) فكل واحد منهما قال هذه المقالة. ولم يصب النووي عندما قال فيه: أنه لم يصح ما ذكروه عن العباس، بل قد صح ذلك بإسنادين أحدهما إسناد حسن والآخر إسناد صحيح، وقد احتج بهذا الأثر الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى. وهذا الأثر عن العباس وابنه يدل على النهي عن الاغتسال من ماء زمزم وأن ذلك منهي عنه. وقد كرهه ـ كما تقدم شيخ الإسلام ابن تيمية وحكى ذلك عن طائفة من العلماء. ولم أر أحداً من أهل العلم صرّح بتحريمه. ـ ثم إن هناك شيء من الفارق بين الغسل والوضوء فإن إزالة الجنابة أشد من إزالة الحدث الأصغر.
فإن إزالة الحدث الأكبر أشد من إزالة الحدث الأصغر. لذا لا تزال إلا بتعميم الماء في البدن كله، بخلاف الحدث الأصغر فإنه يزول بغسل بعض الأعضاء التي أمر الله عز وجل بغسلها. فما ذهب إليه شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ قوي في النظر، وهو كراهية الاغتسال من ماء زمزم. وأما الوضوء فلا حرج فيه. ـ وأعظم من الاغتسال أن يزيل به النجس فإن كراهيته أشد؛ لأن هذا الماء ماء مبارك وقد قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في مسلم: (هو طعام طعم) ، وزاد الطيالسي بإسناد صحيح: (وشفاء سقم) (1) . وقال عليه الصلاة والسلام: (ماء زمزم لما شرب له) (2) . فهو ماء مبارك فلا ينبغي أن يزيل الخبث به، فإزالة الخبث مكروهة وقد نص على ذلك فقهاء الحنابلة وغيرهم. والحمد لله رب العالمين. قال المصنف رحمه الله: ((فإن تغيّر بغير ممازج كقطع كافور أو دهن أو بملح مائي أو سُخِّن بِنَجِس كره، وإن تغيّر بمكثه أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه وورق شجر أو بمجاورة ميتة أو سخن بالشمس أو بطاهر لم يكره، وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة وغسلة ثانية وثالثة كره)) : قوله: (فإن تغير بغير ممازج كقطع كافور أو دهن أو بملح مائي) : (فإن تغير) : أي هذا الماء الطهور الذي تقدم أنه هو الباقي على خلقته التي خلقه الله عليها. وهو الذي يرفع به الأحداث وتزال به الأنجاس كما تقدم تقريره في المذهب. (بغير ممازج) : بأن يحدث في هذا الماء تغير في لونه أو رائحته أو طعمه، ويكون سبب هذا التغير وقوع شيء غير ممازج، يعني: لا يمازجه ولا يخالطه بل يحدث التغير بغير ممازجة. يعني: يقع في الماء هذا الشيء ولا يخالطه مخالطة الممازج، وإنما خالطه مخالطة غير الممازج، فهذا المخالط ما يزال باقياً على حالته ومع ذلك أحدث ذلك التأثير.
مثال ذلك: (كقطع كافور) : والكافور طيب معروف، وإنما ذكر القطع؛ لأنه إذا دُقَّ فإنه يمازج ويخالط، لكنه وهو على هيئة القطع إذا وقع في الماء فإنها تبقى قطع غير متحللة تحللاً واضحا في الماء لكنها تقع فيه وتؤثر فيه من غير ممازجة. (أو دهن) : دهن من الأدهان سواء كان من الأدهان الحيوانية أو النباتية، فإذا وقع هذا الدهن في الماء أو قطع الكافور أو عود الغماري ومثله الشمع أو القطران والزفت، فكل هذه الأشياء إذا وقع شيء منها في الماء فإنه يؤثر فيه لكنه ليس عن ممازجة وإنما بمجرد المجاورة. فهنا ما حكمه؟؟ هل يكون ليس بطهور أو نقول: هو طهور لكنه يكره التطهر به، أو يقال: إنه ليس بمسلوب الطهورية بل هو طهور وليس بمكروه شرعاً؟؟ ـ ثلاثة أقوال في مذهب الحنابلة: (1) القول الأول: ما ذكره المؤلف هنا، حيث قال بعد ذلك: " كره ". إذن هو طهور تصح الطهارة به، فيصح أن يتوضأ به أو يغتسل به وتزال به النجاسة لكنه مكروه. قالوا: هو طهور؛ لأن هذا التغير لم يكن عن ممازجة وإنما كان عن مجاورة. ـ وهو مكروه قالوا: للخلاف فيه، فقد وقع الخلاف فيه، هل هو طهور أو طاهر (وقد تقدم الكلام أن تقسيم الماء إلى طهور وطاهر ونجس ليس بصحيح على هذه القسمة الثلاثية، وإنما الراجح أنه ينقسم إلى قسمين طهور ونجس) ، هم يعتقدون أن الماء ينقسم إلى طهور وطاهر ونجس. قالوا: فبعض العلماء قد نازعنا فقال: هو ليس بطهور، بل هو طاهر فلأجل هذه المنازعة قلنا بكراهيته خروجاً من الخلاف، هذا هو المشهور في المذهب. (2) القول الثاني: قالوا: هو طاهر مسلوب الطهورية فهو طاهر بنفسه لكنه لا يطهر. قالوا: لأن التأثر قد وقع فيه والتغيّر قد وقع فيه، وما ذكرتموه من التفريق بين المجاورة والممازجة فارق ليس بمؤثر، فما دام قد حدث التغيير والتأثير فهذا فارق ليس بمؤثر.
وهذا القول أصح من القول السابق؛ لأن ذلك ليس بمؤثر يعني: هذا التفريق ليس بمؤثر إذ الماء قد تغير سواء كان هذا التغير بممازجة أو بغير ممازجة. (3) القول الثالث - وهو القول الراجح، وهو قول الجمهور -، قالوا: الماء طهور وليس بمكروه. أما كونه طهور فنحن نستدل عليه بما سنستدل عليه على صحة القول بأن الماء ينقسم إلى طاهر ونجس. فنقول: هذا يسمى ماء وكونه قد تغيّر أو تأثر فإن هذا لا يخرجه عن مسمى الماء، وقد قال تعالى: {فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً} (1) هذه هو دليلنا. ـ أما الجمهور فاستدلوا بالدليل الذي تقدم تضعيفه وهو التفريق بين المجاورة وبين الممازجة. ونحن نقول بهذا القول لكن بغير هذا الدليل. ولكن بدليل آخر، وهو أن هذا طهور وقع فيه شيء، هذا الشيء طاهر ولم ينقله عن مسمى الماء، بل مازال يسمى ماءً، فلم ينتقل عن مسماه. ـ فلو أن رجلاً غسل كأساً - قد وقع فيها شيء من الشاي أو القهوة - في إناء فإن هذا الإناء الذي فيه ماء سيتأثر ويتغير شيئاً قليلاً لكنه مع ذلك يبقى يسمى ماء. بخلاف ما إذا وضع فيه ما يغيره فأصبح شاياً أو قهوة أو غير ذلك، فإنه حينئذ لا يسمى ماءً. وقد قال تعالى {فلم تجدوا ماءً فتيمموا} ، وهذا ماء، وسيأتي مزيد بحث عن هذا وذكر من قال به من أهل العلم. ـ والذي يهمنا هنا: هو ترجيح هذا القول وأن الماء إذا وقع فيه شيء لا يمازجه فإنه يبقى طهوراً.
ـ وهو كذلك ليس بمكروه؛ لأن التعليل الذي عللوه ليس بقوي من أجل أن نحكم على هذا الماء بأنه ماء مكروه الاستعمال؛ ذلك لأن التعليل بالخلاف ضعيف، فكثير من المسائل العلمية وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، فهل نقول بكراهية هذه المسائل التي وجدنا الأدلة الشرعية أو القواعد العامة الشرعية – أيضا، التي (1) - تدل على جوازها وإباحتها لوجود هذا الخلاف، هذا ليس بصحيح. نعم: إذا كان الخلاف معتبراً قوياً فإننا نجتنب ما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم إن أمكننا اجتناب ذلك من باب قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (2)
رواه أحمد النسائي وغيرهما، من غير أن نكره ذلك، فإن الكراهية حكم شرعي، فإن الأحكام الشرعية أحدها الكراهية، فلا يحل لمسلم أن يحكم على شيء بكراهية ولا تحريم ولا تحليل ولا إيجاب ولا استحباب إلا بدليل شرعي. إذن الصحيح: أن الماء ـ كما ذهب [إليه] الجمهور - الذي خالطه شيء قد أثّر به من غير ممازجة، فإن هذا الماء طهور، وهذا الماء ليس بمكروه الاستعمال. قوله: ((أو بملح مائي)) : هنا أعاد حرف الجر؛ لأن الملح المائي ليس من المخالِط غير الممازج بل هو مخالط ممازج. الملح المائي هو الملح المنعقد عن الماء، وهو الملح الذي يوضع في الأطعمة وهو المستخرج من المياه. ـ وقيده بالمائي: احترازاً من الملح المعدني، وهو ما يستخرج من باطن الأرض فهذا يسمى ملحاً معدنياً، والملح المعدني في المذهب إذا خالط الماء فإنه ينتقل الماء إلى الطاهرية، فيكون مسلوب الطهورية، وسيأتي الكلام عليه. أما الملح المائي، فإنه منعقد عن الماء وأصله من الماء وهو مستخرج من الماء وهو شبيه بماء البحر، فإذا خالط الماء فغيّره وأوجد فيه ملوحة يغير عذوبه، فإن الماء يبقى طهوراً، لكنه قال: يكره؛ لأن بعض أهل العلم من الحنابلة ذهب إلى أن الماء يكون طاهراً. وهذا تعليل بالخلاف وهو ضعيف كما تقدم بل هو ماء طهور ولا كراهية في استعماله. إذن: إذا وضع في الماء ملح فغيّره وأوجد فيه طعم الملوحة فإنه حينئذ يكون شبيها بماء البحر الذي قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) (1) . ثم إن هذا المغيِّر أصله من الماء فليس بمؤثر. إذن: الماء الذي خالطه الملح المائي أو البحري هو طهور لا كراهية في استعماله، وهو قول في مذهب أحمد ـ رحمه الله. قوله: (أو سخن بنجس) : إذا سخن الماء بنجس، قال: (كره) . ـ رجل أتى بإناء فيه ماء فسخنه بنجاسة، فقال هنا: يكره. هكذا على الإطلاق.
ـ والواجب أن يفصل، فيقال: لا يخلو هذا من ثلاثة أحوال: 1ـ الحال الأول: أن تسري النجاسة إلى الماء، فحينئذ: إما أن تغيّره وإما أن لا تغيّره.، فإن غيّرته فهو حينئذ نجس. وإن لم تغيّره فلا يخلو، إما أن يكون يسيراً أو كثيراً. ـ فإن كان يسيراً فهو على المذهب نجس، والصحيح أنه ليس بنجس، كما سيأتي تقريره إن شاء الله. ـ إذن على القول الراجح: إذا سرت النجاسة على الماء فإن غيرته فهو نجس، وإن لم تغيره فليس بنجس سواء كان كثيراً أو قليلاً. 2ـ الحالة الثانية: أن يكون الإناء محكماً، وتحقق أن النجاسة لم تصل إليه فحينئذ: لا معنى للقول بكراهيته، وهما قولان في المذهب. القول الأول: أنه مكروه، والقول الثاني: أنه ليس بمكروه، وأصحهما أنه ليس بمكروه إذ لا معنى لكراهيته. ذلك فإننا قد تحققنا وتيقنا من عدم وصول النجاسة؛ لأن هذا الإناء محكم قد أحكم تمام الإحكام فليس للنجاسة إليه نفوذ، فحينئذ لا معنى لكراهيته. 3ـ الحالة الثالثة: ألا نتحقق أن النجاسة لم تصل ولا نتحقق وصولها، فوصولها محتمل فهنا: المشهور في المذهب أنه مكروه حينئذ: وعليه قول المؤلف هنا: (كره) . وذهب الجمهور إلى أنه لا يكره، وهذا هو الراجح. ـ أما حجة المذهب في كراهية ذلك فقالوا: لأنه لا يؤمن أن تصل إليه هذه النجاسة فحينئذ قلنا بكراهيته. ـ والراجح: أنه ليس بمكروه؛ لأن هذا مجرد احتمال والأصل في الماء أنه طهور ووصول هذه النجاسة إليه مجرد احتمال فلا يكون ذلك مؤثراً. إذن: الراجح أنه إذا سخن بنجس فاحتمل أن تصل النجاسة إلى الماء؛ فإنه لا يقال بكراهيته كما أنه لا يقال بأنه طاهر أو بأنه نجس، بل هو طهور وليس بمكروه الاستعمال. إذن: إذا سُخّن الماء بنجاسة فلا يخلو من أحوال ثلاثة على الراجح. 1ـ الحال الأولى: أن تصل إليه شيء من النجاسة، فإذا وصل إليه شيء من النجاسة نظرنا: فإذا تغيّر الماء فهو نجس. وإذا لم يتغيّر فهو طهور.
2ـ الحال الثانية: أن نتحقق عدم وصول النجاسة إليه تحققا تاماً لإحكام الإناء، فحينئذ: لا مجال للقول بكراهيته. 3ـ الحال الثالثة: أن يكون الأمر محتملاً فكذلك لا يقال بكراهيته على القول الراجح. قوله: ((وإن تغيّر بمكثه 0000 لم يكره)) : إن تغيّر بمكثه: بمعنى: ماء نزل من السماء ثم أقام في أرض زمناً فحدث له شيء من التغير بسبب طول الإقامة فإن الأرض تؤثر في الماء بسبب طول الإقامة لكنه مازال يسمى ماءً ولم يغير هذا المكث مسماه، بل ما زال يسمى ماءً. فحينئذ: هو طهور وليس بمكروه أيضا، وهذا مما اتفق عليه أهل العلم. إذن الماء إذا تغير بسبب طول مكثه فهو ماء طهور وليس بمكروه وهو ما يسمى بالماء الآجن أي المتغيّر بسبب طول المكث. قوله: (أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه وورق شجر) : كذلك قد يتغير الماء في بِرْكَةٍ أو موضع يجتمع فيه الماء فحدث فيه تغير وكان هذا التغير يشق الاحتراز من سببه، كأن يتغير بسبب تساقط أوراق الأشجار التي تحفه أو بسبب هبوب الرياح فتأتي بشيء من الأوراق أو نحو ذلك فتقع فيه أو بسبب ما ينبت فيه أو الطحالب أو نحو ذلك، فإن الماء قد تغير لكن هذا التغير ليس بأمر يسهل الاحتراز منه بل هو بأمر يشق علينا الاحتراز منه. فهو باتفاق العلماء طهور وليس بمكروه لمشقة الاحتراز منه. قوله: (أو بمجاورة ميتة) : الميتة عندهم نجسة. فإذا سقطت شاة ميتة حول بركة ماء وبسبب تحرك الرياح أحدثت في هذا الماء رائحة كريهة بسبب مجاورة هذه الميتة لهذه المياه فتغيرت المياه أي تغيرت رائحتها بسبب مجاورة الميتة. قال هنا (هو طهور ليس بمكروه) : قال في المبدع: (بغير خلاف تعلمه) (1) ، وكذلك قال غيره، فهي إذن مسألة اتفاقية بل هي مسألة تقرب أن تكون إجماعية ولم أر في هذه المسألة خلافاً وقد قال صاحب المبدع وغيره بما تقدم.
وهذا مشكل، وهو على قاعدتهم المتقدمة من أن المجاورة تفرق عن الممازجة، فما يتغير بالمجاورة لا يؤثر وما يتغير بالممازجة فإنه يؤثر. وهذا تفريق في الحقيقة ليس بمؤثر فإن الماء الذي جاورته أشياء نجسة فتغيرت رائحته فتُشم النجاسة منه، هو ماء متغير بالنجاسة، فإن لم يكن هناك إجماع في هذه المسألة فالأقوى أن يقال بنجاسته؛ لأنه قد تغير بالنجاسة ونحن لا يهمنا إلا التغير سواء كان هذا التغير بمخالطة أو كان ذلك بمجاورة؛ لأن الماء قد تغيّر وهو مادة التطهر، وهو ماء متغير بالنجاسة. فإذن: الجمهور بل لم يذكر فيه نزاع أن الماء الذي جاورته ميتة ونحوها فتغيرت بها رائحته، فهو ماء طهور بل لا يكره التطهر به. قوله: (أو سخن بالشمس) : إذا سخن الماء بالشمس قال: (لم يكره) ، وهذا كذلك مذهب الجمهور. وأما ما رواه الدارقطني من أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعائشة وقد سخنت الماء بالشمس فقال لها: (ياحميراء ـ وهو تصغير حمراء ـ لا تفعلي فإنه يورث البرص) (1) ، فهذا حديث ضعيف جداً لا يصح نسبته إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. ورُوي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ كما عند الدارقطني (2) ، وفي إسناده جهالة. وهذا مذهب جمهور الفقهاء وأن الماء إذا سخن بالشمس فإنه لا حرج فيه ـ إلا أن يثبت طبياً أن فيه ضرراً. فإذا ثبت طبياً أنه فيه ضرر فإنه ينهى عنه كما قال الإمام الشافعي: (لا أكره الماء المشمس إلا أن يكره من جهة الطب) (3) .
فإذا ثبت طبياً أن له أثراً على البدن فإنه ينهى عنه لحديث: (لا ضرر ولا ضرار) (1)
ولم يثبت عندي أن ذلك فيه أثر طبي، فيبقى ذلك على الخيار. فإذا نقل من طريق الثقات عن الأطباء، أو أثبته الأطباء في كتبهم فإنه ينهى عنه لضرره. قوله: (أو بطاهر لم يكره) : كذلك إذا سخن بطاهر قال (لم يكره) . ـ قد يستغرب البعض فيقول: هذا طاهر وسخن، فكيف يذكر، فإن مثل هذا أمر معلوم لا يحتاج إلى ذكر؟؟ والجواب على ذلك: ـ أن مراده كون الماء ساخناً حاراً، أي هل يكره للمسلم أن يستخدم الماء الحار الساخن أم لا يكره له ذلك؟؟ فليست المسألة في كونه سخن بطاهر وإنما المسألة بكونه ماءً ساخناً، فهل يكره ذلك أم لا؟؟ قال: (هو طهور ولا يكره) : ولا شك في طهوريته لكن قد يقع في القلب شيء من اعتقاد كراهيته؛ ذلك لإخراجه عن أصل الماء وطبيعته وهو ليس بمكروه بل قد ثبت عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، الاغتسال به. ـ من ذلك: ما رواه الدارقطني أن عمر ـ رضي الله عنه ـ (كان يسخن له ماءً في قمقم "الجرة" فيغتسل منه) (1) . وثبت عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن ابن عمر كان يغتسل بالحميم) (2) . ـ وإنما ينهى عنه وضوءاً أو غسلاً إذا كان مانعاً لإكمال الطهارة، ومثله البارد برداً شديداً، فإنه إذا كان مؤثراً في إتمام الطهارة فإنه ينهى عنه. إذا كان بسبب شدة حرارته أو شدة برودته يؤثر في كمال الطهارة فإنه ينهى عنه لذلك أما إذا كان ساخناً سخونة أو بارداً برودة لا تؤثر في تمام الطهارة، فإنه حينئذ لا يقال بكراهيته مطلقاً. قوله: (وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغسلة ثانية وثالثة كره) : ما هو الماء المستعمل؟ الجواب: الماء المستعمل هو الماء المتساقط من الأعضاء بمعنى: عندما يجري الماء على الأعضاء ويتساقط منها قد يجتمع فهذا المجتمع هو الماء المستعمل الذي يبحث فيه الفقهاء. ـ هذا الماء المستعمل وهو المتساقط من أعضاء المتوضئ أو المغتسل له ثلاثة أحوال:
1ـ الحال الأولى: أن يكون متساقطاً عن حدث سواء كان حدثاً أصغر أو حدثاً أكبر وسيأتي الكلام عليه. والحنابلة يرون أن الماء يكون طاهراً، فلا يصح التطهر به. 2ـ الحال الثانية: وهي المذكورة هنا: وهي ألا يكون عن حدث لكنه عن طهارة مستحبة كتجديد وضوء أو غسل جمعة أو غسل عيد أو غسل يوم عرفة أو غسلة ثانية وثالثة، فإن المتساقط عن غسلة ثانية وثالثة ليس عن حدث، ومثل ذلك ما يكون عن غسل جمعة أو وضوء مستحب، فإن ذلك كله ليس عن حدث. فما حكم هذا الماء؟ الجواب: هنا قال: (كره) ، إذن هو مكروه عندهم. قالوا: للخلاف فيه، فقد اختلف فيه هل هو طهور أم لا، فلما كان الأمر كذلك قلنا بكراهيته خروجاً من الخلاف. وقد تقدم أن هذا تعليل ضعيف. ـ فإن قيل: هل فيه خلاف؟؟ فالجواب: أنه قد ذهب بعض الحنابلة إلى أن الماء المتساقط من الوضوء المستحب أو الغسل المستحب هو كالمتساقط من الغسل الواجب أو الوضوء الواجب لا فرق قالوا: كلاهما طهارة. والصواب: أن بينهما فرقاً، فإن ذاك غسل أو وضوء عن حدث. وهذا وضوء أو غسل عن غير حدث ففرق بين الأمرين، وسيأتي أن الصحيح أن كليهما طهور لا شيء فيه. إذن: الحنابلة في المشهور عنهم كرهوه لوجود الخلاف فيه، فإذا توضأ الرجل وضوءاً مستحباً فصار الماء يقع على الإناء فيكره أن نستعمله في طهارة. فإذا تساقط عن حدث فإنه لا يحل له. 3ـ وهناك صورة ثالثة: اتفق العلماء على أن الماء المتساقط فيها أنه ليس بمكروه بل هو طهور لا كراهية فيه وهو: ما إذا تساقط فيه عن غير حدث وعن غير طهارة مستحبة بل عن تبريد ونحوه. مثلاً: رجل اغتسل للتبريد ونحوه فتساقط الماء فهو ليس عن حدث ولا عن طهارة مستحبة بل للتبريد، فإن الماء يكون طهوراً لا كراهية فيه باتفاق العلماء. إذن أصبح عندنا ثلاث صور، الراجح فيها كلها أن الماء طهور لا كراهية فيه. أما على المذهب: فالأولى (1) : الماء يكون طاهراً وليس بطهور.
والثانية (1) : الماء يكون فيها طهوراً مكروهاً. والثالثة (2) : الماء فيها طهور وليس بمكروه. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. قوله: ((وإن بلغ قلتين وهو الكثير، وهما خمسمئة رطل عراقي تقريباً، فخالطته نجاسة غير بول آدمي أو عذرته المائعة فلم تغيره، أو خالطه البول أو العذرة، ويشق نزحه كمصانع طريق مكة فطهور)) : قلتين: تثنية قلة، وهي مقدار معروف مشهور عند العرب، ويسمى بالقلة الهجرية نسبة إلى هجر التي شبّه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبق سدرة المنتهى بقلالها وهذه القلة ذكر المؤلف أنها تسع (500 رطل) عراقي وهذه ليست من المقاييس المشهورة عندنا. وهي تساوي في المقاييس المشهورة ثلاثة وتسعون صاعاً نبوياً وثلاثة أرباع الصاع النبوي، (¾ 93 صاع نبوي) . وهو ما يساوي في المقاييس الحاضرة مئتان وسبعون لتراً (270 لتراً) . وهما ـ أي القلتان ـ تساويان خمس قرب. ـ هذه المسألة ذات شطرين. 1ـ الشطر الأول: أن هناك تقسيم للماء من حيث الكثرة والقلة، وأن الماء ينقسم إلى قليل وكثير، وأن ضابط الكثير هو ما بلغ القلتين، فما بلغ قلتين فأكثر فهو الكثير، وما نقص عن ذلك فهو القليل هذا هو أصل المسألة. 2ـ الشطر الثاني: أن الماء الكثير البالغ قلتين إذا وقعت فيه نجاسة ولم يكن بول آدمي أو عذرته فإن الماء إذا لم يتغير فهو طهور. أما إن خالطه البول أو العذرة من الآدمي فهو نجس وإن كان كثيراً لم يتغير. 3ـ وهناك شطر ثالث وهو تبع للشطر الثاني: وهو: أنه إذا كان هذا الكثير الذي وقع فيه البول أو العذرة من الآدمي ولم يتغير إذا كان ما وقع فيه يشق نزحه عنه فإنه طهور. ـ إذن أصبح ينقسم الماء إلى قليل وكثير: أما القليل: فإنه ينجس عندهم بمجرد الملاقاة سواء تغير أو لم يتغير.
فإذا وقعت نجاسة، أياً كانت هذه النجاسة سواء في قربة أو قربتين أو ثلاث دون القلتين فإن الماء ينجس وإن لم تغير رائحته أو طعمه أو لونه. ـ فإن كان الماء كثيراً فإنه لا ينجس إلا بالتغير سوى بول الآدمي وعذرته فإنهما ينجسان الماء كما لو كان قليلاً بمجرد الملاقاة، لكن يستثنى من ذلك إن شق نزحه بأن شق إخراج الماء من هذه البئر أو البركة لكثرته فإنه إن شق نزحه أي استخراجه حتى يتغير ويوضع مكانه ماء آخر فإنه حينئذ يكون طهوراً لمشقة ذلك والمشقة تجلب التيسير. هذا هو تقرير المذهب. ـ وذهب بعض فقهاء الحنابلة وهو المشهور عند المتأخرين منهم، فهذا القول قد اختاره أكثر المتأخرين: إلى أنه لا فرق بين النجاسات، فلا فرق بين بول الآدمي وعذرته، وبين سائر النجاسات. إذن: المشهور في المذهب وهو مذهب المتقدمين أن بول الآدمي وعذرته إذا وقعت في ماء كثير فإنه يتنجس. إلا إذا كان ذا كمية كثيرة شق نزحها، فإنه لا ينجس لا لشيء إلا لمشقة ذلك والمشقة تجلب التيسير. ودليلهم على التفريق بين بول الآدمي وعذرته وبين غيرها من النجاسات، دليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) (1) . وفي رواية: (منه) .
قالوا: فهنا أطلق في الماء الذي لا يجري، فيدخل في ذلك الماء الكثير والماء القليل، فدل ذلك على أن البول إذا وقع على الماء الدائم الذي لا يجري سواء كان كثيراً أو قليلاً فإنه ينجس، ولا فرق بين أن يتغير أو لا يتغير بل قد أطلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ذلك. ـ أما الذين ذهبوا إلى أنه لا فرق بين وقوع البول والعذرة وبين وقوع سائر النجاسات، فقالوا: إن هذا الحديث لا يدل على ما قلتموه، فإن الحديث ليس فيه أن الماء ينجس بذلك بل قد نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن هذا لأمرين اثنين: 1ـ الأمر الأول: أن ذلك ذريعة لتنجيسه، فإن الماء الدائم الذي لا يجري، إذا وقعت فيه النجاسة اليسيرة التي لا تغيره ثم أهمل ذلك ولم ينه عنه فتكرر ذلك فإن ذلك سوف يؤول إلى تنجيس هذا الماء وهو ماء دائم لا يجري ليس كالأنهار أو كالبحار التي تجري وهي كثيرة بحيث أن مثل ذلك لا يؤثر فيه.
2ـ أما الأمر الآخر: قُبْح الجمع بين الأمرين، بين أن يبول فيه وبين أن يغتسل منه أو فيه، وذلك كقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المتفق عليه: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم بجامعها) (1) ، فالجمع بين الأمرين قبيح وليس فيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكم على هذا الماء بالتنجس، فحينئذ لا فرق بين بول الآدمي وعذرته وبين غيرهما من النجاسات. ـ ثم إن قولهم يلزم منه أن يكون بول الكلب والخنزير أو نحو ذلك أنه ليس له هذا الحكم، وبول الآدمي له هذا الحكم وهذا لا شك باطل. فإذن الراجح أنه لا فرق بين الأمرين وهذا هو المشهور عند المتأخرين. إذن الماء إذا وقعت فيه النجاسة فلم تغيره وهو كثير فالأصح من قولي المذهب أنه لا فرق بين بول الآدمي وعذرته وبين غيرهما من النجاسات. ـ تقدم التفريق بين القليل والكثير وأن ضابطه أن الكثير ما بلغ قلتين فأكثر، والقليل ما دون ذلك، والدليل على هذا:
ما رواه الخمسة بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) (1) . وهذا الحديث صحيح، صححه جماهير العلماء منهم يحيى بن معين والدارقطني والنووي وابن حجر وابن منده وغيرهم من أهل العلم. ـ وذهب بعض الحفاظ إلى تضعيفه كابن عبد البر وأعله المزي وابن تيمية بالوقف، وأعله ابن القيم بعدم شهرته عند أهل العلم.
ـ إذن هم استدلوا بهذا الحديث ورأوا صحته، وقد صححه ـ كما تقدم ـ جماهير أهل العلم، وهو الراجح فإنه صحيح، والطعن فيه ضعيف. فهذا الحديث يدل على أن الماء إذا بلغ قلتين فإنه لا يحمل الخبث، قالوا: ومفهومه أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل النجاسات والأخباث فيكون حينئذ نجساً خبيثاً. هذا هو مذهب الحنابلة والشافعية. ـ القول الثاني: هو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من المحققين: وهو مذهب بعض الحنابلة كابن عقيل (1) ، قالوا:
لا فرق بين قليل الماء وكثيره، بمعنى: أن الماء لا ينجس إلا بالتغيير قليلاً كان أو كثيراً، فإذا وقعت النجاسة في الماء فإننا ننظر فإن حملها وتنجس بها وظهرت رائحة النجاسة فيه أو طعمها أو لونها، فإن الماء يكون نجساً وإلا فهو طاهر لا فرق بين قليل أو كثير بلغ القلتين أو لم يبلغهما واستدلوا بالحديث الذي رواه الثلاثة (أبو داود والترمذي والنسائي) ، وصححه الإمام أحمد وهو كما قال، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن بئر بضاعة، وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) (1) .
فهنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أثبت للماء الطهورية وأنه لا ينجسه شيء أي (1) إلا ما غيره وبدله، فعلَّق النبي عليه الصلاة والسلام الحكم بالطهورية وجعل الماء متصفاً بهذه الصفة ملازماً لها لا ينجسه شيء ولم يربط ذلك بتحديد بقلتين ولا بغيرهما. قالوا: والحديث الذي استدللتم به حديث ضعيف، فقد رواه مجاهد عن ابن عمر موقوفاً من قوله (2) ، وهذا الحديث لم يشتهر عن غير ابن عمر وهو أمر عظيم فيه تحديد في المياه، فينبغي أن يشتهر كالتحديد في الزكاة ونحوها. ـ ولكن الراجح أن هذا الحديث صحيح، وأما تعليلهم بالوقف له فهو ضعيف؛ لأنه قد رواه عنه ليث بن أبي سليم، وليث ضعيف. ثم إنه هنا لا يعلل رفعه بوقفه، فلو صح موقوفاً لصحّ أن يكون أيضا مرفوعاً إذ الإسنادان كلاهما صحيح لا مرجح لأحدهما على الآخر. ومادام أنه لا مرجح لأحدهما على الآخر فإننا نقبله مرفوعاً وموقوفاً. ـ أما التعليل بعدم الشهرة، فنقول: هذا حديث ثابت صحيح رواه كثير من الأئمة في كتبهم وصححه جماعات كثيرة من أهل العلم، فلا يشترط فيه الشهرة المقصودة المطلوبة، ثم إنه سيأتي تأويل له يدل على أنه ليس كتحديد الزكوات ولا غيرها، وهو الوجه الثاني لإثبات هذا القول. ـ وهو أن يقال: إن هذا الحديث ليس فيه أن الماء إذا كان دون القلتين فإنه ينجس. وإنما فيه إثبات أن الماء إذا بلغ القلتين فإنه لا يحمل الخبث لكثرته وقوته. وأنه إذا كان دون القلتين فإنه قد يحمل الخبث لضعفه. إذن هذا الحديث فيه إخبار من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الماء الكثير لكثرته لا يحمل الخبث، فليس فيه أن الماء القليل يحمل الخبث بل فيه إلفات النظر والانتباه إلى هذا الماء، فإنه لقلته قد يحمل الخبث فعليك أن تنظر فيه وأن تتحرز من تغيير النجاسة له.
إذن هذا الحديث ليس فيه أن الماء إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث، ثم إنه لو كان فيه ذلك فإنه مفهومه، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم؛ لأن قوله (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) (1) ، منطوقه أنه سواء كان قليلاً أو كثيراً فإنه لا ينجس إلا بالتغير، فهذه دلالة منطوق. وأما الحديث فإنه دلالة مفهومه على القول تدل على أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث ويتنجس بذلك فهذه دلالة مفهوم، ودلالة المنطوق مقدمة عليها. ـ ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث قد علّق الأمر وأناطه بالحمل فقال: (لم يحمل الخبث) ، فدل على أن مناط الحكم هو حمل الخبث، وهذا يدل على القاعدة الشرعية التي تقول: (الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً) ، فهنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لم يحمل الخبث) ، فدل على أن مناط الحكم هو حمل الخبث. فعلى ذلك إذا استُهلك الخبث في القليل فإنه حينئذ لا ينجس وإذا حمله القليل فإنه ينجس. إذن القول الراجح عدم التفريق بين قليل الماء وكثيره. فالماء إذا كان قليلاً أو كان كثيراً فوقعت فيه نجاسة فإننا ـ حينئذ ـ ننظر هل غيرته أم لا؟؟ فإن غيرته فهو نجس، وإن لم تغيره فهو طهور، هذا هو الراجح. وهو مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، فلا فرق بين قليل الماء وكثيره.
وقد روى ابن ماجه من حديث رشدين بن سعد وهو ضعيف أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه) (1) ، والحديث ضعفه أبو حاتم لكن الإجماع عليه. فالإجماع على أن الماء إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة فهو ماء نجس. أما إذا لم يتغير فسيأتي الخلاف الذي تقدم والراجح أنه إذا لم يتغير فإنه لا ينجس سواء كان قليلاً أو كثيراً. * قوله: ((ومصانع مكة)) : جمع مصنع والمراد بها أحواض المياه التي كانت موضوعة في طريق مكة من العراق، كانت هناك مصانع أي مجابي للمياه، وأحواض للمياه يردها الحجاج وهي مياه كثيرة يشق نزحها. * قوله: ((ولا يرفع حدث رجل طهورٌ يسيرٌ خلتْ به امرأةٌ لطهارةٍ كاملة عن حدث)) : هذه مسألة ذات قيود كثيرة: (ولا يرفع حدث رجل) : إذن يرفع نجسه وخبثه ويطهره الطهارة المستحبة لغسل جمعة وتجديد وضوء لكنه لا يرفع حدثه الأكبر أو الأصغر. (رجل) : قالوا ويلحق به الخنثى، فحكمه حكم الرجل هنا. ويخرج من ذلك المرأة والصبي، فإنه يرفع حدثهما. (طهور يسير) : فلا بد أن يكون يسيراً، فإن كان كثيراً فإنه لا يدخل في هذه المسألة. (خلت به امرأة) : خلت به امرأة عن المشاهد فلا يشاهدها أحد من الناس. ـ وهل يشترط في المشاهد أن يكون مكلفاً مسلماً أو لا يشترط ذلك فلو كان صبياً أو امرأة أو كافراً صح؟؟ قولان في المذهب.
(لطهارة كاملة) : كذلك أن يكون هذا لطهارة كاملة فلو كان لبعض طهارة كأن تكون غسلت وجهها ويديها وبقي غسل الرجلين فإنه حينئذ لا يدخل في هذه المسألة. (عن حدث) : فلو خلت به عن غسل نجاسة أو لغسل جمعة أو غيره من الأغسال المستحبة فإنه لا يدخل في ذلك. ـ فهذه مسألة ذات قيود كثيرة. وإيضاحها: أن الماء الذي تخلو به المرأة المكلفة سواء كانت مسلمة أو ذمية تخلو به هذه المرأة - وهكذا قالوا: ذمية، وهو مشكل لكن هذا على أن يكون هناك قول بإيجاب طهارة الجنابة عليهم -. إذن: إذا خلت امرأة مكلفة بماء يسير، وهو ما دون القلتين لتزيل حدثاً أكبر وأصغر وقد خلت به عن المشاهدة فلا يشهدها مكلف مسلم على قول. وعلى قول آخر امرأة أو صبي أو كافر. فخلت بهذا الماء عن طهارة كاملة فإنه لا يحل للرجل أن يتطهر به. ـ هل يحل لها هي أن تتطهر به؟ الجواب: نعم. وهل يحل لامرأة أخرى أن تطهر به؟ الجواب: نعم. وإنما هو محرم على الرجل بالخصوص. ودليلهم: ماثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعاً) (1) .
وعند الخمسة بإسناد صحيح من حديث الحكم بن عمرو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) (1) . ونعود إلى القيود مرة أخرى: هذا الحديث فيه النهي أن يغتسل الرجل، أو أن يتطهر من فضل المرأة. إذن ليست المرأة منتهية عن هذا الحكم فالحكم مختص بالرجل، فلا يحل لرجل أن يتوضأ أو يغتسل بفضل طهور المرأة. إذن هو مختص بالرجل لدلالة هذا الحديث أولاً، والثاني: قوله في الحديث: (بفضل المرأة) : يطلق على المرأة المكلفة. الأمر الآخر: أنه قال بعد ذلك (وليغترفا جميعاً) فدل على أن المرأة قد خلت به. لكن هذا الإستدلال ضعيف. لذا الراجح من قولي المذهب ـ فهو قول في المذهب ـ أن خلوّ المرأة فيه، معناه أن تخلو عن الرجل فتتوضأ به أو بمفردها أو تغتسل بمفردها وإن كانت مشاهده من الرجل أو غيره، ولكن الخلوة المراد بها أن تكون مشتركة مع الرجل؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال هنا (وليغترفا جميعاً) . أما قولهم: أنه من طهارة كاملة، فلفظة (طهور) فالأصل أن تكون طهارة كاملة، والأصل كذلك أن تكون عن حدث. إذن قول المذهب: أن الرجل لا يحل له أن يغتسل بفضل المرأة الذي قد خلت به لطهارة كاملة عن حدث، هذا هو قول المذهب. ـ وذهب جمهور الفقهاء إلى أن ذلك جائز لا حرج فيه واستدلوا بحديثين صحيحين.
1ـ ما ثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يغتسل بفضل ميمونة (1) . 2ـ وما ثبت عند الأربعة بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: (اغتسلت بعض أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حفنة فجاء يغتسل منها، فقالت: إني كنت جنباً فقال: إن الماء لا يَجْنُب) (2) . فهذان الحديثان يدلان على أن الرجل يغتسل بفضل المرأة. ثم إن الحديث الذي استدللتم به يدل كذلك على النهي عن اغتسال المرأة من فضل الرجل فلم لم تقولوا به.
قالوا: لوجود الإجماع عليه، فقد أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا خلا بالماء فإن المرأة تغتسل به ولا حرج وهذا هو شطر الحديث، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما نهى الرجل أن يغتسل بفضل المرأة فقد نهى المرأة أن تغتسل بفضل الرجل، وقال: (وليغترفا جميعاً) ، وهذا الإجماع المذكور يقوي ما ذهب إليه الجمهور من أن النهي في هذا الحديث لا يدل على التحريم، وإنما يدل على الأولوية أو الإرشاد فهو نهي إرشاد أي: الأولَى للرجل أن يغتسل بماء جديد غير فضل المرأة، والأولى للمرأة أن تغتسل بماء جديد غير فضل الرجل وإن احتاجا إلى شيء من ذلك فليغترفا جميعاً. إذن: هذا الحديث لا يدل على التحريم بدلالة فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبدلالة شطره الآخر فإن فيه نهياً للمرأة أن تغتسل بفضل الرجل. ـ وقول الحنابلة فيه شيء من النظر القوي؛ ذلك، لأن نهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل أن يغتسل بفضل المرأة ورد في السُّنة ما يعارضه وهو ما تقدم من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنه. وأما نهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن اغتسال المرأة بفضل الرجل فلم يرد في السنة ما يدل على جوازه فهو أعظم إحكاماً من ذلك، ولولا الإجماع الوارد فيه لكان القول به قوياً، ولكن تقدم ذكر الإجماع ومع ذلك فقد قالوا بما وردت السنة بخلافه ولم يقولوا بما لم ترد السنة بخلافه. فإذن: الصحيح الراجح وهو مذهب الجمهور واختيار غير واحد من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أن الماء إذا خلت به المرأة لطهارة كاملة أو غير ذلك فإن الرجل يجوز له أن يتطهر به ولا حرج مع أن الأولى له أن يتطهر بماء غير فضلها. وكذلك المرأة فالمستحب لها والمشروع أن تتوضأ وتغتسل بغير فضل الرجل ولكن إن اغتسلت به فلا حرج ولا بأس والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. الدرس الخامس (السبت: 14 / 11 / 1414 هـ) * قال المصنف رحمه الله:
((فإن تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه 0000 فطاهر)) : (وإن تغيّر) : الضمير يعود إلى الماء الطهور. (بطبخ) : كأن توضع فيه ورق شاي أو حب قهوة أو نحو ذلك. (أو ساقط فيه) : كأن تسقط فيه ثمرة أو يسقط فيه ورق أو نحو ذلك أو يسقط فيه زعفران وغيره مما قد يسقط في الماء. فهو إذن ماء طهور في الأصل لكنه قد تغير وتكدر بشيء ليس بنجس بل هو طاهر سقط فيه فغيّر طعمه أو لونه أو ريحه، فما حكمه؟ قال المصنف: (00 فطاهر) : أي طاهر غير مطهر، فهو طاهر في نفسه ليس بنجس لكنه ليس بمطهر، وهذا هو المذهب وهو مذهب جمهور أهل العلم. وأن الماء إذا وقع فيه شيء من الطاهرات فغيّر رائحته أو طعمه أو لونه فإن الماء طاهر وليس بطهور، فهو طاهر في نفسه وليس بمطهر لغيره، فعلى ذلك على المذهب لا يزيل النجس ولا يرفع الحدث. قالوا: لأن الماء ليس بماء مطلق بل هو ماء أضيف إليه شيء فهو ليس ماء مطلقاً بل ماء مضاف إليه مادة أخرى، هذا هو قول المذهب وهو مذهب الجمهور ـ كما تقدم. ـ والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة وأحد الروايتين عن الإمام أحمد بل قال شيخ الإسلام: " إن أكثر نصوص أحمد على هذا " أي على القول: بأنه طهور. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم من المحققين. قالوا: الماء طهور، فكما أنه طاهر في نفسه فهو مطهر لغيره ما دام باقياً على مسماه. ويتضح قولنا: (ما دام باقياً على مسماه) بضرب مثالين: 1ـ المثال الأول: وهو ما كان فيه الماء باقياً على مسماه، كأن يوضع في إناء شيء من أوراق الشاي أو شيء من الطعام فيتغير لونه فيأخذ من لون هذا الشيء الواقع فيه. 2ـ المثال الثاني: وهو ما تغير فيه مسمى الماء، كأن يوضع في إناء أوراق شاي ثم يطبخ على النار، فإنه يسمى شاياً فهو لم يبق على مسماه بل تغيّر.
أما هذه الحال الثانية: فالراجح أنه ليس بماء فلا يحل لأحد أن يتطهر به، ومثله لا ينبغي الخلاف فيه لأنه ليس بماء، والشارع إنما خصص الماء بالطهارة عند وجوده، فإذا ثبت ذلك وهو أنه ليس بماء فلا يحل لأحد أن يتطهر به. ـ أما الحال الأولى: فهو المختلف فيها وهي ما إذا كان الماء قد تغير بهذا الشيء الطاهر لكنه لم يتغير مسماه بل بقي ماءً على مسماه. فحينئذ: ذهب من تقدم إلى أنه طهور، وهذا هو الراجح، والأدلة على ذلك ما يلي: 1ـ قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءاً فَتَيَمَّمُوا} (1) ولفظه (ماء) نكره في سياق النفي، والقاعدة الأصولية أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فهذا يعم كل ماء. فكل ماء يتطهر به قبل اللجوء إلى التراب "أي إلى التيمم"، فإذا وقع فيه شيئ من الورق أو شيئ من الثمر أو غير ذلك فتغيرت رائحته أو طعمه أو لونه مع بقائه على مسماه فهو ماء فيدخل في عموم الآية (فلم تجدوا ماء) . 2ـ الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للنساء المغسلات لابنته: (إغسليها بماء وسدر) (2) ، وقال صلى الله عليه وسلم: في المتفق عليه، فيمن وقصته راحلته فمات (اغسلوه بماء وسدر) (3) . ومعلوم أن السدر يؤثر في الماء ويغير منه، ومع ذلك فإنه يتطهر به هنا. فالشريعة قد دلت على التطهر به كما في هذا الحديث. 3ـ الدليل الثالث: ما روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة بإسناد صحيح أن أم هانيء، قالت: (إغتسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر عجين) (4) . والشاهد قوله: (في قصعة فيها أثر عجين) : ومعلوم أن العجين يغيِّر الماء ويؤثر فيه ومع ذلك اغتسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به وميمونة.
4ـ الدليل الرابع: الأصل، فالأصل في الماء أنه طهور، وقد أنزل الله من السماء ماءاً طهوراً لنتطهر به، فالأصل في الماء الطهورية ما لم يدل دليل على نقله إلى الطاهرية أو غيرها، وليس هناك دليل يدل على ذلك بل الشريعة تدل على أن الماء يتطهر به. إذن الراجح مذهب أبي حنيفة وأحد الروايتين عند الإمام أحمد، وهي ليست المشهورة عن أصحابه لكن عليها أكثر نصوصه، وهو إختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم. * قوله: ((أو رفع بقليله حدث 00000 فطاهر)) : تقدم تعريف القليل عندهم وهو ما دون القلتين. (أو رفع بقليله حدث) :أي استعمل في رفع حدث أكبر أو أصغر فتساقط الماء من أعضائه فاجتمع في إناء، فهذا هو الماء المستعمل في رفع حدث سواء كان الحدث أصغر أو أكبر، فهل هو طهور أم طاهر؟؟ قال المصنف: (فطاهر) : فهو لا يرفع الحدث، بل طاهر وليس بطهور. واستدلوا: بما ثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) (1) . قالوا: فهذا يدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يغتسل في الماء الدائم وهو جنب ليرفع حدثه، وذلك لكون الماء المغتسل فيه عن حدث يتأثر بهذا الغسل فيه وينتقل من الطهورية إلى غيرها. قالوا: ولا ينتقل إلى النجاسة لما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (صبّ على جابر من وضوئه) (2) ، ولو كان نجساً لما صبّ عليه منه، قالوا: فهو ماء طاهر. فلما نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الاغتسال بالماء الطهور وليس ذلك إنتقالاً إلى النجاسة بل إلى الطاهرية لحديث جابر المتقدم. ـ إذن الماء المستعمل المتساقط من الأعضاء لا يحل للمسلم أن يتطهر به. فلوا أن أحداً مسح رأسه بفضل يديه فهل يجزئ أم لا؟؟ فالجواب: لا يجزئ ذلك؛ لأن الماء طاهر وليس بطهور هذا هو مذهب الحنابلة.
ـ وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو أشهر إحدى الروايتين عن الإمام مالك، وأحد قولي الشافعي، وهو قول ابن المنذر واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين، أن الماء طهور وليس بطاهر. 1ـ واستدلوا: بما روى أبو داود وأحمد بإسناد جيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (مسح رأسه بفضل ماء في يديه) (1) ، فهنا الماء الذي في يديه ماء مستعمل، وقد مسح به رأسه. 2ـ واستدلوا: بالأصل، فالأصل أن هذا الماء طهور يتطهر به وهو ماء داخل في عموم قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} . ـ وأما الحديث الذي استدل به أهل القول الأول، فأجابوا عليه بجواب صحيح وهو: أن الحديث إنما فيه نهي المسلم أن يغتسل في الماء الدائم وهو جنب وليس فيه أن الماء ينتقل إلى الطاهرية فهذه مسألة أخرى. ـ بل العلة الصحيحة في ذلك ـ للأدلة المتقدمة ـ العلة الصحيحة أن يقال: إن ذلك ذريعة إلى تقذيره وإفساده فإن الماء إذا اغتسل فيه من الجنابة ومن الأحداث ونحوها فإن ذلك يودي إلى تقذيره، فهو ماء دائم ثابت فإذا تكرر الغسل فيه من الأحداث الكبرى أو الصغري فإن ذلك يؤدي إلى تقذيره. وسواء قلنا إن ذلك يؤدي إلى تقذيره حساً أو يؤدي إلى تقذيره معنى. وأما أن نحكم على الماء بأنه ينتقل عن الطهورية، فليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل الأدلة تدل على خلاف ذلك. ـ كما أن الماء عنما يوضع على المرفق وهو يجري على بقية اليد فإنه يرفع حدث الجزء الأعلى حتى يصل إلى أطراف الأصابع، فعندما ينتقل من جهة إلى جهة إلى أسفل اليد فإنه يكون في نزوله بآخر اليد فهو في الحقيقة ماء قد استعمل في أعلى اليد ثم نزل إلى أسفلها.
لذا الاستعمال عندهم أن ينتقل من عضو إلى عضو آخر ولم يرو ذلك استعمالا؛ لأنه لو كان استعمالاً لأدى ذلك إلى أن يكون هذا الفعل غير جائز، وقد دلت الأدلة الشرعية المعلومة ضرورة أن مثل هذا لا ينهى عنه أي انتقال الماء من جهة إلى أخرى في العضو نفسه. فالراجح: هو القول الثاني وهو أحد الروايتين عن الإمام أحمد، وهو أن الماء المستعمل في الحدث أنه طهور. ونحن باقون على الأصل حتى يأتينا الدليل الواضح اليقيني الذي ينقلنا عن ذلك. وما ذكروه في الحديث المتقدم إنما هو مجرد نظر ومثل هذا النظر لا يترك بسببه المحكم بل يحكم الذي تقدم على غيره من الأحاديث. * قوله: ((أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء000 فطاهر)) : أي إذا أدخل من هو مستيقظ من نوم ليل ناقضٍ للوضوء إذا أدخل يده في الإناء فإن هذا الماء ينتقل من الطهورية إلى الطاهرية. ـ واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده) (1) . قالوا: هذا يدل على أن المستيقظ من نوم الليل إذا غمس يده في الإناء فإن الماء ـ حينئذ ـ ينتقل إلى الطاهرية. * وهذا الحديث فيه مسائل: 1ـ المسألة الأولى: أن هذه الحديث يدل على وجوب غسل اليدين لمن استيقظ من نوم الليل وهذا هو مذهب الحنابلة. ـ والجمهور على سنيته. ـ واستدل الحنابلة على وجوب ذلك بأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأمر يدل على الوجوب. ـ وأما الجمهور فقالوا: إنه للاستحباب بقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) ، وهذا شك فلهذا الشك ليس لنا أن نقول بوجوب ذلك بل نقول بمشروعيته، فليس لنا أن نقول بالوجوب بل نقول بالاستحباب. ـ وهذا فيه نظر، فإن هذا الشك إنما هو من المكلف فإنه لا يدري أين وقعت يده، وأما الشارع فإن الحكم المنطلق منه هو إيجاب ذلك.
ـ وأما كونه لا يدري، فهذا تردد واقع على المكلف. وأما الشارع فقد أمر بغسل يديه إذا أستيقظ من نومه. ـ فالأرجح: مذهب الحنابلة وهو وجوب ذلك أي وجوب غسل اليدين ثلاثاً لمن استيقظ من النوم وأراد أن يغمس يده في الإناء. 2ـ المسألة الثانية: هل هذا خاص بنوم الليل، أم فيه وفي نوم النهار؟؟ ـ المذهب أنه إنما هو خاص في نوم الليل، ولم أر أحداً من المذاهب المتبوعة يخالف ذلك ودليل هذا وجهين: 1ـ الوجه الأول: ما في رواية أبي داود: (إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل) محل قوله: (من نومه) التي تفيد العموم. 2ـ الوجه الثاني: قوله (باتت) : والأصل في البيتوتة أن تكون ليلاً. ـ وذهب الحسن البصري إلى أنه عام في نوم الليل والنهار وأن حكمهما واحد. ويستدل له بعموم: قوله: (من نومه) . ولكن هذا الإستدلال فيه ضعف لما تقدم من الوجهين السابقين. ـ فإن قيل: ألا يقاس نوم الليل على نوم النهار؟ فالجواب: أن القياس ضعيف من وجهين: أـ الوجه الأول: أن إلحاق نوم النهار بنوم الليل إلحاق مع الفارق. فإن الليل هو محل النوم، الأصل فيه أن يستغرق في نومه وتطول مدة النوم، بخلاف نوم النهار، فليس في الأصل محلاً للنوم والأصل فيه ألا يكون طويل المدة. ب ـ الوجه الثاني: أن العلة تعبدية، فقوله: (أين باتت يده) فلا تدري ما العلة من ذلك. لذا قال أهل العلم لو أن رجلا وضع يده في قفازين أو نحو ذلك فإنه مع ذلك يجب عليه أن يغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء؛ لأن العلة تعبدية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليستنثر ثلاثاً فإن الشيطان يبيت على خيشومه) (1) . فإذن هي أمور معنوية، وهو لا يدري أين باتت يده، فقد يكون هذا في أمر مشاهد أو أمر غائب، فالمسألة تعبدية. وعندما يثبت ذلك، أي أن العلة تعبدية غير معقولة المعنى، فلا قياس حينئذ. فالقياس لا بد منه أن تكون العلة معنوية فالراجح أن نوم النهار ليس كنوم الليل.
قوله: (ناقض للوضوء) : لقوله: (من نومه) والأصل في النوم أن يكون ناقضاً للوضوء. ـ وعلى القول الراجح أنه نوم مستغرق لقوله: (لا يدري أين باتت يده) ؛ لأن من ليس بمستغرق يدري أين باتت يده، فهو لايزال في الشاهد ولم يغب. فإذن: هو نوم الليل وهو ناقض للوضوء. ـ إذا تبين هذا فهل في الحديث المتقدم أن الماء ينتقل إلى الطاهرية؟؟ الجواب: أن الحديث ليس فيه ذلك، بل النهي منه صلى الله عليه وسلم، ألا يغمسها في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، وليس فيه أن الماء ينتقل من الطهورية إلى غيرها. والأصل في الماء أن يكون طهوراً، ونقله إلى غير الطهورية يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك. ـ وهناك قول ثالث في المذهب واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، أن الماء طهور وهو الراجح؛ لأنه ماء لم يتغيّر بالنجاسة، وهو ماء كذلك باق على أصله في الطهورية، فأي دليل ينقله عن الطهور إلى الطاهر، فهو ماء قد تحلل عن محل يراد تطهيره، ولم يتغيّر بالنجاسة فحينئذ لا معنى للقول بطاهريته ولا بنجاسته بل هو طهور وهو الراجح. ـ وننتهي ـ حينئذ ـ من مسائل القسم الثاني من أقسام المياه، وهو الطاهر وتبين لنا أنها كلها مسائل مرجوحة، وليس هناك ماء طاهر. ـ والأصل أن الماء قسمان طهور، ونجس وليس هناك ماء طاهر، وهذا هو الأصل أن الماء طهور يحل التطهر به ما لم ينتقل عن مسماه فيكون شيئاً آخر أو يتغير بالنجاسة فيكون حينئذ ماء نجساً وقد تقدمت الأدلة الدالة على ذلك والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. (الدرس السادس) * قال المصنف رحمه الله: ((والنجس: ما تغيّر بنجاسة أو لاقاها وهو يسير أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها)) : هذا هو القسم الثالث من أقسام المياه.
وهو: (ما تغير بنجاسة) : أي سقط فيه شيئ من الأشياء النجسة من بول أو عذرة أو نحوهما، فتغير بهذه النجاسة ريحه أو طعمه أو لونه، فهو في الأصل طهور رائحته وطعمه ولونه، لكن قد تدنست هذه الأوصاف كلها أو بعضها، تدنست بهذه النجاسة. فحكمه: أنه ماء نجس، وهذا بإجماع أهل العلم، فقد أجمع أهل العلم على أن الماء المتغير بالنجاسة أنه نجس سواء كان قليلاً أو كثيراً فهو ماء نجس لا يحل التطهر به. قوله: (أو لاقاها وهو يسير) : هذا هو النوع الثاني من أنواع الماء النجس. "وهو يسير": اليسير وعندهم ـ هو ما دون ـ القلتين. فمثلاً: عندنا ماء يبلغ قلة أو قربتين أو مائة لتر، فهو ماء قليل فوقعت فيه نجاسة، وهذه النجاسة لم تغيره فأوصافه كلها لم تتغير بالنجاسة فطعمه ولونه وريحه نقيات من هذه النجاسة الواقعة فيه، قالوا: فهذا ماء نجس، وهذا هو مذهب فقهاء الحنابلة وهو مذهب الجمهور. ـ وذهب الإمام مالك كما تقدم إلى أن الماء طهور وهو قول في المذهب ـ أي أنه طهور ـ واختاره المجد ابن تيمية، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الراجح. فالماء الذي غمس فيه يد من قائم من نوم الليل، أن هذا الفعل محرم، والماء يبقى طهوراً مطهراً، وليس بطاهر فقط كما هو في المذهب. ـ والمشهور في المذهب أن الغمس يكون من مسلم مكلف لقوله صلى الله عليه وسلم (فإن أحدكم) وهو خطاب للمسلمين، وقوله: (فلا يغمس) وهو خطاب للمكلف. ـ وهناك قول في المذهب أنه عام في المكلف وغيره. ولا شك أن هذا أقوى، فإنه إذا ثبت هذا الحكم الذي ذكروه من إنتقاله إلى الطاهرية، إذا ثبت بغمس المسلم المكلف، فأولى من ذلك أن يثبت بغمس الكافر والصبي. ولأن العلة المذكورة (فإنه لا يدري أين باتت يده) تنطبق على الكافر والصبي. ـ وأما الخطاب فإنه موجه إلى من يجيب، فهو إلى المسلم إلى من يجب عليه وهو على المكلف وهذا قول في المذهب.
ـ لكن الراجح ـ ما تقدم ـ أنه لا ينتقل إلى الطاهرية بل هو طهور مطهر. * قوله: ((أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها فطاهر)) . هذا المشهور في المذهب وسيأتي بيانه ـ أن النجاسة يجب أن تغسل سبع مرات. فإذا وقع على الثوب نجاسة فيجب أن تغسل هذه النجاسة سبع مرات بالماء. وعندهم أن الغسلات الست بالماء المتحلل منها ماء نجس؛ لأنه ماء لاقى النجاسة، وما لاقى النجاسة فهو نجس. وأما الغسلة السابقة التي زالت بها النجاسة فقالوا: هذا الماء طاهر وليس بطهور وليس نجس. ـ أما كونه ليس بنجس فقالوا: لأنه قد انفصل عن محل طاهر. وأما الست فقد انفصلت عن محل نجس، فكلما غسلناه في مرة فهو مازال نجساً وأما المرة السابقة فقد انفصل عن محل طاهر. ـ وهناك قول في المذهب أنه نجس، وهو أصحّ وأقيس بالنسبة للمذهب؛ لأنه إنما طهر المحل بانفصال الماء في آخره، وأما في ابتداء ذلك فالمحل لايزال نجساً. وهذا القول هو الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد وهو إختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، كما تقدم. وقد تقدم الاستدلال بحديث: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) (1) ، فهذا ماء طهور باق على أصله وقد وقعت فيه النجاسة فلم تغيره بل استهللت فيه سواء كان قليلاً أو كثيراً فإن الماء لا ينجس بل الماء طهور. إذن: هذا القول فيه نظر كما تقدم، فقوله: (أو لاقاها وهو يسير) : هذا قول ضعيف. بل النجاسة إذا لاقت الماء اليسير فلم تغيره فهو ماء طهور؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. إذن: لا يصح تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام (طهور وطاهر ونجس) ، ولا يصح كذلك تقسيم الماء إلى قليل وكثير؛ لأن هذا التقسيم يترتب عليه عندهم أن الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغير، أما القليل فإنه ينجس بمجرد الملاقاة. * قوله: ((أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها)) : إذا انفصل عن محل النجاسة قبل أن تزول.
بمعنى: مازالت النجاسة باقية والماء يزال به النجاسة والمحل يتنظف ويتطهر به، فالماء المنفصل عنها ماء نجس؛ لأنه ماء قليل، وهذا هو الأصل، فهو ماء قليل قد لاقى نجاسة فيكون نجساً. ـ وكذلك الغسلات الست، فقد تقدم أن الغسلة السابعة للماء المستعمل منها ماء طاهر. أما الغسلات الست الأولى، فإن الماء فيها نجس. إذن: مالاقي النجاسة أثناء الغسل والتنظيف فعندهم أنه ماء نجس. ـ أما على القول الراجح: فنحن باقون على القاعدة المتقدمة وهي: أنه إن تغيّر بالنجاسة فهو نجس وإلا فهو طهور. * قوله: ((فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير غير تراب ونحوه أو زال تغير النجس الكثير بنفسه أو نزح منه فبقي بعده كثير غير متغير طهر)) : هذه مسألة: في طريقة إزالة النجاسة في الماء وتحويل الماء من نجس إلى طهور. وقد ذكر المؤلف هنا ثلاث طرق بذلك: 1ـ الطريقة الأولى: أن يضاف إلى الماء النجس طهور كثير والكثير عندهم ـ قلتان ـ فما فوق. فمثلاً: تأتي إلى الماء النجس سواء كان قليلاً أو كثيراً، فتضيف إليه ماء كثيراً فيصبح طهوراً. وقالوا: (كثير) : لأن الذي يريد أن يطهره بنجس، فإذا أضيف ماء قليل فإنه ينجس أي هذا الماء بمجرد الملاقاة؛ لأنه ماء قليل. فلابد حينئذ من أن يضيف إليه قلتين فأكثر؛ لأنه إذا كان المضاف دون القلتين فإنه ينجس بملاقاة الماء الذي يراد تطهيره. فإذن: يضاف إلى الماء المتنجس سواء كان قليلاً أو كثيراً فيضاف إليه ماء كثير فحينئذ ينتقل إلى طهور. إن كان قليلاً فأصبح مع الكثير والنجاسة أصبحت لا تؤثر فيه. وإن كان الماء من الأصل فتغير فإن مثل هذه الإضافة لا بد وأن تنظر فيها هل غيرت ريحه وطعمه ولونه، فإن غيرته فإن الماء تطهر، وإن لم تغيره فإننا نضيف حتى يذهب هذا التغير. وهنا مثالان:
1ـ المثال الأول: فيه ماء قليل وقعت فيه نجاسة فهو ماء لم يتغير بالنجاسة لكنه، على المذهب ماء نجس فإذا أضيف إليه قلتان فأصبح بعد ذلك قطعاً طهوراً؛ لأن الماء أصبح كثيراً والنجاسة لم تغير فيه. 2ـ المثال الثاني: إذا كان الماء قد تغير وقد أضفنا إليه قلتين فما زال متغيراً فإنه لا يطهر بذلك. ـ فإذا أضفنا قلة أو قلتين فزال التأثر فحينئذ يصبح الماء طهوراً. قوله: (غير تراب أو نحوه) : التراب إنما نص عليه؛ لأنه يعتبر عند بعض المذاهب مطهراً. والمذاهب كلها على أن الماء رافع للحدث ـ كما سيأتي بيانه في باب التيمم. قالوا: فإذا أضيف إلى الماء تراب فزالت النجاسة بعد إضافته فهذا لا يؤثر بل يبقى نجساً أو أضيف إليه نحو التراب كأن يضاف إليه صابون أو نحو ذلك. فإذا أضيف إليه تراب أو نحو ذلك فهذا ليست طريقة ـ عندهم ـ للتطهير ولا يتطهر الماء بذلك. ـ وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يطهر بذلك. وهذا هو القول الراجح؛ لأن المقصود إزالة النجاسة وقد زالت فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. فبأي طريقة زالت النجاسة فإن الماء يصبح طهوراً؛ لأن الخبث الذي نقل الماء من الطهورية إلى النجاسة قد زال فلا معنى ـ حينئذ ـ لأن يجعله من النجس وقد زال المؤثر والمفسر له، وأي طريق فصلناه، فإنه يكون صحيحاً. ـ إذن التراب أو غيره ـ على القول الراجح ـ يعتبر مطهراً بل لو أضيف إليه شيء من المواد الكيميائية أو بعض الطرق الحديثة فزالت النجاسة فإنه يصبح ماء طهوراً. 2ـ الطريقة الثانية: قوله: (أو زال تغير النجس الكثير بنفسه) فالطريقة الأولى: طريقة لتطهير الماء القليل والماء الكثير جميعاً. ـ لكن هذه الطريقة لتطهير الماء الكثير فقط. فإذا مكث ماء كثير مدة فزالت عنه النجاسة من غير مؤثر، فهو قد طهر نفسه فإنه يصبح طهوراً.
ـ ولو كان قليلاً لم نقل به ـ على المذهب ـ؛ لأن الماء القليل نجس بمجرد الملاقاة أصلا فضلاً عن أن نقول أن النجاسة ذهبت منه. فإذن: الماء الكثير إذا تغير بالنجاسة ثم ذهبت عنه بنفسه فإنه ماء طهور، قالوا: لأنه مطهر لغيره فهو كذلك مطهر لنفسه. ـ وعلى القول الراجح كذلك الماء القليل المتغير بالنجاسة إذا زالت عنه النجاسة بنفسه فإنه يطهر ويصبح طهوراً؛ لأن الماء متى زالت عنه النجاسة فإنه طهور، بل كل عين تنجست ثم زالت عنها النجاسة فهي عين طاهرة. 3ـ الطريقة الثالثة: (أو نزح منه فبقى بعده كثير غير متغير) : ما تقدم طريقة إضافة، وهذه طريقة أخذ. صورة ذلك: ماء كثير تغيّر بالنجاسة فأخذنا ننزح منه ونخرج حتى ذهبت النجاسة. مثال ذلك: رجل عنده بركة فيها ماء فوقع في طرقها نجاسه فأخذ لينزح من الماء ويخرج حتى لم يبق أثر للنجاسة في هذه البركة، فحينئذ يصبح الماء طهوراً؛ لأنه بهذا النزح أصبح الماء المتبقي طهوراً غير متغير. ـ فإن كان الماء قليلاً فما الحكم؟؟ فالجواب: ما تقدم من أنه ينجس بمجرد الملاقاة على المذهب. ـ وعلى القول الراجح لاحاجة إلى هذه الطرق بل القاعدة: أنه متى ما زالت النجاسة فإن الماء يطهر فيصبح طهوراً على أصله، قال تعالى: ((وأنزلنا من السماء ماءاً طهوراً)) (1) فمتى زالت النجاسة فإن الماء يعود إلى أصله من الطهورية. ـ وعلى تقرير مذهب فقهاء الحنابلة: هنا صاحب الزاد لم يستثن ما استثناه في مسألة سابقة وهي بول الآدمي وعذرته، فإن البول إذا أصاب الماء ثم أضيف إليه ماء كثير فإنه ـ حينئذ ـ لا يطهر، إلا أن يكون قد شق نزحه، كما تقدم.
ـ إذن لابد وأن يبقى بعد عملية التطهير؛ لابد وأن يبقى ماء تتوفر فيه الشروط السابقة ومن الشروط السابقة: أن العذرة والبول في الآدمي إذا وقعا في الماء فإنه يبقى نجساً مطلقاً سواء كان قليلاً أو كثيراً ما لم يكن قد سبق نزحه؛ فإنه حينئذ يكون طهوراً لمشقة النزح. * قوله: ((وإن شك في نجاسة ماء أو طهارته بنى على اليقين)) : هذا داخل في القاعدة الشرعية العامة التي تقول: (اليقين لايزول بالشك) . وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن زيد أنه شكى إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل يجد الشيئ في الصلاة أو يُخيّل إليه الشيئ، فقال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (1) . ـ فإذا تيقنا أن الماء طهور ثم شككنا فيه هل وقعت فيها نجاسة أو لا؟؟ ـ أو وقع فيه شيء ونحن لا ندري، هل هذا الشيئ نجس أم لا؟؟ ـ أو هو ماء كثير فوقعت فيه نجاسة ثم شككنا هل غيرته أم لا؟؟ ـ وعلى الراجح إذا كان ماء قليلاً فوقعت فيه نجاسة ثم شككنا هل غيرته أم لا؟؟ فحينئذ: حكم الماء أنه يبقى على أصله وهو أنه ماء طهور، فاليقين لا يزال بالشك. فاليقين ـ هنا، أنه ماء طهور ونحن عندما نشك في تنجسه في هذا الشيئ فهذا شك وأما ذاك فهو يقين. والعكس كذلك: فإذا كان الماء نجساً وقد تغيّر شيئ من أوصافه بالنجاسة ثم شككنا هل زال هذا التغير أو لا؟؟ فاليقين أنه نجس، واليقين لا يزول بالشك. ـ أما أن نرى في أحد أوصافه تغيراً. ـ أو بأن يخبره مسلم مكلف مستور الحال كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة) (2) ، فإذا أتى خبر من مسلم ذكر أو أنثى مكلف بالغ عاقل مستور الحال ـ كما هو المشهور في المذهب ـ فإنه حينئذ يقبل قوله. ـ أو رأى هو أن الماء قد تغير فزالت عنه النجاسة فإن الماء حينئذ ينتقل من النجاسة إلى الطهورية. فإذا: اليقين لا يزول بالشك.
فالماء طهور ما لم تثبت لنا نجاسته، والماء النجس نجس ما لم تثبت لنا طهوريته. والحمد لله رب العالمين. الدرس السابع ـ تقدم الكلام على ما إذا شك في نجاسة ماء أو طهارته وأنه يبني على اليقين؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. ـ وتقدم أنه يقبل خبر المسلم المكلف المستور في إثبات النجاسة. ـ واعلم أن الخبر يشترط فيه في الأظهر من قولي العلماء، وهما قولان في المذهب، يشترط فيه أن يبين سبب النجاسة وذلك لاختلاف أهل العلم في النجاسة. مثال ذلك: أن يقول له: هذا ماء نجس والسبب عنده أنه لاقى النجاسة وهو ماء قليل وهذا المخبر لا يعتقد أن اليسير ينجس بمجرد الملاقاة، كأن يخبر شافعي مالكاً أو حنفي مالكياً بذلك. فإذا تبين السبب علم ذلك المخبر أن الماء ليس بنجس. إذن: لابد أن يبين له سبب النجاسة لاختلاف الناس في النجاسة طهارة ونجاسة. ـ واعلم أن السؤال عن النجاسة ـ أي الإستخبار ـ عن طهارة الماء ونجاسته، ليس بمشروع وأنه من التكلف وقد كرهه الإمام أحمد وغيره، وقد نصّ على ذلك شيخ الإسلام. فإذن: ليس من المشروع أن يسأل المسلم هل هذا الماء وقعت فيه نجاسة أم لا؟؟. وذلك؛ لأن الأصل أن الماء طهور ويتطهر به، ومثل هذا السؤال تكلف وتعنت. ـ ما لم تقيم أمارة تقوى القول بنجاسته، فإذا حدثت قرينة توقع الشك بالماء فإنه ـ حينئذ ـ يجوز له أن يسأل لوجود هذه القرينة. ـ ومثل ذلك الأطعمة من اللحوم ونحوها، فإنه إذا قام في قلبه قرينه على أن صاحب المنزل يأتي باللحوم المذبوحة على غير الطريقة الإسلامية، فإنه يسأل. أما إذا لم يقم في قلبه شيئ فإنه لا يشرع له ذلك. فإذن: إنما يشرع له أن يسأل إذا قامت القرينة التي تجعل السؤال له محله فإذا لم تكن هناك قرينة فإن ذلك ليس بمشروع. * قوله ـ رحمه الله ـ: ((وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما ولم يتحر ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما)) .
إشتبه على المسلم مائين أحدهما طهور والآخر نجس، وهو يريد أن يتطهر فما الحكم؟؟ فهو لا يدري الطاهر من النجس. الحكم: قال هنا: (حرم استعمالهما) : فيحرم عليه أن يستعمل أياً من المائين. قالوا: لأن استعمال الماء النجس محرم، واستعماله لهما كليهما متضمن لاستعمال الماء النجس، هذا إذا استعملهما كلهما. ـ أما إذا كان الإستعمال لأحدهما فقد يكون هو الماء النجس، والواجب عليه أن يتحرز من استعمال النجس وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإذن: لا يحل له أن يستعمل أحدهما ولا كليهما؛ لأن ذلك إما أن يكون يقينا يستعمل فيه الماء النجس وذلك إذا استعمل الماء من كليهما، وأما إن استعمل أحدهما فإن ذلك ذريعة إلى استعمال الماء النجس، والواجب التحرز منه وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ـ وهل يتحرى أم لا؟؟ قال هنا (ولم يتحر) : أي ليس له أن يتحرى، بمعنى: ليس له أن ينظر إلى القرائن التي تقوي أن يكون أحدهما هو الطهور فيستعمله ويدع الآخر؟؟ فلا يجوز له إلا أن يدع الإثنين كليهما، ولو كان في قلبه قرينة تقوي أن هذا الماء هو الطهور وأن الآخر هو النجس. إذن: لا يجوز له أن يتحرى مطلقاً سواء كان هناك مرجح ـ أي قرينة تقوي أحد الجانبين ـ أو لم يكن. ـ أما إذا لم تكن هناك قرينة فلا إشكال في هذا، ولكن إذا كان هناك قرينة: فقد ذهب بعض أهل العلم وهو مذهب الشافعية إلى أنه يتحرى الطهور منهما فيستعمله. قالوا: لأن ما يعجز عن اليقين فيه فإنه يلجأ إلى الظن الغالب، ونحن قد عجزنا أن نتيقن أن هذا الماء الذي نستعمله طهور فحينئذ: يلجأ إلى الظن الغالب فنرجح أحدهما. كما أن الرجل إذا استبهت عليه القبلة وغلب على ظنه إحدى الجهتين فإنه يرجح إحداهما. هذا هو مذهب الشافعية.
وأما الحنابلة، فقالوا: يكون الترجيح حيث كانت الضرورة؛ لأنه إذا رجح فقد يقع في الأمر المحرم من استعمال النجس، فقد يقع فيه وإن كان يظن أنه لم يقع فيه وإعمال الظن إنما يكون عند الضرورة، وأما هنا فلا ضرورة فإنه بحكم غير الواجدين للماء فحينئذ يلجأ إلى التيمم، ولا حاجة إلى أن يتحرى وإنما يلجأ إلى التيمم. ـ كما أنه إذا اشتبه ماء مباح وماء محرم وليس مضطراً إلى أحدهما فإنه يدع الجميع، ولا يمكن أن يتورع إلا بمثل ذلك ـ فإنه ـ حينئذ ـ يدع الجميع ويلجأ إلى شيء آخر سواهما. أما إذا كان مضطراً كأن يكون إنسان عنده ماءان به أحدهما طهور والآخر نجس وهو مضطر؛ لأن يشرب أحدهما فإنه ـ حينئذ ـ يتحرى فما غلب على ظنه أنه ماء طهور فإنه يشرب منه للضرورة. وقد ذكر شيخ الإسلام القولين ولم يرجح بينهما. ـ والأقوى فيما يظهر، ما ذهب إليه الحنابلة للأمر الذي تقدم وهو أن الأمر ليس فيه ضرورة داعية إلى التحري، واستعمال أحد الماءين مع إحتمال قوي أن يكون هذا المستعمل هو الماء النجس المحرم استعماله، فلا ضرورة تدعو إلى ذلك فحينئذ يلجأ إلى التيمم. لذا قال المؤلف: ((ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما)) : فإنهم يرون أنه ـ حينئذ ـ يتيمم. ـ إذا كان عنده ماءان أحدهما طهور والآخر نجس ويمكنه أن يضيف أحدهما إلى الآخر فيطهران بذلك، فلا يجوز له أن يلجأ إلى التيمم؛ لأنه يمكنه أن يحول هذين الماءين إلى ماء طهور. ـ مثال: إذا كان عندهما ماءان أحدهما قليل والآخر كثير، والقليل قد نجس بالملاقاة أو كلا الماءين كثير وقد تنجس لكنه يشق وليس عنده استطاعة على تمييز الطهور من النجس كأن يكون أعمى أو نحو ذلك. فحينئذ: يضيف أحدهما إلى الآخر ويطهران بذلك ولا يجوز له أن يتيمم.
ـ لكن هنا إذا كان لا يستطيع ذلك بمعنى: لا يمكنه أن يحول الماءين إلى ماء طهور يتيقن عند استعماله أنه استعمل ماءاً طهوراً فحينئذ: يدع الجميع ويحرم عليه استعمالهما ويلجأ إلى التيمم. ـ وهل يشترط للتيمم إراقتهما أو خلطهما ليكون غير واجد للماء، فقد قال تعالى: (فلم تجدوا ماءاً) (1) فهل يشترط ذلك أم لا؟؟. قال: (ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما) . ـ وهناك قول آخر في المذهب أنه يشترط ذلك لكي يكون عادماً للماء حقيقة فإنه إذا خلطهما فأصبحا كليهما نجساً أو كان منه أن إراقهما فإنه لا يكون واجداً للماء. ـ والقول الثاني وهو الأصح أن ذلك ليس بشرط؛ لأن العاجز عن استعمال الماء كعادمه، فهذا الرجل عاجز عن الماء أو جاهل، أيهما الطهور من النجس فهو كالعادم للماء وقد قال تعالى: (فلم تجدوا ماءاً فتيمَّمُوا صعيداً طيباً) ، وهذا غير واجد للماء حكماً لا حقيقة، ولا يشترط أن يكون عادماً للماء حقيقة. لذا نفي المؤلف للإشتراط إنما هو دفع للقول الضعيف الذي يقول بإشتراط ذلك. * قوله: ((وإن اشتبه بطاهر توضأ منهما وضوءاً واحداً من هذا غرفة ومن هذا غرفة، وصلى صلاةً واحدة)) : إذا اشتبه عليه ماءان أحدهما طاهر والآخر طهور. ولا يدري أيهما الطاهر من الطهور. ـ هذه المسألة مبنية على القول المرجوح الذي تقدم وهو تقسيم الماء إلى طاهر وطهور ونجس، وعلى هذا القول تتفرع هذه المسألة. ونحن عندما نرجح ذلك القول الذي تقدم ترجيحه لا نحتاج إلى هذه المسألة فهي لا تكون واقعة على ذلك المترجح، وإنما هذا مبني على المذهب ومن وافقه في أن الماء ينقسم إلى طاهر وطهور ونجس. ـ فالمسألة: إذا اشتبه عليه ماءان أحدهما طاهر والآخر طهور ولا يدري أيهما الطاهر من الطهور؟؟ فالحكم قال: (يتوضأ منهما وضوءاً واحدة من هذه غرفة ومن هذا غرفة ومع صلاة واحدة) .
فإذن: يتوضأ منهما وضوءاً واحداً، ولكم بغسل العضو مرتين مرة بالماء الطهور ومرة بالماء الطاهر. ـ وهو لا يدري أيهما الطاهر من الطهور ولكن الأمر يقع هكذا فيكون مرة بماء طهور ومرة بماء طاهر فحينئذ يتيقن أن العضو قد وقع عليه ماء طهور، ويكون وضوؤه وضوءاً واحداً فيغسل العضو مرتين. مرة بهذا الماء ومرة بالماء الآخر لكي يتيقن أنه قد تطهر بالماء الطهور. فإذن: تغسل الأعضاء مرتين وله ثلاثاً بتكرار أحدهما، ولكن الواجب أن يكون مرتين مرتين من هذا مرة ومن هذا مرة، فيكون حينئذ قد تيقن من وصول الماء الطهور إلى أعضائه. ـ فإن توضأ من هذا وضوءاً ومن هذا وضوءاً؟ فالمصرّح به في المغني وغيره أن هذه هي الصورة. ـ وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر في العمدة التي شرحها على طريقة الحنابلة ذكر أنه أن شاء توضأ وضوءين. ـ وينبغي أن يكونا وجهين في المذهب. فبعض الحنابلة قال: إنه يتوضأ وضوءاً واحداً كما تقدمت صورته. ـ وبعضهم قال: يتوضأ وضوءين وضوء بهذا الماء ووضوء بالماء الآخر. ـ ولكن القول الأول أصحّ؛ لأنه إذا فعل الطريقة الأخرى فإنه يكون في نيته غير جازم، فإنه في كلا الوضوءين غير جازم أنه يستخدم ما تصح به الطهارة. والواجب أن تكون النية في الوضوء جازمة وهو ـ حينئذ ـ لا يكون جازماً بارتفاع حدثه في كلا الغسلين أو الوضوءين بخلاف ما إذا كان الوضوء واحداً. إذن: هذه الطريقة هي الطريقة السالمة من هذا الإعتراض الذي تقدم ذكره، فيتوضأ وضوءاً واحداً بغسل كل عضو مرتين مرة بالماء الطهور ومرة بالماء الطاهر. قال: (وصلى صلاة واحدة) : فإذا توضأ بالماءين حينئذ يصلي صلاة واحدة. ـ فإذا احتاج لأحد الماءين للشرب فما الحكم؟ قالوا: يتحرى فيبقى الماء الطاهر لشربه ويتوضأ بالماء الطهور. وليس هذا بيقين. لذا قالوا: فيحتاج حينئذ أن يتيمم مع ذلك.
وفي هذا نظر بل الأظهر أنه إذا احتاج إلى الماء للشرب فإنه ليس له أن يتوضأ من الآخر بل يكتفي بالتيمم. ـ ولكن هذه المسألة كلها ـ كما تقدم ـ مبنية على القول بتقسيم الماء إلى طاهر وطهور ونجس والصحيح خلاف ذلك. * قوله: ((وإن اشتبهت ثياب طاهرة ينجسه أو بمحرمه صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة)) : ـ رجل عنده ثياب قد أصابت بعضها نجاسة وهو لا يعرف الثياب النجسة بعينها ولا يمكنه أن يأخذ ثوباً فيغسله ويتأكد من تطهره فما الحكم؟؟ قالوا: يصلي بعدد الثياب النجسة ويزيد واحدة. مثال: رجل عنده عشرة ثياب يعرف أن ثمان (8) منها نجسه ولكن لا أدري ما هي بعينها، فيقال له: صلّ ثمان صلوات ثم زد صلاة تاسعة فيكون قد صلى تسع صلوات ويكون بذلك قد تيقن أنه صلى بثوب طاهر؛ لأنه قد أنفذ ثمان صلوات بثمان ثياب، ولنفرض أنها هي الثياب النجسة. فتبقى هذه الصلاة الأخيرة يُتأكد من كونه قد صلى بثوب طهور. فعلى ذلك: لو أن رجلاً عنده مائة ثوب نجس وثوب طاهر فإنه يصلي مائة صلاة ويزيد صلاة واحدة. هذا هو مذهب الحنابلة. قالوا: هذا إذا علم عدد ثيابه النجسة. ـ أما إذا لم يعلم، قالوا: يصلي حتى يتيقن ولا يمكن أن يتيقن حتى يصلي فيها كلها، هذا إذا كان يقول: غالبها أو نصفها نجسه لكنه لا يدري عددها. ـ أما إذا كانت كلها نجسه فإنه لا يحل له أن يصلي بشيء منها، هذا هو المشهور في المذهب حتى في المسألة الأخرى. ـ وذهب بعض الحنابلة في المسألة الأخرى، أنه يتحرى لمشقة ذلك كما قال ذلك ابن عقيل وغيره. ـ وذهب الشافعية والأحناف إلى القول بالتحري وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهذا هو القول الراجح؛ لأن الله عز وجل قال: (فاتقوا الله ما استطعتم) (1) .
ولأن الله رفع الحرج عن هذه الأمة وفي فعل ذلك حرج، فكونه يضع هذه الصلوات الكثيرة منه حرج، كما أن الصلاة لا تصلى في أكثر من مرة إلا إذا ثبت فيها خلل فإنها تعاد، أما إذا لم يثبت فيها خلل فإنه ليس له أن يعيدها كما نهى عن ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. إذن: الصواب: أنه إذا اختلطت عليه الثياب الطاهر والنجسة فلا يدري أين الطاهرة من النجسة. فإنه يتحرى سواء علم عدد الثياب أو لم يعلم ذلك، فإنه يتحرى ويجتهد ثم يصلي وتجزئ صلاته، هذا هو القول الراجح. ـ ومثل ذلك إذا كانت الثياب منها ثياب محرمة عنده وثياب مباحة ومنها ثياب محرمة لا يعلمها بعينها كأن يكون ثوباً أو مغصوباً ولم يتميز هذا الثوب المغصوب منها فإنه حينئذ يصلي بعدد الثياب المغصوبة ويزيد صلاة. أو يصلي حتى يتيقن إن لم يعلم عدد الثياب النجسة، هذا هو المذهب. ـ والراجح أنه يتحري (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (1) . والحمد لله رب العالمين. الدرس الثامن: الثلاثاء 17/10/1414هـ (باب الآنية) الباب: هو ما يدخل منه إلى المقصود سواء كان حسياً كأبواب الدور أو معنوياً كأبواب العلم. والآنية: جمع إناء، ويجمع على "أواني": فهي جمع لها، فالإناء جمعه آنية، والآنية جمعها أواني. ومثل ذلك: سقاء، وإسقية، وأساقي. والإناء: هو الوعاء. ـ واعلم أن المؤلف بدأ بباب المياه؛ لأن المياه هي مادة التطهر، والطهور هو مفتاح الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وقد روى الإمام أحمد وغيره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (مفتاح الصلاة الطهور) . وهنا شرع المؤلف بعد باب المياه بباب الآنية؛ لأن الماء بطبيعته سيّال: يحتاج إلى طرق يحفظه، فشرع بذكر حكمها بعد باب المياه. * قوله: ((كل إناء طاهر ولو ثميناً يباح اتخاذه واستعماله)) : كل إناء: من خشب أو صفر أو نحاس.
والإتخاذ المراد به: اتخاذه في المحل من غير استعمال وما دام الإستعمال مباحاً فأولى منه أن يباح الإتخاذ. فكل إناء من الأواني من خشب أو صفر أو جلد ونحو ذلك يباح إستعماله كما يباح كذلك إتخاذه، وقوله: (ولو ثميناً) : لفظة: (لو) إشارة إلى خلاف. ومثلها لفظة: (حتى) و: (إنْ) . قال الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ: (لو) : للخلاف القوي و (حتى) : للخلاف المتوسط و (إنْ) للخلاف الضعيف. وقد قال: هنا: (لو) فهي للخلاف القوي، لكن ليس الأمر في الحقيقة على هذا، فإن الأمر من حيث القائل ضعيف، فإن ذلك هو قول الشافعي في أحد قوليه والشافعية اختاروا إتفاقاً قوله الثاني وهو جواز ذلك ـ أي جواز استعمالها ـ وهذا مذهب جمهور الفقهاء. إذن: جمهور الفقهاء وهو أحد قولي الشافعي الذي اختاره أصحابه أن الأوعية الثمينة من الجواهر والزمرد أنها مباحة لا حرج فيها. ـ وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنها محرمة ـ أي إستعمالها ـ. ـ أما حجة أهل القول الأول: فهي الأصل، فالأصل في الأشياء الإباحة كما قال تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) فكل ما في الأرض فهو مباح ما لم يثبت تحريمه، والأواني التي من الجواهر الثمينة مباحة ما لم يأت دليل يدل على تحريمها وليس هناك دليل على ذلك. أما حجة الإمام الشافعي في قوله الآخر فهي: أن الأواني الثمينة فيها من الخيلاء والإسراف والكبر وكسر قلوب الفقراء. وهذا القول قوي؛ لأن الشارع حرم الخيلاء والكبر والإسراف وكل ما هو ذريعة إلى المحرم فهو محرم. ـ ثم إن الشارع حرم الإسراف، وفي الحديث (كلوا واشربوا والبسوا في غير اسراف ولا مخيلة) ، وهذا فيه إسراف وكسر لقلوب الفقراء. فهذا قول قوي، والجمهور على خلافه وأن الأواني الثمينة استعمالها جائز. والقول بتحريمها قول قوي لما في إستعمالها من الكبر والخيلاء والإسراف وكسر قلوب الفقراء. وأجاب الجمهور ـ عن ذلك ـ بأن إستعمال الجواهر نادر.
ولكن هذا الجواب ضعيف؛ لأن الحكم تبع للوجود فمتى ما وجد هذا فإنه محرم ولو كان هذا على هيئة الندرة، نعم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم ينص على ذلك لندرته، فهذا يصح أن يكون دليلاً على عدم تنصيص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على تحريم ذلك؛ لأن الغالب الكثير إنما هو استخدام الأواني من الذهب والفضة، وأما استخدامها من الجواهر ونحوها فإن ذلك نادر قليل. فيصبح أن يكون ذلك سبباً لعدم ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحريم استخدام الجواهر الثمينة في المطاعم والمشارب ونحوها. وأما أن يكون ذلك دليلاً على الجواز فلا؛ فإن هذا الشيء وإن وقع نادراً فإن فيه علة الكبر والخيلاء ونحو ذلك من العلل فهو حرام. فهذا القول قول قوي. * قوله: ((إلا آنية ذهب وفضة)) : فآنية الذهب والفضة من سائر الأواني قد نصّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على تحريمها، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة) . (صحافها) : جمع صحفة وهي ما يشبع الخمسة، ومثل ذلك غيرها من الأواني، وهذا إنما هو للغالب، فالغالب في الأواني أن يكون كذلك، وغيرها من الأواني لها نفس الحكم فالقصعة وهي ما تكفي العشرة، والمئكلة وهي ما يشبع الأثنين والثلاثة لها نفس الحكم. (فإنها لهم في الدينا) : أي للكفار. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) . ـ قوله: (الذي يشرب في آنية الفضة) : وأولى منها آنية الذهب فإنها أعظم وأشد وأقبح من الفضة في هذا الحكم: بل ثبت في مسلم في هذا الحديث نفسه: (من شرب في إناء ذهب وفضة) .
وقوله: (إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) : أي إنما يصب في جوفه نار جهنم، والجرجرة: هي صوت الشراب الواقع في الجوف أو المتحرك في الحلق. فهذا يدل على أن هذا الفعل من كبائر الذنوب. فهذه عقوبة عظيمة لا يثبت مثلها، إلا لفاعل كبيرة. فإذن: الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب وهذا مجمع عليه إلا ما روى عن داود الظاهري من إباحته للأكل ولعل ذلك لعدم بلوغ الحديث إليه. * قوله: ((أو مضبباً بهما)) : المضبب هو الإناء ينكسر فيوضع فيه صحفة من حديد أو نحاس أو ذهب أو فضة فتصل بعضه ببعض وتضم بعضه إلى بعض. فهو إذن أن يكون في الإناء شعبة أو كسر ثم يؤتي بصحفة أو سلسلة من معدن من المعادن فيصل الطرفين بعضهما ببعض فهذه الضبة وهذا هو الإناء المضبب. وقوله: (أو مضبباً بهما) أي كذلك ما كان مضبباً بالذهب والفضة. وظاهره سواء كان قليلاً أو كثيراً فأي ضبه من فضة أو ذهب فإنها تحرم الأكل والشرب في الإناء وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء من أن الضبة سواء كانت يسيرة أو كبيرة فإنها محرمة سواء كانت من ذهب أو فضة وسيأتي الكلام على الفضة إن شاء الله. فإذن: الضبة محرمة وذلك لأن الشارع إذا نهى عن الشيء فإنه يدخل في النهي أجزاء ذلك الشيء. فإذا حرم الشرب في آنية الذهب والفضة فكذلك الذي تتخلله فضة أو ذهب فهو محرم كذلك. فإذن: الإناء الذي فيه ضبة من ذهب أو فضة محرم. ـ ومثل ذلك المموه والمطلي بالذهب والفضة فهو محرم كذلك. صورة المموه: بأن يؤتي بالإناء ثم يوضع في إناء قد صهر فيه ذهب أو فضة فتتموه ويأخذ من لون الذهب والفضة، فهذا محرم كذلك لوجود الذهب أو الفضة. ـ وصورة المطلي: أن يجعل الذهب والفضة كهيئة الورق ثم بعد ذلك يلصقها بالإناء.
ـ ومثله ـ كذلك: المكفت: وصورته: أن يبرد الإناء حتى يخرج هذا البرد كهيئة المجاري الصغيرة ثم يلصق بها قطع ذهب أو قطع فضة، فهذا ونحوه كله محرم للتعليل المتقدم، وهو وجود الذهب والفضة فيه، والشارع إذا نهى عن شيء فهذا نهي عن أبعاضه وأجزائه. * قوله: ((فإنه يحرم إتخاذها واستعمالها)) : أما الإستعمال فهذه اللفظة شاملة للإستعمال في الأكل والشرب وغيرهما. فنبدأ بهذه اللفظة ثم نعود إلى لفظة الإتخاذ فهي مترتبة عليها. أما الإستعمال: فأما الأكل والشرب فقد نصّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على النهي عن الأكل والشرب فيهما، فالأكل والشرب فيهما لا شك في تحريمه. ـ وما هي العلة؟؟ العلة عند جماهير أهل العلم هي ما فيها من الكبر والخيلاء والإسراف وكسر قلوب الفقراء، فحرمه الشارع لما فيه من الإستطالة على عباد الله ولما فيه من الإسراف والكبر والخيلاء. ولذلك فإنه من تعاطاه في الدنيا فإنه لا يتعاطاه في الآخرة، كما في الحديث: ((فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) . وفي سنن النسائي بإسناد قوي: (آنية الذهب والفضة آنية أهل الجنة) . وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في مسلم: (فإن من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة) . فإذن: هي آنية أهل الجنة ومن شرب فيها في الدنيا فإنه لا يشرب فيها في الآخرة. ـ لكن هذا ـ أي كونها آنية أهل الجنة ـ في الحقيقة ليس هو التعليل، كما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حرم الخمر وأخبر أنها شراب أهل الجنة، وأنه من شرب منها في الدنيا لم يشرب منها في الآخرة، ولكن العلة فيها أضرارها الواقعة على العقول فحرمها الشارع لذلك، فلذلك هنا ـ في آنية الذهب، والفضة فإنها آنية أهل الجنة في الجنة وهي آنية أهل الكبر والخيلاء والمستطيلين على عباد الله في الدنيا فليست من آنية المؤمنين بل هي من آنية الكفار في الدنيا، وأما المؤمنون فهي آنيتهم في الآخرة.
فالعلة هي ما فيها من الكبر والإسراف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء. لذا ذهب عامة أهل العلم على أن المحرم ليس الأكل والشرب فحسب بل ذلك يشمل الأكل والشرب وغيرهما من الإستعمالات، بل حكاه النووي وغيره إجماعاً. ـ ولكن ذهب أهل الظاهر، وممن ذهب إليه الشوكاني والصنعاني إلى أن المحرم الأكل والشرب فحسب؛ لأن النص وارد فيها فحسب. الراجح هو القول الأول: وكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نص عليها فحسب لا يعني أنهما المحرمان فقط، فإن الشارع يذكر الشيء في الحكم ثم يلحق به ما شابهها من باب القياس. فالله ـ عز وجل ـ قال في كتابه: ((وربائبكم اللاتي في حجوركم)) . ومعلوم أن الربيبة محرمة مطلقاً سواء كانت في حجر زوج أمها أم لا. فيكون نص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة بناءاً على الغالب، فالغالب في استعمال الذهب والفضة إنما هو في الشرب ولكن يلحق بالأكل والشرب ما شابههما من الإستعمالات كأن يتوضأ أو يغتسل أو يتطيب أو نحو ذلك من الإستعمالات. ـ فإذن: كل استعمال لأواني الذهب والفضة فإنه محرم. ـ فإن قيل: قد ثبتت أدلة تدل على جواز إستعمال الفضة؟؟ من ذلك ما ثبت في البخاري: أن أم سلمة كان عندها جلجل فيه شعر من شعرات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تستشفي بهن أي إذا أتاها أحد من المرضى فإنها تضع في هذا الجلجل ماءاً ثم تحركه ثم يشرب منه فيشفى بإذن الله. قالوا: فهذا يدل على جواز إستعمال الفضة. واستدلوا بما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد جيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها) أي تصرفوا بها كيف شئتم. ـ وقد ذكر شيخ الإسلام أن الأصل في الفضة الإباحة ما لم يثبت دليل يدل على التحريم. ـ لذا الذي يتبين ـ والعلم عند الله ـ أن استعمال الفضة في غير الأكل والشرب أن ذلك مباح، فإذا استعملها في قلم ومكحلة ومدخنة ونحو ذلك فإنه مباح.
ـ أما الذهب فهو محرم على الإطلاق لا يحل منه إلا حلي النساء، وما اضطر المسلم إليه. أما الفضة: فالأكل والشرب فيها محرم. أما في غير الأكل والشرب فإن ذلك جائز. ـ ولا يخفى أن الأثر عن أم سلمة أثر راو، فإنها هي التي روت قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الفضة ومع ذلك فإنها كان عندها جلجل وكانت تضع فيه شعرات النبي ـ صلى الله عليه وسلم. فعلى ذلك الذي يتبين: أن استعمال الفضة في غير الأكل والشرب مباح أما الذهب فإنه محرم على الإطلاق. إلا ما تقدم من حلي النساء وما أضطر إليه المسلم، وسيأتي مزيد بحث عن هذا إن شاء الله. * وقوله ((فإنه يحرم إتخاذها)) : يحرم الإتخاذ؛ لأن الإتخاذ وسيلة الإستعمال والشارع قد يسد الذرائع الموصلة إلى المحرمات. ـ فلو كان هناك إناء يمكن أن يشرب فيه أو يؤكل فيه وهو من ذهب أو فضة فإذا وضعه صاحب المنزل وإن قال إنه لا يأكل به ولا يشرب فإن ذلك محرم؛ لأنه قد إتخذه والإتخاذ وسيلة الإستعمال وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم. ـ كما أنه يحرم إتخاذ آلات اللهو والطرب ونحوها من الآلات؛ لأن التي تبث المنكرات فيحرم إتخاذها؛ لأن ذلك ذريعة إلى إستعمالها. فالإتخاذ محرم للشيء الذي يحرم إستعماله وهذا مذهب جمهور الفقهاء. * قوله: ((ولو على أنثى)) : فإن الإنثى إنما يباح لها الحلي ـ وسيأتي إن شاء الله ـ. * قوله: ((وتصح الطهارة فيه)) : أي من آنية الذهب والفضة. إذن: لا يحل لها أن تتوضأ في إناء ذهب أو فضة أو يغتسل لكنه لو فعل ذلك فإن وضوءه صحيح. ـ هذا هو مذهب جمهور الفقهاء. وذلك لأن هذا الفعل فيه لم يقع على شرط العبادة ولا ركنها. بل هو أجنبي عن العبادة فإنه قد توضأ وضوءاً صحيحاً قد توفرت فيه شروطه والماء كذلك ليس بمغصوب ـ بخلاف الماء المغصوب فسيأتي الكلام عليه. إذن الطهارة صحيحة، مع تحريم الفعل، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. * قوله: ((إلا ضبة يسيرة من فضة لحاجة)) :
هذا إستثناء من التحريم، فإن الضبة اليسيرة التي تكون من الفضة لحاجة فإن ذلك جائز في المشهور من المذهب. إذن: المشهور من المذهب أن الضبة اليسيرة من الفضة للحاجة في الإناء إن ذلك جائز. والحاجة هي ألا يكون ذلك للزينة وإن كان يمكنه أن يسوي هذا إلاناء بغير الفضة بأن يسويه بحديد أو نحاس أو نحو ذلك. ـ إذن ليست المسألة ضرورة بحيث أن الفضة تعينت، بل المسألة حاجة، فالفضة لم تتعين بل يمكنه أن يستعمل غير الفضة. قالوا: فذلك جائز. ـ فالضبة اليسيرة من الذهب محرمة فتبقى في العموم المتقدم، والضبة الكثيرة من الفضة محرمة فتبقى في العموم المتقدم. والضبة اليسيرة لغير حاجة كزينه ونحوها فإن ذلك محرم. وإنما المباح الضبة اليسيرة عند الحاجة هذا هو مذهب الحنابلة. ـ وذهب بعض الحنابلة إلى أنه مباح للحاجة وغيرها. وهذا هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية. وهذا أصح، إذ الحاجة لا تبيح محرماً، ونحن إذا قلنا بجوازه فلا فرق بين أن يكون ذلك للحاجة أو غيرها. ـ واستدل الحنابلة وهو مذهب الجمهور على قولهم، بما ثبت في البخاري من حديث أنس بن مالك: ((أنه كان عنده قدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأنكسر فاتخذ مكان الشَّعب سلسلة من فضة)) . قالوا: لفظة (فاتخذ) تدل على أن المتخذ هو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالمتخذ ـ عندهم ـ هو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي إتخذ مكان الشعب ـ أي هذا الشق اتخذ مكانه سلسلة من فضة، فالمتخذ ـ على هذا القول هو: النبي ـ صلى الله عليه وسلم. ـ وذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ وهو مذهب الليث وهو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين إلى أن الضبة اليسيرة كذلك لا تجوز. وقالوا: المتخذ هنا إنما هو أنس بن مالك ويدل على ذلك ما في البخاري من رواية عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند أنس بن مالك، وقد انصدع فسلسلة سلسلة من فضة) فالمسلسل هنا إنما هو أنس.
وأصرح منه رواية محمد بن سيرين قال: إنه كان فيه ـ أي في هذا القدح ـ حلقة من حديد فأراد أنس بن مالك أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة فقال له أبو طلحة: ((لا تغيرن شيئاً صنعه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتركه)) . إذن: كان هذا الإناء الذي هو قدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يغيرها فنهاه أبو طلحة الإنصاري ـ زوج أمه ـ ثم بعد ذلك غيَّره أنس وجعل ذلك فضة على الإختيار. إذن: فاعل ذلك ليس هو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما هو أنس. ـ وأنس ـ رضي الله عنه ـ صحابي وقوله حجة لكن إذا لم يعلم له مخالف. وهنا له مخالف وهو ابن عمر، فقد ثبت في سنن البيهقي بإسناد صحيح: أنه كان لا يشرب من إناء فيه حلقة فضة، أو ضبة فضة) . إذن: قد خالفه ابن عمر، فلم يبق قوله حجة. فالقول الراجح: هو ما ذهب إليه الإمام مالك من النهي عن ذلك مطلقاً فالضبة محرمة مطلقا كثيرة كانت أو يسيره من فضة أو غيرها لحاجة أو وغير حاجة كما هو مذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ. ـ واعلم أن مما استدل به أهل العلم على تحريم الضبة على الإطلاق: مارواه الدارقطني وقال: إن إسناده حسن: من حديث ابن عمر: (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى أن يشرب من إناء ذهب أو إناء فضة أو إناء فيه شيء منهما فمن فعل ذلك فإنما بجرجر في بطنه نار جهنم) ، لكن الحديث من حديث زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن ابن عمر. وزكريا مجهول وكذلك أبوه فالحديث ضعيف، وقول الدارقطني: "إسناده حسن" ليس بحسن بل الحديث ضعيف وقد ضعفه ابن القطان وابن تيمية والذهبي وابن حجر، فالحديث ضعيف لا يحتج به، ومع ذلك فإن الضبة محرمة للتعليل المتقدم. * قوله: ((وتكره مباشرتها لغير حاجة)) : إذن: هي جائزة أولاً، ولكن مباشرتها مكروهة لغير حاجة.
فكونه يستعملها فيشرب مباشرة من هذه الضبة فَتُمَس بَشْرَتُه ذلك مكروه إلا إذا احتاج إلى ذلك، فإذا احتاج إلى ذلك فإن الكراهية تزول. وعللوا ذلك: بأن مباشرتها إستعمال لها، ومقتضى هذه العلة التحريم؛ لأن الإستعمال محرم. والظاهر أن ذلك لا حرج فيه مادام أن هذه الضبة جائزة، وأبيح فعلها في الإناء فإنه ـ حينئذ ـ لا حرج في مباشرتها، والكراهية حكم شرعي لابد له من دليل. والحمد لله رب العالمين. * قوله: ((وتباح آنية الكفاية ولو لم تحل ذبائحهم، وثيابهم إن جهل حالها)) . ـ (تباح آنية الكفار) : من المشركين، وأهل الكتاب. (ولو لم تحل ذبائحهم) : أي وإن كانوا غير كتابيين. فالمشركون إو كفار وإن كانوا غير كتابيين فإن آنيتهم طاهرة يحل للمسلم أن يتطهر فيها ويحل له أن يأكل فيها ويشرب، وهذا هو الأصل؛ فإن الأصل في الأشياء الإباحة. قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً)) ـ ولكن إن ثبت أن فيها نجاسة أو عين محرمة فإنه لا يحل له أن يتسعملها حتى يغسلها. ـ والأدلة الدالة على هذه المسألة ـ أي مسألة حل آنيتهم وأنها لا تحل إن علمت النجاسة فيها ـ. ـ ما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (أضافه يهوديّ على إهالة ـ وهي الودك المذاب (سنخه) أي متغيرة) فهذه آنية يهودي وهو من أهل الكتاب. ـ أما أواني المشركين: فقد ثبت في الصحيحين من حديث عِمران بن الحصين وهو حديث طويل: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (توضأ من مزادة امرأة مشركة) ، فهذان الحديثان تدلان على طهارة آنية الكفار.
ـ أما إذا ثبت أن فيها نجاسة، فإنه لا يحل له أن يأكل أو يشرب أو نحو ذلك من الإستعمالات ـ لا يحل له ذلك، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ثعلبه الخشني قال: (قلت يا رسول الله: إنا بأرض قوم أهل كتاب "وفي رواية لأبي داود: وإنهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر"، فنأكل في آنيتهم فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لا، إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها) .، وقد تقدم في رواية أبي داود أن هؤلاء النصارى كانوا بطبخون في قدورهم الخنازير ويشربون في أوانيهم الخمر. ـ وقد ثبت في مسند أحمد بإسناد حسن عن ابي ثعلبة الخشني أنه قال: للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها "وآنية المجوس الغالب فيها أنها تستعمل في الطعام المحرم فإنه لا تحل ذبائحهم وهم يأكلون الميتة" فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إذا اضطررتم إليها فاغسلوها واطبخوا فيها". ـ إذن: هذه الأدلة تدل على أن آنية الكفار طاهرة ما لم يثبت أن فيها نجاسة فإنه لا يحل للمسلم أن يأكل فيها حتى يغسلها. ـ مما يدل على طهارة أواني الكفار ـ أيضاً ـ ما ثبت في مسند أحمد وسننن أبي داود بإسناد صحيح عن جابر قال: كنا نغزو مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم، فنستمتع بها فلم يعب ذلك علينا) . ـ ومثل ذلك ثيابهم التي يستعملونها في اللبس فإنها كذلك حلال لبسها وهي طاهرة إن جهل حالها. إذن: إذا علمت طهارتها فلا شك في جواز لبسها وفي طهارتها. ـ وإذا جهل حالها ـ أي لم تعلم نجاستها فإنها كذلك. أما إذا ثبتت نجاستها فلا تحل حتى تُغسل. ـ أما أوانيهم أو ثيابهم التي صنعوها أو نسجوها للمسلمين فهذه لا يشك في حلها. وقد ذكر الموفق وابن القيم، وهو أمر لا يحتاج إلى استدلال بدليل خاص، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يلبسون من ثياب الكفار التي صنعوها) .
فإن هذا لا شك في حله، وإنما البحث في الثياب التي استعملت أو الأواني التي استعملت. ـ وثياب الصبيان لبسها ـ كذلك ـ لا يؤثر،وإذا كان شيء من ثيابهم التي لم تعلم نجاستها ـ إذا وقع على ثوب فصلي أو كان على شيء من ثيابه، فإن ذلك لا حرج فيه، وقد ثبت في الصحيحين، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (صلى وهو حامل أمامة بنت زينب، وهو لا يعلم ـ ولا شك ـ وجود نجاسة فالأصل هو عدم النجاسة) . * قوله: ((ولا يطهر جلد ميتة بدباغ، ويباح إستعماله بعد الدبغ في يابسي إذا كان من حيوان طاهر في الحياة)) . (ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) : هذا هو المشهور في المذهب، وهو إحدى الراويتين عن الإمام أحمد ـ وهو كذلك المشهور في مذهب المالكية ـ وهو أن جلد الميتة مطلقاً لا يطهر بدباغه سواء كان مأكول اللحم كالشاة ونحوها، أو لم يكن مأكوله. ـ أما قبل الدباغ فاتفق أهل العلم على أن الجلد لا يحل الإنتفاع به ـ إلا ما روى عن الزهري ـ رحمه الله ـ من أباحته ذلك، وهو محجوج بالسنة كما سيأتي. ـ إذن: اتفق أهل العلم على أن جلد الميتة قبل الدباغ لا يحل الإنتفاع به. وإنما الخلاف فيه بعد الدباغ. فالمشهور في مذهب أحمد ومالك أن جلد الميتة إذا دبغ فإنه لا يطهر بذلك. لكن يباح أن يستعمل مع يابس إن كان يابساً لأن الجلد نجس، وإذا ماس شيئاً يابساً فإن النجاسة التي فيه لا تنتقل؛ لأن النجاسة لا تنتقل من يابس إلى مثله. قوله: (ويباح إستعماله بعد الدبغ في يابس، إذا كان هذا الجلد من حيوان طاهر في الحياة) . واستدلوا على القضية الأولى، أي أنه لا يطهر الجلد بدباغة بما روى الإمام أحمد ـ والحديث صحيح ـ وقد ضعفه بعض أهل العلم، والأظهر هو تصحيحه، عن عبد الله بن عكيم، قال: (قُرأ علينا كتاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أرض جهينة، وأنا غلام شاب ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) .
قالوا: فهذا الحديث يدل على أن الإهاب لا يحل الإنتفاع به. قالوا: والإهاب هو الجلد. ـ واستدلوا بما رواه ابن وهب بإسناده ـ وقال غير واحد كالموفق إسناده حسن، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء) ، وقال الموفق إسناده حسن. ـ لكن الصحيح أن الحديث ضعيف فيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف. ـ فإن قيل: فما هو الدليل على جواز إستعماله بعد الدبغ؟؟ قالوا: الأحاديث التي ورد ذكر الدبغ فيها، فنحن نستدل به على جواز إستعماله، ونجاسته عندنا، فنحن نشترط أن يكون في يابس، هذا هو القول الأول. ـ والقول الثاني، وهو مذهب جمهور أهل العلم وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد وهي الرواية المتأخرة التي رجع إليها واختارها بعض أصحابه أن جلد الميتة إن دبغ فإنه يطهر. وهذا القول هو مذهب الجمهور ـ في الجملة ـ أي أن هناك لكل مذهب تفاصيل. فمذهب الظاهرية إلى أن كل جلد يطهر بالدباغ أي ولو كان جلد خنزير أو كلب. ـ وقال الشافعية يطهر ـ بالدباغ ـ كل جلد سوى جلد الخنزير والكلب. ـ واستثنى الأحناف جلد الخنزير. ـ وأما الحنابلة في الرواية الأخرى فإنهم قالوا: يطهر جلد كل طاهر في الحياة. ـ وهناك قول آخر (ثالث) : أنه يطهر جلد مأكول اللحم، وسيأتي. واستدل ـ أهل القول الثاني ـ وهو الجمهور، بأدلة كثيرة منها: ـ ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: قال تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر عليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: هلا أخذتم أهابها، فدبغتموه) هكذا في مسلم، وليست هذه اللفظه في البخاري (فانتفعتم به، فقالوا يا رسول الله أنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها) . وهذه في المسند بلفظ: (إنما حرم لحمها) . فهذا الحديث فيه أن جلد هذه الشاة قد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدبغها، وأخبر أن الميتة إنما يحرم أكلها وأما غيره فليس بمحرم.
ـ واستدلوا: بما رواه مسلم من حديث ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا دبغ الأديم فقد طهر) . وهو عند الأربعة بلفظ: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) . وفي صحيح ابن حبان عن عائشة قالت: (أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نستمتع بجلود الميتة إذا دبغت) . وثبت ـ عنده ـ أي ابن حبان ـ بإسناد صحيح أنه قال: (دباغ جلود الميتة طهورها) . فهذه أحاديث تدل على أن الميتة جلدها إذا دبغ فإنه يطهر. ـ أما الجواب على دليل أهل القول الأول. فالجواب أن يقال: أما على القول يتضعيف الحديث فلا إشكال. ـ أما على القول بتصحيحه ـ وهو الراجح ـ فالجواب: أن يقال إن الإهاب كما ذكر غير واحد من اللغويين كالخليل وغيره إن الإهاب إنما يطلق على الجلد قبل أن يدبغ، أما إذا دبغ فإنه لا يسمى إهاباً. فعلى ذلك، حديث عبد الله بن عكيم (ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) معناه: أي لا تنتفعوا من جلود الميتة قبل أن تدبغوها ـ وهذا ما اتفق عليه أهل العلم. ـ والجواب الآخر: أن يقال: إن هذه الأحاديث التي استدللنا بها أصح من هذا الحديث الذي لم يروه أحد من أهل الصحيحين، وهو كذلك مختلف في صحته كما تقدم ـ وليس صريحا ـ كذلك ـ في تحريمه. ـ أما أهل القول الأول: فقد أجابوا على أهل القول الثاني: بأن قالوا: إن حديث عبد الله بن عكيم ناسخ للأحاديث، فإن في بعض رواياته: (قبل موته بشهر أو شهرين) . والجواب على هذا: أن يقال: وما المانع أن تكون الأحاديث الأخرى قد وردت قبل شهرين دون ذلك فإنها ليس فيها التصريح بأنها كانت قبل هذه المدة التي قرأ فيها كتاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أرض جهينة. إذن: الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني من القول بأن جلود الميتة تطهر بالدباغ. ـ فإذا ثبت لنا هذا، فاعلم أن الأصحّ أن هناك مذهبان هما أصح المذاهب فيمن قال بطهارة جلود الميتة بعد دباغها:
1ـ القول الأول: أن جلد ما كان طاهر في الحياة فإنه يطهر بالدباغ سواء كان مأكول اللحم أم لم يكن مأكول اللحم. فكل جلد لحيوان طاهر في الحياة سواء أكل لحمه كالأنعام أم لم يكن مأكول اللحم كالهر فإنه يطهر إذا دبغ وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وقد اختارها بعض أصحابه. وحكى صاحب الإنصاف أن شيخ الإسلام ابن تيمية اختار هذا القول أن جلد الميتة التي هي طاهرة مأكولة اللحم أم لم تكن مأكولة، وقد اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم ـ وسيأتي بحث أهل العلم فيما يكون نجساً في الحياة. 2ـ القول الثاني: أن الحيوانات التي يطهر جلدها إنما هي مأكولة اللحم فحسب. فإذا كان الحيوان يؤكل لحمه فإن الدبغ يؤثر في جلده فيكون طاهراً، وهذا مذهب الليث وإسحاق والأوزاعي، وهو ما اختاره شيخ الإسلام كما في الفتاوي وكما في شرح العمدة، فعلى ذلك يكون ما ذكره صاحب الإنصاف من اختيار شيخ الاسلام للقول الأول فيه نظر، أو أن يكون المشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية هو هذا القول؛ لأن شيخ الاسلام شرح العمدة على طريقة المذهب وقد شرحه قبل أن يشتهر بالترجيح والاجتهاد وأما الفتاوى فهي بهد أن اشتهر بالإجتهاد. فهذا إذن: هو قول شيخ الاسلام ابن تيمية، واختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وطائفة من المعاصرين. إذن عندنا قولان هما أصح الأقوال عند القائلين بطهارة الجلد بعد دباغها. أما القول الأول: فهو أن الحيوان الطاهر في الحياة سواء أكل لحمه أم لم يؤكل فإنه يطهر. واستدلوا: بعموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) ، وأصرح منه عموماً: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) . وكذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (دباغ جلود الميتة طهورها) وقد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نستمتع بجلود الميتة إذا دبغت. فهذه كلها عمومات تدل على أن كل حيوان يدبغ جلده فإن الجلد يطهر.
وإنما استثينا ما كان نجساً في الحياة؛ لأنه نجس عين، لذا هو نجس حياً ميتاً فلم يكن الدبغ مؤثراً فيه: (وهذا فيه لمن عم الحيوانات النجسة في الحياة) . ـ أما أهل القول الثاني: فالذين قالوا: لا يطهر إلا جلد مأكول اللحم: فاستدلوا: بما رواه أحمد وأبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (دباغ الأديم ذكاته) . فقالوا: قد ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن دباغ الأديم الذكاة له، فلم يكن ذلك مؤثراً ـ أي الدباغ ـ إلا فيما تؤثر فيه الزكاة من الحيوانات. ـ وفي هذا الدليل نظر: فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (دباغ الأديم ذكاته) فنسب إضافة الذكاة إلى الإهاب أو الأديم، ومعلوم أن الذكاة التي جعلوها دليلاً على هذه المسألة إنما تنسب إلى الحيوان نفسه ولا تنسب إلى أديمه. فيكون المعنى هنا: (دباغ الأديم طهوره) أي ذكاته أي كما أن الذكاة تؤثر فيه طهارة وحلاً، فإن دباغ الجلود كذلك يؤثر فيه طهارة وحلاً. وحديث ابن عباس في بعض ألفاظه: (دباغة طهوره) وقد تقدم حديث سلمة بن المحبق (دباغ جلود الميتة طهورها) على ذلك: الذكاة هي نفسها الطهور. ـ ولذا: لا يقال بحله طعاما وهو مذهب جمهور الفقهاء يقول تعالى: (حرمت عليكم الميتة) ، وقوله: (إنما حرم أكلها) . خلافا لما ذهب إليه بعض الشافعية وبعض الحنابلة إستدلالاً بهذه اللفظة. فإن قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إنما حرم أكلها) صريح بتحريم كل شيء وأن الجلد إنما ينتفع به في غير الأكل. فالأرجح: هو هذا القول وهو ما ذهب إليه الإمام أحمد في الرواية المتأخرة عنه: وأن الجلد الذي يطهر إنما هو جلد الحيوان الطاهر في الحياة فهذا هو الذي يؤثر فيه الدباغ وأما غيره فإنه لا يؤثر فيه. ـ وقريب منه في القوة المذهب الذي هو أضيق منه وهو القائل: بأنه لا يطهر من جلود الميتة إلا جلد ما كان مأكول اللحم.
ـ ومن أدلة أهل القول الثاني: ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى عن جلود السباع) وفي الترمذي: (أن تفترش) . قالوا: فهذا دليل ـ وقد استدل به شيخ الاسلام ـ على هذا القول. ـ ولكن هذا الإستدلال فيه نظر، فنعم الحديث إسناده صحيح لكن الاستدلال به فيه نظر فإن الحديث إنما فيه تحريم الإفتراش ونحوه الذي بجلود السباع وليس فيه أنها نجسه. كما حرم الشارع الذهب والحرير على الرجال وليس ذلك لنجاستها. وإنما حرم الشارع الجلوس والإفتراش على جلود السباع لما فيها من الخيلاء والاستطالة ونحو ذلك فليس في الحديث أن ذلك لنجاستها ـ على أنه لا يحل دباغها؛ لأن في دباغها إستعمالاً لها ـ ولكن لا يعني ذلك أنه إذا فعل ذلك فإنها تكون نجسة بحيث أنها إذا أصابت ماءاً أو نحوه فإنها تنجسه فإن الحديث ليس فيه شيء من ذلك وإنما فيه النهي فحسب وليس فيه ذكر نجاسها. ـ كما كان من شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ كما تقدم في مسألة النهي عن البول في الماء الراكد ـ وذكر أن ذلك ليس لنجاسته وإنما فيه مجرد النهي وهذا نظير له. فالأرجح إذن: طهارة الجلود أولاً: من حيث الجملة، ثانياً: أن الجلد الذي يؤثر فيه الدبغ إنما هو جلد ما كان طاهراً في الحياة. ـ واعلم أن الدبغ: يشترط أن يكون فيما يذهب خبثه ونجاسته ورجسه من القرظ ونحوه وقد ثبت في سنن أبي داود والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام: (مرّ بشاة يجرونها، فقال: لو أخذتم أهابها، فقالوا: إنها ميتة، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يطهرها الماء والقرْظ) والقرظ: مادة مطهرة معروفة. ـ وإذا طهر كذلك بعدها فلا بأس، والواجب أن تكون هذه المادة مطهرة تزيل النجس، والخبث الموجود في هذا الجلد.
وقد ثبت في مستدرك الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي وقال: إسناده صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتى إلى سقاءٍ يتوضأ منه، فقيل: إنه ميته ـ أي هذا الجلد من ميته ـ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (دباغه يذهب خبثه أو نجسه أو رجسه) . فالدباغ لابد وأن يذهب الخبث أو النجس أو الرجس. ـ وهل يشترط أن يكون مع هذا المزيل ماء أو لا يشترط ذلك؟؟ قولان في مذهب الحنابلة. 1ـ أنه يشترط 2ـ أنه لا يشترط ذلك. والأظهر: عدم إشتراط ذلك للقاعدة التي تقدم ذكرها، وإنما ذكره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ لأنه من أفضل المطهرات، فقال: (يطهرها الماء والقرظ) . لذا نحن لا نشترط القرظ بعينه بل نجيزه كذلك بغيره فكل شيء أزال خبثه ونجسه من قرظ أو غيره مع ماء أو دون ماء، فإن ذلك يزيله، فإذا أزال الخبث الذي فيه فإنه لا يشترط أن يكون ماءً ولا قرظاً. والحمد لله رب العالمين. الدرس العاشر: * قال المصنف: رحمه الله: ((ولبنها وكل أجزائها نجسة غير شعر ونحوه)) : ـ تقدم البحث في جلد الميتة، وأن الراجح من أقوال أهل العلم: أن جلد الميتة يطهر بدباغه إن كان طاهراً في الحياة. أما هنا: ففي قصة أجزاء الميتة. ـ أما لبن الميتة فالمشهور في المذهب أنه نجس، وكذلك أنفحتها، والإنفحة هي سائل أبيض صفراوي يوجد في وعاء في بطن الجدي ونحوه، فيجبن اللبن ويسمى (المخبّنة: فهي التي تجعل اللبن ـ عندما توضع فيه ـ وتجعله جبنا. فهذه ومثلها اللبن في المشهور من المذهب وهو مذهب الجمهور: هي نجسة واستدلوا: بالأثر والنظر. أما الأثر: فاستدلوا بأثار عن الصحابة منها:
ما روى الطبراني ورجاله ثقات: كما قال الهيثمي، وقد رواه البيهقي عن ابن مسعود قال: (لا تأكلوا الجبن إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب) ، وذلك لأنه يستخرج من ذبائحهم وذبائحهم حلال، كما قال البيهقي وقد ذكره البيهقي عن ابن عباس وأنس ابن مالك ـ رضي الله عنه ـ وقال: وكل استدل بآثار ينقلها عن الصحابة. قالوا: ـ أي الجمهور ـ فهذه آثار عن الصحابة ولم يتبين لنا مخالف لهم فحينئذ: تكون حجة على نجاسة الإنفحَّة، ومثلها اللبن. ـ أما النظر: فقالوا: هذا وعاء نجس، وقد لاقى ـ أي اللبن أو الإنفحة ـ نجاسة فينجس بها، فهذه الميتة نجسه وهذه الإنفحة أو هذا اللبن قد لاقاها فيكون نجساً، وهذا على القول بأن المائعات تنجس بملاقاة النجاسة ولو لم تتغير وهذا قول ضعيف. بل الراجح أن المائعات لا تنجس إلا بالتغير كالماء. قالوا: وهي جزء من الميتة، فالأنفحة جزء من الميتة وكذلك اللبن قبل أن يستخرج منها فما هو إلا جزء فيها، فعلى ذلك هو ميتة، وقد قال تعالى (حرمت عليكم الميتة) . 2ـ وذهب الأحناف إلى أن الإنفحة ليست بنجسه ومثلها اللبن وهو إحدى الروايتين عن أحمد إختارها صاحب الفائق، وقال الشافعية إن كانت السخلة لا تشرب إلا اللبن دون غيره فهي طاهرة وهو قول الأكثرين واختاره النووي. واستدلوا: بأن الصحابة لما أتوا المدائن كانوا يأكلون الجبن، مع أن أهل المدائن كانوا مجوساً وذبائحهم لا تحل ومع ذلك أكل الصحابة هذا الجبن المصنوع. أما النظر: فقالوا: اللبن والإنفحة منفصل عن الميتة فهي ليست من الميتة فعلى ذلك هي طاهرة. ـ والأظهر هو القول الأول وهو مذهب جمهور أهل العلم. ـ واختار قول الأحناف شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوي وغيرها. والراجح القول الأول لصحة الآثار الثابتة عن الصحابة في ذلك. ـ أما ما ذكره الأحناف وذكره شيخ الإسلام فإنهم لم يسندوه إلى كتاب فينظر في صحته هذا أولاً.
وثانياً: وهو أضعف من الجواب المتقدم ـ قيل أن الجزارين الذين كانوا يذبحون ذبائحهم كانوا من اليهود والنصارى وذبيحة اليهود والنصارى حلال، فهي دولة ذات ملك عظيم وكان الذابحون لهم من اليهود والنصارى فإذا ذبحوا فذبيحتهم حلال. ـ لكن الوجه الأول أقوى، وهو أن يقال: إن الآثار لم تسند إلى كتاب فينظر في صحتها، وعندنا آثار عن الصحابة لا نعلم لها مخالف. والثاني: أنها جزء من الميتة وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إنما حرم أكلها) وقال تعالى: ((قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة)) . والجبن مطعوم وهو متضمن للأنفحة، وكذلك اللبن مطعوم وهو يستخرج من الميتة، كما أنه لا يؤمن أن يتسرب إليه أشياء من تعفنات الميتة، فعلى ذلك لا تحل الأجبان المصنوعة من الأنفحة التي تؤخذ من ذبائح غير شرعية تكون نجسة، لأنها من الميتة وقد قال تعالى: (حرمت عليكم الميتة) وقبل ذلك الألبان التي يستخرج منها فإنها نجسة وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وهو مذهب من تقدم ذكرهم من الصحابة ولا يعلم لهم مخالف. ـ أما البيضة التي في الميتة: فالمشهور في المذهب: أنها إذا كانت ذات قشر فإنها تكون طاهرة وذلك لأنها قد تم تخلقها وهي ـ حينئذ ـ منفصلة عن الميتة فأشبهت الولد الذي يكون في بطن الميتة فإنه إذا استخرج منها فإنه له حكم الأحياء. فإذن: إذا كان فيها قشر فهي كالولد. وإن لم يكن بها قشر فهي كالأنفحة واللبن. هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب بعض الأحناف وبعض الشافعية. ـ وأما مذهب أبي حنيفة فإنه كمذهبه في اللبن والأنفحة فقد رأى أنها مطلقاً تكون طاهرة وهذا هو المشهور في مذهب المالكية. ـ وذهب بعض الشافعية إلى نجاستها مطلقاً.
والراجح هو القول الأول للتعليل السابق: فهي إذا كانت ذات قشر فإنها كالولد في الميتة منفصل وهي ذات أجزاء منفصلة إنفصالاً تاماً لا مماسة إلا من خارجه، ولا يكون مؤثراً فيه ولا يمكن أن يتسرب إلى البيضة شيء من ذلك فهي طاهرة. أما إن لم تكن ذات قشر فهي كاللبن والأنفحة. وهذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب بعض الأحناف وبعض الشافعية وهو الراجح. أما عظم الميتة وظفرها أو حافرها ونحوه هل هو نجس أم لا؟؟ 1ـ فذهب جمهور أهل العلم إلى القول بنجاسته؛ لأنه داخل في الميتة وقد قال تعالى: ((حرمت عليكم الميتة)) . قالوا: وقد كان العظم أو نحوه يتألم ويتحرك وهذه هي الحياة، فما كان قابلاً للحياة فهو قابل للموت فيدخل في قوله تعالى: ((حرمت عليكم الميتة)) . 2ـ وذهب الأحناف وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم إلى أن العظم والظفر ونحوهما ليس بنجس. وهذا القول أصح من القول الأول، ويدل عليه قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إنما حرم أكلها) وفي رواية أحمد: (إنما حرم لحمها) . ـ أما كون العظم: يتحرك ويتألم ونحو ذلك فهذه ليست صفة ثابتة فيه بنفسه وإنما ثابتة له تبعاً لوجوده في هذا الكائن الحي، فهي صفة ليست ثابتة فيه بإرادته فهو يتحرك بلا إرادة وإنما هو تبع هذا الكائن الحي ـ هذا هو الرد على تعليلهم. وأما الدليل على ذلك: فهو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد حكم على الماء الذي يقع فيه الذباب بأنه لا ينجس وقاس عليه أهل العلم، باتفاقهم كل ما ليس له دم من الكائنات. فالكائنات التي لا دم لها فلا تنجس بالموت كالجراد، ونحوه، فإذا ثبت هذا فأولى منه في هذا الحكم العظم فإنه لا دم فيه. وكذلك الحركة فيه أضعف من الحركة فيها، فالحركة فيها بإرادتها فهي حركة تامة في حيوان تام، أما هو فحركته تبعاً وليست بإرادية وهذا هو الأرجح وإنه ليس بنجس. فإن قيل: قلنا بنجاسة الجلد؟؟
قالوا: لأن الجلد يتسرب إليه النجاسات بخلاف العظم. فإن الجلد يتسرب إليه الدم الذي يكون محبوساً في هذا الحيوان وهذا القول ـ في الحقيقة ـ راجح. إلا أنه قد يضعف فيما إذا تبين رقة العظم وأنه يتسرب إليه النجاسات ويمكن إنتقالها إليه فإنه ـ حينئذ ـ يقوى القول بنجاسته. ـ هذا على القول بأن سبب نجاسة الميتة هذا الدم المحبوس فيها وهذا هو مذهب جماهير العلماء ـ أي أن سبب ـ نجاسة الميتة هو الدم المحبوس فيها. إذن: عظم الميتة، وظفرها ونحوه ليس بنجس كما هو مذهب الأحناف واختيار شيخ الإسلام. ـ أما ريش الميتة وشعرها ووبرها وصوفها، فقد اختلف فيه أهل العلم: 1ـ فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه طاهر. ـ وذهب الشافعية إلى أنه نجس، فدليلهم هو نفس الدليل المتقدم، وهو قوله تعالى: ((حرمت عليكم الميتة)) ، والميتة شامل لكل ذي روح قد فارقته روحه، وما يتصل به، والشعر متصل به فعلى ذلك هو مُحَرَّم. ـ وأما الجمهور فقالوا إنا بالإجماع نقول: إن الحيوان إذا جُزّ شعره وهو حي فإن هذا الشعر طاهر فدل على المفارقة بين اللحم والشعر، فإن اللحم إذا فارق الحي فإنه نجس وهو ميتة. أما الشعر فإنه طاهر بالإجماع وهو حلال، فدل على أن هناك فرقاً بين الشعر وبين اللحم. فالشعر ينجس بجزه من الحي، ويكون طاهراً بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن حجر. وأما اللحم فإنه بالإجماع إذا قطع من الحية فإنه ميتة نجس محرم. فدل على أن الشارع فرق بين الأمرين. ـ على أن الشعر لا يحل فيه الحياة مطلقاً، فهو ليس موضعاً للحياة على الإطلاق وعلى قولنا بأن العظم ليس بنجس وهذا الراجح فأولى منه الشعر وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما حرم لحمها) . فإذن: الميتة شعرها ووبرها وريشها وصوفها: كل ذلك طاهر سواء جُزّ منها ميتة أو حية ـ وسيأتي بيان هذا إن شاء الله عند الكلام على القضية الأخرى.
ـ ومما استدل به أهل العلم على أن هذه الأشياء ـ أي الصوف ـ أنها طاهرة وليست بنجسه، قوله تعالى: ((ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين)) ، فذكر الله ـ عز وجل ـ أن مِنْ مِنَنِهِ على عباده أنه منّ عليهم بالأصواف والأوبار والشعور يتمتعون بها في هذه الحياة، وما كان في سياق الإمتنان فإنه يدل على العموم ـ كما هو معروف عند أهل العلم ـ فتكون هذه الأصواف وغيرها طاهره في كل حال لأن الآية تدل على العموم. وهي ـ عند جمهور العلماء طاهرة، وقالوا: يشترط أن تكون من طاهر في الحياة. إذن: إذا جُزّت من بهيمة الأنعام ونحوها مما هو طاهر في الحياة سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول فإنها طاهرة. ـ أما إذا جُزّت من كلب ونحوه مما هو نجس في الحياة فمذهب جمهور أهل العلم أنها لا تكون طاهرة. ـ وذهب شيخ الإسلام إلى أنها طاهرة ـ وهذا على مذهبه ـ في أن المستحيل من النجس ليس بنجس، فإذا استحال شيء من النجاسات إلى شيء آخر فليس بنجس، فالشعر الخارج من الحيوانات النجسة ليس بنجس وهذا القول هو الراجح ـ وسيأتي تقريره في باب إزالة النجاسة. إذن شيخ الإسلام يرى أن كل صوف أو شعر طاهر سواء كان من طاهر أو نجس. أما الطاهر فلا إشكال، وأما النجس فلأنه طهر باستحالته. * قوله: ((وما أبين من حي فهو كميتته)) : أي ما قطع من البهيمة فإن حكم هذا المقطوع كحكم ميتته أي كما لو أنك قطعتها وهي ميته. ـ فإذا قطعت منها رِجْلاً مثلاً وهي حية، فكما أنه قطعتها منها وهي ميته فتكون محرمة نجسة وإن كان هذا الحيوان طاهراً لأنه حي، وهذه القطعة التي قطعت منه بها حكم الميتة. ـ ويدل على ذلك ما ثبت في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة بإسناد حسن، والحديث حسنه التّرمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت) .
وفي الترمذي: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قدم المدينة وهم يحبون أسنمة الإبل وبقطعون أليات الغنم فقال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو كميتته) . فالسمك ميتته حلال فما قطع منها وهي حية فهو طاهر حلال، وكذلك الجراد ونحوها. أما بهيمة الأنعام فميتتها محرمة كذلك ما قطع منها وهي حية فهو نجس. ـ وهل مثل ذاك المسك والطريدة؟؟ المسك: هو ما يستخرج من غزلان المسك، وذلك بأن يشد عليه حتى تجري جرياً سريعاً، حتى يخرج عند سرته شيء يتعلق كأنه دم، ثم تربط في أعلاها بعد أن تخرج ثم بعد فترة تقع) . ـ فهل هذا داخل في ذلك؟؟ الجواب: ليس داخل في ذلك بل هي أشبه بالمولود وهي أشبه بالبيض وأشبه باللبن ونحو ذلك وليست من الدم في شيء بل هي مستحيلة إلى مادة أخرى وهي المسك لذا باتفاق أهل العلم هي طاهرة لا شيء فيها. ـ وأما الطريدة: فهو بعض الصيد الذي لا يمكن أن يدرك صيداً فإنه يجري خلفه بالسيف ونحوه ثم يقطع منه فهذه القطع كذلك مباحة؛ لأنه لا يمكن ذبحه وسمي بالطريدة وسيأتي بيان حكمها في باب الصيد. إذن: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت) كما قال ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين. انتهى باب: الآنية) بحمد الله. باب: [الاستنجاء] الاستنجاء: استفعال من نجوْت الشيء: أي قطعته، يقال: نجوْت الشجرة أي قطعتها. فكأنه قطع الأذي الخارج من السبيلين. ـ وقيل هو من النَّجْو: وهو المحل المرتفع، كما قال ذلك ابن قتيبة، وذلك لأن القاضي حاجته يقضيها عند محل مرتفع فسمي بذلك. ـ وقيل غير ذلك. وأما الاستنجاء في الإصطلاح الفقهي فهو: (إزالة الخارج من السبيلين بالماء أو حكمه بحجر أو نحوه) . قوله: (أو حكمه) : لأنه لا يزول تماماً بل يبقى شيء من أثره الذي لا يضر وهو معفو عنه، لذا قلنا (أو حكمه) أي حكم النجاسة. * قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ((يستحب)) :
ما سيذكره المصنف من المسائل التي في هذا الدرس يثبت فيها حكم الاستحباب، فمنها ما هو ثابت صراحة في السُّنَّة، فيكون استحبابه عن الشارع بالنص. ومنها ما يكون تعليلاً وقياساً فيكون استحبابه للتعليل أي ليس للدليل الوارد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما يكون بالقياس ونحوه. * قوله: ((يُسْتحَبّ عند دخولِ الخلاء قول: بسم الله أعُوذُ باللهِ من الخُبُثِ والخبائثِ وعند الخروج منه: غُفرَانَك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)) : الخلاء: هو موضع قضاء الحاجة، وسمي خلاءً: لأنه يُخلي به وينفرد به ويسمى: بالمرفق والمرحاض والكنيف والمذهب والبراز، فكل هذه من أسماء الخلاء وهذه أسماء للمبني لقضاء الحاجة، وقد يكون في الصحراء. ((بسم الله)) : يستحب لمن أراد أن يدخل هذا البيت أن يقول: (بسم الله) . ويقولها ـ إذا كان في صحراء ـ قبيل أن يشرع في قضاء الحاجة، فهذا ـ أي الذكر ـ ليس للكنيف ونحوه فحسب بل حتى إذا كان في الصحراء فالحكم كذلك، ويكون ذلك عند أول تشمره لثيابه. ويدل على ذلك ما روى الترمذي وأبي داود والحديث صحيح لشواهده، وإلا فقد ضعفه الترمذي لكنه صحيح لا لطريقه الذي رواه الترمذي بل لشواهده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (سَتْرُ ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا: بسم الله) أي إذا أرادوا أن يدخلوا. وكذلك يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) ، لذا قال المؤلف هنا: (أعوذ بك من الخبث والخبائث) وهي رواية. وفي المتفق عليه: (اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) .
ويقول ذلك إذا أراد أن يدخل الخلاء، كما صرحت بذلك رواية البخاري في الأدب المفرد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان إذا أراد أن يدخل الخلاء قال..) . الخُبُْث: تسكين الباء وضمها. أما بالتسكين: الخُبْث: فهي الشر والقبح، فتكون الخبائث بمعنى النفوس الشريرة. فيكون المعنى: اللهم إني أعوذ بك من الشر وأهله. أما بالضم: الخُبُث: فهي جمع خبيث فيكون المعنى: أعوذ بك من ذكران الشياطين وإناثهم. ـ وعند خروجه من الخلاء: (غفرانك) ، كما ثبت ذلك عن عائشة قالت: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أراد أن يخرج من الخلاء قال: (غفرانك) : أي أسألك غفرانك، والحديث رواه الخمسة إلا النسائي وإسناده صحيح. غفرانك: أي أسألك غفرانك، من المغفرة وهي الستر عن الذنب والتجاوز عنه. ـ وقد بحث العلماء عن الحكمة من قولها عند الخروج من الخلاء ـ أما قول: (بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) عند الدخول فواضح مناسبتها. أما المناسبة من قول (غفرانك) : فقد استشكل على بعض العلماء. فقال بعضهم: لانقطاعه عن ذكر الله فإنه يستغفر الله؛ لأن هذا ليس محلاً للذكر، لكن هذا ضعيف. إذن: مقتضى ذلك أن يستغفر الله من كل حال لم يذكر الله فيها والشريعة لم تدل على ذلك. ـ والراجح: أنه تقول هذا؛ لأنه لما ذهب عنه ثقل الأذي تذكر ثقل الذنب الذي يؤذيه ويثقل عليه. فهذا أشد من ثقل الأذي الدنيوي، فلما تذكر ذلك دعا الله أن يغفر له ذنبه. وقوله: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) : هذا حديث آخر رواه ابن ماجة وغيره، لكن إسناده ضعيف. ومثله: الحم لله الذي أذاقني لذته ـ أي الطعام ـ وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني الأذى) فقد رواه ابن السُّنِّي بإسناد ضعيف. ومثله: (الحمد لله على ما أحسن في الأولى والأخرى) .
ومثل ذلك ـ أي في الضعف ـ الحديث المشهور عند دخول الخلاء من قول: (اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم) ، فقد رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف، فهذه أحاديث ضعيفه لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ـ فإذا قالها لا على أنها تثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يكن ذلك على أنها سنة فلا بأس بذلك ولا حرج. وقوله: (المخبث) : أي المفسد خبثاً الموقع وغيره في الخبث. وكما تقدم فإنه يقول غفرانك إذا خرج من الخلاء. أما إذا كان في صحراء فإنه يقولها إذا قام من حاجته، فإذا قام من حاجتة وتحول عن موضعه فإنه يقول ذلك: ـ ومثل هذا ـ في تقديم الرجل اليسرى دخولاً، واليمنى خروجاً ـ كما سيأتي دليله. فكذلك إذا كانت الصحراء فإنه إلى الموضع الذي يقضي فيه حاجته قدم رجله اليسرى، وإذا قام قدّم اليمنى. * قوله: ((وتقديم رجله اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً عكس مسجد ونعل)) : ولما لم يكن هناك دليل للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منصوص عليه فإنه ـ حينئذ ـ يلجأ إلى القياس لإثبات هذه المسألة، فقال: (عكس مسجد ونعل) . وهذا هو قياس العكس، فإن المسجد يستحب ذلك أن تبدأ برجلك اليمنى دخولاً واليسرى خروجاً كما روى ذلك الحاكم في "المستدرك" من حديث أنس بن مالك، وأما النعل فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا انتعل أحدكم فليبدأ برجله اليمنى، وإذا نزع فليبدأ برجله اليسرى) . وعكس ذلك بيت الخلاء ونحوه قال النووي: (وهو متفق عليه) أي بين أهل العلم. فقد اتفق أهل العلم على أنه إذا دخل بيت الخلاء فإنه يقدم الرجل اليسرى دخولاً واليمنى خروجا. ـ وهذا في كل ما هو ضد ما يكون من باب التكريم مما يكون من أذي ونحوه فإنه يقدم رجله اليسرى. * قوله: ((واعتماده على رجله اليسرى)) : هنا: استحباب في المذهب أن يكون حال قضائه للحاجة قد إعتمد على رجله اليسرى.
وصورة ذلك: أن يكون قد وضع رجله اليمنى في الأرض كأنه جالس للتشهد في الصلاة، فيجعل اليمنى بمنزلة اليسرى في التشهد في الصلاة، فإنك إذا تشهدت في الصلاة تنصب قدمك اليمنى، وكذلك ينصب قدمه اليمنى، وينصب ساقه اليسرى ويتورك عليها. ـ واستدلوا بما رواه الطبراني في "الكبير" عن سراقة بن مالك،قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ـ أن نتوكأ على رجلنا اليسرى وأن ننصب اليمنى) أي عند قضاء الحاجة. وقالوا: لأنه أسهل للخارج وأكرم لليمين. ـ أما الحديث الذي استدلوا به فهو حديث ضعيف فيه راو متهم. ـ وأما العلة التي ذكروها فإن فيها شيئاً من النظر، وأما قولهم: أكرم لليمين: فإنه قد يكون الأيسر خلاف ذلك. فالأظهر أنه يفعل ما يكون أيسر له. * قوله: ((وبعده في قضاء واستتارة)) : يستحب لمن أراد أن يقضي حاجته إذا كان في فضاء أن يستتر ويبعد، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة، وفيه: (فانطلق، أي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى توارى عني فقضى حاجته) . وروى أهل السنن بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان إذا ذهب المذهب أبعد) . وفي سنن أبي داود بإسناد ضعيف ـ لكن الأحاديث المتقدمة تشهد له، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان إذا أراد البراز أبعد حتى لا يراه أحد) . ـ أما استتارة: فالمراد به إستتار بدنه كلية، ذلك لأن ستر العورة ليس من باب المستحبات، وإنما من باب الواجبات، يدل على ذلك ما ثبت في المسند وسنن أبي داود والترمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إحفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك) . أما إستتاره بالبدن فهو المستحب، وقد ثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان أحب ما يستتر به هدف أو حائش نخل) . أما الهدف: فهو المكان المرتفع الذي يستتر به.
أما حائش النخل: فهو مجمع النخل الذي يستتر به ومثله حائش الشجر، فهذا هو المستحب وهو أن يكون في موضع يستتر فيه بدنه كله. أما ستر العورة فهو واجب كما تقدم. * قوله: ((وارتياده لبوله موضعاً رخواً)) : رَُِخواً: بتثليث الراء: وهو المكان السهل اللين، وذلك لئلا يعود عليه رشاش البول فيدخل في قلبه شيء من الوسواس أو يصيبه شيء من النجاسة. والدليل على ذلك: ما رواه أبو داود عن أبي موسى الأشعري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (إرتاد لبوله محلاً دَمِثاً ـ أي سهلاً ليناً، فقال: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله) لكن الحديث في إسناده جهالة فالحديث ضعيف. لكن معناه صحيح فإن ذلك يورث الوسوسة وقد يقع عليه شيء من النجاسة، فعليه أن يأتي إلى محل دمث أو نحوه مما لا يبعد إليه رشاش بوله فيقضي حاجته فيه. * قوله: ((ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً ونتره ثلاثاً)) : معنى هذا: قالوا، يمسح ذكره من أصله ـ أي من دون الأنثيين إلى أعلاه، يفعل ذلك ثلاثاً، وينتره من جوفه ثلاثاً فإن ذهب وإلا فليمش خطوات قيل: أكثرها سبعون خطوة، فإن لم يذهب فليتنحنح، وإلا فليتعلق بحبل ويرتفع ثم يجلس حتى يقضي حاجته من البول لئلا يخرج ذلك بعد الوضوء، هذا هو مذهب الحنابلة. ـ ومثل هذا: يبعد أن ينسب إلى الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وقد سأله بعضهم: عما يكون من البلل بعد الوضوء، فقال: (إذا بلت فاتضح على ذكرك ولا تجعل ذلك همك واله عنه) هذا هو قول الإمام أحمد ـ رحمه الله. لذا قال شيخ الإسلام: (بدعة ـ أي هذا الفعل ـ ولم يقل بوجوبه ولا باستحبابه أحد من أئمة المسلمين والحديث الوارد فيه ضعيف لا أصل له. وكل ذلك بدعة، فكل ما تقدم من الأوصاف التي تقدم ذكرها كل ذلك يدعه لا أصل له في الشريعة بل لا أصل له في قول أحد من أئمة الإسلام.
ـ وهذا في الحقيقة يورث الوسوسة ويورث سلس البول، وكما قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ (بل يترك بطبيعته ويخرج بطبيعته ويقف بطبيعته، قال: وكما قيل هو كالضرع إن حلبته درّ وإن تركته قر) فرحمه الله وهذا هو الذي يقتضيه النظر الصحيح. ـ فإن قيل: فما رواه أحمد وغيره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً) فنقول: هذا الحديث فيه علتان: الأولى: أن روايه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو يزداد اليماني ولا تصح له صحبه، فالحديث مرسل. الثانية: أن فيه زَمْعة بن صالح، وهو ضعيف، فالحديث لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم. إذن: عندهم أنه يمسح بذكره ثلاثاً وينتر من الداخل ثلاثاً، والحديث الوارد في ذلك ضعيف وما ذكره من الأوصاف كل ذلك لا أصل له، بل يورث الوسوسة وغيرها من الأمراض. ـ فإن كان أصيب بشيء من الوسوسة وغيرها فيستحب له أن ينضح على ثوبه شيء من الماء. ـ ويستحب له مطلقاً ـ أي سواء كان فيه وسوسة أم لا ـ أن ينضح على ذكره بعد بوله ماءً، فقد صح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (بال ثم نضح على ذكره) . وأما الثوب: فلكي يدفع بذلك الوسوسة، وقد قال الموفق: (يستحب له أن ينضح على ذكره وعلى ثيابه ليرفع عن نفسه الوسوسة) . * قوله: ((وتحوله من موضعه ليستنجي في غيره إن خاف تلوثاً)) : يستحب له أن يتحول من موضعه الذي قضى منه حاجته إلى مكان غيره ليستنجي فيه. فإذا أراد أن يستنجي ويزيل الخبث فعليه أن ينتقل إلى موضع آخر لئلا يتنجس بهذه النجاسة أو يقع شيء من الماء على النجاسة فيصيبه شيء من رشاش الماء المختلط بالنجاسة. ـ وقد روى أهل السنن الأربعة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ـ أي مغتسله ـ ثم يغتسل فيه) وفي رواية: (فإن عامة الوسواس من ذلك) . فإن ذان يورث الوسواس.
وكذلك هنا: فإنه إذا قضى حاجته انتقل للوضوء أو الغسل إلى موضع آخر لئلا بصيبه شيء من رشاش نجاسته. ـ واعلم أن مما يستحب له أن يغطي رأسه وهي سنة بكرية ثابتة عن أبي بكر رضي الله عنه. وروى ذلك البيهقي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (أنه كان إذا جامع أهله غطى رأسه وإذا دخل الخلاء غطى رأسه) . واستنكره البيهقي، وهو كما قال. لكن قال: "وروى عن أبي بكر وهو صحيح عنه) وهو ثابت عن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أي من كونه مغطي رأسه عند قضاء الحاجة، وقد نص على استحبابه الموفق والنووي رحمهما الله. فهذه من المستحبات والآداب التي يستحب للمسلم أن يتأدب بها. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثاني عشر. * قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ((ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا لحاجة)) : يكره لقاضي الحاجة أن يدخل إلى موضع الحاجة بشيء من الأوراق أو شيء من الخواتيم أو بشيء من الدراهم أو الدنانير مما فيه ذكر الله تعالى ـ أي فيه ذكر اسمه ـ سبحانه وتعالى. قال: ((إلا لحاجة)) : لأن الحاجة تزيل الكراهية. وأولى من ذلك أن يدخل بشيء فيه ذكر الله تعالى أصلاً كأن يدخل بأوراق فيها ـ إذا كان نحو ـ (سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر) أو شيء من كتب العلم. وأولى من ذلك أن يكون دخوله إلى الخلاء بمصحف، بل قال صاحب الأنصاف من الحنابلة: " لا شك في تحريمه ـ أي الدخول بالمصحف إلى الخلاء ـ ولا يتوقف فيه عاقل ". وتقييده بالحاجة فيه نظر، فإن ظاهره أنه لو أن هناك رجلاً غنياً ومعه مصحف ويخشى عليه السرقة فإنه يجوز له أن يدخل المصحف معه في بيت الخلاء مع أنه يمكنه أن يشتري غيره ـ للحاجة الثابتة هنا، فليس هنا ضرورة وإنما حاجة، فظاهر قوله أن ذلك جائز. وفيه نظر، فالأظهر أنه لا يجوز ذلك مطلقاً إكراماً للقرآن وإبعاداً له عن مواضع القاذورات.
ـ أما إذا كانت أوراق فيها ذكر الله أصلاً، كأن تكون أوراق فيها الأذكار الصباحية والمسائية نحو ذلك من ذكر الله فيكره دخوله بها. ويدل على ذلك ـ وسيأتي من الإستدلال على كراهيته أن يتلفظ في الخلاء بشيء من ذكر الله ـ وأولى منه ما كان مكتوباً لثبوته ولزوقه، فإن ما كان مكتوباً ثابت مستقر بخلاف التلفظ بذكر الله فإنه غالباً ما ينقطع. ومما يدل على أن المكتوب أولى بالكراهية من المنطوق أن الشارع نهى المحدث حدثاً أصغر أو أكبر أن يمس المصحف ولم ينهه عن تلاوته بلسانه، وقد اتفق العلماء على هاتين المسألتين كليهما. فكونه يكره أن يتلفظ بشيء من ذكر الله أولى منه أن يكون حاملا لشيء فيه ذكر الله. ـ أما ما ذكره المؤلف فمراده: أن يدخل إلى الخلاء ومعه شيء فيه ذكر اسم الله ـ عز وجل ـ كأن يدخل بورقة فيها إسم (عبد الله) أو نحو ذلك، من الأوراق التي ليس فيها أذكار وإنما تضمنت إسم الله ـ عز وجل. فإن المذهب كراهية ذلك. واستدلوا: بما رواه أهل السنن الأربعة من حديث همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه) . وفي المتفق عليه من حديث أنس بن مالك: (أن نقش خاتمه صلى الله عليه وسلم، محمد رسول الله) . لكن الحديث ـ أي حديث همام ـ ضعيف، فقد تفرد به هكذا همام، وفي حفظه شيء من الضعف. وقد رواه الثقات عن الزهري عن زياد بن سعيد عن أنس ابن مالك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه) لذلك أعله أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم. ـ وصححه الترمذي واستغربه، فلعل استغرابه لهذه العلة المتقدمة، وصححه المنذري وابن دقيق العيد. والصواب تضعيفه للعلة المتقدمة، لذلك ضعفه ابن القيم في تهذيب السنن. فالحديث معلول.
فالثقات لم يأتوا لهذه اللفظة التي ذكرها همام، وإنما ذكروا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه، وليس في شيء من روايات حديث أنس، مطلقاً، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يضعه إذا دخل الخلاء، هذا هو دليل الحنابلة على الكراهية. ـ وهناك رواية عن الإمام أحمد: أن ذلك لا يكره، وهو الراجح. ودليله: ما ثبت لنا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أنه كان له خاتم ونقشه محمد رسول الله) ، ولم يثبت لنا في حديث صحيح مطلقاً أنه كان يضعه إذا دخل الخلاء، ولو كان ثابتاً لنقل ذلك فعلى ذلك لا كراهية في ذلك. ـ ومثل ذلك الدراهم التي فيها ذكر اسم من أسماء البشر فيها ذكر الله. ـ أما إذا كان فيه لفظه: (لا إله إلا الله) فإنه يدخل في الباب المتقدم. وعن الإمام أحمد، في كراهية الدراهم التي فيها ذكر الله، عنه قولان: الكراهية، وعدمها. والأظهر: الكراهية، إذا كانت فيها لفظة: (لا إله إلا الله) و (سبحان الله) ونحو ذلك من الألفاظ التي هي ذكر الله عز وجل. ـ أما إذا كان فيها لفظة: (عبد الله) ونحو ذلك؛ فإنه لا يكره لمجرد هذا اللفظ الذي لا يقصد منه ذكر الله، فليس المقصود منه إلا التسمية لهذا الشخص. ـ ومع ذلك فإن الحاجة في الدخول بالدراهم إلى بيوت الخلاء ترفع كراهية ذلك. فإذن: ـ أما المصحف فيحرم أن يدخل به. ـ وأما الأوراق التي فيها ذكر الله عز وجل ويكون الذكر فيها مقصوداً فإنه يكون مكروها. ـ وأما إذا كان ذكر الله عز وجل قد أتى عرضا ولم يكن مقصوداً بالذكر فإنه لا حرج في ذلك. * قوله: ((ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض)) : يكره له أن يرفع ثوبه قبل دنوه من الأرض هذا إذا أراد أن يبول قاعداً، والدليل على ذلك: ما روى ابن عمر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) رواه أبو داود، والترمذي من حديث الأعمش عن رجل عن ابن عمر، وهذا الرجل مبهم.
وفي البيهقي أنه القاسم بن محمد، فعلى ذلك الحديث صحيح. ـ وهذا متفق عليه أي استحباب ذلك؛ لأن كشف العورة مكروه فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إحفظ عورتك إلا من زوجك وما ملكت يمينك) ، فقيل يا رسول الله: (أرأيت الرجل يكون في الخلاء فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (الله أحق أن يستحي منه) . أما ما رواه الترمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال: (إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وعندما يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم) فإن الحديث فيه ليث بن أبي سُليم وهو ضعيف فالحديث ضعيف. ما تقدم من كراهية رفع الثوب حتى يدنو من الأرض، هذا إذا كان يبول قاعداً. مسألة: حكم البول قائماً: ثبت في الصحيحين عن حذيفة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أتى سُباطة ـ أي زبالة ـ قوم فبالَ قائماً) . وثبت في سنن النسائي من حديث عبد الرحمن بن حسنة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (بال قاعداً فقال بعض القوم انظروا يبول كما تبول النساء) ، ولعل القائلين كفار أو لعلهم مسلمين لم يذكروه على سبيل السخرية بل أرادوا الأخبار. فهذه الأحاديث تدل على جواز ذلك. ـ وقال بعض أهل العلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بال قائماً لجرحٍ كان في مأبضه ـ أي باطن ركبته ـ، وقد روى ذلك الحاكم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (بال قائماً لجرحٍ كان في مأبضه) لكن إسناده ضعيف. فعلى ذلك لا بأس به ولا حرج ولا كراهية في ذلك. ـ فإن قيل: قد ثبت عن عائشة ـ كما روى ذلك الترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم ـ أنها قالت: (من حدثكم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) . فالجواب: أنها حدثت بما علمت ورأت، وأخبر حذيفة بما رأى وعلم. ومن حديث عائشة يُستفاد أن الأغلب في حاله أنه كان يبول قاعداً، لذا استنكرت ذلك أم المؤمنين عائشة وكانت من أعلم الناس بحاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
ـ فإن قيل: قد روى ابن ماجة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعمر: (يا عمر لا تبل قائماً) (1) ، وقد روى ابن ماجة من حديث جابر (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم نهى أن يبول الرجل قائماً) . فالجواب: هذان حديثان ضعيفان لا يثبتان عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد قال ابن القيم: (لم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديث) أي في النهي عن ذلك. وهذا هو المذهب أي عدم كراهية ذلك، إلا إذا خاف تلوثاً أو خاف ناظراً فإنه يكره لذلك. ـ كما أنه يُستدل على جواز البول قائماً بالأصل؛ فإن الأصل في الأشياء الإباحة فالأصل في العادات الإباحة ما لم يأت دليل على التحريم أو الكراهية. * قوله: ((وكلامه فيه)) : أي يكره أن يتكلم في الخلاء، والكلام: منه ما يكون كلاماً فيه ذكر الله عز وجل ومنه ما ليسن كذلك. ـ أما إذا كان الكلام ذكراً لله فإنه مكروه كما ذكره المؤلف يدل على ذلك ما ثبت في مسلم من حديث ابن عمر: (أن رجلاً سلم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يبول فلم يردّ عليه) ، وفي ابن ماجة بإسناد ضعيف: (فتيمم ثم ردّ عليه) (2) . وقد ثبت في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث المهاجر ابن قُنفُذة ـ رضي الله عنه ـ (أنه أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يبول فسلم عليه فلم يردّ عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه وقال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (3) . فهذه الأحاديث تدل على كراهية ذكر الله، والسلام من ذكر الله. فإذن: يكره أن يذكر الله ومن ذلك السلام، فإن الله هو السلام ومنه السلام. ـ فإن قيل: فإذا عطس أو سمع الأذان فماذا يفعل؟؟ فالجواب: أن في ذلك قولين لأهل العلم ـ هما روايتان عن الإمام أحمد. 1ـ القول الأول: أنه يذكر الله في قلبه وهو ضعيف، فإن الذكر القلبي فاقد للذكر اللساني، وإنما يحمد العاطس الله، ويجيب المؤذن بلسانه والقلب وهذا لم يذكر الله بلسانه.
2ـ القول الثاني: أنه يذكر الله مخافته، كقراءته في الصلاة، بمعنى: يذكر الله بقلبه وبلسانه لكنه لا يرفع صوته بالذكر. وهذا هو إختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا قول قوي. ـ وأقوى منه أن يقال: له أن يذكر الله بعد خروجه من الخلاء، فإذا خرج حمد الله وأجاب المؤذن ويدل عليه حديث أبي داود المتقدم فإنه: أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه) (1) . إذن: ردّ عليه النبي عليه السلام بعد أن توضأ، فدل ذلك على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يجبه لا في قلبه ولا مخافتة، وإنما أجابه بعد ذلك. فكذلك إجابة المؤذن وحمد العاطس الله مثل رد السلام: بل ردّ السلام أعظم من ذلك فإنه واجب بخلاف حمد العاطس الله، وإجابة المؤذن فإنهما سنتان، فهذا القول هو الظاهر. ـ أما الكلام بشيء آخر غير ذكر الله عز وجل فلا يثبت حديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينهي عنه. وأما ما روى أبو داود من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير إلى أبي سعيد الخدري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك) (2) . فالحديث رواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير موصولاً ورواه الأوزاعي وغيره عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً، وهو الراجح كما قال ذلك أبو حاتم. ورواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير فيها ضعف. وقد رواه مرسلاً بغير ذكر الصحابي، فعلى ذلك الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم. وفيه ذكر كشف العورة وهي محرمة، فالحديث لا يدل على كراهية الحديث أبداً. ولكن مع ذلك فإنه غير لائق من غير أن يكون ذلك مكروها في الشريعة. أما إذا احتاج إليه فلا شك أنه لا يكون فيه كراهية. إذن: مجرد الكلام الذي ليس فيه ذكر الله لا حرج فيه مطلقاً إلا أن تركه أولى مروءة لا شرعاً.
ولكن مع ذلك لا يكره ـ وإذا احتاج إليه فيزول المنع منه مطلقاً. * قوله: ((وبوله في شق ونحوه)) : الشق: هو المستدير. وقوله: (ونحوه) : كأن يكون ذلك من سرب وهو ما يكون منه الدواب وهو المستطيل. وذكر بعض أهل التاريخ أن سعد بن عبادة بال في جحر فخرّ ميتاً فسمعوا قائلاً يقول: نحن قتلنا سيد ال ... خزرج سعد بن عبادة رميناه بسهمين ... فلم يخطىء فؤاده وهؤلاء ـ على هذه الرواية ـ الجِنّ. لكن هذه الرواية ضعيفة لا تصح. ـ مستنده من كره ذلك، حديث رواه أبو داود والنسائي وأحمد بإسناد صحيح ـ كما قال ذلك النووي من حديث قتادة عن عبد الله بن سَرْجِس أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى أن يبول الرجل في الجحر) (1) فقيل لعبادة: ما يكره من البول في الجحر، فقال: أنها مساكن الجن. وقد ذكر حرب عن أحمد أن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجس، فعلى ذلك يكون الحديث منقطع الإسناد. وقد أثبت سماع قتادة من عبد الله بن سرجس، علي ابن المديني، ومن علم حجة على من لم يعلم. فعلى ذلك قد ثبت سماعه كما ذكر ذلك ابن المديني وإنكار الإمام أحمد لذلك، يكون بناءاً على علمه وقد صححه ابن خزيمة وابن السكن، فالحديث إسناده صحيح. وكراهية ذلك متفق عليها عند أهل العلم ـ كما حكى ذلك النووي. * قوله: ((وَمَسّ فرجه بيمينه)) : هذا كذلك من المكروهات باتفاق العلماء، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا يمسَّنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسَّح من الخَلاء بيمينه ولا يتنفَّس في الإناء) (2) . والشاهد قوله: (لا يمسَّن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) . ـ لكن المؤلف هنا قد أطلق فذكر أنه يكره أن يمس فرجه بيمينه، فظاهره أنه يكره له ذلك مطلقاً سواء كان في حال بوله أو بعدها أو قبلها، وإلى ذلك ذهب بعض أهل العلم.
قالوا: إذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد نهى عن مس الذكر في حال البول مع كونه يحتاج إلى ذلك، فأولى من ذلك إذا كان بعد البول مع عدم الحاجة. ـ والأظهر أن يقال: إنما يكره ذلك ـ أي مس الفرج باليمين ـ عند البول فقط للتقييد الذي تقدم. ـ وقد ذكر شارح "المقنع" (إبن مفلح) ذكر أن هذا هو ظاهر الحديث، وحكى عن بعض أهل العلم أن صاحب "المقنع" إنما ترك ذلك ـ أي إنما ترك التقييد بقوله (وهو يبول) ، إنما ترك ذلك لوضوحه ـ وهكذا يقال في مختصره مؤلف الكتاب فإنه ترك ذلك لوضوحه. ـ والذي يدل على صحة ذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إنما هو بضعة منك) (1) ، كما في حديث طلق بن علي وهو حديث حسن. فعلى ذلك مس الذكر باليمين لا كراهية فيه إلا إذا كان في حال البول. ـ وذهب الظاهرية إلى تحريمه، وجمهور الفقهاء على كراهيته. إذن: يكره له أن يمس ذكره بيمينه وهو يبول، أما إن لم يكن في حال البول فإنه لا حرج في ذلك لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إنما هو بضعة منك) . * قوله: ((واستجازه واستجماره بها)) : أي باليمين. فيكره له أن يستنجى أو يستجمر بيمينه، ويدل عليه الحديث المتقدم من حديث أبي قتادة: (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) وبذلك قال جمهور الفقهاء، فكرهوا أن يستنجى بيمينه. فإذن: يكره أن يمس ذكره بيمينه وهو يبول، وكذلك يكره أن يستنجى بيمينه. ـ وفي قوله: (ومس فرجه) عموم، فيدخل فيه القبل والدبر فكل ذلك مكروه. * قوله: ((واستقبال النيرين)) : وهما الشمس والقمر ـ أي يكره إستقبال الشمس أو القمر عند قضاء الحاجة. والدليل على ذلك: قالوا: أن فيهما نور الله الذي يستضيء به الخلق. فنقول: لازمه أيضاً أن ينهى كذلك عن استقبال النجوم، فحينئذ: لا يجوز له أن يقضي حاجته إلا في بين خلاء، أو ما هو أضيق من ذلك في الليل، لكونها فيها نور الله الذي تستهدي به العباد، وهي علة ضعيفة.
ـ وقالوا: فيها أسماء الله مكتوبة عليها. والجواب: أنه لا دليل على ذلك، كيف والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لأهل المدينة: (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) (1) قال ابن القيم: (ليس لهذه المسألة أصل) . أما ما رواه الحكيم الترمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى عن ذلك) فقال فيه النووي: باطل لا أصل له، وهو كما قال، فلا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الباب شيء. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثالث عشر: الثلاثاء 24/10/1414هـ. قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: ((ويحرم إستقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان)) : يحرم على المسلم أن يستقبل القبلة أو يستدبرها بغائط أو بول ويستثنى من ذلك: البنيان، فإذا كان في كنيف أو مرحاض أو نحو ذلك من البيوت المبنية فإنه لا يحرم ذلك هذا هو مذهب جمهور الفقهاء. واستدلوا ـ أولاً ـ على تحريم استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط والبول ـ بحديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا)) . وبما ثبت في مسلم عن سلمان الفارسي قال: (نهانا النبي ـ صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) (2) ونحوه من حديث أبي هريرة في مسلم. فهذه الأحاديث تدل على تحريم إستقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول. ـ أما استثناء البنيان: فدليله ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حاجته يبول مستقبل الشام مستدبر الكعبة) (3) .
وقد كان في بنيان، كما في رواية ابن خزيمة (محجوباً بلبن) (1) وروى الحكيم الترمذي وقال الحافظ إسناده صحيح: أنه كان في كنيف، وهذا هو المعهود عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإنه كان يستتر غاية الإستتار، فكان ما وقع من رواية ابن عمر كان ذلك في بنيان. ـ وقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد جيد، وهو من حديث محمد بن إسحاق وهو مدلس لكنه صرح بالتحديث في بعض روايات هذا الحديث، عن جابر قال: (نهانا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نستقبل القبلة أو نستدبرها بفروجنا إذا نحن أهرقنا الماء ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة) (2) ، والحديث اسناده جيد، وقد حسنه الترمذي، وصححه البخاري وابن خزيمة والحاكم وابن السكن فالحديث حسن وهو حجة. قالوا: فهذان الحديثان يدلان على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قضى حاجته مستقبل القبلة ومستدبرها وذلك إنما كان في البنيان. ـ وقد روى مروان بن الأصفر عن ابن عمر: (أنه أناخ راحلته قِبَل الكعبة فجعل يبول، فقيل له: أليس قد نُهِيَ عن ذلك؟ فقال: إنما نهي عن ذلك إذا كنت في فضاء أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء فلا بأس) (3) رواه أبو داود. فهذه أدلة الجمهور في أن قضاء الحاجة قِبَل القبلة أو استدبارها محرم في غير البنيان أي في الفضاء، أما في البنيان أو إذا كان بينه وبين القبلة شيء ساتر كراحلة أو مركبة، فإنه لا حرج في ذلك ولا بأس، وهذا هو إختيار الإمام البخاري كما في صحيحه. ـ وعن الإمام أحمد رواية أخرى ـ وذهب إليها بعض الفقهاء أن ذلك جائز مطلقاً في البنيان وغير البنيان. ودليل ذلك حديث ابن عمر وأنه يدل على النسخ. لكن هذا القول قول ضعيف؛ لأن القول بالنسخ صعب فلا يقال بالنسخ إلا مع عدم إمكان الجمع.
وقد تقدم كيف أن الجمهور قد جمعوا، وسيأتي كذلك موقف أهل القول الآخر من هذا الحديث فهذا القول هو أضعف الأقوال، وهو مروي عن الإمام أحمد وذهب إليه داود الظاهري. ـ والقول الآخر: وهو كذلك رواية عن الإمام أحمد وذهب إليه بعض الفقهاء جواز استدبار الكعبة دون استقبالها. وهؤلاء قد أخذوا بحديث ابن عمر في رؤيته النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مستدبر الكعبة، ولم يأخذوا بحديث جابر لكونهم يضعفونه، ولكن تقدم تصحيح هذا الحديث. ـ والقول الرابع: ذهب إليه أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد ذهبوا إلى أن ذلك محرم على الإطلاق ـ أي في البنيان وغيره ـ. واستدلوا: بعمومات الأحاديث التي تقدم ذكرها كحديث أبي أيوب وأبي هريرة وسلمان رضي الله عنهم، فهي أحاديث عامة في البنيان وغيره. وهذا هو قول أبي أيوب الأنصاري، فقد قال بعد ما روى الحديث: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل الكعبة فننحرف ونستغفر الله) (1) . فهذا هو مذهب أبي أيوب الأنصاري، فعلى ذلك مذهب ابن عمر مخالف لقول أبي أيوب. ـ وما هو جوابهم على الأحاديث الفعلية المتقدمة؟؟ قالوا: أما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رؤية ابن عمر له ورؤية جابر فإن هذا الفعل الذي فعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما يحكي حاله تلك فإن الفعل لا عموم له ولا صفة له وإنما هو حكاية حال فقط. لذا يحتمل فيه الخصوصية والنسيان وغير ذلك.
وإن كان على القول الصحيح أن احتمال الخصوصية هنا ضعيف؛ لأن الأصل عدمها وكذلك النسيان فإن الأصل عدمه، هذا في معارضة الفعل القول، فإنه: يجب الجمع بين أفعال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقواله ـ هذا في الأصل ـ أما هنا ـ في هذه المسألة ـ فإن أفعال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـالتي تقدم ذكرها قد حدثت منه في غير محل التشريع وليست أفعالاً ظاهرة أمام أصحابه وإنما فعلها في محل لا يظن أنه يرى فيه، فهو ليس محل تشريع والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجوز عليه النسيان في غير الشريعة وكذلك يجوز عليه الخطأ في غير الشريعة. فهو إنما يقضي حاجته مختفياً عن الناس حتى لا يراه أحد وكون هديه الصحابيين أطلعا عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن ذلك في غير محل التشريع، بخلاف الفعل الذي يكون ظاهراً، وقد قال تعالى: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) (1) . أما هذا الفعل فليس في محل التشريع لعدم ظهوره، ولما عرف من حاله من قضائه حاجته في غاية الإستتار والبعد عن الناس. ـ ويدل على صحة هذا القول وأن هذه أفعال من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غير محل التشريع وأنها قد حدثت منه نسياناً، أن الفارق بين البنيان وغيره ـ في هذه المسألة ـ غير معتبر ذلك لأن النهي إنما هو لإكرام القبلة، ومعلوم أن الرجل عندما يقضي حاجته في فضاء، فإن بينه وبين القبلة جبالاً وأشجاراً وغيرها مما تكون حائلة بينه وبين القبلة، وكونه يقضي حاجته مستقبلاً القبلة في البنيان لا فرق ـ في الحقيقة ـ بين ذلك وبين قضائه في الفضاء الواسع، ولكن بينه وبين القبلة ولابد حوائل تمنع عيانه للكعبة.
ـ وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما روى ذلك أبو داود وابن خزيمة وصححه والحديث صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه) (1) ، فإذا كان هذا في التفل تجاه القبلة فأولى منه في الغائط والبول، ولم يفرق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين بنيان وغيره بل أطلق ذلك في هذا الحديث. وفي حديث: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) (2) . فهذا القول هو القول الراجح، وهو إختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو قول ابن العربي من المالكية وأبي ثور من الشافعية وذهب إليه من الحنابلة أبو بكر ابن عبد العزيز وذهب إليه الشيخ محمد بن إبراهيم من المتأخرين وهذا هو القول الراجح فإن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المتقدم، فعل ليس في محل التشريع. والتفريق بين البنيان وغيره غير منظور إليه هنا؛ لأن المقصود إنما هو إكرام القبلة والبول في البنيان يترتب عليه عدم إكرامها كترتبه في غير بنيان. فإنه إذا قضى حاجته في الفضاء فإنه لابد أن يكون بينه وبين القبلة حوائل كثيرة من جبال ونحوها، فحينئذ لا فرق بين ذلك وبين البنيان. ـ وفي قوله النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (ولكن شرقوا أو غربوا) دليل لما ذهب إليه بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه لا يكفي الإنحراف اليسير خلافاً للمشهور عند الحنابلة من أنه يكفي الإنحراف اليسير. والراجح عدم الإعتبار به، وأنه لابد وأن يشرق أو يغرب، فلا يكفي أن ينحرف يسيراً. ويقاس كذلك على الصلاة فإن الرجل إذا انحرف عن القبلة شيئاً يسيراً فذلك لا يبطل صلاته، أما إذا كان كثيراً فإنه يبطلها، فإذا انحرف عن القبلة شيئاً يسيراً فذلك لا بأس به كما سيأتي وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) (3) .
والواجب أن يشرق أو يغرب ولا يكفي أن ننحرف شيئاً يسيراً. ـ وظاهر المذهب: في مسألة جواز البول والغائط مستقبلاً القبلة أو مستدبرها في البنيان ـ ظاهر المذهب أنه لا فرق بين أن يدنوا من السترة أو يبعد عنها. وهذا على القول المرجوح، وإلا فالراجح ما تقدم من عدم الجواز مطلقاً. ـ وهل يجوز الاستنجاء أو الإستجمار إلى القبلة؟؟ 1ـ المشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك مكروه، فيكره له أن يستنجي أو يستجمر قبل القبلة. 2ـ وقيل ـ أي في المذهب ـ أنه لا يكره. 3ـ وقال في "الإنصاف" ـ وهو من الحنابلة ـ: (ويتوجه التحريم) . وهذا أظهر، فإن في إستنجائه واستجماره فيهما أعظم مما في التفل الذي تقدم تحريمه كما أنه قد يخرج منه شيء في حال إستنجائه أو استجماره، فالأظهر أن ذلك محرم لا يجوز. * قوله: ((ولبثه فوق حاجته)) : أي لا يحل له أن يلبث فوق حاجته، ودليل ذلك ما تقدم من النهي عن كشف العورة إلا لحاجة وأن ذلك محرم. وقد تقدم ترجيح كراهية ذلك وأنه مكروه ليس بمحرم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الله أحق أن يستحي منه) (1) . فالأرجح أنه لا يحرم له كشف عورته ولكنه يكره إلا إذا كان هناك ناظر فإنه يحرم عليه كما تقدم. وقالوا: إنه يورث بعض المرض. والجواب على هذا: أنه إن ثبت ذلك فنعم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) ، ومرجع ذلك إلى الطب، فإن ثبت في ذلك ضرر فإنه يحرم. إذن: الراجح في هذه المسألة الكراهية لكونه كشف عورته من غير حاجة، وأما التحريم فلا، إلا إن ثبت ضرر طبي في ذلك فإنه يحرم لذلك. * قوله: ((وبوله في ظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة)) : لقوله صلى الله عليه وسلم ـ كما في مسلم: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان، قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم) (2) .
فهذا الحديث يدل على تحريم التخلي في طريق الناس أو ظلهم والمراد بالطريق: قارعة الطريق التي يطرقها الناس ويطؤونها بأقدامهم، أما الطرق المهجورة فليس لها ذلك الحكم. ـ كما أن المراد بالظل، الظل الذي ينتفع به في الإستظلال وإلا فقد ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقضي حاجته في جانبي النخل وهو ذو ظل، ولكنه ظل لا يحتاج إليه ولا ينتفع به. إذن: المحرم إنما هو الظل الذي ننتفع به، ومثل ذلك المجلس المشمس فكل مجلس ينتفع به لا يحل قضاء الحاجة فيه. ـ وقد روى أبو داود ـ والحديث حسن ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد ـ أي التي يرد إليها الناس للشرب والسقي ـ وقارعة الطريق والظل) (1) والحديث حسن لشواهده. وأما قوله: (وتحت شجرة عليها ثمرة) : فذلك لاحتياج الناس إلى هذه الثمرة فقد يحتاج الرجل إلى صعودها، وقد تسقط الثمرة فتتنجس بالنجاسة فيحرم ذلك. فإذن: هذا من باب المعنى، وفي الحديث (لا ضرر ولا ضرار) وقال تعالى ((والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا)) (2) . وقد ورد هذا عند الطبراني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى عن قضاء الحاجة تحت شجرة فيها ثمرة) (3) لكن الحديث إسناده ضعيف جداً، ولكن دليله ما تقدم من ثبوت الضرر في ذلك والأذية. وقد ثبت عند الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال: (من آذى المسلمين في طرقهم فقد وجبت عليه لعنتهم) (4) . فالملاعن لكونها تسبب لعنة من الناس ولكونها تسبب قبول الله اللعنة من الناس. (مسألة) : حكم إستقبال بيت المقدس واستدباره في البول أو الغائط. هل يحرم ذلك أم لا؟؟
روى أبو داود في سننه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى عن إستقبال بيت المقدس بغائط أو بول) ، فالحديث فيه راو مجهول، فعلى ذلك الحديث ضعيف، فلا يكره ولا يحرم فعل ذلك وهو أحد القولين، وهو مذهب المالكية، وقال الشافعية يكره. والحمد لله رب العالمين. الدرس الرابع عشر: السبت 28/10/1414هـ قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ((ويستجمر بحجر ثم يستنجى بالماء)) : أي يجمع بين الإستجمار بالحجارة ونحوها وبين الاستنجاء بالماء وهذه إحدى صور إزالة الخبث وهي أفضلها بإجماع أهل العلم كما حكى ذلك العيني. فقد اتفق أهل العلم بل أجمعوا على أن هذه الصفة هي أفضل الصفات؛ وذلك لأنها تجمع بين إزالة النجس عيناً بالحجارة وبين إزالته أثراً بالماء، فإن الحجارة إنما تزيل عين النجاسة ولا تزيل أثرها. أما الاستنجاء بالماء فإنه يزيل النجاسة عيناً وأثراً، لكن ذلك يكون بإصابة اليد للخبث، فإذا اجتمعا ـ أي الإستجمار بالحجارة والاستنجاء بالماء، كانت هي الصفة الفضلى. وهناك أدلة يستدل بها الفقهاء على هذه الصورة سوى الدليل المتقدم وهو تعليل. ـ منها ما روى عن سعيد بن منصور ـ كما في المغني ـ عن عائشة قالت: (مُرْن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة بالماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحييتهم، كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعله) (1) واحتج به الإمام أحمد. ولكن سُنَنْ سعيد بن منصور ليست كلها مطبوعة، بل ولا كلها موجودة، فمنها ما هو مفقود، ومما هو مفقود جزء الطهارة، وهذا الحديث ثابت في سنن الترمذي والنسائي ومسند أحمد بإسناد صحيح من غير ذكر الحجارة، إنما فيه: (مُرْن أزواجكن أن سيتطيبوا ـ أي يستنجوا ـ بالماء، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يفعله) (2) . فهذا الحديث ليس فيه ذكر الجمع بينهما، وإنما ذكر الاستنجاء بالماء دون ذكر الإستجمار بالحجارة.
ـ ومنها: ما رواه البزار بإسناد ضعيف جداً، نزلت: ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)) ، نزلت في طائفة من الأنصار كانوا يتبعون الحجارة بالماء) . والحديث إسناده ضعيف جداً. ـ وفي الخمسة إلا النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (أنها نزلت ـ أي آية ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا)) في أهل قباء كانوا يستنجون بالماء) (1) إسناده صحيح. فإذن: نزلت في أهل قباء لكونهم يتطهرون بالاستنجاء بالماء وليس فيه إضافة الإستجمار بالحجارة. وهذا الحديث إسناده صحيح. إذن: عندنا الإجماع لذلك المعنى المتقدم، وهو أنه يجمع بين ألا تمس يده القذر وبين أن يزول أثر النجاسة فلا يبقى للنجاسة عين ولا أثر، هذه هي الصورة الفضلى باتفاق أهل العلم بل حكى إجماعاً. ـ ثم بعد ذلك الصورة الثانية: وهي الاستنجاء بالماء وهي أفضل من الإستجمار بالحجارة باتفاق أهل العلم. ـ وقد كرهه ـ أي الإستجمار بالماء ـ طائفة من الصحابة والتابعين لكن السنة حجة عليهم. فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: (كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجى بالماء) (2) . وقد تقدم حديث عائشة وحديث أبي هريرة في نزول الآية: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) وهذه الصورة فيها إزالة الأثر والعين جميعاً. وقد قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون الاستنجاء بالماء وإن كان الإستجمار يجزئ، واستحبوا الاستنجاء بالماء ورأوه أفضل) . إذن: هذه الصورة العمل عليها عند أهل العلم على جوازها وعلى استحبابها بل على تفضيلها على الإستجمار بالحجارة. ـ الصورة الثالثة: هي الإكتفاء بالحجارة ونحوها، وهذه الصورة ثابته صحيحه من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقوله، وسيأتي أدلة ذلك عند ذكر بعض المسائل ـ إن شاء الله ـ. وقد أجمع أهل العلم على جوازها.
إذن: هذه الصورة كلها جائزة، وأفضلها أن تجمع بين الإستجمار بالحجارة والاستنجاء بالماء ثم بعد ذلك الإستجمار بالحجارة، وهذه الصور كلها جائزة وإن كان الإستجمار بالحجارة لا يزيل أثر النجاسة وإنما يزيل عينها، وهذا معفو عنه في الشريعة، أي بقاء أثرها معفو عنه في الشريعة. * قوله: ((ويجزئه الإستجمار إن لم يتعد موضع العادة)) : إذن: تقدم أن الإستجمار يجزئ لكن بقيد، وهو ألا يتعدى ـ أي لا يتجاوز ذلك موضع العادة. فإذا تجاوز موضع العادة ـ أي موضع الأذى ـ فإنه لا يجزئه أن يكتفي بالإستجمار بالحجارة، بل لا بد أن يغسل هذا الزائد بالماء؛ لأن هذا الزائد قد تعدى موضع العادة، كأن يصيب ما حول قبله أو دبره شيئاً من النجاسة، فلا يجزئه الإستجمار بل لابد أنه يستنجى بالماء، وذلك: لأن الشارع إنما عفى عن بقاء الأثر ما دام في موضع العادة. فإذا تعدى موضع العادة فإنه لابد من الاستنجاء بالماء إذ لا مشقة في ذلك، هذا هو المشهور في المذهب. ـ وذهب بعض أهل العلم من الحنابلة ـ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ إلى أنه يجزئه الإستجمار بالحجارة وإن تعدى ذلك موضع العادة؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إجازته الإستجمار بالحجارة لم يقيد ذلك. والأظهر القول الأول لقوة دليله. أما كون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقيد ذلك، فإن ذلك بناءاً على الأصل فإن الأصل بقاؤه في موضع العادة، وأما كونه يتعدى ذلك فله حكم آخر وهو اشتراط إزالته إزالة تامة حقيقية ـ أي عينه وأثره ـ وهذا هو الراجح. * قوله: ((ويشترط للإستجمار بأحجار ونحوها أن يكون طاهراً منقياً غير عظم وروث وطعام ومحترم ومتصل بحيوان، ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر ولو بحجر ذي شعب)) : هذه شروط ما يستنجى به.
إذن: يجوز أن يستنجى بغير الحجارة، فليس الإستجمار خاصاً بالأحجار، فلوا استجمر بما يزيل الأذى عيناً أي جرماً وإن لم يزله أثراً كالأوراق في الجريد ونحوها فإنه يجوز ذلك، وظاهر المذهب أنه يجزئ، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، بل هو مذهب أكثر أهل العلم. ـ وذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أنه لا يجزئ إلا الحجارة؛ لأن الشارع خصص الحكم بذلك فلم تجزئ غيرها. والراجح هو مذهب جمهور أهل العلم؛ لأن هذا من باب القياس، بل الأدلة الشرعية فيها إشارة إلى جوازه، فمن ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى أن يستنجى برجيع أو عظم) (1) . فإذا: استثنى ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن ذلك يدل على أن سواه جائز ولو لم يكن سوى الحجر جائزاً لما احتاج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن يستثنيه، ونحوه ما ثبت في سنن أبي داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (سئل عن الإستطابة ـ أي الاستنجاء، وسميت بذلك؛ لأنها تطيب البدن بإزالة الخبث عنه ـ فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع) (2) . فهنا استثنى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجيع، وذلك لأن غيره جائز. فإذن: الراجح هو ما ذهب إليه أكثر العلماء وهو الذي يدل عليه المعنى، فإن الشريعة قد أتت بالقياس الصحيح من إلحاق الشيء بنظيره، فإذا ثبت في شيء من الأشياء ما ثبت في الحجر من إزالة النجاسة عيناً وجرماً فإنه يصح ذلك وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
قوله: ((أن يكون طاهراً)) : إذن: النجس لا يحل أن يستنجى به ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين ـ وهو دليل على جواز الإستجمار ـ عن ابن مسعود قال: (أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الغائط فأخبرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فوجدت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا ركس) ، وفي رواية ابن ماجة: (هذا رجس) وفي الترمذي: (يعنى نجساً) (1) . وقال النسائي: (ركس أي طعام الجنّ) واستغربه الحافظ ابن حجر وهو كما قال: فإن لفظة: (ركس) معناها نجس، والأصل النجس أن يكون نجساً حسياً، ما لم يدل دليل على نقله عن ذلك. وهذا يدل على أنه لابد أن يكون طاهراً ليس بنجس. وقوله: ((منقية)) : فإن كان فيه رطوبة أو كان أملساً أو نحو ذلك كالزجاج أو حجر أملس أو أن يكون منه رطوبة لا يزيل الخبث فإنه لا يجزئه أن يستجمر به. وقوله: ((غير عظم وروث)) : فالعظم والروث لا يجوز له أن يستجمر بهما. ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن سلمان قال: (لقد نهانا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نستنجى باليمين أو أن نستجمر بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستجمر برجيع أو عظم) (2) . وثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للجنّ: (لكم كل عظم ذكر إسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة ـ أي روثه ـ علفت لدوابكم، ثم قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم) . وفي حديث رُوَيْفَع أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: (أخبر الناس) الحديث، وفيه: (وأن من استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً برئ منه) (3) والحديث رواه أبو داود وغيره. فهذه الأحاديث تدل على تحريم الاستنجاء بالعظم والروث. ـ فإذا استجمر بعظم أو روث فهل يجزئه ذلك؟؟ المشهور في مذهب الحنابلة أنه لا يجزئه ذلك.
واستدلوا بما روى الدارقطني، وقال: إسناده صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: نهى عن الإستجمار بالرجيع أو العظم، وقال: (إنهما لا يطهران) (1) وأعله ابن عدي. ـ وذهب شيخ الإسلام إلى ثبوت الإجزاء لهذا الفعل وإن كان الفعل محرماً؛ لأن الخبث قد زال، والمقصود من النجاسة إزالتها فبأي طريق زالت فإن حكمها يذهب والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فمادام أن النجاسة قد ذهبت وإن كان باستعمال ما يحرم عليه استعماله فإنه يجزئه ذلك وهذا قول قوي. قال الزركشي: (وهذا جيد لولا حديث الدارقطني) . والذي يظهر قول شيخ الإسلام. وأما الحديث فإنه يحمل على الغالب في العظم والروث. فالغالب فيهما أنهما لا يطهران، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك بناءاً على الغالب بينهما (هذا على التسليم بصحة إسناده) . وأما إذا ثبت أنهما يطهران ويزيلان النجس فلا موجب لعدم الإجزاء. فإذن: يحرم عليه ذلك لكنه يجزئه إن فعله على الإثم، أما إذا فعله ناسياً أو جاهلاً فإنه يرفع عنه الإثم مع ثبوت الأجزاء له. وقوله: ((وطعام)) : وهذا من باب القياس، قالوا: فإذا كان طعام الجنّ ودوابهم يحرم الاستنجاء به، فأولى منه طعام الإنس، وطعام دوابهم فهو أولى منه بهذا الحكم. وقوله: ((ومحترم)) : مثل كتب العلم، فإذا كان الشيء محترماً فلا يجوز الاستنجاء به، وهذا من تعظيم شعائر الله: ((ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) (2) والإستجمار بها إهانة لها، وهذه الإهانة محرمة، فلا يجوز إهانة ما يجب إحترامه. وقوله: ((ومتصل بحيوان)) : قالوا: لو أن رجلا استنجى بصوف أو شيء من بدن حيوان، قالوا: فإن ذلك محرم، هذا هو المشهور في المذهب، وأن الإستجمار بشيء متصل بالحيوان محرم، وهذا هو مذهب الشافعية. ـ وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا بأس في ذلك. ولم يتبين لي دليل على تحريم ذلك.
فالأقوى هو القول بحله، كيف والرجل يستنجى بيده اليسرى وهي عضو متصل به فأولى منه أن يستنجى بمتصل بحيوان، والله أعلم. وقوله: ((ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر ولو بحجر ذي شعب)) : يشترط أن يكون استنجاؤه بثلاث مسحات فإن كان بمسحتين أو يمسحه فلا يجزئه. ـ ويشترط أن يكون بثلاثة أحجار، لما تقدم من حديث سلمان وفيه: (وأن يستنجى بأقل من ثلاث أحجار) : وهذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية، وهذا الذي يدل عليه هذا الحديث. وكذلك يدل عليه ما ثبت في سنن أبي داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من ذهب إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئه) (1) ، ومفهومه أنها إن قلت فإنها لا تجزئه. ـ وذهب المالكية إلى جواز ذلك ـ أي أن تقل عن ثلاثة أحجار ـ إذا أنقت ـ فإذا أنقت ولو كان ذلك حجراً واحداً فإنها تجزئه. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من استجمر فليوتر) (2) ، والوتر يطلق على الواحد. وكذلك بما ثبت في البخاري من حديث ابن مسعود في اتيانه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحجرين وليس فيه إعادته ليأتيه حجر آخر. ـ والإستدلال بهذين الحديثين على هذه المسألة ضعيف. أما الحديث الأول: فإن لفظة الوتر مطلقة هنا، وقد أتانا حديث سلمان فقيده بإيجاب ثلاثة أحجار فموجب أن نقيده بثلاث. ـ وأما حديث ابن مسعود، فهو وإن لم يأته بحجر ثالث لكن الأمر مازال متعلقاً بذمته، فقد أمره أن يأتيه بثلاثة أحجار فمازال الأمر متعلقاً بذمته. وكونه لم يأت بها فهو لايزال مطالباً بإحضار ثالثة ثم إن قوله: (فالتمست الثالث فلم أجده) : فيه أنه لم يجد ذلك، فهو إن لم يجد ذلك، فإنه يكون معذوراً والراجح هو القول بوجوب الإستجمار ثلاثة أحجار فأكثر وهو مذهب الشافعية والحنابلة. ـ وهل يشترط أن يكون كل حجر يعم المحل كله؟؟
ظاهر الحديث أنه لا يشترط ذلك مطلقاً، بل يستنجى بثلاثة أحجار لكل حجر جزءاً من المحل، فظاهر الحديث أنه لا يشترط أن يعمم المحل لكل حجر وهو قول في مذهب الحنابلة. ـ والمشهور في المذهب أنه يشترط أن يعمم المحل بكل حجر وقد تقدم أن ظاهر الحديث إطلاق ذلك. وقد روى الدارقطني، وقال: إسناده حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجرين للصفحتين وحجرة للمَسْرَبَة) وهي محل الأذى. لكن الحديث فيه أُبيِّ (1) بن العباس وهو ضعيف، فالأرجح: أنه لا يشترط ذلك. وقوله: ((ولو بحجر ذي شعب)) : بمعنى: أتى بحجر ذي ثلاث شعب فإنه بجزئه ذلك، فكل شعبة تقوم مقام حجرة وهذا قياس واضح صحيح. وقال هنا: (ولو) إشارة إلى خلاف في المذهب فهناك رواية عن الإمام أحمد أنه لا يجزئ ذلك بل لابد من ثلاثة أحجار لظاهر الحديث المتقدم. والأظهر هو القول الأول لأن هذه الحجارة التي هي ذات ثلاث شعب بمقام ثلاثة أحجار فإنها تجزئه على الراجح. * قوله: ((ويسن قطعه على وتر)) : لقوله صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث المتقدم: (ومن استجمر فليوتر) . * قوله: ((ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح)) : يجب الاستنجاء لكل خارج عيني إلا الريح، قال الإمام أحمد: (الاستنجاء من الريح ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة وإنما فيه الوضوء) . فليس من الريح إستنجاء، وإنما الاستنجاء من البول أو الغائط أو نحوهما مما قد يخرج من أحد السبيلين، وأما الريح فليس فيه استنجاء، وليس للإستنجاء به أصل في الكتاب والسنة. وأما ما رواه الطبراني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من استنجى من الريح فليس منا) (2) ، فالحديث اسناده ضعيف جداً. * قوله: ((ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم)) : هذه المسألة: فيها أنه لا يصح للشخص أن يتوضأ أو يتيمم ثم يستنجى.
ـ فإن قيل: هذه مسألة متكررة، فَلِمَا ذَكَرَهَا المؤلف؟؟ فالجواب: أنه يقع مثل هذا، بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى صحته مع وجوده. ـ فلوا أن رجلاً توضأ أو تيمم ثم بعد ذلك استنجى وأزال الخبث، فهل تجزئه ذلك؟؟ المشهور في المذهب أنه لا يجزئه، واستدلوا بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أصابه المذي: (يغسل ذكره ويتوضأ) (1) رواه مسلم. وفي رواية النسائي: (ثم يتوضأ) لكن هذه اللفظة اسنادها ضعيف منقطع. ـ فإن قيل: ألا يستدل بالرواية المتقدمة. فالجواب: لا يستدل بها، لأن لفظة (الواو) لا تفيد إلا الإشتراك: (يغسل ذكره ويتوضأ) . بل قد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (توضأ وانضح فرجك) فقدم الوضوء هنا. ـ فإن قيل: المشهور من فعله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يستنجى ثم يتوضأ؟ فالجواب: قالوا: هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب. ـ وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وهو الراجح، فلو أنه استنجى بعد وضوئه أو تيممه لكان وضوؤه صحيحاً وعلى ذلك: إن هذا الفعل منه لا يعدو، إلا أن يكون إزالة للخبث، وإزالة الخبث ليست من شروط صحة الوضوء، فلو أن رجلا أصاب شيء من بدنه نجاسة في غير محل الأذى فتوضأ ثم قام بإزالته فوضوؤه صحيح. فالمسألة لا تعدو إلا أن تكون إزالة أذى أما كونه يمس ذكره أولا، فهذه مسألة أخرى سيأتي تكريرها في بابها إن شاء الله؛ لأنه لا يشترط أن يكون مس ذكره فقد يكون استنجى بحجر أو خرقة أو نحوها. وهذا القول هو الراجح لعدم الدليل المانع منه، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيمن أصابه المذي: (توضأ واغسل ذكرك) (2) . والحمد لله رب العالمين. الدرس الخامس عشر (الأحد) التاريخ 29/10/1414هـ. باب: السواك وسنن الوضوء:
السواك: هو العود الذي يدلك في الفم ويحرك فيه ليطهره ويطلق أيضاً على الفعل أي الدَّلك والتحريك ويسمى سواكاً فيطلق على الأداة التي يستاك بها، ويطلق على التسوك فكلاهما سواك. وهو من التحرك والاضطراب، يقال: جاءت الإبل بساوك هزلاً: إذا اضطربت أعناقها من هزالها أي من ضعفها. ـ أما الوُضوء: فهو بالضم، الفعل، وبالفتح: الماء المتوضىء به وهذا في لغة العرب: النظافة والحسن، يقال: وجه وضيء: أي حسن نظيف. أما اصطلاحاً: فهو غسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة. ـ قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ((السواك بعود لين منق غير مضرٍ لا يتفتت لا بأصبع أو خرقة، مسنون)) : فالسواك مسنون بما يكون متصفاً بالشروط التي ذكرها المؤلف فهو مسنون باتفاق العلماء. وهو أن يسوك بعود لين غير خشن يضر بلثته، وليس كذلك بمضر، ولا يتفتت وهو منقٍ مطهر منظف فما كان على هذه الصفة فإنه يسن أن يستاك به. كعود الأراك والعرجون وعود الزيتون ونحو ذلك. ـ قد ثبت في البخاري معلقاً مجزوماً به ووصله أحمد والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) . ـ وأفضله كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم من بعض الحنابلة وبعض الشافعية وبعض المالكية، أفضلة الأراك، ويدل على ذلك: ما ثبت في مسند أحمد بإسناد جيد من حديث ابن مسعود قال: (كنت أجتبي للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سواكاً من أراك) . وثبت عند الطبراني وقال الهيثمي اسناده حسن في حديث وفد عبد القيس قال الراوي: فزودنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأراك نستاك به) فهذا أفضل أنواع الأعواد التي يستاك بها. فإذن: السواك في كل عود منق لا يتفتت ولا يضر، مشروع مستحب. ـ أما إذا كان من الأعواد الضارة كعود الريحان ونحوه فإنه ليس بمشروع لكونه مضراً وفي الحديث (لا ضرر ولا ضرار) .
قوله: ((لا بأصبع أو خرقه)) : هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعية وأن السواك بالأصابع والخرق والمناديل ونحوها لا يجزئه؛ لأن الثابت إنما هو السواك بعود ونحوه؛ لأنه لا يحصل في السواك بالأصابع ما يحصل بالسواك بالأعواد من الإنقاء. ـ وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد ـ إلى أنه يجزئ ذلك، واستدلوا: بما روى البييهقي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (يجزئ من الساك الأصابع) لكن الحديث إسناده ضعيف وقد ضعفه البيهقي، فالحديث ضعيف. واستدلوا: بما رواه أحمد أن علي بن أبي طالب توضأ وفيه: أنه تمضمض وأدخل بعض أصابعه في فيه، إلى أن قال: (رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعل ذلك) . وفيه أنه أدخل أصابعه في فيه أي يستاك. لكن الحديث فيه مختار بن نافع الكوفي وهو ضعيف. فعلى ذلك الحديث ضعيف. ـ وصحح الموفق ـ رحمه الله ـ أنه يحصل له من الفضيلة والسنة بقدر ما يحصل له من الأنقاء وهذا قوي. ـ وقال بعض الحنابلة: إنما يجزئ عنه إن لم يجد عوداً وهذا قوي. فإن لم يجد عوداً فإن مالا يدرك كله لا يترك كله. فإنه إن لم يجد سواكا فإنه يستاك بأصبع أو نحوها ويحصل له من الثواب بقدر ما يحصل له من الإنقاء. قوله: ((كل وقت)) : لعمومات الأدلة كما تقدم في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) ، وهذا عام في كل وقت، وقد ثبت في البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (أكثرت عليكم بالسواك) أي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر على أصحابه من الحث والترغيب في فعل السواك وهذا يدل على تأكيد استحبابه. قوله: ((لغير صائم بعد الزوال)) : هذا هو المشهور في المذهب وأن السواك مكروه للصائم بعد الزوال فإنه لا يكره، وهذا هو مذهب الشافعية. واستدلوا:
ـ بما روى البيهقي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي) (1) قالوا: والعشي يكون من بعد زوال الشمس، والحديث اسناده ضعيف. ـ وأصح منه ثبوتاً ما في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـقال: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) (2) . قالوا: فإذا استاك بالعشي ـ وغالباً ما تطهر هذه الرائحة التي هي أطيب عند الله من ريح المسك، غالباً ما تطهر بعد زوال الشمس، فيكره السواك بعد الزوال لأنه سبب لإزالتها. ـ وذهب أكثر أهل العلم وهو مذهب الأحناف والمالكية ورواية عن الإمام أحمد واختاره كثير من الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، واستظهره في الفروع، وقواه صاحب الشرح الكبير. ورأوا أنه ليس بمكروه بل هو مستحب مشروع في كل وقت. واستدلوا: بما روى أبو داود والترمذي وقال الحافظ إسناده صحيح عن عامر بن ربيعة قال: (رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مالا أحصي يستاك وهو صائم) (3) . لكن الحديث ليس إسناده بصحيح خلافاً لما قال الحافظ فإن فيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف فالحديث إسناده ضعيف. وأصح منه استدلالاً: استدلالهم بالعمومات الدالة على عموم فضل السواك من غير أن يستثنى من ذلك شيء، كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) (4) . أما الجواب على أدلة أهل القول الأول: ـ أما حديث: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي) فقد تقدم أن الحديث ضعيف. ـ أما حديث: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) . فالجواب عنه: أن الحديث ليس فيه أنه لا يستاك وأنه يدع هذه الرائحة الكريهة، وإنما فيه الترغيب بالصوم وأن هذه الرائحة الكريهة التي يكرهها المسلم أطيب عند الله من ريح المسك.
وقد روى الطبراني بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن غنم قال: قلت لمعاذ بن جبل: أستاك وأنا صائم قال: نعم، فقلت أي النهار، فقال: غدوة وعشياً، فقلت: إن الناس يكروهون الإستياك في العشي، ويقولون: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) فقال: سبحان الله ((وهي هنا للعجب)) إنما أَمَرَهُم بالسواك وليس بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً، ليس في هذا من الخير شيء إنما إنما هو شيء) . ـ ثم إن هذه الرائحة إنما تخرج من المعدة، وغاية السواك أن يطهر الفم، فهو مطهر للفم، وأما هذه الرائحة فإنها مخرجها من الجوف على أن هذا ليس فيه إلا استحباب الصوم والترغيب فيه وأن الرائحة التي تخرج أطيب عند الله من ريح المسك وليس في الحديث الترغيب في تركها، هذا هو القول الراجح. قوله: ((متأكد عند صلاة وانتباه وتغير فم)) : والسواك مستحب مشروع لكنه يتأكد في مواضع فيكون السواك منها آكد استحباباً فمن ذلك: (عند الصلاة) : كما في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي الحديث الحسن لشواهده، وقد جوده غير واحد من أهل العلم، وقد رواه الحاكم وابن خزيمة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك) (1) . وظاهر هذه الأحاديث أنه يتأكد استحبابه صلاة الفرض والنفل. قوله: (وانتباه) : أي الإنتباه من النوم سواء كان نوم ليل أو نوم نهار. ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: كان إذا قام من الليل "أي من النوم" يشوص "أي يدلك" فاه بالسواك) (2) . قوله: (وتغير فم) : أي تغير رائحة الفم إلى الكراهية سواء كان بسبب سكوت أو من طعام أو من شراب أو جوع ونحو ذلك لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) .
فهذا الفم الذي أصيب بشيء من كراهية الرائحة بسبب جوع أو أكل أو نحوه يستحب له أن يدلكه بالسواك ليطهره. ـ ويستحب ـ ولم يذكره المؤلف ـ عند دخول المنزل لما ثبت في مسلم عن عائشة: أنها سئلت بأي شيء كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبدأ إذا دخل المنزل قالت: بالسواك (1) . ـ وهل يقاس عليه دخول المسجد؟. صرح بذلك بعض الحنابلة ـ وأنه يستحب له ـ من باب القياس أن يستاك عند دخول المسجد. وعللوا ذلك: بأن علة استحبابه عند دخول المنزل كون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي النافلة فيه، فكذلك في المسجد فإنه سيدخل ويصلي فيه النافلة أو تحية المسجد أو الفريضة وفي هذا نظر، فإن عائشة لم تستثن حالة عن حالة ولم يكن كل دخول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد صلاة يصلي نفلها ـ ثم إن هناك علة قوية ـ أقوى من هذه العلة فيما يظهر أو تنازعها في القوة ـ وهي أن يكون ذلك من حسن معاشرته عليه الصلاة والسلام لأهله كالتطيب ونحوه فيكون هذا من تطهير الفم، وهي علة قوية. فحينئذ لا يصح هذا القياس. ولم يصح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا فيما أعلم عن أحد من أصحابه الإستياك عند دخول المسجد. ولكنه إذا استاك للصلاة فنعم، فإنه حينئذ يدخل في عموم الحديث المتقدم (عند كل صلاة) . ـ وسيأتي تأكد استحبابه عند الوضوء. ـ ويتأكد السواك عند قراءة القرآن، لما روى البزار بإسناد جيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (طهروا أفواهكم للقرآن) (2) ، فيستحب له أن يطهر فمه لقراءة القرآن. ـ وإن قيل: إنه يستحب لذكر الله والدعاء فهو حسن، لقوله صلى الله عليه وسلم ـ (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) ومن الطهارة السواك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم) . قوله: ((ويستاك عرضاً مبتدئاً بجانبه الأيمن)) : هذه صفة الإستياك وكيفيته. وهي أن يستاك عرضاً
ودليل ذلك، ما رواه الطبراني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان يستاك عرضا) (1) لكن الحديث إسناده ضعيف. ـ وله شاهد من مراسيل عطاء، وهو مرسل، وفيه راوٍ مجهول فيكون ضعيفاً جداً فلا يصلح شاهداً. ـ إذن لم يثبت ذلك في السُّنَّة الصحيحة، وقد ضعف هذا الحديث النووي وابن الصلاح والضياء. ـ وقال بعض أهل العلم: أنه يستاك طولا ـ هكذا قال بعض الحنابلة. ـ وذكر بعضهم أن أهل الطب يستحبون ذلك ـ أي السواك طولاً. والقائلون عرضاً ذكروا أن الإستياك طولاً أضر على اللثة وعللوا استحباب الإستياك عرضاً بأنه أبعد عن مضرة اللثة وأبعد عن فساد الأسنان. فعلى ذلك لا يثبت شيء من السنة لا في الإستياك عرضاً ولا في الأستياك طولاً ومرجع ذلك إلى الطب أو إلى الإختيار، فإذا ثبت أن الأبعد له عن الضرر أن يستاك طولاً أو عرضاً فإنه يفضل ذلك. قوله: ((مبتدأ بجانب فمه الأيمن)) : وذلك لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعجبه التيمن أو التيامن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله) (2) ، وفي أبي داود (وسواكه) ، فهذا الحديث صريح في مشروعية البداءة بالجانب الأيمن قبل الأيسر عند الإستياك. ـ وهل المستحب أن يكون الإستياك باليد اليمنى أم باليسرى؟ نص الإمام أحمد على استحباب ذلك باليد اليسرى، وقال شيخ الإسلام: (ولا أعلم أحداً من الأئمة خالف في ذلك إلا المجد) يعني المجد ابن تيمية هو جده وهو من كبار الحنابلة وهو صاحب المنتقى وهو كبار الفقهاء، وكان يستحب أن يستاك بيده اليمنى، ويستدل: بحديث عائشة المتقدم. والإستدلال بحديث عائشة فيه نظر، فإنما هو دليل على البداءة بالجهة اليمنى. وأما هنا فإن الباب آخر والبحث هنا آخر، فالبحث في الأداة التي يتطهر بها.
وعليه ما ذهب إليه عامة أهل العلم: أن السواك من باب التطهر لقوله (مطهرة للفم) هذا هو الغالب فيه وإلا فقد يكون لمجرد مرضاة الرب سبحانه وتعالى. لكن الأصل فيه أن يكون مطهرة للفم، وما كان هذا بابه فإنه مستحب باليد اليسرى، كما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يستنشق باليد اليسرى كما ثبت في النسائي بإسناد صحيح، وكذلك هنا فإنه يستحب أن يستاك باليداليسرى؛ لأن ذلك من باب التطهر أو من باب إزالة الأذى وإماطته. أما حديث التيامن فإنما ذلك دليل على استحباب البداءة بالجهة اليمنى قبل الجهة اليسرى. روى ابن أبي شيبة ـ ولم أقف على اسناده ـ أن عبادة بن الصامت وأصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا يروحون والسواك على آذانهم) (1) . وفيه حديث ضعيف عن البيهقي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يضعه على أذنه كما يوضع القلم) (2) . والحمد لله رب العالمين. الدرس السادس عشر ... …الإثنين…30/10/1414هـ قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ((ويدهن غباً ويكتحل وتراً)) : غباً: أي يوماً يدهن، ويوماً لا يدهن. ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن النسائي والترمذي وأبي داود بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى عن الترجل إلا غباً) (3) . والترجل هو: تسريح الشعر مع دهنه، فهو منهي عنه إلا يوماً بعد يوم. ـ وهل ذلك مستحب أم لا؟ ظاهر هذه اللفظه من المؤلف: أن ذلك مستحب، ويدل على استحبابه ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من كان له شعر فليكرمه) (4) ، وهذا عام في شعر الرأس وشعر اللحية. ولكنه لا يستحب إلا غباً للحديث المتقدم. ـ فإن قيل: أو ليس المقصود إزالة شعث الرأس، وإذا كان الأمر كذلك فلو أنه ترجل بماء ونحوه غير الدهن فهل يكون مستحباً كذلك أو لا؟.
الجواب: الصحيح أنه يكون مستحباً كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكر شيخ الإسلام أنه يفعل ما هو الأصلح لبدنه، وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا فعل فعلاً معيناً لمعنى مقصود، وكان هذا المعنى المقصود يثبت بهذا الفعل وغيره، فإن كل فعل يثبت فيه هذا المعنى الخاص فإنه مستحب. وهنا: الادهان، هل المقصود الادهان ذاته أم المقصود إكرام الرأس؟ الجواب: أن المقصود إكرام الرأس، فإذا ثبت إكرامه بغير الادهان بإنه يكون مستحباً كالادهان تماماً. وقد ثبت من حديث رجل من الصحابة قال: (نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يمتشط أحدنا في كل يوم) (1) فهذا أمر مكروه، وذلك لأن الشارع ينهى عن كثير من الأرفاه وكثير من التنعم. وقد روى أبو داود بإسناد صحيح أن رجلاً من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد بمصر ثم قال له: (أما إني لم آتك زائراً ولكني سمعت أنا وأنت حديثاً من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرجوت أن يكون عندك منه علم، فقال له: ما هو، قال: (كذا وكذا) "إذن أخبره بهذا الحديث" قال: فمالي أراك شعثاً وأنت أمير الأرض فقال: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان ينهانا عن كثير من الإرفاه "أي كثير من التنعم" قال: فما لي لا أرى عليك حذاء، فقال: كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمرنا أن نحتفي أحيانا) (2) . ـ إذن هذا الحديث يدل على كراهية كثير الإرفاه وفي أبي داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن البذاذة من الإيمان) (3) : أي ترك كثير من التنعم في الثوب والبدن وهو البذاذة أنه من الإيمان.
فإذن: يستحب له أن يدهن غباً، ويكره له أن يدهن كل يوم، ولكن إذا كان كثير الشعر بحيث يكون فيه شعث كثير جداً، فحينئذ تزول الكراهية، وقد روى النسائي بإسناد صحيح أن أبا قتادة الإنصاري: كان له جُمَّة "أي شعر كثير يضرب على كتفه" فأمره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحسن إليه) (1) . ـ وهنا عند هذه الفقرة التي ذكرها المؤلف مباحث: [المبحث الأول] : هل السنة إتخاذ الشعر أم حلقه؟ قال الإمام أحمد: (إتخاذ الشعر سنة ولو قدرنا عليه لفعلنا، ولكن له كلفة ومؤؤنه) أي يحتاج إلى كلفة من مشط وترجيل ودهان ونحو ذلك. وأما الدليل على سنيته: فهو أنه فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـكان له شعر يضرب على منكبه) (2) . وثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان له شعر إلى شحمة أذنه) (3) يعني: كان أحياناً إلى منكبه، وأحياناً إلى شحمة أذنه، إذا أخذ منه في حج أو عمره. ـ ومن أبقاه فعليه أن يكرمه فيكون له كلفة ومؤونة كما قال الإمام أحمد. ـ أما حلق الرأس فقد أجمع العلماء على إباحته، كما قال ذلك: ابن عبد البر رحمه الله ـ لكن هل يكره له حلقه أم لا؟. نص الإمام أحمد على كراهية حلقه، وقال: (كانوا يكرهونه) أي كان السلف. وفي رواية عنه أن تركه أفضل، فيكون حلقه غير مكروه. وقد ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في صفة الخوارج أن سيماهم التحليق، وهذا لا يقتضي التحريم؛ لأن ليس كل تشبه محرم. فالأظهر: أن تركه أولى إلا في حج أو عمرة. [المبحث الثاني] : إذا اتخذ شَعْراً فهل يسدله سدلاً أم يفرقه فرقاً؟ السدل هو أن ترسل الشعر من غير أن تفرقه، والفرق: هو أن تجعل الشعر على صفقتين، صفقه بيمينه وصفقه شماله، فيظهر أصل الرأس. والجواب:
أن كلا الفعلين فعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي السدل والفرق، لكن الأول وهو السدل قد تركه لكونه قد نسخ فعله، فقد ثبت في الصحيحين: (كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم ـ أي يرسلونها ـ وكان المشركون ـ أي من العرب ـ يفرقون رؤوسهم وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب أن يوافق أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناصيته ثم فرق بعدُ) (1) . وفي رواية: (ثم أمر بالفرق ففرق) . وقد اتفق أهل العلم على استحباب ذلك. فإذا: فرقه فهل يجعله دؤابتين أو عقيصتين؟ قال الإمام أحمد: (وأبو عبيدة له عقيصتان وعثمان له عقيصتان) أي يجعله عقيصين وهذا كان فعل العرب. إذن: والمستحب أن يفرق رأسه لفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه أمر بذلك. ـ ولكن اتخاذ الشعر إن كان فيه فتنة فإنه لا يجوز ذلك سداً للذريعة. ـ هذا في شعر الرأس وإدهانه ومثل ذلك شعر اللحية، وقد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإعفاء اللحية، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) (2) . وفي الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (خالفوا المشركين وفِّروا الحى وأحفوا الشوارب) (3) . وفي مسلم: (أرخوا اللحى) . واللحية: الشعر النابت على الخدين والذقن) . كما ذكر ذلك صاحب لسان العرب وغيره. ـ الأحاديث المتقدمة تدل على وجوب إعفائها، وقد صرح بتحريم حلقها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ويدل على ذلك الأحاديث السابقة، وقد قال صلى الله عليه وسلم:: (من تشبه بقوم فهو منهم) ، والأصل في التشبه التحريم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (خالفوا المشركين) . ـ وهل يجوز له أن يأخذ منها ما فوق القبضة؟ ثبت ذلك من فعل ابن عمر في الحج والعمرة، فقد روى البخاري أن ابن عمر: (كان إذا حج أو اعتمر قبض لحيته، فما فضل أخذه) (4) .
ونص الإمام أحمد على جواز ذلك، وكذلك نص عليه الشافعي إذا كان في حج أو عمره. ـ وكره ذلك الحسن وقتادة. فإذن: ذهب بعض أهل العلم إلى النهي عن ذلك، وبعضهم ذهب إلى جوازه. ـ أما القائلون بجوازه، فقد استدلوا بفعل ابن عمر. ـ وأما القائلون بالنهي عنه فاستدلوا بعمومات النصوص المتقدمة: (أرخوا اللحى) (واعفوا اللحى) وغيرها. وكونه يأخذ شيئاً منها وإن كان فاضلاً عن القبضة، فإن ظاهر الحديث وجوب إعفائها وهو فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فقد ثبت في البخاري أن خباب بن الأرتّ سئل فقيل له: (أكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ في الظهر والعصر، فقال: نعم، فقيل له: بم كنتم تعرفون ذلك، فقال: باضطراب لحيته. فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يثبت أنه يأخذ من لحيته شيء بل كان يدعها عرضاً وطولاً. أما ما روى الترمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يأخذ من لحيته عرضاً وطولاً) (1) فالحديث منكر لا يصح، قد استنكره البخاري وغيره. ـ والأظهر من القول بالمنع منه، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام، أمر بإعفائها وإرجائها وأخذ شيء منها ينافي ذلك. والعمل برواية الصحابي لا برأيه إذا خالف رأيه روايته. فابن عمر وإن كان من رواة الأحاديث في إعفاء اللحية لكن رأيه خالف روايته، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإعفائها وتركها مطلقاً وهذا ينافي ذلك. فالأظهر هو القول بالمنع. ـ أما الشوارب فيجب ـ على الراجح ـ قص شيء منها بإحفائها وجزها وإنهاكها، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (أحفوا الشوارب) (2) وفي رواية: (جزوا الشوارب) وفي رواية: (أنهكوا الشوارب) وهو أن يبالغ في قصها. ـ وجمهور أهل العلم على سنيته، وقد قال النووي: (متفق على استحبابه) . وقد صرح الحنابلة بتأكد سنيته. ـ والأظهر التحريم؛ لأن الأمر للوجوب.
ـ وأصرح منه ما في الترمذي وصححه وهو كما قال أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) (1) . وقد قال صاحب الفروع: (وهذه الصفة تقتضي ـ عند أصحابنا ـ التحريم) ؛ لأنه قال: (ليس منا) . وهذا هو مذهب الظاهرية ـ وهو الراجح ـ وهو أن قص الشارب وإحفاءه واجب، ومن لم يفعله فليس منا: أي ليس على هدينا وطريقتنا. ويقتضي ذلك تحريمه وهو مذهب الظاهرية، والأدلة الشرعية عليه. قوله: ((ويكتحل وتَراً)) : أي يسن له أن يكتحل وتراً. ويسن أن يكون ذلك بالإثمد، والإثمد: نوع من أنواع الكحل، وقد ثبت في ابن ماجة بإسناد جيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر) (2) أي شعر العينين. وأما الإكتحال بغيره مما هو من باب الزينة، فإن كان للنساء فذلك جائز. وأما للرجال فهو محل توقف، وقد توقف فيه شيخ الإسلام. وذكر أنه يقوي جوازه فيمن كان كبير السن يبعد ذلك عن الفتنة، بخلاف الشاب، ومثل ذلك محل توقف؛ لأنه زينة وهو مختص بالنساء. ومن لم يكن كبير السن وهو ليس محل فتنة فهو محل توقف. والذي ينبغي أن يكون التوقف كذلك في كبار السن، لأن التوقف عام. إلا أن التحريم يقوي في الشاب لما في ذلك من الفتنة، والعلم عند الله. وقوله: ((وتراً)) : استدلوا عليه بما رواه أحمد وأبو داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال: (من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) (3) لكن الحديث فيه جهالة، فهو ضعيف. فعلى ذلك يكتحل بما يكون مناسباً لعينه بالإثمد من غير أن يكون ذلك محدداً بوتر، إلا أن يكون مناسباً. قوله: ((وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر)) : أي: يجب على من أراد أن يتوضأ وكذلك من أراد الغسل أو التيمم يجب عليه أن يقول: (بسم الله) ولكن ذلك ـ أي الوجوب ـ مع الذكر، أما إن نسي فلا حرج عليه.
ـ أما الدليل على وجوب التسمية: فهو ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (1) . وهذا الحديث في إسناده ضعف، لكن له شواهد كثيرة يرتقي إلى درجة الحسن. وقد قال العيني: (روى هذا الحديث من طريق أحد عشر صحابياً) وقال ابن أبي شيبة: (ثبت لنا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاله) أي من كثرة طرقه. وقد حسنه العراقي وابن الصلاح وابن كثير وابن حجر والمنذري، ومن المحدثين المعاصرين الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ فالحديث حسن. ـ أما سقوط التسمية بالنسيان: فاستدلوا بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (2) . 1ـ هذا هو مذهب الحنابلة في المشهور عندهم: أن التسمية واجبة عند الوضوء ونحوه من الغسل والتيمم مع الذكر، فلو ترك التسمية عمداً بطل وضوؤه. 2ـ وذهب جمهور الفقهاء وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه أن التسمية سنة. وأجابوا: عن الحديث بأنه ضعيف لا يثبت، قال الإمام أحمد: (لا أعلم فيها إسناداً جيداً) أي التسمية. وكلامه ـ رحمه الله ـ إنما هو في الأسانيد بمفردها، أي في كل إسناد بمفرده، أما الأسانيد بمجموعها فإنها ترتقي إلى درجة الحسن. قالوا: وإن ثبت الحديث فإن قوله: (لا وضوء) يؤول بأن (لا وضوء كامل) ، فليس وضوءاً باطلاً، بل هو صحيح لكنه ليس بكامل بل هو ناقص لتركه السنة. وهذا القول ضعيف؛ لأن الأصل حمل الكلام على حقيقته، فيقال: (لا وضوء موجود) ثم (لا وضوء صحيح) وهي المرتبة الثانية ثم (لا وضوء كامل) وهي المرتبة الثالثة.
و (لا وضوء موجود) : هذا لا يمكن أن يقال به؛ لأن الوضوء قد وجد دون التسمية، فننتقل إلى المرتبة الثانية (لا وضوء صحيح) ثم (لا وضوء كامل) ولا يجوز أن ننصرف عن مرتبة إلا إذا امتنعت المرتبة التي قبلها فنقول ـ حينئذ ـ (لا وضوء صحيح) كما هو ظاهر اللفظة أي لا وضوء صحيح شرعي. 3ـ وذهب الإمام أحمد في رواية عنه واختارها أبو الخطاب من الحنابلة والمجد بن تيمية وابن عبد القوي إلى أن التسمية فرض عند الذكر والنسيان. فلو تركها ناسياً فإن وضوءه باطل ـ وهذا هو أصح الأقوال ـ وذلك لصحة الحديث الوارد في ذلك، وظاهره أنه لا وضوء صحيح مطلقاً سواء كان ذاكراً أو ناسياً. ـ أما حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي 0000) الحديث، فإن ذلك لا يكون في ترك الواجبات، فإن من ترك واجباً فإنه لايزال مطالباً بفعله، فإذا فعله برأت ذمته. ويكون ـ حينئذ ـ مغفوراً له غير آثم بسبب نسيانه، أما كونه لا يجب عليه أن يفعل فلا. فلوا أن رجلاً صلى بلا وضوء ناسياً، فإنه لا يأثم لكنه يجب عليه أن يعيد الصلاة، وهو معذور لنسيانه، فلا تبرأ ذمته حتى يفعله. وهذا القول هو أرجح الأقوال، وأن من ترك التسمية ذاكراً أو ناسياً فوضوءه باطل. فإن كان فعل ذلك في مرات سابقة فإنه لا يجب عليه الإعادة للمشقة. لكن إذا كان الوقت مازال حاضراً فإنه يعيد الوضوء والصلاة وكذلك التيمم والغسل ـ وهذا هو مذهب الظاهرية، (ثم رجح الشيخ وفقه الله قول الجمهور بالاستحباب) . ـ قال الإمام مالك: (حلق الشارب بدعه) ، وهذا إذا كان على وجه العبادة ـ أما إذا كان على غير وجه العبادة فإنه محرم للأمر بإحفائه؛ ولأنه من التشبه بالأعاجم. ـ ذهب بعض الحنابلة إلى أنه إن كانت اللحية على صورة قبيحة قد يستهزأ به من أجلها فإنه يجوز تسويتها وهذا حسن لا بأس به، لأنه نادر، أما إذا كان تهذيباً فإن ذلك لا يجوز. والحمد لله رب العالمين. الدرس السابع عشر ... يوم الثلاثاء: 1/11/1414هـ
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: ((ويجب الختان ما لم يخف على نفسه)) : الختان: من أمور الفطرة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط) (1) . وهذه اللفظة: (من الفطرة) لا تفيد وجوباً ولا استحباباً أي بالتنصيص. وإنما تفيد أن هذا مشروع فقد يكون من الواجب وقد يكون من المستحب. الختان: هو فعل الخاتن، وهو ما يسمى عندنا بـ: (الطهارة) : وهو قطع الجلدة فوق الحشفه. ما حكمه؟. قال المؤلف: (ويجب الختان) : وظاهره مطلقاً للذكر والأنثى وهذا مذهب جمهور أهل العلم. فجمهور أهل العلم قالو: إن الختان واجب للذكر والأنثى واستدلوا: بما ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لمن أسلم: (ألق عنك شعر الكفر ثم اختتن) (2) فهذا أمر والأمر ظاهره الوجوب. ـ ولأن في ذلك كشف عورة، ولا يجوز كشفها إلا إذا كان الفعل واجباً. ـ وعن الإمام أحمد رواية: أنه واجب في الرجال دون النساء. ـ ومذهب أبي حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه سنة مطلقاً للرجال والنساء، ودليل من قال بسنيته مطلقاً، وهو كذلك دليل من قال بوجوبه على الرجال دون النساء: ما رواه أحمد في مسنده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (الختان سنة للرجال مكرمة للنساء) (3) . أما من قال بأنه سنة مطلقاً ـ أي لرجال والنساء ـ فإنه رأى أن لفظة (سُنَّة) ترادف الاستحباب. ـ وأما من استثنى النساء عن السنية وأثبت الحكم للرجال، فإنه رأى أن لفظة: (سُنَّه) لا تفيد الاستحباب،وأن لفظة (مكرمة) تفيد الاستحباب.
لكن الحديث ضعيف فيه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف، على أن لفظة (سُنّة) لا تفيد الوجوب ولا تفيد الاستحباب بعينه، وإنما تدل على أن هذه طريقة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما نريد بالاستحباب بعينه ما ينافي الوجوب فلا شك أن الأمر الذي يحكم بأنه سنة محبوب إلى صاحب الشريعة لكن هل هو واجب أم مستحب ـ يستحب من دليل آخر ـ وإلا فقد قال صلى الله عليه وسلم ـ في الصحيحين: (فمن رغب عن سنتي فليس مني) (1) فالسُّنَّة هي الطريقة. بخلاف السُّنَّة عند الأصوليين فإنها: ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام، وهي ما ترادف المستحب والمندوب. والقول الأول أرجحها وهو وجوب الختان مطلقاً على الرجال والنساء. وهو ميزة المسلمين عن النصاري، فإن النصارى لا يختتنون، بخلاف اليهود فإنهم يختتنون، فالختان يتميز به المسلم وهو من شعار المسلمين،كما في حديث البخاري في قول هرقل: "إني أجد ملك الختان قد ظهر) . قوله: ((ما لم يخف على نفسه)) : كأن يكون رجلاً كبيراً شيخاً هرماً، فدخل في الإسلام فحينئذ: لا يجب عليه الختان إذا خشي على نفسه التلف، لأن الواجب يسقط عند العجز. وعند خوف التلف، وقد قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا ضرر ولا ضرار) . ـ فإن قيل: متى يكون الختان؟ فالجواب: أما وقت وجوبه فهو البلوغ، فلا يجوز له أن يبلغ إلا وقد اختتن. يدل على ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس: أنه سئل، مثل من أنت حين قبض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: (أنا يومئذ مختون، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) (2) أي حتى يناهز البلوغ. فهذه سنة العرب، وهو أنهم لا يختنون حتى يدرك. ـ فإن اختتن قبل ذلك فما الحكم؟. الجواب: سئل الإمام أحمد عن ذلك فقال: (لا أدري لم أسمع فيه شيئاً) أي لم أسمع فيه سُنَّة صحيحه فحينئذ: يبقى على الأصل، فالأصل في الأشياء الحل ما لم يثبت دليل يمنع من ذلك.
ـ أما حكم الإختتان في اليوم السابع للمولود، ففيه روايتان عن الإمام أحمد: الرواية الأولى: الكراهية وهو قول الحسن البصري. قالوا: لأنه فعل اليهود، فإنهم يختنون في اليوم السابع. الرواية الثانية: أنه لا يكره وهو قول ابن المنذر، وقد قال ابن المنذر: (وليس مع من منع من الختان في اليوم السابع حجة) . ـ وقد ذكر شيخ الإسلام أن إبراهيم عليه السلام خَتَنَ إسحاق في يوم سابعه فكانت سنة في بنيه أي في بني إسحاق ومنهم اليهود. وختن إسماعيل عند بلوغه فكانت سنة في بنيه. فإذا ثبت هذا، فإن فعل اليهود يكون سنة إبراهيمية عن إبراهيم عليه السلام. ـ والأظهر: أنه لا مانع من ذلك. فإذن: لا تحديد لذلك، فلو اختتن في اليوم الأول أو الثاني أو السابع أو العاشر أو عند ذلك فلا بأس لكن لا يجوز أن يبلغ إلا وقد اختتن؛ لأنه حينئذ يكون مكلفاً، والختان واجب عليه، فلا يجوز له أن يبلغ ولم يختتن. كما أن له أثراً في الطهارة ـ فحينئذ ـ: لا يحل له أن يبلغ إلا وقد اختتن أما قبل ذلك فلا بأس ولا حرج. ـ الثاني: من أمور الفطرة: (الإستحداد) : وهو حلق العانة، وهذا مستحب بالإتفاق كما قال ذلك النووي. ـ الثالث: من أمور الفطرة: (قص الشارب) وقد تقدم البحث فيه. ـ الرابع: من أمور الفطرة: (تقليم الأظافر) ، وتقليم الأظاهر مستحب بالإتفاق. ـ وهنا مسائل في تقليم الأظاهر: 1ـ المسألة الأولى: في كيفية تقليم الأظاهر: ذكر الحنابلة في المشهور عندهم أن طريقة تقليم الأظافر أن يبدأ بخنصر اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم يأتي بعد ذلك البنصر ثم السبابة ثم يأتي إلى اليسرى: فيشرع بالإبهام ثم الوسطى ثم الخنصر ثم يعود إلى السبابة ثم إلى البنصر، وهذه صفة المخالفة. ـ فإن قيل: فما الفائدة؟. قالوا: الفائدة من ذلك أنه لا يصاب بالرَّمَد، فإذا فعل ذلك فإنه لا ترمد عيناه. ـ فإن قيل: فما الدليل على ذلك؟
فالجواب: ما ينسب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو وضع عليه أو اختلق أنه قال: (من قلم أظفاره مخالفاً لم ير رمداً) (1) لكن الحديث لا أصل له، بل قال ابن القيم: (هذا من أقبح الموضوعات. ـ فإن قيل: فما السنة في ذلك؟ فالجواب: أن السنة: التيامن فيبدأ بيده اليمنى ثم اليسرى، فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (2) ، كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن سعدي. 2ـ المسألة الثانية: أنهم قالوا: يستحب أن يدفن قلامة أظفاره أو ما يأخذه من شعر. وفي ذلك حديث رواه الطبراني بإسناد ضعيف جداً أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان يدفن أظفاره) (3) . ونص على استحبابه ذلك ـ أي دفن الأظافر وما يأخذ من شعره ـ الإمام أحمد، وقال: كان ابن عمر يفعله، وقد أسنده إلى ابن عمر، وفي بعض أسانيده العمري وهو ضعيف فإن ثبت ذلك عن ابن عمر كما ذكر ذلك الإمام أحمد واحتج به فإنه يكون مستحباً لفعل ابن عمر. وقد وردت أحاديث صريحة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكنها ضعيفه لا تثبت. 3ـ المسألة الثالثة: في اليوم الذي نُقَلِّمُ فيه الأظفار، روى البغوي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان يأخذ أظفاره وشاربه في كل جمعة) (4) ، لكن الحديث إسناده ضعيف جداً، لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. الخامس: من أمور الفطرة: (نتف الإبط) . والسنة أن ينتفه نتفاً، فإن قدر على ذلك فإنه المتسحب، وإن لم يقدر على ذلك فحلقه فلا حرج في ذلك ونتف الإبط مستحب باتفاق أهل العلم. إذن: أمور الفطرة كلها مستحبه عند أهل العلم سوى الختان فإنه واجب، وخالف في ذلك أبو حنيفة وكذلك على الراجح قص الشارب فإنه واجب خلافاً لجمهور العلماء.
ـ وقد ورد حديث في مسلم عن أنس بن مالك، قال: (وُقِّت لنا في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألاّ نترك ذلك أكثر من أربعين يوماً) (1) . قال النووي ـ في بيان هذا الحديث ـ ومعناه: ((أنهم إذا لم يفعلوها في وقتها ـ أي مع كونها تحتاج إلى قص أو حلق أو نحوه ـ فإنهم لا يؤخرونها أكثر من أربعين يوماً، وليس معنى ذلك الإذن في التأخير مطلقاً، وهذا تأويل لكنه تأويل صحيح، لذا قال بعد ذلك: (وإنما الإعتبار بطولها وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال)) . لأنه من المعلوم أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلو أنها طالت بعد عشرة أيام، فهل نقول إنه يتركها أربعين يوماً مع أنها تحمل الأوساخ. لكن المراد: أنه إذا تركها فلا ينبغي أن يتعدى أربعين. اهـ قوله: ((ويكره القَزَع)) : القَزَع: جمع قَزْعة، والقزعة هي: القطعة من السحاب، فإذا كان في السماء قطع من السحاب فيجمع على قزع. والمراد به هنا: أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه الأخر سواء كان ما يحلقه مقدم رأسه أو مؤخره أو كان مبقياً لأعلاه آخذاً لجوانبه كما يفعله الأوباش والسفل ـ كما قال ابن القيم. ـ والدليل على النهي: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (نهى عن القزع) قيل لنافع: ما القزع؟ قال: (أن يحلق بعض رأس الصبي ويُترك بعضه) (2) . ـ وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (رأى صبياً قد حلق بعض شعره وترك بعضه فنهاهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: (إحلقوه كله أو اتركوه كله) (3) . ـ وجماهير أهل العلم على أنه مكروه. ولم أر أحداً صرح بتحريمه، وظواهر الأدلة تحريمه. لا سيما إذا كان فيه تشبه، فإنه يكون واضح التحريم، وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) . مسألة: لو أن رجلاً لم يختن حتى مات، فهل يختن بعد موته أم لا؟
الجواب: أنه لا يختن باتفاق أهل العلم؛ لأن الفائدة منه في الحياة وهذا قد مات. ـ مناسبة ذكر النهي عن القزع في هذا الباب: أنه ذكر السواك ومناسبة أنه سُنة من سُنَن الوَضوء فذكر المسائل التي تشابهه، فهذا من باب ذكر المسألة مع ما يناسبها، فقد ذكر السواك وهو من أمور الفطرة كما ورد في مسلم ومسند أحمد، فذكر ما يشابهه من أمور الفطرة. ـ ومن المعلوم أن هناك مسائل قد لا تنضبط في باب معين، فحينئذ تذكر في أبواب مختلفة عندما يذكر شيء يشابهها في الحكم معه. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثامن عشر ... …الأربعاء: 2/11/1414هـ قال المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ: ((ومن سنن الوضوء السواك)) : يدل على ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء (1)) ، فهذا الحديث يدل على مشروعية السواك، وأنه ليس بواجب بدليل قوله: (لولا أن أشق على أمتي) . ـ فإن قيل: فهل يستحب له السواك قبل الوضوء أم أثنائه؟ فالجواب: صرح بعض الحنابلة ـ كما في كشاف القناع ـ أن المستحب أن يكون ذلك مع المضمضة، ودليل ذلك ما تقدم من حديث علي رضي الله عنه: وفيه أنه تمضمض وأدخل بعض أصابعه في فيه) أي يستاك ورفع ذلك إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد تقدم تضعيف هذا الحديث وأنه لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
ـ ولو قيل: إنه يستاك قبل الوضوء لكان قوياً، ودليل ذلك ما ثبت في مسلم عن ابن عباس، والحديث أصله في الصحيحين أنه بات عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: فقام نبي الله من آخر الليل فخرج ثم نظر إلى السماء ثم قرأ هذه: (إن في خلق السموات والأرض.. إلى قوله: (فقنا عذاب النار) قال: ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ ثم قام يصلي، ثم اضطجع ثم قام فخرج ونظر إلى السماء فقرأ الآية، إي قوله: (إن في خلق السموات والأرض..، ثم رجع فتسوك فتوضأ، ثم قام يصلي) ، فلفظة: (فتسوك فتوضأ) ، ولفظة: (فتسوك وتوضأ) ظاهرهما أنه فعل التسوك قبل وضوئه. فالأظهر: أنه يتسوك قبل وضوئه كما هو ظاهر حديث ابن عباس المتقدم. قوله: ((وغسل الكفين ثلاثاً)) : وذلك مستحب باتفاق أهل العلم، قال الموفق: (بغير خلاف نعلمه) على أن المستحب أن يغسل كفيه ثلاثاً فهو مستحب باتفاق العلماء. وهو ثابت في حديث عثمان ـ كما ثبت في الصحيحن: أنه دعا بوضوء فغسل كفيه ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ثم غسل رجليه ثلاثاً ثم قال: (هكذا رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتوضأ وقال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه) ، والمراد بغسل الكفين: أن يغسل يديه من أطراف الأصابع إلى الرُّسْغِ. قوله: ((ويجب من نوم ليل ناقض للوضوء)) : تقدم هذا، وأنه هو مذهب الحنابلة وأنه هو الراجح وهو وجوب غسل الكفين لمن استيقظ من النوم خلافاً للجمهور. قلت: مراد شيخنا بوجوبه ـ أي لمن أراد أن يغمس بده في الإناء وليس مطلقاً (أبو حافظ) . قوله: ((والبداءة بمضمضة واستنشاق والمبالغة فيهما لغير صائم)) : ((البداءة بالمضمضة والاستنشاق)) : أي المستحب أن يبدأ بالمضمضة ثم الاستنشاق وأن يكون ذلك قبل غسل الوجه.
ودليل ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم (تمضمض ثم استنشق) فأتى بلفظة (ثم) التي تفيد الترتيب. ـ وهل هذا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والترتيب بينهما وبين الوجه، هل هو واجب أم لا؟. سيأتي الكلام على هذه المسألة، وأن مذهب الحنابلة الاستحباب. ـ والمتسحب له أن يكونا ـ أي المضمضة والاستنشاق ـ من غرفه واحدة، لما ثبت في المتفق عليه من حديث عبد الله بن زيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (تمضمض واستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات) فهو قد تمضمض واستنشق ثلاثاً، وكان ذلك بثلاث غرفات فكل مرة بغرفة واحدة. ـ والمتسحب أن يكون استنثاره بيده اليسرى، كما صح ذلك في سنن النسائي بإسناد صحيح. والمضمضة هي: تحريك الماء في الفم. والاستنشاق هو: إدخاله إلى الإنف. والإستنثار هو: طرحه منه. والأظهر أن المضمضة والاستنشاق تكون باليد اليمنى؛ لأنهما من التعبد لله، بخلاف الإستنثار فإنه إزالة أذى وإخراجه، فاستحب أن يكون ذلك بيده اليسرى. ـ وقد روى أبو داود في سننه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يفصل بين المضمضة والاستنشاق) (1) أي يتمضمض بكف ثم يستنشق بكف آخر. لكن الحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وقد قال ابن القيم: (لم يجىء في الفصل بين المضمضة والاستنشاق حديث صحيح البتة) . وقد ذكر صاحب الفتح حديثاً رواه ابن السكن من حديث عثمان وعلي وفيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فصل بين المضمضة والإشتنشاق) ولم يذكر سنده، وسكت عنه الحافظ والقاعدة: أن ما سكت عنه الحافظ فإنه حسن عنده. ولكن مع ذلك نكون متوقفين في هذا الحديث الذي سكت عنه، ولم يسق سنده لا سيما وأن ابن القيم ذكر أنه لم يجىء فيه حديث صحيح، ولا سيما أنه ثبت لنا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتمضمض ويستنشق من كف واحدة.
قوله: ((والمبالغة فيهما لغير صائم)) : فالمستحب له أن يبالغ فيهما ـ أي المضمضة والاستنشاق ـ إن لم يكن صائماً لما روى الأربعة وأحمد من حديث لقيط بن صبرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: (أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وقوله: (بالغ في الاستنشاق) : فيه أن السنة في الاستنشاق ومثله المضمضة المبالغة إن لم يكن صائماً. والمبالغة في الاستنشاق ليست مجرد إدخال إلى الأنف بل هي أشد من ذلك بأن يجذب الماء بنفسه حتى يصل إلى أقصى أنفه. ـ وأما المبالغة في المضمضة فهي أن يحرك الماء في أقاصي فمه، وقد يستدل عليها بقوله: (أسبغ الوضوء) . إذن: يستحب له أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق ما لم يكن صائماً. ـ وفي قوله: (أسبغ الوضوء) : فيه أن المشروع إسباغ الوضوء، وهو إتمامه وتوفيته وتكميله، فإن كان في الواجبات فهو واجب، وإن كان في المستحبات فهو مستحب. ـ وهل من المشروع أن يزيد على المفروض بأن يغسل اليدين إلى العضدين أو المنكبين ويغسل الرجلين إلى الساقين، هل يستحب هذا أم لا؟ ـ قولان لأهل العلم: 1ـ فمذهب جمهور أهل العلم إلى أن ذلك مستحب واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين فمن آثار الوضوء من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) . وراوي هذا الحديث وهو أبو هريرة ثبت عنه ـ كما في مسلم ـ أنه غسل يديه حتى كاد أن يبلغ المنكبين وغسل رجليه حتى ارتفع في الساقين) فمذهبهم أنه يستحب أن يزيد على المفروض. 2ـ وذهب المالكية وهو روايه عن أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من المحققين ـ ذهبوا إلى أن المستحب عدم الزيادة على المفروض بل يبقى على ما رود عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. ـ وأجابوا عن هذا الحديث بأن لفظة: (من استطاع منكن أن يطيل غرته فليفعل) بأن هذه مدرجة من كلام أبي هريرة.
وقد ذكر الحافظ: أن هذا الحديث ورد عن عشرة من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس في حديث واحد منهم ذكر هذه الجملة. ـ وأن هذه الجملة لم يذكرها أحد من الرواة عن أبي هريرة إلا نعيم بن عبد الله المجمر، فثبت لنا أن هذا موقوف على أبي هريرة، فليس مرفوعاً. فإذا ثبت هذا، فإنه قد خالف السنة، وقول الصحابي إذا خالفته السنة فليس بحجة، وقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي ـ وهذا لفظ أبي داود ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضأ ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: (هكذا الوضوء فمن زاد أو نقص ـ وقوله نقص ـ في أبي داود دون غيره ـ فقد أساء وظلم) . وتكلم الإمام مسلم في لفظة: (أو نقص) ، وتأولها البيهقي بأن المراد أن ينقص عن القيام بغسل شيء من الأعضاء، وذلك لأن غسل الأعضاء مرة مرة أو مرتين مرتين ليس فيه حرج ولا بأس. ـ وهذا القول ـ أي عدم الاستحباب ـ هو الراجح، ولم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يزيد على المرفوع. ـ أما ما ثبت في مسلم أن أبا هريرة كان يغسل يديه حتى يشرع في العضد، ويغسل رجليه حتى يشرع في الساق ويقول: (هكذا رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتوضأ) . فالجواب: أن هذا نحن نقول به، ولا ننكر ذلك، وذلك بأن يغسل يديه حتى يشرع في العضد أن بداية العضد؛ لأنه يكون قد تيقن من غسل المرفقين. ومثل ذلك عندما يغسل رجليه فيدير الماء على الكعبين فإنه يكون قد شرع في الساق، وَغُسل الكعبين واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ـ وقوله صلى الله عليه وسلم، في حديث لقيط بن صبرة: (وخلل بين الأصابع) . فيه أن المشروع أن يخلل بين أصابعه. والتخليل: إدخال الشيء في خلل شيء آخر. قال تعالى: (لأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة) (1) أي لأسرعوا فيما بينكم في إبقاء الفتنة وبثها فيما بينكم. فهذا فيه مشروعية تخليل الأصابع، ولفظه (الأصابع) عام في أصابع اليدين والرجلين.
وقد ورد هذا مصرحاً به فيما رواه الترمذي بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت فخلل بين أصابعك) (1) . أما تخليل أصابع اليدين فهو بأن يدخل أصابع كل يد في الآخر بمعنى يشبك بين أصابعه. ـ وأما تخليل أصابع الرجلين، فقد ورد في الترمذي وابن ماجة بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان يخلل أصابع ـ وفي روايه يُدَلِّك ـ رجليه بخنصره) (2) . والأظهر: أن هذه الخنصر هي خنصر اليد اليسرى؛ لأن ذلك في الغالب يكون موضع قذر وأذى فاستحب أن يكون باليد اليسرى. ـ إذن: يشرع له أن يخلل أصابعه. فإذن ثبت له أن الماء لم يصل فإنه يجب عليه أن يفعل ذلك ـ أي التخليل. ولكن هذا التخليل لمزيد الطهارة ولكمالها. أما إذا ثبت له أن شيئاً من ذلك لم يصل إليه الماء، فإنه يجب عليه التخليل فيوصل الماء إلى هذا الموضع الذي لم يصل إليه الماء. قوله: ((وتخليل اللحية الكثيفة والأصابع)) : تقدم الكلام على تخليل الأصابع. أما تخليل اللحية، فقوله (الكثيفة) : قيد يُخْرِج اللحية الخفيفة وضابط الخفيفة: التي تتضح منها البشرة، فإذا كانت البشرة تتضح منها فيجب عليه تخليلها؛ لأنها ظاهرة من الوجه، والوجه يجب أن يغسل، كما قال تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) (3) . ـ أما اللحية الكثيفة: فهي التي لا تتضح منها البشرة. فأما ظاهرها فيجب غسله؛ لأنها ظاهرة من الوجه، وقد قال تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) . ـ وأما باطنها فيستحب تخليله. يدل على ذلك ما رواه الترمذي وغيره من حديث عثمان أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (كان يخلل لحيته) وهذا الحديث له طرق كثيرة، حتى ذكر ابن القيم أنه قد ورد عن ثلاثة عشرة صحابياً، فالحديث ثابت وقد قال الإمام أحمد: (لم يثبت في تخليل اللحية شيء) . ـ لكن هذه الطرق الكثيرة تتظافر على إثباته.
ـ ولما لم ينقل نقلاً بيناً ظاهراً فإنه يستدل به على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يديم ذلك. لذا قال ابن القيم: (وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعله ولم يكن يداوم عليه) (1) . لأن أكثر الأحاديث في صفة وضوء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم تنقل تخليل لحيته: (أنظر شرح البلوغ للشيخ ـ حفظه الله ـ فإن فيه حديثاً عن ابن عباس يدل على ذلك) . لذا ذهب جماهير العلماء إلى أن ذلك ليس بواجب ـ أي التخليل. ـ وذهب طائفة من العلماء إلى أن ذلك واجب. ـ والأظهر ما تقدم وهو مذهب جماهير أهل العلم (المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة) ـ إلى أنه ليس بواجب. ودليل استحبابه حديث عثمان المتقدم. ـ وصفة التخليل: ما ورد في أبي داود بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان يأخذ كفاً من الماء فيدخله تحت حنكه ثم يخلل لحيته، ويقول: (هكذا أمرني ربي عز وجل) (2) . والحديث: إسناده حسن. فإذن: تخليل اللحية الخفيفة واجب. أما الكثيفة فهو مستحب تخليلها، أما غسل ظاهرها فهو واجب؛ لأنه من الوجه الذي يواجه به. ـ وينبغي أن يكون هذا لما هو ظاهر منها في الوجه. أما ما يكون على الحلق فإن إيجاب غسله موضع نظر ومع ذلك فالإحتياط أن يعمم ذلك. قوله: ((والتيامن)) : لما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (3) . وثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي وابن ماجة وأبي داود بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا توضأتم فابدؤا بميامنكم) (4) . فهذا يدل على أن المشروع أن يبدأ بميامنه، وهو مستحب باتفاق أهل العلم. ـ وليس هناك أحد من أهل العلم أوجب الإعادة في المخالفة. فإذا غسل يده اليسرى قبل اليمنى فوضوؤه صحيح لكنه ترك المستحب والسنة. قوله: ((وأخذ ماء جديد لأذنيه)) :
هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو أن المستحب أن يأخذ لأذهيه ماء غير الذي أخذه لرأسه. وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم، واستدلوا: بما رواه البيهقي بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي مسح به رأسه) (1) . لكن الحديث شاذ، فقد رواه مسلم بسنده نفسه: (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسح رأسه بغير فضل يديه) (2) . فالرأس عضو واليدان عضو آخر، وقد مسح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـالرأس بغير فضل يديه، أما الأذنان فإنهما من الرأس، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الأذنان من الرأس) (3) رواه أحمد وغيره، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. وقد روى أبو داود من حديث الرُّبيِّع بنت عفراء أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة) (4) وإسناده حسن. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد ـ أي أنه يمسح أذنيه بالماء الذي مسح به رأسه ـ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ـ وقد ضَعَّف ابن القيم الحديث واختار هذا القول طائفة من أصحاب أحمد كالمجد ابن تيمية والقاضي. إذن: المستحب له أن يمسح أذنيه بماء رأسه فيأخذ ماء واحدا فيمسح به رأسه وأذنيه ـ هذا هو الراجح. قوله: ((والغسلة الثانية والثالثة)) : هذه سنة من سنن الوضوء وهي الغسلة الثانية والثالثة فغسل اليدين المرة الثانية والثالثة مستحب، وأما الغسلة الأولى فهي فرض. وغسل الوجه ثلاثاً، الغسلة الأولى فرض، أما الثانية والثالثة بهما فمستحبان. وقد ثبت في البخاري عن ابن عباس: (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضأ مرة مرة) (5) . وثبت في البخاري من حديث عبد الله بن زيد: (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضأ مرتين مرتين) (6) .
وثبت في البخاري من حديث عثمان بن عفان: (أن ـ صلى الله عليه وسلم ـ: توضأ ثلاثاً ثلاثاً (1)) ورواه أيضاً أبو داود الذي تقدم ذكره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضأ ثلاثاً ثلاثاً. ـ وقد ثبت أنه توضأ فخالف، فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله ابن زيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: غسل يديه ثلاثاً وتمضمض واستنشق ثلاثاً ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه) . فهنا غَسَل الرجلين مرة وَغَسَلَ يديه مرتين وغَسَلَ بقية الأعضاء ثلاثاً ثلاثاً. وكل ذلك سنة، على أن الأكثر في حاله هو أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً. والفرض إنما هو الغسلة الأولى، وما سواها فهو سنة. ـ والذي ينبغي له أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، وأن يكون غالب حاله الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. لأن ما ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـفعله في صور مختلفة، فالسنة أن يفعل هكذا تارة وهكذا تارة. فإذن السنة: أن يتوضأ مرة مرة، وكذلك مرتين مرتين وكذلك ثلاثاً ثلاثاً وكذلك أن يخالف. فهذه من سنن الوضوء. والحمد لله رب العالمين. انتهى: (باب: السواك وسنن والوضوء) بحمد لله. الدرس التاسع عشر ... السبت: 5 / 11/1414هـ باب: ((فروض الوضوء وصفته)) : (فروض) : الفروض جمع فرض وهو في اللغة: القطع والحز. أما اصطلاحاً: فهو ما أمر به الشارع على وجه الإلزام. فإذن هو مرادف للواجب وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وغيرهم بل هو مذهب جمهور الفقهاء والأصوليين. ـ وذهب الإمام أحمد في رواية وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن الفرض أكثر من الواجب، فالفرض عندهم: ما ثبت بدليل قطعي. ـ فعلى القول الأول ـ وهو قول الجمهور ـ تسمى الصلاة فرضاً وكذلك الزكاة، وكذلك إعفاء اللحية يسمى فرضاً: أي سواء ثبت بدليل قطعي كالصلاة أو ثبت بدليل ظني كإعفاء اللحية ونحوها من الواجبات. ـ أما على القول الثاني: فالصلاة تسمى فرضاً، لكن مثل إعفاء اللحية ونحوه يقال: واجب.
ـ وهذا في الحقيقة أولى؛ لأن هذا الإصطلاح ـ ولا مشاحة في الإصطلاح ـ فيه تمييز بين الواجبات نفسها. فالأظهر هو القول بالتفريق بين الواجب والفرض، وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة. قال المصنف ـ رحمه الله ـ: (فروضه ستة) : يريد بالفروض هنا: أركان الوضوء، وذلك لأن ما ذكره المؤلف من هذه الست كلها جزء من ماهية الوضوء، وجزء الشيء ركنه. قوله: ((غسل الوجه)) : هذا هو الفرض الأول، ودليله قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) وهذا بالإجماع وسيأتي مزيد تفصيل له عند الكلام على صفة الوضوء. قوله: ((والفم والأنف منه)) : أي المضمضة والاستنشاق، فعلى ذلك المضمضة والاستنشاق فرض؛ لأنهما من الوجه، فالوجه ما يواجه به وهذه الأعضاء تتم بها المواجهة كما تتم المواجهة ببقية أجزاء الوجه. ـ وهذا الكلام فيه نظر، فالأظهر: أن الفم والأنف ليسا من الوجه حقيقة، وذلك لأنهما وإن كانا في الظاهر من الوجه لكن الذي يتم تغسيله إنما هو باطنهما ولا شك أن الباطن ليس مما يواجه به. كما أنهم لم يوجبوا تخليل اللحية الكثيفة وأوجبوا غسل ظاهرها، مع أن اللحية مما يواجه به، فأوجبوا غسل ظاهرها؛ لأنه من الوجه ولم يوجبوا غسل باطنها وكذلك هنا: فالأنف والفم غسل ظاهرهما يجب بالإجماع. ـ أما باطنهما، فالراجح هو ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب المضمضة والاستنشاق لكن ليس للتعليل الذي ذكره وإنما للأدلة الشرعية الدالة على ذلك منها: ـ ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر) (1) فهو فيه إيجاب الاستنشاق لأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم والأصل في الأمر الوجوب. ـ وأما المضمضة فدليلها: ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـقال: (إذا توضأت فمضمض) (2) فهذا أمر والأمر للوجوب.
ـ ولم يصح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديث البته ـ كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم ـ أنه ترك المضمضة والاستنشاق. ـ وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المضمضة والاستنشاق ليسا بواجبين وإنما سنتان. قالوا: لأن الله ـ عز وجل ـ في الآية إنما أمر بغسل الوجه ولم يأمر بالمضمضة والاستنشاق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ـ كما في سنن أبي داود بإسناد صحيح: (توضأ كما أمرك الله) (1) ، وليس مما أمر الله به المضمضة والاستنشاق. وفي هذا الإستدلال نظر، وذلك لأن ما يأمر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما هو مثل ما يأمر به الله، كما أن ما يحرمه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل ما يحرمه الله ـ كما صح في الحديث، فقد أمرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمضمضة والاستنشاق، وداوم على ذلك ولم يصح عنه أنه ترك ذلك البتة، وقد أمرنا الله بمتابعته وسماع أمره، فعلى ذلك قوله: (توضأ كما أمرك الله) وقد أمرنا الله بطاعة رسوله، وقد أمر رسوله بالمضمضة والاستنشاق. فالراجح: هو ما ذهب إليه الحنابلة من فرضية المضمضة والاستنشاق. قوله: ((وغسل اليدين)) : وهذا هو الفرض الثاني ودليله قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) (2) . وسيأتي تفصيل الكلام على ذلك عند صفة الوضوء. قوله: ((ومسح الرأس)) : هذا الفرض الثالث وهو مجمع عليه وأنه من أركان الوضوء. قوله: ((وفيه الأذنان)) : 1ـ أي أن الأذنين من الرأس، فيجب مسحهما كما يجب مسح الرأس، وهذا هو مذهب الحنابلة. 2ـ وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم إيجاب ذلك، ورأوا أن مسح الأذنين من المستحبات المشروعات وليس من المفترضات الواجبات. ودليل الحنابلة: ما روى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (الأذنان من الرأس) رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي أمامة. ورواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة.
ورواه غيرهم من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأصحها إسناداً ما رواه الطبراني عن ابن عباس بإسناد جيد وهذه الطرق الكثيرة ترتقي بالحديث إلى درجة الصحة، لذا ذهب إليه الإمام أحمد فقال: (إن الأذنين من الرأس) ، فيجب مسحهما كما يجب مسح الرأس. أما الجمهور: فقالوا: لم يصح هذا الحديث، فعلى ذلك الأذنان ليسا من الرأس فلا يجب مسحهما وإنما يستحب. ـ وإذا ثبت لنا الحديث فإننا نقول بإيجاب ذلك، وهذا القول هو الراجح وهو مذهب الحنابلة من وجوب مسح الأذنين وإنهما من الرأس. قوله: ((وغسل الرجلين)) : وهذا هو الفرض الرابع، وهو فرض بالإجماع، وقد قال تعالى: (فاغسلوا وجوهكم 000 وأرجلكم) . قوله: ((والترتيب)) : الترتيب فرض عند الحنابلة والشافعية. ودليلهم: أن الله عز وجل في كتابه الكريم قد أدخل الممسوح بين المغسولات، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فأدخل الله الممسوح بين المغسولات، فحينئذ: فصل النظير عن نظيره، وهذا لا فائدة منه إلا الترتيب وفرضيته لأن الآية في ذكر فرائض الوضوء. ولو أن رجلا قال: (أكرمت زيداً، وأهنت عمراً، وأكرمت بكراً) فهذا الكلام من العِيِّ لا من البيان. وأنه فصل النظير عن نظيره والواجب ألا يفعل، وأما أن يفصل فهذا من العي. والله عز وجل ينزه عن ذلك فلا بد من فائده. لذا استدل به أهل العلم على إيجاب الترتيب، لأن الله أدخل الممسوح من المغسولات. ولا يقال: إن الترتيب مستحب؛ لأن الآية قررته في سياق الفرض وليس في سياق الاستحباب. ـ كما أن الله ـ عز وجل ـ لم يرتب الأعضاء الأعلى فالأعلى أو الأقرب فالأقرب بل رتبه هكذا مختلفة، وذلك لا فائدة منه إلا إيجاب الترتيب. ـ ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يصح عنه أنه توضأ غير مرتب أبداً، كما قرر هذا ابن تيمية وابن القيم والنووي وغيرهم.
فالراجح: هو إيجاب الترتيب. فلو أن رجلاً توضأ غير مرتب كأن يمسح الرأس قبل غسل اليدين فإن وضوءه باطل فيجب عليه أن يعيد الوضوء إن كان هناك فاضل. أما إن لم يكن هناك فاصل فإنه يصح منه غسل اليدين، فيجب عليه أن يمسح الرأس مرة أخرى. فإن توضأ منكساً أربع مرات فهل يصح وضوءه أم لا؟ بمعنى: غسل رجليه ثم مسح رأسه ثم غسل يديه ثم غسل وجهه وفعل ذلك أربع مرات. قالوا: يصح وضوؤه؛ لأن كل وضوء من هذه الوضوءات المنكسة يصح منها عضو واحد. فعلى الوضوء الأول يصح غسل الوجه، وفي الوضوء الثاني يصح غسل اليدين وفي الوضوء الثالث يصح مسح الرأس وفي الوضوء الرابع يصح غسل الرجلين. وهي صفة غريبة ولكن ذكرناها للفائدة. ـ وذهب المالكية والأحناف إلى عدم وجوب الترتيب. قوله: ((والموالاة وهي أَلاَّ يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله)) : هذا الفرض السادس من فروض الوضوء. وهنا: ذكر فرضية الموالاة وذكر ضابطها، فيه مبحثان: ـ المبحث الأول: في فرضيتها. (1) ـ مذهب الحنابلة هو فرضية الموالاة، وأن الموالاة بين الأعضاء فرض وهذا مذهب المالكية. واستدلوا: بما ثبت في المسند بإسناد جيد كما قال الإمام أحمد وصححه ابن كثير، وغيره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: رأى رجلاً يصلي وعلى قدمه لمعة قدر درهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة) (1) . ووجه ذلك: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يأمره أن يكتفي بغسل هذه البقعة التي لم يصبها الماء بل أمره أن يعيد الوضوء كله، فلو لم تكن الموالاة واجبة لاكتفى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يغسل هذا المأمور البقعة التي لم يصبها الماء. ـ وقد ثبت في مسلم: أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: (إرجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى (2)) .
فهنا قوله: (فأحسن وضوءك) يفسره بالرواية المتقدمة وفي رواية لأحمد بإسناد فيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكن ذلك التفسير يقوي هذه اللفظة: (ثم رجع فتوضأ ثم صلى) . قالوا: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المفسر للقرآن بفعله، لم يثبت عنه أنه توضأ غير موال بل كل وضوئه على الموالاة. (2) ـ وذهب الشافعية والأحناف إلى أن الموالاة غير واجبة بل هي مستحبة. ودليلهم: أنه لم يثبت في الآية المتقدمة، وقد قال تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق 00) الآية. والواو لا تفيد التعقيب، بل لو تَرَاخَى فإنه لا حرج. ـ لكن تقدم الدليل الدال على ذلك من السنة، ثم إن القرآن قد فسره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بفعله، وقد تقرر عند الأصوليين أن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمجمل القرآن يعطي حكم ذلك المجمل. مثاله: النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى المغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً والفجر ركعتين والظهر والعصر أربعاً، فهذا فعل وهو بيان لمجمل في القرآن، فيكون فرضاً كما أن قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) (1) فرض. ـ المبحث الثاني: في ضابط الموالاة: قال المؤلف: ((وهي ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله)) : لو أن رجلا غسل وجهه ثم جلس زمناً فغسل يديه هذا الزمن قد جف فيه الماء الذي على وجهه، فحينئذ لا يكون وضوؤه صحيحاً بل يبطل لانتفاء الموالاة. ـ فإن قيل لهم: لكن الزمان يختلف، ففي الشتاء يتأخر الجفاف وفي الصيف يكون سريعاً. قالوا: نقيد ذلك بالزمان المعتدل. فمثلاً: الزمان المعتدل خمس دقائق لأن يجف الماء عن الوجه فلو لم يجف الماء فجلس خمس دقائق فإنه يكون قد قطع الموالاة، وفي الصيف ذهب الماء بدقيقة بسبب حرارة الشمس. فنقول: ينتظر خمس دقائق؛ لأنه هو الزمان المعتدل. هذا هو ضابط الحنابلة، وهو ضابط الشافعية أيضا القائلين باستحباب الموالاة فإنهم يستحبونها وهو ضابطها عندهم.
ـ وهذا الضابط أولاً: لا دليل عليه، ثانياً: يشق ضبطه فإن عامة الناس لا يمكنهم أن يضبطوا فعل ذلك. فإيقاع هذا الضابط في الواقع فيه مشقة وعسر. ـ وذكر بعض أهل العلم ضابطاً آخر وهو أصح منه وهو رواية عن الإمام أحمد، وقال الخلال فيها: (وهو الأشبه بقوله والعمل عليه) ، والضباط هو: إرجاع ذلك إلى العرف. فإذا كان هناك فاصل عرفي ثبت عرفاً أنه طويل فإنه تنتفي الموالاة، وإن كان قصيراً فإن الموالاة لا تنتفي. مثال: رجل توضأ فلم يغسل عقبيه، ثم ذهب إلى المسجد فلما دخله أخبره بعض المصلين، بهذا الموضع الذي لم يصله الماء، فهذا فاصل طويل عرفاً. لكن لو أن رجلاً توضأ وبمجرد ما انتهى من الوضوء أخبر أن موضعاً من يديه لم يصبه الماء فإنه فاصل قصير عرفاً فلا يعيد. فهذا القول هو الأرجح وهو أن ذلك راجع إلى العرف وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها بعض أصحابه. ـ ومثل ذلك: كل ما لم يثبت في الشرع ولا في اللغة تحديد له فإنه يقيد بالعرف. فإذن: الموالاة فرض من فروض الوضوء وضابطها: ألا يفصل بنهما بفاصل طويل عرفاً. ـ فإن قيل: لو أن رجلاً توضأ فغسل وجهه ويديه ثم انقطع عنه الماء بأي سبب من الأسباب ثم بعد ذلك حضر الماء، بعد فاصل طويل عرفاً ـ فهل يمسح رأسه ويغسل رجليه أم أنه يستأنف؟ قولان لأهل العلم: 1ـ فالمشهور في مذهب الحنابلة أنه يعيد الوضوء؛ لأن الموالاة شرط فوجب أن يأتي بها ولا يسقط بالعذر. 2ـ وذهب المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن العذر مسقط للموالاة، لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) (1) ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (2) . ـ وأوضح منه في الاستدلال،ما في الصحيح ـ وسيأتي ذكره إن شاء الله ـ من العمل الكثير في الصلاة، فإنه يقتل الحية والعقرب، ونحو ذلك ثم يعود إلى الصلاة.
فهذا قاطع عن الصلاة وهو معذور فيه ومع ذلك فإنه لا يعيد الصلاة بل يبني عليها. ـ وهذا القول فيه قوة. ـ والقول الأول: فيه أيضا: فإنه يمكن أن يجاب عما استدلوا به: بأن قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ، أن يقولوا: أنه لا مشقة في إعادة الوضوء، فإنه لا مشقة في أن يوافق أمر الله عز وجل بالإتيان بالوضوء موالياً، فليس في ذلك شيء به المشقة. ـ وأما الإستدلال بقتل الحية ونحوها أثناء الصلاة فيمكن أن يقال: أنه مازال في الصلاة، فهو يصلي لله وهو مازال في نيته لم يقطع صلاته، ومازال يتعبد لله بالصلاة وأجيز له أن يتحرك بهذه الحركة التي هي في الظاهر منافية للصلاة لكنها أجيزت من قبل الشارع للضرورة. ـ ولا شك أن كلا القولين فيه قوة إلا أن الأحوط ما ذهب إليه الحنابلة من أنه لا يسقط بالعذر. ـ وقيل ذلك النسيان والجهل والإكراه، فإنه لا يسقط بها. بل الذي يسقط إنما هو الإثم. ـ فلو أن رجلاً ترك الموالاة جاهلاً أو ناسياً فإنه لا إثم عليه ولكن يجب عليه أن يعيد الوضوء. ودليل ذلك ما تقدم من الحديث، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما رأى الرجل الذي في قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء أمره أن يعيد الوضوء ولم يستفصل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه أهو ناسي أم لا، أهو جاهلٌ أم لا؟ ونحو ذلك: وترك الإستفصال في مقام الإحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما هو مقعد عند الأصوليين فهذه من العمومات. إذن: الراجح أن المولاة لا تسقط بالإكراه ولا بالنسيان ولا بالجهل. ـ وهل تسقط بالعذر أم لا؟ تقدم البحث في هذا وتقوية كلا القولين وأن الإحتياط ما ذهب إليه أهل القول الأول. مسألة:
إذا ثبت وجوب الترتيب بين الأعضاء الأربعة، فهل يجب عليه أن يرتب بين المضمضة والاستنشاق، وبين المضمضة والاستنشاق والوجه، وبين المضمضة والاستنشاق وبقية الأعضاء؟ هل يجب ألا يرتب بين المضمضة والاستنشاق أم لا؟ فلو أنه استنشق قبل أن يتمضمض فهل يكون فعله جائزاً أم لا؟. 1ـ قال الحنابلة: فعله جائز؛ لأنهما من الوجه. فلو أن رجلاً غسل أعلى الوجه قبل أسفله أو أسفله قبل أعلاه فإنه لا حرج عليه في ذلك. 2ـ ووجه صاحب الفروع وهو مذهب لبعض أهل العلم وجوب ذلك، وهو أظهر، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أمر بهما، لم يثبت عنه تقديم الاستنشاق على المضمضة بل كان يتمضمض ثم يستنشق. فالأظهر: هو إيجاب ذلك كما هو فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أمر بهما وكان على هذه الطريقة في تقديم المضمضة على الاستنشاق. ـ فإن قدم الوجه على المضمضة والاستنشاق. قال الحنابلة: لا حرج لأنهما من الوجه. ـ فإن قدم غيرهما عليهما، فكان منه أن غسل وجهه ثم غسل يديه ثم مسح رأسه ثم تمضمض واستنشق فهل يكون صحيحاً أم لا؟ روايتان عن الإمام أحمد وهما قولان في المذهب: 1ـ الأول: أن المضمضة والاستنشاق يجب أن يكونا مع غسل الوجه فحينئذ يجب أن يقدما على غسل اليدين؛ لأنهما من أجزاء الوجه. قالوا: وهذا المحفوظ من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في الصحيح من حديث عثمان، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، وفي السنن من حديث علي بن أبي طالب. بأن المحفوظ هو تقديم المضمضة والاستنشاق مع الوجه على بقية الأعضاء. 2ـ الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد أن ذلك جائز وهو مذهب بعض أصحابه.
ودليل ذلك: ما صح في سنن أبي داود من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (غسل كفيه ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما) رواه الإمام أحمد وزاد: (ثم غسل رجليه) (1) . ورواه الضياء في (المختارة) ، وقد اشترط فيها أن تكون كل الأحاديث التي فيها صحيحة ثابتة، وقد أورد فيها هذا الحديث. فهذا الحديث يدل على صحة الرواية الثانية فالحديث إسناده صحيح وهو ثابت. وهذا يقوي القول المتقدم وأن المضمضة والاستنشاق ليسا من الوجه بل هي عضوان منفردان عنه. فعلى ذلك إذا قدم غسل اليدين على المضمضة والاستنشاق فإنه يجوز ذلك مادام أنه قد فعلهما لأن الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وبقية الأعضاء ليس بمفترض. وهذا مذهب أحمد في رواية واختاره طائفة من أصحاب أحمد. إذن: المضمضة والاستنشاق لها باب آخر في باب الترتيب. أما تقديم الاستنشاق على المضمضة فالمشهور في المذهب جوازه، وقد تقدم أن الراجح هو وجوب تقديم المضمضة على الاستنشاق. وتقديمهما على الوجه وعلى بقية الأعضاء تقدم أن الراجح جواز تقديم بقية الأعضاء على المضمضة والاستنشاق وكذلك يجوز تقديم الوجه على المضمضة والاستنشاق. والحمد لله رب العالمين. الدرس العشرون ... …الأحد: 6 /11/1414هـ قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: ((النية شرط لطهارة الأحداث كلها)) : النية: هي القصد والعزم على الفعل، ومحلها القلب ولا يشرع التلفظ بها إلا في الحج لثبوت ذلك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلا فالنية محلها القلب وليس للسان فيها مدخل أصلاً. ـ وأعلم أن الجهر بالنية قد اتفق بالعلماء على بدعيته حتى ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن صاحبه يستحق التعزيز لأنه من البدع المحدثة في الدين. ـ فإن أسرَّ به ولم يجهر، ويزيد بالاسرار به أن يتلفظ بلسانه من غير أن يجهر به مثل قراءة القرآن في الصلاة فهل يشرع؟
ـ المشهور في المذهب مشرعية ذلك، قالوا: ليواطىء اللسان القلب. ـ أما الإمام أحمد فإن نصَّه الذي بقي عليه وهو مذهب مالك أن ذلك ليس بمشروع وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه وهو الصواب؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يثبت عنه ذلك ولم يثبت عن أصحابه، وما كان كذلك فإنه بدعه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . فالجهر أو الإسرار بالنية بدعة، فالنية محلها القلب. ـ والأصل في النية قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (1) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب وهو حديث عظيم وهو ثلث الإسلام كما قال غير واحد من أهل العلم، فإن العبادات كلها مبناها على هذا الحديث العظيم. لذا قال المؤلف: (النية شرط لطهارة الأحداث كلها) . والشرط: هو ما تنعدم العبادة بانعدامه وتبطل بفقدانه ولكن الشرط إذا وجد فلا يلزم وجودها. فمثلاً: الوضوء شرط من شروط الصلاة، فإذا فقد أو اختل شرط من شروطه فإن العبادة تكون باطلة، ولكن إذا وجد الوضوء فليس شرطاً أن توجد الصلاة، هذا توضيحه. أما تعريفه فهو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. فالنية شرط في العبادات كلها وهي شرط من شروط الطهارة للأحداث كلها. فإذا توضأ بلا نية كأن يتوضأ للتبريد ونحوه فإن هذا الوضوء باطل؛ لأنه فقد شرطاً وهو النية، فهو لم ينو بوضوئه التعبد لله، وإنما نوى التبريد ونحوه. قوله: ((فينوي رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها)) : بمعنى: رجل يريد أن يتوضأ فماذا ينوي؟ قال: (ينوي رفع الحدث 0000) . وقد تقدم تعريف الحديث وأنه: الوصف القائم في البدن الذي يمنع من الصلاة ونحوها. ـ فإذا فعل ناقضا من تواقض الوضوء فإنه يكون متصفاً بهذا الوصف، فإذا توضأ وهو ينوي رفع الحديث فإن حدثه يرتفع ويكون مجزئاً عنه، وهذا مذهب جماهير العلماء.
قوله: ((أو الطهارة لما لا يباح إلا بها)) : هناك أشياء لا تباح إلا بالطهارة، مثل الصلاة ومس المصحف، والطواف على قول، ونحو ذلك فهذه العبادات لا تصح إلا بالطهارة، فإذا فعل الطهارة كأن يتوضأ ليصلي أو ليطوف بالبيت أو ليمس المصحف فإن ذلك يجزئ عنه عند جمهور العلماء لأن هذا الفعل منه متضمن لرفع الحدث؛ لأن هذه الأفعال لا تصح إلا بالطهارة ورفع الحدث. ـ فلو أن رجلاً تطهر ليمس المصحف، فيجوز له أن يصلي وغير ذلك من العبادات التي لا تصح إلا بالطهارة؛ لأنه قد تطهر لما لا يباح إلا بالطهارة. فإذن: إذا توضأ لما لا تباح العبادات إلا به، فإن وضوءه صحيح وله أن يصلي فيه وأن يتعبد لله فيه بسائر العبادات. قوله: ((فإن نَوَى ما تسن له الطهارة كقراءة أو تجديداً مسنوناً ناسياً حَدَثه ارتفع)) : فإذا نوى ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن من غير مسٍ للمصحف أو نية ذكر الله عز وجل أو لغيرها من النيات التي تكون لأعمال لا تشترط فيها الطهارة فهل له أن يصلي فيه الصلاة المفروضة وغير ذلك؟ قال المؤلف: ((نعم يصح أن يصلي فيه الصلاة المفروضة)) ـ وفي قول في المذهب أنه لا يجزئ عنه. ـ والأصح هو المشهور في المذهب؛ لأن هذا الفعل متضمن لرفع الحدث. فإن هذا الوضوء فيه متضمن لرفع الحدث؛ لأن هذا الوصف القائم بالبدن وهو الحدث يكره له أن يقرأ القرآن وهو عليه فتوضأ بنية قراءة القرآن فيكون متضمناً لرفع الحدث القائم به. فعلى ذلك: إذا توضأ لما يسن له الطهارة، فالراجح وهو المشهور في المذهب أنه يجزئ ذلك. قوله: ((أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه ارتفع)) : فهنا قيَّد التجديد بقيدين: 1ـ القيد الأول: أن يكون مستوناً 2ـ القيد الثاني: أن يكون ناسياً لحدثه. والمراد بالتجديد: الرجل يكون عليه الوضوء الشرعي الذي يمكنه أن يصلي فيه ونحو ذلك لكنه مع ذلك يستحب له أن يتوضأ وضوءاً آخر وهو التجديد.
وفي البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان يتوضأ لكل صلاة) (1) . فتجديد الوضوء سنة. وأما ما روى الأربعة إلا النسائي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات) (2) فهو ضعيف. فالتجديد في الأصل سنة فلماذا قيده هنا بقوله: (مسنوناً) . قالوا: المسنون هو الوضوء الذي فعل بعد وضوء قد صلي فيه. فعلى ذلك: لو أن رجلاً توضأ لصلاة الظهر ثم توضأ مرة أخرى لها قبل أن يصليها فهذا ليس بمشروع، فالمسنون إذن هو: التجديد الطارئ على وضوءٍ قد صُلِّيَ فيه. ـ وقيْده بفيد آخر وهو قوله: (ناسياً حدثه) . فلو أن رجلاً نوى التجديد وهو ذاكر للحدث فإنه لا يجزئ عنه لأنه متلاعب بالشرع، فكيف ينوي هذه النية وهو ليس على طهارة شرعية؛ لأنه ذاكر لحدثه فحينئذ لا يكون فعل التجديد الشرعي، لأن التجديد الشرعي إنما يكون مع ثبوت الوضوء السابق وهذا لا وضوء عليه فحينئذ لا يجزئ عنه. ـ إذن: إذا ثبت التجديد بهذين الشرطين وهما: أن يكون مسنوناً، وأن يكون ناسياً لحدثه، فإنه يرتفع الحدث بمعنى: رجل عليه حدث، فلما أراد أن يصلي الظهر ظن أنه مازال على وضوئه فتوضأ وهو ناسٍ لحدثه، فهذا الوضوء منه سنة؛ لأنه طارئ على وضوئه لصلاة الفجر مثلاً فتَذَكَّر بعد أن انتهى من الوضوء أو بعد الصلاة، تذكر أنه لا وضوء له سابق فيكون وضوؤه صحيحاً. هذا هو المشهور في المذهب. ـ وذهب بعض الحنابلة وهو اختيار أبي الخطاب والقاضي، ولعله مذهب جمهور الفقهاء إلى أن ذلك لا يجزئ عنه. ـ أما أهل القول الأول: فقالوا: هي طهارة شرعية؛ لأنه إنما جدد وضوءه وهو ناسٍ لحدثه فحينئذ تكون طهارته طهارة شرعية فمادام كذلك فإنها تجزئ عنه برفع حدثه. ـ أما أهل القول الثاني: فقالوا: وإن نوى الطهارة الشرعية لكنه لم ينو طهارة ترتفع بها الأحداث، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) . وهذا القول أصح.
فالأصح أنه لا يجزئ عنه ـ كما لو تصدق بصدقة بنية أنها صدقة فإنها لا تجزئ عن الزكاة. فإن النية: تمييز العبادة عن العبادة، فالنية تمييز غسل العبادة عن غسل التبريد، وكذلك تميز الطهارة المستحبة عن الطهارة الواجبة. فهذا قد نوى طهارة شرعية لكنها ليست متضمنه لرفع الحدث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) . قوله: ((وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب وكذا عكسه)) : فإذا نوى غسلاً مسنوناً كغسل الجمعة على مذهب جمهور الفقهاء (أجزأ عن واجب) كغسل الجنابة. مثال: رجل أصبح يوم الجمعة وعليه جنابة فاغتسل ناوياً غسل الجمعة، فهل يجزئ عن غسل الجنابة؟. قالوا: نعم، وقيده بعضهم: مع نسيان الحدث الأكبر. إذن: هذا هو المشهور في المذهب وأنه إذا اغتسل بنية الغسل المسنونة كغسل الجمعة أو غسل العيد ولم ينو رفع الجنابة فإن ذلك يجزئ عنه. والعلة هي: ما تقدم لأنها طهارة شرعية. ـ وفي هذا ضعف كما تقدم. ـ فالأرجح: وهو قول للحنابلة أنها لا تجزئ لحديث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا قد تطهر طهارة لا ترفع بمثلها الأحداث وإنما تطهر طهارة مستحبه لا تطرأ على الأحداث فترفعها فهي طهارة مسنونة. فالراجح: أنها لا تجزئ عنه. وقد روى ابن حبان بإسناد حسن: (أن أبا قتادة رأى إبنه وهو يغتسل يوم الجمعة، فقال: (إن كنت على جنابة فأعد غسلاً آخر) (1) . قوله: ((وكذا عكسه)) : رجل عليه جنابة وهو في يوم جمعة فاغتسل عن الجنابة فهل يجزئ عنه في غسل الجمعة أم لا؟ قالوا: نعم يجزئ عنه. واعلم أن العلماء قد اتفقوا على أنه إذا نواهما معاً فإنه يجزئ عنه. أما هذه المسألة فتبحث فيما إذا انفرد بأحد النيتين، ففي المسألة السابقة إذا انفرد بنية غسل الجمعة. وفي هذه المسألة إذا انفرد بنية رفع الجنابة فهل يجزئ عنه؟ قالوا: نعم يجزئ عنه.
وفي هذا نظر؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا لم ينو غسل الجمعة فلا يجزئ عنه، وهو قول في المذهب. فلا تصح العبادة إلا بالنية وغسل الجمعة عبادة ولم ينوه فلا يجزئ عنه. قوله: ((وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءاً أو غسلاً فنوى بطهارته أحدهما ارتفع سائرها)) : مثاله: رجل عليه ناقضان، ناقض بخارج من السبيلين، وناقض بالنوم. فتوضأ بنية رفع الحدث الناتج عن الخارج من السبيلين، فهل يرتفع حدثه مطلقاً أم يبقى الحدث المترتب على النوم؟ قال المؤلف: ((إرتفعت سائرها)) قالوا: لأنها ذات حكم واحد، وهي متداخلة في هذا الباب فإذا ارتفع أحدها ارتفع سائرها فأصبح طاهراً مطلقاً. ـ ولكن قيده بعض الحنابلة بقيد غريب وهو: (بشرط إلا ينوي عدم ارتفاع غيره) . بمعنى: رجل توضأ وقال: هذا عن حدث النوم وليس عن حدث الخارج عن السبيلين. ـ وهذا في الحقيقة الذي ينوي هذه النية ليس محلاً للبحث؛ لأنه ليس أهلاً للتكليف، فمثل هذا الفعل لا يصدر في الحقيقة عن مكلف فضلاً أن تكون مسألة ولكنها في الحقيقة من غرائب العلم. ولو قيل بمثلها وتوقع وقوعها في المكلف فالأصح أنه يرتفع حدثه وإن نوى عدم ارتفاع غيره. لأن الحكم ليس إليه في رفع الأحداث، وإنما إلى الله ـ عز وجل ـ فمادام أنه توضأ الوضوء الشرعي عن الحدث وإن نوى عدم ارتفاع بعضها فترتفع سائرها. قوله: ((ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية)) : تقدم أن النية واجبة وشرط، فإذا ثبت هذا فيجب أن يشمل النية سائر فرائض الوضوء. وأول فرائضه التسمية، فيجب أن تكون النية سابقة للتسمية. ـ فإذا قلنا بفرضية التسمية، ثم سمَّى ولم ينو بعد ثم نوى فإنه لا تجزئ عنه؛ لأن هذا الفرض وهو التسمية الذي يختل الوضوء باختلاله لم تثبت فيه النية فيكون حينئذ باطلاً. وهذه المسألة يدل عليها حديث: (إنما الأعمال بالنيات) .
فإذن: يجب أن تشمل النية سائر فرائض الوضوء. كما لو أنه كبَّر تكبيرة الإحرام ثم نوى الصلاة بعد، فإنها لا تجزئ عنه، فكذلك هنا. إذن: يجب عليه أن ينوي قبل البداءة بفرائض الوضوء. ـ وإذا قلنا إنهما ـ أي المضمضة والاستنشاق ـ ليسا بواجبين فيجب عليه أن ينوي قبل غسل الوجه. ـ فأول الفرائض عند الجمهور خلافاً للحنابلة هو غسل الوجه. فيجب عليه ـ حينئذ ـ أن ينوي قبل غسل الوجه. إذن: يجب أن تشمل النية فرائض الوضوء كلها. ـ فإن قدمها بزمن يسير عرفاً فلا يضر ما لم يقطعها بمعنى: لا تشترط في النية أن تكون ذلك بمجرد بدئه بل لو قدمها بزمن يسير فلا حرج ما لم يقطع النية. ـ وذهب بعض فقهاء الحنابلة كالقاضي ـ إلى أنه لو قدمها بزمن كثير فإن ذلك لا يضر ما لم يقطعها، وهذا قول قوي. قوله: ((وتسن عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب)) : تقدم أنه يجب عليه ذلك قبل فرائضها. ويسن له عند أول مسنوناتها إن وجد قبله واجب كغسل الكفين قبل المضمضة والاستنشاق، فإن قلنا إن التسمية ليست بواجبه فإنه يسن له أن ينوي قبل التسمية لتدخل التسمية وهي مسنونة في النية. ـ وإن قلنا إنها واجبة فإن غسل الكفين قبل التسمية فيستحب له أن ينوي. إذن: إذا كانت السنة في أول الوضوء قبل الواجبات فيسن له أن ينوي قبلها لتدخل السنن والمستحبات في السنة، لأنها عبادات ولا تصح العبادة إلا بالنية. فمثلاً: لو أن رجلاً غسل كفيه ثم سمَّى ثم تمضمض أو استنشق، وهكذا لكنه قبل غسل الكفين لم ينو فإنه لا يثاب على ذلك، فالمشروع له أن ينوي. ـ هذا على تقدير وجود السنة قبل الواجب. وإلا فالواجب أن يبدأ أولاً بالتسمية حتى يثبت له غسل الكفين. لأن غسل الكفين قبل التسمية لا حكم له في الأظهر (بناء على ترجيح وجوب التسمية وقد سبق خلافه) . ـ فإذن: إذا قدر وجود سنة قبل فرائض الوضوء فإنه يسن أن ينوي قبلها لتدخل هذه السنة في النية، فيثاب عليها.
قوله: ((واستصحاب ذكرها في جميعها، ويجب استصحاب حكمها)) : قوله: ((واستصحاب ذكرها في جميعها)) : المراد بالذكر التذكر. فهنا: يسن له أن يستصحب التذكر بمعنى: يكون قلبه متذكراً أنه إنما يتوضأ لله ولإقامة الصلاة. هذا هو السنة لتكون أفعاله كلها متعلقة بالنية لله عز وجل. ـ هذا مستحب وليس بواجب، فلو غفل عن تذكر النية فإنه لا يضره. ـ بمعنى: رجل نوى الوضوء ثم غفل عن النية واستمر في الوضوء فإنه لا يضره ذلك باتفاق العلماء، إذ لا يشترط تذكر النية بل هو مستحب لتكون أفعاله متعلقة بنيته. ولكن قال: ((ويجب استصحاب حكمها)) : هذا هو الواجب أن يستصحب حكمها، والمراد بحكمها نية إبقائها وعدم قطعها، فينوي الوضوء ويستمر فيه حتى ينتهي منه من غير أن ينوي أن يقطعه. ـ رجل لمَّا غَسَّل وجهه وغسل يديه نوى أن يقطع الوضوء فقطع النية، فإنه ـ حينئذ ـ يبطل وضوؤه؛ لأنه قطع النية بقطع حكمها. وأما إذا لم ينو قطع ذلك فإن وضوءه صحيح. إذن: لا يشترط تذكر النية وإنما يشترط استصحاب حكمها. إذن: يشترط في النية أن يبقى مستصحباً لحكمها وهو نية عدم قطعها والبقاء عليها. فإن خالف فإن وضوءه يَبطُل بذلك. وأما تذكر النية فإنه مشروع لتبقى أفعاله متعلقة بنيته. ـ فإن نوى قطع العبادة بعد فعلها فإنه لا يضره باتفاق العلماء، فإن قطع النية بعد إنتهاء العبادة لا أثر له إجماعاً. ومثل ذلك الشك فإن الشك بعد العبادة لا يؤثر. فإذا توضأ ثم شك هل سَمَّى أم لا؟ فإن هذا الشك بعد العبادة لا يؤثر. ـ فالشك بعد العبادة وقطع النية ليس لهما أثر باتفاق العلماء. إذ العبادة أولا صحت فقطع النية لا أثر له بعد رفعها إلى الله وثبوتها. وأما الشك فإنه طرأ على يقين فإن العبادة إذا انتهت فقد تيقن قبولها فليس له بعد ذلك أن يشك فيها والشك يكون طارئاً على يقين فلا أثر له. والحمد لله رب العالمين. الفهرس: كتاب الطهارة إلى من الموضوع 21 1 المقدمة 73 22
أنواع المياه 98 74 الآنية 134 99 الاستنجاء 167 135 السواك وسنن الوضوء 188 168 فروض الوضوء إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإذا رأى في نعليه قذراً أو أذى................. 21 إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث............................................. 34 إذا وطئ أحدكم الأذى في نعله فإن التراب لها طهور............................. 21 اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً............................................... 10 اللهم صل على آل أبي أوفى................................................. 10 اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد............................................... 22 أما علمت أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة...................................... 10 أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يهراق على بول الأعرابي ذنوباً............. 21 أن ابن عمر كان يغتسل بالحميم.............................................. 31 إن الماء طهور لا ينجسه شيء.............................................. 35 إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه................. 36 أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ ... 23 بسم الله الرحمن الرحيم: من مُحمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم.......... 6 تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه...................................... 21 خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم........................................... 23 دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ.................................... 23 دع ما يريبك إلى ما لا يريبك............................................... 26 فأمرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل......... 23
كان إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره.. 8 كان يسخن له ماءً في قمقم "الجرة" فيغتسل منه................................. 31 كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع..................... 6 كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع.................................... 7 لا أحله لمغتسل وهو لمتوضئ وشارب حل وبِلّ................................. 24 لا ضرر ولا ضرار....................................................... 30 لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه................. 33 لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم بجامعها................................ 34 ماء زمزم لما شرب له...................................................... 24 نزل الناس مع النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها............. 23 هو طعام طعم............................................................ 24 هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته................................................. 22، 27 وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت................................ 23 وشفاء سقم........................................................... 24 ياحميراء ـ وهو تصغير حمراء ـ لا تفعلي فإنه يورث البرص............... 30
كتاب الطهارة من باب المسح على الخفين إلى النهاية
الدرس الثالث والعشرون (يوم السبت: 12 / 11 / 1414 هـ) باب مسح الخفين المسح هو إمرار اليد على المحل. والمراد به هنا مسحهما: أي الخفان بإمرار اليد بالماء، فعلى ذلك يكون المعنى: إمرار اليد بالماء مبتلة على الخفين من غير إسالة للماء، فلا يكون فيه إسالة وإنما مجرد بلُّ العضو بالماء. الخفان: هنا: ما يلبس علي الرجل من الجلد الرقيق وهو ما يسمى عندنا بـ" الكنادر " بخلاف الجوارب وهي ما تكون من صوف ونحوه فسيأتي الكلام عليها. إذن: هذا الملبوس الذي يغطي القدمين ويباشر الأرض لأنه يمشى عليه ويصنع من الجلد ونحوه يسمى الخف. والمسح على الخفين دل عليه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فهي آية المائدة: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ... } (1) في قراءة سبعية، فقد قرأ بعض السبعة {وأرجلِكم} بالكسر، فتكون الرجل ممسوحة، وذلك لأنه سبحان وتعالى قال {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلي المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم} (2) هذا على توجيه من توجيهات اللغة في هذه الآية، وهو ما اختاره بعض أهل العلم. وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله بإثبات المسح على الخفين. وأما السنة: فقد تواترت في الدلالة علي جواز المسح على الخفين، حتى ذكره الإمام أحمد عن سبعة وثلاثين صحابياً (37) فقال رحمه الله: " سبعة وثلاثون نفساً يروون المسح على الخفين " وذكره ابن مندة عن أكثر من ثمانين صحابيـ[ـاً] ، منهم العشرة المبشرون بالجنة. ولعل ذكر الإمام أحمد لذلك العدد إنما هو في الأحاديث الصحيحة، وما ذكره ابن مندة في الأحاديث الصحيحة وغيرها.وقد ذكر صاحب " نصب الراية " عن ثمانية وأربعين حديث (3) (48) في المسح على الخفين.
وقد جزم كثير من أهل العلم بأن الأحاديث في هذا الباب متواترة، وممن جزم بذلك شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر وغيرهما من أهل العلم. وقد أنكر المسح على الخفين طوائف من المبتدعة كالرافضة والخوارج، ومن هنا أدخل أهل العلم هذا الباب في باب العقائد فيشيرون إلي هذه المسألة لخلاف المبتدعة في هذا الباب. ومن أنكر المسح علي الخفين فهو مبتدع؛ لأن الأحاديث فيه متواترة، ومن أنكر شيئاً مما ثبت بالتواتر فهو مبتدع كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فمن أنكر شيئاً مما ثبت بالتواتر كأحاديث الحوض ونحوها فهو مبتدع. أما الإجماع: فقد أجمع العلماء علي جواز المسح علي الخفين وممن ذكره: ابن المبارك وابن المنذر. فإذن: المسح علي الخفين ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. لذا قال المؤلف: (يجوز ….) . فالمسح على الخفين جائز ولا ينكر جوازه عالم بالسنة إذ السنة قد تواترت بجوازه. لكن إذا ثبت لنا جوازه فهل الأفضل غسل القدمين أم الأفضل المسح على الخفين؟ قولان لأهل العلم: 1- فذهب جمهور الفقهاء إلى: أن غسل القدمين أفضل من المسح وهو راوية عن الإمام أحمد. قالوا: لأن هذا هو الأصل، فالأصل هو الغسل. 2- وذهب الحنابلة في المشهور عندهم إلى: أن الأفضل هو المسح. واستدلوا:
بما رواه الخمسة إلا أبا داود من حديث صفوان بن عسَّال قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفْراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم) (1) والحديث إسناده صحيح لكن في رواية للنسائي: (رخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم) . فعلي ذلك يكون الأمر الوارد في حديث صفوان إنما هو أمر لبيان الإباحة والرخصة كما في قوله تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} (2) . واستدلوا: بما روى أبو داود إن النبي صلى الله عليه وسلم (مسح على خفه وقال: بهذا أمرني ربي) (3) لكن الحديث إسناده ضعيف.
وأصح ما استدلوا به " ثبوتاً واستدلالاً " ما رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) (1) . - واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن الأفضل هو الموافق لحال الماسح أو الغاسل فإذا كان لابساً لخفيه والأفضل له أن يمسح عليها. وإذا كان خالعاً لهما كاشفاً قدميه فالأفضل له الغسل ولا يشرع له تكلف لبس الخفين بل يفعل ما يوافق حاله. وهذا هو الظاهر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه إذا كان لابساً خفيه فإنه يمسح عليه، وإن كان خالعاً لهما فإنه يغسل قدميه، وقد ثبت في الصحيحين إن النبي صلى الله عليه وسلم (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما) (2) . فعلي ذلك: يفعل الموافق لحاله، فلا يتكلف حالاً بل يفعل ما يوافقه، وبذلك يكون قد فعل ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يثبت عنه أنه كان يتكلف شيئاً من الحالين بل كان يفعل الموافق لحاله. قوله: (يجوز للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها) يجوز للمقيم أن يمسح يوماً وليله أي أربعاً وعشرون ساعة، وأما للمسافر فثلاثة أيام بلياليها أي اثنتان وسبعون ساعة، ولا يحسب ذلك بالصلوات، بل يحسب باليوم والليلة وهما أربع وعشرون ساعة.
ودليل ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب قال: (جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة) (1) . - وهذا مذهب جمهور أهل العلم: وأن مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة. - وذهب المالكية في المشهور عندهم: أنها لا وقت لها بل تفعل مطلقاً من غير مدة محددة واستدلوا بأحاديث: الحديث الأول: ما رواه أبو داود من حديث أبي بن عمارة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مسح الخفين فقال: (أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (يوماً) فقال: ويومين؟ فقال: (ويومين) فقال: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت) (2) لكن الحديث إسناده ضعيف فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الحديث الثاني: ما رواه خزيمة بن ثابت – كما في أبي داود وغيره – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة، قال (ولو استزدناه لزادنا) (1) . والحديث فيه انقطاع، وقد ضعفه البخاري ثم إن قول الصحابي لو صح فليس فيه دليل على أن المدة مطلقة، كيف وقد قيدها النبي صلى الله عليه وسلم بما تقدم بل فيه أن الصحابي قد ظن وتوقع أنهم لو طلبوا منه الزيادة لزاد ولم يطلبوا منه فلا يحكم بالظن ولا يحكم بأمر لا يعلم. فهذا الحديث لو صح فلا يدل علي أن المدة مطلقة.
الحديث الثالث: ما رواه البيهقي وصححه شيخ الإسلام ورواه الحاكم وصححه: أن عقبة بن عامر خرج من الشام إلي المدينة من الجمعة إلي الجمعة فقال له عمر: (متي أولجت الخفين في رجليك) فقال (يوم الجمعة) فقال: (فهل نزعتها) فقال: لا، فقال (أصبت السنة) (1)
والحديث صحيح. لا شك أن هذا الحديث يشكل على مذهب الجمهور، ولكن ليس فيه ما يدل علي تمام قولهم بل فيه دليل على ما اختاره شيخ الإسلام من أن المسافر إذا كان يشق عليه خلع الخفين ولبسهما، كأن يكون بريداً في مصلحة المسلمين وشق عليه لئلا يؤخر الخير على المسلمين ويشق عليه أن ينزل فيخلع الخفين، فإنه يجوز له أن يمسح ما شاء – هذا هو الذي يدل عليه الحديث المتقدم، وهو حديث لأنه قال (أصبت السنة) ففيه رفع إلي النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا القول هو الراجح – أي أنه لا يجوز أن يزيد علي الوقت المحدود إلا إذا كان في حال السفر وكان يشق عليه أن يخلع ويلبس فإنه يجوز له ذلك. ويصح أن تكون هذه المسألة من باب القياس علي الجبيرة فإنها لا تؤقت وهي ما توضع علي الكسر، فإنه يمسح عليها مطلقاً من غير تحديد بوقت. إذن الراجح: ما اختاره شيخ الإسلام من استثناء من يشق عليه أن يخلع ويلبس كأن يكون بريداً في مصلحة المسلمين. قوله: (من حدث بعد لبس) : صورة ذلك: رجل لبس خفه ثم أحدث، كأن يكون توضأ الفجر ولبس خفيه ثم نام بعد الفجر في حوالي الساعة العاشرة، فإنه حينئذ: يكون قد انتقض وضوؤه بمجرد نومه، ففي أول النوم يكون قد انتقض وضوؤه، وهو نام في الساعة العاشرة فيستمر وقت المسح إلي الساعة العاشرة من الغد فيتم له أربعاً وعشرين ساعة. إذن: الحساب يكون – من الحدث بعد اللبس – وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم. وحجتهم: قالوا: إنه إذا أحدث فإنه – حينئذ – يكون قد جاز له أن يمسح علي الخفين وينقلهما بها الطهارة وسواء فعل الطهارة أم لم يفعلها، فالمقصود أنه جاز له أن يمسح. لكن هذا فيه نظر فإننا في المثال السابق: إن قلنا إنه نام في الساعة العاشرة واستيقظ في الثانية عشر فهل يمكنه أن يتوضأ في الساعة الحادية عشرة أو الحادية عشرة ونصف وهو غير مكلف وهو نائم، فهذا القول فيه نظر ظاهر.
- لذا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو اختيار ابن المنذر، ومن الشافعية النووي وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي: وأنه يكون التوقيت من المسح، ودليل ذلك ظواهر الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية إنما صرحت بالمسح. وهو قبل أن يمسح لم يشرع به بعد فكيف يكون محسوباً من وقته، فعلى ذلك يكون الحساب من المسح إلى أن تتم المدة. ففي المثال السابق إذا نام في الساعة العاشرة ثم استيقظ في الساعة الثانية عشر فتوضأ ومسح علي خفيه فإنه يبدأ التوقيت من الساعة الثانية عشر ويستمر إلي الثانية عشرة من الغد. فعلي ذلك يكون من المسح لا من الحدث، هذا هو الراجح. قوله: (على طاهر مباح ساتر للمفروض يثبت بنفسه) . قوله " طاهر " قيده الشرَّاح بأن يكون طاهر العين، وقد تقدم أن جلد الميتة نجس، فلو كان الخف من جلد ميتة فإن ذلك لا يجوز أن يمسح عليه ما لم يبت فيه الدباغ. وأظهر منه في التمثيل أن يضرب ذلك بجلد الكلب فهو نجس ولو دبغ، فإذا كان الخف من جلد كلب قالوا فلا يصح المسح عليه؛ لأن ذلك منهي عنه، والمسح رخصة فكيف يستباح بها المحرم، فإن هذا محرم، وهذه رخصة فكيف تجيز الرخصة فعل أمر محرم. وظاهر قولهم (طاهر العين) : أنه لو كان نجس الحكم وليس بنجس العين أنه لا شيء فيه فيجوز المسح عليه. إذن: نجس العين فهذا لا يجوز المسح عليه كجلد الكلب ونحوه. أما ما كان نجس الحكم وهو طاهر العين، كأن يكون من جلد حيوان طاهر في الحياة فهو طاهر لكن في أسفله نجاسة فهل يجوز المسح عليه؟ الجواب: يجوز ذلك وإن كانت الصلاة لا تجوز فيه في أصح الوجهين في مذهب الحنابلة، لأن إزالة النجاسة من شروط الصلاة، وأما الوضوء فإنه يصح وإن كان على بعض أعضاء الجسم نجاسة. فإذن عندنا حالتان: الحالة الأولي: ما كان نجس العين، فلا يمكن أن يطهر مطلقاً كجلد الكلب ونحوه – فهذا لا يصح أن يمسح عليه.
وعللوا ذلك: بأن الشارع قد نهى عنه فكيف يستباح من أجل رخصة. الحالة الثانية: ما كان نجساً حكماً فهو في الأصل طاهر لكن وقعت عليه النجاسة، فيصح أن يمسح على الخف. لأن إزالة النجاسة شرط في الصلاة وليس شرطاً في الوضوء وقد تقدم البحث في هذا في مسألة هل يجوز الوضوء قبل الاستنجاء. إذن: إن كان نجس العين فلا يصح، وأما إذا كان نجس الحكم فإنه يصح المسح عليه. وهناك تعليل آخر – في مسألة ما كان نجس العين – وهي أنه عندما يمس الماء فإن الماء ينجس بذلك فتكون الطهارة بماء نجس. فإن كان جلداً رقيقاً عليه مادة أخرى بحيث إن الماء لا يتغير بالنجاسة ففي عدم إجزاء المسح عليه نظر، نعم هو محرم لكن في عدم الإجزاء نظر. إذن: إذا مسح علي خف من جلد نجس العين فقد حرمه الحنابلة وقالوا: هو لا يجزئ. ونحن نوافقهم علي التحريم. وأما الإجزاء فإننا نقول: إن كان الماء ينجس بالملاقاة فما قالوه قوي؛ لأن التطهر حينئذ يكون بماء نجس. وأما إذا كان لا يتغير كأن يكون مطلياً بمادة أخرى فإن في عدم الإجزاء نظر، بل الأظهر أن ذلك يجزئ مع التحريم. ومثل ذلك: فيما إذا كان محرماً، فإنه قيده بقوله (مباح) أي على أن يكون الخف مباحاً أي حلالاً، فإذا كان الخف مما يحرم أن يستخدمه كأن يكون مغصوباً فلا يجوز المسح عليه. لكن هل يجزئ المسح عليه؟ قالوا: لا يجزئ لأن هذا الخف منهي عن لبسه فلا تستباح بمثله رخصة. والأظهر ما تقدم: وأنه يجزئ، وهو قول في المذهب مع أنه يكون آثماً للبسه هذا الخف المحرم. فإذا كانت هناك ضرورة فلبس خفاً محرماً فحينئذ يزول التحريم؛ لأن المحرمات تباح عند الضرورة. إذن: إذا لبس خفاً محرماً فالمشهور في المذهب أنه لا يجزئ لأنه منهي عنه فلا تباح الرخصة. وذهب بعض الحنابلة إلي أنه يجزئ عنه وهو أرجح فإن الرخصة في المسح، أما ما فعله فإنه يكون آثماً عليه، والعلم عند الله تعالى.
قوله: (ساتراً للمفروض) . أن يكون ساتراً للمفروض فلا يظهر منه شيء من القدمين من أطراف الأصابع إلي الكعبين. فعلي ذلك: لو ظهرت الكعبان أو أطراف الأصابع فلا يجزئ ولو كان ساتراً من أطراف الأصابع إلي الكعبين ولكن اللون يظهر منه أي لون البشرة فكذلك لا يجزئ. وظاهر ذلك: ولو كان فيه خرق يسير جداً فإنه لا يجزئ المسح عليه. إذن: يشترط أن يكون ساتراً للمفروض ستراً كاملاً فلا يظهر منه (1) البشرة شيء. فإذا كان واسعاً أو مخروقاً أو كان صافياً أو لا يغطي الكعبين فإن ذلك كله لا يجزئ، واستدلوا بتعليل: وهو قولهم: إن الأمر إذا كان على خلاف ما تقدم فإنه يجب غسل الظاهر ومسح المغطى فحينئذ: يجمع بين الغسل والمسح وهذا أمر لا يشرع، فلا يشرع الجمع بين الغسل والمسح. لكن هذا التعليل ضعيف، ذلك لأن المسح إنما يكون لظاهر القدم ولا يعمم العضو كله بالمسح، فليس المسح للمغطى كله بل إنما يكون لظاهر القدم. والصواب: أن هذه المسائل المتقدمة كلها يجوز المسح. ونقف عليها واحدة واحدة: أما إذا كان الخف صافياً: - فمذهب الشافعية: جواز المسح عليه؛ لأنه يسمى في الحقيقة خفاً، وهو كذلك – على قاعدتهم - مغط للكعبين وساتر للمفروض وكونه صافياً لا يمنع من المسح عليه. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز المسح علي التساخين؛ لأنها تسخن القدم، والخف الساتر الذي يكون صافياً يثبت فيه التسخين، فمذهب الشافعية جواز المسح عليه وهو الراجح. أما الخف المخرقة: فلا يخلو هذا الخرق أن يكون يسيراً أو كبير. أما إذا كان يسيراً: فذهب المالكية والأحناف خلافاً للشافعية والحنابلة: إلى جواز المسح عليه. وعلل المالكية والأحناف جواز ذلك: بأن خفاف الصحابة مع فقرهم لا تخلو من أمثال هذه الخروق ولم يثبت النهي عن ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
أما إن كانت خروقاً كثيرة: فالأحناف والمالكية فيها كمذهب الحنابلة والشافعية. - وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أن الخرق وإن كان واسعاً فيجوز أن يمسح على الخف ما دام يسمى خفاً. فما دام هذا الجلد الملبوس للقدمين يسمى خفاً فإنه يجوز المسح عليه، لأن الشارع أجاز المسح على الخفين مطلقاً ولم يقيده بقيد ولا حدده بحد، فما دام يسمى خفاً فإنه يجوز المسح عليه – وهذا هو الراجح -. فالراجح: أنه وإن كانت خروقاً كثيرة فيجوز المسح عليه ما دام يسمى خفاً، فما دام يسمى خفاً فما هو الدليل الذي يمنع من المسح عليه وهو ما زال خفاً يدخل في إطلاقات النصوص المتقدمة. أما إذا كان الخف غير ساتر للكعبين: - فالجماهير على أنه لا يجوز المسح عليه. - وذهب الأوزاعي وهو اختيار ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أنه يجوز المسح عليه، والعلة هي العلة المتقدمة قالوا: لأنه يسمى خفاً فيدخل حينئذ في إطلاقات النصوص الشرعية، فما هو الدليل على المنع منه. فعلى ذلك: ما يلبس على الأقدام – في هذا الزمان – من الأحذية التي الغالب فيها أن تكون دون الكعبين فإنها على هذا المذهب وهو الراجح يجوز المسح عليها، فهي وإن كانت غير ساترة للكعبين، فما هو الدليل الذي يدل على المنع من ذلك! فإن إطلاقات النصوص تدل علي دخول ذلك. وهذا القول مع قوته فإن في النفس منه شيء؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الخفين في الحج أمر بتقطيعهما حتى يكونا كهيئة النعلين أي دون الكعبين، فظاهر هذا أن خفافهم – المعتادة – كانت فوق الكعبين، ولكن لقائل أن يقول: إن خفافهم التي حكم عليها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك هي المعتادة عندهم.
وأما إطلاقات النصوص فهي شاملة للمعتادة عندهم وغيرها، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر قطعها وأن يكون أسفل من الكعبين – ذكر ذلك؛ لأن المعتاد عندهم أن يكون ذلك دون الكعبين، وأما خفاف غيرهم فلا يمنع أن تكون دون الكعبين وهي داخلة في عمومات النصوص الشرعية – والعلم عند الله تعالى -. قوله: (يثبت بنفسه) أي لابد وأن يثبت الخف بنفسه من غير أن يكون مشدوداً أو مربوطاً أو غير ذلك. فلو كان الخف لا يثبت على القدم إلا بربطه بحبل ونحو ذلك فإنه لا يجزئ المسح عليه، فلابد أن يكون ثابتاً بنفسه بصنعته، وأن تكون الصنعة بمجرد ما يلبس الخف يكون ثابتاً بنفسه. أما إذا كان يحتاج إلى ربط أو نحو ذلك فإنه لا يجوز المسح عليه – وهذا القول ضعيف. – لذا ذهب بعض الحنابلة وهو وجه عندهم وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه تجزئ عنه إذا كان ثابتاً بنفسه أو كان ثابتاً بغيره؛ وذلك أنه إذا كان ثابتاً بغيره فهو في معنى ما كان ثابتاً بنفسه، فلا فرق بين أن يكون ثابتاً في الصفة (1) أو يكون ثابتاً بغيره بربط أو شد ونحوه. وعلل الحنابلة عدم جواز ذلك بأن المعتاد من الخفاف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الخفاف الثابتة بنفسها. والجواب على ذلك: أن يقال: هي وإن كانت العادة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن القياس يدخل ما كان ثابتاً بغيره فيها. فما كان ثابتاً بغيره فإنه يقاس على ما كان ثابتاً بنفسه. إذاً: المشهور عند الحنابلة أنه لابد أن يكون الخف ثابتاً بنفسه، وإن كان ثابتاً بغيره بربط أو شد أو نحوه فإنه لا يجزئ وهذا قول ضعيف. وهناك وجه عند الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام أن ذلك لا يشترط والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. الدرس الرابع والعشرون (يوم الأحد: 13 / 11 / 1414 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (من خف وجورب صفيق ونحوهما) : شرع المؤلف في بيان ما يجوز مسحه فقال:
(من خف) : وقد تقدم تعريف الخفاف وأنها ما يصنع من الجلود، ويتمكن بسبب صنعتها من الجلود من المشي عليها. ولا شك أن ما يصنع من بعض المواد التي هي شبيهة بالجلود كأن يصنع من البلاستيك ونحو ذلك، فحكمه حكمها أي حكم الجلود وقد تقدم اتفاق أهل العلم على جواز مسح الخفاف. قوله: (وجورب صفيق) : الجورب: هو ما يصنع على القدمين من الصوف ونحوه من الخرق ونحوها وهو ما يسمى عندنا (بالشرابات) . وهي لا يمكن أن تباشر الأرض بها علي سبيل الدوام وإنما يمكنه أن يمشي بها، ولكن إذا أكثر فيها من المشي فإنها تفسد وتتقطع. فهذه الجوارب يجوز المسح عليها وهو مذهب الحنابلة خلافاً لمذهب جمهور الفقهاء، وذهب إلى جواز المسح إسحاق وأبو يوسف. وما ذهب إليه الحنابلة هو مذهب جمهور السلف بل هو مذهب الصحابة فقد ذكر ابن المنذر عن تسعة من الصحابة، وزاد عليه أبو داود أربعة من الصحابة فثبت عن ثلاثة عشر صحابياً، ولم يثبت لهم مخالف. والقاعدة: أن الصحابي إذا قال قولاً ولم يعرف له مخالف فإن قوله حجة. فهذه الآثار عن الصحابة دلت على جواز المسح علي الجوارب. وهناك أدلة على جواز المسح علي الجوربين. منها ما رواه أبو داود في سننه والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا علي العصائب " العمائم" والتساخين) (1) وهي ما يسخن القدم من الخفاف، ومثلها الجوارب فإنها كذلك تسخن القدم.
واستدلوا: بما رواه الترمذي من حديث هُزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مسح على الجوربين والنعلين) (1) . والحديث حسنه الترمذي، ولكن هذا التحسين منه مخالف بعامة أهل الحديث، فإن عامة أهل الحديث خالفوا الترمذي في ذلك، ومن هؤلاء عبد الرحمن بن مهدي وابن معين وسفيان الثوري والإمام أحمد وكذلك ضعفه النسائي وغيرهم، وتضعيفهم ليس لسنده فإن سنده صحيح وإنما التعليل لأن عامة الرواة عن المغيرة سوى هزيل بن شرحبيل قد رووه بلفظ المسح على الخفين لا المسح على الجوربين، فخالف عامتهم فرواه بلفظ المسح علي الجوربين، فكان الحديث بذلك شاذاً، فالحديث إذن: معلل عند عامه أهل العلم. واستدلوا: بالقياس الصحيح، فإن الجوربين كالخفين ولا فارق مؤثر بينهما فالخفان وإن كان يمكن المشي بهما على الأرض فإن هذا السبب ليس مما يغير من الحكم شيئاً، فإن الجوارب تلبس معها النعال فتكون كهيئة الخفاف تماماً.
ثم إن المشي بالخفاف ليس هو العلة الحقيقية في جواز المسح عليها، وإنما العلة الحقيقية لها هي مشقة نزعها، فلما ثبتت المشقة في نزعها والحرج، والشريعة قد أتت برفع الحرج كان هذا الحكم، فحينئذ لا فرق في ذلك بين الجوارب والخفاف. إذن: ما ذهب إليه الحنابلة وهو مذهب جمهور السلف وهو مذهب الصحابة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه وغيرهما من المحققين أن الجوارب يجوز المسح عليها هو الراجح. وقوله: (صفيقين) : الصفيق هو الكثيف أي الذي لا يظهر منه الجلد، فلون الجلد لا يظهر منه. فعلى ذلك الشرابات التي لا تستر الجلد بل تظهره لا يجوز المسح عليها في المشهور من المذهب، وقد تقدم البحث في مسألة شبيهة لها في الكلام على الخفاف، ومثلها هذه كذلك، فقد ذهب بعض أهل العلم وهو مذهب إسحاق وأبي يوسف إلى: أنه لا حرج في المسح علي الصافية التي لا تستر الجلد بل تظهره، فلا يشترط أن يكون الجورب صفيقاً كما لا يشترط أن يكون الخف صفيقاً بل لو كان غير ساتر فلا بأس؛ لأن العلة ثابتة فيه أي في الجورب غير الصفيق – كما هي ثابتة في الصفيق، فإن مشقة النزع والحاجة إليه ثابتة له كما هي ثابتة في الصفيق، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات. كذلك إذا كان فيه خروق وهو باق علي مسماه فيجوز المسح عليه خلافاً للمشهور كما تقدم. قوله: (ونحوهما) : كأن يكون من مادة أخرى غير الصوف أو غير الجلد فإنه يجوز المسح عليها. أما اللفائف، فسيأتي الكلام عليها، وأن المشهور في المذهب عدم جواز المسح عليها، وأن الراجح خلاف ذلك. قوله: (وعلى عمامة رجل محنكة أو ذات ذؤابة) العمامة: معروفة وقوله (محنكة) : أي مدارة تحت حنكه. (ذات ذؤابة) : الذؤابة هي الطرف المرخى من العمامة خلف الرأس. إذن هنا مسألتان: المسألة الأولي: جواز المسح على العمامة. المسألة الثانية: أن هذا مخصوص بالمحنكة وذات الذؤابة.
أما المسألة الأولي: فهذا هو المشهور في المذهب، وأن المسح على العمامة جائز. واستدلوا: بما روى البخاري عن عمرو بن أمية قال (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وخفيه) (1) . قال الإمام أحمد: " هذا من خمسة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم " أي ورد عن خمسة من الصحابة لكل واحد منهم طريق منفرد وأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته. قال ابن المنذر: (ومسح على العمامة أبو بكر، وبه قال عمر وأبو أمامة وأنس) وهولاء الصحابة الذين جزم ابن المنذر بمسحهم على العمامة لا يعلم لهم مخالف. - وذهب الجمهور: إلى أن المسح على العمامة لا يجوز؛ قالوا: وإنما مسح النبي صلى الله عليه وسلم عمامته مع ناصيته، فلم يكتف بالعمامة، بل مسح معها الناصية، كما ثبت ذلك في مسلم من حديث المغيرة بن شعبة. واستدلوا: بقوله تعالى {امسحوا برؤوسكم} (2) والمسح على العمامة ليس مسحاً علي الرأس. والراجح هو القول الأول. أما الجواب على أهل القول الثاني: أما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته، فهذا إنما هو في حديث المغيرة. وأما الأحاديث الأخرى فمخرجها يختلف. نعم يستحب له أن يمسح على ما يخرج من رأسه عادة مع العمامة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة، وأما الأحاديث الأخرى كحديث عمرو بن أمية فإنما فيها مجرد المسح علي العمامة فقط، والفعل لا عموم له، ففعله في حديث المغيرة لا يقيد به غيره من الأحاديث.
قالوا: وقد أمر الله بغسل الرجلين، ومع ذلك مسح النبي صلى الله عليه وسلم على الخفين، كما أننا أجزنا المسح على الخفين فكذلك نجيز المسح على العمامة. قالوا: والقياس الصحيح يدل على ذلك، فإن الرأس يسقط مسحه في التيمم كما أن الرجلين يسقط مسحهما في التيمم، فيقاس هذا على هذا. إذن: الصواب مذهب الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام من جواز المسح على العمامة – وسيأتي البحث في المسائل المتفرعة على القول بمسح العمامة وشروط ذلك. ولكن من باب ربط المسائل بعضها ببعض: فإن حكم العمامة كحكم الخف تماماً، فعلى ذلك – على المذهب – لابد أن يكون طاهر العين مباحاً ونحو ذلك مما تقدم من أحكام الخف وما سيأتي كذلك. أما المسألة الثانية: وهي قوله: (محنكة أو ذات ذؤابة) . إذن لابد أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة. قالوا: لأنها هي عمائم العرب وهي المعتادة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فعلى ذلك لا يمسح إلا عليها. فعلى ذلك: العمامة الصماء - وهي ما ليست بمحنكة ولا ذات ذؤابة - لا يجوز المسح عليها عندهم. واختار شيخ الإسلام جواز المسح عليها من باب القياس الصحيح من إلحاق النظير بنظيره، فإنه لا فرق مؤثر بين العمامة الصماء وبين ذات الذؤابة والمحنكة. هل يجوز المسح على القلنسوة؟ القلنسوة: هي شبيهة بالطاقية التي نلبسها لكنها كبيرة تشبه العمامة ويشق نزعها. صح المسح علي القلنسوة عن صحابيين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. الأول: أنس بن مالك كما في مصنف عبد الرزاق (1) . والثاني: أبو موسى الأشعري كما عند ابن المنذر.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختاره بعض أصحابه. والمشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم: عدم جواز المسح عليها. والصحيح جواز ذلك؛ لثبوت ذلك عن هذين الصحابيين ولا يعلم لهما مخالف. ولأن النظير يلحق بنظيره والقلنسوة كالعمامة تماماً. أما الطاقية فليست العلة الثابتة في العمامة ثابتة فيها فعلى ذلك لا يجوز المسح عليها، قال الموفق: " لا نعلم في ذلك خلافاً " إذن: كل ما يوضع على الرأس من العمائم وما يشابهها فإنه يجوز المسح عليه. قوله: (وخمر نساء مدارة تحت حلوقهن) هذه المسألة ذات شقين: الشق الأول: جواز المسح علي خمر النساء، وواحده خمار وهو ما تضعه المرأة على رأسها. والشق الثاني: وفيه أنه يكون مداراً تحت حلوقهن. ودليل هذه المسألة ما رواه ابن المنذر وهو ثابت عن أم سلمة أنها كانت تمسح على خمارها. أما دليل إدارته تحت الحلق: فلأنه إن لم يكن مداراً على الحلق فإنه لا مشقة في نزعه مطلقاً فحينئذ لا يجوز أن يمسح عليه بخلاف ما إذا كان مداراً على الحلق. فإن المشقة تكون ثابتة في نزعه. - وهذا خلاف ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم جواز المسح على الخمار. والصحيح هو القول بجواز المسح كما تقدم عن أم سلمة. ولقياس النظير على النظير، فهذا شبيه بالعمامة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (النساء شقائق الرجال) (1) أما إن لم يكن مداراً على الحلق بل كان مرخى مطلق فهل يجوز المسح عليه؟ الجواب: لا يجوز المسح عليه لأنه لا مشقة في نزعه فلم يكن في حكم العمامة. فإن قيل: فهل يجوز للرجل أن يمسح على شماغه (2) ونحو ذلك؟ فنقول: إذا أداره على حلقه جاز له المسح عليه وإن لم يدره فإنه لا يجوز أن يمسح عليه.
فإن قيل: فهل له أن يديره مطلقاً أم ليس له ذلك إلا لحاجة؟ فالجواب: ليس له ذلك إلا لحاجة كأن يكون في برد شديد فأداره على حلقه وخشي إذا كشفه أن يحدث له شيء من المشقة من البرد ونحوه فإنه – حينئذ – لا فرق بينه وبين ما تقدم من المسائل. وهذه من المسائل التي هي مسائل بحث. إذن: لا بأس أن يقال كذلك بما نلبسه من شماغ ونحوه إذا فعله في برد ونحوه فإنه يجوز له أن يمسحه فإنه شبيه بالخمر وبالعمائم ونحوها لمشقة نزعه. قوله: (في حدث أصغر) هذا في الخفاف والجوارب والعمامة والخمر، فحل ذلك إنما يكون من حدث أصغر. لحديث صفوان بن عسال وفيه: (إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم) (1) فعلي ذلك: إذا أراد أن يغتسل فلا يجوز له أن يمسح على خفيه ولا عمامته ولا جوربه، ولا المرأة على خمارها، وإنما يجب أن يباشر العضو بالغسل. إذن: الخفاف وما يلحق بها من العمائم ونحوها إنما يجوز المسح عليها إذا كان ذلك في حدث أصغر، وأما الحدث الأكبر فلا يجوز المسح عليها. قوله: (وجبيرة لم تتجاوز قدر الحاجة) الجبيرة هي ما يشد به الكسر أو الجرح من خشب أو خرق أو نحوها. ما حكم المسح عليها؟ قال هنا: (وجبيرة) أي يمسح عليها.
ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في المسح على الجبيرة، لكن صح ذلك عن ابن عمر كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح وذكره ابن المنذر عن ابن عباس ولا يعرف لهما مخالف، وبه قال جماهير أهل العلم من جواز المسح علي الجبائر وهو موضع ضرورة وقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (1) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (2)
أما ما روى أبو داود وغيره من قوله صلى الله عليه وسلم (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب علي جرحه خرقة ثم يمسح عليها ثم يغسل سائر جسده) (1) فالحديث إسناده ضعيف. فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجبيرة حديث وإنما ثبت ذلك عن بعض الصحابة كما تقدم. لكن قيده بقوله: (لم يتجاوز قدر الحاجة) وذلك بأن تكون في موضع الجرح وما يكون حوله مما يحتاج إليه في وضع الجبيرة. فإن الجبيرة: إذا كانت في كسر عظم ونحوه فإنها تكون على طرفي الصحيح من أجل أن يستقيم الكسر. فوضعها على طرفي الصحيح إذا كان بقدر الحاجة لها فذلك جائز. فإن وضعها زائدة فإنه لا يجوز أن يمسح على هذا القدر الزائد لأنه لا حاجة إليه. إذن: لابد أن تكون على قدر الحاجة، فتوضع على الكسر وما قارب الكسر مما لا يتم الجبر إلا به، أما إذا زاد على ذلك فإنه لا يجوز.
ولا يجوز كذلك المسح عليه بل يجب عليه أن يزيله ويغسل موضعه – هذا إذا كان هذا الزائد في موضع الغسل – لكن مثلا كان الكسر في المرفق فكان منه أن جبر المرفق ورفقه إلى العضد مع أنه يكفي أن يكون إلى منتصف العضد وكانت الطهارة طهارة صغرى فهذا لا يغيره لأن الموضع ليس موضع غسل. أما في الطهارة الكبرى فلا يجوز له أن يترك هذا الموضع من غير غسل فهو مغطى من غير حاجة إلى تغطيته. قال: (إلى حَلِّها) : فهي ليست مؤقتة بوقت لأنها ضرورة، فليست مقيدة بيوم وليلة ولا ثلاثة أيام بلياليها لأنها ضرورة. وقوله: (ولو في أكبر) : لأنها ضرورة فليست كالخف أو نحوه يمكنه أن ينزعه ويغسل جسده فليس الأمر في الجبيرة كذلك فإنه يتضرر بنزعها ويتأخر برؤه بل ربما زاد ذلك في مرضه، فحينئذ المسألة مسألة ضرورة فيجوز له أن يمسح عليها سواء كان ذلك في حدث أصغر أو أكبر. والحمد لله رب العالمين. الدرس الخامس والعشرون (يوم الثلاثاء: 15 / 11 / 1414 هـ) تقدم اختيار شيخ الإسلام في أن الخفين لا يشترط في جواز المسح عليهما أن يبلغا الكعبين. ورأيت اختياراً له ذكره تلميذه ابن مفلح: " وهو أنه يجوز له أن يمسح على النعلين والقدمين إن كانا " أي النعلان " يشق نزعهما بيد أو رجل كما جاءت به الآثار " فالحجة في ما وردت به السنة، وذلك نحو النعال السبتية التي يشق نزعها فيحتاج في نزعها إلى اليد أو الرجل ونحو ذلك فإنها في حكم الخفين.
وهذا كما يدل عليه القياس على الخفين، تدل عليه كذلك الآثار فقد روى أبو داود – والحديث صحيح – من حديث أوس بن أوس (1) الثقفي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مسح على نعليه وقدميه) (2) وصح أيضاً المسح على النعلين في ابن خزيمة والبزار من حديث ابن عمر بإسناد صحيح. ونحوه من حديث ابن عمر من طريق آخر في سنن البيهقي، فعلى ذلك، يجوز أن يمسح على النعلين إن ثبت فيهما ما ثبت في الخف من مشقة النزع، ويمسح معهما القدمين أي ظاهر القدمين. قال المؤلف رحمه الله: (إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) قوله " ذلك ": إشارة إلى ما تقدم ذكره من الخفاف والعمائم والجبائر، أنها لا يجوز المسح عليها إلا إذا لبست بعد كمال الطهارة. أما الخف والجورب فإن دليلهما، ما ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرين) (3) أي أدخلتهما القدمين وهما أي القدمان طاهرتان.
والجورب مثل الخف في الحكم تماماً فإنه لا فارق بينهما. وأما العمائم فقالوا: قياساً على الخفاف والجوارب. ووجَّه شيخ الإسلام عدم شرطية ذلك في العمائم، وأنه لا يشترط أن يكون لبسها على طهارة ومثل ذلك: ما تقدم من خمر النساء والقلانس ونحوه مما يلبس على الرأس. فقد وجه شيخ الإسلام القول بعدم شرطية لبس العمائم على طهارة. وما قاله قوي، وعلة ذلك: الفرق الواضح بين العمائم وبين الخفين، فإن العمائم يكثر خلعها ونزعها فلم يكن القياس له وجه. فإذن: العمائم يكثر نزعها بخلاف الخفاف، لذا تقدم أنه يمسح على الخفاف في السفر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوماً وليله، بخلاف العمائم فإنها يكثر خلعها لذا وجه شيخ الإسلام عدم شرطية ذلك فيها. ويدخل في قولهم: الجبائر، فعلى ذلك يشترط في الجبيرة أن يلبسها على طهارة كاملة. فمثلاً: رجل أصيب بكسر أو جرح فعلى هذا القول: ينتظر به حتى يتطهر. لكن هذا القول ضعيف وذلك لأن الجبيرة إنما تلبس للضرورة، وإذا ثبت هذا فإن تكليف المكلف الطهارة قبلها فيه حرج ومشقة. لذا ذهب بعض فقهاء الحنابلة وهو الوجه الثاني عندهم: إلى عدم اشتراط ذلك، وهو الراجح. فالراجح أنه لا يشترط أن يشدها على بدنه على طهارة لأن الجبيرة موضع ضرورة ويلحق المكلف الحرج في اشتراط ذلك. فإذن: لا يجوز المسح على الخف والجورب إلا إذا لبس على طهارة. أما العمائم فالأقوى أنه لا يشترط لبسها على طهارة ومثل ذلك الجبائر. وفي قوله: (بعد كمال الطهارة) مسألة وهي: أنه لابد أن يكون هذا اللبس للخفين بعد أن تمت طهارته، فلو لبسهما وقد بعَّض (1) الطهارة ولم يتمها فإن هذا لا يجزؤه. ومن صور هذه المسألة: لو أن رجلاً توضأ فلما غسل رجله اليمنى لبس الخف الأيمن ثم لما غسل رجله اليسرى لبس الخف الأيسر. فإن هذا لا يجزؤه وهذا هو مذهب الشافعية.
واستدلوا: بما رواه ابن خزيمة وحسنه البخاري من حديث أبي بكرة الثقفي: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص للمسافر بثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما) . والشاهد قوله: (إذا تطهر فلبس خفيه) فجعل لبس الخفين بعد التطهر، وهو قبل أن يغسل قدمه اليسرى لم تتم له الطهارة بعد. ومثله الحديث المتفق عليه (دعهما فإني أدخلتهما طاهرين) (1) أي أنه أدخل الخفين القدمين وهما – أي القدمان – طاهرتان. وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية –: إلى أنه لا يشترط ذلك. قالوا: لأنه يصدق عليه أنه لبس الخفين على طهارة. وفيما يظهر القول الأول فيه قوة، فإن الطهارة لا تتم إلا بعد أن يغسل قدميه، والمسألة محل بحث ونظر. إذن فهنا قولان: الجمهور قالوا: إنه يشترط أن يتم الطهارة كلها. والقول الثاني: إنه لا يشترط ذلك، بل لو لبس الخف الأيمن ثم غسل الرجل اليسرى ثم لبس الخف الأيسر فإنه يجوز له بعد ذلك أن يمسح عليها. وعلة هذا القول: أنه يصدق عليه أنه لبس الخفين طاهراً، لكن ظاهر الحديث المتقدم أن اللبس يكون بعد التطهر. فإن قيل: إذا فعل ذلك بمعنى: غسل رجله اليمنى ثم لبس الخف الأيمن ثم غسل رجله اليسرى ثم لبس الخف فما المخرج؟ الجواب: يخلع الخف الأول ثم يلبسه، لأنه لا يشترط الترتيب في لبس الخفين فلو أن رجلاً مثلاً: غسل رجليه ثم لبس الخف الأيسر قبل الأيمن فلا بأس ولا حرج. فإن قيل: فما الفائدة من هذا الخلع فإنه لا فرق بين الأمرين؟ فالجواب: أنه ثمت فرق بينهما، فإن الفرق أنه لبسه في المرة الأولى وهو لم يثبت طاهراً بعد، فإنه لا يثبت طاهراً من الحدث الأصغر أو الأكبر إلا إذا تمت له الطهارة أما لبسه الثاني فإنه قد فعله بعد تمام طهارته.
قوله: (ومن مسح في سفر ثم أقام أو عكس أو شك في ابتدائه فمسح مقيم) هنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: (من مسح في سفر ثم أقام) إذا مسح وهو مسافر بأن لبس خفه في سفر ومسح عليها لكنه قبل أن يتم المدة انتقل إلى الإقامة، فحينئذ يتم مسح مقيم، فينظر ما بقي له من مدة المقيم وهذا بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن المنذر رحمه الله. المسألة الثانية: عكس ذلك وهي أن يمسح في حال الإقامة ثم يسافر. قالوا: يتم مسح مقيم، إذن: يتم ما كان قد بدأه فإذا مضى يوم وليلة فإنه يجب عليه أن يغسل قدمه هذا هو مذهب الحنابلة. وتعليلهم: أنه قد اجتمع عندنا مانع ومبيح فرجحنا المانع على المبيح. فالمبيح أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن هو السفر، والمانع هو كونه ابتدأه بالحضر، فيرجح الجانب المانع على المبيح تغليباً له، وهذا من باب الاحتياط وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد، وذكر الخلال أن الإمام أحمد رجع إلى هذا القول: وأنه يمسح مسح مسافر. وهذا هو الراجح، لأنه أصبح مسافراً فحينئذ جاز له أن يرخص برخص المسافرين ومن ذلك تمام المدة. ثم أن العلة وهي رفع المشقة والحرج في المسافر ثابتة لمن ابتدأه في حال الإقامة كثبوتها فيمن ابتدأه في حال السفر، وهذا هو الراجح لأنه أصبح مسافراً ولا نظر إلى ابتدائه. نعم يبني عليه ابتداء الوقت لكنه لا يمنع من أن يكون قد أتم المدة العليا وهي ثلاثة أيام بلياليها. فالراجح أن المسافر إذا كان قد مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر لأن الوصف الذي علق الشارع به هذا الحكم ثابت به وهو السفر وكذلك العلة ثابتة فيه وهي رفع الحرج المسألة الثالثة: (أوشك في ابتدائه فمسح مقيم) مثال: رجل مسافر قال: لا أدري هل ابتدأت المسح وأنا مسافر أو مقيم؟ قالوا: يمسح مسح مقيم تغليباً لجانب الحظر.
والراجح أنه يتم مسح مسافر لأن هذه المسألة أولى من المسألة السابقة، فإن المسألة السابقة التي تقدم ترجيحها قد تيقن أنه ابتدأه مقيماً ومع ذلك جاز له مسح مسافر، فهذه المسألة أولى لأنه يجهل هل ابتدأه مسافراً أم مقيماً، فإذا رجحنا في المسألة السابقة أنه يمسح مسح مسافر فأولى من ذلك إذا شككنا فيه. فالراجح: بناءً على القول الراجح، أنه إذا شك في المسح وهو مسافر هل ابتدأه وهو مسافر أم مقيم فإنه يتم مسح مسافر. مسألة: إذا شك في المدة يعني مدة المسح هل ما زالت باقية أم إنها انتهت فما الحكم؟ مثال: رجل مسافر وقال: لا أدري هل بقي من مدة المسح شيء أم لا؟ فإنه يبني على الأصل، والأصل هو الغسل، فالأصل أن القدمين يغسلان، والمسح إنما هو رخصة. فعلى ذلك: تبني على الأصل وهو غسل القدمين – وهذا قد اتفق أهل العلم عليه – كما أنه هو الاحتياط في هذا الباب العظيم الذي هو مرتبط بهذا الباب العظيم وهو الصلاة. قوله: (وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر) هذا استثناء لما تقدم في المسألة السابقة. تقدم أن المذهب أنه لو مسح مقيماً ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم. لكن إذا لبس رجل خفيه وأحدث ثم سافر ومسح عليهما وهو مسافر: قالوا: يتم مسح مسافر وهذا مما اتفق عليه أهل العلم حتى حكي إجماعاً وذلك لأنه مسافر، فالوصف الذي علق فيه الشارع الحكم ثابت فيه، والعلة وهي رفع الحرج ثابتة فيه. وهذا مشكل على المذهب، فإنه قد تقدم أن مدة المسح تبدأ – عندهم – من الحدث وهو مذهب الجمهور، وهو هنا قد أحدث في حال الإقامة، وقد مضى من ذلك مدة ثم سافر، فهذا مشكل على المذهب وعلى غيره ممن قال بهذا القول. - لذا ذهب الإمام أحمد في رواية: إلى أنه يتم مسح مقيم، وهذه الرواية أصح بناء على القول المتقدم.
وهذا مما يدل على ضعف القول المتقدم الذي فيه أن الوقت يبدأ من الحدث، وقد قال الموفق في هذه المسألة – أي مسألة من لبس خفيه ثم أحدث ثم سافر ومسح وهو مسافر قال: (لا نعلم في ذلك خلافاً) حتى حكي ذلك إجماعاً، وإن كان فيه رواية عن الإمام أحمد بخلاف ذلك لكن المشهور عنه هو أنه يتم مسح مسافر وهذا من الاضطراب والاختلاف، فإن مما يدل على ضعف القول أن يضطرب فيه أو أن يختلف فيه. فإذا رأيت القول يختلف فيه في الفروع أو المسائل فإن ذلك يدل على ضعفه. فإذن على المذهب: رجل لبس خفيه ثم أحدث ثم سافر ومسح فإنه يمسح مسح مسافر. ولو أنه لبس خفيه ثم أحدث ثم مسح مقيماً ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم، فخالفوا بين أمرين لا فارق مؤثر بينهما، بل الواجب عليهم أن يتقيدوا بقولهم المتقدم فتكون المدة مبتدأة من الحدث. فالراجح: أنه من سافر وقد بقيت مدة من مسحه وهو مقيم فإنه يمسح مسح مسافر لأن الوصف وهو السفر ثابت به، والعلة هي رفع الحرج ثابت فيه. قوله: (ولا يمسح قلانس ولا لفافة ولا ما يسقط من القدم أو يرى فيه بعضه) قوله: (ولا يمسح قلانس) هذا هو المذهب وقد تقدم أن الراجح وهو رواية لأحمد جواز المسح عليها. قوله: (ولا لفافة) اللفافة هي: ما يلف على الرجل حتى يكون كهيئة الخف أو الجورب. والعلة أنها لم تثبت بنفسها بل تثبت بالربط والشد. لكن هذا القول تقدم ضعفه وأنه لا يشترط في الخف والجورب أن يثبت بنفسه، بل لو ثبت بربط أو شد فإنه يثبت له الحكم كما يثبت له لو ثبت بنفسه. بل – في الحقيقة – أن مسح اللفافة أولى من مسح الجورب أو الخف وذلك لأن مشقة النزع في اللفافة أشد منها في الخف والجورب، فإن خلع الخف والجورب أهون من خلع اللفافة، فهي أولى بهذا الحكم. لذا اختار شيخ الإسلام وهو قول في المذهب: إن اللفافة يصح المسح عليها وهو اختيار كثير من المحققين كالشيخ السعدي – خلافاً للمشهور في المذهب –
قوله: (ولا ما يسقط من القدم) فالذي يسقط من القدم كذلك لا يجوز المسح عليه. قالوا: لأنه لا يثبت بنفسه. وقد تقدم تضعيف هذا التعليل وأنه إذا كان يسقط من القدم ثم شد بشيء أو ربط فيه بشيء فإنه يجوز المسح عليه. ومثل ذلك: قوله: (أو يرى منه بعضه) : إذا كان فيه خرق بحيث أنه يرى من خلاله شيء من القدم، فإن المذهب أنه لا يجوز المسح عليه سواء كان الخرق يسيراً أو كثيراً. وسواء كان ذلك لخرق أو كان لشفافيته وصفائه، فلو ظهر من القدم شيئاً لصفاء الخف فلا يجوز المسح عليه. وتقدم ترجيح جواز المسح على الخف الصافي وكذلك المخروق. والحمد لله رب العالمين. الدرس السادس والعشرون (يوم الأربعاء: 16 / 11 / 1414 هـ) تقدم شرح قول المؤلف: (إذا لبس ذلك بعد طهارة كاملة) واعلم أن مما يستثنى من الطهارة التيمم، فإن من تيمم ولبس خفيه فليس له أن يمسح عليهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح – وسيأتي تخريجه في موضعه – (فليتق الله وليمسه بشرته) أي عليه إذا وجد الماء أن يتقي الله وأن يمس الماء بشرته. وهذا يدل على أن طهارة التيمم لا يجوز أن يبنى عليها مسح الخفين – وهذا هو المشهور في المذهب – واعلم أن لفظة (بعد كمال الطهارة) يدخل فيها من فيه حدث متجدد كسلس البول والاستحاضة ذلك لأن هذه الطهارة كمال في حقه. فلو أن من به حدث متجدد وهو يجب عليه الوضوء لكل صلاة فلو توضأ فلبس خفيه فيجوز له أن يمسح عليهما لأن هذه هي الطهارة الكاملة في حقه. واعلم أنه لا يشترط – كما هو والمشهور في المذهب – لا يشترط أن يبني المسح على الخفين علي طهارة خالية من المسح خلافاً لبعض الحنابلة. فمثلاً: رجل توضأ فمسح على عمامته، فهذا الوضوء مستحل فيه مسح، ثم لبس خفيه، فهل يجوز أن يمسح عليهما؟
الجواب: نعم لأن هذا المسح منه في طهارة كاملة فهو قد بني هذا على طهارة ذات مسح، فإنه قد استبدل مسح رأسه بمسح عمامته ولكن هذا الوضوء مع ذلك وضوء كامل لأن هذا البدل قام مقام المبدل منه. قال المؤلف رحمه الله: (فإن لبس خفاً على خف قبل الحدث فالحكم للفوقاني) رجل لبس خفاً على خف في كل رجل، أو جمع بين جوربين في كل رجل، فحينئذ ما حكم المسح على الفوقاني؟ هنا ثلاث صور: الصورة الأولى: وهي ما ذكره المؤلف: رجل توضأ فلبس خفيه ثم مباشرة وقبل أن يحدث لبس خفين آخرين. إذن: ما زال عليه وضوؤه الأصلي فما زال وضوؤه ذا غسل للرجلين. فالحكم: إنه يمسح على الفوقاني. ولا شك أن له أن يمسح على التحتاني أيضاً؛ لأن التحتاني لم تثبت بدليته بعد عن القدم فإنه لم يمسح عليه بعد وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم. وحينئذ: يكون الخفاف كالخف الواحد – أي في الحكم – إذن: إذا لبس خفين ثم لبس فوقهما خفين فإنه يمسح على الفوقاني لأن هذا خف ساتر وقد لبسه على خف لم يمسح بعد ولم يثبت الحدث بعد. الصورة الثانية: وهي مقابلة لهذه الصورة وهي: أن يلبس الخف الثاني بعد الحدث. مثال: رجل لبس الخفين ثم أحدث ثم لبس خفين آخرين فهذا اللبس ليس مما يبنى عليه المسح؛ ذلك لأنه لبسه على غير طهارة بل على حدث. ومعلوم أن اللبس على الحدث لا يجيز المسح على الخفين؛ لأنه ولابد أن يكون لبسه على طهارة، وهنا قد لبس الخفين على حدث ويخرج على قول شيخ الإسلام العمامة المسح عليه لكثرة نزعه. الصورة الثالثة: أن يلبس الخفين ثم يحدث ثم يمسح عليهما ثم يلبس خفين آخرين. فهل يجوز له أن يمسح على الخفين الآخرين أم لا يجوز بل يمسح على الخفين الأولين؟ قولان لأهل العلم: فالمشهور في المذهب: أنه لا يجوز أن يمسح على الفوقانين بل الحكم للتحتانين.
وعللوا ذلك: بأن الخفين الأوليين بدلان عن القدم فهما يمسحان مكان غسل القدم، والبدل لا يجوز أن يوضع عنه بدل، فهو بدل فكيف يكون له بدل آخر. هذا هو المشهور في المذهب وهو أنه لا يجوز المسح على الفوقاني، لأن الخفين الأوليين بدل عن غسل القدم والبدل لا بدل له. 2- والقول الثاني، وهو مذهب ذهب إليه بعض الشافعية قالوا: بل يجوز أن يمسح عليهما – أي الفوقانيين؛ لأنه قد أدخل هذين الخفين على طهارة، وهذان الخفان يكون لهما حكم واحد فهما كالخف الواحد فكلاهما غطاء للقدم، فيكون حكمهما كالخف الواحد الذي له ظهارة (1) وبطانة، فهذا ظهارته وهذا بطانته. فقالوا: يجوز المسح عليهما لأن الخفين في حكم واحد. وهذا القول أظهر من القول الأول. نعود إلى الصورة الأولى وهي: ما إذا لبس خفيه بعد الخفين الأولين مباشرة وليس بعد حدث، فقد تقدم أنه يجوز المسح على الخف الفوقاني – فإذا مسح عليه فالمشهور في المذهب أنه يثبت الحكم له دون التحتاني ويكون التحتاني كأنه جزء من القدم. صورة ذلك: رجل لبس خفين وقبل أن يحدث فما زالت طهارته طهارة غسل القدمين، لبس خفين آخرين فمسح عليهما، فهذا المسح جائز له عند جمهور أهل العلم، فإذا ثبت هذا المسح فإنه – حينئذ – يكون للفوقاني. فلو خلع الفوقاني فإنه يثبت ذلك الحكم للتحتاني فيكون كأنه قد خُلع – أي التحتاني – وحينئذ يجب عليه أن يغسل قدميه. إذن: لو لبس الفوقاني فمسح عليه ثم أراد أن يخلع الفوقاني فيجب عليه أن يخلع التحتاني. قالوا: لأن المسح ثابت له – أي الفوقاني – فإذا انكشف فقد انكشف محل المسح وبقي الغسل، وهو إنما ثبت للقدمين.
والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره جماعة من أصحابه كالمجد وهو مذهب الجمهور: أنه لا يثبت الخلع للتحتاني بخلع الفوقاني قالوا: لأنه إذا خلع الفوقاني فإن القدم ما زالت مغطاة بخف قد لبس على طهارة وهي كخف واحد، وقد تقدم هذا التعليل – فكأن أحدهما ظهارته والآخر بطانته. وهذا القول أظهر، وأنه إذا لبس الخفين الآخرين ومسح عليهما ثم نزعهما فإنه لا يجب عليه أن ينزع التحتاني ويغسل القدمين بل له أن يمسح على التحتاني ويبقى على المدة الأصلية للخفين أو الأربع خفاف. واعلم أن الخفين - ونريد بالخفين الخف الأعلى والخف الأسفل - لهما أربع أحوال: الحالة الأولى: أن يكونا صحيحين، فهنا لا إشكال في المسألة المتقدمة؛ لأن كليهما يصح أن يمسح عليه منفرداً. الحالة الثانية: أن يكونا كلاهما منخرقاً، فكلاهما فيه خرق: فالمشهور في المذهب: أنه لا يجوز له أن يمسح عليهما جميعاً؛ لأن القدم لم يثبت عليها خف صحيح. والقول الثاني في المذهب: أنه يجوز أن يمسح عليهما لأنهما بمجموعهما يستران القدم. وهذا أصح لأن القدم قد ثبت ساتر لها فجاز أن يمسح عليه. الحالة الثالثة: أن يكون الأسفل منخرقاً والأعلى صحيحاً، فلا يجوز له أن ينفرد بمسح الأسفل دون الأعلى لأن الأسفل المباشر للرجل منخرق غير ساتر لها – وهذا على القول المرجوح –، خلافاً للراجح الذي تقدم. وأما الأعلى فإنه يمسح عليه؛ لأنه إذا مسح عليه فيقع المسح على ساتر للقدم. الحالة الرابعة: أن يكون الأسفل صحيحاً والأعلى منخرقاً فهل يجوز أن يمسح الأعلى أم لابد أن يمسح الأسفل؟ قولان في المذهب. القول الأول: إنه لا يجوز له أن يمسح على الأعلى لأنه بمسحه على الأعلى يباشر المسح بما لا يجوز المسح عليه، وأما الأسفل فإنه خف صحيح فإذا مسح عليه فإنه يمسح على ساتر صحيح فوجب عليه أن يمسح على الأسفل دون الأعلى.
وهذا من حيث القواعد المذهبية أصح، وأما من حيث القول الراجح الذي تقدم - وأن المسح على الخفين – يجعلهما كالخف الواحد، فإنه يترجح القول الذي يقول بجواز المسح على الخف الأعلى وإن كان منخرقاً. وكذلك من باب أولى على القول بأن الخف يجوز المسح عليه وإن كان منخرقاً فإنه لا أشكال في ترجيح هذا القول. إذا كان أحدهما منخرقاً والآخر صحيحاً فيجوز على القول الراجح أن يمسح على الأعلى – في الصورتين كليهما –. وأما إذا تقيدنا بقاعدة المذهب من عدم جواز المسح على المنخرق إذا كان هو الأسفل فلا يجوز المسح عليه وإن كان هو الأعلى فكذلك لا يجوز المسح عليه بل يجب أن يباشر المسح بساتر صحيح. قوله: (ويمسح أكثر العمامة) قياساً على الخف، فلا يجب عليه أن يمسح العمامة كلها، بل يجوز له قياساً على الخف – أن يمسح أكثرها فكلاهما بدل عن عضو، فهذا بدل عن القدمين، والخف يمسح ظاهره – كما سيأتي – فكذلك العمامة يكتفي بمسح أكثرها ولا يجب أن يستوفيها بالمسح. وذكر الحنابلة أنه يختص المسح بدوائرها أي بكوْر العمامة دون وسطها، ولم أر دليلاً يدل على ذلك. بل الأظهر أنه يمسح على الإطلاق عمامته، وأن يكتفي بمسح أكثرها من غير أن يحدد ذلك بكورها دون وسطها. قوله: (وظاهر قدم الخف من أصابعه إلى ساقه دون أسفله وعقبه) (وظاهر قدم الخف) : أي فلا يمسح أسفله وإنما يمسح أعلاه أي أعلى الخف.
ودليل ذلك: ما روى أبو داود والترمذي من حديث علي قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى من أعلاه ولقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه) (1) ويدل عليه ما رواه أبو داود والترمذي من حديث المغيرة بن شعبة قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما) (2) ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على أسفل الخف.
وأما ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مسح أعلى الخف وأسفله) (1) فالحديث إسناده منقطع، وقد ضعفه أحمد والبخاري وأبو زرعة وغيرهم من أئمة الحديث، فالحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. إذن: المشروع له أن يمسح ظاهر خفيه. فإن مسح أسفله دون ظاهره فلا يجزئه ذلك؛ لأن كل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد، وأمره إنما هو مسح ظاهر الخف دون أسفله. فإذن: يجب أن يمسح ظاهر الخف دون أسفله ولا يشرع له أن يمسح أسفله، فإذا اكتفى بأسفله فإن المسح باطل؛ لأن ذلك خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: (من أصابعه إلى ساقه) :
لما روى البيهقي من حديث الحسن عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مسح على خفيه فوضع اليمنى على خفه الأيمن واليسرى على خفه الأيسر ثم ذهب منهما إلى أعلاه مسحة واحدة) (1) لكن الحديث إسناده منقطع، فإن الحسن لم يسمع من المغيرة. قال الإمام أحمد: (كيفما فعل أجزأه باليد الواحدة أو باليدين) سواء بدأ من الأسفل إلى الأعلى، أو من الأعلى إلي الأسفل، وسواء مسح ذلك على الصورة المتقدمة في الحديث: اليمنى على الأيمن واليسرى على الأيسر أو اليمنى على الأيسر، واليسرى على اليمنى، أو مسح باليمنى كليهما أو باليسرى كليهما، فكل ذلك جائز لا حرج فيه، والحديث الذي تقدم ذكره إسناده ضعيف قوله: (وعلى جميع الجبيرة) هذا هو مذهب جمهور أهل العلم وأنه يجب المسح على الجبيرة كلها، فلا يكتفي بمسح بعضها، ولو كان ذلك الممسوح أكثرها، بل يجب أن يعمها بالمسح؛ وذلك لأنها بدل عن العضو الواجب غسله وهي يجب مسحها من باب قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (2) . فإن قيل: ألا تقاس على الخفين؟ فالجواب: لا تقاس على الخفين للفوارق بينهما وقد تقدم ذكر بعضها. منها إنها لا ترتبط بالمدة. ومنها إنها لا يشترط فيها الطهارة. ومنها أنها لا تختص بعضو من الأعضاء وإنما عامة في أي عضو – وغير ذلك من الفوارق الثابتة بينهما. وكذلك، أنها يمسح عليها من الحدث الأكبر بخلاف الخف.
والفرق الخامس كونها تمسح جميعها. فإذا ثبت الفارق فإنه لا يجوز القياس بل نبقى على الأصل، وهو أن البدل له حكم المبدل، والمبدل: يجب أن يعمم بالغسل ولكن الغسل غير ممكن فحينئذ ينتقل إلى المسح، ولا شك أن غسل الجبيرة يؤثر فيها إفساداً فناب المسح عنه. قوله: (ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث أو تمت مدته استأنف الطهارة) إذا طهر بعض محل الفرض فإنه يبطل وضوؤه. صورة ذلك: رجل عليه خفان وكان منه مسح عليهما فخلعهما فإن الوضوء يبطل – وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء –؛ قالوا: لأنه بخلع خفه قد أزال محل المسح ولأن النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا في تمام المدة – قد وضع مدة محددة فمتى انتهت هذه المدة يبطل المسح. إذن: إذا خلع أحد الخفين أو انكشف بعض القدم فإنه يبطل وضوؤه؛ ذلك لأن محل المسح قد زال فما دام قد زال فإنه يبطل الوضوء في القدم، وإذا بطل الوضوء في القدم فإنه يبطل الوضوء في سائر الأعضاء. وكذلك تمام المدة، فإذا تمت المدة التي حدد النبي صلى الله عليه وسلم فيبطل هذا المسح وببطلان المسح تبطل طهارة القدم، وببطلان طهارة القدم تبطل الطهارة كلها. - وذهب الحسن وقتادة في المسألتين كلتيهما وهو – اختيار شيخ الإسلام ومذهب ابن حزم – ذهبوا: إلى أن الخلع وتمام المدة لا يبطلان الوضوء فإذا خلع خفيه فإن وضوءه باق وكذلك إذا تمت المدة فإن وضوءه باق. أما الخلع: فقالوا هو نظير حلق الرأس، فمن حلق رأسه فإن وضوءه يبقى. ثم إن خلع الخفين ليس من نواقض الوضوء فليس بحدث ينقض الوضوء، والأصل بقاء الطهارة وثبوتها ولا يمكن أن ينقض إلا بدليل، فما هو الدليل على النقض. وزوال الممسوح لا يدل على انتقاض الطهارة بدليل أن حلق الرأس لا ينقض الطهارة بالاتفاق.
وأما تمام المدة فقالوا إنما وضع النبي صلى الله عليه وسلم المدة لبيان الوقت الذي يجوز فيه المسح وقد تقدمت الأدلة التي ظاهرها هذا القول وأن هذه المدة إنما للمسح وليس في الأدلة أنه لا يجوز له أن يصلي بوضوء ثبت في وقت المسح. فلو أنه مسح قبل ساعة من انتهاء مدة المسح فإذا تمت المدة فلا يجوز له أن يمسح، هذا هو ظاهر الأدلة، وليس في الأدلة أنه لا يجوز له أن يصلي بهذا الوضوء الذي قد انبنى على هذا المسح، والأصل بقاء الطهارة ولا دليل يدل على نقضها. إذن: الراجح: ما ذهب إليه الحسن البصري وهو اختيار شيخ الإسلام من أن خلع الخفين وانتهاء مدة المسح لا ينقض الوضوء. والحمد لله رب العالمين. انتهى باب مسح الخفين باب: نواقض الوضوء الدرس السابع والعشرون (يوم السبت: 19 / 11 / 1414 هـ) نواقض: جمع ناقض وهو فاعل النقض. والنقض: هو النكث وإفساد الشيء بعد إحكامه. يقال: " نقض الشيء " أي أفسده بعد إحكامه فيكون المعنى: مفسدات الوضوء أو مبطلاته. فعندما يقع النقض، فإن ذلك الوضوء الذي ثبت تصحيحه شرعاً يبطل. والوضوء: تقدم تعريفه لغة واصطلاحاً، وهو هنا بالضم (الوُضوء) ؛ لأن المراد فعل الوضوء لا ماؤه. قال المؤلف رحمه الله: (ينقض ما خرج من سبيل) السبيل في اللغة: الطريق، وهو هنا: مخرج البول والغائط. (ما خرج من السبيل) : من بول أو غائط أو مذي أو ودي فكله يخرج من السبيل. المذي: هو سائل لزج (1) يخرج بسبب تحرك الشهوة – وسيأتي الحكم عليه من حيث النجاسة وعدمها -. أما الودي: فهو سائل أبيض ثخين يخرج بعد البول. والبول والغائط والمذي والودي والريح كلها مما يخرج من السبيل – وقد أجمع العلماء على نقضها للوضوء -. أما الودي فدليله الإجماع.
وأما المذي فدليله: ما تقدم مما ثبت في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يغسل ذكره ويتوضأ) (1) . وأما الريح فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (2) متفق عليه. وأما البول أو الغائط فدليله ما تقدم من حديث صفوان بن عسال وفيه: (ولكن من غائط وبول) (3) فهذه أشياء معتادة يثبت النقض بها إجماعاً. * فإن خرج منه شيء غير معتاد كالحيض والدم ونحو ذلك مم قد يخرج من السبيلين مما ليس بمعتاد، فهل ينقض الوضوء أم لا؟ قال الحنابلة - وهو مذهب جمهور أهل العلم –: ينقض الوضوء بخروجه، فلو خرج من السبيلين حيض أو نحوه مما ليس بمعتاد فإنه ينقض الوضوء به عند جمهور الفقهاء.
وخالف الإمام مالك فقال: بأن الوضوء لا ينتقض، لأن الشارع ذكر نواقضه كما في قوله (ولكن من غائط وبول ونوم) وغير ذلك من الأحاديث. والراجح: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وذلك لدليل من السنة وهو ما رواه أبو داود في سننه من حديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها – وكانت مستحاضة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: (إذا كان دم الحيضة وهو دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئ فإنما هو عرق) (1) أي دم عرق قد خرج من السبيلين فوجب فيه الوضوء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – من حديثها – كما في البخاري: (توضئي لكل صلاة) (2) قالوا: والدم هنا ليس بمعتاد وقد أوجب الشارع فيه الوضوء. ثم أيضاً: الإجماع (3) على الودي، والودي ليس بمعتاد ومع ذلك يجب الوضوء عند خروجه – وهما غير معتادين – فغيرهما – مما قد يخرج وليس بمعتاد – مثل ذلك.
ثم إن هذا الغير معتاد يحمل – إلا في أحوال نادرة جداً، يحمل – شيئاً من البلل أي من بلَّة السبيلين وخروج هذه البلة ينقض الوضوء. لذا لا يشترط أن يكون الخارج منه خرج هكذا بطبيعته بل لو أدخل شيئاً من الدهن ونحوه كأن يتطيب به فيخرج فإن ذلك ناقض للوضوء أيضاً. ولو وضعت المرأة خرقة أو نحو ذلك فخروجها ناقض للوضوء؛ لأن هذا خارج من سبيل يحمل بلته فينتقض الوضوء منه. وأطلق الحنابلة في كل خارج سواء كان فيه بلة أو لم يكن فيه بلة. وذهب بعض فقهاء الحنابلة: إلى إنه إن لم يكن الخارج فيه بلة فلا ينتقض به الوضوء. لذا قالوا في مسألة غريبة ذكرها الموفق وذكر أنها لا توجد أصلاً، ولكن هذا الذكر منه إنما هو لما بلغه من العلم وإلا فقد يبلغ غيره من العلم ما لم يبلغه –: وهو خروج الريح من القبل فإذا خرجت فعلى القول الأول ينتقض الوضوء. وعلى القول الثاني لا ينتقض. وهذه الريح لا تحمل بلة فعلى ذلك لا ينقض الوضوء على هذا القول، ولكن القول الأول أحوط، وأما الثاني ففيه – في الحقيقة – قوة، ولكن على القياس المتقدم مع الاحتياط المذكور يتقوى ما هو مشهور عند الحنابلة من وجوب الوضوء من ذلك. قوله: (وخارج من بقية البدن إن كان بولاً أو غائطاً) إذا خرج من بقية البدن، كأن يكون في معدته خرق أو فتح فيخرج منه بول أو غائط، فإذا خرج منه بول أو غائط فإنه ينتقض وضوؤه؛ لأنه بول وغائط، وفي الحديث: (ولكن من غائط وبول) وهذا بول أو غائط، فينتقض الوضوء. وظاهره سواء كان الخرق فوق المعدة أو تحتها. وذهب بعض فقهاء الحنابلة والشافعية: إلى إن ذلك إذا كان تحت المعدة. أما إذا كان من المعدة فأعلى فلا ينقض الوضوء. قالوا: ودليلنا على ذلك: القيء فإنه لا ينقض الوضوء فإذا ثبت أنه لا ينقض الوضوء فمثله غيره، فالحكم عندهم منوط بما تحت المعدة.
لكن القول الأول أقوى؛ لأن هذا بول وغائط وقد خرج ولو كان من غير السبيلين فيثبت به الحكم المتقدم. * وهنا لم يذكروا الريح، فلو خرجت الريح من موضع غير السبيلين فظاهره أن الوضوء لا ينتقض وقد يقال: إن في هذا شيئاً من الاضطراب فكيف الريح إذا خرجت من القبل فإنها تنقض أما إذا خرجت من غير السبيلين فإنها لا تنقض؟ لذا ذهب بعض الحنابلة: إلى إنها تنقض إذا خرجت من غير السبيلين. فإذن: إذا خرجت الريح من موضع غير السبيلين فهل تنقض أم لا؟ قالوا: لا تنقض الوضوء، وهناك – أي عند خروجها من الدبر أو القبل – تنقض فما الفارق؟ الفارق: أنها عند خروجها من السبيلين هي رائحة ثبتت في مخرج طبيعي لها أو قريب من الطبيعي، وأما إذا خرجت من قريب من المعدة فهي أشبه بالجشاء وهو متفق أو مجمع على أنه ليس بناقض للوضوء. لذا يتوجه أن الريح إذا خرجت من المعدة إنها لا تنقض الوضوء (1) . قوله: (أو كثيراً نجساً غيرهما) إذن: لا ينقض إلا البول أو الغائط أو الكثير النجس كالدم فالدم نجس، وكالقيء فإن القيء عندهم نجس، أو الصديد أو ماء الدم أو القيح ونحو ذلك، كل هذا إذا خرج منه شيء من البدن فإنه ينقض الوضوء. إذن: إذا خرج النجس من شيء من البدن سواء كان من الفم أو الأنف وهو الرعاف أو أي موضع فإنه ناقض للوضوء من دم أو قيء وهو ما يخرج من المعدة ثم يخرج من الفم، ومثله القلس وهو أقل منه، ومقداره ملء الفم فما دون مما يخرج من المعدة، وأما القيء فهو ما زاد (2) على ذلك، فهذه كلها أشياء نجسة إذا خرجت من شيء من البدن فإن الوضوء ينتقض. وهنا احترازان ذكرهما المؤلف:
الأول قوله: (كثيراً) فعلى ذلك إذا كان يسيراً من دم أو قيء فإنه لا ينقض الوضوء، فالكثير هو الناقض. والمشهور في المذهب: أن الكثير لكل أحد بحسبه، فكل مكلف ينظر في الدم الذي خرج منه أهو قليل أم كثير. ولكن هذا القول – في الحقيقة – لا ينضبط؛ لأن الناس يختلفون في النظر إلى القليل والكثير. - وذهب ابن عقيل من الحنابلة: إلى أن الكثير إنما ينظر فيه إلى أوساط الناس أي غير المتبذلين ولا الموسوسين. فالموسوسون قد يرون القليل كثيراً، والمتبذلون قد يرون الكثير قليلاً، فيكون النظر إلى أوساط الناس، فما كان كثيراً بالنظر إلى أوساط الناس فهو كثير، وما كان قليلاً فهو قليل. فعلي ذلك القطرات التي تخرج، هذه لا تنقض الوضوء. ومثلاً: رجل أدخل منديلاً في أنفه فخرج فيه شيء من الدم فإنه لا ينتقض وضوؤه في المذهب. أما إذا خرج كثير رعافاً فإنه ينتقض الوضوء. ومثلاً: خرج شيء يسير من معدته فلا ينتقض الوضوء، أما إذا كان يملأ الفم أو نحو ذلك فإنه ينتقض. وهذا القول أصح؛ لأن الضابط الأول – في الحقيقة – ليس بمنضبط؛ لأن الناس يتفاوتون في هذا الباب. الثاني: قوله: (نجساً) فلو كان هذا الخارج من البدن ليس نجساً بل هو طاهر فلا ينقض الوضوء، فلو خرج منه كالبصاق أو ماء العين أو نحو ذلك – هذه أشياء تخرج من البدن طاهرة وليست بنجسة فلا تنقض الوضوء. إذن: الناقض للوضوء هو النجس الكثير الخارج من البدن سواء من السبيلين أو غيرهما ينتقض به الوضوء. أما السبيلان فلا يشترط أن يكون قليلاً أو كثير، بل القليل ينقض الوضوء لإطلاقات الأحاديث، فإن البول أو الغائط أو نحو ذلك ليس فيه هذا التفريق المذكور في الدم ونحوه.
1- هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة واستدلوا بأدلة منها: ما رواه ابن ماجه من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) (1) وبما رواه الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قاء فتوضأ) (2) . 2- وذهب الشافعية والمالكية: إلى إن هذه لا ينتقض بها الوضوء، فلا ينتقض الوضوء بالدم والقيء قليلاً كان أو كثيراً واستدلوا:
بما رواه أحمد وأبو داود وذكره البخاري معلقاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان في غزوة ذات الرقاع فأصيب رجل من أصحابه (وهو من حراسه) فنزفه الدم فمضى في صلاته) (1)
فهنا هذا الصحابي مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع وهو من حراسه – وهو كما في البيهقي عباد بن بشر وهو من عباد الصحابة وعلمائهم. ومثل هذا يبعد أن يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا الأثر إسناده صحيح – فهو متضمن لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم إذ يبعد أن يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وهو من حراسه في غزوة قد خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم. وبما رواه مالك في موطئه أن عمر رضي الله عنه: (صلى وجرحه يثعب دماً) (1) وقال الحسن – كما في البخاري – معلقاً ووصله سعيد بن منصور -: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم) (2) قالوا: إن هذه مسألة تعم بها البلوى ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها حديث. أما الحديث الأول الذي استدل به أهل القول الأول: (من أصابه قيء ... ..) إلى آخره. قالوا: فهذا الحديث من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن جريج وإسماعيل روايته عن الحجازيين ضعيفة، وابن جريج حجازي. ورواه الحفاظ غير ابن جريج مرسلاً، فعلى ذلك الحديث ضعيف. أما حديث الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قاء فتوضأ) ، فالحديث صحيح لكنه فعل منه صلى الله عليه وسلم، ونحن نقول بمشروعية الوضوء من القيء – ولكنا لا نقول بوجوب ذلك – فإن الحديث ليس فيه ما يدل على الوجوب فهو فعل، والفعل لا يدل على الوجوب.
قالوا: ومعنا الأصل، فإن الأصل أن الوضوء ثابت لا نتزحزح إلى بطلانه إلا بدليل، وليس ثمت دليل صحيح صريح يدل على ذلك. واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الراجح. فالراجح: أن الدم والقيء والصديد ونحوها كل ذلك لا ينتقض الوضوء بخروجها خلافاً للمشهور في مذهب الحنابلة. إذن: الخارج من بقية البدن غير السبيلين: إن كان بولاً أو غائطاً فإنه ينقض الوضوء. - أما غير ذلك فالراجح أنه لا ينتقض الوضوء به - لعدم الدليل الدال على ذلك. والحمد لله رب العالمين الدرس الثامن والعشرون (يوم الأحد: 20 / 11 / 1414 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (وزوال العقل إلا يسير نوم من قاعد أو قائم) " وزوال العقل " أي ناقض للوضوء. فزوال العقل بالجنون أو سكر أو إغماء أو نحو ذلك كله ناقض للوضوء بإجماع العلماء. ومثل السكر – الأدوية التي يتعاطاها المتداوي فتزيل عقله فإنها في الحكم وما تقدم سواء، فهي ناقضة للوضوء بالإجماع قياساً على الأدلة الدالة على نقض الوضوء بالنوم ونقض الوضوء بما تقدم أولى. قوله: " إلا يسير نوم من قاعد أو قائم " إذن: النوم ناقض للوضوء لأنه يثبت به زوال العقل فيدخل – حينئذ – فيما ذكره من قوله: (وزوال عقل) لكنه استثنى يسير النوم من قاعد وقائم. إذن: نوم المضطجع والساجد والراكع نوم ناقض للوضوء مطلقاً لا فرق بين يسيره وكثيره. وأما نوم القاعد المتمكن بخلاف المستند أو المتكئ أو المحتبئ، فنوم القاعد إن كان يسيراً فلا ينتقض به الوضوء ومثله القائم. إذن: هناك من النوم ما ينقض الوضوء، ومنه ما لا ينقض. أما نوم المضطجع وما شابهه فإنه ينتقض به الوضوء مطلقاً لا فرق بين يسيره وكثيره. وأما نوم القاعد أو القائم فإنه لا ينتقض به الوضوء إلا إن كان كثيراً أما إن كان يسيراً فلا ينتقض به الوضوء.
واستدلوا: على ثبوت النقض بالنوم بحديث صفوان بن عسال وفيه: (ولكن من غائط وبول ونوم) (1) فدل على أن النوم ناقض للوضوء. وأما كونهم فرقوا بين نوم القاعد والقائم وبين غيرهما، فجعلوا يسير نوم القاعد والقائم ليس بناقض، وأما يسير نوم المضطجع فإنه ناقض: استدلوا: بما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون) (2) وفي رواية لأبي داود: (حتى تخفق رؤوسهم) (3) أي حتى تضرب أذقانهم على صدورهم. قالوا: هذا نوم قاعدين، فهم كانوا فيما يرى الحنابلة - ومن وافقهم – أنهم كانوا قاعدين، ولا شك أن رواية أبي داود تشير إلى هذا. وأما القائم فيما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: (فجعلت كلما أغفيت يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بشحمة أذني يفتلها) (4)
وهنا قد وقع منه الإغفاء ومع ذلك لم ينتقض وضوؤه. كما أنه يقاس على نوم القاعد، فنوم القائم كنوم القاعد. وأما غيرها فيبقونه على النقض بأصل النوم. وقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] : (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً) (1) لكن الحديث إسناده ضعيف. إذن: هذا هو تقرير مذهب الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء وأن النوم ينقض مطلقاً يسيره وكثيره إلا نوم القاعد والقائم فلا ينتقض بيسيره وإنما ينتقض بكثيره. فإن قيل: فما هو ضابط اليسير؟ قالوا: ضابطه: العرف، فما كان يسيراً عرفاً فإنه لا ينقض الوضوء. فعندما ينام الرجل قاعداً أو قائماً ويسمع كلام الناس حوله وإن لم يفهمه فهذا في العرف يسير، بينما إذا سقط من قيامه، أو قعوده أو رأى رؤيا فهو في عرف الناس قد نام نوماً كثيراً فينتقض وضوؤه بذلك. ولا شك إن هذا الضابط حسن، لأن مرجعه إلى العرف وبعبارة أخرى لك أن تقول: النوم المستغرق وغير المستغرق. فالنوم المستغرق: هو الكثير الناقض للوضوء. وأما غير المستغرق فهو الذي يحس الإنسان به في نفسه فلا ينتقض به الوضوء. فإن قيل: فإن شك لا يدري أهو نوم يسير أم نوم كثير؟ فحينئذ: يبني على اليقين واليقين هو بقاء وضوئه فلا يزول هذا اليقين بشك.
وفي قوله: (إلا نوم) يخرج النعاس والسنة. والنعاس: يكون في الرأس من غير أن يكون في القلب والعقل فهذا لا ينتقض به الوضوء، وقد قال تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} (1) ففارق بينهما (2) ، فالناقض للوضوء هو النوم، وأما النعاس وهو ما يكون في الرأس فهذا لا ينقض الوضوء. هذا هو تقرير مذهب الحنابلة. أما ما ذهبوا إليه من أن نوم القاعد والقائم اليسير لا ينقض الوضوء فهو قول قوي. وأما قولهم إن نوم المضطجع ونحوه ينقض يسيره، فهذا قول ضعيف؛ ذلك لأنا إذا قلنا: [إنْ] كان مناط الأمر ومتعلقه هو النوم الكثير أو اليسير، أو النوم المستغرق أو غير المستغرق فإنه لا فرق بين مضطجع وغيره. وفي رواية للبزار – من حديث أنس المتقدم – بإسناد صحيح: (يضعون جنوبهم) (3) أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى ذلك منهم من يخفق رأسه ومنهم من وضع جنبه على الأرض، وكلهم لم يثبت بهذا النوم نقض وضوئهم بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الأوزاعي وربيعة واختيار شيخ الإسلام – وهذا القول هو الراجح لما تقدم – فعلى ذلك: النوم المستغرق وهو النوم الكثير ناقض للوضوء. أما غير المستغرق فإنه لا ينتقض به الوضوء.
ومما يدل على هذا أن النوم مظنة الحدث، لذا ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم (نام حتى نفخ ثم صلي ولم يتوضأ) فقيل له في ذلك فقال: (إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي) (1) .
وفي رواية أبي داود – والحديث حسن – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العين وكاء - أي باط (1) - السه - أي الدبر - فمن نام فليتوضأ) (2) . فهو مظنة للحدث، وإذا كان النوم يسيراً فإن هذه المظنة تكون يسيرة لأنه يشعر بنفسه ويحس بها، بخلاف ما إذا تمكن منه النوم فإن المظنة تكون قوية فيتعلق الحكم بها وينتقض الوضوء. إذن: الراجح التفريق بين النوم المستغرق وغيره وهو ما اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله. قوله: (ومس ذكر متصل أو قبل بظهر كفه أو بطنه، ولمسهما من خنثى مشكل ولمس ذكر ذكره أو أنثى قبلها لشهوة فيها) . قوله: " ذكره " المراد به عضو الرجل، والقبل: المراد به عضو المرأة. (متصل) هنا قيد فيه غرابة، كيف يكون متصلاً؟ قالوا: ليخرج الذكر المقطوع، كأن يقطع لعلاج ونحوه فإنه لا يدخل في هذا الحكم لأنه ليس بمعنى الذكر المتصل. قوله: (ومس ذكر) لم يقل (ذكره) لتعميم ذكره وذكر غيره، أو القبل من المرأة نفسها أو من غيرها فإذا لمست المرأة ذكر زوجها أو لمس الرجل قبل امرأته فإنه ينتقض الوضوء بذلك.
ودليل ذلك هذه المسألة: ما ثبت في الخمسة بإسناد صحيح من حديث بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فليتوضأ) (1) وثبت في مسند أحمد – والحديث حسن – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها ستر فقد وجب عليه الوضوء) (2)
وفي صحيح ابن حبان وصححه أحمد وأبو زرعة – وإسناده صحيح – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس فرجه فليتوضأ) (1) وفي مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) (2) بل قد ثبت ذلك من حديث بضعة عشر صحابياً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أي في أن مس الذكر ناقض للوضوء وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء، أن من مس ذكره فيجب عليه الوضوء. - وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء واستدلوا: بما رواه طلق بن علي من حديث ابنه قيس عن أبيه طلق أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء قال: (لا، إنما هو بضعة منك) (3) وقد صححه ابن حبان وابن حزم. قالوا: فهذا يدل على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء. ومن أجوبة الجمهور على هذا الحديث ما يلي: أن الحديث ضعيف، فقد ضعفه الشافعي والدارقطني والبيهقي وغيرهم، بل قال النووي: " ضعيف باتفاق الحفاظ ".
وقيس بن طلق، قال فيه ابن معين وأبو حاتم وهما إمامان في الجرح والتعديل وقد قالا فيه: " لا يحتج بحديثه ". وقال البخاري: " سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه " أي هو مجهول. وقد وثقه ابن حبان والعجلي، وكذلك ينبغي أن يكون موثقاً عند كل من صحح هذا الحديث، لكن تقدم أن الحديث ضعيف كما قال ذلك النووي. قالوا: ولو قلنا بتحسينه فإنه لا يخالف به هذه الكثرة الكاثرة من الأحاديث الثابتة في هذا الباب فغايته – أي قيس بن طلق – أن يقبل حديثه ما لم يخالف، لذا قال الإمام أحمد في حديثه: " غيره أثبت منه ". كيف وقد روى النقض بمس الذكر – رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم - بضعة عشر صحابياً، هذا الوجه الأول. والوجه الثاني: قالوا: كيف يكون المس في الصلاة، فإنه يستبعد أن يمس الرجل ذكره في الصلاة، فعلى ذلك المس هنا يخالف الظاهر، نعم الظاهر في لفظة المس أن تكون بلا حائل لكن هنا بحائل؛ لأنه يستبعد أن يكون ذلك في الصلاة. وقالوا: أيضاً حديث طلق بن علي مبق على الأصل بينما حديث بسرة وغيرها ناقلة عن الأصل، والأحاديث الناقلة عن الأصل مقدمة على المبقية على الأصل. قالوا: حديث طلق بن علي، وكان ممن أسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يؤسس مسجده، بينما بسرة قد آمنت في عام الفتح وكذلك أبو هريرة قبل أن يتوفى النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنين قالوا: فهذه قرينة قوية تقوي القول بالنسخ، وإن كانت ليست نصاً على النسخ، كما أن كون حديثها ناقل عن الأصل كذلك يقوي القول بالنسخ بخلاف حديث طلق بن علي، ويقوي هذا ما رواه الطبراني لكن الحديث إسناده ضعيف فهو يتقوى لو صح لكن الحديث إسناده ضعيف خلافاً لتصحيح الطبراني له وهو من القائلين بالنسخ لحديث طلق بن علي – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فليتوضأ) فعلى ذلك يكون قد روى كما روى غيره النقض بمس الذكر.
وأما حديثه الأول فهو حديث يوم إسلامه ثم بعد ذلك روى أحاديث النسخ كغيره. وهذه الأوجه كلها تقوي ما ذهب إليه الجمهور من أن الراجح في هذه المسألة أن مس الذكر ناقض للوضوء. - واختار شيخ الإسلام الجمع بين الحديثين، أي بين حديث بسرة وغيرها وبين حديث طلق فحمل حديث بسرة وبقية الأحاديث على الاستحباب وحمل حديث طلق على نفي الوجوب. فعلى ذلك يكون المعنى في حديث طلق: الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء " أي أيجب عليه الوضوء "، فقال: (لا، إنما هو بضعة منك) أي لا يجب عليك الوضوء، ولم ينف الاستحباب. بخلاف حديث بسرة فلفظه: (من مس ذكره فليتوضأ) فهذا يمكن أن يحمل على الاستحباب. لكن هذا القول فيه ضعف، لما تقدم من قوة الأحاديث الواردة في مسألة نقض الوضوء بمس الذكر، بخلاف حديث طلق وما تقدم من كلام أهل العلم فيه، فلا تترك ظواهر الأحاديث المتاكثرة لهذا الحديث الذي تقدم ذكر الأوجه في تضعيفه سنداً أو تضعيفه رواية. إذن: الراجح: أن مس الذكر ينتقض به الوضوء لكن الفقهاء انطلقوا من هذا الحديث الصحيح ففرعوا فروعاً كثيرة جداً وهي هذه القيود التي ذكرها المؤلف. فهنا قوله: (ومس) لفظة مس أي بلا حائل فإن كان من حائل فإنه لا يثبت به هذا الحكم، وهذا هو الذي تفيده لفظة (مس) وقد ورد مصرحاً في حديث الإمام أحمد الذي تقدم ذكره: (إذا أفضي أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها حجاب فقد وجب الوضوء) (1) فعلى ذلك إذا كان دونها حجاب فلا وضوء، وهذا باتفاق العلماء. قال: (ومس ذكر) : هنا أطلق سواء كان ذكر نفسه أو غيره قالوا: إذا ثبت هذا في ذكر نفسه مع الحاجة إلى لمسه فأولى منه غيره وهذا هو مذهب الجمهور. فإذا مست المرأة ذكر زوجها انتقض وضوؤها. وفي قوله: (مس ذكر) يشمل كذلك الصغير والكبير فالمرأة تغسل طفلها، فمست ذكره فينتقض الوضوء بذلك لأنه ذكر متصل – وهذا هو مذهب الجمهور -.
- وذهب الأوزعي وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن مس ذكر الصغير لا ينقض الوضوء – وهذا هو الراجح –؛ لأن ذكر الصبي ليس بمعنى ذكر الكبير المنصوص عليه، فإنه ليس محلاً للشهوة بمسه فبينهما فارق، ففرق بين مس الذكر [من] البالغ ومس ذكر الطفل الصغير. - وقيَّد المالكية مس فرج الصبية بألا تشتهى فالتي لا تشتهى – لاينقض الوضوء. فكذلك ينبغي أن يقيد به الصبي، فإذا مست المرأة أو الرجل فرج صبي أو صبية مما لا يشتهون أو مما لا يكونوا (1) محلاً للشهوة، كالأم تمس فرج طفلها فإن ذلك لا ينقض الوضوء، هذا مذهب الأوزعي ورواية عن الإمام أحمد وهو القول الراجح. وفي قوله: (ذكر) ينبغي أن يقيده لتتم هذه الفروع، بقوله: (ومس ذكر آدمي) لأنهم اتفقوا على أن مس ذكر الحيوان لا ينقض الوضوء. وفي قوله: (متصل) يخرج من ذلك المنقطع وهذا لا شك فيه، فلا ينقض بمسه الوضوء. قالوا: لأن المنقطع ليس في حكم المتصل. وفي قوله: (ذكر متصل) ظاهره ولو كان من ميت، وهذا هو مذهبهم. فلو أن امرأة مست ذكر زوجها الميت لتغسيله فإنه ينقض بذلك وضوؤه (2) – وهذا غريب – فإن ذكر الميت ليس بمعنى ذكر الحي بل هو شبيه بالمنقطع فكيف ينتقض الوضوء بمسه. إذن: الراجح وهو قول في المذهب أن الميت لا ينقض الوضوء بمس ذكره. قال: (أو قبل) أي قبل امرأة، للحديث المتقدم: (وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) (3) . فالمرأة كذلك إذا مست فرجها أو مس أحد فرجها فإنه ينقض، وعلى الماس الوضوء. واعلم أن الوضوء إنما يجب على الماس دون الممسوس؛ لظواهر الأدلة المتقدمة، وهذا باتفاقهم. قال: (بظهر كفه أو بطنه) : الكف: من أطراف الأصابع إلى الرسغ، فإذا كان المس في شيء من اليد فإنه ينتقض به الوضوء.
قالوا: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أفضى أحدكم بيده) قالوا: واليد إذا اطلقها الشارع فإنما يطلق الحكم بها إلى الرسغ، كما قال تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} (1) وإنما تقطع أيديهم من الرسغ لا من المرفق ولا من المنكب. قالوا: وظاهر الحديث يدخل ذلك أي ظاهر الكف وباطنها. وقال الجمهور (2) : بل إذا مس الذكر بظاهر الكف فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء. قالوا: لأن اليد إنما خصصت لأنها آلة اللمس وإنما موضع اللمس فيها باطنها بخلاف ظاهرها فإنه ليس آلة للمس.
وهذا هو القول الراجح؛ لأنه في الحقيقة لا يكون من فرق بين الذراع وبين ظاهر الكف، والشارع لا يفرق بين المتماثلات، لأنهم قد اتفقوا على أن من مس ذكره بذراعه (1) أو بعضده أو بفخذه أو نحو ذلك فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء، ولا فارق بين هذه المواضع وظاهر الكف، أما باطن الكف فنعم لأنها آلة اللمس. إذن الراجح: ما ذهب إليه الجمهور من أن باطن الكف هو المُعيَّن بالحكم دون ظاهره. وهل يدخل في ذلك الظفر؟ قولان في المذهب: والمشهور أن الظفر لا يدخل قالوا: بل هو في حكم المنفصل. ولا حاجة لنا وقد رجحنا أن الباطن هو الذي يثبت به الحكم – لا حاجة لنا للكلام في الظفر؛ لأن الظفر من ظاهر الكف وليس من باطنها. وإن كان الأرجح بالنظر إلى المذهب دخول الظفر؛ لأنها داخلة في عموم اليد، فاليد من أطراف الأصابع إلى الرسغ ويدخل في ذلك الأظفار. إذن: الراجح أن الحكم إنما يثبت للمس بباطن الكف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حدد اليد بذلك، واليد في باطنها لها من المعنى ما ليس لغيرها لأنها هي آلة اللمس. وظواهر الأدلة المتقدمة أنه لا فرق عامد وغيره فسواء مس ذكره عامداً أو ساهياً – وهذا هو مذهب الجمهور – وظواهر الأدلة تدل على ذلك. - وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو مذهب طائفة من التابعين: إلى أنه إن مسه غير عامد فإن الوضوء لا ينتقض بذلك. قالوا: لأنه إذا مسه بغير عمد فإن الفعل منه يكون غير مقصود فحينئذ ليس له معنى مطلقاً. ولكن الراجح: دخول السهو وغيره في هذا الباب؛ لأنه وإن كان بغير قصد فقد يحصل القصد عند المس فيثبت حينئذ الحكم، أو يترتب المعنى بمجرد المس سواء كان بقصد أو لم يكن بقصد مع أن ظواهر الأدلة تدل على أنه لا فرق بين عامد وغيره. قال: (ولمسها من خنثى مشكل)
الخنثى المشكل: هو من له آلة ذكر وآلة أنثى ولم يتميز أهو ذكر أم أنثى لوجود آلتي التناسل فيه فلا يدرى أذكر هو أم أنثى ولم يتبين بعد. أما إذا تبين فإنه يزول الإشكال. وهي مسألة – حقيقة – في غاية الندرة وإذا وقعت ففي غاية الندرة أن تقع المسائل التي يفرع عليها الفقهاء. وهنا قال: (ولمسها من خنثى مشكل) : أي هو ناقض. " لمسهما " أي العضوان جميعاً. أذن: إذا مس من الخنثى المشكل أحد العضوين فلا ينتقض الوضوء بذلك؛ لأنه لا يدرى هل هذا الممسوس أصلي أم زائد ومع الشك نبقى على اليقين المتقدم وهو ثبوت الوضوء. فإذا لمسهما جميعاً فحينئذ يزول الشك ويتيقن إنه مس فرجاً أصلياً. إذن: إذا لمسهما من خنثى مشكل فإنه ينتقض وضوؤه أما إذا مس أحدهما فلا ينتقض بذلك الوضوء. قال: (ولمس ذكر ذكره أو أنثى قبلها لشهوة فيهما) " لمس الذكر " الماس ذكر. " ذكره " الآلة المذكرة من الخنثى المشكل ولم يمس الآلة المؤنثة، بل مس الذكر ذكره ثم قال: (لشهوة) . إذا مس الرجل الآلة المذكرة للخنثى المشكل فحينئذ يثبت النقض، لأنه إذا كان ذكراً فقد مس عضوه الأصلي، وإذا كان أنثى فقد مس أنثى لكن لشهوة، لأن الأنثى – عندهم – لا ينتقض الوضوء بمسها إلا إذا كان بشهوة. فإذن: هذا مفرع على القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء. قال: (أو أنثى قبله بشهوة) أتت أنثى ومست قبله بشهوة وهذا غريب أنثى تمس أنثى ويكون ذلك للقبل ويكون بشهوة وهذا من غرائب العلم. قالوا: ينقض الوضوء لأنها إن كانت أنثى حقيقة فقد مست قبلها وهو قبل أنثى أصلي فينتقض به الوضوء. وإن كانت ذكراً فقد مست جزء رجل، ومس جزء الرجل ينتقض به الوضوء إن كان بشهوة فإذن: إذا مس عضوي الخنثى المشكل انتقض الوضوء. وإذا مس الذكر ذكر الخنثى المشكل بشهوة انتقض أيضاً. وإذا مست الأنثى قبل الخنثى المشكل بشهوة انتقض الوضوء بذلك.
وهل يقاس على مس الذكر مس الدبر أي حلقة الدبر؟ قال الحنابلة: نعم – وسيأتي ذكرها – والدليل قوله صلي الله عليه وسلم: (من مس فرجه) ، والفرج يدخل فيه القبل والدبر خلافاً لمذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد لعموم الحديث المتقدم. والحمد لله رب العالمين. الدرس التاسع والعشرون (يوم الاثنين: 21 / 11 / 1414 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها) هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وأن من مس امرأة بشهوة فإن وضوءه ينتقض بذلك. واستدلوا: بقوله تعالى: {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} (1) الآية. قالوا: والملامسة هنا هي حقيقة المس، فإذا مس المرأة بشهوة فإنه ينتقض وضوؤه. وقد دلت السنة على أن مطلق المس غير المصحوب بشهوة أنه لا ينقض الوضوء، دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكانت رجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضتها) (2) وفي رواية للنسائي: (مسني برجله) (3)
قالوا: فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مس عائشة برجله فلم ينتقض وضوؤه بل ثبت في صلاته ومضى فيها فهذا يدل على أن مطلق المس للمرأة، وهو المس غير المصحوب بالشهوة أنه لا ينقض الوضوء، والآية الكريمة دلت على أن المس ينقض الوضوء، فعلى ذلك تقيد الآية بمس الشهوة للحديث المتفق عليه – هذا هو مذهب الحنابلة -. - وذهب الشافعية - استدلالاً بالآية الكريمة –: إلى أن مس المرأة ناقض للوضوء مطلقاً بشهوة أو بغير شهوة. وأجابوا – عن الحديث المتفق عليه -: بأن هذا المس يحتمل أن يكون فيه بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينها حائل، وإذا ثبت الحائل أو الحجاب فإنه لا يثبت الحكم، فحينئذ يبقى الحكم على ما هو عليه؛ لأن هذا هو المس الذي يتعلق به الحكم، فإن المس الذي يتعلق به الحكم الشرعي هو المس المباشر الذي لا يقع فيه الحجاب بين الماس والممسوس. لكن هذا الاحتمال ضعيف، لأن حقيقة المس أن يكون من غير حجاب، بدليل رواية النسائي فإن لفظة: (مسني برجله) . قال شيخ الإسلام – في هذا القول -: " وهذا أضعف الأقوال وليس له أصل في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم "، وهذا مما تعم به البلوى – أي مجرد مس المرأة – ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث عن وجوب الوضوء عند مس المرأة مطلقاً. ولكن القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء مع ما سيأتي من تضعيفه فإنه أقوى من القول بأنه ناقض مطلقاً. وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه كالآجرى – وهو اختيار شيخ الإسلام –: إلى أن مس المرأة لا ينقض مطلقاً لا بشهوة ولا بغيرها. وأجابوا – عن استدلالهم بالآية – بأن المس في الآية إنما هو الجماع. فقوله تعالى: {أو لامستم النساء} أي واقعتموهن جماعاً وليس المراد مطلق المس، وهذا هو قول ابن عباس وعلي بن أبي طالب في تفسير هذه الآية وهو اختيار ابن جرير.
بينما تفسيرها على القول المتقدم هو قول ابن مسعود. قالوا: وسياق الآية يقرر هذا – أي أنه الجماع – فإن الله عز وجل ذكر الوضوء في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة} (1) إلى أن قال: {وأن كنتم جنباً فاطهروا} فذكر الطهارتين طهارة الوضوء وطهارة الغسل، ثم قال – سبحانه –: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} وهذا التيمم بدل عن الطهارتين، عن طهارة الغسل وطهارة الوضوء وذكر الله السبب الأول، في قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} فهذا حدث أصغر، فإذا فسرنا قوله تعالى {أو لامستم النساء} بالمس الموجب للوضوء فإنه يتعدد السبب لطهارة واحدة، أما الطهارة الأخرى فلا يذكر لها سبباً، والأليق ببلاغة القرآن أن يذكر لكل طهارة سبباً لبيان أن التيمم بدل عن طهارة الوضوء وطهارة الغسل كما دلت علي ذلك السنة. وابن مسعود رضي الله عنه قد فسر الآية بالحدث الأصغر وهو مس المرأة الموجب للوضوء، وهو لم يكن يرى أن التيمم بدل عن الغسل، وإنما كان يرى أنه بدل عن الوضوء فحسب كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، لذا فسر الآية بحدث أصغر ولم يفسره بحدث أكبر لأنه لا يعتقد أن الحدث الأكبر يجزئ فيه التيمم. إذن: الراجح في تفسير هذه الآية وهو أصح قولي العلماء كما قال شيخ الإسلام وهو اختيار ابن جرير وقول ابن عباس أن قوله تعالى: {أو لامستم النساء} المراد به الجماع والقرآن يكني عن الجماع بالمس، كما في قوله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} (2) وليس المراد إجماعاً مجرد المس، وإنما مراده الجماع الحقيقي.
وكني عنه بالمباشرة مع أن حقيقة المباشرة ما دون الجماع لكن قد كني بها في القرآن عن الجماع، كما قال تعالى في سورة البقرة: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} (1) أي لا تجامعوهن والمباشرة قد دلت السنة على جوازها (2) ، إذن المراد بالمس في الآية: الجماع.
وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث حبيب بن أبي ثابت (1) عن عروة عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ) (2)
قال الراوي ما أظنها إلا أنت فضحكت ". وهذا الحديث قد استدل به من يرى أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً، لأن القبلة لا تكون في الغالب إلا بشهوة من الزوج. والحديث صححه ابن عبد البر وابن جرير، لكن أكثر الحفاظ قد ضعفوه، وقد ضعفوه بعلتين: 1 - العلة الأولى: أنه من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة قالوا: ولم يسمع من عروة، كما قال البخاري. وأجيب عن ذلك: بأن حبيباً قد روى عن طبقة الصحابة كأنس بن مالك وغيره ممن هو أكبر من عروة وأقدم منه موتاً، وقد قال ابن عبد البر: (لا شك أنه لقي عروة) فإذا ثبت أنه لقي أنس بن مالك وهو أقدم منه موتاً فأولى أن يكون قد لقي عروة. 2 - العلة الثانية: قالوا: ليس هو عروة بن الزبير وإنما هو عروة المزني وهو مجهول، لكن الجواب واضح، فيقال: كيف يتجرأ عروة المزني وهو مجهول ليس من الثقات لذا ضعف به هذا الحديث، لا يمكن أن يتجرأ على أم المؤمنين عائشة. بخلاف عروة بن الزبير فإنه ابن أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة فعائشة خالته. فعلى ذلك تضعيف هذا السند غير وارد، فالصحيح أن هذا الحديث إسناده صحيح. ومع ذلك فقد ورد من حديثها من عشرة طرق عن عائشة وله شواهد. فعلى ذلك: لو سلم بتضعيف هذا السند فإن له عشرة أوجه عن عائشة، وله شواهد، فالحديث صحيح. وهو مبق على الأصل – فإن الأصل أن المس غير ناقض للوضوء – والآية الكريمة قد تقدم ترجيح أن المراد بالمس الجماع وليس مجرد مس المرأة. والراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء. ولكن: إذا كان إذا كان بشهوة فيستحب له أن يتوضأ كما قرر هذا شيخ الإسلام قياساً على الوضوء عند الغضب بجامع أن الغضب والشهوة من الشيطان، فيستحب له أن يتوضأ من الشهوة كما يستحب له أن يتوضأ من الغضب. وعلى القول بأن مس المرأة ناقض للوضوء إن كان بشهوة تتفرع هذه المسائل: منها: قوله: (أو تمسه بها) :
إذا مست المرأة الرجل بشهوة فإن الوضوء ينتقض؛ لأن النساء شقائق الرجال، فما ثبت للرجال فهو ثابت للنساء إلا أن يدل دليل على تخصيص الرجال به. فعلى ذلك: المرأة إذا مست الرجل وقلنا: بأن مس المرأة ناقض للوضوء - كما هو مذهب الحنابلة - فإنه ينتقض وضوؤها. أما إذا قلنا: بأن مس المرأة غير ناقض فكذلك إذا مست المرأة رجلاً. وقوله: (ومس حلقة دبر) تقدم الكلام على هذا في الدرس السابق. وقوله: (لا مس شعر وظفر) الشعر والظفر ومثل ذلك السن في حكم المنفصل، فإذا مس من المرأة شعرها أو ظفرها أو سنها بشهوة فإن الوضوء لا ينتقض بذلك. وهذا في الحقيقة على إطلاقه محل نظر، فإنا لو قلنا بأن مس المرأة ناقض للوضوء إن كان بشهوة فإنه إذا مس شيئاً من أجزائها المذكورة مما يورث الشهوة وإن كان في حكم المنفصل فإن الحكم باق. فإذا مس شعرها أو شيئاً من بدنها بشهوة فإنه ينتقض وضوؤه. إذن الحنابلة وهم القائلون بأن مس المرأة بشهوة ناقض للوضوء استثنوا ما هو في حكم المنفصل كظفرها وشعرها. وعلى الترجيح المتقدم نقول: إن مس المرأة كلها ليس بناقض. ولكن على تسليم ما ذهب إليه الحنابلة فإن إطلاق ذلك فيه نظر، فإن مس الشعر قوي مؤثر فهو قريب من مس شيء من بدنها، فإذا قلنا بنقض الوضوء إذا مسها بشهوة فينبغي أن نقول بنقض مس الشعر بشهوة، لكن الراجح أن مس المرأة غير ناقض مطلقاً. قوله: (وأمرد) الأمرد: هو من اخضرَّ أو طرَّ - أي اخضرَّ - شاربه ولم تنبت لحيته، فإذا مس الأمرد فإنه لا ينتقض وضوؤه. قالوا: لأنه ليس محلاً للشهوة.
وهذا التعليل ضعيف، فإن الله قد ذكر أنه من أعظم المعاصي وأن طائفة من الناس قد ابتلوا بشهوة المعصية وحب التشهي بمثل ذلك كما قال تعالى: {أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} (1) فعلى ذلك متى أورث مسه شهوة، وقلنا إن مس المرأة بشهوة ناقض للوضوء – فمثله كذلك مس الأمرد – ولكن الصحيح أن مس المرأة لا ينقض مطلقاً فكذلك مس الأمرد. ولا شك أن مسه محرم إذا كان بشهوة وهذا بإجماع العلماء. كما أن النظر إليه بشهوة محرم أيضاً. أما النظر بغير شهوة فإنه مباح. فإ ن كان النظر يخشى منه أن يورث شهوة فحينئذ قولان في مذهب الحنابلة: القول الأول: إنه ليس بمحرم. القول الثاني: إنه محرم، وهو أصح واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه ذريعة إلى محرم، والشريعة قد أتت بسد الذرائع. قوله: (ولا مع حائل) إذا كان هناك حجاب أو حائل بينه وبين المرأة التي قد مسها فإنه لا ينتقض الوضوء، بل لا ينتقض إلا بمسها مباشرة من غير حائل. وهذا على القول بأن مس المرأة ناقض، والراجح خلافه كما تقدم. قوله: (ولا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة) الملموس بدنه قالوا: لا ينتقض وضوؤه بذلك، لأن اللامس الشهوة فيه أشد، فعلى ذلك لا يقاس الملموس بدنه باللامس لأن الشهوة في اللامس أشد. وهذا فيه نظر، فإنها وإن سلم أنها أشد لكن الشهوة قد ثبتت ووقعت باللمس، فالقياس الصحيح أن يقال: بأن الملموس كذلك إذا لمس وثارت شهوته باللمس فإنه بذلك ينتقض وضوؤه، فإذا مس الرجل امرأة بشهوة – وقلنا بانتقاض الوضوء بمس المرأة – فكذلك ينتقض وضوء المرأة إن أحدث بها ذلك شهوة. ولكن كما تقدم الراجح خلاف هذا كله ولكن هذا الترجيح لبيان ضعف هذه العلة المذكورة. وأنّا متى قلنا بأن مس المرأة ناقض للوضوء فإن علينا ألا نفرق بين لامس وملموس. قال: (ولو وجد منه شهوة)
هنا (لو) إشارة إلى وجود خلاف، فقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والإمام الشافعي في أحد قوليه: إلى أن الملموس بدنه إذا ترتب على هذا المس شهوة فإنه ينتقض وضوؤه، وهو الراجح كما تقدم تعليله، فلا فرق بين لامس وملموس فقد ثبت المس وثبتت الشهوة والقياس يقتضي ذلك. ولا فرق بين مس امرأة أجنبية أو ذات محرم، فإذا مس ذات المحرم بشهوة وقلنا بأن المس بشهوة ينقض الوضوء فلا فرق بين أن تكون أجنبية أو غير أجنبية، ولا فرق بين صغيرة وكبيرة ولا فرق بين حية وميتة؛ لأن الأمر معلق بالشهوة، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. لكن – كما تقدم – كل هذه التفريعات على القول بأن مس المرأة ناقض للوضوء إذا كان بشهوة. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثلاثون (يوم الثلاثاء: 22 / 11 / 1414 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (وينقض غسل ميت) هذا من مفردات المذهب وقال بهذا القول إسحاق بن راهويه: وأن من غسل ميتاً أي باشر غسله سواء كان ذلك من حائل أو لم يكن من حائل ولكنه هو الذي يقلبه بالتغسيل فإنه ينتقض وضوؤه، بخلاف من يصب الماء فإنه لا يتوفر فيه ذلك فلا ينتقض وضوؤه. إذن المراد من باشر الغسل ولو كان ذلك عن قميص فإن الوضوء ينتقض بذلك. واستدلوا: بما رواه البيهقي عن ابن عباس أنه سُئل هل على من غسل ميتاً غسل فقال: (أنجستم ميتكم يكفي فيه الوضوء) (1) ، ونحوه عن ابن عمر في البيهقي. قالوا: ولا يعلم لهما مخالف فيكون قولهم حجة. - وذهب الجمهور: إلى أن غسل الميت ليس بناقض للوضوء، واختار هذا الموفق وشيخ الإسلام.
واستدلوا: بما رواه الحاكم في مستدركه بإسناد حسن وقد حسنه الحافظ ابن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس عليكم في غَسْل ميتكم غُسْل [إذا غسلتموه] ، فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) (1) . قالوا: والأصل ثبوت الطهارة وبقاؤها، وما ورد عن ابن عباس وابن عمر لا يتعين أن يكون ذلك للوجوب حتى نبقى على هذا الأصل، ويقوي هذا الأصل الحديث المتقدم وفيه: (فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) (2) . وهذا القول هو الراجح. ومع ذلك فإنه يستحب أن يتوضأ لما تقدم من الآثار قال شيخ الإسلام: " وأما الاستحباب فمتوجه ظاهر ". ومثل ذلك الغسل من غسل الميت، فكذلك لا يجب وإنما يستحب، وقد روى الخمسة من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غَسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ) (3) والحديث صحيح، وقد أعله بعض الحفاظ بالوقف لكن الحديث له طرق كثيرة حتى ذكر ابن القيم أن له أحد عشر طريقاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " وهذه الطرق تدل على أنه محفوظ ". قال الخطابي: " ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب الغُسل من غَسل الميت ولا بالوضوء من حمله ويشبه أن يكون ذلك للاستحباب ".
وما قاله هو الذي تدل عليه آثار الصحابة: فقد روى الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: " كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل " (1) . وروى مالك في موطئه بإسناد صحيح: " أن أسماء بنت عميس لما غسلت أبا بكر سألت الصحابة وفيهم المهاجرون والأنصار هل عليَّ من غسل؟ فقالوا: لا " (2) . وقد تقدم الحديث الذي فيه: (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل [إذا غسلتموه] فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) . إذن: لا يجب بغسل الميت الغسل ولا الوضوء، وإنما يستحب، فيستحب لمن غسل الميت أو أعان في غسله بالمباشرة أن يغتسل أو يتوضأ ولا يجب عليه ذلك، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم. قوله: (وأكل اللحم خاصة من الجزور) الجزور هو: الأنثى أو الذكر من الإبل جمعه جُزُر، وهذا القول هو المشهور في المذهب وأن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء، وهو مذهب أهل الحديث، وهو مذهب عامة الصحابة كما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر بن سمرة قال: (كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم) (3) ولا يصح نسبة خلاف ذلك إلى الخلفاء الراشدين - كما ذكر ذلك النووي وغيره -، وإنما روي عنهم عدم الوضوء مما مست النار، وهذا عام في الإبل وغيرها، فالآثار إن صحت عنهم – فهي أنهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار - وهذا مذهب عامة الصحابة كما تقدم، وهو مذهب أحمد وإسحاق، وذهب إليه بعض الشافعية كالنووي والبيهقي والإمام ابن خزيمة، ومن المالكية ابن العربي ويحيى بن يحيى، بل قال الشافعي: " إن صح الحديث قلت به ".
واستدلوا: بحديثين صحيحين – صححهما أحمد وإسحاق وغيرهما -: الحديث الأول: ما رواه مسلم في صحيحه: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أأتوضأ من لحوم الغنم، قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم قال: نعم قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) (1) الحديث الثاني: ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي – والحديث تقدم تصحيح أحمد وإسحاق وغيرهما له –عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سُئل عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: (توضؤوا منها) وسُئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: (لا تتوضئوا منها) (2) . فهذان الحديثان يدلان على وجوب الوضوء من لحوم الإبل. فإن قيل: أولا يحمل الأمر على الاستحباب؟ فالجواب: أن الأصل في الأمر الوجوب، لكن قد يكون هذا أنه أتى جواباً لسؤال، ولكن مع ذلك هناك قرينة في الحديث تدل على أن الأمر للوجوب، وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم (سئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ) ، والوضوء من لحوم الغنم مستحب.
فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضؤا مما مست النار) (1) وهذا الحديث ظاهره وجوب الوضوء من لحوم الغنم ونحوه مما مست النار.
لكن ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أكل من كتف شاة ولم يتوضأ) (1) وهذا يدل على أن الوضوء مما مست النار من لحوم الغنم ونحوها ليس بواجب، لذا قال جابر كما في سنن أبي داود والنسائي: (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) (2) أي عدم الإلزام به والإيجاب، بحيث أنه كان يتوضأ ويأمر أصحابه بذلك ثم لم يتوضأ أي بالفعل وإلا فقد بقي استحباب ذلك كما هو اختيار شيخ الإسلام.
إذن: الوضوء من لحوم الغنم مستحب، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ) أي هذا ليس بواجب عليك، وأما لحوم الإبل فقال: (نعم فتوضأ من لحوم الإبل) ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بأن قال: (نعم) كما قال ذلك في قوله: (أصلي في مرابض الغنم) ، أما هنا فقال: (نعم فتوضأ من لحوم الإبل) فأجابه ثم أن أنشأ أمراً بالوضوء من لحوم الإبل. وقد تقدم قول الشافعي وأنه إن صح الحديث فهو مذهبه ولم يكن منه – رحمه الله – التوقف في دلالته، وكذلك غيره من الأئمة. وإنما من قال بخلافه من الأئمة، فإنما قال بالنسخ وأما التوقف في دلالته فليس هناك أي أحد من الأئمة. - وذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه لا يجب الوضوء من لحوم الإبل. واستدلوا: بحديث جابر قال: (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) . قالوا: ولحوم الإبل مما مست النار، فآخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار وهي منها ولكن هذا ضعيف، لأن هذا عام، فآخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، مطلق في لحوم الغنم والبقر وغيرها. وأما الحديث الذي نستدل به فهو حديث خاص فحينئذ: يخصص به هذا العموم المتقدم. ثم إن جابراً إنما يحكي فعل النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم من أكله من لحم ولم يتوضأ، وهو لحم شاة كما تقدم. والراجح: هو القول الأول وأن لحم الجزور ناقض للوضوء، وهذا هو أصل المسألة. وقوله: (وأكل اللحم خاصة) هذا هو المشهور في المذهب وأن اللحم خاصة وهو الأحمر أو الأبيض هو الناقض للوضوء، أما ما يكون على الرأس والطحال والكبد وغيرها فهذا ليس من اللحم فلا ينقض الوضوء.
فاللحم وهو الأحمر من الإبل والبقر والغنم ونحوها، والأبيض من الطير ونحوه، وهو ما يسمى بالهبر (1) ، فدخول اللحم في النقض هذا لا شك فهو داخل قطعاً. أما غير اللحم كالكبد والطحال والكرش والمصران والمرق ونحوه ففيه قولان: القول الأول: أنه ليس بناقض، لأن النص ورد في اللحم خاصة وأما غيره فلا يدخل فيه. القول الثاني: أنه ليس خاصاً باللحم، بل عام فيه وفي غيره مما يؤكل من الإبل، فيدخل في ذلك المرق والدهن وغيره. واستدلوا: بأن الشارع لما حرم لحم الخنزير دخل في ذلك كل أجزائه من شحم ونحوه، كما ورد في الأحاديث الصحيحة وكما قام على ذلك الإجماع، وإنما نص النبي صلى الله عليه وسلم على اللحم؛ لأن هذا أكثره وأغلبه فعلى ذلك: يكون جملة ناقض ثم إنه يتغذى بدم واحد، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي. إذن: كله ناقض للوضوء، فكل ما يطعم من الإبل فهو ناقض للوضوء. * أما ألبان الإبل: فيها قولان في المذهب: القول الأول: وهو المشهور في المذهب إنها لا تنقض الوضوء.
القول الثاني: إنها تنقض، واستدلوا بما رواه ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا توضؤا من ألبان الغنم وتوضؤا من ألبان الإبل) (1) لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما أهل القول الأول: فقالوا: إنما نص النبي صلى الله عليه وسلم على اللحم وأما اللبن فليس في معناه، ونحن نقول في معناه الكبد ونحوه ولكن اللبن ليس بمعناه. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر العرنيين أن يشربوا من ألبان الإبل لم يأمرهم أن يتوضؤوا، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهذا القول هو الراجح، وأن من شرب لبن الإبل فإنه لا يجب عليه الوضوء. وهل يقاس على الإبل غيرها أم لا؟ هذا ينبني على العلة، فما هي العلة التي جعلت الوضوء ينتقض بأكل لحم الإبل؟ المشهور في المذهب: أنها تعبدية، بمعنى: لا يدرى معناها.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن العلة: أن أكل لحم الإبل يورث قوة شيطانية فيطفأ بالماء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – كما في مسند أحمد وسنن أبي داود – والحديث لا بأس به: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) (1) فقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء من الغضب، وهنا لحم الإبل يورث قوة شيطانية لأنها خلقت من شياطين، فقد ثبت في المسند وأبي داود والترمذي والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين) (2) أي خلقت منها، وهو ثابت مصرح به كما في سنن ابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنها خلقت من شياطين) (3)
فعلى ذلك أمر الشارع بالوضوء من لحمها لما يورث من قوة شيطانية فعلى ذلك يقاس عليها ما كان فيه هذا الوصف كالسباع ونحوها، كما قال شيخ الإسلام، فما كان فيه هذه القوة الشيطانية كما يكون في السباع ونحوها فإنه يقاس عليه في هذا الحكم، فمن أكله مضطراً فإنه يجب عليه الوضوء. قوله: (وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت) هذه قاعدة، فكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً. [فـ]ـالحيض والنفاس وخروج المني والكافر أو المرتد إذا أسلم، فهذه توجب الغسل، وهي كذلك توجب الوضوء، لأنها لما أوجبت الطهارة الكبرى فيلزم من ذلك أن توجب الطهارة الصغرى، فعلى ذلك: إذا أرادت المرأة أن تغسل عن الحيض مثلاً، فلا يكفي لها لكي تصلي بهذا الغسل، لا يكفي أن تنوي رفع الحدث الأكبر المتمثل بالحيض، بل يجب عليها أن تنوي رفع الحدث الأصغر – إذا أرادت أن تصلي بعد الغسل –. ومثلاً: رجل دخل في الإسلام، فاغتسل ولم ينو رفع الحدث الأصغر، فإن هذا الغسل لا يجزئه فلا يستطيع أن يصلي به؛ لأنه لم ينو رفع الحدث الأصغر، لكنه يسقط عنه وجوب الغسل عند الدخول في الإسلام. ولو أن جنباً اغتسل بنية رفع الحدث الأكبر ولم ينو رفع الحدث الأصغر فإنه لا يحل له أن يصلي بهذا الغسل. فالقاعدة عندهم: أن كل ما أوجب غسلاً فإنه يوجب وضوءاً ومن ذلك الردة – فهي عندهم من نواقض الوضوء – واستدلوا بقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} (1) - وجمهور أهل العلم: على أن من ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه فإنه لا ينتقض وضوؤه بذلك، لأن الوضوء عمل، والعمل لا يحبط إلا بالموت على الكفر كما قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} (2) فالأعمال الصالحة لا تحبط إلا بالموت على الكفر فالمرتد يبقى عمله فإذا مات على الكفر حبطت وبطلت.
فإذا حج ثم ارتد، ثم عاد فإن حجه يجزئ عنه. وهذا القيد تقيد به الآية المتقدمة: {لئن أشركت ليحبطن عملك} ، وهذا القول هو الراجح فالردة لا تبطل الوضوء فلو أن رجلاً تلفظ بلفظ يكفر به ثم استتيب فتاب وهو متوضئ قبل ذلك فوضوؤه لا ينتقض بذلك. فالقاعدة: عند الحنابلة أن كل ما يوجب غسلاً فإنه يوجب وضوءاً إلا الموت، فإنه يوجب الغسل أما الوضوء فلا يجب أن يتوضأ بل يكفي تغسيله. ولعل ذلك: إما لكون النية منتفية في حق الميت فلا يمكن أن ينوي – ولم أر لهم تعليلاً –. ولعل ذلك – وهذا أظهر – لكون الغسل للميت ليس عن رفع حدث، فليس عليه حدث، بل وجب عليه الوضوء بسبب الموت، وإنما هو غسل واجب ليس عن حدث، لعل هذه العلة لاستثناء ذلك. إذن: الموت لا يشترطون فيه ذلك. فإن قلنا: إن نية الغاسل تكفي، فإنه لا يشترط أن ينوي توضيئه؛ لأن ذلك ليس عن حدث. والراجح في هذه المسألة كلها أن الوضوء لا يجب، فإن من وجب عليه الغسل فلا يجب عليه الوضوء. ذلك: لأن الشارع قال سبحانه وتعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} (1) أي الطهارة الكبرى، ولم يأمرنا بالوضوء ولم يثبت دليل صحيح يوجب ذلك. فعلى ذلك: الصحيح أن من اغتسل من الجنابة مثلاً فإن ذلك يجزئ عنه في رفع الحدث الأصغر وإن لم ينوه؛ لأن الحدث الأصغر داخل في الحدث الأكبر فإذا ارتفع الحدث الأكبر فقد ارتفع الحدث الأصغر – هذا من حيث المعنى –. وأما من حيث الدليل: فإن الشارع لم يوجب الوضوء على من وجب عليه الغسل، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل صحيح. إذن القاعدة المتقدمة فيها نظر، والأظهر أن الغسل هو الواجب فقط، فمن نوى رفع الحدث الأكبر فذلك يجزئ عنه. والحمد لله رب العالمين الدرس الحادي والثلاثون (يوم الأربعاء: 23 / 11 / 1414 هـ)
قال المؤلف رحمه الله: (ومن تيقن للطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين، فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما) فإذا تيقن أنه على وضوء ثم شك هل انتقض وضوؤه أم لا؟ إذن الوضوء متيقن منه، والحدث مشكوك فيه أو العكس بأن يتيقن الحدث ثم شك هل توضأ أم لا لم يتوضأ؟ فهنا الحدث متيقن، والوضوء مشكوك فيه، ومثل ذلك في الغسل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (1) وهذا دليل على القاعدة المشهورة عند أهل العلم وهي: (أن اليقين لا يزول بالشك) . إذن: يجب عليه أن يبني على اليقين فإذا كان المتيقن أنه متوضئ، والمشكوك فيه أنه محدث فهو متوضئ، وإن كان العكس فهو محدث. وقوله: (فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما) : أي تيقن أنه توضأ وتيقن أنه أحدث، ولكن جهل السابق منهما، لأنه إذا علم السابق من المتأخر فلا إشكال، فإذا علم أن الحدث هو المتأخر فهو محدث وإن علم أن الوضوء هو المتأخر فهو متوضئ. ولكنه قد جهل السابق أو الآخر، فلا يدري أيهما السابق، وهنا قد علم حاله قبلهما. مثال: رجل صلى الفجر ثم جلس يذكر الله وهو على طهارة ثم بعد طلوع الشمس تيقن حدثاً وتيقن وضوءاً فما الحكم؟ قالوا: بضد حاله قبلهما بمعنى: ننظر على أي حال كنت سابقاً، هؤلاء – أي اليقين واليقين – قد تعارضا فتساقطا، فما هي حالك قبل ذلك؟
فإن كان متوضئـ[ـاً] فهو بضد ذلك، فيكون في حكم المحدث، ويجب عليك الوضوء؛ لأنه هذه الحالة قد تيقن زوالها، لأنه قد طرأ عليها حدث. أو العكس: بأن كان قبلهما محدثـ[ـاً] فيكون متطهراً؛ لأن هذه الحالة السابقة قد تيقن زوالها. إذن: المشهور في المذهب أنه إذا تيقن الطهارة وتيقن الحدث وجهل السابق وله حال سابقة من وضوء أو حدث فيكون حكمه بضد ذلك، أما هذه فقد تعارضت فتساقطت فحكمنا بما يكون بضد حاله قبلها. وذهب بعض الحنابلة إلى: أنه يجب عليه الوضوء، وهذا هو الراجح، لأن اليقينَيْن قد تعارضا فتساقطا والصلاة لابد لها من وضوء متيقن أو وضوء مستصحب - المراد به ما تقدم –. فعندما يقول: اليقين أني متوضئ فهذا هو الاستصحاب بمعنى: طرأ عليك شيء من الشك والاحتمال لكنه احتمال قد عارض الأصل فلا يؤثر فيه. وهنا ليس عندنا لا تيقن ولا استصحاب حال أي ليست حاله السابقة على وضوء فنستصحبها ونقول: هذا شك، فيكون عندنا استصحاب الحال، وليس عندنا تيقن أنه متوضئ. وهذا القول هو الراجح، وأنه يجب عليه أن يتطهر، فإذا تيقن الحدث والوضوء فلا نقول هو بضد حاله قبلهما بل يجب عليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحالة لم يثبت – في الحقيقة – وضوؤه لا يقيناً ولا ظناً وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (1) والطهارة المتقدمة لو قلنا: أنه كان طاهراً سابقاً فقد أتاها الحدث، وإذا كان محدثاً سابقاً فإن الطهارة الأخرى لم يتيقن أنها المتأخرة. إذن: إن تيقن الاثنين فيجب عليه أن يتطهر. ومثل ذلك - وهو مذهب الحنابلة وهو واضح راجح- أنه إذا كان لا يعلم حاله قبلهما؟ بمعنى: تيقن الوضوء وتيقن الحدث لكنه لا يدري ما حاله قبلهما. فحينئذ: يحكم عليه بفرضية الوضوء؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بوضوء متيقن أو مستصحب كما تقدم.
قوله: (ويحرم على المحدث " أي حدثاً أصغر " مس المصحف والصلاة والطواف) : قوله: " مس المصحف ": المصحف يصح بفتح الميم وكسرها وضمها فيحرم عليه أن يمس المصحف. والمصحف يصدق على الورق التي كتبت عليها الآيات القرآنية، ويصدق على الحواشي، وهي ما يكون أعلى الصفحة وأسفلها ويمينها وشمالها، ويصدق على الغلاف الذي يتصل به، فكل ذلك مصحف فكما يقع عليه التبع، تقع عليه بقية الأحكام، ودليل ذلك ما رواه النسائي والترمذي من حديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) (1) . قالوا: هذا الحديث وإن كان مرسلاً من حيث السند لكن له شهرة عظيمة في الأمة من عصور التابعين فمن بعدهم، حتى قال الشافعي: " يثبت عندهم – أي أهل الحديث – أنه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم "، وقال الإمام أحمد: " لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه ". والحديث قد تلقته الأمة بالقبول مما يغني عن النظر في إسناده ومع ذلك فإن هذه القطعة ثبت لها شاهدان شاهد رواه الدارقطني من حديث ابن عمر وشاهد آخر عند الطبراني في الكبير من حديث عثمان بن أبي العاص. فهذه القطعة صحيحة ثابتة، من غير النظر إلى المعاني المتقدمة من تلقي الأمة لها بالقبول، بل هي كذلك على موازين الاصطلاح المجردة عن تلقي الأمة، هو صحيح بشاهديه. فإذن: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) قاله: النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (طاهر) لفظ مشترك أي التي تحمل معان، فيحتمل أن يكون معناها (إلا طاهر) أي: (إلا مؤمن) لذا ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) (1) . ويحتمل أن يكون المعنى: أن لا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأكبر لقوله تعالى: {فإن كنتم جنباً فاطهروا} (2) ويحتمل أن يكون المعنى: (لا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأصغر ودليل تسمية المتطهر من الحدث الأصغر طاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإني أدخلتهما طاهرتين) (3) ، فمن تطهر من الحدث الأصغر فهو طاهر، ومن تطهر من الحدث الأكبر فهو طاهر، ومن تطهر من الشرك والكفر فهو طاهر. فإذن: لفظة: (طاهر) لفظ مشترك. والراجح عند الأصوليين أن اللفظ المشترك يحمل على كل ما يدل عليه من المعاني، إن لم توجد قرينة تدل على أن المراد به أحد المعاني بعينه، لا سيما في هذه اللفظة النبوية فإنها أي لفظة (طاهر) قد وقعت في سياق النفي فتفيد العموم. أي: لا يمس القرآن إلا مؤمن ولا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأكبر، بل لا يمس القرآن إلا متوضئ. وهذا المذهب هو مذهب جماهير الفقهاء، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص كما في الموطأ بإسناد صحيح (4) ، وحكاه شيخ الإسلام عن سلمان الفارسي وعن ابن عمر، وقال الموفق: " ولا نعلم لهم مخالفـ[ـاً] ". فإذن: هو مذهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وقد حكاه - أي هذا القول – ابن هبيرة في الإفصاح – إجماعاً. - وخالفت الظاهرية: فقالوا يجوز أن يمس القرآن وإن كان محدثاً.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم (كتب رسالته إلى هرقل وفيها: (بسم الله من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم – الرسالة – وفيها آية {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء …} ) (1) . قالوا: وقد وقعت في أيدي كفار ووقوعها في أيديهم أعظم من وقوع المصاحف في أيدي المحدثين من المؤمنين. ولكن هذا الاستدلال ضعيف، ذلك لأن هذه الرسالة ليست بمصحف بل هي كتاب كتب فيه آيات من القرآن. لذا قال الفقهاء إذا كانت الكتب كتب تفسير أو كتب فقه أو نحو ذلك، أو فيها آيات قرآنية فإنه لا يجب على من أراد أن يمسها أن يتوضأ، بل للمسلم أن يمس كتب التفسير وهو محدث حدثاً أصغر، مع كونها متضمنة للقرآن كله؛ لأنها ليست بمصحف ولا يطلق عليها قرآن. لكن إذا كانت التفاسير كهيئة المصحف تماماً، كما يوجد في مثل تفسير الجلالين بأن يكون كهيئة المصحف إلا أن الحواشي قد علقت عليها بعض التفسيرات فهذا في حكم المصحف، لأنه كالمصحف تماماً إلا أن حواشيه لم يخل من كتابات بل كتب فيها تفسير هذه الآيات، أما الكتب العلمية ككتب الفقهاء وكتب المفسرين وغيرها وإن تضمنت القرآن كله أو تضمنت آيات كثيرة منه فإنها ليست بمصاحف. إذن الراجح مذهب الجمهور من أن مس المصحف يشترط فيه أن يتوضأ ماسه.
واعلم أن المس يصدق على أي موضع من مواضع اليدين فليس مختصاً بباطن اليد ولا بظاهرها ولا نحو ذلك؛ لأن المس يصدق على كل مباشرة من غير حائل فمتى باشر المصحف من غير أن يكون بينه وبينه حجاب سواء كان ذلك بيديه أو بأي موضع من مواضعه كأن أن يضعه على وجهه أو نحو ذلك، كل هذا محرم وهو من مس القرآن، لأن لفظة المس تصدق على ذلك. وهل يؤذن للصبيان أن يمسوا المصاحف بلا وضوء كما يكون هذا في الكتاتيب وغيرها؟ قولان لأهل العلم: فالمشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز لهم مسه إلا بوضوء. وذهب المالكية وهو وجه عند الحنابلة: إلى أنه يجوز لهم ذلك. والقول الثاني هو الراجح؛ لأنهم غير مكلفين ثم إن في تكليفهم ذلك مشقة وحرج، فلما كان الأمر كذلك لم يشترط أن يتوضؤوا ولكن على وليهم أن يرشدهم إلى الوضوء عند إرادة المصحف من غير أن يجب ذلك عليهم. وقوله: (والصلاة) فالصلاة تحرم على المحدث وهذا بالإجماع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (1) متفق عليه. وفي مسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (2) فقد أجمع أهل العلم علي أن الصلاة لا تجوز بغير وضوء ولا فإن فعل فإنه قد فعل معصية من المعاصي وارتكب خطيئة لا يكفر بها خلافاً لأبي حنيفة لعدم الدليل الدال علي تكفيره لكن إن فعل ذلك مستهزءاً بالصلاة أو مستحلاً لهذا الفعل المحرم، فهو كافر لإجماع العلماء علي شرطية ذلك. إذن: لا يكفر بذلك إلا إذا كان هذا مستهزءاً أو مستحلاً وهذا هو مذهب جماهير أهل العلم.
قوله: (والطواف) أي يشترط للطواف بالبيت أن يتوضأ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما قدم مكة كان أول ما بدأ أن توضأ ثم طاف بالبيت) وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا عني مناسككم) (1) قالوا: فقد فعله وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) واستدلوا: بما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف في البيت صلاة إلا أن الله قد أحل به النطق فمن نطق فلينطق بخير) (2) وفي رواية: (فأقلوا فيه الكلام) (3) والحديث صحيح مرفوعاً، وموقوفاً " على ابن عباس ".
قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة) ومن شروط الصلاة الطهارة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الصلاة الطهور) (1) . - وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو مذهب طائفة من السلف: أن الوضوء ليس بشرط للطواف. قالوا: لأن الله لم يوجب ذلك ولا رسوله ولا إجماع في هذه المسألة. قال ابن القيم: " ولا نص ولا إجماع لاشتراط الطهارة – أي في الطواف – بل قد وقع فيه النزاع قديماً وحديثاً " وذكر شيخ الإسلام أنه قد وقع النزاع فيه بين السلف. قالوا: وهذا هو الأصل فإنا لا نوجب إلا ما أوجبه الله ورسوله أو ما أجمعت عليه الأمة. قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم لم تثبت عنه في حججه ولا عمره أنه أمر الناس بالوضوء. وما ذكرتموه من الأدلة فإنها لا تدل على المطلوب وهو فرضية الوضوء، وإنما تدل على مجرد استحبابه فإن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قبل طوافه هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب. وأما كونكم تستدلون بقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) (2) ، فإنكم لم تستدلوا بهذا الدليل على مسائل هي أعظم من الوضوء، فإن المسائل المتصلة بالطواف نفسه كالاضطباع والرمل ونحو ذلك من مسائل الطواف، هذه مسائل متصلة بالطواف نفسه ومع ذلك لم توجبوها، بل جعلتموها من السنن والمستحبات باتفاقكم فأولى منها ما هو خارج عنه وهو الوضوء وغاية الأمر أن يدل ذلك على استحباب الوضوء.
فإذن: لا يستدل مطلقاً على إيجاب كل فعله (1) - النبي صلى الله عليه وسلم - بقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) . وأما الحديث: فإنه لا يصح الاستدلال به على هذا المطلوب بدليل: أن هذا الحديث قد ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد أحل النطق، وقال هو موضع استدلالهم: (الطواف بالبيت صلاة) ، فظاهر اللفظ غير الواقع، فإن ظاهره أن كل ما في الصلاة ثابت بالطواف، وهذا ليس بصحيح، فإن غالب مسائل الصلاة لا تثبت مسائل بالطواف كالأكل والشرب والحركة الكثيرة والالتفات الكثير ونحو ذلك مما حرم بالصلاة بالإجماع، وهو جائز في الطواف بالإجماع، فغالب مسائل الصلاة ليست ثابتة بالطواف. وأعظم من ذلك أن الطواف لو كان صلاة حقيقة لافتتح بالتكبير واختتم بالتسليم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (2) وليس في الطواف بالاتفاق تكبير مفترض ولا تسليم مطلقاً. فإذن: يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة) ليس مراده أنه صلاة له أحكام الصلاة، وإنما المراد أنه عبادة يتقرب بها إلى الله، وهي عبادة متصلة بالبيت كاتصال الصلاة وأنه مأجور عليها بنية ما يؤجر عليه في الصلاة.
فيكون نظير قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه) (1) ، فإن الرجل الذي ينتظر الصلاة قد نص الشارع أنه في صلاة مع أنه ليس في الصلاة حقيقة لكنه في عبادة هي انتظار للصلاة، ومع ذلك بالإجماع لا يشترط فيه ما يشرط في المصلي، وكذلك إذا غدا إلى المسجد أو راح فإنه في صلاة كما ثبت في أبي داود – ومع ذلك فإنه لا يجب عليه ما يجب على المصلى. إذن: يقال: حديث: (الطواف بالبيت صلاة) لم لا تستدلون به على تحريم الأكل والشرب أو غير ذلك من المسائل، فعلى ذلك: ليس المراد أنه في حكم الصلاة، وإنما المراد نظير قوله: (فإن أحدكم في صلاة) أي عليه أن يكون في سكينة ووقار وانضباط، فكما أنه إذا ذهب إلى المسجد فيجوز له ما يحرم على المصلي من الأحكام، لكنه عليه أن يكون في سكينة ووقار فكذلك هنا، عليه أن يكون كهيئة مشيته إلى الصلاة بسكينة ووقار، فيقلّ من الكلام والحركة ونحو ذلك، لكن ذلك كله جائز لا حرج فيه إلا ما دل دليل على تحريمه والنهي عنه. وهذا – كما تقدم – هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو الراجح. فالراجح أن الطواف بالبيت لا يشترط فيه الوضوء. وهل يجوز له أن يطوف وهو محدث حدثاً أكبر وهل تطوف الحائض؟ محل هذا في غير هذا الباب، فسيأتي الكلام على هذا في باب الحج، والمسألة الأولى في باب الغسل إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين. انتهى باب نواقض الوضوء الدرس الثاني والثلاثون (يوم الجمعة: 25 / 11 / 1414 هـ) باب الغسل الغُسل: لغة هو فعل الاغتسال، ويصح أيضاً بالفتح (الغَسل) والأول أشهر.
إلا أن الفتح أشهر في الماء الذي يغتسل به، فإنه يطلق عليه غَسلاً (1) بالفتح على الأشهر، ويطلق عليه غُسلاً بالضم، ويسمى مُغتسلاً وغسولاً، وأما الغِسل بالكسر: فهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو أشنان ونحوهما. قال المؤلف رحمه الله: (موجبه خروج المني دفقاً بلذة، لا بدونها من غير نائم) (موجبه) : أي موجب الغسل وستأتي صفته الواجبة وصفته المستحبة. (خروج المني دفقاً بلذة لا بدونها) : هذا موجبه الأول وهو خروج المني دفقاً لقوله تعالى: {من ماء دافق} (2) بلذة لقوله صلى الله عليه وسلم – كما في مسلم -: (إنما الماء من الماء) (3) وفي أبي داود: (إذا فضخت فاغتسل) (4) ، وفي المسند بإسناد حسن: (إذا حذفت فاغتسل وإن لم تكن حاذفاً فلا تغتسل) (5) فلا يجب الغسل إلا بخروجه بلذة.
فإن خرج بغير لذة كأن يخرج مرضاً أو نحوه من برد وغيره فإنه لا يثبت به نقض الطهارة الكبرى. (لا بدونهما) : أي لا بدون الدفق بلذة. (من غير نائم) : ونحوه كسكران ونحوه ممن زال عقله أو مغمى عليه، فإن هؤلاء متى خرج المني منهم فإنه يثبت به النقض أي نقض الطهارة الكبرى سواء كان ذلك بلذة أم لا، لأنه قد زال عقله فلا يمكن أن يحكم هل ثبتت اللذة أم لا. يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن امرأة قالت يا رسول الله: (إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟) فقال: (نعم إذا رأت الماء) (1) فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بالاحتلام، وغيره مثله علق برؤية الماء، فبمجرد رؤية الماء يثبت نقض الطهارة الكبرى. إذن: الناقض الأول هو خروج المني دفقاً بلذة، لا بدونها من غير نائم. قوله: (وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له) رجل جامع ولكنه لم ينزل لكن المني قد جانب موضعه الأصلي ولم يخرج بعد، قالوا: فينقض بذلك الطهارة الكبرى. وعللوا ذلك: بأن الجنابة هي مجانبة الماء " أي المني " لموضعه، فإذا جانب الماء موضعه أي باعد فهذه جنابة، وقد قال تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} . وذهب عامة أهل العلم وهو اختيار بعض كبار الحنابلة كالموفق وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أن النقض لا يثبت بمثل هذا، بل لا يثبت إلا بخروجه، واستدلوا: بحديث: (إنما الماء من الماء) وحديث: (نعم إذا رأت الماء) ، والماء لم يثبت خروجه بعد. وأما من حيث الاستعمال اللغوي فإن الجنابة لا تسمى جنابة إلا إذا فارقت البدن كله وجانبته. أما وقد فارق موضعه إلى موضع آخر من البدن نفسه فليس بجنب: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} وهذا ليس بجنب حتى يفارق ويباعد الماء البدن كله.
فإذن الراجح وهو مذهب جماهير العلماء – خلافاً للمشهور من المذهب – أن الماء إذا فارق موضعه فإنه لا يثبت به النقض، بل لا يثبت النقض إلا بخروجه على الصفة المتقدمة. كما أن تحرك الريح في المعدة لا يعتبر ناقضاً إلا بخروجها وهذا بإجماع أهل العلم – فكذلك هنا في هذه المسألة فيصح قياسها عليها. قوله: (فإن خرج بعده لم يعده) رجل خرج منه المني دفقاً بلذة فاغتسل ثم خرجت منه قطرات بعد اغتساله – فلا يجب عليه الغسل. وعلة ذلك: لأنه لم يخرج بلذة، ولأنه قد اغتسل بعد خروجه وهذا تبع للمتقدم الذي قد ثبت الاغتسال له وإنما هما فعل واحد. إذن: إذا خرج شيء من المني بعد الاغتسال فإنه لا يجب فيه الغسل مرة أخرى؛ لأنه قد اغتسل لأصله، ولأنه كذلك لا تتوفر فيه الشروط المتوفرة في الماء الناقض للطهارة الكبرى وهي كونه دفقاً بلذة. * فإذا احتلم ولم ير ماءً أي بللاً بمعني: يذكر احتلاماً ولا يجد بللاً فلا يجب عليه إجماعاً الغسل. والعكس بالعكس: فإذا رأى بللاً وعلم أنه مني ولم يذكر احتلاماً، فإنه يجب عليه الغسل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا رأت الماء) (1) . إذن: إذا رأى بللاً وعلم أنه ماء الرجل فإنه يجب عليه الغسل وإن لم يذكر احتلاماً. والعكس بالعكس فلو ذكر احتلاماً ولم يجد بللاً فإنه لا يجب عليه – إجماعاً – الغسل. فإذا رأى بللاً وشك أهو مني أم مذي فما الحكم؟ فالحكم أن يقال: إذا سبق نومه دواعي خروج المذي كفكر أو نظر وغيرها – فإنه يحكم بأنه مذي. أما إذا لم تكن هذه الدواعي موجودة: - فالمشهور في المذهب: أنه يثبت له حكم المني فيجب الغسل. قالوا: لأن الغالب فيما يخرج بعد المنام أن يكون منياً، فما دام هذا هو الغالب ولم يسبقه ما يغير هذا الأصل الذي أصلناه – من عدم وجود سبب المذي من فكر ونظر – نحكم عليه بأنه مني
إذن: إذا رأى ماءً فلم يدري (1) أمذي هو أم مني، فيقال له: إن سبق نومك دواعي المذي من فكر ونظر فهو في حكم المذي فيجب عليه الوضوء. أما إن لم تكن هذه الدواعي موجودة فهو مني. وعن الإمام أحمد – رواية – وهو أقوى من المذهب المتقدم –: أنه يجب عليه الغسل إن ذكر احتلاماً. بمعني: رجل رأى احتلاماً، ووجد ماءً لا يدري أهو مني أم مذي، فإنه يجب عليه الغسل – على هذا القول –. فإن لم يذكر احتلاماً فلا. وهناك قول ثالث – اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم وهو رواية – عن الإمام أحمد، قالوا: لا يجب عليه الغسل مطلقاً؛ لأن الطهارة الكبرى متيقنة فلا تزول بمجرد الشك. فهنا يشك هل هو مذي أم مني ولم يتيقن فلا نتزحزح عن اليقين المتقدم إلا بيقين. وأقواها فيما يظهر لي القول الوسط (2) ، والذي جعلنا نتزحزح عن الأصل هو وجود قرائن قوية منها: عدم دواعي المذي، ومنها أيضاً: كونها في منام، ومنها - وهو أقواها -: أنه يذكر احتلاماً. مع أن القول الثالث فيه قوة لقوله: (نعم إذا رأت الماء) فعلق الحكم برؤية الماء، وهنا لا يمكن أن يقال إنه قد رأى الماء - مع كونه قد احتلم - لكونه قد شك فيه، ولا يعد الشاك رائياً. إذن هناك ثلاثة أقوال: الأول: أنه تنتقض بذلك الطهارة الكبرى. الثاني: أنها لا تنتقض إلا إذا كان هناك احتلاماً. الثالث: أنها لا تنتقض مطلقاً. قوله: (وتغيب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً ولو من بهيمة أو ميت) (حشفة) : هي ما يكون أعلى الذكر أو أعلى الفرج. (تغيب) : أي إخفاء.
(حشفة أصلية) (1) : ليخرج حشفة الخنثى المشكل فإنها تستثنى؛ لأنها ليست بأصلية – وهذه فروع على نادر جداً. (في فرج أصلي) : كذلك لابد أن يكون الفرج ليس فرج خنثى مشكل؛ لأنه ليس أصلياً. (ولو من بهيمة وميت) : وكذلك (غير إنسي) كأن يكون جنياً، على القول بثبوت هذا أي إمكان جماع الإنسي للجنية أو الجني للإنسية، فإذا وقع هذا فإنه يجب الغسل. فإذن: تغييب الحشفة الأصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً (ولو من بهيمة وميت) يوجب الغسل وليس البحث هنا في تحريم ذلك بل البحث في فرضية الغسل. ودليل هذا – أي أنه إذا التقى الختانان وثبت الإيلاج فيجب الغسل، ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قعد على شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) وفي رواية: (وإن لم ينزل) (2)
، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل) (1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح. فإن قيل: فما الجواب علي ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم (أمر من أكسل أن يغسل ما مس من امرأته ويتوضأ) (2)
فالجواب: أن هذا الحديث منسوخ، فقد ثبت في أبي داود والنسائي والترمذي بإسناد صحيح عن أبي بن كعب قال: (كانت الفتيا التي يقولون (الماء من الماء) رخصةً رخص الله بها ثم أمر بالاغتسال بعد) (1)
وهذا مذهب جماهير أهل العلم، أما إذا مس الختان الختان من غير إيلاج فلا يجب الغسل إجماعاً، وإنما يثبت الغسل بالإيلاج. قوله: (وإسلام كافر) إذا أسلم الكافر فيجب عليه أن يغتسل سواء كان (1) قد وقع في الجنابة في حال كفره أو لم يكن، وسواء كان كافراً أصلياً ثم أسلم أو كان مرتداً، فيجب عليه الغسل؛ لما ثبت عند الخمسة إلا ابن ماجه بإسناد جيد عن قيس بن عاصم أنه أسلم: (فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر) (2) ، وثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أسلم ثمامة بن أثال: (اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل) (3)
فهذان الحديثان حجة للحنابلة والمالكية خلافاً للشافعية والأحناف – في وجوب الاغتسال لمن أسلم سواء كان كافراً أصلياً أو مرتداً أو سواء ثبتت عليه الجنابة قبل إسلامه أو لم تثبت. وحجة أهل القول الثاني: أن مثل هذه المسألة يجب أن تنتشر انتشاراً واضحاً فيثبت بأحاديث متواترة أو ظاهرة مشهورة؛ لأن الذين أسلموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا حصر لهم فهم كثرة كاثرة ومع ذلك لم يثبت إلا هذين الحديثين. لكن هذا التعليل لا يرد بمثله الأحاديث الصحيحة؛ لأنه ليس من شروط الحديث الصحيح أن يكون متواتراً أو مشهوراً بل متى ثبت وصح فإنه يجب الاحتجاج والعمل به. قال الأحناف: لا يجب عليه الغسل مطلقاً. وقال الشافعية: يجب عليه إن أجنب في حال كفره وإن اغتسل في حال كفره، وإلا فلا يجب عليه الغسل. لكن القول الأول هو الراجح وهو وجوبه مطلقاً. قوله: (وموت) كذلك الموت فيجب فيه الغسل وليس ذلك لكونه حدثاً أي لرفع الحدث، لكن هذا الحكم يتعدى، وقد قال صلى الله عليه وسلم – فيمن وقصة راحلته فمات -: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه) (1) ، وقال صلى الله عليه وسلم في ابنته: (اغسلنها بماء وسدر) (2) والحديثان متفق عليهما، وفيهما وجوب غسل الميت. قوله: (وحيض ونفاس)
إجماعاً، فيجب الغسل فيها وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) (1) فالحائض يجب عليها أن تغتسل ومثلها النفاس، والنفاس حكمه حكم الحيض، فإنما هو دم يخرج من الرحم. وما هو إلا الدم المتجمع في الرحم عند توقف الحيض عن الحامل، فهو دم خارج من الرحم بل في الظاهر أنه نفس الدم الذي يخرج من المرأة في أيام عادتها، وقد منع خروجه الحمل، وقد خرج بعد ذلك من رحمها فيجب عليها الغسل. لكن يستثنى من ذلك قوله: (لا ولادة عارية من الدم) وهذا قد يكون في غاية الندرة، فلا يجب عليها أن تغتسل لعدم وجود الدم، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولم يكن بمعنى المنصوص عليه أو المجمع عليه. فإذا ثبت مثل هذا فلا يجب عليها الغسل. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثالث والثلاثون (يوم السبت: 26 / 11 / 1414 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن) (من لزمه الغسل) : أي وجب عليه الغسل، فانتقضت طهارته الكبرى فيحرم عليه أن يقرأ القرآن. وقد تقدم أن الجنب ينهى عن مس المصحف لحديث: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) (2) ، أما هنا فهو حكم قراءة القرآن للجنب، فقال المؤلف: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن) فيدخل في ذلك الحائض والنفساء فإنه يجب عليهن الغسل. فيحرم على من لزمه الغسل – قراءة القرآن آية فصاعداً بقصد القراءة.
أما لو دعا أو ذكر الله بآيات قرآنية فلا يثبت عليه هذا الحكم، فلو دعا بقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (1) أو قال دعاء الركوب وفيه: (سبحان الذي سخر لنا هذا) (2) ، أو قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) (3) أو: (الحمد لله رب العالمين) أو: (بسم الله الرحمن الرحيم) فهي آيات قرآنية لكنه لم يقصد بها القرآن، فإذا لم يقصد بها القرآن فلا بأس. وما ذكره - من أنه يحرم على من لزمه الغسل قراءة القرآن - وهو مذهب الجمهور، وأنه يحرم على الحائض والجنب قراءة القرآن، واستدلوا:
بما رواه الخمسة عن علي بن أبي طالب قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً) (1) .
وبما رواه الترمذي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) (1) . قالوا: فهذه أدلة تدل على أنه لا يجوز له أن يقرأ القرآن. قالوا: وهو مذهب علي بن أبي طالب، فقد ثبت عنه عند الدارقطني وعبد الرزاق وابن أبي شيبة (2) بإسناد صحيح أنه قال: (اقرؤوا القرآن ما لم يكن أحدكم جنباً، فأما إن كان أحدكم جنباً فلا ولا آية) . إذن هذا هو مذهب جماهير العلماء. وذهب بعض الفقهاء: إلى أن قراءة القرآن للجنب جائزة وأن الجنب لا يمنع من قراءة القرآن.
قالوا: كما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يذكر الله على كل أحيانه) (1) قالوا: وقراءة القرآن من ذكر الله. قالوا: والأصل جواز ذلك ما لم يدل دليل صحيح على المنع منه. قالوا: ولا دليل صحيح يدل على ذلك. أما الحديثان اللذان استدللتم بهما فهما ضعيفان: أما الحديث الأول: فإن فيه: عبد الله بن سلمة وهو ضعيف، وقد قال فيه الشافعي: " كان أهل الحديث يوهنونه "، وممن ضعفه الإمام أحمد. أما الحديث الثاني: فإن فيه: إسماعيل بن عياش وقد رواه عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة، لذا اتفق الحفاظ على تضعيف هذا الحديث وممن نص على تضعيفه شيخ الإسلام ابن تيمية. فإذن: هذان الحديثان ضعيفان. قالوا: والأصل معنا، فإن الأصل هو الجواز حتى يرد الدليل الدال على تحريم ذلك، ولا دليل صحيح يدل عليه. نعم: يستحب له ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال - كما في أبي داود بإسناد صحيح -: (فإني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (2) أما أن يذكر الله أو يقرأ القرآن على غير طهر فذلك جائز، ولكن مع ذلك يستحب له أن يتطهر لذلك من غير إيجاب.
فيستحب له إذا أراد القراءة أن يتطهر، ولكن من غير إيجاب. وهذا المذهب هو مذهب ابن عباس، كما صح ذلك عنه في البخاري معلقاً، فقد قال البخاري: " ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً " (1) وقد وصله ابن المنذر. فعلى ذلك: هذا يعارض ما ثبت عن علي، والصحابة إنما تكون أقوالهم حجة إذا لما تتعارض. فإذن القول بجواز القراءة هو قول ابن عباس وهو قول البخاري وابن المنذر والطبري وهو مذهب الظاهرية، وهو الراجح، لكن يستحب له أن يغتسل لذلك، وكذلك هو – أي القول بالجواز- مذهب طائفة من التابعين كسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعكرمة وهو مذهب ذهب إليه أئمة كالبخاري وابن المنذر والطبري، وهو الراجح. وأولى منه الحائض، فإذا ثبت الحكم للجنب فأولى منه أن يثبت للحائض خلافاً للجمهور أيضاً. إلا أن الإمام مالك أجازه إذا خشيت أن تنسى المرأة حفظها للقرآن فيجوز لها – وهو اختيار شيخ الإسلام –. والقول بالتعميم هو الراجح لما تقدم، فإن الحائض أولى من الجنب لأمرين: 1 – الأمر الأول: أن الحائض ما عليها من الحدث بغير اختيارها ولا يمكنها أن تزيله إلا أن يذهبه الله عنها، وأما الجنب فليس أمره كذلك بل يمكنه أن يغتسل بمجرد أن يؤمر بذلك. وأما الحائض فليس لها ذلك بل هو أمر قد كتبه الله على بنات آدم – كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (2) -. 2- الأمر الثاني: أن الحائض قد تطول مدتها، فقد يبلغ سبعة أيام أو دون ذلك أو أكثر من ذلك فتحتاج أن تقرأ القرآن.
بخلاف الجنب فإن مدته تقصر، لأنه مطالب بالصلاة، وألا يصلي إلا بطهارة كبرى وصغرى، فيجب أن يتطهر، فمدته قصيرة غالباً. فإذا ثبت لنا جوازه في الجنب فأولى منه أن يثبت للحائض، وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وغيرهما. قوله: (ويعبر المسجد لحاجة) فإن لم يكن هناك حاجة فلا يجوز له أن يعبر المسجد. ولو قيل: (ولا يعبر المسجد إلا لحاجة) لتبين الحكم ووضحت العبارة، بخلاف: (ويعبر المسجد إلا لحاجة) (1) وإن كان يفهم منها أنه لا يجوز له ذلك لكن لو قال: (ولا يعبر إلا لحاجة) لكان أصرح في الحكم. هذا هو المشهور في المذهب وأنه لا يجوز للجنب العبور في المسجد إلا لحاجة. إذن: مكثه في المسجد ولبثه فيه محرم، فلا يجوز للجنب أن يلبث في المسجد، أما المرور فيجوز إن كانت هناك حاجة. واستدلوا: بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة} (2) قالوا: أي مواضع الصلاة وهي المساجد: {وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً} أي لا تقربوا المساجد وأنتم جنب: {إلا عابري سبيل} فإذا كنتم عابري سبيل فيجوز لكم أن تعبروا المساجد.
وبما رواه أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (1) وهو مذهب الشافعية كذلك وأن اللبث في المسجد محرم إلا إذا كان على هيئة العابر المار فإنه يجوز له ذلك. لكنه يكره له ذلك إن لم يكن هناك حاجة؛ لأن اتخاذ المساجد طرقاً مكروه، فلا يجوز للمسلم سواء كان جنباً أو غير جنب أن يعبر المساجد إلا إذا كانت هناك حاجة، لأن المساجد يكره أن تتخذ طرقاً كما ورد النهي عن ذلك في الطبراني في الكبير وغيره – وسيأتي في باب المساجد – لذا قال: (إلا لحاجة) ؛ لأن مروره من غير حاجة مكروه سواء كان جنباً أو غير جنب. إذن: الحنابلة والشافعية: قالوا: لا يجوز المكث في المسجد للجنب إلا إذا كان عابراً للسبيل فإنه يجوز له ذلك. ويكره له أن يعبر لغير حاجة سواء كان جنباً أو لم يكن جنباً. ووافقهم بقية المذاهب الأربعة بأن اللبث محرم استدلالاً بحديث: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) . ولكنهم لم يوافقوهم في جواز العبور، بل ذهبت المالكية والأحناف: إلى أنه لا يجوز العبور.
وأجابوا عن الاستدلال بالآية، وقالوا: معنى: {لا تقربوا الصلاة} أي لا تصلوا: {وأنتم سكارى …. ولا جنباً} أي ولا تصلوا وأنتم جنباً فإن الصلاة لا تحل للجنب {إلا عابري سبيل} أي إلا مسافرين، فإذا كنتم مسافرين فيجوز لكم أن تصلوا وأنتم جنب إذا تيممتم، ثم ذكر الله بعد ذلك التيمم. وهذا التعبير أصح، ذلك لأن هذا التعبير لا يحتاج فيه إلى تقدير محذوف، قوله: {لا تقربوا} أي لا تصلوا فإن المعنى هو الظاهر. وأما إذا قلنا: (لا تقربوا مواضع الصلاة) فقد احتجنا إلى أن نقدر محذوفاً، والأصل ألا يكون هناك تقدير محذوف وهذا هو الراجح في تفسيرها (1)
إذن: مذهب المالكية والأحناف في تفسير هذه الآية أصح. لكن ما ذهبوا إليه من تحريم اللبث والمكث في المسجد قد خالفهم فيه بعض العلماء فقالوا: يجوز المكث للجنب في المسجد. وهو مذهب ابن المنذر والمزني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الظاهرية. قالوا: يجوز للجنب أن يمكث في المسجد. قالوا: والحديث ضعيف، وقد ضعفه البيهقي وعبد الحق الأشبيلي وابن حزم. وفيه جَسْرة وقد ذكر البخاري أن في أحاديثها مناكير، فإذا ثبت ذلك فإنه يجب التوقف في حديثها، فإن في بعض أحاديثها مناكير فوجب أن يتوقف في حديثها، ولم يوثقها إمام معتبر بل وثقها ابن حبان والعجلي فلم يكن من الحق اعتماد حديثها في مسألة من المسائل الشرعية والأمر كذلك. فإذن: الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم للتوقف في حال جسرة، فإن ثبت التوقف كان العمل كذلك، والحديث المتوقف فيه – كما ذكر ابن حجر في النزهة – كالحديث المردود تماماً. إذن: الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ذلك فيجوز مطلقاً كما هو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب المزني من كبار أئمة الشافعية، وهو مذهب ابن المنذر وهو إمام مجتهد مشهور، فهذا هو مذهبهم؛ لضعف الحديث، ولأن الآية الكريمة الصحيح في تفسيرها ما ذهب إليه المالكية والأحناف، وأن المراد بقوله: {لا تقربوا الصلاة} أي لا تصلوا، فعلى ذلك لا تصلوا وأنتم جنب، إلا إذا كنتم مسافرين فلم تجدوا ماءً فتيمموا وصلوا – وإنما استثنى في الجنب المسافر؛ لأن الغالب فيمن يفقد الماء إنما هو المسافر. بخلاف الحاضر فإنه يقل فقده للماء فلم يحتج إلى التنبيه عليه. إذن: الراجح مذهب بعض العلماء وهو مذهب الظاهرية وأن المكث في المسجد – للجنب – جائز مطلقاً.
أما الحائض فلا يجوز لها كما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر الحيض أن يعتزلن المصلى) (1) وثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (ناوليني الخمرة من المسجد فقالت: إني حائض فقال: إن حيضتك ليست بيدك) (2) فهذا يدل على أنه قد تقرر عندها – وقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك – أن الحائض لا تدخل المسجد ولا يجوز لها ذلك. ومن ثمَّ نهيت عن الطواف بالبيت، فقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة: (غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (3) متفق عليه. فإذن: الراجح أنه يجوز المكث واللبث في المسجد للجنب، أما الحائض فلا يجوز لها مطلقاً المكث في المسجد واللبث فيه. وقبل ذلك: مرورها إلا عند الضرورة، لأن المرور نوع مكث، فلا يجوز لها المرور إلا للضرورة. قوله: (ولا يلبث فيه بغير وضوء) هذه هي مسألة اللبث، فيكون هذا تصريح منه بأن اللبث ينهى عنه الجنب، والحائض ممن يلزمه الغسل فلا يجوز له اللبث إلا بوضوء. وهذا من مفردات المذهب وأن الجنب – وهذا على القول بتحريم مكثه في المسجد – لا يجوز له أن يلبث في المسجد إلا إذا توضأ فيجوز له اللبث.
وحجتهم: ثبوت ذلك عن الصحابة، كما روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار قال: (كان رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة) (1) وسيأتي الكلام على أن الوضوء مخفف للجنابة عند الكلام على استحباب الوضوء عند النوم. فإذن: مذهب الحنابلة – ولو قلنا بتحريم المكث واللبث لقلنا به - لأن هذا فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلو احتلم رجل في المسجد ثم قام فتوضأ ثم عاد فنام فإنه قد فعل أمراً جائزاً، فيجوز له أن يمكث إذا توضأ. ومثله – كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – النفساء والحائض إذا توقف عنهما الدم، فإنهما في حكم الجنب، فإذا توضآ جاز لهما المكث، فإذا قلنا أنه لا يجوز للجنب المكث في المسجد إلا إذا توضأ، فكذلك الحائض والنفساء إذا انقطع عنهما الدم. وما ذكره شيخ الإسلام قد يقال فيه شيء من النظر وهو أن الحُيَّض في الغالب، فيهن من يتصف بهذا الوصف وهو الانقطاع عن الدم، ولم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم عند أمرهن باعتزال المصلى، لا سيما النفساء – على القول بأن النفساء لا تطهر بانقطاع دمها – فهذا فيها أوضح. فأمرهن باعتزال المصلى ولم يستثن النساء اللاتي انقطع عنهن، وهن في الغالب يكن كثيرات. وقد يقال: لم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأن الغالب أن من انقطع دمها فإنها تغتسل وتحضر الصلاة فيذهب هذا التنظير. فعلى ذلك قول شيخ الإسلام لا يحمل على انقطاعه أثناء مدة الحيض أو النفاس وإنما يحمل على انقطاعه الذي يجب منه الغسل، ومتى كان كذلك فلها أن تتوضأ وتلبث أو تمكث في المسجد. إذن: ما ذكره شيخ الإسلام – وهو على المذهب – وجيه واضح. فالحائض لا يجوز لها المكث في المسجد فإن انقطع دمها فيجوز لها المكث بعد الوضوء، وهو اختيار شيخ الإسلام وهو قياس واضح بيِّن.
قوله: (ومن غسل ميتاً أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم سن له الغسل) (ومن غسل ميتاً) : تقدم استحباب الغسل من غسل الميت للحديث: (من غسل ميتاً فليغتسل) (1) وقد تقدم تصحيحه. وفيه استحباب الغسل من غسل الميت، وأن من باشر غسل الميت سواء باشره كله أو بعضه فإنه يستحب له الغسل. (أو أفاق من جنون أو إغماء بغير حلم) : لأنه إذا ثبت الاحتلام فقد وجب الغسل، وقد ثبت في الصحيحين (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أغمي عليه في مرض موته اغتسل بعد أن أفاق) فهذا يدل على استحبابه في المغمى عليه. ومثله من أفاق من جنون من باب أولى، وقد قال الموفق: " ولا أعلم فيه خلافاً ".
قوله: (بلا حلم) : أما إذا وقع احتلام في الإغماء أو نحوه فإنه يجب عليه أن يغتسل؛لأن ذلك موجب من موجبات الغسل كما تقدم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا رأت الماء) (1) . والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والثلاثون (يوم الأحد: 27 / 11 / 1414 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (والغسل الكامل أن ينوي ثم يسمي ويغسل كفيه ثلاثاً …..) قوله: " والغسل الكامل " أي الغسل الجامع بين ما يفترض وما يسن. قوله: " أن ينوي " لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (2)
قوله: " ثم يسمي " قياساً على الوضوء، فإن الغسل إحدى الطهارتين. قوله: " ويغسل كفيه ثلاثاً " ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه (وهنا قال المؤلف: ويغسل كفيه ثلاثاً) ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ ثم يأخذ الماء فيُبلغ أصول الشعر، ثم حثى على رأسه ثلاث حثيات ثم غسل سائر جسده) (1) . فهذا الحديث فيه صفة الغسل وأنه: يبدأ أولاً بغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء فيخلل به أصول شعره ثم يحثي علي رأسه ثلاث حثيات ثم يغسل سائر جسده، أي بقية جسده، فإن سائر الشيء بقيته. وهنا عند قوله: (ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً) هذا هو المذهب وأنه يستحب أن يعم بدنه غسلاً ثلاثاً قياساً على الوضوء.
لكن هذا القياس قياس ليس صحيحاً لمخالفته لظواهر الأدلة الشرعية كحديث عائشة وحديث ميمونة وليس في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل جسده ثلاثاً، فظواهر الأدلة الواردة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرها أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اكتفى بغسل يديه مرة واحدة. وقد بوب عليه البخاري باباً بهذا المعنى وهو اختيار شيخ الإسلام وذهب إليه بعض الحنابلة. إذن: ذهب بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام أنه لا يشرع له أن يعم بدنه ثلاثاً وأنه ليس بمستحب بل إنما يعم بدنه بالغسل مرة واحدة. أما استحباب الثلاث فلا دليل عليه بل ظواهر الأدلة تدل على أنه يغسل بدنه مرة واحدة وبذلك بوب البخاري. وقوله: (ويحثي على رأسه ثلاثاً يرويه) : عليه أن يروي رأسه ويتأكد من وصول الماء إلى أصول الشعر. وعلى الرجل أن ينشر رأسه إن كان غير منشور لما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأما الرجل فلينشر شعره فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر) (1)
وأما المرأة سواء كانت حائضاً أو جنباً – وقد ضفرت شعرها - فلا يجب عليها أن تنقضه، لما ثبت في مسلم أن أم سلمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إني امرأة أشد ضفر شعر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إنما يكفيك أن تحثي علي رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (1) . أما الجنب فهو باتفاق العلماء. وأما الحائض فهل يجب أن تنقض شعر رأسها عند الغسل أم لا؟ قولان في مذهب أحمد وغيره: أصحهما أنه لا يجب عليها ذلك للحديث المتقدم (2)
وأما ما روي ابن ماجه في غسل الجنابة وفيه قال: (انقضي شعرك واغتسلي) فهذا يحمل على الاستحباب لحديث أم سلمة المتقدم وفيه: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات) ، فعلى ذلك قوله – في غسل الحائض -: (انقضي شعرك واغتسلي) يكون للاستحباب. إذاً: أصح قولي العلماء أنه لا يجب على المرأة إذا كانت حائضاً أن تنقض شعر رأسها إذا ضفرته بل تحثي عليه ثلاث حثيات، وأما الرجل فيجب أن ينقض شعر رأسه وأن يصل الماء إلى أصول الشعر. قوله: (ويدلكه) فيستحب له أن يدلك بدنه ليتأكد من وصول الماء إلى أجزاء البدن، ليتأكد من ذلك أو ليغلب على ظنه، ولا يجب عليه ذلك – أي الدلك – متى تيقن وصول الماء إلى أجزاء البدن أو غلب على ظنه. إذن: لا يجب أن يدلك بدنه متى تيقن وصول الماء أو غلب على ظنه. وإنما يشرع له ذلك ليتيقن. أما إذا علم أن بعض أجزاء بدنه لم يصلها الماء فإنه يجب عليه أن يتأكد من وصول الماء إلى هذه الأجزاء. قوله: (وتيامن) استحباباً، لحديث عائشة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (1) والغسل من الطهور، فيستحب له أن يتيامن فيه بأن يبدأ بشقه الأيمن ثم شقه الأيسر. قوله: (ويغسل قدميه مكاناً آخراً)
فيستحب له إذا انتهى من الغسل على بدنه أن يغسل رجليه مكاناً آخر. ودليل ذلك، حديث ميمونة وفيه: (ثم تنحى من مكانه فغسل قدميه) . فعلى ذلك يستحب له أن يتنحى عن موضعه الذي اغتسل فيه ثم يغسل قدميه. وذهب بعض الحنابلة: إلى أنه لا يستحب مطلقاً بل عند الحاجة وهي ما إذا كان موضعه الذي اغتسل فيه قد حدث فيه الطين ونحوه، فينتقل إلى موضع آخر، وهذا القول أولى؛ لأن حديث عائشة ليس فيه غسل القدمين بعد غسله. وأما ما رواه مسلم – من ذكر ذلك أي غسل القدمين بعد الغسل – فهي رواية معلومة، فهي من رواية أبي معاوية عن هشام، وروايته عن هشام فيها مقال، وقد تفرد بها عن أصحاب هشام، فلا يثبت هذا في حديث عائشة. وإنما الأظهر أنه غسل قدميه لما قالت: (ويتوضأ) وفي ذلك غسل القدمين. وما ذكره هؤلاء أولى؛ لأن مثل ذلك لا يتعلق بمثله استحباب، ولعدم ثبوته في حديث عائشة؛ ولأنهم كانوا يغتسلون في أراضي ترابية، فإذا اغتسل فإن الماء ينزل على موضعه فيتطين بذلك فيبقى على قدميه طين، فإذا انتقل إلى موضع آخر فغسل قدميه يكون أكمل لطهارته. فإذن: الأظهر أنه لا يستحب ذلك مطلقاً، وإنما عند الحاجة كأن تكون الأرض قد أصيبت بالطين بسبب تنازل الماء من جسده. قوله: (والمجزئ أن ينوي ثم يسمي ويعمم بدنه بالغسل مرة) . (أن ينوي) : إذن النية لا يجزئ الغسل بدونها، فهي شرط من شروطه لحديث: (إنما الأعمال بالنيات) (1) فلابد للغسل لأن يكون مجزءاً أن ينويه، فلو اغتسل لتبريد ونحوه فلا يجزئه ذلك. لكن إذا اغتسل لرفع الحدث الأكبر عنه أو اغتسل لما لا يصح فعله إلا بالغسل بنية ذلك: فإنه يرتفع حدثه. وما قيل في النية من مسائل في الوضوء، فهو كذلك في الغسل.
إذن: النية شرط من شروط الغسل، فإذا نوى رفع الحدث الأكبر أجزأه. وإذا نوى أن يمس المصحف أو يقرأ القرآن – على القول باشتراط الطهارة من الجنابة –. أو اغتسل بنية دخول المسجد – على القول بعدم جواز دخول الجنب – فإن هذه النية تجزئ عنه. أما إذا اغتسل بنية غسل الجمعة أو غسل عرفات أو غير ذلك من الاغتسال المستحبة فلا يجزئ عنه على الصحيح، ويجزئ على المذهب كما تقدم في الوضوء. إذن: ما تقدم من نية الحدث الأصغر كذلك هي نفس الأحكام المترتبة على النية بالحدث الأصغر (1) . قوله: (ثم يسمي) : إذن التسمية ركن فيه قياساً – كما تقدم على الوضوء – (تراجع الشيخ عن ركنية التسمية في الوضوء إلى استحبابها، فكذلك الغسل) (2) . (ويعم بدنه بالغسل مرة) لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - من حديث عمران بن حصين – لمن أجنب: (اذهب فأفرغه عليك) (3) فهذا الحديث يدل على أن الواجب عليه في الغسل أن يعم بدنه أي يعم بشرته وأصول الشعر ونحو ذلك وكل أعضاء بدنه أن يعمها بالغسل. وهل يدخل في ذلك المضمضة والاستنشاق أم لا؟ قولان لأهل العلم: فذهب الحنابلة والأحناف: إلى فرضية المضمضة والاستنشاق، فلو غسل بدنه ولم يتمضمض ولم يستنشق فإن غسله ليس بمجزئ. وذهب الشافعية والمالكية: إلى أجزائه دون المضمضة والاستنشاق.
أما أهل القول الأول: فاستدلوا بحديث ميمونة في الغسل وفيه: (ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض على رأسه الماء ثم غسل جسده) (1) . قالوا: فقد ثبت هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تمضمض واستنشق والنبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل فعلاً فيه بيان لمجمل القرآن فإنه يجب، فإن الله قال: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} فتمضمض النبي صلى الله عليه وسلم واستنشق في غسله فعلى ذلك يجب؛ لأنه بيان لمجمل القرآن.
واستدل أهل القول الثاني: بالحديث المتقدم وهو حديث عمران بن حصين وفيه (اذهب فأفرغه عليك) (1)
وليس فيه ذكر المضمضة والاستنشاق وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وكذلك في حديث أم سلمة: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (1) . وهذا القول - فيما يظهر لي – أصح؛ ذلك لأن هذه الأحاديث ليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق. وأما حديث ميمونة المتقدم فإن المضمضة والاستنشاق فيه ليس صريحاً أنها من الواجبات؛ لأنهم لم يوجبوا ما تضمنه هذا الحديث مما فيه سوى المضمضة والاستنشاق، من وضوئه قبل ذلك وفيما ذلك المضمضة والاستنشاق، فإن الوضوء ومنه المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليدين وبقية الوضوء الذي يكون قبل الغسل بالاتفاق ليس بواجب، ومنه المضمضة والاستنشاق. والأحاديث التي استدلوا بها ظاهرة في عدم وجوب المضمضة والاستنشاق لاسيما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمه: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) ، والعلم عند الله تعالى (2)
إذن: المسألة فيها قولان: وجوب المضمضة والاستنشاق، وهذا مذهب الحنابلة والأحناف. عدم وجوبهما، وهو مذهب المالكية والشافعية. قوله: (ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع) لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يتوضأ بمد - وهو ربع الصاع – ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) (1) ، هذا هو المستحب وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فإن غسل بدنه بأقل من الصاع أو توضأ بأقل من المد، لذا قال: (فأن أسبغ بأقل ... أجزأ) فإذا أسبغ بأقل من الصاع فإنه يجزئ عنه، ولكن عليه أن يتيقن الغسل أي غسل الأعضاء. أما إذا كان مسحاً فإنه لا يجزئ عنه فلابد وأن يجري الماء على أعضائه. قوله: (أو نوى بغسله الحدثين أجزأه) رجل اغتسل – وسواء قلنا أن المضمضة والاستنشاق من فرائض الغسل أو لم نقل ذلك – رجل اغتسل ونوى رفع الحدثين، الحدث الأكبر والحدث الأصغر، قال: (أجزأ عنه) . إذن لا يشترط أن يتوضأ، بل يجزئ عنه إذا نوى رفع الحدث الأصغر والأكبر. - وعن الإمام أحمد وهو قول للشافعي: أنه لا يجزئ عنه حتى يتوضأ؛ لأن الله قال: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا …} (2) فيجب على من قام إلى الصلاة أن يتوضأ. واستدل الجمهور: بقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} (3) فلم يوجب سوى الطهارة، ولم يوجب وضوءاً، والطهارة من الجنابة الغسل، فإذا اغتسل فقد طهر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (4) ، وهذا هو الراجح – وهو مذهب جماهير العلماء - وأنه لا يشترط أن يتوضأ.
لكنه إن أحدث أثناء غسله كأن يمس ذكره فحينئذ لا يجزئ عنه الوضوء؛ لأنه قد انتقض أثناء الغسل. أما إذا لم يحدث أثناء غسله فإن هذا الغسل يجزئ عنه إذا نوى رفع الحدثين. إذن: لو أنه رفع الحدث الأكبر فحسب فإنه لا يجزئ عنه عن الوضوء، بل يجب عليه أن يتوضأ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي) (1) . - وذهب بعض الفقهاء، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم واختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي: إلى أنه يجزئ عنه إذا نوى رفع الحدث الأكبر، ويدخل في ذلك الحدث الأصغر تبعاً له. واستدلوا بالآية المتقدمة وهي قوله: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} قالوا: فلم يوجب الله عز وجل وضوءاً ولا نيته بل أوجب علينا الطهارة، فمن طهر فإنه يرتفع بذلك حدثه الأكبر والأصغر. وهذا القول هو القول الراجح، وأنه متى اغتسل عن الحدث الأكبر فإنه يرتفع عنه الحدث الأصغر تبعاً؛ لأنه عز وجل قال: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} ، والطهارة هي الغسل كما تقدم في الأحاديث المتقدمة، ولم يشترط الله عز وجل سوى ذلك فلم يشترط وضوءاً ولا نيته، فعلى ذلك: متى نوى رفع الحدث الأكبر بغسله فإنه يرتفع الحدث الأصغر تبعاً له، والعلم عند الله. قوله: (ويسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء)
أما الأكل: فلِما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً فأراد أن ينام أو يأكل توضأ وضوءه للصلاة " (1) ، وفي الصحيحين عن عمر أنه قال: (يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا توضأ فليرقد) وفي رواية: (اغسل ذكرك وتوضأ ثم نم) (2) ، فهذه الأحاديث واضحة في استحباب الوضوء للأكل والشرب وكذلك النوم. وهي واضحة أيضاً في استحباب غسل الفرج عند النوم.
وأما استحباب غسل الفرج عند الأكل والشرب كما هو ظاهر قول المؤلف فليس هذا بواضح، ولم أر دليلاً يدل عليه. وإنما يستحب له إذا أراد أن يأكل ويشرب أن يتوضأ وأما غسل فرجه فلم أر دليلاً من الأدلة الشرعية يدل على ذلك ولم أرهم استدلوا بدليل لهذه المسألة. ولا يضره حدث؛ لأن هذا الوضوء ليس لرفع الحدث، لأنه محدث حدثاً أكبر وليس في هذا الوضوء إزالة حدث عنه وإنما فيه تخفيف الجنابة. فعلي ذلك لو أحدث فيكفيه ما فعله من الوضوء السابق فلو أنه توضأ ثم أكل وشرب ثم أحدث وأراد أن يأكل ويشرب فلا يقال باستحباب الوضوء مرة أخرى؛ لأن هذا الوضوء إنما يراد بها (1) التخفيف للجنابة فلا يؤثر الحدث فيه. قوله: (ومعاودة وطء) . لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءاً) (2) ، وللحاكم بإسناد صحيح: (فإنه أنشط للعود) (3) . فالحكمة إذن هي التنشيط، وعليه فإنه إذا أحدث فلا يضره أيضاً؛ لأنه ليس المقصود من ذلك رفع حدث. * وما ذكرناه في الجنب مستحب أيضاً في الحائض والنفساء اللتين قد انقطع عنهما الدم، فإذا انقطع الدم عن الحائض والنفساء فيستحب لهما أن يفعلا ما يفعله الجنب، فهما في حكم الجنب تماماً. والحمد لله رب العالمين. انتهي باب الغسل بحمد الله. الدرس الخامس والثلاثون (يوم السبت: 17 / 12 / 1414 هـ) باب التيمم التيمم لغة: القصد، يقال: تيممت الشيء أي قصدته.
اصطلاحاً: هو التعبد لله عز وجل بمسح الوجه واليدين على وجه مخصوص. وسيأتي ذكر صفته. وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} (1) . ومن السنة ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي – وذكر منها – وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) (2) أي بالتيمم. وقد أجمع العلماء على مشروعيته. قال المؤلف رحمه الله: (وهو بدل طهارة الماء) فالتيمم بدل طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل. فالبدل له حكم المبدل ما لم يثبت دليل يدل على اختصاص المبدل بحكم من الأحكام الشرعية – هذه قاعدة شرعية – وإلا فالأصل أن البدل له حكم المبدل منه، فكل حكم يثبت للبدل فهو ثابت للمبدل. فعلى ذلك: كل حكم يثبت للغسل والوضوء فإنه يثبت للتيمم إلا إذا دل دليل على أن الوضوء والغسل لهما حكم مختص بهما. فعلى ذلك يثبت التيمم للصلاة والطواف ومس المصحف وغير ذلك من الأحكام الشرعية. فإذن كل حكم يثبت للغسل والوضوء فهو ثابت للتيمم؛ لأنه بدل عنهما. فإذا قلنا – مثلاً – إن الطواف من شروطه الوضوء فلم يجد الماء فيجب عليه التيمم. وإن قلنا إنه سنة – كما هو الراجح – فإنه يستحب له التيمم إذا لم يجد الماء، وكذلك غيره من الأحكام. مسألة:
رجل ليس بجنب بل الطهارة الكبرى ثابتة له وهو في خلاء ولا ماء عنده فهل يجوز له أن يطأ زوجته فتنتقض بذلك طهارته الكبرى أم يكره أم ما الحكم؟ روايتان عن الإمام أحمد: الرواية الأولى: أنه يكره له ذلك ما لم يخف العنت؛ لأنه يبطل بذلك الطهارة الأصلية. الرواية الأخرى – وهي المشهورة في المذهب، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية –: أنه لا يكره له ذلك؛ لأن التيمم طهارة وهو عادم للماء، وكونه قد انتقضت طهارته باختياره فإن هذا لا يضر. فعلى ذلك: لو وطئ من يعلم أنه عادم للماء وإنه متي أجنب فلا يمكنه الغسل بالماء إنما التيمم فإنه يجوز له ذلك ولا يكره له ذلك. قوله: (إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت النافلة) هذا هو الشرط الأول. وقوله: (إذا دخل وقت فريضة) فمثلاً صلاة الظهر وقتها إذا زالت الشمس، فإذا زالت الشمس فيجوز له أن يتيمم لها – إن كان عادماً للماء وتوفرت فيه الشروط الأخرى –. وكذلك في النافلة، فلا يتيمم إلا إذا أبيحت له. فمثلاً: رجل أراد أن يتطوع تطوعاً مطلقاً، فليس له أن يتيمم في وقت النهي؛ لأنها لم تبح له النافلة، بل لا يتيمم إلا إذا خرج وقت النهي. مثاله: رجل أراد أن يصلي تطوعاً مطلقاً بعد طلوع الشمس، فليس له أن يتيمم قبل طلوعها، بل لا يتيمم إلا بعد طلوعها. ومثل ذلك: إذا ذكر صلاة فائتة، فإن الفائتة وقتها عند ذكرها. فليس له أن يتيمم إلا إذا أراد أن يصليها. أما إذا قال أريد أن أؤخرها ساعة أو ساعتين فليس التيمم. ومثل ذلك: إذا اجتمع الناس للاستقاء فإنه لا يتيمم إلا عند اجتماعهم، أما قبل ذلك فلا يتيمم. ومثل ذلك إذا كسفت الشمس فإنه يتيمم لكسوفها. - هذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء. ودليل ذلك – عندهم -: هو أن التيمم مبيح للصلاة ونحوها وليس رافعاً للحدث.
بمعنى: أن الصلاة تكون مباحة لكن الحدث باق، فإن من أحدث حدثاً أصغر أو أكبر فتيمم فإن الحدث ما زال باقياً، لكن الشارع أباح له هذه العبادة التي تشرط لها الطهارة. فإذن: عندهم أن التيمم مبيح، يعني يبيح الصلاة ونحوها، لكن الحدث باق غير مرتفع، وعلى ذلك: فيكون كمن به حدث متجدد – كالمستحاضة - فإنها تتوضأ إذا دخل وقت الصلاة، ووضوء المستحاضة لا يرفع حدثها بل يبيح لها الصلاة ونحوها وإلا فالحدث باق عليها. واستدلوا: على أن التيمم مبيح لا رافع: بما ثبت في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن في ذلك خيراً) (1) . قالوا: فالشاهد قوله: (فليمسه بشرته) .
وبما ثبت في الصحيحين – في قصة سفرٍ للنبي صلى الله عليه وسلم – من حديث طويل رواه عمران بن حصين، وفيه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أصابتني جنابة ولا ماء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) (1) فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالماء أعطاه إناء من ماء وقال له: (اذهب فأفرغه عليك) . قالوا: فقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفرغه عليه ولو كان رافعاً للحدث لما أمره بذلك. وقد أجمع أهل العلم على أن المتيمم إذا وجد الماء فعليه أن يمسه بشرته. وإنما اختلفوا في هل هو في هذه المدة التي يجوز له التيمم، هل التيمم يرفع حدثه أم لا؟ فذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه مبيح. وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره جماعة من محققي العلماء كشيخ الإسلام وتلميذه، ذهبوا: إلى أن التيمم رافع للحدث. واستدلوا: بقوله تعالى: {ولكن يريد ليطهركم} وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم) وقوله: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) (2) . قالوا: فهذه الأدلة مصرحة بأن التيمم طهور، والطهور هو المطهر فاعل الطهارة. فعلى ذلك إذا تيمم فإنه تثبت له الطهارة وهي رفع الحدث، فإن حقيقة الطهور هو المطهر أي المثبت وصف الطهارة في فاعل التطهر. فحينئذٍ: يكون طاهراً، والطاهر من ارتفع حدثه، فالطاهر في الأصل من ارتفع حدثه كذا لما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يمس القرآن إلا طاهر) (3) فهم من ذلك وجوب الوضوء والغسل أي فعل التطهر. أما أدلة أهل القول الأول: فإن غايتها أن تدل على أنه مؤقت، وأن هذا الرفع مؤقت إلى أن يأتي الماء؛ لأنه بدل عنه، فمتى ما وجد الماء فإنه يبطل، فهو ما قائم مقامه ما لم ينب المبدل. فما دام قد ثبت المبدل، فإن البدل يبطل، فيعود غير طاهر.
ومن الأدلة على القول الثاني: قالوا: إن الأصل أن البدل يقوم مقام المبدل منه، فالأصل أن التيمم يقوم مقام الوضوء والغسل، فما دام غير واجد للماء فمقتضى ذلك أن يرتفع الحدث. وهذا هو القول الراجح. وعليه: فلا يشترط أن يتيمم بعد زوال الشمس في صلاة الظهر – مثلاً –. وله أن يتيمم قيل أن تباح له النافلة ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فيجب عليه أن يمسه بشرته. وعليه كذلك: لا يبطل تيممه بخروج الوقت، بل إذا تيمم لصلاة الظهر فله أن يصلي فيه صلاة العصر والمغرب ونحو ذلك ما لم ينتقض بحدث. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتيمم لكل صلاة ولا أمر بذلك، والأدلة الشرعية مطلقة ليس فيها تحديد بشيء من ذلك، فأين بيان الشارع؟! فالشارع قد أطلق التيمم ومقتضى هذا الإطلاق أن يرفع الحدث وأن له أن يتيمم قبل دخول الوقت وأن يبقى بعد خروج الوقت. وهذا هو الراجح وهو أن التيمم رافع للحدث. قوله: (وعدم الماء) هذا هو الشرط الثاني وهو أن يعدم الماء فلا يكون واجداً له، أي ليس ثمت ماء بعد تطلب الماء، فمتى عدم الماء وقد تطلبه بالطريق التي ستأتي ذكرها ثم لم يجده فهو عادم له. فإذاً: الشرط الثاني أن يكون عادماً للماء. فعلى ذلك: إذا كان واجداً للماء فلا يجوز له أن يتيمم إلا فيما سيأتي من المسائل، وهذا قد أجمع عليه أهل العلم. وهذا الشرط دل عليه قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} (1) . فإذا نسي الماء؟ بمعني: رجل تيمم وصلى ثم تذكر أن عنده ماء فيجب عليه أن يعيد الصلاة ويكون معذوراً لنسيانه، كما لو صلى بلا وضوء فإنه يجب أن يعيد؛ لأن هذا من باب الأفعال، والأفعال لابد من فعلها وإنما يعذر الشخص بجهلها أو نسيانها وأما أن يسقط فلا. قوله: (أو زاد على ثمنه كثيراً أو ثمن يعجزه) رجل غير واجد للماء لكن هذا الماء مملوك لغيره ولم يبذله إلا بثمن فهل يجب عليه أن يشتريه أم لا؟
لا تخلو هذه المسألة من ثلاثة أحوال: ا- الحالة الأولى: أن يبذله له بثمن مثله أي ثمنه العادي، فإنه يجب عليه أن يشتريه؛ لأنه في حكم الواجد للماء، لأنه مالك للثمن الذي يمكنه أن يشتري به الماء فكان في حكم الواجد للماء، وهذا بإجماع أهل العلم. * فإن كان المال ليس حاضراً عنده لكنه يمكنه أن يقترض وهو قادر على الوفاء في الحكم؟ قولان في المذهب: أظهرهما - وهو اختيار شيخ الإسلام – أنه يجب عليه أن يشتريه؛ لأنه في حكم من معه المال. فإن كان المال ليس حاضراً عنده ويمكنه الاقتراض لكن لا يمكنه الوفاء، فلا يجب عليه أن يشتريه. * فإذا وُهب الماء إليه: فالمشهور في المذهب أنه لا يجب عليه قبوله للحرج الواقع بسبب المنة. فإن لم تكن هناك مِنَّة فيزول ذلك ويجب عليه أن يقبل الماء. إذاً هذه الحالة الأولى وهي أن يكون الماء بثمن المثل. 2- الحالة الثانية: أن يزيد على ثمن المثل يسيراً، كأن يكون ثمنه درهماً فيبيعه بدرهمين - والمرجع في ذلك إلى العرف – فيجب عليه أن يشتريه؛ لأن هذه الزيادة لا تلحقه حرجاً. 3 – الحالة الثالثة: أن يكون ثمنه كثيراً. ففيه قولان في المذهب: القول الأول: أنه يجب عليه ما لم يجحف بماله – وهو رواية عن الإمام أحمد –. فمثلاً: رجل عنده مال كثير جداً ولا يجحف بماله مئة ألف، فوجد ماء قليلاً يكفيه للوضوء فأرُيد بيعه بمائة ألف فيجب عليه أن يشتريه. القول الثاني: أنه لا يجب عليه وإن كان لا يجحف بماله، وهذا هو الراجح؛ لأن الله عز وجل شرع التيمم لرفع الحرج وكونه كثيراً فيه حرج وإن لم يجحف بالمال – هذا هو المشهور في المذهب –، لذا قال المؤلف: (أو زاد على ثمنه كثيراً) أي كثيراً لم يجحف بالمال. أما إذا كان كثيراً يجحف بالمال فلا يجب عليه قولاً واحداً؛ لأن في ذلك ضرراً. فعلى ذلك:
إذا كان الثمن مثلياً أو زاد يسيراً فإنه يجب عليه أن يشتريه. أما إذا كان كثيراً يجحف بماله أو لا يجحف لكنه كثير في إنفاقه حرج، فلا يجب عليه الشراء – هذا هو المشهور في المذهب – وهو الراجح. ومثل ذلك في الحكم: ما يمكنه إخراج الماء به من حبل ودلو فإن كان بثمن المثل أو زاد زيادة يسيرة فيجب عليه أن يشتريه. أما إذا زاد على ثمن مثله زيادة كثيرة فلا يجب عليه شراؤه. ومثل ذلك استئجار من يخرج له الماء، فإنه إذا كان مثلياً أو زائداً زيادة يسيرة فيجب عليه أن يستأجر لأنه بحكم الواجد للماء. قوله: (أو ثمن يعجزه) : ولو كان يسيراً، ولو كان أقل من ثمن المثل لكنه يعجزه فلا يجب عليه؛ لأن العاجز بحكم العادم. بمعنى: رجل لا يملك قيمة الماء والمراد قيمته الأصلية وثمنه العادي فإنه يتيمم لأنه بحكم العادم للماء فالعاجز في حكم العادم للماء. قوله: (أو خاف باستعماله أو طلبه ضرر بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه شرع التيمم) قوله: (أو خاف باستعماله ضرر بدنه ... ... .إلى أن قال (بعطش) : فإذا خاف باستعمال الماء الضرر بالعطش، يعني معه ماء إن توضأ به فإنه يخاف على نفسه العطش فإنه يتيمم ولا يتوضأ ولا يغتسل، لأن في وضوئه منه أو غسله إلحاق لنفسه بالضرر، وقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (1) وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) (2)
، وثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح عن عمرو بن العاص قال: (بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات السلاسل قال: فاحتلمت وكانت ليلة شديدة فخشيت على نفسي فتيممت فصليت بأصحابي فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب، فأخبرته بما منعني من الاغتسال قلت: قد سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} (1) قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً) (2) أي أقره ولم ينكر فعله. فإذا خشي على نفسه الضرر أو استعمل الماء بعطش أو مرض، فإن المرض مبيح للتيمم كما قال تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً} (3) .
فإذا كان استعمال الماء يزيد مرضه أو يؤخر برؤه فيشرع له التيمم، وكذلك من خاف على نفسه المرض لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ولحديث: (لا ضرر ولا ضرار) ولأن في ذلك حرجاً وقد قال تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج} (1) وإيجاب شيء يظن ثبوت المرض به ممنوع شرعاً، فلا يوجب الشارع أمراً يثبت به غالباً المرض، فما دام أن هذا الرجل متى توضأ خاف على نفسه فيجوز له التيمم. ولا شك أن هذا الخوف مع توفر الأسباب، أما إذا كان خوفاً من غير وجود أسبابه فإن هذا الخوف ليس معتبراً. وإنما كأن يكون في ليلة باردة وخشي المرض أو نحو ذلك من الأسباب. أما إن تيمم بمجرد توهم فإنه لا يجوز ذلك، وكل الخوف المذكور إنما هنا مع توفر الأسباب التي هي مظنة وقوع الأمر الذي يخاف منه. قال: (أو هلاك) : كذلك إذا خشي على نفسه الهلاك باستعمال الماء فكذلك كما تقدم في حديث عمرو بن العاص، كأن يكون ذلك في ليلة شديدة البرد ولا يمكنه أن يسخن الماء أو كان في مكان مكشوف ويخشى أن يصيبه الهواء فيضر بدنه فيلحقه موتاً أو – كما تقدم – مرضاً أو نحو ذلك. قال: (أو رفيقه) : خشي العطش على رفقائه. أو على (حرمته) : أي امرأة أو أخت أو نحو ذلك مما معه فإنه يتيمم. بمعنى: رجل لا يخشى على نفسه العطش لكنه يخشى على رفيقه والمراد به رفيقه المحترم وهو من له حرمة كالمسلم والذمي. وأما الحربي فليس له ذلك؛ لأنه حربي دمه هدر ومثل ذلك الزاني المحصن أو نحو ذلك فإن هؤلاء لا حرمة لهم. (أو ماله) بأن يكون معه دواب ونحو ذلك من ماشية ونحوها فخشي عليها العطش فكذلك يجوز له التيمم مع وجود الماء. إذن: متى خاف باستعمال الماء أو طلبه ضرر بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه من الضرر فإنه يشرع له التيمم.
أو – كذلك خاف هذه المخاوف على بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله – خاف ذلك بطلبه وليس باستعماله. يعني: الماء قريب منه يمكنه أن يأتي به لكنه يخشى على نفسه كأن يكون بينه وبينه لص أو سبع أو امرأة وبينها وبينه فساق ويخشى على عرضها أو نحو ذلك فيجوز لهؤلاء أن يتيمموا. فهم في الأصل واجدون للماء لأن الماء قريب منهم ويمكنهم استعماله ولكن المانع إنما هو وجود ما يلحقه الضرر، فيوجد بينه وبين هذا الماء القريب لص أو سبع أو نحو ذلك يخشون الضرر على أبدانهم وأموالهم أو تخاف المرأة على عرضها فإنهم يتيممون ويصلون بهذا التيمم. إذن: القاعدة: (أنه إذا لم يجد الماء أو وجده لكنه خشي الضرر باستعماله أو بطلبه فيجوز له التيمم) سواء كان الضرر به أو برفقته أو حرمته أو بماله أو بمن معه من الناس. ومثل ذلك من أتاه رجل فطلب منه الماء فإنه في مثل الرفيق وكان له حرمة ومتى منعه الماء فإنه يموت عطشاً فيلحق هذا الطالب الضرر، فإنه يجب عليه أن يدفع لهذا الطالب الماء ويتيمم للخوف من الضرر، ولهذا حرمة كما أن لنفسه حرمة. والحمد لله رب العالمين الدرس السادس والثلاثون (يوم الأحد: 18 / 12 / 1414هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ومن وجد ماءً يكفي بعض طهره يتيمم بعد استعماله) . صورة هذه المسألة: فيمن وجد ماء يكفي لبعض غسله أو بعض وضوئه، فلفظة (طهره) شاملة للغسل والوضوء. كأن يجد رجل ماءً يكفي غسل وجهه ويديه ومسح رأسه دون غسل رجليه فما الحكم؟
قال هنا: (تيمم بعد استعماله) إذن: يجب عليه أن يستعمله لقوله: (بعد استعماله) فيجب عليه أن يستعمل هذا الماء فيغسل ما أمكنه من بدنه أو ما أمكنه من أعضاء وضوئه، لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ولحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1)
ويجب عليه أن يتيمم لقوله: (يتيمم) ؛ وذلك لأن هذا الماء الذي غسل به بعض بدنه أو بعض أعضاء وضوئه ليس متماً لطهارة البدن فوجب عليه أن يتيمم ليتم طهارته. والواجب أن يكون هذا التيمم بعد الاستعمال، فلو تيمم قبل الاستعمال أو معه لم يجزئه، بل يجب أن يكون التيمم بعد استعماله للماء. وعلة ذلك: أن العذر هو عدم الماء، فلو تيمم قبل أن يستعمل هذا الماء فإنه تيمم مع وجود الماء والواجب أن يكون التيمم عند عدم الماء، فإن عذره ليس لمرض أو حرج وإنما هو لعدم الماء، ولو تيمم قبل استعماله الماء فهو ليس عادماً له، بل الماء موجود فوجب أن يكون التيمم بعد استعماله، هذا هو تقرير مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية. إذن: من وجد ماءً يكفي لبعض طهره فإنه يجب عليه أن يغسل ما يمكنه غسله بهذا الماء ثم بعد ذلك يتيمم، فيجمع بين غسل ما أمكنه لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وبين التيمم للتعليل المتقدم. - وذهب المالكية والأحناف: إلى أنه يكتفي بالتيمم وأنه لا يغسل جسده، وعللوا ذلك بعلتين: العلة الأولى: أن التيمم بدل عن الغسل والوضوء، ولا يجمع بين البدل والمبدل منه. وأجيب عن هذا من أهل القول الأول: بأن التيمم هنا إنما هو بدل عن الأعضاء التي لم تغسل. ففي المثال المتقدم: التيمم إنما هو بدل عن غسل الرجلين فحسب، وليس بدلاً عما تم غسله من أعضاء البدن، بل هو بدل عما لم يغسل دون ما تم غسله. وأوضح من ذلك أن يقال: إنما هو هنا متمم للطهارة فلما غسل بعض بدنه وبقيت أعضاء لم يمسها الماء وعدم الماء فإنه يتيمم عن الباقي، فيكون التيمم هنا متمماً للطهارة. ولنا أن نضرب على هذا نظيراً، وهو قوله تعالى: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فمن لم يجد فإطعام ستين مسكينا} (1)
قالوا: فلو أمكنه أن يعتق بعض الرقبة فإنه لا يفعل ذلك بل يعدل – بالاتفاق – إلى صيام شهرين متتابعين، لأن الله إنما أمر بعتق رقبة كاملة وكذلك قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} (1) والمراد فلم تجدوا ماء تتطهرون به الطهارة الكاملة، فإنه – حينئذ – تعدلون إلى التيمم. والعلة الثانية: أن غسل بعض البدن ليس هو الطهارة وإنما الطهارة غسل البدن كله، أي أن هذا الفعل منه لا تتم به الطهارة وإنما تثبت الطهارة بالماء بغسل البدن كله في الغسل، وبغسل الأعضاء الأربعة كلها في الوضوء، وأما غسل بعض الأعضاء أو غسل بعض البدن فليس طهارة. وهذا هو قول أكثر أهل العلم كما قال ذلك البغوي وهو قول قوي إلا أن الاحتياط هو ما ذهب إليه الحنابلة من الجمع بين التيمم وغسل بعض البدن أو بعض الأعضاء فيغسل بعض بدنه أو بعض أعضاء وضوئه ثم يتيمم عن الباقي بعد استعمال الماء. قوله: (ومن جرح تيمم له وغسل الباقي) إذا أصيب بجرح في بدنه وكان – مثلاً – جنباً وإذا مس الماء هذا الجرح فإنه يضر به أو يخشى الضرر وقد يكون هذا ليس خاصاً بمحل الجرح بل قد يكون فيما حوله ويعلم أنه متي غسل ما حوله فإن الماء يتساقط على هذا الجرح فيتضرر. فالحكم هنا أنه: يغسل ما ليس مجروحاً من بدنه أو أعضاء وضوئه ويتمم عن الجرح. ولو مسحه فكذلك حتى لو كان عليه جبيرة فمسح عليها فإنه يتيمم كذلك، لأن الواجب إنما هو الغسل، وهذا إذا مسح فإنما ذلك لأن ذلك استطاعته ويبقى واجب الغسل فيجبره بالتيمم. وهنا لم يوجب أن يكون التيمم بعد الوضوء أو الغسل كما أوجبه في المسألة السابقة. وعليه: فلو تيمم أثناء الوضوء، أو الغسل أو قبله أو بعده فإنه يجزئ عنه، فإنه قال هنا: (ومن جرح تيمم له وغسل الباقي) ولم يقل: (تيمم له بعد غسل الباقي) كما تقدم في المسألة السابقة. * واعلم أن من كان مجروحاً فإنه لا يخلو حكمه من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون الواجب عليه هو الغسل كأن يكون جنباً وجرح فإذا تيمم قبله أو معه أو بعده فإنه يجزئ عنه؛ لأن التيمم بدل غسل هذا الجرح، ومعلوم أن الترتيب في الغسل ليس بواجب فلو غسل أسفل بدنه قبل أعلاه أو أيسره قبل أيمنه فإنه يجزئ عنه فالغسل لا يجب فيه الترتيب، والتيمم بدل عن غسل هذا الجرح الذي أصابه. فلو تيمم ثم اغتسل وترك موضع الجرح فإنه يجزئ عنه. ولو غسل بعض بدنه ثم تيمم ثم أتم الباقي دون موضع الجرح فإنه يجزئ عنه. ولو تيمم بعد الغسل فإنه يجزئ عنه. الحالة الثانية: أن يكون الواجب عليه وضوءاً، والوضوء الترتيب فيه واجب، وعليه: فإنه يجب عليه أن يتيمم في موضع غسل هذا العضو. فإذا كان مثلاً الجرح في يده فإنه يغسل وجهه ثم يتيمم ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه. وإن كان الجرح ليس عاماً في اليد كلها فإنه يغسل ما أمكنه من اليدين ويتيمم أو يتيمم ثم يغسل ما أمكنه من اليدين ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه؛ لأن التيمم هنا بدل عن غسل هذا الجرح، فإذا كان بدلاً عنه فإنه يجب أن يكون في موضعه لأن الترتيب واجب في الوضوء. إذن: على ذلك يجب على من أصيب بجرح أن يغسل بدنه الذي لم يصبه الأذى، وما أصابه الأذى فإنه يتيمم عنه، وإن كانت عليه جبيرة مسح عليها مع التيمم. وعليه - إن كان وضوءاً - أن يتيمم مرتباً التيمم مع الوضوء، فيجعل التيمم في موضع العضو الذي سقط غسله بسبب هذا الجرح. وأما إن كان غسلاً فلا يجب فيه الترتيب هذا هو المذهب. - وذهب بعض الحنابلة وهو اختيار المجد ابن تيمية وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أن الترتيب ليس بواجب فلا يجب أن يجعل التيمم موضع العضو المجروح. قال: - أي شيخ الإسلام -: لأن إدخال التيمم بين أعضاء الوضوء بدعة، فالمشروع أن يتوضأ ما أمكنه ثم بعد ذلك يتيمم أو يتيمم قبل ذلك.
أما أن يدخل التيمم أثناء الوضوء فإن إدخال شيء من الطهارة بين أعضاء الوضوء بدعة، وما دام بدعة فإنه لا يكون مشروعاً. ولكن إن فعل ذلك فإنه يجزئ عنه لكونه قد فعل ما وجب عليه، وإنما الابتداع في كونه قد فعله أثناء الوضوء. فشيخ الإسلام – إذن – يقول: الأصل في الوضوء الوارد عن الشارع أن يتوضأ الوضوء بقدر ما استطاع من غير أن يدخل بينه التيمم. والعلة الأخرى: أن التيمم طهارة أخرى، والوضوء طهارة، فكل طهارة متباينة عن الطهارة الأخرى، فهذه طهارة بالماء، وهذه طهارة بالتراب، والأصل في مثل ذلك أن يفرق بينهما. إذن الراجح - هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام من - أنه لا يجب عليه الترتيب بوضع التيمم في موضع العضو الواجب عليه التيمم عنه لوجود جرح أو نحوه. بل له أن يتيمم قبل الوضوء وله أن يتيمم بعده؛ لأن الشارع قد ثبت عنه الوضوء من غير أن يثبت في خلاله التيمم، ولأن التيمم طهارة أخرى. وقال الحنابلة أيضاً – يجب الموالاة – فعلى ذلك يكون التيمم كأنه غسل للعضو تماماً. فعلى ذلك إذا قلنا إن التيمم مبيح – كما هو مذهب الحنابلة – فإذا خرج الوقت فإنه يبطل التيمم، فما حكم الغسل؟ بمعنى: رجل غسل بدنه كاملاً أو رجل توضأ وضوءاً تاماً سوى موضع جرح تيمم له فخرج الوقت، فإنه يبطل التيمم ويبطل الغسل أيضاً، فيجب إعادة الغسل لوجوب الموالاة. وقد تقدم ترجيح: أن التيمم أولاً طهارة منفردة، وتقدم أن الصواب أن التيمم رافع لا مبيح. فعلى ذلك: الصحيح أنه إذا حدث فيه ذلك وخرج الوقت فإن التيمم يبقى صحيحاً ولا يبطل بخروج الوقت. ولو قلنا إنه مبيح فإنه لا يجب عليه أن يعيد ما غسله من الأعضاء بل يكفيه التيمم لأن التيمم طهارة منفردة. إذاً: يجب على من كان في شيء من بدنه جرح أن يغسل بدنه ويتيمم للباقي. وذهب – من ذهب من أهل القول المخالف في المسألة السابقة – إلى خلاف هذه المسألة فقالوا: يكتفي بالتيمم.
وهذا فيه شيء من النظر، لأن الله عز وجل قال: {فاتقوا الله ما استطعتم} ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1) وهنا ليس عادماً للماء كما في المسألة السابقة – بل الماء موجود لكنه عجز عن استعمال الماء في موضع من المواضع فناب عنه التيمم. ويستأنس له بالحديث الضعيف الذي تقدم ذكره، وهو ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قتلوه قتلهم الله ألا سئلوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها) (2) . فجمع بين المسح والتيمم – وهو الاحتياط -. فعلى ذلك: إذا أصاب شيء من جسده جرح فإنه يغسل سائر جسده ويتيمم لجرحه. والمشروع أن يكون ذلك التيمم قبل الغسل أو بعده، ولا يشرع أن يكون أثناءه خلافاً لما ذهب إليه الحنابلة في الوضوء وجوباً، وما ذهبوا إليه في الغسل جوازاً، بل المستحب والسنة ألا يفعل ذلك أثناء الوضوء والغسل وإنما يفعله قبلهما أو بعدهما. قوله: (ويجب طلب الماء في رحله وقربه) فيجب عليه أن يتطلب الماء.
بمعني: رجل ليس الماء حاضر عنده فإنه لا يكتفي بمجرد ذلك من غير أن يتطلبه ويبحث عنه، بل يجب عليه أن يتطلبه عن يمينه وشماله وأمامه ووراءه، وإذا كان هناك محلاً خضراً أو ربوة أو مكاناً مرتفعاً يحتمل أن يكون فيه الماء وهو قريب إليه فعليه أن يبحث فيه. إذن: عليه أن يتطلب الماء في الأماكن القريبة منه وإذا كان هناك أهل خبرة - ممن معه – بمواضع الماء فإنه يسأله، فإن كان قريباً عرفاً فيجب عليه أن يذهب إليه، وإن كان بعيداً فلا يجب عليه ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يحكم عليه بأنه غير واجد للماء إلا بفعل ذلك. كما أنه لا يحكم عليه بأنه غير واجد للرقبة فينتقل إلى صيام شهرين إلا بمثل هذا من التطلب. فلابد من تطلب الماء والبحث عنه في المواضع القريبة وسؤال أهل الخبرة وسؤال من معه من الرفقة، فإذا لم يجد ماءً فإنه يتيمم ولا شيء عليه في ذلك وهو في حكم غير واجد للماء. لذا قال: (ويجب طلب الماء) للدليل المتقدم وهو قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} ولا يحكم عليه بأنه غير واجد للماء إلا بتطلبه والبحث عنه بحيث لا يلحقه الحرج في ذلك، لذا قلنا إنه إذا كان يعلم أن هناك ماء لكنه بعيد يلحقه الحرج والمشقة في الذهاب إليه فإنه لا يجب عليه أن يتطلبه ويذهب إليه، بخلاف ما إذا كان قريباً فإنه يجب أن يذهب إليه. قوله: (في رحله) : الرحل هو المنزل. (وقربه) : أي ما قرب من منزله، والقرب هنا قرب عرفي. أما إذا كان بعيداً في العرف – وهذا يختلف من زمن إلى زمن باختلاف وسائل النقل – فإنه لا يجب عليه أن يذهب إليه. قوله: (فإن نسي قدرته عليه وتيمم أعاد) نسي أنه قادر على وجود الماء ليس الماء بعيداً عنه بل هو قريب إليه وهو يعلم قربه إليه ونسي ذلك فتيمم فإنه يجب عليه أن يعيد – تقدمت هذه المسألة في الدرس السابق.
إذن: من ترك الوضوء وهو قادر على أن يتوضأ فالماء قريب إليه لكنه نسي ذلك وتيمم فإنه يجب عليه أن يعيد كما لو نسي الوضوء فيجب عليه أن يعيد. قوله: (وإن نوى بتيممه أحداثاً) أي نوى بتيممه أحداثاً كأن ينوي إباحة الصلاة – على القول بأنه مبيح – وحدث النوم وحدث أكل لحم الجزور وغيرها فينوي عدة من الأحداث فإنه يجزئ عنه. أو نوى حدثاً واحداً منها كأن يتيمم عن أكل لحم الجزور أو النوم ولم ينو دخول شيء من الأحداث، فكذلك يجزئ عنه؛ لأن حكمها واحد وهو إيجاب الوضوء أو الغسل. فلو أن رجلاً تيمم عن أكل لحم الجزور فكما لو توضأ عنه، وقد تقدم أنه إذا توضأ عن حدث من الأحداث ولم ينو غيره ولم ينفيه (1) فإنه يثبت له ما يثبت للمتوضئ عن الأحداث كلها، ولأن التيمم بدل عن الوضوء والبدل له حكم المبدل. قوله: (أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها) بمعنى: عليه نجاسة لا يمكنه أن يزيلها أو عجز أن يزيلها فما الحكم؟ كأن يكون عليه دم على بدنه – وقلنا إن الدم نجس – ولا يمكنه أن يزيله، أو أن عليه نجاسة يمكنه أن يزيلها ولا ضرر عليه في إزالتها لكنه عادم للماء الذي تزول به النجاسة، فما الحكم حينئذ؟ قال: تيمم، وقيَّد ذلك بالبدن، أما التيمم عن النجاسات الواقعة على الثياب أو البقاع فإنه لا يجزئ التيمم فيها وهذا من مفردات مذهب أحمد. فمذهب الحنابلة: إذا كان على بدنه نجاسة لا يمكنه أن يزيلها إما لعدم الماء أو للضرر بإزالتها فإنه يتيمم ما دامت النجاسة على البدن. أما إذا كانت على الثوب أو البقعة فإنه لا يتيمم عنها. قياساً على التيمم عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر الواقعين على البدن. لكن هذا القياس ضعيف؛ للفارق بين الأصل والفرع؛ ذلك: لأن الحدث الأكبر والحدث الأصغر معنويان، وأما الخبث أو النجاسة فهي حسية.
فكون الشارع أجاز لنا أن نتيمم عن الجنابة وهي حدث أكبر أو عن أكل لحم الجزور – مثلاً – وهو حدث أصغر، فإن هذا الحدث معنوي، وأما النجاسة فهي خبث حسي. الأمر الآخر: أن إزالة النجاسة لا تشترط فيها النية، وأما رفع الحدث فيشترط فيه النية. فعلى ذلك ثبت لنا فوارق بينهما، وإذا ثبتـ[ـت] الفوارق، فلا قياس صحيح. وهذا هو المذهب الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام وغيره من المحققين. فالراجح: أن التيمم عن النجاسة لا يجزئ، بل إذا كان على بدنه نجاسة ولم يمكنه أن يزيلها فإنه يصلي على حسب حاله ولا بدل عن إزالتها، فالتيمم ليس بدلاً عن إزالة النجاسة، وإنما هو بدل عن رفع الحدث الأصغر أو الأكبر. إذا ثبت لنا هذا: فإذا وقع على رجل نجاسة وهو محدث حدثاً أصغر وعنده ماء يكفي لإحدى الطهارتين، إما أن يغسل هذه النجاسة وإما أن يتوضأ، ولا يكفي الطهارتين كلتيهما فما الحكم؟ الجواب: أنه يزيل النجاسة بالماء، ويتيمم عن الحدث؛ ذلك: لأن إزالة النجاسة لا بدل لها، وأما رفع الحدث بالوضوء أو الغسل فإن بدله التيمم. قوله: (أو خاف برداً) خاف برداً فتيمم سواء كان في حضر أو سفر، فخشي على نفسه فإنه حينئذٍ يتيمم. قوله: (أو حبس في مصر) أي: في (1) حصر في مدينة من المدن الحاضرة فحبس فيها فيتيمم لعدم الماء، فهو حاضر وليس بمسافر ويتيمم لعدم وجود الماء بسبب هذا الحبس فقد حبس عنه الماء. قوله: (أو عدم الماء والتراب) بمعنى: كان في موضع من المواضع لا يمكنه أن يتوضأ ولا أن يتيمم، لا يمكنه أن يغتسل ولا أن يتيمم، وهو عادم للماء والتراب كليهما فإنه يصلي. قال: (ولم يعد) في هذه المسائل كلها. يعني: رجل نوى بتيممه أحداثاً أو نجاسة على بدنه يضره إزالتها أو عدم ما يزيلها فإنه يصلي ولا يعيد.
أو خاف برداً فإنه يتيمم ويصلي ولا يعيد أو حبس في مصر فتيمم أو عدم الماء والتراب فإنه يصلي ولا يعيد ودليل هذه المسائل كلها: قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (1) وحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (2) . وما دام أنه فعل ما أمر به فإنه يخرج من عهدته ويحتاج إيجاب القضاء إلى دليل آخر ولا دليل على ذلك. وما دام أنه فعله فالأصل أنه يجزئ عنه إلا أن يأتي دليل يدل على خلاف ذلك ولا دليل. إذن: القاعدة: أن من تيمم أو ترك الوضوء والتيمم جميعاً سواء كانت الحال التي تيمم بها أو الحال التي ترك فيها الوضوء والتيمم جميعاً، سواء كانت هذه الحال حالاً نادرة أو حالاً كثيرة، فإنه يجزئ عنه تيممه أو تجزئ عنه صلاته التي ترك فيها الوضوء والتيمم ولا يجب عليه الإعادة. فإن قيل: إن الله عز وجل قال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر ... ….} الآية. فهنا قوله تعالى: {على سفر} أليس يخرج الحضر. فالجواب على ذلك: أن هذا التقييد إنما هو تقييد للحال الغالبة. لأن الحال الغالبة لإعواز الماء وفقده إنما يكون في السفر دون الحضر فإنه يندر أن يفقد فيه الماء. لقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} (3) الآية. وهذا مذهب جمهور أهل العلم. والحمد لله رب العالمين الدرس السابع والثلاثون (يوم الاثنين: 19 / 12 / 1414 هـ) قال المؤلف - رحمه الله تعالى: (ويجب التيمم بتراب طهور غير محترق له غبار)
" ويجب التيمم بتراب ": لقوله صلى الله عليه وسلم – فيما رواه مسلم -: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) وقد قال صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) (1) وهنا في رواية لمسلم:: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) (2) . قالوا: فدل هذا على أن التيمم إنما يشرع بالتراب من الأرض دون غير التراب الرمل، والسبخة – وهي الأرض المالحة التي لا تنبت – أو الأرض الطينية ونحو ذلك فإنه لا يصح التيمم بها. وأما التراب فإنه هو الذي يتيمم به أما غيره كالرمل والسبخة وغيرها مما هو على وجه الأرض – فإنه لا يصح التيمم به – لقوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) . قوله: (له غبار) : بمعنى: يكون تراباً ليس تراباً ندياً وهو التراب الذي ليس فيه غبار بل لابد أن يكون التراب ذا غبار، فإن لم يكن فيه غبار فلا يجوز التيمم به. واستدلوا - على ذلك -: بقوله تعالى: {فامسحوا بوجهكم وأيديكم منه} (3) وقالوا: " من " تبعيضة أي لابد وأن يعلق بعض التراب وهو غباره، لابد وأن يصيب وجوهكم وأيديكم، وإذا كان التراب لا غبار له فإنه لا يعلق منه شيء في الوجه ولا اليدين. هذا تقرير مذهب الحنابلة. - وذهب بعض أهل العلم إلى: أنه يجزئ بكل ما صعد على وجه الأرض من تراب ورمل وسبخة ونحو ذلك مما يصعد على الأرض مما هو من جنس الأرض أما ما لم يكن من جنسها كعشب أو جبل أو نحو ذلك فلا.
أما ما كان من جنس الأرض فإنه يجزئ التيمم به، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وغيرهما من المحققين. واستدلوا: بقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} (1) . قالوا: والصعيد هو ما صعد على وجه الأرض وقال صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وفي رواية لأحمد: (وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً) (2) . قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في سفراتهم وغزواتهم لم ينقل عنهم أنهم كانوا يحملون التراب وكانوا يمرون بالأراضي الطويلة من الرمال والسبخة ونحو ذلك ولم يكونوا يحملون من الماء ما يكفيهم ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يحملون التراب، فهذا ظاهر في أنهم كانوا يتيممون بما يمرون عليه من الأراضي. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) (3) وهذا – كذلك – ظاهر أن من بالأراضي السبخة أو الطينية أو الرملية أو غيرها فإنه يدخل في عموم هذا الحديث وهذه الأرض طهور له.
وأجابوا - على الحنابلة في استدلالهم بقوله: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) –: بأن ذكر فرد من أفراد العموم بحكمه لا يفيد تخصيصاً، وهذه قاعدة ذكرها جمهور الأصوليين من أن ذكر فرد من أفراد العام لا يعد تخصيصاً، وهنا قد ذكر التراب، والتراب فرد من أفراد ما يكون على وجه الأرض من الصعيد، فذكره لا يفيد التخصيص، وإنما ذكر لكونه هو الغالب كما أن قوله: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) : هنا قد سيق في مساق الامتنان، وما كان كذلك فإنه لا يفهم منه مفهوم مخالفة فلا يفهم منه أن ما سوى التراب لا يتيمم به. إذاً: الصحيح أن كل ما كان على وجه الأرض مما هو من جنس الأرض، فإنه يتيمم به. وأما الجواب: على الاستدلال بالآية: {فامسحوا بوجهكم وأيديكم منه} (1) فالجواب: أن (مِنْ) هنا لابتداء الغاية وليست تبعيضية، أي: ابتدؤا فعل التيمم من الصعيد بأن تضرب بيديك على الأرض، كما يقال: سافر من البلدة الفلانية إلى الأخرى، فإن (من) هنا ابتدائية، ومنه قوله تعالى: {وروح منه} (2) أي روح مبتدأة من الله عز وجل. والظاهر أن (من) هنا ابتدائية لا تبعيضية؛ لأن الله عز وجل قال بعد ذلك: {ما يريد ليجعل عليكم في الدين من حرج} (3) . فهنا نفى الحرج، وقدمه بـ"من" التي تفيد التنصيص على العموم، فلفظة (حرج) وقعت نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، وقدم عليها لفظة (من) التي تفيد التنصيص على العموم. أي: أن الله إنما شرع التيمم على الصعيد الطيب لئلا يجعل عليكم أي حرج كان، ولا شك أن إيجاء التراب دون غيره فيه حرج؛ لأن كثيراً من الأراضي تكون سبخة أو رملية أو طينية، فإيجاب التراب يكون فيه حرج ومشقة لذا الراجح أن (من) هنا ابتدائية. - وذكر الحنابلة: أنه إذا كان على الثوب والفراش ونحوهما إذا ضربتهما فخرج منهما غبار فإنه يجزئ التيمم فيهما.
وكما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: " في النفس من هذا شيء "؛ ذلك لأن هذا ليس من الصعيد الطيب، فإن هذا ثوب أو فراش أو حصر أو نحو ذلك وليس من الصعيد الطيب الذي أمرنا الله بالتيمم به. قوله: (طهور) : لا نجس، لقوله تعالى: {صعيداً طيباً} ، أما الصعيد النجس فلا يجوز التيمم به، فيشترط أن يكون الصعيد طيباً أي طهوراً ليس بنجس. قوله: (غير محترق) فإن كان محترقاً كما يكون في الخزف ونحوه من إحراق التراب، فإنه لا يجزئ التيمم به، ذلك لأن هذا التراب قد تغير بسبب إحراقه بالنار، فلم يبق كهيئته السابق. وقيل بجوازه – كما ذكر ذلك صاحب الإنصاف –. والأظهر ما ذكره الحنابلة من أنه لا يجزئ أن يتيمم به لتغير مسماه، فقد تغير مسماه من تراب إلى خزف أو نحو ذلك، إلا إذا كان قد احترق احتراقاً لا يغير مسماه فإنه يجزئ أن يتيمم به. قوله: (وفروضه: مسح وجهه ويديه إلى كوعيه وكذا الترتيب والموالاة بينهما في حدث أصغر) قوله: " كوعيه " هو العظم الناتئ المقابل للإبهام أي إلى الرسغ. فعليه أن يمسح كفيه، ولا يشرع له أن يمسح العضد أو الذراع، وإنما يكتفي بمسح اليدين إلى الرسغ (الكوع) . قوله: (مسح وجهه) : أي كل وجهه، ويستثنى من ذلك الفم والأنف. وقد تقدم أن الراجح أن الفم والأنف ليسا من الوجه. وأما الحنابلة فذكروا دليل استثنائهم: تقذر الفم والأنف بذلك. والدليل الواضح أن الفم والأنف - أي داخل الفم والأنف - ليس من الوجه، أما الظاهر فيجب أن يمسحه.
إذن: يمسح وجهه ويديه إلى كوعيه لقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} (1) واليد إذا أطلقت في كتاب الله فإنها تقيد إلى الرسغ، كما قال تعالى في السارق والسارقة: {فاقطعوا أيديهما} (2) وكان ذلك إلى الرسغ وهذه هي القاعدة الشرعية وأن اليد إذا أطلقت في الأدلة الشرعية فإنها تقيد إلى الرسغ كما قرر هذا أهل العلم. وهنا كذلك، وقد ورد في السنة ما يدل عليه وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما يكفيك أن تفعل هكذا وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح الشمال باليمين وظاهر كفيه ووجهه) (3) فعلى ذلك إنما يمسح في التيمم اليدين إلى الرسغ دون بقية اليد. ومن فروضه – أيضاً – التسمية عند فقهاء الحنابلة – كما تقدم عند الكلام على فرضية التسمية عند الوضوء. قوله: (وكذا الترتيب والموالاة في حدث أصغر) أما الحدث الأكبر فلا يجب فيه هذا. إذن: يجب الترتيب والموالاة في الحدث الأصغر، أما التيمم عن الحدث الأكبر فلا يشترط فيه الترتيب ولا الموالاة. أما عدم وجوب الترتيب: فقالوا: لأن التيمم فرع عن الغسل ولا يجب في الغسل الترتيب.
فإذا: ثبت أنه لا يجب في الغسل الترتيب فكذلك لا يجب في التيمم الذي هو فرعه. وأما الموالاة: فالظاهر وجوبها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وُصف لنا غسله فإنه كان فيه الموالاة، وهذا بيان مجمل في القرآن. فيجب الموالاة في الغسل وهو الحكم الأصلي، وكذلك يجب في التيمم عن الحدث الأكبر القائم مقام الغسل. أما وجوب الترتيب والموالاة في الحدث الأصغر؛ فقالوا: لأن الترتيب والموالاة واجبان في الوضوء وهو أصل التيمم هنا فوجب كذلك في فرعه وهو التيمم. والتفريق بين التيممين محل نظر، فالظاهر أن التيمم عن الغسل وعن الوضوء أن حكمهما واحد لأن صفته واحدة وهي طهارة كاملة تنوب عن الاثنين ولها صفتها المنفردة عنهما. فالأظهر أن ما يجب من الأحكام في التيمم من الحدث الأصغر (1) واجب كذلك في الحدث الأصغر، فالأظهر أن حكمهما واحد. ومع ذلك: فالراجح أن التيمم لا يجب فيه الترتيب كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية سواء كان التيمم عن الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر فإنه لا يجب فيه الترتيب. وأما الموالاة فإنها واجبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تيمم وفسر بفعله مجمل القرآن تيمم موالياً فكان الواجب أن يكون التيمم على هيئة الموالاة، والموالاة تقدم الخلاف في ضابطها وهنا: لو تأخر عن مسح العضو الآخر فإن الغبار ليس فيه جفاف فإنه يقيد بالماء أي لو أن ذلك كان بماء فجف الماء بزمن معتدل، أما إذا لم يجف فلا تبطل الموالاة. وتقدم أن الراجح في ضابط الموالاة وهو ألا يكون بين غسل الأعضاء فاصل طويل عرفاً، فالأمر في التيمم كذلك، فإذا مسح وجهه بالتراب ثم مكث زمناً طويلاً عرفاً ثم مسح يديه فإن التيمم يبطل وأما إن كان يسيراً فإن التيمم لا يبطل.
وأما الترتيب فالراجح عدم وجوبه وهو اختيار شيخ الإسلام ذلك، لأن الله قال: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ابدؤا بما بدأ الله به) (1) معنى ذلك أن التيمم يمسح الوجه أولاً ثم يمسح اليدين. وثبت في السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح يديه أولاً ثم مسح وجهه مما يدل على أن هذا الترتيب ليس بواجب، وذلك فيما رواه البخاري وأبو داود وغيرهما، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ضرب بكفيه الأرض ومسح شماله بيمينه ويمينه بشماله ثم مسح وجهه) (2) و (ثم) تفيد الترتيب. فعلى ذلك الترتيب ليس بواجب وهذا مذهب شيخ الإسلام وهو الحق وهو مذهب المالكية والأحناف. فعلى ذلك: التيمم تجب فيه الموالاة سواء كان من حدث أكبر أو أصغر، وأما الترتيب فلا يجب على الراجح. قوله: (وتشترط النية) لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (3) وهذا مما اتفق عليه أهل العلم. (وتشترط النية لما تيمم له من حدث أو غيره) المراد بقوله: (أو غيره) النجاسة. وقد تقدم تقيده بالنجاسة البدنية. فعلى ذلك ينوي استباحة الصلاة أو نحو ذلك من العبادات فينوي استباحتها بالتيمم عن الحدث الفلاني أو عن الأحداث الفلانية أو عن النجاسة البدنية على القول بها. وما يذكره المؤلف هنا: بناءً على ما ذهب إليه الحنابلة من أن التيمم مبيح لا رافع. وإذا قلنا بأن التيمم رافع وهو الراجح، فإن المسائل التي تقدم في النية في باب الوضوء تثبت للتيمم؛ لأنه بدل عنه، فكل ما تقدم من المسائل في النية في الوضوء هي ثابتة للتيمم لأنه فرع عنه.
أما إذا قلنا إنه مبيح فهنا: هذه المسائل عليه أولاً: ألا ينوي رفع الحدث؛ لأنه متى نوى رفع الحدث فإنه لا يجزئ عنه لأنه ليس رافع بل هو مبيح. وعلى الراجح إذا نوى رفع الحدث فإنه يجزئ عنه. قوله: (فإن نوى أحدهما لم يجزئه عن الآخر) . إذا تيمم عن الحدث الأصغر فهل يجزئ عنه عن الحدث الأكبر؟ الجواب: لا يجزئ عنه؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمتى نوى أن يرتفع حدثه الأصغر وكانت عليه جنابة نسيها فإن هذه الجنابة لا ترتفع بهذه النية، كما تقدم فيمن توضأ وعليه جنابة فإنه لا يجزئ عنه عن الغسل. والعكس كذلك – عند الحنابلة – فلو نوى أن هذا التيمم للحدث الأكبر ولم ينوه عن الحدث الأصغر فإنه لا يجزئ عنه، وقد تقدم ترجيح أن من اغتسل ولم ينو رفع الحدث الأصغر فإنه يرتفع عنه على القول الراجح. فإذن: لو أن رجلاً عليه جنابة فتيمم عنها فإنه يجزئ عن الحدث الأصغر من غير أن ينويه لقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} وقد تقدم أن الغسل طهارة وقد أمر الله المجنبين بالغسل للصلاة فمتى اغتسلوا حلت لهم الصلاة وإن لم يتوضؤوا وأن لم ينووا الوضوء فكذلك هنا. أما إذا تيمم بنية رفع الحدثين الأصغر والأكبر فإنه يجزئ قولاً واحداً. إذن: إذا نوى رفع الحدث الأصغر دون الحدث الأكبر فإنه لا يجزئ عنه، وأما إذا نوى رفع الحدث الأكبر " وهذه الألفاظ على القول الراجح " فإنه يجزئ عنه عن الحدث الأصغر على القول الراجح. وعلى قولي العلماء: يجزئ عنه إذا نوى الحدثين بلا استباحة. قوله: (وإن نوى نفلاً أو أطلق لم يصل به فرضاً) بمعنى: رجل تيمم للسنة القبلية للظهر أو لسنة الضحى أو نحو ذلك، فتيممه لنفل لا لفرض. أو أطلق: بأن قال: أتيمم لاستباحة الصلاة هكذا أطلق من غير أن يعين بقلبه أن تكون الصلاة فريضة، والواجب عندهم التعين لأن التيمم مبيح فوجب التعين.
(لم يصل فرضاً) : رجل تيمم لسنة الضحى فتذكر صلاة فائتة من الفرائض فهل يجوز له أن يصلي هذه الصلاة بهذا التيمم؟ الجواب: لا يجوز له ذلك. ذلك لأن ما نواه نفل أو صلاة لم تعين، فإذا كان كذلك فلا يجزئ عنه أن يصلي ما هو أعلى منها لأنها لا تتضمن ما هو أعلى منها. والقاعدة عند المذهب في هذه المسألة وما يأتي بعدها: " أنه إذا نوى استباحة شيء مما تشترط الطهارة له سواء كان نفلاً أو فرضاً إذا نواه فإنه يفعله ويفعل ما يساويه وما هو دونه ولا يفعل ما هو أعلى منه " … فإذا نوى استباحة صلاة تطوع فإنه لا يصلي به صلاة فرض وله أن يفعل ما هو تطوع كأن يمس المصحف أو ما هو دون ذلك كدخول المسجد ونحوه. وعليه: إذا تيمم لصلاة فرض فإنه يصلي بها الفائتة ويصلي ما دونها كالنفل وله أن يمس المصحف ونحو ذلك وهذا كله على أن التيمم مبيح، والراجح أنه رافع – كما تقدم –. فعلى الراجح: متى نوى ما لا تصح العبادة إلا به فإنه يجزئ كما تقدم هذا في الوضوء. فمثلاً: رجل نوى بتيممه مس المصحف، فالرجل لا يجوز له مس المصحف إلا بوضوء، فله أن يتطوع ما شاء ويصلي ما شاء من الفرائض؛ ذلك لأن هذا وضوء شرعي مفترض لمن أراد أن يفعل هذه العبادة. بخلاف الوضوء المستحب، فلو أنه تيمم استحباباً كأن يكون أراد أن ينام فلم يجد ماء فتيمم فهذا التيمم مستحب للنوم وليس مفترضاً فعلى ذلك لا يجوز أن يصلي في هذا التيمم. إذن على الراجح: جميع ما تقدم من المسائل في نية الوضوء هي ثابتة في نية التيمم لا فرق في ذلك؛ لأن التيمم بدل عنه والبدل له حكم المبدل إلا أن يدل دليل على خروج شيء من مسائله ولا دليل على خروج شيء من ذلك. قوله: (وإن نواه صلى كل وقته فروضاً ونفلاً (1)) (إن نواه) : أي نوى الفرض، فيفعل الفرض وما يساويه من الفرائض وما هو دونه.
وهنا على المذهب: لو أن رجلاً تيمم لتطوع فهل يجزئه أن يطوف به في البيت؟ الجواب: يجزئ عنه على المذهب. قالوا: لأن الطواف بالبيت شرط الطهارة فيه مختلف فيه، فلما اختلف فيها أصبح كقوة ذلك في التطوع. مسألة: الإمام أحمد استحب حمل التراب في الأراضي التي لا يكون فيها تراب. واختار شيخ الإسلام خلاف ذلك وأن هذا مكروه، وهذا هو الراجح، واستظهره صاحب الفروع وصوبه في الإنصاف؛ إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا عن أحد من السلف فعل ذلك وهذا هو الراجح. فإذا كانت أرض ليس فيها تراب، كأن يكون في أرض فيها فرش أو غير ذلك مما تتبلط به الأرض فأدركته الصلاة وليس معه ماء ولا يمكنه أن يخرج من هذا الموضع ليتيمم في غيره، كأن يكون مريضاً لا يمكنه الخروج ولا يمكنه إحضار التراب وليس هناك من يحضره له فإنه يصلي على حسب حاله لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} . وعند الحنابلة لو كان في أرض رملية أو سبخة فإنه يصلي بلا وضوء ولا تيمم؛ لأن هذه هي قدرته ولا يجزئ إلا التراب وتقدم ذكر الراجح. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثامن والثلاثون (يوم الثلاثاء: 2 / 12 / 1414 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ويبطل التيمم بخروج الوقت) هذا شروع من المؤلف بمبطلات التيمم أي نواقضه. (ويبطل التيمم بخروج الوقت) : للتعليل المتقدم وهو أن التيمم مبيح لا رافع، وما دام مبيحاً فإن الطهارة طهارة ضرورة، وطهارة الضرورة تنتهي بخروج الوقت كطهارة من به حدث متجدد كاستحاضة ونحوها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (توضئي لكل صلاة) (1) . لكن الراجح أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت؛ لأن التيمم رافع لا مبيح كما هو الصحيح من قولي العلماء، فهو رافع وما دام رافعاً فإن له حكم الوضوء أو حكم الغسل فلا يبطل بمبطلات الوضوء أو الغسل أو بوجود الماء.
إذن: لا يبطل التيمم على الراجح بخروج الوقت وهذا مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد. قال: (وبوجود الماء) لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) (1) وهذا بإجماع العلماء، وأن التيمم في الجملة ينتقض بوجود الماء. ومثل ذلك: ذهاب العذر المبيح للتيمم، فإذا تيمم لمرض فبرأ فيجب عليه أن يمس الماء بشرته كما لو كان عادماً للماء. إذن: يبطل التيمم بوجود الماء أو بزوال العذر المبيح للتيمم، كأن يتيمم عن الجنابة في ليلة باردة فيجب عليه أن يغتسل إذا ذهب العذر. … قال: (وبمبطلات الوضوء) وكذا الغسل، فمبطلات الوضوء أو الغسل تبطل التيمم؛ ذلك لأن التيمم بدل عنهما والبدل له حكم المبدل، فهذه نواقض تبطل المبدل فكذلك تبطل بدله. قال: (أو بوجود الماء ولو في الصلاة) لذا تقدم في التقرير السابق أن هذا – أي بطلان التيمم بوجود الماء – أن هذا في الجملة. وهذا له صور: الصورة الأولى: أن يوجد الماء قبل الصلاة. مثال: رجل أذن الظهر وهو عادم للماء فتيمم ولم يصل بعد ثم وجد الماء قبل الصلاة، فتيممه ينتقض وعليه أن يتوضأ لهذه الصلاة. الصورة الثانية: أن يوجد الماء بعد الصلاة، فلا يخلو من حالتين: - الحالة الأولى: أن يكون هذا بعد خروج الوقت. مثال: رجل تيمم لصلاة الظهر وصلاها ثم وجد الماء بعد خروج الوقت. - الحالة الثانية: أن يوجد قبل خروج الوقت. ففي هاتين الصورتين الصلاة صحيحة باتفاق العلماء، وأما التيمم فهو باطل، ويجب عليه أن يمس الماء بشرته بغسل أو وضوء ولكن الصلاة صحيحة باتفاق العلماء. الصورة الثالثة: أن يوجد الماء أثناء الصلاة. قال المؤلف: (ولو في الصلاة) ولفظة (ولو) إشارة إلى خلاف:
1- فمذهب الحنابلة: أن الصلاة تبطل ويجب عليه أن يتوضأ؛ قالوا: لأنه بمجرد حضور الماء يبطل التيمم وهو في الصلاة فحينئذ إذا بطل التيمم تبطل الصلاة أيضاً – فحينئذ – يجب عليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة. إذن: دليلهم ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) وهذا في الصلاة وفي غيرها. وقالوا: من التناقض أن يجعله مبطلاً في خارج الصلاة وليس مبطلاً فيها. 2- وذهب المالكية والشافعية: إلى أن التيمم لا ينتقض إذا وجد الماء في الصلاة. واستدلوا: بدليل وتعليل: أما الدليل: فهو قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} (1) قالوا: وفي ذلك إبطال للعمل. ولكن هذا الاستدلال بها ضعيف؛ ذلك لأن المبطل هو الله أي الشارع، فالتيمم عند وجود الماء يبطل، والذي أبطله ليس المكلف بل هو الله عز وجل. وأما الآية: {ولا تبطلوا أعمالكم} أي بسوء تصرف منكم إما برياء أو بمنٍّ في الصدقات أو نحو ذلك مما يبطل العمل ويحبطه، وهذا من فعل المكلف فإن النهي هنا موجه للمكلف. أما كون الصلاة تبطل بوجدان الماء فإن هذا ليس من حكم المكلف ولا من تصرفه بل هو حكم الله. وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بهذه الآية. وأما التعليل: فإنهم قالوا: إن من لم يجد رقبة في كفارة القتل فإنه يفعل بدلها وهو صيام شهرين متتابعين، فإذا شرع في هذا الصيام ثم أمكنه أن يعتق الرقبة فإنه لا يجب عليه أن يعتقها بل يستمر في صيامه، قالوا: فكذلك هنا. وهذا التعليل ضعيف؛ ذلك لأن التيمم هو بدل الوضوء أو الغسل وليست الصلاة، ونحن وإياكم متفقون على أنه لو وجد الماء وهو يتيمم أو بعد أن تيمم وقبل أن يصلي فإن تيممه بطل وهنا قد شرع بالبدل بل قد انتهى منه.
ثم إن الشارع لم يأمر من شرع بالصيام بعتق الرقبة مع تجدد الغنى وإمكان العتق لما في ذلك من المشقة وقد شرع في الصيام وفي ذلك مشقة فلم يوجب عليه الشارع أن يعود إلى الرقبة فيعتقها وقد شرع في صوم شاق عليه. إذن: الراجح: مذهب الحنابلة من إنه إذا وجدا الماء في الصلاة فإن التيمم يبطل بذلك وعليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة. إذن: تبقي عندنا قاعدة واضحة وهي: " أنه متى ما وجد الماء بطل التيمم ". فإذا كان لم يصل بعد فيجب أن يعد تيممه فيصلي. وأما إذا كان قد صلى فإن صلاته صحيحة فإنه أداها على ما أمره الله عز وجل به، وسواء كان ذلك في الوقت أو بعده، وكذلك إذا وجده في الصلاة. فعلى ذلك تكون القاعدة منضبطة وأنه متى وجد الماء فإن التيمم يبطل. ومعلوم أن بطلان التيمم بعد العبادة كبطلان الوضوء بعد فعلها، فتبقى العبادة صحيحة ويكون الوضوء منتقضاً. قال: (والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى) التيمم آخر الوقت أولى إذا كان يرجو وجود الماء. بمعنى: رجل أدركته صلاة الظهر ولم يجد ماءً يتوضأ به، ويقول: أنا أرجو أن أجد الماء بعد حين من الزمن قبل خروج الوقت، فنقول له: الأولى لك أن تؤخر صلاتك إلى أن يحضر الماء فتوضأ به أو تغتسل. وأولى من ذلك إذا كان يتيقن وجود الماء مثال ذلك: رجل أذن الظهر وهو دون المدينة بمسافة قصيرة يعلم أنه يصل إلى المدينة ويتوضأ بها قبل خروج الوقت فحينئذ الأولى له أن ينتظر فيدخل المدينة ويتوضأ. وكذلك – صورة ثالثة –: وهو ما إذا كان قد استوى عنده الأمران، يقول: يحتمل أن يوجد الماء ويحتمل ألا يوجد، وهذه أضعف من رجاء وجود الماء. إذن: عندنا ثلاث صور: الصورة الأولى - وهي أضعفها –: أن يقول أنا لا أدري هل أجد الماء أم لا أجده، ولكن يحتمل أن يوجد الماء قبل خروج الوقت كما أنه يحتمل ألا يوجد ففي ذلك شيء من الرجاء. أعلى من ذلك: أن يكون كفة وجود الماء هي الراجحة.
وأعلى من ذلك أن تكون هي المتيقنة. فهذه الصور، قالوا: المستحب له أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت. قالوا: لأن الصلاة بالطهارة الأصلية فريضة، والصلاة في أول الوقت فضيلة، فيترجح الشق الأول وهو كونه يصلي في آخر الوقت بفريضة الطهارة الأصلية. وحقيقة هذا التعليل مقتضاه وجوب ذلك؛ لأن ترجيح الفريضة على الفضيلة واجب ومفترض. لذا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه: أنه متى كان يرجو الماء فيجب عليه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت. وذهب الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه يصلي عند دخول الوقت استحباباً مطلقاً إلا إذا تيقن وجود الماء، فإذا تيقن وجود الماء، فإنه ينتظر آخر الوقت. فإذا كان يرجو وجود الماء فحسب أو استوى عنده الأمران أو يغلب على ظنه عدم وجود الماء أو يئس من وجود الماء فإنه في هذه الصورة الخمس كلها يصلي في أول الوقت. إلا الصورة السادسة وهي ما إذا تيقن وجود الماء كمن أدركته الفريضة وهو قريب من المدينة وتيقن أنه سيصل قبل أن يخرج الوقت. وهذه صورة التيقن؛ لأن اليقين في الحقيقة ممتنع؛ لأنه قد يحدث له ما قد يقدره الله عز وجل من الأمور التي تعوقه ولكن المقصود من ذلك مع بقاء الأمور على السلامة، وأما احتمال أن يحدث شيء فهذا أمر موجود. لا شك أن مذهب الشافعية واختيار شيخ الإسلام أصح من مذهب الحنابلة. ولكن الأظهر أنه يصلي مطلقاً في أول الوقت، وهذا مذهب ابن عمر فقد ثبت عنه عند ابن المنذر: " أنه تيمم قبل المدينة بميل أو ميلين ثم دخل والشمس مرتفعة فلم يعد " (1) . " والشمس مرتفعة ": أي في وقت العصر والشمس مازالت مرتفعة، وهذا في أوائل وقت صلاة العصر، ومعلوم أن من بعد ميل أو ميلين عن المدينة فإنه يتيقن أنه سيصل إلى المدينة قبل خروج الوقت، ومع ذلك فإن ابن عمر قد صلى الصلاة في أول وقتها.
وهو الذي يفيده قوله صلى الله عليه وسلم: (فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) وفي رواية: (فعنده مسجده وطهوره) (1) ، وهذا حديث عام فيمن أدركته الصلاة وهو عادم للماء غير واجد له، سواء كان يرجو الماء أو يتيقن وجوده قبل خروج الوقت مادام أن الماء ليس حاضراً عنده. ومع ذلك فإن الاحتياط له أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها إذا كان قد تيقن وجود الماء. إذن: الراجح إذا حضرت الصلاة وليس ثمت ماء موجود وليس الماء قريباً – فإنه – وقد حكمنا له بأنه غير واجد للماء وأذنا له بالتيمم فإن التيمم بدل الوضوء، فإنه – حينئذ – يكون قد صلى بالفريضة، فإن الطهارة بالتراب تنوب تماماً عن الطهارة بالماء، فما دام قد أذن له بالتيمم فلا مانع حينئذ أنه يقال باستحباب تعجيل الصلاة والحديث المتقدم ظاهر في العموم. قال: (أن ينوي ثم يسمي ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع ويمسح وجهه بباطنهما وكفيه براحتيه ويخلل أصابعه) قوله: (أن ينوي) تقدم الكلام في النية. قوله: (ثم يسمي) وقد ذكرنا أن الحنابلة يوجبون ذلك، فإن التيمم يقاس على الوضوء فمتى قلنا بوجوب التسمية في الوضوء فكذلك في التيمم. (ويضرب بيديه) أي ضربة واحدة – هذا هو المستحب – وقد تقدم حديث عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إنما يكفيك أن تفعل بيديك هكذا) وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح الشمال باليمين وظاهر كفيه ووجهه " (2) . وفي قوله: (مفرجتي الأصابع) نظر؛ فإن الأحاديث لم تدل على ذلك، وإنما فيها مجرد ضرب التراب بيديه، وليس في شيء من الروايات أن اليدين مفرجتا الأصابع، فإن هذا فعل يحتاج إلى دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم ومثله بل أضعف قوله: (يمسح وجهه بباطنهما وكفيه براحتيه) . قوله: (بباطنهما) أي باطن الأصابع. و (راحتيه) أي راحتي كفيه.
وهذا عندهم بناءً على أن الماء المستعمل لا يرفع الحدث، فكذلك التيمم قياساً. وقد تقدم تضعيف هذا في الماء فأولى أن يضعف في التراب فإنه فرع عنه. فهم إذن قالوا: يمسح وجهه بباطن الأصابع، والكفين بالراحة؛ ليكون لكل عضو تراب طهور لم يستعمل. ولكن هذا ضعيف بل هو بدعة – كما قال شيخ الإسلام – ولا أصل له في الشريعة. وقال شيخ الإسلام أيضاً: " ولا أصل له في كلام أحمد رحمه الله وظواهر الأحاديث تدل على خلافه ". فإن ظواهر الأحاديث تدل على أنه يمس بيديه هكذا عامة بباطن الأصابع وراحتيه، ويمسح كفيه كذلك. وقد تقدم حديث عمار وفيه: (أنه يمسح شماله بيمينه وظاهر كفيه ووجهه) (1) وظاهر هذه الأحاديث أنه مسح ذلك بباطن اليدين من غير تجزئة، فإنها بدعة لا أصل لها في الدين، ولا أصل لها في كلام الأئمة كأحمد رحمه الله تعالى. قال: (ويخلل أصابعه) وهذه كذلك قياساً على الوضوء، ولكن هذا القياس يصادم ظواهر الأدلة الشرعية فإن ظواهر الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها أنه كان يخلل أصابعه. فإذن: ليس هذا بمشروع لعدم دلالة الأدلة الشرعية عليه. ونختم هذا الباب بمسألتين: المسألة الأولى: فيما إذا كانت الصلاة مما يخاف فوتها كصلاة الجمعة فإنها إذا فاتت فإنها تصلى ظهراً ومثل ذلك صلاة العيد وصلاة الجنازة وسجود التلاوة، فإن هذه الصلوات وهذا السجود متى لم يفعلها في الوقت فإنها تفوت بأن يخرج عن هيئتها وصفتها وتكون لها هيئة مختلفة عن الهيئة السابقة. فذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب أبي حنيفة: إلى أن [من] لم يجد الماء بحيث يمكنه أن يصليها على صفتها الأولى فإن له أن يتيمم، وإن كان الماء حاضراً، لكنه يعلم أنه متى توضأ فإن هذه الصلاة تفوت عليه.
كأن يذكر حدثاً في صلاة الجمعة ويعلم أنه متى توضأ أو اغتسل فإن صلاة الجمعة تفوت عليه أو صلاة الجنازة مع الإمام أو نحو ذلك فإن له أن يصليها بالتيمم. والمشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز ذلك؛ لأن هذه الصلوات تشترط فيها الطهارة المائية. والراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام، لأن حضور هذه الصلوات بالتيمم أولى من فوتها ولا يمكنه حضورها على وجهها إلا بالتيمم، فلما كان ذلك جاز له [هذا] الحكم. فإن الشارع لما شرع لنا التيمم كان من الممكن لنا أصلاً أن نؤمر بقضاء هذه الصلاة التي لم نجد فيها الماء، فنقضيها إذا حضر الماء، ومع ذلك فإن الشارع أمرنا بالتيمم لمصلحة حضور الصلاة في وقتها وخشية فواتها. المسألة الثانية: فيما إذا خاف فوات الفريضة، كأن يقول: متى اغتسلت أو توضأت فإن الفريضة تفوتني. وهذه له صورتان: الصورة الأولى: أن يكون مستيقظاً من أول وقت الصلاة، ويقول: الماء قريب وأنا متى طلبت الماء وأحضرته فتوضأت أو اغتسلت فإن الوقت يخرج أو يكون الماء في بئر ويعلم أنه متى عالج الماء بإحضاره من البئر ونحو ذلك مما يحتاج إليه في إخراجه، فإن الصلاة تفوت عليه. وهنا ذكر شيخ الإسلام على أن جمهور أهل العلم: على أن التيمم يجوز له في هذه الحالة، وأن المشروع في حقه هو التيمم، فله أن يصلي بالتيمم. وذكر الموفق رحمه الله: أنه لا يصلي بالتيمم، وإنما ينتظر الماء حتى يأتي به من البئر أو حتى يأتي به من المكان الذي بقربه ولو خرج الوقت فيصلي به. لأن الله إنما أجاز التيمم مع عدم الماء، فإن الله قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} وهذا واجد للماء.
والراجح: ما ذكره شيخ الإسلام عن الجمهور واختاره رحمه الله؛ ذلك – لما تقدم – وأن التيمم إنما شرع لإدراك الصلاة في وقتها، وهذا متى ذهب إلى الماء ليتوضأ به أو يغتسل أو متى عالجه بتسخين أو إحضار من بئر فإن الوقت يخرج، ومصلحة الصلاة في وقتها بالتيمم أولى من فوات وقتها بالوضوء. فالراجح: مذهب الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام من أنه إذا كان مستيقظاً في الوقت وعلم أنه متى يطلب الماء أو اشتغل بتسخينه أو إحضاره أو نحو ذلك فإن الصلاة تفوته، فإنه يجوز له أن يتيمم ويصلي بل المشروع له أن يتيمم ويصلي في الوقت. الصورة الثانية: أن يكون نائماً فيستيقظ في آخر الوقت: كأن يستيقظ قبل أن يخرج وقت صلاة الفجر مثلاً بدقائق يسيرة، ويعلم أنه متى استعمل الماء في الوضوء أو الاغتسال من الجنابة فإن الوقت يخرج. ففي هذه المسألة: ذهب الجمهور: إلى أنه لا يتيمم بل يصلي بعد الوقت. فإن هذه الصورة مفارقة للأولى فإنه لم يستيقظ إلا قبل خروج الوقت بوقت يسير وعلم أنه متى توضأ أو اغتسل فإن الوقت يخرج. وعلة هذا – أي إنه يجب الوضوء ولا يجوز التيمم – وهذا مذهب الجمهور –: أن من استيقظ من النوم فإن وقت الصلاة له عند استيقاظه، فإنه إنما يخاطب بالصلاة عند استيقاظه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) (1) فالنائم إنما يكون وقت الصلاة له من استيقاظه. - وذهب المالكية في المشهور عندهم: إلى أنه كالمسألة السابقة وأنه يتيمم ويصلي في الوقت ولا ينتظر حتى يجد الماء.
وعللوا قولهم هذا: بأنه إذا صلى في الوقت فإنه يكون في ذلك مصلحة الصلاة في وقتها قبل خروج الوقت، وهذا مرجح على أن يصلي بعد خروج الوقت بالطهارة المائية. إذن قالوا: كونه يصلي بالتيمم في الوقت، أولى من كونه يصلي بعد خروج الوقت بالوضوء أو بالغسل. وهذا القول - فيما يظهر لي – راجح قوي. ذلك: لأن الشارع – كما تقدم – إنما أباح التيمم لمصلحة الصلاة في وقتها وإلا لكانت الصلاة إنما تشرع قضاءً، فلو كان المرجح أن تصلى الصلاة بالوضوء أو الغسل لكان ذلك سبباً في عدم شرعية التيمم. فلو كان المحبوب عند الشارع أن يصلي الصلاة خارج وقتها بالوضوء لأَمَر من لم يجد الماء أن ينتظر حتى يجد الماء فيصلي الصلاة المكتوبة خارج وقتها بالطهارة المائية. فلما لم يكن ذلك علمنا أن مراد الشارع ومطلوبه هو أن يصلي الصلاة بالوقت بالتيمم. فعلى ذلك: الراجح أنه يصلي بالتيمم في الوقت. وكون الصلاة – إنما يكون وقتها في حقه - من استيقاظه، هذا لكونه معذوراً، وهكذا من كان الماء قريباً إليه كأن يكون في البئر أو بارداً ويعلم أنه إذا سخنه فإنه يخرج الوقت، فإنه لا فارق في الحقيقة بينه وبين النائم لأن كليهما معذور. فهذا معذور لعدم استيقاظه، وهذا معذور لأن الماء يحتاج إلى معالجة، فلا فرق بين الاثنين. فلو كان من حكم في المسألة الثانية فيما ذكره الجمهور لكان في المسألة الأولى ولقلنا: أنت معذور في معالجتك الماء وتسخينه وتصلي بالوضوء ولو كان ذلك خارج الوقت، وهذا هو أول وقتك لكونك معذور. فالراجح: في هاتين المسألتين كليهما: أنه متى خشي فوات الوقت سواء كان مستيقظاً في أول الوقت أو في آخره أنه متى علم أنه إذا استعمل الوضوء في (1) الغسل وكان الماء يحتاج إلى معالجة أو تسخين، وعلم أنه لا يمكنه فعل ذلك إلا وقد خرج الوقت فإنه يتيمم ويصلي الصلاة في وقتها. والحمد لله رب العالمين
الدرس التاسع والثلاثون (يوم الأحد: 25 / 12 / 1414 هـ) بابُ: إزالةُ النجاسةِ " إزالة ": الإزالة هي التنحية، أزال الشيء أي نحَّاه وأقصاه. " النجاسة ": هي الشيء المستقذر شرعاً. فهذا الباب بوبه المؤلف لبيان الطريقة الشرعية في إزالة النجاسات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجزئ في غسل النجاسات كلها ... ..) هذه المسألة في القدر المجزئ في غسل النجاسات كلها سواء كانت هذه النجاسة نجاسة آدمي أو كلب أو خنزيراً ونحو ذلك فما حكمها؟ قال: (غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة) أي وأثرها فيذهب رائحتها ولونها. فهذه المسألة في حكم النجاسات الواقعة على الأرض. حكمها: أنها تغسل غسلة واحدة أياً كانت هذه النجاسة فما دامت النجاسة على الأرض فطريقة إزالتها أن تغسل غسلة واحدة، بأن يغسل الموضع الذي وقعت فيه النجاسة تغسل غسلة واحدة تذهب بالنجاسة. وعليه إن لم تذهب النجاسة فيجب عليه تكرار الغسل مرة أخرى حتى تزول النجاسة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. فإن قيل: ما الدليل على أن الكلاب – التي سيأتي حكمها في غسل الإناء عند ولوغها سبعاً إحداهما بالتراب – ما الدليل على إدخالها في هذا الحكم؟
فالجواب: الدليل ما ثبت في أحمد والبخاري وأبي داود وهذا لفظه عن ابن عمر قال: (كنت أنام في المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وكنت فتى شاباً، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر فلم يكونوا يرشون من ذلك شيئاً) (1) فهنا اكتفى بزوال النجاسة بالشمس أو نحوها – ولم يكونوا يرشون على هذه النجاسة شيئاً؛ لأن مثلها يزيله الشمس. وسيأتي أن الراجح أن النجاسة متى زالت فإن حكمها يزول. فما دامت النجاسة واقعة على الأرض فإنه يزول حكمها بزوالها – يدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (أتى أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه) (2) .
وليس في ذلك ذكر للعدد، بل ظاهره أن الماء وضع على موضع النجاسة مكاثرة ومغامرة، فمتى ذهبت فقد ذهب حكمها. فنصب الماء على الأرض التي وقعت عليها النجاسة حتى يغمر الماء النجاسة، فإذا ذهبت فقد ذهب حكمها. أما إذا كان لا يمكن زوالها بمثل ذلك ولو كثر الماء بحيث أنه لا يمكن أن تزول إلا بأن يزال التراب فإنه يفعل به ذلك؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. إذن: يصب الماء على موضع النجاسة ولا يشترط تكرار غسل ولا إزالة موضع إلا إذا كان لا يمكن إزالة النجاسة إلا بمثل ذلك. قال: (وعلى غيرها سبع) قوله: " وعلى غيرها " غير الأرض كثوب أو حائط أو نحو ذلك. اعلم أن جمهور أهل العلم أن الكلب والخنزير نجسان، أما الكلب فدليله قوله صلى الله عليه وسلم – فيما رواه مسلم وأصله في الصحيحين قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً أولاهن بالتراب) (1) والشاهد قوله: (طهور) وهذا دليل على ثبوت النجاسة في المحل، فدل هذا الحديث على أن ولوغه نجاسة في المحل وهذا هو طهورها. قالوا: ويقاس على ذلك الخنزير؛ لأنه أخبث منه وأشد تحريماً وأشد استقذاراً فيقاس عليه. وقد حكى ابن المنذر إجماع أهل العلم على نجاسة الكلب والخنزير. إلا أن هذا الإجماع منتقض بمخالفة الإمام مالك فإنه خالف في ذلك ورأى أن الخنزير ليس بنجس والكلب ليس بنجس.
واستدلوا على ذلك: بقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} (1) قال: فلو كان ذلك نجساً لأمر الشارع بغسله. * واعلم أن أهل العلم في غسل أثر الكلب المعلم في الصيد على قولين: أظهرهما كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو مذهب مالك أنه لا يجب ذلك؛ لأن الشارع لم يأمر به وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فإذا ثبت هذا فإن هذا يدل على أن ريقه ليس بنجس، فدل على أن الكلب ليس بنجس. ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، فإن الشارع من قواعده رفع الحرج فيما تلحق الأمة به المشقة، ومن المشقة أن يؤمر صاحب الصيد بغسل ما أصابه الكلب، فلما كان الأمر كذلك لم يأمر الشارع بغسله وكان من النجاسات المعفو عنها، كما أن الدم الذي يكون بين اللحم معفو عنه، بخلاف الدم المسفوح فإن الشارع قد نهى أن يطعم – كل ذلك – لرفع الحرج عن الأمة. وما دام أن الإمام مالك استدل بهذا الدليل على الكلب فكذلك عنده الخنزير. والأظهر ما ذهب إليه الجمهور من نجاسة الكلب وقياس الخنزير عليه، والعلم عند الله تعالى … قال: (سبع أحدها بالتراب في نجاسة كلب وخنزير) الحديث إنما فيه ذكر الولوغ وهو أن يدخل الكلب لسانه بالإناء ويحركه، فيدخل من ريقه في هذا الإناء، فأمر الشارع بغسله تطهيراً له، وهذا فيه إثبات نجاسة ريقه – ومثله غيره من بول وروث وغير ذلك فإنها في الحكم سواء – فما دام ريقه نجس فبوله وروثه من باب أولى. لذا ذهب جمهور الفقهاء إلى أن نجاسة الكلب وهي ما تخرج منه وما يتولد منه كل ذلك نجس من ريق أو بول أو نحو ذلك. وذهب شيخ الإسلام: إلى أن الرطوبة (العرق) التي تكون على شعر الكلب أنها معفو عنها، وأن شعر الكلب طاهر. وقد تقدم ترجيح هذا المذهب في الحكم على شعر الميتة وحكم الكلب كذلك هنا.
ثم إن القول بالتنجيس بالرطوبة التي تكون على الكلب محل حرج ومشقة، فإن الشارع قد أباح من الكلاب ما أباح فعندما تتنجس الأيدي أو الثياب بالرطوبة فهذا فيه مشقة. بخلاف ما يكون من الريق - والرطوبة المراد بها العرق - ونحوه الذي يكون في الأواني فإن هذا لا يلحق به المشقة، ويمكن أن يكون له إناء خاص به. وأما ما يكون رطباً على شعره فقد يصيب اليد وقد يصيب الثوب ففيه مشقة فكان الأولى ألا يقال بالتنجيس به، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله. وهذا كما أن الشارع قد أباح لنا الصيد الذي يقع في فمه رفعاً للحرج لاحتياج الناس إلى ذلك فكانت الرطوبة الواقعة على شعره كذلك. إذن: الراجح أن شعره طاهر كما تقدم في باب الآنية وكذلك الرطوبة التي تكون على شعره لا يثبت التنجيس بها؛ لكون ذلك فيه حرج ومشقة فيكون – حينئذ – من النجاسة المعفو عنها قوله: (إحداها بالتراب) : ولا يشترط أن تكون الأولى ولا الثانية ولا السابعة، فالمشروط أن تكون إحدى هذه الغسلات بالتراب، يدل على ذلك حديث مسلم المتقدم وفيه: (أولاهن بالتراب) ولكن في الترمذي: (أولاهن أو أخراهن) (1) فدل ذلك على أن الموضع من الغسل ليس مشترط إنما المشترط أن يغسل الموضع بالتراب ولا يشترط أن يكون ذلك في الأولى ولا في السابعة، وأن كان الأولى أن تكون الأولى؛ ليزيل الماء الوارد بعد ذلك على التراب - ليزيل - التراب وما يحمله من النجاسة.
قوله: (في نجاسة كلب وخنزير) …أما الكلب فقد تقدم الحديث الدال عليه، وأما الخنزير فقالوا: هذا من باب القياس، لكن هذا القياس ضعيف؛ ذلك لأن العلة من أمر الشارع بهذا الحكم في نجاسة الكلاب تعبدي لا تظهر لنا علته، والقياس واقع إذا كانت علة الأصل معقولة كما هو مقرر في علم الأصول، فلابد أن يكون الأصل معقول المعنى، وهذا الأصل ليس بمعقول المعنى – هذا إذا قررنا ما يقرره الفقهاء المتقدمون وأن العلة تعبدية. وأما إذا قررنا ما يقرره المتأخرين وأن العلة في ذلك وجود دودة شريطية في الكلب لا يزيلها إلا التراب فإن هذا الحكم لا يمكن أن يثبت في الخنزير إلا إذا ثبت وجود هذه الدودة الشريطية، فما دام أنه لم يذكر ثبوته فحينئذ لا يمكن القياس. فالراجح: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن الخنزير لا يلحق بالكلب في هذا الحكم وإنما نجاسته كنجاسة غيره من النجاسات. … قوله: (ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه) كصابون ونحوه. قالوا: لأن هذه في معنى التراب، فعلى ذلك تقاس على التراب فتعطى حكمه، فيقاس النظير على نظيره. لكن في هذا القياس نظر أيضاً؛ ذلك لأن الشارع قد خصص التراب والعلة تعبدية، فما دامت العلة تعبدية فالقياس غير صحيح. وإذا قلنا ما ذكره المتأخرون مما نقلوه من الاكتشافات العلمية من وجود مادة في التراب تزيل هذه الدودة الشريطية لا يزيلها سواه، فإن إلحاق غير التراب به واضح البطلان وأن الحكم مخصوص به. إذن: الراجح أنه لا يجزئ سوى التراب وهذا أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد. …إذن: في هذه المسألة في المذهب وجهان: الوجه الأول: – وهو المشهور – أنه يجزئ ما سوى التراب من المنظفات. الوجه الثاني: أنه لا يجزئ إلا التراب، وهذا هو الراجح؛ لأن القياس يشترط أن يكون فيه معقول المعنى، فإن لم يكن معقول المعنى فإن القياس يكون باطلاً. قال: (وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب)
أي نجاسة غيرهما: أي غير الكلب والخنزير. والراجح: - في غير الكلب – فالخنزير له هذا الحكم. (سبع بلا تراب) : قالوا: لما روى ابن عمر قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغسل الأنجاس سبعاً) (1) وقد ذكر الموفق في المغني ولم يعزه. وقد ذكر الشيخ الألباني أنه لم يجده بهذا اللفظ، وهو كما قال، فإن هذا الحديث في الحقيقة لا أصل له.
لكن روى أبو داود بإسناد ضعيف – وسبب ضعفه أيوب بن جابر وهو ضعيف – أن ابن عمر قال: (كانت الصلاة خمسين وكان الغسل من الجنابة سبع مرار، وكان غسل الثوب من البول سبع مرار فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً وغسل الجنابة مرة وغسل الثوب من البول مرة واحدة) (1) . هذا هو الحديث الوارد عن ابن عمر ولو صح فإن فيه النسخ وأن الأمر بغسل النجاسة سبعاً قد نسخ. وأما أن يكون محكماً فلا، على أن الحديث الدال على الناسخ والمنسوخ حديث لا يصح. - لذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو اختيار الموفق من الحنابلة، واختيار شيخ الإسلام: أن النجاسات كلها سوى نجاسة الكلب – والخنزير على الخلاف المتقدم – أنها يجزئها غسلة واحدة تذهب النجاسة، فمتى غسلت غسلة واحدة تذهب النجاسة فإن ذلك يجزئ.
واستدلوا: بما تقدم من حديث الأعرابي (1) فإنه فيه أنه قد غسل مرة واحدة ولا فرق بين النجاسة في الأرض ولا في غيرها. وأصرح منه – وهو ما يكون في غير الأرض – ما ثبت في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر – وقد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب فقال صلى الله عليه وسلم: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه) (2) ولم يشترط النبي صلى الله عليه وسلم عدداً. والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فقد حكمنا على هذا الثوب بأنه نجس لوجود هذه النجاسة، فإذا زالت بغسلة واحدة وذهب أثرها فإن المحل يكون طاهراً؛ لأن هذا الثوب إنما حكم عليه بالتنجيس وهو ما تسمى بالنجاسة الحكمية –إنما حكم عليه بذلك لوجود هذه النجاسة – فما دام أنها ذهبت بغسلة واحدة فإن المحل يطهر. فإن لم تذهب بواحدة – فحينئذ – يكرر حتى تزول النجاسة.
فإن بقي ما لا يمكن إزالته كرائحة أو لون ونحو ذلك فلا حرج في ذلك لما ثبت في الترمذي – والحديث حسن – فإنه من حديث ابن لهيعة وقد رواه عنه بعض العبادلة، وروايتهم عنه حسنه وله شواهد من الشرع تدل عليه أن خولة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: فإن لم يذهب الدم؟ أي دم الحيض، فقال صلى الله عليه وسلم: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره) (1) . فإذا عجز المكلف عن إزالة أثر النجاسة فإن الحرج مرفوع، فيكفيه ما فعل من الغسل ولا يضره هذا الأثر. إذن: مذهب الحنابلة أن الموضع إذا وقعت عليه نجاسة سوى النجاسة المتقدمة فإنه يغسل سبع مرات. والمراد بسبع مرات: هكذا على الحقيقة وليس المراد بعد التطهير، فلو كانت السادسة وقعت على النجاسة، والنجاسة ما زالت ثم أزالته السابعة فإن هذه سبع غسلات. إذن: يغسله الغسلة الأولى وإن كانت النجاسة لم تذهب بها ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك، المقصود أن تذهب بالسابعة، فإن لم تذهب بالسابعة فيغسله ثامنة أو تاسعة حتى تزول النجاسة. والحمد لله رب العالمين الدرس الأربعون (يوم الاثنين: 26 / 12 / 1414هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك) إذا وقع على ثوب نجاسة فأصابتها الشمس فزالت ولم يبق لها أثر لا طعم ولا ريح، أو ذهبت تلك النجاسة بالريح، كأن تذهب بسبب ريح شديدة، والمقصود من ذلك: ذهاب تام بحيث لم يبق لها أثر في المحل. أو كان المحل نحو مرآة أو سيف أو سكين فوقعت عليه نجاسة كالدم – على قول من قال بنجاسته – فدُلك فزالت نجاسته، فهل يحكم بنجاسة المحل أم لا – في كل هذه المسائل؟ قال هنا: (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك)
وقد تقدم الكلام في هذا في باب المياه، وأن الماء الطهور هو ما لا يزيل النجس الطارئ غيره، وقد تقدم دليل المذهب. وتقدم رجحان ما ذهب إليه أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: من أن هذا المحل طاهر. ودليل ذلك: ما روى البخاري وأبو داود من حديث ابن عمر من أن الكلاب كانت تبول وتقبل وتدبر في المسجد ولم تكن تغسل محالها (1) . ولو كانت باقية، لوجب تغسليها، فتبين أنها كانت تذهب بنحو شمس أو ريح إذ لو كانت باقية لوجب تغسيلها. وبما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ماذا رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما) (2) فأمر بالمسح وهو الدلك – الذي تثبت فيه إزالة النجاسة. فالراجح: أن النجاسة متى زالت بأي مزيل من المزيلات بحيث إنه لم يبق للنجاسة أثر سواء كان ذلك بدلك أو ريح أو شمس فإن المحل يطهر، ومحل هذا حيث تذهب النجاسة فلا تبقى لها أثر. قال: (ولا استحالة) يقال: استحال الشيء عما كان عليه: أي زال، وذلك بأن يتحول من صورة إلى أخرى أو من مادة إلى مادة أخرى.
كتحول الدم والصديد واللحم في الميتة إلى تراب وكتحول الروث النجس إلى رماد ونحو ذلك فهل هذه المتحول إليها طاهرة أم نجسة؟ هنا: المذهب يقول: إنها نجسة وإنها لا تطهر. فعلى ذلك: التراب الذي دفن فيه الإنسان فتطاول الزمن عليه فتحول بما فيه من صديد ودم – وهذا على القول بأن الصديد نجس – أو كانت ميتة أخرى من التي يحكم بنجاستها، فتحولت إلى تراب أو إلى ملح أو تحول هذا الروث إلى رماد أو الدخان المتحلل من الشيء النجس كأن يحرق شيء نجس فيخرج منه غبار: - فذهب الحنابلة إلى إنها نجسة واستدلوا: بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما أن النبي صلي الله عليه وسلم: (نهى عن الجلالة) (1)
وسيأتي الكلام على هذا الحديث في بابه – إن شاء الله -. قالوا: إنما هذا النهي لنجاستها، لكون هذه النجاسات ثابتة فيها باقية، ومعلوم أن هذه النجاسات قد تحولت إلى دم ونحوه فإنها ليست كهيئتها السابقة بل تحولت في هذا الحيوان إلى مادة أخرى، ومع ذلك فإن الشارع نهى عنها. لكن هذا الاستدلال ضعيف، إذ ليس في الحديث أن ذلك لنجاستها ولكن لقاعدة الشريعة في تحريم ما خبث طعمه كما حرم ما يأكل الجيف، وسيأتي الكلام عليه في باب الأطعمة. والحنابلة – وهم القائلون هنا بأن الاستحالة لا تحول الشيء إلى شيء ظاهر، مستدلين كذلك بالجلالة – هم أنفسهم يقولون إنها متى حبست – أي الجلالة – ثلاثة أيام كما هو مذهب ابن عمر فمتى حبست فإنها تطهر. ومعلوم أن هذا الدم قد نبت منه بعض اللحم، ومجرد الحبس لا يغير الحكم، فإنه متى نبت لحمها وحبست بعد ذلك أياماً يسيرة فإن هذا لا يغير من الحكم شيـ[ـئاً] . إذن: يدل على حرمتها بجريان هذا الدم الذي ما زال قريباً بالنجاسة فمتى منعت من الطعام زمناً وتؤكد بعد هذا الزمن من أن هذا الخبث قد ذهب وإن كان قد تحول إلى مادة أخرى فإنها تحل. - وذهب أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: إلى أن الاستحالة تطهر بها الأعيان. ولكن مع ذلك ينبغي ألا يقال إنها تطهر بالاستحالة؛ ذلك: لأن ليس مجرد الاستحالة هو سبب الطهارة، بل سببها إنها انتقلت إلى عين أخرى هذه العين عين طاهر. واستدلوا: بأن الشارع وقد حكم بتنجيس هذه العين التي قد استحالت إلى مادة أخرى قد حكم بنجاستها لما فيها من الخبث، وأما وقد تحولت إلى مادة أخرى وهي مادة حكم الشارع بطهارتها كتراب أو ملح أو رماد أو نحو ذلك، فهذه مادة طيبة قد حكم الشارع بطهارتها ولم يبق اسم ولا معنى مما حكم الشارع بنجاستها.
فما حكم الشارع بنجاسته كالروث مثلاً: قد تحول إلى رماد فلم يبق فيه ما في الروث من المعنى، وكذلك لم يبق فيه التسمية فهي مادة طاهرة، وكذلك الملح والتراب. والنبي صلى الله عليه وسلم لما بنى مسجده أمر بنبش ما فيه من قبور المشركين ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحمل التراب الذي حوله ومن المعلوم أن من الدم والصديد ما تحول إلى تراب – وهذا على القول بأن الدم والصديد نجس فيكون رد على المذهب ومن قال بقوله -. فالراجح: مذهب أهل القول الثاني وأنه متى استحال إلى مادة أخرى فإن هذه العين تكون طاهرة فلا معنى للحكم بنجاستها وهي مادة أخرى، مادة لها نظير آخر قد حكم الشارع بطيبه ولم يبق للنجاسة اسم ولا معنى وهذا حيث زالت النجاسة تماماً فلم يبق لا لون ولا طعم ولا ريح. قوله: (غير الخمرة) أي الخمر فالخمر إذا تحول إلى مادة طيبة من الطيبات فإنه – حينئذ – يكون طاهراً. واعلم أن الخمر فيه خلاف بين أهل العلم هل هو نجس أم طاهر؟ فذهب جمهور أهل العلم: إلى أن الخمر نجس واستدلوا بقوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} (1) . قالوا: والرجس هو النجس، كما قال تعالى: {قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتا أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس} (2) قالوا: أي نجس فالآية الأولى نظير الآية الثانية. قالوا: فيدل هذا على نجاسة الخمر. فإن قيل: فلم لم تحكموا على الأزلام والميسر والأنصاب – بالنجاسة فهي ليست نجسة حساً عندكم؟ قالوا: هذه أخرجها الإجماع، فقد أجمع العلماء على أن نجاستها ليست حسية بل معنوية. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم وقد حكى هذا القول إجماعاً، لكن هذا الإجماع ليس بصحيح لوجود المخالف.
- وقد ذهب بعض أهل العلم وهو قول داود والمزني والليث بن سعد وربيعة وذهب إليه بعض المتأخرين وممن اختاره الصنعاني وغيره: أن الخمرة طاهرة وليست بنجسة. واستدلوا: بالأصل وأن الأصل في الأشياء الطهارة وكون الشيء يحرم لا يعني تنجسه،فإن الشارع قد حرم الأنصاب والأزلام وهي ليست نجسة بالأصل فليس كل محرم نجس، فالأصل في الأشياء الطهارة وهذه منها. قالوا: وقد ثبت في البخاري عن أنس بن مالك قال: (لما حرم الخمر خرج الناس وأراقوها في الطرقات) (1) . قالوا: والاستدلال بهذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: إيقاع النجاسات في طرق الناس محرم فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في طرقات الناس كما تقدم من تحريم التبرز ونحوه في الطريق فهذا محرم وكذلك غيره من النجاسات، فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في الطرقات. والوجه الثاني: أنه لابد وأن يصيب الماشي وهو ذاهب إلى الصلاة شيء منها، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم أن يغسلوا ما تقع عليه الخمرة في أبدانهم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. لكن في الاستدلال بهذا الدليل من هذين الوجهين نظر: أما الوجه الأول: وهو قولهم: أن في إراقتها في الطرقات تنجيس لها وهو محرم.
فلأهل القول الأول أن يقولوا: إن فعل ذلك لمصلحة شرعية راجحة وهي إظهار ترك هذا المحرم الذي قد اعتاد عليه العرب وألِفوه، وفي ذلك تشجيع للناس على تركه فلهذه المصلحة العظيمة جاز أن يراق وإن كان نجساً ولا شك أنه سيذهب بعد زمن يسير بالشمس أو الريح أو نحو ذلك، وبقاؤه على هذه الصورة فيه مصلحة عظيمة للتعاون على ترك هذا المنكر وإظهار حرمته. وأما الوجه الثانية: وهو قولهم: أنه لو كان نجساً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم من يأتي إلى المسجد أن يغسل ما يصيبه منه، وهو كثيراً ما يصيب المشاة إلى المسجد. فهذا فيه نظر – على قول الجمهور – وهو أن يقولوا: إن الله قال {رجس من عمل الشيطان} فما دام أن الله قال ذلك فلا يحتاج إلى أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. ومع ذلك: فإن الراجح القول الثاني وذلك لصحة الدليل الأول وهو الأصل فإن الأصل في الأشياء الإباحة. وأما الاستدلال بالآية: {إنما الخمر والميسر ….} فإن الرجس في لغة العرب هو القذر ولا يلزم في ذلك أن يكون نجساً حسياً فلا يلزم من القذارة النجاسة الحسية فكم من شيء قذر ومع ذلك ليس بنجس فليس كل شيء مستقذر يستقذره الناس ويحكمون عليه بالقذارة ليس كل ذلك نجساً، فإذا ثبت هذا فإن الآية لا تدل إلا على أنه قذر. والأظهر فيها أن المراد بالنجاسة هنا: المعنوية وليس الحسية وذلك لقرينتين اثنتين: القرينة الأولى: قوله تعالى عاطفاً الثلاث على أن نجاستها نجاسة معنوية وهي قوله: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} فهذه الثلاثة بالإجماع طاهرة العين نجسة المعنى، فكذلك الخمر فهذه القرينة تقوي أن الخمر نجاستها نجاسة معنوية. القرينة الثانية: قوله: {رجس من عمل الشيطان} فحكم عليها بالنجاسة مرتبطاً ذلك بكونه من عمل الشيطان.
وأما النجاسة التي يخلقها الله طبيعة فإنها نجاسة لا يقال فيها إنها من عمل الشيطان فإنها نجاسة طبيعية أصلية حقيقة في هذا الشيء. فدل على أن قوله: {من عمل الشيطان} أي نجاسة عملية معنوية، أي هذا من عمل الشيطان في الناس من النجاسة التي يزرعها الشيطان في الناس لما في الخمر من إلقاء العداوة والبغضاء وترك ذكر الله والصلاة ونحو ذلك مما هو من عمل الشيطان. فعلى ذلك: الراجح أن الرجس هنا: هو الرجس المعنوي. إذن: الخمر طاهرة وليست بنجسة، فإذا أصاب البدن منها شيء – ومن ذلك هذه الأطياب التي يتطيب بها فإنها من الخمر – فإنها ليست بنجسة على الراجح من قول أهل العلم. والمسألة المرتبطة بالمسائل السابقة: هي أن الخمر إذا تحولت بنفسها فتحولت إلى خل بعد أن كانت خمراً فحينئذ يحكم بطاهرتها. وقد قالوا بطهارتها: لأن الخل عين أخرى فليست خمراً وإنما خل، والخل طاهر. لكنهم: قالوا: هي في الأصل أشياء طاهرة فحولت إلى خمر ثم رجعت إلى أصلها. والجواب على ذلك: أن يقال: كذلك النجاسات فقد كانت في الأصل أطعمة ثم تحولت إلى قذر ثم تحولت بالاستحالة إلى مواد أخرى، فالدم مثلاً – إذا حكمنا بنجاسته – أصله طعام وشراب طاهر فتحول إلى شيء نجس وهو الدم ثم عاد بعد ذلك إلى عين أخرى طاهرة. * واعلم أن الخمر إذا تخللت بنفسها من غير عمل فإن ذلك جائز بإجماع العلماء، فلا حرمة في ذلك، فبالإجماع هي طاهرة، فهذا هو فعل الله عز وجل فيها وهذا قول عمر كما في البيهقي (1) ولا يعلم في هذه المسألة خلافاً.
أما إذا خللت الخمر ووضعت إليها مواد فرجعت إلى خل، فهذا الفعل اتفاقاً محرم لا يجوز؛ لما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: سئل عن الخمر تتخذ خلاً قال: (لا) (1) أي لا يجوز ذلك، فلا يجوز تحويل الخمر إلى خل بل يراق. * لكنها إن خللت فهل تكون طاهرة أم نجسة؟ قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب أحمد وغيره. والراجح: أنها طاهرة كما تقدم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة،وقول في مذهب الإمام أحمد، وأنها إذا خللت فهذا الفعل محرم ولا يجوز أن تطعم لكنها مع ذلك طاهرة فهي طاهرة، لكن هذا التخليل منه هو آثم لمخالفة النبي صلى الله عليه وسلم. لذا قال: (فإن خللت – إلى أن قال - لم تطهر) هذا هو المذهب، فالمشهور في المذهب أنها إذا خللت فإنها لا تطهر. والراجح وهو قول في المذهب أنها تطهر كما تقدم. قوله: (أو تنجس دهن مائع لم يطهر) إذا كان عندنا دهن مائع يبلغ الشيء الكثير جداً، فوقعت فيه نجاسة، ولو كانت هذه النجاسة يسيرة – وهو مائع – فإنه نجس ولا يحل أن يطعم، ولا يطهر. وقيَّد ذلك بمائع، لأنه لابد أن يكون مائعاً لترتب هذا الحكم. أما إذا كان جامداً فإنه تزال النجاسة وما حولها ويطعم الباقي. وأما المائع فإنه يراق مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً – إذا وقعت فيه نجاسة – ولا يطهر. وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
واستدلوا: بما رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: (إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه) (1)
- وذهب أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه لا يتنجس إلا بالتغير كحكم الماء تماماً، ويمكن أن تزال النجاسة بأي طريقة من طرق الإزالة كما تقدم في الماء تماماً. فإذا وقع شيء يسير من النجاسة في زيت كثير ولم يغيره فهو طاهر، وإذا غيره فأضيف إليه شيء من الزيت فذهب التغير وزال أثر النجاسة فهو طاهر. واستدلوا: بما روى البخاري من حديث سفيان عن الزهري إلى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في فأرة سقطت في سمن فماتت: (ألقوها وما حولها وكلوه) (1) ولم يفرّق النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يكون مائعاً أو جامداً. وهذا مذهب ابن عباس وابن مسعود – كما رواه عنهما الإمام أحمد في مسائله، وهو مذهب طائفة من السلف وهو اختيار شيخ الإسلام – وأنه لا فرق بين جامد ومائع بل تلقى النجاسة وما حولها ثم ينظر في المتبقي، فإن كان هذا الزيت - مثلاً – المتبقي متغير بالنجاسة فهو نجس وإن لم يتغير بالنجاسة لا طعماً ولا لوناً ولا ريحاً فإنه طاهر. وأجابوا عن الحديث الأول بأنه معلول، فإن معمراً باتفاق علماء الرجال – كما قال شيخ الإسلام – كثير الغلط على الزهري، وهذا من غلطه عليه، فإن الرواة عن الزهري كما رووه بهذا اللفظ المتقدم، وغلط معمر فرواه بسند آخر إلى أبي هريرة فأخطأ في الإسناد ثم أخطأ في المتن بذكر الجامد، فهو وهم وغلط منه كما قرر ذلك البخاري والترمذي وأبو حاتم والدارقطني وكذلك ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل العلم، فعلى ذلك الحديث ضعيف لأنه معلول.
وعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني: وأن النجاسة إذا وقعت في المائعات من دهن أو غير ذلك أو وقعت في بعض الأطعمة ونحوها، فإننا نزيل النجاسة وما حولها مما تنجس، وإن كان الزيت أو غيره طاهراً لم يتغير بالنجاسة فهو على ظاهره طاهر، وأما إن كان متغيراً بالنجاسة وأمكن إزالة النجاسة عنه بأي طريقة فأزيلت فإنه يطهر أيضاً، كحكم الماء تماماً. ولا شك أن هذا أولى من الماء؛ لما فيه من إفساد المال بوقوع أدنى نجاسة فيه. قوله: (وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يُجزم بزواله) إذا خفي موضع نجاسة وكان الموضع ضيقاً لا مشقة في تغسيله كله كأن تقع نجاسة على ثوب أو على موضع صلاة صغير أو نحو ذلك يمكن أن ينظف كله ولا مشقة في ذلك فوقعت النجاسة ولا يدرى موضعها فإننا نغسل كل الموضع حتى نتيقن من زوال النجاسة. أما إذا كان واسعاً كأن يكون بقعة من الأرض في فضاء أو نحو ذلك فإنه – حينئذ – لا يجب عليه ذلك بل يتحرى في أي موضع النجاسة ثم يغسله لمشقة غسل الموضع كله، بل يغسل ما يتوقع فيه النجاسة أو يتحرى فيغسل هذا الموضع الذي يظن أن النجاسة واقعة فيه. فإذا لم يكن هناك ظن فإنه يصلي حيث شاء من المواضع ولا شيء عليه في ذلك. أما إذا يمكن أن يغسله كله ولا مشقة في ذلك فيجب عليه أن يغسله كله. والحمد لله رب العالمين. الدرس الحادي والأربعون (يوم الثلاثاء: 27 / 12 / 1414 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه) " بول " دون غائطه. " غلام " وهو الصبي الذي لم يبلغ، ويقابله الجارية وهي الصبية التي لم تبلغ. " لم يأكل الطعام " فطعامه لبن أمه أو غيره، ولا يكون الطعام أي ليس الطعام المأكول من خبز أو نحوه فليس هو مطعمه بخلاف ما قد يوضع فيه مما لا يكون عن اختيار منه فإن هذا لا يعتبر أكلاً يثبت تغير الحكم عليه، كأن يوضع في فيه شيء من التمر أو يلعق عسلاً أو نحو ذلك.
" بنضحه " النضح هو الرش أي الغمر والمكاثرة بالماء من غير أن يجري الماء كما يجري في الغسل، بل مجرد ما يريق الماء على موضع النجاسة مكاثرة وغمراً لها به غير أن يكون بإزالته واستخراجه، فهذا هو النصح. ودليل ذلك: ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وغيرهم بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينضح من بول الغلام ويغسل من بول الجارية) (1) .
وثبت في الصحيحين من حديث أم قيس رضي الله عنها قالت: (جئت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لي لم يأكل الطعام فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم في حجره فبال عليه فدعا بماء ونضحه ولم يغسله) (1) فإذن وهذا مختص بالغلام الذي لم يأكل الطعام أما غيره والجارية فإنه يجب فيه الغسل. وهل يقاس عليه القيء أم لا؟ قالوا: ويقاس عليه القيء إذا كان من غلام لم يأكل الطعام، وهذا مبني على ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن القيء نجس، والقيء هو: ما يخرج من الطعام من المعدة. وجمهور العلماء على أنه نجس، فعلى ذلك يجب غسل ما يصيب من الثياب. وهذا من باب القياس، فقاسوه على البول والغائط، فكما أن هذا مستخرج من الطعام فكذلك هذا فهذا من باب القياس. وهذا قد حدث به من النتن والفساد كما حدث في البول والغائط ولما روى الدارقطني والبيهقي عن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والمذي والدم والقيء) (2) . لكن الحديث ضعيف وقد ضعفه البيهقي والدارقطني.
* وذهب بعض أهل العلم وهو مذهب الظاهرية: إلى أن القيء ليس بنجس واختاره الشوكاني؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة، وقياسه على البول والغائط ليس أولى من قياسه على المخاط والعرق فإنها – كذلك – يخرج من البدن وقد ظهر فيها نتن وفساد وهي متحللة من طعام، وقد دلت الأدلة الشرعية – وهو مذهب الحنابلة – على أن المخاط والعرق طاهر، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليفعل هكذا فتفل في ثوبه فمسح ببعضه بعض) (1) وهذا في الصلاة، فإذا ثبت فمعلوم أن الصلاة لا يحل أن يقع في ضمنها شيء من النجاسة فهذا يدل على أن النخامة (2) ليست بنجسة. وقياس القيء به أولى من قياسه بالغائط والبول، وحقيقة القيء إنما هو هذا الطعام الذي دخل إلى المعدة فخرج بسبب المرض متغيراً بشيء من الفساد والنتن فمثل هذا لا يقال بنجاسته، فإن نقل هذا الطعام إلى النجاسة بسبب تغيره في المعدة لا يدل على نجاسته. فالراجح: أن القيء ليس بنجس. وإذا قلنا بنجاسته فإن ما يقع من الصبي الغلام الذي لم يأكل الطعام فإنه يكفي في قيئه النضح، ويجب الغسل فيما يكون من الجارية والغلام الذي يأكل الطعام كما يكون ذلك في البول.
قوله: (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر) " ويعفى ": فهذا في النجاسة المعفو عنها. " في غير مائع ": من ماء أو زيت ونحوهما. " ومطعوم ": كالخبز أو نحو ذلك. " عن يسير ": عرفاً. " دم نجس ": لا دم طاهر، فإن الدم الطاهر معفو عنه كله، فكله عفو. ومثلوا للدم الطاهر بدم الشهداء فإنه طاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسله. ومثل ذلك: دم مأكول البحر، فما يخرج من مأكول البحر من الدم فهو طاهر. إذن: إذا وقع دم نجس كالدم الذي يخرج من البهيمة، أو من الآدمي على المذهب فإذا وقع شيء من هذه الدماء - الدماء خاصة ليس سائر النجاسات – إذا وقع على ثوب أو بقعة – لا على ماء أو زيت وكان ذلك على (1) حيوان طاهر ليس من حيوان نجس ككلب أو خنزير فإنه لا تعفى منه. إذن: يعفى من النجاسات عن الدم النجس اليسير إذا كان من حيوان طاهر وكان وقوعه على ثوب أو نحوه. وهذه التفاصيل في الحقيقة لا دليل عليها. - لذا ذهب شيخ الإسلام رحمه الله وهو مذهب أبي حنيفة: إلى أنه يعفى عن يسير النجاسات مطلقاً سواء كانت في مائع أو غيره ولكن بقيد: وهو أن يكون يشق التحرز منها. قياساً على النجاسة المعفو عنها في موضع الاستجمار، فإن الاستجمار لا يذهب أثر النجاسة كما هو معلوم، وما يبقي بعد الأثر معفو عنه، فقد عفي عنه لمشقة التحرز منه فكذلك عامة النجاسات التي يشق التحرز عنها فإنه يعفى عن يسيرها. والمراد باليسير: اليسير عرفاً. مثال ذلك: رجل يشتغل بالجزارة فإنه قد يتساقط على ثوبه قطرات من الدم يشق عليه أن يتحرز منها ليصلي – دائماً – بثوب خال من ذلك، فإنه عندما يصلي وعليه شيء من القطرات اليسيرة فلا بأس بذلك.
ومثاله أيضاً: في المجروح، فإنه إذا توقف عنه الدم فإنه يبقى في موضع الدم قطرات – وقلنا: على المذهب بأن الدم من الآدمي نجس – فإن هذه القطرات التي تكون في موضع الجرح معفو عنها. قال: (وعن أثر استجمار بمحله) كما تقدم. " بمحله ": أي موضع الاستجمار. وأما إذا خرج بسبب عرق أو نحوه إلى الثوب فإنه لا يعفى عنه. وهذا ضعيف، فإنه من المعلوم أن مثل هذا يقع غالباً كما يكون هذا في الاستجمار، فإذا وقع على الثوب المقابل لموضع الاستجمار فإنه لا حرج فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسله وهذه رواية عن الإمام أحمد اختارها ابن القيم والشيخ عبد الرحمن السعدي وغيرهما. * وعند لفظة الدم: اعلم أن جماهير العلماء على أن الدماء الأصل فيها النجاسة سوى ما دلت الأدلة الشرعية على استثنائه كدم الشهداء، وكدم مأكول اللحم البحري وكالدم الذي يكون في اللحم المذبوح وما يكون في العروق فإن هذا كله معفو عنه وأما سواه من الدم فإنه نجس – هذا مذهب جمهور الفقهاء -. فعلى ذلك: دم الآدمي نجس، ودم مأكول اللحم البري كالشاة ونحوها نجس، وكذلك غيرها من الدماء. واستدلوا: بقوله تعالى {قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس " أي نجس " أو فسقاً أهل لغير الله به} أي لا أجد فيما أوحى إلى محرماً من الأطعمة إلا هذه الأربع وهي: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير فإنها رجس، والرابع هو الفسق الذي أهل به لغير الله وهو ما خرج به عن طاعة الله وأمره وشرعه ولو حيدة بأن ذبح لغير الله، فهذه الأربعة هي المحرمة وقد دلت الأدلة الشرعية على عدم الاكتفاء بها، فقد ورد بعد ذلك آيات وأحاديث مدنية تدل على مزيد من المحرمات وسيأتي ذلك – في باب الأطعمة إن شاء الله –.
- وذهب الظاهرية وهو اختيار الشوكاني: إلى نقيض القول المتقدم، وهو أن الدماء كلها طاهرة إلا (1) ما استثني بالنجاسة فدم الحيض قد دلت الأدلة الشرعية على نجاسته كقوله صلى الله عليه وسلم: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه) (2) قالوا: فهذا يدل على أن دم الحيض والنفاس نجس. وأما ما لم يرد الدليل بنجاسته فهو طاهر. واستدلوا: بالأصل، فإن الأصل في الأشياء هو الطهارة. والأظهر ما ذهب إليه جمهور العلماء، فإن الرجس في هذه الآية هو النجس وقرينة ذلك أن الله لما ذكر هذه الثلاثة وحكم عليها بالرجسية أضاف إليها بعد ذلك ما أهل به لغير الله من الفسق، ومعلوم أن ما أهل به لغير الله من الفسق رجس – كذلك – معنوي فإنه نجاسة معنوية كما أن الأزلام والميسر والأنصاب رجس معنوي، فإن هذا الذي أهل به لغير الله رجس معنوي، فعلم من ذلك أن المراد بالرجس في الثلاثة الأولى أنه الرجس الحسي وهو القذر الشرعي فالمراد به النجاسة التي حكم الشارع عليها بالنجاسة، فعلى ذلك: الميتة والدم ولحم الخنزير أنجاس لهذه الآية الكريمة. إذن: الراجح أن الدماء كلها نجسة سوى ما دلت الأدلة على استثنائه كدم الشهيد ونحوه. وهذا هو القول الراجح إلا أنه ينبغي أن يستثنى دم الآدمي مطلقاً خلافاً للجمهور، لأن الأدلة الشرعية دلت على ذلك:
فمنها ما تقدم في قصة عباد بن بشر وعمار بن ياسر فلما صلى في ثوبه عباد أصابه السهم فانتزعه وقد أهريق الدم على ثوبه ثم أتى السهم الثاني ثم الثالث وهو في صلاته وكان ذلك في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم ولابد أن مثل هذا يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم وقد أقره على أن هذا ليس بنجس إذ لو كان نجساً لبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجب عليه أن يقطع صلاته وما زال المسلمون يصلون بجراحاتهم، كما قال الحسن البصري (1) وقد تقدم البحث في هذه المسألة في باب سابق فالراجح أن دم الآدمي طاهر. ويقاس كذلك على ما يكون من الحيوانات طاهراً في الممات كميتة البحر وكما لا دم له فإنها طاهرة في الممات فيقاس عليها الآدمي فإنه طاهر في الحياة. فالراجح: أن دم الآدمي طاهر وأما سائر الدماء فإنها نجسة إلا دم الحيض والنفاس فإنه نجس للحديث. قال: (ولا ينجس الآدمي بالموت) الآدمي من مسلم وكافر لا ينجس بالموت، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا ينجس) (2) متفق عليه. ولما دلت عليه الأدلة الشرعية من وجوب غسل الميت فإن ذلك يدل على طهارته إذ لو كان نجساً بمماته لما شرع تغسيله إذ لا فائدة من ذلك.
ويقاس عليه الآدمي الكافر فإن حكم الطهارة والنجاسة فيهما واحد، وهي الطهارة الحسية وإنما الفارق بينهما في الطهارة أو النجاسة المعنوية، فالمؤمن طاهر حساً ومعنى، وأما الكافر فإنه طاهر حساً ونجس معنى، قال تعالى {إنما المشركون نجس} (1) أي في شركهم بالله تعالى بدليل جواز نكاح الكتابيات وحل ذبائحهم ولو كان الكفار أنجاساً حساً لما جاز ذلك ولأمر الناس أن يغسلوا أيديهم بمسهم فدل ذلك على أنهم طاهرون، وهذا مذهب جمهور أهل العلم. فالآدمي مطلقاً سواء كان كافراً أو مسلماً فهو طاهر وأما الكافر فنجاسته معنوية، فعلى ذلك لا تغسل الأيدي ولا الثياب التي لبسوها ومست أبدانهم ووقع عليها شيء من عرقهم فإن كل ذلك لا يؤثر لأنهم طاهرون حساً. وعرق الآدمي وريقه ومخاطه كل ذلك طاهر باتفاق العلماء. ودليل ذلك: ما تقدم من حديث النخامة وغيرها مثلها أو هو أولى منها بهذا الحكم. قال: (ومالا نفس له سائلة متولد من طاهر) " ومالا نفس ": أي ما لا دم له، فالنفس هنا هي الدم، وهذا معروف في لغة العرب؛ وذلك لأن قوام النفس بالدم فسمي نفساً. " سائلة ": أي ليس له دم يسيل إذا حدث قتل أو جرح فإنه لا يسيل دمه كالجراد والذباب والبعوض وغير ذلك مما لا دم له سائل. " متولد من طاهر ": هذا قيدٌ، فلا بد أن يتولد من طاهر، فإن تولد من نجس كما يكون من الحشرات في الحشوش ونحوها فهذا لا يدخل في هذا الحكم، لكن هذا مبني على عدم الطهارة بالاستحالة وهذا كما تقدم ضعيف. فالراجح: الطهارة بالاستحالة، إذن: هذا الاستثناء ليس بوجيه. فعلى ذلك: كل ما لا نفس له سائلة سواء تولد من شيء طاهر أو من شيء نجس فإنه طاهر ولا ينجس الماء ونحو ذلك، فإذا وقع شيء مما تقدم ذكره حياً كان أو ميتاً – في ماء ونحوه - فإنه لا ينجس هذا الماء ولو تغير به. فإذن: كل ما لا نفس له سائلة فإنه طاهر حياً وميتاً.
إذ العلة عند جماهير العلماء من تحريم الميتة والحكم بنجاستها هو الدم وهذا ليس له دم سائل. وقد دل على ذلك ما في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) (1) وهذا يدل على أن كل ما ليس له نفس سائلة فإن له هذا الحكم وأنه لا ينجس الإناء وأن ميته طاهر، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثاني والأربعون (يوم الأربعاء: 28 / 12 / 1414 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه – إلى أن قال – طاهر) هذا في حكم بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه وأنها طاهرة. وما يؤكل لحمه: كبهيمة الأنعام وغيرها مما هو من المطعومات فإن بوله وروثه وريقه ومنيه طاهر. فإن بوله وروثه طاهران وكذلك من باب أولى منيه وريقه ودمعه ومخاطه وغير ذلك.
ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: (قدم ناس من عُكل أو عُرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا من أبوال الصدقة وألبانها) (1) أي أبوال الإبل وألبانها ولو كانت نجسة لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا منها، لأنها نجسة والنجس محرم أن يطعم لقوله تعالى {قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس} (2) فالأنجاس لا يجوز أن تطعم ولو كان ذلك للتداوي بها. فإن الدواء لا يكون لأمة محمد بما حرم الله عليها كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم – في صحيح مسلم وغيره (3) – ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسلوا أفواههم ولا أوانيهم فدل ذلك على أنها طاهرة.
ويدل على ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا في مرابض الغنم) (1) ومعلوم أن مرابضها ومباركها لا تخلو من بول وروث فدل ذلك على أنها بقعة طاهرة مع وجود ما يكون فيها من البول والروث. فدل ذلك على أن أبوالها وأرواثها طاهرة، ومثل ذلك – بل أولى منه – المني والدمع والريق – ونحو ذلك. أما بول ما لا يؤكل لحمه وبول الآدمي فإنها نجسة بالاتفاق. أما الآدمي، فإن الأدلة عليه ظاهرة كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) (2) وقوله صلى الله عليه وسلم – في الصحيحين -: (كان لا يستنزه من البول) (3) ولفظة البول هنا: " أل" فيها عهدية بدليل ما ورد في البخاري: (من بوله) ، فلا يرد هذا على القول بطهارة أبوال الإبل، فإن البول هنا لا يدخل فيه بول الإبل ونحوها، بل المراد بذلك البول المعهود وهو بول الآدمي.
ويقاس عليه: بول ما لا يؤكل لحمه – بل أولى في هذا الحكم من بول الآدمي. بخلاف ما يؤكل لحمه فإنه طاهر. إذن: كل بول وروث فهو نجس سوى ما يكون مما يؤكل لحمه فإنه طاهر. قال: (ومني الآدمي) مني الآدمي طاهر. ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (كنت أفركه من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه) (1) . وثبت في مسند أحمد وصحيح ابن خزيمة بإسناد صحيح عن عائشة قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلت المني بعرف الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً فيصلي فيه " (2) . إذا كان رطباً فإنه، فإنه يسلته بعود الإذخر، وإذا كان رطباً فإنه يحته ثم يصلي فيه. ومثل هذا يدل على أنه ليس بنجس لأن الأنجاس يجب غسلها أو نضحها، فلما كان كافياً في ذلك الفرك أو الحك أو الحت دل ذلك على أنه ليس بنجس. - وذهب الأحناف والمالكية: إلى أنه نجس. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل المني) (3) وقالت: (كنت أغسل المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم) (4) قالوا: فلما ثبت الغسل دل على أنه نجس.
لكن هذا ضعيف لثبوت الفرك، فدل هذا على [أن] الفرك والغسل ثابتان، فدل على أن الفرك يجزئ في المني، وما دام يجزئ فهذا يدل على أنه ليس نجس. فعلى ذلك يفرك ويغسل وكلاهما يثبت به السنة، ثم إنه أصل الخليقة بما فيهم أنبياء الله ورسله والصديقون والشهداء وبقية عباد الله الصالحين فلا يستقيم مع ذلك أن يكون نجساً (1) . ثم إن الأصل في الأشياء الطهارة، ولم يرد دليل صريح يدل على نجاسته بل ولا دليل ظاهر، بل الأدلة دالة على أنه طاهر وليس بنجس. قال: (ورطوبة فرج المرأة) رطوبة فرج المرأة طاهر أيضاً قالوا: قياساً على المني – هذا هو المذهب –. - وذهب الشافعي: إلى أنه نجس. واستدل: بما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد قال: قلت لعثمان بن عفان: أرأيت الرجل يجامع امرأته ثم لا يمني فقال: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره (2) سمعت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ". أما الشطر الأول: وهو قوله: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة) فقد دلت الأدلة الشرعية على نسخه كما تقدم هذا في باب الغسل وأن من جامع زوجته وإن لم ينزل يجب عليه الغسل ولا يجزئه الوضوء، وأن الوضوء رخصة في أول الإسلام. وأما الشطر الثاني: فهو محكم قال (ويغسل ذكره) وذلك من رطوبة فرجها فدل ذلك على نجاسته. وهذا القول أصح؛ فإن لفظة: (ويغسل ذكره) خبر بمعنى الإنشاء فيكون ذلك يدل على وجوب الغسل.
وأما أهل القول الأول فقالوا: هذا على الاستحباب. والأظهر هو الوجوب وأن رطوبة فرج المرأة نجس. وهل ينقض الوضوء أم لا؟ جمهور أهل العلم على أنه ينقض الوضوء، فإذا سال من فرجها انتقض وضوؤها من ذلك، لأنه خارج من السبيلين وكل خارج من السبيلين – كما تقدم- سواء كان معتاداً أو لم يكن – فإنه ينتقض به الوضوء – والمراد بالرطوبة الخارج، فما خرج من رطوبتها انتقض به وضوؤها. قال: (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر) السؤر: هو بقية الشيء، والمراد به: بقية الطعام أو الشراب. فسؤر الهرة وما كان دونها في الخلقة من الطير أو الدواب التي تدب على الأرض، فكل ما كان مثلها في الخلقة أو دونها فإنه طاهر، وسؤره طاهر.
فإذا شرب من الماء فإنه لا ينجس بذلك، ودليل ذلك: ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – في الهرة -: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) (1) فهذا يدل على أنها ليست بنجس ويقاس عليها كل ما ماثلها في الخلقة أو كان دونها – كذا في المذهب –. لكن هذا القياس فيه نظر، لأن الشارع لم يعلل ذلك بحجمها وإنما علله بكونها من الطوافين علينا فيشق التحرز من نجاستها لقوله: (إنها من الطوافين عليكم) فهذا يدل على أن العلة كونها من الطوافين فيشق التحرز من نجاستها. ومع ذلك فإن ما ذكروه صحيح ولكن ليس لهذا القياس بل للأصل، فإن الأصل في الأشياء الطهارة فالهرة وما دونها في الخلقة طاهر، االهرة فقد دل الحديث على ذلك، وأما ما قابلها في الخلقة أو كان دونها فليس للقياس عليها وإنما لدليل آخر وهو الأصل.
فإن أكلتْ شيئاً نجساً فإن ريقها يطهره إذا طال الفصل كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم وهو قول في مذهب أحمد وغيره: أنها متى أكلت شيئاً من النجاسات فإن الفصل إذا أطال بحيث يظن أو يعلم أن النجاسة قد ذهبت بريقها، فإن ريقها مطهر له. وهذا مقتضى الدليل فإن الهر يأكل النجاسات كما هو معلوم ومع ذلك حكم الشارع بطهارة سؤره فدل ذلك على أن ريقها مطهر لما تضع من (1) فمها من النجاسات. قال: (وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسة) " والبغل منه ": أي البغل من الحمار الأهلي، بخلاف البغل من الحمار الوحشي أي المتولد منه، لأن الحمار الوحشي طاهر لأنه يباح أكله فعلى ذلك بوله وروثه وغير ذلك – من الوحش – طاهر. فقيده هنا بالأهلي ليخرج الوحشي، لذا قال: (والبغل منه) أي من الحمار الأهلي. " سباع البهائم ": كالأسد والذئب ونحو ذلك. " والطير ": كالنسر والصقر أو غير ذلك. فهذه كلها نجسة هذا هو المذهب ودليل ذلك: ما ورد في مسند أحمد والثلاثة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سئل عن بئر بضاعة وما يرد إليه من السباع والدواب فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) (2)
والشاهد قوله: (وما يرد عليه من السباع والدواب) ولو كانت طاهرة لما سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول ذلك ولقال له: إن السباع طاهرة وليست بنجسة. وذهب الشافعية إلى أن هذه الأشياء طاهرة تمسكاً بالأصل، لأن الأصل في الأشياء هو الطهارة. ولما روى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة وما يرد إليها من السباع فقال: (لها ما شربت ببطونها ولنا ما غبر " أي بقى" طهور) (1) لكن الحديث ضعيف لا يحتج به. ومع ذلك: فإن الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني ذلك للأصل الذي تمسكوا به. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين للأمة مع كونهم يركبون البغل والحمار، لم يبين لهم أنها نجسة وأن عرقها الخارج منها نجس وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ورسوله ينهانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس) (1) متفق عليه فإنها نجسة ميتة، فلحمها نجس ولا شك أنها إذا ماتت فهي نجسة ولو كانت بذكاة لأن الذكاة لا تغير شيئاً فهي ميتة وأن ذكيت فلحمها نجس. وهذا لا يدل على أنها نجسة في حال الحياة، فكم من طاهر في الحياة وهو نجس في الموت، فالهرة ونحوها هي نجسة في الممات وهي طاهرة في الحياة. فإن قيل: فما الجواب عما استدلوا من قوله: (وما يرد إليه من السباع والدواب) ؟ فالجواب: أن هذا ليس صريحاً في أن النجاسة المسكوت عنها أن ذلك بسبب سؤرها، بل يكون ورودها مظنة بولها وروثها في هذه المياه، فلما كان ورودها مظنة ذلك سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فهي غالباً ما يقع شيء من نجاستها في هذه المياه عندما ترد إليها، فيكون هذا السؤال من هذا السائل كناية عن ذكر بولها وروثها وغير ذلك من نجاستها أي هي ترد عليه فلا يسلم أن يقع فيه شيء من بولها أو غيره وهي أشياء نجسة فهل ينجس الماء بذلك أم لا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) . وقد ذهب الموفق وبعض الحنابلة كصاحب الإنصاف إلى اختيار القول بطهارة البغل والحمار؛ للدليل المتقدم وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي. ومثله – على الراجح – بقية هذه الحيوانات. فإذن: كل الحيوانات طاهرة إلا الكلب والخنزير فإنها نجسة هذا على الراجح.
فعلى ذلك سباع البهائم والطير كل هذه طاهرة سواء كانت كالهرة فما دون أو كانت أعظم منها خلقة فكلها طاهرة. وقياس الحمار الأهلي على الهرة أولى من قياس ما دونه في الخلقة لكونه من الطوافين، فكونه يقاس أولى من أن يقاس ما دون الهرة في الخلقة لأن العلة منضبطة فيه وليست منضبطة فيما دون الهرة لكونها قد لا تكون من الطوافين علينا. إذن: الراجح: أن كل الحيوانات طاهرة إلا ما دل الدليل على نجاسته كالكلب والخنزير. وهذا هو مذهب الشافعية والمالكية. مسألة: حكم المذي والودي: أما المذي: فإنه نجس اتفاقاً لقوله صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه قال: (يغسل ذكره ويتوضأ) (1) . واعلم أن الواجب عند جمهور العلماء الغسل لا النضح وأن النضح لا يجزئ بل يجب أن يغسل ما أصاب ثوبه من المذي غسلاً لا نضحاً. وعن الإمام أحمد رواية اختارها شيخ الإسلام وهي جواز النضح وإجزاؤه. لما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضأ وانضح فرجك) (2) .
وبما ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي بإسناد صحيح من حديث سهل بن حنيف: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (فكيف بما أصاب الثوب منه) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح منه ما أصاب ثوبك منه) (1) . فهذا يدل على صحة ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه يجزئ النضح أي الرش وغمر الماء كما تقدم في نضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام. ويجب غسل الذكر والأنثين لما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يغسل ذكره وأنثييه) (2) وأما الودي: فقد أجمع أهل العلم على نجاسته. فعلى ذلك: يجب غسله لأن الأصل في النجاسات هو الغسل، فعلى ذلك يجب أن يغسل وليس في حكم المذي في جواز النضح بل يجب غسله لأن هذا هو الأصل في إزالة النجاسات وأن النضح لا يجزئ إلا ما دل الدليل عليه، وليس هناك دليل، فعلى ذلك يجب الغسل ولا يجزئ فيه النضح وهو ليس بمعنى المذي.
والحمد لله رب العالمين. الدرس الثالث والأربعون (يوم السبت: 1 / 2 / 1415 هـ) باب الحيض الحيض: أصله في لغة العرب: السيلان، ومنه حاض الوادي إذا سال. أما في الاصطلاح فهو: دم طبيعة وجبلة يرخيه رحم المرأة عند بلوغها في أوقات معتادة وهو دم أسود كأنه محترق كريه الرائحة. والحيض يترتب على معرفته أبواب كثيرة من أبواب العلم، من أبواب الطهارة والصلاة والصيام والحج والطلاق وغيرها من الأحكام التي ترتبت على معرفته، فكان من أهم الأبواب الفقهية. قال المؤلف رحمه الله: (لا حيض قبل تسع سنين، ولا بعد خمسين سنة) " قبل تسع سنين ": أي قبل تمامها والشروع في العاشرة فإذا لم يتم للمرأة تسع سنين فإن الدم الخارج منها وإن كان فيه علامات الحيض تماماً فلا يحكم بأنه حيض. فإذا خرج منها دم فإنه يعتبر دم فساد ولا يكون له حكم الحيض، فحينئذ لا يعطى هذا الدم حكم الحيض بل يكون دم فساد فلا يثبت به البلوغ، ولا يترتب على هذا الدم أي شيء من أحكام الحيض. وكذلك لا حيض بعد الخمسين، فإذا بلغت المرأة الخمسين أي تم لها خمسون سنة ثم أتاها دم كدم الحيض، فإن هذا الدم ليس بدم حيض. واستدلوا: على هذه المسألة بالواقع وعدم المعرفة، وأنه لا يعرف أن امرأة حاضت قبل تسع سنين ولا حاضت بعد خمسين سنة. لكن هذا الدليل ضعيف إذ عدم العلم ليس معناه العدم فكونك لا تعلم ولم يبلغك العلم بشيء من الأشياء لا يعني أن هذا الشيء معدوم. فكون هؤلاء الفقهاء لم يبلغهم أن امرأة حاضت قبل تمام التسع أو بعدم تمام الخمسين، لا يعني أن هذا لم يقع أو أنه لا يقع مطلقاً. والراجح: ما ذهب إليه شيخ الإسلام في هاتين المسألتين وهو مذهب المالكية والشافعية في المسألة الثانية، أما في المسألة الأولى فقد وافقوا الحنابلة.
فالراجح: أنه لا حد لأقل سن الحيض ولا لأكثره، بل متى ما رأت الحيض فهي حائض سواء كان ذلك قبل تمام التسع أو كان بعد تمام الخمسين؛ ذلك لأن هذا الدم دم حيض وهو أذى وقد توفرت فيه صفات الحيض الطبيعي فهو دم قد خرج من رحم المرأة وتوفرت فيه صفات دم الحيض فحينئذ يعطى حكم الحيض، لعدم الدليل الدال على أنه ليس بحيض. والأصل أنه ما دام قد خرج من رحم المرأة بصفاته المعتبرة فإنه – حينئذ – دم حيض وكوننا لا نطلق عليه دم حيض ولا نعطيه حكمه هذا يحتاج إلى دليل يدل على ذلك إذ الأصل أنه دم حيض ولا دليل يدل على [خلاف] ذلك. والواقع كون هذا يبلغه شيء وهذا لا يبلغه لا يعني أن يحتج من لم يبلغه هذا الشيء على من بلغه فإن القضية قضية وقوع وكونه لم يبلغ وقوعه من قال بهذه المسألة لا يعني أن الأمر ليس واقعاً حقيقة. إذن: الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام في المسألة الأولى وكذلك في المسألة الثانية، وهو مذهب المالكية والشافعية وأنه لا أقل لسن الحيض - كما أنه لا أكثر له، بل متى رأت الدم الذي توفر فيه شروط دم الحيض فإنه يجب عليها التكاليف الشرعية وحينئذ: يترتب على هذا الدم الخارج فيها أحكام الحيض تماماً. قال: (ولا مع حمل) فالحيض مع الحمل ليس بمعتبر. فلو أن امرأة رأت الدم وهي حامل فإن هذا الدم لا حكم له، وحينئذ يكون دم فساد، وحينئذ تكون طاهرة وتتوضأ وتصلي لأنه خارج من السبيل، فحينئذ يكون لها حكم المستحاضة، أن تحفظ هذا الدم وتتوضأ وتصلي. إذن: المذهب أن الحامل لا تحيض فإذا خرج منها دم وإن كان كدم الحيض تماماً فليس له حكم الحيض وإنما كحكم دم المستحاضة فحينئذ تتوضأ وتصلي ولا يترتب على هذا الدم شيء من أحكام الحيض مطلقاً وهو مذهب الأحناف.
- وذهب المالكية والشافعية: إلى أن الحامل تحيض، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو أن الحامل تحيض، فمتى ما وقع ذلك فإنه حيض تثبت له الأحكام الشرعية المترتبة على الحيض. قالوا: لأنه دم خرج من رحمها، وقد توفرت فيه شروط دم الحيض، فحينئذ هو حيض، وله أحكام الحيض وليس هناك دليل يدل على إخراجه عن هذا أي عن كونه حيضاً. والقول الأول أظهر وعليه الأدلة الشرعية، منها ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سبي أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض) (1) فهنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن وطء السبايا حتى تستبرأ، أي حتى يعلم براءة رحمها من الحمل. فلا توطأ من ثبت حملها وظهر حتى تضع حملها، ولا توطأ غير ذات حمل أي لم يظهر حملها أي يشك هل هي حامل أم لا – حتى تحيض – فحينئذ يستبرأ رحمها ويعلم بالحيض أنها ليست بحامل. قالوا: فهذا الدليل يدل على أن الشارع قد جعل الحيض علامة على عدم الحمل، فإذا ثبت أنه علامة على عدم الحمل فإن هذا يدل على أن الحامل لا تحيض. إذن: الشارع جعل استبراء غير ذوات الحمل بأن تحيض ليعلم أنها ليست بحامل. قالوا: ومثله ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في حقه وقد طلق امرأته وهي حائض: (ليطلقها طاهراً أو حاملاً) (2)
قالوا: فقد قال: (أو حاملاً) فدل على أن الحامل لا تحيض لأنها لو كانت تحيض لاستثنى النبي صلى الله عليه وسلم كونها غير حائض وهذا هو قول عائشة رضى الله عنها كما ثبت ذلك في سنن الدارمي بإسناد صحيح أنها قالت: (الحبلى لا تحيض فإذا رأت الدم فلتغتسل ولتصلي) (1) وهذا من باب الاحتياط. وهذا القول هو الراجح، فقد دلت الأدلة الشرعية على أن الحامل لا تحيض. إذن: هذا الدم الخارج وإن توفرت فيه صفات دم الحيض فإنه لا حكم له، وبه أفتت عائشة ولا يعلم لها مخالف. * واعلم أن محل الخلاف، كما قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن محل الخلاف: فيما إذا رأت الدم وهي حامل يعتاد عليها كما يعتاد عليها وهي ليست بحامل. بمعنى: يأتيها في الشهر الأول في وقته المعتاد ثم تطهر كما تطهر وهي غير حامل وهكذا في الشهر الثاني والثالث أما مجرد خروج الدم بها وإن كان قد توفرت فيه صفات دم الحيض وهو غير معتاد فإنه لا تعتد به ولا تلتفت إليه، وإنما تلتفت إليه إذا جاءها على هيئته المعتادة قبل حملها فهذا هو محل البحث. أما مجرد خروج الدم كأن يخرج منها وليس على وجهه المعتاد فهذا الدم لا يمنعها من الصلاة ونحوها ولا تلتفت إليه بل تحفظ فرجها بشيء وتتوضأ وتصلي لأن له حكم دم الفساد. وهكذا في كل دم قلنا أنه ليس بدم حيض فإن المرأة تحفظ فرجها بشيء وتحبسه وتتوضأ وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة. إذن: الراجح ما ذكره الحنابلة من أن الحامل لا تحيض.
كما أن هذا هو المعتاد عند النساء في معرفة الحمل وثبوته، كما قال الإمام أحمد: " إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم "، فانقطاع الدم دليل على ثبوت الحمل. قال: (وأقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً) هذه مسألة أخرى وهي: ما هي أقل أيام الحيض وأكثرها؟ هنا قال: إن أقلها يوم وليلة، فأقل الحيض أربعاً وعشرين ساعة. وأكثره خمسة عشر يوماً. ودليلهم على هذه المسألة هو دليلهم على المسألة السابقة وهو الوقوع – وأن أقل مدة علمت في الحيض هي يوم وليلة – وأكثر مدة علمت خمسة عشر يوماً. لكن هذا الدليل ضعيف. - لذا ذهب شيخ الإسلام: إلى أنه لا حد لأقله ولا لأكثره، فلو حاضت ساعة فهو حيض، ولو حاضت أكثر من خمسة عشر يوماً فهو حيض ما لم يكن استحاضة. وهذا هو الراجح كما تقدم، وهذا هو الأصل وأن الدم الذي يخرج من الرحم وهو دم حيض له أحكام الحيض إلا أن يدل على (1) دليل على تحديده ولا دليل على تحديد أقله ولا أكثره، فحينئذ: نبقى على إطلاق الشارع فقد أطلقه، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. فإذن: الراجح أنه لا تحديد لأقله ولا أكثره. قال: (وغالبه ست أو سبع)
فغالب الحيض ستة أيام أو سبعة، ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمنة بنت جحش: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وصلي أبعة وعشرين ليلة بأيامها أو ثلاثة وعشرين ليلة) (1)
والعدد يختلف بحسب تحيضها، فإذا تحيّضتْ 6 فإنها تصلي 24، وإن تحيضت 7 فإنها تصلي 23 " فإن ذلك يجزئك، وكذا فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وتطهرن في ميقات حيضهن وطهرهن) (1) . والشاهد قوله: " كما تحيض النساء …." وقد قال قبل ذلك " فتحيضي ستة أو سبعة أيام " قال: (وأقل الطهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً) فلو أن امرأة حاضت ثم طهرت عشرة أيام ثم حاضت ستة أيام، فإن الثلاثة الأيام الأولى لست بحيض، بل تتوضأ وتصلي، والثلاثة الأيام الأخيرة هي الحيض، ويكون الدم في الثلاثة الأولى دم فساد لا دم حيض. لأنه لابد أن يكون الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً. ودليل ذلك ما رواه البخاري معلقاً أن امرأة جاءت إلى علي بن أبي طالب فذكرت أنها قد خرجت من عدتها في شهر أي يعني حاضت ثلاث حيض في شهر، فقال علي لشريح: " قل فيها، فقال: إن جاءت ببطانة من أهلها يرضى دينه وأمانته فشهد لها بذلك وإلا فهي كاذبة " (2) قالوا: وأقل مدة للحيض هي يوم وليلة، فعلى ذلك هذه المرأة حاضت يوماً وليلة ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت يوماً وليلة فهذه خمسة عشر يوماً ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت ثم طهرت فهذه ثلاث حيض. ولما قال شريح ذلك قال له علي – وهذا موضع الشاهد -: (قالون) وقالون لغة رومية بمعنى جيد. وهذا مما يدل على أنه لا حرج بأن يتلفظ المتلفظ بالألفاظ الأعجمية أحياناً من غير أن يتخذها على سبيل الدوام أو على سبيل التقليد. لكن هذا الدليل ليس بظاهر على ما قالوه، فما المانع أن تكون حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت أربعة أيام ثم حاضت أربعة أيام ثم طهرت، فهذا الدليل ليس بظاهر على ما ذكروه. لذا الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام: أن المرأة متى أتاها الحيض بعد حيضها الأول فإنه يحكم به وإن كانت المدة أقل من ثلاثة عشر يوماً.
إذ لا دليل على هذه المدة المذكورة، فإذا حاضت ثم طهرت ثم أتاها الحيض بعد ذلك فهو حيض قصرت المدة أم طالت فإنها يحكم لها بالحيض لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. وهذا هو ظاهر الأدلة الشرعية من الإطلاق قال تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} (1) وهذا محيض فترتب عليه الأحكام الشرعية فهو حيض وله صفاته المعتبرة شرعاً فوجب حينئذ أن يحكم على المرأة بالحيض وأن يحكم عليه بأنه دم حيض يمنع المرأة مما يمنعها الأحكام. فإذن الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه ليس هناك حد للطهر بين الحيضتين لا قلة ولا كثرة. فيحتمل أن يكون بين الحيضتين الشهر والثلاثة لا مانع من ذلك، ويحتمل أن يكون بينهما ساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين لا مانع من ذلك. فعلى ذلك: تكرر الحيض على المرأة في الشهر مرتين أو ثلاث فلا مانع من ذلك ما دام أنه دم أرخاه الرحم طالت مدة الطهر أم قصرت. والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والأربعون (يوم الأحد: 2 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة ولا يصحان منها بل يحرمان) هذه المسألة مما أجمع عليه العلماء، وأن الحائض يحرم عليها الصلاة والصوم ولا يصحان منها، ولا تقضي الصلاة وإنما تقضي الصوم.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) (1) ، وثبت في الصحيحين من حديث معاذة أنها سألت عائشة فقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقال: " كنا نحيض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة " (2)
والعلة من ذلك: أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها والشريعة قد أتت برفع الحرج عن المكلفين، بخلاف الصوم فإنه لا يشق قضاؤه فإنما هو شهر من السنة فتفطر فيه ستة أو سبعة أيام أو نحوها ثم تقضي ولا مشقة عليها في ذلك. ولا يشرع لها أن تقضي الصلاة بل هو بدعة محدث، فقد تقدم حديث عائشة وقولها: (كنا نحيض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) وقول معاذة: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة) فدل على أن الذي كان عليه النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهن يقضين الصوم ولا يقضين الصلاة، وأن هذا هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (ويحرم وطؤها في الفرج) . لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} (1) والمحيض كالمبيت والمقيل أي محل الحيض وهو الفرج، فهو محرم أي وطؤها في الفرج وتجب فيه الكفارة. قال ابن عباس – كما رواه ابن جرير -: " فاعتزلوا نكاح فروجهن " (2) . فقوله تعالى {فاعتزلوا النساء في المحيض} أي في الفرج لأن المحيض في اللغة هو محل الحيض، وقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (3) فاستثنى الفرج فدل على تحريمه. قال: (فإن فعل فعليه دينار أو نصفه كفارةً)
هذه كفارة وطء الحائض، فكما أنه يأثم في لو (1) وطئها، فإن عليه الكفارة، والكفارة هي دينار أو نصف دينار، لما ثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن يأتي امرأته وهي حائض: (ليصدق بدينار أو نصفه) (2)
فقوله " ليتصدق " خبر بمعنى الأمر، أي تصدق بدينار أو نصفه. وظاهر المذهب أنه على التخيير وهي أشهر الروايتين عن الإمام أحمد، وأنه سواء وطئها أول الحيض أو في آخره أو بعد انقطاع الدم ما لم تغتسل فعليه أن يتصدق بدينار أو نصفه على التخيير. وذهب قتادة من التابعين: إلى أنه إن وطئها أثناء حيضها فإنه يتصدق بدينار، وإن وطئها بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال فعليه نصف دينار. وهذا هو مذهب ابن عباس راوي الحديث المتقدم فقد قال ابن عباس – كما في سنن أبي داود بإسناد صحيح: (إذا جامعها في أول الدم فدينار وإذا جامعها بعد انقطاع الدم فنصف دينار) (1) . إذن: مذهب ابن عباس هو الأظهر كما تقدم؛ فإنه هو راوي الحديث ثم إن التخيير في مثل هذا الموضع فيه نظر، فكونه يخير بينهما إنما محل هذا لو قلنا باستحباب هذه الكفارة، وإلا فالأصل في الكفارات أن تكون معينة أو منوعة أنواعاً مختلفة. أما أن تخير بين إطعام عشرة مساكين أو خمسة فإنه لا أصل له في الشريعة. فالأظهر أن يقال: إنه إن جامعها في أول الدم فإنه يتصدق بدينار، وإن جامعها بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال فإنه يتصدق بنصف دينار. وعن الإمام أحمد – وقد يقال إن هذا مذهب ابن عباس وقتادة –: أنه إذا جامعها في أول الدم وعند فورانه فإنه يتصدق بدينار. وأما إذا جامعها عند تقطعه قبل انقطاعه فعليه نصف دينار – وهي رواية عن الإمام أحمد –.
ولفظة ابن عباس تحتمل ذلك فقد قال: (انقطاعه) أي عند تقطعه، بدليل قوله: (عند أول الدم) وهي رواية عن الإمام أحمد كما تقدم، وهذا فيما يظهر هو الأولى فيقال: إنه إذا جامعها في أول الدم فعليه دينار وأما إذا جامعها في آخر حيضها عند تقطع الدم وخفته فيتصدق بنصف دينار. قال: (ويستمتع منها بما دونه) أي بما دون الفرج لما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (1) وثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض) (2) . وثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً) (3) فهذا يدل – وهو مذهب الحنابلة – على أنه له أن يباشرها فيما سوى النكاح فيباشرها مباشرة كاملة سوى الجماع. - وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنه لا يجوز أن يباشرها فيما بين السرة والركبة. واستدلوا: بحديث عائشة: (أن أتزر) قالوا: والظاهر أن الإزار يغطي الفخذين. والجواب على هذا أن يقال: إن هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على تحريم إتيانها دون فرجها، بدليل قوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) لما ثبت في سنن أبي داود أنه كان يلقي على فرج الحائض ثوباً …، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد يدع الشيء كراهية له واستقذاراً مع كونه مباحا كما ترك أكل الضب.
فالراجح: مذهب الحنابلة وأنه يجوز أن يباشرها في كل موضع إلا أنه يحرم عليه الجماع أي إتيانها من فرجها، وهذا هو ظاهر الآية الكريمة، في قوله تعالى {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} (1) أي اعتزلوهن في محل الحرث وهو فرجها، لذا تقدم قول ابن عباس: (اعتزلوا نكاح فروجهن) (2) . قال: (وإذا انقطع الدم ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق) إذا انقطع الدم عن المرأة فقد طهرت من الحيض لكنها لم تغتسل. والغسل واجب على الحائض، لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – للمستحاضة -: (دعي الصلاة قدر أيام حيضك ثم اغتسلي وصلي) (3) فالغسل من الحيض واجب باتفاق العلماء كالغسل من الجنابة. لكن قبل اغتسالها وبعد انقطاع الدم عنها ما الذي يجوز لها؟ قال هنا: لم يبح غير الصيام والطلاق.
فلا يحل سوى الصوم والطلاق، أما الصوم؛ فلأن المرأة إذا انقطع دمها فقد طهرت من حيضها وأصبحت كالجنب، والجنب يصح صومه فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: (كان يصبح صائماً وهو جنب) (1) فالمرأة إذا انقطع دمها قبيل آذان الفجر فيجوز لها أن تنوي وتصوم، ثم تغتسل بعد آذان الفجر، لأنه لا يشترط في الصوم الطهارة من الجنابة، فكذلك الطهارة من الحيض وقد انقطع دمها. ومثل الصيام الطلاق، فإنه إنما حرم – أي حرم طلاق المرأة وهي حائض؛ لأن في ذلك زيادة وتطويلاً في عدتها، فإذا طلقت وهي حائض انتظرت حتى تطهر ثم استأنفت ثلاث حيض فيكون في ذلك زيادة في عدتها. أما وقد طهرت من الدم وما بقى إلا فعلها وهو أن تغتسل فإنه لا يكون فيه هذا المعنى، فحينئذ يجوز طلاق المرأة إذا طهرت من الحيض وإن لم تغتسل كما يجوز صومها. ولا يستثنى إلا هذين، فعلى ذلك: الصلاة لا يصح فيها ذلك؛ لأنها في معنى الجنب، فكما أن الجنب لا يصح صلاته فكذلك هي. ولكن الصلاة متعلق بذمتها لأنها يمكنها فعل ما تتمكن به من الصلاة، فإنها قد طهرت من دم الحيض وما بقى عليها إلا أن تغتسل وتصلي وهذا بإمكانها فهو فعلها المختص بها، بخلاف الطهارة من الحيض فإن هذا ليس فعلاً لها ولا من صنعها.
وكذلك مما لم يستثن فيبقى على التحريم: الجماع، فالمرأة إذا طهرت من الحيض ولم تغتسل فيحرم جماعها. وهذا هو مذهب الحنابلة ومذهب عامة العلماء: وأن المرأة لا يجوز وطؤها في فرجها إلا إذا تطهرت أي اغتسلت. وذهب طائفة من العلماء من التابعين كعطاء والأوزاعي وهو مذهب الظاهرية: إلى أنه يجوز وطؤها إذا طهرت فرجها من الدم بالماء. والخلاف في هذه المسألة يبنى على الخلاف في تفسير الآية المتقدمة – قال تعالى {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} (1) أي حتى ينقطع الدم ولم يكتف الله عز وجل بذلك بل قال {فإذا تطهرن} وهذا من فعلهن أي التطهر وتكلف الطهارة فعل لهن ويحصل بها، بخلاف الطهارة المتقدمة فإنها ليس من صنع المرأة. فقوله {حتى يطهرن} أي ينقطع الدم وهذا باتفاق العلماء. لكن بعد انقطاعه قبل الغسل فقد قال: {فإذا تطهرن} فهنا وقع الخلاف في تفسيرها. - قال الجمهور: أي اغتسلن، وهو قول مجاهد وهو قول عامة أهل العلم. واستدلوا: بقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} (2) فكما أن الطهارة هي الاغتسال هناك، فكذلك هنا، فإن الطهارة هنا مسبوقة بالحيض، وهناك مسبوقة بالجنابة. - وذهب بعض العلماء: إلى تفسيرها {فإذا تطهرن} فسروها بغسل الفرج.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين: أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل فقال: (خذي فِِرْصة " أي قطعة من صوف أي خرقة " من مسك فتطهري بها، فقالت: كيف أتطهر؟ فقال: (تطهري) فقالت: كيف؟ فقال: (سبحان الله تطهري) فقالت عائشة: فاجتذبتها إلى وقلت: تتبعي أثر الدم) (1) فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قال " تطهري " وفسرته عائشة رضي الله عنها، وهذا بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم بتتبع أثر الدم. وهذا القول في الحقيقة فيه قوة، وهو أن التطهر هو مجرد غسل فرجها، وكذلك من الأدلة عليه القياس على الجنب، فإن جماع الجنب يجوز اتفاقاً، والمرأة التي قد طهرت من دم الحيض وبقي غسلها في حكم الجنب. والحمد لله رب العلمين. الدرس الخامس والأربعون (3 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي) المبتدأة هي: المرأة ترى الدم في زمان يمكن أن يكون هذا الدم حيضاً ولم تكن حاضت قبل ذلك. وقد تقدم ذكر الخلاف في زمنه، وعلى المذهب أن تراه بعد شروعها بالسنة العاشرة، فما حكم هذه المبتدأة؟ قال: (تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي) تجلس أقل الحيض وهو يوم وليلة ثم تغتسل وتصلي وإن رأت الدم. فمثلاً: امرأة حاضت عشرة أيام، وهذا هو أول دم رأته. فالحكم: أنها تدع الصلاة يوماً وليلة وكذلك تدع كل ما يدعه الحائض فتعطى في هذا اليوم والليلة حكم الحائض تماماً ثم تغتسل. قالوا: لأن المتيقن في الحيض أن يكون يوماً وليلة، فهذا هو التيقن وهنا يحتمل أن يكون الدم ليس بدم حيض، وإنما دم استحاضة، فلما كان بذلك أمرناها أن تجلس يوم وليلة.
ونحن متى حكمنا بأن تجلس الأيام كلها فإنه يترتب على ذلك براءة ذمتها مما يجب عليها من صلاة ونحوها، فلما كان كذلك أمرناها بجلوس يوم وليلة ثم بعد ذلك تغتسل وتصلي. قال: (فإن انقطع لأكثره فما دونه اغتسلت عند انقطاعه) إذا انقطع هذا الدم لأكثر الحيض وهو15 يوماً – عندهم – أو قبله، فإنها تغتسل عند انقطاعه اغتسالاً آخر، لأنه يحتمل أن يكون حيضاً، فلما كان كذلك كان من الاحتياط أن تغتسل لاحتمال أن يكون حيضاً. قال: (فإن تكرر ثلاثاً فحيض) إن تكررت المدة التي بلغتها المبتدأة في الشهر الأول والثاني والثالث، فهذه هي مدة الحيض. بمعنى: حاضت في الشهر الأول 10 أيام وفي الثاني والثالث كذلك فتكون عادتها عشرة أيام. فإن لم تكن الأيام متساوية بأن كان أحد الأشهر خمسة والآخر أربعة والثالث ثلاثة، فيحكم بالأقل لأنه قد تكرر، فإن الأربعة متضمنة لتكرار الثلاثة، وكذلك الخمسة فإنها متضمنة للثلاثة. فإذا كانت المدة متساوية في الشهر الأول والثاني والثالث فإننا نحكم بها في الشهر الرابع؛ لأننا قد تيقنا أن هذه عادتها. مثال: إن كانت المدة في الشهر الأول 8 وفي الثاني 8 وفي الثالث 6، فإننا نحكم بستة، فإن كان في الشهر الرابع 8، فإننا نحكم بالعدد ثمانية، فنحكم بما تكرر؛ لأنه إعادة للعادة. هذا هو المذهب. والصحيح خلاف ذلك، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام وهو: أن كل الدم الذي يخرج من رحم المرأة أنه دم حيض، فهذا هو الأصل، فالأصل أن ما يخرج من رحمها حيض. فإذا ابتدأت المرأة فإنها تجلس الأيام كلها التي خرج فيها الدم منها. بمعنى: ابتدأت بعشرة أيام فإنها تجلس هذه العشرة كلها؛ لأن هذا دم خرج من رحمها، والأصل في الدم الخارج من الرحم أن يكون حيضاً؛ لأن الأصل هو ذاك، وليس الأصل أن يكون استحاضة، بدليل أن الاستحاضة دم مرض، بخلاف الحيض فإنه دم طبيعة وجبلة، والمرض طارئ ليس بأصل.
فالراجح: أنها لا تمكث يوم وليلة بل تمكث بقدر خروج الدم منها، وهذا هو الذي عليه عمل النساء. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر من ابتدأت في عصره بأن تجلس يوم وليلة عن الصلاة ونحوها، بل أطلق، وكذلك أطلق القرآن، وظاهر إطلاق القرآن وإطلاق السنة ظاهر ذلك أنها تمكث مدة خروج الدم. ثم إن هذا التحديد بيوم وليلة يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأن أقل الحيض يوم وليلة، وقد ذكر شيخ الإسلام: أن المحدثين قد اتفقوا على أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديد في ذلك. فالراجح: أنها لا تمكث يوماً وليلة بل تمكث قدر أيام خروج الدم منها كلها، ولا تكتفي بالمكث يوماً وليلة. ثم إن هذا التكرار لا دليل عليه، فإن الحكم معلق وجوداً وعدماً بخروج الدم. إذن هذه المسألة مرجوحة، والراجح فيها ما ذهب إليه شيخ الإسلام. أما مذهب جمهور أهل العلم فإنهم ذهبوا إلى قريب من قول شيخ الإسلام، فإنهم قالوا: تمكث أكثر الحيض. لكن تقدم أن الراجح أنه لأحد لأكثر الحيض ولا لأقله. قال: (وتقضي ما وجب فيه) وهذا مما يدل على ضعف هذا القول، أنهم يوجبون عليها قضاء ما فعلته في حال حيضها. فمثلاً: امرأة ابتدأت بعشرة أيام، فعلى المذهب يجب أن تمكث يوماً وليلة ثم تغتسل وتصلي وتصوم، فإذا ثبت لها بعد ثلاثة أشهر أن حيضها عشرة أيام، فيجب عليها أن تقضي صوم هذه الأيام التي صامتها، بخلاف الصلاة فإنها لا يجب قضاؤها. وهذا مما يضعف هذا القول، فإنه لا يؤمر بأن يفعل الشيء مرتين، كما نهي أن تصلي الصلاة مرتين وكذلك غيرها. فالراجح مذهب شيخ الإسلام كما تقدم. قال: (وإن عبر أكثره فمستحاضة) يعني: امرأة ابتدأت بعشرين يوماً مثلاً، فإنها قد تجاوزت أكثر الحيض على المذهب؛ لأن أكثره 15 يوماً، فإذا جاوز أكثر الحيض فيثبت أنها مستحاضة. والراجح أنها لا تحديد لأكثره، لكن هذا على تقرير المذهب.
ونحتاج أن نميز دم الحيض عن دم الاستحاضة، لأن الدم الخارج من المستحاضة منه ما هو حيض ومنه ما هو مستحاضة. والاستحاضة هي: سيلان الدم من أدنى الرحم من عرق يقال له " العازل " فهو دم عرق لا دم حيض، بمعنى عرق ينفجر على المرأة في أدنى رحمها. وهو دم أحمر يخالف لونه لون دم الحيض، فإن دم الحيض أسود وهو كذلك دم رقيق بخلاف دم الحيض فإنه ثخين. وهو دم رائحته طبيعية أي كرائحة سائر الدم، بخلاف دم الحيض فإنه دم كريه الرائحة. وهو دم يمكن أن يتجمد على الجسد بخلاف دم الحيض فإنه لا يتجمد كتجمده قبل ذلك في رحمها. هذه من مميزات دم الحيض عن دم الاستحاضة فهو دم أحمر رقيق ليست رائحته بكريهة ويمكن تجمده. قال: (وإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود ولم يعبر أكثره لم ينقص عن أقله فهو حيضها) هذا نوع من أنواع التميز، فدم الاستحاضة دم أحمر، ودم الحيض دم أسود. فهنا الدم قد تجاوز بمجموعه 15 يوماً، لكن بعضه أحمر وبعضه أسود. والأسود لم يتجاوز خمسة عشر يوماً ولم يقل عن يوم وليلة - وهذا على القول المرجوح -. فعليها أن تجلس أيام خروج هذا الدم الأسود، وقعت (1) - تجلس - في هذا الباب أن تدع الصلاة ونحوها مما تمنع عنه الحائض، فإذا انقطع الدم الأسود، وبدأ الدم الأحمر فإنها تغتسل وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة. ودليل على هذه المسألة حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني امرأة استحاض فلا أطهر أفادع الصلاة فقال: (لا إنما ذلك عرق وليس بالحيض فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) (2) . وقد دلت الأدلة الشرعية على وجوب الوضوء عليها لكل صلاة.
وقد ثبت هذا الحديث في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح – وفي بعض روايات هذا الحديث -: (إذا كان الحيض فإنه أسود يعرِف) أي له رائحة كريهة، وضبطت " العرَف " بفتح الراء، أي تعرفه النساء (فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئ وصلي) (1) إذن هذا في حكم المبتدأة المميزة التي يمكنها أن تميز الدم هل هو دم حيض أم دم استحاضة. فإن كانت هذه المبتدأة تميز الدمين بعضهما عن الآخر فإنها تجلس أيام الحيض. ومتى انقطع الدم الأسود فإنها تغتسل وتصلي وتتوضأ لكل صلاة مع خروج هذا الدم. وكذلك إذا عرفت دم الحيض من دم الاستحاضة بأي علامة أخرى، كالثخانة أو الرائحة الكريهة أو غيرها من المميزات. قال: (وإن لم يكن دمها متميزاً جلست غالب الحيض من كل شهر) يعني: امرأة ثبت أنها مستحاضة وليس عندها تميز للدم أو الدم الذي يخرج منها دم مخلط في هذه الفترة لا يمكن تميز الحيض عن الاستحاضة. فالحكم أنها تجلس غالب الحيض، وقد تقدم أن غالبه ست أو سبع، كما تقدم في حديث حمنة بنت جحش: (تحيض ستة أيام أو سبعة أيام – إلى أن قال: (كما تحيض النساء ويطهرن في ميقات حيضهن وطهرهن) (2)
فإن قيل: هل هذا على التخيير والتشهي أم إلى الاجتهاد؟ فالجواب: إنه ليس على التخيير والتشهي، وإنما ذلك راجع إلى الاجتهاد، فتجتهد وتختار ستة أو سبعة أيام بناء على التحري والنظر، فتنظر إلى ما يظن أن يكون عادتها ستة أو سبعة، فتنظر إلى عادة نسائها أمها وأخواتها ونحو ذلك فتحكم على نفسها. فحينئذ: تمكث ستة أيام أو سبعة على الاجتهاد ثم تغتسل وتصلي. فإن قيل: متى يكون تحيضها في أول الشهر أم آخره؟ فالجواب: أنه يكون في أول الشهر كما ورد في الحديث المتقدم وفيه: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام وصلي أربعة وعشرين يوماً أو ثلاثاً وعشرين يوماً) فتحيض في أوله. وحينئذ: ينظر إن كانت تعرف أول يوم خرج الدم فيه فإنه تبدأ منه. فإذا لم تعرف ذلك فإنها تبدأ من أول الشهر الهلالي. إذن: المبتدأة: إما أن تكون مميزة أو لا. فإن كانت مميزة فإنها تجلس متى تعرف أنه دم حيض، وتغتسل وتصلي فيما تعرف أنه دم استحاضة وتتوضأ لكل صلاة. أما إذا كان دمها لا يتميز أو هي ليست بمميزة فإنها تمكث ستة أيام أو سبعة أيام من بداية نزول الدم معها من كل شهر، فإن لم تذكر ذلك فإنها تبدأه من أول الشهر الهلالي، لأن الاستحاضة تمكث في المرأة الشهر كله أو غالبه فلا تنقطع عنها إلا زمناً يسيراً اليوم واليومين. والحمد لله رب العالمين الدرس السادس والأربعون (يوم الثلاثاء: 4 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (والمستحاضة المعتادة ولو مميزة تجلس عادتها) المستحاضة هي: التي أصيبت بالاستحاضة وهي - كما تقدم -: سيلان الدم من أدنى الرحم من عرق يقال له: العاذل ويكون ذلك في الشهر كله أو غالبه. فقد تقدم الحكم في المستحاضة المبتدأة التي لم يسبق لها عادة، والعادة هي خروج دم الحيض، وسميت عادة لكونها تعود في كل شهر.
وهنا المستحاضة المعتادة وهي التي أصيبت بالاستحاضة لكنها مسبوقة – أي الاستحاضة – بعادة، فكانت تحيض مثلاً ستة أيام أو سبعة أيام في كل شهر ثم بعد ذلك أصيبت بالاستحاضة – وهذه أنواع: منها: أن تكون غير مميزة أي لا تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة. أن تكون مميزة – تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة –. فالمستحاضة المعتادة سواء كانت مميزة أو غير مميزة حكمها قال: (والمستحاضة المعتادة ولو مميزة) لكي يدخل النوعان (تجلس عادتها) . فإنها تجلس عادتها فإذا كانت عادتها السابقة 10 أيام فإنها تجلس عشرة أيام وهكذا. أما إذا كانت غير مميزة فهذا لا إشكال فيه. لكن الإشكال في المميزة، فيقال: كيف تجلس عشرة أيام، وقد تكون هذه العشرة أيام توافق الدم الأحمر، لأنها عندما تستحاض المرأة قد يضطرب حيضها فيكون في أول الشهر – مثلاً – بعد أن كان في آخره، ويكون – مثلاً – ستة بعد أن كان سبعة أو بالعكس ونحو ذلك مما يحدث من الاضطراب بسبب الاستحاضة. فلماذا لا يقال: إنها ترجع إلى التمييز؟ وقد قال المصنف: (ولو) إشارة إلى خلاف. قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال - في حديث حمنة بنت جحش (1) -: (دعي الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي) (2) ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم منها هل هي مميزة أو غير مميزة مع أنه احتمال كبير أن تكون مميزة. والقاعدة: أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
أي يكون الحكم شاملاً للنوعين كليهما. فهنا يحتمل أن تكون مميزة، ويحتمل ألا تكون مميزة، فلما لم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم دل على دخول هذين النوعين كليهما في العموم، فدل على أن المرأة التي سبق لها حيض أنها تجلس عادتها وإن كانت مميزة. فعلى ذلك: لنفرض أنها كانت تحيض عشرة أيام من أول كل شهر هلالي، ثم استحيضت فإنها تمكثها من كل شهر ولو كان الدم معها متميزاً على أنه دم استحاضة بلونه أو رائحته أو نحو ذلك. قالوا: والعلة من ذلك أنه أضبط، لأن دم الحيض قد لا يكون منضبطاً، فتارة يكون في أول الشهر وتارة في وسطه وتارة في آخره، وتارة يكون ستة أيام وتارة سبعة، فيلحق المرأة المشقة في متابعة التمييز، فإنه لا يكون ثابتاً فأحياناً يكون على حالة وأحياناً يكون على حالة أخرى، ولها عادة سابقة فحينئذ ترجع إليها، والمشقة تجلب التيسير. قال: (وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح) إذن: هي مستحاضة معتادة لكنها نسيت عادتها. فحينئذ: تعمل بالتمييز الصالح، والمراد به - أي الصالح لأن يكون حيضاً – ألا يكون أقل من يوم وليلة ولا أكثر من خمسة عشر يوماً – وهذا على المذهب -، والراجح عدم تحديده بأقل ولا أكثر. فإذن: إذا نسيت عادتها عملت بالتمييز الصالح، فمثلاً رأت أن الدم أحمر في الشهر كله سوى يومين فإنه أسود فحينئذ: تجلس هذين اليومين، لأنهما أكثر من أقل الحيض وهما يوم وليلة. وإذا كان الدم الأسود خمسة عشر يوماً فإنها تجلسها لأنه تمييز صالح. أما إذا لم يكن كذلك: كأن يكون – أي الدم الأسود – ساعات يسيرة أو بعض يوم أو أكثر من خمسة عشر يوماً فإن له حكماً آخر سيأتي، فلا ينطبق عليه هذا الحكم. إذن: إنما ينطبق عليه هذا الحكم بشرطين: الأول: أن يكون لها تمييز. الثاني: أن يكون التمييز صالحاً.
وإلا فإنه ليس بتمييز صالح أن يحكم به عليه بأنه دم حيض، وهذا كله على تقرير المذهب، وإلا فالراجح خلاف ذلك. وعلى الراجح: فإنها تمكث مدة خروج الدم الذي ميزته ورأت أنه دم حيض سواء كان أقل من يوم وليلة أو أكثر من 15 يوم. ودليل التمييز: حديث فاطمة بنت أبي حبيش – الذي رواه أحمد وأبو داود والنسائي وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يُعرف فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما ذلك عرق) (1) فهذا الحديث يدل على الإرجاع إلى التمييز، ومحل هذا حيث كانت ناسية. وقد ذكر الإمام أحمد: أنها – أي فاطمة – كانت كبيرة فيحتمل عليها النسيان، وعلى أنها كانت لها عادة فنسيتها جميعاً بين الأحاديث. قال: (فإن لم يكن لها تمييز فغالب الحيض) يعني: امرأة مستحاضة كانت لها عادة سابقة فنسيتها ولا يمكنها أن تميز، فإنها تجلس غالب الحيض وهو 6 أو 7 أيام، كما تقدم في حديث حمنة بنت جحش وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله – إلى أن قال – كما تحيض النساء ويطهرن في ميقات حيضهن وطهرهن) (2) فهذا الحديث يدل على أن غالب مدة الحيض ستة أيام أو سبعة، وهذه المرأة ليس لها عادة يمكن أن ترجع إليها، وليس لها تمييز. فحينئذ: ترجع إلى غالب عادة النساء وقد تقدم أن هذا التخيير ليس على التشهي وإنما على الاجتهاد، فتجتهد وتبني حكمها بالنظر إلى نسائها وقريباتها، فالمقصود أنها تتحرى وتجتهد وتقرر ستة أيام أو سبعة. قال: (كالعالمة بموضعه الناسية لعدده) كذلك من كانت عالمة بموضعه ناسية لعدده، أي تعلم أن حيضها في أول الشهر لكنها لا تعلم عدده، فهي نسيت العادة لكن ليس نسياناً مجملاً وإنما تذكر موضعه لكن نسيت عدده.
فحكمها: أنه يكون تحيضها في نفس الموضع الذي تذكره، ولكن العدد ستة أو سبع أيام على الاجتهاد. قال: (وإن علمت عدده ونسيت موضعه من الشهر ولو في نصفه جلست من أوله كمن لا عادة لها ولا تمييز) هذه عكس المسألة السابقة. فهي تعلم العدد، ولنفرض أنه عشرة أيام لكنها نسيت موضعه فلا تدري في أول الشهر أو في أوسطه أو في آخره. فحينئذ: يجب إرجاعها إلى العادة السابقة كما تقدم، ولكن الإشكال أنها نسيت موضعه من الشهر. (ولو في نصفه) : يعني لو قالت: أنا أذكر إني أحيض في نصف الشهر لكن لا أدري أي يوم بالتحديد، أو قالت: في آخر الشهر لكن لا أدري أي يوم بالتحديد فإنها حينئذ: يكون لها نفس الحكم، لذا قال: (جلست من أوله) إذن: تجلس في أول كل شهر هلالي. إذن: امرأة تذكر العدد لكنها نسيت الموضع، سواء نسيته تماماً، أو كانت تذكر أنه في وسط الشهر من غير تحديد فإنها تجلس من أول الشهر الهلالي. وقوله: (ولو في نصفه) : يشير إلى خلاف عند الحنابلة، فقد ذهب بعض الحنابلة: إلى أنها تتحرى فإذا كانت مثلاً: تذكر أنه في وسط الشهر لكن من غير تحديد، فإنها تتحرى ويكون إلى أقرب وقت كانت تحيض فيه. فحينئذ: يكون حيضها من أول نصف أوسط الشهر، فحينئذ: تبدأ من اليوم الحادي عشر، وإذا كانت في آخره فيقال: تبدأ من الحادي والعشرين وهكذا، وهذا القول هو الأرجح؛ لأن هذا التحديد أقرب من الرجوع إلى أول الشهر. إذن: الراجح أنها تتحرى الموضع فيقع فيه حيضها كما تقدم. فإذا قالت: في أول الشهر لكن لا أدري بالتحديد فيقال لها: ليكن حيضك من أول الشهر، وهكذا أوسط الشهر وآخره. قوله: (كمن لا عادة لها ولا تمييز) وهي المبتدأة، فقد تقدم أنها – إن كانت لا تذكر بداية خروج الدم منها فإنها تبدأ من أول الشهر الهلالي -. وهذا القول هو الراجح إلا إذا أمكنها التحري فيجب العمل به لكونه أقرب إلى عادتها.
والحمد لله رب العالمين الدرس السابع والأربعون (يوم الأربعاء: 5 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ومن زادت عادتها أو تقدمت أو تأخرت فما تكرر ثلاثاً فهو حيض) " من زادت عادتها ": كأن تكون عادتها في الأصل خمسة أيام، فزادت إلى ستة أيام أو سبعة أو أكثر. " أو تأخرت ": كأن تكون تأتيها في أول الشهر فأتتها في آخره. " أو تقدمت ": كأن تكون تأتيها في آخر الشهر فأتتها في أوله. فما الحكم؟ قال هنا: (فما تكرر ثلاثاً فهو حيض) فإذن هذه المسائل كلها لا يحكم عليها بأنها حيض حتى يتكرر ثلاثاً. فمثلاً في المسألة الأولى: إذا كان حيضها خمسة أيام فزاد إلى سبعة أيام، ففي الشهر الأول الذي رأت فيه حيضها سبعة أيام، لا تمكث إلا خمسة أيام ثم تغتسل وتصلي وتتوضأ لكل صلاة، وفي الشهر الثاني كذلك، وفي الشهر الثالث كذلك، فإذا جاء الشهر الرابع والعادة سبعة أيام فحينئذ: تمكث هذه السبعة أيام كلها وتقضي ما وجب عليها في هذه الأيام التي قامت فيها بواجبات لا تصح من الحائض، فإذا صامت في اليومين الزائدين فإنها تقضيهما لأنهما من أيام الحيض، كما تقدم في المسألة السابقة. وقد تقدم النظر في تلك المسألة، فكذلك هذه المسألة. فالراجح فيها – ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية واختارها بعض الحنابلة، واختارها شيخ الإسلام – الراجح أن ذلك كله حيض، وأن هذه الزيادة يكون لها حكم الحيض مطلقاً من غير اشتراط تكرار. وهذا القول تدل عليه عمومات النصوص الشرعية، كقوله تعالى {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} (1) فأطلق الله عز وجل، فمتى رأت المرأة دم الحيض سواء في وقت عادتها الأصلي أو زائداً عليها، أو متقدماً أو متأخراً فإنها يجب عليها أن تمكثه وتجلسه، لأنه دم حيض، كما قال تعالى: {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} قال: (وما نقص عن العادة طهر)
هذه الصورة الرابعة، لأن الصور المتصورة أربع: إما تقدم أو تأخر، وإما زيادة أو نقص، فتقدمت صور ثلاث وهنا صورة النقص، فما نقص عن العادة فهو طهر. فمثلاً: امرأة عادتها سبعة أيام فنقص إلى خمسة أيام، فطهرت بعد خمسة أيام، فهل تمكث هذين اليومين أم لا؟ الجواب: لا، لأنها قد رأت علامة الطهر، وقد قال تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} وهذه قد طهرت. فإذن: إذا مضت عليها خمسة أيام من عادتها ثم طهرت فإنها تغتسل وتكون في حكم الطاهرات. قال: (وما عاد فيها جلسته) يعني: امرأة عادتها عشرة أيام، فمرت خمسة أيام فرأت الطهر فإنها – كما تقدم تغتسل وتصلي، فانقطع عنها يومين أو ثلاثة ثم عاد إليها في وقت عادتها الأصلي، فالحكم قال (جلسته) ، فتجلس هذه الأيام. وهذا مشكل على مذهبهم؛ لأنهم يرون أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، وهذه أقل من ثلاثة عشر. لكنهم يقولون: إنهما في حكم الحيضة الواحدة، وهي ما يسمى بمسألة " التلفيق " وهي – على هذا المذهب – أن تكون الأيام المشتملة على الحيض والطهر مجموعها لا تزيد على أكثر الحيض، فإذا كان مجموعهما عشرة أيام أو خمسة عشر فنعم، أما ستة عشر يوماً فأكثر فلا. فحينئذ: تكون هذان الحيضان وما بينهما من الطهر في حكم الحيضة الواحدة، وهذه مسألة التلفيق ما لم يتعد أكثر الحيض. إذن: ما عاد منه جلسته، وهذا القول راجح واضح، إلا ما سيأتي من البحث في مسألة النقاء في الحيض. لكن على – القول الراجح في حد الطهر – وهو أنه ليس له حد مقدر، بل قد يكون ما بين الحيضين يوم وليلة أو يومان أو أكثر أو أقل. قال: (والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض)
لما روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن أم عطية قالت: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً) (1) وأصله في البخاري (2) : بدون قوله: (بعد الطهر) . والصفرة هي: كالصديد يعلوه صفرة. وأما الكدرة فهي شبيهة بالماء العكر الوسخ. فالصفرة والكدرة إن كانتا في أثناء الحيض أو أثناء مدة الحيض فإنهما من الحيض. وأما إن كانتا بعد الطهر من الحيض فإنهما ليسا بشيء. فالصفرة والكدرة إذا استقلتا عن الحيض فلا حكم لهما؛ لأنهما ليسا بدم، بل يثبتان تبعاً، وأما إذا كانتا أثناء الحيض فإنهما يكونان بحكمه. قال: (ومن رأت يوماً دماً ويوماً نقاءً فالدم حيض والنقاء طهر ما لم يعبر لأكثره) . وقوله: " يوماً " ليس للتحديد وإنما للتمثيل، وإلا فقد يكون أقل من يوم أو أكثر منه وإلا فالضابط فيه أن يكون هذا الوقت يتسع لعبادة من العبادات الشرعية. فمثلاً: امرأة عادتها سبعة أيام فأصبحت ترى يوماً دماً ويوماً نقاء، فالدم حيض، والنقاء طهر. ففي هذا المثال: الدم في أثناء هذه المدة يخرج منها إلا أنه يتوقف عنها في بعض الأيام بحيث يمكنها في وقت الانقطاع أن تعبد الله بعبادة من العبادات الواجبة، فيمكنها أن تغتسل وتصلي. فمثلاً: انقطع عنها الدم فنأمرها بالاغتسال ثم الصلاة، ومثلاً: طهرت قبل الفجر فإنها تنوي وتصوم ذلك اليوم وإن عاد إليها الدم بعد غروب الشمس. إذن: النقاء المتخلل لعادتها طهر، فيجب عليها أن تغتسل فيه وأن تصلي – هذا هو المذهب –.
وهذا القول ضعيف، لأنه من عادة الدم أن يتجزأ وأن يتقطع، وفي إلزامها بهذا الحكم المتقدم مشقة وحرج إذ قد يتخلل عادتها عدة اغتسالات. ثم إن هذا الانقطاع في الحقيقة أمر طبيعي، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر النساء – مع وجود هذا الأمر الطبيعي – لم يأمرهن أن يغتسلن فيه ويصلين فهذا أمر طبيعي يحدث للنساء. وهذا هو مذهب أكثر الفقهاء وهو اختيار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد – وهذا القول هو الراجح الذي لا يسع النساء إلا هو – وإلا ففي القول المتقدم مشقة وحرج إذ أن من طبيعة الدم التوقف. فالراجح: أنها لا تطهر حتى يثبت لها شيئان: الأمر الأول: القصة البيضاء وهي: سائل أبيض يخرج من المرأة علامة لطهرها. وقد روى البخاري معلقاً: أن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدُرجة " الخرقة " فيها الكرسف " القطن " فيه الصفرة فتقول: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) (1) والعلامة الثانية: أن ينقطع عنها الدم بحيث إذا وضعت القطن أو نحوه لا يخرج صفرة أو كدرة، ويكون ذلك آخر عادتها. لأن بعض النساء لا يرين القصة البيضاء فعلامته انتهائه: انقطاع الدم في آخر عادتها. فإذا وقع أحد الأمرين فإنها يجب عليها أن تغتسل وتكون في حكم الطاهرات. وقوله: (ما لم يعبر أكثره) هذه تدخل فيها المسألة السابقة وهي مسألة التلفيق. يعني: قد يشكل فيقال: إن هذا الطهر أقل من ثلاثة عشر يوماً التي هي أقل الطهر بين الحيضين! فالجواب: إنها بمجموعها في حكم الحيضة الواحدة، لذا قال: (ما لم يعبر أكثره) فإذا كان مجموع النقاء والطهر يتجاوز أكثر الحيض، كأن يمضي عليها 18 يوماً، يوماً نقاء، ويوماً دم، فتكون هذه الأيام الزائدة عن أكثر الحيض في حكم الاستحاضة – هذا على المذهب – قال: (والمستحاضة ونحوها تغسل فرجها وتعصبه)
(ونحوها) مما به سلس بول ونحوه من الأحداث المتجددة. (تغسل فرجها) لأن الدم نجس فيجب غسله لنجاسته، وكذلك من به سلس بول لأن البول نجس فيجب غسله. قال: (وتعصبه) بخرقة أو نحوها لئلا يخرج، فتضع على فرجها عصابة تحفظ الدم من الخروج. يدل على ذلك، ما روى أبو داود والترمذي وهذا لفظه من حديث حمنة بنت جحش أنها شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الدم فقال: (أنعت لكِ " أي أصف " الكرسف فإنه يذهب الدم) فقالت: إنه أكثر من ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فتلجمي) أي ضعي خرقة شبيهة بلجام الفرس الذي يوضع عليه (1) ليكون ذلك حافظاً لخروج الدم. إذن يجب عليها حفظ دمها من الخروج، بحيث لا تتضرر، أما إذا كان هذا الحبس يلحقها بالضرر فلا يجب إذ لا ضرر ولا ضرار. قال: (وتتوضأ لوقت كل صلاة) كما روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المستحاضة: (وتتوضأ لكل صلاة) (2) وهكذا من به سلس بول ونحوه من الأحداث المتجددة وتصلي فرضاً ونفلاً. فمثلاً: تتوضأ لصلاة الظهر وتصلي بهذا الوضوء نوافلها وما يلحقها من العبادات التطوعية. وهذا باتفاق أهل العلم وأنها تصلي بالوضوء الفرائض والنوافل. هل تُصلي به الصلاة المقضية؟ بمعنى: امرأة توضأت لصلاة الظهر، فهل لها أن تصلي بهذا الوضوء صلاة فائتة أم لا؟ ومحل هذا حيث خرج الدم، أما إذا توضأت فلم يخرج الدم فهي على وضوئها. بمعنى: امرأة توضأت فلم يخرج الدم فإنه لا ينتقض وضوؤها فلها أن تصلي فيه ما لم يخرج الدم. لكن محل هذا حيث خرج الدم بعد وضوئها فهل تصلي فيه الصلاة المقضية أم لا؟ مذهب جمهور أهل العلم: أن لها أن تصلي الصلاة المقضية بهذا الوضوء. وذهب الشافعية: إلى أنها لا يجوز لها أن تصلي بهذا الوضوء الصلاة المقضية.
وهذا القول أظهر؛ لموافقته لظاهر الحديث (توضئ لكل صلاة) (1) . ولولا المشقة وإجماع أهل العلم لقلنا بوجوب الوضوء للنوافل لقوله: (لكل صلاة) . أما المشقة هنا – أي في الصلاة المقضية – فهي منتفية ولا إجماع بل الخلاف فيها ثابت. أما الصلاة المجموعة فإنها يكفيها الوضوء الواحد، لأن وقتهما واحد. وقد يقال: بأنها يجب عليها أن تصلي الصلاة المجموعة بوضوء آخر. لكن لكون الصلاتين أحدهما متصلة بالأخرى وهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو المشروع. فالراجح: أن يقال: إنها تكتفي بالوضوء الذي توضأته للصلاة الأولى، والعلم عند الله. قال: (ولا توطأ إلا مع خوف العنت) يعني: إذا خشي أن يقع في الزنا أو نحوه فإنه يجوز أن يطأها. فعلى ذلك: المستحاضة لا يجوز وطؤها على المذهب. قالوا: قياساً على الحائض. ودم الاستحاضة دم نجس فوجب أن يجتنب وألا يباشر. ومذهب أكثر الفقهاء: أنه يجوز أن توطأ، وهذا هو الراجح؛ لأن القياس قياس مع الفارق، والفارق هو: أن المستحاضة تصلي وتصوم وتفعل ما لا تفعله الحائض من الأحكام الشرعية ولا تمنع مما تمنع منه الحائض، فإذا ثبتت هذه الفوارق فهو قياس مع الفارق. وأما كون هذا الدم دم أذى، فنقول: هو وإن كان نجساً وأذى فإنه لا يعني أنه لا يجوز له أن يجامعها؛ لأن الأذى الذي نهى الشارع عنه إنما هو دم الحيض فقط: {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} (2) أي دم المحيض دم أذى، أي إنه أذى يعتزل النساء فيه، ولا يعني أن كل دم يقع في المرأة وإن كان جرحاً يجب أن تعتزل فيه، ولا يجوز أن توطأ مع جروحه، كيف والأدلة تدل على جواز ذلك فإن المستحاضات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت في السنة نهي عن أن توطأ إحداهن.
بل قد ثبت في سنن أبي داود بإسناد جيد: أن حمنة كانت مستحاضة وكان زوجها يطؤها " (1) فالمستحاضات كن ذوات عدد ولم يثبت أن نهي زوج إحداهن أن يطئها، وعدم نقل ذلك مع الحاجة إلى نقله يدل على عدم ثبوته إذ الدواعي متوفرة على نقله ومع ذلك لم ينقل. وكون هذا قد تكرهه النفوس فإن هذا لا يعني أنه محرم. فالراجح: جواز وطئها. - قال فقهاء الحنابلة: فإذا وطئها فلا كفارة عليه. قالوا: لأننا وإن قلنا بأن وطئها محرم فإنه ليس كوطء الحائض فهي دون ذلك فبينهما فوارق كبيرة، فعلى ذلك: على القول بأنها لا يجوز وطؤها فلا كفارة في ذلك. فالراجح: جواز وطئها، ومن الأدلة أيضاً: المشقة في اعتزالها بخلاف الحيض، فالاستحاضة تكون الشهر كله أو أغلبه فاعتزالها فيه مشقة، والمشقة تجلب التيسير. قال: (ويستحب غسلها لكل صلاة)
لما روى الشيخان في صحيحهما: أن أم حبيبة أستحيضت فسألت النبي صلى الله عليه وسلم: (فأمرها أن تغتسل فكانت تغتسل لكل صلاة) (1) . وهذا الحديث كما قال الشافعي: ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل لكل صلاة وإنما فعلت ذلك تطوعاً من عند نفسها. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل من الحيض كما أمر غيرها من المستحاضات أن يغتسلن إذا ذهبت الحيضة وأمرهن أن يتوضأن لكل صلاة كما في غير حديث غير أنها باجتهادها كانت تغتسل لكل صلاة.
وأما ما روى أبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرها أن تغتسل لكل صلاة) (1) فإنه ضعيف عند الحفاظ فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وهذا الأمر لا يقتضي التكرار، فإن الأمر لا يقتضي التكرار كما هو معلوم في أصول الفقه وكما هو مقرر في قواعد اللغة. فقد أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وهذا اللفظ إنما يفيد الاغتسال مرة واحدة وهي الاغتسال من الحيض ثم كانت تغتسل لكل صلاة ولذا لم يوجب ذلك أحد من الأئمة وإنما هو عندهم على الاستحباب. مسألة: امرأة مثلاً: يؤذن الظهر وتمر خلال الوقت نصف ساعة ينقطع فيها الدم، فهل يجب أن تتوضأ في هذه النصف ساعة وتصلي ويكون الدم متوقفـ[ـاً] إلى صلاتها ومن بدايتها بالصلاة إلى انتهائها منها؟ الجواب: يجب عليها ذلك، لأن الصلاة تكون سالمة مما يجيز فعله العذر، فحينئذ إذا كان ينقطع عنها أحياناً ويمكنها أن تصلي فيه فيجب فعل ذلك. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثامن والأربعون (يوم السبت: 8 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً)
النفاس: في اللغة مشتق من النفس، والنفس هو الدم، وقيل مشتق من النفس لما فيه من زوال الكرب. أما في الاصطلاح: فهو دم يرخيه الرحم بسبب الولادة، وهذا الإرخاء إما أن يكون بعد الولادة أو معها أو قبلها. أما الدم الخارج معها أو بعدها فواضح حكمه. وأما الدم الذي قبل الولادة وهو ما يخرج من الدم أثناء مقدمات الوضع مع الطلق، فإن هذا الدم الخارج وقت مخاض المرأة واستعدادها للوضع دم سببه الولادة. وقد حدده أهل العلم بثلاثة أيام فأقل. فالدم الخارج من المرأة قبل ولادتها بثلاثة أيام فأقل دم نفاس. ويعرف ذلك بالأمارات التي تبين قرب الوضع، فإن هذا الدم الخارج منها دم نفاس. وعليه فإذا خرج قبل أربعة أيام أو خمسة فإنه ليس بدم نفاس بل دم فساد، وليس بدم حيض لأن الحبلى لا تحيض – كما تقدم –. فعلى ذلك هو دم فساد فتصلي وتصوم وغير ذلك وهي بحكم المستحاضة. وما ذكره الفقهاء من تحديد ذلك بثلاثة أيام فأقل موضع نظر؛ فإنه لا دليل على ذلك، بل الأمر متعلق بكون هذا الدم خارج مع مقدمات الوضع سواء كان ثلاثة أيام فأقل أو أكثر من ذلك. - وهذا ما ذهب إليه الشيخ عبد الرحمن السعدي، ونظَّر في مذهب الفقهاء بما تقدم وأن هذا التحديد لا دليل عليه شرعاً ولا عرفاً، والأمر متعلق بمقدمات الولادة. فالدم الخارج عند مخاض المرأة وطلقها هو دم نفاس، فعلى ذلك: تدع المرأة الصلاة والصوم ونحو ذلك من الأحكام. وأما الدم الخارج مع الولادة أو بعدها فهو واضح. ولكن على القول بتحديد النفاس بأربعين يوماً وسيأتي الدليل عليه، هل الثلاثة الأيام السابقة للولادة هل تحسب من النفاس أم لا؟ إذا قلنا إنها تحسب فيكون نفاسها إذا ولدت سبعة وثلاثين يوماً.
قال الفقهاء: لا تحسب هذه المدة من النفاس؛ وذلك لأنه قد ثبت في الحديث الحسن أن أم سلمة قالت: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً) (1) في رواية لأبي داود: (بعد نفاسها) أي بعد ولادتها، والحديث حسن رواه الخمسة إلا النسائي. قوله: (أكثر مدة النفاس أربعين يوماً) : هذه أكثر مدته فلا يتجاوز النفاس أربعين يوماً. - وهذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب أكثر أهل العلم، بل قد ذكر الترمذي إجماع أهل العلم عليه فقال: " وأجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر فتغتسل وتصلي ". قال أبو عبيد: " وهو قول جماعة الناس ". وهذا القول قد دل عليه حديث أم سلمة المتقدم فإنها ذكرت أن النفساء كانت تمكث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ومعلوم أن النساء يختلفن في الطبيعة والواقع فلما ذكرت أم سلمة هذه المدة المحدودة دل ذلك على أنه توقيت من الشارع وتحديد منه، لأن النساء يختلفن فيه فلا معنى للتحديد الذي ذكرته، وإنما المعنى أن مكثهن هذا العدد كان مؤقتاً من النبي صلى الله عليه وسلم. - وذهب المالكية والشافعية: إلى أنه يوقت بستين يوماً (60) فلا يتجاوزها. ودليل هؤلاء الواقع وأن النفاس بلغ هذه المدة. لذا ذهب بعض أهل العلم إلى تحديده بسبعين.
وذهب شيخ الإسلام: إلى أنه لا حد لأكثره كقاعدته في الحيض. لكن الراجح الأول؛ للدليل، ولما ذكر من الإجماع. وقد ذكر الموفق هذا القول عن عمر وابن عباس وأنس وأم سلمة وعائذ بن عمرو، وقال: " لا يعلم لهم مخالف ". وأكثر هذه الآثار رواها البيهقي في سننه، وأثر ابن عباس رواه ابن الجارود في منتقاه بإسناد صحيح (1) . فلا يعلم لهؤلاء الصحابة مخالف فكان قولهم حجة. فإذا استمر الدم مع المرأة بعد أن تمت الأربعين فما الحكم؟ الجواب: أنه لا يخلو من حالين: إما أن يكون موافقاً لوقت عادتها فحينئذ هو دم حيض وإلا فهو دم فساد، فإذا لم يكن موافقاً لوقت عادتها فهو دم فساد، - وله أحكام دم الاستحاضة -. قال: (ومتى طهرت قبله تطهرت وصلت) إذن لا حد لأقله، وهذا هو المذهب وهو مذهب جمهور أهل العلم. فإذا انقطع الدم عن النفساء بعد خمسة أيام أو عشرة أيام أو يومين أو يوم، أو لم يخرج منها الدم مطلقاً وهذا قد يكون من الحالات النادرة، فإنها لا تدع الصلاة وغيرها، بل حكمها حكم الطاهرات. وقد تقدم الإجماع الذي ذكره الترمذي وفيه: " ألا أن ترى الطهر فتغتسل وتصلي ". وللقاعدة المشهورة: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فهنا العلة خروج الدم وقد توقف فحينئذ لا يثبت الحكم. واعلم أن الولادة التي يترتب عليها حكم النفاس – عند العلماء – هي الولادة التي تنتج مضغة مخلقة، أي تخلق منها الآدمي. أما إذا سقطت نطفة أو علقة أو مضغة غير مخلقة فإنها – عند أكثر أهل العلم – لا يثبت بها النفاس. وهذا – أي كونها مضغة مخلقة – يكون زمن 81 يوماً فأكثر، فإذا سقط لإحدى وثمانين يوماً فأكثر ورؤيت المضغة مخلقة أي تبيّن فيه خلق إنسان، والغالب أن يكون ذلك بعد تسعين يوماً أي بعد ثلاثة أشهر.
قالوا: لأن هذا الواقع الساقط مشكوك فيه هل هو إنسان أم لا، ومتى كان مشكوكاً فيه فإنه لا ينتقض الحكم الثابت عندنا وهو أنها مطالبة شرعاً بأحكام شرعية، والنفاس يمنعها من أداء الأحكام الشرعية، وإذا حكمنا أنه نفاس فهذا يعني إبراء ذمتها من ذلك، وهذا مجرد شك ولا ننتقل من الحكم الثابت بمجرد الشك، فيحتمل أن يكون قطعة إنسان. أما إذا كانت النطفة متخلقة، وقد تبين فيه خلق إنسان فإن الحكم يثبت على ما تقدم، وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم. قال: (ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد التطهر) إذا طهرت بعد عشرة أيام من نفاسها – مثلاً – فإنها يكره وطؤها – كما روى البيهقي والدارمي وغيرهما – عن الحسن بن أبي الحسن البصري عن عثمان بن أبي العاص أن امرأته أتته وقد طهرت قبل الأربعين فقال: (لا تقربيني) (1) قالوا: فهذا يدل على كراهية وطئها إذا طهرت قبل الأربعين هذا هو المشهور في المذهب. - وذهب جمهور أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه لا يكره ذلك. إذن: هم متفقون على أنه لا يحرم، وإنما الخلاف في الكراهية فالحنابلة كرهوا ذلك. والجمهور قالوا: بعدم الكراهية، قالوا: لأنها طاهرة ولها حكم الطاهرات، والكراهة حكم شرعي فلا يثبت إلا بدليل. والأثر ليس صريحاً في ذلك، فقد يكون تركه تورعاً أو احتياطاً أو خشية من عدم ثبوت الطهر أو نحو ذلك. وهذا على القول بثبوت الأثر، وقد ذكر الحافظ أن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص، فإذا ثبت هذا فإنه يكون منقطعاً. ثم لو صح – فكما تقدم – ليس صريحاً في ذلك فقد يكون تركه احتياطاً لشبهة وقعت في طهرها أو نحو ذلك. إذن: الراجح مذهب الجمهور ورواية عن الإمام أحمد وهو عدم كراهية ذلك. قال: (فإن عاودها الدم فمشكوك فيه تصوم وتصلي وتقضي الواجب) فإن عاودها الدم بصفته وهيئته في أثناء الأربعين.
بمعنى: نفست عشرة أيام ثم انقطع الدم خمسة أيام ثم عاد إليها عشرة أيام ثم انقطع، فقد عاودها في زمنه. " فمشكوك فيه " إذن: لا يكون في حكم النفاس، لأن هذا الدم مشكوك فيه. " تصوم وتصلي وتقضي الواجب " إذن: تجمع بين فعل الواجبات أثناء خروج الدم، وقضاء ما يجب قضاؤه بعد انقطاع الدم وإن كانت فعلته. فعلى ذلك – في المثال السابق – العشرة الأيام الثانية التي رأت فيها الدم تصلي وتصوم لاحتمال أن يكون دم فساد ثم إذا انتهت فيجب عليها قضاء الصوم لاحتمال أن يكون دم نفاس. لكن هذا القول ضعيف. لذا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه: إلى أن هذا الدم دم نفاس؛ لأنه على هيئة دم النفاس، وهو واقع في زمن النفاس ولم يكن حيضاً، وفيه صفة دم النفاس فيكون له حكم النفاس تماماً. فتدع الصلاة والصوم وتقضي الصوم بعد ذلك، وهذا هو الراجح. وأما كونها تقضيه؛ فقد تقدم ضعف هذا، وأن الشارع لا يأمر بفعل الشيء مرتين – كما نهى أن تصلى الصلاة مرتين. فإذن: إذا عاودها في زمن النفاس فإنه دم نفاس، فتدع الصلاة وغيرها من الأحكام. قال: (وهو كالحيض فيما يحل ويحرم ويجب ويسقط) فأحكام النفاس كأحكام الحيض. " فيما يحل " من مباشرتها فيما دون الفرج. " ويحرم " كوطئها من فرجها. " ويجب " كقضاء الصوم والغسل عند انقطاع الدم. " ويسقط " كالصلاة والصوم. قال: (غير العدة والبلوغ) هذان استثناءان واضحان. " غير العدة " فلا يحسب النفاس من العدة، فالله عز وجل إنما ذكر الحيض فقال تعالى {ثلاثة قروء} (1) فلا يكون النفاس محسوباً من ذلك. وهذا لا يتصور مثله: لأن المرأة إذا طلقت قبل نفاسها فإنها تنقضي عدتها عند نفاسها أي عند وضعها للحمل.
وإن كان الطلاق أثناء النفاس فهو كالطلاق أثناء الحيض على القول بصحته، فإنه لا يحسب من العدة، فإن الرجل إذا طلق امرأته وهي حائض – على القول بصحته – فإنها لا تحسب هذه الحيضة، وكذلك النفاس. وأما البلوغ فإن المرأة متى حملت فإن ذلك دليل سبق بلوغها، فإنه لا يكون حمل إلا بعد الاحتلام والإنزال، وهذا دليل البلوغ – فحينئذ: لا يتعلق البلوغ بالنفاس؛ لأن هذا مسبوق بحمل والحمل لا يكون إلا باحتلام. ومن الاستثناءات: أن المُولي وهو الذي يحلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، فإن الحيض يحسب، إذا تُربص به أربعة أشهر. أما النفاس فلا يحسب؛ لأن مدة الحيض معتادة بخلاف مدة النفاس فإنها ليست بمعتادة. قال: (وإن ولدت توأمين فأول النفاس وآخره من أولهما) امرأة ولدت توأمين فأنجبت الأول ثم بعد أربعين يوماً جاءت بالثاني فما الحكم؟ فأول النفاس وآخره من أولهما، إذن الثاني على المدة التي تقدم ذكرها لا يكون له شيء من النفاس، فالمدة متعلقة بالأول؛ لأن هذا الدم خرج بسبب الولادة وهما كانا حملاً واحداً فحكمهما واحد – وهذا مذهب الجمهور -. - وذهب الإمام أحمد في رواية عنه – وهو وجه عند الشافعية –: إلى أنه يحسب من الثاني. قالوا: لأن الدم الخارج مع الثاني دم خارج بسبب الولادة فلا معنى لعدم اعتباره، وظاهر هذا القول أن المدة التي توقفت لها عن وضع الثاني لا تحسب من النفاس، وإنما تحسب من الثاني، وهذا – كذلك – فيه ضعف. والذي ينبغي أن يقال: أن كليهما له نفاسه، فالأول له نفاسه، فإذا وضعت الثاني فتستأنف النفاس مرة أخرى وتحسب أربعين يوماً. إذن الراجح: أن الدم الخارج مع المولود الثاني معتبر خلافاً للمشهور في المذهب – كما هو رواية عن الإمام أحمد –؛ لأنه دم خارج بسبب ولادة مستقلة وإن كانت عن حمل واحد، فهي ولادة مستقلة وقد خرج بسببها هذا الدم فكان الواجب اعتباره لا إلغائه.
فعلى ذلك: الدم الخارج مع الثاني محسوب من النفاس. والأظهر أن الأول كذلك يكون محسوباً من النفاس، فإذا وضعت الأول ثم جلست خمسة أيام وهي يخرج ويجري معها الدم فهي في حكم النفساء على القول الأول. فإذا انقطع عنها الدم خمسة أيام ثم ولدت الثاني، فهذه الخمسة أيام على القول الأول ليست من النفاس، وخروج الدم الخارج بعد عشرة أيام مع المولود الثاني ليس في مدة النفاس. وهذا ضعيف؛ لأن الدم قد انقطع بعد خمسة أيام،ولو ولدت بعد الطهر، فحينئذ المولود الثاني لا دم له. وهذا ضعيف، وضعفه ظاهر. فعلى ذلك: الراجح ما تقدم وأن الدم الخارج مع الثاني محسوب من النفاس. (فائدة) هل يجوز للمرأة أن تأكل مانعاً للحيض أم لا يجوز لها ذلك؟ نص الإمام أحمد – رحمه الله – على جواز ذلك، وأنه يجوز للمرأة أن تأكل مانعاً للحيض حيث أمنت الضرر. قال بعض الحنابلة: بشرط أن يأذن زوجها، قال في الإنصاف: وهو الصواب. وهو كما ذكرا، فإن هذا الشرط لابد منه. فلابد أن يكون ذلك بإذن من الزوج؛ لكون ذلك يؤثر في الولادة في تأخرها وتقدها، فكان لابد من إذن الزوج بذلك. والحمد لله رب العالمين انتهى باب الحيض وكذلك: انتهى كتاب الطهارة بحمد الله والله أعلم فهرس الموضوعات باب المسح على الخفين ... ... . 1 إلى 30 باب نواقض الوضوء ... ... .. 30 إلى 66 باب الغسل ... ... ... … 67 إلى 93 باب التيمم ... ... ... … 94 إلى 125 باب إزالة النجاسة ... …..… 126 إلى 154 باب الحيض ... ... ... .. 155 إلى 187 فهرس الأحاديث والآثار ابدؤا بما بدأ الله به ... ... ... ... ... ... ... ... … 114 أتى أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم.. 127 إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءاً ... ... ….. 91 إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها ستر فقد وجب عليه الوضوء ... 40 إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ... ... ... 73
إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم........................................ 16، 105 إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ماذا رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما.. 133 إذا جامعها في أول الدم فدينار وإذا جامعها بعد انقطاع الدم فنصف دينار ... 163 إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ... ... ... ... ... .. 71 إذا حذقت فاغتسل وإن لم تكن حاذفاً فلا تغتسل ... ... ... ... . 67 إذا فضخت فاغتسل ... ... ... ... ... ... ... ... 67 إذا كان دم الحيضة وهو دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة.. 31، 169 إذا قعد على شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ... ... ... … 70 إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء.. 146 اذهب فأفرغه عليك ... ... ... ... ... ... ... ... . 87، 95 اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل ... ... ... ... …. 72 استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر ... ... ... ... ….. 147 أصبت السنة............................................................... 4 اصنعوا كل شيء إلا النكاح ... ... ... ... ... ... ... .. 162 أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي – وذكر منها – وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا.. 93 اغسل ذكرك وتوضأ ثم نم ... ... ... ... ... ... ... . 91 اغسلنها بماء وسدر ... ... ... ... ... ... ... ... . 73 اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ... ... ... ... ... ….. 73 اقرؤوا القرآن ما لم يكن أحدكم جنباً، فأما إن كان أحدكم جنباً فلا ... … 75 أكل من كتف شاة ولم يتوضأ ... ... ... ... ... ... …. 54 ألقوها وما حولها وكلوه ... ... ... ... ... ... ... .. 139 أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ... ... ... ... ... ... 161 أمر الحيض أن يعتزلن المصلى ... ... ... ... ... ... … 79 أمر من أكسل أن يغسل ما مس من امرأته ويتوضأ ... ... ... ….. 71 أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغسل الأنجاس سبعاً ... ... ... . 131 أمرها أن تغتسل لكل صلاة ... ... ... ... ... ... …. 181
أمسح علي الخفين؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ ................................ 3 إن جاءت ببطانة من أهلها يرضى دينه وأمانته فشهد لها بذلك وإلا فهي كاذبة.. 159 أن حمنة كانت مستحاضة وكان زوجها يطؤها ... ... ... ... … 180 إن حيضتك ليست بيدك ... ... ... ... ... ... ... 79 إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ ... ... ... ... ... …. 54 إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته..95 إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي ... ... ... ... ... ... … 39 إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماء ….. 57 إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه ... ... … 138 إن الله ورسوله ينهانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس ... ... ... 152 إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه......................... 3 إن المؤمن لا ينجس ... ... ... ... ... ... ... ... . 145 انقضي شعرك واغتسلي ... ... ... ... ... ... ... …. 85 إنما الأعمال بالنيات ... ... ... ... ... ... ... ... . 82 إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والمذي والدم والقيء ... ... … 141 إنما الماء من الماء ... ... ... ... ... ... ... ... …. 67، 68 إنما الوضوء على من نام مضطجعاً ... ... ... ... ... ... . 37 إنما يكفيك أن تفعل هكذا وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح الشمال.. 113 إنما يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح منه ما أصاب ثوبك منه ... ... .. 153 إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم ... ... ... ... ….. 150 أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ ... ... … 40 بسم الله من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم ... ... ... ... .. 62 بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يمسحوا............ 11 تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه ... ... ... ... ... .. 131، 144 تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وصلي أبعة وعشرين ليلة ….. 158 توضأ وانضح فرجك ... ... ... ... ... ... ... ... 153
توضؤا مما مست النار ... ... ... ... ... ... ... ….. 54 توضؤوا منها ... ... ... ... ... ... ... ... ….. 54 توضئي لكل صلاة ... ... ... ... ... ... ... ... . 31، 117، 179 تيمم قبل المدينة بميل أو ميلين ثم دخل والشمس مرتفعة فلم يعد ... ….. 121 ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض على رأسه الماء ثم غسل جسده.. 87 ثم تنحى من مكانه فغسل قدميه ... ... ... ... ... ... .. 85 جئت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لي لم يأكل الطعام فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم في حجره.. 141 جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة ... 3 الحبلى لا تحيض فإذا رأت الدم فلتغتسل ولتصلي ... ... ... ... .. 157 خذي فِِرْصة " أي قطعة من صوف أي خرقة " من مسك فتطهري بها ... …. 166 دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين............................................... 18 دعي الصلاة قدر أيام حيضك ثم اغتسلي وصلي ... ... ... ... . 164، 171 رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وخفيه..................... 12 رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما............... 27 رخص لنا النبي - صلى الله عليه وسلم -.......................................................... 2 الصعيد طهور المسلم ... ... ... ... ... ... ... … ... 118، 95 صلى وجرحه يثعب دماً ... ... ... ... ... ... ... . 35 صلوا في مرابض الغنم ... ... ... ... ... ... ... … 147 ضرب بكفيه الأرض ومسح شماله بيمينه ويمينه بشماله ثم مسح وجهه ... . 114 طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً أولاهن بالتراب ... . 127 الطواف في البيت صلاة إلا أن الله قد أحل به النطق فمن نطق فلينطق بخير … 64 العين وكاء السه، فمنام فليتوضأ ... ... ... ... ... ... 39 غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ... ... ... ... ... ... 80 فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليفعل ... .. 142 فاعتزلوا نكاح فروجهن ... ... ... ... ... ... ... 161
فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر ... ... ... .. 72 فأمرها أن تغتسل فكانت تغتسل لكل صلاة ... ... ... ... …. 180 فإن أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه ... ... ... ... … 65 فإني كرهت أن أذكر الله على غير طهر ... ... ... ... ... . 76 فتلجمي ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 178 فجعلت كلما أغفيت يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بشحمة أذني يفتلها …. 37 فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ... ... ... ... ….. 59 قاء فتوضأ ... ... ... ... ... ... ... ... ... . 34 قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم.. 16، 105 قدم ناس من عُكل أو عُرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا.. 147 كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ... … 54 كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً ... ... ... ... …. 164 كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون ... ….36، 37 كان رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون.. 80 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض ... ... 163 كان في غزوة ذات الرقاع فأصيب رجل من أصحابه (وهو من حراسه) فنزفه الدم..34 كان لا يستنزه من البول ... ... ... ... ... ... ... ….. 147 كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ... ... . 82 كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً فأراد أن ينام أو يأكل توضأ ... ….. 90 كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفْراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام.. 2 كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلت المني بعرف الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً فيصلي … 148 كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه.. 85 كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل المني ... ... ... ... ... .. 148
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ ... ….. 48 كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً ... ... ... 74 كان يتوضأ بمد - وهو ربع الصاع – ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ... … 89 كان يذكر الله على كل أحيانه ... ... ... ... ... ... ... 75 كان يصبح صائماً وهو جنب ... ... ... ... ... ... ... 164 كانت الصلاة خمسين وكان الغسل من الجنابة سبع مرار، وكان غسل الثوب من البول سبع.. 131 كانت الفتيا التي يقولون (الماء من الماء) رخصةً رخص الله بها ثم أمر بالاغتسال … 71 كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ... . 182 كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً ... ... ... ... ... . 176 كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم ... ... ... ... 53 كنا نحيض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.. 161 كنت أغسل المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ... ... ... ... 148 كنت أفركه من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه ... ... … 148 كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكانت رجلاي في قبلته فإذا ... . 46 كنت أنام في المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وكنت فتى شاباً.. 126 كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما..18 لا ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... … 138 لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ... ... ... ... ... ... .. 77 لا إنما ذلك عرق وليس بالحيض فإذا أقبلت الحيضة ... ... ... ... 169 لا، إنما هو بضعة منك ... ... ... ... ... ... ... … 41 لا إنما يكفيك أن تحثي علي رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين … 84، 88 لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين ... ... ... ... ... . 57 لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء ... ... ... ... ... ... ... 177 لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ... ... ... ... ... 75 لا تقربيني ... ... ... ... ... ... ... ... ... … 184
لا توضؤا من ألبان الغنم وتوضؤا من ألبان الإبل ... ... ... ... ….56 لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض ... ... ... ….. 156 لا ضرر ولا ضرار ... ... ... ... ... ... ... ... …. 99 لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ... ... ... ... …. 60، 63 لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ... ... ... ... ... .. 30 لما أغمي عليه في مرض موته اغتسل بعد أن أفاق ... ... ... ... .. 81 لما حرم الخمر خرج الناس وأراقوها في الطرقات ... ... ... ... … 136 لما قدم مكة كان أول ما بدأ أن توضأ ثم طاف بالبيت ... ... ... ... 64 لها ما شربت ببطونها ولنا ما غبر " أي بقى" طهور ... ... ... ... .. 151 لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى من أعلاه ولقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -........ 27 ليس عليكم في غَسْل ميتكم غُسْل [إذا غسلتموه] ، فإن ميتكم ليس بنجس …. 52 ليصدق بدينار أو نصفه ... ... ... ... ... ... ... ….. 162 ليطلقها طاهراً أو حاملاً ... ... ... ... ... ... ... ….. 157 ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.......................................... 3 ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم ... ... ... ... ... …. 35 الماء طهور لا ينجسه شيء ... ... ... ... ... ... ... . 151 مسح أعلى الخف وأسفله.................................................. 28 مسح على الجوربين والنعلين................................................ 11 المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة........................ 4 مسح على خفيه فوضع اليمنى على خفه الأيمن واليسرى على خفه الأيسر...... 28 مسح على نعليه وقدميه.................................................... 18 مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ... ... ... .. 65 من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن ... …. 34 من غَسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ ... ... ... ... ... . 52، 81 من مس ذكره فليتوضأ ... ... ... ... ... ... ... …40
من مس فرجه فليتوضأ ... ... ... ... ... ... ... …. 40 من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ... … 124 النساء شقائق الرجال...................................................... 14 نعم إذا توضأ فليرقد ... ... ... ... ... ... ... ….. 90 نعم إذا رأت الماء ... ... ... ... ... ... ... ... .. 68، 81 نعم فتوضأ من لحوم الإبل ... ... ... ... ... ... ... . 54 نعم وما شئت.............................................................. 3 نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ... ... ... ... ... …. 61 نهى عن الجلالة ... ... ... ... ... ... ... ... …. 134 وأما الرجل فلينشر شعره فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر ... ... ….. 83 وأن لا يمس القرآن إلا طاهر ... ... ... ... ... ... ….. 61 وتتوضأ لكل صلاة ... ... ... ... ... ... ... ... 178 وجعلت تربتها لنا طهوراً ... ... ... ... ... ... ... .. 110 ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً ... ... ... ... ... …. 76 ولو استزدناه لزادنا......................................................... 4 يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ... ... ... ... ... … 99 يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره ... ... ... ... ... . 149 يضعون جنوبهم ... ... ... ... ... ... ... ... …. 38 يغسل ذكره وأنثييه ... ... ... ... ... ... ... ... . 153 يغسل ذكره ويتوضأ ... ... ... ... ... ... ... ….. 30، 153 يكفيك الماء ولا يضرك أثره ... ... ... ... ... ... ….. 132
كتاب الصلاةمن المقدمة إلى نهاية الأذان
الدرس التاسع والأربعون (يوم الاثنين: 10 / 2 / 1415 هـ) كتاب الصلاة الصلاة لغة: الدعاء اصطلاحاً: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم (1) . وقد فرضها على عباده ليلة أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث المشهور المتفق عليه (2) . قال المؤلف رحمه الله: (تجب على كل مسلم مكلف) الصلاة فرض على كل مسلم مكلف، قال تعالى: {وأقيموا الصلاة} (3) وقال تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} (4) .
وقوله صلى الله عليه وسلم لجبريل: حين سأله عن الإسلام: (أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وتقيم الصلاة) (1)
وقد أجمع العلماء على أنها فرض على المكلفين. والمكلف هو: البالغ العاقل – ذكر كان أو أنثى حراً كان وعبداً (1) –. قال: (إلا حائضاً ونفساء) فلا تجب الصلاة عليهما أداءً ولا قضاءً. فلا يحل الصلاة للحائض – كما تقدم – أن تصلي أو تصوم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) (2) وكذلك: العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز للحائض ولا النفساء الصلاة.
كما أنهم أجمعوا على أنها لا تقضي – كما في حديث عائشة: (كان يصيبنا ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) (1) قال: (ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر أو نحوه) قوله (أو نحوه) كأن يشرب دواءً مباحاً فيزيل عقله مثلاً. قوله (بنوم) اتفاقاً، فيجب عليه القضاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) (2) قوله: (أو إغماء) فالمغمى عليه يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات كأن يكون أغمي عليه عن صلاة أو صلاتين أو يوم أو يومين فيجب عليه القضاء. قالوا: قياساً على النائم.
ولما ثبت في سنن البيهقي: (أن عمار بن ياسر أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء فلم يفق إلا بعد منتصف الليل فقضى تلك الصلوات) (1) هذا هو مذهب الحنابلة. - وذهب أكثر الفقهاء إلى: أن المغمى عليه لا يجب عليه القضاء فلو أغمي عليه – مثلاً – قبل صلاة الظهر فلم يفق إلا بعد خروج وقتها فإنه لا يقضيها. قالوا: لأن الأصل عدم القضاء إلا أن يدل دليل على وجوبه، وقياسه بالمجنون أشبه بجامع زوال العقل زوالاً غير طبيعي. ولا يقاس على النائم – كما ذكرتم – لأن النائم زوال عقله زوال طبيعي وهو يتكرر فلو لم تُقض الصلاة بالنوم والنسيان لأدى ذلك إلى ترك كثير من الصلوات، بخلاف الإغماء فإنه إنما يقع على القلة أو على الندرة فلم يكن حكمه كحكم النوم، فإن الحكم بترك القضاء مع النوم يؤدي إلى ترك صلوات كثيرة والشارع قد أكد وجوبها والمحافظة عليها غاية المحافظة وكون النائم لا يقضي ينافي ذلك. بخلاف المغمى عليه فإن حالته نادرة وقليلة، وهو أثناء الإغماء ليس بمكلف لأنه قد زال عقله في تلك الحال والذي لا عقل له كالمجنون لا يجب عليه القضاء اتفاقاً، وقياسه بالمجنون أشبه. ثم إن النائم إن أُوقظ استيقظ وزال عنه مانع الصلاة، وأما المغمى عليه فإنه لا يستيقظ بإيقاظه، وهذا القول هو الراجح.
أما أثر عمار بن ياسر فإسناده ضعيف فقد رواه البيهقي وغيره بإسناد ضعيف، وقد نبَّه على هذا ابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي (1) . وعندنا أثر يخالفه وهو صحيح رواه مالك في موطئه وغيره بإسناد صحيح: (أن ابن عمر أغمي عليه فلم يقض) (2) . إذن: هذا الأثر صحيح لا مخالف له عندنا، وهو ترجيح ما ذهب إليه أكثر الفقهاء أن المغمى عليه لا يقضي سواء كان الإغماء أكثر من يوم وليلة أو أقل. فمن أغمي عليه فلا يجب عليه القضاء ما لم يدرك الوقت؛ لأنه غير مخاطب شرعاً بهما (3) بزوال عقله وليس عندنا دليل جديد يوجب عليه القضاء بخلاف النائم. " أو سكر ": حكى غير واحد من العلماء اتفاق أهل العلم على من ذهب عقله بسكر فإنه يجب عليه القضاء. ويستدل لهذا: أن أمره بالقضاء عقوبة له على تركه للصلاة. ويمكن أن يستدل عليه بقياسه على النائم. لكن ذهب شيخ الإسلام إلى أن من ذهب عقله بسكر لا يجب عليه القضاء. وقد حكى شيخ الإسلام – كما في الفتاوى المصرية – أنه لا نزاع بين أهل العلم في أن السكران يجب عليه القضاء. لكنه - رحمه الله – خالف هذا الاتفاق، وذهب إلى أن من ذهب عقله بسكر فإنه لا يجب عليه القضاء وقوله قوي ظاهر. أما قياسه على النوم فهو قياس مع الفارق، فالنوم ذهاب العقل طبيعة، وكما تقدم ترك القضاء يؤدي إلى ترك صلوات كثيرة. بخلاف السكر فإنه ليس بطبيعي. والعقوبة يجب أن تكون مما وردت به الشريعة، فإن عقوبة شارب الخمر أنه يجلد ثمانين جلدة، أما أن يعاقب بغير ذلك فيحتاج إلى دليل شرعي. وكما تقدم فإن من لم يكن صاحب عقل فليس بمخاطب من قبل الشريعة أثناء زوال عقله.
وكوننا نأمره بالقضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس عندنا أمر جديد يوجب القضاء. فما ذهب إليه شيخ الإسلام فيه قوة. ومثل ذلك، من ذهب عقله بدواء مباح بل أولى بأن لا يقال بوجوب القضاء – وهو مذهب المالكية والشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام – كما تقدم (1) . إذن: الراجح أنه لا يجب القضاء إلا على من نام أو نسي أما المغمى عليه أو من ذهب عقله بدواء مباح أو بسكر فإنه لا يجب عليه القضاء. مسألة: هل يجب القضاء مع الجهل فيمن فعل أو ترك قبل وصول الشريعة إليه وقبل بلوغ العلم له؟ بمعنى: هل تلزم الأحكام قبل بلوغ العلم أم لا؟ أمثلة ذلك: فمن باب الصلاة: فلو أن رجلاً ترك الصلاة لكونه ناشئاً في بادية، أو لكونه نشأ في بلد حرب فأسلم فلم يعلم بوجوب الصلاة، فإذا علم بوجوبها فهل يجب عليه القضاء أم لا؟ رجل ترك الزكاة في باب من أبواب الزكاة كأن يتركها في عروض التجارة، ولم يبلغه وجوب ذلك، فإذا بلغه فهل يجب عليه أن يقضي السنوات السابقة أم لا؟ المشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم وجوب ذلك. وهناك وجه عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام: أنه لا يجب، وأن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها فالقاعدة – عند شيخ الإسلام – أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم بها. وهو قول دلت عليه النصوص الشرعية فمن ذلك:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أساء المسيء صلاته عند النبي صلى الله عليه وسلم تأدية فريضة كان من النبي صلى الله عليه وسلم أن أمره أن يعيد صلاة الوقت ولم يأمره بإعادة الصلوات السابقة (1) لكونه جاهلاً بأركنها وفرائضها التي لا تصح الصلاة إلا بها، ولو كانت الشرائع واجبة قبل العلم بها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصلوات التي صلاها مختلة الشروط فيها والأركان مما لا تصح العبادة معه. ومن ذلك قصة الرجل الذي رقب الخيط الأبيض من الخيط الأسود فأفطر بعد دخول الوقت (2) ظناً أن المراد به الخيط الأسود الطبيعي والخيط الأبيض الطبيعي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ولم يأمره بقضاء ذلك اليوم. إذن: لا يجب القضاء إلا بعد العلم بل لا تلزم الشرائع إلا بعد العلم بها سواء كان ذلك في المسائل الكلية كالصلاة أو في المسائل الجزئية كشيء من أركان الصلاة وشرائطها. فمن عمل عملاً ينقض الصلاة أو يبطلها أو ينقض الطهارة أو يبطلها وهو مداوم على عمله ولا يعلم أن هذا مبطل فإنه لا يلزمه إلا إعادة فريضة الوقت. قال: (ولا تصح من مجنون) والمجنون في عرف الفقهاء من زال عقله بجنون أو خرف أو غير ذلك، فكل هذا يطلق عليه في عرفهم جنون فلا تصح من مجنون لأنه لا نية له، ولا كذلك ممن لا تمييز له كالصبي غير المميز، فإنها لا تصح منه الصلاة. فلا تصح من مجنون ولا غير مميز، لأنهما لا نية لهما
ومن شروط العبادة النية فإنما الأعمال بالنيات، لذا أجمع أهل العلم على أنها لا تصح من المجنون وغير المميز. قال: (ولا كافر) : فلا تصح صلاته، ودليل ذلك قوله تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} (1) فإذا كانت النفقات التي فيها النفع المتعدي لم تقبل منهم بسبب كفرهم بالله وبرسوله فأولى من ذلك الصلاة التي نفعها لازم لصاحبها. فإن قيل: فالمرتد؟ إذا أسلم ثم أرتد ثم أسلم، فما حكم صلاته؟ في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهي مبنية على مسألة حبوط العمل، هل يحبط العمل بالردة أم لا؟ - فذهب بعض أهل العلم: إلى أن الردة محبطة للعمل مطلقاً وإن مات على الإسلام. فرجل حج وصلى ثم أرتد ثم عاد إلى الإسلام فأعماله التي قام بها قبل الردة هي أعمال حابطة فعلى ذلك يجب عليه أن يعيد الحج ونحوه مما فعله من الفرائض. - والقول الثاني: أن العمل لا يحبط إلا بالموت على الردة وهذا القول هو الراجح؛ لقوله تعالى: {ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} (2) فشرط الله هذا الشرط، فمن ارتد عن دينه ومات على الكفر فهو حابط العمل، وأما من ارتد ثم عاد إلى الإسلام فإن عمله الصالح الذي قام به قبل ردته لم يحبط بل هو مكتوب له عند الله – هذا هو الراجح –. وعلى هذا الخلاف اختلف العلماء في المرتد وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد. 1- الرواية الأولى - وهي مبنية على القول الأول –: وأن المرتد يحبط عمله وإن مات على الإسلام.
قالوا: لا يلزمه القضاء مطلقاً أي لا العبادات التي تركها في حال إسلامه ولا التي تركها في حال ردته. فالعبادات التي تركها في حال كفره لا يجب عليه قضاؤها وهذا واضح ظاهر، فقد قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} (1) أما ما تركه من العبادات في حال إسلامه فهذه ينبغي أن تكون معلقة به قالوا: قد حبط عمله فأصبح في حكم الكفار، والكافر كما قال الله – فيه -: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} (2) فهو في حكم الكافر في حال إسلامه وفي حال كفره. 2- والرواية الثانية: قالوا: يلزمه القضاء في حال إسلامه وفي حال كفره. قالوا: لأن العمل لا يحبط إلا بالموت على الردة. فعليه: ما تركه من الصلوات والصيام في حال إسلامه يجب عليه أن يقضيه، وما قام به من الأعمال الصالحة كالحج لا يجب عليه أن يعيده. وأما ما فعله أثناء الردة فيجب عليه أن يقضيه، وهذا القول: أما في شقه الأول فراجح واضح، وأما في شقه الثاني فهو ضعيف؛ لأنه كيف نؤمر بالقضاء في حالة ردته، فهو في تلك الحال كافر بالله عز وجل فوجب أن يعطى حكم الكفار وليس هذا القول – في شقه الثاني – ليس له وجه صحيح. 3- ويتم الترجيح للرواية الثالثة واختارها طائفة من أصحابه فإنهم قالوا: يقضي ما تركه في حال إسلامه، وأما في حال ردته فهو بحكم الكفار وهذا القول هو الراجح. فما تركه من الأفعال في حال الردة لا يجب قضاؤها؛ لأنه في تلك الحال كافر، وقد قال تعالى عن الكفار {قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} أما التي تركها في حال إسلامه فإن عمله لم يحبط لكونه قد فقد الشرط الثاني من شروط حبوط العمل وهو أنه لم يمت وهو كافر، فعلى ذلك عمله الصالح الذي قام به حال إسلامه قبل ردته عمل ثابت له لكونه لم يمت على الردة – وحينئذ – يجب عليه قضاء ما تركه من العبادات أثناء إسلامه، لأنه في تلك الحال مخاطب وقد عاد إليه عمله كما كان.
قال: (وإن صلى فمسلم حكماً) رجل ذمي في بلاد إسلامية صلى صلاة المسلمين فحينئذ يحكم له بالإسلام بالظاهر فإذا مات يرثه المسلمون ويصلى عليه ويغسل ويكفن وغير ذلك من أحكام المسلمين هذا في الظاهر وأما السرائر فالله يتولاها ودليل ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله) (1) والحديث رواه البخاري ولما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (2) وقوله: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة) (3) . فهذه الأدلة تدل على أن من صلى صلاتنا فهو مسلم قد ثبت إسلامه بهذه الصلاة ما لم يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام فإن فعل ناقضاً بعد أن صلى أو قال: كنت هازلاً في الصلاة أو نحو ذلك فلا يقبل ذلك منه بل يحكم أنه مرتد، ولا يعطى أحكام الكفار الأصليين بل يعطى حكم الكفار المرتدين، لأننا حكمنا عليه لما صلى بأنه مسلم في الحكم الظاهر، فإذا ادعى خلافه وأصر على الكفر فهذا ارتداد منه وله حكم المرتدين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) (4) ولا يحكم عليه بحكم أهل الذمة بتركهم في البلاد الإسلامية بالشروط بل يعطى حكم المرتد.
إذن: من صلى صلاة المسلمين بطبيعتها وهيئتها فإنه يحكم عليه بالإسلام للأدلة الشرعية المتقدمة. والحمد لله رب العالمين. الدرس الخمسون (يوم الثلاثاء: 11 / 2 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويؤمر بها صغير لسبع، ويضرب عليها لعشر) يؤمر بها: أي الصلاة. الصغير: سواء كان ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً. " لسبع ": أي تمام سبع سنين، فإذا شرع في الثامنة وقد تم له سبع سنين فإنه يؤمر بالصلاة. وإذا تم له عشر سنين وشرع في السنة الحادية عشر فإنه يضرب ضرب تأديب على الصلاة. وهذا خطاب للولي أو الوصي، أو القيم على أمر الصبي، فيجب على الولي، سواء كان أباً أو جداً أو غير ذلك. فإن لم يكن ولياً، فيجب على الوصي، فإن لم يكن وصياً فيجب على القيم الذي يولى أمر الصبي من جهة القاضي أن يأمر الصبي بالصلاة لسبع ويضربه عليها لعشر أي إذا تم له عشر سنين. * وظاهر المذهب وجوب ذلك، وأن هذا واجب على الأولياء، بل يثبت التعزير على الترك كما قال شيخ الإسلام: " فمن لم يفعل فإنه يعزر تعزيراً بليغاً "؛ لأنه ترك ما وجب عليه من الأمر بهذه الصلاة. فالصبي وإن كانت الصلاة منه لا تكون على وجه الفرضية بل هي له نفل، لكن هذا الأمر لتعليمه وتعويده على الصلاة المكتوبة فيألفها ويعتادها فتسهل عليه بالغاً، وإلا فإن الصلاة غير مفترضة على من لم يبلغ لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الخمسة: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق) (1)
والصبي لا تجب عليه الصلاة إلا إذا بلغ، وهذا الأمر أمر وجوب للأولياء أو نحوهم، أما الصبي فإنه لا يعاقب عند الله على تركه الصلاة سواء كان هذا الترك بسبب تهاون الأولياء بأمره أو كان مع تشددهم وقيامهم لهذا الواجب تجاه الصبي، لكنه لا يجب عليه مطلقاً، فإن فِعْله تنفل ولكن الأمر من الولي أمر وجوب. إذن: يجب على الولي ونحوه أن يأمر الصبي بالصلاة لسبع أي إذا تم له سبع سنين، وأن يضربه عليها إذا تم له عشر سنين، ويدخل في ذلك تعليمه الطهارة وما يشترط للصلاة، كتعليم صفتها فإن هذا واجب على الأولياء فإذا قصروا فيه أثموا. وقد ثبت ما يدل على هذا في السنة الصحيحة، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحديث عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع) (1) قوله: (مروا) : أمر، والأمر للوجوب ما لم يأت صارف ولا صارف له. إذن: الصلاة من الصبي تنفل وتطوع بشرط العقل، وهو أن يكون مميزاً.
أما إن لم يكن الصبي مميزاً فإن الصلاة لا تصح منه لما تقدم، فإن الصلاة لا تصح إلا بنية، وغير المميز لا نية له. والنبي صلى الله عليه وسلم قد حدد بسبع سنين، أي بعد تمامها والشروع بالثامنة؛ لأن الغالب أن التمييز يكون في ذلك وإلا فإن مناط الحكم هو التمييز، فإن التمييز هو ثبوت العقل في الطفل بحيث يفهم الخطاب ويرد الجواب، فمتى كان ذلك فإنه مميز، وقد يميز وهو ابن خمس سنين أو ست سنين أو سبع سنين، فتصح منه الصلاة. * ولكن هل يجب على الولي أن يأمره بالصلاة وهو ابن ست سنين وقد ميز؟ ظاهر المذهب: أن ذلك لا يجب وأنه معلق ببلوغ سبع سنين. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه متى ميَّز فإنه يجب عليه أن يأمره بالصلاة، وهذا قوي ظاهر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علق ذلك بالسبع لكون هذا هو الغالب وإلا فقد يميز قبل ذلك فيجب أمره بذلك، وغاية ذلك إنما هو التعليم له وترغيبه بالصلاة وترهيبه من تركها، بخلاف ما إذا بلغ عشر سنين فإنه يضرب ضرب تأديب على ترك الصلاة. قال: (فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها أعاد) أمر الصبي بالصلاة فصلى وأثناء الصلاة بلغ، وهذا فيه إشكال، فكيف يكون البلوغ أثناء الصلاة، لكن لا بأس بذلك فقد يكون مثل ذلك. إذن: يجب عليه إذا بلغ في أثنائها أن يعيدها، وكذلك إذا بلغ بعدها في وقتها أن يعيدها. قالوا: الدليل على ذلك: أنها فريضة عليه وهو إنما صلى على هيئة التطوع والتنفل فلا يجزئ التنفل عن الفرض فصلاته إنما هي نفل وتطوع، وما يجب عليه إنما هو فرض وإلزام ووجوب، وهو إنما قام به على وجه التطوع والتنفل، فالواجب عليه أن يعيده على وجه الافتراض والوجوب. - وذهب الشافعية وهو مذهب بعض أصحاب الإمام أحمد واختار ذلك ابن تيمية: إلى أن ذلك ليس بواجب، فلا يجب عليه أن يعيد الصلاة ولا يؤمر بذلك.
وعللوا ذلك: بأنه قد أمر من وليه بالصلاة وعوقب على تركها ولا يجمع عليه أمران فإنه قد أمر بالصلاة فأداها كهيئة صلاة الناس إلا أنها كانت له نفلاً وكانت لهم فرض بسبب عدم أهليته بذلك، وقد أمر بها وعوقب على تركها فلم يكن – حينئذ – للأمر الثاني وجه، فلا يؤمر بالإعادة مرتين. قالوا: ونحن لا نقول أنها تنقلب من النفل إلى الفريضة لكننا نقول: أنه قد قام بالعبادة كما يقيمها (1) غيره، ولم يكن أهلاً لأن تكون فرضاً فإنه ليس مما يفترض عليه ذلك، فكانت في حكم الله له نفل وإلا فقد قام بها كما يقوم بها غيره فصلى صلاة غيره من الناس. وهذا القول أظهر وأنه لا يجب عليه أن يعيدها؛ لأنه قد أمر بها كما تقدم من الولي بأمر الشارع للولي بذلك فلم يكن من الوجاهة أن يجدد له أمر جديد بذلك. قال: (ويحرم تأخرها عن وقتها إلا لناوي الجمع ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً) هذه المسألة هي في باب المواقيت أنسب منها في هذا الباب، فإنها في تأخير الصلاة عن وقتها، وستأتي الأدلة الدالة على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بل يجب أن تصلى في المواقيت التي وقتها الشارع. فهنا قال: (ويحرم تأخرها عن وقتها) إذن: يستثني من التحريم صورتان: الصورة الأولى: ناوي الجمع، مثال: رجل أخر صلاة الظهر عن وقتها أخرها بنية أن يجمعها مع العصر جمع تأخير وهو ممن يجوز له الجمع، فيجوز له ذلك بالإجماع، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ودلت عليه الشريعة ومثل ذلك جائز إجماعاً.
الصورة الثانية: لمشتغل بشرطها " كالطهارة " الذي يحصله قريباً - وتقدم هذا في باب التيمم – فإذا اشتغل بالغسل وكان هذا من متناوله وهو قريب إليه فاشتغل بالطهارة حتى خرج الوقت فأخر الصلاة لاشتغاله بشرط الطهارة مثلاً فإن هذا جائز – وقد تقدم البحث في هذه المسألة في باب التيمم – وأن هذا جائز على مذهب طائفة من أهل العلم لاشتغاله بشرطها. وهنا قد قيده بقوله: (الذي يحصله قريباً) فإن لم يحصله قريباً، بأن كان بعيداً بالعرف كأن يكون الماء بعيداً عنه وفي ذهابه إليه تفويت لصلاة الوقت وتأخير لها عن وقتها فإن ذلك لا يجوز له وليس معذوراً بذلك؛ لأن هذا الشرط ليس يحصله قريباً عرفاً بل هو بعيد عرفاً. إذن: المشتغل بشرط من شروط الصلاة يجوز له أن يؤخر الصلاة حتى يتم له القيام بهذا الشرط، هذا على القول المتقدم. وقد تقدم ترجيح وجوب الصلاة في وقتها كما في باب التيمم. وفي قوله: (ويحرم تأخيرها عن وقتها) : ظاهره جواز تأخيرها في وقتها، فله أن يصلي صلاة الظهر في آخر وقتها ونحو ذلك فإن هذا جائز ما لم يكن الوقت محرماً أي وقت ضرورة – وسيأتي بيانه في باب المواقيت –. فإذن يجوز له أن يؤخر الصلاة في وقتها، وقيدوا هذا بشرطين: الشرط الأول: ألا يظن وجود مانع، فمتى ظن وجود مانع فإنه لا يجوز له ذلك. مثال ذلك: رجل أذن الظهر ويعلم أنه سيكون عليه مانع بعد ساعة يمنعه من الصلاة كقصاص ونحوه فإنه لا يجوز له أن يؤخرها؛ لأن في تأخيرها عن هذا الوقت تفويتاً وتضيعاً لها. مثال آخر: امرأة تظن أن يقع عليها الحيض بعد وقت من دخول وقت الفريضة فإنها يجب عليها أن تصلي في هذا الوقت قبل أن يقع عليها هذا المانع. فإن أخرها وقد ظن المانع فيكون آثماً لتفريطه. الشرط الثاني: قالوا: أن يعزم على الصلاة.
يعني: رجل قال: أريد أن أوخرها إلى قبيل أذان العصر أو امرأة ولم تظن مانعاً ولكنها لم تعزم في أول الوقت أن تصلي. قالوا: فإنها تأثم وإن أدركت الوقت للصلاة. - وذهب بعض الحنابلة: إلى أن هذا ليس بشرط، وهذا هو الراجح، فإنه لا دليل يدل عليه. فإن هذا المصلي قد صلى الصلاة في وقتها الموسع الذي يجوز له أن يصليها فيه، وكونه لم يعزم أن يصليها في آخر وقتها فإن هذا لا يعني أن يكون آثماً، فهو وإن نوى ألا يصلي ثم صلاها في آخر الوقت فإن هذا لا يقتضي تأثيمه ما دام أنه قد قام بالواجب عليه، فقد صلى الصلاة في وقتها كما أمره الله تعالى. وهذا ما ذهب إليه بعض الحنابلة وأنه لا معنى لاشتراط هذا الشرط. فإذا توفر هذان الشرطان على المشهور في المذهب أو توفر الشرط الأول – على القول الراجح – فإنه يجوز أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها. وهذا ما لم تكن هناك جماعة يجب عليه أن يصلي معها فهذه مسألة أخرى. فهذا حيث لم يكن هناك أمر آخر يتعلق بوجوب الصلاة في وقت ما من هذا الوقت الموسع. إذا أخرها تأخيراً جائزاً له في وقتها الموسع فمات فهل يناب عنه أولاً، وهل يأثم ثانياً؟ الجواب: أنه لا يناب عنه فإن الصلاة بإجماع أهل العلم (1) لا تدخلها النيابة لا بالنفس بأن يصلي أحد عن أحد ولا نيابة بالمال بأن تكون فيها كفارة بإطعام أو نحو ذلك، بل قد أجمع أهل العلم – لعدم الدليل الشرعي الدال على ذلك – أن النيابة ليست مشروعة في الصلاة لا النيابة بالنفس ولا بالمال. وهل يأثم أم لا؟ الجواب: بالإجماع أنه لا يأثم؛ لأنه قد فعل ما يجوز له وما يسوغ. فإنه يجوز له تأخيرها إلى آخر وقتها فمات قبل أن يصليها ولم يكن يظن هذا المانع، وقد تقدم التقيد بهذا، فوقع عليه الموت من غير أن يظنه فلا يأثم لأنه فعل ما يجوز له.
ومثل هذا ونظيره – كما قال شيخ الإسلام: الرجل يؤخر الصوم من رمضان، يريد أن يؤخر قبيل رمضان الآخر، فإن هذا جائز له والقضاء من رمضان إلى رمضان وقت موسع، فالفضيلة في الاستعجال بذلك، ولكن الجواز وقته موسع، فإذا أخر القضاء – حيث يجوز له – فمات قبل أن يقضي فلا إثم عليه بالإجماع. وهل يناب عنه أم لا؟ هذه مسألة أخرى دلت الشريعة عليها، وأنه يصام عنه على قول أهل العلم. والقول الثاني: أن عليه الكفارة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) (1) والمسألة في صيام الفرض مختلف فيها. والراجح: أن الفرض لا يصام عنه وإنما يصام النذر ونحوه من الواجبات. وأما الفرض فإنه فيه الكفارة. وليس هذا محل البحث في هذه المسألة وإنما المقصود أن من أخر الصيام حيث يجوز له التأخير كأن يمر عليه شوال وذي الحجة وما زال الوقت ممكنا له أن يصوم وكان عليه يوم مثلاً فمات قبل يومين من رمضان القادم فإنه لا إثم عليه بإجماع أهل العلم لأنه قد فعل ما يجوز له. والحمد لله رب العالمين. الدرس الحادي والخمسون (يوم الأربعاء: 12 / 2 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله: (من جحد بها كفر) من جحد بالصلاة كفر وإن فعلها – إجماعاً – فمن جحد وجوبها وقال: هي ليست بواجبة وإنما هي نفل أو نحو ذلك فهو كافر، لأنه منكر لما ثبت بالتواتر من دين الله تعالى مما ثبت في الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة، وأن الصلاة فريضة على عباد الله فمن أنكر ذلك وجحده فهو كافر لإنكاره ما أثبته الله ورسوله مما علم ضرورة من الدين. إلا إذا كان يمكن أن يخفى عليه مثل ذلك كأن يكون حديث عهد بإسلام أو ناشئاً ببادية بعيدة عن الإسلام فإنه لا يكفر حتى يعرف.
إذن: جاحد فريضة الصلاة كافر بالإجماع فمن أنكر وجوب الصلاة فقد كفر وإن صلى. قال: (وكذا تاركها تهاوناً) فمن ترك الصلاة كسلاً تهاوناً فهو كافر أيضاً - وهذا هو مذهب الحنابلة – خلافاً لمذهب المالكية والأحناف والشافعية فإنهم قالوا: إن تارك الصلاة غير الجاحد لوجوبها لا يكفر وإن تركها مطلقاً. واستدل الحنابلة – وهو مذهب جمهور السلف، وممن ذهب إليه إسحاق وابن المبارك -: 1- بقول الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} (1) فدل ذلك على أنهم إن لم يفعلوا ذلك فليسوا بإخوان لنا في الدين، والأخوة الدينية لا تنفى إلا مع الكفر بدليل أن الله تعالى أثبتها مع قتل النفس قال تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} (2) فإن قيل فلم لا تكفرون تارك الزكاة؟ فالجواب: عن الإمام أحمد رواية أخرى بتكفير تارك الزكاة. والمشهور في المذهب: أنه لا يكفر – وهذا هو الراجح – فعلى هذا ما الجواب؟ الجواب أن يقال: إن أدلة أخرى دلت على استثناء غير المؤدي للزكاة من نفي الأخوة، من قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم يرى مقعده إن شاء في الجنة وإن شاء في النار) (3) فهذا يدل على أن تارك الزكاة لا يكفر. إذن: هذه الآية تدل – سوى تارك الزكاة فإن الدليل الشرعي قد دل على استثنائه وسوى ذلك - فإنه يكفر، {فإن تابوا} من الكفر والشرك {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} . 2- واستدلوا بما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (4) .
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة فاصلاً بين الإيمان والكفر، وذكر الكفر معرفاً بأل الاستغراقية التي تفيد أن هذا مستغرق في الكفر، فدل على أنه هو الكفر الأكبر. وهذا هو الأصل في إطلاق لفظة الكفر وأنها الكفر الأكبر إلا أن يأتي دليل يدل على أن المراد بها الكفر الأصغر. 3- واستدل [كـ]ـذلك بنحوه: بما ثبت عند أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (1) . 4- واستدلوا: بإجماع الصحابة، فقد ثبت في سنن الترمذي بإسناد جيد عن عبد الله بن شقيق قال: (ما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) (2) قالوا: والصحابة أعلم من أن لا يروا أن هناك شيئاً من الأعمال تركه كفر أصغر، فإن الشريعة قد دلت على أن هناك من الأعمال ما هو شرك أصغر فرواه لنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كالحلف بغير الله وكيسير الرياء، وكالنياحة، وكالفخر بالأحساب والطعن في الأنساب ونحو ذلك، فإنها من الأعمال التي فعلها كفر أصغر، وهنا قال الراوي " ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة " فلما كانوا يرون أن هناك شيئاً من الأعمال تركه كفر أصغر دل على أن مراده بالكفر هنا، الكفر الأكبر. لذا ذكر ابن حزم أن الصحابة قد أجمعوا على كفر تارك الصلاة. وظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة كما قال ابن رجب: " ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أنه يكفر بخروج وقتها ".
واختار شيخ الإسلام أنه لا يكفر إلا إذا كان تاركاً مطلقاً للصلاة، أما إذا كان يصلي تارة ويدع تارة كما يقع لكثير من المسلمين فإنه لا يكفر بذلك، واختار هذا الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. وسيأتي الدليل الدال على ذلك. وأما الأحناف والشافعية والمالكية فاستدلوا: 1- بما ثبت في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية، ويبقى أناس فيهم الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آبائنا يقولون " لا إله إلا الله " فنحن نقولها) قال صلة بن زفر - وهو الراوي عن حذيفة – " وهل تغنيهم هذه الكلمة وهم لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا صدقة ولا نسك؟ فأعرض عنه حذيفة فسأله ثلاثاً وهو يعرض عنه ثم قال: تنجيهم من النار – ثلاثاً - " (1) . قالوا: فهذا يدل على أنهم ليسوا بكفار إذ لو كانوا كفاراً لما قال حذيفة: " تنجيهم من النار " وهذا الاستدلال ضعيف من جهتين: *- الأولى: أن هؤلاء لهم حكم خاص، فإنهم لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا صدقة ولا نسك لارتفاع الشرائع فقد سري بكتاب الله ولم يبق من شريعة الله في الأرض إلا " شهادة أن لا إله إلا الله " فهم جهال بترك الصلاة ونحوها، وهم معذورون بذلك لذا قال: " تنجيهم من النار ".
وقد تقدم أن الجاحد لوجوبها والتارك لها إذا كان يمكن أن يجهلها فإنه لا يكفر، وهؤلاء قد عاشوا حياة قد ظهر فيها الجهل إلى الغاية، حيث لم يبق في الأرض كتاب ولا سنة فهم أولى بهذا الحكم من غيرهم. *- الثاني: أن هذا قول حذيفة. فلو سُلِّم أن مراده أن هؤلاء ينجيهم من النار قول لا إله إلا الله مع تركهم للصلاة وهم عالمون بذلك كما يريد المستدل بهذا الحديث فإن هذه غايته أنه قول حذيفة، وقوله لا تعارض به الأدلة الشرعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهو مخالف بقول غيره من الصحابة كما تقدم من قول عبد الله بن شقيق. هذا لو سُلم بأنه على هذا النحو قول حذيفة ولا نسلم بذلك بل هو قوله حيث كانوا جهالاً معذورين بالجهل، وإلا فإنا لا نجزم بأن قوله حيث كذلك فيما لو كانوا عالمين وتركوا ذلك تهاوناً وكسلاً.
2- واستدلوا: بما ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – فيمن يخرج من النار إلى أن قال -: (فيخرج منها قوم لم يعملوا خيراً قط) (1) وهذا من المتشابه الذي لا يترك به المحكم، ومما تقدم من الأدلة تدل على كفر تارك الصلاة وهذا من المتشابه؛ ذلك لأن هذا الحديث عام في هذه الأمة وغيرها ممن يدخل النار من هذه الأمة وغيرها، ولا تمنع أن تكون الصلاة مفروضة على طائفة من الأمم التي بعث إليها بعض أنبياء الله، ولا يمنع أن تكون قد فرضت ولكن لم يحكم بكفر تاركها كما في هذه الأمة، فإن قوله: " ثم يخرج منها قوم لم يعملوا خيراً قط " لا نسلم أنه في هذه الأمة التي فرضت عليها الصلاة وحكم بكون تاركها كافراً، فإنه من المحتمل – والحديث عام - أن يكون هذا في أمة من الأمم التي لم تفرض عليها الصلاة أو فرضت عليها الصلاة ولم يحكم بكون تاركها كافراً. ثم لو قلنا بدخول هذه الأمة بهذا العموم فإنه لا مانع أيضاً أن يكون هؤلاء معذورون بشيء من الأعذار لأنها قضية عين فيحتمل أن يكون لهم عذر ما كجهل ونحوه ويكونون قد عوقبوا بدخولهم في النار بأسباب أخرى، بمعاصي أو نحوها قد فعلوها عالمين بحكمها فعوقبوا عليها فأما الصلاة فكانوا جاهلين بها فلم يعاقبهم الله بالخلود في نار جهنم. إذن: هذا من المتشابه والواجب العمل بالمحكم وإرجاع المتشابه إليه.
3- واستدلوا بما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) (1) قالوا: فهنا قال: (ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء عذبه) قالوا: فدل هذا على أنه داخل تحت المشيئة ولا يدخل تحت المشيئة إلا المسلم. والجواب على ذلك: أن قوله: " فمن لم يفعل " راجع إلى ما تقدم أي: من لم يفعل الصلوات الخمس على النحو المتقدم بأن يصليهن لوقتهن وقد أتم ركوعهن وخشوعهن وأحسن وضوءهن، فمن لم يفعل ذلك بأن أخل بشيء مما تقدم كأن يكون يصلي تارة ويدع تارة أو يؤخر الصلاة عن وقتها أو لا يتم خشوعها أو ركوعها أو نحو ذلك فإنه تحت مشيئة الله تعالى، أما من تركها فإنه لا يدخل في هذا العموم وقد استثنته الأدلة التي تقدم ذكرها القاضية بكفر تارك الصلاة.
والقول الراجح: هو ما ذهب إليه الحنابلة وجمهور السلف إلا أنه يقيد بما ذكره شيخ الإسلام، وأن من تركها تارة وتارة فإنه لا يكفر بذلك للحديث الآخر الذي تقدم الاستدلال به للقائلين بعدم كفر تارك الصلاة. فإن من لم يحافظ على الصلوات محافظة تامة بحيث يحافظ عليهن خمساً فهو يصلي تارة وتارة فهو داخل تحت الوعيد إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، والعلم عند الله تعالى. قال: (وكذا تاركها تهاوناً ودعاه إمام أو نائبه فأصر وضاق وقت الثانية عنها) إذن: ذكر شرطين في تكفيره: الشرط الأول: أن يدعوه الإمام أو نائبه. الشرط الثاني: أن يضيق وقت الثانية عنها. أما الشرط الأول فقالوا: لا يكفر إلا إذا دعاه الإمام أو نائبه لأنه قد يظن أن له عذراً بترك الصلاة وليس ذلك بعذر فلا يكفر حتى يدعوه الإمام أو نائبه، وإنما خص ذلك بالإمام أو نائبه لأن الأحكام الشرعية أو الحدود إنما مرجعها إلى الأئمة ونوابهم دون غيرهم من آحاد الناس. ولكن هذا القول ضعيف، لذا قال ابن رجب في تتمة كلامه المتقدم قال: " وظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أنه يكفر بخروج وقتها ولم يعتبروا دعاءه ولا الاستتابة " وهذا هو الواضح والحق. فإن هذا ما دام أنه قد فعل ما دلت الأدلة الشرعية على تكفيره به، فإن اشتراط دعاء الإمام أو نائبه في تكفيره لا دليل عليه بل يكفر متى ترك الصلاة وإن لم يدعه إمام ولا نائبه. أما قضية القتل فسيأتي الكلام عليها. وكذلك الشرط الثاني: وهو قولهم " وضاق وقت الثانية عنها " يعني مثلاً: ترك صلاة الظهر حتى خرج وقتها، لا يكفر بذلك حتى يضيق وقت الثانية، فإذا ضاق وقت العصر فما بقي لوقت المغرب إلا ما يكون ضيقاً على العصر فإنه – حينئذ – يكفر بذلك. قالوا: لأنا لا نجزم بأنه عازم على ترك الصلاة إلا بهذا.
ولكن هذا ضعيف، وتقدم ما قاله ابن رجب عن الإمام أحمد وغيره وأن ظاهر كلامهم أن المعتبر هو خروج الوقت الصلاة، وهذا هو اختيار المجد واستظهره في الفروع ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية – وهذا الترجيح لشيخ الإسلام إنما هو في القتل وأما التكفير فقد تقدم اختياره من أنه لا يكفر (1) ، ولكن هذا بناء على القول بالقتل وسيأتي دليله -. إذن: أصح قولي المذهب – وهو رواية عن الإمام أحمد – أنه: إذا خرج وقت الصلاة عنها فإنه يكفر. فهذان الشرطان الصحيح أنهما ليس بمعتبرين بل متى خرج وقت الأولى ولم يصل فإنه يكفر ولو لم يضق الوقت – هذا على القول بخلاف ما ذكره شيخ الإسلام. قال: (ولا يقتل) القتل عقوبة لتارك الصلاة في الدنيا، لما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نهيت عن قتل المصلين) (2) ، ولما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله قال: لا ما صلوا) (3) وهو مذهب أكثر الفقهاء وأنه يقتل. ويشترط ما تقدم من الشرطين السابقين: وهما أن يدعوه الإمام وألا يقتل حتى يضيق وقت الثانية عنها.
ولكن هذا أيضاً - أي في كونه يضيق وقت الثانية – ليس كافياً لأنه متى ضاق وقت الثانية حكم – حينئذ – بكفره فإذا حكم بالكفر فإن هذا مرتد، والمرتد يقتل كفراً، ولكن بشرط أن يستتاب ثلاثاً لذا قال: (ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فيهما) أي في جحود الصلاة أو في تركها تهاوناً وكسلاً؛ وذلك لأنه مرتد فمتى دعاه الإمام أو نائبه وضاق وقت الثانية فلم يصل فهو مرتد، والمرتد يُقتل ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً كما هو مذهب الجمهور. والصحيح أن الاستتابة ليست بواجبة كما هي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وأحد القولين للإمام الشافعي ومذهب طائفة من التابعين كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (1) ولم يذكر استتابة. وثبت في الصحيحين أن معاذ بن جبل قدم على أبي موسى الأشعري وعنده رجل موثقاً فقال: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم ثم راجع دينه دين السوء، فقال: (لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله فقال: اجلس، فقال: " لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله قال ذلك ثلاثاً ثم أمر به فقتل) (2) فهذا الفعل من معاذ والإقرار من أبي موسى شرح لهذا الحديث النبوي، وأن من بدل دينه، وتارك الصلاة مبدل لدينه لا يستتاب ثلاثاً بل يقتل. ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في الاستتابة. وكذلك لا يصح الأثر المروي عن عمر بن الخطاب، وقد رواه مالك في موطئه (3) بإسناد ضعيف فيه انقطاع وجهالة.
فالراجح: عدم اشتراط الاستتابة لكنها مستحبة من غير أن يشترط بيوم ولا يومين ولا ثلاثة وإنما بقدر المصلحة. كما أن النظر يدل على أنها ليست بواجبة، لأن الكافر الأصلي المحارب المهدر دمه لا يستتاب وجوباً بل يقتل من غير استتابة ولا دعاية " أي دعوة إلى الإسلام " فيجوز أن يُغار على الكفار بحيث يقع المسلمون عليهم على غرة منهم فإن هذا جائز وقد دلت عليه الأدلة الشرعية ولم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم استتابتهم ولا إنذارهم – وإنما لا يجوز قتل من لم يبلغه الشريعة حتى يدعى إليها – وهذا المرتد قد علم حكم الله ودعي إليه وكفر وثبتت ردته – فحينئذ – لا يجب أن يستتاب، لكن الاستتابة مستحبة. إذن الراجح: عدم وجوب الاستتابة بل متى ثبت كفره وذلك يثبت بترك الصلاة مطلقاً على الراجح، وعلى القول المرجح (1) من قولي المذهب يكفر بترك صلاة حتى يخرج وقتها مصراً على ذلك فإنه يكفر ويقتل من غير أن يستتاب أي ما دام أنه قد بين له دين الله وشرع الله وعرف الحق من الباطل فإنه لا يجب أن يتربص به فترة ليستتاب بل متى ثبت كفره فإنه يجوز قتله من غير استتابة. * واعلم أن شيخ الإسلام اختار – وهو القول الحق – أن من ترك الصلاة فإنه لا يقضيها بل ولا يصح منه بل يجتهد بقدر استطاعته بالتطوع. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول يوم القيامة: (انظروا هل لعبدي من تطوع) (2) فيمن اختلت بعض فرائضه.
فلا يؤمر بقضاء الصلاة وقد فوتها بغير عذر؛ لأن الأدلة الشرعية لم تدل على ذلك بل أمرت الشريعة بأداء الصلاة في وقتها، وأمرت بالقضاء لمن كان معذوراً بنوم أو نحوه فلم يدخل بذلك من تركها بلا عذر وتكون مردودة عليه لو فعلها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (1) . فعلى ذلك: من تعمد تأخير صلاة الفجر عن وقتها فإنها لا تصح منه ولا تقبل منه ولا يؤمر بأن يصليها إذا استيقظ ما دام أنه قد تركها
متعمداً فلم يسع أو يجتهد بقدر استطاعته للقيام لها بل تعمد النوم عنها فلا يقبل منه بل عليه أن يجتهد بالاستغفار وبالتطوع ليسد الخلل الواقع في فريضته. والحمد لله رب العالمين. (انتهى هذا الباب، ويليه باب الأذان والإقامة) الدرس الثاني والخمسون (يوم السبت: 15 / 2 / 1415 هـ) باب الأذان والإقامة الأذان: في اللغة: الإعلام ومنه قوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} (1) أي إعلام وإخبار. أما اصطلاحاً فهو: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. والإقامة في اللغة: مصدر أقام يقيم إقامة، وحقيقتها الإزالة من القعود إلى القيام، وهذا واضح في الإقامة فإنها تزيلهم من القعود إلى الوقوف لأداء الصلاة المفروضة. أما اصطلاحاً فهي: الإعلام بإقامة الصلاة بألفاظ مخصوصة. وقد ورد في فضله أدلة كثيرة: تدل على فضل الأذان وعظيم الأجر بأدائه، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين: " أن أبا سعيد قال لأبي صعصعة: إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت فارفع صوتك فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم) (2) . وفي مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أطول الناس أعناقاً يوم القيامة المؤذنون) (3) .
* وقد اختلف أهل العلم في التفضيل بينه وبين الإمامة: 1- فالأصح في مذهب الحنابلة الذي اختاره طائفة من كبار الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي واختاره شيخ الإسلام: أن الأذان أفضل. واستدلوا: بما روى أحمد وأبو داود – والحديث صحيح – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين) (1) فالإمام ضامن أي ضامن للقيام بالصلاة على صفتها الشرعية. وأما المؤذن فإنه مؤتمن بالقيام بالأذان على الوجه الشرعي فهي أمانة في عنقه يتعلق بها فريضتان من فرائض الله على عباده وهي الصيام والصلاة، ثم دعا للأئمة بالرشد وهو العلم النافع مع العمل به، ودعا للمؤذنين بالمغفرة. قالوا: هذا الحديث يدل على تفضيل الأذان لكنه في الحقيقة ليس فيه دليل على ذلك إذ ليس فيه إلا الإخبار بأن الإمام في عمله ووظيفته ضامن، بألا يطرأ على الصلاة ما يخل بها من سهو ونحو ذلك. وأما المؤذن فإنه مؤتمن بحيث لا يؤذن قبل دخول الوقت فيخون الناس في صلاتهم وفريضتهم.
ثم دعا للأئمة بالرشد وهم أحق به لأنهم موضع اقتداء فيكونون أحق بالعلم والعمل، ودعا للمؤذن بالمغفرة لكونه أحق بها، فقد يقع – وهذا لا يسلم منه المؤذن – بما يكون خطأ في الأذن (1) بالأذان قبل الوقت لا سيما في أوقات سابقة عندما كان الاعتماد على التحري فقد يقع مثل ذلك فدعا له بالمغفرة. فهذا الحديث ليس فيه إلا الإخبار عن حالهما والدعاء لكل واحد منهما بما هو الأليق بحاله، وليس في هذا تفضيل لأحد منهما على الآخر. 2- وعن الإمام أحمد: تفضيل الإمامة. واستدلوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين كانوا قائمين بهذا الواجب ولم يقوموا بالأذان ولم يكونوا ليختاروا إلا الأفضل. ولكن هذا الاستدلال محل نظر، فإنهم كانوا قائمين بالإمامة العظمى من القيام بشأن الأمة ولا شك أن القيام بالأذان يخل بهذا فإنه شاق يحتاج إلى التحري بالنظر إلى أمارات وعلامات دخول الوقت وخروجه، والخلافة أهم من ذلك بكثير ولا شك ولا يقارن مثل هذا بها، لذا في البيهقي بإسناد صحيح أن عمر قال: (لولا الخلافة لأذنت) (2) فالخلافة مشغلة عن القيام بالأذان. ولم يتبين لي ترجيح أحد القولين على الآخر، ومثل هذه المسائل – في الحقيقة – لا تحتاج إلى البحث في التفضيل بينهما بل كل منها له الفضل العظيم عند الله ولا شك أن الأذان قد يكون لبعض الناس أفضل كما أن الإمامة قد تكون لبعض الناس أفضل.
فمثلاً: من كان من أهل العلم وله قدرة على تعليم الناس في شأن الصلاة وغيرها فهذا الأولى له أن يتولى الإمامة لكونها محل الاقتداء والتلقي من المأمومين بخلاف الأذان، وأما من كان من عامة الناس وله معرفة بالأوقات وقدرة على تحريها والقدرة على الانضباط فالأولى له أن يقوم بالأذان، وكلاهما له فضيلته وأجره عند الله. إذن: في هذه المسألة قولان هما روايتان عن الإمام أحمد: الأولى: أن الإمامة أفضل. والثانية: أن الأذان أفضل. قال المؤلف رحمه الله: (هما فرض كفاية) هما: أي الأذان والإقامة " فرض كفاية " هو الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، فإذا قام به البعض من الأمة بحيث تسد بهم الخلة ويقومون بتبليغ الأذان إلى الأمة فإن ذلك كاف. ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) (1) وفي رواية في الصحيحين: (ثم أذنا ثم أقيما) والشاهد هنا قوله هنا قوله: " فليؤذن " وقوله: " ثم أذنا ثم أقيما " والأمر للوجوب. ولما أمر به أحد الرجلين دل على أنه فرض كفاية. قال: [على الرجال] وهنا ذكرهم على وجه الجمع، وتثبت الجماعة باثنين فأكثر، فمن كانا اثنين فأكثر فيجب أن يؤذن أحدهما كما تقدم في حديث مالك: (فليؤذن لكما أحدكما) أما إذا كان فرداً فلا يجب عليه الأذان ولا الإقامة لأن الحديث إنما هو وارد في الاثنين فأكثر.
أما الواحد فلا يجب عليه الأذان ولا الإقامة ولكن ذلك مستحب له، فقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يعجب ربك لرجل في شظية لجبل يؤذن ثم يصلي فيقول الله (انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني قد غفرت له وأدخلته الجنة) (1) لما فيه من عظم الإخلاص لله إذ لا يراه إلا الله ولا يسمعه غيره ومع ذلك أذن وأقام للصلاة خوفاً من الله. وفي قوله: " الرجال " تخرج منه النساء، فالنساء كما في المشهور في المذهب: لا يشرع لهن الأذان ولا الإقامة.
واستدلوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس على النساء أذان ولا إقامة) (1) ولكن الحديث إسناده ضعيف جداً وقد رواه البيهقي وغيره. ورُوى موقوفاً إلى ابن عمر – كذلك عند البيهقي – وإسناده ضعيف فلا يثبت عنه. بل قد ورد عن ابن عمر ما يخالفه، فقد ثبت عند ابن أبي شيبة بإسناد جيد أنه سئل هل تؤذن النساء وتقيم فقال: أنا أنهى عن ذكر الله؟ (2) على وجه الاستفهام أي لست أنهى عن ذكر الله، والأذان والإقامة من ذكر الله. - وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول للشافعي: إلى أن الإقامة مشروعة لهن دون الأذان، لما في الأذان من رفع الصوت الذي ينافي ما ينبغي أن تكون عليه المرأة من الحشمة ولأنه مثار الفتنة.
- وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى عنه: إلى مشروعيتهما معاً، وهذا أصح ولكن هذا إذا أمنت الفتنة برفع صوتها كأن يكون صوتها محصوراً بين النساء بحيث لا يخرج الصوت إلى الرجال بحيث تفعله المرأة في مكان خال خاص بالنساء أو تفعله في بيتها بحيث لا تخرج الصوت إلى الأجانب لما فيه من الفتنة ويدل على هذا أن (النساء شقائق الرجال) (1) كما ثبت ذلك في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم فما ثبت في حق الرجل فهو ثابت في حق المرأة إلا أن يدل دليل على تخصيصه، لذا نحن خصصنا من ذلك ما يكون فيه فتنة لأن الشريعة قد وردت بمثل هذا، أما ما لم يكن كذلك فلها أن تؤذن أو تقيم. لكن يشكل عليه ما ورد عن عائشة أنها قالت: (كنا نصلي بغير إقامة) (2) وإسناده جيد.
ويعارض هذا عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، رواه ابن المنذر (1) ، لكن إسناده ضعيف. إذن يشكل على هذا قول عائشة والذي يظهر لي أن هذا الأثر يحمل على ما تكون فيه المرأة في الغالب من كونها تصلي منفردة، والمنفرد لا يجب عليه الأذان ولا الإقامة وإنما ذلك مستحب له. ويعارضه كذلك قول ابن عمر فإنه قال: " أنا أنهى عن ذكر الله " ولو كان ذلك غير مشروع لنهى عنه. والأظهر عندي أن يقال: إنه في (2) مشروع في حقهن بل قد يقال بوجوبه كما صرح به صاحب الروضة الندية " وهو قول قوي؛ لأن النساء شقائق الرجال إلا أنه بالقيد المتقدم حيث لا تكون مثاراً للفتنة. أما إذا كانت منفردة فيشرع لها أن تؤذن وأن تقيم إن كانت في موضع ومحل أذان (3) . أما إذا كانت في بلدة فإنها تكتفي بأذان الناس وتقيم لنفسها، والله اعلم. قال: (المقيمين) فيخرج: المسافرين، فالمسافرون – في المشهور من المذهب – لا يجب عليهم الأذان والإقامة بل هما مستحبان. وهذا القول ضعيف، فإن الأدلة الشرعية السابق ذكرها يشمل المسافرين. - لذا عن الإمام أحمد رواية أخرى اختارها بعض أصحابه كصاحب المبدع: أن المسافرين عليهم الأذان والإقامة فرض كفاية كالمقيمين، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عمم في الأدلة الشرعية: (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) هذا عام في الحضر والسفر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك الأذان والإقامة سفراً ولا حضراً فدل على فرضيتهما. قال: (في الصلوات الخمس المكتوبة)
دون غيرها، كأن يوجب على نفسه صلاة أو صلاة الكسوف أو الاستسقاء أو صلاة العيد أو نحو ذلك من الصلوات فهذه لا يفرض فيها الأذان ولا الإقامة بل لا يشرع بل هو بدعة لأن الأذان والإقامة إنما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات المكتوبة، وأما غيرها فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤذن فيها ولم يقم فدل على أن المشروع فيها هو ترك الأذان والإقامة كصلاة الكسوف والاستسقاء. فالأذان والإقامة خاصان بالصلوات المكتوبة كما يدل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو محل التشريع. وهنا: الصلاة الفائتة والمقضية هل يشرع فيها الأذان والإقامة أم لا؟
الجواب: يشرع ذلك، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين في قصة نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قال فيه: (ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالاً فأذن فصلينا ركعتين " أي سنة الفجر " ثم أقام فصلينا) (1)
والذي يظهر لي هو القول بوجوبها فلا يستحب بل يجب ذلك وقد حكاه صاحب الفروع بلفظة " قيل " فهو قول لبعض أهل العلم، والذي يدل عليه: عمومات الأدلة الشرعية وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم بلالا من الأذان والإقامة ولأن القضاء يحكى الأداء. هذا إذا كانت في محل الصلاة المكتوبة تماماً، كأن يكون هناك جماعة في بر ونحوه فاتتهم صلاة الفجر فاستيقظوا بعد طلوع الشمس فإنهم يؤذنون ويقيمون فيرفعون النداء بالأذان ليتجمعوا على الصلاة بخلاف ما لو فاتته الصلاة في الحضر فإن الأمر يختلف. نعم: إذا كانوا جماعة في بيت فأذنوا أذاناً يكفي أهل البيت فكذلك. إذن: المذهب أن الأذان والإقامة للفائتة مستحب حيث توفرت فيها ما يكون في الحاضرة تماماً. ولنا أن نقول: إذا كان في الحضر فإنه لا يفعل ذلك اكتفاء بالمؤذن الذي يسمعه. لكننا نقول بوجوبه حيث كان في محل لا يؤذن فيه، كأن يكون في حضر أو سفر ولم يؤذن في موضعه الذي فيه فإن الأذان يقضى ويجب الأذان وتجب الإقامة لما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بلالاً والأمر للوجوب ولدخول ذلك في الأدلة الشرعية. فإذا كان عليه مجموعة من الفوائت فإنه يكتفي بأذان واحد لأن هذا الأذان قد جمع الناس إلى هذا الموضع فيكتفي به، ولكن لكل صلاة إقامة.
يدل على ذلك: ما رواه أحمد والترمذي والنسائي والحديث حسن عن ابن مسعود قال: " شُغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن أربع صلوات، فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء " (1) فيكتفى بالأذان الأول وتقام لكل صلاة. كما أنه لا يشرع للصلاة المجموعة إلا أذاناً واحداً كما دلت عليه السنة الصحيحة المتفق عليها. قال: (يقاتل أهل بلد تركوهما) لأنهما من الشعائر العظيمة في الإسلام.
وإذا تمالأ – كما في القاعدة الشرعية - أهل بلد على ترك شعيرة من الشعائر الإسلامية فإنهم يقاتلون وهذه المقاتلة ليست فرعاً عن التكفير، بل كونهم قد تمالؤوا على ترك شعيرة من الشعائر الظاهرة هذا يقتضي قتالهم على ذلك كما قرر ذلك شيخ الإسلام كأن يتمالؤوا على ترك الزكاة أو ترك غير ذلك من شعائر الإسلام الظاهرة كصلاة العيد ونحوها فإنهم يقاتلون ومن ذلك الأذان. وقد ثبت في مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان يغير إذا طلع الفجر فإذا سمع أذاناً وإلا أغار) (1) فمن تركوا شعيرة من الشعائر فإنهم يقاتلون حتى يظهروا هذه الشعيرة. والحمد لله رب العلمين. الدرس الثالث والخمسون (يوم الأحد: 16 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (وتحرم أجرتهما لا رزق من بيت المال لعدم متطوع) " أجرتهما ": أي الأذان والإقامة. في هذه الجملة ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن الرزق على الأذان والإقامة من بيت المال لعدم المتطوع جائز. وهذا مما اتفق عليه أهل العلم، وقد ذكر الموفق أنه لا يعلم بين أهل العلم فيه خلافاً وهذا كرزق الغزاة والقضاة وغيرهم. فالرزق يجوز أخذه مطلقاً. المسألة الثانية: أنه لا يجوز للإمام أن يدفع رزقاً للمؤذن إلا إذا عدم المتطوع. أما إذا كان ثمت متطوع فلا يجوز ذلك حفظاً لمال المسلمين وصيانة له من الضياع، وهذه المسألة هي ظاهر المذهب في قوله " لعدم متطوع " المسألة الثالثة: أن الأجرة محرمة على الأذان والإقامة.
والمراد بالأجرة: ما يأخذه من آحاد الناس، بمعنى لا يكون هذا من بيت المال، كأن يكون جماعة المسجد يضعون له راتباً فهذه هي الأجرة بخلاف الرزق فإنه يكون من بيت المال، فهذه الأجرة محرمة لقول النبي صلى الله عليه وسلم – كما في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم – بإسناد صحيح من حديث عثمان بن أبي العاص وفيه: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) (1) هذا هو المشهور في المذهب. - وعن الإمام أحمد رواية أخرى وهي اختيار شيخ الإسلام: أن ذلك جائز مع الفقر، فإذا كان المؤذن محتاجاً إلى الأجرة على الأذان فهذا جائز له، لقوله تعالى: {ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف} (2) وهذا فيما يكون في مال اليتيم، فيجب عليه أن يتعفف عن أكله إلا أن يكون فقيراً فيحق له أن يأكل بالمعروف ومثل ذلك القيام بالأذان. فالقيام على مال اليتيم قربة يتقرب بها إلى الله وكذلك القيام بالأذان وغيره من العبادات التي نفعها متعد إلى الغير فكذلك.
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) (1) وهذا قد فتح له باب رزق ليسد به فقره ويكفي به نفسه وعياله فحينئذ يجب (2) عليه قبوله. وسيأتي مزيد بحث عن هذه المسألة في باب الإجارة إن شاء الله تعالى. أما الرزق من بيت المال فإنه جائز مطلقاً عند جماهير أهل العلم إلا أن شيخ الإسلام حكى كذلك في هذه المسألة قولان مع الغنى، هل يجوز مع الغنى أم لا؟ وأما جماهير أهل العلم فإنهم على القول بجواز ذلك. إذن: يجوز أن يأخذ على الأذان أجرة إن كان فقيراً أما إن كان غنياً فلا يجوز له ذلك. قال: (ويكون المؤذن صيتاً) أي رفيع الصوت، لما ثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعبد الله بن زيد بن عبد ربه وقد رأى الأذان: (فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك) (3) أي أرفع صوتاً منك. وعلة ذلك واضحة فإن الصوت كلما ارتفع كلما تم الإعلام وظهر ووضح. فكلما كان الصوت أرفع كلما كان الإعلام أتم وأظهر. ويسن أن يكون حسن الصوت: لما ثبت في ابن خزيمة من حديث أبي محذورة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه صوته فعلمه الأذان) (4) . وقد ذكر استحباب ذلك الموفق وغيره، وأن المستحب أن يكون المؤذن حسن الصوت.
قال: (أميناً (1)) فيستحب أن يكون أميناً لا فاسقاً وسيأتي البحث في آخر الباب عن حكم أذان الفاسق فالمستحب أن يكون أميناً عدلاً، يدل على ذلك ما تقدم من حديث: (والمؤذن مؤتمن) فهو مؤتمن على صلاة الناس وسحورهم مؤتمن على عوراتهم فكان المستحب أن يكو أميناً. وروى البيهقي بإسناد ضعيف لكن له شاهد مرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم) (2) والحديث حسن بشواهده. قال: (عالماً بالوقت) فيستحب أن يكون عالماً بالوقت أي يعرف أمارات وعلامات يعرف بها دخول الوقت وخروجه ويعرف بذلك الأوقات كلها – هذا أمر مستحب وليس بواجب.
والذي يدل على أنه ليس بواجب ما ثبت في الصحيحين أن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم وكان أعمى لما ثبت في البخاري قال: (وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت) (1) . فإذا كان الأعمى يصح آذانه فأولى منه الجاهل بالوقت، إلا إذا كان لا يمكن معرفة الوقت إلا بالمؤذن – كأن يكونوا محتاجين لأن يضعوا مؤذناً في بلد ما لا يمكنهم أن يعرفوا الوقت إلا بأذانه – وليس هناك من يعينه على معرفة الوقت فيجب أن يختار فيها من يكون عالماً بالوقت لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. لكن لما كان الأصل في البلاد أن يكون فيها من يعين المؤذن على معرفة الوقت – حينئذٍ – كان هذا من الأمور المستحبة. فكان مستحباً لوجود من يعينه على معرفته، وإنما استحب ذلك لأنه إن كان غير عالم بالوقت فلا يؤمن عليه الخطأ والغلط في الأذان فيلحق الناس الضرر في صلاتهم وفي سحورهم. قال: (فإن تشاح فيه اثنان قدم أفضلهما فيه) " تشاح ": أي اختلفا وتنازعا. " قدم أفضلهما فيه ": أي في صفات الأذان وهي الأمانة وحسن الصوت وارتفاعه والعلم بالوقت، فمن كانت فيه الصفات أكمل فهو أولى وأحق بالأذان. قال: (ثم أفضلهما في دينه وعقله)
واستدلوا: بما ورد في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤذن لكم خياركم) (1) لكن الحديث إسناده ضعيف. ولكن هذا أمر ظاهر فإنه أكرم عند الله ممن هو دونه – كما قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (2) وكلما زادت هذه الصفة في العبد كلما زادت كرامته عند الله فكان أولى من غيره بالعبادة المتنازع فيها. قال: (ثم من يختاره الجيران) كلهم أو أكثرهم، فإن اختاروا أحد الرجلين قدم ذلك؛ لأنهم أعلم بهما من غيرهم، من حفظ عورة وقيام بالأذان على الوجه المستحق فلما كان كذلك رُجع بالأمر إليهم مما اختاره الجيران بالمرتبة الثالثة. فنقدم: الأكمل في صفات الأذان ثم الأتقى ثم من يختاره الجيران، ثم بعد ذلك القرعة. قال: (ثم قرعة) ودليلها ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليهما لاستهموا) (3) فهذا فيه إثبات القرعة. ومن القواعد الشرعية أنه متى ثبت التنازع في شيء ما وليس ثمت مرجح وازدحمت فإنه يقدم من قدمته القرعة فهنا كذلك، فقد اختلفوا في الأذان ولا مرجح لأحدهما على الآخر فلم يكن ثمت مرجوع إليه سوى القرعة التي ثبت بها حكم الله تعالى. قال: (وهو خمس عشرة جملة) وهو: أي الأذان.
" خمس عشرة جملة ": وهو الأذان المشهور عندنا وهو أذان بلال الثابت في الصحاح والسنن والمسانيد (1) ، وقد اختاره الإمام أحمد وأبو حنيفة. واختار الشافعي ومالك أذان أبي محذورة الثابت في مسلم وهو كذلك ثابت في السنن (2) . وعدد جمله تسع عشرة جملة " 19 " وفيها خفض الشهادتين بأن يقول بعد قوله " الله أكبر أربعاً " يقول: " أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله " خافضاً صوته ثم يرفع صوته " أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله " وفي مسلم أنه قال: (أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله – خافضاً صوته – ثم: أشهد ألا إله إلا الله أشهد ألا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله رافعاً بها صوته ") (3) ويكون الخفض بحيث يسمع نفسه ويسمع القريب منه. - واختار أبو حنيفة إقامة أبي محذورة، وهي سبع عشرة جملة، كأذان بلال بزيادة " قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " بعد الحيعلتين. * واعلم أن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم على أوجه مختلفة فإن السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة – كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره – وهذا كذلك.
فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بأذان بلال وأُذن له به، وثبت أنه أمر بأذان أبي محذورة وأذن له به وكان هو أذان أهل مكة، وأذان بلال هو أذان أهل المدينة. فعلى ذلك: السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة ما لم يكن في ذلك فتنة، لذا الإمام أحمد نص على أنه لا بأس بأذان أبي محذورة لثبوت ذلك (1) . قال: (يرتلها) يترسل بها ترسلاً ويتمهل في الأذان لأن المقصود منه إعلام الغائبين فكان المستحب فيه الترسل. وقد روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لبلال: (إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر) (2) أي أسرع وتعجل، والحديث إسناده ضعيف لكن العمل عليه كما قال ذلك الترمذي (3) ، وكذلك المعنى يدل عليه فإن المقصود من الأذان إعلام الغائبين فكان المشروع فيه الترسل والتمهل. وأما الإقامة فإنها إعلام لمن حضر في المسجد بإقامة الصلاة فكان المشروع فيها الحدر والإسراع. قال: (على علو) على منارة ونحوها، لأن ذلك أبلغ في الإعلام.
ويدل عليه ما رواه أبو داود مبوباً عليه بقوله " باب الأذان على المنارة " ثم روى أن بلالاً كان يؤذن على أرفع بيت حول المسجد (1) . وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق هو تابعي قال: من السنة أن يؤذن على المنارة، وأن يقيم في المسجد) (2) والإسناد صحيح إلى عبد الله – والتابعي إذا قال " من السنة " فهو مرفوع. وأما مع ظهور رافعات الصوت فإن استعمالها كاف عن ذلك فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. * ويستحب للمؤذن أن يؤذن قائماً إجماعاً وهو كذلك أرفع لصوته وأبلغ في الإعلام، فإن أذن جالساً فأذانه صحيح بالإجماع (3) . قال: (متطهراً) يستحب أن يؤذن متطهراً وفي الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤذن إلا متوضئ) (4) لكن الحديث إسناده ضعيف. وروى موقوفاً إلى أبي هريرة وإسناد ضعيف أيضاً فلا يصح موقوفاً ولا مرفوعاً.
لكن يستدل له بما روى أبو داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (1) فإن أذن بغير وضوء فأذانه صحيح باتفاق العلماء. قال: (مستقبل القبلة) إجماعاً – وهذا ما عليه العمل عند أهل العلم – فإن أذن لغير القبلة فصحيح، لكن المستحب أن يؤذن إلى القبلة، وقد أجمع أهل العلم على القول به. قال: (جاعلاً إصبعيه في أذنيه)
لما ثبت في حديث بلال وفيه: (وجعل إصبعيه في أذنيه) (1) والحديث ليس فيه ذكر الإصبع أهي السبابة أم غيرها، ولكن قد جزم غير واحد من أهل العلم كالنووي وغيره أن المستحب أن تكون السبابة. وهذا حسن، ولكن الحديث لم يعين ذلك، والأحرى أن تكون هي السبابة فهي أنسب من غيرها في ذلك. قال: (غير مستدير)
أي لا يستدير ببدنه، وفي أبي داود من حديث بلال وفيه: (ولم يستدر) (1) فلا يشرع له أن يستدير بل ينبغي له أن يبقي بدنه على استقبال القبلة، ولا تشرع له الاستدارة لما فيها من التحول عن القبلة. قال: (ملتفتاً في الحيعلتين يميناً وشمالاً) وظاهر المذهب أنه يقول " حي على الصلاة، حي على الصلاة " عن اليمين، ثم " حي على الفلاح، حي على الفلاح " عن الشمال – هذا هو المصرح به في المذهب.
- وذهب بعض أهل العلم: إلى أن المستحب أن يقول " حي على الصلاة " عن اليمين، ثم " حي على الفلاح " عن الشمال، ثم " حي على الصلاة " عن اليمين،ثم " حي على الفلاح " عن الشمال. وهو أولى، وممن اختار هذا القول ابن دقيق العيد في شرحه للعمدة (1) . وهذا أولى، لأن كلاً من الجهتين تأخذ نصيبها من هاتين الجملتين، فتنال جهة اليمين التي يصل الصوت منها إلى أهل اليمين تصل إليهم " حي على الصلاة " وكذلك " حي على الفلاح " وكذلك من كان عن شماله. ومعلوم أنه ربما لا يسمع أهل الجهة اليسرى مثلاً ما يؤديه المؤذن إلى الجهة اليمنى مع البعد. والمناسب أن تصل كل جملة من الجملتين إلى أهل كل جهة فكان الأنسب ما اختاره ابن دقيق العيد. ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود أن بلالاً كان يلوي عنقه ويقول: (حي على الصلاة حي على الفلاح يميناً وشمالاً) (2) .
وهذا الحديث ظاهره ما ذهب إليه ابن دقيق فإنه جمع للجملتين كليهما جهة اليمين وجهة الشمال، فقال: " حي على الصلاة حي على الفلاح يميناً وشمالاً "، وظاهره أن كل جملة ثبت لها جهة اليمين وجهة الشمال. قال: (قائلاً بعدها في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم مرتين) (1) وهل هو في الأذان الأول أم في الثاني؟ ظاهر إطلاقات الفقهاء – كما قال ذلك الشيخ على بن محمد بن عبد الوهاب وغيره – أنه يقول ذلك بالأذانين كليهما. ودليل ذلك: ما ثبت في ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال: (من السنة أن يقول المؤذن في أذان الفجر بعد حي على الصلاة حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم) (2) وهنا قال " في أذان الفجر " والأول والثاني كلاهما أذان للفجر.
وقد ثبت أن هذا من أذان بلال وأنه كان يقولها في أذانه كما ورد هذا عن بلال من طرق ترتقي إلى درجة الحسن في مسند أحمد وغيره (1) ، وبلال كان يؤذن تارة أذان الفجر الأول، وتارة أذانه الثاني، وكان يقول في أذانه " الصلاة خير من النوم ".
فإن قيل: فما الجواب: عما ورد في النسائي من حديث أبي محذورة قال: (كنت أؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة فكنت أقول في أذان الفجر الأول: " الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ") (1)
فالجواب: أن في هذا الحديث راو مجهول وهو أبو سليمان (1) وهو مجهول الحال – فعلى ذلك الحديث يتوقف في قبوله لوجود هذه الجهالة – وما كان كذلك فهو في حكم المردود. وأما ما ثبت في البيهقي بإسناد جيد عن ابن عمر أنه قال: (كان يقال: في الأذان الأول بعد: حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة خير من النوم) (2) فالجواب على ذلك: أن ذلك ليس بظاهر في أنه أذان الفجر الأول، بل قال: " في الأذان الأول " وأذان الفجر هو الأذان الأول، بدليل أن العصر هي الصلاة الوسطى، وهذا أمر ظاهر فإن الفجر أول النهار فكان هو الأذان الأول.
ومع ذلك فإنه لو كان من اكتفاء به في أحد الأذانين كما يفعله الناس اليوم من كونهم يكتفون بهذا في أذان الفجر الثاني – فلو كان من اكتفاء لكان الأولى به هو أذان الفجر الأول الذي إنما شرع لإيقاظ النائم كما ورد هذا في الحديث المتفق عليه – في أذان بلال قال: (ليوقظ نائمكم) (1) فشرع لإيقاظ النائم أي " أذان الفجر الأول " فكان أحق أن يقال فيه هذه اللفظة، بخلاف أذان الفجر الثاني لأنه يؤذن وقد استيقظ الناس فهم يستعدون لصلاة الفجر. وما يفعله الناس من الفارق البعيد بين الأذان الأول والأذان الثاني من الفجر خلاف السنة وسيأتي الدليل عليه في باب المواقيت إن شاء الله. إذن: المستحب أن يقولها في الأذانين كليهما، ولو كان من اكتفاء بها في أحد الأذانين، فالمستحب أن يكون هو الأول لما فيه من المعنى المتقدم وهو إيقاظ النائم ليستعد للصلاة وليتسحر إن أراد الصيام. وما ذكرته هو ما قرره الشيخ علي بن محمد بن عبد الوهاب في مسألة له في مجموعة المسائل النجدية (2) . قال: (وهي - أي الإقامة - إحدى عشر جملة) كما هي إقامة بلال الثابتة – كما تقدم – في الصحاح والسنن والمسانيد (3) . وأما إقامة أبي محذورة فإنها سبع عشرة جملة، وهي ثابتة في المسند وسنن أبي داود والنسائي (4) وغيرهم بإسناد صحيح. قال: (يحدرها) أي يسرع بها ويتعجل، فلا يتريث كالأذان بل يحدرها، ودليل ذلك الحديث المتقدم وقد تقدم تضعيفه (5) لكن العمل عليه. قال: (ويقيم من أذن)
لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أذن فهو يقيم) (1) رواه الترمذي لكن الحديث إسناده ضعيف، وعليه عمل أكثر أهل العلم – كما قال الترمذي (2) – فعليه العمل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فما بعده، فإن بلالاً هو الذي كان يؤذن وهو الذي كان يقيم، وإذا أذن ابن أم مكتوم فهو الذي كان يقيم وهكذا. قال: (في مكانه إن سهل) يعني: إن سهل عليه فيقيم في مكانه أي على المنارة. لكن هذا ضعيف لا دليل عليه. - لذا ذهب بعض فقهاء الحنابلة: إلى أن المستحب أن يقيم في المسجد. وقد تقدم أثر عبد الله بن شقيق وهو قوله: " من السنة أن يؤذن في المنارة ويقيم في المسجد" (3) وهذا كذلك الذي عليه العمل سلفاً وخلفاً. فالمستحب أن تكون الإقامة في المسجد، والمعنى يدل على ذلك فإن الإقامة شرعت لإعلام الحاضرين بخلاف الأذان فهو لإعلام الغائبين. والأذان لإعلام من هو خارج المسجد ليحضر إليه أما الإقامة فهي هنا لإعلام من حضر في المسجد فناسب أن تكون فيه لا سيما وأنه قد يكون الأمر على خلاف هذا المعنى تماماً – فقد لا يسمع من في المسجد الإقامة إن كانت على المنارة وهذا يخالف المقصود تماماً. فالراجح: ما ذهب إليه بعض فقهاء الحنابلة من أن المستحب أن تكون الإقامة في المسجد؛ لأنها لإعلام الحاضرين وهم في المسجد فناسب أن تكون فيه، بخلاف الأذان فإنه لإعلام الغائبين فناسب أن يكون على المنارة.
* واعلم أن الإمام أملك بالإقامة كما أن المؤذن أملك بالأذان، فالمؤذن أملك بالأذان وهو إليه، وأما الإقامة فلا يشرع له أن يقيم إلا بإذن الإمام فإن فعل ذلك فقد أخطأ السنة، واستدلوا على ذلك: بما رواه ابن عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة) (1) لكن الحديث إسناده ضعيف ولكنه ثابت عن علي رضي الله عنه – كما في البيهقي (2) بإسناد جيد. وهو الذي يدل عليه النظر الصحيح فإن الصلاة التي تقام من شؤون الإمام فيما يختاره من الوقت الأنسب لها فيما يوافق السنة وبما فيه الرفق بالمأمومين، فكان ذلك إلى الإمام بخلاف الأذان فإنه راجع إلى تحرى الوقت فكان راجعاً إلى المؤذن. والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والخمسون (يوم الاثنين: 17 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ولا يصح إلا مرتباً متوالياً) " ولا يصح ": أي الأذان " إلا مرتباً ": كما ورد " الله أكبر الله أكبر ... …الخ لابد أن يكون مرتباً " متوالياً ": بحيث لا يكون بين جمله فاصل طويل عرفاً. ودليل هذه المسألة أن الوارد في الأذان الشرعي أن يكون مرتباً متوالياً، فلم يثبت التنكيس فيه ولا القطع.
فإذا ثبت ذلك فإن سواه مردود لكونه يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأذان وكل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد فإذا قدم بعض جمله على بعض فإن الأذان يبطل بذلك، وكذلك إذا فصله بفاصل طويل عرفاً كسكوت أو كلام طويل قاطع - ومرجع ذلك إلى العرف؛ لما تقدم - وكل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد. قال: (من عدل (1)) أما إن كان فاسقاً فلا يصح أذانه وهذا رواية عن أحمد وهو المشهور عند الحنابلة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (والمؤذن مؤتمن) (2) والفسق ضد الأمانة، فالواجب أن يكون أميناً ومن كان فاسقاً فليس كذلك. قالوا: ولأن الله سبحانه وتعالى قال: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} (3) وهذا خبر فوجب أن يرد؛ لأن خبر الفاسق مردود. - وذهب الشافعي وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى صحة أذان الفاسق؛ لأنه قد قام بوظيفة الأذان وهو مسلم وداخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (فليؤذن لكم أحدكم) (4) . وأما قضية الخبر فهي راجعة إلى السامعين. ولكن هذا فيه نظر ظاهر، فالأرجح مذهب أهل القول الأول، ولكن هذا ليس على الإطلاق، وإنما ذلك حيث يعتمد على أذانه أما إذا كان في بلدة فيها غيره من المؤذنين الذي يعتمد على أذانهم في الصلاة والصيام فإنه يصح أذانه لأن الله قال: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وهنا يتم التبين والتثبت بسماع غيره من المؤذنين الذين هم من أهل العدالة والصدق. فإذن: إنما يرد ولا يصح أذانه حيث كان في حالة يعتمد على أذانه فيها كأن يكون في قرية أو نحوها هو المؤذن.
أما إذا كان أذانه بمنزلة السنة المؤكدة، فإنه إذا أذن بعض المؤذنين في البلد وقامت بهم الكفاية فأذان غيرهم من باب السنة المؤكدة لأنه قد قام الفرض بأذان غيره – فعلى ذلك أذانه صحيح لأنه يمكن التبين والتثبت بسماع غيره من المؤذنين. قال: (من عدل ولو ملحناً) أي ولو كان مطرباً، أي فيه تطريب وتحسين صوت على هيئة غير شرعية بأن يكون فيه زيادة في المد وفيه شيء من ترديد الصوت أو نحو ذلك مما يخرجه عن هيئته الشرعية إلى أن يكون مشابها للغناء فهذا هو الملحن، فإنه لو كان ملحنا فالأذان صحيح. وهذا أحد الوجهين في مذهب أحمد وهو المشهور. وأما الوجه الثاني في المذهب فهو: أن أذان الملحن لا يجزئ. واستدلوا: بما رواه الدارقطني: أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال له: (إن الأذان سهل سمح " أي بغير تكلف " فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلا فاعتزلنا) (1) لكن الحديث إسناده ضعيف. وهو ثابت عن عمر بن عبد العزيز كما رواه البخاري عنه معلقاً مجزوماً به ووصله ابن أبي شيبة (2) .
والذي استدل به أهل القول الأول من صحة الأذان: قالوا: إن الأذان الملحن يحصل به المقصود من إبلاغ السامعين الأذان الشرعي بألفاظه الصحيحة مستقيمة الألفاظ ليس فيها تغيير، إلا أن التغيير قد طرأ على أدائه أما الألفاظ فإنها هي الألفاظ الواردة، فعلى ذلك يكون مخطئاً مبتدعاً في فعله ذلك، وأما الأذان فإنه صحيح - وما ذكره أهل المذهب قول قوي – والعلم عند الله تعالى. قال: (أو ملحوناً) الملحون: الذي فيه خلل في اللغة العربية برفع ما يكون حقه النصب، أو نصب ما يكون حقه الجزم أو نحو ذلك ويصح أذان الملحون ما لم يحل المعاني، أما إذا أحال المعاني فإنه يبطل. مثال غير المحيل للمعاني: إذا قال: " أشهدَِ" فهذا ليس مما يحيل المعنى فهو أذان صحيح لكنه مكروه كما نص عليه أهل المذهب. وأما مثال ما يحيل المعاني: كقوله: " أشهد أن محمداً رسولَ الله " فهذا الأذان باطل على المذهب؛ لأنه يحيل المعنى ويبطله فإن المعنى هنا فاقد الخبر. مثال آخر: " آلله أكبر " فهذا استفهام، كأنه يستفهم هل الله أكبر أم لا؟ فالأذان باطل. أو قال: " الله أكبار " والأكبار هو الطبل وهذا مشهور عندنا فهذه كلها تُبطل الأذان؛ لأنها تحيل اللفظ عن معناه فتصرفه عن معناه المراد إلى معنى آخر وهذا كالقراءة أي قراءة الفاتحة. قال: (ويجزئ من مميز) اتفق أهل العلم على أن أذان الكافر والمجنون وغير المميز لا يصح؛ لأنهم لا نية لهم، وفي الحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (1) . والأذان عبادة يشترط فيها النية، وهؤلاء لا نية لهم فلم تصح عبادتهم. وأما الكافر فلقوله تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} (2) .
وأما أذان المميز وهو من بلغ سن التمييز حيث يفهم الخطاب ويرد الجواب وهذا يكون في الغالب عند تمام سبع سنين فإنه يصح أذانه لذا قال هنا: " ويجزئ من مميز ". وهذا مذهب الجمهور. قالوا: لصحة صلاته. وذهب بعض أهل العلم إلى: أن أذان المميز لا يجزئ. قالوا: لأنه ليس محلاً لقبول الخبر لذا لا يقبل خبره في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبلغ، وهو ليس محلاً لقبول الأخبار لكونه غير مكلف فليس محلاً للمحاسبة على الصدق والكذب فلما كان كذلك لم يقبل أذانه. وفصَّل شيخ الإسلام في هذه المسألة تفصيلاً حسناً حمل عليه قول أهل القول الأول، فقال – كلاماً معناه: والأشبه أن الأذان الذي يعتمد عليه في الصلاة والصيام لا يقبل من المميز ولا يعتد به قولاً واحداً، فأهل القول الأول لا يقبلونه في مثل هذه الحال؛ لأنه ليس أهلاً لذلك فليس بمكلف وليس بمؤاخذ على الكذب وغيره من الأمور المحرمة فلم يكن محلاً لقبول الخبر. أما إن كان بحيث لا يعتمد عليه – وحينئذ – يكون الأذان سنة مؤكدة كأن يكون في مصر فيه مؤذنون يعتمد عليهم وهو من جملة من يؤذن في هذه البلدة فإن أذانه يصح – وهذا تفصيل حسن من الشيخ رحمه الله – قال: " وفيه روايتان عن الإمام أحمد والصحيح جوازه " (1) . إذن: في هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد، وينبغي حمل هاتين الروايتين على المميز حيث لا يعتمد عليه في صلاة الناس وصيامهم، والصحيح الجواز كما تقدم في مسألة الفاسق، فهو أولى بقبول الخبر من الفاسق. وأما إذا كان بحيث يعتمد عليه فحينئذ: لا ينبغي القول بقبول أذانه ولا الاعتماد عليه وينبغي أن يكون هذا قولاً واحداً في المذهب. قال: (ويبطلهما فصل كثير) فيبطل الأذان إذا كان فيه فصل كثير لاشتراط الموالاة في الأذان، فالفاصل الكثير عرفاً يبطله. والفصل الكثير سواء كان بسكوت أو بكلام. [ويسير محرم] كيف يتصور هذا أي أن يتكلم بكلام يسير محرم؟
كأن يغتاب أو يقذف أو يسب أثناء الأذان وهذا في الحقيقة مسألة مستبعدة، فحينئذ ينقطع بذلك الأذان. وعللوا ذلك: بعلة غريبة أيضاً: وهي أنه يظن أنه مستهزئ بالأذان فحينئذ: يرد أذانه لكونه يظن فيه أن يكون مستهزئاً حيث أدخل في الأذان هذا الكلام اليسير المحرم. لكن هذه المسألة على ندرة وقوعها، الصحيح أنها إذا وقعت فالأذان صحيح؛ لأن الأذان قد وقع على الوجه الشرعي، فقد أذن أذاناً مرتباً متوالياً، وليس من شرط الأذان ألا يتخلله شيء ولم يدل دليل شرعي على مثل ذلك، فالأذان صحيح لا شك فيه، وأما الإثم فهو واقع عليه. والدليل على جواز الكلام فيه، ما رواه البخاري معلقاً قال: (وتكلم سليمان بن صرد وهو يؤذن) (1) ثم إنه لا دليل يدل على المنع منه والإبطال به، والأصل عدم التحريم وعدم البطلان. قال: (ولا يجزئ قبل الوقت إلا الفجر بعد نصف الليل) لا يجزئ الأذان قبل الوقت فإذا أذن قبل زوال الشمس وقبل غروبها فالأذان باطل؛ لأنه عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد وهذا مما اتفق عليه أهل العلم، فعلى ذلك يجب إعادته حيث كان مما يعتد به، لأنه أذان ليس على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) (2) فلا أذان قبل حضورها. " إلا الفجر ": لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) (3) متفق عليه. والليل ما كان قبل طلوع الفجر الصادق، فدل هذا على أن الفجر مستثني من هذه المسألة وأنه يؤذن قبل دخول الوقت وهو الأذان الأول. " بعد نصف الليل ": إذن وقت الأذان الأول بعد نصف الليل.
لكن هذا ضعيف، قال في الإنصاف: " وقيل لا يصح إلا قبل الفجر بوقت يسير وهي رواية عن الإمام أحمد ". وهذا القول هو الراجح؛ لأن الأذان الوارد في هذا الباب وهو الأذان الأول للفجر كان قبيل أذان الفجر الصادق بوقت يسير، قالت عائشة – كما في النسائي (1) في أذان بلال وابن أم مكتوم – وكان بلال يؤذن الأذان الأول وابن أم مكتوم يؤذن الأذان الثاني قالت: (لم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا) (2) فهو وقت يسير، ونحوه عن القاسم بن محمد في البخاري معلقاً (3) .
ومما يدل عليه أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم – في المتفق عليه -: (لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال عن سحوره) (1) ومن هنا نستفيد أنه كان قبيل أذان الفجر بحيث أنه يخشى على الناس أن يلبس عليهم أهو الأذان الأول أم الثاني " فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم " ليستريح قليلاً في فراشه ليستعد لصلاة الفجر " ولينبه نائمكم " (2) ليستعد لصلاة الفجر وليستعد للسحور. إذن: هو بقدر ما إذا كان الرجل نائماً بحيث أنه يستعد للوضوء أو الغسل أو نحو ذلك، ويستعد – إن كان مريداً للصوم بأن يطعم، فيكون قدراً كافياً لسحوره. ومن هنا نعلم أن الأذان بعد نصف الليل وقبل الوقت المذكور أنه ليس بمشروع لأنه عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد. ويستحب لمن أذن الأذان الأول أن يكون هناك من يؤذن الأذان الثاني وأن يعرف الناس أنه يؤذن الأول لئلاً يلتبس عليهم فيتضررون في صلاتهم وعبادتهم. يستحب أن يكون عرف الناس أنه يؤذن بليل لئلا يلتبس الأمر عليهم، ويستحب أن يكون هناك مؤذن آخر يؤذن للفجر. وهذا الاستحباب في الاكتفاء به نظر، والأظهر وجوب ذلك أو شرطيته وأن ذلك شرط وهذا مقتضى كلام الموفق في كتاب الكافي (3) ؛ وذلك لأنه متى ترك الأذان الثاني فإنه يكون قد أخل بالواجب الأصلي وهو أذان الفجر عند دخول الوقت وإذا أذن بحيث يلبس على الناس فإنه قد أوقعهم بخلاف المقصود من الأذان الشرعي، فكان الواجب لا المستحب فقط أن يكون هناك من يؤذن الأذان الثاني وأن يعرف الناس أن هذا هو الأذان الأول بحيث لا يلبس عليهم أمر صلاتهم وصيامهم. وقال في المبدع: " وأما ما يفعله الناس في زماننا من الأذان في أول الثلث الأخير فهو خلاف السنة وفي جوازه نظر " (4) وهو كما قال بل الراجح أنه ليس بصحيح. والحمد لله رب العالمين. الدرس الخامس والخمسون
(يوم الثلاثاء: 18 / 2 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويسن جلوسه بعد أذان مغرب يسيراً] " يسيراً ": قال بعض فقهاء الحنابلة: بقدر ما يكفي لقضاء الحاجة والوضوء وصلاة ركعتين. وقال بعضهم غير ذلك. ولعل التي استحبت هذه المسألة من أجلها: أن الأذان مشروع للإعلام فاستحب أن يمكث المؤذن عن الإقامة بقدر ما يدرك الناس الصلاة، فلما كان الأذان للإعلام استحب أن يمكث يسيراً فلا يقيم إلا بعد هذا المكث حتى يتمكن الناس من إدراك الصلاة التي أذن لها، وحينئذ فإن مثل التقدير الذي تقدم ذكره لا يكون في كل حال من الأحوال، وإنما يكون في بعض الأحوال. فالضابط على ذلك أن يقال: أن يمكث بقدر ما يتمكن الناس فيه من الحضور إلى المسجد وإدراك الصلاة تامة، فيمكث بقدر ما يكون كافياً لقضاء الحاجة والوضوء. دليل هذا القائل الذي ذكر هذا القدر مع الركعتين استدل بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من صلاة ركعتين بعد أذان المغرب وقبل صلاتها. لكن هذا الدليل ليس بظاهر في هذا، فإنه من المحتمل أن يكونوا قد حضروا الأذان في المسجد، فيصلون ركعتين. إذاً: المقصود من ذلك: أنه يسن له أن يمكث بعد أذانه - فلا يقيم إلا - بقدر ما يتمكن الناس الذين أعلموا بالأذان من إدراك الصلاة. وهذا ليس خاصاً لصلاة المغرب بل هو عام فيها وفي غيرها من الصلوات التي يسن تعجيلها، فكل صلاة يستحب تعجيلها يسن هذا الفعل من المكث فيها. وإنما خصت صلاة المغرب بهذا الحكم لقصر وقتها وضيقه، فهي أضيق من غيرها بالوقت. ولما روى تمام في فوائده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[قال] (1) : جلوس المؤذن بين الأذان والإقامة في المغرب سنة) ، لكن الحديث إسناده ضعيف.
ومثله ما روى الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: (إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر لقضاء الحاجة ولا تقيموا حتى تروني) (1) ، والحديث فيه عبد المنعم صاحب السقاء وهو منكر الحديث، فالحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فعلى ذلك: العلة التي تقدم ذكرها هي: أصل الاستدلال في هذه المسألة، فالأذان شرع للإعلام، فناسب أن يكون هناك فترة زمنية يتمكن بها الخارجون عن المسجد بعد سماعهم للنداء من الوضوء ونحوه مما يحتاجون إليه، وهذا بقدر عشر دقائق ونحوها، وهذا ليس خاصاً بصلاة المغرب بل فيها وفي غيرها، لكن غيرها أوسع منها لأمرين: الأمر الأول: ثبوت الصلاة الراتبة فيها، لاسيما الفجر والظهر، بخلاف العصر فإنها شبيهة بالمغرب من هذا الوجه حيث لا سنة راتبة فيها، وإنما السنة الواردة في العصر والمغرب ليست براتبة. الأمر الآخر: أن الصلوات الأخرى أوسع منها وقتاً. ثم إن كثيراً من هذه الصلوات تكون غالباً بعد عمل الناس، فربما احتاجوا إلى وقت أوسع من ذلك، لذا الوقت بين أذان المغرب والإقامة يكون أقل من غيرها من الصلوات. أما الصلوات الأخرى فإنه يزاد عن هذا الوقت بقدر الحاجة، فإن صلاة الفجر تكون بعد النوم فيحتاج ذلك إلى مزيد من الوقت للاستعداد لصلاة الفجر، وربما احتاج إلى غسل أو إحضار ماء وتسخينه ونحو ذلك مما يحتاج إليه، وكذلك صلاة العصر.
وصلاة الظهر تكون بعد إتيان الناس من أعمالهم، فالمقصود من ذلك: أنه ينبغي للإمام أن لا يأمر بالإقامة إلا بعد مضي وقت كاف لإدراك الناس الصلاة تامة ولإدراك ما يستحب قبلها من السنن الراتبة إن كان ثمت راتبة كالظهر والفجر. قال: [ومن جمع أو قضى فوائت أذن للأولى ثم أقام لكل فريضة] أما الجمع فلما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين " (1) . وأما الفوائت فقد تقدمت الأدلة عليها. قال: [ويسن لسامعه متابعته سراً] لما ثبت في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله، فقال: أشهد ألا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال:حي على الفلاح،فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، فقال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة) (2) .
وثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً) وفيه استحباب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيد الأذان (ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وإني أرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة) (1) .. وثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال: (قل كما يقولون ثم سل تعطه) (2) . ففي هذه الأحاديث سنية إجابة المؤذن. ويستثنى من ذلك المصلي والمتخلي.
أما المصلي؛ فلأن الصلاة شغل، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن في الصلاة لشغلاً) (1) ، فيستثنى؛ لأنه متى أجاب المؤذن انشغل عن تدبر الصلاة والخشوع فيها. وهذا هو مذهب الجمهور، وحكاه شيخ الإسلام في الفتاوى ولم يتعرض لخلافه بترجيح. - ورجح – رحمه الله – كما في كتب الحنابلة في النقل عنه استحباب ذلك في الصلاة، وهو رواية عن الإمام مالك، وأنه يستحب إجابة المؤذن في الصلاة نفلاً وفرضاً، واختاره شيخ الإسلام كما تقدم، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، قال: " والعمومات تؤيده ". والجواب: إن العمومات وإن كانت تؤيده، لكن الصلاة لها معنى خاص يقتضي إخراجها من هذا الحكم؛ لأنه متى أجاب فإن هذا يخل في خشوعه في صلاته وإقباله على الله فيها بمتابعة المؤذن. فالأظهر مذهب الجمهور، وأن إجابة المؤذن لست بمشروعة في الصلاة، وكما تقدم فإن شيخ الإسلام ذكر في الفتاوى قول الجمهور ولم يعقب عليه. وأما ما ذكره من الترجيح السابق فقد ذكر عنه في كتب الحنابلة، فلعله قول قديم له. والعلم عند الله تعالى. * وأما المتخلي، فكذلك، قالوا: ويجيب بعد خروجه من الخلاء. واختار شيخ الإسلام أنه يجيب في الخلاء سراً. والراجح خلافه؛ لأنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجب المسلِّم عند قضاء حاجته، وأجابه بعد ذلك، وقال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (2) ، وكذلك الأذان فإنه يجيب بعد خروجه من الخلاء، كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم - لما سلم عليه، فإنه لم يجب حتى قضى حاجته.
فالراجح: أن المتخلي يجيب بعد خروجه من الخلاء. فائدة: ذكرها النووي: أنه قال: " ولم أر لأصحابنا في متابعة المؤذن بعد الأذان تعرضاً ". وهي مسألة: إجابة المؤذن بعد فراغه من الأذان، قال: " والذي يظهر إنه إن كان قد قرب فإنه يجيب وإن كان هناك فاصل كثير، فإنه لا يجيب "، وهو قول حسن، وأن من ترك الإجابة فإن كان الفاصل بين الأذان والمتابعة قريباً فإنه يجيب، أما إذا كان طويلاً عرفاً فإنه لا يجيب. هذا ما قرره النووي. ومعلوم أن السنة أن يتابع المؤذن جملة جملة كما تقدم في حديث عمر.
وقد ذكر الحنابلة وهو مستحب عند الشافعية كما هو مستحب عند الحنابلة إجابة المقيم أيضاً؛ واستدلوا بما رواه أبو داود: أن بلالاً أخذ بالإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أقامها الله وأدامها) (1) ، لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل هو ضعيف جداً. لكن عمدتهم في الاستدلال هو عمومات الأحاديث، كقوله: (إذا سمعتم المؤذن) ، ومعلوم أن المقيم مؤذن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بين كل أذانين صلاة) (2) ، فكما أن الإعلام الخارجي بالأذان الأول أذان، فكذلك إعلام الحاضرين بالأذان الثاني هو أذان. لكن الذي يظهر أن هذا الإطلاق من باب التغليب، كما يقال: العمران والقمران. والأظهر: أن الإقامة لا تشرع لها الإجابة، وهو ما ذهب إليه بعض الشافعية؛ وذلك لوجوه: منها: أن الإقامة المشروع فيها الحدر ومتى كان ذلك فإن في المتابعة عسراً.
ومنها: أنه قد ورد في الأحاديث في متابعة الأذان استحباب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك واستحباب الدعاء بالدعاء الوارد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالوسيلة والمقام المحمود، وهذا لا يسعه الوقت الذي يكون بين الإقامة والصلاة، فإنه وقت يسير جداً، فمتى انتهى المقيم من الإقامة واعتدلت الصفوف كبر للصلاة، وهذا في الغالب لا يسع لمثل هذا الدعاء. ومنها: أن الإقامة إنما شرعت لإعلام الحاضرين بإقامة الصلاة في المسجد، وقد أجابوا منادي الله فحضروا في المسجد. وأما الأذان الأول فهو إعلام للغائبين فشرع لهم أن يتلفظوا بتلك الألفاظ إعلاناً منهم بإجابة المؤذن وإجابة ندائه، وأنهم مستعدون ومتهيئون لحضور الصلاة وإجابة منادي الله تعالى. فالأظهر ما ذهب إليه بعض الشافعية لهذه الوجوه المتقدمة. مسألة: هل تشرع الإجابة للمؤذن نفسه؟ بمعنى يجيب نفسه؟ ذهب الحنابلة: إلى مشروعية ذلك؛ وعللوا ذلك: بالجمع بين الأجرين، أجر الأذان وأجر المتابعة. لكن الراجح خلاف ذلك، فهذه مسألة فيها نظر ظاهر، فإنه مناد لا مجيب، فهذا منادي،وهذا مجيب، فكيف يكون المنادي مجيباً. ثم إن هذا قد يشغله عن إقامة الإذان على وجهه الصحيح. ثم إن عمومات النصوص الشرعية إنما وردت في السامع (إذا سمعتم الأذان) ، ونحو ذلك، وليس يدخل في تلك الألفاظ إلا السامع، وإدخال المؤذن يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك. واعلم أن المستحب له أن يقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله " عن قول المؤذن: "حي على الصلاة، حي على الفلاح " كما تقدم في حديث عمر. وفي قول " الصلاة خير من النوم " في الإجابة قولان: القول الأول، وهو المشهور في المذهب: أن يقول: " صدقت وبرِرْت ".
القول الثاني: أنه يجيبه بقول: " الصلاة خير من النوم ". وهذا هو الراجح؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) ، ويدخل في ذلك كل الألفاظ سوى الحيعلة، فإن الحديث الآخر – حديث عمر – قد ورد باستثنائها. قال الحافظ ابن حجر: " وليس لصدقت وبررت أصل " (1) . ومثل ذلك " أقامها الله وأدامها " عند الإقامة فهي ضعيفة لا تصح. قال: [وحوقلته في الحيعلة] الحوقلة: هي اختصار لقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". والحيعلة: هي اختصار لقول: " حي على الصلاة، حي على الفلاح ". فيسن أن يجيبه بـ" لا حول ولا قوة إلا بالله " أي ليس لي تحول من حالتي هذه إلى حالة أخرى أجيب بها المنادي وأحضر إلى الصلاة إلا بقوة وتأييد من الله تعالى. قال: [وقوله بعد فراغه: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته] والحديث رواه البخاري في صحيحه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً الذي وعدته) (2) وفي النسائي وابن خزيمة: (وابعثه المقام المحمود) (3) . ولفظة (مقاماً محموداً) أولى لوجهين: الوجه الأول: أنها ثابتة في الصحيح. الثاني: أنها موافقة للقرآن في قوله تعالى في سورة الإسراء: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} .
وفي التنكير من التعظيم ما هو ظاهر، لقوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} (1) أي رجال عظماء، وهنا (مقاماً محموداً) أي مقامً عظيماً محموداً. أما لفظة (إنك لا تخلف الميعاد) (2) فقد وردت في البيهقي بإسناد صحيح، لكن راويها قد شذ عن بقية الرواة، وهم عشرة الذي رووا هذا الحديث فلم يذكروا هذه اللفظة، فشذ هذا الراوي – وهو ثقة – بذكرها. فعلى ذلك: هذه اللفظة شاذة لا تصح نسبتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعليه فالسنة أن يقف إلى قوله (الذي وعدته) . ويستحب له أن يدعو الله بين الأذان والإقامة بما شاء؛ لما ثبت في الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد) (3) ، وهو حديث صحيح. وقد تقدم حديث (قل كما يقولون ثم سل تعطه) .
أما ما رواه الترمذي من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له: فماذا نقول؟ فقال: (سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة) (1) ، فالحديث فيه يحيى بن اليمان وهو ضعيف، فهذا التخصيص ضعيف، فيدعو الله بما شاء من خير الدنيا والآخرة , وهذا الموطن من مواطن الإجابة. قوله: (الدعوة التامة) : هي دعوة التوحيد التي رفع المؤذن بها صوته. " والصلاة القائمة ": أي الصلاة الدائمة المستمرة، وهي الصلاة التي دعا الناس إليها. " الوسيلة ": هي منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرجو أن يكون هو. " مقاما محموداً ": هو مقام الشفاعة العظمى الذي يقومه النبي - صلى الله عليه وسلم - بين يدي الله بعد أن يسجد له فيشفع لعباد الله للفصل بينهم يوم القيامة وهي الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي وُهبه رسوله - صلى الله عليه وسلم -. مسألة: لفظة " حي على خير العمل " هل تستحب في الأذان؟
صحت هذه اللفظة عن ابن عمر، كما في البيهقي بإسناد صحيح (1) ، وأنه قالها إثر قوله " حي على الصلاة، حي على الفلاح ". ورواها البيهقي عن علي بن الحسين، وتعقب البيهقي ذلك بقوله: " وليست هذه اللفظة ثابتة في الأذان الذي علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالاً وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة "، وهو كما قال، فهذه اللفظة تعارض حصر النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذان كما تقدم من تعليمه لبلال وأبي محذورة. وقد ذكر شيخ الإسلام: أن هذه اللفظة إنما فعلها من فعلها من الصحابة لعارض تحضيضاً على الصلاة أي وجد تكاسلاً من الناس في الصلاة فوضع هذه اللفظة تحضيضاً على الصلاة، فيكون ذلك أمر عارض وليست في الأذان الراتب، كما قال شيخ الإسلام. لكن في الحقيقة ليس بمبرر لمثل هذا، فهذا الاجتهاد من صحابي خالف فيه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون مردوداً، والسنة في فعله - صلى الله عليه وسلم -، وأما أفعال الصحابة فحيث لا تخالف ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - لبلال وأبي محذورة الأذان وبقاؤهما تلك الفترة الطويلة بين يديه من غير زيادة يدل على أن الزيادة فيه ليست من السنة. على أنها أصبحت من شعار أهل البدعة، فعلى ذلك: أصبحت بدعة ظاهرة، لكونها وإن كانت في زمن ابن عمر قد يتردد بالجزم بأنها بدعة، لكن لما أصبحت من شعار أهل البدعة فينبغي أن يشدد في النهي عنها. مسألة: هل يشرع الأذان على الراحلة؟
لا بأس به، وقد صح ذلك عن ابن عمر كما في البيهقي بإسناد صحيح أنه أذن على الراحلة ثم نزل فأقام " (1) . مسألة: يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان أو لمن دخل المسجد بعد الأذان، فيحرم الخروج إلا لعذر أو إرادة الرجعة، أما مع عدم ذلك فإنه لا يجوز. هذا ما صرح به الحنابلة. ودليل ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي الشعثاء قال: " كنا قعوداً في المسجد ومعنا أبو هريرة، قال: فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فرماه أبو هريرة ببصره حتى خرج من المسجد، فقال: " أما هذا فقد عصى أبا القاسم " (2) . فهذا الحديث ظاهر في تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان، ومثل ذلك من دخل المسجد وقد أذن فيه؛ لأن هذا بمعنى الأول تماماً. قال الترمذي: " والعمل على هذا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن بعدهم، يرون أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من المسجد إلا لعذر " (3) . ومن الأعذار أن يخرج لقضاء الحاجة أو ضوء أو نحو ذلك، أما أن يخرج لغير ذلك، فلا يجوز. وقد استثنى بعض الحنابلة: خروجه لمسجد آخر لا سيما إذا كان إمامه أفضل.
ونحن إذا نظرنا إلى اللفظ العام المتقدم فإننا نقول: إن هذا لا يجوز وأنه لا يجوز أن يخرج لجماعة أخرى. لكن إذا نظرنا إلى المعنى وهو ما يورثه الخروج من التهمة في ترك الصلاة جماعة، وما قد يكون سبباً لفوات الجماعة عليه فنحن نقيد (1) هذا الخروج بهذه القيود، فإذا خرج حيث لا تهمة، حيث لا يظن به ظناً سيئاً، وأن يظن ظناً غالباً أن يدرك جماعة أخرى، فإنه يرجى أنّ خروجه لا بأس به، حيث توفرت هذه المعاني المتقدمة. ومع ذلك: فالأولى له والأحوط ألا يخرج من المسجد إلا لعذر من وضوء أو نحوه. وهذا فيمن يجب عليه الصلاة جماعة. أما من لا يجب عليه الصلاة جماعة، كامرأة أو من لا يجب عليه الصلاة أصلاً، فإن خروجه جائز؛ لأن الصلاة جماعة ليست بواجبة عليه، بل الصلاة فرضاً ليست بواجبة عليه. إذاً: يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لمن أراد الرجعة أو كان معذوراً. مسألة: أي مؤذن يجيب؟ ذكر الحنابلة: أنه يجيب المؤذن ومؤذناً ثالثـ[ـاً] ورابعـ[ـاً] .. الخ. فهذا هو المستحب. لكن هذا فيه نظر، والراجح أنه لا يجيب إلا المسجد الذي يريد أن يصلي فيه، وقد اختار هذا النووي.وقال صاحب المبدع: " فإن أجاب وحضر المسجد للصلاة فسمع المؤذن فإنه لا يجيب "؛ لأنه ليس بمدعو. وما ذكره – رحمه الله – ليس خاصاً فيمن أجاب وحضر المسجد فحسب، بل هو عام فيه وفيمن (2) كان في حكمه وهو من يريد أن يذهب إلى مسجد خاص فسمع المنادي ينادي إليه، فإنه يجيب هذا المسجد بخصوصه الذي يقصد حضور الجماعة فيه.
والأظهر كذلك: أنه إن لم يحدد مسجداً فإنه يجيب مؤذناً واحداً؛ لأن المقصود الإجابة، وقد أجاب،وإذا أمر الشارع بأمر فإنه يفعل لا على التكرار إلا إذا دل دليل على التكرار، وإلا فإنه يفعل مرة واحدة، وهذا قد أجاب مؤذناً لصلاة فرض، فحينئذ لا يشرع له أن يجيب مؤذناً آخر للصلاة بعينها، فإنهما مؤذنا صلاة واحدة فلم يشرع إلا أن يجيب المؤذن الذي أجابه. وإذا كان الإنسان مسجده بعيداً وهو لا يسمع النداء فإنه يجيب أي مؤذن. والحمد لله رب العالمين. (1) انتهى باب الأذان والإقامة. ويليه باب شروط الصلاة.
كتاب الصلاة، باب شروط الصلاة
الدرس السادس والخمسون (يوم السبت: 22 / 2 / 1415هـ) باب شروط الصلاة الشروط: جمع شرط وهو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (شروطها قبلها منها الوقت) أي شروط الصلاة قبلها، فالوضوء أو الغسل وهو الطهارة من الحدث وكذلك الطهارة من النجس، واستقبال القبلة، فهذه كلها يجب أن تكون قبل الصلاة. وهذا ضابط في شروط الصلاة وأن كل شروطها يجب أن تكون قبلها إلا النية فإنها تصح مقارنة لها فجميع شروط الصلاة يجب أن تتوفر قبلها إلا النية فإنها تصح مقارنة لها. ويجب في الشروط أن تستمر في العبادة، وهذا هو الفارق بين الشرط والركن، فالشرط في العبادة يستمر فيها، أما الركن فإنه يمكث فيها زمناً فلا يستمر فيها كلها فالركوع مثلاً ركن، وهذا الركن لا يتخلل إلا زمناً منها أما الوضوء فهو شرط منها كلها بحيث أنه يجب أن يشملها فلو تخلل ذلك شيئاً من الحدث فإن العبادة تبطل. ومن الشروط: الإسلام، فمن لا إسلام له لا عبادة له كما تقدم، فإن العبادة مشروطة بالإسلام، فلا يقبل الله عبادة بلا إسلام. ومنها العقل: فلا تقبل عبادة من مجنون ولا غير مميز؛ لأن النية شرط في العبادة ومن لا عقل له لا نية له. قال المؤلف: (منها الوقت) وهذا بالإجماع، والوقت من التوقيت وهو التحديد، فالصلوات لها أوقات محددة شرعاً، فكل صلاة لها وقتها المحدد شرعاً وهذا بالإجماع، وسيأتي ذكر الأدلة عليه. قال المؤلف: (والطهارة من الحدث) لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (1) قال: (والنجس)
أي الطهارة من النجس، فمن شروطها الطهارة من النجاسة بدناً وثوباً وبقعة وهذا بالإجماع وسيأتي الكلام عليه. فهذه ثلاثة شروط قد أجمع عليها أهل العلم وهي الوقت والطهارة من الحدث والطهارة من النجس، وقد تقدم اشتراط الإسلام والعقل. ثم شرع المؤلف رحمه الله في ذكر شرطية الوقت ومباحثه. فقال: (فوقت الظهر) اعلم أن الوقت كما قال شيخ الإسلام هو آكد شروطها ولذلك شرع التيمم مع فقد الماء الذي هو الأصل في الطهارة وانتقل من ذلك إلى التطهر بالتراب لمصلحة المحافظة على الوقت.
وقد شرع بوقت الظهر أولاً، لأن وقت الظهر هو أول وقت صلاة جبريل لما أمَّ النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في المسند وسنن الترمذي وغيره وأصله في مسلم (1) . وأيضاً لما ثبت في مسلم – وهو أصل من أصول إثبات المواقيت حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقت الظهر …) (2)
فشرع أولاً بوقت صلاة الظهر - فكان الأولى اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم وجبريل – كان الأنسب والأولى هو البداءة بذلك. وإلا فإن أول صلاته هي صلاة الفجر، فهي أول صلاة النهار، وقد تقدم أثر ابن عمر في تسمية الفجر بالأول، وسيأتي أن العصر هي الصلاة الوسطى، لذا شرع بعض أهل العلم كأبي الخطاب الحنبلي، شرع أولاً بالكلام على صلاة الفجر لكن الأنسب ما تقدم. قال: (من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال) الفيء هو الظل بعد الزوال سمي فيئاً من فاء إذا رجع، أما الظل قبل الزوال فلا يسمى فيئاً. ولفظة " الظل " شاملة للظل قبل الزوال وبعده. أما لفظة " الفيء " فهي خاصة بالظل بعد الزوال. فوقت الظهر من زوال الشمس أي زوالها عن وسط السماء إلى جهة المغرب، وهذا لا يدرك بالعين، لكنه يميز بالظل، فعندما ينصب عصاً أو نحوه ويكون الظل أولاً ناحية المغرب ثم كلما ارتفعت الشمس كلما قصر هذا الظل حتى تقف عند حد معين ثم بعد ذلك تتحرك الشمس من وسط السماء وبعده الظل إلى الحركة بعد التوقف، فعند رجوعه هذا هو علامة زوال الشمس فحينئذ: يعرف أنه قد زالت الشمس. وهذا الظل الذي ثبت للعصا يزيد وينقص، فيختلف طوله وقصره صيفاً وشتاءً، فإن في الشتاء يطول وفي الصيف يقصر، لأن الشمس مرتفعة في الصيف فيقصر، أما في الشتاء فهي أقل ارتفاعاً منها فيكون حينئذٍ الظل أطول منه في الصيف. إذن: عندما يقف الظل بعد امتداده ثم يشرع بالامتداد مرة أخرى فهذا هو علامة زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر. قال: (إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال) هذا نهاية الوقت. فالظل الثابت في الشاخص لا يحسب، فلابد أن يكون الفيء مساوياً للشاخص بعد فيء الزوال. فمثلاً: وضعنا شاخصاً طوله متر، فكان توقفه على ربع متر ثم أخذ بالزيادة فلا تحسب هذه في المساواة فإذا وصل الظل إلى متر وربع فهذا انتهاء وقت صلاة الظهر.
والدليل على ذلك: حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت الفجر إذا طلع الفجر ما لم تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان) (1) رواه مسلم. الشاهد: قوله " وقت الظهر إذا زالت الشمس " هذا أول وقتها، وقوله: " وكان ظل الرجل كطوله " هذا نهاية وقتها. قال: (وتعجيلها أفضل إلا في شدة الحر) لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس) (2) أي زالت. قالت عائشة – كما في الترمذي بإسناد ضعيف وله شاهد في مسند أحمد عن أم سلمة فالحديث حسن – قالت عائشة: (ما رأيت أشد تعجلاً للظهر من النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر) (3) .
وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان إذا كان البرد عجل وإذا كان الحر أبرد) (1) إذن: المستحب في صلاة الظهر تعجيلها، فإذا زالت الشمس وتقدم المكث بين الأذان والإقامة فحينئذ تقام صلاة الظهر. ما لم يكن الحر شديداً لذا قال: (إلا في شدة الحر) فبقي ما إذا كان الجو بارداً أو معتدلاً أو قريباً من الاعتدال أما إذا كان شديد الحر فالمستحب هو الإبراد، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اشتد الحر فابردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) (2) أي من سعة انتشار حرارتها. ومعنى " أبردوا ": أي ادخلوا في البرد بأن تصلي في وقت قد ذهب فيه حرارة الشمس. وهذا الوقت – في الحقيقة – ليس محدداً إلا بهذا المعنى وهو متى: انكسر الحر وكان للجدران ونحوها ظل يستظل به الناس فإنها تشرع صلاة الظهر.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي ذر الغفاري قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أبرد) ثم أراد أن يؤذن فقال له: (أبرد) حتى رأينا فيء التلول) (1) والتلول: جمع تل، وهو ما يكون على ظهر الأرض من المجتمع من رمل أو تراب، وهذا في الحقيقة لا يظهر له الفيء إلا بعد فوات شيء كثير من وقت صلاة الظهر حتى يدنو وقت العصر، حتى ثبت في البخاري: (حتى ساوى الظل التلول) . إذن: لم يحضر وقت العصر لأنه لابد أن يساويه ويساوي الظل الذي كان لها قبل الزوال فإنه يدل على أنه صلاها قبل دخول وقت صلاة العصر، فهذا تأخير ظاهر فيها. فإذا انكسر الحر وبرد الجو فإنه يشرع له أن يصلي، وقد تقدم حديث البخاري: (كان إذا كان البرد عجل، وإذا كان الحر أبرد) (2) . قال: (ولو صلى وحده) هنا مسألة وهي: هل هذا شامل لمن صلى وحده كما هو شامل لمن صلى جماعة؟ لا إشكال في أن من صلى جماعة فيشرع له الإبراد وهذا فيما إذا كانت الطرق متعرضة للشمس كما هو الغالب فلا إشكال في مشروعية مثل هذا. وإنما الإشكال فيمن يصلي وحده، وكذلك قد يشكل هذا في هذه الأزمان فقد يوجد أماكن تكون الطرق فيها مغطاة عن الشمس، فهل يشرع في مثل هذه الحال الإبراد أم لا؟ قال هنا: (ولو صلى وحده) وهذا هو المذهب، وهو مذهب أبي حنيفة واختاره ابن المنذر وشيخ الإسلام وحكاه عن أهل الحديث وأن السنة تعزر ذلك ولا ندفعه وأن الجمهور على ذلك – هذا ما حكاه شيخ الإسلام – فذلك مستحب ولو صلى وحده (لعذر) .
- وذهب الإمام الشافعي: إلى أن ذلك لا يستحب لمن صلى وحده بل ذلك خاص فيمن يصلون جماعة؛ لأنهم يحتاجون إلى الإبراد لتكون الطرق فيها شيء من الظل يستظلون به، وهذا على القول بأن العلة من الإبراد هي ما ذكروه. ولكن هذا ليس بمسلم، فقد ذكر ابن رجب في شرح البخاري: أن أهل العلم قد اختلفوا في المعنى الذي من أجله شرع الإبراد فقيل: هو لتمام الخشوع في الصلاة، فمن صلى في شدة الحر يكون خشوعه ليس كما لو كان في وقت الإبراد. وقيل: لتنفس جهنم – كما ثبت في الصحيحين – وهذا أمر معنوي، فلما كان ذلك وقت تنفس جهنم ناسب تأخير العبادة – وهذا المعنى يبقي الأمر على ما تقدم. والمعنى الثالث: كما ذكره الشافعي من أنه يكون للحيطان ظل يستظلون به. والراجح هو شمول مشروعية الإبراد لهذه المعاني كلها لنفس جهنم ولأن الخشوع يكون ليس كما لو كان في ذلك الوقت وكذلك لوجود الحر الشديد في الطرقات، فلهذه المعاني كلها شرع الشارع هذا الحكم – وحينئذ-: يبقى الحكم على ما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره وأن الإبراد مشروع سواء صلوا متفرقين أو مجتمعين. قال: (أو مع غيم لمن يصلي جماعة) فإذا كان ثمت غيم فيشرع التأخير، وعللوا ذلك باحتمال المطر واحتمال الريح، فوجود الغيم مظنة ذلك فقالوا: يشرع تأخيرها إلى قبيل وقت العصر بحيث يمكث الناس بعد صلاة الظهر يسيراً فيؤذن العصر ثم يصلون العصر في أول وقتها، فيكون ذلك جمعاً صورياً. وحينئذ: لا يكون هذا المعنى خاصاً لصلاة الظهر والعصر بل كذلك في المغرب والعشاء، فتؤخر المغرب إلى آخر وقتها وتصلى العشاء في أوله – فهذا جمع صوري. والجمع الصوري جائز مطلقاً، ولكن هل هو مستحب في مثل هذه الحال؟ القول باستحبابه قول جيد وهو مذهب الإمام أحمد في المشهور عنه ومذهب أبي حنيفة – خلافاً للشافعي ومالك – حيث قالوا: السنة أن تصلى في وقتها لعمومات الأدلة الشرعية.
لكن القول الأول حسن لإزالة ما يُخشى من المشقة، هذا إذا كانت الدواعي قوية في ذلك، أما إن لم تكن كذلك بأن كانت ضعيفة فحينئذ: يبقى على الأصل فتصلي الصلاة في وقتها. إذن: إن كان هناك غيم والأمطار محتملة احتمالاً قوياً والريح كذلك فلإزالة هذه المشقة يستحب لهم أن يؤخروا الظهر إلى آخر وقتها ثم يصلون العصر في أول وقتها وكذلك المغرب والعشاء لإزالة المشقة المتقدمة. أما إذا كان الغيم موجوداً لكن احتمال الأمطار والريح ونحو ذلك مما يلحق الناس المشقة في حضورها إلى المسجد ليس بتلك القوة، فإن الأصل هو البقاء على الأصل من استحباب الصلاة في أول وقتها. ولكن هنا قال: (لمن يصلي جماعة) ، لأن المعنى هنا واضح وهو احتمال نزول المطر وشدة الريح حيث كانوا مجتمعين. أما إذا كانـ[ـوا] متفرقين يصلون في بيوتهم فإن هذه العلة ليست بموجودة فحينئذ نبقى على الأصل.
ويستثنى من استحباب تأخير صلاة الظهر، في شدة الحر – يستثني من ذلك صلاة الجمعة، إذ الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع قال: (كنا نجمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا زالت الشمس) (1) فالثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجمع إذا زالت الشمس ولم يثبت عنه صلاتها مؤخرة، بل الثابت عن أنه كان يصليها إذا زالت الشمس حتى قال الصحابي: (ما كنا نقيل ولا نتغدى يوم الجمعة إلا بعد صلاة الجمعة) (2) كما ثبت في الصحيح: والقيلولة إنما تحتاج إليها في الغالب في الحر. ثم إن المعاني الموجودة في صلاة الجمعة غير المتوفرة في صلاة الظهر فدعى إلى ترك هذا الحكم وهو التأخير حيث إن المستحب في صلاة الجمعة هو التبكير إليها، وحيث عجل الناس إليها ثم أخرت يكون في ذلك مشقة على المجتمعين. ثم إنها يجتمع إليها الناس من أماكن بعيدة بخلاف صلاة الجماعة فإن الغالب أن يحضرها القريب.
أما صلاة الجمعة فيأتيها الناس عن بعد فيشق عليهم أن تؤخر هذا التأخير الظاهر لذا استثنى أهل العلم من الحنابلة وغيرهم يوم الجمعة لهذه المعاني المتقدمة. والحمد لله رب العالمين. الدرس السابع والخمسون (يوم الأحد: 23 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ويليه وقت العصر إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال) " ويليه ": أي يلي وقت الظهر وقت العصر بلا فاصل بينهما فليس بينهما فاصل، بل ينتهي وقت الظهر فيبدأ وقت العصر. فإذا كان ظل الرجل كطوله تماماً فهذا هو نهاية وقت صلاة الظهر، ثم إذا زاد زيادة ولو كانت يسيرة جداً فهذا هو وقت صلاة العصر فليس بينهما اشتراك ولا فاصل، والمراد بالاشتراك أن يكون بينهما وقت مشترك بحيث يكون الوقت النهائي للظهر، والابتدائي لصلاة العصر. ودليل ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم – في حديث ابن عمرو: (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) (1) قال: (إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال) تقدم ذكر هذا الاحتراز في المسألة السابقة أي قوله " بعد فيء الزوال ". فإذا كان ظل الرجل مثليه، وليس فيء الزوال محسوباً في ذلك فقد خرج وقت العصر. قالوا: ودليل ذلك ما رواه الترمذي وغيره والحديث صحيح في صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه قال له: (الوقت بين هذين) (2) وقد صلى في اليوم الأول في أول الوقت وفي اليوم الثاني في آخره، وفيه أن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، وهذا هو مذهب الجمهور، وأن وقت العصر ينتهي إذا كان ظل الرجل مثليه، والمراد به وقت الجواز.
- وذهب الإمام أحمد في رواية عنه اختارها طائفة من أصحابه واختار ذلك شيخ الإسلام - واستظهره صاحب الفروع –: أن وقت الجواز لصلاة العصر يمتد ما لم تصفر الشمس فإذا اصفرت أو احمرت فقد انتهى وقت العصر. واستدلوا: بحديث عبد الله بن عمرو وفيه: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) (1) فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وقتها ممتداً ما لم يحدث اصفرار في الشمس. وكذلك: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (صل معنا هذين) (2) أي هذين اليومين، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فعله جبريل من الصلاة في اليوم الأول في أول الوقت، وفي اليوم الثاني في آخره وفيه: (ثم صلى العصر في اليوم الآخر والقائل يقول قد احمرت الشمس) أي كادت تحمر الشمس. وهذا القول هو الراجح. أما الجواب على الاستدلال بحديث جبريل. فالجواب أن يقال: هو حديث مكي، وهذه أحاديث " أي حديث عبد الله بن عمرو وأبي موسى " أحاديث مدنية فهما متأخران عنه فيكونان ناسخين له، فوقت الجواز ما لم تصفر الشمس. قال: (والضرورة إلى غروبها) ما تقدم ذكره هو وقت الجواز وهو الوقت المختار فالمختار هو الذي تصلي فيه صلاة العصر فيكون فاعلها فيه قد أداها في وقتها الشرعي الذي لا يلحقه الإثم بفعلها فيه. أما وقت الضرورة فهو ما بعد ذلك والصلاة تكون فيه أداءً لكنه يكون آثماً لصلاتها فيه إن لم يكن معذوراً. لكن إذا غربت الشمس فصلاته تكون قضاءً لا أداءً. إذن: كلاهما وقت للعصر لكن الأول وقت جواز، والثاني وقت ضرورة، فإذا اصفرت الشمس فقد خرج وقت الجواز، وبدأ وقت الضرورة فإذا غربت الشمس فقد خرج وقت صلاة العصر.
وتقدم أن من صلى الصلاة في وقت الضرورة بلا عذر فإنه يأثم لقوله صلى الله عليه وسلم: (تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) (1) رواه مسلم. وفي رواية لأبي داود: (فإذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني شيطان) (2) فهذا الحديث يدل على إثم المؤخر لها إلى هذا الوقت فإن صلاها في هذا الوقت فإنه آثم إلا أن يكون معذوراً. أما الدليل على صحة الصلاة في وقت الضرورة، فهو ما يثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) (3) . ففيه أن من أدرك ركعة من العصر – وهذا يكون عند احمرار الشمس قبل المغرب – فقد أدرك العصر، لكنه يأثم للحديث المتقدم – إن لم يكن معذوراً، فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم من علامات النفاق وذم صاحبه ومثل هذا يدل على أنه محرم. وإنما يسمى هذا ضرورة؛ لأن هذا الوقت يتدارك به أهل الضرورة الصلاة، كأن يبلغ الصبي أو يسلم الكافر أو تطهر الحائض أو يستيقظ النائم ونحوهم من أرباب الضرورات، فيتداركون بذلك صلاة العصر فهو وقت ضرورة لهذا المعنى. فإذن: صلاة العصر لها وقتان: وقت جواز ووقت ضرورة. قال: (ويسن تعجيلها)
لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي برزة الأسلمي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم: (يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله " منزله " في أقصى المدينة والشمس حية) (1) ، وثبت في مسلم عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتي العوالي والشمس مرتفعة) (2) فهذا يدل على أنه كان يصليها في أول وقتها. وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى التي قال تعالى فيها: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} (3) وهذا لعظم شأنها، فهي الصلاة الوسطى أي الصلاة الفضلى. فالوسطى مؤنث الأوسط أي الأفضل. وقد ثبت ما يدل على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ثبت ما يدل على ذلك في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) (4) . وهذا مذهب أحمد وغيره من أهل الحديث، أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، والأحاديث مستفيضة في هذا الباب. قال: (ويليه وقت المغرب إلى مغيب الحمرة) . فإذا غربت الشمس أي احتجبت وغاب قرصها جميعه فلم يبق منه شيء فلا يرى منه شيء فقد دخل وقت المغرب، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وقت المغرب لم يغب الشفق) (5) . قوله: (إلى مغيب الحمرة) هذا الوقت النهائي لها، والحمرة هي المعترضة في ناحية المغرب، فهذه الحمرة هي الشفق الأحمر، وقد قال صلى الله عليه وسلم (ما لم يغب الشفق) .
فإذا غربت الشمس ظهرت هذه الحمرة، فإذا غابت فقد خرج وقت المغرب. فأول وقت المغرب غروب الشمس وآخره غياب الشفق. * وقت المغرب ينقسم إلى وقتين: وقت جواز. وقت كراهية لا تحريم، أي تأخير الصلاة إليه مكروه إلا لعذر أو حاجة. فقد ثبت في سنن أبي داود ومسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم) (1) أي إلى انضمامها وظهورها ووضوحها. فإذا اشتبكت النجوم وظهرت في السماء، فهذا أوان وقت كراهية صلاة المغرب، أما قبل ذلك فهو وقت فضيلة. إذن: وقت الفضيلة من غروب الشمس ما لم تشتبك النجوم فإذا اشتبكت فهو وقت كراهية ما لم يغب الشفق فيخرج بذلك وقت صلاة المغرب. قال: (ويسن تعجيلها) وهذا باتفاق أهل العلم. وقد ثبت في الصحيحين عن رافع بن خديج قال: (كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فننصرف وإن أحدنا ليبصر مواقع نبله) (2) أي في الأرض، أي ما زال الجو فيه وضوح فلم تشتد بعد الظلمة بحيث أنه إذا رمى بالنبل فإنه يبصر مواقع نبله. وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان: (يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب) (3) إذن: السنة في المغرب أن تعجل.
وتعجيل العصر والمغرب مطلق، إلا صلاة المغرب يستثنى فيها ما تقدم من الاستثناء عند الغيم على المشهور في المذهب وأنها تؤخر في الغيم مع مظنة نزول المطر، فإنها تؤخر إلى قبيل غياب الشفق فتصلى حينئذ ثم يؤذن لصلاة العشاء فتصلى فيكون الجمع صورياً. قال: (إلا ليلة جمع " مزدلفة " لمن قصدها محرماً) أي لمن كان على هيئة الإحرام، أما من لم يكن كذلك فإنه ليس له ذلك. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع ليلة جمع كما صح ذلك في مسلم وغيره (1) . ولكن استثناء كون قاصدها محرماً ليس على إطلاقه. نعم من ذهب إليها هكذا فلا يشرع له ذلك. لكن حيث كان مصاحباً للمحرمين فالظاهر أنه يفعل ما يفعلون. فمن كان مصاحباً لهم كمن كان قائماً بشأن بعض الناس في الحج فإنه يصلي كما يصلون وإن لم يكن محرماً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد صحبه مثل ذلك، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حث أحداً بخلاف ما فعل، ويثبت تبعاً ما [لا] (2) يثبت استقلالاً. إذن: يشرع تأخير صلاة المغرب ليلة جمع. ولكن هل هذا إلى وقت صلاة العشاء أو هو جمع صوري؟ سيأتي تقرير هذا في باب الجمع. إذن: المقصود: أن صلاة المغرب يستحب أن تعجل إلا حيث شرع الجمع. فإذا شرع الجمع جمعاً صورياً فإنه يستحب تأخيرها إلى آخر وقتها. وحيث لم نقل بالجمع الصوري وقلنا بأنه جمع حقيقي فحينئذٍ: نبقي على الأصل وهو استحباب تعجيلها مطلقاً لأنها إذا جمعت جمعاً حقيقياً فقد صليت في أول وقتها. والحمد لله رب العالمين الدرس الثامن والخمسون (24 / 2 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ويليه وقت العشاء إلى الفجر الثاني وهو البياض المعترض)
" ويليه " أي يلي وقت المغرب وهي نهاية المغرب وهو غياب الشفق الأحمر، فإذا غاب فقد وجبت صلاة العشاء. إلى الفجر الثاني: وهو الفجر الصادق وهو البياض المعترض في الجانب الشرقي. فوقتها من غياب الشفق الأحمر إلى طلوع الفجر الصادق وهذا الوقت شامل لوقتي الجواز والضرورة. أما وقت الجواز فإنه في المشهور من المذهب - إلى ثلث الليل – لذا قال المؤلف بعد ذلك: " وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل ". واستدلوا - على أن آخره إلى ثلث الليل – بحديث إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني حيث أخر العشاء إلى ثلث الليل وقال له: (الصلاة بين هذين الوقتين) (1) . - وذهب الإمام أحمد في رواية عنه واختارها بعض أصحابه كالموفق والمجد ابن تيمية وغيرهم من فقهاء الحنابلة: إلى أن آخر وقت الجواز هو نصف الليل. واستدلوا: بحديث عبد الله بن عمرو وفيه: (ووقت العشاء إلى نصف الليل) (2) وبما ثبت في البخاري عن أنس قال: (أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل) (3) . قالوا: فدل هذان الحديثان الأول من قوله والثاني من فعله – صلى الله عليه وسلم – على أن آخر وقت الجواز لصلاة العشاء هو نصف الليل. وأما حديث جبريل فهو حديث مكي متقدم – وحينئذٍ – يرجح عليه الأحاديث المدنية. وهذا هو الراجح - وأن وقت الجواز إلى نصف الليل – فإذا انتصف الليل فقد دخل وقت الضرورة فمن أخرها إلى ما بعد نصف الليل فقد أثم إن لم يكن معذوراً فهو وقت لأهل الضرورات. فإن قيل:
فما الدليل على ذلك فإن: حديث عبد الله بن عمرو ظاهر في أن آخر وقتها هو نصف الليل، وأن ذلك آخر وقتها مطلقاً – وهذا ما ذهب إليه بعض الشافعية وأن نصف الليل هو آخر وقت العشاء مطلقاً. أما جمهور أهل العلم فقد ذهبوا: إلى أن آخر وقتها على الإطلاق طلوع الفجر، ووقت الاختيار إما نصف الليل أو ثلثه على قولين، والراجح أنه إلى نصفه كما تقدم. ودليل ذلك: - أي كونه إلى طلوع الفجر – ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى) (1) . قالوا: فهذا ظاهر أن الصلوات متصلة بعضها ببعض، فليس بينهما فاصل من الوقت، بل لا ينتهي وقت صلاة إلا ويدخل وقت صلاة أخرى. قالوا: وإنما يستثنى من ذلك ما دل الإجماع على استثنائه وهو صلاة الفجر، فنهاية وقتها على الإطلاق هو طلوع الشمس بإجماع أهل العلم. أما العشاء فليس فيها إجماع بل جماهير العلماء على ما تقدم. قالوا: ويدل على ذلك آثار الصحابة – كما صح عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس في سنن البيهقي – أنهم أفتوا بالحائض تطهر قبل الفجر أنها تقضي الصلاة أي صلاة العشاء " (2) . قالوا: ولو لم يكن هذا من وقت العشاء لم يلزمها ولا يلزم غيرها من المعذورين من أهل الضرورات – لم يلزمهم قضاء العشاء ولا قضاء الصلاة المجموعة إليها. وهذا القول هو الراجح للحديث المتقدم وللآثار عن الصحابة. فعلى ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم إلى نصف الليل هذا نهاية وقت الجواز، وما بعده فهو وقت ضرورة. قال: (وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل إن سهل)
أي إن كان في ذلك سهولة ولم يكن فيه مشقة على المأمومين أو بعضهم، فالمستحب أن تؤخر إلى نصف الليل أو ثلثه، والمذهب قال: " إلى ثلثه " لكون آخر وقت الجواز عندهم هو ثلث الليل، والراجح أن آخر وقت الجواز نصف الليل فعلى ذلك يستحب تأخيرها إلى نصف الليل ما لم يكن في ذلك مشقة. فإن كان في ذلك مشقة على المأمومين أو بعضهم فيكره ذلك ودليل الكراهية: ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) (1) . وهذا فيه مشقة. ودليل استحباب تأخيرها: ما ثبت في الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة) (2) وثبت في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه) (3) وثبت في سنن النسائي وأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل) (4) . لكن النبي صلى الله عليه وسلم رفعاً للمشقة على المأمومين أو بعضهم كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها في أول وقتها.
وقد ثبت عند الأربعة إلا ابن ماجه عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يصليها – يعني العشاء – لسقوط القمر لثالثة) (1) وهذا يكون بعد غياب الشفق بوقت يسير قد لا يتجاوز ربع أو ثلث ساعة. وقد ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (وأما العشاء فأحياناً وأحياناً إذا رآهم اجتمعوا عجّل وإذا رآهم أبطؤوا أخّر) (2) قال: (ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس) أي من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس لحديث ابن عمرو: (ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس) (3) وهذا بإجماع أهل العلم. قال: (وتعجيلها أفضل) لما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح بغلس) (4) أي في شدة الظلام. وثبت في الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي قال: (وأما الصبح فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفتل منها حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة) (5)
أي يعرف الرجل جليسه القريب منه، وأما البعيد عنه فلا يعرفه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أطال بالصلاة، فدل على أنه كان يعجلها. وثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كن نساء المؤمنات يشهدن الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة ما يعرفهن أحد من الغلس) (1) فهذه الأحاديث تدل على استحباب تعجيلها. فإن قيل: فما هو الجواب على ما رواه الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) (2) ؟ فالجواب: أنه يجب الجمع بينه وبين ما تقدم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى استحباب تأخيرها ومشروعيته لكن الجواب على ذلك أن يقال: الإسفار المذكور هنا هو بيقين دخول الفجر، كما يقال: " أسفرت المرأة " أي كشفت عن وجهها. فالمقصود: أن ينكشف الوقت عن دخول وقت الفجر فيكون ذلك متيقناً غير مشكوك فيه. أي: تيقنوا وتثبتوا فلا تحكموا على الفجر بدخول وقتها إلا بعد تثبت وتبين، والفجر هي أكثر الأوقات التي قد يحصل فيها اللبس، فاللبس فيها أكثر من غيرها وأظهر. والحمد لله رب العالمين الدرس التاسع والخمسون (يوم الثلاثاء: 25 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (وتدرك الصلاة بالإحرام في وقتها) . فإذا كبر للإحرام فخرج وقت الصلاة، فإنه يكون قد أدرك وقت الصلاة. فمثلاً: كبر للإحرام فطلعت الشمس فإنه يكون قد أدرك صلاة الفجر. فعلى ذلك: الصلاة تدرك بتكبيرة الإحرام.
واستدلوا: بما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) (1) الحديث. قالوا: فهذا يدل على أن أي إدراك للوقت فإنه يكون إدراكاً صحيحاً، كأن يدرك من الوقت قدر سجدة أو ركوع أو تكبيرة الإحرام فإنه يكون مدركاً للوقت. - وذهب الإمام الشافعي وهو مذهب مالك: إلى أنه لا يدرك الوقت إلا بإدراك ركعة تامة، بقيامها وركوعها وسجدتيها، فإذا أدرك ركعة فخرج الوقت فإنه يكون مدركاً للوقت. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) (2) الحديث. قالوا: فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قيد الإدراك بإدراك ركعة، أي ركعة كاملة بتكبيرتها وركوعها وسجدتيها وقيامها. وهذا هو الراجح. فإن قيل: فما الجواب عما استدل به الحنابلة؟ فالجواب: أن السجدة هي الركعة، لذا قال بعض الرواة كما في مسلم: (وإنما السجدة الركعة) فيكون هذا من باب المجاز في إطلاق الجزء واردة الكل، كقوله تعالى: {وقرآن الفجر} (3) أي صلاة الفجر، فيكون هذا من باب ذكر الجزء تنبيها إلى البقية. بدليل: أن الإدراك لا يمكن أبداً أن يكون على هذه الهيئة لذا الحنابلة لا يقولون بظاهر الحديث، وإلا فظاهره أنه إذا كبر وركع وسجد فيكون قد أدرك السجدة فحينئذ يكون قد أدرك الصلاة، وهم يقولون بمجرد ما يدرك تكبيرة الإحرام، مع أنه ليس مدركاً للسجدة. وكون الشارع يعلقها بالسجدة ليس له معنى إلا أن يكون المراد ما تقدم وهو أن المراد بالسجدة الركعة إذ تعليق ذلك بالسجود لا معنى له. ثم إن الحديث يفسر بعضه بعضاً، فحديث أبي هريرة مفسر لحديث عائشة.
فالراجح: أن من أدرك ركعة كاملة من الصلاة بركوعها وسجدتيها فقد أدرك الصلاة أداءً وإلا فإنه لم يدرك وتكون صلاته قضاء لا أداءً. قال: (ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها إما باجتهاد أو خبر ثقة متيقن) فلا يصلي قبل تيقن دخول الوقت أو غلبة الظن بذلك إذ الأصل أن الوقت لم يدخل فلا يجوز له أن يصلي إلا إذا تيقن دخوله أو غلب على ظنه؛ لأن الظن معمول به في الشريعة. وأما مع الشك فلا يجوز له أن يصلي، لأن اليقين لا يزول بالشك، وبقاء الوقت للصلاة الأولى وعدم انتقاله إلى وقت الصلاة الجديدة هو الأصل فلا ينتقل عنه إلا بيقين أو غلبة ظن. (إما باجتهاد) : أي بأن كان عارفاً بعلامات دخول الوقت، فيجتهد بأي نوع من أنواع الاجتهاد والتحري والنظر. (أو خبر ثقة متيقن) : فيشترط أن يكون هذا الثقة متيقنا، كأن يقول: " رأيت الشمس طالعة أو رأيتها قد غربت " قالوا: لأنه إن لم يكن متيقناً أي بأن يخبر بغلبة ظن، فإن هذا المكلف عليه أن يتعرف على ذلك بنفسه، بأن يجتهد بنفسه، لأنه عارف بعلامات الوقت فلم يجز له تقليد غيره مع إمكان اجتهاده بنفسه. لكن إن كان المخبر قد بني خبره على يقين فيجب أن يقبل؛ لأنه خبر ديني فيقبل من واحد كالرواية وكالشهادة بدخول رمضان فإنها تثبت بشاهد واحد. أما إذا كان يقول: (أظن أو تبين لي) ونحوها مما لا يكون جزماً ولا يقينا، فلا يجوز أن يقلده لأنه يمكنه أن يجتهد بنفسه في معرفة الوقت. لكن إن لم يكن عارفاً بعلامات الوقت فعليه أن يقلد ذلك المجتهد وهذا الطريق الثالث لمعرفة الوقت. فهنا ثلاث طرق لمعرفة الوقت: 1- الاجتهاد 2- خبر الثقة المتيقن 3- خبر الثقة المجتهد لمقلد، لأنه لا يمكن معرفة ذلك إلا بهذا الطريق فيكون من سؤال أهل الذكر. إذن: هناك طريق ثالث لكنها خاصة بالمقلد وهي أن يقلد من عنده معرفة بهذا الباب.
فإن لم يكن هناك من يقلده وهو غير عارف بالوقت وعلاماته كأن يكون أعمى أو رجل لا يعرف أدوات معرفة الوقت فإنه يصلي على حسب حاله – هذا هو الراجح –. لكن هل يعيد؟ المشهور في مذهب الحنابلة: أنه يعيد سواء أخطأ أم أصاب. وذهب بعض الحنابلة: إلى أنه لا يعيد إلا إذا أخطأ. وهناك قول ثالث: وأنه لا يعيد مطلقاً. وهذا هو الراجح. فالراجح: أنه لا يعيد مطلقاً لأنه صلى على حسب ما أمر به، فقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (1) فصلى فلا يجب عليه الإعادة أخطأ أم أصاب، لأنه قد فعل ما يجب عليه وقد صلى الصلاة على وجه هو قادر عليه، عاجز عن غيره فنقص شيء من شروطها وهو الوقت لسبب العجز عنه ما لم يكن هناك ما يجب عليه، وقد اتقى الله ما استطاع. إذن: عندنا قولان في المذهب: المشهور: أن يعيد مطلقاً. وذهب بعض الحنابلة: إلى أنه لا يعيد إلا إذا أخطأ. والذي يظهر أنه لا يعيد مطلقاً سواء أخطأ أم أصاب؛ لأنه قد أمر بأن يصلي الصلاة، ويتقي الله ما استطاع، فاتقى الله ما استطاع وصلى الصلاة وصحت وقبلت منه لأنه فعل ما وجب عليه وليس هناك دليل يدل على بطلانها وقد فعل ما أمر به من الصلاة، ومن صلى صلاة على وجه شرعي فإن الأدلة الشرعية تدل على أنه لا يؤمر بإعادتها مرة أخرى وقد صلاها على الهيئة الواجبة. قال: (فإن أحرم باجتهاد فبان قبله فنفل) رجل صلى الظهر – مثلاً – عن اجتهاد فثبت له بعد الصلاة أنه قد صلاها قبل وقتها فحينئذ: تكون له نفل. قالوا: لأن الصلاة، لم تجب بعد فوجب أن يصليها بعد دخول الوقت. وعن الإمام مالك: تكون له فرضاً وذلك: لأنه قد صلى على الوجه المأمور به، وليس هناك دليل يوجب الإعادة – وهو قول قوي -. فالظاهر: أنها تقع له فرضاً، لأنه قد صلى بعد اجتهاد ونظر فكانت الصلاة على هذه الهيئة مأموراً بها مطلوبة منه على هذا الوجه، وكونها تنتقل إلى نفل هذا يحتاج إلى دليل ولا دليل.
قال: (وإلا ففرض) فإذا كان الاجتهاد موافقاً للصواب فتبين له أنه قد صلاها في وقتها فإنها تكون فرضاً وهذا لا إشكال فيه، فإنه قد فعل ما أمر به واتقى الله ما استطاع، وأصاب الحق وليس هناك دليل يدل على الإعادة وقد فعل ما أمر به. ومثله ينبغي أن يكون مما تقدم: المقلد الذي صلى على حسب حاله فبان صواباً، فإنه لا معنى للأمر بالإعادة. قال: (وإن أدرك مكلف من وقتها قدر التحريمة ثم زال تكليفه أو حاضت ثم كلف وطهرت قضوها) بمعنى: أذن المؤذن ثم بعد مرور قدر تكبيرة الإحرام حدث مانع يمنع من الصلاة، كأن يجن أو تحيض امرأة. لأنهم قد أدركوا منها قدراً تجب به الصلاة، فالمؤذن قد أذن فأدركوا من الوقت قدر تكبيرة الإحرام لأن المؤذن لا يؤذن إلا عند دخول الوقت. فإذن: إذا مر قدر تكبيرة الإحرام بعد دخول الوقت ثم حصل مانع فإن الصلاة تتعلق بذمتها فيجب عليها القضاء – هذا مذهب الحنابلة –. - وذهب الشافعية: إلى أن الصلاة لا تجب حتى يدرك من وقتها ما يتسع للصلاة. فمثلاً: صلاة الظهر بأن تدرك وقتاً لأربع ركعات بأخف ما يمكن أي بالقدر المجزئ في الصلاة. وهل يشترط لإيجاب القضاء عليها أن تدرك زمناً للطهارة أم لا؟ قولان للشافعية: القول الأول: أنه يشترط أن يكون الوقت متسعاً للطهارة لأنها لا يمكن أن تفعل العبادة إلا بطهارة، ولا تجب الطهارة إلا بدخول وقت الصلاة. القول الثاني: - وهو أضعف – أنه لا يشترط أن يتسع الوقت للطهارة، لأنه يمكن أن تفعل الطهارة قبل دخول وقت الصلاة. لكن هذا ضعيف كما تقدم؛ لأن الطهارة إنما تجب للصلاة عند دخول وقتها. إذن: الراجح في مذهب الشافعية أن الحائض ونحوها إذا أدركوا من وقت الصلاة ما يتسع لها بأخف ما يمكن وما يتسع للطهارة فإنه يتعلق الصلاة بذمتهم. فإن أدركوا أقل منه فلا يتعلق بذمتهم. قالوا: لأنها أدركت من الوقت ما لا يمكنها أن تفعل العبادة فيه فلم يجب عليها القضاء.
- وذهب الإمام مالك: إلى أنه لا يلزم القضاء إلا إذا تضايق الوقت ولم يصلوا. بمعنى: الحائض أذن مؤذن الظهر فلم تصل حتى تضايق الوقت، بأن بقي ما لا يتسع للصلاة وكانت مفرطة، وكانت الصلاة قد خرج وقتها في الحقيقة لأنه بقي ما لا يتسع لها. - وإذا قلنا أن الوقت يدرك بإدراك ركعة كما تقدم – فإذا بقي ما لا يتسع لذلك. وهذا هو الراجح. فإذن: لا تلزمهم إلا إذا تضايق الوقت عليهما – هذا على القول بقضاء الصلاة لمن تركها عمداً – والراجح: أن من تركها عمداً فإنه لا يقضي - كما هو اختيار شيخ الإسلام – في هذه المسألة. إذن: من أدرك الوقت فلم يصل فإنه لا يقضي مطلقاً سواء تضايق الوقت أم لا. فإن لم يتضايق؛ فلأنه غير مفرط فيجوز له التأخير. فالحائض: إذا أخرت الصلاة ساعة أو ساعتين بعد دخول الوقت، وكان الوقت مثلاً ثلاث ساعات فأخرتها إلى وقت يمكنها أن تصلي فيه فهنا لا تكون مفرطة في التأخير، لأنها قد فعلت ما يجوز لها فلم تكن مفرطة ولم يكن في إيجاب القضاء عليها معنى، فإنها قد حدث فيها المانع بعد أن أخرت الصلاة تأخيراً جائزاً لها وليس ثمت أمر جديد بالقضاء، وكوننا نأمرها بالقضاء هذا يحتاج إلى دليل ولا دليل، والأصل عدم إيجاب القضاء. * ثم ذكر شيخ الإسلام مسألة النائم والناسي وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهما بالقضاء مع أنهما غير مفرطين وذكر أن هذا ليس بقضاء، بل ذلك وقتهما، فالوقت لهما عند استيقاظ النائم وتذكر الناسي، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) (1) . قالوا: هذا هو وقتها في حق النائم والناسي. ثم إنه لو لم يكن ذلك وقتهما، فقد دل الشرع على إيجاب القضاء عليهم ولا دليل على المسألة المتقدمة.
فالراجح: ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب مالك وأبي حنيفة من أن القضاء لا يجب لأن هذا المكلف قد أخَّر الصلاة تأخيراً جائزاً غير مفرط في ذلك ثم حدث المانع فلم يجب عليه القضاء، لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد ولا أمر جديد في ذلك. وعلى قول المذهب: إذا أدرك قدر تكبيرة الإحرام من وقت صلاة الظهر ثم حاضت المرأة، فهل يجب عليها أن تصلي الظهر والعصر إذا طهرت أم لا يجب عليها إلا الظهر؟ روايتان في مذهب أحمد: الرواية الأولى: أن الصلاة الثانية لا يجب قضاؤها؛ لأنهم لم يدركوا من وقتها شيئاً ولا من وقت من يتبعها. الرواية الثانية: أن الصلاة الثانية يجب قضاؤها. وهذا القول هو الراجح – كما سيأتي ولما تقدم – من قضاء عبد الرحمن بن عوف وابن عباس في المرأة تطهر قبل الفجر بأنها تصلي المغرب والعشاء، وهذا ما يقول به الحنابلة في المشهور عندهم، لكنهم في هذه المسألة لم يقولوا بها، لأنه عندما يدرك وقت الصلاة الثانية فإن الأولى تبع لها، أما هنا فقد أدرك الأولى ولم يدرك من الثانية شيئاً. لكن هذا في الحقيقة ليس بمؤثر، لأن مناط الحكم فيمن طرأ عليهم عدم التكليف، أو غير المكلف ثم طرأ عليه التكليف أنهم إذا حدث ذلك منهم قبيل خروج وقت الصلاة الثانية فإن الآثار الواردة عن الصحابة في إيجاب الصلاة الأولى عليهم لمعنى متوفر في هذه المسألة وهي: أن هذا الوقت وقت لهما جميعاً عند العذر، فإن وقت الأولى وقت للثانية عند العذر، لهذا فإن من أدرك وقتاً من الثانية فيجب عليه أن يصلي الأولى، لأن الظهر والعصر وقتهما واحد عند العذر وكذلك المغرب والعشاء، فوقتهما واحد عند العذر، لذا جاز الجمع فيما شرعه الشارع من ذلك، وفي الحقيقة لا فرق - حينئذ - بين وقت الأولى ووقت الثانية، لأن الوقت واحد للجميع.
فالراجح، ما ذهب إليه الإمام أحمد في الرواية غير المشهور عند الحنابلة وهي: - وهذا على ترجيح المذهب وإلا فقد تقدم أن الصلاة لا تجب – لكن هذا للترجيح بين الروايتين: أن من أدرك شيئاً من وقت الأولى فإن الصلاة الثانية أيضاً تجب عليه؛ لأن وقتهما في العذر واحد، وقد تقدمت آثار الصحابة فيمن أدرك شيئاً من وقت الثانية فكذلك من أدرك شيئاً من وقت الأولى لا فرق بين المسألتين لأن وقتهما واحد عند العذر. قال: (ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته وما يجمع إليها قبلها) بمعنى: إنسان غير مكلف لم يبلغ فبلغ قبل خروج وقت الصلاة. أو امرأة حائض فطهرت قبل خروج وقت الصلاة فإن الصلاة تلزم. ويلزم ذلك بإدراك تكبيرة الإحرام كما تقدم بمعنى: قبيل أن يؤذن الفجر بقدر تكبيرة الإحرام طهرت المرأة فيجب عليها أن تصلي العشاء والمغرب لأنها أدركت شيئاً من الوقت فوجبت عليها الصلاتين وتعلقت الصلاة بذمتها. - وذهب الإمام مالك إلى قول آخر هو القول الصحيح في هذه المسألة وهو: أن الصلاة لا تلزم إلا إذا أدرك من وقتها ما يثبت به الإدراك. وقد تقدم ما يثبت به الإدراك في مذهب مالك وهو مذهب الشافعي وهو إدراك ركعة كاملة، فإذا أدركت الحائض من وقت صلاة العشاء ركعة كاملة بركوعها وسجودها، فإنها تلزمها صلاة العشاء. وإذا أدركت أربع ركعات يعني: ثلاث ركعات للمغرب وركعة للعشاء، فإنه يجب عليها أن تصلي المغرب والعشاء لأنها أدركت من وقت العشاء ما يتسع لصلاة المغرب والعشاء جميعاً. وذلك يكون إما بإدراك ركعة في إدراك صلاة العشاء أو إدراك أربع ركعات في صلاة المغرب والعشاء جميعاً. ولابد – كذلك – وأن يتسع الوقت للطهارة فلو أدركت من الوقت ما لا يمكنها أن تغتسل وتصلي فإنه لا يجب عليها القضاء؛ لأنها لو اغتسلت يخرج الوقت أو يبقى وقت لا يكفي لإدراك ركعة.
إذن: إذا أدركت من الوقت ما يكفيها للطهارة وإدراك ركعة فتلزمها صلاة العشاء، وإذا أدركت ما يكفيها للطهارة وأربع ركعات فإن المغرب والعشاء تلزمانها. مثال آخر: امرأة طهرت قبل أذان المغرب، فهل يجب أن تصلي الظهر والعصر؟ يجب عليها إن أدركت من الوقت ما يتسع للطهارة وصلاة أربع [ركعات] (1) وركعة، لأنها بالأربع ركعات قد صلت الظهر، وبالركعة أدركت العصر. فإن أدركت أقل من ذلك فلا يجب عليها إلا العصر. فإن أدركت أقل من ذلك بحيث لا تتمكن من إدراك ركعة من العصر مع الطهارة، فلا يجب عليها شيء من ذلك. وهذا القول هو الراجح لما تقدم، فقد تقدم أن الصلاة لا تدرك إلا بركعة كاملة، وهذه المرأة الحائض قد أدركت من الوقت ما لا يكفيها لإدراك ركعة كاملة، والطهارة واجب عليها، فلم تتمكن من الطهارة وإدراك الركعة إلا بعد خروج الوقت فأدركت من الوقت ما لا يمكن أن تصلي فيه فلم تكن الصلاة واجبة عليها؛ لأنها عاجزة عن الصلاة، لأنها لم تدرك من الوقت ما تتمكن به من الطهارة والصلاة الواجبة عليها. قال: (وما يجمع إليها قبلها) ودليله: ما تقدم: من أن وقتها وقت واحد للمعذورين، ولأن ذلك قد صح عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس كما في البيهقي (2) وغيره ولا يعلم لهما مخالف فكان حجة. والحمد لله رب العالمين الدرس الستون (يوم الأربعاء: 26 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجب فوراً قضاء الفوائت مرتبة] في هذه الجملة ثلاث مسائل: المسألة الأولى: وجوب قضاء الفوائت. المسألة الثانية: وجوبه على الفور. المسألة الثالثة: وجوبه على الترتيب.
أما المسألة الأولى: وهي وجوب قضاء الفوائت، دليلها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إذا ذلك) (1) . فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاتها عند ذكرها، وأمره للوجوب. وظاهر الحديث أنه واجب على المعذورين بنوم أو نسيان، بدليل قوله: (لا كفارة لها إلا ذلك) ، ومعلوم أن من تركها غير معذور فإن كفارتها ولاشك التوبة إلى الله، ولا قائل بأنه يكتفى بقضائها فحسب، بل يجب أن يتوب إلى الله من تفريطه في إضاعتها عن وقتها. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (ليس في النوم تفريط) (2) ، فالنوم عذر، فحيث كان معذوراً في فواتها فعليه القضاء. أما إذا كان مفرطاً فيه وأداه ذلك إلى فوات الصلاة فإنه لا يكون معذوراً. [ولكن] (3) المذهب أن ذلك بمفروض مطلقاً، وأن المعذور وغير المعذور يجب عليهما قضاء الفوائت، فمن ترك الصلاة عامداً مفرطاً فيجب عليه قضاؤها وعليه أن يضم إلى ذلك التوبة. وهذا مذهب جماهير العلماء حتى حكاه النووي إجماعاً. لكن ذهب بعض أهل العلم كابن حزم وابن تيمية وابن القيم: إلى أن القضاء ليس بمشروع.
وحكاه ابن حزم عن عمر وابن عمر وسلمان وأنس بن مالك وابن مسعود ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن العزيز، قال: " ولا يعلم لهم مخالف " (1) . وعمدة استدلالهم: أن القضاء يحتاج إلى أمر جديد به، وليس عندنا أمر جديد بقضاء الفائتة غير المعذور صاحبها، وأما الحديث الوارد المتقدم فإنه في المعذورين. وكون الجمهور يقيسون غير المعذور على المعذور هذا قياس ظاهر البطلان؛ لأن هذا عاص لله بفوات الصلاة، وهذا غير عاص له، بل قد وقع ذلك منه على وجه يعذر به، فكيف يقاس عليه من أخرها متعمداً. وهذا القول هو الراجح: وأن من ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها فإنه لا يشرع له القضاء،بل يتوب إلى الله ويكثر من النوافل، فإن الله يقول يوم القيامة: (انظروا هل لعبدي من تطوع فأتموا به فريضته) (2) كما في المسند وغيره، فلا يقضيها إذاً؛ لأنه عمل ليس عليه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون مردوداً على صاحبه، ولم يرد أمر جديد بالقضاء. المسألة الثانية: فهي قوله " فوراً ": وأن الفوائت يجب قضاؤها فوراً. وهذا مذهب الجمهور. ودليلهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فليصلها إذا ذكرها) ، وظاهره أنه يصليها على وجه الفورية لا على التراخي، فقد أمره بالصلاة بمجرد الذكر، فمتى زال عنه النسيان أو استيقظ من النوم فيجب عليه أن يصلي الصلاة فوراً.
وذهب بعض أهل العلم، وهو مذهب الشافعية: إلى أنه لا يجب على الفور، بل يسن أن يكون فوراً ولا يجب، فتبقى في ذمته، فمتى صلاها أجزأه ذلك، لكن المستحب أن يصليها فوراً. واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين في نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن صلاة الصبح، ,فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا خير، ارتحلوا، فارتحل ثم نزل فتوضأ فنودي بالصلاة، فصلى بالناس) (1) . وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في نومه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في سفر عن صلاة الغداة، قال: (ليأخذ كل رجل فيكم برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة) (2) . قالوا: فهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة الفجر وقد فاتته إلا بعد أن ارتحل ثم نزل.وهذا على وجه التراخي. والراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول. والجواب على استدلال أهل القول الثاني: أن يقال: إن هذا الحديث قد وقع فيه التأخير لمصلحة الصلاة، فإن هذا موضع غفلة وحضر فيه الشيطان، فمن مصلحة الصلاة وتمامها وتمام خشوعها أن ينتقل لموضع آخر، فكان هذا لمصلحة الصلاة. ومثله لو أخرها يسيراً لانتظار اجتماع الناس ليصلوها جماعة، فإذا احتاج هذا لوقت ليجتمع الناس عليها بالوضوء ونحوه، فيشرع ذلك؛ لأن هذا من مصلحتها. إذاً: الراجح مذهب الجمهور، وهو وجوب ذلك على الفورية، ولكن تأخيرها لمصلحتها مشروع، كأن يكون ذلك لإقامتها جماعة أو للانتقال عن هذا الموضع الذي وقعت فيه الغفلة وحضر فيه الشيطان ونحو ذلك.
المسألة الثالثة: وهي وجوبها على الترتيب: والمذهب: أنها ولو كثرت فإنه يجب أن يقضيها مرتبة، أي عن اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، وهكذا، وهذا وإن كان لا يتصور في مسألة النسيان والنوم، لكنه متصور فيمن تركها عمداً، فمن ترك الصلاة عمداً شهراً، فمذهب الجمهور أن عليه القضاء. وصورة القضاء: أن يقضي الصلاة مرتبات وأن يقضيها مرتبة على الأيام، أي أيام الشهر، أولاً فأول حتى ينتهي ذلك. فالمشهور في المذهب وجوب الترتيب، وهو شرط لصحتها، فلو لم يرتب لم تصح الصلاة التي قد اختل الترتيب فيها، فمثلاً: لو صلى العصر ثم الظهر، فصلاة العصر باطلة، فيجب عليه أن يعيدها بعد الظهر.
واستدلوا بالأحاديث الواردة في ترتيب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي أحاديث غزوة الخندق. فقد ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب لهويِّ من بالليل كفينا، وذلك قوله تعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً} (1) فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالاً فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمر فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمر فأقام المغرب فصلاها كذلك، وذلك قبل أن ينزل الله قوله تعالى في صلاة الخوف: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} (2) ، والحديث رواه النسائي (3) إلا أنه ليس فيه ذكر المغرب، والحديث صحيح، وتقدم حديث ابن مسعود في كون النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالخندق الظهر والعصر والمغرب والعشاء مرتبات (4) . قالوا: فهذه أحاديث تدل على فرضية الترتيب بين الفوائت. قالوا: ومثل ذلك الترتيب بين الحاضرة والفائتة، فرجل عليه فائتة وهي صلاة العصر، وحاضرة وهي صلاة المغرب، فيجب عليه أن يرتب بين الفائتة والحاضرة.
واستدلوا بما ثبت في الصحيحن أن عمر بن الخطاب قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق: " ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب "، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (والله ما صليتها، فتوضأ وتوضأنا ثم صلى بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب) (1) . وذهب الشافعية: إلى أنه ليس بفرض بل مستحب، قالوا: لأن ما ذكرتموه فعل، والفعل لا يدل على الوجوب. وهذا القول قول – في الحقيقة – قوي ظاهر؛ ذلك لأن الصلاة أوجبها الله تعالى مرتبة حيث تصلى في وقتها، فالترتيب مستحق الوقت، فيسقط بسقوطه، فمادام الوقت سقط فالترتيب تبع له،فيسقط بسقوطه. هذا هو الذي يظهر ويتبين، ونحتاج إلى دليل على فرضية الترتيب ولا دليل يدل على ذلك. والترتيب فرض الوقت وقد سقط الوقت فيسقط بسقوطه، ومن صلى الصلاة فقد فعل ما أمر به، وكوننا نفرض عليه الترتيب، هذا يحتاج إلى دليل، فإن الوقت قد سقط وكوننا نوجب عليه الترتيب وقد أدى الصلاة على ما أمره بها الشارع، فإن ذلك محل نظر ظاهر. إذ لا دليل على ذلك. إذاً: الراجح أن الترتيب بين الفوائت وبين الحاضرة والفائتة إنما هو مستحب. وهو مذهب الشافعية. وهذه المسألة التي سيأتي ذكرها مبنية على المشهور في المذهب، وهو مذهب الجمهور من وجوب الترتيب بين الفائتة والحاضرة وبين الفوائت. قال: [ويسقط الترتيب بنسيانه] فلو صلى غير مرتب ناسياً فالصلاة تصح؛ قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (2)
وهذا محل نظر، فإن الترتيب فرض على قول الجمهور، وحيث كان فرضاً فلا يسقط بالنسيان، فغاية النسيان أن يسقط الإثم والحرج، وأما أن يسقط الترتيب فلا. لذا ذهب الإمام مالك: إلى أنه لا يسقط بالنسيان، فلو صلى غير مرتب ناسياً فصلاته غير صحيحة. وعلى القول الراجح فأصل الترتيب ليس بواجب. قال: [وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة] إذاً: هذا فيما إذا كان بين فائتة وحاضرة. مثال: رجل استيقظ من النوم أثناء وقت صلاة العصر وقد نام عن الظهر، [فـ] (1) يجب عليه الترتيب إلا إذا خشي إن صلى الظهر قبل العصر أن تصفر الشمس وإذا اصفرت فقد خرج وقت الجواز. إذاً: إذا خشي فوات وقت الجواز للحاضرة فيجب عليه أن يصليها قبل الفائتة. قالوا: لأن الحاضرة آكد، وهذا هو وقتها الذي هي مختصة به، وتأخيرها عن وقت الجواز محرم، فحينئذ يقدم الحاضرة فيصليها في وقتها الجائز ثم يصلي الفائتة. فإن كان يخشى فوات الوقت كله، فحينئذ يقدم ولا شك الحاضرة؛ لأنه متى لم يصلها اجتمع عليه فائتتان، فتكون الحاضرة فائتة أيضا، لأنه يصلي الفائتة في وقتها، فتكون الحاضرة فائتة، فيجتمع عليه فائتتان. ويسقط الترتيب أيضاً إذا تذكر الفائتة بعد الحاضرة، بمعنى: رجل لما صلى العصر وانتهى منها تذكر أنه لم يصل العصر (2) فيسقط عند جمهور العلماء الترتيب، فيصلي الفائتة بعد صلاته الحاضرة، وهذا يدل عليه الحديث المتقدم: (فليصلها إذا ذكرها) ، وهو لم يتذكرها إلا بعد الحاضرة، فقد تذكرها حيث لا يمكن الترتيب فيسقط. أما المسألة التي فيها البحث والنظر هي: ما إذا تذكر أثناء الصلاة الحاضرة، بمعنى: رجل كبر للعصر واشتغل بها سواء كان إماماً أو مأموماً أو انفرد، فتذكر أنه لم يصل الظهر، فما الحكم؟
قالوا: يتم صلاته مع الإمام لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} (1) ثم يصلي الفائتة ثم يعيد الحاضرة. هذا مذهب جمهور أهل العلم. واستدلوا بما رواه أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم الخندق صلى المغرب فقال لأصحابه: (هل أحد منكم يذكر أنا صلينا العصر قالوا: ما صليتها، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر ثم المغرب) (2) ، والحديث ضعيف، فيه ابن لهيعة، ولا يحتج بحديثه. واستدلوا بما رواه أبو يعلى الموصلي عن ابن عمر مرفوعاً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام ثم ليصل الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام) (3) . والحديث ليس بصحيح مرفوعاً. وإنما هو ثابت عن ابن عمر موقوفاً كما في الموطأ، لذا صحح وقفه الدارقطني والبيهقي وأبو زرعة والنسائي. فالصحيح أنه من قول ابن عمر كما صح في الموطأ. وعن الإمام أحمد: أنه يقطع صلاته. وهذا لو قلنا بوجوب الترتيب، وأنه يجب عليه أن يعيد الصلاة لكان هذا أوجه، وذلك لأنه عمل ليس بمقبول وليس بصحيح، فإبطاله لا حرج فيه. أو أن ينقله إلى نفل مطلق، فيقلب نيته من فرض إلى نفل مطلق، وهذا أظهر ليبقى أصل الصلاة. وذهب الشافعي: إلى أنه لا يعيد، وهذا بناء على أن الترتيب ليس بواجب، وهو مذهب ابن عباس كما حكاه عنه شيخ الإسلام، ورجّح هذا القول مع أنه من القائلين بوجوب الترتيب.
وترجيحه مبني على تصحيحه صلاته الأولى؛ لأنها صلاة قد أمر بها وأمر بإتمامها، والعبد لا يؤمر بالصلاة مرتين، وقد أداها، فقد أدى الصلاة أولاً، وأمر بإتمامها، فليس من الشرع أن يؤمر بالصلاة مرة أخرى. إذاً: الراجح أنه إذا تذكر في أثناء الصلاة، صلاة فائتة فإنه يتم الحاضرة ثم يصلي بعد ذلك المنسية سواء قلنا بوجوب الترتيب أم لم نقل بوجوبه. أما إذا لم نقل بوجوبه فهذا واضح؛ لأن الترتيب ليس بواجب وغاية الأمر أن يكون قد ترك الاستحباب. وأما إن قلنا بوجوب الترتيب، فكما قال شيخ الإسلام: قد أمرناه بالصلاة وأمرناه بإتمامها، فهي صلاة شرعية قد أمر بها فكيف يؤمر بها مرة أخرى. مسألة: إذا كثرت عليه الفوائت، فما الحكم؟ الجواب: يجب أن يقضيها كلها كما تقدم، ويجب كذلك أن يكون هذا على الفور، كما تقدم. لكن بشرط وهو ألا يكون عليه مشقة في بدنه أو ماله، فإن كانت عليه مشقة وضرر في بدنه أو ماله فلا يجب عليه أن يشتغل بها على هذه الصورة من الفورية، بل يصلي بحيث لا يحلقه الضرر ببدنه وماله. ببدنه: بتعب أو إعياء أو مرض ونحوه. وبماله: بضياع شيء من ماله أو بقطع رزقه بالعمل ونحو ذلك، فإنه لا يؤمر بها متواصلة فورية، بل يؤمر بها على الوجه الذي لا يلحقه الضرر، فيصلي بقدر ما لا يلحقه الضرر ثم يقوم بمصالح نفسه ثم يعود إلى إتمام ما فاته، وهكذا. هل يشرع له أن يقضي نوافل هذه الصلوات أم لا؟ كرجل فاتته خمس صلوات، فهل يشرع أن يقضي نوافلها؟ الظاهر: كما هو المشهور في المذهب التفصيل في هذا: فإن كانت الصلوات كثيرة فإنه لا يقال باستحباب قضاء النوافل، وإن كانت قليلة يسيرة فيشرع له ذلك. أما الدليل على عدم استحباب قضاء النوافل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قضى الفوائت يوم الخندق وكانت أربعاً لم يصل نوافلها.
وأما إذا كانت يسيرة فإنه يصلي نوافلها، فدليله: حديث أبي هريرة المتقدم وفيه: " فدعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة " (1) . والسجدتان هما سنة الفجر. وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ولم أر قولاً يخالف هذا القول. مسألة: إذا نسي صلاة من يوم لا بعينها؟ كأن يقول: أذكر أنه في يوم الجمعة تركت صلاة ناسياً ولا أذكر هذه الصلاة أي صلوات اليوم، فما الحكم؟ قالوا: يصلي الخمس صلوات كلها؛ لأن التعيين فرض، والصلاة يجب أن يعينها أظهرا أم عصراً، ولا يتم ذلك إلا بإعادتها كلها، فلا يتم التعيين إلا بذلك، حيث إن الاحتمال يبقى ولا يكون التعيين إلا بإعادتها كلها. وهذا ما اتفق عليه أهل العلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. مسألة: إذا ما ترك الترتيب بين الفوائت جاهلاً؟ المذهب: أن الترتيب لا يسقطه الجهل. والقول الثاني: أن الترتيب يسقطه الجهل، كما هو مذهب شيخ الإسلام، فإن الفرائض لا تجب إلا بعد العلم بها؛ لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} (2) . وهذا القول هو الراجح، وأن الجهل يسقط الواجبات، فلا تجب عليه إلا الصلاة الحاضرة كما تقدم، وأما الفوائت وما فعله سابقاً فلا تجب عليه. فالفرائض لا تجب إلا بعد العلم، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإسلام، أن الواجبات [لا تجب] (3) إلا بعد العلم بها. ومثل هذه المسألة: من ترك صلوات جاهلاً بها، لكونه حديث عهد بإسلام، فكذلك: المذهب: أنه يجب عليه القضاء. والصحيح أنه لا قضاء عليه؛ لأن الواجبات لا تجب إلا بعد العلم بها. مسألة: إذا خشي فوات الجماعة بصلاة الفائتة؟ رجل نام عن صلاة العصر حتى أذن المغرب، فقال: أخشى إن اشتغلت بالفائتة أن تفوتني الجماعة، فما الحكم؟ قولان في المذهب:
الأول: إن الترتيب يسقط؛ لأنه قد اجتمع عليه واجبان، الواجب الأول هو الترتيب، والواجب الثاني هو صلاة الجماعة، فيسقط حينئذ الترتيب. لكن هذا القول فيه تحكم ظاهر، فإن ترجيح إسقاط أحد الواجبين يحتاج إلى دليل، كيف والدليل يدل على إسقاط واجب الجماعة؛ لأن الترتيب شرط في صحة الصلاة – هذا على المذهب – أما الجماعة فليست شرطاً في صحتها بل تصح الصلاة من المنفرد عن الجماعة وإن لم يكن معذوراً في ذلك، فالصلاة صحيحة إلا إن أجره ينقص ويأثم، بخلاف الترتيب، فحيث قلنا بفرضيته فإن تركه يبطل الصلاة، فهو أرجح من الجماعة، ففوات الجماعة مرجح على فواته؛ لأنه آكد منها. أما على القول الراجح وأن الترتيب ليس بواجب، فهذا ظاهر وواضح، فحينئذ يصلي الحاضرة ويؤديها جماعة، فهو مأمور بتأديتها جماعة ثم يقضي الفائتة. والحمد لله رب العالمين. الدرس الحادي والستون (يوم السبت: 29 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومنها ستر العورة) ستر العورة: الستر بفتح السين هو التغطية، وبكسرها هو ما يستر به، سِتر وسَتر. وسترها شرط بالإجماع، قال ابن عبد البر: " وأجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به وصلى عرياناً " وقد قال تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} (1) أي عند كل صلاة. قال: (فيجب بما لا يصف بشرتها)
أي لا تصف بشرتها من سواد أو بياض أو حمرة أو نحو ذلك فهذا هو الواجب في سترها وهو أن يسترها بثوب من خرق أو جلد أو نحوه بما لا يصف بشرتها. فإذا وصف البشرة فبان بياض أو نحو ذلك فهو غير ساتر لعورته فالثوب الذي يصف البشرة لا يستر العورة باتفاق أهل العلم لأن العورة ليست بمستورة. وأما حجمها فاتفق أهل العلم على أن ظهور الحجم إذ سترت البشرة أنه ليس بمعتبر في سترها، وذلك لمشقة التحرز من ذلك. فظهور حجمها لا يعد مخالفاً للستر الواجب الشرعي. قال: (وعورة رجل وأمة وأم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة) . فعورة الرجل من السرة إلى الركبة. اتفق أهل العلم على أن السوأتين القبل والدبر أنهما من العورة في الرجل. واتفقوا على أن السرة ليست من العورة. واختلفوا في الفخذين والركبتين. فأما الفخذان: فجمهور أهل العلم على أنهما عورة واستدلوا: -بحديث جَرْهَد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غط فخذك فإن الفخذ عورة) (1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، ونحوه من حديث ابن عباس رواه أحمد والترمذي. ونحوه من حديث محمد بن جحش رواه الترمذي. وبحديث علي بن أبي طالب في سنن أبي داود – وهذه الأحاديث كلها فيها أن الفخذين عورة. وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو مذهب ابن جرير الطبري والنووي وابن المنذر ومذهب الظاهرية واختاره طائفة من أصحاب أحمد كالمجد وصاحب الفروع: وهو أن الفخذين ليسا بعورة.
واستدلوا: بما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعاً كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه " - وفي المسند والطحاوي الجزم بأنهما الفخذان – " فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدثا، ثم استأذن عثمان فجعل يسوي ثيابه، قالت عائشة: فسألته فقال: (ألا استحي ممن تستحي منه الملائكة) (1) . ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف فخذيه عند أبي بكر وعمر ولو كانتا عورة لما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. أما الشك، فقد ورد في رواية أحمد والطحاوي الجزم بأنهما الفخذان فتبين أن هذا شك من الراوي. واستدلوا بما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك – في غزوة خيبر – وهو حديث طويل وفيه: (وإن ركبتي لتمس فخذ النبي صلى الله عليه وسلم ثم حسر الإزار عن فخذه – وفي رواية (ثم انحسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذي النبي صلى الله عليه وسلم) (2) متفق عليه. والاستدلال به من وجهين: الوجه الأول: كون ركبة أنس تمس فخذ النبي صلى الله عليه وسلم والعورة لا يجوز مسها. الوجه الثاني: انحسار الثوب عن فخذ النبي صلى الله عليه وسلم ونظر أنس بن مالك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مصون عن أن تنكشف له عورة.
ومن الأدلة على الوجه الأول: ما في البخاري عن زيد بن ثابت قال: (أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم – أي القرآن – وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خشيت أن ترض فخذي) (1) والشاهد منه ما تقدم: من مس فخذ النبي صلى الله عليه وسلم لفخذ زيد والعكس وهذا لا يكون في العورة. وأجاب أهل القول الثاني على أهل القول الأول: بأن الأحاديث الواردة في هذا الباب كلها ضعيفة. فحديث جرهد: حديث مضطرب وقد ضعفه البخاري وغيره. وحديث ابن عباس فيه أبو يحيى القتات وهو ضعيف. وحديث محمد بن جحش فيه أبو كثير وهو مجهول. وحديث علي إسناده ضعيف جداً. وهذه الأحاديث إنما تحسن لشواهدها لو لم يكن لها هذا المعارض وهي الأحاديث التي فيها ما اتفق عليه الشيخان ومنها رواه البخاري أو مسلم. والقول الثاني هو الراجح؛ لأن الأحاديث كلها ضعيفة، وهذه الأحاديث صحيحة صريحة في أن الفخذ ليس بعورة. وحيث قلنا إن الفخذ ليس بعورة، فكما قال شيخ الإسلام: " موضع هذا خارج الصلاة، أما في الصلاة، فيجب سترها، لقوله صلى الله عليه وسلم – في الثوب الواحد – (إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به) (2) . ثم إن الفقهاء يقع منهم في هذا الباب شيء من الخلط الكثير – كما قال شيخ الإسلام – في مسألة العورة في الصلاة وفيها خارج الصلاة وليس بينهما اجتماع.
فالعورة في الصلاة عورة ثابتة في الخلوة وغير الخلوة وعند حضور من يجوز أن ينظر إلى العورة ونحوه، فيجب ستر العورة لعمومات الأحاديث. وأما خارج الصلاة فهي عورة حيث وجد من لا يحل أن ينظر إليها ممن ليس بزوج أو نحوه، أما نظر الزوج إلى الزوجة فهو جائز وهذا في خارج الصلاة. ثم إن عورة المرأة على الصحيح – كما سيأتي – كلها إلا الوجه والكفين والقدمين، ولا يستثنى شيء من ذلك في العورة خارج الصلاة. فإذن: من يربط المسألتين فقد أخطاء، فهذه مسألة وهذه مسألة. إذن: المقصود أن العورة إنما هي السوأتان فقط أما الفخذان فليس بعورة. وأما في الصلاة فيجب أن يستتر بثوب بحيث تغطى الفخذان والسوأتان – كما قرر هذا شيخ الإسلام -. أما الركبة: فجمهور أهل العلم على أنها ليست بعورة. وهي عورة عند أبي حنيفة، لحديث وارد في الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الركبة من العورة) (1) لكن الحديث إسناده ضعيف جداً. فالراجح مذهب الجمهور. وعلى القول بأن الفخذين ليسا بعورة – كما هو الراجح – فأولى منهما الركبتان. قوله: (وأمة أم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة) فعورتها كعورة الرجل، لحديث أحمد والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما بين السرة والركبة فإنه عورة) (2) .
والحديث – في الحقيقة – ليس بصريح في أن هذا عورة، وأن غيره ليس بعورة وإنما فيه أنه عورة بالنسبة إلى السيد إذا زوج أمته فلا يجوز أن ينظر إلى ما بينهما، وأما الركبة فما دون فإنه ليس بعورة بالنسبة إلى السيد المالك، فليس فيه أن الركبة فما دون والصدر ونحو ذلك أنه ليس بعورة مطلقاً على السيد وغيره. - لذا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه: إلى أن عورتها كالحرة وهذا في الصلاة – فالبحث هنا إنما هو في عورتها في الصلاة –. وهذا القول هو الراجح؛ لعمومات النصوص الشرعية، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (1) رواه الخمسة إلا النسائي وهو عام في الحرة والأمة، وكلاهما تصح فيها أن تكون حائض، فتوصف بأنها حائض وإخراج الأمة لا دليل عليه. والدليل المتقدم إنما فيه ذكر العورة بالنسبة إلى السيد. إذن الراجح: أن الأمة وأم الولد والمعتق بعضها والمكاتبة أن عورتها إنما هي كعورة الحرة تماماً لعمومات النصوص الشرعية. وأما عورتها خارج الصلاة: فالأظهر ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه وهو مذهب مالك والشافعي: إلى أن عورتها ما لا يظهر غالباً. فما لا يظهر غالباً منها فهو العورة – فالوجه واليدان والشعر هذا يظهر غالباً فليس من العورة، وأما ما لا يظهر غالباً فهو عورتها. وألحق أهل العلم بالرجل من بلغ عشر سنين، فمن بلغ عشر سنين فعورته كعورة الرجل، وأما ما دون ذلك فالفرجان – هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد – وتقدم أن الصحيح أن العورة إنما هي الفرجان.
وأما كشف ذلك فإن مرجعه إلى الفتنة، فإذا كانت الفتنة فلا يجوز كشفه مطلقاً، وأما حيث لا فتنة فيجوز كشفه. إذن: ابن عشر سنين في المشهور من المذهب عورته كعورة الرجل ولم أر دليلاً يدل على هذا وأما ما دونه فعورته الفرجان. والذي ينبغي أن يكون من لم يبلغ كهو بعد التمييز دون عشر سنين، فإنه لا فرق بين ما إذا ميز وكان دون عشر سنين فيه [وبين ما] إذا بلغ عشر سنين ولم يبلغ بعد. وقد تقدم ترجيح أن الفخذين ليسا بعورة، فإذا ثبت هذا فيمن هو بالغ فأولى منه فيمن بلغ عشر سنين أو من دونه. ومما يبين أن ما ذكره الفقهاء لا دليل عليه: أن المرأة غير البالغة جعلوها كعورة الرجل وهي المميزة التي لم تبلغ بعد ابنة عشر أو أصغر أو أكبر ما لم تبلغ فعورتها كعورة الرجل أي السوأتان والفخذان – ولم يجعلوها كالحرة. وهنا جعلوا ابن عشر سنين كالبالغ، ولم يجعلوا بنت عشر ونحوها ممن لم تبلغ لم يجعلوها كالبالغة وهذا تفريق بين مسألتين يعتبر فارق مؤثر. فالمقصود: أن المرأة إذا بلغت فعورتها ستأتي وما لم تبلغ فعورتها كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (1) وما لم تبلغ فليست بحائض. إذن: من دون البلوغ من النساء عورتها في الصلاة ليست كعورة الحرة البالغة. قال: (وكل المرأة عورة إلا وجهها) كل المرأة عورة، كما ثبت في الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرأة عورة) (2) فهذا يدل على أن المرأة كلها عورة. وقد أجمع العلماء على أن المرأة يجب عليها أن تستر كل شيء من بدنها من شعر أو بشرة أو ظفر (3) سوى الوجه واليدين والقدمين، فهذه المسائل الثلاث هناك منها ما أدخله بعض أهل العلم فيما يجب ستره ومنه ما لم يدخله في هذا فهو محل خلاف.
إلا أن الوجه قد اتفقوا على جواز إخراجه فالوجه لا يجب لها ستره للحاجة إليه. واختلفوا في الكعبين والقدمين. فأما الكفان: فالمشهور في المذهب أنه يجب تغطيتهما لعموم الحديث المتقدم: (المرأة عورة) (1) . وذهب الشافعية والمالكية والأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن الكفين يجوز كشفهما في الصلاة قياساً على الوجه. وهذا قياس واضح، فإن الكفين يحتاج إلى كشفهما كما يحتاج إلى كشف الوجه تماماً، والشارع يسوى بينهما فكما سوى بينهما في الإحرام في النهي عن التغطية، فبينهما في الشرع اتفاق. وهنا بينهما اتفاق في المعنى، فإن المعنى واحد فإن الحاجة إلى كشف الكفين واردة كالحاجة إلى كشف الوجه. وهذا هو الراجح. وأما القدمان: 1- فجمهور أهل العلم: على النهي عن كشفهما. واستدلوا: بما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمه: أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (أتصلى المرأة في درع وخمار بغير إزار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها) (2) على أن هذا الدليل: ليس دليلاً تاماً لهم؛ لأنه ليس فيه تغطية باطن القدمين وإنما فيه تغطية ظاهرهما وظاهر كلامهم تعميم ذلك في باطن القدمين وظاهرهما. 2- وذهب أبو حنيفة وهو اختيار المزني من الشافعية واختيار شيخ الإسلام: إلى أن القدمين لا يجب تغطيتهما في الصلاة؛ قياساً على الوجه، فإن القدمين مما يظهر غالباً في المرأة في بيتها وحيث لا يراها الأجنبي، وفي تغطيتهما مشقة، والحاجة القاضية بكشفهما، كالحاجة تماماً في كشف الوجه قال شيخ الإسلام: وأما حديث: (المرأة عورة) إنما هو حيث ينظر إليها الأجنبي، ففي تمام الحديث: (فإذا خرجت استشرفها الشيطان)
وقد تقدم أنه لا جامع بين ستر العورة في الصلاة وسترها خارج الصلاة. والراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني. وأما حديث أم سلمه فقد تفرد برفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وحفظه ضعيف. ورواه عامة الثقات موقوفاً على أم سلمة كمالك وابن أبي ذئب وإسحاق وحفص بن غياث وغيرهم، فالراجح أنه موقوف. ثم إن فيه أم محمد بن زيد وهي لا تعرف كما قال ذلك الذهبي، فلا يبنى - على مثل هذا - هذا الحكم العظيم. فعلى ذلك الراجح أن القدمين ليستا من عورة الصلاة وكذلك الوجه والكفان. وأما خارج الصلاة فإنها من العورة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (المرأة عورة) أي كلها عورة شعرها وبشرتها كلها عورة. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثاني والستون (يوم الأحد: 30 / 2 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتستحب صلاته في ثوبين] يستحب للرجل أن يصلي في ثوبين، قميص ورداء يلتحف به أو إزار ورداء، أو قميص وإزار، أو قميص وسراويل، ونحو ذلك، بأن يكون عليه ثوبان يصلي فيهما. فالمستحب باتفاق أهل العلم أن يصلي في ثوبين، قميص ورداء، قميص وإزار، قميص وسراويل، إزار ورداء، نحو ذلك. ودليل هذا ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أولكلكم ثوبان) (1) فمفهومه مشروعية واستحباب أن يصلي الرجل في ثوبين. فإن صلى في ثوب واحد فيجزئه اتفاقاً مادام أن ستر العورة ثابت فيجزئه إجماعاً.
والمستحب أن يصلي في ثوبين كما تقدم، قال عمر - رضي الله عنه -: (إذا وسع الله فأوسعوا) (1) رواه البخاري. قال: [ويجزئ – يكفي – ستر عورته في النفل] فيجزئه أن يستر عورته في النفل. فإذا صلى الرجل بثوب واحد قد ستر به عورته – السوأتين والفخذين، على المذهب – فإن الصلاة صحيحة في النفل. فلو صلى تطوعاً فلم يكن عليه إلا ثوب يستر عورته فالصلاة صحيحة كأن يصلي بإزار فقط. وهذا لأن النفل مبناها على التخفيف والتيسير. هذا المشهور في المذهب. وعن الإمام أحمد: أنه لا يجزئ ستر العورة فقط،بل يجب عليه أن يضيف إلى ذلك تغطية أحد المنكبين أو كليهما، كما سيأتي. قال: [ومع أحد عاتقيه في الفرض] العاتق: هو ما بين المنكب والعنق وهو موضع الرداء في أعلى البدن أو موضع الثوب. قال: يجب في الفرض أن يغطي أحد منكبيه، فإذا صلى بإزار فقط ولم يغط أحد منكبيه وكانت فرضاً فلا تصح. واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء) (2) . قالوا: هذا يدل على نهي المصلي أن يصلي وهو مكشوف المنكبين، بل يجب أن يرد طرف الثوب على أحد عاتقيه، فإذا فعل ذلك فإن الصلاة تكون صحيحة. واستثنوا النفل لما تقدم وأن مبناها على التخفيف. وعن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي: أن النفل كالفرض، فلا فرق بينهما. وهذا هو الأصل، فالأصل في الأحكام الشرعية الثابتة للفرض أن تثبت للنفل، فما كان شرطاً في الفرض فهو شرط في النفل إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك.
كيف والحديث المتقدم عام في النفل كما هو عام في الفرض.وهذا هو الراجح، أن النفل والفرض يجب أن يستر عاتقيه فيهما. المسألة الثانية: قوله " ومع أحد عاتقيه ": فلا يجب عليه أن يستر العاتقين، فإذا اكتفى بستر أحدهما أجزأه. هذا هو المشهور في المذهب. وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من أصحابه كالقاضي وغيره: أنه لا يجزئه إلا أن يستر العاتقين كليهما. وهذا القول أظهر؛ لقوله في الحديث المتقدم (ليس على عاتقيه منه شيء) ، فظاهره أنه فرض في العاتقين كليهما. وقد ثبت في الصحيحين عن عمرو بن سلمة (1) قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد مشتملاً به في بيت أم سلمة واضعاً طرفيه على عاتقيه) (2) . هذا هو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. إذاً: يجب عليه أن يغطي عاتقيه في الفرض والنفل على الصحيح في المذهب. والجمهور على أن ذلك سنة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الثوب: (إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به) (3) ، وإذا اتزر به وشده على حقويه فإنه لا ينال العاتقين منه شيء. والجواب على هذا أن يقال: إن هذا الحديث عند الضرورة، فإنه ليس عنده إلا ثوب واحد فيتزر به لضيقه، وإن كان واسعاً فإنه يلتحف به , فظاهر هذا الحديث وجوب تغطية المنكبين كليهما، لقوله (إن كان واسعاً فالتحف به) ، وحقيقة الالتحاف أن يغطي به بدنه كما يوضع الجلباب ونحوه على البدن. فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة من الوجوب، ولكن هل هو واجب فقط أم هو واجب لا تصح الصلاة إلا به؟
فإذا صلى وقد كشف منكبيه وهو قادر على تغطيتهما، فهو آثم على القولين، لكن هل تصح الصلاة؟ قولان في المذهب: فالمشهور عند الحنابلة: أنه واجب لا تصح الصلاة إلا به. فإذاً: أدخل في شرط ستر العورة، فأصبح مما يشترط ستره. والرواية الأخرى: أنه ليس شرطاً في صحة الصلاة. وهذا القول هو الأظهر (1) ؛ ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أوجبه وفرضه، وليس تركه يعود إلى الصلاة ولا إلى شرطها، فإنه قد ستر عورته وتم بذلك شرط الصلاة من ستر العورة، وأما ستر أعلى اليدين بتغطية المنكبين فإنه لا يدخل في الصلاة ولا في شرطها، بل قد قام بالصلاة على وجهها الشرعي إلا أنه قد فعل أمراً محرماً لكونه لم يضع ثوبه على عاتقيه، لكن صلاته صحيحة؛ لأنه قد قام بها أركاناً وشروطاً، وكونه يفعل أمراً محرماً فيها ككونه يلبس ثوب حرير ونحو ذلك. ومن صلى وقد ستر عورته بثوب حرير فإن صلاته صحيحة على الراجح، وسيأتي الكلام عليه. إذاً: الراجح هذه الرواية، وأنه واجب وليس شرطاً في صحة الصلاة. فعلى ذلك: حاصل أقوال أهل العلم ثلاثة أقوال، وهي روايات عن الإمام أحمد: الرواية الأولى: السنية، وهذا مذهب الجمهور. الرواية الثانية: أنه شرط في صحة الصلاة، وهذا هو المشهور عند الحنابلة. الرواية الثالثة: وهي أصحها أنه واجب ليس بشرط، فلو ترك تغطية المنكبين عامداً ذاكراً عالماً بالحكم، فتصح صلاته مع لحوق الإثم له. قال: [وصلاتها في درع وخمار وملحفة] الدرع: هو القميص، وهو المفصل على البدن. وخمار: هو ما تغطي به المرأة رأسها.
وملحفة: وهي ما نسميها العباءة، وهي الجلباب ونحو ذلك مما تغطي به المرأة بدنها. هذا هو المستحب لها؛ لأن ذلك أستر لها. فإن قيل: فلم يذكر الخمار، مع أن الخمار تغطية الرأس، وتغطية الرأس شرط في صحة صلاة الحرة؟ فالجواب على ذلك: أن الاستحباب إنما هو في كونه خماراً، فلو لبست برقعاً أو نقاباً أو نحوه مما يغطي الرأس فإنه خلاف الأولى، والأولى لها أن تغطيه بخمار، وهو قول عمر وعائشة. قول عائشة رواه عنها سعيد بن منصور. وقول عمر، كما حكاه عنه في المغن (1) ي، وقال صاحب الفروع: رواه محمد بن عبد الله الأنصاري في جزئه عن عمر بإسناد صحيح " أي استحباب أن تصلي المرأة بدرع وخمار وملحفة. فالمستحب أن تصلي بدرع وخمار وملحفة، هذا هو الأفضل لها باتفاق العلماء. قال: [ويجزئ ستر عورتها] هذا هو المجزئ، فلو سترتها بأي ثوب ولو لم يكن خماراً أو اكتفت بالقميص ولم يظهر شيء من عورتها، فصلاتها صحيحة؛ لأنها قد قامت بالشرط، فسترت العورة، وحينئذ قد قامت بالشرط المفترض عليها، وما فضل وزاد فهو خير وليس ذلك على هيئة الفرضية. قال: [ومن انكشف بعض عورته وفحش أو صلى في ثوب محرم عليه أو نجس أعاد لا من حبس في محل نجس] هنا أربع مسائل: المسألة الأولى: من انكشف بعض عورته وفحش. " فحش ": حجماً وزماناً عرفاً؛ لأن المسائل التي لا تحدد في اللغة ولا في الشرع مرجعها إلى العرف. فما فحش: خرج - منه خارج من - عورته، كالفخذين – على المذهب – فانكشف شيء منهما وفحش زماناً أي طال وقته، وحجماً، أي من رآه ونظر إليه قال: هذا كثير فاحش، فمرجعه إلى العرف، وقد تقدم أن ذلك إلى أوساط الناس. فلو خرج منه شيء كثير من الفخذين، لكن الزمن قليل فلا تبطل الصلاة. وكذلك إذا خرج شيء يسير في زمن كثير أي فحش الزمن ولم يفحش الحجم الخارج فإنه لا تبطل الصلاة بذلك.
إذاً: لابد وأن يفحش حجماً وزماناً، فإن لم يفحش حجماً وزماناً فهو معفو عنه؛ قالوا: لأن اليسير لا يمكن التحرز منه حيث لم يقصد ذلك. فإن قصد قالوا: بطلت، وإن كان يسيراً، يسيراً في الزمان أو الحجم. هذا هو المشهور في المذهب. وذهب الشافعية: إلى أنه إذا خرج منه أي خارج سواء كان يسيراً أم فاحشاً سواء في زمن كثير أو زمن قليل، أنه إذا خر ج منه شيء بقصد أو غير قصد، الصلاة باطلة تجب إعادتها. قالوا: لأن الواجب هو ستر العورة، ومتى انكشف أي شيء منها فيجب حينئذ أن يعيد الصلاة، وهي باطلة. وهذا القول أقيس وأصح من مذهب الحنابلة، لكن بقصد، وهو مذهب المالكية. فمذهب المالكية هو مذهب الشافعية، لكنهم استثنوا من ذلك النسيان ونحوه. فلو خرج منه شيء بغير قصد فيعفى عنه سواء كان فاحشاً أو لم يكن فاحشاً، كأن يكون جاهلاً أو ناسياً. وإذا خرج منه أي شيء وإن كان يسيراً فالصلاة تبطل إن كان عن قصد. وهذا القول هو الراجح. أما كون أي خارج يناقض ستر العورة؛ فلأن الواجب هو سترها كلها وجميعها، وحيث خرج شيء منها فإن هذا ينافي سترها. وكوننا لا نبطل الصلاة حيث نسي أو جهل؛ فلأن هذا من فعل المحذور، ومن فعل المحذور جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه كما سيأتي الاستدلال عليه في شرطية الطهارة من النجاسة في الثوب والبقعة ونحوها. فالراجح: أنه مادام أنه فعل المحذور جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه. فالراجح مذهب المالكية وأنه إذا خرج شيء من عورته في الصلاة، فلا تفسد صلاته إلا إذا خرج على وجه القصد والتعمد، أما إذا خرج على وجه النسيان والجهل ونحوه فذلك لا يضر صلاته. المسألة الثانية: " أو صلى في ثوب محرم عليه أعاد ":
رجل ستر عورته بثوب محرم كثوب حرير أو مغصوب فإنه يعيد؛ قالوا: لأن لبسه للثوب يلحقه به الإثم، فهو عاص لله بلبسه لهذا الثوب؛ لأنه محرم، وهو يفعل قربة فلا يمكن أن يكون هذا قربة وهو مع ذلك إثم ومحرم، بمعنى: لا يمكن أن يلحقه في آن واحد ثواب وإثم،فهو آثم للبسه للحرير،وإذا قلنا بصحة صلاته فهو مأجور على الصلاة ولا يمكن أن يجتمع في الشخص هذان الوصفان في آن واحد. والجواب على هذا – وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام وغيره وهو مذهب أكثر أهل العلم -: أن الصلاة في الثوب الحرير ونحوه أنها صحيحة؛ لأنه قد قام بالصلاة شروطاً وأركاناً، وهذا المحرم الذي فعله لا يعود إلى الصلاة ولا إلى شرطها، فإنه قد ستر العورة وقد صلى الصلاة بشروطها الباقية وأركانها. وكونه يجتمع عليه إثم وثواب لا مانع من ذلك، فلا مانع أن يكون مثاباً من جهة وآثما من جهة أخرى. فالأجر الذي يلحقه ليس للبسه هذا الثوب، لكنه يلحقه لصلاته، فهو مثاب لكونه صلى، وهو آثم لكونه لبس ثوب حرير، فلا مانع أن يجتمع عليه هذان الوصفان؛ لأن كلا منهما له جهته الخاصة به. فالصحيح أنه لا تجب عليه الإعادة إذا ستر عورته بثوب حرير، وهو آثم على لبسه، ومثله من صلى في ثوب مسبل أو مغصوب، فالصلاة صحيحة، لكنه آثم لفعله. المسألة الثالثة: " أو نجس أعاد ": رجل لم يجد ثوباً يستر به بدنه إلا ثوباً نجساً، فصلى، فيجب عليه أن يعيد صلاته. قالوا: لأنه قد اختار ما يمكنه اختيار (1) غيره في الواقع، فإنه كان بين خيارين أن يصلي عرياناً وأن يصلي في ثوب نجس، فاختار أوكدهما وهو أن يسترها بثوب نجس، فاختار أوكدهما عند التزاحم، وعند وجدان الثوب الطاهر يزول هذا التزاحم، فيجب أن يصلي مرة أخرى. قال: [لا من حبس في محل نجس] فمن صلى في موضع نجس محبوساً فلا يجب عليه أن يعيد الصلاة، فكيف يفرق بين الأمرين؟
أنه في هذا الموضع والمحل النجس لا يمكنه أن يفعل أمراً آخر، فلا خيار له، فلم يجب عليه الإعادة، ومثل ذلك ما لو حبس في محل مغصوب، فكذلك لا تجب عليه الإعادة؛ لأنه لا خيار له في ذلك. فإن كان مسجوناً سجناً يمكنه أن يخرج نفسه منه؟ بمعنى: رجل غصب أحداً حقه، فيمكنه أن يخرج برد ذلك الحق؟ فيجب عليه أن يعيد؛ لأن له خيار آخر، وهو أن يخرج من السجن بأداء الحق الواجب عليه، هذا كله بناء على هذا التعليل. لكن في الحقيقة هذا الفرق ليس له أثر في الشرع،بل كلاهما قد فعل ما أمر به شرعاً واتقى الله ما استطاع، فكانت صلاته صحيحة. وكون هذا لا خيار له، وهذا له خيار، فهذا في الحقيقة لا أثر له، أو كون هذا نادراً وهذا ليس بنادر، هذا في الحقيقة لا أثر له. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام. إذاً: الراجح أن من صلى في ثوب نجس سواء كان محلاً نجساً أو لم يكن كذلك فلا تجب الإعادة عليه مادام أنه فعل ما أمر به شرعاً واتقى الله ما استطاع،وقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (1) . ولم يأمر الله تعالى العبد بأداء الفرض مرتين، فقد أدى الفريضة على حسب ما أمره الله به، فلم يكن هناك ما يدعى إلى إيجاب الصلاة عليه مرة أخرى وقد قام بها على الوجه المأمور به شرعاً. فالراجح: أنه لا يجب عليه أن يعيد مطلقاً سواء كانت الصلاة بثوب نجس، وهو معذور في لبسه وحيث له خيار أو كان ذلك حيث لا خيار له إذا صلى في محل نجس أو في محل مغصوب ونحو ذلك. فمن صلى في ثوب محرم ناسياً فصلاته صحيحة بالإجماع، فكأن المذهب علقوا البطلان في الإثم، فإذا أثم بطلت صلاته وإلا صحت. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثالث والستون (يوم الاثنين: 1 / 3 / 1415 هـ) اعلم أن المشهور في المذهب أنه لا يجب أن يكون الساتر للمنكبين - لا يجب أن يكون - كثيفاً لا يظهر البشرة.
لكن هذا فيه نظر كما قال ذلك الشيخ عبد الرحمن بن سعدي؛ وذلك لأنه في حكم في ما يجب تغطيته في الصلاة،فيجب أن يكون مغطٍ (1) للبشرة فلا يظهر لونها. هذا هو الراجح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن وجد كفاية عورته سترها وإلا فالفرجين فإن لم يكفهما فالدبر] هذه مسألة في الحقيقة من المسائل النادرة، وهذا معروف عن الفقهاء وأنهم يذكرون المسائل النادرة وغيرها. قوله: " ومن وجد كفاية عورته ": العورة في المذهب: هي الفرجان والفخذان. فمن وجد ما يكفي عورته ولا يغطي المنكبين فإنه يجب عليه أن يستر الفرجين والفخذين، ويكتفي بذلك عن المنكبين؛ ذلك لأن الفرجين والفخذين هما العورة الواجب سترها على المشهور في المذهب، ومع ما ذكر شيخ الإسلام أن العورة في الصلاة هي الفرجان والفخذان فهما لاشك أولى من المنكبين المختلف في وجوب سترهما. فقد اختلف العلماء في وجوب ستر المنكبين، والحنابلة يخففون فيهما في تغطية البشرة. والجمهور لا يرون فرضية سترهما، فلاشك أنهما أولى بالترك مما ثبتت فرضية ستره. وأما إذا قلنا بالمذهب المتقدم ترجيحه، وهو رواية عن الإمام أحمد من أن المنكبين يجب تغطيتهما من غير أن يكون شرطاً في صحة الصلاة فإن ترجيح ستر الفرجين والفخذين واضح؛ لأن سترهما شرط في صحة الصلاة. إذاً: يغطي عورته، وأما المنكبان فيكشفان ويرجحان في الكشف لأنهما مرجحان كما تقدم. قال: [وإلا فالفرجين] هل يقدم الفرجان أم الفخذان؟ يقدم الفرجان؛ لأنهما أفحش في العورة. قال: [فإن لم يكفهما فالدبر] قالوا: لأنه أفحش. وفي قول آخر: القبل؛ لأنه يواجه به الله تعالى، فكان الواجب أن يستر لاستقبال الله تعالى. وقيل: يخير بينهما والأولى هو الدبر.
وهذه في الحقيقة مسألة وإن كانت نادرة، لكن المرجح هو وجوب ستر القبل لاسيما في المرأة، ولاسيما - كما قال بعض الحنابلة - إن كان ثمت رجل، فيترجح تغطية قبلها. فإن كان ثمت رجل فيترجح تغطية قبلها – أي المرأة -، وإن كان ثمت امرأة فيترجح تغطية قبله. فإذاً: الأرجح في أصل المسألة تغطية القبل كما هو قول في مذهب الإمام أحمد، فإن كان هناك رجل وهي امرأة فهو ظاهر، وكذلك إن كانت امرأة وهو رجل فهذا ظاهر؛ للفتنة العظيمة في هذا. قال: [وأن أعير سترة لزمه قبولها] لأن العارية لا منة فيها، فمادام أنه ليس فيها منَّة وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب،فيجب عليه قبولها. فإن لم يقبلها وصلى عرياناً فصلاته باطلة؛ لأنه كان يمكنه أن يستر عورته بما لا يلحقه مِنَّة. فإن وُهبها هبة، فهل يلزمه القبول أم لا؟ قولان في المذهب: فالمشهور في المذهب: أنه لا يلزمه قبولها؛ لأن الهبة تحلق بها المنة، فلم يجب عليه قبولها. والقول الثاني في المذهب: أنه يجب عليه قبولها. والذي يتبين لي التفصيل في هذا: فإن كان يترتب على ذلك انكشاف عورة، كأن يكون في محل لا يحفظ عورته،فإنه يجب قبولها؛ لأن المفسدة المترتبة على كشف العورة أعظم من المنة، ويجب ترجيح المفسدة الصغرى وقوعاً، وهروباً من المفسدة الكبرى. فأما إن كان في بيت ونحوه فلا يلزمه القبول للمنَّة المتقدمة. وإن كانت بثمن فيلزمه شراؤها إن كان يمكنه ذلك بالقيود المتقدمة بماء الوضوء، فإن الوضوء إذا بيع بمثن فيجب شراؤه بشروط تقدم ذكرها، وهنا كذلك. قال: [ويصلي العاري قاعداً بالإيماء استحباباً فيهما] هذه صفة صلاة العاري. أن يصلي قاعداً قد ضم فخذيه بعضهما إلى بعض ويومئ بالركوع والسجود، استحباباً فيهما لا وجوباً. فلو صلى قائماً بالركوع والسجود فالصلاة صحيحة.
فالمشهور في المذهب: استحباب الصلاة قاعداً ويومئ بالركوع والسجود، ولو صلى قائماً بالركوع والسجود، فالصلاة صحيحة. وقال الشافعية والمالكية: يجب عليه أن يصلي قائماً بركوع وسجود؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) (1) . قالوا: وهو مستطيع للقيام بلا ضرر. والراجح كما هو قول في المذهب وهو رواية عن الإمام أحمد،وهو ظاهر كلام الخرقي: أنه يجب عليه أن يصلي قاعداً ويومئ بالركوع والسجود. ودليل هذا: هو ترجيح ستر العورة على القيام، دليله وجهان: الوجه الأول: أن ستر العورة لا يسقط في الفرض والنفل، وأما القيام فهو ركن في الفرض مستحب في النفل، فستر العورة مثقل ليس فيه شيء من التخفيف، وأما القيام ففيه تخفيف بحيث أنه لا يجب في التطوع. الوجه الثاني: أن ستر العورة فرض وواجب في الصلاة وفي غيرها،فقد أمر الله تعالى بستر العورة في الصلاة وفي غيرها. وأما القيام فلا يجب إلا في الصلاة، فالمحافظة على الفرض الذي أمر الله به عباده في الصلاة وفي غيرها أولى من المحافظة على القيام الذي لم يؤمر به إلا في الصلاة. فالراجح أنه يصلي قاعداً وجوباً؛ لأنه يجب عليه أن يستر عورته بقدر الإمكان، وحيث كان قاعداً فإن فيه ستر للعورة بقدر الإمكان، فكان ذلك فرضاً عليه. فعلى ذلك: صفة صلاة العاري: أن يصلي قاعداً قد انضم بعضه إلى بعض يومئ بالركوع والسجود. قال: [ويكون إمامهم وسْطهم] فلا يجوز أن يتقدم؛ لأنه في تقدمه كشفاً للعورة والواجب هو سترها بقدر الإمكان كما تقدم. قال: [ويصلي كل نوع وحده] كل نوع من ذكور وإناث، فالإناث يصلين وحدهن، والذكور يصلون وحدهم.
قال: [فإن شق صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم عكسوا] بمعنى: إن كانوا في موضع واحد ولا يمكنهم أن يصلوا فيه منفردين، فكيف يكون الحكم؟ يصلي الرجال مستقبلين القبلة، وتكون النساء مستدبرات القبل، ثم بعد ذلك يكون العكس، فتصلي النساء مستقبلات القبلة ويؤدين فريضتهن، ويكون الرجال مستدبرين النساء مستدبرين القبلة. هذا كله على القول بفرضية الصلاة جماعة، وهو المذهب، وهو فيما يظهر لي ضعيف جداً، وأن القول بفرضية الصلاة جماعة مع كشف العورة ضعيف جداً. استدلوا هم: بعمومات الأدلة الشرعية الدالة على فرضية الجماعة. وذهب جمهور العلماء من المالكية والأحناف، وهو قول للشافعية: إلى أن الجماعة تسقط، فيصلون فراداً إلا في ظلمة شديدة لا تنكشف لأحد منهم عورة. وذلك: لأن ما يلحقه في كشف العورة من المذمة والعار والفتنة ونحو ذلك أعظم مفسدة مما يترتب على فوات الجماعة. والواجب هو إسقاط ما يترتب عليه مفسدة صغرى والقيام بما يترتب عليه المفسدة الكبرى، فحينئذ الواجب أن يصلوا فراداً إلا في ظلمة، فإن الجماعة يبقى وجوبها لعدم المعارض لذلك. قال: [فإن وجد سترة قريبة في أثناء الصلاة ستر وبنى وإلا ابتدأ] وجد سترة لا تقطع صلاته، فهي تحتاج إلى عمل يسير لا يؤثر في الصلاة، فيجب عليه أن يستر بها عورته ويبني على صلاته ولا يستأنفها. وأما إن كانت السترة بعيدة عرفاً بحيث تحتاج إلى عمل كثير مبطلٍ الصلاة فحينئذ يجب أن يقوم بالستر، حيث استطاعه، والصلاة لم تتم بعد فتثبت صحة، فيجب عليه أن يستتر بها ويستأنف صلاته. إذاً: الواجب عليه مطلقاً أن يستر عورته. ويبني إن كان العمل قليلاً لا يؤثر في الصلاة. وأما إن كان عملاً كثيراً يؤثر في الصلاة فإنه يستأنفها.
* واعلم أن ما تقدم من كونه يصلي قاعداً ظاهر المذهب،سواء كان في بيته أو جماعة، فإنه يصلي قاعداً، لكنهم قالوا: بالاستحباب، والراجح الوجوب كما تقدم. فليس هذا مختصاً حيث ترى عورته، بل هو عام في هذا الموضع وفي غيره مما لو لم يكن ذلك، كأن يكون في ظلمة أو يكون في بيته. فإن قيل: فلم لم نبق القيام على وجهه؟ فالجواب: إن ستر العورة شرط مطلقاً حيث كان في خلوة أو لم يكن فيها. ثم إن الله - عز وجل - أولى بأن تستر له العورة، لذا النظر إلى العورة ليس هو مناط العلة في هذا الباب، بل مناطها هو نفس ظهور العورة، كيف وهو في الصلاة في موضع يناجي الله تعالى فيه، فكان الستر فيه أولى منه في غيره. إذاً: ظاهر المذهب، وهو الراجح، لكنهم قالوا بالاستحباب، والراجح الوجوب، وجوب الصلاة قاعداً والإيماء بالركوع والسجود سواء كان في موضع ترى فيه العورة أولم يكن ذلك. فإن كان في موضع ترى فيه العورة، فهو ظاهر. وإن كان في موضع لا ترى فيه، فإن الله أحق أن يستحى منه، كيف وهو يناجي الله تعالى، ثم إن العورة شرط سترها في الصلاة حيث يرى أو لا يرى. والحمد لله رب العالمين. الدرس الرابع والستون (يوم الثلاثاء: 2 / 3 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ويكره في الصلاة السدل) السدل: هو ترك الثوب على المنكبين من غير أن يرد طرفه على جانبه الآخر أو من غير أن يضم جانبيه بعضهما إلى بعض. وقيل: السدل هو: هو الإسبال أي إسبال الثوب.
والحديث الوارد في النهي هو: ما رواه أبو داود وغيره والحديث حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه) (1) . والراجح هو التفسير الأول؛ وذلك لأن الإسبال قد ورد تحريمه في الأدلة أو كراهيته – على القول المشهور في المذهب أنه مكروه بغير خيلاء – فالمقصود أن الأدلة دلت على النهي عن الإسبال في خارج الصلاة والصلاة تدخل في عموم النهي بخلاف السدل فإنا عندما نقول بالنهي عنه فإنا نخص ذلك بالصلاة دون غيرها فكان حكمه مختصاً بالصلاة، فعلى ذلك يكون هذا الحديث قد أتى بحكم تأسيسي، بخلاف ما لو فسرناه بالإسبال فيكون قد أتى بما أتى به غيره. ثم إن الإسبال – على الصحيح – محرم في الصلاة وفي غيرها فتخصيص النهي في الصلاة محل نظر، فليس له فائدة – وقد نهى عنه الشارع في غير الصلاة. ثم إنا لو قلنا تنزلاً إنه لفظ مشترك فاللفظ المشترك يفسر بجميع المعاني المحتملة فيه ما لم يدل دليل يمنع من تفسيره بأحدها. فالراجح هو التفسير الأول؛ لأن الحكم فيه يكون حكماً تأسيسياً ولأن الإسبال محرم في الصلاة وفي غيرها فلا معنى لتخصيصه في الصلاة، ولو قلنا تنزلاً أن المعنيين كليهما يحتمل في الحديث فهذا من المشترك ويصح تفسير المشترك وحمله على جميع المعاني التي يصح أن يفسر بها ما لم يأت دليل يمنع من ذلك. وهذا السدل في المشهور من المذهب مكروه مطلقاً أي سواء كان تحته ثوب آخر أم لم يكن تحته ثوب.
- وعن الإمام أحمد: أنه لا يكره إلا إذا لم يكن تحته ثوب، أما إن كان تحته ثوب فلا يكره. وهذا إنما يبنى على أن العلة هي خشية ظهور شيء من العورة. ولكن الذي يظهر أن العلة ليست هذه فحسب بل التشبه باليهود، وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) (1) ومما يدل على أن هذا السدل من فعل اليهود ما رواه أبو داود في سننه عن ابن عمر بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن له إلا ثوب فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود) (2) أي لا يلقيه على عاتقه ويسدله كما يفعل اليهود. ومما يدل على أن تفسير هذا الحديث هو السدل المذكور، ما صح عن علي رضي الله عنه – كما رواه الخلال وغيره أنه رأى قوماً يسدلون في صلاتهم فقال: (كأنهم اليهود خرجوا من فُهْرهم) (3) - بضم الفاء وإسكان الهاء - أي من مدارسهم، فهو من فعل اليهود.
فعلى ذلك ينبغي أن يقال بالتحريم؛ لأن التشبه يقتضي التحريم وهو رواية عن الإمام أحمد وهذا القول هو الراجح لأن التشبه فيه ثابت باليهود ومن تشبه بقوم فهو منهم. وأقل أحوال التشبه – كما قال شيخ الإسلام – أن يقال بالتحريم وإلا فظاهره الكفر. قال: (واشتمال الصماء) له تفسيران: التفسير الأول: تفسير اللغويين: أن يتخلل بالثوب الواحد تخللاً يشمل بدنه كله بحيث لا يكون لإخراج اليد موضع فهذه صفة مكروهة؛ لأنه يترتب عليها فوات شيء كثير من السنن كرفع اليدين ومن صفة النزول إلى السجود ونحو ذلك. التفسير الثاني: هو تفسير الفقهاء وهو أن يضطبع بالثوب الواحد ليس عليه غيره. وصورة ذلك: ما يفعله المحرم بردائه أثناء طواف القدوم هذا هو الاضطباع بأن يضع وسط الرداء تحت إبطه الأيمن ثم يرد الطرف على عاتقه الأيسر فحينئذ: يبدو شقه الأيمن أو العكس فكلاهما اضطباع وهو اشتمال الصماء في تفسير الفقهاء. وهذا التفسير أصح لوجهين: الوجه الأول: أن هذا قد وردت به الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن اشتمال الصماء) (1) وفي رواية للبخاري: (أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه شيء) وإن كان ما فسره اللغويون من حيث المعنى فالنهي عنه صحيح لكنه ليس تفسيراً لهذا الحديث كما تقدم من الرواية. الوجه الثاني: أن الفقهاء أعلم بألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم من اللغويين كما أن اللغويين أعلم بعبارات أهل اللغة من الفقهاء، لذا قال أبو عبيده – في تفسير الفقهاء – " وهم أعلم بالتأويل " (2) أي أعلم بتفسير كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم أعلم بالشريعة من أهل اللغة.
إذن: الراجح ما قاله الفقهاء من أن اشتمال الصماء من أن يضطبع بالثوب فيظهر أحد شقيه، وهي صفة مكروهة. - والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد: وهو القول بالتحريم وأن اشتمال الصماء محرم – وهو الراجح -. وحينئذ: نعود إلى المسألة السابقة وهي فرضية تغطية المنكبين جميعاً – وهذا من الأحاديث التي تدل على ذلك – فإن هذا الحديث مناط النهي فيه بدو أحد شقيه لذا قال في الحديث المتقدم (فيبدو أحد شقيه ليس عليه شيء) فجعل العلة من النهي أو التحريم بدو أحد الشقين عارياً ليس عليه شيء. وظاهر الحديث أن الاضطباع إنما يكون منهياً عنه حيث لم يكن تحته ثوب لقوله: (فيبدو أحد شقيه ليس عليه شيء) وحيث كان عليه ثوب يغطي هذا الشق فإنه لا يقع عليه النهي لأنه مغطى. إذن: اشتمال الصماء ألا يكون عليه إلا ثوب واحد فيشتمل به مضطبعاً قد بدا أحد شقيه، فالصحيح أن هذه الصفة محرمة لما تقدم من فرضية تغطية المنكبين جميعاً – وهو رواية عن الإمام أحمد وظاهر كلام الخرقي – كما تقدم. قال: (وتغطية وجهه واللثام على فمه وأنفه) تغطية الوجه مكروهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي غير مغطي الوجه، ولتكون أعضاؤه مباشرة لمواضع السجود، وللحديث الصحيح في النهي عن تغطية الفم وحيث غطى الوجه فإنه يترتب عليه تغطية الفم. قالوا: قياساً على المحرم في النهي عن تغطية الوجه، فإن الصلاة إحرام أيضاً لحديث: (وتحريمها التكبير) (1) .
وأما تغطية الفم، فلما يثبت في سنن أبي داود في الحديث المتقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه) (1) . والأنف يقاس على الفم في الكراهية فيكره تغطية الأنف كما يكره تغطية الفم. وهذا كله – أي الحكم بالكراهية – حيث لا سبب يدعي إلى التغطية فإذا كان هناك سبب كحر أو برد أو نحو ذلك فإنه تزول الكراهية. قال: (وكفه كمه ولفه) والعبارتان (الكف واللف) بمعنى واحد، ولم تتكرر - كما قال المحشي على الروض المربع – إلا في عبارة صاحب الزاد، وفي عبارة الشارح، وإلا فإن عبارات الفقهاء إما بأن يقال: اللف أو الكف فهما في معنى واحد. هذه الجملة فيها كراهية كف الثوب أو لفه فيكره في الصلاة أن يكف ثوبه أي أن يضمه ويجمعه كأن يجمع شيء من أطراف ثوبه. ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وألا أكف شعراً ولا ثوباً) قالوا: فهذا يدل على كراهية كف الشعر والثوب. فعلى ذلك ما يلبسه الشخص من العمامة يكره له أن يكف أطرافها وكذلك الثوب فيكره أن يكف أطرافه بل يجعله ينزل معه في السجود ونحو ذلك فيكره الكف. - وذهب بعض أهل العلم إلى أنه محرم، وهو مذهب الظاهرية وقول الحسن البصري – وهذا القول أظهر لقوله: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وألا أكف شعراً ولا ثوباً) (2) وظاهر الأمر الوجوب. قال: (وشد وسطه كزنار)
الزُنَّار: ما يشد على الكتابيين لما كانت للإسلام عليهم سلطة وكانوا في بلاد الإسلام فكانوا يؤمرون بما يتميزون به عن المسلمين بأي شيء مما يكون عليه أمر (1) السلطان بما يتميز به الكافر عن المسلم. وكانوا يؤمرون بأن يشدوا زناراً رقيقاً جداً على وسط الواحد منهم، حتى قيل في المثل: " إذا عطس الذمي انقطع زُنَّاره " (2) من دقته وشدة ربطه على وسطه. فيكره للمسلم أن يشد وسطه بزنار، كفعل النصارى لما فيه من التشبه، لكن هذا – كذلك – للتحريم لما فيه من التشبه ومن تشبه بقوم فهو منهم. وفي قوله: (كزنار) يدل على أنه لو شد وسطه بشيء غليظ لا يشبه الزنار أنه لا كراهية فيه وهذا هو الظاهر. وأن الكراهية مختصة بما يكون على هيئة فعل النصارى، وهذا في الحقيقة ليس مختصاً بالصلاة، بل في الصلاة وفي غيرها لأن التشبه محرم وهو عام في الصلاة وفي غيرها. قال: (وتحريم (3) الخيلاء في ثوب وغيره) يحرم الخيلاء في ثوب وغيره في الصلاة وفي غيرها. فيحرم الخيلاء في الثوب من قميص أو عمامة ونحو ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) (4) . قالوا: فهذا يدل على أن جر الثوب خيلاء محرم بل من كبائر الذنوب. فإن كان لغير خيلاء فيكره – كما هو المشهور في المذهب –. - وعن الإمام أحمد التحريم. فعلى المشهور في المذهب – إذا فعل الإسبال لحاجة فلا بأس.
لكن الراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه أنه محرم لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) (1) فهذا الحديث عام فيما يكون للخيلاء وفيما لا يكون كذلك وثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياك والإسبال فإنه من المخيلة) (2) . فدل هذا الحديث – كما قرر ذلك ابن العربي وغيره – أن مجرد جر الثوب أنه من المخيلة، فإن كان وافق ذلك في قلب فاعله خيلاء، فحينئذ لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم وإن لم يكن كذلك فإن الأمر يكون محرماً ويكون صاحبه متوعداً بالعقوبة بالنار. واستدل الحنابلة وغيرهم القائلون بالكراهية، بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فقال أبو بكر: يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أتعاهده فقال: (إنك لست ممن يفعله خيلاء) (3) .
لكن هذا الحديث في الحقيقة ليس ظاهراً في ذلك، ذلك لأن أبا بكر لم يكن يقصد جره بل كان يقع ذلك منه من غير قصد ولا إرادة ومتى كان ذلك فإنه لا يكون من المخيلة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم – كما في البخاري – (لما كسفت الشمس خرج وهو يجر إزاره) (1) وهذا جر للإزار وهو في الأصل محرم لكنه لم يكن مخيلة لأنه فعله بغير قصد فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنك لست ممن يفعله – أي على هذه الحال المذكورة – خيلاء) وحيث كان كذلك فإن الفاعل لا يكون فعله مخيلة، وإنما يكون مخيلة حيث قصد ذلك وأراده ووضعه على هيئة يجر فيها. أما إذا لم يكن كذلك بل كان مرفوعاً ثم وقع فيه استرخاء ونحو ذلك فلا يكون ذلك من المخيلة. إذن: الراجح: أن جر الثوب محرم مطلقاً وكما قال صلى الله عليه وسلم – في النسائي: (لا حق للكعبين في الإزار) (2) فالكعبان فما دونه ليس لهما حق من الإزار ومتى فعل ذلك كان واقعاً في التحريم. فإن صلى في ثوب قد أسبل وقلنا بالتحريم مطلقاً، أو بالكراهية لكنه فعله خيلاء، فهل تصح صلاته؟ تقدم تقرر هذا في الصلاة في الثوب المحرم، وأن الراجح أن من صلى في ثوب محرم فإن صلاته صحيحة مع الإثم. قال: (والتصوير واستعماله) التصوير محرم " واستعماله " في ستر وثوب وأي شيء تقع الصورة عليه فهو محرم.
سواء كانت الصورة منسوجة أو كانت مجسمة أو مرسومة رسماً أو فتوغرافية ونحو ذلك فكل هذا محرم، لعمومات الأدلة الشرعية وفيها قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مصور في النار) (1) متفق عليه. وقد تقدم البحث في هذا في شرح كتاب التوحيد. فإن فعل ذلك بأن صلى في ثوب فيه صورة فصلاته صحيحة لكنه آثم بلبسه فيكون مثاباً للصلاة وآثماً للبسه هذا الثوب الذي وضعت فيه هذه الصورة. وقد تقدم أن ذلك مخصوص في ذوات الأرواح لقول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم – في الترمذي والحديث صحيح: (مر برأس التمثال فليقطع حتى تكون كهيئة الشجرة) (2) فدل ذلك على أن ما كان على هيئة الشجرة ونحوها مما ليس فيه روح أنه تصويره جائز. والحمد لله رب العالمين. الدرس الخامس والستون (يوم السبت: 6 / 3 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويحرم استعمال منسوج أم مموه بذهب قبل استحالته) هذه الجملة فيها تحريم استعمال الذهب سواء كان منسوجاً أو كان مموهاً أو مكفتاً أو نحو ذلك، فلبسه محرم على الذكور.
ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها) (1) فهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز للرجال لبس الذهب مطلقاً سواء كان على هيئة النسج أو التمويه أو نحوه وهو مذهب جماهير أهل العلم. أما الفضة فكذلك لا يجوز لبسها عند جمهور أهل العلم. ودليلهم: تحريم الآنية، فقد حرم الشارع آنية الذهب والفضة فكذلك اللباس، فلا يجوز لباس الفضة كما لا يجوز آنية الفضة. لكن هذا الاستدلال ضعيف، لذا ذهب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم إلى جواز لبس الفضة للرجال خاتماً أو مقبضة سيف أو نحو ذلك.
ولا نص ولا إجماع – كما قال ابن القيم - في تحريم الفضة بل الأصل في الأشياء الإباحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – في الحديث الحسن –: (ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها) (1) . وثبت في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم (لبس خاتماً من فضة) (2) وفي سنن أبي داود والنسائي والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح: (أن قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وسلم من فضة) (3) . فالراجح: أن الفضة يجوز لبسها مطلقاً، للرجال والإناث للأدلة المتقدمة، ولا نص ولا إجماع على التحريم، بل الأصل في الأشياء الإباحة، والسنة قررت ذلك، فعلاً من النبي صلى الله عليه وسلم في لبسه خاتم الفضة مع تحريم خاتم الذهب، واتخاذه السيف ذي القبيعة من فضة هذا كله يدل على جوازه، ويقرره أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها) .
أما الجواب عما ذكره الجمهور: فالجواب: أن تحريم الآنية لا يلزم منه تحريم اللبس والتحلي. بدليل: أن آنية الذهب محرمة على النساء والتحلي بالذهب مباح لهن مطلقاً. فإذن: لبس الفضة جائز مطلقاً للرجال والنساء ولا شك أنه بشرط عدم التشبه بالنساء وإنما يلبسونها بما جرت طبيعة الرجال بلبسه كالساعة من فضة أو الخاتم. وأما الذهب، فإن ما تقدم يدل على تحريمه * ولكن هل كل الذهب محرم أم أنه يستثنى منه اليسير؟ - جمهور العلماء وهو المشهور عن الإمام أحمد: أن الذهب محرم مطلقاً، لأن الشارع إذا نهى عن الشيء فإنه ينهى عن أبعاضه وأجزائه فما دام الأمر كذلك فاتخاذ الشيء اليسير من الذهب محرم. فمثلاً: لا يجوز له أن يتخذ قبيعة من ذهب ولا يجوز أن يضع الشيء اليسير في ساعته من ذهب – هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد –. - وعن الإمام أحمد قول آخر اختاره أبو بكر من كبار أصحابه واختاره المجد ابن تيمية، واختاره شيخ الإسلام: أن اليسير جائز. فإذا وضع في شيء من ملبوساته علماً من ذهب فإن ذلك لا حرج فيه. واستدلوا: بما ثبت في مسند أحمد وسنن النسائي بإسناد صحيح من حديث معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الذهب إلا مقطعاً) (1) ومعلوم أن الذهب، باتفاق أهل العلم – جائز للنساء مطلقاً، فيبقى أن يكون هذا الحديث في الرجال. قال شيخ الإسلام: " إلا مقطعاً " أي تابعاً لغيره، فالمقطع هو التابع لغيره. وهذا هو القول الراجح.
ويدل عليه القياس على الحرير، فإن اليسير في الثوب جائز كما دلت السنة الصحيحة عليه، فمثله كذلك الذهب من باب القياس. قال: (أو مموه بذهب قبل استحالته) أما إذا استحال إلى مادة أخرى فما بقيت فيه طابع الذهب بل انتقل إلى طبيعة أخرى فإنه يجوز أن يلبس وهذا مما اتفق عليه أهل العلم؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والحكم يدور مع ثبوت الشيء، وحيث انتفى واستحال إلى مادة أخرى فإن الحكم ينتقل عنه، فإن الحكم إنما ثابت للاسم مع مسماه وحيث انتقل إلى مادة أخرى فإنه لا معنى للقول بتحريمه. قال: (وثياب حرير) فثياب الحرير محرمة على الرجال أيضاً. ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) (1) والنهي للتحريم. وتقدم حديث أبي موسى الأشعري: (أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها) (2) وهو صريح في التحريم. فالحرير محرم على الذكور لبسه والجلوس عليه والاتكاء عليه سواء كان ما يُتكأ عليه من حرير أو أن يكون ما يتوسد من حرير أو أن يتخذ نمرقة أو ستر من حرير فكل هذا محرم لا يجوز وقد ثبت في البخاري عن حذيفة قال: (نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة أو أن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج أو أن نجلس عليه) (3) قال: (وما هو أكثر ظهوراً على الذكور) إذا كان عليه ثوب من نوعين من قطن وحرير، وكان الغالب ظهوراً هو الحرير فإنه لا يجوز؛ إعطاءً للغالب حكم الكل، أو لأن الشارع إذا حرم شيئاً حرم أبعاضه إلا إذا دل دليل. لكن الغالب له حكم الكل في أكثر الأحكام الشرعية.
قال: (لا إذا استويا) فإذا كان ثوب نصفه في الظهور من حرير ونصفه من قطن أو نحوه فإنه يجوز لبسه – إبقاءً على الأصل فإن الأصل هو الحل – والحرير هنا: ليس هو الكل وليس هو الغالب. هذا أحد لوجهين في مذهب الإمام أحمد. والوجه الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه يحرم. وهو الراجح لما تقدم من أن الشارع إذا حرم الشيء حرم أبعاضه. ولما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع) (1) فهذا يدل على أن لبس الحرير محرم مطلقاً سواء كان هو الغالب أو كان كثيراً ما لم يكن موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع فإنه يجوز. وهذا الدليل يصلح للاستدلال على المسألة السابقة وهو أن ما كان أكثره حرير فإنه يحرم، ومن الأدلة الدالة على تحريم الكثير من الحرير الظاهر وإن كان ليس هو الغالب ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن القسِّي والمعصفر) (2) . والمعصفر: سيأتي الكلام عليه. أما القسِّي: فهو نوع من الثياب يخلط فيه الحرير مع القطن – بحيث يكونان ظاهرين فيه.
وهنا النبي صلى الله عليه وسلم حرمه مطلقاً ولم يستثن من ذلك استواءهما ولا أن يكونا النوع الآخر هو الأكثر بل حرمه مطلقاً، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع من الثياب شامل لما كان الحرير فيه هو الأكثر أو كان هو الكثير المساوي أو كان هو الكثير الأقل فهو شامل لهذه الأنواع كلها ما لم يكن موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع فقد دل الحديث المتقدم على جوازه. قال: (ولضرورة أو حكة أو مرض) " لضرورة ": من حر أو برد، بأن لا يكون عنده إلا ثوب حرير ويخشى على نفسه الهلكة إن لم يلبسه. أو كانت هناك حاجة وليست ضرورة: كأن يكون فيه حكة أو نحو ذلك فيحتاج إلى أن يلبس الحرير مع أنه إذا لبس غيره فإنه يزول المرض الذي عليه – وهو مع لبسه للحرير لا يقطع بزوال المرض فليس هذا ضرورة بل حاجة. مع ذلك: لبس الحرير للحاجة من حكة أو مرض - ومن باب أولى للضرورة - جائز، لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قميص الحرير في سفر من حكة كانت فيهما) (1) ولبس الحرير للحكة من الحاجات وليس الضروريات؛ لأنه لا يعلم اندفاع الحكة به، فلا يثبت به زوال الحكة قطعاً بل هو نوع من أنواع التداوي (2) ، ومعلوم أن الدواء لا يقطع بزواله بل هو سبب قد يتم به الشفاء وقد لا يتم به. فاستعمال الحرير لحاجة لا بأس به. قال: (أو حرب) في الحرب يجوز للمسلم أن يلبس فيها الحرير لإرهاب أعداء الله وإظهار قوة المسلمين. وإظهار ما يكون فيه خيلاء في الحرب محمود لإرهاب الأعداء فلهذه المصلحة العامة جاز أن يلبس الحرير.
– هذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد وهو المشهور فيه وهو اختيار شيخ الإسلام: وأن لبس الحرير في الحرب جائز لما فيه من إظهار قوة المسلمين وإظهار غناهم وبأسهم ونحو ذلك. فلبسه في الحرب جائز حيث أدى إلى هذه المصالح أما إذا لم يثبت فيه شيء منها، كأن يكون خفياً غير ظاهر فلا يجوز له أن يستعمله في الحرب. قال: (أو حشو) إذا اتخذ الحرير حشواً في ثوب، كأن يضع ثوباً من قطن أو صوف ونحوه، فيضع الحرير حشواً له أي ليس في ظهارته ولا بطانته. فالبطانة هي ما تكون مباشرة للبدن، وأما الظهارة فهي ما تكون خارجة للناس. فهنا ظهارته وبطانته من نوع آخر غير الحرير، لكنه حشاه بالحرير، أو حشا وسادة به. فهل يجوز أم لا؟ نعم يجوز ذلك، فلا حرج في مثل هذا؛ لأن النهي لا يشمله وقد ثبت عن الصحابة أنهم لبسوا ثوب الخز وثوب الخز هو نوع من الثياب يكون سداه من حرير ولحمته من نوع آخر. والسدا: هو ما يكون عرضاً عند النسج. أما اللحمة: فهي ما تكون طولاً عند النسج، واللحمة تغطى السدا فيجوز أن يكون الثوب سداه من حرير، وقد لبس الصحابة ثياب الخز. قال أبو داود: " وعشرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو أكثر لبسوا ثياب الخز منهم أنس والبراء " (1) قال الحافظ ابن حجر: " وقد أوردها ابن أبي شيبة عن جمع منهم وعن طائفة من التابعين بأسانيد جيدة " (2) فهذه أفعال للصحابة لا يعلم لهم فيها مخالف. وقد دلت السنة على ذلك – في قول ابن عمر – كما في سنن أبي داود: (إنما نهى عن الثوب المصمت من الحرير) (3)
أي ما كانت لحمته وسداه من الحرير أي هو خالص حريراً. ومن كان سداه حرير ولحمته من غيره فهو جائز، وأما العكس فهو محرم: فلو كانت اللحمة من حرير والسدا من نوع آخر فهو محرم؛ لأن الظاهر هو الحرير. إذن: الحشو بالحرير جائز، وكذلك يجوز أن يكون السدا من حرير. أما البطانة فلا يجوز أن تكون من حرير؛ لأنها – في الحقيقة – ظاهرة، أي الحرير فيها ظاهر في الثوب وإن كان لا يبدوا للعيان، لكنه ظاهر وثبتت مباشرته للبدن. فإذا كانت البطانة من حرير والظهارة من غيره فإنه محرم. قال: (أو كان علماً) فإن كانت خطوط أو طرزٍ على الثوب. " أربع أصابع فما دون " مضمومة من الثوب كله. يعني: جميع ما في الثوب أربع أصابع، ففي عرضه أصبع وفي عرضه الآخر أصبع وفي وسطه أصبعين فيجوز، أما إذا كان مجموعه خمسة أصابع فيحرم. إذن: تكون مضمومة وهذا باتفاق أهل العلم. ودليل ذلك حديث عمر المتقدم: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع) قال: (أو رقاعاً) إذا رقع الثوب بشيء من الحرير فيجوز ما لم يكن ذلك أكثر من أربعة أصابع. قال: (أو لبنة جيب) " لبنة جيب ": هي طوقه، فطوق من العنق يسمى لبنة الجيب، فهذا جائز بشرط ألا يزيد على أربعة أصابع، ولو وضع أزراره من حرير فهو جائز أيضاً ما لم يجتمع من ذلك أربعة أصابع. قال: (وسَجْف فراء) الفراء: هو ما يلبس في الشتاء من الثياب الغليظة ونحوها، فحواشيها تسمى السجف. فإذا وضع في أطرافه وحواشيه حريراً وكان مجموعه لا يتجاوز أربعة أصابع فإنه جائز. قال: (ويكره المعصفر والمزعفر للرجال) " المعصفر ": هو المصبوغ بالعصفر وهو نوع من النبات تصبغ به الثياب فتكون حمراء. دليل ذلك: الحديث المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن القسي والمعصفر) (1) رواه مسلم.
وفي مسلم عن ابن عمرو قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد لبست ثوبين معصفرين فقال: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) (1) . فلبس المعصفر محرم، وهو المصبوغ بالحمرة بحيث تكون الحمرة خالصة منه (2) . أما إذا كانت الحمرة غير خالصة فيه، بأن كانت الحمرة خطوطاً فيه وإن كانت غالبة فهو جائز، لما ثبت في البخاري عن البراء قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعاً وقد رأيته عليه حلة حمراء ما رأيت شيئاً أحسن منه) (3) فهنا قد لبس النبي صلى الله عليه وسلم الحلة الحمراء فدل على جواز لبس الحلة الحمراء وهنا ليست حمرتها خالصة بل هي من أنواع البرُد اليمانية – كما ذكر ابن القيم – وهي ذات خطوط حمر مع سواد في بقية الثوب، فهو ثوب أسود فيه خطوط حمراء. وسميت حلة حمراء نسبة إلى هذه الخطوط الحمراء التي فيه وليس أن هذه الحلة كلها حمراء بل مع الحمرة غيرها. وأما الثياب الحمراء الخالصة فلا يجوز لبسها. وهنا قد ذكروا الكراهية. والراجح هو التحريم للأحاديث المتقدمة من نهي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قوله: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) (4) فهذا فيه نهي، وفيه أن هذه الثياب في لبسها تشبه بالكفار والتشبه بالكفار محرم. وقد ذكر ابن حجر في هذه المسألة سبعة أقوال قال: " وأصحها المنع " (5) وهو كما قال. فالراجح: أن لبس الثوب الأحمر إن كان خالصاً بحتاً ليس مشوباً فهو محرم، وأما إن كان مخلوطاً بغيره فإنه جائز.
وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن المياثر الحمر " (1) . والمياثر هي السروج التي يركب عليها، فهذا يدل على أن الجلوس على شيء من الفرش الحمراء أنه محرم وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك. " والمزعفر للرجال ": المزعفر: هو الثوب الذي قد صبغ بالزعفران. ودليل النهي عنه: ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يتزعفر الرجل) (2) * وهل هذا التحريم للونه وهو الصفرة أو أن ذلك لرائحته؟
الأظهر أن التحريم ليس للونه بل لرائحته، ودليل ذلك ما ثبت في سنن أبي داود وأصله في الصحيحين والحديث إسناده صحيح: أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلأ ثيابه منها، فقيل له: لم تصبغ بالصفرة؟ فقال: (إني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بها ولم يكن شيء أحب إليه منها، وكان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته) (1) فهنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة، وهذا دال على جواز ذلك ما لم تكن الصفرة عن زعفران فإنه يكون محرم للنهي المتقدم. والحنابلة يرون الكراهية، والحديث ظاهر التحريم وهو مذهب الأحناف والشافعية وهو القول الراجح وأنه محرم لظاهر النهي. فلا يجوز له أن يلبس ثوباً مزعفراً، أما إذا كان الثوب أصفراً من غير زعفران فإنه جائز لا حرج فيه. والحمد لله رب العالمين الدرس السادس والستون (يوم الأحد: 7 / 3 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومنها اجتناب النجاسات) ومنها: أي من شروط الصلاة. فاجتناب النجاسات في الثوب والبدن والبقعة من شروط الصلاة.
ومن أدلة ذلك: ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – في دم الحيض يصيب الثوب – (تحته ثم تقرصه [بالماء] ثم تنضحه وتصلي) (1) وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر أن يراق على بول الأعرابي في المسجد ذنوباً من ماء) (2) من حديث أنس. قال: (فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها) فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها فصلاته لا تصح لذا قال بعد ذلك: (لم تصح صلاته) . فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها وإن لم يباشرها بيده بل كانت بإناء ونحوه فإن الصلاة لا تصح. وإنما قال: لا يعفى عنها، لأن النجاسة المعفو عنها حملها لا يبطل الصلاة. مثال ذلك: حمل الطفل مع ثبوت النجاسة الباطنة فيه، فهذا لا يؤثر في الصلاة لأنها نجاسة معفو عنها، لذا ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (حمل أمامة بنت زينب وهو يصلي فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها) (3) . فحمل الطفل حيث لم يكن على بدنه وثوبه نجاسة لا يبطل الصلاة. ومثل ذلك: حمل أحد في الصلاة يحتاج إلى حمل مع أثر استجمار، فإن أثر الاستجمار في محله معفو عنه فلم يكن ذلك مؤثراً في الصلاة. وذلك: لأن النجاسة في معدتها فهي في باطن الآدمي فهي معفو عنها للحديث المتقدم في حمل أمامة بنت زينب. أما لو حمل طفلاً وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة فصلاته باطلة؛ لأن النجاسة غير معفو عنها فليست في معدتها. فإذن: من حمل شيئاً فيه نجاسة وإن لم يكن يباشر النجاسة بيده فإن الصلاة لا تصح؛ لأنه حامل للنجاسة أما إذا كانت النجاسة في معدنها الأصلي فالصلاة صحيحة.
قال: (أو لاقها بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته) لاقي النجاسة بيده أو رجله أو ثوبه فإن صلاته باطلة؛ للأحاديث المتقدمة، فإنه إذا لاقها وباشرها فإنه خالف ما يجب عليه من اجتناب النجاسة، كما أنه إذا حملها فكذلك، والواجب عليه أن يجتنب النجاسة فإن من شروط الصلاة اجتنابها وهو حيث حملها أو باشرها فإنه لا يعد مجتنباً لها فيكون حينئذ: مخالفاً لشرط من شروط الصلاة، فتبطل الصلاة به. قال: (وإن طيَّن أرضاً نجسة أو فرشها طاهراً كره وصحت) صورة ذلك: أرض نجسة فطينها بطين أو وضع عليها فراش فصلى عليها فصلاته صحيحة مع الكراهية. ومثل ذلك: ما يوضع الآن في البيوت من مجمع النجاسة فإنه يوضع عليه شيء من العازل من الأسمنت وغيره فإذا صلى عليه، فصلاته صحيحة مع الكراهية. أما كونها صحيحة فلأنه لم يباشر النجاسة ولم يحملها فهو مجتنب للنجاسة في ثوبه وبدنه وبقعته. وأما كونه يكره فقالوا: لأن هذه البقعة الطاهرة المباشرة له التي صلى عليها وهي معتمدة على أرض نجسة فالكراهية للاعتماد على الأرض النجسة. - وعن الإمام أحمد: ألا كراهية – وهو الظاهر والراجح –؛ لأن الكراهية حكم شرعي يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك. فإنه قد فعل ما يجب عليه من اجتناب النجاسة في ثوبه وبدنه وبقعته فصلى على بقعة مباشرة له متصفة بالطهارة فلا معنى – حينئذ – للكراهية ولا دليل يدل على ذلك. نعم الأولى أن يصلي في بقعة غير هذه البقعة، ولكن لو صلى فيها فصلاته صحيحة بلا كراهية. قال: (وإن كانت بطرف مصلى متصل به صحت إن لم ينجر بمشيه) هنا ثلاث صور: الصورة الأولى: صلى على فراش في طرفه نجاسة أي صلى في جهة فيه وفي الجهة الأخرى نجاسة فهنا لا يؤثر ذلك في صلاته؛ لأن البقعة التي باشرها في الصلاة بقعة طاهرة – وهذا باتفاق أهل العلم.
- وإن كانت النجاسة تتحرك بتحرك المحل الطاهر، بمعنى: هو فراش واحد فصلى في أحد طرفيه وفي الطرف الآخر نجاسة فإذا حركنا الطرف الطاهر تحرك الطرف النجس ولكن مع ذلك الصلاة صحيحة؛ لأن بقعته بقعة طاهرة، وقد صلى فيها، فهو مجتنب للنجاسة. الصورة الثانية: رجل صلى على بقعة طاهرة وهو مرتبط ببدنه بشيء نجس، يعني: ليس بحامل له. ولكن مرتبط به فهنا صورتان: أ) الصورة الأولى: أن ينجر بمشيه كأن يربط به كلب أو خنزير وهو يصلي فهذا الكلب والخنزير ينجر بمشيه. فالصلاة باطلة. ب) الصورة الثانية: رجل ربط به سفينة مصنوعة من عظام نجسة وهي لا تنجر بمشيه، فالصلاة صحيحة. فالصورة الأولى: هذه النجاسة ليست متصلة ببقعة بل متصلة ببدنه بحيث أنه لو تحرك لتحركت النجاسة معه قالوا: ولو لم تتحرك النجاسة معه ولو لم يمش فإن النجاسة هو مستتبع لها فيكون كحاملها. أما إذا كانت لا تنجر بمشيه بطبيعتها فإنها حينئذ ليست بمستتبعة له. هذا هو المشهور في المذهب. ونظَّر الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في هذه المسألة؛ لأنه ليس من فرق بين الصورتين، إلا أن الأولى نجاسة ثقيلة لا يمكن استتباعها وهنا النجاسة خفيفة يمكن استتباعها، وهذا في الحقيقة – فرق غير مؤثر، فإنه مرتبط بالنجاسة في كلتا الحالتين إلا أن هذه ثقيلة لا تنجر بالمشي وهذه خفيفة تنجر بالمشي وهذا ليس بمعتبر، وهو في الخفيفة ليس بمباشر للنجاسة وليس بحامل لها، فلا معنى للقول بأن الصلاة تكون باطلة، لأنه مجتنب للنجاسة فليس بمباشر لها ولا حامل لها بل بينه وبينها عازل فمثله لا يبطل الصلاة ولا يعد مواقعاً للنجاسة. وهذا هو الراجح، وأنه إن كانت النجاسة متصلة به مستتبعة له أو غير مستتبعة ما لم يكن حاملاً لها أو مباشراً لها فصلاته صحيحة؛ لأنه مجتنب للنجاسة مباشرة وحملاً.
وهي – في الحقيقة – شبيهة بالمسألة المتفق عليها التي تقدمت، عندما يصلي على فراش طرفه نجس فإنه شبيهة بهذه المسألة. فالأظهر أن الصلاة تكون صحيحة في هذه الصور الثلاث كلها. قال: (وأن رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها فيها لم يعد) رجل لما انتهى من الصلاة رأى على ثوبه نجاسة، ولم يعلم هل حدثت فيه قبل الصلاة أو أثناءها أو بعدها فهو جاهل في وقت حدوثها. فصلاته صحيحة، لأنها قد صحت وثبتت شرعاً وإبطالها يحتاج إلى دليل، والأصل عدم وقوع النجاسة عليه في الصلاة، فالأصل أنه صلى صلاة صحيحة متعرية عن أي مبطل من مبطلاتها والشك هنا لا يزيل اليقين. قال: (وإن علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد) رجل صلى فلما انتهى رأى نجاسة على بدنه وقد كان يعلم بها قبل الصلاة لكنه نسيها أو كان جاهلاً بها بمعنى: جهل أنها نجاسة كأن يقال له: بعد أن صلى، هذا الماء الذي على ثوبك ماء نجس. 1- فعلى المشهور في المذهب: يجب عليه أن يعيد. قالوا: لأنه شرط كالطهارة من الحدث، فكما أن المحدث يجب عليه إذا نسى حدثه أو جهله يجب عليه بالاتفاق أن يعيد الصلاة، فما دام الأمر كذلك، فكذلك في اجتناب النجاسة فهو شرط كالطهارة من الحدث. 2- والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب إسحاق وابن المنذر واختيار شيخ الإسلام: أنه لا يجب عليه أن يعيد.
واستدلوا: بما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذا خلع نعليه، فلما رأى ذلك القوم خلعوا نعالهم فلما قضى صلاته، قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن جبريل أتاني فأخبرني أن عليها قذراً أو قال أذى، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه أذى أو قذراً فليمسحه وليصل فيهما) (1) قالوا: في هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم جهل النجاسة فلم يعلم بها إلا أثناء الصلاة فأتم صلاته ولو كان ذلك مبطلاً للصلاة لأبطل أولها ولوجب عليه أن يعيد الصلاة، كما أنه لو تذكر أنه محدث أثناء الصلاة فيجب عليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة. قالوا: والفرق بين الطهارة من الحدث والطهارة من النجس فرق واضح فلا يصح قياس أحدهما على الآخر فإن الطهارة من الحدث وهي الغسل والوضوء – من باب الأفعال – والطهارة من النجس من باب التروك.
وما كان من قسم التروك فإن الشارع يطالب العبد باجتنابه والبعد عنه، وحيث فعله مخطئا أو ناسياً فإنه لم يناقض الشرع، فالشارع يريد منه ألا يفعله أي متعمداً وحيث فعله مخطئاً أو ناسياً فإنه لم يناقض الشرع فلم يكن ذلك مبطلاً للعبادة، والحديث المتقدم يدل على هذه القاعدة الصحيحة. ومثل ذلك لو تذكر أو أخبر أثناء الصلاة فإنه يستمر في صلاته بعد إزالة النجاسة فإن لم يمكنه إزالة النجاسة إلا بعمل كثير مبطل للصلاة فإنه يجب أن يقطع الصلاة ثم يزيل النجاسة ويعيد الصلاة من جديد؛ لأنه لا يمكنه أن يزيل النجاسة –حينئذ- إلا بعمل كثير مناقض ومناف للصلاة. قال: (ومن جبر عظمه بنجس لم يجب قلعه مع الضرر) رجل جبر بعظم نجس أو خيّط جرحه بخيط نجس أو نحو ذلك فهنا الواجب عليه إذا صلى أن يجتنب النجاسة، والنجاسة ثابتة فيه فيما وضع لجبر عظمه أو لخيط جرحه، فحينئذ لا يجب قلعه مع الضرر، لحديث (لا ضرر ولا ضرار) (1)
والشارع لا يأمر ولا ينهي فيما يترتب على المسلم فيه الضرر في ماله أو بدنه أو نحو ذلك، وهنا يترتب عليه الضرر فلم يجب ذلك عليه. أما إن لم يثبت الضرر فيجب عليه أن يزيله، لأن الواجب عليه أن يجتنب النجاسة، وحيث كان ذلك عليه، فإنه مباشر للنجاسة غير مجتنب لها مع قدرته على إزالتها فحينئذ: صلاته باطلة. قال: (وما سقط منه من عضو أو سن فطاهر) لأن ما كان من الآدمي فإنه طاهر، فالمسلم لا ينجس ومثله الكافر لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أبين من حي فهو كميتته) (1) . فما وقع من الإنسان من عظم أو سن ثم أعيد إليه ووصل به فصلاته به صحيحة؛ لأنه ببينونته وانفصاله لم ينجس بذلك فإذا أعيد فإنه عضو طاهر وحينئذ: فلا يكون مواقعاً للنجاسة. فصلاته صحيحة وإن كان قادراً على إزالته لأنه ليس بنجس. قال: (ولا تصح الصلاة في مقبرة، وحش وحمام وأعطان إبل ومغصوب)
لا تصح الصلاة في المقبرة لقوله صلى الله عليه وسلم – فيما رواه أبو داود والترمذي -: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) (1) وإن كان هناك موضع فيه قبر أو قبران فهل تصح فيه الصلاة أم لا؟ ينبني على هذا الموضع هل يسمى مقبرة أم لا؟ فالمشهور في المذهب: أنه ليس بمقبرة، فعليه: يجوز أن يصلي فيه. والقول الثاني في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام واستظهره صاحب الفروع: أن الصلاة لا تصح فيه؛ لأن اسم المقبرة شامل له، فإن المقبرة ما يقبر فيها سواء كان فيها قبر أو قبران.
ثم إن العلة التي من أجلها نهى الشارع عن الصلاة في المقابر ثابتة فيه، فإن العلة هي سد ذريعة الشرك فإن تعظيم القبور هو أصل الشرك الواقع في العالم، والصلاة في الموضع الذي فيه قبر أو قبران ثابتة فيه هذه العلة سواء سميناه مقبرة أو لم نسميه. فالراجح أنها صلاة باطلة. وعليه – فكذلك – خلافاً للمشهور في المذهب ولو صلى في موضع في بيته قد دفن فيه ميت من أمواتهم كأن يدفنوا ميتهم في ناحية من نواحي البيت، فهذا الموضع الذي حول القبر لا يجوز أن يصلي فيه للعلة المتقدمة وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً) (1) فدل على أن القبور ليست موضعاً للصلاة. فإن نبشت القبور فيجوز أن يصلي في هذا الموضع لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نبش قبور المشركين التي كانت في حائط لبني النجار ثم صلى فيه، وبنى فيه مسجده) (2) * وهل تدخل في ذلك صلاة الجنازة أم لا؟ ثلاث روايات عن الإمام أحمد: الرواية الأولى: أن صلاة الجنازة تدخل في هذا فعلى ذلك صلاة الجنازة في المقبرة باطلة.
والرواية الثانية: أنها صحيحة مع الكراهية. والرواية الثالثة: أنها تصح بلا كراهية. وأصحها القول الأول وأن الصلاة على الجنازة في المقابر باطلة لا تصح، لما ثبت في المختارة والطبراني في الأوسط بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الصلاة على الجنائز بين القبور) (1) ولكن يستثنى من ذلك الصلاة على الميت في قبره بعد دفنه حيث فاتته الصلاة فإنها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. إذن: هل تدخل صلاة الجنازة في عموم النهي أم لا؟ قولان في المذهب: الأول: أنها تدخل وهو رواية عن الإمام أحمد. الثاني: أنها لا تدخل وإذا قلنا بعدم دخولها فهل تكره أم لا؟ قولان في المذهب. والصحيح أنها باطلة في المقابر إلا ما ورد عن الشارع من الصلاة على الميت في قبره لمن فاتته الصلاة. (2)
قال: (أو حش) هو موضع قضاء الحاجة. وأما الحمام فهو موضع الاغتسال والاستحمام، فالصلاة في الحش باطلة لأن (1) إبطالها أولى من إبطال الصلاة بالحمام فهي أولى وأظهر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) (2) ولما ثبت عن ابن عباس – في مصنف عبد الرزاق – أنه قال: (لا تصلين إلى حش ولا إلى حمام ولا في مقبرة) (3) وإذا ثبت عنه النهي عن الصلاة إلى الحش فأولى منه الصلاة في الحش، فهي صلاة باطلة. (أو حمام) للحديث المتقدم، حديث أحمد والترمذي: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) . قال: (وأعطان إبل) جمع عطن أي المواضع التي تبرك فيها وتأوي إليها، فالصلاة فيها باطلة للحديث المتقدم في باب نواقض الوضوء من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصلوا في معاطن الإبل) (4) والنهي هنا يعود إلى ذات الصلاة وحيث كان ذلك فإنه يفيد بطلان الصلاة. قال: (أو مغصوب) إذا صلى في أرض قد اغتصبها فهل تصح الصلاة أم لا؟ قال هنا: لا تصح. هذا هو المشهور في المذهب. للمعنى المتقدم: لأنه آثم حيث اغتصب هذه الأرض فلا يمكن أن يكون مثاباً مأجوراً على الصلاة فيكون في آن واحد مثاباً آثماً.
والقول الثاني وهو مذهب الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه: أن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة. قالوا: لأن النهي لا يعود إلى الصلاة، فهي صلاة صحيحة لا معنى ببطلانها والنهي لا يعود إليها. ولا مانع من أن يكون آثماً مأجوراً في آن واحد فهو آثم بكونه قد اغتصب الأرض وهو مواقع للاغتصاب مشتغل به. وهو مأجور لكونه يصلي. فليس ذلك من جهة واحدة بل من جهتين فحينئذ: الصلاة صحيحة وهو الراجح. ومثل ذلك: المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق في المشهور من المذهب فلا تصح الصلاة فيها لما روى الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يصلى في سبعة مواضع: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق والحمام وأعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله) (1) لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيه عبد الله بن عمر العمري المكبر وهو ضعيف. إلا أن للفظ " قارعة الطريق " شاهداً عند ابن ماجه (2) من حديث ابن لهيعة. لذا ذهب بعض أهل العلم من الحنابلة كالموفق وغيره وهو مذهب الجمهور: إلى أن الصلاة في هذه المواضع صحيحة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) (3) والحكم ببطلان الصلاة في موضع والنهي عنه يحتاج إلى دليل يدل على ذلك، والحديث الوارد فيها ضعيف.
إذن: الصلاة فيها صحيحة، لكن الأولى ولا شك ترك ذلك. (1) فلو صلى في قارعة الطريق فالصلاة صحيحة لكنه مخطئ حيث زاحم الناس في طرقهم فإن قارعة الطريق ما يقرعه الناس ويطرقونه ويحتاجون إلى المشي عليه ويكثر ذلك فيه. قال: (وأسطحتها) فأسطحة هذه المواضع لا تصح الصلاة فيها فلو صلى في سطح حمام أو مقبرة أو غير ذلك قالوا: فلا تصح صلاته، لأن الهواء تبع للقرار. فالشخص إذا ملك بقعة من الأرض فهو مالك لهوائها. قالوا: فكذلك هنا. والقول الثاني في المذهب وهو اختيار الموفق: أن الصلاة صحيحة – وهذا هو القول الراجح (2)
؛ لأن الأصل هو صحة الصلاة والنهي عن الصلاة وإبطالها يحتاج إلى دليل. وإنما نهى الشارع عن هذه المواضع لعلل ثابتة فيها ولا يثبت ذلك في أسطحتها. فمثلاً: نهى الشارع عن الصلاة في المقبرة لوجود القبور فيها وهذا أصل شرك العالم. أما لو صلى فوقها على سطح يغطي المقبرة كلها أو يغطي موضعاً فيه قبراً أو قبرين أو ثلاثة فإنه – حينئذ – لا معنى للقول بأن الصلاة باطلة وإن كان الهواء تبعاً للقرار، لأن المعنى الموجود في القرار ليس موجوداً في الهواء فحينئذ: لا معنى لإلحاق الهواء بالقرار. مع أن المشهور في المذهب أن العلة تعبدية غير معقولة المعنى – وحيث قالوا بذلك: وهو خلاف الحق – فإن القياس باطل، لأن شرط القياس معرفة العلة وثبوتها وألا تكون العلة تعبدية. وما دام أنهم قالوا: إنها تعبدية فإنه لا معنى لإلحاق الهواء بالقرار لأن القياس باطل لعدم ثبوت العلة. إذن: الراجح أن الصلاة في أسطحتها صحيحة. قال: (وتصح إليها) فلو صلى إلى أعطان إبل أو حمام أو حش أو مقبرة قالوا: الصلاة صحيحة، لأن النهي إنما ورد في الصلاة وفي هذه المواضع، وحيث كانت في قبلته وصلى إليها فإنه لم يصل فيها فلا معنى – حينئذ – لإبطال الصلاة. وهذا صحيح، لكن ليس في كل هذه المسائل، بل قد وردت الأدلة الشرعية في استثناء بعض المسائل، فالصلاة إلى المقبرة صلاة باطلة وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها المجد بن تيمية وشيخ الإسلام. واستدلوا: بما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) (1) فهذا يدل على أن الصلاة إلى القبور محرمة وحيث كانت محرمة فهي باطلة لأن النهي يعود إلى ذات العبادة فالصلاة إلى المقبرة باطلة.
ومثل ذلك: الصلاة إلى الحش وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره بعض أصحابه، للأثر المتقدم عن ابن عباس: (لا تصلين إلى حش) (1) ولا يعلم له مخالف فيكون قوله حجة. فالصلاة إلى الحش وإلى الحمام قد ثبت عن ابن عباس، والنهي عائد إلى الذات فتفيد البطلان. وليس عندنا من يخالف ابن عباس فيكون قوله حجة. إذن الصلاة إلى المقبرة والحمام والحش باطلة. أما الصلاة إلى أعطان الإبل، أو إلى أرض مغصوبة - على القول ببطلان الصلاة فيها - فإن الصلاة صحيحة ولا أثر إلى استقبالها. وكيف يكون استقبالها؟ المشهور في المذهب أنه إذا كان بينه وبين الحش أو المقبرة ما يستتر به من كان متخلياً بأن يكون بينه وبينها مؤخرة الرحل، فإن الصلاة تكون صحيحة. وعليه فحائط المسجد ساتر، فإن كانت أمام المسجد مقبرة فحائطه يكون ساتراً. وهناك قول ثاني في المذهب اختاره المجد ابن تيمية وهو القول الراجح: أن حائط المسجد لا يكفي بل لابد أن يكون هناك فاصل آخر يفصل بينهما، ومثل مؤخرة الرحل لا يعد ذلك شيئاً، فإن الرجل يعد مستقبل القبلة وإن كان بينه وبين القبلة شيئاً. ولكن حيث كان بينه وبين المقبرة شيء فلا حرج في ذلك إذ المشقة تلحق بالنهي عن استقبالها حيث كانت هناك بيوت أو حوائل أو نحو ذلك. وأما إيجاد ساتر بينهما فإنه لا مشقة فيه فعليه لا يكفي حائط المسجد ولا حائط المقبرة بل لابد أن يكون بينهما عازل آخر بحيث لا يكون المسجد مستقبلاً المقبرة. ومثل ذلك الحش فلو صلى في غرفة تتوجه إلى الحش أو الحمام فالصلاة كذلك باطلة ولا يكفي الحائط بينهما بل لابد أن يكون هناك حائل آخر. فلو كان هناك غرفة بينهما فإن ذلك يجزئ.
هذا هو الأصح من الوجهين في المذهب وأنه لا يكفي ما هو كمؤخرة الرحل ولا حائط المسجد ولا حائط الغرفة التي يصلي فيها بل لابد أن يكون بينه وبين ذلك حائط يجعل هذا الموضع غير مستقبل لذاك الموضع والعلم عند الله تعالى. قال: (ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها، وتصح النافلة باستقبال شاخص فيها) أما كون النافلة تصح في الكعبة وعلى ظهرها فهذا قد أجمع عليه أهل العلم، وثبتت السنة الصحيحة فيما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (دخل البيت فصلى فيه) (1) . ولكن هل يشترط أن يستقبل شاخصاً منها أم لا؟ يعني: رجل صلى في سطحها وليس أمامه إلا هواءها فهل تصح أم لا؟ هنا قال: (باستقبال شاخص فيها) . والقول الثاني في المذهب: أنه لا يشترط ذلك. إذن: إذا صلى في سطح الكعبة حيث لا يستقبل شيئاً منها – أو صلى في الكعبة – واستقبل بابها وهو مفتوح فهو ليس بمستقبل شاخص منها فهل الصلاة صحيحة؟ قالوا: لا تصح – هذا هو المشهور في المذهب – قالوا: لأنه ليس بمستقبل شيئاً منها، والواجب أن يستقبل شيئاً منها أي من جدارها أو نحوه. والقول الثاني في المذهب وهو اختيار الموفق وهو الراجح: أن ذلك ليس بشرط لأن الواجب هو استقبال هوائها وموقعها وليس الواجب هو استقبال بنيانها. بدليل: أن من صلى إلى جنب الكعبة على علو فإن صلاته صحيحة، مع أنه يواجه ويسامت هواءها لا بنيانها. فكذلك هنا فالواجب إنما هو استقبال هوائها وقد استقبله وليس الواجب أن يستقبل شيئاً منها. وهذا القول هو الراجح. أما الفريضة فقال هنا: (لا تصح في الكعبة ولا فوقها)
قالوا: لأن الله تعالى قال {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} (1) وهذا لم يتوجه إلى الكعبة حيث صلى فيها أو إلى شيء منها، فالواجب أن يتوجه إليها، وهو فيها أو عليها فليس متوجهاً إليها. والنافلة فيها تسامح وتخفيف فجازت دون الفريضة هذا هو المشهور في المذهب. والقول الثاني وهو مذهب الجمهور: أن الصلاة فريضة في الكعبة أو على سطحها صحيحة؛ قالوا: لأنها صحت نافلة وحيث صحت نافلة فالفريضة كذلك؛ لأن الأصل أن الفرائض والنوافل في حكم واحد وتخصيص الفرائض يحتاج إلى دليل ولا دليل. وكونه يؤمر بالتوجه إليها ليس المقصود أن يتوجه إلى جميعها: بدليل أنه لو صلى إلى طرف الكعبة خارجاً عنها واستقبل ركناً من أركانها فإن الصلاة صحيحة اتفاقاً وهو إنما استقبل شيئاً منها، وهو كذلك حيث صلى فيها أو في سطحها فقد استقبل شيئاً من هوائها، فيكون قد استقبل منها ما تصح به الصلاة. وهذا القول هو الراجح فصلاة الفريضة في الكعبة أو على سطحها صحيحة؛ لأنه مستقبل لشيء منها، كما لو كان خارجاً عنها وقد استقبل شيئاً من أركانها وإن لم يستقبلها جميعاً، فإن الصلاة صحيحة. وأما الآية الكريمة: فإنها فيمن كان خارج الحرم فإنها في أهل المدينة ونحوهم وأن الواجب عليهم أن يتوجهوا إلى شطرها أي ناحيتها وجهتها ومثل ذلك: من كان في مكة خارجاً عن الحرم فإنه يستقبل جهتها. وأما من كان في الحرم فإنه يستقبل عينها ولا يشترط – كما تقدم – أن يستقبل جميعها بل لو استقبل بعضها يصح كما لو صلى خارجها مستقبلاً لركنها، فكذلك إذا صلى مستقبلاً لشيء من جوانبها. وقد تقدم عدم اشتراط الشاخص فيها وأن هواءها كاف؛ لأن الواجب إنما هو استقبال هوائها وقرارها وموضعها لا استقبال بنيانها. والحمد لله رب العالمين الدرس السابع والستون (يوم الاثنين: 8 / 3 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومنها استقبال القبلة)
أي من شروط الصلاة استقبال القبلة – باتفاق أهل العلم لقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} (1) ولقوله صلى الله عليه وسلم – في حديث المسيء صلاته: (ثم استقبل القبلة فكبر) (2) . قال: (فلا تصح بدونه) فلو صلى إلى غير القبلة مع قدرته على استقبالها فإن صلاته باطلة. قال: (إلا لعاجز) أي عاجز عن استقبالها، كمربوط أو مصلوب إلى غير القبلة فإن هذا لا يمكنه أن يستقبلها، فيجب عليه أن يصلي الصلاة على حسب حاله لقوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} (3) والحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (4)
متفق عليه. ومثل ذلك بعض صور صلاة الخوف – وسيأتي الكلام عليها في بابها -. قال: (ومتنفل راكب سائر في سفر) " راكب " لا ماشي وسيأتي الكلام على الماشي. " سائر " لا نازل، فإذا كان نازلاً فيجب أن يصلي مستقبل القبلة. " في سفر " سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً. والسفر القصير عند الفقهاء: هو السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، وهو ما دون 4 برد أو 16 فرسخاً وهي ما تزيد على 80 كم. فلو سافر إلى بلدة دون هذه المسافة فهذا هو السفر القصير. وأما إذا كان أربعة برد فهذا الذي يحل فيه قصر الصلاة – هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور – من تقسيم السفر إلى سفر طويل وقصير – وسيأتي ترجيح الظاهر في هذه المسألة وأن السفر مطلق ليس منه القصير والطويل، بل متى ثبت السفر فإن القصر يكون مشروعاً ولا فرق بين طويل السفر أو قصيره. فعلى المذهب: لو خرج إلى قرية قريبة لا يقصر فيها الصلاة فيجوز له أن يصلي النافلة على راحلته غير مستقبل القبلة وأولى منه لو سافر سفراً تقصر فيه الصلاة. هذا مذهب جمهور العلماء وأن السفر هنا مطلق يدخل فيه القصير والطويل. وذهب الإمام مالك: إلى أن الصلاة على الراحلة في النفل لا تشرع إلا في السفر الطويل والسفر الطويل هو ما ثبت فيه القصر، وما لم يثبت فيه القصر فلا يشرع فيه ذلك. وعن الإمام أحمد قول ثالث: وهو جوازه في الحضر وهو قول أبي يوسف من الأحناف وهو مذهب الظاهرية ومذهب بعض الشافعية. إذن في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجوز حضراً وسفراً – وهو رواية عن الإمام أحمد –. القول الثاني: أنه لا يجوز في الحضر، وإنما يجوز في السفر مطلقاً طويلاً كان أو قصيراً – وهذا المشهور في مذهب الحنابلة –. القول الثالث: وهو مذهب المالكية أنه لا يشرع إلا في السفر الطويل.
والصحيح منها ما ذهب إليه المالكية، للأحاديث الواردة في هذا الباب، فمن الأحاديث الواردة في أصل الرخصة في صلاة النفل على الراحلة – ما ثبت في الصحيحين عن عامر بن ربيعة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به) زاد البخاري: (يومئ برأسه ولم يكن يصنعه في المكتوبة) (1) وهذا الحديث ليس فيه أن ذلك في السفر، بل هو مطلق في السفر وفي غيره. وبه استدل من رأى أن النافلة يجوز أن تصلى على الراحلة في الحضر وهو رواية عن أحمد كما تقدم. والحديث الثاني في هذا الباب: ما ثبت في البخاري عن عبد الله بن دينار قال: (كان عبد الله بن عمر إذا كان في السفر يصلي على راحلته أينما توجهت يومئ، وذكر عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله) (2) وهنا فيه قيد السفر.
والحديث الثالث: ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد جيد عن أنس بن مالك قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجه ركابه) (1) . وفي هذا دليل لما ذهب إليه الجمهور في أن ذلك إنما يكون في السفر، فإن مفهوم هذا الحديث أنه إن لم يكن في سفر فإنه لا يفعل ذلك – وهذا هو الأصل فإن الأصل في الصلاة أن تصلى إلى القبلة وأن يركع ويسجد وأن يفعل فيها ما يفعله المفترض إلا أن يدل دليل على ذلك، فقيد أنس هذا الفعل بأنه في السفر فيحمل عليه حديث عامر بن ربيعة فيقيد به إطلاق حديثه. وإنما نرجح مذهب مالك؛ لأن ظاهر لفظة السفر في الشريعة السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فإن الشارع شرع القصر في السفر، وهنا قد أتى لفظ السفر، فالأصل أن يكون هو السفر الذي رخص فيه بالقصر وغيره من الأحكام المختصة بالسفر، فيحمل لفظ السفر في حديث ابن عمر وأنس على السفر الذي يشرع فيه القصر. وتقسيم السفر إلى طويل وقصير لا دليل عليه شرعي، وإطلاقات الشريعة ظاهرها أن السفر واحد وأن السفر الذي شرع فيه القصر هو السفر الذي شرعت فيه الصلاة على الراحلة تطوعاً حيث توجهت الراحلة. إذن أرجح هذه المذاهب هو مذهب المالكية من أن هذا مشروع في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وأما ما يسميه الفقهاء من السفر القصير فلا تشرع فيه، ومثله الحضر فكذلك لا تشرع فيه.
والسنة له أن يومئ بركوعه وسجوده، كما تقدم في حديث عامر بن ربيعة (يومئ رأسه) وحديث ابن عمر في قوله (أينما توجهت يومئ) وذكر عبد الله بن عمر أن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله أي من الصلاة والإيماء) (1) . والسجود أخفض من الركوع لما ثبت في سنن أبي داود والترمذي والحديث صحيح عن جابر قال: (بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فجئته وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع) (2) . وفي صفته ما ذكره المؤلف بقوله: (ويلزمه افتتاح الصلاة إليها) هذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد واختارها أكثر أصحابه أنه يلزمه افتتاح الصلاة إليها، فعلى ذلك يجب عليه أن يستقبل بركابه أو ببدنه جميعه القبلة فيكبر ثم يتوجه حيث توجه ركابه. واستدلوا بحديث أنس المتقدم وفيه: (استقبل بناقته القبلة فكبر) قالوا: فهذا يدل على أن هذا الاستقبال فرض؛ لأنه ثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيص الصلاة تنفلاً عن التوجه إلى القبلة في الراحلة في السفر، فيبقى على الأصل من استقبال القبلة فيكون توجهه إذا كبر مبق لهذا الركن على الأصل. - والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أنه لا يجب عليه ذلك. وهذا أظهر، فيحمل حديث أنس على الاستحباب؛ لأنه فعل مجرد، والفعل المجرد يدل على الاستحباب. فإن قيل: فلم لم تحمله على الفرضية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خصص هذا الركن بالتوجه إلى القبلة عن سائر الأركان وهو الأصل فوجب أن يبقى على الأصل؟
فالجواب أن يقال: إنه لا فرق بين التكبير وغيره فالتكبير جزء من أجزاء الصلاة لا فرق بينه وبين غيره، ولم يُذكر في حديث عامر بن ربيعة ولا في حديث عبد الله بن عمر ولا في حديث جابر، وحيث لم يذكر فإنه يدل على أنه لم يفعل في تلك الأحاديث. فإن قيل: لم لا تقيد تلك الأحاديث بحديث أنس؟ فالجواب: إن الأفعال لا يقيد بعضها بعضاً، فإن كل فعل حكاية عين وحكاية واقعة، فهذا يحكي الواقعة التي رآها وهذا يحكي الواقعة التي رآها وهكذا. وظاهر - ما ذكره (1) - من لم يذكرها أنها لم تقع من النبي صلى الله عليه وسلم. فأظهر الروايتين عن الإمام أحمد أن ذلك لا يجب وهو الذي يقتضيه النظر والقياس فإنه لا فرق بين تكبيرة الإحرام وغيرها من سائر الأركان. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم حيثما فعل ذلك: أنه كان نازلاً فركب راحلته، وفي تلك الحال لا يشق أن يتوجه إلى القبلة فكبر متوجهاً إلى القبلة. بخلاف ما إذا كان سائراً فإن هناك مشقة أن يقف فيستقبل القبلة ويكبر تكبيرة الإحرام. ومعلوم أن من أحب أن يصلي ركعات كثيرة، كمن له ورد من الليل، فإنه على ذلك يحتاج أن يقف بعد كل ركعتين فيستقبل القبلة فيكبر، إن صلى مثنى مثنى. ففي هذا مشقة ظاهرة، فالأولى ما تقدم وأنه ليس بواجب وهذا ما يقتضيه التخفيف والتسهيل في أمر النافلة، فمعلوم أن هذا أسهل للمحافظة عليها. وهذا هو أصل مشروعية التنفل على الراحلة غير مستقبل القبلة وإخراجها عن الأصل من إيجاب الركوع والسجود ومن استقبال القبلة، وكذلك ما يكون في الحضر من كونه يصلي قاعداً – كل هذا من باب تخفيف وتسهيل أمر النافلة لتتم المحافظة عليها – والعلم عند الله تعالى. قال: (وماشٍ) كذلك الماشي من باب القياس، فلو كان ماشي في سفر فإنه يصلي حيث توجه.
قالوا: لأن المعنى الموجود في الراكب موجود في الماشي فكل منهما يحتاج إلى أن يحافظ على النافلة، وكل منهما إذا وقف للنافلة فصلاها نازلاً فإنه ينقطع عن السير وربما فاتت عليه صحبته ونحو ذلك – فكان الماشي في هذا الحكم كالراكب لا فرق بين الاثنين وهو أحد نوعي المسافر. فالمسافرون: إما ركباناً أو مشاة. - وعن الإمام أحمد: أن الماشي لا يشرع له ذلك ولا يجوز؛ لأن النص إنما ورد في الراكب وليس الماشي كالراكب؛ لأنه يحتاج إلى مشي كثير، والمشي الكثير مبطل للصلاة. والأظهر هو القول الأول، لأنا حيث أسقطنا عنه استقبال القبلة وحيث أسقطنا عنه الركوع والسجود ونحو ذلك من فرائض الصلاة، فمثل ذلك أن يسقط عن الماشي ما هو من طبيعة سيره من المشي على قدميه فهذا أولى أن يسقط مما تقدم ذكره. فالأظهر ما هو مشهور في المذهب من قياس الماشي على الراكب. وحيث قلنا بوجوب استقبال القبلة عند الافتتاح، فيجب عليه ذلك، لذا قال: (ويلزمه الافتتاح) فهو في حكم الراكب. وحيث قلنا أن الاستقبال عند الافتتاح لا يجب على الراكب فكذلك الماشي. قال: (ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها) فلا يجوز له أن يومئ بل يجب عليه أن يقف فيركع ويسجد إلى القبلة، لأنه يجب عليه الركوع والسجود – عندهم – وحيث وجب عليه فإنه لا حاجة إلى ألا يستقبل القبلة أي لا حاجة إلى إسقاط استقبال القبلة عنه. - وعن الإمام أحمد رواية أخرى اختارها المجد بن تيمية أنه يومئ بالركوع والسجود كالراكب. وهذا هو الراجح، لأنا حيث قلنا بكونه يصلي وهو ماشي كان من الممكن أن يقف، والركوع والسجود يتكرر في الصلاة.
وحيث أمرناه بالوقوف والركوع والسجود في كل ركعة، فإن ذلك سيؤدى إلى انقطاع سيره، وسيلحقه شيئاً من المشقة، فلا فرق – حينئذ – بين أن يؤمر فيقف فيصلي وبين أن يؤمر بأن يقف فيركع ويسجد؛ لأن هذه الأفعال متكررة في الصلاة، فالركوع والسجود وما بينهما هذا يأخذ أكثر من شطر الصلاة، فيناقض ما هو المقصود من التخفيف والتسهيل في أمر النافلة. فالأظهر: أنه يومئ بركوعه وسجوده وهذا كذلك الذي يقتضيه القياس على الراكب. فالراجح: أنه لا يجب عليه الركوع والسجود ولا يجب أن يكون ذلك إلى القبلة، بل أصل الركوع والسجود ليس بواجب، فيكفيه أن يومئ إيماء عن الركوع والسجود، ويكون إيماؤه في السجود أخفض من إيمائه في الركوع. فعلى ذلك: صفة صلاة الماشي أن يكبر للإحرام مستقبل القبلة استحباباً ثم يتوجه حيث شاء ثم يومئ بالركوع والسجود. أما صفته على المذهب: فيجب أن يستفتح الصلاة تجاه القبلة ثم يتوجه حيث شاء ثم إذا حان الركوع والسجود يقف فيركع أو يسجد إلى القبلة – والصحيح خلاف ذلك كما تقدم –. قال: (وفرض من قرب من القبلة إصابة عينها، ومن بعد جهتها) فالقريب من القبلة الذي ليس بينه وبينها شاخص ولا ستر يغطي القبلة عنه يجب عليه أن يصيب عينها اتفاقاً فلا يكون مائلاً عنها ولو شيئاً يسيراً، بل يجب أن يكون بدنه كله متوجهاً إلى عين الكعبة، لأنه قادر على ذلك. فإن لم يكن كذلك بل كان بينه وبينها ستر أو جدران ويشق عليه إصابة عينها – بخلاف الجدران التي في الحرم وما حوله فإنه لا يشق عليه أن ينظر فيتوجه إلى القبلة عيناً – أما حيث كان على خلاف ذلك – فالواجب عليه أن يصيب جهتها، لذا قال: (ومن بعد جهتها)
وهذا باتفاق أهل العلم، لما ثبت في الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين المشرق والمغرب قبلة) (1) فإن كنت من أهل المدينة فجعلت المشرق عن يسارك، والمغرب عن يمينك فأنت متوجه إلى القبلة، وإن كان هناك انحراف يسير فهذا لا يؤثر. فالواجب أن يصيب جهتها، لأن إصابة عينها متعذر. وعندما يكون قريباً إلى الحرم فإنه يشق عليه أن يتقصد إصابة عينها وحيث كان كذلك فالمشقة تجلب التيسير وحيث تعذر ذلك فالعجز عن الواجب يسقطه. قال: (فإن أخبره ثقة بيقين أو وجد محاريب إسلامية عمل بها) إن أخبره ثقة ممن يجب قبول خبره وهو العدل المكلف ذكر كان أو أنثى حراً كان أو عبداً – أخبره عن القبلة عن يقين لا عن اجتهاد ونظر – فيجب عليه أن يقبل خبره؛ لأنه خبر ديني فقبل فيه خبر الواحد. وثبت في الصحيحين عن البراء قال: (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن يتوجه قبل البيت، وإنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر فصلى معه رجال، فخرج رجل منهم فمر على أهل مسجد وهو راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل البيت فداروا كما هم قبل الكعبة) (2) فقبلوا خبر الواحد. أما إذا كان الخبر عن اجتهاد فإنه لا يجوز أن يقبل خبره – وهذا على المجتهد.
فمن كان عارفاً بأدلة القبلة، فسأل آخر فأخبره باجتهاد فلا يجوز له قبول خبره، بل يجب أن يجتهد لأنه قادر على الاجتهاد، والاجتهاد الأول – أي اجتهاد المخبر – قابل للصواب والخطأ، فلا يجوز له إلا أن يجتهد فينظر وهذا باتفاق أهل العلم وأن المجتهد لا يجوز أن يقبل خبر المجتهد مثله. بخلاف المقلد وهو غير العارف بأدلة القبلة – فإنه إذا لم يمكنه أن يتعلمها ودخل وقت الصلاة وتضايق الوقت فإنه يجوز له تقليد المجتهد. أما إذا كان يمكنه أن يتعلم فيجب عليه أن يتعلم لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإذا دخل وقت الصلاة وأمكنه أن يتعلم ما به يعرف القبلة فيجب عليه ذلك ولا يَقبل الاجتهاد. أما إذا كان غير بصير ونحوه ممن لا يمكنه أن يتعرف على القبلة ويصل إليها فإنه يجوز له أن يقلد غيره. (أو وجد محاريب إسلامية) فإنه يصلي إليها ولا يجتهد لأنها – في الحقيقة – تجري مجرى الخبر بل أولى منه فإن وضعها عند هؤلاء المسلمين واستمرارها بعد ذلك تقطع بثبوت صحة اتجاهها إلى القبلة وإن كانت منحرفة يسيراً فهذا لا يؤثر كما تقدم. ولا يجوز له الاجتهاد في هذه الحالة. قال: (ويستدل عليها في السفر بالقطب والشمس والقمر ومنازلهما) القطب: هو ما يكون في ناحية الشمال، فمن كان في مثل بلدنا هذه يتوجه إلى الجهة المغايرة له، فيكون في ظهره. فهذه أساليب وطرق الاجتهاد، ومثل ذلك " البوصلة ". إذن يبحث ويتحرى جهة القبلة سواء كان ذلك بالشمس والقمر ومنازلهما، أو بالرياح واتجاهاتها، أو كان ذلك بالنجوم، المقصود من ذلك أن يجتهد وينظر ويتجه إلى القبلة بعد ذلك. قال: (وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة لم يتبع أحدهما الآخر) لأن كلاً منهما مجتهد والواجب على المجتهد أن يعمل بما تبين له، وهو يعتقد صواب نفسه وخطأ غيره.
فإن صلى إلى الجهة الأخرى مقلداً فلا تصح صلاته، لأنه صلى إلى ما يعتقد أنه غير القبلة، فهو يعتقد أن القبلة في الناحية الأخرى – وهو من أهل الاجتهاد -، لأنه توجه إلى غير القبلة في اعتقاده. لكن هل يقتدي أحدهما بالآخر أم لا؟ قولان لأهل العلم: 1- القول الأول وهو مذهب الشافعية وهو المشهور في المذهب: أنه لا يجوز أن يأتم أحدهما بالآخر. قالوا: لأنه يعتقد خطأ اتجاهه، وحيث كان يعتقد خطأ اتجاهه فلا يجوز أن يصلي خلفه. 2- وقياس المذهب كما قال ذلك الموفق: أن الصلاة صحيحة. وهذا هو الظاهر. فالراجح أن الصلاة صحيحة إذا ائتم بعضهم ببعض؛ لأن كلاً منهما يعتقد صحة صلاة الآخر. وهذا كصلاة من يعتقد النقض بنقض [من] (1) نواقض الوضوء خلف من لا يعتقد ذلك فإنه يعتقد خطأه في هذه المسألة ولكنه يعتقد صحة صلاته – وفي هذه المسألة كذلك، وحيث اعتقد خطأه في اتجاهه لا يبرر ذلك عدم ائتمامه. فالراجح: ما رجحه الموفق وقال إنه قياس المذهب من أن الائتمام صحيح؛ لأن كلا منهما يعتقد صحة صلاة الآخر. قال: (ويتبع المقلد أوثقهما عنده) ظاهره وجوباً وهذا هو المشهور في المذهب. والقول الثاني في المذهب: أن ذلك ليس على هيئة الوجوب بل الأولى له أن يقلد الأوثق وليس ذلك واجباً عليه. حجة أهل القول الأول: قالوا: إن هذا هو الأقرب للصواب، فلما كان الأقرب للصواب وجب التزامه. وحجة أهل القول الثاني: أن كليهما دليل بمفرده يجوز أن يقلد لو لم يعارض، وحيث كانا كذلك فهما كالمجتهدين في المسائل الشرعية لا يجب على المقلد أن يقلد أوثقهما ولا أورعهما؛ لأن الله لم يوجب ذلك، بل أوجب عليه أن يسأل أهل العلم ولم يوجب عليه أن يسأل أعلمهما أو أوثقهما أو أورعهما، وللمسلم أن يقلد من العلماء خلاف الأوثق ما لم يكن ذلك عن هوى وشهوة لعموم قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر} (2) وهذه كتلك.
وكون أحدهما أوثق لا يكون ملزماً بتقليده بل يدل على أن الأولى هو تقليده – وهذا هو اختيار الموفق وهو القول الظاهر في هذه المسألة – وأنه لو اختلف مجتهدان أحدهما أوثق من الآخر فكما لو اختلف عالمان أحدهما أوثق فلا يجب على المقلد أن يقلد الأوثق أو الأعلم بل يجوز أن يقلد أحدهما لعموم قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} قال: (ومن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده) إذا صلى بغير اجتهاد وهو يمكنه الاجتهاد، أو صلى بغير تقليد وهو واجد لمن يقلده، فيجب عليه أن يعيد الصلاة، لأنه قد ترك فرضه. فمن هو من أهل الاجتهاد وصلى بلا اجتهاد أو هو من أهل التقليد فلم يكن منه ذلك – فلم يكن منهم فعل ما فرض الله عليهم من الاجتهاد أو التقليد فالواجب عليهم: أن يعيدوا الصلاة وإن أصابوا القبلة، لأنهم تركوا الفرض مع الاستطاعة، فإن الفرض هو التوجه إلى القبلة عن علم إما بتقليد عالم حيث لا يمكن الاجتهاد أو باجتهاد ونظر أو بخبر (1) متيقن – والحالة هنا ليست على هذه الصور فكان الواجب عليهم أن يعيدوا الصلاة. فإذن: من صلى إلى غير القبلة أو إلى القبلة بغير اجتهاد وهو قادر عليه أو هو من أهل التقليد وهو قادر عليه ومع ذلك لم يقلد سواء أصاب أم لم يصب فيجب عليهم الإعادة؛ لأنهم تركوا الواجب عليهم والفرض عليهم من وجوب تحري القبلة والصلاة إليها. وهم صلوا على هيئة التخمين والظن غير المشروع مع قدرتهم على الظن الغالب المشروع أو اليقين. أما من صلى باجتهاد أو تقليد ولم يصب القبلة فصلاته صحيحة اتفاقاً، لأنه قد فعل ما أمر به واتقى الله ما استطاع فلم يجب عليه أن يعيد الصلاة مرة أخرى وقد صلاها على الوجه المشروع حيث أمر الله تعالى.
ومثل ذلك: المجتهد إذا لم يمكنه الاجتهاد مطلقاً كأن يكون في غيم أو ليلة مظلمة شديدة الظلمة وهي مصحوبة بقتر أو غيم فلم يمكنه أن يجتهد فصلى على حسب حاله فصلاته صحيحة. يدل على هذا: ما ثبت في الترمذي والحديث حسن بشواهده: عن عامر بن ربيعة قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأشكلت علينا القبلة فصلينا، فلما طلعت الشمس إذا نحن صلينا إلى غير القبلة فنزل قول الله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} (1) أي أقر الله تعالى صلاتهم وقبلها منهم لأنهم قد فعلوا ما أمر الله به وهذه هي استطاعتهم وقدرتهم، فقد اتقوا الله ما استطاعوا فلم يجب عليهم أن يعيدوا الصلاة مرة أخرى. قال: (ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة ويصلي بالثاني ولا يقضي ما صلى بالأول)
فيجب عليه لكل صلاة أن يتحرى وينظر في أدلة القبلة فلو صلى بناءً على اجتهاده في الصلاة الأولى فلا تصح صلاته، بل يجب أن يجدد اجتهاده؛ لأن هذه الواقعة جديدة فيجب الاجتهاد لها. قال في الفروع: " في الأصح ". وحيث قال ذلك: فإنه يدل على أن هناك قول آخر والقول الآخر هو الظاهر، فالظاهر أن ذلك لا يجب؛ لأنه قد اجتهد للصلاة الأولى وظن ظناً غالباً أن هذا هو اتجاه القبلة، والأصل بقاء ما كان على ما كان، إلا أن يتبين له أن اجتهاده كان خاطئاً أو أن شيئاً من النظر والبحث الذي فعله كان على خطأ فحينئذ: يجب عليه أن يجدد الاجتهاد. (ويصلي بالثاني) : أي يصلي بالاجتهاد الثاني ولا يعيد الصلاة الأولى لأنه صلاها عن اجتهاد صحيح وفعل ما أمر به. ومثل ذلك: لو تبين له أثناء الصلاة – كما تقدم في الحديث المتفق عليه – فلو تبين في الصلاة أنه إلى غير القبلة فإنه ينحرف وما تقدم من الصلاة صحيح. * وإذا اجتهد اجتهاداً ثانياً فناقض الاجتهاد الأول، فإن هذا الاجتهاد الثاني لا ينقض الأول للقاعدة الشرعية: " الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد " فالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله وإنما ينقض بنص، فهنا حيث اجتهد ثم رأى اجتهاداً آخر، فإن الاجتهاد الآخر لا ينقض الأول فلا تبطل الصلاة لأنه قد صلاها على ما أمره الله به. لذا قال: (ولا يقضي ما صلى بالأول) لأنه صلاها صلاة شرعية صحيحة باجتهاد صحيح ففعل ما أُمر به واتقى الله ما استطاع فلم يؤمر بإعادة الصلاة مرة أخرى. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثامن والستون (يوم الثلاثاء: 9 / 3 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ومنها النية)
أي من شروط الصلاة النية، وهي شرط بالإجماع، لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (1)
متفق عليه من حديث عمر. وهذا الحديث أصل لمسائل هذا الباب وغيرها من مسائل النيات. فلا يقبل الله عملاً إلا بنية، فالنية تمحض العمل أو تمحضه لله تعالى، والنية أيضاً تميز العبادات بعضها عن بعض، تميز الفريضة عن الفريضة، والفريضة عن النافلة، فالعبادات التي فيها نوع التباس أو بينها اختلاف فالنية تفارق بينها وتميز. فمن صلى بلا نية فصلاته باطلة. وهي شرط في الصلاة كلها لا يستثنى شيء منها. فينوى من تكبيرة الإحرام إلى السلام، فإذا اختل شيء من ذلك عن النية فالصلاة باطلة كما سيأتي. وتقدم أن الفرق بين الركن والشرط، أن الركن جزء العبادة، أما الشرط فهو شامل للعبادة كلها. قال: (فيجب أن ينوي عين صلاة معينة) فينوي صلاة الظهر أو العصر أو الوتر أو راتبة الفجر ونحو ذلك، فينوي الصلاة معينة. فلو أنه صلى أربع ركعات في وقت صلاة الظهر ولم ينو أنها ظهراً فلا يجزئه ذلك. ولو صلى ركعتين قبل صلاة الفجر ولم ينو أنهما ركعتا الفجر لم يجزئه ذلك عنهما. فلابد أن ينوي الصلاة معينة بحيث تتميز عن غيرها لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإنما لكل امرئ ما نوى) فيشترط أن يعين الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً. - وظاهر هذا أنه لو نوى فريضة الوقت فإنه لا يجزئه. بمعنى: رجل صلى في وقت الظهر ولم ينو ظهراً وإنما نوى أن هذه فريضة وقته. وذهب بعض الشافعية: إلى الإجزاء وهو الظاهر لأنه حيث نوى ذلك فقد نوى ما يجب عليه. فإنه إذا نوى الصلاة الحاضرة، فإنها في الحقيقة هي صلاة الظهر مثلاً، فحيث نوى ذلك فإنه تقع العبادة على ما يجب عليه فقد نوى فريضة الوقت وهي الظهر فيجزئه ذلك. وهذا ما يقع كثيراً حيث أن الصلوات لتكرارها قد يذهل الذهن عن استحضار الصلاة الحاضرة فينوي فريضة الوقت، فإن ذلك على الراجح – يجزئه؛ لأنه قد ميز هذه العبادة عن غيرها من العبادات المماثلة لها، حيث أنها فريضة الوقت وغيرها ليست كذلك.
قال: (ولا يشترط في الفرض والأداء والقضاء والنفل والإعادة نيتهن) فلا يشترط في الفرض أن ينويه، كيف هذا؟ عندما يريد أن يصلي الظهر فلا يشترط أن ينوي أن هذه فريضة بل بمجرد ما ينوي أن هذه الظهر فهذا كاف، فإن كان بالغاً فلا يجب عليه أن ينوي أن هذه فريضته، وإذا كان غير بالغ فلا يجب عليه أن ينوي أن هذه نافلته؛ لأنه بمجرد نيته أنها ظهر اليوم هذا كاف في تمييز هذه العبادة عن غيرها، ولكل امرئ ما نوى، وهذا قد نوى الصلاة الحاضرة سواء كانت على حسب حاله فرضاً أو نفلاً. فلا يجب ذلك لأنهما عير مؤثرين في تمييز العبادة، فهي متميزة من غير ذلك. وكذلك نية الأداء والقضاء. فالأداء هو: القيام بالصلاة في وقتها. وأما القضاء: فهو القيام بها بعد خروج وقتها. فإذا صلى الصلاة في وقتها فلا يجب عليه أن ينويها أداء، وإذا صلاها بعد وقتها فلا يجب عليه أن ينويها قضاءً، لأن هذا غير مؤثر في تمييز العبادة، فالعبادة متميزة من غير نية الأداء ولا نية القضاء. وعليه: فلو أن رجلاً صلى صلاة الفجر يظن الشمس لم تطلع فبان أنها قد طلعت وأن صلاته كانت قضاء وهو قد نواها أداءً. أو رجل يظن أن الشمس قد طلعت فصلاها والشمس لم تطلع في الحقيقة وكان قد نواها قضاء وهي في الحقيقة أداء؛ لأن الوقت باق، فإن هذا لا يؤثر في صلاته بل تكون الصلاة صحيحة فنية القضاء والأداء غير مؤثرة لأن النية قد ميزت هذه العبادة، فنيته أنها صلاة الفجر قد ميزت العبادة ولا فرق بين أن يكون أداءً أو قضاءً. " والإعادة " رجل صلى الصلاة وقد اختل شيء من شروطها فكانت باطلة فوجب عليه أن يعيد الصلاة، فإذا أعاد فلا يجب أن ينوي الإعادة بل يكفي أن ينوي الصلاة الواجبة عليه؛ لأنه بذلك تتميز عبادته، فنيته أنه يصلي الصلاة الواجبة عليه وحيث نوى ذلك فإن العبادة تقبل منه لأنها مميزة بذلك.
والمقصود من النية هو تمييز العبادة وهي هنا مميزة من غير نية الإعادة. مسألة: إذا نوى فائتة من الفوائت في وقت نظيرتها فبان ألا فائتة عليه فهل تجزئه عن فريضة اليوم؟ يعني: رجل صلى قبل أن يصلي المغرب صلى مغرباً على أنها فائتة فبان ألا فائتة عليه، فهل تجزئه هذه الصلاة عن فريضة الوقت أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أن الصلاة تجزئه؛ لأنه قد نوى صلاة معينة، وحيث نوى صلاة معينة فإن ذلك يجزئه عن فريضة الوقت وفريضة اليوم. القول الثاني، وهو القول الراجح: أن هذه الفائتة لا تجزئه عن فريضة اليوم، لأن الواجب عليه هو تعين الصلاة الحاضرة ولم ينوها بل قد نوى صلاة فائتة ولكل امرئ ما نوى. فإذن: من نوى فائتة فتذكر ألا فائته عليه وكانت موافقة عن فريضة اليوم فهل تكفي عن فريضة اليوم أم لا؟ قولان: أظهرهما أنها لا تكفي؛ لأن الواجب عليه أن ينوي الصلاة الحاضرة فريضة اليوم بعينها وهو إنما نوى مماثلاً لها وهذا غير كاف، فالواجب عليه هو فريضة اليوم ولم ينو ذلك ولكل امرئ ما نوى. قال: (وينوي مع التحريمة) هذا هو الواجب عليه، فينوي فيكبر أي تكون النية قبيل تكبيرة الإحرام فتكون – حينئذ – النية شاملة للعبادة كلها. وقد تقدم أن الشرط يجب أن يكون شاملاً، وحينئذ تكون النية شاملة لتكبيرة الإحرام. ولكن إن قدمها قبل ذلك بيسير قال هنا: (وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت) فلو قدم النية على التكبيرة بزمن يسير عرفاً فإن هذه النية تجزئ عنه. - وهنا قول آخر هو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه ولو كان ذلك زمناً كثيراً ما لم يقطع النية، فما دام أنه مستصحباً للنية لم يقطعها فإن ذلك يجزئ عنه. فإذا خرج من بيته وهو يريد المسجد فخرج قبل الصلاة بزمن كثير فلم يقطع النية فإن الصلاة تصح بهذه النية – وهذا القول هو الراجح –.
وهذا هو الذي يسع الناس، فمتى خرج من بيته إلى المسجد سواء كان قبل الصلاة بزمن يسير عرفاً أو كثير عرفاً ولم ينو قطع النية فإن هذه النية تجزئه، لأن النية ثابتة باقية وقد نواها فلم يقطعها فتكون كافية لصلاته. إذن: لا يشترط الزمن اليسير للنية عرفاً بل لو قدمها قبل الصلاة بزمن كثير عرفاً لكنه لم يقطع هذه النية فإن هذا كاف مع نيته، لأن النية باقية والواجب أن تكون شاملة للصلاة، وقد شملتها لأنه لم يقطع هذه النية، فعدم قبول هذه النية وإبطال الصلاة بمثلها باطل؛ لأن النية باقية فلم يقطعها، وليس ثمت دليل يوجب أن تتقدم بزمن يسير أو تكون مقارنة للتكبير بل متى نوى ولم يقطع فإن ذلك مجزئ. قال: (فإن قطعها في أثناء الصلاة أو تردد بطلت) إن قطعها أثناء الصلاة، كأن يصلي رجل وهو في صلاته قطع النية، أو تردد أي قال: هل أقطع الصلاة أم لا، فهو لم يقطع النية لكنه تردد، وهناك جزم. إذن هنا صورتان. وأصل هذه المسألة: أنه يجب عليه أن يستصحب حكمها، واستصحاب حكمها ألا ينوي قطعها، فإذا نوى قطعها فإن الصلاة تبطل. أما إذا تردد فقولان في المذهب: القول الأول: هو هذا، وأنه متى تردد فإن الصلاة تبطل؛ لأن التردد يخالف الجزم الواجب، والنية يجب أن تكون جازمة، ويجب عليه أن يكون مستديماً للنية، وما دام متردداً فليس بمستديم لها. والقول الثاني في المذهب: أن ذلك ليس بمبطل للصلاة؛ ذلك لأنه قد نوى نية متيقنة واستصحب حكمها وتردد ولم يقطع، فهو لم يقطع ومجرد تردده ليس بقطع، وإن نافى الجزم فإنه لم يبطل النية الجازمة. فإنه قد نوى نية متيقنة جازمة في أول صلاته ثم كان الواجب عليه أن يستصحب حكمها بأن لا ينوى قطعها فهو ما لم ينو القطع فهو مستصحب للحكم، وهذا التردد خارج عن النية، فالنية ما زالت مستصحبة وإنما وقع تردد في قلبه هل يبطل هذه النية أم لا.
بخلاف التردد في أول الصلاة فإنه لم يدخل بنية متيقنة فلا تصح؛ لأن النية غير مجزوم بها. وهذا القول هو الأظهر: وأنه إن تردد تردداً مجرداً عن نية القطع فإن الصلاة تكون صحيحة، ومثل ذلك الصيام وغيره من الأحكام التي يجب أن يكون مستصحباً للنية حكماً بألا ينوي القطع. بخلاف فالو قال: قطعت الصلاة، ثم قال: لا بل أبقى - أي في قلبه -، فإن هذا قطع، فهذا التردد ليس كالسابق، بل هذا قطع، فإذا فعل مثل ذلك فهذا باطل وليس هو المقصود فيما تقدم. قال: (وإن شك فيها استأنفها) رجل في أثناء الصلاة [شك] (1) هل نوى أم لا؟ فحينئذ يجب عليه أن يعيد الصلاة فينوى ويكبر، لأنه وهو في أثناء الصلاة قد شك في نيته والأصل عدم النية، ولما وجد الشك ثبت لنا الحكم بأنه لا نية له؛ لأن الأصل هو عدم النية وحيث شك فإنا نعود إلى الأصل، هذا ما لم تكثر الشكوك والوسوسة في الصلاة. فإن كثرت الشكوك والوسوسة فإنه حينئذ: لا يحكم له بذلك، لأن الأصل هو بقاء النية لا عدمها. فإن شك بعد الصلاة فلا يؤثر ذلك إجماعاً؛ لأن الصلاة قد ثبتت صحيحة فلا يؤثر فيها الشك، واليقين لا يزول بالشك، فإن الأصل هو ثبوتها وصحتها ما لم يثبت مبطل لها، وهذا المبطل مشكوك فيه فنبقى على الأصل من صحة الصلاة وهذا بالإجماع. إذا شك في نيته في أثناء الصلاة ثم تذكر أثناء الصلاة أنه قد نوى الصلاة؟ فهذا لا يؤثر في صلاته بل يتمها، لأنه لم ينو قطعها، والنية ثابتة وحكمها مستصحب لكنه شك في ثبوتها، فمثل هذا لا يؤثر في النية، لأنه لا يجب أن تكون النية متذكرة في الذهن، وإنما الواجب ألا يكون قد نوى قطعها. فإذا غابت عن ذهنه فأداه ذلك إلى الشك فتذكرها بعد شكه قبل أن ينوى القطع فإن ذلك لا يؤثر فيها. قال: (وإن قلب منفرد فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز)
" منفرد ": ومثله المصلي مطلقاً ولعل هذا للتمثيل، فإن في عبارة بعضهم " مصل " أي سواء كان هذا المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً، وإنما نص على المنفرد؛ لأنه في الغالب هو الذي يحتاج إلى قلبها لأنه قد تحضر جماعة فيحتاج إلى أن ينقطع من صلاته هذه ويدخل مع الجماعة فيؤديها جماعة. ولئلا يبطل عمله، فإنه يقلب فريضته هذه إلى نفل. والظاهر أن مرادهم: نفل مطلق لتعليلهم، فإنهم قالوا في تعليلهم هذه المسألة: بأن نيته الأولى شاملة للنفل فهي نية فريضة لكنها شاملة للنفل أيضاً حيث أنه إذا صلى الفريضة فإنه ينوي أنها صلاة وأنها صلاة فرض أو أنها ظهر فيقوم مقام النية أنها فرض. فالذي يصلي الفريضة يجتمع في نيته شيئان أنها صلاة وأنها فرض. فإذا ألغى الفريضة وقطعها بقى أصل الصلاة له، وهذا هو المشهور في المذهب، وأن من نوى قلب فريضته نفلاً - والظاهر أنه نفل مطلق لإطلاقاتهم ولتعليلهم، لأن النفل المقيد ليس بصلاة فقط بل هو صلاة مقيدة، فكما أن الفريضة صلاة مقيدة بكونها فرض، فالنفل المقيد صلاة مقيدة بكونها مثلاً راتبة ظهر ونحو ذلك، فهي صلاة مقيدة فلم يتضمنها نية الفريضة. إذن: المشهور في المذهب أن من قلب فريضة إلى نفل - والظاهر أنه مطلق - فإن ذلك يصح منه. - والقول الثاني في المذهب وهو وجه عند الشافعية: أنه لا يجزئه ذلك؛ لأن الواجب في العبادة فرضاً كانت أو نفلاً أن تكون النية من أولها إلى آخرها وهنا لم ينو من أولها. ولكن هذا القول مع قوته هو ظاهر حيث كان التنفل مقيداً. أما إذا كان مطلقاً فإن نية الفريضة شاملة لنية النفل، فإنه إذا كبر بنية الفريضة فإن هذا شامل لكونها صلاة ولكونها فريضة، فإذا نوى النفل إلى مطلق الصلاة فإنه يبقى على النية الأولى.
ومع ذلك في القول الثاني قوة فينبغي التريث في مثل هذه المسألة من نقل الفريضة إلى نافلة، وأن يتم صلاته فريضة على هيئتها، فإن هذه النية وإن كانت متضمنة لكونها صلاة، لكنها هنا صلاة مطلقة وهناك صلاة بقيد أنها فريضة، وفرق بين نية الفريضة ونية النافلة. والعلم عند الله تعالى. قال: (وإن انتقل بنية من فرض إلى فرض بطلا) كأن ينوي الانتقال من فريضة العصر إلى فريضة الظهر فلا يجزئ ذلك؛ وذلك لأن النية يجب أن تكون شاملة لأول الصلاة وآخرها وهو قد قلبها في آخر الصلاة فلم تكن شاملة لأول الصلاة كما شملت آخرها، والواجب فيها أن تكون شاملة لأولها وآخرها. فلم تصح الثانية؛ لأن الواجب في الصلاة أن تكون نية الظهر من أول الصلاة إلى آخرها، وهو لم ينوها ظهراً إلا آخر الصلاة. وكذلك الأولى لا تصح؛ لأنه أبطلها بقطعها لذا قال " بطلا " أما الفرض الأول فإنه بطل لأنه قطعه. وأما الثانية فإنها بطلت؛ لأن النية فيها لم تكن شاملة لها من أولها. والأولى ألا يُعبَّر لها بالبطلان لأنها لم تنعقد أصلاً، فهذه الصلاة لم تنعقد أصلاً حتى يحكم لها بالبطلان، ولكن لعل هذا من باب التغليب مع الحكم على الفريضة الأولى. والحمد لله رب العالمين. الدرس التاسع والستون (يوم الأربعاء: 10 / 3 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (وتجب نية الإمامة والمأموم (1)) فشرط في صحة الصلاة نية الإمام والمأموم سواء كانت الجماعة فرضاً كالفرائض الخمس أو نفلاً كصلاة التراويح ونحو ذلك. فيجب ويشترط أن ينوي المأموم الائتمام والاقتداء، وأن ينوي الإمام الإمامة – هذا هو المشهور في المذهب. وعليه: إن لم تثبت النية فالصلاة باطلة. - والقول الثاني في المذهب: أن الصلاة صحيحة فراداً، فلا يكون لهم أجر الجماعة، ويأثمون على أنهم صلوا فرادى.
فعلى ذلك تكون هذه النية شرط في صحة الجماعة فتصح الصلاة دون الجماعة. وحجة ما ذهب إليه أهل القول الأول: ما يترتب على الجماعة من الأحكام فيترتب عليها ترك سجود السهو للمأموم، ووجوب المتابعة وسقوط الفاتحة – على المذهب – على المأموم، فلما كان ذلك كانت شرطاً في صحة الصلاة، فحيث لم ينو الإمامة أو الائتمام فالصلاة باطلة. والقول الراجح هو القول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية، فالراجح أن نية الإمام والمأموم شرط في صحة صلاة الجماعة، فتصح الصلاة؛ لأنها قد توفرت فيها أركانها وواجباتها وإنما يترتب عليها ما ذكروه من الأحكام المتقدمة حيث شرع في النية، فإذا دخل المأموم بنية الائتمام فترتب عليه تلك الأحكام وحيث لم ينو ذلك فإن الأحكام لا يثبت فيها شيء من ذلك، فهي إنما ثبتت حيث تعلقت صلاتهما ببعضهما وذلك إنما يكون بالنية وحيث لا نية فلا ارتباط ولا تعلق – وحينئذ تثبت لهم فرادى. وإنما لم نقل ببطلان الصلاة لأنها قد ثبتت على الوجه الشرعي الذي يطالب به المكلف. ويجب عليه أن يصليها جماعة بنية الجماعة والائتمام، وحيث لم يفعل ذلك فإنها تصح لكنها تصح على أنهم فرادى لا على أنهم جماعة. فعلى ذلك: لو دخل في الصفوف ولم ينو الائتمام بل نوى أن يصلي فرداً وإن كان ظاهر صلاته المتابعة فإن صلاته تصح. قال: (وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح كنية إمامته فرضاً) هنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن ينوي الإمامة وقد كان منفرداً وكان ذلك في نفل – كالتراويح –. المسألة الثانية: أن ينوي الإمامة في الفرض. مثال: رجل منفرد يصلي صلاة الظهر فدخل معه أحد أثناء الصلاة، فهل يقلب نيته إلى إمام بعد أن كان ناوياً الانفراد أم لا؟ المسألة الثالثة: أن ينوي الائتمام أثناء صلاته منفرداً فرضاً أو نفلاً. مثال: رجل يصلي منفرداً فحضرت جماعة فهل له أن ينوى الائتمام معهم فيصلي جماعة معهم أم لا؟
وإنما جعلت هذه مسألة مع أنه يمكن أن تقسم إلى مسألتين لأن الحكم فيها – على المذهب – واحد. أما المسألة الأولى: - فالمذهب على القول بصحتها، وهي ما إذا نقل صلاته من منفرد إلى إمام أو من مأموم إلى إمام، فالمذهب على القول بصحتها. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس في بيتوته عند خالته ميمونة وفيه: أنه قال (فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة ثم قمت إلى شقه الأيسر) (1) الحديث – فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّه، والنبي صلى الله عليه وسلم هنا قد نقل نيته من نية الانفراد إلى نية الإمامة. لذا قال هنا المؤلف: (لم تصح كنية إمامته فرضاً) وظاهره أنه إذا نوى الإمامة في الصلاة نفلاً فإنها تصح. أما المسألة الثانية: فهي أن ينقل صلاته إلى صلاة جماعة من منفرد إلى إمام في صلاة فريضة: فالمشهور في المذهب: أن هذه النية لا تصح، لأن هذه النية لم تشمل أول الصلاة. والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد وصححه الموفق: أن نية الإمامة تصح هنا قياساً على النفل، والأصل أن ما يثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً إلا بدليل يدل على التخصيص، والأعمال بالنيات في الفرائض والنوافل، فهنا لما صحت في النافلة فالأصل أنها تصح في الفريضة إلا أن يدل دليل على ذلك، ولا دليل على تخصيص النافلة في هذا الحكم. وهذا القول الراجح وأنه في الفريضة يجوز له ذلك. أما المسألة الثالثة: فهي في نية الائتمام: - فالمذهب أن ذلك لا يجوز ولا يصح سواء كانت الصلاة فرضاً [أم نفلاً] (2) . مثال: رجل منفرد فنوى الائتمام أثناء الصلاة فلا يصح ذلك سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً. والعلة ما تقدم وهي أنه لم ينو الائتمام من أول الصلاة.
- والقول الثاني في المذهب وهو رواية عن الإمام أحمد: أن هذا الفعل يصح؛ لأنها نقل من الانفراد إلى الجماعة، فأشبهت النقل إلى الإمامة. تقدم أن النقل إلى الإمامة جائز فرضاً ونفلاً والأدلة تدل عليه، فهو نقل من الانفراد إلى الجماعة. وهنا كذلك نقل إلى الجماعة من الانفراد إلى الائتمام، فإذا ثبت جواز نقل المنفرد صلاته إلى إمام ليصلي جماعة، فكذلك نقله صلاته إلى مأموم ليصلي جماعة، لا فرق بينهما. وهذا القول الراجح. فالراجح في هذه المسائل كلها أنه يصح أن ينقل المنفرد صلاته إلى صلاة جماعة سواء كان ذلك بنية الإمامة أو الائتمام وهو قول في المذهب. قال المؤلف: (إن نوى المنفرد الائتمام لم تصح) ظاهره فرضاً ونفلاً، هذا ظاهر الإطلاق. " كنية إمامته فرضاً " وظاهره أنه لو نواها نفلاً فإنه يصح. قال: (وإن انفرد مؤتم بلا عذر بطلت) إذا كان رجل يصلي مأموماً ثم فارق إمامه. هو عندما صلى مأموماً فقد تعلقت صلاته بصلاة إمامه حيث نوى، فهنا فرق بين هذه المسألة، والمسألة السابقة. فالمسألة السابقة: صلى بلا نية الائتمام، أما هنا فقد نوى الاقتداء بالإمام ثم فارق إمامه فما حكم ذلك؟ له حالتان: 1- أن يفارق المأموم لعذر، فالصلاة تصح. والعذر: ما يباح له ترك الجماعة كأن يخشى فوات رفقة أو ضياع مال أو نحو ذلك فيفارق الإمام ويتم صلاته منفرداً. ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين: أن معاذاً صلى بأصحابه العشاء فافتتح البقرة فتأخر رجل من أصحابه فصلى وحده فقيل له: نافقت يا فلان، فقال: ما نافقت لآتين النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أفتان أنت يا معاذ) (1) .
فهنا طرأ عليه العذر وهو إطالة الإمام وهو في صلاة العشاء وكانوا يعملون بأعمال فيكون ذلك متعباً لهم فيكون في ذلك مشقة وحرجاً ففارقه وأجاز له النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بالإعادة. 2- أن يفارقه بلا عذر: فإنها تبطل لأنه فارق الإمام. ومفارقة الإمام ترك لواجب، ومن ترك واجب عمداً بلا عذر فإن الصلاة تبطل، أما إن كان عاجزاً فيسقط عنه، وإن كان ساهياً فيجبره بسجود سهو. قال: (وتبطل صلاة مأموم بصلاة إمامه فلا استخلاف) فيه أن صلاة المأموم تبطل بصلاة الإمام مطلقاً بعذر أو غير عذر؛ لأن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام. فنية الائتمام تربط صلاة المأموم بصلاة إمامه فيحمل عنه سجود السهو، ويسقط الفاتحة وهناك أحكام كثيرة تترتب على ذلك فهي مرتبطة بها، وحيث كان ذلك فإنها تبطل ببطلانها، وهنا فلا استخلاف؛ لأن صلاة المأمومين باطلة، والاستخلاف إنما يبنى على الصحة، وحيث كانت باطلة فلا استخلاف. والقول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية: أن صلاة المأموم لا تبطل بصلاة إمامه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وأن أخطؤوا فلكم وعليهم) (1) . ثم إن هذا المأموم قد قام بما يجب عليه من الائتمام وبما يجب عليه من فرائض الصلاة وواجباتها فلا دليل على إبطال صلاته. وعليه: فيتمون صلاتهم فرادى، وللإمام أو لهم أن يستخلفوا خلافاً للمذهب أيضاً. كما ثبت في البخاري: (أن عمر بن الخطاب لما طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم الصلاة) (2) فهنا قد استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر ذلك فكان حجة.
وعلى ذلك: فإن المأمومين يتمون صلاتهم إما فرادى، ولهم – كذلك – وهو الأولى أن يستخلفوا، إما بأن يستخلف الإمام من يتم الصلاة، وإما بأن يتقدم أحد منهم فيتم الصلاة بهم – هذا هو القول الراجح في المذهب. فالقول الراجح: أن صلاة المأموم مرتبطة متعلقة بصلاة الإمام، لكن له أن يفارقه حيث كان معذوراً كما تقدم فإنه من المعلوم أن المأموم – وهو الذي دلت عليه السنة – يفارق الإمام حيث كان معذوراً، وهنا هو معذور عن متابعة الإمام، فالإمام قد بطلت صلاته وهو معذور حيث انفرد وفارق وصلى وحده، فكما أنها انقطعت العلاقة بينهما في الصلاة حيث كان معذوراً ففارق إمامه، فهنا أولى. قال: (وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح) يعني: رجل له نائب في المسجد، فصلى النائب فحضر الإمام فتقدم الإمام وتأخر النائب، فكان أن أحرم إمام الحي وهو الإمام الراتب، بمن سبق أن أحرم بهم نائبه، فذلك يصح. فهنا: أتى الإمام الراتب فنوى الإمامة فهذا صلاته لا إشكال فيها لأنه من أول الصلاة قد نوى الإمامة – أي على المذهب لا إشكال في ذلك –. وانتقل الإمام إلى مؤتم، فيتحول النائب من نية الإمامة إلى نية دونها وهي نية الائتمام، والاقتداء لمصلحة راجحة وهي ثبوت صلاة الإمام الراتب. ودليله: ما ثبت في الصحيحين في قصة مرض النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة وفيه: (فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر) (1) لأنه هو القائم الظاهر لهم. فهذا فعله والأصل عدم خصوصيته وإلحاق غيره به.
فمتى كان إماماً راتباً فتقدم وتأخر النائب، فالصلاة صحيحة؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل هو عدم الخصوصية. والحمد لله رب العالمين. انتهى باب شروط الصلاة. ويليه باب صفة الصلاة.
كتاب الصلاة من باب صفة الصلاة إلى سجود السهو
باب صفة الصلاة الدرس السبعون (يوم السبت: 20 / 3 / 1415 هـ) " صفة الصلاة " أي كيفيتها الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في ذلك الصفة المجزئة والصفة المستحبة. والأصل في هذا الباب ما ثبت في البخاري من حديث مالك ابن الحويرث وفيه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (1) ويستحب أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار. لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (2) فهذا الحديث فيه أن المستحب أن يمشي بسكينة ووقار. والسكينة: هي التأني بالحركات وعدم العبث. والوقار: هو أن يكون بسمت حسن من غض للبصر ونحو ذلك، وأكد ذلك بقوله (ولا تسرعوا) فيكره الإسراع إلى الصلاة أو أن يمشي إليها بغير وقار، بل ينبغي أن يتصف بالتأني المنافي للإسراع، والوقار الذي ينبغي أن يتصف به العاقد إلى الصلاة. وهذا الحديث عام في كل حال سواء كان إسراعه يفيده إدراكاً لتكبيرة الإحرام، أو إدراكاً للركعة أو إدراكاً للجماعة، فإنه لا يسرع الإسراع بل المستحب التأني مطلقاً. وقد نص الإمام أحمد على أنه إذا كان يرجو إدراك تكبيرة الإحرام فإنه لا بأس بالإسراع غير القبيح. وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه لا بأس بالإسراع إذا كان لإدراك ركعة. وذهب بعضهم: إلى أنه لا بأس بالإسراع إذا كان يدرك الجماعة.
والصحيح أنه لا يشرع الإسراع مطلقاً، ودليل هذا ما ورد في رواية مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى صلاة فهو في صلاة) (1) فدل ذلك على أن المشي إلى المساجد صلاة، ولا يشرع في هذه الصلاة إلا أن يمشي بسكينة ووقار سواء كان يدرك بإسراعه تكبيرة الإحرام أو لا، وسواء كانت تفوته الجماعة إن لم يسرع أو لا تفوته. فالعلة – من عدم الإسراع - هي أنه في صلاة فلا يشرع له أن يسرع. قال رحمه الله: (يسن القيام عند " قد " من أقامها) أي عند قوله: (قد قامت الصلاة) كما صرح بذلك صاحب المغني وغيره – وهذا إذا كان الإمام في المسجد يراه المأمومون. هذا هو المشهور في المذهب – قالوا: لأن قوله (قد قامت الصلاة) خبر بمعنى الأمر، أي قوموا إليها وانتصبوا قائمين لأدائها، وهذا المشهور في المذهب وهو مروي عن ابن عمر كما في مصنف عبد الرزاق (2) ، وعن أنس كما عند ابن المنذر (3) . والمذهب الثاني: أن المشروع أن يقوم إذا انتهى المقيم من إقامته، وهذا مذهب الشافعية (4) . والقول الثالث، وهو مروي عن طائفة من التابعين كعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله بن عمر والزهري: أن المشروع أن يقوم عند أول شروع المقيم بالإقامة.
وهذه المسألة الباب فيها واسع، ولكن مع ذلك – فيما يظهر – الأولى أن يقوم عند أول شروعه بالإقامة؛ ذلك لعدة أوجه. الوجه الأول: أن هناك إشارات إلى هذه المسألة في بعض الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: (أن الصلاة تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه) (1) .
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم بعد الإقامة أن يستووا ويعتدلوا، كما وردت الأحاديث في هذا، ومعلوم أنهم لو قاموا عند قوله (قد قامت الصلاة) أو بعد انتهاء الإقامة لما كان ذلك كافياً لأن يسووا صفوفهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه، بل الظاهر أنهم كانوا يقومون عند شروع المؤذن بالإقامة أو عند رؤيتهم الإمام وهو يأتي لإقامة الصلاة، وأن هذا هو الوقت الكافي لأن يأخذوا مصافهم حيث كان يأمر بتسوية الصفوف بعد إقامة الصلاة، فقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس قال: (أقيمت الصلاة فأقبل علينا النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال: (أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري) (1) . فهنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بتسوية الصفوف بعد الإقامة، وفي الحديث السابق كانوا يقومون ويسوون الصفوف قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه، فيبعد أن يكون قيامهم عند انتهائه، وأظهر منه أن يكون ذلك عند قوله (قد قامت الصلاة) .
2- ويقوي هذا - وهو الوجه الثاني -: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه إلى الزهري بسند صحيح قال: (كان الناس ساعة يقول المؤذن (الله أكبر، الله أكبر) يقيم الصلاة يقومون فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم مقامه ثم تُعدل الصفوف) (1) . الوجه الثالث: أن المعنى الذي ذكره الحنابلة في لفظة (قد قامت الصلاة) ثابت في الإقامة كلها. نعم لفظة (قد قامت الصلاة) هي صريح الإقامة لكن ألفاظها كلها إنما شرعت ليقوم الناس إلى الصلاة، فإنها تسمى إقامة، كما أن النداء صريحه: (حي على الصلاة حي على الفلاح) وكله نداء، فهذه كلها إقامة وإن كان صريحها لفظة (قد قامت الصلاة) . فأقوى الأقوال - مع أن فيه سعة - ما ذهب إليه بعض التابعين: من أن المشروع أن يقوم عند شروع المؤذن بالإقامة. وهذا – كما تقدم – إذا كان الإمام في المسجد أو كان في معنى من هو في المسجد كأن يكون قريباً إلى المسجد فأقام الصلاة له.
أما إذا لم يكن الأمر كذلك فأقامها وهم ينتظرون الإمام، والإمام ليس في المسجد ولا قريباً منه، وهذا وإن كان يقل وقوعه في هذه الأزمان، لكن كان يكثر وقوعه للنبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء ونحو ذلك، فقد كانت الصلاة تقام قبل حضورهم فيسمعون الإقامة فيأتون إلى المسجد فمثل هذا لا يشرع القيام حتى يروه؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني) (1) . قال: (وتسوية الصفوف) أي يسن تسوية الصفوف وتسوية الصف بأن يتراص المصلون فيه بأن يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعب صاحبه. فقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس في الحديث المتقدم الذي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري) (2) قال أنس: فكان الرجل - أي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه ". فهذا الفعل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يراهم، فإنه قال: (فإني أراكم من وراء ظهري) فكان يراهم.
وفي سنن أبي داود – وأصله في الصحيحين – من حديث النعمان بن بشير: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم ثلاثاً – ثم قال: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) قال: فكان الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه) (1) . فالإطلاق المتقدم في رواية البخاري من قول أنس من قوله: (وقدمه بقدمه) هنا قد ثبت التصريح بأن ذلك في الكعب. وهذا ظاهر في أول الصلاة وأن الواجب أو المشروع للمصلين أن يتراصوا في الصف بأن يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه – والأحاديث فيه واضحة –. وأما بعد ذلك فالأظهر – ولم أر لأحد من أهل العلم في هذه المسألة كلام، والأظهر -: أن يكون ذلك من غير مشقة، ومعلوم أن متابعة ذلك في كل ركعة من ركعات الصلاة فيه مشقة بخلاف التراص فإنه لا مشقة فيه. ففي آخر الصلاة لا يبقى ذلك مشروعاً في حقه لثبوت تراص فيما تقدم، ومثل هذا فيه إلحاق مشقة وكلفة. وظاهر قوله (وتسوية الصفوف) أن ذلك مسنون وهذا مذهب جمهور العلماء وحكى إجماعاً. لكن هذا فيه نظر، فقد ذهب شيخ الإسلام ووجَّه ذلك صاحب الفروع وهو مذهب الظاهرية ومذهب الإمام البخاري: أن ذلك واجب والأدلة دالة على ذلك.
فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) (1) أي ليلقين الله في قلوبكم العداوة والبغضاء ومثل هذا لا يقال إلا فيما كان محرماً، ويفسره الرواية المتقدمة في أبي داود: (أو ليخالفن الله بين قلوبكم) (2) فهذا يدل على أن تسوية الصفوف واجبة إذا لا يترتب مثل هذه العقوبة إلا على أمر واجب وتركه محرم. فإذا ثبت وجوب ذلك: فمثل ذلك على الراجح – وهو مذهب الظاهرية -: أن ترصَّ الصفوف بعضها ببعض فلا يكون بين الصفوف إلا ما يكفي المصلين لإقامة ركوعهم وسجودهم، فيجب أن تكون قد اتصل بعضها ببعض ولا يكون بين كل صف وصف مسافة زائدة على ما يحتاج إليه المصلي لإقامة ركوعه وسجوده. يدل على ذلك: ما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق والذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يتخلل بين الصفوف كأنها الحذف) (3) وهي صغار المعز. ففيه الأمر بأن تقارب الصفوف بعضها إلى بعض لقوله: (وقاربوا) . وذلك – أي ما يكفي المصلي لركوعه وسجوده ذلك - بنحو ثلاثة أذرع. وقد وردت أحاديث تدل على وجوب تسوية الصفوف:
فمن ذلك: ما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أقيموا صفوفكم وحاذوا بين الأعناق وسددوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم " أي لتسوية الصفوف " ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله) (1) فقوله (قطعه الله) ، ظاهر ذلك الإثم وأن من قطع شيئاً من الصفوف بأن جعل بينها خللاً فإنه يقطعه الله، ومثل هذه العقوبة لا تكون إلا على فعل أمر محرم.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في تسوية الصفوف حتى كان يقومها كالقِدْح. كما ثبت هذا في أبي داود عن النعمان بن بشير قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يسوينا في الصلاة كما يقوم القدْح) (1) وهو خشبة الرمح أي كما تنحت خشبة الرمح وتسوى وتقوم بحيث تكون في غاية الاعتدال لا اعوجاج فيها ولا ميل. وثبت في سنن أبي داود عن أنس بن مالك بإسناد صحيح قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخلل بين الصفوف من ناحية إلى ناحية يمسح على صدورنا ومناكبنا ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ثم يقول " إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المقدمة) (2) مسائل في تسوية الصفوف:
منها: أن أفضل الصفوف الصفوف المتقدمة وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وشر صفوف النساء أولها وأفضلها آخرها، كما ثبت هذا في مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) (1) وذلك للقرب من الرجال. فالأفضل الصفوف المقدمة للرجال، والمتأخرة للنساء. والأفضل الصفوف التي تقع في ميمنة المسجد؛ لما ثبت في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن البراء قال: (كنا إذا صلينا وراء النبي صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه فسمعته يقول: (ربنا قنا عذابك يوم تبعث عبادك) (2) .
وأما ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) (1) فالحديث وإن كان إسناده حسن لكنه معلول فهو شاذ، وقد رواه الثقات كما في المسند وسنن ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف) (2) هذا هو اللفظ المحفوظ كما قرر هذا البيهقي (3)
وغيره، وأما لفظة (على ميامن الصفوف) فهي خطأ من بعض الرواة، فعلى ذلك الحديث ضعيف. وأما ما ورد في ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمر ميسرة المسجد كان له كفلان من الأجر) (1) فالحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف فلا يثبت. فميمنة المسجد أفضل من ميسرته. ولكن هل من بَعُد وهو عن يمين الصف أفضل ممن قرب وهو عن يساره؟ قال صاحب الفروع: " ويتوجه أن بُعد يمينه ليس بأفضل من قرب يساره قال: ولعله مرادهم " أي مراد الحنابلة. أي: أن ذكرهم تفضيل الميمنة على الميسرة ليس عاماً بل يكون حيث استويا أو كانا متقاربين في القرب من الإمام. أما إذا كان صاحب الميسرة هو القريب من الإمام وصاحب الميمنة بعيد فهذا لا يدخل في مرادهم فهذا له فضيلة القرب وهذا له فضيلة الميمنة. ولم يصرّح بتفضيل الميسرة حينئذ، بل ذكر أن الميمنة – حينئذ – لا تكون أفضل من الميسرة فيحتمل أن تكون مثلها في الفضيلة أو أفضل منها. والأظهر التفصيل في هذا: فإن كان قريباً إلى الإمام بحيث يكون ممن يلي الإمام فهو أفضل، وإن كان في ميسرة المسجد ممن كان بعيداً في الميمنة لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليَلَنِي منكم أولو الأحلام والنهى) (2) رواه مسلم، وهو شامل لمن كان والياً له عن يمينه وعن شماله.
وأما إن لم يكن ممن يلي الإمام فالأظهر التساوي فهذا قد فضل بالقرب وهذا قد فضل بالميمنة، فكل منهما فضيلته فحينئذ: لا يجزم بتفضيل أحدهما على الآخر. والمسألة الثانية: صفة إقبال الإمام على المأمومين لتسوية الصفوف؟ ظاهر الأحاديث الصحيحة أنه يقبل عليهم بوجهه، فمن ذلك ما تقدم من حديث أنس قال: (أقيمت الصلاة فأقبل علينا صلى الله عليه وسلم بوجهه) (1) رواه البخاري، وما تقدم من حديث النعمان بن بشير في أبي داود وفيه: (أقبل علينا النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه) (2) . وأما ما رواه أبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أخذ عن يمينه فقال: (سووا صفوفكم واعتدلوا ثم أخذ عن يساره فقال: سووا صفوفكم واعتدلوا) (3) فهو حديث ضعيف فيه مصعب بن ثابت الزبيري وهو ضعيف، فلا يكون معارضاً للأحاديث المصرحة في أن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل على الناس بوجهه. فعلى ذلك الأظهر أنه يقبل على الناس بوجهه. إذن: في مسألة تسوية الصفوف أربعة مسائل: المسألة الأولى: في كيفية ذلك: وأن المشروع فيه أن يلزق كعبه بكعبه وركبته بركبته ومنكبه بمنكبه فلا يكون التساوي بأطراف الأصابع كما يفعله كثير من الناس هذا أمر ليس بمشروع، فإن الناس يتفاوتون في ذلك فلا يتم حينئذ التساوي. والثانية: في حكم ذلك وأن الراجح فرضية ذلك ووجوبه. ومثل ذلك: أن يرص الصفوف بعضها ببعض.
والثالثة: في تفضيل صفوف الرجال المتقدمة على صفوفهم المتأخرة والعكس للنساء. وهذه المسألة ظاهرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأما في الأزمان المتأخرة، حيث وضعت الجدر بين الرجال والنساء وأصبح عازل كامل بين الرجال والنساء، بخلاف المساجد كالحرمين أو نحوها أو عازل خفيف فإن الحكم يبقى –. أما إذا كان هناك عازل قوي قد فصل الرجال عن النساء، فيبقى القول بأن الصفوف المقدمة للنساء أفضل من الصفوف المتأخرة لزوال العلة؛ ولأن النساء شقائق الرجال كما في مسند أحمد (1) . فالأصل أن أحكام الرجال كأحكام النساء، والعلة التي جعلت صفوف النساء المتقدمة مفضولة عن الصفوف المتأخرة علة قد ذهبت وزالت حيث وجدت الجدر العازلة أو كانت النساء يصلين جماعة وحدهن. ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ فقال: يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف) (2) الرابعة: في تفضيل ميامن الصفوف على مياسرها وأن الأفضل أن يصلي في ميمن الصف. مسألة: هل يشرع أن يكون الإمام وسط المأمومين؟ الحديث الوارد في هذا: (وسطوا الإمام وسدوا الخلل) (3) فالحديث ضعيف فيه مجهولان.
فعلى ذلك لا يقال بمشروعية هذا، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه. نعم في الأصل في المسجد ينبغي أن يكون متوسطاً في المسجد (1) كما هي محاريب المسلمين، وقد تناقله المسلمون خلفاً عن سلف من كون الإمام يكون في المسجد في وسط المسجد، وأما كون هذا في الصفوف بحيث ينهى عن عدم ذلك، فهذا ليس هناك ما يدل عليه. مسألة: إذا استوت الصفوف فهل يشرع أن يقول استووا ونحو ذلك - هذه المسألة في الحقيقة فيها إشكال – والأولى فيما يظهر لي: أن يقول ذلك قبل أن ينظر إلى الصفوف، فإذا أقيمت الصلاة وهم بالاستواء والاعتدال ثم تابع ذلك بالنظر وحينئذ يكون قوله سابق لعدم تبينه استواء الصفوف، وحيث لم نقل بمثل هذا فإن فيه شيئاً من النظر؛ لأن المقصود حاصل، والله أعلم. ولو قيل: يترك ذلك لأنهم عالمون به فحقيقة هو قول قوي، والعلم عند الله. والحمد لله رب العالمين. الدرس الحادي والسبعون (يوم الأحد: 21 / 3 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقول: الله أكبر)
وهي تحريمة الصلاة كما ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (1) فبه (2) تثبت الحرمة في الصلاة، فلا تنعقد الصلاة إلا بها اتفاقاً. فإن تركها ناسياً أو ساهياً لم تصح صلاته. ولا يصح إلا هذا اللفظ الذي ذكره المؤلف " الله أكبر "، أما لفظة: الله الأكبر أو الله أجل أو أعظم أو غير ذلك من الألفاظ، فإنها لا تجزئ، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه افتتح صلاته بغير لفظة " الله أكبر " وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3) .
وحقيقة التكبير الشرعي أن يقول " الله أكبر " فمتى قال غير ذلك من الألفاظ فإنه لا يجزئ، وقد ثبت في الصحيحين في حديث المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) (1) ، وفي أبي داود من حديث المسيء صلاته: (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله) الحديث وفيه: (ثم يكبر الله عز وجل) (2) . إذن: لا تنعقد الصلاة إلا بالتكبير " الله أكبر ". فإن أتى به على صيغة الاستفهام كأن يقول " آلله أكبر " فلا يجزئه. أو نكسه فلا يجزئه. ولا يجزئه – اتفاقاً – إلا أن يقولها: قائماً في الفريضة، فإن قالها قاعداً أو راكعاً وهو غير عاجز عن القيام فلا يجزئه. قال: (رافعاً يديه … حذو منكبيه) السنة أن يرفع يديه مع تكبيرة الإحرام حذو منكبيه أو حذو فروع أذنيه، فكلاهما ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. الصفة الأولى: أن يرفع يديه حذو منكبيه أي يكون الكفان حذو منكبيه. ودليله: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع ولا يفعل بين السجدتين) (3) . والصفة الثانية: الرفع إلى حذو الأذن أو فروع الأذنين.
ودليله ما ثبت في مسلم عن مالك بن الحويرث قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه) وفي رواية: (حذو أذنيه) وفي رواية (حذو فروع أذنيه) (1) أي شحمة أذنيه. فيرفع إلى حذو الأذنين أو فروعهما، والأمر واسع فله أن يكون حذو الأذنين مباشرة أو فروعهما. وجمع بعض أهل العلم من المالكية وغيرهم بين هاتين الصفتين. فقالوا: تكون بطون الكفين حذو المنكبين وأطراف الأصابع حذو فروع الأذنين. ويدل عليه ما رواه أبو داود من حديث عبد الجبار بن وائل عن وائل بن حجر وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه وإنها حذو فروع أذنيه) (2) لكن الحديث منقطع فيه ابن عبد الجبار بن وائل لم يدرك أباه. والأظهر أنهما ضعيفان، فالحديث ضعيف لا يثبت، فعلى ذلك هما ضعيفان،فأيهما فعل فقد أصاب السنة. والأفضل أن يفعل هذه تارة وهذه تارة. وهل التكبير يكون سابقاً للرفع أو الرفع سابق للتكبير أو يكونا معاً؟ المشهور في المذهب: أنه يرفع يديه مع شروعه بالتكبير، فيبدأ برفع يديه مع شروعه بالتكبير. فإذا انتهى التكبير يكون قد رفع يديه ثم يحطهما.
ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود من حديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يرفع يديه مع التكبيرة) (1) . وقد وردت السنة بصفتين أخريين: الثانية: أن يرفع ثم يكبر، فيكبر واليدان على ارتفاعهما ثم يحطهما. ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم من حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة فرفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم كبر) (2) ونحوه من حديث أبي حميد الساعدي في أبي داود والترمذي (3) وغيرهما. وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر: (ثم كبر وهما كذلك) (4) أي وهما مرفوعتان. ومما يدل عليها كذلك حديث مالك بن الحويرث – في مسلم – (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى فرفع يديه ثم كبر) (5)
والصفة الثالثة - ولم أر أحداً من أهل العلم قال بها -: وهي أن يكبر قبل رفع اليدين، فإذا كبر رفع يديه، وهي ثابتة في مسلم من حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كبر ثم رفع يديه) (1) . ولم أر أحداً من أهل العلم قال بها، لذا قال الموفق - وهو المشهور في المذهب –: أنه إذا كبر وانتهى من التكبير ولم يرفع يديه فإن السنة قد فات محلها، وهذا خلاف السنة فقد تقدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر ثم رفع يديه. فالسنة أن يرفع يديه حذو منكبيه. فإن لم يستطع أن يرفعهما حذو منكبيه رفعهما بقدر الاستطاعة. كما أنه إن لم يستطع أن يرفع يديه كلتيهما رفع ما يستطيع منهما بأن يرفع يده الصحيحة وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (2) . وإذا كان مغط ليديه بثوب ونحوه من برد وغيره مما يحتاج فيه إلى تغطية اليدين فإنه يرفعهما بثوبه بقدر استطاعته. لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث وائل بن حجر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الشتاء فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة) (3) ، وهذا هو المشهور في المذهب. قال: (مضمومتي الأصابع ممدودة)
أما المد، فقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا قام في الصلاة رفع يديه مداً) (1) وورد في الترمذي – هذا الحديث من حديث يحيى بن اليمان وهو ضعيف وتفرد به عن الثقات، ورواه بنفس السند إلى أبي هريرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه نشراً) (2) أي مفرقة لكن الحديث ضعيف لضعف يحيى ولكونه خالف الثقات. وهنا قال: (مضمومة الأصابع) أي يلصق أصابعه بعضها ببعض. ولم أر في السنة ما يدل على ذلك. والمشهور عند الشافعية: أنه يفرقها، وهو رواية عن الإمام أحمد، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي تقدم ضعفه. وذهب الأحناف: إلى أنه لا يتكلف ذلك، وهذا هو الراجح وأنه لا يتكلف ضماً ولا تفريقاً بل يدعهما على طبيعتها من غير ضم ولا تفريق. قال: (كالسجود)
فالسجود يستحب له أن يفعل ما تقدم من كونه يضم أصابعه ويجعلهما ممدتي الأصابع وأن يكون حذو منكبيه وسيأتي الدليل على ذلك – عند الكلام على السنة في السجود. قال: (ويسمع الإمام من خلفه) لا زال الكلام في التكبير والسنة فيه. فيسمع الإمام من خلفه فيرفع صوته بالتكبير لما ثبت في مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يرفع صوته بالتكبير حتى يسمع من خلفه) (1) والحديث صحيح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (2) . فإن كان الإمام لا يسمع من خلفه فيلجأ إلى التبليغ بأن يرفع أحد المصلين صوته بالتكبير، فهذا مشروع فقد ثبت هذا من فعل أبي بكر خلف النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم قال جابر: (صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه فإذا كبر النبي صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر ليسمعنا) (3) فهذا يدل على مشروعية التبليغ عند الحاجة إليه أما إن لم تكن هناك حاجة فإنه ليس بمستحب باتفاق المسلمين كما قال ذلك شيخ الإسلام. بل قد نص الحنابلة على أنه مكروه، بل هو بدعة محدثة في الدين. قال: (كقراءته في أولتي غير الظهرين) أي كما يرفع صوته في الركعتين الأوليين من غير الظهرين وهما الظهر والعصر، وهذا من باب التغليب كما يقال " الفجران والقمران ". فهنا يسمع الإمام من خلفه التكبير كما يسمعهم القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء ومن صلاة الفجر، ورفع الصوت بالقراءة مشروع للإمام بالإجماع في الركعتين الأوليين من غير الظهر والعصر. قال: (وغيره نفسه) أي غير الإمام وهو المأموم والمنفرد يسمع نفسه، فيجب على من كان مأموماً أو منفرداً أن يسمع نفسه القراءة فيحرك لسانه بالحروف فينطق بها بحيث أنه يسمع نفسه.
والمراد هنا: ما لم يكن هناك عارض يمنع من سماع، فإن كان هناك عارض كأن يكون هناك أصوات أو لا يتمكن من إسماع نفسه كالعاجز عن الكلام أو كان لا يسمع نفسه كغير السميع فإنه يتلفظ بالقراءة والتكبير بحيث يسمع نفسه إن كان سميعاً أو يسمع نفسه لو لم يكن هناك هذا العارض الذي يمنع السماع. إذن: يرفع صوته بالقراءة والتكبير بحيث يسمع نفسه لو كان ليس ثمت عارض يمنعه من السماع. - واختار شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية ومذهب بعض الأحناف وهو وجه عند الحنابلة – كما قال شيخ الإسلام –: أنه يحرك لسانه بالحروف ولو لم يسمع نفسه، فليس شرطاً أن يسمع نفسه، فالشرط هو أن ينطق بالحروف، والنطق بالحروف هو تحريك اللسان بها وخروج الحروف من اللسان، فإذا خرجت الحروف من اللسان وحرك اللسان بها، فإن هذا كاف ولو لم يسمع – وهذا هو الظاهر – فإن إسماع نفسه لا دليل عليه. وكونه قولاً، يثبت ذلك بمجرد إخراجه للحروف من لسانه، وليس بشرط القول والكلام أن يسمع نفسه أو يسمع غيره، بل شرط ذلك أن يتكلم بالحروف بصوت، فمتى خرجت الحروف وتحرك اللسان بها فهذا هو الكلام. فإن كان ممن لا يمكنه أن يتكلم كأخرس أو نحوه: فإنه ينوي بقلبه التكبير ولا يحرك لسانه في أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد، واختار ذلك الموفق. والقول الثاني: أنه يحرك لسانه؛ لأن المتكلم يحرك لسانه فينطق، فكان عليه أن يحرك لسانه كذلك، فكونه عاجز عن النطق لا يسقط عنه حركة اللسان. لكن الراجح: القول الأول: وأنه لا يشرع أن يحرك لسانه بل ينوي بقلبه، لأن تحريك اللسان بحيث لا فائدة منه. وإنما يحرك المتكلم لسانه لتخرج الحروف فينطق بها وحيث لم يكن ذلك فإنه لا فائدة من تحريك اللسان بالحروف. وظاهر قوله: (وغيره نفسه) : إن هذا في المفرد مطلقاً سواء كان يصلي صلاة سرية أو جهرية، فلا يشرع له الجهر بالقراءة، وسواء كانت أداءً أو قضاءً.
وظاهره أيضاً – وهو المذهب – أن المرأة لا يشرع لها أن تجهر بصوتها مطلقاً سواء كانت في جماعة أو منفردة، وهو المشهور في المذهب. - واختار شيخ الإسلام: أن المرأة يشرع لها الجهر إن كانت تصلي في جماعة. وهذا هو الظاهر: وأنها يشرع لها الجهر إن صلت في جماعة لمصلحة الإسماع، ولأن النساء شقائق الرجال. والصحيح أيضاً وهو قول في المذهب: أن المرأة يشرع لها أن تجهر مطلقاً وإن صلت وحدها صلاة تجهر بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالصلاة فيشرع الجهر بها لمن صلى وحده منفرداً، ذكراً كان أو أنثى. وهذا أحد القولين في المذهب أيضاً: وأن المنفرد إذا صلى الصلاة الجهرية فيشرع له الجهر، سواء كانت أداءً أو قضاءً، لحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، وهذا يدخل فيه المنفرد. فإن قيل: إنما شرع الجهر لإسماع المأمومين؟ فالجواب: ليس هذا بمسلم، بل الأظهر أن هذا إنما شرع أصلاً، وإنما شرع للإمام أن يزيد رفع صوته ليسمع المأمومين، وأما مجرد الجهر فإنه لا دليل على أنه إنما شرع للإسماع، وإنما لهذه الصلوات خصيصة في الصوت بها حيث أنها في وقت سكون وهدوء، فيشرع لمن لم يصل خلف الإمام أن يجهر، ويشرع للإمام أن يزيد في الجهر. فالراجح وهو قول في المذهب إنه يشرع في الصلاة الجهرية الجهر بما يصدق عليه أنه جهر، وليس كجهر الإمام. ومثله المرأة فيشرع لها إذا صلت في جماعة أو منفردة أن تجهر بصوتها بحيث يصدق عليه أنه جهر لا برفع صوتها رفعاً شديداً، فذلك إنما يشرع للإمام، وهي كذلك إذا صلت إمامة للنساء فيشرع لها أن تجهر بصوتها بحيث تسمع من خلفها. وهذا الحكم حيث لم يكن هناك أجنبي، فإن كان هناك أجنبي فلا يشرع الرفع مطلقاً سواء في جماعة أو غيرها؛ لكونه ينافي ما تؤمر به المرأة من الستر ولما في ذلك من دواعي الفتنة. مسألة:
والمذهب قولاً واحداً في أن رفع اليدين مشروع للإمام والمأموم والمنفرد؛ لعمومات الأحاديث. لكن اختلفوا في المرأة: هل تدخل في ذلك أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أنها ترفع يديها، وقد رواه الخلال عن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين (1) وكانتا فقيهتين وهو قول طاووس. ودليله: أن النساء شقائق الرجال، وأنهن مأمورات بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم كما أن الرجال مأمورون بذلك: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولا دليل يخصص الرجال بهذا الحكم، والأصل أن النساء شقائق الرجال ولا دليل على التخصيص. القول الثاني: أنه لا يشرع لهن ذلك كالتجافي الذي تنهى عنه المرأة وذلك لكونه ينافي الستر. والراجح القول الأول؛ لأن هذا لا ينافيه مطلقاً إلا إذا كان هناك أجنبي. فإن كان هناك أجنبي فلا يشرع لها ذلك؛ لأنه قد يظهر شيء منها فلا يشرع ذلك. أما إن لم يكن هناك أجنبي فيشرع لها ذلك. إذن: إنما تمنع المرأة عن التجافي ورفع اليدين ونحو ذلك مما فيه منافاة للستر من أحكام الصلاة حيث كان هناك أجنبي، أما إذا لم يكن هناك أجنبي فلا معنى لمنعها، والأصل بقاؤها على حكم الرجال إلا أن يدل دليل على التخصيص، ولا دليل. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثاني والسبعون (يوم الاثنين: 22 /3 /1415هـ) قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم يقبض على كوع يسراه تحت السرة) الكوع: هو العظم الناتئ الذي يقابل الإبهام وهو عند الرسغ. وهذه الجملة فيها ثلاثة مسائل: المسألة الأولى:
أن المستحب للمصلي أن يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة. فقد ثبت في البخاري عن سهل بن سعد قال: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (1) ، وفي مسلم من حديث وائل بن حجر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (وضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة) (2) فالمستحب أن يضع يده اليمنى على اليسرى فلا يرسل يديه. المسألة الثانية: في صفة الوضع: فيها صفتان ثابتتان عن النبي صلى الله عليه وسلم: الصفة الأولى: القبض، فيقبض بيمينه على شماله بأن يمسك كف اليسرى بباطن كف اليمنى. ودليلها: ما ثبت في سنن النسائي من حديث وائل بن حجر قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان قائماً في الصلاة يقبض بيمينه على شماله) (3) . الصفة الثانية: أن يضع يده اليمنى من غير قبض على كفه اليسرى والرسغ والساعد.
ودليلها: ما ثبت في سنن النسائي: من حديث وائل بن حجر، وهو حديث طويل وفيه: (وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد) (1) المسألة الثالثة: في محل الوضع، هل المستحب أن يده على الصدر أو تحت السرة أو فوقها تحت الصدر؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم: 1- المشهور عند الحنابلة: أن المستحب أن يضع يديه تحت السرة. واستدلوا: بما روى أحمد وأبو داود عن علي قال: (من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة) (2) وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو متروك الحديث، فعلى ذلك إسناده ضعيف جداً. 2- القول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو المشهور عند الشافعية: أنه يضعهما فوق سرته وتحت صدرته (3) . واستدلوا:
بما رواه ابن خزيمة عن وائل بن حجر قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره) (1) ، والحديث فيه مؤمل بن إسماعيل وهو ضعيف لكن له شاهدان: الشاهد الأول: عند أحمد مرفوعاً وموصولاً من حديث هُلْب الطائي لكن الحديث ضعيف. والثاني عند أبي داود من حديث طاووس مرسلاً وسنده صحيح إلى طاووس، ويصلحان شاهدين له فيكون الحديث حسناً بشواهده فالحديث من ثلاثة أوجه. لكن الاستدلال به على هذا القول فيه نظر؛ لأن أهل هذا القول لا يقولون بأنه يضع يديه على الصدر بل تحت الصدر وفوق السرة. وإنما يصلح دليلاً لأهل القول الثالث، وهو قول للشافعي وقول إسحاق بن راهوية وهو مذهب لبعض المالكية: أن السنة أن يضع اليدين على الصدر. وهذا أوجهها لما تقدم فالحديث حسن بشاهديه، ولم يعارضه معارض ينظر فيه، والحديث المتقدم إسناده ضعيف جداً. فالراجح: أن السنة أن يضع يديه على صدره أي بأن يضعهما قريباً من النحر على عظام الصدر وبين الثندؤتين. قال: (وينظر مسجده) هذه سنة من سنن الصلاة وهي أن ينظر إلى مسجده أي إلى موضع سجوده. قالوا: لأن ذلك أخشع للصلاة، وهو كذلك أبعد عن النظر إلى السماء المنهي عنه وهي حالة يتبين فيها خشوع الأعضاء لله عز وجل، وقد وردت فيها بعض الآثار.
فقد روى البيهقي عن سليمان الخولاني عن أبي قلابة قال: حدثني عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين - يعني عمر بن عبد العزيز – قال سليمان: (فرمقت عمر في صلاته فكان ينظر إلى موضع سجوده) (1) والحديث فيه صدقة وهو ضعيف. لكن له شاهد مرسل عند الحاكم، ورواه الحاكم موصولاً من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وقد أخطأ بعض الرواة فوصله، وعامة الرواة أنه مرسل، قال الذهبي: " والصحيح مرسل ". ولفظه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره إلى السماء فلما نزلت: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} طأطأ رأسه) (2) فهذا يدل على أنه يطأطأ رأسه وحيث كان كذلك فإن بصره إلى موضع سجوده. إذن: المستحب كما قرر الحنابلة ويد عليه ما تقدم من الآثار ويعضدها المعنى: أن المستحب للمصلي أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، سوى ما يأتي من التشهد من كونه يستحب له أن يرمي ببصره إلى السبابة كما ثبت هذا في صحيح ابن خزيمة وسيأتي. قال: (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) " سبحانك اللهم ": أي تنزيهاً لك اللهم. " وبحمدك ": أي وبحمدك سبحتك. " وتبارك اسمك ": أي كثر خير أسمائك وثبت. " وتعالى جدك ": أي تعالت عظمتك وشرف قدرك. " لا إله غيرك ": أي لا إله في الوجود على الحقيقة غيرك. هذا هو الاستفتاح، فيستحب أن يستفتح الصلاة بشيء مما ورد من الاستفتاحات عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يستفتح صلاته فيقول: (سبحانك اللهم وبحمدك) (1) الحديث. وهو ثابت عند الخمسة من حديث أبي سعيد الخدري (2) وهو ثابت من قول عمر في مسلم منقطعاً ووصله الدارقطني بإسناد صحيح: (أن عمر كان يستفتح بسبحانك اللهم يجهر بذلك يُسمعنا ويُعلمنا) (3) وقد اختاره الإمام أحمد لكون عمر كان يعلمه الصحابة وإلا فسائر الاستفتاحات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم حسنة، بل السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة.
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كبر للصلاة سكت هنيهة فسألته فقال: أقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) (1) ، وهي أنواع كثيرة هذا منها. ولعل عمر إنما كان يستفتح بما تقدم لسهولة حفظه ولما فيه من الوحدانية لله والتعظيم له، ولذلك اختاره الإمام أحمد واستحسن غيره من الاستفتاحات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. إذن: الاستفتاح سنة. والسنة فيه الإسرار كما تقدم من حديث أبي هريرة فإنه قال: (سكت هنيهة) فلم يكن يسمعه، وإلا لم يحتج إلى سؤاله. وإنما كان عمر يجهر به للتعليم، فحيث كان ذلك بأن يكون الناس محتاجين إلى تعليم فلا بأس به فهو فعل عمر، وإلا فالسنة الإسرار. ومن مسائله: أنه إن نسيه أو تركه عمداً حتى شرع في الاستعاذة فلا يشرع له أن يستفتح بعد؛ لأنها سنة وقد فات محلها – كما قرر هذا الحنابلة وغيرهم. قال: (ثم يستعيذ) يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم للقراءة قال تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} (2) وثبت عند الخمسة من حديث أبي سعيد الخدري:أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في استعاذته في الصلاة: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) (3) همزه: أي الجنون وهو مس الجن. ونفخه: وهو الكبر، ونفثه: وهو الشعر القبيح، والحديث حسن. فهذا مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة.
فإن استعاذ بقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فهو حسن أيضاً لقوله تعالى: {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} وإن قال: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) فهو حسن أيضاً لورود آية أخرى فيه. وهل هي سنة أم واجب؟ جمهور أهل العلم: أنها سنة، وهي عندهم سنة في القراءة مطلقاً في الصلاة وغيرها. وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من كبار أصحابه المتقدمين وهو مذهب الظاهرية ومذهب عطاء: أنها واجبة للأمر القرآني: {فاستعذ بالله} وظاهر الأمر الوجوب، وهو قول قوي. واختلف أهل العلم هل تشرع الاستعاذة في كل ركعة أم لا تشرع إلا في الركعة الأولى؟ - المشهور عند الحنابلة: أنها لا تشرع إلا في الركعة الأولى، أما في الركعات الثانية فلا يقال باستحباب ذلك وتأكيده فإن فعل فذلك حسن وإلا فلا يقال بمشروعيته كمشروعيته في الركعة الأولى. واستدلوا: بما رواه مسلم عن أبي هريرة: قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهض من الركعة الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت) (1) قالوا: هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بالحمد لله رب العالمين ولا يسكت، والاستعاذة تحتاج إلى سكوت. - والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية: أنه يشرع له أن يستعذ في كل ركعة. ذلك لقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} (2) وظاهر الآية أنه يشرع له كلما قرأ أن يستعيذ، وكل ركعة لها قراءتها فإن بين الركعات فواصل من ركوع وسجود وقيام ونحو ذلك وذكر ونحوه.
بخلاف سجدة التلاوة، فإن سجدة التلاوة التي تخلل الصلاة من متعلقات القراءة فهي سجدة للقراءة، أما هذا السجود وهذا القيام والركوع في الصلاة فهي منفصلة عنها، فالقراءة ركن كما أن ما تقدم ذكره أركان من أركانها فليست بمتصلة فيها إلا حديث أنها من الصلاة، ففرقٌ بينهما. وأجابوا عن الحديث المتقدم: بأن قول أبي هريرة: (لم يسكت) أي لم يسكت سكوتاً كسكوته في الركعة الأولى وهو السكوت الذي نقله هنا، فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سكوته في الصلاة فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: (اللهم باعد ….) ، فقد سأله عن تلك السكتة لكونها سكتة خارجية عن طبيعة السكوت الذي يكون الذي يكون قبيل القراءة، وأما المذكور في قوله: (ولم يسكت) أي لم يسكت كسكوته في الاستفتاح ولهذا نجمع بين الآية وبين ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. فيكون قول أبي هريرة " لم يسكت " أي لم يسكت سكوتاً خارجاً عن السكوت الطبيعي الذي يكون قبيل القراءة للاستعاذة والبسملة، وإنما شرع بالحمد لله رب العالمين لم يسكت كسكوته الأول للاستفتاح فيكون ذلك لنفي الاستفتاح وأنه إنما هو مشروع في الركعة الأولى دون الركعات الأخر. وهذا القول هو الأرجح وأنه يستعيذ في كل ركعة. قال: (ثم يبسمل سراً وليست من الفاتحة) أي يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " يقولها سراً.
أما كونه يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " لما ثبت في النسائي عن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القرآن) وفيه أنه قال بعد ذلك " والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " (1) ولأن البسملة يشرع أن يفتتح بها السور مطلقاً كما ثبت في مسلم وغيره من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم {إنا أعطيناك الكوثر} لما نزلت عليها (2) فقرأ: (" بسم الله الرحمن الرحيم " {إنا أعطيناك الكوثر} …) (3) وثبت في أبي داود بإسناد صحيح إلى أن ابن عباس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف الفصل بين السور إلا إذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم) (4) فهي مما تفتتح به السور وهو كذلك فاصل بين السور. ومشروعية البسملة مما اتفق عليه أهل العلم. " سراً ": لا جهراً، فلا يشرع الجهر بها. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: 1- فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وأهل العلم: إلى القول باستحباب الإسرار بالبسملة وعدم مشروعية الجهر بها وهو مذهب الحنابلة. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين) (5) .
زاد مسلم: (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا آخرها) وفي أحمد والنسائي: (لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) (1) وعند ابن خزيمة: (يسرون) (2) . وثبت في الترمذي من حديث ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال أي بني محدث إياك والحدث قال: ولم أر أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام منه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها " جهراً " فلا تقلها إذا أنت صليت فقل: " الحمد لله رب العالمين " (3) والحديث حسنه الترمذي وهو كما قال وأما ما ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما: أن الحديث فيه جهالة ابن عبد الله، فإن هذا ليس بصحيح، كما قرر ذلك الزيلعي، وأن ابن عبد الله بن مغفل قد روى عنه ثلاثة فزالت عنه بذلك جهالة العين، ولم يأت بحديث منكر بل أحاديثه كلها مستقيمة تجد لها المتابع والشاهد فليس من أحاديثه ما ينكر عليه، وقد حسن حديثه الترمذي وهذا حديث يوافق ما ثبت عن أنس؛ فالحديث حسن لا بأس به. 2- والقول الثاني، وهو مذهب الشافعية فقالوا بمشروعية الجهر بالبسملة.
وعامة أدلتهم لا تصح ولا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فكلها موضوعة أو ضعيفة كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره. إلا ما رواه النسائي وغيره بسنده الصحيح إلى نعيم المجمر: قال صليت وراء أبي هريرة فقرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القرآن وفيه أنه قال: (إني أشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) (1) قالوا: فهذا يدل على مشروعية الجهر إذ لو لم يجهر أبو هريرة لم يسمعه نعيم وقد عزا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إني لأشبهكم) لكن الحديث ليس بصريح في الدلالة: فيحتمل أن يكون نعيم قد سمعه وهو يسر بها وكان من الصالحين وكان هو الذي يجمر مسجد المدينة فلا يبعد أن يكون قريباً من أبي هريرة فسمعه وهو يقولها، كما سمع رجل أبا بكر في الركعة الثالثة من صلاة المغرب وهو يقرأ {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} (2) . ثم إن نعيماً قد تفرد برواية هذه اللفظة عن سائر الرواة عن أبي هريرة كما قرر ذلك ابن القيم، فكل الرواة لم يذكروا هذه اللفظة وتفرد بها نعيم فكانت مظنة الضعف، وقد خالفها ما تقدم من الأحاديث الصحيحة. وهناك احتمال آخر وهو أن أبا هريرة إنما جهر بها للتعليم، وللإخبار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقولها كما كان عمر يجهر بالاستفتاح للتعليم. وقد قال: " إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " والمشابهة لا تقتضي المماثلة.
فالأحاديث التي استدلوا بها: إما أحاديث ضعيفة وعامتها كذلك، أو صحيحة وليست صريحة وهذا إنما هو حديث نعيم المجمر مع ما تقدم من تفرد نعيم وهو مظنة الضعيف، وعلى القول بقبوله وتحمل تفرده فله احتمالان: أن يكون سمعه وهو قريب منه يسرّ بها. أن يكون إنما جهر بها للتعليم كفعل عمر ولم يخبرهم بذلك لكونهم قد تقرر عندهم عدم مشروعية ذلك وأن هذا من الأمور المحدثة والعلم عند الله تعالى. قال: " وليست من الفاتحة ": فهي ليست من الفاتحة كما هو مذهب الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام. كما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله: " أثنى عليَّ عبدي " (1) الحديث ولم يذكر البسملة
وقد تقدم أنها إنما نزلت للفصل بين السور كما قاله ابن عباس (1) . ولو قلنا إنها من الفاتحة لوجبت قراءتها وكانت فريضة سواء قلنا بالإسرار أو الجهر، ولقلنا بالجهر بها لأنها أسوة غيرها من آيات الفاتحة. لكن الراجح ما تقدم وأنها ليست بآية من الفاتحة (2) . والحمد لله رب العالمين الدرس الثالث والسبعون (يوم الثلاثاء: 23 / 3 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ثم يقرأ الفاتحة) فيقرأ المصلي فاتحة الكتاب فرضاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لا يقرأ بأم القرآن) (3) متفق عليه. وقد اتفق أهل العلم على فرضية قراءتها على الإمام والمنفرد. واختلفوا في حكم قراءتها على المأموم: - والمشهور في المذهب: عدم وجوب قراءتها عليه، وسيأتي البحث في هذا عند قول المؤلف في باب صلاة الجماعة " ولا قراءة على مأموم " فإذن: يقرأ الفاتحة بشداتها وآياتها كلها وقد تقدم أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليس منها فيقرأ من قوله {الحمد لله رب العالمين} إلى {ولا الضالين} وأما لفظة " آمين " فهي ليست من الفاتحة إجماعاً. وشدات الفاتحة إحدى عشرة شدة – وإذا أسقط شدة فقد أسقط حرفاً، ومتى أسقطها فقد أنقص في قراءتها.
ويقرأها قراءة عربية لا تحيل المعاني، فإذا قرأها قراءة غير عربية لم تجزئه لقوله تعالى: {قرآناً عربياً} (1) وقال تعالى: {بلسان عربي مبين} (2) ولا يكون قرآناً إذا قرأ بغير العربية أي ترجم؛ للآية المتقدمة، فإذا قرأ بغير العربية لم يجزئه. وإذا قرأ بالعربية ولحن فإن قراءته إن كان اللحن فيها يحيل المعاني فإنها لا تصح فإذا قال: {أنَعمتُ} أو {إياك} (3) ونحوها، فإن القراءة لا تصح، لأن هذه تحيل المعاني. أما إذا كان لا يحيل المعنى فالقراءة لا تبطل به. ويجب أن يقرأها مرتبة متوالية فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها كذلك وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (4) . فإن كان غير حافظ للفاتحة فيجب عليه أن يتعلمها ما لم يتضايق الوقت، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أما إذا ضاق الوقت فإنه يصلي على حسب حاله. * وهنا مسائل يذكرها الفقهاء عند هذه المسألة: فمنها: إذا كان يحسن من الفاتحة آية فأكثر فإنه يقرؤها لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (5) وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فاتقوا منه ما استطعتم) (6) وهل يجب عليه أن يكررها بقدر الفاتحة؟
- قال الفقهاء: يجب أن يكررها بقدر الفاتحة سواء كان يحسن غيرها أم لم يكن يحسنه، فإذا كان يحفظ آية فإنه يجب أن يكررها سبعاً، سواء كان يحسن آيات من غير هذه السورة أم لم يكن ذلك. - وهناك قول في المذهب: أنه يتم قدر الفاتحة فيما يحفظه من القرآن، وهذا أظهر، لأنه إذا قرأ منها ما يحفظه فإنه يسقط فرضه؛ لأن الواجب هو قراءتها وحيث قرأه فإنه يسقط بذلك فرضه حيث قرأه فكان الأولى أن يأتي بآيات أخر. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله) (1) فهنا أطلق النبي صلى الله عليه وسلم القول ولم يقيد التكرار في مثل الفاتحة وغيرها، وظاهر إطلاقه أنه يقرأ ما يتمكن منه من القرآن من غير أن يكرر ذلك، بل يقرأ ما أمكنه منه ويسقط عنه الباقي، وحيث أنه يمكنه أن يتم قدر الفاتحة بآيات أخر فإنه يتمها؛ لأن البدل له حكم المبدل منه. أما إذا كان لا يحفظ منها إلا بعض آية، فإنه لا يقرأ ذلك ولا يكرره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم من لا يحسن شيئاً القرآن علمه الذكر، وفيه لفظة " الحمد لله " وهي بعض من آية من الفاتحة ومع ذلك لم يأمره بتكرارها ولم يجعلها قائمة مقام التكرار، بل كانت من الذكر المجزئ عن القرآن. فإن كان لا يحفظ من الفاتحة شيئاً قرأ من غيرها بقدرها. والمذهب قولاً واحداً في عدد آياتها أي لا تجزئه إلا أن يقرأ عدد آياتها أي بأن يقرأ سبع آيات. وهل يجزئه أن تكون هذه الآيات أنقص حروفاً من الفاتحة أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أن الواجب أن تكون بعدد حروفها فأكثر. القول الثاني: أنه يجزئ أن تكون أقل منها حروفاً.
والقول الأول هو الأحوط وهو أن يختار آيات بعدد حروفها فأكثر، أي أن تكون الآيات سبعاً وتكون ما تضمنته من الحروف مساوية لما تضمنته سورة الفاتحة فأكثر؛ لأن الحرف له أثر في القراءة بدليل إن قرأ حرفاً من القرآن كان له حسنة والحسنة بعشر أمثالها كما ثبت في الحديث (1) هذا هو الأظهر لأن البدل له حكم المبدل منه. ولو قيل: إنه لا يجب عليه ذلك مطلقاً لا في حروفها ولا في آياتها لكان فيه قوة، لإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (فإن كان معك قرآن فاقرأ) (2) فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بأن يكون ذلك بقدر الفاتحة. إلا أن يقال: إن البدل له حكم المبدل منه وهنا يمكنه أن يقرأ بقدر فاتحة الكتاب وحيث أمكنه ذلك فإنه يجب عليه أن يفعله ليكون ذلك قائماً مقام فاتحة الكتاب وهذا هو الأحوط. فإن لم يكن معه إلا بقدر بعض الفاتحة، فإنه يكررها كما تقدم. والأظهر كذلك أنه لا يكرر لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن كان معك قرآن فاقرأ) فأطلق. كأن يكون رجل يحفظ ثلاث آيات مثلاً من غير الفاتحة فإنه يقرأ هذه الثلاث ويكتفي بها من غير تكرار. وإن لم يكن معه شيء من القرآن فإنه يجزئه الذكر الوارد، وهو ما ثبت في سنن أبي داود والحديث حسن، من حديث عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني لا أحسن شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزئني منه فقال: (قل سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (3)
فإن لم يحسن شيئاً من ذلك كحديث عهد بإسلام لا يحسن العربية ونحوه فإنه يقف بقدر فاتحة الكتاب لأن الواجب القيام والقراءة وحيث سقطت عنه القراءة فيجب عليه القيام بقدرها لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ولحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) . وإن لقن من خارج عن الصلاة فإن ذلك يجزئه، كما لو فتح أحد على الإمام وهو خارج عن الصلاة فكذلك هنا. وإن كان يمكنه أن يصلي خلف إمام يحسن الفاتحة وقلنا: إن الفاتحة لا تجب خلف الإمام كما هو المشهور في المذهب، فإنه يجب عليه ذلك. قال: (فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال …) " بذكر ": كأن يسأل الله الرحمة أو يستعيذ به من النار أو يدعو الله ونحو ذلك. " أو سكوت ". " غير مشروعين ": فليس من السنة وليس مما فيه مصلحة الصلاة وليس مما تبطل به الصلاة وسيأتي في بابه. فمثلاً: قرأ آيتين من الفاتحة ثم يسكت سكوتاً طويلاً عرفاً غير مشروع، أو يتكلم بذكر الله ذكراً غير مشروع طويلاً عرفاً فإن الفاتحة تبطل ويجب أن يعيدها. إذن: لا تبطل الفاتحة بالقطع إلا إذا كان القطع طويلاً عرفاً وكان القطع غير مشروع. فعندنا ثلاثة أحوال: الحال الأولى: أن يكون القاطع قصيراً عرفاً، كأن يسكت سكتة وإن كانت غير مشروعة أو تكلم بذكر وإن كان غير مشروع وكان يسيراً عرفاً فإن الفاتحة صحيحة ولا يجب إعادتها وهذا القاطع لا يضره لأنه يسير. قالوا: لأن الواجب في الفاتحة موالاتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . والموالاة ألا يكون هناك قاطع عرفاً، وحيث كان القاطع يسيراً فإن المولاة لا تنتفي بذلك، فالموالاة في الشيء لا تنتفي بالقاطع اليسير. الحالة الثانية: أن يكون القاطع مشروعاً وهو طويل عرفاً فتصح.
مثال: أن يقرأ بعض الفاتحة ثم سكت سكوتاً طويلاً ليسمع قراءة الإمام، فهذا سكوت مشروع له؛ لأنه يشرع أن يستمع قراءة إمامه فحينئذٍ لا تبطل بذلك الفاتحة. هذا هو المشهور في المذهب. والأظهر أنه يبطل الفاتحة ويجب عليه أن يستأنفها؛ ذلك لأنه وإن كان مشروعاً لكنه قاطع عرفاً والموالاة تنتفي وهي واجبة، وحيث قطعه بقاطع طويل عرفاً وإن كان مشروعاً فإنها تنتفي. ومثله على الراجح – خلافاً للمشهور من المذهب - لو كان القاطع طويلاً عرفاً وهو معذور فيه كأن يسكت عن نسيان أو يخطئ فيقرأ في سورة أخرى وكان ذلك طويلاً عرفاً، فإنه يقطع القراءة فهو وإن كان معذوراً في نسيانه لكن الموالاة قد انقطعت فيجب عليه أن يستأنف القراءة من الجديد (1) لانقطاع موالاتها. فالواجب شرعاً هو الموالاة وحيث قطعها بقاطع طويل سواء كان مشروعاً وسواء كان معذوراً فيه أم لم يكن معذوراً فيه فإنه يجب أن يستأنف قراءته من جديد لفساد الموالاة وانتفائها. الحالة الثالثة: أن يكون القاطع يسيراً وهو مشروع، فلا تؤثر في الموالاة وهو أولى من الصورة الأولى لكونه مشروعاً. فلو قطع الفاتحة بقوله: " آمين " مع تأمين الإمام، أو فتح على الإمام في قراءته – فإن هذا لا يؤثر في الموالاة – لأنه قاطع يسير. إذن: مناط الحكم – على الراجح – أن يكون القاطع يسيراً فحينئذٍ لا يكون مؤثراً سواء كان مشروعاً أم لم يكن مشروعاً. فالعبرة بطول القاطع، فإن كان طويلاً عرفاً فإنه يفسد الموالاة فيجب استئناف القراءة وإن كان قصيراً فلا يجب ذلك. قال: (أو ترك منها تشديدة، أو حرفاً أو ترتيباً لزم غير مأموم إعادتها) " ترتيباً ": كأن يقدم ما حقه التأخير من آياتها أو يؤخر ما حقه التقديم، فيلزمه الإعادة إن كان غير مأموم. ويستثنى المأموم؛ لأنه لا يجب عليه القراءة خلف الإمام، على المشهور في المذهب. وقوله: " إعادتها " يعود على الفاتحة.
وحيث قلنا بأن المأموم يجب عليه أن يقرأ بفاتحة الكتاب والحكم كذلك فكذلك هنا فيجب عليه أن يعيد إن أخطأ بما يبطلها. قال: (ويجهر الكل بآمين) في الجهرية. " آمين " بمعنى اللهم استجب. وفيها ضبطان وكلاهما بتخفيف الميم. الأول: القصر: وهو بهمزة الوصل " أمين " الثاني: المد " آمين " وهما لغتان فيها ولكن مع تخفيف الميم. أما إذا شدد الميم فإن المعنى يتحول إلى معنى آخر وهو " قاصدين " كما قال تعالى: {ولا آمَّين البيت} (1) أي قاصدينه. أي من القراءة قرأ فهي صحيحة (2) . فيجهر الكل من إمام ومنفرد حيث جهر ومأموم، فكل من جهر أو جهر له من إمام أو مأموم أو منفرد فيشرع له الجهر بالتأمين. ودليل مشروعية التأمين: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له) (3) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له) (4)
وقد ثبت التأمين من فعل النبي صلى الله عليه وسلم: فروى أبو داود والترمذي من حديث وائل بن حجر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا قال: " ولا الضالين " قال: " آمين " (1) ، في رواية أبو داود: " ورفع صوته "، وفي الترمذي: " يمد بها صوته "، وفي ابن ماجه والحديث حسن: (أن المسجد – أي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم – كان يرتج بها) أي من رفع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالتأمين. ويستحب كذلك: أن يمد بها صوته كما تقدم في حديث وائل بن حجر في رواية الترمذي، وورد من حديث وائل بن حجر في أبي داود إلا أن فيه انقطاعاً بين عبد الجبار بن وائل وبين أبيه وهو انقطاع يسير يعضده ما تقدم. وثبت هذا من فعل أبي هريرة: أنه إذا كان وراء الإمام قال: " آمين " يمد بها صوته ويقول: (إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم) (2) رواه البيهقي بإسناد صحيح. فعلى ذلك: يشرع للإمام والمنفرد والمأمومين أن يجهروا به ويمدوا أصواتهم به.
* والسنة أن يكون ذلك بعد قول الإمام "غير المغضوب عليهم ولا الضالين " لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الإمام " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قُولوا: آمين) (1) أما قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمن الإمام فأمنوا) (2) فإن معناه إذا شرع بالتأمين، فإذا شرع الإمام بالتأمين ووافق ذلك عقيب قوله " غير المغضوب عليهم ولا الضالين: فقولوا: آمين. * وإذا تركها الإمام فإنها تشرع للمأمومين للحديث المتقدم: (إذا قال الإمام {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا: آمين) . فتشرع للمأمومين مطلقاً قالها الإمام أم لم يقلها، فترك الإمام لها لا يعنى ذلك أن تترك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها إماماً، إذا تركها الإمام فإن ذلك تفويت منه للسنة. * فإن فات محلها وشرع بالقراءة بعدها ولم يؤمن فهي سنة فات محلها، فلا يشرع فعلها. والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والسبعون (يوم الأربعاء: 24 / 3 / 1415هـ) قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم يقرأ بعدها سورة) أي بعد الفاتحة، فيشرع ويسن أن يقرأ بعد الفاتحة سورة من القرآن، وهذا على سبيل الاستحباب عند عامة العلماء، لما ثبت في الصحيحين: من حديث أبي قتادة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحياناً وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب) (3) فهذا الفعل يدل على مشروعيته.
وستأتي الأدلة التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سوراً من القرآن مع الصلوات الجهرية. وذهب طائفة من الصحابة وهو مذهب بعض المالكية وبعض الأحناف وحكي رواية عن الإمام أحمد: إلى أن ذلك واجب أي يجب على الإمام والمنفرد أن يقرأ مع فاتحة الكتاب ما تيسر. واستدلوا بدليلين صحيحين: كما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً) (1) . قالوا: فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم " فصاعداً " فدل ذلك على أنه يجب عليه أن يقرأ مع فاتحة الكتاب سورة وأنه لا يجزئه سوى ذلك. ما ثبت في أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري: قال: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأ أم الكتاب وما تيسر) (2) . قالوا: فهذا أمر وظاهر الأمر وجوب ذلك.
وأما الجمهور فاستدلوا: بما ثبت في أبي داود في قصة صلاة معاذ بأصحابه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفتى: ما تصنع يا ابن أخي إذا أنت صليت؟ فقال: " أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني ومعاذاً حول هاتين ندندن) (1) وفي رواية " حولها ندندن ". والدندنة هو الصوت الذي يسمع ولا يفقه. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، ولم يقرأ إلا بالفاتحة. وأجابوا عن الحديثين الأولين: أما ما رواه مسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً) . قالوا: فالجواب عليه: من جهتين: الجهة الأولى: في ثبوته. الجهة الثانية: في الاستدلال به. أما الجهة الأولى: فإن الحديث قد أعله البخاري بتفرد معمر فعامة الرواة يرونه بلفظ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (2) وتفرد معمر فرواه بهذا اللفظ عن سائر الرواة فيكون اللفظ شاذاً.
لكن وردت متابعة له في سنن أبي داود من حديث سفيان ابن عيينة بلفظة " فصاعداً " لكن الذي يظهر أن هذه المتابعة لا تزيل الحكم عن الشذوذ؛ لأن سائر الرواة سوى سفيان ومعمر رووه باللفظ المتقدم، فتكون المخالفة منهما. ولو قلنا بثبوته، فهنا الجواب الثاني، من جهة الاستدلال به: فإن هذا الحديث نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً) (1) ومعلوم من الأدلة الشرعية والذي عليه أهل العلم أنها تقطع في ربع دينار فالحديث معناه: تقطع اليد في ربع دينار فأكثر. وكذلك هذا الحديث يحمل على هذا الحمل وهو ظاهر في ذلك، فيكون المعنى: لا صلاة مجزية إلا بالفاتحة ومع فاتحة الكتاب آيات أخر. وأما الجواب على حديث أبي سعيد: فإن الأمر فيه يحمل على الإرشاد والاستحباب. والواو هنا إنما تفيد دلالة الاقتران ودلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين، والذي حملنا على ذلك ما تقدم من حديث أبي داود فإن فيه الإجزاء بقراءة فاتحة الكتاب. فالراجح: مذهب عامة العلماء من أن فاتحة الكتاب تجزئ في الصلاة، أما قراءة آيات أخر أو سورة أخرى فذلك مستحب. قال المؤلف: (تكون في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه) المفصل اتفق العلماء على أن نهايته سورة الناس واختلفوا في أوله: فذهب الجمهور: إلى أن أوله سورة الحجرات. وذهب الحنابلة: إلى أن أوله سورة " ق ". …وما ذهب إليه الحنابلة هو الراجح الصحيح، وصححه الحافظ في الفتح.
ويدل عليه: ما ثبت في أبي داود وابن ماجه ومسند أحمد والحديث إسناده حسن كما قال ذلك ابن كثير في فضائل القرآن وهو كما قال: من حديث أوس بن حذافة (1) الثقفي قال: سألت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يحزبون القرآن؟ فقالوا: (ثلاث ثم خمس ثم سبع ثم تسع ثم إحدى عشر ثم ثلاث عشرة ثم المفصل) (2) ويتم العدد المتقدم وهو عدد ثلاث مع خمس مع سبع وتسع وإحدى عشر وثلاث عشر فيتم بما دون سورة " ق " فيكون شروع المفصل بسورة " ق " فهو الحزب السابع من أحزاب القرآن. وسمي مفصلاً لكثرة الفواصل بين سوره ببسم الله الرحمن الرحيم، وذلك لقصرها. فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة من أن أول المفصل سورة " ق "، وطواله إلى النبأ، وأوساطه إلى الضحى، وقصاره إلى الناس. قال: (تكون في الصبح بطواله وفي المغرب بقصاره وفي العشاء بوسطه)
كما ثبت في النسائي بإسناد صحيح (1) . قوله: " فلان " لم يسم وليس عمر بن عبد العزيز؛ لأنه لم يولد إلا بعد وفاة أبي هريرة. سلمان بن يسار قال: كان فلان يطيل الظهر ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسطه وفي الفجر بطواله " فقال أبو هريرة: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا ". هذا هو المستحب في الغالب، وإلا فقد وردت الأدلة الشرعية بخلاف هذا. بل المداومة على ذلك ينبغي القول بعدم استحبابها وأنها خلاف السنة، فقد ثبت في البخاري عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: " ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بطول الطوليين " (2) وهي سورة الأعراف. والطوليان هما سورة الأنعام وسورة الأعراف، والطولى هو أطول السورتين هي سورة الأعراف.
وقد ثبت التصريح بها في سنن أبي داود وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها في المغرب، وفي النسائي أنه يقرأ بها في الركعتين كلتيهما (1) . وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قرأ في المغرب بالطور) (2) وفي الصحيحين أيضاً: (أنه قرأ بالمرسلات) (3) . وفي الطبراني في الكبير بإسناد صحيح: (أنه قرأ بالأنفال) (4) . وفي ابن خزيمة بإسناد صحيح: (أنه قرأ بسورة محمد) (5) والفجر الغالب أن يقرأ فيها بطوال المفصل لكنه ربما قرأ فيها بقصار المفصل؛ فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر في سفر: بـ (قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " (6) وفي أبي داود بإسناد صحيح: أنه قرأ بـ " إذا زلزلت الأرض زلزالها في الركعتين كلتيهما" (7) أي في كل ركعة قرأها.
وفي مسلم: أنه قرأ بـ " إذا الشمس كورت " (1) كما أنه ثبت عنه " أنه قرأ في الروم " (2) كما ثبت في سنن النسائي. قال: (وفي الباقي من أوساطه) في الباقي: في صلاة العشاء وصلاة الظهر والعصر يقرأ بأوساط المفصل
أما صلاة العشاء فتقدم الحديث الوارد فيها (1) ، وأما الظهر والعصر فثبت في أبي داود والترمذي والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر بـ " والسماء ذات البروج " و " والسماء والطارق ") (2) وهما من أوساط المفصل. لكن الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن غالب أمره على هذا، فالظاهر أنها كانت غالب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لها الإطالة، فقد ثبت في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ في الظهر بقدر " الم تنزيل السجدة " وفي رواية " بقدر ثلاثين آية " وفي الأوليين من العصر على النصف من ذلك) (3) . - وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الخرقي وطائفة من أصحابه: وأنه يستحب أن يطول والظهر وأن تكون صلاة العصر على النصف من الركعتين الأوليين من صلاة الظهر. ومما يدل عليه ما ثبت في مسلم قال الراوي: (كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يأت النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطولها) (4) فهذا يدل على أن سنته في الظهر الإطالة.
وفي النسائي: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سمع وهو يقرأ في الظهر بالذاريات) (1) . فالسنة – على الراجح – في الظهر أن تكون طويلة بنحو ما يكون في صلاة الفجر، وصلاة العصر تصلى على النصف من ذلك. وقد تقدم حديث سلمان بن يسار: (كان فلان يطول الظهر ويخفف العصر) ، " قال أبو هريرة ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بالنبي صلى الله عليه وسلم من هذا ". وهنا مسائل في القراءة بعد الفاتحة: اعلم أن المشروع له أن يرتب السور كما وردت في المصحف فيقرأ في الركعة الأولى سورة مقدمة على الركعة الثانية – هذا المستحب جرياً على ترتيب المصحف – الذي جرى عليه الخلفاء الراشدون. المشهور في المذهب كراهية عكس ذلك. وعن الإمام أحمد: أنه لا كراهية في ذلك وهذا هو الأظهر، كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قرأ في قيام الليل بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران) (2) فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يرتب بين السور فدل على جوازه. وثبت في البخاري معلقاً: (أن عمر قرأ في الصبح في الركعة الأولى بالكهف وفي الركعة الثانية بسورة يوسف أو يونس) (3) والشك في الرواية.
وحيثما كان اليقين من الشك هنا فإن السورتين كليهما متقدمة على سورة الكهف. فالأظهر جوازه لكن المستحب أن يرتبها على الترتيب في المصحف. وقد يقال بكراهية المداومة على ذلك، فإن في المداومة على ذلك مخالفة صريحة ظاهرة للترتيب الذي جرى عليه المصحف عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. أما عدم الترتيب بين الآيات، وذلك بأن يقرأ في الركعة الأولى بآيات من آخر السورة وفي الثانية آيات من وسطها أو أولها: فجمهور العلماء على أن ذلك مكروه، وكراهيته أشد من كراهية الأول، لأن ترتيب الآيات ترتيب وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنص. وأما ترتيب السور فإن المشهور عند جمهور العلماء إنه بالاجتهاد أي اجتهاد الصحابة. ثم إنه مظنة تغيير المعاني، فكان ذلك مكروهاً. وعند الإمام أحمد أنه جائز، وهذا القول لا بأس به وهو قول قوي لكن بحيث تثبت من عدم تغيير المعاني وحيث لم يعتد ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] : (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) وهذا ما تيسر سواء قدم أو أخر فلا حرج. أما تنكيس الكلمات في الآية نفسها فهو محرم إجماعاً ومبطل للصلاة، لأنه يخرج عن أن يكون قرآناً حيث نكس، وحيث خرج من أن يكون قرآناً فهو كلام أجنبي عن الصلاة – وحيث كان كلاماً أجنبياً فهو مبطل للصلاة مفسد لها. إذن: هي ثلاث صور: تنكيس الكلمات وهذا محرم وهو مبطل للصلاة. تنكيس الآيات وهذا مكروه عند أكثر الفقهاء وهو مذهب الجمهور، وعن الإمام أحمد عدم كراهيته. تنكيس السور، والمشهور عند الحنابلة والشافعية أنه مكروه والأظهر عدم كراهيته. واعلم أن قراءة شيء من الآيات القرآنية من وسط سور القرآن أو أوله أو آخره لا بأس به ولا حرج. أي يقرأ من وسط سورة وأولها أو آخرها فلا بأس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي سعيد: " ما تيسر " وقراءة شيء من وسط السورة ونحوه مما تيسر.
لكن مداومته كما قال شيخ الإسلام مكروهة، لأنها تتضمن ترك السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. واعلم أنه يجوز للمصلي أن يقرأ بعد الفاتحة بسورتين فأكثر ومما يدل عليه ما ثبت في البخاري: (أن إمام مسجد قباء كان يقرأ قل هو الله أحد " يفتتح بها السورة التي بعد الفاتحة فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إني أحبها فقال: حبك إياها أدخلك الجنة) (1) . وثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم قراءة السورتين في الركعة من حديث ابن مسعود في البخاري (2) ، وكذلك لأنه داخل فيما تيسر من القرآن. كما أنه لا بأس أن يقرأ آية من كتاب الله فإذا قرأ آية بعد الفاتحة فإنه يجزئه ذلك عن السورة التي تقرأ بعد الفاتحة. واعلم أن محل القراءة بعد الفاتحة، فلو سبق بها الفاتحة فإنها لا تجزئه ولا يعتد بها لأنها سنة فُعلت في غير محلها، لكن الفاتحة تجزئه. قال: (ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان) فإذا قرأ بقراءة هي داخلة في المصحف العثماني أجزأته اتفاقاً كأن يقرأ بشيء من القراءات السبع أو العشر أو نحوها من القراءات التي يشملها الرسم العثماني. أما إن قرأ بقراءة لا توافق المصحف العثماني فلا يجزئ عنه هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور كقراءة ابن مسعود: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " (3) فالمشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور أنه لا يجوز أن يقرأ بشيء من القراءات الثابتة بالسند الصحيح لكنها لا تدخل في المصحف العثماني. ودليل هؤلاء: أنها ليست متواترة والمشروع من القراءة أن تكون متواترة.
- والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد والإمام مالك واختاره ابن تيمية وابن القيم: أنه يجزئه ذلك لأنه بثبوته بالسند الصحيح يثبت قرآناً، وقد كان هؤلاء الصحابة الذين ثبتت عنهم قراءات لا تدخل في الرسم العثماني كانوا يقرؤون بها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده وكانت ولا شك تجزئ عنهم. بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على أخذ القرآن عن ابن مسعود وقد ورد عنه مثل هذه الآية التي تخالف ما استقر عليه المصحف عهد عثمان. ومعلوم أن ما استقر عليه المصحف في عهد عثمان ليس حاوياً للمصحف كله بل هو حاوٍ لشيء فيه وضع على هذه الهيئة درءاً للخلاف والفتنة والفرقة في كتاب الله تعالى – وحيث أنه من القرآن لثبوته بالسند الصحيح إلى هذا الصحابي فإنه لا مانع من أن يقرأ به – وهذا هو القول الراجح. وكونه ليس بمتواتر يقال: ليس بشرط هذا فإن كثيراً من أفراد القراءات الواردة عن القراء السبعة ليست بمتواترة، وادعاء أنها متواترة ليس بصحيح، بل إن كثيراً منها ليس بمتواتر وإنما يعود إلى غرابة السند أو عزته أو شهرته وليس كلها متواتر. وإنما القرآن متواتر في مجموعه، وأما آحاد القراءات وأفرادها فإن القول بتواترها مجرد دعوى. فعليه: إذا ثبت بالسند الصحيح إلى الصحابي فإنه يقرأ به وتصح به الصلاة، لكن ينبغي فعل هذا حيث لا تكون هناك فتنة وفرقة. إذن: كل قراءة وافقت المصحف فيجوز القراءة بها في الصلاة اتفاقاً. فإن لم توافق المصحف وصح سندها: فالمشهور في المذهب أن القراءة لا تصح بها (1) . والراجح – وهو رواية عن الإمام أحمد – بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " هي أنصهما " أي أنص الروايتين عن الإمام أحمد هذه الرواية التي فيها أن القراءة التي لا تدخل في المصحف العثماني مع صحة سندها قرآن يقرأ به ويحتج به في الأحكام الشرعية. والحمد لله رب العالمين الدرس الخامس والسبعون
(يوم السبت: 27 / 3 / 1415هـ) قال المصنف رحمه الله: (ثم يركع مكبراً رافعاً يديه ويضعهما على ركبتيه مفرجي الأصابع مستوياً ظهره) قوله: " ثم يركع " لقوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (1) وقال تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (2) ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) (3) في حديث المسيء صلاته، وهو ركن من أركان الصلاة وسيأتي الكلام عليها. " مكبراً " أي بأن يقول: " الله أكبر " وهي تكبيرة الانتقال من ركن القيام إلى ركن الركوع. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يرفع رأسه من المثنى) (4) أي الجلوس أي حين يقوم من الركعتين الأولين في الصلاة الرباعية أو الثلاثية.
فهذا الحديث فيه تكبيرات الانتقال. " رافعاً يديه ": إما حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه. أما كونه يرفعهما حتى يحاذي بهما منكبيه فلحديث ابن عمر المتقدم، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حين يقوم إلى الصلاة وإذا أراد الركوع وبعد ما يرفع رأسه من الركوع) (1) . وأما كونه يرفعها إلى حيال أذنيه فلما روى النسائي بإسناد صحيح إلى مالك بن الحويرث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) (2) . فكما أنه يستحب له ذلك – أي الرفع إلى حذو المنكبين أو فروع الأذنين – في تكبيرة الإحرام، فكذلك يستحب عند الركوع، وعند رفع اليدين. - والمشهور في المذهب: أنه يستحب له أن يرفع يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه، يستحب ذلك مع تكبيرة الانتقال فيكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه. وهو مشكل على مذهبهم من أن تكبيرات الانتقال إنما تشرع عند الانتقال وتنتهي بانتهائه، فإذا كبر للركوع فإنه يشرع بالتكبير وينتهي من التكبير إذا انتهى إلى الركوع وهو قائم يقول: الله أكبر، فيمد التكبير حتى يصل إلى الركوع، فيكون الانتقال قد شمله التكبير، وحينئذ يكون الرفع لليدين فيه إشكال.
- والأظهر أن رفع اليدين والتكبيرة إنما يشرعان قبل الركوع، فيكبر ويرفع يديه ثم يركع، وهو ما دل عليه حديث أبي حميد الساعدى في سنن أبي داود بإسناد صحيح قال: (ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه ثم يركع) (1) وظاهر ذلك أن التكبير والرفع قبل الركوع. فعلى ذلك المشروع أن يكبر رافعاً يديه ثم يركع، فيكونان أي التكبير والرفع قبل الانتقال. (ويضعهما على ركبتيه) لما ثبت في الصحيحين من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: " ركعت فجعلت يدي بين فخذي أو قال بين ركبتي فنهاني أبي وقال: كنا نفعل هذا فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب) (2) .
ويمكنهما من ركبتيه كما في البخاري من حديث أبي حميد الساعدى قال: (ثم ركع فأمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره) (1) أي ثناه. ويكون كالقابض لهما، لما ثبت في سنن أبي داود وعن أبي حميد الساعدى قال: (ثم أمكن يديه من ركبتيه كأنه قابض عليهما) (2) (مفرجي الأصابع) قال أبو حميد – في حديثه المتقدم في أبي داود -: (ثم أمكن يديه من ركبتيه وفرَّج بين أصابعه) (3) . كما أنه يستحب له أن يجافي يديه عن جنبه، كما في حديثه في أبي داود أيضاً بإسناد صحيح وقال: (ووتَّر يديه فجافي عن جنبيه) (4) " ووتر: أي نحاهما. قال: (مسوياً ظهره)
فيكون الظهر مستوياً، وقد تقدم: (ثم هصر ظهره) (1) أي ثناه. وفي أبي داود من حديث المسيء صلاته: (وامدد ظهرك) (2) وفي ابن ماجه بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر) (3) .
ويكون رأسه غير مصوَّب ولا مشخص بل يكون بإزاء ظهره، كما ثبت هذا في حديث عائشة في صحيح مسلم قالت: (فإذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه) (1) . (لم يشخصه) أي لم يرفعه، (لم يصوبه) أي لم يخفضه. كما أن رأسه يكون معتدلاً غير منحرف عن اليمين ولا عن الشمال، ففي أبي داود – من حديث أبي حميد المتقدم -: (ولا صافح بخده) (2) أي قد مال بأحد صفحتي رأسه فظهرت من أحد الجنبين فهذا ليس بمستحب. قال: (ويقول سبحان ربي العظيم) كما ثبت في مسلم من حديث حذيفة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه " سبحان ربي العظيم " وفي سجوده " سبحان ربي الأعلى ") (3) .
ويستحب أن يكون ذلك ثلاثاً وذلك أدناه ن لما روى أبو داود عن ابن مسعود بإسناد منقطع وله شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ركع أحدكم فليقل سبحان ربي العظيم ثلاث مرات وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات وذلك أدناه) (1) . قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم. وهل يستحب له أن يزيد لفظة (وبحمده) ؟ اختلفت الرواية عن الإمام أحمد:
فعن الإمام احمد: كراهية ذلك لأنها لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند مقبول، وإنما رواها أبو داود في سننه من حديث عقبة بن عامر (1) ، ثم قال أبو داود: " لكن يخاف ألا تكون محفوظة " وفيها رجل لم يسم، وعامة ما ورد من الشواهد لها فهي معللة فلا يصح لها شاهداً. وعن الإمام أحمد: أنه لا بأس بها واختارها المجد بن تيمية ويشهد لذلك ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) (2) .
لكن الأظهر القول الأول، لأنها وإن ثبتت بهذا الحديث المتفق عليه، فإنها لا تثبت مع اللفظ الأول وهو لفظ " سبحان ربي العظيم ". لكن مع ذلك فإن كراهيتها محل نظر، والأولى تركها لكن إن فعلها فلا بأس بذلك والعلم عند الله تعالى. ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في ركوعه وسجوده: ما ثبت في صحيح مسلم: أنه كان يقول في ركوعه وسجوده (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) (1) وتقدم الحديث المتفق عليه: (وأنه يكثر القول في ركوعه وسجوده " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) (2) وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ركع: (اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي) (3) فهذا مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الباب. إذن: أدنى الكمال أن يقول: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى ثلاثاً. واختلفت في أتم الكمال:
فاحتمل الموفق أن يكون ذلك عشر تسبيحات لما روى أبو داود في سننه عن أنس قال: (ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى – يعني عمر بن عبد العزيز – قال فحرزنا سجوده بعشر تسبيحات وركوعه بعشر تسبيحات) (1) لكن الحديث في إسناده جهالة. كما أن هذا الركوع الطويل الذي حرز بعشر تسبيحات ليس هناك ما يدل على أنه كان يقول " سبحان ربي العظيم: عشراً، فيحتمل أن يكون قد قال غيره مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هذا الاحتمال هو قوي لو صح الحديث في مقدار الركوع وهو أن يكون مقدراً بعشر تسبيحات، أما أن يكون لتقدير عدد التسبيحات فهذا محل نظر لما تقدم. وقال القاضي من الحنابلة: إن كان منفرداً فبحيث لا يسهو. وينبغي – كذلك – أن يقال: ولا يمل، لأن الملل في العبادة غير مشروع، وإن كان إماماً فحيث لا يشق على المأمومين – وهذا ضابط حسن تدل عليه الأحاديث. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل في ركوعه لكنا لا نجزم أن ذلك بلفظة " سبحان ربي العظيم " فحسب بل كان – فيما يظهر – يقول غيره مما ورد عنه.
وفي الصحيحين من حديث البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان قيامه فركوعه فسجوده فجلسته بين السجدتين فجلسته للتشهد قريباً من السواء) (1) أي معتدلة متقاربة وليس المراد أنها بدرجة واحدة في الطول، وإنما المراد أنها متناسبة في الطول، فإذا أطال القيام أطال الركوع والسجود وغيره، وإذا خففه خففها فتكون الصلاة معتدلة. وسيأتي الكلام على القدر المجزئ من الألفاظ في الركوع وفي القدر المجزئ من الركوع في الكلام على أركان الصلاة وواجباتها. والحمد لله رب العالمين. الدرس السادس والسبعون (يوم الأحد: 28 / 3 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ثم يرفع رأسه ويديه قائلاً) يرفع رأسه من الركوع، ويرفع يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه، وتقدم دليل ذلك من حديث ابن عمر وكذلك من حديث مالك بن الحويرث وغيرهما. وهنا متى يرفع يديه حذو منكبيه هل عند شروعه بالرفع من الركوع أم عندما يستوي قائماً؟ فيه تفصيل على المذهب: - أما الإمام والمنفرد فيكون ذلك عند الاستواء بالقيام فإذا استويا قائمين شرع رفع اليدين.
ودليل ذلك: حديث ابن عمر المتقدم وفيه: (ثم رفع يديه بعدما رفع رأسه) (1) الحديث متفق عليه. - أما المأموم فقالوا: يرفع يديه أثناء رفع صلبه، فإذا شرع في رفع صلبه رفع يديه حتى يستوي قائماً قالوا: لأن المأموم لا يشرع في حقه ذكر بعد الاستواء قائماً، فعلى المشهور من المذهب يقول: " ربنا ولك الحمد " إذا شرع بالرفع فينتهي منها إذا استوى قائماً فلا يشرع له حينئذ أن يقول ذكراً بعد رفع رأسه وحينئذ يقارن بين رفع اليدين والذكر. والراجح: أن المأموم إنما يقول: ربنا ولك الحمد إذا استوى قائماً كالمنفرد والإمام، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة المتقدم وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (وهو قائم ربنا ولك الحمد) (2) وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3) فيدخل في ذلك المأموم ولا دليل يدل على تخصيصه.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم – في المتفق عليه – وهو دليل الحنابلة قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به … فإذا قال: " سمع الله لمن حمده " فقولوا: " ربنا ولك الحمد ") (1) فليس في هذا ما يدل على أنه يقول ذلك أثناء رفعه، وإنما فيه أنه يقول: " ربنا ولك الحمد " بعد قول إمامه: " سمع الله لمن حمده ". والأدلة الشرعية في الصلاة تدل على أن كل ركن من أركان الصلاة يشرع له ذكر وارد، والرفع من الركوع أسوة غيره من الأركان فيشرع فيه ما يشرع في غيره من قول: " ربنا ولك الحمد ". إذن: هنا مسألتان: أحدهما تترتب على الأخرى: الأولى: هل يقول المأموم ربنا ولك الحمد عند شروعه في رفع صلبه إلى أن يستوي قائماً أم يقوله بعد استوائه قائماً؟ قولان: أصحهما أنه يقول ذلك بعد استوائه قائماً. الثانية: متى يرفع المأموم يديه هل يرفعهما إذا رفع رأسه من الركوع إلى أن يستوي قائماً أو بعد الاستواء قائماً؟ قولان لأهل العلم: وقد استدل القائلون بأنه يقولهما بعد رفع رأسه من الركوع بأنه يقول: " ربنا ولك الحمد " فكانا مقترنين، والجواب على ذلك من جهتين: الجهة الأولى: أن يقال: إن الراجح والذي دلت عليه الأدلة أنه إنما يقول: " ربنا ولك الحمد " عند رفع رأسه واستوائه قائماً. الوجه الثانية: أن يقال: لا تلازم بين الأمرين، فلو ثبت أنه يقول: " ربنا ولك الحمد " أثناء رفع رأسه، فلا تلازم بينه وبين رفع اليدين، وقد دل الدليل على أن رفع اليدين إنما يكون بعد الرفع من الركوع في الحديث المتقدم وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . فالراجح أن المأموم كالإمام يرفع يديه إذا استوى قائماً. قال: (قائلاً إمام ومنفرد سمع الله لمن حمده)
أي استجاب الله تعالى حَمْد من حَمِدَه بأن يجازيه على الحمد ويثنيه عليه وهذه اللفظة " سمع الله لمن حمده " يقولها الإمام والمنفرد دون المأموم – هذا هو المشهور في المذهب –. واستدلوا بالحديث المتقدم وهو ما اتفق عليه الشيخان من قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) (1) قالوا: والفاء تفيد التعقيب أي يقول المأموم ذلك عقب قول إمامه " سمع الله لمن حمده " وعليه فلا يشرع أن يقول: سمع الله لمن حمده، لأنه إذا قال ذلك فلم يقلها عقيب قول إمامه، وهو مذهب الجمهور. - وذهب الشافعية وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة: أن المأموم يقول ذلك ويشرع له. واستدلوا: بأدلة منها: ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (2) فهذا العموم شامل للمأموم كما هو شامل للأئمة والمنفردين (3) . واستدلوا: بحديث المسيء صلاته في رواية أبي داود وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] : (إنه لا تتم صلاة لأحدٍ من الناس) الحديث وفيه: (ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً) (4) . وفي هذا الحديث فائدة: وهي أن لفظة " سمع الله لمن حمده " تقال عند رفع الصلب من الركوع إلى أن يستوي قائماً. قالوا: فهذا الحديث عام في المنفرد والإمام والمأموم.
وأجابوا عن الحديث المتقدم وهو ما استدل به الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) إنما ورد هذا في بيان عدم مشروعية قوله: " ربنا ولك الحمد " من المأموم إلا بعد قول الإمام: " سمع الله لمن حمده " وليس فيه أنه لا يقول: سمع الله لمن حمده. ونحن قلنا: إن المأموم يشرع له أن يقول: " ربنا ولك الحمد " وهو قائم كما دلت عليه الأدلة الشرعية. فعليه إذا رفع المأموم صلبه من الركوع حتى يستوي قائماً فقال: " سمع الله لمن حمده " فإن هذا لا يؤثر لثبوت الانفصال فإن الانفصال ثابت سواء سكت أو تلفظ، فسكوته أو تكلمه لا يؤثر في كونه قد قال: " ربنا ولك الحمد " بعد قوله " سمع الله لمن حمده "، فإن الانفصال ثابت في السكوت وعليه فما فائدة قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث؟ والجواب أن يقال: إن فائدته تعليم المأمومين ألا يقول: " ربنا ولك الحمد " إلا بعد قول الإمام " سمع الله لمن حمده " وذلك لثبوت الفصل في ذلك، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له) (1) . فهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين) (2) ليوافق التأمين تأمين الملائكة ليغفر الله [لهم] (3) ، وليس فيه أن المأمومين لا يقرؤون بفاتحة الكتاب وقد دلت الأدلة الشرعية على وجوب ذلك.
والأقوى والأقرب ما ذهب إليه الشافعية وهو الأحوط والعلم عند الله تعالى. قال: (سمع الله لمن حمده، وبعد قيامهما: ربنا ولك الحمد) قيامهما: أي قيام الإمام والمنفرد. " ربنا ولك الحمد " بحذف " اللهم " وزيادة الواو وهي صفة من صفات أربع ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح. الصفة الأولى: ربنا لك الحمد (1) بحذف الواو، و " اللهم ". الصفة الثانية: ربنا ولك الحمد (2) : بحذف " اللهم " وإثبات الواو. الصفة الثالثة والرابعة بزيادة " اللهم وبحذف الواو وبإثباتها " اللهم ربنا لك الحمد " (3) " اللهم ربنا ولك الحمد " (4) هذه صفات واردة رواها البخاري في صحيحه وروى بعضها مسلم. فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض – وفي رواية في مسلم (ملء السموات وملء الأرض) ، وفي رواية (وما بينهما) - وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد " (5) يقول الإمام والمنفرد هذا التحميد الوارد بعد قيامهما من الركوع بعد أن يستويا قائمين. قال: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد، فقط) . هنا مسألتان: 1- المسألة الأولى: أنه يقول ذلك أثناء الرفع قبل أن يستوي قائماً.
والراجح أنه يقوله: بعد أن يستوي قائماً لما تقدم وهو مذهب الشافعية. ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد " وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (1) ، واستثناء المأموم من هذا العموم الشامل له يحتاج إلى دليل ولا دليل. 2- المسألة الثانية: أنه لا يزيد على لفظة " ربنا ولك الحمد " وهو رواية عن الإمام أحمد. واستدلوا بما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) (2) فأمر المأمومين بأن يقولوا: ربنا ولك الحمد، وظاهره أن المشروع لهم ذلك وأن الزيادة ليس بمشروعة. - وعن الإمام أحمد وهو اختيار طائفة من أصحابه كالمجد بن تيمية وهو اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب الشافعية: أن المأموم كالإمام والمنفرد، يزيد ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم استحباباً قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وكان يزيد ما تقدم. وأما الحديث الذي استدللتم به فإنه لم يسق لبيان ما يقول الإمام ولا ما يقول المأموم، بدليل أن هذا الحديث فيه قول الإمام: سمع الله لمن حمده، وليس فيه زيادة على ذلك، وكذلك قوله: (ربنا ولك الحمد) فإنما سيق ذلك لبيان أن المأموم لا يشرع له التلفظ بلفظة " ربنا ولك الحمد " إلا عقب قول إمامه: " سمع الله لمن حمده " وليس فيه أنه لا يشرع له الزيادة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم – هذا هو الراجح -. إذن: الإمام والمأموم والمنفرد في حكم واحد في عامة مسائل هذا الباب، في لفظة (سمع الله لمن حمده) ، وفي الزيادة على لفظة " ربنا ولك الحمد " على الأظهر، وفي وقت الرفع وأن يكون ذلك بعد أن ينتصبوا قائمين، وغيرها. وهنا مسألة: صفة وضع اليدين، هل يضع اليد اليمنى على اليسرى أم يرسلهما أم هو مخير؟ ثلاثة أقوال:
نص الإمام أحمد: على أنه يخير بين الإرسال وبين الوضع، وكأنه تردد في إدخال القيام المشروع بعد (1) الركوع في القيام المشروع قبله، لهذا التردد قال بالتخيير. وهو مذهب الأحناف: أنه يرسلهما، وهو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد. أنه يستحب له أن يضع اليمنى على اليسرى كوضعها قبل الركوع، وهو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد. واستدل أهل القول الثاني: بأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في هذا الباب، حيث لم يثبت فلا يشرع فعليه أن يرسلهما ويبقيهما على طبيعتهما فإن الأصل في طبيعتها الإرسال، ولما لم يرد الوضع فإنا نبقى على الإرسال ويكون هو المشروع وغيره بدعة. أما دليل أهل القول الثالث - وهو مذهب طائفة من أصحاب أحمد: وهو أرجحها - دليله عمومات الأحاديث ومنها حديث سعد بن أبي وقاص: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (2) رواه البخاري. وهذه صفة خشوع وتذلل وخضوع لله تعالى، وهذا عام في الصلاة كلها إلا ما استثني من جلوس للتشهد ومن سجود ونحو ذلك، أما الرفع من الركوع والقيام بعده فلا دليل على استثنائه فيبقى في العموم. وأوضح منه الحديث الذي تقدم وهو حديث وائل بن حجر في سنن النسائي بإسناد صحيح أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله) (3) وهذا عام في كل قيام فيدخل في ذلك القيام بعد الركوع.
ثم إن هذا من باب إلحاق النظير نظيره، فإن القيام بعد الركوع شبيه ونظير للقيام قبله، فكلاهما قيام في الصلاة، وهذه صفة فيها خشوع وخضوع وتذلل لله عز وجل فهي أولى من الإرسال. إذن: الراجح أنه يضع يده اليمنى على اليسرى كوضعها في الصفات المتقدمة كوضعها قبل الركوع. والحمد لله رب العالمين. الدرس السابع والسبعون (يوم الاثنين: 29 / 3 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ثم يخر مكبراً ساجداً على سبعة أعضاء) " يخر ": خر: أي سقط وانكب. " مكبراً " أي قائلاً الله أكبر، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وفيه: (ثم يكبر حين يهوى ساجداً) (1) فمن تكبيرات الانتقال التكبير عند الانتقال من القيام بعد الركوع إلى السجود وهو مشروع بينهما، فيبدأ بالتكبير عند انخفاضه وينتهي عند انتهائه. ولم يذكر المؤلف هنا: رفع اليدين؛ لأن المشهور في المذهب عدم مشروعية ذلك، وأنه لا يشرع الرفع عند السجود والرفع منه. ودليله: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وفيه: (ولا يفعل ذلك في السجود) وفي رواية مسلم: (ولا يرفع يديه إذا سجد ولا إذا رفع رأسه من السجود) (2) .
- الإمام أحمد وهو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين: أنه يشرع له الرفع، وأنه يشرع رفع اليدين في كل خفض ورفع. وهذا القول هو الراجح ويدل عليه حديث مالك بن الحويرث في النسائي بإسناد صحيح وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) (1) . والمثبت مقدم على النافي، فحديث ابن عمر ليس فيه إلا النفي وغاية ما عند النافي عدم بلوغ علمه ما نفاه فإذا أتى ما يثبت ذلك فإن هذا المثبت حجة عليه؛ لأنه حفظ ما لم يحفظ وعلم ما لم يعلم. إلا أن رواية ابن عمر وهو المتابع للنبي صلى الله عليه وسلم والحافظ لحديثه تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك ذلك أحياناً فعلى ذلك ينبغي أن يكون ذلك مستحباً أحياناً. فعدم رواية ابن عمر وعدم إحصائه هذا الفعل عند السجود والرفع منه يدل على أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلوات كثيرة لم يفعل فيها هذا الرفع، وهذا يدل على أنه لم يكن يداوم على ذلك. فالراجح: أنه يستحب أن يرفع يديه إذا سجد ورفع رأسه أحياناً. قال: (ساجداً على سبعة أعضاء رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهة مع أنفه) في هذه الجملة مسألتان: المسألة الأولى: فرضية السجود على سبعة أعظم وهي: الجبهة والأنف وهما عضو واحد، واليدان وهما عظمان (2) ، والركبتان وهما عظمان وأطراف القدمين وهما عظمان.
لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن اسجد على سبعة أعظم الجبهة وأشار إلى أنفه) (1) - وفي رواية النسائي: (الجبهة والأنف) (2) – واليدين، وفي رواية مسلم: (والكفين) والركبتين وأطراف القدمين) . المسألة الثانية: هي في قوله: (رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته) . هنا ما ذكره من الترتيب هو الترتيب الطبيعي فالرجلان ثابتتان ثم بعد ذلك الركبتين ثم اليدين ثم الجبهة والأنف هذا هو الذي يقتضيه الهوي والخرور. لكن السنة قد دلت على أن اليدين مقدمان على الركبتين، وهو مذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد. وفي هذه المسألة قولان لأهل العلم: القول الأول، وهو مذهب عامة الفقهاء من الحنابلة وغيرهم: أن المستحب أن يقدم الركبتين على اليدين. واستدلوا: بما رواه أبو داود عن وائل بن حجر وقال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه) (3)
وبما رواه ابن خزيمة من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: (كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين) (1) أما أهل القول الثاني، وهو مذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد وهو مذهب أكثر أهل الحديث: إلى استحباب تقديم اليدين على الركبتين، واستدلوا بدليلين:
1- الأول: ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه) (1) قالوا: ركبة البعير، وركبة كل ذي أربع في يديها، ومعلوم أن البعير إذا سجد، سجد في مقدمه ثم بعد ذلك لحقه المؤخر والركبتان في مقدمه كما نص على ذلك صاحب لسان العرب وغيره. وقد روى البخاري في صحيحه في قصة سراقة بن مالك وفيه قال: (فساخت يد الفرس في الأرض حتى بلغتا الركبتين) (2) فهذا يدل على أن ركبة الفرس وهكذا ذوات الأربع أنها في اليدين، فالبعير ركبتاه في يديه ولا يصح إنكار ابن القيم لذلك في الزاد فإن هذا الإنكار يخالفه ما ثبت في لغة العرب. ومعلوم أن البعير يخر على ركبته، فنهي المصلي عن ذلك، وزاد ذلك وضوحاً بقوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه) وهذا الحديث إسناده صحيح ورواته كلهم ثقات وسنده متصل.
والثاني: ما رواه ابن خزيمة عن ابن عمر: (أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ويقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك) (1) وروى ذلك البخاري في صحيحه معلقاً القسم الموقوف فيه: (أن ابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه) (2) ومعلوم أن ابن عمر كان من أتبع الناس للنبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يغلو في نظر بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فكانوا ينكرون عليه، فكان في غاية الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهنا كما هو معلق فقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا القول هو القول الراجح. وأما ما استدل به أهل القول الأول: فأما حديث أبي داود ففيه شريك بن عبد الله وهو ضعيف إذا تفرد وقد خالف هنا فقد خالف همام وهمام قد رواه مرسلاً، فكان فيه تفرد ومخالفة لذا ضعفه البخاري والبيهقي والدراقطني، فإسناد الحديث ضعيف. أما الحديث الثاني ففيه إسماعيل بن يحيى وهو متروك. والصحيح ما تقدم في الحديث المتفق عليه في التطبيق. فالصواب أن هذا وهم وخطأ بل نكارة لأن الصحيح المشهور هو نسخ التطبيق. ومن هنا فالراجح مذهب أهل القول الثاني (3)
وتقدم من ذهب إليه، وقال الأوزعي فيما رواه المروزي عنه: (أدركت الناس وهم يضعون أيديهم قبل ركبهم) (1) وإسناده صحيح. (والجبهة والأنف) للحديث المتقدم في قوله: (والجبهة وأشار إلى أنفه) ففرض في السجود أن يسجد المصلي على الجبهة والأنف جميعاً لصحة الحديث الوارد في هذا: وهو أصح الوجهين في المذهب وهو أشهرهما. قال: (ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده) فلو سجد وبينه وبين الأرض حائل سواء كان متصلاً أو منفصلاً أي متصل بالمصلي كأن يضع طرف ثوبه فيصلي عليه، أو منفصلاً كأن يأتي بشيء آخر من سجادة ونحوها. ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف ثوبه من شدة الحر في مكان السجود) (2) . وروى البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما بإسناد صحيح عن الحسن البصري قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل على قلنسوته وعمامته) (3) لكن استثنى من ذلك (ليس من أعضاء سجوده) : فإذا وضع يديه ثم سجد عليها فلا يصح ذلك. قالوا: لأن هذا الفعل يداخل أعضاء الساجد، فالشارع قد أمره بالسجود على هذه الأعظم السبعة وحيث جعل بعضها فوق بعض فإن ذلك تداخل فيما بينها ويجعلها متفرقة كما أمر الشارع فهو قد أمر بها متفرقة وكل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد.
* اعلم أن المشهور في المذهب: أنه يسجد ببعض عضوه فإذا وضع أطراف الأصابع في السجود أجزأه ذلك وإن رفع راحتيه. وذهب بعض الحنابلة كابن حامد وهو من كبار أصحاب الإمام أحمد: إلى أنه لا يجزئه ذلك – وهذا هو الراجح – لظاهر الحديث، فإن في الحديث: (واليدين) وفي رواية: (والكفين) وحيث سجد على أطراف الأصابع فإنه لم يسجد على الكفين، وإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر فيجب أن يفعل كله لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1) فيدل على أنهم إذا استطاعوا أن يأتوا به كله فلا يجزئهم سوى ذلك. وهنا أمره - صلى الله عليه وسلم – السجود على الأعضاء السبعة بتمامها وكمالها فلا يجزئه سوى ذلك. فالراجح أنه لا يجزئه أن يسجد على بعض عضوه بل لابد أن يسجد على العضو كله. قال: (ويجافي عضديه)
أي يجافي عضديه عن جنبيه، لما روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجافي عضديه عن جنبيه) (1) وثبت في الصحيحين من حديث ابن بحينة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى فسجد فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه) (2) حتى قالت ميمونة – كما في مسلم -: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت) (3) البهمة: صغار المعز. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجافي عضديه عن جنبيه. ويستحب له أن يرفع مرفقيه ففي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك) (4) . قال: (وبطنه عن فخذيه)
يستحب أن يجافي بطنه عن فخذيه، وفخذاه عن ساقيه فقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان إذا سجد فرَّج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) (1) وفي النسائي وأبي داود بإسناد صحيح عن البراء قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد جخَّ) (2) أي نحى وهي تنحية عامة، فينحي البطن عن الفخذين والفخذين عن الساقين. قال: (ويفرق ركبته) للحديث المتقدم حديث أبي حميد الساعدى وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا سجد فرَّج بين فخذيه) (3) ومقتضاه التفريج بين الركبتين أيضاً. ويستحب له في قدميه أن يضمهما وأن يتوجه بأطراف أصابعه إلى القبلة وأن يرص القدمين بعضهما إلى بعض.
يدل على مسألة نصب القدمين: ما ثبت في الترمذي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن نضع اليدين وننصب القدمين) (1) أي العقبان إلى أعلى وأطراف القدمين إلى أسفل. وأما استقبال القبلة في الأصابع: فلِما ثبت في البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل بأطراف أصابعه القبلة) (2) . ويستحب أن يفرج بين أصابعه، لما ثبت في الترمذي: (وفتح أصابع رجليه) (3) . وأما رص القدمين بعضهما ببعض فثبت هذا في ابن خزيمة بإسناد صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رص بين قدميه) (4) .
وأما الكفان فيستحب أن يكونا حيال المنكبين أو يكونا حيال الأذنين أو الوجه، فهنا صفتان: الأولى: أن تكون الكفان حذو المنكبين ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود بإسناد صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع كفيه حذو منكبيه) (1) . الثانية: أن يكون حذو أذنيه، فدليله ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع كفيه حذو أذنيه) (2) وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا سجد سجد بين كفيه) (3) أي جعل وجهه بين كفيه أي قريباً من حيال الأذنين.
ويستحب أن يضم أصابعه ويستقبل بهما القبلة كما ثبت ذلك في البيهقي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم (ضم أصابعه واستقبل بأطرافهما القبلة) (1) قال: (ويقول: سبحان ربي الأعلى) تقدم الكلام على هذا، وذكر الأدلة عليها وذكر ما يستحب ذكره في السجود – في الكلام على لفظة: (سبحان ربي العظيم في الركوع) والحمد لله رب العالمين. الدرس الثامن والسبعون (الثلاثاء: 1 / 4 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يرفع رأسه مكبراً) أي يرفع رأسه من السجود إلى الجلسة بين السجدتين. " مكبراً ": أي قائلاً: " الله أكبر " لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة المتقدم وفيه: (ثم يكبر حين يهوي ساجداً ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود) (2) .
وهي – أي الجلسة بين السجدتين – ركن من أركان الصلاة وفي حديث المسيء صلاته المتفق عليه: (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) (1) . وقد تقدم مشروعية رفع اليدين إلى المنكبين أو فروع الأذنين أحياناً. قال: (ويجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه) أي يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى، وهذه هيئة الجلوس بين السجدتين. لما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة وفيه: (وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى) (2)
وقد ثبت في أبي داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي في قصة صلاته صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها حتى رجع كل عضو موضعه ثم هوى ساجداً) (1) وفيه أنه اطمأن في جلسته. ويستحب أن يستقبل بأطراف أصابع رجليه اليمنى – وهي المنصوبة – أن يستقبل بها القبلة كما صح ذلك في سنن النسائي بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (استقبل بأطراف أصابعه القبلة) (2) يعني في الجلسة بين السجدتين كما هو ظاهر الرواية. ويضع يديه على فخذيه كما سيأتي في الكلام على وضع اليدين في التشهد، ومثله الجلوس بين السجدتين. ولا يستحب أن يشير بأصبعه – في الجلسة بين السجدتين – خلافاً لابن القيم، حيث ساق في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة في الجلسة بين السجدتين، ولا دليل على ذلك، وأما ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (3) فإنها رواية شاذة عند أهل العلم، ولم أر أحداً من أهل العلم ذكرها سوى ابن القيم. قال: (ويقول: رب اغفر لي)
لما ثبت في سنن النسائي: بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) (1) أي يكررها ما شاء الله، فالمستحب هذا اللفظ " رب اغفر لي " وهو كالمستحب في " سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى " الواجب مرة، وأدنى الكمال ثلاثاً، والمستحب أن يكررها ما شاء بقدر جلوسه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم: (يطيل الجلسة بين السجدتين حتى يقال: قد نسي) يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (لا آلُ (2) أصلي بكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فكان – أي أنس – إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد نسي أو وهم وبين السجدتين حتى يقول القائل: قد وهم أو نسي) (3) في رواية " نسي " وفي رواية أخرى " وهم ".
ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم – من الأذكار في هذا الموضع ما رواه الأربعة إلا النسائي – وهذا لفظ أبي داود – أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقول بين السجدتين " رب اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني ") (1) وفي رواية الترمذي: (واجبرني) (2) في موضع (عافني) وزاد ابن ماجه لفظة (وارفعني) (3) – والحديث إسناده حسن. وحسن أن يجمع بينهما – أي هذه الألفاظ – لثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذان الحديثان الوارد فيهما من باب الدعاء، ومنه يستفاد أن هذا الموضع موضع دعاء، وحيث كان موضع دعاء وحيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الجلوس حتى يقال قد نسي فإن فيه: أنه لا بأس أن يزيد من الأدعية ما شاء من غير أن يتخذ شيئاً من الألفاظ سنة مستحبة في هذا الموضع. قال: (ويسجد الثانية كالأولى) أي يسجد السجدة الثانية كهيئة السجدة الأولى فيستحب فيها ما يستحب في الأولى وما يجب من الأقوال والأفعال. قال: (ثم يرفع مكبراً) أي قائلاً: " الله أكبر " وقد تقدم هذا في حديث أبي هريرة. قال: (ناهضاً على صدور قدميه معتمداً على ركبته إن سهل) فيها مسائل: المسألة الأولى: هل يستحب له أن يجلس جلسة الاستراحة بعد الركعة الأولى أو الثالثة أم لا؟ على قولين: 1- القول الأول: وهو مذهب أكثر الفقهاء من الحنابلة وغيرهم: أنه لا يستحب له ذلك لذا لم يذكرها المؤلف. واستدلوا:
بأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة لم تذكر هذه الجلسة. 2- القول الثاني: وهو مذهب الشافعية ورواية عن الإمام أحمد اختارها الخلال من أصحابه وذكر أن الإمام أحمد قد رجع إلى القول بها، وهو مذهب أهل الحديث: وأنه تستحب هذه الجلسة. واستدلوا بحديثين ثابتين: الحديث الأول: حديث مالك بن الحويرث في البخاري قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً) (1) الحديث الثاني: ما ثبت في سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي، وقد قاله بمحضر عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أبو قتاده وقالوا له – لما ذكر صفة الصلاة – من جملتها جلسة الاستراحة قالوا له: (صدقت هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي) وفيه: (ثم ثنى رجليه وجلس حتى رجع كل عضو موضعه ثم نهض) (2) . قالوا: فهذان الحديثان فيهما إثبات جلسة الاستراحة. أما حديث أبي حميد: فإنه قد أقره على ذلك عشرة من الصحابة منهم أبو قتادة.
وأما حديث مالك بن الحويرث: فإن راويه – وهو مالك بن الحويرث – هو راوي أصل هذا الباب، وهو حديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (1) وقد ذكر فيه جلسة الاستراحة وهذا هو القول الراجح (2)
أما ما ذكره أهل القول الأول: من أن هذه السنة لم تثبت إلا في هذين الحديثين. فالجواب: أن هذا في الحقيقة كاف في إثباتها ولا يشترط أن يروي من غير هذين الحديثين بل لو ثبتت السنة في حديث واحد لكانت سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. - وقيل وهو اختيار الموفق: يستحب لمن ضعف وكبر. وعليه حمل الحديثان المتقدمان بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلهما على كبر. لكن هذا وإن كان قد يكون واقعاً – فإن مالكاً راوي هذا الحديث قد يكون رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقد كبر، لكن هذا لا يعني أنه لا يستحب لغيره. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له: (صلوا كما رأيتموني أصلي) لم يستثن من ذلك شيئاً، وكانوا قد رأوه وقد جلس جلسة الاستراحة، فلو لم تكن مستحبة لاستثناها النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أبي حميد حديث مطلق ليس فيه ما يدل على أنه فعله حين الكبر. كما أن إقرار هؤلاء العشرة وسكوتهم عن روايته وعدم اعتراض أحد منهم على ذلك بأنه قد فعلها حين الكبر، فسكوتهم يدل على أن ذلك سنة مستحبة مطلقاً. إذن: الراجح سنية جلسة الاستراحة. ويستحب أن يطمئن بها كما تقدم في حديث أبي حميد الساعدي: (ثم جلس حتى رجع كل عضو) وهي جلسة لطيفة لم يرد فيها ذكر. مسألة: على القول باستحباب هذه الجلسة متى يكون التكبير؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم هي ثلاثة أوجه في مذهب الشافعية: الأول: أنه يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس ثم ينهض بلا تكبير. الثاني: أنه لا يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس ثم يكبر وينهض. الثالث: أنه يكبر إذا رفع رأسه ويمد تكبيره حتى يجلس ثم ينهض. وهذا أصحها عند الشافعية وهو المشهور عندهم. والراجح عدم استحباب ذلك لأن هذه الصفة لو كانت ثابتة لنقلت إلينا لاختلاف الصفة عن غيرها من التكبيرات. ثم إن هذه الجلسة إنما شرعت لإعطاء البدن شيئاً من الراحة وحيث كان على هذه الهيئة فإنه ينافي هذا.
وأصحها أنه يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس وينهض بلا تكبير، والذي يدل عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رآه من رآه ممن حكى لنا هذا، ولو كان يكبر عن إرادة النهوض لما رويت لنا لعد رؤيتها، وهذا يضعف القول بأنه يكبر عند النهوض. وقد تقدم تضعيف القول بمد التكبير بحيث يكون شاملاً للرفع والجلسة والنهوض. فيبقى أصح الأقوال أنه يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس وينهض بلا تكبير ويؤيده قول أبي هريرة – في الحديث المتقدم -: (ثم يكبر حتى يرفع رأسه) وهذا إنما يصدق على فعله بعد الرفع مباشرة. وهذا القول هو قول في مذهب الحنابلة. وقد اختار بعضهم الرواية الأخرى عن الإمام أحمد ورتبوا عليها ذلك كما ذكر الموفق في المغني. المسألة الثانية: أنه يقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبته. أما قيامه على صدور قدميه، فلما روى الترمذي من حديث خالد بن إلياس وهو متروك الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان إذا نهض ينهض على صدور قدميه) (1) وإسناده ضعيف جداً. واستدلوا على استحباب اعتماده بيديه على ركبتيه أو فخذيه: بحديث وائل بن حجر في سنن أبي داود: قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهض ينهض على ركبته واعتمد بيديه على فخذيه) (2)
واستدلوا: بما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة) (1) . - وذهب المالكية والشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن المستحب له أن ينهض معتمداً على يديه. فإذا جلس للاستراحة أو قام من التشهد الأول فإنه يعتمد على الأرض بيديه. واستدلوا: بما ثبت في البخاري من حديث مالك بن الحويرث وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا رفع من السجدة الثانية جلس واعتمد بيديه على الأرض ثم قام) (2) وأما الحديثان اللذان استدللتم بهما: فالأول: ضعيف؛ لأن فيه انقطاعاً بين عبد الجبار بن وائل وبين أبيه فإنه لم يدرك أباه. وأما الثاني: فإن مداره على عبد الرزاق صاحب المصنف، وقد رواه الثقات كالإمام أحمد وغيره عنه بلفظ: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة) (3) وأخطأ بعض الرواة فرواه باللفظ المتقدم.
إذن الراجح أن المستحب له أن يعتمد بيديه على الأرض فيقوم (1)
قال: (إن سهل) : تقدم أنه يقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبته، يفعل هذا إن سهل. فإن كان فيه مشقة فإنه يعتمد على يديه دفعاً للمشقة. وقد أجابوا عن حديث مالك بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك لكونه كبر وثقل فكان يعتمد على يديه، وقد تقدم الجواب عن نحو هذا. قال: (ويصلي الثانية كذلك) فيصلي الركعة الثانية كصلاته الركعة الأولى. قال: (ما عدا التحريمة) فإنها تشرع في أول الصلاة. قال: (والاستفتاح) لحديث أبي هريرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام إلى الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت) (1) أي لم يسكت للاستفتاح. قال: (والتعوذ) فإنه يسقط على المشهور في المذهب. وتقدم أن الراجح أنه يتعوذ كل ركعة للقراءة. قال: (وتجديد النية) فإن النية في أول الصلاة شاملة، لأولها ووسطها وآخرها فلا يحتاج إلى تجديد النية فيه. وقد ثبت في الصحيحين في حديث المسيء صلاته وفيه أنه أمره بقراءة ما تيسر من القرآن ونحو ذلك وفيه: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (2) فيفعل ما ذكر من الواجبات والأركان في الثانية كما فعله في الأولى.
ثبت في مسلم جلسة الإقعاء وهي أن ينصب قدميه ويقعد عليهما وهي صفة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها ابن عباس: (سنة نبيكم) (1) . مسألة: إذا كان الإمام لا يجلس جلسة الاستراحة فهل يجلسها المأموم أم لا؟ الجواب: إن جلسها فلا بأس؛ لأنها سنة مستحبة وإن لم يجلسها فهو أولى، قال شيخ الإسلام: " وهذا الأقوى؛ لأن متابعة الإمام أولى من التخلف لفعل مستحب " (2) .
هذه المسألة لها صور، كأن يتخلف المأموم عن السلام بعد سلام إمامه بدعاء أو نحوه أو يتخلف عن القيام معه لاشتغاله بذكر أو نحوه فالأولى متابعة الإمام وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فإذا كبر فكبروا ….) (1) وظاهره الإسراع والمبادرة بفعله بمجرد ما يفعله الإمام. إذن: إن فعل ذلك فلا بأس؛ لأن هذا شيء يسير لا يخل بالمتابعة، لكن إن تركها متابعة للإمام فهو أولى. والحمد لله رب العالمين. الدرس التاسع والسبعون (يوم الأربعاء: 2 / 4 / 1415هـ) ذكر المؤلف – فيما سبق – تفاصيل الركعة الأولى، وذكر الركعة الثانية مجملة، فيبقى الكلام على التشهد الأول وسننه. قال المؤلف رحمه الله: (ثم يجلس مفترشاً (يسراه) ويداه على فخذيه …. إلى آخره) في هذه الجملة مسائل: المسألة الأولى: في صفة جلوس التشهد، وهو أنه يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى – كما تقدم – في حديث عائشة (2) وهو ثابت من حديث ابن عمر كما في البخاري (3) ، فالسنة في التشهد أن يجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه. المسألة الثانية: (ويداه على فخذيه)
فاليدان يوضعان على الفخذين، لحديث وائل بن حجر عند الخمسة بإسناد صحيح وفيه: (ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى (1) وحد مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن وقبض اثنتين وحلق، ورأيته يقول: هكذا، وحلق بشر – وهو الراوي – الإبهام والوسطى وأشار بالسبابة) (2) . إذن يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام والوسطى ويشير بأصبعه السبابة. وثبت عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يضع يديه على الركبتين وأنه يقبض أصابعه كلها ويشير بالسبابة، كما ثبت ذلك في مسلم من حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إن قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى واليمنى على اليمنى وعقد ثلاثاً وسبعين (3) - وهي طريقة الحساب عند العرب - وأشار بالسبابة) (4) . وهذه الطريقة هي: أن يضم أصابعه الأربع ويشير بالسبابة وفي رواية: (قبض أصابعه كلها وأشار بالتي تلي الإبهام) (5) فهاتان صفتان ثابتتان عن النبي صلى الله عليه وسلم. المسألة الثالثة: (ويشير بسبابتها في تشهدها) هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب جمهور أهل العلم وأن يشير بها بلا تحريك أي لا يحرك إصبعه السبابة.
واستدلوا: بأن الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها إلا ذكر الإشارة كما تقدم في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ورد ذلك صريحاً – كما في سنن أبي داود- عن ابن الزبير بإسناد جيد وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يشير بإصبعه ولا يحركها) (1) . - وذهب المالكية: إلى استحباب تحريك الأصبع. واستدلوا: بما رواه أبو داود من حديث وائل بن حجر بإسناد جيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يحركها يدعو بها) (2) والصحيح المذهب الأول، لأن هذا الحديث شاذ فعامة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها التحريك وإنما فيها الإشارة فحسب. بل قد خالف صراحة حديث ابن الزبير وفيه عدم التحريك بل عامة الرواة عن وائل لم يذكروا هذه اللفظة وتفرد بها بعض الرواة.
ومما يدل على ذلك: ما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مرَّ على رجل وهو يشير بأصبعيه يدعو بهما فقال: (أحِّد أحِّد) وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه السبابة) (1) فإن هذا من جنس من يرفع اليدين للدعاء، فيشير بإصبعه إشارة إلى توحيد الله وأن هو المدعو وحده، وأن الدعاء يوجه إليه دون غيره. قوله: (في تشهدها) المستحب عند الحنابلة في المشهور عنهم: أنه يشير بها عند التشهد - وذكر الله – فإذا ذكر الله أشار ثم يعيدها، وكلما ذكر الله أشار. وعن الإمام أحمد: أنه يشير بها في تشهده كله، فيرفع أصبعه السبابة فيشير بها في تشهده كله. أما ما ذكره الحنابلة وغيرهم في هذا الباب فلا دليل عليه وظاهر الحديث المتقدم أنه أشار بها في تشهده كله. والتشهد في الحقيقة دعاء، لأنه ما بين ثناء على الله وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهما من مقدمات الدعاء وسؤال المغفرة ونحو ذلك فكله في الحقيقة دعاء. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر: (فأشار بأصبعه فدعا بها) (2) فإذن التشهد كله دعاء.
ومعلوم أن الداعي لله عز وجل إذا دعاه فإنه يرفع يديه ويتضمن ذلك ثناء على الله وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهما داخلان في الدعاء لأنهما من مقدماته. فالراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه من أنه يشير بها في تشهده كله. ويستحب له أن يديم النظر إليها وحينئذ يكون استثناءً من النظر إلى موضع سجوده، فقد ثبت في المسند وغيره بإسناد جيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يديم نظره إليها) (1) المسألة الرابعة: (ويبسط اليسرى) أي يبسطها على فخذه. أو يلقمها ركبته، فقد صح في مسلم من حديث ابن الزبير وفيه: (وألقم ركبته كفه) (2) فيستحب أن يبسطها على فخذه أو يلقمها ركبته. قال: (ويقول: التحيات لله ….) (التحيات لله) بمعنى: البقاء والعظمة والملك والسلامة لله تعالى. (والصلوات) كلها فرضها ونفلها، والصلاة الشرعية واللغوية وهي الدعاء كل ذلك لله تعالى مستحق له مصروف إليه بل (والطيبات) كلها فكل عمل أو قول طيب فهو إلى الله يوجه ويصرف إليه. (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) هكذا في الرواية وهو ما كان يعلمه عمر بن الخطاب على المنبر – كما في الموطأ بإسناد صحيح (3) .
وذهب كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى القول بعد وفاته: (السلام على النبي) ، كما روى البخاري عن ابن مسعود قال: (لما كان بين ظهرانينا فلما قبض قلنا: السلام) قال البخاري: (يعني على النبي - صلى الله عليه وسلم -) (1) وقد ورد تصريحاً في مصنف ابن أبي شيبة ومستخرج الإسماعيلي: (السلام على النبي) (2) . وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي يقولون: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي) (3) .
والأولى الوقوف على الرواية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنها لفظ علمه الصحابة في حضرته وغيبته، فهو وهو غائب عنهم يصلون في بيوتهم أو في بواديهم أو في مدنهم الخارجة عن مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وفي مساجدهم الخارجة عن مسجده وهم في حكم الغائب عنه، وهو في حكم الميت، لأنه لا يسمع لفظهم، بل وهم يصلون خلفه لا يسمع – من حيث الطبيعة – لا يسمع تسليمهم فإنه في حكم الغائب الميت صلى الله عليه وسلم. وإذا قلنا: بأنه يسمع كلامهم وهو حي فكذلك وهو ميت كما ورد في الحديث الصحيح: (أنه ما من أحد يمر على النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام) (1) وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فإن تسليمكم ليبلغني حيث كنتم) (2) . فحينئذ: لا فرق بين كونه حياً وميتاً، وهذا ما كان عليه عمر بن الخطاب ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وقد كان يعلمه بمحضر الصحابة. وأما ما رواه ابن مسعود وغيره فإن هذا اجتهاد منهم ونظر.
فالراجح أنه يقول: (السلام عليك أيها النبي) . قوله: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) هكذا في الرواية المتفق عليها (1) ، وفي مصنف ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف مرفوعاً: (وحده لا شريك له) (2) وهي ثابتة في سنن أبي داود موقوفة على ابن عمر بإسناد صحيح أنه قال: (وزدت وحده لا شريك له) (3) . إذن: المستحب – كما هو المشهور في المذهب أنه لا يزيد عليها ذلك كما أنه لا يزيد عليها التسمية، فإنها قد وردت من حديث جابر في النسائي وابن ماجه (4) لكنها ضعيفة. وهذا النوع من التشهد هو أشهرها، وهو تشهد ابن مسعود الثابت في الصحيحين.
فقد صح عنه أنه قال: التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) (1) . وقد اختاره الإمام أحمد مع ورود أنواع أخرى؛ وقد اختاره الإمام أحمد لأنه ثابت في الصحيحين ولأن أكثر أهل العلم عليه، فقد ذكر الترمذي: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على ذلك (2) . ومع ذلك فإنه – باتفاق أهل العلم – أنه لو قال أي تشهد وارد فإن ذلك يجزئه – قال الإمام أحمد: " وتشهد عبد الله أعجب إلي وإن كان غيره جائزاً ".
فقد وردت تشهدات أخرى كتشهد ابن عباس في مسلم وغيره (1) ، لكن الإمام أحمد اختار تشهد ابن مسعود لثبوته في الصحيحين ولكونه محفوظاً حفظاً ثابتاً حتى قال الأسود: " كنا نتحفظه من عبد الله كما نتحفظ السورة من القرآن " (2) . وإن فعل هذا تارة وهذا تارة فهو أولى لثبوت ذلك كله. قال: (هذا التشهد الأول) ولا يستحب – كما تقدم - أن تزيد عليه " وحده لا شريك له " ولا التسمية. أما النقص: فهل يجزئه إذا نقص أم لا؟ قولان: القول الأول: وهو المشهور في المذهب: أنه يجزئه ذلك. فإذا نقص منه بحيث ذكر أصوله فإن ذلك يجزئه، وذلك بأن يقول: " التحيات لله، والسلام عليك أيها النبي والسلام على عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ". وهذا القول هو المرجح في المذهب وعليه أكثر أصحاب الإمام أحمد. القول الثاني في المذهب وهو قول ابن حامد: وأن ذلك لا يجزئه حتى يأتي بالتشهد الوارد بتشهد ابن مسعود أو غيره من الوارد. وهذا أولى وأحوط. أما كونه أولى؛ فلأن هذا ذكر والأذكار يجب أن تؤدى كما رويت لذا لا يجوز أن تروى بالمعنى وذلك لأن ألفاظها متعبد بها.
وأما كونه أحوط فهو ظاهر، فإنه احتياط في الديانة فهؤلاء يقولون يجزئ، والآخرون يقولون: لا يجزئ، والسنة فعله، فهو الثابت، فالأولى والأحوط أن يقوله كاملاً سواء كان تشهد ابن عباس أو ابن مسعود أو غيرهما. ولا يستحب له أن يطيل الجلوس بعد التشهد، بل يقوم بعد ذكر التشهد. ودليل ذلك ما رواه أبو داود والترمذي بإسناد من طريق أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود ولم يسمع أباه ففيه انقطاع،- وله شواهد سيأتي ذكرها – أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف) (1) وهي الحجارة المحماة. وله شاهد من السنة المرفوعة وهو ما رواه أحمد بإسناد جيد من حديث محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث وفيه: (فإذا كان وسط الصلاة نهض حين يتم التشهد) (2) وله شاهد من السنة المرفوعة وهي سنة أبي بكر الصديق، فقد ثبت في مصنف عبد الرزاق: (أنه كان إذا جلس في التشهد الأول كأنه على الرضف) (3)
إسناده صحيح وكذلك رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر. ويسن له كما تقدم أن يعتمد على يديه إذا أراد القيام، كما هو القول الراجح. ويستحب له إذا نهض من التشهد الأول أن يرفع يديه خلافاً للمشهور في المذهب، وهذا هو رواية عن الإمام أحمد واختاره المجد ابن تيمية وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية. واستدلوا: بما روى البخاري من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا قام من الركعتين رفع يديه) (1) فهذه سنة صحيحة لا يجوز العدول عنها. ثم يصلي الركعة الثالثة من المغرب والركعتين الأخريين من صلاة الظهر والعصر والعشاء، ويقرأ فيها بفاتحة الكتاب فحسب؛ لحديث أبي قتادة المتقدم: (أنه كان يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب) (2) ويستحب له تارة – كما هو رواية عن الإمام أحمد: أن يقرأ بسورة بعد الفاتحة – كما ثبت في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، وفي الأخريين على النصف من ذلك) (3) .
وحينئذ: تكون قراءته في الركعتين الأخريين من صلاة الظهر بقدر الفاتحة مرتين أي الفاتحة وسورة. فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما قرأ مع فاتحة الكتاب سورة في الركعتين الأخريين من الظهر، وهو جائز ولا حرج فيه، بل يستحب أحياناً. وقد أشار المؤلف إلى هذه المسائل التي تقدم ذكرها أشار إليها – بعد ذكر جملة من المسائل – فقال: (وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبراً بعد التشهد الأول) (نهض مكبراً) للحديث المتقدم – حديث أبي هريرة – في الصحيحين: (وصلى ما بقي كالثانية بالحمد فقط) (1) هذا هو المشهور في المذهب وأنه يقرأ بالحمد فقط، فإن قرأ بها وبغيرها فإنه يباح. بل عن الإمام أحمد استحباب ذلك أحياناً. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثمانون (يوم السبت: 5 / 4 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) هذا لفظ من الألفاظ الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليه في الصلاة، وهو أصحها؛ لثبوته في الصحيحين ولذا اختاره الإمام أحمد. فقد ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة قال: (قلنا يا رسول الله: قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك – في رواية مسلم " إذا نحن صلينا " فقال: قولوا: اللهم صل على محمد ... ) (2) الحديث. وبأي نوع صليت عليه أجزأك ذلك وفعلت السنة. * وهل يجزئه أن يكتفي بقول: " اللهم صل على محمد " أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أنه لا يجزئه حتى يصلي عليه بالصلاة الواردة، واستدلوا: بورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان المشروع أن يقال كما ورد.
القول الثاني: وهو المشهور عند الحنابلة واختاره الموفق: أنه يجزئه ذلك ولا يشترط أن يأتي به بتمامه بل يجزئه صلاة مطلقة، واستدل: بأن الصلاة الواردة عنه كانت عن سؤال، وما كان طريقه السؤال فليس بواجب، إذ لو كان واجباً لابتدأ به. فهنا قال ذلك بعد سؤال الصحابة: فقالوا: " قولوا " وليس في هذا وجوب ذلك إذ لو كان واجباً لعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً، فسكوته عن تعليمهم ذلك حتى يسألوه يدل على أن ذلك إنما هو على وجه الإرشاد والتعليم وليس على وجه الوجوب والشرطية للإجزاء، وهذا القول هو الأرجح وأنه متى قال: " اللهم صل على محمد " أجزأه ذلك. * ولكن هل يجب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في تشهده أم لا؟ ذهب الشافعية والحنابلة: إلى فرضية ذلك، أما الحنابلة فيوجبونها في التشهد الثاني فقط، وأما الشافعية ففي كل تشهد، واستدلوا: بقوله: " قولوا " قالوا: وهذا أمر والأمر للوجوب. وذهب المالكية والأحناف: إلى عدم وجوب ذلك، ولكنه سنة. وهذا القول أظهر؛ لما تقدم من التعليل السابق فإن هذا إنما ورد على هيئة سؤال، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمهم الصلاة عليه في الصلاة حتى سألوه عنها، وما كان طريقه ذلك فليس بواجب وإنما هو مستحب. ومع ذلك ففيما قاله الحنابلة قوة، والاحتياط الالتزام بذلك وعدم تركه، بل الاحتياط أن يقول ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم تماماً لا يسقط من ألفاظه شيئاً. قال: (ويستعيذ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال)
لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: " اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن [شر] فتنة المسيح الدجال ") (1) وجماهير العلماء على: أن هذه الاستعاذة أنها سنة في الصلاة. وعند الإمام أحمد وهو مذهب طائفة من أهل العلم: أن الاستعاذة على هذه الصفة فرض في الصلاة. حتى عن الإمام أحمد: أنه يعيد صلاته إن تركها، وهو قول طاووس بن كيسان من كبار التابعين. واستدلوا: بالأمر الوارد: " فليستعذ " وذهب جماهير العلماء إلى أنها مستحبة وإن الأمر الوارد فيها إنما هو على وجه الاستحباب. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود وفيه – بعد أن ذكر التشهد – قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) (2) فهذا يدل على أنه لا يجب عليه نوع من أنواع الأدعية أو الاستعاذات وإنما يدعو بما شاء ويتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيكون هذا الأمر من باب الإرشاد، وهذا هو الأظهر. قال: (ويدعو بما ورد)
كما في الصحيحين من حديث أبي بكر قال: (قلت يا رسول الله علمني شيئاً أدعو به في صلاتي فقال: قل " اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ") (1) أو نحوه مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين أيضاً من الاستعاذة من المأثم والمغرم (2) . وظاهر قوله: " بما ورد " أي بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب لكن هذا غير مراده، إنما المراد ما ورد في الشريعة، كأن يقول: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " و " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " ونحو ذلك مما ورد. وظاهره أنه إذا دعا بدعاء من ملاذ الدنيا ونعيمها فإنه لا يشرع له ذلك ولا يجوز بل قد صرح فقهاء الحنابلة بأن الصلاة تبطل بذلك، لأنه كلام أجنبي والكلام الأجنبي يبطل الصلاة.
وعن الإمام أحمد: أنه لا بأس بذلك، واختاره الموفق من فقهاء الحنابلة، وقد نص عليه الإمام أحمد، وهذا القول هو الراجح، وظواهر الأدلة تدل عليه كقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) (1) وعند البيهقي: (ثم ليدعو بما بدا له) (2) . فظواهرها أنه يتخير من الدعاء أعجبه إليه، والدعاء عام فيما ورد وما لم يرد. قال: (ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك) في هذه الجملة ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن المستحب أن يسلم عن يمينه وعن شماله فيقول عن يمينه: " السلام عليكم ورحمة الله " وعن يساره " السلام عليكم ورحمة الله.
ويستحب له في سلامه أن يبدو بياض خده للمأمومين لما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسلم حتى يبدو بياض خده عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره حتى يبدو بياض خده، السلام عليكم ورحمة الله) (1) المسألة الثانية: أن الوارد هو لفظة: " السلام عليكم ورحمة الله " عن يمينه وعن شماله في هذا الحديث المتقدم وقد وردت أنواع أخر: فمن ذلك ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسلم عن يمينه بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله) (2) والنوع الثالث: ما رواه أحمد والنسائي بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره السلام عليكم) (3)
وهناك صفة رابعة رواها سعيد بن منصور كما في المغني – لكن الاطلاع على سندها غير متيسر لأن الجزء المذكور فيه هذا الحديث لم يطبع ويخشى أن يكون مفقوداً – وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث علي -: (كان يسلم عن يمينه السلام عليكم وعن يساره السلام عليكم) (1) هذه الصفة يتوقف فيها حتى تثبت. وهناك صفة خامسة لكن الحديث فيها ضعيف: وهي ما رواه الترمذي والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسلم تسليمة قبل وجهه يأخذ عن يمينه قليلاً) (2) وقد أعله أبو حاتم والدارقطني وابن عبد البر وغيرهم من الأئمة المتقدمين. والحديث من حديث زهير بن محمد ويروي هذا الحديث عن الشاميين وروايته عنهم ضعيفة منكرة فعلى هذا لا يثبت هذا الحديث. المسألة الثالثة:
- ظاهر قول المؤلف هنا أن هذا السلام يكون عن اليمين وعن الشمال، فيتجه إلى يمينه ويقول: " السلام عليكم ورحمة الله " ثم يلتفت إلى يساره فيقول: " السلام عليكم ورحمة الله " هذا هو ظاهر قول المؤلف، وهو ظاهر الأدلة الشرعية المتقدمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان يسلم عن يمينه "، " كان يسلم عن يساره "، وغيرها، فظاهر هذه الأحاديث ما تقدم. - وقال ابن عقيل: يبتدئ بالسلام إلى القبلة ثم يلتفت يميناً وشمالاً أي: يقول: " السلام عليكم ورحمة الله " ويلتفت إلى اليمين، " السلام عليكم ورحمة الله " ويلتفت إلى اليسار مبتدئا السلام إلى القبلة ثم يتمه إلى اليمين، ويبدؤه إلى القبلة ثم يتمه إلى اليسار. وهذا ضعيف لعدم الدليل الدال عليه، ولأن ظاهر الأحاديث المتقدمة تخالفه. * هل يجزئه أن يقول " السلام عليكم "؟ أما لو صح الحديث المتقدم في سنن سعيد بن منصور فلا إشكال في الجزم بصحة ذلك لثبوت السنة فيه، ولكن تقدم التوقف فيه لعدم معرفة سنده. واختلف في ذلك على قولين: 1- القول الأول: وهو المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية: أنه يجزئه ذلك. 2- قال ابن عقيل من الحنابلة: لا يجزئه ذلك. قال: لأنه ليس بوارد هكذا، وإنما الوارد بزيادة لفظة: " ورحمة الله " فلم يجزئه لأنه لم يأت بما ورد بتمامه. واستدل أهل القول الأول: بأن هذا تسليم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وتحليلها التسليم) (1) وبالنظر إلى هذين الدليلين تبين ضعف ما استدل به أهل القول الأول، لأن هذا وإن كان تسليماً لكنه ليس هو الوارد. لذا قال الحنابلة لو قال: " عليكم السلام " أو " سلام عليكم " لم يجزئه لأنه ليس وارداً؛ وهنا كذلك فإن الوارد أن يقول ذلك بتمامه.
لكن يستدل لأهل القول الأول بالحديث المتقدم: الذي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عن يساره " السلام عليكم ") فحيث أجزأ في التسليمة الثانية فإنه يجزئ في التسليمة الأولى لأن بالهما (1) واحد، فهما تسليم في الصلاة فحيث ثبت في التسليمة الثانية فكذلك في التسليمة الأولى فالراجح إجزاء ذلك: " السلام عليكم " فهذا هو القدر المجزئ – وأما المستحب فهو أن يسلم بأحد الأنواع الواردة المتقدمة. * ولو قال: " سلام عليكم " ونحو ذلك من الألفاظ الواردة فإنه لا يجزئه فهو وإن كان تسليماً لكنه تسليم غير وارد والواجب هو الوقوف على هديه. مسألة: هل التسليم عن اليمين واليسار واجب أم مستحب؟ قال جمهور العلماء: أن ذلك مستحب فلو سلم تسليمة واحدة أجزأه. وهو رواية عن الإمام أحمد وذهب إليه بعض المالكية وهو اختيار القاضي من الحنابلة: أنه لا يجزئه ذلك إلا أن يسلم تسليمتين. استدل: أهل القول الأول بالحديث المتقدم الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يسلم تسليمة واحدة. ولكن تقدم ضعف الحديث. والراجح هو القول الثاني: وأن التسليمتين فرض. ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك فيكون فعله بياناً لمجمل قوله: (وتحليلها التسليم) ولا يثبت ذلك إلا بالتسليم الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه بيان لمجمل، وما كان بياناً لمجمل من الفعل فحكمه حكم المجمل. فقوله " تحليلها التسليم ": كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم تسليمتين لم يثبت عنه سوى ذلك، فلم يدع أحد التسليمتين في أي حديث. قال: (وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبراً بعد التشهد الأول وصلى ما بقي من الثانية بالحمد فقط) تقدم شرح هذا في الدرس السابق. قال: (ثم يجلس في تشهده الأخير متوركاً) هذا هو المستحب في الجلوس بالتشهد الأخير: أن يجلس متوركاً.
وصفة التورك: أن يقدم رجله اليسرى وينصب اليمنى ويقعد على مقعدته. لما ثبت في أبي داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي والحدث صحيح – في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا جلس بعد الركعة الأخيرة قدم اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته) (1) . فإذا كانت الصلاة ذات تشهدين فيستحب في تشهدها الثاني. وأما أن كانت الصلاة ذات تشهد واحد، كصلاة الفجر أو السنن التي تصلى مثنى مثنى، فإنه يجلس مفترشاً. لما تقدم: فإنه ذكر الافتراش ثم ذكر السلام، وظاهره أن الصلاة إذا كانت ذات تشهد واحد فإنه يجلس فيها مفترشاً – هذا هو المشهور في المذهب وأن التورك لا يشرع إلا في الصلاة ذات التشهدين في تشهدها الثاني. - واستحبه الشافعية في التشهد الأخير من الصلوات كلها سواء كانت ذات تشهد واحد أو تشهدين. واستدلوا: بعموم الحديث المتقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا جلس في الركعة الأخيرة) الحديث، والركعة الأخيرة تقع في الصلوات ذات التشهد الواحد كما تقع في الصلوات ذات التشهد الثنائي.
والراجح ما ذهب إليه الحنابلة لما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا صلى الصبح جلس مفترشاً) (1) فعلى هذا يكون تخصيص للعموم المتقدم، وأنه إذا كان في الركعة الأخيرة في صلاة ذات تشهدين جلس متوركاً وأما إذا كانت ذات تشهد واحد كصلاة الفجر فإنه لا يجلس متوركاً فيها، بل مفترشاً. قال: (والمرأة مثله) فإن النساء شقائق الرجال كما ثبت في مسند أحمد (2) وغيره بإسناد صحيح. فما ثبت للرجل فهو ثابت للمرأة إلا أن يأتي دليل يخصص الرجل بالحكم، لكن استثنى من ذلك مسائل: قال: (لكن تضم نفسها وتستدل (3) رجليها في جانب يمينها) يعني: فإنها إذا جلست في محل التورك فإنها لا تتورك وإنما تستدل (4) رجليها في جانب يمينها. هذا هو المشهور في المذهب. والأظهر: أن المرأة مثل الرجل مطلقاً في جلوسها ورفع اليدين، لكن يستثنى من ذلك المرأة في حضور الأجانب فإنها – حينئذ – تفعل ما يكون فيه ستر لها فتضم نفسها وتستدل رجليها ولا تبالغ في رفع يديها ولا تجافي يديها ونحو ذلك مما يكون فيه تمام لسترها، كأن تصلي في مسجد مكشوف. وأما أن كانت لا تقع عليها نظرة الأجانب كأن تصلي وحدها أو بين نساء أو في بيتها بنظر محارمها فإنها في حكم الرجل تماماً إذ لا دليل يدل على التخصيص.
وإنما استثنى ما يكون في نظر الأجانب لأن أصول الشريعة قد دلت على ذلك من النهي عن الفتنة، وقد وردت صور كثيرة على ذلك – كما أن المرأة لا ترمل في طوافها ولا تسرع بين الميلين ونحوه مما يكون ظاهراً للرجال لسد باب الفتنة، وإن كان الأصل أنها تفعل ذلك لفعل الرجال له، لكن استثني من ذلك لما فيه من الستر لها والحفظ من الوقوع في الفتنة بها فكذلك في الصلاة. وبقيت مسائل: في الذكر الوارد بعد الصلاة وفي التفات الإمام ونحو ذلك سيأتي ذكرها في الدرس القادم إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين. الدرس الحادي والثمانون (يوم الأحد: 6 / 4 / 1415هـ) مسائل في صفة الصلاة وتمامها: فمن مسائل صفتها: أنه يستحب إخفاء التشهد أي أن يكون سراً، لما ثبت في أبي داود والترمذي – والحديث صحيح – من حديث ابن مسعود قال: (من السنة إخفاء التشهد) (1) وهو مستحب اتفاقاً.
ويستحب له - في باب السلام – أن يحذفه ولا يمده بل يكون حذفاً، لما روى الترمذي من حديث أبي هريرة قال: (حذف السلام من السنة) (1) لكن الحديث فيه قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف، لكن عليه العمل عند أهل العلم: حتى قال الترمذي: " لا يعلم بين أهل العلم فيه خلاف" وقال الدارقطني: " والصحيح أنه من قول أبي هريرة فثبوته عن أبي هريرة ولا يعلم له مخالف يحتج به، والمسألة اتفاقية فلا خلاف فيها، فيستحب له أن يحذفه حذفاً. ومما يكون من تمام الصلاة: ويستحب للإمام أن ينفتل إلى المصلين مقبلاً بوجهه إليهم لا يخص ناحية دون ناحية، لما ثبت في البخاري من حديث سمرة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم: إذا صلى أقبل علينا بوجهه) (2)
وينفتل عن يمينه تارة وعن يساره تارة أخرى، ففي مسند أحمد بإسناد جيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتفت عن يمينه وعن يساره) (1) أي وهو متوجه إلى القبلة، في إقباله على المأمومين ينصرف تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار حتى قال ابن مسعود – كما في الصحيحين -: (لا يجعل أحدكم للشيطان نصيباً من صلاته يرى أن حقاً عليه أن ينصرف عن يمينه ولقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ينصرف عن شماله) وفي مسلم: (أكثر ما ينصرف عن شماله) (2) لكن في مسلم عن أنس بن مالك قال: (أما أنا فأكثر ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه) (3)
ومن هنا يكون كل صحابي منهما قد حدث بما رأى، فهذا رأى أن أكثر انصراف النبي صلى الله عليه وسلم وهو إليه، وأنس رأى أن أكثر انصرافه عن يمينه، فعلى ذلك كلاهما سنة ويستحب له أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، ويكره أن يرى حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، فإنه حينئذ: يكون قد جعل للشيطان نصيباً من صلاته باعتقاد ما ليس بواجب. فإذا أقبل على المأمومين: استغفر ثلاثاً وقال: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام " فقد ثبت في مسلم عن ثوبان قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) (1) وفي مسلم عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) (2) قال ابن القيم مستدلاً بهذا الحديث أنه يستحب للإمام أن يقول ذلك تجاه القبلة فينصرف إلى المأمومين وقد قال: " اللهم أنت السلام …. إلى قوله: " ذا الجلال والإكرام " أي لا ينصرف عن القبلة إلى المأمومين حتى يقول ذلك واستدل بحديث عائشة: (كان لا يقعد إلا مقدار ما يقول) وقد سئل عن ذلك الإمام أحمد فقيل له: قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقعد إلا مقدار ما يقول " أي لا يقعد إلى القبلة ثم ينصرف فقال: " لا أدري " أ. هـ.
والمستحب عند الحنابلة والشافعية: أن ينفتل بمجرد سلامه فيكون قوله: " اللهم أنت السلام … ذا الجلال والإكرام " بعد إقباله بوجهه إلى المأمومين. والحديث ليس فيه ما يدل على ما ذهب إليه ابن القيم؛ إذ فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول وليس في ذلك أنه لا يقعد تجاه القبلة إلا مقدار ما يقول، فالحديث مطلق وظاهره أنه لا يقعد مطلقاً، أي لا يقعد في مصلاه الذي صلى فيه إلا بمقدار ما يقول، بل ليتعجل في القيام من مجلسه وينفتل عنه منصرفاً، وهذا ما كان عليه أبو بكر كما صح في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح أنه: (كان إذا سلم من الصلاة فقال: السلام عليكم ورحمة الله، انفتل ساعتئذٍ كأنه على الرضف) (1) إذن الراجح: أن المستحب له ألا يقعد في مجلسه الذي صلى فيه إماماً كان أو مأموماً إلا بمقدار ما يقول: اللهم أنت السلام … ". هذا ما ذهب إليه الموفق في المغني وظاهر ذلك أنه مذهب الحنابلة وهو المشهور عند الشافعية. ويستثنى من ذلك ما إذا كان هناك نسوة يصلين في المسجد فإنه لا يستحب للإمام ولا المأمومين أن ينصرفوا حتى ينصرفن.
فقد ثبت في البخاري عن أم سلمة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته انصرف النساء اللاتي صلين معه فدخلن في بيوتهن قبل أن ينصرف النبي صلى الله عليه وسلم) (1) وذلك لئلا يختلط الرجال بالنساء فتقع الفتنة، فلذلك يكره أن ينصرف المأموم والإمام قبل انصراف النساء وذهابهن عن المسجد. ومع ذلك فإنه إن جلس في مجلسه فقد أحسن لما ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه تقول: اللهم اغفر له اللهم وارحمه) (2) فهذا الحديث يدل على فضيلة الجلوس فإنه فاضل وحسن، وإذا انصرف فقد فعل السنة. ولو قيل، وهو فيما يظهر لي تفصيل حسن: أنه يستحب للإمام أن ينصرف إذا قال ذلك ويبقى في مجلس آخر في المسجد - كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين – أو ينصرف عن المسجد فيسبح الله في طريقه، لأن الحديث المتقدم في النبي صلى الله عليه وسلم أبي بكر وكانا إمامين – هذا ما لم يكن هناك نسوة – وأما المأمومون فإنهم يستحب لهم أن يجلسوا مصلاهم فيذكروا الله فيه - للحديث المتقدم – فإنه فيه الترغيب في ذلك.
ولمصلحة أخرى وهي أن في استعجال المأمومين في الخروج وقد يكون ذلك قبل خروج الإمام أن فيه مفسدة متوقعة وهي أن يكون في الصلاة نقص، أو أن يحب الإمام إرشاد الناس وتعليمهم فيسبقوه بالانصراف – فلو قيل بهذا التفصيل فهو حسن. – وفي انصراف الإمام عن مكانه تمام للإخلاص في الذكر وأكثر إقبالاً على الله تعالى. ويستحب له أن يذكر الله تعالى بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما ثبت في مسلم من حديث ابن الزبير: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) (1) وثبت في مسلم من حديث المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا انصرف من صلاته: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (2) وفي النسائي وابن خزيمة بإسناد صحيح: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) (3) ثلاث مرات. وفي الطبراني بإسناد صحيح: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير هو على كل شيء قدير) (4)
ويستحب له أن يسبح الله ويحمده ويكبره، ويهلله في نوع من الذكر الوارد وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنواع من الذكر بعد صلاته المكتوبة وهي: 1- أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويكبره ثلاثاً وثلاثين ويحمده ثلاثاً وثلاثين؛ لما في المتفق عليه من حديث أبي هريرة من حديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور ... ) وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) وفي رواية قال بعض الرواة: (حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثون (1)) (2) . 2- أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويكبره ثلاثاً وثلاثين، ويقول: تمام المائة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ؛ لما ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سبَّح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) (3)
3- أن يسبح ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويكبره أربعاً وثلاثين. لما ثبت في مسلم من حديث كعب بن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن يسبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ويكبره أربعاً وثلاثين) (1) 4- أن يسبح الله عشراً ويحمده عشراً ويكبره عشراً، وهو ثابت في مسند أحمد وسنن الأربعة بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خصلتان أو خلتان من حافظ عليهن دخل الجنة هما قليل ومن يحافظ عليهن قليل أن يسبح الله دبر كل صلاة مكتوبة عشراً ويحمده عشراً ويكبره عشراً، فذلك مائة وخمسون باللسان وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر الله أربعاً وثلاثين عند مضجعه ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويسبحه ثلاثاً وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف في الميزان) (2) 5- أن يسبح الله خمساً وعشرين ويحمده خمساً وعشرين ويكبره خمساً وعشرين ويهلله خمساً وعشرين.
لما ثبت في الترمذي والنسائي بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أصحابه أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره أربعاً وثلاثين فرأى رجل من الأنصار أن قائلاً يقول: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمكم أن تسبحوا الله ثلاثاً وثلاثين وتحمدوه ثلاثاً وثلاثين وتكبروه أربعاً وثلاثين فاجعلوها خمساً وعشرين واجعلوا فيها التهليل) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (اجعلوها كذلك) وفي رواية: (فافعلوا) (1) وظاهر هذا: تفضيل هذا النوع على النوع المتقدم من أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويكبره أربعاً وثلاثين، والله أعلم. ويستحب له أن يقرأ آية الكرسي لما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ آية الكرسي بعد كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) (2)
وعند الطبراني: استحباب قراءة " قل هو الله أحد " (1) وإسناده صحيح بعد كل صلاة. وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي من حديث عقبة بن عامر قال: (أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة) (2)
والظاهر أن ذلك عام في الصلوات المكتوبة كلها، وأما مضاعفة ذلك في صلاة المغرب والفجر فالظاهر أن ذلك ليس لصلاة المغرب والفجر، وإنما ذلك للمساء والصباح فهو من أذكار الصباح والمساء. ويستحب له أن يعقد التسبيح والتحميد والتكبير – بيده اليمنى لما ثبت في الترمذي والحاكم بإسناد صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعقد التسبيح بيمينه) (1) ويستحب أن يكون عقده بأنامله لما ثبت في أبو داود ومسند أحمد والحديث حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: (واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات) (2) والأنامل: جمع أنمله وهي أعلى الإصبع.
وإن عقد بأصابعه فلا بأس، فيكون من باب ذكر البعض وإرادة الكل، وإن عقد بأنامله فهو أولى لموافقة اللفظ. * ولا يستحب له أن يكون بغير الأنامل كأن يعقد بحصى ونحوها. * وهل يستحب له أن يرفع صوته بالذكر بعد الصلاة المكتوبة أم لا؟ قولان لأهل العلم: 1- مذهب جمهور أهل العلم: إلى أن المستحب له أن يسر به، للحديث المتفق عليه وأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصحابه في سفر وقد رفعوا أصواتهم بالذكر فقال: (اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ... .) (1) . قالوا: فهذا يدل على أن المستحب هو خفض الصوت بالذكر وعدم الرفع فيه. 2- وذهب طائفة من السلف والخلف وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى استحباب رفع الصوت بالذكر. واستدلوا: بالحديث المتفق عليه من حديث ابن عباس قال: (كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم) وفي رواية: (كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته) (2) قالوا: فهذا الحديث واضح ظاهر في مشروعية ذلك، فهذا ابن عباس يخبر أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحيث كان على عهده صلى الله عليه وسلم فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أقره، وحيث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره من أصحابه فيبعد أن أصحابه كانوا يفعلونه من تلقاء أنفسهم وإنما كانوا يقتدون به عليه الصلاة والسلام. وهذا القول هو الراجح لهذا الحديث المتفق عليه.
وأجيب عنه: بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك للتعليم فحيث اُحتيج إلى التعليم استحب وإلا فلا. والجواب على ذلك: إنه لا دليل على ذلك، بل الحديث فيه أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عامة وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك للتعليم فهذا تقييد لا دليل عليه. ثم لو كان المراد منه التعليم، وسلمنا أن التعليم يحتاج إلى فترة زمنية محددة لما كان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كله ولاكتفى برفع الصوت بقدر التعليم، فلما تعلم الناس اكتفى عن ذلك. كما أن التعليم لا يحتاج إلى أن يرفع الناس أصواتهم بالذكر، بل إذا اكتفى الإمام برفع صوته بالذكر اكتفى بذلك ولم يشرع لبقية الناس. ثم إنَّا لا نسلم أن التعليم يكتفى به لفترة زمنية محدودة بل الناس محتاجون إلى التعليم، والتعليم في كل زمن، فلا يخلو زمن من جاهل يحتاج إلى تعليم الذكر الوارد. فإن قيل: إن فيه تشويشاً على المتم صلاته؟ فالجواب: أن هذا الوقت حق لهذا الذاكر فإن الأصل أن يصلي المأمومون مع الإمام فينصرفوا جميعاً، أما هذا المتم صلاته فإن الأصل فيه أن ينصرف مع الناس. الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن النسائي وأبي داود بإسناد صحيح من حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا معاذ إني أحبك فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) (1)
* متى يقال هذا الدعاء ونحوه قبل السلام أم بعده؟ في ذلك قولان: الأول: أنه يقوله بعد سلامه لظاهر قوله: " دبر كل صلاة " والثاني: أنه يقوله بعد تشهده قبل السلام، وهذا القول هو الراجح، وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وإنما رجح ذلك: لأن دبر الصلاة يطلق ويراد به آخرها مما هو منها، ويطلق ويراد به ما بعدها، كما أن دبر كل شيء كذلك، فدبر كل شيء هو آخره أو هو ما بعده. وإنما رجحنا هنا: أن يكون بمعنى آخرها قبل سلامها: لأن الدعاء الأولى فيه أن يكون حال الإقبال على الله ومناجاته وإنما هذا قبل سلامه، فلا يليق أنه إذا انصرف وسلم وأقبل على المخلوقين بعد انصرافه من خطاب الله تعالى أن يدعو الله بل اللائق أن يدعو الله قبل سلامه، لذا في الحديث بعد التشهد: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) (1) استدراك: الإجابة على ما استدل به الجمهور في عدم سنية رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة؟ أن يقال: هذا حديث عام وحديثنا خاص، والمقرر هو الإسرار كالنية فإن المقرر فيها أن تكون في القلب وألا يتلفظ بالمنوي به، هذه قاعدة لكن وردت النصوص بالتلفظ بالنية في الأضحية والحج فنخصص ذلك ويكون هذا لمعان رجحت ذلك. وهنا كذلك، فإن الأصل بالذكر أن يكون بصوت خافض لأنه هو الأليق، فإن الله ليس بأصم ولا غائب. لكن في هذا الموضع رجح رفع الصوت بالذكر لمعان منها: إظهار هذه الشعيرة ومعرفة الناس انصراف الإمام بذلك، فقد يكون صوت الإمام غير واضح بسلامه فيسمع برفع الصوت بالذكر ونحو ذلك من المعاني، وأظهرها إظهار هذه الشعيرة. فهذه معان رجحت الرفع على الخفض. وبهذا انتهى من صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين فصل الدرس الثاني والثمانون (يوم الاثنين: 7 / 4 / 1415هـ) هذا فصل في مكروهات الصلاة وشيء من مستحباتها، وكذلك البحث في مبطلاتها.
قال المؤلف رحمه الله: (ويكره في الصلاة التفاته) المكروه هو: ما يثاب العبد على تركه امتثالاً، ولا يأثم على فعله. فيكره في الصلاة الالتفات، أي أن يلتفت عن يمينه وشماله برأسه وهذا باتفاق أهل العلم. أما الالتفات ببدنه فهذا مبطل للصلاة؛ لأنه ينقل عن القبلة، فإذا التفت حتى استدار عن القبلة وانحرف عنها فصلاته باطلة. أما الالتفات برأسه فإنه مكروه كما تقدم، لما ثبت في البخاري عن عائشة قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) (1) والاختلاس هو الاختطاف بسرعة. وفي أبي داود – والحديث حسن – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه) (2) فهذا يدل على كراهيته.
والذي يدل على جوازه للحاجة وزوال الكراهية بها كأن يسمع صوتاً أو حركة فيحتاج إلى الالتفات؛ ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث سهل بن الحنظلية قال: (ثُوِّب بالصلاة – يعني صلاة الصبح – فجعل النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم يصلي ويلتفت إلى الشعب) قال: وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس " (1) فهو مكروه ليس بمبطل للصلاة وهذا مذهب عامة أهل العلم لكن هذه الكراهية تزول حيث اُحتيج إليه. قال: (ورفع بصره إلى السماء) أي يكره رفع بصره إلى السماء وهو يصلي، لما ثبت في البخاري من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو ليتخطفن أبصارهم) (2)
ورواه مسلم من حديث أبي هريرة نحوه (1) ، ورواه أيضاً من حديث جابر بن سمرة وفيه: (لينتهون (2) عن ذلك أو لا ترجع إليهم) (3) وهذا الحديث ظاهره فوق الكراهية، فإن ظاهره التحريم وهو قول في مذهب أحمد، وهو مذهب الظاهرية ومذهب الظاهرية أن الصلاة تبطل به. والراجح أنها لا تبطل فهو محرم لا تبطل الصلاة به. أما كونه محرماً فلظاهر الحديث المتقدم، فإن فيه وعيداً ولا يكون الوعيد إلى على فعل محرم. لكنه لا تبطل به الصلاة خلافاً للظاهرية لأن النهي لا يعود إلى ذاتها، فالصلاة قد ثبتت بشروطها وأركانها وهذا خارج عن ذاتها. إذن الراجح: أنه محرم كما هو قول في المذهب وهو مذهب الظاهرية، والراجح عدم بطلان الصلاة به وهو قول في المذهب خلافاً للظاهرية. قال: (وتغميض عينيه) فيكره في الصلاة تغميض عينيه، فالمستحب له أن يفتحهما واستدلوا: بمجموع الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل وفيها دلالة على أنه كان يفتح عينيه في الصلاة فمن ذلك: أنه كان يرمي ببصره إلى موضع سجوده (4)
، وكذلك أنه كان يرمي ببصره إلى إشارته (1) وكذلك الحديث المتفق عليه في قصة انبجانية أبي جهم وفيه: (فنظر إلى أعلامها نظرة) (2) وكذلك حديث سهل بن الحنظلية المتقدم، فهذه الأحاديث وغيرها بمجموعها تفيد أنه – صلى الله عليه وسلم – كان يفتح عينيه فيها. وكرهه الإمام أحمد وغيره من أهل العلم؛ لكونه من فعل اليهود كما قال الإمام أحمد وسفيان بن عيينة وغيرهم.
فعلى ثبوت ذلك وهو قول هؤلاء الأئمة الذي يتلقى خبرهم بالقبول - على قولهم - يكون ذلك محرماً لأن التشبه باليهود وغيرهم من الكفار محرَّم، لحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) (1) - وذهب طائفة من أهل العلم – كما قال ذلك ابن القيم في زاد المعاد –: إلى إباحة ذلك. واختار ابن القيم التفصيل في هذه المسألة: فقال: إن كان الخشوع يثبت مع فتح عينيه فهو المستحب له، ولا يغمض عينيه. وإن كان أمامه شيء يحول بينه وبين الخشوع كزخرفة وبريق ونحوه يشوش عليه صلاته وكان في تغميض عينيه خشوع فهو المستحب له قطعاً، واستحبابه أقرب إلى مقاصد الشرع من القول بكراهيته. قال شيخنا حفظه الله: " والذي تميل إليه النفس ما ذهب إليه أهل القول الأول مع ثبوت ما ذكروه من فعل اليهود، وحيث كان ذلك فإنه لا يشرع مطلقاً، بل القول بتحريمه أظهر لحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) " ومعلوم أن المصلي غالباً تحول بينه وبين القبلة لا سيما إذا كان في فضاء ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يفتح عينيه. ومع ذلك فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي فتح العينين.
فالأظهر أن ذلك مكروه مطلقاً بل القول بتحريمه قول قوي؛ لأنه من فعل اليهود وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) قال: (وإقعاؤه) فيكره ذلك أي الإقعاء. وصفته: عندهم: أن يجلس على عقبيه فقالوا: هذا مكروه. وأما إقعاء الكلب وهو أن يجلس على أليته (1) وينصب فخذيه فهو مكروه اتفاقاً لحديث عائشة في صحيح مسلم وفيه: (وكان ينهى عن عقبة الشيطان) (2) وهو إقعاء الكلب كما فسره أبو عبيدة وغيره. أما الإقعاء المتقدم – وهو أن يجلس على عقبيه فهو مكروه عند الحنابلة، واستدلوا: بما روى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الإقعاء بين السجدتين) (3) . والصحيح عدم كراهية ذلك وعليه عمل العبادلة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبه ثبتت السنة فقد ثبت في مسلم من حديث ابن عباس: أنه قال له طاووس وسأله عن الإقعاء فقال: (هو السنة، فقال: إنا نراه من جفاء الرجل فقال: سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم) (4) . فهو إذن من السنن الثابتة – وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد – خلافاً للرواية الأخرى المشهورة.
ويكره له أن يعتمد على يديه في الصلاة، لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يقعد الرجل في الصلاة معتمداً على يديه) (1) وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن ابن عمر: (رأى رجلاً وهو يصلي وقد اعتمد على يده اليسرى ومال إلى شقه الأيسر فقال: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون) (2) فهذه الجلسة في الصلاة منهي عنها وهي أن يجلس معتمداً على يديه أو أحدهما. قال: (وافتراش ذراعيه ساجداً) تقدم أن الصفة المستحبة في السجود أن يضع كفيه ويرفع مرفقيه. فإذا افترش ذراعيه بأن يضع مرفقيه على الأرض باسطاً ذراعيه فإن هذا مكروه عند الحنابلة لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) (3) وظاهره تحريم ذلك. قال: (وعبثه) يكره في الصلاة أن يعبث بيديه أو ثوبه أو نحو ذلك؛ لأن في ذلك منافاة للخشوع، وحيث كان كذلك كان مكروهاً وهذا باتفاق أهل العلم. وهذا ما لم يكن هذا العبث كثيراً يخرجه عن الصلاة فإنه يكون مبطلاً لها – كما سيأتي تقريره إن شاء الله. قال: (وتخصره)
التخصر هو أن يضع يديه على خاصرته أي شاكلته وقد صرح المؤلف بكراهيته كما هو المذهب ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يصلي الرجل مختصراً) (1) . وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث زياد بن صُبيح: (أنه صلى إلى جنب ابن عمر فوضع يده على خاصرته فلما انصرف – أي ابن عمر – قال: هذا الصلب في الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنه) (2) وهذا النهي هل هو للتحريم أم للكراهية؟ ظاهر النهي التحريم. وقد صرح الحنابلة بالكراهية، والظاهر تحريم ذلك ويؤكده ما ثبت في البخاري عن عائشة: (أن هذا فعل اليهود في صلاتهم) (3) .
فالراجح أن الاختصار في الصلاة منهي عنه نهي تحريم لأنه من فعل اليهود، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه وظاهر النهي التحريم. قال: (وتروحه) أي تروحه بمروحة ونحوها فيكره ذلك؛ لأنه عبث في الصلاة وينافي الخشوع. لكن إن احتاج إليه كأن يكون هناك حر شديد فيحرك يده بشيء ليحرك الهواء إلى بدنه من غير أن يكون ذلك مبطلاً للصلاة بأن يكون كثيراً عرفاً – فإنه لا بأس به للحاجة إليه أما دون حاجة فهو مكروه لأنه عبث. وأما المراوحة بين القدمين: وهي أن يتكئ على أحد رجليه بثقل بدنه، فتكون القدم الأخرى في راحة من حمل بدنه، ثم يحمل بدنه على القدم الأخرى – هذه تسمى المراوحة. وقد ورد في النسائي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود: (أنه رأى رجلاً وقد رص (1) قدميه فقال: (أخطأ هذا السنة لو رواح في صلاته لكان ذلك أعجب إليّ) (2) . واستدل به الإمام أحمد على استحباب ذلك، لكن الحديث ضعيف للانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه ولكن مع ذلك يقوى القول باستحبابه حيث طال القيام لما فيه من الثبوت على العبادة وتهيئة النفس للاستمرار عليها لأنه إذا فعل ذلك فتكون عنده قدرة على الإطالة أكثر مما لو لم يفعل ذلك. قال الأثرم: (رأيت أبا عبد الله وهو يصلي وقد فرَّج بين قدميه ورأيته وهو يراوح بينهما) فاستحب ذلك الإمام أحمد، ولو قيل باستحبابه لكان قوياً لما فيه من التشجيع على الإطالة. وقوله: (رأيت أبا عبد الله وهو يصلي وقد فرَّج بين قدميه)
هذا هو الأولى، لأن قبل هذا الفعل يجعل القدمين على طبيعتها، وحيث لم يرد نص في قدميه حال القيام فإنه يبقيهما على الطبيعة، وطبيعتهما أن يكونا بحيال المنكبين، فليستا بمرصوصتين بل يكون مفرجاً بينهما. ومما يدل على ذلك: أن المصلي يستحب له أن يلزق كعبه بكعب صاحبه ومنكبيه بمنكبه وحيث كان ذلك فإنه لا يثبت إلا بأن يفرج بين قدميه، فعلى ذلك رص القدمين حال القيام غير مشروع، بل المستحب التفريج بينهما. قال: (وفرقعة أصابعه) أي يكره أن يفرقع أصابعه في الصلاة، لأنه عبث وهو – أي العبث – مكروه اتفاقاً. وفي ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: (أن شبيبة مولى ابن عباس صلى إلى جنب ابن عباس ففقع أصابعه فلما انصرف قال له ابن عباس: لا أم لك تفقع وأنت في الصلاة) (1) فهذا إنكار منه لذلك يدل على أنه مكروه. قال: (وتشبيكهما)
فتشبيك الأصابع مكروه، لما ثبت عند الدارمي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد فهو في صلاة فلا يفعل هكذا وشبّك بين أصابعه) (1) فإذا كان يكره له هذا وهو في طريقه إلى المسجد لكونه في حكم المصلين، فأولى من ذلك أن يكره أثناء الصلاة. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن ابن عمر سئل عن التشبيك في الصلاة فقال: (تلك صلاة المغضوب عليهم) (2) ويحتمل أن يكون المراد بهم اليهود لأنهم هم المغضوب عليهم وحيث كان هذا فهو يقوي التحريم لأنه تشبه بهم. وحيث قلنا بالإطلاق أي عامة المغضوب عليهم فينهى العبد عن التشبه بهم لحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) ، وظاهر الحديث: (فلا يفعل هكذا، وشبك بين أصابعه) ظاهره التحريم. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثالث والثمانون (يوم الثلاثاء: 8 / 4 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأن يكون حاقناً)
فيكره أن يصلي وهو حاقن، والحاقن: هو المحتسب بوله ومثله من احتبس غائطه أو ريحه، فإن الصلاة تكون مكروهة في هذه الحال، لأن هذا ينافي كمالها ويؤثر في الخشوع بها والإقبال على الله فيها. ويدل عليه: ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) (1) أي الغائط والبول ومثل ذلك الريح فإن الصلاة تكون مكروهة. لكن الصلاة تصح إجماعاً كما حكاه ابن عبد البر. ولهذا الإجماع فإن الحديث يؤول على (لا صلاة كاملة) أو - لو قلنا بالتحريم - (لا صلاة جائزة) ولا يقال: (لا صلاة صحيحة) لإجماع أهل العلم على صحة الصلاة فهذا الفعل مكروه أو محرم لظاهر الحديث المتقدم لكن الصلاة صحيحة إجماعاً. قال: (أو بحضرة طعام يشتهيه) أي تتوق إليه نفسه، فإن الصلاة مكروهة أيضاً للحديث المتقدم: (لا صلاة بحضرة طعام) ، ولما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قدم العشاء فابدؤا به قبل أن تصلوا المغرب ولا تعجلوا [عن] عشاءكم) (2) وثبت في البخاري نحوه من حديث ابن عمر – نحوه – وفيه: (وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة، فلا يعجل عن عشائه حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الإمام) (3) .
وثبت في ابن شيبة بإسناد صحيح: (أن ابن عباس وأبا هريرة كانا يأكلان طعاماً في التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم فقال له ابن عباس: لا تقم لئلا نعجل وفي أنفسنا شيء) وفي رواية (لئلا يعرض في الصلاة) (1) . وفي هذا الأثر الصحيح يتبين أن هذا إنما هو خاص فيما إذا كان الطعام تتوق إليه النفس ويشتهى، وللنفس حاجة إليه – فيخشى أن يعرض في الصلاة فيؤثر في خشوعها، ومما يدل أنه ليس في مطلق الطعام ما ثبت في البخاري من حديث عمرو بن أمية قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل كتفاً يجتز منها فدعي إلى الصلاة فطرح السكين فصلى ولم يتوضأ) (2) . فهذا يدل على أنه إذا كان عنده طعام لا يشتهيه وليس للنفس حاجة فيه فإنه يصلي. وإنما الذي ينهى عن الصلاة حيث وجد هو الذي تتوق إليه النفس (3) . ومثل ذلك الشراب والجماع قياساً وقال صاحب الإنصاف: " بل هما أولى بالكراهية ". فعلى ذلك يكره له أن يصلي حاقناً أو بحضرة طعام يشتهيه وإن أدى ذلك إلى فوات الجماعة.
لكن إن أدى ذلك إلى خروج وقت الصلاة فلا، لأن فوات الخشوع أهون من خروج وقت الصلاة وفواتها فإنه إذا صلاها بعد الوقت فإنه يكون قد خرج عليه وقتها، ولا شك أن فوات الخشوع أهون من فوات الصلاة. فعلى ذلك: لا صلاة حيث كان الوقت متسعاً، أما إذا كان ضيقاً ويخشى خروج الوقت وفوات الصلاة فإنه يصلي على حاله ويجب عليه ذلك لئلا يخرج وقت الصلاة. قال: (وتكرار الفاتحة) فهو مكروه في الصلاة، وذلك لأنه (1) لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يكررها بل يقرؤها في كل ركعة من صلاته بلا تكرار وحيث كان ذلك، فإن هذا الفعل من المكرر خلاف هديه عليه الصلاة والسلام وحيث كان ذلك فهو محدث في الدين. قال: (ولا جمع سور في فرض كنفل) أي لا يكره جمع سور، فلو جمع السور في الركعة فلا يكره ذلك، وقد تقدمت الأدلة على ذلك كقراءته – صلى الله عليه وسلم – البقرة والنساء وآل عمران في ركعة (2) وكقول ابن مسعود: إنه يعرف القرائن التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بها في الصلاة (3) . وقراءة الرجل بقل هو الله أحد وسورة في كل ركعة (4) . فلا يكره أن يجمع بين السورتين فأكثر في الركعة، لا كراهية فرضاً ولا نفلاً كما تقدم في الأحاديث. وإنما قال: (كنفل) لأن النفل مجمع عليه، فكذلك الفرض؛ لأن ما ثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً، فلم يثبت دليل يدل على التخصيص.
على أن الأحاديث الواردة في هذا الباب منها ما هو في الفريضة كما كان من الإمام الذي يفتتح قراءته بعد الفاتحة بـ {قل هو الله أحد} فإنها كانت في الفريضة (1) . ومما يكره له الإكثار من تسوية التراب حيث يسجد، فإنه مكروه أو خلاف الأولى. لما ثبت في الصحيحين من حديث معيقيب أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سئل عن الرجل يسوي التراب حيث يسجد فقال: (إن كان لابد فاعلاً فواحدة) (2) ، أما الإكثار من ذلك فإنه مكروه أو خلاف الأولى فإن كان لابد فاعلاً فليكتفي بواحدة يسوي بها التراب وإلا فإنه ينبغي أن يسوي التراب قبل صلاته لئلا ينشغل بتسويته أثناء الصلاة. ومثل ذلك – أيضاً – مسح التراب عن الجبهة فإنه خلاف الأولى.
يدل عليه: ما رواه البيهقي عن ابن مسعود أنه قال: (أربع من الجفاء أن يبول الرجل قائماً " والسنة وردت بخلاف ذلك والحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره " وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره ومسح التراب عن جبهته وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه [في قوله] ) (1) فهذه هن الجفاء وهو غير مشروع في الصلاة فعلى ذلك هو خلاف الأولى أو مكروه. فيكره أن يمسح التراب عن وجهه وهو يصلي وأولى من ذلك الإكثار منه لما فيه من الانشغال والإقبال على أمر آخر في الصلاة.
ويكره ألا يكظم التثاؤب أو أن لا يضع يده على فيه، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تثاءب أحدكم - في الترمذي: في الصلاة - فليكظم ما استطاع) وفي مسلم: (فليمسك يده على فيه فإن الشيطان يدخل) (1) قالوا: ويكره له أن يصلي إلى نار أو قنديل أو نحو ذلك كأن يصلي إلى مدفئة ونحوها مما هو نار. وظاهر ذلك – وهو قول – أنه يكره أن يصلي إلى شيء من الضوء وإن كان متولداً من كهرب ونحوه لأنه نار، فهذا كله مكروه، وهو مذهب الشافعية أيضاً. واستدلوا بأن هذا من فعل المجوس من كونهم يصلون إلى نيرانهم فيكون في ذلك تشبه بهم. وهو قول طائفة من السلف كابن سيرين ومقتضى هذا التعليل التحريم؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم.
وظاهر تبويب البخاري جواز ذلك حيث قال: (باب: من صلى وقدامه شيء من تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله) وذكر الحديث في صلاة الكسوف وفيه: (وعرضت لي النار وأنا أصلي) (1) فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرضت له النار فكانت بين يديه وهو يصلي، ولو كان ذلك مكروهاً لما كان ذلك بين يديه. وما ذهبت إليه البخاري أظهر وذلك لما استدل به من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولما ثبت في سنن النسائي وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (استتر بشجرة وصلى إليها) (2) ومعلوم أن الشجرة تعبد من دون الله. وهذا العبد يصلي وبين يديه الأحجار، بل الكعبة التي يتوجه إليها المسلمون إنما هي من الأحجار، ومعلوم أن الأحجار تعبد من دون الله: لكن العبد أراد بتوجهه الله تعالى. وأما ما ذكروه من أن ذلك فيه تشبه بالمجوس. فيجاب عنه: أن هذه النار التي عرضت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأن هذا القنديل الذي يصلي إليه العبد ونحو ذلك أنه ليس هو ذات النار التي تعبد من دون الله.
فإن النار أنواعها كثيرة، وأما النار التي عبدت من دون الله فهي بخصوصها ينهى عن التوجه إليها، وأما أن يتوجه إلى نار أخرى فإنه لا يقال: إنه توجه إلى شيء يعبد من دون الله بذاته بل توجه إلى جنس ذلك. فالنار التي تعبد من دون الله لا يجوز للعبد أن يصلي إليها لما فيه من التشبه بالمجوس، وأما عموم النار فإنه لا يمنع من ذلك؛لأن من النار ما لا يتوجه إليه ولا يصرف العبادة إليه. كما أنه لو صلى بين يديه صنم يعبد من دون الله فإنه يمنع من ذلك، " فإن صلى وبين يديه حجارة ونحو ذلك لا يعبد، فلا يمنع من ذلك " (1) . فالأرجح ما ذهب إليه البخاري في صحيحه، هو ظاهر تبويبه، وأن الصلاة إلى قنديل أو نار أو شمعة أنه ليس بمكروه خلافاً للشافعية والحنابلة. قال: (وله رد المار بين يديه) بل يسن له ذلك، فإن ظاهر لفظه " له " أنه يباح لكن ذلك مسنون ومستحب عند الحنابلة في المشهور عندهم لذا ذكر الشارح في الشرح بعد لفظة " ويسن ". ودليل ذلك، ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان) (2) وفي مسلم من حديث ابن عمر: (فإن معه القرين) وبه يفسر قوله " فإنما هو شيطان " أي معه شيطان أو القرين. أو أنه فعل ما يفعله الشيطان من تنقيص صلاة العبد وصرف قلبه عنها بمروره بين يديه.
فيشرع له أن يدفع المار بين يديه، فإن أبى فليقاتله أي يدفعه دفعاً شديداً، ومما يدل على أن المراد ذلك قصة هذا الحديث فقد بين في الصحيحين: (أنه صلى في يوم جمعة وبين يديه شيء يستره من الناس فأراد شاب من بني أبي مُعيط أن يجتاز بين يديه فدفعه في نحره فنظر الشاب فلم يجد مساغاً فعاد يجتاز فدفعه أشد من الأولى) (1) وحينئذٍ: لو ترتب على دفعه أذى في بدنه فإنه لا يضمنه لأن ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون. - وعن الإمام أحمد: وجوب ذلك وهو الراجح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فليدفعه " وظاهر الأمر الوجوب. إذن: عن الإمام أحمد روايتان: أصحهما وهي غير المشهورة عنه وجوب ذلك لظاهر الحديث وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه) (2) فلا يجوز له أن يمر بين يدي المصلي سواء كان بين يديه سترة أم لا، بأن يمر بين يديه في موضع صلاته. وللمصلي اتفاقاً دفعه إن مر وهل هو واجب أو مستحب؟ الراجح وجوبه كما هو رواية عن الإمام أحمد. قال: (وعد الآي) له أن يعد آيات القرآن التي يقرؤها، وهو وارد عن طائفة من السلف؛ وهل له أن يعد التسبيح فيه قولان في المذهب، وقد توقف الإمام أحمد فيه لعدم وروده عن أحد من السلف، وأجازه طائفة من أصحابه. فعلى ذلك: عد الآي وجه واحد في المذهب أنه مباح وليس بمكروه، وأما التسبيح فهل يكره أم يباح؟ قولان في المذهب: الصحيح في المذهب عندهم أنه يباح أيضاً. وذهب الشافعية والأحناف: إلى أنه مكروه.
وهذا أظهر فإن فعل طائفة من السلف من التابعين لا يفيد إباحته حيث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد ثبتت الأدلة في أن الصلاة شغل وإقبال إلى الله تعالى وحيث انشغل في العد فإن ذلك انشغالاً عن الصلاة وعن إتمام خشوعها والخضوع لله فيها. وهو متى قام بالواجب فإن الله عز وجل يجازيه على ما فعله بعده وإن لم يعرف حسابه، ولو فعل ذلك فإن الصلاة صحيحة لكنه مكروه. قال: (والفتح على إمامه) أي: وله الفتح على إمامه، بأن يفتح عليه في قراءته. فإذا لُبس على الإمام في القراءة، فيشرع له أن يفتح عليه بأن يرد عليه ما أخطأ فيه في قراءته. ودليل ذلك: ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى صلاة فلُبس عليه فيها، فلما انصرف قال لأُبي أصليت معنا؟ قال نعم قال: " ما منعك " أي ما منعك أن تفتح عليَّ في الصلاة) (1) . إلا أن التعجل في ذلك بحيث يكون في ذلك تلبيس على الإمام هذا غير مشروع، بل يترك الإمام حتى يتبين أن الخطأ عنده صواب وأنه يظن هذا الخطأ صواباً. أما حيث كان في مهلة من أمره وهو ما زال يمكنه أن يصلح خطأه كأن يخطئ في صدر آية وهو لم يصل إلى منتصفها أو آخرها فهو ما زال يمكن أن يصلح خطأه فلا ينبغي التعجيل في ذلك.
وقد قال علي – في البيهقي بإسناد صحيح – " إذا استطعمك الإمام فأطعمه " (1) أي إذا طلب منك أن تفتح عليه فافعل. والفتح على الإمام بالفاتحة واجب، لأن الصلاة لا تصح إلا بها، وحيث أخطأ الإمام في الفاتحة فإن الصلاة تبطل بذلك. وأما غير الفاتحة فإن ذلك مشروع حيث كان الإمام محتاجاً إليه للحديث المتقدم في قصة أبي بن كعب. قال: (ولبس الثوب ولف العمامة) هذا لا بأس به في الصلاة. فلا بأس أن يلبس ثوبه، كأن يقع ردائه فيرفعه إلى عاتقه أو أن يلبس عمامته هذا لا بأس به ولا كراهية إذا احتاج إليه لأنه عمل يسير في الصلاة والعمل اليسير في الصلاة مباح لا كراهية فيه إلا إذا لم يحتج إليه فإنه يكره لكونه عبثاً فيها. ومما يدل عليه حديث حمل النبي صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب في الصلاة (2) . ولما ثبت في أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (فتح لعائشة الباب وهو يصلي) (3)
فالحركة اليسيرة إذا احتاج إليها المصلى فلا بأس بها ولا كراهية لأنها عمل يسير فيباح في الصلاة ولا كراهية إذا احتاج إليه.أما إذا لم يحتج إليه فإنه يكره لأنه عبث، وكل عبث في الصلاة فهو مكروه كما تقدم. والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والثمانون (يوم الأربعاء: 9 / 4 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله: (وقتل حية وعقرب وقمل) أما الحية والعقرب؛ فلثبوت النص بذلك، فقد ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب) (1) ويقاس عليهما القمل ونحوه مما فيه ضرر ويجوز قتله، فيقاس عليه وقد ثبت عن طائفة من الصحابة والتابعين. والحديث إنما يقيد بحيث لا تختل الصلاة، فإن اختلت الصلاة، فاحتاج قتل الحية والعقرب إلى عمل كثير ينافي الصلاة فإنه يبطل الصلاة، وهذا مذهب جماهير أهل العلم. لقوله صلى الله عليه وسلم: (في الصلاة) ، وظاهره أن ذلك في الصلاة مع ثبوتها، وجبت كان قائماً بعمل كثير ينافي الصلاة فإنه يكون خارجاً عنها، قياساً على إنقاذ الغريق، فإنه إن احتاج إلى إنقاذه وهو يصلي ولا يمكن أن ينقذه إلا بعمل كثير يبطل الصلاة، فيبطلها وينقذه. هذا تقرير مذهب جماهير أهل العلم، وأن قتل الحية والعقرب إنما يكون حيث كانت الصلاة ثابتة ولم يكن هذا القتل بفعل كثير عرفاً يبطلها، فإن كان بفعل كثير يبطلها، فإن الصلاة تبطل. قال: (فإن أطال الفعل عرفاً من غير ضرورة ولا تفريق بطلت ولو سهواً)
فمرجع معرفة الطويل والقصير في الصلاة هو العرف وهي قاعدة شرعية: في كل ما لم يثبت تحديده في الشرع فإنه يرجع في تحديده إلى العرف ويرجع فيه إلى أوساط الناس وقد اتفق أهل العلم على أن العمل الكثير مبطل للصلاة وأن العمل اليسير ليس بمبطل لها. وقد تقدمت أمثلة للعمل اليسير كأن يفتح باباً أو يلبس ثوباً أو نحو ذلك. فالعمل الكثير يقطع الصلاة اتفاقاً؛ لأنه ينافي الصلاة ويقطع موالاتها، وهو ليس على الهيئة الشرعية ولا مما أجازه الشارع فيها، وحيث كان كذلك كانت الصلاة خارجة عن الهيئة الشرعية الصحيحة وكل عمل خارج عن هديه – صلى الله عليه وسلم – فهو مردود. قال: (من غير ضرورة) : وعليه: فإن كان مضطراً إلى فعل كثير في الصلاة فإن الصلاة لا تبطل بذلك، كأن يكون هارباً من عدو أو سبع ونحوه فإنه يصلي على هيئته وحسب حاله، وإن كان في الصلاة عمل كثير ينافيها في الأصل لكنه مضطر إلى ذلك فتصح صلاته. كما أجاز الشارع الصلاة حال الخوف رجالاً وركباناً كما سيأتي في باب صلاة الخوف – إن شاء الله تعالى -. قال: (ولا تفريق) : بأن كان هذا الكثير متوالياً أما إن كان بمجموعه كثير لكنه بآحاده يسير (1) ، كأن يعمل عملاً يسيراً في الركعة ثم يعود إليها ثم يعمل عملاً يسيراً في الركعة الثانية وهكذا – ويكون هذا اليسير بمجموعه كثيراً فلا تبطل الصلاة به. لأنه حيث لم يبطلها وهو يسير بمفرده فلا يبطلها وهو كثير بمجموعه، فما دام أن الصلاة صحت مع ثبوت العمل اليسير فيها بمفرده فكذلك لا يبطلها بمجموعه، فهذا عندما يفعل فعلاً يسيراً ثم يعود إلى صلاته فهي صحيحة، وإذا فعل فعلا آخر يسيراً ثم عاد فالصلاة صحيحة، وهو لم يقطع موالاتها بمفرده فكذلك إذا كان متفرقاً لكنه بمجموعه كثيرة عرفاً. (بطلت ولو سهواً) :
فلو عمل عملاً كثيراً في الصلاة ساهياً فإن الصلاة تبطل، وهذا هو المشهور في المذهب وعللوا ذلك بما تقدم: من انقطاع الموالاة. - وعن الإمام أحمد: أن العمل الكثير الساهي صاحبه لا يقطع الصلاة بل تصح الصلاة مع العمل الكثير إن كان صاحبه ساهياً. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين في قصة ذي اليدين وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الركعتين ساهياً ومشى وخرج من المسجد وأتى بيته ثم بعد ذلك أتم صلاته) (1) فقد قام أثناء الصلاة بعمل كثير عرفاً خارج عن الصلاة منافياً لها، ومع ذلك لم تبطل به الصلاة بل أتم صلاته لكونه ساهياً – وهذا هو الظاهر – وهو اختيار المجد بن تيمية.
وأما مسألة الموالاة فإنها ليست هي العلة التي من أجلها أبطلت الصلاة، بدليل أن العمل اليسير لا يبطلها مع كونه قاطعاً للموالاة، فإن العمل اليسير فعل يجانب الصلاة، ومع ذلك فإنه لا يبطلها، وحيث لم يبطلها، فإن العمل الكثير لا يبطلها إن كان صاحبه ساهياً؛ لأنه فعل ما هو منافي للصلاة من غير تقصير ولا تعمد، وحينئذ [حيث] كان كذلك، فإنه لا يعد فاعلاً شيئاً. والحديث المتقدم ظاهر في ذلك فإنه عمل كثير ومع ذلك لم يعد الصلاة ولم يستأنفها وقد عمل عملاً كثيراً منافياً الصلاة لكنه ساهياً. إذن الراجح: أنه إذا عمل عملاً كثيراً في الصلاة ساهياً فلا تبطل صلاته. قال: (ويباح قراءة أواخر السور وأوساطها) أي يباح للمصلي أن يقرأ من أواخر السور وأوساطها سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً. لما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر في الأولى {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} وفي الثانية: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء …} (1)
ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) (1) وأوساط السور وأواخرها مما تيسر. وقد تقدم أن هذا مباح، لكن اتخاذه عادة وسنة خلاف الأولى، لأن في ذلك تركاً للسنة، فكونه يقرأ من أواخر السور وأوساطها مداوماً على ذلك، ففي ذلك ترك لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من قراءة السور بتمامها، ومما كان ظاهراً وغالباً في صلاته – عليه الصلاة والسلام -. فإذن: هو مباح لكن إذا داوم عليه فهو خلاف الأولى مع كونه مباحاً. وقد تقدم حديث زيد بن ثابت وإنكاره على مروان لأنه يداوم على قصار السور في المغرب. قال: (وإذا نابه شيء سبح رجل وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى) إذا عرض شيء في الصلاة كسهو إمام أو تنبيه أو نحو ذلك فيقول الرجل " سبحان الله " وتصفق المرأة. وصفة التصفيق ببطن كفها على ظهر الأخرى هذه هي الصورة المشروعة، ونحوها كأن تضرب ببطن أصبعين من أحدهما على كف الأخرى. أما ضرب بطن أحدهما بالأخرى فإنه تصفيق وهو من اللهو واللعب المحرم. ومثل ذلك: ما قال: عيسى بن أيوب كما في سنن أبي داود وهو من رواة هذا الحديث قال: (تضرب بأصبعين من اليمينى على كفها اليسرى) وفي رواية أبى داود: (تصفيح) (2) . والتصفيح: بأن يضرب بطن أحدهما بظهر الأخرى أو بأصبعين من أحدهما على كف الأخرى.
أما التصفيق المتقدم فهو من اللهو واللعب في الصلاة وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) (1) وفي رواية: (في الصلاة) (2) وفي رواية: (إذا نابكم أمر فليسبح الرجال ولتصفق النساء) (3) . ولا يستحب له أن يعدل إلى غير التسبيح كالنحنحة قد روى النسائي وابن ماجه عن علي قال: (كان لي من النبي صلى الله عليه وسلم مدخلان فكنت إذا أتيتبه وهو يصلي تنحنح لي) (4) لكن الحديث إسناده ضعيف ففيه جهالة عين فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (ويبصق في الصلاة عن يساره، وفي المسجد في ثوبه)
لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبصق بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه) (1) متفق عليه. فإن كان عن شماله مأموم فإنه يبصق تحت قدمه، لما ثبت في رواية للبخاري: (فليبصق عن يساره أو تحت قدمه) (2) . وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أخذ طرف ثوبه فبصق فيه ثم رد بعضه وقال: (أو يفعل هكذا) (3) ففي المسجد يبصق في ثوبه لأنه بقعة ظاهرة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (البصاق (4) في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) (5) فإذن في المسجد يبصق في ثوبه، وأما في غير المسجد فإنه يبصق عن يساره أو تحت قدمه. والحمد لله رب العالمين. الدرس الخامس والثمانون (يوم السبت: 12 / 4 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ويسن صلاته إلى سترة قائمة كمؤخرة الرحل) هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب جماهير العلماء وأن السترة في الصلاة سنة وليست بواجبة. وقد اتفق أهل العلم على مشروعية السترة، والسنة ظاهرة في ذلك وأن السترة سنة في الصلاة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعها حضراً ولا سفراً. وإنما اختلف العلماء في هل تجب أم لا؟ قولان:
فذهب الجمهور: إلى أن الصلاة إلى السترة سنة. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (أقبلت راكباً على أتان وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فمررت من بين يدي بعض الصف وأرسلت الأتان ترتع فلم ينكر ذلك علي أحد) (1) وروى أحمد في مسنده عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى في فضاء وليس بين يديه شيء) (2)
وروى أحمد والنسائي وأبو داود عن الفضل بن عباس قال: (أتانا النبي صلى الله عليه وسلم وعباس في بادية لنا، فصلى في صحراء وليس بين يديه سترة، وحمارة وكلبة لنا تعبث بين يديه) (1) 2 - وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو مذهب البخاري وطائفة من أهل العلم: إلى وجوب السترة. واستدلوا: بما ثبت في أبي داود والنسائي ومسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته) (2) وظاهر الأمر الوجوب.
وروى أحمد والحاكم - والحديث حسن – من حديث سبرة بن معبد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم) (1) قالوا: فهذه أحاديث ظاهرها الوجوب، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أنه تركها حضراً ولا سفراً. وأما ما ذكره أهل القول الأول: فالحديث الأول حديث صحيح غير صريح، والحديثان بعده ضعيفان لا يثبتان عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما كون حديث ابن عباس حديث صحيح فلثبوته في الصحيحين. أما كونه غير صريح؛ فلأنه نفى أن يكون قد صلى إلى جدار وإنما نفى أنه صلى إلى جدار ولم ينف أنه صلى إلى سترة وظاهر لفظة " غير " أنه قد صلى إلى شيء، فإن لفظة " غير" في الغالب أنها تأتي صفة وهي هنا صفة لمحذوف تقديره " شيء " أي إلى شيء غير جدار. فالحديث ليس فيه نفي السترة مطلقاً وإنما نفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى جدار يحجز بينه وبين الدواب أن تمر بين يديه.
ومعلوم أن المصلي إذا صلى إلى سترة غير جدار فإن الدواب قد تمر بين يديه فيحتاج إلى دفع منه، بخلاف ما إذا صلى إلى جدار فإنه يحجز بينه وبينها فلا يحتاج إلى دفع وقد مر ابن عباس بالحمار بين يدي بعض الصف لعدم وجود الحاجز والجدار، فلم تكن الصلاة في مبنى ذي جدران يحجز المصلين عن مرور الدواب. وأما الحديث الثاني فإن فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، وأما الحديث الثالث ففيه انقطاع وجهالة. قالوا: فهذه أحاديث ضعيفة لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا حديث صحيح غير صريح، فلا يعارض أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك فيبقى الأمر محكماً وأن ذلك للوجوب. ومما يقوي ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوقوف عن أن يمر بين يدي المصلي ونهاه عن ذلك وقال: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه) (1) وترك السترة بين يديه ذريعة لمرور الناس بين يديه فيقعون في محرم، ويقطعون من صلاته ما يقطعون. وقد قال ابن مسعود – في المرور بين يدي المصلي -: " يقطع نصف الصلاة " (2) فإذا مر أحدهم بين يديه فإنه مع تفريطه في ذلك يذهب عنه نصف أجر صلاته. قال: (كمؤخرة الرحل)
ظاهره أن هذا هو القدر المجزئ وأنه مثل مؤخرة الرحل وهي ما يتكئ عليه راكب الإبل، فإنه يتكئ على خشبة نحو الذراع، فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سُئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي فقال: مثل مؤخرة الرحل) (1) وفي مسلم – أيضا – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقطع الصلاة المرأة والحمار – والكلب ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل) (2) وظاهره هذه الأحاديث أن المجزئ – مع القدرة ذلك – أي طولاً. واختلف العلماء في قدر المؤخرة: فعن الإمام أحمد: أنه ذراع، وهو مذهب الأحناف وهو قول عطاء، قال عطاء – في سنن أبي داود - في مؤخرة الرحل قال: (ذراع فما فوق) (3) . وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية والمالكية: أنه قدر عظم الذراع أي بإخراج الكف من اليد.
والأظهر – كما قرر ذلك الموفق – أن هذا إنما هو على سبيل التقريب لا على سبيل التحديد، وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كمؤخر الرحل) سواء كان ذلك ذراعاً فما فوق [أو] فما دونه بقليل لا حرج في ذلك وأنه ذكر على سبيل التقريب لا على سبيل التحديد. بدليل الاختلاف في مؤخرة الرحل – طولاً – في الحقيقة والواقع فإنها ليست بقدر واحد بل هي مختلفة فيها الذراع وفيها ما هو فوق ومنها ما هو دون. فعلى ذلك: القدر المجزئ في الطول أن تكون كمؤخرة الرحل ذراعاً فما فوق أو عظم الذراع فما فوق. وأما من حيث غلظها، فإن الحديث الذي في المستدرك ومسند أحمد – يدل على أنه لا يشترط لها حجماً محدداً في الغلظ بل لو كانت كسهم أو نحوه فلا بأس – في قوله: (ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم) (1) . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم – كما ثبت في الصحيحين -: (كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه وكان يفعل ذلك في السفر ومن ثم اتخذها الأمراء) (2) والحربة أدق من مؤخرة الرحل. وثبت أنه كان يصلي إلى العنزة كما ثبت في البخاري (3) وغيره. فعلى ذلك: كل ذلك جائز ولا يشترط أن يكون محدداً في العرض – بل لو كان ذلك دقيقاً فلا حرج. وهذا حيث كان قادراً، وإلا فلو كانت دون ذلك وهي التي قد قدر عليها فإنه لا بأس بذلك ولا حرج. قال: (فإن لم يجد شاخصاً فإلى خط)
أي إن لم يجد شاخصاً يضعه بين يديه من خشب أو حجر أو شجر أو سارية أو نحو ذلك، ومثله لو صلى وبينه وبين القبلة آدمي، فقد ثبت في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: أن ابن عمر يقولون لنافع إن لم يجد سترة: (ولني ظهرك) (1) وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة (2) – كما ثبت في الصحيحين –، وكان الصحابة يتبادرون سواري المسجد فيصلون إليها (3) كما في البخاري. وثبت في النسائي أنه صلى إلى شجرة (4) .
فالمقصود: أنه يصلي إلى شاخص مثل مؤخرة الرحل فما فوق ولا ينظر إلى كونه دقيقاً أو غليظ فإن تحديد ذلك ليس بشرط في الإجزاء بل هو ليس شرطاً في ثبوت السنية والاستحباب؛ لثبوت ذلك كله عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: (فإلى خط) : دليله: ما رواه أحمد وأبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يجد فليخط خطاً ثم لا يضره ما مَّر بين يديه) (1) لكن الحديث إسناده ضعيف مضطرب، ففيه جهالة، مع الاضطراب الوارد في سنده وهو من حديث أبي محمد محمد بن عمرو بن حُريث (2) عن جده، على أثبت الأسانيد في ذلك وهما مجهولان. ولذا ضعفه ابن عيينة والبخاري وغيرهم، فالحديث ضعيف. وكرهه الشافعي في قوله الجديد، وكذلك الأحناف والمالكية، وكرهه – كذلك – الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه – وهو الراجح؛ لأن الحديث الوارد في الخط ضعيف لا يثبت. فعلى ذلك: لا يشرع له أن يخط خطاً فأن لم يجد شيئاً شاخصاً فإنه يصلي حسب حاله، ويكون قد سقط عنه وجوب ذلك أو سنيته على القول بها. والمشهور عن الإمام أحمد: أن الخط يقوس كالهلال. وقيل: أنه يوضع طولاً. وقيل: عرضاً.
ولا دليل على شيء من ذلك فالخط مطلق، وإن كان أقربها أن يكون عرضاً؛ لأنه ظاهر الإطلاق، لكن الحديث ضعيف كما تقدم. وفي قوله: (فليجعل تلقاء وجهه) : ظاهره أن السترة تكون بين يديه وهو ظاهر الأحاديث، كما تقدم في المتفق عليه من حديث ابن عمر وفيه: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالحربة فتوضع بين يديه " ظاهر ذلك أنها تكون قبلته وتلقاء وجهه. - لكن المشهور في المذهب أنه لا يستحب أن يصمد إليها صمداً أي لا يتوجه إليها توجهاً تاماً بل يجعلها إلى حاجبه الأيمن أو الأيسر. لما روى أحمد وابن ماجه (1) من حديث المقداد بن الأسود: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما صلى إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله تلقاء حاجبه الأيسر أو الأيمن ولا يصمد له صمداً) (2)
لكن الحديث ضعيف فيه: الوليد بن كامل البجلي الشامي وهو ضعيف فلا يستدل به. ونبقى على ظواهر الأحاديث المتقدمة، وأنه يجعل السترة إلى تلقاء وجهه دون ما تقدم. * واعلم أن ظاهر الأحاديث أن السترة مشروعة في مكة وغيرها من غير استثناء لمكة بل هي كغيرها في مشروعية السترة ورد لمار بين يدي المصلي وغير ذلك لعمومات النصوص الشرعية الواردة في ذلك. ومعلوم أن ترك البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو كان الاستثناء وارداً لصح في ذلك حديث، ولم يثبت عنه في ذلك شيء. والمشهور في المذهب خلاف ذلك وأنه لا بأس بترك السترة في مكة، وكذلك رد المار لا يكون فيها لازدحام الناس فيها. ومذهب الشافعية والمالكية خلاف ذلك وأن مكة كغيرها، وهو الراجح لظاهر الأحاديث. وأما كون مكة تكون محلاً للازدحام فإننا نخصص الأوقات التي يزدحم الناس فيها بحيث يشق رد المار كأن يكون ذلك في حج أو في مواسم، ففي هذه الحال لا بأس بالقطع لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وهذه مشقة عامة، بخلاف المشقة الخاصة التي يلحق الواقف نفسه فيها مشقة خاصة لا يترتب عليها إلا فوات بعض المصالح المترتبة عليه أو نحو ذلك، أما هنا فقد ترتب عليها مفاسد كبيرة وأذية لعموم الناس. فحينئذ لا يقال بالمنع فيها عند ازدحام الناس. وأما إن لم يكن هناك ازدحام شديد وكانت مكة كغيرها من المساجد في الازدحام فإنه يجب وضع السترة ورد المار بين يدي المصلي. قال: (وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط) البهيم هو الذي لا يخالطه غير لونه الظاهر فالأسود البهيم هو الذي ليس فيه إلا السواد، وهذا في كل الألوان فالبهيم هو ما كان لوناً لا يخالط بغيره. فالكلب الأسود البهيم، ومثله – على الراجح – ذي النقطتين وهو ما يكون بين عينه نقطتان فهو شيطان كما ثبت في الحديث وأمر بقتله، فهذه كلها قاطعة للصلاة.
ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل) (1) وفي مسلم من حديث أبي ذر الغفارى قال: (والكلب الأسود شيطان) (2) وفيه أنه قد قيد الكلب بالأسود. وهذا الحديث المتقدم ظاهره أن هذه الثلاث تقطع الصلاة وهو رواية عن الإمام أحمد " الرواية الأخرى " وهو اختيار المجد وشيخ الإسلام وتلميذه، وقال ابن تيمية: " وهو مذهب أحمد " (3) أي هو المذهب الذي ينبغي أن يثبت إليه ففيه قولان في المذهب: القول الأول: أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم. القول الثاني: أن الثلاث كلها قاطعة للصلاة لعموم الحديث المتقدم وهو الأرجح. وإنما استثنى - من القول بقطع الصلاة - الحنابلة الحمار والمرأة؛ لأن الحمار قد تقدم في حديث ابن عباس أنه مر بين يدي بعض الصف فلم ينكر ذلك. فدل على أن مروره بين يدي المصلي لا يقطع حيث لم ينكر ذلك. وأما كون المرأة لا تقطع الصلاة: فلما ثبت في الصحيحين عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل وهي معترضة بين يديه اعتراض الجنازة) (4) . وحيث ثبت ذلك فلا يبقى إلا الكلب الأسود البهيم فهو قاطع للصلاة دون غيره. والراجح ما تقدم: واستدلوا بالعموم المتقدم. وأجابوا عن الحديثين:
أما حديث ابن عباس: فإنه قد مر بين يدي بعض المأمومين من الصف والإمام كان بين يديه سترة – كما تقدم ترجيحه – وحيث كان ذلك فإن سترة الإمام سترة لمن خلفه، فمرور شيء من قاطعات الصلاة بين يدي المأمومين - وهم يأتمون بالإمام، والإمام له سترة - هذا لا يقطع صلاة المأموم. فسترة الإمام سترة لمن خلفه، فإذا مر بين يديه شيء فكأنه قد مر من وراء السترة لأنه غير مبطل لصلاة الإمام فلم يكن مبطلاً لصلاة المأموم. واستدلوا: بحديث ابن عمر المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يأخذ الحربة فيضعها بين يديه ويصلي وراءه الناس) (1) وليس فيه أن الناس كانوا يتخذون السترة، وإنما كانوا يأتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيصلون وراءه وقد اتخذ سترة ولا سترة لأحد منهم، فدل على أن سترة الإمام سترة لهم، وهو مذهب عامة أهل العلم. وبوب البخاري باباً بهذا اللفظ: (وأن سترة الإمام سترة لمن خلفه) وفيه حديث عند الطبراني في الأوسط (2) فيه سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر (3) بهذا اللفظ وإسناده ضعيف أيضاً. وعامة أهل العلم عليه؛ للحديث المتفق عليه المتقدم. فعليه: هذا الحديث الذي رواه ابن عباس: إنما لم تبطل صلاة البعض من المأمومين حيث مر الأتان بين أيديهم لكونهم مؤتمين بإمام والإمام له سترة وسترة الإمام سترة لمن خلفه.
وأما اعتراض عائشة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم اعتراض الجنازة فإنها ماكثة والكلام في المار. والفرق بينهما واضح: فإن المرور هو التجاوز بين المصلي وبين سترته. وأما الماكث فهو باقي أمامه قبلة له كالشيء الذي يستتر به وقد تقدم قول ابن عمر (ولني ظهرك) (1) . ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد المار بين يديه من بهيمة ونحو ذلك، ولو كانت ثابتة مستقرة لما فعل ذلك؛ لما ثبت أنه قد صلى إلى راحلته ولو كانت مارة غير ماكثة لدفعها النبي صلى الله عليه وسلم. واعلم أن المستحب في السترة أن تكون عن المصلي ثلاثة أذرع فيما بين قدمه والسترة. أو بينها وبين مواضع سجوده ممر شاة كل ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقد ثبت في البخاري عن ابن عمر: (أن بلالاً أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت كان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع) (2) وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد: (كان بين مصلى النبي صلى الله عليه وسلم والجدار ممر شاة) (3) أي بين موضع سجوده وبين الجدار المستتر به ممر شاة. فعلى ذلك: السترة يدنو منها المصلي فتكون منه على قدر ثلاثة أذرع أو بين السترة وبين موضع سجوده ممر شاة. فإن لم يكن بين يديه سترة فإنه لا يجوز المرور بين يديه ويجب عليه أن يدفع المار بين يديه كما تقدم. وموضع ذلك حيث كان يمكنه دفعه بحيث أنه يمكنه أن يمد يده إليه أو يتقدم يسيراً فيدفعه، فمثل هذا الموضع لا يجوز المرور، وإذا مر بينه وبين ذلك شيء مما تقدم فإنه يبطل الصلاة أو ينقصها.
فالقدر حيث لم يضع سترة بحيث أنه يمكنه من غير إخلال بالصلاة أن يتقدم تقدماً يسيراً فيدفع، هذا تقريباً ثلاثة أذرع. وذهب بعض أهل العلم: إلى أن ذلك يحدد بقدر رمي حجر، وهذا ضعيف. والراجح ما تقدم من أنه ثلاثة أذرع ونحوها. * والمشهور عند جمهور أهل العلم أن الصلاة لا تنقطع بشيء مما تقدم ذكره. واستدلوا بما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم) (1) لكن الحديث فيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف فلا يعارض به ما تقدم من الأحاديث الصحيحة. فعلى ذلك: الراجح: أن الحمار والكلب الأسود والمرأة الحائض مرورهم يقطع الصلاة. وقد ورد في أبي داود والنسائي بإسناد صحيح: تقييد المرأة الحائض (2) ، وإنما يراد بالحائض البالغة. فإن لم تكن حائضاً فإنها تنهى عن المرور وتدفع لكنها لا تقطع الصلاة. قال: (وله التعوذ عند آية وعيد والسؤال عن آية رحمة ولو في فرض) لما روى مسلم من حديث حذيفة – في قصة قيامه الليل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ) (3)
وقوله: (ولو فرض) قياساً على النفل، فإن الحديث ثابت في النفل وما ثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً إلا بدليل يخصص ذلك. وكره ذلك الأحناف والمالكية وقالوا: إنما هو خاص في النفل دون الفرض، فلا يستحب له في الفرض. وهذا قوي في الغالب، فإن الغالب في فعل ذلك أن فيه إشقاقا (1) ً على المأمومين، فوقوف الإمام عند الرحمة يسألا والعذاب يستعيذ منه هذا يكون فيه إطالة على المأمومين فيكون فيه مشقة، والمشروع في الصلاة الجماعية أن يخففها الإمام بحيث لا يشق على المأمومين. لذا لم يُنقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان مثل ذلك ثابت في الفرض لنقل لنا ذلك نقلاً بيناً. وأما المأموم فإن في فعل ذلك انشغالاً عن الإمام في متابعة قراءته، وقد قال تعالى: {فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} (2) فكان الأولى عدم فعله في الفرض كما تقدم، لكن لو تبين أنه ليس في فعله مشقة على المأمومين، كأن يكون المأمومون محصورين بعدد يعلم أن لا يشق عليهم فإنه لا معنى لكراهية ذلك؛ لأن الأصل أن ما ثبت في الفرض فهو ثابت في النفل. وحينئذ: فيشرع للمأموم ذلك. فإذن: الأصل أو الغالب أن في فعله مشقة على المأمومين، وفعله للمأموم يشغله عن متابعة قراءة الإمام أو عن تمامها، فإن فعلها الإمام حيث لا مشقة فلا ينبغي القول بكراهيتها. وحينئذ يفعلها المأموم ما دام الإمام يسكت لها، فسكوت الإمام لها وفعل المأموم لها أثناء السكوت لا يشغله عن متابعة قراءته. والحمد لله رب العالمين. الدرس السادس والثمانون (يوم الأحد: 13 / 4 / 1415هـ) فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأركانها) أي أركان الصلاة. والأركان: جمع ركن وهو جانب الشيء الأقوى وقد تقدم الفارق بينه وبين الشرط. أن الشرط هو الفرض المرتبط بالصلاة من غير ماهيتها وغير حقيقتها. وأما الركن فهو المرتبط بها وهو من حقيقتها وذاتها.
فالنية من شروط الصلاة وهي قضية خارجة عن حقيقة الصلاة، وأما الركن فهو من حقيقتها وذاتها كالركوع والسجود ونحو ذلك. والركن هو الفرض في تعبير بعض فقهاء الحنابلة وهذا على التفريق بين الفرض والواجب كما هو مذهب طائفة من أصحاب الإمام أحمد. والركن لا يسقط سهواً ولا عمداً، بخلاف الواجب فإنه يسقط سهواً ويجبر بالسجود، فأركان الصلاة لا تسقط سهواً ولا عمداً وسيأتي بيان ذلك في سجود السهو. قال: (القيام) هذا هو الركن الأول من أركان الصلاة وهو القيام مع القدرة، فهو فرض في الفريضة بإجماع العلماء لقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} (1) وقوله صلى الله عليه وسلم في البخاري من حديث عمران بن حصين: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تسطع فعلى جنب) (2) . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم به المسيء صلاته وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3) . وهو فرض بالإجماع مع القدرة لا مع العجز فإن العجز يسقط الواجبات. وهو فرض في الفريضة دون النافلة، وقد تقدم جواز صلاة النافلة على الراحلة، فالقعود جائز هناك لكونها نافلة. وقد اختلف أهل العلم في حقيقة القيام: 1- فقال الحنابلة: حقيقته: ما لم يصلِّ راكعاً، فإذا لم يثبت ركوعه فهو قائم قياماً مجزئـ[ـاً] . فعليه: لو انحنى بحيث لا تصل راحتاه إلى ركبته وإن كان قريباً إلى ذلك فإن القيام يجزئ عنه. 2- وقال الشافعية: هو الانتصاب أي انتصاب فقار الظهر فإذا كانت منتصبة وإن كان هناك انحناء يسير كأن يكون قد طأطأ رأسه وكأن [يكون] في ظهره انحناء يسير فإن هذا مجزئ.
وما ذكروه هو الأظهر: وهو أن يكون قائماً في العرف وهو أن يكون منتصب الظهر، والانحناء اليسير معفو عنه لأن حقيقة القيام ثابتة له عرفاً. وعلى هذا: فلو انحنى انحناء يقرب من الركوع فإن هذا ليس بقيام مجزئ، فلا يجزئه. والواجب والفرض عليه هو قيام مثله، فإن كان في ظهره شيء من الحُدبة أو كان في سجن قصير سقفه، فالواجب عليه أن يقوم بقدر استطاعته وإن كان فيه انحناء لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (1) فهذا هو قيام مثله. * وهل يجزئه أن يكون قائماً مستنداً إلى شيء أم لا؟ لها حالتان: الحالة الأولى: أن يكون على هيئة المتعلق بحيث تكون القدمان لا عمل لهما في القيام مطلقاً، بحيث لو أزيلت قدماه لم يقع، فمثل هذا ليس بقيام على الإطلاق ولا يجزئ بلا خلاف بين أهل العلم فلا خلاف فيه. الحالة الثانية: أن يستند إلى جدار أو عصا أو نحوه، وكان بحيث لو أزيل هذا الجدار أو العصا لاختل قيامه فسقط، ففيه قولان لأهل العلم: 1- القول الأول، وهو قول جمهور أهل العلم: أن الصلاة تبطل. وعليه: لو كان الرجل قادراً على القيام فانتصب مستنداً إلى عصا أو جدار، فلا يجزئ عنه في مذهب جمهور أهل العلم، وعليه فالصلاة باطلة؛ لأنه ترك القيام مع القدرة عليه. 2- القول الثاني، وهو وجه للشافعية اختاره النووي وغيره قالوا: القيام مجزئ عنه؛ لأنه قائم قد فعل القيام، وكونه مستنداً إلى شيء لا يؤثر هذا الحكم؛ لأن القيام قد ثبت، فسواء كان قائماً بنفسه أو قائماً بغيره فقد ثبت القيام وهذا هو الواجب عليه. وهذا القول هو الأرجح، لأن هذا القيام صحيح، ولا ننظر بعد ذلك هل هو قام بنفسه من غير اعتماد على غيره أو كان بالاعتماد على الغير. فهو قيام صحيح فحقيقة القيام موجودة فيها. واعلم أن العاجز عن القيام إن كان يمكنه أن يقوم على هذه الصورة فيجب عليه فعل ذلك.
وهو المشهور في مذهب الحنابلة وأصح الوجهين في مذهب الشافعية. أي لا يستطيع القيام بنفسه لكن يستطيع القيام (1) على عصا ونحوه فيجب عليه ذلك؛ لأنه قادر على القيام وقد اتقى الله ما استطاع، ولو لم يفعل بطلت صلاته فلا يصح فيه القعود، لأن هذا قيام صحيح، وحيث كان قياماً صحيحاً فيجب عليه فعله وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيجب أن يعتمد على عصا أو نحوه. - وهناك وجه للشافعية يقدم وجوب ذلك وفرضيته عليه. وهذا يبنى على المسألة السابقة. فحيث قلنا: إنه ليس بقيام مجزئ فلا يجب عليه؛ لأنه في الحقيقة ليس بقائم وهو حيث جلس فقد اتقى الله ما استطاع، ولا فائدة من اعتماده على شيء؛ لأنه لا يعد قائماً. والراجح ما تقدم في المسألتين كلتيهما. قال: (والتحريمة) هي ركن من أركان الصلاة وقد تقدم الكلام عليها في صفة الصلاة. قال: (والفاتحة) لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) (2) وقد تقدم الكلام عليها في صفة الصلاة. قال: (والركوع) وهو ركن، لقوله تعالى: {اركعوا واسجدوا} (3) ولقوله صلى الله عليه وسلم – في حديث المسيء صلاته -: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) (4) . وقد تقدم ذكر صفته المستحبة. وأما القدر المجزئ فيه فهو – عند جمهور أهل العلم – هو: أن ينحني بحيث تمس راحتاه ركبتيه فإذا مست الراحتان الركبتين فهذا هو القدر المجزئ منه.
وهذا حيث كان منتصباً في رجليه غير حان أو مقدم لركبتيه، أما إذا قدم ركبتيه فلا، لأنه إذا مس بالراحتين حيث قَدَّم الركبتين فهذا المس لم يحصل بسبب الانحناء وهو الركوع، وإنما حصل بسبب تقديم الركبتين. فعليه: تنصب الرجلان وتكون الركبتان في موضعهما الطبيعي غير مقدمتين، فينحني حتى تمس الراحتان الركبتين – هذا هو القدر المجزئ عند جماهير أهل العلم؛ لأن هذا هو حقيقة الركوع، فإن حقيقة الركوع هو الانحناء. وليتميَّز عن القيام فإنا نحتاج إلى أن يكون ذلك على هذه الصورة المتقدمة. وما ذكروه من الاستدلال في الحقيقة، غير واضح وينبغي الاستدلال بما ثبت في حديث المسيء صلاته في أبي داود وغيره – وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمره أن يضع يديه على ركبتيه) وفي رواية لابن حبان وابن خزيمة: (فضع راحتيك على ركبتيك) (1) .
وحيث قلنا: إن الفعل واقفاً – ليس بواجب – كما هو مذهب الجمهور وهو أن وضع الراحتين على الركبتين ليس بواجب وإنما الواجب هو الانحناء. فحيث قلنا بذلك فإنه لابد وأن يكون متمكناً من وضع الراحتين على الركبتين ولا يكون ذلك إلا بالانحناء المتقدم الذي ذكره الجمهور لكنهم لا يوجبون وضع الراحتين على الركبتين. وحديث المسيء صلاته يوجب ذلك وبفرضه وإلا فحقيقة الركوع في اللغة مجرد الانحناء، فالانحناء في الحقيقة ركوع وإن لم يصل الراحتان إلى الركبتين، لكن حديث المسيء صلاته يدل على فرضية وضع الراحتين على الركبتين أو على قول الجمهور يدل على أنه لابد أن يتمكن من وضع الراحتين على الركبتين. فعلى ذلك: حقيقة الركوع أن ينحني انحناء بحيث إذا مد يديه والمراد بذلك حيث كانت اليدان ليس فيهما طول أو قصر بل هما معتدلان في الخلقة، فمدهما فوضع الراحتين على الركبتين فهذا هو المجزئ. قال: (والاعتدال عنه) لقوله صلى الله عليه وسلم: - في حديث المسيء صلاته -: (ثم ارفع حتى تعتدل قائماً) (1) . وما قلناه في القيام قبل الركوع يقال في القيام بعد الركوع وأن الفرض فيه أن ينتصب قائماً بحيث تكون فقار ظهره منتصبة. قال: (والسجود على الأعضاء السبعة) تقدم الكلام عليه، وفيه حديث ابن عباس، وهو مذهب الحنابلة من فرضية السجود على الأعضاء السبعة. قال: (والاعتدال عنه) لقوله في حديث المسيء صلاته: (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) (2) قال: (والجلسة بين السجدتين) لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) (3) ولم أر لفقهاء الحنابلة ذكر [اً] للقدر المجزئ في الجلوس كما ذكروا القدر المجزئ في القيام ونحوه. ورأيت عند فقهاء الشافعية: أن الواجب هو مطلق الجلوس.
فإذا تورك أو افترش أو مد رجليه أو نصب أحد رجليه أو نحوه فإنه يجزئ عنه في المواضع كلها التي فيها الجلوس كالتشهد الأول والثاني والجلسة بين السجدتين فهذه المواضع كلها القدر المجزئ فيها مطلق الجلوس. وسكوت الحنابلة يدل على مثل ذلك وأن القدر المجزئ في الجلوس هو مطلقه. والقدر المجزئ هو مطلق الجلوس؛ لأن الشارع أوجب الجلوس، فأي جلوس فعله قد صح منه الجلوس، والقدر المستحب تقدم الكلام عليه: من الافتراش في موضعه، والتورك في موضعه، والإقعاء بين السجدتين. قال: (والطمأنينة في الكل) لحديث المسيء صلاته: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تطمئن قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً …) (1) الحديث. ولقول حذيفة – لما رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده قال له: (ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر [الله] عليها محمد صلى الله عليه وسلم) (2) . *واختلف فقهاء الحنابلة في حقيقة الطمأنينة: فالصحيح من المذهب - والمراد الذي صححه الحنابلة والمرجع عندهم –: هو السكون وإن قل، فإذا سكن واستقر راكعاً أو جالساً أو قائماً فإن هذه هي الطمأنينة الواجبة. أما إذا وصل إلى السجود فرفع من غير سكون فيه ولا استقرار فذلك لا يجزئ عنه.
والقول الثاني في المذهب: أنه بقدر الذكر الواجب، فهو في القيام بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة وفي الركوع بقدر (سبحان ربي العظيم) ، وفي الرفع منه بقدر (ربنا ولك الحمد) – حيث قلنا بوجوبه بعد الرفع، وإلا فالحنابلة يقولون بوجوبه أثناء الانتقال وعليه فهذا الركن ثابت فيه مجرد السكون وإن قل. وفي السجود بقدر قول: (سبحان ربي الأعلى) . ويترتب على ذلك: معلوم أن الطمأنينة ركن، وأن ترك الذكر ترك لواجب، وأن الأذكار في الصلاة واجبة لا فرض. فإذا سجد وسكن في سجوده ورفع لم يذكر الله تعالى (سبحان ربي الأعلى) ساهياً، فهل يكون قد ترك فرضاً أو واجباً؟ لا شك أنه تارك لواجب. لكن هل يضاف لذلك تركه للركن؛ لأنه لم يطمئن بقدر قوله: (سبحان ربي العظيم) أو (سبحان ربي الأعلى) فهو قد سكن لكن ليس بقدر قول: (سبحان ربي الأعلى) ولم يقل هذا الذكر، فهل يعد تاركاً للواجب فقط فيجبره سجود السهو أو يعد تاركاً للركن لأن الركن شرط فيه الطمأنينة؟ على القولين السابقين: والراجح القول الأول وأن مجرد السكون وإن قل هو الطمأنينة؛ لأن هذه هي حقيقة الطمأنينة. وأما قضية الذكر الواجب فهو ذكر يجب في الصلاة ويجب أن يطال في الركوع أو السجود لأجله؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لكنه ليس بركن فيها بل الركن هو مجرد الطمأنينة وهذه يحصل بمجرد السكون ولو كان ذلك بمقدار (سبحان ربي) وإن لم يقل (الأعلى) فإن هذا يعتبر سكوناً، وإن كان ليس بقدر الذكر الواجب. فيقال: فرض عليه أن يستقر ويسكن في سجوده، وواجب عليه أن يكون هذا السكون بقدر الذكر الواجب. فعلى المسألة السابقة لا يعد تاركاً للركن بل للواجب وهو الذكر. قال: (والتشهد الأخير وجلسته)
هو ركن لحديث ابن مسعود: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) (1) فهذا يدل على أن التشهد فرض في الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم قد فعله ولم يثبت عنه تركه وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلى) والعلم عند الله تعالى. فالمشهور في المذهب: فرضية التشهد الأخير والجلوس له كذلك؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . ولأن التشهد لا يصح إلا بالجلوس وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض. وتقدم أن التشهد ينتهي بقوله: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) . قال: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه) كما هو مذهب الحنابلة والشافعية وأنه فرض، وهو عند الحنابلة فرض في التشهد الأول (2) فقط، وأما الشافعية فهو فرض في التشهد كليهما. وقد تقدم القول حول هذه المسألة وأن الراجح أنه ليس بفرض في التشهد الأول. وأما التشهد الثاني أي الصلاة فيه فالمشهور في المذهب فرضيتها.
- وعن الإمام أحمد: أنها ليست بفرض بل سنة، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وهو الراجح؛ لأنه لا دليل على فرضيتها وليس في الباب إلا الحديث المتقدم في قول الصحابي: (يا رسول الله علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال: قولوا) (1) فهذا أمر ورد بعد سؤال، والأمر بعد سؤال ليس ظاهراً في الوجوب بل هو للاستحباب كما قرر ذلك غير واحد من الأصوليين. وقد قال ابن مسعود – وهو راوي حديث التشهد – ورواه أبو داود مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحيح وقفه قال: (أما إذا قلت هذا أو قضيت هذا) يعني التشهد المذكور في حديثه إلى قوله: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) فقد قضيت صلاتك) (2) . فهذا يدل على أن ما بعد التشهد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء ليس بواجب وهو قول ابن مسعود وهو مذهب أكثر الفقهاء. والأصل عدم الوجوب حتى يرد دليل على ذلك، وما استدل به ليس فيه الإيجاب بل فيه مشروعية ذلك واستحبابه والعلم عند الله تعالى. قال: (والترتيب) فرض بالإجماع بين فرائض الصلاة وأركانها لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله في بيان مجمل القرآن في قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [سورة البقرة 2/43] وما كذلك فهو فرض ولأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه المسيء صلاته، فيعلمه لصلاة مرتبة فكان الواجب الترتيب فيها، فإذا قدم الركوع على القيام لم تصح الصلاة وإذا ترك الترتيب سهواً فلا يجبر إلا بفعله. قال: (والتسليم)
هو ركن كذلك، وتقدم دليله في قوله: (وتحليلها التسليم) (1) ، فهذا يدل على أن من شرع في الصلاة لا يحل له ما نهي عنه خارج الصلاة إلا بالسلام فهو فرض فيها. وهذا باتفاق أهل العلم. وقد اتفق أهل العلم على أن التسليمة الأولى فرض. * لكن اختلفوا في الثانية: فذهب جمهور أهل العلم (2)
: إلى أن الثانية ليست بفرض. وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وذهب إليه بعض المالكية: إلى أنها فرض. وهذا القول هو الراجح، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وتحليلها التسليم) مجمل بينته السنة في كونه يسلم عن يمينه وعن شماله. ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث أنه اكتفى بالتسليم عن يمينه لا في فرض ولا في نفل، وما ورد في ذلك فهو إما حديث ضعيف أو حديث ليس بصريح فعليه التسليمة الثانية فرض في الصلاة وهو رواية عن الإمام أحمد. فهذه أركان الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها وهي لا تسقط عن المصلي سهواً ولا عمداً. والحمد لله رب العالمين. الدرس السابع والثمانون (يوم الاثنين: 14 / 4 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وواجباتها) أي واجبات الصلاة وهي ما تجبر بسجدتي السهو وتركها عمداً مبطل للصلاة. قال: (التكبير غير التحريمة والتسميع) فمن واجباتها التكبيرات التي هي تكبيرات الانتقال، والتسميع كذلك. فالألفاظ التي يتلفظ بها الإمام والمأموم والمنفرد فيما بين الأركان من تكبيرات أو تسميع واجب في الصلاة. واستدلوا على ذلك: بما رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح من حديث المسيء صلاته وفيه: (ذكر تكبيرات الانتقال والتسميع) (1) والحديث صحيح. - وذهب جمهور العلماء: إلى أنه ليس بواجب وهكذا ما بعده فيما ذكر في هذا الباب من الواجبات. وقالوا: إنه لم يذكر في حديث المسيء صلاته. والصحيح أنه مذكور كما في سنن أبي داود بإسناد صحيح وفيه: (لا تتم صلاة أحدكم – الحديث – وفيه ذكر التكبيرات والتسميع) (2) فالصحيح أنه واجب في الصلاة. - بل عند الإمام أحمد: أنه ركن، وهذا الذي يقتضيه حديث المسيء صلاته، وأن الصلاة لا تتم إلا به وهذا هو الركن.
إذن: المشهور في المذهب أن تكبيرات الانتقال والتسميع واجبات وتركها يجبر بالسجود. وعن الإمام أحمد أنها ركن فيه، فعلى ذلك لا تجبر بالسجود بل يجب أن يأتي بها، والحديث يدل على ما ذهب إليه أهل القول الثاني، لكن المشقة واردة في الحكم بركنية التكبير، والتكبير إنما يقصد منه إظهار الانتقال من ركن إلى آخر ومثل هذا يصعب الجزم بركنيته مع ما فيه من المشقة وصعوبة التحرز عن ترك شيء منه لاسيما للمنفرد والمأموم، فينبغي أن يقال: إنه واجب لما في القول بركنيته من المشقة والمشقة تجلب التيسير. مسألة: تقدم أن هذه التكبيرات إنما تشرع في حالة الانتقال ما بين الركن إلى الآخر. وعليه: فإنها تفعل أثناء الانتقال، فإذا شرع برفع رأسه من الركوع – مثلاً – شرع يقول: سمع الله لمن حمده، فينتهي وقد وصل إلى القيام، فلا يشرع فيه في ركوعه ولا يتمه أثناء قيامه، بل يقوله أثناء الانتقال، هذا هو مقتضى كونه مشروعاً أثناء الانتقال. - واعلم أن المشهور في المذهب أن هذا فرض وشرط فيه فلا يصح التكبير إلا حيث كان ذلك. فلو أنه كبر أثناء ركوعه ثم رفع، أو كبر وقد رفع من الركوع فأتمه أثناء القيام فإنه لا يجزئ عنه ولا يصح ذلك منه، وعليه فإنه تارك للواجب فيجب عليه سجود السهو مع النسيان، وإلا فإن صلاته تبطل. قالوا: كما أن القراءة لا تصح قبل القيام ولا بعده. فلو أنه شرع في الفاتحة وهو يرتفع من الركعة إلى ما بعدها فشرع في القراءة أثناء نهوضه قبل أن يصل إلى القيام فلا يجزئ عنه، وإذا أتمها وهو راكع فكذلك لا يجزئ عنه. فكذلك تكبيرات الانتقال، وهذا القول أقيس من القول الثاني. - والقول الثاني في المذهب: أن ذلك يجزئ عنه، ومع ذلك فإن هذا القول هو الراجح مع كون القول الأول أقيس، واختاره المجد ابن تيمية.
وكونه هو الراجح، لما في القول الأول من المشقة وصعوبة التحرز، حتى قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في هذا القول: " وهو الذي لا يسع الناس غيره " (1) فالتحرز عنه شاق، والمشقة تجلب التيسير، ولأن المقصود منه إنما هو إظهار الانتقال ما بين ركن إلى آخر، وهذا يحصل في الحقيقة وإن قاله أثناء الركن المنتقل منه، أو الركن المنتقل إليه. ومع ذلك فإنه لا يتساهل بهذا، إلا ما يقع من الناس وهذه مسألة لا شك يكثر الوقوع فيها فيشق التحرز منها، والمشقة تجلب التيسير، وهذا لا شك أن السهو فيه يكثر، والجهل فيه يفشو، فمثله ينبغي أن يتساهل فيه لا سيما وأن المقصود منه إظهار الانتقال من ركن إلى آخر. كما أن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيان فرضية هذا - مع كونه لا شك في وقوعه وكثرته في الناس، سكوت النبي صلى الله عليه وسلم - يقتضى عدم وجوبه والتسامح فيه، لأن عدم البيان مع الحاجة لا يجوز، والناس يقع منهم هذا ولا شك، بل كان التكبير في عصور المتقدمين مشروعيته أصلاً مجهولة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وغيره – كما يدل عليه روايات كثيرة – بسبب إمامة الأمراء وكانوا يتساهلون بالتكبيرات أي التلفظ [بها] . قال: (والتحميد) تقدم دليل ذلك ومشروعيته للإمام والمنفرد والمأموم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: " ربنا ولك الحمد ") (2) والأمر للوجوب. قال: (وتسبيحتا الركوع والسجود وسؤال المغفرة مرة مرة ويسن ثلاثاً) أي قوله: " سبحان ربي العظيم " في ركوعه، و " سبحان ربي الأعلى " في سجوده.
لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث عقبة بن عامر قال: (لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال: النبي صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها في ركوعكم " ولما نزلت " سبح اسم ربك الأعلى " قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها في سجودكم ") (1) والأمر يقتضي الوجوب. وسؤال المغفرة كذلك، بالقياس وإلحاق الشيء بنظيره والشبيه بشبيهه. فإن هذا الجلوس ركن من أركان الصلاة، فيشرع فيه ما يشرع في غيره ويجب فيه ما يجب في غيره، فكما أن الركوع فيه ذكر واجب، والرفع منه فيه ذكر واجب والسجود والجلوس الأخير والجلوس وسط الصلاة كل ذلك فيه ذكر واجب، فكذلك الجلسة بين السجدتين. فعلى ذلك يجب عليه أن يقول: (رب اغفر لي) في جلوسه بين السجدتين، وهو المشهور في المذهب وكل هذه المسائل عند جمهور العلماء ليست بواجبة والراجح ما تقدم. أما ما ورد فيها في حديث المسيء صلاته فهذا الحديث حجة في وجوبها. وأما ما لم يرد فإنها قد وردت بالأمر، وكونها لم ترد في حديث المسيء صلاته لا يدل ذلك على عدم وجوبها إذ الحديث لا يحيط بأركان الصلاة وواجباتها، وفيه ما هو ثابت بالسنة الصحيحة فرضيته ووجوبه ولم يرد في حديث المسيء صلاته، لقول ابن مسعود: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) (2) والتشهد وجلوسه ليسا مذكورين فيه. فالحديث لا يحصر ذلك كله، فإن من الواجبات ما يحتمل أن يكون قد فرض بعد حديث المسيء صلاته. وفيها ما لم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيانه للمسيء صلاته لكون ذلك واضحاً ومعروفاً له، وقد قام به على وجهه فلا يحتاج إلى بيانه. (مرة مرة) : في كل مما تقدم في قوله: (سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى) و (رب اغفر لي) فكلها تجب مرة. (ويسن ثلاثاً) : وقد تقدم. قال: (والتشهد الأول وجلسته)
فالتشهد الأول من واجبات الصلاة، لما ثبت في حديث ابن مسعود وفيه: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) . والجلوس له واجب أيضاً؛ لأن التشهد لا يتم إلا بجلوس وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . وليسا بركنين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام عن التشهد الأول وانتصب قائماً لم يعد إليه وجبره بسجدتين، وهذا لا يفعل بالركن. وهذا – أي وجوب التشهد الأول وجلسته – مشكل على المذهب حيث أن الدليل واحد في التشهد وقد أوجبوا التشهد الأول، وفرضوا التشهد الثاني وجعلوه من أركان صلاة، مع أن الحديث الوارد في التشهد حديث واحد وهو حديث ابن مسعود. وذهب الإمام أحمد في رواية عنه: إلى أن التشهد الثاني والجلوس له واجبان وليسا بركنين – كما أن التشهد الأول واجب – لأن الحديث الوارد فيها واحد، وحكمهما في الحقيقة واحد. وهذا قول قوي، لكن يشكل عليه قضية الجلوس له، لأن الجلوس له لا يتم السلام – وهو ركن من أركان الصلاة – إلا بهذا الجلوس فينبغي أن يكون الجلوس ركن من أركان الصلاة. وهذا قول في مذهب أحمد: وهو أن الجلوس للتشهد الثاني ركن والتشهد واجب. وهذا – فيما يظهر لي – أرجح الأقوال. قال: (وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة) فكل ما لم يكن واجبـ[ـاً] ولا شرطـ[ـاً] ولا ركنـ[ـا] فهو سنة، وهذا ضابط واضح. قال: (فمن ترك شرطاً بغير عذر غير النية فإنها لا تسقط بحال بطلت صلاته) فمن ترك شرطاً لغير عذر – كالوضوء مثلاً – فإن الصلاة تبطل ولو كان ساهياً ناسياً. إلا أنه استثني المعذور، كالعاجز عن الطهارة أو غيرها من شروط الصلاة، فإن صلاته تصح، لأنه معذور في ترك الواجب لكونه عاجزاً عنه.
(غير النية) : فالنية لا تسقط بحال، لأنه لا يتصور سقوطها، فالنية محلها القلب، ولا يتصور أبداً أن يعجز عنها المكلف فهو قادر عليه على الإطلاق، لذا وجب استثناؤها لأنه لا يمكن أن يكون العبد معذوراً في تركها، إذ محلها القلب وحيث كان محلها القلب فلا عذر في تركها. قال: (أو تعمد ترك ركن أو واجب بطلت صلاته) فمن ترك واجباً أو ركناً عمداً في الصلاة، فإن الصلاة تبطل. أما إذا تركه على سبيل السهو فلا تبطل الصلاة وتجبر بسجود السهو في الواجبات. وأما الأركان فإنها لا تصح الصلاة إلا أن يؤتى بها. فهما في التعمد باب واحد، فكلاهما أمر الشارع به، فإذا ترك واجباً أو ركناً فقد أدى الصلاة على غير أمر الله وشرعه، وكل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد. قال: (بخلاف الباقي) أي بخلاف الباقي من السنن فإنه إذا تركها عمداً لا تبطل صلاته. كمن ترك رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام أو إرادة الركوع أو نحو ذلك. قال: (وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال) سنن أقوال: كزيادة (سبحان ربي العظيم) مرتين على المرة الواجبة فيكون المجموع ثلاثاً. وسنن الأفعال: كجلسة الاستراحة – على القول بها – وكرفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وإرادة الركوع والرفع منه (1) . قال: (ولا يشرع السجود لتركه، وإن سجد فلا بأس) هذا قول في المذهب: وهو أنه لا يشرع له السجود لتركه لكن إن سجد فذلك جائز.
لحديث رواه أبو داود من حديث إسماعيل بن عياش عن زهير بن سالم الشامي (1) – إلى ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل سهو سجدتان) (2) وهذا عام في كل سهو، فإذا سها في ترك سنة شرع له أن يسجد لها لكن الحديث ضعيف، ضعفه البخاري بقوله: (مضطرب) وفيه إسماعيل بن عياش ويروى عن الشاميين وروايته عنهم ضعيفة. وزهير بن سالم ضعيف أيضاً فالحديث لا يثبت. فعلى ذلك: لا يشرع له أن يسجد وعليه أيضاً فلا يجوز له أن يسجد – كما هو رواية عن أحمد – لأن السجود زيادة في الصلاة لا يشرع إلا في موضعها الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصح عنه السجود عن ترك سنة. فعلى ذلك: فلا يشرع ولا يجوز له أن يسجد للسهو لأن السجود زيادة في الصلاة لا تشرع إلا حيث شرعها النبي صلى الله عليه وسلم، بل لا تصح إلا حيث وردت ولم يرد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم – وهو رواية عن الإمام أحمد – رحمه الله تعالى. والحمد لله رب العالمين باب سجود السهو أي السجود المشروع بسبب السهو وهو النسيان والذهول الواقع في الصلاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يشرع)
أي يشرع السجود، وهي لفظة تعم الواجب والمستحب وقد تقدم بيان الراجح في مسألة السجود لترك سنة وأنه لا يشرع السجود لترك سنة، بل هو إما سجود واجب تبطل الصلاة بتركه وإما غير مشروع فلا يجوز في الصلاة. فقوله: " يشرع " بناء على المشهور في المذهب من استحباب سجود السهو لترك سنن الأقوال والأفعال أو ترك سنن الأقوال على قول. " لزيادة ": في الصلاة بقيام أو قعود أو ركوع ونحوه. " ونقص ": إما بترك سجدة أو التشهد الأول أو نحو ذلك. " أو شك ": إما شك استوى طرفاه، وإما شك مع عليه لأحد الطرفين. فيشرع لثبوت ذلك الأحاديث فيه، فقد ثبتت الأحاديث في هذه الأنواع الثلاثة. قال: (لا في عمد) فلو تعمد عمل فعل من جنس الصلاة فزاد قياماً أو قعوداً أو نحو ذلك أو نقص أو نحو ذلك، فالصلاة تبطل، بالإجماع كما تقدم. قال: (في الفرض والنافلة) فسجود السهو مشروع أو واجب – على ما تقدم صحة خلافاً للمذهب – في الفرض والنفل، فكما أن الفريضة يشرع فيها السجود فكذلك في النافلة، وهذا باتفاق أهل العلم. لقول النبي صلى الله عليه وسلم – كما في مسلم – من حديث ابن مسعود: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (1) وهذا الحديث عام في الفريضة والنافلة، وهذا الحديث يستدل به على المسألة السابقة وهي أنه لا يسجد في عمد لقوله: " فإذا نسي " فالسجود إنما شرع للنسيان، ومفهوم المخالفة لهذا الحديث أنه لا يشرع إلا فيه، والأصل عدم ثبوته إلا لوروده فكرره إلا فالنسيان فلا يشرع في التعمد. فسجود السهو مشروع فرضاً ونفلاً، لأن ما ثبت فرضاً فهو ثابت نفلاً إلا بدليل على تخصيص أحدهما.
ولذا نص الإمام أحمد: على أن من كان يصلي لليل مثنى مثنى فقام إلى الثالثة ساهياً فيجب عليه أن يسجد سجدتين لأن صلاة الليل مثنى، وهذا مذهب جمهور العلماء لأنه قد فعل ذلك ناسياً أو ساهياً وصلاة الليل مثنى، وهذا هو المشهور في المذهب. والمشهور في المذهب أنه إن فعل ذلك في الصلاة في السفر فصلاها أربعاً فالحكم ليس لذلك بل يتم أربعاً، وهذا ضعيف، فإن حكمها واحد. فإن فعل النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة في السفر ركعتين ركعتين لم يثبت عنه سوى ذلك فهو بمنزلة قوله: (صلاة الليل مثنى مثنى) (1) فكأنه قال: " صلاة السفر مثنى مثنى) وعليه فالقياس على المذهب: أن يقال: إنه قام إلى الركعة الثالثة في صلاة في السفر فإنه يجب عليه أن يجلس فيسجد سجدتي سهو. فإن قالوا: إنه إن زاد زيادة جائزة، فإن صلى الصلاة في السفر أربعاً كصلاة صحيحة كما هو مذهب جماهير العلماء. قلنا: وكذلك في صلاة الليل فإنه لو صلاها خمساً أو سبعاً أو تسعاً أو إحدى عشرة فذلك يصح لورود السنة فيه. وهذا الالتزام أولى – فيما يظهر لي – وهو أن يقال: أنه قام إلى ركعة يصح أن يصليها فلا يجب عليه أن يسجد للسهو فلو أنه قام – وهو يريد أن يوتر باثنين – قام إلى الثالثة فإنها تصح فيه ولا يسجد للسهو، لأن هذه الركعة صحيحة في هذه الصلاة ولا غيره بنيته والعلم عند الله تعالى. قال: (فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت، سهواً يسجد له) فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة أن يكون من جنس الصلاة فلو لم يكن من جنسها بأن كان فعلاً خارجاً عن الصلاة، كحركة ليست من أفعال الصلاة فحكمها من التقدم من التفصيل السابق منها، وأنها متى كانت كثيرة عرفاً أبطلت الصلاة وأما إذا زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت وهذا بالإجماع.
(وسهواً يسجد له) فيسجد سجدتي السهو، فإذا زاد سجدة أو قياماً أو ركوعاً أو نحو ذلك سهواً فإنه يجبر هذا سجود السهو. وظاهر قوله: (قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً) وأن قل. فلو أنه جلس بقدر جلسة الاستراحة ولم ينوها كذلك فإن الصلاة تجبر بالسهو فيجب عليه أن يسجد سجدتين لأنه قعود هذا هو المشهور في المذهب واختار طائفة من الحنابلة كالزركشي وغيره، وذكره وجهاً في المغني: أن الصلاة لا تبطل به ولا من الفعل اليسير، قالوا: لأنه لا يبطل على وجه التعمد، فكذلك لا يبطل على وجه السهو فلو أنه جلس جلسة للاستراحة ولم ينوها السنة، فإنها لا في صلاته أن فعلها عمداً فكذلك أن فعلها سهواً وهذا هو القول الراجح فإن هذا الفعل اليسير في الصلاة وأن كان قعوداً لكنه فعل يسير لو فعله عمداً لم يغيره فكذلك إذا فعله على وجه السهو ومثله العمل اليسير، فإنه إذا كان خارجاً عن الصلاة ليس من جنسها، فإذا فعله فلا يبطل صلاته، فمثله ما كان من أفعال الصلاة وكان يسيراً، فلا يجب سجود السهو فيها، ولا تبطل إذا تعمدها. قال: (وأن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منه سجد) رجل صلى الظهر خمساً أو الفجر ثلاثاً أو المغرب أربعاً فلما أنصرف من صلاته علم أنه زاد في صلاته ركعة سهواً فإنه يسجد بعد أن يفرغ وهذا لا شك فيه فإنه لا يمكنه إلا أن يفعل ذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة قال: وما ذاك قالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم) قال: (وإن علم فيها جلس في الحال فتشهد أن لم يكن تشهد وسلم) رجل صلى الظهر خمساً فلما كان في الخامسة، فلما انتصف قائماً أو هو راكع وهو رافع من الركوع أو وهو ساجد أو وهو بين السجدتين أو نحو ذلك علم أنه قد زاد في الصلاة جلس في الحال، فتترك الركن الذي هو مشتغل فيه وعاد إلى التشهد ليسلم.
فإن لم يجلس في الحال بطلت صلاته لأنه يكون بفعل أفعالاً عمداً وزيد في الصلاة ما ليس منها عمداً فما تبطل الصلاة به. فيجب عليه أن يعود إلى الجلوس بغير تكبير، فيجلس لتسلم من صلاته. " فيتشهد إن لم يكن تشهد " وإلا فيكفيه التشهد الذي قد تشهده. فلو أنه تشهد ثم قام يظن أنه التشهد الأول وهو في الحقيقة التشهد الثاني، فإنه يعود فيجلس ويكفيه التشهد الذي تشهده سابقاً. قال: (تشهد وسجد وسلم) إذن: السجود هنا قبل السلام فهنا زادت الصلاة فإن قام إلى ركعة خامسة في رباعية فعليه سجود قبل السلام هذا المشهور في المذهب. وقاعدة المذهب في سجود السهو: أن السجود مشروع قبل السلام مطلقاً إلا ما وردت به الشريعة، وهي المواضع التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم سجدها بعد السلام فإنها تسجد بعد السلام، سواء كان ذلك زيادة أو نقصاً أو شكاً. والراجح – الذي يدل عليه الأحاديث – ما ذهب إليه الإمام مالك من الزيادة يكون السجود لها بعد السلام والنقص قبله. واختاره ابن تيميه لكن ظاهر مذهب مالك استحباب ذلك، واختار شيخ الإسلام وجوبه وهو الراجح. لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فوجب أن يسجد كما سجد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسجد للزيادة بعد السلام وللنقص قبله، وسيأتي ذكر الأحاديث التي تدل على ذلك. وفيها: حديث أبي هريرة – المتفق عليه – أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى إحدى صلاتي الظهر ركعتين، فسلم واتكأ على خشبه معروضة في المسجد فقام رجل يقال له: ذو اليدين فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة فقال: لم أنس ولم نقصر فقال: بلى قد نسيت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر فقالا – ومن معهما – بلى يا رسول الله، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك ثم سلم ثم سجد سجدتين) فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قد زاد سلاماً فسجد بعد الكلام لهذه الزيادة.
قال: (وأن سبح به ثقتان فأصر ولم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته) فلابد أن يكون ثقتين لا ثقة واحد. (فإذا سبح به ثقتان فأصر ولم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته) فإذا سبح بالإمام ثقتان من المأمومين أو غيرهم، ونيته على أن الصلاة فيها سهو لكنه أصر ولم يجزم لصواب نفسه. فإذا جزم بصواب نفسه وتيقن أن الصلاة على صواب فإن الصلاة لا تبطل ولا يستجب لتسبيحهما لأنه متيقن واليقين لا يزول بمثل هذا، فإن غاية تسبيح التيقن غلبة ظن، وعنده يقين. فإن لم يتيقن وسبح به ثقات سواء غلب على ظنه صدقهما أو غلب على ظنه خطؤهما – فأصر فالصلاة تبطل وذلك لأن غلبة ظن الاثنين أعظم وأرجح من غلبة ظن الواحد – فعلى ذلك يجب عليه أن يستجب لتسبيحهما فإن لم يفعل بطلت صلاته وأن كان في قلبه غلبة ظن أنه على صواب فتبطل صلاته، لنه يجب عليه أن يستجب لتسبيحهما وحيث لم يستجب فقد ترك واجباً في الصلاة متعمداً وترك الواجب على جهة التعمد يبطل الصلاة. فسواء كان عنده غلبة ظن أو سك أو غلبة ظن لصوابها لكنه لم يقبل تسبيحهما فقد ترك واجباً في الصلاة. فإذا سبح به ثقة فلا يعتمد حينئذ إلا إذا غلب على ظنه صدقه ولا تسبيح ذلك الرجل بل لغلبة الظن، فوجب عليه أن يتبع غلبة الظن الواقعة في قلبه. وعليه فإن سبح به ثقات ولم يغلب على ظنه صدقه أو غلب على ظنه عدم صدقه فإنه لا يستجيب لتسبيحه ولا يضر ذلك صلاته. فتسبيح الثقة لا يبطل الصلاة، لما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الصحابة بعد إخبار ذي اليدين له ولم يكتف بخبره فدل على أن الصلاة هنا لا يقبل فيها خبر الواحد، وإنما يقبل فيها خبر الاثنين فأكثر. قال: (وصلاة من تبعه عالماً) إمام قام إلى متبعة بعض المأمومين، فما حكم صلاتهم؟
فتبطل الصلاة أن تبعه عالماً بمعنى قام وهو يعلم أن هذه زيادة في الصلاة وأن الإمام ناسي فتبطل صلاته لأنه قد زاد في الصلاة فيها، وفعل في الصلاة من زيادة على المشروع على وجه لتعمد فتكون الصلاة باطلة وأما إن كان جاهلاً أو ناسياً ساهياً كالإمام فلا تبطل صلاته لحديث ابن مسعود، فإن الصحابة قاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم إما جاهلون وإما ساهون فمنهم الناسي والساهي ومنهم الجاهل فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة. قال: (ولا من فارقه) فلا تبطل صلاة من فارق الإمام. بمعنى: قام الإمام إلى الخامسة فجلس بعض المأمومين فتشهدوا وسلموا فهنا فارقوا الإمام. قالوا: لأنهم معذورون بالمفارقة، فإن الإمام قد فعل في الصلاة ما ليس منها ففارقوه معذورين فكان كالمسألة المتقدمة فيمن فارق الإمام فصلى منفرداً بعذر قالوا: فكذلك هنا. والمشهور في المذهب أن المفارقة وإتمام الصلاة والتسليم واجب، فيجب عليه إذا قام الإمام للخامسة أن يجلس فيتشهد ويسلم، هذا قول في المذهب وهو المشهور فيه. وهناك أقوال هي روايات عن الإمام أحمد: القول الأول: أنه يفارقه في موضعه الذي خالف فيه لكنه ينتظره، وهذا الانتظار هل هو واجب أو مستحب أو مباح ثلاث روايات عن الإمام أحمد أصحها وجوب الانتظار، لأن المتابعة للإمام واجبة في فعل أركان الصلاة كلها، وحيث وقع الإمام في مخالفة في الصلاة فإنه ينهي مسابقته وتنتظره حتى تتابعه في بقية الصلاة وإلا فليزم من ذلك أن الإمام لو اختل في الركعة الأولى فزاد فيها فإن للمأموم أن ينفرد عنه وحينئذ ينفتح باب واسع نهى عنه الشارع. مسألة: مسبوق إذا زاد الإمام خامسة، وكان معه مسبوقون فتابع الإمام فيها ساهياً أو جاهلاً فهل يعتد بها أم لا؟
القول المشهور في المذهب: أنه لا يعتد بها لأنها زيادة لاغية لا قيمة لها، فإنها في حق الإمام لا قيمة لها فهي زيادة لا غية. والقول الثاني في المذهب وهو اختيار الموفق: أن هذه الركعة معتد بها للمأموم لأنها وإن كانت لا غية في حق الإمام لكنها ركعة صحيحة في حق المأموم فوقعت في محلها وإن كان الإمام هذه الركعة لاغية له لأن الحكم هنا إنما هو في حق المأموم لا في حق الإمام. كما أنه لو صلى الإمام وثبت له بطلان صلاته لفعله ما يبطلها فإن صلاة المأموم صحيحة لأن هذه الركعات باطلة بالنسبة إلى الإمام وهي صحيحة بالنسبة إلى المأموم. فعلى ذلك هذه الركعة يعتد بها - إن كان ساهياً أو جاهلاً بخلاف إذا كان عالماً – فإذا علم أنها زيادة فلا يتابعه بل يفارقه لأنه قد ثبت له أن الإمام يزيد في الصلاة ما ليس منها فلا يحل له والحالة هذه أن يتابعه لأن الإمام يفعل ما ليس من الصلاة، وما كان ليس من الصلاة في اعتقاد المأموم فإنه لا يحل له متابعته عليه فالبحث فيما إذا كان ساهياً أو جاهلاً. فلو أتى وقد بقي ركعة من الصلاة فزاد الإمام ركعة ناسياً وتابعه المأموم ساهياً أو جاهلاً فإن الركعة يعتد بها ويسلم معه، وتنتهي بذلك صلاته. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعمل مستكثر عادة من غير جنس الصلاة يبطلها عمده وشهده هذا هو المشهور في المذهب وتقدم ترجيح أن العمل الكثير في الصلاة سهواً لا يبطل الصلاة فإذا فعل فعلاً كثيراً من غير جنس الصلاة ساهياً جاهلاً فلا يبطل الصلاة بذلك. قال: (ولا يشرع ليسره سجود) هذا الشاهد في باب سجود السهو، أنه لا يشرع ليسره سجود. تقدم أن الفعل اليسير وهو ظاهر قول المؤلف هنا – أن اليسر لا يبطل الصلاة فمن فعل فعلاً من غير جنس الصلاة وكان يسيراً كفتح باب ولبس ثوب ولف عمامة ونحو ذلك فلا يبطل الصلاة، وهل يشرع له سجود سهو أم لا؟
قال هنا: (ولا يشرع ليسره سجود) لعدم وروده مع ثبوت داعيه، فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل فعلاً يسيراً في الصلاة كفتح الباب ولم يثبت أنه سجد سجدتي السهو، ولأن هذا يقع من المكلف كثيراً فيشق الأمر بالسجود له. قال: (ولا تبطل يسير أكل أو شرب سهواً ولا نفل يسير شرب عمداً) هذه المسألة في مبطلات الصلاة، وقد ذكرت للمنا. وهي: أن الصلاة لا تبطل يسير أكل أو شرب سهواً وإذا أكل أو شرب في الفريضة عامداً فالصلاة باطلة بالإجماع مثل ذلك أو كثر عرفاً والصلاة – كما تقدم – أن إنها لا تبطل أن أكل أو شرب في الفريضة أو النافلة يسيراً سهواً لأن الله تجاوز عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، في قوله صلى الله عليه وسلم: (أن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فالسهو نسيان، والجهل من الخطأ وهنا قيده باليسير لأنه أن كان كثيراً، فإنه عمل كثير والعمل الكثير تقدم أنه يبطل الصلاة عمداً وسهواً - على المذهب – وتقدم الراجح. وعن الإمام أحمد: أن الكثير كذلك للسهو – وهو الراجح – فعلى ذلك يقيد هذه المسألة باليسير تقييد رجوح والراجح عدم تقييده. فالمشهور في المذهب: أن اليسير من الأكل والشرب لا يبطل الصلاة، أما الكثير مبطلها، ذلك لأن الفعل الكبير وأن كان سهواً يبطل الصلاة والأكل والشرب الكبير كذلك. والصحيح في هذه المسألة والتي ألحقوها، أن السهو يعذر في المكلف فلا يبطل به الصلاة – وهو رواية عن أحمد. (ولا نفل يسير شرب عمداً) فالنفل أن شرب فيه يسيراً كأن يشرب أو نحو ذلك، عامداً فلا يبطل الصلاة وهو مروي عن ابن الزبير. قالوا: لأن النافلة يستحب إطالتها وحيث شرب فيها فإن هذا على إطالتها، والصلاة النافلة يتسامح فيها ما لا يتسامح في غيرها.
وظاهره أن الأكل اليسير عمداً يبطل النافلة كما يبطل الفريضة للفارق بين الأكل والشرب فيما تقدم، فإن المصلي يحتاج إلى شرب مالا يحتاج إلى الأكل. والقول الثاني في المذهب وهو رواية عن الإمام أحمد أن الأكل كذلك، وأن الأكل والشرب اليسير في النافلة جائز وهو قول إسحاق بن إبراهيم. وحجتهم: أنه أكل يسيراً أو شرب يسير فأشبه العمل اليسير في الصلاة لكن هذا منتقض فإن العمل اليسير جائز في الفريضة أيضاً، والأكل لا الشرب اليسير لا يجوز فيها مع أن العمل اليسير لا يؤثر فيها فالحكم على النافلة – هنا – يجوز الأكل والشرب اليسير لأن العمل اليسير جائز فهنا يقال: مقتضاه أن الفريضة يجوز الأكل والشرب اليسير فيها، لأن العمل اليسير جائز أيضاً ومقتض الإجماع المتقدم خلاف هذا، فأن فيه أن الأكل والشرب مبطل مطلقاً قل أو كثر. لذا ذهب الإمام أحمد في رواية أخرى، قال الموفق فيها: (وهي الصحيح من المذهب، وهو مذهب الجمهور – أن الأكل والشرب اليسير عمداً في النافلة مبطل لها وهذا هو الذي يقتضيه القياس، فأن ما أبطل الفريضة فإنه مبطل النافلة إلا أن يدل دليل على تخصيص أي منهما بحكم، وحيث لا دليل على تخصيص فأنا نبقى الحكم على عمومة فيشمل الفريضة والنافلة. فالراجح: أنه لا يجوز له مطلقاً الأكل والشرب في النفل واحد كان يسيراً خلافاً للمشهور عند المتأخرين من الحنابلة وهو الصحيح في المذهب كما قال الموفق: وهو مذهب جمهور العلماء. قال: (وأن أتى بقول مشروع في غير موضعه كقراءة في سجود وقعود وتشهد في قيام، وقراءة سورة في الأخير تبين لم تبطل ولم يجب له سجود بل يشرع) . إذا أتى بقول مشروع كالفاتحة في غير موضعه، كأن يقرأ الفاتحة في ركوعه أو سجود أو نحو ذلك، أو يقول: " سبحان ربي العظيم " في غير موضعه كالسجود – مع قيامه بما وجب عليه.
فمثلاً: قرأ الفاتحة فقام بالواجب عليه لكنه قال ذكر مشروعاً في قيامه لا يشرع فيه القيام – فلا تبطل الصلاة بذلك وأن كان عامداً – ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك. (أو لم يجب له سجود بل يشرع له) فيشرع له السجود من غير وجوب أما كونه يشرع له فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا نسى أحدكم فليسجد سجدتين) قالوا: وهذا نسيان في الصلاة وأما كونه غير واجب، فلأنه جبر لما لا يجب، ففي الأصل لا يجب عليه ألا يفعل ما فعل، وإنما يستحب له ويشرع له ألا يفعل ذلك فعلى ذلك سجوده ليس بواجب – هذا هو المشهور في المذهب وعن الإمام أحمد أنه لا يشرع له مطلقاً أن يسجد، وهذا هو الراجح ذلك، لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم السجود في هذا الموضع ولم يرد أيضاً السجود فيما هو بمعناه، فإن السجود الوارد عن البيهقي في فعل يبطل الصلاة كأن يعهدمما ترك تشهد تبطل الصلاة ويتركه عمداً ونحو ذلك، وهنا ليس الأمر كذلك فقد سهى في أمر أن فعله متعمداً لا يؤثر في صلاته ولا يبطلها، أما سجود السهو فإنه جبر لما لو تعمده يتطلب الصلاة لكنه لم يتعمد فوجب عليه سجدة السهو. أما هنا فالأمر خلاف ذلك. فأنه يسجد فهو لما لو تركه تعمداً لم تبطل صلاته وليس هذا في معنى المشروع ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثله لا يبعد وقوعه. قال: (وأن سلم قبل إتمامها عمداً بطلت) إذا سلم قبل إتمام الصلاة عمداً فالصلاة باطلة لأنه تحلل منها قبل محل التحلل وقبل أن تصح منه وتتم على المشروع وهذا باتفاق أهل العلم. قال: (وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد)
رجل سلم من ركعتين والصلاة رباعية – ساهياً، ثم ذكر ذلك قريباً في العرف فليس هناك فاصل طويل عرفاً وأن خرج من المسجد أو دخل منزله لكن الفاصل قريب عرفاً فحينئذ يتمها ويسجد بعدها، لحديث ذي اليدين المتقدم وثبت من حديث عمران بن حصين – في مسلم – قال: (سلم النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة فقام إليه رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة فخرج مغضباً فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم) فهنا النبي صلى الله عليه وسلم دخل الحجرة وهذا يعتبر فاصلاً، ومع ذلك فأن النبي صلى الله عليه وسلم أتم الصلاة ولم يستأنفها. وسيأتي كلام شيخ الإسلام في مسألة قريبة من هذه المسألة وهي مسألة من سها في صلاته فنسى سجود السهو فطال الفاصل أو قصر فما حكم ذلك؟ سيأتي الكلام عليه أن شاء الله. فأذن: أن قصر الفاصل عرفاً وأن خرج من المسجد ودخل منزله ونحو ذلك فإنه لا يؤثر في صلاته بل يتمها – ما لم يحدث – فإن أحدث فهو مبطل للصلاة باتفاق العلماء، لأن الصلاة في حكم المتصل فإن أحدث فقد قطعها. قال: (فأن طال الفصل عرفاً أو تكلم لغير مصلحتها بطلت) " تكلم في غير مصلحتها " كأن يكون تكلم مع أحد من الناس في غير مصلحة الصلاة – كما كان محتملاً من النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد خرج فيحتمل أنه سلم على أهله ونحو ذلك – فإذا تكلم لغير مصلحتها بطلت. أما لو تكلم لمصلحتها كأن يتكلمون في السهو ويسأله المأمومون عنه فتباحث معهم في ذلك فأن هذا لا يؤثر لكن المؤثر هو أن يتكلم فيما هو خارج عن مصلحتها لكنه فعل ذلك على سبيل السهو أو الجهل " وسيأتي البحث في هذه المسألة الدرس القادم أن شاء الله " وترجيح أن الكلام في الصلاة سهواً أو جهلاً لا يبطلها وسيأتي دليل على ذلك.
وحينئذ فأن الحكم في هذه المسألة كذلك، وعليه فإذا تكلم جاهلاً أو ناسياً بعد أن سلم فإن الصلاة لا تبطل لذلك وأن كان في غير مصلحتها لأنه وأن كان في حكم المصلين لكنه تكلم ساهياً أو جاهلاً فيكون معذوراً – هذا هو الراجح – أما على المذهب: أنه إذا طال الفصل أو تكلم في غير مصلحة الصلاة فإنها تبطل. مسألة: الطعام الذي يكون في الفم، ما حكمه؟ له ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يضع الطعام في فيه من غير أن يمضغه فيكره ذلك في الصلاة. فلو أن رجلاً وضع لقمة في فيه فصلى مع إمكان القراءة ونحوها فالصلاة صحيحة مع الكراهية. الصورة الثانية: أن يضع في فمه شيئاً يتحلل قالوا: كسكر ونحوه فتحلل ودخل، فالصلاة باطلة بالاتفاق لأن هذا أكل. الصورة الثالثة: أن ما يكون بين أسنانه ونحوه فله صورتان: الأولى: أن يكون مما يجري في الريق، يعني: شيء متحلل بين الأسنان لكنه يجري في الريق فهذا لا يؤثر قولاً واحداً في المذهب وذلك لمشقة التحرز منه. الثاني: أن يكون يحتاج إلى دفع، فقولان في المذهب: القول الأول: أنه يبطل الصلاة، فإذا دفعه فدخل في الجوف فأن الصلاة تبطل به، لأن أكل فلا يشق التحرز منه. القول الثاني: أنه لا يبطلها فهو له حكم ما يجري بالريق والأظهر والأحوط القول الأول: لأنه في الحقيقة أكل، ولا يشق التحرز منه. مسألة: رجل صلى مع الإمام، فسها الإمام فصلوا ثلاثاً في رباعية، فلما أراد أن يخرج أخبره رجل أنهم صلوا ثلاثاً فكبر وهو قائم وأتى بركعة فما حكم ذلك؟ الحنابلة قالوا: تبطل صلاته لأنه ترك النهوض بل يجب عليه أن يجلس ثم يقوم وهذا غير معتبر وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم - في حديث ذي اليدين – لم ينقل عنه أنه جلس ولو كان ذلك تنقل إلينا.
والتعطيل بذلك: أن يقال: أن هذا الانتقال ليس مقصوداً لذاته، بل المقصود القيام، فهو وسيلة إليه، فما دام أنه وصل إلى القيام بعد ذلك مع العذر فلا بأس بذلك وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بطلت ككلامه في صلبها) الكلام في الصلاة يبطلها هذا في الجملة – وذلك بإجماع أهل العلم – فالكلام في الصلاة عمداً بغير مصلحتها يبطل الصلاة. ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم قال: (كنا نتكلم بالصلاة يكلم أحدنا صاحبه إلى جنبه نزلت: {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت) زاد مسلم: (ونهينا عن الكلام) وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: (كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فيرد علينا، فقلنا يا رسول الله إن كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: (أن في الصلاة لشغلاً) وفي مسلم: (أن هذه التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) فهذه الأحاديث مستند إجماع العلماء على أن من تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحتها ولغير واجب وجب عليه ولا خروج منه إلا بالكلام فيبطل صلاته إجماعاً، وقد اختلف أهل العلم في مسائل ذكرها المؤلف لقوله: (ككلامه في صلبها) فهذا لفظ عام فيه أن الكلام في الصلاة مبطل لها مطلقاً سواء كان لمصلحتها أو لإنقاذ مسلم من هلكة أو كان عن جهل أو إكراه أو نسيان أو نحو ذلك فكله مبطل لها ودليلهم: عموم الأحاديث المتقدمة، فعموم الأحاديث تدل على هذا، وأن الكلام لا يصلح في الصلاة مطلقاً وأن كان عن نسيان أو جهل أو إكراه سواء كان من إمام أو مأموم وسواء كان لمصلحة الصلاة أو لغير مصلحتها أو كان إنقاذاً أو لم يكن فكله مبطل لها ما دام في صلبها.
وقوله: (في صلبها) احترازاً من الكلم بعد السلام عند السهو فيه، فإذا سهى مسلم قبل وقته فتكلم في مصلحة الصلاة فسيأتي استثناؤه وأما ما سواها فكله إلى عدم البطلان بما تقدم: الإكراه والنسيان والإنقاذ والجهل ". أما النسيان: فإذا تكلم في صلب الصلاة ناسياً فما حكم صلاته؟ فالصحيح ما ذهب إليه الشافعية في أن النسيان لا يبطل الصلاة. ودليل ذلك: حديث ذي اليدين المتقدم فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بعد السلام ناسياً وتكلم أصحابه وهذا أمر ظاهر فإن المتكلم ناسياً ليس كالمتعمد، فأن المتعمد مناقض لأمر الشارع مخالف له، وأما الأخر فلا. والحقيقة: أن هذا الفارق إنما هو مؤثر في الإثم، بخلاف الإعادة، فلا مانع أن يؤمر الناس بالإعادة مع رفع الإثم عنه لأنه غير مناقض للشرع، لكن لما كان النسيان يقع من المكلف كثيراً فشق إبطال الصلاة به، والمشقة تجلب التيسير شرع هذا الحكم فأن الناسي إذا تكلم في صلاته فلا تبطل صلاته – وهذا هو الراجح – أما المكره: ففيه قولان: القول الأول: وهو المشهور في المذهب: أن الصلاة تبطل إذا أكره على الكلام. القول الثاني: أنها لا تبطل وهو مذهب الشافعية. ودليلهم: قياس المكره على الناسي فأن الشارع لم يفرق بينهما في قوله: (أن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) أما القول الأول فإن الصلاة تبطل به وهو الراجح، وذلك لأن الشارع قد جمع بين الإكراه والنسيان في رفع الحرج والإثم، فالمكره لا حرج عليه لكنه يؤمر بالإعادة فلا يؤثم على كلامه في الصلاة كما أن الناسي لا يؤثم أما مسألة إبطال الصلاة فهي مسألة خارجة عن هذا الحديث. والقياس المتقدم قياس مع الفارق، والفارق بين الإكراه والنسيان: أن النسيان يكثر فيشق التحرز فيه، وأما الإكراه فيقل بل يندر، فعلى ذلك يرفع عنه الإثم ويبقى عليه إعادة الصلاة.
أما إنقاذ الهالك: كأن يتكلم رجل في الصلاة لينبه من هو في طريق هلكه، ولا يمكن تنبيهه إلا بذلك فما الحكم؟ الشافعية قالوا: لا تبطل الصلاة بذلك، لأن المصلي هنا قد تكلم بما يجب عليه، كما ثبت في الصحيحين من كلام الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم تكلموا فيما يجب عليهم من بيان سهو النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته وهم في الصلاة ليسوا بناسين ولا ساهين، فمن تنبهه من الصحابة فإنه يعلم أنه ناسي فينتبه. والحنابلة: قالوا تبطل الصلاة. وأجابوا عن استدلالهم بكلام الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا: أن هذا الكلام خارج عن هذا الباب، فالكلام الوارد عن الصحابة إنما لمصلحة الصلاة، أما هنا فليس لمصلحتها، فإن من مصلحة المأموم إصلاح صلاة إمامه، وعلى ذلك فلو أن المأموم لم يمكنه أن ينبه إمامه إلا بقوله: (أركع أو أسجد) فإنه يفعل ذلك ولا حرج عليه. أما إذا نبه خارج الصلاة، فإن الصلاة تبطل بذلك للفارق بين المسألتين. فأن تنبيه الصحابة كان لواجب يتعلق بصلاتهم، وأما هنا فهو واجب أخر يخرج عنها. فعلى ذلك: يجب عليه تنبيه هذا الذي هو في طريقه إلى الهلكة لكن صلاته تبطل بذلك. أما الجاهل: فلو تكلم رجل في الصلاة جاهلاً فما حكم صلاته؟ قال الحنابلة: تبطل الصلاة، لأنه كلام داخل في عموم الحديث. وقال الشافعية: لا تبطل الصلاة.
واستدلوا بما روى مسلم في صحيحه: أن معاوية بن الحكم السلمي قال: (بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: (وأثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إلى فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فرأيتهم أنهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، والله ما نهرني " أي قهرني " ولا ضربني ولا شتمني، قال: (أن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) فهذا الحديث ظاهر في هذه المسألة ترجيح لمذهب الشافعية. فالراجح: إذا تكلم في الصلاة جاهلاً فلا تبطل الصلاة. فالراجح: أن الصلاة لا تبطل بالكلام عن النسيان أو جهل وإنما تبطل بالتعمد أو الإكراه أو التنبيه على أمر خارج عن الصلاة. قال: (ولمصلحتها أن كان يسيراً لم تبطل) والمراد إن كان خارجاً عن صلبها، في المسألة المذكورة سابقاً وهي ما إذا سلم قبل إتمام صلاته ساهياً فبعد السلام تكلم هو والمأمومون لمصلحة الصلاة فهذا يستثنى عند الحنابلة بشرط أن يكون يسيراً لأن ما ثبت العفو عنه إنما هو التيسير. والراجح: ما تقدم وأن الكلام مطلقاً لمصلحة الصلاة سواء كان يسيراً أو كثيراً ما دام لمصلحتها فإنه لا يبطل الصلاة. لكن متى ثبتت للإمام أن الصلاة ناقصة ويجب إتمامها فلا يجوز أن يستمر في الكلام مع المأمومين وأن كان في مصلحة الصلاة، بل يكون ذلك بقدر ما يحتاج إليه لمعرفة الخطأ في صلاته. قال: (وقهقهة ككلام) القهقهة: هو الضحك الذي يخرج منه الصوت. فهو مبطل للصلاة بالإجماع، وذلك لمنافاته للصلاة وقد قال جابر: (القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء) رواه الدارقطني مرفوعاً وصوب وقفه، فالصواب أنه موقوف.
وأما التسبيح فلا يبطل الصلاة بالاتفاق لأنه ليس مناف للصلاة ولا دليل يدل على بطلان الصلاة به. قال: (وأن نفخ أو انتحب من غير خشية الله تعالى، أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت) " أن نفخ " أي قال: " أف " في الصلاة. " أو انتحب " أي رفع صوته بالبكاء. أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت الصلاة أي خرج منه، من تنحنحه أو نفخ أو بكاء أو أنين أو تأوه أو نحو ذلك فإنه – أن كان من غير حاجة فأن الصلاة تبطل به. وعليه أن كان وقع منه عن غلبة فإنه لا يؤثر، فلو تنحنح أو نفخ عن غلبة فلا يؤثر. وعلة هذه المسألة: أن الكلام يثبت بالحرفين " لا " و " نعم " و " أب " و " أخ " فالكلام يقع من حرفين فأكثر، فإذا تنحنح فخرج منه حرفين أو أكثر فذلك يكون كلاماً فيكون مبطلاً للصلاة. والراجح وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الإمام مالك أن الصلاة لا تبطل كذلك، لأن مثل ذلك ليس بكلام فالنفخ والنحنحة ونحوها ليس بكلام وأن بان فيها حرفان. فالكلام – من حيث كلماته ومفرادته – وهو ما أفاد معنى. والكلام المحذور في الصلاة ما أفاد معنى مخاطباً به الآدمي فلفظه " نعم أو " لا " وليس في لغة العرب أن النحنحة أو البكاء أو النفخ – أن ذلك يعد كلاماً – فالراجح: أنه ليس بكلام فإذا وقع ذلك منه سواء كان عن غلبة أو لم يكن عن غلبة وسواء كان عن حاجة أو عن غير حاجة فأن ذلك لا يبطل الصلاة – وقد روى – أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر قال: فكأن يقول في سجوده " أف، أف " فلم يكن هذا مبطلاً للصلاة ولا مؤثراً فيها ومعلوم أن الكلام وأن احتاج ومعلوم أن الكلام وأن احتاج إليه المصلي –
كما هي قاعدة المذهب – لا يبطل الصلاة فكيف جعلوا هذا كلاماً ولا يبطلها مع الحاجة، وما تقدم يبطلها ولو كان ذلك لمصلحتها أو لمصلحة من يجب تنبيهه بما بها تصل إلى الضرورة في المسائل المتقدمة، ومع ذلك ابطلوا الصلاة بها، واعتبروا هذا كلاماً وأجازوه في لحاجة فهذا مما يبين ضعف هذه المسألة عندهم. والقاعدة: أنه لو ثبت أنه كلام لكان حكمه كحكم الكلام تماماً لا فرق بينهما فيبطل به الصلاة ضرورة أو حاجة ما لم يكن مما يستثنى كما تقدم في المذهب. وقد تقدم حديث علي في تنحنح النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة لكن الحديث ضعيف، وما ذكر كاف فيه وهو أنه ليس بكلام ولا دليل على إبطال الصلاة فيه مع أنه يقع من المصلي كثيراً فيشق أن تبطل الصلاة به. مسألة: إذا قرأ في الصلاة آيةً أو جزءاً منها مخاطباً ونحو ذلك، كأن يطرق عليه الباب فيقول: " أدخلوها " أو نحو ذلك؟ قال شيخنا: (هذا لا يخلو – فيما يظهر لي – من حالتين وما أتذكر كلاماً لأهل العلم في ذهني الآن) الحالة الأولى: أن يكون قد جمع بين هذا وبين خطاب الله فاكتفى بآية خاطب بها الله وخاطب بها الآدمي. فحينئذ: لا يعدو الأمر ألا أن يكون إسماعاً للآدمي بما يخاطب الله به مما يكون مناسباً للآدمي فحينئذ لا يبطل به الصلاة. الحال الثانية: أن يخاطبه بغير نية خطاب الله والتعبد له، فحينئذ: تبطل به الصلاة، لأن هذا لا يعتبر قرآن، بدليل أن قرأ الآية وهو جنب، وقلنا أن الجنب لا يجوز أن يقرأ القرآن كما هو مذهب الجمهور. فالجمهور يقولون: لا يضر لأنه ليس قرآن، لأنه خرج عن أن يكون قرآن. فهذه الطريقة – من كونه يخاطب به آدمي لمقصد حادث – أخرجه عن أن يكون قرآن فحينئذ يبطل الصلاة. ثم ذكر لنا – شيخنا بعد ذلك أن هذا ما يقرره الشافعية فقد قرره الشيرازي في كتابه " المهذب " الذي شرحه النووي في المجموع. والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها، وقبله يعود وجوباً فيأتي به وبما بعده) من ترك ركناً من أركان الصلاة غير التحريمة فإنها لا تدخل في هذا الباب، لأن الصلاة لا تصح إلا بتكبيرة فمن صلى بلا تكبيرة إحرام فالصلاة باطلة وأن كان عن سهو فالصلاة لا تنعقد إلا بها فمن ترك ركنا سوء تكبيرة الإحرام، كأن يترك سجوداً أو ركوعاً أو نحو ذلك. مثال: رجل صلى وهو في الركعة الأولى سجد الأولى فقام إلى الركعة الثانية فترك ركعتين الجلسة بين السجدتين والسجدة الثانية فلهذه المسألة صورتان: ذكرهما المؤلف: الأولى: أن يذكر السهو الواقع منه بعد قيامه وقبل أن يشرع في القراءة. الثانية: أن يذكره بعد شروعه في القراءة. أما في الصورة الأولى: وهي ما إذا ذكر ذلك قبل شروعه بالقراءة فأنه يرجع وجوباً – هذا الإجماع كما حكاه المجد ابن تيميه وقال الموفق: (لا نعلم فيه مخالفاً) فيرجع ويجلس بين السجدتين ويسجد السجدة الثانية وما بعده وما قامه فإنه لأنه وقع في غير محله وموضعه. أما الصورة الثانية: وهي ما إذا ذكره بعد شروعه بالقراءة , فقال: (فذكره بعد شروعه في ركعة أخرى بطلت التي تركه فيها) فتبطل الركعة وتلغو لأنه قد ترك ركناً منها، فتكون الصلاة صحيحة لكن هذه الركعة باطلة، فتقيم الركعة الثانية مقام الركعة الأولى – هذا هو المشهور في المذهب – وهناك قول في المذهب – وهو مذهب الشافعية – أنه يجب عليه الرجوع وأن شرع في القراءة ما لم يصل إلى الركن الذي يقابل الركن الذي تركه، فإذا وصل إليه فإنه يقوم مقامه وهذا القول أرجح، لأنه لا دليل على التعريف بين ما إذا ذكره قبل الشروع وبين ما إذا ذكره بعد الشروع.
قالوا: أن تذكره له أثناء شروعه بالفاتحة قد شرع في ركن مقصود وأما قبل ذلك فالقيام ركن غير مقصود لكن هذا ليس بصحيح، فأن القيام ركن مقصوداً أيضاً بدليل وجوبه على من لم يكن قائماً، فيجب عليه القيام، فالقيام ركن، وهو قد شرع في ركن، فكما أوجبنا عليه وقد شرع في الركن الذي هو القيام قبل القراءة، فكما أوجبنا عليه الرجوع في هذا، فكذلك يجب عليه أن يعود إذا شرع في القراءة فليس هناك فرق مؤثر ثم أنه يلزم من القول الأول إبطال ما ثبت صحته فأنه قد كبر وقرأ الفاتحة وركع وسجد كل ذلك أوقعناه صحيحاً له وليس هناك ما يدل على بطلانه. وكوننا نلغي الركعة كما ذكر الحنابلة، فيه إبطال لما وقع صحيحاً ثابتاً ولم يرد دليل على إبطاله وكذلك فيه إثبات لزيادة لم تقع سهواً، فإنه لما قام في الركعة الأولى وركع وسجد كل ذلك – كان عمداً لا سهواً، فإذا ألغيناه فقد أثبتنا في الصلاة زيادة قد تعمدها صاحبها. لذا الراجح ما ذهب إليه الشافعية وهو أحد القولين في المذهب وأنه يجب عليه الرجوع مطلقاً ما لم يصل إلى الركن المقابل إلى الركن المتروك فحينئذ يقوم مقام الذي ترك. وهنا صورة ثالثة لم يذكرها المؤلف: وهي ما إذا ذكره أثناء الركعة فأنه يجب عليه الرجوع بالإجماع كرجل كبر للصلاة وركع ثم سجد مباشرة ساهياً، وذكر في أثناء الركعة فإنه يرجع إليه وجوباً. قال: (وأن علم بعد السلام فترك ركعة كاملة) أي أنه لما سلم علم أنه ترك سجوداً، يقيناً لا شكاً (فترك ركعة كاملة) لأن هذه الركعة قد اختلت بترك ركن من أركانها وتبطل ولا تصح لأنه قد ترك فيها ما هو من قوامها مما لا تصح إلا به، فتكون الصلاة صحيحة وما تركه من الركن يجبره بفعل ركعة كاملة ويسجد للسهو أما قبله أو بعده على الخلاف المتقدم. والقول الثاني في المذهب: وهو قول غير مشهور في المذهب: أنه يأتي بالركن الذي تركه وما بعده.
فإذا ترك مثلاً السجدة الثانية من الركعة الأولى، فإنه يكبر فيأتي بالسجدة وما بعدها. وهذا هو الأرجح لأن ما فعله قبل ذلك الركن قد ثبت صحيحاً وهذا الركن المتروك وما بعده باطل أما المتروك فظاهر لأنه لم يفعل، وأما ما بعده فلأنه لم يقع في موقعه: فكان الواجب عليه أن يأتي بالركن وما بعده من الركعات فعلى ذلك: إذا كان سهوه في الركعة الأولى فإنه يأتي بما بعدها من الركعات. فإن كان الركن الذي تركه ليس متعلقاً بركعة من الركعات وإنما هو ركن منفرد بنفسه كالتشهد الثاني، فإذا تركه فأنه يأتي به فقط ويسلم. قال: (وأن نسى التشهد الأول ونهض لزمه الرجوع ما لم ينصب قائماً فإن قائماً كره رجوعه، وأن لم ينصب لزمه الرجوع) . إذا نسى التشهد الأول فنهض فيلزمه الرجوع وهو في حالة النهوض ما لم يصل إلى القيام، فيجب عليه الرجوع لأنه ترك واجباً يجب عليه فعله، ولم يشتغل بركن، ولا ترتب على فعل الواجب الذي فعله فإنه زيادة ركن في الصلاة – وهذا مذهب الجمهور – وقد روى أبو داود بإسناد فيه جابر الجعض وهو ضعيف – من حديث المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شك أحدكم فقام في الركعتين فاستتم قائماً فلا يعود وليسجد سجدتين فأن لم يستتم قائماً فليجلس ولا سهو عليه) وهذا حديث ضعيف لكن المعنى المتقدم يدل عليه، فقد ترك واجباً ولم يشتغل بعد بركن فوجب عليه أن يأتي به إذ هو متعلق في ذمته ويمكن فعله من غير بدل ولا ترتيب زيادة في الصلاة ولا ترك ركن بسبب فعله.
(فأن استتم قائماً كره رجوعه) فإذا استتم قائماً فيكره رجوعه، لكن لو رجع تصح لكنه مكروه لأن النبي صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين من حديث عبد الله ابن قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأولين ولم يجلس فقام الناس معه حتى قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه وكبر وهو جالس وسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم) فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قام من الجلوس، وظاهر لفظة (قام) أنه قد ثبت قيامه وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فإنما يكره لمخالفته السنة. ولذا فالراجح أن استمراره بالقيام واجب، فلا يجوز له الرجوع كما هو قول في المذهب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وكان يجب عليه أن يجلس فتركه للوجوب يدل على أنه لا يجوز فعله، وقد استتم قائماً فلم يرجع ولأنه قد اشتغل بركن لا يجوز تركه، فإنه قد اشتغل بالقيام، فهو كما لو اشتغل بالقراءة، وقد اتفق العلماء على أنه لو اشتغل بالقراءة فلا يجوز له أن يرجع ولا فرق بين الصورتين لأن القيام ركن والقراءة ركن. فالراجح: أنه إذا استتم قائماً سواء شرع في القراءة أم لم يشرع فلا يجوز له الرجوع. قال: (وأن لم ينصب لزمه الرجوع) هذا تكرار للمسألة السابقة في قوله: (وأن نسي التشهد الأول لزمه الرجوع) قال: (وأن شرع في القراءة حرم الرجوع) لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم، وهو مما اتفق عليه أهل العلم. واعلم أن القاعدة: أنه إذا مضى فيما يجب عليه الرجوع فيه أو رجع فيما يجب عليه المضي فيه عامداً فالصلاة باطلة. مثال: ما إذا مضى فيما يجب عليه الركوع: كرجل قبل أن يستتم قائماً مضى مع علمه بالوجوب فإن الصلاة تبطل لأنه ترك واجباً من واجبات الصلاة.
(وإذا رجع فيما يجب عليه المضي فيه) كأن يرجع بعد أن يشرع في القراءة فإذا رجع فصلاته تبطل أن كان عامداً عالماً بالحكم أما الجاهل والناسي فلا شيء عليه. واعلم أن الإمام إذا استتم قائماً فسُبح به فرجع فأنه يكون مخطئاً وعليه فإن المأمومين في خطئه أما إذا قاموا فنتصبن، ورجع الإمام قبل أن يستتم قائماً لكنهم سبقوه بالانتصاب فإنه يجب عليهم الرجوع لأن الإمام مصيب بفعله ويجب عليهم أن يتابعوه، لأن الإمام يتابع حيث كان مصيباً أو ساهياً سهواً نتابع بمثله وأما متابعته في القيام عن ترك التشهد فأن السنة قد دلت عليه كما في حديث ابن بحينة المتقدم، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك التشهد وقام مقام الصحابة وراءه وفي ابن خزيمة: (فسبحوا به فمعنى) فهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ساهياً في عن هذا الواجب ولم يفارقوه بل تابعوه ولم ينكر ذلك عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بل أمرهم عليه. لذا اتفق أهل العلم على أنه الإمام إذا سهى فتركه الجلسة للتشهد فإن المأمومين يتابعونه. مسألة: ترك التشهد ترك واجب من واجبات الصلاة، فهل غيره من الواجبات كغيره في هذا الحكم – كالتسبيح والتحميد وغيرها من الأذكار الواردة في الأركان؟ الجواب: فارق بين مسألة القيام عن التشهد الأول وبين ترك التسبيح والتحميد ونحوها من الواجبات التي في الأركان في تلك الجلوس للتشهد تبع للتشهد وإنما شرع له وأما هنا فإنه إذا رجع إلى الواجبات ليأتي بها وأن لم يصل إلى الركن فإنه يلزم فيه أن يأتي بالركن مرة أخرى، فيكون في الصلاة زيادة متعمدة. لذا هذه الواجبات إذا خرج عن محلها فأنه لا يعد ويجبرها بالسجود، وأن لم يصل الركن الذي بعدها، لأنه برجوعه يفعل الركن مرة أخرى. أما في التشهد: فإنه لو جلس للتشهد ولم يتلفظ بالتشهد فقام فإنه يرجع لأن الجلوس مشروع للتشهد أما هذا فالركوع ركن وهذه الأذكار واجبة فيه، وهي أركان مقصودة بذاتها.
قال: (وعليه السجود للكل) للمسألتين، والسجود – كما تقدم في المذهب – قبل السلام. أما المسألة الثانية فالحديث الصحيح يدل عليها وهو حديث عبد الله بن بحينة، والقاعدة تدل عليها فإنها نقص في الصلاة. وأما المسألة الأولى فهي زيادة في الصلاة، فقد زاد في الصلاة أركاناً على سبيل السهو. فالواجب أن يكون سجد بعد السلام، لأن ما كان عن زيادة فإنه بعد السلام على الراجح كما تقدم – وهو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيميه رحمهما الله جميعاً. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن شك في عدد الركعات أخذنا بالأقل) من شك في عدد الركعات، فلا يدري أصلى ثلاثاً أم أربعاً فإنه يبني على اليقين فيأخذ بالأقل. واستدلوا بما ثبت في مسلم من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً له صلاته وأن كان صلى تماماً كانتا ترغيماً للشيطان) ومثله لو شك وقد ركع هل أدرك الإمام في ركوعه أم لا، كأن يأتي متأخراً فيسجد الإمام راكعاً فيركع ثم يشك هل رفع الإمام رأسه قبل أن يدركه أم بعد أن أدركه ومثل ذلك لو شك في ركن هل فعله أم لا؟ فأنه يبني على اليقين وهو أنه لم يفعل أو لم يزدهن الزيادة. وظاهر كلام المؤلف مطلقاً سواء كان إماماً أو منفرداً، وسواء كان الشك مع علته ظن أو مع استواءت الطرفين. فظاهر كلام المؤلف أن الصورتين كليهما داخلة في البناء على التيقن وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الجمهور. والرواية الأخرى عن الإمام أحمد وهي ظاهر مذهبه (أي المشهور فيه) . التفريق بين الإمام والمنفرد:
أما المنفرد فإنه يبني على اليقين مطلقاً فلا يحكم عليه ظنه وأما الإمام فإنه أن أمكنه غلبه ظن تسبيح الناس خلفه فإنه يعمل به، وأن لم يمكنه ذلك إما بأن يختلف المأمومون أو لا ينتبه أحد منهم – فإنه يبني على اليقين. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم يسجد سجدتين) وفي رواية البخاري: (فليتم ثم يسلم ثم يسجد) فهذا الحديث فيه أن من أمكنه أن يتحرى الصواب فإنه يتم عليه ويسجد بعد السلام. وقد حمل الحنابلة هذا الحديث على الإمام الذي يمكنه أن يتحرى الصواب بنية المأمومين. فإن لم يمكنه تحري الصواب كأن يختلف المأمومون أو لا يحدث تنبيه مع الشك الواقع فيه فإنه – حينئذ يبني الإمام على اليقين. وهناك رواية ثالثة عن الإمام اختارها شيخ الإسلام: وهي الراجحة إلى أن الإمام والمنفرد كليهما على غلبة الظن ويتحرى الصواب فأن لم يكن هناك صواب يتحراه فإنه يبني على اليقين وهذا هو القول الراجح لعمومات الأحاديث. فأن حديث أبي سعيد الشك عام من الإمام والمنفرد: (إذا شك أحدكم في صلاته) سواء كان إماماً أو منفرداً فإنه يبني على اليقين مادام الشك مع استواء في الطرفين كما أن حديث ابن مسعود حديث عام في الإمام والمنفرد ثم إن غلبة الظن يحصل من المنفرد كما حصل من الإمام، فغلبة الظن التي تحصل بنيته المأمومين يمكن أن يحصل هذا الغلبة للمفرد وأن لم يكن هناك تنبيه فإن يكون الواقع في قلبه أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً أو نحو ذلك، وهذا هو المقصود، فأن تنبيه المأمومين لا يعدوا إلا أن يكون وسيلة إلى غلبة الظن، فإذا حصلت غلبة الظن بدون تنبيه من المأمومين فيحكم بها لأنها هي المقصودة في الحكم. تقدم أن المذهب أن غلبة الظن يحصل للإمام دون المنفرد في هذه المسألة، بسبب تسبيح المأمومين.
وعليه: فإذا كان الإمام ليس وراءه إلا مأموم واحد فإن هذا المأموم لا يرجع إلى قوله – كما تقدم – في المشهور من المذهب. وعليه فأن هذه المسألة السابقة: حيث كان مع الإمام مأمومان فأكثر يحصل بتسبيحها الظن الغالب أما إذا سبح به واحد أو لم يكن وراءه إلا مأموم فأن الإمام لا يحكم بغلبة ظنه هنا، لأن المأموم واحد، والواحد لا يرجع إلى قوله – كما تقدم – هذا تقرير المذهب – وعليه – وهو على المذهب – إذا شك المأموم في صلاة إمامه فأن المأموم يبني على اليقين لأن الإمام لا يرجع إليه لكونه واحداً – وهذا خلاف الظاهر، لأن الشارع قد أمر بمتابعة الإمام ما لم يثبت في صلاته خلل، ومجرد الشك لا تعارض الظاهر. فالظاهر أن صلاة الإمام صحيحة يجب على المأموم أن يتابعه عليها، وحيث شك المأموم فأن شكه لا تعبير لأنه مخالف للظاهر. هذان التفريقان على مذهب الحنابلة – وألا فالراجح – كما تقدم – هو اعتبار غلبة الظن مطلقاً للإمام والمنفرد. قال: (ولا شك في ترك ركن فكتركه) فإذا شك في ركن فلما لو تركه، كأن يشك هل ركع أم لا؟ فهو كما لو ترك الركوع. وقد تقدم حكم ترك الركن – وأنه في المشهور من المذهب إذا شرع في القراءة في الركعة الثانية لم يرجع إليه وقامت الركعة الثانية فقام الركعة الأولى التي سقط ركنها نسياناً. وإذا لم يشرع فإنه يعود إلى الركن فيأتي به. كذلك إذا شك، فقبل الشروع بالقراءة يرجع إلى الركن فيأتي به، لأن الأصل أنه لم يأت به فهذا ركن إيجادي يجب إيجاده فالأصل عدمه، فما دام أنه شك فإننا نبقى على الأصل وهو عدم فعله منه وقد تقدم الكلام إذا ترك ركناً من أركان الصلاة، فكذلك إذا شك في تركه فإنه يعطي حكم الترك مطلقاً. وظاهر كلامه – إنقاذ – أنه يبني على التيقن مطلقاً واليقين هنا أنه لم يفعل هذا الركن، فعليه أن يرفع إليه قبل الشروع بالفاتحة، وإذا شرع بطلت الركعة التي شك في ركن من أركانها.
والقول الثاني: في المذهب أنه يبني على غلبة الظن إن كان هناك غلبة ظن. كان يشك هل ركع أم لا، ويمكنه ظنه أنه ركع، فحينئذ حكمه أنه أتى به فيتم الصلاة على أنه قد أتى بهذا الركن ثم إذا سلم سجد سجدتين وهذا هو الراجح – كما تقدم – فالراجح في هذه المسألة – كالراجح في المسألة المتقدمة استدلالاً ودليلاً، فإن هذه المسألة داخلة في عمومات الأحاديث، فينظر في شكه فأن كان عنده غلبة ظن فأنه يعمل به، ويسجد سجدتين بعد السلام وإلا بنى على اليقين وسجد قبل السلام – واليقين هنا – أنه لم يفعل – قال: (ولا يسجد لشكه في ترك واجب أو زيادة) لما رفع من الركوع شك هل سبح فيه أم لا؟ والشك: المعتبر هو الذي لا يقع عن وسوسة من الشيطان وهو الذي يكثر في الصلاة وبتحديث كثيراً فيعلم أنه من الشيطان. وكذلك الشك بعد السلام ليس بمعتبر، فإذا صلى وشك هل تركت الركن أو هل صليت ثلاثاً أم أربعاً أو هل تركت الواجب – فهذا ليس بمعتبر اتفاقاً لأن الظاهر أن الصلاة قد تمت وصحت فلا يفارقها هذا الشك الوارد إليها. فإذا شك من ترك واجب، فلا يشرع له السجود سواء عنده غلبة ظن أو لا. قال: لأن الأصل عدم السجود وقد شك في سببه، لكن هذا ضعيف، لأن المسائل المتقدمة، كذلك فأن الأصل عدم سجود السهو وقد شك في السبب، لما تقدم في حديث: (فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً) فإنه شك والأصل عدم السجود، فالصحيح الشك في ترك الواجب كالشك في ترك الركن وهو قول في المذهب، لأن الأصل عدم فعل الواجب، فلما شك ما استوى الطرفان رجعنا إلى الأصل وهو عدم الفعل، لأنه واجب إيجادي كما تقدم في الركن وأنه ركن إيجادي، فالأصل أنه لم يفعله، فما دام أنه لم يتيقن أو أنقلب على ظنه فعله فإنا نحكم أنه لم يفعل وهذا القول هو الراجح. وعليه: ترك الواجب كترك الركن، لكن تقدم أن ترك الركن يرجع إليه.
لكن هنا نقول: يبنى على إنه لم يفعل مطلقاً، فلا يرجع لأن الرجوع ممتنع ويسجد قبل السلام. إلا إذا كانت عنده غلبة ظن، كأن يشك في التسبيح في الركوع ويغلب على ظنه قوله فإنه يسجد بعد السلام وإلا فإنه يسجد قبله. إذن: إذا كان عنده شك في فعل الواجب – وكان شكاً فاستوى الطرفين فالسجود قبل السلام. وإذا كان مع ترجيح الفعل فإنه يسجد بعد السلام. قال: (أو زيادة) فإذا شك في زيادة فلا يشرع له أن يسجد، كأن يشك هل صلى أربعاً أم خمساً أو يشك أنه ركع في ركعة ركوعين أو ثلاث سجودات أو نحو ذلك فهذا شك زيادة فلا يشرع له السجود لأن الأصل عدم الزيادة وعدم السجود. فحينئذ: نبني على الأصل، فلا يشرع له أن يسجد لأن هذا الشك الوارد شك زيادة والأصل عمها والأصل عدم السجود: فلا يشرع له أن يسجد. كما أنه لا يشرع له السجود إذا زال شكه وزال موجب سجوده وكأن يشك رجل هل صلى ثلاثاً أم أربعاً فبنى على اليقين، فلما شرع في الرابعة تيقن أنه لم يكن مخطئاً وأنه ليس هناك شك وإنه مجرد خاطر وقع في قلبه فحينئذ: لا يشرع له السجود لأنه موجبة الشك وقد زال الموجب، فلا يشرع له السجود – كما ذكر ذلك الحنابلة وهو قول ظاهر، ودليله ما تقدم من زوال موجبة وهو الشك. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا سجود على مأموم إلا تبعاً لإمامه) فإذا سهى المأموم فلا يسجد للسهو إلا تبعاً لإمامة فإذا سهى ووافق سهوه سهو الإمام، أو سهى الإمام فإنه يسجد معه. ويستثنى من ذلك: ما إذا كان السهو للمأموم في حال القراءة عن إمامه، كأن يكون مسبوقاً، فيقع السهو منه في حال إتمامه للصلاة، لأنه لإمام إنما يحتمل سهوه حيث كان تبعاً له متصلاً به مأموماً، وأما والحالة هذه فإنه يسجد ولا يحتمل عنه الإمام لأن صلاته التي وقع فيها السهو ومنفرداً فيها عن إمامه.
فإذا سهى المأموم مع إمامه فلا يسجد للسهو إلا في الصور المتقدمة – هذا مذهب جماهير العلماء حتى حكاه إسحاق وابن المنذر إجماعاً وأن المأموم إذا سهى خلف إمامه متى تابع فيه إمامه فإنه لا يسجد – وهو مذهب عامة أهل العلم. وذهب طائفة من أهل العلم وهو مذهب الظاهرية ومذهب الشوكاني والصنعاني من المتأخرين إلى أنه يسجد للسهو الذي وقع منه خلف إمامه. استدل أهل القول الأول: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر من تكلم جاهلاً خلفه – لم يأمره بالسجود فلو كان السجود واجباً خلف الإمام لأمره بالسجود وهذا استدلال ضعيف لأنا لا نسلم أصلية السجود في مثل هذا وأن الإمام والمأموم إذا تكلم ساهياً أنه يسجد بل الظاهر أنه لا يسجد لعدم الدليل الدال على مشروعية السجود هنا وليس بمعنى ما ورد به النص. واستدلوا: بحديث رواه الدارقطني لكن إسناده ضعيف جداً من حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على من خلف الإمام سهو فإذا سهى الإمام فعليه وعلى من خلفه) . واستدل بعضهم: بأن الصحابة يبعد جداً ألا يقع منهم السهو خلف النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل لنا أن أحداً منهم سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم سهو وقع منه. وأجيب عن هذا: بأن عدم النقل ليس نقلاً للعدم، والصحابة لا يشترط أن يثبت لنا أنهم طبقوا عموماً من العمومات أما إذا خالفوه فنعم، فإن هناك من العلماء من يرى التخصيص بعملهم أو قولهم.
واستدلوا – وهو أصح أدلتهم – بأن الإمام يتابعه المأموم في سجوده وهذه زيادة في الصلاة أوجبنا على المأموم أن يتابع إمامه فيها، كما أن الإمام يتحمل عنه عمده، فإن الإمام إذا قام عن التشهد الأول ساهياً وجب على المأموم أن يتابعه فيقوم عمداً، والنقص مثل ذلك، فإن السجود إنما هو جبر لنقص حدث في الصلاة ترك يبطل الصلاة عمداً، وقد وقع من المأموم سهواً وهناك كذلك، فإن الزيادة في الصلاة مبطلة لها ومن أجل متابعة الإمام وألا يحدث في الصلاة خلاف بين المأمومين وإمامهم – من أجل ذلك أمر الشارع المأموم أن يريد في صلاته هاتين السجدتين لمتابعة الإمام، فهذه زيادة وترك السجود نقص فكان هذا قياساً ظاهراً. وأما أهل القول الثاني: فاستدلوا بعمومات الأدلة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا نسى أحدكم فليسجد سجدتين) فهذا حديث عام في الإمام والمنفرد والمأموم لكن الصحيح ما تقدم من باب القياس الصحيح المذكور فإن الإمام يتحمل عن مأمومه الزيادة في الصلاة " في سجدتين السهو " ومتابعة في تعمد ترك واجب من الواجبات فيقوم عن التشهد متعمداً ليتابع إمامه كل ذلك ليحصل الموافقة بين صلاة المأموم وصلاة إمامه. فالراجح أنه لا يشرع للمأموم أن يسجد للسهو خلف إمامه إلا تبعاً لإمامه. وهنا مسائل: المسألة الأولى: - لعدم ذكرها – وهو أنه إذا سهى المأموم خلف إمامه فيما انفرد به من الصلاة فإنه يجب عليه السجود قولاً واحداً. المسألة الثانية: وإذا سهى الإمام فيجب على المأموم أن يتابعه في السجود كما تقدم – وحينئذ – فأن كان المأموم مسبوقاً في صلاته وكان الإمام عليه سجود لسهواً قبل السلام أو يعده، فكيف يتابعه؟ هل يجب عليه أن يتابعه عند سجوده أو يجب عليه أن يؤخر ذلك؟ قولان لأهل العلم:
القول الأول: وهو مذهب الحنابلة: أنه يجب عليه أن يسجد مع إمامه، سواء كان سجوده قبل السلام أو بعده فإذا سلم الإمام قام فأتم صلاته لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا سجد فاسجدوا) فإذا سجد الإمام للسهو وجب على المأمومين عامة أن يسجدوا سواء من كان منهم مسبوقاً أو لم يكن مسبوقاً. فالمسبوق: أن كان السجود قبل السلام فلا أشكال فإنه يسجد مع الإمام فإذا سلم قام فأتم صلاته وأما إذا كان بعد السلام فإنه لا يسلم مع الإمام، فإذا سلم الإمام وكبر سجد للسهو سجد معه ثم إذا سلم الإمام قام فأتم صلاته ويجزئه ذلك عن السجود. القول الثاني: وهو مذهب الشافعية والمالكية: إذا كان قبل السلام فإنه يسجد مع الإمام، لحديث: (وإذا سجد فاسجدوا) وهو عموم. وأما إذا كان بعد السلام فإن المأموم يقوم بعد سلام الإمام من الصلاة ولا يسجد معه سجدتي السهو، ويتم صلاته ويسجدهما بعد السلام. قالوا: لأن هاتين السجدتين إنما هما مشروعتان خارج الصلاة فتمام المتابعة للإمام أن يفعلا خارجها، فكان المشروع للمسبوق ألا يسجد مع إمامه بل يسجدهما بعد السلام وهذا القول أرجح. وهناك قول ثالث: بالإطلاق وأنه لا يسجد مع الإمام مطلقاً سواء كان السجود قبل السلام أو بعده وهو قول الأوزعي بل يسجد بعد إتمام صلاته سواء كان بعد السلام أو قبله. والراجح مذهب أهل القول الثاني: وأنه يسجد معه أن سجد قبل السلام لعموم قوله: (وإذا سجد فاسجدوا) وكونه ينتظر ولا يسجد معه مفارقة للإمام والواجب أن يتابعه، أما بعد السلام فإنه يتم صلاته ولا يتابع الإمام في سجدتي السهو ثم يسجدهما بعد سلامه وهذه هي المتابعة فأن السجدتين إنما شرعاً بعد السلام فلا يشرع للمأموم أن يتابع إمامه فييفعلهما في صلب صلاته.
وإذا قلنا بالمذهب: فهنا مسألة متفرعة وهي: ما إذا كان على الإمام سجدتين للسهو فقام المأموم قبل أن يشرع في القراءة أن يسجدهما ساهياً، فينظر أن انتصب قائماً لم يجز له الرجوع، وأن لم ينتصب قائماً فيجب عليه الرجوع. هذا على المذهب المرجوح، وألا فالراجح أن المأموم لا يتابع إمامه في هذا الموضع وسجدتي السهو واجبتان فكان حكمهما كحكم من قام عن التشهد، فإنه إذا شرع في القيام فقد شرع في ركن فلا يجوز له أن يدعه إلى الواجب فيعود بل ينتصب قائماً ثم يسجد بعد ذلك. - المسألة الثالثة: إذا سهى الإمام في صلاته ولم يسجد فهل يسجد المأموم أم لا؟ قولان لأهل العلم: أ – قال جمهور أهل العلم: يجب على المأموم أن يسجد لأن الصلاة قد وقع فيها نقص من جهة الإمام فيلحق هذا النقص المأمومين، ويجبر ذلك بالسجود ولم يحدث ذلك من الإمام فكانت الصلاة فيها نقص من جهة المأمومين فوجب عليهم السجود. ب- القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه لا يسجدون لأن سجود المأموم تبع لسجود إمامه، فالأصل أنه لا يشرع للمأموم أن يسجد هاتين السجدتين، إنما يسجدهما تبعاً لسهو إمامه فهو لم يقع فيه سهو بل وقع من الإمام لكنه شرع له تبعاً لإمامه فإذا لم يوجد موجب السجود فإنه لا يسجد له تبعاً لإمامه فإذا لم يوجد فوجب السجود فإنه لا يسجد وموجبة هو وقوع ذلك من الإمام، فحيث لم يقع ذلك من الإمام فإنه لا يشرع له السجود ألا أن يكون السهو منهم فهي مسألة أخرى، أما ما تقدم فالكلام على ما إذا كان السهو واقعاً من الإمام فحسب. فالراجح أنه إذا لم يسجد لم يشرع للمأمومين السجود لزوال الموجب. قال: (وسجود السهو لما يبطل عمده واجب)
والأحاديث ظاهرة في وجوب سجود السهو كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا نسى أحدكم فليسجد سجدتين) وظاهر الأمر الوجوب وهنا ذكرها قاعدة وهي: أن ما يبطل عمده يجب السجود له لكن هذا ليس على إطلاقه، فأن الكلام يبطل الصلاة عمده ومع ذلك فالراجح أنه لا يشرع له السجود فهي قاعدة ليست مطلقة بل حيث ورد الدليل فالأصل عدم السجود ألا أن يرد دليل يدل عليه أو يرد صوره بمعنى ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم السجود فيه. قال: (وتبطل بترك سجود أفضليته قبل السلام فقط) هنا ثلاث مسائل: الأولى: أن من ترك السجود الذي أفضليته قبل السلام فالصلاة باطلة فإذا ترك السجود قبل السلام في شك قد استوى طرفاه وهو مستحب له السجود قبل السلام، فإذا ترك السجود فإن الصلاة تبطل، لأنه يكون تاركاً لواجباً من واجباتها وترك الواجب عمداً تبطل الصلاة. الثانية: إذا ترك سجوداً للسهو مشروعاً بعد السلام فأن الصلاة لا تبطل به – هذا هو المشهور في المذهب – لكنه يكون آثماً لتركه واجب. قالوا: هو يشبه – حينئذ – ما هو واجب خارج الصلاة، كالإقامة والأذان فأنها من واجبات الصلاة التي هي خارجة عنها، فالسجود بعد السلام هو واجب لكنه خارج عنها فاشبه الإقامة والأذان وقد تقدم أن من ترك الأذان والإقامة مع وجوبهم فأن الصلاة تصح ويكون آثماً لتركه هذا الواجب. وهناك قول في المذهب اختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن الصلاة – تبطل بذلك، لأن السجود متمم للصلاة جابر لها فالصلاة ناقصة دونه، وإنما شرع بعد السلام لا لكونه شبهاً للإقامة والأذان وإنما شرع بعدها لأن الأليق في حقه أن يكون بعدها، فإنه يكون عن زيادة فإذا شرع قبل السلام اجتمع في الصلاة زيادتان، وأما إذا شرع بعده فلا يجتمع في الصلاة زيادتان ومع ذلك فإنه يبقى بلفظ الزيادة ويذهب أثرها. وهذا القول أرجح، لأنه واجب متصل بالصلاة وأن كان خارجاً عنها، متمم لصلبها فهو منها.
الثالثة: قوله: (أفضليته) هذا المشهور في المذهب حكى ذلك إجماعاً وهو أن السجود في كونه قبل السلام أو بعده أنه وأن كان السجود واجباً فإن كونه قبل السلام أو بعده هذا ليس على الوجوب بل على الاستحباب فمثلاً إذا شك في الصلاة استحب أن يكون سجوده قبل السلام فإن سجد بعده أجزأه ذلك. وإذا سلم قبل تمام الصلاة استحب له – عندما يتم الصلاة - أن يكون سجوده بعد السلام وأن سجد قبله أجزأه. وقد تقدم أن الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ورواية عن الإمام أحمد أن النقص يجب أن يكون سجوده قبل السلام: (وهو ظاهر كلام أحمد " وقال الزركشي " وهو ظاهر كلام أبي محمد – يعني الموفق – وأكثر أصحابنا) لكن المصرح به في كتب الحنابلة أن ذلك على الاستحباب. والراجح وجوبه وهو الذي تقتضيه الأدلة الشرعية لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقد أمر بذلك كما قوله: (فليسجد سجدتين) وهذا أمر وهو للوجوب. قال: (وأن نسيه وسلم سجد أن قرب زمنه) إذا نسى السجود سواء كان قبل السلام أو بعده، فإنه يسجد أن قرب زمنه عرفاً، والمشهور في المذهب مادام في المسجد أو في موضعه الذي صلى فيه فإنه في حكم المسجد وهناك رواية عن الإمام أحمد: أنه لا فرق بين المسجد وغيره وإنما العبرة بطول الزمن عرفاً أو قصره. وعن الإمام أحمد رواية ثالثة اختارها ابن تيميه أنه يسجد وأن بعد الزمن أي لو تذكر سجود السهو بعد أيام فإنه لا يعيد الصلاة بل يسجد سجدتي السهو. قال شيخ الإسلام: (لأن تحديد ذلك يختلف في عادات الناس وأعرافهم) فليس له حد معروف عندهم، فكوننا نربط الناس به يكون فيه مشقة بل لا يمكنهم معرفة ذلك لأن الناس يختلفون في حده عرفاً أو ليس له حد في أعرافهم. وقال أيضاً: (وليس لهذا أصل في الشريعة) فليس هناك دليل يدل على التفريق بين طول الزمان وقصره وهذا القول هو الراجح.
وظاهر كلام ابن تيميه: كذلك في المسألة السابقة وهي من ترك شيئاً من الصلاة ناسياً كأن يسلم من ثلاث ركعات فإنه يأتي بها وأن طال الزمن. وقد استدل شيخ الإسلام بحديث عمران بن حصين المتقدم وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حجرته فأخبر ما في المسجد فأتم الصلاة) – وظاهر ذلك أن هذا طويل عرفاً ولا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها وأن كان شيخ الإسلام لم ينص على المسألة التي قبلها لكن في حكم هذه المسألة دليلاً واستدلالاً. فالراجح: أنه وأن طال الزمن فإنه يأتي بما ترك – وحينئذ – تكون الموالاة الواجبة قد سقطت عند العذر، فعذر النسيان اسقط الموالاة الواجبة في إتمام الصلاة فمن ترك شيئاً واجباً في الصلاة فالواجب أن يكون موالياً للصلاة لكن النسيان عذر اسقط الموالاة وقد دلت الشريعة على اعتباره – كما تقدم – لكون النبي صلى الله عليه وسلم مع فرضية الموالاة يأتي حجرته فيتحر فيأتي فيصلي ركعة، فهنا الموالاة منتفية والعذر موجود. أما من ترك سجود السهو متعمداً أي ترك الموالاة فيه ففعله متأخراً فالصلاة تبطل به لأن الواجب هو الموالاة وحيث تركها عمداً فتبطل الصلاة. قال: (ومن سها مراراً كفاه سجدتان) رجل سهى في الصلاة، مرتين أو أكثر فما الحكم؟ فيه تفصيل: أما أن كانا – أي السهوان – من جنس واحد، والمراد بذلك أن يشرع لهما سجود أما قبل السلام أو بعده أي هما من نوع واحد أما بالنقص أو زيادة. فحينئذ: لا خلاف بين أهل العلم أنه يكفيه سجود واحد، فإذا كانا زيادة فيسجد بعد السلام سجدتين وتكفيه عنهما، وكذلك إذا كانا نقصاً فيسجد قبل السلام ويكفيه عنهما، وهذا باتفاق أهل العلم. وإنما اختلفوا فيما إذا كانا من نوعين: أي أحدهما يشرع له السجود قبل السلام والأخر بعده.
مذهب جمهور أهل العلم أنه يكتفي بسجدتين قبل السلام لأنه هو الأحق بذلك فهو المتقدم ويكون ذلك أي سجوده قبل السلام استحباباً، والراجح وجوبه كما تقدم. وذهب الأوزعي إلى أنه أن كان السهو من جنس واحد فيكفيهما سجود واحد بعد السلام أو قبله فقد وافق الجمهور وخالفهم فيما إذا كان الأمر على خلاف ذلك وهو ما إذا كان السهوان من جنس مختلف. واستدل: بما رواه أبو داود وغيره من حديث ثوبان: (لكل سهو سجدتان) لكن تقدم أن الحديث ضعيف. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا نسى أحدكم فليسجد سجدتين) وهذا عام فيما إذا كان موضعه قبل السلام أو بعده، وسواء كان ذلك في موضعين أو موضع واحد، سواء كان منه سهوان أو أكثر من ذلك فهو حديث عام. مسألة: إذا كان السجود بعد السلام فهل يشرع له تشهد أم لا؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى أن يشرع له التشهد فإذا كبر للسجدتين – كما في حديث أبى هريرة – وسجد السجدتين وجب عليه التشهد. واستدلوا: بحديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم) رواه أبو داود والترمذي. وذهب محمد بن سيرين وهو اختيار ابن تيميه وقال إليه الموفق إلى أنه لا يشرع له التشهد لظاهر حديث ابن مسعود وأبي هريرة الواردين في السجود بعد السلام وليس فيهما ذكر التشهد. قالوا: وقياساً على سجدة التلاوة فهي سجدة خارج الصلاة كما أن هاتين السجدتين خارج الصلاة، فكما أن سجدة التلاوة لا يشرع لها تشهد فكذلك سجدتا السهو. وأجابوا عن حديث عمران: بأنه حديث ضعيف شاذ وقد ضعفه ابن المنذر والبيهقي وابن عبد البر وشيخ الإسلام ضعفوه وتفرد اشعث بن عبد الملك الحمراني وهو ثقة وقد تفرد به عن عامة الرواة عن ابن سيرين وهو المحفوظ عنه فلم يذكروا التشهد فتفرد اشعث بذكر التشهد.
والمحفوظ من حديث ابن سيرين عدم ذكر التشهد بدليل أن مذهبه عدم القول بالتشهد ولو كان عنده رواية يقال بها. فالحديث شاذ لذا قال عنه الترمذي: (حديث غريب) والصواب ما ذهب إليه أهل القول الثاني وأنه لا يشرع التشهد لأن حديث ابن مسعود وحديث أبى هريرة ليس فيه ذكر التشهد مع توفر الهمم والدواعي لذكره، فإنه طويل لو كانا ثابتاً لذكر، فلما لم يذكره مع توفر الهمم والدواعي لنقله فهو لهذا طويل، فدل ذلك على عدم ثبوته , وأما حديث عمران فهو حديث شاذ كما تقدم. والحمد لله رب العالمين.
كتاب الصلاة باب سجود السهو
باب سجود السهو قوله: [يشرع - سجود السهو- لزيادة ونقص وشك] إذاً عندنا ثلاثة أحوال: 1- زيادة. 2- وعندنا نقص. 3- وعندنا شك. زيادة: كأن يصلي الظهر خمسا. نقصا: كأن يقوم في الركعتين، فلا يجلس للتشهد الأول. شك: كأن لا يدري هل صلى ثلاثا أم أربعا. وسيأتي تفاصيلها إن شاء الله. قوله: [لا في عمد] إذاً السجود في سهو لا في عمد، أما في ترك واجب أو ركن عمداً، فإن الصلاة تبطل كما تقدم، وهذا باتفاق العلماء، وإن كان القول بأن هناك واجب هذا من مفردات المذهب، فترك الواجب عندهم كترك الركن، فمن ترك واجبا أو ترك ركناً بطلت صلاته إن كان عمداً، ولأنه لم يفعل ما أمره الله به فلم يصل كما أمر الله، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من عمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (1) . إذاً سجود السهو خاص بالسهو، ولذا قال عليه الصلاة والسلام كما صحيح مسلم: (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (2) . قوله: [في الفرض والنافلة] يعني يُشرع في الفرض، ويُشرع في النافلة، أما الفرض فظاهر، وأما النفل؛ لأن ما ثبت فرضاً فهو ثابت نفلاً، ولعمومات الأدلة، فقوله: (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) ، هذا عام في الفرض وفي النفل. فإذا سها في سنة الظهر أو سنة الضحى ونحو ذلك، فإنه يسجد للسهو.
وهنا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها، هناك يصلي فرضاً أو نفلاً، ثم يترك سنة في هذه الصلاة، فنقول: لا يسجد للسهو، لكن هنا يترك ركناً أو واجباً سهواً في صلاة نفل، كأن يترك التسبيح في الركوع أو التسبيح في السجود في سنة الفجر مثلاً، فإنه يسجد؛ لأن ما ثبت فرضاً فهو ثابت نفلاً، ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) . ومن صور السجود في النفل: لو قام لثالثة في الليل، وصلاة الليل كما قال عليه الصلاة والسلام: (مثنى، مثنى) ، فإذا قام لثالثة سهواً، فإنه يجلس ويسجد سجدتين للسهو؛ لأن صلاة الليل مثنى مثنى، وأما إذا كان في النهار فقام إلى ثالثة، فله أن يُتم أربعاً، وفي صلاة الليل له أن يصلي خمساً أو سبعاً أو تسعاً، لكن ليس له أن يصلي أربعاً. فإذا دخل على أن يصلي مثنى مثنى، فصلى فقام إلى ثالثة، فإنه يجلس ويسجد للسهو، لأن صلاة الليل مثنى مثنى. قوله: [فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة] قيَّد الفعل بكونه من جنس الصلاة، فلو كان الفعل من غير جنسها، فإنه يدخل في المسألة السابقة، وهي مسألة الأفعال الكثيرة، أو مسألة الفعل في الصلاة، ما الذي يُبطل الصلاة منه؟ تقدم هذا، وأن الذي يبطله ما كان بحيث من يراه يقول: إنه لا يصلي، لكن هنا الكلام إذا كانت الزيادة من جنس الصلاة، وأما إذا كان الزيادة من غير جنس الصلاة، فننظر، إذا كانت كثيرة، فإنها تبطل الصلاة، وهي التي بحيث إذا رُئي المصلي قيل: إنه لا يصلي، وأما إذا كانت يسيرة، فإنها لا تبطل الصلاة، كما تقدم تقريره، ولذا قيد هنا المسألة بقوله: " من جنس الصلاة ". قوله: [قياماً] أي زاد قياما، كأن يقوم إلى ركعة خامسة. قوله: [أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت، وسهواً يسجد له]
قوله هنا " أو قعوداً " أي قعوداً في غير محل القعود، لكن إن كان القعود في محل القعود فإن هذا لا يجب له سجود السهو. مثاله: جلس في محل التشهد يظن أنه جالسٌ بين السجدتين، فتذكر. هل نأمره بالسجود؟ الجواب: لا نأمره بالسجود، لأن هذا في محله، وليست الزيادة ظاهرة – فليست هناك زيادة -، غاية الأمر أنه تذكَّر أن هذا القعود ليس هو القعود الذي نواه، فكان يظن أنه في قعود للجلسة بين السجدتين، فتبين أنه في قعود للتشهد، فهنا القعود الآن في محل القعود، فقعد في محل قعود، لا في محل قيام. لكن لو أنه جلس بعد أن رفع من السجدة الثانية في الركعة الأولى، فلما أراد أن يقوم للركعة الثانية جلس وأطال الجلوس، يظن أن هذا هو التشهد الأول، - يظن أنه قد صلى ركعتين، وهو لم يصل إلا ركعة واحدة -، فتذكر فقام، أو نُبِّه، فهل يجب عليه سجود؟ الجواب: نعم، يجب عليه سجود؛ لأنه ليس في محل قعود. لكن لو كان في محل قعود، فغاية الأمر أن يكون قد نوى غير ما هو واجب عليه، ثم عاد فنواه، فلا يؤثر ذلك. وهذا التقييد في المذهب. هنا ظاهره أيضاً: أنه ولو كان ذلك بقدر جلسة الاستراحة، فلو أن رجلاً لا يرى جلسة الاستراحة، لما قام من الركعة الأولى جلس بقدر هذه الجلسة، ثم قام، فظاهر كلام المؤلف، وهو المذهب أنه عليه سجود السهو.
والقول الثاني، وذكره صاحب المغني وجهاً في المذهب، واختاره الزركشي من الحنابلة، وهو القول الثاني في المسألة: أنه لا يسجد له. وهذا هو الراجح، وذلك لأن تعمده لا يبطل الصلاة، فلو تعمد رجل هذه الجلسة اليسيرة، فهل نبطل صلاته؟ لا نبطل صلاته، فكذلك إذا سها؛ لأن المسائل السابقة إذا فعلها تعمداً بطلت صلاته، وإذا فعلها سهواً سجد، فهنا هذه الجلسة لو أن رجلاً جلس عجزاً أو تثاقلاً، ثم قام، وهو لا يرى استحبابها، فهل تبطل صلاته؟ الجواب: لا تبطل، حتى في المذهب، فكذلك إذا زادها سهواً. إذاً الراجح أنه لو جلس بقدر هذه الجلسة اليسيرة، ما دام أنها بنحو جلسة الاستراحة، فإنها لا تؤثر. قوله: [وإن زاد ركعة ولم يعلم حتى فرغ منها سجد] إن زاد ركعة في الصلاة، كأن يصلي خمسا، فلم يعلم حتى فرغ منها، سجد. رجل صلى الظهر خمسا، فلما سلّم نُبِّه، فما الواجب عليه؟ أن يسجد سجدتين، لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر خمساً، فقيل له عليه الصلاة والسلام: أزيد في الصلاة؟ قال: (وما ذاك؟) قالوا: إنك صليت خمساً، فقام عليه الصلاة والسلام فسجد سجدتين بعد ما سلّم. إذاً المذهب أنه إذا صلى الظهر خمساً، ثم علم بعد الصلاة أنه قد زاد خامسة، فإنه يسجد للسهو بعد السلام، وتكون حال ضرورة، لأن الواجب عندهم أن يسجد قبل السلام، لكن هنا لم يعلم إلا بعد السلام، فتكون حال ضرورة. وتحرير مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة: أنه يجب سجود السهو قبل السلام إلا ما ورد به النص، وهو في ثلاثة صور. إذاً الأصل عنده أن السجود قبل السلام، لأن السجود يتمم الصلاة، فكان قبل الصلاة، ولم يستثن إلا ثلاث صور قد وردت بها الأحاديث: الصورة الأولى: هذه الصورة، وهي أن يزيد في الصلاة، فيعلم بعد السلام، فيسجد بعد السلام، لأنها حال ضرورة.
الصورة الثانية: أن يَنقص من الصلاة ركعة فأكثر، فيسلِّم، ثم بعد أن يسلم الواجب عليه أن يتم صلاته، قالوا: ويسجد للسهو بعد السلام. يعني إذا صلى الظهر ثلاثا، فسلم أو صلى الظهر اثنتين، فسلم، فهنا نقص ركعة فأكثر، فيجب عليه أن يتم صلاته، ثم يسجد للسهو بعد السلام، لحديث عمران وأبي هريرة، وحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى إحدى صلاتي العَشيِّ ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد، فقال له رجل يقال له ذو اليدين: يا رسول الله، أنسيت أم قُصرت الصلاة؟ قال: (لم أنس ولم تقصر) ، لما قال له ذلك، علم الرجل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يُوح إليه بوحي جديد يوجب قصر الصلاة، فقال: بلى قد نسيت، وفي القوم أبو بكر وعمر، وقد هابا أن يكلماه، فلما سألهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: صدق ذو اليدين، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتين " إذا كان السجدتان للسهو بعد السلام. إذاً الصورة الثانية أن يُنقص من صلاته ركعة فأكثر، يعني يسلم قبل تمام الصلاة، فيجب عليه أن يتم ثم يسلم، ثم يسجد للسهو بعد السلام. الصورة الثالثة: أن يشك، فيتحرى. يعني يكون عنده شك، يقول: ما أدري هل صليت ثلاثاً أم أربعاً، فيتحرى، فيترجح عنده أنه قد صلى أربعاً، فهنا قال: يسجد للسهو بعد السلام، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه، وسيأتي إن شاء الله. إذاً الإمام أحمد استثنى هذه الصور الثلاث.
وفي هذه المسألة ستة أقوال لأهل العلم أوردها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في فتح الباري، وأصح هذه الأقوال ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو قريب من مذهب مالك: أن الصلاة إن كان فيها نقص، فإن السجود يكون قبل السلام، وإن كان فيها زيادة، فإن السجود يكون بعد السلام، وهنا يوافقه الإمام مالك في هاتين الصورتين، والصورة الثالثة في الشك، فالإمام مالك عنده الشك قبل السلام، وأما شيخ الإسلام فيقول: إن كان الشك عند تحر، فبعد السلام فيوافق مذهب الإمام أحمد في هذا، وإن كان بلا تحر – يعني شك يستوي فيه الطرفان – فإنه يكون قبل السلام. إذاً الإمام مالك ليس عنده القول بالتحري، ويرى السجود قبل السلام. إذاً شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يختار، - وهو أصح الأقوال - أنه إن كانت في الصلاة زيادة، فالسجود بعد السلام؛ لئلا يجتمع في الصلاة زيادتان، لأنه قد زاد، فإذا أوجبنا عليه السجود قبل السلام، كان فيه زيادتان، ولأن المقصود من هاتين السجدتين ترغيم الشيطان، فشُرع ذلك بعد السلام، ليكون إرغاماً للشيطان، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صلى الظهر خمساً، سجد بعد السلام، ولو كان السجود قبل السلام، لنبه الصحابة، ولقال لهم: إذا صليتم فاسجدوا قبل السلام، وإنما سجدت بعده لأن هذه حال ضرورة، فلما لم ينبههم عليه الصلاة والسلام لهذا عُلم أن هذا هو المشروع، فإن كان نقصاً فإنه يكون قبل السلام، فلو ترك التشهد الأول، فالواجب عليه أن يسجد قبل السلام، لأن السجود إنما يشرع الآن لتتميم الصلاة، وتتميمها إنما يكون قبل الفراغ منها، لأن الصلاة فيها نقص، فيسجد للسهو قبل السلام ليتمم نقصها، فكان جبرانا، فكان المشروع إن كان عن نقص أن يكون قبل السلام، وأما إذا كان مع تحر، فإنه يكون بعد السلام، لأنه قد تحرى، وغلب على ظنه صحة صلاته، وأن الصلاة على هذه الصورة، فكان
سجوده بعد السلام ترغيماً للشيطان، وأما إذا كان بلا تحري، فلأنه يُحتمل أن يكون قد زاد، فيحتمل أن يكون قد صلى خمسا، فتكون هاتان السجدتان تشفعان له صلاته. إذاً الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو قريب من مذهب مالك، وما خالف فيه مذهب مالك، فهو موافق فيه مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهنا: هل لو سجد قبل السلام لِمَا السجود مشروع بعده، فهل يجزئه؟ وهل إذا سجد بعد السلام لِما السجود مشروع قبله، هل يجزئه ذلك؟ وهل خلاف أهل العلم المتقدم في الإجزاء أم في الأفضلية؟ يعني رجل نقص، فلو سجد بعد السلام هل يجزئه؟ ورجل زاد، فهل لو سجد قبل السلام – هذا على القول الراجح، وكذلك على الأقوال الأخرى –هل يجزئه؟ اختلف أهل العلم في هذا الخلاف: فمن أهل العلم كابن عبد البر من قال: إن خلاف أهل العلم فيما هو دون الإجزاء، هذا هو معنى كلامهم رحمهم الله تعالى، وأنهم لا يختلفون في أنه لو سجد قبل السلام لِما كان السجود مشروعا له بعده، أجزأه، وكذلك إذا سجد بعد السلام لما كان السجود مشروعا له قبله، فلا بأس، وهذا أيضا مذهب طائفة من أهل العلم. وذهب طائفة من أصحاب الإمام أحمد، وأصحاب الإمام الشافعي إلى: أن هذا الخلاف ليس في الأفضلية، وإنما في الإجزاء. وهذا هو ما قرره أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأن أصح القولين كما قال رحمه الله في مذهب أحمد وغيره أنه يجب السجود قبل السلام لِما شُرع السجود له قبل، ويجب بعده لما شرع بعده، قال: " وهو أصح القولين في مذهب أحمد وغيره " قال: " وعليه يدل كلام أحمد وغيره من الأئمة ".
إذاً عندنا بين أهل العلم خلاف، والذي يترجح هو القول الثاني، وأن هذا الخلاف في الإجزاء، وعلى ذلك فلو سجد قبل السلام لما يجب السجود فيه بعده، لم يجزه، وكذلك العكس، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لورود السنة في ذلك، والسنة متنوعة على حسب ما تقدم تقريره، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، وقال في بعض الأحاديث: (فليسجد سجدتين بعدما يسلم) ، إلى غير ذلك، وهذا القول هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد وغيره. قوله: [وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد، وإن علم فيها جلس في الحال] إن علم بالزيادة فيها – أي في الركعة – فإنه يجلس في الحال. رجل وهو قائم في الخامسة، علم أنه في زيادة، فالواجب عليه أن يجلس في الحال، ولو استمر لبطلت صلاته؛ لأنه يكون قد زاد أفعالاً عمداً. قوله: [فيتشهد إن لم يكن تشهد] إذا لم يكن تشهد، نقول: تشهد. هل يُحتمل أن يكون قد تشهد؟ يحتمل، فقد يجلس في التشهد الأخير، ويظن أنه في التشهد الأول، فيتشهد ثم يقوم يظن أن هذا هو التشهد الأول، فإذا لم يكن تشهد، نقول: تشهد. قوله: [وسجد وسلَّم] وتقدم أن الراجح هنا: أنها لما كانت زيادة، فالواجب عليه أن يكون السجود بعد السلام. والله أعلم. انتهى الدرس الأول من باب سجود السهو في ليلة الاثنين التاسع من شهر رجب لعام 1420 للهجرة. قوله: [وإن سبَّح به ثقتان فأصر ولم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته] إن سبح به ثقتان لا فاسقان؛ لأن الفاسق لا يقبل خبره. فإن سبح به ثقتان ولو امرأتان فكذلك؛ لأن هذا خبر ديني فلا فرق فيه بين الذكر والأنثى.
إذاً لو سبح به ثقة فلا يرجع إلى قوله، وإنما يرجع إذا سبح به ثقتان أو أكثر، خلافا لما ذهب إليه إسحاق وأبو حنيفة من أنه يرجع إلى تسبيح الثقة. إذاً المذهب وهو مذهب الجمهور أن الإمام إنما يرجع بتسبيح ثقتين،لا بتسبيح ثقة. وهذا هو الراجح، ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرجع إلى قول ذي اليدين حتى سأل القوم وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وهذا الحديث المشهور وهو حديث ذو اليدين الثابت في الصحيحين وهو: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى إحدى صلاتي العشي ركعتين، ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، فقام رجل يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قُصرت الصلاة؟ فقال: (لم أنس ولم تُقصر!) فقال ذو اليدين: بلى قد نسيت، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، فلما قال له ذو اليدين ما قال، قالوا: بلى يا رسول الله، - أي لقول ذو اليدين – فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصلى ركعتين، ثم سلم ثم سجد سجدتين بعدما سلَّم) ، واحتج الحافظ ابن حجر بهذا الحديث على ما يقرره أهل العلم من أهل الحديث في باب العلل من رد تفرد الثقة عن الثقات، وأنه لا يُقبل ما تفرد به الثقة عن الثقات، قال: " لاسيما إذا كان مجلس سماعهم واحدا "، فهنا الأصل قبول خبر الواحد، لأنه خبر ديني، كما يُقبل الحديث الذي يتفرد به الراوي، لكن لما تفرد أحد المأمومين عن سائر المأمومين كان ذلك مظنة الخطأ والريبة في خبره، ومن ثم لم يقبل الواحد حتى يعضده خبر ثان. هنا إن سبح به ثقتان: فقد يكون يترجح عنده خطؤه. وقد يترجح عنده صوابه. وقد يتيقن أنه على صواب. إذاً هذا الإمام الذي سبح به ثقتان: إما أن يترجح عنده خطؤه، فهنا يجب عليه أن يرجع إلى خبر الاثنين. الحال الثانية: أن يترجح عنده صوابه، فهنا كذلك يجب عليه أن يرجع، لأن ظن الاثنين أقوى من ظن الواحد.
لكن هنا استثنى المؤلف الصورة الثالثة: وهي ما إذا تيقن صواب نفسه يعني إذا كان يتيقن أنه على صواب، وخبرهما غايته الظن، وهو ظن غالب، ولكن لا يصل إلى اليقين، وعلى ذلك فلا يرجع إلى قولهما لأن قولهما ظن، وما يحصل في نفسه يقين. إذاً إن لم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته، لكن إن جزم بصواب نفسه، فإن صلاته لا تبطل، بل لا يجوز له أن يرجع إلى قولهما وهو يرى أنه على صواب. قوله: [بطلت صلاته] إن لم يرجع هذا الإمام الذي قام خامسة يظنها رابعة، فسبح به ثقتان، ولم يعتقد صواب نفسه، فهنا إن لم يرجع فصلاته باطلة، لأنه واجب عليه الرجوع، فإذا ترك هذا الواجب عمدا فصلاته باطلة. قوله: [وصلاة من تبعه عالما لا جاهلا أو ناسيا] عالما: بحيث يعلم أن الإمام زاد خامسة، ويعلم أن الواجب على المأموم ألا يتابع الإمام إذا زاد خامسة، فإذا قام وهو يعلم أن ذلك لا يجوز، فإن صلاته أيضا تبطل، لأنها زيادة في الصلاة متعمدة. قال " لا جاهلا أو ناسيا ": إذا قام جاهلا، يظن أن عليه أن يتابع الإمام إذا زاد. أو ناسيا: قد حصل له من السهو ما حصل لإمامه، فهنا صلاته صحيحة. إذاً إذا تابعه ناسيا ساهيا أو تابعه جاهلا، فإن صلاته صحيحة. والذين تابعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما زاد خامسة في حديث ابن مسعود الذي تقدم، منهم من هو جاهل بالحكم، ومنهم من هو ناس، فلم يبطل النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاتهم. هل للمسبوق أن يتابع الإمام إذا زاد خامسة؟ الجواب: ليس له أن يتابعه، بل يفارق؛ لأنها زيادة لاغية. فإن تابعه ساهياً أو جاهلاً، فهل يعتد بهذه الركعة؟ - المذهب: أنه لا يُعتدُّ بهذه الركعة؛ لأنها زائدة لاغية في حق الإمام، فكذلك في حق المأموم.
- والقول الثاني، وهو الراجح، وهو قول في المذهب، واختاره الموفق ابن قدامة: أنه يعتد بهذه الركعة؛ وذلك لأنه لم يعتقدها زائدة، فهذا المأموم تابع الإمام على اعتقاده، فكما لو صلى الإمام وهو لم ينو إقامة الصلاة، فلو أن إماماً صلى وهو لم ينو، كأن يكون محدثا، لكن صلى بالناس، فصلاته باطلة، لكن المأمومين – كما تقدم، وكما سيأتي في الكلام على الإمامة - صلاتهم صحيحة، فكذلك هنا. إذاً الراجح أن المسبوق إذا تابعه ناسياً أو جاهلاً، فإنه يعتد بهذه الركعة؛ لأنها وإن كانت زائدة لاغية في حق الإمام، لكنه قد تابعه على وجه يُعذر فيه، فاعتد بهذه الركعة. قوله: [وعمل مستكثر عادة من غير جنس الصلاة يبطلها عمده وسهوه] تقدم هذا، وأن الفعل الكثير يبطل الصلاة، عمده وسهوه. والراجح أن سهوه لا يبطل الصلاة، وذلك لما تقدم في غير ما مسألة من أن باب المنهيات إن فُعل على جهة النسيان، فإن العبد يكون معذوراً لا يؤاخذ وتكون العبادة صحيحة، وهنا الرجل عمل أعمالا كثيرة، لكن على جهة النسيان والسهو، فتحرَّك مثلا حركات كثيرة على جهة السهو، وعلى ذلك فيكون معذورا، وعليه فالصلاة صحيحة، لأن باب المنهيات كما تقدم، لا تُعاد العبادة عند النسيان والجهل، كما تقدم تقريره من الفرق بين باب المنهيات وباب المأمورات. قوله: [ولا يشرع ليسيره سجود] رجل الباب بجواره، فطرق الباب طارق، ففتح الباب، أو تحرك بحركات يسيرة لا تبطل الصلاة، قال هنا: لا يشرع له سجود السهو؛ لعدم وروده عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى ذلك فلا يشرع له أن يسجد للفعل اليسير الذي لا يبطل الصلاة. إذاً مراده بالفعل اليسير هو الذي لا يبطل الصلاة، قال: فلا يشرع له سجود، وهو كما قال. قوله: [ولا تبطل بيسير أكل وشرب سهواً أو جهلاً، ولا نفل بيسير شرب عمداً]
قال: لا تبطل الصلاة بيسير أكل، فقال " بيسير "، وهذا القيد يُخرج الكثير. لِمَ قيَّد هنا باليسير؟ لأن الأكل الكثير عملٌ كثير، والعمل الكثير في المذهب يستوي فيه السهو والخطأ، فإذا أكل كثيرا سهوا، فالصلاة تبطل. والراجح وهو رواية عن أحمد: أنه لا فرق بين يسير ولا كثير، فكما أن الكثير في الفعل لا يبطل الصلاة سهوا، فإن الأكل الكثير سهوا لا يبطل الصلاة. إذاً قوله " بيسير " احتراز من الكثير، فهي فرع عن المسألة، وقد تقدم أن الفعل الكثير يُعذر فيه المكلف بالنسيان، وتُصحَّح عبادته بالسهو، فكذلك الأكل الكثير. أما لو أكل يسيرا أو كثيرا عمدا، فإن صلاته تبطل بالإجماع؛ لمنافاة ذلك للصلاة، فإن الأكل والشرب ينافي الصلاة، وعلى ذلك فتبطل به الصلاة، وهذا بإجماع العلماء. وهنا إذا وضع طعاما في فيه، فلا يخلو من حالين: إما أن لا يمضغه، فهنا لا تبطل الصلاة مع الكراهية، فهذا لا يُعدُّ آكلاً، ولو وضع عِلْكاً في فيه لكنه لم يمضغه، فإن صلاته لا تبطل بذلك. فإن كان الطعام وضعه في فيه بحيث يتحلل، كما لو وضع سُكَّراً أو نحو ذلك في فيه، فيتحلل هذا السكر، فيدخل جوفه، فإن هذا يُعدُّ آكلاً، وعلى ذلك: فتبطل صلاته. وأما ما يكون في الأسنان، كأن يطعم ثم يُكبِّر للصلاة، وهناك شيء من الطعام بين أسنانه، فهنا إن كان يجري مع الريق فيدخل الجوف، فإنه لا يبطل الصلاة؛ لأن هذا يشق التحرز منه، وأما إن كان هذا الطعام الذي يكون بين الأسنان يحتاج إلى دفع، يعني لا يجري مع الريق، بل يدفعه ثم يدخله إلى جوفه، ففيه قولان: والمذهب: أنه يبطل الصلاة. وهذا هو الأظهر؛ لأن هذا أكلٌ، فإذا أخرج ما بين أسنانه ثم ابتلعه، يعني دفعه بريقه حتى دخل جوفه، ففيه قولان لأهل العلم، أظهرهما أنه يبطل الصلاة. إن أكل يسيرا على سبيل الجهل أو النسيان، فإن صلاته لا تبطل. قوله: [ونفلٌ بيسير شرب عمدا]
فلو كان يصلى النفل، فشرب عمدا شربا يسيرا، واليسير هنا يرجع إلى العرف، فإن صلاته لا تبطل إن كانت نفلا. وقوله " شرب " يعني سواء كان ماء أو لبنا مما هو شرب ولا يحتاج إلى مضغ. وأما الأكل اليسير فإنه يبطل النافلة؛ لأن الأكل يحتاج إلى تحريك فم. إذاً المذهب أنه إن شرب يسيرا في العرف، فإن صلاته لا تبطل إن كانت نفلا لا فرضا، إذاً الفرض لا فرق فيه بين الأكل والشرب، فكلاهما يبطل الصلاة، وأما النفل فقالوا: إن الأكل يبطل الصلاة، وأما الشرب فلا يبطل الصلاة إن كان يسيرا؛ قالوا: لأن النفل يُتسامح فيه ما لا يتسامح في الفرض، ولأن هذا مما يقويه على إطالة التطوع، فبعض الناس يصلي الليل ويطيل، فيحتاج إلى أن يشرب شيئا من الماء، قالوا: فلا بأس بذلك، وذكروا ذلك عن ابن الزبير رضي الله عنه، ولم يعزوه، ولم أقف على هذا الأثر. وقال جمهور العلماء: بل الصلاة تبطل، قال الموفق: " وهو الصحيح في المذهب " إذاً هو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، وهو الصحيح في المذهب عند الموفق، وهو مذهب الجمهور، أن ذلك يبطل الصلاة؛ لأن ما ثبت فرضا فهو ثابت نفلا. وهذا هو القول الأرجح في هذه المسألة، وقد يُتردَّد حيث كانت الصلاة طويلة كقيام الليل، فقد يقال بما ذهب إليه الحنابلة تسامحا وترغيبا في التطوع، لاسيما لمن يحتاج إلى الشرب، فإن بعض الناس قد لا يصبر، كأن يكون مريضا ويحتاج إلى تكرار الشرب. والله أعلم. قوله: [وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه، كقراءة في سجود وقعود، وتشهد في قيام وقراءة سورة في الأخيرتين] قرأ مثلا الفاتحة في السجود أو الركوع. " وقعود ": قرأ القرآن مثلا في القعود. " وقراءة سورة في الأخيرتين " وهذا على القول بأنه لا يشرع، وتقدم أنه يستحب أحيانا.
هنا إذا أتى بقول مشروع في الصلاة، لكنه في غير موضعه، كأن يقرأ القرآن في غير القيام، أو أن يتشهد في غير الجلوس في الركعتين، والجلوس في آخر الصلاة، وكأن يسبح في القيام والرفع في من الركوع أو يحمد الله في ركوعه أو سجوده أو غير ذلك، فهنا أتى بقول مشروع في غير موضعه، فلا تبطل الصلاة به. قوله: [ولم يجب له سجود بل يُشرع] فالصلاة لا تبطل، لأن الأصل أن الصلاة صحيحة، ولا دليل يدل على بطلانها، لكن هل عليه سجود سهو أم لا؟ قال هنا " ولم يجب له سجود، بل يشرع "، يعني لا يجب أن يسجد، لكن يستحب له السجود. وعن الإمام أحمد: أنه لا يستحب، يعني لا يشرع أيضا. وهذا هو الراجح؛ لعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أحاديث سجود السهو، ليس فيها السجود عن قراءة أو ذكر في غير موضعهما – ليس ذلك في سجدات النبي عليه الصلاة والسلام -، فليس بمنصوص عليه، وليس بمعنى المنصوص – يعني ولا مُلحقاً بالمنصوص عليه -. إذاً المذهب لا يجب السجود، لكنه يشرع، إذاً جعلوها كالمسألة السابقة فيما لو ترك بعض المستحبات، فلو ترك مستحبا من المستحبات فإنه لا يجب السجود، لكن يشرع، وتقدم أن الراجح أنه لا يشرع. إذاً لا يشرع له سجود سهو، فالسجود إنما ورد بالأفعال، ولم يرد في باب الأقوال، يعني في باب الزيادة. قوله: [ولم سلَّم قبل إتمامها عمدا بطلت] إن سلم قبل إتمام الصلاة عمدا، بطلت، وهذا باتفاق العلماء، وهذا واضح، كما لو تكلَّم عمدا، فهنا قد تحلَّل من صلاته حيث لم يؤمر، وصلى صلاة على غير هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وكل ما كان على غير هديه وأمره، فهو رد. قوله: [وإن كان سهواً ثم ذكر قريبا أتمها وسجد]
سلَّم في الظهر عن ركعتين أو ثلاث، سهوا، فهنا أتمها وسجد، كما تقدم في حديث ذي اليدين. إذاً إن سها فسلَّم قبل إتمامها، فإن الواجب عليه أن يتم الصلاة وأن يسجد بعد السلام كما تقدم. لكن قال هنا " ثم ذكر قريبا " يعني قريبا في العرف، فلو أن الإمام سلَّم في صلاة العشاء مثلا عن ركعتين، ثم إنه جلس يذكر الله، وكلّمه بعض الناس ببعض الشيء، ثم قال له اثنان من المصلين: إنك قد سلمت عن ركعتين، ولم يتيقن صواب نفسه، هل هذا قريب في العرف؟ هذا قريب في العرف، وعلى ذلك: يصلي ركعتين ثم يسجد سجدتين ثم يسلم، فإن خرج إلى بيته، وتذاكروا بعد خروجه، أو أخبروه لما حضر إلى الصلاة الأخرى، فالواجب عليهم هنا الإعادة؛ لأنهم لم يذكروا قريبا – في العرف – يعني بعد ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، فإن هذا بعيد في العرف. هذا هو مذهب جمهور العلماء. إذاً جمهور العلماء قالوا: إن ذكرها قريبا، فإنه يتمها ويسجد، وإن لم يذكر قريبا، فإنه يعيد.
وذهب طائفة من السلف، وهو قول الأوزاعي ومكحول، وهو منقول عن الإمام أحمد رحمه الله، يعني نُقل عن الإمام أحمد ما يدل عليه، كما قال ذلك ابن رجب، قالوا: إنه يتمها ولو طال الفاصل عرفا، فلو صلوا العشاء مثلا ثلاث ركعات، فلما أتوا الفجر، نبههم بعض المصلين، فإنهم يتمونها، ولا تجب عليهم الإعادة. وهذا هو ظاهر حديث عمران في صحيح مسلم، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلَّم في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحُجرة، فقام إليه رجلٌ بسيط اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة؟ فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مُغضَباً، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم " فهنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من المسجد ودخل حجرته، ثم قام إليه هذا الرجل، وفي الغالب يكون في ذلك تأخر، لما عُلم من الصحابة من هيبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وترددهم لعل الصلاة تكون قد قُصرت، ثم خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حجرته وأتم صلاته ولم يستأنفها عليه الصلاة والسلام. وهذا القول هو الأقرب. وجمهور العلماء على أنه إن كان ذلك قصيرا في العرف، فإنه يبني وإلا فإنه يستأنف. فإن دخل في صلاة، كأن يصلى ثلاث ركعات، ثم وهو يتنفل تذكر أنه صلى ثلاث ركعات، أو علم الإمام فنبه المأمومين، فقاموا ليصلوا: فيُبطل الصلاة الذي هو فيها ويقطعها؛ لأنه ما زال في الصلاة الأولى، فيقطع الصلاة التي هو فيها، ثم يتم صلاته التي لم يتمها. إذاً: إذا شرع في صلاة، فإنه يقطعها ويتم الصلاة التي قد نسي منها. قوله: [فإن طال الفصل – عرفا بطلت – أو تكلم لغير مصلحتها بطلت] الإمام بعد أن سلَّم من ثلاث ركعات، قال: يا فلان أطفئ الميكرفون، فهذا لغير مصلحتها، ثم قالوا له: إنك لم تصل إلا ثلاث، وثبت له ذلك، فأراد أن يقوم ليصلي؟ نقول: لا، عليك أن تستأنف؛ لأنه تكلم لغير مصلحتها.
والراجح خلاف هذا، كما سيأتي في باب الكلام، وأن من تكلم سهوا فإن صلاته لا تبطل، وكذلك هنا، ولذا قال المؤلف: [ككلامه في صلبها] لو أن رجلا سها في الصلاة، فمر عليه أحد أولاده، فناداه سهوا، أو قال يا فلان سهوا، فهنا الكلام ليس لمصلحة الصلاة. فيبطلها في المذهب. والراجح أنه لا يبطلها كما سيأتي، فكذلك هنا، فلو قال: أطفئ الميكروفون، أو افعل أو لا تفعل، فإن الصلاة لا تبطل؛ لأن ذلك على سبيل السهو، لكن إن علم، فهل له أن يتكلم بعد، علم أن في الصلاة نقص، فتكلم عالما، فالصلاة تبطل؛ لأنه لما سلَّم قبل، ما زال في الصلاة حتى يتمها. إذاً الكلام هنا لغير مصلحتها سهوا، لكن لو تكلم على سبيل العمد، فإن الصلاة تبطل بذلك، وهذا واضح. إذا تذكر الإمام أنه لم يصل الرابعة؟ – فالمذهب: أنه يجب أن يقعد ثم يقوم فيتم الرابعة؛ لأن الواجب عليه أن ينتقل من الركن إلى الركن، فإن هذا الرجل سلم من ثلاث، فالواجب عليه إذا أراد أن يتم الرابعة أن يقعد، ثم يقوم، ليأتي بالانتقال إلى الرابعة. – والقول الثاني في المسألة، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: أنه لا يجب ذلك، ولا يشرع، بل يتمها عن قيام، يعني إذا كان قائما، فإنه يتمها عن قيام، لأن هذا الانتقال ليس مقصودا لذاته، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عمران وحديث أبي هريرة لم يثبت أنه قعد ثم قام، ولو كان ذلك ثابتا لنقل لنا. قوله: [ككلامه في صلبها]
الكلام السابق ليس في صلبها، فإنه قد سلم، ثم نُبِّه فتنبه، لكن إذا تكلم في صلبها، فإن الكلام في الجملة يبطل الصلاة، على خلافٍ في التفاصيل. ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: " كنا نتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا صاحبه عن جنبه، حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام " متفق عليه، وقوله " ونهينا عن الكلام " تفرد بهذه الزيادة مسلم، وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة نسلِّم عليه فيرد علينا، فلما أتينا من الحبشة سلمنا عليه، فلم يردَّ علينا، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن في الصلاة لشغلا) ، وقال كما في صحيح مسلم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) ، فالكلام مبطل للصلاة في الجملة باتفاق العلماء، لكن الخلاف في تفاصيل ذلك. والمذهب - كما قال المؤلف هنا " ككلامه في صلبها " -: أن الكلام مطلقا يبطل الصلاة، مطلقا يعني سواء كان سهوا أو عمدا، سواء كان عالما أو جاهلا، سواء كان كلامه واجبا أم لم يكن واجبا. واجبا: كما لو كان لانقاذ من يُخشى عليه الهلكة، أو لم يكن ذلك، سواء كان مكرها أم لم يكن مكرها، قالوا: فإن الصلاة تبطل بذلك. هذا هو المشهور في المذهب.
والراجح في هذه المسألة، وهو مذهب الشافعية: أن من تكلم جاهلاً أو ساهياً أو مكرهاً أو لانقاذ من يخشى هلكته – يعني كان كلامه واجباً -، فإن الصلاة لا تبطل، ويدل على هذا حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه، فإنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إذ عطس رجل من القوم، فقال: الحمد لله، فقلت: يرحمك الله؛ لأنه كان حديث عهد بالإسلام، قال: فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثُكْل أُمِّياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ قال: فجعلوا يضربون على أفخاذهم، فعلمتُ أنهم يصمِّتونني، لكني سكتُّ " يعني كدتُ أن أتكلم وأن أقابلهم بشيء من الكلام لكني سكت، قال: " فلما سلَّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فبأبي وأمي، ما رأيت معلِّماً قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، والله ما كَهَرَني – أي ما قهرني - ولا شتمني ولا ضربني، ولكن قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) ، قالوا: فهذا يدل على أن الجاهل لا تبطل صلاته إن تكلم، قالوا: والجاهل هو الذي يكون حديث عهد بإسلام أو نحوه، كالذي يكون في بادية، كبعض الأعراب، وأما إن لم يكن كذلك، فصلاته تبطل لتقصيره في التَّعلُّم. إذاً يُعذر بالجهل حيث لم يكن مفرِّطا في التعلم. قالوا: وإن كان يتكلم، وهو يعلم أن الكلام حرام، لكنه يخفى عليه أنه يُبطل الصلاة، فإنه صلاته تبطل، كما لو زنى وهو لا يعلم حدَّ الزنا، فإنه يقام عليه الحد. وأما النسيان والسهو، قالوا: فالأحاديث المتقدمة، لما سلَّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكلم مع أصحابه، وكان ذلك سهوا، فلم يُبْطِل الصلاة.
قالوا: ويقاس عليه المُكرَه، إذاً يقاس الناسي على الجاهل، ويقاس المكره على الجاهل. ويقاس أيضا من تكلم كلاما واجبا، كأن يكون هناك رجل أعمى يريد أن يسقط في بئر أو طفل يريد أن يمس الكهرب، فينادي هذا المصلي أمَّ هذا الطفل لتحمله، فهنا هذا الكلام لانقاذ من تُخشى هلكته، قالوا: والكلام هنا واجب، والمتكلم هنا معذور، فيكون ككلام الجاهل والناسي. وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة. فالراجح ما ذهب إليه الشافعية في هذه المسائل، وأن كلام الجاهل والناسي والمكره وكلام من لابد له من الكلام لانقاذ من تُخشى هلكته، فلا يكفي التنبيه والتسبيح، بل لابد من الكلام، فتكلم، فلا حرج عليه. قوله: [وإن كان لمصلحتها إن كان يسيراً لم تبطل] هذا إذا كان الكلام في غير صلبها، وأما إذا كان في صلبها، فإن الصلاة تبطل، في المذهب. يعني الكلام هنا راجع إلى المسألة السابقة، يقولون: إذا تكلَّم لمصلحتها يسيرا لم تبطل، وإن تكلم لمصلحتها كثيرا بطلت، هذا فيمن سلَّم يظن أن الصلاة قد تمت. قوله: [وقهقهة ككلام] القهقهة: هي الضِّحكة التي يكون معها صوت، فهذه تبطل الصلاة، وفي الدارقطني عن جابر مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (القهقهة تنقض الصلاة، ولا تَنْقُض الوضوء) ، ولا يصح مرفوعا، بل الصواب وقفه على جابر، ولا يُعلم لجابر مخالف، وهذا هو مذهب عامة العلماء، وأن القهقهة تبطل الصلاة. * لكن إن غلبه ذلك، ولم يكن ذلك عن اختيار، فهل تبطل الصلاة أم لا تبطل؟ الذي يترجح أنها لا تبطل، كما لو سبقه الكلام، حتى في المذهب.
رجل وهو يقرأ القرآن في رمضان، ردوا عليه، فالذي اعتاد على التسميع، قد يتكلم، فيقول: لا، أو: نعم، فهذه كلمة، لكنها سبق لسان، غلبت عليه، فهنا لا تبطل الصلاة حتى في المذهب، لأن هذا يشق التحرز منه كبعض الناس يمشي طفل أمامه فيريد أن يسقط، فيقول: لا، أو نحو ذلك، فتخرج على غلبة لا عن اختيار، فهذه لا تبطل حتى في المذهب، فكذلك أيضا في القهقهة. وأما التبسم، فإنه لا يبطل الصلاة عند عامة العلماء، وليس هناك ما يدل على الإبطال. قوله [وإن نفخ – قال: أُف في الصلاة – أو انتحب – يعني رفع صوته بالبكاء – من غير خشية الله تعالى] يعني لم يكن ذلك من خشية الله تعالى، فإذا انتحب من غير خشية الله تعالى أو قال: أُف، من غير خشية الله. قوله: [أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت] فإن قال: أُف، بان الآن حرفان، أو تنحنح، بان أيضا حرفان، هما الهمزة والحاء، أو انتحب، يعني بكى، فخرج شيء من الصوت، وكان ذلك حرفين، فإن الصلاة تبطل. وهذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
والقول الثاني في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وإحدى الروايتين عن الإمام مالك، بل هو ظاهر مذهب مالك، كما قال شيخ الإسلام، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: إن ذلك لا يبطل الصلاة؛ لأن هذا ليس بكلام، فإن كلمة أف، أو التنحنح أو نحو ذلك، ليس بكلام في لغة العرب، وإنما هو بالطبع دال على المعنى، يعني بالطبع يدل على المعنى لا بالوضع، ولذا تجد أن اللغات تتفق عليه، فكل البشر يتفقون على النحنحة والتأفيف، كالبكاء يدل على التحسر، وكالضحك يدل على الاستبشار، فكذلك هذه الأصوات، فهي ليست كلاماً بالوضع، وإنما هي كلام بالطبع، وعلى ذلك يكون لها حكم الحركات، ومعلوم أن الحركات اليسيرة لا تبطل الصلاة، وقد روى أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في سجوده في صلاة الكسوف: أف، أف، وإن كان هذا من خشية الله، والحنابلة لا يربطون بذلك، لكن الحجة والعمدة على ما تقدم تقريره، ولذا فإنهم يقولون: " أو تنحنح من غير حاجة "، نقول: لو قال رجل " لا " عمدا لحاجة، فهل تبطلون صلاته؟ صلاته تبطل في المذهب، وإذا تنحنح لحاجة، قالوا: لا تبطل صلاته، فإذا كان كلاما، فلا ينبغي التفريق بينهما، ما دام أن كليهما كلام فلا يصح التفريق بينهما، فهذا التفريق يدل على ترجيح القول السابق. إذاً الراجح أن النحنحة أو التأوُّه، وهو قول: آه، بالمد أو الأنين وهو بالهمزة والهاء يعني بالقصر " أه " يعني يئنُّ، فإن هذا ليس بمبطل للصلاة كما تقدم تقريره. والله أعلم. انتهى الدرس الثاني في ليلة الاثنين السادس عشر من رجب لعام 1420 للهجرة. فصل قوله: [ومن ترك ركنا فذكره بعد شروعه في قراءة أخرى بطلت التي تركه منها، وقبله يعود وجوبا فيأتي به وبما بعده]
هذه المسألة فيمن ترك ركنا من أركان الصلاة، ويستثنى من ذلك تكبيرة الإحرام، لأن تكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة إلا بها، فمن نسي تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته. فإذا نسي ركنا سوى التكبيرة، كركوع أو سجود أو قيام أو غير ذلك من أركان الصلاة، فإما أن يذكر ذلك بعد أن يشرع في قراءة الفاتحة من الركعة الثانية، وإما أن يذكر ذلك قبلُ: مثال للصورة الثانية: لو أنه ترك السجود الثاني، يعني سجد سجدة ثم قام ولم يجلس للفصل بين السجدتين، ولم يسجد السجدة الثانية، فتذكر قبل أن ينتصب قائما أو تذكر بعد أن انتصب قائما ولم يشرع في قراءة الفاتحة فما الحكم؟ هذه الصورة الثانية، فهذه الصورة أجمع أهل العلم، كما حكى الإجماع المجد ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقال الموفق: " ولا أعلم في هذه المسألة مخالفا "، على أنه يرجع إلى الركن الذي تركه، فيأتي به. فقبل أن يستتم قائما تذكر أنه إنما سجد سجدة واحدة، فنقول له: ارجع فاجلس للفصل بين السجدتين، ثم اسجد السجدة الثانية، وكذلك إذا تذكره وقد انتصب قائما قبل أن يشرع في الفاتحة، فنقول أيضا: ارجع، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. لو ترك مثلا الركوع، وهو منتصب قائما حصل له سهو، فسجد ولم يركع، فتذكر أنه لم يركع وهو ساجد، نقول له: ارجع فاركع، ثم اعتدل قائما، وإذا تذكره وهو في الجلسة بين السجدتين، نقول له: ارجع فاركع. إذاً الواجب عليه أن يرجع ما لم يشرع في الفاتحة، هذا بالإجماع. فإن شرع فما الحكم؟
قال الحنابلة: إن شرع لغت التي قبل، وقامت التي بعدُ مكانها، فتلغى الركعة وتقوم الأخرى مكانها. لمّا شرع في فاتحة الكتاب تذكَّر أنه ترك سجدة أو ركوعا في الركعة التي قبل، فنقول له: تقوم الركعة الثانية مقام الركعة الأولى، ولو تذكر في الركعة الثالثة أو الرابعة، تكون رابعته ثالثة، وتكون ثالثته ثانية، وهكذا، يعني هذه تقوم مقام هذه وإن لم ينو، فلو تذكر في الركعة الثالثة أنه ترك سجدة في الركعة الأولى، فنقول له: قد قامت الثانية مقام الأولى، وقامت الثالثة مقام الثانية، إذاً تَلغى الركعة التي سها فيها وترك ركنا، إذا شرع في قراءة التي بعدها.
وقال الشافعية، وهو قولٌ في المذهب: بل لا تلغو هذه الركعة، وإنما إن وصل إلى الركن الذي يقابلها، قام هذا الركن الذي يقابل، مكان الركن الذي ترك، وإما إن لم يصل فيجب عليه الرجوع وإن شرع في الفاتحة، فعلى المثال المتقدم في الذي ترك الفصل بين السجدتين وترك السجدة الثانية، فلمَّا شرع في الفاتحة تذكَّر، فيقول الشافعية: ارجع فائتي بالجلسة بين السجدتين والسجود الثاني، وإذا ذكره وهو راكع نقول كذلك: ارجع، وإذا ذكره بعد أن رفع من الركوع، نقول كذلك: ارجع، وإذا ذكره وهو في السجدة الأولى، نقول كذلك: ارجع، فلما وصل إلى الفصل تذكَّر يعني لما جلس بين السجدتين في الركعة الثانية تذكر أنه لم يكن جلس للفصل بين السجدتين في الركعة الأولى، فنقول: قام هذا الجلوس مقام الذي تركت، وأما ما حصل بين ذلك، قد وقع في غير موقعه، فيكون لاغيا , وهذا القول أصح، وذلك لأن القول بأن الركعة تلغو فيه إبطال لما قد وقع في موقعه وصح، لأنا على ذلك سوف نبطل فاتحته وركوعه والرفع من الركوع وسجدته الأولى، فهذه كلها وقعت في موقعها وكانت صحيحة، وأما على مذهب الشافعية فإنهم يصححون ما وقع في موقعه، وأما الذي لم يقع في موقعه، فإنهم يقولون إنه باطل. أيضا نقول: ما الفرق بين ما إذا انتصب قائما وبين ما إذا شرع في القراءة؟ تقدم لكم أنه إن انتصب قائما، فإن الإجماع على أنه يرجع إلى الركن الذي تركه، فما هو الفرق بين القيام وبين ما إذا شرع؟
قالوا: إن القيام ركن غير مقصود. وهذا فيه نظر، بل القيام ركن مقصود، بدليل أن من لم يكن قارئا يجب عليه القيام. إذاً الراجح ما ذهب إليه الشافعية، وهو قول في مذهب أحمد: أنه إن ترك ركنا في ركعة، فنقول: إن وصل إلى هذا الركن في الركعة التي بعد، قام هذا الركن مقام الذي ترك، وأما إذا لم يصل، فيجب عليه الرجوع، فإذا لم يتذكر إلا بعد، فكما تقدم في ما ذكره الحنابلة، فإذا لم يتذكر إلا في آخر الصلاة، كأن يتذكر في الركعة الرابعة أنه لم يكن قد سجد ولم يكن قد جلس للفصل في الركعة الأولى، نقول: أنت الآن في الركعة الثالثة. قوله: [وقبله يعود وجوبا] يعني قبل الشروع في القراءة يعود وجوبا. [فيأتي به وبما بعده] قوله: [وإن علم بعد السلام فكترك ركعة كاملة] رجل لما سلّم، ذَكَر– وليس شكا، لأن الشك بعد العبادة لا يؤثر اتفاقا – أنه قد ترك ركنا من أركان الركعة الأولى، أو من أركان الركعة الثانية، فما الحكم؟ قال هنا " يأتي بركعة كاملة "، فإذا تذكر مثلا أنه لم يكن قد سجد السجدة الثانية، ولا الجلوس التي بعده في الركعة الرابعة، يعني سجد السجدة الأولى، ثم جلس فتشهد فسلّم، فقالوا: يأتي بركعة كاملة.
والقول الثاني في المسألة، وهو قول في المذهب: أنه يأتي بما ترك وما بعده، فنقول له: اجلس الجلسة بين السجدتين، ثم اسجد، ثم اجلس فتشهد، وكذلك ما لو ترك ذلك في الركعة الأولى، فتكون الجلسة في الركعة الثانية، والسجود الذي بعدها قام عن الركعة الأولى، والثالثة قام عن الثانية، والرابعة قام عن الثالثة، فأصبح النقص راجع إلى الرابعة، وإن كان في الأولى؛ لأن كل ركعة تقوم مقام التي قبلها حتى نصل إلى الركعة الرابعة. وهذا القول أصح، وعلى ذلك: فنأمره أن يأتي بما ترك، لأنه إنما ترك شيئا من الركعة، ولم يترك الركعة كاملة، فيصلي ما ترك، ويسجد سجدتين للسهو. إذاً الراجح أنه يأتي ما ترك وما بعده، أما الذي قبله فلا يأتي به؛ لأنه قد وقع موقعه، فإذا قلنا بأن الركعة كاملة تلغو، فإن في ذلك إبطالا لما وقع في موقعه، بل نأمره بأن يأتي بما ترك؛ لأنه لم يفعله، وأن يأتي بما بعده؛ لأن ما بعده ترتب على خطأ فوقع في غير موقعه. إذاً الراجح أنا نأمره بأن يفعل ما ترك، وما بعده، لكن كما تقدم يُتنبه أن كل ركعة تقوم مقام التي قبلها، فالخلل الذي يكون في الركعة الأولى يُسدُّ بالركعة الثانية، والنقص الذي حصل في الثانية يُسدُّ في الثالثة، ويلغو ما بين ذلك، حتى نصل إلى الرابعة. قوله: [وإن نسي التشهد الأول] وتقدم أن التشهد الأول على الراجح واجب من واجبات الصلاة. قوله: [ونهض] بأن فارق فخذاه ساقيه، وأما إن لم ينهض كأن يتهيأ للقيام، ثم يتذكر، فهذا لا شيء فيه، لكن الكلام هنا حيث نهض، ففارق الفخذان الساقين، ونهض للقيام. قوله: [لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً، فإن استتم قائما كره رجوعه، وإن لم ينتصب - قائما – لزمه الرجوع، وإن شرع في القراءة حرُم الرجوع] إذاً أصبح عندنا ثلاثة أحوال، ولك أن تقول أربعة أحوال:
الحال الأولى: ألا ينهض، كأن يتهيأ للقيام ثم يتذكر، فهذا لا شيء فيه، ولا يلزم سجود سهو. الحال الثانية: أن ينهض ولا يصل إلى القيام. الحال الثالثة: أن ينتصب قائما. الحال الرابعة: أن يشرع في القراءة. فقالوا: إذا شرع في القراءة، فليس له أن يرجع. وهذا بالاتفاق. الحالة التي قبلها، انتصب قائما، وقبل أن يشرع في القراءة تذكر أنه قد ترك الجلوس للتشهد، فما الحكم؟ قال هنا: " كُره الرجوع "، لكن لو رجع، فلا بأس بذلك. الحال التي قبلها: أن يكون في الحالة النهوض ولم ينتصب بعد – لم يصل إلى القيام -، فهنا يجب عليه الرجوع. إذاً باستثناء الحالة السابقة التي لم ينهض فيها، نقول: إذا نهض ولم يستتم قائما بعد، فيجب عليه الرجوع، فإن انتصب قائما، كره الرجوع، فإن شرع في القراءة حرم الرجوع. أما ما ذكروه في أنه يحرم الرجوع إذا شرع في القراءة، فقد تقدم لكم أن هذا بالاتفاق. وأما ما ذهبوا إليه من أنه إذا انتصب قائما، فليس له الرجوع، فهذا هو المشهور في المذهب، فإذا انتصب قائما كره الرجوع، ولم يحرم الرجوع، هذا قول في المذهب، وهو المشهور فيه.
والقول الثاني في المسألة، وهو قول في المذهب: أنه يحرم الرجوع أيضا. وهذا هو الراجح؛ وذلك لأنه اشتغل بركن، لأن القيام ركن، فاشتغل بركن، كما لو اشتغل بالقراءة، فإنه إذا اشتغل بالقراءة فليس له الرجوع، فكذلك إذا انتصب قائما، لأنه شرع في ركن. وأما التفريق بينهما بأن القيام ركن غير مقصود، وأن القراءة ركن مقصود، فهذا فيه نظر كما تقدم، وعلى ذلك فالراجح أنه ليس له أن يرجع، وقد ثبت في الصحيحين، وهو الأصل في هذه المسألة التي يذكرها المؤلف هنا من حديث عبد الله بن بُحينة رضي الله تعالى عنه قال: " صلى بنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الظهر فقام في الركعتين ولم يجلس، وقام الناس معه، فلما قضى صلاته، وانتظر الناس تسليمه، كبَّر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم ثم سلَّم " فهذا الحديث هو الأصل في هذه المسألة، وهنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام، ولم يرجع، وهذا القيام عام فيما إذا قام ولم يشرع في القراءة بعد، وفيما إذا شرع في القراءة. إذاً الراجح أنه إذا انتصب قائما فليس له الرجوع. أما إن لم ينتصب قائما فهنا لا إشكال أنه يرجع، لأنه لم يشتغل بركن، فيجب أن يرجع ويأتي بالواجب الذي تركه؛ وذلك لأنه لم يدخل في ركن، لأنه إذا دخل في ركن ثم رجع، كان في ذلك زيادة هذا الركن الذي اشتغل فيه، ثم تركه ثم عاد إليه. إذاً على ذلك نقول: أنه إن تذكر قبل أن ينتصب قائما فإنه يجب عليه الرجوع، وأما إذا انتصب قائما فليس له الرجوع على الصحيح، سواء شرع في القراءة أو لم يشرع فيها. قوله: [وإن شرع في القراءة حرم الرجوع] فإن رجع عمدا بطلت صلاته، لأن القاعدة أنه إن مضى حيث يجب الرجوع، أو رجع حيث يجب المضي، فإنه يكون تاركا للواجب، ومن ترك الواجب عمدا بطلت صلاته:
يعني إذا كان بحيث يجب عليه الرجوع، مضى، - ويجب عليه الرجوع فيما إذا لم يستتم قائما – عامدا وعالما بالحكم، فنقول: إن الصلاة تبطل، لأنه ترك واجبا في الصلاة عمدا. وإذا رجع حيث يجب المضي، فكذلك: فإذا استتم قائما أو شرع في القراءة، فإنه يجب عليه المضي، فإذا رجع فإنه يكون قد رجع حيث يجب المضي عامدا، فتبطل الصلاة. وهذه المسألة، وهي ترك التشهد الأول، يُلحق فيها ترك كل واجب، فإذا ترك التسبيح في الركوع، فتذكر قبل أن يستتم قائما، فنقول له: راجع فسبِّح، فإن استتم قائما، فنقول: لا ترجع. إذا ترك قول: رب اغفر لي، في الجلسة للفصل بين السجدتين، فتذكر أن قبل أن يصل إلى السجود، نقول له: ارجع، فإن تذكر وقد وصل إلى السجود، نقول له: لا ترجع. إذاً هذه المسألة عامة في ترك كل واجب، كما هو الصحيح في المذهب. قوله: [ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل] إذا شك في عدد الركعات، فلا يدري أصلى ثلاثا أم أربعا، قال: " أخذ بالأقل "؛ لما ثبت في الصحيحين، وهذا لفظ مسلم، وفيه زيادات ليست في البخاري، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أصلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن – والمتقين هو الأقل -، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته – أي شفعت هاتان السجدتان له صلاته – وإن كان صلى تماما كانتا ترغيما للشيطان) ، إذاً يأخذ بالأقل. ولا فرق في هذه المسألة بين الإمام والمنفرد، وظاهر المذهب أن ذلك في المنفرد، وأما الإمام فإنه إنما يأخذ بالأقل حيث لم يكن عنده تحري، وأما إذا كان عنده تحري فإنه يأخذ بما تحراه. ظاهر المذهب التفريق بين المنفرد وبين الإمام. وظاهر كلام المؤلف هنا، هو قول في المذهب أنه لا فرق بين الإمام ولا المنفرد.
وأما ظاهر مذهب الإمام أحمد فإنه قال في الإمام: أنه يتحرى، فإذا كان الشك يستوي فيه الطرفان، فيأخذ بالأقل، وأما إذا كان هناك تحرٍّ بتسبيح المأمومين خلفه، لكن لم يكن عنده يقين، بأن يسبِّح واحد فقط بحيث لا يجب عليه الرجوع، فحصل عنده تحر، فرجَّح أحد الطرفين، فهنا يبني على ما تحرى. كأن يقول الإمام: أنا أشك، هل صليت ثلاثا أم أربعا؟ لكنه لما جلس للثالثة سبَّح به المأموم الذي خلفه، فأصبح عنده ترجيح أنه قد شك، وأنه إنما صلى ثلاثا، فهنا يصلي رابعة، ويكون سجوده بعد السلام، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا شك أحدكم في صلاته فيتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين) ، متفق عليه، وفي رواية للبخاري (فليتم ثم يسلَّم ثم يسجد) (1) ، إذاً السلام قبل السجود. واختار شيخ الإسلام، وهو رواية عن أحمد: أن لا فرق بين منفرد ولا إمام، وهذا هو الراجح، وعلى ذلك تكون القاعدة واضحة وهي: أنه إن كان عنده تحر، سواء كان منفردا أم إماما، فإنه يعمل بتحريه وليسجد سجدتين بعد السلام، وإما إذا كان ليس عنده تحري، فليبن على الأقل، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم.
شك وهو في الرابعة، هل هي الثالثة أم الرابعة؟ فترجَّح في نفسه أنها الرابعة، سواء كان منفردا أم إماما، فنقول: اجعلها الرابعة، ولا تبن على الأقل، وسلِّم، ثم اسجد سجدتين بعد السلام. إذاً الراجح وهو اختار شيخ الإسلام، وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه لا فرق بين الإمام والمنفرد. فإذاً عندنا الشك نوعان: شك مع استواء الطرفين، وشك مع الترجيح. فإذا كان مع استواء الطرفين، فيبني على الأقل، ويسجد سجدتين قبل السلام. والثاني: شك مع التحري، يعني مع الترجيح، فهنا: يبني على ما تحرى ويسجد سجدتين بعد السلام. ويُلحق بذلك المأموم الذي أتى والإمام راكع، فشك وقد كبَّر تكبيرة الإحرام، هل أدرك الإمام راكعا أم لا؟ نقول له: هل عندك تحرٍّ؟ فإن قال: نعم، نقول: ابن على تحريك. وإن كان عنده شك بلا ترجيح، فنقول: ابن على أنك لم تدرك الإمام، وعلى ذلك فلا تحسب هذه ركعة لك. إذا شك المأموم الواحد؟ رجل خلف إمام، وهو واحد، فشك هل صلى إمامه ثلاثا أم أربعا، فشك هذا المأموم في صلاة إمامه، فما الحكم؟ المذهب: أن المأموم لا يرجع إلى إمامه، فلو سلَّم الإمام والمأموم عنده شك، فنقول له: ابن على الأقل، وقم وصل ركعة. والقول الثاني وهو الصواب: أنه يرجع إلى قول إمامه، ولو كان المأموم واحدا، أما لو كان مع المأموم مأموم آخر، لحصل له بسكوت المأموم الآخر عن التسبيح زوال للشك، لكن هنا المأموم واحد. فنقول: بل يرجع إلى الإمام ولو كان واحدا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الإمام ضامن) ، وعلى ذلك فيرجع إلى قوله. إذا حصل تيقن بعد؟ رجل شك، وأثناء الصلاة زال الشك وحصل اليقين، فهنا لا عبرة بهذا الشك، ولا يسجد للسهو؛ لأنه لما زال الشك، زال موجَبُه، فموجب الشك السجود، فلما زال الشك زال موجَب الشك وهو السجود. وهذا واضح. قوله: [وإن شك في ترك ركن فكتركه]
رجل شك، هل ترك الركن أم لم يتركه؟ نقول له هذا كتركه؛ لأنه يُبنى على الأقل كما تقدم في المذهب، والأقل – المتيقَّن – هو الترك، وعلى ذلك نقول: ارجع إليه إن لم تكن قد شرعت في القراءة، هذا على المذهب. وعلى القول الثاني، نقول: ارجع إليه ما تصل إلى الركن الذي بعده. يعني لما انتصب قائما قال: أنا لا أدري هل سجدت وجلست للفصل بين السجدتين أم لا – عنده شك -، نقول له: ارجع، وكذلك إذا شرع في القراءة على الصحيح. والراجح أيضا أنه إن كان عنده تحري، فإنه يرجع إلى تحريه، وذلك لعموم الحديث، فيقول: هل جلست للفصل وسجدت أم لا، لكن الراجح عندي أني جلست وسجدت، فنقول له: ابن على ذلك، واسجد سجدتين بعد السلام. إذاً الراجح أن هذه المسألة داخلة أيضا في عموم حديث ابن مسعود رضي الله عنه. قوله: [ولا يسجد لشكه في ترك واجب أو زيادة] إذا شك في ترك واجب، فقال: أنا لا أدري هل جلست للتشهد الأول أم لا؟ أو قال: لا أدري هل سبَّحتُ في الركوع أم لا؟ فيقول هنا " ولا يسجد لشكه في ترك واجب؛ قالوا: لأن الأصل عدم السجود. إذاً قالوا: إذا ترك الركن، فهذا كترك الركن، لكن إن شك في ترك واجب، فهل يكون كترك الواجب؟ قالوا: ليس كترك الواجب، وعلى ذلك: فإنه لا يسجد، لأن الأصل عدم السجود. والقول الثاني في المسألة، وهو قول في المذهب: أن الشك في ترك الواجب كتركه أيضا، وهذا هو الراجح؛ لعمومات الأدلة. وأما قولهم " الأصل عدم السجود "، فنقول لهم أيضا: الأصل عدم فعل الواجب مع الشك، رجل شك، يقول: لا أدري أجلست للتشهد الأول أم لا، فما هو الأصل؟ الأصل أنه لم يجلس، وعلى ذلك فنبني على هذا الأصل، ونوجب عليه سجود السهو.
إذاً المذهب: أن من شك في ترك ركن فكتركه، ومن شك في ترك واجب فليس كتركه، لكن الراجح أنهما سواء، فمن شك في ترك ركن فكتركه، ومن شك في ترك واجب فكتركه أيضا، فيجب السجود في المسألتين جميعا. قوله: [أو زيادة] هنا شك، قال: لا أدري أصليت أربعا أم خمسا؟ فالشك هنا في الزيادة، الحديث الذي تقدم قال فيه (ثلاثا أم أربعا) ، لكن هنا شك، فلا يدري أصلى أربعا أم خمسا، أو شك هل ركع ركوعا أو ركوعين، أو هل سجد سجودين في الركعة أم ثلاث سجودات، فحصل له شك، لكن الشك هنا في الزيادة؟ فهنا لا يجب عليه السجود، لأن الأصل عدم الزيادة، والأصل أيضا عدم السجود. هناك في النقص قلنا: عدم الفعل، لكن هنا نقول: الأصل عدم الزيادة، ولذا إذا شك، لما جلس للتشهد حصل عنده شك يقول: لا أدري هل صليت خمسا أم أربعا؟ فنقول له: لا تسجد؛ لأن الأصل عدم الزيادة. والله أعلم. اتنهى الدرس الثالث من سجود السهو في ليلة الأحد الثاني والعشرين من رجب لعام 1420 للهجرة. قوله: [ولا سجود على مأموم إلا تبعا لإمامه] هنا مسألتان: المسألة الأولى: فيما إذا سها الإمام، فيجب على المأموم أن يتابعه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وإذا سجد فاسجدوا) ، فإذا سها الإمام فيجب على من خلفه السجود، سواء حصل منهم سهو مع الإمام أم لم يحصل منهم، فهذا لا خلاف فيه، لقوله عليه الصلاة والسلام (وإذا سجد فاسجدوا) . فإن لم يسجد الإمام وقد حصل منه ما يوجب السجود، فإذا لم يسجد وكان واجبا عليه السجود، فهل يجب على المأموم - حيث ترك الإمام السجود – السجود؟
قال جمهور العلماء: يجب عليه السجود؛ وذلك لأن الصلاة فيها نقصٌ، لأنه لما سها الإمام حصل في الصلاة نقص، وعلى ذلك: فلابد من جبران هذا النقص، لأن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، فإذا حصل سهو من الإمام، كأن يقوم إلى خامسة مثلا، فلا يتابعه المأمومون، ثم إنه جلس، فيجب على المأموم هنا سجود سهو، فإذا لم يسجد الإمام، فهل يسجد من خلفه أم لا؟ قال جمهور العلماء: يجب، لأن الصلاة فيها نقص، وعلى ذلك فيجب جبران هذا النقص. وهذا القول قول ظاهر، لكن يستثنى من ذلك على الصحيح ما لو كان الإمام لا يرى وجوب السجود عليه، كأن يكون ممن يختار عدم السجود في هذا الموضع، فحينئذ لا يجب على المأموم أن يسجد، وذلك لأنه لا نقص في الصلاة، فلا نقص في صلاة الإمام، وإنما يكون فيها نقص حيث ترك سجودا يجب عليه أن يسجده. إذاً: إذا حصل من الإمام سهو فلم يسجد، وكان يرى وجوب السجود، فإن في صلاته نقصا، وهذا النقص يلحق المأموم، وعلى ذلك: إن لم يسجد الإمام، فيجب على المأموم أن يسجد، لأن في الصلاة نقصا، فلابد من جبره. وهذا هو مذهب جمهور العلماء. فإن كان المأموم مسبوقا، فسجد الإمام قبل السلام، فإنه يتابعه اتفاقا، لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا سجد فاسجدوا) . فإن كان سجوده بعد السلام، يعني سلَّم الإمام، فسجد سجدتين بعد السلام، وهذا المأموم مسبوق، فهل يسجد معه، بمعنى أنه لا يسلم إذا سلم الإمام، فإذا سجد الإمام سجدتين، سجد، فإذا سلَّم الإمام السلام الثاني قام فأتم، أم أنه يقوم فيتم صلاته، ثم يسجد سجدتين بعد السلام؟ قولان لأهل العلم:
فالمذهب: أنه يتابعه، وعلى ذلك: فلو أنه نهض، إذ بالإمام – قبل أن يستتم المأموم قائما – يسجد، فنقول: عليك أن ترجع فتسجد مع الإمام سجدتين، وأما إذا شرع المأموم في القراءة، فليس له أن يرجع. وهذا هو المذهب، قالوا: لعموم قوله: (وإذا سجد فاسجدوا) . والقول الثاني، وهو قول المالكية والشافعية، قالوا: إذا سها الإمام فسجد بعد السلام، فإن المسبوق لا يتابعه، وإنما يسجد بعد سلامه؛ قالوا: لأن تمام المتابعة للإمام أن يكون سجوده بعد السلام، لأن هذا السجود إنما يشرع بعد السلام، فتكون متابعته للإمام بسجوده هاتين السجدتين، بعد سلام إمامه. وهذا القول هو الأرجح، فالأقرب والأرجح في هذه المسألة أنه ينهض، فيتم صلاته، فإذا سلَّم سجد سجدتين، لأن هاتين السجدتين إنما يشرعان بعد السلام، وعلى ذلك: فيكون من تمام متابعته للإمام أن يكون سجوده بعد السلام. هذا هو القول الراجح. إذاً: إذا سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السجود، فإذا لم يسجد، فإن على المأموم أن يسجد؛ لأن في ذلك نقصا في الصلاة، فإن كان سجوده قبل السلام تابعه فسجد حيث يسجد الإمام، وأما إذا سلَّم الإمام فسجد بعد السلام، فإنه لا يسجد معه، وإنما يسجد بعد أن يتم صلاته؛ لأن هذا هو تمام المتابعة في أصح القولين. هذا هو الشق الأول. الشق الثاني: فيما إذا سها المأموم خلف الإمام، فلسهوه حالتان: الحالة الأولى: أن يكون مسبوقا قد سها فيما انفرد به، يعني لما قام ليتم الصلاة سها، فهنا يجب عليه السجود قولا واحدا، فالإمام لا يتحمل، وعلى ذلك: فعليه السجود، لعموم الحديث: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) . إذاً المسبوق إذا سها فيما انفرد به، فإن عليه السجود. الحالة الثانية: أن يسهو خلف إمامه، سواء كان مسبوقا أم غير مسبوق، فهنا قد حصل له سهو حال اقتدائه بإمامه، لا حال انفراده عنه؟
فذهب العامة والجماعة من أهل العلم: على أنه لا يجب عليه السجود، وأن الإمام يتحمل ذلك عنه. وقال أهل الظاهر، وهو قول مكحول: بل يجب على المأموم السجود. استدل أهل القول الثاني بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) ، قالوا: وهذا عام، فيدخل فيه فيما إذا سها خلف إمامه. وأما أهل القول الأول، فاستدلوا بأدلة منها: أن الإمام يتحمل عن المأموم عمده، يعني عمده في النقص وعمده في الزيادة. يتضح هذا بمثالين، المثال الأول: فيما إذا قام الإمام من الركعتين تاركا للتشهد، فهنا المأموم يتابعه ويترك التشهد، فيكون قد ترك التشهد الأول، وترك التشهد الأول عمده يبطل الصلاة، وقد تركه عمدا متابعة للإمام، وقد تحمل الإمام عنه ذلك.
المثال الثاني: وهو تحمل الزيادة عمدا: فيما إذا سها الإمام، فسجد الإمام سجدتين، والمأموم لم يسهو، كأن يترك الإمام التسبيح في الركوع أو السجود، فإن الإمام يسجد، وهذا السهو قد حصل من الإمام، ولم يحصل من المأموم، ويجب على المأموم أن يتابع إمامه، لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا سجد فاسجدوا) ، وهذه زيادة في الصلاة، قالوا: فإذا ثبت هذا في عمده، فأولى من ذلك سهوه، وعلى ذلك: فنقيس السهو هنا على العمد، وهذا القياس الصحيح يخصص عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) ، فإن في ذلك تحصيل لمقصود الشرع من متابعة الإمام. قالوا: وأيضا إن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يصلون خلفه، ولا يخلو ذلك من سهو، فلابد أن يقع من أحد منهم سهو في الصلاة، ولم ينقل لنا أن أحدا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام سجد للسهو خلفه، ولو كان ذلك واقعا، لنقل لنا نقلا بينا. يعني لابد أن يقع من المأمومين سهو خلف الإمام، لاسيما في القديم، لأن الصوت مع كثرة المصلين قد لا يبلغهم، فيحصل شيء من السهو من المأمومين، وقد يترك المأموم بعض التسبيحات، ونحو ذلك، ولم ينقل لنا أن ذلك قد وقع منهم، ولو كان ذلك واقعا لنقل لنا نقلا بينا، وعلى ذلك فهذا القول هو القول الراجح، فإذا سها المأموم خلف إمامه، فإنه لا يسجد للسهو، وأما ما رواه الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا سها الإمام فعليه وعلى من خلفه، وإذا سها المأموم فلا سجود عليه) ، فهذا الحديث إسناده ضعيف جدا، فلا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. قوله: [وسجود السهو لِمَا يبطل عمده واجب] سجود السهو لما يبطل عمده، إن كان من جنس الصلاة، فإذا حصل سهوا فعل ما يبطل عمدا، فلا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يكون هذا من جنس الصلاة، كأن يزيد قياما أو ركوعا أو سجودا، فهذا فيه السجود.
الحال الثانية: ألا يكون من جنس الصلاة، كأن يتكلم في الصلاة مثلا، أو يفعل أفعال كثيرة في الصلاة سهوا، فهل تبطل الصلاة بذلك؟ لا تبطل، لكن هل عليه سجود سهو؟ ليس عليه سجود سهو كما تقدم تقريره. إذاً هنا نقيِّد هذه القاعدة بقيد، وهو أن يكون ذلك من جنس الصلاة كما تقدم. إذاً سجود السهو لما يبطل عمده إن كان من جنس الصلاة، فإن لم يكن من جنس الصلاة، كأن يفعل أفعالا ليست من جنس سهوا وتكون كثيرة، فإنها لا يشرع لها سجود السهو، كذلك لو تكلم، فإنه لا يشرع له سجود. قوله: [وتبطل بترك سجود أفضليته قبل السلام] هنا مسألتان: المسألة الأولى: قوله " أفضليته قبل السلام "، وعلى ذلك فالسجود الذي يشرع قبل من باب الأفضلية، والذي يشرع بعد، هذا من باب الأفضلية، وتقدم الكلام على هذه المسألة، وأن الراجح أن ما شُرع قبل السلام، فيجب قبل السلام، وما شرع بعد السلام فيجب بعد السلام، وأن هذا هو اختيار شيخ الإسلام ورواية عن أحمد، وأحد القولين في المذهب، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد كما قال شيخ الإسلام، وقال الزركشي: " وهو ظاهر كلام أبي محمد " يعني الموفَّق رحمه الله تعالى. وهذا هو القول الراجح. إذاً المذهب: أن المسألة أفضلية، فإن كان زيادة، فإن له أن يسجد قبل السلام أو بعده، وإن كان نقصا فله أن يسجد قبله أو بعده، وإن كان عن شك، فله أن يسجد قبل أو بعده، لكن الأفضلية على ما تقدم تفصيله في المذهب في درس سابق، ولكن الراجح ما تقدم من أن من شُرع قبل السلام فيجب قبله، وما شرع بعد السلام فيجب بعده.
الثانية: أنه إن ترك السجود الذي أفضليته قبل السلام، فإنه يبطل الصلاة، وأما إذا كانت الأفضلية بعد السلام فلا يبطل الصلاة، فإذا كان عنده شك مع تحر، تقدم أنه يشرع بعد السلام، فلو تركه فلم يسجد، فلا تبطل صلاته، والشك إذا كان بلا تحر، فإنه له السجود قبل السلام، فإذا تركه عمدا تبطل صلاته، وإذا كان عن زيادة، تقدم أن الراجح أنه يكون بعد السلام، فإذا تركه فلا تبطل الصلاة، ولو كان عمدا، وإذا كان مما يشرع قبل السلام، فتركه عمدا، فإن الصلاة تبطل. هذا هو المشهور في المذهب، قالوا: مع الإثم، كما لو ترك الأذان أو الإقامة، لأنه مشروع خارج الصلاة، فأشبه الأذان والإقامة، يقولون: ما يشرع بعد السلام، هذا إنما شُرع خارج الصلاة، فأشبه الأذان والإقامة، ولو ترك الإذان والإقامة، تصح صلاته، لكن مع الإثم، قالوا: فكذلك إذا ترك هذا السجود الذي يشرع بعد السلام. والقول الثاني في المسألة، وهو قول في المذهب واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أنه إن ترك ما أفضليته بعد السلام – وعلى الراجح ما هو واجب بعد السلام – يبطل الصلاة أيضا، وهذا أصح، وذلك لأن الصلاة ناقصة، وهذا السجود جبرانها، وإنما شرع خارج الصلاة لأن المناسب واللائق أن يكون كذلك؛ لئلا يجتمع في الصلاة زيادتان - زيادة قبل، ثم نسجد للسهو قبل -. إذاً القول الثاني في المسألة وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن ترك سجود السهو سواء كان مشروعا قبل السلام أو بعده – تركه – عمدا يُبطل الصلاة، والمذهب أن ما كان مشروعا قبل الصلاة فإن تركه عمدا يبطل الصلاة، وإن كان مشروعا بعد السلام فإن تركه عمدا لا يبطلها. قوله: [وإن نسيه سجد إن قرُب زمنه] في المسألة السابقة تعمد، وهنا الكلام في السهو. إذا نسيه، سواء كان قبل السلام أو بعده، قال: " سجد إن قرب زمنه " فإن قرُب زمنه عرفا، فإنه يسجد.
فلو أنه بعد أن سلَّم ذُكِّر، فتذكَّر فسجد سجدتين، فإن صلاته تتم بذلك، سواء كان مشروعا قبل السلام أو بعده. لكن لو أنه ذُكِّر بعد زمن طويل عرفا، فإنه لا يبني، وإنما يستأنف الصلاة من جديد، هذا إذا كان السجود قبل السلام، وأما إذا كان بعدها، فإن تركه عمدا لا يبطل الصلاة. هذا هو المذهب. قالوا: وإذا خرج من المسجد أيضا، فإنه يستأنف الصلاة، وعلى ذلك يشترط أن يكون الزمن قريبا عرفا، ويشترط أن يكون في المسجد أيضا، فإذا خرج من المسجد، ولو كان الزمن قصيرا – سلَّم فخرج، فذُكِّر وهو خارج المسجد – فعليه أن يستأنف الصلاة من جديد. وعن الإمام أحمد، وهو أصح، أنه لا فرق بين كونه في المسجد أو خارج المسجد ما دام الزمن قريبا. وأصح من القولين كليهما ما اختاره شيخ الإسلام، وهو رواية عن الإمام أحمد، وتقدم ذكر ما يدل عليه من حديث عمران: وهو أنه يسجد ولو طال الزمن عرفا، سواء كان في المسجد أو لم يكن في المسجد، فإن حديث عمران في مسلم فيه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل الحجرة بعد أن صلى العصر ثلاثا، ثم قام إليه رجل بسيط اليدين، فقال: أنيست أم قصرت الصلاة؟ ، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مغْضَباً، فصلى عليه الصلاة والسلام ما ترك، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين بعد أن سلَّم، ثم سلَّم " كما تقدم، فهنا الزمن طويل عرفا، وقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد. هذا هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام هنا، وهو رواية عن الإمام أحمد. إذاً الراجح أنه لو ترك سجود السهو سواء كان قبل السلام أو بعده، ثم تذكر، فإن يسجد سجدتين ولو كان الزمن طويلا. لما أتى الإمام ليقيم صلاة العصر أخبروه أنه حصل سهو في صلاة الظهر، وأنه لم يسجد قالوا: إنك قد قمت عن التشهد ولم تسجد، فيسجد سجدتين ولا شيء عليه. إذاً الراجح ولو طال الزمن عرفا، فإنه يبني.
قوله: [ومن سها مرارا كفاه سجدتان] إذا سها مرارا، حصل منه في الصلاة أكثر من سهو، زاد في الصلاة ونقص، أو نقص ونقص، أو زاد وزاد، فقد يكون سها فزاد مرتين أو ثلاثا، أو سها فنقص مرتين أو ثلاثا أو سها فجمع بين زيادة ونقص، فهنا حصل من الإمام أكثر من سهو، سها مرتين أو أكثر، فهنا لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الموجِب لسجود السهو غير مختلف، يعني مما يشرع فيه السجود إما قبل السلام، وإما بعده. رجل قام عن التشهد الأول، فالواجب عليه أن يسجد للسهو قبل السلام، وترك تسبيح الركوع أو السجود، فالواجب عليه السجود قبل السلام كذلك، وشك، هل صلى ثلاثا أم أربعا ولم يرجح، فهنا حصل له نقص، وكل هذه المسائل فيها سجود قبل السلام، فهنا الواجب عليه أن يسجد قبل السلام، لأن موجِب السجود هنا غير متفرق وغير مختلف، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. المسألة الثانية: أن يكون هناك موجِب مختلف، فيكون هناك ما يوجب السجود قبل السلام، وما يوجب السجود بعده. قام فترك التشهد الأول، فالواجب عليه أن يكون قبل السلام، ثم شك هل صلى ثلاثا أم أربعا، ورجَّح أنه صلى أربعا، فالواجب عليه السجود بعد السلام، فهنا هل يكفيه سجدتان كما قال المؤلف هنا، أم لا يكفيه ذلك، قولان لأهل العلم: فقال الجمهور: يكفيه سجدتان، كما هو قول المؤلف هنا. وقال الأوزاعي: بل يجب عليه سجود قبل السلام، وسجود بعده، يعني يشرع له سجدتان قبل السلام، وسجدتان بعد السلام. والقول الأول هو الراجح، استدل أهل القول الأول بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) ، قالوا: وهذا الحديث عام، سواء كان السجود واحدا أم متكررا، وإذا كان متكررا، سواء كان موجَبه واحدا أو كان موجَبه مختلفا.
وأما أهل القول الثاني فاستدلوا بحديث (لكل سهو سجدتان) ، وتقدم لكم أن الحديث ضعيف، وعلى ذلك فالراجح هو القول الأول، وعلى ذلك: فيسجد قبل السلام، ويكون سجوده قبل السلام يجزئه عن السجود بعد السلام، هذا هو الراجح، وهو مذهب جمهور العلماء، خلافا للأوزاعي، وقول الأوزاعي أيضا هو وجه في مذهب أحمد. مسألة: هل يشرع لسجدتي السهو بعد السلام تشهد أم لا؟ يعني إذا سلَّم فسجد سجدتين، فهل يُشرع أن يتشهد أم لا؟ قال الجمهور: يشرع له أن يتشهد، يعني يسلم ثم بعد أن يسلم يسجد سجدتين ثم يتشهد، ثم يسلم، إذاً يستحب للسجدتين بعد السلام التشهد. واستدلوا بما رواه أبو داود والترمذي من حديث أشعث بن عبد الملك الحُمْراني عن محمد بن سيرين عن عمران، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تشهد ثم سلم. والقول الثاني في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام، ومال إليه الموفق ابن قدامة، وهو قول محمد بن سيرين: أنه لا يشرع التشهد. استدلوا بحديث أبي هريرة، وحديث ابن مسعود، فإن الرواة لم يذكروا تشهدا، وقد تقدم سياق حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين وحديث عمران بن حُصين في قصة بسيط اليدين، وكذلك في حديث ابن مسعود في التحري، وليس فيها ذكر التشهد، والتشهد كما تعلمون طويل، فلو كان ثابتا لنقل، فهذا مما تتوافر الدواعي على نقله. يبقى الجواب عن حديث عمران في أبي داود والترمذي؟
هذا الحديث حديث شاذ، فهذه الزيادة (ثم تشهد) معلولة، وقد أعلَّها ابن المنذر والبيهقي وابن عبد البر وشيخ الإسلام ابن تيمية. وهذا التعليل هو الصواب، فإن الزيادة معلولة، فقد تفرد بها أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين، وغيره من الرواة لم يذكروها، وهذا هو المحفوظ عن محمد بن سيرين، أي عدم ذكر التشهد، فقد تفرد بها أشعث بن عبد الملك، فهو وإن كان ثقة، لكنه تفرد عن غيره من الثقات، وعلى ذلك فهذه الزيادة معلولة، ولذا استغرب – أي ضعّف – هذا الحديث الترمذي أيضا بعد أن رواه. وعلى ذلك فالراجح أن التشهد لا يشرع، وهو رأي محمد بن سيرين الذي قد روى عنه أشعث هذه الزيادة، ولو كانت مروية له لما خالفها، هذا أيضا مما يقوي التعليل المتقدم.والله أعلم تم بحمد الله شرح باب سجود السهو من زاد المستقنع في ليلة الاثنين الثالث والعشرين من رجب لعام 1420 للهجرة، شرحه فضيلة الشيخ / حمد بن عبد الله الحمد، …حفظه الله تعالى. فهرس الأحاديث والآثار إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين ... ….. 1 فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين ... … 1 من عمل عملاً ليس عليه أمرنا ... ... 1
كتاب الصلاة من صلاة التطوع إلى صلاة الخوف
باب: صلاة التطوع التطوع لغة: فعل الطاعة. اصطلاحاً: الطاعة غير المفترضة، وهي النفل والمستحب. فقوله: " صلاة التطوع " أي الصلاة التي يتطوع بها صاحبها لله تعالى. قال: (آكدها كسوف ثم استسقاء ثم تراويح ثم وتر) قوله: " آكدها " أي آكد الصلاة المتطوع بها. وذكر المؤلف أن أفضل الصلاة بعد الفريضة: صلاة الكسوف ثم صلاة الاستسقاء ثم التراويح ثم الوتر. أما الكسوف: فلأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم تركها مع ثبوت سببها وهو خسوف الشمس أو القمر، فكلما قام سببها صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيأتي الكلام عليها في بابها. وأما الاستسقاء فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ربما تركها مع وجود سببها وهو قحط الأرض فكانت الكسوف أفضل منها. وفضلت صلاة الاستسقاء على غيرها لأنها تُصلى جماعة فأشبهت الفريضة. ثم التراويح لأنها تُصلى جماعة، ثم الوتر لأنه يصليه منفرداً، وفُضِّل على السنن الراتبة بما فيه من الأحاديث المؤكدة له، هذا ما ذكره المؤلف. والراجح وهو رواية عن الإمام أحمد أن أفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل – كما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل) قال الإمام أحمد: " ليس بعد المكتوبة أفضل من قيام الليل " والراجح أن صلاة الكسوف واجبة كما سيأتي دليل ذلك في بابه. وعلى ذلك فإنه لا يفضل بينها وبين المستحبات فهي لا تدخل في هذا الباب لأنها ليست بتطوع بل فريضة. وعن الإمام أحمد: أن أفضل الصلاة بعد الفريضة ركعتا الفجر لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح)
والحديث وإن دل على فضلها وأنها أفضل السنن الراتبة، لكنه لا يدل على تفضيلها على قيام الليل، وقد صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم بتفضيله. فالراجح: أن أفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل. ثم إن قضية أن هذه الصلاة تُصلى جماعة أو فرادى، هذه ليس سبباً للتفضيل، فقد يكون المعنى الذي شرعت من أجله الصلاة إنما تشرع فيه الجماعة، فليس هذا بكونه فاضلاً على صلاة أخرى لا تشرع فيه الجماعة، وإنما شرعت فيه الجماعة لما فيه من المعاني المقتضية لأن يكون جماعة ولا يدل هذا على شيء من التفضيل. كما أن تفضيلهم لصلاة الاستسقاء على صلاة التراويح – مع ثبوت الجماعة فيهما – يقتضي أن يكونا سواء بل صلاة التراويح أولى بأن تكون هي الفضلى من صلاة الاستسقاء لأنه قد ورد في التراويح من الترغيب ما لم يرد في صلاة الاستسقاء. قال: " ثم وتر " إذن: الوتر مستحب، وليس بواجب وهذا مذهب جمهور الفقهاء وأن الوتر ليس بواجب مع ما ورد من التشدد فيه، فقد قال الإمام أحمد – ونحوه قول الإمام مالك -: (من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة) فهذا يدل على أن الوتر مؤكد غاية التأكيد، ومن تركه فإنه مظنة الضعف وشهادة الزور ونحو ذلك. ودليل استحبابه ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأله الأعرابي عن الصلوات المكتوبة فذكر له ما أوجبه الله فيها قال: هل على غيرها قال: " لا إلا أن تطوع ". فدل على أن ما سوى الفرائض الخمس ليس بواجب إلا ما سيأتي استثناؤه من صلاة الكسوف لأنها ليست من الصلوات الدائمة بخلاف الوتر فإنها صلاة يومية فلو كانت واجبة لذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - له. ولما ثبت في الترمذي والحديث حسن عن علي قال: (ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة ولكن سنة سنها النبي - صلى الله عليه وسلم -) .
وثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلى الوتر على الراحلة) وهذا يقتضي عدم وجوبها إذ لو كانت واجبة لفرض فيها القيام، لأن القيام فرض في المكتوبة. - وذهب الأحناف إلى فرضية الوتر. واستدلوا: بما ثبت في سنن أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الوتر حق ومن لم يوتر فليس منا) والحديث منكر فلا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فالصحيح أنها سنة وليست بفرض. - لكن ذهب شيخ الإسلام إلى أن الوتر واجب على المتهجد لمن قام الليل فيجب أن يوتر فيه. فأصل قيام الليل والوتر ليس بواجب لكن من قام الليل فلا يجوز ألا يوتر بل يجب أن يوتر. وهذا قول قوي ظاهر يدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) فهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب – والحديث متفق عليه من حديث ابن عمر -. ورواه أبو عوانة والحاكم والبيهقي وغيرهم عن ابن عمر بلفظ: (من صلى من الليل فليوتر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك) وهذا الحديث لا صارف له عن الوجوب. بخلاف قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أوتروا يا أهل القرآن) ونحوه من الأحاديث التي فيها الأمر بالوتر فإن صارفها عن الوجوب قوله النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا إلا أن تطوع) . وأما هنا فهذا الواجب قد طرأ بسبب كونه قد صلى الليل فلا يجوز والحالة هذه إلا أن يصلي وتراً. وهذا القول قوي ظاهر. قال: (يُفعل بين العشاء والفجر) فالوتر يُفعل بين العشاء والفجر وهكذا قيام الليل فهو مشروع ما بين صلاة العشاء والفجر. والمراد بصلاة العشاء أداؤها ولو كان ذلك بغير وقتها كأن يجمع إلى المغرب جمع تقديم فإنه يبدأ وقت الوتر وإن لم يغب الشفق.
فوقته من صلاة العشاء سواء كانت صليت في وقتها أو جمعت إلى ما قبلها، ولعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داود والترمذي وغيرها والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله زادكم صلاة هي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر) فتفعل بين صلاة العشاء وأذان الفجر، فإذا أذن الفجر فقد انتهى وقت الوتر فقوله الفجر: " أي أذان الفجر ". ويدل عليه الحديث المتقدم وفيه: (ما بين العشاء إلى طلوع الفجر) وثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أوتروا قبل أن تصبحوا) من حديث أبي سعيد الخدري. وثبت في الترمذي – والحديث صحيح – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا طلع الفجر فقد ذهب وقت كل صلاة الليل والوتر فأوتروا قبل طلوع الفجر) - وعن الإمام أحمد أن وقتها إلى صلاة الفجر، فما بين الأذان والإقامة من صلاة الفجر وقت بصلاة الوتر. وظاهره مطلقاً للمعذور وغيره، وظاهره أنه أداء وليس بقضاء. ودليله ما رواه النسائي بإسناد صحيح عن ابن مسعود أنه سُئل عن الوتر فقال: (أوتر وإن أذن، فقال السائل: " أوتر بعد الأذان؟ " فقال: " نعم وبعد الإقامة " ثم حدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس فصلى) وهنا يحتمل أن يكون مراد ابن مسعود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ثم صلى صلاة الفجر قضاء فحينئذ يكون هذا من باب القياس فهو يلحق النظير بنظيره، فكما أن صلاة الفجر تقضي بعد وقتها فكذلك الوتر. ويحتمل أن يكون مراده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام عن صلاة الوتر فقضاها، وهو الذي يقتضيه السياق، لكنه ضعيف لقوله: (حتى طلعت الشمس) وطلوع الشمس ليس وقتاً نهائياً لصلاة الوتر، بل هو وقت نهائي لصلاة الفجر.
فالظاهر أن ابن مسعود استدل بالقياس فذكر هذا الحديث الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من نومه حتى طلعت الشمس ثم صلاها، وهو فريضة، فكذلك النافلة فإذا نام عنها فإنه يقضيها بين الأذان والإقامة وبعد الإقامة. وروى محمد بن نصر آثاراً عن عائشة وغيرها فيها الإيتار بين الأذان والإقامة. وهذا القول يخالف الأحاديث المصرحة بأن الوتر ينتهي إذا طلع الفجر. والراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد في المشهور عنه وأن طلوع الفجر ينتهي به وقت صلاة الوتر. أما هذه الآثار فتحمل على أن ذلك من باب القضاء والوتر يقضى على القول الراجح الظاهر. فقد روى الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من نام عن الوتر ونسيه فليصل إذا أصبح أو ذكر) وظاهر الحديث في قضائه أنه يقضي وتراً. وأما ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسلم من حديث عائشة قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عمل عملاً أثبته وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) فهذا الحديث نوع آخر وصفة أخرى للقضاء، فعلى ذلك يكون القضاء له صفتان. الأولى: أن يقضيه وتراً. الثانية: أن يقضيه شفعاً. أما قضاؤه وتراً فهو ظاهر حديث أبي سعيد وعليه أفعال الصحابة وأما قضاؤه شفعاً فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن قيل: لِمَ لم تفسروا الحديث الأول بالحديث الثاني؟ فالجواب: أن يقال: هو قول قوي، لكن الذي جعلنا لا نقول به هنا هو تقوية القول الأول – وهو ظاهر الحديث تقويته - بأقوال الصحابة، فإنهم كانوا يقضونه وتراً كما تقدم في الأثر السابق عن ابن مسعود في الأثر المتقدم عن عائشة. فعلى ذلك: من نام عن الوتر أو نسيه حتى طلع الفجر فقد ذهب وقت الأداء ويشرع له أن يقضيه شفعاً وله أن يقضيه وتراً.
فإن كان وتره بالليل سبع ركعات مثلاً، فله أن يقضيها بالنهار سبعاً وله أن يقضيها ثمان بأن يزيد ثامنة يشفع بها صلاته. واعلم أن المستحب في صلاة الليل أن يصليها من آخره ما لم يخف عدم الاستيقاظ، فإن خاف ألا يستيقظ فيستحب له أن يصليها في أوله؛ لما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم من آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل) . والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأقله ركعة) أقل الوتر ركعة، فإذا صلى ركعة فقد أوتر ويجزئه ذلك عما يشرع له من فعل الوتر. والمشهور في المذهب أنه لا يكره ذلك، وقد صح عن عثمان وسعد بن أبي وقاص الوتر بواحدة. أما أثر عثمان فرواه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل بإسناد صحيح، وأما أثر سعد فرواه الطحاوي بإسناد حسن. قال: (وأكثره إحدى عشرة ركعة مثنى مثنى) فأكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، أي أكثره المستحب وسيأتي الكلام عن أكثره الجائز، فأكثره المستحب إحدى عشرة ركعة. يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً) - وقد قال بعض الحنابلة: المستحب أن أكثره ثلاثة عشرة ركعة. واستدلوا: بحديث ابن عباس المتفق عليه، وفيه: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر) فهذه ثلاث عشرة ركعة. والراجح هو القول الأول.
أما ما ذكره ابن عباس فهذا بإضافة الركعتين الخفيفتين اللتين يفتتح بهما قيام الليل، فإن عائشة لم تذكرهما في الحديث المتقدم، فقد قالت: (صلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) مع أنها قالت في صحيح مسلم: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفتتح صلاته بالليل بركعتين خفيفتين) . وثبت الأمر بهما من حديث أبي هريرة في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا صلى أحدكم في الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين) . فعائشة لم تذكر الركعتين الخفيفتين، وذكرهما ابن عباس ومما يدل على ذلك ما ثبت في مسلم عن زيد بن خالد الجهني قال قلت: (لأرمقن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل، فافتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة) فعلى ذلك أكثره المستحب إحدى عشرة ركعة. قال: " مثنى مثنى " فيصلى قيام الليل مثنى مثنى أي ركعتين ركعتين، يسلم من كل ركعتين، يدل عليه حديث ابن عباس وفيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلى ركعتين ثم ركعتين …الحديث. وحديث عائشة المتقدم في رواية لمسلم: (يسلم بين كل ركعتين) ، وفي الصحيحين عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة) وهو نوع من الأنواع الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوتر. وسيذكر المؤلف الأنواع الأخر. قال: (وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها) ما تقدم – أي إذا صلى مثنى مثنى – فإن وتره يكون بواحدة، لكن إن أحب أن يوتر بخمس أو سبع فإنه يصليها سرداً لا يجلس إلا في آخرها بمعنى يصلي مثنى مثنى ثم يوتر بخمس سرداً أو بسبع سرداً فهي السنة.
فالسنة لمن صلى الوتر سبعاً أو خمساً ألا يجلس إلا في آخرها. ومرادنا بالإيتار بخمس أو سبع، سواء كان الوتر بخمس صلاته كلها أو كان صلى قبله مثنى مثنى. دليل ذلك: ما ثبت في مسند أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن أم سلمة قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر بسبع أو بخمس لا يفصل بينهن بتسليم ولا كلام) وقد ثبت في الصحيحين ما يؤيد الصورة الثانية فيما إذا أوتر بخمس عن عائشة قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر، من الليل بثلاث عشرة ركعة " فقد أضافت الركعتين اللتين يفتتح بهما القيام " يوتر فيها بخمس لا يجلس في شيء منها إلا في آخرها) فلم يفصل بينهن بجلوس ولا كلام. أما الوتر بالسبع فقد ثبت في أبي داود ما يخالف ما تقدم في حديث أم سلمة، فقد روى أبو داود في سننه وأصله في مسلم وفيه: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة) وفي رواية لمسلم: (أنه أوتر بسبع) . بمعنى: صلى ست ركعات ثم قام ولم يسلم ثم جلس جلوساً ثانياً فسلم فيه. وهذا هو مذهب الموفق ابن قدامة وهو وجه في مذهب الحنابلة وأنه إذا أوتر بسبع فإنه يصلي ستاً سرداً ثم يجلس بعد السادسة ثم يقوم فيصلي السابعة ثم يجلس فيها ويسلم.وهذا هو الأرجح. أما حديث أم سلمة فهو على الشك، فإن فيه شك ومثله يوجب التوقف، فإنها قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر بسبع أو بخمس) وهنا شك، وقد ثبتت الرواية في المتفق عليه فيما إذا أوتر بخمس وأنه لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام، أما السبع فإن هذا الشك يوجب التوقف فيها لا سيما وقد وردت في الرواية الأخرى المخالفة. فعلى ذلك: الأرجح خلاف المشهور في المذهب وهو قول الموفق أنه إن أوتر بسبع فإنه لا يسردها كلها بل يسرد فيها ستاً فيجلس بعد السادسة فيذكر الله، ويدعو ثم يقوم من غير سلام فيصلي السابعة ثم يجلس فيتشهد ويسلم.
قال: (وبتسع يجلس عقب الثامنة ويتشهد ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم) فإذا أوتر بتسع، فيصلي ثماني ركعات سرداً لا يجلس في شيء منهن فإذا انتهى من الثامنة جلس فذكر الله وحمده ودعاه ثم قام فصلى التاسعة ثم جلس فتشهد وسلم، فحينئذٍ يتم له تسع ركعات بتشهدين وسلام واحد. وهذه الصفة ثابتة في مسلم من حديث عائشة - وهو الذي تقدمت الإشارة إليه عند ذكر رواية أبي داود وأن أصلها في مسلم – عن عائشة أنها سألها سعد بن هشام فقال: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (كنا نعدُّ له سواكه وطهوره فيبعثه الله من الليل ما شاء أن يبعثه فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس في شيء منها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعو وينهض ولا يسلم ويقوم إلى التاسعة ثم يجلس فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم) قالت: - أي عائشة -: (ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسنَّ وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول) وهاتان الركعتان ثبت فعلهما من النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي أمامة، فقد ثبت في مسند أحمد بإسناد حسن عن أبي أمامة قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بعد وتره ركعتين وهو جالس يقرأ فيهما " إذا زلزلت الأرض زلزلاها " و " قل يا أيها الكافرون ") . قال ابن القيم: " هي كالسنة للفريضة ". أ. هـ. فهنا الوتر كأنها عبادة مستقلة تشبه الفرائض فكان لها سنة كالفرائض فهذه كالفرائض فهذه سنتها، فحينئذٍ: لا يعارض هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) . فإنه إذا أوتر استحب له أحياناً أن يصلي بعد وتره ركعتين خفيفتين وهو قاعد. وقد قال الإمام مالك بعدم المشرعية. وقال أحمد: إن فعلها فلا بأس وإن تركها فلا بأس. قال: (وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين)
هذا أدنى الكمال أن يصلي ثلاث ركعات، فالإجزاء أن يصلي ركعة، وأدنى الكمال أن يصلي ثلاث ركعات لكن بسلامين هذا هو المستحب. فلا يستحب الوتر بثلاث بمعنى: أن يصلي ثلاثاً سرداً لا يفصل بينهن بسلام، بل المستحب أن يفصل بينهن بالكلام والسلام. فإن صلى ثلاثاً سرداً قالوا: فلا بأس. وذهب بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى القول بالكراهية، فقد صح عن ابن عباس قال: (ولا أحب ثلاثاً تتراً) أي سرداً. وعن عائشة قالت: (وأكره ثلاثاً تتراً) . والأثران رواهما محمد بن نصر المروزي في كتاب قيام الليل. ويدل على ذلك ما ثبت عند ابن حبان والحاكم بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا توتروا بثلاث أوتروا بخمس أو سبع ولا تشبهوا بصلاة المغرب) . فهذا فيه النهي عن الإيتار بثلاث، وهو حديث مطلق وظاهر إطلاقه النهي عن ذلك سواء كانت الثلاث سرداً بلا تشهد، أو كان فيها تشهد بلا سلام، لقوله: (لا توتروا بثلاث) ثم قال: (لا تشبهوا بصلاة المغرب) فإن قيل: أنه إن سردها من غير تشهد فإنها لم يتشبه بصلاة المغرب؟ فالجواب: إن أصل المشابهة ثابت، إذ المشابهة لا تقتضي المماثلة. ثم إن قوله: (لا توتروا بثلاث) شامل للصفتين كلتيهما، وأما قوله: (ولا تشبهوا بصلاة المغرب) فلا يخرج الصفة التي ليس فيها تشهد؛ لأن التشبيه ثابت لعدم السلام ولكونها ثلاثاً. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صرف المخاطب إلى أن أمره أن يوتر بخمس أو سبع، فدل ذلك على أن الإيتار بثلاث مكروه مطلقاً، وهذا هو الأظهر وأنه مكروه مطلقاً، وأن المستحب له أن يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يصلي الثالثة. وقد صح عن ابن عمر في الموطأ بإسناد صحيح: (أنه كان يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته) إذن: الإيتار بثلاث مكروه سواء جلس للتشهد أو لم يجلس والمستحب أن يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يأتي بالثالثة.
والحمد لله رب العالمين. الوتر: في لغة العرب: هو الفرد. اصطلاحاً: فهو الركعة الواحدة وما أضيف إليها مما اتصل بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يقرأ في الأولى بسبح وفي الثانية بالكافرون وفي الثالثة بالإخلاص) لما روى أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبي بن كعب – حديث صحيح -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد) وظاهر كلام المؤلف أنه لا يشرع له أن يقرأ في الثالثة بالمعوذتين مع سورة الإخلاص. وهو المشهور في المذهب. ومذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يشرع له أن يقرأ مع سورة الإخلاص بالمعوذتين. لما روى أبو داود من حديث عائشة وفيه: (ويقرأ في الثالثة بقل هو الله أحد، والمعوذتين) والحديث فيه خصيف بن عبد الرحمن وهو ضعيف. لكن الحديث ورد من طريق آخر عند الحاكم فحسن به الحديث، فعلى ذلك الحديث حسن بطريقه، وعليه فيشرع له أن يقرأ مع سورة الإخلاص بالمعوذتين. ولا بأس له أن يقرأ سواها من السور في الركعات الثلاث، وأما ما تقدم فهو على سبيل الاستحباب للقاعدة المشهورة: مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فاقرأ ما تيسر معك من القرآن) . قال: (ويقنت فيها) أي يقنت في ركعته الثالثة، فيدعو الله بالدعاء الوارد كما سيذكره المؤلف، أو بما شاء. فالقنوت هو الدعاء الواقع في الركعة الأخيرة من صلاته. – وظاهره أنه يقنت مطلقاً في جميع السنة، وأن القنوت مستحب في جميع السنة. وهو المشهور في المذهب، وإليه رجع الإمام أحمد فقال: " كنت أذهب إلى أن القنوت في النصف الأخير من رمضان ثم قنت هو دعاء بخير " وهو قول بعض الصحابة حكاه ابن تيمية عن ابن مسعود وغيره. والقول الثاني: وهو رواية عن أحمد أنه لا يستحب بحال لا في رمضان ولا في غيره.
والقول الثالث: أنه يستحب في النصف الأخير من رمضان. هذه ثلاث أقوال لأهل العلم هي روايات عن الإمام أحمد وقد حكى ابن تيمية هذه الأقوال عن الصحابة - رضي الله عنهم - واختار ابن تيمية التخيير بين الفعل والترك وقال: (حقيقة الأمر أن قنوت الوتر من جنس الدعاء السائغ في الصلاة فمن شاء فعله ومن شاء تركه) والظاهر: أنه يستحب لكن استحبابه ينبغي ألا يكون على هيئة الدوام بل يفعله تارة ويتركه تارة أخرى، لأن القنوت قد ثبت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن تعليمه. فقد ثبت في سنن النسائي بإسناد جيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يقنت في الوتر قبل الركوع) وثبت عند الخمسة، وفيه أن الحسن قال: (علمني النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمات أقولهن في الوتر) وإسناده جيد. وثبت عند الأربعة بإسناد صحيح عن علي قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في آخر وتره: " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) فهذه الأحاديث تدل على مشرعية القنوت. وإنما لم نقل باستحباب مداومته، لأن من نقل لنا قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - في الليل كعائشة وابن عباس وزيد بن خالد وغيرهم لم يحكوا لنا قنوته، وإنما حكاه علي والحسن، وأبي بن كعب فكون عائشة وابن عباس ومن روى ذلك من الصحابة لا يذكر القنوت مع حرصه على استقصاء صفة قيامه، طولاً وقصراً وما كان يقرأ فيها ونحو ذلك، يدل هذا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله إذ الهمم والدواعي متوفرة لنقله منهم فلما لم ينقلوه دل على أنهم لم يروه من النبي - صلى الله عليه وسلم -. وحكاه من رآه كأبي بن كعب وعلي فدل على أنه كان يفعله برؤية هؤلاء ولم يكن يداوم عليه لعدم حكاية أولئك له.
فعلى ذلك، يستحب أحياناً من غير مداومة، لكن إن دوم عليه فلا بأس والمستحب له ألا يداوم لأنه من جنس الدعاء والمسألة في الصلاة. هذا الذي يتبين في هذه المسألة والله أعلم. قال: (بعد الركوع) ندباً، فيستحب القنوت بعد الركوع، فإن قنت قبله فلا بأس هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من قنوت النبي - صلى الله عليه وسلم - للنازلة وفيه: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع) وهو من حديث ابن عمر وغيره. وهذا من جنسه، فالقنوت في الوتر من جنس القنوت في النوازل، وهذا التنظير وإن كان راجحاً لكن السنة تخالفه، فقد ثبت في النسائي بإسناد حسن من حديث أبي بن كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قنت في الوتر قبل الركوع) . وإليه ذهب الإمام مالك وهو الراجح، وأن المستحب أن يقنت قبل الركوع، فإن قنت بعده فلا حرج إن شاء الله. قال: (ويقول: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صل على محمد وآل محمد) أما قوله: " اللهم اهدني " إلى قوله: " تباركت ربنا وتعاليت " فقد ثبت عند الخمسة بإسناد جيد عن الحسن بن علي قال: (علمني النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمات أقولهن في قنوت الوتر ... الحديث) إلا أن لفظة " ولا يعز من عاديت " تفرد بها النسائي وإسنادها صحيح. وقوله: " اللهم اهدني فيمن هديت ": أي وفقني إلى معرفة الحق والعمل به. " وعافني يمن عافيت ": أي عافني من الشرك والمعاصي وعافني من الأمراض والبلايا ونحوها. " وتولني فيمن توليت ": أي قربني إليك وتولني بعنايتك وحفظك وتسديدك.
" وبارك لي فيما أعطيت " من الخير الديني والدنيوي، اجعله لي مباركاً من علم نافع أو رزق دنيوي. " وقني شر ما قضيت ": أي قني المقضيات التي فيها شر والشر يُنسب إلى مقضيات الله لا إلى فعله كما في الحديث: (والشر ليس إليك) " إنك تقضي ولا يُقضى عليك ": وفي رواية: " فإنك تقضي ... " وزاد ابن خزيمة بعده: (لا منجى منك إلا إليك) وقوله: " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك " ثابت عند الأربعة بإسناد صحيح من حديث علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في وتره … أما قوله: " اللهم صل على محمد وآل محمد " فقد روى النسائي بسنده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث تعليمه للحسن: " اللهم صل على النبي" لكن الحديث إسناده ضعيف، فلا يثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. لكن فعله حسن لثبوته عن أُبي بن كعب كما عند ابن خزيمة فقد صح عنه في ابن خزيمة أنه كان يقول في آخر قنوته: " اللهم صل على آل محمد " فعلى ذلك هو مستحب لفعل هذا الصحابي له. قال: (ويمسح وجهه بيديه) كما روى الترمذي من حديث عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا رفع يديه في الدعاء لا يحطهما حتى يمسح بهما وجهه) . لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. - لذا ذهب الإمام أحمد في رواية أخرى عنه: إلى أنه لا يشرع له ذلك لضعف الحديث فيه. وهذا هو الراجح؛ لأن الحديث الوارد فيه ضعيف. وهذه المسألة متضمنة لرفع اليدين وأنه يستحب له ذلك في دعاء قنوت الوتر، وهذا ظاهر لأنه من جنس الدعاء في قنوت النوازل. وقد ثبت في مسند أحمد – في قنوت النبي - صلى الله عليه وسلم - – للنوازل: (أنه كان يرفع يديه) ففيه مشروعية رفع اليدين لثبوت ذلك في قنوت النوازل.
وهنا ما ذكره من الدعاء هو دعاء المنفرد في قوله: " اللهم اهدني ... … " أما دعاء الإمام فإنه يكون بصيغة الجمع فيقول: " اللهم اهدنا فيمن هديت ... إلى آخره " فإذا دعا الإمام أمَّن المأمومون خلفه ورفعوا أصواتهم بالتأمين بالاتفاق، قال الموفق: " لا نعلم فيه خلافاً "، ويدل عليه ما رواه أبو داود في قنوت النبي - صلى الله عليه وسلم - للنوازل وفيه: (يؤمن من خلفه) فعلى ذلك: يستحب لمن خلف الإمام أن يؤمن. * وهنا اقتصار المؤلف وغيره من الحنابلة على الدعاء الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في القنوت هل يدل على أنه لا يشرع سواه أم أنهم اكتفوا به لأنه هو المستحب وإن لم يكن متعيناً؟ هذا ما ذكره صاحب الفروع – إجمالاً – فقال: - أي من اقتصر على ذكر ذلك – لعله أراد أنه يستحب وإن لم يتعين؛ وذلك لأن الإمام أحمد نصَّ أن له أن يدعو بما شاء. وصرَّح بذلك طائفة من أصحابه – وهذا هو الأظهر –، فهو محل للدعاء فله أن يدعو بما شاء من الدعاء فكما أن السجود محل للدعاء وله أن يدعو بما ورد وما لم يرد، نعم المستحب له أن يأتي بالوارد، فإن أطال فدعا بما لم يرد فلا بأس ومثل ذلك الدعاء في التشهد، فالمستحب أن يدعو بما ورد فإن زاد ما لم يرد أو دعا أصلاً بما لم يرد فلا بأس ولا حرج. إلا أن يصحب ذلك اعتقاد ينقل الحكم كأن يعتقد في هذا الدعاء أنه أفضل من الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أنه أرجى للإجابة أو اعتقاد أنه سنة أو نحو ذلك فله حكم آخر. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويكره قنوته في غير الوتر إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض) فيكره قنوت المصلي في غير الوتر – من الصلوات – كأن يقنت في صلاة الفجر أو صلاة الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء فهو مكروه في المشهور من المذهب. وهذا له حالتان: الحالة الأولى: أن يقنت في صلاة الفجر.
الحالة الثانية: أن يقنت في بقية الصلوات. أما القنوت في صلاة الفجر أي مشروعيته فقد ذهب إليه المالكية والشافعية وأنه مستحب. وأما القنوت في بقية الصلوات فذهب إليه بعض الشافعية، وقد بدَّع شيخ الإسلام هذا الفعل، ولا ينسب إلى إمام من الأئمة وإنما هو قول قاله بعض المنتسبين إلى مذهب الشافعي. أما القنوت في صلاة الفجر فهو مذهب الشافعية والمالكية. وذهب الأحناف والحنابلة وعليه العمل عند أهل العلم كما قاله الترمذي: أنه لا يشرع. استدل القائلون بالمشروعية: بما روى أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك وفيه: (أما الصبح فلم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقنت حتى فارق الدنيا) واستدل القائلون بعدم المشروعية بأحاديث: منها: ما ثبت في الصحيحين عن انس قال: (قنت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهراً في صلاة الفجر يقول: " اللهم أنج الوليد ابن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وفي مسلم: (ثم تركه) . وفي أبي داود: قال: (فأصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فلم يدع لهم فذكرت ذلك له فقال: " أو ما تراهم قد قدموا ") فكانت نازلة فانتهت فترك القنوت لزوالها. ومنها ما رواه ابن خزيمة وابن حبان بإسناد صحيح عن أنس قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم) ومنها – وهو أصرح الأدلة – بما ثبت في الترميذي وصححه وهو كما قال من حديث: سعد بن طارق الأشجعي قال: (قلت لأبي: إنك صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي أفكانوا يقنتون؟ فقال: أي بني محدث) أي هو بدعة. وهو حديث صحيح وعليه العمل كما ذكر الترمذي.
أما حديث: (أما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا) فالحديث فيه أبو جعفر الرازي وهو ضعيف إذا تفرد، وقد تفرد بهذه الرواية وهو صاحب مناكير فلا يقبل حديثه. ثم لو سلمنا بصحة الحديث فإنه يحتمل – جمعاً بينه وبين ما تقدم من الأدلة – بأن المراد إطالة القيام في الصلاة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يطيل قيام صلاة الفجر. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (أفضل الصلاة طول القنوت " أي طول القيام ") رواه مسلم. فعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه الحنابلة من عدم مشروعية القنوت في غير النوازل وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه. وهل يكره أم يحرم؟ قولان في المذهب: القول الأول: وهو المشهور في المذهب: هو الكراهية. القول الثاني: أنه محرم وهو قول قاله بعض الحنابلة، وقال بعضهم هو بدعة. أما ابن القيم فذكر في زاد المعاد أنه ليس ببدعة وأنه من الخلاف السائغ، وحكاه عن أهل الحديث. أما ما ذكره عن أهل الحديث من اتفاقهم على عدم تبديع هذا الفعل فإنه يحتاج إلى تثبت في نسبته إلى أهل الحديث لأنه جارٍ مجرى البدع وكون الأمر بدعة لا يعني أن فاعله مبتدع ما دام أنه مجتهد في فعله. فكون الإمام الشافعي يشرع ويستحب القنوت استدلالاً بالحديث المتقدم، لا يعني ذلك أن ينسب إلى شيء من البدعة، وإن كان هذا الفعل بدعة كما أن البدعة قد نسبت إلى فعل بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما تكون غير مشروعة والسنة بخلافها. فعلى ذلك – وكما نص الصحابي المتقدم – وهو طارق الأشجعي في قوله: " أي بني محدث " فهو محدث وكل محدثة بدعة. فالراجح: أنه بدعة لعدم ثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما من فعله على أنه سنة فإن له نصيبه من الأجر والاجتهاد فإنه مجتهد مخطئ فله أجره على اجتهاده. فالراجح من قولي المذهب: خلاف المشهور عندهم: أن ذلك محرم وأنه بدعة.
والمالكية والشافعية – كما تقدم – يستحبون القنوت في صلاة الفجر، لكن بينهم فيه اختلاف. فمذهب المالكية: أنه مشروع قبل الركوع سراً. ومذهب الشافعية: أنه مشروع بعده جهراً. واختلفوا أيضاً: في اللفظ الذي يقنت به. فالمشهور عند الشافعية أنه يقنت بحديث الحسن بن علي: (اللهم اهدني فيمن هديت) وهو قول ظاهر الضعف، لأن الحديث إنما ورد في قنوت الوتر ولم يثبت في قنوت الصلاة. وذهب المالكية إلى القنوت بما ورد عن عمر - رضي الله عنه -، فقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى أنه صلى خلف عمر - رضي الله عنه - صلاة الفجر فسمعه يقول: قبل الركوع وبعد القراءة: (اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد " أي نسارع " نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك في الكفار ملحق، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع من يكفرك) فبه استدل المالكية على استحبابه سراً وعلى أنه قبل الركوع لفعل عمر فإنه قد قنت قبل الركوع سراً لأنه لم يظهر من عمر بل سمع منه. وهذا الأثر يحمل على أنه من قنوت النوازل كما تقدم. أما قنوت النوازل فهو مشروع، كأن تقع بالمسلمين نازلة من تسلط عدو ونحو ذلك، للحديث المتقدم من حديث أنس وحديث أبي هريرة الذي فيه: (اللهم أنج الوليد بن الوليد…الحديث) . واعلم أن السنة أن يكون بعد الركوع بعد قوله: " سمع الله لمن حمده " لرواية في الصحيحين للحديث المتقدم: (أنه كان يقول ذلك بعد الركوع بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده) . فإن كان قبل الركوع فلا بأس للأثر المتقدم عن عمر، مع أنه قد صح عن عمر في البيهقي أنه (قنت بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء) . ويدعو بألفاظ منبعثة عن هذه النازلة التي وقعت على المسلمين. واعلم أن قنوت النوازل ليس خاصاً في صلاة الفجر بل عام فيها وفي غيرها من الصلوات المكتوبة.
فقد ثبت في أبي داود من حديث ابن عباس قال: (قنت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهراً متتابعاً في صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر إذا قال: سمع الله لمن حمده، دبر كل صلاة مكتوبة يؤمن من خلفه) . ففيه أن القنوت مشروع في كل الصلوات المكتوبة، لذا قال المؤلف هنا: " فيقنت الإمام في الفرائض " فهو عام في الفرائض كلها. وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (القنوت في الظهر العشاء والفجر) . وثبت في البخاري من حديث أنس: (القنوت في المغرب والفجر) ، ونحوه من حديث البراء بن عازب في مسلم في قنوت المغرب والفجر.فهذه أربع صلوات ثبتت في الصحيحين أو أحدهما. وأما العصر فقد ثبت فيما تقدم من حديث ابن عباس في سنن أبي داود وهو جامع للصلوات الخمس. والظاهر أنه يجهر بالقنوت مطلقاً سواء كانت الصلاة جهرية أم سرية. وقد صرح بعض الحنابلة بخلاف ذلك وأنه يجهر فيما يجهر به من الصلوات. وأطلق بعضهم، وظاهر إطلاقه أنه يجهر بها كلها، وهو الظاهر لحديث ابن عباس المتقدم: (دبر كل صلاة مكتوبة يؤمن من خلفه) فظاهره أنه قد رفع صوته وجهر به فسمعه من خلفه فأمَّن. فعلى ذلك لو قنت في صلاة الظهر أو العصر فإنه يجهر بالقنوت. قوله: (غير الطاعون) - المشهور في المذهب: أن الطاعون لا يشرع فيه القنوت، وذلك من وجهين: الأول: أنه قد وقع في عهد الصحابة، كما وقع في عهد عمر في ناحية الشام فلم يثبت أنهم قنتوا. الثاني: أنه شهادة، وثبت في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الطاعون شهادة لكل مسلم) - والمشهور عند الشافعية القنوت في الوباء من طاعون وغيره أي مشروعية ذلك. ويُجاب عما استدل به الحنابلة من الوجهين: أما كونه لم يثبت لنا عن الصحابة وأن عدم النقل ليس نقلاً للعدم، فلا يقضي أنهم لم يفعلوه.
وأما كونه شهادة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد دعا فيما تقدم للوليد بن الوليد ومسلمة بن هشام وما هم عليه إنما هو شهادة أو بمعنى الشهادة فهم معرضون للشهادة أو بمعنى الشهادة من التعذيب في سبيل الله، فكونه شهادة لا يعني ذلك أنه لا يقنت منه. فالأظهر ما ذهب إليه الشافعية من مشروعية القنوت فيه، وأنه من النوازل فيجوز للمسلمين أن يقنتوا فيه إذا نزل بهم الطاعون أو غيره من الأوبئة الخطيرة التي تهلك الحرث والنسل. واعلم أن ظاهر حديث أبي هريرة: أن النازلة وإن وقعت في طائفة من المسلمين من أسر أو تعريض لقتل أو وباء على القول به أنه وإن نزل في طائفة من المسلمين ولم يكن عاماً فإنه يشرع ذلك، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قنت لطائفة مأسورة عند قريش. قوله: (فيقنت الإمام) أي الإمام الأعظم. هذا هو المشهور في المذهب وأنه إنما هو الإمام الأعظم أي الحاكم أو السلطان أو الخليفة. وعن أحمد: أنه نائبه إن أذن الإمام. وعن أحمد: أن إمام الجماعة يشرع له ذلك. وعن أحمد: كل مصل له ذلك. فهذه أربع روايات عن الإمام أحمد: أظهرها وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه مشروع لكل مصل لأنه دعاء لله عز وجل لا يترتب عليه فتنة وشر ولا افتيات على السلطان والحاكم. وقد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . وقد تقدم أثر عمر، وفيه أنه دعا سراً، فهذا يدل على أنه وإن لم يكن مجهوراً به مختصاً بالمصلي نفسه فإنه يبقى مشروعاً. فإذا فعله من يصلي وحده أو المرأة، فلا حرج في ذلك ويبقى على مشروعيته. إلا أن يترتب على فعله فتنة أو يمنع منه السلطان أو الحاكم فيترتب على فعله مفاسد، فينهى عنه لهذه المفاسد. أما إن لم يكن ذلك، فإنه دعاء لله، الأصل فيه ألا مفسدة فيه، فلا ينهى عنه وإن لم أذن السلطان. [في الفرائض] تقدم أن القنوت عام في الفرائض كلها.
وتقدم أنه يستحب له أن يرفع يديه كما في أثر عمر بن الخطاب، وتقدم في مسند أحمد عند الكلام على رفع اليدين في قنوت الوتر. ويجهر الإمام كما هو ظاهر الأحاديث الواردة في هذا من قنوت النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في حديث أبي هريرة، فظاهر أنه جهر، وحديث ابن عباس، وظاهر في ذلك، وأثر عمر فيه أنه جهر. ويؤمن من خلفه كما تقدم في حديث ابن عباس - رضي الله عنه -، فعلى ذلك: يرفع يديه ويدعو الله بما يناسب المقام من الدعاء مما وقع في المسلمين من نازلة، ويؤمن من خلفه. وقد استثنى الحنابلة في المشهور عندهم صلاة الجمعة، فقالوا: لا يشرع فيها القنوت. واستدل بعضهم: على أنها يوم عيد، فلا يناسب ذكر النازلة فيه. وقال بعض الحنابلة، وهو مذهب القاضي من الحنابلة: إلى أن الجمعة كغيرها، يشرع فيها القنوت. وهذا هو الأظهر؛ فإن حديث ابن عباس المتقدم عام في الجمعة وغيرها، في قوله: " دبر كل صلاة مكتوبة "، فيشمل الجمعة كما يشمل غيرها. وليس هناك معنى يناسب لإخراج الجمعة عن هذا الحكم، فإن وقوع النازلة في المسلمين يقتضي دعاء الله - عز وجل -، وسواء كان ذلك في صلاة الجمعة أو غيرها. مسألة: إذا قنت إمام في غير نازلة، كأن يقنت في صلاة الفجر، كما يقع هذا من الشافعية أو من المالكية بالسكوت منهم، فما الحكم في حق المأموم؟ المشهور في المذهب: أن المأموم يتابع الإمام، فيؤمن بدعائه، وعليه فإنه يرفع يديه وغير ذلك. وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام: في أن الإمام إذا فعل ما يسوغ له مما هو من الاجتهاد، فإن المأموم يتابعه، كأن يقنت أو أن يصل الوتر. هكذا قال شيخ الإسلام. وقال بعض الحنابلة: لا يتابعه. وهذا القول ضعيف من جهة إطلاقه، وفيه معنى صحيح.
أما إطلاقه فظاهره أنه يفارق الإمام، وهذا ليس بصحيح، فإن هذا من الإمام فعل يسير في الغالب، ويمكن للمأموم أن ينتظره، ولا يعدو ذلك إلا أن يكون إطالة في ركن مشروع، فكونه يتابعه، هذا لا يؤثر في صلاته. وأما المعنى الصحيح فيها فهو كونه يفارقه في الفعل والقول، فهذا هو المعنى الراجح في ذلك. فالأظهر أنه يتابعه في القيام والانتظار، فلا يسبق الإمام إلى النزول إلى السجود أو إلى الركوع إن قنت قبل الركوع، لكنه لا يرفع يديه ولا يؤمن على دعائه، وإنما ينشغل بذكر مشروع في هذا الموضع، كأن يطيل من تمجيد الله - عز وجل - والثناء عليه؛ لأن المقصود من متابعته عدم الخلاف على الإمام بأن يتقدم عليه في ركوع ونحوه. أما أن يخالفه فيما يمكن مخالفته فيه من غير أن يكون ذلك مؤثراً في الصورة الظاهرة، فهذا لا حرج فيه. فالظاهر أنه لا يتابعه وقد فعل أمراً محدثاً، لكنه يبقى منتظراً له قائماً مشتغلاً بما يشرع من غير أن يقع منه الحدث. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والتراويح عشرون ركعة) التراويح: جمع ترويحة، وهي الجلسة اليسيرة للاستراحة وسمي قيام الليل تراويحاً: لأنهم – أي السلف – كانوا يجلسون بعد كل أربع ركعات جلسة يسيرة، وقد حكى صاحب الفروع اتفاق أهل العلم عليها. ويستدل لذلك بحديث عائشة في الصحيحين أنها قالت: (ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً ... …ثم يصلي ثلاثاً) فأتت بلفظة " ثم " التي تفيد التراخي، بينما جمعت بين الأربع في قولها: " يصلي أربعاً " مع أنها قالت: " يسلم من كل ركعتين " كما في رواية مسلم فهذا يدل على ثبوت هذه الجلسة بين الأربع ركعات.
إلا أن الحديث المتقدم ليس فيه اختصاص هذه الجلسة لقيام رمضان فحسب، بل القيام كله، وأنه يستحب الراحة بعد صلاة أربع ركعات مطلقاً في رمضان وفي غيره. وقد تقدم أن صاحب الفروع حكى اتفاق أهل العلم على استحبابها وقال: " وفعله السلف ولا بأس بتركه " وهو كما قال فهي سنة مستحبة من تركها فلا بأس. وهي – أي التراويح – سنة مستحبة باتفاق العلماء وإجماعهم فقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: (صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ذات ليلة فصلى أناس بصلاته، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا في الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم فلما أصبح قال: قد رأيت ما صنعتم، فلم يمنعني من الخروج عليكم إلا أني خشيت أن تفرض) قال الراوي: وذلك في رمضان ". فهذا هو أصل مشروعيتها من السنة النبوية. وبقي الأمر كذلك في عهد أبي بكر الصديق وصدراً من خلافة عمر رضي الله عنهما: ثم سنها عمر فجمع الناس إليها على أبي بن كعب. كما ثبت في البخاري عن عبد الرحمن القارئ قال: (خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون فقال: نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها خير من التي يقومون، كان وكان الناس يقومون أوله) " التي ينامون عنها " من صلاة الليل في آخره فهي أفضل. وكانوا مراعاة لمصلحة عامة الناس يصلون في أوله لا سيما قبل العشر الأواخر، فكان عمر يقول ذلك.
فهي سنة نبوية أولاً، فلما زال ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخشاه من كونها تفرض بوفاته عليه الصلاة والسلام وانتهاء التشريع كان من عمر أن استأنف شرعيتها فجمع الناس إليها وهذا من موافقة أمير المؤمنين للحق كما هو معلوم فيما هو عليه - رضوان الله عليه – وفي الحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) . (عشرون ركعة) فتصلى عشرون ركعة كما هو مذهب جماهير العلماء وهو فعل أهل مكة حكاه عنهم الشافعي وغيره. أما فعل أهل المدينة فكما حكاه الشافعي وغيره أنهم يصلون ستاً وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. فجمهور العلماء وهو مذهب أكثر الفقهاء كما حكى ذلك الترمذي وغيره على القول باستحباب صلاة عشرين ركعة ثم يوتر بواحدة أو بثلاث. واستدلوا: بما رواه البيهقي بإسناده الصحيح وصححه شيخ الإسلام وغيره عن السائب بن يزيد قال: (كان الناس يقومون في عهد عمر في رمضان عشرين ركعة) الأثر إسناده صحيح ورواه مالك في موطئه عن يزيد بن رُومان قال: (كان الناس يقومون في عهد عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة) فذكر فيها الوتر بثلاث، لكن السند هنا منقطع فإن يزيد بن رومان لم يدرك عمر - رضي الله عنه -. فهذا الأثر يدل على أنها كانت تصلى في عهد عمر عشرين ركعة، وهو فعل أهل مكة. وروى مالك في موطئه عن السائب بن يزيد قال: (أمر عمر أُبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة قال: فكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نتكأ على العصي من طول القيام قال: فما كنا ننصرف إلا في طلوع الفجر) . ولعل هذا يحمل – للجمع بينه وبين الرواية المتقدمة – على حدوث ذلك في العشر الأواخر وأنهم لا ينصرفون إلا عند طلوع الفجر، بخلاف صلاتهم قبل ذلك فإنهم يتركون قيام آخره كما في قول عمر: " والتي ينامون عنها خير من التي يقومون ".
والجمع بين الأثرين الصحيحين: أنه لا مانع من ثبوتهما جميعاً لاختلاف الأحوال فإن عصر أمير المؤمنين عمر، ثبت سنين طويلة فلا مانع أن يثبت هذا في بعض السنين ويثبت الآخر في بعضها الآخر أو أن يكون إمامين " أبي وتميم " ويكون ذاك من أئمة أخر. ويحتمل أيضاً: أن هذا بالاختلاف في تطويل القراءة وتخفيفها فإذا طولت القراءة خفف الركعات، وإذا خففت القراءة أكثر الركعات، كما نص على ذلك الشافعي. وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذين الاحتمالين للجمع بين الأثرين، فذكر أنه يحتمل أن يكون على اختلاف الأحوال أو اختلاف القراءة تطويلاً وتخفيفاً. وهذا جمع ظاهر بين الآثار. قال شيخ الإسلام: " فإن فعل ذلك أو صلى إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة فقد أحسن " ونص على ذلك الإمام أحمد. وقال شيخ الإسلام: " من ظن أن قيام الليل مؤقت بعدد لا يزاد فيه ولا ينقص فقد أخطأ " وهذا ما نص عليه الأئمة أحمد والشافعي وغيرهما. فليس هناك في قيام رمضان ولا غيره عدد مؤقت لا يزاد فيه ولا ينقص. نعم المستحب أن يصلي إحدى عشرة ركعة مع تمام ركوعها وسجودها وإطالة القيام فيها. لكن إن خفف ذلك – أي القراءة – فالأحب أن يزيد في السجدات فثبت له فضيلة السجود. فليس للقيام عدد مؤقت، والأدلة على ذلك كثيرة. فمن ذلك الأثر المتقدم عن زمن عمر. ومن ذلك – وهو أولى بالاستدلال – ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة) فأطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: " صلاة الليل مثنى مثنى " وهذه اللفظة تفيد التكرار ولم يوقته بعدد، فلم يقل: " ولا يزيد على إحدى عشرة ركعة " ومعلوم أن فعله لا يقتضي الوجوب. ومن ذلك: ما في مسند أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الصلاة خير موضوع فمن شاء استقل ومن شاء استكثر) .
وعليه الصحابة، فقد روى البخاري بسنده الصحيح عن ابن عمر قال: (أصلى كما رأيت أصحابي يصلون لا أنهى أحداً يصلي بليل ولا نهار ما شاء، غير ألا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها) وهذا – أيضاً – ما تقتضيه الأدلة الشرعية التي فيها النهي عن الصلاة في أوقات النهي، فظاهرها أنه يصلي في غير وقت النهي ما شاء، وهذا ما يدل عليه ما ثبت في مسلم من حديث عمرو بن عبسة وسيأتي ذكره في أوقات النهي. وعليه عمل السلف الصالح فإنهم يصلون بألوان كثيرة وأعداد مختلفة من غير أن يثبت نكير في ذلك والسنة تقرر هذا وتدل عليه. قال: (تفعل في جماعة) هذا هو المستحب في المشهور من المذهب، أن المستحب في قيام رمضان أن يكون في جماعة، ويكون في المسجد، كما دلت عليه الآثار المتقدمة من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلاته في المسجد، ومن حديث عمر في البخاري ففيه أنها تشرع في المسجد. قال صاحب الإنصاف: " وتُصلى في المسجد في كل عصر ومصر " فهذا عمل الأمة في كل أعصارها وأمصارها أنها تصلي في المساجد. وذهب الإمام مالك إلى أن المستحب أن تُصلى في البيت. واستدل بما في مسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمن أتى ليصلي بصلاته وقد صلى بصلاته أناس فأتى قوم من الليلة القابلة ليصلوا بصلاته فقال: (ما زال صنيعكم بكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فصلوا الصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة) أما أهل القول الأول: فدليلهم: فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها وسنية عمر، لكن هذا الدليل دليل على فضيلة ذلك ومشروعيته لا على أفضليته مع المعارض. والدليل الثابت في مسلم يدل على أن الصلاة في البيت أفضل وهو قول بعض الأحناف وقول لبعض الشافعية، بل هو رواية عن الإمام أحمد. فعلى ذلك المستحب له أن يصلي في بيته للحديث المتقدم.
ومحل هذا – أي استحباب صلاته في البيت – حيث كان لا يكسل عن صلاتها في البيت، وحيث لا تتأثر الجماعة في المسجد بعدم حضوره كالإمام، فيشرع له أن يصليها في المسجد وتكون صلاته في المسجد في حقه أفضل من صلاته في البيت أما سوى ذلك وهو من لا يكسل عن الصلاة في البيت بل يقوى عليها ولا تتأثر الجماعة به فإن المستحب أن يصلي في بيته للحديث المتقدم. قال: (مع الوتر) فيصلي التراويح عشرين ركعة في الجماعة مع الوتر، فالوتر يصلى جماعة في المسجد، يدل عليه حديث أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فإنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة) ففيه أنه يصلي معه الوتر أيضاً. وقد أمر عمر أُبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة فهو ظاهر في أنه أمره بالوتر وأن يقوم للناس بذلك. قال: (بعد العشاء) فهي سنة بعد العشاء كالوتر وقد تقدم دليله. وهو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وكل عمل ليس عليه أمره فهو رد فمن صلى قبل العشاء فلا تصح منه ولا تقبل. أما قيام الليل فالمشهور في المذهب أن وقته يبدأ من بعد صلاة المغرب. وقد أجازها بعض متأخري الحنابلة، وأنكر ذلك شيخ الإسلام وقال: " ومن صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعين المخالفين للسنة " فهي مخالفة صريحة للسنة. ويستحب أن يصليها بعد سنة العشاء لترتبط السنة بالفريضة، فإن الأصل في السنة أن تكون مرتبطة بفريضتها. لكنه إن صلى قبلها فلا بأس. فتسن بعد العشاء وسواء صُليت العشاء في وقتها أو قدمت جمعاً مع المغرب. قال: (في رمضان) فالتراويح إنما تُشرع في رمضان. وقد تقدم الحديث المتفق عليه، قوله: (وذلك في رمضان) فإن صلوا في غير رمضان جماعة فلا بأس لكن من غير أن يتخذ ذلك سنة ومن غير أن تكون ظاهرة في المساجد.
ودليل جوازه ما ثبت في الصحيحين من صلاة ابن عباس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك صلاة جابر وجبار - في مسلم – مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قيام الليل في سفر. فهذا يدل على جوازه لكن من غير أن يتخذ سنة ومن غير أن يظهر في المساجد. قال: (ويوتر المتهجد بعده) بعده: أي بعد التهجد. فمن أراد أن يصلي بعد التراويح، فإنه يجعل الوتر بعد تهجده، وعلى ذلك فإذا قام الإمام للوتر انصرف للحديث: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) متفق عليه. قال: (فإن تبع إمامه شفعه بركعة) إذا تابع إمامه فقام فصلى معه الوتر فإنه يشفعه بركعة فإذا سلم الإمام قام يصلي ركعة تشفع له ركعة الإمام، ليصيب الفضيلة المتقدمة في حديث أبي داود: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وإن سلم معه وتهجد بلا وتر فصلى من الليل بعد ذلك مثنى مثنى فلا بأس كما ثبت هذا من فعل أبي بكر وأقره على ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في أبي داود. وقد تقدم ثبوت ركعتين بعد الوتر، فهنا صلى مع الإمام اقتداءً وانصرف معه، وأحب أن يتهجد من آخر الليل فله أن يتهجد ويصلي مثنى مثنى. وليس له نقض وتره، وصفة نقضه: أن يصلي ركعة واحدة تشفع له وتره المتقدم، فهذا غير مشروع لأنه وتر أيضاً وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا وتران في ليلة) رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما والحديث حسن. فلا يشرع في الليل إلا وتر واحد، له أن يشفع ذلك ما دام مع الإمام – كما تقدم – أما بعد ذلك فهو غير مشروع اتفاقاً. قال: (ويكره التنفل بينهما) فيكره أن يتنفل بين ركعات التراويح، وقد حكى الإمام أحمد كراهيته عن ثلاثة من الصحابة فقال رحمه الله: " عن ثلاثة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عبادة وأبي الدرداء وعقبة بن عامر "
ولما فيه من الزيادة عن الإمام والرغبة عن البقاء على ما هو عليه من الصلاة، فلا يشرع له أن يتنفل ما دام في المسجد، أما لو كان هناك زمن طويل بينها، كأن يصلي الإمام بعض الركعات في أول الليل، ثم يصلي بعضها في آخره فهذا فاصل كثير له أن يتنفل به كما صرح بذلك الحنابلة. قال: (لا التعقيب في جماعة) صفة التعقيب: أن يصلي بعد التراويح التي صلاها مع الإمام يصلي جماعة. كأن يشهد رجل التراويح مع المسجد في أول الليل، فصلى في مسجد آخر في آخر الليل، فله أن يصلي مع المسجد آخر. أو أناس صلوا مع الإمام ثم أحبوا أن يجتمعوا فيصلوا جماعة فلا بأس بذلك، نصَّ عليه الإمام أحمد، لأنه لا مانع منه شرعاً، وأصل الاجتماع في ليالي رمضان مشروع فلا بأس به وإن تكرر. واستحب الحنابلة أن يختم القرآن كله في التراويح لا يزيد على ذلك ولا ينقص إلا أن يؤثر المأمومون الزيادة. وقال بعض الحنابلة: بل ينظر إلى المأمومين مطلقاً، فله أن ينقص عن الختمة إذا آثر المأمومون ذلك. والأظهر أنه ينظر فيها إلى السنة لأنها صلاة مستحبة ليس في فعلها إلزام فيطبق بها السنة، وإن شق ذلك على بعض المأمومون. وكونه يختم بختمة أو بختمتين أو ثلاث لم أر دليلاً من السنة يدل على شيء من ذلك إلا ما تقدم من أثر عمر وفيه: (أن الناس يتكئون على العصي في صلاة أبي بن كعب وتميم الداري) . فإن قيل: بالتخفيف في أول رمضان والتطويل في آخره فلا بأس بمثل هذا القول، ولم أر في السنة حداً محدداً. ولو قيل: أنها من جنس قيام الليل إلا أنها يصحبها شيء من التخفيف لاجتماع الناس إليها، فإن هذا قول حسن، لكن لا ينبغي أن يكون هذا راجعاً إلى المأمومين مطلقاً بحيث أنه لو شق على طائفة منهم أن يصلي بختمة مثلاً فإنه يخفف. القول بهذا ضعيف؛ ذلك لأن تلك المشقة إنما هي في الفريضة.
أما في النافلة فإنها ليست إلزامية فمن أحب أن يصلي صلى مع الإمام ومن أحب أن يصلي وحده صلى وحده. إلا أن يقال: إنها تدخل في عموم حديث: (من أمَّ الناس فليخفف، ومن صلى بنفسه فليطول ما شاء) فيكون قدرها ليس كقيام الليل، وإنما فيها شيء من الإطالة وإن كانت ليست كقيام الليل. والمقصود من ذلك: أنه ليس في السنة تحديد لقدر الختمات أو نحو ذلك، وإنما تبقى أن تكون من قيام الليل إلا أنه يصحبها شيء من التخفيف الذي يطيقه المأمومون. لكنها أن تكون تحت رغباتهم، فهذا محل نظر فإنها تذهب بالعبادة، فإن العبادة شرعت – في الأصل قياماً لليل – لا سيما في العشر الأواخر التي يشرع فيها إطالة العبادة والإكثار منها، والله أعلم. ونص الإمام أحمد: أنه يستحب أن يفتتح قيام الليل في أول ليلة بأن يقرأ بسورة: " اقرأ " لكونها أول ما أنزل من القرآن. ولم أر أثراً يدل على ذلك، وقد قال صاحب شرح منتهى الإرادات في شرحه" ولعل عنده أثر ". وهذا الغالب في مثل الإمام أحمد أنه لا يذكر مسألة إلا وعنده أثر منها لكن الأثر لم يذكر. وعن الإمام أحمد، وقال شيخ الإسلام: " وهو أحسن " أي من القول الذي قبله – أنه يقرأ بسورة " اقرأ " في صلاة العشاء الآخرة ثم يشرع في البقرة في التراويح. وهذا لا دليل عليه، فيتوقف عن القول به إلا أن يرد دليل يدل عليه أو أثر عن الصحابة. فعلى ذلك: الأولى – ما دام الأثر لم يثبت لنا – أن يشرع بسورة البقرة. ثم إن ظاهر كلام الإمام أحمد استحباب قراءة سورة " اقرأ " كاملة، مع أن أول ما نزل منها إنما هو صدرها؟ ولقائل أن يقول: إنما شرع إتمامها لا لكونه أول ما نزل ولكن لاتصاله بأول ما نزل في السورة، والمستحب في السور أن تتم. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم السنن الراتبة) أي في الفضيلة، فلفظة " ثم " تفيد الترتيب، فبعد الوتر والتراويح تأتي فضيلة السنن الراتبة.
وقد تقدم تفضيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الليل على الصلاة مطلقاً، وأن أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل والتراويح من صلاة الليل فتكون داخلة في عموم هذا اللفظ فعلى ذلك: الراجح ما تقدم وأن صلاة الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة ومن ذلك الوتر وقيام الليل ومنه التراويح. وكون المؤلف يفرِّق بين التراويح وبين غيره من الصلاة محل نظر، بل التراويح نوع من أنواع صلاة الليل وصلاة الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة. " ثم السنن الراتبة " وهي السنن المؤكدة مع الفرائض. والرواتب ذكرها المؤلف عشراً فقال: : (ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر) هذا المشهور في المذهب وأن الرواتب عشر وهي ما تقدم ذكره. ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر ركعات: ركعتين قبل صلاة الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد صلاة المغرب في بيته، وركعتين بعد صلاة العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح في بيته) وفي رواية (وركعتين بعد الجمعة في بيته) فذكر عشر ركعات ومنها ركعتان قبل الظهر. - وذهب الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أن المستحب أربع قبل الظهر فتكون الرواتب اثنتي عشرة ركعة. واستدلوا: بما ثبت في البخاري عن عائشة قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدع أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداة) وثبت في مسلم من حديث أم حبيبة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته يبنى له بهن بيت في الجنة) وفي رواية: (تطوعاً) . ورواه الترمذي وزاد: (أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الصبح) . ففيه أن السنن الرواتب اثنتا عشرة ركعة.
وهذا القول هو القول الراجح، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وفي حديث عائشة وأم حبيبة زيادة علم على ما في حديث ابن عمر. وجمع ابن القيم بين هذه الأحاديث بجمع آخر: فذكر احتمالين استظهر أولهما: الاحتمال الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين في المسجد وأربعاً في بيته واستظهر هذا. والاحتمال الثاني: أنه كان يصلي تارة ركعتين وتارة أربعاً. والأولى ما تقدم. أما ما ذكره من الاحتمال الأول، فإن فيه نظر، لأن صلاة البيت أفضل من صلاة المسجد، فاللائق أن تكون الصلاة في المسجد مكررة زائدة على صلاة البيت ليجبر ما يكون من النقص في صلاة البيت، فتكون أربعاً في المسجد وركعتين في البيت. وصلاة البيت أفضل، فلو أن هذا يحتمل في هذه الأحاديث لكان أقوى، لكن هذا غير محتمل؛ لأن من حدثتنا وهي عائشة عن صلاة قبل الظهر فإنما حدثتنا عن صلاته في بيته – كما سيأتي التصريح في مسلم -. وأما الاحتمال الثاني: فإنه وإن كان فيه شيء من القوة لكن ما تقدم ذكره أقوى، لأن غاية حديث ابن عمر الإخبار بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين، وليس فيه نفي أن يكون قد صلى أربعاً لا سيما إذا صلى في بيته. أو يحتمل أن يكون ابن عمر قد رآه صلى ركعتين في المسجد وكان قد صلى ركعتين في البيت مرة أو مرتين فحدث بذلك. وقد ثبت في مسند أحمد بإسناد جيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إذا زالت الشمس أربعاً ويقول: (أنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح) فالراجح: أن المستحب له أن يصلي أربعاً قبل الظهر. وقد قال - صلى الله عليه وسلم - – كما عند الخمسة بإسناد صحيح -: (من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه الله على النار) . والراجح أن السنن الراتبة اثنا عشرة ركعة. قال: (وركعتان قبل الفجر وهما آكدها) أي الركعتان قبل الفجر آكد السنن الراتبة.
ودليله: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر) وفي مسلم: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) ومن السنن المتصلة بركعتي الفجر: فمن ذلك: أن المستحب له أن يقرأ بهما: {قل يا أيها الكافرون} و {وقل هو الله أحد} . أو {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ... } الآية من سورة البقرة. و {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ... } الآية من سورة آل عمران. فقد ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في ركعتي الفجر بـ: ( {قل يا أيها الكافرون} و {وقل هو الله أحد} ) . وثبت فيه أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين قبل صلاة الفجر، في الأولى بـ: ( {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ... } الآية من سورة البقرة. و {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ... } الآية من سورة آل عمران) (1) . فالمستحب أن يفعل هذا تارة وهذا تارة. كما أن المستحب له أن يقرأ بالسورتين في الركعتين بعد صلاة المغرب، فقد ثبت في سنن ابن ماجه بإسناد صحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يقرأ في الركعتين بعد صلاة المغرب بـ ( {قل يا أيها الكافرون} و {وقل هو الله أحد} ) ومن ذلك: أن يخففهما، فالسنة في سنة الفجر التخفيف، ففي الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني أقول أقرأ بأم الكتاب) وهذا من باب المبالغة. ومن ذلك: أن يضطجع على شقه الأيمن بعد هذه السنة أو أن يتحدث مع أهل أو غيرهم. أما دليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن)
وفي الصحيحين من حديثها قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى سنة الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع) . وفي أحمد وأبي داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على شقه الأيمن) . والحديث معلول، فإنه من رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش وروايته عن الأعمش فيها مقال كما نص على ذلك الإمام أحمد وغيره. ورواه شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن) فالحديث المعلول فيه الأمر بذلك وبه استدل من ذهب على الوجوب، وأما الحديث الثاني فإنه يصف الفعل ثم لو صححناه قولاً فإن هذا الأمر ليس للوجوب بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ما ذكرته عائشة من قولها: (فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع) فهذه من سنن ركعتي الفجر. ويستحب في هذه الصلوات الراتبة أن يصليها في بيته لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) وفي مسلم عن عائشة – وهو الحديث الذي تقدمت الإشارة إليه – قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في بيته أربعاً قبل الظهر ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم كان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل في بيته فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء ثم يدخل في بيته فيصلي ركعتين) فذكرت أن من سنته صلاة السنن الرواتب في البيت. وآكد ذلك: سنة المغرب حتى روى عن الإمام أحمد القول بعدم الإجزاء إذا صليت في المسجد. والقول المشهور عنه خلاف ذلك وهو الذي تدل عليه الأدلة.
ودليله ما ثبت عند أبي داود والحديث صحيح: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مسجد بني عبد الأشهل فلما قضوا صلاة المغرب قاموا يسبحون بعدها، فقال: هذه صلاة البيوت) فهذه الصلاة لا تشرع أن تصلى إلا في البيوت، لكن مع ذلك إن صليت في المسجد فهي صلاة مجزئة صحيحة. قال: (ومن فاته شيء منها سن له قضاؤه) فمن فاته شيء من النوافل سواء كانت ركعتي الفجر أو غيرها سن له قضاؤه. لعموم قوله النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) و " صلاة " نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم. وثبت ذلك من فعله، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نام في سفره حتى طلعت الشمس صلى ركعتي الفجر ثم صلى الفجر) . وثبت عن أم سلمة في الصحيحين: (أنه شغله وفد عبد القيس عن الركعتين التي بعد صلاة الظهر فصلاهما بعد صلاة العصر) وفي الترمذي بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من لم يصل ركعتي الفجر حتى طلعت الشمس فليصليهما بعدها) فهذه أحاديث تدل على مشروعية القضاء للسنن الرواتب. واعلم أن وقت النافلة هو وقت الفريضة مجزءاً، فما كان من السنن قبلياً فوقته من دخول وقت الصلاة إلى صلاة الفريضة. وما كان بعدياً فوقته من نهاية الصلاة إلى خروج الوقت. فركعتا الفجر القبلية من أذان الفجر إلى صلاة الفجر. وسنة المغرب البعدية وقتها إذا صلى المغرب ما لم يغب الشفق – كما ذكر ذلك الموفق – ولم يذكر فيه خلافاً والنظر يدل عليه. فإذا صلى القبلية في وقت البعدية فهذا من القضاء، ومن ذلك ما ثبت في أبي داود والحديث صحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يصلي بعد الصبح ركعتين فقال له: (صلاة الصبح ركعتان) فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلها فصليتهما الآن فسكت مقراً له.
فإذا فاتته سنة الفجر القبلية فله أن يصليهما بعد الصلاة وله أن يؤخرها حتى تطلع الشمس، والأولى له أن يصليها بعدها لأن السنة في القضاء المسارعة فيه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فليصلها إذا ذكرها) . وما ذكره المؤلف هنا هي السنن الرواتب اليومية. وهنا سنن غير راتبة فهي صلوات مستحبة لكنها لا تتخذ راتبة كالسنن الراتبة المتقدمة. فمن ذلك: أن يصلي ركعتين بعد الظهر زيادة على الركعتين اللتين تقدم ذكرهما، فتكون صلاته أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها. ودليل ذلك الحديث المتقدم عند الخمسة بإسناد صحيح: (من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار) ومن ذلك: أن يصلي قبل صلاة العصر أربعاً، فقد ثبت في المسند وسنن أبي داود والترمذي وحسنه وهو كما قال فالحديث حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً) قالوا: ومن السنة أن يصلي ستاً بعد المغرب، ولعل مرادهم أربع مع الركعتين المتقدمتين فيكون مجموعها ستا. واستدلوا: بحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ضعيف جداً في الترمذي وابن ماجه بإسناد ضعيف جداً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صلى بعد المغرب ستاً لا يتكلم بينهن بسوء عدلن له عبادة ثنتي عشرة سنة) لكن الحديث لا ثبت. واستحبوا: أن يصلي بعد العشاء أربعاً أو ستاً. واستدلوا: بما رواه أبو داود عن عائشة قالت: (ما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء قط فدخل عليَّ إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات) لكن الحديث فيه مقاتل بن بشر البجلي وهو مجهول، فالحديث ضعيف. وذكروا أن الركعتين قبل صلاة المغرب مباحتان أي بعينها مباحة وإن كانت مستحبة بالنظر إلى عموم الصلاة. واستدلوا: - بما يقتضي استحبابهما – وهو الراجح.
ودليل ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مغفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، وقال في الثالثة لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة) في رواية أبي داود: (صلوا قبل المغرب ركعتين) وثبت في ابن حبان أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلى قبل المغرب ركعتين) وفي البخاري ومسلم: (أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يبتدرون السواري فيصلونها) حتى ثبت في مسلم: (فيأتي الغريب فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها) وهذا في الحقيقة ليس خاصاً في صلاة المغرب بل هو عام فيها وفي غيرها من الصلوات، وأنه يستحب أن تقدم بين يديها ركعتان ففي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (بين كل أذانين صلاة) وثبت في ابن حبان بإسناد جيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من صلاة مكتوبة إلا بين يديها ركعتان) فهذا الحديث يدل على أنه يستحب بين الأذان والإقامة في العشاء أن يصلي ركعتين، وأن هذا مستحب بين الأذان والإقامة في الظهر وفي الفجر، لكن تلك قد وردت بها السنة في الصلاة المتقدمة، فعلى ذلك ما لم يرد فيه السنة يستحب أن يصلي ركعتان فيه بين الأذان والإقامة. والصلاة بين أذان المغرب وإقامته آكد لحديث عبد الله بن مغفل ولفعل الصحابة ومواظبتهم عليها، فهذا يدل على أنها آكد لكن مع ذلك بين كل آذانين صلاة. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار) أي قيام الليل المطلق، فيخرج من ذلك التراويح والوتر فقد تقدم الكلام عليها – فهي – أي صلاة الليل المطلقة أفضل من صلاة النهار المطلقة " فيخرج الرواتب فقد تقدم ذكرها ". فصلاة الليل المطلقة، أفضل من صلاة النهار المطلقة.
ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) وهذا الدليل أعم من المسألة، فهو يعمها ويعم المسائل المتقدمة فهو يدل على تفضيل صلاة الليل مطلقاً على صلاة النهار. فقيام الليل أفضل الصلوات مطلقاً سواء كانت راتبة أو كانت استسقاء أو نهارية مطلقة، فصلاة الليل أفضل منها لعموم الحديث المتقدم. فهم استدلوا بهذا الحديث وذكروا هذه المسألة لكن ليس على وجه التعميم المتقدم بل على وجه التخصيص المقيد أي صلاة الليل المطلقة، أفضل من صلاة النهار المطلقة. قال: (وأفضلها ثلث الليل بعد نصفه) فثلث الليل بعد نصفه أفضل وقت لصلاة الليل. لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) فهذه أفضل الصلاة أن يصلي ثلث الليل بعد نصفه وهذا الثلث يأخذ من الثلث الأوسط نصفه الأخير، من الثلث الأخير نصفه الأول. قال: (وصلاة ليل ونهار مثنى) أما صلاة الليل فلحديث ابن عمر المتفق عليه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلاة الليل مثنى مثنى) فيكره أن يصلي أربعاً أو ستاً أو ثمانياً إلا ما تقدم مما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وصلاة النهار كذلك قالوا: لما روى الخمسة بإسناد صحيح عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) وهذا الحديث معلول، فلفظة (والنهار) تفرد بعض الرواة، والمحفوظ (صلاة الليل مثنى مثنى) أما لفظة (النهار) فهي لفظة معلولة، وقد نص على خطئها النسائي والدارقطني وغيرهم من الأئمة. [نيل الأوطار: 3 / 31] وإنما هي ثابتة عن ابن عمر كما عند ابن وهب – كما ذكر ذلك الحافظ في الفتح، فهي من قول ابن عمر.
ولكن مع ذلك فالسنة دلت على ذلك، ومن ذلك ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لما صلى بمكة ضحى ثماني ركعات سلم بين كل ركعتين) فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي النهار مثنى مثنى، فالمستحب فيها أن تكون مثنى مثنى. كما دل هذا الحديث وغيره. قال: (وإن تطوع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس) فإن صلى صلاة النهار أربعاً فلا بأس ولا كراهية أما صلاة الليل تكره كما تقدم. أما النهار فلا بأس بذلك، لما روى أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لها أبواب السماء) والحديث فيه عُبيدة الضبي وهو ضعيف. وروى أحمد والترمذي والحديث إسناده جيد عن علي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين) فهذا الحديث وإن كان إسناده جيد، لكن الاستدلال به محل نظر لأن لفظة التسليم فيها احتمال قوي مخالف. فيحتمل أن المراد سلم التسليم الشرعي بأن قال: (السلام عليكم ورحمة الله) يميناً وشمالاً فإن هذا تسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين. ويحتمل أن يكون هذا لأنه جلس للتشهد بين الأربع فتشهد وقام ولم يسلم وفي الحديث في التشهد: (السلام عليك أيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ورحمه الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباده الله الصالحين) وهذه تشمل الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين. وكلا الاحتمالين قوي، وحملها على الاحتمال الأول هو الأولى لموافقة ما هو معلوم من النبي - صلى الله عليه وسلم - من كونه يصلي من النهار مثنى مثنى فالأظهر الاحتمال الأول.
وإنما ذكر ذلك ليبين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها متوالية لم يفصل بينها إلا بالسلام المشروع الذي هو سلام على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين، ولم يفصل بينها بكلام ولا غيره. ولكن يستدل لها: بما ثبت من فعل ابن عمر كما في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح: (أنه كان يصلي من النهار أربعاً أربعاً) وليس فيه إلا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الدال على استحباب صلاة النهار مثنى، وابن عمر فعله يدل على الجواز وهو راوي حديث (صلاة الليل مثنى مثنى) بخلاف صلاة الليل فقد نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن المشروع فيها أن تصلى مثنى مثنى. بل لو قيل: أن صلاة الليل لا تصح إلا مثنى مثنى لكان قوياً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر بهذا الحديث أن صلاة الليل إنما تشرع مثنى مثنى وخلاف المشروع مردود لا يصح. فعلى ذلك: صلاة الليل لا تشرع إلا مثنى مثنى. أما صلاة النهار فالمستحب فيها أن تصلي مثنى مثنى فإن صلاها أربعاً فلا بأس لفعل ابن عمر. قالوا: ولا كراهية أيضاً. قال: (وأجر صلاة قاعد على نصف أجر صلاة قائم) فصلاة القاعد غير المعذور على نصف أجر صلاة القائم، لما ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم ومن صلى نائماً - قال البخاري: " أي مضجعاً " - فله نصف أجر القاعد) فالمراد من كان بغير عذر. أما إن كان معذوراً فقد قال - صلى الله عليه وسلم - كما في البخاري: (إن العبد إذا مرض أو سافر ثبت له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً) فالمعذور يكتب له أجر غيره لا ينقص له من أجره شيئاً. وقد أجمع العلماء على صحة صلاة التطوع قاعداً مطلقاً، سواء كانت وتراً أو سنة فجر أو غير ذلك من الصلوات التطوعية لكن للمصلي أجر لا يساوي أجر القائم بل هو على النصف منه.
* وهل تصح صلاة المضطجع تطوعاً أم لا؟ قولان لأهل العلم: المشهور في المذهب، وهو مذهب جماهير العلماء: أن ذلك لا يجوز، حتى قال شيخ الإسلام - فيمن قال: إن صلاة المضطجع صحيحة في التنفل -: " وهو قول شاذ لا يعرف له أصل في السلف ". وهو رواية عن الإمام أحمد وذهب إليه طائفة من أصحابه وأصحاب الشافعي وأصحاب مالك،قالوا: يصح للحديث المتقدم ففيه: (من صلى نائماً فله نصف أجر القاعد) فهذا حديث ثابت، وبثبوت أصل الثواب يدل على الصحة، ولا يحمل هذا على المعذور؛ لأن المعذور له الأجر كاملاً فوجب حمله على غير المعذور. وأما ما ذكره شيخ الإسلام: أن هذا ليس له أصل في السلف، فهذا فيه نظر، فهذا القول قد ذهب إليه الحسن البصري كما رواه عنه الترمذي وغيره، وذهب إليه الإمام أحمد في رواية محكية عنه، وهو مذهب بعض أصحابه. والسنة تدل عليه لكن الأجر كما تقدم على النصف من صلاة القاعد. فالحديث ظاهر في ذلك. هنا مسألتان في صلاة التطوع: المسألة الأولى: جواز صلاة التطوع جماعة: فيجوز - في المشهور في المذهب – أن تصلى صلاة التطوع سواء كانت نهارية أو ليلية أن تصلى جماعة. ومما يدل عليه ما في الصحيحين عن أنس مالك من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت أم سليم قال: (فصليت أنا واليتيم خلفه وأم سليم خلفنا) . وثبت نحو هذا من حديث عتبان بن مالك في البخاري عندما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يزوره فيصلي في بيته فيتخذه مسجداً، فكان من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذهب إليه فصلى في بيته وصلى خلفه أصحابه. وتقدم حديث ابن عباس المتفق عليه، وحديث جابر وجبار الذي رواه مسلم في صلاتهما مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الليل. فهذه الأحاديث تدل على صحة وجواز صلاة التطوع جماعة. وقيَّد ذلك بعض أصحاب الإمام أحمد بقيد صحيح معتبر وهو: ألا تتخذ سنة فتضاهي ما شرعت لها الجماعة.
فإن الشارع قد شرع لبعض الصلوات الجماعة كالتراويح في رمضان وصلاة الاستسقاء وصلاة الكسوف على القول بسنيتها - ونحو ذلك – فكوننا نتخذ هذه الصلاة تطوعاً جماعة - نتخذها - سنة، يضاهي ذلك ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من مشروعية تلك جماعة، ولما كان مضاهياً للمشروع لم يشرع. المسألة الثانية: هل الأفضل الإكثار من الركوع والسجود أم الأفضل أن يطيل القيام؟ 1- المشهور في المذهب: أن المستحب له أن يكثر من الركوع والسجود وأن ذلك أفضل من إطالة القيام. واستدلوا: بما ثبت في مسلم من حديث ربيعة الأسلمي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (سل) فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال (أو غير ذلك؟) قال: هو ذاك قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) . وفي مسلم من حديث ثوبان أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أحب العمل إلى الله وما يدخل العبد الجنة؟ فقال: (عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعت بها درجة وحط عنك بها خطيئة) . 2- وعن الإمام أحمد، وهو اختيار بعض أصحابه كالمجد ابن تيمية. قالوا: الأفضل هو طول القيام. لما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أفضل الصلاة طول القنوت) أي طول القيام. ونحن إذا نظرنا من غير ما ذكروه من الأدلة: فإنك ترى أن لكل منهما فضيلة، فالركوع والسجود لا شك أنه أفضل من ذات القيام، فإن في الركوع والسجود من التذلل لله والانكسار بين يديه ما ليس في القيام. وإذا نظرت إلى ما في القيام من القراءة التي هي كلام الله تعالى، وجدت أنه أفضل مما في الركوع والسجود من ذكر الله تعالى، فإنه ليس فيه إلا الذكر حتى ثبتت الأدلة في النهي عن قراءة القرآن فيه، ولا شك بفضيلة القرآن على ذكر الله.
فلكل منهما فضيلة، ونصت السنة على فضيلة طول القنوت - فيما ذكره أهل القول الثاني – وهو الراجح؛ لتصريح النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتفضيل. والقيام وإن كان مفضولاً بالنسبة إلى الركوع والسجود فهو فاضل لما فيه من قراءة القرآن. والأحاديث التي ذكرها أهل القول الأول تدل على ففضيلة الإكثار من الركوع والسجود لكن ذلك لا يدل على الأفضلية، بخلاف دليل أهل القول الثاني فهو يدل على الأفضلية. وهذا ما تشير إليه الآيات القرآنية لقوله تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً} فسمى الله الصلاة قرآناً والمراد من ذلك صلاة الفجر في الآية – كما ثبت في الصحيحين. ولا شك أن الجمع بين الإكثار من الركوع والسجود مع طول القنوت أفضل لكن المسألة هنا في التفضيل بينها في التعارض. وعليه: فإذا صلى في التراويح إحدى عشرة ركعة فأطال قيامها وأطال القراءة فيها. فهو أفضل ممن صلى عشرين أو أكثر من ذلك وخفف قراءتها. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتسن صلاة الضحى) لما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: (أوصاني خليلي بثلاث، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد) ورواه مسلم من حديث أبي ذر نحوه، ورواه أحمد والنسائي من حديث أبي الدرداء ونحوه. فهذان الحديثان وغيرهما يدلان على استحباب صلاة الضحى وهل يستحب ذلك على هيئة الدوام أم المستحب عدم المداومة بل يفعلها أحياناً؟ قولان لأهل العلم هما قولان في المذهب: القول الأول، وهو المشهور: أنه لا يستحب أن يداوم عليها.
القول الثاني، وهو اختيار طائفة من الحنابلة كالمجد ابن تيمية والقاضي وغيرهما قالوا: باستحباب المداومة عليهما. استدل من لا يرى استحباب المداومة: بما ثبت من الأحاديث التي تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يحافظ عليها. ممن ذلك ما ثبت في الصحيحين: أن ابن عمر سئل: (أتصلي الضحى؟ قال: لا، فقيل:فعمر؟ قال: لا، فقيل: أبو بكر؟ قال: لا، قيل: فرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: لا إخاله) أي لا أظنه. ومن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسبح سبحة الضحى وإني لأسبحها) . وثبت في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (ما حدثني أحد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الضحى إلا أم هانئ) – الحديث وسيأتي تمامه –. قالوا: فهذه الأحاديث تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ظاهراً يحافظ عليها، بل ظاهر هذه الأحاديث أنه لم يكن يصليها. أما القائلون باستحباب المداومة فاستدلوا: بالأحاديث التي تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها، فمن ذلك: ما ثبت في مسلم – عن عائشة: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله) . والجمع بينه وبين حديثها المتقدم: أن الحديث الأول فيه نفي الرؤية، أما هذا الحديث فهو رواية، فهي تروي عن غيرها ممن حدثها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الضحى، ولم تنسب ذلك إلى رؤيتها، وإنما نسبت إلى رؤيتها نفي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهو فعلها فقد ثبت في الموطأ بإسناد صحيح أن عائشة: (كانت تصلي الضحى ثماني ركعات وتقول: لو نُشر أبواي ما تركتهما) فهذا فيه تمام محافظتها ومداومتها على صلاة الضحى.
ومما يدل عليه أيضاً: ما ثبت في الحاكم بإسناد حسن من حديث علي ومن حديث جبير بن مطعم والحديثان إسنادها حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يصلي الضحى) . ومن حديث جابر في المستدرك بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يصلي الضحى ست ركعات) . وهذا الأحاديث وإن دلت على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى فإنها لا تدل على المحافظة، كيف وقد نفى ذلك من هو أعلم الناس به عليه الصلاة والسلام وهي عائشة، وقد نفاه من هو من أتبع الناس لسنته وهو ابن عمر فقد ظن ظناً غالباً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصليها، فهو نفي منه للرؤية والسماع. لكن هذه الأحاديث وإن دلت على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يحافظ عليها فإنها لا تدل على أن أصل المحافظة غير مستحب، فقد ثبت عن عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسبح سبحة الضحى وإني لأسبحها وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) . فهنا عائشة كأنها تستدل على استحباب المحافظة والمداومة على صلاة الضحى بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - – وإن لم يكن يحافظ عليها فإنه - كان يدع العمل خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم. والأحاديث القولية المتقدمة تدل على استحباب ذلك مطلقاً. فالأظهر استحباب المداومة عليها. وأما كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحافظ فعلاً، فإنه قد حث عليها قولاً في الأحاديث المتقدمة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.
ومما ثبت في فضل ركعتي الضحى إن سبقتا بذكر بعد صلاة الفجر – ثبت في ذلك ثواب عظيم – فقد روى الترمذي وغيره والحديث حسن بشواهده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) والحديث حسن لشواهده. قال: (وأقلها ركعتان) للحديث المتقدم: (ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) وقول أبي هريرة: (وركعتي الضحى) . * وهنا مسألة في التطوع عامة وهي: هل يجزئ في التطوع – سوى الوتر – أن يصليه ركعة أم لا يجزئه ذلك؟ قولان لأهل العلم: فالمشهور عند الحنابلة: الإجزاء. القول الثاني وهو اختيار الموفق: أنه لا يجزئ ذلك. وهو أصح القولين؛ لقول - صلى الله عليه وسلم -: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وليس من هديه صلاة التطوع واحدة وهديه - صلى الله عليه وسلم - – حاكم على العبادات وكل عمل ليس على هديه فهو مردود. قال: (وأكثرها ثمان) . لما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (ما حدثني أحد أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى إلا أم هانئ، فإنها حدثت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثماني ركعات قالت: لم يصل صلاة قط أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود) ، وقد صلاها في بيتها ضحى. قالوا: هذا يدل على أن صلاة الضحى أكثرها ثماني ركعات هذا هو المشهور في المذهب. - وعنه – رحمه الله – وهو اختيار طائفة من أصحابه: أن أكثرها اثنتا عشرة ركعة. واستدلوا: بما رواه الترمذي وضعفه – لجهالة فيه – من حديث أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صلى الضحى اثنى عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة) والحديث إسناده ضعيف عند الترمذي لكن له شاهدان: 1- الشاهد الأول: عند البزار من حديث أبي الدرداء.
2 - والثاني: عند الطبراني في الكبير من حديث أبي ذر. قال الحافظ ابن حجر: " فإذا صح عليه حديث أبي الدرداء وحديث أبي ذر قوي وصلح للاحتجاج ". وهو كما قال فالحديث حسن بشواهده ويشهد له حديث أم حبيبة المتقدم فيمن صلى اثتني عشرة ركعة تطوعاً، وإن كانت السنن الرواتب هناك، فإن هنا كذلك فإن العمل مستوٍ، وهذا يقتضي في الغالب استواء الأخر لاسيما وقد ورد الحديث هنا مع تعدد شواهده. فالأظهر حسن الحديث، وعليه فالمستحب له – كما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه وهو اختيار طائفة من أصحابه أن يصلي اثنتي عشرة ركعة، وذلك أكثر صلاة الضحى. وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - – كما في مسلم - يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله. فلو زاد على اثنتي عشرة ركعة فلا بأس كما تقدم من قول ابن عمر: (ولا أنهى أحداً يصلي بليل ولا نهار ما شاء) . وتقدم حديث جابر في أن النبي صلىالله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات. إذن: القدر المجزئ من صلاة الضحى ركعتان، فإن زاد على ذلك فهو حسن، وأكثر ذلك اثنتا عشرة ركعة فإن زاد على ذلك فلا بأس وهو مأجور على زيادته. قال: [ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال] وعبَّر بعضهم:" إلى الزوال ". وإنما عبّر بـ" قبيل الزوال " ليبين أن الزوال ليس من وقتها. والتعبير بقوله: (إلى الزوال) أولى؛ لأن الأصل فيما ورد في السنة من تحديد الوقت الثاني ألا يكون داخلاً في الوقت الأول كما تقدم في حديث المواقيت. فهنا إذا قال: (إلى الزوال) فمعنى ذلك أنه ينتهي إلى الزوال وليس فيه أن الزوال داخل فيه كما نبَّه على ذلك صاحب الإنصاف. وأما قوله: (إلى قبيل الزوال) فهذا للإيضاح، لكن ينبغي ألا يتوهم أن ذلك إلى وقت غير محدد؛ لأنه قد يفهم من ذلك أنه ينتهي بوقت قبيله أي بقليل وحينئذ يقع الإشكال في تحديد هذا الوقت الذي تحدد إليه الصلاة.
فالمراد من قوله: (قبيل الزوال) وقتها الداخل في الصحة، أي الوقت الذي هو وقت أداء لها فليس هو وقت تحريم أو نهاية وإنما وقت النهاية هو الزوال. وما ذكره المؤلف يدل عليه المعنى، فإنها صلاة ضحى وتشرع في الضحى، والضحى من خروج وقت النهي وهو – ارتفاع الشمس قيد رمح – إلى الزوال.فإذا صلى الضحى في أي وقت فيه أجزأت عنه. إلا أن المستحب أن يؤخرها إلى [أن] يشتد الحر، لما ثبت في مسلم من حديث زيد بن أرقم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) . والفصال: جمع فصل وهي ولد الناقة، فإذا اشتد الحر قامت من مواضعها لشدة الحر. * ومن الصلوات المستحبة – ولم يذكرها المؤلف هنا –: صلاة التوبة: وهو أن العبد إذا أذنب ذنباً استحب له أن يتوضأ فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله عن ذنبه. لما روى الأربعة بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ثم قرأ: {والذين فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} ) فهذه صلاة التوبة وهي صلاة مستحبة. ومن الصلوات المستحبة: صلاة الحاجة: وهي إذا ما احتاج إلى أمر من أمور دينه أو دنياه صلى ركعتين ودعا الله تعالى.
ويدل عليه ما ثبت في المسند وسنن أبي داود والترمذي والنسائي: أنه أعمى قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنه قد شق علي ذهاب بصري، فادع الله لي، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتوضأ ثم يصلي ركعتين ثم يقول: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة يا محمد أتوجه إلى الله بك اللهم شفِّعه فيَّ وشفعني في نفسي) [اقتضاء الصراط المستقيم: 2 / 784] وفي رواية لأحمد: (وشفعني فيه) وهذه اللفظة تدل على أن المراد من ذلك الدعاء، أي كما أني توجهت إليك بدعائه فكذلك شفعني في دعائه فهو وسيلتي إليك في الدعاء وأنا وسيلته إليك. وهذا اللفظ وإن كان الظاهر أنه إنما يكون في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن فيه أصل الصلاة ثم يدعو بما شاء. أما ما رواه الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا كان لأحدكم إلى الله حاجة – أو إلى أحد من بني آدم حاجة فليقل: (لا إله إلا الله إلى قوله: والفوز بالجنة والنجاة من النار) وهو دعاء طويل فالحديث إسناده ضعيف جداً لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن فيه راو متروك. ومن الصلوات المستحبة: سنة القدوم من السفر: فيستحب لمن قدم من السفر أن يصلي ركعتين في المسجد، لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين) . ومن الصلوات المستحبة: ركعتا سنة القتل. فقد ثبت في الصحيحين: (أن خبيب بن عدي لما أتى به ليقتل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكفار وقد أسر في أيديهم قال: دعوني أصلي ركعتين، فصلى ركعتين، قال الراوي: فكان أول من سن الركعتين عند القتل) فيستحب ذلك لمن حكم عليه بقتل يكون فيه شهادة. *ومن ذلك صلاة الوضوء:
فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دفَّ نعليك بين يدي في الجنة فقال: ما عملت عملاً هو أرجى عندي إلا أني ما تطهرت طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) . ومن ذلك صلاة الاستخارة: لما ثبت في البخاري عن جابر قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من دون الفريضة) . فلا يجزئ أن تكون الركعتان اللتان يصليها فريضة. وظاهره أنه يجزئ وإن كانت نفلاً مقيداً إلا أن الأولى أن يفردها بركعتين لها. وقد يقال – وهذا محل بحث – أن قوله: (فليركع ركعتين) إنشاء ركعتين لهذه الصلاة، بخلاف سنة الضحى أو الفجر فإنهما أصليتان سابقتان. (ثم ليقل) ظاهره أن القول يكون بعد الصلاة. واختار شيخ الإسلام أنه يدعو قبل أن ينصرف، لما دلت عليه السنة من ذلك من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل انصرافه وهو الأليق فإن العبد في حال مناجاة لله تعالى. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) وعلى ذلك يكون قوله: (ثم ليقل) أي قبيل السلام، ومعلوم أن الصلاة قبيل سلامها في حكم المنتهية، مما بقى إلا السلام منها، وهذا لا شك أنه تأويل لكن يرجحه المعنى من أن الأليق للعبد أن يدعو الله في حال مناجاته لله ولحديث: (ثم ليدع بما بدا له) .
فإن دعا بعد السلام فلا بأس: (اللهم أني أستخيرك بعملك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر " وفي أبي داود " ويسميه بعينه " خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أوقال: عاجله وآجله فاقدره لي ويسره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر – ويسميه بعينه – شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به قال: وسمى حاجته) والواو لا تفيد الترتيب، ورواية أبي داود في كل موضع قال: (ثم يسمي حاجته بعينها) فهذه صلاة الاستخارة. وظاهر الأحاديث أنها مستحبة في كل أمر ديني أو دنيوي. أما الدنيوي فلا إشكال فيه. أما الديني فقد يقال: كيف يستخار الله في أمر قد أمر به، فإن الله لا يأمر إلا بما هو خير ولا ينهى إلا عما تركه خير؟ فالجواب: أن الأمر الذي يأمر به الشارع أو ينهى عنه وإن كان فيه خير مطلقاً وليس محلاً للاستخارة لكن قد يعتريه ما يجعل العبد يتردد به، كأن يتردد بين عملين صالحين كعلم وجهاد، وبين أن حج هذه السنة أو يتنفل بعمل آخر فهذه أمور تحتاج إلى استخارة، فإذا ثبت مثل هذا شرع له أن يستخير لعموم قول الراوي: (في الأمور كلها) . مسألة: في صلاة التسابيح: روى صلاة التسابيح الترمذي وغيره في حديث ابن عباس وفيه أن صفتها أن يصلي أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة ثم يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) خمس عشرة مرة، ثم يركع فيقولها عشراً ثم يقول سمع الله لمن حمده فيقولها عشراً، ثم كذلك في السجدتين وبين السجدتين عشراً، ويفعل ذلك في الأربع ركعات كلها – يفعل ذلك في كل يوم أو في كل جمعة أو في كل شهر أو في العمر مرة) كما وردت الرواية.
والحديث من حيث سنده مقبول، فالحديث حسن أو صحيح لكن النكارة في متنه، إذ مثل هذه الصلاة ليست كهيئة غيرها من الصلوات. ولذا اختلف أهل العلم في تصحيحها، فصححتها طوائف كثيرة من المتأخرين كالعلائي وابن الصلاح وقبلهم الخطيب وابن مندة والآجري. وضعفها الإمام أحمد والعقيلي وابن تيمية والنووي وغيرهم لنكارتها، فأنكرها الإمام أحمد ولم يستحبها. وصلاة التسابيح لم يستحبها إمام مطلقاً من الأئمة الأربعة وغيرهم، ولم يستحبها إلا ابن المبارك لكن على غير الصفة الواردة في الخبر. وهي صلاة محلها محل التوقف والتردد فالحديث فيه من ضعفه من الأئمة الكبار كالإمام أحمد ولم يستحبها إمام وهي صلاة تخالف الصلاة المشروعة مطلقاً فليست على هيئة غيرها من الصلوات ولذا فإن الأولى هو التوقف في فعلها حتى يثبت له ذلك بحديث ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. حتى القائلون من أهل العلم كالنووي وغيره من العمل بالحديث الضعيف لم يقولوا بالعمل هنا لأن هذه الصفة لا شاهد لها من السنة، فالتوقف عن فعلها أولى. أما الإمام أحمد فقد نص على أن الحديث فيها منكر أو أنها غير مشروعة. وأما ابن تيمية فقد حكم على الحديث بأنه كذب ووضع وأدخله ابن الجوزي في الموضوعات وأنكر ذلك عليه الحافظ. والحديث كما تقدم: أما في متنه فهو إلى الوضع أقرب وأما في سنده فالسند فيه حسن أو صحيح. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وسجود التلاوة صلاة) . سجود التلاوة هي: السجدة المشروعة عند تلاوة آيات فيها ذكر السجود. وسجود التلاوة صلاة فهو صلاة فيفرض فيه ما يفرض في الصلاة فيشترط فيه ستر العورة واستقبال القبلة والطهارة وغيرها من الشروط لأنها صلاة. وهذا هو مذهب جمهور العلماء. واستدلوا: بأنها صلاة ذات تحريم وتحليل وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) .
قالوا: ويشرع في سجود التلاوة التكبير والتسليم فهي صلاة، لأن كل ما شرع فيه تحريم وتحليل فهو صلاة، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، وهو مذهب جمهور العلماء. 2- وذهب طائفة من السلف وهو اختيار ابن جرير الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أن سجود التلاوة ليس بصلاة وعليه فلا يشترط فيه ما يشترط في الصلاة من استقبال القبلة أو طهارة أو غير ذلك، فلو سجد محدثاً أو غير مستقبل القبلة فإن سجوده صحيح وإن كان يسن له ذلك. واستدل: بأن الشارع إنما سماها سجدة فأثبت لها مطلق السجود ولم يثبت دليل شرعي يدل على أنها صلاة. وأما ما ذكروه من ثبوت التحريم والتحليل فيها فليس بصحيح. وسيأتي تقرير الأدلة على ذلك وأنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سجدة التلاوة تكبير ولا تشهد ولا تسليم. فعلى ذلك هي مطلق سجود وليست بصلاة فلا يجب فيها ما يجب في الصلاة إلا ما دل الدليل عليه وهذا القول هو الراجح. وقد ثبت في البخاري في صحيحه تعليقاً صحيحاً وصله ابن أبي شيبة: (أن ابن عمر سجد على غير وضوء) . فالراجح: أن سجدة التلاوة ومثلها سجدة الشكر ليستا بصلاة خلافاً للحنابلة ومن وافقهم في أنهما صلاة. قال: (يسن للقارئ والمستمع دون السامع) " يسن " أي السجود فهو سنة وليس بواجب – وهو مذهب الجمهور، ودليل سنيته ما ثبت في الصحيحين عن زيد بن ثابت: (أنه قرأ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنجم فلم يسجد عليه الصلاة والسلام) فترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لسجودها يدل على عدم وجوبه إذ لو كان واجباً لسجدها. ويدل عليه ما ثبت في البخاري عن عمر بن الخطاب: (أنه كان يقول على المنبر في المدينة: (يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه) وفي الموطأ: (إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء) . وذهب بعض العلماء إلى أن السجود واجب.
واستدلوا: بألفاظ الآيات التي هي السجدات فإن من هذه الآيات ما فيه أمر صريح كقوله تعالى: {فاسجدوا لله وعبدوا} . {فاسجد واقترب} أو فيه تأنيب لعدم السجود كقوله تعالى: {ألا يسجدوا لله} وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا الباب. والجواب عن هذا أن يقال: إن هذه الآيات قد دلت على وجوب السجود مطلقاً وأنه يجب على المسلم أن يسجد لله عز وجل وأن يخضع له سبحانه بالسجود المطلق، وليس المراد هذه السجدة فإنها يسجدها من يقيم الصلاة ويسجد لله عز وجل السجدات الكثيرة، فالمراد مطلق السجود ومع ذلك فقد شرع استحباباً أن يسجد عندها. ونظير هذا ما يذهب إليه كثير من العلماء من وجوب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرون استحباب الصلاة عليه عند ذكره عليه الصلاة والسلام. فالأمر في السجود ليس موجهاً إلى سجدة التلاوة المشروعية عند سماع هذه الآيات بل وموجه إلى مطلق السجود له سبحانه وإنما شرع للمسلم أن يسجد عند سماع هذه الآيات لبيان أنه خاضع لله وسامع لأمره بدليل ما تقدم من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وكونه لم يسجد عندما قرئت عليه سورة النجم مع أن لفظها صريح في الوجوب في قوله: {فاسجدوا لله واعبدوا} وكذلك قول عمر على المنبر وكان يقوله بمحضر المهاجرين والأنصار في المدينة، فلم يثبت منكر لقوله منهم. فالراجح أن سجدة التلاوة سنة مستحبة. (للقارئ والمستمع) فيسن للقارئ والمستمع السجود لما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته) [فتح الباري لابن حجر: 2 / 647، 652] .
(دون السامع) فلا يسن له السجود لما ثبت في البخاري ووصله عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صحيح: (أن عثمان قال: " إنما السجود على من استمع " والمستمع هنا هو من قصد الاستماع وأقبل إلى الآيات التي يقرؤها القارئ وقصد ذلك بالسماع. أما المار والذي تقع في أذنه الآية والآيتان وفيها سجدة فلا يشرع له السجود. قال: (وإن لم يسجد القارئ لم يسجد) فإذا لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع فلا يشرع له ذلك وظاهره مطلقاً سواء كانت السجدة في صلاة أو في غير الصلاة. فإذا قرأ الإمام آية فيها سجدة فلا يشرع للمأموم أن يسجد إن لم يسجد إمامه. أو كان خارج الصلاة فقرأ القارئ سجدة فلم يسجد فلا يشرع للمستمع السجود. وهذا الإطلاق محل نظر. وقد ذهب بعض الحنابلة فهو قول في مذهب أحمد، وفاقاً للشافعية: إلى أنه يسجد خارج الصلاة وإن لم يسجد القارئ بخلاف الصلاة فلا يشرع له ذلك لأن الصلاة ينهى المأموم فيها عن أن يسجد سجدتي السهو خلف إمامه فأولى من ذلك السجود المستحب لمتابعة الإمام، لحديث: (ولا تسجدوا حتى يسجد) . أما خارج الصلاة فإذا لم يسجد القارئ فالأظهر أن المستمع يسجد؛ لأن السجود مشروع فكون القارئ أو الإمام لا يسجدها ليس هناك دليل يدل على منع المستمع من السجود، وإن كان قد يقال بأنه لا يتأكد له كتأكده عند سجود القارئ، لكن مع ذلك ليس هناك دليل يمنع، والأدلة عامة فيما لو سجد الإمام أو القارئ أو لم يسجد فهذا هو الراجح وهو قول في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية.
وقد روى البخاري في صحيحه معلقاً ووصله سعيد بن منصور أن ابن مسعود وقد قرأ عليه تميم بن حذْلَم – وهو غلام - فقال له: (اسجد فأنت أمامنا فيها) [الفتح لابن حجر: 2 / 647] فهذا يدل على أنه إمام لهم سابق لهم بالسجود فيسبقهم في السجود استحباباً، وهذا هو الأليق فإن هم مستمعون وهو قارئ فالأليق أن يكون شروعه في السجود قبل شروعهم لكن هذا الأثر لا يدل على أنه إن لم يسجد فإنهم لا يسجدون، والأدلة مبقية لهذا الحكم ولا دليل صارف عنه. واعلم أن المشهور عند الحنابلة – كما تقدم – أنه إن لم يسجد القارئ فإن المستمع أو المأموم لا يسجد ومثل ذلك لو كان القارئ لا تصح إمامته، فالقاعدة عندهم أن القارئ هنا في حكم الإمام فلا يجوز أن يقتدي به في السجود إن كانت لا تصح إمامته فلو كان القارئ امرأة أو صبياً فلا يصح السجود معهما – - على قول في المذهب –. والمشهور في المذهب إن إمامة الصبي تصح في النافلة. ولا يصح أن يتقدم عليه ولا أن يكون المصلي عن يساره يعني أنه في حكم الإمام مطلقاً. وهذا في الحقيقة قول لا دليل عليه والسنة واردة في باب سجود التلاوة، ومثل هذا مما تتوافر الدواعي لنقله فلما لم ينقل دل على عدم مشروعيته وهذا بناء على أنه صلاة وأن القارئ فيه إمام وهذا لا دليل عليه. قال: (وهو أربع عشرة سجدة في الحج منها اثنتان) فسجدات التلاوة - في المشهور من المذهب – أربع عشرة سجدة في الحج منها اثنتان، وفي المفصل منها ثلاث وهي في سورة الانشقاق، وسورة اقرأ وسورة النجم فهذه خمس سجدات، وتسع سجدات في بقية القرآن من سوى المفصل وسورة الحج، وهي سجدات معروفة مشار إليها في المصحف العثماني. ودليل ذلك: ما روى أبو داود من حديث عمرو بن العاص قال: (أقرأني النبي - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة سجدة ثلاث منها في المفصل وسجدتان في الحج) .فهنا ذكر خمس عشرة سجدة وهذا بإضافة سجدة سورة (ص) .
هذا الحديث إسناده ضعيف لجهالة في بعض رواته لكن هذا الحديث له شواهد، فقد روى ابن ماجه في سننه من حديث أبي الدرداء قال: (سجدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء) فهذا يشهد لبعض حديث عمرو بن العاص. أما الشاهد لسجدات المفصل فهي شواهد صحيحه ثابتة فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: (سجدنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك الذي خلق) .وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قرأ بالنجم في مكة فسجد وسجد الناس معه) . وأما شاهد السجدتين في الحج، فما رواه أبو داود في مراسيله من حديث خالد بن معدان وهو تابعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فضلت سورة الحج بسجدتين) والحديث مرسل لكنه يصح شاهداً. وله شاهد من حديث عقبة في الترمذي وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فضلت سورة الحج بسجدتين فمن لم يسجدهما فلا يقرأها) . وله شاهد موقوف من قول ابن عمر في الموطأ قال: (فضلت سورة الحج بسجدتين) وهو ثابت من فعله في موطأ مالك أنه سجد في الحج سجدتين. وهو في مصنف ابن أبي شيبة من فعل علي بن أبي طالب وابن عباس. أما سجدة (ص) فحديث عمرو بن العاص وشاهده يدل على مشروعيتها. ويدل على مشروعيتها ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: " (ص) ليست من عزائم السجود ولقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسجدها) . وروى أبو داود في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قرأ يوماً [وهو] على المنبر (ص) [فلما بلغ السجدة] نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يومٌ آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزَّن الناس -أى تهيؤوا - للسجود، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشزَّنتم) فنزل فسجد وسجدوا) وإسناده صحيح.
وفي البخاري أن مجاهداً سأل ابن عباس عن سجدة سورة (ص) فقرأ: {ومن ذريته داود} إلى قوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} قال ابن عباس: (فكان داود ممن أمر نبيكم - صلى الله عليه وسلم - أن يقتدي به فسجدها داود فسجدها النبي - صلى الله عليه وسلم -) [الفتح: 8 / 405] . وفي أبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (سجدها داود توبة ونسجدها شكراً) . * وقد اختلف أهل العلم فيها على قولين: الأول، وهو المشهور عند الحنابلة والشافعية: أنه لا يشرع السجود فيها في الصلاة، أما خارج الصلاة فسجودها من باب سجود الشكر، أما سجودها في الصلاة فلا يشرع وتبطل الصلاة به عمداً، فإن كان غير متعمد ناسياً أو جاهلاً فإن الصلاة تصح به وتكون من باب السهو فيسجد. فإن فعلها الإمام لم يجز للمأموم أن يتابعه – إن كان يرى أنها ليست سجدة – بل إما ينتظره أو يفارقه. والأولى كما تقدم في مسألة نظيرة لهذه أن ينتظر حتى يأتي. 2- الثاني، وهو مذهب المالكية والأحناف وهو قول في مذهب أحمد: أن السجود لسورة (ص) مشروع في الصلاة وخارجها وإن كانت ليست من عزائم السجود. وبالنظر إلى الأدلة المتقدمة يظهر التجاذب بين هذين القولين، فقد قال ابن عباس: (هي ليست من عزائم السجود) أي ليست مما يتأكد سجوده، ولم ينف السجود فيها، وقوله: (من عزائم السجود) مطلقاً في الصلاة وخارجها ونفى أن تكون عزيمة ولم ينف أصل السجود فيها. وأثره المتقدم من الاقتداء بالأنبياء في الاستدلال بالآية يدل على مشروعيته في الصلاة لأن الاقتداء بهم مشروع في الصلاة وفي غيرها، فالقول بأن المصلي لا يشرع له أن يسجدها مبناه: أنها سجدة شكر كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ونسجدها شكر) ، والشكر بالاتفاق لا يشرع السجود له في الصلاة.
ومبنى من قال بمشروعيتها في الصلاة: أن سببها التلاوة فإنها سجدة مشروعة عند التلاوة لا مطلقاً كما في سجدة الشكر، بل عند التلاوة فهي مرتبطة بها، والتلاوة من الصلاة. وهذا في الحقيقة قول قوي وقد قال تعالى: {فخر راكعاً وأناب} والركوع هنا هو السجود باتفاق المفسرين، فهذه الآية هي سبب السجدة، فهي وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - سماها سجدة شكر وسماها ابن عباس سجدة اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسجدها عند قراءة هذه الآية فهذا يدل على أنها تشرع عند التلاوة أي مشروعة عند التلاوة. وأما كونها سجدة شكر فهو معنى من معانيها فليس مستقلاً بالسببية بل هناك سبب التلاوة، فيقتدي به عند تلاوتها فيسجد، وهي سجدة للاقتداء وهي متصلة بالتلاوة والتلاوة من الصلاة فليست بخارجه عنها فحينئذ تكون مشروعة لا تؤثر في الصلاة – فالأدلة متجاذبة في هذه المسألة. والأحوط للإمام ألا يسجد عندها فإن سجد عندها فالأظهر أنه لا بأس بذلك كما هو مذهب الأحناف والمالكية وهو قول في المذهب. مسألة: هل يشرع عند سجود التلاوة القيام، بمعنى إذا قرأ بالسجدة قام فسجد؟ المشهور في المذهب وهو وجه عند الشافعية: أنه يشرع له أن يسجد عن قيام، وهو اختيار شيخ الإسلام ورواه البيهقي عن عائشة. والوجه الثاني عند الشافعية واختاره النووي وغيره: أن ذلك لا يشرع وأن الأثر عن عائشة ضعيف لجهالة بعض رواته. واستدل من ذهب إلى مشروعية ذلك بقوله تعالى: {ويخرون للأذقان سجداً} {خروا سجداً وبكياً} والخرور إنما يكون عن قيام ونحوه لا عن قعود.
والأظهر أنه لا يشرع ذلك، نعم وإن وافق قياماً شرع له ذلك وكان فيه فضيلة الخرور، لكنه لا يشرع له أن يقوم فيسجد بدليل أن الصحابة رواة سجدة التلاوة لم يذكروها مع أنهم ذكروا ذلك في سجدة الشكر، مع كون سجدة الشكر الأحاديث فيها ثبتت كالأحاديث في سجدة التلاوة كثرة في المتون وكثرة في رواتها من الصحابة وكونها أصح وأبين، مع ذلك لم تذكر، وذكرت في سجدة الشكر. فكونها لم تنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على أن ما ذكر الله في القرآن إنما هو من باب الموافقة كأن يكون في صلاة ونحو ذلك. ولا شك أن القيام أحد ثلاثة أنواع لا يخلو الإنسان منها إما اضطباع أو قيام أو قعود فهي حال كثيرة. وكذلك ليس هذا في كل ألفاظ السجود، بل في بعضها الحث على السجود من غير ذكر للخرور. ومن فعل ذلك فلا ينكر عليه، لكنه لا يشرع. مسألة: ما يقال في سجود التلاوة؟ يقال فيها ما يقال في عامة السجود بأن يقال (سبحان ربي الأعلى) وما ورد في الترمذي بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته) . وورد في الترمذي بإسناد حسن: (أن رجلاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى شجرة ساجدة تقول: اللهم اكتب لي بها أجراً وضع عني بها وزراً واجعلها لي عندك ذخراً وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود " فأخبر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يقولها في السجود) والشجرة هنا رمز لأمر آخر. هذا فيما يستحب أن يقال في سجدة التلاوة. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويكبر إذا سجد وإذا رفع) يكبر إذا سجد للتلاوة. هذا هو المشهور في المذهب وأنه يشرع له ذلك.
واستدلوا: بما رواه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر العمري المكبر عن نافع عن ابن عمر قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجود كبر وسجد وسجدنا معه) والقول الثاني في المذهب: أنها لا تشرع. واستدلوا: بأن ذلك لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد صحيح مع توافر الدواعي والهمم لنقله وهذا يدل على عدم ثبوته. وأما الحديث فإن فيه عبد الله بن عمر العمري المكبر وهو ضعيف وقد خالفه عبيد الله بن عمر العمري المصغر وهو معه قراءة عن نافع عن عبد الله بن عمر من غير ذكر التكبير وهو اللفظ المتقدم عنه قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته) الحديث متفق عليه، فعلى ذلك ذكر لفظة التكبير منكر هذا هو القول الراجح. وقوله: " إذا رفع " كذا ذكر المؤلف وغيره من متأخري الحنابلة وأما متقدموا أصحاب الإمام أحمد فلم يذكروا التكبير عند الرفع وليس له أصل في السنة. والراجح أنه لا يشرع التكبير عند الرفع، فلا يشرع التكبير عند الخفض ولا عند الرفع. هذا في غير الصلاة. أما في الصلاة فيشرع له لعموم قول أبي هريرة: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر في كل خفض ورفع) وهذا عام يدخل فيه من صلب الصلاة وما يطرأ على الصلاة من سجدات السهو وسجدات التلاوة، وكذلك لما فيه من مصلحة الصلاة في تمام اقتداء المأموم بإمامه. قال: (ويجلس ويسلم) هذا كذلك لا أصل له في السنة – حتى قال شيخ الإسلام في التسليم -: " بدعة "، وهو كما قال. فإن الجلوس والتسليم لا أصل له في السنة، وقد تقدم أن الدواعي والهمم متواترة للنقل ومع ذلك لم ينقل فهذا يدل على أنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل عمل ليس عليه هديه فهو رد. قال: (ولا يتشهد)
من غير تشهد لعدم ثبوته، وهو كما قال فإن التشهد لا أصل له في السنة. هذه صفة سجود التلاوة وهي: أن يسجد سواء كان ذلك خروراً عن قيام أو كان ذلك عن جلوس من غير أن يكبر خافضاً ولا رافعاً ومن غير أن يتشهد ولا يسلم. ويستحب له أن يقول فيها بما ورد في عموم السجود وقد نص عليه الإمام أحمد لعمومات الأحاديث. فمن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عقبة بن عامر لما نزل قول الله تعالى: ( {سبح اسم ربك الأعلى} فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اجعلوها في سجودكم) فقوله: " سجودكم " عام في سجود الصلاة وسجود التلاوة وسجود الشكر. ويستحب له أن يقول: ما رواه الترمذي بإسناد صحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في سجود القرآن: (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته) . والمستحب أن يقول ما ثبت في الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن: (اللهم اكتب لي بها أجراً وضع عني بها وزراً وجعلها لي عندك ذخراً وتقبلها منى كما تقبلتها من عبدك داود) . قال: (ويكره للإمام قراءة سجدة في صلاة سر، وسجوده فيها) فهذه المسألة ذات شقين: الأول: أنه يكره له أن يقرأ في الصلاة السرية سورة فيها سجدة وإن لم يسجد. الثاني: أنه يكره له أن يقرأها فيسجد. هذا هو المشهور في المذهب. قالوا: يكره للإمام أن يقرأ في الصلاة السرية آية فيها سجدة، فإن لم يسجد عندها فيكره لأنه قد ترك سنة وإن سجد فإن في ذلك تشويشاً وخلطاً على المأمومين. وذهب بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه لا يكره ذلك، وهذا هو الراجح. وبيانه: أنه إذا قرأها فلم يسجد فقد قرأ آية من كتاب الله وترك سجوداً لا بأس له بتركه.
فإن سجود التلاوة إنما يكره تركه مطلقاً، وأما أنه يسجد أحياناً ويدع أحياناً فقد فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فُقرأت عليه سورة النجم كما في البخاري ومسلم من حديث زيد بن ثابت، وقال عمر: (ومن لم يسجد فلا إثم عليه) . والكراهية تحتاج إلى دليل شرعي ولا دليل يدل على أنه إن قرأ السجدة فتركها فقد فعل أمراً مكروهاً. إلا أن يكون راغباً مطلقاً عن السجود فيقرأ الآيات كلها فلا يسجد مطلقاً للتلاوة فإن ذلك رغبة عن السنة. أما إن سجد فلا يُقال هو مكروه مطلقاً، نعم ينبغي عليه أن يترك حيث كان فيه إرباك وتشويش على المأمومين. أما إذا لم يقع من ذلك كأن يبين لهم قبل الصلاة أو أن تكون الصفوف قليلة بحيث يبين لهم أنه قد سجد سجوداً للتلاوة أو أن يسبح فيقول: سبحان الله، فيزول عنهم التشويش فإنه لا يكره فإنه لا كراهية في ذلك. إنما يُنهى عنه حيث كان ذريعة للتشويش وعلم أو ظن ظناً غالباً أنه يحدث لهم التشويش في ذلك فإنه قد يقال بالنهي عنه. على أن المأموم إذا وقع في مثل ذلك فإنه لا حرج عليه ولا يؤثر في صلاته ومع ذلك فإنه ينبغي أن ينهى عنه حيث ثبت له أو ظن ظناً غالباً بثبوت التشويش على المأمومين. أما إن لم يثبت له ذلك ودرأه بما استطاع من تسبيح أو تبيين قبل الصلاة أو كانت الصفوف قليلة يظن أنه لا يحدث لهم تشويش فإنه لا كراهية في ذلك. وقد ورد في أبي داود: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في الظهر) لكن الحديث إسناده فيه جهالة. قال: (ويلزم المأموم متابعته في غيرها) هنا هذه الجملة متضمنة لمسألتين: المسألة الأولى: أنه يجب على المأموم أن يتابع الإمام في سجود التلاوة حيث سجد فيما يشرع له السجود " في الجهرية ". فإذا سجد الإمام عند آية في صلاة جهرية فيلزم المأموم أن يتابعه فيسجد، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإذا سجد فاسجدوا) وهذا عام في كل سجود مشروع.
فالسجود مستحب للإمام واجب على المأموم إن سجد إمامه. أما كونه مستحب للإمام فللأدلة المتقدمة من استحباب سجود التلاوة. وأما كونه واجباً على المأموم فلوجوب المتابعة كما يتابعه في سجود السهو، وفي الحديث: (وإذا سجد فاسجدوا) . المسألة الثانية: أنه إذا سجد فيما لا يشرع السجود فيه كما يكون في الصلاة السرية فلا يلزم المأموم متابعته. وهذا ضعيف. والقول الثاني في المذهب: أنه يجب عليه أن يتابعه أيضاً، فإذا سجد الإمام في صلاة سرية وقلنا بالكراهية كما هو المشهور في المذهب فالراجح في المذهب وهو أحد القولين وهو خلاف المشهور عند الحنابلة، أنه يلزمه السجود. وهذا لعوم حديث: (وإذا سجد فاسجدوا) . فالراجح أن المأموم يجب أن يتابع إمامه مطلقاً فتكون المسألة ذات شق واحد، وهو أنه يجب على المأموم أن يتابع إمامه إن سجد سواء كان سجود الإمام في صلاة جهرية أو سرية. مسائل: المسألة الأولى: ورد في مسلم ما يدل على فضل سجدة التلاوة قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان فبكى وقال: يا ويلاه أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار) المسألة الثانية: أن المسافر إن قرأ آية فيها سجدة فإنه يومئ أي الراكب المسافر كما يومئ في سجود النافلة. المسألة الثالثة: أنه إن قرأ آية فيها سجدة فركع فإن الركوع لا يجزئه كما أن السجود الأول من الركعة لا يجزئه؛ لأن ظاهر الأدلة الشرعية أن هذا السجود مشروع للتلاوة فهي سنة مستقلة كما أن الرواتب مستقلات عن الفرائض، فلذلك السجدة مستحبة وهي مستقلة عن السجدات التي هي من صلب الصلاة، فالركوع لم يشرع لها بل شرع لها السجود. فلا يجزئه الركوع لأن المشروع إنما هو السجود والركوع ولم يرد في السنة قيامه مقام سجود التلاوة.
وأما السجدة الأولى فهي سجدة من صلب الصلاة والمشروع إنما هي سجدة مستقلة فشرع أن تكون مستقلة، فلا يجزئه أن ينوي السجدة الأولى سجدة عن التلاوة وعن الصلاة. المسألة الرابعة: إن كانت السجدة في آخر السورة فإن قام فقرأ شيئاً من القرآن فهو حسن، فإن لم يقرأ فلا بأس بذلك. فيجب عليه أن ينصب قائماً لأن الركوع واجب عن قيام، فإن قرأ شيئاً من القرآن فهو حسن. وقد صح ذلك عن عمر كما عند الطبراني في الكبير: (أنه قرأ بالنجم فسجد ثم قام فقرأ سورة أخرى) وفي رواية: (أنها إذا زلزلت الأرض زلزالها) . هذه مسائل من سجدة التلاوة يتمم بها المسائل التي ذكرها في الزاد. قال: (ويستحب سجود الشكر) فهو مستحب وقد دلت السنة على استحبابه. فقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد حسن من حديث أبي بكرة قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا جاءه خبر يسره خر ساجداً لله) وقد ثبت عند الحاكم وأحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن عوف: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد فأطال السجود ثم رفع رأسه فقال أتاني جبريل فقال: إن الله عز وجل يقول: من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت، فسجدت لله شكراً) والحديث إسناده حسن. وثبت عند البيهقي بإسناد صحيح عن البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن فكتب إليه بإسلامهم فلما قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - الكتاب خر ساجداً شكراً له على ذلك) فهذه الأحاديث الثابتة تدل على مشروعية سجود الشكر. والمستحب أن يكون عن قيام أي يقوم فيسجد، لما تقدم من قوله: (خر ساجداً لله) ، وفي رواية في المسند في حديث أبي بكرة قال: (قام ثم سجد) فدل على أنه قد أحدث قياماً فهذا يدل على مشروعيته. قال: (عند تجدد النعم واندفاع النقم)
سواء كانت عامة أو خاصة وسواء كانت دينية أو دنيوية، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد سجد لخبر ديني وذلك لما أخبره جبريل وكذلك في خبر إسلام أهل اليمن. فالأخبار الدينية والدنيوية داخلة في عموم قوله: (إذا جاءه خبر يسره خر ساجداً لله) وهو كذلك عام في الخير المختص والخير العام. وإن كان الاستحباب ليس مطلقاً بل يفعله تارة ويدعه تارة كما تدل عليه السنة العملية فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يسجد لكل خبر. فعلى ذلك يستحب أن يفعله وإن تركه أحياناً فإن ذلك حسن لموافقة فعله - صلى الله عليه وسلم -. ولا يشرع له تكبير عند الخفض ولا عند الرفع خلافاً للمشهور عند الحنابلة فإنهم عندهم أن عامة أحكام سجدات التلاوة يشرع في سجود الشكر، فسجود الشكر عندهم صلاة ويشرع له ما يشرع في سجود التلاوة. والراجح خلاف ذلك كما تقدم ترجيح أن سجود التلاوة ليس بصلاة فكذلك سجود الشكر، ولا دليل من السنة يدل على استحباب تكبير عند الخفض ولا عند الرفع ولا تشهد ولا تسليم. ويستحب له أن يقول ما يقوله في سجود الصلاة لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (اجعلوها في سجودكم) قال: (ويبطل به صلاة غير جاهل وناس) فإن صلى فسجد شكراً بطلت الصلاة لأنه فعل أجنبي عنها، وإن كان فعلاً مشروعاً. بخلاف سجود التلاوة فإنه فيها فهو متصل بالتلاوة فكان مشروعاً، وقد ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في بعض الأحاديث. أما سجود الشكر فلا تعلق له بالصلاة بل هو أجنبي عنها هذا إن كان عمداً – أي يبطلها إن كان عمداً -. أما إن كان عن جهل ونسيان فإنه لا يبطل الصلاة لكن يشرع منه مع النسيان السجود لما تقدم من الأفعال الأجنبية عندما يفعلها الجاهل أنها لا تبطل صلاته، والناسي عليه أن يسجد للسهو، والله أعلم. مسألة: إذا كرر آية فيها سجدة فهل يشرع له أن يكرر السجود أم لا؟ وجهان في المذهب:
الوجه الأول: مشروعية ذلك. الوجه الثاني: عدم مشروعيته. والأظهر أنه يستحب ذلك إلا لحاجة كأن يكرر ليحفظ أو ليتدبر أو ليستنبط، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأوقات النهي خمسة) أوقات النهي هي الأوقات التي لا تصح الصلاة فيها، فالصلاة فيها باطلة لا تنعقد ولا تقبل وإن كان المصلي جاهلاً لأن هذه الصلاة قد انعقدت في غير وقتها. ودليل بطلانها الأحاديث الصحيحة الثابتة في النهي عن الصلاة فيها. فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) وفي مسلم من حديث عقبة بن عامر قال: (ثلاث ساعات نهانا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي فيهن أو أن ندفن فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب) . قوله: " حتى تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع " فإذا طلعت الشمس بازغة فهو وقت نهي حتى ترتفع قيد رمح أي: " بقدر الرمح في رأي العين " " وحين يقوم قائم الظهيرة " أي حين تقف الشمس في السماء وذلك قبيل زوال الشمس وذلك زمن قصير لا يتسع للصلاة لكنه يتسع لتكبيرة الإحرام فلا تنعقد الصلاة فيه. " وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب " أي حين تميل فتأخذ في الغروب حتى يتم غروبها. قال: (من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس) هذا هو الوقت الأول. " من طلوع الفجر الثاني " أي من الوقت الذي يؤذن فيه للفجر الأذان الثاني وهو الذي تصح فيه صلاة الفجر ويحرم الطعام فيه على الصائم - وذلك بظهور الفجر الصادق – إلى طلوع الشمس. أما دخول النهي عن الصلاة فيما كان بعد صلاة الفجر، فقد تقدم حديث أبي سعيد: (لا صلاة بعد الفجر) وفي مسلم: (لا صلاة بعد صلاة الفجر) .
وأما دخول ما بين الأذان والإقامة في وقت النهي فلما ثبت في المسند وسنن أبي داود والترمذي وغيرهم والحديث صحيح بشواهده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تصلوا بعد الفجر إلا ركعتي الفجر) أي إلا سنة الفجر. وقال الشافعية والمالكية: بل وقت النهي من بعد صلاة الفجر فلا يدخل فيه ما بين الأذان والإقامة. لأن الحديث المتقدم فيه: (لا صلاة بعد صلاة الصبح) وظاهر الحديث أن ما كان قبل الصلاة فلا ينهى عن الصلاة فيه – وهو مفهوم مخالفة له -. ولما ثبت في مسلم من حديث عمرو بن عَبَسَة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صل صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ثم اقصر عن الصلاة فإنَّ حينئذٍ تُسْجَر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذٍ يسجد لها الكفار) [صحيح مسلم بشرح النووي: 6 / 116] والشاهد قوله: صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة. قالوا: فهذا الحديث يدل على أن وقت النهي أوله صلاة الصبح. والراجح: القول الأول للحديث الصحيح: (لا تصلوا بعد الفجر إلا ركعتي الفجر) . وثبت في الصحيحين عن حفصة قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا طلع الفجر لم يصل إلا ركعتين خفيفتين) فهذان الحديثان دلالتهما دلالة منطوق، وأما ما ذكروه فإن غايتها النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح وليس فيها إلا مفهوم المخالفة، ولا شك أن دلالة المنطوق مقدمة على دلالة مفهوم المخالفة. ولنا أن نقول: إن أوقات النهي ستة: الأول: بين أذان الفجر وصلاتها وقد دل عليه حديث أبي داود المتقدم.
والثاني: من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وقد دل على حديث أبي سعيد المتقدم: (لا صلاة بعد الصبح) وفي رواية مسلم: (لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس) . قال: (ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح) هذا هو الوقت الثاني من أوقات النهي، وقد دل عليه حديث عقبة المتقدم وفيه: (وحين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع) وفي بعض الروايات: (قيس رمح) أي برأي العين. قال: (وعند قيامها حتى تزول) وهذا الوقت الثالث: إذا قام قائم الظهيرة، واستقل الظل بالرمح فكان ظل الشاخص محتسب ولم تزل الشمس بعد، وهذا لحظات يسيرة قد تقع التحريمة للصلاة فيها. * وظاهر كلام المؤلف أن ذلك مطلقاً فيدخل في ذلك يوم الجمعة. وهذا هو المشهور في المذهب. وذهب الشافعية: إلى استثناء يوم الجمعة من ذلك. واستدلوا: بما رواه أبو داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[قال] مستثنياً من هذا الوقت: (إلا الجمعة) من حديث أبي قتادة لكن الحديث إسناده ضعيف جداً. ومع ذلك فالراجح مذهب الشافعية لأدلة أخرى، فمن ذلك: ما ثبت في البخاري وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[قال] فيمن ذهب إلى الجمعة (فصلى ما كتب له) ولم يستثن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك شيئاً. وهو ما كان يفعل في زمن عمر بمحضر المهاجرين والأنصار كما روى ذلك مالك في موطئه عن كعب القرظي قال: (كان الناس يصلون قبل الجمعة في زمن عمر حتى يقوم الخطيب) هذا من جهة الأثر. وأما من جهة المعنى، فإن هذا الوقت كما تقدم، وقت يسير وملاحظته - في مثل يوم الجمعة في اجتماع الناس وقد يكونون في أماكن مظللة ونحو ذلك - فيه مشقة فعُفي عنه في يوم الجمعة للمشقة الحاصلة في تتبعه. قال الحنابلة: لا ينهى عن الصلاة حتى يثبت له الوقت المنهي عنه، أما إذا كان شاكاً فلا بأس وحينئذٍ يندفع ما ذكرتموه من مشقة انتظار ذلك الوقت والنظر فيه.
والجواب عن هذا أن يقال: إن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب، فلو قلنا بالنهي عنه في يوم الجمعة فلا يجوز له أن يقدم على الصلاة حتى يتثبت من أنه ليس بوقت نهي، لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فيجب فعله، ولا يتم ترك الحرام من وقوع الصلاة في ذلك الوقت المنهي عنه إلا بتتبع ذلك والنظر فيه، هذا هو محل المشقة. فالراجح: مذهب الشافعية، وهو اختيار شيخ السلام وتلميذه ابن القيم من أنه يستثنى من ذلك يوم الجمعة فيصلي وإن ثبت له قائم الظهيرة. قال: (من صلاة العصر إلى غروبها) اتفق أهل العلم على أن ما بين أذان العصر وصلاتها أنه ليس من أوقات النهي، وأن وقت النهي مربوط بفعل صلاة العصر. وعليه: فلو أن الصلاة قد شرع فيها من غيره وصليت لكنه لم يصلها فليس هذا بوقت نهي في حقه. ومثل ذلك من صلى العصر جمع تقديم فإنه يثبت النهي عليه لأنه قد صلى صلاة العصر لحديث: (لا صلاة بعد صلاة العصر) ، فمتى صلى العصر سواء كانت في وقتها أو جمعها جمع تقديم فما بعدها وقت نهي. قال: (وإذا شرعت فيه حتى يتم) أي إذا شرعت الشمس في الغروب حتى تغرب. ودليل قوله عقبة فيما يحكيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب) فهذا وقت النهي. فهذه أوقات النهي التي لا يُصلى فيها. ويُضاف إلى ذلك النهي عن الدفن في ثلاثة أوقات فيها وهي التي ذكرها عقبة بن عامر في الحديث المتقدم. قال: (ويجوز قضاء الفرائض فيها) لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) متفق عليه. فقوله: " إذا ذكرها " يدخل فيه التذكر في وقت النهي، فإنه يصليها فيه وكذلك من استيقظ في وقت نهي فإنه يدخل فيه، وهذا مذهب جمهور العلماء. قال: (وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي طواف وإعادة جماعة)
" في الأوقات الثلاثة ": ولا يعني ذلك أنه لا يفعلها في الوقتين اللذين هما تمام الخمسة، بل ذكره ذلك في الأوقات الثلاثة يدل من باب أولى على ثبوته في تمام الخمسة لأنهما آكد. فالعلة مرتبطة في هذه الأوقات أكثر من ارتباطها في الأوقات الأخرى، وقد تقدم حديث عمرو بن عَبَسَة وفيه التعليل المتقدم ذكره. وهي مرتبطة بهذه الأوقات الثلاثة، وقد خصها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي كما في حديث عقبة وأضاف إلى ذلك النهي عن الدفن فيها. فمراد المؤلف هنا دفع قول قاله بعض الحنابلة في أن أوقات النهي الثلاثة لا تصح فيها هذه الصلوات، فهذا إشارة إلى خلاف عند فقهاء الحنابلة. والمشهور عندهم ما ذكره المؤلف هنا، من أن أوقات النهي كلها يصح أن يصلي فيها ركعتي الطواف لما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح من حديث جبير بن مطعم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار) وهذا عام في الأوقات كلها. " وإعادة الجماعة ": لما ثبت في المسند وأبي داود والترمذي والحديث صحيح: من حديث يزيد بن الأسود قال: (صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد الخيف صلاة الفجر فلما انصرف رأى رجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: صلينا في رحالنا، فقال: لا تفعلوا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معه تكن لكما نافلة) فما بعد صلاة الفجر وقت نهي ومع ذلك أمر الرجلين أن يعيدا الصلاة جماعة، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بتفاصيلها في باب صلاة الجماعة. قال: (ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب) فيحرم أن يتطوع في غير ما تقدم ذكره.
ويستثنى من ذلك في المشهور عند الحنابلة صلاة الجنازة فهي جائزة في وقت النهي، إلا أنهم استثنوا في المشهور عندهم أوقات النهي الثلاثة لحديث عقبة المتقدم، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة وعن الدفن، فذكر الدفن مع ذكر الصلاة إشارة إلى النهي عن صلاة الجنازة. - وذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يجوز له أن يصليها حتى في أوقات النهي الثلاثة؛ ذلك لأن جوازها في وقتي النهي يدل على جوازها في أوقاته الثلاثة، والحديث ليس ظاهراً في ذلك، فإن فيه النهي عن الصلاة مطلقاً ونهي عن دفن الميت. وما ذكره الحنابلة هنا قوي، لكن الذي يضعفه أن صلاة الجنازة من ذوات الأسباب وسيأتي ترجيح جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي. فالحنابلة: استثنوا صلاة الطواف وإعادة الجماعة وصلاة الجنازة، كلها على سبيل الإطلاق سوى صلاة الجنازة فإنها تستثنى من ذلك أوقات النهي الثلاث. " ويحرم التطوع بعدها " كصلاة الوضوء وتحية المسجد وصلاة الجنازة في المشهور من المذهب وصلاة الاستخارة فهذه تحرم في شيء من الأوقات الخمسة، حتى ما كان له سبب فإنه ينهى عنه، وهذا هو المشهور في المذهب. واستدلوا: بحديث: (لا صلاة بعد العصر) (لا صلاة بعد الفجر) فهذا يدل على النهي مطلقاً فيدخل في ذلك الفرائض والنوافل إلا ما ورد استثناؤه من إعادة الجماعة وركعتي الطواف ومن صلاة الجنازة. - وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه خلافاً للرواية المشهورة عنه، واختارها كثير من أصحابه كابن عقيل وأبي الخطاب وهي ظاهر كلام الموفق في كتاب الكافي واختارها ابن تيمية وابن القيم وهي مذهب الشافعية: أن الصلوات التي لها سبب جائزة في أوقات النهي كتحية المسجد وسنة الوضوء وغيرها من التطوعات. والمنهي عنه التطوع المطلق الابتدائي الذي يفعله العبد من غير أن يكون له سبب.
قالوا: لثبوت الأحاديث فيها فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فهذا عام فمتى دخل المسجد في وقت نهي أو غيره فيصلي ركعتين. فإن قيل: كذلك حديث: (لا صلاة بعد العصر) حديث عام. فالجواب: الأول حديث عام محكم لا تخصيص له. وأما الثاني فهو حديث عام مخصص، ولا شك أن العام المحكم أرجح من العام المخصص. واستدلوا: بصلاة الكسوف في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإذا رأيتموهما فصلوا) فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ربط الصلاة بسبب يثبت في وقت النهي وغيره وهو رؤية خسوف الشمس أو كسوف القمر. وأما سنة الوضوء فإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لبلال في قوله: (لم أتطهر طهوراً في أي ساعة من ليل أو نهار إلا صليت لذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) قالوا: والرابط بين هذه الصلوات التي ذكرناه والتي ذكرتموها أنتم - التي يجوز أن تصلي في وقت النهي - الربط بينهما أنها صلوات ذات أسباب والشارع لا يفرق بين المتماثلات فما كان مثيلاً لها من الصلوات ذات الأسباب كصلاة الاستخارة مما يخاف فوته، ونحو ذلك. قالوا: ويدل على ذلك أن الصلاة ذات السبب ليس العبد متحرياً لها متقصداً لها بل قد فعلها لثبوت سنيتها بخلاف التنفل المطلق، إن العبد يفعله ابتداء من غير سبق سبب، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها) متفق عليه من حديث ابن عمر. ويدل عليه حديث عمرو بن عبسة فإن ظاهره في التطوع المطلق في قوله: (ثم صل) والظاهر أن غالبه من باب التطوع المطلق. وهذا هو الراجح. ومن ذلك قضاء النوافل، فهو منهي عنه عند الحنابلة لكونه ليس مما تقدم ذكره. والحديث يرد عليه، فقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم سلمة المتفق عليه شغل عن صلاة الظهر فصلاها بعد العصر، ولعموم حديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) .
وقد أقَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي وغيره فيمن صلى الركعتين بعد الفجر وهو وقت النهي. فالراجح مذهب الشافعية من أن الصلوات لا ينهى عنها إلا ما كان لا سبب له، وهو التطوع المطلق. والحمد لله رب العالمين. باب: صلاة الجماعة صلاة الجماعة مشروعة، ومن أدلة مشروعيتها ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده خمساً وعشرين درجة) . وفي البخاري: (وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرج إلا للصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة) . وفي المسند وأبي داود والنسائي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما أكثر فهو أحب إلى الله) وهو حديث صحيح. وهو ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم -، وما كان يتخلف عنها – كما قال ابن مسعود – إلا رجل معلوم النفاق. قال المؤلف رحمه الله: (تلزم الرجال) " تلزم ": أي تجب عيناً " الرجال ": أي تجب على الرجال عيناً، فهي واجب عيني. هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب أكثر السلف كما قال ذلك شيخ الإسلام وهو مذهب طوائف كثيرة من أهل الحديث، كابن حبان وابن خزيمة والإمام البخاري وغيرهم من أهل العلم. وذهب الشافعية إلى أنها فرض كفاية. وذهب المالكية والأحناف إلى أنها سنة مؤكدة. والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة وأكثر السلف على القول به وأدلة ذلك كثيرة.
وفمن ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف إلى قوم لا يشهدو الصلاة – في مسند أحمد: لا يشهدون الصلاة في الجميع، وفي أبي داود: يصلون في بيوتهم - فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً " أي عظماً ذا لحم " أو مرماتين حسنتين " المرماة: هي اللحم بين أظلاف الشاة أي أظافرها " لشهد العشاء) . وثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أتاه رجل أعمى فقال: يا رسول الله إني لا أجد قائداً يقودني، فرخص له فلما ولى دعاه فقال: أتسمع النداء؟ قال: نعم قال: فأجب) والأمر للوجوب. وفي أبي داود بإسناد صحيح أن ابن أم مكتوم قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (يا رسول الله إني رجل ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني فهل لي رخصة في أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتسمع النداء؟ قال: نعم قال: لا أجد لك رخصة) . وثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - - من حديث مالك بن الحويرث - قال: (ليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) فهذه الأحاديث تدل على فرضيتها على الأعيان. واستدل من قال بسنيتها: بحديث ابن عمر المتقدم وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) . قالوا: فهذا الحديث يدل على أن صلاة الفذ فيها ثواب وأجر وفضيلة، فلو كانت محرمة لم يثبت فيها ذلك. وهذا استدلال ضعيف، فإن ثبوت الفضل لا ينافي ثبوت الإثم فهي صلاة فيها فضل من جهة: لكونها صلاة مؤداة، لكنه آثم من جهة أخرى لكونه قد صلاها ناقصة نقصاً يجلب له الإثم وتوقعه بالتحريم.
بل الأحاديث التي تقدم ذكرها منها ما يدل على أن ترك الصلاة جماعة من كبائر الذنوب كما استدل على ذلك ابن القيم في حديث: (فأحرق عليهم بيوتهم) فهذا الحديث ظاهر أن ترك الصلاة جماعة من كبائر الذنوب. والحديث الذي تقدم، وهو حديث أبي هريرة في رواية البخاري منه، فيها أن الثواب المذكور وهو أن يكون له سبع وعشرون درجة أو خمس وعشرون درجة كما في حديث أبي هريرة ظاهره أن ذلك إن صلاها في المسجد لا في الجماعة مطلقاً فقد قال: (ثم خرج إلى المسجد لا يخرج إلا للصلاة) فشرط في ذلك حضور الصلاة في المسجد. والظاهر أن الثواب المضاعف في صلاة الجماعة ليس ثابتاً له على هذه الهيئة إلا إذا حضرها في المسجد. فالراجح مذهب الحنابلة من أن صلاة الجماعة واجب عيني، وأن من صلى في بيته فهو مثاب على صلاته لكنه آثم لكونها لم تكن في جماعة. وقد ثبت في أبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية) . لكن هذه الفريضة مخصوصة بالرجال دون النساء، لذا قال المؤلف " تلزم الرجال " أما النساء فلا تجب عليهن الصلاة جماعة باتفاق أهل العلم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن) .
بل صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد قومها بل في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل كلما صلت فيما هو أستر من بيتها كلما كان أفضل، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - كما في مسند أحمد بإسناد جيد قال لأم حميد الساعدي، وقد قالت: (إني أحب الصلاة معك، فقال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، فصلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في حجرتك " والبيت هنا أستر من الحجرة فهي الغرفة التي تكون داخل الحجرة " وصلاتك في حجرتك أفضل من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك أفضل من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك أفضل من صلاتك في مسجدي) . وفيه أن صلاة المرأة في بيتها بل فيما يكون من الغرف الداخلية في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أفضل من الصلاة في الحرم المكي. فصلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد لكنها لا تمنع من ذلك لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يخشى فتنة أو ضرر فينهى عن ذلك للفتنة والضرر من باب تقديم درء المفاسد على جلب المصالح. قال: (لا شرطاً) أي ليست الجماعة شرطاً لصحة الصلاة فلو صلى في بيته فصلاته صحيحة لكنه قد فوت على نفسه أجراً كثيراً وألحق نفسه إثماً عظيماً. ودليل ذلك حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة المتقدمان: (صلاة الرجل جماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) وحديث أبي هريرة: (تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده خمساً وعشرين درجة) . فهذان يدلان على ثبوت الفضل والأجر والثواب على صلاته في بيته فثبوت ذلك يدل على التصحيح، إذ إثبات الأجر فرع التصحيح فلا أجر إلا مع الصحة. هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد واختيار جماهير أصحابه. وذهب طائفة من أصحابه وهو رواية عنه وهو مذهب الظاهرية: إلى أن الجماعة شرط في صحة الصلاة وعليه فلو صلى فرداً بلا عذر فصلاته باطلة.
واستدلوا بما رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم والدارقطني وغيرهم والحديث ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) . والحديث صحيح مرفوعاً وموقوفاً إلى ابن عباس. وثبت موقوفاً إلى أبي موسى في سنن البيهقي بإسناد صحيح. قالوا: فهذا الحديث فيه نفي الصلاة والأصل في النفي نفي الذات ثم نفي الصحة ثم نفي الكمال فلما امتنع نفي الذات لأن الصلاة قد توجد من بعض المكلفين بقي نفي الصحة مقدماً على نفي الكمال، أي لا صلاة صحيحة فهي صلاة باطلة. والراجح: ليست بشرط بدليل إثبات الفضل في صلاة الفذ، فإن صلاة الفذ فيها فضل، فثبوت الفضل فيها يدل على صحتها ومن هنا وجب أن ينصرف إلى الاحتمال الثالث في تفسير الحديث المتقدم، وهو أن يكون المعنى لا صلاة كاملة فلا صلاة كاملة لمن سمع النداء فلم يجب. إلا أن كان معذوراً فصلاته كاملة وله الأجر واف لحديث: (أن العبد إذا مرض أو سافر كتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً) رواه البخاري. وهل يجب أن تصلى الجماعة في المسجد أم له أن يصليها في بيته؟ روايتان عن الإمام أحمد: الرواية الأولى، وهي الرواية المشهورة: أن له أن يصليها في بيته، فإذا صلى في البيت جماعة فلا إثم والصلاة صحيحة. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) . قالوا: فهذا يدل على أن أي بقعة صلى فيها العبد فصلاته مقبولة سواء كانت المساجد أو غيرها. والرواية الثانية، وهي اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: وجوب صلاة الجماعة في المساجد. وهذا القول الراجح، لما تقدم من الأحاديث من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أتسمع النداء؟ قال: نعم قال: فأجب) والنداء إنما يكون في الأصل في المساجد.
ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة في الجميع) أي لا يشهدون الصلاة معه مع أنه يحتمل [أنهم] كانوا يصلون في بيوتهم جماعة، وكذلك حديث الأعمى: (أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: لا أجد لك رخصة) . وأما الجواب عما ذكروه فيقال: هو حديث عام وإنما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - لبيان فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم من أن الصلاة ليست مخصوصة بمواضع، بل هي عامة في المساجد وغيرها ولا يعني ذلك أنه مع سماع النداء لا يحضره ولا يجيبه فيصلي في بيته جماعة وغيره، لا يدل على هذا. وقد تقدمت الأحاديث وهي تدل على وجوب الإجابة فهو حديث عام مخصص بها. فيكون للعبد أن يصلي في أي بقعة شاء إلا أن يسمع نداء فيجب عليه أن يجيب نداء الله في المساجد فالراجح إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهي غير المشهور عنه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: وجوب صلاة الجماعة في المسجد ولا يثبت الثواب المذكور إلا بذلك. والله أعلم. قال: (وله فعلها في بيته) هذا على المشهور في المذهب وقد تقدم ترجيح خلافه. قال: (ويستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد) الذين يكونون على مواضع المخافة وهي الثغور الإسلامية التي تكون في حدود المسلمين مع الكفار ويخشى أن يتطرق إليها العدو فينبغي لهم أن يصلوا في مسجد واحد لأنه أهيب للعدو وأجمع للكلمة وأسرع للرأي وأسهل للمشورة ونحو ذلك من المصالح. قال: (والأفضل لغيرهم في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره) مثلاً كأن يحتاج لأن يكون إماماً، لما فيه من مصلحة عمارة المسجد وإقامة الجماعة وإعانة المكلفين على القيام بالواجب عليهم، فهذه مصالح ترجح على ما سيذكره المؤلف بعد ذلك. قال: (ثم ما كان أكثر جماعة)
فإذا كثرت الجماعة في المسجد وكان أكثر من غيره، فالصلاة فيه أفضل لحديث (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) . قال: (ثم المسجد العتيق) لسبق الطاعة فيه. والمشهور عند الحنابلة تقديمه على الأكثر جماعة خلافاً لما ذكره المؤلف هنا، وهو قول لبعض الحنابلة. وفضيلة المسجد العتيق تحتاج إلى دليل شرعي ولا دليل يدل على ذلك، فكونه عتيقاً لا يستفاد أنه أفضل من غيره لا سيما ما نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تفضيله في قوله: (وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) . قال: (وأبعد أولى من أقرب) فالأبعد من المساجد أولى من الأقرب لما فيه من كثرة الخطا إلى المساجد وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم ممشى فأبعدهم) . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبني سلمة وقد أرادوا أن يتركوا منازلهم وينزلوا قريباً من المسجد قال: (يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم) . وما ذكروه من الأدلة صحيح لكن الاستدلال به فيه نظر. أما كونه يدل على فضيلة من كان يأتي إلى المساجد وبيته بعيد والآثار له تكتب وأنه أعظم الناس أجراً في الصلاة فنعم. وأما كونه يدل على ترك المسجد الأقرب إلى مسجد أبعد فإن الصحابة لم يكونوا يتكلفون ذلك، ولم يرد أن أحداً منهم ممن كان قريباً إلى المسجد تكلف البعد عنه لينال ذلك الثواب المذكور بل هذا الحديث فيه ترغيب من كان بعيداً عن المسجد أن يحضر إلى المساجد وأن يشهد الجماعة مع بعد منزله. ولا يدل على أنه يشرع تكلف ذلك وترك المساجد القريبة إلى مساجد بعيدة، كيف وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الطبراني في الكبير والأوسط بإسناد جيد: (ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتبَّع المساجد) .
فالراجح: أن المستحب له مطلقاً أن يصلي في المسجد الذي يليه لا سيما إن كان هذا المسجد لا تقام الجماعة إلا بحضوره، هذا هو الأفضل له. فإن وافق ذلك أن هذا المسجد أكثر جماعة أو أنه بعيد عن منزله فإنه له فضيلة أخرى زائدة على الفضيلة المتقدمة. نعم، في مسألة الاختيار هذا حسن: كأن يختار – عندما يرتاد منزلاً – محلاً فيه مسجد كبير ويرتاده الناس أكثر من غيره فينزل بهذا أصلاً من غير أن ينتقل بمنزله. وأما أن يتكلف ذلك فلا؛ لأن السنة دلت على فضيلة هذه الأشياء مع وجودها من غير أن يحدث من المكلف تتبع لها: (ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد) إذن: المشهور عند الحنابلة: أن المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره وهذا راجح ثم ما كان أكثر جماعة، - والمشهور تفضيل المسجد العتيق على ما كان أكثر جماعة - ثم ما كان عتيقاً، والأبعد أولى من الأقرب، وتقدم أنه لا يشرع تتبع المساجد. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله: (ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره) يحرم على المصلي أن يؤم في مسجد من المساجد قبل إمامه الراتب المعين لهذا المسجد، إلا بإذنه أو عذره. وأصل النهي ما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) والمسجد سلطانه إمامه الراتب. قوله: (أو عذره) أي ثبت عذر للإمام منعه من إمامة الناس فإنه يجوز أن يصلي بالناس غيره، فإذا ثبت له عذر وخشي المصلون فوات الوقت جاز لهم أن يقدموا غيره. ومثل ذلك لو ظن عدم حضوره ظناً غالباً فالحكم كذلك فيجوز أن يتقدم غيره. ومثل ذلك إن ظن حضوره لكن علم أنه لا يكره ذلك فهو حقه وهذا يكون بمعنى الإذن.
والأظهر أيضاً أنه متى ثبت الوقت المستحب المعتاد ولم يحضر الإمام جاز لهم أن يقدموا غيره لمصلحة المأمومين لئلا تلحقهم المشقة في انتظاره، ولمصلحة الصلاة في وقتها المستحب، يدل على ذلك ما ثبت في مسلم: (أن عبد الرحمن بن عوف صلى بالصحابة في غزوة تبوك وقد تأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حضور الصلاة فلما صلى وراء عبد الرحمن وقضى ما فاته من الصلاة قال: أحسنتم أو قال: أصبتم، يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها) . وثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ذهب ليصلح بين بني عمرو بن عوف وحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر الصديق فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ فقال: نعم، فصلى أبو بكر ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فتأخر أبو بكر فأشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالثبات فتأخر وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم -) – الحديث – وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (يا أبا بكر ما منعك أن تثبت) وفيه أنه قال: (وحانت الصلاة) فظاهره أن ذلك وقتها المستحب. فالأظهر أن حق الإمام يزول بحضور الوقت المعتاد والمستحب لئلا يلحق المأمومين المشقة في انتظاره وهذا من باب ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. تقدم أنه لا يجوز أن يصلي إلا بإذنه، فإن صلى بغير إذنه فهل تصح الصلاة أم لا؟ قولان في المذهب: - أظهرهما الصحة مع التحريم. أما دليل من أبطلها فللنهي والنهي يقتضي الفساد. وأما دليل من صححها فلأنها صلاة قد ثبتت فيها شروطها وأركانها واجباتها الشرعية وهذا الأمر خارج عنها فلا يؤثر فيها بطلاناً – هذا هو القول الراجح. قال: (ومن صلى ثم أقيم فرضٌ سن له أن يعيدها إلا المغرب)
من صلى الفرض في جماعة أو منفرداً – هذا هو ظاهر إطلاقه وهو المذهب – ثم أقيم فرض من قبل مؤذن في مسجد - ولم يقيده المؤلف هنا بالمسجد، وقيده الشارح وغيره وهو قيد دل عليه الحديث – سن واستحب أن يعيد الصلاة إلا المغرب. فالمسألة: أنه إذا صلى منفرداً أو في جماعة ثم أقيمت الصلاة في مسجد آخر سن له أن يعيد الصلاة إلا المغرب فلا يسن له أن يعيدها – هذا المشهور في المذهب – وهنا مسائل: 1- المسألة الأولى: أن ظاهر إطلاق المؤلف هنا أن من صلى منفرداً أو جماعة أنه يشرع له أن يعيد الصلاة التي أقيمت وهذا هو ظاهر إطلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معه تكن لكما نافلة) فقوله: (إذا صليتما في رحالكما) فيحتمل أن يكون ذلك جماعة ويحتمل أن يكون فراداً، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال – كما هي القاعدة الأصولية – كما أن هذا اللفظ ظاهره الإطلاق. وهذا هو المشهور في المذهب. 2-المسألة الثانية: أن يكون ذلك المسجد الذي أقيم الفرض فيه مسجد جماعة، لظاهر الخبر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ثم أتيتما مسجد جماعة) وعليه فإنه إذا أقيمت الصلاة في غير مسجد جماعة فهذا الحديث لا يرد فيه. المسألة الثالثة: عن قوله (سن) هذا هو المشهور في المذهب وأن ذلك سنة. وعن الإمام أحمد: أنها تجب مع الإمام الراتب. وعنه: أنها تجب مطلقاً – وهذا هو الأظهر – وأقربها إلى ظاهر الحديث، فإنه قد أمر بذلك، وأنكر ذلك على الصحابيين الذين حضرا معه وأمرهما بأن يصليا إذا حضرا في مسجد جماعة في قوله: (لا تفعلا) وهذا نهي وهو للتحريم، ثم قال: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معه تكن لكما نافلة) وهذا أمر وهو للوجوب. وهذا القول أظهر وهو رواية عن الإمام أحمد.
ولا شك أن تركه للصلاة مع إقامتها في مسجد جماعة مظنة سوء الظن فيه فلئلا يتطرق إليه الظن السيء بأنه لا يصلي أو نحو ذلك شرع مثل هذا، وهذه علة مستنبطة لا مانع أن تكون العلة سواها، لكن الحديث ظاهر في الوجوب. المسألة الرابعة: وهي أن هذه الصلاة التي صلاها في جماعة أو فرادى هي الفرض بالنسبة له، والجماعة الثانية نافلة. فالأولى فرض، والثانية نافلة. يدل عليه حديث: (تكن لكما نافلة) ، ولما ثبت في مسلم من حديث أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: في أمراء السوء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قال: (صلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة) . وفي قوله: (إلا المغرب) : هذا المشهور في المذهب وهي الرواية الشهيرة عن الإمام أحمد: وأن المغرب لا يشرع فيها هذا الحكم؛ وذلك لأنه لا يشرع من الصلوات وتر إلا الوتر، وكونه يصلي مع الإمام ثلاث ركعات تكون له وتراً ولا يشرع له الوتر إلا في صلاة الوتر. وعن الإمام أحمد: أنه يصليها مع الإمام ثم يشفعها رابعة لتكون صلاته شفعاً. والقول الثالث، وهو وجه عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية وهو القول الراجح في هذه المسألة: أنه يصليها وراء الإمام وتراً كما يصليها الإمام، لظاهر الحديث فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يصلي معه وظاهر ذلك أنه يصليها كما يصليها الإمام بعدد ركعاتها. ثم على القول بأن العلة هي مظنة إساءة الظن به فإن ذلك لا يزول إلا بأن يصليها وراء الإمام كما صلاها الإمام. فالراجح: أنه يصليها وراء الإمام – وحينئذ – تكون مستثناة مما تقدم، فحينئذ لا يشرع الوتر بالتطوع سوى الوتر وإعادة الجماعة إن وافقت المغرب لأن الحديث صالح الاستثناء. فالراجح في هذه المسألة بعمومها: أنه يجب على المصلي إذا صلى في جماعة أو منفرداً ثم أتى مسجد جماعة فيجب عليه أن يصلي معهم وتكون له نافلة وهو عام في الصلوات كلها حتى المغرب.
قال: (ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة) إذا صلى في مسجد إمامه الراتب، ثم حضر بعدهم جماعة فهل يشرع لهم أن يصلوا جماعة أم لا؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: وهو المشهور في مذهب الحنابلة: وهو مشروعية ذلك. القول الثاني: وهو قول جمهور الفقهاء: وهو القول بكراهية ذلك، فيكره أن تعاد الجماعة في مسجد من المساجد التي فيها إمام راتب ويستثنى من ذلك عندهم المساجد المطروقة وهي التي تكون في الأسواق ويطرقها الناس فإن المنع من ذلك يشق، وهي في الغالب ليس لها إمام راتب، لكن مع ثبوت الإمام الراتب فالناس يحتاجون لمرورهم من عندها أن يصلوا جماعة مرة بعد مرة. واستدلوا: بما رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي بكرة الثقفي قال: (جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - من ناحية من نواحي المدينة يريد الصلاة فوجد الناس قد صلوا فعاد إلى بيته فجمع أهله فصلى فيهم) . قالوا: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد ترك الصلاة في المسجد جماعة ورجع إلى أهله فصلى بهم، قالوا: فيدل ذلك على أنه لا يشرع له أن يصلي في المسجد جماعة. واستدلوا بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الحسن البصري قال: (كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتوا إلى المسجد وقد صلى فيه صلوا فرادى) قالوا: فهذا فعل الصحابة. قالوا: ولأن هذا ذريعة إلى البغضاء والعدوان بين هؤلاء وبين إمامهم، ولأن ذلك يورث تهاوناً لحضور الجماعة الأولى. وأما الحنابلة: فاستدلوا بما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال – والحديث صحيح -: (ألا رجل يتصدق مع هذا فيصلي معه) قالوا فهذه جماعة. واستدلوا: بحديث ابن عمر المتقدم وحديث أبي سعيد.
ولفظ حديث ابن عمر: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) قالوا: فهذه صلاة جماعة وتلك صلاة فردية وصلاة الجماعة أفضل وهذا الحديث عام في فضليتها مطلقاً. قالوا: وروى البخاري في صحيحه معلقاً ووصله البيهقي وأبو يعلى الموصلي بإسناد صحيح: أن أنس بن مالك: (أتى إلى مسجد قد صلى فيه فأذن وأقام ثم صلى جماعة) ، وفي البيهقي " في عشرين من فتيانه "، وهو أثر صحيح عن أنس بن مالك. واستدل الجمهور أيضاً بأثر رواه الطبراني في الأوسط والكبير بإسناد جيد: (أن ابن مسعود أقبل ومعه الأسود وعلقمة إلى المسجد فاستقبلهم الناس وهم خارجون من المسجد فرجع إلى بيته وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله) أي فصلى بهم. قالوا: وهذا يدل على أنه لا يشرع أن يصلي في المسجد جماعة، إذا لو كانت مشروعة لصلى ابن مسعود بمن معه في المسجد. ومع ذلك فقد ذكر الحنابلة ولم أره معزواً عندهم في قولهم هذا أنه قول ابن مسعود. ولا يبعد هذا، فإن ما ذكره الجمهور من أثر ابن مسعود ليس صريحاً في هذه المسألة، فإن ابن مسعود أتى ومعه صاحباه وقد صلي في المسجد فرجع فصلى في بيته، ولا مانع أن يكون ابن مسعود امتنع عن الصلاة جماعة في المسجد خشية الفتنة، إما أن يكون هناك سلطان فيخشى الفتنة وأنه تقصد التأخر عن الصلاة فيه. ويحتمل أنه يرى أن حينئذ لا فرق بين الصلاة في المسجد والصلاة في البيت، فصلى بهم جماعة ولم يقصد المسجد لأنه لا فرق بينهما، فليس صريحاً عن ابن مسعود، بخلاف أثر أنس بن مالك فإنه صريح في ذلك. وأما ما ذكروه من حديث أبي بكرة، ففيه الوليد بن مسلم وهو مدلس وقد عنعنه، وفيه علة أخرى وهو أنه من رواية معاوية بن يحيى وهو مختلف فيه توثيقاً وتضعيفاً، وله مناكير وقد ذكر ابن عدي والذهبي هذا الحديث من مناكيره.
على أن الحديث ليس صريحاً في هذه المسألة فغايته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى بيته ولم يصل في المسجد، فيستفاد منه أنه إذا صلى في المسجد فلا فرق بين أن يصلي في المسجد جماعة أو في بيته جماعة. وما ذكروه من أثر الحسن البصري في ابن أبي شيبة فالأثر ضعيف لأن فيه أبا هلال الراسبي وهو ضعيف. ثم إنه قد ورد في رواية لابن أبي شيبة قال: (كانوا يكرهون أنه يجتمعوا مخافة السلطان) أي لئلا يظن أنهم يقصدوا عدم الصلاة خلفه. وما ذهب إليه الحنابلة أرجح لصحة الأدلة. إلا أن ما ذكره الجمهور مما يقع في الصلاة جماعة من إثارة الفتنة ونحو ذلك هذا – في الحقيقة – فيه قوة، لكنه لا يقوى على رد ما تقدم ومع ذلك فإن المخرج منه أن يقال: إن صلاة الجماعة الأولى صلاة واجبة لا يعذر المكلف بالتخلف عنها، فهى الجماعة الواجبة أصلاً لكن إن تخلف عنها بعذر جاز له أن يصلي جماعة. أما إذا كان متقصداً التخلف فإنه يكون آثماً لتركه الواجب لكن الجماعة الأخرى تصح منه. إذن: الراجح ما ذهب إليه الحنابلة من أن إعادة الجماعة ليست بمكروهة بل هي مشروعة بل هي واجبة؛ لأن الصلاة في الجماعة واجب. وقول المؤلف: (ولا يكره) لا يعني ذلك أنه مباح وإنما أراد دفع القول بالكراهية لكن يبقى الحكم على الوجوب كما تقدم. وأما قوله: (غير مسجدي مكة والمدينة) : هذا في المشهور من المذهب. وعن الإمام أحمد أيضاً: والمسجد الأقصى؛ تعظيماً لهذه المساجد أن يتخلف عن جماعتها الأولى. فكره الإمام أحمد أن يصلي في هذه المساجد الثلاثة الجماعة للمتخلفين، فلا يشرع لهم أن يصلوا جماعة في هذه المساجد إلا أن يكونوا معذورين كمن أتوا من سفر أو غيره. وعن الإمام أحمد: أن هذه المساجد كغيرها من المساجد لا فرق، وهو القول الراجح.
لأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه) قد قاله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة وقضية العذر واردة في المسألتين كلتيهما، لكن مع البقاء على القول بمشروعية الجماعة. أما كونه غير معذور فإن هذا يلحقه إثماً لتخلفه عن الجماعة الأولى لكن مع ذلك يحق أن يصلي جماعة. فعلى ذلك: يشرع أن تعاد الجماعة في المساجد كلها لعذر أو غير عذر بل يجب ذلك لكن من كان غير معذور فإن الإثم يلحقه لتخلفه عن حضور الصلاة جماعة. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فإن كان في نافلة أتمها، إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها) . فإذا أقيمت الصلاة أي شرع المؤذن في الإقامة، فلا صلاة مبتدأة المكتوبة. فإذا سمع المقيم قد شرع في الإقامة فليس له أن يشرع بعد في صلاة مطلقاً، سواء كانت هذه الصلاة نفلاً مطلقاً أو كانت تنفلاً مقيداً من الرواتب أو غيرها سواء كان قد سمعه في بيته – والمراد وهو يحضر المساجد ويصلي فيها – أو كان ذلك في المسجد، فليس له أن يشرع، فإذا فعل ذلك فالصلاة باطلة. ودليله: ما في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال من حديث أبي هريرة: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) وثبت في الصحيحين عن ابن بحينة – وهذا لفظ مسلم – قال: (أقيمت الصلاة فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي والمؤذن يقيم فقال: أتصلي الصبح أربعاً) فقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة بعد الإقامة، وعن عبد الله بن سرجس - رضي الله عنه - قال: (دخل رجل المسجد والنبي في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد، فلما سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا فلان بأي الصلاتين اعتددت بصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا) رواه مسلم.
وضابط الشروع في الإقامة أن يشرع فيها الإقامة بقول: (الله أكبر …) وقد ثبت التصريح بهذا في ابن حبان: (إذا أخذ المؤذن في الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة) هذا هو تقرير المذهب، فليس لأحد إذا شرع المؤذن بالإقامة ليس له أن يبتدأ صلاة مطلقاً سواء كانت تنفلاً مطلقاً أو من الرواتب. واستثنى بعض العلماء: ركعتي الفجر، واستدلوا برواية للبيهقي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر) . لكن هذه الزيادة لم تصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإسنادها لا يثبت وحديث عبد الله بن سرجس في مسلم يرد ذلك. فكل الصلوات لا يجوز الشروع فيها بعد الإقامة. أما إذا كان قد شرع في صلاة قبيل الإقامة ثم أقيمت الصلاة فما الحكم؟ قال: (فإن كان في نافلة أتمها) حفيفة، كما في مسلم من حديث سليك الغطفاني في حديث ركعتي التحية في يوم الجمعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (صل ركعتين وتجوز فيهما) فإن كان في نافلة أتمها خفيفة. قالوا: ولا يزيد على ركعتين فإن كان شرع في ثالثة فله – للعذر – أن يسلم ثلاثاً وإن كانوا ينهون عن التطوع بثلاث لكنه للعذر، وله أن يتمها أربعاً، فيجوز له كلا الأمرين. ودليل إتمام النافلة قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} وهذا عمل قد شرع فيه فلا يبطل. وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء من إتمام النافلة المشروع بها قبل الإقامة. وذهب الظاهرية: أنها تبطل، وهو الذي يدل عليه الحديث المتقدم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) فقد قال: (فلا صلاة) وهي نكرة سياق النفي فتفيد العموم أي لا صلاة مطلقاً سواء كانت الصلاة مشروعاً فيها أو كانت مبتدأة قبل ذلك، أي سواء كانت مبتدأة مع الإقامة أو أثناءها أو قبيل الإقامة.
وأما قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} فإن هذا ليس إبطالاً من المكلف وإنما إبطال من الله عز وجل، فإن الله قد أبطلها بكونه قد أخبر على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه لا صلاة إذا أقيمت المكتوبة. كما أن حديث ابن بحينة ظاهر في ذلك فإن لفظه (أقيمت الصلاة فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي) والظاهر أنه كان يصلي قبل الإقامة. وعموم الحديث المتقدم كاف في ذلك. وأما جمهور العلماء فإنهم لا يبطلون الصلاة – على تفصيل مختلف فيه بينهم -. (إلا أن يخشى فوات الجماعة) هذا استثناء فهو يتمها خفيفة وإن فاتته تكبيرة الإحرام، وإن فاتته ركعة أو ركعتين ما لم يخش فوات الجماعة لأن الصلاة نفل وحضور الجماعة واجب، فوجب عليه أن يقطع صلاته ليشهد ما وجب عليه من حضور الجماعة فالبقاء على النفل قد عارضه واجب وهو حضور الجماعة فكان عليه ألا يتمها إذا خشي فوات الجماعة. ومذهب الظاهرية: أنه متى ما أقيمت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم، وهذا فيه من المصالح ما فيه من تسوية الصفوف وشهود تكبيرة الإحرام ومتابعة الإمام ونحو ذلك من المصالح. وهذا القول هو الأظهر فهذا تنفل تعارضه المصالح الشرعية من إقامة الصفوف وتسويتها فكان هو المشروع نظراً لمصلحة صلاة الإمام ومن معه. قال: (ومن كبّر قبل سلام إمامه لحق الجماعة) رجل أتى والإمام يصلي وهو في التشهد الثاني فقبل أن يسلم الإمام كبر المأموم فقال: (الله أكبر) فإنه يدرك الجماعة – - هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور. واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وقوله: (فما أدركتم فصلوا) ظاهر ذلك مطلق الإدراك وإن أدرك قدر تكبيرة الإحرام. وذهب المالكية: إلى أنه لا يدركها إلا بإدراك آخر ركوع فيها.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) وهذا عام في إدراك الوقت وإدراك صلاة الإمام، ولذا ورد في مسلم لفظ: (من أدرك ركعة من صلاة الإمام فقد أدرك الصلاة) . قالوا: وقد روى النسائي في سننه بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة) قالوا: ولا يحصل إدراك الجمعة – حتى عند الحنابلة - إلا بإدراك ركعة منها، قالوا: فكذلك غيرها من الصلوات والمعتبر عند الشارع هو الركعة كما تقدم في إدراك الوقت وأما إدراك أي جزء وإن كان بقدر تكبيرة الإحرام فإن هذا لا يعلق به الشارع فالتعليق به غير معتبر. وهذا ما رحجه شيخ الإسلام وهو الراجح: وأن صلاة الإمام إنما تدرك بإدراك الركوع الأخير من صلاته. وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فما أدركتم فصلوا) فليس فيه أن من فعل ذلك فقد أدرك صلاة الإمام، وإنما فيه أنه يدخل مع إمامه فيصلي مما أدرك ويتم ما بقى وهو مشروع وسيأتي دليل مشروعيته. ثم إن هذا الحديث عام، والحديث المتقدم يخصصه. وليس معنى ذلك أن من أدرك الإمام قبل أن يسلم يثبت له فضل الجماعة، وهو الذي عليه السنة وأن من أدرك مع الإمام شيئاً من صلاته بل من أتى والإمام قد سلم من صلاته وقد توضأ وأحسن وضوءه وراح إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا فإنه يثاب كأجر المصلين مع الإمام. فقد روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً) . وهذا مثال يتضح فيه الخلاف وفائدته: لو أن رجلاً مسافراً دخل مسجداً - إمامه رجل مقيم - فأدركه في الركوع من الركعة الأخيرة فإنه يجب عليه أن يصلي أربعاً لأنه قد ارتبطت صلاته بصلاة إمامه.
أما إذا أدركه بعد الركوع فهو في حكم المسافر ولم ترتبط صلاته بصلاة إمامه فيصلي ركعتين أي قصراً وله أجر الصلاة كاملاً. والمستحب لمن أتى والإمام على حال أن يصنع كما يصنع الإمام – كما صرح بذلك الحنابلة. وظاهر ذلك وإن رجا حضور جماعة. يدل عليه ما ورد في الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أتى أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام) إسناده ضعيف لكن له شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن. قال الترمذي: " وعليه العمل عند أهل العلم " (انظر آخر هذا الدرس) . قال: (وإن لحقه راكعاً دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة) هذه مسألة في بيان أن الركعة تدرك بالركوع وهذا مذهب عامة أهل العلم. ودليل ذلك ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة) والركوع معتبر في إدراك الصلاة. وفي حديث أبي بكرة وفيه: أنه تعجل الركوع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس لذلك فائدة إلا إدراك الركعة، وسيأتي ذكر الحديث في موضعه إن شاء الله. فالركعة تدرك بالركوع. والمجزئ من ذلك أن يركع ركوعاً مجزئاً بحيث يصل إلى الركوع المجزئ ووافق إمامه فيه ولو كان هو في الهوي والإمام في الرفع فإذا هوى راكعاً فأمكنه أن يضع راحتيه على ركبته والإمام في مثل هذا الموضع من وضع الراحتين على الركبتين، فوافقه في ذلك وإن كان الإمام في الرفع وهو في الهوي فإنه يدرك بذلك الركعة لإدراك ركوعها. (وأجزأته التحريمة) فعندما يدخل والإمام راكع فيكبر تكبيرة الإحرام وهي ركن، ولا تصح إلا وهو قائم في الفريضة أما النافلة فلا يشترط وهو قائم. ولكن: هل يجزئه تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع؟ قال عامة أهل العلم وحكاه الموفق عن ابن عمر وزيد بن ثابت قال: ولا يعلم لهم من الصحابة مخالف،: أن تكبيرة الإحرام تجزئه عن تكبيرة الركوع.
والنظر يدل عليه أيضاً: فإنه قد اجتمع واجبان من جنس واحد في محل واحد فأجزأ أحدهما عن الآخر مع حصول المعنى المقصود من الآخر كما أنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى اليوم الثالث عشر فإنه يجزئه عن طواف الوداع لأن المقصود حصل لطواف الإفاضة وكذلك هنا فإن المعنى الذي شرعت له تكبيرة الركوع قد حصل حينئذ وهو الانتقال من ركن القيام إلى ركن الركوع. وظاهر كلام المؤلف أنه تجزئه مطلقاً. لكن استثنى الشارح وهو قول القاضي من الحنابلة: استثنى ما لو نواهما جميعاً. وليتبين ذلك هنا صور: الصورة الأولى: أن يكبر للإحرام بنية الإحرام فإنها تجزئه عن تكبيرة الركوع. الصورة الثانية: أن ينوي بالتكبيرة تكبيرة الركوع ولا ينويها تكبيرة الافتتاح، فإنه لا يجزئه اتفاقاً. الصورة الثالثة: أن يكبر للافتتاح وينويها للركوع فيجمع بينهما بالنية. فما الحكم؟ قال الشارح وهو قول القاضي من الحنابلة: أن ذلك لا يجزئه. وأنكر ذلك الموفق وذكر أن المنصوص عن الإمام أحمد خلاف ذلك وهو مذهب جماهير العلماء وأنه يجزئه. أما دليل من قال إنه لا يجزئه فقال: إنه شرَّك بينهما فأثَّر هذا التشريك. وأما دليل من قال: إنه يجزئه فقال: هذه النية وهي نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح فقد نوى الافتتاح ونوى الركوع ونية الركوع لا تنافي نية الافتتاح فلم تؤثر فيها، فكونه نوى الركوع، هذا لا يؤثر مطلقاً في نية الافتتاح فقد نواها فأي دليل يبطلها. وأما كونه شرَّك لو بينها، فقد شرك بينهما على وجه لا يؤثر ولا ينافي وهذا هو الراجح. الصورة الرابعة: أن يكبر للافتتاح ويكبر للركوع، وقد استحبه الحنابلة وهو كذلك ظاهر كلام الإمام أحمد؛ وذلك لأنه ليس بين أهل العلم خلاف في جواز هذه الصورة وهذا ظاهر، فإنه – حينئذ – ثبت منه تكبيرة الإحرام التي هي ركن وكذلك تكبيرة الركوع. كما أنه إذا أخر طواف الإفاضة فطافه ثم طاف طواف الوداع كان ذلك أفضل في حقه.
فالمستحب له أن يكبر للإحرام ويكبر للركوع. وأما المجزئ فهو أن يكبر للإحرام بنية الافتتاح فقط على المشهور في مذهب المتأخرين من الحنابلة. والقول الثاني: أنه ولو نوى أنها عن تكبيرة الإحرام والركوع معاً. وهو القول الراجح كما تقدم. * صرح الحنابلة باستحباب الدخول مع الإمام على أي حال، وهو - أي هذا الاستحباب – غير ظاهر فيما إذا كان يدرك صلاة الإمام في واجب فهو واجب. أما إذا أتى وهو في التشهد الأخير فهو لا يدرك الجماعة فهو مستحب لأنه قد يصلي مع جماعة فيصيب أجر الجماعة. وأما إذا كان يدرك الركوع فالظاهر أنه يجب عليه أن يدخل كما هو ظاهر الحديث، ولما تقدم من وجوب إدراك الجماعة الأولى ولا يتم إدراك الجماعة إلا بهذا. * في مسألة: ما إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي نافلة فظاهر الحديث أنه يقطعها مطلقاً وإن كان في التشهد الأخير، لكن هذا في الحقيقة مشكل والقول بإخراجه قوي من باب أنه لا معنى مقصود من منعه من إتمام صلاته، فغايته أن يكون جالساً فيقوم فيسوي نفسه مع الصفوف وهذا هو الظاهر عندي، والله أعلم، لأنه لا معنى من إدخالها في العموم المتقدم. * واعلم أن المسائل المختلف فيها، فالصحيح أنه يكون فيها الإنكار كما هو قول في مذهب الإمام أحمد وهو الراجح خلافاً للقول الثاني في المذهب. وذلك لأن من مسائل الإنكار ما يكون مخالفاً لنصوص شرعية، نعم هناك مسائل غايتها الاجتهاد المحض والأذهان تختلف فيها اختلافاً قوياً فمثل هذه يقوى ترك الإنكار فيها أما المسائل التي يكون الحديث فيها ظاهر، فظاهر الحديث الإنكار. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا قراءة على مأموم) أي يتحمل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة، فعلى ذلك لا تجب قراءة الفاتحة على المأموم. 1- وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء. واستدلوا: بقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} .
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإذا قرأ فأنصتوا) رواه مسلم من حديث أبي موسى. وبما رواه الأربعة عن أبي هريرة بإسناد صحيح قال: (انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلاة جهر فيها فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفاً؟ فقال رجل: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فإني أقول ما لي أنازع القرآن، فانتهى الناس عن القراءة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما جهر به حين سمعوا ذلك) . وبما رواه أحمد وابن ماجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) 2- وذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الآجرى من أصحابه، واستظهرها صاحب الفروع وهي اختيار البخاري ومذهب أهل الظاهر: إلى أن قراءة الفاتحة على المأموم فرض في الصلاة. واستدلوا: بحديث عبادة بن الصامت المتفق عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) . قالوا: فالحديث عام في الإمام والمنفرد والمأموم وقد تقدم أن أهل العلم قد اتفقوا على فرضية الفاتحة على الإمام والمنفرد فهذا الحديث عام في المأموم كما هو عام في المنفرد والإمام. قالوا: وقد ورد التصريح بفرضيتها في حق المأموم برواية رواها أبو داود والترمذي من حديث عبادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) فهذا الحديث نص في دخول قراءة المأموم الفاتحة في عموم الحديث (لا صلاة لمن لا يقرأ بأم الكتاب) والحديث في أبي داود والترمذي فيه عنعنة ابن إسحاق، لكنه صرح بالتحديث عند البيهقي والدارقطني وابن حبان وقد تابعه زيد بن أرقم في سنن أبي داود فلم يتفرد بها، وزيد بن أرقم ثقة. والحديث أيضاً له شاهدان:
شاهد في مسند أحمد من حديث محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد حسن. وشاهد آخر عند ابن حبان من حديث أنس بإسناد حسن. فالحديث حسن بطريقه الأول، وصحيح بطريقه الثاني، وهو صحيح أيضاً بشاهديه. فالحديث لا مطعن فيه مطلقاً وقد صححه البخاري والبيهقي وصححه ابن القيم وحسنه الترمذي والدارقطني وغيرهم، وقال الخطابي: إسناده جيد لا مطعن فيه. قالوا: ويقوى ذلك أنه مذهب الراوي، فإن عبادة ثبت في سنن أبي داود أن كان يقرأ بالفاتحة خلف الإمام. فهذا مذهبه وهو راوي الحديث المتقدم. واستدلوا: بأنه قول عمر - رضي الله عنه - فقد صح في كتاب جزء القراءة للبخاري، والدارقطني بإسناد صحيح: أن شريك بن يزيد: (سأل عمر عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب قال: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: وإن جهرت وإن جهرت) . واستدلوا: بما رواه مسلم عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج خداج خداج) فقيل لأبي هريرة: (إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) الحديث. فهذا الحديث فيه أنه قول أبي هريرة، وفيه أيضاً استدلال أبي هريرة على فرضيتها على المأموم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - – فيما يرويه عن الله عز وجل: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) فقد سماها صلاة فلم تكن لتسقط بحال. وهذه أدلة ظاهرة في فرضها. فالراجح مذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد. وأما الإجابة على ما استدل به الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام: أما الآية الكريمة: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} فهي آية عامة في الصلاة وفي غيرها.
وعلى القول بأنها في الصلاة كما هو مذهب عامة المفسرين فإنها عامة في قراءة الفاتحة وغيرها، وحديث عبادة خاص فالحديث يخصصها. أما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وإذا قرأ فأنصتوا) فهذه اللفظة قد قال البيهقي (أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة) وذلك لتفرد سليمان التيمي عن قتادة بها، وعامة أصحاب قتادة – كهمام وهشام الدستوائي وحماد بن سملة وغيرهم - لم يذكروا هذه اللفظة في حديثه، وممن أعلها البخاري وأبو داود وأبو حاتم وغيرهم. وعلى القول بتصحيحها فالجواب عنها: أنها عامة وحديث عبادة خاص. وأما حديث أبي هريرة الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإني أقول ما لي أنازع القرآن) فكذلك حديث عام وحديث عبادة خاص فيخصص بالعموم. وفي حديث عبادة التصريح بالتخصيص، ففي رواية لأبي داود عن عبادة: (مالي أنازع القرآن فلا تقرؤوا بشيء إلا بأم القرآن) . وأما قوله: (فانتهى الناس عن القراءة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -) فإنه ليس من قول أبي هريرة فيكون له حكم الرفع، بل هو من قول الزهري كما بين ذلك أبو داود في روايته، ونص على ذلك الإمام البخاري وأبو داود وأن هذه اللفظة من قول الزهري. ومما يقوي ما تقدم من التخصيص بحديث عبادة أن هذا هو مذهب أبي هريرة راوي هذا الحديث، فقد تقدم أنه قال: (اقرأ بها في نفسك) فهذا قوله. وأما حديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) فالحديث لا يصح، بل اتفق الحفاظ على تضعيفه، قال البخاري: (لا يثبت هذا الحديث عند أهل العلم من أهل العراق وأهل الحجاز وغيرهم لإرساله وانقطاعه) . فتبين من ذلك القول بفرضيتها كما هو مذهب الشافعية ورواية عن أحمد. فما استدلوا به إما حديث ضعيف وإما حديث عام وحديث عبادة خاص فيخصص به العموم، على أنه سيأتي بيان لما يكون مخرجاً للإنصات والاستماع لقراءة الإمام في مسألة السكتة بعد قراءة الفاتحة من الإمام.
فعلى القول بها وهو الراجح لا يكون هناك إشكال فإن الإمام يسكت فيقرأ المأموم فاتحة الكتاب وحينئذ يستمع للفاتحة ويقرأ هو فاتحة الكتاب. قال: (ويستحب في إسرار إمامه وسكوته) أي يستحب للمأموم أن يقرأ بفاتحة الكتاب في إسرار إمامه وسكوته ويستحب ذلك ولا يجب وهما قولان في المذهب. فالقول الأول: أنه يستحب للمأموم إذا سكت الإمام أو كان في سرية أن يقرأ بفاتحة الكتاب. فعليه: لا يجب أن يقرأ بفاتحة الكتاب في الصلاة السرية وإنما ذلك مستحب، وكذلك لا يجب عليه إذا كان الإمام يسكت بعد قراءة الفاتحة. واستدلوا: بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) وتقدم ضعف الحديث. والقول الثاني في المذهب: أنها تجب في سكوت الإمام وإسراره فيجب عليه أن يقرأ في الصلوات السرية بفاتحة الكتاب. واستدلوا: بأن الأحاديث المتقدمة إنما هي فيما إذا جهر الإمام لقوله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} وحديث: (وإذا قرأ فأنصتوا) فهذه تخصص حديث عبادة فيما إذا جهر الإمام، أما إذا أسر الإمام فلا. وهذا القول أصح على القول بأن القراءة لا تجب على المأموم وإلا فقد تقدم وجوبها على المأموم مطلقاً لكن المسألة المتقدمة على المشهور في المذهب من عدم وجوب قراءتها على المأموم. مسألة: هل يستحب للإمام أن يسكت بعد فاتحة الكتاب ليقرأ المأموم أم لا؟ قولان لأهل العلم هما: فالمشهور عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية ومذهب الأوزعي: أن ذلك مستحب. وذهب الأحناف والمالكية وهو اختيار المجد ابن تيمية، وشيخ الإسلام: إلى أنها لا تستحب أما أهل القول الأول فاستدلوا: بما رواه أبو داود وهو ثابت في المسند وسنن ابن ماجه من حديث سمرة قال: (حفظت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سكتتين إذا كبر وإذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وفي رواية: (وإذا فرغ من القراءة) .
فهذا فيه أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - سكتتين، سكتة إذا كبر للافتتاح وهي السكتة التي يقفها الإمام والمأموم لقراءة دعاء الاستفتاح، ويدل عليها حديث أبي هريرة المتقدم في سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التكبير. والسكتة الثانية: إذا قرأ " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " والحديث صححه ابن حبان وقواه ابن القيم وابن حجر وحسنه الترمذي وهو كما قالوا والحديث أعل بعلتين: الأولى: أن الحديث من رواية الحسن عن سمرة، والحسن لم يسمع من سمرة. الثانية: أنه فيه تدليس الحسن البصري وهو قد عنعن. أما العلة الأولى: فالجواب عنها: أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الحسن سمع مطلقاً من سمرة ومن ذلك حديث العقيقة الثابت في البخاري، وحديثه المثلة الثابت في سنن النسائي وهو قول البخاري وابن المديني وغيرهم، وهما متعاصران والسماع ممكن جداً لا مانع منه فبينهما معاصرة، وسمرة قد سكن البصرة. وأما العلة الثانية: وهي تدليس الحسن، فالجواب: أن تدليس الحسن محتمل عند الأئمة، وقد ورد في البخاري ومسلم وغيرها أحاديث مصححة عند أهل العلم فيها تدليس الحسن لذا ذكره ابن حجر في رسالته في المدلسين، وذكره في الطبقة الثانية وهو من احتمل الأئمة تدليسهم. فعلى ذلك الصحيح أن الحديث صحيح لا علة فيه وله شواهد من الأثر والمعنى.
فمن شواهده الأثرية ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن: (أن عمر بن عبد العزيز كان له وقفتان: وقفة إذا كبر، ووقفة إذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وقد ثبت أن عمر بن عبد العزيز كان من أشبه الناس صلاة بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك مشهوراً عند السلف، ففي البيهقي بإسناد صحيح أن أبا سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف – من كبار فقهاء التابعين – سئل عن القراءة خلف الإمام، وقيل له: (إنا نكون وراء الإمام والإمام يقرأ فقال: اغتنمها في سكتة الإمام إذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين) . وأما النظر فهو أن الله قد أمر بالإنصات والاستماع للقرآن وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقراءة الفاتحة للمأموم كما تقدم فكان حينئذ الجمع بينهما أن يشرع مثل هذا. ومن هنا قال شيخ الإسلام أن الأمر بقراءة الفاتحة مع الاستماع عبث تنزه عنه الشريعة "؛ وذلك لأنه لا يعقل أن يأمر الشارع بالإنصات ثم يأمر بقراءة الفاتحة. وعلى التسليم بما ذكره شيخ الإسلام فإن المخرج منه ما ذكرناه. وقد ذكر ابن القيم هذا الحديث وقواه ثم قال: (وقيل إن هذه السكتة لقراءة المأموم فاتحة الكتاب قال: وعلى هذا ينبغي أن تكون بقدر الفاتحة) . فعلى ذلك الراجح: أنه يستحب للإمام أن يسكت سكتة بقدر الفاتحة ليتمكن المأمومون من قراءتها قال: (وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش) ويعني يستحب للمأموم أن يقرأ بالفاتحة إذا لم يسمع قراءة إمامه كأن يصلي رجل وراء إمامه ولا يسمع قراءة الإمام فإنه يستحب له أن يقرأ بالفاتحة. وعلى القول بالوجوب – كما هو أحد القولين في المذهب – فإنه يجب عليه ذلك. فإذا كان صوت الإمام لا يتضح، بل يصل المأموم ما يسمى بالهمهمة فهل يستحب له أن يقرأ أم لا؟ المشهور في المذهب أنه لا يستحب له ذلك.
الثاني في المذهب: وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام وهو الراجح: أنه يستحب له؛ لئلا يخرج عن كونه قارئاً أو مستمعاً – وهذا على القول بأنها لا تجب على المأموم – ومتى قلنا بوجوبها فهي واجبة مطلقاً وهذا الترجيح على المذهب وعلى القول في المسألة السابقة بالوجوب فإنه يجب لئلا يخرج المأموم عن كونه قارئاً أو منصتاً، وهنا الإنصات ممتنع لأن القراءة لا تتضح له. وأما إذا كان لا يسمع قراءة الإمام لطرش: (وهو ما دون الصمم) : فالمشهور في المذهب: أنه لا يقرأ. والقول الثاني في المذهب: أنه يستحب له أن يقرأ ما لم يكن في ذلك تشويشاً على جاره في الصلاة وهذا القول الراجح. وعلى القول بالوجوب تجب. قال: (ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه) رجل جاء والإمام يقرأ فكبر فهل يستحب له أن يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام؟ قال: هنا يستحب وأولى من ذلك في سكوت الإمام أي في صلاة سرية ونحو ذلك. أما حال سكوته فإنه يستحب – كما تقدم – لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمأموم يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . لكن هنا إذا كان الإمام يجهر فهل يستحب أن يستفتح ويستعيذ أم لا؟ قال: يستحب له وهو المشهور في المذهب. قالوا: لأن قراءة الإمام لا تغني عن استعاذته واستفتاحه تحملاً، فالإمام إنما يحمل عنه القراءة والإمام قد أسر بالاستفتاح والاستعاذة فلم يجهر بهما فلم يتحمل ذلك عن المأموم فكان مستحباً له. وعن الإمام أحمد: أنه لا يستحب ذلك، وهذا القول أصح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول أكثر العلماء وأنه لا يستحب أن يستفتح، لقوله تعالى: {وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} . وإنما استثنينا الفاتحة للدليل المتقدم. أما الاستفتاح فلم يرد دليل يدل على استثنائه، فلا يشرع له أن يستفتح، بل يسمع وينصت.
وأما الاستعاذة، فالأظهر استحبابها على القول بفرضية الفاتحة؛ لأنها تبع للقراءة، وعلى القول بوجوب الاستعاذة، فتجب. مسألة: هل ما يقضيه المسبوق هو أول صلاته أو آخرها؟ رجل دخل مع الإمام، فأدرك ركعتين من الصلاة، فهل ما يدركه هو أو صلاته أو آخرها؟ إن قلنا: إنه أول الصلاة، فيستحب له أن يستفتح ويستعيذ ويقرأ السورتين. وإن قلنا: إنه آخر صلاته، فلا يستحب له أن يستفتح. قولان لأهل العلم، عما روايتان عن الإمام أحمد: الرواية الأولى، وهي المشهورة عند الحنابلة: أن ما أدركه هو آخر صلاته؛ نظراً لصلاة الإمام، وما يقضيه هو أولها. واستدلوا: برواية النسائي: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) . قالوا: والقضاء إنما يكون للفائتة، فدل على أن ما يصليه قضاء، فيشرع فيها قراءة سورة مع الفاتحة ونحو ذلك. الرواية الثانية، وهو أصح: أن ما أدركه هو أول الصلاة، وما يقضيه هو آخرها. للرواية الصحيحة المتفق عليها في هذا الحديث: (وما فاتكم فأتموا) ، ولفظ الإتمام إنما يكون في آخر الشيء. وأما لفظة (فاقضوا) ، فإن القضاء في عرف الشارع ليس بمعنى القضاء في عرف الفقهاء – وهو ما يكون للفوائت -، بل القضاء في عرف الشارع هو الأداء والإتمام نفسه، كقول الله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} ، أي إذا أديتموها، وغير ذلك من الأدلة الشرعية. فالقضاء هو الإتمام. ويدل عليه النظر الصحيح، فإن النظر يدل على أن المصلي تكون صلاته بحسب نفسه، وهو إنما قد صلى أولها، فكانت أولاً، وبقي عليه أن يتمها، وأما الإمام فإنما يتابع فيما لا يؤثر في صلاة المأموم، أما أن يؤدي ذلك إلى تعطيل صفة صلاة المأموم عن صفتها الشرعية فلا. فالراجح أن ما يصليه المأموم إتمام؛ لحديث: (وما فاتكم فأتموا) . وأما لفظة (فاقضوا) فهي بمعنى الإتمام، على أن لفظة الإتمام أصح منها؛ لثبوتها في الصحيحين.
والقضاء يأتي في عرف الشارع بمعنى الأداء، كما يأتي بمعنى الشيء الفائت، والحديث المتقدم يبين أن المراد به الأداء. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده، فإن لم يفعل عمداً بطلت) هذه مسائل في متابعة الإمام في الصلاة. اعلم أن للمأموم مع الإمام أربع أحوال: الحال الأولى: المتابعة. الحال الثانية: المسابقة. الحال الثالثة: التخلف. الحال الرابعة: المقارنة. أما الحالة الأولى: وهي المتابعة التي أمر الشارع بها، فقد ثبت في سنن أبي داود والحديث أصله في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما جعل ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) . والمتابعة أن يفعل المأموم ما فرض عليه من أفعال الصلاة عقيب إمامه وأثره كما يدل عليه: (فإذا كبر فكبروا) فإن الفاء للتعقيب فتفيد الترتيب مع التعقيب فلا يفعل الركن قبل إمامه متراخياً ولا معه ولا بعده (1) بل يكون عقيب فعل إمامه له. أما الحالة الثانية: فهي المسابقة: وهي ما ذكرها المؤلف هنا وهي: أن يفعل الركن قبله ويشرع فيه قبله وهي حرام باتفاق العلماء؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال – من حديث أبي هريرة -: (أما يخشى أحدكم – أو قال: ألا يخشى أحدكم – إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار) والشك فيه من شعبة وقد رواه الطاليسي في مسنده من وجه آخر بغير شك (أن يجعل الله رأسه رأس حمار) . والمسابقة لها صورتان:
الصورة الأولى: أن يسبقه إلى الركن فينتظره ويأتي بالركن معه، كأن يسبقه إلى الركوع فينتظر حتى يركع الإمام فيرفع رأسه معه. الصورة الثانية: أن يفعل الركن قبله، ومثله لو سبقه بركعتين أو أكثر، كأن يرفع من الركوع قبل إمامه، أو يرفع ويسجد. قال المؤلف: (من ركع أو سجد قبل إمامه) هذه الصورة الأولى فيما إذا سبقه إلى الركن فركع قبل أن يركع إمامه أو سجد أو رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل إمامه قال: (فعليه) ، إذن الصلاة تصح (أن يرفع ليأتي به بعده، فإن لم يفعل عمداً بطلت) . فيجب عليه إذا سجد أو ركع قبل الإمام ونحو ذلك أن يعود إلى الإمام ثم يأتي بالركن بعده، فمن ركع قبل إمامه فيجب عليه أن يعود فيركع بعد إمامه. . (فإن لم يفعل ذلك عمداً بطلت صلاته) : هذا القول الأول وهو المشهور في المذهب. والقول الثاني في المذهب – بعكسه – قالوا: الصلاة تصح، فإذا أتى بالركن بعد الإمام فالصلاة تبطل؛ لأن في الصلاة زيادة فإذا سبق الإمام إلى الركوع فلا يجوز له أن يرجع إلى الإمام فيأتي به بعده، لأن هذا الفعل يتضمن زيادة في الصلاة فوجب عليه أن ينتظره فيأتي بالركن معه. والقول الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار طائفة من أصحابه وهو مذهب أهل الظاهر: أن الصلاة تبطل، والمراد أن يتعمد السبق لأنه فعل في الصلاة فعلاً من جنسها لا يشرع فيها على وجه التعمد. فإنه إذا سبق الإمام فقد أتى بالركن على صفة غير مشروعة وما كان في الصلاة من شيء أتى به على صفة غير مشروعة فإنه يبطل الصلاة. وهذا القول أرجح، وأن الصلاة تبطل بذلك لثبوت النهي عنه ولأنه فعل في الصلاة على وجه غير مشروع يبطلها عمده وقد تقدم أن تعمد الركوع مبطل للصلاة فهنا قد [فعل] فعلاً في الصلاة غير مشروع فيها على وجه التعمد فبطلت به الصلاة. قال: (وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالماً عمداً بطلت)
هذه الصورة الثانية: وهي ما إذا سبقه بركن ففعله قبل إمامه، فتبطل الصلاة بذلك إن كان عامداً، ويستدل لهذا بأنه فعل الركن على هيئة غير مشروعة وكل عمل ليس عليه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو رد، فهو فعل غير مشروع وعلى وجه الزيادة وقد حصل ذلك على وجه التعمد فأبطل الصلاة. قال: (وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلت الركعة فقط) تقدم أن في مسابقة الإمام صورتين. الصورة الأولى: فيما إذا سبقه إلى الركن لكنه لم يرفع منه حتى ركع إمامه فأتى به مع الإمام، فقد تقدم أنه إن فعل ذلك عمداً فالصلاة تبطل على الراجح. فإن فعله ساهياً أو جاهلاً فإن الصلاة صحيحة باتفاق العلماء للعذر، وقد تجاوز الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. الصورة الثانية: إذا سبقه إلى ركن أو ركنين فإن فعل ذلك عمداً بطلت الصلاة، فإن فعله جاهلاً أو ناسياً بطلت الركعة فقط؛ لأنه قد فعل الركن على هيئة غير مشروعة فكما لو لم يفعله فكان مردوداً أو كان في حكم من لم يفعله، فهو وإن كان جاهلاً أو ناسياً لكنه وضع في غير موضعه فكان كأنه قد ترك هذا الركن فتكون الركعة باطلة. ومحل ذلك حيث لم يأت به مع الإمام. صورة إتيانه به مع الإمام: سبقه إلى ركن فرفع منه ناسياً فعلم أن إمامه لم يركع فركع مع الإمام فلا يضره ذلك وتصح ركعته، فيكون قد زاد في الصلاة زيادة على وجه السهو أو الجهل فلم يضره ذلك. إذاً إن كان منه نسيان أو جهل فسبق الإمام بركن أو ركنين فلا يخلو من حالتين: أن يأتي به معه فإنه حينئذ لا يضره ذلك ويعتد بركعته. ألا يفعله مع الإمام بل فات فلا يعتد بركعته. قال: (وإن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه بطلت إلا الجاهل والناسي ويصلي تلك الركعة قضاء) هنا: فيما إذا سبقه بركنين فقد رفع وسجد قبل رفعه، فهي كالمسألة السابقة تماماً فلا فرق بين أن يسبقه بركن أو ركنين، فتبطل بها الصلاة عمداً.
وإن كان جاهلاً أو ناسياً فإنه يصلي تلك الركعة قضاء إن لم يأت بها مع الإمام أما إذا أتى بها مع الإمام فإنها لا تضر. أما الحالة الثالثة: فهي التخلف وهي مثل المسابقة عند الفقهاء، والتخلف: هو أن يفعل الركن بعد إمامه متراخياً، وله صورتان: أن يكون ذلك بأن يدرك الإمام في الركن كأن يدرك الإمام في آخر ركوعه، فهنا الصلاة صحيحة باتفاق العلماء، لكنه ترك ما يشرع له من المتابعة بل الظاهر أنه ترك ما وجب عليه من المتابعة. أن يتخلف عنه بركن أو ركنين، كأن يركع الإمام ثم يرفع أو يسجد كذلك والمأموم قائم فهي كحكم السابقة المتقدمة. فيقال: إن تخلف عنه بركن أو ركنين عامداً بطلت صلاته، وأما إن كان جاهلاً أو ناسياً فلا تبطل الصلاة، لكن الركعة تبطل لأنها قد اختلت بفعل ركن أو ركنين منها على وجه غير مشروع فكما لو لم يفعلهما فكان في حكم التارك لركن أو ركنين. أما الحالة الرابعة: فهي المقارنة: وهي أن يفعل الركن مع الإمام بأن يركع أو يسجد أو يكبر للإحرام معه ونحو ذلك فهي مكروهة عند أهل العلم. إلا أن التكبير معه تكبيرة الإحرام فإن الصلاة لا تصح، ومثل ذلك ما إذا سبقه – عندهم – بتكبيرة الإحرام؛ لأنه عقد صلاته قبيل تمام انعقاد صلاة الإمام فتكون متعلقة بعدم فلا تصح، لأنها قد سبقت انعقاد صلاة إمامه، وإن قارنه فإن صلاة الإمام لم يتم انعقادها بعد فتكون باطلة – وهذا مذهب جمهور العلماء. أما المقارنة بغير تكبيرة الإحرام كأن يسلم معه ونحوه فهي مكروهة عندهم والصلاة صحيحة.
- وذهب بعض العلماء من الحنابلة: إلى أن الصلاة تبطل أيضاً مع التعمد، وهو قول قوي، لأن الشارع قد أمره بفعل الركن بعد إمامه وعقيبه كما في الحديث المتقدم: (فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر) ففيه أمر المصلي أن يكون ركوعه وسجوده عقيب فعل إمامه وذلك متضمن للنهي عن أن يكون ذلك مع إمامه، وحيث فعل ذلك فيكون مخالفاً لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - تاركاً لهديه فتبطل به الصلاة ويكون الركن واقعاً غير مشروع. وهذا هو الأظهر وأنه إن فعل ذلك متعمداً فتبطل الصلاة، أما ناسياً أو جاهلاً فتصبح الصلاة للعذر. فالصحيح أنه مبطل لها؛ لأن الشارع أمر بالمتابعة وأوجبها، والمقارنة ترك للمتابعة فهي ترك لما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكل أمر على غير هديه وسنته مما يفعل تعبداً فهو مردود على صاحبه فكان ذلك باطلاً غير صحيح. هذا الأظهر. فإن قيل: ما هو أصل الحنابلة في أنه يعود إلى إمامه؟ فالجواب: ما رواه البخاري في صحيحه معلقاً عن ابن مسعود قال: (لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود فمن رفع قبل إمامه فليسجد ثم ليمكث قدر ما سبقه به) ولا يعلم له مخالف. لكن هذا الأثر ليس ظاهراً في أن ذلك في ما كان على وجه التعمد بل يحتمل أن يكون ذلك على وجه السهو والجهل. فعلى ذلك: يبقى القول بأن من سها أو جهل فإنه يعود إلى إمامه فيأتي بالركن بعده؛ لأن ما فعله فقد فعله في غير موضعه ولا أثر له لأنه في غير موضعه. * عندما يكون الإمام قد أسرع في فعل شيء من الأركان كالفاتحة فهل يتمه المأموم ثم يتابعه أم يدع الركن الذي هو فيه متابعاً لإمامه؟ الظاهر أنه يفارقه لكن ليس مطلقاً بل نوع مفارقة بقدرها لضرورة تعذر، فإذا جازت المفارقة لعذر عن الصلاة كلها، فأولى من ذلك – أن يجوز للعذر – المفارقة في بعض أركانها. هذا ما استظهره شيخنا. مسألة:
أتى والإمام قائم ومعه وقت لا يكفي لقراءة كل الفاتحة، فما الحكم؟ الأظهر أنه يقرأ الفاتحة بقدر ما يتمكن من ذلك وحينئذ يتحمل عنه الإمام ما بقى فإذا كان الإمام يتحمل الفاتحة كلها فأولى من ذلك بعضها. مسألة: ما هو المعتبر في متابعة الإمام؟ في الأصل أن المتابعة مربوطة بالتكبير كما في الحديث السابق. لكن الأصل في قضية المتابعة أن تكون في فعل الأفعال، فلو تراخى الإمام في التكبير فالعبرة هي في الفعل، فمتى فعل الإمام الركن فعله المأموم وإن تأخر في تكبيره لأننا النبي - صلى الله عليه وسلم - ربطنا بالفعل عقيبه، فلو تأخر في التكبير فلم يفعل إلا بعد تكبيرة أدى ذلك إلى أن يكون فعلنا ليس عقيب فعله فتكون مخالفة من الإمام أدت إلى مخالفة السنة فلا عبرة بتكبيره. أما هل يتابع الإمام عند بداية انحطاطه أم إذا وقع ساجداً تبدأ بفعل حركات السجود؟ روى البخاري عن البراء قال: (كنا إذا صلينا وراءه - صلى الله عليه وسلم - لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي - صلى الله عليه وسلم - ساجداً) . لكن ليس هذا مطلقاً بل حيث كان يعلم أنه يدرك الإمام أما إذا علم أنه لا يدركه إذا فعل ذلك فيعفى عن ذلك؛ لإدراك الركن وهو مقدم على فعل ما يستحب من أن يكون شروعه بعد وقوع الإمام ساجداً. إذاً: إذا استقر الإمام راكعاً أو ساجداً شرع المأموم في الحركات المؤدية للركوع أو السجود إلا أن يخشى فواتاً فيرجح خلاف ذلك لإدراك الركن. مسألة: كبر إمام وكبر المأمومون خلفه ثم شك في تكبيره فكبر مرة أخرى، فما الحكم في المأمومين؟ فالأظهر أن تكبيرهم صحيح فلا يعيدوه لأن تكبيرهم وقع صحيحاً فلا دليل على إبطاله كما لو كبروا مع إمام فتبين محدثاً فاستخلف فكبر ذلك المستخلف، فالتكبير حينئذ يكون صحيحاً منعقداً لا شيء فيه. الحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله: (ويسن للإمام التخفيف مع الإتمام) . تدل عليه السنة قولاً وفعلاً.
أما قولاً: فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف) - وفي البخاري: (والكبير) وفي مسلم: (وذا الحاجة) - وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) . وثبت في الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطول بنا، قال: فما رأيت رسول - صلى الله عليه وسلم - في موعظته أشد غضباً منه يومئذ فقال: (إن منكم منفرين فأيكم صلى للناس فليخفف فإنما يصلي وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة) ، وفي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل: (أتريد أن تكون يا معاذ فتاناً) وفيه: (فإنه يصلي وراءك الضعيف والكبير وذو الحاجة) ، وثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعثمان بن أبي العاص: (أنت إمامهم واقتد بأضعفهم) أي اقتد بصلاتك طولاً وقصراً بأضعف القوم وهم ذوو المرض والكبار وذوو الحاجات. وأما فعلاً: ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (ما كان أحد أخف صلاة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في تمام) فهذه الأحاديث تدل على استحباب التخفيف للإمام. وضابطه عند الحنابلة: أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وغيره من أجزاء الصلاة، فهذا ضابطه في المشهور من المذهب وذلك بأن يسبح الله في ركوعه وسجوده ثلاثاً وهكذا. واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن المستحب له أن يصلي كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي، قال شيخ الإسلام: (وينبغي أن يفعل غالباً ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل غالباً ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيد وينقص للمصلحة) .
ومما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينقصه للمصلحة ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إني لا دخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به) فهنا كان يخفف للمصلحة. كما أنه كان يطيل لها كما أنه كان يقرأ بالأعراف والأنفال في صلاة المغرب ونحو ذلك، فيفعل ذلك الإمام لبيان ذلك واستحبابه ولئلا يعتقد أن قراءة القصار من السنة المداومة عليها. وليس ذلك – أي التخفيف - تبعاً لشهوة المأمومين كما قرره ابن القيم رحمه الله، بل ذلك التخفيف بالنظر إلى فعله، وما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليأمر الناس بالتخفيف ويخالفه، لذا قال ابن عمر – كما في النسائي بإسناد صحيح قال -: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بالتخفيف ويقرأ بالصافات) ليبين ابن عمر أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتخفيف لا يخالفه قراءته بالصافات. فعلى ذلك الظاهر مذهب شيخ الإسلام وتلميذه: من أن المستحب للإمام أن يقرأ كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ وكذلك السجود والتسبيح وغيرها، وذلك هو التخفيف المشروع. قال: (وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية) يسمى له تطويل الركعة الأولى أكثر من الركعة الثانية كما تقدم في حديث أبي قتادة المتفق عليه وفيه أنه قال: (وكان يطول الركعة الأولى) ، فالسنة تطويل الركعة الأولى وتقصير الركعة الثانية. والظاهر أنه لا أثر للتفاوت اليسير بين الركعة الأولى والركعة الثانية وإن كان ذلك من نصيب الثانية، وهذا هو الذي ذلك دلت عليه السنة، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بسبح والغاشية، والغاشية أطول من سبح وهذا تفاوت يسير. ومن ذلك أن الفلق أقصر من سورة الناس بشيء يسير وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بالفلق في الأولى وبالناس في الثانية.
وظاهر المذهب مطلقاً في قصار السور وغيرها، كما أطلق ذلك في الفروع، والأظهر اختصاصه بالقصار. قال: (ويستحب انتظار داخل ما لم يشق على مأموم) هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعية، لكن إن شق على أحد من المأمومين فلا يسن له ذلك. واستدلوا: بما رواه أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطيل الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم) . والقول الثاني: مذهب الأحناف والمالكية وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه لا يستحب له ذلك. واستدلوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) قالوا: وكونه ينتظر الداخل فذلك مدعاة إلى الإسراع من الداخل وفيه تشويش على الإمام والمأموم في انتظار الداخل، وفيه مشقة في الغالب على بعض المأمومين. وأما الحديث الذي استدلوا به: فالحديث ضعيف فإن فيه راو مجهول. وهذا القول هو الأظهر؛ لظهور أدلته، وهو رواية عن الإمام أحمد. قال: (وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها) لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر – بإسناد لا بأس به – (وبيوتهن خير لهن) ، ونحوه من حديث أبي هريرة في المسند وسنن أبي داود بإسناد صحيح: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن وليخرجن تفلات) أي غير متطيبات وغير متزينات. وقد ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً) فنهى عن مس الطيب والزينة وتخرج تفلة. إذن: لا تمنع المرأة ويكره منعها.
ولعل الصارف لهذا الحديث عن التحريم الذي هو ظاهر قوله: (لا تمنعوا) - فالصارف فيما يظهر: - أن المصلحة الدينية غير ثابتة، بل المصلحة الدينية تثبت لهن في صلاتهن في البيوت لقوله: (وبيوتهن خير لهن) فلو كان المصلحة دينية لهن لكان النهي للتحريم، لكن لما قال: (وبيوتهن خير لهن) كانت المصلحة لهن أن يصلين في بيوتهن كان المنع ليس محرماً بل مكروهاً، وإن كان ظاهر كلام الموفق ابن قدامة التحريم. لكن الأظهر ما ذهب إليه الجمهور من كراهية ذلك؛ لأن المصلحة لهن أن يصلين في بيوتهن. قال: (وبيتها خير لها) وقد تقدم الحديث الثابت في مسند أحمد من حديث أبي حميد الساعدي. وتقدم أنه يمنعها إن خشي ضرراً أو فتنة، قالت عائشة كما في مسلم: (لو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ما أحدث النساء " أي من الطيب والزينة في الذهاب إلى المسجد " لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل) فإذا ثبتت الفتنة أو الضرر فإنها تنهى سداً للذريعة. ومثل ذلك أنها تنهى أن تذهب منفردة كما ذكر ذلك الحنابلة؛ لأن انفرادها مظنة الفتنة. أما إذا كانت غير منفردة أو في طرق ممتلئة بالذاهبين والآيبين فإنها ليست في حكم المنفردة، فرجع ذلك إلى أمن الطريق بإن كان آمناً لكثرة الذاهب والآيب ولا يخشى عليها فتنة. أما إذا كان انفرادها مظنة للفتنة فإنها تمنع. إذن: المشهور في المذهب أنها تمنع إن كانت منفردة وظاهر ذلك مطلقاً. والأظهر: ألا تمنع مطلقاً بل تمنع إن كانت منفردة وظنت الفتنة كأن تكون الطرق غير آمنة، فإن كانت الطرق آمنة فإنها لا تمنع. والحمد لله رب العالمين. فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الأولى بالإمامة) قال هنا: (الأولى) وفيه أن ما يذكره من الأحكام من تقديم الأقرأ فالأفقه في الإمامة أن ذلك سبيله سبيل الأولية لا سبيل الوجوب والفرضية، وهذا باتفاق العلماء.
فإن خولف ذلك فلا بأس لكن الأولى ذلك. يدل على ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) . فهذا يدل على أنه إن صلى أحدهم ممن يحسن القراءة أجزأ ذلك وصح، لكن أولاهم بذلك وأحقهم به هو الأقرأ. قال: (الأقرأ العالم فقه صلاته) الأقرأ هو الأولى بالإمامة للحديث المتقدم: (وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) ، ولما ثبت في مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً " أي إسلاماً " وفي رواية " سناً " ولا يؤُمّنّ الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه) . ففي هذا الحديث تقديم الأقرأ لكن بالشرط المتفق عليه بين أهل العلم – وهو ما ذكره المؤلف بقوله: (العالم فقه صلاته) أي الذي يعلم من الصلاة ما يحسنها بتمام شروطها وأركانها وواجباتها، فإن كان جاهلاً بأحكام الصلاة التي لا تصح ولا تقوم إلا بها فلا يقدم وإن كان هو الأقرأ. وقول: (الأقرأ) قال في الشرح: (جودة) وهذا هو المشهور عند الحنابلة وغيرهم فهو مذهب الجمهور، وأن الأقرأ هو الأجود قراءة أي الذي يحسن القراءة فيخرجها من مخارجها الصحيحة وغير ذلك من شروط القراءة الشرعية الصحيحة. والقول الثاني في مذهب أحمد والشافعي وهو خلاف المشهور في مذهبيهما: أن المراد الأكثر قراءة. لحديث عمرو بن سلمة في البخاري قال: (جاء أبي من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: جئتكم من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حقاً، فقال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً) . فهذا يدل على أن الأكثر قرآنا يقدم على الأجود الأقل حفظاً.
والمسألة فيها تفصيل، وهو أن يقال: الأكثر يقدم إن كان مجوداً وتلاوته صحيحة، وإن كان غيره أرجح منه، أما إن كان غير مجيد للتلاوة وله لحن فإمامته مكروهة، كما اتفق العلماء على ذلك – والمقصود اللحن غير المحيل للمعنى – فحينئذ يقدم عليه الأجود وإن كان أكثر منه حفظاً. إذن: الراجح هو التفصيل في هذا، أن يقال: إن الأكثر يقدم لكن ليس مطلقاً بل حيث كان مجوداً لتلاوته وإن لم يكن أجود من غيره لكن تلاوته صحيحة ليس فيها لحن وإن كان غيره أتقن تلاوة. لكن إن كان في قراءته لحن فإنه يكون مرجوحاً على من كان أقل منه قراءة. فالراجح التفصيل، ودليل ذلك قوله: (ليؤمكم أكثركم قرآناً) ولم يعلقه بالجودة مع اختلاف الناس فيها فإنه يحتمل أن يكون هناك من هو أقل منه قراءة وهو أجود، مع العلم أنه في العهد الذي كان فيه مثل عمرو بن سلمة حيث كانت اللغة العربية هي اللغة الدارجة عندهم لا يقال لوجود اللحن في القراءة – لقوله: (ليؤمكم أكثركم قرآناً) فكلهم مجيدون للتلاوة لأن القرآن نزل بلغتهم فحينئذ يكون التفاضل بالرجوع إلى الأكثر قرآناً. قال: (ثم الأفقه) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) أي بالفقه وهذا باتفاق العلماء بل جمهور العلماء على أن الأفقه يقدم على الأقرأ – خلافاً للمشهور عند الحنابلة من أنه يقدم عليه الأقرأ. واستدل الجمهور: بأن أبا بكر كان يؤم الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان منهم أبي بن كعب وقد قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وأقرؤهم لكتاب الله أبي) فكان أقرأ من أبي بكر ومع ذلك فقد قدم عليه أبا بكر في الإمامة. والجواب على ذلك أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قدم أبا بكر توطئة لخلافته، لذا استدل الصحابة على أخصية أبي بكر بالخلافة بتقديم النبي - صلى الله عليه وسلم - له في الإمامة.
وجواب آخر أن يقال: معلوم أن أبا بكر كان شبيه النائب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يسمر معه وعمر في مصالح المسلمين، فكان كنائب السلطان ونائب السلطان أحق بالنيابة من غيره عند غياب السلطان فالراجح ما نص عليه الحديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) . ويقدم الأفقه على الفقيه فيما إذا كان كلاهما فقيه. ويقدم الأفقه في أحكام الصلاة على غيره ممن هو أفقه في أبواب أخرى كالجنايات والبيوع، لأن قوته في الفقه في أبواب الصلاة متعلقة بالصلاة وهو سبب في أدائها على أتم ما يكون وأكمل. قال: (ثم الأسن) يعني الأكبر سناً، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) وسيأتي بيان الحق في هذه المسألة. قال: (ثم الأشرف) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (قدموا قريشاً ولا تقدموها) رواه أحمد. والأشرف المراد به القرشي، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الإمامة في قريش) وشيخ الإسلام لا يرى التقديم بالنسب، قال في الإنصاف: "ولم يقدم تقي الدين بالنسب " وذكره – أي صاحب الإنصاف – عن أحمد وصوَّبه. وهو ظاهر، لأن الحديث الوارد في إمامة قريش إنما هذا في الإمامة العظمى. فإن قيل: ألا تقاس الإمامة الصغرى على الكبرى؟ فالجواب: أولاً إن هذا القياس المذكور يقتضي أن يقدموا على الأقرأ كما قدموا على الأفضل والأصلح ممن هو ليس من قريش. ثم أيضاً: إنما كانت الإمامة في قريش لأنهم رأس العرب وبهم تجتمع الأمة وتقوى شوكتها وتتآلف، ويبعد أن تتآلف على غيرهم فلذلك وضعهم الله في هذا الموضع وليس هذا في الصلاة فهي محل للعبادة الدينية أما هناك فلأنها تقوم بها مصالح الدنيا والدين. قال: (ثم الأقدم هجرة) وهذا هو المشهور في المذاهب
وظاهر كلام الإمام أحمد واختار ذلك طائفة من أصحابه: أن الأقدم هجرة يقدم على الأسن والأشرف. فيكون الترتيب: الأقرأ فالأفقه فالأقدم هجرة أو سلماً أي إسلاماً. ودليل ذلك الحديث المتقدم فإن فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً، وفي رواية: سناً) ، فهنا قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأقدم هجرة على الأقدم سناً. فإن قيل: فما الجواب على حديث مالك بن الحويرث؟ فالجواب: أنهم كانوا متقاربين في العلم والهجرة، فلذا كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمرهم أن يتقدم أكبرهم، ففي أبي داود قال: (وكنا متقاربين في العلم) وكانت هجرتهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت واحد. وهذا القول الراجح، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد واختيار طائفة من أصحابه. فالأقدم هجرة يقدم ثم بعد ذلك الأقدم سلماً، وهو يرجح على الأسن؛ لأن الأقدم سلماً أكبر سناً في الإسلام ولا شك أن من كان إسلامه سابق لغيره فهو أرجح في الأصل من غيره، إلا أن يكون هناك مرجح آخر من علم أو فقه أو غير ذلك. ثم بعد ذلك الأسن. فعلى الراجح يكون الترتيب: الأقرأ ثم الأفقه ثم الأقدم هجرة ثم الأقدم سلماً ثم الأسن. قال: (ثم الأتقى) لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ، ولا شك أنه عندما تستوي التي تقدم ذكرها من المرجحات وهي (القراءة والعلم والهجرة والسلم والسن) فإن الأتقى له مزية على غيره. وقال بعض الحنابلة: الأتقى يقدم على الأشرف. وهو أصح، ولكن مع ذلك تقدم ترجيح كلام شيخ الإسلام: من أن النسب ليس له محل في هذه المسألة أصلاً. قال: (ثم من قرع) أي في القرعة، فتوضع القرعة بينهم لدخول المسألة في القاعدة الشرعية وهي إذا استوى الناس بالاستحقاق لشيء ما ولم يكن ثمت طريق للجمع بينهم فإنه يسلك باب القرعة.
وقبل ذلك من يختاره الجيران فهو مرجح. ومن كان أعمر للمسجد وبقاؤه أصلح لإمامة لمسجد، فهذا مرجح. وقد يكون الأشرف يقدم ولكن هذا من باب الترجيح وليس أصلاً. فالقول بأن الأشرف حيث استوت سابقٌ للقرعة قول قوي؛ لأنه يعتبر مرجحاً، ويكون على قول من قدم الأتقى على الأشرف فيكون من باب المرجحات. قال: (وساكن البيت وإمام المسجد أحق إلا من ذي سلطان) وقال: (ساكن البيت) ولم يقل (ورب البيت) ؛ لأنه قد يكون مستأجراً وإذا قيل (رب البيت) ، ظن أن ذلك للمالك فقط، لذا قالوا بتقديم المستأجر على المؤجر وتقديم المستعير على المعير؛لأنه أحق – حينئذ – بالبيت. وذلك للحديث المتقدم: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه إلا بأذنه) ، وفي رواية لأبي داود: (ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه إلا بأذنه) ، وفي الترمذي وأبي داود بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من زار قوماً فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم) . فلا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في مسجده إلا بأذنه، فهذا أحق بالإمامة وإن كان الزائر أقرأ أو أفقه أو نحو ذلك إلا أن يأذن إمام المسجد أو ساكن البيت. (إلا من ذي سلطان) : فصاحب السلطان له الأحقية؛ لأن له عموم الولاية ومثل ذلك نوابه من الأمراء وغيرهم فلهم أن يتقدموا في أي مسجد أو أي بيت شاؤوا؛ لأنه لهم الولاية العامة. قال: (وحر وحاضر ومقيم وبصير ومختون، ومن له ثياب أولى من ضدهم) فالحر أولى من العبد، والحاضر أولى من البدوي، والمقيم أولى من المسافر، والبصير أولى من الأعمى، والمختون أولى من الأقلف، ومن له ثياب يستتر بها كمال الستر أولى ممن له ثياب يستر بها عورته فحسب. ولم أر دليلاً يدل على ما ذكره الحنابلة هنا.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرؤهم) يدخل في ذلك العبد والحاضر والمسافر والبدوي وغيرهم – وإن كان من هذه الأشياء التي ذكرها المؤلف ما يكون مرجحاً. فلا شك في ترجيح إمامه المقيم على إمامة المسافر مع التساوي، ولا شك بتقديم المختون المطبق للسنة على الأقلف الغير مطبق لها، فيقدم؛ لأنه أطوع لله عز وجل وأكثر تطبيقاً للسنة. أما أن يكون هذا أولى مطلقاً فليس بصحيح. فإذن: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله مطلقاً، أما في مسائل الترجيح فإنه يرجح مثل من تقدم كالمقيم وغيره. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تصح خلف فاسق ككافر) أي لا تصح الصلاة خلف الفاسق كما أنها لا تصح خلف الكافر، فالصلاة خلف الكافر فقد اتفق أهل العلم على بطلانها. وهنا يقيس الفاسق في الإمامة على الكافر بجامع أن كلا منهما لا يقبل خبره لمعنى في دينه، فهذا للكفر وهذا للفسق. وفي ابن ماجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يؤمن امرأة رجلاً ولا أعرابي مهاجراً ولا فاجر مؤمناً) لكن الحديث إسناده ضعيف جداً. فالمشهور من المذهب: أن الصلاة خلف الفاسق باطلة لا تصح. وهل المقصود بالفاسق من ظهر فسقه أم من خفي؟ قولان للحنابلة: الأول: أن المقصود من ظهر فسقه. الثاني: أنه وإن خفي فسقه فحكمه كذلك. واستثنوا من ذلك صلاة العيد والجمعة، فقالوا: تصح خلف الفاسق؛ لأن صلاة الجمعة والعيد تكون في الأصل وراء إمام واحد فهذا هو أصل مشروعيتها ففي إبطالها وراء الفاسق تفويت لها. وعليه فإذا كانت الجمعة تصلى مع أكثر من إمام وكذلك في العيد فيجب أن يتحرى الإمام العدل. فرأوا بطلان الصلاة خلف الفاسق لكن إن رأى أن المصلحة في الصلاة وراءه ودرء المفسدة بذلك صلى وأعاد صلاته. وله أن يصلي معه بنية المفارقة فيقتدي به في الظاهر وينوي في الباطن مخالفته.
وإن كان مجهول الحال لم تثبت عدالته ولم يثبت فسقه فيصح الاقتداء. والمستحب عدم ذلك وذلك - أي صحة الصلاة خلفه –؛ لأن الأصل في المسلمين العدالة. وكذلك عندهم الحكم في المبتدع فالفسق يدخل فيه الفسق في الاعتقاد والفسق في العمل. أما الفسق في الاعتقاد فهو أن يفعل بدعة لا تكفره، وأما الفسق بالعمل فهو أن يفعل كبيرة أو يصر علي صغيرة. فإذن: الصلاة خلف الفاسق باطلة سواء كان فسقه في الاعتقاد أو الفعل، هذا هو تقرير مذهب الحنابلة. وذهب جمهور أهل العلم: إلى أن الصلاة صحيحة، واستدلوا بأدلة كثيرة من السنة: ما ثبت في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطؤوا فلكم وعليهم) وما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أئمة الجور: (صلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة) فصححها النبي - صلى الله عليه وسلم -. وبما رواه أبو داود في سننه من حديث مكحول عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) وفي إسناده انقطاع، ومع ذلك فهو أصح مما استدل به أهل القول الأول وله شواهد تدل عليه. وبما رواه الدارقطني بإسناد ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلوا خلف كل من قال لا إله إلا الله وعلى كل من قال لا إله إلا الله) قالوا: وعليه عمل السلف الصالح، فقد كانوا يصلون وراء أئمة الجور مع ثبوت فسقهم، كما صح ذلك عن أبي سعيد الخدري في الصحيحين، وعن ابن عمر في البخاري، وعن الحسن والحسين في البيهقي وابن أبي شيبة حتى حكاه بعضهم إجماعاً للصحابة، والمراد في صلاتهم خلف من كان فسقهم فسق عمل.
كما ثبت في البخاري أن عثمان أتاه عبيد الله بن عدي بن الخِيَار (1) فقال له - وهو محصور –: " إنك إمام عامة وقد نزل بنا ما ترى وإنه يصلي بنا إمام فتنة فقال عثمان: (الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإن أحسنوا فأحسن معهم وإن أساؤوا فاجتنب إساءتهم) وقال الحسن البصري كما في البخاري: (صل وعليه بدعته) . فهذا القول هو الذي تعضده الأدلة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعال الصحابة. لكن اتفق أهل العلم على كراهية الصلاة خلف الفاسق المبتدع وأنهم لا يولونه الإمامة، إلا أن يترتب على ذلك مفسدة أو فوات مصلحة أو يحتاج إلى الصلاة خلفه فحينئذ يصلى خلفه والصلاة صحيحة، لكن إن أمكنه أن يصلي مع غيره فهو المشروع في حقه. وأما الكافر فقد اتفق أهل العلم على عدم صحة الصلاة خلفه سواء كان كافراً أصلياً أو مرتداً أو صاحب بدعة مكفرة أخرجته من الإسلام كالرافضة والجهمية على قول طوائف كثيرة من السلف. وأما الصلاة خلف من جهلت عقيدته، فقد ذكر شيخ الإسلام اتفاق العلماء على صحة الصلاة خلفه وأنه لا يشرع امتحانه أو سؤاله. وهو كما قال شيخ الإسلام لأن الأصل في المسلمين حسن الاعتقاد لكن يستثنى من ذلك، حيث كان مظنة سوء الاعتقاد كأن يأتي من بلاد تشتهر فيها البدعة فإنه يسأل عن الاعتقاد؛ لأنه مظنة العقيدة التي تعتقدها أهل بلده. أما إذا كان من بلد أصحابها أهل سنة وعقيدة فلا يشرع سؤاله ولا امتحانه بل يصلى خلفه وإن جهل اعتقاده.
وحكى شيخ الإسلام أيضاً: أن من أنكر صحة الصلاة خلف المخالف في المذهب فإنه قد خالف الكتاب والسنة وإجماع السلف وأنه ضال مبتدع، وذلك مع صحة اعتقاده في الإمام، لأن الصحابة كان بينهم خلاف في مسائل كثيرة – من الفروع مما يسوغ فيه الخلاف في مسائل الطهارة والصلاة ونحو ذلك - ومع ذلك كان بعضهم يصلي وراء بعض من غير نكير لذلك فمخالفتهم مخالفة للسنة، كأن يصلي خلف من لا يعتقد نقض الوضوء بأكل لحم الجزور وهو يعتقد ذلك. قال: (ولا خلف امرأة) باتفاق العلماء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة) لكن هل تستثنى النافلة؟ في رواية عن الإمام أحمد: استثناؤها. وعن الإمام أحمد وهو اختيار أكثر أصحابه وهي من مفردات المذهب: أن الصلاة خلف المرأة في التراويح صحيحة جائزة. وقيده بعضهم: بأن تكون ذات محرم. وقيده بعضهم بأن تكون عجوزاً – أي كبيرة في السن –. إلا فإطلاق بعضهم أنها تصلي مطلقاً - هذا في الحقيقة - من الغرائب. لكن قالوا: تصلي خلفهم ولا تصلي أمامهم. وهل يقتدون بها بمطلق الصلاة أم بالقراءة فقط؟ قولان: الأول: أنهم يقتدون بها في مطلق الصلاة. الثاني: أنهم يقتدون بها في القراءة فحسب، فتسمعهم القراءة ثم يركعون ويسجدون مع إمام آخر. ودليلهم: ما رواه أبو داود في سننه: عن أم ورقة بنت نوفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يزورها وكانت قد جمعت القرآن فجعل لها مؤذناً وأمرها أن تؤم أهل بيتها) والحديث إسناده ضعيف لجهالة في عين بعض رواته. ولو صح فالحديث عام في الفريضة والنافلة وقد ذهب إليه بعض العلماء وأن الصلاة صحيحة خلفها فرضاً ونفلاً، لكن هذا ضعيف باتفاق العلماء –في الحديث -: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) قال: (ولا خنثي للرجال) لاحتمال أن يكون امرأة، وهو من التبس في أمره خلقةً فلم يثبت بعد أذكر هو أم أنثى، وهذا هو الخنثى المشكل.
فإن تبين أنه ذكر صحت، وإن تبين أنه أنثى لم تصح وذلك إذا ظهر. أما قبل الظهور فلا تصح الصلاة خلفه لاحتمال أن يكون امرأة وهذه من المسائل النادرة. قال: (ولا صبي لبالغ) الصبي: هو ابن سبع أو ست أو خمس سنين ممن ثبت تمييزه. فالصبي لا يجوز أن يؤم البالغين في الفرض، أما في النفل فتصح. هذا هو المشهور في المذهب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه) قالوا: والصبي يصلي بنية النفل، والبالغ يصلي بنية الفرض وهذا اختلاف في النية بينهما، وقد قال: (فلا تختلفوا عليه) وهذا بناء على أنه لا تصح الصلاة خلف المخالف بالنية – وسيأتي الراجح – إن شاء الله. وذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن صلاة الصبي صحيحة بالبالغين فرضاً ونفلاً، لحديث عمرو بن سلمة وفيه: (فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآناً فقدموني وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين) رواه البخاري. فهذا فعل الصحابة، وهو عموم الأدلة الشرعية: (يؤمكم أكثركم قرآناً) وأما ما ذكروه من اختلاف النية فإن هذا الحديث لا يفسر به على الصحيح. بل تفسر بالاختلاف في الأفعال الظاهرة كما دل عليه الحديث في قوله: (ولا تركعوا حتى يركع) وأما المخالفة في النية فإنه لا أثر لها على الصحيح وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فالراجح أن الصلاة خلف الصبي فرضاً ونفلاً صحيحة لحديث عمرو بن سلمة الذي رواه البخاري وغيره. وأما النفل فاتفق العلماء على صحتها من الحنابلة وغيرهم؛ لأن النفل له نفل ولهم نفل فالنية غير مختلفة. قال: (ولا أخرس ولو بمثله) الأخرس: هو الذي لا ينطق. فلا تصح إمامته لأنه ترك ركناً من أركانها وهو الفاتحة بغير بدل. ثم إن الإمامة قوامها القراءة والتكبير والتسميع وهذا لا يكون منه، وهو باتفاق العلماء. لكن إن كان بمثله؟ فالمشهور في المذهب: أنه لا يصح. وقياس المذهب وهو اختيار بعض الحنابلة: صحة ذلك.
لكن يجب أن يقيد هذا – مع ترجيحه – بألاَّ يوجد إمام غير أخرس فيصح أن يقتدي به. قال: (ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام) فالمذهب أنه لا يجوز أن يولى الإمامة من كان عاجزاً عن القيام أو القعود أو الركوع أو السجود. وقيَّدوه " إلا بمثله "، لذا ذكرنا أن قياس المذهب صحة الصلاة بمثله في الأخرس. فلا تصح إمامة العاجز عن الركوع أو السجود أو القعود إلا بمثله. وهذا هو المشهور في المذهب. وذهب الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى صحة إمامته لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله) وهو وإن ترك الركوع والسجود أو القيام أو القعود أو نحو ذلك من الأركان التي لا تتأثر بها الإمامة إنما تركه على سبيل العذر فهو معذور في ذلك ومن صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره ولا دليل شرعي يمنع من ذلك. وكونه عاجزاً عن فعلها هو معذور في ذلك فلا مانع من إمامته. وهذا هو الراجح لعمومات الأدلة الشرعية. ومن صحت صلاته، صحت إمامته. قال: (إلا إمام الحي المرجو زوال علته) يستثنى من ذلك - أن في صحته أن يصلي قاعداً – مثلاً - إمام الحي الراتب إن أصيب بعلة يرجى زوالها. وهنا قيدان اثنان: القيد الأول: أن يكون إمام الحي. القيد الثاني: أن يكون مرجو زوال علته. واستدلوا: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمَّ على ذلك، ففي الصحيحين عن عائشة في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: (فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان يصلي بالناس جالساً وأبو بكر يصلي قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر)
وقال بعض الحنابلة وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: قال لا يشترط ذلك لعدم الدليل عليه، ولأن الأحاديث عامة في ذلك: (وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) فلا يقيد بالإمام الراتب ولا بمرجو زوال العلة؛ ولأنه معذور في نفسه، صحيحة صلاته، وقد ترك ركناً لا يؤثر بالمأمومين تركه – أي من حيث الائتمام –، فلم يكن ذلك مؤثراً في اقتدائهم، فصحت الصلاة خلفه. وهذا القول أظهر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما صلى بهم لا يظهر لنا أنه كان مرجو زوال العلة فقد كان ذلك في مرض موته، وقد خشي الصحابة عليه الموت كما هو مشهور في قصة مرضه - صلى الله عليه وسلم -، فلا يُسلَّم – أنه كان مرجو زوال العلة. قال: (ويصلون وراءه جلوساً ندباً) إن صلى جالساً فإنهم يصلون وراءه جلوساً، بخلاف ما إذا ترك الركوع أو السجود فإنهم يسجدون. أما إن صلى جالساً فيصلون وراءه جلوساً لحديث: (فإن صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين) وثبت في مسلم عن عائشة قالت: (اشتكى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه بعض أصحابه يعودونه فصلى بهم جالساً وصلوا قياماً فالتفت إليهم وأشار أن اجلسوا) . وفي مسلم نحوه من حديث جابر وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود) " ندباً ": فلا يجب ذلك، فلو صلوا قياماً صحت صلاتهم ولم يتركوا بذلك واجباً من واجبات الصلاة. هذا هو المشهور في المذهب. وقال بعض الحنابلة: بل ذلك فرض عليهم أي الجلوس. واستدل أهل القول الأول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل صلاتهم لما صلوا خلفه قياماً. أما دليل أهل القول الثاني: فهو أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، قوله: (إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود) وهو تشبه بهم والتشبه بهم محرم.
فعلى ذلك يجب عليهم أن يصلوا قعوداً وعليه: إن صلوا قياماً بطلت صلاتهم. وأجابوا عما استدل به أهل القول الأول، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل صلاتهم؛ لأنهم فعلوا ذلك جهلاً، فعذرهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا نظائر كثيرة وقواعد الشريعة تدل عليه. وهذا القول الراجح. قال: (فإن ابتدأ لهم قائماً ثم اعتلَّ فجلس أتموا خلفه قياماً وجوباً) هذا استثناء: وهو أنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائماً فشرعوا في الصلاة في حال القيام ثم اعتلَّ الإمام فجلس فإنهم يتمون صلاتهم قياماً كما شرعوا فيها قياماً. إذن المسألة السابقة: حيث كان الإمام مبتدئاً جالساً فكبَّر بهم تكبيرة الإحرام جالساً. أما إن شرع بهم قائماً ثم جلس فإنهم يتمون الصلاة قياماً. واستدلوا: بحديث أبي بكر المتقدم فإن فيه أن أبا بكر صلى بالناس قائماً فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فجلس عن يسار أبي بكر فكان المأمومون مع إمامهم الأول قد شرعوا في الصلاة قائمين ثم اعتلَّ الإمام حيث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم وبه علته المقتضية للجلوس، فأتموا صلاتهم قائمين. 1- هذا المشهور في المذهب من الجمع بين حديث أبي بكر وحديث: (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) فالجمع: أن يقال: إن صلى جالساً من أول صلاته فإنهم يصلون خلفه جلوساً أجمعين. أما إن اعتل أثناء الصلاة فجلس، أتموا صلاتهم قائمين لحديث أبي بكر، وهو مذهب طائفة من أهل الحديث وهو اختيار ابن المنذر وابن خزيمة. 2- وقال جمهور العلماء: يصلون خلفه قياماً مطلقاً سواء ابتدأ الصلاة جالساً أو اعتلَّ أثناءها، لحديث أبي بكر. قالوا: وحديث أبي بكر في مرضه فهو حديث ناسخ للأحاديث المتقدمة فهو الحديث المتأخر. والراجح ما ذهب إليه الحنابلة لأن الجمع أولى من النسخ. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله: (وتصح خلف من به سلس البول بمثله)
فتصح الصلاة خلف من به سلس بول وهكذا كل من به حدث متجدد كأن تصلي المستحاضة بغير المستحاضة، وهكذا في كل من ثبت به الحدث المتجدد، فتصح الصلاة خلف من به سلسل البول بمثله. ومفهومه أنها لا تصح إن كان يصلي بمن ليس فيه سلس بول. - هذا هو المشهور في المذهب، وأن إمامة من به سلس بول لا تصح إلا أن يؤم مثله. ودليله ما تقدم: لكونه عاجز عن شرط، وقد تقدم العجز عن الركن وهنا عجز عن الشرط وهو الطهارة. - وقال بعض الحنابلة: تصح؛ لأنه وإن كان عاجزاً عن الطهارة فهو عجز بعذر به وصلاته صحيحة ولا ينقص ذلك من صلاته شيئاً، فلا وجه – حينئذ- لإبطال صلاته. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الراجح، فإنه قد صلى صلاة صحيحة وقد ترك شرطاً من شروطها معذوراً فيه لكونه عاجز عنه. قال: (ولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلك) فإذا علم الإمام أنه محدث أو متنجس فالصلاة باطلة أي صلاة المأمومين، أما الإمام فصلاته باطلة بالإجماع، لكن الخلاف في صلاة المأمومين خلفه: فالمذهب أن صلاتهم باطلة لا تصح، فيما إذا صلى وهو محدث أو متنجس يعلم ذلك فصلاته باطلة إجماعاً، وصلاة المأمومين كذلك باطلة أيضاً. وظاهره سواء علم المأموم طهارته أو نجاسته أو لم يعلم ذلك فالحكم إنما هو بعلم الإمام، هذا هو المشهور في المذهب. وذهب الشافعية: إلى القول بأن الصلاة صحيحة، وهو اختيار شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن سعدي. قالوا: المأموم ليس منه تفريط ولا خطأ بل قد عمل ما يجب عليه من الاقتداء، وكون الإمام يكون محدثاً أو غير ذلك هذا تفريط من الإمام وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)
وهذا هو القول الراجح، لأن هذا المأموم صلى خلفه صلاة صحيحة واقتدى به والخطأ إنما هو من جهة الإمام والتفريط إنما هو من جهته ولا ينسب إلى المأموم تفريط ولا خطأ فكانت صلاته صحيحة. وعلى القول الراجح – وهو قول الشافعية -: إذا علم أثناء الصلاة بحدث إمامه أو نجاسة ثوبه أو بدنه فيجب عليه أن ينفرد بالصلاة فيصلي خلفه منفرداً أو بجماعة، فإن ائتم به ولو لحظة عالماً بطلت صلاته؛ لأنه عقد صلاته بمن لا تصح إمامته فكانت الصلاة باطلة. قال: (فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت لمأموم وحده) فإن جهل الإمام فالضمير الظاهر " هو " يعود على الإمام، فإن جهل الإمام والمأموم حتى انقضت صحت للمأموم وحده. أما كون صلاة الإمام تبطل فللإجماع المتقدم، وأن من صلى محدثاً بطلت صلاته وإن كان جاهلاً أو ناسياً. وأما من صلى بنجاسة فقد تقدم ترجيح أن من صلى بنجاسة جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة. فهنا: إذا جهل الإمام بالحدث أو النجس على المذهب، وجهل المأموم بالحدث أو النجس – على المذهب – حتى انقضت الصلاة، صحت للمأموم وحده لأنه معذور بالجهل، هذا على خلاف القياس عند الحنابلة. لذا ذهب طائفة منهم إلى أن الصلاة تبطل أيضاً ولو كان الإمام جاهلاً، وهو القياس عندهم وإنما خالفوه هنا لثبوت الأثر عندهم عن عمر وعثمان وعلي كما روى ذلك الأثرم وابن المنذر. إذن: المشهور من المذهب – لآثار ذكروها عن عمر وعثمان وعلي عند الأثرم وليس كتابه بين أيدينا فننظر في سنده، وذكره ابن المنذر، تركوا القياس لذلك وإلا فالقياس - أن الصلاة باطلة، وهو رواية عن الإمام أحمد أي البطلان. وقوله: " حتى انقضت " يدل على أنهم لو علموا أثناء الصلاة لبطلت.
بمعنى: صلى الإمام جاهل بالحدث والمأموم كذلك جاهل بحدث الإمام فعلموا جميعاً أو علم أحدهم أثناء الصلاة بطلت ووجب على من علم الاستئناف، فهذا أي قوله " حتى انقضت " قيد مقيد، فهو يدل على أن الإمام أو المأموم لو ثبت من أحدهما أو جميعاً العلم بالحدث أثناء الصلاة وجب استئناف الصلاة، أي تبطل الصلاة من الجميع، هذا هو المشهور في المذهب. وعن الإمام أحمد: أنها لا تبطل بل يبني المأموم، فإذا قطع الإمام صلاته أثناء الصلاة فتذكر حدثاً فقطعها، فإن المأموم يتم صلاته سواء أتموها جماعة أو فراداً، هذا هو الراجح؛ لأن صلاة المأمومين قد ثبتت صحتها وانقطع الإمام عن الصلاة لعذر فكان لهم أن يتموها منفردين أو جماعة ولا دليل على بطلان هذه الصلاة والمأموم لم يحدث منه خطأ ولا تفريط. وهي أولى من المسألة السابقة إذا تمت صلاتهم أو لا فرق بينهما، فكما أنهم لو أتموا الصلاة صحت فكذلك إذا علم الحدث أثناءها. أما على القول المرجح وهو مذهب الشافعية: فإن هذه المسائل كلها ظاهرة الرجحان، فسواء كان التذكر أثناء الصلاة أو بعدها فعلى مذهب الشافعية الذي تقدم ترجيحه أن صلاة المأموم صحيحة، بل لو كان الإمام يعلم ذلك حتى أتم الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة، وهذا أولى من جهل الإمام. * القاعدة – على الراجح –: أن الإمام إذا صلى جاهلاً أو ناسياً أو عالماً متعمداً فصلاة المأمومين صحيحة مطلقاً إلا أن يثبت العلم فتبطل صلاة من علم؛ لأن علمه يزيل عذره فيكون – حينئذ – مخطئاً مفرطاً. ومذهب الحنابلة: أنه إذا علم أحد المأمومين ثبت الحكم للجميع فبطلت. وهو ضعيف ظاهر الضعف. لذا ذهب الموفق وهو مذهب القاضي إلى أن الحكم على من علم فحسب، فمن علم الحدث في الإمام فيجب عليه أن ينفرد عن إمامه. قال: (ولا إمامة الأمي وهو من لا يحسن الفاتحة أو يدغم فيها ما لا يدغم أو يبدل حرفاً أو يَلْحَن فيها لحناً يحيل المعنى إلا بمثله)
أي لا تصح إمامة الأمي. والأمي هو من لا يحسن الفاتحة أي لا يحفظها. أو " يدغم فيها ما لا يدغم " فحينئذ يذهب حرف من حروف الفاتحة. أو " يبدل حرفاً بحرف " كالألْثَغ (1) وهو الذي يبدل حرفاً من الحروف الهجائية بحرف آخر كالراء غيناً أو نحو ذلك. أو " يلحن فيها لحناً يحيل المعنى " كأن يقول " إياكِ " أو " أنعمتَ (2) " أو " أهدنا " من الهدية. " إلا بمثله " فتصح إمامته. فتقرير المذهب: أن الأمي لا يصح أن يؤم غيره إلا من كان مثله. وقوله " إلا بمثله " مطلق وظاهره وإن كان للمأموم الذي لا يحسن الفاتحة إمام آخر يمكنه أن يأتم به وهو قارئ. هذا ظاهر إطلاقه. وذهب بعض الحنابلة: أن ذلك لا يجوز، بل إنما يجوز ذلك للضرورة أي عند عدم الإمام القارئ. وهذا القول الراجح. هذا ما اتفق أهل العلم من عدم صحة إمامته إلا بمثله. - وذهب بعض أهل العلم إلى أن إمامة الأمي صحيحة مطلقاً، وهو رواية عن الإمام أحمد ورواية عن الإمام مالك وقول قديم للإمام الشافعي واختاره طائفة من أصحابه كالمزني وأبي ثور وابن المنذر. وذلك لأنه عاجز عن ركن من أركان الصلاة وهو الفاتحة فكان كالعاجز عن القيام، ومحل هذا حيث كان عاجزاً كما ذكروا كالألثغ، أما إذا كان يمكنه التعلم ويقدر على إصلاح الفاتحة فإنه لا يجوز الائتمام به ولا تصح إمامته. وهذا قياس قوي ظاهر. ومع ذلك فالأحوط مذهب الجمهور، وقلت: الأحوط، لأن الترجيح غير بيّن ظاهر في هذه المسألة فالتجاذب بين الدليلين قوي. والفارق بين ما ذكروه من الأصل والفرع فارق يترتب الحكم عليه حيث قلنا: هو مؤثر أو غير مؤثر. فالفارق: أن العاجز عن القيام والقعود ونحو ذلك عجزه عن القيام والقعود لا يؤثر في صلاة المأموم.
بخلاف العاجز عن قراءة الفاتحة فإن الصلاة قرآن كما قال تعالى {وقرآن الفجر} ويرفع صوته ليسمع المأموم لاسيما على القول بأن الإمام يتحمل عن المأموم فاتحة الكتاب، فإن هذا يكون قولاً ظاهراً جداً. أما على القول الراجح وهو أن الإمام لا يتحمل عن المأموم الفاتحة فيكون ذلك أضعف. فهنا قراءة الإمام مؤثرة بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فلتأثير القراءة في الإمامة قدم الأقرأ على غيره، حتى يقدم على من هو أفقه ومن هو أسن ومن هو أقدم هجرة وغيره، فالقراءة لها أثر في الصلاة ومع ذلك فكما تقدم القول بصحة إمامته قول قوي وهو رواية عن الإمام أحمد، ورواية عن الإمام مالك، والقول القديم للشافعي وهو اختيار طائفة كابن المنذر وغيره، وهو قول قوي لكن الأحوط العمل بما ذهب إليه الجمهور. قال: (وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته) أي إن قدر على إصلاح هذا اللحن الذي يحيل المعنى أو قدر على أن يحسن الفاتحة فيحفظها لم تصح صلاة نفسه فضلاً عن أن تصح إمامته فصلاته باطلة، وهذا محل الخلاف في المسألة السابقة، فصحة إمامته وعدمها إنما هو حيث كان عاجزاً عن إحسان الفاتحة أو إزالة الخطأ الواقع منه فيها. أما إذا كان قادراً على ذلك فإن صلاته لا تصح لأنه ترك ركنا قادراً عليه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال: (وتكره إمامة اللحَّان) أي لحناً لا يحيل المعنى، أي المكثر من اللحن في الفاتحة وغيرها فإمامته مكروهة، والمراد بذلك اللحن غير المحيل للمعنى. ويمكن أن يدخل فيه اللحن المحيل للمعنى في غير الفاتحة لأنه لا يبطل الصلاة. قال: (والفأفاء والتمتام ومن لا يفصح ببعض الحروف) " الفأفاء " الذي يكرر الفاء عجزاً. " والتمتام " الذي يكرر التاء عجزاً. " ومن لا يفصح ببعض الحروف " كالذي لا يفصح بالقاف أو الضاد.
وهنا في مسألة " الضاد والظاء " كما في الفاتحة " غير المغضوب عليهم ولا الضالين ". ففي الفاتحة الضاد " ض " فإذا قرأها ظاءً فهل تصح الفاتحة أم لا؟ ظاهر قوله " أو يبدل حرفاً بحرف " أنها لا تصح، لأنه إذا قال " ولا الظالين " فإنه قرأ بالظاء التي هي أخت الطاء. هذا هو ظاهر قوله، وهو قول لبعض الحنابلة. والمشهور عندهم: أن الصلاة تصح؛ وذلك لقرب المخرج فيهما، فيتجوز عنهما. وقد قال ابن كثير: " والصحيح عند أهل العلم أن الصلاة تصح لقرب مخرجهما " فكان ذلك سبباً في التساهل والتجاوز وهذا هو القول الظاهر الذي لا يسع الناس إلا القول به وهذا هو المشهور في المذهب. إذن: إبدال الحرفين أحدهما بالآخر يتساهل فيه لقرب مخرجهما. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأن يَؤُمَّ أجنبيةً فأكثر لا رجل معهن) أي ويكره أن يؤم أجنبيةً لا رجل معها سواء كانت أجنبية واحدة أو أكثر من ذلك. لما ثبت في الصحيحين من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخلو رجل بامرأة وليس ثمَّ ذو محرم، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) قالوا: فهذا الحديث يدل على الكراهية. والصحيح في هذه المسألة أن المسألة دائرة بين التحريم والكراهية والإباحة: وأما التحريم: فهو إذا كانت الخلوة محرمة، فإن الإمامة محرمة مع الخلوة، وذلك للحديث المتقدم فإن ظاهره التحريم، والإمامة – حينئذٍ – من الخلوة، فكانت محرمة. وهذا إذا كان في امرأة أو امرأتين فإن مثل هذه الخلوة - حيث كانت مظنة الفتنة والشر فإنها - محرمة. وأما الكراهية: فهو إن لم يكن كذلك بأن كان داعي الفتنة موجود لكنه أضعف فإنها تكون مكروهة. وأما الإباحة فهي مما سوى ذلك.
وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤم النساء ومنهن من يأتي وليس لها محرم ولم يشترط في حضورهن للمساجد المحرم، فدل على الجواز مع أمن الفتنة، ولا كراهية في الإمامة حينئذٍ. وقوله: " لا رجل معهن " ظاهره مطلق رجل، وهو ضعيف، بل المؤثر في هذه المسألة أن يكون هناك محرم أو رجال تزول بعددهم مظنة الفتنة فحينئذٍ لا كراهية ولا تحريم. فإذا كان هناك محرم فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأم سليم في بيتها ومعه أنس - رضي الله عنه - كما في الصحيحين. قال: (أو قوماً أكثرهم يكرهه بحق) أي: أو أمَّ قوماً أكثرهم يكرهه بحق. أما إذا كان يكرهه بغير حق فإن هذا لا يؤثر. مثال كراهيته بحق: أن يكرهه لضعف في دينه أو لضعف في إقامة الفريضة أو نحو ذلك مما يورث كراهيته وهو حق. ومثل ذلك: إذا كرهه لدنيا كأن يكون بينهما شحناء لدنيا، أو شحناء من جنس الشحناء التي تقع بين أهل المذاهب والأهواء فإن الإمامة – حينئذٍ – تكره لأن المقصود من الإمامة الاجتماع والائتلاف وهذا ينافي ذلك، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) . لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي بإسناد حسن: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون) . وإنما يستثنى من ذلك أن تكون الكراهية بغير حق كأن يكره لدينه أو فعله السنة فإن الإمامة لا تكره. لكن استحب القاضي من الحنابلة: استحب له ألا يؤمهم صيانة لنفسه وإلا فإنها لا تكره. وذلك لأن هذا أقام بما يشرع أو يفرض عليه، ومنعه أو كراهية إمامته يؤدي إلى مفاسد كثيرة من ترك السنة وهجرها وإماتتها، ولا يشاء لفاسق أو نحوه أن يحكم بمنع إمامة أحد من أهل الصلاح إلا فعل. قال: [وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما]
فتصح إمامة ولد الزنا ولا تكره، والأولى أن يقال: " ولا تكره "، خلافاً للجمهور الذين قالوا: بكراهيتها؛ قياساً على العبد؛ لأن الإمامة فضيلة، فيمنع منها. لكن هذا ضعيف. والراجح ما ذهب إليه الحنابلة، وهو من مفرداتهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ، وهذا عام، وقال تعالى: {ولا تزور وازرة وزر أخرى} ، وقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} . ثم إنه لا يقاس على العبد؛ لوجود فوارق بينهما، فهو حر له حريته من بيع وشراء وليس ثمة تمليك عليه. ثم إن العبد لا تكره إمامته على الصحيح، لكن الأولى أن يكون حراً. فولد الزنا متى سلم دينه وكان تقياً، فقد قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ، ولا يلحقه من معرة والديه شيء، فقد قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} . " والجندي إذا سلم دينهما ": الجندي هو العسكري، وليس المقصود نوعاً من الجنود، بل عامة من يعمل عند السلطة، من أعوان السلطان والقائمون بشؤون السلطة من شتى أنواع العسكر، فتصح إمامته ولا تكره إذا سلم دينه. لأن ذلك مظنة الظلم، فإن أعوان السلطان مظنة الظلم، فكان الشرط هذا معتبراً وهو أن يكون سالم الدين ومع ذلك فقد قال الإمام أحمد: " أحب إلى أن يصلي خلف غيره " وذلك لأنه مظنة الظلم. ونحن في هذا العصر أعمال العسكر ليست بمرتبة واحدة فأشبهت أعمالاً كثيرة كان يقوم بها في الزمن وغيره. لكن إن كان الجندي من أعوان الظلمة فيمنع من إمامته لأنه ظالم إن أقام بالظلم، وأما إن كان عمله لا ظلم فيه فإنه لا يمنع من إمامته لذا قال: " إذا سلم دينه " لأنه عدل ولا دليل على منعه من الإمامة. قال: (ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه)
كأن تصلي الظهر وراء من يصلي الظهر لكن الإمام بنية الأداء وأنت بنية القضاء، أو هو بنية القضاء وأنت بنية الأداء فصلاة الظهر واحدة لكن الفارق بينهما أن أحدهما بنية الأداء والآخر بنية القضاء فهنا قال: يصح الاقتداء والائتمام؛ لأن الفرض واحد، فليس ثمت اختلاف على الإمام ولا يؤثر في ذلك نية الأداء والقضاء، لأن نية الأداء والقضاء لا تؤثر مع اتفاق الفرض. قال: (لا مفترض بمتنفل) إذا صلى من نوى الفريضة بمن يتنفل، فالإمام بنية النفل والمأموم بنية الفرض، فلا يصح اقتداء المفترض بالمتنفل. وهذا مذهب الجمهور. واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه) قالوا: وكونه ينوي الفرض والإمام النفل هذا اختلاف على الإمام بالنية. وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي واختيار طائفة من أصحاب أحمد كالموفق ابن قدامة وهو اختبار ابن تيمية: أن ائتمام المفترض بالمتنفل صحيح. واستدلوا: بما ثبت في الصحيح من حديث معاذ: (أنه كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيؤم قومه – في مسجد بني سلمة) ، وفي البيهقي والدارقطني ومصنف عبد الرزاق والطحاوي بإسناد صحيح قال: (هي له تطوع ولهم فريضة) وثبت في أبي داود من حديث أبي بكرة في صلاة الخوف: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلى بالطائفة الأولى ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين) فهنا صلى الصلاة مرتين الأولى فريضة، والثانية له نافلة، والثانية كانت بمفترضين. قالوا: أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه) فإن المراد منه الاختلاف الظاهر بدليل سياق الحديث أي ليس له أن يركع قبل ركوعه أو يسجد قبل سجوده أو أن يكون قائماً والإمام جالس وهكذا فهذا هو الاختلاف الظاهر المنهي عنه.
قالوا: ويدل عليه اتفاقنا نحن وأنتم على صحة ائتمام المتنفل بالمفترض وهي عكس المسألة السابقة، لما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة) وهذا اختلاف عليه في النية ومع ذلك صحت الصلاة. وهذا هو القول الراجح. قال: (ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرهما) تقدم أن من صلى الظهر وراء من صلى الظهر ولكن هذا بنية الأداء والآخر بنية القضاء فالصلاة صحيحة. أما هنا فقد اختلفت الصلاة فهذا يصلي الظهر وهذا يصلي العصر فما الحكم؟ قال: " ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرهما " من الصلوات؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه) وهذا اختلاف عليه فإنه يصلي ظهراً والمأموم يصلي عصراً. والجواب عليه كما تقدم. - وذهب إلى صحة ذلك الشافعية ورواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام وهو قول ابن عقيل من الحنابلة: وأن المفترض بنية صلاة تخالف صلاة الإمام أنه لا بأس بذلك. ويدل عليه حديث معاذ فإذا صحت من المفترض خلف المتنفل ومن المتنفل خلف المفترض، فإن هذا يدل على أن النية جائز أن تخالف نية الإمام وأن ذلك لا يؤثر في الصلاة وإنما المنهي عنه الخلاف الظاهر. وعليه: فإذا كانت صلاة الإمام ثنائية، وصلاته رباعية، فإذا سلم الإمام قام فأتم لنفسه كما يقتدي المقيم بالمسافر فإذا سلم قام فأتم صلاته. والعكس كذلك: فإذا كانت صلاة الإمام أكثر من صلاة المأموم، فكان الإمام يصلي العشاء والمأموم يصلي المغرب فإنه إذا قام الإمام للرابعة جلس ثم سلم. الراجح في هذه المسألة كلها ما ذهب إليه الشافعية من الائتمام مع اختلاف النية واتفاق الفعل الظاهر جائز، وقد ثبت له في السنة نظائر كثيرة تقدم ذكر بعضها، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يقف المأمومون خلف الإمام)
اتفاقاً وقد تواترت به السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقمت أنا ويتيم خلفه وأم سليم خلفنا) قال: (ويصح معه عن يمينه أو عن جانبيه) فيصح أن يكون المأمومون عن يمين الإمام أو عن يمينه ويساره اتفاقاً. لما ثبت في مسلم عن ابن مسعود: (أنه صلى هو والأسود بن يزيد وعلقمة – وهما صاحباه – فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره) فهذا يدل على جواز ذلك، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على الوجوب كما هو مقرر في علم الأصول. لذا اتفق أهل العلم على استحباب أن يقوموا وراءه. قال: (لا قدامه) فلا يصح أن يصلي قدام الإمام. والاعتبار بمؤخرة القدم لا بمقدمتها كما تقدم في الكلام على إقامة الصفوف. فإذا صلى قدامه فإن الصلاة تبطل، وهذا مذهب جمهور أهل العلم. قالوا: لأن هذا فعل غير مشروع في الائتمام، وما لم يكن مشروعاً مما يتصل بالديانة فهو مردود، فعليه: العبادة لا تصح لأنه وقف منها وقوفاً غير مشروع في باب الائتمام فبطلت صلاته كما لو وقف خلفه فإنها تبطل،وسيأتي تقريره. فكما أن الوقوف خلف الإمام منفرداً غير مشروع تبطل به الصلاة، فكذلك قدامه بل أولى، لأن من وقف خلف الإمام أمكنه أن يأتمَّ به وهو في معنى الائتمام به ومع ذلك تبطل الصلاة مع تفرده وكونه فذاً فأولى من ذلك تقدمه. قال: (ولا عن يساره فقط) أي ولا يصح أن يصلي عن يساره فقط فتبطل. قالوا: لأنه وقف وقوفاً في الصلاة غير مشروع فبطلت به الصلاة. هذا مذهب الحنابلة. وذهب الجمهور وهو اختيار الموفق وصوبه في الإنصاف واستظهره في الفروع: أن الصلاة لا تبطل بل هي صحيحة.
قالوا: لأن الائتمام يمكن والحالة هذه ولا يناقض الائتمام أن يساويه بل إنما يناقضه أن يتقدم عليه، وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أدار ابن عباس – كما في الصحيحين – من يساره إلى يمينه هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، وهذا القول قول قوي؛ لأن الأصل صحة الصلاة، وقوفه عن يسار الإمام نعم هو يخالف السنة لكن إبطال الصلاة به لم يظهر الدليل الدال عليه. ومما استدلوا به أيضاً: أن ابن عباس لما وقف عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذا جابر جبار لم يبطل الصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يأمرهم بإعادتها مع أنه أمر المسيء صلاته لما أساءها جهلاً أمره أن يعيدها. إلا أن الحنابلة تجاوزوا عن الوقوف الذي لا تتم به الركعة كما سيأتي الكلام عليه عند الصلاة فذاً خلف الصفوف. ومع ذلك فالراجح مذهب الجمهور من أن الصلاة تصح إن وقف عن يسار إمامه لكنه تارك للسنة، لكن هذا الترك لا يناقض الائتمام، فإن من الائتمام ما يكون فيه المأموم محاذياً للإمام – وقد تقدم اتفاق أهل العلم على أنهم إن صلوا عن يمينه ويساره فالصلاة تصح – فثبت أن اليسار موقف للصلاة وإن لم يكن موقفاً هنا، لكنه ثبت كونه موقفاً، فمثل هذا يخفف في حكمه. فالراجح: أنه إن وقف قدامه فالصلاة باطلة، لكن إن كان عن يساره فالصلاة لا تبطل.
واستثنى شيخ الإسلام وهو قول في مذهب أحمد وهو قول إسحاق بن إبراهيم قالوا: إن فعل ذلك لعذر صحت الصلاة، كأن يكون المسجد ممتلأً بالمصلين بحيث أنه لا يمكن أن يصلوا كلهم خلفه أو عن يمينه أو عن يساره فاحتاجوا إلى التقدم عن يمينه أو يساره شيئاً، فإن ذلك جائز لأن المصافة على الصورة المتقدمة واجبة، والواجبات تسقط عند العجز عنها، قال تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} وفي الحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فهذا اتقى الله ما استطاع وصلى كما أمر، عاجزاً عن واجب وهو التخلف عن الإمام في المصافة أو الوقوف عن يمينه أو عن يساره، فـ[إن] عجز [عن] ذلك [و] وقف قدامه فإن الصلاة تصح للعذر، والقاعدة: أن العجز عن الواجب يسقطه. قال: (ولا الفذ خلفه أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة) أي ولا تصح صلاة الفذ خلف الإمام أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة. فلا يصح للمصلي أن يصلي فذاً خلف الصف أو خلف الإمام، ومراده " خلفه " إن كان المأموم واحداً ومثل ذلك: لو كان وراء الإمام صف أو صفوف فوقف وراء الصف منفرداً فإن الصلاة تبطل. ودليل ذلك: ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي بإسناد صحيح، والحديث صححه ابن حبان وهو كما قال، من حديث وابصة بن معبد - رضي الله عنه - قال: (رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة) وفي ابن ماجه وابن حبان بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) ففي الحديث الأول أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد صلاته، وفي الحديث الثاني أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه أنه لا صلاة صحيحة لمنفرد خلف الصف.
وقال جمهور العلماء: تصح الصلاة؛ لما ثبت في البخاري من حديث أبي بكرة – وسيأتي سياقه – أنه ركع دون الصف فدخل في الصف، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بالإعادة فقال: (زادك الله حرصاً ولا تعد) ففيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل صلاته وقد صلى مِنْ صلاته خلف الصف، لكن هذا الاستدلال يخالف الأدلة الصريحة التي تقدم ذكرها. ولحديث أبي بكرة استثنى الحنابلة: من صلى خلف الصف وحده دون الركعة أي لم يرفع من الركوع وهو منفرداً خلف الصف. وفيما من ذكروه فيما يظهر نظر وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة خلف الصف، وأمر من صلى خلف الصف أن يعيد، وفرق بين من وقف في الصف فكبر، وبين من كبر دون الصف وهو يعلم أن له موضعاً فيه فتقدم إليه، فهذا فاعل لما لا يتم الواجب إلا به فهو يمشي راكعاً حتى يدخل في الصف، وأما الآخر فإنه قائم وليس بمتقدم إلى الصف ففرق بين المسألتين. والذي يظهر لي أنه متى صلى خلف الصف بطلت صلاته لعموم حديث: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) وإذا كبر وقام وركع فإن هذا من الصلاة فتكون الصلاة باطلة. إلا أنّ ما يقع ولابد من وقوعه، معفو عنه حيث أن تكبيرة الإحرام تقع ولابد من بعض المأمومين متقدمة على بعضهم فمثل هذا لا يؤثر اتفاقاً. بخلاف ما إذا قام في [خلف] الصف فإنه يظن بقاء نفسه في هذا الموقع وهو غير متأكد من إتيان أحد من الناس إليه. نعم إذا ثبت له إقبال أحد من المصلين فهذا يكون بمنزلة من ركع ودب حتى دخل في الصف، أما حيث لم يظن ذلك فالأظهر هو بطلان صلاته والله أعلم. وظاهر قول الحنابلة: أن الصلاة تبطل مطلقاً سواء كان معذوراً أو غير معذور. فلو أن رجلاً دخل المسجد فنظر فلم يجد فرجة في الصف يمكنه أن يقف فيها فصلى خلف الصف وحده فظاهر المذهب أن صلاته تبطل؛ لأنه قد صلى خلف الصف فيدخل في عموم حديث: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) .
واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أنه إن كان معذوراً في ذلك بحيث أنه نظر فلم يجد فرجة بين الصفوف، ولم يمكنه أن يرص المصلين فيجد فرجة فإنه يصلي خلف الصف وصلاته صحيحة. وهو القول الراجح؛ للقاعدة السابقة المأخوذة من قول الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهي: أن الواجبات تسقط عند العجز عنها. " إلا أن يكون امرأة " فإن المرأة موقفها أن تكون خلف الصفوف باتفاق أهل العلم كما ثبت ذلك في حديث أنس في الصحيحين قال: (فقمت أنا ويتيم خلفه وأم سليم خلفنا) فالمرأة تصف خلف الصف. لكن قوله " إلا أن يكون امرأة " يوهم مسألة تخالف المذهب: فيما إذا صلت المرأة خلف صفوف النساء منفردة وكان يمكنها أن تصلي معهن، فالمذهب قالوا: كذلك يبطل صلاتها قياساً على الرجل والنساء شقائق الرجال. فمراد المؤلف هنا: المرأة تكون خلف الإمام أو تكون خلف صفوف الرجال، أما إذا كانت منفردة خلف صف النساء فإن الصلاة تبطل إن كانت غير معذورة قياساً على الرجل. قال: (وإمامة النساء تقف في صفهن) لما ثبت عن أم المؤمنين عائشة: (أنها كانت تؤم النساء فتقف وسطهن) رواه البيهقي. ونحوه عن أم سلمة أنها كانت تؤم النساء فتقف وسطهن. قالوا: ندباً واستحباباً، فإن وقفت أمامهن كما يقف الرجال فالصلاة صحيحة، وذلك لأن النساء شقائق الرجال، فكما أن الرجل يصلي أمام المصلين فالمرأة كذلك. وتلك الآثار تدل على أن هذا هو المستحب للنساء، أما إن صلت المرأة إمامة متقدمة فإن الصلاة تصح لأن النساء شقائق الرجال. قال: (ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء كجنائزهم) فيلي الإمام الرجال ثم الصبيان ثم النساء. " كجنائزهم ": فكذلك الجنائز في القبر وعند صلاة الإمام يقدم الرجال ثم الصبيان ثم النساء، فعند الصلاة يوضع الرجال مما يلي الإمام ثم الصبيان ثم النساء.
وفي القبر: فعندما يُراد دفنهم في قبر واحد فيوضع الرجل في اللحد ثم يوجه إلى القبلة، وبعده الصبي ثم المرأة، وسيأتي الكلام على هذا في صلاة الجنازة. أما هنا: فذكر المؤلف أنه يستحب أن يلي الإمام: الرجال ثم الصبيان ثم النساء، وهذا باتفاق العلماء، لما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليليني منكم ألو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وروى الترمذي بإسناد فيه شهر بن حوشب وهو مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب أن أبا مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال: (لأحدثنكم بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقام الصلاة ثم صف الرجال ثم صفَّ الغلمان ثم صلى بهم) هذا باتفاق العلماء ودليله حديث مسلم. وأقربهم إلى الإمام أكملهم وأفضلهم. * فإن تقدم إلى موضعه المفضول فهل للفاضل أن يؤخره عن موضعه أم لا؟ قولان لأهل العلم: الشافعية قالوا: ليس له أن يؤخره، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - – كما في مسلم – نهى أن يقام الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه. وقال الإمام أحمد: أنه يجوز له ذلك، لأنه في مكان ليس له، بخلاف من جلس في مجلس فلا يجوز أن يقام منه. واستدل بحديث: (ليليني منكم ألو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وفي مسند أحمد وسنن النسائي بإسناد جيد: من حديث قيس بن عبَّاد أنه صلى مع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتى أبيّ بن كعب فنحاه وقام محله فلما انصرف من صلاته قال: يا بني لا يسوؤك الله فإني لم آتك الذي لم آتيتك بجهل وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كونوا في الصف الذي يليني) فهذا يدل على جواز ذلك؛ لأنه هو الأحق به.
قال الإمام أحمد: " يليه الشيوخ وأهل القرآن ثم الذين يلونهم "، فعلى ذلك: يصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء،، وليس المراد أن يصف الصبيان في صف بمفردهم وإن كان في الصف المقدم الذي فيه الرجال مواضع يمكن للصبيان أن يصفوا فيها، بل المراد أنه إذا تمت صفوفهم صلى الصبيان خلفهم. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو من علم حدثه أحدُهما أو صبي في فرض ففذّ) أي من لم يقف معه في مكانه الذي صف فيه خلف الإمام إلا امرأة أو كافر أو من علم حدثه أحدهما أو صبي في فرض فهذه أربع مسائل فيمن تكون صلاته صلاة فذ: الأولى: إذا كان مصافاً لكافر، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ لأن الكافر لا تصح صلاته فلم تصح مصافته فيكون فذا فتبطل صلاته إلا من عذر. الثانية: مصافة المرأة فيكون فذاً – حينئذٍ –، وهو مذهب الحنابلة خلافاً لجمهور العلماء. قالوا: لأن هذا الموضع الذي تقف فيه المرأة مع الرجل في الصف غير معتد به فكان كعدمه، وهو قول ظاهر. الثالثة: إذا علم حدثه أحدهما: أي إذا علم أحد المتصافين حدث الآخر أو علم المحدث حدث نفسه وإن جهل ذلك المصاف فيكون فذا. وهذه شبهة بمسألة سابقة، فيقال هنا كما قيل هناك من التفصيل، والتفصيل أن يقال: إنْ علم المصلي حدث من صافه فإنه كالفذ، وأما إن لم يعلم فإنه لا يضره ذلك؛ لأنه غير مفرط وإن كان الآخر قد علم حدث نفسه، فكون الشخص يعلم حدث نفسه لا يؤثر في غيره، لكن المؤثر أن يكون الآخر قد علم بالحدث، فحينئذٍ تكون صلاته كصلاة الفذ. الرابعة: " أو صبي في فرض " فمصافة الصبي في الفريضة تصير المصاف له كالمصلي خلف الصف فذاً. قالوا: لأن صلاته نفل، وهذا يصلي مفترض فلم يجز أن يصاف المفترض المتنفل. هذا هو المشهور في المذهب. وقال بعض الحنابلة وهو القول الراجح: إن مصافة الصبي صحيحة كإمامته.
وهذه المسألة تبنى على الإمامة، فحيث قلنا إن إمامة الصبي في الفرض صحيحة، قلنا بصحة مصافته، وإن قلنا أنها باطلة قلنا ببطلان مصافته. وقد تقدم ترجيح صحة إمامته في الفريضة فكذلك صحة مصافته في الفريضة. ويدل على صحتها: حديث أنس المتقدم وإن كان في النافلة لكن ما ثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً: في قوله في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت أم سليم قال: (قمت أنا ويتيم خلفه وأم سليم خلفنا) ولأن إمامته صحيحة فأولى من ذلك أن تصح مصافته ولما ثبت من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا رجل يتجر على هذا فيصلي معه) فإنه يصلي معه ويصافه – أي المتجر – وهو متنفل، وأما الآخر فهو مفترض، فصاف المتنفل المفترض ولم يؤثر ذلك في مصافته شيئاً. فعلى ذلك: الراجح أن الصبي تصح مصافته كما هو قول لبعض الحنابلة. قال: (ومن وجد فرجة دخلها وإلا عن يمين الإمام) إذا أتى من يريد الصلاة فوجد فرجة في الصف فإنه يدخلها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من وصل صفاً وصله الله) وقوله: (ولا تذروا فرجات للشيطان) وقد تقدم تخريجها. " وإلا عن يمين الإمام " فإن لم يجد فرجة في الصف فإنه يقف عن يمين الإمام. - هذا هو المذهب. لأنه موقف للمنفرد مع الإمام، وتصح أيضاً باتفاق العلماء في الجماعة أن يصلي بعضهم عن يمين الإمام وبعضهم عن يساره فثبت موقفاً أصلاً فجاز أن يقف هنا عن يمينه. - وقال بعض الحنابلة: بل يصلي فذاً، وهو اختيار شيخ الإسلام وهذا القول هو الراجح. وإن كان القول بجواز وقوفه عن يمين الإمام جائزاً لأنه موقف في الصلاة، ولأن أبا بكر صلى عن يمين النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان مقتدياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلا بأس أن يصلي عن يمينه إلا أن الأولى أن يصلي وراء الصف فذاً كما هو اختيار شيخ الإسلام وهو اختيار طائفة من الحنابلة. قال: (فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه)
فإذا لم يمكنه أن يقف عن يمين الإمام فله أن ينبه من يقوم معه بنحنحة أو تسبيح أو نحو ذلك من غير جر، بل ينبه لغيره – هذا هو المشهور في المذهب. - وذهب بعض الحنابلة وهو الراجح: أنه يصلي فذاً من غير أن ينبه لأن في تنبيهه شيء من التشويش على المنبَّه، وفيه ترك فرجة في الصف قد لا يوصل فكان الأولى أن يترك المصلي في موضعه ويصلي خلف الصف معذوراً وتصح صلاته. وهل له أن يجرَّ أم لا؟ قال جمهور العلماء: ليس له أن يجرَّه، وهو اختيار شيخ الإسلام وهو المشهور في المذهب وأن ذلك مكروه. وقال بعض الحنابلة وهو اختيار الموفق: أن ذلك لا يكره، لحديث الطبراني من حديث وابصة بن معبد وفيه: (ألا دخلت معهم أو اجتررت أحداً) لكن الحديث إسناده ضعيف جداً فإن فيه راو متروك. وقال ابن عقيل من الحنابلة بتحريم ذلك، وهو قوي لما يترتب على ذلك من تشويش على المأموم، ومن نقل له من محل فاضل إلى مفضول، ومن حركة في الصلاة بلا حاجة، ومِنْ تَرْك فرجة في الصف قد أمر الشارع بسدها، فكان هذا القول فيه قوة، وإن كان المقطوع به هو الكراهية، لكن القول بالتحريم قول قوي. قال: (فإن صلى فذاً ركعة لم تصح) تقدم الكلام على هذا، في أن من صلى خلف الصف فذاً ركعة لم تصح صلاته. وظاهر قوله: " ركعة " ركوعها وقيامها وسجدتيها. فإذا صلى معه أحد قبل أن يتم الركعة أو دخل هو في الصف صحت صلاته– هذا ظاهر كلامه. قال: (وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت) " وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف " بمعنى: رأى الناس راكعين، فركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم دب راكعاً فدخل في الصف، فهل تصح صلاته أم لا؟
1- قال جمهور العلماء: تصح صلاته ويجزئه ذلك، واستدلوا بحديث أبي بكرة في البخاري: أنه انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (زادك الله حرصاً ولا تعد) وفي أبي داود من حديثه: (فركع دون الصف ثم مشى حتى دخل في الصف) وفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال: (كان عبد الله بن الزبير يقول على المنبر: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم ليدب راكعاً حتى يدخل في الصف فإن ذلك السنة) ورواه البيهقي عن أبي بكر بإسناد ضعيف. ورواه عن زيد بن ثابت وابن مسعود وهما من كبار فقهاء الصحابة بإسنادين صحيحين. وهو قول جمهور العلماء. 2- وعن الإمام أحمد: أن الصلاة تبطل للعالم، أما إن كان جاهلاً فصلاته تصح لقوله: (زادك الله حرصاً ولا تعد) لكن هذا معارض لما دلت عليه قواعد الشريعة من أن الجاهل يكون معذوراً بالفعل عن الإثم، لكن يؤمر بالإعادة كما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المسيء صلاته بأن يعيد الصلاة ولحديث عبد الله بن الزبير: (فإن ذلك السنة) إنما نفسر قوله: " زادك الله حرصاً ولا تعد " بالنهي عن الإسراع، ومن ذلك الركوع دون الصف، فإنه إسراع وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فهذا الفعل مكروه، لكنه ليس بمبطل للصلاة ولا محرم هذا القول الراجح – وهو المشهور في المذهب. " أو وقف معه آخر " بأن يكون دخل معه آخر وهو يدب إلى الصف فوقف قبل سجود الإمام. وظاهره أنه لو سجد الإمام السجدة الأولى وهو لم يدخل في الصف أنه لا يدرك بذلك الركعة، ويكون كذلك قد صلى خلف الصف فذاً فبطلت صلاته. وقال في المغني وهو أظهر: قبل تمام الركعة.
وهو أظهر، فلا يقال قبل سجود الإمام وإنما يقال – على الأظهر – " قبل تمام الركعة " لما تقدم – وقد تقدم قوله – " فإن صلى ركعة فذاً ركعة لم تصح " فكذلك هنا قبل تمام الركعة. وعليه: فإن دخل في الصف والإمام ساجد في السجود الثاني أجزأه ذلك. وإن كان ظاهر الأحاديث كحديث ابن الزبير مطلق ذلك، وأنه بتكبيرة الإحرام والركوع يكون بذلك أدرك الصلاة، وإن لم يدرك الإمام إلا بعد تمام الركعة. لكن جمهور العلماء قد اتفقوا على أنه إذا أدركه بعد تمام الركعة فإن الصلاة تبطل ويكون قد صلاها فذاً خلف الصف. إذن: إذا دخل في الصف قبل تمام الركعة أو وقف معه أحد قبل تمام الركعة فإن الصلاة تصح منه، وإن أدركه بعد تمام الركعة فإنه يكون بحكم من صلى خلف الصف وحده، وقد تقدم بطلان صلاته كما هو مذهب الحنابلة، والله أعلم. استدراك: هنا قيد لم يذكره المؤلف – وهو معتبر عند الحنابلة – وهو أن يكون ذلك بقيد خشية فوات الركعة. فإن ركع قبل الصف وكان قد خشي الركعة أجزأه، وإن لم يخش فوات الركعة لم يجزئه. والقول الثاني في المذهب: أنه يجزئه ذلك مطلقاً وإن لم يخش فوات الركعة، ما دام أنه يسعى إلى الدخول في الصف. قالوا: لأن التفريق في مثل هذه المسألة بين خشية فوات الركعة وعدمه تفريقٌ غير مؤثر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فعليه يجوز مطلقاً مع الكراهية، أي سواء خشي فوات الركعة أم لا. والحمد لله رب العالمين فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره ولا من ورائه إذا سمع التكبير، وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين) هنا مسائل: الأولى: في حكم صلاة المأموم مع إمامه في المسجد: فهنا قال: " يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره " إذن يصح اقتدائه وإن لم ير الإمام ولا من وراء الإمام بشرطٍ وهوا أن يسمع التكبير.
كأن يصلي بعض المأمومين في سطح المسجد أو ساحته أو منارته أو في حجرة منه ولم يروا الإمام ولا المأمومين فإن الصلاة تصح بشرط وهو مكان الاقتداء. فإذا أمكن الاقتداء صحت الصلاة بإجماع العلماء. ومثل ذلك: صلاة النساء اللاتي يصلين في غرفة في المسجد مع إمكان الاقتداء بسماع تكبيرة الإمام وقراءته ولو لم يرين الإمام أو المأمومين. وهل يشترط اتصال الصفوف أم لا؟ قالوا: لا يشترط اتصال الصفوف، وهذا باتفاق أهل العلم حتى حكاه المجد بن تيمية إجماعاً ولم أر فيه خلافاً. وهذا يقع في المساجد الكبيرة عندما يصلي بعض الناس متأخراً في مؤخرة المسجد صفاً، والناس يصلون وبينهم وبين هذا الصف مسافات كبيرة، فإن الصلاة تصح باتفاق أهل العلم. ولكن هذا الفعل يكره لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المسلمين بأن يتراصوا في الصفوف كما تراص الملائكة، وهذا خلاف ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ظاهر ذلك التحريم، لكن الصلاة [تصح] باتفاق أهل العلم مع ثبوتهم في المسجد، والمراد إن لم يقف فذاً – على الراجح -. الثانية: عند قوله: " وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين " أي الحكم كذلك إذا صلى المأموم خارج المسجد لكن بشرط أن يرى الإمام أو المأمومين. فلو صلى رجل في بيت بجوار المسجد مرتفع على المسجد يرى الإمام أو يرى المأمومين كما يقع هذا في المسجد الحرام فإن الصلاة تصح لما ذكر المؤلف هنا – هذا هو المشهور في المذهب. - وقال بعض العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب المالكية: لا تشترط الرؤية أيضاً بل الشرط هو إمكان الاقتداء، فإذا كان يسمع التكبير صحت ولو لم يره – وهذا القول أصح من هذا القيد المتقدم – إلا أن في المسألة من أصلها نظراً كما سيأتي. والراجح الثاني: لأن المقصود من الرؤية الاقتداء، وسماع التكبير يحصل به المقصود من الاقتداء فلم تشترط الرؤية.
* لكن النظر هو هل يشترط اتصال الصفوف أم لا؟ 1- قال الحنابلة في المشهور عندهم: لا يشترط ذلك كما هو ظاهر قول المؤلف هنا. وعليه فلو صلى في بيته وسمع القراءة والتكبير فله الاقتداء في مذهب المالكية ومن تقدم ذكره، وفي مذهب الحنابلة إذا كان يرى الإمام وبعض المأمومين. 2- وقال الموفق ابن قدامة رحمه الله: يشترط اتصال الصفوف وهذا هو الراجح، وذلك لأن الإمام والمأموم إذا كانا في المسجد فهما في موضع الجماعة، فتجاوزنا عن اشتراط الاتصال لكونهما في محل الجماعة. أما والحالة هذه - فبعض المأمومين خارج المسجد -، فاشترط الاتصال ليكون حكم الخارج عن المسجد حكم الداخل فيه لوجود الاتصال بينهما وللعذر، فهذا هو القول الراجح، ولولا الإجماع المتقدم المذكور في المسألة السابقة لقلنا باشتراط اتصال الصفوف في المسجد لأنه هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل عمل ليس على هديه فهو رد. فعلى ذلك هنا مسألتان: الأولى: إذا اقتدى المأموم بالإمام في المسجد فهنا لا تشترط الرؤية للإمام ولا لبعض المأمومين، وإنما الشرط هو إمكان الاقتداء، ولا يشترط أيضاً – بإجماع العلماء – اتصال الصفوف، لكنه يجب على الراجح كما تقدم. الثانية: إذا كان المأموم خارج المسجد فالصحيح: أنه يشترط أن يتصل صفه بالصفوف التي في المسجد، وهو اختيار الموفق. ولا يشترط – حينئذٍ – لا الرؤية بل الشرط هو إمكان الاقتداء برؤية أو سماع أو غيره فلا فرق بين الرؤية ولا السماع. مسألة: إن كان بين المأمومين خارج المسجد وداخله – طريق أو نهر أو نحو ذلك – فهل يصح الاقتداء مع إمكانه " أي مع السماع أو الرؤية أم لا؟ قولان لأهل العلم: فالمشهور في المذهب: أن الاقتداء لا يصح لثبوت هذا الفاصل بينهما، فهو كالجدار ونحوه لأنه ليس محلاً للصلاة، فكان كالحجاب الذي يمنع الرؤية.
وقال بعض الحنابلة وهو اختيار الموفق ابن قدامة وهو مذهب الجمهور: يصح الاقتداء لإمكانه، وكون هذا الفاصل بينهما – الذي هو ليس محلاً للصلاة – كونه موجوداً مع كونه لا يمنع الاقتداء، هذا لا يؤثر، فلا يمنع من الاقتداء، وكونه ليس محلاً للصلاة هذا لا يؤثر في الاقتداء. فكون الموضع لا يصلى فيه لا يعني أنه لا يجوز أن يكون فاصلاً بين الإمام وبين المأمومين، فهذه مسألة الصلاة، وهذه مسألة الاقتداء. وهذا هو القول الراجح. فلو فصل بين المأمومين بعضهم عن بعض نهر أو طريق – كأن يصلي الناس في محل بينهم وبين المسجد الجامع طريق، وهذا الطرق لا يمكن أن يشغل بالمصلين لكونه طريقاً لمرور الناس فلا تتم المصلحة إلا بتركه مفتوحاً، فلو قدر مثل هذا فالراجح صحة الاقتداء مع إمكانه. استدراك: تقدم وجوب اتصال الصفوف فما هو ضابط ذلك؟ للحنابلة ثلاثة أقوال فيه: منهم من قال: أن يكون بين كل صف وصف ثلاثة أذرع، وهذا هو الذي يكفي للمصلي في ركوعه وسجوده. وقال بعضهم: ألا يكون بينهما ما يصح أن يكون صفاً، وذلك ما يقارب ستة أذرع أو خمسة. وقال الموفق ابن قدامه: ألا يكون بينهما بعدٌ لم يجر العرف به. والقول الثاني: لا دليل عليه، فكونه يكون بينهما خمسة أذرع أو أربعة أذرع هذا يخالف الشرع. وأما الثالث: وهو كونه راجعاً إلى العرف، هذه المسألة لا ضابط لها، فهذه مسألة شرعية قد حددها الشارع فلا ينبغي الرجوع فيها إلى العرف. فكان أولاها بالصواب القول الأول: وأنه ثلاثة أذرع، لكن يخفف فيما لو كان نحوه كأربعة أذرع أو نحوها وإن كان خلاف السنة لكن مثله لا يؤثر، كما أن الصفوف تصح مع عدم وجود المراصة في الأكعب والمناكب ويتجاوز عن الشيء اليسير فيها، فكذلك هنا. فالتحديد ينبغي أن يكون بثلاثة أذرع ونحوها وهو قول طائفة من الحنابلة. والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتصح خلف إمام عال عنهم، ويكره إذا كان العلو ذراعاً فأكثر) هذه مسائل في صلاة الإمام في موضع عال عن المأمومين. الأولى قوله: (تصح) . الثانية قوله: (وتكره) . الثالثة قوله: (إذا كان العلو ذراعاً فأكثر) وظاهره أنه إذا كان أقل من ذراع أن الصلاة لا تكره. فهذه ثلاث مسائل: المسألة الأولى – وهي أصل المسألة – كراهية ذلك وأن صلاة الإمام في موضع عال أنها مكروهة. ودليله ما رواه أبو داود والحديث صحيح بشواهده: (أن حذيفة صلى في المدائن على دكان " موضع شاخص مرتفع " فأخذ أبو مسعود بقميصه فلما فرغ من صلاته قال أبو مسعود: (ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟) وفي رواية بن حبان: (أليس قد نهى عن ذلك؟ فقال: بلى قد ذكرت حين مددتني) أي حين أخذت قميصي فجبذته) فهذا الأثر فيه كراهة ذلك. وقوله: (كانوا ينهون عن ذلك) يحتمل أن يكون المراد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ويحتمل أن يكون المراد أصحابه على وجهه يحتج به فيكون إجماعاً لاحتجاج أبي مسعود وإقرار حذيفة - رضي الله عنهم -– وهو مذهب جمهور العلماء، وأن صلاة الإمام في موضع عال عن المأمومين أنها تكره. 2- والثانية: قوله: (وتصح) هذا المشهور في المذهب وهو الراجح خلافاً للقول الثاني فيه. والأول هو الراجح وأنها صحيحة وإن صلى الإمام في موضع عال؛ لأن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة، ولأن أبا مسعود وحذيفة لم يثبت عن الأول منهما الأمر بالإعادة ولا عن الثاني الإعادة، فدل ذلك على صحة الصلاة. ومعلوم أن ما يقع من الصلاة جهلاً يؤمر المكلف بإعادة الصلاة حيث كان مبطلاً لها. 3- الثالثة: وهي كراهيته بقيد أن يكون ذراعاً فأكثر. قاعدة الاستثناء عند المذهب: أن يكون العلو يسيراً.
واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: (صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد إلى المنبر، فلما فرغ من صلاته قال: (أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي) . قالوا: والظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان رقيه على الدرجة الأولى وذلك نحو ذراع قالوا: فهذا العلو اليسير لا يكره. - وقال بعض الحنابلة: بل يكون ذلك إلى قامة المأموم أي إلى ارتفاعهم، لأن ذلك يحوجهم إلى رفع البصر المنهي عنه للإقتداء بالإمام، فالمأموم يحتاج أحياناً إلى النظر إلى الإمام للإقتداء به. وما ذكروه - أهل القول الأول والقول الثاني – فيه نظر، والأظهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما رقي على المنبر كما يرقى عليه إذا خطب، وذلك أن يكون رقيه ثلاث درجات كما كان يفعل ذلك في خطبته. لكن الحديث يحمل على الراجح – كما حملها الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهي غير مشهورة وهو مذهب الشافعية يحمل - على استثناء ذلك للتعليم. فيكون لا بأس به للتعليم، ومثل ذلك عامة المواضع التي يحتاج الإمام فيها أن يكون مرتفعاً كأن يضيق المسجد وتكون مقدمته ضيقة فلا بأس بذلك. فالمشهور عند الشافعية حمل هذا الحديث على جواز الارتفاع من الإمام عن المأمومين بلا كراهية حيث كان للتعليم ونحوه، وهو الراجح وهو رواية عن أحمد. أما ما ذكره الحنابلة من أن ذلك علواً يسيراً وهو نحو ذراع فإن ذلك فيه نظر، وكون ذلك للإقتداء موضع نظر فإن الاقتداء يتم بسماع التكبير ونحوه. فعلى ذلك الأظهر مذهب الشافعية من كراهية العلو للإمام مطلقاً إلا أن يحتاج فعل ذلك للتعليم. أما الحنابلة فمذهبهم أنه يكره مطلقاً للتعليم وغيره، لكن استثنوا من ذلك ما إذا كان دون الذراع أي الارتفاع اليسير، والأظهر الأول. قال: (كإمامته في الطاق)
الطاق هو المحراب أي يكره كذلك كما يكره له أن يؤم في المحراب - وهو مشهور معروف –. - وهذا هو المشهور في المذهب من كراهية صلاة الإمام في المحراب. قالوا: لأنه يستتر عن بعض المأمومين فيفوت بعض الاقتداء. وعليه: سجوده فيه لا بأس به؛ لأنه لا يفوت ذلك شيئاً من الاقتداء، وكذلك إذا كان المأمومون قليلين بحيث يقتدون به وإن صلى في المحراب فإنه لا يكره ذلك. وهل يشرع وضع المحراب في المسجد؟ المشهور عند الحنابلة: أن ذلك مباح؛ لأنه يستدل به على معرفة القبلة. وعن الإمام أحمد: استحبابه، واختاره بعض أصحابه؛ ليستدل به على معرفة القبلة. وعن الإمام أحمد رواية أخرى: تدل على الكراهية، كما ذكر ذلك صاحب الإنصاف، وهي الراجحة وهي كراهية ذلك. وهي قول الحسن البصري فقد قال: (الطاق في المسجد أحدثه الناس) وكرهه. وحكى للإمام أحمد الكراهية عن علي وابن مسعود وابن عمر وأبي ذر - أى كراهية الصلاة في المحراب -. وهو بدعة لم تكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه كما ذكر ذلك السيوطي، وإنما كان ذلك في المائة الثانية، وكما يدل على ذلك قول الحسن المتقدم. وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح اليهود والنصارى) والمذابح هي المحاريب لكونها يذبح فيها، أي تذبح فيها القرابين، فهي المحاريب كما ورد هذا في لسان العرب وغيره من كتب اللغة. وروى الطبراني والبيهقي بإسناد لا بأس به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال – من حديث ابن عمر -: (اتقوا هذا المذابح يعني المحارب) فسر ذلك ابن الأثير بأن المراد من ذلك صدور المجالس.
وفسره السيوطي في كتابه بالمحاريب، وهو الأظهر عندي؛ لثبوت ذلك عن ابن مسعود، فقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بإسناد صحيح إلى إبراهيم عن ابن مسعود وروايته عنه صحيحة، قال: (اتقوا هذه المحاريب) فالأظهر أن هذا الحديث يحمل على المحاريب. قال ابن مسعود – وقد كره الصلاة في الطاق – كما عند البزار: (إنما كانت للكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب) ، وهذا الوجه الثاني في النهي عنها أنها تشبه بأهل الكتاب وأنها ليست من سنن المسلمين، وإنما استحبها من استحبها من أهل العلم للاستدلال بها على القبلة، لكن هذا قد وجد مقتضاه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحاجة إلى الاستدلال إلى القبلة فلم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بل كان – كما في الطبراني – بإسناد جيد: (كان قد أتخذ لقوم مسجداً فنصب في قبلته خشبة) . فنصب الخشبة - ونحوها مما يصح سترة - يكفي في معرفة القبلة فحينئذ يكون اتخاذها بدعة كما تقدم في كراهية ذلك، فإنه لا يكره ما كان مشروعاً، فدل على أن ذلك بدعة. وكونه لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفائه الراشدين بل أحدث في المائة الثانية، وكما نص على ذلك الحسن، ووجود مقتضاه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عدم فعله والاستغناء به عن غيره يدل على عدم مشروعيته. قال: (وتطوعه موضع المكتوبة إلا من حاجة) أي يكره للإمام أن يتطوع في الموضع الذي صلى فيه المكتوبة إلا من حاجة كضيق مسجد، كما أن الصلاة في المحراب إذا احتيج إليها لكثرة المصلين فإنه يصلي فيه للحاجة فهنا كذلك. فيكره له أن يصلي في موضعه الذي صلى فيه المكتوبة إلا من حاجة. واستدلوا: بما رواه أبو داود وغيره من حديث المغيرة: والحديث صحيح لشواهده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يصلي الإمام في موضعه الذي صلى فيه حتى يتحول) فهذا نهي من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأما المأموم فقالوا: الأولى له ترك موضعه والصلاة في موضع غيره من غير كراهية. واستدلوا بما رواه أبو داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أن يعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة يعني السُبحة) والحديث ضعيف فيه إبراهيم بن إسماعيل وهو مجهول، فالحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد ثبت عن ابن عمر ما يخالف ذلك فقد ثبت في البخاري معلقاً: (أن ابن عمر كان يصلي التطوع في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة) ، وثبت ذلك عن محمد بن القاسم، وهو من الفقهاء السبعة، وعن سالم بن عبد الله بن عمر، ثبت عنهم فعل ذلك، وليس في السنة ما يدل على كراهية هذا الفعل. فإن صلى في موضعه فلا بأس وإن تنحى فصلى في موضع آخر فلا بأس أيضاً. قال: (وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة) أي يكره للإمام أن يطل القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة، وعليه: فإن القعود اليسير لا بأس به. - وعن الإمام أحمد: كراهيته أيضاً – أي القليل – وهو أظهر. قال: (فإن كان ثمَّ نساء لبث قليلا لينصرفن) تقدم البحث في هذا في مسألة سابقة في الكلام على الذكر في صفة الصلاة. قال: (ويكره وقوفهم بين السواري إذا قطعن الصفوف) أي يكره وقوف المأمومين المصطفين وراء إمامهم، يكره وقوفهم بين السواري إذا كانت السواري تقطع الصفوف، وكما تقدم فإن الكراهية تزول عند الحاجة، فإذا ازدحم المصلون فاحتاجوا إلى أن يصلوا بين السواري فإنه تزول حينئذ الكراهية. لأن القاعدة: أن الكراهية تزول عند الحاجة إلى الفعل. واستدلوا: على الكراهية بما رواه الخمسة بإسناد صحيح عن أنس قال: (كنا نتقي هذا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، يعني الصلاة بين السواري) . فإذن: يكره ذلك لأنه يقطع الصفوف لكن الكراهية تزول عند الحاجة إلى الفعل – كما تقدم -. والحمد لله رب العالمين. فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويعذر بترك جمعة أو جماعة مريض) هذا الفصل في الأعذار التي يجوز فيها ترك الجمعة والجماعة. (مريض) المريض: هو الذي يشق عليه حضور الجماعة فلا يجب عليه حضورها، لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن عباس في سنن أبي داود، وقد تقدم الحديث: (من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر) والمرض عذر، وقد عذر الله به عن الصيام ونحوه من الأحكام، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرض صلى في بيته، وقال كما في الصحيحين: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) . ومثل ذلك: لو خشي المرض كانتشار وباء أو تعرض لريح شديدة أو نحو ذلك وهو يخشى المرض بها. ومثل ذلك: تباطؤ المرض وتأخره، فكله من هذا الباب فيعذر في ترك الجمعة والجماعة – وهذا باتفاق العلماء أي أنه معذور في حضور الجمعة والجماعة حيث كان يشق عليه ذلك. قال: (ومدافع أحد الأخبثين ومن بحضرة طعام محتاج إليه) تقدم هذا في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) في مكروهات الصلاة. قال: (وخائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه، أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شيء معه أو فوات رُفقة) الخوف عذر لترك الجمعة والجماعة، وهو ثلاثة أنواع: 1- خوف على النفس. 2- وخوف على المال. 3- وخوف على الأهل والولد. فالخوف على النفس من سلطان أو سبع أو سيل أو غير ذلك. والخوف على المال بتفويته، من سرقة أو فساد مال أو نحو ذلك. كأن يصلح رجل مالاً له فخشي إن ذهب فسد فيجوز له ترك الجمعة والجماعة. وكذلك لو أن رجلاً له دواب يخشى ضياعها فيجوز له ترك الجماعة. والخوف على الأهل والولد: كأن يكون رجل معه أهله وولده في مدينة غير آمنة فخشي إن وقف عند المسجد ضاع أهله أو ولده فيجوز له ترك الجمعة أو الجماعة.
(وخائف من ضياع ماله أو فواته) الفرق بين الضياع والفوات أن الضياع مع حصوله، وأما الفوات فقد لا يكون مع حصوله. فمثلاً: رجل يظن أنه يجد عبده الآبق في وقت صلاة الظهر فيجوز له أن يدعها جماعة لحصول ماله. أو يظن أنه يجد بهيمة أو دوابه في وقت من أوقات الصلاة ويخشى إن فات هذا الوقت أن يضيع هذا المال أو يفوت عليه فيجوز له ترك الجمعة أو الجماعة. (أو موت قريبه) سواء كان بمرضه أو لا. قالوا: لأنه إن كان يمرضه فهذا لحاجة هذا الحي إليه، وإن كان لا يمرضه فلأن المشقة التي يجدها في نفسه من فوات توديعه قبل موته أعظم في نفسه مما أمر الشارع بترك الجمعة والجماعة له من طعام ونحوه، فنفسه تتوق إلى رؤية ميته وتوديعه قبل موته، وهذا أكثر مشقة من الطعام الذي أمر الشارع بترك الجماعة له. (أو على نفسه من ضرر أو سلطان) كأن تكون هناك عقوبة من سلطان ما على حضور الجمعة والجماعة، فيجوز تركها لثبوت العذر عليه. وكل هذه دليلها قوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} (أو ملازمة غريم ولا شيء معه) مثال: رجل يقول: أنا إذا ذهبت إلى الجمعة أو الجماعة لازمني غريمي ولا مال معي وأخشى أن يحبسني بماله وأنا عاجز عن السداد، فيجوز له ترك الجمعة والجماعة. فإن كان مماطلاً فليس له ترك الجمعة والجماعة ولا عذر له. ومثله قالوا: لو كان عليه قود أي قصاص وهو يرجو العفو، ويعلم إنه إن حبس ثبت القود وهو يرجو العفو فيجوز له أن يترك الجمعة والجماعة. ولا يجوز له أن يتركها لقصاص أو حد أو نحو ذلك لأنه حق فلا يترك به حق، فلا يكون معذوراً بذلك. (أو من فوات رفقة) كرفقة في سفر مباح فيجوز له ترك الجمعة والجماعة لثبوت الحرج في ذلك. قال: (أو غلبة نعاس)
كأن يصاب رجل بسهر فيغلبه النعاس فيؤذن الفجر وهو مصاب بالسهر الشديد وقد غلبه النعاس، فخشي إن انتظر الإمام أن يشق عليه، فحينئذ يجوز له أن يصلي قبل إقامة الصلاة؛ لأنه معذور بغلبة النعاس الذي هو أشق من تطويل الإمام، وقد تقدم في قصة معاذ المتفق عليها أن تطويل الإمام عذر في ترك الجمعة والجماعة والصلاة منفرداً. قال: (أو أذى بمطر أو وَحَل) . الوَحَل: بفتح الحاء وهي اللغة الفصيحة، وأما بتسكينها (الوَحْل) فهي لغة ضعيفة. فإذا كان هناك أذى بمطر أو وحل فله أن يترك الجمعة والجماعة. ودليله: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أنه: (أمر مؤذنه في يوم مطير إذا قال: (أشهد ألا أله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) قال له: (لا تقل حي على الصلاة) وقل: (صلوا في بيوتكم) فكأن الناس استنكروا ذلك فقال: " أتعجبون من ذا، فإنه قد فعله من هو خير مني، إن الجمعة عَزْمَة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض) والدَحْض هو الطين الزلق. فهذا يدل على أن اليوم المطير أو الليلة المطيرة التي يكون فيها دحض ووحل يجوز أن يترك الجمعة والجماعة. بل ولو كان المطر يبل الثياب حيث كان به أذى فيجوز فيه ترك الجمعة والجماعة، وقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن أبي المليح عن أبيه: (أنه شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية في يوم مطير لم يبتل أسفل نعالهم فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلون في رحالهم) . فهذا يدل على أنه متى كان مطر يثبت به الأذى أو شيء من الحرج أو كان هناك طين أو دحض فإن ترك الجمعة والجماعة جائز لرفع الحرج عن الأمة. قال: (وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة) أي لفظة (مظلمة) فلم يذكرها بعض الحنابلة، والظاهر هو تركها؛ لأن الحديث الوارد في هذه المسألة المستدل به ليس فيه ذكر أنها مظلمة، وكذلك لفظة (شديدة) ليست شرطاً عندهم.
قال في الإقناع: (ولو لم تكن شديدة خلافاً لظاهر المقنع) ودليل الجواز: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يأمر مؤذنه في الليلة الباردة أو المطيرة أن يقول: (ألا صلوا في رحالكم) . قوله: (الليلة الباردة) قالوا: هذا دليل على أن الليلة إذا كانت باردة فيها ريح بارد وإن لم يكن ذلك شديداً كما تقدم فإنه يجوز ترك الجمعة والجماعة. إذن: إذا كانت هناك ليلة باردة، بقيد أن يكون فيها ريح فإنه يجوز له ترك الجمعة والجماعة. - وقال الشافعية: إذا كان البرد شديداً تركت الجمعة والجماعة ليلاً أو نهاراً. والظاهر أن مرادهم بالبرد الشديد ما يقع به الحرج، وذلك فيما لم يكن مألوفاً عند الناس كما قيده صاحب حاشية المربع، ولم أرها لغيره لكنه قيد معتبر، فإن المألوف ليس في ذلك حرج عند أهل البلدة الذين ألفوا هذا النوع من البرد بخلاف من لم يألفوه أو كان برداً شديداً خارجاً عما ألفوه. قال الشافعية: وكذلك الريح الشديدة في الليل فإنه يجوز ترك الجمعة والجماعة. والظاهر أيضاً: أنه لا فرق بين ليل أو نهار حيث كانت شديدة يلحق بها الحرج. والقاعدة: في مثل هذه المسائل: أنه متى ثبت الحرج في برد أو ريح شديد سواء كان ذلك في ليل أو نهار فإنه يجوز ترك الجمعة والجماعة – على الراجح -. أما المشهور في المذهب فإنهم يقيدونه بالبرد الذي يكون بريح في ليل، والظاهر عدم اعتبار كون ذلك في ليل أو نهار، لأن الحرج الحاصل بالليل قد حصل مثله بالنهار فلا فرق – حينئذ –. ولا يقيَّد باجتماع الريح والبرد الشديد لحصول الحرج بأحدهما، فإذا وجد أحدهما جاز حينئذ الجمع. - وقال بعض الحنابلة: إذا كان حراً مزعجاً شديداً يفوت معه الخشوع فكذلك، وهو قياس ظاهر لفوات الخشوع كما ذكر.
إذن: القاعدة في هذه المسائل كلها: أنه متى ثبت العذر من مرض أو خوف، أو ثبت الحرج من غلبة نعاس أو من مطر أو من ليلة باردة أو من ريح شديدة مما يثبت الحرج بمثله فإنه يجوز الجمع، وقد قال ابن عباس – كما تقدم –: (إني كرهت أن أحرجكم) أي أن أوقعكم في الحرج، فدل ذلك على أن المعتبر في مثل هذه المسائل هو الحرج، لوجوب الجمعة والجماعة وقد قال - صلى الله عليه وسلم - للأعمى – الذي له قائد لا يلائمه: (لا أجد لك رخصة) ، فدل على وجوب حضورها، وأنه ليس بأي حرج بل بالحرج الذي يلحق المكلف منه شيء من المشقة. لذا إذا كان للأعمى قائد لا يلائمه الملائمة التامة فيجب عليه الحضور وتحمل ذلك، بخلاف الأعمى الذي ليس له قائد أصلاً فإنه معذور عن حضور الجمعة والجماعة؛ لأن الواجبات تسقط عند العذر، وتسقط عند الحرج؛ لأن الله عز وجل قال: {ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج} ومن الدين الجماعة والجمعة. مسألة: الخوف المعتبر هو ما يكون مظنة لذلك كمظنة السرقة ونحوها، أما مجرد الخوف فلا يجيز ترك الجمعة والجماعة. مسألة: إذا كان العمل تفوت فيه الجماعة فما حكمه؟ فيه تفصيل: فإن كان طارئاً فلا بأس. لكن إن كان أصلياً فيه فإنه يتقدم إلى وظيفة يعلم أنه يصلي فيها الجماعة، والأولى له ألا يعمل فيها إذا كانت تفوته فيها الجماعة؛ لأنها أدت إلى محرم وهو ترك صلاة الجماعة. لكن يستثني من ذلك: ما كان فيه مصلحه عامة كالشرط ومن في الثغور ونحوهم؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال) فقد همَّ بترك الصلاة والذهاب لإنكار المنكر. مسألة: حكم دخول المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً؟ الأظهر أن النهي للتحريم كما هو رواية عن الإمام أحمد. وهل يعذر بترك الجماعة أم لا؟
الظاهر أنه يمنع من ذلك عند قرب وقت الصلاة؛ لأن أكلها سبب لمنعه من حضور الجماعة، وما كان سبباً إلى ترك واجب فإنه يمنع منه. * وهل يخرج من المسجد أم لا؟ (1) قولان لأهل العلم: الظاهر منهما أنه يخرج إلا أن يترتب على ذلك مفسدة كما ذكر ذلك بعض الحنابلة. * وهل يقاس عليهما الدخان؟ يقاس عليهما الدخان وغيره مما له رائحة كريهة يتأذى منها الملائكة. والظاهر كذلك: أن النهي عن حضور الجماعة ليس خاصاً بما إذا كانت في المسجد، بل هو عام فيما إذا كانت في المسجد أو لم تكن، لأن الجماعات لها حكم المساجد في حضور الملائكة. والحمد لله رب العالمين. باب: صلاة أهل الأعذار أهل الأعذار من مريض ومسافر وخائف وغيرهم من أهل الأعذار. وقد شرع في ذكر صلاة أحد المعذورين وهو المريض. فقال المؤلف رحمه الله: (تلزم المريض قائماً) لما ثبت في البخاري من حديث عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صل قائماً فإن لم تسطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) فإن أمكنه القيام استناداً إلى حائط أو عمود أو إلى أحد جنبه، وجب عليه ذلك لثبوت القيام، وقد تقدم البحث في هذا في الكلام على أركان الصلاة ومنها القيام. فإذاً: يجب عليه القيام سواء كان قائماً بنفسه أو معتمداً على غيره من حائط أو جدار أو عمود أو نحو ذلك. قال: (فإن لم يستطع فقاعداً) فالمريض الذي لا يستطيع الصلاة قائماً فإنه يصلي قاعداً وكذلك إذا كان يخشى المرض أو زيادته بصلاته قائماً فإنه يصلي قاعداً مع قدرته على الصلاة قائماً؛ لأنه وإن قدر على أن يصلي قائماً لكن ذلك يترتب عليه خشية الضرر، إما تباطؤ البرء وإما بزيادة المرض وقد قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} . فإذن: إن لم يستطع القيام فإنه يصلي قاعداً.
قالوا: ويندب له أن يكون متربعاً لما ثبت في النسائي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يصلي متربعاً) وهذا في حال القيام، وفي الأصح أيضاً في حال الركوع. وأما في حال الجلوس والسجود فإنه يثني رجليه كما يثنيهما في جلوسه في الصلاة؛ لأن هذا هو الأصل في السجود والجلسة بين السجدتين، والجلوس للتشهد. أما التربع فإنه في القيام خاصة. * وأما الركوع ففيه قولان للحنابلة: الأول: أنه يثني رجليه كما يثنيهما في حال الجلوس والسجود أي يفترش. والثاني: أنه يتربع للركوع، وهذا أصح؛ لأن هيئة الراكع في قدميه كهيئة القائم فكان أولى بأن يلحق به بخلاف الساجد والجالس فإن هيئة رجليه ليست كهيئة رجلي الراكع. فالأرجح وهو اختيار الموفق من الحنابلة أنه في الركوع يكون متربعاً. وإنما قلنا بندبه؛ لأنه ليس فيه إلا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفعله لا يدل على الوجوب، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً) وأطلق فيدخل في ذلك التربيع وغيره. وعن الإمام أحمد: أن ذلك واجب. والأصح أنه مستحب كما تقدم. قال: (فإن عجز فعلى جنبه) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإن لم تستطع فعلى جنب) وأطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقيد الاضطجاع على جنبه الأيمن أو جنبه الأيسر، فسواء اضطجع على جنبه الأيمن أو الأيسر فلا بأس؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعين أحدهما ولا دليل على التعيين. ويكون مستقبلاً القبلة، فيضع وجهه وسائر بدنه تجاه القبلة، هذا هو مذهب جمهور العلماء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإن لم تسطع فعلى جنب) وقد أوجب الشارع استقبال القبلة، فكان واجباً عليه أن يضطجع على جنبه متجهاً ببدنه إلى القبلة. قال: (فإن صلى مستلقياً ورجلاه إلى القبلة صح)
فيصح ذلك وإن قدر على أن يضطجع على جنبه، وذكر الموفق والمجد ابن تيميه أن في رواية للنسائي: (وإلا فمستلقياً) ولم أر هذه اللفظة لا في السنن الكبرى ولا الصغرى، وكذلك قال محققا المغنى: إنهما لم يجداها. وقال صاحب الفروع لما حكى ذلك عن المجد قال: " كذا قال "، ففي ثبوت هذه اللفظة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر. ثم إن الحديث لو صح فإنما هو بعد قوله: (على جنب) أي فعلى جنب فإن لم يستطع فإنه يصلي مستلقياً. قالوا: ولأنه إذا فعل ذلك فقد أثبت نوع استقبال للقبلة، فإن فيه نوع استقبال للقبلة بوجهه فيصح بذلك. والقول الثاني في المذهب – وهو اختيار الموفق ابن قدامة: أن ذلك لا يصح، قال الموفق: (والدليل يقتضي ألا يصح، لأن ذلك خلاف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -) وهو وجه عند الحنابلة ورواية عن الإمام أحمد وهو القول الصحيح، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فإن لم تستطع فعلى جنب) . وكونه يثبت فيه نوع استقبال هذا لا يدل على صحته بدليل أن القاعد لا تصح صلاته قاعداً وإن كان مستقبلاً القبلة مع قدرته على القيام. ولأن كونه يصلي على جنب أتم في استقباله، فإن سائر بدنه الذي يستقبل به القبلة يكون في حال الاضطجاع على جنب قد استقبل به القبلة. فالصحيح أن ذلك لا يجزئه وهو وجه عند الحنابلة ورواية عن أحمد وهو اختيار الموفق ابن قدامة. لكن إن عجز أن يصلي على جنب فإنه يصلي مستلقياً ولا نزاع في صحة ذلك لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} وقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} وهذا فيه نوع استقبال. قال: (ويومئ راكعاً وساجداً ويخفضه عن الركوع)
مع العجز أن يصلي راكعاً وساجداً، فإنه يومئ بالركوع والسجود، لما روى البزار والبيهقي والحديث صحيح عن جابر: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد مريضاً فرآه يصلي على وسادة فرمى بها وقال: (صل على الأرض إن استطعت وإلا فأومئ بالركوع والسجود واجعل سجودك أخفض من ركوعك) وكل هذا - لا شك - مع الاستطاعة، فإنه إذا سقط أصل السجود فأولى من ذلك أن يسقط كون السجود أخفض من الركوع. قال: (فأن عجز أومأ بعينه) وهذا مذهب جمهور العلماء، فيومئ بعينه في حال الركوع والسجود والقيام وغير ذلك من أفعال الصلاة قياساً على الإيماء بالرأس. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب الأحناف، وهو رواية عن الإمام أحمد ضعفها الخلال من أصحابه: أن ذلك يسقط الصلاة عنه؛ لأنه قد عجز عن أفعالها حيث أمر، فهو عاجز عن فعل ما يجب عليه، فحينئذ تسقط عنه الصلاة. وقال شيخ الإسلام – في الإيماء –: " هو عبث " وذلك لعدم ثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه ليس فيه شيء من أفعال الصلاة، فإن الإيماء بالركوع والسجود جزء من الركوع والسجود، فإنه يشرع بالسجود والركوع بالإيماء بالرأس فإنه فعل الصلاة بخلاف الإيماء بالعينين. وذهب بعض الحنابلة – كما قال صاحب الفروع -: " وظاهر كلام جماعة – أي من الحنابلة – أنه لا يلزمه الإيماء بطرفه وهو متجه لعدم ثبوته ". فهذا قول ثابت هو ظاهر كلام طائفة من الحنابلة أنه لا يومئ لعدم ثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه ليس فيه فعل شيء من أفعال الصلاة.
لكن الصلاة تثبت عليه فلا يلزمه الإيماء لكنه يكتفي بالنية في قلبه – وهذا أظهر؛ لفرضية الصلاة ولأن النية من أفعلها، ولأن من عجز عن أفعالها فإن منهم من يمكنه القراءة، والقراءة هي الصلاة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن الاستلقاء – وهو فعل لا يعجز عنه أحد – ينوب عن القيام فكان نائباً عن ركن من أركانها، وحيث عجز عن الإيماء فإن الصلاة تبقى وتثبت عليه لكنه لا يومئ بعينه لعدم ثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنه لا فائدة فيه لكنه يفعل ما يستطيع من النية والقراءة والاستلقاء على ظهره أو صلاته على جنب واستقبال القبلة بقدر استطاعته لأن الله - عز وجل - قال: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} وقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} . وهذا القول أظهر وأحوط. قال: (فإن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر) إن قدر على القيام بعد أن كان عاجزاً عنه أثناء الصلاة فإنه ينتقل إليه لزوال عذره، لكن إن شرع في الفاتحة فإنه لا يتمها في ارتفاعه (1) ؛ لأنه يجب أن يقرأ حال القيام. وإذا عجز عن القيام بعد أن كان قادراً عليه في أثناء الصلاة فإنه ينتقل إلى القعود، و – حينئذ – إن استمر في قراءة الفاتحة في انحطاطه فإنها تجزئ عنه؛ لأن قراءته في حال الانحطاط أولى من قراءته في حال الجلوس، بخلاف المسألة الأولى فإنه يجب أن يقرأها في حال القيام. وهذا ما اتفق عليه أهل العلم، وذلك لثبوت العذر فيها وفي مسألة العذر الذي تقدم في ترك الجماعة نحو هذا. فإذا حصل له العذر الذي يثبت به ترك الجماعة لتطويل إمام فحصل له أثناء الصلاة، فإن له أن يتمها خفيفة، وله أن يقطعها.
وإن كان التمثيل في مسألة التطويل يوجب عليه أن يتمها خفيفة. بخلاف ما إذا كان يخشى فوات مال أو نحو ذلك فإن له أن يتمها خفيفة، وله إن خشي وقوع الضرر أن يقطعها. فإذا وقع عليه عذر في أثناء الصلاة، فله أن يتمها خفيفة إن أمكنه ذلك ولم يشق عليه، وإلا قطعها. قال: (وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائماً وبسجود قاعداً) فإذا كان يمكنه أن يصلي قائماً أو قاعداً، لكنه يعجز عن الركوع وعن السجود، ففرض عليه أن يصلي قائماً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صل قائماً) ، لكنه يومئ في حال القيام عن الركوع؛ لأن الركوع يكون عن قيام، ولأن القيام جزء من الركوع فإن حالة القدمين في حال الركوع تكون في حالة القيام. والسجود كذلك، فإذا أراد أن يسجد فيسجد عن قعود مع قدرته على ذلك؛ لأن القعود جزء من السجود ولأن السجود إنما ينشأ عن قعود. قال: (ولمريض الصلاة مستلقياً مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم) إذا قال طبيب مسلم ثقة لمريض أصيب في عينيه إذا سجدت فإن ذلك يؤثر في عينيك ويبطئ في المرض فيك فوضع له حمية أن يصلي مستلقياً على ظهره، فهل يفعل ذلك؟ الجواب: نعم يفعل ذلك فيصلي مستلقياً وإن كان قادراً على أن يصلي قائماً أو قاعداً إذا ذكر له أن في الصلاة مستلقياً سبب لإسراع برئه أو ثبوت البرء. وذلك لأن في ترك ذلك حرج، وقد جاءت الشريعة بنفي الحرج في قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} . والأظهر أنه لا يقيد الطبيب بكونه مسلماً، وإنما يقيد بالثقة الذي يرجى صوابه، لأن العلة في ذلك هي الحرج الواقع في القلب من منع ذلك، وكذلك رجاء الانتفاع بالشفاء، وهذا لا يثبت بكونه مسلماً فقط بل إذا كان ثقة، فالأظهر أنه لا يقيد بكونه مسلماً بل من كان ثقة في قوله ورجي صوابه، والنفع بقوله مثبت. قال: (ولا تصح صلاته في السفينة قاعداً وهو قادر على القيام)
إذا كان قادراً على أن يصلي قائماً وهو في السفينة أو في سيارة أو نحو ذلك – ففرض عليه القيام لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صل قائماً) . وثبت في البزار والحاكم وصححه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (سئل عن الصلاة في السفينة فقال: (صل قائماً إلا أن تخشى الغرق) لكن إن كان يشق عليه القيام مشقة شديدة كأن يكون فيها حركة واضطراب فلا يمكنه أن يصلي قائماً إلا مع مشقة شديدة فحينئذ لا حرج في أن يصلي قاعداً لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} . ومثل ذلك: إذا كان في السفينة ولا يمكنه الخروج منها إلا بعد فوات الوقت، فلا يمكنه أن ينزل فيصلي قائماً إلا بعد خروج الوقت – ومثل ذلك السيارة – فحينئذ يصلي قاعداً للعذر لأنه عاجز عن ركن القيام في الوقت. وهل يجب عليه أن يستقبل القبلة في صلاته كلها فيدور مع القبلة كما دارت؟ هذا هو المشهور في المذهب، وأن السفينة إذا اتجهت عن القبلة فإنه يتحرك إلى جهة القبلة. وهذا قول ظاهر إلا أن يشق عليه. لذا ذهب بعض الحنابلة إلى أن ذلك لا يلزمه كالنفل. والأظهر هو التوسط بين القولين: وأن ذلك واجب عليه مع الاستطاعة بلا مشقة، أما إن كان في استدارته مشقة فإنه يسقط ذلك عنه للحرج والمشقة. قال: (ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحَل) وقد تقدم الوحَل: وهو الطين سواء كان زلقاً أو لم يكن كذلك مما يتأذى منه. فإذا كان على راحلته وخشي فوات الوقت والأرض فيها طين وحرج عليه أن يصلي في الطين حيث أن الوحل فيها، فإنه يصلي على راحلته ويومئ بالركوع والسجود. لما روى أحمد والترمذي عن يعلى بن أمية قال: (انتهى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مضيق والسماء من فوقهم والبلة أسفل منهم فأمر المؤذن أن يؤذن، فصلى وهو على راحلته يومئ بالركوع والسجود) والحديث في إسناده جهالة وضعفه الترمذي لكن قال: (العمل عليه عند أهل العلم) .
وذكره الإمام أحمد عن أنس بن مالك ولا يعلم له مخالف وقواعد الشريعة تقتضي ذلك لرفع الحرج – كما تقدم – في قوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} والمشقة تجلب التيسير – ولم أر في هذه المسألة خلافاً بين أهل العلم – لكن مع القدرة على النزول لا يجزئه ذلك. قال: (لا للمرض) فالمريض لا يجزئه أن يصلي على راحلته. وقال بعض الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يجزئه ذلك. وهذا القول ظاهر، لكن بشرط ألا يكون في نزوله فعل أركان لا يمكن فعلها في حال صلاته على الراحلة. فإذا كان المريض مثلاً: يومئ بالركوع والسجود على النافلة ويمكنه أن يسجد على الأرض ويركع ويقوم فيجب عليه أن ينزل للقيام والركوع والسجود وفعل غيرهما من الأركان، لكن هذا الشرط ألا يشق عليه مشقة ظاهرة، فإنه يصلي على راحلته وإن ترك شيئاً من الأركان المتقدمة. إذن: الظاهر: أنه إن كانت أفعاله كأفعاله على الأرض فإنه لا فرق بين أن يصلي على الراحلة أو على الأرض، لكن إن كان قادراً على فعل شيء من الأركان في حال النزول فيجب أن ينزل إلا أن يُلحقه ذلك مشقة ظاهرة فإن المشقة تجلب التيسير. والحمد لله رب العالمين. فصل في صلاة المسافر قال المؤلف رحمه الله تعالى: (من سافر سفراً مباحاً أربعة برد سن له قصر رباعية ركعتين، إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه) هذه الجملة فيها مسائل: المسألة الأولى: مشروعية صلاة السفر وأنها مشروعة قد دل على ذلك الكتاب في قوله: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ، وبسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في فعله وقوله، وبإجماع أهل العلم على مشروعية قصر الصلاة للمسافر. وقد اختلف أهل العلم هل هذه المشروعية للاستحباب أم للفرضية؟
أ – مذهب جمهور العلماء: إلى أن ذلك للاستحباب، وهو المشهور في مذهب الحنابلة، فهي مستحبة وفعلها قصراً أفضل من فعلها تماماً، وإن أتم جاز ذلك وصح من غير كراهية. ب – وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واستظهره صاحب الفروع: أن الإتمام مكروه. فهذا هو مذهب الحنابلة في هذه المسألة. استدل جمهور أهل العلم على استحبابها بما يلي: قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} فنفى الله الجناح، ونفي الجناح يدل على الإباحة. وهذا الاستدلال ضعيف، بل نفي الجناح لا يدل على نفي الإيجاب بل يدل على نفي الإثم والتحريم أي لا أثم ولا تحريم. أما مسألة نفي الإيجاب فلا تدل عليها هذه الآية بدليل أن الله تعالى قال: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} والطواف بين الصفا والمروة - وهو باتفاقهم - فرض وركن أو واجب. ولو قالوا بظاهرها هو الإباحة المطلقة فضلاً عن أن يكون ذلك للاستحباب فهذه الآية ليس فيها نفي الإيجاب ولا إثبات الاستحباب بل فيها الإخبار أنه لا تحريم في ذلك ولا حرج ولا جناح. وبما ثبت في النسائي ورواه أبو داود والطيالسي وقال الدارقطني إسناده حسن: أن عائشة قالت: (اعتمرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فصام وأفطرت وقصر وأتممت فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - (أحسنت) لما ذكرت ذلك له ". قال الدارقطني: إسناده حسن (لكن قال في كتاب العلل وهو أقوى في التضعيف والحكم على الأحاديث: (الراجح أنه مرسل) أو نحو ذلك وهو كما قال، وأنكر هذا الحديث شيخ الإسلام فإنه لا يعقل أن عائشة تخالف النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتخالف هديه بكونها تصوم وهو مفطر وتتم وهو يقصر فالحديث لا يثبت، وإن كان قد صح عنها أنها كانت تتم في السفر وتقول: (إنه لا يشق علي) رواه البيهقي لكن كما قال عروة: (تأولت كما تأول عثمان) .
فتأولت أن القصر إنما شرع للمشقة، فرأت أنه لا مشقة فيه عليها فكانت لا تقصر، فلا يعدو ذلك إلا أن يكون تأولاً منها. أما الرواية عنها بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (أحسنت) فلا يثبت ذلك، فالحديث مرسل وقد أنكره شيخ الإسلام. وأما ما رواه الدارقطني من حديثها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يتم ويقصر، ويصوم ويفطر) فالحديث إسناده ضعيف. فهذه أدلة جمهور العلماء. وذهب طائفة من أهل العلم من الصحابة والتابعين وهو مذهب الأحناف: إلى أنه فرض في السفر، وهو مذهب ابن عباس وعمر بن عبد العزيز والثوري وحماد بن أبي سليمان. فقد قال ابن عباس – كما في سنن سعيد بن منصور -: (من صلى في السفر أربعاً فكمن صلى في الحضر ركعتين) وهذا منه إبطال للصلاة، فإن من أتم في السفر تبطل صلاته كما لو قصر في الإقامة، ولما سئل – - رضي الله عنه - – عن قصر الصلاة فقال: (ليس تقصيرها ولكن إتمامها وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -) رواه عبد الرزاق. ودليل هؤلاء: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر) فقولها " وأقرت " يدل على أنها أقرت على الفريضة لكن يشكل عليه ما تقدم من مذهب عائشة، وهذا هو لفظها. لكن يقال: إن هذا من باب الرواية، وأما ما تقدم فهو من باب الرأي ولا يعارض رأي الراوي بروايته، بل تبقى الرواية على وجهها. واستدلوا – وهو أصرح في الاستدلال – بما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: (فرضت الصلاة على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعاً، وفي الخوف ركعة) فقال: " فرضت " والفرضية لفظ صريح في الإيجاب. وبما ثبت في النسائي بإسناد صحيح عن عمر أنه قال: (صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم -) .
وما ذكروه أصح، فإن الأدلة ظاهرة في إيجاب ذلك ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث صحيح القصر [لعلها: الإتمام] ، بل كان يتم [لعلها: يقصر] حتى ثبت في الصحيحين أن ابن مسعود لما قيل له: (أن عثمان قد أتم قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى ركعتين، ومع أبي بكر بمنى ركعتين، ومع عمر بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان) لكن مع ذلك فقد صلى أربعاً وقد قال: (الخلاف شر) . فالراجح فرضية القصر. 2 - والمسألة الثانية: عند قوله: (من سافر سفراً مباحاً) : - هذا هو المشهور في المذهب، وهو مذهب جمهور العلماء، وأن ذلك إنما يشرع للمسافر سفراً مباحاً. ويدخل في ذلك السفر لنزهة أو نحوها، فإنه سفر مباح ويخرج من ذلك السفر المحرم، فمن سافر لتجارة محرمة أو فعل محرم، وكذلك المكروه من تكاثر ونحو ذلك فإنه لا يقصر بل يتم. واستدلوا بقوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} قالوا: والباغي هنا هو الخارج على السلطان، والعادي هو العادي على المسلمين، فمن كان كذلك فلا يباح له الميتة بل تحظر عليه، قالوا: وكذلك غيرها من الرخص. وقالوا: إن في مشروعية القصر له إعانة له على السفر المحرم أو المكروه، وهذا يناقض مقصود الشارع من التحريم أو الكراهية. - وذهب الأحناف وهو مذهب الظاهرية واختيار ابن تيمية: إلى أن هذه الرخصة تشمل المسافر العاصي في سفره كما تشمل المطيع، فضلاً عمن بينهما ممن سفره سفر مكروه أو مباح. واستدلوا: بعمومات النصوص: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} وغيرها، فهذه ثابتة للمسافر مطلقاً سواء كان في سفره عاصياً أو مطيعاً.
قالوا: وأما الآية فإن التفسير الصحيح هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين، وهو أن المراد بقوله: {غير باغ} في كونه يأكل الميتة مع إمكان الاستغناء عنها، و {لا عاد} في كونه يتجاوز ضرورته. وهذا التفسير أصح فيها لتعلقه بفعل المحرم نفسه، ولأن قوله: {فمن اضطر} عام في كل مسلم عاصياً كان أو مطيعاً وللعمومات المتقدم ذكرها. * ثم أن كان خارجاً عادياً على المسلمين خارجاً عن إمامهم مؤذياً لهم، فإنه له حكم خاص لإهدار دمه، فكونه - على التسليم بالتفسير الأول، كونه - لا يرخص له بأكل الميتة ونحوها من الرخص التي فيها بقاء حياته؛ هذا لأنه حياته مهدرة بخلاف من سافر سفر معصية أو نحو ذلك فإن حياته ليست بمهدرة. والراجح التفسير الثاني كما تقدم. وهذا القول – أي الثاني – هو الراجح؛ لعمومات النصوص. وأما كونه فيه إعانة: فإن هذا أمر مشروع ولا دخل له في كونه له إعانة على المعصية، فهي حسرة له هكذا في السفر، أما كونه عاصياً أو مطيعاً فإنه لا يعان على معصية أو ما يكره له، وأما هذا فهو حكم شرعي لا تعلق له بما تقدم بل قد يكون في ذلك إعانة له على فعل ما فرض عليه من إقامة الصلاة. إذن الراجح مذهب الأحناف والظاهرية واختيار شيخ الإسلام. المسألة الثالثة عند قوله: (أربعة برد) : هذه مسألة اختلف فيها العلماء وهي المسافة التي تقصر فيها الصلاة. 1- فذهب جمهور العلماء إلى هذا القول وأنه أربعة برد والبريد أربعة فراسخ، فالأربعة برد ستة عشر فرسخاً، والفرسخ: ثلاثة أميال، فيكون المجموع ثمانية وأربعين ميلاً وهي تزيد على 80 كيلو متراً وهذا – كما ذكروا – تقريب لا تحديد. واستدلوا: بما رواه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً: (يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة إلا في أربعة برد من مكة إلى عسفان) والحديث لا يثبت بل هو ضعيف، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس.
لكن ثبت هذا من فعل ابن عباس وابن عمر – كما ثبت في البخاري معلقاً – ووصله البيهقي: (أن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد ستة عشر فرسخاً) والأثر صحيح. فإذا سافر أربعة برد سواء كان ذلك يومان قاصدان كما كان في القديم أو أقل بساعة أو ساعتين فلا عبرة بالزمن في السفر بل العبرة بالمسافة. وما ذكروه من أثر ابن عباس وابن عمر: قد ثبتت آثار تخالف هذا الأثر فلا يقال: إنهما لا يعلم لهما مخالف من الصحابة، فقد صح عن ابن عمر نفسه آثار تخالف ذلك، فمن ذلك: في مصنف ابن أبي شيبة – أنه قال: (لو خرجت ميلاً لقصرت) وفيه: (إنه كان يقصر في ثلاثة أميال) ، وفي مصنف عبد الرزاق: (أنه كان يقصر في ثلاثين ميلاً) ، وفي مصنف ابن أبي شيبة: (أنه كان أدنى ما يقصر فيه خيبر يخرج لأرض له) وكان بين خيبر والمدينة نحو تسعين ميلاً، فالرواية مختلفة عن ابن عمر. وثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه: (أنه استأذن حذيفة – وكان في المدائن – أن يذهب إلى أهله فأذن له وشرط عليه ألا يقصر ولا يفطر، وكان بين المدائن والكوفة نيف وستون ميلاً) والأربعة برد 48 ميلاً، فهذا أثر يخالف. كما أن السنة خالفت ذلك صراحة فقد ثبت في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تسافر امرأة يوماً وليلة) الحديث، قال البخاري: (سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماً وليلة سفراً) واليوم والليلة إنما يكون فيهما بردان أي 8 فراسخ، فإن الأربعة برد يومان تامان، واليوم والليل يكونان بردين. وثبت في أبي داود ما هو أقل [من] ذلك فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تسافر امرأة بريداً) فدل على أن السفر بريد. وقد ثبت أن أهل مكة كانوا يقصرون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى، وكان بين منى ومكة نحو بريد.
لذا أنكر الموفق رحمه الله تعالى: هذا القول من جمهور العلماء وأنه يخالف السنة وظاهر القرآن، وأنه لا دليل عليه من نص ولا إجماع ولا قياس، وهو كما قال. وذهب شيخ الإسلام وهو اختيار ابن القيم: إلى أن مرجع ذلك إلى العرف، فما تعارف الناس أنه سفر فهو سفر، لكن هذا القول لم يتبين لي أنه قول منضبط ينضبط لسائر الناس في معرفة أن هذا سفر وهذا ليس بسفر والناس مضطريون في أعرافهم كما هو ظاهر. وذهب الظاهرية إلى أن مرجع ذلك إلى اللغة، فإن الله عز وجل قد خاطب العرب في كتابه بالسفر، والسفر عندهم هو البروز عن دار الإقامة، فالسفر في اللغة هو الكشف والبروز، فالسفر من دار الإقامة هو البروز عنها فليس هناك إلا داران دار حضر ودار سفر. فدار الحضر هي دار الإقامة، وأما خارجها فهو سفر، فمن برز عن دار الإقامة قصر. قال ابن حزم: ميلاً؛ لأثر ابن عمر المتقدم. وقال داود من الظاهرية: ثلاثة أميال؛ لأثر ابن عمر المتقدم الذي رواه ابن أبي شيبة، وهذا القول تدل عليه السنة. فقد ثبت في مسلم أن أنس: سئل عن قصر الصلاة؟ فقال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة) وهنا شك من الراوي في قوله: (ثلاثة أميال أو فراسخ) وهو من شعبة. واليقين أنه ثلاثة فراسخ وهو نحو تسعة أميال أي 16 كيلو متراً، ومع ذلك فليس هذا تحديداً وإنما فيه أخبار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين. ويحتمل أن يكون ذلك ثلاثة أميال وهو أوفق للغة العرب لأن الثلاثة أميال غالباً ما تخرج عن حيِّز المدينة.
واستثنى الظاهرية من ذلك ما يتصل بالمدينة من بساتينها ونحو ذلك؛ لأن الصحابة كانوا يخرجون إلى البقيع وإلى أحد وقباء وكذا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يثبت عنهم القصر وكل هذا متصل بدار الحاضرة، والسفر ليس من هذا القبيل وإنما هو البروز عن دار الإقامة وما اتصل بها، وهذا القول هو أظهر هذه الأقوال الثلاثة. المسألة الرابعة: (قصر رباعية ركعتين) خص ذلك بالرباعية، فيخرج من ذلك الثنائية وهي الفجر والثلاثية وهي المغرب، وهذا بإجماع العلماء كما حكاه ابن المنذر. ويدل على ذلك ما ثبت في مسند أحمد بإسناد جيد من حديث عائشة المتقدم في فرضية صلاة السفر وفيه: (إلا المغرب فإنها وتر النهار وإلا الصبح فإنها تطول فيها القراءة) . المسألة الخامسة: قوله: (إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه) فإذا خرج من الحاضرة وما اتصل بها من عمران ونحو ذلك فإنه حينئذ يقصر، فبمجرد ما يخرج من الحاضرة كمطار الطائرات عندنا ونحو ذلك فإنه يقصر الصلاة في ذهابه وإيابه، وهذا هو مذهب جمهور العلماء. واستدلوا بقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} فقيده الله بالضرب بالأرض، وهو يثبت بمجرد الخروج من الحاضرة أو خيام القوم. وكذلك لا ينتهي من الضرب في الأرض حتى يدخلها. وثبت هذا عن علي بن أبي طالب ولا يعلم له مخالف فقد ثبت عنه كما في البخاري معلقاً: أنه خرج فقصر الصلاة وهو يرى البيوت حتى رجع فقيل له: هذه الكوفة فقال: (لا حتى ندخلها) .
ومن هنا تبين لنا: أن حديث أنس بن مالك المتقدم: لا يحمل على أن المراد من ذلك أثناء خروجه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن يخالف قوله ما ثبتت الشريعة بمثله من قول الصحابي الذي لا يعلم له مخالف، وهو مذهب الجمهور، وهم يشرعون القصر بمجرد الخروج ولا يقيدونه بثلاثة أميال ولا بثلاثة فراسخ، والحديث المتقدم عن أنس قد قيده بثلاثة أميال أو فراسخ. ثم إنه قد سئل عن قصر الصلاة فدل على أن المراد من ذلك المسافة التي يقصر فيها. إذن: متى ما فارق قريته أو مدينته أو خيام قومه فإنه يقصر الصلاة حتى يرجع، ويستمر في القصر حتى يدخلها – وهو مذهب جمهور العلماء وهو ثابت عن علي ولا يعلم له مخالف. فإن قيل: قد قال تعالى: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فقيده الله بالخوف وقد أمن الناس؟ فالجواب: أنه ثبت في مسلم عن يعلى بن أمية قال: (سألت عمر عن قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} فقد أمن الناس فقال: " أني عجبت مما عجبت منه فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (صدقة الله تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) ". ويمكن أن يستدل بهذا على الإيجاب لقوله: " فاقبلوا " وظاهر الأمر الوجوب. والحمد لله رب العالمين. هنا ثلاث مسائل تتفرع عن المسألة السابقة وهي أن مسافة القصر أربعة بُرد: المسألة الأولى: أن من شك في المسافة هل هي أربعة برد أم لا؟ فلا يقصر حتى يتيقن ذلك لأن الأصل – في المشهور من المذهب – عدم السفر، فإذا ثبت هذا فإنه لا يقصر حتى يتيقن أن البلدة التي يسافر إليها بعدها مسافة قصر. وقد تقدم أن الراجح أنه متى ثبت كونه مسافراً فإنه يثبت بذلك القصر. وما ذكره الحنابلة ينبني على القول الراجح، فإذا أراد أن يذهب إلى محل ولم يثبت له كونه سفراً فإنه لا يقصر، إن شك في هذا الموضع هل هو موضع سفر أم لا.
المسألة الثانية: أن من سافر ليترخيص في فطر أو قصر أو نحو ذلك: فالمشهور في المذهب: أنه لا يقصر. ولم أر دليلاً على هذه المسألة أي دليلاً صحيحاً. لذا ذهب بعض الحنابلة وهو مذهب الأحناف: إلى أنه يثبت له رخص السفر، لأنه مسافر فيدخل في عموم الأدلة الشرعية وإن كان ينهى عن ذلك لكنه يثبت كونه مسافراً متعلق به أحكام السفر من قصر أو فطر أو نحو ذلك. فالراجح أن من سافر ليترخص أنه يثبت له أحكام السفر وإن كان ينهى عن ذلك. والترخص أقوى ما يقال فيه: أنه معصية وقد تقدم أن من سافر سفر معصية فإن أحكام السفر تثبت له لعمومات الأدلة الشرعية. المسألة الثالثة: فهي فيمن كان تائهاً في طريقه لم يثبت قصداً له: فإنه لا يقصر في المشهور من المذهب، لأنه منتهى قصده لم يثبت كونه سفراً ولا يقصر حتى يثبت له أن منتهى قصده سفر. يعني: أن من خرج ولم يقصد موضعاً يكون خروجه إليه سفراً ثم تاه فإنه لا يترخص بأحكام المسافرين، لأنه لا يعد مسافراً، وهذا إذا كان الموضع الذي قصده في الأصل ليس بسفر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أحرم حضراً ثم سافر أو سفراً ثم أقام ... أتم) كأن يكون رجل في سفر فكبر تكبيرة الإحرام في حال كونه مسافراً فوصلت السفينة إلى بلدته – أي بلدة الإقامة – فإنه يتم صلاته. والعكس كذلك: فلو أن رجلاً أحرم في حال الإقامة، كأن تكون السفينة في بلدته فخرجت ثم سافر أثناء الصلاة فإنه يتم صلاته كذلك. وحكي في هاتين المسألتين الإجماع على أنه يتم. أما المسألة الثانية: فظاهر أنه يتم لأنه قد عقد الصلاة في حال الإقامة فوجب إتمامها كذلك. وأما المسألة الأولى: وهي فيما إذا أحرم مسافراً ثم أقام، قالوا فكذلك وقد حكي الإجماع على ذلك. والدليل على ذلك – وهو دليل للمسألة الثانية كذلك قالوا: أنها صلاة اجتمع فيها الحضر والسفر فوجب أن يصلي على هيئة الحضر.
وهذا الدليل ظاهر في المسألة الثانية؛ لأنها قد انعقدت على أنها صلاة حضر، وأما في المسألة الأولى: فالترجيح بتقديم صلاة الحضر على صلاة السفر غير ظاهر، لأنه قد عقدها وهو مسافر فانعقدت على وجه السفر، فلم يلزمه إتمامها، ويثبت تبعاً مالا يثبت استقلالاً. فإن كان الإجماع المتقدم صحيح ثابت فلا خلاف فيه، وإن لم يثبت الإجماع فهذا القول قوي أي أنه يصليها صلاة سفر لأنه قد عقدها مسافراً فانعقدت على وجه السفر وكونه يصل إلى دار الإقامة فإنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. قال: (أو ذكر صلاة حضر في سفر أو عكسها) أو ذكر صلاة سفر في حضر: كأن يتذكر مسافر أنه لم يصلي صلاة الظهر في الحضر. فإنه يصليها تماماً وهذا بالإجماع، لأن القضاء يحكى الأداء والواجب في القضاء أن يكون على هيئة الأداء، فقد لزمت في ذمته تماماً غير قصر وبقيت متعلقة بذمته وخرج ومنها على هذه الصورة فكان الواجب عليه أن يصليها تماماً. أما إن سافر بعد دخول الوقت وقبل خروجه فإنه يصليها صلاة سفر، عند جمهور العلماء وحكاه ابن المنذر إجماعاً. ولكن عن الإمام أحمد رواية أخرى: أنه يصليها صلاة حضر، لأنه قد وجبت عليه الصلاة حيث أذن، وقد أذن في الحضر فوجبت كذلك، لكن هذا القول ضعيف، لأن الصلاة واجب موسع فكل وقتها تجب فيه، والنظر هنا إلى حال الأداء فقد أداها في حال السفر فكانت صلاة سفر هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور وحكاه ابن المنذر إجماعاً كما تقدم. (أو عكسها) : إذا ذكر في الحضر صلاة سفر: كأن تكون عليه فائتة في السفر لم يذكرها إلا في الحضر فهنا قال: يجب عليه أن يصليها تماماً - هذا هو المشهور في المذهب -. قالوا: لأن القصر رخصة فزال بزوال سببه، وليس هو السفر.
- وذهب الأحناف وهو قول لبعض الحنابلة: إلى أنه يصليها قصراً، وهو القول الراجح؛ لأن الصلاة قد وجبت عليه بخروج وقتها فتعلقت في ذمته على وجه القضاء، والقضاء يحكي الأداء، فلو أنه صلاها في السفر أداء لكانت قصراً لا تماماً، والقضاء يحكي الأداء. فالراجح أنه يقصر؛ لأن هذه الصلاة تعلقت في ذمته على أنها قصر والقضاء يحكي الأداء، فالذي فاته إنما هو ركعتان لا أربع فلم يفته من الصلاة أربع ركعات وإنما فاته ركعتان والقضاء إنما يكون للشيء الفائت. قال: (أو ائتم بمقيم) يعني مسافر ائتم بمقيم سواء كان هذا الائتمام من أول الصلاة أو في أثنائها. أما كونه من أول الصلاة: فصورته: رجل مسافر فكبر خلف مقيم وأدرك معه تكبيرة الإحرام. وأما في أثنائها: كأن يكبر خلف إمام مسافر ثم يطرأ على المسافر عذر يقتضي الاستخلاف فيستخلف مقيماً. فهاتان الصورتان كلاهما لمسألة واحدة وهي صلاة المسافر خلف المقيم فيجب أن يصلي تماماً لصلاة الإمام، وهذا باتفاق أهل العلم (والمراد: هنا المذاهب الأربعة) . ودليل ذلك: ما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح: أن ابن عباس - رضي الله عنه - قيل له: (إنا إذا صلينا في رحالنا – أي في حال السفر – صلينا ركعتين، وإذا صلينا معكم صلينا أربعاً؟ وكان ابن عباس من المكيين وكان يصلي تماماً " فقال: (سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -) . وهو ثابت من فعل ابن عمر - رضي الله عنه - كما في البيهقي بإسناد صحيح ولا يعلم لابن عمر مخالف، وهو كذلك السنة كما تقدم. إلا أن الإمام مالك – وهو الراجح في هذه المسألة – يستثنى ما إذا فاته الركوع من الركعة الأخيرة فإنه يصلي قصراً وقد تقدم الكلام على ذلك.
وخالف إسحاق رحمه الله تعالى – المشهور عند أهل العلم – فقال: إذا صلى المسافر خلف المقيم فإنه له أن يصلي قصراً؛ لأن الإقتداء لا يزيل هذا الحكم، كما لو اقتدى المقيم بالمسافر فإنه يتم صلاته بالإجماع، فكذلك هنا. وهذا قياس يخالف النص ولعله لم تبلغه السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: (أو بمن يشك فيه) هذه المسألة تنبني على هل تشترط النية في القصر أم لا؟ يعني: هل يشترط لمن أراد أن يصلي في السفر أن ينوي القصر أم لا؟ المشهور من المذهب – كما سيأتي –: أن ذلك فرض. وقال بعض الحنابلة: لا يشترط ذلك، وهو مذهب الجمهور. ولم يثبت عن الإمام أحمد نص يخالف هذا، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لأن الاشتراط لا دليل عليه من كتاب الله ولا سنة نبيه ولا أقوال الصحابة - رضي الله عنهم -، فلا يشترط له أن ينوي القصر كما لا يشترط له – في الحضر – أن ينوي الإتمام، لأن التمام هو صلاة الحاضرين، فكذلك في القصر لا يشترط له أن ينوي القصر؛ لأن القصر هو صلاة المسافرين، فلا دليل على اشتراط نية القصر. فالأصل في السفر هو القصر كما أن الأصل في الحضر هو الإتمام، وكما أنه لا يشترط نية الإتمام في حال الحضر فكذلك لا يشترط نية القصر في حال السفر، فإن صلاة السفر ركعتان كما تقدم في الأدلة الصحيحة، وهذا مذهب الجمهور. أما الحنابلة فقالوا: أنه إذا أطلق فكبر ولم ينو فإنها تصرف إلى الأصل وهو التمام. وهذا ليس بصحيح، فإن التمام أصل في صلاة الحاضرين وليس بأصل في صلاة المسافرين، لما تقدم من الأدلة كما في حديث عمر: (صلاة السفر ركعتان) فالأصل في صلاة السفر القصر فلم تشترط النية، بل لو نوى الإتمام ثم رأى القصر فإنه يقصر ولا يؤثر فيه هذه النية، فالنية ليست بمؤثرة؛ لأن هذه هي السنة فصلاة السفر ركعتان. وهذا لا يشكل على فرضيتها فيما تقدم ترجيحه.
وكذلك لا يشكل – في الحقيقة – على القول بمشروعيتها؛ لأنها قد شرعت ركعتان فلم تشترط فيها النية. فهذه المسألة مبنية على ذلك. فإذا ائتم بمن يشك فيه فلا يدري هل هو مسافر أم مقيم؟ فإنه يجب عليه الإتمام في المشهور من المذهب. لكن استثنوا من ذلك: إذا كانت هناك غلبة ظن كأن يكون المسجد في طريق المسافرين أو أن يظهر على الإمام هيئة السفر أو نحو ذلك. أو أن ينوي أنه أتم، أتم، وإن قصر، قصر، فيعلِّق صلاته بصلاة الإمام فيجوز. لكن الصحيح في هذه المسائل كلها، أنه إذا صلى وراء إمام ولا يدري أهو مسافر أم مقيم، فإنه يصلي خلفه فإن أتم، أتم خلف. وأن قصر، قصر؛ لأن النية ليست بشرط. قال: (أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها) هذه مسألة غريبة. صورتها: رجل أحرم بصلاة - يلزمه - في السفر يلزمه إتمامها، كأن يصلي خلف مقيم، فبطلت صلاته كأن يتذكر أنه محدث أو نحو ذلك ثم أراد أن يصلي وحده فهل يصلي قصراً أو تماماً؟ قال هنا: (أتم) فيجب عليه الإتمام، لكن هذا قول غريب؛ لأن وجوب إتمامها في الصلاة الأولى وهي الفاسدة الباطلة كان ذلك لتعلقها بصلاة الإمام فوجب إتمامها لكونه قد اقتدى بمقيم. وأما في الصلاة الأخرى فلا تعلق لها بشيء يوجب الإتمام. وهذا قول ضعيف. - وقد ذهب الأحناف إلى خلاف هذا القول، والراجح ما ذهبوا إليه. قال: (أو لم ينو القصر عند إحرامها) تقدم هذا: وأن المشهور في المذهب وجوب نية القصر. فلو أن رجلاً كبر في السفر وغاب عن ذهنه أنه مسافر فلم ينو القصر فيجب عليه الإتمام. وهذا ضعيف وهو مبني على اشتراط نية القصر، وهو قول ضعيف. قال: (أو شك في نيته) أي في الركعة الثانية شك هل نوى القصر أم لا؟
فيجب عليه أن يتم قالوا: ولو تذكر بعد ذلك، فمثلاً يبقى حائراً لحظات ثم تذكر أنه نوى القصر، فلو بقى لحظة حائراً فإنه يلزمه أن يصلي تماماً؛ لأنه قد بقى زمناً شاكاً في نيته، فوجب الإتمام؛ لأن من شك في نية فيجب عليه الإتمام، فتذكره بعد ذلك لا يغير من الحكم شيئاً بل يلزمه الإتمام. وكل هذه الأقوال تنبني على شرطية نية القصر، وهو قول ضعيف، والقول الراجح هو عدم اشتراط ذلك كما تقدم وهو مذهب جمهور العلماء. مسألة: رجل مسافر فدخل مسجداً في الطريق ووجد رجلاً يصلي فدخل معه وأدرك معه ركعة واحدة ولا يدري هل هو قد أتم صلاته فيتمها أم قصرها، فما الحكم؟ إن غلب على ظنه أحدهما فإنه يبني عليه وإلا فإنه يصلي قصراً، لأننا إنما فرضنا وشرعنا الإتمام له حيث ثبت له أن هذا مقيم، والأصل له أن يصلي مسافراً حتى يثبت له أن هذا الإمام مقيم؛ ولأنه إنما شرع ذلك في الأصل. وإن كانت المسألة قد ثبت فيها بعض الأحكام تبعاً، إنما شرع ذلك لئلا يخالف الإمام، والمخالفة إنما تكون إذا سلم قبل سلام إمامه، وإن كان قد ثبت له في هذه المسألة تبعاً أنه وإن أدرك من الصلاة شيئاً وهو يعلم أنه مقيم أنه يتم، فهذا قد ثبت تبعاً للمسألة السابقة؛ ولاتباع صورة صلاة الإمام تماماً، لكن هنا لم يثبت له ذلك فيبقى على الأصل من كونه يشرع له أو يفرض أن يصلي قصراً. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أو نوى إقامته أكثر من أربعة أيام) هذا في سياق من يجب عليه الإتمام، فإن هذه المسألة عطف على ما قبلها من المسائل. فإذا نوى المسافر إقامة أكثر من أربعة أي صلاة إحدى وعشرين صلاة فإنه يتم، وإذا نوى أكثر من ذلك أتم الصلاة. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: (خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة – في رواية لمسلم " إلى الحج " – فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة) .
قالوا: والثابت عنه في سياق حجته أنه دخل مكة في صبيحة اليوم الرابع وأنه خرج منها إلى منى في ضحى اليوم الثامن فهذه أربعة أيام. قالوا: فعلى ذلك يقصر إن أقام أربعة أيام فإن زاد أتم. قال المالكية والشافعية: إذا قام ثلاثة أيام فأقل قصر فإن أقام أكثر من ثلاثة أيام فإنه يتم. واستدلوا: بهذا الحديث أيضاً ولم يحسبوا يومي الدخول والخروج لما في حسبهما من المشقة، فإن الاعتبار إنما يكون باليوم التام في حق المسافر، وأما بعض اليوم فإن فيه مشقة. واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث: العلاء الحضرمي - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يقيم المهاجر بعد نسكه ثلاثاً: أي ثلاثة أيام) . قالوا: فهذا الحديث فيه أن الثلاثة أيام هي الإقامة. - وذهب إسحاق بن راهويه: إلى أنها تسعة عشر يوماً. واستدل: بما ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: (أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة) قال ابن عباس: (فنحن إذا أقمنا تسعة عشر يوماً قصرنا وإذا زدنا أتممنا) . والمقصود من كونه يتم من أول مكثه وإقامته. ورد جمهور الفقهاء على هذا الحديث بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعزم الإقامة بل كان عليه الصلاة والسلام ينوي الخروج غداً أو بعد حتى خرجت هذه المدة فكانت اتفاقاً، ونحن وأنتم نقول: إن من مكث في بلدة ما ولم يعزم إقامة فإنه يقصر أبداً – كما سيأتي -. ورُدَّ هذا: بأنه خلاف الظاهر، فإن الظاهر أنه أقام تسعة عشر يوماً بنية، ويؤيده القرائن:
() إن ذلك كان في فتح مكة كما في رواية لأبي داود: (وذلك في عام الفتح) فأقام فيها تلك المدة، ويبعد أن يكتفي بمدة أقل منها إذ مكة كانت محل أهل الشرك، وكان العرب يقتدون بهم في سلمهم وكفرهم حتى لما آمنوا وأسلموا، دخل الناس في دين الله أفواجاً، فهي مكة التي كان فيها صناديد الكفار فيبعد أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - نوى إقامة يوم أو يومين أو ثلاثة. () والقرينة الأخرى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: يبعد أن يضعف في التقدير هذا الضعف من تسعة عشر يوماً إلى أربعة أو ثلاثة أيام فيقدر ثلاثة أيام أو أربعة، فتصل المدة إلى تسعة عشر يوماً. - وذهب أهل الظاهر: إلى أنها عشرين يوماً. واستدلوا: بما رواه أبو داود في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة) لكن الحديث قد اختلف فيه علي: (يحيى بن أبي كثير) فرواه معمر عن يحيى موصولاً، ورواه الثقات عنه مرسلاً وهو الراجح كما رجح ذلك الدارقطني وغيره فهو مرسل، والمرسل ضعيف. واعلم أن جمهور الفقهاء إنما حددوا مدة للإقامة والسفر – كما نبه على ذلك غير واحد – بناءً على أن الأصل في الإقامة هي ترك النقلة، فمتى ترك التنقل فأقام فهو مقيم وليس بمسافر، وإنما السفر هو التنقل. قالوا: ولو لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر في حال مكثه لقلنا إنه في حال المكث لا يقصر كما هو مذهب الحسن البصري وهو مروي عن عائشة أو نحوه. لكنه قصر عليه الصلاة والسلام فرأينا أن أكثر مدة لقصره هي كذا. فالقائلون أنها أربعة أيام قالوا: هي أكثر مدة قصر فيها وتأولوا الأحاديث الأخر – وكذلك الباقين. لكن هذا المنطلق فيه ضعف فيما يظهر. ومحل ضعفه أن يقال: إن ما ذكرتموه من أن السفر ينقطع بالإقامة والمكث وترك النقلة قد عارضه الأحاديث الثابتة وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يقصر يوماً أو يومين أو ثلاثة باتفاقنا.
يقصر في حال كونه ماكثاً تاركاً للنقلة، يدل على أن ترك النقلة ليست منافياً للسفر، فإنه وإن ترك النقلة فيبقى مسافراً بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - قد قصر وهو تارك للنقلة. فدل على أن مجرد المكث وترك النقلة أثناء السفر لا ينافي السفر، ولا يخرج المسافر عن السفر إلى الإقامة بل يبقى مسافراً، وإن ترك التنقل ومكث ما لم ينو إقامة يثبت بها حكم الإقامة. - ولذا ذهب شيخ الإسلام وهو مذهب طائفة من أهل العلم إلى أن مرجع ذلك إلى العرف، وذلك لأن الشرع لم يثبت فيه تحديد لهذه المسألة واللغة أيضاً. بخلاف المسألة السابقة فإنا نرى أن اللغة قد حددت السفر بأنه من حيث الانتقال من بلدة إلى أخرى. أما كونه من حيث المدة يكون مسافراً أو مقيماً فليس للغة بحث في هذا، فيبقى العرف - كما هو اختيار شيخ الإسلام - ولو بقى شهوراً. هذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه، وهو مروي عن مسروق من التابعين، وهو قول قوى، وهو أظهر الأقوال السابقة لأن اللغة العربية والشرع لم يثبت فيهما تحديد للمدة التي يثبت بها كون الإنسان مسافراً أو مقيماً فوجب الرجوع إلى العرف كما هو مقرر في أصول الفقه. وقد ثبت في سنن البيهقي يإسناد صحيح وأن ابن عمر: (أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة) . ولا يصح أن يقال: أنه لم يعزم تلك المدة، فإن مثل هذه المدة قد حبسه بها الثلج، فيستبعد أن يكون قد ظن أن يذهب بيومين أو ثلاثة أو أربعة فذلك في الغالب في أول الشتاء، لكونه قد استمر هذه المدة وهي ستة أشهر. فيبعد أن يظن ذهابه في مدة يسيره.
ثم إنه – - رضي الله عنه - – لما سئل عن القصر في ذي المجاز – كما في المسند بإسناد حسن – وهو سوق يجتمع فيه ويباع فيه ويمكث فيه عشرين يوماً أو خمسة عشر يوماً؟ فقال: " يقصر الصلاة به " وقال: " إني كنت بأذربيجان فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين ورأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى يصلي ركعتين ركعتين ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فهنا استدل بفعل أصحابه بأذربيجان وأنهم قد مكثوا شهرين أو أربعة أشهر – كما في مسند أحمد، وفي الرواية المتقدمة (ستة أشهر) ، فاستدل بهذا على القصر عشرين أو خمسة عشر يوماً، فدل على أنه لم يكن ينو المكث المدة التي تقدم ذكرها عند جمهور الفقهاء. ويدل على أنه استنبط ذلك من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وفيه أنه رأى ذلك سفراً، وأن إقامته بأذربيجان شهرين أو أربعة كما في رواية أحمد، وفي رواية البيهقي " ستة أشهر ": أن ذلك سفر، وإن مكثهم بذي المجاز عشرين أو خمسة عشر يوماً سفر وأن في القصر اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. فقوله يخالف قول ابن عباس، ومأخذ ابن عباس تقدم لكم وما فيه من النظر، فهو مخالف بقول ابن عمر، وهذا القول أظهر وأن مرجع ذلك إلى العرف والله أعلم. قال: (أو ملاحاً معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم) ملاح في السفينة أو سائق أجرة – كما في هذه الأزمنة - أو في الأزمنة القديمة: الساعي أو البريد ونحو ذلك. فمن كان معه أهله وهو ملاح ولا ينوى الإقامة ببلد فيلزمه أن يتم – وقد تقدم التنبيه على هذه المسألة –. قالوا: هو وإن كان مسافراً لكن سفره دائم لا ينقطع فلم يترخص برخص السفر؛ لأن سفره دائم لا ينقطع. وذهب جمهور الفقهاء وهو رواية عن أحمد واختارها الموفق: إلى أنه يثبت له القصر وغيره من رخص السفر.
وكونه ذا سفر لا ينقطع لا يعني ذلك ألا يكون له حكم المسافرين؛ لدخوله في عمومات النصوص، بل هو أشق – كما قال ذلك الموفق -. فالراجح: أن من كان سفره دائم لا ينقطع كسائق سفينة ونحوه أنه يقصر لكونه مسافر، ولأن ما كان منه لا يعتبر إقامة بل سفراً، وكون سفره الغالب فيه أنه لا ينقطع هذا لا يؤثر في الحكم، فإنه مسافر داخل في عموم المسافرين بل هو أشق منهم فكان أحق بالرخصة المتقدمة. * ومن كان له أهل أو مال في بلد من البلاد وإن لم يتخذها دار إقامة: - فالمشهور عند الحنابلة: أنه يتم فيها سواء كان له أهل فقط أو مال فقط، فمن كان له بستان في بلدة أو ماشية فإنه يتم. واستدلوا: بما رواه أحمد من حديث عثمان: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من تأهل ببلد فليصل صلاة المقيم) . وبما ثبت في مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه قال: (فإذا قدمت إلى بلد لك فيها أهل أو ماشية فأتم) رواه الشافعي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح. - ذهب الشافعية وهو مذهب ابن المنذر: إلى أن من كان كذلك فإنه يقصر؛ لأنه في حكم المسافرين ما لم ينو الإقامة، فما دام لم ينو الإقامة ولم يتأهل فيها تأهلاً تاماً فإنه مسافر وإن كان له فيها أهل أو مال. قالوا: وأما الحديث الذي ذكرتموه، فإسناده ضعيف منقطع. وأما أثر ابن عباس: فإنه مخالف، فإن الصحابة كان لهم أموال في مكة وكانوا يقصرون فيها وأنكروا على عثمان القصر [لعلها: الإتمام] ، وتقدم أثر ابن عمر في قصره في خيبر وكان له أرض فيها. فهي آثار تخالف ما روى عن ابن عباس، فهو رأي له قد خولف فيه فلم يحتج به. فالراجح مذهب أهل القول الثاني: أن من كان له أهل أو مال في بلدة فذهب إليها ولم ينو إقامة فإنه يقصر لأنه مسافر.
أما إذا تأهل فيها تأهلاً تاماً فأقام فيها الإقامة التي ينتفي بها حكم السفر فإنه يكون في حكم المقيمين ولا مانع أن يكون له بلدتان فأكثر متى ما ثبتت الإقامة. فإذا كان له في هذه البلدة أشهر يمكث فيها وفي البلدة الأخرى بقية السنة فإنه يعتبر مقيماً في البلدتين؛ لأنه قد تأهل تأهلاً تاماً واتخذ كلاً منهما سكنى له فكان له حكم المقيمين لا المسافرين. قال: (وإن كان له طريقان فسلك أبعد هما) وكان أقصرهما لا يثبت به حكم السفر، فسلك أبعد هما فإنه يثبت له حكم المسافرين، وإن كان لو سلك أقصرهما لم يثبت له ذلك. قالوا: لأن سلوكه الأبعد فيه ترك لما كان سلوكه أولى، ولا يكون ذلك إلا لأن سلوك ذلك مظنة خوف أو مشقة، فهذا طريق شاق أو فيه مخاوف فتركه وسلك الطريق الآخر غيره، فكان الطريق الأبعد هو الطريق الأصلي لهذه البلدة لأنه آمن وسالم من المتاعب. - وقال بعض الحنابلة: يستثنى من ذلك ما ذكرتموه فيما إذا كان ذلك مظنة الخوف أو المشقة. أما إذا لم يكن ذلك فلا. وهذا أظهر؛ لأنا إذا قلنا بخلاف ذلك فإنه يقتضي أن يكون اثنان قد أتيا من بلد واحدة وأحدهما له حكم السفر والآخر لا، مع أن [من] له حكم السفر قد اتخذ طريقاً خلاف الأولى، فمثل هذا ضعيف في النظر. أما إذا كان الطريق الآخر فيه مخاوف ومشاق فإنه يكون الطريق الأصلي للبلدة هو هذا الطريق الآمن السالم من المتاعب. فحينئذ يثبت في سلوكه السفر وإن كان غيره أقرب منه لمشقة سلوكه وللمخاوف فيه. فالراجح: أنه إذا كان هناك معنى لسلوك الأبعد لكون الأقرب فيه مخاوف أو مشاق فسلك الأبعد فإنه يقصر الصلاة. قال: (أو ذكر صلاة سفر في آخر قصر) رجل مسافر فذكر أنه ترك صلاة في سفر آخر فإنه يصليها قصراً؛ لأنه قد فعلها في السفر وقد وجبت في السفر فلا معنى لقضائها تماماً. ثم إن القاعدة السابقة " القضاء يحكي الأداء " تفيد هذا.
لكن المذهب لا يقول بهذه القاعدة في المسألة السابقة فلم يستدل به على هذه المسألة لعدم التناقض. أما على الراجح فإنه يستدل بها. أما دليلهم هم فإنهم قالوا: إنها وجبت عليه فعلها في حال السفر فكانت صلاة سفر. قال: (وإن حبس ولم ينو إقامة أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة، قصر أبداً) رجل حبس ظلماً أو حبسه مطر أو ثلج ولم ينو إقامة أو أقام لقضاء حاجة من الحوائج بلا نية إقامة، وظن أن إقامته أنها يكفيها أربعة أيام احتمالاً، فيحتمل أنها تنتهي في أربعة أيام وقد تزيد فإنه يقصر. إذن: إذا أقام لقضاء حاجة فله حالان: 1- الأولى: أن يعلم أنه لا يقضي حاجته إلا بعد أربعة أيام فيحتاج للمكث في هذه البلدة أكثر من أربعة أيام، أو يظن أنه يحتاج أربعة أيام وإن كان ربما قضاها قبل ذلك، فإنه حينئذ يجب عليه الإتمام. 2- الثاني: أن يظن أنها تحتاج أربعة أيام، أو يعلم ذلك فإنه يقصر، ولو أقام أبداً. وهذا مذهب جماهير العلماء وحكاه الترمذي وابن المنذر إجماعاً. إلا أن الأصح عند الشافعية خلاف ذلك، وحدوده في الأصح عندهم بثمانية عشر يوماً، وهو خلاف مذهب عامة أهل العلم. والراجح مذهب جماهير العلماء؛ لأنه لم ينو إقامة فلا يكون في حكم المقيمين. واستدلوا: بأثر ابن عمر، لكن تقدم أنه لا يستدل به عليها. لكن دليلها ما تقدم وأنه مسافر وليس مقيم؛ لأنه لم ينو إقامة فلم يكن مقيماً، فلو بقى ما بقى فإنه في حكم المسافر، وحكاه ابن المنذر والترمذي إجماعاً. فإن ثبت أن الشافعي خالف في هذه المسألة، فإن الإجماع منقوض. ومع أن المسألة تحتاج إلى بحث عن كلام الشافعي لكني استبعد ذلك على الشافعي مع أن ابن المنذر من أعلم الناس بمذهبه ومع ذلك حكى الإجماع في هذه المسألة. فالظن أن هذا مذهبٌ لأصحابه، وذلك لا ينقض الإجماع. والحمد لله رب العالمين. فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشاءين في وقت إحداهما في سفر قصر) . هذا فصل في الكلام في الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وهما الظهران، والمغرب والعشاء وهما العشاءان من باب التغليب. وقد أجمع العلماء على أن الجمع لا يشرع بين غيرهما من الصلوات، فلا جمع بين عصر ومغرب، ولا عشاء وصبح، ولا صبح وظهر، فهذا بالإجماع لا يصح فيه الجمع. فيجوز الجمع في وقت إحداهما تقديماً أو تأخيراً، فتقديماً بأن يصلي الظهر والعصر في وقت الظهر، وكذلك المغرب والعشاء في وقت المغرب، وتأخيراً بأن يصلي الظهر والعصر في وقت العصر، أو المغرب والعشاء في وقت العشاء. (في سفر قصر) : فيجوز الجمع بين الصلوات في السفر الذي يصح فيه القصر وقد تقدم الكلام عليه. دليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في سفر فارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب) قال في البلوغ: " وفي رواية الحاكم في الأربعين بالإسناد الصحيح: (صلى الظهر والعصر ثم ركب) ". وروى الإسماعيلي نحوه – كما في الفتح – أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا كان في سفر فارتحل بعد أن زالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل) فهذا الحديث يدل على ثبوت الجمع في السفر. وثبت في مسلم عن معاذ بن جبل قال: (خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً) . وثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وصححه من حديثه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً في وقت العصر، وإذا ارتحل بعد أن زاغت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً في وقت الظهر، وهكذا المغرب والعشاء) .
فهذه أحاديث تدل على ثبوت الجمع في السفر، وهي حجة على من أنكر ذلك من الأحناف في تخصيصهم الجمع بعرفة ومزدلفة. قالوا: لأن الأحاديث في المواقيت متواترة فلا تخصص بذلك. لكن صحتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وثبوتها يخصص به المتواتر كما هو مقرر في علم أصول الفقه. بل الأحاديث متواترة في أصل الجمع في السفر أو مستفيضة في ذلك، وحينئذ قوله: (يجوز) ، ظاهره أن ذلك مباح وليس بمستحب. وهو المشهور في المذهب قالوا: وتركه أفضل. وعن الإمام أحمد: أن الجمع في السفر أفضل، وهذا القول أرجح في موضع، والأول أرجح في موضع آخر. أما كون الثاني أرجح، فهو في موضع الارتحال حيث جد به السير. فالمستحب له الجمع لثبوت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ومداومته على هذا الفعل تدل على أنه هو المستحب. وأما إذا كان نازلاً فإن المشهور من فعله – - صلى الله عليه وسلم - – أنه كان يصلي الصلاة في وقتها كما صح ذلك في حجته في صلاته في منى، فإنه كان نازلاً في منى وكان يصلي الصلوات في وقتها ولا يجمع ولم يصح عنه أنه جمع في نزوله إلا ما ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح – وهو دليل الجواز – عن معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أخر الصلاة في غزوة تبوك يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً) . لكن الذي كان يداوم عليه – - صلى الله عليه وسلم - – هو الجمع حيث جد به السير، فإن نزل فإنه كان يصلي الصلوات في وقتها ولا يجمع إلا في أحوال نادرة كما تقدم في حديث معاذ الدال على جواز الجمع في حال النزول. قال: (والمريض يلحقه بتركه مشقة)
فالمريض يجوز له الجمع إن كان في صلاته الصلوات في وقتها مشقة عليه، لأن الشريعة قد أتت بنفي الحرج، وقد قال ابن عباس – كما في الصحيحين – (جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر) وفي مسلم (بالمدينة من غير خوف ولا مطر فسئل عن ذلك فقال: أراد ألا يحرج أمته) . فدل أنه حيث وقع الحرج فإنه يجوز له أن يجمع. وقد وردت السنة بالجمع للمستاحضة كما ثبت هذا في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي، قال الإمام أحمد: " ومثل ذلك المرضع التي يشق عليها أن تغسل ثوبها لكل صلاة " أي من نجاسة الطفل فيجوز لها الجمع للحرج، وهذا واضح في مثل الشتاء حيث يشق ذلك عليها. ومثل ذلك: حيث خاف على نفسه أو أهله أو ماله – كما تقدم – في العذر في ترك صلاة الجماعة. وهذا هو المشهور في المذهب – أي الجمع للمريض – ونص الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام. قال: (وبين العشاءين لمطر يبل الثياب أو وحل) فإذا كان المطر يبل الثياب وحينئذ تحصل المشقة، فلا تحصل المشقة في المطر القليل أو الطل الذي لا يثبت بمثله أذى. أما الذي يبل الثياب وهو الذي يثبت بمثله الأذى فإنه يجوز الجمع فيه بين العشاءين. واستدلوا: بما في الموطأ بإسناد صحيح أن ابن عمر: (كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم) ، وثبت في البيهقي بإسناد صحيح: أن عمر بن عبد العزيز: (أنه كان يجمع بين المغرب والعشاء في المطر) ، وأن سعيد بن المسيب وعروة وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معه ولا ينكرون ذلك قالوا: فكان ذلك إجماعاً. وظاهر قوله: (بين العشاءين) أنه لا يجمع بين الظهر والعصر في المطر – وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
قالوا: لعددم وروده كما ورد هذا في المغرب والعشاء؛ ولأنه لا يقاس مطر النهار على مطر الليل، لأن المطر في الليل يكون في الظلمة فتكون المشقة أعظم، كما أنه مظنة للبرد ونحوها فكانت المشقة فيه أظهر فلا يقاس هذا على هذا لوجود الفارق. - وذهب أبو الخطاب من الحنابلة وهو مذهب الشافعية: إلى جواز الجمع – في المطر – بين الظهر والعصر. قالوا: لقول ابن عباس: (من غير خوف ولا مطر) فدل على أن المطر عذر يجمع له، وقال: (أراد ألا يحرج أمته) فالعلة والمناط إنما هو الحرج، والحرج ثابت بالمطر في النهار كما هو ثابت بالمطر في الليل. وكون المطر في الليل أشق من المطر في النهار لا يعني ذلك عدم ثبوت المشقة في المطر في النهار، والحكم إنما علق بالمشقة فمتى ثبتت المشقة فإنه يثبت الحكم، وإن كان هناك ما هو أشق، فكون مطر الليل أشق للظلمة ونحوها لا يعني ذلك عدم ثبوت المشقة في النهار فالحكم إنما يعلق لوجود الحرج والمشقة فمتى ثبت ذلك جاز. وقد تقدم أثر ابن عباس في حديث (ألا صلوا في رحالكم) في البرد الشديد فلا فرق فيه بين الليل والنهار. فالراجح مذهب الشافعية وهو اختيار أبي الخطاب. ومثل ذلك: الوحل لذا قال هنا: (ووَحل) والوحل أشق من المطر الذي يبل الثياب فكانت الرخصة فيه أولى، وقد تقدم في أثر ابن عباس في قوله: (وكرهت أن أخرجكم في الطين والدحض) . فهذا يدل على أن متى ثبت ذلك فهذا عذر في الجمعة في حضورها جماعة ومثلها سائر الصلوات، وكذلك في الجمع لوجود الحرج، وقد قال ابن عباس: (لئلا يحرج أمته) والخروج في حال الوحل والطين الزلق فيه حرج ومشقة. قال: (وريح شديدة باردة) كذلك إذا كانت الريح شديدة باردة يقع الحرج في أن يصلي الناس الصلوات في وقتها فيجوز الجمع – هذا هو المشهور في المذهب –.
والأدلة ظاهرة فيه لوجود الحرج، وقد قال ابن عباس – كما تقدم -: (لئلا يحرج أمته) وهذا من جنس العذر في المطر والدحض ونحو ذلك. والظاهر كما تقدم – أن يقيَّد هذا بألا يكون مما ألفته تلك البلاد، لأن الجمع فيما يكون مألوفاً يؤدي ذلك إلى التفريط في حضور الجماعات – في صلاة الصلوات في وقتها –. فالمراد ما يقع به الحرج وذلك إنما يكون متى لم يؤلف، وأما من وقع عليه الحرج فلا بأس أن يصلي في بيته لوقوع الحرج عليه. إذن: الريح الباردة الشديدة التي لم تجر العادة لأهل تلك البلدة بمثلها وخروجهم مع وجودها يُلحقهم حرجاً ومشقة، يجوز لهم أن يجمعوا بين الصلوات فيها. قال: (ولو صلى في بيته أو في مسجدٍ طريقُهُ تحت ساباط) الساباط: هو ما كان يوضع في الدور في السابق – على السقف، فيوضع على الدور بحيث تكون الطرق مظللة ويكون مظللاً عن المطر نحوه. فلو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط فيجوز له الجمع. قالوا: لأن الرخص العامة كالسفر وبيع السلم تثبت وإن انتفت المشقة أو الحرج عن شخص ما، فإن الحكم يثبت له حيث ثبت له غيره. وهذا ظاهر في الشريعة فقد أباحت القصر في السفر، والأصل في ذلك المشقة ولو انتفت المشقة عن بعض المسافرين فإن الحكم يبقى حقاً لهم، ومثله بيع السلم فإنه إنما استثنى من البيع المحرم – لحاجة الناس إليه – ودخل في ذلك الأغنياء وغيرهم ممن ليس لهم حاجة إلى تعاطي هذه الصورة من البيع. فمتى كانت الرخصة عامة فإن حكمها يثبت مطلقاً حتى للشخص الذي لا تقع فيه العلة التي هي باعث الحكم الشرعي، وهذا ظاهر. قال بعض الحنابلة: لا يثبت له هذا الحكم؛ لأن الحكم علق بالمشقة والمشقة منتفية عنه فليس له أن يترخص بذلك.
والأظهر القول الأول؛ لما تقدم من أن الرخص العامة إذا ثبتت في حق عموم المكلفين فإنها تشمل كل مكلف وإن كان في شخصه قد انتفت منه العلة التي من أجلها شرع الحكم، كما في السلم والسفر ونحوه، وهو مذهب الحنابلة في المشهور عندهم. قال: (والأفضل فعل الأرفق به من تقديم أو تأخير) فالأفضل فعل الأرفق به من تقديم أو تأخير، وهو اختيار شيخ الإسلام. وهو ظاهر فإن الجمع إنما شرع لنفي الحرج، وفي كونه يفعل الأرفق به تمام لرفع الحرج. وكوننا نحدد له شيئاً من الاثنين فإن في ذلك ما ينافي تمام توسع الأمر ورفع الحرج فيه، فكان الأولى أن يقال: افعل الأرفق بك؛ لأن الحكم شرع لرفع الحرج عنه، فمتى كان الحرج رفعه أتم وأظهر فإن هذا الأفضل في حقه. وهذا ما دلت عليه السنة في الحديث المتفق عليه المتقدم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس استمر حتى يأتي وقت الصلاة الثانية ثم ينزل فيصلي الظهر والعصر تأخيراً) ؛ لأن للمكلف أن ينزل في الصلاة الأخرى، كما إنه إذا أراد أن يسافر وقد زاغت الشمس فإن الأرفق فيه أن يصلي الصلاتين ثم يرتحل وهكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل. مسألة: اختار شيخ الإسلام وهو مذهب ابن سيرين وابن المنذر: أن الجمع جائز مطلقاً عند الحاجة إليه من غير أن يتخذ ذلك سنة وعادة. فمتى احتاج إليه ولو كان ذلك لمصلحة دينية كاجتماع ناس لخطبة أو لأمر ما جاز ذلك من غير أن يتخذ ذلك سنة وعادة.
ودليله حديث ابن عباس: فإن فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلى الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً بالمدينة من غير خوف ولا سفر ولا مطر) وقال ابن عباس: (أراد ألا يحرج أمته) وهكذا كان فعله - رضي الله عنه - – فقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: (خطبنا ابن عباس بالبصرة بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم فقيل: الصلاة الصلاة فقال: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء) قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فسألت أبا هريرة فصدَّق مقالته. وقد فعل هذا ابن عباس لمصلحة اجتماع الناس وتفرقهم وكان يخشى أن يتفرقوا عن سماع الحق الذي يريد أن يبينه، وهي مصلحة شرعية، ولعلها فيما كان يدور في الأمة من الخلاف بين أمير المؤمنين علي ومعاوية رضي الله عنهما. فإن قيل: فلعله جمع صوري؟ فالجواب: هذا ضعيف من أوجه: منها: أن عبد الله بن شقيق لا يمكن أن يخفى عليه جواز الجمع الصور والمراد به: أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها ثم يجلس حتى إذا دخل وقت الأخرى قام فصلاها، هذا جاز بإجماع المسلمين وهو واضح لعامة الناس فضلاً عن علمائهم فيبعد أن يحيك هذا في صدر مثل عبد الله بن شقيق وهو من علماء المسلمين فدل على أنه ليس المراد من ذلك الجمع الصوري. وكذلك ابن عباس: ما كان يحتاج تبيين ذلك والناس يعلمون أنه يجوز لهم أن يؤخروا الصلاة – أي المغرب – وإن بدت النجوم ما لم يغب الشفق. ويدل عليه ما ثبت في النسائي بإسناد صحيح: " أنه ذكر أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة الأولى " أي الظهر " والعصر ثمان سجدات " أي ركعات " ليس بينهما شيء " أي ليس بينهما انتظار، فليس جمعاً صوري. فإن قيل: لعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مريضاً كما قال ذلك بعض أهل العلم والمرض عذر، فإنه نفى الخوف والمطر والسفر فبقى المرض؟
فالجواب: أن هذا ضعيف؛ لأن المرض عذر للشخص نفسه، وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه، والعذر حيث كان كذلك إنما يكون مختصاً بالشخص نفسه. إذن: ما ذهب إليه أهل هذا القول راجح لكن لا يتساهل بهذه المسألة، فقد ثبت عند سفيان الثوري في جامعه وقد ذكره شيخ الإسلام – والأثر صحيح – عن عمر قال: (الجمع بين الصلاتين لغير عذر من الكبائر) ورواه الترمذي مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يصح مرفوعاً بل هو موقوف على عمر. قال: (فإن جمع في وقت الأولى اشتراط نية الجمع عند إحرامها ولا يفرِّق بينهما إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف ويبطل براتبة بينهما، وأن يكون العذر موجوداً عند افتتاحهما وسلام الأولى) هذه شروط ثلاثة لمن أراد أن يجمع جمع تقديم: نية الجمع عند إحرامها – أي الأولى –. الموالاة. أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الأولى والثانية وسلام الأولى. فالشرط الأول: (اشتراط نية الجمع عند إحرامها) : فيجب إذا كبر للأولى أن ينوي الجمع، فلو لم يفعل، كأن ينزل المطر مثلاً وهو يصلي المغرب فلا يصح الجمع؛ لأنه يشترط أن يكون قد نوى الجمع عند افتتاح الأولى وهو لم ينوه. وذهب الحنابلة في الوجه الثاني عندهم وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أن نية الجمع ليست بشرط، وأن هذا القول لا دليل عليه – كما قال شيخ الإسلام – ومثل هذا ينبغي أن يشتهر عنه حيث كان شرطاً، وترك البيان عند الحاجة إليه لا يجوز وهو ممتنع في الشريعة، فيمتنع أن تكون النية للجمع شرطاً ولم يبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأمته فلا ينقل ذلك عنه لا بإسناد صحيح ولا حسن، ولم يثبت ذلك عن أحد من أصحابه. وهذا القول هو الراجح – وأن نية الجمع ليست بشرط لأنه لا دليل على ذلك – فهذا الشرط غير صحيح. الثاني: (ولا يفرق بينهما)
فالموالاة واجبة قالوا: لأن لفظ الجمع يقتضي الموالاة وعدم المفارقة، والاتصال، فوجب أن تكون الصلاتان متصلتين ببعضهما وهذا هو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلواته التي جمع فيها. وعن الإمام أحمد: أن ذلك ليس بشرط، وهو اختيار شيخ الإسلام،وهو القول الراجح. لأن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه الموالاة لا يقتضي الإيجاب. وأما كونهما يثبت فيهما الجمع، فإن الجمع لا يقتضي إلا الجمع بينهما في الوقت نفسه، فالمراد من قولنا: جمع أن كليهما صليا في وقت إحداهما، وهذا هو الجمع المقصود من صلاة الصلاتين في وقت إحداهما. وأما كونهما يتصلان أو يفترقان فإن هذا لا يقتضيه لفظ الجمع. وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على الاستحباب ولا معنى يقتضي إيجاب ذلك. وهذا القول الراجح وأنه ليس بشرط. وعلى المذهب: إذا حدث بينهما فارق: فإما أن يكون يسيراً عرفاً أو كثيراً عرفاً. فإن كان يسيراً عرفاً لم يضر، ومثّل له بإقامة ووضوء خفيف. وإن كان كثيراً ضر، ومثّل له بصلاة راتبة بينهما. فإذن: الفارق مرجعه إلى العرف فإن كان كثيراً فإنه يضر ولا يصح الجمع، بل ينتظر ويصلي الصلاة في وقتها. أما الشرط الثالث فقال: (وأن يكون العذر موجوداً) العذر كالمطر ونحوه (عند افتتاحهما) أي الأولى والثانية (وسلام الأولى) : ونازع في قوله: (وسلام الأولى) ابن عقيل من الحنابلة وقال: " هذا لا أثر له "، وهذا هو الظاهر. فإنه لا أثر له فكون المطر يستمر نازلاً عند افتتاح الأولى فهذا لنية الجمع كما تقدم، وعند افتتاح الثانية فهذا لإثبات العذر في إجازة الجمع. أما قضية سلام الأولى فإن هذا غير مؤثر وهو كما قال.
ويقول: كذلك افتتاح الأولى، فإنه إنما اشترط وجود العذر عند افتتاح الأولى لاشتراط نية الجمع، وتقدم أن نية الجمع ليست بشرط وعليه فلا يشترط ذلك، فلو لم ينزل المطر إلا بعد سلامهم من المغرب – مثلاً – فإنه يجوز لهم الجمع خلافاً للمشهور من المذهب، لأن اشتراط العذر في الصلاة الأولى هذا لا أثر له، فالصلاة الأولى إنما صليت في وقتها والعذر إنما هو للصلاة الثانية لتضم إلى الصلاة الأولى لوجود العذر، ولا أثر للصلاة الأولى مطلقاً لا في افتتاحها ولا سلامها. قال: (وإن جمع في وقت الثانية اشترط نية الجمع في وقت الأولى) هذه شروط جمع التأخير. قال: (اشتراط نية الجمع في وقت الأولى) هذا شرط صحيح ظاهر؛ لأنه إن لم ينو الجمع في وقت الأولى، فإن ذلك يكون من باب القضاء. رجل في سفر فدخل عليه وقت صلاة الظهر حتى خرج وقتها ولم ينو الجمع فدخل وقت الثانية فإن هذا لا يكون من باب الجمع لأن هذا التأخير منه لغير نية الجمع وحينئذ يكون ذلك من باب القضاء لا الأداء، فإنه مفرط في إخراج الصلاة عن وقتها من غير أن ينوي الجمع تأخيراً شرعياً؛ لأن الواجب عليه أن يصلي الصلاة في وقتها، وحيث صلاها خارج وقتها فهذا من باب القضاء وليس له عذر في أن يؤخرها عن وقتها إلا إذا كان ناوياً الجمع، فإن نوى جاز له ذلك. قال: (إن لم يضق عن فعلها) لأنه إذا أخرها ولم ينو الجمع حتى ضاق وقتها عنها فإنه قد فعل أمراً محرماً، وقد تقدم البحث في هذه المسألة. قال: (واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية) هذا هو الشرط الثاني: وهو استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.
فمثلاً: أذن الظهر وهو في سفر، وأرد أن يجمع صلاة الظهر مع العصر في وقت العصر لكنه قدم إلى البلد وقد بقي وقت لأذان العصر، فما زالت في وقت الظهر، فلا يجوز أن ينتظر فيؤخر صلاة الظهر فيؤخرها مع العصر؛ ذلك لأن العذر قد زال بزوال المقتضي، وزوال السبب يمنع من الجمع. وكذلك من زال مرضه: فمثلاً مريض أراد أن يؤخر صلاة المغرب إلى وقت العشاء فزال مرضه أثناء وقت المغرب فإنه لا يجوز له الجمع لزوال عذره، وهو السبب المقتضي للجمع. إذن: عندنا شرطان في جواز جمع التأخير: أن ينوي الجمع في أثناء وقت الأولى. ألا يزول العذر إلا وقد خرج وقت الأولى. وقد قال عمر: (الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر) . قال في الأنصاف: " بلا نزاع بين أهل العلم "، فلا نزاع في هذه المسألة. والحمد لله رب العالمين. فصل في الكلام على صلاة الخوف حكماً وصفة ومسائل. والمراد بصلاة الخوف: هي الصلاة المكتوبة عند الخوف وليس المراد بها أنها يشرع عند الخوف كصلاة الاستسقاء تشرع عند طلب السقيا. وإنما المراد الصلاة المكتوبة كيف تصلي عند الخوف. واعلم أن الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الثابت في القرآن في باب صلاة الخوف إنما كان في الخوف من الكفار عند القتال وقاس عليه أهل العلم: كل خوف جائز كالخوف من ظالم أو سبع أو سيل أو نحو ذلك. ولو كان الخوف في قتال ليس مع الكفار كقتال أهل بدعة أو بغي ونحو ذلك فإن هذا حيث ثبت الخوف فيه تشرع عنده صلاة الخوف.
أما إن كان القتال قتالاً محرماً فإنه لا يرخص له، وحكاه النووي إجماعاً، كالخارج على إمام أو المعتدي على المسلمين أو نحو ذلك وهو ظاهر، وليس كالمسألة السابقة، فإن هنا إعانة ظاهرة، فإن كونه يصلي الصلاة على راحلته كصلاة الخائف – كما سيأتي تفصيله على مراتبها - فإن في ذلك إعانة له على هربه أو تقوية له، وفي هذا ما ينافي مقصود الشارع من إضعافه فلم يرخص له في ذلك. إذن: القياس يكون حيث ثبت الخوف في أمر مشروع كالقتال في سبيل الله أو في أمر مباح كالهرب من سيل أو سبع أو نحو ذلك. قال المؤلف رحمه الله: (صلاة الخوف صحت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفات كلها جائزة) فهي ثابتة صحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة سيأتي ذكر بعضها. وهو أيضاً – أي أصل صلاة الخوف – ثابت في القرآن في قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} الآية فإنها في صلاة الخوف وكذلك قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} فهي أيضاً في صلاة الخوف. وليس هذا مختصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خلافاً لمن زعم ذلك في قوله: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ….} لأن ما كان ثابتاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ثابت لأمته إلا أن يدل دليل على التخصيص. ولفعل الصحابة بعده كما صح ذلك عن طائفة منهم، وهو مذهب عامة العلماء. وقد صحت صلاة الخوف بصفات عدة، ذكر الإمام أحمد أنها ثبتت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بستة أوجه أو سبعة أوجه كلها ثابتة جائزة، قال الإمام أحمد: (فمن ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره " وسيأتي ذكره وصفة الصلاة فيه.
ومقتضى كلام الإمام أحمد – كما قال ذلك الموفق وصاحب الفروع – خلافاً للمشهور عند الحنابلة – مقتضى كلامه: صحة صلاة الخوف ركعة؛ لأنها من الأوجه الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما في قول ابن عباس ورفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وصلاة الخوف ركعة) رواه مسلم. وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن حذيفة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا) . وهذا في الحضر والسفر، ومقتضى كلام الإمام أحمد جواز [ذلك] حضراً وسفراً سواء كان ذلك من الإمام والمأمومين، أو من المأمومين فقط، وهو قول ابن عباس وإسحاق وطائفة من التابعين لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما عامة أهل العلم فإنهم لم يجيزوا ذلك ورأوا أن صلاة الخوف تبع لصلاة الحضر وصلاة السفر، فصلاة الخوف تصلى في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين. وهذا ظاهرٌ إلا ما استثنى في حديث ابن عباس المتقدم. إذن: جماهير العلماء يرون أن الخوف لا أثر له في عدد الركعات لكن الخوف قد أثَّر في هيئتها، فأصبحت في هيئة يُؤمن على المسلم فيها، فهي هيئة مأمونة. وقولهم أصح، وأما حديث ابن عباس فيحمل على شدة الخوف حيث كان الخوف شديداً يقتضي أن تتأثر الركعات فحينئذ يجوز ذلك. فالأظهر: أنه لا يجوز التصرف بركعاتها حضراً ولا سفراً وأما التصرف في الهيئات فهو الوارد إلا أن يكون الخوف شديداً - لا يبلغ أن يصلي راكباً أو قائماً كما سيأتي – لكنه يحتاج المسلم فيه إلى أن يختصر الركعات فيصليها ركعة كأن تقام قبل التقاء الصفوف ويكون في صلاتها أربع ركعات أو ركعتين أو ثلاثاً فيه مشقة فحينئذ يصلونها ركعة. ومما يدل عليه قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} و" أل " هنا في الظاهر أنها العهدية أي إذا أقمت لهم الصلاة المعهودة وهي المكتوبة فحينئذ هي على ركعاتها المشهورة حضراً وسفراً.
* واعلم أن أولى هذه الصفات الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العمل هو ما اختاره الإمام أحمد؛ لأن هذه الصفة هي التي وافقها القرآن وهي الصفة التي تفعل في كل حال سواء كان العدو في تجاه القبلة أو ميمنتها وميسرتها أو معاكساً لها. وصفتها: أن يقسم الجيش طائفتين، ولا يشترط في هاتين الطائفتين التساوي لكن يشترط أن تكون كل طائفة فيها تثبت بها الكفاية في الوقوف أمام العدو لو حدث منه ميل إلى المسلمين، فيصلي بهم ركعة ثم يثبت قائماً فيتموا لأنفسهم ثم ينصرفون، فيقفوا وجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعة التي بقيت ثم يثبت جالساً فيتموا لأنفسهم ثم يسلم بهم، فيكون لهؤلاء ميزة التسليمة وللآخرين ميزة التكبيرة. ودليل ذلك: ما ثبت من حديث صالح بن خوات: عمن شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع – وفي مسلم – عن سهل بن أبي حثمة. لذا قال الإمام أحمد – كما تقدم – (وأما حديث سهل فأنا أختاره) –. وهو عند البيهقي (عن صالح بن خوات عن أبيه) ولا مانع أن يكون رواه عن أبيه ورواه عن سهل بن أبي حثمة – عمن شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: (أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة ثم جلس فأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم) وهو أنكى للعدو وأحفظ للمسلمين، فإنها تفعل حيث كان العدو في أي جهة. ومن الصفات: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: وصفتها: (أن تقوم طائفة مع الإمام وطائفة تبقى وجاه العدو، فيصلي بالطائفة التي قامت معه ركعة، ثم ينصرفون عن الإمام إلى مواقعهم ويتمون لأنفسهم لكنهم ينتظرون الآخرين في الإتمام ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام الركعة الثانية ويتمون لأنفسهم) .
هذه صفة أخرى لكنها حيث كان الخوف أخف من الوضع المتقدم لأنهم يبقون يتمون جميعاً لكن معلوم أن الإتمام حيث كان منهم جميعاً لابد فيه من مفارقة، فهذا قائم وهذا جالس وهذا ساجد فيكون هناك نظر للعدو – وإن كانت هذه الصفة إنما تبقى أن يفعل حيث كان العدو وجاه القبلة وإلا فقد تحدث – حينئذ – غرة من الكفار لذا لا ينبغي أن يفعل إلا حيث كان العدو أمامهم وحيث كان الخوف أخف مما يحتاج فيه إلى الصورة المتقدمة. وهناك صفة ثالثة: ثبتت في الصحيحين من حديث جابر، وصفتها: أن يصلي الإمام ويصلي الناس معه جميعاً ويقسمهم إلى صفين، فيركع ويركعون معه ويرفع ويرفعون معه ويسجد ويسجد الصف الأول معه فقط، ويبقى الصف الثاني قائماً، فإذا قام إلى الركعة الثانية سجد الصف الثاني ثم يقومون ويتأخر الصف الأول ويتقدم مَنْ في الصف الثاني ويفعلون كما فعلوا في الركعة الأولى، وهذا حيث كان العدو تجاه القبلة. وهناك صفة أخرى: وهي ما تقدم من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بطائفة ركعة وبطائفة أخرى ركعة ولم يقضوا كما في حديث حذيفة وتقدم أن هذا حيث كان الخوف شديداً. وهناك صفة أخرى ثبتت في النسائي من حديث جابر – وفي أبي داود من حديث أبي بكرة وهي صفة ظاهرة، وهي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالآخرين ركعتين ثم سلم) . وهذا لا إشكال فيه. ومن هنا يجوز لهم أن يقسموا أنفسهم إلى جماعات، فتصلي هذه الجماعة الآن والجماعة الأخرى في وقت آخر، وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ما تقدم لفضيلة إمامته – عليه الصلاة والسلام – وإلا فلو قسموا أنفسهم قسمين فصلت الطائفة الأولى ثم صلت بعدهم الطائفة الأخرى فذلك لا بأس به. ولنقف عند الصفة المختارة التي اختارها الإمام أحمد رحمه الله. مسائل:
المسألة الأولى: إذا كان في الإقامة فأراد أن يصلي أربعاً أو في السفر وأراد أن يصلي المغرب فحينئذ هل يكون انتظار الإمام عند القيام أم عند التشهد. قولان لأهل العلم في الأولى: وعليه: فإن أي الصفتين فعل فلا بأس. فسواء قام وانتظرهم قائماً أم جلس فلا بأس لكن أيهما الأولى؟ الأظهر أن الأولى أن ينتظرهم وهو جالس؛ لأن الانتظار إنما فعل في حال القيام في الصورة المتقدمة للاحتياج إليه – حينئذ –، وإلا فإن فيه مشقة على الإمام في التطويل في القيام في انتظاره هؤلاء حتى يسلموا ثم هؤلاء حتى يأتوا. وأما الجلوس فإنه لا مشقة عليه ما في انتظارهم فيه، وفيه مصلحة أخرى: وهي أن تدرك الطائفة الثانية أول شروعه في الركعة الثالثة. المسألة الثانية: في الانتظار حيث كانت الصلاة ركعتين فقد تقدم أنه ينتظر في حال قيامه، فينتظر الطائفة الأولى حتى تسلم وتأتي الطائفة الأخرى، وفي حال جلوسه ينتظر الطائفة الثانية حتى تتم صلاتها فيسلم بها. فهل يشرع بالتشهد ويشرع بالقراءة في حال انتظاره أو ينتظرهم حتى يأتوا فيشرع؟ قولان لأهل العلم: أظهرهما أنه يشرع بمجرد قيامه؛ لأن هذا هو الأصل فيما يشرع، ولأن خلاف ذلك يتضمن سكوتاً وهو ليس بمشروع في الصلاة، فحينئذ بمجرد قيامه يشرع بالفاتحة لكنه يطيل القراءة حتى تأتي الطائفة الأخرى فيدركون معه الفاتحة. لكن إن ركع قبل أن يقرؤوا الفاتحة فذلك جائز لكنه خلاف السنة. قال: (ويستحب أن يحمل معه في صلاتها من السلاح ما يدافع به عن نفسه ولا يثقله كسيف ونحوه) من غير أن يكون ذلك يثقله كدرع ونحوه. واستدلوا بقوله تعالى: {وليأخذوا أسلحتهم} قالوا: هذا يدل على مشروعية حمل السلاح أثناء الصلاة؛ ولأنه لا يؤمن أن يأتي الكفار على حين غرة من المسلمين فيتمكنون منهم.
وما ذكروه من الدليل ظاهر في مشروعية ذلك لكنه واضح في الوجوب كما هو مذهب الشافعية والظاهرية ومال إليه الموفق: وأنه يجب ذلك لظاهر الآية الكريمة ولأن الله قال: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} فنفى الحرج - نفاه - حيث كان المرض والأذى، فدل ذلك على ثبوت الجناح حيث لم يكن أذى ولا مطراً أو عذراً يقتضي ذلك. وهذه الآية ظاهرة في وجوب ذلك كما هو اختيار الموفق ومذهب الشافعية والظاهرية وهذا القول هو الراجح. والمعنى يقتضي ذلك أيضاً وهو حفظ المسلمين من إغارة العدو على حين إقبالهم على صلاتهم ولا سلاح معهم يتمكنون به الدفاع عن أنفسهم. أما إذا كان الخوف شديداً لا يتمكن به المسلم أن يصلي على الصور المتقدمة فإنه يصلي على حاله راكباً وماشياً ومستقبل القبلة وغير مستقبلها وهو يقاتل العدو ويضرب بسيفه، فإنه يصلي على حاله حيث حضرت الصلاة. ودليله قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} قال ابن عمر – كما في الصحيحين: (فإن كان خوف هو أشد من ذلك فرجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) وهذا من تخفيف الله لهذه الأمة. وهنا مسائل – على هذه الصورة: الأولى: وهي داخلة في هذه المسألة والمسائل قبلها – أنه إذا صلى صلاة الخوف على هذه الصورة وغيرها من الصور من غير خوف يقتضي ذلك فإن الصلاة تبطل؛ لأن هذه الصلاة على هيئة لا تصح في حال الأمن لما فيها من مفارقة الإمام بلا عذر وترك متابعته، والصلاة مع العمل أو ترك استقبال القبلة سوى ما تقدم من صلاته ركعتين بطائفة وركعتين بطائفة أخرى فإن هذه الصلاة صحيحة أمناً وخوفاً. إذن: إذا صلى صلاة الخوف المفارقة لصلاة الأمن فصلاها ولا خوف أو لا خوف يقتضي ذلك فإن الصلاة تبطل. الثانية:
فإن ظن شيئاً كأن يرى شيئاً فيظن أنهم الكفار قدموا عليهم وكأن تأتيهم مدد من المسلمين فيظنوهم الكفار – فيصلون صلاة الخوف بناء على أن هذا شيء يقتضي صلاة الخوف فتبين لهم أنه ليس بعدو فهل يعيدون الصلاة أم لا؟ قولان لأهل العلم: الحنابلة قالوا: يجب عليهم أن يعيدوا الصلاة؛ لأنهم تركوا واجباً من واجباتها وهو ما تقدم مما يترك في صلاة الخوف. قال الشافعية - وهو أرجح –: بل لا يعيدونها؛ لأنهم صلوا الصلاة مع ظنهم القوي الغالب المؤثر في الحكم، أن الصلاة تجوز لهم – حينئذ –، فقبلت الصلاة منهم وصحت، فإذا تبين لهم سوى ذلك فإنه لا يؤثر، فإنهم قد أدوا الصلاة مع وجود السبب المقتضي لذلك. الثالثة: إذا تغير الأمر من أمن إلى خوف، أو من خوف إلى أمن أثناء الصلاة فما الحكم؟ يجب على كل منهما أن ينتقل إلى الصلاة الأصلية لزوال السبب المقتضي لخلافها. فمثلاً: رجل يصلي راكباً وهو يقاتل العدو غير مستقبل القبلة فزال الخوف وانتصر المسلمون – وهو يصلي – فيجب عليه أن ينزل فيتم صلاته مستقبلاً القبلة. والعكس كذلك: فلو كان يصلي صلاة الآمنين فحدث أمر يخيف كأن يكون المسلمون يصلون صلاة الآمنين فأتاهم الكفار على حين غرة فإنهم يتمون صلاتهم رجلاً وركباناً. إذن: إذا حدث السبب المجيز لصلاة الخوف فإنهم يتمون كصلاة الخوف. الرابعة: هل يلحق في كونه يصلي راكباً أو راجلاً – هل يلحق بذلك إذا خاف فوات طلبه، كأن يكون يلحق عدواً له من الكفار مثلاً، فخشي أن يمكث على الأرض فصلى أن يفوته هذا العدو وعلم أنه إذا لحقه وصلى راكباً أو راجلاً فإنه يدركه، فهل يجوز له أن يصلي كذلك؟
قال الحنابلة: يجوز ذلك. واستدلوا: بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أنيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بعثه إلى قتل خالد بن سفيان الهذلي فأدركه وعلم أنه إذا مكث للصلاة أنه يفوته فصلى ماشياً يومئ بصلاته حتى أدركه فقتله) وهو وجه عن الشافعية. والوجه الثاني – عند الشافعية – وهو الأصح عندهم: أن ذلك لا يجوز، وهو مذهب جمهور العلماء. قالوا: لأنه محصل لا خائف، والصلاة إنما شرعت عند الخوف، وهذا في الحقيقة ليس بخائف لكنه محصل لأمر. قالوا: والجواب - لم أره لهم لكن هذا مقتضى قولهم، الجواب - على الحديث المتقدم فهو ضعيف؛ لأن فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن وهو مدلس. والراجح مذهب الشافعية وهو مذهب الجمهور: وأنه لا يجوز ذلك لضعف الحديث الوارد، ولأنه محصل لا خائف والصلاة إنما شرعت عند الخوف. لكن يستثنى من ذلك – كما استثنى الشافعية – ما إن ترك متابعته أن يعود إليه العدو فيدركه ويكون منقطعاً عن أصحابه فيخشى على نفسه فيكون حينئذ بحكم الخائفين. الخامسة: قال الحنابلة: إذا كان ذاهباً إلى عرفة وخشي أنه إن وقف وصلى أن يفوته الوقوف فيها، بحيث أنه لا يمكنه أن يدرك إلا الشيء اليسير من ليلتها، فخشي أن يفوته الوقوف بعرفة، فيجوز له أن يصلي صلاة الخائف، وهو هنا محصل كما تقدم فهي مقيسة على المسألة السابقة. وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو وجه عند الشافعية. والوجه الثاني، وهو المصحح عندهم: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه محصل لا خائف، والصلاة فرض على الهيئة المشروعة لا يستثنى من ذلك إلا ما ورد في النصوص، ومثل هذا لم يرد في النصوص الشرعية. وهذا أظهر وأنه لا يجوز ذلك؛ لأنه لا دليل على الاستثناء. أما مسألة الجمع فنعم لكنه غير وارد في صلاة الفجر، فليست المسألة جمعاً ليقبل بذلك. والحمد لله رب العالمين.
كتاب الصلاة من باب صلاة الجمعة إلى آخر الجنائز
باب: صلاة الجمعة الجمعة: الميم حكي كسرها، وكذلك بالضم وبالفتح وبالسكون، ففيها أربع أوجه، ولغة الحجاز ضمها وهي التي نزل بها القرآن. وسمي يوم الجمعة بذلك: لأن القيامة تقوم فيه وهو يوم الجمع، وثبت في مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – في يوم الجمعة -: (وفيه تقوم الساعة) والناس – أيضاً – فهم يجتمعون فيه لأداء الصلاة المكتوبة فيجتمعون في مسجد واحد في المقر الكبير فسمي بذلك، وسمي جمعة أيضاً لأنه هو اليوم الذي جمع الله فيه خلق آدم، كما ثبت هذا في مسند أحمد وصححه ابن خزيمة بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسلمان: (يوم الجمعة يوم جمع فيه أبوك أو أبوكم) فهو يوم الجمعة لأن الجمع للخلق في الآخرة يكون فيه، والجمع للمسلمين في الدنيا يكون فيه، ولأن الله جمع فيه خلق أبي البشر آدم صلى الله عليه وسلم. وصلاة الجمعة مستقلة عن صلاة الظهر، والظهر بدل عنها، ودليل ذلك: ما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح وتقدم –من حديث عمر– وفيه: (وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر) وعند الإمام أحمد: أنها ظهر مقصورة وهو ضعيف بدليل أن الإمام لا يجوز فيها باتفاقهم، بخلاف الصلوات المقصورة في السفر فإنها لو أتمت لصحت خلافاً لأبي حنيفة. فإذن الصحيح أنها مستقلة والظهر بدل عنها. قال: (تلزم) فهي فرض عين وهذا بالإجماع فحضورها فرض عين على من سيأتي ذكره. يدل على ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} وهذا أمر وهو للوجوب وقال - صلى الله عليه وسلم - كما في مسلم: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) وقال في النسائي بإسناد صحيح: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)
وقال – كما في سنن أبي داود والحديث صحيح -: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا لمملوك أو امرأة وصبي ومريض) وقد تقدم الخلاف في صلاة الجماعة، أما الجمعة فإنها فرض بإجماع أهل العلم. قال: (كل ذكر حر مكلف مسلم) " كل ذكر ": فلا تلزم الأنثى. " حر": فلا تلزم المملوك. " مكلف ": فلا تلزم الصبي والمجنون. " مسلم ": فلا تلزم الكافر ولا تصح منه. أما الكافر فهذا ظاهر، وأما من تقدم ذكره: فللحديث المتقدم: (إلا مملوك وامرأة وصبي ومريض) ، فلا تجب الجمعة على الصبي غير المكلف ومثله المجنون لأنه غير مكلف فهو أولى، ولا تصح من المجنون فهو أولى من الصبي لأنها تصح منه، والمرأة لا تجب عليها الجمعة كما أنها لا تجب عليها الجماعة، والمملوك لا يجب عليه أن يحضر الجمعة. إذن: هي واجبة على المسلم الذكر الحر المكلف للحديث المتقدم، وهذا باتفاق أهل العلم. واتفقوا على أنهم لو صلوها لصحت، فلو أن امرأة أو مملوكاً أو مريضاً أو صبياً شهدوا الجمعة فصلوها ركعتين صحت، على أنهم لو صلوها في بيوتهم لصلوها أربعاً، وهذا باتفاق أو إجماع العلماء. قال: (مستوطن ببناء) لابد للوجوب عليه من أن يكون مستوطناً ببناء معتاد، سواء كان هذا البناء بلبن أو حجر أو قصب أو خوص أو نحو ذلك، فإن كان مستوطناً بخيام وهو لا يرتحل شتاءً ولا صيفاً فإنها عند جمهور العلماء لا تصح منه ولا يجزئ عنه، ولا يجوز لهم أن يقيموا الجمعة بل يصلوها ظهراً أو يشهدوا الجمعة فيما حولهم من المساجد التي في القرى التي تصح الجمعة منهم إذا حضروها، وأما إن يقيموها في محلهم وإن كانوا لا يرتحلون عنه شتاءً ولا صيفاً فلا تجوز.
- وقال الشافعي في أحد قوليه وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقال في الفروع: " وهو متوجه ": إن إقامة الجمعة لهم صحيحة جائزة، وهذا هو الظاهر؛ إذ المناط إنما هو الاستيطان، فما داموا مستوطنين بهذا الموضع لا يرتحلون عنه شتاءً ولا صيفاً فإنه لا فرق بينهم وبين أصحاب البناء من حجر أو غيره، وهذا هو الراجح. أما أصحاب الخيام الذين يرتحلون شتاءً وصيفاً فإنه لا خلاف بين أهل العلم أنه لا يجزؤهم أن يصلوا الجمعة. وإقامة الجمعة في القرى مع عدم ثبوت المصر الجامع هو مذهب جمهور العلماء. ودليلهم: ما ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: (أول جمعة جمعت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في قرية بالبحرين (1)) فهي قرية ومع ذلك صحت فيها الجمعة. وقال عمر – كما في مصنف أبن أبي شيبة -: (جمعوا حيث شئتم) فتقام في القرى والأمصار. وقال الأحناف: لا تقام إلا في الأمصار. واستدلوا: بقول علي كما في مصنف عبد الرزاق: (لا جمعة إلا في مصر جامع) والجواب عنه: أنه يخالف ما ثبت عن عمر رضي الله عنه كما تقدم بل ما أقر عن جماعة الصحابة في إقامة الجمعة في القرية التي تقدم ذكرها، وكان ذلك إما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإما في عهد أبي بكر وعمر ومع ذلك لم تنكر. ثم إنه لا فرق بين المصر والقرية في إقامة الجمعة، ويحمل كلام علي رضي الله عنه جمعاً بينه وبين كلام عمر رضي الله عنه أنه لا جمعة كاملة إلا في مصر جامع. ولو كان مراده " لا جمعة صحيحة " فإن أثر عمر يخالفه وأثر ابن عباس يخالفه، والنظر مع ما رواه ابن عباس ووافقه عمر رضي الله عنه إذ لا فرق بين المصر الجامع وبين القرية بخلاف الخيام التي لا يستوطن أهلها بمكان فإن المعنى يفارقها ففرق بينها وبين المصر الجامع. قال: (بناء اسمه واحد ولو تفرق)
يعنى يجوز وإن كان متفرقاً - بيتاً هنا وبيتاً هناك - ما دام أن اسمه واحد وقد كانت المدينة متفرقة البيوت، وكانت بريداً في بريد أي أربعة فراسخ في أربعة فراسخ وكان أهلها متفرقون فيها ومع ذلك يجمعها اسم واحد ولم يقم في أي دار من دورهم جمعة على أنها قرية مختصة. فالجمعة كانت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكل محلة من محلاتهم ودار من دورهم يثبت له اسم المدينة – وهذا هو الثابت في العرف واللغة – فكون البيوت متفرقة مع اتحاد الموضع هذا لا يؤثر، ومعلوم أن هذا من طبيعة العرب في بنائهم للبيوت وهو التفرق ومع ذلك يطلقون على محلاتهم اسماً واحداً فلها حكم واحد. قال: (ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ) هنا: المصلي الذي توفرت فيه الشروط المتقدمة له حالتان: الأولى: أن يكون في هذا المصر وفي هذه القرية فحينئذ يجب عليه أن يجيب النداء ويشهد الجمعة وإن كان بينه وبينها أكثر من فرسخ. فلو كان بينه وبينها فرسخان أو أكثر فيجب أن يحضرها لأن الجمعة قد أقيمت له، والجمعة – كما سيأتي – إنما تقام في مسجد واحد لأهل البلد كلهم. فأهل المصر الواحد يجب عليهم جميعاً أن يحضروا الجمعة وإن كان بعضهم في أطرافها يبعد أكثر من فرسخ ولا خلاف بين أهل العلم في هذا. فالمدينة كانت بريداً في بريد ومن كان في أقصاها ويبعد عن المسجد فرسخان أو ثلاثة، فيجب ... لأنه لا جمعة إلا …. الثانية: أن تكون خارج المصر أو القرية كالبيوت النائية التي لا تتصل بالقرى وليس عندهم جمعة يقيمونها وكالخيام النائية فهل يجب عليهم حضور الجمعة أم لا؟ وإن قلنا بوجوبها فما هو المسافة المحددة لوجوب ذلك؟ أ – ذهب الأحناف: إلى أنه لا يجب عليه ذلك بل تجب على من كان في المصر. ب – قال الشافعية: يجب على من سمع النداء وإن كان أكثر من فرسخ.
جـ – وقال الحنابلة والمالكية: يجب عليه إذا كان فرسخاً فأقل وما كان قريباً من الفرسخ كأن يكون فرسخاً وشيئاً قليلاً فإن الحكم فيه واحد فالمسألة تقريبية لا تحديدية أي فمن كان فرسخاً ونحو الفرسخ فأقل فيجب عليه حضور الجمعة. أما الأحناف: فدليلهم أن الجمعة قد أقيمت في أهل المصر فلا يجب على غيرهم حضورها. وهم محجوجون بما سيأتي ذكره من الأدلة. وأما دليل الشافعية: فهو قوله صلى الله عليه وسلم: للأعمى: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب) وهذا الحديث عام فيمن كان من أهل القرية نفسها ومن كان قريباً منها وهو يسمع النداء. قالوا: وأصرح منه أن النبي صلى الله عليه وسلم – كما في سنن أبي داود – قال: (الجمعة على من سمع النداء) لكن الحديث الراجح وقفه - كما رجح ذلك البيهقي – فهو موقوف على ابن عمرو. لكن الحديث الأول الثابت في مسلم فيه غُنية عنه مع أنه موقوف على صحابي. وأما المالكية والحنابلة: فقالوا: إن جعلنا لهذا الضابط مع ورود السنة فيه، إن جعلنا له ضابطاً هو ليس بضابط فيضبط لأن هذا يختلف باختلاف صوت المؤذن خفة ورفعاً. ويختلف باختلاف صدور الأصوات شدة وخفة. ويختلف أيضاً بحسب الريح كذلك، فإن الريح إذا أتت بخلاف الصوت خفضته بل لا يكاد يسمع، وإذا كانت الريح معه نشرته، وهكذا فإن هذا باختلاف الريح شدة وخفة وباختلاف الأصوات شدة وخفة وصحيحاً، وتختلف باختلاف المؤذن وعلوه ورفعه لصوته.
قالوا: ونظرنا فوجدنا أن المؤذن إذا أذن في موضع عال على السنة، وكان رفيع الصوت صيتاً – كما وردت به السنة – وكان الصوت هادئاً والريح ساكنة فإن أذانه يصل إلى فرسخ وهو ثلاثة أميال أي نحو 5 كيلو مترات، وهذا ظاهر، فإذا جعلنا هذا ضابطاً فهذا يكون منضبطاً ظاهراً، وحينئذٍ يكون كما لو كان المؤذن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكما لو كان في الأحوال العادية الطبيعية من سكون الريح ومن كون الأصوات هادئة. ولأن خلاف هذا يؤول إلى إيجاب الجمعة على قوم وعدم إيجابها على قوم هم مما يكون لهم أولى منهم، فإن الصوت إذا ذهب به الريح إلى جهة أدى ذلك إيجابه على هذه الجهة دون غيرهم ممن هم أقرب منهم. وكذلك باختلاف سمع الناس وباختلاف صوت المؤذن. فإذا: أذن مؤذن حيث وصل الأذان إليهم فوجبت فإذا أذن في جمعة أخرى مؤذن خفيف الصوت لم تجب ذلك عليهم، فحينئذٍ لا يكون ذلك منضبطاً. فالراجح ما ذهب إليه أهل هذا القول: من أن الحساب يكون بفرسخ – وهذا لا شك حيث لم يكن فيه مشقة – إذ المشقة متى ثبتت فإنه لو كان قريباً من المسجد فلا يجب على الحضور. وهذا في العادة ليس فيه مشقة إذا كان ست كيلو مترات أو نحو ذلك فإن هذا أحياناً يكون ممن في أطراف المدينة يبعد أكثر من ذلك، والمدينة كانت بريداً في بريد يعني أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، فكان بعض الناس يبعد عن المسجد النبوي وهو من أهل المدينة فرسخان أو أكثر أو نحو ذلك فهذا إذاً لا مشقة فيه. - وذهب طائفة من أهل العلم: إلى أن من آواه بيته ومنزله قبل الليل فإنه يجب عليه أن يحضرها. فإذا ذهب صباحاً وعلم أنه يعود قبل الليل فيجب عليه حضورها. واستدلوا: بحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي: (الجمعة على من آواه الليل) لكن الحديث لا يثبت وإسناده ضعيف جداً. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تجب على مسافر سفر قصر)
تقدم البحث عن سفر القصر وهو السفر الذي يثبت به سفر القصر. وقوله: " سفر قصر " بناءً على أن السفر قسمان: سفر طويل: وهو سفر قصر. وسفر قصير: وهو السفر الذي لا يثبت به القصر. فما كان دون أربعة برد فهو السفر القصير، وما كان أربعة برد فما فوق فهو السفر الطويل، وتقدم أن هذه القسمة لا تصح ولا دليل عليها من الشرع ولا اللغة ولا العرف. والمقصود هنا: أنه على اختلاف أهل العلم، فمتى قلنا: إن السفر سفر قصر تقصر فيه الصلاة، وأن هذا مسافر سفراً تقصر بمثله الصلاة فإنه لا تجب عليه الجمعة. فإذن: المسافر لا تجب عليه الجمعة. ويريدون بالمسافر: من ليس بمستوطن ولا مقيم، والمستوطن من اتخذ البلدة أو القرية أو المصر ونحو ذلك اتخذه وطناً. وأما المقيم فهو من لم يتخذه وطناً لكنه نوى إقامة تمنعه من القصر، والذي لا تجب عليه الجمعة هو المسافر وهو: من نوى إقامة أربعة أيام فأقل. إذن: المقيم والمستوطن تجب عليهم صلاة الجمعة. وأما المسافر الذي يحق له أن يقصر الصلاة يجوز له أن يدع الجمعة فلا يحضرها ويصليها حينئذٍ ظهراً. - والمذهب: أنه لا فرق بين أن يكون هذا في جماعة من المسافرين ليس تحضرهم جمعة كأن يكونوا في الطريق فيدركهم الوقت أو يكون في بلدة فينزل فيقيم فيها إقامة يثبت فيها القصر، ففي كلا الصورتين لا يجب عليه حضور الجمعة ومن هنا عبر المؤلف بقوله: " ولا تجب على مسافر " لتدخل هذه الصورة الثانية بظهور. لأن الأولى غير جائزة ولا مجزئة فلوا صلوا جمعة لبطلت والواجب عليهم أن يصلوا ظهراً. والنبي صلى الله عليه وسلم – وهذا باتفاق العلماء – لم يكن يصلي في سفره جمعة لا في حجته ولا في غزواته وعمرته.
ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أتى عرفة فصلى بها الظهر ثم أقام فصلى العصر) وكان ذلك يوم جمعة، ودل عليه فعل الخلفاء الراشدين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عامة فإنهم كانوا لا يقيمون الجمعة في السفر. وروى الدارقطني مرفوعاً عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على المسافر جمعة) ورواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة، وكلا الإسنادين ضعيف، لكن كلاً منهما يشهد للآخر وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه يشهد لذلك. واحتمل شيخ الإسلام: أن المسافر الذي يكون في مكان ينادى فيه لصلاة الجمعة تلزمه للمقيمين، وقال في الفروع: " وهو متوجه " وقاله بعض الحنابلة وحكي رواية عن الإمام أحمد. فهذا قول ثاني في الصورة الثانية، أما المسألة الأولى فلا خلاف فيها كما تقدم. أما المسألة الثانية: فالجمهور على أنه لا يجب عليه حضورها. - وقال ابن تيمية محتملاً: إنه تلزمه تبعاً للمقيمين، وحكي ذلك رواية عن أحمد وهو وجه عند الحنابلة وهو قول متوجه كما قال ذلك صاحب الفروع. ودليل توجهه عمومات النصوص الشرعية التي تأمر بإجابة النداء عند سماعه، ومن ذلك - في خصوص الجمعة – قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} وهذا عام في كل من سمعه من أهل المصر أو القرية سواء كان مسافراً أو مقيماً، وهذا القول أظهر في صلاة الجمعة وفي غيرها من الصلوات فيجب عليه أن يجيب منادي الله عز وجل، لعمومات النصوص الشرعية. قال: (ولا عبد ولا امرأة) تقدم الدليل على هذا وهو باتفاق أهل العلم لحديث: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة – وذكر منهم – المرأة والمملوك) قال: (ومن حضرها منهم أجزأته)
اتفاقاً: فمن حضرها من هؤلاء الأربعة – المريض أو المسافر أو المرأة أو العبد - أجزأت عنه بإجماع العلماء وقد تقدم ذكر هذا. قال: (ولم تنعقد به) أي لم تنعقد بالعبد والمرأة والمسافر، وسيأتي استثناء المريض. فإذا قلنا إن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين كما هو المشهور في المذهب – وسيأتي الكلام فيه – فهل يدخل في هذا العدد المرأة والمملوك والمسافر فتنعقد بهم أم لا؟ قال: (ولم تنعقد بهم) أما المرأة فهذا باتفاق أهل العلم ولا خلاف بينهم في ذلك، لأنها ليست في الأصل محلاً للاجتماع لها، فالمرأة بإجماع أهل العلم واتفاقهم لا تنعقد بها الجمعة. وأما المملوك والمسافر: فهذا مذهب الجمهور: وهو أنها لا تنعقد بهم. وقال الأحناف، وهو اختيار شيخ الإسلام: بل تنعقد بهم، وهذا القول هو الراجح، لأنهم رجال مكلفون حضروها فانعقدت بهم، وقد صحت منهم، وهم أهل للاجتماع وإنما خفف عنهم هذا الحكم لمعنى يقتضي ذلك. فأما في المسافر فلعل ذلك لمشقة ذلك عليه أو لرفع الحرج عنه، وأما المملوك فلرفع الحرج عن سيده أو نحو ذلك، فإذا حضروها فإنها تنعقد بهم ولا دليل يدل على عدم انعقادها بهم. قال: (ولم يصح أن يؤم فيها) أما المرأة فظاهر، وقد تقدم البحث في هذا. وأما المسافر والمملوك: فكذلك عندهم. وقال الجمهور " الشافعية - والمالكية: المسافر فقط – والأحناف ": بل المسافر والمملوك يصح أن يؤم فيها. ومذهب المالكية أنه يصح في المسافر دون المملوك. والصحيح صحة ذلك خلافاً للمشهور في المذهب، وأن المسافر والمملوك يصح أن يؤموا فيها، وما ذكروه علة فهو ضعيف. فقد ذكروا أن المسافر والمملوك تبع لأهل البلدة في انعقاد الجمعة فلا يصح أن يكون التابع متبوعاً.
لكن هذا ضعيف ظاهر الضعف؛ لأن هؤلاء قد صحت صلاتهم ولا دليل شرعي يبطل إمامتهم بل الأدلة الشرعية تدل على أنهم أولى من غيرهم بالإمامة إذا توفرت بهم الشروط على وجه التمام والكمال، وهذا هو الصحيح. فإذن: المسألة على الراجح: المرأة لا تنعقد بها ولا تؤم، والمريض تنعقد به ويؤم – هذا بالاتفاق وسيأتي – والمسافر والمملوك – على الراجح – تنعقد بهم ويؤموا أيضاً. إذن: كل من حضرها من الذكور المكلفين سواء كانوا مسافرين أو مقيمين أحراراً أو مماليك تنعقد بهم الجمعة وتصح إمامتهم – هذا الراجح – وهو مذهب الأحناف في هذه الصور كلها، ووافقهم في بعض الصور طائفة من أهل العلم كما تقدم. لذا قال هنا في استثناء المريض: قال: (ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه بحضوره) فالمريض إذا حضر المسجد وجبت عليه الجمعة، لأنها إنما سقطت عنه في الأصل لمشقة حضورها فإذا حضر فإنها تكون واجبة. ولكن هذا في الحقيقة ليس على إطلاقه إذ قد يكون المرض يمنعه من إطالة البقاء فقد يشق عليه البقاء فيرى مشقة ذلك على نفسه فيجوز له أن يرجع إلى بيته، لكن المقصود من ذلك أنه متى حضر إلى المسجد فإنه حينئذٍ تكون واجبة عليه إلا أن تطرأ مشقة أخرى تقتضي إسقاطها عنه. إذن: المريض باتفاق أهل العلم إذا حضر الجمعة فالجمعة واجبة عليه – وحينئذٍ – تنعقد به ويصح أن يكون إماماً فيها؛ وذلك لأنها إنما أُسقطت عنه لمشقة ذلك عليه فإذا حضرها فقد زالت المشقة المسقطة للحكم فكانت الجمعة واجبة عليه منعقدة به وكان إماماً فيها إذ لا معنى يقتضي خلاف ذلك وإنما سقطت عنه في الأصل لكونه مريضاً فإذا أتاها جاز أن يكون إماماً وانعقدت به. قال: (ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح)
رجل صلى في بيته أربع ركعات ظهراً ممن عليه حضور الجمعة فيستثنى – حينئذٍ – المرأة والمريض والمسافر والمملوك؛ لأنه ليس عليهم حضور الجمعة – وسيأتي في المتن استثناؤه – فإذا صلى قبل صلاة الإمام أو معه ما لم يفرغ الإمام فإنها لا تصح. بل عليه [أن] ينظر فإذا تيقن أن الإمام قد سلم فحينئذٍ يصليها، وهذا باتفاق أهل العلم. ودليل ذلك: أن هذا المكلف مخاطب بحضور الجمعة لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} والظهر بدل عنها، وهو الآن مخاطب بالأصل ويمكنه أن يأتيه وليس ثمت عذر يقتضي إسقاط الجمعة عنه، وقد صلى البدل في غير موضعه فكان باطلاً، هذا هو مذهب جمهور العلماء وهو ظاهر؛ لأنه مخاطب فإنه مخاطب بحضور الجمعة في الأصل والظهر إنما هو بدل عن الجمعة لمن كان معذوراً أو فاتته الجمعة أما هذا فليس بمعذور ولم تفته الجمعة فكان الواجب عليه ألا يصليها إلا بعد صلاة الإمام. وظاهر كلامهم: أنه لابد وأن ينتظر حتى يفرغ الإمام من صلاته، فإذا فرغ من صلاته وسلم فإنه يشرع في الصلاة، هذا هو ظاهر كلامهم في غير هذا المتن كما في المغني. - وذهب بعض الحنابلة: إلى أن ذلك ليس بشرط بل متى ما علم أنه لو ذهب إلى المسجد فإنه لا يدركها فإنه يجوز أن يصليها ظهراً، لأنها في حكم الفائتة عنه فلا يمكن أن يدركها، فحينئذٍ لا يكون مخاطباً بالحضور لأن المخاطب بالحضور إنما هو القادر على حضورها وهذا ليس بقادر على حضورها لكنه آثم بتأخيره وعدم ذهابه في وقت يدرك به الجمعة، وهذا أظهر، لأنه متى ضاق عنه الوقت للذهاب لإدراكها فإنه في حكم من فاتته فيكون ليس مخاطباً بحضورها بل مخاطب بالقضاء وبالصلاة بدلها، والصلاة بدلها إنما هي الظهر.
- وخالف في ذلك الأحناف في أصل هذه المسألة وقالوا: لو صلى الظهر لصحت وإن كان يمكنه أن يحضر الجمعة، فلو صلاها من غير المعذورين قبل الجمعة لصحت. قالوا: لأن الأصل إنما هي الظهر والجمعة بدل عنها، وهذا ضعيف في غاية الضعف لأن الجمعة أصل في يومها بدليل أنه باتفاق الجمهور والأحناف أنه يجب عليه أن يصليها جمعة في ذلك اليوم، ومعلوم أنه لا يمكن أن يقال بالبدل مع إمكان إيجاب أصله. إذن: الراجح مذهب الجمهور وأنه لا يجوز له ذلك ولا تصح منه إذا أقيمت صلاة الجمعة وأمكنه إدراكها، وقد تقدم أن إطلاقهم – كما في المغني - شامل حتى يفرغ الإمام من الصلاة. - وحينئذٍ- فلو أن قرية من القرى يمكنهم أن يقيموا الجمعة فلم يقيموها فصلوها ظهراً في وقت الجمعة لم تصح منهم لأن الفرض عليهم هو الجمعة. لكن يستثنى هنا مسألة - في كون الرجل يصلي قبل الإمام الظهر – إذا تأخر الإمام تأخراً منكراً يشق على المأمومين فقام بعضهم فصلى منفرداً ظهراً فإن ذلك يجوز له ويعذر بذلك كما هو ظاهر كلام الإمام أحمد، وقد صرح به المجد بن تيمية. قال: (وتصح ممن لا تجب عليه) فالذي لا تجب عليه الجمعة وهم المسافر والمريض والمرأة والمملوك إذا صلوا في بيوتهم فيجوز لهم أن يصلوا قبل صلاة الإمام؛ لأن العلة المتقدم ذكرها ليست فيهم فإنهم غير مخاطبين بالجمعة، فالخطاب الشرعي ليس بموجه إليهم لأنهم غير مكلفين بحضورها، وحينئذٍ الواجب عليهم بدلها وهو الظهر. فلو أن مسافراً أو امرأة في بيتها صلوا الظهر بعد زوال الشمس قبل أن تُصلى الجمعة جاز ذلك، وهذا باتفاق أهل العلم. قال: (والأفضل حتى يصلي الإمام) الأفضل له أي هذا المعذور في بيته الأفضل له حتى يصلي الإمام. قالوا: خروجاً من الخلاف. وهو خلاف أبي بكر عبد العزيز من كبار الحنابلة فإنه قد ذهب إلى أنه يجب عليهم أن ينتظروا فلا يصلوا حتى يصلي الإمام.
قال: لأنهم لا يتيقنون زوال العذر وحينئذ فتستثنى المرأة من هذا القول. فمثلاً: المسافر لا يتيقن زوال العذر فقد ينوي الإقامة والمريض قد يشفى والمملوك قد يعتق ونحو ذلك. وأجيب عن هذا: بأن الأصل غير ذلك فإن الأصل هو بقاء العذر لا زواله، كما أن الرجل إذا كان مسافراً وتيمم في أول الوقت فإن ذلك يجوز له مع أنه لا يتيقن زوال العذر لكن الأصل عدمه واستمراره. والخروج من الخلاف فيه نظر، والصحيح أن الخلاف لا يترتب عليه حكم، إلا أن يقوى الخلاف فتكون المسألة من المشتبهات أما مطلق الخلاف فإنه لا يترتب عليه حكم شرعي. قال: (ولا يجوز لمن تلزمه السفر في يومها بعد الزوال) إذا زالت الشمس فلا يجوز لمن وجبت عليه الجمعة – سوى من استثنى كالمريض – فإذا زالت الشمس وإن لم يؤذن فلا يجوز له أن يسافر. قالوا: لأن الوجوب يستقر في أول وقتها، فأول وقت الجمعة الواجب هو زوال الشمس مع أن أول وقتها الجائز مختلف فيه وسيأتي، فتستقر في ذمته، فلا يجوز له السفر؛ لأن الزوال قد دخل فاستقرت الصلاة في ذمته. والصحيح أن الصلاة لا تستقر في الذمة إلا بالأذان وأنه إذا أذن ونودي فقد استقرت، لقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} فربط الله ذلك بالنداء فالراجح أن ذلك إنما هو بالنداء، فإذا أذن المؤذن فلا يجوز له أن يسافر لأنه مخاطب بحضورها مكلف بذلك موجهاً إليه الخطاب الشرعي بذلك فلا يحل له أن يسافر والحالة هذا، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، فإذا أذن المؤذن فلا يجوز له أن يسافر. وقال هنا: " بعد الزوال " وتقدم أن الظاهر أن الحكم مرتبط بالأذان لا بالزوال.
أما إذا سافر قبل زوال الشمس أو قبل الأذان فيجوز له ذلك، لقول عمر رضي الله عنه – كما ثبت ذلك عنه في مصنف عبد الرزاق – بإسناد صحيح أنه قال: (أن الجمعة لا تحبس مسافراً إلا أن يحين الرواح) أي إلا حين يجب الرواح وإنما يجب الرواح عند الأذان. وأما ما رواه أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم: بعث عبد الله بن رواحة في سرية يوم الجمعة فمكث بعض أصحابه فشهد الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد أن يلحق بأصحابه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم) والحديث إسناده ضعيف فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف مدلس. فالحجة هو قول عمر ولأنه غير مكلف بحضورها حينئذٍ فجاز له أن يسافر. إذن: - على الراجح – إن سافر وقد أذن فقد فعل أمراً محرماً إلا أن يكون في طريقه جمعة يغلب على ظنه أن يدركها فإن هذه مسألة أخرى، كأن تكون الخطبة فيها طول فيعلم أنه يحضر الصلاة في مسجد قريب من المدينة في قرية قريبة وتيقن من ذلك فلا بأس. أما سوى ذلك فلا يجوز له. والسفر قبل زوال الشمس جائز لكن قال الحنابلة بالكراهية. وقال بعض الحنابلة: لا يكره، وهو أظهر؛ فإن الكراهية حكم شرعي ولا دليل عليه. فإذن السفر قبل زوال الشمس يوم الجمعة جائز وليس فيه أي كراهية لعدم الدليل الدال على الكراهية. مسألة: ذكر الحنابلة أن من فاتته الجمعة فإنه يتصدق بدينار أو نصفه؛ لما روى أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ترك الجمعة بغير عذر فعليه دينار أو نصف دينار) ، والحديث ضعيف لا يثبت فلا يحتج به، وقد ذكره صاحب الفروع: وحكى الإجماع على عدم وجوب ذلك، والاستحباب فيه نظر؛ لأن الحديث ضعيف فلا يستدل به على مسألة إيجاب ولا استحباب. والحمد لله رب العالمين فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يشترط لصحتها شروط ليس فيها إذن الإمام)
فلصحة الجمعة شروط يذكرها المؤلف، وليس فيها إذن الإمام. فالمسألة: هل يشترط لإقامة الجمعة في قرية أو مصر أو في خيام على القول بصحتها قد استوطن أصحابها فيها لا يرتحلون عنها صيفاً ولا شتاءً هل يشترط في إقامتها إذن الإمام أم لا؟ قولان لأهل العلم: 1- المشهور عند الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء: وأن إذن الإمام ليس بشرط، وهو الذي يترجح في هذه المسألة. واستدلوا: بقول عثمان رضي الله عنه: في الأثر المتقدم في صلاة إمام الفتنة فيهم وفيه أنه قال: (إن الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساؤا فاجتنب إساءتهم) والصلاة تشمل المكتوبة كلها، ومن ذلك الجمعة. وقال الإمام أحمد: " وقعت الفتنة في الشام تسع سنين فكانوا يجمعون " أي من غير إذن الإمام. قالوا: ولأن الجمعة فرض كما في حديث: (الجمعة حق واجب على كل محتلم في جماعة) وغيره من الأحاديث وفعل هذه الفريضة لا يشترط فيها إذن الإمام. - وقال الأحناف، وهو رواية عن الإمام أحمد: بل يشترط فيها إذن الإمام. واستدلوا: بأن الجمعة إنما يقيمها في كل الأعصار الإسلامية الأئمة، قالوا: فهذا إجماع يدل على أنها لا تشرع إقامتها إلا بإذنهم. وفي هذا نظر – كما قرر ذلك الموفق في المغني – من وجهين: الأول: أن يقال: إن الإجماع هنا لا يسلم، فإن كونهم يقيمونها – أي الأئمة – لا يعنى ذلك أنهم مجمعون على أنهم لو لم يقيموها فإنها باطلة، بل فيه أن الأئمة يقيمونها، ففيه الإجماع على صحة الصلاة التي يقيمها الأئمة، وأن المشروع فيها في الأصل إقامة الأئمة، وليس فيه المنع من أن تقام بغير إذنهم. إن هذا لا يسلم فإنها كانت تقام في قرى كثيرة في العصور الإسلامية بغير إذن الإمام، وادعاء وقوع ذلك بإذنه فيه عسر أي أن ذلك كله كان يقع بإذنه فيه عسر.
فما ذهب إليه أهل القول الأول هو الراجح وهو صحة الجمعة وإن لم يأذن الإمام، وسيأتي البحث في هذه المسألة إن شاء الله في مسألة تعدد الجمعات، وهل هذا الإذن غير معتبر من الإمام مطلقاً أو حيث كانت الجمعات متعددة. فالراجح في أصل هذه المسألة أن إقامة الجمعة لا يشترط فيها إذن الإمام. قال: (أحدها: الوقت) فهو شرط للجمعة إجماعاً لقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} والجمعة صلاة فدخلت في الصلوات المؤقتة، فالجمعة لها أول وآخر بإجماع أهل العلم، فلا تصح قبله ولا تصح بعده، وفرض أن تصلى فيه، وإن كانوا قد اختلفوا في بعض جزئيات هذه المسألة. قال: (أوله أول وقت صلاة العيد وآخره آخر وقت صلاة الظهر) أما كون آخر وقت صلاة الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر وهو وجوب أذان العصر فهذا بالإجماع. * وإنما اختلفوا في أول وقتها: فالمشهور عند الحنابلة: أن أوله أول وقت صلاة العيد أي إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، وقد نص عليه الإمام أحمد. والثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد: أن أول وقتها في الساعة السادسة أي قبل زوال الشمس بنحو ساعة، وهو اختيار الموفق وأبي بكر عبد العزيز، وظاهر كلام الخرقي. الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الجمهور واختارها الآجري من أصحاب أحمد: أنها لا تصح إلا بعد زوال الشمس. أما أدلة الجمهور: فهو القياس على صلاة الظهر، فإن الجمعة وإن كانت أصلاً في يوم الجمعة فهي بدل عن الظهر فيه، وإن كان الظهر في يوم الجمعة بدلاً عنها من جهة أخرى. فالأصل الظهر لكن الشارع جعل الأصل في يوم الجمعة هو صلاة الجمعة، فكانت الظهر بدلاً عنها، فالأصل إنما هو في سائر الأيام هو صلاة الظهر، لكن الشارع استثنى من ذلك يوم الجمعة فجعل الجمعة أصلاً فيه، والظهر بدلاً عنها، وكون الظهر بدلاً عن الجمعة يدل على ارتباط بعضها ببعض. قالوا: فحينئذٍ وقتها هو وقت صلاة الظهر.
قالوا: وهو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صح عنه من حديث سلمة بن الأكوع – كما في الصحيحين – قال: (كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يُستظل به) ، وفي مسلم: (كان يصلي إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء) وثبت من حديث أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس) أي حين تزول. أما دليل من قال: إنها في الساعة السادسة: فهو ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن راح في الساعة الخامسة فكمن قرب بيضة فإذا خرج الإمام ... .) الحديث. فرتب النبي صلى الله عليه وسلم خروج الإمام بعد انتهاء الساعة الخامسة أي قبل الجزء الأخير - السادس - من الوقت الذي بين أول الرواح إلى الجمعة المستحب وبين زوال الشمس. قالوا: فهذا الحديث يدل على أن الإمام يجوز أن يخرج بعد انتهاء الساعة الخامسة، وزوال الشمس يكون بعد انتهاء الساعة السادسة، وهم كانوا يقسمون النهار إلى اثني عشرة ساعة، فما بين الفجر إلى زوال الشمس ست ساعات، وما بين زوالها إلى غروبها ست ساعات، وإن كان مقدار الساعة يختلف صيفاً وشتاءً طولاً وقصراً. ولما ثبت في صحيح مسلم عن جابر قال: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس " ولما ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة) قالوا: والقيلولة والغداء إنما يكون قبل زوال الشمس. قالوا: والذي منعنا من أن نطلق فنقول كما قال أهل القول الثالث وهو قول الجمهور: أن الأصل هو قياس الجمعة على الظهر كما تقدم ولم نستثن إلا ما وردت به النصوص الشرعية، وهو ما كان قبيل الزوال في الساعة السادسة. أما القول الثالث، وهو نص الإمام أحمد وهو المشهور عند الحنابلة: أن أول وقتها أول وقت صلاة العيد.
واستدلوا: بالأحاديث التي استدل بها أهل القول الثاني. قالوا: هذه الأحاديث التي استدللتم بها تدل على أن وقت الجمعة ليس كوقت الظهر، فكون الشارع يثبت فرقاً بينهما فلا يصح – حينئذٍ – القياس؛ لأنه قياس مع الفارق، فهذه أحاديث صحيحة تدل على أنه كان يصلي قبل زوال الشمس فدل على أن الجمعة لا تقاس بالظهر، لأن الظهر لا تصح إلا إذا زالت الشمس. قالوا: والمعنى يقتضي ذلك، فعندنا قياس هو أظهر من هذا القياس وهو قياس الجمعة على العيد، فإن الشارع قد فرَّق بين وقت الجمعة ووقت الظهر كما تقدم من كون النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قد صلى الجمعة قبل الزوال فدل على أن القياس ضعيف. أما قياسنا على العيد فهو أظهر، فإن الجمعة عيد الأسبوع، وقد قال صلى الله عليه وسلم – في أبي داود -: (اجتمع في يومكم هذا عيدان) أي عيد السنة وعيد الجمعة، فكان القياس في هذا أظهر، فهي عيد الأسبوع، وأما كون الشارع لا يصليها كصلاة العيد فلمصلحة حضور الناس واجتماعهم لها. وقد أجزأت صلاة العيد عن الجمعة فدل على أنها في حكمها، فكونه يجزئ عنها دل على أنها في حكمها. إذن: الراجح مذهب الحنابلة: وأن الجمعة لو أقيمت كما يقام العيد أي بعد ارتفاع الشمس قيد رمح فإنها تصح. لكن قالوا: الأفضل أن يكون ذلك إذا زالت الشمس خروجاً من الخلاف. ولا شك أن الخروج من الخلاف في هذه المسألة قوي؛ لأنه أحوط كما أنه أفضل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في غالب أمره، إما أن يصلي إذا زالت الشمس أو قبيل الزوال، وإن كانت الأحاديث في كونه يصليها بعد الزوال أكثر من التي فيها أنه صلاها قبيل الزوال، وكذلك هو أفضل لما فيه من مصلحة اجتماع الناس. فهو الأحوط ومع ذلك لو فعل لصحت جمعته. وظاهر قولهم أن هذا في الجمعة كلها بخطبتيها وصلاتها؛ لأن الخطبتين – عندهم – عن ركعتين.
فلو خطب الناس قبل الوقت – وإن صلى الجمعة بعد دخول الوقت – فإنها لا تصح، فالواجب أن يدخل في الوقت خطبتاها؛ لأنهما منها وسيأتي الكلام عن هذا - ونحوه - عند الكلام على شروط الخطبة. وقد روى الإمام أحمد وابن أبي شيبة عن ابن سيدان قال: (شهدت مع أبي بكر خطبته وصلاته فكان ينصرف قبل أن ينتصف النهار، ثم شهدت عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد انتصف النهار، ثم شهدت عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار) لكن الأثر ضعيف فإن ابن سيدان قال فيه البخاري: " لا يتابع على حديثه " وهذا قد استدل به الحنابلة، ولكن في الأحاديث المتقدمة غُنية عن هذا الأثر الضعيف. قال: (فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهراً وإلا فجمعة) خرج وقت الجمعة قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام فإنهم يصلون ظهراً، لأن الوقت لا يدرك بأقل من تكبيرة الإحرام. أما إذا أدركوا تكبيرة الإحرام فجمعة لذا قال: " وإلا فجمعة " وهذا على القول المرجوح الذي تقدم، وتقدم أن الراجح خلافه وأن الوقت لا يدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، خلافاً للمشهور من المذهب، لحديث: (ومن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) فالصلاة لا تدرك إلا بركعة. فإذا أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الجمعة. فمثلاً: رجل خطب الناس ثم نزل فكبر للصلاة فأذن المؤذن للعصر وقد أتم ركعة فحينئذٍ يصلي ركعة أخرى جمعة. أما إذا أذن المؤذن وهو لا زال في الركعة الأولى فإنه يصليها ظهراً. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الثاني: حضور أربعين من أهل وجوبها) هذا الشرط الثاني من شروط انعقاد الجمعة وصحتها، وهو أن يحضرها أربعون من أهل وجوبها. وتقدم من هم أهل وجوبها وهم: كل ذكر حر مكلف مسلم غير مسافر ويستثنى من الحر المملوك والمسافر، ومن المسلم المرأة فإن الجمعة لا تنعقد بها.
ولا يستثنى من ذلك المريض لأنه من أهل وجوبها وقد تقدم البحث في أهل وجوبها، وتبيَّن الراجح وعليه، فإن المملوك تنعقد به والمسافر تنعقد به فهم من أهل وجوبها لأنها تنعقد بهم على الراجح. أما على المذهب: فيستثنى من ذلك المسافر والمرأة، والمملوك والصبي فهؤلاء ليس من أهل وجوبها، أما المريض فإنه من أهل وجوبها، وإنما عذر لمشقة ذلك عليه، فإذا حضر فقد زال عذره. فيشترط أن يحضرها أربعون من أهل وجوبها. واستدلوا: بما رواه أبو داود في سننه بإسناد حسن: أن كعب بن مالك كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زراره فسئل عن ذلك فقال: (لأنه أول من جمَّع بنا في هَزْم - المطمئن من الأرض - النَّبيت - موضع حول المدينة - من حرَّة بني بياضة - الحرة هي المكان الذي يكون فيه الحجارة السوداء - في نقيع - وهو ما ينتقع به ماء المطر ونحوه - يقال له: نقيع الخَضَمات - وهو موضع حول المدينة إلى قبل منها - فقيل له: كم كنتم يومئذ؟ فقال: أربعون " (1) وبما رواه الدارقطني عن جابر قال: (مضت السنة في أربعين فما فوق جمعة) . هذا دليل الحنابلة والشافعية في هذه المسألة. وقال أبو حنيفة: يشترط لها أربعة. واستدل: بما رواه الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربع) . وذهب شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة: إلى أن الشرط أن يحضرها ثلاثة، لما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) . وقال الظاهرية وهو مذهب النخعي والطبري صاحب التفسير: يشترط لها اثنان. وقيل غير ذلك حتى ذكر الحافظ ابن حجر أن الأقوال فيها تصل إلى خمسة عشر قولاً. أما دليل الحنابلة والشافعية:
أما قول جابر فهو ضعيف؛ لأن فيه عبد العزيز بن عبد الرحمن وهو متروك فهو ضعيف جداً. وأما حديث كعب بن مالك في تجميع أسعد بن زراره بهم، فهو وإن كان حديثاً حسناً، فإن هذا قد وقع اتفاقاً، وليس فيه أنهم لو كانوا أقل من ذلك كأن يكون ثلاثين أو عشرة – أنه لم يجمع بهم إنما فيه جواز التجميع بأربعين وإقامتها بأربعين. ويرد هذا القول بما ثبت في مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يخطب قائماً يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً) فنزل قوله عز وجل: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً} ، فقد بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلاً، قال الحنابلة ومن ذهب إلى قولهم: لا مانع من أن يكونوا قد رجعوا وقد سمعوا من الخطبة ما يجزئ وأقاموا الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم. والجواب عن هذا أن يقال: إن هذه دعوى تحتاج إلى دليل فقد أخبرنا الله عن انفضاضهم ولم يخبرنا عن رجوعهم وتعليق الحكم برجوعهم يحتاج إلى دليل يدل على ذلك. فعلى ذلك هذا القول ضعيف كما تقدم. وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فكذلك، فإن الحديث فيه راو متروك، وقد ورد من طرق في أسانيده رجال ضعاف جداً فلا يرتقي إلى درجة الحسن. وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة وهو قولهم: أن الجمعة تصح بثلاثة، واستدلوا بالحديث المتقدم: (إن كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم) والجواب عنه: أن يقال: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وليؤمكما أكبركما) فصحت الجماعة باثنين فالجماعة اثنان فما فوق، فكوننا نفرق بين الاثنين والثلاثة هذا تفريق لا دليل عليه، فإذا جوزنا الثلاثة فكذلك الاثنين. لذا ذهب أهل القول الأخير وهم الظاهرية وهو مذهب الطبري: إلى أنها تجزئ باثنين. واستدلوا:
بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة) الحديث، فقد قال: " في جماعة " وقد دلت السنة على أن اثنين فما فوق جماعة - كما تقدم هذا في باب صلاة الجماعة – ويدل عليه حديث: (وليؤمكما أكبركما) فهذا القول هو أرجح الأقوال. - وقال المالكية، وهو قول قوي: إن العدد المشروط هو ما تتقرَّى به القرية أي: إذا كان هناك عدد يصبح به هذه المحل المستوطن به قرية فإنهم يجوز لهم أن يجمعوا، ويرجع ذلك إلى العرف، فالبيت مثلاً أو البيتان في عرف الناس ليس بقرية فلا يجوز لهم أن يجمعوا. قالوا: ويستثنى من ذلك الثلاثة والأربعة وما في معناها فإنهم لا يجوز لهم أن يجمعوا. وهذا القول مع قوته لكونه ضابطاً يرجع إلى العرف، لكن ما ذهب إليه أهل القول الأخير وأنها تصح باثنين أظهر مع هذا الشرط ولابد. فإن ما ذكره المالكية إنما هو شرط في الموضع الذي تقام فيه الجمعة، فإذا كان هناك موضع فيه بيوتات يصح أن يطلق عليها قرية في عرف الناس فإنهم يقيمون جمعة وإن لم يحضرها إلا اثنان أو ثلاثة منهم. فأرجح الأقوال وهو مذهب الظاهرية وقول الطبري والنخعي: أنها تصح باثنين فأكثر لكن بشرط أن يكون الموضع – وهو ما ذهب إليه المالكية وينبغي أن يكون شرطاً عند هؤلاء لأنه قد تقدم أن المسافر لا يقيم جمعة وأهل البادية غير المستوطنين فيها، الذين يرتحلون صيفاً وشتاءً لا يقيمون الجمعة، فإذا كان هناك - في قرية، في عرف الناس، فصلوا الجمعة صحت منهم وإن لم يشهدها إلا جماعة منهم والجماعة اثنان فصاعداً كما تقدم.
وهذا الحضور شرط في الخطبة والصلاة، ولابد أن يحضر هذا العدد قدر الإجزاء من الخطبة – وسيأتي –، لذا لو أن الإمام خطب في عشرين فلما أقيمت الصلاة تموا أربعين فليس لهم أن يقيموا الجمعة إلا وأن يعيدوا الخطبة؛ لأنها وقعت غير مجزئة للجمعة؛ لأن الشرط فيها أن يحضرها أربعون كالصلاة. فإن حضر فيها قدر الإجزاء أي سمع ما تصح وما يجزئ خطبة فإن ذلك يجزئ. قال: (الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين) تقدم هذا الشرط وأن الاستيطان شرط فلا يقيمها مسافر ولا من كان في بادية ينتقل عن موضعه شتاءً وصيفاً وإنما من كان مستوطناً قد اتخذ الموضع وطناً له فإنه يقيم الجمعة بالعدد المذكور المتقدم. قال: (وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء) أي يصح لهم أن يقيموا الجمعة في المصر أو القرية بل لهم أن يقيموها في موضع فسيح عن البلدة. فلو كانت البلدة ليس فيها موضع يتسع للناس فصلوا الجمعة في الصحراء – كما يكون ذلك في العيد والاستسقاء – فإنه لا بأس بذلك. ودليله: حديث كعب بن مالك المتقدم وفيه: أنهم أقاموا الجمعة في حرة بني بياضة، وهي على ميل من المدينة -. ولكن هذا الإطلاق يقع في النفس منه شيء، وهو أن يقال: إنها حينئذ تكون مضاهية لما يشرع له الخروج إلى الصحراء وإن وقع ذلك مجزئاً، فإن القول بمثل هذا لا ينبغي إلا أن يحتاج إليه كأن يكون الموضع في الحاضرة في الاجتماع فيه عسر ويسبب ازدحاماً أو نحو ذلك. أما أن يخرجوا مع عدم الحاجة فإن ذلك خلاف السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد فرَّق بين الجمعة وغيرها كالعيد والاستسقاء، فكان يصلي العيد والاستسقاء في الصحراء، ويصلى الجمعة في البلدة، فالذي يظهر أن ذلك خلاف السنة لكن مع ذلك تقع مجزئة، إلا أن يحتاجوا إلى ذلك فلا بأس. قال: (فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً) هنا مسألتان:
المسألة الأولى: ظاهر قول المؤلف هنا: أنهم لو نقصوا عن الأربعين فأصبحوا – مثلاً – تسعاً وثلاثين أو ثمانياً وثلاثين فإن الجمعة لا تنعقد ولا تصح منهم، وحينئذٍ فإنهم يستأنفون ظهراً. وظاهر قوله هنا: سواء أدركوا ركعة أو لم يدركوها. فمثلاً: لما انتهوا من الركعة الأولى حدث عذر لبعض المصلين فانصرف - فأصبحوا تسعاً وثلاثين – فإنهم تبطل جمعتهم. - والقول الثاني، وهو مذهب الإمام مالك أنها لا تبطل، ومثل هذا في الحقيقة هو القوي، لأن إبطالها بخروج رجل واحد، هذا محل مشقة على المصلين، فكان الأولى ما ذهب إليه الإمام مالك فيما إذا أدركوا ركعة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة) رواه النسائي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، وهؤلاء قد أدركوا ركعة من الجمعة، وهو قول لبعض الحنابلة وهو الراجح. المسألة الثانية: فهي أنه إذا دخل مع الإمام فلم تصح له الجمعة فإنه يجب عليه أن يستأنفها، فبطلان الجمعة يوجب استئنافها لا إتمامها. فمثلاً: كبروا ثم ثبت أنهم ليسوا بأربعين أو حدث عذر كما تقدم، فإن الواجب أن يستأنفوها ظهراً، فيقطع الإمام صلاته ويكبر مرة أخرى بنية الظهر. فإذا بطلت أثناء صلاتهم الجمعة بنقص العدد المذكور، فالواجب عليهم أن يستأنفوها ظهراً، ولا يتموها ظهراً بل يستأنفونها من جديد. قالوا: لأن الجمعة صلاة مستقلة فليست بظهر، وقد دخل فيها بنية الجمعة، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. وقال بعض الحنابلة: يتموها ظهراً بلا استئناف. واستدل: بأنها ظهر مقصورة. وتقدم أن هذا ضعيف، وأن الجمعة صلاة مستقلة على الصحيح، فيشترط فيها أن ينويها جمعة. ويتضح هذا في مسألة ذكرها المؤلف بعد ذلك وهي قول: قال: (من أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة)
فمن أدرك مع الإمام من الجمعة ركعة فإنه يتمها جمعة. فمثلاً: رجل أدرك مع الإمام الركوع، فإنه يدرك الجمعة فيضيف لها ركعة أخرى. لما ثبت في النسائي من حديث أبي هريرة، بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الجمعة) ولا يكون إدراك الركعة إلا بإدراك ركوعها. أما إن لم يكن ذلك بأن يدرك أقل منها فإنه يصليها ظهراً لذا. قال: (وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً) فإذا أدرك من الصلاة أقل من ركعة، كأن يأتي والإمام رفع رأسه من الركوع أو في التشهد فإنه يصليها ظهراً، لما ثبت عن ابن مسعود – في مصنف ابن أبي شيبة ومعجم الطبراني في الكبير – أنه قال: (من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعاً) والأثر صحيح، وإجماع أهل العلم عليه. وهو ثابت من فعل الزبير بن العوام في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف فكان ذلك إجماعاً. لكن هنا: شرط المؤلف شرطاً: قال: (إذا كان نوى الظهر) أي إذا دخل بنية الظهر، فمثلاً: دخل رجل والإمام قد رفع من الركوع فقد فاتته الجمعة فحينئذٍ يكبر بنية الظهر فيتم الصلاة ظهراً، فيصلي مع الإمام ما أدرك ثم يقوم فيتم أربعاً. وهناك شرط آخر ذكره الحنابلة: وهو أن يكون ذلك في وقت الظهر. وعليه: فلو كان ذلك قبل زوال الشمس فلا يتمها ظهراً بل نفلاً؛ لأن الواجب في الظهر أن تصلى في وقتها ووقتها بعد زوال الشمس. فإذا أتى والإمام في التشهد في صلاة الجمعة فعليه أن ينوي إذا دخل معه أنها ظهر، ويشترط كذلك أن يكون في ذلك في الوقت الذي تصح به الظهر أي بعد الزوال وليس في الوقت الذي تصح فيه الجمعة.
فإذا دخل بغير نية الظهر فإنه يبطلها ويستأنفها ظهراً، فلو كبر مع الإمام بنية الجمعة فتبين أن الإمام قد ركع الركوع الثاني وقد فاتته الركعتان فحينئذٍ يستأنفها ظهراً، لأنه قد نواها جمعة، وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى والجمعة صلاة مستقلة. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويشترط تقدم خطبتين) أي ويشترط في صحة صلاة الجمعة تقدم خطبتين، فمن شروط صلاة الجمعة أن تتقدمها خطبتان؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باتفاق العلماء، وأن الخطبة شرط في الجمعة. ودليل ذلك: أن الله أمر بقوله: {فاسعوا إلى ذكر الله} وهذا أمر من الله يوجب السعي إلى ذكره، وذكره يوم الجمعة في الخطبة وصلاتها، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس) ، وفي صحيح مسلم عن جابر قال: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الله) . فهذه الأحاديث التي فيها فعله الراتب الذي قد داوم عليه - عليه الصلاة والسلام - هو بيان لمجمل قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله} فكانت الخطبتان يوم الجمعة قبل صلاتها فرضاً من فروضها، فلا تصح الجمعة إلا بذلك – كما هو مذهب جماهير العلماء -. قال: (ومن شروط صحتها (1) حمدُ الله تعالى) أي من شروط الخطبة، فالخطبة لها شروط لا تصح إلا بها. فهذه أركان الخطبة التي لا تصح الخطبة إلا بها، وهذه الأركان أو الشروط التي يذكرها المؤلف في الخطبتين كلتيهما الأولى والثانية. وقال الحنابلة – في المشهور عندهم -: أن الخطبتين تقومان مقام الركعتين من صلاة الظهر، وهذا على أن الظهر هي الأصل وهي تمام، وأن الجمعة بالنسبة إليها ظهر مقصورة في يوم الجمعة، وهذا خلاف الراجح.
والراجح ما تقدم وأن الجمعة تمام وليست بظهر مقصورة، وقد تقدم قول عمر: (والجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم) رواه النسائي بإسناد صحيح. " حمد الله تعالى ": فحمد الله ركن في الخطبة. واستدلوا: بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع) والحديث الصواب أنه مرسل كما رجح ذلك الدارقطني وغيره. لكن ذلك ثابت من فعله – صلى الله عليه وسلم – كما في مسلم من حديث جابر قال: (كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يحمد الله ويثني عليه ثم يقول إثر ذلك وقد علا صوته …) الحديث وفيه: (أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهُدى هدي محمد " وتصح: خير الهَديْ هدي محمد " وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " وفي رواية: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) وقال شيخ الإسلام: بأن الواجب إنما هو التشهد بأن يتشهد فيقول: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله " وهو اختيار ابن القيم. واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم، - رواه الترمذي وأبو داود والحديث حسن -: (كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء) (1) أي كاليد المقطوعة، فقال بوجوب ذلك وإن لم يكن ذلك شرطاً عنده في صحتها. وما ذهب إليه شيخ الإسلام أصح، وهو وجوب التشهد فيها فهو واجب للحديث المتقدم، لكن ذلك ليس شرطاً في صحتها، والحمد فيها مستحب لحديث جابر المتقدم. قال: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) قالوا: لأن كل موضع ورد فيه ذكر الله فإنه يشرع فيه الذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فالصلاة عليه كالأذان، ففيه شهادة أنه لا إله إلا الله، وفيه شهادة أن محمداً رسول الله.
لكن يرد هذا: بعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصح لنا أنه كان يصلي على نفسه في خطبته، وإن كان ذلك مشهوراً عند أصحابه كما ذكر ذلك ابن القيم. ولكن ما ذكره شيخ الإسلام وجيه: أي في فرضية التشهد على النبي صلى الله عليه وسلم أي في قوله: " وأشهد أن محمداً رسول الله " أي وجوب الشهادة بأنه رسول الله. ولا شك أن شهادة أن محمداً رسول الله أولى من الصلاة عليه، فإن الشهادة لا يصح الإيمان إلا بها. بخلاف الصلاة عليه فإن غاية أمرها الوجوب كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم. لكن الراجح: أن الواجب أن يصلي عليه ولو مرة وأن ما سوى ذلك مستحب. فلا شك أن الإخبار بأنه رسول الله وإعلان ذلك على الملأ ذلك أبلغ من مجرد الصلاة عليه. ولكن مع ذلك على القول بعدم وجوبها، فإن الصلاة عليه أمر مستحب لشهرته عن الصحابة. قال: (وقراءة آية) فقراءة الآية شرط في صحة الخطبة، لما تقدم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ القرآن ويذكر الله) رواه مسلم. لكن هذا الحديث لا يدل على فرضية ذلك، نعم هو أفضل المواعظ وأعلاها قدراً وأولاها بالاتعاظ والعبرة لكن ذلك لا يدل على فرضيته، فتصح الخطبة ولو لم تقرأ فيها آية، هذا هو الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار الشيخ الموفق. وإن كان الأولى في الخطبة والأفضل أن تشتمل على آيات قرآنية لأن الآيات القرآنية هي أعظم المواعظ وفيها أعظم التأثير والاعتبار. قال: (والوصية بتقوى الله عز وجل) وليس مراده هنا: تخصيص هذا اللفظ بأن يقول: اتقوا الله أو نحو ذلك. لكن المقصود من ذلك أن يعظهم بأن يحثهم على طاعة الله ورسوله وترك معصيتهما خوفاً من الله. لذا عبَّر بعضهم: بلفظ: " الموعظة " محل قوله " الوصية بتقوى الله ".
ولا شك أن الموعظة هي الشرط الأساسي في الخطبة فهي المقصود الأعظم منها – وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم– كما في مسلم -: (يقرأ القرآن ويذكر الناس) وروى أحمد عن علي أو الزبير بن العوام – والشك في الرواية – قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطبنا ويذكرنا بأيام الله حتى نعرف ذلك في وجهه) . فكانت خطبته تذكيراً للناس بالله عز وجل، وهذا هو الذي يناسب يوم الجمعة، وهو اليوم الذي خلق فيه آدم وفيه يبعث الناس وفيه الصعقة والنفخة كما صحت بذلك الأحاديث، ولذا شرع أن يقرأ في صبيحته " بالسجدة " و " هل أتى على الإنسان "؛ لما فيهما من التذكير العظيم والاعتبار والموعظة. فإذن: روح الخطبة الموعظة والتذكير، فكانت خطبته موعظة للناس وتعليماً لهم وتفقيهاً في قواعد الإسلام وشرائعه. لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم – في خطبته -: كأنه منذر جيش يقول: " صبحكم ومساكم " أي: كان في غاية ما يكون من التأثير والتأثر في خطبه كالتأثير الخارج من منذر الجيش الذي يقول لهم: " صبحكم أو مساكم ". وهي شرط في الخطبتين كلتيهما، فكل خطبة يجب أن تشتمل على التذكير بالله وبأوامره وبشرعه وبقواعد الإسلام فإن الخطبة إنما شرعت لذلك. - وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام مالك: الشرط فيها ذكر الله فقط، فإذا ذكر الله ولو قال: " سبحان الله " ونحو ذلك صحت. لكن هذا ضعيف، لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يبين مجمل القرآن ويوضحه فإن الله قد أمر بذكره وذكره ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من خطبتين مشتملتين على التذكير والمواعظ. فإذن: الخطبة المجزئة هي الخطبة المشتملة على المواعظ والتعليم والتفقيه في الخطبتين كلتيهما، ولا يشترط فيهما على الصحيح الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا قراءة آية من القرآن وإن كان المستحب هو ذلك – أي الصلاة وقراءة القرآن - ولا يشترط فيهما الحمد والثناء وإن كان مستحباً.
ويجب فيهما على الراجح – وإن لم يكن شرطاً – أن يشهد لله بالألوهية ولنبيه بالرسالة يقول: " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ". قال: (وحضور العدد المشترط) تقدم أن المذهب: اشترط عدد أربعين في الجمعة وقد تقدم وصفهم. فذلك الشرط المذكور شرط في الخطبة أيضاً؛ لأن الخطبة من الجمعة، فالجمعة خطبة وصلاة، فالشرط شرط فيهما جميعاً. وقد تقدم أن الراجح أن القرية إذا أقيمت فيها الجمعة فإنه لا يشترط فيها عدد بل لمّا صحت به الجماعة فإن الجمعة تصح منه على القول الراجح، وقد تقدم. ومن شروط صحة الخطبة: الوقت، فلا تصح قبل دخول الوقت وإن كانت الصلاة بعد دخوله. وقد تقدم أن المذهب أن أول وقتها أول وقت صلاة العيد أي إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، فلا يصح أن يخطب قبل ذلك وإن صلى بعده، فكما أن الوقت شرط في الصلاة فهو شرط في الخطبة كذلك؛ لأن الجمعة تشمل الخطبة والصلاة جميعاً، فما كان شرطاً في الصلاة فهو شرط في الخطبة، وهذا باتفاق أهل العلم. ومن شروطها: الموالاة بين أجزائها. فإذا قطعها بقاطع طويل عرفاً فإنها تبطل، لأن الخطبة لا تسمى خطبة إلا إذا اتصل بعضها ببعض. وهل تبطل بالكلام اليسير المحرم؟ قال الحنابلة: تبطل. وقال بعض الحنابلة: لا تبطل كالأذان، وقد تقدم أن الأذان لا يبطله الكلام اليسير المحرم، فكذلك الخطبة ثم إن الخطبة قد توفرت فيها شرائطها وأركانها، وكونها يقع فيها النهي هو يعود إلى ذاتها ولا إلى شرط فيها فلم يبطلها. ومثال اشتمالها على الكلام المحرم، كأن يتكلم ببدعة ونحوه. ومن شروطها – في المشهور في المذهب – أن تكون باللغة العربية مع القدرة على ذلك، أما مع غير القدرة والعجز فإنها تصح بغير العربية، لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ولحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .
أما مع القدرة على التكلم بالعربية فهي شرط، فلا تصح الخطبة إن كان هناك من يمكن أن يتكلم باللغة العربية. وظاهر كلامهم مطلقاً وإن كان من يحضرها من العجم: لذا قال بعض الحنابلة، بل تصح، وهذا أرجح، وأن الخطبة بغير العربية تصح إن كان الحاضرون لها لا يفهمون إلا بذلك، لأنه لا يحصل المقصود من الخطبة إلا أن يكون الفهم فيها، ولا يكون الفهم إلا إذا كانت باللغة التي يتخاطب بها المستمعون. فحينئذٍ: الراجح وهو قول للحنابلة خلافاً للمشهور عندهم أن الخطبة بغير اللغة العربية تصح، وإن كان الخطيب قادراً على أن يتكلم باللغة العربية إذا كان من يسمعها من غير العرب. ثم إن الخطبة ليست قرآناً أو ذكراً من الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم الموقوفة عليه، لا تصح إلا بهذا الذكر بلفظه أو آية قرآنية التي لا يجوز أن يترجم إلى لغة أخرى. فالخطبة المقصود منها الوعظ من غير أن يتوقف بلفظ محدد، فحينئذ لا معنى لاشتراط أن تكون بلغة عربية، فإذا خطب بلغة أعجمية لعجم لصحت بل هو أولى لأن التفاهم لا يحصل إلا بذلك وهو مقصود الخطبة. قال: (ولا يشترط لها الطهارة) فلا يشترط للخطبة الطهارة فلو خطب الخطيب جنباً أو محدثاً حدثاً أصغر فإن الخطبة تصح، وإن كان المستحب له أن يخطب طاهراً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفصل بين خطبته وصلاته بطهارة. لكنه إن خطب جنباً أو محدثاً حدثاً أصغر، فالخطبة صحيحة وهو المشهور في المذهب وأحد قولي الشافعي. والرواية الأخرى عن أحمد وهي أحد قولي الشافعي: أن الخطبة تشترط لها الطهارة. ولا دليل على ذلك فهي كالأذان، وإنما الطهارة شرط في الصلاة.
لكن عن الإمام أحمد - وقال الموفق: وهو الأشبه بأصول المذهب -: أن تكون الطهارة من الجنابة شرط في صحتها، لأن قراءة آية في الخطبة فرض، ولا تصح ولا يجزئ أن يقرأها وهو جنب، وهذا القول بناءً على أن الجنب لا يجوز له أن يقرأ القرآن وعلى القول بأن الآية فرض أن تقرأ في الخطبة. والصحيح: في هاتين المسألتين كلتيهما أنه لا يجب أن يقرأ آية في الخطبة وأن قراءة القرآن للجنب جائزة كما تقدم ترجيحه في باب الغسل. إذن: الصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول: وأن الطهارة من الجنابة ومن الحدث الأصغر ليس بشرط في الخطبة، وإن كان المستحب له ألا يفصل بين خطبته وصلاته بطهارة. قال: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة) هذا المشهور في المذهب، وأنه لا يشترط أن يتولى الصلاة من تولى الخطبة، فلو خطب خطيب وصلى آخر فلا بأس؛ لأن الواجب هو إقامة الخطبة والصلاة من غير شرط أن يكون ذلك من إمام واحد، وإن كان المستحب والأولى أن يتولاهما إمام واحد كما كان ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وفي عصر الخلفاء الراشدين. لكن لو خطب خطيب وتولى الصلاة آخر فإنه لا بأس بذلك لأنه لا دليل على اشتراط أن يتولاهما واحد، لأنهما كالصلاتين المختلفتين، فكما لو جمعت الصلاتان فصلى أحدهما إمام والأخرى إمام آخر فلا بأس بذلك. قال: (ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال) " أن يخطب على منبر " إجماعاً؛ لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مشهور عنه ومن ذلك ما ثبت في البخاري عن عمر قال: (سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة على المنبر يقول: " من جاء إلى الجمعة فليغتسل) . " أو موضع عال " فلا بأس أن يخطب على موضع عال وإن كان الأولى له أن يخطب على منبر، فإن لم يجد المنبر فإنه يخطب على موضع عال لحصول المقصود به.
وعليه: فلو خطب على الأرض فلا بأس وخطبته صحيحة لأنه قال: " ومن سننهما " وهذا بالإجماع، فالمنبر سنة فيها، والموضع العالي يجزئ فيها، وإن خطب على الأرض فإن ذلك لا بأس وإن كان خلافاً للسنة. قال: (ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم) يستحب له إذا ارتقى على المنبر أن يستقبل المأمومين بوجهه ويسلم عليهم، لما ثبت في ابن ماجه وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد على المنبر سلم) وله شاهد عند الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، فعلى ذلك الحديث حسن. ولو قال: " السلام عليكم " أجزأه، فإن السلام يصدق على قوله: " السلام عليكم "، والمستحب زيادة: " وبركاته ". قال: (ثم يجلس إلى فراغ الأذان) فإذا سلم جلس إلى فراغ الأذان، لقول ابن عمر كما في سنن أبي داود قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم -[يخطب خطبتين، كان] يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ قال الراوي: " أراه قال "المؤذن " أي حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم - وهي الجلسة بين الخطبتين-[ثم يقوم فيخطب] ) (1) ، وثبت في البخاري من حديث السائب بن يزيد قال: (كان النداء يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر) . قال: (ويجلس بين الخطبتين) لحديث ابن عمر المتقدم، وهي مستحبة وليست بواجبة فلو لم يجلس فلا بأس، لكن الغرض أن يسكت سكوتاً يفصل به بين الخطبتين، فإذا انتهى من الخطبة الأولى استحب له أن يجلس، فإن لم يجلس ففرض أن يسكت سكوتاً يفصل به بين الخطبتين؛ لأن الواجب فيها خطبتان ولا يتم الواجب إلا بأن يفصل بينهما بسكوت. قال: (ويخطب قائماً)
هذا هو المستحب، فخطب جالساً فلا بأس لكن المستحب هو القيام، لحديث ابن عمر المتقدم، وفيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يخطب خطبتين وهو قائم) فهذا هو المستحب؛ لأنه فعل والفعل لا يدل على الوجوب، وهو فعل الخلفاء الراشدين. وأول من جلس على المنبر – وهو محمول على العذر – هو معاوية رضي الله عنه، فقد ثبت في سنن سعيد بن منصور أن أول من جلس في الخطبة معاوية رضي الله عنه، وذلك لعله لعذر فيه، وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدين فلم يصح عن أحد منهم خلاف السنة. قال: (ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا) لما ثبت في سنن أبي داود عن الحكم بن حَزْن الكُلَفي قال: (وفدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه قلنا: يا رسول الله، زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا أو أمر لنا بشيء من التمر والشَّانُ إذ ذاك دونٌ] فأقمنا [بها] أياماً فشهدنا [فيها الجمعة] مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام متوكئاً على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى [عليه] كلمات خفيفات مباركات) (1) ، ففيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب على قوس أو عصا. وأما السيف فلم يصح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما قال ذلك ابن القيم، لأن الاتكاء على القوس لا يراد منه إظهار شيء سوى استعانة الخطيب به، فالاتكاء ليس المقصود منه إظهار قوة الإسلام أو نحو ذلك وأن الإسلام قام بالسيف – كما قال ذلك الحنابلة –، فإن ذلك ليس بصحيح إذ لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اتكأ على سيف مطلقاً.
ولأن الإسلام قد قام بالدعوة والبيان، وإنما احتيج إلى السيف عند امتناع من امتنع عن قبوله، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتكأ على عصا كما تقدم، فالمقصود هو ذات الاتكاء، وما يستعين الخطيب من ذلك تقوية نفسه أو نحو ذلك، وليس المقصود إظهار شيء مما ذكره بعض الحنابلة كما رد على ذلك ابن القيم أو غيره. قال: (ويقصد تلقاء وجهه) فالمستحب للخطيب في خطبته أن يقصد تلقاء وجهه، فلا يأخذ يميناً وشمالاً أي لا يلتفت أثناء الخطبة إلى ميمنة المسجد أو ميسرته، وهذا باتفاق العلماء، وذلك لأن هذا أسمع لكلامه فإنه إذا أخذ تلقاء وجهه استوى أهل المسجد في سماع كلامه، بخلاف ما إذا أخذ يمنة فإنه يخفي شيء من كلامه على أهل ميسرة المسجد، وهكذا إذا أخذ ذات اليسار فإنه يخفي شيء من كلامه على أهل ميمنة المسجد، فكان المستحب أن يكون تلقاء وجهه ليكون ذلك أسمع لكلامه وليكون أعدل بينهم. قال الموفق: " وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم "، ولم أر ما يدل عليه نصاً، وإن كان اتفاق أهل العلم على ذلك والمصلحة تقتضي أن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم. - والمستحب للمأمومين أن يقبلوا بوجوههم على الإمام حتى من كان في ميمنة المسجد أو ميسرته، وقد وردت في ذلك حديث وآثار. أما الحديث فهو ما رواه ابن ماجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا خطب استقبله أصحابه بوجوههم) لكن الحديث ضعيف مرسل. وقد قال الترمذي: " ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيء، لكن ذلك ثابت عن أصحابه، قال البخاري: " واستقبل ابن عمر وأنس الإمام وهو يخطب " ولا يعلم لهما مخالف. لذا قال الترمذي: " والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم يستحبون أن يستقبل الناس الإمام بوجوههم " وليس المقصود بالنظر بالأعين، وإنما المقصود أن يعطيه وجهه، فيستقبل الخطيب بوجهه.
قال: (ويقصر الخطبة) هذا هو المستحب، لما ثبت في مسلم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنَّةٌ من فقهه) فقصر الخطبة وطول الصلاة مئنَّة الفقه، فالمستحب قصر الخطبة وهو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله، أما فعله فقد تقدم في قول الصحابي: (فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات مباركات) ، وأما قوله فهذا الحديث. فالمستحب للخطيب أن يقصر خطبته، ويورد على السامعين جوامع الكلم، والألفاظ المشتملة على المعاني الكبيرة، ويقصر ذلك لئلا يضجرهم ويوقع الملل في نفوسهم ولئلا ينسي الكلام بعضه بعضاً، والعلم إنما يلقى شيئاً فشيئاً كما قال ابن عباس في قوله: " كونوا ربانيين، قال: الذين يعلمون صغار المسائل قبل كبارها " فالخطباء الربانيون هم الذين يعلمون الناس الشيء اليسير حتى يتدرجون معهم إلى الشيء الكبير ويعلمونهم الأساس والأصل قبل أن يعلمونهم الفرع. قال: (ويدعو للمسلمين) فيستحب له أن يدعو للمسلمين، قال في الإنصاف: " بلا نزاع " واستدلوا: بمثل استسقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة فهذا يدل على جواز الدعاء فيها، ولعموم الأدلة الدالة على مشروعية الدعاء واستحبابه. ولما ثبت في مسلم عن عمار بن رؤيبة (1) : أنه رأى بشر بن مروان وهو يخطب رافعاً يديه فقال: (قبَّح الله هاتين اليدين ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيد على أن يشير بأصبعه) وأشار بأصبعه السباحة " وفي رواية لأحمد: " يدعو على المنبر "، وهذا هو الشاهد. وأما رفع اليدين فإنه بدعة كما صرح بذلك المجد ابن تيمية وقد قال شيخ الإسلام: " ويكره للخطيب أن يرفع يديه عند الدعاء في الخطبة والمشروع له أن يشير بإصبعه السبابة ".
فإذن: يكره للخطيب وغيره من المستمعين أن يرفعوا أيديهم أثناء خطبة الإمام إذا دعا والمستجيب أن يشيروا بأصابعهم. فإن دعا لولي أمر المسلمين: فاستحسن ذلك الإمام أحمد وعدد من أهل العلم، ولا شك أن صلاح الإمام صلاح للمسلمين عامة؛ لكونه أولى بتخصيص الدعاء من عامة المسلمين، لما في إجابة الدعوة من الله فيه من المصلحة له ولغيره من المسلمين ممن هم رعية له وتحت ولايته. وأنكر ذلك بعض أهل العلم وقال: هو محدث كعطاء بن أبي رباح. لكن الأظهر هو جوازه، لكن لا يكون ذلك على سبيل المداومة فلا يتخذ ذلك سنة في كل خطبة، وإنما يفعل ذلك أحياناً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاءه لم يثبت عن أحد منهم المداومة على ذلك واتخاذه سنة. أما فعل ذلك أحياناً فلا بأس، فإن الخطبة موضع إجابة بدليل استسقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة. وفيها اجتماع المسلمين فيرجى أن تجاب الدعوة، فإذا خصص بذلك إمام المسلمين والطائفة المجاهدة، أو نحو ذلك فلا بأس، وأما اتخاذ ذلك سنة فإنه في الحقيقة ليس بسنة، كما أنكر ذلك وأدخله في البدع صاحب الاعتصام وأن الاستمرار في الدعاء للمرابطين والمجاهدين أن ذلك بدعة – وهو كما قال – فغنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستمرار في الدعاء للمجاهدين والمرابطين ونحو ذلك. أما إذا احتاج المسلمون إلى ذلك فإنه يفعل لكن لا يكون على سبيل الدوام، ومثل ذلك الدعاء لولي أمر المسلمين فلا بأس به لكن لا يكون ذلك على سبيل الدوام، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الجمعة ركعتان) وهذا بإجماع العلماء، وقد تقدم من الأحاديث ما يدل على ذلك كقول ابن عباس: (فرض الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة ركعتان) رواه مسلم. وفي النسائي قال عمر: (والجمعة ركعتان … تمام غير قصر على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم)
فلا تصح بأربع، وإنما اختلفوا هل هي ظهر مقصورة أم صلاة مستقلة تامة، وقد تقدم أن الراجح أنها صلاة مستقلة تامة. قال: (يسن أن يقرأ جهراً في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين) كما ثبت في مسلم عن ابن عباس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة " ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان حين من الدهر، ويقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة وبالمنافقين) واختلف الحنابلة: هل المستحب أن يداوم عليها أم لا؟ أى قراءة السجدة والإنسان في صلاة الفجر يوم الجمعة: فالمشهور عندهم: كراهية ذلك؛ لئلا يظن وجوبها ولئلا يعتقد فضيلة السجدة وأنها إنما شرعت للسجدة فيها، ولذا نص شيخ الإسلام على كراهية تحري آيات أو سور فيها سجدة وقراءتها في صلاة الفجر يوم الجمعة، لأن هذا عن عقيدة أن المستحب هو اختيار سورة فيها سجدة وليس المراد ذلك، وإنما لما فيها من المعاني الشرعية المناسبة لذلك اليوم الذي هو يوم النفخة والصعقة ويوم البعث، وما تضمنه تلك السورة من المعاني المناسبة لذلك. والقول الثاني – وهو الراجح –: أن المستحب له أن يداوم على ذلك، وقد ورد في الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم عليها، والحديث المتقدم شاهد له، فإن لفظة " كان " في الأصل تدل على المداومة ما لم يرد ما ينافي ذلك، وهنا كذلك. أما ما ذكروه من أن ذلك يؤدي إلى اعتقاد وجوب قراءتها فإن هذا يدفع بتركها أحياناً مع كونه مداوماً عليها إلا الشيء اليسير، ولعل هذا مراد أهل القول الأول. ثم إن هذه المظنة قد تندفع حيث تبينت السنة، فإذا كان أهل البلدة أو أهل المسجد يعلمون أنها سنة وليست بواجب، وأن السجدة ليست هي المقصودة، بل المعاني التي فيها، فإنهم يستحب لهم أن يداوموا عليها مطلقاً، لأن هذا المظنة مدفوعة عنهم.
إذن: المستحب أن يداوم على ذلك، لكن إن خشي اعتقاد الوجوب فإنه يتركها أحياناً لئلا يعتقد ذلك. أما تحري آية أو سورة من القرآن فيها سجدة محلها، فإن هذا ليس من السنة بل هو من البدعة، لأن هذا تابع عن اعتقاد أن هذه السورة إنما خصت لما فيها من السجدة، وليس الأمر كذلك، فهي إنما خصت لما فيها من المعاني التي هي مناسبة ليوم الجمعة الذي هو اليوم الذي يبعث فيه العباد وفيه النفخة والصعقة وفيه خلق الله آدم وهذه السورة متضمنة لهذه المعاني كلها. ويستحب أن يقرأ في الجمعة بسبح والغاشية، لما ثبت في مسلم من حديث النعمان بن بشير قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وبهل أتاك حديث الغاشية) وهاتان السورتان فيهما من المعاني المتقدمة ما هو ظاهر وواضح، فإنه يستحب: أن يقرأ في الجمعة بسبح والغاشية أو الجمعة والمنافقون. فسبح والغاشية: فيهما ما هو ظاهر من ذكر اليوم الآخر وما فيه من الأهوال، وفيهما ما فيهما من الكلام عن الذكرى والتذكير، وأنه إنما يستحب إلى التذكير من هو متصف بالتقوى بخلاف الآخر فهو أشقى، ومعلوم أن الجمعة فيها من التذكير والوعظ والدعوة إلى الله ما يوجب التنبيه لذلك. وأما سورة الجمعة والمنافقون: أما سورة الجمعة: فإن فيها بيان حكم الجمعة ووجوب السعي إليها ووجوب العلم والقيام به. وأما سورة المنافقون: ففيها من التحذير من النفاق، ومعلوم أن اجتماع الناس الكثير مظنة وجود المنافقين. فلهذه اختيرت هذه السور لمناسبتها لهذا الموقف العظيم. قال: (وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة) هذه مسألة كبيرة والناس يقعون – كما هو معلوم – في مخالفتها وهي: أنه لا يجوز أن يقام في المدينة – وإن كبرت – أو القرية أن يقام فيها جمعتان، وهذا قد اتفقت عليه المذاهب الأربعة وأنه يحرم ذلك وليس بمشروع بل هو بالإجماع ليس بمشروع.
قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه كان يقام في المدينة جماعات كثيرة كما كان في مسجد قباء ومسجد بني سلمة وغيرهما فإنها كانت تقام فيها الجماعة، وأما الجمعة فلم تكن تقام في غير مسجده - صلى الله عليه وسلم -، فدل على أن إقامتها إنما تشرع في مسجد واحد، فلا يقام في أكثر من مسجد؛ لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعل خلفائه الراشدين وهكذا كان الأمر في عصر الخلفاء الراشدين الأربعة، فلم تكن تقم في البلدة إلا جمعة واحدة. وكانت المدينة بريداً - × - في بريد، أي ما يقارب 18كم × 18كم، كانوا جميعاً يحضرون جمعته، ولم تقم في المدينة سواها. واستثنى الحنابلة الحاجة، فإذا كان هناك حاجة إلى إقامة جمعة أخرى فإنه لا بأس بذلك، لأن الشريعة قد أتت برفع الحرج. فإذا كانت المدينة كبيرة كما يكون هذا في العواصم ويشق على الناس أن يأتوا من أقطارها المتباعدة، أو يكون المسجد لا يسعهم فتزدحم شوارعه ونحو ذلك فإن هذا حرج يقتضي إباحتها وهو اختيار شيخ الإسلام وهو القول الراجح. - وقال الجمهور: لا يجوز ذلك مطلقاً حتى للحاجة فلا تقام إلا في مسجد واحد. وعليه: فإن الناس يصلون ظهراً. فمثلاً: إذا ازدحم المسجد أو كان في الحضور مشقة فإنهم يصلون في مساجدهم ظهراً ولا يقيمون جمعة أخرى؛ لأنه لم يقم في مدينته - صلى الله عليه وسلم – مع كونها متباعدة الأطراف إلا جمعة واحدة. وأجاب عنهم الحنابلة: بأن الحاجة لم تثبت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لأن المدينة وإن كان في أطرافها تباعد لكنها سهلة السُبل فلم يكن هناك ازدحام شديد وكان المسجد يسعهم. ثم لو أثبتنا الحاجة لهم فإنهم إنما لم يقيموها لكونهم يؤثرون جمعته ولا يرغبون بخطبة بغير خطبته صلى الله عليه وسلم مع سهولة حضورها وإن كان يلحقهم شيء من الحرج، بخلاف الصلوات المتكررة فإنهم يشق عليهم أن يرتادوا مسجده مع تباعد محالهم، وهذا جواب ظاهر.
فما ذهب إليه الحنابلة – وهو اختيار شيخ الإسلام – ظاهر وهو استثناء الحاجة، كأن تكون المدينة كبيرة متباعدة الأطراف أو أن يكون المسجد لا يسعهم، أو أن يكون هناك عداوات تقتضي إقامة الجمعة أكثر من موضع لئلا تقع الفتنة بين الناس. ومثل ذلك صلاة العيد عندهم فإنها لا يجوز أن تقام إلا في مصلى واحد إلا أن يحتاج الناس إلى مصليات أخر، فإنها تقام فيها بقدر الحاجة إلى ذلك. قال: (فإن فعلوا فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها فإن استويا في إذن الإمام أو عدمه فالثانية باطلة وإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا) فإن فعلوا: فأقيمت جمعة أخرى ولا حاجة لذلك ففي مسألة الصحة والبطلان تفصيل وهو: أنه إذا تميزت أحد هذه الجمعات بميزة كأن تكون هي جمعة الإمام أي التي يصلي فيها الأمير أو الحاكم أو تميزت بأن لها إذن الإمام، وأما غيرها من الجمعات فلا إذن له، أو تميزت بأنها في وسط البلد كما يكون هذا في الجوامع الكبيرة، فإذا تميزت جمعة بأحد هذه الميزات فإنها هي الصحيحة وما سواها فجمعة باطلة، وعليهم حينئذٍ أن يعيدوا صلاتهم ظهراً. " فإن استويا في إذن الإمام أو عدمه ": يعني كلاهما مأذون فيه أو كلاهما ليس بمأذون فيه، أو كان كلاهما له ميزة يتميز بها عن الآخر فالثانية باطلة، فالسابقة هي الصحيحة؛ لأن لها السبق ولأنها صليت حيث شرع ذلك ولا مزاحم لها فكانت هي الجمعة الصحيحة. أما الجمعة الأخرى فإنها باطلة لأنها مسبوقة بجمعة مجزئة فتكون باطلة. واعتبار ذلك في المشهور من المذهب بتكبيرة الإحرام، فإذا كبر تكبيرة الإحرام إحدى الطائفتين قبل الأولى فصلاتهم هي الصحيحة، ومن كبرت بعدها فصلاتها هي الباطلة. وقال بعض الحنابلة: بل بالشروع في الخطبة، فإذا شرع أحد المسجدين بالخطبة قبل الآخر وإن شرع بعده بتكبيرة الإحرام فإن جمعته هي الصحيحة.
وهذا القول أرجح، لأن الجمعة شاملة للخطبة والصلاة فوقعت شيء منها صحيحاً مجزئاً فلا يصح بعد ذلك إبطاله. " وإن وقعتا معاً " سواء قلنا إن ذلك بتكبيرة الإحرام أو بالشروع في الخطبة فإنهما تبطلان جميعاً، لأنه لا ميزة لإحداهما على الأخرى، لأنه لابد وأن نبطل إحداهما، وتصحيح إحداهما دون الأخرى تحكم لا دليل عليه فوجب أن يبطلا جميعاً. وقبل ذلك أيضاً: إذا جهلت الأولى، فمثلاً: صلت طائفة في طرف البلد وصلت طائفة أخرى في طرفه الآخر ولا يعلم أيهما السابق، ولابد أن تكون إحداهما باطلة، والحكم لأحداهما بالصحة دون الأخرى تحكم. ويحتمل في كل واحدة فيهما أن تكون مسبوقة – فحينئذٍ كان الحكم بإبطالهما جميعاً. وما ذكره المؤلف هنا من التصحيح والبطلان هو مذهب جماهير العلماء من الحنابلة والمالكية والشافعية والأحناف. - وعن الإمام أحمد، وهو مذهب عطاء بن أبي رباح وهو اختيار الشوكاني كما في السيل الجرار، قالوا: إن الجمعة الأخرى تصح. قالوا: لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم إنما يدل على المشروعية، ولا بدل على اشتراط ذلك، نعم الصلاة في أكثر من مسجد مع عدم الحاجة لا يشرع ذلك، أما أن يكون ذلك شرط في صحتها فلا، وهذا القول – فيما يظهر عندي – فيه نظر.
ذلك لأن الجمعة شاملة للاجتماع لها وإقامة الخطبة ونحو ذلك وحيث إنها وقعت على غير سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك اجتماع غير مشروع، وحيث كان اجتماعاً غير مشروع فهو اجتماع محدث، وكل محدث فهو بدعة وضلالة ورد على أصحابه كما في الحديث: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) ، فالنهي هنا المتضمن للتبديع، لأن السنة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن تقام الجمعة في مسجد واحد، وهذا يقتضي أن تكون الجمعة الأخرى غير مشروعة، وهذا شامل للاجتماع إليها وإقامة الخطبة فيها، فحينئذٍ يكون النهي قد عاد إلى ذات الجمعة، فكان حينئذ الاجتماع على هذا الصورة غير مقبول وحينئذٍ يكون العمل مردوداً على أصحابه. فإذن: أصح المذاهب ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور عندهم: وهو أن يقال: إن أقيمت جمعة أخرى في بلدة فيها جمعة ولم تكن حاجة لإقامتها فإنها باطلة ويجب عليهم أن يستأنفوا ظهراً وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست) هذا في السنة يوم الجعة: وما ذكره المؤلف في السنة البعدية، فقال: " وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان وأكثرها ست " وهو ما نص عليه الإمام أحمد فقال: " إن شاء صلى ركعتين وإن شاء صلى أربعاً وإن شاء صلى ستاً ". أما الصلاة ركعتين فدليله ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: " حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ... إلى أن قال: (وركعتين بعد الجمعة في بيته) وأما الأربع: فما ثبت في مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى بعد الجمعة فليصل أربعاً) وأما الست: فدليله ثبوت آثار عن الصحابة رضي الله عنهم فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن ابن عمر: (كان إذا صلى بمكة الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً، وإذا صلى بالمدينة أتى أهله فصلى ركعتين، وكان يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله) .
وهو ثابت عن علي بن أبي طالب، فقد ثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: (كان عبد الله: أي ابن مسعود " يأمرنا أن نصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً ثم جاء علي فأمرنا أن نصلي بعدها ركعتين ثم أربع) . وقال شيخ الإسلام: إن صلى في بيته صلى ركعتين، وإن صلى في المسجد صلى أربعاً، وفيه قوة، وذلك لأن حديث أبي هريرة المتقدم: (من صلى بعد الجمعة فليصل أربعاً) مطلق، وأما حديث ابن عمر ففيه: (أنه كان يصلي في بيته ركعتين) ولا شك أن صلاة السر أفضل من صلاة الجهر، فضوعفت في صلاة الجهر، فكانت في المسجد أربعاً أو ستاً، وأما الصلاة في البيت فكانت ركعتين، هذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم. وأما السنة القبلية: فقد تقدم عن ابن مسعود أنه كان يأمر الناس أن يصلوا قبلها أربعاً. وروى ابن المنذر عن ابن عمر: (أنه كان يصلي قبلها اثنتي عشر ركعة) ، وعن ابن عباس: (أنه كان يصلي قبلها ثماني ركعات) ، وثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي مالك القرظي قال (أدركت عمر وعثمان " وهو العصر الذي كان فيه الصحابة في المدينة متكاثرون من المهاجرين والأنصار " فكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة وإذا تكلم تركنا الكلام) وفيه أنهم كانوا يصلون حتى يخرج الإمام. فالسلف لهم في الصلاة قبل الجمعة طريقتان: الأولى: أن بعضهم يصلي ما كتب له، أربعاً أو ستاً أو غيرها ثم يجلس يقرأ القرآن ويذكر الله حتى يخرج الإمام. الثاني: أن منهم من كان يصلي حتى يخرج الإمام كما في أثر أبي مالك القرظي، وقد ثبت في مسلم حديث وفيه: (ثم صلى ما كتب له) إذن: ليس للجمعة سنة قبلية مؤقتة، وإنما يصلي المسلم ما كتب له. فذهب بعض علماء الحنابلة إلى أنها مقيسة على صلاة الظهر فيستحب أن يصلي فيها ركعتين، وقد تقدم أن راتبة الطهر عندهم ركعتان.
وهذا القياس قياس مع الفارق لثبوت الفوارق الكثيرة المتقدمة بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر، على أن النبي صلى الله عليه وسلم صح (1) عنه ذلك، فلم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الجمعة إلا أنه كان يصلي بعدها ركعتين في بيته وأمر أن يصلى بعدها أربعاً. بخلاف الظهر فإنه ثبتت سنته بصلاة أربع قبلها، وأما الجمعة فقال: (ثم صلى ما كتب له) فهذا القياس يخالف ظاهر السنة. واستدلوا: بما رواه ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسليك الغطفاني: (أصليت ركعتين قبل أن تجيء) وهذه قد أخطأ بها بعض الرواة كما قرر هذا شيخ الإسلام والحافظ أبو الحجاج المزي، فقرروا أن هذا اللفظ خطأ، وأن الصواب: (أصليت ركعتين قبل أن تجلس) وهما تحية المسجد وليست ركعتي الجمعة القبلية. مسألة: ولم يذكر المؤلف – هنا – مسألة ذكرها صاحب المقنع وهي: فيما إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد فصليت العيد فهل يجزئ عن الجمعة أم يجب على المسلمين أن يصلوا الجمعة؟ لم يتعرض لها المؤلف هنا، وذكرها صاحب المقنع – وهذا الكتاب اختصار له، فالأولى ذكرها فيه -. - والمسألة عند الحنابلة: أن العيد إذا صليت في يوم الجمعة فإنها تجزئ عن الجمعة ويجب على الناس أن يصلوا الظهر فلا يسقط عنهم الظهر. ويستثنى من ذلك الإمام فتجب عليه الجمعة – هذا عند الحنابلة – خلافاً لجمهور الفقهاء. واستدل الحنابلة: بأحاديث ثبتت بمجموعها هذه السنة.
فقد روى الخمسة إلا الترمذي عن زيد بن أرقم قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد ثم رخص في الجمعة وقال: من شاء أن يصلي فليصل) ، لكن الراوي عن زيد: إياس بن أبي أرملة، قال فيه ابن خزيمة: " لا أعلم فيه جرحاً ولا تعديلاً "، لكن يشهد له ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه ذلك عن الجمعة وإنا مجمعون) ، ويشهد له ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال: (صلى بنا عبد الله بن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا، فصلينا وحدانا، وكان ابن عباس في الطائف فلما جاء سألناه فقال: أصاب السنة) ، وفي النسائي بإسناد صحيح: أن ذلك بلغ عبد الله بن الزبير فقال: (رأيت عمر بن الخطاب لما اجتمع عيدان صنع مثل ما صنعت) . فهذه الأحاديث حجة على جمهور الفقهاء، فهي أحاديث بعض أسانيدها صحيح وبعضه حسن، وبعضه قابل للتحسين وبمجموعها ثابتة لا شك في ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإذن: إذا اجتمع في يوم واحد عيد وجمعة، فإن العيد يجزئ عن الجمعة لهذه الأحاديث، والمعنى يقتضي ذلك، فإن يوم العيد يوم سرور وفرح فلم يناسب أن يجتمع فيه موعظتان أو خطبتان، فرخص في إحداهما وأقيمت الأخرى. قال الحنابلة: ويستثنى من ذلك الإمام فيجب عليه أن يصلي الجمعة. وذهب بعض الحنابلة، كالمجد بن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن الإمام كذلك، فلو لم يقمها الإمام فلم تصح (1) في البلدة جمعة فلا بأس، ودليله: أثر ابن الزبير المتقدم فإنه لم يخرج إليهم وصلوا وحدانا وقال ابن عباس: (أصاب السنة) ، وقال ابن الزبير: (رأيت عمر بن الخطاب لما اجتمع عيدان صنع مثل ما صنعت) فظاهره أن عمر لم يخرج إلى الناس فيقيم فيهم الجمعة.
إذن الراجح: أن الإمام لا يجب عليه أن يقيم الجمعة، هذه الألفاظ في بعضها ما يدل على أن الواجب عليهم أن يصلوا ظهراً، وهو قول عطاء: (فصلينا وحدانا) ولم ينكر ذلك عليهم ابن عباس ولا ابن الزبير. واختار الشوكاني سقوط الظهر أيضاً، لكن هذا ضعيف، ولا دليل على إسقاطها وهي الأصل فإذا سقطت الجمعة للمعاني المتقدمة بقيت الظهر واجباً إقامتها. وهل يجزئ الجمعة عن العيد؟ فمثلاً: لو صلوا الجمعة في أول النهار، فهل تجزئ عن العيد. أو صليت بعد الزوال وتركت العيد واكتفوا بالجمعة، فهل يجزئ ذلك؟ المشهور في المذهب: أن الجمعة تجزئ عن العيد، والمعنى يقتضي ذلك، وهو المعنى المتقدم بل أولى، فإذا كانت العيد قد أجزأت عن الجمعة، فأولى من ذلك أن يجزئ الجمعة عن العيد. واختار الموفق وأبو الخطاب من الحنابلة: أنها إنما تجزئهم إذا صلوا في أول النهار، لكن هذا تفريق لا دليل عليه، لأن العيد تصح عندهم بعد زوال الشمس، فلو أخرها الناس في يوم العيد إلى أن زالت الشمس فهي وإن خالفت السنة فهي عند أهل العلم صحيحة، وإذا أجزأت العيد عن الجمعة، فأولى أن تجزئ الجمعة– لأنها فرض - عن العيد - وهي مختلف في وجوبها -، سواء كان ذلك في أول النهار أو بعد الزوال. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويسن أن يغتسل لها وتقدم) أي: يسن له أن يغتسل يوم الجمعة قبل رواحه إليها، وقد تقدم البحث في هذا وبيان فضيلته وأنه سنة كما هو مذهب جمهور العلماء في حكم الاغتسال في باب الغسل. وأن هذا على وجه الاستحباب إلا إذا كانت هناك روائح كريهة يُتأذى منها فهو واجب كما هو اختيار شيخ الإسلام، وتقدمت الأدلة على ذلك. لذا قال المؤلف هنا: (وتقدم) . قال: (ويتنظف ويتطيب)
أي يستحب له أن يتنظف ويتطيب، فقد ثبت في البخاري عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر - أي يتنظف من استطاع من التنظيف من تقليم أظفار وحلق عانة وغير ذلك من إزالة الأوساخ التي يكون بها التنظيف - ويدهن من دهنه - أي يذهب شعث رأسه بالدهن - أو يمس من طيب بيته - وفي أبي داود من حديث ابن عمرو: أو يمس من طيب امرأته، وفي مسلم من حديث أبي سعيد: ولو من طيب المرأة (1) - ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) ففيه فضيلة التنظف والتطيب. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستن وأن يمس طيباً أن وجد) ، وفي رواية مسلم: (ولو من طيب امرأته) ، وفيه أيضاً فضيلة الاستياك فيه. * ويستحب تطييب المسجد، فقد روى سعيد بن منصور في سننه عن نعيم المجمر قال: (كان عمر يجمر المسجد يوم الجمعة إذا انتصف النهار) . قال: (ويلبس أحسن ثيابه)
كما في أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو وفيه: (ويلبس من أحسن ثيابه) ، وفي أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما على أحدكم إن وجد، أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته) (1) أي سوى الثياب التي يمتهن بها ويعمل فيها. وفي الصحيحين: (أن عمر رأى حلة سيراء – أي من حرير – عند باب المسجد فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو اشتريتها فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدم عليك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة) والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر على التزين يوم الجمعة. قال: (ويبكِّر إليها ماشياً) فيستحب له أن يبكِّر فيذهب إليها مبكراً، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة، ثم راح - في موطأ مالك: " في الساعة الأولى " - فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) ، وفي مسلم: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤا يستمعون الذكر، ومَثَل المهجِّر كمثل من يهدي بدنة ثم من يهدي البقرة ثم من يهدي الكبش ثم من يهدي الدجاجة، ثم من يهدي البيضة) .
وقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وغسَّل يوم الجمعة - وفي أبي داود: من غسل رأسه - واغتسل، وبكر وابتكر " الابتكار هو أدراك الشيء في أوله، أي أدرك الجمعة في أولها ولم يفته من الخطبة شيء - ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة قيامها وصيامها) الحديث إسناده صحيح وحسنه الترمذي في سننه. وقوله " بكر وابتكر " أي بكر في الذهاب، وابتكر في الوصول. * وقد اختلف أهل العلم في وقت التهجير أو الرواح إليها على قولين: 1- فقال الإمام مالك: وقت التبكير من زوال الشمس، وقد تقدم أن مذهب مالك أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس إلى أن يجلس الإمام، فتكون الساعات ساعات لطيفة جداً هي شبيهة باللحظات تكون خلال هذا الوقت البسيط، فيكون الوقت من زوال الشمس إلى جلوس الخطيب. واستدل: بلفظة (راح وهجر) فقال: الرواح يكون إذا زالت الشمس كما أن الغدو يكون قبل زوالها. قال: والتهجير هو الذهاب إذا انتصف النهار واشتد الحر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ومثل المهجر كمثل من يهدي بدنة) . 2- وقال جمهور العلماء: بل يكون ذلك من أول النهار وهو طلوع الفجر الصادق، فالساعة الأول هي التي يكون فيها أذان الفجر وما بين الأذان والإقامة وصلاة الفجر وما يكفيه للتهيؤ والرواح فهذه الساعة الأولى وبعدها الساعات الباقية. واستدلوا: بالحديث المتقدم، فإنه قال: (ومن راح في الساعة الأولى) وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضاً، فقد ثبت في النسائي وأبي داود من حديث جابر بإسناد صحيح قال: (الجمعة اثنتا عشرة ساعة) الحديث وسيأتي تمامه. وهكذا سائر الأيام وهو التوقيت الثابت الذي لا يختلف صيفاً ولا شتاءً، فقبل زوال الشمس ست ساعات وبعد زوالها ست ساعات يختلف طولاً وقصراً صيفاً وشتاءً.
فمثلاً إذا أذن الفجر في الساعة الخامسة، وكان زوال الشمس في الساعة الثانية عشرة فهذه سبع ساعات، فتكون كل ساعة من الساعات الثانية ساعة وعشرة دقائق وهكذا. واستدلوا: بالحديث المتقدم، وهو حديث ظاهر على ما ذكروه. ويبقى الجواب على ما ذكره الإمام مالك، قالوا الجواب عليه: أن ما ذكره من جعل الساعات ما بين زوال الشمس وجلوس الإمام لا يعقل أن يعلق الشرع فيه هذا التفضيل الكثير ما بين البدنة والبيضة في وقت لا يتجاوز أربع دقائق أو خمس دقائق، فهذا التعريف غير مؤثر. أما ما ذكره من الرواح والتهجير: فأما الرواح: فهو في لغة الحجاز هو الذهاب مطلقاً سواء كان ذلك قبل الزوال أو بعده، وقد ذكر الأزهري في تهذيبه ذكر على ذلك شواهد. قالوا: وإنما يراد به الذهاب بعد زوال الشمس إذا قوبل بالغدو، فإذا قيل: غدا أو راح، فيراد بالرواح ما بعد زوال الشمس، أما إذا أطلق فيقال: راح في أول النهار وراح في آخره، وهنا الحديث قد أطلق. وأما التهجير فالمراد به في لغة الحجاز ومن حولها من قيس - المراد بها عندهم -: التبكير في أول الوقت، فالتبكير لأول الوقت يسمى تهجيراً. قال الخليل بن أحمد: " التهجير هو التبكير إلى الشيء في أول وقته "، فالتهجير هو أدراك الشيء في أوله في لغة الحجاز ومن حولها من قيس. فالتهجير ليس مختصاً بوقت الهاجرة أي عند اشتداد الحر وهو منتصف النهار، بل يطلق على التبكير إلى الشيء فإنه يسمى تهجيراً. إذن الراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن الرواح يكون من أول النهار. وتقدم أنه عندهم: يكون من طلوع الفجر الصادق.
وقال بعض العلماء من المالكية والشافعية واختيار بعض الحنابلة: يكون من طلوع الشمس، وهذا القول فيه قوة، وذلك لاستبعاد إمكان الرواح قبل طلوع الشمس، فإن الساعة الأولى قد تذهب للاستعداد لصلاة الفجر والذهاب إليها، ولا سيما مع المحافظة على الذكر كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إلا أنه يمكن أن تكون صلاة الفجر في المسجد الجامع – ومن هنا الاحتياط لمن أراد إصابة الثواب أن يكون حسابه من طلوع الفجر الصادق. وقد أنكر الأئمة على الإمام مالك قوله عدم مشروعية الرواح إليها إلا بعد الزوال. فإنه يرى أن الرواح إليها لا يشرع قبل زوال الشمس، فأنكر عليه الأئمة كأحمد وغيره، بل قد أنكر عليه بعض أصحابه كابن حبيب المالكي والسنة حجة عليه كما تقدم. قال: (ويدنو من الإمام) تقدم هذا في حديث أبي داود: (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة قيامها وصيامها) وفي ذلك مصلحة سماع الخطبة وتمام ذلك، وفضيلة القرب من الإمام ثابتة للصلوات مطلقاً، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) . قال: (ويقرأ سورة الكهف في يومها) يستحب أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، ويكون ذلك من طلوع الفجر الصادق إلى أذان المغرب، فهذا كله وقت لقراءتها، فليس ذلك مختصاً قبل الصلاة بل هو مطلق في اليوم كله لإطلاق ذلك في الأثر الوارد في الباب. والأثر الوارد فيه: ما ثبت في سنن سعيد بن منصور بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري موقوفاً قال: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق) ، وهذا الأثر ليس للعقل فيه محل فيكون له حكم الرفع، فهو مرفوع حكماً.
وقد روي مرفوعاً عن أبي سعيد الخدري نحو الأثر لكن الحديث فيه: نعيم بن حماد وله مناكير برواية الحاكم في مستدركه، ورواه ابن مردويه في تفسيره – كما في الترغيب والترهيب لكن في سنده سعيد بن أبي مريم وهو مجهول الحال. قال ابن القيم: " وهو الأشبه " ا. هـ أي الوقف. إذن: هذه السنة التي أقر بها أهل العلم أصلها هذا الأثر الصحيح عن أبي سعيد. وفي قوله: (وقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة) هذا عام في اليوم كله فيكون ذلك من أوله إلى آخره. قال: (ويكثر الدعاء) ليصيب ساعة الإجابة. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين – وقد ذكر يوم الجمعة قال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها) أي يقلل زمنها، ويدل على أن المراد تقليل زمنها وأنه زمن يسير، قوله في رواية مسلم: (وهي ساعة خفيفة) فهي ساعة خفيفة تكون في يوم الجمعة من دعا الله فيها بشيء من أمر الدنيا أو الآخرة أعطاه الله عز وجل إياه. ويحتمل أن يكون مراده: " يقللها " أي يزهد هذا الفعل اليسير من الدعاء الذي ينال به العبد الثواب والأجر الكبير، والتفسير الأول أولى، لما تقدم ولأن الضمير في " يقللها " يعود إلى الساعة نفسها ولو كان المراد به ما تقدم، لقال: " يقلله " أي يقلل هذا العمل، وإن كان يحتمل أن يكون الضمير يعود إلى الدعوة، أي يقلل هذه الدعوة التي ينال بها هذا الثواب والأجر. والاحتمال الأول أولى – كما تقدم –. واختلف أهل العلم اختلافاً كثيراً في وقت هذه الساعة حتى ذكر الحافظ أن فيها أكثر من أربعين قولاً، وإن كان بعض هذه الأقوال يدخل بعضه في بعض فبعضه أعم أو أطلق من بعض. وأصح هذه الأقوال قولان – كما قال ابن القيم -:
1- القول الأول: أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة، فيكون الدعاء أثناء الخطبة من ساعة الإجابة وبين الخطبتين من ساعة الإجابة، وأثناء الصلاة من ساعة الإجابة، فهو ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة. واستدلوا بحديث مرفوع رواه مسلم في صحيحه رواه مخرمة عن أبيه (1) عن أبي بردة (2) عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن ساعة الإجابة يوم الجمعة: (هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة) ، لكن هذا الحديث وإن كان ثابتاً في مسلم فهو مما انتقد عليه – رحمه الله – فقد انتقده الدارقطني وضعف هذا الحديث، وبيَّن أنه من قول أبي بردة التابعي، فيكون مقطوعاً، وليس بمرفوع ولا موقوف. واستدل بأن بكير رواه عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعاً وبكير مدني ثقة، فرواه عنه كوفي وهو أبو بردة مرفوعاً، ورواه الثقات الكوفيون عن أبي بردة رووه مقطوعاً من قول أبي بردة كمعاوية بن قرة (3) وواصل الأحدب، وأبي إسحاق السبيعي فهؤلاء ثقات يحصل بمجموعهم ترجيح روايتهم على رواية بكير على أنهم كوفيون فهم أعلم بحديث الكوفيين من بكير وهو من أهل الحجاز. فعلى ذلك: ما ذكره الدارقطني من تضعيف رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن الصواب أنه مقطوع على أبي بردة – راجح ظاهر -. 2- القول الثاني: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة بعد العصر واستدلوا بأدلة منها:
ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة اثنتا عشرة ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر) ، وثبت في ابن ماجه بإسناد صحيح: أن عبد الله بن سلام كان من علماء أهل الكتاب وأسلم – قال: (إنا نجد في كتاب الله – يعني التوراة – في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها شيئاً إلا قضى الله حاجته) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أو بعض ساعة فقال: صدقت أو بعض ساعة، ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن سلام قال: أي ساعة هي؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هي آخر ساعة من ساعات النهار) . وهنا إشكال وهو أن يقال: إن ما بعد العصر ليس بوقت صلاة وقد قال: (لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي) فاستشكل ذلك عبد الله فقال: (إنها ليست ساعة صلاة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة) . وهو مذهب جمهور الصحابة، فقد روى سعيد بن منصور في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: (أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعوا فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة فما افترقوا إلا وقد اجتمعوا على أنها آخر ساعة بعد العصر) فهذا هو مذهب جمهور الصحابة، وهو نص الإمام أحمد ومذهب جمهور التابعين. إذن: هي ساعة خفيفة تكون بعد العصر من يوم الجمعة وهذا في آخر النهار. قال: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) أي يستحب له في يوم الجمعة أن يكثر الصلاة عليه، بل ذلك مستحب في يوم الجمعة وليلته، فقد ثبت في البيهقي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلته) . والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو إلى فرجة)
أي ينهى الذاهب إلى الجمعة أن يتخطى رقاب الناس، لما ثبت في ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث جابر: (أن رجلاً دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجعل يتخطى الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس فقد آذيت وآنيت) أي أبطات المجيء. وروى الترمذي بإسناد ضعيف فيه رشدين بن سعد وهو ضعيف – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تخطى الرقاب يوم الجمعة فقد اتخذ جسراً إلى جهنم) لكن الحديث إسناده ضعيف. والمشهور عند الحنابلة – وهو مذهب الجمهور أن النهي للكراهية. وذهب ابن المنذر وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب طائفة من الحنابلة: إلى أن التخطي محرم. واستدلوا بالحديث المتقدم فإن فيه الأمر في قوله (اجلس) وظاهر الأمر الوجوب، وفيه قوله " فقد آذيت " وأذية المسلم محرمة، فيستدل بهذا الحديث على تحريم التخطي من وجهين: 1- الأمر بالجلوس. 2- والأذية في قوله " فقد آذيت ". وقد قال صلى الله عليه وسلم – كما في أبي داود وابن خزيمة بإسناد حسن: (ومن لغى أو تخطى رقاب الناس كانت جمعته ظهراً) أي لم يصب ثواب الجمعة وإن كان قد أصاب الصلاة صحيحة، فيثاب ثواب الظهر لا الجمعة. واستثنى المؤلف فقال: (إلا أن يكون إماماً) فالإمام يجوز له ذلك إذا لم يكن له طريق يسلكه فاحتاج إلى تخطي رقاب الناس للرقي على منبره فلا بأس للحاجة. (أو إلى فرجة) : أي يجوز للقادم إلى المسجد إن رأى فرجة في صف يحتاج إلى الوصول إليها إلى أن يتخطى رقاب الناس فيجوز له التخطي حتى يصل إلى هذه الفرجة. قالوا: لأنهم بتركهم الفرجة لم يصح له حرمة في مسألة تخطي الرقاب، فهم الذين فتحوا هذا الباب على أنفسهم، فإنهم قد تركوا فرجة لا يشرع لهم تركها فلم يكن له حرمة من هذا الباب.
وعن الإمام أحمد: أنه ليس له ذلك مطلقاً وإن كانت هناك فرجة، وبيَّن الموفَّق أن هذه الرواية لا تحمل على هذا المذكور وهو أنه ينهى مطلقاً، قال: بل يحمل على ما إذا كان هناك في الصف سعة يمكنه مع ازدحام أهل الصف بعضهم ببعض أن يكون له فرجة يدخل فيها، فحينئذ يكره ذلك. أي يكون في الصف سعة يسيرة لا تسع المصلي، ويمكنه أن يأتي إليها ويتراص الناس فيكون له فرجة، فقال الإمام أحمد في رواية عنه: إنه يكره له التخطي – وحمله الموفق على ذلك – وهذا لا شك أنه أولى، فحمل روايات الإمام أحمد أو غيره من الأئمة على مواضع مختلفة أولى من حملها على موضع واحد يختلف فيه. فحينئذ: الظاهر أن يقال: أن مذهب الإمام أحمد: أنه إذا كانت هناك فرجة تسعه من غير أن يحتاج إلى الناس لتوسعة هذا الموضع ليصلي فيه، فإذا كان الوضع كذلك فإنه يتخطى رقاب الناس إليها، وأما إن لم يكن له فرجة إلا مثل ما يصلي فإنه ليس له أن يتخطى الرقاب، ومن أمامه من المصلين ليس منهم تفريط فإن المصلي عندما يجلس في الموضع قد يحتاج أن يكون الموضع متسعاً له لسماع الخطبة، فإذا أتى أحد من المصلين وسع له وإن كان يحتاج إليه فلم يكن فيه تفريط في هذا. إذن: عن الإمام أحمد روايتان: الأولى: أنه لا يكره أن يتخطى الرقاب إلى فرجة. الثانية: أنه يكره ذلك، وحملها الموفق على الوفاق لا على الخلاف فقال: المراد من ذلك إذا كانت هناك سعة لا يمكنه أن يصلي فيها إلا بأن يزدحم الناس فإنه لا يتخطى الرقاب لكن، هذه الرواية – وهي مذهب الشافعية -: استثنوا فيها تخطي الواحد والاثنين فقالوا: إذا كان هناك موضع يمكنه أن يصلي فيه وهو يحتاج إلى توسيع وتراخي المصلين بعضهم ببعض، فإذا كان يمكنه أن يصل إليه بتخطي رقبة اثنين أو واحد فلا بأس بذلك لأن هذا شيء يسير معفى عنه.
والظاهر أنه النهي مطلق، وأنه لا يعفى عن الواحد والاثنين إلا أن يكون فرجة أو تكون هناك توسعة محتاج إليها. وصورة السعة المحتاج إليها:أن يأتي والمسجد ممتلئ بأهله وليس له موضع يصلي فيه إلا في موضع مشقة كأن يكون في برد أو حر أو نحو ذلك فإنه يجوز له أن يتخطى الرقاب ليصلي إلى صف يزدحم أهله فيكون له فيه فرجة – هذا إذا احتاج إلى ذلك كأن يزدحم المسجد بأهله، أو يكون هناك مواضع لكنه يشق عليه أن يصلي فيها إما لحر شديد أو برد شديد أو نحو ذلك. قال: (وحرم أن يقيم غيره ويجلس مكانه) وذلك لما ثبت في الصحيحين في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا) ؛ وذلك لأنه بسبقه إليه كان أحق به، فلا يجوز أن ينزع هذا الحق منه وقد سبقه إليه غيره. واستثنى من ذلك فقال: (إلا من قدم من صاحباً له أو غلاماً له في موضع بحفظه له) فمثلاً: جلس الابن في موضع مسبق لأبيه، أو سبق أحد من الناس لأحد من أهل الفضل فإذا أتى قام له، قالوا: فيجوز ذلك لأنه قام باختياره، والنهي المتقدم إنما هو نهي أن يقيم غيره من موضع فيقوم من غير رضى. وهذا إنما ينبني على المشهور في المذهب من جواز وضع فراش ونحوه مما تحجز به المواضع، وسيأتي بيان أن هذا لا يجوز وحينئذ: تكون هذه المسألة كذلك، فلا يجوز له أن يقدم صاحباً له أو غير ذلك، فإن الجالس في الموضع إنما يجلس فيه ليستمع وليكون هذا المحل له، أما إذا ذهب بهذا الغرض فإنه – حينئذ – غير ما قاصد الجلوس بنفسه فلا يجوز له ذلك ويكون بالحجز بالفرش ونحوها. فعليه لا يجوز ذلك، لأن هذا حجز لهذا الموضع بغير حق.
قالوا: وكذلك يجوز لأحد من الناس أن يقوم أو يقام له من مجلس، قالوا: فلا بأس بذلك ويجوز له أن يجلس فيه. قالوا: لأنه قام باختياره، والنهي إنما هو أن يقام. قالوا: لكن يكره لأنه إيثار في القرب فهو في مكان فاضل فآثر به غيره، وهذا نوع زهد عن العمل الصالح فتكون مكروها. واحتمل الموفق: أنه لا كراهية في ذلك؛ لأنه من باب تقديم الفاضل، وتقديم الفاضل إلى القربة وإيثاره بالقربة لا بأس به لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) . وما ذكره الموفق ظاهر: إن كان المقوم له من أهل الفضل. ويدل على ذلك: أن عائشة آثرت عمر بن الخطاب في موضعها من بيتها، وقد وضعت لها وموضعاً تقبر فيه، فاستأذنها عمر أن يقبر عند صاحبيه فأذنت له وآثرته في هذه القربة رضي الله عنهما، فهذا من باب الإيثار لمن كان أحق بالشيء وأولى به. قالوا: وأهل الفضل أولى بالدنو من الإمام والقرب منه فكان الإيثار لهم جائزاً. وأما إطلاق ذلك فلا، فإن فيه إيثاراً بالقربة. قال: (وحرم رفع مصلى مفروش ما لم تحضر الصلاة) فإذا حضرت الصلاة فيجوز أن يرفع هذا المصلى، هذا أحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وأنه من وضع فراشاً أو نحوه فلا يجوز رفعه إلا أن تحضر الصلاة. قالوا: لأنه قد سبق بوضع هذا الفراش أو غيره إلى هذا الموضع، ولما يترتب على رفعه من الخصومة أو العداوة والبغضاء. والوجه الثاني: قالوا: بل له رفعه، وقالوا: لأن تركه ذريعة إلى تخطي الرقاب فيتأخر صاحب هذا الموضع الذي حجزه بهذا الشيء ويتعدى أو يتجاوز رقاب الناس.
قالوا: ولأن السبق إنما هو بالأبدان ولا بغيرها من الفراش ونحو ذلك فهذا الموضع موضع مباح من سبق إليه فهو أحق به، والسبق المشروع إنما يكون بالبدن، فإذا ذهب إلى المسجد وتكلف الذهاب في أول الوقت وفوت على نفسه شيئاً من مصالحه أو مراداته أو نحو ذلك وتقدم واشتغل بالعبادة، فكان هذا الموضع على هذه الصفة هو أحق به من غيره. أما إن لم يكن الأمر كذلك بل قدم إليه شيئاً أو حجزه فإنه ليس أحق به – وهذا القول هو الراجح -. وشدد شيخ الإسلام فأصاب بهذه المسألة وأنكرها وبيَّن أن ذلك منه اغتصاب لهذا الموضع وأن ذلك محرم؛ لأن هذا الموضع لمن سبق إليه وكونه يحوطه بشيء أو يحجزه هذا أمر محرم لأنه [لا] يملك هذا الموضع واغتصبه بغير حق والحق أن يسبق إليه ببدنه وإنما سبق إليه بغير بدنه، ومثل ذلك المسألة السابقة فيمن قدم أحداً من الناس لا يقصد هذا الموضع بل يقصد حجزه فالحكم كذلك. إذن لا يجوز حجز المواضع ومن وضع فراشاً فلغيره رفعه بل يجب كما قال شيخ الإسلام رفعه لأنه من باب إنكار المنكر إلا أن يترتب مفسدة أعظم من ذلك فإنه يترك. قال: (ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه قريباً فهو أحق به) كأن يقوم ليتوضأ أو يأتي بحاجة له قريبة، فإذا رجع فهو أحق بهذا الموضع فله أن يقيم غيره من الناس لأنه أحق به. ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) وقال – كما في الترمذي وصححه وهو كما قال -: (الرجل أحق بمجلسه وإن خرج لحاجته ثم عاد فهو أحق بمجلسه) والمراد بالحاجة التي لا تعتبر قاطعة - في العرف – الجلوس، فهي حاجة قريبة كوضوء ونحوه. قال: (ومن دخل والإمام يخطب لا يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما)
وهي تحية المسجد، لقوله صلى الله عليه وسلم – لما دخل رجل المسجد وهو يخطب الناس قال: (أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين) ، وثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فلا يجلس حتى يركع ركعتين وليتجوز فيهما) أي ليخففهما. إذن: يشرع – والراجح كما تقدم: يجب - على الداخل إلى المسجد أن يصلي تحية المسجد وإن كان الإمام يخطب، وإن كان الإمام يخطب فليتجوز فيهما. قال: (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب) لا يجوز لأحد من الناس أن يتكلم والإمام يخطب لقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (إذ قلت لصاحبك: انصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) ، وقال - كما في مسند أحمد بإسناد فيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف -: (الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً، ومن قال له أنصت فليست له جمعة) لكن الحديث ضعيف، لكنه ثابت بهذا اللفظ عن ابن عمر – كما روى ذلك حماد بن سلمة بإسناد قوي – كما قال ذلك الحافظ في الفتح. وأما كونه ليست له جمعة فقد دلت عليه الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم – كما في المسند من حديث علي – وهو شاهد: (ومن لغا فليست له جمعة) ، وقال في حديث آخر – رواه أبو داود وابن خزيمة: (ومن لغا أو تخطى الرقاب كانت جمعته ظهراً) . إذن: يجب الإنصات للخطيب يوم الجمعة، والإنصات هو ترك الكلام والسكوت، بخلاف الاستماع فإنه هو الإصغاء إليه. فالإصغاء إليه مستحب مشروع، وأما الإنصات وهو ترك الكلام فهو فرض وواجب.
أما دليل فرضية الإنصات فقد تقدم. وأما دليل استحباب الاستماع فهو ما ثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها يلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة ولم يؤذ أحداً فهي له كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله يقول: {ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ) . والشاهد قوله: (ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه) فدل على أن من لم يستمع إلى الخطبة واشتغل بدعاء أو صلاة أو نحو ذلك ولم يؤذ أحداً برفع صوته فإن الجمعة تصح منه لكنه تارك للمستحب. وأما الكلام فهو مضاد للإنصات قال تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} " استمعوا " أي أصغوا إليه بآذانكم " وأنصتوا " أي كونوا ساكتين غير متكلمين غير مشتغلين مما يمنع الاستماع. قال: (إلا له أو لمن يكلمه) أي يجوز للخطيب أن يخاطب الناس بما هو خارج عن خطبته لما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم لسليك الغطفاني، وقد دخل يوم الجمعة وهو يخطب قال: (أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين) فقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم غيره من المصلين. ومثل ذلك: الكلام مع الخطيب، فإنه لا يؤثر ولا ينافي الإنصات المتقدم، كما ثبت في الصحيحين عن أنس: (أن رجلاً دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله وهو قائم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السُبل فادع الله يغثنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد رفع يديه: (اللهم أغثنا ثلاثاً) وقد تقدم ما دار بين عثمان وعمر لما تأخر عن الجمعة، فكلام الخطيب والكلام معه لا يفسد الجمعة. قال: (ويجوز قبل الخطبة وبعدها) فقبل الخطبة يجوز الكلام، كأن يتكلم الناس وهو صاعد على المنبر لا بأس بذلك.
ودليل ذلك: ما تقدم من أثر أبي مالك القرظي وفيه: (وإذا تكلم تركنا الكلام) . وكذلك بعد الخطبة وهذا باتفاق أهل العلم، ولأن الأحاديث الواردة قد قيدها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " والإمام يخطب ". ومثل ذلك جلوسه بين الخطبتين فيجوز لأحد أن يكلم غيره أثناء ذلك، لأن النهي إنما ورد في حال كونه يخطب، وأما بين الخطبتين فلا بأس بذلك. وهنا مسائل لم يذكرها المؤلف: الأولى: النهي عن العبث، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – في مسلم: (من مس الحصى فقد لغا) ، وقد تقدم أن من لغا كانت جمعته ظهراً. الثانية: النهي عن الحبوة وهي أن يجلس على أليتيه ناصباً ساقيه وقد وضع على ذلك خيطاً أو يديه. وقد ورد ما يدل على كراهيتها وهو ما ثبت في الترمذي وحسنه وهو كما قال أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب) . فإذاً: قبل الخطبة وبعدها وبين الخطبتين لا بأس بالاحتباء أما أثناء الخطبة فإنه ينهى عن ذلك. وإلى ذلك ذهب ابن المنذر واختاره المجد ابن تيمية والموفق ابن قدامة. وأما المشهور عند الحنابلة وغيرهم فهو مذهب الجمهور: أنه لا بأس بالاحتباء، واستدلوا: بما رواه أبو داود عن يعلى بن شداد قال: (شهدت مع معاوية بيت المقدس فجمع بنا فإذا جُل من في المسجد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرأيتهم محتبين والإمام يخطب) لكن الحديث فيه سليمان بن الزبرقان (1) وهو ضعيف. قالوا: وثبت الأثر عن ابن عمر: (أنه كان يحتبي والإمام يخطب) والسند إليه صحيح، لكن هذا الأثر مخالف بالسنة الصحيحة المتقدمة في كراهية الاحتباء. فإذن الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب مكروهة.
الثالثة – وهي داخلة في الكلام –: هل يجوز له أن ينبه من يخشى عليه هلكة كضرير متعرض لحريق أو نحو ذلك – والإمام يخطب؟ الجواب: يجب عليه ذلك لوجوبه في الصلاة مع أنه مفسد لها، فهو مفسد للصلاة غير مفسد للجمعة، فإذا وجب مع كونه مفسداً للصلاة فيجب من باب أولى مع كونه غير مفسد للجمعة. الرابعة: وهل يجب تشميت العاطس ورد السلام؟ روايتان عن الإمام أحمد: الرواية الأولى: أنه يجوز قياساً على المسألة السابقة. قالوا: فكما أنه يجب عليه أن يتكلم بالكلام الواجب من إنقاذ ضرير ونحوه فكذلك يجب عليه تشميت العاطس ورد السلام؛ لأن تشميت العاطس واجب وكذلك رد السلام. الرواية الثانية وهي مذهب جمهور أهل العلم: أنه ينهى عن ذلك. قالوا: وعندنا قياس أصح من قياسكم، وهو أنه يقاس على النهي عن إنكار المنكر المتصل بالخطبة الذي يفوت إنكاره بتركه، وهو ما إذا تكلم أحد من الناس أثناء الخطبة فإنه ينهى عن أن يقول له أنصت، وهذا من باب إنكار المنكر وهو واجب فكذلك تشميت العاطس ورد السلام. وأما ما ذكرتموه من القياس على المسألة السابقة فبينهما ما هو من الفرق ظاهر فإن هذا واجب هو من الكماليات وإن كان واجباً في الشريعة. أما ذاك فإنه به تحفظ النفوس فلو ضاعت الخطبة على أن ينقذ مسلم لكان ذلك واجباً. أما تشميت العاطس ورد السلام فإنه من المعلوم أنه يترك، فالرجل وهو يبول لا يجب عليه تشميت العاطس ولا يرد السلام كما تقدم في حديث أبي داود: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) . الراجح: أنه لا يشرع له أن يشمت عاطساً ولا أن يرد سلاماً. وهل يشرع أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مع الإمام؟ الجواب: نعم وهو نص الإمام أحمد.
وفرق بينه وبين المسألة السابقة، فإنه إن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فهو خطاب للرب، وأما تشميت العاطس ورد السلام فهو خطاب للآدمي، ولأن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الخطيب لا تؤثر لا في الإنصات الواجب ولا في الاستماع المستحب، وقد تقدم حديث: (ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه) فكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بل هي أولى من ذلك لأنها لا تقتضي انشغالاً عن سماع الخطبة أو الإنصات إليها. ومثل ذلك: التأمين على دعوة الإمام فهو كلام لله عز وجل، ولا يشغله عن الإنصات ولا عن الاستماع المستحب فكان لا بأس به. الخامسة: أن من تكلم يوم الجمعة، فلا بأس أن يشار إليه باليد ونحوها ليسكت. وذلك لما ثبت في حديث معاوية بن الحكم في إشارة الصحابة له عندما تكلم، وإذا ثبت هذا في الصلاة فأولى منه أن يثبت في الخطبة، ولأنه لا يؤثر فيها، ولا في ترك الإنصات الواجب ولا في ترك الاستماع المستحب. وبهذا ننتهي من الكلام على أحكام الجمعة. والحمد لله رب العالمين. انتهى باب صلاة الجمعة. باب صلاة العيدين العيدان: مثنى عيد، من العود وهو التكرار، فكونه يعود ويتكرر في أوقاته السنوية المعلومة سمى عيداً لذلك. وعيدا المسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى. قال المؤلف رحمه الله: (وهي فرض كفاية) وهي: أي صلاة العيدين صلاة عيد الأضحى وصلاة عيد الفطر فرض كفاية، فإذا قام بها بعض المسلمين ممن يظهر بهم هذه الشعيرة فإنه يسقط الإثم عن الباقين مع أنها مستحبة لكل مكلف ومباحة للنساء. هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
وذهب الشافعية والمالكية: إلى أنها سنة مؤكدة، ودليلهم على سنيتها هو مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، ومواظبة الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم عليها، فلذلك هي مشروعة مؤكدة، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تركها منذ شرعت فكانت مؤكدة بذلك. وأما الحنابلة فدليلهم على فرضيتها فرض كفاية، لأنها شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة والقاعدة في الشعيرة الظاهرة كالأذان وغيره أنها واجبة كالجمعة، فهذه أشياء ظاهرة واجبة على المكلفين لكنها ليست واجبة على الأعيان بل على الكفاية عندهم لأن دليلهم فحسب هو أنها شعيرة ظاهرة والشعائر الظاهرة متى قام بها من يكفي في إظهارها وإبرازها، فإن الحكم يسقط عن الباقين فيبقى في حقهم على الاستحباب. وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام: إلى أنها فرض على كل مكلف من الذكور البالغين دون الإناث. واستدلوا على فرضيتها بما ثبت في الصحيحين أن أم عطية حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (أمرنا أن نخرج العواتق والحيض وذوات الخدور في العيدين ليشهدن الخير ودعوة المسلمين. قالت: قلت يا رسول الله: إن إحدانا لا يكون لها جلباباً؟ فقال: لتلبسها أختها من جلبابها) وهذا الدليل – في الحقيقة – لو استدل به الأحناف، فإنه إنما يصح دليلاً على الذكور والإناث جميعاً. ولعل دليلهم قوله تعالى: {فصل لربك وانحر} فإن هذه الآية قد فسرت عند طائفة من المفسرين بأن المراد بها صلاة العيد وهذا في صلاة عيد الأضحى، ومثله الفطر. لكن الصحيح أن هذه الآية: آية فيها أمر من الله بالصلاة أي بإقامتها، وبالنحر أي بأن يكون الذبح لله سواء بالأضاحي أو غيرها، بدليل أن هذه الآية مكية، وأن صلاة العيد لم تشرع إلا في المدينة.
لكن ما ذكره الأحناف من الدليل المتقدم يصح أن يستدل به على ما ذهب إليه طائفة من العلماء: من أن صلاة العيد فرض على كل مكلف ذكراً كان أو أنثى، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر العواتق والحيض وذوات الخدور – في العيدين – أن يشهد الخير ودعوة المسلمين، وبالغ في ذلك حتى أمر من ليس لها جلباب أن تلبسها أختها من جلبابها، وظاهر أمره الإيجاب. ويؤيده ما ثبت في مسند أحمد بإسناد لا بأس به أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واجب على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين) . ويشهد لهذا الحديث أثر موقوف ثابت عن أبي بكر الصديق، فقد ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: (حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين) . وإلى ذلك ذهب طائفة من العلماء، وهو مذهب ابن حزم والصنعاني والشوكاني، واحتمل هذا القول شيخ الإسلام فقال: " وقد يقال بوجوبها على النساء وغيرهم " (1) ، وهذه الأدلة ظاهرة فيما ذكره شيخ الإسلام من هذا القول المحتمل. فالراجح ما ذهب إليه طائفة من السلف وذهب إليه من تقدم ذكرهم واحتمله شيخ الإسلام فهو أظهرها، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بذلك، وإذا ثبت هذا في حكم النساء فهو في حكم الرجال أولى. قال: (إذا تركها أهل بلدٍ قاتلهم الإمام) إذا ترك أهل بلد صلاة العيد فلم يقيموها في بلدتهم وهجروا هذه الشعيرة فإنهم يقاتلون، لدخولهم في القاعدة المتقدم ذكرها من أن القرية أو المدينة التي تخالف شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، فإنها تقاتل، كمن ترك الأذان ونحوه، وقد تقدم الكلام على هذا في باب الأذان. فإذن يقاتلهم الإمام لاجتماعهم على ترك هذه الشعيرة، والجهاد قد أقيم لإقامة الدين أو بعضه، فكما يقاتل من ترك الدين فكذلك يقاتل من أصر على ترك شيء من شعائره الظاهرة.
قال: (ووقتها كصلاة الضحى وآخره الزوال) باتفاق أهل العلم، وأن وقتها كوقت صلاة الضحى ويكون ذلك من طلوع الشمس بارتفاعها قيد رمح إلى زوال الشمس – هذا وقت صلاة العيد -. ودليل هذا: ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن عبد الله بن بُسْر – صاحب النبي صلى الله عليه وسلم – خرج مع الناس في يوم فطر أو أضحى [فأنكر] إبطاء الإمام فقال: (إن كنا- يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم – قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين التسبيح) (1) ، وعند الطبراني وصححه ابن حجر: (وذلك حين تسبيح الضحى) أي حين صلاة الضحى. ومما يدل على أنها ينتهي وقتها بزوال الشمس ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له من الأنصار قال: (جاء ركب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس – أي هلال شوال – فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم) (2) عند الطحاوي: (وذلك بعد زوال الشمس) أي كان إتيانهم وقد زالت الشمس، فلم يصل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد بل أخرها إلى الغد. إذن وقتها بالاتفاق من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح حتى زوال الشمس. قال: (فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده صلوا من الغد) بعده: أي بعد الزوال، ودليله الحديث المتقدم وفيه: (وإذا أصبحوا أن يغدو إلى مصلاهم) .
ومثل ذلك لو علموا قبيل الزوال بحيث لا يمكنهم الاجتماع وعلموا أنهم لو اجتمعوا فإن الصلاة لا يمكن أداؤها إلا وقد زالت الشمس – فإنهم يؤمرون بالخروج من الغد. قال: (وتسن في صحراء) أي يستحب أن تصلي صلاة العيد في الصحراء، فلا يصلي في المساجد لا الجامعة ولا غيرها. ودليله: ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى) (1) واستثنى الحنابلة من ذلك: مكة، فقالوا يستحب لهم أن يصلوا في المسجد المكي. قال الشافعي: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد إلى المصلى بالمدينة وكذلك من بعده وهكذا في سائر البلدان إلا مكة فلم يبلغنا أن أحداً من السلف ممن صلى بهم خرج بهم إلى المصلى. قيل: لعظمة المكان. وفي هذا نظر، والله أعلم.
والذي يظهر لي: أن ذلك لضيق أطرافها، وضيق ممراتها بالجبال بحيث أنه يشق عليهم الخروج إلى مكان يسعهم كما يكون هذا في المدينة ونحوها، وذلك لفضيلة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد خرج عنه وصلى في الصحراء، ولأن المقصد هو إظهار هذه الشعيرة للناس فكان المستحب أن يكون في الصحراء سواء في مكة وفي غيرها، وإنما استثنيت مكة لضيق أطرافها فإن ممراتها ضيقة بالجبال فلما كان كذلك كان المستحب – حينئذ – أن يصلي في المسجد، والله اعلم. قال: (وتقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر) المستحب في صلاة الأضحى أن يبكر بها، فإذا طلعت الشمس وارتفعت قيد رمح صليت الأضحى. وأما الفطر فبالعكس تؤخر شيئاً ما. واستدلوا بتعليل، فقالوا: صلاة عيد الأضحى يعجل بها ويبكر ليتسع الوقت للأضاحي. وبالعكس في صلاة عيد الفطر فأخرت ليتسع الوقت للناس لأداء صدقة الفطر، فإن المستحب في صدقة الفطر أن تخرج قبل صلاة العيد. وهذه المسألة ورد فيها حديث رواه الشافعي ورواه عنه البيهقي وفيه إبراهيم بن يحيى وهو متروك، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كتب إلى عمرو بن حزم أن عجل صلاة الأضحى وأخر صلاة الفطر) لكن الحديث في إسناده متروك، ومع ذلك فإن المسألة لا خلاف بين أهل العلم فيها. قال الموفق: " ولا أعلم فيها خلافاً " (1) . وفي التعليل بأن الأضحى تقدم لأجل الأضاحي، نظر. ولو قيل إنما يستحب تعجيلها لاستحباب تعجيل الصلاة والمبادرة بها، فيكون هذا التعليل لصلاة الأضحى. وأما صلاة الفطر فهو ما ذكروه سابقاً. إذن: ما ذكره أهل العلم ظاهر، أما صلاة الأضحى فتعجل في أول وقتها لاستحباب الصلاة في أول وقتها فإن أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أول وقتها كما تقدم في الكلام في المواقيت، وإنما تؤخر صلاة الفطر ليتسع ذلك للمسلمين فيؤدوا صدقة فطرهم.
قال: (وأكله قبلها) يستحب له أن يأكل قبلها أي قبل صلاة عيد الفطر، وقد ثبت ذلك في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا أراد أن يغدو إلى صلاة الفطر يأكل تمراً) (1) وعن رواية معلقة للبخاري: (يأكلهن وتراً) ووصلها الإمام أحمد بإسناد صحيح. فإن أكل طعاماً آخر فإن ذلك يجزئ عنه لإدراك هذه السنة، لكن المستحب له أن يأكل تمراً. وقد ثبت في الترمذي والحديث حسن وصححه ابن حبان عن بريد بن الحصيب قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) (2) فيستحب للمسلم قبل أن يغدو إلى صلاة عيد الفطر أن يأكل شيئاً والمستحب أن يكون تمراً، والمستحب أن يكون وتراً. وأما في يوم الأضحى فيستحب له أن يطعم بعد الصلاة؛ ليكون ذلك من أضحيته لذا قال: قال: (وعكسه في الأضحى إن ضحى)
وهذا قيد، فإن لم يضحِّ فإنه لا يترتب عليه شيء من السنة سواء أكل قبل الصلاة أو بعدها، فإنما استحب له ذلك ليكون طعامه من أضحيته. قال: (وتكره في الجامع بلا عذر) أي يكره للناس أن يصلوا في المساجد بلا عذر، فإن كان عذر من مطر أو برد شديد لا يتحملون أو يشق عليهم فإنهم يصلون في المساجد، لقوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} . وروى أبو داود بإسناد ضعيف عن أبي هريرة: (أنهم أصابهم يوم عيد مطر فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد) (1) لكن الحديث وإن كان ضعيفاً فإن الآية مقررة لذلك.
فإن لم يكن هناك عذر فالصلاة في المساجد مكروهة بل هي من البدع؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يظهر هذه الشعيرة في المصليات، واتخاذ المساجد لها خلاف السنة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي ... . وإياكم ومحدثات الأمور) (1)
فهذه محدثة في الدين وكل محدثة بدعة. وصلاة العيد كصلاة الجمعة لا تشرع إلا في موضع واحد فيجتمع الناس عامة في موضع واحد. لكن إن كان في ذلك مشقة عليهم فإن لهم أن يزيدوا من المصليات ما يدفع عنهم الحاجة بقدرها كما تقدم في صلاة الجمعة. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويسن تبكير مأموم إليها ماشياً) أي يسن أن يبكر المأموم لصلاة العيد وذلك لفضيلة الدنو من الإمام. (ماشياً) : لما روى الترمذي بإسناد ضعيف لكن له شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن، ولذا حسنه الترمذي عن علي قال: (من السنة أن يخرج إلى العيدين ماشياً) (1) فالمستحب أن يغدو إليها ماشياً سواء كان إماماً أو مأموماً. قال: (بعد الصبح) أي بعد صلاتها، وهنا قيده الحنابلة بأن يكون ذلك بعد الصلاة، وإن كان ظاهر لفظه هنا (بعد الصبح) أي بعد أذانه، ولكنه مقيد عندهم بأن يكون ذلك بعد صلاة الصبح لا قبلها، فلا يستحب أن يذهب قبل صلاة الصبح بل بعدها. وقد ثبت في الدارقطني بإسناد جيد: (أن ابن عمر كان يخرج إلى العيدين من المسجد - أي إذا صلى الصبح - فيكبر حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام) وسيأتي الكلام على التكبير إن شاء الله تعالى. وظاهر قول المؤلف أن المستحب له أن يغدو قبل طلوع الشمس، ولم أر دليلاً يدل على ذلك، وحكى الموفق عن ابن عمر أنه كان يخرج إليها إذا طلعت الشمس، فإن كان ثابتاً عنه فهذا هو المستحب.
فإذن: يستحب للمسلم أن يغدو إليها بحيث يدرك خطبتها وصلاتها، وأما أن يستحب له ذلك بعد صلاة الصبح فإنه يحتاج إلى دليل. وأما ما ثبت عن ابن عمر فليس فيه أنه بعد الصلاة مباشرة بل كان يغدو إليها من المسجد ويحتمل أن يكون هذا بعد ذكره وطلوع الشمس فيكون خروجه من المسجد إلى المصلى. قال: (وتأخر إمام إلى وقت الصلاة) فالإمام لا يستحب له أن يبكر كما يبكر المأمومون، بل المستحب له أن يتأخر فيكون ذهابه إلى المصلى بحيث يكون الوقت المستحب لإقامته للصلاة. ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول ما يبدأ به الصلاة) (1) أي يذهب فيقيمها. قال: (على أحسن هيئة) . فيسن أن يكون الخروج على أحسن هيئة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر المتقدم في رواية عنه: أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (ابتع هذه فالبسها للعيد والوفد) (2) ؛ ولأن الجمعة عيد وهذا عيد فكان المستحب لهما جميعاً التزين باللباس والطيب. وثبت عن ابن عمر من فعله بإسناد جيد عند البيهقي: (أنه كان يلبس في العيد أحسن ثيابه) قال الإمام مالك: " سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد " أي في عيد الفطر وعيد الأضحى وفي الجمعة. قال: (إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه)
لأن هذه الثياب فيها أثر العبادة والنسك فاستحب له أن يغدو إلى المسجد بها. واستثنى بعض الحنابلة الإمام الأعظم، ومثله إمام الصلاة؛ لأنه منظور إليه، فاستُحب ألا يغدو بثياب اعتكافه بل يلبس أحسن ثيابه ويتطيب. - وقال بعض الحنابلة: بل المعتكف كغيره في اللباس من الزينة والطيب، وهو قول القاضي من الحنابلة – وهو القول الراجح – فإنه لا دليل يدل على استحباب ذلك. والأصل هو استحباب التزين والتطيب في العيد وهذا عام للمعتكف وغيره. قال: (ومن شرطها: استيطان وعدد الجمعة لا إذن إمام) أي من شرط العيد: " استيطان " كما تقدم توضيحه في الكلام على صلاة الجمعة. " وعدد الجمعة " ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصح عنه أنه كان يقيم العيد في السفر بل كان لا يقيمها في السفر ولا خلفاؤه من بعده، فدل ذلك على أن العيد يشترط فيها الاستيطان وعدد الجمعة كما يشترط ذلك في الجمعة. ولأن الجمعة عيد فاشترط في العيد ما اشترط في الجمعة، وقد تقدم أن العيد يجزئ عن الجمعة فكان القياس ظاهراً حينئذ، فإن الجمعة عيد وتجزئ عن العيد وكذلك العيد يجزئ عنها، فكان القياس بينهما ظاهر وواضح، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل العيد في سفره ولا خلفاؤه الراشدون من بعده. وقد تقدم البحث في مسألة العدد في باب الجمعة فكذلك العيد. " لا إذن إمام " فلا يشترط أن يأذن الإمام، قياساً على الجمعة فهذه فريضة الله على عباده – وقد تقدم أنها عند الحنابلة فرض كفاية وأن الراجح أنها فرض عين. فهي فرض من فرائض الله فلم يكن للإمام أن يتطرق بعدم الإذن فكان حكم الله فوق حكمه، فلا يرجع إلى إذن الإمام أو عدمه. قال: (ويسن أن يرجع من طريق آخر)
يستحب له أن يكون ذهابه من طريق وإيابه من طريق آخر، وذلك لما ثبت في البخاري عن جابر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم العيد خالف الطريق) (1) . وقد ذكر أهل العلم لذلك عللاً كثيرة منها إظهار شعيرة الله بالذهاب والإياب لأداء هذه الفريضة. ومنها إغاظة المنافقين. ومنها السلام على أهل الطريقين، وغير ذلك. ولا مانع من صحة بعض ما ذكروه من العلل كما أنه لا مانع أن تكون هناك عللاً أخرى، وكما أنه لا مانع أن تكون هذه العلل بمجموعها علة لهذه السنة، فإن السنة النبوية مشتملة على الحكم الكثيرة. قال: (ويصليها ركعتين قبل الخطبة) فصلاة العيد قبل الخطبة، فيبدأ بالصلاة ثم يخطب الناس. فإن من أهم (2) بالخطبة قبل الصلاة لم يعتد بالخطبة وإن كانت الصلاة صحيحة بالاتفاق؛ لأن الخطبة سنة كما سيأتي تقريره فليست شرطاً في صلاة العيد بخلاف الخطبة يوم الجمعة فهي شرط فيها، لكن هذه الخطبة مردودة لأنها لم تقع حيث وضعها الله عز وجل. ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكانوا يصلون قبل الخطبة) (3)
قال: (يكبر في الأولى بعد الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ستاً وفي الثانية قبل القراءة خمساً) يستحب له أن يكبر سبعاً في الركعة الأولى، وخمساً مع الركعة الثانية. والسبع الأولى مع تكبيرة الإحرام، والخمس الأخرى دون تكبيرة الانتقال. ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود، وصححه أحمد والبخاري وابن المديني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التكبير يوم الفطر سبع في الأولى، وفي الآخرة خمس) (1) . وثبت بيانه في أثر ثابت عن ابن عباس عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه: (كان يكبر في العيدين سبعاً في الأولى فيهن تكبيرة الافتتاح ويكبر في الآخرة ستاً مع تكبيرة الانتقال) . وفي قوله: " قبل التعوذ والقراءة "؛ فللرواية المتقدمة وفي آخرها (ويقرأ بعدهما كلتيهما) (2) أي بعد هذا التكبير في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية تكون القراءة. قال: (يرفع يديه مع كل تكبيرة) واستدلوا: بعموم الأدلة، فقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث وفيه: (وكان يرفعهما عند كل ركعة وتكبيرة قبل الركوع حتى تنقضي صلاته) ، فهذا الحديث عام في كل تكبيرة قبل الركوع وأنه يستحب له أن يرفع يديه فيها.
وثبت نحوه في أبي داود من حديث وائل بن حجر بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يرفع يديه مع التكبير) (1) وهذا عام، لذا قال الإمام أحمد – عند هذا الأثر – قال: (أرى أنه يدخل فيه هذا كله) أي يدخل فيه تكبيرات العيد وتكبيرة صلاة الجنازة لعموم هذا الأثر. ورووا عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يرفع يديه في تكبيرات العيد والجنائز، رواه الأثرم كما في كتاب المغنى وغيره ولم أقف على سنده. وقال الموفق: " ولا يعلم له - أي لابن عمر - مخالف من الصحابة "، وهو مذهب الجمهور. وخالف في ذلك بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام مالك، فرأوا أن ذلك لا يشرع لعدم ثبوته نصاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. والراجح ما تقدم؛ لعمومات الأدلة. قال: (ويقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً) . أي يقول ذلك بين التكبيرات في الصلاة، فإذا كبر تكبيرة الإحرام واستفتح قال: " الله أكبر " ثم قال هذا الذكر ثم كبر وهكذا … حتى ينتهي من التكبير، ومثله الركعة الثانية. قال: (وأن أحب قال غير ذلك) لعدم التنصيص عليه، فإنما ذكره لأنه يحصل به ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، فقد روى المحاملي بإسناد جيد: " أن عبد الله بن مسعود كان بين كل تكبيرتين يحمد الله ويثني عليه "، ورواه الأثرم وزاد: (ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم) . واحتج به الإمام أحمد.
فقد ثبت لنا أن ابن مسعود كان يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين من تكبيرات العيد، وما ذكره المؤلف رأى أنه يحصل به ذلك، فلو قال غيره مما يكون فيه حمد وثناء وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما لو قال: " الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، اللهم صلي على محمد " فإنه يحصل به الحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (ثم يقرأ جهراً في الأولى بعد الفاتحة بسبح وبالغاشية في الثانية) لما تقدم من حديث النعمان بن بشير الثابت في مسلم (1) ، ويستحب له أن يقرأ أحياناً ما ثبت في مسلم من حديث أبي واقد الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ في الفطر والأضحى بـ " (ق) واقتربت " (2) . فالمستحب له أن يقرأ هاتين تارة، وأن يقرأ بسبح والغاشية تارة أخرى. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله: (فإذا سلم خطب خطبتين كخطبتي الجمعة) تقدم ما ذكره المؤلف من المسائل في خطبة الجمعة، فما ثبت فيها فهو ثابت في خطبة العيد، ومن ذلك أن خطبة العيد خطبتان، كما ذكر ذلك أهل العلم من الحنابلة والشافعية وأهل الظاهر وغيرهم ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذه المسألة.
ووردت أحاديث تدل على ذلك، منها أحاديث ضعيفة لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك: ما رواه ابن ماجه في سننه عن جابر قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في فطر أو أضحى فخطب قائماً ثم قعد قعدة ثم قام) (1) والحديث فيه أبو بحر وإسماعيل بن مسلم وهي ضعيفان فالحديث إسناده ضعيف جداً. وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: (يكبر الإمام إذا صعد المنبر يوم العيد قبل الخطبة الأولى تسع تكبيرات وقبل الثانية سبع تكبيرات) لكن الحديث مرسل، ومع ذلك فإن عمل أهل العلم على ذلك، ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذه المسألة فتكون المسألة إجماعاً، ويمكن أن يستدل على هذه المسألة: بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (شهدت صلاة الفطر مع نبي الله وأبي بكر وعمر وعثمان كلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب فنزل - أي كان يخطب – نبي الله (أي مما ارتقاه سواء كان ذلك منبراً أو شيئاً عالياً) كأني أنظر إليه يجلس الرجال يشير بيده ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء فقال: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات ….} الآية فقال: أنتن على ذلك؟ فقالت امرأة: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فتصدقن) (2)
والشاهد فيه قوله: (كأني أنظر إليه يجلس الرجال) لما انتهى من الخطبة الأولى وذهب إلى النساء يخطبهن، فدل على أنها خطبة أخرى، وإن كان السنة أن تكون هذه الخطبة الثانية موجهة إلى النساء، ولكن مع ذلك هي خطبة أخرى يجلس لها الرجال أي يستحب للرجال أن يجلسوا لها فتكون هي الخطبة الثانية. * وهل يستحب له إذا قام على المنبر أن يجلس أم يشرع في خطبته من غير جلوس؟ قولان لأهل العلم من الحنابلة وغيرهم: الأول: أنه يستحب له الجلوس كجلوسه يوم الجمعة؛ وذلك ليتراد إليه نفسه ويستريح. 2- الثاني: أنه لا يستحب له ذلك، لأن هذا الجلوس الذي شرع يوم الجمعة إنما هو للأذان بين يديه، فللأذان واستماعه كان المستحب أن يجلس ولا فائدة من القيام حينئذ. وأما العيد فلا يستحب له أذان ولا إقامة كما تقدم في الأذان فكان المستحب له أن يشرع في خطبته من غير جلوس. وهذا أولى؛ فإن ظاهر الأحاديث الواردة في سنته في الخطبة ليس فيها ذكر الجلوس، بل فيها أنه كان يقوم فيخطب، لكن إن جلس محتاجاً إلى ذلك ليستريح ويتراد إليه نفسه فلا بأس بذلك للحاجة. قال: (يستفتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع) هذا هو المستحب عند جمهور العلماء من الحنابلة وغيرهم. قالوا: يستحب أن يفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات متواليات لا يفصل بينها بفاصل من ذكر ولا غيره ويفتتح الثانية بسبع تكبيرات. واستدلوا بالأثر المتقدم الذي رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأخرجه سعيد بن منصور وغيره.
لكن الحديث – كما تقدم – ضعيف مرسل، ولذا اختار شيخ الإسلام وتلميذه إلى أنه يفتتحها بالحمد؛ لأن الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبه كلها الافتتاح بالحمد له، وأما الافتتاح بالتكبير فلم يثبت عنه، وما روي عنه لا يصح ولا يثبت، فكان المستحب له الافتتاح بالحمد له، ولما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما روي عنه والصواب أنه مرسل: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع) (1) ، وروى ابن ماجه في سننه – بإسناد ضعيف – من حديث سعد المؤذن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يكثر من التكبير بين أضعاف خطبة العيد) (2) . قال: (يحثهم في الفطر على الصدقة ويبين لهم ما يُخرجون، ويرغبهم في الأضحى في الأضحية ويبين لهم حكمها) الوارد عنه – عليه الصلاة والسلام – في خطبة العيد في الفطر والأضحى – هو التذكير والوعظ والأمر بالتقوى والحث على طاعة الله عز وجل.
كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (شهدت يوم العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى إلى النساء فوعظهن وذكرهن وقال: تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم) (1) . وأما ما ذكره المؤلف من كون الخطيب يستحب له أن يذكرهم بمسائل الفطر في عيد الفطر، فإن في هذا نظراً؛ لعدم ثبوته أولاً – عن النبي - صلى الله عليه وسلم - –. وثانياً: فوات محله، فإن صدقة الفطر تشرع بل لا تجزئ إلا أن يكون قبل صلاة العيد، فإذا صلى الناس العيد فقد فات وقتها فلم يكن للتنبيه على مسائلها فائدة، بل كان الاشتغال بوعظ الناس وتذكيرهم وأمرهم بالتقوى وحثهم على الطاعة ونهيهم عن المعصية ونحو ذلك أولى من بيان ذلك. - أما الأضحى فإنه قد صح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه قد قال في خطبة كما في الصحيحين من حديث البراء، قال - صلى الله عليه وسلم -: (من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين) (2) . وفي المسند وابن ماجه: (فاستقبلهم وهم جلوس وقال: تصدقوا) (3) فقد أمر الرجال بالصدقة.
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن شيء من أحكام الأضاحي في خطبة في عيد الأضحى ولا شك أن الفائدة واضحة في هذا، فإن الأضاحي إنما تشرع بعد الصلاة فيكون في بيان أحكامها فائدة للمصلين وتعليم لهم. إذن: ما ذكره المؤلف هنا وهو مذهب الحنابلة وغيرهم أن الكلام في خطبة عيد الفطر يكون عن إخراج الفطرة، في هذا نظراً لفوات وقته وعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الكلام عن الأضاحي في خطبة عيد الأضحى فإن محل ذلك لم يفت، والمصلحة مقتضية الكلام على هذا ولثبوته أولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (والتكبيرات الزوائد والذكر بينها والخطبتان سنة) التكبيرات الزوائد: وهي ستة تكبيرات زوائد في الأولى وخمساً في الثانية، فهذه التكبيرات سنة والذكر بينها المروي عن ابن مسعود من ذكر الله وحمده والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم – كذلك سنة –، ولا خلاف بين العلماء في أن ذلك سنة، فلو صلى الإمام ولم يكبر التكبيرات الزوائد فإنه قد ترك سنة ولا يؤثر ذلك في صلاته باتفاق العلماء. (والخطبتان سنة) فإن الصلاة تصح ولو لم يخطب، ولا يجب على الناس من الذكور والإناث أن يستمعوا إلى الخطبة. يدل على ذلك ما ثبت في أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن السائب قال: (شهدت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس [للخطبة] فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب) (1) والحديث إسناده صحيح، وقد اتفق العلماء على القول به. قال: (ويكره التنفل قبل الصلاة وبعدها في موضعها)
أي يكره لمن أتى للعيد أن يتنفل قبل الصلاة وبعدها، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما) (1) . *وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة. قال الإمام أحمد: " الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا يصلون قبلها ولا بعدها ". وروى أبو يعلى الموصلي عن أنس بن مالك والحسن البصري: (أنهما كانا يصليان قبل خروج الإمام) . وروى الطبراني في الكبير عن كعب بن عجرة أنه قال في الصلاة قبل العيد: (بدعة وترك سنة) . فالصحابة ومن بعدهم قد اختلفوا في هذه المسألة. والمشهور في المذهب – خلافاً للشافعية –: أنه لا يصلي قبلها ولا بعدها. والصحيح في هذه المسألة: أنه إن صلى بعدها فحسن – وهو مستحب -، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم – كما ثبت ذلك في ابن ماجه بإسناد حسن كما قال الحافظ وهو كما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئاً فإذا رجع إلى بيته صلى ركعتين) (2) . فإن قيل: قد نفى ذلك ابن عباس في حديثه المتقدم؟ فالجواب: أن المثبت مقدم على النافي، فالمثبت معه علم زائد موجب للإثبات، وأما النافي فليس معه إلا العدم. وأما قبل صلاة العيد فالصحيح أنه لا بأس له أن يصلي إذا طلعت الشمس وارتفعت قيد رمح؛ لأنه لا دليل يمنع من ذلك فيكون ذلك من التطوع المطلق كما يكون ذلك في صلاة الجمعة في سنتها القبلية، لأن هذا وقت جواز للصلاة ولا دليل يدل على المنع.
وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي – كما في حديث ابن عباس –، فإنه كذلك لم يكن يصلي يوم الجمعة قبلها، فيكون ذلك هو المشروع للخطيب، فالخطيب لا يشرع له أن يصلي قبل الجمعة وقبل العيد، وأما الناس فإن ذلك من التطوع المطلق أن يصلي ما كتب له. وقال بعض الحنابلة: يصلي تحية المسجد. وهذا ظاهر فيما إذا كانت صلاة العيد قد أقيمت في مسجد فإن هذا ظاهر، بل القول بوجوبه واضح لوجوب تحية المسجد سواء كان ذلك في وقت نهي أو لا. وأما المصلى فظاهر كلام هذا القائل من الحنابلة: أنه كذلك، وهو قول قوي من إلحاق المصلى بالمسجد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء الحيض: (ويعتزل الحيض المصلى) (1) ، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم المصلى حكم المسجد من وجوب اعتزال الحيض له، فكان كذلك في حكمه ذلك الوقت في تحية المسجد. فالأظهر: أنه إذا أتى صلى ركعتين تحية المسجد، وإذا تأخر الإمام حتى ارتفعت الشمس صلى ما كتب له من الصلوات من باب التطوع المطلق، وعليه فيكون حكم العيد كحكم الجمعة، وهذا ما يدل عليه القياس فإن الجمعة عيد. ويدل على ثبوت هذا القياس ثبوت صلاة الركعتين عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته كما كان يصليها بعد الجمعة في بيته. فعلى ذلك التنفل يوم العيد: أما قبل صلاة العيد فإنه من التنفل المطلق إلا أنه يشرع له أن يصلي تحية المسجد. وأما بعد العيد فيستحب له أن يصلي ركعتين في بيته. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله: (ويسن لمن فاتته أو بعضها قضاؤها على صفتها) " لمن فاتته " أي صلاة العيد. فيسن القضاء لصلاة العيد ويسن أن يكون ذلك على هيئتها وصفتها، فهنا مسألتان:
المسألة الأولى: مشروعية قضاء صلاة العيد، وذكر المؤلف هنا أن ذلك سنة وهذا بناءً على أن صلاة العيد فرض على الكفاية فتكون على أفراد المكلفين على الاستحباب، وما كان مستحباً فإن قضائه مستحب. وعلى القول بأنها فرض عين – كما تقدم ترجيحه – فيجب قضاؤها؛ لأن فعلها واجب فقضاؤها واجب أيضاً وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) (1) . ويترتب الخلاف على ما تقدم في قضاء الصلاة هل يقضي المعذور وغيره، أم القضاء فقط للمعذور؟ وتقدم أن الراجح أن القضاء للمعذورين فقط، وأن غير المعذورين لا قضاء عليهم كما هو اختيار شيخ الإسلام. المسألة الثانية: فهي داخلة تحت القاعدة المشهورة: وهي أن القضاء يحكي الأداء، فمن فاتته صلاة العيد قضاها على هيئتها وصفتها ركعتين يكبر في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً كهيئتها للقاعدة المشهورة: القضاء يحكي الأداء، والأدلة الشرعية تدل على هذه القاعدة. فقوله: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها) الضمير يعود إلى الصلاة المتروكة نفسها فكان قضاؤها يحكي أداءها. وقال ابن مسعود: يقضيها أربعاً، وهو قول لبعض الحنابلة. وقال بعضهم: إن شاء صلى أربعاً وإن شاء صلى ركعتين. وأثر ابن مسعود رضي الله عنه ثابت عنه في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: (من فاتته صلاة العيد فليصل أربعاً) . وأثره مخالف بأثر رواه البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة والبيهقي عن أنس: (أنه قضاها على هيئتها وصفتها) فيخالف الأثران والقياس مع قول أنس.
فإن القياس والنظر يقتضي أن يصلي هذه الصلاة التي هي من باب القضاء على هيئتها في الأداء. وأما أثر ابن مسعود فإن هذا فيما يظهر من باب إلحاق العيد بالجمعة فإن الجمعة عيد، وإذا تركت صليت أربعاً فكذلك العيد. لكن القياس هنا: ضعيف للفارق بين هاتين المسألتين في أن لصلاة الجمعة بدلاً وهو صلاة الظهر، وهو بدل في يومها فإذا فاتت رجع إلى المبدل، وأما صلاة العيد فليس لها بدل أصلي في سائر الأيام وإن كان غير أصلي في ذلك اليوم. إذن: ما ذهب إليه جمهور العلماء أصح وأن صلاة العيد إن تركت صليت على هيئتها وصفتها بتكبيراتها الزوائد ونحو ذلك مما تقدم. (ويسن التكبير المطلق في ليلتي العيد) يريد الفقهاء بالتكبير المطلق، التكبير في غير أدبار الصلوات المكتوبة. وإنما التكبير المقيد هو التكبير المرتبط بأدبار الصلوات، وأما المطلق فهو ما يكبره الشخص في سوقه وممشاه ومجلسه وفي بيته ونحوه. فيسن التكبير المطلق في ليلتي العيدين، ليلة عيد الفطر وليلة عيد الأضحى. أما ليلة عيد الأضحى فستأتي الآثار الدالة على ذلك، وأما عيد الفطر فدليله قوله تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} أي لتكملوا عدة رمضان، ولتكبرون على ما هداكم من صيامه وقيامه ولعلكم تشكرون، فهذه الآية فيها أن التكبير يكون عند تمام عدة الشهر ويكون ذلك من رؤية الهلال، فيكبر من رؤية الهلال أو من ثبوت دخول الشهر الآخر بتمام عدة رمضان، فيكبر الله عند ثبوت رؤية الهلال وليلته تلك وصبيحته حتى يغدو إلى المسجد، وقد تقدم أثر ابن عمر: (أنه كان إذا غدا يوم فطر أو أضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام) . وروى نحوه ابن أبي شيبة عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً إلا أن فيه: (إلى أن يقضي الصلاة) ، ومعلوم أن الإمام يكبر في صلاته.
وله شاهد عند البيهقي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ثابتاً على وجه الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى وجه الوقف عن ابن عمر رضي الله عنه – وهذا مذهب الجمهور –. - وقال المالكية: لا يستحب له إلا عند غدوه بعد طلوع الشمس على خلاف بينهم إذا غدا قبل طلوع الشمس هل يكبر أم لا؟ لكن المقصود: أنهم لا يرون التكبير إلا في يوم العيد. واستدلوا بأثر ابن عمر المتقدم. والظاهر أن الآية عامة فيدخل فيها أثر ابن عمر والتكبير الوارد في الصلاة وفي أضعاف الخطبة، فإن ذلك كله من التكبير الداخل في قوله تعالى: {ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} إذن: المشهور عند الحنابلة: أنه يكبر مع رؤية الهلال وأثناء ليلته تلك وصبيحتها ومن غدوه إلى الصلاة داخلة في ذلك، وما يكون في الخطبة داخل ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه التكبير في الغدو، وشرع التكبير في الصلاة، وكما تقدم عند عامة أهل العلم من التكبير أثناء الخطبة والآية أيضاً تشمل التكبير في ليلته. قال: (وفي فطر آكد) للآية، فإن الله أمر بالتكبير فيه فقال: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ….} حتى ذهب بعض الظاهرية إلى وجوب التكبير، وهو قول قوي من أنه يجب عليه التكبير سواء كان ذلك في تكبيره في الصلاة، المقصود أنه يكبر الله عند تمام عدة رمضان. قال: (وفي كل عشر ذي الحجة) لقوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معلومات} والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة. كما أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، وثبت في البخاري معلقاً: (أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق في أيام عشر ذي الحجة يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما) (1) فهذا الكلام على التكبير المطلق.
قال: (والمقيد عقب كل فريضة في جماعة من صلاة الفجر يوم عرفة، وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق) إذن: يسن التكبير المقيد. أما المحرم فيسن له من صلاة الظهر يوم النحر، وأما غير المحرم فيسن له من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر صلاة من أيام التشريق وهي صلاة العصر، ويكبر بعد العصر ما لم تغب الشمس. ودليل ذلك: الآثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال الإمام أحمد: " الإجماع " أي إجماع الصحابة، عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود، أما أثر عمر فلم أقف عليه. وأما أثر علي فهو ثابت في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: (أنه كان يكبر بعد صلاة الصبح من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ويكبر بعد العصر) . ونحوه عن ابن عباس عند البيهقي. ونحوه عن ابن مسعود عند الحاكم وهي أسانيد صحاح إليهم. وقال ابن تيمية: " هو إجماع من أكابر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - " أ. هـ أما المحرم فإنه يكبر بعد صلاة الظهر من يوم النحر؛ لأنه منشغل قبل ذلك بالتلبية، فإذا صلى الظهر وقد رمى جمرة العقبة ضحى فإنه بعد صلاة الظهر يكون التكبير المقيد. وعليه: فإن رمى - كما يكون هذا للضعفة، إن رمى - قبل الفجر عل قول فيكون قد انتهى من التلبية فإنها تنتهي برمي جمرة العقبة، وحينئذ يكبر بعد صلاة الفجر. فإذن: قالوا بعد صلاة الظهر؛ لأنه هو الوقت الغالب في انتهاء الناس من رمي الجمار فيكبرون لانتهائهم من التلبية وحينئذ يكون انشغالهم بالتكبير. ولكن مع ذلك فالأظهر أنه لا بأس أن يكبر ولا ينكر عليه، بدليل ما ثبت في البخاري وغيره عن أنس قال في غدوهم والنبي صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفة: (يلبي الملبي فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) . فإذن: إن كبر يوم عرفة فلا بأس.
ثم إن التكبير في الحقيقة لا يمنع من التلبية، فإن التلبية مشروعة على الإطلاق، وكونه يكبر بعد الصلوات المكتوبة هذا لا يشغله عن التلبية المشروعة، فإن التلبية ليست مشروعة في كل لحظة من لحظاته. وهنا قال: " في جماعة ": فإذا صلى الصلاة المكتوبة في جماعة كبر، فإن صلاها منفرداً لم يكبر. فالتكبير يشرع عقب الصلاة المكتوبة، لأن الصحابة كانوا يكبرون بعد صلاة الفجر، فكان التكبير مختصاً بالصلوات المكتوبة. قالوا: ويكون ذلك في جماعة – خلافاً لمذهب مالك – فإن صلى المكتوبة منفرداً فإنه لا يكبر. واستدلوا: بأثر رواه ابن المنذر واحتج به أحمد ولم أقف على سنده: أن ابن مسعود قال: (إنما التكبير على من كان في جماعة) ، قالوا: ولا يعلم له مخالف من الصحابة. وهذا قوي في النظر، من باب أن التكبير إنما يشرع الجهر به وإظهاره وذلك إنما يكون بعد الصلوات التي يجتمع عليها الناس فيجتهدون في رفع أصواتهم وتظهر هذه الشعيرة من شعائر الله من التكبير. وأيام التشريق يستحب فيها التكبير المطلق، فقد ثبت في البخاري معلقاً: " أن عمر كان يكبر في قبته بمنى فيسمع أهل المسجد تكبيره فيكبرون، ويكبر أهل السوق حتى ترتج منى "، " وكان ابن عمر يكبر تلك الأيام خلف الصلوات وعلى مجلسه في فسطاطه وممشاه، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكن النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز أيام التشريق) (1) ، وهي الأيام المعدودات التي قال الله فيها: {واذكروا الله في أيام معدودات} . قال: (وإن نسيه قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد) إن نسى التكبير المقيد وهو ما زال دبر الصلاة المكتوبة، فإنه يقضيه؛ لأن السنة لم يفت محلها.
(ما لم يحدث أو يخرج من المسجد) : أما الخروج من المسجد فنعم، فإنه قاطع عرفاً، فإذا خرج من المسجد فإنه يكبر من باب التكبير المطلق، وأما التكبير المقيد فقد فاته لأن السنة قد فات محلها. وأما الحدث، فاختار الموفق: أنه لا يؤثر في ذلك؛ لأن التكبير ليس من شرطه الطهارة. وقال الحنابلة: الذكر تبع للصلاة فكان الحدث قاطعاً، والصحيح خلاف ذلك كما هو اختيار الموفق. قال: (ولا يسن عقب صلاة عيد) أي لا يسن له أن يكبر التكبير المقيد بعد صلاة العيد. - أما عيد الفطر فهذا واضح؛ لأن التكبير المقيد بعد الصلوات المكتوبة لا يشرع في يوم الفطر بل في يوم النحر وفي يوم عرفة وأيام التشريق. أما عيد الفطر فالتكبير فيه تكبير مطلق فلا يكون بعد الصلوات المكتوبة. - وأما عيد النحر فكذلك، فإذا صلى صلاة عيد الأضحى فلا يكبر بعدها. قالوا: لأن الوارد عن الصحابة إنما هو التكبير خلف الصلوات المفروضة، وصلاة العيد ليست من الصلوات المفروضة فلا يكبر بعدها. - وقال بعض الحنابلة، كما هو اختيار الموفق: أنه يكبر بعد صلاة عيد الأضحى؛ قال: لأن صلاة العيد صلاة مفروضة فهي مفروضة على الكفاية – كما تقدم في مذهب الحنابلة – فيسن لها التكبير كغيرها من الصلوات المفروضة. قال: بل هي أولى؛ لأن صلاة العيد مختصة بذلك اليوم، والتكبير مختص بالعيد فكانت أحق من غيرها بالتكبير لاختصاصها بيوم العيد – وما ذكره أظهر –. فالمستحب له أن يكبر بعد صلاة عيد الأضحى؛ لأنها صلاة مفروضة كسائر الصلوات المفروضة. قال: (وصفته شفعاً: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) " شفعاً " أي لا يثلث. وهكذا ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة أنه كان يقول في تكبيره: (الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) .
واختار الشافعية أنه يثلث، فيقول: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد) لثبوت ذلك عن ابن عباس كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح. وكلا الصفتين ثابتتان عن هذين الصحابيين فأي منهما فعل فهو حسن. قالوا: وتجوز التهنئة يوم العيد، وقد ثبت ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره الإمام أحمد وذكره ابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي عن أبي أمامة وغيره من الصحابة أنهم كانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض: (تقبل الله منا ومنك) ، قال الإمام أحمد: وإسناده جيد. وإن هنأ بما يتعارف عليه الناس من الألفاظ فلا بأس، فإن هذه من مسائل العادات ولا حرج في مثل ذلك. والحمد لله رب العالمين. انتهى باب العيدين باب صلاة الكسوف صلاة الكسوف من الصلوات المشروعة بإجماع أهل العلم. والكسوف والخسوف: يطلقان على الشمس والقمر إذا ذهب نورهما واسود، فيقال في الشمس أو القمر: انكسفت أو انخسفت، فإذا ذهب ضوؤهما أو شيء منه يقال ذلك، وإن كان الغالب أن يطلق الكسوف على الشمس، والخسوف على القمر، ولكن مع ذلك فإن الخسوف يطلق على الشمس كما صحت بذلك الأدلة كما ثبت في قول عائشة: (انخسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم) . قال المؤلف رحمه الله: (تسن) أي يسن صلاة الكسوف، وهذا مذهب جماهير أهل العلم حتى حكاه النووي وابن الوزير إجماعاً – أي أنها سنة مؤكدة -. - وذهب طائفة من العلماء إلى وجوبها، وقد صرح به أبو عوانة صاحب المستخرج على صحيح مسلم فقال: (باب: وجوب صلاة الكسوف) ومال إليه الشوكاني والصنعاني.
قال الشوكاني: " والظاهر الوجوب إلا أن يصح الإجماع وإلا فلا صارف) أي ما ورد من الأوامر من النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين بإقامة الصلاة يوم تكسف الشمس أو القمر أوامر ظاهرها الوجوب لا صارف لها إلا أن يصح الإجماع المذكور، ومعلوم ما في حكاية الإجماع من التعسر. فعلى ذلك القول بوجوبها قول قوي، فقد قال صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين – من حديث المغيرة قال: (انكسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم فقال الناس: انكسفت الشمس بموت إبراهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف) ، وفي رواية للبخاري: (حتى يتجلى) . فظاهر الأمر هو الوجوب فيتوجه ويقوي القول بوجوب ذلك إلا أن يثبت الإجماع، وفي إثباته – كما تقدم - عسر، فإن عامة ما مع من يذكر الإجماع عدم معرفة الخلاف بين العلماء، ومعلوم أن التفريق بالتلفظ بالسنية والإيجاب قليل عند السلف الصالح، فإنهم يقولون بالسنية ويريدون بذلك – كما هو مشهور من أقوالهم – الإيجاب. وأما التفريق فهذا في المتأخرين أكثر منه في المتقدمين، والمقصود من ذلك أن حكاية الإجماع المتقدم فيها شيء من الصعوبة، فالقول بالإيجاب قول قوي وهو الذي يقتضيه المعنى، فإن هذه حال شديدة حيث كسفت الشمس أو خسف القمر وهما ما هما من نعم الله اللذان يقوم بهما مصالح العباد في حياتهم الدنيوية، فلا شك أن عليهم أن يلجؤوا إلى الله بالدعاء والصلاة وغير ذلك لرفع ما فيهم، وقد يكون ذلك من باب العقوبة فناسب أن يقبلوا إلى الله ويلجؤوا إليه ويسألوه كشف ورفع ما هم فيه مما قد يكون عقوبة من الله عز وجل. قال: (جماعة وفرادى) يسن صلاة الكسوف للمنفرد في بيته، وللجماعة في المسجد.
أما كونها تشرع جماعة في المسجد فهذا ظاهر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (انكسفت الشمس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد وصف الناس وراءه) وفيه أن صلاة الكسوف تشرع في المساجد لا في المصليات. وأما إقامتها فرادى فلإطلاقات الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: (فادعوا الله وصلوا) ، وقوله: (وصلوا) لفظ مطلق يشمل الأمر بالصلاة على هيئة الجماعة أو على هيئة الانفراد. قالوا: لكن الأفضل أن يصلي جماعة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم. والأظهر على القول بوجوب صلاة الكسوف أن يقال بوجوب صلاتها جماعة وإن صحت فرادى، لأنها من الواجبات فأشبهت صلاة الفريضة، فكما أن الفريضة يجب أن تقام في الجماعة فكذلك صلاة الكسوف يجب أن تقام في الجماعة. كما أنه يشرع حضور النساء لها، فقد ثبت حضور عائشة وأسماء بنت أبي بكر، لها كما ثبت في الصحيحين، فقد صليتا مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (إذا كسف أحد النيرين) الشمس أو القمر. فإن قيل: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه صلى في كسوف الشمس فما هو الدليل الدال على صلاتها عند خسوف القمر؟ فالجواب: أنه قد ثبت في نص قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا) أي رأيتم إنكسافهما. قال: (ركعتين) لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف بقراءته فصلى أربع ركعات " أي ركوعات " في ركعتين وأربع سجدات) . فصلاة الكسوف ركعتان بأربع ركوعات وأربع سجودات. قال: (يقرأ في الأولى جهراً) . لحديث عائشة المتقدم وفيه: (جهر النبي صلى الله عليه وسلم بقراءته في صلاة الكسوف) فهذا يدل على أن المستحب هو الجهر.
فإن قيل: فما الجواب عن قول ابن عباس في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال – رضي الله عنه -: (انخسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فصلى فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة) فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر لصرح رضي الله عنه بقراءته ولما قال: (نحواً من قراءة سورة البقرة) ؟ فالجواب على ذلك: أن قول ابن عباس لا يعارض بحديث عائشة، فإن غاية قوله هو نفي الجهر وأن كان ليس صريحاً في ذلك فغايته عدم سماعه لجهر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعائشة قد أثبتت جهره، والمثبت مقدم على النافي ويحتمل أن ابن عباس لبعده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ذلك. ومعلوم أنه لم يكن من كبار الصحابة بل قد توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ناهز الاحتلام، فلعل هذه الصلاة في سنه العاشرة أو الحادية عشر فربما كان في أواخر الناس فلم يكن يتبين قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أما عائشة فقد صرحت بإثبات الجهر. فعلى ذلك يستحب الجهر سواء كانت الصلاة لكسوف الشمس أو لخسوف القمر فإن الحديث المتقدم حديث عائشة في صلاة كسوف الشمس وهي في النهار فإذا كان ذلك في النهار الذي الأصل فيه أن تكون القراءة سرية فأولى من ذلك صلاة كسوف القمر الذي يكون ليلاً. قال: (يقرأ في الأولى جهراً بعد الفاتحة سورة طويلة) كما تقدم عن ابن عباس نحواً من سورة البقرة، وهذا على الاستحباب. قال: (ثم يركع ركوعاً طويلاً ثم يرفع ويسمع ويحمد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع فيطيل وهو دون الأول، ثم يرفع ثم يسجد سجدتين طويلتين ثم يصلي الثانية كالأولى لكن دونها في كل ما يفعل، ثم يتشهد ويسلِّم)
دل على هذه الصفة ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (انخسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فصلى فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد " ثم رفع ثم سجد " ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم ركع - هنا حذف أي ثم قام قياماً فإنه لابد بعد الركوع من قيام ليثبت الركوع الثاني فإنه لا يمكن أن يكون الركوع الثاني إلا بعد قيام - ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت الشمس فخطب الناس) . وقد ذكر المؤلف هنا: أنه يسمع ويحمد بعد رفعه من كل ركوع وهو ثابت في حديث عائشة في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم (بعد ركوعه الأول والثاني من كل ركعة قال: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) . وذكر المؤلف – هنا – أن سجوده سجود طويل وهذا وإن لم يثبت في حديث ابن عباس فهو ثابت في حديث عائشة في صحيح مسلم وفيه: (ثم سجد سجوداً طويلاً) . وثبت في أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفيه: (ثم سجد فلم يكد يرفع) (1) ، وهذا هو الذي تقتضيه سنته - صلى الله عليه وسلم – من كون قيامه فركوعه فرفعه من الركوع فسجوده فجلوسه بين السجدتين فانصرافه قريباً من السواء – كما في الصحيحين من حديث البراء، فناسب أن يكون سجوده طويلاً كطول قيامه أي بالمناسبة، فليس المقصود أنه يكون كقيامه بالقدر، لكن المراد بالمناسبة: فكما أنه أطال القيام على خلاف العادة فإنه يطيل السجود على خلاف العادة، لكن يكون ذلك بالتناسب والاعتدال.
إذن: يطيل السجود أيضاً السجدتين الأولى والثانية إلا أن سجدته الثانية تكون أخف من السجدة الأولى، وسجدتاه في الركعة الثانية تكون أخف من سجدتيه في الركعة الأولى. فهذه صفة صلاة الكسوف الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك صفات أخر وردت في السنة سيأتي الكلام عليها في الدرس القادم. قال: (فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة) . لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (فادع الله وصلوا حتى تنكشف) فظاهره أن الانكشاف غاية لهذه الصلاة وأن المستحب له إذا انكشفت أو تجلت أن يخفف الصلاة فيتمها خفيفة. فإن انصرف من صلاته ولم يتجلى الشمس أو القمر بعد فيستحب له أن يكثر من الدعاء والذكر والصدقة، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: (فافزعوا إلي ذكر الله ودعائه واستغفاره) وتقدم في الحديث المتفق عليه: (فادعوا الله وصلوا) ، وفي ابن خزيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر بالصلاة والصدقة) ، وفي أبي داود وذكره البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر بالعتاق) أي أن تعتق الرقاب. فإذن: إذا انتهوا من الصلاة ولم تتجلى الشمس بعد أو لم يزل الخسوف فإنهم ينشغلون بالدعاء والذكر وقراءة القرآن وغير ذلك مما تقدم من الصدقة وعتق الرقاب مما هو سبب لإطفاء غضب الرب وإزالة ما وقع من الكسوف أو الخسوف. * وهل له أن يشتغل بالصلاة أم لا؟ قولان لأهل العلم: 1 - فالمشهور عند الحنابلة وغيرهم: أن صلاة الكسوف لا تعاد فإذا انصرفوا ولم تتجلى الشمس فليس لهم أن يعيدوها. 2- قال بعض الحنابلة: بل لهم ذلك. وهذا فيما يظهر لي – قوي – فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة فيشمل أن يصلي هاتين الركعتين أو غيرها من الركعات فقد أمر بالصلاة حتى يتجلى.
وقد انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلته المتقدمة وقد انجلت الشمس فلا يصح أن يكون هذا دليلاً على منع الاستمرار بالصلاة والإكثار منها. وهنا قد أمر في هذا الحديث بالصلاة والدعاء حتى تتجلى أو تنكشف. والأظهر أنه لا مانع من أن يصلي وإن شاء أن يدعو ويذكر الله ويشتغل بالصدقة ونحو ذلك فهذا أيضاً حسن. وهل يقضي صلاة الكسوف؟ قال أهل العلم: لا يقضي، ذلك لأنها عبادة قد فات محلها، فمحلها ما دامت الشمس خاسفة أو القمر، فإذا زال هذا الخسوف فإن محلها قد فات فلا تشرع كصلاة الاستسقاء وكتحية المسجد وغيرها من العبادات التي تشرع على حال فإذا ذهبت هذه الحال لم تشرع هذه الصلاة. * وينادي لها بـ " الصلاة جامعة "؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو قال: (انخسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنودي بالصلاة جامعة) ولا يشرع لها أذان ولا إقامة. مسألة: بماذا تدرك الركعة الأولى من صلاة الكسوف، بالركوع الأول أما بالركوع الثاني؟ الظاهر أنها تدرك بالركوع الثاني، لأنه هو الركوع الأصلي، فإن الركوع الأصلي في الصلاة ما يَعْقبه الرفع الذي فيه التحميد الذي يتبعه السجود. بخلاف الركوع الأول فهو طارئ فهو مسبوق بقراءة وملحوق بقراءة، فهو ركوع طارئ في هذه الصلاة فإذا أدرك الركوع الثاني فإنه يدرك بذلك الركعة. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت والقمر خاسف ... لم يصل) إذا غابت الشمس وهي كاسفة، أو طلعت الشمس والقمر خاسف فإنه لا يصلي الكسوف. ومثل ذلك: لو شرعوا في الصلاة وقد خسف القمر وطلعت الشمس أو كسفت الشمس وغابت فمثل ذلك فيكون في حكم الانجلاء فحينئذ يتموها خفيفة.
وذلك لأن وقت الانتفاع بهما – أي بالشمس والقمر – هو الليل للقمر والنهار للشمس، فإذا خرج النهار تصاب الشمس ومثل ذلك طلوع الشمس قليل فإنه حينئذ يذهب وقت الانتفاع بهما – هكذا علل الفقهاء –. ويستدل له بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى يتجلى) وقوله: (حتى تنكشف) وغياب الشمس وكذلك القمر هو في حكم الانجلاء لأنه لا يمكن أن يكون الانجلاء غاية وقد غابت الشمس فحينئذ لا يكون للصلاة مدى أو نهاية إلا نهاية طويلة قد لا تتضح إلا بعد ساعات طويلة وهذا متعذر لا يعلق الشرع بمثله. قالوا - والقول هنا لفقهاء الحنابلة ومن وافقهم -: وكذلك إذا طلع الفجر والقمر خاسف فإنهم لا يصلون صلاة الكسوف، وإن كانوا قد شرعوا فيها فإنهم يتمونها خفيفة. قالوا: لأن طلوع الفجر ينهى فيه عن الصلاة النافلة فهو وقت نهي – كما هو المشهور في المذهب –. وعند جمهور العلماء: وقت النهي يبدأ من بعد الصلاة، والراجح كما تقدم أنه يدخل بطلوع الفجر. ولكن مع ذلك فإن الصحيح ما ذهب إليه الشافعية، فقد قالوا: إن الصلوات ذات الأسباب تصلي في أوقات النهي ومن ذلك صلاة الكسوف؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم هنا: (فإذا رأيتموهما فادع الله وصلوا) وتقدم البحث هناك في حكم الصلاة في أوقات النهي ومن ذلك صلاة الكسوف فإنها من ذوات الأسباب فتصلي في أوقات النهي. إذن الحنابلة ومثل ذلك من ذهب إلى مذهبهم: أن صلاة الكسوف لا تصلى في وقت النهي، قالوا: فإذا طلع الفجر – وهذا القول للحنابلة – أو صليت الفجر – وهو قول الجمهور – فإنهم لا يصلون صلاة الكسوف؛ لأن الوقت وقت نهي وإن كان الانتفاع موجود، فإن الانتفاع يبقى بالفجر وإن طلع الفجر فإنه يضيء في ذلك الوقت، لكن الأمر لمتعلق آخر وهو وقت النهي.
إذن المشهور عند الحنابلة أن صلاة الكسوف لا تصلى في أوقات النهي وحينئذ فيدعون الله ويذكرونه ويتصدقون ويكبرون فلا يصلون وإنما يشتغلون بالذكر والدعاء والصدقة والعتق ونحو ذلك من الأعمال التي تقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها ومشروعيتها في يوم كسوف الشمس أو ليلة خسوف القمر، والراجح ما تقدم. قال: (أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل) إذا كانت هناك آية من الآيات العظام كنزول صواعق أو كثرة خسف أو سقوط شيء من الكواكب على هيئة ظاهرة مخوفة فهل يشرع لهم أن يصلوا؟ قالوا: لا يشرع لهم أن يصلوا باستثناء الزلزلة، لثبوت الأثر عن ابن عباس فيها، فقد صح في البيهقي عنه: (أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات) أي صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات، صح عنه ذلك في البيهقي بإسناد صحيح، ورواه ابن أبي شيبة بلفظ " صلى بهم " أي صلى بهم جماعة وذلك في البصرة، وقد صلى ركعتين وقال: (هكذا صلاة الآيات) . وذهب المالكية والشافعية: إلى أنه لا يشرع مطلقاً لا في الزلزلة ولا في غيرها؛ قالوا: لأنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن خلفائه الراشدين أن صلوا في آية من الآيات لا في زلزلة ولا في غيرها. وقال الأحناف: بل يصلي في كل آية، فكل آية من الآيات التي تشابه كسوف الشمس أو خسوف القمر، ومثل ذلك نزول الصواعق والزلازل ونحو ذلك من الآيات العظام التي يخوف الله بها عباده، قالوا: فإنه يصلي. واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده) . قالوا: ومثل ذلك في الزلزلة ونحوها من الآيات فإن فيها تخويفاً من الله عز وجل، والأصل أن يتعدى الحكم، فما دام المعنى الموجود في خسوف الشمس والقمر موجوداً في الزلزلة والصواعق ونحوها من الآيات العظام المخوفة فإن الحكم يثبت – وهذا قياس ظاهر –.
قالوا: ولأن ابن عباس قال: (هكذا صلاة الآيات) وهذا عام، فكما أن الحنابلة استدلوا به على الزلزلة فينبغي أن يستدلوا به على عموم الآيات. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول ظاهر. ثم إنا لا نقطع بحدوث آيات عظام كالزلازل ونحوها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد خلفائه الراشدين فلم يبلغنا وقوع مثل هذه الآيات العظام، وثبت لنا هذا القول من ابن عباس ومن صلاته ولم يعلم له مخالف. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخوف الله بهما عباده) ، فالأظهر ما اختاره شيخ الإسلام وأن هذه الصلاة المتقدم ذكرها لا تختص بخسوف القمر أو الشمس وإنما يتعدى ذلك إلى سائر الآيات كالزلازل والصواعق ونحوها من الآيات العظام التي فيها تخويف من الله لعباده، والله أعلم. وإن صلاها كما ذكر ابن عباس، أو كصفة صلاة الكسوف فلا بأس. قال: (وإن أتى في [كل] ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز) تقدم حديث ابن عباس المتفق عليه وحديث عائشة وفيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الكسوف ركعتين في كل ركعة ركوعان، وهنا قال المؤلف " أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز " له ذلك. ومثل ذلك لو صلاها على هيئة التطوع فصلاها ركعتين كل ركعة فيها ركوع واحد. واستدلوا بأحاديث وردت بهذه الصفات. فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم – من حديث جابر -: (صلى في الخسوف ست ركعات في أربع سجدات) أي في كل ركعة ثلاث ركوعات. وفي مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى ثماني ركعات في أربع سجدات) . وفي أبي داود من حديث أبي بن كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عشر ركعات في أربع سجدات وفي أبي داود من حديث النعمان بن بشير وعبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاها ركعتين كهيئة التطوع) .
قالوا: فهذه الأحاديث تدل على جواز ذلك وأنه يجوز له أن يصلي على خلاف الصفة المتقدمة، بل له أن يصلي في كل ركعة ثلاث ركوعات أو أربع أو خمس أو يكتفي بركوع واحد. - وذهب إسحاق بن راهويه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه واستحسنه ابن المنذر وغيره من أهل العلم، قالوا: بل المشروع له أن يصلي في كل ركعة ركوعين ولم يصححوا الأحاديث التي تقدم ذكرها، ورأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف في عصره إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم فصلى بالناس ركعتين وفي كل ركعة ركوعان، وهذا القول هو القول الراجح. أما ما ذكروه من الأحاديث فإنها أحاديث ضعيفة. أما ما رواه مسلم من حديث ابن عباس وجابر، فإن أحاديث مسلم لا شك أن أهل العلم قد اتفقوا على تصحيحها، لكن يستثنى من ذلك اليسير الذي خالفه فيها الأئمة الكبار كأحمد والبخاري وغيرهم، وحذاق أهل العلم ممن كان لهم بصيرة في هذا العلم، فكان لهم مخالفة في أحاديث من أحاديث مسلم، وفي أحاديث أقل منها في صحيح البخاري، والواجب على طالب العلم أن يصحح كل ما ثبت في صحيح مسلم إلا تلك الأحاديث التي انتقدها الأئمة النقاد أو بعضهم، فله مجال بتصحيحها أو القول بتضعيفها فلا تكون من الأحاديث التي تلقت بالقبول واتفق الحفاظ على تصحيحها، ومن ذلك هذان الحديثان " حديث ابن عباس وحديث جابر " فقد قال شيخ الإسلام: " وأما حذاق الأئمة فقد رأوا أنه غلط " يعني رواية ابن عباس ورواية جابر " ورأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف إلا مرة يوم مات إبراهيم. وقال ابن القيم: " وكبار الأئمة لا يصححونه " يعني بذلك حديث ابن عباس ومثله في الحكم حديث جابر.
وحديث ابن عباس من رواية: حبيب بن أبي ثابت عن طاووس عن ابن عباس، وحبيب بن أبي ثابت مدلس، لكن تدليسه في صحيح مسلم محمول على السماع عند الأئمة إلا مثل هذا الحديث الذي قد اختلف فيه فإنه يصح أن يعلل بهذا التدليس بخلاف غيره من الأحاديث التي لم ينتقدها الحفاظ فإنها محمولة على السماع. وأما حديث جابر فهو من رواية عبد الملك بن سليمان عن عطاء عن جابر، وعبد الملك بن سليمان وإن كانت أحاديثه كلها صحيحة في مسلم لكن في حفظه شيء من الضعف وإذا خولف تبين أنه قد أخطأ في هذا الحديث، وهنا كذلك فقد روى هذا الحديث هشام الدستوائى عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: (أربع ركعات في ركعتين) ورواية هشام هي الموافقة للأحاديث المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كحديث ابن عباس المتفق عليه المتقدم وغيره كحديث عائشة. وحديث ابن عباس المتقدم، المحفوظ أيضاً عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما صلى أربع ركعات) كما في الحديث المتفق عليه. بل قد ورد هذا من أكثر من طريق عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى أربع ركعات في ركعتين) . فعلى ذلك هذان الحديثان في مسلم معللان عند أهل العلم، والصواب مع من عللهما. أما حديث أبي بن كعب في أبي داود: فإن فيه أبا جعفر الرازي وهو ضعيف الحديث. وأما حديث النعمان بن بشير وعبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عمرو في سنن أبي داود التي فيها أنه كان يصلي الخسوف كهيئة التطوع. فحديث النعمان بن بشير مضطرب سنداً ومتناً، وحديث عبد الرحمن بن سمره فيه جهالة، وحديث عبد الله بن عمرو إسناده صحيح لكنه مخالف للمحفوظ عن ابن عمرو رضي الله عنه، فإن الثابت عنه من غير ما طريق عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصل إلا أربع ركعات. فعلى ذلك يترجح لنا القول الثاني من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصح عنه في صلاة الكسوف إلا صلاة أربع ركوعات في ركعتين.
مسألة: هل يشرع بعد صلاة الكسوف الخطبة؟ لم يذكرها المؤلف هنا، وذلك لأن المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الجمهور: أن الخطبة لا تشرع. وذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار طائفة من أصحابه كالقاضي وابن حامد وغيرهما: أن الخطبة مشروعة وأنه يشرع له أن يخطب فيها خطبتين كالجمعة. والقول الثالث، وهو قول لبعض الحنابلة: أنه يشرع له أن يخطب لكن خطبة واحدة. والقول الأخير هو أصحها، وذلك لصحة الأحاديث الواردة أولاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب، فقد تقدم حديث ابن عباس وفيه: (ثم انصرف وقد انجلت الشمس فخطب الناس) متفق عليه، وفي الصحيحين عن عائشة قالت: (وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم وقد انجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم من ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) . وثبت أيضاً في الصحيحين من حديث أسماء وفيه: (أما بعد فإني قد رأيت في مقامي هذا ما لم أكن قد رأيته، حتى الجنة والنار، وأنه قد أوحى إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال، يؤتى الرجل فيقال له: ما علمك بهذا الرجل، فأما المؤمن أو الموقن (1) - والشك من الراوي عن أسماء – فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له: نم صالحاً قد علمنا أن كنت لموقناً، وأما المنافق أو المرتاب – والشك من الراوي – فيقول: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) ، فهذا الحديث شيء من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الكسوف.
فإذن هذه حجة ظاهرة في أنه قد خطب عليه الصلاة والسلام. وأجاب عنه الحنابلة: بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خطب ليعلمهم حكم صلاة الكسوف ونحو ذلك. لكن هذا الجواب ضعيف فإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خطب في عيد الأضحى في الأضاحي ولم يقل بعدم مشروعيتها لكلامه في الأضاحي، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكّر الناس ووعظهم – كما تقدم في الخطب السابقة عنه، ثم إن الحاجة إلى بيان حكمها يحتاج إليها مطلقاً من النبي صلى الله عليه وسلم وغيره. فإذن الصحيح هو مشروعيتها، لكن الأحاديث المتقدمة لا تدل على ما ذهب إليه الشافعية من أنه يشرع لها خطبتان وإنما ظاهرها أنها خطبة واحدة، وهذا ما ذهب إليه بعض الحنابلة وهو القول الراجح. وهذه الخطبة ليست شرطاً في صحة الصلاة، كما أن حضورها سنة كما تقدم في الكلام على خطبة العيد؛ وذلك لأن ليس فيها إلا مجرد فعله – عليه الصلاة والسلام – ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب. مسألة: إذا اجتمع صلاة كسوف وشيء آخر كصلاة عيد أو مكتوبة أو نحو ذلك؟ إذا خشي فوات إحداهما فإنها تقدم على ما لم يخش فواته. مثلاً: إذا لم يعلم بثبوت العيد إلا في الضحى الكبير وخشي إن اشتغلوا بصلاة الكسوف أن تفوتهم صلاة العيد وظنوا تأخر الكسوف، فحينئذ يشتغلون بصلاة العيد لخشية فواتها. مثال آخر: إن كسفت الشمس وحضرت صلاة مكتوبة فخشوا إن اشتغلوا بالصلاة المكتوبة أن يفوت الكسوف مع أن وقت هذه الصلاة موسع، فحينئذ: يشتغلون بصلاة الكسوف. أما إذا خشي فوات الجميع فإنهم يقدمون أوجبهما، وإن لم نقل بوجوب صلاة الكسوف فإنه يقال: يقدم أوكدهما. والحمد لله رب العالمين ا انتهى باب صلاة الكسوف باب: صلاة الاستسقاء الاستسقاء هو طلب السقي أي بنزول المطر ونحوه. فصلاة الاستسقاء هي الصلاة المشروعة لطلب السقي من الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (إذا أجدبت الأرض وقحط المطر صلوها)
" قحط المطر " أي احتبس، والجدب هو ضد الخصب. فالجدب هو أن تمحل الأرض فلا تنبت، أو تنبت الشيء اليسير الذي لا تقوم به حاجة العباد. وقحط المطر هو احتباسه. ومثل ذلك: إن غاض شيء من الأنهار أو شيء من العيون أو نحوها التي تقوم بحاجة الناس من الماء الذي به حياتهم. " صلوها " أي صلوا صلاة الاستسقاء. ويدل على ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقى فتوجه إلى القبلة يدعو ثم حول رداءه وصلى ركعتين) ولذلك غيره من الأحاديث. قال: (صلوها جماعة وفرادى) أي لهم أن يصلوها فرادى في البيوت، ولهم أن يصلوها جماعة، والأفضل عند جمهور العلماء أن يصلوها جماعة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنما صلاها جماعة. إذن: المستحب والمشروع له أن يصليها جماعة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن صلوا فرادى فلا بأس. قال: (وصفتها في موضعها وأحكامها كعيد) أي صفة صلاة الاستسقاء أي هيئتها وكيفيتها، وموضعها الذي تصلي فيه، كصلاة العيد.
أما موضعها فهو المصلى، فالمستحب أن تصلى صلاة الاستسقاء في المصلى، ويدل على ذلك: ما ثبت في أبي داود بإسناد جيد عن عائشة قالت: (شكي الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه مخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر رسول الله وحمد الله ثم قال: (إنكم شكوتم جدب دياركم وإن الله أمركم أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم،ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلته علينا قوة وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه فلم يزل حتى رئي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه، ثم حول إلى الناس وجهه ونزل فصلى ركعتين، فأنشاء الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت) . وأما كون هيئتها كهيئة صلاة العيد أي بالتكبير سبعاً في الأولى مع تكبيرة الإحرام، وخمساً في الثانية دون تكبيرة الانتقال، وأن يجهر فيها بالقراءة وأن يقرأ بسبح والغاشية ونحوها مما ورد في صلاة العيد، فيدل عليه: ما ثبت عند الخمسة ورواه الترمذي وصححه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، والحديث حسن عن ابن عباس قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه) والشاهد قوله: (فصلى ركعتين كما يصلي في العيد) أي كهيئة صلاة العيد من التكبير والجهر في القراءة وغيرها. وأما الجهر بالقراءة فقد ثبت في حديث عبد الله زيد بن عاصم – المتقدم – فقد قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي ….. وتمامه " فصلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة) .
فإذن تصلى صلاة الاستسقاء كما تصلى صلاة العيد، بالتكبيرات السبع مع تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى، وبالتكبيرات الخمس في الركعة الثانية دون تكبيرة الانتقال، وبما ورد عن ابن مسعود مما يقال بين التكبيرات ويجهر فيهما بالقراءة ويقرأ بما ورد في صلاة العيد. قال: (وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم) وذلك لأن المعاصي والمظالم سبب للقحط وزوال النعم، ويدفع هذا النقم بضد سببها وهو فعل الطاعات وتقوى الله عز وجل لذا قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} . فإذن يحثهم الإمام على تقوى الله وعلى الخروج من المظالم وعلى الاشتغال بطاعة الله فإن هذا هو السبب الأعظم في دفع ما هم فيه مما هو مظنة العقوبة. قال: (وترك التشاحن) . فإن التشاحن له أثر في ذلك، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من الثلاثة الذين لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً – كما ورد في ابن ماجه وغيره: (أخوان مُتصارمان) (1) فالدعاء والصلاة لا يرتفعان مع التشاحن فكان على الإمام أن يحثهم على ترك التشاحن فإنه سبب عظيم لوقوع النقم. وقد ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت) رفعة هذه النعمة من الإخبار بليلة القدر رفعت بسبب شيء من التلاحي الذي وقع بين بعض المسلمين. قال: (ويأمرهم بالصيام والصدقة) والصيام سبب لإجابة الدعوة، كما قال صلى الله عليه وسلم في دعوت الصائم أنها لا ترد.
والصدقة أيضاً سبب لإطفاء غضب الرب، فالصدقة تطفئ غضب الرب كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما ثبت في ابن ماجه: (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا) فدل على أن الصدقة تركها سبب لمنع القطر، فكان المستحب له أن يحثهم على الصيام والصدقة. قال: (ويعدهم يوماً يخرجون فيه) ليتهيئوا لهذا اليوم وقد تقدم قول عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ووعد الناس يوماً يخرجون فيه) ولم أر دليلاً يدل على تحديد يوم من الأيام وأنه يستحب أن يكون ذلك في يوم اثنين أو خميس أو نحو ذلك، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة ليوم من الأيام في تحديد الاستسقاء. قال: (ويتنظف) أي الإمام والمصلي. يتنظف بإزالة الأوساخ وبالغسل، أما إزالة الأوساخ فهو ظاهر لما في ذلك من الأذى. وأما كونه يستحب له أن يغتسل فلا دليل عليه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من فعل أصحابه كما بين ذلك ابن قيم الجوزية. فاستحباب الحنابلة للاغتسال له لا دليل عليه، وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم – في الحديث المتقدم -: (متواضعاً متبذلاً " أي غير متزين في الهيئة " متخشعاً " أي مظهراً للخشوع " مترسلاً " أي على رسله في مشيه عليه السلام، ففيه استحباب ترك الزينة والغسل فيها، ألا أن يكون الأذى لا يزول إلا باغتسال فإنه ولا شك يستحب الاغتسال لإزالة الأذى الذي يؤذي المؤمنين عند اجتماعهم. قال: (ولا يتطيب) اتفاقاً، لقوله: (متبذلاً) فلا يستحب التطيب بل يخرج غير متزين ولا متطيب. قال: (ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً) كما تقدم من فعله عليه الصلاة والسلام. قال: (ومعه أهل الدين والصلاح)
فإن المؤمنين يتوسلون إلى الله بدعائهم، فقد ثبت في البخاري عن عمر أنه قال: (اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا) ، فيستحب للإمام أن يدعو أهل الصلاح والخير والمشهورين بالتقوى والعبادة والعلم ونحو ذلك - يدعوهم - لحضورها فإنا نتوسل إلى الله بدعائهم وتأمينهم لإنزال القطر. قال: (والشيوخ والصبيان المميزون) فإنه إنما يطلق الصبي على المميز، ويخرج من ذلك الطفل فإنه ليس محلاً للعبادة، بخلاف الصبي المميز فإنه محل للعبادة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر) فيدعى الشيوخ من أهل السن، ويدعى الصبيان المميزون الذين تصح عبادتهم، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) . قال: (وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يمنعوا) إذن: لا يستحب أن تدعى إليها أهل الذمة، فهم أعداء الله وأعداء دينه وهم قد كفروا بنعمة الله عز وجل، فقمن ألا يستجاب لهم في دعوتهم مع المؤمنين، بل يخشى أن يقع ضد ذلك، فلم يكن مستحباً دعوتهم إلى حضور استسقاء المؤمنين، لكن إن خرجوا منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يمنعوا. إذن: يخرجون لكن يخرجون منفردين أي هم بجهة والمؤمنون بجهة أخرى، وعللوا ذلك: بأنهم قد تقع العقوبة عليهم من الله كما وقعت على من قبلهم فيما وقع على قوم عاد في استسقائهم فذكر الله أنهم رأوا سحابة فظنوها مطراً فإذا فيها عذاب الله عز وجل: {فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} ، وقد قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} . إذن: استحب الفقهاء أن يكون خروج أهل الذمة من اليهود والنصارى إن خرجوا أن يكون خروجهم على هيئة الانفراد عن المؤمنين.
وعللوا ذلك: بأنهم مظنة العقوبة من الله عز وجل فيخشى أن تقع العقوبة عليهم وعلى المسلمين عامة كما قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} وكما قص الله علينا في قوم عاد ما قص من نزول العذاب عليهم وقد حسبوه سحاباً ينزل عليهم به المطر. وألا يكون ذلك بيوم يختصون به، بل يكون خروجهم بنفس اليوم الذي يخرج به المؤمنون، فيكون اليوم واحداً للجميع. قالوا: لئلا يوافق ذلك اليوم نزول مطر فتقع الفتنة عليهم وعلى بعض الأغرار من المؤمنين فيقولون مطرنا بسببهم. فإذن: لا يمنع أهل الذمة من الخروج إن خرجوا، ولا يدعون له، لكن إن خرجوا فيكون خروجهم – أولاً – على هيئة الانفراد عن المؤمنين، وألا يختصوا بيوم خاص بهم بل يكون هو اليوم الذي خرج به المسلمون. مسألة: وقت صلاة الاستسقاء ابتداءً كوقت صلاة العيد لذا قالت عائشة: (فخرج حين بدا حاجب الشمس) فوقتها وقت صلاة العيد في الأفضلية ولا تصلى في وقت النهي للسعة، فإن وقتها متسع بخلاف صلاة الكسوف، فيصلى في وقت صلاة العيد وهذا على الأفضلية عند جمهور أهل العلم. لكن لو صلاها في وقت آخر كبعد الزوال لم يمنع من ذلك، وهذا عند جمهور أهل العلم. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فيصلي بهم، ثم يخطب واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) هنا مسألتان: المسألة الأولى: أن خطبة الاستسقاء بعد الصلاة، فيصلي ثم يخطب. المسألة الثانية: أنها خطبة واحدة. أما المسألة الأولى: فهذا هو مذهب الجمهور وهو المشهور في المذهب من أن الخطبة تكون بعد الصلاة. واستدلوا: بما رواه البيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: (استسقى النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا) ، وبالقياس على صلاة العيد، فإنها أشبهتها بالصفة فالقياس يقتضي أن تكون الصلاة قبل الخطبة.
- القول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهي سوى الرواية المشهورة عنه المتقدمة، وهو مذهب الليث بن سعد وابن المنذر: أن الخطبة قبل الصلاة، فيخطب ثم يصلي. واستدلوا: بحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني المتقدم وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (توجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه ثم صلى ركعتين) ، فكانت خطبته وهي الدعاء قبل صلاته. وبحديث أبي داود المتقدم من حديث عائشة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أتى المصلى قعد على المنبر فخطب الناس) الحديث. وتقدم: وفيه (ثم نزل فصلى ركعتين) . قالوا: فهذان حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا ثبت الحديث فإنه لا يصح القياس بل القياس مع النص فاسد، وأما حديث أبي هريرة فإن فيه النعمان بن راشد وهو ضعيف فعلى ذلك الحديث ضعيف. فعليه: الصحيح أن الخطبة قبل الصلاة كما هو رواية عن الإمام أحمد. أما المسألة الثانية: فهي أن الخطبة إنما تكون واحدة – وهذا خلافاً لمذهب مالك والشافعي وأن المشروع أن تكون خطبتين إذ لا دليل على ما ذهبوا إليه – فإن الأحاديث التي تقدم ذكرها التي فيها خطبته، ليس فيها أنه خطب خطبتين. وقياسهم على الجمعة أو على العيد قياس مع ثبوت الحديث المخالف عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتفت إلى هذا القياس مع ثبوت ما هو ظاهر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما خطب خطبة واحدة – وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وأن المشروع أن تكون خطبة واحدة. قال: (يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) . فيفتتحها بالتكبير تسعاً، كخطبة العيد. وعن الإمام أحمد وهو اختيار ابن رجب من الحنابلة: أن التكبير لا يشرع أن يفتتح به في خطبة الاستسقاء بل تفتح بالحمد كسائر خطبه صلى الله عليه وسلم.
والصحيح ما ذهب إليه أهل القول، وأنها تسن أن تفتح بالحمد وبالتكبير. لحديث عائشة المتقدم قالت: (فكبر رسول الله وحمد الله) ، لكن ليس فيه أن التكبير تسع بل فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر مفتتحاً خطبته، فالمستحب له هو التكبير والحمد من غير أن يحدد ذلك بعدد معين بل يقال بمطلق التكبير. قال: (ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به) فيكثر فيها الاستغفار، ويكثر قراءة الآيات التي فيها ذكر الاستغفار كقوله تعالى: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً} ونحوها من الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار، وقد ثبت في الصحيحين: أن عبد الله بن يزيد – وكان من صغار الصحابة وكان والياً على الكوفة – (خرج ومعه البراء بن عازب وزيد بن أرقم – وهما صحابيين فقام بهم على الأرض على غير منبر فاستغفر الله ثم صلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة) فقوله: " استغفر " وهو صحابي ويقر من صحابيين من الصحابة يدل على مشروعية الاستغفار في الخطبة. قال: (ويرفع يديه في خطبته) وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه) ، وقد تقدم حديث عائشة في أبي داود وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع يديه ولم يزل حتى رئي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه) . فإذن: يستحب له أن يرفع يديه في خطبة الاستسقاء، وليس هذا مختصاً بالإمام بل للإمام وغيره من المصلين، ففي صحيح البخاري من حديث أنس: (فرفع النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس أيديهم) . قال: (ويدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم) استحباباً، فيستحب أن يدعو في خطبته بما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (ومنه اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً ….الخ)
فقد ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أتته بواكي " أي يسألنه أن يتوسل إلى الله عز وجل وأن يستسقى الله سبحانه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً " أي تزول به الشدة " مريئاً " هو السهل النافع للباطن " مريعاً " المريع هو المخصب الذي يخصب الأرض فتنتفع به الأرض، وضبطت " مُريعاً " من الربيع " نافعاً غير ضار عاجلاً غير آجل) . وثبت عنه كما روى ذلك أبو عوانة في صحيحه – فيما ذكره الحافظ في البلوغ – من حديث سعد بن أبي وقاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فقال: (اللهم جللنا " أي عممنا " سحاباً كثيفاً قصيفاً " القصيف هو ذو الرعد " دلوقاً " أي متدفقاً بشدة " ضحوكاً " أي كثير المطر " تمطرنا منه رُذاذاً " الرذاذ هو دون الطش " قِطْقِطاً " وهو ما دون الرذاذ " سَحْلاً يا ذا الجلال والإكرام) . وثبت عنه أيضاً في سنن أبي داود بإسناد حسن أنه قال – في استسقائه عليه السلام: (اللهم أسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت) رواه أبو داود بإسناد جيد. فيدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم استحباباً، ويزيد ما شاء من الدعاء المباح المناسب للمقام من طلب السقيا من الله عز وجل. * واعلم أن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في الاستسقاء يدل على أنه لم يكن يخطب خطبة يعظ فيها الناس ويذكرهم وإنما كان – عليه الصلاة والسلام – يشتغل في خطبته بدعاء الله عز وجل وإخبارهم أن الله يجيب الدعوة – كما تقدم في حديث عائشة - ولم يكن – عليه الصلاة والسلام – يعظهم ولا يذكرهم ولا يعلمهم شيئاً من الأحكام، ولذا قال ابن عباس – في حديثه المتقدم -: (لم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير) .
فإذن هي خطبة ليست كخطبة الجمعة ولا العيد ولا نحوهما مما تكون فيها المواعظ والتذكير، بل هي خطبة يشتغل بها الإمام بدعاء الله ويؤمّن الناس من خلفه. ويستحب له أن يقلب رداءه وهو رافع يديه، فقد تقدم حديث عائشة في رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه بالدعاء ودعوته العامة التي أمّن الناس عليها قالت: (ثم حول إلى الناس ظهره) - أي لما دعا الدعاء الذي رفع به الصوت – حول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة وقلب رداءه وهو رافع يديه. فيستحب للإمام والمصلين أن يقلبوا أرديتهم. وقد ثبت هذا في الحديث المتفق عليه المتقدم من حديث عبد الله بن زيد ابن عاصم المازني وفيه: (وحول رداءه) . وصفة قلب الرداء: أن يجعل أيمن الرداء الواقع على الكتف الأيمن يجعله على الكتف الأيسر، ويجعل أيسره وهو الواقع على الكتف الأيسر في الطبيعة يجعله على الكتف الأيمن ويجعل ظاهره في موضع باطنه، وباطنه في موضع ظاهره. يدل عليه: ما ثبت في أبي داود بإسناد صحيح قال: (فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن) . وأما كونه جعله ظهراً لبطن، فقد ثبت هذا في مسند أحمد بإسناد صحيح وفيه: (فجعله ظهراً لبطن) . - وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه يستحب له أن يأخذه من أسفل أي يأخذه من أسفل الرداء ويرفعه إلى الأعلى، فيكون الأعلى في موضع الأسفل والأسفل في موضع الأعلى. واستدلوا: بما رواه أبو داود في سننه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (استسقى وعليه خميصة [له] سوداء، فأراد أن [يأخذ] بأسفلها فيجعله أعلاها [فلما] ثقلت عليه قلبها على عاتقه) (1) أي حول العاتق الأيمن إلى العاتق الأيسر وهذا الحديث: إنما هو ظن من الراوي بدليل أن الصحابة قد حولوا أرديتهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من فعله، ولم يفعلوا ما همّ به، ففي مسند أحمد: (وحول الناس أرديتهم) .
فإذن: هذا مجرد ظن من الراوي، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقلب الجهة السفلى فيجعلها في الجهة العليا، فظن الراوي أن ذلك ثقل عليه وإنما تحول عنه وعليه الصلاة والسلام إلى طريقة أخرى فأخذ الجهة اليمنى فوضعها في الجهة اليسرى، واليسرى وجعلها في الجهة اليمنى فكان ظهراً لبطن. إذن هذه الصفة هي الصفة المستحبة في قلب الرداء، وإنما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم – فيما يظهر، والله أعلم - تفاؤلاً بتحول القحط وبتغير الأرض مما هي عليه من الجدب إلى الخصب. قال جعفر الباقر - رحمه الله وهو من أتباع التابعين أو من أتباعهم قال -: (وحول النبي صلى الله عليه وسلم رداءه ليتحول القحط) رواه الدارقطني بإسناد صحيح، وهو كما قال رحمه الله فهي مظنة قوية وأنه إنما فعل ذلك تفاؤلاً أن تتحول الأرض من جدبها إلى الخصب ومن انقطاع المطر فيها إلى هطوله، ولا مانع أن تكون لها حكم أخرى مما يخفى علينا. قال: (وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيد من فعله) قوله: " وإن سقوا " فإن لم يسقوا فإنهم يستسقون ثانية وثالثة ورابعة ويلحون على الله بالدعاء حتى يستجيب الله لهم، فيكررون الاستسقاء مرة بعد مرة وينوعون الاستسقاء ما بين دعاء مطلق ودعاء في الجمعة ونحو ذلك حتى يستجيب الله لهم. * إن سقوا قبل خروجهم وتهيئهم – وهذه الصورة الثانية – فنزل المطر الذي تزول به الشدة قبل خروجهم وتهيئتهم، فإنه لا يشرع لهم أن يخرجوا إلى الصلاة وأدائها؛ وذلك لذهاب المقصود من خروجهم فإن المقصود هو طلب السقيا وقد حصل ذلك فزال السبب المقتضي للاستسقاء. وأما – وهي الصورة الثالثة - إن سقوا بعد تهيئهم وقبل خروجهم، فإنه – في المشهور من المذهب – يستحب لهم أن يخرجوا فيصلوا.
- وقال المرفق ابن قدامة: بل لا يستحب لهم ذلك وإن تيهؤا؛ لأنه – كذلك – قد زال المقصود من هذه الصلاة ولم يخرجوا إليها، وهذا هو القول الراجح؛ فإن تهيؤهم ليس بمؤثر ما دام أن المقصود قد زال، فإن المقصود هو الاستسقاء فخروجهم إنما هو لقصد الاستسقاء فما دام أن ما قصدوه قد حصل من خروج واستسقاء فإنه لا يشرع لهم ذلك لزوال المقصود. وأما – وهي الصورة الرابعة – إن خرجوا إلى المصلى فنزل الغيث، فهنا يستحب لهم أن يصلوا، قالوا: لخروجهم فلا ينبغي أن يعودوا من غير صلاة، فيكون ذلك شكراً لله وسؤلاً للمزيد. قال صاحب الإنصاف: " بلا خلاف أعلمه ". فالمسألة إن كان فيها إجماع فكما تقدم، وأما إن لم يكن فيها إجماع فالأمر واسع إن شاء الله – وفي الحقيقة – نزول الغيث أثناء الاستسقاء قد لا يتبين للمصلين هل يكون نزوله على هيئة كافية لما خرجوا من أجله، فيكون استسقاؤهم لمظنة كون المطر قليلاً غير كاف ولسؤال الله المزيد. إذن: إن خرجوا ونزل المطر فيشرع لهم أن يصلوا طلباً لثبوت المطر، ولأنه لا يقطع أن يكون هذا المطر الذي قد خرجوا لطلبه من الله وتهيؤوا تهيؤاً تاماً حتى خرجوا إلي المصليات لا يقطع أن يكون هذا المطر كافياً أو أن يستمر على هيئة كافية لهم فحينئذ يستحب لهم الاستسقاء، قال صاحب الإنصاف: " بلا خلاف أعلمه ". مسألة: إذا وقع القحط في بلد فهل يستحب لغيرها من البلدان أن يستسقوا لهم؟ المشهور في المذهب: أنه لا مانع من ذلك، وقيل بالاستحباب. وقال بعض الحنابلة: لا يستحب ذلك ولا يشرع.
وهذا القول – فيما يظهر لي – أظهر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما استسقى هذا الاستسقاء العام الذي يخرج به الناس إلى المصليات ويستغيثون بالله عز وجل – إنما فعله حيث وقع الجدب في المدينة واحتاج الناس إلى المطر. وأما كون المسلم يعين أخاه المسلم بدعوته فإن ذلك بمطلق الدعاء فيستحب له أن يدعو له في صلاته وفي سائر أوقات الإجابة ونحو ذلك – من غير أن يكون هذا على الهيئة المشروعة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأظهرها حيث كان الجدب بالمدينة. فينبغي أن يكون ذلك مختصاً حيث وقع الجدب بأهل البلد أنفسهم، أما إن وقع في غيرهم فإنهم يسألون الله لغيرهم سؤالاً مطلقاً من غير أن يكون مختصاً بهذه الطريقة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. مسألة: متى يعيد رداءه ويرجعه كما كان، بعد قلبه؟ الظاهر أنه يرجعه على هيئته بعد خلعه، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يطلق ولم يرد أنه قد أرجعه فيبقى على هذا. لكن بعض الألبسة لا يصلح قلبها كالفراء فحينئذ يكتفي بقلب عمامته، وإنما يقلب ما كان ظاهره قريباً من باطنه، وإنما يقلب الأشياء الظاهرة أما الباطنة فلا. وأنواع الاستسقاء: الأول: في خطبة الجمعة كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس وغيره: (أتى رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع يديه وقال: (اللهم أغثنا) ثلاثاً) . الثاني: في الصلاة كما تقدم. الدعاء بلا صلاة، كما يدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما أتى إليه نساء بواكي فقال: (اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً) الحديث. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وينادى لها: الصلاةُ جامعة) ويصح " الصلاةَ جامعة "، فينادى لصلاة الاستسقاء كما ينادى لصلاة الكسوف بقول: " الصلاة جامعة " – هذا هو المشهور في المذهب. واستدلوا: بالقياس على صلاة الكسوف.
وذهب بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أن ذلك لا يشرع؛ ذلك لأن قياس الاستسقاء على صلاة العيد أولى، وقد ثبت عن جابر في مسلم: قال: (صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - العيد بلا أذان ولا إقامة ولا شيء) . ثم إن مقتضى ذلك وجد في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح حديث عنه بأن نادى لها بقول: " الصلاة جامعة ". فعلى ذلك: الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني وأنه لا يشرع له أن ينادى " الصلاة جامعة " لأن هذا لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود مقتضيه ذلك، ولأن قياسها على صلاة العيد أولى فإنها تشبهها بتكبيراتها ونحو ذلك. قال: (وليس من شروطها إذن الإمام) لما تقدم في صلاة العيد، فلا يشترط أن يأذن الإمام للناس بذلك لأنها نافلة وبها يندفع عن الناس الضر، وهو طلب رزق من الله عز وجل، فلم يكن شرطها إذن الإمام. وينبغي أن يتدبر - في هذه المسألة –، فليس مراد الحنابلة هنا من أنه لا يشترط لها إذن الإمام، أنها تفعل ولو منع أو خشيت الفتنة بإقامتها، وإنما مرادهم أنهم لو أقاموها من غير أن يستأذنوه فإنها صحيحة، وليس مرادهم أنها تقام مع منعه أو مع خشية الفتنة فإنه يترتب مفسدة أعظم من المصلحة المرجوة والشريعة قد أتت بدرء المفاسد وجلب المصالح. كما تقدم في صلاة الجمعة فيه أنه لا يشترط إذن الإمام أي لا يشترط أن يصرح بالإذن، أما إن صرح بالمنع أو خشيت الفتنة بإقامتها فإنها لا تقام. قال: (ويسن أن يقف في أول المطر) فيصيب المطر بدنه، وذلك لما ثبت في مسلم وأنس قال: (أصابنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مطر فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر وقال: إنه حديث عهد بربه) فهو حديث خلق وإيجاد. قال: (وإخراج رحله وثيابه ليصبهما المطر) الرحل هو السرج أي ما يكون على الدابة مما يضعه الراكب عليها.
قالوا: فيستحب له أن يخرج سرجه وثيابه ليصيبهما من المطر، وقد ورد ذلك عن ابن عباس أنه: (كان يأمر جاريته أن تخرج سرجه وثيابه ويقرأ قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً} ) . وهذا الأثر إسناده لا بأس به، رواه البخاري في الأدب المفرد، ورواه الشافعي من غير سند، واستدل به الحنابلة على هذه المسألة. فيستحب له أن يبدي شيئاً من ثيابه أو أثاثه أو متاعه أو شيئاً من بدنه ليصيبه المطر. ويستحب له أن يقول: (اللهم صيباً نافعاً) ، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (أنه كان إذا رأى المطر قال: (اللهم صيباً نافعاً) . وإذا سمع الرعد أن يقول ما ثبت عن ابن الزبير في موطأ مالك وغيره بإسناد صحيح: (سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) . والدعاء مرجو عند نزول المطر فهو من مظان الإجابة، وقد ورد هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق يرتقي بها هذا المتن إلى درجة الحسن إن شاء الله، وأن نزول الغيث من الأحوال التي يرجى فيها إجابة الدعوة. قال: (وإذا زادت الأمطار وخيف منها) فإذا زادت مياه الأمطار أو مياه العيون أو الأنهار فخشي أن تطغي على شيء من البيوت، فيستحب أن يدعوا الله برفع ذلك مع بقاء المنفعة الثابتة في الماء على الوجه الذي تتم به حاجة العباد. قال: (سن أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر) ويقول هذا في المطر. " الظراب " هي الروابي الصغار. " الآكام " هي الجبال الصغار وهي ما نسميها نحن بـ " الخزوم "، ويكون عليها الحجر وهي مع ذلك تنبت العشب. " وبطون الأودية " وهي الأماكن المنخفضة في الأودية. " ومنابت الشجر " أي أصولها.
فقد ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم – في الصحيحين – في حديث أنس في دعوته عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر قال الراوي: (فأمطرت فلم نر الشمس ستاً " أي أسبوعاً " فجاء رجل من الجمعة القابلة فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطاع السبل وهلاك الأموال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) (1) متفق عليه. قال: (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، الآية) هذا الدعاء لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ليس ذلك شرطاً فيه، وإنما هو من الدعاء المباح الذي وافق هذه المناسبة، فلا بأس أن يدعوا الله ويسبحوه مما لم يثبت في السنة بخصوصية – أي في هذا الموضع – ومن ذلك: {ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به …} إذن: الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم في الحديث المتفق عليه من حديث أنس، وأما ما ذكره المؤلف فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لا بأس بالدعاء به أو بغيره من الأدعية المباحة المناسبة للمقام. والحمد لله رب العالمين. تم – بحمد الله تعالى – شرح كتاب الصلاة من زاد المستقنع، لفضيلة الشيخ / حمد بن عبد الله الحمد، حفظه الله تعالى ونفع به، ويليه كتاب الجنائز. الدرس الثالث والأربعون بعد المئة (يوم الجمعة: 14 / 7 / 1415 هـ) كتاب الجنائز الجنائز: جمع جِنازة – بالكسرة – في الأفصح، وتصح بالفتح " جَنازة ". وهي: من جَنزَ الشيءُ إذا ستر. ويسمى بالجنازة: الميت؛ لأنه مستور بكفنه. وكذلك: النعش وعليه الميت. أما النعش أو السرير من دون الميت فإنه لا يسمى جنازة بل يسمى نعشاً أو سريراً أو نحو ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (تسن عيادة المريض) يستحب للمسلم أن يعود المريض.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تدل على فضيلة ذلك: فمن ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفة الجنة حتى يرجع قيل: وما خرفة الجنة يا رسول الله؟ قال: جَنَاها) (1) ورواه الإمام أحمد في المسند من حديث علي بإسناد صحيح وفيه: (فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساءً صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح) (2) وثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (حق المسلم على المسلم خمس: عيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس، وإجابة السلام) (3) ورواه مسلم بلفظ: (حق المسلم على المسلم ست) وزاد النصيحة: (وإذا استنصحك فانصحه) وهنا: صريح كلام المؤلف أن عيادة المريض سنة.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنها فرض كفاية، وقال: " إن ظاهر النصوص تدل على وجوبها ". لكن ذكر النووي الإجماع على نفي الوجوب، وتعقبه ابن حجر بأن الوجوب المنفي إنما هو الوجوب على الأعيان، وأما وجوب الكفاية فليس بمنفي، وقد بوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه: " باب: وجوب عيادة المريض ". وهذا القول هو الراجح، وأن عيادة المريض واجبة لكن ليس على الأعيان بل على الكفاية. فإن قيل قوله صلى الله عليه وسلم: (حق المسلم على المسلم) ظاهره أن ذلك على الأعيان؟ فالجواب: قد وجد الصارف، فقد ثبت في البخاري عن ابن عمر قال: (كنا جلوساً عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتى رجل من الأنصار فسلم ثم أدبر الأنصاري فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة؟ فقال: صالح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من يعوده منكم؟) (1) فهنا: كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر من حضر من أصحابه كل واحد منهم بعينه بالذهاب إلى عيادة سعد دليل على أنها ليست فرضاً على الأعيان. فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام من أن عيادة المريض فرض كفاية، فإذا مرض المسلم وجب على من علم حاله من المسلمين ممن تقوم بهم كفاية جبره وتعزيته في مصابه من المرض وتقوية قلبه أن يعودوه.
والعيادة عامة في كل مرض، أما ما رواه البيهقي من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا تعاد: الضرس " أي وجع الضرس " والرمد والدُمَّلُ) (1) ، فهو من قول يحيى بن أبي كثير وهو من أتباع التابعين، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد صح عنه في مسند أحمد ما قاله زيد بن أرقم قال: (عادني النبي صلى الله عليه وسلم من وجع كان في عيني) (2) والرمد وجع عين. فالصحيح أن كل مرض يعاد. والصحيح – أيضاً – أنه متى علم بمرضه عاده من غير أن يتربص ثلاثة أيام وإن كان في مبدأ المرض.
أما ما رواه ابن ماجه من أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن العيادة إلا بعد ثلاث) (1) فالحديث إسناده ضعيف جداً. وليس ثمة وقت محدد لعيادة المريض، إلا أنه ينبغي أن تكون في الوقت الذي لا يضجره ولا يحرجه أما غير ذلك فلا بأس فهي ترجع إلى عادة الناس. قال: (وتذكيره التوبة والوصية) أي يستحب أن يذكر بالتوبة. وقد ثبت في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم: أتى غلاماً يهودياً يعوده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أسلم، فأسلم ثم مات) (2) فيستحب لمن عاد مريضاً إن كان كافراً أن يدعوه إلى الإسلام وإن كان فاسقاً أن يدعوه إلى التوبة، ولا يعلم فلعل هذا المرض يكون به موته، فاستحب أن يتدارك بالدعوة والإصلاح بحثه على التوبة. كما أنه يحث على الوصية أي بأن يكتب وصيته، وذلك لأن المرض مظنة الموت، وإذا كان المسلم مأمور بكتب وصيته قبل أن يقع به المرض فأولى من ذلك أن يحث عليها في أثناء مرضه. فقد قال صلى الله عليه وسلم – في الصحيحين - من حديث ابن عمر: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت إلا ووصيته مكتوبة عنده) (3) . فيستحب للمسلم – وقيل بوجوب ذلك، وسيأتي الكلام عليه في الوصايا - فيشرع له أن يكتب وصيته في الحقوق التي له والتي عليه. قال: (وإذا نُزل به، سُنَّ تعاهد بَلِّ حلقه بماء أو شراب وتَنْدِيَةُ شفتيه بقُطْنَةٍ)
" وإذا نزل به " أي نزل به ملك الموت، فأخذ بالاحتضار، فإنه يسن تعاهده ببل حلقه بماء أو شراب وتندى شفتيه بقطنة، وذلك ليهون عليه ذلك شدة النزع الواقع فيه. فيستحب أن يبل حلقه: إما أن يكون بشرب جرعة ماء أو بأن يقطر الماء في حلقه أو بأن يبل الشفتين ليسهل عليه ما هو فيه من النزع والشدة. وقد ثبت في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده - عند احتضاره - ركوة فيها ماء، فكان يضع يده فيها فيمسح بها على وجهه ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) (1) " بقطنة ": ونحوها، فليس المقصود القطنة بالخصوص. قال: (وتلقينه لا إله إلا الله) أي ويسن أن يلقن " لا إله إلا الله " وينبغي أن يكون الملقن ممن يكون للميت له قبول وبينهما مودة مما هو مظنة لقبول كلامه لئلا يتضجر من قول هذا القائل فيمتنع من قولها فهو في شدة، فيكرر عنده قول " لا إله إلا الله " ويكرر ذلك حتى يقولها المحتضر. وكرهوا أن يقول له: " قل لا إله إلا الله "؛ لئلا يتضجر من ذلك ويمتنع، وإنما يكون ذلك على سبيل الإشارة فيكررها عنده حتى يقولها. ودليل استحباب التلقين، ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) (2) . وأما دليل كراهية الأمر بذلك فهو خشية التضجر والامتناع مما هو واقع فيه من الشدة. لكن إن لم يخش عليه ذلك وعلم منه أنه لا يكره ذلك وإن كان في سكرات الموت فإنه لا حرج في أن يقال له: قل " لا إله إلا الله ".
فقد ثبت عند أبي يعلى والبزار بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه: (أتى رجلاً من الأنصار " وفي رواية: من بني النجار " – وهم مشهورون بحسن إسلامهم – فقال له: قل لا إله إلا الله) (1) . قال: (ولم يزد على ثلاث إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه برفق) أي لا ينبغي له أن يزيد على ثلاث مرات لئلا يتضجر الميت فإنه يلقنه بحيث لا يتضجر. " إلا أن يتكلم بعده " فإذا تلقن الميت – والمراد بالميت هنا المحتضر، وهو من باب المجاز لأن أمره سيؤول إلى الموت وهذا معروف في لغة العرب -. فإذا تلقن الميت فقال: " لا إله إلا الله "، فإنه يسكت عنه فلا يلقن إلا أن يتكلم بشيء آخر كأن يوصي وغير ذلك فإنه يستحب أن يعاد تلقينه ليكون آخر كلامه " لا إله إلا الله ". فقد ثبت ذلك في أبي داود بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (2) قال: (ويقرأ عنده يس) ويستحب له أن تقرأ عنده سورة يس.
واستدلوا: بما رواه أبو داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حديث معقل بن يسار: (اقرؤوا على موتاكم يس) (1) . والمراد اقرؤوا عليهم في حال الاحتضار - أما بعد الموت فهو بدعة -؛ وذلك لما فيها من ذكر الجنة ونحو ذلك وما يكون فيها من الرجاء فيعظم رجاؤه. قالوا: وهي سبب لسهولة خروج الروح منه. لكن الحديث الوارد في ذلك ضعيف، فقد ضعفه الدارقطني وغيره وقال: " لا يصح في هذا الباب شيء " (2) وهو كما قال، فإن الحديث ضعيف لجهالة في بعض رواته ولاضطراب في سنده. لذا الراجح هو عدم القول باستحباب ذلك. فإن قرأها فلا بأس أو قرأ غيرها من الآيات أو السور التي فيها الرجاء ونحو ذلك من غير اعتقاد سنية ذلك فلا بأس. وقالوا: ويستحب أن يقرأ عليه فاتحة الكتاب. وهذا أيضاً لا دليل عليه. وإنما يستحب عند المحتضر أن يذكر له محاسن عمله أي الأعمال الصالحة وأن يذكر له فضل الله ورحمته وأن يفتح له باب الرجاء لئلا يموت إلا وهو يحسن الظن بربه، فقد قال صلى الله عليه وسلم – في مسلم -: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) (3)
قال إبراهيم النخعي – كما روى ذلك ابن أبي الدنيا بإسناده – قال: " كانوا – أي السلف – يستحبون أن يذكر للميت محاسن عمله حتى يحسن الظن بربه " (1) . وهذا أمر ظاهر فيستحب أن يذكر بما يقتضي موته مع كونه محسناً الظن بربه عز وجل، فإن المقام مقام رجاء لا مقام خوف. قال: (ويوجهه إلى القبلة) أي: يستحب أن يوجهه إلى القبلة. ودليل ذلك: ما رواه الحاكم أن البراء بن معرور رضي الله عنه: أوصى بثلث ماله للنبي صلى الله عليه وسلم، وأوصى أن يوجه وهو يحتضر إلى القبلة، فقيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أصاب الفطرة، وأمر برد ثلثه إلى أهله) (2) والحديث: فيه نُعيم بن حماد وله مناكير، لكن له شاهد عند البيهقي من حديث كعب بن مالك (3) فالأثر حسن إن شاء الله فيستحب أن يوجه إلى القبلة. فيضطجع على شقه الأيمن متوجهاً إلى القبلة، وإن شق عليه أن يضطجع على شقه الأيمن فإنه يستلقي ويجعل رجليه إلى القبلة ويرفع وجهه ويوجه إلى القبلة، وهذا في الغالب أسهل على الميت. قال: (فإن مات سن تغميضه) فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شُقَّ بصره فأغمضه وقال: (إن الروح إذا قبضت اتَّبعه البصر) (4) وكره الإمام أحمد أن يغمضه جُنُب أو حائض، ولم أر دليلاً يدل على ذلك. ولا شك أن الأولى أن يكون من يغمضه من أهل الخير والصلاح كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأن يتولى القيام بأمره من كان كذلك.
قالوا: ويقول: - أثناء الإغماض – بسم الله على ملة رسول الله، ولا دليل يدل على ذلك، وإنما فيه أثر مقطوع على تابعي رواه البيهقي بإسناده الصحيح عن بكر بن عبد الله المزني أنه كان يقول: عند التغميض: (بسم الله وعلى ملة رسول الله) (1) فإذن: لا يستحب قول ذلك عند تغميضه، خلافاً للمشهور في المذهب لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما أثر التابعي فإن قول التابعي ليس بحجة. قال: (وشد لحييه) أي أن يشد اللحيان، فيغطى الفم لئلا يدخله شيء من الأذى أو الهوام ونحو ذلك. قال: (وتليين مفاصله) ليكون ذلك أسهل عند تغسيله، فيرد الذراع على العضد ثم العضد على الجنب، ويرد الساق على الفخذ، والفخذ على الجنب (2) أي تحرك المفاصل. قال: (وخلع ثيابه وستره بثوبٍ) لأن الثياب على الميت في الغالب تحدث شيئاً من الفساد في بدنه بسبب حرارة الثوب على البدن. فتخلع الثياب ويطرح عليه غطاء ونحو ذلك لئلا تحدث هذه الثياب على بدنه شيئاً من الإفساد، لا سيما مع تأخر الاشتغال بتغسيله. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (حين توفي: سُجَّي ببرد حِبَرة) (3) . قال: (ووضع حديدة على بطنه) لئلا يقع في بطنه شيء من الانتفاخ أو نحو ذلك: لا سيما مع تأخر الاشتغال بدفنه أو الاشتغال بتكفينه وتغسيله. وقد روي ذلك عن أنس بن مالك كما رواه البيهقي (4) . قال: (ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه)
أي أثناء الغسل يكون على هذه الصورة. فإذا كان مستلقياً أو مضطجعاً على شقه الأيمن فإن جانبه الأعلى – جانب الرأس – يكون مرتفعاً، ويكون الانخفاض إلى جهة الرجلين لئلا يخرج شيء من الماء أو نحو ذلك من فمه، وليكون ذلك أسهل لانصباب الماء عن بدنه. قال: (وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة) أي يستحب أن يسرع في تجهيزه والاشتغال بتغسيله وتكفينه ونحو ذلك. لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة فإنها إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) (1) فيستحب الإسراع بالجنازة غسلاً وتكفيناً ودفناً. " إن مات غير فجأة ": فيستثنى من استحباب التعجيل إن كان موته فجأة؛ لأن من مات موت فجأة يخشى ألا أن يكون موته متيقناً فيترك حتى يتيقن ذلك بأسباب التيقن. فإذا تيقن من موته فحينئذ يشتغل بتغسيله وتكفينه، فمن مات فجأة أو ببعض الأمراض التي تقع أحياناً التوهم في ثبوت موته بها، فما ينبغي التعجيل بذلك حتى يثبت الموت. قال: (وإنفاذ وصيته) أي ويستحب الإسراع في إنفاذ وصيته، فهي معطوفة على " تجهيزه ". أي يسن أن تنفذ الوصية ويتعجل فيها، وذلك لأن في إنفاذ الوصية التي يوصي بها – كأن يوصي بثلث ماله أو ربعه – فيها تعجيل للأجر وإيصال للحق إلى أهله. فيستحب الإسراع في إنفاذ وصيته لتعجيل الثواب له أولاً ولإيصال الحق إلى أهله ثانياً. قال: (ويجب في قضاء دينه) أما قضاء الدين فيجب الإسراع به.
فإذا ترك مالاً وعليه دين فيجب أن يسارع في إخراج دينه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والترمذي بإسناد جيد: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) (1) فنفس المؤمن معلقة محبوسة عن نيل ما أعد لها من الثواب حتى يقضى عنها الدين. وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحاكم بإسناد صحيح: قال صلى الله عليه وسلم ذات يوم: (هل هنا أحد من بني فلان) فلم يجبه أحد ثلاثاً فقال صلى الله عليه وسلم: (إنه من مات منكم محبوس عن الجنة بالذي كان عليه فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله) (2) وقال صلى الله عليه وسلم: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) (3) رواه مسلم. فالواجب أن يسرع في قضاء دينه ليصل إليه ثواب الله عز وجل ويمتنع عنه هذا الحبس عن فضل الله وجنته، وكذلك لما فيه من تبرئة ذمته. ولا بأس أن يكشف وجه الميت فيقبل، فقد صح ذلك عن أبي بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: أنه كشف وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقبله وقال: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله) (4) . والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والأربعون بعد المئة (يوم السبت: 15 / 7 / 1415 هـ) فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية)
فالغسل والتكفين والصلاة والدفن للميت فرض على الكفاية، فإذا قام به طائفة من المؤمنين سقط الإثم عن الباقين. فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن وقصته راحلته فمات: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) (1) . والشاهد قوله: " اغسلوه، وكفنوه " فهذه أوامر ظاهرها الوجوب وهي موجهة إلى الجماعة فكان فرضاً على الجماعة أو فرضاً على الكفاية. فالغسل والتكفين فرض للحديث المتقدم، وكذلك فقد أجمع أهل العلم على فرضية الصلاة عليه والدفن له. قال: (وأولى الناس بغسله وصيه) فإذا وصى الميت أن يغسله فلان أو أوصت امرأة أن تغسلها فلانة أو زوجها، أو والدها، فإن أولى الناس بالغسل هو الوصي، وإن كان أجنبياً ما دام مسلماً عدلاً فإن هذه الوصية تجعل هذا الموصى هو الأولى بالغسل. ودليل ذلك ما ثبت عند الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن: (أن فاطمة أوصت أن يغسلها زوجها " أي علي " وأسماء " وهي بنت عميس " فغسلاها) (2) . ولا شك أن هذا من باب إنفاذ وصيته وفعل ما يحبه، فإنه إنما أوصى بذلك لكونه يحب ذلك فكان هنا – حيث أن الغسيل له – أولى من أن يقوم بالغسل غير وصيه. قال: (ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته) " ثم الأب " لما فيه من الرأفة والرحمة به مما يجعله يقوم بالتغسيل على أفضل ما يكون منه. " ثم الجد "؛ لأن الجد بمنزلة الأب، فهو أب. " ثم الأقرب فالأقرب من عصباته ": كالابن والأخ الشقيق ثم الأخ لأب ثم العم الشقيق ثم العم لأب وهكذا من عصباته كما يكون في الميراث. قال: (ثم ذوو أرحامه)
كالجد لأم والخال ونحو ذلك، وسيأتي بيان ترتيبهم في الكلام على مسألتهم في المواريث والفرائض. قال: (وأنثى وصيتها ثم القربى فالقربى من نسائها) أي يتولاها وصيتها ثم القربى من النساء، أي الأم، فالبنت، فبنت البنت، فالأخت الشقيقة، فالأخت لأب، فالأخت لأم، والعمة والخالة بمنزلة واحدة، وهكذا. فليس كالترتيب المتقدم في الميراث بل يقدم الأقرب فالأقرب لصفة القرابة والمحرمية، فعلى ذلك تكون العمة والخالة بمنزلة واحدة، وبنت الأخت وبنت الأخ بمنزلة واحدة، فإذا حصل تشاح بينهما فإنه يقرع بينهما. هذا هو المشهور في المذهب: وأن حكم الرجال في هذه المسألة ليس كحكم النساء، فالرجال يقدم العم على الخال لأنه عصبة، وأما النساء فلا، بل تقدم القربى فالقربى، فالخالة تقدم على بنت العم. وقال الشافعية بما قال به الحنابلة لكن قالوا: يقدم من (1) يتساوى قربهن إلى المرأة، كالعمة والخالة: تقدم من كانت في محل العصوبة، فتقدم كما لو كانت ذكراً. فمثلاً في العمة والخالة، تقدم العمة لأنها بمنزلة العم، والعم في الميراث مقدم على الخال، وهذا أقوى لأنه مرجح فهو أقوى من القرعة بينهن. وظاهر ما ذكره الحنابلة هنا والشافعية: أن الزوج والزوجة لا يقدمان على غيرهما إلا مع الوصية، بل الأجنبية تقدم على الزوج. وهذا هو المشهور عندهم. وذهب بعض الشافعية وهو الوجه الثاني عندهم وقال به بعض الحنابلة: إلى أن الزوج أو الزوجة يقدمان بعد الوصي – وهذا القول أظهر –، وأن الزوج أولى بغسل زوجته من غيره، والزوجة أولى بغسل زوجها من غيرها من النساء – القريبات إليه – إلا ما تقدم من تقديم الوصي فإن الوصي مقدم لرغبة الميت فيه.
وذليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (لو مت قبلي لغسلتك ثم كفنتك ثم صليت عليك ثم دفنتك) (1) وقالت عائشة – كما في سنن أبي داود - بإسناد حسن: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه) (2) وقد صح في الموطأ بإسناد صحيح: (أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر رضي الله عنه) (3) ؛ ولأنه لا يؤمن من اطلاع الغاسل على شيء من العورة فكان من أبيح له الاطلاع إليها في حال الحياة بسبب الزوجية أولى من غيره. فالصحيح ما ذهب إليه أهل هذا القول: فأولى الناس الوصي ثم الزوج أو الزوجة ثم بعد ذلك يكون الأقرب فالأقرب من العصبات ثم ذوو الأرحام، سواء كان الميت ذكر أو أنثى ما دام – أن - المغسل مسلماً.
واشترط الحنابلة العدالة، وهو قول ظاهر؛ فإنه قد يطلع على الميت ما يكون فيه فضيحة فاحتيج إلى أن يكون المغسل عدلاً ليستر على الميت فيما يطلع عليه من عورة أو نحو ذلك. قال: (ولكل من الزوجين غسل صاحبه) وهو مذهب جماهير العلماء بل حكي إجماعاً. والأحاديث المتقدمة تدل عليه كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو مت قبلي لغسلتك) (1) وقول عائشة: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه) (2) . وفعل أسماء بنت عميس في غسل أبي بكر رضي الله عنه وكان ذلك بمحضر الصحابة من المهاجرين والأنصار في المدينة فلم ينكروه فكان ذلك إجماعاً. فغسل الزوج للزوجة أو الزوجة للزوج جائز عند جماهير العلماء بل هو إجماع إلا ما حكي عن الإمام أحمد في رواية عنه، والمشهور من مذهبه جواز ذلك. قال: (وكذا سيد مع سُريته) فالسيد يجوز أن يغسل سُريته. والمراد بالسُرية هي الأمة التي يطؤها سيدها. فنخرج حينئذٍ: الأمة المتزوجة التي قد زوجها سيدها أو الأمة المعتدة من نكاح فإنه لا يحل له أن يطلع إلى عورتها لأنها في عصمة غيره. بخلاف السُرية فإنه يجوز أن يغسلها وهي بمنزلة الزوجة. * وفي المقنع: " وهي معه " ولم يذكره المؤلف هنا، وينبغي ذكر ذلك وهذا هو المشهور في المذهب – أي هي تغسله أيضاً – فالسُرية تغسل سيدها، لأنها تطلع على عورته فهي بمنزلة زوجته فإذا مات جاز أن تغسله. هذا هو المشهور في المذهب. وقال بعض الحنابلة وهو مذهب الشافعية: لا يجوز ذلك. وذلك لأنها بموت سيدها قد خرجت من ملكه إلى ملك غيره، فهي مملوكة لغيره بموته فتنتقل إلى غيره ملكاً – وحينئذٍ – فلا يجوز لها أن تطلع على عورته فقد خرجت بموته مباشرة من ملكه إلى ملك غيره.
وهذا القول أظهر؛ فإنها بموت سيدها قد خرجت من ملكه إلى ملك غيره، بخلافها إذا ماتت عند سيدها فإن الملك كان في الحياة ثابتاً وقد زال الانتفاع منها فتعلقت بقية أحكام التمليك فيها، لأنها إذا ماتت لم تبق محلاً للانتفاع، بخلاف موت سيدها فهي ما زالت محلاً للانتفاع وقد مات مالكها وبموته انتقلت ملكيتها إلى غيره كما لو باعها أو وهبها. فالصحيح أنه لا يجوز لها أن تغسل سيدها لخروجها من ملك سيدها. قال: (ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط) يجوز للمرأة وللرجل أن يغسل من له دون سبع سنين سواء كان ذكراً أو أنثى. فيجوز للرجل الأجنبي أن يغسل جارية دون سبع سنين، وكذلك يجوز للمرأة الأجنبية أن تغسل الغلام دون سبع سنين. هذا هو المشهور في مذهب أحمد ومذهب مالك. وقيَّده الشافعي بقيد أصح فقال: حيث لا يشتهى، فلا يقيد بسبع سنين أو ست وإنما يقيَّد بنفي الشهوة، فإذا كان صبياً لا تشتهيه المرأة أو جارية لا يشتهيها الرجل وليست محلاً للشهوة فلا بأس بغسلهما؛ لأن مثليهما لا عورة له فإن الصبي الذي له ست أو خمس أو سبع ونحوها ممن لا يشتهى ليست له عورة فحينئذٍ يجوز أن تطلع المرأة على عورته ويجوز أن يطلع الرجل على عورة الجارية عند غسلها حيث عدمت الشهوة. قال: (وإن مات رجل بين نسوة أو عكسه يممت كخنثى مشكل) هنا مسائل: المسألة الأصلية: أن الخنثى المشكل وهو من لم تثبت ذكوريته ولا أنوثيته لا يجوز أن يغسل لا من النساء ولا من الرجال بل ييمم. أما كون النساء لا يغسلنه فلأنه يحتمل أن يكون رجلاً، وأما كون الرجال لا يغسلونه فلاحتمال كونه امرأة. ومثل ذلك الرجل يموت بين النساء وليس ثمة رجل يغسله من الرجال وليس ثمة زوجة أو أمة – على القول بها – فإنه حينئذ ييمم. ومثل ذلك المرأة إذا ماتت بين الرجال فإنها تيمم، كما هو مذهب جمهور الفقهاء.
وقد روى الطبراني في الكبير، كما في المجمع بإسناد فيه عبد الخالق بن يزيد بن واقد وهو ضعيف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في الرجل يموت بين النساء وفي المرأة تموت بين الرجال وليس معهما محرم قال: (يُيَمَّمان) (1) وله شاهد مرسل من مراسيل مكحول رواه البيهقي (2) . فإن مات رجل بين نساء أو امرأة بين رجال فإنهما لا يغسلان بل ييممان، لأن في تغسيل الرجال للمرأة أو النساء للرجل إطلاع على العورة التي لا يجوز للمغسل أن يطلع عليها فكان الانتقال إلى حكم التيمم. - وقال بعض الشافعية – فهو وجه عندهم – وهو رواية عن الإمام أحمد قالوا: بل يغسلان بصب الماء على الثياب من غير أن يقع شيء من الاطلاع على العورة. بل يصب الماء صباً على ثوبه أو على قميصه أو على حرمه من غير أن يمس ومن غير أن يطلع على عورة الميت سواء كان ذكراً أو أنثى. وهذا القول – في إطلاقه ضعف –؛ لأن مثل هذا التغسيل قد لا يزيد الميت إلا اتساخاً. فإن غسله وعليه ثيابه قد لا يزيده إلا اتساخاً فينافي المقصود من تغسيله وتهيئته للدفن. لكن إن كان في ذلك التغسيل إنقاء كأن يكون مغُسلاً فمات فيعلم أن الماء يصل إليه بالصب من غير أن يظهر شيء من عورته، وأن هذا الغسل ينقيه ولا يحدث له منه وسخ. فحينئذٍ ينبغي القول بمشروعية الغسل لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (3)
ولما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما مات قال الصحابة رضي الله عنهم: (والله ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يجرد موتانا فلما اختلفوا أُلقي عليهم النوم فكلمهم مكلم من ناحية البيت أن اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثيابه فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه والقميص دون أيديهم) (1) فهذا يدل على أنه متى حصل إنقاء في الغسل وعجز عن الغسل التام فوجد مانع يمنع الغسل التام سواء كان هذا المانع شرعي كما كان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك فإنه حينئذٍ يجوز أن يغسل بصب الماء عليه، وهذا لا شك أولى من التيمم. إذن: الراجح أن يقال في هذه المسألة تفصيل: فإن كان الغسل يحصل به الإنقاء، فإنه يغسل ولو كان ذلك بصب الماء على قميصه. وأما إن كان لا يحصل به الإنقاء، فإنه ييمم. وظاهر قول المؤلف وإن كانت النسوة من محارمه، وإن كان الرجال من محارمها، وهو مذهب الحنابلة. فإذا مات الرجل بين النساء وإن كانت النساء من محارمه أو تموت المرأة ومعها أبوها أو أخوها ورجال أجانب – فإنهم – حينئذٍ – لا يغسلونها بل ييممونها. فالمشهور في المذهب أن الرجال المحارم لا يجوز أن يغسلوا المرأة وإن كانت من محارمهم، وأن النساء المحارم لا يغسلن الرجل المحرم لهن، وهذا القول ضعيف. والصحيح ما ذهب إليه المالكية والشافعية: من جواز فعل ذلك لكن مع ستر العورة، فيستران العورة، ثم يقومان بالغسل، وإذا احتاج إلى الاطلاع على العورة لتمام الغسل فإن ذلك يكون معفواً عنه؛ لأن ذلك من باب الحاجة كما يجوز أن يطلع الطبيب ونحوه على شيء من عورة المرأة أو الرجل للحاجة إلى ذلك، فكذلك هنا وقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}
فالراجح: أن الرجل المحرم والمرأة المحرم يجوز لهما أن يقوما بغسل المحرم من غير جنسهما، فالمرأة تغسل الرجل من محارمها، والرجل يغسل المرأة من محارمه إن عدم الجنس الموافق له، أما إن لم يعدم فذلك لا يجوز. فإذا وجدت المرأة وإن كانت أجنبية فهي التي تقوم بالغسل دون الرجل، أما إذا عدم فإنه يقوم به الرجل لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} ولأنه أولى بالاطلاع على شيء من عورتها من الطبيب عند الحاجة، فإن الطبيب أجنبي وعند الحاجة يجوز. وهو أولى من ذلك؛ لأنه محرم لها وهي أيضاً محرمة له ولا شك أن اطلاع المحرم على شيء من العورة يبعد أن يكون لشهوة. قال: (ويحرم أن يغسل مسلم كافراً) لا يجوز للمسلم إن مات كافر أن يغسله. قالوا: لأن التغسيل تطهير له وهو لا يتطهر بذلك. - وقال الشافعية: بل يغسله، وهذا أظهر؛ لأنه يحتاج إلى التغسيل، والتغسيل له إحسان له، والله - عز وجل - لم ينه عن الإحسان إلى الكفار بل يحسن إليهم كما يحسن إلى المسلمين إلا أن يكون حربياً فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يحسن إليه بشيء؛ لأن الله نهانا عن الإحسان إليهم. فإذا كان كافراً غير حربي فالأظهر جواز تغسيله لأن ذلك من باب الإحسان إليه والإحسان إلى الكفار معتبر كما دلت عليه الآية الكريمة: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} (1) وقد روى ابن أبي شيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر علياً أن يغسل أباه أبا طالب لما مات) (2) لكن الحديث مرسل من مراسيل الشعبي فإسناده ضعيف. قال: (أو يدفنه بل يوارى لعدم من يواريه) أما الدفن فإنه لا يدفن كما يدفن المسلمون بل يرمى في حفرة يوارى فيها.
فقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح: أن علياً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن عمَّك الشيخ الضال " ويريد بذلك أبا طالب " قد مات فقال: اذهب فواره) (1) أي اذهب فوار عليه تراباً. وهذا الحديث إسناده صحيح وفيه أنه لا يدفن وإنما يوارى لئلا يقع الضرر بجيفته. إذن: الكافر إذا مات لا يغسل في المشهور من المذهب والراجح خلاف ذلك. وأما الدفن فإنه لا يدفن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بمواراة أبي طالب مع كونه أولى بالدفن من غيره من الكفار لنصرته للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد أمر بإلقاء صناديد قريش الذين قتلوا في بدر أمر بإلقائهم في قليب بدر - كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين. والحمد لله رب العالمين الدرس الخامس والأربعون بعد المئة (يوم الأحد: 16 / 7 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أخذ في غسله ستر عورته] هنا يبين المؤلف صفة الغسل المجزئة والمستحبة. " وإذا أخذ في غسله ستر عورته ": فيجب أن يستر عورته ولا يجوز له أن ينظر إليها ولا أن يمسها، وقد تقدم البحث في العورة. فيستر العورة، قال الموفق: " لا نعلم فيه خلافاً " (2) ؛ ولأنه يمكنه أن يطهره من غير نظر إلى عورته أو مس لها، فلم يكن في ذلك حاجة إلى كشف عورته، فكانت باقية على حكمها في الأصل من النهي عن مسها والنظر إليها، وهذا باتفاق العلماء. قال: [وجرده]
أي جرده سوى عورته، فيجرده من ثيابه سوى عورته، ودليله ما تقدم مما رواه أحمد وأبو داود من قول الصحابة: " لا ندري أنجرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما نجرد موتانا أو لا " (1) ، فدل على أنهم كانوا يجردون موتاهم سوى النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأن ذلك أمكن من تغسيله وأتم. فيجرد من ثيابه سواء كان ذكراً أو أنثى سوى العورة كما تقدم. قال: [وستره عن العيون] فيكون في محل مغطى في حجرة أو نحو ذلك؛ لئلا يظهر منه ما يكره فيطلع عليه أحد من الناس. فإذا كان في محل مكشوف فربما ظهر شيء منه، إما من عورته أو شيء مما هو مستور منه، فيظهر ما يكره ظهوره. ومن هنا استحب أهل العلم أن يكون المغسل أميناً صالحاً ثقة، يستر على الميت ما قد يظهر منه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أحمد بإسناد صحيح: (من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة) (2) . قال: [ويكره لغير معين في غسله حضوره] يكره لمن ليس له إعانة في الغسل أن يحضر الغسل. أما إن كان محتاجاً إلى إعانته بصب الماء أو تقليب الميت أو نحو ذلك (3) . أما إن لم يكن محتاجاً إليه، فلا يجوز أن يحضر هذا المعين؛ لأن حضوره قد يوافق ظهور شيء مما هو مستور على الميت مما يكره أن يطلع عليه. ولأن الغاسل قد يطلع على شيء من عورة الميت مما قد يقع موافقة، لكن للحاجة إلى ذلك تجوز (4) عنه. أما أن يكون أحد من الناس يحضر ذلك، فيقع نظره على شيء من عورة الميت مما قد يقع على سبيل الموافقة أو نحو ذلك فإنه لا حاجة إلى مثل ذلك، فلا يكون ظهور ذلك كظهوره عند من يحتاج إلى غسله إما تأصلاً أو إعانة. قال: [ثم يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويعصر بطنه برفق]
" يعصر بطنه برفق ": ليخرج من جوفه ما هو متهيئ للخروج من البول أو الغائط أو نحو ذلك؛ لئلا يخرج بعد تغسيله فيتنجس الميت. فيرفع رأسه إلى قرب جلوسه من غير أن يجلسه؛ لأن في إجلاس الميت مشقة على الميت، فيخشى أن يحدث ذلك انفصالاً في بعض أعضاء بدنه أو نحو ذلك. أما مجرد رفع ظهره قليلاً قريباً إلى الجلوس ثم يحرك بطنه حتى يخرج ما هو متهيئ للخروج؛ لئلا يكون خروجه بعد الانتهاء من غسله، فيحتاج حينئذ إلى إعادة صب الماء عليه، فيكون في ذلك مشقة. قال: [ويكثر صب الماء حينئذ] أي حين هذا الفعل من عصر البطن وتحريكه، يكثر صب الماء على المحل الذي يخرج منه الخارج ليزيله بسرعة، فيصب الماء على السبيلين أثناء خروج شيء منهما. واستحسنوا أن يكون هناك بخور أو نحو ذلك أثناء ذلك؛ لئلا يخرج شيء مما يتأذى به من رائحته. قال: [ثم يلف على يده خرقة فينجيه] فيلف على يده خرقة ويغسل السبيلين، ولكن لا يكون ذلك بالمس باليد مباشرة، بل يكون ذلك بخرقة؛ لأن هذا الفعل يحصل به الإنقاء والتطهر المقصود، فلا يجوز حينئذ أن يكون ذلك عن مس، فإنه بقدر الاستطاعة ينبغي حفظ العورة مساً ونظراً، وحيث أنه يمكنه أن يزيل الخارج من السبيلين بخرقة من غير أن يمس، فلا يجوز المس؛ لأن المس لا يحتاج إليه حينئذ، فيبقى على التحريم. فإن زال بالصب ونحو ذلك، فلا بأس. قال: [ولا يحل مس عورة من له سبع سنين] فمن كان له سبع سنين فأكثر، فإنه لا يجوز أن يمس عورته، وقد تقدم هذا؛ ولأن الإنقاء ما دام يحصل بغير مس للعورة، بأن يكون بخرقة، فإنه لا يجوز أن يرتقى إلى المس مع إمكان ما هو دونه. قال: [ويستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة] فالمستحب في سائر البدن، كالفخذين والظهر ونحو ذلك ألا يمس شيئاً من ذلك إلا بخرقة. لفعل الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كانوا يصبون الماء ويدلكونه والقميص من دون أيديهم.
فإذا حصل الإنقاء بذلك فعل، وإن لم يحصل الإنقاء إلا بمسه، فإنه يفعل ذلك، فيمس بدنه، ولا يحرم هنا المس بخلاف مس العورة، فإنه لا يجوز إلا للضرورة إلى ذلك. قال: [ثم يوضيه ندباً] بعد أن ينتهي من إزالة الخارج وتنظيف السبيلين وإخراج ما في بطنه من أذى، يشرع حينئذ فيوضئه، وتوضيئه للاستحباب، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - - في حديث أم عطية المتفق عليه -: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) (1) . فيستحب أن يكون الابتداء - بعد الاستنجاء وإزالة القذر - بالتوضئة. قال: [ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه] فيستثنى من ذلك المضمضة والاستنشاق؛ لأن في دخول الماء في الفم والأنف إدخال لهذا الماء إلى الجوف، فحينئذ قد يكون سبباً لتحريك القذر في جوفه، فيكون ذلك سبباً لإخراج القذر وقد انتهى من إزالته، فيكون فيه مشقة؛ لإكثار الصب عليه وإكثار غسله ونحو ذلك. فإذا وضع الماء في فيه أو أنفه، فدخل جوفه، أثار النجاسة الموجودة في جوفه، فأدى ذلك إلى خروجها أثناء الغسل، فكان في ذلك مشقة على الميت بإكثار صب الماء على بدنه، ولا شك أن ذلك يؤثر سرعة الفساد إلى بدنه بسبب كثرة صب الماء، مع ما في ذلك من مشقة على الغاسل. قال: [ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه، فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظفهما، ولا يدخلهما الماء] هكذا الطريقة في محل المضمضة والاستنشاق. يأخذ خرقة فيبلها بالماء فينظف بها أسنان الميت وشفتيه ونحو ذلك. ويدخل خرقة أخرى فينظف بها أنفه من الداخل. هذا محل المضمضة والاستنشاق.
وقال الشافعية: بل يمضمضه وينشقه (1) ؛ للحديث المتقدم، فإنه قال: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) ، والفم والأنف من مواضع الوضوء. والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول؛ لما تقدم، فإن في مضمضته واستنشاقه ما يؤثر بإثارة الخارج، فيكون في ذلك مشقة في كثرة صب الماء عليه. قال: [ثم ينوي غسله] فإذا غسل مواضع الوضوء منه وأدخل الخرقة في فمه وأنفه، فإنه ينوي بعد ذلك غسله، ويشرع في الغسل. هكذا قال المؤلف هنا. لكن العبارة في المقنع قبل ذكر الوضوء، وهذا هو الظاهر؛ لأن الوضوء من الغسل المستحب، فالغسل المستحب يكون أوله الوضوء، ثم يغسل بقية وسائر البدن. فكان المستحب – على ما ذكر الموفق في أصل الكتاب، الذي هذا المؤلف اختصار له -. لكن إن لم ينو إلا بعد الوضوء، فذلك جائز فإن الواجب حينئذ – أي بعد أن يوضئه ويريد أن يشرع في تغسيله -. لكن النية استحباباً تكون قبل الوضوء؛ ليدخل الوضوء في الغسل، فهو مستحب للغسل. وتجب ذلك – أي النية – بعد التوضئة وقبل الغسل، فإن النية فرض على الغاسل؛ لأن الغسل عبادة كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (اغسلوه بماء وسدر) (2) ، وقال: (اغسلنها ثلاثاً) (3) الحديث. فالغسل فرض كفاية، فكانت النية فيه فرضاً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (4) . فإذا غسله بلا نية لم يجزئ ذلك.
وعن الإمام أحمد، وهو قول بعض الحنابلة: أنه لا يشترط ذلك؛ قالوا: هو بمنزلة إزالة الخارج من السبيلين؛ لأن المقصود هو تنظيف الميت وتطهيره، فلم تجب له النية. وهذا ضعيف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بتغسيله، وهو أمر مطلق شامل لنية النظافة وغيرها. والعلة تعبدية، بل المراد تطهيره وإن كان نظيف البدن، بدليل أن من مات غريقاً أو نحو ذلك فأخرج فإنه يغسل وإن كان موته في ماء وهو في نظافة، فإنه يغسل تعبداً لله بالغسل، فليس ذلك كإزالة النجاسة التي يقصد إزالتها فحسب، بل المقصود هو الغسل. والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان طيباً عند موته ومع ذلك غسل تعبداً لله في ذلك. فالصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الغسل تشترط له النية، فإن عدمت فإن الغسل لا يجزئ ويجب أن يعاد الغسل بنية. والنية مستحبة قبل إيضائه، وبعد إيضائه وقبل غسله هي فرض، لتشمل الغسل المجزئ. قال: [ويسمي] كما تقدم في الأغسال المشروعة وفي الوضوء المشروع، أنه يشرع فيه التسمية، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد كما تقدم البحث فيه. قال: [ويَغْسِل برغوة السدر رأسه ولحيته فقط] يؤتى بالماء فيوضع فيه سدر ثم يحرك حتى تظهر الرغوة، فإذا ظهرت، أخذت وغسل بها رأسه ولحيته. وما تبقى من الثُغْل، وهو بقية السدر الباقي بعد خروج هذه الرغوة يغسل بها سائر البدن. هذا هو المشهور في المذهب، ويكون ذلك في كل غسلة من الغسلات. وإنما خصوا الرغوة بالشعر واللحية؛ لأن غسل الشعر واللحية بالثغل يبقي شيئا منه في الرأس لا يزال إلا بإكثار الصب على الرأس، بخلاف الرغوة فإنها تذهب مع الشعر. أما إذا كانت على البدن – أي الثغل – فإنها تذهب مع صب الماء اليسير.
ولفظ المقنع – وهو أظهر – إطلاق ذلك وأنه يغسل سائر البدن بالرغوة. لكن إذا كانت الرغوة قليلة فإنه يكتفى بها - كما هو المشهور في المذهب – على الشعر واللحية، وأما سائر البدن، فإنه يغسل بالماء المتبقي من الثغل أو الكدر أو نحوه من السدر، أما إذا كانت الرغوة تكفي البدن كله، فإنها تغسل بها البدن، كما هو قول الموفق في أصل هذا الكتاب، وهو أظهر. لكن إن كانت الرغوة قليلة، فالشعر واللحية أحق بها؛ لأن سقوط الثغل والكدر في الشعر يصعب إزالته. وظاهر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي فيه ذكر السدر أنه يوضع في كل غسلة، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين من حديث أم عطية، قالت: " دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نغسل ابنته، فقال: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً – وفي رواية: أو سبعاً – أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور) (1) . وظاهر ذلك أن كل هذه الغسلات يكون فيها الماء والسدر، وهو نص الإمام أحمد. وسئل على إشكال يطرأ على ذلك، وهو أن الغسلة الأخيرة – حينئذ – يبقى على البدن شيء من ورق السدر أو من دقيق السدر الذي يكون في الماء الذي وضع فيه السدر، فقال رحمه الله: " هو نقي "، وقال عطاء: " هو طهور "، وهو كما قالا. فإنه ليس من الشرط أن يزال هذا الثغل أو هذا الكدر الذي يكون مع الماء من السدر، فإنه لو بقي فلا أثر له، بل هو طهور نقي. لكن إن صب عليه الماء لإزالته، فلا بأس. قال: [ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، ثم كله ثلاثاً] أي يشرع في صب الماء، فيصب على الجهة اليمنى ثم الجهة اليسرى؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) .
فهذا الحديث يدل على أن المستحب أن يُبدأ بالميامن، فيبدأ بشقه الأيمن ثم شقه الأيسر، ثم يصب الماء عليه كله، ويكون ذلك ثلاث مرات. وهذا هو المستحب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (اغسلنها ثلاثاً) . فإن اكتفى بغسله مرة واحدة أجزأ ذلك، وهو خلاف ما يستحب، فالمستحب أن يغسل الميت ثلاثاً. لكن إن غسله مرة أجزأ ذلك؛ لإطلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (اغسلوه بماء وسدر) ، فهذا يدل على أن المجزئ هو تعميم البدن بالغسل، لكن المستحب أن يغسله ثلاثاً فأكثر على حسب المصلحة. قال: [ثم (1) يمر في كل مرة يده عل بطنه] يعني: يحرك بطنه في كل مرة من مرات التغسيل حتى يخرج ما هو متهيئ للخروج. قال: [فإن لم ينق بثلاث، زيد حتى ينقي ولو جاوز السبع] إذا لم ينق الثلاث، فإنه يزيد رابعة فخامسة، فإن لم ينق، زاد سادسة فسابعة فأكثر من ذلك حتى ينقي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) . وقوله: (إن رأيتن ذلك) أي على حسب المصلحة، لا على حسب التشهي. وظاهر كلام المؤلف – وهو مذهب الحنابلة – أن ذلك مربوط بخروج الخارج. بمعنى: أنه لو كان البدن نقياً بثلاث غسلات، لكن خرج شيء من السبيلين، فإنه يعيد الغسل كاملاً مرة رابعة فخامسة، وهكذا. وذهب جمهور العلماء: إلى أنه يوضئه حينئذ؛ لأن التكرار المتقدم إنما هو حيث كانت المصلحة في تكراره على البدن كله. أما هنا فإن المصلحة في صب الماء على السبيلين فحسب. قالوا: فحينئذ يوضئه. وما ذهبوا إليه – مع أنه أقوى من القول الأول -، لكن الأظهر ألا يقال بتوضئته، بل وإنما يقال بمجرد صب الماء على السبيلين فيزال الخارج.
وذلك لأن حكم الميت ليس كحكم الحي، فهم إنما قاسوا الميت على الحي، فإن الحي إذا اغتسل من الجنابة ثم خرج منه شيء فإنه يتوضأ عن هذا الخارج؛ لأن هذا الخارج ناقض للحدث (1) الأصغر دون الأكبر، ولا يعيد الغسل كاملاً؛ لأن الغسل قد بنيت حكمه بالاغتسال، وخرج من الحدث الأكبر بالاغتسال، لكن خروج هذا الحدث الأصغر يوجب عليه الوضوء. وإلحاق الميت بالحي فيه نظر، فإن هذا الغسل إنما هو من باب التعبد وليس بمعنى اغتسال الحي الذي يكون متهيئاً للصلاة ونحوها مما يشترط له الوضوء. فالأظهر: أنه إذا غسله ثلاثاً فأنقى بدنه، فخرج منه شيء من السبيلين، فإنه يكتفي حينئذ بغسل الموضع الذي خرجت منه النجاسة من غير أن يعيد الغسل مرة أخرى، خلافاً للمشهور عند الحنابلة. وقال الجمهور: يعيد إيضاءه، وهذا وإن كان على الغاسل أهون من إعادة الغسل، لكن الأولى فيه أن يكتفى بغسل المحل الذي خرج منه الخارج. قال: [ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً] فالغسلة الأخيرة يضيف إليها الكافور، وهو نافع للميت، فإنه يشد البدن ويصلب الجسد ويطرد الهوام، ويبرد البدن أيضا، مما يؤدي إلى تأخر الفساد إليه. ودليله ما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: (واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور) (2) . والكافور طيب، فإذا لم يوجد الكافور ووجد ما يقوم مقامه مما فيه هذه الفوائد المتقدمة، فإنه يضاف إلى الغسلة الأخيرة شيء من الطيب لحصول شيء من فوائده، فإن الكافور رائحته طيبة. قال: [والماء الحار والأشنان والخِلال يستعمل إذا احتيج إليه] " الخلال ": أن يدخل عوداً أو نحوه بين أسنانه لإخراج شيء من الوسخ بين الأسنان. فالماء الحار قد يعجل بفساد البدن، ومثله الأشنان. والخلال قد يحدث شيئاً في لثة الميت ويخرج الدم ونحو ذلك. فهذه الأشياء لا تستعمل إلا إذا احتيج إليه.
فإذا كان هناك أذى بين أسنانه فلم يتمكن من إخراجه إلا بالخلال، فإنه يفعل ذلك. وإن كان عليه وسخ شديد لا يمكن أن يزال إلا بالأشنان ونحوه وبصب الماء الحار ونحو ذلك، فإنه يفعل. قال: [ويقص شاربه ويقلم أظافره] هذا هو المشهور في المذهب، وهو مذهب إسحاق وسعيد بن المسيب وابن جبير والحسن البصري، قالوا: يستحب تقليم الأظافر وقص الشارب. وهل يستحب نتف الإبطين؟ المشهور في المذهب كذلك. وهل تحلق العانة؟ وجهان في مذهب الحنابلة: الأول: أنه يستحب ذلك بشرط أن يكون ذلك بمزيل من غير أن ينظر إلى عورته. الثاني: أنه لا يستحب ذلك. وقال جمهور العلماء: بل لا يستحب شيء من ذلك كله، بل يبقى الميت على هيئته. وقال بعض الحنابلة: يستحب ذلك إن كان فاحشاً كثيراً. وهذا – فيما يظهر لي – أظهرها؛ وذلك لأن هذا الشيء الكثير الفاحش من التطهر والتنظف إزالته. بخلاف مجرد طول في الشارب والإبطين والأظافر، فإن مثل هذا قد لا يحتاج إلى إزالته إلا بعد أن يمر عليه الوقت المحدد، وهو أربعون يوماً. ولأنه إذا كان طوله ليس بفاحش، فلا يكون مستنكراً إلا مع مرور المدة المتقدمة التي وقّتها النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولم يصح لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه أنهم كانوا يفعلون ذلك، فكان المستحب إبقاء ذلك كله إلا أن يكون فيه فحش، فإنه يزال من باب التنظف والتطهر، والله أعلم. * استحب الحنابلة – أيضاً – أن تخضب اليدان ونحوها بالحناء. وقال بعض الحنابلة: لا يستحب ذلك إلا أن يكون ممن اعتاده في الحياة، وهذا حسن. أما الأول، فهو ضعيف؛ لعدم الدليل عليه، أما من اعتاده في الحياة فلا بأس بذلك. قال: [ولا يسرح شعره] قالوا: لعدم وروده.
وقال الشافعية: بل يستحسن ذلك، فيسرح شعره وظفره، فيستحسن كما يفعل ذلك بشعر المرأة، فلا فرق في هذا بين المرأة والرجل، لاسيما إذا كان شعر الرجل طويلاً، فإنه يحتاج إلى جمع وتسريح ونحو ذلك. وقد ثبت هذا في شعر المرأة كما سيأتي من حديث أم عطية، قالوا: فكذلك الرجل. وقال بعض الحنابلة: يستحب أن يكون ذلك بمشط ذي أسنان متباعدة؛ لئلا يؤدي ذلك إلى تساقط شعره. والأمر – فيما يظهر لي – واسع، فإن فعل هذا، فهو حسن. قال: [ثم ينشف بثوب] إذا انتهى من تغسيله، فإنه ينشف بثوب؛ لئلا يبتل الكفن بالماء، فكان المستحب ذلك؛ لئلا يبتل الكفن بالماء. قال: [ويضفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل وراءها] لقول أم عطية في غسلها لابنة النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وظفرناها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها) . وهذا كان بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - - كما في رواية ابن حبان – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اظفرن شعرها ثلاثة قرون) . ولا بأس أن يكون ذلك مع المشط، فقد ثبت في رواية مسلم: (ومشطناها ثلاثة قرون) . فيكون تسريح ومشط، وتظفر ثلاثة قرون، هذا هو المستحب كما فعل بابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر منه عليه الصلاة والسلام. قال: [وإن خرج منه شيء بعد سبع حشي بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حر] إذاً: قبل السبع كل ما خرج منه شيء، فإنه يغسل، أي يعاد الغسل كاملاً، وهو كما تقدم قول ضعيف. أما إذا وصل إلى السبع، فلا يعاد؛ لذا قال: " وإن خرج منه شيء بعد سبع، حشي بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حُر - أي خالص صلب – يمنع من خروج الخارج، أو نحوه مما يمنع من خروج الخارج عن الميت. قال: [ثم يغسل المحل ويوضأ] ولم يقل: إنه يغسل بدنه – كما في المسألة السابقة –، بل يكتفى حينئذ بغسل المحل وبالوضوء.
فالمشهور في المذهب: أنه إذا خرج منه شيء بعد الثالثة، أعيدت رابعة فخامسة، حتى تكون سبعاً، فإذا خرج شيء بعد السابعة، فلا يعاد التغسيل، بل يكتفى بغسل المحل مع الوضوء. والراجح – ما تقدم -، وأن الإنقاء إذا حصل بثلاث، فخرج شيء من الخارج، فإنا نكتفي بغسل المحل والوضوء، كما هو مذهب الجمهور، بل الأصح ألا يوضأ، ويكتفى بغسل المحل، كما تقدم ذلك. قال: [وإن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل] كذلك إذا كفن وانتهى من تغسيله، فخرج منه شيء، فإنه لا يعاد الغسل، بل يكتفى بإزالة هذا الخارج وتنظيفه. وهل يوضأ أم لا؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: ما تقدم، أنه يوضأ. الثاني، وهو رواية عن أحمد: أنه لا يوضأ، وهو أرجح؛ لأن الوضوء فيه مشقة، وللفارق – كما تقدم – بين الحي والميت، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. الدرس السادس والأربعون بعد المئة (يوم الاثنين: 17 /7 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومُحْرِمٌ ميت كحي) أي أن أحكام الميت المحرم الذي يموت في إحرام حج أو عمرة هو حكم الميت من غير المحرم، وقد تقدم صفة غسل الميت فلا فرق في تلك الصفة بين الميت المحرم في حج أو عمرة أو غيره إلا ما يذكره المؤلف. قال: (يغسل بماء وسدر ولا يقرب طيباً) فلا يمس طيباً، ومن ذلك الكافور فقد تقدم أنه يستحب أن يجعل في الغسلة الثالثة للميت. أما المحرم فلا يجعل فيه كافور ولا غيره من الأطياب. قال: (ولا يلبس ذكره مخيطاً) فالذكر لا يلبس مخيطاً، بل يكفن في ثوبيه غير المخيطين، فلا يلبس قمص ونحو ذلك، بل يكون عليه ثوبا الإحرام اللذين أحرم بهما. قال: (ولا يغطى رأسه) فلا يوضع على رأسه شيء بل يبقى مكشوفاً. قال: (ولا وجه أنثى)
فيبقى وجه الأنثى مكشوفاً، لأن إحرام المرأة في وجهها كما هو مقرر في مذهب الحنابلة وسيأتي البحث في هذه المسألة في بابها في كتاب الحج، هذا حكم المحرم الميت. ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رجلاً كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) (1) قال: (ولا يغسل شهيد معركة) الشهيد: وهو شهيد المعركة لا يغسل، بل يدفن بدمه وثوبه على وجه الخصوص. ودليل ذلك: ما ثبت في البخاري عن جابر قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر بدفن شهداء أحد بدمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم) (2) ، وقال صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد وسنن النسائي بإسناد صحيح: (زملوهم بدمائهم فإنه ليس كَلْم يُكلم به في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك) (3) فالحكمة من تركه بدمه من غير تغسيل، أنه يأتي يوم القيامة وهو يدمى وهذا الدم منه لونه لون الدم وريحه ريح المسك، وهذا لبقاء الأثر لهذه الطاعة العظيمة، وهي طاعة الجهاد في سبيل الله، فهذا الحكم خاص في شهيد المعركة.
ويلحق به الشهيد في سبيل الله بأيدي من خرج على إمام عادل، فإن من كان في فريق الإمام العادل، وخروج الخارجون عليه وإن كانوا مسلمين فمن قتل منهم فله هذا الحكم لا يغسل، لأنه قد قتل في سبيل الله كما أن شهيد المعركة – مع الكفار – قد قتل في سبيل الله، وروى البيهقي في سننه أن عماراً دفن بدمه ولم يصل عليه علي رضي الله عنه (1) ، وكان مع أولى الطائفتين بالحق. فشهيد المعركة سواء كان مقتولاً من جهة الكفار، أو كان مقتولاً من جهة المسلمين في حرب كان هو مع الصف الذي هو على الحق – فله هذا الحكم – من ترك تغسيله. وأما الشهيد غير ذلك كالشهيد بالغرق أو الطاعون أو المبطون والنفساء ونحو ذلك مما ثبت بالأدلة الشرعية أنه شهادة فإن هذا يغسل ويصلى عليه باتفاق العلماء. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى على امرأة نفساء، والنفساء التي تقتلها طفلها من الشهداء، كما صح ذلك في الحديث. قال: (ومقتول ظلماً)
فمن قتل ظلماً فإنه لا يغسل، لأن المقتول في سبيل الله قد قتل ظلماً وبغير حق - وهذا كذلك – أي المقتول ظلماً لمال أو عرض أو غير ذلك له هذا الحكم. هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد. وذهب جمهور الفقهاء وهو رواية عن الإمام أحمد: أن من قتل ظلماً فإنه يغسل ويصلى عليه. وهذا هو القول الراجح الصحيح، فإن عمر رضي الله عنه قد قتل ظلماً وعثمان وعلي وغيرهم، وكانوا يغسلون ويكفنون، ويصلى عليهم، وإن كانوا شهداء، ومع ذلك لم يثبت هذا الحكم فيهم، وإنما ثبت في شهيد المعركة. بل لو قتل المسلم في أيدي الكفار لكن ذلك عن طريق الاغتيال، ونحوه مما لا يكون فيه قتال ظاهر، فإنه ليس له هذا الحكم. فعمر قتله أبو لؤلؤة المجوسي، وهو شهيد كما قال صلى الله عليه وسلم لأحد: (اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) (1) فالصديق أبو بكر والشهيدان عمر وعثمان. ومع ذلك فإنه – أي عمر – قد كفن كما ورد ذلك في البيهقي وغيره وهو مشهور عنه، وكذلك علي كما في البيهقي وغيره (2) ، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم. فعلى ذلك القتيل الذي يقع قتله في غير الصف يبقى على الحكم الأصلي من التغسيل والتكفين. قال: (إلا أن يكون جنباً) أي شهيد المعركة لا يغسل إلا أن يكون جنباً.
ودليل ذلك: ما رواه الحاكم بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما قتل حنظلة بن عبد الله بن الراهب قال: (إن صاحبكم تغسله الملائكة فسئلت صاحبته فقالت: " إنه خرج لما سمع الهيعة - الصوت الفزع وهو منادي الجهاد - وهو جنب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لهذا غسلته الملائكة) (1) قالوا: فهذا دليل على أن الجنب يغسل، فإن الملائكة قد غسلت حنظلة بن الراهب رضي الله عنه. - وقال المالكية والشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد: لا يغسل، وهو القول الراجح. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بما تقدم من أن حنظلة غسلته الملائكة، والملائكة غير مكلفين بغسل الميت، وإنما المكلف هم من علم بحاله من بني آدم، وأما الملائكة فله حكم آخر، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أولياءه أن يغسلوه لكونه جنباً وإنما اكتفى بالخبر أن الملائكة قد غسلته، فهذا خبر من النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يأمر بتغسيله. والأحاديث المتقدمة التي فيها أن الشهيد لا يغسل أحاديث عامة ممن مات جنباً أو طاهراً.
وكذلك في المرأة تقتل في سبيل الله حائضاً أو طاهراً فإنها لا تغسل – خلافاً للمشهور في المذهب – وأنها إذا ماتت حائضاً فكالجنب يجب غسلها لحديث حنظلة. والصحيح ما تقدم: وأن من قتل في سبيل الله سواء كان جنباً أو كانت المرأة حائضاً فإنهم لا يغسلون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغسل شهداء أحد وهذا عام في كل شهيد في سبيل الله. وأما الخبر بتغسيل الملائكة فهذا خبر عمن لم يتوجه إليه الخطاب وهم الملائكة، ولم يوجه – النبي صلى الله عليه وسلم – الخطاب إلا (1) الآدميين من أوليائه أن يغسلوه. قال: (ويدفن بدمه في ثيابه) لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد بإسناد صحيح: (زملوه في ثيابه) (2) فيكفن في ثيابه التي قتل فيها. قال: (بعد نزع السلاح والجلود عنه) لما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم) (3) ، لكن الحديث فيه عطاء بن السائب وقد اختلط فالحديث إسناده ضعيف. ولكن القائلين به من الحنابلة لم يقولوا به على وجه الإيجاب، وإنما قالوا به على وجه الاستحباب والأولوية. أي: يستحب أن ينزع عنه الجلد كأن يكون عليه خفان من جلد أو جبة من جلد فإنها تنزع عنه. وكذلك ما يكون عليه من السلاح من درع ونحوه فإنه ينزع عنه والحديث كما تقدم ضعيف. - وقال المالكية: بل يدفن في ثيابه كلها، وهذا أظهر، لكن السلاح ينبغي استثناؤه للانتفاع به، أو لا فائدة من دفنه مع الميت بل الفائدة في إبقائه لينتفع به، فالسلاح ونحوه مما ينتفع به ينزع عن الميت.
وأما ثيابه سواء كان من جلد أو فرو أو نحو ذلك فإنها تبقى عليه – إلا أن تكون هناك مصلحة راجحة لنزعها منه – كأن تكون للمسلمين حاجة في هذه الثياب لتكفين الموتى بها وعليه مزيد ثياب فإنه يكفن بها غيره. إذن: المستحب أن يدفن في ثيابه فلا يجدد له كفن. فإن كفن في غيرها فلا بأس، فقد ثبت في مسند أحمد أن صفية رضي الله عنها: (أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليكفن حمزة فيهما فكفنه بأحدهما وكفن بالآخر رجلاً آخر) (1) فإذن: إذا أحب الولي أو غيره أن يكفنه في ثوب آخر فلا بأس بذلك، لكن المستحب أن يكفن في ثيابه التي قتل فيها. قال: (وإن سلبها كفن بغيرها) إن سلب الثياب في القتال، فوقعت سلباً للكفار فإنه يكفن بثياب أخر. فما تقدم من الكلام فيما إذا كان عليه ثياب، أما إذا لم يكن عليه ثياب، أو كانت عليه ثياب غير كافية فإنه يكفن بثياب أخرى. قال: (ولا يصلى عليه) فشهيد المعركة لا يصلى عليه، لحديث جابر المتقدم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يغسل شهداء أحد ولم يصل عليهم) (2) ونحوه من حديث أنس في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يصل على شهداء أحد) (3) فهذه الأحاديث تدل على أنه لا تشرع الصلاة على شهيد المعركة. هذا هو مذهب جمهور العلماء. وذهب الأحناف: إلى مشروعية ذلك. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (خرج إلى أهل أحد فصلى عليهم كصلاته على الميت) (4)
في البخاري: (بعد ثمان سنوات كالمودع للأحياء والأموات) (1) أي كان ذلك قبيل وفاته بعد نحو ثمان سنوات من وقعة أحد، وهذا من باب التجوز فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي بعد سبع سنوات وأشهر من غزوة أحد. واستدلوا: بما رواه الطحاوي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة فكبر عليه تسع تكبيرات ثم صلى على الشهداء وكل ذلك وهو يصلي على حمزة " (2) يعني في كل واحد من الشهداء يصلي على حمزة ". قالوا: والحديث حسن. أما الحديث الثاني وهو ما رواه الطحاوي، فإنه حديث منكر، وقد ضعفه الشافعي وأعله ابن القيم وغيرهم. فإن المحفوظ عنه في الصحيحين وغيرهما أنه لم يصل على شهداء أحد، ولم يكن هذا ليخفى على جابر وأبوه من شهداء أحد، وكذلك لم يكن ليخفى على أنس وله في أحد شهداء. أما الحديث المتفق عليه: فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه دعا لهم كدعائه للميت، وهذا يكون فيه الجمع بين ترك النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة عليهم أولاً، ويكون فعله الثاني مجرد الدعاء لهم، لكن قال: (كصلاته على الميت) لبيان أن هذا الدعاء مخصوص فهو كالدعاء الذي يقع في الصلاة على الميت. ثم لو قلنا: أنه صلى عليهم صلاة كالصلاة المعروفة، فإنه ينبغي أن يقال: بكونه خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم لا يقولون بذلك. فالظاهر ما تقدم أنه دعاء كالدعاء في صلاة الميت، أو أن يكون ذلك خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصلاة على الميت إنما تشرع عند موته، وأما أن يكون ذلك بعد ثمان سنوات فلا. فالأظهر مذهب الجمهور وأن شهداء المعركة لا يصلى عليهم لترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. ثم لو قلنا بالحديث الذي ذكره الأحناف فيحسن أن يقال بما هو رواية عن الإمام أحمد: أن الصلاة على الشهيد تركها أولى فإن صلى فلا بأس.
قال: (وإن سقط عن دابته أو وجد ميتاً ولا أثر به … غسل وصلي عليه) تقدم أن شهيد المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه، وهنا استثناء فإذا سقط عن دابته بغير فعل من الكفار أو وجد ميتاً ولا أثر به فليس هناك جرح يدل على أن هذا الموت كان بسبب الكفار، فإنه يغسل ويصلى عليه. - هذا هو مذهب جمهور الفقهاء ومنهم الحنابلة. قالوا: لأن الأصل هو تغسيل الميت إلا ما ورد استثناؤه وهو شهيد المعركة وهذا لم يكن قتيلاً في المعركة وإنما حدث الموت له أثناء المعركة. - وقال الشافعية وهو قول القاضي من الحنابلة: أنه له حكم الشهداء – حينئذٍ –؛ فإنه قد مات وهو يقاتل في سبيل الله ولا يبعد أن يكون السبب هو ذات القتال، وإن لم يكن ذلك ظاهراً، فإن ذلك وإن لم يظهر لنا لكن الاحتمال فيه قوي، فمظنة سقوطه وموته أن يكون ذلك من الكفار، ولذا فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه. ولأنه – في الحقيقة – في حكم الشهداء فكان ينبغي أن يلحق بهم، والله أعلم. * وهنا مسألة قريبة من هذه المسائل: وهي فيمن أصابه سيفه أو أصابته رمية من جهة المسلمين، فكان في ذلك حتفه، فما الحكم؟ قال الحنابلة في المشهور عندهم وهو مذهب الجمهور: إنه يغسل ويصلى عليه. وقال الشافعية، وهو اختيار الموفق والقاضي من الحنابلة: له حكم الشهداء. واستدلوا: بما ثبت في صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: (لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالاً شديداً " وهو عامر بن الأكوع " فارتد عليه سيفه فقتله فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وشكوا فيه: " في شهادته في سبيل الله " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنه مات جاهداً مجاهداً) (1) فكان له حكم الشهداء.
وكان له حكمهم من حيث العموم فإنه لم ينقل لنا أنه خص بحكم سوى حكمهم من ترك تغسيلهم، فكان له حكم شهداء خيبر ممن قتل في سبيل الله تعالى، وهذا القول أظهر. فالراجح أنه في هذه المسألة لا يغسل ولا يصلى عليه فله حكم الشهداء، لأنه مظنة الموت في المسائل الأخيرة بسبب الكفار والقتال مظنة قوية حيث وجد ميتاً أثناء ذلك. أما لو علم أن موته ليس بسبب القتال فإن له الحكم الأصلي من كونه يغسل ويصلى عليه. قال: (أو حمل فأَكَل أو طال بقاؤه عرفاً غسل وصلي عليه) أي من حمل فأكل أو شرب أو تكلم أو [فعل] (1) فعلاً من الأفعال التي يفعلها الحي، أو طال بقاؤه عرفاً. إذن: إن تكلم أو أكل أو شرب أو نحو ذلك من الأفعال التي تقع من الحي وإن لم يطل بقاؤه عرفاً فإنه يغسل ويصلى عليه. فإن لم يفعل هذه الأفعال وطال بقاؤه عرفاً، فكذلك يغسل ويصلى عليه. فالمسألة إذن: من هو الشهيد الذي يترتب عليه الحكم من ترك الصلاة والغسل؟ المشهور في المذهب: أن هذا الحكم خاص فيمن أصيب في المعركة ولم يطل بقاؤه عرفاً بشرط ألا يفعل شيئاً من أفعال الحي من شرب أو كلام ونحو ذلك. وقال الموفق والمجد ابن تيمية من الحنابلة: بل إن طال بقاؤه عرفاً فهو الذي يخرج من هذا الحكم. أما مجرد كونه يشرب أو أنه يتكلم أو تأخذه إغفاءة فإن هذا ليس بمؤثر في الحكم ما دام لم يطل الزمن عرفاً إلا أن يأكل فإن الأكل إنما هو من شأن الأحياء. فعندهم أن من أكل وإن لم يطل بقاؤه عرفاً، فإنه ينتفي عنه الحكم، فيغسل ويصلى عليه. 3- وقال الشافعية، وهو قول في مذهب الإمام أحمد: لا يثبت هذا الحكم إلا فيمن كان موته قبل انقضاء الحرب. أما لو بقي بعد انقضاء الحرب فحمل إلى جهة المسلمين فإنه يغسل ويصلى عليه. الترجيح:
أما ما ذهب إليه الشافعية فإنه ينبغي أن يستثنى منه: ما لو بقي به رمق وهو في أثناء المعركة ثم حدث له الموت وقد علم انتصار هؤلاء على هؤلاء فقد انقضت المعركة، لكن بقي به من رمق ثم كان موته، فإن مثل هذا ينبغي أن يكون له الحكم من ترك التغسيل والصلاة عليه. وقد روى مالك في موطئه بإسناد منقطع: أن سعد بن الربيع وكان من شهداء أحد كان هكذا (1) ، فإنه قد بقي به رمق بعد انتهاء المعركة ثم مات وكان من شهداء أحد، والسند وإن كان منقطعاً لكن هذه القصة مشهورة في كتب السير. ثم إنه ليس هناك فارق مؤثر بين أن يموت في أثناء المعركة وأن يبقى به رمق وهو في موضعه ثم يموت بعد انتهائها، في الحقيقة لا فرق بين هاتين الصورتين. والقول بما ذهب إليه الحنابلة قول فيه قوة - وليس المقصود على إطلاقه بل على إخراج ما ذكروه من الشرب والكلام. فإن مثل هذه غير مؤثرة في الحقيقة، فإن مثل هذه الأمور تقع ممن يحتضر، فيقع منه الشرب والكلام والتوصية ونحو ذلك، فمثل هذه الأمور ليست بمؤثرة بخلاف الأكل فإنه لا يقع إلا من الأحياء. فالقول: بأنه متى طال الزمن عرفاً خرج من حكم الشهداء هذا قول قوي؛ لأن الأصل هو بقاء الحكم لما كان أثراً منه، والأثر في موته إنما هو هذه المعركة، وقد بقي زمناً يسيراً في العرف فلم يطل ذلك عرفاً، فكان باقياً في حكم ذلك الأثر الذي أثر به. أما إذا طال الزمن عرفاً فإنه يخرج من هذا الحكم، فإن سعد بن معاذ قد أصيب بسهم في أكحله في غزوة الخندق - كما ثبت في الصحيحين (2) – ولم يكن له حكم الشهداء بل غسل وصلي عليه.
وهذا وإن لم ينقل لنا فإنه في حكم المنقول إذ الهمم متوفرة لنقله والدواعي قائمة لنقله، فلو كان له حكم الشهداء لنقل ذلك، بل بقي مسكوتاً على طريقة غسله وتكفينه فكان ذلك إبقاءً على الأصل من كونه يغسل ويكفن؛ لأنه قد طال الفصل عرفاً. إذن: ينبغي أن يقال: من جرح جرحاً شديداً أثناء القتال فمات فيه أو قبل انقضاء الحرب أو بعد زمن يسير من انقضائها وكان السبب هو هذا الجرح الذي أصابه فله حكم الشهداء. أما إذا طال الفصل عرفاً، كأن يذهب إلى بلاده ويبقى ممرضاً حتى يأتيه الموت فإنه لا يكون له حكم الشهداء كما هو مشهور عند المسلمين كما في قصة سعد بن معاذ وغيره. قال: (والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غُسل وصلي عليه) السقط: من سقط من رحم أمه قبل أن يأتي أوانه. فهذا الساقط لأربعة أشهر وعند تمامها تنفخ الروح في الجنين في بطن أمه فيكون له حكم الأحياء فإذا سقط بعد أربعة أشهر فإنه يصلى عليه. وعليه فالجنين الذي يسقط من أمه قبل أربعة أشهر لا يصلى عليه؛ لأنه ليس من الأحياء فلم تثبت له الحياة بعد بل إنما هو قطعة لحم، بل يكون ذلك لمن نفخت فيه الروح ولا يكون ذلك إلا بعد أربعة أشهر كما في حديث ابن مسعود المتفق عليه (1)
ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) (1) رواه الخمسة وإسناده صحيح. - وذهب جمهور الفقهاء: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه إلا إذا خرج حياً باستهلاله صارخاً فثبت حياً ثم مات بعد ذلك، فلو سقط وهو ابن ثمانية أشهر فإنه لا يصلى عليه ولا يغسل بل يوارى، وأما إن خرج حياً فثبتت له الحياة باستهلاله صارخاً فإنه يثبت له هذا الحكم. واستدل الجمهور: بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الترمذي في الطفل: (لا يغسل ولا يصلى عليه حتى يستهل صارخاً) (2) فالحديث إسناده ضعيف فيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. - فالصحيح مذهب الحنابلة. قال: (ومن تعذر غسله يُمم)
إن تعذر غسله كحريق ومن أصيب بمرض في جلده لا يمكن تغسيله فإنه ييمم؛ لأن التيمم يقوم مقام الأغسال الشرعية ومن ذلك غسل الميت، فكما أنه يقوم مقام غسل الجنابة، فكذلك يقوم مقام غسل الميت لأن كليهما تطهير فكلاهما يفعل من باب التعبد والتطهير. - وعن الإمام أحمد: أنه لا ييمم، لأن المقصود من غُسل الميت تنظيفه والتيمم لا يستفاد منه تنظيفاً. والقول الأول هو الراجح؛ لأن غسل الميت لا يقصد منه التنظيف فحسب بل يقصد منه التعبد لله عز وجل بتطهير الميت هذا التطهير الشرعي، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غسل ولم يكن محتاجاً إلى التنظيف. وقد تقدم أثران أنه لا بأس بتحسينهما بمجموعهما في مسألة متشابهة لهذه المسألة - وهي إذا مات رجل بين نسوة أو عكسه فإنهما ييممان – وهي أصل في مشروعية التيمم في غسل الأموات. قال: (وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً) الغاسل وهو الأمين العدل يجب عليه إذا رأى من الميت ما يكون فيه شيء من العيب أو الفضيحة أن يستر ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله يوم القيامة) (1) رواه أحمد بإسناد صحيح. وروى الحاكم بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل مسلماً فكتم عليه غفر له [الله] أربعين مرة - وعند الطبراني: أربعين كبيرة - ومن حفر له [فأجنّه] أجري عليه كأجر (2) مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه كساه الله عز وجل من سندس وإستبرق الجنة) (3) والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا فالحديث إسناده صحيح. إذن: الواجب عليه أن يستر ما رآه، هذا إن كان الميت من أهل السنة.
وأما إن كان من أهل البدعة ورأى أن في بيان أمره ما يجعل الناس يبتعدون عما هو عليه من البدعة والضلالة فإنه يسن ذلك لمصلحة المسلمين (1) . كما أنه إذا رأى ممن هو معروف بالبدعة - إذا رأى منه - ما هو من بشارات الخير، فلا يخبر بذلك؛ لئلا يغتر المسلمون من الإغرار به. وأما من كان من أهل السنة فإنه إن رئي منه خير أُظهر ليكون ذلك سبباً للاقتداء به، وإن رأى منه شراً فإنه يخفي ستراً عليه. والحمد لله رب العالمين الدرس السابع والأربعون بعد المئة (يوم الثلاثاء: 18 / 7 / 1415 هـ) فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجب تكفينه في ماله مقدَّماً على دينٍ وغيره) التكفين واجب، وهو من فروض الكفاية، كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم: (وكفنوه في ثوبيه) (2) وهذا أمر والأمر للوجوب. وهنا قال: (مقدماً على دين وغيره) وإرث ووصية وغير ذلك. فأول ما يقدم من تركة الميت ما يكون في تجهيزه وتكفينه وأجرة غاسله ونحو ذلك، ومن ذلك الكفن، فإنه يقدم على الدين والإرث والوصية ونحو ذلك. ولو كان الدين برهن فكذلك يقدم عليه الكفن، فلو كان له دين وقد رهنه واحتيج إلى هذا المال المرهون في تغسيله وتكفينه فإنه يقدم؛ لأن تكفينه يقوم مقام كسوته في الحياة، ومعلوم أن الكسوة في الحياة مقدمة على حق الدائن وغيره، فإن من كان عليه دين وكان له شيء يحتاج إليه في كسوة وغيرها فإنه يقدم على حق الدائن. والنبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بتكفين المحرم في ثوبيه وأمر بتكفين الشهداء في ثيابهم لم يستفصل ولم يستثن إن كان عليهم دين، ولا شك أن الدين في مثل هذا العدد الكثير لا يخلو.
فعلى ذلك أول ما يقدم من التركة ما يكون في شأن ما يحتاج إليه الميت من تغسيل وتكفين ونحو ذلك. لكن الطيب والحنوط ليس بواجب بل هو مستحب فعلى ذلك يقدم عليه غيره إلا إن رضي بذلك صاحب الحق. قال: (فإن لم يكن مال فعلى من تلزمه نفقته) فإن لم يكن له مال، فعلى من تلزمه نفقته في الحياة. فالوالد مثلاً ينفق على ولده فيجب أن يتكفل الوالد بتكفين ولده وما يحتاج من تجهيزه. قال: (إلا الزوج فإنه لا يلزمه كفن امرأته) هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، وهو مذهب الأحناف. قالوا: لأنه لما ماتت زوجته قد امتنع الانتفاع بها فلم يجب الإنفاق عليها كالبائن والناشز. وقال الشافعية في الأشهر عندهم وهو قول في مذهب الإمام مالك وقول في مذهب الإمام أحمد وحكي رواية عن الإمام أحمد: أن تجهيز المرأة واجب على زوجها – وهذا القول أرجح –؛ وذلك لأن إنفاق الزوج على زوجته واجب ما دامت زوجة له، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: (لو مت لغسلتك ثم كفنتك) (1) الحديث، فدل هذا على بقاء معنى الزوجية. ولأن من وجبت عليه النفقة في الحياة فيجب عليه الكفن والتجهيز بعد الممات، كما يجب على السيد تجاه رقيقه وهذا بالاتفاق، ولأن النشوز فعل من الزوجة اقتضى أن تؤدب بمنعها من النفقة، وأما البينونة فهو انفصال تام بحيث أن المرأة قد انتقلت إلى نفقة غيره إما بزواج أو بأن ترجع إلى من ينفق عليها سابقاً، أما هنا فإن معنى الزوجية باق بدليل جواز تغسيلها باتفاق العلماء وبالأحاديث السابقة. فعلى ذلك الأرجح – وهو الأشهر في مذهب الشافعية -: أن الزوج يلزمه الإنفاق على زوجته في تكفينها وتجهيزها. ثم بعد ذلك – أي بعد من تلزمه النفقة في الحياة - يكون ذلك إلى بيت المال؛ لأن بيت المال لمصالح المسلمين وهذا من المسلمين وهو محتاج إلى ذلك.
فإن لم يكن هناك بيت مال أو لم يقم بيت المال بهذا، فيجب على من علم حاله من المسلمين أن يقوم بتجهيزه ويتعين ذلك. قال ابن تيميه: " ومن علم حاله وعلم أنه ليس هناك من يقوم به فإن ذلك يتعين عليه ". ومثل ذلك لو بلغ طائفة من الناس موته وعلم أنه ليس هناك من ينفق عليه فيجب عليهم بمجموعهم أن يقوموا بالنفقة عليه في تجهيزه وتكفينه فإن قام بعضهم فإنه يسقط الإثم عن باقيهم. قال: (ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض) لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سَحولية "، ضبطت " سُحولية " وهي نسبة إلى بلدة في اليمن تصنع فيها هذه اللفائف " من كرسف - من قطن - ليس فيها قميص ولا عمامة) (1) ، وفي مسند أحمد: (جدد يمانية) (2) . فهذا هو المستحب أن تكون بيضاً جدداً وأن تكون من قطن. ومما يدل على استحباب كونها بيضاً ما ثبت في سنن الأربعة إلا النسائي وهو ثابت في مسند أحمد وصححه الترمذي وهو كما قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم) (3) وفي النسائي من حديث سمرة: (فإنها أطيب وأطهر) (4) . قال: (تُجمّر)
أي تبخر، فتبخر هذه اللفائف بالبخور، ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً) (1) ، وثبت في الموطأ بإسناد صحيح عن أسماء بنت أبي بكر قالت: (أجمروا ثيابي إذا مت ثم حنطوني ولا تذروا على كفني حِناطاً " أي طيباً " ولا تتبعوني بنار) (2) والشاهد قولها: " أجمروا ثيابي إذا مت) . ويستحسن أن يرش عليها ماء ورد أو نحوه من المياه التي تسبب علوق البخور بالثوب. قال: (ثم تبسط بعضها فوق بعض) أي توضع ثلاث طبقات على الأرض. قال: (ويجعل الحنوط فيما بينها) الحنوط: أخلاط من طيب ولا يسمى حنوطاً إلا إذا أعد للميت، والذي يدل على استحباب الحنوط قوله صلى الله عليه وسلم – في الصحيحين – فيمن وقصته ناقته فمات: (ولا تحنطوه) (3) فدل على أن المتقرر عندهم هو تحنيط الميت أي تطييبه. وقال صلى الله عليه وسلم: (ولا تمسوه بطيب) ولقول أسماء: (ثم حنطوني) (4) فالحنوط مستحب. (فيما بينها) أي توضع الحنوط فيما بين هذه اللفائف. قال: (ثم يوضع عليها مستلقياً) أي يوضع عليها الميت مستلقياً على ظهره. قال: (ويجعل منه في قطن بين أليتيه ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان تجمع أليته ومثانته) أي يجعل من الحنوط في قطن بين أليته ليسد الخارج وليطيب هذا المحل الذي خرج منه الخارج الخبث. (ويشد فوقها خرقة) : أي يشد فوق الأليتين خرقة مشقوقة الطرف أي في كل طرف من الخرقة شقان حتى تكون كالتبان وهو السروال القصير، ويربط كل طرف بالآخر من الخلف مستوي من الإمام، وطرف الخلف فيربط على الفخذ الأيمن وهكذا على الفخذ الأيسر. " المثانة " هي مخرج البول.
قال: (ويجعل الباقي على منافذ وجهه) أي يجعل الباقي من هذا القطن الذي جعل فيه الحنوط. فيجعل على منافذ وجهه يعنى في منخريه وفي عينيه وفمه لتمنع دخول الهوام فيها ولتسترها من الأذى. قال: (ومواضع سجوده) يعني الركبتين وأطراف القدمين والجبهة واليدين، نطيب هذه (1) المواضع تشريفاً لها، وكذلك المغابن وهي مواضع ثني اليدين كطي الركبتين والإبطين. قال: (وإن طيب كله فحسن) . وهذه اجتهادات لا بأس فهي من تطييب الميت ووضع الطيب في المواضع التي يستحسن أن يوضع فيها الطيب، فالمقصود إنما هو تطييبه. فإن طيبه بما ذكر المؤلف فحسن، وإن طيبه بطريقة أخرى نافعة فكذلك، وإن طيبه كله فهذا أيضاً حسن إن شاء الله. قال: (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ويرد طرفها الآخر من فوقه ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك) فإذا وضع بين اللفائف مستلقياً على ظهره، يرد طرف اللفافة اليمنى على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر على شقه الأيسر فوقه. ثم الثانية والثالثة كذلك. ودليل هذا ما ثبت في مسند أحمد من حديث عائشة المتقدم وفيه: (ثم أدرج فيها أدراجاً) وهذا هو الإدراج، والإدراج هو الطي. فالصفة: أن يوضع الميت وسط اللفائف ثم يرد الشق الأيمن من العليا ثم الشق الأيسر ويكون فوقه الشق الأيمن ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك. قال: (ويجعل أكثر الفاضل على (2) رأسه) .
ما يفضل من اللفائف علواً وسفلاً يكون أكثره من جهة الرأس تشريفاً له. وقد قال خباب بن الأرت كما في الصحيحين: (قتل مصعب بن عمير فلم نجد ما نكفنه فيه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تغطى رأسه وأن يجعل على رجليه من الإذخر) (1) فهذا يدل على تقديم الرأس على الرجلين. قال: (ثم يعقدها وتحل في القبر) فإذا انتهى من التكفين وجعل الفاضل من جهة الرأس فإنه يعقدها يعني بحبل، فيعقد من الأعلى بحبل ومن الأسفل بحبل أيضاً؛ وذلك لئلا تنشر هذه اللفائف أثناء حمل الميت فالمقصود من هذه اللفائف إنما هو لئلا تنشر أثناء حملة، لذا قال: (وتحل في القبر) فتنتهي الفائدة من عقدها إذا وضع في قبره فحينئذ تفك هذه الحبال. قال: (وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز) إذا لم يكفن على الطريقة السابقة بل كفن في قميص، وهو الثوب المعروف عندنا، فإذا لبس قميصاً، ولبس إزاراً ثم غطى بخرقة أديرت على بدنه فلا بأس بذلك. وقد ثبت في موطأ مالك عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (الميت يقمَّص ويؤزر ويلف في الثوب الثاني (2) فإن لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه) . وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (لما توفى عبد الله بن أبيٍّ جاء ابنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: [يا رسول الله] أعطني قميصك أكفنه فيه [وصل عليه واستغفر له] ، فأعطاه قميصه) (3) فلا بأس بذلك لكن الأفضل ما فعل بالنبي صلى الله عليه وسلم. قال: (وتكفن المرأة في خمسة أثواب: إزار وخمار وقميص ولفافتين)
المرأة المستحب أن تكفن في خمسة أثواب. إزار – وتقوم مقامه السروال –. وخمار يغطى به الوجه والرأس. وقميص وهو الثوب المعروف. ولفافتين. وذلك لما روى أحمد وأبو داود من حديث ليلى الثقفية: (أنها كانت فيمن غسَّل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فكان أول ما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم – يعني لتكفينها – الحِقاء وهو الإزار - ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم بعد ثوب) (1) أي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهن لابنته وهي تغسل – الكفن فكان أول ما أعطاهن الحقاء وهو الإزار، ثم الدرع وهو القميص ثم الخمار ثم الملحفة وهي مثل العباءة ثم ثوب آخر، والملحفة في الحقيقة تقوم مقام اللفافة فحينئذ قال المؤلف " لفافتين "، لكن الحديث فيه: نوح بن حكيم الثقفي وهو مجهول.
لكن ذكر الحافظ في الفتح أن الجوزقي – هو إمام نيسابوري – له مستخرج على صحيح مسلم وكان إماماً حافظاً متقناً توفي سنة 388 هـ: أنه روى بسنده عن أم عطية أنها قالت في تكفين بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - – ولعلها أم كلثوم أو غيرها على اختلاف بين العلماء – قالت: (فكفناها بخمسة أثواب وخمرناها كما يخمر الحي) قال الحافظ: " وهذه زيادة صحيحة الإسناد " (1) . فهذا يشهد لما ورد في أبي داود من رواية نوح بن حكيم وهو مجهول، لكن هذا السند يشهد لروايته وهو كما قال الحافظ " سند صحيح ". ويشهد لها المعنى، فإن الأولى في المرأة أن تكون في تكفينها أكثر من الرجل لأنها أولى بالستر منه، بدليل أنها تحتاج إلى الستر في الحياة والتغطية أكثر من الرجل، فكذلك في الممات، ولهذا ذهب جماهير العلماء إلى هذا فاستحبوا أن تكفن المرأة في خمسة أثواب. ويخفف في الجارية والصبي. فالصبي – كما ذكر فقهاء الحنابلة وغيرهم -: يكفي أن يكفن في ثوب واحد، وأما الجارية فإنه يكفي أن تلبس قميصاً وتوضع عليها لفافتين، وذلك للتخفيف في عورتهما، فهنا محل للتخفيف فلم يتشدد فيهما كما يتشدد في الرجل والمرأة. قال: (والواجب ثوب يستر جميعه) فالواجب: أن يغطى بثوب يستر جميعه؛ لأن هذه هي حقيقة التكفين. فكونه مُجْزءاً؛ لأن حقيقة التكفين التي أمر بها الشارع تثبت به. وأما ما ورد من الفعل المتقدم فهو مجرد فعل والفعل لا يدل على الوجوب فهو يدل على الاستحباب. فإذن: القدر المجزئ من التكفين أن تدار عليه لفافة تغطي بدنه. أما المستحب فهو ما تقدم في حق المرأة والرجل والصبي والجارية. فإن كان هناك ثوب لا يستر بدنه كله، فإنه يقدم ستر العورة ثم يدفن على تلك الحال ويغطى سائر بدنه بشيء من الأعشاب الطيبة كالإذخر ونحوه.
وإن كان يستر فيه عورته ومنه فضل فإنه يكون من نصيب الرأس وتكون القدمان مكشوفتين ويوضع عليهما شيء من الإذخر ونحوه لما تقدم في حديث خباب رضي الله عنه (1) . والحمد لله رب العالمين الدرس الثامن والأربعون بعد المئة (يوم الجمعة: 21 / 7 / 1415هـ) فصل في حكم الصلاة على الميت وصفتها، وما في ذلك من المسائل. الصلاة على الميت فرض كفاية – كما تقدم في درس سابق –. والمشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء: أنه إذا صلى عليه مكلف واحد ذكراً كان أو أنثى فإن هذا الواجب الكفائي يسقط بذلك، لأن الواجب الكفائي متى قام به من يفعله فإنه يسقط الإثم عن الباقين. وقال بعض الحنابلة: بل يشترط أن يكونوا ثلاثة، وهو قول في مذهب الإمام الشافعي. وقال بعض الحنابلة: بل يشترط أن يكونوا جماعة، واثنان فما فوق جماعة. وما ذكره الحنابلة – من أنه إن صلى عليه مكلف فإنه يكفي – قوي، لكن هذا القول يتردد في قبوله لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا على صاحبكم) (2) كما ثبت ذلك في الصحيحين في قصة المدين، ومثل هذا الأمر موجه إلى جماعة فكان الواجب أن يصلى عليه جماعة ولم يقل: ليصل عليه أحد منكم فدل ذلك على أنه واجب على جماعة منهم، فإذا صلى عليه من يثبت أنه جماعة فإنه يسقط الإثم عن الباقين – والله أعلم –.
ويستحب أن يقسم المصلون عليه ثلاث صفوف إن كان المصلون عليه فيهم قلة. لما روى الترمذي في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب) (1) لكن الحديث فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن. لكن للتقسيم إلى ثلاثة صفوف شاهد عند الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكنه يشهد لما قبله ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى ومعه سبعة فجعل ثلاثة صفاً واثنين صفاً واثنين صفاً) (2) من حديث أبي أمامة. أما إن كانوا كثرة فإنه لا يقسمهم، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نعى النجاشي فخرج بهم إلى المصلى) (3) الحديث وفيه قال جابر: (فصففنا صفين) (4) .
وقد قال صلى الله عليه وسلم – في مسلم من حديث ابن عباس: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) (1) ، وهو ثابت في مسلم من حديث عائشة إلا أنها قالت: (مائة) (2) . والعدد لا مفهوم له، فمن صلى عليه طائفة من المسلمين يبلغون أربعين أو أكثر من ذلك أو مئة فصلوا عليه ودعوا الله له إلا شفعهم الله فيه. ويأمرهم بتسوية الصفوف لأنها صلاة كغيرها من الصلوات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (السنة أن يقوم الإمام عند صدره وعند وسْطها) هذه السنة: أن يقوم عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة. أما كونه يقوم عند وسط المرأة فقد ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسْطها) (3) . وأما كونه يقوم عند صدر الرجل فذكروا أثراً عن ابن عباس يبين ذلك – من غير أن يعزوه، ومن غير ذكر سند يمكن أن ينظر فيه.
ومع ذلك فلو ثبت فإنه مخالف بما ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي عن أنس: (أنه صلى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند وسطها فقيل له: أهكذا يقوم النبي صلى الله عليه وسلم عند الرجل كما قمت ويقوم عند المرأة كما قمت؟ فقال: نعم) (1) . وهذا القول: رواية عن الإمام أحمد وقول لبعض الشافعية وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة – وهو القول الراجح –، فالمستحب أن يقوم عند رأس الرجل وعند وسط المرأة. والمستحب له أن يقوم عند وسطها مطلقاً سواء كان بدنها مغطى بنعش أو لم يكن ذلك. ودليل ذلك: ما ورد في رواية لأبي داود الطيالسي في حديث أنس المتقدم – أنه صلى على امرأة فقام عند وسطها – في رواية لأبي داود الطيالسي: (وعليها نعش أخضر) (2) . أما ما في أبي داود: من أن ذلك – أي صلاة عند وسطها " قبل أن تكون النعوش " فإن هذا قول من بعض الرواة، وأنس قد خالفه في فعله ونسب ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فالمستحب مطلقاً أن يقوم عند وسطها وإن كانت مغطاة بنعش لا يبدي شيئاً منها، فليس المقصود من ذلك تغطية بدنها، بل لو كان عليها نعش فإنه يستحب ذلك. فإن كانت هناك جنائز كثيرة فإنه يساوي بين الرجال والنساء فتكون رؤوسهم سواء.
ودليل ذلك: ما ثبت في النسائي عن نافع أن ابن عمر: (صلى على تسع جنائز فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة وصفهم صفاً واحداً) (1) ، وعند عبد الرزاق: (وجعل رؤوسهم واحدة) (2) . وفيه سنة أخرى وهي أن الرجال يكونون فيما يلي الإمام، والنساء فيما يلي القبلة، وإن كانوا غلماناً. ويدل على ذلك تمام الأثر، وتمامه: (ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي ومعها غلام لها يقال له: زيد، فجعل الغلام مما يلي الإمام وفي الناس ابن عمرو وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، قال رجل: فنظرت إليهم وقلت: ما هذا؟ فقالوا: هي السنة) (3) . قال: (ويكبر أربعاً) لما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر بهم أربعاً) (4) وسيأتي ما ورد عنه من التكبيرات الأخر. قال: (يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة) أي ولا يستفتح فلا يشرع له الاستفتاح، وهذا هو مذهب أكثر العلماء خلافاً للأحناف – لعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن صلاة الجنازة ينبغي فيها التخفيف. فلا يسن له أن يستفتح بل يستعيذ ويبسمل ثم يشرع بالفاتحة.
ودليل مشروعيتها ما ثبت في البخاري عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: (صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنة) (1) ، وفي النسائي: (لتعلموا أنها سنة وحق) (2) وفي النسائي – أيضاً: (أنه قرأ بفاتحة الكتاب وسورة) (3) . وينبغي – كما قال النووي – أن تكون هذه السورة خفيفة؛ لأن المقام يقتضي التخفيف من التعجل بالميت بدفنه، فإن قرأ سورة فهو حسن لثبوت ذلك عن ابن عباس ورفعه ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن اكتفى بالفاتحة فكذلك. قال: (ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية كالتشهد) وقد ثبت في النسائي بإسناد صحيح عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف قال: (من السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثاً ثم يسلم في الآخرة) (4) .
وفي رواية للحاكم والبيهقي – بعد أن ذكر التكبيرة الأولى - قال: (ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث) (1) فدل على أن المشروع في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك بعد التكبيرة الثانية. (كالتشهد) : لأن الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد …) (2) وتقدم الحديث في صفة الصلاة. فيصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - كصفة صلاته في تشهده. وإن صلى عليه على كيفية أخرى، كأن يقول اللهم صل على النبي، أجزأه ذلك.
والذي يظهر لي أن الأولى أن يقتصر في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بما يتوسع له به الدعاء للميت فلا يطيل من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المقام مقام الدعاء للميت، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – فيما ثبت في أبي داود وابن ماجه بإسناد حسن: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) (1) أي لا تشوبوه بغيره، فاجعلوا الدعاء له. قال: (ويدعو في الثالثة) إذا كبر الثالثة دعا. والذي يظهر لي – ما تقدم - وأنه لا يكتفي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التكبيرة الثانية بل يدعو للميت، فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو، ثم يكبر ثم يدعو، ثم يكبر ثم يدعو، فقد قال أبو أمامة فيما تقدم قال: (ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات الثلاث) . ولذا قال النووي: " لا أعلم لتخصيص الفقهاء الدعاء في التكبيرة الثالثة دليلاً " (2) . وظاهر حديث أبي أمامة المتقدم أنه بعد التكبيرة الثانية يكون للميت نصيب من الدعاء وبعد الثالثة كذلك، وبعد الرابعة كذلك. قال: (فيقول …) فيدعو بما ورد استحباباً، فإن دعا بأي دعاء من الدعاء المباح للميت فلا بأس باتفاق أهل العلم، لكن الأفضل له أن يدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة ومن توفيته منا فتوفه على عليهما) ولفظة " السنة " ولفظة " وأنت على كل شيء قدير " زادهما الموفق رحمه الله تعالى.
وأما لفظة " إنك تعلم منقلبنا ومثوانا " فلم أقف على شيء يدل عليها في سنة النبي صلى الله عليه وسلم لكنها من الدعاء المباح. لكن الذي يظهر لي: إنا وإن قلنا بأن الدعاء بما شاء مباح لكن الذي ينبغي له إذا دعا بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتفي به؛ لئلا يقع في القلب أن في دعائه قصوراً، بل دعوته دعوة جامعة مانعة، فإذا دعا بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فيأتي به بلفظه ثم يزيد بعد ذلك ما شاء من الدعاء المباح. والوارد عنه فيما رواه الأربعة بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة " (اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده) (1) . قال: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدْخله " وهو القبر " واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار وافسح له في قبره ونوِّر له فيه)
الوارد من ذلك ما ثبت في مسلم من حديث عوف بن مالك قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه: " اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسّع مدْخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً من زوجه) ولا يقال مثل هذا اللفظ للأنثى (اللهم أدخله الجنة وقه فتنة القبر وعذاب النار) (1) . وأما ما ذكره المؤلف سوى الوارد فهو من الدعاء المباح كما تقدم. قال: (وإن كان صغيراً قال: اللهم اجعله ذخراً لوالديه وفرَطاً وأجراً وشفيعاً مجاباً، اللهم ثَقِّل به موازينهما وأعظم به أجورها وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم)
هذا من الدعاء المباح، وقد قال صلى الله عليه وسلم في السقط: (ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) (1) يعني في الصلاة عليه يشتغل بالدعاء لوالديه بالمغفرة والرحمة. وثبت عن أبي هريرة – بإسناد حسن – أنه صلى على طفل فقال: (اللهم اجعله سلفاً وفرطاً وأجراً) (2) . فالمقصود: أنه يدعو لوالديه بالمغفرة والرحمة ويدعو للطفل بنحو ما تقدم من كونه بكفالة إبراهيم ونحو ذلك من الدعاء المباح المناسب للمقام فإن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الدعاء للميت فقال: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) (3) قال: (ويقف بعد الرابعة قليلاً ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه) وتقدم – وقال المجد ابن تيمية بجواز ذلك – تقدم أن المستحب له بعد التكبيرة الرابعة أن يدعو للميت كما في حديث أبي أمامة: (ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات الثلاث) (4) فالتكبيرات الثلاث كلها دعاء للميت، فإذا كبر الرابعة دعا قليلاً للميت ثم سلم. (ثم يسلم واحدة عن يمينه) : - هذا هو المستحب وهو المشهور في مذهب الحنابلة وأن المستحب أن يسلم واحدة عن يمينه.
ودليل ذلك: ما رواه الدارقطني بإسناد حسن ورواه الحاكم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى على جنازة فكبر عليها أربعاً وسلم تسليمة واحدة) (1) . وهو مذهب أكثر الصحابة بل لا يعلم – لمن سيأتي ذكرهم – مخالف من الصحابة، قال الحاكم: " وبه صحت الرواية عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن أبي أوفى وأبي هريرة، وأنهم كلهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمة واحدة " (2) ووافقه الذهبي. وروى غالب هذه الآثار مسندة البيهقي في سننه (3) – وهو آثار لا يعلم لها مخالف صريح من الصحابة. - وقال الشافعية: يستحب أن يسلم تسليمتين عن يمينه وعن يساره. واستدلوا بما روى البيهقي في سننه بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: (ثلاث خلال كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلهن، تركهن الناس: إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة) (4) وهذا الأثر محتمل، فيحتمل أن يكون مراده أنه يجهر بالسلام فيجهر بالتسليم كما يجهر بالتسليم في الصلاة. ويحتمل أن يكون المراد أصل السلام أي أنه كان يسلم وأن الناس قد تركوا السلام في صلاة الجنازة. أو أن المراد: أنه كان يقول: السلام عليكم ورحمة الله. ويحتمل أن يكون يسلم عن يمينه وشماله.
وظاهر هذا اللفظ دخول هذه الاحتمالات كلها فيكون قد جهر بسلامه، وقد سلم بالألفاظ الواردة في الصلاة، وأن يكون ذلك عن يمينه وعن شماله، لكن هذه أضعفها؛ لأنها مخالفة لما ورد في الحديث المتقدم وهو حديث الدارقطني، ولكونها مخالفة لما ورد عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - صريحاً. ومع ذلك فيحسن القول بجواز هذه الصورة وأنه إن سلم تسليمتين عن يمينه وشماله فلا بأس، وإن كان الأولى له أن يسلم واحد [اً] عن يمينه. وهل يستحب له أن يجهر بالتسليم أم يخافت؟ أثر ابن مسعود المتقدم يدل على أن المستحب له أن يجهر فإنه قال: " مثل التسليم في الصلاة " والتسليم في الصلاة يجهر به، وهو ثابت عن ابن عمر – في البيهقي – بإسناد صحيح: (أنه كان إذا سلم على الجنازة يسمع سلامه من يليه) (1) . وقد ورد في الحاكم في حديث أبي أمامة المتقدم قال: (ويسلم سراً) ، وهو ثابت عن ابن عباس بإسناد حسن: (أنه كان إذا سلم على الجنازة سلم خُفية) (2) . فهذه الآثار تدل على أنه لا بأس بالجهر ولا بأس بالمخافتة، فيلتفت عن يمينه ويسر بالسلام، فسواء جهر أو أسر فلا بأس بذلك. ولا يستحب له أن يجهر بفاتحة الكتاب، وفي أثر أبي أمامة المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب مخافتة) (3) فلا يستحب الجهر بها إلا للتعليم. قال: (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) حكم رفع الأيدي في تكبيرات الجنائز؟ أجمع أهل العلم على استحباب رفع اليدين في التكبيرة الأولى، كما حكاه ابن المنذر وغيره.
وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في ذلك لكنه لا يثبت، فلا يصح عنه حديث في هذا الباب لكن الإجماع ثابت. وأما في سائر التكبيرات سوى التكبيرة الأولى: فمذهب الجمهور: استحباب ذلك. ومذهب الأحناف: عدم استحبابه، واستدلوا بعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما دليل الجمهور فقالوا: هذا تكبير عن قيام، والتكبير عن القيام في الصلاة يستحب أن ترفع فيه الأيدي، كما تقدم في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم – في الكلام على صفة صلاة العيد. وقد ورد هذا صريحاً عن ابن عمر، فقد ثبت عنه فيما رواه البيهقي بإسناد صحيح: (أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات الجنائز كلها) (1) ، فهذا فعل صاحب لا يعلم له مخالف، وظاهر السنة يوافقه كما تقدم في الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها عند ذكر تكبيرات العيد الزوائد. إذن يستحب له أن يرفع يديه مع كل تكبيرة. فعلى ذلك صفة صلاة الجنازة – في المشهور في المذهب –: يكبر رافعاً يديه، ويقرأ فاتحة الكتاب سراً ثم يكبر ثانية رافعاً يديه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكبر ثالثة رافعاً يديه ثم يدعو للميت بما تقدم سواء كان بدعاء من عنده من الدعاء المباح أو كان ذلك بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرفع يديه مكبراً الرابعة ولا يدعو ولا يسبح ولا يستغفر بل يسكت ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه.
وأما صفتها على الطريقة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فيكبر رافعاً يديه ويقرأ بفاتحة الكتاب وإن شاء سورة قصيرة وتقرأ مخافتة، ثم يكبر الثانية والثالثة والرابعة في كل ذلك يرفع يديه ويشتغل بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في هذه التكبيرات الثلاث، والأولى أن تكون بعد التكبيرة الثانية ويخلص الدعاء للميت، وإذا كبر للرابعة دعا للميت ثم سلم عن يمينه، وإن سلم عن يمينه ويساره فذلك حسن أيضاً، والله أعلم. مسألة: الأولى بأن يصلي على الميت وصيه إن كان عدلاً صالحاً للإمامة قال الإمام أحمد: " وأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر، وأوصى عمر أن يصلى عليه صهيب، وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي " (1) رضي الله عنهم أجمعين، وذكر بعض أهل العلم غير ذلك وهذه قضايا اشتهرت وانتشرت ولم يعلم لها مخالف، ومع ذلك فهي الأحب إلى الميت. ثم ثانياً: إمام الناس، فإمام المسجد هو أولى الناس بعده؛ لعموم حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) (2) وهذا عام في صلاة الجنازة وغيرها، وقال عمرو بن سلمة – وتقدم حديثه، وفي أبي داود: (وكنت أؤمهم في الجنائز) (3) . وقال الحسن: " أدركت الناس وأخصهم بالصلاة على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم " (4) ، وفي الحاكم بإسناد حسن: " أن الحسين قدَّم سعيد بن العاص -وكان أمير المدينة – للصلاة على الحسن بن علي وقال: (قدمتك ولولا أنها سنة ما قدمتك) " (5) . ثم أولياء الميت على حسب ترتيبهم المتقدم في غُسله. والحمد لله رب العالمين. الدرس التاسع والأربعون بعد المئة
(يوم السبت: 22 / 7 / 1415هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وواجباتها قيام) هنا يذكر المؤلف رحمه الله تعالى واجبات صلاة الجنازة وأركانها فقال: " قيام " فالقيام ركن فيها كما هو ركن في الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) (1) وقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم قائماً، فالواجب أن يصليها قائماً؛ لأنها فريضة، فهي من فروض الكفاية والواجب في الصلاة التي يصليها فريضة أن يصليها قائماً. لكن إن كانت نافلة فإن له أن يصليها قاعداً، والسنة أن يصليها قائماً، فلو تكررت الصلاة على الجنازة فصلى عليها مراراً فالصلاة الأولى فرض والصلوات الأخر نافلة فيجوز له في الصلوات الأخر أن يصلي قاعداً مع أن السنة القيام. فإذن: يجب القيام مع كونها فرضاً – أي فرض كفاية – وذلك إنما يكون في الصلاة الأولى، أما إذا تكررت فصلى أحد من المصلين قعوداً فلا بأس بذلك. قال: (والتكبيرات) أي يجب أن يصلي بأربع تكبيرات؛ لأن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد كبر أربع تكبيرات فأكثر، ولم يصح عنه أن كبر على الجنائز ثلاثاً. وروى ابن حزم في كتابه بسنده وقال: - هو سند صحيح – وهو كما قال: (أن ابن عباس كبر على الجنائز ثلاثاً) (2) ، والسنة أن يكبر أربعاً ولا يشرع له أن يكبر ثلاثاً لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قالوا: وإذا كبر أربعاً أجزأه ذلك، أما إذا كبر ثلاثاً فإن كان عمداً بطلت صلاته وإن كان سهواً كبر رابعة كما صح ذلك عن أنس في البخاري (1) . إذن: الواجب أن يكبر أربعاً ولا يجزئه أقل من ذلك. ولكن هل يشرع أن يكبر أكثر من أربع؟ 1- المشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يشرع ذلك. وهل يتابعه المأموم إن كبر أم لا؟ المشهور في المذهب أنه إن كبر خامسة تابعه، وإن كبر أكثر من خمس لم يتابعه. وعن الإمام أحمد: أنه يتابعه إلى سبع، وهو اختيار طائفة من أصحابه، وهذا القول أرجح. ودليل ذلك: أن الراجح خلاف ما ذهب إليه الحنابلة، فالراجح هو أن التكبير فوق الأربع مشروع؛ لما ثبت في مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (كان زيد بن أرقم يصلي على جنائزنا فيكبر أربعاً فصلى على جنازة فكبر خمساً فسئل عن ذلك فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبرها) (2)
وثبت في سنن الدارقطني بإسناد صحيح: (أن علي بن أبي طالب صلى على سهل بن أبي حنيف فكبر ستاً وقال: إنه بدري) (1) ، وثبت عند الطحاوي بإسناد صحيح – أنه أي علي -: (صلى على أبي قتادة فكبر سبعاً وكان بدرياً) (2) . وكان من طريقته – أي علي – ما ثبت في الطحاوي بإسناد صحيح: (أنه كان يكبر على أهل بدر ستاً وعلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعلى سائر الناس أربعاً) (3) . فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر أربعاً وخمساً، وأن علياً كبر ستاً وسبعاً ولم يثبت له مخالف من الصحابة، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أكثر من سبع.
إلا ما روى الطحاوي بإسناد حسن: (أن عبد الله بن الزبير قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة فكبر عليه تسعاً) (1) لكن الحديث تقدم أنه منكر – كما أنكره الشافعي وابن القيم وغيرهما فالحديث منكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على حمزة بل دفنه كسائر الشهداء كما في المتفق عليه. وهناك أثر ثابت عن ابن مسعود رواه ابن حزم بإسناد صحيح أنه قال: (كبروا عليها ما كبر أئمتكم لا وقت ولا عدد) (2) لما ذكر له أن أهل الشام من أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمساً. والذي يقتضيه هذا الأثر أنه لو زاد على السبع فإنه لا بأس بذلك ونحن ليس عندنا في الزيادة على الخمس إلا أثر علي وهذا أثر عن ابن مسعود فيه أن التكبير للجنائز ليس له وقت ولا عدد فلو كبر تسعاً أو عشراً فلا بأس لكن المستحب له أن يكبر أربعاً أو خمساً وإن زاد على ذلك فلا يتجاوز السبع فإن ذلك هو صريح فعل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخمس، وفعل أصحابه كعلي إلى السبع، لكن إن زاد على ذلك فلا حرج لقول ابن مسعود: (لا وقت ولا عدد) والله أعلم. فعلى ذلك: السنة أن يكبر على الجنازة أربعاً، ويستحب له أحياناً أن يكبر خمساً فإن زاد ستاً أو سبعاً فلا بأس به. قال: (والفاتحة) الفاتحة ركن في صلاة الجنازة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) (3) وصلاة الجنازة صلاة فهذا دليل ركنيتها. وقد ثبت في البخاري ما تقدم عن ابن عباس أنه كان: يقرأ بفاتحة الكتاب ويقول: (ليعلموا أنها سنة) (4) وتقدم غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقرأ الفاتحة. قال: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)
تقدم ثبوتها في صلاة الجنازة، وهنا قال: هي واجب فيها، ولم أر دليلاً صريحاً يدل على إيجابها. والوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فعل، والفعل لا يدل على الوجوب كما هو مقرر في علم أصول الفقه. ولذا قال المجد بن تيمية – في هذه المسألة كقول أهل العلم في مسألة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة " فإذا قلنا بوجوبها في الصلاة قلنا بوجوبها في الصلاة على الجنازة، وإن قلنا باستحبابها قلنا باستحبابها في الصلاة على الجنازة " (1) . وقد تقدم ترجيح قول جمهور العلماء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وأنها ليست بواجبة فكذلك هنا، فهي ليست بواجبة بل سنة، وليس فيه إلا مجرد الفعل، والفعل لا يدل على الوجوب وهو مذهب طائفة من فقهاء الحنابلة. فالراجح: أنه لا يجب عليه أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بل يستحب. قال: (ودعوة للميت) لا شك أنها ركن فهي مقصد الصلاة على الميت وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) (2) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخلص الصلاة – أي الدعاء – على الجنائز في التكبيرات الثلاث كلها. فالدعاء للميت فرض في الصلاة على الجنازة بل هو المقصود منها، وإنما شرعت الصلاة للدعاء للميت. قال: (والسلام)
والسلام كما هو ركن في الصلاة فهو ركن في صلاة الجنازة فإنها من باب الصلاة، وفي الحديث: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (1) وصلاة الجنازة صلاة. قال: (ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته) . فإذا سلم الإمام كبر ما فاته وقضاه. لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (2) وهل هذا على وجه الإيجاب أو الاستحباب؟ قولان لأهل العلم: فالمشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك على وجه الاستحباب، فلو فاته شيء فسلم مع الإمام فلا بأس ويجزئه ذلك. واستدلوا: بما رواه ابن أبي شيبة أن ابن عمر: (وكان لا يقضي ما فاته من التكبير) (3) فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن، فالحديث ضعيف. والمشهور عند جمهور الفقهاء أنه يجب ذلك، ولا يجزئه إلا أن يكبرها؛ للحديث المتقدم: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) . والصحيح مذهب الجمهور وأنه يجب عليه أن يقضي التكبيرات الفوائت لعموم الحديث. فإذن يشرع أن يأتي بما فاته اتفاقاً، لكن هل يجب ذلك؟
قولان والصحيح الوجوب. قال: (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على قبره) ففيه مشروعية الصلاة على القبر، ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (فقيل: ماتت فقال: أفلا كنتم آذنتموني فكأنهم صغروا أمرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دلوني على قبرها فدلوه فصلى عليها) (1) . وهنا قال المؤلف: (إلى شهر) . وهذا عند الحنابلة ليس للتحديد وإنما للتقريب يعني شهر وما يقاربه. فإذا دفن الميت فمر على دفنه شهر ونحوه فإنه لا يصلى عليه. واستدلوا: بما رواه الترمذي من مراسيل سعيد بن المسيب رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما توفيت أم سعد بن عبادة وهو غائب صلى عليها وكان ذلك لشهر) (2) قالوا: فهذا يدل على أن أمد ذلك ومنتهاه إلى الشهر وما قاربه. وقال ابن عقيل من الحنابلة: بل يصلي عليه أبداً، وهو اختيار ابن القيم حيث قال: " ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم وقتاً " (3) . والأثر المتقدم الذي رواه سعيد بن المسيب ليس فيه أنه لو كان ذلك بعد شهرين أو ستة لا يصلى عليها، بل فيه جواز الصلاة عليها لشهر وليس مانعاً أن نصلي عليها بعد شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك.
ويشهد له ما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى على أهل أحد صلاته على الميت كالمودع للأحياء الأموات) (1) – كما رواه البخاري – على ظاهره في أن المقصود الصلاة على الميت كالصلاة على الجنازة وكان ذلك بعد ثماني سنوات ولا مانع من ذلك فإن المقصود من الصلاة هو الدعاء للميت، فسواء كان ذلك بعد شهر أو سنة أوسنتين أو أكثر من ذلك. لكن بشرط: 1 - أن يكون ممن هو أهل للصلاة أثناء موته. 2- وأن يكون غير مفرط في ترك الصلاة عليه. فمثلاً: رجل قدم من سفر فعلم بموت فلان ولم يكن مفرطاً لأنه كان مسافراً فله أن يصلي على قبره. وكونه أهل للصلاة: بأن يكون مكلفاً، أو مميزاً تصح الصلاة منه. وإلا فإنه لم يرد عن التابعين أو أتباعهم أنهم صلوا على أحد من الصحابة رضي الله عنهم، فيدل ذلك على أنه ليس مطلقاً بل هو حيث كان أهلاً للصلاة ولم يقع منه تفريط كما تقدم. قال: (وعلى غائب بالنية إلى شهر) والمراد بالغائب أن يكون في بلد أخرى، وليس المراد من كان في طرف البلد مما يتمكن أن يصلى عليه صلاة الغائب (2) . فيشرع صلاة الغائب مطلقاً سواء صلي عليه في بلده أم لم يصل عليه كما هو المشهور في المذهب. واستدلوا بحديث أبي هريرة المتفق عليه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعاً) (3) . واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو قول الخطابي وابن عبد القوي من الحنابلة وغيرهم: أنه لا يشرع ذلك إلا إذا لم يصل عليه في بلده. فإذا لم يصل عليه في بلده شرع أن يصلى عليه في غير بلده ممن بلغه خبره من المسلمين.
وهذا القول هو الراجح، وذلك أنه لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على كل غائب، فقد مات أناس كثير من أصحابه خارج المدينة فلم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أحد منهم. والنجاشي لم يكن يظهر إسلامه، ولم يكن في بلده من يمكنه أن يصلي عليه فمات فلم يصل عليه، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم. * وهل تشرع الصلاة على من مات ولم تبق جثته كأن يموت غريقاً في بحر لا يمكن أن يحضر جثته أو أن يموت مفترساً مأكولاً أو محترقاً لا يبقى منه شيء، فهل يشرع أن يصلى عليه كما يصلى على الغائب؟ المشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يصلى عليه. وقال طائفة من الحنابلة: بل يصلى عليه. وهذا القول هو الراجح؛ قياساً على الصلاة على الغائب فإن هذا الميت الغائب صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم لكونه لم يصل عليه، وهذا كذلك فإنه لا يمكن أن تحضر جثته فيصلى عليه فهو في حكم الغائب فكان المشروع أن يصلى عليه. قال: (ولا يصلي الإمام على الغال) من غَلَّ شيئاً من الغنيمة فأخذها، فإنه لا يصلي عليه الإمام زجراً للناس عن هذه المعصية.
واستدلوا بما روى النسائي عن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني قال: (توفي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: صلوا على صاحبكم قال: فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد غل في سبيل الله، قال: ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز يهود لا يساوي درهمين) (1) . والأثر فيه أبو عمرة تابعي مجهول، وهو الراوي عن زيد بن خالد، لكن الحديث احتج به الإمام أحمد وغيره. والنظر يقتضي أنه ليس بمنكر فإن النبي صلى الله عليه وسلم من سنته ترك الصلاة على بعض العصاة الذين في ترك الصلاة عليهم زجراً لغيرهم عن فعل هذه المعصية كما سيأتي. وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على المدين – كما تقدم في المتفق عليه – وقال: (صلوا على صاحبكم) (2) وذلك قبل أن تفتح الفتوح ويكثر المال في بيت المال، فلما كثر ذلك في عهده صلى على المدينين وقضى عنهم ديونهم. قال: (ولا على قاتل نفسه) . وثبت في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أتي برجل قد قتل نفسه بمشاقص " وهو نصل السهم " فلم يصل عليه) (3) .
وفي النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما أنا فلا أصلي عليه) (1) فلم يمنعهم من الصلاة عليه فإن قاتل نفسه مسلم وليس بكافر، فيصلي عليه طائفة من المسلمين، أما الأئمة في الدين ومن يقتدى بهم من أهل العلم والتقوى فإنهم يتركون الصلاة عليه زجراً له. ومثل ذلك سائر المعاصي الظاهرة التي يحتاج إلى زجر الناس عنها بترك الصلاة عليهم أمواتاً، فليس مختصاً بقاتل النفس والغال، بل إذا ظهرت معصية وحدث فيها فساد عظيم فرجى أهل التقوى وأهل العلم أنهم إذا تركوا الصلاة عليهم أن يكون زجراً لغيرهم عن المعصية فإن ذلك يفعل كما كان من سنته. ومن ذلك ترك الصلاة على المبتدعة كما هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب السلف الصالح وذلك لزجر الناس عن فعلهم. لكن كما قال شيخ الإسلام: من صلى عليهم وهو يرجو لهم الرحمة وليس في امتناعه عن الصلاة عليهم مصلحة فذلك حسن. قال: (ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد) والسنة أن يصلي عليه في موضع خاص بالجنائز، كما ثبت في البخاري عن ابن عمر: (أن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد) (2) . وتقدم حديث أبي هريرة في نعي النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي وفيه: (فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم) (3) . فالمستحب أن يصلي عليها في مصلى خاص بالجنائز.
لكن إن صلى عليها في المسجد مع أمن تلويث المسجد بها فلا بأس بذلك، ودليله: لما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد) (1) . أما ما رواه أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى على الميت في المسجد فلا شيء له) (2) ، فالحديث من حديث صالح مولى التوأمة ويروى عنه عبد الله بن أبي ذئب. وقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث بتفرد صالح مولى التوأمه وصالح هذا مختلط الحديث، لكن عبد الله بن أبي ذئب قد روى عنه قبل الاختلاط فحديثه حسن جيد، كما حسنه ابن القيم. لكن الحديث – حينئذ – يكون منكراً؛ لأنه يكون مخالفاً لما ثبت في مسلم من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابني بيضاء. ومثل صالح لا يخالف حديثه ما ثبت في مسلم وغيره. لكن ذهب بعض العلماء إلى أن الصحيح فيه – كما قرر ذلك ابن عبد البر وابن القيم، الصحيح فيه -: (فلا شيء عليه) (3) كما ثبت ذلك في نسخة صحيحة لسنن أبي داود. فعلى أن هذا اللفظ هو الصحيح لا نحتاج إلى تضعيف الحديث بتفرد صالح. وأما إذا قلنا إنه على لفظه، فإن هذا لا يقبل منه مع مخالفته لما ثبت في مسلم. * في مسألة الصلاة على القبر: قال بعض أهل العلم: هي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
واستدلوا: بما ثبت في مسلم في حديث المرأة التي كانت تقم المسجد وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) (1) . قالوا: فهذا يدل على أن الصلاة على القبر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، والحديث قد أعله بعض أهل العلم المتقدمين، ولكن الصحيح أن سنده صحيح وليس بمعل. والجواب عنه أن يقال: إن هذا التخصيص إنما هو في الأثر لا في الفعل، فأثر صلاته في الأموات سواء كانوا في قبورهم أو قبل ذلك – أن تكون صلاته عليهم رحمة لهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – كما في النسائي – لما صلى على جنازة رجل: (إن صلاتي عليه رحمة) (2) وقد صلى عليه قبل أن يدفن. فمن خاصية صلاته على الأموات قبل دفنهم أو وهم في قبورهم – أن يكون ذلك رحمة لهم وإنارة لهم في قبورهم. وأما أن يكون الحكم – وهو الفعل – خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا، كما أنه خلاف الأصل. فالحديث ليس فيه إلا أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مختصة بأن تكون نوراً لأهل القبور، وليس فيه أن هذا الفعل خاص بالنبي صلى النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم. حكم الصلاة على الجنازة بين القبور – (انظر الكلام على هذه المسألة في الدرس الحادي والخمسين بعد المائة الذي سيأتي) -: لا يجوز ذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ لما روى الضياء في المختارة والطبراني في الأوسط أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن الصلاة على الجنائز بين القبور) (3) وإسناده حسن. والمشهور في المذهب: جواز ذلك وتخصيص النهي بالصلوات ذوات الركوع والسجود. لكن الصحيح النهي مطلقاً؛ للحديث الصحيح المتقدم وأحاديث الضياء أصح من أحاديث الحاكم – كما ذكر شيخ الإسلام – وقد اشترط فيها الصحة. مسألة:
الأظهر أنه بعد التكبيرات فوق الأربع يشتغل بالدعاء؛ ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بين هذه التكبيرات الأربع الثابتة عنه، والمقصود من الصلاة هو الدعاء للميت بل كان يدعو حتى بعد التكبيرة الرابعة، فالذي ينبغي أن يدعو بين هذه التكبيرات. والحمد لله رب العالمين. الدرس الخمسون بعد المئة (يوم الأحد: 23 / 7 / 1415هـ) فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يسن التربيع في حمله) التربيع في حمل الجنازة: أن يأتي المتبع للجنازة فيحملها من مقدمة الجنازة من جانبها الأيسر واضعاً له على عاتقه الأيمن ثم ينتقل منه إلى جهته اليسرى المؤخرة فيضعها على عاتقه الأيمن ثم ينتقل إلى الجهة اليمنى من الجنازة فيضع مقدمتها الأيمن على عاتقه الأيسر ثم مؤخرها على عاتقه الأيسر – فهكذا يكون التربيع. وذلك بالنظر إلى الميت فإنه وإن كان الأيسر بالنسبة إلى السرير المحمول إليه الميت فإنه هو الأيمن بالنسبة إلى الميت فبدأ بالجهة اليمنى من الميت. ودليل ذلك: ما روى أحمد وابن ماجه عن أبي عبيدة بن مسعود عن ابن مسعود قال: (من اتبع الجنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإن ذلك السنة ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع) (1) ، وأبو عبيده لم يسمع من أبيه فعلى ذلك الإسناد فيه انقطاع.
لكن يشهد له ما ثبت عن أبي الدرداء في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: (من تمام أجر الجنازة أن يتبعها من أهلها وأن يحمل بأركانها الأربعة وأن يحثو في القبر) (1) ، وهذا له حكم الرفع فإنه متعلق بالأجر فكان هذا القول من هذا الصحابي له حكم الرفع. وثبت عن ابن عمر – كما في مصنف ابن أبي شيبة: (أنه حمل جنازة في أركانها الأربعة فبدأ بالميامن) . وعن الإمام أحمد: أنه لا بأس أن يتحول من جهة الجنازة اليسرى المؤخرة إلى جهتها اليمنى المؤخرة ثم ينتقل إلى اليمنى المقدمة فيبدأ برأسه وينتهي برأسه؛ لأن ذلك أسهل. وهذا أولى لما فيه من اليسر ولأنه أبعد عن اختلاط الناس بعضهم ببعض. فهذا أولى ويحصل به ما حصل من السنة من البداءة باليمنى – كما يحصل في الأول. هكذا يكون التربيع وهو الأفضل عند الحنابلة. - واستحب الشافعية أن يحمله بين العمودين. وقال المؤلف هنا: (ويباح بين العمودين) أي أن يضع رأسه بين العمودين ويجعل الجنازة على كاهله وقد صح ذلك عن سعد بن أبي وقاص، فقد ثبت في سنن البيهقي عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (رأيت سعد بن أبي وقاص مع جنازة عبد الرحمن بن عوف قائماً بين العمودين واضعاً الجنازة على كاهله) (2) . وذكر ابن المنذر ذلك عن عثمان وسعد بن مالك " وهو سعد بن أبي وقاص " وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير. - وعن الإمام أحمد: أنهما سواء. والذي يظهر أن الأفضل أن يحمل بجوانبها كلها وهو التربيع؛ وذلك لأن ما تقدم أقوى؛ لأن فيه ما تقدم في الحديث الثابت عن ابن مسعود وفيه أن ذلك من السنة، ويشهد له الأثر الوارد عن أبي الدرداء وله حكم الرفع، ففي ذلك رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أثر موقوف عن سعد فكان الأول أولى.
فالسنة أن يربع فيحمل بجوانب السرير كلها، لكن إن قام بين العمودين حاملاً للجنازة – على كاهله فذلك حسن إن شاء الله. قال: (ويسن الإسراع بها) يستحب له أن يسرع بالجنازة. ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة فإنها إن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) (1) ، قال أبو بكرة: (والذي كرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأيتنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنا لنكاد أن نرمل بها رملاً) (2) والرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطى. " إنا لنكاد ": فهم لا يرملون لكنهم يكادون ذلك، وذلك لأن في الرمل أذى للجنازة وأذى للمتبع، ففي الإسراع الشديد أذى للجنازة فقد يخرج شيء من الخارج بسبب هذا الإسراع، وقد يحدث شيء من الانفصال في بعض الأعضاء، وكذلك المتبعون يتأذون بذلك. قال: (وكون المشاة أمامها والركبان خلفها) يستحب – في المشهور من المذهب – أن يكون الماشي أمام الجنازة.
وذلك لما روى الخمسة بإسناد صحيح – وقد اختلف في وصله وإرساله والراجح الوصل – عن ابن عمر: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وهم يمشون أمام الجنازة) (1) وفي الترمذي: (وعثمان) (2) . وأما الراكبون فيستحب أن يكونوا خلفها لما ثبت في الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها وخلفها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها) (3) . وفي بقيته حجة لما ذهب إليه بعض أهل العلم كالموفق ابن قدامة في الكافي وطائفة من أصحاب الإمام أحمد: إلى أن المستحب للماشي أن يكون حيث شاء، فإن كان أمامها أوخلفها أو عن يمينها أو عن يسارها فلا بأس بذلك. وابن عمر قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمشي أمام الجنازة (4) ، وقد ثبت في الطحاوي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى خلفها (5) . فعلى ذلك: المستحب للماشي أن يمشي حيث شاء، أما ما رآه ابن عمر فتلك واقعة عين، والنبي صلى الله عليه وسلم قال – كما تقدم -: (والماشي أمامها وخلفها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها) . وأما الراكب فلا يستحب إلا أن يكون خلفها. وهل يستحب له أن يركب أم لا؟
الأفضل له ألا يركب بل يستحب أن يمشي في الذهاب، وأما في الإياب فلا بأس بالركوب، فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها فلما انصرفوا أتى بها فركبها فسئل عن ذلك فقال: إن الملائكة كانت تمشي مع الجنازة فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت) (1) . لكن إن كان في ذهابه مشقة أو كانت الجنازة لا تحمل بالأيدي بل على الرواحل فلا بأس أن يركب. أما إذا كان موضع دفن الجنازة قريب وحملوها بأيديهم فيستحب ألا يركب، لكن إن ركب - وذلك جائز له -، فإنه يمشي خلفها. قال: (ويكره جلوس تابعها حتى توضع) هنا ثلاث صور: الصورة الأولى: أن تمرَّ الجنازة. الصورة الثانية: أن يتبعها. الصورة الثالثة: أن يسبقها فيأتي قبل أن تأتي الجنازة. أما الصورة الأولى: وهي عند مرور الجنازة فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما مر بجنازة يهودي قام فسئل عن ذلك فقال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا) (2) متفق عليه. قال الحنابلة وغيرهم: هذا الحديث منسوخ بما ثبت في مسلم عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قام ثم قعد) (3) ، وفي مسند أحمد بإسناد صحيح: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام للجنازة ثم جلس وأمرنا بالجلوس) (4) . فقالوا: كان ذلك مستحباً ثم نسخ فالمستحب له ألا يقوم. ومثل ذلك: الصورة الثالثة: وهي فيما إذا سبق الناس إلى المقبرة ثم أتى الناس بالجنازة فلا يستحب له أن يقوم بل يبقى جالساً، وقد روى ذلك الترمذي عن طائفة من الصحابة، وهذا نظير المسألة السابقة لأنه ليس متبع لها فهو في حكم من مرت عليه الجنازة. أما الصورة الثانية: وهي من اتبعها. فالمشهور في مذهب الحنابلة – أنه يستحب له أن يقوم فلا يجلس حتى توضع على الأرض.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى توضع) (1) وفي رواية سفيان: (حتى توضع على الأرض) (2) . وقالوا: وحديث على المتقدم إنما نسخ القيام ابتداءً وأما استدامة ذلك لمن تبعها فإن حديث علي لا ينسخ ذلك. - وقال جمهور العلماء: بل هو منسوخ. واستدلوا: برواية للبيهقي من حديث علي بإسناد جيد قال: (قام النبي صلى الله عليه وسلم على الجنازة حتى توضع فقام الناس معه ثم قعد وأمرهم بالقعود) (3) . ولا فرق بين هذه الصورة وبين الصورتين السابقتين في الحكم. فما ذهب إليه الجمهور من القول بالنسخ أصح، والحديث الذي رواه البيهقي يدل على ذلك. فعلى ذلك: كل القيام منسوخ فلا يستحب أن يقوم لها إن مرت، ولا يستحب أن يقوم في المقبرة إن سبقهم فجاءت، ولا يستحب أن يستديم القيام وهو متبع لها. بل متى شاء جلس لا بأس بذلك ولا حرج – كما هو مذهب الشافعية وغيرهم من أهل العلم. قال: (ويسجى قبر امرأة فقط) أي يغطي قبر المرأة، أما قبر الرجل فلا. ودليل ذلك: ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن أبي إسحاق السبيعي قال: (شهدت جنازة الحارث فأبى عبد الله بن يزيد " وهو صحابي " أن يسجوه بثوب وقال: إنه رجل) (4) . وقد اتفق العلماء على استحباب تسجية قبر المرأة عند الدفن. وأما الرجل فلا يستحب ذلك، وأما ما رواه البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (جلل قبر سعد بن معاذ بثوب) (5) فالحديث إسناده ضعيف وقد ضعفه البيهقي، وهو كما قال، فالحديث إسناده ضعيف. وبه قال الشافعية لكن الحديث ضعيف. قال: (واللحد أفضل من الشق) . اللحد: أن يحفر القبر ثم يحفر للميت على حائط القبر - أى بأحد الجهتين من القبر، والمستحب أن تكون في الجهة التي تلي القبلة، فلا يكون ذلك في الوسط -.
ودليل ذلك – أي استحباب اللحد وأفضليته على الشق – ما ثبت في مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: (الحدو إلي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع بالنبي صلى الله عليه وسلم) (1) . وعند الأربعة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللحد لنا والشقة لغيرنا) (2) ، وله شاهد عند ابن ماجه من حديث جرير بن عبد الله، فالحديث حسن. لكن الشق جائز بإجماع العلماء كما حكى ذلك النووي، ومما يدل على جوازه ما ثبت في ابن ماجه من حديث أنس قال: (لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم كان في المدينة رجل يَلْحَد وآخر يُضَرِّح " أي يشق " فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه [فأرسِل إليهما] فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم) (3) . وهو ثابت – أيضاً – في ابن ماجه من حديث عائشة، والحديث حسن. ففيه أنه كان في المدينة رجل يضرح أي يشق، فدل على أن ذلك جائز وهذا بالإجماع. بل قد يكون الشق أفضل فيما إذا كانت الأرض رخوة تنهار فإن الشق يكون أفضل. وصورة الشق: أن يكون هذا الموضع الذي يشق في الأرض للميت في وسط القبر ويكون الجانبان مرتفعين ويوضع الميت في هذا الشق ثم يبنى عليه في اللبن بناءً. والمستحب أن يوضع على شقه الأيمن كما يفعل النائم وذلك بلا نزاع كما قال ذلك صاحب الإنصاف، وأن يوجه إلى القبلة لما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الكعبة: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) (4) وهو حديث حسن. قال: (ويقول مُدْخِلُهُ: بسم الله وعلى ملة رسول الله)
لما ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أدخل ميتاً فقال: " بسم الله وعلى ملة رسول الله ") (1) ، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله وعلى ملة رسول الله) (2) ، وفي رواية " وعلى سنة رسول الله " (3) ، لكن حديث ابن عمر اختلف في رفعه ووقفه والراجح هو الوقف كما رجح ذلك النسائي والدارقطني وغيرهم من أهل العلم. لكن الحجة فيما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أثر موقوف له حكم الرفع. ولا يقال باستحباب قول ما ورد في ابن ماجه بإسناد ضعيف جداً أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أدخل ابنته أم كلثوم قرأ {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} ) (4) فالحديث فيه ثلاثة ضعفاء فالحديث إسناده ضعيف جداً. ولا أصل لقراءة هذه الآية عند الحثيات الثلاث. ومعلوم أنه يستحب – كما ثبت في ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (حثى على الميت من قبل رأسه ثلاثاً) (5) . قال: (ويضعه في لحده على شقة الأيمن مستقبل القبلة، ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر) فيرفع القبر عن الأرض قدر شبر، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البيهقي وابن حبان بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع قبره من الأرض قدر شبر أو نحو شبر " (6) ولا يجوز أن يكون مشرفاً فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علياً وفيه: (وألا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته) (7) . أما رفعها قدر شبر فلا بأس، وفي ذلك فائدة تمييزه عن سائر الأرض ليحترم فلا يجلس عليه ولا يؤذي. أما أن يرفع فوق ذلك فلا يجوز. قال: (مُسَنَّماً) . كما ثبت عن سفيان التمار قال: (رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً) (8) وهذا كما هو في القبور عندناً، كسنام البعير، فهذا هو المستحب.
ولا بأس أن يكون مسطحاً لكن المستحب كونه مسنماً. ويستحب أن يوضع عليه من الحصى الصغير كما فعل بقبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في أبي داود: (أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم كان مبطوحاً ببطحاء العَرْصة الحمراء) (1) والبطحاء هو الحصى الصغير. ولا بأس أن يرش بالماء ومن ذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه مرسل، كما في البيهقي: (أنه رش على قبر ابنه ووضع عليه الحصباء) (2) ، وهو مستحب عند أهل العلم وهذا فيه مزيد محافظة عليه. وهذا أثر مرسل ويشهد له عمل المسلمين قديماً وحديثاً وعليه عمل الفقهاء فأهل العلم يستحبون ذلك. ويستحب أن يوسع القبر وأن يعمق، فقد ثبت في أبي داود والنسائي وهذا لفظ النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احفروا ووسعوا وأعمقوا) (3) وإسناده صحيح. واستحب الإمام أحمد أن يعمق القبر إلى قدر السرة لأن في ذلك حفظاً للميت وليس في ذلك مشقة على الحافر، خلافاً لما ذهب إليه الشافعية من استحباب كونه كطوله؛ فإن في ذلك مشقة على الحافر وليس في ذلك فائدة، والفائدة تحصل فيما إذا كان إلى السرة. وهو ثابت عن عمر بن عبد العزيز كما في سنن سعيد بن منصور بإسناد جيد: (أنه أمر بأن يعمق قبر ابنه إلى السرة) (4) . فيستحب أن يعمق والذي ينبغي أن يكون ذلك إلى السرة، فإنه يحفظ به الميت ولا يؤذي ذلك الحي ولا يشق عليه ويكون بذلك صيانة الميت فلا يحتاج – حينئذ – على الزيادة على ذلك. والحمد لله رب العالمين. مسائل: المسألة الأولى: في حكم الصلاة على الجنائز بين القبور؟ في هذه المسألة عن الإمام أحمد ثلاث روايات: الرواية الأولى، وهي المشهورة: أن ذلك جائز، واستدل بما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن نافع قال: (صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع بين القبور والإمام أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر) .
الرواية الثانية: أن ذلك مكروه، وهو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين. الرواية الثالثة: أن ذلك محرم. ودليل هاتين الروايتين ما رواه الطبراني في الأوسط والضياء في المختارة عن أنس رضي الله عنه: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة على الجنائز بين القبور " (1) وإسناده حسن. وأصح هذه الأقوال: القول بكراهية ذلك، وأن هذا النهي يحمل على الكراهية لما تقدم من فعل الصحابة رضي الله عنهم، وللفرق بين الصلاة ذات الركوع والسجود وبين الصلاة على الجنائز بين القبور، فإن الصلاة ذات الركوع والسجود يخشى فيها ما يخشى من فتح باب الشرك، بخلاف الصلاة التي إنما هي قيام وتكبير ودعاء وقراءة للقرآن، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في البقيع على قبر فدل ذلك على أن أصل الصلاة في المقابر ليس حكمها كحكم الصلاة ذات الركوع والسجود. فعلى ذلك: الأظهر كراهية ذلك. المسألة الثانية: أنه يكره للنساء اتباع الجنائز، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أم عطية قالت: (نهينا عن اتباع الجنازة ولم يعزم علينا) (2) أي لم يعزم علينا بالنهي فيكون ذلك تحريماً وإنما هو للكراهية، ودليل أن ذلك ليس للتحريم ما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعها يا عمر فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب) (3) ، فالنهي للكراهية، كما هو المشهور في مذهب أحمد وغيره وهو مذهب جمهور العلماء. المسألة الثالثة: لا يجوز أن تتبع الجنازة بصوت ولا نار. بصوت: من ذكر أو قراءة للقرآن أو نعي للميت. أو بنار: لغير حاجة فلا يقصدون الاستضاءة بها وإنما هو حدث في الدين، أما إذا كانوا محتاجين إليها للاستضاءة فلا بأس بذلك.
ودليل هذه المسألة: ما رواه أبو داود والحديث حسن بشواهده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار) . ورفع الأصوات عند الجنائز من هدي اليهود وقد أمرنا بمخالفتهم. وروى البيهقي عن قيس بن عباد قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الجنائز وعند القتال وعند الذكر) (1) . المسألة الرابعة: أن اتباع الجنازة ثبت له فضل عظيم، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ قال: مثل الجبلين العظيمين) (2) . وهل يثبت الثواب المذكور بمجرد الصلاة أم حتى يتبعها من أهلها؟ ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من خرج مع الجنازة من بيتها) (3) وتقدم أثر أبي الدرداء وقال: (من تمام أجر الجنازة إلى أن قال: وأن يتبعها من أهلها) (4) . استظهر ابن حجر أن الاتباع من بيتها وإلى المسجد وسيلة إلى الصلاة عليه متقصد منه الصلاة عليها، فحينئذ يثبت الأجر ولو لم يتبعها؛ لأن المقصود من ذلك الصلاة. وفي ذلك نظر، فإن الاتباع مفضل بذاته بالأجر، فإنه له ثواب مختص، ولكن مع ذلك فإن الحكم الذي ذكره راجح وإن كان التعليل المتقدم فيه نظر. وإنما ينبغي أن يقال – وهو مذكور من الحافظ – أن الثواب يختلف، مع ثبوت أصله: فلمن صلى عليها قيراط، ولمن اتبعها من بيتها فصلى عليها قيراط، وإن كان القيراطان ليستا بدرجة واحدة بل هما متفاوتان.
ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وصحيح ابن حبان بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: (لما كان مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضر الميت حضره النبي صلى الله عليه وسلم فاستغفر له حتى يقبض فربما طال عليه ذلك فخشينا مشقة ذلك عليه، فقال بعض القوم: لو كنا لا نؤذن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقبض قال: ففعلنا فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حضر استغفر له وربما مكث حتى يدفن قال: ثم قلنا لو كنا نحضر جنائز موتانا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند بيته لكان ذلك أرفق بالنبي صلى الله عليه وسلم وأيسر له فكان الأمر على ذلك إلى اليوم) (1) . فدل ذلك على أن الأمر الذي استقر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يأتي إلى البيت فيتبع الجنازة بل كان تحضر له الجنائز عند بيته فيصلي عليها، فدل ذلك على أنه يثبت هذا القيراط وإن لم يتبعها من بيتها، لكن أن اتبعها من بيتها فإنه له قيراطاً أعظم من قيراط الأول. أما القيراط فيمن تبعها حتى تدفن، هل يكون بوضعها في اللحد أم يكون حتى يفرغ من دفنها؟ في صحيح مسلم: (حتى توضع في اللحد) وظاهره أنها متى وضعت في اللحد. وقيل: أن يوضع عليها اللبن ويهال عليها التراب ويفرغ من دفنها أنه يثبت له القيراط. وفي رواية البخاري: (حتى يفرغ من دفنها) وعند أبي عوانة: (ويسوى عليها التراب) . وكما قلنا في المسألة السابقة نقول في هذه المسألة فلكل قيراط لكن ذلك مع التفاوت. المسألة الخامسة: يستحب أن يُدخل الميت من قبل رجلي القبر فيؤتى به من قبل رجلي القبر " أي المكان المختص بالرجلين " فيوضع الرأس بسمته ثم يسل سلاً حتى يوضع الرأس في موضعه ثم تنزل القدمان في موضعها؛ لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن زيد: (أنه أدخل الميت من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة) .
وأما ما رواه الترمذي من أنه يدخل من قبل القبلة، فإن الحديث فيه الحجاج بن أرطاة ومنهال بن خليفة وهما ضعيفان. فالصحيح مذهب الجمهور من أنه يدخل من قبل رجلي القبر ثم يسل سلاً حتى يدخل في القبر. المسألة السادسة: أنه يستحب أن يوقف عند قبره قليلاً بعد الفراغ من دفنه ويستغفر له؛ لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عثمان قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) . وهل يستحب تلقينه أم لا؟ المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية استحباب ذلك، واستدلوا بحديث وأثر. أما الحديث بإسناد ضعيف جداً، وهو ما رواه الطبراني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: (يقال: له يا فلان ابن فلانة فحينئذ يسمع ولا يجيب ثم يقال: يا فلان بن فلانة فيجلس ثم يقال يا فلان بن فلانة فيقول: أرشدوني أرشدكم الله ثم يرشد ويلقن بلا إله إلا الله وبملة الإسلام وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيتولى عنه منكر ونكير ويقولان: كيف بكم برجل قد لقن حجته " قال الهيثمي: (فيه رجال لا اعرفهم) وقد ضعفه ابن القيم وابن حجر والنووي والعراقي وابن الصلاح وغيرهم. وأما الأثر فهو ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن ضمرة بن حبيب قال: (كانوا يستحبون – أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – إذا سوي على الميت قبره وانصرف عنه الناس أن يقال له: يا فلان قل لا إله إلا الله – ثلاثاً – يا فلان قل ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم) لكن هذا الأثر ضعيف فإن فيه أبو بكر ابن أبي مريم وهو ضعيف. وذهب الأحناف: إلى كراهية ذلك. وهو الصحيح؛ فإن ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو بدعة ولم يصح لنا عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يستحب أن يدعى له ويسأل له التثبيت ويستغفر له – من غير أن يلقن ذلك.
وهل يستحب أن يوقف على القبر طويلاً أم لا؟ لا يستحب ذلك؛ لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إن فعل فلا بأس، فقد ثبت في مسلم عن عمرو بن العاص قال: (إذا مت فقوموا على قبري قدر ما تنحر جزور ثم يقسم حتى أستأنس بكم وأعلم بما أراجع به رسل ربي) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويكره تجصيصه) فيكره أن يجصص القبر وأن يزخرف ويزين. هذا للكراهية في المشهور من المذهب وغيرهم من الفقهاء. واستدلوا: بما ثبت في مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يخصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه) . والصحيح أن هذا النهي للتحريم؛ كما هو ظاهر الحديث، وهو ما اختاره الصنعاني. بل ذلك من كبائر الذنوب فهو فتح لباب الشرك الأعظم فإن من أعظم ذرائع الشرك تعظيم القبور بتجصيصها والبناء عليها وزخرفتها، وهي مما كان عليه اليهود النصارى ومما وقعت هذه الأمة بالتشبه بهم فيه. فعلى ذلك هذا من أعظم المنكرات فلا يقال بكراهيته فحسب بل هو محرم مقطوع بتحريمه لأن النص فيه، ولو لم يثبت النص به فهو محرم قطعاً؛ لأنه ذريعة إلى الشرك فكيف وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (والبناء عليه) فهو محرم كما تقدم. قال: (والكتابة) الكتابة على القبر مكروهة. ودليله ما ثبت في النسائي من حديث عامر بن ربيعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يكتب عليه) . وظاهر ذلك المنع مطلقاً سواء كانت الكتابة مزخرفة أم لا، وسواء كانت الكتابة فيها ألفاظ ثناء على الميت أم لم يكن فيها ذلك، فإنها منهي عنها مطلقاً ولا شك أنها ذريعة إلى الشرك. لكن قال الحاكم في مستدركه: (وليس العمل على هذا عند أهل العلم فإن أئمة المسلمين في الشرق والغرب مكتوب على قبورهم) .
وتعقبه الذهبي: بأن هذا لم يصح عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما فعله بعض التابعين فمن بعدهم ممن لم يبلغهم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالصحيح أن ذلك لا يجوز. * لكن هل يجوز أن يكون ذلك علامة إن لم يتمكن أهل الميت أن يضعوا علامة عليه لكثرة القبور وعدم التمييز بغير الكتابة؟ ذهب طائفة من أهل العلم إلى جواز ذلك، وإنها إذا وضعت الكتابة مجردة واكتفى بالاسم فحسب فإن ذلك لا بأس به بشرط ألا يتمكن من وضع علامة غيرها، وذلك للحاجة إلى معرفة قبر الميت. فقد ثبت في سنن أبي داود أن صلى الله عليه وسلم: (وضع صخرة عند رأس عثمان بن مظعون وقال: أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي) . وهذا القول حسن إن شاء الله. وفي هذا الحديث فائدة وهو أن قبر الميت ودفنه عند خاصته وأقاربه ومعارفه وعند أهل الخير والصلاح أمر حسن فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم فوضع علامة عند قبر عثمان بن مظعون وكان من خيار الصحابة وعبادهم وذلك أيضاً: لتسهل عليه الزيارة فيأتي بالزيارة الواحدة فيجمعهم. فلا بأس أن يتقصد المقابر التي فيها الصالحون كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم: (وأدفن إليه من مات من أهلي) قال: (والجلوس) الجلوس على القبر منهي عنه، وقد تقدم قول جابر في نهي النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأن يقعد عليه) ، وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن أن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي " وهو من الأمور المعجزة التي تشق على النفس " أحب إلى من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أَوَسَطَ السوق قضيت حاجتي أم وسط القبور) رواه ابن ماجه. وهذا فيه النهي عن المشي ولا شك أن المشي أعظم من القعود.
وفيه – أيضاً – النهي عن قضاء الحاجة في المقابر، أما على القبر فهو محرم – في المشهور من المذهب –، وأما بين القبور فقد كرهه الإمام أحمد كراهية شديدة، ونص بعض أصحابه على أنه محرم – وهذا هو الظاهر؛ لما فيه من أذية الميت والميت له حرمته. ولا شك أن فعل ذلك على القبر محرم قطعاً، وإن كان فعله بين القبور أهون من ذلك. ويكره له في المشهور من المذهب أن يمشي بين القبور في نعليه لما روى الخمسة إلا الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يمشي بين القبور بنعليه فقال: (يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك) . والحدث ظاهره التحريم فإن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن ذلك وأمر بالقاء السبتيتين، وظاهر ذلك تحريم هذا، وإلى هذا نحا ابن حزم والشوكاني وأن المشي بين القبور بالنعال محرم، وهو قول قوي. لكن يستثنى من ذلك إن احتاج إلى المشي بالنعال كأن تكون المقبرة ذات شوك أو أن تكون الأرض باردة أو شديدة الحرارة، أو أن يكون به مرض يتأذى من المشي حافياً فحينئذ لا حرج عليه بأن يمشي حافياً. وأما ما أجاب به الخطابي من أن ذلك في النعلين السبتيتين فحسب لأنهما من لباس الخيلاء، فهذا ضعيف؛ فليستا من لباس الخيلاء، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لبس النعال السبتية) . فعلى ذلك: ينهى عن المشي بين القبور بالنعال إلا أن يحتاج إلى ذلك. كما أنه ينهى عن الحديث بأمر الدنيا وعن الضحك ونحو ذلك؛ لأن الموضع موضع تذكر واتعاظ فينافي ذلك مقصود الشارع مما يكون في زيارة المقابر واتباع الجنائز من الاتعاظ والتذكر ونحو ذلك، والاشتغال بالضحك والحديث بالدنيا ينافي هذا، فكان ذلك منهيا عنه تحصيلاً لمقصد الشرع من اتباع الجنازة وزيارة المقابر. قال: (والوطء عليه والاتكاء إليه) وهذا لما تقدم فإن هذه من جنس ما وردت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ويحرم فيه دفن اثنين فأكثر) واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال: (لما كان يوم أحد شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: إن الحفر لكل إنسان شديد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احفروا وأعمقوا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد) . قالوا: فهذا يدل على أن الأصل أن يقبر الميت في قبره وحده، وهذا كما فعل بعثمان بن مظعون وغيره من الصحابة. وما ذكره الحنابلة من نظر. فقد وجد جمهور أهل العلم وهو اختيار المجد بن تيمية واختار ابن عقيل وشيخ الإسلام: إلى أن ذلك للكراهية، فيكره أن يدفن في القبر الواحد اثنان فأكثر من غير تحريم، وهو الراجح. لأن ما ذكره الحنابلة لا يقوى على تحريم ذلك، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم – من دفنهم في قبر واحد – يدل على مشروعية ذلك واستحبابه من غير أن يدل على أن خلافه محرم وأنه يجب أن يدفن الميت في قبر واحد. فعلى ذلك – كما ذهب جمهور العلماء واختاره طائفة من أصحاب أحمد كالمجد بن تيمية وابن عقيل وصاحب الفروع وشيخ الإسلام - أنه لا بأس بذلك لكنه مكروه. أما عند الحاجة إليه فلا بأس، كأن يكثر القتلى إما لوباء أو لقتال أو نحو ذلك فيشق على الناس أن يخصوا كل ميت بقبر، فيدفنوا الاثنين والثلاثة بقبر واحد فلا حرج. قال: (ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب) لم أر دليلاً يدل على ذلك ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك أو أمر به لما دفن قتلى أحد على الطريقة المتقدمة. وعللوا ذلك: بأن هذا يجعل كل واحد منهما بمنزلة من له قبر مختص به – ولا بأس بذلك لكن من غير أن يقال باستحبابه فلم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. مسألة حكم نبش القبر؟
هو محرم، وقد ثبت في موطأ مالك عن عَمْرة بنت عبد الرحمن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لعن المختفي والمختفية) قال مالك: يعني نباش القبور. وهذا الحديث ورد مسنداً عن عمرة عن عائشة فيما رواه عبد الله بن عبد الوهاب ويحيى بن صالح عن الإمام مالك، فرووه مسنداً عن عمرة عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فنبش القبر محرم ولا يجوز ذلك إلا لمصلحة فإذا ثبتت المصلحة فلا بأس بنبشه كأن يدفن من غير تغسيل فيجوز أن ينبش ليكفن ويغسل. أما لو دفن من غير أن يصلى عليه؟ ففي هذه المسألة قولان لأهل العلم: أصحها أنه لا ينبش بل يصلى على القبر لصحة الصلاة عليه في القبر فلا نحتاج إلى أن ينبش قبره. ومثل ذلك: إذا دفن الاثنان في قبر واحد، فأحب أهل الميت بعد أن تفرعوا للميت أن ينبشوه فيضعوه في قبر منفرد. أو كانت الأرض فيها مشاحة واختلاف فاحتيج إلى أن ينقل منها إلى موضع آخر فلا بأس بذلك، وقد ثبت في البخاري عن جابر – في قصة قتلى أحد ودفن أبيه مع غيره في قبر - قال: وقد دفن معه غيره فلم تطب نفسي بذلك فاستخرجته بعد ستة أشهر) . ومثل ذلك: لو وضعت مقبرة ثم ثبتت المصلحة بنقلها إلى موضع آخر فلا حرج بنبش القبور إلى موضع آخر. قالوا: ولا بأس بنبشها أو الزرع عليها أو البناء ونحو ذلك إذا أصبحت رميماً تراباً قد ذهب عظمها فلم يبق منه شيء، وحكى صاحب الفروع: اتفاق أهل العلم على ذلك. فحرمة القبر للميت مرتبطة فيما إذا كان على هيئته أو قد بقي شيء من عظامه، أما إذا أصبح رميماً تراباً فإنه لا حرمة لقبره، فيجوز أن يزرع عليه أو ينبش. ولم منهم تصريحاً أن حرمته تنتهي مطلقاً، بل الظاهر أن ما تقدم من النهي - عن الجلوس ونحو ذلك – يبقى، لكن يجوز أن ينبش فيدفن معه غيره فيه.
والمدة التي يصبح بها الميت رميماً تراباً يعرفها أهل الخبرة فإذا مضت السنوات التي يعلم بالظن الغالب أن الميت قد أصبح رميماً فيجوز أن ينبش قبره ثم يوضع ميت آخر. ولم أر في هذه المسألة خلافاً بين أهل العلم، وقد نص عليها الحنابلة والشافعية والمالكية وغيرهم ولم أر فيها خلافاً وهي مسألة قديمة. فقد ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح عن عروة بن الزبير قال: (لا أحب أن أدفن في البقيع، لأن أدفن في غيره أحب إلى من أدفن فيه فإنما هو أحد رجلين إما ظالم فلا أحب أن أدفن معه وإما صالح فلا أحب تنبش عظامه) . فإن نبش وقد بقيت عظامه؟ فقال الحنابلة يعاد القبر كما كان ولا يقم عليه غيره ما بقيت عظامه. قال الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار الخلال من أصحابه: أنه لا بأس بذلك. وهذا هو القول الراجح، فإن النبش قد حصل فحينئذ لا مانع أن يدفن، فقد حصل هذا النبش واحتيج إلى هذا القبر في الدفن فحينئذ يدفن معه مع بقاء عظامه، أما إذا بقي على حالته فإنه لا يدفن معه، فإن دفن معه فلا بأس – كما تقدم في مذهب الجمهور خلافاً للحنابلة. فمن ظن بقاء عظامه فلا يجوز نبش قبره، وكذلك القبور المعظمة عند أهل الإسلام لعظمة أهلها في دينهم وصلاحهم فإن هؤلاء مظنة أن تبقى أبدانهم فلا ينبغي أن يتعرض إليها. اعلم أن المستحب أن يتولى دفن الميت أولياؤه من الرجال، وأن النساء لا يستحب لهن مطلقاً أن يتولين الدفن؛ وذلك لأنه مظنة لخروج شيء من سترها والمرأة مأمورة بأتم ما يكون من الستر، ولا شك أن الدفن مظنة لخروج شيء من بدنها فكان ذلك مختصاً بالرجال. وأحق الناس أولياء الميت، فقد ثبت في الحاكم بإسناد صحيح أن علياً والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم الذين تولوا دفنه – عليه الصلاة والسلام –.
لكن يستحب ألا يكون المشتغل بالدفن ممن قارف ليلته تلك أهله - أي جامع أهله -، فقد ثبت في البخاري عن أنس قال: (شهدنا زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيت عينيه تذرفان فقال: هل منكم من أحد لم يقارف الليلة فقال: أبو طلحة: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انزل في قبرها، فنزل فقبرها) . وهذا يدل على أنه لا بأس أن يتولى دفن المرأة من لم يكن من محارمها وإن كان المستحب أن يكون ذلك من محارمها؛ لأن مظنة الشهوة بعيدة في هذا الموضع فتكون شبيهة بمحارمه فإن الميتة لا تشتهى. والمحرم أولى، فقد ثبت في البيهقي: (أنه لما ماتت زينب بنت جحش قالت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتولى ذلك – أي دفنها – من كان يراها في حياتها فقال عمر: صدقتن) . والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تكره القراءة على القبر) فلا بأس أن يقرأ على القبر من القرآن كسورة الفاتحة ويَس أو غير ذلك – هذا في المشهور من مذهب الحنابلة –، وذكروا في ذلك حديثاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من جاء إلى المقابر فقرأ فيها يس خفف عنهم وكان له بعددهم حسنات) لكن الحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومذهب قدماء أصحاب الإمام أحمد وهو مذهب المالكية والأحناف: كراهة ذلك، بل هو بدعة كما صرح به الإمام أحمد في رواية عنه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو لأهل القبور في المقبرة ولم يصح عنه أنه قرأ شيئاً من القرآن، ولم يثبت ذلك عن أحد من أصحابه فكان حدثاً وبدعة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – فيما رواه مسلم -: (ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) فهنا شبه النبي صلى الله عليه وسلم البيوت التي لا تقرأ فيها القرآن بأنها مقابر، فدل ذلك على أن المقابر ليست مجالاً لقراءة القرآن.
فالصحيح مذهب المالكية والأحناف واختيار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد من النهي عن ذلك بل هو بدعة. قال: (وأي قربة فعلها) أي قربة سواء كانت صلاة أو صياماً أو حجاً أو ذكراً أو قراءة للقرآن أو دعاء أو صدقة أو نحو ذلك من الأعمال الصالحة وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي، نفعه ذلك وبلغه ثواب العمل – أي قربة كانت فهو يصل الحي والميت، وهذا هو المشهور في المذهب. وقال بعض الحنابلة: لا يكون إلا للميت أما الحي فليس محتاجاً إلى العمل؛ ولأنه يترتب على ذلك مفاسد عظيمة من تواكل كثير من الناس على غيرهم في العمل على ابن وغيره مع كونه قادراً على العمل بل ربما دفعت الأجرة على العمل الصالح ونحو ذلك. وهذا القول – على القول بهذه المسألة وسيأتي الخلاف فيها - أصح وهو أنه مختص بالميت دون الحي، فإن الحي لا يحتاج إلى العمل ولأن ذلك يترتب مفاسد عظيمة – وتقدم ذكر شيء منها. قالوا: ويشترط أن ينوي ذلك بعمله، فلا يعمله ثم ينوي الثواب لغيره، فإذا فعله ثم نوى الثواب لم يجزئ ذلك. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن به على هذه الصورة فقال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) وقال: (حجي عنها) ونحو ذلك من الأحاديث التي تقتضي أن يكون العمل من أصله متوجهاً إلى الميت. قالوا: ولأن الأثر يترتب على الفعل، فإذا ثبت الأثر على الفعل فإنه لا يتزحزح عنه، والأثر هنا هو الثواب، كالولاء فإن من اعتق عبداً فإنه يثبت له ولاؤه، فلو نوى الثواب لأحد من الناس فإن الولاء يبقى له. وقال بعض الحنابلة: بل لا يشترط ذلك؛ فإن الثواب ملكه فإذا تصدق به بعد ذلك فلا حرج. والأظهر ما تقدم فإن الثواب أثر للعمل فكان شرطاً فيه أصلاً. قالوا: ولا يشترط أن يهدي الثواب كله، فلو تصدق بصدقة ونوى أن يكون شطر ثوابها له وشطر ثوابها للميت فإنه لا حرج في ذلك، وهذا أمر ظاهر.
إذن: أصل المسألة أن الميت يصل إليه الثواب الناتج من عمل أحد من الناس وأنه ينتفع بذلك. واعلم أن أهل العلم قد اتفقوا على أن الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات في الجملة – أن الميت ينتفع بها. قال تعالى: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) . وغير ذلك مما هو في باب الدعاء والاستغفار وأن الآخر ينتفع بدعاء غيره واستغفاره له ومن ذلك الميت، وأما الصدقة فثبت في الصحيحين عن عائشة: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نعم) ، وثبت في البخاري عن عباده: (أن أمه توفيت – وهو غائب فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وأنا غائب فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ فقال: نعم فقال: أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها) . وأما أداء الواجبات، فقد قال صلى الله عليه وسلم – لمن سألته عن الحج: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم قال: فدين أحق الله بالقضاء) متفق عليه، وقال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) . فهذه الأحاديث تدل إلى أن الاستغفار والدعاء والصدقة وأداء الواجبات في الجملة – وفي المسألة تفصيلاً ليس هذا محله –، هذه الأربع قد اتفق العلماء على أنها تنفع الميت. وشذ بعض أهل العلم كالشوكاني – خلافاً للإجماع الذي ذكره النووي وقال: إنما ينفع ذلك من الولد دون غيره والإجماع المذكور من النووي يخالف ذلك.
وأما ذكر الله من استغفار ودعاء من بعدهم يدل على أن ذلك يقبل ولو كان من غير ولده، على أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم الآتي إنما نص على دعاء الولد ومع ذلك فإن الدعاء بدلالة الكتاب والسنة الصريحة قد دلا على أن الدعاء يصل إلى الميت وهؤلاء الناس يجتمعون على الميت فيدعون له ومنهم الولد وغيره بالإجماع. فهذه الأربع تصل إلى الميت مطلقاً. *واختلف أهل العلم في بقية القرب هل تصل أم لا؟ - فقال الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: تصل إلى الميت. واستدلوا: بما تقدم من الأدلة. فقالوا: الصوم يدل على الانتفاع بالعبادات البدنية، والحج يدل على الانتفاع بالعبادات البدنية والمالية والصدقة تدل على الانتفاع بالعبادات المالية. قالوا: فتلك الأدلة دالة على جواز الكل. قالوا: وقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – لعمرو بن العاص في أبيه: (إنه لو كان مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك) والحديث إسناده حسن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قالوا: فهذا الحديث يدل على أن الحج عن الميت مطلقاً سواء كان تطوعاً أو فريضة أن ذلك يجزئ عنه. - وشذت طائفة من المبتدعة ولا يقول بذلك إلا أهل البدع فقالوا: إن الميت لا يصل إليه شيء من الأحياء مطلقاً، لا دعاء ولا صدقة ولا استغفار ولا غير ذلك. وهذا القول لا يلتفت إليه، ولكني ذكرته لئلا يفهم كلام شيخ الإسلام فهماً خاطئاً فإنه لما ذكر هذه المسألة قال: ولا يقول بذلك إلا أهل البدع يعني بذلك من نفي الانتفاع مطلقاً، وأما من نفى الانتفاع بغير الأربع فإنه يقول به أكثر أهل العلم كما سيأتي. وقول [أهل] البدع هذا – مخالف الكتاب والسنة وما ثبت بإجماع العلماء.
أما القول الثاني في هذه المسألة، فهو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم: وهو أن الميت لا ينتفع إلا بما تقدم ذكره من الأربع، أما غيرها من الأعمال فإنه لا ينتفع به. واستدلوا: بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} . قالوا: فهذه الآية حاصرة، فإن الإنسان ليس له من عمله إلا ما سعاه، أما ما لم يسعه مما أهدي إليه، فإن ذلك لا يصل إليه. ويستثنى من ذلك ما وردت به السنة وهو ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) . قالوا: فهذا في الحقيقة من سعيه فإنه متصرف ظاهر في ولده كما هو متصرف ظاهر في العلم والصدقة، فالولد كسب لأبيه، وإنما ذكر هذا النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا من عمله. وأما الدعاء من الغير فليس هو من عمل الإنسان لكن دلت الأدلة المتقدمة أن ذلك يصل إليه. وأجاب شيخ الإسلام على الاستدلال بالآية – وهو أصح جواب أورد على الاستدلال بالآية – أجاب وذكر ذلك ابن القيم مقراً له –: " أي ليس للإنسان مالكاً لغير سعيه، فالنفي هنا متوجه إلى ملكه، وأنه لا يملك شيئاً من الأعمال إلا ما سعاه، وليس فيه نفي الانتفاع فإنه قد ينتفع بعمل غيره ". وفيما قاله – رحمه الله تعالى – نظر، فإن العمل إنما يستفاد منه الانتفاع، وإلا فإن الآية لا يكون لها فائدة، إذ هذا النفي لا يتوجه إلى شيء فإن العمل إنما يقصد منه الانتفاع فإذا عمل الغير له ونفينا أن العمل له وأثبتنا الانتفاع، فإن الآية لا تكون متوجهة إلى إفادة فهذا ممتنع في القرآن غاية الامتناع. فالأصح ما ذهب إليه جمهور العلماء – والمسألة فيها قوة – وأنه لا يصل إلى الميت إلا ما تقدم.
مما يدل على ذلك ما تقدم في مسألة التفريق بين الحي والميت فإن أصل هذه المسألة هو إجازة هذا الثواب للغير، وأن الثواب ملك له فيجوز أن يهديه للغير وحينئذ لا فرق في الحقيقة بين الحي والميت، وهذا مما يضعف هذا القول. فنحن لو أجزنا الإهداء إلى الميت لأن هذا الحي الثواب ملك له فيجوز أن يهديه لأي أحد، فيجوز له مادام ملكاً له أن يهديه للحي أيضاً كما هو المشهور في المذهب، – وحينئذ – يكون هذا مما يضعف القول؛ لأن الإهداء إلى الحي فيه مفاسد كثيرة تقدم ذكر شيء منها. ولأن ذلك لم يكن من هدي السلف الصالح – وهذا شيخ الإسلام قال: إنه ليس من عادة السلف إهداء الثواب وأن ذلك لا ينبغي وأن هديهم أفضل وأكمل. كما أن فيه إيثاراً في القربة، فهي قربة وعمل صالح يتقرب به العبد إلى الله فكيف يهديه إلى غيره. فإن قيل: ألا تقاس سائر الأعمال على ما تقدم ذكره؟ فالجواب: إن هذا قياس مع الفارق، فإن الصدقة فيها انتفاع متعد، والدعاء فيه انتفاع متعد وانتفاع للشخص، فإن الملك يقول: (ولك بمثل) كما ثبت في مسلم. وأما قضاء الدين عنه، فإن هذا واجب عليه، فكان في فعله فرق بين ذلك وفيه إرادة الثواب المحضة فلم يكن القياس صحيحاً مع ثبوت الفارق فإن الفوارق ظاهرة، فإن الصدقة نفعها متعد ومثل ذلك العتق، والشارع متشوف إلى إثباتها، والأحياء يحبون أن يوصلوا الثواب إلى أمواتهم فإذا فتح باب الصدقة وأغلق غيره انتفع بذلك الفقراء وحصل ما يتشوف إليه الشارع من إزالة الفقر عنهم وغير ذلك من مقاصد الشرع الثابتة في الصدقة. والدعاء ينتفع به الشخص وينتفع به الغير فليس كالتخلي عن الثواب، وأما الديون [لعل صوابها: "الصوم" (محمد خليفة) ] فإنها بمعنى الدين على الآدمي وفيها تبرئة لذمة الميت وفيها تطييب لخاطر الحي فإنه إذا قام بالعمل المفترض على ميته وكان ديناً له على الله أو غيره كان ذلك تطيباً لقلبه. فالراجح مذهب الجمهور.
قال: (وسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم) هذا أمر مستحب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – فيما رواه الخمسة إلا النسائي -: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم) . فيستحب أن يصنع لأهل المصيبة طعاماً فهم منشغلون عن حاجتهم إلى الطعام والشراب. وقد قيد المجد وهكذا صاحب الروض: بثلاثة أيام – وهذا التقييد لا دليل عليه، فقد يكون ذلك يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك بحسب تأثر أهل الميت بالمصيبة. قال: (ويكره لهم فعله للناس) يكره لهم وينهون أن يصنعوا الطعام لمن يجتمع عندهم من الناس، فقد ثبت في مسند أحمد وسنن ابن ماجه عن جابر قال (كنا نَعُدُّ الاجتماع عند أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة) (1) . وذهب بعض أهل العلم من الحنابلة: إلى أن ذلك يحرم، وهو أصح؛ لقول الصحابي " من النياحة " والنياحة محرمة، فلا يجوز لهم أن يصنعوا الطعام للناس، بل الاجتماع عند أهل الميت من النياحة كما تقدم في قول الصحابي، وقد نص على كراهيته الإمام أحمد والشافعي وغيرهم من أهل العلم وأن الاجتماع عند أهل الميت مكروه بل هو من النياحة كما تقدم في قول جابر. فصل قال: (تسن زيارة القبور) . لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها) زاد أحمد وأبو داود وغيرهما: (فإنها تذكركم الآخرة) ، وفي الحاكم من حديث أنس: (فإنها ترق القلب وتدمع العين) . فيستحب للمسلم أن يزور القبور، وإذا زارها فإنه يأتي من قبل وجهه، فيستدبر القبلة ويستقبل وجه الميت فيدنو منه – كما يفعل في زيارته للحي، وفي ذلك حديث حسنه الترمذي وفيه: وفيه قابوس بن أبي ظبيان وهو ضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أتى قبور المدينة فاستقبل القبور بوجهه) لكن الحديث ضعيف.
لكن زيارة الميت في حكم زيارة الحي، فإن الحي إذا زير استقبل وجهه ودني منه فكذلك الميت – وهذا ما عليه عمل أهل العلم. وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لزيارة القبور بل ذلك على حسب ما يحتاج إليه المسلم من تذكر الآخرة أو ما يصل به ميته، وليس في ذلك حد محدود فيه أو يوم معين يستحب فيه الزيارة. قال: (إلا النساء) فلا يشرع زيارة القبور لهن – وهذا من المشهور في مذهب أحمد وأنه يكره للنساء أن يزرن القبور وهناك قولان سوى هذا القول: أحدهما: أن الزيارة للنساء محرمة، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه. والثاني: أنها مباحة، وهو مذهب أكثر أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد. استدل الناهون عن ذلك: بما روى الترمذي وابن ماجه وهو ثابت في مسند أحمد وصحيح بن حبان من حديث عمرو بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور) وعمرو بن أبي سلمة صدوق إلا أن في حفظه بعض الضعف، والحديث حسن لا ينزل عن درجة الحسن، فهذا الضعف اليسير في حفظه لا يؤثر في الحديث. وله شاهد من حديث حسان بن ثابت – عند ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن زوارات القبور) وفيه ابن بهمان وهو مجهول، لكنه يشهد للحديث المتقدم، على أنه قائم بنفسه إن شاء الله، وقال ابن حبان في روايته حديث أبي هريرة: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور) ، وبقية المصنفين الذين خرجوا هذا الحديث أتوا بلفظة " زوارات "، وهو أصح، فقد أتى بها الإمام أحمد والترمذي بلفظة " زوارات "، وما ذكره جمهور المصنفين يشهد له حديث حسان المتقدم. فعلى ذلك الصحيح في حديث أبي هريرة ما ذكره عامة المصنفين: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور) .
واستدلوا: بما رواه ابن ماجه والترمذي وغيرهما من حديث ابن عباس قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) . فهذا دليل يدل على النهي عن زيارة القبور وهو صريح في النهي عن الزيارة أصلاً. لكن الحديث فيه: أبو صالح باذام وصبطت باذان وهو ضعيف الحديث ولا يلتفت لما قاله ابن حبان من أنه صالح الراوي عن ابن عباس وهو ثقة. فإن عامة أهل العلم كالترمذي والمزي والإشبيلي والمنذري وابن دحية وغيرهم من أهل العلم صرحوا بأنه أبو صالح باذام وهو ضعيف كما صرح بذلك الترمذي في سننه وغيره. وقد ورد هذا في بعض أسانيده مصرحاً " عن أبي صالح باذام عن أبي هريرة "، فعلى ذلك الحديث إسناده ضعيف. هذا أدلة الحنابلة القائلين بالنهي عن زيارة القبور. لكن شيخ الإسلام رأى أن هذه الأحاديث تدل على التحريم حيث صحت بلفظة " زائرات " وتقدم أنها لا تصح، فإنها لو صحت لما قيل بكراهية ذلك بل يقال بتحريم ذلك، بل إنه من كبائر الذنوب؛ لأن اللعنة لا تكون إلا على كبيرة. ويستدل لهم: بما ثبت في الصحيحين من نهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة عن اتباع الجنازة كما في حديث أم عطية. - وأما أكثر أهل العلم: فاستدلوا بأدلة منها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مر على امرأة عند قبر وتبكي فقال: اتقي الله واصبري فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فذكر لها أنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت إليه فلم تجد عنده بوابين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) . قالوا: إنما أنكر عليها هنا هذا التأثر الشديد الذي اقتضى لها أنه تنفرد في المقبرة فتبكي ولم ينهها النبي صلى الله عليه وسلم عن أصل الزيارة.
واستدلوا بما هو أظهر وهو ما ثبت في مسلم عن عائشة أنها قالت: (يا رسول الله كيف أقول لهم - تعني إذا زرتهم - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين) والحديث، فهذا صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها ما تقول ولم تقل: كيف يقال، وهو الثابت من فعلها، فقد ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن أبي مليكة قال: (أقبلت عائشة من المقابر فقلت: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ فقالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن عوف [الصواب: عبد الرحمن بن أبي بكر] فقلت لها: أو ليس [كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] نهى عن زيارة القبور؟ فقالت: نعم ثم أمر بزيارتها) . فهنا عائشة رأت أنها داخلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (فزوروها فإنها تذكر الآخرة) . قالوا: ولا مفسدة في ذلك بل فيه تذكرها بالآخرة وترقيق القلب وإدماع العين، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه المرأة - كما تقدم في حديث عمر في المسند – عن اتباع الجنازة، مع أن اتباع الجنازة فيها ما يخاف من الفتنة ما هو أعظم مما يكون في زيارتها، فإن في اتباع الجنازة للمرأة ورؤية الميت مع كون المصيبة حاضرة وحديثة العهد هو أعظم تأثيراً في نفسها من كونها تذهب إلى زيارة القبور - لا شك أنه أعظم -، ومع ذلك فلم يُعزم على النساء في النهي عن ذلك، بل أذن لهن كما في حديث أم عطية، فهذه تدل على قوة ما ذهب إليه جمهور العلماء في هذه المسألة. فما ذهب إليه الجمهور أرجح مما ذهب إليه الحنابلة.
لكن تنهى أن تكون زوارة للقبور والزوارة هي المكثرة للزيارة، ولا شك أن الإكثار من الزيارة فيه ما فيه من المفاسد وفيه إشغال المرأة عن الحق الذي عليها في بيتها، وفيه كذلك ما يخشى على المرأة من شدة التأثر والوارد الذي يرد على قلبها من كثرة الزيارة ما لا تتحمله المرأة، ويخشى عليها أن تنفرد في الزيارة فتكون حيث يتخلى فيها، والغالب في المقابر أن تكون بعيدة عن الناس، مع ما يخشى عليها من التأثر الشديد الزائد عما يرغب فيه الشارع من كونها تذكر الآخرة. والصحيح مذهب الجمهور من جواز زيارة النساء للمقابر. واستثنى صاحب الروض من ذلك ما يكون من زيارة النساء لقبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه " أبي بكر وعمر " فقالوا: لا بأس بذلك. لكن هذا ضعيف فلا يثبت استثناؤه على القول بمذهب الحنابلة بل تنهى كما تنهى عن غيره، فإن ما ذكروه من الأحاديث في هذا الباب عامة في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه. والصحيح ما تقدم وهو مذهب جمهور العلماء وأن ذلك جائز مطلقاً ومن ذلك قبر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر قبور الصحابة لكنها تنهى أن تكون زوارة. قال: (وأن يقول: إذا زراها أو مر بها: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا والمتأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية) فقد ثبتت هذه الألفاظ ونحوها في مسلم عن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله: كيف أقول لهم قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) ، وفي مسلم من حديثها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا وإياكم وما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) . وفيه: أنه لا بأس أن ينص على اسم المقبرة.
قال: (اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده واغفر لنا وله (1)) هذا من الدعاء المباح في هذا الموضع وإن كانت هذه الألفاظ في الأصل ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير هذا الموضع لكنها من الدعاء المباح فيدعو بما ورد وبما شاء من الدعاء بالمغفرة والرحمة ونحو ذلك. ولا بأس أن يرفع يديه، فقد ثبت في مسلم عن عائشة في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل: (قام قياماً طويلاً ورفع يديه ثلاث مرات) لكنه لا يستقبل الميت بل يستقبل القبلة. ومع ذلك فإنه إذا خشيت الفتنة في رفع اليدين فإنه لا يفعل ذلك؛ لئلا تظن أنه يدعو الأموات من دون الله - عز وجل - بل ينبغي له إذا أراد فعل ذلك أن يبتعد قليلاً عن الناس، وأن يوليهم ظهر ويرفع يديه مستقبل القبلة ليزول ما يخشى من الفتنة. والحمد لله رب العالمين. مسألة: في باب الدفن: وهي أن جمهور أهل العلم قد ذهبوا إلى جواز الدفن ليلاً واستدلوا بما ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مر بقبر فسأل عنه فقيل له: أنه دفن بليل فقال: أفلا آذنتموني) . فهذا الحديث يدل على أن الدفن بليل جائز وهو مذهب جماهير العلماء. وأما ما ثبت في مسلم: (أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبض فكفن بكفن غير طائل " أي غير ساتر " فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر رجل بليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك ثم قال: (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) . فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر رجل بليل إنما ذلك خشية ألا يحسن كفنه وألا يصلى عليه كما ينبغي أو أن يكون حضور الناس قليلاً أو نحو ذلك من سوء في التغسيل.
أما إن كان التغسيل حسناً والتكفين كذلك وكانت صلاته مشهودة فلا بأس بذلك؛ لما تقدم في حديث البخاري. والمشهور أن أبا بكر قد دفنه الصحابة بليل ولم ينكر ذلك فكان إجماعاً. قال: (وتسن تعزيه المصاب بالميت) التعزية: هي التقوية والتسلية والدعاء للميت والحث على الصبر. وأما المصاب: فهو من أصيب بالميت سواء كان من أهله أو من يربطه به نسب أو صهر، أو من أصدقائه كأن يكون رفيقاً. فكل مصاب فإنه يعزى سواء كان من أهله أو أصدقائه. وقد ثبت التعزية من فعله [- صلى الله عليه وسلم -] ، ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد: (أن بنتاً للنبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه أن ابناً لها أو بنتاً قد حضرت فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم يُقرئ السلام ويقول: لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى) . وفيها إحسان للمصاب وللميت وفيها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر من حث على الصبر، وفيها معروف من الدعاء للميت فكانت مشروعة، وهذا مما اتفق عليه العلماء. ولم ثبت بخصوصيتها حديث في فعلها عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما ما رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عزى مصاباً فله مثل أجره) فقد استغربه الترمذي، وهو كما قال. ومثله ما رواه ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم يعزي أخاه في مصيبة إلا كساه الله من حلل الجنة يوم القيامة) فالحديث إسناده ضعيف. فلم يثبت حديث بخصوصها، لكنها داخلة في عموم فضل تعزية المسلم في مصابه، سواء مصابه المرض ومصابه في ميت له أو نحو ذلك، وما فيها من الإحسان إلى أهل الميت وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
والحديث المتقدم – كما قال النووي – من أحسن ما يعزى به، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى) رواه البخاري، فإن قال: (أعظم الله أجوركم وأحسن عزائكم) فلا بأس بذلك وهو ثابت عن الإمام أحمد. وعنه: (آجرنا الله وإياك في هذا الرجل) ونحو ذلك من الألفاظ فأي لفظ فيه تعزية وجبر للميت فهو حسن فليس هناك لفظ محدد، لكن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم أحسن ما يعزى به. وقد يكون المصاب يحتاج أن يذكر بفضل من مات له ميت أو نحو ذلك معه، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث فذلك كله من التعزية. وهل للتعزية مدة محدودة؟ أما أولها فإن التعزية جائزة بعد الدفن أو قبله، كما هو المشهور في مذهب الحنابلة , ويدل عليها الحديث المتقدم في قصة ابن أو بنت بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنها أرسلت إليه وقالت: إن ابناً لها أو بنتاً حضرت، فهي - أو هو - لم يثبت بعد موته لكنه قد احتضر فكان في حكم الميت فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم بالتعزية المتقدمة. وأولى من ذلك التعزية قبل الدفن، فلو عزى قبل الدفن أو قبل التغسيل أو الصلاة عليه فلا بأس بذلك ويحصل المقصود المتقدم، وإن عزى بعد الدفن فلا بأس. والمشهور في مذهب الحنابلة والشافعية: أن مدة العزاء ثلاثة أيام، فلا يعزى بعدها مصاب إلا أن يكون غائباً فيعزى عند حضوره أن لم ينس المصيبة. قالوا: لأن التعزية بعد ثلاث تهيج الحزن وتثيره في النفس فلا يكون فيها الفائدة المقصودة من التعزية بل يحصل ضد ذلك. - وقال بعض الحنابلة، فهو وجه عندهم، وبعض الشافعية: بل ليس للتعزية مدة محدودة بل متى احتيج إليها فعلت، فلو عزاه بعد عشرة أيام أو شهر فلا بأس ما دام أن المصاب يحتاج إلى ذلك.
فلو أن أهل الميت تطاول بهم الحزن فإن التعزية تشرع حينئذ ولو بعد ثلاثة؛ لأن المقصود ما تقدم من تقوية المصاب وتسليته وحثه على الصبر وهذا – في الحقيقة – ليس لها مدة محددة لا يشرع بعدها. إذن الصحيح: أن التعزية ليس لها أمد بل متى احتاج إليها المصاب عزي ولو كان ذلك بعد موت ميته بزمن متطاول. لكن إن كانت لا فائدة منها إلا تهييج الحزن، فإنها لا تفعل ولو كان ذلك بعد يومين أو قبل ثلاثة أيام. وأباح الحنابلة أن يتميز المصاب بثوب أو نحو ذلك ليعزى، فلا بأس أن يشهر بثوب ونحوه. واستنكر هذا بعض الحنابلة وشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وأن ذلك ليس من فعل السلف الصالح فليس من هديهم إشهار المصاب بثوب، فلا أصل له من فعل السلف فكان من البدع المحدثة – وهو الصحيح. - والمشهور والصحيح في مذهب الحنابلة أنه لا بأس أن يؤخذ بيد المصاب للمصافحة أو نحوها. ومثل ذلك ما يشتهر عندنا من المعانقة، فلا بأس بها على قاعدة المذهب. وكرهه بعض الحنابلة، والأظهر جوازه وأن هذا ليس من باب العبادة وإنما من باب العادة. قال: (ويجوز البكاء على الميت) لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ذرفت عيناه لما قبض إبراهيم – ابنه – وقال: (هذه رحمة ثم قال: إن العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم – في الصحيحين – (إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم وإن الميت ليعذب ببكاء أهله) . واستحب شيخ الإسلام البكاء على الميت؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم - – أن ذلك أكمل مما حدث من بعض التابعين كالفضل من فرحه بموت ابنه أي لإظهار الرضا وكان من كبار التابعين أو أتباعهم، لكن السنة ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فجزم شيخ الإسلام باستحبابه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولقوله: (هذه رحمة) والرحمة مستحبة وأن ذلك أكمل من الفرح إظهاراً للرضا بقدر الله، والرضا بقدر الله لا يعارضه ما يكون من طبيعة البشر من دمع في العين أو حزن في القلب. * وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (وإن الميت ليعذب ببكاء أهله) إشكال: وذلك أن الله عز وجل قال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وأخبرنا الله في كتابه أنه هو الذي يضحك ويبكي، فكيف يعذب الميت بما يفعله من طبيعته وفطرته، ثم ما الذي يلحق الميت من هذا البكاء الواقع من الحي فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى؟ وأجاب أهل العلم عن ذلك بأجوبة، أصحها جوابان. لجواب الأول: وهو ما سلكه جمهور أهل العلم: أن ذلك فيمن أوصى بالبكاء عليه البكاء غير المشروع الذي فيه ندب ونياحة ونحو ذلك، أو يعلم من طبيعة أهله وعادتهم الندب والنياحة ومع ذلك لم يكن منه إنكار لذلك وتوصية بعدم فعل ذلك، فيصل إليه العذاب في قبره لأنه غير منكر بذلك راض به. والجواب الثاني: ما سلكه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن العذاب المذكور إنما هو التألم والأذى، والتألم والأذى ليس مما يقع فيه الإشكال المتقدم، فإن الإنسان يتألم ويقع في قلبه الحسرة ونحو ذلك من غير أن يقع عليه شيء من العذاب، وقد قال صلى الله عليه وسلم في السفر: (إنه قطعة من العذاب) ، وقال تعالى: {لن يضروكم إلا أذى} ، فلما نفى الله الضرر من الكفار لم ينكر الله وقوع الأذى والألم النفسي ونحو ذلك، فمثل هذا أمر ليس من باب العذاب، بل الله عز وجل يتأذى ورسوله كما في الحديث القدسي: (يؤذيني بن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) .
وهذا يوافق ظاهر الحديث، فإن ظاهره أن البكاء يعذب كل ميت، وأن كل ميت يعذب ببكاء أهله، وقد قال صلى الله عليه وسلم ذلك لما حضر سعد بن عبادة وكان عليه غاشية من أهله فقال صلى الله عليه وسلم – وقد بكى وبكى من حوله -: (لا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا – وأشار إلى لسانه – أو يرحم وإن الميت ليعذب ببكاء أهله) . فحينئذ: يتبين أن مراده البكاء غير المشروع، وثانياً: العذاب المعنوي وهو التألم النفسي وأنه يتألم لما يقع من أهله مما يخالف شرع الله عز وجل. ومعلوم أن الصالح يتألم من وقوع الناس في المنكر. فهذا الميت يتألم من وقوع أهله في هذا المنكر، كما يتألم لو كان هذا البكاء على ميت غيره وهو حاضر بين أيديهم فكذلك يؤلمه وهو في قبره. قال: (ويحرم الندب والنياحة) الندب: هو ذكر محاسن الميت على وجه التسخط، فهذا هو الندب المحرم. أما ذكر شيء من ذلك لا على سبيل التسخط فإن هذا لا بأس به، وقد ثبت في البخاري عن أنس قال: (لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يتغشاه - أي الموت – قالت فاطمة: وكرب أبتاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه في جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه) . فهذا من الندب لكنه ليس من الباب المتقدم الذي فيه تسخط على قدر الله وعدم رضا بما يوقعه الله من المقدرات من موت ونحو ذلك. فالندب المحرم هو: ذكر الميت بمحاسنه وفضائله على وجه التسخط، ويصحبه في الغالب رفع صوت بالبكاء وهو النياحة، فالنياحة أن يرفع الصوت بالبكاء مع ذكر محاسنه كما تقدم.
أو أن يكون مع ذلك فعل ينافي الشرع ويظهر به التسخط أيضاً كضرب الخد أو شق الجيب أو نثر الشعر أو نحو ذلك، فسواء كان ذلك بالألفاظ أي رفع صوته بالبكاء ويندب الميت أو أن يكون ذلك مع شق الثوب ولطم الخد مع تفريق الشعر ونثره ونحو ذلك – فذلك كله من النياحة –. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – فيما رواه البخاري: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) ، وفي سنن ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الخامشة وجهها والشاقة ثوبها والداعية بالويل والثبور) . وكل ذلك من النياحة المحرمة وهي من الكبائر للعن النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (ليس منا) . وأما النعي وهو إعلان الموت فلا بأس، فلا بأس أن يعلن موت فلان ليصلى عليه، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه) الحديث. لكن ثبت في الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن النعي) . والجمع بين الحديثين: أن الحديث الأول المراد به مجرد الإخبار بموته، وأما النفي المحرم فهو ما كان عليه أهل الجاهلية من إظهار ذلك في الأسواق والطرقات والمجالس العامة والصراخ بذلك فهذا هو المحرم، ومثله لو وقع النعي في الجرائد والمجلات فإنه من النعي المحرم. قال: (وشق الثوب ولطم الخد ونحوه) هذا كما تقدم من الأفعال التي تدل على التسخط على قدر الله عز وجل. والحمد لله رب العالمين. انتهى كتاب الجنائز بحمد الله تعالى، شرحه فضيلة الشيخ / حمد بن عبد الله الحمد، حفظه الله تعالى ونفع به. ويليه كتاب الزكاة. سؤال: عند اجتماع صلاة الكسوف وصلاة العيد، أيهما يقدم على الآخر؟ مع ذكر السبب. الجواب:
قال في حاشية الروض المربع ما نصه [2 / 536] : " ويقدم – أي الكسوف - على صلاة عيد، إن أمن فواته اتفاقاً، قاله في الفروع وغيره. واتفاقه مع العيد بعيد، لا يتصور اجتماعهما، ولم تجر به عادة. قال شيخ الإسلام: وأما ما ذكره طائفة من الفقهاء، من اجتماع صلاة العيد والكسوف، فهذا ذكروه في ضمن كلامهم، فيما إذا اجتمع صلاة الكسوف وغيرها من الصلوات، فقدروا اجتماعها مع الظهر والوتر، وذكروا صلاة العيد مع عدم استحضارهم، هل يمكن ذلك في الخارج أو لا يمكن؟ فلا يوجد في تقديرهم ذلك العلم بوجود ذلك في الخارج، لكن استفيد من ذلك العلم: علم ذلك على تقدير وجوده كما يقدرون مسائل يعلم أنها لا تقع، لتحرير القواعد، وتمرين الأذهان على ضبطها اهـ. وقيل: قد يتصور بأن يشهدوا على نقصان رجب وشعبان فيقع العيد في آخر رمضان، فإن خشي فواته قدم وفاقاً؛ لأن صلاة العيد واجبة في قول، والكسوف سنة " انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وممن ذكر هذه المسألة: الموفق ابن قدامة في المغني [3 / 331] . شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى [24 / 157] . الخطيب الشربيني في مغني المحتاج [1 /..] عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي الحنبلي في حاشية الروض المربع [2 / 536] . وغيرهم من الفقهاء.
كتاب الزكاة
السادس والتسعون بعد المئة (يوم الجمعة: 19 / 12 / 1415 هـ) كتاب الزكاة الزكاة في لغة العرب: هي النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع، إذا نما. وسميت الزكاة الشرعية زكاة؛ لأنها تنمي الغني والفقير. أما كونها تنمي الفقير، فهذا ظاهر. وأما كونها تنمي الغني، فإنها تنمي ماله، ولذا ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ثلاث أُقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، ولا ظُلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عز وجل عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر) (1) . فالصدقة لا تنقص المال، لكنها تبارك فيه، كما أنها تطهر المال من الوسخ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنها لا تحل لآل محمد، إنها من أوساخ الناس) (2) . وهي في الشرع: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص. " في مال مخصوص ": ستأتي الأموال الزكوية من بهيمة الأنعام والحبوب والثمار ونحوها. " لطائفة مخصوصة ": وهم أهل الزكاة. " في وقت مخصوص ": وهو مضي الحول إلا ما استثني من المعشرات ونحوها. قال المؤلف: [تجب] فالزكاة واجبة شرعاً، ودليل ذلك كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الأمة. أما الكتاب، فقد قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (3) .
وأما السنة، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) (1) . وقد أجمعت الأمة على فرضيتها، وأن منكر وجوبها كافر خارج عن الإسلام؛ لأن فرضيتها معلومة من الدين بالضرورة. والقاعدة: أن ما علم من الدين ضرورة كفرضية الصلاة والزكاة والحج ونحوها من الأحكام الشرعية – أن – إنكارها كفر بالله؛ لأنه تكذيب لدلالة الكتاب والسنة. أما من تركها بخلاً، فإنه لا يكفر بذلك، كما هو مذهب جماهير أهل العلم، ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فتكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيُرى – وضبطت: فيَرى – سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) (2) . والكافر لا يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار على التخيير، بل سبيله إلى النار على وجه التحتم، فدل هذا على أن تارك الزكاة تكاسلاً مع إقراره بوجوبها أنه لا يكفر. فإن كان تاركها تحت يد الإمام، فإنه يلزمه بها ويأخذ شطر ماله، كما سيأتي تقريره، لحديث: (ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا) (3) رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن وقال أحمد: " هو عندي صالح الإسناد ". (4)
وأما إذا كان تاركها ليس تحت قبضة الإمام، بأن كانت طائفة ممتنعة، كأن تمتنع جهة من الجهات عن أداء الزكاة للإمام ولهم قوة وشوكة، فإن الإمام يقاتلهم حتى يؤدوا الزكاة، كما قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، ولا تكفر. وقد حكى شيخ الإسلام اتفاق المسلمين على أن الطائفة الممتنعة عن أداء شعيرة من الشعائر الإسلامية الظاهرة، كالصلاة والزكاة ونحوها، أو الممتنعة عن ترك شيء من المحرمات الظاهرة كالربا والزنا أنها تقاتل. قال: [بشروط خمسة] هذه شروط وجوب الزكاة، فلا تجب الزكاة إلا بتوفرها. قال: [حرية] والمكاتب قنٌ، والعبد لا يملك بالتمليك في الصحيح من المذهب. هذا هو الشرط الأول، وهو الحرية، فالعبد لا زكاة عليه؛ وذلك لأنه لا مال له، والزكاة إنما تؤخذ من أصحاب الأموال. وأما العبد فإنه مال ولا يملك، ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من باع عبداً وله مال – أي معه مال هو مختص به – فماله للذي باعه) (1) . قال: [وإسلام] فالكافر لا تجب عليه الزكاة، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وقد قال تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} (2) . فالزكاة منهم لا تصح، ولا تجب، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وهذا بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، ولذا لم يكونوا يأخذون من الذميين الزكاة، وإنما كانوا يلزمونهم بالجزية. فالزكاة لا تجب على كافر.
وإن أسلم فلا تجب عليه قضاؤها، ويستأنف حولاً جديداً، أي يستأنف الحول من إسلامه؛ لقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} (1) ، فإذا أسلم ترتبت عليه الأحكام الشرعية، فإذا تم لإسلامه حول أخذت منه الصدقة. قال: [وملك نصاب] هذا هو الشرط الثالث: أن يملك النصاب الزكوي من الأموال الزكوية. وسيأتي الكلام على الأنصبة. فمن ملك النصاب من الغنم فعليه الزكاة، وهكذا في بقية الأموال الزكوية التي فيها الأنصبة. أما إن كان ماله لا يبلغ النصاب، فإنه لا تجب عليه الزكاة، فنصاب الذهب مثلاً: عشرون ديناراً، فإن ملك تسعة عشر ديناراً، فلا زكاة عليه، ونصاب الغنم مثلاً: أربعون شاة، فإن ملك تسعاً وثلاثين شاة، فلا زكاة عليه. وهذا باتفاق العلماء. وهو ظاهر الأحاديث النبوية في تقدير الأنصبة، فإن ظاهرها أن من لم يملك النصاب المسمى، فإنه لا زكاة عليه. لكن إن كان الناقص عن النصاب الشيء اليسير عرفاً، فإنه لا عبرة بنقصه، فتبقى الزكاة عليه واجبة، كأن تنقص الحبة والحبتين من أوسق الحبوب أو الثمار، فإن نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق وهو ستون صاعاً، فكون الصاع الأخير ينقص منه شيء يسير هذا نقص لا يعتد به؛ لأن الشارع لا يعلق الحكم بمثل هذا، ولذا فإن الشارع لم يبطل الصلاة بالعمل اليسير الخارج عن الصلاة، وعفا عن النجاسات اليسيرة ونحو ذلك. قال: [واستقراره] فالمال غير المستقر ناقص لا تام. " استقراره ": أي استقرار النصاب في ملكيته. ويعبر عنه صاحب المقنع بتمام الملك، وتمام الملك: هو أن يكون الملك تاماً غير ناقص، وهو الملك المستقر الذي لا يكون عرضة للسقوط، فإن كان ملكاً ناقصاً، بأن كان غير تامٍ أو معرضاً للسقوط، فإنه لا تجب فيه الزكاة.
مثال ذلك: على القول بوجوب الزكاة في الدين، فلو أن سيداً باع على عبده نفسه، وهو المكاتبة، فإن هذا المال يبقى ديناً على المكاتب وهو العبد، فهذا الدين لا تجب فيه الزكاة، كأن يشتري العبد نفسه من سيده بألف إلى سنتين، فإن السيد لا يزكي عن هذه الألف؛ لأن هذا المال ليس ملكه تام فيه، فإن هذا العبد يمكنه أن يعجز نفسه فيعود عبداً، وحينئذ، فإن هذا الدين يسقط، فمتى عجز نفسه فإنه يسقط، فأصبح هذا الدين ليست ملكيته تامة كالديون المتعلقة في ذمم الناس من بيع أو نحو ذلك، فهي ديون مستقرة ثابتة. ومثل ذلك: الوقف الذي يكون لمعين، فلو أوقف رجل مالاً على ذريته، فلا زكاة فيه؛ لأن ملكيتهم ليست بتامة، فإنه لا يمكنهم التصرف فيه ببيع ولا شراء ولا نحو ذلك، ولا يورث منه مطلقاً، بل يجري على ما أوصى به صاحب الوقف، فلا تجب فيه الزكاة؛ لأن الملك فيه غير تام، فلابد أن يكون الملك تاماً. ودليل هذا قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} (1) ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم) (2) ، وهذا ليس بمال مستقر. فعلى ذلك الشرط الرابع تمام الملك أو استقراره. قال: [ومضي حول]
هذا الشرط الخامس، وهو مضي الحول، والحول هنا هو الحول الهلالي القمري بلا خلاف بين العلماء، كما قال تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} (1) أي أهلة القمر التي تثبت بها السنة القمرية. فالحول هنا هو الحول القمري أي السنة القمرية، فإذا مضى الحول بالسنة القمرية وهي اثنا عشر شهراً، فإن الزكاة تجب، وهذا باتفاق العلماء. وفي سنن أبي داود بإسناد حسن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) (2) ، والصحيح وقفه على علي رضي الله عنه، ونحوه عن عائشة في سنن ابن ماجه (3) ، والصحيح الوقف أيضا. وعن ابن عمر عند الترمذي (4) والصحيح الوقف، فهذا آثار موقوفة على الصحابة لا يعلم لهذه الآثار مخالف. قال: [في غير المعشر] المعشرات: هي الحبوب والثمار، فهذه لا ينتظر لوجوب الزكاة فيها مضي الحول، بل متى حُصدت زكيت، لقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} (5) . ويلحق بها: زكاة المعادن والركاز والعسل، فهذه تخرج زكاتها عند الحصول عليها في المعادن والركاز، وعند جني العسل.
وإنما فرق الشارع بين المعشرات وغيرها؛ لأنها ليست معدة للنماء، بل متى حصدت استهلكت، بخلاف بهيمة الأنعام وعروض التجارة والذهب والفضة، فإنها معدة للنماء، فناسب في إيجاب الزكاة فيها مضي الحول. وأما هذه فإنها ليست بمعدة للنماء، فمتى حصد الزرع أو جني الثمر، فإن الزكاة تجب فيه؛ لأنه حينئذ يكون معرضاً للاستهلاك، فلا فائدة حينئذ من أن يتربص به حولاً. قال: [إلا نتاج السائمة وربح التجارة] فما تنتجه السائمة من بهيمة الأنعام فنتاجها وكذلك ربح التجارة هو فرع يلحق بأصله في الحول، فحوله حول أصله. مثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة، وقبل أن يتم عليها حول أنتجت كل شاة منها سخلتين أو أكثر بحيث أنها زادت على ما يجب في أصلها، فأصلها أربعون، فيجب فيها شاة، وإذا نظرنا إلى النتاج وأضفناه إلى أصله فإن الواجب شاتين، فحينئذ نوجب فيها شاتين، فنعتدّ بالصغار، فتلحق بأصولها في مضي الحول. وعليه عمل السعاة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وقد ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح عن سفيان بن عبد الله أن عمر بعثه مصدقاً، فكان يعتد على الناس بالسخل "، يعني يحتسب عليهم السخل، فقالوا: إنك تعتد علينا بالسخل ولا تأخذها – فإن الساعي لا يأخذ الصغار بل يأخذ وسْط المال، الجذعة والثنية، فذكر ذلك لعمر، فقال عمر: " نعم نعتد عليهم بالسخلة يحملها الراعي – أي يحملها بيده – ولا نأخذها، ولا نأخذ الأكولة " وهي التي تسمن لتؤكل، وهي من خيار المال، " ولا الرُبَّى " وهي المرضع تربى ولدها، " ولا الماخض " وهي الحامل، " ولا فحْل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وهذا عدل بين غذاء الغنم " (1) أي صغاره وخياره.
أي كوننا نحسب عليكم السخلة ولا نأخذها منكم، وإنما نأخذ منكم أكبر منها، يقابل هذا أنا لا نأخذ منكم خيار المال، بل نترك خياره لكم من الأكوله والربى وغيرها، فهذا قول عمر رضي الله عنه ولا يعلم له مخالف. ومثل ذلك أيضا: ربح التجارة، فمثلاً: رجل عنده عروض تجارة تساوي ألف ريال، فلما مضى الحول فإذا بها تساوي أربعة آلاف، فإنه يزكي زكاة أربعة آلاف، فهذا المتولد من هذه الألف له حكمها. إذاً نتاج بهيمة الأنعام وأيضا ما ينتج من التجارة من ربحها، فإن له حكم أصله، كما دل على ذلك أثر عمر المتقدم، وعليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فإنهم ما كانوا يستثنون السخلة أو صغار الإبل أو البقر، بل يحسبون ذلك كله. قال: [ولو لم تبلغ نصابا] أي وإن كانت السخال لم تبلغ نصاباً، فإنها محسوبة مع أصلها. قال: [فإن حولها حول أصليهما إن كان نصاباً] أي إن كان هذا الأصل نصاباً كما تقدم في التمثيل السابق. قال: [وإلا فمن كماله] صورة ذلك: رجل في الشهر المحرم امتلك ثلاثين شاة فأخذت بالنتاج، فبلغت بعد ثلاثة أشهر، أربعين - ثلاثون شاة وعشر سخال - فهذه أربعون، ثم أخذت بالنتاج بعد ذلك، فإن الحول لا يكون من الشهر المحرم؛ لأنها كانت فيه ثلاثين، وإنما يكون هذا بعد ثلاثة أشهر منه، أي في شهر ربيع الثاني، حيث بلغت أربعين. إذاً: النتاج له حول الأصل حيث كان الأصل نصاباً، أما إن لم يكن الأصل نصاباً، فإن الحول يكون من الكمال. وظاهر كلام المؤلف أن ما يطرأ على المال من جنسه مما لم يتولد منه أن له حولاً جديداً، وهذا مذهب جمهور العلماء.
صورة هذا: رجل عنده مائتا دينار، امتلكها في شهر المحرم، ثم أهدي إليه بعد شهر أو شهرين مئة دينار، أو ورث مئة دينار، فهذا الإرث وهذه الهبة ليست متولدة من ماله الأول، فيستأنف بها حولاً جديداً؛ لعموم الآثار المتقدمة التي فيها أنه ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول، وهو مال له حكم مستقل، فليس بمتولد من المال الأول. وإن كانت زكاته مع الأول أبرأ للذمة وأيسر، لكن هذا ليس بواجب عليه. وعند قوله: " وملك نصاب "، علّق الزكاة بملك النصاب، فتثبت الزكاة بملك النصاب، ولو كان المالك غير عاقل أو غير بالغ، ولذا لم يذكر التكليف في الشروط. فالزكاة تجب على الصغير في ماله، وتجب على المجنون في ماله. ويؤدي ذلك وليهما عنهما بنيته من مالهما وجوباً؛ وذلك لأن الزكاة متعلقة بالمال، فلم ينظر فيها إلى المالك، فأشبهت قيم المتلفات وأروش الجنايات والنفقة على الأقارب، فإن هذا كله يجب على غير المكلف. فلو أن غير مكلف قتل، فإن الدية تثبت، وأيضاً النفقة تثبت في مال الصبي والمجنون وأروش الجنايات تثبت كذلك، وقيم المتلفات كذلك، لتعلق حق الآدمي بها، وهنا كذلك، فإن الزكاة تتعلق بها حق الآدمي من أصحاب الزكاة. هذا مذهب جمهور العلماء، وعليه تدل آثار الصحابة، كقول عمر فيما صح عنه عند الدارقطني: " اتجروا بمال اليتيم لا تأكله الصدقة " (1) . والبالغ لا يسمى يتيماً، وإنما اليتيم هو الصبي، ونحوه عن عائشة، ولا يعلم لهم مخالف.
- وقال الأحناف: لا تجب إلا على المكلف؛ واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: (والصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يعقل) (1) . والجواب عن هذا بأن يقال: ... (2) (رفع القلم) أي قلم التكليف في العبادات التي.... بحق الغير، أما العبادات التي لا تعلق بحق الغير، فهذه.... ما تقدم من نفقة الأقارب وقيم المتلفات، فإنها متعلقة بحق الآدمي فلا ينظر فيها إلى المكلف، بل إلى المال نفسه. كما أن هذا الحديث مُخَصص بأقوال الصحابة، فإن الصحابة أقوالهم تخصص الأدلة، فعلى القول بدخول الزكاة في هذا الحديث من باب العموم، فإن آثار الصحابة تدل على تخصيص الزكاة. فالراجح هو مذهب جمهور أهل العلم من وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون. والحمد الله العالمين. والذي دلت عليه الآثار أنه – أي النصاب – تحديد وتقريب في الجمع، وهو رواية عن أحمد، عنه تقريب الأثمان والعروض، وتحديد في غيرها. واختار شيخ الإسلام أنه لا حول لأجره، وهو رواية عن أحمد ومنقول عن ابن عباس، قال لا يصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه؛ لأنه قد يحط بالربح، حكاه في الفروع وغيره. الدرس السابع والتسعون بعد المئة (يوم السبت: 2 / 12 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله: [ومن كان له دين أو حق من صداق أو غيره على مليء أو غيره أدى زكاته إذا قبض لما مضى] هذه مسألة زكاة الديون. الديون على ضربين:
الضرب الأول: أن يكون الدين على مليء باذل، أي يكون المستقرض غني باذل، كأن يستقرض رجل من رجل، ويكون المستقرض باذلاً أو يكون لامرأة صداق مؤخر على زوجها، وزوجها باذل مليء، أو رجل باع سلعة على آخر بثمن مؤجل، فهذا داخل في الديون. الضرب الثاني: أن يكون هذا الدين على غير مليء، بأن يكون معسراً أو يكون على غني مماطل، أو أن يكون الحق محجوراً أو مسروقاً أو مغصوباً، كرجل سُرق ماله أو غُصب. أما الضرب الأول: فتجب عليه الزكاة عند جماهير العلماء؛ لأن هذا الدين داخل في عموم المال، وقد قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم) ، فهذا الدين مال فيدخل في عموم الأدلة الدالة على الزكاة؛ ولأنه شبيه بالوديعة، والوديعة يجب أن يزكيها مودعها، وهذا المال شبيه بالوديعة؛ لأنه يمكنه أن يتصرف به متى شاء، فمتى أراد أن يتصرف به فإنه يطلبه من هذا المدين فيتصرف به وينميه. وهل تجب عليه الزكاة عند مضي الحول وإن لم يقبضه، أو أن الزكاة لا تجب إلا عند قبضه، فيزكيه لما مضى؟ قولان لأهل العلم: ذكر المؤلف القول الثاني، وأنه يزكيه إذا قبضه لما مضى، فإذا أقرض زيد عمراً مئة ألف، فإنه يزكيها إذا قبضها، ولو كان ذلك بعد عشر سنوات، فيزكي عن العشر سنوات، ولا يجب عليه أن يزكيها عند مضى كل حول. فإن زكاها عند مضي الحول، أجزأ، لكن لا يجب عليه ذلك. هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو قول علي كما روى ذلك عنه أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناد صحيح؛ ولأنه دين ثابت في الذمة فلم يجب الإخراج قبل قبضه كما لو كان على معسر.
والقول الثاني: أنه يجب أن يزكيه عند مضي كل حول وإن لم يقبضه، وهو قول الشافعي، قال في المغني: " وهو قول عمار وابن عمر وجابر "؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة عند مضي الحول للمال، وهو عام في الدين وغيره. وهذا القول أظهر؛ لأنه مال فيدخل في عموم الأدلة القاضية بإيجاب الزكاة عند مضي الحول، ولا دليل على إخراجه منها. وقال أهل القول الأول: هو مال لا ينتفع به صاحبه، فلم يجب أن يزكيه إلا عند قبضه. وفي هذا نظر، فإن مقتضى التعليل الذي ذكروه، أولاً: عدم وجوب الزكاة فيه مطلقاً، وهم لا يقولون بهذا. والوجه الثاني: أنه يمكنه الانتفاع به بأن يأخذه من صاحبه فيتصرف به كيف شاء، فإن هذا المليء الباذل يدفعه له متى طلبه، وحيث كان كذلك، فإنه يمكنه الانتفاع به متى شاء. فالراجح مذهب الشافعية، وأنه يجب أن يزكيه عند مضي كل حول وإن لم يقبضه. أما الضرب الثاني: وهو ما إذا كان الدين على مماطل أو جاحد أو معسر، أو أن يكون المال مغصوباً أو مسروقا، فهل تجب فيه الزكاة أم لا؟ قولان لأهل العلم، وهما قولان في مذهب أحمد والشافعي: القول الأول: أن الزكاة واجبة، وهو ما ذكره المؤلف هنا، ويزكيه عند قبضه لما مضى. هذا هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي؛ قالوا: لأنه مال فيدخل في عموم الأدلة الدالة على فرضية الزكاة في الأموال. وعن أحمد، وهو قول مالك واختاره الشيخ محمد: أن يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة.
والقول الثاني في مذهب أحمد والشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة: أن الزكاة لا تجب فيه، واختاره شيخ الإسلام؛ قالوا: لأن هذا المال لا يمكنه أن ينتفع به ولا يتصرف به، فليس محلاً للنماء والزيادة، والأصل في مشروعية الزكاة إنما هي في الأموال التي يمكن أن تنمى، وهنا هذا المال ليس كذلك. وهذا القول أظهر، وأن الزكاة لا تجب. فهو وإن كان مالاً، وهو داخل في عموم الأموال، لكنه في الحقيقة بمعنى الدين على المكاتب. وقد تقدم أن الدين على المكاتب لا يزكى بالاتفاق؛ لأن الملك فيه ليس بتام، إذ يمكن أن يسقط، وهنا هو بمعناه؛ لأنه لا يمكنه أن يتصرف به، ولا أن ينتفع به، وحيث كان كذلك، فإنه لا يلزم بإخراج الزكاة عنه، لأنه ليس تحت يده حكماً، وحيث كان كذلك، فإنه لا يلزم بأن يزكيه. وهذا القول أظهر. وحينئذٍ فإنه إذا قبضها استأنف الحول من جديد، فإذا قبض الدين أو وجد المسروق أو أتاه المال الغصوب، فإنه يستأنف حولاً جديداً، فإذا مضى الحول الجديد بالشروط السابقة، فإنه يزكيه. وقوله [أو حق] من مغصوب أو مسروق. وقوله [من صداق أو غيره] : كقرضٍ أو ثمن مبيع. قال: [ولا زكاة في مالِ من عليه دين ينقص النصاب] هذه مسألة أخرى: في حكم الزكاة على من عليه دين ينقص النصاب. تقدم أن الزكاة لا تجب إلا إذا كان النصاب تاماً، فإذا كان على صاحب النصاب دين، لكنه دين بحيث إن هذا الدين ينقص النصاب، فلا تجب عليه الزكاة. مثال هذا: نصاب الذهب عشرون ديناراً، فإذا كان يملك عشرون ديناراً لكن عليه دين لفلان خمسة دنانير، فهي تنقص النصاب، فيكون في الحقيقة مالكاً خمسة عشر ديناراً. مثال آخر: عنده خمس من الإبل، وعليه دين ينقصها، أي بقدر بعير. أو عليه دين شاة أو شاتين وعنده أربعون شاة.
أما إذا كان الدين لا ينقص النصاب، فلا إشكال في إيجاب الزكاة عليه، مع حذف الدين من عليه، فإذا كان عنده ثلاثون ديناراً وعليه عشرة دنانير، فهذا الدين لا ينقص النصاب، فإذا حذفنا عشرة دنانير من ثلاثين ديناراً بقي له عشرون دينارً، وهو النصاب الزكوي، فيجب عليه أن يزكي العشرين. وأما إذا كان الدين ينقص النصاب، فإنه لا زكاة عليه. وهذا كله بيان كلام المؤلف، وسيأتي الكلام في هذه المسألة. قال: [ولو كان المال ظاهراً] الأموال على قسمين: أموال باطنة: وهي الأثمان وعروض التجارة، فالأثمان وهي الذهب والفضة أو ما يقوم مقامها من العملة المعاصرة، هذه أموال باطنة، وعروض التجارة كذلك أموال باطنة؛ لأن قيمتها أثماناً، فكانت بحكمها. وقال بعض الحنابلة: بل الأموال الباطنة هي الأثمان فقط، وأما عروض التجارة، فهي أموال ظاهرة. وهذا فيما يظهر لي أظهر؛ لأنها في الحقيقة ظاهرة، فإن أنفس الفقراء تتشوف إليها، وهي أموال بينة بخلاف الأثمان، فإنها تتصف بأنها أموال باطنة، إذ لا يظهر إلا بإظهار صاحبها لها. وأما عروض التجارة فهي وإن كانت قيمتها أثماناً، لكنها في الحقيقة أموال ظاهرة شبيهة بالمواشي والحبوب والثمار وغيرها. أموال ظاهرة: وهي المواشي والحبوب والثمار. فهنا المؤلف ذكر أن الديون التي تنقص النصاب لا توجب الزكاة، سواء كانت الأموال باطنة كالذهب والفضة وعروض التجارة، أو كانت الأموال ظاهرة كالمواشي وغيرها.
فمن كان عليه دين، وعنده مواشي أو عنده حبوب وثمار أو ذهب وفضة قد بلغت أنصبتها، وهذه الديون التي عليه تنقص النصاب، فإن الزكاة لا تجب عليه. هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة؛ قالوا: لأن الزكاة المقصود منها مواساة الفقير، وصاحب الدين بمعنى الفقير، ولذا هو من أهل الزكاة، فلم يكن مناسباً أن يؤخذ منه مال فيجبر به غيره مع حاجته إليه، فليس من المناسب أن تعطل حاجته لدفع حاجة غيره، قالوا: ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ابدأ بنفسك) (1) ، فالشريعة أقرت هذا، وهو أن يبدأ بحاجة نفسه، فليس من الشرع حينئذ أن يؤمر بما يناقض هذا فيبدأ بغيره مع حاجة نفسه. قالوا: ولما ثبت في موطأ مالك وكتاب الأموال لأبي عبيد بإسناد صحيح: أن عثمان رضي الله عنه في بعض الروايات على منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم " (2) ، قالوا: فقد قال عثمان هذا في محضر من الصحابة ولم ينكر عليه، فكان ذلك إجماعاً. وثبت في سنن البيهقي بإسناد جيد عن ابن عباس وابن عمر في الرجل يستقرض المال فينفقه على ثمرته وأهله، فقال ابن عباس: " يخرج ما أنفق على ثمرته وأهله ثم يزكي ما بقي " (3) ، وقال ابن عمر: " يخرج ما أنفق على ثمرته ثم يزكي ما بقي " (4) . ويصح أن يكون قول ابن عمر مخالفاً لقول عثمان المتقدم وهي مخالفة في الأموال الظاهرة فقط، وأما قول ابن عباس فهو موافق لقول عثمان.
أما الدين المنقص للنصاب في الأموال الباطنة، فما ذهب إليه الحنابلة هو مذهب الجمهور، وأدلتهم في هذا قوية ظاهرة. - وقال الشافعية: بل عليه الزكاة؛ لأنه مال، فيدخل في عموم الأموال التي يجب أن تزكى. والظاهر ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنه وإن كان مالاً، لكن صاحبه ليس بغني، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تؤخذ من أغنيائهم) (1) ، وقال: (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) (2) ، وهذا عليه دين ينقص المال عن النصاب، فلا يكون حينئذ غيناً. ولأنه كما تقدم يحتاج إلى المواساة وحاجته أولى من حاجة غيره. فما ذهب إليه الجمهور في الأموال الباطنة أظهر، ولأثر عثمان ولا يعلم له مخالف، وأما أثر ابن عمر فقد تقدم أن المخالفة في الأموال الظاهرة دون الباطنة. وأما الأموال الظاهرة، فإذا كان عليه دين ينقص النصاب: - فجمهور العلماء: على أن الدين لا يمنع الزكاة فيها، بل تجب؛ وذلك لأن السعاة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعهد أصحابه لم يكونوا يستفصلون، فلم يكونوا يسألون أصحاب المواشي وأصحاب الحبوب والثمار هل عليكم ديون تنقص النصاب أو لا؟ فكانوا يأخذون منهم الزكاة من غير استفصال. والدليل الثاني، وهو نظري: أن الفقير تتشوف نفسه إلى هذا المال الظاهر، ويتعلق به، فلم يكن من المناسب أن يمنع الدين الزكاة فيه، لتشوف الفقراء عليه، وهذا بخلاف الأموال الباطنة. فهو ظاهر لأعين الفقراء. وأما الحنابلة، فقالوا: الدين إذا كان ينقص النصاب في الأموال الظاهرة، فإنه لا تجب فيها الزكاة؛ قالوا: لعموم قول عثمان التقدم " هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم "، قالوا: هذا عام في الأموال الظاهرة والباطنة. لكن تقدم أن أثر ابن عمر مخالف له في الأموال الظاهرة دون الأموال الباطنة.
واستدلوا بالحديث المتقدم (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) ، وأن هذا من أهل الزكاة، فليس من المناسب أن يعطى من الزكاة لديونه، وتؤخذ منه الزكاة. فالزكاة إنما تؤخذ من الأغنياء الذين ليسوا بحاجة إلى الزكاة، وهذا بحاجة إلى الزكاة. وهذا القول فيما يظهر لي أقوى؛ لقوة ما عللوا به هذا القول واستدلوا به، من أن حاجة صاحب المال مقدمة على حاجة غيره، ويبدأ المرء بنفسه قبل غيره، ولا صدقة إلا عن ظهر غنى، وكيف تدفع له الزكاة من جهة وتؤخذ منه من جهة أخرى! . أما ما ذكره أهل القول الأول، فإن عدم استفصال السعاة بناء على الأصل، فإن الأصل هو براءة الذمة من الديون، ولأن من عليه دين فإنه يخبر بذلك ويقول: إن عليّ دين، فهم لم يكونوا يستفصلون لهذا، بناء على الأصل، ولأن من كان عليه دين فإنه يخبر عن نفسه. وأما كون الفقراء تتشوف نفوسهم إلى المال، فحاجة صاحب المال أولى من حاجة غيره، فإن صاحب المال متشوفة نفسه لقضاء دينه وإبراء ذمته، وهو محتاج إلى هذا المال الذي يؤخذ منه، فكان أولى من غيره. فالأظهر ما ذهب إليه الحنابلة في هذه المسألة، وهو أن زكاة المال لا تجب على من عليه دين ينقص النصاب، سواء كان المال باطنا أو ظاهراً. أما المسألة الأولى في الأموال الباطنة، فهو مذهب جمهور العلماء. وأما ما يكون في الأموال الظاهرة، فهو مذهب طائفة من التابعين. وقول المؤلف [ولو كان المال ظاهرا] ، قوله " ولو " إشارة إلى خلاف بعض الحنابلة، وهو أحد الوجهين في المذهب: على أن الزكاة في الأموال الظاهرة واجبة وإن كان الدين ينقص النصاب، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب جمهور العلماء كما تقدم. قال: [وكفارة كدين] فمن عليه كفارات كمن عليه ديون.
فلو أن رجلا عليه كفارة عتق رقبة أو كفارة إطعام أو دم لحج، وكانت هذه الكفارة تنقص النصاب الزكوي، فلا تجب عليه الزكاة أيضاً، فلو أن رجلاً عنده مال، لكن وجب في ذمته عتق رقبة حقاً لله عز وجل أو وجب في ذمته إطعام حقا لله بحيث إن هذه الكفارة تنقص المال، فإن الزكاة تسقط عنه أيضا. وهذا هو أحج الوجهين في مذهب الإمام أحمد؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء) (1) ، فدين الله كدين الآدمي، فالحقوق الواجبة على العبد من الكفارات ونحوها إن كانت تنقص النصاب فلا زكاة على صاحبها. - والوجه الثاني في المذهب: أن الزكاة واجبة عليه، وهذا أظهر؛ وذلك لأن الزكاة متعلقة بعين المال، فهي حق لله متعلق بالمال بعينه، كما أنه متعلق أيضا بالذمة، فهو متعلق بالمال وبذمة صاحب المال، وأما الكفارات فإنها متعلقة بالذمة فحسب، وما كان متعلقاً بعين المال وذمة مالكه أولى مما تعلق بالذمة فقط، وكلاهما حق لله تعالى. بخلاف المسألة المتقدمة، فإن الديون وإن كانت متعلقة في الذمة فقط مع أن الزكاة متعلقة بعين المال، لكن هي حقوق للآدميين، والحقوق للآدميين مبنية على المشاحة بخلاف الحقوق التي لله، فهي مبنية على المسامحة. فالأظهر، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد: أن من عليه كفارات، فإن الزكاة واجبة عليه وإن كانت الكفارات تنقص النصاب، لأن الزكاة متعلقة بعين المال وهي حق لله تعالى، فقدمت على الكفارات المتعلقة بالذمة. قال: [وإن ملك نصاباً صغاراً انعقد حوله حين ملكه] فلو أن رجلاً عنده نصاب من المواشي، لكنها صغار من صغار الإبل أو صغار الغنم أو صغار البقر.
كأن يملك أربعين سخلة أو أربعين من الفصلان أو الفحول، فهي صغار، وهذا بشرط أن تكون سائمة، أما إذا كانت تطعم اللبن فإنه لا زكاة فيها؛ لأن الزكاة إنما تجب في السائمة. فإذا كان عنده صغار من الإبل أو صغار من البقر أو صغار من الغنم، وهي سائمة ليست مما تطعم اللبن، فإن الزكاة تجب فيها وينعقد الحول من حين ملكها، فلا ننتظر حتى تبلغ السن المجزئة في الأضحية، فلا ننتظر في الشاة حتى تكون مسنة، أو في الضأن حتى تكون جذعاً، بل بمجرد ما يملكها انعقد الحول. ودليل هذا عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (في الغنم في سائمتها) (1) الحديث، وهم غنم، فالصغار غنم، ومثلها الإبل والبقر، فإذا تم الحول، فإنها تزكى وتكون في كثير منها قد بلغت السن المجزئة، كما يكون هذا في الغنم. لكن إن وجبت الزكاة ومضى الحول في مواشي، وكلها صغار، يعني من السخال أو الفصلان أو غيرها،فهل يُخرج صغيراً أم يجب أن يشتري كبيراً فيخرجه في الزكاة؟ قولان لأهل العلم؟ 1 – فذهب مالك: إلى أنه لا يجزئه إلا أن يخرج المجزئ في الأضحية، فعليه أن يشتري ما يجزئ ويخرجه؛ لأن هذا هو الواجب في الزكاة أصلاً، وهو أن يخرج ما يجزئ في الأضحية. 2 – والقول الثاني، وهو مذهب الحنابلة والشافعية في المشهور عندهم: أنه يجزئه إخراج الصغير. وهذا أظهر؛ وذلك لأن المخرج يكون من جنس المال في الأصل، لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} ، ولقول عمر فيما تقدم: " هذا عدل بين غذاء الغنم وخياره " (2) فكما أخذت الجذعة والثنية لأنها عدل بين صغاره وبين خياره، وهنا العدل أن يؤخذ صغيراً، لأن المال كله صغار.
وأما ما استدل به مالك، فإن هذا حيث كان في المال خياراً وصغاراً، أما والمال كله صغار، فهذا يخالف الأصل، فكان العدل أن يؤخذ من الصغار، فالعدل هنا أن يؤخذ من الصغار؛ لأن المال كله صغار، ولأن الأصل في الزكاة أن تؤخذ من المال نفسه إلا أن يدل دليل على أخذها من غيره؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (خذ من أموالهم صدقة) . والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثامن والتسعون بعدالمئة (يوم الأحد: 21 / 12 / 1415 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن نقص النصاب في بعض الحول.. انقطع الحول] إذا نقص النصاب الزكوي في بعض الحول، فإن الحول ينقطع. مثال ذلك: رجل ملك أربعين شاة في أول محرم، فيجب عليه في آخر السنة أي في آخر شهر ذي الحجة أن يزكيها، لكن في أثناء الحول نقصت شاة واحدة، كأن يهب شاة أو يضحي بها، ونحو ذلك، ثم أنتجت الشياه شاة مكانها، فمثلاً في العاشر من ذي الحجة ضحى بشاة منها، وفي الخامس عشر من الشهر نفسه أنتجت بعض الشياه شاة، فتم النصاب، فإن الحول ينقطع، ويبدأ من تمامها النصاب مرة أخرى أي في الخامس عشر من ذي الحجة؛ وذلك لأن الشرط أن يمضي الحول على نصاب زكوي تام، وهنا لم يمض الحول على هذه الصفة، بل قد نقص النصاب أثناء الحول. مثال آخر: نصاب الذهب عشرون دينارًا، فلو ملك رجل عشرين ديناراً فبقيت عنده حولاً، إلا أنه في أثناء الشهر نقص دينار، ثم وهب ديناراً، فتم له عشرين ديناراً، فهنا لم يمض الحول على نصاب تام، بل في أثناء الحول نقص النصاب، فهنا ينقطع الحول. إذاً الشرط أن يكون مالكاً للنصاب، وأن يمضي الحول كله وهو مالك للنصاب، فإن كان في أثناء الحول نقص النصاب، فإنه يستأنف الحول من جديد.
لكن يستثنى من ذلك الزمن اليسير عرفاً، كالساعة أو الساعتين ونحو ذلك، كأن تموت له شاة في أول النهار، ثم وهبت له شاة بعد زمن يسير عرفاً، كالساعة أو الساعتين، فإن هذا لا يؤثر. قال: [أو باعه أو أبدله بغير جنسه] المبادلة نوع من البيع، ومراد المؤلف هنا بالبيع أن يكون بنقد، وبالمبادلة بغير نقد، وإلا فإن المبادلة نوع من أنواع البيع. ولعل المؤلف هنا فرّق بين البيع والمبادلة للإيضاح، وهذا الأسلوب في الحقيقة ليس أسلوباً يناسب المتون العلمية، وإنما يناسب الشروح. أو أن يكون المؤلف يرى – وهو قول يخالف الصواب – أن المبادلة ليست ببيع. المقصود من ذلك أن مراده بالبيع أن يكون بنقد أي بذهب وفضة، أي بالدراهم وبالدنانير، أي أن يبيع الإبل مثلاً بالدراهم والدنانير. وبالمبادلة، بغير نقد، كمبادلة الإبل بالغنم، ومبادلة البقر بالإبل، ونحو ذلك، فهذه مبادلة، وهي في الحقيقة بيع. فإذا باع النصاب الزكوي أو أبدله بغير جنسه، انقطع الحول. مثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة، فباعها وأبدلها بإبل، أو باع إبلاً بدراهم، فإنه ينقطع الحول. فلو أن رجلاً عنده خمس من الإبل – وهو نصاب الإبل -، فمضى عليها ستة أشهر،فباعها بدراهم، وبقيت الدراهم عنده ستة أشهر، فلا يزكيها حتى يتم عليها حولاً كاملاً؛ لأن حول الإبل قد انقطع، واستأنف للدراهم حولاً جديداً. ومثل ذلك: لو باع هذه الإبل التي مضى عليها ستة أشهر بأربعين شاة، فإن هذا الأربعين يستأنف حولاً جديداً، فإذا مضى عليها حول كامل وجبت فيها الزكاة؛ وذلك لما تقدم من الآثار التي رُفعت، وتقدم ترجيح وقفها من أنه لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، وهذه الشياه التي قد اشتريت بالإبل، وهذه الدراهم التي بيعت بها الإبل، هذه أموال لم يمض عليها حول، فلا تجب فيها الزكاة حتى يمضى عليها الحول.
إذاً: إذا باع نصابه الزكوي بنصاب زكوي آخر من جنس آخر، فإنه يستأنف لهذا النصاب الجديد حولاً جديداً؛ لعموم الآثار من أنه ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول. قال: [لا فراراً من الزكاة] إن فعل هذا فراراً من الزكاة أي حيلة، فإنه لا ينقطع الحول، كأن يكون عنده أربعون شاة، فمضى عليها تسعة أشهر، ثم باعها بدراهم حتى يفر من الزكاة، ثم يعود بعد ذلك فيشتري بها شياه، فإنه تجب عليه الزكاة إذا مضى الحول المتقدم؛ لأنه فعل ذلك فراراً من الزكاة. وهذا لا شك أنه يحتاج إلى قرينة، أي قرينة تدل على أنه فعل ذلك فراراً، أما إذا لم تكن هناك قرينة، فإن القول قوله بلا يمين، فإذا قال: أنا لم أفعل ذلك هروباً من الزكاة، فإن القول قوله ولا نحتاج إلى يمينه؛ لأن الأصل معه، فإن الأصل براءة ذمته من هذا القصد المحرم. لكن إن كانت هناك قرينة تقوي أنه إنما فعل ذلك فراراً من الزكاة، كخصومة بينه وبين الساعي أو نحو ذلك، فإنه يحكم بهذا؛ وذلك لأن الحيلة لا تسقط الواجب، وهي قاعدة شرعية يقررها فقهاء المالكية والحنابلة دون فقهاء الشافعية والأحناف، فإن الحيلة عند فقهاء المالكية والحنابلة لا تسقط الواجبات، فمن احتال لإسقاط واجب، فإن هذه الحيلة باطلة لاغية غير مؤثرة، وأما فقهاء الشافعية والأحناف، فإنهم يصححون الحيل، وإن قالوا بالإثم فيها.
والراجح ما ذهب إليه المالكية والحنابلة في هذه المسائل؛ وذلك لأن تصحيحها يخالف مقصود الشارع من تحريم الحيل، وقد نهى عنها الشارع، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه ابن بطة بإسناد حسن: (لا تفعلوا كما فعلت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) (1) ، والحيلة ليس عليها أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكل عمل ليس عليه أمره فهو رد، فالحيل لا غية مردودة غير نافعة لأصحابها، وعليه: فإذا احتال لإسقاط الزكاة فإن هذه الحيلة لا تكون مقبولة منه وغير مؤثرة في إسقاط الزكاة. لكن كما تقدم هذا يحتاج إلى قرينة تدل عليه، أو اعتراف من فاعل ذلك، وأما أن يحكم عليه بمجرد التهمة فلا؛ لأن الأصل معه وهو براءة ذمته من الحيلة. والمحتال يعاقب بنقيض قصده، وهنا قصده الهروب من الزكاة، فيعاقب بإثباتها، كما فعل الله عز وجل من العقوبة في أصحاب الجنة في قصتهم المذكورة في سورة القلم، فيما ذكره الله عنهم من احتيالهم لإسقاط الصدقة الواجبة عليهم للفقراء إلى أن قال الله في جنتهم: {فأصبحت كالصريم} (2) الآيات، فدل هذا على تحريم الحيل، وحيث حرمت فكما تقدم هي باطلة ومردودة في الشرع. إذاً من احتال لإسقاط الزكاة أو لقطع الحول فإنها تجب عليه، والحول لا ينقطع، كما هو مذهب المالكية والحنابلة. وأما الأحناف والشافعية، فإنهم قالوا: لا تجب الزكاة إلا حيث وجد النصاب ومضى عليه الحول، ولم يروا إثبات الزكاة لوجود هذه الحيلة. والصحيح كما تقدم خلافه. قال: [انقطع الحول] في المسائل الثلاثة كلها. قال: [وإن أبدله بجنسه بنى على حوله] اعلم أن الذهب والفضة وعروض التجارة جنس واحد.
أما الذهب والفضة؛ فلأنهما قيم الأشياء، فمؤداهما واحد، فهما من جنس واحد، ولذا يضم بعضهما إلى بعض في الزكاة، كما سيأتي، فمن كان عنده عشرة دنانير ومئة درهم، فإن الزكاة واجبة عليه كما سيأتي. فلو أنه عنده فضة، فمكثت ستة أشهر ثم أبدلها بذهب، فبعد مضي ستة أشهر تجب عليه الزكاة في الذهب، فحولهما حول واحد، فلا يستأنف حولاً جديداً للذهب. وأما عروض التجارة، فهي من جنس الذهب والفضة بالنظر إلى قيمتها، فإنها مقومة على الاستمرار، فهي معروضة للتجارة، فقيمها الذهب والفضة، وتزكى أيضاً بتقويمها ذهباً أو فضة، فكانت من جنس الذهب والفضة. فلو أن عنده ثياباً للتجارة، مضى عليها ستة أشهر، ثم باعها بدراهم، ثم مضى على هذه الدراهم ستة أشهر، فإنه يزكيها؛ لأنهما من جنس واحد، فالثياب عروض تجارة، وهي من جنس الأثمان من الذهب والفضة، لأن قيمتها الذهب والفضة. فإذا أبدل النصاب الزكوي بجنسه، بنى على حوله. فلو أن عنده أربعين شاة، فأبدلها بأربعين شاة، فإن هذه الأربعين الممتلكة حديثاً لا يستأنف لها حولاً جديداً، بل حولها حول ما قبلها،، فالشياة قد باعها بشياه أخر، فمقصود الشارع حاصل في الشياه الأخر كما هو حاصل في الشياه الأولى، فوجبت الزكاة في الشياه الأخر مبنية على حول الشياه الأولى. حتى لو كانت الشياه الأخرى أكثر من الشياه الأولى، كأن يستبدل أربعين شاة بمئة وثلاثين شاة فيها سخال ونحو ذلك، فإنه يجب عليه أن يزكي عن المئة والثلاثين. فإن قيل: هذا الزائد لم لا يُستأنف له حول جديد؟ فالجواب: أنه شبيه بنتاج السائمة، فإن الزائد على الأربعين تبع للجنس الأول المستبدل، لأنه بدل له. فإذا كان عنده جنس من الأجناس الزكوية، فاستبدل له بجنسه، فإنه لا يستأنف حولاً جديداً، بل يبني على الحول الأول.
لكن إن استبدل أربعين شاة سائمة بأربعين شاة عروضاً، فإن الجنس يختلف، فهي وإن كانت كلها شياه، لكن هذه شياه تسوم، وهذه شياه للتجارة، ولذا لو أن رجلاً عنده أربعون شاة فمضى عليها ستة أشهر وهي سائمة، ثم أعدها تجارة للبيع والشراء، فإنه ينقطع الحول ويستأنف حولاً جديداً؛ لأنها تحولت إلى جنس آخر، فهي في الوضع الأول كانت سائمة، وهنا أصبحت من باب التجارة. قال: [وتجب الزكاة في عين المال ولها تعلق في الذمة] هل تجب الزكاة في ذمة المسلم صاحب المال الزكوي، أو أنها تجب في عين المال، بمعنى: هل هذا المال الذي يمتلكه المسلم إذا أوجبنا عليه الزكاة فيه، هل هذه الزكاة واجبة في عين المال بمعنى: أنها جزء من المال وداخلة فيه بنفسه أم أنها متعلقة في ذمة المزكي، وإن كان لها تعلق بالمال، لكن أصل تعلقها بالذمة؟ قولان لأهل العلم، هما قولان للحنابلة:
القول الأول: أن الزكاة متعلقة بعين المال، ولها تعلق في الذمة، لكن أصل تعلقها في عين المال. واستدلوا: بقوله عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة} (1) ، و {من} هنا تبعيضية، ومفادها أن الزكاة بعض المال المتوفرة فيه شروط وجوب الزكاة. وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (في الغنم في سائمتها في كل أربعين شاة شاة) (2) ، و (في) هنا ظرفية، فتفيد أن هذه الشاة الواجبة زكاةً داخلة في هذا المال، فهي فيه، وهذا المال الزكوي شامل لها. قالوا: لكن لها تعلق في الذمة من حيث أنه لا تجب عليه أن يخرجها بعينها، بل لو أخرج مالاً خارجاً عنها، فإن ذلك يجزئ عنه، وهذا ما اتفق عليه العلماء، من أن الرجل إذا وجبت عليه شاة في أربعين شاة، فلا يجب عليه أن يخرجها من هذه الأربعين، بل له أن يشتري بدراهمه شاة أو أن يأخذ شاة من شياه غيره شراء أو هبة، ثم يدفعها للسعاة، ولو لم يرض الساعي بذلك، فلا يشترط رضا الساعي بذلك. قالوا: فلذا لها تعلق في الذمة، لكن أصل تعلقها في عين المال، ولكن رُخص للمكلف ألا يدفعها من عين المال الزكوي، ويبقيه على هيئته، ويدفعها من جهة أخرى؛ لأن المزكي قد يكون له تعلق في عين ماله، فيرغب أن يخرجها من غيره. ولأن مقصود الشارع يحصل بذلك، فإن المقصود هو إخراج شاة سواء كانت الشاة من عين ماله أو من غيره. القول الثاني، قالوا: تجب في الذمة، لكنها لها تعلق بالمال، لكن أصل وجوبها أن تجب في الذمة. واستدلوا: بما تقدم من أنه يجوز له أن يخرجها من غير عين ماله، وما جاز هذا إلا لوجوبها في الذمة، قالوا: ولو كانت واجبة في عين المال لوجب عليه أن يخرجها من عين ماله.
وفيما ذكروه نظر، ولذا أجاب أهل القول الأول بأنه إنما جاز له أن يخرجها من غير عين ماله رخصة له، فهو من باب الرخصة. ومما ينبني من الخلاف على هذين القولين: لو أن رجلاً عنده أربعون شاةً، مضى عليها حولان، فهل يجب عليه شاة واحدة أو يجب عليه شاتان؟ إن قلنا: إن الزكاة تجب في عين المال، فلا تجب عليه إلا شاة واحدة. وإن قلنا: إنها تجب في الذمة، فيجب عليه شاتان. بيان هذا: عنده شاتان (1) مضى عليها حولان، إذا قلنا بقول الحنابلة هنا، وأنها متعلقة بعين المال، فلا يجب عليه أن يزكي إلا شاة واحدة؛ لأنا إذا أخرجنا عن الحول الأول شاة، فما بقي عنده إلا تسع وثلاثون شاة، والزكاة متعلقة بعين المال، فلتعلقها بعين المال، فإذا أوجبناها عليه في الحول الأول، فإن الزكاة متعلقة بهذه، فلا نحسب في السنة الأخرى، بل يبقى عنده تسع وثلاثون شاة، فلا يجب عليه إلا أن يزكي الحول الأول، وأما الحول الثاني فإن النصاب يكون قد نقص، أما إذا قلنا: إنها متعلقة بالذمة، فهو في الحول الأول قد ملك أربعين شاة، فعليه زكاة شاة، وفي الحول الثاني عنده أربعون شاة، فعليه شاة أخرى، هذا إذا لم نقل إن الدين الذي لله عز وجل الذي ينقص النصاب تجب فيه الزكاة، وقد تقدم الخلاف في هذا. المقصود من هذا: أن الأدلة الشرعية المتقدمة دلت على أن الزكاة متعلقة في عين المال لا في الذمة فقط، بمعنى أنه قد وجب لله - عز وجل - في هذه الأربعين شاة أو في هذه العشرين ديناراً وجب لله فيها هذا الجزء المحدد من الزكاة، وإن كان لها تعلق في الذمة من حيث أن صاحبها لا يجب عليه أن يدفع هذا الجزء، بل له أن يخرجه من جهة أخرى رخصة له. قال: [ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء] أي لا يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء، فالضمير في " وجوبها " يعود على الزكاة.
رجل وجبت عليه زكاة، لكنه معسر، قالوا: لا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء. (1) فيقال له: الزكاة واجبة عليك وإن لم تتمكن من أدائها، وإنما قلنا: الضمير في " وجوبها " يعود على الزكاة؛ لنبيِّن أن إخراجها لا يجب عليه، فالزكاة واجبة، لكن لا يجب عليه أن يخرجها؛ لأنه عاجز عن إخراجها، فالزكاة تبقى متعلقة في ذمته متى ما قدر زكى، لكن لا يجب عليه الإخراج؛ لأنه غير قادر عليه، فتتعلق الزكاة في ذمته حتى إذا ما استطاع زكى. فلو أن رجلاً عنده أربعين شاة، وقد مضى عليها الحول، لكنه معسر لا يستطيع إخراج شيء من الزكاة، فهو معسر محتاج إلى ما عنده من هذه الشياه في قيام بيته أي يحتاج إلى لبنها ونحو ذلك، فقيام معيشته بها، فلا يستطيع أن يخرج منها شيئاً، هو لا يمكنه الأداء، لكن الزكاة تبقى متعلقة في ذمته متى ما قدر زكى.هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، والشافعية.
- وعن الإمام أحمد، وهو مذهب المالكية وهو القول الثاني للشافعي، قالوا: إن لم يمكنه الأداء، فإن الزكاة لا تجب عليه؛ قالوا: لأن الزكاة عبادة، ومن شروط إيجاب العبادات إمكان أدائها، وقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (1) ، ولأن الزكاة إنما وجبت من باب المواساة، وهذا معسر يحتاج إلى المواساة، فلم تجب عليه. وليست كالديون على الآدمي، لأن الديون التي على الآدميين فيها محض حق الآدمي، وليست من باب المواساة، بل هي حقوق الآدميين، أما في الزكاة فإن حق الآدمي مشوب بحق الله - عز وجل -، وهي إنما وجبت مواساة من الغني للفقير، فإذا كان هذا محتاجاً إليها أو معسراً، فهو أولى بالمواساة من الفقير. فالراجح القول الثاني، وأن الزكاة لا تجب إلا مع إمكان أدائها. أما أهل القول الأول، فإنهم استدلوا بالأدلة الدالة على وجوب الزكاة بمضي الحول، قالوا: وقد مضى الحول، فتعلقت الزكاة في ذمته. والجواب: ما تقدم من أنها وإن مضى الحول، لكن لا نقول بإيجابها؛ لأن العبادات لا تجب إلا مع إمكان الأداء، ولأنها من باب المواساة، وما كان كذلك، فإنه يسقط عن صاحب المال، لأنه هو أحق بالمواساة من الفقير، لأنه صاحب المال. قال: [ولا بقاء المال] فبقاء المال ليس شرطاً في إيجاب الزكاة. صورة هذا: رجل ملك نصاباً، ومضى عليه الحول، وقبل أن يزكيه تلف المال، بتفريط منه أو غير تفريط، فإن الزكاة واجبة عليه، وكما تقدم الإخراج لا يجب حتى يتمكن، لكن المقصود أن الزكاة تتعلق في ذمته. هذا هو المشهور عند الحنابلة؛ قياساً على دين الآدمي، قالوا: من كان له على آدمي دين، فإنه يجب عليه أن يعطيه إياه وإن كان معسراً، لكن يتربص به حتى يكون موسراً، لكن لا يسقط عنه الدين لإعساره، فكذلك الزكاة.
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول الموفق ابن قدامة: إن كان بتفريط، فإن الزكاة تتعلق في ذمته، وإن كان بغير تفريط، فإن الزكاة تسقط عنه؛ قالوا: لأن الزكاة هنا أصبحت كالأمانة في يده، ومن كانت عنده لأحد أمانة، فتلفت بلا تفريط، فلا ضمان عليه اتفاقاً، كما دلت عليه الأدلة الشرعية فكذلك في الزكاة. أما إذا تلفت الزكاة بتعد وتفريط، فإنه يضمن، كما يضمن الأمانة التي تلفت عنده بتعد منه وتفريط. وهذا القول هو القول الراجح. وأما الجواب عن قياسهم على دين الآدمي، فيقال: بينهما فرق، فإن دين الآدمي محض حق للآدمي، وأما الزكاة ففيها حق الله المبني على المسامحة. هذا الوجه الأول. وأما الوجه الثاني: فهو أن ديون الآدميين لا دخل لها في باب المواساة، بخلاف الزكاة، فإنها إنما شرعت مواساة من الغني إلى الفقير، وحيث كان ذلك، فإنه لا يضر بالغني ولا يشق عليه لمواساة غيره. فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام. قال: [والزكاة كالدين في التركة] إذا مات صاحب المال وعليه ديون، فإن الديون تقدم على الإرث كما هو مقرر في علم الفرائض، قال تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} (1) ، فالديون مقدمة على الورثة، فكذلك الزكاة. فلو أن رجلا مات قبل أن يخرج زكاة ماله، فإنها تخرج من تركته قبل الإرث؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اقضوا الله، فدين الله أحق بالقضاء) (2) ، فدل هذا على أن دين الله كدين الآدمي في القضاء، فيقدم حينئذ على الإرث.
وهل يقدم دين الله الزكوي على ديون الآدميين المطلقة التي لم تتقوى برهن في هذا المال -، لأن الديون منها ما هو دين برهن، ومنها ما هو دين مطلق، فالدين برهن هذا دين متعلق بالتركة، أما الديون المطلقة فهي التي لا رهن فيها، فهل تقدم الديون المطلقة على دين الله أو يقدم دين الله على الديون المطلقة، أم نجعلها حصصاً ونساوي بينها؟ المشهور عند الحنابلة: الثالث، فلو أن رجلا مات وعليه زكاة، فما بقي له من المال إلا شاة واحدة، الواجب عليه في الزكاة شاة وعليه دين لآدمي بقدر شاة، فإن هذه الشاة تقسم بين دين الله وبين دين الآدمي بالمحاصة، فإذا كان من له الدين واحد، فنصف الشاة للزكاة والنصف الآخر لهذا الدائن، وإن كانوا اثنين فالثلث للزكاة والثلث للدائن الأول، والثلث الأخير للدائن الثاني. وذهب بعض الحنابلة: إلى أن الزكاة مقدمة على دين الآدمي، إلا أن يكون دين الآدمي مرتبط برهن. وهذا القول أظهر، ودليل هذا ما تقدم من أن الزكاة متعلقة بعين المال، فهي جزء منه متعلقة به، وإنما أذن له أن يخرجها من غيره من باب الرخصة، فحيث كان ذلك، فهي مقدمة على الدين المطلق المتعلق بالذمة. وأما الدين الذي يكون برهن، فإنه مقدم على الزكاة؛ لأنه مرتبط بعين هذا المال بخصوصه، فالزكاة متعلق بجزء منه لا على التعيين، وأما الدين الذي برهن، فهو متعلق بجزء من المال بعينه. والوجه الثالث: يقدم دين الآدمي؛ لأن حقه مبني على المشاحة. والحمد لله رب العالمين. ... (1) الدرس التاسع والتسعون بعد المئة (يوم الاثنين: 22 / 12 / 1415هـ) باب زكاة بهيمة الأنعام [تجب في إبل وبقر وغنم]
هذه بهيمة الأنعام، فهي الإبل والبقر والغنم، فتجب الزكاة فيها سواء كانت الإبل بَخاتياًّ، وهي الإبل المتولدة من الإبل العربية والعجمية، وهي ذات السنامين، أو كانت عِرابا، وهي المشهورة عندنا، فكلها من بهيمة الأنعام. والبقر: كل ما يسمى بأنه بقر، ومن ذلك الجواميس باتفاق العلماء. * وأما بقر الوحش، فعن الإمام أحمد روايتان: الرواية الأولى: أنها داخلة في البقر التي تجب فيها الزكاة، وهكذا غنم الوحش؛ وذلك لأنها داخلة في عموم الاسم، فلفظ البقر كما أنه شامل للبقر الأهلي، فإن البقر الوحشي يدخل فيه، وهكذا الغنم. الرواية الثانية، وهي مذهب جمهور العلماء: أن بقر الوحش لا يدخل في وجوب الزكاة؛ وذلك لأن اسم البقر لا يشمله إلا بالإضافة، فيقال: بقر وحشي، أما الاسم المطلق وهو " البقر "، فإن بقر الوحش لا يدخل فيه. ولأنه ليس من بهيمة الأنعام، ولأن المعنى الذي من أجله شرعت الزكاة من النماء ليس ثابتاً فيه. فالراجح مذهب الجمهور، وهو رواية عن الإمام أحمد: من أن الوحشي من البقر والغنم ليس فيه الزكاة، إذ هو ليس من بهيمة الأنعام، ولأن الاسم الذي ورد في الشريعة لا يشمل الوحشي إلا بالإضافة. * والمشهور عند الحنابلة: أن المتولد من الوحشي والأهلي تجب فيه الزكاة. وقال الشافعية، وهو اختيار الموفق ابن قدامة: إن الزكاة لا تجب فيه. وهذا هو الراجح؛ لأن المتولد من الوحشي والأهلي نوع آخر، كما أن البغل المتولد من الفرس والحمار نوع آخر. فهو نوع آخر، فليس بمنصوص عليه ولا بمجمع عليه ولا بمعناهما، ولأن الأصل براءة الذمة من الزكاة، والأصل عدم إيجاب الزكاة إلا بنص أو إجماع، ولا نص ولا إجماع ولا قياس.
فعلى ذلك: حاصل ما يجب فيه الزكاة من بهيمة الأنعام ما يصدق عليه أنه من بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، فيخرج من هذا الوحشي من البقر والغنم، والمتولد من الوحشي والأهلي، فإنهما ليسا من بهيمة الأنعام، وبالتالي لا تجب فيهما الزكاة. قال: [إذا كانت سائمة الحول أو أكثره] السائمة: هي الراعية التي ترعى الكلأ. فأما المعلوفة التي يؤتى لها بالكلأ ويجمع لها، أو يشترى لها، فإن الزكاة لا تجب فيها. فالزكاة إنما تجب في السائمة التي ترعى، أما التي يتكلف صاحبها بشراء علفها أو يتكلف جمع الكلأ والعشب لها، فإن الزكاة لا تجب فيها. ودليل هذا: ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك فيما كتب له أبو بكر: " هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين " الحديث وفيه: " وفي صدقة الغنم في سائمتها " (1) ، فقوله " في سائمتها " قيد يجب مراعاته، فهو قيد وشرط فيما تجب الزكاة فيه من الغنم، وهكذا الإبل والبقر، وقد ورد هذا في الإبل، فقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد جيد من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (في كل سائمة إبل أربعين بنت لبون) (2) . فهنا قيد الإبل بكونها سائمة. والبقر كذلك من باب القياس الجلي؛ لأنها بمعنى الإبل والغنم. إذاً: لا تجب الزكاة في بهيمة الأنعام إلا أن تكون سائمة. وظاهر الأحاديث أن تكون سائمة الحول كله، بحيث أنها وإن علفت يوماً أو يومين، فإن الزكاة تسقط منها. هذا ظاهر الأحاديث، وهو قول ضعيف في مذهب الإمام أحمد.
والجمهور: على أنها إن كانت تسوم أكثر الحول، فإن الزكاة تجب فيها وإن كان تعلف بعضه. وذلك لندرة السوم السنة كلها، فإن هذا نادر قلّ أن يقع، ولاشك أنا إذا لم نوجب الزكاة إلا بهذا القيد، فإن هذا فيه إجحاف بالفقراء، مع أن الزكاة كانت تؤخذ في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً من الإبل والبقر والغنم، فدل على أن المراعى إنما هو الأكثرية، ولاشك أنها توصف بأنها سائمة بناء على الأغلب. فالتي ترعى تسعة أشهر في السنة، وثلاثة أشهر تعلف، تسمى سائمة من باب النظر إلى الأمر الغالب فيها. فإذا كانت سائمة الحول كله أو أكثره، فإنها تجب فيها الزكاة. لكن إن كانت تسوم ستة أشهر، وتعلف ستة أشهر أو كانت تعلف أكثر السنة، فإن الزكاة لا تجب فيها. قال: [فيجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض] وبنت المخاض: هي الأنثى من الإبل التي تم لها سنة وشرعت في السنة الثانية. وسميت بنت مخاض؛ لأن أمها في الأغلب تكون ماخضاً أي حاملاً، فمن ملك خمساً وعشرين من الإبل، فعليه بنت مخاض. قال: [وفيما دونها في كل خمس شاة] فإذا كان لا يملك إلا أربعاً وعشرين من الإبل، فعليه في كل خمسٍ شاة، فيجب عليه في أربع وعشرين من الإبل أربع شياه. وفي عشر من الإبل شاتان، وفي خمس عشرة من الإبل فيها ثلاث شياه، ففي كل خمسٍ شاة. وما بين العشرين – مثلاً – وخمس وعشرين وَقْص، أي لا ينظر إليه في الزكاة، إذا بلغت عشرين، ففيها أربع شياه، وكذا إذا بلغت إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين، فكلها فيها أربع شياه. فهذا هو الوقص: وهو ما بين الفريضتين. فالوقص في بهيمة الأنعام لا شيء فيه. أما إذا لم تبلغ خمساً من الإبل، فلا شيء فيها، فمن عنده أربع من الإبل، فلا شيء فيها. قال: [وفي ست وثلاثين بنت لبون]
إذاً: من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين فيها بنت مخاض. فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون. وبنت لبون: هي ما لها سنتان وشرعت في السنة الثالثة، وسميت بنت لبون؛ لأن أمها في الغالب تكون ذات لبن، لأنها قد حملت فنتجت فكانت ذات لبن. إذاً: إذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين، فيها بنت لبون. قال: [وفي ست وأربعين حقة] فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة. والحقة: هي طروقة الجمل، ويمكن أن تحمل وتركب، وهي ما تم لها ثلاث سنين وشرعت في السنة الرابعة. فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين، فيها حقة. قال: [وفي إحدى وستين جذعة] فإذا بلغت إحدى وستين، ففيها جذعة: وهي ما تم لها أربع سنوات وشرعت في السنة الخامسة. فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، فيها جذعة. قال: [وفي ست وسبعين بنتا لبون] فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون. قال: [وفي إحدى وتسعين حقتان] فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين ففيها حقتان. قال: [فإذا زادت على مئة وعشرين واحدة، فثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة] فإذا زادت على مئة وعشرين، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
هذه هي فريضة الإبل، ودليلها: ما ثبت في البخاري عن أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق كتب له: " هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، في كل أربع وعشرين من الإبل الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن فابن لبون ذكر – وسيأتي الكلام على هذه المسألة – فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة ففيها حقتان، فإذا زادت على عشرين ومئة واحدة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، فإن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها " (1) . إذاً: إذا زادت الإبل على مئة وعشرين من الإبل، فإن الواجب عليه في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. فإذا كان عند مثلاً 300 من الإبل، فعليه ست حقق، في كل خمسين حقة، وإذا كان عنده 200 من الإبل فعليه أربع حقق أو خمس بنات لبون، وهكذا. وعند قول المؤلف [وفيما دونها في كل خمس شاة] لا يجزئ من الغنم في صدقة بهيمة الأنعام إلا ما يجزئ في الهدي والأضحية من باب القياس، ولأثر عمر المتقدم في قوله: " نأخذ الثنية والجذعة ". وإن كان الإبل رديئة، فتكون الشاة رديئة، وإن كانت الإبل جيدة، فتكون الشاة المخرجة جيدة، فبحسب الإبل تؤخذ الغنم جودة أو رداءة. فإن كانت الإبل سماناً، أخرجت شاة سمينة، وإن كانت هزالاً، أخرجت شاة هزيلة. فإن كانت الإبل مراضاً أخرجت شاة صحيحة، لكنها في قيمتها تناسب الإبل المريضة.
فمثلاً: إذا كانت الشاة الطيبة تساوي خمسة دراهم، والإبل الصحيحة، الواحد منها يساوي مئة درهم، ووجدنا أن الإبل المراض يساوي الواحد منها ثمانين درهما، فإنا نخرج شاة قيمتها أربعة دراهم؛ نظراً للفارق بين الصحيحة والمريضة من الإبل، فبقدر النسبة بين الإبل الصحيحة والمريضة تكون النسبة في المخرج. بقى ما تقدم إذا كانت الدراهم للإبل الصحيحة مئة، وللمريض ثمانون، فإن النقص بقدر الخمس، فيكون النقص في قيمة الشاة أيضا بقدر الخمس. إذاً يكون المخرج من الغنم جودة أو رداءة بالمراعاة إلى الإبل جودة أو رداءة، فإن كانت الإبل مراضاً أخرجت شاة صحيحة، لكن قيمتها تناسب الإبل المراض. واعلم أن أظهر قولي العلماء - وهما قولان في مذهب أحمد – أن الواجب عليه أن يخرج أنثى من الغنم، وأن الذكر لا يجزئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر صدقة الإبل إنما ذكر الشاة في قوله: (في كل خمس شاة) فقد نص على الأنثى، فلم يجزئ غيرها، وقد تقدم قول عمر: " نأخذ الجذعة والثنية ". واختلف أهل العلم، هل يجزئ أن يخرج الإبل عن الشاة، أم لا يجزئ؟ فلو أن رجلاً عنده خمس من الإبل، فالواجب عليه شاة واحدة، فإذا أخرج عنها بعيراً، فهل يجزئ أم لا؟ قال الحنابلة: لا يجزئ؛ نظراً للنص، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما نص على الشاة. لكن هذا القول ضعيف، بل هو قريب من طريقة الظاهرية. وذهب الشافعية والمالكية: إلى أن ذلك يجزئ؛ لأن الإبل تجزئ في العدد الأكبر، فإجزاؤها في العدد الأقل من باب أولى. فبنت المخاض تجزئ في خمس وعشرين من الإبل، فإجزاؤها فيما أقل من ذلك من باب أولى. وأما النص الوارد، فهو من باب ما يجب عليه، لكن إن زاد خيراً، فهو خير له، وهو تطوع منه.
ويدل على هذا ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد حسن أن رجلاً وجبت عليه بنت مخاض في إبله، فقال: " ذلك ما لا لبن منه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة سمينة فتيَّة " فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (ذاك الذي عليك، فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك) (1) ، قال الراوي: " فأخذت صدقته في عهد معاوية ثلاثين حقة "، أي قد بلغت إبله ألفاً وخمسمئة. فالشاهد قوله (فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك) ، فقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه الناقة عن بنت المخاض، فدل هذا على أن من تصدق بفريضة أعلى من الفريضة الواجبة عليه، فإن ذلك يجزئ عنه، ومن ذلك إن تصدق بناقة عن شاة، فإن ذلك يجزئ عنه. ولا خلاف بين أهل العلم في أنه إن تصدق ببنت لبون عن بنت مخاض أو بحقة عن بنت لبون أو بجذعة عن حقة، فإن ذلك يجزئ بلا خلاف، فكذلك في المسألة المتقدمة. واعلم أن من وجبت عليه سن فلم يجدها، ووجد سناً أعلى منها أو أنزل منها، كأن تجب على رجل حقة، فلم يجدها، ووجد أعلى منها – أي جذعة – وأنزل منها – بنت لبون -، فهو بالخيار، إن شاء أن يدفع أعلى منها ويأخذ شاتين أو عشرين درهماً جبراناً له، وإن شاء أن يدفع أنزل منها ويعطي شاتين أو عشرين درهماً جبراناً للصدقة. وكذلك إن لم يجد السن التي تليها، ووجد السن التي تلي ما بعدها، فإن جبرانه أربع شياه أو أربعون درهماً، كأن يجب على رجل بنت مخاض، فلم يجدها وفي ماله حقة، فإنه يجوز له أن يدفع الحقة ويُدفع له أربعون درهماً، أو أربع شياه، جبراناً له.
فقد ثبت في حديث أبي بكر المتقدم أنه قال: " من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده الجذعة وعنده الحقة، فإنها تقبل منه وتؤخذ منه شاتين إن استيسرتا أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً ". والجبران مختص بالإبل دون البقر والغنم. أما الغنم فلا إشكال، فإن الغنم الفريضة فيها واحدة، فلا تختلف السن فيها كما تختلف في الإبل، فالواجب هو شاة أو شاتان أو ثلاث أو أربع، وهكذا، فلا تختلف السن فيها، فلا مدخل للجبران فيها. وأما البقر، فإن النص لم يرد فيها، والوقص فيها يختلف عن الوقص في الإبل، فلا يصح القياس. فمن وجبت عليه سن في البقر وليست عنده، وعنده سن أكبر منها، فإنه يدفعها إن شاء ولا يعطى جبراناً، وإن شاء اشترى من السوق السن المطلوبة وأعطاها المصدق. إذاً: هذا الجبران المتقدم مختص في الإبل فقط، فلا مدخل للبقر والغنم فيه، والنص إنما ورد في الإبل وليست البقر بمعناها. وأما الغنم، فإن هذه المسألة ليست بمفروضة فيها أصلاً، إذ السن فيها واحدة وإن اختلف عدد الغنم بحيث يختلف عدد الفريضة فيه، فإن الفريضة لا تختلف. الدرس المئتان (يوم الثلاثاء: 23 / 12 / 1415 هـ) فصل قال: [ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة] التبيع: ماله سنة، وهو الذكر من أولاد البقر. والتبيعة: الأنثى وهي مالها سنة وقد شرعت في الثانية. قال: [وفي أربعين مسنة] المسنة: ما لها سنتان، وهي الثنية، وقد تقدم أنها تجزئ في الأضحية، فالبقر يجب في ثلاثين منه تبيع أو تبيعة، فإذا بلغت أربعين فالواجب مسنة. قال: [ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة]
ثم بعد ذلك في كل ثلاثين من البقر تبيع، وفي كل أربعين مسنة. فإذا كان عنده تسعون بقرة، فيجب عليه ثلاثة أتبعة، وإذا كان عنده مئة بقرة فيجب عليه تبيعان ومسنة، وهكذا. ودليل هذا ما رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، وهو كما قال، لكن لشواهده،عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً) (1) ، وهذه جزية وسيأتي الكلام عليها. فإن لم تبلغ البقر ثلاثين، فلا تجب الزكاة فيها، وهو ما يسمى بالشَنَق، فالشنق: هو ما دون النصاب. والوقص: هو ما بين الفريضتين. قال: [ويجزئ الذكر هنا] الذكر هنا وهو التبيع يجزئ عن التبيعة، أما الأربعون فلا يجزئ فيها إلا مسنة. قال: [وابن لبون مكان بنت مخاض] هذا في صدقة الإبل (2) ، فابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض، لكن ثمت فارق بين هاتين المسألتين. ففي صدقة البقر يجزئ التبيع عن التبيعة مطلقاً، وأما في صدقة الإبل فإن ابن اللبون لا يجزئ عن بنت المخاض إلا عند عدمها. فلو أن رجلاً وجبت عليه بنت مخاض وليس في ماله بنت مخاض، فإنه لا يكلف شراءها بل يخرج ابن لبون من إبله. وهل له أن يخرج موضع بنت لبون حقاً، أو أن يخرج موضع الحقة جذعاً أم لا؟ فلو أن رجلاً وجبت عليه بنت لبون وليس في ماله بنت لبون، وفي ماله حق، فهل يجزئه الحق عن بنت اللبون، قولان في مذهب الإمام أحمد:
الأول، وهو قول القاضي وابن عقيل من الحنابلة: أنه يجزئ قياساً، فكما أن ابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض، فكذلك الحق يجزئ عن بنت اللبون، والجذع يجزئ عن الحقة، فعلى ذلك: فارق السن في الذكر مقابل فضيلة الأنوثة. ففضيلة الأنوثة في بنت اللبون يقابلها فارق السن في الحق. وفضيلة الأنوثة في الحقة يقابلها فارق السن في الجذع. والمشهور عند الحنابلة: أنه لا يجزئ؛ وذلك لأن النص لم يرد، وليس هذا بمعنى ما نص عليه، بل هناك فارق بين المسألتين. والفرق: أن ابن اللبون إنما كان مقابلاً لبنت المخاض الأنثى، لأن فضيلته ظاهرة، فإنه يرد الماء ويأكل الشجر ويمتنع عن صغار السباع، بخلاف بنت المخاض، فإنها لا ترد الماء وتدفع عن نفسها صغار السباع، فكانت هذه فضيلة فيه مع زيادة السن. وليس هذا الفارق ثابتاً بين بنت اللبون وبين الحق، فإن بنت اللبون ترد الماء وتأكل الشجر، وتمنع نفسها من صغار السباع، فالفضيلة الثانية في الحق ثابتة فيها، فلم يبق إلا فارق السن، وحينئذ فلا يقابل الأنوثة، فإنه إنما قابل الأنوثة في المسألة السابقة لأمر آخر، وهو أن ابن اللبون فيه فضيلة قيامه بشأن نفسه مع فارق السن، وقيام الحق بشأن نفسه متوفر ببنت اللبون، فلم يكن هناك فارق إلا زيادة السن. فلذا الراجح ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور عندهم، من أن الحق لا يجزئ عن بنت اللبون ولا الجذع عن الحقة، وإنما يجزئ ابن للبون عن بنت المخاض؛ للنص الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال: [وإذا كان النصاب كله ذكوراً]
فإذا كان النصاب كله ذكوراً، فإنه يجزئ أن يخرج الذكر. فإذا كان لا يملك إلا ذكوراً من المعز، أو ذكوراً من البقر، أو ذكوراً من الإبل، فإن الواجب عليه أن يخرج الذكر، ولا يجب أن يخرج الأنثى؛ قالوا: لأن المقصود من الزكاة هو المواساة – مواساة الفقير والغني -، فلا يكلفها من غير ماله، لأنه ليس في ماله أنثى، فماله كله ذكوراً، فيخرج حينئذٍ ذكراً. وهذا هو المشهور عند الحنابلة وغيرهم من أهل العلم. وحكى صاحب الفروع قولاً في المسألة، أشار إليه بقوله: " قيل: - أي قول لبعض الحنابلة، وهو وجه عن الشافعية – أنه يجب أن يخرج أنثى إذا كان النصاب كله ذكراً، لكنها تكون قيمتها بقدر الذكر، فيقوم النصاب إناثاً، ويقوم ذكوراً ثم تخرج الأنثى بقسطه، أي بالفارق بين الذكور وبين الإناث، فإذا كان الذكر مثلاً يساوي ثمانمئة، والأنثى تساوي ألفا، فالفارق بينهما بقدر الخمس، فحينئذ إن كانت قيمة بنت المخاض الواجب إخراجها في الأصل ألف، فإنه يخرج ما قيمتها ثمانمئة. هذا القول قول قوي؛ لعمومات النصوص، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما تقدم من حديث أبي بكر: (في كل أربع وعشرين من الإبل الغنم) ، وقال: (في كل خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض) ، فقوله: (في كل خمس وعشرين من الإبل) (وفي كل ست وثلاثين من الإبل) عام فيما إذا كانت الإبل ذكوراً أو إناثا. لكنه لا يجب عليه أن يخرجها أنثى كما لو كان النصاب إناثاً؛ لأن الزكاة تخرج عدلاً، فحينئذ تخرج أنثى لكن بقدر قيمة الذكر، أي يقوم النصاب ذكوراً وإناثاً، ثم تخرج الأنثى بقسط ما بينهما. هذا، وإن كان أهل القول الأول يمكنهم الخروج من العموم بأن يقولوا: بندرة كون النصاب كله ذكوراً، فإن هذا من النادر، فخروجه من العموم لندرته.
لكن لا شك أن العمل بعموم النصوص الشرعية أولى، والمقصود أن يكون المُخرج منظوراً فيه العدلية، وهذا يثبت بإخراج الأنثى بقيمة الذكر. إذاً: لا يجوز إخراج الذكر إلا في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إذا بلغت البقر ثلاثين، فله أن يخرج تبيعاً أو تبيعة. المسألة الثانية: إذا كان الواجب عليه بنت مخاض، ولم يجدها في ماله،فله أن يخرج موضعها ابن لبون. المسألة الثالثة: إذا كان النصاب كله ذكوراً، فيما تقدم في المشهور عند الحنابلة، والأقوى ما تقدم ذكره. الله أعلم. فصل قال: [ويجب في أربعين من الغنم شاة] إذا ملك أربعين من الغنم، فقد تم النصاب الزكوي فيها، فيجب عليه أن يخرج شاة. إذاً مادون الأربعين شَنق لا زكاة فيه. قال: [وفي مئة وإحدى وعشرين شاتان] فإذا بلغت مئة وإحدى وعشرين، ففيها شاتان. قال: [وفي مئتين وواحدة، ثلاث شياه] فإذا بلغت مئتين وواحدة، فالواجب عليه ثلاث شياه. قال: [ثم في كل مئة شاة] فإذا كان عنده أربعمئة شاة، فعليه أربع شياه، وإذا كان عنده خمسمئة شاة فعليه خمس شياه. إذاً في الأربعين شاة إلى مئة وعشرين. فإذا بلغت مئة وإحدى وعشرين إلى مئتين، ففيها شاتان. فإذا بلغت مئتين وواحد إلى ثملاثمئة ففيها ثلاث شياه. ثم في كل مئة شاة. ودليل هذا: ما تقدم سياق بعضه وهو حديث أبي بكر، وفيه: " وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاثمئة ففيها ثلاث شياه، ثم في كل مئة شاة " (1) . فهذه صدقة الغنم. وإذا كان النصاب الزكوي من الإبل أو البقر أو الغنم من نوعين، كأن تكون الغنم معزاً وضأناً، أو أن تكون الإبل بخاتياً وعراباً، أو أن تكون البقر بقراً وجواميساً، فإنه يخرج من أحد النوعين.
ولاختلاف القيمة المحتملة من النوعين، فإن هذا المخرج يكون بقدر قيمة المالين، وكذا إذا كان المال سمان ومهازيل. مثال ذلك: عنده عشرون شاة، كل شاة ثمنها خمسمئة ريال، وعنده عشرون معزاً سعر الواحدة ثلاثمئة ريال، فيخرج شاة أو معزاً قيمتها أربعمئة ريال. قال: [والخلطة تصير المالين كالواحد] الخلطة في بهيمة الأنعام نوعان، وهو كذلك في كل خلطة، سواء في الأثمان أو عروض التجارة أو الحبوب والثمار: 1- خلطة أعيان. 2- خلطة أوصاف. خلطة الأعيان: أن يكون مال كل واحد منهما غير متميز عن مال الآخر، بل نصيب كل واحدٍ منهما مشاعاً، كأن يكون عندهم مئة شاة، هذا له النصف وهذا له النصف، أو هذا له الربع وهذا له الثلاثة أرباع، وهكذا. أما خلطة الأوصاف: فهي أن يتميز مال كل واحد منهما عن الآخر، فشياه هذا معروفة وشياه الآخر معروفة، لكنها مختلطة، فيما يأتي ذكره مما تثبت به الخلطة. فالخلطة تصير المالين مالاً واحداً بشرطين: الشرط الأول: أن يكون كل واحد من المتخالطين أهلاً للزكاة، فإذا كان كافراً فلا. فإن لم يكونوا أهلاً للزكاة أو لم يكن أحدهما كذلك نقصت بحسب ما ينقص مما ليس أهلاً للزكاة أو لم تجب الزكاة أصلاً. الشرط الثاني: أن يمر على الخلطة حولاً؛ لأن الخلطة جعلت المالين كالمال الواحد، وحينئذ أصبح له حكم مستقل، فاشترط ما تقدم من مضي الحول. إذا ثبت هذا: فلا إشكال في خلطة الأعيان، فهي ظاهرة واضحة، فهي أن يكون لاثنين فأكثر مال يملكانه أو يملكونه مشاعاً. وأما خلطة الأوصاف فشرط فيها الحنابلة شروطاً: أن يكون مَسْرحها واحداً، أي موضعها الذي تخرج منه لترعى (1) . أن يكون مرعاها واحداً. أن يكون راعيها واحداً.
أن يكون مراحها واحداً، وهو الموضع الذي تبيت فيه. أن يكون الفحل الذي يطرقها واحداً، فإن تميز مال كل واحد منهما بفحل فلا. إلا أن يكونا نوعين مختلفين، كالضأن والمعز، فهنا نوعان مختلفان، فلا يعتبر هذا الشرط هنا. أن يكون محلبها واحداً، يعني الموضع الذي تحلب فيه. فقالوا: هذه شروط ستة، فإن هذه المواشي تكون خلطة حينئذ، فتؤخذ منها الزكاة جميعاً وكأنها مال واحد. وحينئذ إذا اجتمع لرجلين أربعون شاة، فإنا إذا نظرنا إلى مال كل واحد منهما، فإن الزكاة لا تجب، فكل واحد يملك عشرين شاة، فلا زكاة عليها، وإذا نظرنا إلى المال الذي وقعت فيه الخلطة قلنا بوجوب الزكاة، وهذا ما اعتبره الشارع، ففي حديث أبي بكر: " ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " (1) ، والنظر يدل على هذا، فإن الزكاة متعلقة بالمال ولذا وجبت على الصبي والمجنون، وحيث ثبتت الخلطة المتقدمة، فإنها تصير المالين مالاً واحداً، فتتعلق الزكاة بهذا المال، كما لو كان مالاً لرجل واحد. إذاً: خلطة الأعيان وخلطة الأوصاف بالشروط المتقدمة تصير المالين مالاً واحداً، وحينئذ تجب الزكاة في هذا المال، وإن كان نصيب كل واحد منهما لا يبلغ نصاباً، فإن النظر إلى مجموع المال. وفيما ذكروه من الشروط الست في خلطة الأوصاف شيء من النظر، والأظهر ما ذكره صاحب الفروع في قوله: " ويتوجه أن ينظر في الخلطة إلى العرف "، فما ثبت في العرف أنه خلطة تثبت به الأحكام، لأن الشرع أطلق، فقال: " وما كان من خليطين "، فمتى ما ثبتت الخلطة عرفاً،فإن الحكم يثبت.
والأظهر: عدم اعتبار مثل المحلب، فإن هذا غير مؤثر في هذه المسألة، فالأظهر أن يقال: متى ما ثبتت الخلطة في العرف،فإن الحكم يثبت. فإذا كان عرف الناس أن هذين المالين مختلطين وأنهما كالمال الواحد، فإن الزكاة تجب فيهما على أنهما مال واحد. وأما خلطة الأعيان، فإنه لا إشكال فيها، فالخلطة فيها ظاهرة جداً؛ لأن المال لا يملكه كل واحد منهما متميزاً عن الآخر، فليس كل واحد منهما يملك شياهاً متميزة عن شياه الآخر، بل هم يشتركون في هذه الشياه. إذاً: إذا ثبتت الخلطة، فإن الزكاة تؤخذ من جميع المال، فإذا أخذت الزكاة، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. مثال هذا: إذا كان المال الذي وقعت فيه الخلطة قدره أربعون شاة، لأحدهما شاة، وللآخر تسع وثلاثون شاة، فأخذت شاة وقدرها أربعون درهم، فحينئذ يكون الواجب على صاحب الشاة قدر درهم من هذه الشاة، وهكذا. وإذا كان المال بينهما ثلاثاً، فأخرجت زكاة، فالواجب على كل واحد منهم ثلثها، فتقوّم الشاة، وما كان من حق لأحدهما، فإنه يدفع له. واختلف أهل العلم هل الخلطة خاصة بالمواشي أم هي عامة فيها وفي غيرها، كعروض التجارة، والحبوب والثمار وغيرها مما تقع به الخلطة؟ قولان لأهل العلم: القول الأول، هو مذهب جماهير أهل العلم، وهو المشهور عند الحنابلة: أن الخلطة لا حكم لها، ولا أثر لها في الزكاة هنا. فلو أن لرجلين محل للتجارة، فإن على كل واحد منهما الزكاة بقدر ماله في هذا الدكان، ثم يزكيه إن كان نصاباً. وإذا اشترك مجموعة في مزرعة، فلكل واحد منهم نصيبه، فيخرج الزكاة فيه إن بلغ نصاباً، وإلا فلا زكاة فيه. قالوا: لأن النص إنما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خلطة المواشي، وأما غيره فلم يرد فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأصل أن الزكاة في الواحد منفرداً أو مستقلاً عن مال غيره.
وعن الإمام أحمد: أن الخلطة مؤثرة في هذا الباب، وهو مذهب الشافعية. فإذا اشترك اثنان مثلاً في عقار للتجارة أو دكان أو في مزرعة، فإن الخلطة مؤثرة، ويزكون على أنه مال واحد، وإن كان نصيب كل منهم لا يبلغ النصاب. فلو أن أناساً عندهم نخل، ونصاب التمر خمسة أوسق، وهم عدد كثير بحيث أن نصيب كل واحدٍ منهم لا يبلغ هذا، فحينئذ عليهم الزكاة. وهذا القول أظهر؛ لأن القياس في هذا ظاهر، ولأن الزكاة متعلقة بالمال، ولذا تجب في مال الصبي والمجنون، فإذا اشترك اثنان في دكان، فالموضع واحد والبائع واحد، فإن هذا يشبه اشتراكهم في المواشي في المرعى وفي المراح ونحو هذا مما تقدم، فالقياس فيه ظاهر. وقد يستدل على هذا: بأن السعاة لم يكونوا يستفصلون من أصحاب الحبوب والثمار، أهي مشترك فيها أم لا، مع كثرة هذا، فالاشتراك في مثل هذا كثير. والله أعلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) . إذا كان المال متفرق، هذا مال لزيد، وهذا مال لعمرو، وهذا مال لبكر، فلا يجوز أن يجمع خشية الصدقة أي هروباً من الزكاة أو تخفيفاً منها. فإذا كان هذا يملك أربعين شاة، وهذا يملك أربعين شاة، وهذا يملك أربعين شاة، فمجموعها مئة وعشرين شاة لا يجب فيها إلا شاة واحدة، وحيث كانت مفرقة فيجب في كل واحدةٍ منها شاة، فيكون الواجب في مجموعها ثلاث شياه، هذا لا يجوز. وعكسه لا يجوز، فإذا كان المال إذا جمع وجبت فيه زكاة أكثر، فتفريقه لتخفيف الزكاة أو إسقاطها لا يجوز. فمثلاً: الواجب في مئتين وعشرة من الغنم ثلاث شياه، فإذا اقتسماها، هذا له مئة وخمس، والآخر له مئة وخمس، فلا يجب على كل واحد إلا شاة، فتسقط عنهم من الثلاث شاة. هذا أمر لا يجوز؛ لأنه حيلة على المحرم، وقد تقدم الكلام على تحريم الحيلة. وهل يجمع مال الرجل الواحد إن كان في مواضع مختلفة؟
هذه المسألة فيها تفصيل: - فإن كانت الأموال المتفرقة من المواشي أو الحبوب والثمار ونحوها - إن كانت - ليس بينها مسافة قصر، فلا خلاف بين العلماء في إنه يضم بعضها إلى بعض. فلو أن له مثلاً مواشي في شمال بلده وفي جنوبها وفي شرقها وما بينها مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فكلها في موضع واحد له حكم واحد من حيث قصر الصلاة، فحينئذ يضم بعضها إلى بعض؛ لأن المال مال رجل واحد، وقد صلى الله عليه وآله وسلم: (في كل أربعين من الغنم شاة) ، وهذا الرجل قد ملك أربعين أو أكثر من ذلك، فوجب عليه قدر ذلك من الزكاة، وحينئذ فلا فرق بين أن يكون ماله في موضع واحد أو في مواضع مختلفة. فإذا كانت أمواله بينها مسافة قصر، كأن يكون له في هذه المدينة شياه، وله في مدينة أخرى شياه أخرى، وفي مدينة ثالثة شياه ثالثة: فالمشهور عند الحنابلة، هو رواية عن الإمام أحمد: أنه لا يضم بعضها إلى بعض، واستدلوا بقوله: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) . وعن الإمام أحمد، وهو مذهب جماهير العلماء: أنه يضم بعضه إلى بعض؛ لأن المال مال رجل واحد. وأما حديث (لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق) ، فإن هذا إنما هو في المالين إن كان لرجلين، فلا يجمع بينهما ولا يفرق خشية الصدقة. ومما يدل على هذا: الإجماع على المسألة المتقدمة، فقد أجمعوا على أن المال إذا كان متفرقاً وما بينهما مسافة لا يقصر فيها الصلاة، فإنه يجمع بينهما، على أن الحديث مطلق، فدل على أن تفسيره كما تقدم، وهو أن يكون الأموال لأناس مختلفين، فيجمعونها خشية الصدقة أو يفرقونها خشية الصدقة. إذاً: الراجح ما ذهب إليه جماهير العلماء، وأن المال يضم بعضه إلى بعض سواء كان بينه مسافة قصر أو لم يكن. كما أن مسافة القصر في هذا الباب لا معنى لتأثيرها. والحمد لله رب العالمين. الدرس الأول بعد المئتين (يوم الجمعة: 26 / 12 / 1415هـ)
باب زكاة الحبوب والثمار قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات من كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} ، هذا هو الأصل في وجوب الزكاة فيها. هذا الباب في زكاة الخارج من الأرض، وهي الحبوب من الزروع كالقمح والشعير ونحوها، والثمار من الأشجار كالتمر والزبيب، فالحبوب من الزروع، والثمار من الأشجار. قال المؤلف: [تجب في الحبوب كلها ولو لم يكن قوتاً] القوت: هو ما يقوم به غذاء الآدمي دون ما يطعمه الآدمي تأدماً وتنعماً، كالشعير والحنطة والأرز ونحوها. وهنا المؤلف لم يستثن الأطعمة، بل نص على أنه فرق بين الأطعمة وغيرها، وأنه لا يشترط أن يكون مطعوماً مما يكون به غذاء الآدمي، فذكر أن الحبوب كلها تجب فيها الزكاة سواء كانت مما يطعم كالقمح والأرز والشعير أو كانت مما لا يطعم كحبوب الأدوية، كحب الرشاد والترمس ونحوها من الحبوب، فكل الحبوب تجب فيها الزكاة، سواء كانت من طعام الآدمي من الأقوات أو كانت من طعامه من غير الأقوات كحب الكمون ونحوه مما يوضع في الأطعمة أو كان من الأدوية فيما يتداوى به الآدميون، أو كان من الحبوب التي توضع أدوية للزروع ونحوها. هذا هو المشهور عند الحنابلة، واستدلوا بما روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرياً العشر، وما سقي بالنضح فنصف العشر) (1) . والشاهد: قوله (فيما سقت السماء) ، قالوا: وهذا عام فتدخل فيه الحبوب كلها بأنواعها، سواء كانت مطعومة أو غير مطعومة، وسيأتي مذهب جمهور أهل العلم في هذه المسألة إن شاء الله. قال: [وفي كل ثمر يكال أو يدخر] أي في كل حب وإن لم يكن قوتاً وفي كل ثمر بشرط، وهذا الشرط في الحبوب والثمار، أن يكون مكيلاً مدخراً.
والمكيل: هو ما يقدر بالكيل أي بالصاع. وأما الموزون فهو ما يقدر بالكيلو جرام. ودليل اشتراط الكيل، قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيحين من حديث أبي سعيد: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) (1) ، والشاهد: قوله (ليس فيما دون خمسة أوسق) ، فدل على اعتبار التوسيق أي الكيل، فالكيل معتبر فيه. فما لم يكن مكيلاً من الحبوب أو الثمار، فإنه لا زكاة فيه. والوزن متصور في الثمار، إذ الحبوب فيما يظهر لي مكيلة، إلا أن قول المؤلف: " يكال " يدل على أنه يوجد هناك شيء من الحبوب - وإن كانت تخفى علينا - توزن.
فالشرط أن تكون مكيلة أي تقدر بالصاع، فعليه: لا زكاة في الخضروات والفواكه؛ لأنها موزونة، وهذه هي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه من بعده، فإنهم لم يكونوا يأخذون من الخضروات والفواكه الصدقة، وقد كان في المدينة شيء من ذلك، وفي الطائف ما هو أبين وأظهر، ومع ذلك مع دواعي النقل، لم ينقل إلينا أنهم كانوا يأخذون منها الصدقة. وأما ما رواه الترمذي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ليس في الخضروات صدقة) (1) ، فالحديث فيه الحسن بن عُمارة، وهو ضعيف جداً، قال الترمذي: " لا يصح في
هذا الباب شيء، والعمل عليه عند أهل العلم ". - وذهب الأحناف: إلى وجوب الصدقة فيها، واستدلوا بعمومات الأدلة، كحديث (فيما سقت السماء..) ، والخضروات والفواكه قد سقتها السماء. لكن هذا ضعيف؛ لأن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفعلية المتقدم ذكرها وما جرى عليه عمل المسلمين في المدينة، وكان الإمام مالك من القائلين بهذا، فهي السنة التي كانت في المدينة النبوية وغيرها من بلاد المسلمين الموروثة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو خلاف هذا، وأنها لا تؤخذ منها الصدقة. كما أن الدواعي متوفرة على نقل ذلك لو ثبت، ومع ذلك لم يثبت. وأصرح في الاستدلال ما ثبت في مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ بن جبل ولموسى الأشعري: (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأصناف: الشعير والحنطة والزبيب والتمر) (1) ، فهذا مخصص ظاهر. فهنا لا زكاة في الخضروات والفواكه. إذاً الشرط الأول: أن تكون مكيلة. الشرط الثاني: أن تكون مدخرة، والمدخر هو ما ييبس فيبقى، كالحبوب والزبيب والتمر، فإنها تزول رطوبتها وتكون يابسة، فتبقى مدة زمنية طويلة. والفواكه والخضروات ليست مما يدخر، في الطبيعة في الأصل، وأما في هذه العصور، لتقدم المادة، فيمكن فعله، لكن هذا خلاف الأصل فيها.
واختلف في الاقتيات، هل يشترط أم لا؟ فقال الحنابلة: لا يشترط كما تقدم، ولذا قال المؤلف هنا: " ولو لم تكن قوتاً "، فعلى ذلك: كل ما يكال ويدخر وإن لم يكن مطعوماً، فإن الزكاة تجب فيه. وقال الشافعية والمالكية: يشترط الاقتيات؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأصناف) ، وذكر الشعير والحنطة والزبيب والتمر، وكلها مما يقتات أي مما يطعم. هذا القول هو الراجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خص الزكاة في هذه الأصناف الأربعة، فلا تجب الزكاة إلا فيها أو في نظيرها أو شبيهها، وشبيهها هو المكيل المدخر المقتات، فكل هذه الأصناف الأربعة مكيلة ومدخرة ومقتاتة. وهذا هو دليل الجمهور على اشتراط الادخار والكيل، فإن هذه الأصناف الأربعة كلها مكيلة ومدخرة. وعن الإمام أحمد: أن الزكاة محصورة في هذه الأصناف الأربعة، فلا تجب الزكاة في غيرها. وهذه الرواية ضعيفة؛ وذلك لأن هذا يخالف ما دلت عليه الأدلة من القياس، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات، وقد جاء الإسلام بالميزان من إلحاق النظير بنظيره والشبيه بشبيهه. فهذه الأصناف الأربعة لا تجب الزكاة إلا فيها أو ما يقاس عليها. هذا هو مذهب جماهير العلماء، وهو المشهور عن الإمام أحمد؛ وذلك بتوفر ثلاث شروط: 1- أن تكون مكيلة. 2- أن تكون مدخرة. 3- أن تكون مقتاتة، وهذا الشرط فيه خلاف من الحنابلة، والراجح ما تقدم. (1) قال: [ويعتبر بلوغ نصاب قدره ألف وستمئة رطل عراقي (2) ] " رطلاً ": يصح، بكسر الراء وفتحها. الرطل: عند العرب ما يساوي اثنتي عشرة أوقية.
والأوقية: وزن أربعين درهما. وهو من الموازين القديمة. وهذا النصاب، وهو " ألف وستمئة رطل عراقي " إيضاح من المؤلف وغيرها للقدر المشهور في زمانهم، وإلا فإن النصاب الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو ما تقدم وأنه خمسة أوسق، لقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) ، والوسْق: يساوي ستين صاعاً نبوياً. فعلى ذلك: النصاب ثلاثمئة صاع نبوي. والصاع النبوي يساوي بالكيلو جرام = كيلوين وأربعين جراماً. فعلى ذلك: النصاب يساوي ستمئة واثني عشر كيلوجرام، وهو أكثر من نصف الطن. فعلى ذلك: من ملك ثلاثمئة صاع نبوي ويساوي بالصيعان الموجودة عندنا = مئتين وأربعين صاعاً، فإن الصاع النبوي يساوي أربعة أخماس الصاع المعاصر، فإن الزكاة تجب عليه. هذا هو نصاب الحبوب والثمار. والوسْق: يساوي ستين صاعاً نبوياً، وقد أجمع الفقهاء على هذا، فعلى ذلك: هم متفقون ومجمعون على أن النصاب في الحبوب والثمار ثلاثمئة صاع. قال: [وتضم ثمر العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب] فلو أن رجلاً عنده نخيل، اختلف بدو صلاحها، فهذه المجموعة من النخيل بدا صلاحها في أوله، وهذه في أوسطه، وهذه في آخره، هذا يختلف باختلاف أنواع النخيل، وكذلك في أنواع القمح والشعير، فإنه يضم الثمر أو يضم الحب وتجب الزكاة فيها جميعاً. فعلى ذلك: لو كان عنده نخيل، قد بدا صلاح بعضها في أول الشهر، وهو لا يبلغ النصاب، وبدا صلاح المجموعة الأخرى من نخيله في آخر الشهر، وبها يكتمل النصاب، فإن الزكاة تجب عليه. فالتمر له أنواع، وكذلك القمح، فهذه الأنواع يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فلا يعتبر كل نوع منها جنس مختلف عن الجنس الآخر، فتجب الزكاة فيه دون غيره، فإن لم يتم نصاباً فلا زكاة، بل يضم بعضها إلى بعضه ويكمل النصاب.
إذاً: الجنس الواحد من الحبوب أو الثمار يضم بعضه إلى بعض، وإن اختلفت الأنواع، وإن اختلف الزمن في بدو صلاحها؛ لأنها ثمرة عام واحد، ولأنها داخلة في الجنس نفسه الذي أوجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه الزكاة، ففي قوله (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير..) ظاهره أن كل نوع من أنواع الشعير له حكم الآخر في إيجاب الزكاة، فتكمل به النصاب، كما تقدم هذا في الإبل من بخاتي وعربي، وفي الغنم من معز وضأن، فهي أنواع مختلفة، لكنها يجمعها اسم واحد فهي داخلة تحت جنس واحد. قال: [لا جنس إلى آخر] فلا يضم الجنس إلى آخر غيره، فإذا كان عنده شعير لا يتم نصاباً، وعنده قمح لا يتم نصاباً، وباجتماعهما يتم النصاب، فإن الزكاة لا تجب عليه، فلا يُكمل جنس بجنس آخر، فلا يكمل الزبيب بالتمر، ولا الشعير بالحنطة، ولا الأرز بالذرة، أو نحو ذلك. هذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد. والرواية الثانية: أن الأجناس يضم بعضها إلى بعض في الحبوب. والرواية الثالثة: أن الحنطة تضم إلى الشعير، وأن القطنيات المراد به ما يقطن في البيت ويمكث ويدخر من أرز وذرة ونحو ذلك، هذه يضم بعضها إلى بعض، فأفرد الشعير والقمح بالضم دون غيره. والقطنيات الأخرى يضم بعضها إلى بعض، فالشعير والحنطة جنس واحد، والقطنيات جنس واحد. وهذا ضعيف؛ لأنه تفريق بين هذه الأجناس بلا مفرق. والقول الأول، وهو الذي ذكره المؤلف هو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد في المذهب، وهو مذهب جمهور العلماء: من أن أجناس الحبوب لا يضم بعضها إلى بعض؛ قياساً على الثمار والمواشي باتفاق العلماء، فلا خلاف بينهم في ذلك، فكذلك الحبوب ذوات الأجناس المختلفة.
وهذا ظاهر الأحاديث الواردة، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير والحنطة) ، فظاهره أنهما جنسان مختلفان، وأن لكل منهما زكاته. وأما الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، وهي مذهب طائفة من التابعين: من أن الحبوب يضم بعضها إلى بعض. فقالوا: هي متفقة في قدر النصاب، وهي متفقة في قدر المخرج، فالمخرج في الحبوب واحد، وهو العشر أو نصفه، فيضم بعضها إلى بعض. وهذا ضعيف؛ لأن اجتماعهما في اتحاد النصاب وفي اتحاد المخرج ليس بمؤثر، فالشارع إنما جعل نصابها واحد، وجعل القدر المخرج واحد؛ لأنهما متشابهان في ماليتهما، أما أن يضم بعضها إلى بعض فلا. وهذا منتقض عليهم بالثمار، فإن الثمار كالزبيب مثلاً نصابه ثلاثمئة صاع، والقدر المخرج هو العشر أو نصفه، والتمر كذلك، ومع ذلك فقد اتفق العلماء على أن الثمار لا يضم بعضها إلى بعض، فينتقض قياسهم بالثمار، فهم لا يقولون بها. وأما الرواية الثالثة، فقد تقدم تضعيفها، وهي مذهب الإمام مالك، فعلى ذلك: أصح الأقوال ما ذهب إليه الجمهور، وهو المذهب من أن الحبوب لا يضم بعضها إلى بعض كالثمار. إذاً لا خلاف بين العلماء في أن الثمار لا يضم بعضها إلى بعض، فلا يضم الزبيب إلى الثمر، كما أنه لا خلاف بينهم في أن المواشي لا يضم بعضها إلى بعض، فلا تضم الإبل إلى البقر على أنها بُدن، ولا تضم الإبل إلى الشياه. واختلفوا في الحبوب على ثلاثة أقوال، هي روايات عن الإمام أحمد، وأصحها القول الأول من أن الأجناس المختلفة من الحبوب لا يضم بعضها إلى بعض، وهو ظاهر الأدلة الشرعية، ويدل عليها القياس. قال: [ويعتبر أن يكون النصاب مملوكاً له، وقت وجوب الزكاة] هذا شرط ظاهر، يدخل فيما في ما تقدم من اشتراط ملكية النصاب، فلابد من أن يكون النصاب مملوكاً لمن أوجبنا عليه الزكاة، وأن تكون الملكية وقت وجوب الزكاة.
ووقتها هو بدو صلاح الثمر، واشتداد الحب في الزرع، فإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر، فإن الزكاة تجب. فعليه: لو اشترى بستانا قبل أن يبدو الصلاح في الثمر أو اشترى زرعاً قبل أن يشتد حبه، واشتد الحب وبدا صلاح الثمر في ملكيته وإن كان لم يشتر إلا قبل أيام يسيرة، فإن الزكاة تجب عليه؛ لأنه قد ملكه وقت الزكاة، ولا نظر للحولية في باب الثمار والحبوب، فإن الله يقول: {وآتوا حقه يوم حصاده} (1) . ولو باعه وقد اشتد الحب وبدا صلاح الثمر، فإن الزكاة تجب على البائع؛ لأن الزكاة تعلقت بذمته قبل البيع، فتجب عليه الزكاة. وحاصل هذا: أنه يشترط أن يكون مالكاً للنصاب الزكوي من الحبوب والثمار عند وقت الزكاة، وهو بدو الصلاح في الثمر واشتداد الحب في الزرع، فمن كان مالكاً له حينئذ، فإن الزكاة عليه. فلو ورث من أبيه زرعاً وقد اشتد حبه، فإن الزكاة لا تجب عليه، وإنما تجب على المورث. أو وهبه رجل زرعاً وقد اشتد حبه، فإن الزكاة تجب على الواهب. ولذا قال - وهي مرتبة على هذه المسألة -: [فلا تجب فيما يكتسبه اللّقّاط] يعني: رجل لقط فجمع الشيء الكثير فبلغ نصاباً، فإن الزكاة لا تجب عليه؛ لأن قد ملكه بعد وقت الزكاة. [أو يأخذه بحصاده] رجل اتفق مع صاحب الزرع أن يحصد له وأن يأخذ منه مقابل حصيده (2) طناً من القمح، فلا تجب الزكاة فيه؛ لأنه لم يملكه عند وقت الزكاة. وكذا لو كانت الأجرة على شيء آخر غير الحصاد. فالمقصود من ذلك: أن الحصاد ونحوه مما يأخذه من الزرع مقابل حصاده أو غيره لا تجب عليه فيه الزكاة إن بلغ نصاباً. قال: [ولا فيما يجتنيه من المباح كالبُطم] البُطم: شجر ينبت في البلاد الشامية من فصيلة الفستق ونحوه، وهذا ينبت في الأرض من غير أن يزرعه الآدمي، فهو من النبات المباح، فليس مملوكاً، والزكاة إنما تجب في المملوك، وهذا مباح فلا تجب فيه الزكاة.
قال: [ولا الزَّعبل] وهو شعير الجبل؛ وذلك لأنه ليس بمملوك، فلا تجب فيه الزكاة. قال: [وبِزْرُ قُطُونا] ذكر الشيخ محمد بن عثيمين عن الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه الربلة المشهورة من أعشاب البر، وهكذا في تعريف العرب من غير تخصيص، قالوا: هو نبات عشبي. قال: [ولو نبت في أرضه] فكل هذه النباتات المباحة التي لا يملكها أحد، وإنما تنبت بغير صنع الآدمي لا تجب فيها الزكاة، ولو نبت في أرضه، أي ولو كانت الأرض مملوكة له؛ وذلك لأنه لا يملك الزرع بملكية أرضه، فإن المباح مباح ولو ملكت أرضه، لكن صاحب الأرض أحق به من غيره من غير أن يمتلكه. وقوله " ولو " هنا: إشارة إلى خلاف، وهو خلاف للقاضي من الحنابلة. فإنه قال: إذا كان النبات الذي لا يكون من صنع الآدمي إذا نبت في أرض مملوكة، فتجب فيه الزكاة؛ لأنه مملوك بملكية الأرض التي نبت فيها. وهذا ضعيف، فإن النابت في الأرض من المباحات لا يمتلك بامتلاك أرضه، بل يبقى مباحاً، فليس له أن يمنع غيره منه، لكنه أحق به من غيره، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى. فعلى ذلك: المباحات التي تنبت في الأرض من عشب أو شجر ونحوها لا تجب فيها الزكاة، وإن بلغت نصاباً؛ لأنها لا تملك، والشرط في المزكى أن يكون مملوكاً. هذا ولو كانت الأرض مملوكة له؛ لأن المباح يبقى مباحاً وإن ملكت الأرض، فإن الملكية إنما هي ثابتة في الأرض لا في النبات، وإن كان صاحب الأرض أحق به من غيره، لكن هذه أحقية وليست بملك. والحمد لله رب العالمين. فصل هذا الفصل في القدر الواجب إخراجه في صدقة الحبوب والثمار ومسائل أخرى. قال: [يجب عُشْر فيما سُقي بلا مؤنة]
والمؤنة: هي الكلفة والشدة والتعب، فإن سقى الزرع أو الشجر بلا كلفة، كأن يسقي من مياه الأمطار أو الأنهار أو العيون أو كان بعْلاً يعثر على الماء بجذوره أو كان عثرياً ينبت حول المستنقعات، فإن هذا الزرع والشجر لا مؤنة فيه، أي لا شدة ولا كلفة فيه، فيجب فيه العشر؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه البخاري في صحيحه وقد تقدم: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً) (1) ، وعند أبي داود: (أو كان بعلاً ففيه العشر) (2) . والكلفة التي يجدها المزارع من تفجير الماء وحفر الأرض لنقل مياه الأنهار إلى أرضه، وحفر السواقي ونحو ذلك هذا لا يؤثر في هذه المسألة، فهو من جنس حرث الأرض. فتصريف المياه بحفر الأرض وإصلاحها لجريان الماء من موضع إلى موضع في المزرعة وفي البستان وأيضا جريان الماء من النهر أو العين إلى بستانه، هذه كلفة لا تؤثرها؛ لأنها من جنس حرث الأرض؛ ولأن الكلفة فيها لا تكرر مع الأعوام، فإنه متى ما أصلح أرضه فأصلح السواقي منها وحفر الأرض من النهر إليها أو من العيون إليها، فإن هذا لا يتكرر، وإن كان يحتاج إلى شيء من الإصلاح اليسير، فيجب عليه العشر. .. (3) وإن كان حبه أو ثمرة خمسة أوسق فيه نصف وسْق. فعليه في ثلاثمئة صاع من التمر – عليه -ثلاثون صاعاً. قال: [ونصفه معها]
أي نصفه مع المؤنة، المؤنة هنا: الكلفة في إخراج الماء من الأرض أو رفعه كأن يكون النهر منخفضاً انخفاضاً ظاهراً عن بستانه، فيحتاج إلى آلات أو نواضح لرفع الماء من النهر أو من العيون إلى أرضه. أو كانت آباراً، فيضع الآلات ونحوها، كما في هذا العصر من مكائن ونحو ذلك، فيضعها على البئر لاستخراج الماء. فإذا كان الماء يحتاج إلى استخراج من الآبار أو إلى رفع من الأنهار ونحوها أي برفع ظاهر يحتاج منه كما يحتاج إلى رفع الماء من الآبار، فهذه الكلفة تسقط عنه نصف العشر، فلا تجب عليه إلا نصف العشر. فعليه في ثلاثمئة صاع عليه خمسة عشر صاعاً. إذاً: إن كانت عليه مؤنة في السقي، فعليه نصف العشر، والمؤنة كما تقدم هي: الكلفة التي يجدها المزارع في إخراج المياه أو في رفعها. ودليله قوله صلى الله عليه وآله وسلم في تمام الحديث المتقدم: (وما سقي بالنضح ففيه نصف العشر) . قال: [وثلاثة أرباعه بهما] فإن كان الزارع يسقي بمؤنة وبغير مؤنة، وهما متناصفان، أي بمعنى أنه قد انتفع بالمؤنة انتفاعاً يساوي الانتفاع بغير المؤنة، فليس الاعتبار هنا بالمدة، فلو كان الزرع مثلاً مؤنته ستة أشهر، وكان في الثلاثة الأشهر الأولى سقيه بلا مؤنة وفي الثلاثة الأشهر الأخرى بمؤنة، هذا لا اعتبار له؛ لأن حاجة الزرع والثمر إلى الماء تختلف من وقت إلى آخر، فالاعتبار هنا بالنفع والنمو. فإذا تساويا بأن كان انتفاع الزرع ونموه بالمؤنة وبغير المؤنة متساوياً، فإنه يجب عليه ثلاثة أرباع العشر، وهذا باتفاق العلماء. والنظر - كما هو ظاهر - يدل عليه، فهي من باب المقاسطة، وقد تقدم نظيرها. والاعتبار هنا كما تقدم بالنفع والنمو لا بالمدة، هذا هو المشهور في المذهب. وقيل: الاعتبار بالمدة. وهو ضعيف كما تقدم؛ لأن حاجة الزرع إلى الماء تختلف من وقت إلى آخر. قاله في المغني. قال: [فإن تفاوتا فبأكثرهما نفعاً]
إذا كان انتفاعه بالسقي بغير مؤنة كمياه الأمطار ونحوها - انتفاعه - به أكثر من انتفاعه بسقيه بمؤنة، فإنها حينئذ ننظر إلى الأغلب فحينئذ نوجب عليه العشر؛ لأن الأغلب هو سقيه بلا مؤنة. والعكس بالعكس، فإذا كان انتفاعه بمؤنة وكلفة أكثر من انتفاعه بلا مؤنة، فالواجب عليه نصف العشر. فإذاً: يجب عليه العشر أو نصفه حكماً للأغلب، هذا هو المشهور عند الحنابلة. - وقال الشافعية، وهو قول ابن حامد من الحنابلة: يجب بالقسط قياساً على ما إذا تساويا، فكما أنهما إذا تساويا حكمنا بالقسط ولذا أوجبنا عليه ثلاثة أرباع العشر، فكذلك إذا اختلفا، حكمنا بالقسط. مثال هذا: إذا كان سقيه بمؤنة يقابل ثلث نفعه ونموه، بينما سقيه بلا مؤنة يقابل الثلثين، فقد سقي بلا مؤنة أكثر من سقيه بمؤنة بمقدار الضعف، فيجب عليه في الثلث الذي قد سقي بمؤنة - يجب عليه - ثلث نصف العشر، وهو سدس العشر، وفي الآخر يجب عليه ثلثا العشر، وهو أربعة أسداسه. فعلى ذلك: يجب عليه خمسة أسداس العشر، وهكذا. وهذا القول أقيس؛ لما تقدم، فإنهم قد اتفقوا على أنه إذا سقى بمؤنة وبغير مؤنة على وجه التساوي أن الواجب عليه ثلاثة أرباع العشر، فهذا عمل القسط، فكذلك إذا تفاوتا. فالأظهر ما ذهب إليه الشافعية، وهو قول ابن حامد، أنا نحكم بالقسط. قال: [ومع الجهل العشر] فإذا جهل، فلا يدري هل السقي بمؤنة أكثر نفعا ونمواً من السقي بلا مؤنة أم العكس، فهو لا يدري أيهما أكثر نفعاً. قالوا: فيجب عليه العشر؛ قالوا: لأن الأصل هو العشر، والكلفة مع ثبوتها تنقصه إلى (1) العشر، والكلفة هنا غير معلومة، فيبقى على الأصل.
وهذا ضعيف؛ فإن الحكم بأن الأصل هو العشر لا دليل عليه، بل كلاهما أصل منفرد، فالعشر أصل منفرد، ونصف العشر أصل منفرد، فإذا كان الزرع يسقى بمؤنة ففيه نصف العشر، وإذا كان يسقى بغير مؤنة ففيه العشر، وكلاهما أصل منفرد، ولا دليل على تعيين أحدهما أصلاً، ولا نظر أيضاً يدل على هذا، فإن الزروع والأشجار منها ما يسقى بمؤنة، ومنها ما يسقى بلا مؤنة، فأوجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما سقي بمؤنة كذا، وفيما سقي بلا مؤنة كذا، فكلاهما أصل. - قال صاحب الفروع: " ويتوجه احتمال: فيه ثلاثة أرباع العشر لتقابلهما ". وهذا هو الأظهر، وهو مذهب الشافعية، وأن الواجب فيه ثلاثة أرباع العشر؛ لأنهما يتقابلان، فكما لو تساويا، فنحن نجهل أيهما الأغلب، فحينئذ لهما حكم التساوي لتقابلهما، ولأن كليهما أصل منفرد، كما تقدم. فمذهب الشافعية هو الأظهر، وقد وجهه صاحب الفروع - وجهه - احتمالاً: أن الواجب عليه ثلاثة أرباع العشر. قال: [وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة] فإذا اشتد الحب وأصبح قويا صلباً. وبدا صلاح الثمر بأن تحمر أو تصفر ثمار النخيل أو يتموه العنب فيطيب أكله. هذا هو بدو صلاحه. فإذا بدا صلاح الثمر واشتد الحب، وجبت الزكاة؛ لما تقدم في درس سابق، لكن قال: [ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البَيْدر] البَيْدر: هو الموضع الذي تجمع فيه الثمار والحبوب، أما الحبوب فلتصفيتها وإزالة القشر عنها. وأما الثمار فلتجفيفها لتذهب عنها الرطوبة، فتكون جافة كما يكون هذا في الرطب، ليكون تمراً، وفي العنب ليكون زبيباً. فإذا وضعت في البيدر فقد تم الحصاد أو الجداد، فحينئذ تستقر الزكاة في الذمة. وعليه قال: [فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت] فإذا تفلت قبل وضعها في البيدر بغير تعد منه، فإنها تسقط عنه؛ لأنها لم تستقر بعد في ذمته.
إذاً: إذا بدا صلاح الثمر واشتد الحب ولم يوضع بعد في البيدر، فلم يحصد الزرع، ولم يجد الثمر، فإن الزكاة لم تستقر بعد في ذمته، وإن كان الوجوب قد تعلق ببدو الصلاح وباشتداد الحب، لكن الزكاة لم تستقر بعد في ذمة صاحب المال. فلو حصل له تلف بغير تعد منه ولا تفريط، فإن الزكاة تسقط عنه؛ لأنه في حكم ما لم يثبت عليه اليد، فما دام الرطب على رؤوس النخل والحب في سنبله، فإنه بعد لم يتم ثبوت يد صاحبه عليه، فإذا حصل فيه تلف، كأن يحترق الزرع أو حصل للنخيل جائحة، فإن الزكاة تسقط عنه؛ لأنها لم تستقر بعد في ذمته. أما إذا وضعه في البيدر، فقد استقرت الزكاة في ذمته، فإذا تلف، ولو كان هذا التلف بغير تعد منه، فإن الزكاة تبقى وتتعلق في ذمته. وهذا كله على القول بمسألتين: المسألة الأولى: وقد تقدم أن الراجح خلافها، وهي أن الزكاة تجب قبل التمكن من أدائها. والصحيح أن الزكاة لا تجب إلا بعد التمكن من أدائها، ومتى يمكنه أن يؤدي التمر والزبيب والحب؟ إنما يمكنه ذلك إذا صُفي الحب تماماً وزال ما فيه من قشور وجهز لبيعه أو للانتفاع به، فحينئذ يكون قد تمكن من أداء زكاته، وهذا هو وقت إخراجه عند الحنابلة وغيرهم، فإن وقت الإخراج هو تصفية الحب وجفاف الثمر، فإذا جف الثمر فأصبح الرطب تمراً وأصبح العنب زبيباً، فهذا هو وقت الإخراج، وهذا الوقت هو وقت التمكن، فإن صاحب المال إنما يتمكن من أداء زكاة ماله إذا وجد وقت الإخراج. فإذا وجد وقت الإخراج ولم يخرج فحينئذ تتعلق الزكاة بذمته، فإذا صفى الحب وجفف الثمر ثم فرط فحصل تلف للزرع، فحينئذ تجب عليه الزكاة؛ لأن الزكاة قد استقرت في ذمته حينئذ لتمكنه من أدائها.
إذاً: الراجح ما تقدم، وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الزكاة لا تجب إلا عند التمكن من أدائها، وعليه فلا تتعلق الزكاة بذمته ولا تستقر إلا إذا تمكن من أدائها، وذلك بعد تصفية الحب وجفاف الثمر. أما الحنابلة في المشهور عندهم: فإن وقت استقرار الزكاة في ذمته إنما هو وضعها في البيدر، ووقت الإخراج تصفية الحب وجفاف الثمر، فتستقر في ذمته وإن لم يأت وقت إخراجها. والراجح ما تقدم. المسألة الثانية: وقد تقدم ذكرها أن الزكاة بمعنى الأمانة، فإذا استقرت في ذمته ثم تلفت بغير تفريط منه ولا تعد، فإنها تسقط عنه؛ لأنها في حكم الأمانة، كما تقدم، وهو اختيار شيخ الإسلام، واختيار الموفق. فعليه: إذا صُفي الحب وأراد إخراجه، لكن تلف قبل إخراجه وهو لم يفرط، فإن الزكاة تسقط عنه؛ لأن الزكاة في يده كالأمانة. فعلى ذلك: وقت وجوب الزكاة اشتداد الحب وصلاح الثمر. ووقت استقرارها في الذمة عند الحنابلة إذا وضعت في البيدر. والراجح أنها لا تستقر في ذمته حتى وإن وضعت في البيدر حتى يصفى الحب ويجفف الثمر، ويتمكن من الأداء، كما تقدم. والراجح أنه إن حدث تلف في الزكاة بغير تعد منه ولا تفريط، فإن الزكاة تسقط عنه مطلقاً، وإن كان ذلك بعد استقرارها في ذمته؛ لأنها كالأمانة، والأمانة إن تلفت بغير تعدٍ من المؤتمن فإنها تسقط. قال: [ويجب العشر على مستأجر الأرض دون مالكها]
فإذا استأجر زيد من عمرو أرضاً فزرعها أو غرس فيها نخيلاً، فالأرض ليست ملكاً له، وإنما ملكيته ثابتة إما على الثمار دون أصولها كما يقع هذا في النخيل، وإما أن يكون مالكاً للثمر وأصله، أي للرطب والنخيل، أو يستأجر أرضاً فيزرعها، فيكون مالكاً للزرع، فالزكاة تجب على المستأجر؛ لأن الزكاة متعلقة بالمال المزكى، والمال المزكى إنما هو الحب أو الثمر، والحب والثمر مملوك للمستأجر دون صاحب الأرض. وهذا باتفاق العلماء، فلا خلاف بينهم في هذا. وهنا مسألة لم يذكرها المؤلف: وهي مسألة الخرص، وهي مختصة بالثمار دون الحبوب، إذ الحبوب لا خرص فيها. والخرص: هو أن يطيف الخارص، وهو من له خبرة بالخرص، يطيف بالنخل أو بشجر العنب، فينظر إلى ما فيها من ثمر ويقدره أوسقاً. كأن يقول: في هذه النخلة عشرة آصع رطب، وفي هذه تسعة آصع رطب، وهكذا، ثم يقدر كم تجيء تمراً، وفي العنب وكم تجيء زبيباً، هذا هو الخرص. فالخرص: أن يأتي إلى بستان النخيل أو إلى بستان شجر العنب فينظر إلى الأشجار من النخيل والعنب، فيقدر ما فيها من ثمر، ثم بعد ذلك يقدر ما يجيء هذا الثمر من زبيب أو تمر. فالنخلة مثلا يجيء فيها عشرة آصع رطب، فإذا خف، فإنه يكون سبعة آصع تمراً. وإذا اختلفت الأنواع بحيث إنه يختلف، فما خف منها، فإنه يحتاج أن يقدر كل نوع بمفرده. فالخرص إذاً: أن يقدر الرطب وهو في النخل وأن يقدر العنب وهو في شجره، يقدر بالأوسق ثم يقدر ما يجيء منها من تمر أو زبيب.
والخرص مصلحته ظاهرة، فإن الغني يحتاج إلى رطبه، ويحتاج إلى العنب من بستانه، فيحتاج إلى أن يأكل هو وأهل بيته، وأن يهدي وأن يتصدق، فإذا منعناه من ذلك حتى يجد الثمر ثم يجفف حتى يكون زبيباً أو تمراً فإن ذلك يفوت عليه الانتفاع بما يحب الانتفاع به من الرطب، وما يحب من إهدائه وصدقته ونحو ذلك، فلهذه المصلحة إذا بدأ صلاح الثمر يأتي الساعي فيقدره من غير أن يأخذ منه شيئاً، بل يقدر الرطب على رؤوس النخل ويقدر ما يجيء منه من تمر، ثم بعد ذلك ينتظر حتى يتم الجداد وحتى يتم الجفاف ثم تؤخذ بعد ذلك الزكاة؛ لأنه إذا لم يفعل هذا، فإن الغني يمنع من أن يتصرف بالرطب لئلا يتصرف بالمال قبل أخذ الزكاة منه، وفي ذلك تفويت لحاجته، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي قال: " غزونا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبوك، فلما جاء مررنا بوادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اخرصوا) فخرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرة أوسق " (1) ، فهذا في خرص النخيل.
وأما في خرص العنب، فقد روى الخمسة - بإسناد فيه انقطاع - عن سعيد بن المسيب عن عتّاب بن أسيد – فالانقطاع بين أسيد (1) وعتاب، فإن سعيداً لم يسمع من عتاب، فهذا انقطاع يسير – قال: " أمرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نخرص العنب كما يخرص النخل، ونخرج زكاته زبيباً " (2) . فهذا الحديث وإن كان فيه انقطاع، وهو يسير، فإن سعيد بن المسيب مراسيله عند أهل العلم أصح المراسيل، هذا إذا روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف إذا رواها عن صحابي. فلو قلنا بضعفه، فهو ضعف يسير ويجبره القياس الظاهر، وهو قياس العنب على النخيل، فإن المصلحة المتقدم ذكرها ثابتة في العنب كما هي ثابتة في الرطب، وإمكان الخرص ثابت في العنب كما هو ثاب في الرطب. إذاً الخرص مشروع في الثمار. وأما الحبوب، فإنه لا يشرع فيها، إذ لا فائدة منه، فليس بواردٍ عن صاحب الشريعة وليس بمعنى الوارد.
إذا عُلم هذا، فاعلم أن الزكاة لا تخرج رطباً ولا تخرج عنباً، وإنما تخرج تمراً أو زبيباً، لا خلاف بين أهل العلم في هذا. فإذا خرصها، فإنه لا يخرجها رطباً ولا عنباً، وإنما ينتظر حتى يتم الجذاذ ويجف الثمر ثم يؤدى بعد ذلك مرة أخرى إلى صاحب المال فتؤخذ زكاته زبيباً أو تمراً. يدل على هذا ما ثبت في البخاري عن أبي هريرة قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤتى عند صِرام النخيل – أي عند جدادها – فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره حتى يصير عنده كَوْماً، قال: فجاء الحسن والحسين يلعبان بها، فأكل أحدهما منها تمرة، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخرجها من فيه، وقال: (أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد) (1) . والشاهد هنا: أنه كان يؤتى بالتمر وهذا الإتيان كان على وجه الزكاة، بدليل قوله (فإن الصدقة لا تحل لآل محمد) . إذاً المخرج هو التمر والزبيب، فلا يخرج رطباً ولا عنباً. مسألة: إذا اختلف الساعي – الخارص – وصاحب الثمر، اختلفوا في الخرص، فمثلاً: خُرصت من الساعي، فكان مقدارها عشرة أوسق، فلما تم جدادها وحصادها وجففت بعد ادعى صاحب الثمر أنها لتسعة أوسق وليست لعشرة أوسق، فإن قوله يصدق بلا يمين؛ فالناس لا يستحلفون في صدقاتهم، فهي حق لله عز وجل، واليمين إنما شرعت في حقوق الآدميين، هذا إن كان قوله محتملاً. أما إن كان قوله لا يحتمل كأن يكون الساعي قدرها بخمسة أوسق وادعى صاحب المال أنها خمسة (2) أوسق، والساعي من أهل الخبرة والمعرفة، فإن هذا احتمال بعيد ويتبين به كذب صاحب الثمر، فلا يقبل خبره.
إذاً: إذا ادعى تغليط الساعي بأمر يدل على كذبه، فإن خبره لا يقبل ويُلزم بما قدره الساعي، وأما إذا كان بقدر يحتمل، فإن قوله يقبل بلا يمين. مسألة: وهي أنه يترك لصاحب الثمر الثلث أو الربع، فإن خرصت عشرة أوسق مثلاً، فإنه يترك له الثلث مثلاً، وهو ثلاثة أوسق وثلث أو الربع وهو وسقان ونصف. فإن صاحب الثمار يحتاج لشيء من الثمر في الأكل والإهداء والصدقة ونحو ذلك، فيترك له إما الثلث وإما الربع على حسب اجتهاد الساعي، فإذا رآه من الناس الذين تكثر هدياهم (1) ويكثر الإتيان إليهم، فيكثر الأكل من هذا الرطب عندهم، فإنه يترك له الثلث وإلا فإنه يقدر له الربع. هذا هو المشهور في مذهب أحمد وهو مذهب إسحاق. واستدلوا بما رواه الخمسة إلا ابن ماجه عن سهل بن أبي حثمة قال: " أمرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " (2) لكن الحديث فيه جهالة التابعي الراوي عن سهل بن حثمة، وله شاهد عند أبي عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال عن مكحول مرسلاً، وثبت في مصنف بن أبي شيبة بإسناد صحيح: أن عمر بن الخطاب كان يبعث ابن أبي حثمة خارصاً، ويقول له: " إذا أتيت أهل البيت في حائطهم فلا تأخذ منهم قدر ما يأكلون " (3) .
وأما جمهور العلماء فإنهم لم يروا ذلك، بل رأوا أنه لا يترك لأهل البيت شيء؛ قالوا: لعموم الأدلة التي تقدم ذكرها، كقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق) فدل هذا على أن من بلغ ماله خمسة أوسق فتجب عليه الزكاة. والأظهر في الجملة ما ذهب إليه الحنابلة، فإن أدلتهم مخصصة لما تقدم، هذا أولاً. ثانيا: لأن الزكاة إنما تتعلق به إذا كان تمراً أو زبيباً، فالتوسيق المتقدم إنما هو حيث كان تمراً وحيث كان زبيباً، وأما قبل ذلك فلا. لكن ذهب ابن عقيل الحنبلي إلى قول – فيما يظهر لي أصح -، وإن كنا نقول بما ذهب إليه الحنابلة في الجملة أي من إخراج شيء من الرطب وشيء من العنب لصاحب.. البستان. لكن تقديره بالربع والثلث هكذا مطلقاً فيه نظر. بل الأظهر ما ذهب إليه ابن عقيل من الحنابلة، فإنه قال: يترك لهم بقدر ما يحتاجون إليه لأكلهم ولهديتهم بالمعروف سواء كان ربعاً أو ثلثاً أو أقل من ذلك ولو كان عشراً. وهذا أمر ظاهر، فإن بعض الناس يملك بساتين كثيرة لا يحتاج حتى إلى عشرها أو أقل من عشرها. وقول عمر المتقدم يدل على هذا، فإنه قال: " إذا أتيت أهل بيت في حائطهم فلا تأخذ منهم قدر ما يأكلون "، فلم يقدره بالربع والثلث. وأثر عمر رضي الله عنه أصح من الأثرين المتقدمين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولأن الأصل وجوب الزكاة في المال. فعلى ذلك: الأظهر ما اختاره ابن عقيل من الحنابلة، وأنه إذا وجب العنب أو الرطب، فإنه يخرج منه قدراً يحتاجه أهل البيت لأكلهم وهديتهم بالمعروف سواء كان ذلك بقدر الربع أو بقدر الثلث أو بقدر الخمس أو بقدر العشر أو أقل من ذلك، ثم الباقي ينظر فيه، فإن بلغ نصاباً وجبت فيه الزكاة، وإن لم تبلغ نصاباً فلا زكاة فيه. والحمد لله رب العالمين. الدرس الثالث بعد المئتين (يوم الأحد: 28 / 12 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أخذ من مِلْكه أو مواتٍ من العسل مئة وستين رطلاً عراقياً ففيه عشره] هنا في زكاة العسل: قال ابن القيم: " ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضاً، وقد تعددت مخارجها، واختلفت طرقها، ومرسَلُها يُعضد بمسندها " (1) جمهور العلماء لم يروا وجوب الزكاة في العسل؛ قالوا: لأن الأصل هو عدم وجوب الزكاة، ولا دليل على وجوبها، قالوا: ولم يصح حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب. وقال الحنابلة بوجوب الزكاة في العسل، وهو قول الأحناف، قال الترمذي: " وهو قول أكثر أهل العلم ".
وأجابوا عن الجمهور: بثبوت الحديث فيه، وأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سنن أبي داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنه أخذ في زكاة العسل العشر) (1)
، قالوا: والحديث حسن، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أحاديث حسان. قالوا: وفي مصنف عبد الرزاق أن عمر: أخذ في زكاة العسل في كل عشرة أفرق فرقاً واحداً " لكن إسناده منقطع، واحتج به أحمد، ورواه سعيد كما في المغني. فجمهور العلماء لم يصححوا هذا الحديث، والأرجح تصحيحه، فعلى ذلك: تجب في العسل الزكاة، كما هو مذهب الحنابلة. وقول المؤلف: " إذا أخذ من ملكه " أي من أرض مملوكة له، كأن يضع في أرض له منحلاً، فينتج هذا المنحل، فيجب عليه إن بلغ النصاب أن يزكيه أو كان ... ... ... (1) . وإن كانت الأرض ليست مملوكة لصاحب الزرع، والثمر يتبع النخيل، فمالك النخيل هو الذي تجب عليه الزكاة، وإن كانت الأرض مستأجرة غير مملوكة له. فالصحيح مذهب الحنابلة، للحديث المتقدم، وأن الزكاة تجب في العسل تبعاً للنخيل من غير نظر إلى الأرض أهي موات أم مملوكة. (2) [مئة وستين رطلاً عراقيا] هذا هو نصاب العسل (160) رطلاً عراقياً، وقد تقدم أن هذا الوزن من الأوزنة القديمة، لكن يمكننا أن نعرف قدره بقياسه بالمقدار المتقدم. وقد تقدم أن الثلاثمئة صاع نبوي يساوي ألفاً وستمئمة رطل عراقي، فعلى ذلك: مئة وستون رطلاً عراقياً يساوي ثلاثين صاعاً نبوياً، وتقدم أن الصاع النبوي يساوي أربعة أخماس الصاع الموجودة عندنا، فعلى ذلك تساوي الثلاثين صاعاً = أربعة وعشرين صاعاً من الآصع الموجودة عندنا. فعلى ذلك: إذا ملك أربعاً وعشرين صاعاً، والصاع كيلوان وأربعون جراماً، فنضرب كيلوين جراماً (3) في أربع وعشرين صاعاً يكون نصاب العسل بالكليوجرامات. هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
وقيل: إن نصاب العسل ألف رطل عراقي، وقدَّمه الموفق في الكافي، واحتمله في المغني. وهو الأرجح. أما دليل الحنابلة: فهو ما تقدم من أثر عمر، فقد أخذ عمر من كل عشرة أفرق فرقاً واحداً، والفرق يساوي ثلاثة آصع، فعلى ذلك: من كل ثلاثين صاعاً ثلاثة آصع، والثلاثون صاعاً يساوي مئة وستون رطلاً كما تقدم. وتقدم أن هذا الأثر إسناده منقطع. وأما القول الثاني، فإن دليله ما في سنن أبي داود في بعض روايات حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم قال: (في كل عشر قربات قربة) (1) . والقربة تساوي مئة رطل عراقي، فعلى ذلك: العشر قرب تساوي ألف رطل عراقي. فالراجح هو هذا القول؛ لأن أثر عمر إسناده ضعيف، وأعلى منه وأصح هذا الأثر الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مرفوع إليه وإسناده حسن. فعلى ذلك الواجب في ألف رطل عراقي الزكاة، ويمكن معرفة قدر الألف رطل عراقي بمعرفة قدر المئة وستين رطلاً، فقد تقدم أنها تساوي ثلاثين صاعاً نبوياً، فيمكن معرفة الألف رطل بالآصع النبوية، ثم بالكيلوجرامات بحساب ما تقدم. فالراجح أن في كل ألف رطل عراقي الزكاة. والواجب فيه العشر، وقد تقدم هذا في الحديث المتقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أخذ في زكاة العسل العشر "، وفي حديث آخر: " في كل عشر قربات قربة ". فعلى ذلك: الواجب في ألف رطل عراقي مئة رطل. قال: [والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، ففيه الخمس] أي ما وجد من مدفونهم، من ركز الشيء إذا أخفاه، وسمي ركزاً لإخفائه. والركاز باتفاق العلماء هو دفن الجاهلية، أو مدفون أهل الجاهلية. ويعرف أنه دفن لأهل الجاهلية بكتابة أسمائهم عليه وصورهم وصور مصوراتهم ونحو ذلك. فما يوجد من الأرض من الكنوز إن وجد فيه علامات الكفار من كتابة أسمائهم أو صورهم أو صور ملوكهم أو صور مصوراتهم فهو الركاز.
أما إن وجدت فيه علامات المسلمين أو كان في البلاد الإسلامية وليس فيه علامة فليس بركاز. فالركاز ما يكون من دفن أهل الجاهلية ويعرف بعلامات الكفار أو أن يكون مدفوناً في بلادهم وليست علامات. أما إن كان مدفوناً في البلاد الإسلامية، وإن لم تكن عليه علامة فهو دفن المسلمين أو كان عليه علامة المسلمين فهو دفن لهم، فليس بركاز وإنما هو لقطة، وسيأتي - في هذا الدرس - الكلام عليها. أما الركاز: وهو دفن أهل الجاهلية، فيجب فيه الخمس؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (في الركاز الخمس) (1) ، متفق عليه من حديث أبي هريرة. وكل مدفون ثبتت فيه علامة الكفار فله أخذه ويمتلكه بذلك، وعليه فيه الخمس، سواء كانت الأرض مواتاً أو مملوكة له أو لغيره أو كانت في ديار الكفار، فلا نظر بالأرض هنا؛ لأن الركاز مودع فيها مخفي فيها، فليس منها، فلا يملك الركاز بملكية الأرض، فإذا وجده في أرض مملوكة لغيره فهو له، أو وجده في موات، فلا يقال إنه لبيت المال، بل متى ما وجده فإنه يمتلكه سواء كانت الأرض مواتاً أو كانت ليست أرضا للمسلمين. أو كانت الأرض مملوكة له أو لغيره؛ لأن هذا الركاز مخفي فيها مودع فيها، فليس من الأرض في شيء فلا يتبعها. وهل الخمس مصرفه مصرف الزكاة أو مصرفه الفيء؟ جمهور العلماء على: أن مصرفه مصرف الفيء. وقال الشافعية: مصرفه مصرف الزكاة. أي هل تصرف الخمس كما يصرف خمس الفيء، فيصرف في مصالح المسلمين في بناء المساجد والقناطر ويدفع لبعض أعيان المسلمين تأليفاً أو نحو ذلك مما يكون فيه مصلحة، أم أنه مصرفه مصرف الزكاة، فلا يصرف إلا للأصناف الثمانية؟ قولان لأهل العلم، وتقدما.
والقول الراجح هو مذهب جمهور العلماء، وأن مصرفه مصرف الفيء؛ وذلك لأنه مال كافر أُخذ في الإسلام، فأشبه الغنيمة، ولذا وجب فيه الخمس، كما يجب في الغنيمة. فعلى ذلك يصرفه الإمام في مصالح المسلمين كما يصرف الفيء. وهل له أن يتصرف فيه بمصالح المسلمين أي وحده، أم لابد وأن يدفعه إلى الإمام؟ قولان لأهل العلم: المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب الأحناف: أنه له أن يتصرف به، فيعطيه أهله ممن يصح أن يصرف لهم الفيء، فيصرفه في مصالح المسلمين ونحو ذلك، وفيه أثر عن علي في البيهقي، لكن إسناده ضعيف. وقال بعض الحنابلة، وهو مذهب أبا (1) ثور: أنه ليس له ذلك، بل يدفعه إلى الإمام، والإمام يصرفه في مصالح المسلمين، كما يصرف الفيء. وهذا القول هو الراجح؛ لأن الإمام هو الناظر في مصالح المسلمين، وما دام هو الناظر فيها، فإن التصرف لا يصح إلا منه. فعلى ذلك: يجب دفعه للإمام ليصرفه في مصالح المسلمين كما يصرف الفيء، وأما أثر علي فإسناده ضعيف. وقد اتفق العلماء على الواجب في الركاز يدفع بمجرد إخراجه، فإذا أخرجه وتمكن من الأداء أخرج، قياساً على الخراج من الأرض من الزروع والثمار. وهذا باتفاق العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه لا ينتظر حتى يحول عليه الحول، بل بمجرد إخراجه من الأرض يخرج خمسه؛ ولأنه كما تقدم ليس من باب الزكاة، ومضي الحول إنما هو في الأموال الزكوية، وأما هذا فهو يصرف مصارف الفيء، فليس إذاً من باب الزكاة، والحولية إنما هي شرط في الأموال الزكوية. قال: [في قليله وكثيره]
ليس له نصاب، فنصاب الذهب عشرون ديناراً، فإذا وجد كثيراً لا يصل إلى هذه القيمة فتجب عليه فيه الزكاة؛ لأن الحديث عام، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وفي الركاز الخمس) (1) ، فهو عام في كل ركاز، قليلاً كان أو كثيراً؛ ولأنه كما تقدم ليس من الأموال الزكوية والأنصبة إنما تشرع فيها. فعلى ذلك: القدر الذي يجده يخرج خمسه، سواء كانت تساوي نصاب الذهب والفضة أو لم تكن تساويهما، فتجب فيه الزكاة. هذا إذا كان من دفن الجاهلية. أما إذا كان من دفن المسلمين، ويعرف ذلك إما بعلامات المسلمين أو لا تكون فيه علامات، لكن يوجد في البلاد الإسلامية، فهذا هو دفن المسلمين. فلِما تقدم أن الركاز لا يتبع الأرض، فإذاً هو لا يتبع مالكها، بل يكون له حكم اللقطة، فتعرفه سنة، فإن جاء صاحبه وإلا ملكه، هذا إذا كان في أرض مملوكة، أما إذا وجده في موات من الأرض كفلاة، فهذا لا يمكن تعريفه، فإنه يكون عليه فيه الخمس، فيكون له حكم الركاز.
ودليل هذا ما ما ثبت عند أحمد وسنن أبي داود والنسائي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن اللقطة، فقال: (إن كانت في طريق مأتي وأرض عامرة فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا ملك، فإن لم تكن في طريق مأتي ولا قرية عامرة، ففيها وفي الركاز الخمس) (1) . إذاً إن وجد دفناً عليه علامات المسلمين ولم يتمكن من معرفة أصحابه، أما إذا كانت العلامات تدل على أصحابه فهو ملك لهم، أما إذا لم يكن فيه علامات أو فيه علامات لا يهتدى بها إلى معرفة صاحبها، فإنه يعرفها سنة ثم يملكها إن كانت في أرض عامرة أو طريق مأتي. أما إذا كانت في موات من الأرض بحيث إنه يبعد معرفة صاحبها والوصول إليه، فإنه يمتلكها وعليه فيها الخمس، والخمس حكمه كالخمس المتقدم. ولم يذكر المؤلف هنا زكاة المعادن وقد ذكرها الشراح فهذا موضعها: والمعادن: جمع معدِن بكسر الدال من عدن أي أقام ومكث. والمراد بالمعادن: ما يخرج من الأرض من ذهب أو فضة أو زئبق أو رصاص أو حديد أو غير ذلك مما يخرج من الأرض. والمعادن تبع للأرض، لأنها مودعة فيها خلقة، فكانت تبعاً لها؛ لأن مالك الأرض يملكها ويملك قرارها.
جماهير العلماء على وجوب الزكاة في المعادن في الجملة – أي فيه خلاف في أنواع المعادن التي تجب فيها الزكاة، لكنهم مجمعون على أصل هذه المسألة، وأن الزكاة ثابتة في المعادن. واستدلوا بقوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} (1) فيدخل في عمومه المعادن، فإنها مما تخرج من الأرض. وفي الموطأ وسنن أبي داود بإسناد مرسل، وأصله عند أبي داود موصولاً، لكن الشاهد فيه هنا مرسل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم " (2) . والأظهر أن هذا من قول الراوي، فلا يكون موصولاً ولا مرسلاً، وإنما الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو إقطاعه لبلال بن الحارث المعادن القبلية، وأما قوله هنا: " فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم " فالظاهر أنه من قول بعض الرواة، وهو من حديث ربيعة الرأي عن بعض أشياخه عن غير واحد، فهو إذاً من قول بعض أهل المدينة، فهو قول ربيعة أو من روى عنه، فليس بمرسل ولا بموصول، لكن يمكن الاستدلال بالآية {ومما أخرجنا لكم من الأرض} ، والآية عامة فيدخل في عمومها المعادن. وعليه العمل عند أهل العلم، فقد اتفقت المذاهب الأربعة كلها على القول بهذا، وأن الزكاة تؤخذ من المعادن في الجملة. - وخالف في ذلك الظاهرية، فقالوا: لا تجب الزكاة فيها لعدم الدليل، والأصل هو عدم الوجوب. لكن العمل بعموم الآية المتقدمة، وما تقدم من عمل أهل العلم. وقد قال الراوي: " فتلك المعادن لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم "، يمكن الاستدلال به بما يسمى بالاستصحاب المقلوب، وهو عكس الاستصحاب الذي يُعد من الأدلة الشرعية.
وصفة الاستدلال بالاستصحاب المقلوب هنا أن يقال: إن ثبوت أخذ الزكاة فيه في عصر التابعين، فإننا نستصحب هذا الأخذ إلى عصر الصحابة إلى عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الأصل هو عدم التغير. ولاشك أن هذا الاستصحاب فيه شيء من الضعف، لكنه يقوي ما تقدم. فعلى ذلك جمهور العلماء وهو الأظهر أن الزكاة واجبة ففي المعادن. وخصها الشافعية والمالكية بمعادن الذهب الفضة، أما غيرها من الجواهر والياقوت فلا زكاة فيها. وقال الحنابلة بالعموم، وهو الراجح؛ لأن الآية عامة {ومما أخرجنا لكم من الأرض} ، فهو عام في كل معدن. أما ما رواه البيهقي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا زكاة في الحجر) (1) ، فإن الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. * قال جمهور العلماء: ونصابه نصاب الذهب والفضة؛ وذلك لأن الشارع لم يحدد له نصاباً ولا قدراً مخرجاً، فحينئذ ننظر إلى قيمته كعروض التجارة، فإذا كانت قيمته تساوي عشرين ديناراً، كأن يخرج رصاصاً أو حديداً يساوي عشرين ديناراً، ففيها الزكاة، والقدر المخرج هو ربع الشعر. إذاً ننظر إلى قيمتها؛ وذلك لأنها إنما يستفاد منها بالاستفادة من قيمتها، وهي تشبه عروض التجارة، وكما تقدم، فإن الشارع لم يحدد لها نصاباً، فيقدر النصاب بالذهب والفضة، فإذا بلغت قيمتها نصاب الذهب والفضة، ففيها الزكاة، والواجب فيها هو ربع العشر. (2)
الزكاة تخرج كما تخرج زكاة الركاز، فمجرد إخراج المعدن من الأرض تجب الزكاة فيه، قياساً على الزروع والثمار، فإنهما داخلان في عموم قوله: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} (1) ، فكما أن الزروع والثمار وهي المخرجة من الأرض تجب زكاتها بمجرد الحصول عليها والتمكن من الأداء، فكذلك في المعادن. إذاً: المعادن تجب فيها الزكاة، والزكاة تجب في كل معدن فيها، ونصابها والمخرج منها قدره قدر قيمتها من الذهب والفضة، ويخرج بمجرد الحصول عليها. وهل تجب الزكاة في المخرج من البحر من اللؤلؤ والعنبر ونحو ذلك؟ قولان لأهل العلم: 1- القول الأول، وهو مذهب الجمهور، وهو المشهور عند الحنابلة: أنه لا تجب فيه الزكاة. قالوا: لأن الأصل عدم وجوب الزكاة، ولا دليل على وجوب الزكاة فيما يخرج من البحر، ولأنه يوجد ملقياً على البحر في غالب أحواله، فأشبه ما يعثر عليه في الأرض من المباحات التى لا تجب فيها الزكاة. 2- والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الزكاة تجب فيه قياساً على المخرج من الأرض، فكما أن المخرج من الأرض تجب فيه الزكاة، فكذلك المخرج من البحر. وهذا قياس ظاهر. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. باب زكاة النقدين الدرس الرابع بعد المئتين (29 / 12 / 1415 هـ) باب زكاة النقدين النقدان: مثنى نقد، وهو ضد النسيئة، بمعنى منقود أي معطى، فالنقد هو ضد النسيئة والتأخير، والأثمان تنقد نقداً، فليست محلاً للتأخير، فإذا دفع مثلاً مئة دينار، فإنه قد نقد الثمن أي دفعه حاضراً. وهي من نقد الدرهم والدينار، أي نقد جيده من رديئه، أي ميز الطيب من الرديء. والنقدان هما الذهب والفضة. فهذا الباب في زكاة الذهب الفضة. وقد أجمع العلماء على فرضية الزكاة فيهما – الذهب والفضة -، وهما النقدان، وهما أثمان الأشياء. وأما الحلي من الذهب والفضة فسيأتي الكلام عليها في الدرس القادم.
قال المؤلف: [يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً] المثقال: يساوي في أصح ما ظهر لي من الأقيسة أنه يساوي أربعة جرامات وربع الجرام، فعلى ذلك النصاب يساوي خمسة وثمانين جراماً، وهي ما يساوي عندنا نحو ثلاثة آلاف ريال. هذا نصاب الذهب. يدل على ذلك: أما على أن نصاب الذهب عشرون ديناراً وعلى أن القدر المخرج منه هو ربع العشر: ما روى أبو عبيد القاسم من سلام في كتابه الأموال عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري – وهو ثقة تابعي – أن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصدقة وكتاب عمر: أن الذهب لا يؤخذ منه شيء حتى يكون عشرين ديناراً، ففيه نصف دينار، وأن الورق – وهو الفضة – لا يؤخذ منه شيء حتى يكون مئتي درهم، فإذا بلغ مئتي درهم ففيه خمسة دراهم " (1) وهذا الحديث مرسل، لكن له شاهد عند ابن ماجه من حديث عائشة وابن عمر (2) ، والحديث سنده ضعيف، لكن يصح شاهداً، وله شاهد أيضاً عند أبي داود عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان لك مئتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) (3) ، والحديث إسناده حسن، لكن الراجح وقفه على علي، ولا يعلم له مخالف.
وقد عمل أهل العلم بهذه الآثار، فعليها العمل عند أهل العلم، فقد أجمعوا على فرضية الزكاة في الذهب والفضة، وأن الواجب فيها ربع العشر، وعامتهم على أن نصابها عشرون ديناراً. إلا ما روي عن الحسن: أن نصاب الذهب أربعون ديناراً، وروي عنه موافقته أهل العلم، ولا دليل له على ذلك. إذاً نصاب الذهب عشرون ديناراً، والواجب فيه ربع العشر. قال: [وفي الفضة إذا بلغت مئتى درهم ربع العشر منهما] فقد ثبت في البخاري من حديث أنس في كتاب أبي بكر في الصدقة، وفيه: " وفي الرِّقة – أي الفضة – إذا بلغت مئتي درهم ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومئة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها " (1) . كما أن الآثار المتقدمة تدل على هذا، وقد أجمع أهل العلم عليه، وأن الواجب في مئتي درهم ربع العشر. إذا علم هذا، فاعلم أن جماهير العلماء على أن المعتبر في زكاة النقدين هو الوزن. وقد تقدم وزن الذهب وأنه يساوي عندنا فيما يظهر خمسةً وثمانين جراماً، وأما الفضة فإن مئتي درهم يساوي مئة وأربعين مثقالاً، والمثقال من الفضة يساوي جرامين وتسعمئة وخمساً وسبعين بالمئة، وعلى ذلك: نصابه بالجرامات يساوي خمسمئة وخمساً وتسعين جراماً. فالمعتبر عند جماهير العلماء هو الوزن.
فعليه عشرون ديناراً يساوي عشرين مثقالاً، ومئتي درهم يساوي مئة وأربعين مثقالاً، فإذا كانت العشرون ديناراً لا تساوي إلا عشرة مثاقيل، كأن يضرب الناس دنانير تسمى دنانير، لكن الدينار فيها لا يساوي إلا نصف مثقال، فلا تكون النصاب عشرين مثقالاً، بل يكون أربعين مثقالاً، لأن المعتبر هو الوزن، فلا ينظر إلى العدد، أما إذا ملك عشرين مثقالاً لكنها لا تساوي إلا عشرة مثاقيل أو لا تساوي إلا خمسة عشر مثقالاً فلا يجب فيها الزكاة، وكذلك في الفضة، فإن ملك مئتي درهم لكنها لا تساوي مئة وأربعين مثقالاً، فإن الزكاة لا تجب عليه. واستدلوا بما ورد في أبي داود وغيره في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحديث حسن في زكاة الفضة قال: (إذا بلغت خمس أواق) (1) ، فذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصاباً له وزناً، فالأوقية وزن. وقال شيخ الإسلام: بل المعتبر العدد من غير نظر إلى الوزن. وعليه: ما نسميه نحن الريالات تقوم مقام الدراهم،.. .. .. (2) فسيأتي الكلام على الأوراق النقدية، لكن لو ضربت دراهم سميت بريالات أو بغيرها من الأسماء ضربت من الفضة، والدرهم فيها لا يساوي وزناً الدرهم الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكنه يسمى درهماً، وكذلك في الدينار، كأن يضرب دينار لا يساوي إلا نصف مثقال، فإنه متى ما بلغ العدد المذكور، فإن الزكاة تجب فيه.
واحتج رحمه الله بأن الدراهم في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن ذات وزن واحد، بل كانت ذات أوزان مختلفة، فمنها ما وزنه ثمانية دوانق، ومنها ما وزنه أربعة دوانق، حتى كان عهد عبد الملك بن مروان فضرب الدرهم الإسلامي الذي يساوي ستة دوانق، قال: فلا يمكن أن يحكم على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الدرهم الحادث. فهذا درهم حادث، فهذه الأوزان إنما تعود إلى دراهم ودنانير فضربت في عهد عبد الملك بن مروان، فلا يحكم على القديم بما هو حادث. فهو يرى أن الزكاة متعلقة بعدد الدراهم والدنانير من غير نظر إلى الوزن، واحتج بأن الدراهم والدنانير لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات وزن واحد، بل لها أوزان مختلفة، فعلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزكاة بعددها، وحيث كان كذلك، فإذا وجدت دنانير ودراهم، فإن الزكاة تجب فيها إذا بلغت العدد المتقدم، وإن كانت لا تساوي الوزن الذي تقدم. وفيما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله نظر، فإنه لا يعقل أن تكون الدراهم أو الدنانير التي تتعلق بها قيم الأشياء وتتم بها الأنكحة في مهورها، والبيوع ونحو ذلك من الأحكام الشرعية لا يمكن أن تكون مختلفة الأوزان، وحيث كانت مختلفة في الواقع، فإنه لابد أن يكون هناك قدر هو المتعارف عليه، فإذا وجد دينار يساوي ضعف غيره من الدنانير، فإنه يحكم له بأنه بقيمة دينارين، فنحن وإن سلمنا لم تضرب في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأمر كذلك، وإنما ضربت – كما تقدم - في عهد عبد الملك، فإنا لا نسلم أنها كانت مجهولة القدر، بل لها قدر ظاهر واضح بيّن، فهي قيم الأشياء وبها تتم أنكحة الناس وبيوعهم وحقوقهم (1) متعلقة بها، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التي تتعلق بالدرهم والدينار.
كما أن الشارع لا يمكن أن يجمع بين المختلفات، فيوجب في مئتي درهم الدرهم فيها قدر أربعة دوانق يوجب فيه الزكاة، ولا يوجب الزكاة مما يبلغ الدرهم فيها ثمانية دوانق حتى يبلغ هذا العدد، فإن المئة درهم مما يكون وزنه ثمانية دوانق تساوي مئتي درهم مما يكون وزن الواحد فيها أربعة دوانق، فكيف يفرق الشارع بينهما مع أنهما متساويان. فالأظهر مذهب جمهور العلماء من اعتبار الوزن خلافاً لشيخ الإسلام. وأما الأوراق النقدية المعاصرة، وهي ما تسمى " بنك نوت "، وتسمى بالأنواط في كلام الفقهاء المعاصرين. وهي لغة: " بنك نوت " لغة فرنسية بمعنى الأوراق النقدية. فهذه الأوراق اختلفت فيها أنظار الناس من الفقهاء المعاصرين: فمنهم من قال: هي وثائق دين، يعني ليست أثماناً، وإنما هي وثيقة كما لو اقترضت من رجل مالاً فأعطيته ورقة فتثبت فيها هذا الحق الذي عليك، فهي وثيقة دين. وهذا اعتماد على ما يكتب فيها من التزام مؤسسة النقد بدفع ما يقابلها من ذهب وفضة. وهذا ضعيف، فإن هذه الكتابة المقصود منها توثيقها وإلا فإن صاحب الورق لا يعطي قيمتها من الذهب والفضة، لكن المقصود من هذه الكتابة هو توثيق هذه الأوراق وإعطائها قيمتها. وهذا القول فيه شدة، إذ يترتب عليه الأحكام الكثيرة من عدم جواز السلم فيها، ومن مسائل كثيرة تترتب على هذا، كما أنه لا يجوز شراء الذهب الخالص بها ولا شراء الفضة الخالصة بها؛ لأنها تعتبر ديون، فلا يجوز أن يشترى ذهباً فيها وإن دفعها، ولا فضة وإن دفع هذه الأوراق النقدية؛ لأنها ديون، والواجب أن يكون الشراء يداً بيد في الأموال الربوية، فهذا مع ضعفه فيه ضيق وشدة. وأوسع المذاهب من قال: إنها عروض تجارة، وحجته: أنها مال مرغوب فيه، وليست بذهب ولا فضة، فأشبه العقارات وغيرها من العروض كالأقمشة وغيرها التي تباع وتشترى.
وهذا أيضا ضعيف؛ لأن قيمتها في الحقيقة قيمة ثمنية، إذ لو أن السلطان أبطلها - أي أبطل التعامل بهذه الورق المعينة لم يبق لها قيمة مطلقاً. وهذا أوسع المذاهب. ويترتب على هذا القول جواز الربا فيها بنوعيه، ربا الفضل وربا النسيئة؛ لأنها عروض تجارة، فكما لو استبدل أقمشة بأقمشة، فله أن يستبدل مئة ألف بخمسة آلاف، سواء كان ذلك حاضراً أو نسيئة؛ لأنها ليست بأثمان، بل هي عروض تجارة. وقال بعض أهل العلم: بل هي بدل عن الذهب والفضة، فلها أحكام الذهب والفضة؛ لأنها – على رأي هذا القائل - لابد مقابلها في صندوق النقد ذهب وفضة، فتعطى حكمه. وعليه: إذا كانت بدلاً من الذهب، فنصابها نصاب الذهب، سواء كانت.. ... (1) نحو ثلاثة آلاف ريال. وأما إن كانت بدلاً عن الفضة فنصابها نصاب الفضة، وهو نحو أربعمئة أو خمسمئة ريال، وربما زاد أو نقص. فهذا القول يقول هي بدل عن الذهب والفضة، والبدل له حكم المبدل منه، فعلى ذلك يعطى حكم الذهب والفضة. وعليه: فإنه يترتب على هذا أن الأوراق النقدية المختلفة التي تكون من بلاد مختلفة يقع الربا بينها، أي ربا الفضل وربا النسيئة؛ لأنها كلا من جنس واحد. فمثلاً الدولارات والريالات، إن قلنا أن أصلها ذهب، فلا يجوز أن يعطيه دولارات بريالات متفاضلة؛ لأنها من جنس واحد، وهو الذهب. وذهب بعض أهل العلم، وهو أصحها: أن الأوراق النقدية من الريالات والدولارات وغيرها أثمان مستقلة بنفسها.
أما كونها أثمان، فهذا ظاهر؛ فإن لها قيمة الذهب والفضة تماماً في البيع والشراء ونحو ذلك، ولا فرق بينها وبين الذهب والفضة في التعامل القديم، بل قد طغى التعامل بها بظهور ووضوح على التعامل بالذهب والفضة، بل لا يكاد أن يتعامل الناس بالذهب والفضة، بل ربما لا يتعاملون بها على أنها أثمان، وإنما يتعاملون بالأوراق النقدية، فهي الأثمان، ففيها البيع والشراء، فقد أخذت مكان الذهب والفضة تماماً، حتى لا تسمع في القوانين عامة الشرعية وغيرها من لم يقبلها على أنها ثمن للأشياء. وأما كونها مستقلة - أي مستقلة عن الذهب والفضة -؛ فلأن هذا هو الواقع، فإن الواقع أن رصيدها في بيت النقد ليس بذهب على الخصوص أو فضة على الخصوص، بل يجتمع فيه الذهب والفضة والمعادن والعقارات وغير ذلك من الأموال، فليس لها رصيد محدد من ذهب أو فضة حتى نجعلها بدلاً من أحدهما، بل رصيدها من أموال مختلفة، فقد يكون رصيدها من البترول أو من بعض المعادن الأخرى ومن الذهب والفضة ومن العقارات ونحو ذلك، وربما كان رصيدها الثقة الدولية التي تعطى لهذه الدولة. فعلى ذلك: أصبحت مستقلة بنفسها، وحيث كان كذلك،فإن كل ورقٍ نقدي لبلد جنس مختلف، فعليه: يجوز التفاضل بين الريالات والدولارات أو غيرها من الأموال. وهذا لاشك أن فيه دفعاً لحاجة الناس ورفعاً للحرج عنهم مع المحافظة على الأحكام الشرعية من وجوب الزكاة وتحريم الربا ونحو ذلك، فيثبت الربا بنوعيه، ربا الفضل وربا النسيئة فيها، وتثبت الزكوات فيها، كما أن هذا في كل جنس منفرداً، وفيما بينها لا يثبت إلا ربا النسيئة الذي هو أقبح الربا وأعظمه. فعلى ذلك: أصح الأقوال للمعاصرين في مسألة الأوراق النقدية أنها أجناس مختلفة، وهي أثمان مستقلة عن الذهب والفضة. وحينئذ يشكل علينا نصابها، فهل يكون نصابها نصاب الذهب أو يكون نصابها نصاب الفضة؟
وحيث هي أثمان، فإن نصابها بالقياس الظاهر هو نصاب الأثمان، لكن هل يكون نصابها نصاب الذهب أو نصاب الفضة؟ فهل.. .. (1) الريالات خمسا وثمانين جراماً أوجبنا فيها الزكاة، أم أنها.. . . خمسمئة وخمس وتسعين جراماً من الفضة أوجبنا فيها الزكاة؟ ثلاثة أقوال أيضا للمعاصرين: فمن المعاصرين من قال: نصابها نصاب الفضة؛ لأن نصاب الفضة مجمع عليه، ولأنه ثابت في البخاري، والأحاديث الواردة فيه أصح. وقال بعضهم: إن الزكاة تجب إذا بلغ أدنى النصابين، فإذا ساوى الفضة وجبت فيه الزكاة، وإن لم يساو الذهب، فإن كان نصاب الذهب أقل من نصاب الفضة، فإذا بلغ نصاب الذهب وجبت فيه الزكاة، وإن لم يبلغ نصاب الفضة. وهذا أقوى في النظر؛ وذلك لأنها كليهما أثمان تجب فيه الزكاة، فإذا بلغ نصاب أحدهما، وجبت فيه الزكاة وإن لم يبلغ نصاب الآخر. والقول الثالث: أن الواجب فيه نصاب الذهب؛ قالوا: لأن نصاب الفضة يسير لا يقارن بالأنصبة الواردة في الشرع في أربعين شاة أو خمس من الإبل وغيرها مما ورد في الشريعة من أنصبة الأموال. فإن نصاب الريالات السعودية لو حددناه بنصاب الفضة فإنه يساوي خمسمئة ريال، وهذه لا تساوي شاة واحدة، فيبعد أن يوجب الشارع في مثل هذا المبلغ الزكاة، فإن في ذلك إجحافاً بصاحب المال. وأما الذهب، فإنه يصل كما تقدم إلى ثلاثة آلاف، وهذا يقرب أن يكون نصاباً يعرف به الغني. وهذا القول فيما يظهر لي أقوى هذه الأقوال؛ لأنه ليس فيه إجحاف بصاحب المال، ولأن الشرع لا يعلق الزكاة بمثل هذا المبلغ اليسير، فإن الشاة كانت تساوي الدرهم ونحوه، فمئتا درهم تأتي بها مئة شاة ومئتى شاة، وأما هنا،فإنه بالنظر إلى نصاب الفضة لا تساوي الريالات إلا الشيء اليسير من الأموال. فالأظهر هو تقويمها بنصاب الذهب. كما أن الذهب أقوى في الثمنية من الفضة.
فأظهر الأقوال أن يقدر بالريالات بالذهب، وأحوطها هو القول الثاني، وهو أنها إذا ساوت أدنى النصابين من الذهب والفضة فإن الزكاة تجب فيها. الله أعلم. قال: [ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب] هذا المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأن الذهب والفضة المقصود منهما واحد، فهما أثمان الأشياء وقيمها، فعلى ذلك: إن ملك نقداً من الذهب، ونقداً من الفضة، بحيث إن كل واحد من النقدين لا يبلغ نصاباً، وبمجموعهما يبلغان النصاب، فإن الزكاة تجب عليه، وهي ربع العشر. - وقال الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد (1) : إنه لا يضم بعضهما إلى بعض؛ لأن كلاًّ منهما جنس مختلف عن الآخر، كالإبل والبقر والغنم، فكل منها جنس يختلف عن الآخر، فلم يضم بعضها إلى بعض لاختلاف جنسيهما. والأظهر ما تقدم، وهو القول الأول، فإن جنسيهما وإن اختلفا، فهما بمعنى الجنس الواحد، فهما قيم الأشياء، فعلى ذلك: الأظهر مذهب الجمهور أن الذهب والفضة يضم بعضها إلى بعض. وهذه مسألة غير واقعة لنا في الأزمنة المعاصرة إلا أن يقال هذا على القول الذي تقدم اختياره، وهو في الأوراق النقدية المختلفة، كأن يكون يملك دولارات وريالات، وقلنا إن كلا منهما جنس مجرد عن الآخر، فإنه يضم بعضها إلى بعض كما يضم الذهب والفضة. فإذا ضم بعضها إلى بعض، فهل يكون هذا بالأجزاء أم بالقيمة؟ قال جمهور العلماء: يكون هذا بالأجزاء. وصورة هذا: إذا ملك نصف نصاب الذهب وهو عشرة الدنانير، وملك نصف نصاب الفضة وهو مئة درهم، فإن الزكاة تجب عليه، فقد ملك نصفاً من هذا، ونصفاً من هذا، فيتم النصاب. كذلك إذا ملك ثلثاً من نصاب الفضة، وثلثين من نصاب الذهب أو العكس، فإن هذه الأثلاث تجتمع فتكون نصاباً. هذا إذا قلنا:إنها تضم بالأجزاء.
أما إذا قلنا: إنها تضم بالقيمة، فإذا ملك عشرة دنانير وملك خمسين درهماً وهي تساوي ربع نصاب الفضة، وهذه الخمسون درهماً تساوي عشرة دنانير، لأن قيمة الذهب والفضة تختلف باختلاف الأزمان ونحو ذلك، بل قد يكون في الزمن الواحد بل بالأيام يحصل اختلاف في قيمة الذهب والفضة، فمثلاً إذا كان يملك خمسين درهماً ويساوي عشرة دنانير، وعنده عشرة دنانير، فهذه عشرون ديناراً، فتجب عليه الزكاة. وقال أبو حنيفة: إن الضم يكون بالقيمة، وخالفه فيه صاحباه فوافقوا جمهور العلماء. فجمهور العلماء على أن الضم يكون بالأجزاء، فإذا ملك نصفاً من هذا ونصفاً من هذا وجبت عليه الزكاة، فلو ملك عشرة دنانير ومئة درهم، وهذه المئة درهم لا تساوي إلا ثمانية دراهم، فإنه تجب عليه الزكاة. أما أهل القول الأول، فقالوا: إنا لا ننظر إلى القيمة إذا كانا منفردين، فكذلك إذا ضم بعضها إلى بعض. فعندما يملك عشرين ديناراً وهذه العشرون لا تساوي إلا مئة درهم، فإن الزكاة تجب عليه اتفاقاً، فلم ننظر إلى القيمة، وكذلك من ملك مئتي درهم، فإن الزكاة تجب عليه وإن لم تساو إلا عشرة دنانير، قالوا: فلم ننظر في القيمة وهما منفردان، فكذلك لا ننظر فيها وقد ضم بعضا إلى بعض. هذا هو مذهب الجمهور. وأما القول الثاني، وهو الاعتبار بالقيمة، فقالوا: إن هذه العشرة دنانير لا تساوي إلا خمسين درهماً، فحينئذ يكون ماله بمجموعه لا يساوي نصاباً، وهذا فيما يظهر لي أقوى.
وذلك لأن كوننا ننظر إليهما منفردين لأنهما مال واحد أوجب الشارع فيه الزكاة، وأما هنا فإنهما لم يبلغا نصاباً شرعياً، وإنما بجموعهما قد بلغاه بالقيمة، فحيث كان ذلك فقد وجبت الزكاة. وحيث لم يكن مجموعهما يصل إلى قيمة ما تجب فيه الزكاة فإن الزكاة لا تجب فيهما، ولا شك بالفارق بين ما إذا كانا منفردين وما إذا كانا مضمومين: بأنهما إذا كانا منفردين فقد بلغا النصاب الشرعي، وأما إذا كانا غير منفردين فإن كلاًّ منهما لم يبلغ النصاب الشرعي، وحيث لم يبلغ النصاب الشرعي، فإنا حينئذ نعلق الحكم بقيمته؛ لأن الشارع لا يفرق بين المتماثلات، فحيث كان عنده من الدراهم والدنانير ما يساوي مئة درهم أو عنده من الدراهم والدنانير ما يساوي عشرين ديناراً، فإن الزكاة تجب عليه، لأنه كما لو كان عنده عشرون ديناراً. فالذي يظهر لي وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة من الاعتبار بالقيمة هنا لا بالأجزاء. والله أعلم. قال: [وتضم قيمة العروض إلى كلٍ منهما] رجل عنده دكان وعنده دراهم قد حال عليها الحول، فهذه الدراهم التي حال عليها الحول لا يبلغ نصاباً وبضمها إلى قيمة العروض يكون مجموعها نصاباً، فإن قيمة العروض تضم إليها، سواء كانت دراهم أو دنانير، وهذا ظاهر؛ لأنه تقدم أن العروض تجب الزكاة في قيمتها، وقيمتها دراهم أو دنانير، فعلى ذلك: تضم. فإذا كان عنده دكان فقومه بدراهم، وعنده دراهم قد حال عليها الحول، وإذا أفرد كلاً منهما لم يتم نصاباً، فإنه يضم بعضها إلى بعض، ويجب عليه ربع العشر؛ لأن العروض من جنس الدراهم والدنانير، لأن النظر في قيمتها لا في أعيانها. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. الدرس الخامس بعد المئتين (يوم الثلاثاء: 1 / 1 / 1416 هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويباح للذكر من الفضة الخاتم]
لما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: " اتخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً من فضة " (1) . فخاتم الفضة جائز لثبوته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال: [وقبيعة السيف] هي ظرف مقبض اليد منه، فيجوز أن يكون من فضة؛ ودليل هذا ما ثبت في مسند أحمد وأبي داود والترمذي بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك قال: " كانت قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضةً " (2) . قال: [وحلية المِنْطَقة] المنطقة: تقدم أنها ما يشد به الوسْط، وهو من ملبوس الرجال سابقاً، فإذا وضع في أطرافه شيء من فضة، فحليت بالفضة فلا بأس.
وذكر الحنابلة في ذلك آثاراً عن الصحابة لم أقف على عزوها، ولم يعزوها، والقياس يدل على جوازه، وأظهر منه ما سيأتي من إباحة الفضة للرجال مطلقاً مما هو اختيار شيخ الإسلام. قالوا: ومثل ذلك رأس المكحلة وحلية الدرع وحلية المغفر أو أن يضع شيء في النصل أو نحو ذلك، فكل هذا جائز لا بأس به من باب القياس على الحلية التي توضع في السيف التي تقدم ثبوت فعلها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وما سوى ذلك فهو محرم. هذا هو المذهب. قال صاحب الفروع: " ولم أجدهم يحتجون على تحريم لبس الفضة على الرجال، ولا أعرف على تحريم لبس الفضة على الرجال نصاً عن أحمد ". - وهناك قول في المذهب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القول الثاني في المسألة، وقد قواه صاحب الفروع: وهو أي لبس الفضة للرجال جائز مطلقاً؛ وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما قال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} (1) ، ومن ذلك الفضة، فالفضة مما خلقه الله لنا، فهو جائز لنا، ولا دليل يحرمه، وقد دلت الأدلة على جوازه للنساء، وهو بإجماع العلماء جائز لهن، والأصل أن ما جاز للنساء فهو جائز للرجال كما أن ما جاز للرجال فهو جائز للنساء إلا بدليل يدل على التخصيص ولا دليل يدل على ذلك. هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وأن لباس الفضة جائز مطلقاً للرجال. وأما كون الآنية محرمة منه، فإن باب اللباس أوسع من باب الآنية، بدليل أن الآنية محرمة على النساء كما تقدم، فالنساء لا يجوز لهن أن يشربن في آنية الذهب والفضة ويجوز لهن أن يلبسن الذهب والفضة، فباب اللباس أوسع من باب الآنية.
فلبس الفضة للرجال جائز مطلقاً على الراجح إلا أن يدل دليل على التحريم، كأن يكون اللبس فيه تشبه بالنساء، فقد دلت الأدلة الشرعية على تحريم تشبه الرجال بالنساء، فلا يجوز أن يلبس سواراً أو غير ذلك، لكن إن لبسه لبساً يختص بالرجال فلا بأس بذلك. ومما يدل على الفرق بين الذهب والفضة أن خاتم الفضة جائز لثبوته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخاتم الذهب محرم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصاً في الصحيحين كما سيأتي. ففرق بين الذهب والفضة. قال: [ومن الذهب قبيعة السيف] يجوز له أن يحلي قبيعة (1) سيفه بالذهب، فهذا جائز، وقد حكاه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب، والوارد عن عمر كما في الطحاوي (2) وغيره بإسناد جيد أن سيفه كان محلاًّ بفضة، وهو الأليق به من الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن سيفه كان محلاً بفضة، فالأظهر ضعف هذا الأثر، ولم أقف على سند له ينظر فيه، والمحفوظ عن عمر ما تقدم من أن سيفه كان محلاً بفضة. ورواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرفوعاً لكن بإسناد لا يصح. إذاً قالوا: قبيعة السيف يجوز أن تكون من ذهب، واستدلوا بما حكاه الإمام أحمد فقال: " روي عن عمر " وتقدم أن المحفوظ فيما وردت به الآثار التي يقف الناظر على سندها إنما ما تقدم من أن سيفه كان محلاً بفضة، لكن سيأتي الدليل على جواز ذلك. قال: [وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه]
يجوز أن يضع من الذهب ما يضطر إليه من أنف أو أسنان أو نحو ذلك. هذا جائز للضرورة. فقد روى أبو داود بإسناده الذي لا بأس به، فالسند لا بأس به إن شاء الله، ويشهد له عمل أهل العلم، فإنه لا خلاف بين العلماء في جواز اتخاذ ما يضطر إليه من أنف أو سن أو نحو ذلك من الذهب، فما يضطر إليه أن يتخذ من ذهب فهو جائز باتفاق العلماء، ويدل عليه أصول الشريعة من أن المحرمات يذهب تحريمها بالاضطرار إليها، فلا تحريم مع ضرورة، فقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به عن عرفجة بن أسعد رضي الله عنه أنه أصيب أنفه يوم الكُلاَب في الجاهلية، فاتخذ أنفاً من فضة، فأنتن، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخذه من الذهب " (1) ، ولا خلاف بين العلماء في هذه المسألة.
نعود إلى ما تقدم من الاستدلال على جواز قبيعة السيف، دليله ما رواه النسائي وغيره بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الذهب إلا مقطعاً " (1) ، وهو اختيار شيخ الإسلام (2) ، وهو قول أبي بكر من الحنابلة: أن الذهب اليسير التابع لغيره جائز،وهو الذهب المقطع. فإذا اتخذ في شيء من ملبوساته ذهباً يسيراً، فإن ذلك جائز؛ لأن الذهب هنا مقطع، فالذهب المقطع جائز، كأن يحلي الدرع بشيء يسير من ذهب أو يحلي المنطقة بشيء يسير من ذهب أو أن يضع في خاتمه فصاً من ذهب، فإن هذا جائز. وهذا خلاف المشهور في المذهب،فإن المشهور في المذهب جوازه في قبيعة السيف فحسب. - واختار شيخ الإسلام، وهو قول في المذهب: جوازه مطلقاً إن كان تابعاً لغيره، وهو يسير. أما إن كان ليس تابعاً لغيره، بل هو لباس مستقل، كالخاتم وغيره، فإن الأدلة دلت على تحريمه، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى خاتم ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه، وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده) (3) . (4) قال: [ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه ولو كثر]
النساء يباح لهن أن يلبسن من الذهب والفضة ما جرت عادتهن به من قرط أو فتخات أو أسورة أو سلاسل أو غير ذلك محلقاً أو غير محلق، يجوز لهن أن يلبسن ما جرت عادتهن بلبسه من الذهب والفضة. وذلك لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما تقدم تخريجه، وهو في بعض السنن أنه قال في الذهب والحرير: (هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثهم) (1) . فالذهب مباح للنساء مطلقاً. وقيده المؤلف هنا بما جرت عادتهن، لا بما جرت عادة الرجال به، فما عادة الرجال به فلا يجوز لما فيه من التشبه. إذاً ما جرت عادتهن بلبسه، وهذا يختلف باختلاف الأزمان والبلدان، فإن ذلك جائز لهن ولو كثر.
وقوله: " ولو كثر "، " لو " إشارة إلى خلاف في المذهب، فقد قال ابن حامد من الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه إن بلغ ألف مثقال فإنه يحرم،وهذا القول ضعيف؛ لأنه تحديد بلا دليل، بل يجوز للنساء أن يلبسن ما شئن، فإن الأدلة مطلقة، لكن بشرط ألا يكون فيه إسراف ولا مخيلة، وقد يكون الإسراف أو المخيلة في أقل من هذا العدد المذكور، وقد لا يكون فيه، بل في أكثر منه، فمتى ما وقع الإسراف أو المخيلة فإنه لا يجوز. فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أحمد والنسائي بإسناد جيد: (كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا بغير إسراف ولا مخيلة) (1) . إذاً لا يحدد ذلك بقدر، إذ لا دليل على التحديد، وإنما ينهى فيه الإسراف أو المخيلة، فإنه محرم لما تقدم. قال: [ولا زكاة في حليهما] أي في حلي الذكر والأنثى، فإذا كان عند الرجل خواتم من فضة وله قبيعة سيف من فضة يبلغان نصاباً، فتجب (2) عليه الزكاة فيه، وكذلك المرأة إذا كان فيها لبس من فضة أو لبس من ذهب بلغ النصاب. فقوله: " حليهما " أي الذكر والأنثى أي فيما يجوز لهما من الحلي. قال: [المعد للاستعمال أو العارية] أي لاستعمال مالكه وهو الملبوس، أم كان معداً للعاريَّة. فإن كان قد أعد للاستعمال أو العارية، فلا زكاة فيه. هذا هو المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب المالكية والشافعية، وأن الحلي لا زكاة فيه سواء كان معداً للاستعمال أو معداً للعارية.
واستدلوا بما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ليس في الحلي زكاة) (1) . قالوا: ولأن الحلي المعدة للاستعمال أو العارية ليس محلاً للنماء، والزكاة إنما تجب في الأموال النامية، وهذا ليس بمال نام، بل يستعمل ويعار، وحينئذ فليس قابلاً للنماء، قالوا: فأشبه متاع البيت، فأثاث البيت لا زكاة فيه، فكذلك حليهما المعد للاستعمال والعارية، وهو مذهب الشافعي. - وذهب الأحناف، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب طائفة كثيرة من التابعين، فهو مذهب ابن المسيب ومجاهد وابن سيرين وعطاء، وهو مذهب ابن مسعود وعائشة كما في البيهقي بإسناد حسن: أن الزكاة تجب في الحلي المعد للاستعمال (2) .
واستدلوا بما ثبت عند أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد قوي كما قال الحافظ ابن حجر، وهو كما قال: " أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان – أي سواران – من ذهب، فقال: (أتؤدين زكاة هذا) قالت: لا يا رسول الله، قال: (أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار) فألقتهما وقالت: هما لله ورسوله " (1) ، والحديث من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي أحاديث يحتج بها. وثبت - وهو شاهد له - عند أبي داود بإسناد حسن، ورواه الحاكم وصححه، وقال ابن دقيق العيد فيه: " إسناده على شرط مسلم " عن عائشة قالت: " دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى يدي فتخات من ورق – أي من فضة – فقال: (ما هذا يا عائشة؟) فقلت: صنعتهن أتزين بهن لك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أتؤدين زكاتهن؟) قالت: لا أو ما شاء الله - أي من اللفظ المقابل للفظة " ما شاء الله "، فقال: (هو حسبك من النار) (2) .
وروى أبو داود في سننه وهو شاهد لما تقدم عن عطاء عن أم سلمة قالت: " كنت ألبس أوضاحاً – أي خلخل (1) – من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: (ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز) (2) ، وعطاء لم يسمع من أم سلمة، فالحديث فيه انقطاع، لكنه يصح شاهداً للحديثين المتقدمين. قالوا: فهذه أحاديث تدل على فرضية الزكاة في الحلي، قالوا: ويدل على هذا عمومات الأدلة الشرعية، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها..) (3) رواه مسلم، وقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله..} (4) وغير ذلك من العمومات.
قالوا: وأما ما استدل به أهل القول الأول من حديث جابر، فالحديث إسناده ضعيف جداً، وإنما هو ثابت من قول جابر كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح (1) ، فهو قول موقوف على جابر، والقول الموقوف معارض بغيره من الأقوال الموقوفة كما تقدم من أثر عائشة وابن مسعود، فلا يحتج به، فآثار الصحابة إنما يحتج بها حيث لم يخالف بأقوال غيرهم، وقد خولف أثر جابر بأثر عائشة وابن مسعود، وحيث اختلفت أقوال الصحابة فالحجة فيما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما تقدم. قالوا: وأما ما ذكرتموه من الحلي من الذهب والفضة المعد للاستعمال لا تجب فيه الزكاة لأنه ليس من الأموال النامية فأشبه متاع البيت، فهذا قياس مردود من وجهين: الوجه الأول: أنه قياس مصادم للنصوص الشرعية، والقياس المصادم للنصوص الشرعية فاسد الاعتبار، فلا ينظر إليه. (2)
الوجه الثاني: أنه قياس مع الفارق، فقد قستم حلي الذهب والفضة على متاع البيت المعد للاستعمال، وبينهما عندكم فارق، والفارق عند الحنابلة وغيرهم فيهما هو أنهم أوجبوا الزكاة في الحلي المعد للنفقة والمعد للكراء، فلو أن امرأة عندها حلي تبيع منه للنفقة على نفسها، فإن الزكاة تجب عليها؛ لأنه ليس بمعد للاستعمال، وإنما هو معد للنفقة، وسيأتي دليلهم على هذا، ولذلك إن أعد للكراء، كأن يكون عند امرأة ذهباً قد أعدته كلها للكراء، أي للإجارة،فإن الزكاة تجب. وأما متاع البيت المعد للنفقة أو الكراء، فإن الزكاة لا تجب فيه عندهم، فبين المسألتين فارق، والقياس مع الفارق لا يصح. ومما يدل على هذا: أن الكنز من الذهب والفضة تجب فيه الزكاة بنص القرآن {والذين يكنزون الذهب والفضة..} (1) ومعلوم أن الكنز ليس بمعد للنماء ومع ذلك فقد أوجب الله عز وجل فيه الزكاة. وأما المواشي المعدة للعمل، فإنها لا تجب فيها الزكاة، وهذا أصح قياساً على هذه المسألة، فإنه لو قيس قولهم على هذا لكان أقوى من القياس المتقدم مع ضعفه. والفارق بين الحلي من الذهب والفضة وبين البقر والإبل العوامل حيث أنها لا تجب فيها الزكاة، الفارق: أن الذهب والفضة مادة الأثمان وبهما قيام المعايش، ولاشك أن اختيارها حلياً ثم لا تجب فيها الزكاة يخالف مقصود الشارع من بقائها أثماناً للأشياء، فحيث أنها بقيت هكذا حلياً بحيث أنها لا تقع فيها هذه الأحكام الشرعية من الزكاة فقد تكون مهرباً لكثير من الناس، فتكون أثمان الناس وقيمهم. وعموماً فإن الأدلة الشرعية قد دلت على إيجاب الزكاة فيها فلا ينظر إلى الأدلة النظرية حيث خالفت الأدلة الأثرية.
واعلم أننا قد أوجبنا – وهو الراجح في المسألتين – الزكاة في الحلي، فإن الحلي إنما تجب الزكاة فيه حيث كان ذهباً وفضة كما دلت عليه الأدلة المتقدمة،وعليه فيخرج عن الزكاة ما لو صنع فيه من الجوهر ونحوه، فإذا رصعت فيه جواهر أو لآلئ أو ماس أو نحو ذلك، فإنها تخرج من وزنه، فلا توزن؛ لأن الزكاة إنما تجب في الذهب والفضة، وأما سائر الحلي من غير الذهب والفضة، فإن الزكاة لا تجب فيها اتفاقاً. وكذلك المخالط للذهب والفضة، فإنه لا تجب فيه الزكاة. وهناك قول ثالث في مسألة زكاة الحلي، وقد قواه ابن القيم، وهو مذهب بعض التابعين وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الحلي يجب فيها الزكاة أي العارية.. .. .. (1) أن يعيرها أن يزكيها. وهذا القول ضعيف؛ لأن الأدلة الشرعية المتقدمة فيها لفظ الزكاة، والزكاة إذا تلفظ بها الشارع فهي الزكاة الشرعية الحقيقية التي هي إخراج حق من المال لأهل الزكاة. وما ذكروه من أن زكاتها عاريتها هذا مجاز، والألفاظ تحمل على حقائقها لا على مجازاتها إلا بدليل، ولا دليل شرعي يدل على ذلك. فأصح الأقوال وجوب الزكاة فيها. قال: [وإن أعد للكرى أو للنفقة أو كان محرّماً ففيه الزكاة] إذا كان عنده ذهب قد أعده للكراء كحلي النساء، فتجب الزكاة فيه، قالوا: لأن الأصل في الذهب والفضة وجوب الزكاة، وإنما استثنينا الحلي الملبوس لأدلة ثبتت عندنا، وحيث لم تثبت الأدلة في الكراء فإنا نبقى على الأصل من وجوب الزكاة في الذهب والفضة.
وكذلك النفقة، فإن الأصل وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ولا دليل على إسقاطها في النفقة بخلاف إسقاطها في الحلي، فعندهم ما يستدلون به على هذا، أما هنا فلا دليل عندهم. فعلى ذلك: بقوا على الزكاة فيها. وكذلك إذا كان محرماً، كلبس الرجل للذهب المستقل، فإنه يزكيها، وكذلك المرأة إذا لبست حلياً فيها إسراف، فإنها تزكيها. إذاً: ما لا يحل من الحلي تجب الزكاة فيه؛ قالوا: لأن الأصل هو وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وهذا الملبس غير مأذون فيه شرعاً؛ لأنه محرم، فلا يسقط الزكاة، فيبقى على الأصل من إيجاب الزكاة؛ لأن اللبس هنا غير مأذون فيه شرعاً، وحيث كان كذلك فإنا نبقى على الأصل، فلا يكون هذا الفعل المحرم مؤثراً في إسقاط الزكاة. وعلى الترجيح المتقدم، فإنه لا إشكال في دخولها؛ لأنه إذا ثبتت في الذهب المستعمل فأولى منه ما أعد للكراء ونحوه، وإذا ثبتت في الحلي المباح فأولى منه إثباتها في الحلي المحرم. والحمد لله رب العالمين. باب زكاة العروض الدرس السادس بعد المئتين (يوم السبت: 5 / 1 / 1416 هـ) باب زكاة العروض العروض: جمع عرض: وهو ما سوى الأثمان من الأموال، أي ما سوى الذهب والفضة من الجواهر والعقارات والثياب والأمتعة ونحو ذلك من الأموال. وهي في تعريف الفقهاء: ما أعد للبيع بقصد الربح من متاع أو غيره. فعروض التجارة هي الأموال سوى الأثمان التي قد أعدها صاحبها للبيع، أما إن كانت للقنية أي للاقتناء من ملبوسه أو مسكنه أو ما في بيته من أمتعة ونحو ذلك، فإنها قد أعدت للقنية لا للتجارة، فهي بإجماع العلماء لا تجب فيها الزكاة. فلا تجب الزكاة فيما اتخذ للقنية من دابة ومركب أو فراش أو نحو ذلك. وتجب الزكاة في عروض التجارة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع وآثار الصحابة.
أما الكتاب، فقوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} (1) ، وقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} (2) فقوله {أموالهم} جمع مضاف فيفيد العموم أي خذ من كل أموالهم، والأمتعة والأثاث والعقارات التي أعدت للبيع أموال فتدخل في العموم. وأما السنة، فقد ثبت عند الحاكم في مستدركه والدارقطني والبيهقي في سننيهما بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته) (3) والبز: هو القماش الذي يباع، فأوجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في البز الصدقة، وضبطها الحاكم في مستدركه – وهو تصحيف – (وفي البر صدقته) (4) ، لكن هذا تحريف وتصحيف كما صحح ذلك النووي وغيره، ولو كان الشارع يريد البر لقال: (وفي الحب صدقته) كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) (5) ، فهذا دليل على وجوب الزكاة في البز، ويلحق به غيره من أموال التجارة.
وأما دليل الإجماع، فقد حكى غير واحد من أهل العلم، كابن المنذر وأبي عبيد القاسم بن سلام إجماع العلماء على وجوب الصدقة في الأموال التجارية. أما دلالة أقاويل الصحابة، فقد صح ذلك عن عمر كما في البيهقي وغيره (1) ، وصح عن ابنه كما في البيهقي (2) ، وصح عن ابن عباس كما في كتاب الأموال لأبي عبيد (3) ، ولا يعلم لهم مخالف، فيكون قولهم إجماعاً وحجة. - وذهب الظاهرية إلى أن الزكاة غير واجبة في عروض التجارة، واختار هذا القول الشوكاني في نيل الأوطار وغيره. واستدلوا بالأصل، قالوا: الأصل براءة الذمة من الزكاة، فلا تجب الزكاة إلا بدليل، قالوا: ولا دليل يدل على ذلك. وهذا ظاهر البطلان، فقد تقدمت الأدلة الدالة على وجوبها من عمومات النصوص الشرعية في القرآن ومن الحديث والمتقدم، وهم محجوجون بالإجماع الذي تقدم ذكره. واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) ، قالوا: وأنتم توجبون الزكاة فيما إذا بلغ الحب أربعة أوسق أو التمر، وقد أعد للتجارة. وهذا ظاهر، فإن الذين يوجبون الزكاة في العروض التجارية إذا كان عنده دكان فيه أربعة أوسق من الحب للبيع والتجارة، فإن الزكاة تجب فيها؛ لأنها عروض التجارة. والجواب عن هذا أن يقال: إن هذا باب آخر، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) (4) ، هذا في زكاة الحبوب والثمار التي تجب عند الحصاد ويراعى فيها عينها، وأما عروض التجارة فإن زكاتها زكاة حولية وتراعى فيها قيمتها، فهذا باب آخر.
إذاً: ما عليه أهل العلم هو الذي دلت عليه الأدلة الشرعية، وأما ما ذهب إليه الظاهرية، فلا يلتفت إليه لمخالفته ما تقدم، ولمخالفته الإجماع. وباتفاق العلماء أن الزكاة تجب في عروض التجارة عند مضي الحول، لعموم الآثار المتقدمة: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " (1) ، فإذا مضى الحول وجبت الزكاة. قال: [إذا ملكها بفعله] أي باختياره، كالخلع والصداق والهبة والوصية والشراء ونحو ذلك، فالمقصود أنه وقع التملك على هذا السلعة باختياره لا قهراً عنه، ليخرج من ذلك ما يتملكه العبد بالإرث، فإنه يتملكه قهراً لا اختياراً، بحيث أنه بمجرد ما يموت الميت وله مال فإن هذا الوارث يمتلك نصيبه بموته، وإن كان له أن يتنازل عنه، لكن المقصود أنه يدخل في ملكيته قهراً عنه فليس باختياره. فذكر شرطاً، وهو أن يكون ملكية هذه السلعة بفعله واختياره لا قهراً. هذا هو الشرط الأول. قال: [بنية التجارة] هذا هو الشرط الثاني، وهو أن تكون بنية التجارة. فإن كانت بنية القنية فلا تجب فيها الزكاة، فلو اشترى أرضاً على أنه يريد أن يبنيها فيسكنها، فهذه قنية، أو اشترى ثياباً بنية أن يلبسها أو يهديها، فإن الزكاة لا تجب. فالشرط الثاني: هو أن تكون بنية التجارة أي من وقت ملكيتها. وسيأتي الكلام على هذين الشرطين. قال: [وبلغت قيمتها نصاباً] وباتفاق العلماء أن نصابها نصاب الأثمان، أي نصاب الذهب والفضة، والشارع لم يضع لها نصاباً لكثرتها وانتشارها؛ ولأن الاعتبار فيها بقيمتها، فإنها تباع وتشترى بالأثمان، فكان نصابها نصاب الذهب والفضة، فإذا بلغت النصاب من الذهب والفضة فيجب فيها الزكاة. إذاً: تنظر قيمتها، فإذا بلغت نصاباً وجبت فيها الزكاة. وعليه: فإذا كانت عنده أمتعة لا تباع إلا بمئة درهم أو عشرة دنانير، فإن الزكاة لا تجب عليه؛ لأنها لم تبلغ نصاباً، ولا خلاف بين العلماء في هذا.
الشرط [الثالث] هذا من باب القياس الظاهر على الأثمان. قال: [زكى قيمتها] فإذا بلغت نصاباً، فإنها تزكى ويخرج زكاتها قيمة، فيكون المخرج القيمة لا العين. هذا هو المشهور عند الحنابلة. فإذا بلغت تجارته عشرين ديناراً فيجب عليه أن يتصدق بنصف دينار. قالوا: لأن نصابها تعتبر فيه القيمة، فاعتبرت - أي القيمة - بالمخرج منها، فإنا إذا أردنا أن ننظر هل بلغت النصاب أم لم تبلغه فإنا ننظر على قيمتها، فإن بلغت القيمة النصاب أوجبنا الزكاة فيها، قالوا: وكذلك المخرج، فيجب أن يخرج القيمة، ولا يجوز له أن يخرجها من أعيان تجارته، فليس له أن يخرجها ثياباً أو نحو ذلك. - وقال بعض الشافعية: بل تجب الزكاة في عينها، فعليه أن يخرج ربع العشر مما عنده من الأموال التي هي سوى الأثمان، فإذا كان عنده أقمشة فيخرج أقمشة ونحو ذلك. قالوا: قياساً على سائر الأموال الزكوية، فكما أن الزروع تخرج زكاتها حباً والثمار يخرج زكاتها ثمراً والمواشي كذلك، فكذلك عروض التجارة. ويمكن أن يجاب عليهم بالفارق، فيقال: الفارق بينهما أن المواشي نصابها مواشي والثمار نصابها ثمار، والزروع نصبها حبوب، وأما هنا فإن نصابها بالقيمة، فكان القدر المخرج منها أيضاً بالقيمة. - وقال الأحناف، وهو اختيار شيخ الإسلام: يجوز أن يخرج قيمة ويجوز أن يخرج عيناً. أما كونه يجوز له أن يخرجها من أعيان هذه الأموال؛ فلأن الزكاة في الأصل تجب من عين المال، لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} ، فالزكاة تؤخذ من المال. وأما كونه يجوز أن يخرج قيمةً – ولم أره لشيخ الإسلام – فلعل ذلك بالنظر إلى نصابها، أو لأن المقصود منها القيمة. وهذا هو الأرجح، فإن إخراجها من عين ماله جائز؛ وذلك لأن الأصل في الزكاة أن تخرج من عين المال، لأن المقصود منها المواساة، فلم يكلفها الغني من غير ماله.
وإن أخرجها قيمة جاز ذلك؛ لأن هذه الأمتعة ونحوها المقصود منها القيمة، فإن أخرج القيمة أجزأه ذلك. هذا هو أرجح المذاهب، فيجوز إخراجها عيناً ونقداً. واعلم أن أهل العلم قد اختلفوا في جواز إخراج القيمة في غير العروض من المواشي ونحوها، فهل يجوز أن يخرج عن الحب دراهم أو دنانير أو يخرج عن الإبل أو البقر أو الغنم دراهم أو دنانير، أو يجب أن يخرجها من عين ماله؟ - قال جمهور العلماء: يجب أن يخرجها من عين ماله؛ لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} . والنصوص الشرعية في هذا الباب كقوله: (في كل أربعين من الغنم شاة) ، ونحو ذلك من الأدلة الدالة على أن المخرج يكون من جنس المال. - وقال الأحناف: يجوز أن يخرج بالقيمة؛ لأن المقصود منها هو القيمة، فله أن يخرج مكان الشاة ما يساويها من الدراهم والدنانير. - واختار شيخ الإسلام، وهو رواية عن أحمد، قولاً بين هذين القولين، فقال: يجوز إخراج القيمة عند الحاجة، فإذا احتيج إلى إخراج الدراهم والدنانير عن الشياه أو عن البقر أو عن الإبل أو عن الحب أو التمر، فإن كانت مصلحة الغني في ذلك من غير ضرر على الفقير أو كانت مصلحة الفقير في ذلك من غير ضرر على الغني، فله أن يخرجها قيمة. قال: لأن هذا هو المقصود من هذه الأشياء، فإن هذه الأشياء تباع وتشترى فلا فرق بين أن يخرج قيمة وبين أن يخرج على الصفة الواردة في الشريعة، وحيث أن الشارع قد نص عليها فلا يجوز لنا أن نخرج القيمة إلا عند الحاجة إليها، فإذا ثبتت المصلحة جاز لنا أن نخرجها.
ودليل هذا من الآثار: ما رواه طاووس عن معاذ بن جبل أنه قال: " ائتوني بخميص أو لبيس – وهي.. ثياب – مكان [الشعير] والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة " (1) ، وهذا الأثر يرويه طاووس عن معاذ وهو لم يسمع منه، لكنه أدرك حالة تلاميذ معاذ بن جبل في اليمن، وهو من أهل اليمن، وقد احتج بهذا الأثر البخاري في صحيحه، ومقاصد الشريعة تدل عليه. فأصح الأقوال ما اختاره شيخ الإسلام، وهو رواية عن الإمام أحمد: أن إخراج القيمة لا يجوز إلا عند الحاجة إلى إخراجها، فإذا كانت مصلحة أحدهما في إخراجها قيمة من غير ضرر على الآخر فيجوز إخراج القيمة. هذا في غير عروض التجارة، وأما عروض التجارة فإن الجواز مطلق عند الحاجة وغيرها في الأرجح كما تقدم. قال: [فإن ملكها بإرث أو بفعله بغير نية التجارة ثم نواها لم تصر لها] إن ملكها بإرث، فهو ملك بغير الفعل، فلو أن رجلاً توفي والده وترك له دكاناً إرثاً، فإنه لا تجب عليه الزكاة فيه، وإن أبقاه للتجارة؛ لأنه ملكه بغير اختياره. هذا في الحقيقة ضعيف جداً، وهو المشهور عند الحنابلة. - وعن الإمام أحمد وهو اختيار أبي بكر وابن عقيل وغيرهم: أن الزكاة تجب فيه؛ وذلك لأنه مال تجاري فيدخل في عموم الأدلة المتقدمة وهو مالك له، فلا فرق بين أن يملكه باختياره أو بغير اختياره، فقد دخل في ملكيته، وكونه يدخل باختياره أو بغير اختياره، فإن هذا لا أثر له في الحكم.
ومثل هذا قوله: " أو بفعله بغير نية التجارة "، فلو أن رجلاً اشترى أرضاً وقد نواها قنية، ثم غير نيته إلى التجارة أو اشترى قماشاً بنية الهبة ثم نواه تجارة، قالوا: فلا تجب فيه الزكاة، فلابد أن تكون نية -للتجارة مقارنة للشراء أو عنده، فلابد أن تكون مقارنة للملك. وهذا أيضاً ضعيف؛ لأنه متى نواه تجارة فإن المال أصبح مال تجارة، ولو كان ذلك بعد زمن من ملكيته، فإن كان نواه قنية ثم حولها إلى تجارة، فإنه بهذه النية أصبح مالاً تجارياً. - وهذا كما تقدم رواية عن الإمام أحمد واختيار أبي بكر وابن عقيل وطائفة كثيرة من الحنابلة. وهذا هو القول الراجح؛ لأنه بالنية وإن كانت غير مقارنة للملك، فهذه النية انتقل إلى مال تجاري، وحيث كان مالاً تجارياً، فإن الزكاة تجب فيه لعمومات الأدلة الشرعية. إذاً: هذان الشرطان فيهما نظر، بل متى ما كان المال ملكاً له وقد نوى فيه التجارة ومضى على نية التجارة حول، فإن الزكاة تجب فيه؛ لأنه مال تجاري فيدخل في عموم الأدلة الشرعية. قال: [وتقوم عند الحول بالأحظ للفقراء من عين أو ورق] رجل عنده قماش للبيع إن قومه بالدراهم ساوى مئتي درهم، وإن قومه بالدنانير ساوى خمسة عشر ديناراً، فإذا نظرنا إلى قيمته بالدراهم أوجبنا عليه الزكاة، وإذا نظرنا إلى قيمته بالدنانير لم نوجب عليه الزكاة، فما الحكم؟ تقوم بأحد النقدين، فإن بلغ نصاب الذهب أوجبنا الزكاة، وإن لم يبلغ نصاب الفضة، وإن بلغت نصاب الفضة أوجبنا الزكاة وإن لم تبلغ نصاب الذهب. وهذا هو المشهور عند الحنابلة. قال: [ولا يعتبر ما اشتريت به] فالمشهور في المذهب: بأنه لا يعتبر ما اشتُريت به، فلو اشتراها بفضة مثلاً فلا بأس أن يقوم بالذهب، إن كان هو الأحظ للفقير، وإن اشتراها بذهب فيجوز أن يقوم بالفضة إن كان هو الأحظ للفقراء، فلا يعتبر ما اشتريت به.
- وعن الإمام أحمد، وهو قول الشافعية: أن الاعتبار بقيمته عند الشراء، فإذا اشتراها بذهب قومناها بالذهب، وإذا اشتراها بالفضة قومناها بالفضة. فإذاً: إن كان اشتراها بالفضة فنصابها نصاب الفضة، وإن كان اشتراها بالذهب فنصابها نصاب الذهب؛ قالوا: لأن قيمتها عند شرائها ذهب أو فضة، فروعي ذلك عند إيجاب الزكاة فيها. وهذا تعليل ضعيف؛ لأن الاعتبار إنما هو في الانتهاء وهو وقت وجوب الزكاة، فالنظر إلى قيمتها عند وجوب الزكاة وهي لها قيمة من الورق ولها قيمة من الذهب. ولا أثر لقيمتها عند الشراء، بدليل أنه قد يشتريها بدينار وتساوي عشرة دنانير بعد حول، فالاعتبار إنما هو بقيمتها وقت إخراجها، وقيمتها هنا يمكن أن تكون بالذهب ويمكن أن تكون بالفضة، فتعليق الحكم بأحد النقدين بالنظر إلى قيمة الشراء هنا متعلق ضعيف؛ لأنه لا أثر له. وأما دليل القول الأول وهو المشهور عند الحنابلة، قالوا: هو مال قد بلغ نصاباً زكوياً فوجبت فيه الزكاة، فهذه العروض قد بلغت النصاب وهو النصاب من الفضة أو بلغت النصاب الآخر وهو النصاب من الذهب، فوجبت فيه الزكاة من غير اشتراط أن يبلغ نصاباً في النقد الآخر. فما دام أن الاعتبار هو بالقيمة وقد بلغت قيمتها أحد النصابين، فإن الزكاة حينئذ تجب؛ لبلوغ هذا المال النصاب الزكوي. وهذا تعليل قوي؛ فإن هذا المال – وهو عروض التجارة – المعتبر فيه القيمة من غير تحديد بذهب ولا ورق، وقد بلغت هذه القيمة نصاباً زكوياً سواء كان من الورق أو من الفضة، فوجبت فيه الزكاة. ولما فيه من مصلحة الفقير، لذا قال المؤلف هنا: " بالأحظ للفقراء "؛ لأن هذه الطريقة أحظ للفقراء. قال: [وإن اشترى عرضاً بنصاب من أثمان أو عروض بنى على حوله]
رجل عنده دراهم يبلغ النصاب مضى عليها ستة أشهر وهي عنده، فاشترى بها أقمشة للبيع والشراء، فحولها حول الدراهم، فيبني على حول الأثمان؛ لأن العروض والأثمان جنس واحد كما تقدم، لأن المقصود من العروض ثمنها، فكانت هي والأثمان جنس واحد، ولذا نصابها نصاب الأثمان، والقدر المخرج هو ربع العشر. فعلى ذلك: رجل عنده مبلغ من المال ويبحث عن تجارة، فمضى على هذا المال عدة أشهر ثم اشترى به تجارة له، فإنه يبني على حول الأثمان. كذلك عروض التجارة: عنده عروض تجارة فاستبدلها بعروض أخرى، فمثلاً عنده أقمشة فباعها واشترى بها أطياباً، فإن هذه الأطياب لا يستأنف لها حول جديد، بل حولها حول ما قبلها من الأقمشة، لأنها ذات قيمة واحدة، فكما لو كانت أثماناً كلها، فهي جنس واحد. قال: [وإن اشتراه بسائمة لم يبن] عنده عروض فباعها بسائمة من الإبل والبقر والغنم، فإنه لا يبني على حول العروض، بل يستأنف حولاً جديداً. أو بالعكس: عنده.. سائمة فباعها بعروض، فإنه لا يبني على حول السائمة؛ وذلك لأن الجنس مختلف، وتقدم الكلام على هذه المسألة، وأن الجنسين المختلفين لا يبنى حول أحدهما على الآخر. مسألة: إذا كان عنده إبل سائمة وقد أعدها للتجارة، فهل تزكى زكاة عروض، لأنها قد أعدت للتجارة أو تزكى زكاة سائمة؟ 1- قال الحنابلة: تزكى زكاة عروض.
وعللوا هذا بأن قالوا: إن الزكاة واجبة فيها وإن كانت سائمة حيث لم تبلغ نصاب السائمة، فلو أن عنده أربع من الإبل سائمة وقد نواها تجارة وتساوي عشرين ديناراً، فإن الزكاة تجب فيها. قالوا: فكما اعتبرناها عروضاً فأوجبنا فيها زكاة العروض وهي لم تبلغ نصاب السائمة، فكذلك إذا بلغت نصاب السائمة. فإذا كان عنده خمس من الإبل، فلا يخرج شاة بل ينظر إلى قيمة الإبل ويخرج ربع العشر. قالوا: ولأن هذا الأحظ للفقراء، وذلك لأنا إذا اعتبرناها عروضاً فلا وقص فيها، بل بحساب ذلك، فلو كان عنده سبع من الإبل، فزكاتها أكثر مما لو كان عنده خمس من الإبل، وإذا كان عنده ثمان من الإبل وقلنا: هي عروض تجارة، فزكاتها أكثر مما لو عنده خمس، وهكذا، فلا وقص فيها، بل تزيد بحساب ذلك , وهذا فيه مصلحة للفقير. 2 - وقال الشافعية: بل تخرج زكاتها على أنها سائمة؛ قالوا: لأن الأدلة الدالة على فرضية الزكاة في السائمة أقوى من الأدلة الدالة على وجوبها في عروض التجارة. لكن هذا ضعيف، فإن كون الأدلة على فرضية الزكاة في السائمة أصح من الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة لا ينافي صحة الأدلة الدالة على الزكاة في العروض. وكونها أصح لا يعني ذلك أن يتغير الحكم مع ثبوت الأدلة على صحة زكاة العروض. فالصحيح مذهب الحنابلة، وأنه إذا كانت عنده سائمة أعدها للتجارة فإنه يخرج زكاتها زكاة عروض، بدليل إنها إذا لم تبلغ نصاب السائمة وقيمتها تساوي نصاب الذهب أو الفضة، فإن الزكاة تجب فيها، فكذلك إذا بلغت النصاب؛ ولأن هذا هو الأحظ للفقراء لاعتبار حساب ذلك. مسألة: رجل عنده سائمة خمس من الإبل قد أعدها للتجارة، فلما مضى عليها ستة أشهر ألغى نية التجارة، وقال: بل هي سائمة، فهل يستأنف حولاً جديداً أم أنه يثبتها على أنها سائمة فتجب عليها الزكاة إذا مضى ستة أشهر – كما في المثال -.
المشهور عند الحنابلة: أنه إذا ألغى هذه النية وأبطلها عن أن تكون تجارة، فلا زكاة عليه حتى يستأنف حولاً جديداً. وعن إسحاق، وهو الأشبه – كما قال ذلك الموفق –: أنه يبني على الحول الأول. قالوا: لأن هذه الإبل وجبت فيها الزكاة لسببين: 1- أنها سائمة. 2- أنها عروض تجارة. فإن ألغى كونها عروض تجارة، فإنه يبقى كونها سائمة، فهي سائمة ترعى، فيجب فيها الزكاة، وإنما أوجبنا فيها زكاة العروض؛ لأنها بنية التجارة، فإذا ألغى هذه النية فقد بقي كونها سائمة، فتجب فيها الزكاة. وهذا هو الأظهر. فالأظهر أنه إذا كان عنده مال من الأموال التي تجب فيها الزكاة، كالسائمة، وقد نواها تجارة ثم ألغى هذه النية، فإن الزكاة تبقى على أنها سائمة، فلا يستأنف حولاً جديداً لدخولها في عموم الأدلة، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (في الغنم في سائمتها) وقوله: (في كل سائمة من الإبل..) (1) ، وحيث ألغى أحد سببي الزكاة وهو كونها عروض تجارة، فقد بقي السبب الآخر وهو كونها سائمة. والحمد لله رب العالمين. باب زكاة الفطر الدرس السابع بعد المئتين (6 / 1 / 1416 هـ) باب زكاة الفطر الفطر: اسم مصدر من أفطر الصائم إفطاراً.
وإضافة الزكاة أو الصدقة إلى الفطر من باب إضافة الشيء إلى سببه أي الصدقة أو الزكاة التي سببها الفطر أي الفطر في رمضان، ففي سنن أبي داود وابن ماجه بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم: (فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمةً للمساكين) (1) الحديث. قال: (تجب على كل مسلم) فصدقة الفطر تجب على كل مسلم سواء كان ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً كبيراً أو صغيراً.
ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) (1) . إذن: هي فرض على كل مسلم ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً صغيراً أو كبيراً. قال: (فَضُل له يومَ العيد وليلته صاعٌ عن قوته وقوت عياله) فلا يشترط أن يكون غنياً، بل الشرط أن يكون الصاع فاضلاً عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه.
يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها على العبد والعبد لا مال له، ويدل عليه أيضاً قول أبي هريرة الثابت عنه في مسند أحمد بإسناد صحيح قال: (زكاة الفطر على كل صغير وكبير ذكر أو أنثى فقير أو غني صاع من تمر أو نصف صاع من بر) (1) فإن كان عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه، فإن الزكاة تجب عليه، أما إن لم يكن عنده ما يفضل عن يوم العيد وليلته فلا تجب عليه الزكاة وذلك للحوق الضرر به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) (2)
وقال صلى الله عليه وسلم: (أبدأ بنفسك) (1) فإذا فضل عن قوته وقوت عياله ومن ينفق عليهم من خدم أو بهيمة أو نحو ذلك فإن الزكاة تجب عليه. قال: (وحوائجه الأصلية) فإذا كانت له حوائج أصلية في مسكنه أو ملبسه أو مركبه من الحوائج الأصلية التي يحتاج إليها المسلم - فليست من الحوائج الفرعية - فإن الصدقة لا تجب عليه، فلا يلزم طالب علم أن يبيع شيئاً من كتبه التي يحتاج إليها من الكتب الأصلية ولا يلزم صاحب المنزل أن يبيع شيئاً من أثاث بيته ليشتري به هذا الصاع لأن هذه حوائج أصلية وإلزام المكلف ببيعها وإخراجها صدقة حرج والحرج مرفوع كما قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (2) أما إن كان عنده شيء من المتاع أو الأثاث أو نحوه من الحوائج غير الأصلية مما لا يحتاج إليه أصلاً فإنه يجب عليه أن يبيعه فيشتري به صاعاً فيتصدق به. قال: (ولا يمنعها الدين إلا بطلبه) تقدم أن المذهب وهو الراجح أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة أما في زكاة الفطر فإنها لا يمنعها الدين، فالدين لا يمنع صدقة الفطر، قالوا: لأن صدقة الفطر لا تعلق لها بالمال بدليل وجوبها على الفقير ووجوبها على العبد فدل هذا على أنها لا تعلق لها بالمال فيجب وإن كان مديناً أي عليه دين بخلاف الزكاة فإنها متعلقة بالمال كما قال تعالى: {خذ من أموالهم} (3) إذن: يجب عليه زكاة الفطر وإن كان مديناً لأنها لا تعلق لها بالمال بدليل وجوبها على العبد والفقير كما تقدم.
لكن استثنى المؤلف فقال: (إلا بطلبه) أي إلا بطلب الدين، فإن كان الدين مطالباً به فإن الزكاة لا تجب؛ وذلك لأن الدين إذا طولب به وجب أداؤه كما سيأتي تقريره في بابه فكان مقدماً على الزكاة، لأن الزكاة إنما تجب من باب المواساة ولأن الدين حق آدمي محض فقدم على الزكاة. إذن: زكاة الفطر لا يمنعها الدين إلا إذا طالب الدائن به فإن الدين يمنع الزكاة لأنه حينئذ يكون أهم؛ إذ هو من حقوق الآدميين المحضة ولأن الزكاة مبناها على المواساة وحقوق الآدميين مبناها على المشاحة، والزكاة مبنية على المواساة فلم يكلفها المسلم مع وجود من يطالبه. قال: (فيخرج عن نفسه وعن مسلم يمونه) فتجب صدقة الفطر عن النفس وتجب عمن يمونه. أما وجوبها عن النفس فقد تقدم قول ابن عمر: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين) (1) . وتجب على من يمونه – أي على من ينفق عليه –، فعلى من ينفق الصدقة، فإذا كان له ولد وزوجة ورقيق فيجب عليه أن يتصدق عنهم صدقة الفطر كما يجب عليه أن ينفق عنهم.
ودليل هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضها على العبد، والعبد لا مال له فدل على أنها تجب على سيده وهو المنفق عليه، وفرضها على الصغير، والصغير ينفق عليه ولا مال له في الغالب فدل على أنها تجب على من ينفق عليه، أما إذا كان الصغير ذا مال وهو اليتيم الذي له إرث فإن الصدقة تجب في ماله ويخرجها وليه عنه ويدل على أن الزكاة – زكاة الفطر – تجب على من يمونه ما ثبت في الدارقطني عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على العبد والحر والصغير والكبير ممن تمونون) (1) وإسناده ضعيف لكن له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن وهو ثابت من فعل ابن عمر كما في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. فعلى ذلك تجب صدقة الفطر تبعاً للنفقة، فتجب صدقة الفطر على من وجبت عليه النفقة. فعليه كما ينفق على ولده وزوجه وربما كان ينفق على والده ووالدته وربما كان ينفق على رقيق أو على أخ أو نحوه فيجب عليه - تبعاً للنفقة - أن يخرج عنهم صدقة الفطر للحديث المتقدم. قال: (ولو شهر رمضان) إذا مان (2) مسلماً يعني أنفق عليه ولو كان ذلك في شهر رمضان. مثال: رجل - تبرعاً منه - جَمَع فقراء فأنفق عليهم في شهر رمضان من باب التبرع، فتبعاً لذلك تجب عليه صدقة الفطر.
هذا هو المشهور عند الحنابلة وأن من أنفق على فقير في شهر رمضان فتجب عليه صدقته وإن كان ذلك تبرعاً للحديث المتقدم: (عمن تمونون) قالوا: وهو هنا يمونه وينفق عليه. واختار الموفق وأبو الخطاب من الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء: أن الصدقة لا تجب عليه؛ قالوا: لأن النفقة هنا من باب التبرع وأما النفقة المذكورة في الحديث فإنها النفقة الحقيقية التي تجب على المسلم في ولده ونحوهم. أما هنا فهي نفقة على وجه التبرع فلا يدخل في هذا الحديث، وهذا هو الظاهر، وذلك لأن هذه النفقة منه على وجه التبرع لا على وجه الإيجاب، فليس فيها حقيقة النفقة بل هي من جنس الصدقات التطوعية فالراجح ما ذهب إليه أكثر الفقهاء وصححه الموفق وهو قول أبي الخطاب من كبار الحنابلة. قال: (فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه) فإذا كان لا يفضل عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه وعن حوائجه الأصلية ولا يفضل إلا صاع، فالواجب عليه أن يبدأ بنفسه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أبدأ بنفسك) (1) . وحينئذ يسقط عنه عن زوجه وولده ومن يمون فإن لم يكن عنده إلا صاع فإنه يبدأ بنفسه. قال: (فامرأته) قالوا: لأن الصدقة تبع للنفقة، ونفقة المرأة من باب المعاوضة وتثبت في عسر الزوج ويسره فكانت أقوى من نفقة الولد والرقيق وغيرهما، وحيث أن النفقة هنا قوية، فالصدقة تبع لها فكما أن الزوجة مقدمة في النفقة على غيرها فإنها تقدم في صدقة الفطر. وجمهور العلماء يقولون بأن زكاة الفطر تجب على الزوج عن زوجته، مطلقاً وإن كانت زوجته ذات يسار وقدرة وغنى فإن الصدقة تجب على الزوج. واستدلوا: بما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم: (عمن تمونون) . - وذهب الأحناف: إلى أن صدقة الفطر لا تجب على الزوج عن زوجته، وإنما تجب على الزوجة في مالها.
واستدلوا: بقول ابن عمر: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى) (1) . فدل على أنها مفروضة عليها، فهي مفروضة على الأنثى وحينئذ فتجب عليها في مالها وهذا القول – فيما يظهر لي – أصح؛ وذلك لأن الحديث أصح مما تقدم، فالحديث الأول إنما يصح بشواهده وطرقه، وهذا الحديث أصح منه وأظهر فإنه قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى " فهي فرض على المرأة في مالها ولأن الأصل في الزكاة وجوبها في المال. فالأصح أن الزوج لا تجب عليه صدقة الفطر عن زوجته وإنما تخرجها من مالها، هذا إذا كانت قادرة، وأما إذا لم تكن قادرة فإنه يتوجه القول الأول؛ وذلك لأنه ينفق عليها والصدقة تبع للنفقة كما تقدم. قال: (فرقيقه) قالوا: لأن النفقة على الرقيق تجب في العسر واليسر لكنها دون النفقة على المرأة لأن النفقة على المرأة من باب المعاوضة أما النفقة على العبد فإنها للملكية لا للمعاوضة، فكانت النفقة على الزوجة أولى، لكن النفقة على الرقيق أولى من النفقة على القريب من الأب والولد والأم لأن النفقة على الأقارب تجب في اليسر دون العسر وأما النفقة على الرقيق فإنها تجب في عسر السيد ويسره بحيث إنه إذا كان معسراً فإنه يؤمر ببيعه حتى لا يتضرر العبد بذلك. قال: (فأمه فأبيه) . تُقدّم الأم على الأب؛ قالوا: لأن الأم أولى بالبر من الأب كما في الحديث: (من أبر؟ فقال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك) (2) فهنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم بر الأم على بر الأب قالوا: فكذلك تقدم على الأب في صدقة الفطر. قال: (فولده)
قالوا: لأن الولد تجب النفقة عليه في الجملة وتجب في اليسر دون العسر وحق الوالدين مقدم على حق الولد هذا هو المشهور في المذهب. قال: (فأقرب في ميراث) فالأقرب فالأقرب، فالجد الأدنى يقدم على الجد الأعلى، فالجد مقدم على أب الجد وهكذا (الأقربون أولى بالمعروف) . وفي تقديم المؤلف الزوجة على الولد نظر، فقد قال بعض الحنابلة بتقديم الولد على الزوجة، ودليله ما ثبت في أبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن رجلاً قال: (يا رسول الله عندي دينار؟ فقال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به على زوجك قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر قال: أنت أبصر به) (1) فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الولد على الزوجة وقدم الزوجة على الرقيق، فالأظهر هو تقديم الولد على الزوجة والرقيق لهذا الحديث الثابت بإسناد صحيح.
والأظهر – أيضاً – تقديم الأب على الأم؛ وذلك لأن صدقة الفطر مال وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (أنت ومالك لأبيك) (1) فدل هذا على أن المال الوالد أحق به من الوالدة (2) . وفي تقديم الرقيق على الأب والأم نظر ظاهر أيضاً حتى في النفقة فإن كون الرقيق يجب النفقة عليه في العسر واليسر ليس معنى ذلك أن يقدم على الأب والأم في النفقة وإنما معنى ذلك أنه إذا أيسر أبقاه في ذمته وفي ملكيته وأنفق عليه، وإن أعسر وعجز عن الإنفاق عليه فإنه يعتقه أو يبيعه ليُنفق عليه وليس معنى ذلك أن تقدم نفقته وهو رقيق مملوك له أجنبي عنه على نفقة الأم والأب اللذين حقهما بعد حق الله عز وجل ورسوله. فإذن: فيما ذكره الحنابلة في هذا الباب من التقديم فيه نظر، فتقديم الزوجة على الولد، والرقيق على الولد فيه نظر كما تقدم، وتقديم الأم على الأب فيه نظر أيضاً، وتقديم الرقيق على الأب والأم فيه نظر. * وهل يقدم الولد على الوالدين أو يقدم الوالدان على الولد؟ وجهان في مذهب الحنابلة: الوجه الأول: ما ذكره المؤلف هنا من تقديم الوالدين على الولد. والوجه الثاني: وهو تقديم الولد على الوالد. والظاهر تقديم الوالدين على الولد، لأن هذا من باب المواساة والصدقة وليس من باب الحاجة، وحيث كان الأمر كذلك فإن الوالد أولى بتطييب خاطره وإدخال السرور في نفسه وإسقاط الواجب الشرعي عنه من الولد. فالأرجح هو تقديم الوالدين على الولد، بل أيضاً على تقديمهما على الزوجة هو الأظهر؛ وذلك لما تقدم من أن الراجح أن صدقة الفطر واجبة في مال الزوجة – هذا أولاً.
وثانياً: لأن المسألة وإن كانت تبعاً للنفقة فهي تبع لها في الجملة لا في التفصيل، فتقديم الزوجة في النفقة على الوالدين لو سلم بها، على ما فيها من النظر لا تعني تقديمها عليهما في صدقة الفطر، فإن صدقة الفطر باب مواساة، وأما النفقة فهي باب حاجة، على أن الأظهر هو تقديم الوالدين على الزوجة في النفقة وإنما وجبت النفقة على المرأة في العسر واليسر كالرقيق فيما تقدم بحيث إنه ينفق عليها في يسره، فإن أعسر فإما أن ينفق عليها وإما أن يطلقها. فعلى ذلك: الأظهر أنه يبدأ بنفسه ثم بوالديه ثم بولده ثم بزوجته ثم بخادمه ثم الأقرب فالأقرب ممن ينفق عليه من ورثته. قال: (والعبد بين شركاءَ عليهم صاعٌ) إذا كان العبد مملوكاً لأكثر من شخص، فإن هذا الصاع يجب عليهم بقدر ملكيتهم فإن اشترك في العبد اثنان لكل منهما النصف فإن على كل منهما نصف صاع، فإن اشترك فيه ثلاثة لكل منهم الثلث فعلى كل واحد منهم ثلث الصاع وهكذا. فإذن: يجمع الصاع من الشركاء في العبد بقدر ملكيتهم فيه؛ لأن الصدقة تبع للنفقة والنفقة مشتركة على هذا القدر فكذلك صدقة الفطر. قال: (ويستحب عن الجنين) فيستحب صدقة الفطر عن الجنين وقد أجمع أهل العلم على أن صدقة الفطر لا تجب عن الجنين حكى ذلك ابن المنذر. واستحب الإمام أحمد صدقة الفطر عن الجنين واستدل بأثر عن عثمان رواه ابن أبي شيبة لكن إسناده منقطع.
لكن ثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي قلابة وهو من كبار التابعين قال: (كانت تعجبهم - أي السلف من الصحابة والتابعين - صدقة الفطر عن الصغير والكبير حتى الحمل في بطن أمه) (1) فإن تصدق عن الجنين فهو حسن من غير إيجاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرعها عن الصغير والكبير، والجنين لا يصدق عليه أنه صغير، فالصغير هو المولود وهذا ليس بمولود لكن إن فعل فهو حسن لما تقدم من أثر أبي قلابة. قال: (ولا تجب لناشز) المرأة الناشز هي المرأة التي خرجت عن طاعة زوجها بغير حق شرعي. فلا تجب لها النفقة وبالتالي فلا تجب صدقة الفطر عنها كما تقدم من أن صدقة الفطر تبع للنفقة لقوله: (عمن تمونون) والمرأة الناشز لا ينفق عليها فكذلك لا يتصدق عنها لأن صدقة الفطر تبع للنفقة. والحمد لله رب العالمين الدرس الثامن بعد المئتين (يوم الاثنين: 7 / 1 / 1416هـ) قال المؤلف رحمه الله: (ومن لزمت غيرَه فطرتُهُ فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأته) لا خلاف بين العلماء في أن من وجبت عليه صدقة الفطر عن غيره فأستأذن الغيرُ - من تجب عليه النفقة، استأذنه - في أن يخرج عن نفسه صدقتها فلا خلاف بين العلماء في جواز ذلك وإجزائه. فلو أن ولداً ينفق عليه والده فأستأذن والده أن يتصدق عن نفسه صدقة الفطر. وكذلك الزوجة إذا قلنا بوجوب الصدقة على زوجها عنها فإذا استأذنت زوجها أن تخرج الصدقة عن نفسها من مالها فإن ذلك يجزئ. * ولا خلاف بين العلماء في أنه إذا أخرج عن غيره ممن يجب عليه أن يخرج عن نفسه بغير إذنه فإنه لا يجزئه: فلو أن رجلاً أخرج عن آخر صدقة الفطر وهذا الآخر تجب عليه بنفسه فأخرجها عنه بغير إذنه فإنها لا تجزئ.
- واختلفوا فيما إذا أخرج عن نفسه صدقة الفطر وهي تجب على غيره بغير إذنه، وهي المسألة التي ذكرها المؤلف هنا. فمثلاً: إذا أخرج الولد صدقة الفطر عن نفسه وهي تجب على والده بغير إذن والده، أو أخرجت الزوجة صدقة الفطر عن نفسها – على مذهب الجمهور – وهي واجبة على زوجها بغير إذنه، فهل يجزئه ذلك؟ قال المؤلف يجزئه؛ وذلك لأنها واجبة عليه في الأصل وإنما أوجبت على الغير تحملاً، لأنه مظنة ألا يقدر عليها بنفسه فالصغير مظنة ألا يقدر عليها بنفسه والعبد لا مال له، وهكذا سائر من ينفق عليه فهو مظنة ألا يقدر على إخراج صدقة الفطر عن نفسه. ولذا أوجبت على من ينفق عليه فهي في الأصل واجبة عليه لكن لعدم قدرته عليها في الغالب وجبت على غيره فحيث قدر فتصدق عن نفسه ولو لم يأذن له من وجبت عليه فإن ذلك يجزئ عنه هذا هو المشهور في المذهب وهو الوجه الأول. 2- والوجه الثاني: أنه لا يجزئ؛ قالوا: كما لو أخرج عن غيره صدقته ممن تجب عليه بنفسه بغير إذنه فقاسوها على ما إذا أخرج صدقة الغير وهذا الغير ممن يجب عليه أن يخرج صدقة نفسه. وهذا قياس مع الفارق – كما تقدم – والفارق بينهما: أنها في الأصل واجبة عليه وإنما وجبت على غيره من باب التحمل، وأما في المسألة الثانية فهي واجبة عليه مطلقاً فهي طهرة لصومه وواجبة عليه، وأما الأول فهي طهرة له وهي واجبة على غيره ففرق بينهما. فأصح الوجهين ما ذكره المؤلف هنا، من أن من وجبت صدقته على غيره فأخرجها عن نفسه من غير إذن من وجبت عليه فإن ذلك يجزئ عنه. قال: (وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر) فتتعلق بذمة المسلم إذا غربت الشمس من آخر يوم من أيام رمضان؛ وذلك لأنها صدقة سببها الفطر والفطر يحصل بغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان – هذا مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور –.
- وقال الأحناف: بل وقت وجوبها طلوع فجر يوم العيد عيد الفطر؛ لأنه به يثبت الفطر حقيقة، فإن الليل ليس محلاً للصوم. والأظهر ما ذهب إليه الجمهور من أنه بغروب الشمس تتعلق الفطرة بالذمة؛ وذلك لأنها طهرة للصوم، والصوم ينتهي بغروب الشمس، ولأن ليلة العيد ليست من شهر رمضان، وهي متعلقة بشهر رمضان. فقال المؤلف – مرتباً على هذه المسألة -: (فمن أسلم بعده) أي أسلم بعد غروب الشمس، فلم يدرك شيئاً من النهار يؤمر بإمساكه، فإنه لا صدقة عليه فلا تتعلق بذمته لأنها تجب بغروب الشمس وهو لم تغرب عليه الشمس وهو ممن يمكن أن تتعلق بذمته. قال: (أو ملك عبداً) تقدم أن السيد يجب أن يخرج صدقة الفطر عن عبده، لكن إن اشتراه بعد غروب الشمس فلا يجب عليه أن يتصدق عنه، وإنما يجب هذا على سيده الأول إن كان تحت مسلم قبل غروب الشمس. قال: (أو تزوج أو ولد له) إذا تزوج – وقلنا أن الصدقة تجب على الزوجة (1) عن زوجته – إذا تزوج بعد غروب الشمس فلا يجب عليه عنها وكذلك إذا أتاه ولد فلا يجب عليه عنه صدقة الفطر، وإنما يدخل في الصدقة على الجنين وهي مستحبة كما تقدم، فهذه المسائل مترتبة على هذه المسألة وهي مسألة تعلق الذمة بوجوب الفطرة إذا غربت الشمس. قال: (وقبله تلزم) إذا أسلم قبل غروب الشمس أو اشترى عبداً قبل غروب الشمس أو تزوج قبل غروب الشمس أو ولد له قبل غروب الشمس فإن الصدقة تجب؛ لأنه قد ملك هذا العبد وقد ولد له هذا الولد في وقت تعلق وجوب صدقة الفطر في ذمته. - وقال الحنابلة: إن كان معسراً عند غروب الشمس فغربت عليه الشمس وهو معسر ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت ما (2) ينفق عليه فإن الصدقة تسقط عنه وإن قدر عليها قبل خروج وقتها.
- وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: أن الصدقة تجب عليه إذا أيسر بعد ذلك لأنه قادر على الأداء في الوقت فكونه عاجزاً في أول الوقت لا ينفي عنه الوجوب ما دام قادراً على أدائها في وقتها كما أن المتمتع إذا عجز عن الهدي ثم قدر عليه في يوم النحر وما بعده من أيام التشريق فإنه يجب عليه لقدرته على الأداء في الوقت – هذا القول هو الراجح. قال: (ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط) يجوز إخراج صدقة الفطر قبل العيد بيومين. هذا هو المشهور عند الحنابلة. وقال الأحناف: يجوز إخراجها من أول السنة. وقال الشافعية: يجوز من أول شهر رمضان. وهما قولان ضعيفان؛ لأن هذه الصدقة متعلقة بالفطر فهي صدقة الفطر وقد سماها الشارع كما تقدم بزكاة الفطر فهي زكاة سببها الفطر فهي متعلقة به فلم تثبت قبله. - وقال المالكية: يجزئ قبل ثلاثة أيام، واستدلوا بما ثبت في الموطأ بإسناد صحيح أن ابن عمر: كان يعطي زكاة الفطر ممن يجمع عنده قبل يومين أو ثلاثة (1) . قالوا: فهذا فعل صحابي ولا يعلم له مخالف فيدل على جواز إعطائها قبل يومين أو ثلاثة فإذا دفعها في اليوم السابع والعشرين من رمضان وكان شهر رمضان تاماً فإنها تجزئ وهو رواية عن الإمام أحمد. والمشهور عند الحنابلة ما ذكره المؤلف وأنها لا تجزئ إلا قبل يوم أو يومين فقط فإن دفعها في يوم الثلاثين أجزأ أو في يوم تسع وعشرين أجزأ إن كان الشهر كاملاً وإن كان ناقصاً يجزئ في يوم ثمان وعشرين.
واستدلوا: بما ثبت في البخاري من قول ابن عمر – وهو راوي حديث صدقة الفطر قال: (وكانوا يعطون " أي الصحابة " صدقة الفطر قبل يوم أو يومين) (1) - وذهب الظاهرية: إلى أنه لا يجزئ إلا أن يخرجها قبل صلاة العيد أما إذا أخرجها في ليلة العيد فإنها لا تجزئه. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وفيه: (وأمر بها أن تخرج قبل الصلاة) (2) قالوا: فأمْر النبي صلى الله عليه وسلم هنا في هذا الحديث دليل على أنها لا تجزئ ليلة العيد أو قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة وذلك؛ لأن إخراجها في ليلة العيد أو قبله ليس على أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمل ليس على هديه وأمره فهو رد. ويجاب عن أثر ابن عمر المتقدم: بأنها لم تكن تدفع إلى الفقراء قبل يوم أو يومين وإنما كانت تجمع عند العمال الذين كانوا يجمعون الصدقات فيخرجها المسلم قبل يوم أو يومين أو ثلاثة يخرجها إلى العامل الذي يجمع الصدقة ثم تخرج قبل صلاة العيد. ودليل هذا: ما ثبت عند ابن خزيمة: أن أيوب السختياني قال: (قلت لنافع: متى كان ابن عمر يخرج زكاته؟ يعني زكاة الفطر، فقال: كان يخرجها إذا قعد العامل، قلت متى يقعد العامل؟ قال: قبل [الفطر] بيوم أو يومين) (3) فدل على أن ابن عمر إنما كان يخرجها إلى العامل فلا يكون هذا دليلاً – وإن كان فيه استثناء – يدل على جواز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين.
وما ذهب إليه الظاهرية – فيما يظهر لي – قوي وأن إخراجها لا يجزئ إلا قبل صلاة العيد، فإذا دخل يوم العيد وذلك بصلاة الفجر فإن الصدقة تجزئ. أما جمعها عند العمال الذين يجمعون الصدقات كما يقع عندنا هنا في الجمعيات الخيرية أو بعض المتبرعين الذين يجمعون صدقات الفطر ثم يوزعونها بأنفسهم، فإنه يجوز أن يعطوا الصدقة قبل يوم أو يومين، والله أعلم. قال: (ويوم العيد قبل الصلاة أفضل) إذا أخرجها يوم العيد قبل الصلاة فهو الأفضل. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فقال ابن عمر: (وأمر بها أن تخرج قبل الصلاة) وهذا يدل على أن الحنابلة وغيرهم ممن ذهب إلى هذا المذهب - واستدل بهذا الحديث - يرى أن هذه الجملة تدل على أن الإخراج المقصود فيها هو الإخراج في يوم العيد قبل الصلاة لا قبله (1) فالمستحب عند الحنابلة أن يخرجها قبل الصلاة وتقدم أنه هو الواجب. قال: (وتكره في باقيه) إذا أخرجها بعد صلاة العيد أو بعد صلاة الظهر أو بعد صلاة العصر من يوم العيد ما لم تغرب الشمس فإن هذا الفعل منه مكروه لكن الزكاة تجزئ عنه هذا هو المشهور عند الحنابلة. وعن الإمام أحمد: أنه يحرم. وقال الظاهرية، وهو قول الشوكاني: لا يجزئ فإن أخرجها بعد صلاة العيد فإنها لا تجزئ. وهذا هو ما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم الثابت في سنن أبي داود وغيره بإسناد حسن من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) (2) فهذا دليل ظاهر فيما ذهب إليه الظاهرية من أن الزكاة لا تجزئ، لأنه قال: (فهي زكاة مقبولة) ومفهومه أنها إن أخرجت بعد الصلاة فهي ليست زكاة مقبولة وإنما هي صدقة من الصدقات.
فالراجح أنه إن أخرجها بعد الصلاة لعذر أو لغير عذر فإنها لا تجزئ عنه زكاة وإنما هي صدقة من الصدقات فإن كان معذوراً فلا شيء عليه، وأما إن كان غير معذور فإنه آثم لتركه الواجب في وقته. قال: (ويقضيها بعد يومه آثماً) أي بعد يوم العيد كأن يخرجها في ليلة الثاني من شوال أو في اليوم الثاني أو الثالث من شهر شوال فإنها تجزئ عنه لكنه آثم فهي زكاة مقبولة لكنه آثم لتأخير الواجب عن وقته. والصحيح أنها لا تجزئ عنه – أيضاً كما تقدم – بل هنا أولى فلا يجزئ عنه وهو آثم إن لم يكن معذوراً أما إن كان معذوراً فلا شيء عليه. إذن: المشهور عند الحنابلة أن إخراجها يجزئ قبل يوم أو يومين وأن السنة أن تخرج قبل الصلاة وأنها إن أخرجت بعد الصلاة في يوم العيد فهي زكاة مقبولة لكنها مكروهة وأما إن أخرجها بعد يوم العيد فهو آثم. والراجح: ما تقدم وأن الواجب عليه أن يخرجها قبل الصلاة فإن أخرجها بعد الصلاة فلا تجزئ عنه سواء كان هذا في يوم العيد أو بعده وإنما هي صدقة من الصدقات. فإن قيل: لم فرق الحنابلة في هذا؟ فالجواب: لعلهم فرقوا من باب ما ورد في الدارقطني لكن إسناده ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم) (1) أو كما روى، فكأنها عندهم في يوم العيد آكد من غيره. والحديث وإن كان ضعيفاً لكن المعنى يدل عليه، فإن زكاة الفطر إنما تؤدى يوم العيد لهذا القصد. فلا يشكل على الفقير طعمته في يوم هو عيد من أعياد المسلمين وهو يوم فطر من رمضان، فيُغنى عن المسألة في هذا اليوم، فالتفريق من هذا الباب. والحمد لله رب العالمين الدرس التاسع بعد المئتين (يوم الثلاثاء: 8 / 1 / 1416 هـ) فصل قال: (ويجب صاعٌ من برٍ أو شعير أو دقيقهما أو سويقهما أو تمر أو زبيب أو أقط) " صاع من بر " وهو الحنطة أو القمح.
" أو دقيقهما " الدقيق هو الطحين. " أو سويقهما " السويق هو ما يطحن من الشعير والبر بعد أن يحمَّص " أي يوضع على النار قليلاً. " أو أقط " وهو ما نسميه بالبقل. فهذه الخمس يجب منها صاع صدقة الفطر. ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (كنا نعطيها زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط) (1) فقد ذكر في هذا الحديث أربعة، وكذلك الحنطة بإجماع الصحابة وسيأتي ما يدل عليه. إذن: تخرج من هذه الأصناف الخمسة. والقدر الواجب ما ذكره المؤلف وهو الصاع، وهو الصاع النبوي وتقدم أنه يساوي أربعة أخماس الصاع المعاصر. وكلام المؤلف يدل على أن القدر الواجب في البر هو الصاع كغيره وهذا هو مذهب جمهور العلماء. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجبه – أي الصاع – في هذه الأصناف المختلفة فهي ذوات قيم مختلفة ومع ذلك فقد أوجب الشارع فيها كلها صاعاً فالبر كذلك. - وذهب الأحناف: إلى أن نصف الصاع من الحنطة يجزئ فإذا أخرج مُدَّيْن من حنطة – أي نصف صاع – فإنه يجزئه ذلك. واستدلوا:
بما روى أبو داود في مراسيله بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب - ومراسيله أصح المراسيل عند أهل العلم – قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر مدين من حنطة) (1) أي نصف صاع فإن الصاع أربعة أمداد، وله شاهد عند النسائي من حديث ابن عباس، وشاهد ثالث عند الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وشاهد رابع من حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله – الشك في الرواية - في سنن أبي داود (2) ، فهذه شواهد تدل على صحة الحديث، فثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مذهب جمهور الصحابة، فقد رواه ابن المنذر: عن عثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبد الله بن الزبير وأسماء بنت أبي بكر قال الحافظ ابن حجر: " بأسانيد صحيحة " (3) . وهو ثابت عن عائشة كما هو ثابت عند ابن حزم.
ورواه ابن حزم أيضاً عن أبي بكر وعمر وابن مسعود لكن بأسانيد ضعيفة فهو قول جمهور الصحابة ولا يعلم لهم مخالف إلا ما كان من أبي سعيد الخدري والمخالفة أيضاً ليست صريحة، ففي الصحيحين: (لما جاء معاوية وجاءت سمراء الشام " أي الحنطة " قال معاوية " (إني أرى مداً من هذه يعدل مدين من شعير) فهو قول معاوية أيضاً، فقال أبو سعيد الخدري: (أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم) . وعند أبي داود: (لا أخرجه أبداً إلا صاعاً) فهذا قول أبي سعيد، فإن كان صريحاً فالمخالف له جمهور الصحابة، وهو ما تقدم أيضاً ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن يكون هذا فعل منه من باب الاحتياط، ولا شك أن من أخرج أكثر من الواجب عليه فإنه يجزئه وله أجر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم – فيما تقدم – فيمن أراد أن يخرج ناقة فتية سمينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن تطوعت قبلناه منك وآجرك الله عليه) (1) . إذن: ما ذهب إليه الأحناف هو القول الراجح وهو اختيار ابن المنذر وهو من كبار المجتهدين وهو منسوب إلى الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وهذا هو القول الراجح. ومثل البر الأرز، فإنه يجزئه أن يخرج نصف الصاع منه إن كان من أطيب أنواع الأرز أما إن كان من النوع الرديء الذي يساوي قيمة الشعير ونحوه فإنه لا يجزئه إلا أن يخرج صاعاً لكن الأحوط وهو الآجر أن يخرج صاعاً. قال: (فإن عَدِم الخمسةَ أجزأ كل حب وثمر يُقتات) إذا عدم هذه الخمسة المذكورة فإنه يجزئه كل حب كالذرة مثلاً أو ثمر - يشبه أن يكون هذا التين ونحوه إن يبس (2) - يقتات أي يطعم، وتقدم الكلام على القوت. إذن: إذا عدم هذه الخمسة فيجزئه كل نوع من أنواع الحبوب أو الثمار التي تقتات أي التي تطعم وتدخر.
- وظاهر كلام المؤلف أنها إذا لم تعدم فلا يجزئه ذلك وأن الحكم مخصوص بهذه الأصناف الخمسة وهذا هو المشهور في المذهب فلو أخرج ذرة أو غيرها من الأطعمة التي تقتات،فإنه لا يجزئه. وأنه إذا أخرج شيئاً من الأصناف الخمسة وإن كان لا يقتات كالشعير في وقتنا أو الأقط فإنه يجزئه هذا هو المشهور عند الحنابلة. واستدلوا بالحديث المتقدم الذي فيه ذكر الأصناف الخمسة وهو حديث أبي سعيد. - وذهب جمهور أهل العلم: إلى أن المجزئ ما كان من قوت البلد سواء كان من هذه الأصناف المذكورة أم لم يكن، بل إذا أخرج شيئاً من هذه الأشياء المذكورة وليس قوتاً كالأقط أو الشعير مثلاً عندنا، فإنه لا يجزئه ذلك. فالمجزئ هو إخراج طعام من طعام البلد وقوته سواء كان من هذه الأصناف الخمسة أم لم يكن منه، وأما ما ليس من قوت البلد فإنه لا يجزئه وإن كان من الأصناف الخمسة المذكورة في الحديث. فعلى هذا القول: إخراج الشعير في وقتنا لا يجزئ، وإخراج الأقط لا يجزئ. واستدلوا: بما ثبت في سنن أبي داود وتقدم، من قول الصحابي وهو ابن عباس: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين) فصدقة الفطر إنما شرعت طعمة للمساكين فدل على أن ما كان من طعام البلدة وقوتهم فإنه يجزئ وأن ما لم يكن من طعامهم فإنه لا يجزئه. قالوا: وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأصناف الخمسة لأنها كانت قوت البلد، فقد ثبت في البخاري وغيره أن أبا سعيد قال: (وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والتمر والأقط) فهو طعامهم ولذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه. وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم. قال: (ولا معيبٌ)
فلا يجزئ إخراج المعيب كأن يكون مبلولاً بالماء أو مسوساً أو أن يكون متغيراً طعمه لقدمه كما يقع هذا في التمر وبعض الأطعمة فيتغير طعمها لقدمها فإنها لا تجزئ لقوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه} (1) فلا يجزئ أن يخرج من خبيث طعامه وما كان معيباً فهو من خبيث الطعام فلا يجوز إخراجه. أما إن كان قديماً لكن طعمه لم يتغير وكان الطعام الجديد أحب إلى الناس – وهذا يختلف باختلاف الأطعمة فالتمر مثلاً الجديد أفضل من القديم، بخلاف بعض الأطعمة كالأرز فإن منها ما إذا طالت مدته كان أفضل فالمقصود من ذلك أن الجديد إذا كان أحب إلى الفقير فهو أولى وأفضل في الصدقة، مع أنه يجزئه أن يخرج القديم الطيب. قال: (ولا خبزٌ) الخبز ما يصنع من الطحين أي من القمح فلا يجزئ لأنه لا يُدّخر وما ذكر من الأطعمة مما يدخر. - واختار ابن عقيل من الحنابلة إجزاءه، ووجه هذا القول الزركشي من الحنابلة فاختار أنه يجزئ إخراج الخبز. وعلى ذلك الأرز المطبوخ يجزئه، وهذا إذا كان الطحين أو الأرز الذي صنع منه الطعام - إذا كان يعدل القدر الواجب إخراجه وهذه المسألة وهي مسألة ثابتة أيضاً في الطحين وفي الدقيق والسويق الذي تقدم ذكره، فلابد أن يكون الطحين أو السويق لابد أن يكون بوزن الصاع من الشعير والصاع من البر وهنا كذلك فإن الطحين الذي يصنع منه الخبز أو الأرز المطبوخ على القول بإجزائه لابد أن يكون قبل الطبخ أو قبل الخبز لابد وأن يكون صاعاً، على القول بأنه لا يجزئه إلا صاع، أو نصف صاع على القول الآخر.
وفيما ذكره – فيما يظهر لي – قوة؛ وذلك لأن قضية الادخار غير معتبرة في صدقة الفطر، فإن المقصود هو إغناء الفقير عن المسألة في يومه ذلك، ولذا أوجبناها على الفقير نفسه إن فضل له عن حاجة يوم العيد وليلته صاع، فليس المقصود الادخار إذ أنها تخرج منه فإن الرجل الذي لا يملك إلا صاعاً من بر وهو فاضل عن قوت يوم العيد وليلته هو فقير ونوجب عليه إخراج هذا الصاع وننهاه عن ادخاره فدل على أن الادخار غير مقصود وأن المقصود هو أن يكون له طعمة في ذلك اليوم. فما اختاره ابن عقيل قوى، لكن الأحوط ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور عندهم وغيرهم. قال: (ويجوز أن يعُطي الجماعةُ ما يلزم الواحد) الذي يلزم الواحد هو الصاع، فيجوز أن يدفعه إلى جماعة من الناس بمعنى أن يقسم الصاع على أكثر من مسكين؛ لأنه فعل الواجب عليه، فقد أخرج صاعاً من طعام ففعل الواجب عليه. - وقال بعض الحنابلة: لا يجزئه. وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام وأن الصاع هو القدر الذي يحتاج إليه الفقير الواحد وقد قال صلى الله عليه وسلم طعمة للمساكين، ولا شك أنه إذا قسم بينهم هذا حفنة وهذا حفنة، فإن هذا لا يكون لهم طعاماً. فالأظهر أنه لا يجزئه ذلك، وأن الواجب إخراج القدر المجزئ بشرط أن يكون هذا القدر المجزئ طعاماً، وتحديد الشارع للصاع؛ لأن الصاع هو القدر الذي يحتاج إليه الفقير في طعامه، فلا يجزئه أن يقسم الصاع بين أكثر من مسكين وقد يتساهل فيما إذا كان الصاع يكفي أكثر من مسكين، كأن يقسمه بين مسكينين أو ثلاثة بحيث يكون القدر المعطى لكل شخص منهم أن يكون كافياً لطعامه – قد يتساهل بهذا -. أما أن يقسم بينهم بحيث لا يكفيهم كأن يقسم بين عشرة ونحو ذلك فإن هذا غير مجزئ؛ لأنه لم يحصل به طعمة للمسكين. هذا هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام.
واستثنى فيما إذا كان هناك مضطرون بحيث إنّا إذا قسمنا الصاع بينهم لكل شخص حفنة أنجيناهم من الهلكة والموت فحينئذ – يجوز أن يفرق بينهم، وهذا ظاهرٌ لاقتضاء المصلحة له. إذن: الأظهر أن هذا الصاع يجب أن يعطى للمسكين؛ لأنه هو القدر الذي يحتاج إليه وبه تندفع حاجته لكن قد يتساهل في هذا ويقال بقول الجمهور إذا كان القدر المعطى يكفي المسكين يومه وليلته فإنه قد يتساهل بهذا كما تقدم. قال: (وعكسه) أي ويجوز عكسه وذلك أن يعطى الواحد ما يلزم الجماعة يعني جماعة أخرجوا صدقة الفطر إلى شخص واحد، قال الموفق: (لا نعلم خلافاً بين أهل العلم فيه) (1) . وذلك لأن هذه الصدقة قد أعطيت مستحقها فبرئت الذمة. ولو قال قائل: بعدم الإجزاء إلا أن يكون الفقراء قليل لكان قولاً قوياً؛ وذلك لما تقدم من أن زكاة الفطر يؤمر بها الفقير فلا يقصد منها الادخار بل يقصد منها طعمة يومه، وطعمة يومه إنما تكون بصاع كما تقدم فعلى ذلك إذا أعطي أكثر من ذلك فإنما يكون للادخار فلا يناسب شرعاً أن تؤخذ من فقير فتعطى فقيراً آخر فيؤخذ منه ما يمكن أن يدخره فيعطى غيره ليدخره – هذا محل نظر ظاهر. لكن إن كان أغلب أهل البلد أغنياء يخرجون صدقة الفطر عن يسر – كما يقع هذا كثيراً في بلادنا – والفقراء قليل، فيعطون هذه الأموال وإن كانوا يدخرونها، فإن هذا جائز.
أما أن يُعطي شخصاً ويمنع منها شخص آخر ونقول بإجزاء ذلك، هذا فيه نظر، ولذا فإن الذي ينبغي أن يكون هناك عمّال يرتبون القيام بإخراجها فيخرجونها على سائر فقراء البلدة فلا يدَعوا فقيراً إلا وقد أوصلوا إليه طعمة يوم العيد وليلته، فإذا فضل بعد ذلك شيء من الطعام أُعطى بعد ذلك الفقراء وإن ادخروه، وأما كلام الفقهاء فإن ظاهره الإجزاء مطلقاً وإن كان هناك فقراء لم يصل إليهم شيء من صدقة الفطر مطلقاً. والأظهر ما تقدم وأن هذا الطعام إنما يقصد به إغناء الفقير ليلة العيد ويومه ولذا يؤمر به الفقير نفسه. وأصح الوجهين في المذهب أن من لم يجد إلا نصف صاع يفضل عن مؤنة يوم العيد وليلته فإنه يجب عليه إخراجه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1)
وقد أمرنا بالصاع وعجزنا عنه وأمكننا أن نخرج المد أو نصف الصاع فإن إخراجه هو الواجب علينا وقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (1) . مسألة: في الصنف الذي يعطى صدقة الفطر؟ - مذهب الحنابلة: أن أصناف أهل الزكاة هم الذين يعطون صدقة الفطر وهم الأصناف الثمانية المذكورين في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية. فعلى ذلك يعطى المؤلفة قلوبهم وتعطى للجهاد في سبيل الله هذا هو المشهور عند الحنابلة. قالوا: لقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} فيدخل في ذلك صدقة الفطر. - واختار شيخ الإسلام: أنها لا تجزئ إلا لمن يستحق الكفارة وهو من يأخذ الصدقة لحاجة نفسه وهو الفقير والمسكين، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: (طعمة للمساكين) فخصها النبي صلى الله عليه وسلم بالمساكين. قال: والفارق بينها وبين زكاة المال: أن زكاة المال متعلقة بالمال، فما يخرج من الشياه أو من الإبل أو البقر أو من الذهب والفضة متعلق بهذه الأموال. أما صدقة الفطر فهي متعلقة بالبدن ولذا يجب على الفقير فأشبهت الكفارة فإن الكفارات ككفارة اليمين وغيرها متعلقة بالبدن لا بالمال فأشبهت صدقة الفطر الكفارة فكانت مستحقة لمن يستحق الكفارة. وهذا القول هو الراجح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (طعمة للمساكين) فخصها بالمساكين وأما قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} فإن " أل " هنا عهدية وقد قال تعالى في هذه السورة: {خذ من أموالهم صدقة} الآية، فهي صدقة المال. فقوله: {إنما الصدقات} أي إنما صدقات المال، وأما زكاة الفطر فهي صدقة بدن فهي طهرة للصائم من الرفث فهي صدقة بدن لا صدقة مال.وما اختاره شيخ الإسلام هو الراجح. فعليه: لا تدفع إلا للفقراء والمساكين طعمة لهم في ذلك اليوم. والحمد لله رب العالمين الدرس العاشر بعد المئتين (يوم الجمعة: 11 / 1 / 1416 هـ) باب: إخراج الزكاة
قال: (ويجب على الفور مع إمكانه إلا لضرورة) يجب على الفور إخراج الزكاة، فمن وجبت عليه زكاة في ماله سواء كانت من المواشي أو عروض التجارة أو من النقد أو غيرها فيجب عليه أن يخرجها فوراً، ولا يجوز له التراخي، وذلك للقاعدة الشرعية التي تقدم ذكرها وهي أن الواجبات على الفور وقد دلت عليها نصوص الشريعة، فعلى ذلك وقد قال تعالى: {وآتوا الزكاة} فيجب عليه أن يؤتيها فوراً، فإن تراخى أثم. وقيده المؤلف بقوله: (مع إمكانه) أي مع إمكان الإخراج وهذه قاعدة في الواجبات، وأن الواجبات إنما تجب مع القدرة. والفورية الواجبة هنا: إنما تجب مع القدرة عليها، فإن لم يقدر على أدائها فوراً فإنه لا تجب عليه ذلك بل له أن يتراخى بحسب ما تقتضيه قدرته كأن يكون المال غائباً عنه فلم يتمكن من زكاته إلا متراخياً فإنه يجوز له التراخي لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1) . واستثنى المؤلف هنا فقال: (إلا لضرورة) فإذا اقتضت الضرورة تأخير الزكاة فإنه يجوز له تأخيرها وإن كان قادراً على أدائها لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) فلو أنه مثلاً تأخر عنه الساعي، والساعي يطالب بها عادة، فتأخر عنه الساعي، وعلم أنه إن أداها بنفسه فإن الساعي يطالبه بها وقد لا يصدقه في أنه قد أداها بنفسه، فحينئذ يجوز له أن يتأخر حتى يأتيه الساعي حفظاً للمال وهي من الضروريات الخمس ومثل ذلك: إن احتاج إلى تأخير الزكاة في مؤنة نفسه وكفايتها وحاجتها فله أن يؤخرها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار) . * وهل يجوز له أن يؤخرها ويتراخى في دفعها ليؤديها إلى من هو أحق بها؟ كأن يكون هناك غائب وهو فقير شديد الحاجة إلى الزكاة أو أن يكون هناك قريب إليه وهو محتاج إلى الزكاة وهو غائب؟
ظاهر كلام بعض الحنابلة المنع من التأخير مطلقاً. وظاهر قول بعضهم جوازه مطلقاً. والمشهور عندهم وهو الأظهر: جوازه إن كان التأخير يسيراً عرفاً كأن يتأخر أياماً يسيرة عرفاً كاليوم واليومين، فإنه يجوز له أن يؤخرها ليدفعها إلى من هو أحوج إليها وأحق بها أما إن كان التأخير كثيراً عرفاً فليس له ذلك، وذلك لأن الأصل وجوب دفعها فوراً، وتأخيرها زمناً يسيراً لأدائها إلى من هو أحق بها، الحاجة داعية إليه ولا يفوت به مقصود الشرع من الفورية في الزكاة بل يحصل به مقصود الشرع من دفعها إلى من هو أحق بها. بخلاف ما إذا كان الزمن كثيراً فإن الزكاة حينئذ تكون عرضة للفوت إما بموت أو إفلاس أو نحو ذلك، ولا يجوز ترك واجب لمندوب. (1) قال: (فإن منعها جحداً لوجوبها كفر عارفٌ بالحكم) أي إذا لم يكن جاهلاً فإنه يكفر؛ وذلك لأنه مكذب لله ورسوله فإن أدلة إيجاب الزكاة ظاهرة من الدين ضرورة فإن جحدها وأنكرها فقد كذب الله في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته فيكفر هذا إن كان عارفاً بالحكم أما إن كان جاهلاً والجهل ممكن كأن يكون حديث عهد بإسلام فإنه لا يكفر حتى يبين له حكم الله عز وجل وقد أجمع العلماء على أن جاحد وجوبها كافر. قال: (وأخذت منه) أي الزكاة لأنها وجبت عليه قبل كفره، فلا يقال: لا تجب الزكاة لأنه كافر، والكافر لا يجب عليه الزكاة فحينئذ ينتقل إلى وارث أو بيت مال، بل يقال الزكاة واجبة؛ لأنها تعلقت في ماله قبل كفره وقبل ردته فكانت واجبة فتؤخذ من ماله زكاة. قال: (وقتل)
ردةً؛ لأنه كافر بالله عز وجل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) (1) . قال: (أو بخلاً أخذت منه) فمن تركها بخلاً أو تهاوناً وكسلاً فإنها تؤخذ منه قهراً لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} وهذا حق مالي واجب فكان واجباً على الحاكم أن يأخذه من مانعه إن منعه بخلاً به أو تهاوناً وكسلاً. (2) قال: (وعُزِّر) لأنه قد ارتكب أمراً محرماً من ترك الزكاة وفعل المحرم – إن لم يثبت فيه حد – فإن الحاكم يعزر به كما سيأتي هذا في باب التعزيرات إن شاء الله. فإذا منع الزكاة فإن الحاكم يعزره بسجن أو ضرب أو نحو ذلك. وظاهره أنه لا تؤخذ منه شطر المال، وهذا هو المشهور عند الحنابلة وأن مانع الزكاة تؤخذ منه الزكاة الواجبة فحسب ويعزر على المنع. (3) وعن الإمام أحمد: أنه يؤخذ منه شطر ماله، وهو قول أبي بكر وقول الأوزعي وقول الشافعي في القديم وهو اختيار ابن القيم وقد نصره في تهذيب السنن وأن مانع الزكاة يؤخذ منه نصف ماله الذي وجبت فيه الزكاة مع الزكاة الواجبة، وهذا هو القول الراجح.
لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده والحديث إسناده جيد، وقد صححه غير واحد من أهل العلم والحديث ثابت جيد السند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عَزْمةً من عزمات ربنا) (1) فعلى ذلك يكون هذا من التعزيرات المالية. فعلى ذلك تؤخذ الزكاة ويؤخذ معها شطر ماله. قال: (وتجب في مال صبي ومجنون فيخرجها وليهما) تقدم الكلام على هذه المسألة، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون ويخرجها عنهما وليهما؛ لأنه هو القائم بالتصرفات المالية عنهما – كما هو مذهب الجمهور خلافاً للأحناف. وعن أحمد: لا يلزمه الإخراج إن خاف أن يطالب بذلك، كأن يخشى رجوع الساعي، لكن يعلمه إذا بلغ وعقل. قال: (ولا يجوز إخراجها إلا بنية) فلا تصح الزكاة ولا يجوز إخراجها إلا بنية فإن دفعها على أنها صدقة تطوع مثلاً ثم نواها زكاة فلا يجزئه ذلك أو تنازل عن حق مالي لشخص ثم نواها بعد ذلك زكاة فلا يجزئ - على القول بإجزاء تبرئة المدين زكاة –؛ وذلك لأن الزكاة عمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) (2) فلا يصح العمل إلا بالنية ولا يجزئ إلا بها فإذا دفع شيئاً من ماله بغير نية الزكاة، كأن يرى مسكيناً مثلاً فيعطيه ولم ينوها زكاة فإنه لا يجزئه زكاة بل صدقة من الصدقات لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) قال: (والأفضل أن يفرقها بنفسه) فالأفضل له أن يفرقها بنفسه سواء كانت الزكاة من الأموال الباطنة كالذهب والفضة أو كانت من الأموال الظاهرة كالمواشي فالأفضل له أن يتولاها بنفسه فيفرقها على مستحقيها وذلك لأنه بهذا الفعل يتيقن وصولها إلى مستحقيها وله أن يدفعها إلى الإمام أو السعاة هذا هو المشهور عند الحنابلة
فالأفضل – عندهم – أن يدفعها بنفسه ويفرقها بنفسه سواء كانت الأموال الظاهرة أو الباطنة، قالوا: لأنه بذلك يتيقن وصولها إلى مستحقيها. وقال بعض الحنابلة كأبي الخطاب وهو مذهب الشافعية: بل الأفضل له أن يدفعها إلى الإمام، وهو رواية عن الإمام أحمد في الأموال الظاهرة وفي صدقة الفطر. وهذا القول هو الظاهر وأن الأفضل أن يدفعها إلى الوالي؛ وذلك لأنه بهذا الفعل تزول التهمة عنه ولأن الصحابة كانوا يدفعونها إلى العمال والسعاة، وكانت تجبى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان الناس يدفعونها إلى السعاة كما هو مشهور في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا القول هو الأرجح، وأن الأفضل له أن يدفعها إلى الإمام إن كان الإمام عادلاً يضعها في مواضعها. وظاهر كلام المؤلف أن له أن يدفعها إلى الإمام مطلقاً، لأنه قال: (الأفضل له أن يفرقها بنفسه) وظاهره أنه إن دفعها إلى الإمام جاز ذلك مطلقاً سواء كان الإمام عدلاً أو جائراً، وإن علم أنها تصرف في غير مصارفها وتوضع في غير مواضعها هذا هو المشهور عند الحنابلة. فإن كان الإمام عادلاً ويضعها في مواضعها فلا إشكال في جواز دفعها إليه بل أفضلية ذلك – كما تقدم –. وأما إن كان الإمام لا يضعها في مواضعها ولا يدفعها إلى مستحقيها وأمكنه أن يكتمها عنه فمذهب المالكية والشافعية وهو اختيار القاضي من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف: أنه ليس له أن يدفعها – حينئذ – إلى الإمام. وهذا هو القول الراجح؛ وذلك لأن مقصود الشارع إيصالها إلى مستحقيها وحيث دفعت إلى سلطان لا يضعها مواضعها فإن في ذلك تضييعاً للحق عن صاحبه. هذا حيث لم تترتب فتنة، بين الحاكم والمحكوم أما إن ترتب فتنة فإن ذلك لا يجوز للفتنة. أما إذا كان الإمام عادلاً، فإن المشهور عند الحنابلة جواز دفعها إليه وله أن يصرفها بنفسه وتقدم أن المستحب له أن يدفعها إلى الإمام. لكن هل يجب دفعها إلى الإمام أم لا؟
إذا كانت الأموال باطنة فقد أجمع العلماء على أنه يجوز له أن يصرفها بنفسه ولا يجب عليه أن يدفعها إلى الإمام. أما أن كانت الأموال ظاهرة: فقال الحنابلة والشافعية: يجوز له أن يفرقها بنفسه ولا يجب أن يدفعها إلى الإمام. وقال المالكية والأحناف: بل يجب أن يدفعها إلى السلطان. واستدلوا بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} (1) وبأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السعاة في الأموال الظاهرة. وأما الحنابلة فاستدلوا: بالقياس على الأموال الباطنة إذ لا فرق وأما ما ذكرتموه من الأدلة، فإنه ليس فيه إلا إيجاب ذلك على الحاكم أو السلطان وأنه يجب عليه أن يأخذ الأموال فيصرفها إلى مستحقيها، وليس فيه وجوب ذلك على صاحب المال، وحيث دفعها – وهي الأموال الظاهرة – فإن الذمة تبرأ بذلك لأنها زكاة قد أعطيت مستحقها. هذا: إذا لم يطالب بها الإمام، فإن طالب بها الإمام فيجب دفعها إليه سواء كانت باطنة أو ظاهرة؛ وذلك لما في منعها من الفتنة والافتيات على السلطان، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة) (2) كما ثبت في أبي داود بإسناد حسن، فقوله: (هاتوا) أمر والأمر للوجوب. * بيان هذه المسألة مرة أخرى وتفاصيلها: إن طلب الإمام أو نائبه الزكاة في الأموال الظاهرة أو الباطنة فيجب دفعها إليه لما في منعها من الافتيات عليه، ولما في ذلك من الفتنة ولقوله صلى الله عليه وسلم – وهو الإمام -: (فهاتوا صدقة الرقة) وظاهر الأمر الوجوب. فإن لم يطالب بها الإمام ولم يرسل السعاة إلى جلبها من الناس بأعيانهم فهل يجب أن يدفعها إليه أو يجوز له أن يفرقها بنفسه؟ إن كانت باطنة فيجوز بالإجماع. وإن كانت ظاهرة ففي ذلك قولان لأهل العلم:
أصحهما وهو المشهور عند الحنابلة والشافعية – جواز تفريقها بنفسه؛ وذلك لأن الأدلة الواردة ليس فيها ما يدل على وجوب دفعها إلى الإمام وإنما فيها وجوب الإخراج، ووجوب أخذها من السلطان وليس فيه وجوب دفعها إليه إلا أن يطالبه السلطان بها فيجب حينئذ لما تقدم. ثم هل الأفضل له أن يدفعها إلى الإمام أم الأفضل له أن يفرقها بنفسه؟ الراجح – وهو مذهب الشافعية – أن الأفضل له أن يدفعها إلى الإمام لفعل الصحابة، ولزوال التهمة. * أما إذا ثبت له أن الإمام لا يضعها في مواضعها ويتصرف فيها بغير حق وأمكنه كتمها: فمذهب المالكية والشافعية وهو قول القاضي من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف: أنه لا يجوز له دفعها إليه كما تقدم. والمشهور من المذهب أنها تدفع إليه. ومما يدل على وجوب دفعها إلى الإمام إن كان الإمام يطالب بها وإن كان الإمام لا يضعها مواضعها ولا يتصرف بها تصرفاً شرعياً آثار الصحابة، ففي البيهقي بإسناد جيد أن ابن عمر قال: (ادفعوها إليهم وإن أكلوا بها الكلاب) (1) ، وقال في رواية: (وإن شربوا بها الخمر) (2) . وثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي صالح قال: اجتمع عندي مال، فأتيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد وسعد بن أبي وقاص فقابلت كل واحد منهم وقلت له: إن هؤلاء يضعونها حيث ترى: " أي لا يضعونها في مواضعها الشرعية " وإني قد وجدت لها موضعاً حسناً، فكلهم قالوا: أدها إليهم) (3) . إذن: إذا كان الإمام يطالب بها فيجب دفعها إليه وإن كان لا يضعها في مواضعها، أما إذا لم يطالب بها أو أمكن كتمها ما لم يترتب على ذلك فتنة فإنه يجب كتمها كما تقدم. (4)
ويجوز له أن يدفعها إلى ثقة توكيلاً هذا جائز لا حرج فيه، فإذا أعطى زكاته ثقة يؤديها إلى مستحقيها فلا بأس؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وكل في زكاة ماله فقد وكل معاذ بن جبل في أخذ زكاة أهل اليمن ويفرقها بينهم وكان يوكل السعاة في أخذ الزكاة ويفرقها فدل ذلك على جواز التوكيل ولأنه يحصل المقصود ولا دليل أيضاً على منعه. وهل يجب عليه أن يعلم الفقير أنها زكاة مال أم لا يجب عليه ذلك؟ نص الإمام أحمد على أنه لا يجب ذلك وأنه لا يستحب له؛ لما في ذلك من كسر قلب الفقير. واستثنى الحنابلة: من كان عادته ألا يقبل الزكاة ويتنزه عنها فإنه حينئذ لا يدفع إليه إلا أن يخبر أنها زكاة، وقالوا: إن دفعت إليه من غير أن يذكر له أنها زكاة فإن ذلك لا يجزئ. هذا هو المشهور عند الحنابلة. وقال بعض الحنابلة: بل يجزئ. وهذا هو الظاهر؛ وذلك لأنه من المستحقين وقد دفعت إليه علم أنها زكاة أم لم يعلم فهي زكاة قد دفعت إلى مستحق لها وهو من أهل الزكاة ولا دليل على عدم إجزائها والأصل هو الإجزاء لكن الذي ينبغي أن يخبر بذلك وألا يفتات عليه فيعطى ما لا يرضى ويعطى ما يتنزه عنها بل يخبر أنها زكاة فإن قبلها فذاك وإن ردها فكذلك. ومع ذلك فالذي يظهر: أنه إذا اقتضت المصلحة الشرعية والحاجة عدم إخباره فإنه لا يخبر، كأن يكون هناك أحد من الناس يتنزه عنها تنزهاً بالغاً وعليه حاجة شديدة ويخشى عليه الهلكة ونحو ذلك وإن دفعت إليه وأخبر أنها زكاة لم يقبلها فالذي ينبغي ألا يخبر بذلك إذ لا ضرر عليه. لكن إن لم يكن الأمر على هذه الصفة فالذي ينبغي هو الإخبار وفي كل الحالات فإنها تجزئ لأنها زكاة توفرت فيها الشروط الشرعية ودفعت إلى مستحقيها ولا دليل على عدم إجزائها والأصل هو الإجزاء، أما إذا كان لا (1) يتنزه عن قبولها فلا ينبغي إخباره بل تدفع إليه بلا إخبار؛ لئلا يكسر قلبه بذلك.
هذا إن كان كسر القلب يحصل بذلك، أما إن كان كسر القلب يحصل بدفعها على أنها صدقة من الصدقات، بينما إذا دفعت على أنها زكاة رأى أن هذا حق من الله - عز وجل - دفع إليه قهراً من الغنى، وأنه لا منة للغني بذلك، فالأولى هو الإخبار بأنها زكاة؛ لئلا يبقى في قلبه منة لهذا الدافع - ولا منة له بذلك فهو حق من الله في مال هذا الغني دفع إلى هذا الفقير -. فالمقصود من ذلك: أنه حيث حصل كسر قلب الفقير فإنه لا يخبر بذلك وإن كانت عادته عدم القبول فينبغي أن يخبر بذلك، فإن لم يخبر أجزأت على الراجح وهو قول بعض الحنابلة. قال: (ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد) أما هو فيقول عند دفعها: (اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً) (1) لكن الحديث رواه ابن ماجه وإسناده ضعيف. وأما آخذها من السعاة فيقول ما ورد وهو ما ثبت في الصحيحين - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - - عن عبد الله بن أبي أوفى: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الناس بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان، فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى) (2) أي: اللهم أثن عليهم، فهو من باب الدعاء وقد قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} (3) أي ادع لهم.
فيستحب للإمام أو نائبه أن يدعو لدافعها وهذا الدعاء الوارد في الآية والحديث ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم بل عام له ولغيره ولكن الخاص به هذا الفضل المذكور بقوله: {إن صلاتك سكن لهم} ، ونظير هذا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) (1) فلا يعني هذا أن الصلاة على الميت في قبره خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل ذلك عام له ولغيره، لكن هذا الفضل وهو أن الله ينورها بالصلاة خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. مسألة: إذا منع الزكاة بخلاً فإنها تؤخذ منه شطر ماله معها وهذا الشطر هل يصرف مصرف الفيء أو مصرف الزكاة؟ الظاهر أنه يصرف مصرف الزكاة لأنها متولدة من الزكاة فسببها الزكاة ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ولا تحل لآل محمد منها شيئاً) (2) وآل محمد تحل لهم الفيء أما الزكاة فلا تحل لهم. فالأظهر أنها تكون لها مجرى الزكاة. مسألة: مستحق الزكاة هل الأفضل له أن يقبلها أم يتنزه عنها؟ الجواب: بل يقبلها إلا أن يترتب على ذلك مفاسد، وإلا فإن الصحابة كانوا يقبلونها وتقدم أثر معاذ: (خير لأصحاب المدينة) (3) فلا شك أن التنزه عما كان عليه الصحابة تنزه مذموم وهي حق من الله - عز وجل - وليس فيها منة فالتنزه عنها ليس بسليم لكن قد يمتنع عنها الشخص إذا كان الناس يرونها مذمة فيكرهها لذلك وإن كان قد يقبلها باطناً لكنه ظاهراً لما يرى من مذمة الناس لذلك فحينئذ، والأصل أنه لا مذمة فيها فهي مال من الله ليس للغني فيه منة. مسألة: رجل زكاة ماله عشرة آلاف ريال، ويريد من فلان عشرة آلاف ريال، فهل له أن يحلل الفقير مما عليه من الدَّيْن ويخصم هذا من زكاته هل يجوز أم لا؟
الذي يظهر أن المسألة فيها تفصيل – وإن كان فيما يظهر لي أن المشهور عند الحنابلة المنع مطلقاً. لكن الأظهر هو التفصيل وهو أن يقال: إن كان حقه يخشى ضياعه كأن يكون على معسر فإنه ليس له ذلك؛ لأن هذا المال الذي على هذا الفقير بحكم المال الضائع، فليس له حينئذ أن يخرج هذا من زكاة نفسه، أما إذا كان في حكم ما في يده من المال كأن يكون له دين على فلان عشرة آلاف وهو يعلم أنه قادر على الوفاء وهو وفيّ فيجوز له ذلك؛ لأنه له أن يدفع إليه الزكاة مباشرة وللفقير إذا دفعها إليه أن يعيدها إليه وإن كان قد يمنع من هذا إن قلنا بالمسألة على مذهب الحنابلة إن كان فيها مواطأة لكن لو دفعها إلى هذا الفقير المدين له ثم أعادها هذا المدين من غير مواطأة، لقلنا بالإجزاء فلا فرق حينئذ بين أن يحلله منها مع علمه بقدرته على الوفاء لكن إن كان غير قادر على الوفاء فإنه لا يجوز ذلك، ولما في ذلك من تفويت الزكاة لأنه لا يكاد يجد غنياً إلا له أموال كثيرة قد ذهبت في أيدي كثير من الناس لا يمكن تحصيلها فإذا فعل هذا الفعل خرجت الزكاة وخرجت عن مستحقيها لذا المشهور في المذهب عدم الجواز مطلقاً. والحمد لله رب العالمين الدرس الحادي عشر بعد المئتين (يوم السبت: 12 / 1 / 1416هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة) .
فالأفضل – أي المستحب – إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة وبهذه الجملة يتبين أن مراد المؤلف في قوله: (والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده) التفضيل بين إخراجها في بلد المال وبين إخراجها في موضع آخر بينه وبين البلد الذي فيه المال الزكوي - بينه - مسافة لا تقصر فيه الصلاة، فعلى ذلك الأفضل له أن يخرج الزكاة في البلد أفضل له من أن يخرجها في البوادي أو في القرى القريبة من البلدة أو في المدن القريبة منها التي ليس بينها وبين هذه المدينة - التي فيها المال - مسافة قصر. أما إذا نقلها إلى بلدة بينها وبين هذه البلدة التي فيها المال الزكوي مسافة قصر فإن ذلك النقل محرم فأصبح عندنا ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يخرج الزكاة في بلدة المال فهذا هو الأفضل. الحالة الثانية: أن يخرجها إلى بادية أو بلدة قريبة إلى بلدة المال بحيث أنه ليس بينها وبين بلدة المال مسافة قصر فهنا يجوز له ذلك. والحالة الثالثة: أن يخرجها إلى بلدة بينها وبين بلدة المال مسافة قصر فهذا حرام لا يجوز. أما الحالة الأولى: فدليلها ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (1) أي في فقراء أهل اليمن، وثبت في سنن أبي داود أن زياد بن أبيه أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة، فلما رجع عمران قال له: (أين المال؟ فقال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها [من] حيث كنا نأخذها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم) (2) فدل على أنهم لم يكونوا يجبون الصدقة إلى بلدة الإمام وإنما كانوا يضعونها في فقراء البلد إلا إن فضل شيء فإنهم يرجعون به إلى بلدة الإمام.
ومما يدل عليه من النظر: تعلق قلوب الفقراء من أهل البلدة بهذا المال فصرفها إلى غيرهم كسر لقلوبهم ولا شك أن الشارع يراعي جبر خواطرهم. وأما دليل الحالة الثانية: وهي أن يخرجها إلى موضع آخر بينه وبين البلدة دون مسافة القصر فقالوا: لأنها بمعنى البلدة الواحدة لعدم قصر الصلاة بينهما فمن أتى من هذه البلدة إلى هذه لم يقصر، وكذلك العكس. وهذا فيه نظر، لأن ظاهر الأحاديث المتقدمة أنها تصرف في الموضع نفسه، ولذا قال صاحب الفروع: " ويتوجه احتمال بالمنع " (1) أي منع صرفها في بلدة أخرى وإن كانت هذه البلدة ليس بينهما وبين بلدة المال إلا مسافة لا تقصر فيها الصلاة وهذا القول هو الأرجح، وأن الزكاة مختصة بالموضع نفسه فلا يصرف إلى البوادي أو البلدان القريبة التي لا تقصر فيها الصلاة وذلك لظاهر الأحاديث ولما تقدم من التعليل وهو تعلق قلوب الفقراء بها والذين تتعلق قلوبهم هم فقراء البلد نفسه. أما الحالة الثالثة: وهو أن ينقلها إلى بلدة تقصر فيها الصلاة: - فالمذهب المنع وأن ذلك لا يجوز وهذا مذهب جمهور العلماء والدليل ما تقدم من الأدلة السابقة فهي دليل على أنه لا يجوز له أن يصرفها في بلدة أخرى وأنها إنما تصرف في الموضع نفسه. وظاهر كلام الحنابلة وغيرهم أن ذلك ممنوع مطلقاً للسلطان ونائبه وصاحب المال، فلا يجوز لأحد منهم أن ينقلها من بلدة إلى بلدة أخرى. فظاهر قولهم أيضاً أنه وإن دعت المصلحة لهذا، كأن تنقل لطلاب علم في بلدة أخرى أو لشديدي حاجة أو لثغر من الثغور الإسلامية أو لهلكة في بلدة من البلاد الإسلامية أو نحو ذلك وأن هذا لا يجوز مطلقاً.
- وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: جواز ذلك، واختاره طائفة من الحنابلة، وأنه إذا كانت ثمت مصلحة تقتضي نقلها من بلدة المال إلى بلدة أخرى لكون هذه البلدة الأخرى فيها طلاب علم أو فيها شديدو حاجة أو فيها مجاهدون هم على ثغر من الثغور الإسلامية، أو نحو ذلك من المصالح، فإذا ثبتت المصلحة ورجحت الحاجة فيجوز، وهذا القول هو الراجح الذي تقتضيه القواعد الشرعية من مراعاة المصالح وترجيح الأصلح على الصالح والأنفع على النافع وشديد الحاجة على المحتاج وهو أعظم نفعاً من أن يختص بها فقراء البلد مع كون الحاجة والمصلحة تقتضي نقلها إلى غيرهم. ومما يستدل على هذا ما تقدم من أثر معاذ بن جبل من نقله صدقة أهل اليمن أو شيئاً منها إلى فقراء الصحابة في المدينة. فعلى ذلك: النقل لا يجوز إلا أن تكون هناك مصلحة راجحة فإنه يجوز. قال: (فإن فعل أجزأت) تقدم أنه لا يجوز له أن يخرجها من بلدة المال إلا لمصلحة راجحة فإن نقلها لغير مصلحة على الراجح – فإن ذلك لا يجوز ولكن هل تجزئ؟ قال المؤلف: (أجزأت) ؛ وذلك لأنها زكاة أعطيت مستحقاً لها وكونها تنقل إليه مع وجود من هو أحق منه، هذا يقتضي التحريم والإثم دون البطلان، فهو مستحق لها، فقد أخذها بحق، وهي زكاة مال صرفت إلى مستحق لها فأجزأت، ونقلها إليه من مستحقها الأصلي لا يبطلها بل تكون مجزئه ويثبت الإثم. قال: (إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه) فإذا كان في بلد لا فقراء فيه فقد اتفق أهل العلم على أنه يجوز له أن ينقلها إلى بلدة أخرى وذلك لعدم المزاحم الأحق، ففي المسألة السابقة هناك مزاحم أحق وهو صاحب البلدة الفقير، وأما هنا فإنه قد عدم فلا مزاحم أحق فيجوز حينئذ دفعها إلى بلدة أخرى، وهذا لا خلاف بين أهل العلم فيه. قال: (فيفرقها في أقرب البلاد إليه)
إذا وجبت عليه زكاة المال وكان البلد الذي هو فيه لا فقراء فيه فإنها تنقل كما تقدم، وحينئذ فيجب عليه أن يدفعها إلى أقرب البلاد إليه، فليس [له] أن ينقلها إلى بلدة بعيدة مع وجود بلدة قريبة يستحق أهلها دفع الزكاة. قالوا: لأنهم أولى بها لقربهم وهذا التعليل ليس بتعليل قوي، والحنابلة ينقضونها في المسألة السابقة وهي جواز نقلها إلى بلدة لا تقصر فيها الصلاة فإنهم ينقلونها من الموضع الذي وجبت فيه الزكاة إلى موضع آخر لا تقصر فيه الصلاة ويرون جواز ذلك. وهذه المسألة أولى بالجواز من المسألة السابقة، فينقلها إلى بلدة بعيدة مع وجود بلدة قريبة أولى من نقلها من موضع إلى موضع آخر يشتركان في عدم قصر الصلاة. والأظهر هو جواز ذلك وأنه يجوز أن ينقلها إلى موضع بعيد مع وجود موضع قريب، وذلك لأن مستحقيها في الأصل هم فقراء البلد، فحيث عدموا جاز له أن يصرفها في أي موضع شاء، ولا دليل على إلزامه بموضع قريب دون موضع بعيد لكن لا شك أن الأولى هو دفعها إلى الموضع القريب وكونه أولى لا يعني ذلك وجوبه فليس هو أحق لكنه أولى بالدفع. والأفضل له أن ينقلها إلى الموضع القريب لأن أهل الموضع القريب أولى بمعروفه فالأقربون أولى بالمعروف. قال: (فإن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده) بعني بلد المال، فقوله: (في بلده) ضمير الغائب يعود إلى المال لا صاحب المال. أي إن كان في بلد من البلاد وماله في بلد آخر فإنه يخرج زكاة المال في بلد المال؛ وذلك لأن الزكاة متعلقة بالمال فتدفع في موضعه، ولأن الفقراء متعلقون بها في موضعها فوجب أن تدفع لهم. بخلاف صدقة الفطر فلتعلقها في البدن تدفع في الموضع الذي هو فيه لذا قال: (وفطرته في بلد هو فيه)
وإن كان ماله في موضع آخر، فلو كان من أهل هذه البلدة وسافر مثلاً إلى مكة ووافق يوم الفطر فيها فإنه يخرج زكاة الفطر في مكة وهكذا؛ وذلك لتعلقها بالبدن لا بالمال. إذن: زكاة المال لتعلقها بالمال تدفع في الموضع الذي فيه المال، وأما صدقة الفطر فإنها تدفع في الموضع الذي هو فيه لتعلقها بالبدن. قال: ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل) فيجوز له تعجيل زكاة المال، وذلك أن يخرجها قبل وقت وجوبها، أي يبقى عليه شهر ويمضي عليها الحول فيخرجها قبل شهر مثلاً أو أن يخرجها في أول السنة. جمهور العلماء على جواز تعجيل الزكاة. ومنعه المالكية؛ واحتجوا على المنع بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (1) قالوا: أي لا زكاة صحيحه. وقالوا: لأن الشارع وقت لها ميقاتاً فلا يجوز تقديمها على ميقاتها كالصلاة، فكما أنه ليس له أن يصلي قبل زوال الشمس فليس له أن يدفع زكاة ماله قبل حلول الحول ومضيه. وقال الجمهور: يجوز ذلك، واستدلوا: بما ثبت في أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث علي بن أبي طالب – والحديث حسن – أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: (في تعجيل زكاته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك) (2) ، وهو عند أبي عبيد القاسم بن سلام أن النبي صلى الله عليه وسلم: (تعجل صدقة العباس سنتين) (3) والحديث حسن كما تقدم. قالوا: ولأن تأخيرها إلى حلول الحول ومضيه لمصلحة الغني لينمو ماله ويزداد، فإذا قدمها قبل وقتها فهو محض حقه، فإذا فعل هذا باختياره فإن هذا يجزئ عنه ويجوز له. وهذا القول هو الراجح. والجواب عما استدل به المالكية:
أما ما استدلوا به مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) فتقدم أن الصحيح هو وقفه لا رفعه، ويجمع بين هذه الآثار الموقوفة وبين ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للعباس بأن مراد الصحابة: (لا زكاة واجبة) فلا تجب الزكاة حتى يحول عليه الحول. وأما قولهم: أن العبادة لا تصح قبل ميقاتها كالصلاة. فيجاب عنه: أن الميقات في الصلاة مجهول المعنى فلا يعقل لِمَ جعل الشارع زوال الشمس وقتاً لصلاة الظهر ولم جعل غروبها وقتاً لصلاة المغرب. وأما مضي الحول في الزكاة فإنه معلوم المعنى، فإن معناه توفير الوقت للغني ليتوفر ماله ويزداد وينمو فهو لمصلحة الغني فإذا قدمه فهو حق له قد تنازل عنه وهذا القول هو الراجح وهو مذهب الجمهور؛ لصحة الدليل الذي استدلوا به. وهنا شرطان في جواز تعجيل الزكاة:
الشرط الأول: وهو شرط متفق عليه: هو ملكية النصاب فلو كان عنده مثلاً ثلاثون شاة فلا يجوز له أن يعجل الزكاة فيها فيدفع شاة لاحتمال أن تكون بعد سنة أربعين شاة أو خمسين شاة؛ وذلك لأنه فعل الفعل قبل سببه، وسبب الزكاة هو ملك النصاب ولا يجزئ فعل الشيء قبل سببه كما لو أراد أن يحلف فكفر قبل أن يحلف فإنه لا يجزئه؛ لأن الحلف هو سبب الكفارة ويجزئه إذا حلف أن يكفر قبل الحنث لأن السبب موجود وهو الحلف، فهو فعل قبل سببه وهو خلاف ما أمر به الشارع وما لم يأمر به الشارع فهو مردود، وهنا كذلك فإذا لم يملك النصاب فليس له أن يعجل الزكاة. وملكية النصاب المشترطة هنا تشترط في الحول كله ليجزئ عنه عن زكاة المال، ومعنى هذا أنه لو ملك خمسين شاة فيجوز له أن يخرج شاة معجلة، فإن نقص هذه الشياه عن النصاب فأصبح لا يملك إلا خمساً وثلاثين شاة أثناء الحول فإن تلك الزكاة لا تجزئ وإنما يكون له صدقة من الصدقات وحينئذ إذا تم النصاب فبلغت أربعين فإنه يستأنف حولاً جديداً وتكون زكاته المتقدمة صدقة له؛ لزوال سبب الزكاة وهو ملكية النصاب وقد زال بنقصانها عن النصاب. لكن إن كان النصاب بقدر ما عجل فإن هذا لا يؤثر، فلو أن رجلاً عنده أربعون شاة فعجل فيها شاة فبقيت عنده تسع وثلاثون شاة فهذا لا يؤثر؛ لأن المعجل بحكم الموجود في المال، فالواجب عليه أن يخرجه إذا حال الحول وحيث قدمه قبل ذلك فإن هذا المال المعجل يكون بحكم المال الموجود فلا يؤثر حينئذ. وهل يشترط ملكية المال أم لا؟ بمعنى: رجل عنده ثلاثمئة شاة فالواجب عليه ثلاث شياه وهو يظن ظناً غالباً أن شياهه ستزيد على ثلاثمئة بحيث أنها لا يأتي عليها الحول إلا وقد وجب عليه أربع شياه فهل يجوز له أن يخرج أربع شياه، ثلاث شياه عن الثلاثمئة وهي ما يملكه الآن وشاة عما سيتولد من ماله أم ليس له ذلك؟
المشهور عند الحنابلة: أنه ليس له ذلك؛ لأنه غير مالك للمال المستفاد هنا، فالمائة شاة غير مملوكة له. وعن الإمام أحمد: أن ذلك يجزئه؛ لوجود السبب في الجملة. قالوا – تعليلاً لهذه الرواية -: كما يُضَم المال المستفاد إلى النصاب في الحولية، فيضم إليه أيضاً في جواز التعجيل. وهذا القول أظهر؛ لأن المال المستفاد تبعاً للنصاب في الحولية فيكون تبعاً له في جواز التعجيل. الشرط الثاني: وهو ما ذكره المؤلف بقوله: (لحولين فأقل) أن يكون التعجيل حولين فأقل فله أن يعجل السنة والسنتين، وليس له أن يعجل ثلاث سنين أو أربع أو خمس. - وعن الإمام أحمد: أنه يجوز له أن يعجل ثلاثة أعوام فأكثر. وهذا القول هو الأظهر؛ إذ لا فرق بين تعجيل السنتين أو الثلاث ولا بين الثلاث والأربع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد تعجل صدقة العباس سنتين، وتقدم إن المعنى يدل على الجواز حيث أنه مالك للنصاب فجاز له أن يعجله قبل وقته ما دام أن ذلك باختياره، وأن التأخير إنما هو لمصلحته، وهذا المعنى ثابت في ثلاث سنين وثابت في أربع سنين وهكذا وهو اختيار طائفة من أصحاب الإمام أحمد. إذن: الصحيح أنه لا يشترط للزكاة زمن محدد خلافاً للمشهور عند الحنابلة من أنه يقيد بسنتين. مسألة: إن عجل زكاة ماله ثم طرأ على المعجَّل له وهو الفقير مثلاً – طرأ عليه ما يجعله ليس أهلاً للزكاة لو أخرجت الزكاة في وقتها؟ فمثلاً زكاة ماله تجب في محرم فأخرجها في ذي الحجة وأعطاها من لم يصبح مستحقاً لها في محرم وهو وقتها وكان مستحقاً لها في ذي الحجة كأن يعطيها شخص فيموت أو يرتد أو يعطيها فقيراً فيغنى في وقت وجوبها الأصلي – فهل يجزئه ذلك أم لا؟
- فالمشهور في المذهب أنه يجزئه؛ لأنه أخرج زكاة المال على وجه مأذون له فيه وهي زكاة مجزئة حينئذ، فلا دليل على إبطالها بعد ذلك، والفعل إذا صح فلا يبطل إلا بدليل، وهو مأذون له في ذلك وقد دفعها إلى مستحق لها حينئذ فالاعتبار في حالة الدفع. مسألة: إذا دفع الزكاة معجلاً لها ثم طرأ عليه ما يجعله ليس من أهل الزكاة دفعها عند وقت دفع الزكاة كأن يكون غنياً في أول السنة فيعجلها ثم يفتقر عند حلول الحول؟ فهل يرجع بالزكاة أم لا؟ قولان لأهل العلم: لقول الأول: أنه ليس له أن يرجع لا إلى الفقير ولا إلى السعاة في زكاته، وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة والقاضي؛ وذلك لأنه عجلها باختياره ورضاه ودفعت للفقير على وجه التمليك فكانت ملكاً له، فلا يجوز إخراجها من ملكيته إلا بدليل، وكونه يفتقر بعد ذلك هذا لا يعني إخراجها من ملكية الفقير إلى ملكيته هذا أحد الوجهين في مذهب أحمد. القول الثاني: وهو الوجه الثاني في المذهب: أنه إن دفعها إلى الساعي فإنه يرجع مطلقاً سواء دفعت إلى الفقير وأخبر أنها زكاة معجلة أم لم يخبر. وأما إذا دفعها هو بنفسه إلى الفقير المستحق، فإنه لا يجوز له أن يرجع إلا أن يكون أخبره أنها زكاة معجلة فيجوز له الرجوع. ولا دليل على هذا القول وهو قول ضعيف، والراجح هو القول الأول. قال: (ولا يستحب) أي لا يستحب له أن يعجل بل المستحب له أن يخرج زكاته عند مضي الحول. قالوا: لوجود الخلاف في هذه المسألة، فخروجاً من الخلاف لا يستحب التعجيل. وتقدم أن الخروج من الخلاف ليس دليلاً على حكم ما من الأحكام الشرعية.
والراجح: ما ذكره صاحب الفروع احتمالاً فقد قال: " ويتوجه احتمال أنه يتبع المصلحة " فإذا كانت المصلحة في التعجل فالمستحب هو التعجيل، كأن يصاب المسلمون بمجاعة في وقت من الأوقات ليس من أوقات زكوات الناس فحينئذ المستحب هو تعجيل الزكاة لدفع حاجة الناس وأما إن كانت المصلحة في التأخير وإعطائها في وقتها فهو المستحب. فعلى ذلك الراجح: أنه يباح له التعجيل لحديث العباس المتقدم وإن كانت هناك مصلحة شرعية في التعجيل فهو مستحب مراعاة للمصلحة والحاجة، ومراعاة المصالح والحاجات من مقاصد الشريعة. وفي هذا الزمن الناس يخرجون زكوات أموالهم الباطنة لا سيما الباطنة – بأنفسهم – وفي أيام إخراجها يخرجونها على أوجه غير شرعية لعدم اهتمام منهم أو لضيق وقت أو نحو ذلك. فإن عجلوا من أول السنة وهم يخرجون زكاة أموالهم حتى إذا تمت السنة يكونوا قد أخرجوا الزكاة كلها – هذا خير وأفضل. فكون الغني – مثلاً – يتكفل عائلة من الفقراء فيعطيهم كل شهر من زكاة ماله فيغنيهم من الفقر حتى إذا تمت السنة حسب ما دفع لهم أو لغيرهم من مستحقي الزكاة ثم حسب ذلك زكاة له وكان قد نوى التعجيل فإن ذلك هو الأفضل أما إن كان هناك من يقوم بالزكاة ويصرفها في مصارفها الشرعية في وقتها فهذا هو الأصل وإن كان يباح له التعجيل مطلقاً وإن لم تقتضيه المصلحة. مسألة: من كان له مال مثلاً في الرياض ومال في حائل فهل يخرج الزكاة من الذي في حائل أم في الرياض؟ إن كان المالان يكملان نصاباً وكل واحد بمفرده ليس بنصاب فإنه يجوز له دفعها في أحد البلدين والأولى أن ينظر الأحوج والأحق بها.
أما إذا كان المال نصاب في كلا البلدين فإنه يخرج عن كل بلد في بلدها، فمثلاً عنده مائة وخمس وعشرون شاة، أربعون منها في حائل، وخمس وثمانون في الرياض فالواجب عليه شاتان فيخرج شاة في الرياض وشاة في حائل عن الأربعين. (1) والحمد لله رب العالمين. الدرس الثاني عشر بعد المئتين (يوم الأحد: 13 / 1 / 1416هـ) باب هذا الباب فيمن تجزئ الزكاة إن دفعت إليهم، وهم الأصناف الثمانية، ولذا قال: (أهل الزكاة ثمانية) وهم المذكرون في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله} (2) أي لا تحل الزكاة إلا لهؤلاء المحصورين وهم الأصناف الثمانية أي إنما الصدقات تحل. ولذا اتفق العلماء على أن الزكاة لا يجوز ولا يجزئ أن تصرف في غير هذه الأصناف من أبواب البر والخير كبناء المساجد ووقف المصاحف وبناء القناطر، وإصلاح الطرق ونحو ذلك من أبواب الخير، وذلك لأن هذه الآية قد حصرت أهل الزكاة فلا يجوز أن تدفع لغيرهم. واعلم أن هذه الآية الكريمة فيها بيان لمن تحل لهم الزكاة وهم الأصناف الثمانية، فأي صنف منهم دفعت إليه أجزأت.
ولا يظهر أن المراد في الآية هو الاستيعاب، خلافاً لما ذهب إليه الشافعية من أن الآية فيها دليل على وجوب الاستيعاب، وهي أن تقسم الزكاة إلى ثمانية أسهم فيعطى كل صنف من هذه الأصناف الثمانية نصيباً فالآية لا تدل على هذا بل ظاهرها أن الزكاة يحل دفعها وتجزئ إلى هذه الأصناف الثمانية، وليس فيها وجوب استيعاب الأصناف الثمانية ومما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم – في حديث معاذ -: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (1) والفقراء صنف من هذه الأصناف الثمانية وقد أجزأ دفعها إليهم. فالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن أي صنف دفعت إليه الزكاة أجزأت وأن استيعاب هذه الأصناف الثمانية ليس بشرط خلافاً لما ذهب إليه الشافعية. قال: (الأول: الفقراء وهم من لا يجدون شيئاً أو يجدون بعض الكفاية) فالصنف الأول الفقراء: قال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} (وهم من لا يجدون شيئاً) أي لا يجد شيئاً يطعمه ولا مسكناً يؤيه ولا منكحاً ولا غير ذلك، أو له منكح وعيال وليس له ما ينفقه على نفسه وعياله مطلقاً، فليس له شيء مطلقاً ينفقه على نفسه أو من يعول. (أو يجدون بعض الكفاية) كأن يجد ربع كفايته أو ثلثها. وأما المسكين: فقال: (والمساكين يجدون أكثرها أو نصفها) . فالفقير من لا يجد شيئاً البتة أو يجد أقل من النصف كالربع أو الثلث. وأما المسكين فهو من لا يجد تمام كفايته وإن كان يجد أكثرها أو نصفها. صورة هذا: إذا كان يكفيه في الشهر ألف ريال ينفقه على نفسه وعياله وعنده عقار أو دكان أو وظيفة لا يخرج له منه إلا أربعمئة ريال، فهنا لا يجد إلا أقل من نصف كفايته فهو فقير.
أما إن كان يجد خمسمئة أو ستمئة أو ثمانمئة، فهو مسكين، وهذا باعتبار السنة، فلو أنه يحصل له في السنة ستة آلاف ولا يكفيه إلا اثنا عشر ألفاً، فإنه يُدفع له ستة آلاف لتتم كفايته، فإن الزكاة إنما تدفع له كفاية سنته وذلك لأنها لا تتكرر إلا في السنة فيعطى كفايته منها سنة. وهنا المؤلف قد جعل الفقير أشد حاجة من المسكين وهو كما قال، ولذا قدمه الله عز وجل في الآية على المسكين فقال: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} والتقديم مشعر بأهمية إعطائه وأنه أحوج من المسكين وهما في الحقيقة صنف واحد يجمعهما عدم تمام الكفاية ولعل الداعي إلى جعلهما نوعين أو صنفين مع أنهما في الحقيقة صنف واحد تنبيهاً على أهمية الدفع إليهم فهو جنس واحد فذكرت أنواعه للتكثير لأهمية الدفع إليهم وأنهم أولى من غيرهم بالزكاة، ولذا خصهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بها في حديث معاذ فقال: (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) . إذن: من لا يجدون كفايتهم يدفع إليهم من الزكاة ما يتمها كل سنة مما يحتاجون إليه من مشرب وملبس ومنكح – فإن النكاح من الحاجات التي يحتاج إليها الفقير، فيعتبر له ذلك فيعطى ما يمكنه أن ينكح به. واعلم أن الفقير والمسكين بضد الغني، فالغني لا يحل له أن يأخذ من الزكاة شيئاً والغني هو من يملك كفايته بالقوة أو بالفعل. إذن: الغني قسمان: من يملك كفايته بالفعل: أي عنده من الدراهم والدنانير أو عنده من المطاعم والمشارب والمساكن ما يكفيه فهو غني بالفعل. غني بالقوة: وهو المكتسب فليس بيده درهم ولا دينار لكن عنده قدرة بدنية على التكسب فهو جلد يمكنه أن يتكسب وأن يعمل ويتحرف، فهو غني فليس له أن يأخذ من الزكاة شيئاً إلا ألا يتمكن من عمل مع البحث عنه أو تمكن منه لكنه لا يقوم بكفايته فإنه يأخذ من الزكاة.
يدل على هذا ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: (أن رجلين أتيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه الصدقة فقلب النظر فيهما فرآهما جلدين فقال: إن شئتما أعطيتكما - وهذا من التوبيخ والتقريع لهما أي إن شئتما أطعمتكما حراماً، ويحتمل أن يكون أرجع إليهم الأمر لاحتمال أنه لم يتهيأ لهما شيء من عمل - ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) (1) . وجمهور العلماء على أن المعتبر بالغنى هو ما تقدم وهو أحد الروايتين عن أحمد وأصحهما عنه، وهي اختيار أبي الخطاب والمجد من الحنابلة وأن الغني هو من يجد كفايته. وقال أكثر الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الغني من يملك خمسين درهماً أو ما يساويها من الذهب أي خمسة دنانير، فمن ملكها فهو غني لا يحل له من الزكاة شيء. وهذا القول لا وجه له في النظر، وإنما استدلوا بحديث رواه أبو داود من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سأل الناس وعنده ما يغنيه كانت له خدوش أو كدوح يوم القيامة فقيل: يا رسول الله وما الغنى؟ فقال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب) (2) .
لكن الحديث ضعيف ففيه حكيم بن جبير وهو ضعيف الحديث بل قد ترك الإمام شعبة حديثه لهذا الحديث [الـ]ـضعيف فهو منكر من مناكيره فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا حظ لهذا القول من الرأي فهم يقولون أن من ملك خمسين درهماً فلا تحل له الزكاة وإن كانت هذه الخمسين لا تكفيه ولا تقوم بحاجته، بينما من ملك عشرة دراهم وهي فاضلة عن حاجته وهو غني غير محتاج فإن الزكاة تحل له، وهذا ضعيف كما تقدم. - وقال الأحناف: من ملك نصاباً فهو غني، فلا يحل له أن يأخذ من الزكاة شيئاً. واستدلوا: بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (تؤخذ من أغنيائهم) فسمى النبي صلى الله عليه وسلم من تؤخذ منه غنياً وهي إنما تؤخذ ممن ملك نصاباً فدل على أن مالك النصاب غني. والجواب على هذا أن يقال: إنما تؤخذ ممن ملك نصاباً؛ لأن الغالب فيه الغنى وإلا فقد يكون من يملك النصاب عنده من يعولهم كثرة وله حاجات كثيرة بحيث لا يكفيه ما عنده وهذا أمر ظاهر فإن من يملك أربعين شاة لا يكفيه ما يستفيده من هذه الأربعين شياه من القيام بنفسه وولده ونحو ذلك فيحتاج إلى أن يأخذ من الزكاة. فإذن: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تؤخذ من أغنيائهم) وكون الزكاة تؤخذ من مالك النصاب هذا بناءً على الأغلب فإن الأغلب أن مالك النصاب غني، لكن من يكون مالكه فقيراً فيدخل في عموم قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) فهو فقير أو مسكين فيدخل في عموم هذه الآية. فعلى ذلك الراجح أن الغني هو من يملك كفايته وأن الفقير قد لا يملك كفايته وإن ملك نصاباً زكوياً.
* واعلم أن من تفرغ للعبادة وهو قوي مكتسب فإنه لا يعطى من الزكاة شيئاً؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) وهو قوي مكتسب، والعبادة نفعها لازم به فلم يدفع له من الزكاة شيئاً بخلاف طالب العلم فإنه إن تفرغ للعلم وهو قوي مكتسب ولم يمكنه الجمع بين التكسب وطلب العلم فإن الزكاة تجوز له ويعطى منها لشراء كتب علم أو غيرها؛ وذلك لأنه قائم بمصلحة عامة من مصالح المسلمين والفرق بينه وبين العابد أن العابد قائم بنفع نفسه منفعة لازم له وأما طالب العلم فهو قائم بنفع متعد، فيجوز أن يأخذ منها طالب العلم وإن كان يمكنه التكسب إذا كان يشغله، وأما إن كان لا يشغله عن العلم ويمكنه الجمع بين العلم والتكسب فإنه لا يحل له أن يأخذ منها شيئاً؛ لأنه قوي مكتسب غني بقوته. قال: (والثالث: العاملون عليها وهم جباتها وحفاظها) وقسامها وكتبتها وغير ذلك، هؤلاء هم العاملون عليها، لقوله تعالى: {والعاملين عليها} فجباة الزكاة: الذين يجمعونها من الأغنياء. وحفاظها: الذين يحفوظنها في المستودعات وغيرها. وقسامها: الذين يصرفونها إلى أهلها، هؤلاء يدفع لهم من الزكاة أجرة وعُمالة على عملهم لقوله: {والعاملين عليها} فتدفع إليهم وإن كانوا أغنياء، فلا يشترط أن يكون العامل فقيراً.
ودليل هذا: ما ثبت في مسلم عن ابن الساعدي قال: عملت على الصدقة لعمر فلما فرغت منها وأديتها إليه قال: خذ هذه العُمالة فقلت: إنما عملت لله فأجري على الله فقال: خذ ما أعطيتك فإني عملت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقلت مثل ما قلت فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فخذ فكل وتصدق) (1) وهذا الحديث يدل على أنها تدفع للعامل وإن كان غنياً، ويفيده أيضاً إطلاق الآية في قوله: {والعاملين عليها} وهل يشترط أن يكون العامل عليها مسلماً؟ قال جمهور العلماء باشتراطه واحتجوا بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} فدلت هذه الآية على أن الولاية لا يعطي للكافر والعمل على الزكاة ولاية ولذا قال تعالى: {والعاملين عليها} فأتى بلفظة " على " التي تفيد تضمن الولاية أي العاملون ولاية عليها وقد قال عمر: (لا تأمنوهم وقد خونهم الله) (2) . وعن الإمام أحمد وهو مذهب أكثر أصحابه: أن ذلك جائز فيجوز أن يتولاها الذمي؛ قالوا: لأنه يأخذها أجرة، لا زكاة. والراجح هو القول الأول وأن ذلك لا يجوز لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} والعمل على الزكاة ولاية ولذا يتولاها في الغالب أشراف الناس فهو ولاية على الزكاة وتسليط على الغني لأخذ الزكاة فيها وصرف لها إلى المستحقين فهي ولاية، فلا يجوز أن يتولاها كافر لكن العمل على الزكاة في غير الولاية عليها كالرعاة لها والحاملين لها من منطقة إلى أخرى والحارس وغير ذلك يجوز أن يكونوا كفاراً؛ لأن هذه ليست من الولاية في شيء وإنما هي استئجار ويجوز أن يستأجر الكافر في مثل هذه الأعمال. وهل يشترط أن يكون بالغاً؟ المشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم: اشتراط أن يكون بالغاً.
ووجه صاحب الفروع: جواز استعمال المميز العاقل الأمين، وهو كما قال؛ لحصول المقصود به. فإنه إن كان أميناً عاملاً فإن المقصود يحصل به كحصوله بالبالغ ويشترط أن يكون أميناً ليحفظ هذه الأموال التي يجمعها وليصرفها إلى مستحقيها. إذن: يشترط أن يكون مسلماً أميناً عاقلاً، وهل يشترط أن يكون بالغاً الظاهر أنه لا يشترط، فإنه إذا توفرت فيه الأمانة والعقل فإن المقصود يحصل وإن لم يكن بالغاً وإن كان البالغ أولى. * ولا يجوز أن يتولاها أحد من ذوي القرابة للنبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم، يدل على هذا ما ثبت في مسلم أن بعض بني هاشم سأل النبي صلى الله عليه وسلم العمل على الصدقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنها لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) (1) لكن إن وضعهم الوالي جباة وأعطاهم من الفيء لا من الزكاة فإن هذا جائز، أما الزكاة فلا يعطون منها لهذا الحديث. قال: (الرابع المؤلفة قلوبهم ممن يرجى إسلامه) رجل كافر ونرجو إذا أعطيناه شيئاً من المال أسلم وترك دينه، فإنه يعطى من الزكاة، فقد ثبت في مسند أحمد: عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (وكان لا يسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه، فسأله رجل فأعطاه شاءً كثيراً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) . قال: (أو كف شره) رجل من أهل الشر كأن يكون من الكفار من يقطع الطرق على المسلمين أو من الدول الكبيرة من يخشى ضررها على المسلمين فيجوز أن تعطى من الزكاة، وذلك لكف الشر عن المسلمين فإنه كان لا يسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه وهنا كذلك فإن هذا فيه حفظ للإسلام وأهله، فيجوز أن يعطي السيد من الكفار أو المسلمين ما يحفظ به شره. فإذا خشي على قوم أو طائفة أن يمنعوا الزكاة فأعطى سيدهم مالاً لكي يجبرهم على إخراجها فلا بأس. قال: (أو يرجى بعطيته قوة إيمانه)
أي يرجى بإعطائه أن يحسن إسلامه، فكذلك وقد ثبت في الصحيحين أن علي بن أبي طالب: (بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذَهبة (1) ِ في تربتها – أي من اليمن – فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين أربعة: الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصين وعلقمة بن عُلاثة وزيد الخير، فغضبت قريش وقالت: يعطي صناديد نجد ولا يعطينا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما فعلت ذلك لأتألفهم) (2) فهذا فيه إعطاء السيد المطاع الذي يرجى تأليفه على الإسلام فهم كانوا ذوي إسلام وإنما أعطوا من أجل أن يحسن إسلامهم، كذلك يجوز أن يعطي السيد المطاع لإسلام نظرائه في القبائل، فإنهم إذا رأوا ما يكرم به السيد المسلم كان ذلك أدعى لإسلامهم. إذن: المؤلفة قلوبهم: هم من يرجى بإعطائهم نفع نفسه أو نفع غيره، وهم السادة المطاعون في أقوامهم أو من دونهم إذا وجدت هذه المصلحة. فالسيد المطاع في قومه ونحوه سواء كان مسلماً أو كافراً إذا أعطى لجلب مصلحة أو دفع مضرة تأليفاً فإن ذلك جائز لا حرج فيه دل عليه عموم القرآن في قوله: {والمؤلفة قلوبهم} ودلت عليه السنة النبوية. إذن: من يرجى إسلامه وهو كافر أو يخشى شره وضرره فإنه يعطى من الزكاة، أو هو مسلم فيعطى ليتقوى إيمانه بذلك أو ليكون ذلك سبباً في إسلام نظيره أو لئلا يمنع قومه من أداء الزكاة أو ليجبر غنيهم على دفعها ونحو ذلك من المصالح الشرعية فإن ذلك جائز.
وإعطاء المؤلفة قلوبهم توقف في عهد عمر وعثمان وعلي لقوة الإسلام وظهوره. واحتيج إليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وتوقفه في عهد الخلفاء الثلاثة لا يعني تركه، وإنما لزوال الحاجة الداعية إليه، فإذا تكررت الحاجة الداعية فإن هذا الحكم يثبت فهؤلاء أصناف أربعة وهؤلاء تدفع إليهم الزكاة تمليكاً ولذا ثبتت لألفاظهم " لام " التمليك فقال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم …} قال: {وفي الرقاب} فالأصناف الأربعة الأخيرة لا تمتلكها فمتى زالت الحاجة الداعية إليها فإنها تعاد وترجع، أما هذه الأصناف الأربعة فإنهم يستحقونها وإن زال السبب. فلو أن رجلاً فقيراً فدفعت إليه الزكاة ثم اغتنى بعد زمن يسير ولم يصبح محتاجاً إلى الزكاة، فإنه قد امتلكها بدفعها إليه قبل غناه، وكذلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها والمساكين يدفعها إليه قبل غناه وكذلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها والمساكين. مسألة: الفقير هل يعطى من الزكاة - هل يعطى - على حسب عرف الناس فيكون وسطاً بين الناس أم يعطى دون ذلك فيسكن السكن الرديء ويأكل الأكل الرديء ويشرب الشراب الرديء وهكذا؟ الظاهر أنه يعطى ما يكون به وسطاً؛ لأن النفقة في الأصل تكون بالمعروف فالنفقات الشرعية تكون بالمعروف كما في غير ما دليل يدل على ذلك، فما يكون في وسط الناس هو المعروف. ولأن إعطائه الشيء الرديء قد تفوت به بعض مقاصد الشريعة من لجوئه إلى سرقة أو زنا أو نحو ذلك من الأشياء المحرمة التي في الحقيقة الزكاة تدفع مثل هذه الأشياء كما أن حقيقة المواساة تثبت بهذا. * تقدم أن الفقير يعطى زكاة سنة؛ لأنها لا تتكرر، فمثلاً يعطى رجل مئة ألف تكفيه سنة، أما إذا كانت تفيض على السنة فلا يجوز، وذلك لأن الكفاية محسوبة بالسنة فهو الآن فقير فإذا أعطيناه ما يكفيه أصبح غنياً، فإذا زدنا فكما لو أعطيناه وهو غني.
والحمد لله رب العالمين. الدرس الثالث عشر بعد المئتين (يوم الاثنين: 14 / 1 / 1416هـ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الخامس: الرقاب) لقوله تعالى: {إنما الصدقات …} إلى قوله: {وفي الرقاب} . قال: (وهم المكاتبون) وتقدم تعريف المكاتب. والكتابة: اتفاق بين السيد ورقيقه بتحرير الرقيق مقابل أقساط معلومة يدفعها الرقيق لسيده حتى يتم فك رقبته من العبودية لسيده، فالمكاتب يجوز أن يعان على مكاتبته من الزكاة، فيعطى من الزكاة ما يتم به فكاك رقبته. ومثل ذلك أيضاً: الرقيق غير المكاتب لعموم قوله: {وفي الرقاب} فالرقيق غير المكاتب يجوز أن يفك أسره من عبودية سيده بأن تحرر رقبته بالأموال الزكوية. فيدخل في قوله: {وفي الرقاب} الرقاب المكاتبة، والرقاب غير المكاتبة. قال: (ويفك منها الأسير المسلم) إذا وقع مسلم في الأسر تحت أيدي الكفار فيجوز أن يفدى من الزكاة، فيعطى الكفار من الزكاة ليفكوا أسره، وهو داخل في عموم قوله تعالى: {وفي الرقاب} ؛ لأنها رقبة مأسورة تحتاج إلى فك فدخلت في عموم قوله: {وفي الرقاب} . وفي قوله: (المسلم) ما يدل على أن الرقبة إنما تفك إذا كانت مسلمة، وهذا ظاهر، فإن الزكاة إنما تختص بالمسلمين، إلا ما تقدم في المؤلفة قلوبهم فإنها إنما تدفع لكفار منهم لمصلحة المسلمين. قال: (السادس: الغارم لإصلاح ذات البين ولو مع غنى أو لنفسه مع الفقر) السادس: الغارم، وهو من عليه غُرم، والغرم هو الدين قال تعالى: {والغارمين} وقسم المؤلف الغارم إلى قسمين: القسم الأول: الغارم لإصلاح ذات البين. القسم الثاني: الغارم لنفسه.
أما الغارم لإصلاح ذات البين، فهو الرجل يصلح بين طائفتين من الناس فيتحمل من أجل هذا الإصلاح أموالاً في ذمته كأن يقع شجار بين قبيلتين بينهم ديات فيتحمل هذه الديات لتزول ما بينهم من العداوة فهو المصلح ذات البين، فإنه يعطى من الزكاة؛ لدخوله في عموم قوله: {والغارمين} ولما ثبت في مسلم عن قبيصة قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد تحملت حمالة فسألته فيها فقال صلى الله عليه وسلم: أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) (1) قال: (ولو مع غنى) فيعطى من الزكاة ولو كان غنياً، وقد تحملها ويمكنه أن يدفعها من ماله فإنه يعطى من الزكاة؛ وذلك لأن هذا الغرم لمصلحة عامة أشبه ما يعطى العامل الغني ومن يؤلفه قلبه، فإنه للمصلحة العامة يعطى مع الغنى فكذلك المصلح ذات البين ولإطلاق قوله تعالى: {والغارمين} فهي لفظة مطلقة غير مقيدة بالفقر أو بالعجز عن القضاء. قال: (أو لنفسه) عليه دين لمصلحة نفسه من مسكن أو منكح أو مطعم أو غير ذلك من الأمور المباحة له فإنه يعطى من الزكاة. أما إن كانت أموراً محرمة فإن ذلك لا يجوز؛ لأن في ذلك تعاوناً على الإثم قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (2) وهذا تعاون على الإثم فلا يعطى من الزكاة. لكن إن تاب فإنه يعطى من الزكاة لأنه غارم، وإنما منعنا من إعطائه لو لم يتب لما في ذلك من التعاون على الإثم أما وقد تاب إلى الله تعالى فإن هذا المعنى يزول. ومثل ذلك إذا كانت الديون على أمور سرف فإن الزكاة لا تدفع إليه كمن يقترض لمفاخرة في منزل أو ملبس أو مشرب أو نحو ذلك من أمور التكاثر والترف فإنه لا يعان على ذلك لأنها أمور مرفوضة في الشريعة فلا يعان عليها لكن إن تاب إلى الله من ذلك أو ترك هذا فإنه يعاون لزوال المعنى المتقدم.
إذن: من عليه دين لنفسه لأمور مباحة أو لأمور محرمة، لكن تاب منها فإنه يُعان من الصدقة. وهنا اشترط الفقر فقال: (أو لنفسه مع الفقر) : وهذا أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو اشتراط الفقر في المدين. ولم أر دليلاً يدل عليه وفي اشتراطه نظر، فإن الآية القرآنية مطلقة وقد قال تعالى: {والغارمين} فظاهرها أن كل غارم يعطى من الزكاة وإن كان قادراً على التكسب والعمل وذلك؛ لأنه غارم والزكاة إنما أثبتت لهم – الزكاة - لمعنى الغرم لا لمعنى آخر سواه. وإن كان مراد المؤلف هنا بقوله: مع الفقر، بأن يكون قادراً على دَيْنه من ماله، فهذا لا إشكال فيه، فلو كان عنده مال وهو قادر على قضاء الدين فلا يعطى من الزكاة بل يؤمر بقضاء الدين من ماله أما إن كان غنياً عنده ما يكفيه ويكفي عائلته لكن عليه ديون، فإنه يعطى من الزكاة لأنه غارم وقد قال تعالى: {والغارمين} . إذن: الغارم لمصلحة نفسه يعطى من الزكاة مطلقاً سواء كان غنياً أو فقيراً ما دام غير قادر على قضاء دينه ولو كان عنده قدرة على التكسب والتحرف لقضاء الدين فإنه غارم فيعطى من الزكاة وإن كان عنده ما يكفيه ويكفي عائلته بالمعروف. والغارم إنما يعطى من الزكاة لدفع غرمه لا للتمليك، فإنه لا يدفع له المال ليتملكه ويصرفه في أي مصرف شاء وإنما يدفع إليه ليقضي دينه منه. ولذا فإن فضل منه شيء فيجب عليه رده. فلو أن رجلاً أعطي عشرة آلاف لقضاء دينه فذهب بها إلى الدائن فأعفاه عن بعضها فيجب عليه أن يرد هذا الباقي لأنه إنما دفع لمصلحة إزالة الغرم عنه، فليس له أن يتملكه وقد زال السبب الذي من أجله أعطي الزكاة.
كذلك لا يشترط إذن الغارم في إعطاء الغريم حقه فلو أن رجلاً يطالب بمبلغ مالي لأحد من الناس فللقائم على مصلحة الزكاة – العامل عليها - ولصاحب المال أن يعطي الدائن مباشرة من غير إذن الغارم؛ وذلك لأن المقصود هو إزالة الغرم ولا يحتاج حينئذ إلى إذن الغارم؛ وذلك لأنه لا يمتلك هذا المال فلا يعطاه تمليكاً له وإنما يعطاه إزالة لغرمه وحيث كان كذلك فلصاحب المال أن يعطيه الغريم من غير إذن الغارم. مسألة: والصحيح من المذهب أن من أبرأ مدينه بنية الزكاة فإن ذلك لا يجزئه. فلو أن رجلاً له على فلان عشرة آلاف فقال له: ذمتك بريئة من هذه العشرة آلاف ونوى ذلك زكاة، فإن ذلك لا يجزئه في الصحيح من المذهب. - وقال بعض الحنابلة بالجواز، لأنها صدقة فإبراء ذمة المدين صدقة وحيث كانت صدقة فإن ذلك يجزئه عن زكاته بالنية. والأظهر هو المذهب الأول؛ وذلك لما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب قال: (حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه " أي أضاعه من حملته عليه أي لم يقم برعايته " فأردت أن اشتريه منه وظننت أنه يبيعه لي برخص فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا تشتر ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يقيء فيعود في قيئه) (1) وهذا المعنى المستقبح يدل على تحريم العودة في الصدقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن ذلك فقال: (لا تشتر) فدل على أن اشتراء الصدقة محرم، ودل هذا على ما نحن فيه من أن إعادة الصدقة إلى مصلحة نفسه ومنفعة نفسه فإن ذلك محرم وهو إذا أبرأ المدين من الدين فإنه قد أعاد الصدقة إلى نفسه فحرم ذلك. فالشارع نهى عن العود في الصدقة وفي إباحة ما تقدم، عودة في الصدقة.
ومثل ذلك – أيضاً في الصحيح من المذهب، وخالف بعض الحنابلة أيضاً كالمخالفة في المسألة السابقة – في أنه لا يجوز أن له يعطي المدين له زكاته حيلة إلى العود. فلو أن رجلاً يريد من رجل عشرة آلاف فليس له أن يدفعها له ويقول: هذه زكاة مالي حيلة لإعادتها إلى نفسه، سواء شرط هذا أو علم أن الغارم سيعيدها إليه، هذا أمر محرم. فإن المسألة السابقة محرمة وإذا شرط ذلك فإنه محرم وإذا أبرأه فإن ذلك محرم والحيلة إلى المحرم محرم، أما لو دفعها إليه فإن ذلك جائز كأن يراه محتاجاً إلى الصدقة فأعطاه الزكاة فإن ذلك جائز لا حرج فيه. إذن: لا يحل له أن يبرأ ذمة المدين ولا أن يدفع إليه الزكاة حيلة لإعادتها لمنفعة نفسه، وفي هذا – كما تقدم – مصلحة كبيرة حفظاً للزكاة من عبث أصحاب الأموال لتبرئة ذمم المعسرين وغيرهم الذين قد تسقط عنهم الحقوق بالإعفاء أو غيره فتذهب زكوات كثيرة لنفع أصحاب الأموال. مسألة: هل يجوز أن تدفع الزكاة للغارم الميت أم هي مختصة بالغارم الحي؟ فلو أن رجلاً توفى وعليه دين فهل يجوز قضاء دين من الزكاة أم هو مختص بالحي؟ قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب الحنابلة: 1- القول الأول: أن ذلك لا يجوز وهو مذهب جمهور العلماء. قالوا: لأن الزكاة حينئذ قد دفعت إلى الغريم لا إلى الغارم، وقد قال تعالى: {والغارمين} وعندما ندفعها إلى الدائن فقد دفعناها إلى الغريم ولم ندفعها إلى الغارم. 2- وقال المالكية، وهو قول في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام: أن ذلك جائز؛ لعموم قوله تعالى: {والغارمين} فيدخل في عمومها الغارم الميت. قالوا: وأما تعليلكم فهو ضعيف فإن المقصود هو دفع الغرم سواء دفع المال إلى الغارم أو إلى الغريم، ولذا أجزنا – كما تقدم – دفعها إلى الغريم مباشرة بغير إذن الغارم، لأن دفعها إلى الغارم ليس بمقصود، بل المقصود هو إبراء ذمته من الدين سواء دفع هذا إلى الغريم أو الغارم.
فعلى ذلك الراجح مذهب المالكية وهو قول في المذهب واختيار شيخ الإسلام أن الغارم الميت يجوز أن يبرأ ذمته من دينه بالزكاة. قال: (السابع: في سبيل الله) لقوله تعالى: {وفي سبيل الله} قال: (وهم الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم) أي لا يعطون رواتب من الديوان أي من بيت المال أي من الفيء. فإذا كان يعطى من الفيء فإنه لا يعطي من الزكاة أما إن لم يكن يعطى من الفيء أو كان يعطى من الديوان ما لا يكفيه فإنه حينئذ يعطى من الزكاة. يعطى – المجاهد – ما يكفيه لغزوته ذهاباً وإياباً وما يحتاج إليه من أدوات الحرب ومراكبه وما يحتاج إليه من الطعام وغيره، لقوله تعالى: {وفي سبيل الله} يعني الجهاد هذا ولو كان غنياً، وذلك لما تقدم من التعليل السابق فإنه إنما يعطى للمصلحة العامة، ولأن الله أطلق فقال: {وفي سبيل الله} ولم يقيده بالفقراء. ويعطى من يريد الجهاد في سبيل الله ما يكفيه لغزوته تلك وليس له أن يوفر من ذلك شيئاً، فإذا بقى معه شيء من المال فاض عن غزوته فإنه يجب عليه أن يخرجه زكاة أو أن يعيده إلى مصلحة الزكاة. - وأدخل الحنابلة الحج والعمرة الفرض، فقالوا: يجوز أن يأخذ الحاج والمعتمر من الزكاة ما يحج به ويعتمر. - وفي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد: في فرض أو نفل، وهو ظاهر إطلاق بعض الحنابلة فيأخذ للحج والعمرة سواء كان فرضاً أو نفلاً.
قالوا: ولما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأم معقل، وكانت لم تحج واعتذرت بأنه ليس لها ما تركبه وأن زوجها قد أوصى بحمله في سبيل الله فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فهلا حججتي منه فإن الحج في سبيل الله) (1) ، وبما صح عن ابن عمر – كما في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام بإسناد صحيح أنه قال: (أما إن الحج في سبيل الله) (2) فدل على دخول الحج والعمرة في حكمه – في عموم قوله تعالى: {وفي سبيل الله} . - واختار الموفق وهو مذهب جمهور العلماء: أن الحاج والمعتمر لا يعطي شيئاً من الزكاة وإن كان الحج والعمرة فرضاً؛ لأن الحج والعمرة لا يجبان مع الفقر فإن الله قال: {من استطاع إليه سبيلاً} فهما لا يجبان عليه؛ لأنه فقير. والأقوى ما ذهب إليه الحنابلة لقوة ما استدلوا به من دخولها في سبيل الله وإن كان فيما ذكره جمهور العلماء قوة على أن الجهاد في سبيل الله الكفائي وهو سنة غير فرض يعطى الغازي ما يكفيه لغزوته وإن كان ذلك مستحباً لا واجباً، لكن يظهر الفرق بينهما بأن الجهاد لمصلحة عامة ومصلحة متعدية، وأما الحج والعمرة فهو لمصلحة خاصة أو مصلحة قاصرة على صاحبها.
ويدخل في سبيل الله طلب العلم، فيعطى طالب العلم الزكاة ما يكفيه لمؤنة نفسه، وما يكفيه لكتب العلم وغيرها مما يحتاج إليه في تعلمه ورحلته وغير ذلك، فهذا جائز لأن العلم في سبيل الله، فهو كالجهاد بل هو نوع من أنواع الجهاد وقد قال صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) (1) والعلم هو سبب الجهاد باللسان فلا قيام للجهاد باللسان إلا بالعلم وقد قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} (2) فالكتاب والميزان هو العلم والحديد هو أداة الجهاد في سبيل الله باليد. فالعلم نصرة لله والجهاد في سبيله، وهو الجهاد الذي قام به النبي - صلى الله عليه وسلم - في أكثر عمره بمكة فقد أقام ثلاث عشرة سنة يجاهد بالعلم والقرآن. * وألحق الشيخ محمد بن إبراهيم، وأفتى به المجمع الفقهي على أن الدعوة إلى الله عز وجل ومصالحها داخلة في هذا. وهو قول قوي؛ لأن الدعوة جهاد في سبيل الله فهي جهاد باللسان كما تقدم، فيجوز أن يعطى الدعاة المتفرغون للدعوة أن يعطوا من الزكاة. قال: (الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به) أي المنقطع به سفره لقوله تعالى: {وابن السبيل} أي ابن الطريق. وهو كما قال المؤلف: (المسافر المنقطع به سفره) . قال: (دون المنشئ للسفر من بلده) فالمنشئ للسفر من بلده ليس ابن سبيل، فلو أن رجلاً في بلده وبين أهله وعشيرته فليس ابن سبيل، وذلك لأنه [ليس] في سبيل، فليس في طريق. لكن ابن السبيل هو من انقطع به في طريقه خارجاً عن بلده فإنه يُعطى من الزكاة وإن كان غنياً أي إن كان غنياً في بلده ما دام محتاجاً إلى الزكاة في سفره وهذا إذا كان السفر مباحاً.
أما إذا كان السفر محرماً إلا أن يضطر إلى ذلك دفعاً للضرورة، أما إن أمكنه أن يقترض فإنه لا يعطى من الزكاة لما في ذلك من إعانته على المحرم إلا أن يظهر فيه التوبة فإنه يعطى. أما من كان في سفر مباح فإنه يعطى من الزكاة وإن أمكنه الاقتراض في هذه البلدة فإنه يعطى من الزكاة كما هو أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو ظاهر إطلاق الآية الكريمة: {وابن السبيل} ظاهره وإن كان قادراً على الاقتراض فإن في طلب الاقتراض كلفة أو منة فلا يلزم به ويعطى من الزكاة. قال: (فيعطى ما يوصله إلى بلده) فيعطى المال الذي يحتاج إليه في طريقه من مركب، ومطعم ومشرب وغير ذلك مما يحتاج إليه فإنه يعطاه من الزكاة حتى يرجع إلى بلده. كما أنه لو كان قاصداً بلداً من بلده فانقطع في الطريق بينهما فإنه يعطى ما يكفيه للذهاب إلى البلدة التي هو قاصد لها وما يكفيه للرجوع منها إلى بلده لأنه ابن سبيل فيعطى ما يكفيه حتى يرجع إلى بلده حيث ماله هناك. فإن فضل منه شيء فيجب عليه الرد لأنه لا يعطاه تمليكاً له وإنما لزوال الحاجة التي هي سبب لإعطائه فمتى ما أن قضت الحاجة، وتوفر معه شيء فلا يجوز له أن يمسكه لنفسه بل يجب عليه أن يرده. قال: (ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم) وهذا ظاهر فإن الرجل الذي يعول عائلة لا يعطى ما يكفيه وحده بل يعطى ما يكفيه وما يكفي من يعول؛ لأنه كما أنّا نقصد دفع حاجته فكذلك نقصد دفع حاجة من يعول فيعطى لزوجته ولأولاده، لأن المقصود هو دفع حاجة الفقراء وهم فقراء، وهو وإن كان عائلاً لهم فهو عاجز عن القيام بالنفقة عليهم فيعطى هو من النفقة ما يكفيه وما يكفي من يعول. قال: (ويجوز صرفها إلى صنف واحد) تقدم البحث في هذا في أول هذا الباب. قال: (ويسن إلى أقاربه الذي لا تلزمه مؤنتهم)
فيسن له أن يدفع زكاة ماله إلى أقاربه؛ وذلك لأن إعطاء القريب الزكاة صدقة وصلة، وأما إعطاؤها للأجنبي فهي صدقة فحسب ولذا قال: النبي - صلى الله عليه وسلم - – فيما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح -: (الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي القرابة اثنتان صدقة وصلة) (1) . وأما تقييده بقوله: (لا تلزم مؤنتهم) فيأتي هذا وأنه من تلزمه مؤنتهم لا يجوز أن يعطيهم من الزكاة شيئاً بل يجب عليه أن ينفق عليهم من غير الزكاة. أما إن كان لا يلزمه مؤنتهم فالأفضل دفع الزكاة لهم ولذا إن أخر زكاة ماله لإعطائها قريب وكان التأخير يسير فهو جائز له كما تقدم. فإن إعطاء القريب أفضل من إعطاء البعيد؛ لما في ذلك من الصلة المأمور بها وهي أيضاً صدقة، فتفضل على الصدقة على البعيد بكونها صلة. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. الدرس الرابع عشر بعد المئتين (يوم الثلاثاء: 15 / 1 / 1416 هـ) فصل (ولا تدفع إلى هاشمي) الهاشمي: هو نسبة إلى هاشم بن عبد المطلب جد النبي - صلى الله عليه وسلم - فالهاشميون هو بنو هاشم بن عبد المطلب القرشي فالزكاة لا تدفع إلى هاشمي فمن ثبت نسبه إلى بني هاشم ذكراً كان أو أنثى فلا تحل له الزكاة. ودليل هذا ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبعض بني هاشم: (إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) (2) فالصدقة لا تنبغي لآل محمد، وهم بنو هاشم وهذا باتفاق العلماء، وأن الهاشميين لا تحل لهم الصدقة.
وظاهر كلام الفقهاء أنها لا تحل لهم مطلقاً سواء أعطوا من الخمس أو لا، فإن لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم لهم حق في الفيء فلهم خمس الخمس فظاهر كلام الفقهاء أن الزكاة لا تحل لهم وإن لم يعطوا نصيبهم من الخمس. واختار شيخ الإسلام وهو وجه عند بعض الشافعية واختاره بعض الحنابلة: أن الصدقة تدفع إليهم إن لم يعطوا من الخمس لحاجتهم إلى ذلك. وفي هذا نظر، فإن الحديث المتقدم عام وأن الصدقة لا تحل لهم مطلقاً وكونهم يمنعون من حقهم من الخمس لا يجعل ما حرم عليهم حلالاً، فإن الصدقة محرمة عليهم لا تحل لهم وكونهم يمنعون من الخمس لا يعني ذلك أن يباح لهم أخذ الزكاة. وموالي بني هاشم ليس لهم في الخمس شيء ومع ذلك فإن الصدقة لا تحل لهم بنص النبي - صلى الله عليه وسلم -. فعلى ذلك الأظهر ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن الصدقة محرمة عليهم وإن لم يعطوا من الخمس شيئاً. وظاهر كلام المؤلف أيضاً وهو ظاهر كلام الفقهاء أن الصدقة لا تحل لهم وإن كانت من بعضهم، فلا تحل صدقة الهاشمي للهاشمي، فليس للهاشمي أن يدفع زكاته إلى هاشمي وليس للهاشمي أن يقبلها خلافاً لشيخ الإسلام، فإنه رأى جواز ذلك لهم، وفي ذلك نظر، فإن الحديث عام، وكما أن الصدقة أوساخ للناس فهي أوساخ لأموال بني هاشم. وأما ما رواه الحاكم من أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله العباس فقال: (هل تحل صدقة بعضنا لبعض) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم) (1) فالحديث إسناده لا يصح. فعلى ذلك الظاهر ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن الزكاة لا تحل لبني هاشم أعطوا من الخمس أم لم يعطوا ولا تحل لهم أيضاً وإن كانت من بني هاشم.
أما صدقة التطوع فإنها تحل لهم وحكى صاحب الفروع ذلك إجماعاً، وذلك لأن العلة الثابتة في صدقة المال الواجبة ليست ثابتة في صدقته التطوعية فإن صدقة التطوع ليست من أوساخ الناس بدليل أن من تصدق ولم يزك فإن ماله لا يتطهر، فهي وإن كانت مطهرة لصاحبها من الإثم لكنها ليست بوسخ المال هذا هو مذهب جماهير العلماء وحكاه صاحب الفروع إجماعاً. إلا ما قاله الشوكاني من أن صدقة التطوع محرمة.. (1) أيضاً؛ وذلك لأنها من أوساخ الناس أيضاً. وفي هذا نظر فإن صدقة التطوع ليست بأوساخ الناس كما تقدم بدليل أنها لا تطهر المال حتى تخرج زكاته. فالصحيح مذهب جماهير العلماء من أن صدقة التطوع تحل لهم وهو الذي تقتضيه المصلحة فإنهم قد يمنعون من الخمس وعندما يمنعون من الصدقة التطوعية مع منعهم من زكاة المال لا شك أنه يلحقهم ذلك حرجاً عظيماً وقد أتت الشريعة بنفي الحرج ورفعه. قال: (أو مطلبي) المطلبي: نسبة إلى المطلب بن عبد مناف أخي هاشم بن عبد مناف، فلعبد مناف: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس. فلا تحل الزكاة لبني هاشم ولا تحل أيضاً لبني أخيه المطلب أما بنو عبد شمس وبنو نوفل فإنها تحل لهم اتفاقاً – هذا ما ذكره المؤلف وهو مذهب الشافعي.
واستدلوا: بما ثبت في مسلم: أن جبير بن مطعم – وهو من بني نوفل ابن عبد مناف قال: (مشيت أنا وعثمان بن عفان " وهو من بني عبد شمس ابن عبد مناف " إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله إنك قد أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة) (1) أي بمنزلة واحدة منك فجبير من بني نوفل بن عبد مناف وعثمان من بني عبد شمس فهم بمنزلة واحدة من بني المطلب أي تخصيصك لبني هاشم هذا لا غرابة فيه فأنت من بني هاشم، لكن إعطاءك لبني المطلب ونحن وهم بمنزلة واحدة منك هذا أوجد عندنا شيئاً من الاستغراب فنحن نطالب بذلك لما في ذلك من الشرف والمنزلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد) وذلك لأن بني المطلب كانت لهم نصرة عظيمة لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، فإنهم قد نصروهم في الشعب وغيره. بخلاف بني عمهم من عبد شمس ونوفل فإنهم قد خذلوهم في الشعب وفي غيره ولذا لهذه النصرة العظيمة راعى النبي صلى الله عليه وسلم حق بني المطلب فأعطاهم من الخمس الذي هو لذي القربى قالوا: فكما لبني المطلب في الخمس فليس لهم نصيب من الزكاة فلا تحل لهم الزكاة. وقال جمهور العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول شيخ الإسلام: أن بني المطلب تحل لهم الزكاة. واستدل بعمومات الأدلة الشرعية الدالة على إعطائها للفقير والمسكين وغيرهم ممن تقدم ذكرهم من الأصناف وبنو المطلب يدخلون في هذه العمومات ولا دليل على استثنائهم فقد صحت الأدلة باستثناء آله وهم بنو هاشم ولم يصح دليل على استثناء بني المطلب.
قالوا: وأما قوله: (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد) فإن هذا في الخمس لمقتضى النصرة التي قاموا بها لبني هاشم أما الزكاة فإنه لا معنى لاختصاصهم عن بني عبد شمس وبني نوفل، هذا هو القول الراجح وأن بني المطلب تحل لهم الزكاة. قال: (ومواليهما) أي موالي بني هاشم وموالي بني المطلب لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح عن أبي رافع – وهو مولى النبي صلى الله عليه وسلم فهو من موالي بني هاشم قال: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة رجلاً من بني مخزوم) وهذا يدل على أن سائر فروع قريش من بني مخزوم وغيرهم تحل لهم الزكاة فإنه قد جعله عاملاً على الصدقة فقال: (اصحبني حتى تنال منها) أي من الزكاة على العمل فسألت النبي صلى الله عليه وسلم: (فقال: لا، مولى القوم من أنفسهم وإنها لا تحل لنا الصدقة) (1) فدل على أن مولى القوم - أي عتيقهم - أنه من أنفسهم فمولى بني هاشم من أنفسهم فلا تحل لهم الزكاة. وقد تقدم أن ذوي قرابته لا يحل لهم العمل على الصدقة بأجرة، أما إذا كان من الفيء فإن ذلك لا بأس به.
واعلم أن ما تقدم من منع بني هاشم ومواليهم من الصدقة إنما هو ما كان لمصلحة أنفسهم أما ما يدفع إليهم للمصلحة العامة كأن يكون أحدهم غازياً أو مصلحاً ذات البين أو مؤلفاً قلبه فإنه يعطى من الزكاة إذ لا فرق بين بني هاشم وغيرهم في هذا، وهو إنما يعطي حينئذ للمصلحة العامة، والمصلحة العامة المقصود إيجادها سواء كانت لهاشمي أو غيره فالمنع المتقدم حيث كان لمصلحة نفسه في عمل على الصدقة أو كان فقيراً أو مسكيناً أو غارماً لمصلحة نفسه، وأما إن كان غارماً لمصلحة غيره كالمصلح ذات البين أو كان مؤلفاً قلبه على الإسلام أو كان في سبيل الله غازياً فإن الصدقة تدفع إليه. قال: (ولا إلى فقيرة تحت غني منفق) إذا كانت الزوجة فقيرة لا مال لها لكن زوجها غني ينفق عليها، فلا تحل لها الزكاة لاستغنائها بزوجها وكذلك الولد الذي لا مال له ولا عمل ووالده ينفق عليه فلا تحل له الزكاة لاستغنائه بنفقة والده وهكذا. فكل من ينفق عليه فلا تحل له الزكاة لوجود من ينفق عليه واستغنائه بذلك. قال: (ولا إلى فرعه وأصله) لا تحل الزكاة إلى الفروع، والفروع هم أولاده وإن نزلوا أي أولاده الذكور وأولاده الإناث، وأولاد الذكور وأولاد الإناث وإن نزلوا، الوارث منهم وغير الوارث فبنت البنت لا تحل لها منه الزكاة وإن كانت غير وارثة وغير منفق عليها. وكذلك الأصول، والأصول هم الوالدان وإن علوا، أمه وأبوها وأمها وإن علوا، وأبوه وأبو أبيه وأم أبيه وهكذا وإن علوا الوارث منهم وغير الوارث. وقد أجمع العلماء على أن الولد والوالد والزوجة لا تحل لهم الزكاة، حكى إجماعهم ابن المنذر وغيره. وظاهر كلام الفقهاء أن الصدقة لا تحل للأصول ولا الفروع مطلقاً، وجبت النفقة عليهم للإرث أم لم تجب وسواء كان قادراً على النفقة عليهم أو غير قادر عليها.
فمثلاً: رجل عنده بنات ابنته لا تحل لهن الزكاة منه وإن كان غير قادر على الإنفاق عليهن كأن يكون عنده من يعول. وظاهر كلامهم أيضاً: أنه ولو لم تجب عليه النفقة فإنه لا يجب أن ينفق على بنات بناته أو أبنائهن لعدم الإرث كما لا يجب على أبي أمه لعدم الإرث، هذا ظاهر كلامهم. - واختار شيخ الإسلام: أن الزكاة حينئذ تحل، وهو رواية عن الإمام أحمد. قال رحمه الله: إن كان غير قادر على الإنفاق على أصوله وفروعه كأن يكون عنده أبوه وأمه وهو غير قادر على الإنفاق عليهم مع وجود أولاده وزوجته ومن ينفق عليهم. أو كان قادراً على الإنفاق لكن النفقة لا تجب عليه في الأصل وإنما أوجبت عليه باضطرارهم إلى ذلك فأولاد البنت لا تجب عليهم النفقة في الأصل، لكن إذا اضطروا إلى نفقة جدهم من أمهم فإن الراجح أنه يلزم بالإنفاق لكن النفقة في الأصل لا تجب فاختار شيخ الإسلام أنه حينئذ يحل له دفع الزكاة لهم قال: لأن المانع من إجزاء الزكاة دفعاً لهم هو خوف تهربه من النفقة الواجبة عليه وهنا لا نفقة فحيث كان غير قادر على الإنفاق فلا نفقة، فإن لم يعطهم من الزكاة بقوا لا منفق عليهم. وإذا كان لا يجب عليه الإنفاق عليهم فكذلك فإنه حينئذ يصرف الصدقة إلى البعيد وهؤلاء أقرب إليه ولا يجب عليه أن ينفق عليهم. وهذا القول الراجح وأن من عنده أحد من أصوله أو فروعه وهو غير قادر على الإنفاق عليه – فعنده رأس مال تجب فيه الزكاة لكن ما يأتيه من هذا المال لا يكفي إنفاقه على نفسه وولده وزوجه ووالديه، فيحتاج حينئذ إلى أن يدفع إلى والديه الزكاة وينفق عليهم منها فإن ذلك جائز. وكذلك [من] لا يجب عليه أن ينفق عليهم في الأصل كغير الورثة من أصوله وفروعه. هذا هو الراجح؛ لأن المانع من صحة دفع الزكاة لهم هو وجوب الإنفاق وهنا لا تجب النفقة فصحت الزكاة حينئذ ولدخولهم في عمومات الأدلة الشرعية، ولا مانع يمنع من صحة الزكاة لهم.
أما الحواشي: فاتفق الفقهاء على أن ذوي الأرحام وهم غير الورثة – يصح أن يعطوا من الزكاة كبنت الأخ وبنت الأخت أو العمة أو الخالة يصح أن يعطوا من الزكاة لأنهم غير وارثين فلا تجب عليهم النفقة حينئذ. هذا في حكم الحواشي من غير الورثة. أما الحواشي من الورثة كالأخ وابن الأخ والعم فاختلف أهل العلم في صحة دفع الزكاة لهم على قولين: القول الأول: أن الزكاة لا تصح لهم، وهو المذهب وهو قول الشافعية. قالوا: لأن النفقة تجب عليهم فإذا أعطاهم من الزكاة كان ذلك تهرباً من النفقة الواجبة عليهم. 2- وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن الزكاة يجوز دفعها إليهم، وذلك لأن النفقة لا تجب لهم أصلاً فلا يجب على الأخ أن ينفق على أخيه أو ابن أخيه ولا على عمه فلا تجب النفقة عليهم أصلاً وإنما يوجب عند الضرورة فإذا اضطروا إلى نفقته أوجبناها في الضرورة وهنا - وهم يمكن أن يأخذوا من الزكاة – فلا ضرورة فالنفقة لا تجب عليهم أصلاً إلا إذا وقعت الضرورة والحاجة الماسة إلى ذلك وحيث كانوا يمكن أن يأخذوا من الزكاة فلا ضرورة، وهي الرواية الظاهرة عن الإمام أحمد كما قال ذلك الموفق. وهذا القول هو الراجح وهو مقتضى كلام شيخ الإسلام المتقدم. واعلم أن ما تقدم في النفقة التي يحتاج إليها من طعام وشراب ونحو ذلك. أما الدين: فإن أصح قولي العلماء في هذه المسألة وهو أصح الوجهين في مذهب الإمام وهو اختيار شيخ الإسلام أن الدين يجوز أن يقضيه من زكاته وإن كان يجب أن ينفق.
فالوالد يجوز أن يقضي دين ولده، وذلك لأن قضاء الدين ليس من النفقة الواجبة على المنفق، فالواجب عليه أن ينفق عليه ما يحتاج إليه في طعامه وشرابه وسكناه ونحو ذلك وفي ملبسه ومنكحه وغير ذلك، وأما قضاء الدين فلا يدخل في باب النفقات ولذا صرح فقهاء الحنابلة بأنه يجوز أن يعطي الوالد ولده مالاً يغزو به أو غير ذلك من المصالح العامة وذلك لأنها لا تدخل في النفقة والعلة المتقدمة أن الزكاة إنما تمنع تهرباً من النفقة وهنا لا نفقة واجبة. فعلى ذلك الراجح أنه يجوز للوالد أن يقضي دين ولده أو دين زوجته أو غير ذلك ممن ينفق عليهم؛ لأن ذلك غير داخل في النفقة الواجبة لكن إذا كان الدين بسبب إهماله في النفقة، كأن يكون على الابن دين في نكاحه أو في مسكنه وهو محتاج إلى نفقة والده، أو يكون على الزوجة دين بسبب عدم قيام الزوج بالنفقة فإن قضاء دينها من الزكاة لا يجوز؛ لأنه يجب عليه أن ينفق وهذا داخل في النفقة لكن الدين الخارج عن النفقة هو الذي يجوز أن يقضيه من الزكاة. قال: (ولا إلى عبد) لاستغنائه بنفقة سيده، فإن السيد يجب أن ينفق على عبده. قال: (وزوج) هذا أحد القولين في المذهب، وأن الزوجة لا يحل لها أن تعطي زوجها زكاتها سواء كانت من حلي على القول بالزكاة به أو غير ذلك.
والقول الثاني في المذهب: أن الزكاة يجوز أن يعطي الزوج من الزوجة، وهذا هو القول الراجح؛ وذلك لأن الزوجة لا تنفق على زوجها فلا معنى لمنعها من إعطائه زكاتها والزوج داخل في العمومات التي فيها أصناف من تحل له الزكاة كما تقدم فهو إن كان فقيراً أو مسكيناً فهو داخل في عموم قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} وقد ثبت في البخاري عن أبي سعيد: أن زينب امرأة ابن مسعود أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (يا رسول الله إنك قد أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم فقال: صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) (1) . فلها أن تتصدق على زوجها ولها أن تتصدق على ولدها؛ لأنها لا يجب عليها أن تنفق على ولدها وإنما يجب ذلك على الوالد. قال: (وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً أو بالعكس لم يجزئه) رجل أخذ زكاة ماله فأعطاها هاشمياً أو غنياً أو نحو ذلك وهو يعتقد ذلك ويعلم أن هذا ليس من أهل الزكاة فلا يجزئه وإن ثبت له بعد ذلك خطأ ظنه. فمثلاً: أعطاها غنياً وهو يعلم أنه غني فبان فقيراً فلا يجزئه هذه الزكاة؛ وذلك لأن من شرط الزكاة النية وهنا النية غير جازمة لأنه أعطاها من يعتقده ليس أهلاً وحينئذ لم ينوها زكاة؛ لأن الزكاة إنما تدفع للأصناف الثمانية كما لو صلى صلاة بظن أن الوقت لم يدخل فتبين دخوله فإنها لا تجزئه كما تقدم، فكذلك هنا. (أو بالعكس) رجل أعطى زكاته من يظن أنه من أهل الزكاة، كأن يرى رجل فظن أنه ليس من بني هاشم أو نحو ذلك فأعطاه الزكاة ثم بان بعد ذلك على خلاف هذا، فإنها لا تجزئه. قالوا: لأن الذمة لا تبرأ إلا بدفعها إلى أهلها وقد ثبت أن هذا ليس من أهلها. وقال بعض الحنابلة: بل تجزئ عنه قياساً على الغني.
فالمسألة هنا – فيما سوى الغني – كأن يدفعها إلى هاشمي أو إلى عبد أو إلى وارث يظنه بخلاف ذلك ممن هم من أهل الزكاة ثم تبين له أنه هاشمي أو عبد أو وارث – فهنا قالوا: لا يجزئ. وقال بعض الحنابلة: بل تجزئ قياساً على الغني. فالغني – عند الحنابلة - إن أعطى من الزكاة ظناً أنه فقير فثبت غناه، فإن الزكاة تجزئ. واستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) (1) قالوا: فهذا يدل على أنها إن أعطيت الغني بظن أنه فقير فإنها تجزئ وإن تبين أنه غني بعد ذلك. وقال بعض الحنابلة: بل لا يجزئ أيضاً إن دفعت إلى الغني ظناً أنه فقير وتبين غناه، لأنها لم تدفع إلى أهلها فلم تبرأ بها الذمة. (2) إذن: المشهور عند الحنابلة: أنها إذا دفعت إلى من ليس أهلاً لها سوى الغني فإنها لا تجزئ، وإن دفعت إلى الغني فإنها تجزئ. قالوا: وإنما فرقنا بين الغني وغيره لخفاء الغني وظهور غيره، فإن النسب ظاهر والعبودية ظاهرة، والإرث ظاهر وأما الغنى فإنه يخفى غالباً. وقال بعض الحنابلة: بل لا تجزئ مطلقاً. وقال بعضهم بل تجزئ مطلقاً. فعندنا ثلاثة أقوال للحنابلة. والذي يظهر: أنه إن اجتهد وتحرى فأعطاها من يظنه أهلاً بعد التحري والاجتهاد فإنها تجزئ؛ لأنه قد فعل ما يجب عليه وقد قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} (3) وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (4) وقال تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} (5) وقد قام بوسعه وطاقته وقدرته فسقط عنه الواجب فبرأت بها الذمة – وهذا مطلقاً في الغني وغيره.
أما إذا لم يتحر ولم يجتهد فإن ذمته لا تبرأ لأنه مأمور بإعطائها أهلها، وهو لم يعطهم إياه، فلا تجزئه إلا أن يعطيها أهلها وحينئذ فيجب عليه الرجوع أو أن يخرجها من ماله. فإذن يجب عليه الرجوع على من أعطاها إياه؛ لأنها لا تحل له ويحكم له القاضي بذلك لأنه أخذ مال بغير حق فيحل له الرجوع بل حتى إذا دفعها إلى من ليس بمستحق وثبت أنه غير مستحق فمع القول بالإبراء – حيث اجتهد وتحرى – فإن الرجوع واجب لإعطائها أهلها فهي محض حق الفقير وقد صرفت إلى الغني فوجب حينئذ الرجوع. قال: (وصدقة التطوع مستحبة) إجماعاً والأدلة من القرآن والسنة ظاهرة في هذا. قال: (وفي رمضان أفضل) لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) (1) ويتوجه أن تكون الصدقة في عشر ذي الحجة أفضل لصريح قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر) (2) والصدقة من ذلك. قال: (وأوقات الحاجات أفضل) فعندما يصاب الناس بحاجة وفقر ومسغبة فإن الصدقة حينئذ أفضل، فهي أفضل منها في الأزمنة الفاضلة وذلك لتعلقها بالمحتاج نفسه.
فإن الصدقة في الأزمنة الفاضلة متعلقة بالزمان، وأما في أوقات الحاجات فهي متعلقة بالمحتاج نفسه فكانت أفضل، فالصدقة في أوقات الحاجات أفضل من الصدقة في رمضان وفي عشر ذي الحجة وفي غير ذلك وقد قال تعالى: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} (1) أي في حاجة وفقر. قال: (وتسن بالفاضل عن كفايته ومن يمون) فيسن له أن يتصدق بما يفضل عن حاجته هو وحاجة من يمون، لما ثبت في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول) (2) أي أفضل الصدقة ما كان زائداً على حاجتك وحاجة من تمون، وقد تقدم أن الغنى هو الكفاية، فما فضل عن الكفاية فهو خير الصدقة. أما أن يتصدق بما يلحقه أو يلحق من يمون ضرراً فإن ذلك محرم. ولذا قال المؤلف: (ويأثم بما ينقصها) أي بما ينقص المؤنة، أي مؤنته ومؤنة من ينفق عليهم. فإذا تصدق وأضر بنفسه وبمن ينفق عليهم فإن ذلك محرم لما ثبت في المسند وسنن أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) (3) وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار) (4) . لكن يستثنى من ذلك: من كان من أهل اليقين والصبر وكانت أيضاً عائلته على هذه الصفة، فإنه وإن أنفق ماله كله مع رجاء رزق الله - عز وجل - ورجاء الخير فإن ذلك لا حرج فيه، فقد ثبت في مسند أحمد وأبي داود والترمذي بإسناد صحيح: أن أبا بكر: (أتى بماله كله للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: ما أبقيت لأهلك فقال: أبقيت لهم الله ورسوله) (5) فهذا يدل على جواز ذلك.
واعلم أن السنة في الصدقة الإسرار قال تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} (1) . وقد ثبت في أبي داود بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة) (2) . وقد ثبتت الأدلة بفضيلة الإسرار بالقرآن أي بين الناس وأن المصلي يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن كما ثبت هذا في مسند أحمد وغيره بإسناد صحيح (3) . وقد قال صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) (4) . لكن إن اقتضت المصلحة الجهر فهو مستحب كأن يأمن على نفسه من الرياء ويأمن على الفقير من ظهور حاجته إلى الناس ونحو ذلك ويكون في ذلك مصلحة الاقتداء ونحوه فإن ذلك يكون أفضل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيح – فيمن تصدق أمام الناس وكان قدوة في ذلك: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) (5) . والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. والحمد لله رب العالمين. تم بحمد الله تعالى شرح كتاب الزكاة من زاد المستقنع، لفضيلة الشيخ: حمد بن عبد الله الحمد، حفظه الله تعالى ونفع به. (6)
كتاب الصيام
كتاب الصيام الصيام لغة:الإمساك، وفيه قوله تعالى عن مريم: (إني نذرت للرحمن صوما) ً أي إمساكاً عن الكلام. اصطلاحاً:التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس وقد دل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب:فقوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) أما السنة:فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس، وذكر منها:صيام رمضان) وأما الإجماع:فقد أجمعت الأمة على فرضيته، وعلى تكفير جاحده، وقد أجمع أهل السير على أن الصيام فُرض في السنة الثانية من الهجرة – وعليه فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد صام تسع رمضانات. واعلم أنه لا بأس أن يقول:جاء رمضان أو دخل رمضان خلافاً لمن منع ذلك من أهل العلم. وأما ما رواه البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقولوا جاء رمضان، فإنه اسم من أسماء الله تعالى) فالحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففيه أبو مَعْشر وهو ضعيف وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق ذلك، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة …) الحديث. ورمضان مشتق من الرمَضَ، رمض يرمض رمضاً وهو شدة الحر وإنما سمي رمضان بهذا الاسم لأنه وافق شدة حر فسمي بذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجب صوم رمضان برؤية هلاله) فإذا رؤي الهلال ففرض على المسلمين أن يصوموا، وهي مسألة إجماعية، وقد قال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ، وقال صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) متفق عليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين)
الثلاثين، يحتمل أن تكون من شعبان، وتحتمل أن تكون من رمضان، فيقال:ليلة الثلاثين من باب الظن وإلا فيحتمل أن تكون من رمضان. فإذا كانت ليلة الثلاثين ولم يروا الهلال وليس هناك مانع يمنع الرؤية من سحاب أو غبار، فإنهم يصبحون مفطرين وهذا باتفاق أهل العلم. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا أن يكون يصوم صوماً فليصمه) وقد قال الحنابلة وهو – أي يوم الثلاثين – يوم الشك الذي قال فيه عمار ابن ياسر – كما رواه أهل السنن والبخاري معلق والحديث إسناده صحيح -: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم) – هذا المذهب، والراجح أن يوم الشك يوم الثلاثين إذا كان في ليلته غيم أو قتر -. إذن يحرم صيام يوم الشك ويكره له أن يتقدمه بيوم. وهل يكره له أن يصوم إذا انتصف شعبان؟ روى أحمد والترمذي وأبو داود – والحديث أعله أحمد وابن مهدي – عن أبي هريرة قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كانت النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان) لكن هذا الحديث مع أن سنده صحيح، فقد أعله أنكره الإمام أحمد وابن مهدي، بل حكى ابن حجر أن جمهور العلماء على تضعيفه. وقد أنكره لمخالفته ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة – وسيأتي ذكره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً) وجمع الموفق ابن قدامه بين الحديثين، بأن حديث النهي فيه نهي من لم يصم النصف الأول من شعبان أن يصوم نصفه الثاني درءاً لذريعة إرادة الإلحاق بالفريضة احتياطاً وهو جمع قوي، لكن ينكر عليه قوله: (فأمسكوا عن الصيام) فظاهره الإمساك مطلقاً سواء صام نصفه الأول أو لا. فعلى ذلك ما قاله أهل العلم من نكارة هذا الحديث أولى. قال: (وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه) " غيم " أي سحاب. " قتر " أي غبار.
فإذا كانت ليلة الثلاثين وكان في السماء غيم أو قتر يمنع من رؤية الهلال، فيحتمل أن يكون الهلال موجوداً، فظاهر المذهب يجب صومه احتياطاً للعبادة. واستدلوا:بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له) أي ضيقوا عليه، كما قال تعالى: (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يضيق، ومعلوم أن الشهر إما ثلاثون، وإما تسع وعشرون، فالتضييق عليه بأن يجعل تسعاً وعشرين: وهو قول راوي الحديث، ففي أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر: (أنه كان إذا حال دون قنطره " أي قنطر الهلال " سحاب أو قتر أصبح صائماً) وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الصيام لا يجب، وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وابن عقيل وأبو الخطاب وصاحب الفروع وصاحب الإنصاف وغيرهم قالوا:لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث المتفق عليه: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له) وفي رواية مسلم: (فاقدروا له ثلاثين) أي احسبوا له ثلاثين وفي رواية للبخاري: (فأكملوا العدة ثلاثين) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) ونحوه في مسلم وفي أبي داود وابن خزيمة بإسناد صحيح عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره " أي يتكلف في معرفة دخول الشهر من ذلك " فيصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام) وأما ما استدل به أهل القول الأول أما قوله: (فاقدروا له) فإنها قد فسرتها الرواية الأخرى في الصحيح: (فاقدروا له ثلاثين) وغيرها فثبت أن المراد احسبوا له، وليس المراد ضيقوا عليه.
وأما فعل ابن عمر فإن هذا رأي من خالف روايته، والعبرة بما روى لا بما رأى، والأحاديث ظاهرة في ذلك، بل هو يوم الشك الذي قال فيه عمار: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم) ؛ لأن حقيقة الشك ثابتة فيه فلا يدري أهو من رمضان أم من غيره. والراجح هو عدم وجوب صومه – كما هو مذهب الجمهور لكن هل يباح صومه أم يستحب أم يكره أم يحرم؟ أربعة أقوال للحنابلة القائلين بعدم الوجوب: الاستحباب وكان قول شيخ الإسلام وقد حكى صاحب الاختيارات عنه أنه قال بعد ذلك. إلى القول بعدم الاستحباب. 3 - 4- الثالث والرابع:النهي وهو قول أبي الخطاب وابن عقيل وهل النهي للكراهية أم للتحريم؟ والراجح من هذه الأقوال الأربعة تحريم ذلك لحديث عمار. وظاهر المذهب – كما تقدم – أنه يجب صومه، فإذا ثبت أنه من رمضان فإنه يجزئ، لأنهم صاموه بنية الاحتياط لكن الراجح تحريم صومه – كما تقدم -. قال: (وإن رؤى نهاراً فهو لليلة المقبلة) فإذا رأى الناس الهلال نهاراً فإنه يكون لليلة المقبلة سواء كان ذلك – أي الرؤية – قبل الزوال أم بعده أما إذا كانت الرؤية بعد الزوال فلا نزاع بين العلماء في ذلك وأنه يكون لليلة المقبلة وأما إذا كانت رويته قبل الزوال، فعن الإمام أحمد أنه يكون لليلة الماضية، فعليه فإذا كان ذلك فإنهم يمسكون عن الطعام والشراب ويكون اليوم الأول من رمضان ومرجع ذلك إلى أهل الخبرة بالأهلة قال: (وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم) فإذا رؤى الهلال في بلدة من البلاد الإسلامية لزم جميع البلاد الصيام. هذا هو المشهور في مذهب أحمد ومذهب مالك. واستدلوا:بقوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) .
قالوا:هذا خطاب عام للأمة، فظاهر ذلك العموم لسائر البلدان ولما ثبت في الترمذي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) . قالوا:فقوله الصوم " يدل على أن الأمة يجتمعون على الصيام فصومهم واحد وفطرهم واحد، وإجماعهم واحد. وذهب إسحاق وغيره إلى أن لكل بلدة من البلاد رؤيتها. واستدلوا:بما ثبت في مسلم عن كُريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: (فقدمت الشام على معاوية فقضيت حاجتي واستهل رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في أخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال:متى رأيتم الهلال فقلت:ليلة الجمعة، قال:أن رأيته قلت:نعم ورآه الناس فصاموا وصام معاوية، قال:لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه قال:قلت أو لا تكتفي برؤية معاوية وأصحابه فقال: (لا هكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم) وذهب الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام إلى أن لكل بلد رؤيتها. إلا إذا تحدث المطالع " أي مطالع القمر " فإذا المطالع فإنه إذا رؤى في بلدة لزم الأخر الصيام كما يقع هذا في البلدان المتقاربة كالبصرة والكوفة قالوا ولأنه متى رؤى في بلدة فيعلم أنه يرى في البلدة الأخرى لإيجاد المطلع، وقد منع من رؤيته غيم أو قتر أو إهمال " ونحو ذلك " وإلا فالأصل أنه يرى وهذا قول ظاهر، فإن اتخاذ المطالع معترف به في هذه المسألة عند أهل المعرفة فإنهم يقطعون أنه إذا روى في البلد فإنه يرى في البلدة الأخرى التي توافقها في مطلعها. وأما إذا اختلفت المطالع فلكل بلد رؤيتها لحديث كريب عن ابن عباس.
وهذا القول أصح من القول الذي قبله وتبقى الخلاف بينه وبين القول الأول، فيجتب عن حديث: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) فأن المقصود بذلك أهل البلد ومن وافقهم في الرؤية أما إذا كانت المطالع مختلفة والهلال يرى في بلد الليلة ولا يرى في الأخرى إلا والحي - فهذا بذلك، فلا يحكم عليها بحكم واحد. وأما حديث: (صومكم يوم تصومون) فإنه إنما يراد به أهل البلد الواحد لئلا يختلفوا واختلافهم يؤدي إلى اختلاف قلوبهم فيكون بعضهم صائم وبعضهم مفطر. وهذه المسألة مسألة اجتهاد – فإذا قال الحاكم فيها بأي قول وجب على أهل ذلك البلد أن يعملوا بحكمه. فإذن الظاهر:أن لكل بلد رؤيتها إلا إذا اتحدت المطالع. قال: (ويصام برؤية عدل ولو أنثى) لأنه خبر ديني، والقاعدة في الأخبار الدينية أنها يقبل فيها خبر الواحد كالأحاديث النبوية ولا يشترط أن يكون المخبر ذكراً أو حراً بل لو كان أنثى أو عبد قبل لأنه خبر ديني فإذا أخبر عدل أنه رأى الهلال فإنه يحكم بقوله ويصوم الناس ولو كان المخبر أنثى لأن ذلك خبر ديني بخلاف باب الشهادة فإنها تتعلق بأموال الناس أما الخبر الديني فالتهمة منه بعيدة ومما يدل على ذلك ما روى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه) وذهب الأحناف والمالكية إلى أنه لا يقبل إلا برؤية رجلين واستدلوا:بما روى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) إلى أن قال: (فإن شهد شاهدان فصوموا وافطروا) قالوا:فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الفطر والصوم برؤيته من اثنين، فلا يثبت دخول الشهر إلا برؤيتهما. وهذا القول أضعف من الذي قبله، وذلك لثبوت الحديث المتقدم وهو المنطوق وما في هذا الحديث مفهوم، فإن مفهومه أنه لم يكن شاهدين فلا يثبت، والمنطوق مقدم على المفهوم.
إذن:هلال رمضان يثبت برؤية واحد أما هلال شوال وهو الذي يثبت برؤيته خروج رمضان فقد اتفقوا العلماء – سوى أبي ثور – إلى أنه لابد لثبوته من رؤية اثنين، فلا يثبت برؤية الواحد. واستدلوا:بحديث النسائي: (فإن شهد شاهدان فصوموا وافطروا) قالوا:حديث ابن عمر إنما يخصص دخول رمضان فيبقى خروجه على اشتراط الشاهدين ومع قوة ما ذهب إليه الجمهور – وإن ما ذهب – إليه أبو ثور قول قوي، فإن القاعدة هي قبول خبر الواحد في الأخبار الدينية مطلقاً وأما قوله: (فإن شهد شاهدان فصوموا وافطروا) فإنه يقال فيه ما قيل في المسألة السابقة، والذي يخرج هذه المسألة هو القياس الصحيح والدخول في قواعد الشريعة من أن خبر الواحد مقبول في الأخبار الدينية، فهنا بخبر الواحد يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم تقطع به الأيدي وتراق به الدماء – وهو خبر واحد وواجب علينا قبوله فأولى من ذلك هذا. فعلى ذلك يكون قوله: (فإن شهد شاهدان) على وجه الكمال والاستحباب ومع ذلك فإن العمل على ما ذهب إليه جمهور العلماء احتياطاً للصوم فلا يخرج عنه إلا بشهادة اثنين وإلا فما ذهب إليه أبو ثور وقال إليه الشوكاني في نيل الأوطار قول قوي والله اعلم. قال: (فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم ير الهلال، لم يفطروا)
إذا ثبت رمضان برؤية رجل واحد، فيتم ثلاثين يوماً فهل يستقبل الغد على أنه فطر أم يتراءى الهلال فإن روى وإلا كان رمضان (لم يفطروا) لأنه يحتمل أن يكون قد أخطأ وهذا القول فيه نظر. والقول الثاني في مذهب الحنابلة أن ذلك يصح المسألة تبنى على المسألة السابقة، وهي مسألة خروجه بشاهدين، فإنه لا يخرج عندهم إلا شاهدين قالوا:فكذلك هنا فاتنا إن أخرجناه، كان ذلك بناء على شهادته لكن هذا النظر إنما يضعف لكوننا اعتمدنا على هذه الشهادة وبنينا عليها حكماً شرعياً فقويت فلا تكن شهادته هنا كشهادته ابتداءً، فشهادته ابتداءً ليست مساوية للشهادة التي اعتمدنا عليها متضمناً ثلاثين يوماً على ما تقدم من مذهب أبي ثور من قبول خبر الواحد فالأظهر ما ذهب إليه بعض الحنابلة أنه إذا اعتمد على شهادة رجل واحد في رمضان متضمناً ثلاثين يوماً فأننا ننتهي ونخرج من رمضان ويكون الغد هو أول يوم من شوال اعتماداً على رؤيته السابقة على أن الأصل في الشهر أن يكون تسعاً وعشرين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (الشهر تسع وعشرون) متفق عليه، لأن هذه الشهادة قد قويت باعتمادنا عليها وبنائنا الحكم عليها فكانت أقوى من الشهادة الاثنين أنه فيما لو شهد ليلة الثلاثين أنه رأى الهلال وجوب، فإن هذه الشهادة الظنية أقوى، على ما تقدم من مذهب أبي ثور من قبول خبر الواحد وهنا على أقل تقدير هو خبر واحد – فالقول الثاني هو الراجح. قال: (أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا)
هذا يبنى على القول المتقدم في المذهب:وهو أنه إذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان فيها غيم فإنهم يصومون ذلك اليوم احتياطاً فإذا كان ذلك، ويتم لهم ثلاثون يوماً في هذا اليوم الذي ابتدؤا به للاحتياط فإنهم لا يفطرون في يوم الثلاثين من رمضان، فإنه يحتمل أن يكون الغد من رمضان، وهذا ظاهر، فإنهم إنما دخلوا فيه احتياطاً وإلا فيحتمل أن يكون آخر شعبان وحينئذ – يكون رمضان ثلاثون يوماً من دون هذا اليوم، وهذا إنما دخلوا فيه احتياطاً على أن القول الراجح هو عدم جواز صوم ذلك اليوم – أي الثلاثين من شعبان. قال: (ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله …. صام) كأن يخبر رجل القاضي أنه رأى الهلال وهو صادق في قوله لكن رد قوله لمعنى أما أنه لم يثبت شهادته وكان في بلدة يشترط فيها شاهدان وقد رأى الهلال فيجب عليه أن يصوم اعتماداً على رؤيته، فإن رمضان ثابت بالرؤية. وذهب شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد:إلى أنه لا يصوم وذلك للحديث المتقدم: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) وقد قال: (صوموا لرؤيته) فهذا الشهر ينبغي أن يجتمع عليه المسلمون لا أن ينفرد بعضهم عن بعض فيه. وهذا القول هو القول الراجح، فذلك لاجتماع الناس على الصوم لكن يستثنى من ذلك ما استثناه شيخ الإسلام وهو ما إذا كان في موضع ليس فيه غيره كأن يكون في بادية، فإذا رأى الهلال فإنه يصوم لأن هذا المعنى المانع من الصيام المتقدم وهو اجتماع الناس ليس بمتوفر فيه فهو منفرد عن عامة الناس، ويحتمل أن يكون قد رأوه فصاموا. قال: (أو رأى هلال شوال صام) . هذه عكس المسألة السابقة كأن يرى رجل هلال شوال ويرد قوله فيجب عليه أن يصوم وهاتان المسألتين – في الأصل – حكمهما واحد لكنهم فرقوا بينها احتياطاً للصوم. وهذا ظاهر لقوله صلى الله عليه وسلم: (الصوم يوم تصومون) .
إذن من رأى الهلال وحده فإنه يوافق الناس صياماً أو قطراً إلا أن يكون في موضع منفرداً فإنه يعتمد على رؤيته لعدم وجود المانع المتقدم. ونعود إلى المسألة الأولى وهي ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب الصيام ليوم الثلاثين الذي تكون ليلة فيها غيم وقتر وهو يوم الشك الذي تقدم تحريمه. هنا عند الحنابلة مسائل فيه: المسألة الأولى:هم اعتبروه في الصيام احتياطاً لكن لا يبنى عليه أحكام أخرى. فلو أن هناك أصل لدين مثلاً أو تعليق بطلاق أو انتهاء عدة أو انتهاء إيلاء فلا ترتبط بهذا اليوم فلو أن رجلاً عليه دين مؤجل إلى أول رمضان، أو علق طلاقه بأول رمضان أو لها عدة تنتهي بأول رمضان، فإن هذه الأحكام لا تبنى على هذا اليوم لأنه إنما يصام عندهم من باب الاحتياط فلا يترتب عليه الأحكام المتقدم وهذا وما ذكروه لا يحتاج إليه في القول الراجح لأنا لا يعتبر هذا اليوم من رمضان لا احتياطاً ولا حقيقة. المسألة الثانية:هل يصلي التراويح في تلك الليلة أم لا؟ من أصح الوجهين في مذهب أحمد يشرع صلاة التراويح فيها وذلك احتياطاً لقيام رمضان. واعلم أن الإمام أحمد لم ينص على هذه المسألة – أي وجوب صوم هذا اليوم – بل لا يصح عنه شيء من ذلك بل الصحيح عنه هو عدم إيجاب صيام هذا اليوم وحينئذ فكما قال صاحب الفروع: (فيتوجه عدم نسبته هذا القول إلى الإمام أحمد) . والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يلزم الصوم لكل مسلم)
فلا يصح الصوم من كافر وهو لازم لكل مسلم إجماعاً وأما الكافر فلا يصح منه بالإجماع، وذلك لأن الكافر لا نية له، والأعمال بالنيات والتعبد الذي هو أصل النية لا يصح منه، والأعمال كلها غير مقبولة منه، كما قال تعالى: {وما منعهم أن يقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله} الآية فأن أسلم الكافر في أثناء رمضان، فيجب أن يمسك ويتم الصوم اتفاقاً لأن الشهر ثابت وقد شهده فوجب عليه أن يصوم ولكن هل يجب عليه قضاء هذا اليوم؟ قولان لأهل العلم: المشهور في المذهب أنه يجب عليه القضاء. واستدلوا:بما روى أبو داود قال وأتت أسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (صمتم يومكم هذا فقالوا:لا، فقال:أتموا بقية يومكم واقضوه) . وذهب الأحناف وهو اختيار شيخ الإسلام لا يجب القضاء واستدلوا:بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أرسل غداة عاشوراء إلى القرى التي حول المدينة من أصبح صائماً فليتم صومه ومن أصبح مفطراً فليتم بقية يومه) قالوا:فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالقضاء مع الإمساك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قالوا:والقاعدة الشرعية أن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها وهي قاعدة مطردة في مسائل الديانة كلها وهذا القول هو الراجح وأما ما استدل به الحنابلة فإسناده ضعيف، وقد ضعفه عبد الحق الأشبيلي وغيره. ومثل ذلك المسألة التي سيأتي ذكرها – وهي مسألة ثبوت البينة نهاراً قال: (مكلف) . المكلف هو البالغ العاقل، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم:الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق) ولكن هل يأمر الولي من تحت ولايته بالصيام إذا بلغ سبع سنين ويضرب إذا بلغ عشر سنين؟ الأظهر:نعم إن كان قادراً على ذلك، فإن الأمر بالصلاة تبنيه على الأمر بعدها من شعائر الإسلام لأن المقصود هو تعويده على العبادة وهذا يثبت في الصلاة وغيرها فيستحب للولي ذلك.
قال: (قادر) ، فالعاجز عن القيام أو المريض مرضاً يرجى برؤه أو لا يرجى برؤه فهؤلاء لا يجب عليهم الصوم، لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} ؛ ولأن الشرائع لا تجيب إلا مع القدرة عليها، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. إذن:يجب الصوم على كل مسلم مكلف قادر. قال: (وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من كان في أثنائه أهلاً لوجوبه) . كأن يثبت للناس ضحى أن البارحة قد رؤى الهلال فاليوم من رمضان كأنهم يمسكون لأن الشهر قد ثبت فيجب الإمساك وهذا مما لا نزاع فيه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتموه فصوموا) وقد رأوه شهدوا الشهر فوجب عليهم الإمساك ولكن هل يجب القضاء بذلك اليوم أم لا؟ ومثله الكافر إذا سلم والمجنون إذا أفاق والصبي إذا بلغ فهؤلاء يجب عليهم الإمساك لكن هل يجب لقضاء أم لا؟ هذه المسائل كلها لها حكم واحد، وهو نفس الحكم الذي تقدم البحث فيه في أول الدرس، وأن الراجح عدم وجوب القضاء لأن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها وثبوت مخاطبة المكلف بها، وهو في اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ولذلك فإن يوم عاشوراء كان يوماً مفترضاً صومه قبل رمضان وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أصبح صائماً أن يتم صومه ومن أصبح مفطراً أن يصوم بقية اليوم ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ثم أنه لا فائدة للمكلف من أمره بالإمساك حيث لا يجزئ عنه ثم يؤمر مرة أخرى بالقضاء، والتكاليف لا يجب تكرارها إلا ما دل الشرع عليه، لذا نهى الشارع عن أن يصلي الصلاة مرتين كما في حديث ابن عمر وغيره. قال: (وكذا حائض ونفساء طهرتا ومسافر قدم مفطراً ومريض برئ) .
فالحائض والنفساء إذا طهرتا أثناء نهار رمضان، أو مريض برئ وشفي أثناء النهار وكان مفطراً فيجب على هؤلاء كلهم القضاء إجماعاً، والأدلة دالة على ذلك، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) متفق عليه. وقال تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخرى} أي فأفطر فعدة من أيام أخر ولكن هل يجب الإمساك عليهم أم لا؟ المذهب أنهم يجب عليهم الإمساك لذا قال: (وكذا …) لأن هذا من رمضان وقد زالت العلة عنهم. وذهب الشافعية إلى أن الإمساك ليس بواجب عليهم. قالوا:لأن الإمساك لا يجزئ عنهم، ولأنه لا دليل يدل على وجوب الإمساك عليهم، فقد أمروا بالقضاء ولم يؤمروا بالإمساك، وقد ثبت منهم الفطر في أول النهار فلا فائدة حينئذ من أمرهم بالإمساك في آخره إلا تكليف المكلف بأمر لا فائدة له منه - وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه – لكن استحب الشافعية له الإمساك لرفع التهمة عنه وهذا حسن لكن حيث كان ذلك، فإذا كانت التهمة متوجهة فنعم فيستحب له ألا يطعم أمام الناس أما إذا كان في بيته أو بين من يعلم عذره فإنه لا يتوجه استحباب ذلك لأن الاستحباب حكم شرعي والحكم الشرعي لا بد له من دليل ولا دليل على ذلك، والحكم يدور مع علته وجوداً أو عدماً فإذا كانت التهمة موجودة فيستحب الإمساك وإلا فلا. قال: (ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكيناً)
هذا فيمن عذره لا يزول وهم الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اللذان يشق عليهم الصيام، وكذلك المريض الذي لا يرجى برؤه كبعض الأمراض التي يشق على صاحبها الصوم مع كون هذا المرض في العادة المعروفة عند الأطباء عدم زواله فإن هؤلاء يفطرون ولا قضاء عليهم، لأنهم عاجزون عن الصيام أداءً وقضاء فلا قدرة لهم عليه لا أداءً ولا قضاءً، فحينئذ ينتقلون إلى أن يطعموا كل يوم مسكيناً مداً من حنطة أو أرز، أو نصف صاع من غيره أو خبزاً ولحماً أو غير ذلك من طعام الناس فقد ثبت في البخاري بإسناده إلى عطاء بن أبي رباح أنه سمع ابن عباس يقرأ: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فقال: (ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً) وفي البخاري معلقاً:أن أنس بن مالك (أفطر لكبر عاماً أو عامين يطعم اللحم والخبز) . قال: (وسن لمريض يضره) . فيستحب للمريض الذي يضره الصوم، يستحب له الإفطار. والظاهر أن مراد المؤلف بقوله: (يضره) أي يلحق به الضرر، وحيث كان كذلك فإن هذا فيه نظر بل الظاهر وهو مذهب بعض الحنابلة أنه إذا كان يتضرر بالصوم فيجب عليه الفطر لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وفي الحديث: (لا ضرر ولا ضرار) وقد أتت الشريعة بحفظ النفوس فكان ذلك واجباً عليه والدليل على أن المريض يجوز له الفطر، قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} والمريض الذي يباح له الفطر هو المريض الذي يشق عليه الصوم أي يلحقه كلف ومشقة، أو يترتب عليه زيادة في مرضه أو تأخر في البرؤ، فهؤلاء يجوز لهم أن يفطروا، وإلا فقد يكون واجباً عليهم كما تقدم حيث الحقه ضرراً في بدنه. وهل يجوز الفطر في الجهاد في سبيل الله عند وجود المشقة في غير السفر؟
المشهور في المذهب أنه لا يجوز لهم ذلك بل يجب عليهم أن يصوموا إلا أن يكون مسافرين فتكون لهم رخصة السفر. واختار شيخ الإسلام وأفتى بذلك في عصره وقد فعله رحمه الله تعالى – جواز الفطر في الجهاد في سبيل الله – وذلك للمشقة وللقياس الظاهر – بل الأولى – على مسألة السفر والمرض ولحفظ الأديان الذي هو أعظم من حفظ الأبدان والأموال على ما في ذلك من حفظ أموال المسلمين ودمائهم، ففيه حفظ أديانهم وأموالهم وأعراضهم وأنفسهم فكان ذلك أولى من غيره بهذه الرخصة – وهذا القول هو الراجح وأنه يجوز لهم الفطر إذا احتاجوا لذلك ليتقووا على العدو، بل قد يكونوا مأمورين به. قال: (والمسافر يقصر) أي يستحب الفطر للمسافر الذي يصح منه القصر وقوله (لمسافر يقصر) يريد أن يبين أنه ليس لكل مسافر بل للمسافر الذي يجوز له القصر، وهو السفر الطويل في المذهب – وقد تقدم البحث في هذا فحيث ثبت السفر فإنه يسن له الفطر – هذا هو المشهور في المذهب – سواء شق ذلك عليهم أم لا. واستدلوا بأدلة منها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فسأل عنه فقيل هو صائم فقال ليس من البر الصيام في السفر) ، وبما ثبت في مسلم عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح فقال: (هي رخصة من الله فمن أخذ بها فهو حسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه) ، فدل ذلك على أن الفطر هو الأحسن والأفضل فقد وصفه بهذا الوصف ونفى الجناح فحسب عن الصوم فدل على أن الأفضل هو الفطر ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتي عزائمه) كما في مسند أحمد وغيره. وذهب جمهور الفقهاء وهو وجه عند الحنابلة، أن المستحب له هو الصيام ألا أن يشق ذلك عليه واستدلوا:
بما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحه) فهنا قد صام النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فدل على أنه هو الأفضل مع ما في ذلك من إبراء الذمة وإيقاع الصوم في وقت الفضيلة وهو رمضان. وذهب طائفة من العلماء من الصحابة والتابعين وهو اختيار ابن المنذر:إلى أن المستحب فيهما أيسرهما فأيسرهما هو أفضلهما. فإن كان صيامه في السفر مشقة عليه فالمستحب له الفطر، وأن لم يكن عليه مشقة فالمستحب له هو الصوم. واستدل:بما ثبت في الصحيحين:عن أنس بن مالك قال: (سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولم يعب المفطر على الصائم) ونحوه في مسلم أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري وفيه: (كانوا يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن) فإن هذه الرخصة شرعت دفعاً للمشقة المتوقعة في السفر فحيث لم تكن هناك مشقة فيرجح جانب الصيام لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو أرجح الأقوال وأن الأرجح منها هو أيسرها. أما قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر) فهو لوقوع تلك المشقة على ذلك الرجل الذي قد ظلل عليه فليس من البر والحالة هذه، أن يصوم في السفر حيث شق عليه مشقة عظيمة، وبمثل ذلك ليس من البر صومه بل هو عصيان، فقد ثبت في مسلم إن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له – وهو في سفر-
أن بعض الناس قد شق عليهم وهم ينتظرون فيما فعلت، عليه الصلاة والسلام فقيل له بعد ذلك: (أن بعض الناس قد صام فقال:أولئك العصاة، أولئك العصاة) فحيث كان فيه مشقة ظاهرة شديدة ومع ذلك صام لا سيما إذا كان ذلك مظنة للضرر فإنه يكون عاصياً وآثماً وليس من البر فعله. إذا كانت المشقة ظاهرة ويخشى الضرر فيجب عليه الفطر لحديث: (أولئك العصاة، أولئك العصاة) وأما إذا لم يكن كذلك فإن وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، وإن وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن. قال: (وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر فله الفطر) رجل نوى وهو مقيم الصوم، ثم أصبح فأراد السفر فهل يجوز له أثناء سفره ذلك الفطر أم لا؟ يجوز له ذلك، خلافاً لمن منعه من أهل العلم. ودليل ذلك:ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم – أي من المدينة – عام الفتح إلى مكة حتى بلغ فدعا بإناء فيه ماء ثم رفعه إلى الناس ثم شرب) فدل هذا الحديث على أنه يجوز للمسافر أن يفطر في سفره وإن كان قد نوى الصوم في حضره. وهل يجوز له الفطر أثناء الإقامة إذا تجهز للسفر وغلب على ظنه الذهاب أم لا يجوز له ذلك كما أن القصر لا يجوز له إلا بعد خروجه من مدينة ومفارقته لخيام قومه أو عمران بلدته؟
المشهور عند أهل العلم فهو مذهب الجمهور:أنه لا يجوز له أن يفطر حتى يخرج من بلده أو أن نوى السفر وإن تأكد خروجه لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر} فحيث كان على سفر فيجوز له الفطر، وأما إذا كان من بلدته لم يغادرها بعد فلا يجوز الفطر. وذهب إسحاق بن راهويه، وهو مذهب الحسن وعطاء من التابعين أنه يجوز له ذلك إذا تأكد عنده السفر. واستدلوا:بما رواه الترمذي وحسنه وذكر أن بعض أهل العلم عليه من حديث محمد بن كعب قال: (أتيتت أنس بن مالك وهو يريد السفر وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب سفره فدعا بطعام فأكل فقلت:سنة فقال سنة ثم ركب) فلم يركب إلا بعد أن طعم، وهذا الأثر إسناده حسن ولا مطعن فيه وهذا المذهب قوي فيما يظهر لي، مع أن الاحتياط أن يبقى على صومه حتى يخرج من بلدته. فإن قيل فما الفارق بينه وبين مسألة القصر؟ فالجواب:أن الفطر يستمر ولا فائدة من أمره بالإمساك ونحن نجيز له بعد زمن يسيرأن يفطر مادام أنه قد تأكد عنده إرادة السفر، بخلاف الصلاة فإنها تنتهي في الموضع الذي تقام فيه، فإذا صلاها في موضعه فإنها لا تستمر بعد ذلك. فالأرجح ما ذهب إليه هؤلاء مع أن الأحوط ألا يقع منه ذلك إلا بعد خروجه والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتا وأطعمنا لكل يوم مسكيناً)
الحامل والمرضع يجوز لهما الفطر إذا خافتا على نفسيهما أو على ولديهما أو على نفسهما وولديهما جميعاً. ودليل ذلك:ما ثبت في الترمذي وحسنه، ورواه النسائي والحديث حسن كما قال الترمذي – عن رجل بن بني كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة ووضع عن الحامل والمرضع الصوم) وثبت في سنن أبي داود عن ابن عباس – بإسناد صحيح قال: (رخص للشيخ …. إلى أن قال:والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرنا وأطعمنا عن كل يوم مسكيناً) وقد أطلق الخوف هنا فيشمل الخوف عليها والخوف على الولد. والمذهب إن الخوف إن كان على النفس أو الولد مع النفس فإنها تقضي ولا تطعم قياساً على المريض الذي يرجى برؤه فإنه يقض ولا يطعم. أما إذا كان الخوف على الولد كما يقع هذا في الغالب من المرضع وقد يقع للحامل فإنها تفطر وسبب لإفطارها هو الخوف على ولدها فهو خوف على الغير فإنها حينئذ تجمع بين القضاء والإطعام. أما القضاء فلأنها مادرة عليه فأشبهت المريض الذي يرجى برؤه وقد قال تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} . وأما الإطعام فللحديث (أثر بن عباس) المتقدم وهو قوله: (أفطرنا وأطعمنا عن كل يوم مسكيناً) – هذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء – وذهب إسحاق وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد وعطاء وعكرمة 0 إلى أن المرضع والحامل إذا أفطرتا فلا يجب عليه إلا الإطعام ولا يجب عليهما القضاء مطلقاً سواء كان الخوف على النفس أو الولد أو عليهما معاً.
واستدلوا:بما ثبت في الحديث المتقدم فإنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ووضع عن الحامل والمرضع الصوم) فقد وضعه الله عنهما ولا دليل على أيجابه عليهما، فقد وضعه الله لهما كما وضع الركعتين في الرباعية عن المسافر، وحيث أن الله وضعها ولا دليل يدل على إثباتهما وفي الحديث المتقدم فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (أفطرنا وأطعمنا عن كل يوم مسكيناً) ولم يذكر قضاء، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وقد ثبت في الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قالا: (الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي) وصح عن ابن عمر أيضاً ما هو صريح في المسألة، حيث روى معمر في جامعه كما ذكر ذلك ابن عبد البر في الاستذكار والإسناد صحيح عن ابن عمر أنه:قال: (الحامل إذا خشيت على نفسها تفطر وتطعم ولا قضاء عليها) ولم أر أثراً عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يخالف ما ثبت عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما والقاعدة عند الحنابلة في فعل هذه المسألة:أن يقال:هو قول هذين الصحابيين اللذين لم يعلم لهما مخالف فيكون حجة - وهذا القول هو الراجح - فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن الله أنه وضع الصيام عنهما ولا دليل يوجب القضاء عليهما ثم أيضاً:إن مما يتبين في مسألة الصيام أنه لا يجب الجمع بين القضاء ولا طعام بل الله جعل الإطعام نائباً عن القضاء، كما في قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقون فدية طعام مسكين} أي على الذين لا يرغبون بالصيام وهم يطيقونه عليهم فدية، وهذا الحكم منسوخ في الأصل لكن هذه الآية بقيت محكمة في الإطعام للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة والحبلى والمرضع كما تقدم في أثر ابن عباس رضي الله عنه وهنا فروع على هذه المسألة: 1- الفرع الأول:عند قوله: (وأطعمنا) هذا من باب وإلا فإن الإطعام واجب على من يجب عليه نفقة الجنين أو الولد لأنها إنما أفطرت لمصلحة الجنين، وهذا هو المشهور في مذهب أحمد.
2- الفرع الثاني:قال الحنابلة:هذا الحكم حيث لم نجد الأم ظئراً – أي مستأجرة – تقوم بإرضاع الطفل ويتقبل الطفل الرضاع منها، (ومثل هذا ما هو عندنا في هذا العصر من الحليب الصناعي) فحيث أمكنها ذلك فلا يجوز لها الفطر وفيما قالوا نظر، فإن مصلحة الطفل إنما تكون في رضاعة من ثدي أمه حيث أمكن ذلك، ومراعاة مصلحة الطفل أولى من عدم مراعاتها وقد ثبت الرخصة مطلقاً. 3- الفرع الثالث:أن الظئر – وهي المستأجرة للإرضاع – أنها تلحق بالأم لكن ذلك بشرط أن يكون الطفل محتاجاً إلى إرضاعها، أو أن تكون هي محتاجة إلى الإرضاع لأخذ الأجرة عليها أما أن لم يكن ذلك فلا يجوز لها أن تفطر – وهذا أمر ظاهر. 4- الفرع الرابع:هل يقاس على هذه المسألة ما إذا أراد أن ينقذ غريقاً أو نحوه من هلكة؟ الجواب:نعم، فإنه يفطر أن احتاج لذلك دفعاً للضرر عن الغير وهذا ظاهر ولكن:هل يقاس على هذه المسألة في الفدية؟ والحنابلة يرون أن عليه القضاء، ولكن هل عليه الفدية أم لا؟ وجهان في مذهب أحمد:اختار ابن رجب في قواعده القول بوجوب الفدية وما ذكره ظاهر ذلك لأن القياس وأضح على الحامل والمرضع اللتين يخافان على ولديهما فإنه لم يفطر لمصلحة نفسه بل أفطر لمصلحة غيره فأشبه الحامل والمرضع اللتين تفطران لمصلحة ولديهما. وحينئذ:فالأظهر والله أعلم أنه لا يجب عليه إلا الفدية ولا يجب عليه القضاء كما تقدم في الحامل والمرضع. قال: (ومن نوى الصوم ثم جن أو أغمى عليه جميع النهار ولم يفق جزءاً منه لم يصح صومه لا إن نام جميع النهار، ويلزم المغمي عليه القضاء فقط) هنا ثلاث مسائل:
المسألة الأولى:في حكم النائم في نهار رمضان، أجمع أهل العلم على أن النوم لا أثر له في الصوم، فإنه لو نوى ثم نام النهار كله فإنه لا يؤثر في صومه، وهذا بإجماع أهل العلم كما تقدم؛ لعدم المانع من التكليف، ولثبوت الحس، فإن الإحساس يثبت في النوم، لذا قال هنا (لا إن نام جميع النهار) . المسألة الثانية:في حكم المغمي عليه له حالتان: الحالة الأولى:أن يغمي عليه النهار كله. فقال الحنابلة:لا يصح صومه لأن الصوم يشترط فيه إمساك مع نية، وهذا لا يثبت إليه الإمساك، فلا يقال أنه مدرك الطعام والشراب، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) متفق عليه، فلا يضاف إليه أنه لم يأكل ولم يشرب وأن كان في الحقيقة ممسكاً من الأكل والشرب، فإنه بمعنى زائل العقل. قالوا:ويجب عليه القضاء، أما ما ذكروه من عدم صحة الصيام فهذا ظاهر لدليلهم المتقدم. أما وجوب القضاء عليه فهذا المشهور في المذهب والراجح هو قول ابن شريح من الشافعية أن القضاء لا يجب على المغمي عليه وقد تقد البحث في هذه المسألة في المغمي عليه عن الصلاة وأنه لا يجب عليه قضاء الصلاة وتقدم الاستدلال عنها. وكذلك يقال هنا:أن الأمر بالقضاء غير ثابت هنا فيحتاج إلى أمر جديد بالقضاء، ومن هنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم النائم بالقضاء لأن القاعدة الأصولية وهي قاعدة دلت عليها الأدلة الشرعية تقول:أن القضاء يحتاج إلى أمر وهنا كذلك فإن هذا المغمي عليه ليس يثبت دليل يدل على وجوب القضاء عليه فإنه في حكم المجنون، وإن كان المغمي ليس في حكمه في كون ذلك معيباً أو ليس بمصيب، لكن في حكمه في مسألة زوال العقل فليس هو بحكم النائم بل بحكم المجنون ولا يلحق النائم للفارق بينهما، فإن النائم فيه شيء من الحس بخلاف المغمى عليه، وكذلك فالإغماء غير معتاد بخلاف النوم فإنه معتاد. إذن الصحيح:أنه لا يجب عليه القضاء.
الحالة الثانية أن يفيق جزءاً من النهار كأن يفيق قبل غروب الشمس فهل يصح صومه أم لا أ – قال الحنابلة:يصح صومه لثبوت شيء من الإمساك له فإنه يصدق عليه أنه ترك الطعام والشراب تلك اللحظة التي أما قدمتها. ب – قال الشافعية:لا بد أن يكون هذا أي الإفاقة في أول النهار. ج – قال المالكية:يشترط مع كونه يفيق أول النهار ألا يكون إغماؤه في أكثر النهار وحددوه بالنصف فأقل، فلو أغمى عليه إلى غروب الشمس وقد أفاق أول النهار فإنه يصح منه صومه والذي يظهر لي والله أعلم أنه أن أفاق جزءاً من النهار سواء كان ذلك في أوله أو آخره فإنه لا يجزئ عنه الصوم وذلك لثبوت زوال العقل في الأجزاء الأخرى من النهار، فلا يصدق عليه أنه ممسك فإن الإمساك في الصوم إنما يكون من أوله إلى آخره، فإنما يجب الإمساك بنية من أول النهار إلى آخره وهذا قد تخللت صيامه أوقاتاً زال عقله فلم يصح أن يكون في ذلك الجزء لو كان يسيراً ممسكاً – هذا هو الأظهر – وحينئذ نقول:إن أفاق فإنه يمسك ويجزئ ذلك عنه وإن كان لا يعتد بإمساكه المتقدم لكنه معذور فيه كما لو أفاق المجنون في منتصف النهار مثلاً فإنه يمسك بقية اليوم وأجزأئه صومه. فلو أن رجلاً أفاق أول النهار ثم أغمى عليه قبيل غروب الشمس فإنه على الأقوال المتقدمة يصح صومه وحيث قلنا:أن صيامه لا يصح فإننا نقول:أنه يمسك في ذلك الوقت ولا يأكل ولا يشرب حتى تغرب الشمس ويجزئه ذلك. 3 - المسألة الثالثة:حكم المجنون. فإذا جن النهار كله فإنه كالمغمي عليه ولا شك، وهذا الاختلاف بين أهل العلم فيه وأن صومه لا يصح بزوال العقل وهل يجب عليه القضاء أم لا؟
جمهور أهل العلم أنه لا قضاء عليه وهو القول الراجح، عن دليل ظاهر فإن التكليف مرفوع عنه لحديث: (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم المجنون حتى يفيق) فإن أفاق جزءاً من النهار، فقال الحنابلة:يصح صومه ودليلهم ما تقدم من أنه صح أنه ممسك وفي هذه الجزء وتقدم الجواب على هذا وأن الواجب هو الإمساك من أول النهار إلى آخره لا الاكتفاء بجزء منه. وذهب الشافعية وهو قول المجد بن تيميه:أنه لا يصح صومه ولو كان الجنون قليلاً، لأن هذا الزمن اليسير الذي جن فيه ثبت زوال عقله فيه، وزوال العقل مانع من الصوم كما لو أن المرأة حاضت في آخر النهار فإنه يفسد صومها، فكذلك إذا جن في أي ساعة من النهار فإنه لا صوم عليه ولا قضاء أما كونه لا صيام له فلأنه وجد فيه مانع من الصوم وهو زوال العقل وأما كونه لا قضاء عليه فلأنه لا تكليف عليه والحالة هذه لكن يمسك إذا أفاق بقية يومه، ولو أكل أو شرب قبل ذلك كما تقدم الكلام عليه. قال المؤلف: (ويلزم المغمي عليه القضاء فقط) فقط على أي لا يجب ذلك على المجنون. قال: (ويجب تعيين النية) يجب على من أراد الصوم أن يعين النية فينوي كون صومه عن رمضان أو عن كفارة أو عن نذر أو نفل أو نحو ذلك. فلو أنه قال:أصوم غداً بنية صوم مطلق ولم ينو كونه من رمضان فإنه لا يجزئ عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإنما لكل امرئ ما نوى) . قال: (من الليل لصوم كل يوم واجب) فيجب أن يكون ذلك من الليل أي جزء منه سواء كان ذلك بعد غروب الشمس أو منتصف الليل أو قبيل الفجر ينوي الصوم غداً وظاهره أنه لو نوى من النهار فإنه لا يجزئ عنه، فلو أن رجلاً في النهار نوى أن يصوم ثم نام إلى أذان الفجر فإنه لا يصح صومه لأنه لم ينو الصوم من الليل بل نواه من النهار والأظهر أنه إذا نوى في النهار ولم ينو القطع بل استصبحت النية ليلاً فلم ينو
الفسخ فإن ذلك لا يؤثر في نيته فإن النية قد ثبتت ولم يقع فسخ لها فتصح ولا يؤثر ذلك في صيامه فيجب تبيت النية من الليل، فمن لم ينو إلا نهاراً فلا يجزئ ذلك عنه كأن يؤذن عليه الفجر ولم ينو بعد فإنه لا صيام له، فالواجب أن تغطي النية النهار كله. ودليل ذلك ما ثبت في أبي داود وغيره والحديث صحيح من حديث حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) . قال: (لا نية الفريضة) فعندما ينوي أنه سيصوم غداً من رمضان فإنه يجزئ عنه ذلك وليس لا بد وأن ينوي أن يكون فرضه، فإنه بمجرد أن ينوي نحو ذلك اليوم من رمضان فيتضمن لنيته الفريضة وعندما ينوي أن يصوم في يوم الاثنين فإن هذه النية متضمنة لمعنى التطوع والتنفل. واعلم أنه لا بد من الجزم بالنية أما أن لم يخرج بها تردد، فقال:أني صائم غداً إن شاء الله فإنه لا يجزئ عنه إن كان هذا الاستثناء لنية التردد، أما إذا كان بنية فلا حرج لحديث: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صوم له) " أي من لم يعزم ويجزم والأعمال لا تصح إلا بنية جازمة: (إنما الأعمال بالنيات) . قال: (ويصح النفل نيته من النهار قبل الزوال وبعده) فالنفل لا يشترط فيه تبييت النية من الليل بل يجوز أن تكون النية نهاراً وهو مذهب جمهور العلماء. واستدلوا بما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال:هل عندكم شيء فقلنا:لا فقال:فإني أذن صائم، ثم أتانا يوماً أخر فقلنا:أهدى إلينا حسيس فقال:أرينه فلقد أصبحت صائماً فأكل) رواه مسلم، والشاهد قوله: (فإني أذن صائم) فإنه صلى الله عليه وسلم قد أصبح مفطراً ثم سأل عن الطعام فلم يجده فصام. وقال المالكية وهو مذهب الظاهرية:لا يجوز أن ينوي نهاراً فرضاً كان أو نفلاً.
واستدلوا:بعموم حديث: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) قالوا:فهو حديث عام يشمل الفرض والنفل. قالوا:وأما حديث عائشة فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم نوى من الليل الصوم ثم أتى أهله وسألهم عن الطعام ونوى أنه أن وجد طعاماً عندهم أفطر وإلا بقى على صومه وما ذكروه يخالف ظاهر الحديث، فإن ظاهره أنه قد نوى الصوم حينئذ فإنه قال: (فإني أذن صائم) بخلاف قوله في الفقرة الثانية: (فإني أصبحت صائماً) ولأن النظر يؤيد ذلك، فإن قاعدة الشريعة الترغيب في التنفل من هو للمسافر أن يصلي على راحلته النفل ولم يشترط للتنفل الصيام في الصلاة وهنا الصوم كذلك فإن الرجل قد ينوي الصيام أثناء النهار وهو أول النهار ممسك لم يطعم ثم ينوي أن يصوم فللرغبة في الصيام جاز له الصوم. فأن قيل:وهل يجوز ذلك في النية في الصلاة النافلة؟ فالجواب:أن الصيام تمتد وفيه بخلاف الصلاة فإنها يقصر وفيها ولا مشقة ولا حاجة إلى أن يقال:أن ينوي أثناء الصلاة بل لا معنى لذلك. فالراجح مذهب جمهور أهل العلم. وهنا فرعان: الفرع الأول:يجوز أن ينويه قبل الزوال أو بعده كما ذكر المؤلف وهذا هو المشهور في المذهب وهو من مفردات المذهب وذهب الجمهور إلى أنه إنما يجوز ذلك قبل الزوال لا بعده واستدل الحنابلة بقولهم:بالمعنى المتقدم، ولأنه حيث جازت النية في جزء من النهار فإنها يجوز في أجزاء أخر فحيث جازت في أوله فإنها تجوز في آخره. وقال الجمهور من الشافعية والأحناف:لا يجوز لأنه ذهب معظم الوقت ومن هنا فإن الصلاة إذا فات ركوعها لم تدرك ركعتها بفوات معظمها فكذلك هنا.
قالوا:ولأن الوارد في الحديث المتقدم إنما كان في الغداء والغداء إنما يكون قبل الزوال والأفعال لا عموم بها. ولا شك في قوة هذا القول، لكن مع ذلك الأظهر ما تقدم فتحاً لهذا الباب وهو باب الترغيب في النافلة، فإن الشارع أجازه للترغيب بالنفل، والإكثار منه وحيث كان ممسكاً من طلوع الفجر إلى بعد زوال الشمس فإنه لا مانع من أن يعمل بإمساكه ويؤخر بقدر صومه وحيث جاز فعله قبل الزوال فإنه يجوز بعده. الفرع الثاني:أن الإمام أحمد نص على أنه إنما يثاب على الوقت على الذي أمسك فيه عن الطعام والشراب بنية الصوم هذا في الأصل وإلا فقد ينال من الثواب بفضل الله وكرمه أكثر من ذلك وذلك لأنه في أول النهار قد أمسك بغير نية التقرب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا عمل لم ينوه فلم يثبت عليه وهو اختيار شيخ الإسلام واستظهره صاحب الفروع. قال: (ولو نوى إن كان غداً من رمضان فهو فرض لم يجزئه) رجل في ليلة الثلاثين من شعبان أمسك عن الطعام والشراب بنية أنه كان غداً من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن من رمضان فأنا متنفل، فنيته واقع فيها تردد فلا يجزئ وذلك لوقوع التردد فقد تردد هل هو صوم فرض أو نفل، والواجب في النية الجزم بالفرض أو النفل.
قالوا:أما أن قال:إن كان غداً من رمضان فأنا صائم وإن لم يكن من رمضان فأنا مفطر، قالوا:فإنه يصح حينئذ لأنه علق صومه بأصل لم يثبت لنا زواله، فإنه علق ذلك بثبوت رمضان غداً ولم يثبت زوال هذا الأصل فكان صومه صحيحاً، فهو جازم نية الصوم على نية الفرض واختار شيخ الإسلام في الصورة الأولى الإجزاء أيضاً لأن النية تتبع العلم، فهو لا يعلم أن غداً رمضان والنية تتبع العلم، فعلمه متردد هل غداً من رمضان أو لا فنيته جاز أن يقع فيها التردد لأن هذا هو قدرته فهو لم يعلم إلا ذلك على أن الأصل في هذه المسائل ما تقدم وأنه لا يجوز له الصوم فإذا ثبتت النية أثناء النهار فإنه يمسك ولا حرج عليه ولا قضاء. قال: (ومن نوى الإفطار أفطر) . فمن نوى الإفطار فإنه يفطر وإن لم يأكل وليس المراد بقوله:" أفطر " أنه بمعنى الأكل والشارب، بل مراده أنه كما لو لم ينو الصوم. بمعنى:رجل صائم ثم نوى أن يفطر فإنه يكون بحكم المفطرين لأنه قد قطع النية، والنية شرط أن تغطي العمل كله وقد قطعها، فحينئذ فسد صومه لبطلان نيته وهذا باتفاق العلماء وهي مسألة ظاهرة، لأن الواجب هو النية في اليوم كله، وحيث نوى الفطر فإنه يكون مفطراً. وإنما قلنا:أنه يكون في حكم المفطر، لا في حكم من أكل أو شرب لأن هنا فرقاً بين المسألتين، ويتصور ذلك بأن يقال:رجل ممسك عن الطعام والشراب بنية التقرب إلى الله إلى أذان الظهر ثم نوى الفطر، فإنه أن لم يأكل ولم يشرب يجوز له أن ينوي مرة أخرى التنفل لأنه لم يقع منه أكل ولا شرب فهو ممسك. أما لو قلنا:أنه بمعنى أكل أو شرب فإنه لا يجوز له أن ينوي حينئذ ففرق بين قولنا:أفطر بمعنى أكل أو شرب وقولنا:أفطر بمعنى أصبح لا نية له فهو كما لو لم ينو. فإن تردد في القطع فما الحكم؟ قولان في مذهب أحمد:
أرجحهما أنه لا ينقطع صومه بل يكون في حكم الصائمين لا المفطرين، لأن هذا التردد لم يؤثر في نيته الأصلية فهو مازال ناوياً الصوم أم لا يقطعه فلم تتأثر نيته بذلك. ويصح أن يستدل لذلك بقوله النبي الله عليه وسلم: (أن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) . مسألة: المشهور في مذهب الحنابلة أنه يجب أن ينوى صوم كل يوم من رمضان بعينه. وذهب المالكية فصوروا به عن الإمام أحمد إلى أنه يجزئه أن ينوي من أول الشهر بنية صيام رمضان، فيجزئه عن الشهر كله ما لم تفسخ هذه النية. وهذا هو الأظهر لثبوت النية له، فلم يقسمها ولم يقطعها. مسألة: الإطعام للحامل والكبير ونحو ذلك ففيه مسألتان: المسألة الأولى:قدر الإطعام. فقد ورد في البيهقي والدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر في المرأة الحامل تخاف على ولدها قال: (تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة) وقال ابن عباس في الدارقطني بإسناد صحيح: (إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أفطر وأطعم مكان كل يوم مداً مداً) أي من حنطة وثبوت عنه نصف الصاع فما دونه. والحنطة يقوم مقامها الأرز الجيد، أما إذا كان رديئاً فإنه لا يكفي إلا نصف الصاع. ويجزئ أيضاً أن يصنع طعام يكفي مسكيناً أي يشبعه، فقد ثبت في الدارقطني بإسناد صحيح: (أن أنس بن مالك ضعف عن الصوم عاماً فصنع جفنة ثريد ودعا إليها ثلاثين مسكيناً فأتبعهم) . المسألة الثانية:إذا عجز عن الإطعام فهل يتعلق ذلك في ذمته أم لا يسقط عنه؟ قولان لأهل العلم:1- المشهور في المذهب أنه يتعلق في ذمته فإذا قدر فيجب عليه أن يبرأها بالإطعام. 2 – واختار ابن عقيل من الحنابلة وهو الوجه الثاني في المذهب أنه يسقط عنه، وهو الراجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر من جامع امرأته في نهار رمضان بالكفارة إذا قدر عليها بل
سقطها عنه وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، على أن الشارع متشوق إلى عدم تعليق الذمة بخلاف حقوق الآدمي، أما هذه فهي حقوق الله فاسقطها سبحانه. والحمد لله رب العالمين. باب:ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة قال المؤلف رحمه -الله تعالى-: (من أكل أو شرب أو اسقط أو احتقن أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان غير إحليله ... ) هنا يذكر المؤلف مفسدات الصوم: المفسد الأول فيها:هو الأكل والشرب وقد أجمع أهل العلم على أن من أكل أو شرب فإن صومه يفسد بذلك، يدل على ذلك قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) وبحديث: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) ويثبت الإفساد بقليل والطعام والشراب، فلو ابتلع شيئاً من أسنانه، أو ابتلع قدر الخردلة من طعام فابتلعها فإنه يفطر بذلك. وهل يفطر بابتلاعه ما ليس بطعام كأن يبتلع حصاه أو خيطاً أو يسف تراباً أو نحوه؟ قال جمهور العلماء:يفطر بذلك واختار شيخ الإسلام أنه لا يفطر بذلك وهو مذهب الحسن ابن صالح. واستدل شيخ الإسلام بأن ذلك لا يصدق عليه أنه أكل، فالأكل إنما يكون للمطعوم الذي يحصل الغذاء به، أما لو ابتلع شيئاً ليس بغذاء كحصاه ونحوها فإنه لا يفطر لأنه قد بلع ما ليس بمطعوم، وهذا القول أظهر، لأن الله إنما حرم الأكل والشرب، وليس هذا من الأكل والشرب. إذن:لا يفطر إلا بابتلاع ما يحصل به الغذاء، أما لو ابتلع ما لا يحصل به الغذاء فإنه لا يفطر بذلك وقد تقدم أن من ابتلع ما بين أسنانه فإنه يفطر أما ما يجري مع الريق مما يكون بين الأسنان ثم يجري طبيعة مع الريق، فقد أجمع أهل العلم على أنه لا تثبت به الفطر، لكن أن يطلب ابتلاعه فإنه يحصل على الفطر لأنه يصدق عليه أنه أكل وإن كان ذلك شيئاً يسيراً إذا ثبت ذلك فاعلم أن ما دلت عليه الأدلة هو أن طريق الأكل أو الشرب وهو الفم والأنف.
أم الفم فهذا أمر ظاهر، وأما الأنف فهو قوله صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داود وغيره -: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فدل ذلك، خلافاً للظاهر - على أن الأنف منفذ للشراب، وهو ظاهر فيما يقع في هذه الأزمان فيما يقع من إدخال الطعام إلى الأنف للمرضى أما غيرها المنافذ فقد قعد فقهاء الحنابلة قاعدة واسعة في هذا الباب فقالوا:كل ما يصل إلى جوفه أو إلى مجوف في بدنه كالدماغ والحلق – فما يصل إلى المعدة فإنه يثبت به الفطر وعليه:فإذا وضع قطرة في أذنيه أو اسقط في أنفه فإنه يفطر بذلك، والحقنة في الدبر يفطر بها، والدواء الذي يوضع على " وهي الجرح الذي يصل إلى الجوف أو المأمومة " فكل ذلك يفطر ولذا قال المؤلف هنا: (أو اسقط " أي يكون بالأنف " أو احتقن في الدبر أو اكتحل فالعين منفذة للطعام بما يصل إلى حلقه) فإذا اكتحل ولم يصل ذلك إلى الحلق فلا يكون ذلك قد وصل إلى الجوف ومثل ذلك القطرة التي تكون في الأذن فإن المراد ما يصل إلى دماغه لأن التجويف إنما هو في الدماغ لا في الأذنين. (أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان غير إحليله)
فلو وضع دواء على جائفة أو مأمومة فوصل ذلك إلى الجوف فإنه يفطر بذلك، غير الأحليل " وهو الذكر " وذلك لأن الذكر لا يصل منه عندهم إلى المعدة شيء وقد نازعهم بعض أهل العلم في بعض أهل هذه المسائل أو كلها – سوى ما تقدم الإجماع عليه – إلا أن الظاهرية قد نازعوا في الأنف، والحديث حجة عليهم كما تقدم ونازعوا في غير الأكل أيضاً، فإنهم قد خصوا الطعام والشراب بما يصل من الفم لا غير. ونازع الشافعية والحنابلة بما يكون في العين من كحل ونحوه فإذا اكتحل فالمشهور عند الشافعية أنه لا يفطر بذلك وقد نازع الإمام مالك الحنابلة فيما يوضع في الأذنين فإنه عنده أن لم يصل إلى الحلق فإنه لا يفطر به وإن وصل إلى الدماغ وأطلق الليث والأوزعي الخلاف في ذلك وقالوا:بل الأذن ليست منفذاً مطلقاً ونازع في الحقنة الظاهرية وشيخ الإسلام، وقالوا أنها ليست مفطرة، لأنها أشبه بشم ما يكون سهلاً والظاهر أن الحقنة كانت توضع عندهم للإسهال، أما إذا كان ذلك للطعام والشراب فهي مفطرة ونازع الإمام مالك الحنابلة فيما يوضع على الجائفة أو المأمومة فقال لا يفطر. أما شيخ الإسلام فهو مذهب الظاهرية سوى ما تقدم من استثناء الأنف، فرأى شيخ الإسلام:أنه لا يقع الفطر إلا بوصول شيء إلى المعدة على سبيل التغذية، أو يصل إلى الدم بحيث يكون مغذياً للبدن. فإذا وصل الدواء إلى الجوف عن طريق الجائفة أو المأمومة فإنه لا يفطر لأنه ليس من سببها فالغذاء، والكحل ليس من باب الغذاء وما يوضع في الأذن ليس من باب الغذاء فقاعدة شيخ الإسلام:أن ما وصل إلى جوف الآدمي على سبيل الغذاء فإنه يحصل به الفطر – وما ذكره هو الظاهر فإن الله إنما نهى عن الأكل والشرب وهما اللذان يحصل بهما الغذاء للآدمي، ويقاس عليهما كل ما يحصل به الغذاء، ومن
ذلك ما يقع في هذه الأزمنة من الإبر المغذية أو المحاليل المغذية التي توضع في الوريد أو غيره فإنه تحصل بها الغذاء وعليه فإن الإبر التي ليست مغذية بل للدواء ولا يحصل بها غذاء بقول الطبيب الثقة فإنها لا تفطر. فعليه:إذا وصل الغذاء إلى البدن من منفذ الأنف أو الفم أو جرح شيء من البدن فأدخل الغذاء من خلاله فإن ذلك يفطر أما مجرد دخول شيء من الأدوية أو شيء مما يوضع في الأذن أو العين وليس ذلك على سبيل التغذية فإنه لا دليل تدل على الفطر به. ومسألة – أي مسألة مفسدات الصوم – مسألة كبيرة واجب بيانها من الشرع ولم يثبت في الكتاب والسنة ما تبين أن ما ذكره هؤلاء الفقهاء وغيرهم أنه من المفطرات ولا شك أنها من المسائل التي يحتاج إلى بيانها فإنها متعلقة بفريضة من فرائض الله تعالى. ثم أن الله قد خاطب العرب بالآية المتقدمة فحينئذ لا يكون مفطراً إلا ما هو أكل أو شرب في عرفهم وليس أكثر ما ذكر مما تقدم في عرفهم من الأكل والشرب. قال: (أو استقاء) أي طلب خروج القيء فحصل له ذلك فإنه يفطر بذلك أما إذا خرج القيء فيه من غير استدعاء ولا بطلب فإنه لا يفطر بذلك بالاتفاق أما أن يطلبه واستدعاه فإنه يفطر عند جماهير العلماء وذهب طائفة من الصحابة وهو مذهب ابن عباس وابن مسعود وعكرمة ووجهه صاحب الفروع وهو رواية عن الإمام مالك اختارها بعض أصحابه إلى إخراج القيء ليس بمفطر مطلقاً سواء تطلبه أم لا. استدل أهل القول الأول بما روى أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث عيس بن أيوب عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض) وهذا الحديث إسناده صحيح في الظاهر، ورجاله رجال الصحيح. واستدل أهل القول الثاني:بالأصل، وأن الأصل أن خروج القيء سواء كان بتطلب أم لم يكن ليس بمفطر وضعفوا هذا الحديث، وقد ضعفه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم.
قال البخاري: (لا أراه محفوظاً) وكذا قال غيره. ولم يتبين لي ما هو طعن هؤلاء الأئمة في هذا الحديث إلا ما ذكره الترمذي من تفرد عيس بن أيوب وهو ثقة من رجال الصحيحين، لكنه لم يتفرد بهذا الحديث بل تابعه حفص بن غياث كما في سنن ابن ماجة وهو من رجال الصحيحين أيضاً، ثم أنه لو تفرد به لقيل وقال عيس بن أيوب: (زعم أهل البصرة أن هشاماً قد أوهم وهذا هو الطعن الثاني، وهذا المطعن مجرد دعوى فإن الأصل هو عدم وهمه، ولم يتبين لنا سند أخر يثبت به الوقف أو نحو ذلك في هذا الحديث المرفوع وقد صححه طائفة من المتقدمين، والمشهور عند المتأخرين هو تصحيح وإن كان ما تقدم من أقوال الأئمة الكبار يجعل في النفس شيئاً من هذا الحكم المبني على هذا الحديث المتكلم فيه لكن لم يتبين للطعن فالأظهر البقاء على تصحيحه لا سيما وأن العمل عليه أهل العلم كما قال الترمذي رحمه الله، فإنه لما ذكر ما تقدم من تفرد عيس بن أيوب قال: (والعمل عليه عند أهل العلم) وهذا القول هو الأظهر فمن استقاء فليقض كما هو مذهب جماهير العلماء وهل للقي مدد محدد؟ المشهور في المذهب:أن خروج القيء بالتطلب مطلقاً يفطر سواء كان قليلاً أو كثيراً، وسوء خرج طعامه الذي في معدته أو شيئاً من الدم أو البلغم أو أو نحو ذلك فأي شيء يخرج من جوفه بسبب تطلبه لإخراج القيء يفطر بذلك. وعن الإمام أحمد وهو قول ابن عقيل من الحنابلة أنه لا يفطر إلا ملء الفم. والقول الأول أظهر لظاهر الحديث، فإن ظاهره أنه متى ما خرج ما يصح أن يكون ميئاً فإنه يفطر بذلك ولعل العلة من ذلك والله أعلم – خلافاً لما أنكر شيخ الإسلام هذا التعليل – وقد نص على هذا التعليل ابن عبد البر وغيره الأظهر أن خروج الطعام من المعدة إلى الحلق مظنة رجوع شيء منه إليه، وهذا فيه معنى الأكل والشرب والله أعلم. قال: (أو استمنى أو باشر فأمنى أو أمذى)
إذا استمنى أو باشر أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى فإنه يفطر بذلك والمراد بالمباشرة هي ما دون الجماع أما لو باشر أو قبل أو استمنى ثم لم يحصل منه مني ولا مذي فإنه لا يفطر بذلك وهذا بالاتفاق ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أمللكم لأرَبه) أي حاجته، وتصح " الإرْبه " أي عضوه أما أن حصل مع الاستمناء أو المباشرة أو القبلة أو اللمس حصل مني فإنه يفطر عند جمهور العلماء حتى قال الموفق " خلاف بعلمه " وذلك لأن خروج المني تتم به الشهوة، وقد قال الله تعالى فيما يرويه عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) فالشهوة قد امتنع عنها الصائم فهي مما يمسك عنه وحيث خرج المني باستدعاء فإن الشهوة قد وقعت تامة له فكان ذلك من مفسدات صومه خلافاً للظاهرية القائلين:بأنه لا يفطر إلا بالجماع فلو أمنى باستمناء أو مباشرة فلا يفطر بذلك. والراجح ما تقدم وهو مذهب عامة العلماء أما كون المني مفطراً بخروجه بسبب القبلة واللمس فهذا هو مذهب جمهور العلماء كما تقدم.
أما قولهم أن خروج المني بالاستمناء والمباشرة يفطر الصائم فإن هذا ظاهر لأن الاستمناء والمباشرة سبب ظاهر لخروج المني بخلاف القبلة واللمس فإن الأصل عدم خروج المني بهما إلا على هيئة نادرة، فوقوع الصائم بإخراج الشهوة بسببهما ليس طبيعاً بل هو واقع على سبيل الندرة فمتى حصل ذلك فلا ينبغي القول بالفطر، لأن القبلة واللمس ليسا سبباً ظاهر في خروج المني، فهو لم يكن مقتصداً لخروجه بل قد خرج بغير قصد فيه، وقال إلى هذا القول صاحب الفروع وهو القول الظاهر وذلك لأن الشهوة وأن كانت قد وقعت عليه لم يكن ذلك بقصد منه، فإنهما ليسا سبباً لخروج المني في العادة أما لو علم من نفسه خروج المني بسبب القبلة أو اللمس ثم فعل ذلك، فإن موافقة الجمهور تكون ظاهراً فعلى ذلك يفطر لأنه قد أخرج شهوته بسبب قد تقصده. قال: (أو أمذى) كان يباشر أو يستمنى أو يقبل أو يلمس فيمذى فإنه بفطر هذا مذهب أحمد ومذهب مالك وذهب الشافعية والأحناف إلى أنه لا يفطر بذلك أما دليل أهل القول الأول فهو القياس على المني، فقاسوا خروج المذي على خروج المني وأما أهل القول الثاني فقالوا:هذا قياس مع الفارق، مفرق بين المذي والمني، فليس المذي كالمني، وما المذي إلا جزء من الشهوة بل هو دليل على الشهوة وتقدم لها وليس هو الشهوة نفسها وهو اختيار شيخ الإسلام. واستدلوا:بالأصل، فإن الأصل ألا يكون ذلك مفطراً ولا دليل يدل على الفطر به – وهذا القول هو الراجح. إذن:من باشر أو استمنى أو قبل أو لمس فأمذى فإنه لا يفطر بذلك لأن الأصل بقاء الصوم وصحته لا أبطاله ولا دليل على أبطاله:وقد استظهر هذا القول صاحب الفروع وصوبه في الإنصاف. قال: (أو كرر النظر فأنزل) أي أنزل منياً.
رجل كرر النظر إلى امرأة فأنزل منياً فإنه يفطر بذلك قياساً على القبلة واللمس ونحوها. وذهب الشافعية والأحناف إلى أنه لا يفطر بذلك:إبقاء على الأصل، فالأصل صحة الصوم وبقاؤه ولا دليل على الإفطار. قالوا:وقياساً على الفكر، فإنه لو فكر فأنزل فإنه بالاتفاق لا يفطر، والقياس أقرب من القياس المتقدم على أن تكرر النظر في الحقيقة – ليس سبباً ظاهراً في الإنزال كما تقدم بيانه فإن تكرار النظر لا يقع به في الأصل الإنزال فلو وقع الإنزال حينئذ فإنه لا يقع باختيار من المكلف أما لو علم من نفسه أنه بتكرار النظر يثبت فيه الإنزال فحينئذ نقول به لأنه أشبه الاستمناء فقد طلب خروج المني بهذا الفعل وعلم من نفسه خروجه وهذا نادر ولم يذكر المذي:فالمشهور عند الحنابلة في هذه المسألة أنه لو كرر النظر فأمذى فإنه لا يفطر بذلك، وذلك لمشقة التحرز من ذلك، وللفارق بين المني والمذي وهذا فيه تناقض. قال: (أو حجم أو احتجم وظهر دم) . إذا حجم أو احتجم فظهر الدم فإنه يفطر بذلك، فالحاجم والمحجوم يفطران. ودليل ذلك:ما رواه الخمسة إلا الترمذي من حديث شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) والحديث إسناده صحيح. ويرى شيخ الإسلام هذا القول، ويرى أن الحاجم إنما يفطر حيث كان بمعنى أداة الحجامة بقية فتكون ذلك مظنة لدخول شيء من الدم – ولو كان دلك من نجاره – إلى حلقه فيفطر بذلك، وحينئذ فرأى شيخ الإسلام أنه لو لم تكن ذلك بمعنى أداة الحجامة فإنه لا يفطر. خلافاً الحنابلة في المشهور عندهم من أنه يفطر، وأن ذلك تعبدي والأظهر ما ذهب إليه شيخ الإسلام لأن الأصل في الأحكام أن تكون أحكاماً تعليلية لا تعبديه. وهل يلحق بذلك الفصد أم لا؟ قولان في مذهب الإمام أحمد. اختار شيخ الإسلام أنه ثبت الفطر بالقصد وذلك لثبوت خروج الدم به، فالمعنى ثابت في الفصد كما هو ثابت في الحجامة.
وحينئذ يلحق أي طريقة في إخراج الدم كما يقع ذلك في التحاليل الطبية التي يقع بها إخراج الدم فإنها تكون مفطرة هذا مذهب الحنابلة – أي كون الحجامة مفطرة – وهو مذهب أكثر أهل الحديث – كما قال ذلك شيخ الإسلام، وهو اختياره واختيار تلميذه ابن القيم. وذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر. واستدلوا:بما ثبت في البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم) . قالوا:ويوافقه أنه مذهب رواية، فقد ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: (الفطر فيما يدخل لا فيما يخرج) .
قالوا:والجواب عما استدل به الحنابلة أن الحديث الذي استدلوا به منسوخ بحديثنا، ودليل النسخ الآثار الواردة في هذا الباب فمن ذلك:ما ثبت في سنن الدارقطني بإسناد قوي عن أنس بن مالك قال: (أول ما كرهت الحجامة أن جعفر بن أبي طالب احتجم فمرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم فقال:أفطر هذان ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم) وروى الدارقطني والطبراني في معجمه الأوسط بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: (رخص النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة للصائم وفي الحجامة) ومعلوم أن لفظ الرخصة لا يطلق إلا عزيمة، وقد كانت العزيمة في الفطر بالحجامة ثم رخص بعد بالحجامة. وثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحاب) فكانت العلة هي الإبقاء على الأصحاب لأن إخراج الدم مضعف لليدين ثم بعد ذلك رخص بالحجامة وثبت في البخاري عن أنس أنه قيل له: (أكنتم) ومثل هذا السؤال يكون الجواب عنه عن مذهب الصحابة عامة وإن كان الصحابة مختلفون في هذا، لكن هذا يدل على أن جمهورهم على هذا القول: (أكنتم تكرهون الحجامة للصائم فقال:لا إلا من أجل الضعف) وفي ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة وكرها للضعف) قالوا:وهذه الأحاديث تدل على النسخ. وقابلهم أهل القول الأول بأن حديثنا ناسخ لحديثكم وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم.
قالوا:لأن حديثنا ناقل عن الأصل، ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأنه احتجم وهو صائم فإنه متفق على الأصل، والقاعدة أن الناقل مقدم على المبقي على الأصل وهي قاعدة ترجح في باب النسخ. لكن يجاب عن هذا بأن ما تقدم من الآثار تدل على عكس هذا القول وأن حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب الجمهور عن الاستدلال بحديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) بأن المراد يؤول أمرهما إلى الفطر فإن ذلك مضعف للمحتجم ومظنة لدخول شيء من الدم إلى الحاجم فيؤول أمرهما إلى الفطر – وهذا ظاهر للجمه بينهما لكن ينكر عليه الآثار والأحاديث المتقدمة فإن ظاهرها أن إفطار الحاجم والمحجوم كان عزيمة على الوجه المتقدم إلا أن يقال إنه كان منهياً عنه وإن لم يكن مفطراً والحاصل:أن مذهب جمهور الفقهاء هو القول الراجح في هذه المسألة. فأن قيل:قد أعل بعض العلماء الحديث الذي رواه البخاري في صحيحيه، فقد أنكر الإمام أحمد – كما أعله شيخ الإسلام وغيره – لفظة (وهو صائم) وأتت (وهو محرم) . فالجواب:أن الإمام أحمد كما فرد ذلك صاحب القيم قد ساق طرفاً ليس فيها طريق البخاري وأنكر هذه اللفظة في هذه الطرق.
أما الطريق الذي خرجه البخاري في صحيحيه فإن الإمام أحمد لم يتعرضى له بإنكار ثم أن السند ظاهره الصحيح وقد قال ابن حجر: (والحديث لا مدفع فيه ولا اختلاف في ثبوته وصحته) فعلى ذلك جماهير العلماء على تصحيح هذا الحديث والحديث من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس وقد اختلف فيه على أيوب فرواه وهيب وعبد الوارث موصولاً " أي عكرمة عن ابن عباس ورواه ابن عُلَّبة ومعمر عن أيوب عن عكرمة مرسلاً واختلف على حماد بن زيد بالإرسال الوصل، ومثل هذا لا يؤثر في الحديث بل يكون ثابتاً موصولاً ومرسلاً، فإنه حيث تساوى الواصل والمرسل فإنه لا يقال بترجيح شيء من قوليهما على أن للحديث شواهد تثبت صحته، كيف وقد أخرجه البخاري في صحيحيه الذي تلقته الأمة بالقبول وأحاديث البخاري لا يقال بتعليل شيء منها إلا إذا كانت البينة ظاهرة في ذلك. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (عامداً ذاكراً لصومه فسد لا ناسياً أو مكرهاً) . ما تقدم من المفطرات – سوى الجماع فسيأتي البحث فيه – مما تقدم من المفطرات وهي الأكل والشرب والاستقاء والاحتجام هذه المفطرات " في فعلها ناسياً ومكرهاً فإنه لا يفطر، بل لابد أن يفعلها ذاكراً عامداً. عامداً:يقابله مكرهاً، وذاكراً مقابله ناسياً فلابد أن يكون عامداً أي غير مكره، ذاكراً أي غير ناس فإن كان ناسياً أو مكرهاً لم يفطر بذلك.
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وفي الحاكم بإسناد صحيح: (من أفطر ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة) ودليل المكره الحديث الصحيح: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فمن أفطر مكرهاً فليتم صومه فإن صومه صحيح، فإنما أطعمه الله وسقاه. ولم يستثن المؤلف رحمه الله الجاهل، لأن الجاهل في مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور يفطر أن أكل أو شرب أو فعل مضطراً جاهلاً – والمراد الجاهل بالحكم -. واستدلوا:بقوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) لما مر على الرجلين وأحدهما يحتجم والأخر محتجم، قالوا فدل على أنه لا يعذر بالجهل وذهب أبو الخطاب من الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب إسحاق ومجاهد والحسن وهو مذهب طائفة من السلف والخلف قالوا:هو معذور بالجهل، قياساً للجاهل على الناس، فكما أن الناسي لم يتعمد المفسد للصوم فكذلك الجاهل فإنه لم يتعمده إذا لا تعمد إلا بعلم وإن كان تعمد الفعل. واستدلوا:بما ثبت في الصحيحين أن عدي بن حاتم لما نزلت: {فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} قال عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض – فوضعتهما تحت وسادي فجعلت أنظر في الليل فلا يتبين ذلك لي قال:فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) وفي رواية: (إن وسادك إذاً إذا وسع المشرق والمغرب) فالمراد بذلك:بياض المشرق وسواده، وبياض المغرب وسواده أي سواد الليل وبياض النهار، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
واستدلوا:بحديث أسماء – سيأتي ذكره – من أن الصحابة أفطروا قبل غروب الشمس في يوم غيم فلم يؤمره بالقضاء وكذلك القاعدة الشرعية أن الشارع لا يفرق بين الجاهل والناسي في فعل المحذورات والمفسدات وما ذكروه أصح. وأما حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) فليس صريحاً في أنهما لا يفطران بل المقصود من ذلك أن من فعل ذلك فإنه يفطر على أن هذه قضية عين لا تخالف بها القاعدة الشرعية المتقدمة وهي قاعدة الشربعه في إلحاق الجاهل بالناسي ويحتمل فيها أنه مراد النبي صلى الله عليه وسلم مجرد الأخبار بأن من فعل ذلك فإنه يفطر بدليل تعميميه في الأخبار فيها الأخرى من قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) فالأصح ما ذهب إليه أهل القول الثاني من أن الجاهل لا يفطر بذلك لأنه لم يتعمد المفسد فأشبه الناسي والمكره والحديث المتقدم دليل على ذلك، وهو قوله: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والخطأ هو الجهل. قال: (أو طار إلى حلقه ذباب أو غبار)
أو دخان أو غير ذلك فإنه لا يفطر بذلك لأنه ليس بمتعمد لذلك ولا بمختار، والشرط في المفطرات أن تكون على هيئة الاختيار، فإن دخول الغبار لا يكون منه على هيئة القصد وهذا على القول بأن الغبار مفطر، وإلا فقد تقدم اختيار شيخ الإسلام بأن من سفا تراباً ونحوه فإنه لا يفطر بذلك لكن على المذهب من القول بأن الغبار ونحوه يفطر فإنه لا يقال بالفطر به حيث كان عن من غير تقصد ولا اختيار ومثل ذلك الدخان أو البخور فإنه إذا دخل من غير قصد فإنه – على المذهب – لا يفطر، لأنه دخل بغير اختياره أما لو دخل بتقصد منه فإنه يفطر بذلك في المشهور من المذهب وعليه يقاس الدخان المشهور عند الناس فإنه يخرج على المذهب من أنه مفطر من مفطرات الصيام والعمل على ما ذهب إليه الحنابلة فيما يشربه الناس من الدخان مما هو محرم في الشريعة وأما البخور فإن في النفس من ذلك شيئاً، وظاهر اختيار شيخ الإسلام في الفتاوى، ومقتضى السابق، أن شم البخور لا يفطر فإنه ليس بمأكول ولا بمشروب ولا بمعناهما – وهذا هو الأظهر – أما شم الروائح الطيبة من طيب ونحوه – من غير دخان يخرج معه – فإنه لا بأس به باتفاق العلماء. قال: (أو فكر فأنزل) إذا حدث منه تفكير موضع في ذهنه صوراً فوقع من ذلك إنزال فإنه لا يفطر بذلك.
قالوا:لما روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) فحديث النفس معفو عنه وظاهر كلامهم الإطلاق وفي الإطلاق نظر، فإن الأظهر أنه إذا كان يستحضر الصور بقصد منه وتطلب مع علمه أن ذلك يورثه إنزالاً فالأظهر هو القول بأنه يفطر:وهذا هو اختيار ابن عقيل وأن كان اختياره على هيئة الإطلاق فإن ابن عقيل قال:أن من فكر فأنزل فإنه يفطر واستدل على ذلك بأن الفكر يأتي باستحضاره، وظاهر كلامه إذا لم يأت باستحضار منه بل كان عن غلبة فإنه لا يفطر بذلك وهذا هو الظاهر فإن هذا يشبه ما تقدم من تكرار النظر مع علمه أن ذلك يورثه إنزالاً أما إذا علم من نفسه ذلك واستدعى الفكر فإنه يفطر، لأنه تعاطى سبباً يورث مفسداً من مفسدات الصوم، تعاطاه باختيار منه فأسبه ذلك المباشرة والاستمناء اللذين يورثان إنزالاً. قال: (أو احتلم) فإنه لا يفطر وهذا بإجماع العلماء، والعلة:هي أن هذا الاحتلام لم يكن باختيار منه وينبغي أن يستثنى من ذلك ما لو سبقه فكر، ويعلم أنه إذا وقع منه فكر فبل النوم فإنه يسبب له في الغالب الاحتلام فإنه إذا أوقع ذلك باستحضار عن غلبة فأورثه ذلك احتلاماً وهو يعلم من حاله أن ذلك يحدث منه فإنه يفطر فيما يظهر لي – على ما تقدم في الفكر والنظر ونحو ذلك والله أعلم. قال: (أو أصبح في فيه طعام فلفظه) بمعنى:أصبح وفي فيه طعام – أي قد نزل من أسنانه أو نحو ذلك – فلفظه فإنه لا يفطر لأن هذا الطعام الذي قد وقع في فيه وإن كان منه ما تحلل أثناء نومه ودخل في جوفه فإن ذلك لم يكن باختيار منه ولا تقصد أما إذا أبقاه في فيه بعد استيقاظه من النوم ثم تحلل منه بعد ذلك فإن دخل إلى الخوف فإنه يفطر بذلك لأنه حينئذ يكون مختاراً ومتعمداً للفطر. قال: (أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر أو زاد على ثلاث)
" اغتسل " يجوز الاغتسال في نهار رمضان ويستدل لذلك بما ثبت في الصحيحين عن عائشة وأم سلمه قالت: (إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليصبح جنباً من غير احتلام ثم يغتسل وهو صائم) ولو لم يكن الاغتسال جائزاً لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شروعه في الصوم ويدل عليه ما رواه أبو داود وأحمد بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسكب على رأسه الماء إما من الحر وإما من العطش وهو صائم) وفي البخاري معلقاً: (وبلَّ ابن عمر ثوباً فألقاه عليه وهو صائم) ومثل ذلك المضمضة، فدليلها:ما ثبت من سؤال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم فقال: (أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم فقال:لا بأس فقال النبي صلى الله عليه وسلم:فمه) أي فلم يكن هذا السؤال فإن هذا قياس ظاهر، فالقبلة من مقدمات الجماع، والمضمضة مقدمة للشرب فالقياس بينهما ظاهر. وكذلك ما ثبت من مضمضة الصائم في الوضوء سواء كان الوضوء واجباً أو مستحباً، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو كانت المضمضة منهياً عنها لما أحدث في الصوم إلا للوضوء الواجب ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا خلاف بين أهل العلم وأما الاستنشاق فيستدل له بما تقدم، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وهذا متضمن لجواز أصل الاستنشاق، وإن كانت المبالغة منهياً عنها وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. ولا بأس أن يدهن، فلو دهن على بطنه أو شعره أو نحو ذلك فلا بأس وأن كان لا يؤمن من تسرب شيء يسير من خلال مسافات اليدين لكن هذا مما عفي عنه، وليس بما تقدم عن الطعام والشراب وهذا مما اتفق عليه العلماء. وقد روى البخاري عن ابن مسعود قال: (إذا كان صوم أحدكم فليصبح دهيناً مترجلاً) .
(أو زاد على الثلاث) في المضمضة والاستنشاق لا يؤثر ذلك في صومه وإن زاد على ثلاث وأما هل هو مشروع أم لا؟ فقد تقدم أن من زاد على الثلاث فقد أساء وظلم. قال: (أو بالغ فدخل الماء حلقه لم يفسد) إذا بالغ في الاستنشاق فدخل الماء إلى حلقه فإنه لا يفطر بذلك هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والصحيح ما ذهب إليه جمهور وهو اختيار المجد ابن تيميه قالوا:يفطر بذلك، ذلك:لأنه بمبالغة بالاستنشاق فعل سبباً لدخول الماء إلى الحلق،، فوقع هذا الدخول بفعل هذا السبب الظاهر فيه فثبت الفطر ثم أنه لا يجوز له فعل ذلك وما ترتب على غير الماء دون فيه فليس بمضمون وتترتب عليه الأحكام الشرعية ثم هو وإن لم يتعمد دخول الماء إلى الحلق لكنه تعمد فعلاً هو سبب ظاهر في دخول الماء إلى الحلق فكما لو استمنى أو باشر فأنزل، فهو وأن لم يقصد بهما نزول المني فإنه يفطر بذلك فكذلك هنا. وذهب المالكية والأحناف:إلى أنه أن استنشق ولم يبالغ فنزل الماء إلى الحلق فإنه يفطر بذلك وهذا ضعيف، فإنه قد فعل أمراً جائزاً ليس سبباً ظاهر لدخول الماء إلى الحلق فدخول الماء لم يكن عن تقصد منه ولا اختيار فلا يفطر به. إذن:إذا استنشق فإنه لا يفطر إلا بأمر. أن يكون قد بالغ في الاستنشاق. أن يصل إلى الحلق شيء من الماء وينزل منه إلى المعدة ومعلوم أنه لا يتيقن وصول ذلك إلى المعدة لكن وصوله إلى الحلق مظنة وصوله إلى المعدة، ولأنه لا يتم الشعور بنزول الماء اليسير إلى المعدة. قال: (ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر صح صومه) رجل ظن أن الوقت لا زال ليلاً أو تيقن ذلك فأكل، ثم يثبت تبين أنه كان في نهار – فذلك لا يؤثر في صومه. وذلك لأن الأصل هو بقاء الليل، وليس المقصود من ذلك ألا يفعل الأسباب التي يتوصل بها إلى معرفة الوقت من نظر إلى ساعة أو الجو في الخارج أو نحو ذلك، بل المقصود أنه بقدر استطاعته لم يتبين له خروج الليل وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء.
قال: (لا إن أكل شاكاً في غروب الشمس أو معتقد أنه ليل فبان نهاراً) هذه مسألة بعكس المسألة المتقدمة فهو في النهار، فالنهار هو المتيقن ثم شك هل غربت الشمس أم لا، فأكل أو شرب فإنه يفطر بذلك لأن الأصل هو بقاء النهار فلا يتزحزح عن هذا الأصل إلا بثبوت غروب الشمس لكن أن ظن غروبها ولم يتمكن أن يتيقن غروبها كأن يكون أعمى أو في موضع ليس أمامه إلا الاجتهاد كأن يكون سجيناً ولم يمكنه السؤال، أو أن يكون الجو غيماً فظن أن الشمس غربت فأفطر فإنه لا يؤثر على ذلك شيئاً إذا بان أنها لم تغرب وذلك للعمل بغلبة الظن، فإنه من المتقرر في قواعد الشريعة أن العمل بغلبة الظن صحيح ما لم يمكنه العلم " التيقن "، وهو قد علم بقدرته واستطاعته ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وقوله: (أو معتقداً أنه ليل فبان نهار) هذا مخالف لما تقدم تقريره من أنه إذا غلب على ظنه غروب الشمس ولم يمكنه العلم فإنه يصح صومه، لكن المذهب أنه يجب على الفقهاء وهو مذهب جمهور العلماء. وهذه مسألة الجاهل في الوقت:فهو جاهل في الوقت ظن أن الشمس قد غربت ولم يمكنه التيقن لوجود غيم فأمطر ثم تبين له بعد ذلك أن الشمس لم تغرب فقد انجلى الغين وطلعت الشمس، فيجب عليه القضاء – وهذا مذهب جمهور العلماء. واختار شيخ الإسلام وهو مذهب إسحاق ومجاهد والحسن كما تقدم:ذهبوا إلى أنه لا يفطر بذلك.
واستدلوا:بحديث أسماء بنت أبي بكر قالت: (أفطرنا يوماً من رمضان في غيم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس) فسئل هشام " وهو راوي الحديث عن أمه عن أسماء " سئل: (أقضوا فقال " بدُ من قضاء " أي لابد من القضاء) ، وهذا ليس من روايته بل من رأيه، بدليل ما ذكره البخاري في صحيحه قال: (قال معمر:سألت هشام أقضوا أم لا؟ فقال:لا أدري) فدل على أنه ليس عنده رواية ونقل في هذا الباب بل قال ذلك عن اجتهاده وحينئذ فإن هذا الحديث ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقضاء، ولو كان ثمت أمر من النبي صلى الله عليه وسلم لكان أولى بالنقل من مجرد فعلهم، فأسماء رضي الله عنها لو كان عندها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالقضاء، لكان أخبارها بذلك أولى من أن تخبر عن فطرهم في يوم غيم ثم طلعت الشمس فإن هذا خبر يقع في عصرهم وفي غيره، وحيث لم تخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقضاء مع أن الهمة متوافرة لنقله فذلك يدل على عدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه جاهل في الوقت فأشبه الجاهل في الحكم، فإنه قد فعل المفطر من غير تعمد منه، بل هو قد ظن تمام صومه فأفطر، وقد اتقى الله ما استطاع لكن إذا طلعت الشمس فيجب عليه الإمساك، لثبوت اليوم ولقوله صلى الله عليه وسلم في الناسي إذا أكل قال: (فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) . مسألة:من فعل مفطراً عمداً كالاستيقاء عمداً ونحو ذلك، فهل يمسك بقية يومه أم لا؟ (انظر لزاماً الدرس التالي فإنه – حفظه الله – قد رجح وجوب الإمساك عليه) يجب عليه القضاء كما هو مذهب جمهور العلماء.
الظاهر:أنه لا يجب عليه الإمساك لأن القاعدة عدم الجمع بين القضاء والإمساك ففيه نوع عذاب، فلا يظهر أنه يؤمر بالإمساك بل قد يكون إمساكه وهو فعل هذا المفطر متعمداً يكون مخففاً للمعصية في نفسه، وحيث لم يؤمر بالإمساك فإن ذلك أعظم في نفسه وأردع من أن يتعاطى شيئاً من المفطرات، لكن مع ذلك لا يجوز له أن يأكل علانية لئلا يتهم في دينه. (انظر الدرس الذي بعده فقد رجح خلاف ذلك) . مسألة: رجل يأكل أو شرب ناسياً أو جاهلاً فهل تبين له ذلك أم يترك ويقال:قد أطعمه الله وسقاه؟ وجهان في مذهب الإمام أحمد: الوجه الأول:أنه يترك فإن هذا رزق من الله ساقه إليه فلا يمنع منه. الوجه الثاني:أنه ينكر وهذا أظهر، لوجوب إنكار المنكر، ومعلوم أن من تعاطى محرماً وهو يظنه حلالاً فهو رزق قد ساقه الله إليه لأنه جاهل بالحكم الشرعي ومع ذلك لا شك أنه تبين له أنه حرام فهذا واجبنا من الإنكار على أنه لا يقطع أن يكون ناسياً فقد يكون فعله متعمداً ولا شك من وجوب الإنكار على المتعمد. فأصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو وجوب الإنكار عليه. والحمد لله رب العالمين. فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن جامع في نهار رمضان ….. فعليه القضاء والكفارة)
لقوله تعالى: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم} فهذا يدل أن الجماع نهار رمضان مفسد للصوم، وهذا بإجماع العلماء سواء كان الجماع فيه إنزال أو لم يكن إنزال، وقد قال الله تعالى:في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) شهوته أي الجماع ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله هلكت وفي رواية: (احترقت) فقال:وما أهلكك فقال:وقعت على امرأتي في رمضان فقال النبي صلى الله عليه وسلم:هل تجد ما تعتق رقبة فقال:لا قال:فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين فقال:لا فقال:وهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً قال:لا، ثم جلس الرجل ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق من تمر فقال:تصدق بهذا فقال:وعلى أفقر منا يا رسول الله، فو الله ما بين أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال:أطعمه أهلك) . قال: (في قبل) أي في قبل لامرأة سواء كانت أجنيه عنه أو زوجة له أما الزوجة فقد تقدم الحديث المتفق عليه وأم الأجنبية فهي أولى لأن ذلك محرم، ولأن هذا الجماع المحرم فيه ما في الجماع المباح من شهوة، فلا فارق بينهما، بل هو أولى تحريم الشارع له. قالوا:ولو كان في بهيمة لأنه وطء مفسد للصوم وقال أبو الخطاب من الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد أنه يفسد الصوم لكن لا يجب فيه الكفارة – وهذا أظهر، لأنه قياس مع الفارق، فإن هذا جماع قد أباحه الله تعالى، وهو موافق لطبيعة الإنسان مما جعله الله محلاً للحرث والنسل والشهوة، وأما هذا فهو شذوذ وليس بمساو للجماع الذي يكون للآدمية، فمع إفساد للصوم فإنه لا يوجب الكفارة. قال: (أو دبر) إذا جامع الرجل زوجته في دبرها فقد فسد صومه ويجب عليه الكفارة في المشهور من مذهب أحمد ومذهب الشافعي ومالك.
قالوا:لأنه وطء محرم مفسد للصوم فأشبه الجماع من القبل وذهب الأحناف ووجه ذلك صاحب الفروع إلى أنه وأن أفسد الصوم فإنه لا يوجب الكفارة. قالوا:لثبوت الفارق بين الجماع من الدبر والجماع من القبل في أحكام كثيرة فمن ذلك:ثبوت الإحصان فهو في الجماع من الدبر وهو ثابت في الجماع من القبل، ولأن الشهوة لا تتم به وإنما هو على وجه الشذوذ بمخالفة الفطرة – وهذا القول أظهر – فهو مفسد للصوم لكنه لا يوجب الكفارة للفارق بينه وبين الجماع من القبل، فليس بمنصوص عليه، وليس بمعنى المنصوص والأصل هو عدم وجوب الكفارة فلم يثبت بدليل من كتاب الله أو سنة نبيه أو قياس، وهنا لم يثبت في الكتاب والسنة وليس القياس صحيحاً لوجود الفارق بينهما. والله أعلم. قال: (فعليه القضاء) هذا هو المشهور عن الحنابلة وغيرهم من أهل العلم أن من جامع في نهار رمضان فإنه يجب عليه القضاء وقد ورد مصرحاً به في رواية أبي داود في حديث المجامع امرأته في نهار رمضان وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صم يوماً مكانه) والحديث قد صححه الحافظ ابن حجر – وسيأتي البحث في هذه المسألة – عند الكلام على القضاء فيمن فعل مفطراً عمداً بلا عذر وقد ذهب جماهير العلماء إلى وجوب القضاء عليه، وقد ورد هنا هذا الحديث الذي له طرق كثيرة يشد بعضها بعضاً، وقد صححه الحافظ. قال: (والكفارة) ودليل وجوبها الحديث المتفق عليه المتقدم، فقد أوجب صلى الله عليه وسلم على المجامع في نهار رمضان الكفارة وهي عتق رقبه فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. قال: (وإن جامع دون الفرج فأنزل) إذا باشر الرجل امرأته وأنزل، فلا يجب عليه الكفارة، كما أنه قد فعل مفسداً من مفسدات الصوم فمع فعل هذه المفسد ويجب عليه القضاء في مذهب الجمهور فإن الكفارة لا تجب عليه.
قالوا:لأن الوارد إنما هو فيمن جامع امرأته من فرجها ولا نص من كتاب ولا سنة ولا قياس يدل على أن المباشرة لامرأته المنزل يجب عليه الكفارة، فإن هناك فارقاً بين الجماع وبين المباشرة وأن كان فيها إنزال فإن الجماع أبلغ فيها وأتم في الشهوة، ولذلك وجبت الكفارة بمجرد الجماع وأن لم ينزل بخلاف المباشرة فإنها بالاتفاق لا تجب الكفارة مع عدم الإنزال بل لا يفطر الصائم كما تقدم، وحيث ثبت الفارق فلا يصح القياس وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو أن المباشر إذا أنزل فإنه يفسد صومه ولا تجب عليه الكفارة لأن الشارع لم ينص على ذلك ولأن ذلك ليس بمعنى المنصوص والأصل هو عدم الكفارة إلا بدليل أو بتعليل صحيح. قال: (أو كانت المرأة معذورة) بأن كانت ناسية أو جاهلة أو مكرهة فلا يجب عليها الكفارة لأن الشارع قد عذر بالنسيان والإكراه وظاهره أن الرجل يجب عليه وأن كان معذوراً، فلو أن رجلاً جامع امرأته في نهار رمضان ناسياً ومكرهاً أو جاهلاً فإن الكفارة تثبت عليه – وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة – ففرقوا بين الآكل والشارب، وبين المجامع أن المجامع في نهار رمضان يثبت عليه الكفارة ويبطل صومه وإن كان ناسياً أو مكرهاً. وأما الآكل أو الشارب فإذا كان ناسياً أو مكرهاً فلا يجب عليه قضاء ولا كفارة، وأما الجهل فقد تقدم البحث فيه وإن الحنابلة لا يرون العذر بالجهل بالآكل والشرب، فأولى من ذلك ألا يرونه في الجماع.
واستدلوا بحديث المجامع المتقدم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالكفارة، وأمره بالقضاء في رواية أبي داود المتقدمة ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم أهو ناسي أم ذاكر أهو مكره أم لا، أهو جاهل أم عالم وترك الاستفصال في مقام الاحتمال لترك منزلة العموم في المقال – وهذا ضعيف – ولذا ذهب جمهور العلماء إلى العذر بالنسيان والإكراه في هذا الباب وأما الجهل فكما تقدم ترجيح المسألة لشيخ الإسلام وهن كذلك ولذا يرى شيخ الإسلام يرى العذر في هذه المسألة بالجهل والنسيان والإكراه. قالوا:لأن قصة الرجل المتقدمة – قوله: (هلكت) ونحو ذلك يدل على أنه لم يقع ذلك منه على سبيل النسيان أو إكراه أو جهل وإنما وقع ذلك على سبيل العلم والاختيار وإلا لما قال ذلك. قالوا:ولأن الأصل هو عدم النسيان وعدم الإكراه وعدم الجهل فالأصل في الفاعل للشيء أن يكون قد فعله عن علو واختيار وذكر فالحكم قد أنزل على الأصل، ويؤيد هذا ما تقدم من سياق الحديث وأن ظاهر ذلك أنه فعله مختاراً ذاكراً وما ذكروه هو الأرجح، ودليلهم بعد أن أجابوا عن دليل الحنابلة دليلهم القياس، قياس المجامع على الآكل والشارب مع عدم تعمد واختيار والمفسد وما ذهب إليه جمهور العلماء واختيار شيخ الإسلام أصح في هذه المسألة وقوله: (أو كانت المرأة معذورة) ظاهره أنها أن لم تكن معذورة بأن كانت مختارة لذلك، فإنه يجب عليها الكفارة كما تجب على الزوج – هذا هو ظاهر قول المؤلف وهو المشهور في مذهب أحمد وهو قول جمهور العلماء -. قالوا:لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجل فهو ثابت في حق النساء وكلهم مكلفون بحدود الشريعة من حدود أو كفارات أو أحكام أو غير ذلك، ولأن الكفارات لا يتشارك فيها، فإن الكفارة تتوجه إلى شخص ما من غير أن يكون فيها شيء من التشارك والتداخل. وذهب الشافعي في أحد قوليه وهو رواية عن الإمام أحمد أن الواجب عليها كفارة واحدة.
واستدل:بأن النبي صلى الله عليه وسلم – في حديث المجامع امرأته – لم يأمره أن يأمر زوجته أن تكفر قالوا:فدل ذلك على أنه لا يكون ذلك عليها – وهذا الاستدلال ضعيف النظر فإن السؤال إنما صدر عن السؤال في نفسه فليس من الواجب أن يجاب فمن لم يصدر السؤال عنه، وفي حكم النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى إثبات ذلك للمرأة لما تقدم من اشتراك النساء مع الرجال في الأحكام الشرعية من حدود ونحو ذلك فإن هذا مقرر معلوم عن الصحابة. والسؤال إنما صدر من الرجل فليس واجباً من البيان أن يذكر حكم المرأة حينئذ – على احتمال أن تكون المرأة معذورة كأن تكون قد طهرت من حيضها فجامعها أو مكرهة ونحو ذلك. قال: (أو جامع من نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة) رجل مسافر فجامع امرأته في السفر، فإنه يكون بذلك مفطراً ولا كفارة عليه كما لو أكل أو شرب وهذا ظاهر فيما لو فعل ذلك بغير نية الفطر كأن يكون جاهلاً بجواز الفطر في السفر فجامع امرأته لا يظن إلا أنه قد خالف أمر الله عز وجل معتقداً أنه فاعل مفسداً من مفسدات الصوم فهنا لا يتوجه القول بما ذكر المؤلف هنا، بل الأظهر أنه يجب عليه الكفارة – ذلك لأنه لا فرق بين الصوم في السفر والصوم في الحضر إلا بجواز الفطر، وأما أن فرق بينهما بما يترتب على فعل المفطرات فلا، وهذا رواية عن الإمام، وصاحب الفروع أي أنه عليه الكفارة. قال: (وأن جامع في يومين أو كرر في يوم ولم يكفر فكفارة ثانية) . إذا كرر الجماع فله حالتان، ولكل حالة صورتان. الحالة الأولى:أن يكون الجماع في يومين فأكثر بمعنى يجامعها في اليوم ثم يجامعها في اليوم الآخر وهكذا. الحالة الثانية:أن يكون الجماع في يوم واحد. وأما الصورتان فيهما. أ – أن يكون الجماع الثاني بعد الكفارة من الجماع الأول سواء. ب- يوم واحد أو يومين فتكون الصور أربع صور.
أما الصورة الأولى:وهي أن يجامع في يوم واحد يكرر جماعه لامرأته من غير أن يكفر فإن عليه كفارة واحدة لا خلاف بين أهل العلم في ذلك – وهذا ظاهر فإن اليوم المفسد يوم واحد، فهو إنما انتهك حرمة هذا اليوم فكان الواحد عليه كفارة واحدة. أما الصورة الثانية:أن يجامع امرأته في يوم ثم يكفر ثم يجامعها في يوم أخر، فهنا أيضاً لا إشكال ولا خلاف بين أهل العلم بأنه يجب عليه في هذا اليوم الثاني كفارة أخرى لأن كل يوم عبادة مستقلة بنفسها وقد سبق لليوم الأول كفارة وكان الواجب لليوم الثاني كفارته. والصورة الثالثة:أن يجامعها في يوم من أيام رمضان ولم يكفر ثم يجامعها في يوم أخر فهل يكتفي بكفارة واحدة؟ جمهور العلماء أنه لا يكفي بكفارة واحدة وهذا الظاهر لأن كل من هذين اليومين عبادة مستقلة قد انتهكت حرمته من هذا المجامع بالجماع فوجب عليه الكفارة. أما الصورة الرابعة:فهي أن يجامع المرأة ثم يكفر في أول النهار ثم يقع فيه جماع في آخر النهار. فهذا اختلف فيه أهل العلم على قولين: المشهور في المذهب أنه يجب عليه كفارة ثانية. قالوا:لأنه يجب عليه الإمساك بعد جماعه الأول وحيث وجب عليه الإمساك فكان فعله هذا محرماً فأشبه الجماع الأول فيجب فيه كفارة أخرى. فهم قد استدلوا بالإمساك على وجوب الكفارة
وقال جمهور العلماء بل لا يجب عليه كفارة أخرى ذلك لأن اليوم المتبقي وإن كان واجباً فيه الإمساك عليه ليس كأول اليوم الذي وقع فيه الجماع الأول فإن بينهما فارقاً والفارق أن الجماع الأول افسد الصوم وأما الجماع الثاني فإنه ليس هو المفسد للصوم لأنه إنما يجب عليه الإمساك مع وجوب القضاء فهذا الصوم ليس كالصوم المتقدم المقر به الذي لا يجب فيه قضاء وما ذهب إليه جمهور العلماء أصح لأن القياس مع الفارق ليس بصحيح فالقياس هنا مع الفارق، فهما مشتركان بالتحريم لكنهما ليس بدرجة واحدة، فالجماع الثاني جماع ليس بمفسد للصوم والأول مفسد له. مسألة: ما ذكره الفقهاء من أن من جامع امرأته يجب عليه الإمساك هذا هو مذهب جمهور العلماء، وذكر الموفق وأنه لا خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة إلا ما حكى عن عطاء في مسألة يمكن تخريج هذه المسألة عليها، وذكر أنه قول شاذ لا يخرج عليه لكن ذكر بعض الحنابلة رواية عن الإمام أحمد في هذه المسألة وهذه المسألة هي أن من أفطر في رمضان فيجب عليه الإمساك. قال الموفق بغير خلاف بين أهل العلم إلا ما يثبت إلى عطاء في مسألة يمكن أن تخرج هذه المسألة عليها … وذكر بعض الحنابلة عن الإمام أحمد رواية أن من أفطر بلا عذر فإنه لا يجب عليه الإمساك وما ذكره جمهور العلماء يتوجه فيما يظهر لي، ذلك لأن هذا اليوم واجب عليه أن يمسكه من أوله إلى آخره، وحيث فعل ذلك في أوله فإنه ليس بمعذور في آخره وإن كان الصوم فاسداً ويجب عليه القضاء. إذن:من أفطر فلا عذر فيجب عليه الإمساك بالاتفاق إلا ما حكى عن الإمام أحمد في رواية عنه ذكرها بعض الحنابلة، وأيضاً تخرج هذه المسألة على قول عطاء كما تقدم. إذن:الرجل إذا جامع في أول النهار فكفر فيجب عليه الإمساك بعد ذلك فإن جامع مرة أخرى فلا كفارة عليه - كما تقدم -. قال: (وكذلك من لزمه الإمساك إذا جامع)
رجل يجب عليه أن يمسك فجامع فيجب عليه الكفارة إذا قامت النية نهاراً فيجب الإمساك، ويجب القضاء - في المشهور من المذهب – وتقدم أن القضاء ليس بواجب في الأصح فإذا جامع فيجب عليه الكفارة أما على ما ذكره الحنابلة فهو مخرج على المسألة السابقة وأما على الراجح فإنه لا إشكال في هذا فإنه يوم يعيد به ولا قضاء منه فأشبه اليوم الذي قد ثبت بنية ليلاً لكن ظاهر كلام المؤلف أن الرجل إذا قدم من سفر مفطراً فجامع امرأته فإنه يجب عليه الكفارة وهذا ضعيف وقد نص الإمام أحمد على أن هذا لا يجب عليه الكفارة خلافاً لما ذكره المؤلف هنا على أنه قد تقدم أنه لا يجب عليه الإمساك لأنه قد أفطر في أول النهار معذوراً فلا يجب عليه الإمساك في يومه – وحيث جامع فلا يؤثر ذلك في صومه. فإطلاق المؤلف فيه نظر. أما إذا كان يجب عليه الإمساك حيث أفطر في أول النهار فلا عذر أو يثبت النية نهاراً فهذا لا إشكال فيه كما تقدم وإنما الإشكال حيث كان مفطراً في أول النهار ثم جامع في آخره وقد زال عنه العذر فإن هذا ضعيف لأن الإمساك لا يجب في الأصح، وإن قلنا بوجوبه فإنه مع وجوب القضاء مثلاً يشبه اليوم الذي لا يجب القضاء فيه وهو معتد به. قال: (ومن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر لم تسقط) رجل جامع امرأته في أول النهار وهو مكلف ثم كان فيه إن زال تكليفه أما بأنه بجنون أو وقع وطرأ له عذر كالسفر فهل يثبت عليه الكفارة؟ قال المؤلف هنا:يجب عليه الكفارة ولم تسقط – وهذا ظاهر بأن الكفارة قد استقرت في ذمته وقد يؤخر شرطها فهو مكلف فرض عليه الصوم محرم عليه الجماع مفسد لصومه فتعلقت الكفارة في ذمته وتعلق به الإثم وأما كونه مسافر بعد ذلك أو يصاب بمرض فإن ذلك قد طرأ وحيث كان طارئاً فإنه لا يؤثر على ما ثبت أصلاً.
فالعبرة إذن:أنه أثناء الفعل، فإن كان مكلفاً مقيماً فإن جامع فعليه الكفارة والآثم فإن طرأ عليه العذر بعد ذلك فلا يؤثر فقد استقرت الكفارة في ذمته. قال: (ولا يجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان) رجل جامع امرأته في صيام نذر واجب، أو في صيام قضاء لرمضان أو في صوم تطوع فلا يجب الكفارة وذلك لأن النص إنما ورد في الجماع في رمضان، فلا يقاس عليه الجماع للفارق فإن المعنى الثابت في رمضان والحرمة الثابتة فيه ليس كالثابتة في غيره، فكونه يفطر في يوم صامه بعذر ليس ذلك متشبهاً لكونه مفطر في نهار رمضان الذي هو الأصل في الصيام – وهذا مذهب جمهور العلماء لأن انفي إنما ورد بالجماع في نهار رمضان وغيره ليس بمعناه. قال: (وهي عتق رقبه) . عتق رقبه مؤمنة سليمة من العيوب للحديث المتقدم:وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (هل ما تعتق رقبه) وقد مثبت في القرآن في باب أخر بعتق رقبه مؤمنة. قال: (فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) فإن لم يجد مالا يشتري به رقبه فإنه يصوم شهرين متتابعين. قال: (فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً) فإن لم يستطع الصيام فإنه يطعم ستين مسكيناً، كل مسكين مداً من حنطة أو نصف صاع من غيره، أو يصنع طعاماً فيطعمه لهم وهذه الواجبات إنما هي على الترتيب على التخيير، فإذا قدر على العتق فلا يجوز له الصيام، وإذا عجز عن العتق وقدر على الصيام فلا يجوز له الإطعام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر فيها على المجامع امرأته – كما تقدم في الحديث المتفق عليه – وهو مذهب جمهور العلماء. قال: (فإن لم يجد سقطت) فإن لم يجد مالاً يعتق به رقبه ولم يجد مالاً يطعم به ستين مسكيناً فإن الكفارة تسقط عنه مع عدم استطاعته لصيام شهرين متتابعين، فإذا عجز عن الكفارة كلها فإنها تسقط عنه ولا تتعلق بذمته إلى ألقى خلافاً للمسألة المتقدمة في الكفارة عن الحامل والمرضع.
قالوا:لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلقها في ذمة المجامع فلم يقل له:يجب عليك أن تفعل شيئاً من هذا الثلاث على الترتيب حيث استطعت وحيث لم يبين له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فإنه يدل على عدم الإيجاب لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وعن الإمام أحمد أنها لا تسقط قياساً على سائر الكفارات كما تقدم في كفارة المرضع والحامل. والصحيح:أن سائر الكفارات تسقط كهذه الكفارة حيث عجز عنها. والحمد لله رب العالمين. ----------- الدروس 160، 161، 162 غير موجودة ----------------- تقدم أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد وإن أصح أقوال العلماء في هذه المسألة صحة الاعتكاف في كل مسجد جماعة. واعلم أن كل موضع يثبت أنه من المسجد فيصح الاعتكاف به كسطح المسجد ومنارته ورحبته وغير ذلك مما يتصل بالمسجد مما هو يتبع له والمشهور في المذهب أن المرأة إذا حاضت فيجوز لها أن تعتكف في رحبته وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز لها ذلك بل تخرج من المسجد إلى بيتها، وهذا هو الأصح وذلك لأن رحبة المسجد منه، والحائض لا يجوز لها المكث في المسجد. أما المستحاضة فإنه يجوز لها الاعتكاف كالصلاة. أما الحائض، فإذا حاضت فيجب خروجها من المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم: (ويعتزل الحيَّض المسجد) ويدخل في ذلك كل ما يتصل بالمسجد من سطح ورحبة ومنارة وغرف تفتح أبوابها إلى المسجد ونحو ذلك مما هو من المسجد. قال: (ومن ينو زمناً معيناً دخل معتكفه قبل الليلة الأولى وخرج بعد آخره) هذه مسألة في النذر في باب الاعتكاف، من نذر نذراً معيناً فإنه يجب عليه أن يدخل من أوله ويخرج من آخره. فإذا نذر أن يعتكف شهر رمضان فيجب عليه أن يدخل قبيل غروب الشمس من الليلة الأولى من رمضان، ويخرج إذا غربت الشمس من اليوم الأخير من شهر رمضان.
ومن نذر أن يعتكف نهاراً فيجب أن يدخل قبل طلوع الفجر الصادق ويخرج إذا غربت الشمس وذلك لأن الواجب عليه بالنذر أن يوقعه على من نذره، ولا شك أن الليلة تدخل في اليوم، فأول ليلة من رمضان داخلة في الشهر – بخلاف ليلة العيد فليست من شهر رمضان – وهذا باتفاق العلماء. أما إن كان الاعتكاف تطوعاً فهنا روايتان عن الإمام أحمد في أول وقته: الرواية الأولى:أنه يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين أي يدخل في آخر نهار عشرين. قالوا لأن الاعتكاف إنما هو للعشر الليالي، بدليل أن الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم تقول:اعتكف العشر. القول الثاني:أنه لا يدخل إلا بعد صلاة الفجر، وهو قول إسحاق والليث والأوزاعي وابن المنذر، واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه) من حديث عائشة. قالوا:وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف تطوعاً فكان إذا صلى الصبح دخل معتكفه. وظاهر هذه الرواية أن ذلك من صبيحة إحدى وعشرين. لكن قال القاضي من الحنابلة:ويحتمل أن يكون يوم عشرين أي في صبيحة يوم عشرين – وهذا في نظري – أصح. ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (اعتكفت مع النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف أولاً العشر الأوسط يلتمس ليلة القدر حتى تبين له أنها من العشر الأواخر) فخرجنا صبيحة عشرين فخطبنا النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة عشرين فقال: (إني أريت ليلة القدر وإني أنسيتها ... …) الحديث وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، قال أبو سعيد: (فدخل الناس في المسجد)
وظاهر ذلك أن دخولهم كان صبيحة عشرين لما خطبهم النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو الأليق لتدخل ليلة إحدى وعشرين، فإن ليلة إحدى وعشرين التي هي مقصودة في الاعتكاف – لا تدخل في اعتكافه – ولا يصح حينئذٍ أن يكون اعتكف العشر الأواخر لأنه لم يعتكف الليلة الأولى. فعلى ذلك تكون المسألة:يجوز له أن يعتكف قبل غروب الشمس، فيدخل ليلة إحدى وعشرين في اعتكافه، فإن اعتكف بعد صلاة الصبح من يوم عشرين فهو أفضل، وذلك ليتهيأ للاعتكاف لقيام هذه الليلة التي هي من ليالي العشر ويحتمل أن تكون ليلة القدر كما تقدم في حديث أبي سعيد المتفق عليه – هذا هو الراجح – أن المستحب له أن يدخل صبيحة عشرين كما عليه حديث أبي سعيد وذكره القاضي احتمالاً، فإن لم يدخل إلا قبيل غروب الشمس فلا بأس، أما إن لم يدخل إلا صبيحة إحدى وعشرين فإن ليلة إحدى وعشرين لا تدخل في اعتكافه وإن كان اعتكافه صحيحاً لما بعدها من الليالي لكن ليلة إحدى وعشرين لا تكون من اعتكافه. قال: (ولم يخرج المعتكف إلا لما لابد منه) لحاجة الإنسان من بول أو غائط، طعاماً يطعمه في المسجد أو من يحضر له الطعام فيخرج ليطعم في بيته، أو أن يحتاج إلى الخروج من المسجد لمرض أو أن يتعين عليه الشهادة في ذلك اليوم لإنقاذ مسلم من هلكة أو لأداء صلاة الجمعة وكل ذلك مما لان كله منه، أي كل واجب وما لا يمكن له أن يستغني عنه من طعام وشراب وحاجة ونحو ذلك فإنه يخرج – هذا ما لم يكن هناك مبدوحة – وذلك أما إذا كانت هناك مبدوحة كأن يؤتى بالطعام إليه في المسجد، أو يكون في نواحي المسجد ما يقضي فيه حاجته أو أن يكون غيره يشهد لحق هذا المسلم أو من ينقذ الغريق غيره أو من يقوم بأمر الجنائز غيره ونحو ذلك فإنه لا يجوز له الخروج. ودليل ذلك:ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا اعتكف يبدي له رأسه فترجله ولم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)
وتقدم حديثها الذي تقدم ترجيح وقفه، وفيه: (ولا يخرج إلا لما لابد له منه) مما لابد له منه فيجوز أن يخرج له وهذا بإجماع العلماء السنة تدل على ذلك فقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج لحاجة الإنسان. أما إذا كان الأمر منه بدّ وله مندوحة عنه فإنه إن خرج له بطل اعتكافه، كأن يخرج إلى البيت لطعام وهو يمكن أن يحضر له في المسجد أو خرج لمبيت فإنه يبطل اعتكافه. فإن كان الاعتكاف نذراً فإنه يفسد اعتكافه فيجب عليه القضاء \ن وإن كان تطوعاً فإنه يستأنفه بنيةٍ جديدة ويفوته من الأجر بقدر ما خرجه وقد تقدم أن الاعتكاف يثبت مسماه ولو لساعة من ليل أو بنهار. أما إذا كان الاعتكاف نذراً فخرج لما له بد فإنه يفسد اعتكافه لأن هذا منهي عنه في الاعتكاف مفسد له، بدليل ما تقدم من قول عائشة: (إلا لما لابدّ له منه) ومفهوم المخالفة فيه أنه خرج لما له منه بدّ فإنه يبطل اعتكافه. قال: (ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة) لقول عائشة في الأثر المتقدم فيما يكون من السنة على المعتكف قالت: (ولا يعود مريضاً) ومثل ذلك شهادة الجنازة ونحو ذلك من الأفعال الصالحة، فهي وإن كانت أفعالاً صالحة لكن فعلها خارج المسجد يبطل الاعتكاف لأن الاعتكاف حقيقته لزوم المسجد وحيث خرج منه بلا ضرورة فإن ذلك يبطل اعتكافه ولو كان هذا الخروج مستحباً، بل ولو كان خروجه أفضل من اعتكافه وكما تقدم، فإن كان الاعتكاف نذراً فيجب عليه القضاء، وإن كان تطوعاً فإنه يستأنف نيته. قال: (إلا أن يشترطه) أي من نذر الاعتكاف أو أراد أن يتطوع به، فنوى المتطوع في قلبه أو تلفظ بالنذر فقال:" لله عليَّ أن أعتكف عشرة أيام بشرط أن أخرج لعيادة المريض أو اتباع الجنائز أو نحو ذلك من الشروط " فهل يجزئ ذلك ويصح الاشتراط؟ قال الحنابلة يصح الاشتراط، وقيل ذلك في الاعتكاف التطوعي فلو اشترط عيادة المريض ونحو ذلك فإنه يصح.
قالوا:مثل ذلك:لو اشترط ما له منه بدّ وليس قربة كأن يشترط مبيتاً في بيته أو يشترط أن يطعم في بيته ثم يعود إلى المسجد فإذا اشترط ما له منه بدّ مما يحتاجه ولا ينافي الاعتكاف كتجارة أو نحو ذلك فإن هذا الاشتراط لا يجوز لأنه ينافي الاعتكاف. وخالف من الحنابلة ابن عقيل والمجد بن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد في مسألة اشتراط ما له منه بدّ مما ليس قربة، كأن يشترط طعاماً أو مبيتاً في البيت. قالوا:إن اشترط ذلك فإنه لا يصح وأولى منه قالوا:شرط لخروج لتجارة ونحوها، قالوا:لأن ذلك ينافي الاعتكاف فإنه خرج من المعتكف على غير ولغير عيادة أو شهادة لأن العبادة في الأصل لا تنافي الاعتكاف فكلاهما عبادة لله عز وجل. قالوا:بخلاف هذا الأمر الدنيوي الذي له منه بدّ ومع ذلك اشترطه فإن ذلك ينافي الاعتكاف فلا يصح ذلك. وذهب الإمام مالك إلى أن الاشتراط من أصله لا يصح، لأن حقيقة الاعتكاف هي لزوم الشيء ولا اشتراط فيه يقتضي الخروج من هذا الالتزام في هذا الموضع، فحينئذٍ لا يصح الاشتراط مطلقاً والذي يظهر لي في هذه المسألة: أما إن طرأ له طارئ من مرض أو خوف أو نحو ذلك فإنه لا يعتكف كأن ينذر رجل أن يعتكف شهراً في المسجد الحرام إلا أن يعوقني مرض أو يحدث خوف على الناس فإن هذا الاشتراط يصح لقوله
صلى الله عليه وسلم بضُاعة بنت الزبير قال لها: (اشترطي على ربك فإن لك على ربك ما استثنى) أما أن اشترط أمر من الأمور التي تنافي الاعتكاف منافاة ظاهرة كما يكون ذلك في أمور التجارة ونحو ذلك، فإن القول بعدم جواز الاشتراط ظاهر كما تقدم، ولعله اتفاق بين أهل العلم فلم أر فيه بينهم اختلافاً. وأما اشتراط القربة أو ماله منه بد كميت ونحو ذلك فالذي يظهر لي جوازه أيضاً وذلك لأن غاية الأمر في الناذر أن نذره وقع على هذه مثلاً (نذر أن اعتكف لله اليوم تاماً سوى ما بين الظهر والعصر، ومثل هذا ليس بمؤثر، لاسيما على القول بصحة الاعتكاف ولو ساعة فإن نيته أو لفظه في النذر لم يدخل فيه ما بين الظهر والعصر ويصح الاكتفاء بالنذر ما قبل الظهر وتصح أيضاً ما بعد العصر، فغاية الأمر في نذره أنه كأنه يقول:نذرت لله أن اعتكف من هذا اليوم سوى كذا وكذا وهذا ليس بمؤثر فيه ومثل ذلك التطوع بل أولى منه. فالذي يظهر لي والله أعلم صحة الاشتراط مطلقاً كما ذهب إليه الحنابلة إذ لا دليل يمنع من ذلك، والاعتكاف مسماه الساعة ونحوها بنية الاعتكاف، ومثل هذا يثبت فيه هذا المعنى فلا يظهر لي مانع بل لو رأيت خلافاً بين أهل العلم فيما لو اشترط خروجاً لتجارة ونحوها فلا يظهر لي أن هناك فارق، وأنه لا بأس له أن يشترط تجارة أو عملاً أو وظيفة أو نحو ذلك يخرج إليها، وذلك أن هذه الأعمال وأن نافت الاعتكاف منافاة ظاهرة في المسجد لأن المسجد ليس محلاً للتكسب والعمل ومن هنا أجمع العلماء على تحريم التكسب والتجارة للمعتكف في المسجد فإنها ليست منافية بخروجه من المسجد وهو بمجرد خروجه يكون قد انقطع اعتكافه. قال: (وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه)
لا يجوز بإجماع العلماء الجماع للمعتكف، فإن فعل فسد اعتكافه قال تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} وفي أثر عائشة المتقدم: (ولا يمس امرأة ولا يباشرها) ومثل ذلك لو باشرها بإنزال فإنه بمعنى الجماع في إفساد الاعتكاف كما هو في معناه في إفساد الصوم وبه تكون الشهوة تامة ولكن اختلف أهل العلم فيما يفعله المعتكف فيما هو محرم عليه كأن يقبل امرأة أو يباشرها بلا إنزال، فإن هذا يحرم على المعتكف. واستدلوا:بأثر عائشة وفيه: (ولا يمس امرأة ولا يباشرها) وإذا فسر المس بالجماع فإن المباشرة هي ما دونه، وإذا فسرت المباشرة بالجماع فإن المس فيما دونه لأن الأصل في العطف هو التقارب وأن كان كلاهما يطلق على الجماع، كما أنه يطلق على مادون الجماع، فلما جمع بينهماهنا، دل على أن المراد الجماع ومقدماته أي لا يجوز للمعتكف أن يجامع ولا أن يفعل ما هو من مقدماته من جماع أو قبلة أو نحو ذلك. واختلف أهل العلم هل يفسد ذلك الاعتكاف أم لا؟ القول الأول:وهو مذهب الحنابلة والأحناف وأحد القولين في مذهب التناقض أنه لا يفسده. القول الثاني وهو مذهب مالك والقول الآخر للشافعي أنه لا يفسده. أما أهل القول الأول:فقالوا:نحن لم نقل بالإفساد به قياساً على عدم الإفساد به في الصوم، فإنه يباشر ويقبل وهو صائم فكذلك المعتكف. وأما أهل القول الثاني فقالوا:يفسد صيامه لأنه قد فعل أمراً محرماً في الاعتكاف كما لو جامع أو أنزل.
قالوا:وأما قياسهم فهو قياس مع الفارق، والفارق ظاهر، فإن قياس عدم إفساده في الاعتكاف على عدم إفساده في الصوم قياس مع الفارق وهو قياس لما به الله على ما أباحه الله فإنه قد حرم على المعتكف أن يباشر أو يقبل فمادون الإنزال والجماع وأما الصائم فلم يحرم عليه ذلك، وكونه لا يفسد الصوم فلا يعني بذلك أنه لا يفسد الاعتكاف، فإنه مباح للصائم وأما المعتكف محرم عليه ذلك ولم يتبين لي في هذه المسألة شيء، فإن ما ذكره المالكية قوي والرد على ما ذهب إليه الحنابلة وغيرهم قوي أيضاً لكن لم أر دليلاً يدل على أن ذلك مفسد حيث قياسهم على المجامع قياس مع الفارق، فإن كوننا نقيس المباشر والمقبل على المجامع الذي تمت له شهوته، وهذا غاية فعله أنه فعل مقدمات الجماع وما يكون ذريعة إلى الاعتكاف فإن هذا أيضاً قياس مع الفارق، فكلا القولين قد أوقع قياساً مع الفارق فيبقى على الأصل من أن الاعتكاف لا يفسد بذلك، إلا أن يأتي برهان قوي يدل على ذلك وهذا نوع ترحيم في هذه المسألة، وهو أننا نعود إلى الأصل، فالأصل أن الاعتكاف صحيح ولم يأت من أفسده بحجة وأن كان قد أجاب عن حجة لم تفسده سوى الأصل فإن الأصل وإن لم يستدل به هؤلاء فهو دليل قوي لهم، فهذه المسألة الذي يظهر لي البقاء على الأصل فيها وهو صحة الاعتكاف والاعتداء به حتى تبين لنا صحة دليل الإبطال. قال: (ويستحب اشتغاله بالقرب)
فيستحب أن يشتغل بالأعمال الصالحة – باتفاق العلماء – من ذكر ودعاء وقراءة للقرآن وغير ذلك من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، وهذا هو مقصود الاعتكاف فليس مقصود الاعتكاف أن يحبس الرجل نفسه في موضع وإنما المقصود من ذلك هو حبس النفس في هذا الموضع للإقبال على الله بالعبادة لا سيما قراءة القرآن فهي مستحبة في هذا الشهر، وهي كذلك من أفضل ما يتقرب به العبد، وإن كان اعتكافه في غير شهر رمضان، ويشتغل بذكر ودعاء فإن اشتغل بقراءة علم وحفظه ونحو ذلك فهو حسن أيضاً لكن ينبغي أن يكون له النصيب الوافر والحظ الكبير من الأعمال التي يتقرب بها لله من العبادات اللازمة التي ينتفع بها. قال: (واجتناب ما لا يعنيه) لأنه يشغله عن المقصود، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه) ولا شك أنه يصد التقرب إلى الله بالعمل الصالح. تقدم أنه مما لابد له منه الخروج لأداء صلاة الجمعة، فإذا حضرت الجمعة وهو في مسجد آخر من المساجد التي لا تقام فيها جمعة، فهل له أن يتعجل إليها أم لا؟ نص الإمام أحمد على أن له أن يتعجل إليها. وقال بعض الحنابلة بل الأولى له أن يتعجل لأن الخروج يكون بقدر الحاجة فحينئذٍ يخرج قبيل أدائها. وهذا الدليل من حيث الأصل له حظ من النظر ظاهر، لكن لما كان الموضع الذي يريد الذهاب إليه موضع في الحكم كالمسجد الذي هو فيه فإنه حينئذٍ لا معنى من كون ذلك خلاف الأولى، فهو إنما يذهب من مسجد إلى مسجد آخر. ومن هنا أجاز الحنابلة وغيرهم له أن ينتقل إليه، فإذا ذهب من مسجده إلى المسجد الجامع فأحب أن يقيم فيه فلا بأس. قالوا:لأن المسجد لا يتعين بتعينه فكذلك هنا ولأن المقصود يحصل منه، بل يحصل فيه ما هو أعظم مما لو رجع واحتاج إلى الخروج مرة أخرى، إلا أن تكون مصلحة في مسجده الأول – فإنه حينئذٍ – يعود إليه. أما إن أتمه في المسجد الجامع فإنه لا بأس بذلك ولا حرج.
مسألة: متى يخرج من الاعتكاف؟ 1- قال الحنابلة:يستحب له أن يمكث ليلة العيد في المعتكف، وهو مذهب الأحناف. لما روى سعيد ابن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قال:كانوا يستحبون ذلك. 2 -القول الثاني:وهو مذهب المالكية والشافعية قالوا:بل يكون بانقضاء المدة. والذي يظهر لي أنه يخرج صبيحة ثلاثين، والدليل على ذلك ما تقدم من حديث أبي سعيد عندما اعتكف العشر الأوسط وفيه أنهم خرجوا صبيحة عشرين. وصبيحة عشرين تقابلها ليلة ثلاثين فيمن اعتكف العشر الأواخر. والحمد لله رب العالمين انتهى كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب المناسك. المناسك: جمع منسَك ويصح: منسِك بكسر السين وهما لغتان مشهورتان. والقراءة المشهورة لقوله تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسَكاً} (1) هي بفتح السين، وقرئ بكسرها وهي من نسك وتنسك أي تَعبد، ويقال: ناسك أي عابد، وأطلقت في الغالب في الشرع على متعبدات الحج فيقال لها مناسك كما أن الغالب أن يسمى الحج نسكاً، كما أن الصلاة والزكاة نسكٌ وهكذا سائر العبادات لكن الغالب أن يطلق النسك ويراد به الحج. قال: (الحج والعمرة) الحَج: بفتح الحاء وكسرها، وهما قراءتان سبعيتان في قوله تعالى: {ولله على الناس حَِج البيت} (2) . والحج لغة: القصد، وفي الاصطلاح: قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص. " هكذا يعرفه الفقهاء "، ومعرفة حقيقة الحج تتبين وتتضح بمعرفة أحكامه ومسائله. والعمرة في اللغة: الزيارة. واصطلاحاً: زيارة مكة على وجه مخصوص، وكذلك فالعمرة حقيقتها الشرعية تتضح وتتبين في معرفة مسائلها وأحكامها. قال: (واجبان)
أما الحج فهو فرض بالإجماع، قال تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بني الإسلام على خمس – وذكر فيها – حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) (1) وقد قال عمر – كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح: (من أطاق الحج فلم يحج فسواء مات يهودياً أو نصرانياً) (2) والأثر إليه إسناده صحيح وهذا من باب الترهيب وإلا فإن من ترك الحج على وجه التكاسل فإنه لا يكفر باتفاق العلماء إلا ما روى عن بعض السلف من تكفيرهم له، والصحيح المشهور الذي تدل عليه الأدلة الشرعية أنه لا يكفر إلا تارك الصلاة، وتقدم في حكم تارك الصلاة، وإنما يكفر من جحد وجوبه وأنكره سواء فعله أم لم يفعله وأثر عمر الذي تقدم رواه الترمذي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: (من ملك زاداً وراحلة فلم يحج فلا عليه مات يهودياً أو نصرانياً) (3) لكن الحديث لا يصح مرفوعاً وإنما يصح موقوفاً على عمر.
والعمرة واجبة في المشهور من مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية سواء كانت العمرة منفردة أو كانت مع حجة سواء كان الحج تمتعاً أو قراناً. ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم – في مسلم -: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (1) وثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة – وكانت قد حجت قارنة كما هو مشهور في حجتها قال لها: (قد حللت من حجك وعمرتك) (2) وأما إذنه لها بأن تعتمر من التنعيم فذلك تطيباً لخاطرها وليس ذلك من باب عدم إجزاء القران عن العمرة كيف وقد صرح – النبي صلى الله عليه وسلم – بقوله: (قد حللت من حجك وعمرتك) فسألته ذلك وأعمرها أخوها عبد الرحمن وسيأتي ذكر الحديث إن شاء الله. ونص الإمام أحمد – وهو قول ابن عباس كما في مصنف ابن أبي شيبة وقول عطاء وطاووس (3) – إلى أن وجوب العمرة إنما هو على الآفاقيين، أما أهل مكة فلا تجب عليهم العمرة وجزم شيخ الإسلام (4) بأن أهل مكة من الصحابة لم يكونوا يعتمرون وأن ذلك لو كان ثابتاً منهم لنقل إلينا فإن الهمم تتوافر لنقل مثل ذلك. والمعنى يدل على ذلك فإن العمرة هي الزيارة، والزيارة إنما تكون لمن ليس من أهل المحل، وأهل مكة هم أهل المحل، وأهل الحرم فلم تشرع لهم العمرة ولم تجب عليهم كما أنهم يقومون بالطواف، والطواف بالبيت هو ركن العمرة الأعظم وإن كان ظاهر قول المؤلف وهو مذهب القاضي من الحنابلة (5) وغيره أن الوجوب عام في الآفاقيين والمكيين لكن الصحيح ما تقدم وهو نص الإمام أحمد واختاره الموفق وشيخ الإسلام وغيرهم، على ما سيأتي من النقل عن شيخ الإسلام أنه لا يرى الوجوب.
فالمشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية وهو وجوب العمرة واستدلوا بأدلة منها: 1- ما ثبت في مسند أحمد وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن عائشة أنها قالت: (يا رسول الله على النساء جهاد؟ فقال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) (1) ولفظة " على " تفيد الوجوب كما هو مقرر في أصول الفقه أي أيجب على النساء الجهاد. 2- ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح عن أبي رَزين العُقيلى أنه قال: (يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حج عن أبيك واعتمر) (2) وإن كان الأمر ليس للوجوب هنا، لأنه أمر بعد سؤال لكن نفي الوجوب إنما يتوجه إلى السائل فلا يجب على السائل أن يعتمر عن أبيه ولا أن يحج وإنما ذلك على وجه الاستحباب كما هو معلوم، لكن يدل ذلك على إدخال العمرة في حكم الحج، فإن هذا السائل قد سأل عن والده الكبير الذي عجز عن أداء فريضة الله عز وجل فهل يجزئ عنه أن يقوم هو عنه بهذه الفريضة فأجابه – صلى الله عليه وسلم - بأمره له أن يحج عن أبيه وأن يعتمر، فيكون ذلك بياناً للفريضة الواجبة عليه.
3-وبما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن الصُبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب: (إني كنت أعرابياً نصرانياً فأسلمت فرأيت الحج والعمرة مكتوبين علي – وفي رواية: (مفروضين علي) – فأهللت بهما معاً فقال له: (هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم) (1) فقد أقره عمر على قوله: (مكتوبين علي) وبين أن ذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك مرفوعاً وفيه – أيضاً – دليل على المسألة السابقة وأن من اعتمر مع حجه قارناً أو متمتعاً فإن ذلك يجزئه فهذا السائل رأى أن العمرة والحج مكتوبان عليه فأهل بهما معاً ورأى أنه بهذا الإهلال يجزئ ذلك عن حجه وعمرته جميعاً فقال له: (هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم) . واستدلوا: برواية لابن خزيمة في حديث جبريل الطويل الذي سأل فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان – وفيه: (وأن تحج وتعتمر) (2) وإسناده صحيح ولا يقال هنا – فيما يظهر لي – بالشذوذ، وذلك لأن هذه اللفظة تكون تفسيرية للحج المذكور في اللفظة المتفق عليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (3) هذا مذهب الحنابلة والشافعية وهو مذهب أكثر العلماء واختاره البخاري في صحيحه وإسحاق وداود وغيرهم.
وذهب المالكية والأحناف إلى عدم وجوب العمرة واستدلوا: بالحديث المتفق عليه من حديث طلحة في سؤال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم عن شرائع الإسلام، وذكر فيها الحج فقال: (هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع) قالوا: فهذا يدل على أن ما سوى المذكور في هذا الحديث تطوع وليس بفريضة ومن ذلك العمرة فإنها ليست بمذكورة. واستدلوا: بما روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: (يا رسول الله: العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا وأن تعتمر خير لك) (1) . وقد أجاب أهل القول الأول قالوا: أما الحديث الثاني فإسناده ضعيف فإن فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف الحديث. وأما الحديث الأول: قالوا: العمرة داخلة في الحج لحديث: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (2) فعدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها في حديث الأعرابي لا يدل على عدم وجوبها. ولا يظهر لي على القول بوجوب التمتع كما سيأتي تقريره إن شاء الله (3) – أي إشكال في ذلك، فإن الراجح مذهب ابن عباس وأن التمتع واجب، وحيث قلنا بوجوب التمتع فإنه لا إشكال في هذا الحديث؛ لأن التمتع فيه عمرة وكما تقدم فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، هذا الجواب الأول وهو جواب ظاهر بين. والجواب الثاني: أن يقال: إن أحاديثنا التي استدللنا بها أحاديث صريحة صحيحة تدل على وجوب العمرة وأما هذا الحديث فليس بصريح، فإنه من دلالة المفهوم وحديثنا دلالته دلالة منطوق، ودلالة المنطوق مرجحة على دلالة المفهوم.
فعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول. واختار شيخ الإسلام القول الثاني وهو عدم الوجوب والصحيح ما تقدم – وهو القول الأول إلا ما تقدم من استثناء المكيين. إذن العمرة واجبة على الآفاقيين. قال: (على المسلم) أما الكافر بالإجماع على أنه لا يجب عليه الحج، وهذا من حيث الأداء، أما من حيث العقوبة فإنه يعاقب عليها فإنهم مخاطبون بفروع الشريعة فيؤاخذون عليها أما في الدنيا فلا يصح منهم أداؤها، وقد قال تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا إنهم كفروا بالله وبرسوله} (1) فلكفرهم بالله ورسوله لم تقبل نفقاتهم والنفقة أولى بالقبول لأنها من باب النفع المتعدي فهي أولى من العبادات اللازمة ومع ذلك لم تقبل فغيرها من العبادات اللازمة أولى بعدم القبول وقد أجمع أهل العلم على أن الوجوب مختص بالمسلم على أنه يؤاخذ - أي الكافر – يوم القيامة على تركه لفروع الدين. قال: (الحر) . أما العبد فلا يجب عليه الحج – وهذا باتفاق العلماء – ويدل عليه ما رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والحديث إسناده صحيح – ورجح بعض العلماء وقفه والصحيح ثبوته رفعاً ووقفاً عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى) (2) فدل على أن حجته حيث كان رقيقاً لا تجزئ عن حجة الإسلام وحينئذ فلا تجب ولأن العبد متعلق بحق سيده، ولا شك أن الحج يطول زمانه لاسيما في الأزمنة المتقدمة فيفوت بذلك شيء كثير من حق سيده على أنه يحتاج إلى مال، والرقيق لا مال له، وتكليف السيد بأن يدفع له مالاً يحج به، فيه تكليف للسيد بما فيه مشقة ولا نفع له بذلك.
قال: (المكلف) أي البالغ العاقل، وقد تقدم الحديث الدال على ذلك: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة – وذكر منهم – الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق) (1) قال: (القادر) . القادر بماله وبدنه – وسيأتي شيء من التفصيل في هذا في موضع آخر إن شاء الله – ودليل أصل هذه المسألة قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} فدل على أن من لم يستطع إليه سبيلاً فإن الحج غير واجب عليه والأدلة العامة أيضاً تدل على ذلك كقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} (2) ولا خلاف بين أهل العلم في هذه الشروط كما قرر ذلك الموفق في المغني وهذا الوجوب شامل للمسلم سواء كان ذكراً أم أنثى. قال: (في عمره مرة) فلا يجب الحج وكذلك العمرة إلا مرة واحدة في العمر؛ لما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي وأصله في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلتها لوجبت الحج مرة فما زاد فهو تطوع) (3) ولفظه في مسلم: (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) الحديث. فإذا حج مرة واحدة وقد توفرت فيه شروط صحة الحج على وجه الفرضية فإنه يجزئ عنه ذلك – وكذلك العمرة -. قال: (على الفور) فالحج يجب على الفور، فإذا بلغ فيجب عليه أن يحج فليس له أن يؤخر الحج إلا ألا يكون قادراً – هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة –
واستدلوا: بما روى أبو داود من حديث ابن عباس، وفيه راوٍ ضعيف، لكن ورد من طريق آخر يتقوى به الحديث فيثبت حسنه، فالحديث وارد عند أبي داود من طريقه إلى ابن عباس وعند أحمد من طريق آخر يثبت بذلك حسن الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أراد الحج فليتعجل) (1) ، وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كُسر أو عَرَج فقد حلَّ وعليه الحج من قابل) (2) فمن حصل له شيء من الإحصار بأن حصل له كسر أو عرج فقد حل وسقط عنه الحج تلك السنة – وسيأتي الكلام على هذه المسألة في موضعها من الفوات والإحصار – لكن الشاهد قوله: (وعليه الحج من قابل) فيجب على من حصل له شيء من الإحصار وتحلل أن يعود السنة القادمة فيحج وهذا يدل على التعجل في الحج ووجوبه على الفورية، ولا شك أن وجوبه على الفور على من لم يحج أصلاً أولى من وجوبه على من حصل له حج فيه شيء من الإحصار وللقاعدة الأصولية أن الأوامر على الفور، فالأصل في الأمر الفورية، فإذا أمر السيد عبده بأمر فالأصل أنه يجب عليه أن يفعله فوراً إلا أن يأتي دليل يدل على التراخي. وقال الشافعية: لا يجب على الفور وإنما على التراخي.
واستدلوا: بقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} (1) ووجه الاستدلال: أن هذه الآية نزلت في السنة السادسة للهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا في السنة العاشرة. وأجيب عن هذه الآية بأن الآية ليست لفرضية الحج بل في إتمامه فالله أمر في هذه الآية بأن يتم الحج والعمرة، وهما معروفان في الجاهلية، وإنما الآية التي أوجبت الحج وفرضيته هي قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} وأما الآية التي استدلوا بها فليس فيها ما يدل على وجوبه أصلاً وإنما فيها ما يدل على وجوب إتمامه إن دخل فيه ومعلوم أن الحج والعمرة معروفان عند الصحابة وكان منهم من يحج البيت ويعتمر ممن يأذن له كفار قريش بذلك ممن له عندهم منزلة ووجاهة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقر ذلك كله ولا ينكره وهما معروفان في الجاهلية. وأما الآية الأخرى فهي التي دلت على وجوب الحج وقد نزلت في السنة التاسعة للهجرة، فهي من سورة آل عمران وصدر هذه السورة نزل في نصارى نجران، وقد قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجزية والجزية إنما شرعت في تبوك في السنة التاسعة – كما قرر ذلك ابن القيم رحمه الله – وهذا هو الراجح. فإن قيل: يبقى الاستدلال لهم فإن هذه الآية فرض الله فيها على العباد الحج والعمرة وكان ذلك في السنة التاسعة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا في السنة العاشرة. والجواب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن يقال: ليس عندنا ما يدل على أن الآية أوجبت الحج والعمرة في وقت يتمكن فيه من أدائهما في السنة التاسعة فيحتمل أن يكون ذلك في آخر أشهر الحج، ويحتمل أن ذلك في وقت لا يتمكن منه النبي صلى الله عليه وسلم من الذهاب إلى مكة وأداء الحج ومع الاحتمال يبطل الاستدلال.
الوجه الثاني: أن يقال: لنفرض أنها فَرضَت الحج في وقت يتمكن منه النبي صلى الله عليه وسلم من أداء الحج والعمرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يحج تلك السنة لتتطهر مكة من أهل الشرك ومن هنا بعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً – كما ثبت في الصحيحين – ينادي في الناس: (ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) (1) وكان ذلك في السنة التاسعة. ولمصلحة أخرى عظيمة وهي اجتماع الناس لمعرفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وتهيؤهم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان أدرك وقتاً يمكنه وأهل المدينة أن يتهيئوا فإن أهل البوادي ونحوهم ممن يريدون الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم ورؤية منسكه لا يتمكنون من ذلك، فلمصلحة بيان الشرع لم يحج الرسول صلى الله عليه وسلم تلك السنة، فالراجح أن الحج واجب على الفور. وكذلك يدل على ذلك: أن التراخي مظنة الترك والإهمال فإنا إذا قلنا بالتراخي فإنا لا نحد لذلك حداً – لأنه لا دليل على التحديد – فيقال له: إن حججت وأنت شيخ هرم فلا بأس عليك ولا حرج، وحينئذ فإن ذلك مظنة للترك، ولا شك أن الشارع متشوف لإقامة الحج. قال: (فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضاً) تقدم أن من كان رقيقاً أو صبياً فإن حجه يكون نفلاً ولا يجزئ عن حجة الإسلام. فإذا بلغ الصبي أو أعتق الرقيق أو عقل المجنون في الحج بعرفة أو في العمرة قبل الطواف فيصح ذلك فرضاً فمثلاً: رجل رقيق أحرم بالحج بنية التنفل لأنه لا فرض عليه وأثناء ما هو واقف بعرفة أعتق، فيصح ذلك فرضاً له أو أحرم بعمرة وقبل أن يشرع بالطواف أعتق فإنه يصح له ذلك فرضاً.
قالوا: أما الوقوف بعرفة فهو فرض الحج الأكبر، والطواف يقابله في العمرة وهما في الأصل أول الأركان فحينئذ يكون قد فعل الأركان وهو حر، وهذا وهو بالغ، وهذا وهو عاقل، فيصح ذلك منهم فرضاً – هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية – ومثل ذلك لو أفاض الناس من عرفة إلى مزدلفة – ومعلوم أن الوقوف بعرفة لا ينتهي وقته إلا بأذان الفجر فلو أعتق بالمزدلفة فعاد فوقف فإن ذلك يجزئ عنه: قالوا: لأنه فعَل هذه الأركان وهو حر وهذا وهو عاقل، وهذا وهو بالغ فأجزأ ذلك عنه. وقال الإمام مالك: بل لا يجزئ ذلك عنه؛ لأنه قد أحرم بنية التنفل فلم يجزئ ذلك عنه، فإنه حين إحرامه كان متنفلاً فلا ينتقل النفل إلى الفرضية. وأجاب أهل القول الأول بأن الإحرام ليس مقصوداً لذاته وإنما المقصود لذاتها هي الأركان كالوقوف بعرفة والطواف في العمرة. ومع قوة ما ذهب إليه الإمام مالك فإن الأظهر – لي – هو ما ذهب إليه أهل القول الأول، وذلك تحصيلاً لمصلحة الفرضية لهما، ولمشقة الحج في الغالب وقد قاموا بفرائض الحج وهم من أهله فيتساهل حينئذ بالإحرام الذي هو ليس مقصوداً لذاته. فالمشهور عند الشافعية والحنابلة أن من أحرم بالحج وهو من أهل التنفل وليس من أهل الفرضية ثم أدرك الوقوف بعرفة وهو حر أو بالغ – في الحج – وفي العمرة قبل الطواف فإن حجه ينتقل إلى الفرضية – وهذا القول مروي عن ابن عباس في مصنف ابن أبي شيبة لكن فيه ليث بن أبي سليم (1) وهو ضعيف الحديث. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وفعلهما من الصبي والعبد نفلاً) " وفعلهما " أي الحج والعمرة. فإذا حج الصبي والعبد فإن حجهما نفل لهما، وكذلك إذا اعتمرا فإن عمرتهما نفل لهما ولا يجزئ ذلك عن حجة الإسلام وهذا مما اتفق عليه العلماء.
ويدل عليه حديث ابن عباس المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى) (1) والحديث روى مرفوعاً وموقوفاً، والصحيح صحته رفعاً ووقفاً وعلى القول بوقفه فلا يعلم لابن عباس مخالف من الصحابة فيكون قوله حجة فالصبي والعبد إذا حجا فلا يجزؤهما عن حجة الإسلام. وهنا قول المؤلف: (الصبي) عام في الصبي المميز وغير المميز فكلاهما حجهما يصح ويكون له نفلاً، أما المميز فلا إشكال فإن العبادات كالصلاة ونحوها تصح منه كما تقدم، وأما غير المميز فدليله ما ثبت في مسلم أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبياً فقالت: (ألهذا حج؟ قال: نعم ولكِ أجر) (2) . وهو مذهب جمهور العلماء خلافاً للحنفية، والحجة مع ما ذهب إليه الجمهور لهذا الحديث الثابت في مسلم.
والصبي غير البالغ لا يصح أن يحج إلا بإذن وليه فإن حج بغير إذن وليه لم يصح حجه؛ وذلك لأن الحج عبادة متضمنة لعقد يلزم به المال، فهو عقد تعبدي لله عز وجل يلزم به المال على الحاج من هدي وفدية ونحو ذلك، والصبي ليس له أن يتصرف بالتصرفات التي تلزم بها الأموال إلا بإذن وليه وإلا لم يصح تصرفه، والصبي المميز إذا أذن له وليه فإنه يصح حجه ويفعل مناسك الحج وينوي الإحرام وغير ذلك. أما الصبي غير المميز فإن وليه يحرم عنه، أي ينوي له الحج أو العمرة، ولا يشترط أن يكون الناوي محرماً بل لو كان حلالاً فإن حج الصبي يصح، وذلك لأن النية في الأصل تكون من غير المحرم ثم بعد ذلك ما يمكنه فعله من المناسك لا يجزئ أن يفعل عنه كالوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ونحو ذلك فإن هذه أفعال لا يعجز عنها الصبي غير المميز؛ لأن المقصود هو مجرد الوقوف، وهذا يحصل من الصبي المميز وغير المميز وغيرهما، والمقصود أيضاً المبيت بمزدلفة. أما الأفعال التي لا يقدر على فعلها كالرمي ونحوه فإنها تفعل عنه ويجزئ ذلك عنه. واستدل أهل العلم بما روى ابن ماجه من حديث جابر قال: (حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم) (1) ، لكن الحديث في إسناده أشعث بن سُوار وهو ضعيف الحديث، لكن العمل عليه عند أهل العلم، قال ابن المنذر: (كل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي وكان ابن عمر يفعل ذلك) ، فهو اتفاق من أهل العلم، والأصول الشرعية تدل على ذلك من قيام الغير بفعل الآخر عند العجز عنه كما سيأتي في غير ما مسألة إن شاء الله في الدرس القادم في الحج عن العاجز وغيره.
أما الطواف فإنه يحُمل، فهو قادر على الطواف لأن الطواف ليس من شرطه أن يطوف ماشياً بل لو طاف محمولاً يصح طوافه وكذلك السعي فإنه يحمل ويسعى به؛ لأن السعي ليس من شرطه المشي وهو من كماله. وإذا طيف بالمميز فإنه ينوي عن نفسه، أما الصبي غير المميز فإذا طيف به فإنه ينوي عنه الطائف به. وهنا مسألة: هل هذا الطواف يجزئ الحامل والمحمول أم لا يجزئ إلا المحمول؟ فإذا طاف رجل بابنه ونوى لابنه الطواف، ونوى لنفسه الطواف أيضاً فهل يجزئه ذلك أم لا يجزئ إلا المحمول؟ قال الحنابلة: لا يجزئ إلا المحمول، وأما الحامل فلابد وأن يستأنف طوافاً جديداً، قالوا: لأن هذا الفعل أجزأ عن المحمول وهو الصبي أو غيره من العجزة ونحوهم ممن يحملون في الطواف، فهذا الفعل قد أجزأ عن المحمول، فلم يجزئ عن الحامل. وهذا تعليل ضعيف. وذهب الأحناف وهو قول في مذهب الإمام أحمد واستحسنه الموفق واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن الطواف يجزئ عنهما جميعاً؛ وذلك لأن كلاً منهما قد نوى وطاف طوافاً صحيحاً فلكل منهما طوافه ونيته، فالمحمول طوافه الركوب، وقد نوى له الطواف ولا دخل له بحركات هذا الطائف ولذا لو طيف به على دابة لأجزأ ذلك وهذا الحامل قد نوى لنفسه الطواف وطاف ماشياً فهو طواف مستقل عن طواف المحمول – وهذا القول هو القول الراجح. قال: (والقادر من أمكنه الركوب ووجد زاداً وراحلة) تقدم أن من شروط وجوب الحج أن يكون قادراً فالقادر بينه المؤلف بقوله: (من أمكنه الركوب ووجد زاداً وراحلة) . (أمكنه الركوب) أي يستطيع الركوب إلى مكة، ويقدر على الركوب للتنقل هناك بين مواضع المناسك فيها، أما غير القادر على الركوب فلا يجب عليه الحج لأنه غير مستطيع وقد قال تعالى: {من استطاع إليه سبيلاً} . (ووجد زاداً وراحلة) لابد وأن يجد زاداً وراحلة. "زاداً ": من مأكل ومشرب وملبس.
(وراحلة) يركبها مما يوافق عرف الناس في زمنهم من المركوبات التي تختلف باختلاف عادات الناس وأعرافهم فالقادر هو من وجد زاداً وراحلة سواء كان ذلك في الراحلة استئجاراً وهو قادر على المبلغ الذي يستأجر به أو كانت الراحلة مملوكة له والزاد كذلك سواء كان محصلاً له وهو بيده أو يكون له حرفة يعلم أو يظن ظناً غالباً أنه يستطيع أن يتكسب بها في طريقه وينفق على نفسه مأكلاً ومشرباً وكسوة خلال أيام الحج ومناسكه فإنه حينئذ – يعتبر مالكاً للزاد. فالقادر هو من ملك زاداً وراحلة، وبه فُسر قوله تعالى: {من استطاع إليه سبيلاً} ففسر السبيل بأنه الزاد والراحلة ودليل ذلك ما رواه الترمذي وحسنه من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: ما السبيل؟ قال: (الزاد والراحلة) (1) ونحوه من حديث أنس في الدارقطني، وإسناد الحديثين ضعيف لكن الحديث له شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن ومن هنا حسنه الترمذي وحسنه شيخ الإسلام، وجود بعض أسانيده ابن عبد الهادي، وقال الضياء صاحب المختارة في بعض أسانيده لا بأس به والحديث – كما تقدم – له شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن وبه استدل جمهور العلماء على أن السبيل هو الزاد والراحلة فلا يجب على من لا راحلة له ولا زاد أن يحج، وحينئذ فلا يجب عليه أن يحج ماشياً وإن كان قادراً على المشي للمشقة التي تلحق الماشي لكن استثنوا أن يكون موضعه الذي هو فيه دون مسافة القصر فإنه إن لم يجد راحلة فيجب عليه السير راجلاً إلى بيت الله تعالى.
والذي يظهر لي: أن تقييده بمسافة القصر محل نظر، والذي ينبغي أن يقال فيه: أنه إذا كان قريباً عرفاً بحيث أنه لا يلحقه بالمشي مشقة ظاهرة فإنه يجب عليه أن يحج ماشياً كما يكون هذا في القرى القريبة المجاورة لمكة ممن لا يلحقهم حرج ظاهر في المشي إلى بيت الله وأما مسافة القصر، وهو في المشهور من المذهب 80 كيلو متراً هذا فيه في الظاهر مشقة ولا شك أنه يختلف باختلاف الأجناس والبلدان، لكن المقصود وضع ضابط لهذه المسألة والضابط أن يقال إنه إذا كان قريباً عرفاً بحيث لا يكون فيه مشقة في الغالب فإنه يجب عليه السعي إلى بيت الله. ودليل ذلك: أن الآية عامة فيمن كان إلى مسافة القصر أو إلى دون مسافة القصر وهي قوله: {من استطاع إليه سبيلاً} والسبيل هو الزاد والراحلة وهو عام فيمن كان فوق مسافة القصر أو من دون مسافة القصر، لكن يستثنى من ذلك من كان قريباً عرفاً لا يلحقه في الغالب مشقة فلا يكون له هذا الحكم لأنه بحكم واجد الزاد والراحلة. قال: (صالحين لمثله) وعبر صاحب المقنع بقوله: (صالحة لمثله) أي الراحلة فإذا كان الرجل من أهل الوجاهة والغنيمة والغنى القوي فإنه لا يناسبه أي راحلة يركبها غيره، فلابد وأن تكون صالحة لمثله، والمقصود ما يكون من مركوبه أو نحو مركوبه، لكن إذا كان من مركوب عامة الناس ممن يلحقه مشقة بأن يركب مركوبهم فإنه لا يجب عليه الحج، لأن قوله " الراحلة "، يرجع إلى الراحلة في عرف الناس، ولا شك أن الراحلة في عرف الناس تختلف باختلافهم.
قالوا: ولأن المقصود بالراحلة وعدم إيجاب المشي عليه سيراً هو دفع المشقة، وإلا فإن الإنسان قادر أن يذهب إلى مكة وإن كان في مكان بعيد، ومع ذلك عفي عنه وكان الوجوب مختصاً بمن كان مالكاً للراحلة أو قادراً على استئجارها وذلك لدفع المشقة عنه، وهنا كذلك فكونه يؤمر أن يركب راحلة غير صالحة لمثله هذا فيه مشقة عليه تشبه المشقة التي تلزم القادر على المشي أن يمشى إلى بيت الله وإن كان قادراً على ذلك لكن في ذلك مشقة. وأما الزاد فإن عبارة صاحب المقنع ظاهرها أن الشرط إنما يكون للراحلة وأما الزاد فلا يشترط أن يكون الزاد صالحاً لمثله بل أي زاد يمكنه أن يتقوت به ولا يلحقه ضرر به وإن كان دون أكله ودون ما اعتاده من الطعام، فلو أنه وجد زاداً يطعمه عامة الناس وهو من كبراء الناس ممن لم يعتد هذا الطعام لكن لا يلحقه ضرر بذلك وإن لم يجد الزاد الصالح لمثله – هذا ظاهر كلام الموفق في المقنع وهو الصحيح في مذهب الحنابلة. وأما المؤلف هنا فإن ذهب إلى قول آخر وجهه صاحب الفروع وهو قول عند الحنابلة: وهو أنه الزاد كذلك، قالوا: كما أن الراحلة يلحقه بها مشقة وإن كانت توصله إلى حاجته لكن في ذلك مشقة على نفسه فكذلك في الزاد فإن كونه يطعم طعام الناس فيه مشقة عليه. وما اختاره الموفق أظهر فإن المسافات بعيدة ولا شك أنه يلحقه مشقة بأن يركب مركوب عامة الناس الذي هو دون مركوبه وقد يكون من أمراء الناس ونحو ذلك فيكون في ذلك مشقة بأن يركب مالا يناسبه من المركوبات. وأما الأطعمة فإن الطعام لا يلحقه ضرر، لا يظهر أنه يكون شرطاً في فرضية الحج عليه بل متى ما وجد من الزاد ما يدفع عنه الجوع والعطش فإنه يجب عليه ذلك، والله أعلم. وهذا لعموم قوله تعالى: {من استطاع إليه سبيلاً} وهذا مستطيع إلى الحج سبيلاً، ولا يلحقه المشقة بهذا الزاد الذي هو من زاد الناس ويندفع به الجوع والعطش ولا يلحقه به ضرر والله أعلم.
والأحسن أن يفصّل في مسألة الزاد، فإن الزاد منه ما يكون قريباً إلى زاده أو نحوه من زاد الناس مما تتحمله كبراؤهم، ومنه ما يكون فيه مشقة. والراحلة أمر ظاهر أمام الناس بخلاف الزاد فإنه يأكل زاداً من طعام الناس كالخبز مثلاً ويأكله في موضعه المعد له، هذا لا يلحقه مشقة كما يلحقه في مركوب يركبه أمام الناس ويكون غير صالح لمثله. أما لو كان الزاد في شوارع ونحو ذلك، فإن لم يستطع زاداً إلا مع سوقة الناس في الشوارع والأسواق فيقال فيها بعدم الوجوب. قال: (بعد قضاء الواجبات) فهذا بعد ما يقضي الواجبات عليه، كأن تكون عليه زكاة أو كفارة يمين أو أن يكون عليه ديون للعباد، فهذه العبادة لا يجب عليه الحج إلا بعد قضائها. مثال ذلك: رجل عليه دين وهو يريد قضاءه فهل يجب عليه أن يحج مع ثبوت هذا الدين في ذمته الذي يريد سداده ووفاءه؟ فالجواب: أنه لا يجب عليه الحج وذلك لأن حقوق الآدمين مبنية على المشاحة، وأما حقوق الله عز وجل ومنها الحج فهي مبنية على المسامحة فمن هنا قدم حق العباد على حق الله تعالى. وما تقدم ذكره متعلق بحقوق العباد، فإن الزكاة ينصرف إلى حقوق العباد فهي تنصرف إلى الفقراء والمساكين ونحوهم وهكذا الكفارات ومن هنا قدمت هذه على أداء فريضة الحج. قال: (والنفقات الشرعية) إذا كان عليه نفقات، نفقة لوالده أو من يعول فلا يجب عليه الحج حتى يدخر مالاً يكفي لنفقة أهله. فرجل – مثلا – معه مبلغ من المال ويعلم أنه إذا حج أضر بمن يجب عليه أن ينفق عليه من ولده أو من يعول فإنه لا يجب عليه الحج وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) (1) وهذا حق لآدمي، وحقوق الآدمي مقدمة في الوفاء على حق الله عز وجل لأنها مبنية على المشاحة. قال: (والحوائج الأصلية)
أي الحوائج اللازمة أو يلحق حرج بالاستغناء عنها، وهذه تختلف باختلاف الناس. فمثلاً: السكن هذا من حوائج الناس فلا يلزم ببيع بيته من أجل الحج، وكذلك السيارة، وكذلك الكتب لطالب العلم وغير ذلك. فالحوائج الأصلية التي يحتاج إليها من كسوة وسكن وكتب علم ومن مركوب ونحوه مما تحتاج إليه فلا يجب عليه أن يبيعه حتى يؤدي الفريضة، فإن هذه من الحوائج الأصلية التي يلحق الناس بتكليفهم بالحج وبيعها يلحقهم حرج في الاستغناء عنها، وقد قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (1) . أما ما فضل عن حوائجه الأصلية فيجب عليه أن يبيع هذا ويحج بماله كأن يكون له بيتان يحتاج أحدهما ولا يحتاج الآخر، لكن إن كان الآخر يؤجره وينتفع من ماله في النفقة الواجبة عليه فلا يجب عليه؛ لأن هذه تكون من جنس التجارات، لكن إن كان عنده شيء فاضل يستغني عنه ولا يؤثر في نفقته ونحو ذلك كأن يكون له مسكنان أو مركبان، أو المرأة يكون عليها حلي زائد عن حاجتها الأصلية، وهكذا كل من كان عنده أي شيء من الأمور التي ليست من حوائجه الأصلية فيجب عليه أن يبيعها ليؤدي فريضة الحج. وهذا وإن كان عيناً لكنه بمعنى النقد لأنها ذات قيمة نقدية وهو مستغن عنها لا يحتاج إليها حاجة أصلية. مسألة: في الدين: إذا كان الدين حالاً فلا إشكال في أنه لا يجب عليه الحج، أما إذا كان الدين غير حال فلا يخلو من حالين: - الحالة الأولى: أن يكون قد امتنع من الحج لوفاء هذا الدين ولتخليص ذمته منه فحينئذ لا يجب عليه الحج؛ لأن الشخص يحتاج إلى تبرئة ذمته من الديون المتأخرة كما هو محتاج إلى تبرئتها من الديون الحالة.
الحالة الثانية: أن يكون لا يريد سداد دينه وهذا المال سينفقه في أمور أخرى مما لا يحتاج إليه، وهذا الدين مقسط أقساطاً لا يرغب أن يسدده إلا في أوقاته، فإن ذلك لا يمنع وجوب الحج عليه؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً والعلة هنا غير موجودة بل منتفية. ولو أن رجلاً عنده مال يكفي للحج لكن قال: أريد أن أسدده لأحد من الناس، الذين لهم عليه ديون متأخرة فإنه يفعل ذلك. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه) هذه مسألة في المستطيع بغيره، وهو من عنده استطاعة مالية وهو غير قادر على الحج ببدنه، أو له ولد ذو مال وقدرة مالية على الحج وهو يطيعه في أمره – فيجب عليه أن ينيب من يحج عنه إما بماله وإما بأن يأمر ولده المطيع بذلك – أي بالحج والعمرة عنه هذا هو المستطيع بغيره. ودليل هذه المسألة: ما ثبت في الصحيحين: (أن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده قد أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم) (1) وفي رواية لمسلم: (إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره قال: فحجي عنه) . ووجه الاستلال ليس في أمر النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة بأن تحج، فإن هذا الأمر بعد سؤال، والأمر بعد السؤال لا يفيد الوجوب، وإنما الاستدلال بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم قولها: (إن فريضة الله) وقولها في رواية مسلم: (عليه فريضة الله) فدل على أن الشيخ الكبير العاقل والمريض الذي لا يرجى برؤه الحج فرض عليهما، لكن ليس بأبدانهما لعجزهما، وإنما بأموالهما أو بمن يطيعهما من ولدٍ ونحوه.
وحينئذ: النائب ما يثبت من غرامة مالية بدم ونحوه إن كان هذا بسبب ما يترتب على الحج أصلاً كدم التمتع أو القران ونحو ذلك فإنه واجب على صاحب المال المحجوج، ومثل ذلك ما يأذن له فيه – كأن يكون محتاجاً إلى أخذ شيء من شعر رأسه لمرضٍ أو نحوه ويكون عليه الفدية فإذا أذن له في ذلك فإن هذه الفدية تلزم صاحب المال. أما إذا فعل شيئاً لم يؤذن له فيه كجناية في مثل صيد أو سلك طريقاً بعيداً مع إمكانية سلوك طريق أقرب فإنه يلزم النائب لا المنوب عنه؛ لأن هذا فعل ليس بمأذون فيه. قال: (من حيث وجبا) يعني: من حيث وجب عليه الحج أو العمرة، فلو أن رجلاً وجب عليه الحج وهو في المشرق فالواجب أن ينيب من موضعه الذي وجب عليه الحج فيه فليس له أن ينيب رجلاً في بلدة أخرى دون بلدته، أو من عند الميقات أو في مكة. قالوا: لأن البدل يقوم مقام المبدل عنه، فهذا المحجوج عنه لو حج لحج من موضعه الذي وجب عليه الحج فيه وهذا بدل عنه فوجب عليه أن يحج من موضع المبدل عنه – وهذا تعليل لا يقوم به حجة فهوتعليل ضعيف. ولذا ذهب جمهور العلماء إلى أنه له أن ينيب من الميقات من يحج عنه. وظاهر قول الجمهور أنه لو أناب عنه رجلاً من مكة – أنه لا يجزئ عنه –. والذي يظهر أنه يجزى عنه أيضاً وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال للمرأة: (حجي عن أبيك) أطلق عليه الصلاة والسلام ولم يشترط أن يكون ذلك من حيث وجب عليه الحج، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ثم إن المعنى يقتضي ذلك، فإنه لا فائدة من ذلك والشارع إنما أوجب الحج على العباد لأداء مناسك الحج، وأوجب على من وراء الميقات أن يحرم منه، ومن دونه أن يحرم من موضعه، وأما المسافة التي تكون من بلدته إلى الميقات الذي يحرم منه فإنها ليست مقصودة لصاحب الشريعة، وإنما هي من باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
بدليل أنه لو كان شخص من الآفاقيين صادفه الحج وهو في مكة فأحرم من مكة أجزأ ذلك عنه ولم يوجب عليه أن يحرم من بلده، فليس ذلك مقصوداً لصاحب الشريعة بل المقصود أن يحج حجاً صحيحاً، والنظر في الحج إنما هو إلى البدل لا إلى المبدل عنه والبدل في بلدة دون الميقات كأن يكون في مكة، أو هو في الميقات دون بلدة ذلك. فالصحيح أن هذا ليس بشرط مطلقاً لا من الميقات ولا من ورائه خلافاً للمشهور عند الحنابلة. واعلم أن المريض الذي يرجى برؤه، أو المحبوس الذي يرجو خروج نفسه من الحبس فليس له أن يقيم غيره فيحج عنه؛ لأن الحديث قد ورد في الشيخ الكبير، وهو لا يرجى استطاعته على الحج، وألحق به المريض الذي لا يرجى برؤه. وأما من يرجى برؤه أو المحبوس الذي يرجو الخروج فليس أن ينيب غيره عنه لأن الأصل هو وجوب الحج بالنفس لا بالغير وهذا مرجو زوال العلة. قال: (ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام) . لهذه المسألة صورتان: الأولى: أن يشفى هذا المريض من مرضه الذي كان ميئوساً منه بعد قيام البدل بالحج وانتهائه منه، فإنه يجزئ عنه حجه ولا يجب عليه الحج، وهذا ظاهر؛ وذلك لأنه قد فعل ما أمر به، فقد أمر أن يدفع من ماله ما يحج به عنه ففعل ما أمر به فأجزأه ذلك عن حجة الإسلام وخرج ذلك من عهدته، ولأن هذا الحجة قد وقعت صحيحة مجزئة فلا دليل على إبطالها. الثانية: أن يعافى المريض الذي لا يرجى برؤه بعد إحرام النائب عنه وقبل انتهائه من الحج. مثال: رجل مريض لا يرجى برؤه دفع مالاً لمن يحج عنه، فلما أحرم هذا النائب وقال: لبيك عن فلان شفي هذا المريض، فإنه يجزئه ذلك عن حجة الإسلام ولا يجب عليه الحج – هذا قول في مذهب الإمام أحمد.
والقول الثاني: وهو وجه عند الحنابلة، وهو أظهر الوجهين عند الشيخ تقي الدين – كما قال ذلك صاحب الإنصاف وغيره – أنه لا يجزئه ذلك؛ قالوا: لأنه قدر على الأصل قبل تمام الحج من البدل " وهو النائب عنه " فوجب عليه أن يحج عن نفسه ولا يكتفي بهذا الحج وظاهر هذا التعليل أن هذا ولو كان بعد الوقوف بعرفة ولو كان ذلك أثناء الطواف ما لم يتم الحج، فإذا تم الحج فحينئذ يسقط عنه الفرض. أما حجة القول الأول وهو المشهور في المذهب فحجتهم: أنه قد شرع في البدل، والقاعدة أن من شرع في البدل لعجزه عن الأصل فإنه يجزئ عنه ذلك وإن قدر على الأصل أثناء فعله للبدل وهذا له صور عند أهل العلم. منها: رجل غير قادر على الهدي فبدل الهدي الصيام، فإذا شُرع الصيام ثم قبل أن يتم الصيام قدر على الهدي فإن الصيام يجزئ عنه ولا يجب عليه أن يعود إلى الأصل. ومنها: رجل عليه كفارة يمين فعجز عن إطعام عشرة مساكين فشرع في الصيام، فلما صام الأول قدر على الإطعام فهو بالخيار إن شاء استمر على الصيام ويجزئ عنه ذلك، وإن شاء عاد إلى الأصل وهو إطعام عشرة مساكين قالوا: فهنا كذلك ولا شك أن إلحاق الشيء بمثيله ظاهر في الشريعة، فالشريعة لا تفرق بين المتماثلات فهذا قد شرع في البدل وأثناء ذلك قدر على الأصل فلم يجب عليه أن يعود إليه وكان ذلك مجزئاً عنه – وما ذكروه أصح مما ذكره أصحاب القول الثاني فالراجح ما ذكره المؤلف: وأنه إذا أناب عنه غيره فأحرم " أي نوى الدخول في الحج " ثم قدر المنوب عنه على الحج فإنه لا يجب عليه أن يحج، وإن حج فإن ذلك تطوع له، ويجزئ عنه حجة النائب عنه لأن القاعدة التي دلت عليها الشريعة: أنه إذا شرع في البدل فإن الأصل يسقط ويجزئ البدل عن الأصل، ولو قدر على الأصل أثناء اشتغاله بالبدل. مسألة:
لا يجزئ المنوب عنه حج النائب إن كان النائب لم يحج حجة الإسلام فيشترط في النائب أن يحج حجة الإسلام. ودليل ذلك: ما ثبت في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سمع رجلاً يقول لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، فقال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) (1) وقد اختلف فيه رفعاً ووقفاً والراجح وقفه – فهذا الحديث دليل على هذه المسألة فلا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره. فإن عجز عن الحج عن نفسه بسبب عدم القدرة المالية، لكنه قادر بنفسه فهل له أن يحج عن غيره أم لا؟ المشهور في المذهب أنه لا يجزئ ذلك المنوب عنه للحديث المتقدم. وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول سفيان الثوري: إلى أنه يجوز له ويجزئ عن المنوب عنه وهذا أرجح؛ فإن الأصل أن النائب يجزئ حجه عن المنوب عنه، وإنما لم تصح حجته حيث كان قادراً على الحج لأن حجه عن غيره مزاحم لحجه عن نفسه، فهو وإن صح عن غيره فاته حج نفسه والواجب عليه أن يحج عن نفسه. فهناك مزاحمة وأما هنا فليس ثمت مزاحمة فإنه ليس بقادر على الحج، فإن لم يحج عن غيره فإنه لا يحج. والحديث المتقدم فيه قرينة تدل على أن ذلك الرجل قادر على الحج عن نفسه وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حج عن نفسك) ولا يوجه هذا الخطاب إلا للقادر على الحج، وثمت قرينة أخرى وهي قوله: (أخ لي أو قريب) والغالب فيمن يحج عن قريبه ألا يكون ذلك من مال القريب أو الأخ وإنما يكون ذلك بتبرع محض منه بالمال والبدن جميعاً. فالراجح: أن من حج عن غيره – وهو غير قادر على الحج عن نفسه – فإن ذلك يجزئ عن المنوب عنه. * فإن حج عن غيره مع قدرته على الحج عن نفسه، فهل يصح الحج لأحد منهما أم يبطل لهما جميعاً؟ ثلاثة أقوال:
الأول: أن الحج يقع عن المحجوج له. الثاني: يقع عنه هو " أي النائب ". الثالث: أنه لا يصح منهما جميعاً. أما حجة أهل القول الأول: فإنهم قالوا: الرجل لو أخرج زكاة أخيه قبل أن يخرج زكاة نفسه أجزأ ذلك، وهذا يخالف الحديث المتقدم وكل قياس يخالف النص فاسد. على أن هناك فارق بين المسألتين، فإن إخراج الزكاة عن الغير ثم إخراجها عن النفس لا يؤثر ولا يزاحم فإنه يخرجها عن غيره ثم عن نفسه في وقتها ولذا لو أنه أخرجها عن أخيه مثلاً بحيث أنه لا يستطيع أن يخرجها عن نفسه إلا في سنة أخرى فإنه لا يجوز له ذلك، والحج هنا كذلك فإنه إذا حج عن غيره لم يستطع الحج عن نفسه إلا في سنة أخرى. وإلى هذا القول ذهب الأحناف والمالكية. وأما القول الثاني فهو مذهب الشافعية والحنابلة: وهو أنه إن حج عن غيره فإنه ينصرف الحج إلى نفسه؛ لأن الحديث بين بطلان الحج عن الغير قبل الحج عن النفس وحينئذ ينصرف الحج إلى النفس. وأما القول الثالث فهو رواية عن الإمام أحمد واختارها بعض أصحابه قالوا: يبطل ولا يصح من أحدهما فلا يصح من الحاج ولا المحجوج عنه –. وهذا القول هو الراجح، أما كونه لا يصح من المحجوج عنه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أفسده وأبطله ونهى عنه، أما كونه لا يصح من الحاج نفسه فلأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى وهذا لم ينوه لنفسه، والحج عبادة وحيث لم ينوه لنفسه فحينئذ لا يجزئ عنه، وشرط العمل النية. فإذا أُخبر فنوى عن نفسه قبل الوقوف بعرفة فإنه يجزئ ذلك عنه وتكون حجة صحيحة له. قال: (ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرمها)
هذا شرط وجوب، والفرق بين شرط الصحة وشرط الوجوب: أن شرط الصحة إذا انتفى بطلت العبادة، وأما شرط الوجوب فإذا انتفى فإن العبادة لا تبطل لكن لا يجب في الأصل بهذا الشرط بمعنى أن انتفاء شرط الوجوب يعني انتفاء الوجوب يعني إن حج فالحج صحيح. وعليه: فالمرأة إذا حجت بلا محرم فحجها صحيح وهي آثمة، وهذا قد اتفق عليه العلماء لأنه شرط وجوب لا شرط صحة، وهي آثمة لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقال رجل: يا رسول الله: إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال: انطلق فحج مع امرأتك) (1) ، وفي الدارقطني وصححه أبو عوانة: (ولا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم) . فإن حجت مع جماعة النساء فهل يجوز لها ذلك ويسقط عنها الإثم؟ ذهب إلى جواز ذلك الإمام مالك واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وأن المرأة إذا ذهبت في قافلة آمنة ومعها جماعة النساء فإن ذلك يجوز لها. واستدلوا: بما روى البخاري: أن عمر أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف " (2) وكان ذلك بمحضر من الصحابة، والشاهد أنه قد بعث معهن عثمان وعبد الرحمن وهما ليس بمحارم لهن. وهذا الاستدلال فيه ضعف من وجهين: الوجه الأول: - وهو أضعف من الوجه الثاني – أن يقال: إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لهن من حفظ الله وعنايته لحفظ عرضه صلى الله عليه وسلم ما ليس لغيرهن، ولهن من الصيانة والعفاف أعظم ذلك، فلا يقاس غيرهن بهن – هذا لو سلمنا أنه ليس معهن محرم.
الوجه الثاني: أن يقال: إن هذا الأثر ليس فيه أنه ليس معهن محرم، وإنما فيه أن عمر بعث معهن على القافلة عثمان وعبد الرحمن أي أمراء على القافلة، فهما أمراء القافلة التي فيها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الأثر أنه ليس معهن محارم فإن الأثر لم يتعرض لذلك، وهنَّ أجلَّ من أن يخالفن النبي صلى الله عليه وسلم في نهيه العام أن تسافر المرأة بلا محرم. لذلك الصحيح ما هو مشهور في المذهب من: أن المرأة ليس لها أن تسافر إلا مع ذي محرم. ثم إن الفارق ظاهر، فإن المحرم لا يقوم مقامه شيء فلا يقاس به غيره، فكونها تكون مع جماعة النساء لا يغني ذلك عن محرمها ولا يقوم مقامه، والأصل في القياس هو التماثل فلا يلحق هذه المسألة بمسألة المحرم مع وجود الفارق، فإن مظنة [الحفظ] قوية وإن كانت موجودة مع صحبة النساء أو في صحبة منه ولا يشبه ذلك وجود محرمها. واعلم أن من شروط المحرم أن يكون بالغاً – باتفاق العلماء، فالصبي وإن كان مميزاً ليس بمحرم لا في الخلوة ولا في السفر؛ ذلك لأن الحفظ والصيانة لا يكون إلا بمن كان بالغاً وهذا هو المقصود من المحرم. قال: (ومحرمها هو زوجها) فالزوج محرم لها وهذا ظاهر. ولا يجب على الزوج أن يحج بها إذ لا دليل على إيجاب ذلك عليه، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (انطلق فحج مع امرأتك) (1) فإن هذا أمر بعد سؤال فلا يدل على الوجوب؛ ولأن في ذلك مشقة وليس من التعبد المختص بنفسه والأصل في مثل ذلك ألا يكون واجباً إلا بدليل ظاهر يدل عليه، وليس عندنا ما يدل على إيجابه على الزوج ولكن ليس للزوج أن يمنعها من حج الفريضة، فهو حق الله عليها بخلاف حج التطوع فله أن يمنعها. قال: (أو من تحرم عليه على التأبيد)
فيخرج من ذلك من تحرم تحريماً غير مؤبد، فمثلاً: الزوج ليس محرماً لأخت زوجته وعمتها وخالتها لأنها لا تحرم تحريماً مؤبداً، بل هو مؤقت ببقاء عصمته على أختها، أما إذا زالت هذه العصمة بطلاق أو وفاة، فإنها تحل له. نساء النبي صلى الله عليه وسلم يحرمن على التأبيد لكن ليس هذا للمحرمية وإنما للتحريم، فليس الرجال من المؤمنين بمحارم لهن، لكنه لا يحل لأحد منهن أن ينكح إحداهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا تحريم وليس بمحرمية. قال: (بنسب) أي بقرابة، كالأم والأخت والعمة، فالرجل محرم لأمه وأخته وعمته وخالته. قال: (أو سبب مباح) كالمصاهرة فهي سبب مباح تثبت به المحرمية كأم الزوجة وبنت الزوجة، فهي تحرم على التأبيد بسبب مباح وهو النكاح الذي أباحه الله فتثبت به المصاهرة.فالرجل محرم لأم زوجته وبنت زوجته. والرضاع أيضاً سبب مباح فعمته وخالته من الرضاع هو محرم لها ولا شك أن مثل هذا مع أمن الفتنة، فإذا أمنت الفتنة جاز ذلك. وقيَّد السبب بالمباح، ليخرج السبب المحرم كالملاعنة، فإن الرجل إذا لاعن امرأته حرمت عليه على التأبيد لكن ليس له أن يسافر محرما لها لأن هذا السبب سبب محرم لا تكتسب به محرمية وإنما تكتسب به تحريم وكذلك تخرج بنته من الزنا، فليس له أن يسافر بها وإن علم أنها ابنته من الزنا لأن هذا سبب محرم لا يثبت به المحرمية. إذن المحرمية: تثبت بمن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح. قال: (وإن مات من لزماه أخرجا من تركته) . لزماه: أي الحج والعمرة. فإذا مات الرجل وقد لزمه الحج وهو لم يحج فإنه يخرج من أصل تركته قبل قسمة الميراث – يخرج مالاً يحج عنه به ويعطى حكم الديون.
ودليل ذلك: ما ثبت في البخاري أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله أن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) (1) فجعله النبي صلى الله عليه وسلم من الديون التي تقضى وحينئذ تخرج من تركته كسائر الديون كما تخرج الزكوات ونحوها. مسألة: رجل عاجز أو قادر – على الحج هل يجوز أن يوكلا من يحج عنهما تطوعاً؟ قال الحنابلة: نعم في الصورتين في العاجز والقادر فعندهم باب التطوع ليس كباب الفريضة. والراجح: أنه لا يحج أحد عن أحد كما قال ذلك ابن عمر وهو ثابت عنه بإسناد صحيح، وقال تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (2) وإنما يستثنى العاجز في حجة الفريضة، أما القادر فلا يصح أن يناب عنه لا في حج فرض ولا نفل، وأما العاجز فلا يجوز في النفل ويجوز في الفرض والحمد لله رب العالمين. باب المواقيت. المواقيت: جمع ميقات من وقت الشيء أي حدده وقدره. ومواقيت الحج قسمان: مواقيت مكانية: وهي المواضع التي يهل منها الحاج وسيأتي ذكرها. مواقيت زمانية: وهي الأشهر التي يهل بها الحاج وسيأتي ذكرها أيضاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وميقات أهل المدينة ذو الحليفة) شرع المؤلف في بيان المواقيت المكانية، فبدأ بميقات أهل المدينة وهو ذو الحليفة وهو ما يسمى عند العامة بـ " آبار علي " وسمي بذلك لقصة كاذبة مختلقة أن علياً قاتل الجن فيها لكن هذه القصة لا أصل لها كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
وهو وادي العقيق (1) الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت في البخاري: (أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي فإنه مبارك) (2) . قال: (وأهل الشام ومصر والمغرب الجُحفة) والجُحفة: موضع يبعد عن مكة نحو ثمانين كيلو متراً، لكنه موضع خراب وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين: (دعا أن تنتقل حمى يثرب إليه) (3) فكانت فيه حمى يثرب، فانتقل إلى رابغ وهو موضع بحذائه فميقات أهل مصر والشام الآن هو رابغ. قال: (وأهل اليمن يلملم) وهو ما يسمى الآن بـ " السعديَّة " وهو جبل في تهامة. قال: (وأهل نجد قرن) والقرن في اللغة: الجبل المنفرد وهو ما يسمى الآن بالسيل الكبير. قال: (وأهل المشرق ذات عرق) فأهل المشرق من أهل العراق وأهل خراسان ونحوهم ميقاتهم ذات عرق، وهو ما يسمى الآن بـ " الضريبة " فهذه هي مواقيت الحاج.
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة) وفي النسائي (ولأهل الشام ومصر الجحفة) (1) (ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة) (2)
فهذه مواقيت أربعة وأما ذات عرق فثابت في حديث آخر، وهو ما ثبت في أبي داود والنسائي من حديث عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: وقت لأهل العراق ذات عرق) (1) وأصله في مسلم (2) من حديث جابر إلا أن الراوي شك في رفعه، لكن ورد الجزم بأنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم من حديثه في مسند أحمد بإسناد حسن، وقد وقته عمر فخفي عليه ميقات النبي صلى الله عليه وسلم، فإن توقيته كان مظنة الخفاء لأن العراق لم تكن مفتوحة في عصره عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك من أعلام نبوته، وأما المواقيت الأخرى فكان يحرم منها ويهل في عصر النبي عليه الصلاة والسلام فخفي ذلك على عمر فأجتهد فأصاب السنة، فقد ثبت في البخاري: (لما فتح المصران " البصرة والكوفة " أتوا عمر فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل نجد قرناً وإنه جور عن طريقنا " أي مائل ومنحرف عن طريقنا " وإنا إن أردنا قرناً شق علينا فقال: انظروا إلى حذوه فوقت لهم ذات عرق) (3) وفي قوله رضي الله عنه: (انظروا إلى حذوه) ما يدل على أنه إن كان الطريق لبلدة من البلاد إلى مكة ليس إلى ميقات وإرادتهم الميقات وانصرافهم إليه فيه مشقة فإنهم يحرمون مما يحاذي الميقات وهذا مما اتفق عليه العلماء. قال: (وهي لأهلها) فهذه المواقيت لأهلها، فذو الحليفة لأهل المدينة. قال: (ولمن مر عليها من غيرهم)
فمن مر على هذه المواقيت من غير أهل هذه البلاد فهي مواقيتهم أيضاً، فإذا مر المدني بميقات أهل الشام أهلّ منه والعكس كذلك وهكذا، لقوله صلى الله عليه وسلم: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن) (1) فالشامي إذا مر بميقات أهل المدينة فإنه يحرم منه – هذا هو المشروع في حقه باتفاق العلماء وهل لشخص من أهل الشام مر على المدينة – هل له أن يتجاوز ميقات أهل المدينة حتى يأتي إلى ميقات أهل الشام فيهل منه أم لا؟ والمستحب له بالاتفاق أن يهل من ميقات أهل المدينة، لكن هل يجوز له ويجزئه أن يتجاوز إلى ميقاته أم لا؟ قولان لأهل العلم: قال جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية: لا يجوز له أن يهل إلا من هذا الميقات الذي مر به، فإن تجاوزه إلى ميقات أهل بلده فإن عليه دماً. واستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن) . قالوا: فمعنى قوله: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن) أي هذه المواقيت مواقيت لأهل هذه البلاد، ولأهل البلاد الأخرى إذا مروا عليهن وحينئذ فما دام ميقاتاً فلا يجوز أن يتجاوز، فهو ميقات لهم بنص النبي صلى الله عليه وسلم فليس لهم أن يتجاوزوه.
وذهب الإمام مالك إلى أن له أن يتجاوزه وإن كان الأفضل في حقه ألا يفعل، لكن إن فعل فإنه يجزئ عنه. واستدل بعموم قول ابن عباس: (وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة..) فهذا الحديث يدل على أن ذا الحليفة – مثلاً – ميقات لأهل المدينة سواء كانوا في بلادهم أو في غير بلادهم، وأن لهم أن يتجاوزوا البلاد حتى يأتوا ميقات بلادهم. وفيما قاله – رحمه الله – نظر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على ما تقدم وأن هذه مواقيت لمن مر عليها من أهل البلاد الأخرى. وأما قوله: (وقت لأهل الشام) فإن هذا من باب الغالب ولا شك أنه يسمى ميقات أهل الشام وهذا يسمى ميقات أهل المدينة ونحو ذلك فهو ميقاتهم أي ميقات بلدهم، وأما الأشخاص الذين يمرون عليه فسواء كانوا من أهل هذه البلدة أو من غيرهم فهذا هو ميقات من يذهب إلى مكة من جهة الشام وهذا ميقات من يذهب إلى مكة من جهة المدينة – وهكذا – فقوله صلى الله عليه وسلم: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن) يدل على أنه ميقات له، والميقات لا يجوز لأحد أن يتجاوزه. فما ذهب إليه جمهور العلماء أصح مما ذهب إليه الإمام مالك. فعليه: إذا تجاوز الشامي ميقات أهل المدينة حتى أتى ميقات أهل الشام فأحرم منه فإنه قد ترك ما أوجبه الله عليه فيكون عليه دم لتركه واجباً من واجبات الحج وهو الإحرام من الميقات. قال: (ومن حج من أهل مكة فمنها)
من حج من أهل مكة سواء كان مقيماً أو غير مقيم – وهذا باتفاق العلماء – وقد يقال أن مثل هذه المسألة تدل على ضعف ما ذهب إليه الإمام مالك فإنه باتفاق العلماء لمن كان من أهل المدينة وقد مر على ميقات أهل الشام مقبلاً من جهة الشام أنه يحرم منه ولو قلنا بأن هذا الميقات خاص بأهل الشام وهذا خاص بأهل المدينة لم نقل بجوازه، فتبين أن المراد من مر به سواء كان من أهل تلك الجهة مقيماً بها أو كان ماراً غير مقيم. فهنا من كان في مكة مقيماً أو لم يكن مقيماً باتفاق العلماء لمن صادفه الحج وهو في مكة، أو نوى العمرة وهو في مكة فإنه يهل من مكة بالاتفاق، لقوله صلى الله عليه وسلم: (حتى أهل مكة من مكة) (1) فأهل مكة المقيمون وغير المقيمين يهلون بالحج من مكة وهذا مما لا خلاف بين أهل العلم ومما يدل على دخول غير المقيمين ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم، ومعلوم أن عائشة من أهل المدينة فأعطاها حكم أهل مكة في كونها تهل من الحل وهذا إنما يكون لأهل مكة. قال: (وعمرته من الحل) للحديث الذي تقدم ذكره وهو ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم) (2) والتنعيم هو أدنى الحل إلى مكة والحكم عام في التنعيم وغيره من الحل وإنما أعمرها من التنعيم لقربه من الحرم فهو أدنى الحل. فعلى ذلك المكيون إذا أرادوا العمرة وكانوا في الحرم فإنهم لا يعتمرون في موضعهم الذي هم فيه بل من أدنى الحل، وكذلك الآفاقي إذا كان بمكة وأدركه الحج أو أراد العمرة وهو في الحرم فيجب أن يحرم من الحل للحديث المتقدم.
والعلة من التفريق بين الحج والعمرة: أن الحج فيه جمع بين الحل والحرم، فإن فاعل أنساك الحج يجتمع فيه الحل والحرم فعرفة مثلاً في الحل ومنى في الحرم، أما المعتمر فإنه إن لم يخرج إلى الحل فإن مناسكه لا يكون فيها حل – هذا ما ذكره أهل العلم – من التفريق. ويظهر لي أيضاً معنى آخر للتفريق وهو أن العمرة هي الزيارة والزيارة إنما تكون من الخارج لا من الداخل، فيخرج إلى الحل ويأتي معتمراً. إذاً: اتفق أهل العلم على التفريق بين الحج والعمرة في الإحرام فقالوا: يحرم من مكة للحج وأما العمرة فلابد أن يخرج إلى الحل سواء كان ذلك من التنعيم أو غيره. إذاً: عندنا هنا طرفان: الطرف الأول: من كان في المواقيت فما وراءها وتقدم الكلام عليه. الطرف الآخر: من كان في مكة في الحرم فتقدم حكمه وأنه يحرم للحج من موضعه، وأما العمرة فمن الحل. الطرف الثالث: من كان بين ذلك كالقرى والمدن التي تكون دون المواقيت إلى مكة فهؤلاء باتفاق العلماء يحرمون من مواضعهم، فكل يحرم من مكانه وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) (1) وإن كان بينه وبين الميقات مسافة يسيرة. قال: (وأشهر الحج شوال، وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) (ذو القعدة) بالفتح ويصح الكسر " أي كسر العين [لعل الصواب: القاف] " القعِدة. (ذو الحجة) بكسر الحاء ويصح بفتحها، والمشهور هو الكسر، فعكس ذي القعدة فالمشهور فتح العين ويصح كسرها هذه أشهر الحج عند جمهور العلماء.
واستدلوا بقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج} (1) ووجه الاستدلال: قوله: {فمن فرض فيهن الحج} قالوا: ولا يمكن لأحد أن يفرضه إلا في عشر ذي الحجة فما قبلها فحينئذ: الأيام الأخرى من ذي الحجة ليست من أشهر الحج لأنه لا يفرض فيها الحج أي لا يهل بالحج، فإن الحج ينتهي الإهلال به بأذان الفجر من ليلة النحر. وهذا القول ثابت عن ابن عمر كما في البخاري معلقاً ووصله ابن جرير أنه قال: (أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) (2) . ويورد إشكال على ما ذهب إليه الجمهور وهو أن يقال: إن الله عز وجل قال في كتابه: {الحج أشهر} والأشهر جمع، والجمع إنما يكون في الأصل بثلاثة، وهذه شهران وبعض شهر، وليست بجمع. فأجابوا عن ذلك بأن هذا من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء وهذا مشهور في لغة العرب، فإن الرجل يقول قمت الليل ولم يقم إلا بعضه، ويقول: رأيت فلاناً اليوم، ولم يره إلا بعضه، وهذا أسلوب معروف في لغة العرب. - وذهب المالكية: إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كاملاً. واستدلوا: بقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} فقوله: (أشهر) جمع، وهذا يصدق في الأصل على ثلاثة، وما ذكرتموه – أي الجمهور – تأويلٌ، فإن إطلاق الكل على الجزء تأويل، والأصل إطلاق الكل على الكل، فإذا قال رجل: قمت الليل، فالأصل أنه قامه كله إلا أن تكون هناك قرينة تدل على أنه لم يقمه كله. قال الجمهور – قرينتنا – قوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} فهذه قرينة تدل على أنه أطلق الكل وأراد به الجزء.
ويمكن أن يجاب على هذا بأن يقال: إنكم قد أدخلتم فيها العاشر من ذي الحجة ومعلوم أن يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر لا يفرض الحج فيه، فإن الحج ينتهي بما يمكن أن يدرك فيه عرفة، وعرفة يدرك بإدراك جزء يسير قبل أذان الفجر من يوم النحر. فعليه تبين أن ما ذهب إليه المالكية أصح في هذه المسألة، فإن يوم الحج الأكبر أعظم أيام الحج لا يفرض الحج فيه ومع ذلك قطعاً هو من أيام الحج، على أن اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر أيام فيها مناسك الحج. فما ذهب إليه المالكية أصح. وأما قوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} فإن ذلك يرجع إلى السُّنة وقد بينت السنة أن أشهر الحج التي يفرض فيها الحج ما يمكن أن تدرك فيه عرفة، فيبقى هذه خصيصة لما قبل يوم النحر في إدراك الحج وفرضه فيه، وتبقى الأيام الأخرى من شهر ذي الحجة من أشهر الحج. وهذه المسألة لا يترتب عليها كبير ثمرة في المسائل الفقهية ومع ذلك فإن الراجح ما ذهب إليه المالكية في هذه المسألة وأن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه وهو ثابت عن ابن عمر كما عند ابن جرير بإسناد صحيح (1) وعليه فقد اختلف قول ابن عمر في هذه المسألة. مسألة: إذا أهل بالحج قبل أشهره، وهذا وإن كان لا يتصور كثيراً في هذه الأزمان لكنه يتصور في الأزمنة السابقة لمّا كان الناس يبكرون إلى الحج لبعد المسافة، فإذا أهل قبل أشهر الحج كأن يهل بالحج في رمضان فهل يصح حجه أم لا؟ قولان لأهل العلم: قال الحنابلة: يصح حجه لكن يكره – وهو مذهب جمهور العلماء.
واستدلوا بقوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} والأهلة هي أهلة القمر أي أهلة الشهور، فهنا قال تعالى: {يسألونك عن الأهلة} أي بيِّن لنا الأهلة، فصرفهم الله إلى الفائدة منها فقال: {هي مواقيت للناس والحج} ، قالوا: فقوله: {مواقيت للناس والحج} يدل على أن الأشهر كلها مواقيت للحج. وقال الشافعية: إذا أهل قبل أشهر الحج لم يجزئه ذلك. قال الشافعية: قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج} دليل على أنه لا يجوز له أن يحرم قبل هذه الأشهر، فإن قوله تعالى: {الحج أشهر} خبر من الله تعالى بأن الحج أشهر، والحج لا يوصف بكونه أشهر، فإنه فعل مناسك، فتبين أن هناك محذوف مقدَّر تقديره: " مواقيت الحج أشهر " وهذا من باب حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه، فدل على أن مواقيت الحج هي هذه الأشهر، ومعلوم أن الميقات لا يجوز أن يتجاوز لا بتقديم ولا بتأخير وقد قال تعالى: {فمن فرض فيهن} فدل على أن الفرض لا يكون إلا فيهن. وما ذهبوا إليه أصح. وأجابوا عن الآية المتقدمة قالوا: قوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} هنا جعل الله الأهلة مواقيت للحج؛ لأن أشهر الحج تعرف بمعرفة بقية الشهور، فإنا نحتاج إلى معرفة شهر شوال بمعرفة خروج شهر رمضان وبمعرفة صحة دخوله وهكذا. فعلى ذلك هذه الآية فيها بيان [أن] الأهلة يستعان بها على معرفة الحج. أو أن المراد أن بعض الأهلة مواقيت للحج وهي الأشهر الثلاثة. ومذهب الشافعية أصح وأن الإهلال لا يصح، وحينئذ فينقلب عمرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه وقد أهلوا بالحج أن يحلقوا رؤوسهم فتكون لهم عمرة. مسألة: " في المواقيت المكانية " تقدمت المواقيت المكانية وأن الواجب هو ألا يتجاوزها، فإذا أحرم قبل الميقات المكاني فهل يجزئ ذلك عنه أم لا؟
أجمع أهل العلم على أن ذلك يجزئ (1) وأن المقصود ألا يتجاوز هذه المواقيت إلا بإحرام واتفقوا على أن المشروع أن يحرم منها، وأن الإحرام قبلها مكروه، وأما ما رواه البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك) (2) ففيه جابر بن نوح وهو ضعيف الحديث، وأما ما رواه أبو داود من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأدخل الجنة) (3) ففيه جهالة، وقال ابن القيم: قال غير واحد من الحفاظ: " إسناده ليس بالقوي ". ولولا الإجماع على أن ذلك جائز، لقلنا بأنه محرم. مسألة: هل يجوز له أن يتجاوز الميقات من غير إحرام إن كان غير مريد للحج والعمرة؟ قولان لأهل العلم: 1- ذهب جمهور العلماء وهو مذهب الحنابلة: إلى وجوب ذلك، فلا يجوز له أن يمر من الميقات إلا بإحرام. واستدلوا: بما ثبت عند البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: (لا يدخل مكة أحد من أهلها أو من غير أهلها إلا بإحرام) (4) . 2- وذهب الشافعية: إلى أنه لا يجب ذلك عليه، وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها طائفة من أصحابه كابن عقيل. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (دخل مكة وعلى رأسه المغفر) أي دخل مكة فاتحاً وهو غير محرم.
واستدلوا: بمفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ممن أراد الحج أو العمرة) فمهومه أن من لم يرد الحج والعمرة فلا يجب عليه أن يحرم من هذه المواقيت. قالوا: وأما أثر ابن عباس فهو مخالف بأثر ابن عمر الذي رواه البخاري في صحيحه معلقاً ووصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، أنه كان لا يفعل ذلك، فهذا فعل منه يخالف ما ورد عن ابن عباس، والحجة فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فما ذهب إليه الشافعية هو الصحيح. والحمد لله رب العالمين بابُ: الإحرام قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الإحرام نية النسك) الإحرام في اللغة: مصدر أحرم، يقال: أحرم يحرم إحراماً وهو الدخول في التحريم. وأما في الشرع فقال المؤلف هنا: نية النسك. والنية تقدم تعريفها بأنها: القصد الجازم، والنسك: هو الحج أو العمرة. وهنا يشكل أن الرجل إذا خرج من بلدته إلى مكة فهو قاصد جزماً الحج أو العمرة ومع ذلك فلا يعد محرماً، وإنما يعد محرماً إذا أتى الميقات فنوى فيه، وحينئذٍ فيجب أن يقيَّد بما قيَّده المؤلف كما في الشرح بأن يقال: نية الدخول في النسك أي نية الدخول في الحج أو العمرة – ولا شك أن هذا القيد هو مراد المؤلف -. والصلاة كذلك فإن الرجل يخرج من بيته وهو قاصد الصلاة وأما النية التي هي شرط في الصلاة فهي نية الدخول في الصلاة، فالإحرام هو نية الدخول في النسك سواء كان النسك حجاً أو عمرة. وهل يشترط فيه شرط آخر؟ جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية والمالكية في المشهور عندهم: أنه لا يشترط شيء، فإذا نوى الدخول في النسك فإن ذلك يجزئ عنه ولا يشترط شرطاً آخر سوى ذلك. وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام: إلى أنه يشترط مع النية قول أو فعل يدل على النية وهو أن يسوق الهدي أو أن يلبي.
فإذا أتى رجل الميقات ولم يسق الهدي ولم يتلفظ بقول: " لبيك عمرة أو لبيك حجاً " أو يقول " لبيك اللهم لبيك ... " فإنه لا يجزئ عنه. أما الأحناف: فإنهم قاسوا الحج على الصلاة، فإن الرجل إذا صلى بنية فإنه لا يجزئ عنه إلا بتكبيرة الإحرام. وأما شيخ الإسلام فعلل ذلك بقوله: إن الرجل إذا خرج من بلدته إلى مكة فإنه قاصد الحج والعمرة ناوٍ ذلك ففرض عليه إذا نوى عند الميقات أن يقول قولاً أو يفعل فعلاً يدل على إرادته للحج، والقول هو التلبية والفعل هو سياقه الهدي. وعليه - فإن مقتضى تعليله – رحمه الله – أنه يجزئ عنه تجرده، فإذا تجرد ولبس الإزار والرداء فإن هذا فعل في أزماننا لا يراد إلا للحج فيكون دليلاً على نيته. وعلى ذلك فإن الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء؛ وذلك لأن الأصل هو الاكتفاء بالنية وتكبيرة الإحرام قد دلت الأدلة الشرعية على أنها ركن من أركان الصلاة ولم يرد مثل ذلك في التلبية في الحج أو في سياق الهدي. وأما تعليل شيخ الإسلام، فإن فيه نظراً تقدم التنبيه عليه: وهو أن الرجل إذا قصد مكة خارجاً من بلدته فإن هذا مجرد قصد للعبادة والنسك بخلاف نيته في الميقات فإنها نية الدخول في النسك – وهذا شبيه كما تقدم بالصلاة – فإن الرجل يخرج من بيته قاصداً المسجد ناوٍ الصلاة ومع ذلك فإن هذه النية لا تجزئ عنه وإن كبر للإحرام ما لم ينو نية جديدة وهي نية الدخول في الصلاة، فالصحيح أنه لا يشترط، وسيأتي حكم النية هل هي ركن أم واجب أم سنة في موضعه – إن شاء الله -. قال: (يسن لمريده الغسل) فيسن لمن يريد الدخول في النسك الغسل، ودليله ما ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: (من السنة أن يغتسل عند إحرامه وعند دخوله مكة) وقول الصحابي من السنة يرفعها.
ويدل عليه أيضاً ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر أسماء بنت عميس وكانت نفساء أن تغتسل عند إحرامها) (1) قال: (أو يتيمم لعدم) فإن لم يقدر على الاغتسال لعدم ماء أو لعذر كمرض أو برد فإنه يسن له أن يتيمم – هذا هو قول القاضي من الحنابلة – وهو المشهور عند المتأخرين. ودليلهم: أن التيمم ينوب عن الغسل في الطهارة المشروعة أو المفروضة كما يكون هذا فيمن أصيب بجنابة فلم يجد ماءً يغتسل به فإنه يتيمم. واختار الموفق وصوبه وصاحب الإنصاف: إلى أنه لا يشرع له التيمم. قالوا: لأن هذا الغسل غسل مستحب، قالوا: والأغسال المستحبة إنما شرعت للتنظيف وإزالة القذر فهي مشروعة لذلك، والتيمم لا يحصل به ذلك. قلت: ومما يدل على ذلك ما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس أن تغتسل وكانت نفساء ومعلوم أن غسلها لا يفدها طهارة، لا طهارة مفترضة ولا طهارة مستحبة - وإنما يراد منه التنظف وإزالة القذر من عرق ونحوه – وهذا هو القول الراجح. قال: (وتنظيف) فيستحب له التنظيف بأن ينتف إبطه ويحلق عانته ويقلم أظافره ويزيل ما يكون في بدنه من الأوساخ ونحو ذلك. ودليل ذلك: مشروعية الاغتسال فإنه تقدم أن الاغتسال إنما شرع للتنظيف فيشبهه إزالة الأقذار وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة فإنها مستحبة لما فيها من التنظيف فهذا من باب القياس على الاغتسال، فالاغتسال إنما شرع للتنظيف وهنا كذلك. قال: (وتطيب)
فيستحب له أن يتطيب عند إحرامه، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) قالت: (وكأني أنظر إلى وبيص " أي لمعان " الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم) (1) وهذا الحديث فيه فائدتان: الأولى: ما تقدم وهو مشروعية الطيب عند الإحرام. الثانية: أنه لا بأس باستدامته، فإذا وضع الطيب على رأسه فبقي بعد الإحرام فإنه لا بأس بذلك، أو بقي على ردائه بعد الإحرام فلا حرج في ذلك، مما يدل عليه ما ثبت في أبي داود عن عائشة قالت: (كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد وجوهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها) (2) ، في هذا الحديث فائدة أخرى وهي أنه إذا تحول الطيب من موضع إلى موضع بغير فعل من المحرم فلا حرج، كأن ينتقل بسبب إذابة الشمس، أو بالعرق إلى موضع آخر فلا حرج. أما إذا أخذه المحرم بيده فوضعه في موضع آخر فإن ذلك ابتداء للتطيب في ذلك الموضع فيجب عليه أن يفدي. ولا فرق بين الطيب الذي يبقى أثره ولونه، وبين الطيب الذي لا يبقى أثر له إلا الرائحة. مثال الأول: المسك، ومثال الثاني: البخور، فلا فرق بينهما.
- وذهب الإمام مالك: إلى أن استدامته من محظورات الإحرام، واستدل بما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل في عمرة الجعرانة (وكانت في السنة 8 هجرية) فقال يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال: (اغسل الطيب الذي عليك) (1) الحديث وهو من حديث يعلى بن أمية. وردّ هذا جمهور العلماء بأن هذا الحديث منسوخ فإنه كان في السنة الثامنة للهجرة في عمرة الجعرانة، وما تقدم فكان في حجة الوداع في السنة العاشرة فهي أحاديث ناسخة لحديث يعلى بن أمية المتقدم. فالقول الراجح هو مذهب الجمهور. (قال الفقهاء: إذا كان الثوب … فليس أن يلبسه) (2) . قال: (وتجرَّد من مخيط) المخيط: هو الثوب المفصل على شيء من البدن كالقمص والسراويل وليس المراد ما فيه خيوط، فالمراد: الثوب المفصل على شيء من البدن سواء كان البدن كله أو جزء منه كالقمص والسراويل. وأما ما كان فيه خيوط كأن يكون عليه رداء فيه خيوط أو نعول فيها خيوط فإن هذا لا حرج فيه وليس ثمت أحد من العلماء ينهى عن ذلك، وإنما يريدون بالمخيط الثياب المفصلة على قدر البدن أو بعضه. فإذاً: يسن أن يتجرَّد من المخيط، وقد روى الترمذي بإسناد فيه جهالة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (تجرَّد لإهلاله واغتسل) (3) .
وقال صلى الله عليه وسلم – كما سيأتي -: (وليحرم أحدكم بإزار ورداء ونعلين) (1) فيسن له أن يتجرد من الثياب المخيطة. وهذا فيه إشكال فإنه من المعلوم الإجماع على وجوب ذلك برواية من لبس مخيطاً فإن عليه فدية – وسيأتي -. وزوال الإشكال أن يقال: إن مراد المؤلف قبل الإحرام فقبل نية النسك يستحب له أن يخلع ما عليه من المخيط لتكون نيته للنسك وليس عليه شيء يحتاج إلى إزالته. وعليه: فإذا نوى النسك وعليه شيء مخيط فخلعه فلا حرج عليه في ذلك. أما إذا استدامه ولم يزله فوراً فعليه الفدية. فالواجب عليه بمجرد نية النسك أن يزيل ما عليه فإذا تركه ولو لحظة مع إمكان إزالته فإن عليه الفدية. فمرادهم يسن قبل إحرامه لئلا يعرّض إحرامه لبقاء هذه الثياب المخيطة عليه لحظة من زمن مستديماً لها مفرطاً فتلزمه الفدية. قال: (ويحرم في إزار ورداء أبيضين) للحديث المتقدم الذي رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين) (2) وأما دليل استحباب كونهما بيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم) (3) فإن أحرم بثوب لونه آخر فلا حرج في ذلك. قال: (وإحرام عقب ركعتين) فيستحب له أن يكون إحرامه بعد ركعتين، فإن كانت فريضة فبعد أن يصلي الفريضة، وإن لم تكن فريضة صلى ركعتين للإحرام، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
واستدلوا: بما روى أبو داود من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أهل عند المسجد بعد أن صلى فيه ركعتين) (1) والحديث فيه خُصيف بن عبد الرحمن وهو ضعيف، لكن له شاهد عند البزار من حديث انس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل دبر الصلاة) . واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، أن المستحب له أن يصلي إن وافق فريضة وإلا فإنه ليس للإحرام صلاة تخصه. قالوا: لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص صلاة للإحرام لا بقوله ولا بفعله. وأما ما تقدم من حديث ابن عباس فكان ذلك بعد الفريضة، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين فبات بها النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء) (2) فكان ذلك بعد صلاة الصبح فهما الركعتان اللتان ذكرهما ابن عباس في الحديث الذي تقدم أنه حديث حسن لغيره. فعلى ذلك يستحب له أن يحرم بعد صلاة الفريضة، فإن لم توافق فريضة فلا يشرع أن يصلي صلاة بنية أنها للإحرام فإن ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بقوله ولا بفعله. قال: (ونيته شرط) فنية الإحرام شرط وهذا ظاهر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (3) والحج عمل فلا يصح إلا بنية فمن شروط الحج النية، فإن حج بلا نية لم يصح حجه. قال: (ويستحب قول: اللهم إني أريد نسك كذا فيسره لي) لم أر هذا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ثبت عنه قوله: (لبيك عمرة في حجة) (4) .
قالوا: ويستحب له هذا – أي ما تقدم – أو ما في معناه، لكن إن دعا بدعاء مباح فلا بأس بذلك من غير أن يتخذ ذلك سنة فإنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء ولا غيره. قال: (وإن حبسني حابس فمحِلِّي حيث حبستني) " إن حبسني حابس " يعني منعني من الوصول إلى المناسك مانع من مرض أصبت به أو عدوٍ أو نحو ذلك فمحلي حيث حبستني، فإذا قال مثل هذه العبارة فحصل له شيء فإنه يحل من حجه ولا شيء عليه، فلا يجب عليه هدي الإحصار. قالوا: لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله: إني أريد الحج وأنا شاكية " أي مريضة " قال: (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) (1) ، وفي النسائي: (فإن لك على ربك ما استثنيت) (2) . قالوا: فهذا يدل على مشروعية الاشتراط، وهذا سواء كان للشخص عذر يحتمل وقوعه أم لم يكن، فإن هذا المشهور في مذهب الحنابلة. واختار شيخ الإسلام أن ذلك لا يشرع إلا للخائف، فإن اشترط الخائف نفعه ذلك. كرجل مريض يُخشى أن يؤثر عليه المرض ويمنعه من الحج فيشترط إن حبسه حابس أن محله حيث حبس فحينئذٍ متى ما ثقل عليه المرض فلم يستطع أن يمضي إلى الحج وقد أحرم فيه فإنه يحل ولا شيء عليه. وقبل ذلك: لو كانت البلاد خائفة فاشترط ثم كان في الطرق ما يخل بأمنها بحيث أنه لا يستطيع المضي لأداء الحج فإنه يحل ولا شيء عليه. وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الراجح؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك ولا أمر به أصحابه، وإنما أمر به من كانت شاكية خائفة أن تمنعها شكايتها من تمام حجها، فعلّمها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاشتراط، وهذا هو القول الراجح.
فيستحب ذلك لمن كان خائفاً كالمريض والخائف ونحوهما فيستحب لهم ذلك وينفع لهم ذلك، فإن حدث لهم مانع فإنهم يحلون ولا شيء عليهم. أما الآخر فإنه لا يشرع له ولا يترتب عليه هذه الأحكام لأن هذا فعل غير مشروع فلا تترتب عليه الأحكام الشرعية. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأفضل الأنساك التمتع) الأنساك ثلاثة: التمتع والقران والإفراد فالتمتع والقران يجمع فيهما بين العمرة والحج، والفرق بينهما أن التمتع يتحلل منه المعتمر ثم يهل بالحج في أشهره، وأما القران فإنه يقرن بينهما من غير تحلل. فعلى ذلك التمتع: هو الإهلال بالعمرة والحج في أشهر الحج بتمتع بينهما، فيقول في الميقات: لبيك عمرة، ثم يؤدي مناسك العمرة ثم يتحلل الحل كله ثم يهل بالحج – وهذا كله في أشهر الحج – وعليه فإذا أهل بالعمرة في رمضان ثم مكث في مكة إلى الحج فأهل به فليست بمتمتع، فإن التمتع عند أهل العلم الجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج. وأما القران فهو أن يهل بالعمرة والحج معاً، فيقول عند الميقات: " لبيك عمرة وحجاً " أو " لبيك عمرة في حجة " ويفعل مناسك الحج ولا يتحلل بينهما، فلا يتحلل إلا إذا رمى الجمرة يوم النحر. وأما الإفراد: فهو أن يهل بالحج مفرداً فلا يدخل فيه عمرة. فالتمتع هو: الإهلال بالعمرة والحج في أشهر الحج يتحلل بينهما، والقران بغير تحلل. وأما الإفراد: فهو أن يهل بالحج منفرداً متجرداً عن العمرة. وقد قال المؤلف: " أفضل الأنساك التمتع " اعلم أن جماهير العلماء على أن المسلم مخير بين هذه الأنساك الثلاثة فإن شاء أهل متمتعاً وإن شاء أهل قارناً وإن شاء أهل مفرداً.
واستدلوا: بما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن يهل بالحج والعمرة فليفعل " وهذا هو القران " ومن أراد أن يهل بالعمرة فليفعل " وهذا هو التمتع " ومن أراد أن يهل بالحج فليفعل) (1) وهذا هو الإفراد) وذهب ابن عباس رضي الله عنه – وهو مذهب ابن حزم من الظاهرية ومال إليه ابن القيم – إلى أن التمتع واجب، وذكر ابن القيم في زاد المعاد أربعة عشر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أمره بالتمتع لأصحابه في حجة الوداع. فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (كانوا – أي أهل الجاهلية – يرون الاعتمار في أشهر الحج من أفجر الفجور فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة بأصحابه صبيحة رابعة مهلين أمرهم أن يهلوا بعمرة أي أن يقلبوا حجهم إلى عمرة " فيعتمرون ثم يحلون ثم يحجون) فقالوا: يا رسول الله: أي الحل؟ فقال: الحل كله (2) .
وثبت في الصحيحين عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: لما قدم مكة أمر أصحابه فقال: (أحلوا من إحرامكم بالطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدِمْتُم بها متعة فقالوا: يا رسول الله كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم ولولا أني سقت الهدي لفعلت الذي أمرتكم به ولكن لا يحل منى حرام حتى يبلغ الهدي محله) (1) وفي الصحيحين عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة لا نذكر إلا الحج) (2) – الحديث – وفيه: فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال لأصحابه: (اجعلوها عمرة فأحل الناس إلا من كان معه هدي) فهذه أحاديث صحيحة فيها أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يهلوا بعمرة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم للوجوب، وقد تشدد النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه في ذلك فدل ذلك على وجوبه.
قالوا: وأما ما استدل به الجمهور من حديث مسلم عن عائشة فإن هذا كان قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة فإنه قال ما تقدم: (من أحب أن يهل بالحج والعمرة فليفعل ومن أحب أن يهل بالعمرة فليفعل ومن أحب أن يهل بالحج فليفعل) (1) فلما قدم مكة أمرهم بأن يهلوا بعمرة كما تقدم من حديثها نفسها، فإنها قالت في الحديث المتفق عليه المتقدم: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لا نذكر إلا حجاً) إلى أن قالت: (فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال لأصحابه: اجعلوها عمرة) (2) فنسخ النبي صلى الله عليه وسلم التخيير المتقدم. فهذه أحاديث ظاهرة في وجوب ذلك. وسلك شيخ الإسلام مسلكاً آخر وارتضاه الشنقيطي في أضواء البيان فقال: هذا الوجوب الذي دلت عليه الأحاديث المذكورة كان على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة أما غيرهم فإن ذلك يستحب لهم ولا يجب. واستدل: بما روى أبو داود في سننه من حديث الحارث بن بلال عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل فقيل له: (ألنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل لكم خاصة) (3) لكن الحديث فيه الحارث بن بلال وهو مجهول.
ويعارض هذا الحديث حديثاً متفق عليه وهو ما ثبت في الصحيحين عن سراقة بن مالك أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل للأبد) (1) وزاد مسلم: (فشبك النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (2) فهذا حديث متفق عليه فلا يعارض بالحديث المتقدم، وفيه الحارث بن بلال وهو مجهول. واستدل شيخ الإسلام أيضاً: بما ثبت في مسلم عن أبي ذر أنه قال: (كانت المتعة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) (3) ونحوه عن عثمان في مسند أبي عوانة بإسناد صحيح. والجواب على هذا: أنها أقوال صحابة فلا يعارض بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لما سئل (ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: بل للأبد) فيدل على أن هذا رأي منهما رضي الله عنهما.
فالراجح: ما ذهب إليه ابن عباس من الصحابة من وجوب التمتع (1) ، وأن الواجب على المسلم أن يتمتع بالعمرة إلى الحج. وأفضل المناسك في المشهور عن الحنابلة هو التمتع، وهم يقولون – كما تقدم – بالتخيير بينه وبين القران والإفراد. والتمتع عندهم أفضل للأحاديث المتقدمة فإنهم حملوها على الاستحباب. وظاهر ذلك أن هذا مستحب مطلقاً لكن ذكر شيخ الإسلام أن نص الإمام أحمد وغيره من الأئمة الأربعة على أنه إن أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة أخرى فإن ذلك أفضل، ودليل هذا ما ثبت في البيهقي بإسناد صحيح أن عمر بن الخطاب قال: (إن تفصلوا بين الحج والعمرة فتحرموا بالعمرة في غير أشهر الحج أتم لحج أحدكم وعمرته) (2)
فالإمام أحمد نص على أن من أراد أن يفرد كلاً منهما بسفر فإنه هو الأفضل، فإذا جمع بينهما فإن الأفضل هو التمتع أما إن أراد عمرة منفردة بسفرة منفردة، وحجة منفردة بسفرة منفردة فإن هذا أتم لحجه وعمرته كما ورد ذلك عن عمر. والصحيح ما تقدم: وهو وجوب التمتع وقد ثبت عند الطحاوي عن عمر بإسناد جيد، وقال ابن القيم: صح عن عمر من غير وجه أنه قال: (لو اعتمرت في السنة مرتين لجعلت مع حجي عمرة) فيحتمل أن يكون هذا ناسخاً لقوله. قال: (وصفته أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه) فلابد أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإن أحرم بها في غير أشهر الحج فليس بمتمتع اتفاقاً. ومثل ذلك في المشهور من المذهب وهو أصح قولي العلماء: لو أحرم في رمضان وفعل المناسك في رمضان فإنه لا يعد متمتعاً، كرجل أحرم في آخر نهار رمضان وفعل المناسك ليلة العيد أو صبيحة العيد أي في شوال فإنه ليس بمتمتع، لأن الإحرام وهو ركن من أركان العمرة، قد وقع في غير أشهر الحج، ولا تكون العمرة في أشهر الحج حتى تكون العمرة كلها في أشهر الحج، وهنا قد وقع الإحرام في غير أشهره. ولابد أن يهل بالحج في عامه ذلك، فإن أهل في عام آخر فليس بمتمتع، فلو أن رجلاً أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم مكث بمكة سنة حتى أتى الحج القادم فأهل بالحج فليس بمتمتع. وقد روى البيهقي بإسناد حسن – كما قال النووي – عن سعيد بن المسيب قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج فإذا لم يحجوا في عامهم ذلك لم يهدوا) . ويدل على ذلك أيضاً الآية الكريمة: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} فظاهر الآية الموالاة بين الحج والعمرة، فإن اعتمر في سنة وحج في أخرى فليس ثمت موالاة. فالتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وأن يكون الحج في العام نفسه الذي اعتمر فيه وإلا فليس بمتمتع، وبالتالي فليس عليه دم.
فلو أن رجلاً أهل بالعمرة في غير أشهر الحج ثم مكث في مكة إلى الحج فأهل بالحج فليس بمتمتع وليس عليه حينئذٍ دم هدي التمتع، ولو أنه أهل بالعمرة في أشهر الحج لكنه لم يحج إلا في عام آخر فإنه ليس عليه دم؛ لأنه ليس بمتمتع، وقد قال تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي (1) } وهو في هاتين المسألتين السابقتين ليس بمتمتع وهذا مما اتفق عليه أهل العلم. قال: (وعلى الأفقي دم) الأفقي: هو من ليس بحاضر المسجد الحرام. فإذا تمتع حاضر المسجد الحرام فلا هدي عليه بلا خلاف بين العلماء، أما من لم يكن حاضراً للمسجد الحرام فعليه هدي. وحاضر المسجد الحرام: هو من كان في الحرم أو بينه وبين الحرم مسافة لا تقصر فيها الصلاة. ودليل المسألة قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} والحاضر للمسجد الحرام هو المكي ومن بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة. أما المكي فلا إشكال في أنه حاضر المسجد الحرام، وأما غيره فلأنه في حكم الحاضر له ولذلك صلاته صلاة حضر، فمن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة أو هو في موضع لا تقصر فيه الصلاة فإن صلاته حضر لا سفر. وهنا فروع في هذه المسألة: الفرع الأول: إذا اعتمر من ليس أهله حاضري المسجد الحرام في الحج ثم أنشأ سفراً آخر ثم رجع من سفره بحجة فهل يجب عليه الهدي أم لا؟ مثال: رجل سافر إلى مكة معتمراً في أشهر الحج لكنه لم يمكث في مكة بل سافر سفراً تقصر فيه الصلاة كأن يسافر – مثلاً – إلى الطائف أو إلى خارج البلاد ثم يأتي من هذه البلدة التي سافر إليها ويأتي مهلاً بحج، فهل يجب عليه الهدي؟ قولان لأهل العلم:
1- القول الأول، وهو مذهب الأئمة الأربعة: أنه لا يجب عليه الهدي، على خلاف بينهم في هذا السفر. فمنهم من قال: هو السفر الذي تقصر فيه الصلاة – كما هو مذهب الحنابلة –، ومنهم من قال: بل الميقات، فإذا ذهب إلى الميقات ثم رجع حاجاً فلا هدي عليه، وهذا مذهب الشافعي، ومنهم من قال: بل إذا رجع بلده خاصة كما هو مذهب أبي حنيفة، ومنهم من قال: إذا رجع إلى بلده خاصة أو ما يماثله مسافة وأولى من ذلك إذا كانت المسافة أكثر. إذاً: هم متفقون على سقوط الهدي بتنوع السفر لكن اختلفوا في السفر. 2- وذهب الحسن البصري واختار ذلك ابن المنذر: إلى أنه لا يسقط عنه وإن رجع إلى بلدته أم إلى ما هو أبعد منها. ومنشأ الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في الآية في سورة البقرة وهو قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي … ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} فاختلف أهل العلم في " ذلك " هل الإشارة إلى التمتع أو إلى الهدي؟ أ- فهل هي إشارة إلى التمتع، فيكون التمتع غير مشروع لحاضري المسجد الحرام، فيكون المعنى: ذلك التمتع المذكور إنما يشرع لمن لم يكن حاضر المسجد الحرام، أما من كان حاضراً له فليس له أن يتمتع. ب- والقول الثاني: أن الإشارة راجعة إلى الهدي أي ذلك الهدي المشروع إنما يشرع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أما من كان أهله حاضري المسجد الحرام فتمتع فليس عليه هدي. فمذهب الأحناف وهو اختيار البخاري: أن الإشارة راجعة إلى التمتع ولذا يقول الأحناف بعدم مشروعية التمتع لحاضري المسجد الحرام. ومذهب جمهور العلماء: إلى أن الإشارة إلى الهدي أي ذلك الهدي وما ينوب عنه من الصيام إنما يكون لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وذلك لأنه ترخَّص وترفَّه بأن جمع بين نسكين في سفر واحد، فلما جمع بينهما في سفر واحد أوجبنا عليه الهدي لترخصه في ذلك.
أما المتمتع من حاضري المسجد الحرام فليس له سفر فلم يترفه حينئذٍ فليس عليه هدي. وقد استدل من قال بأنها راجعة إلى التمتع قالوا: يدل على ذلك أن لفظة " ذلك " قد جمعت بين اللام والكاف وهما إذا اجتمعا في اسم الإشارة فإن ذلك يدل على البعد والمذكور البعيد هو التمتع، فإنه قد ذكر قبل الهدي فهو أبعد. قالوا: والقرينة الثانية أن الله قال {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} فأتى باللام –والتمتع له – والهدي عليه، فلم يقل ذلك " على " أي ذلك الهدي على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. فدل على أن المراد بذلك التمتع الذي له وله أجره وثوابه أما الهدي فهو عليه واجب. وأجاب الجمهور على ذلك فقالوا: أما الإتيان بـ"ذلك " التي تفيد الإشارة إلى البعيد فإنه معلوم في لغة العرب أنها تأتي للإشارة إلى القريب وهذا مشهور في استعمالهم. قالوا: ولفظة " اللام " تأتي بمعنى على، كقوله تعالى {ويخرون للأذقان} أي عليها، وقوله: {وتله للجبين} أي على الجبين. قالوا: والأصل في الإشارة كالضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الهدي. والذي يتبين لي أن الأقوى ما ذهب إليه الأحناف واختاره الإمام البخاري: وأن الإشارة تعود إلى التمتع؛ وذلك لأن لفظة " ذلك " في الأصل إشارة إلى البعيد، وكونها إشارة إلى القريب خلاف الأصل وخلاف الظاهر. ولأن اللام في الأصل كما ذكره الأحناف واختاره البخاري، وأما كونها تكون بمعنى " على " فإن هذا خلاف الأصل فهو نوع تأويل.
ولذا فالراجح – كما أنه الأحوط -: ما ذهب إليه الحسن البصري وهو اختيار ابن المنذر: من أن من سافر سفراً بين عمرته وحجته سواء كان هذا السفر يقصر فيه الصلاة فحسب أو كان أبعد من ذلك بأن يرجع إلى بلدته أو نحو ذلك مما تقدم فإن عليه أن يهدي لعموم قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} وحقيقة التمتع هو الجمع بينهما في أشهر الحج، وقد قوى هذا القول الشنقيطي في أضواء البيان. الفرع الثاني: هل يشترط أن ينوي في عمرته في ابتدائها أو في أثنائها أنه يريد الحج وأنه سيتمتع أم لا يشترط ذلك؟ رجل ذهب في شوال معتمراً فلما تحلل نوى أن يمكث في مكة حتى يأتي الحج فيحج فهل هو متمتع فيجب عليه الهدي أم ليس بمتمتع حتى ينوي في عمرته التمتع؟ وبصورة أخرى: هل يشترط له وهو في الميقات وقد قال لبيك عمرة أن ينوي أنه سيتمتع سواء كان ذلك في مبتدأ تلبيته أو كان ذلك في أثناء العمرة وقبل أن يحل أم لا يشترط ذلك؟ المشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك شرط وهذا عندهم كما يكون في الجمع بين الصلوات، فشرط عندهم كما تقدم أن ينوي الجمع في الصلاة الأولى. واختار الموفق أن ذلك ليس بشرط، وهذا هو القول الراجح فإنه لا دليل على اشتراطه، ولأنه قد تمتع بالعمرة إلى الحج فدخل في عموم الآية، واشتراط النية أثناء العمرة لا دليل عليه. وعليه فلو ذهب معتمراً من غير أن ينوي أن هذه العمرة سيتمتع بها إلى الحج فلما أحل نوى أن يحج فبقي في موضعه حتى الحج أو رجع إلى بلدته فإنه متمتع وعليه الهدي. الفرع الثالث: هل الهدي واجب على من جمع بين نسكي الحج والعمرة، ولكن أحدها له والآخر لغيره؟ كمن جمع بين الحج والعمرة بأن كانت العمرة له والحج عن غيره، فهل عليه الهدي أم لا؟ قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة.
والمشهور في مذاهبهم: وجوب الهدي عليه؛ نظراً للفاعل فإن الفاعل واحد، والنسك قد حصل من قِبَل فاعل واحد فوجب عليه الهدي. وقال بعض العلماء وهو قول في مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة خلافاً للمشهور في مذاهبهم، قالوا: لا يجب عليه الهدي؛ نظراً لأن أحد النسكين له والآخر ليس له. والأظهر هو الأول؛ فإن النظر إنما يكون للفاعل فإنه واحد والآخر له، وإنما أهدى ثوابه لغيره، فإن الأصل أن هذا الفعل له لكنه أهدى ثوابه لغيره، ولا شك أن هذا هو الأحوط. واعلم أن القران باتفاق أهل العلم داخل في حكم التمتع في باب الهدي، فالقارن يجب عليه أن يهدي، والصحابة يطلقون على القران تمتعاً كما في غير حديث ثابت عنهم كما في الصحيحين وغيرهما. وقد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين – عن أزواجه وكن قارنات؛ ولأنه قد جمع بين النسكين فأشبه المتمتع الجامع بينهما – وهذا كما تقدم – مما اتفق عليه العلماء. استدراك: التمتع يجب على من لم يسق الهدي، فلو أن رجلاً ساق الهدي ثم تبين له الإيجاب فإنه لا يجب عليه حينئذٍ لأنه ساق الهدي، والنبي صلى الله عليه وسلم لما ساق الهدي لم يحل، بل الواجب على من ساق الهدي أن يكون قارناً ولا يجوز له أن يتمتع. مسألة: رجل اعتمر في أشهر (1) الحج ثم مكث في مكة ونوى الحج فهل يجب عليه أن يتمتع فحينئذٍ يأتي بعمرة؟ فإن قلنا بوجوب التمتع فإنه يجب عليه أن يخرج إلى الحل فيأتي بعمرة لوجوب التمتع. وإذا نظرنا إلى جهة أخرى وهي أن العمرة ليست بمشروعة لمن كان في مكة سواء كان آفاقياً أو مقيماً قلنا: إنه لا يشرع. وهذا - فيما يظهر لي – أقوى؛ وذلك لأن هذا الفعل ليس بمشروع والأمر به يناقض مقصود الشارع من عدم مشروعية الاعتمار لمن كان في مكة وكان آفاقياً أو غيره.
فالذي يظهر لي أن يقال: أنه ليس بواجب عليه، وحينئذٍ فيكون التمتع واجباً لمن كان خارجاً عن مكة. وهذا ظاهر في اختيارنا المتقدم في قوله " ذلك " وأن التمتع لا يشرع لمن كان حاضراً المسجد الحرام – لكن هذا قد ينظر في الاستدلال به – بأن هذا ليس حاضراً للمسجد الحرام وإن كان فيه حينئذٍ؛ لأنه ليس مقيماً في المسجد الحرام فإقامته مؤقتة فليس له حكم المقيمين بل في حكم المسافرين فليس أهله حاضري المسجد الحرام، لكن الاستدلال السابق هو الأظهر وهو أن يقال: إن العمرة من مكة ليست بمشروعة والأمر بها ينافي مقصود الشارع من عدم مشروعيتها. فإن قيل: عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتمتع لم يستثن المكيين؟ فالجواب أن يقال: ظواهر الأحاديث أن هذا كان لغير المكيين فإنه قال: " فلما قدمنا مكة " ثم أيضاً: الأدلة الأخرى التي تدل على عدم مشروعية العمرة على أهل مكة تدل على أن ذلك إنما يوجه لغيرهم. كما أن الغالب أن من كان معه لم يكن من أهل مكة بل من أهل الآفاق. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة) إذا حاضت المرأة المتمتعة فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة.
فإذا لبت المرأة بعمرة على أنها متمتعة – حينئذٍ – تطوف بالبيت وبالصفا والمروة وتحل ثم تهل بالحج، لكن إن طرأ عليها الحيض قبل الطواف بالبيت، والمرأة ممنوعة من الطواف بالبيت – كما سيأتي دليله – فحينئذٍ إن بقيت منتظرة طهرها حتى تطوف لعمرتها فات عليها الوقوف بعرفة، فمثلاً في صبيحة اليوم الثامن أهلت بعمرة عند الميقات فأتاها الحيض، والحيض يمكث معها عدة أيام بحيث أنها لا تطهر قطعاً إلا بعد الوقوف بعرفة وهي لم تهل بالحج بعد، فإذا انتظرت حتى تطهر لتطوف بالبيت لعمرتها فاتها الحج فحينئذٍ تدخل الحج على عمرتها وتكون قارنة، فتقول: لبيك حجاً، وتكون حينئذٍ جامعة بين الحج والعمرة، وحينئذٍ تقف بعرفة وتفعل المناسك كلها وتطوف بالبيت إذا طهرت. ودليل هذه المسألة ما ثبت في مسلم عن عائشة أنها أهلت بالعمرة فلم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فلما كان يوم النفر قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك) [صحيح مسلم بشرح النووي: 8 / 156] ويلحق بها كل من خشي فوات الحج من المتمتعين، فلو أن رجلاً قال: لبيك عمرة ثم طرأ عليه عارض منعه من الطواف بالبيت حتى خشي فوات الوقوف إن طاف وهو لما يطوف بالبيت فإنه حينئذٍ: يدخل الحج على العمرة ويكون حينئذٍ قارناً. فهذه المسألة إدخال الحج على العمرة، والحديث دليل ظاهر في ذلك. وهنا مسألة بعكس هذه المسألة: وهي مسألة إدخال العمرة على الحج. رجل أهل بالحج مفرداً ثم بدا له أن يدخل العمرة فيكون قارناً " وقد يكون محتاجاً لذلك " بحيث أنه لا يمكنه التمتع كأن يكون قد ساق الهدي تبرعاً وقد أفرد الحج فأحب أن يدخل العمرة فيكون قارناً فهل يجوز ذلك؟ قال الحنابلة: لا يصح منه ذلك، واستدلوا: بأثر عن علي بن أبي طالب رواه البيهقي والأثرم وغيرهما.
وقال الأحناف: يصح منه ذلك، وهذا القول أصح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يقلبوا حجهم إلى عمرة ولا شك أن مسألتنا أولى بالجواز من تلك المسألة، فإن إدخال العمرة على الحج مع بقائه أولى من إبطال الحج وإثبات العمرة. مسألة: حكم من أهل بالنسك مبهماً؟ وصفة الإبهام أن يقول: أهللت أو لبيت بمثل ما أهل به فلان أو لبى به فلان، فهذا هو الإهلال المبهم. وحكمه الجواز بدليل: ما ثبت في الصحيحين بأن أبا موسى الأشعري: (قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بم أهللت؟ فقال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أحسنت، فأمرني بالطواف بالبيت وبالصفا والمروة ثم قال: أَحِلَّ) (1) . مسألة: يقاس على الإهلال مبهماً، ما إذا نوى نسكاً مُطْلِقاً ذلك، فنوى نسكاً مطلقاً، كأن يدخل في النسك هكذا على نية الإطلاق فيقول: " لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك.. .. " من غير أن يقيد حجاً أو عمرة أو حجاً وعمرة، فقد نوى الدخول في النسك لكنه لم ينو أن يكون متمتعاً ولا قارناً ولا مفرداً، فهذا جائز باتفاق العلماء قياساً على المسألة السابقة. وحينئذٍ: فإنه يصرف نسكه إلى أيها شاء. لكن المستحب له أن يعين كما تقدم من حديث مسلم الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حث أصحابه على التعيين فقال: (من أحب أن يهل بالحج فالعمرة فليفعل ومن أحب أن يهل بالحج فليفعل ... ) (2) الحديث فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قد استحب لهم التعيين. قال: (وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك ….)
وهل المستحب له أن يكون ذلك عند مسجد الميقات أو يكون ذلك إذا أتى البيداء " وهي الموضع المرتفع وهو داخل الميقات "؟ ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في هذا وفي هذا: أما أنه على البيداء، فقد ثبت هذا من حديث أنس بن مالك في البخاري قال: (حتى إذا استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبحه وهلله ثم أهل بالحج والعمرة فأهل الناس معه) (1) وهو أيضاً ثابت في البخاري من حديث ابن عباس. وأما أنه أهل عند المسجد: فهو ثابت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (ما أهل النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند المسجد) (2) بل أنكر أن يكون قد أهل على البيداء وقال: (بيداؤكم هذه التي تكذبون بها على النبي صلى الله عليه وسلم، ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عند المسجد) (3) رواه مسلم، وفي البخاري أنه قال: (حتى استوت به راحلته قائمة) أي عند المسجد. فإذاً: الأحاديث اتفقت على أن المستحب له أن يهل بالحج أو العمرة إذا استوت به راحلته. ومن الصحابة من روى أنه أهل عند المسجد، ومنهم من روى أنه أهل عندما استوت به راحلته على البيداء. والجمع بينهما: أن يقال: كل منهما حدث بما رأى. فابن عمر رآه يهل عند المسجد، وأنس وابن عباس رأياه يهل وقد استوت به راحلته على البيداء، وكل قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
فعلى ذلك المستحب له أن يهل إذا استوت به راحلته عند المسجد، وكذلك يهل إذا استوت به راحلته على البيداء، وقد تقدم أن المستحب أن يهل إذا استوت به راحلته، وهو ثابت في الأحاديث المتقدمة في الصحيحين من حديث ابن عمر، وفي البخاري من حديث أنس، وفي البخاري من حديث ابن عباس. وفي البخاري سنة أخرى وهي أن يستقبل القبلة عند التلبية فقد ثبت هذا في البخاري من حديث ابن عمر أنه قال: (وهو مستقبل القبلة) (1) قال: (لبيك اللهم لبيك … إلى قوله: لا شريك لك) لبيك: من لبى في المكان أي لزمه واستقر به، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها غير خارج عنها إلى معصيتك. وثنيت لإفادة التكثير أي أنا مقيم إقامة بعد إقامة، فأنا ملازم لطاعتك مجيب لأمرك سامع لخطابك. فالتلبية هي: الإقامة على طاعة الله تعالى وعدم الخروج عنها إلى معصيته، وثنيت للتكثير. وقوله: " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " وهذه الجملة ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر (2) ، وهي أيضاً ثابتة من حديث غيره من الصحابة. وثبتت الزيادة من النبي صلى الله عليه وسلم عليها: ففي النسائي من حديث أبي هريرة: (لبيك إله الحق) (3) وفي ابن خزيمة: (إنما الخير خير الآخرة) وهل يجوز له أن يزيد في التلبية؟ لا حرج في الزيادة، فقد ثبت في مسلم عن جابر قال: (فأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم شيئاً) (4)
ومن ذلك ما ثبت في مسلم عن عمر أنه كان يقول: (لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل) (1) وفي أبي داود: أن الصحابة كانوا يقولون: (لبيك ذا الفواضل لبيك ذا المعارج) (2) وفي البزار من حديث أنس: (لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً) فهذه الألفاظ ثابتة عن الصحابة، ولا بأس بالزيادة على ذلك. وهنا مسائل: المسألة الأولى: متى يقطع التلبية؟ في هذه المسألة تفصيل: فإن كان قارناً أو مفرداً فإنه يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، ففي الصحيحين عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال: (لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة) (3) ، وفي ابن خزيمة: (قطع التلبية مع آخر حصاة) لكن يستثنى من ذلك: إذا دخل الحرم، فإنه إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية. ودليل ذلك: ما ثبت في البخاري أن ابن عمر: (كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية ثم بات بذي طوى حتى يصبح ثم يغتسل ويقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك) (4) وفي الموطأ: من فعله، وفيه: أن ذلك كان في الحج. أما إن كان معتمراً أو متمتعاً فإنه يقطع التلبية إذا دخل الحرم، فإذا دخل الحرم أمسك عن التلبية حتى يهل بالحج يوم التروية، فإذا أهل بالحج أعاد التلبية. وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء، وما ذكرته هو مذهب الإمام مالك وهو مذهب ابن عمر كما تقدم في الأثر المتقدم. وهو صريح عنه في البيهقي في المعتمر، أن عطاء بن أبي رباح سئل متى يقطع المعتمر التلبية؟ فقال: قال ابن عمر: (إذا دخل الحرم، وقال ابن عباس: إذا استلم الحجر) .
فمذهب ابن عمر أن المعتمر أو المتمتع: أنه إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية. ومذهب ابن عباس وهو مذهب جمهور العلماء أنه لا يقطعها إذا دخل الحرم بل إذا استلم الحجر عند الطواف فإنه يقطعها، وفي الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً: (يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر) (1) لكن الحديث فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف الحديث والصواب أنه موقوف على ابن عباس. فعندنا أثران متعارضان: أثر ابن عمر وأثر ابن عباس. ومذهب ابن عمر وهو مذهب المالكية - هذا المذهب - أشبه بالسنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم – وكان قارناً – كان يمسك عن التلبية إذا دخل الحرم فيشبهه المعتمر إذ لا فرق بين المعتمر وبين القارن في مثل هذه المسألة. فالعلة التي من أجلها قطع القارن أو المفرد – قطع التلبية ثابتة قطعاً، وإن لم تعلم لكنها - ثابتة قطعاً لنفي الفارق في المتمتع. فالأصح أن المعتمر إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية. المسألة الثانية: أنه يستحب له الإكثار من التلبية، ففي الترمذي والحديث حسن بشواهده: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الحج فقال: (أفضل الحج العج والثج) (2) والعج: هو رفع الصوت بالتلبية. والثج: هو النحر. وفي الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ملبي يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا) (3) قال أهل العلم: ويستحب له أن يلبي متى تجددت به حال، فإذا هبط وادياً لبى وإذا صعد لبى وإذا التقى برفيق لبى ودبر الصلوات يلبي وإذا نزل في موضع لبى، وإذا ركب راحلته لبى فكلما تجددت به حال لبى.
وفي مسند الشافعي بإسناد جيد: (أن ابن عمر: كان يلبي راكباً ونازلاً ومضطجعاً) . وفي ابن أبي شيبة أن السلف كانوا يستحبون التلبية في أربعة مواضع: (دبر الصلاة وإذا هبطوا وادياً أو علوه وإذا التقوا بالرفاق) ويدل على هذا ما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: لبى عند المسجد ولما استوت به راحلته على البيداء لبى. المسألة الثالثة: حكم التلبية؟ فيها ثلاثة أقوال: الأول: وهو مذهب الحنابلة والشافعية: أنها سنة، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها أصحابه. الثاني: وهو مذهب بعض المالكية وبعض الشافعية: أنها واجبة فعلى من تركها دم. واستدلوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلها وأمر بها وقال: (لتأخذوا عنى مناسككم) (1) . الثالث: أنها ركن من أركان الحج لا يصح الإحرام إلا بها، وقد تقدم البحث في هذا القول في مسألة سابقة وترجيح أن التلبية ليست بركن من أركان الحج. والذي يظهر لي من هذه الأقوال: القول الثاني: وأن التلبية واجبة بدليل: ما ثبت عن الخمسة عن خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) (2) فهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب. فعلى ذلك: الواجب عليه أن يلبي ولو مرة فإن ترك التلبية فعليه دم، كما هو مذهب بعض الشافعية وبعض المالكية. قال: (يصوت بها الرجل) مستحب للرجل أن يرفع صوته بها وأن يجهر، بل يستحب له أن يبالغ ففي البخاري: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (كانوا يصرخون بها صراخاً) (3) من حديث أنس.
وفي ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: (أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم) [الفتح: 3/477] فيستحب رفع الصوت بالتلبية والمبالغة في ذلك. قال: (وتخفيها المرأة) لأن ذلك مظنة الفتنة، ولذا أجمع العلماء على أن المرأة لا يشرع لها أن ترفع صوتها بالتلبية كما حكى الإجماع ابن عبد البر وابن المنذر وغيرهما، فقد أجمعوا على أن المرأة لا يستحب لها أن ترفع صوتها بالتلبية. لكن يستثنى من ذلك: إن كانت في موضع لا يخرج منه صوتها إلى أجنبي؛ فإن النساء شقائق الرجال في الأحكام الشرعية وإنما استثنيت هنا؛ لأن رفعها لصوتها مظنة الفتنة أما إذا كان الموضع ليس فيه إلا رفيقاتها ومحارمها فإنه يستحب لها ما يستحب للرجال فإن النساء شقائق الرجال. أما إذا كان مظنة أن يخرج الصوت لأجنبي فإنه لا يشرع لها، وهذا بإجماع أهل العلم. والحمد لله رب العالمين. باب: محظورات الإحرام محظورات الإحرام: أي ممنوعاته، أي المحرمات بسبب الإحرام. قال: (وهي تسعة حلق الشعر) وهنا ذكر المؤلف الحلق، ولا خلاف بين العلماء في أن إزالته بغير الحلق كالتقصير أو إذهابه بالنُورة أو نحو ذلك أنه له حكم الحلق. وهنا عمم الشعر كله فقال: " حلق الشعر " فيدخل شعر الرأس وشعر الإبطين والشعر الذي يكون في الوجه وفي سائر الجسد. والله عز وجل نص في كتابه الكريم على حلق الرأس فقال تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله (1) } وقاس جمهور العلماء – على حلق الرأس – إزالة غير شعر الرأس مما يكون على البدن كشعر الإبطين وغيره. واستدل جمهور العلماء على هذه المسألة – أي إدخال غير شعر الرأس – في حكم شعر الرأس. استدلوا: أولاً: بحكاية الإجماع على ذلك – فقد حكاه الموفق في المغني – وأن الشعر كله أو سائره له حكم شعر الرأس.
وثانياً: بالقياس على حلق الرأس بجامع الترفيه، فإن حلق الرأس علة المنع فيه – عندهم – الترفه، فيقاس على ذلك إزالة بقية البدن بجامع الترفه، هذا هو مذهب جماهير العلماء. - وذهب الظاهرية إلى القول بأن شعر البدن لا يلحق بشعر الرأس. وهم لا يقولون بالقياس، وإن القياس الذي ذكره جمهور العلماء فيه نظر فإنا لا نسلم أن العلة من النهي عن حلق الرأس هي الترفه فإن الترفه قد يكون بإبقاء الشعر لا سيما لمن اعتاد ذلك. ثم إن المحرم يجوز له كثير من الترفه كالاغتسال ونحوه. والأظهر أن العلة هي تعلق النسك بشعر الرأس، فإن الحلق أو التقصير نسك من أنساك الحج والعمرة فهو واجب من واجبات الحج فنهى الشارع أن يؤخذ منه شيء بحلق أو تقصير حتى يوفر لينسك به الحاج في أوانه، فهذه هي العلة الظاهرة. وأما ما ذكروه من الإجماع فإن كان صحيحاً فلا كلام في هذه المسألة وإلا فإن حكاية الإجماع فيها عسر، وكما قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب، لا سيما في هذه المسائل التي ليس فيها نصوص ظاهرة فهي من الإجماعات الظنية. وفي رواية عن الإمام مالك: أنه لا فدية في حلق شعر البدن سوى شعر الرأس وأوجبها في حلق الرأس، والمشهور من مذهبه وجوب الفدية. ومذهب الظاهرية أقرب إلى النظر إلا أن يصح الإجماع المتقدم، وقد تقدم التنبيه على أن كثيراً من الإجماعات التي يحكيها كثير من الفقهاء فيها نظر. ولا يصح فيما يذكره كثير منهم إلا ما كانت عليه نصوص ظاهرة من الشريعة. ومن المستبعد أن يجمع أهل العلم على مسألة كهذه ونجد الخلاف في مسائل فيها نصوص شرعية، فنرى الخلاف فيها منتشر ومثل هذه المسألة أولى ألا يثبت فيها الإجماع والله أعلم. قال: (وتقليم الأظافر) هذه كالمسألة السابقة فجماهير العلماء حكوا الإجماع في هذه المسألة كما حكاه ابن المنذر والموفق وأن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام.
واستدلوا: بالقياس على الشعر: كما أن المحرم ينهى عن حلق الشعر وتقصيره والعلة من ذلك الترفه فإنه ينهى عن تقليم الأظافر للترفه، فالجامع بين المسألتين هو الترفه. وقد تقدم النظر في هذا التعليل وأن الأصح في العلة التي من أجلها الشارع نهى عن حلق الرأس إنما هو النسك وليس الترفه وحكاية الإجماع فيها ما فيها كما تقدم. وعن عطاء بن أبي رباح أنه لا فدية في تقليم الأظافر – مع أنه قال أنه محظور من محظورات الإحرام – ففرق بينه وبين حلق الرأس. الحاصل من هذا: أن جماهير أهل العلم على أن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام. قال: (فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم) هذا هو الحلق أو التقصير أو الإزالة أو التقليم الذي تثبت به الفدية. وقول المؤلف هنا: " فعليه دم " موهم، والعبارة الصحيحة أن يقال: " فعليه فدية " فليس مراده الدم حتماً، وإنما مقصوده الفدية من دم أو إطعام أو صيام – كما سيأتي تقريره. فمن حلق ثلاثة شعرات أو قصرها من رأسه أو شيء من بدنه من موضع واحد أو من مواضع مختلفة أو قلم ثلاثة أظفار من يديه أو رجليه أو بعضها من يديه وبعضها من رجليه فإن عليه الفدية. قالوا: لأن الثلاثة هي أقل الجمع. 1- فأقل الجمع الذي يصدق عليه أنه شعر ثلاثة، هذا مذهب الحنابلة والشافعية. 2- وقال المالكية: إذا حلق ما يزول به الأذى ويحصل به الترفه فعليه الفدية، أو قلم ما يزول به الأذى ويحصل به الترفه فعليه الفدية. 3- وقال الظاهرية: إن فعل ما يصدق عليه أنه حلق فإن عليه الفدية فما صدق عليه أنه حلق، أو ما صدق عليه أنه تقليم، وهم لم يبحثوا في مسألة التقليم لكن هذا من باب قياس مذهبهم وإلا فإنهم لايقولون بالفدية أصلاً في تقليم الأظافر.
قالوا: إذا حلق من رأسه ما يثبت به أنه حلق بحيث أنه إذا فعله وجب عليه أن يحلق الجميع فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع وهو أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه فقال: (احلقوه كله أو اتركوه كله) (1) وهذا هو أظهر المذاهب، فهو ظاهر في الحلق لكنه في التقليم مشكل. قال فقهاء الحنابلة والشافعية: فإن أخذ شعرة واحدة فعليه فدية طعام مسكين، وإن أخذ شعرتين فعليه فدية مسكينين. قالوا: لأن ما ثبت الضمان بجملته فليثبت الضمان في أبعاضه، فإذا ثبت في الثلاثة فدية فيجب أن يثبت في الأبعاض، ومثل ذلك الأظافر. وعن الإمام مالك رواية: إلى أنه لا يثبت الإطعام ولا غيره فيما دون التحديد، وهو عنده ما يزول به الأذى، فلا فدية عليه لأن النص إنما ورد في حلق الرأس وهذا – أي أخذ شعرة أو شعرتين ليس بحلق، ولا دليل على ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية. ولو قلنا بتقليم الأظافر فالذي يظهر لي أن يقال: ما يصدق عليه أنه تقليم، ولا يقال إنه يصدق عليه أنه تقليم في الأظفر والأظفرين ونحو ذلك، بل لا يقال ذلك إلا إذا أخذ الشيء الكثير من أظفاره فإذا أخذ الشيء الكثير من أظفاره صدق عليه أنه مقلم عرفاً. وعلى القول بما ذهب إليه الظاهرية لا يشكل على هذا الكلام في مسألة الأظافر فإنا لا نحتاج إلى ذلك، وهذا قد يكون مما يبين صحة هذا القول، إذ الشريعة مع الحاجة إلى مثل هذه المسائل لم تبين شيئاً من مثل هذه الفروع مع حاجة الناس إليها. وقد استدل الفقهاء بقياس، استدلوا به على النهي عن حلق بقية شعر البدن وتقليم الأظافر، وهذا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في نهي المضحي أن يأخذ شيئاً من شعره أو بشرته. قالوا: فيقاس على ذلك المحرم في الحج.
وهذا قياس مع الفارق أيضاً، فإن المضحي لا ينهى عن الطيب ولا ينهى عن كثير مما ينهى عنه المحرم في النسك، والعكس أيضاً فإن المحرم في النسك لا ينهى أن يأخذ شيئاً من بشرته بجرح أو نحو ذلك وينهى عن ذلك المضحي، فيثبت بينهما بالأدلة الشرعية فوارق وحيث ثبت ذلك فلا يصح القياس. قال: (ومن غطى رأسه بملاصق فدى) من غطى رأسه بشيء ملاصق كالعمامة أو الطاقية أو وضع على رأسه خباء فيستر رأسه أو نحو ذلك مما يغطي الرأس فإنه يفدي وقد فعل محظوراً من محظورات الإحرام. وتغطية الرأس في الجملة من محظورات الإحرام بإجماع العلماء، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: سئل ما يلبس المحرم من الثياب فقال: (لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس شيئاً من الثياب مسه ورس أو زعفران) (1) والشاهد قوله: " ولا العمائم ولا البرانس ". وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في الذي وقصته راحلته فمات: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) (2) فهذه الأدلة تدل على أنه لا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه سواء كان هذا المغطى لباساً معتاداً كالعمائم ونحوها أو كان غير معتاد كأن يضع على رأسه خماراً أو شيئاً من ذلك. فإن حمل على رأسه شيئاً فما الحكم؟ قولان لأهل العلم: مذهب الحنابلة والمالكية: أنه لا حرج في ذلك؛ لأنه لا يقصد به من ذلك الستر، فإن هذا الفعل لا يقصد منه في الأصل ستر الرأس وإنما يقصد منه حمل هذا الشيء.
مذهب الشافعية: أنه لا يجوز له هذا وأن عليه الفدية لأنه سترٌ وتغطية. والأصح هو الأول، لأن المقصود منه اللباس، ما يقصد به ستر الرأس وتغطيته وأما هنا فلا يقصد منه ذلك. فإن كان في محمل كأن يكون في هودج أو سيارة أو نحو ذلك أو كمن يحمل الشمسية فما الحكم في ذلك؟ المشهور في المذهب أنه لا يجوز له ذلك وعليه الفدية؛ قالوا: لأنه بحكم تغطية الرأس. 2- وذهب الشافعية إلى أن ذلك لا بأس به، واستدلوا بما ثبت في مسلم عن أم الحصين أنها حجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع قالت: (فرأيت أسامة بن زيد وبلالاً أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه فوق رأسه يستره من الحر حتى رمى الجمرة) رواه مسلم [صحيح مسلم بشرح النووي: المجلد الثالث: 9 / 45، 46] ثم إن هذا – بدليل هذا الحديث – ليس في حكم التغطية الملاصقة للرأس، فليس في حكم التغطية التي هي من جنس الملبوسات ألا ترى أن الشارع نهى المحرم أن يغطي بدنه بالقمص والسراويل ونحوهما وأمره أن يغطيها بالأُزر والأردية ونحو ذلك فهذا من جنس ذلك. فإنه ليس النهي عن مجرد التغطية، بل النهي عن التغطية الملاصقة التي هي بحكم الملبوسات. وقد أجمع أهل العلم على أن من دخل قبة أو داراً فإن ذلك جائز ولا فدية عليه. ودليل ذلك: ما رواه مسلم من حديث جابر وهو حديث طويل وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ضربت له قبة بنمرة) (1) . مسألة: هل يجوز للمحرم أن يغطي وجهه أم لا؟ روايتان عن الإمام أحمد: الرواية الأولى: وهي المشهورة عند الحنابلة: أنه يجوز له أن يغطي وجهه لعدم الدليل الوارد في النهي عن ذلك. قالوا: وأما الحديث الذي رواه مسلم وفيه: (ولا تغطوا وجهه) (2) - في حديث الذي وقصته راحلته فمات – فإن الحديث لا يصح إذ هو ليس في الرواية المتفق عليها.
الرواية الثانية: وهو مذهب الأحناف والمالكية: أنه لا يجوز له أن يغطي وجهه وهو من محظورات الإحرام، إلا أن الإمام مالكاً لا يرى فيه الفدية. واستدلوا: برواية: (ولا تغطوا وجهه) وهي ثابتة في صحيح مسلم في حديث الذي وقصته راحلته فمات وهي رواية ثابتة في مسلم ولا مطعن فيها. ثم إن القياس يدل عليها فإن أهل العلم نهوا المرأة عن تغطية وجهها إلا إن كان ثمت أجانب، ولا يجوز لها أن تغطي وجهها في خيمتها حيث لا يراها أجنبي، وإحرامها في وجهها – كما سيأتي بيانه – ولا فرق بين الرجل والمرأة في مثل هذه المسألة بل الرجل أولى فإن المرأة في الأصل واجب عليها أن تغطي وجهها عند الأجانب بخلاف الرجل فإنه لا يغطي وجهه مطلقاً فكان أولى بهذه المسألة. فالقياس يدل على ذلك، فإذا كانت المرأة منهية عن تغطية وجهها فالرجل أولى من ذلك. فالصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه وهو مذهب الأحناف والمالكية أنه لا يجوز للمحرم أن يغطي وجهه. قال: (وإن لبس ذكر مخيطاً فدى) المخيط هو الثوب المفصل على البدن أو على شيء منه. والواجب على المحرم أن يلبس إزاراً ورداءً، فنهى عن القمص والسراويلات ونحوها من الثياب المفصلة على البدن، ومثل ذلك الخفاف والجوارب. فإن لبس إزاراً ووضع فيه إبراً أو خيطاً أو شوكاً ونحو ذلك فأصبح على هيئة الملبوس – فإنه كما ذكر ذلك صاحب المغني وغيره – يكون قد فعل محظوراً من محظورات الإحرام لأنه حينئذٍ يكون في حكم المخيط، والنظر يقتضيه لأنه أصبح في حكم المخيط. مسألة: إن لم يجد نعلين فلبس خفين فهل يجب عليه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين؟ قولان لأهل العلم: القول الأول، وهو مذهب الجمهور: أنه يجب عليه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين. واستدلوا: بحديث ابن عمر المتقدم وفيه: (فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين) (1)
القول الثاني: وهو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم قالوا: لا يجب عليه ذلك بل يلبس الخفين ولا شيء عليه. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بعرفات فقال: (من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين) (1) قالوا: وأطلق النبي صلى الله عليه وسلم هنا فلم يأمر بقطع الخفين حتى يكونا أسفل من الكعبين. قال جمهور العلماء: هذا حديث مطلق وحديثنا حديث مقيد فيقيد المطلق بالمقيد. فأجاب الحنابلة وقالوا: حديثنا الذي استدللنا به قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ومعه المدنيون والمكيون وسائر الناس ممن حج من جهات كثيرة من العرب، وأما حديث ابن عمر الذي استدللتم به فإنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وفي مسند أحمد بإسناد جيد عن ابن عمر قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر أي منبره في المدينة) فالنبي صلى الله عليه وسلم حدث بحديث ابن عباس على مشهد الناس عامة وحدث بحديث ابن عمر على مشهد الناس خاصة، ولو كان واجباً قطع الخفين إلى أسفل الكعبين لبينه النبي صلى الله عليه وسلم في المشهد العام، فدل ذلك على أنه منسوخ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فيمتنع على النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث الناس بقيد في مجتمع خاص ثم يحدث بغير قيد في مجتمع الناس العام. وقد يقال: أنه إذا قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين فإنهما يكونان بحكم النعلين بل هما نعلان – وحينئذٍ – يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم من باب العزيمة، أما حديث ابن عباس فيكون من باب الرخصة.
فالصحيح ما ذهب إليه الحنابلة واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه لا يجب عليه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين. مسألة: حكم الهِمْيان والمِنطَقة؟ الهميان: هو ما يوضع فيه النقود مما يكون على الحقو. المنطقة: هو ما يوضع على الإزار فيشد به على الحقو. اختلف العلماء في حكمهما: قولان لأهل العلم – هما قولان في مذهب أحمد: الأول: أنه لا يجوز ذلك إلا أن يحتاج إليهما في النفقة. الثاني: وهو مذهب الجمهور: أنه يجوز مطلقاً سواء احتاج إليه في النفقة أم لا. وهذا القول أظهر؛ فإن المنطقة، والهميان كانت مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم فيها حكما، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ثم إن الهميان والمنطقة شبيهة بالنعلين ونحوهما من الألبسة فليست مما يفصل على العضو تاماً. ولا شك أنه إذا أمكنه أن يتخلى عنهما وأمكنه أن يشد إزاره بغير ذلك فإن هذا أولى وأحوط. وعلى قول الحنابلة: لو لبسهما لغير حاجة فقد فعل محظوراً وعليه الفدية، والصحيح مذهب الجمهور. مسألة: هل يجوز للمحرم أن يلبس الساعة ومثل ذلك الخاتم؟ الذي يظهر لي أنه لا بأس بذلك، وأن هذه من الأمور المشهورة وهي ليست من الألبسة التي تعم البدن أو عضواً منه كالألبسة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. فالأظهر الجواز وهي شبيهة بحكم المنطقة. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن طيب بدنه أو ثوبه) هذا محظور من محظورات الإحرام: الطيب. فمن طيب بدنه أو ثوبه فدى وهذا بالإجماع لأنه قد فعل محظوراً من محظورات الإحرام.
والدليل على أن الطيب من محظورات الإحرام، ما تقدم من حديث من وقصته راحلته فمات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تحنطوه) والحنوط أخلاط من الطيب، وفي رواية للبخاري: (ولا تقربوه طيباً) (1) قال: (أو أدهن بمطيب) إذا ادهن أو استعط أو اكتحل بشيء من الأدهان المطيبة كدهن ورد ونحو ذلك فإن عليه الفدية، لأنه قد قرب طيباً فإن هذا الدهن مطيب وحيث ادهن به فإنه يكون حينئذٍ قد مس طيباً، أما إذا ادهن بدهن ليس من الأدهان المطيبة فلا حرج في ذلك إجماعاً. قال: (أو شم طيباً) كذلك إذا شم الطيب قصداً فإن عليه الفدية؛ وذلك لأن المقصود من الطيب رائحته، وهذا يحصل بالشم فإذا شمه قاصداً فإنه يكون قد فعل هذا المحظور. فالمقصود من الطيب هو رائحته بدليل أنه لو مسه بيده وكان يابساً لا ينتقل إلى اليد بالمس كما لو مس قطع كافور أو نحو ذلك فإنه بالاتفاق ليس بفاعل لمحظور لأن اليد لم يعلق فيها شيء من الطيب فلا يؤثر هذا المس. وهنا: إن أكل أو شرب طعاماً فيه شيء من الأطياب كالزعفران أو نحوه؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: وهو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية قالوا: أنه يكون قد فعل محظوراً. قالوا: لأن المقصود هو الرائحة فإذا أكله أو شربه فظهرت الرائحة من فيه فإنه حينئذٍ يكون قد حصل المقصود من الطيب بخلاف ما لو ذهبت الرائحة بالطبخ فإنه لا حرج في ذلك إذ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. القول الثاني: وهو مذهب الأحناف والمالكية: أنه ليس بمحظور سواء وجدت الرائحة أم لم توجد لأنه استحال بالطبخ عن كونه طيباً إلى كونه مطعوماً. والقول الأول أظهر؛ لأن العلة فيه أصح والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
فسواء وضع الطيب على بدنه أو ثوبه أو أكل طعاماً فيه نوع من الأطياب فظهرت هذه الرائحة من فيه ولم يذهبها الطبخ بل بقيت ظاهرة في فيه فالأصح – حينئذٍ - أنه يكون قد فعل محظوراً لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والمقصود من التطيب هو الرائحة وقد ظهرت الرائحة من فيه. مسألة: وهنا: إن كان الطعام الذي قد أكله فيه رائحة طيبة ليست برائحة الأطياب، لكن هذا الطعام ليس طِيباً في الأصل بل فيه هذه الرائحة الطيبة فباتفاق أهل العلم أنه ليس بفاعل محظوراً من محظورات الإحرام وأنه لا بأس بذلك كأن يأكل فاكهة أو نحو ذلك. وليس معنى ذلك أنه لو استخرج من بعض الأطعمة طِيباً واتخذه الناس طِيباً أنه ليس طِيباً يقع - المكلف بقربه - في المحظور. بل متى اتخذ الناس شيئاً من الأطياب ولو كان من بعض الأطعمة كما يوجد الآن في الأطياب التي تكون من فاكهة أو نحوها فإن هذا طيب لأن الناس قد اتخذوه طيباً. لكن الرائحة الموجودة في بعض الأطعمة هذه لا حرج فيها ولا يكون قد فعل محظوراً، أما لو وضع الطيب في طعام وهو مما يتخذه الناس طيباً فلم يذهب بالطبخ بل بقيت رائحته ظاهرة فإنه حينئذٍ يكون قد فعل المحظور بقربه الطيب. قال: (أو يتبخر بعود أو نحوه) هنا كذلك لأن هذا تطيب والمقصود من التطيب الرائحة ولا شك أن البخور يبقي رائحة في الثياب وفي البدن. قال: (وإن قتل صيداً مأكولاً برياً أصلاً ولو تولد منه أو من غيره أو تلف في يده فعليه جزاؤه) المحظور السادس من محظورات الإحرام وهو قتل الصيد البري. والأصل في تحريم الصيد على المحرم قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم} (1) وقال تعالى: {أُحل لكم صيد البر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} (2)
فصيد البر محرم على المحرم، وقد بيَّن المؤلف الصيد الذي يحرم على المحرم فقال: " صيداً مأكولاً " فإذا كان الصيد غير مأكول فإنه ليس بمحظور، بل ليس بصيد فهذا القيَّد في الحقيقة قيد إيضاحي، وإلا فإنه من المعلوم أن غير المأكول لا يسمى صيداً اتفاقاً. " برياً ": هذا قيد يحتاج إليه فإن الصيد منه ما يكون برياً ومنه ما يكون بحرياً، وسيأتي استثناء الصيد البحري ودليله، فالصيد المحرم إنما هو الصيد البري. ويدخل في ذلك طائر البحر الذي يقع على البحر فإنه صيدٌ بريٌ إجماعاً. قال: " أصلاً ": هذا قيد يحتاج إليه، فإنه قد يكون الحيوان متوحشاً وهو في الأصل مستأنس كأن يتوحش إبل أو بقر ونحو ذلك قد سكن في البر وهو في الأصل من الحيوانات المستأنسة فهذا ليس بصيد اتفاقاً للنظر إلى أصله فإنه أصله أنه مستأنس وليس بصيد. والعكس بالعكس أيضاً: فإذا كان الحيوان برياً متوحشاً كغزال أو حمار وحشي أو نحو ذلك فهذا متوحش في الأصل فهو صيد فإذا استأنس فإنه يبقى صيداً برياً للنظر إلى أصله. فكونه مستأنس استئناساً طارئاً ويتوحش توحشاً طارئاً هذا لا يؤثر في أصله، فالنظر إنما هو إلى الأصل. " ولو تولد منه ومن غيره ": أي من المتوحش الذي هو الصيد وغيره من هو ليس بصيد تغليباً لجانب الحظر. فلو تولد هذا المصيد من حيوان متوحش وغيره كما يقع من التوالد بين مثلاً الفرس والحمار الوحشي فهذا المتولد منهما أهو صيدٌ أم لا؟ قال هنا: " ولو تولد منه ومن غيره " ظاهر كلام المؤلف الإطلاق والتعميم. والمسألة فيها تفصيل: فإن المتولد منه – أي من المصيد – وهو البري المصيد ومن غيره قسمان: القسم الأول: ما تولد من وحشي ومن حيوان مأكول. كأن يتولد من حمار وحشي ومن فرس فإنه حينئذٍ يكون مأكولاً لأن أصلَيْه مأكولان.
فإذا صيد فإنه – تغلباً لجانب الحظر – لأن أحد المتولد منهما صيد وهو الحمار الوحشي فتغليباً لجانب الخطر إن صيد فعلى من صاده الجزاء وقد فعل محظوراً من محظورات الإحرام، وهذا مذهب أكثر أهل العلم تغليباً لجانب الخطر. القسم الثاني: أن يتولد من الوحشي ومن غير الوحشي لكنه غير مأكول، كأن يتولد مثلاً من حمار وحشي وحمار أهلي. فظاهر كلام المؤلف – وهو المذهب – أنه إذا صيد ففيه الجزاء، وهذا فيه نظر؛ لأنه محرم الأكل فإن أحد أصليه غير مأكول وما كان كذلك فإنه محرم الأكل؛ وبهذا يقول الحنابلة تغليباً لجانب الخطر ومع أنه غير مأكول عندهم – مع ذلك - قالوا: بأنه لا يجوز صيده ومن فعل فعليه الجزاء. وهذا فيه نظر، ذلك لأنه ليس بصيد إذ الصيد هو المأكول وهذا ليس بمأكول وبهذا قال بعض الحنابلة. قال: (أو تلف في يده) فإذا أمسك رجل صيداً فلم يقتله لكنه بحبسه إياه قتله فتلف في يده فإن عليه الضمان وهو الجزاء لأنه بإمساكه له يكون قد قتله فقد أتلفه في حال إحرامه. بل إذا أشار إلى أحد بقتله أو أعان أحداً ولو بإعطائه السلاح أو أمر أحداً بقتله فإنه إن فعل ذلك فقد فعل المحظور وعليه الجزاء، وإن كان هذا المشار إليه أو المعان أو المأمور بالقتل حلالاً – أي ليس بمحرم -. ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين في قصة صيد أبي قتادة الحمار الوحشي وكان حلالاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه – وكانوا محرمين -: (هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء) فقالوا: لا فقال: (فكلوا مما بقي من لحمه) (1) وثبت في الصحيحين أنه قال لهم: (ناولوني السوط فقالوا: والله لا نعينك عليه بشيء) .
فإذا أعان أو أشار أو أمر فلا يحل له أن يطعم منه شيئاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد رتب جواز الأكل على السؤال المتقدم فقال: (هل أحد منكم أمره أو أشار إليه بشيء) فلما قالوا لا قال: (فكلوا مما بقي من لحمه) كذلك لا يحل له أن يأكل منه إن صيد من أجله، لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: لما أهدى إليه الصَّعب بن جَثَّامة حماراً وحشياً وكان صلى الله عليه وسلم بالأبواء أو بودَّان فرده عليه وقال: (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم) (1) وثبت عند الخمسة إلا ابن ماجه والحديث حسن - إن شاء الله - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم) (2) وله شاهد من قول عثمان كما في الموطأ بإسناد صحيح أنه رضي الله عنه: (أهدي إليه صيد فقال: لأصحابه كلوا فقالوا: وأنت ألا تأكل؟ فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي) (3) . وهذا مذهب جمهور العلماء. فلو اشترى صيداً مذبوحاً لم يصد من أجله فلا بأس بأكله، أو أُهدي إليه صيد من غير أن يُتقصد في الأصل بالصيد فلا حرج في ذلك. وإن صاد المحرم صيداً فإنه بحكم الميتة له ولغيره، فهو ميتة، وهذا باتفاق العلماء لقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} فسماه تعالى قتلاً، فدل على أنه ميتة. قوله: " فعليه جزاؤه " سيأتي بيانه في الكلام على الفدية. قال: (ولا يحرم حيوان إنسي)
الحيوان الإنسي كأن يذبح إبلاً أو شاة فلا بأس بذلك بإجماع العلماء لأنه ليس بصيد، فالحيوان الإنسي المأكول ليس بصيد فإذا ذبح فلا حرج في ذلك. قال: (ولا صيد البحر) فصيد البحر لا يحرم على المحرم بالإجماع. إلا ما اختلف فيه أهل العلم من صيد البحر إن كان في الحرم وسيأتي ذكره، وقد قال تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} قال: (ولا قتل محرم الأكل) لا يحرم قتل محرم الأكل، فيجوز له ذلك، فلا تعلق للإحرام بقتل شيء من غير مأكول اللحم، وإنما الحكم يتعلق بمأكول اللحم هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية وأن الإحرام لا دخل بشيء من قتل ما هو غير مأكول اللحم. وذهب المالكية: إلى أنه يحرم عليه ذلك وعليه جزاؤه. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم: العقرب والحدأة والغراب - زاد مسلم: الأبقع - والفأرة والكلب العقور) (1) وفي رواية في الصحيحين: (من قتلهن فلا جناح عليه) والمسألة في الأصح من قولي العلماء فيها تفصيل: فيقال: أما هذه التي أمر الشارع بقتلها فإنه لا شك بجواز قتلها وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، فهو خارج عن محل النزاع. ويقاس عليها في المشهور عند أهل العلم كل ما هو مؤذٍ، فكل ما يتأذى منه الآدمي وفيه عدوان وأذية كالحية ونحو ذلك فإن هذا يقاس على الخمسة المذكورة في الحديث فتقتل. وإنما محل النزاع في هذه المسألة ما ليس كذلك – أي ليس من هذه الخمس المذكورة في الحديث ولا مما يقاس عليها مما فيه أذية وعدوان – ففيه لأهل العلم قولان:
1- مذهب الحنابلة والشافعية: أنه يجوز قتلها ولا أثر للإحرام في شيء من ذلك، لكن مذاهبهم تدل على أنهم لا يريدون التعميم بل يستثنون من ذلك ما دلت الأدلة الشرعية على النهي عن قتله كالضفدع ونحو ذلك. وإنما مرادهم أنه لا تعلق للإحرام. بمعنى: أن الإحرام لا يحرم عليه القتل أما إن كانت هناك أدلة شرعية تحرم فإن المحرم هو تلك الأدلة وليس هو الإحرام. بمعنى: أن الإحرام لا يحرم عليه قتل الصيد البري. 2- وذهب المالكية إلى أن عليه فدية إن قتله، ويكون قد فعل محظوراً من محظورات الإحرام. واستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا جناح عليكم في قتلهن) فإن مفهومه إثبات الجناح في قتل غيرهن. وما ذهب إليه المالكية أصح، لكن في غير الفدية. فالصحيح أنه لا يجوز له القتل وهو محرم لمفهوم هذا الحديث، فإن هذا الحديث مفهومه تحريم ذلك، لأنه قال: (يُقتلن في الحل والحرم) ومفهوم ذلك أن غيرهن لا يقتل في الحل ولا في الحرم. وكذلك قوله: (لا جناح) مفهومه يدل على إثبات الجناح في قتل غيرهن. وأما إثباتهم الفدية أو الجزاء فهو محل نظر، فإن الله عز وجل إنما أثبته في الصيد فقال تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم} وهذه التي قلنا بتحريم قتلها على المحرمين ليست من الصيد إذ هي ليست بمأكولة، فلا تدخل في هذه الآية وإنما هي داخلة في الحديث المتقدم. فالراجح: وهو قول في مذهب الإمام أحمد: أنه لا يجوز للمحرم أن يقتل شيئاً إلا أن يكون فيه أذية وعدوان، لكن إن قتله فلا جزاء عليه، لكنه يكون قد فعل محرَّماً. ويضمن ما دل عليه أو أشار إليه. وقال بعض الحنابلة: لا يضمن، ويحرم. قال: (ولا الصائل)
فإذا صال شيء من الصيد عليه أو على شيء من ماله أو نحو ذلك فخشي الضرر واحتاج إلى قتله وعلم أنه لا يندفع هذا الضرر المظنون في بدنه أو ماله أو نحو ذلك، إلا بقتل هذا الصيد فإنه يجوز له أن يقتله دفعاً للصائل. باتفاق أهل العلم، وذلك لأنه باعتدائه التحق بالحيوانات المؤذية المعتدية التي أمر الشارع بقتلها كالكلب العقور المؤذي الذي يجرح. ولا جزاء في قتله لأن فعله بإذن شرعي وما ترتب على المأذون فليس بمضمون. لكن إن قتله مضطراً إلى أكله كأن يضطر إلى الطعام ولا طعام فاضطر إلى أن يقتل الصيد فيأكله فعليه الجزاء، لكن هذا الفعل جائز منه. وإنما قلنا بالجزاء هنا ولم نقل به هناك لأن قتله هنا لمصلحة له، أما هناك فهو دفع مفسدة. كما أن من حلق رأسه لدفع الأذى عن رأسه كان عليه الفدية بنص القرآن فكذلك من قتل الصيد لمصلحة نفسه فعليه الجزاء لأن هذا لمصلحة نفسه. والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويحرم عقد نكاح ولا يصح ولا فدية) فلا يجوز للمحرم أن يعقد نكاحاً لا لنفسه ولا أن يكون ولياً أو وكيلاً عن غيره، فلا يحل للمحرم أن يكون أحد المتعاقدين في النكاح سواء كان أصالة عن نفسه كالزوج البالغ الذي ينكح نفسه أو كان ذلك بوكالة عن غيره أو ولاية على ابنة له أو ابن أو نحو ذلك، فلا يحل له أن يعقد لنفسه (1) بالنكاح. ولا يدخل في هذا ما إذا كان شاهداً أو من يكون قائماً على عقد النكاح من القضاة أو غيره فإنه لا بأس أن يكون محرماً. إلا أن يكون أحد المتعاقدين محرماً فلا تحل الشهادة ولا يحل لأحد من أهل الشرع أن يعقد لهما. فالمراد هنا: أن يكون أحد المتعاقدين أو من ينوب عنهما بوكالة أو ولاية، أن يكون محرماً، فهو لا يجوز والنكاح باطل.
ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم عن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينكح المحرم) أي لا يعقد لنفسه (ولا يُنكح) أي لا يعقد لغيره بولاية أو وكالة أو نحو ذلك (ولا يخطب) (1) . فهذه أمور محرمة، وذلك لأنها من مقدمات الجماع، وقد قال تعالى في كتابه الكريم: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} والرفث: هو الجماع ومقدماته. وأما كونه يبطل – أي النكاح – فللنهي عنه، والقاعدة: أن المنهي عنه فاسد أو باطل إلا أن يدل دليل على تصحيحه. وقد ثبت في الموطأ: أن رجلاً تزوج وهو محرم فرد عمر نكاحه " (2) أي أبطله أو أفسده، وقد ذهب جمهور العلماء إلى ذلك. وذهب الأحناف إلى أن النكاح يصح ولا حرج فيه. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين: عن ابن عباس: قال (تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم) (3) قالوا: ففعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك يدل على جوازه. والجواب عن هذا أن يقال: إن ابن عباس في هذه الرواية الصحيحة عنه قد خالف صاحبة القصة وهي ميمونة، وخالف السفير بينهما وهو أبو رافع. فقد ثبت في مسلم عن ميمونة قالت: (تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وهو حلال) (4) .
وفي المسند وسنن الترمذي بإسناد صحيح قال: (تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما) (1) . فلا شك أن روايتهما أولى من رواية ابن عباس، فإنه لم يكن صاحب القصة، ولم يكن الرسول بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين صاحبة القصة ومعلوم أن صاحب القصة روايته أصح ممن يرويها عنه.وأيضاً من له اتصال بالقصة كأبي رافع أولى ممن ليس له اتصال كابن عباس. أضف إلى ذلك أن ابن عباس قد تحمل هذه القصة ولم يكن بالغاً ولا شك أن من تحملها وهو بالغ كميمونة وأبي رافع أولى وأصح ممن تحملها وهو غير بالغ وإن كان رواية غير البالغ تحملاً لا أداء صحيحة، لكن هذا حيث لم يخالف رواية من بلغ. فعلى ذلك: هو وهمٌ من ابن عباس كما قال ذلك الإمام أحمد وغيره. ولا يؤثر هذا في رواية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن روايتهم على التصحيح مطلقاً، ومن حفظ الله للشريعة أنه إن كان من وهم مع صحة السند إلى الصحابي فإنه يثبت عن صحابي آخر ما يبين الوهم منه حفظاً من الله عز وجل للشريعة كما في هذا المثال في هذه المسألة. وجمع بعض أهل العلم بين حديث ابن عباس وحديث ميمونة: بأن مراد ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة، وهو في البلد الحرام أو في الشهر الحرام، كما قال الشاعر: * قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً * ولم يكن محرماً بحج أو عمرة وإنما كان في البلدة الحرام أو في الشهر الحرام، فالمقصود أن الراجح ما حدثت به ميمونة عن نفسها، ويمكن أن يجاب عن حديث ابن عباس بالجمع المتقدم الذي ذكره بعض أهل العلم – والله أعلم –. إذاً: الصحيح أن المحرم لا يجوز له أن ينكح ولا أن ينكح.
" ولا فدية ": فإذا حدث منه ذلك فالنكاح باطل، ولا فدية عليه لأنه لا دليل على الفدية، ولأن الأصل براءة الذمة منها. فإن الفدية تتعلق بالذمة، والأصل براءة ذمة المكلف إلا بدليل يدل على شغلها، وهنا الذمة خالية فإشغالها يحتاج إلى دليل ولا دليل وكذلك في الحديث المتقدم لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الفدية وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وكذلك عمر لما أفسد نكاح من تزوج وهو محرم لم يأمره بالفدية. قال: (وتصح الرجعة) فإذا طلق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً – لا طلاقاً بائناً يحتاج إلى عقد جديد، بل طلقها طلاقاً رجعياً – فإذا راجعها قبل انتهاء عدتها فلا بأس بذلك وإن كان محرماً؛ وذلك لأن الرجعة إمساك وليست بنكاح مبتدأ، فلا حرج فيها وهو مذهب جمهور العلماء. لكن لو بانت منه فلا يحل له أن يعقد عليها وهو محرم لأن ذلك ابتداء نكاح. والخطبة هل تصح أم تحرم؟ قولان، أظهرهما التحريم؛ لتحريم مقدمات الجماع، وهو قول ابن عقيل. قال: (وإن جامع المحرم …) الجماع من محظورات الإحرام قال تعالى: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} والرفث: هو الجماع ومقدماته. والفسوق: اسم للمعاصي كلها. الجدال: هنا الجدال بغير حق إما بغير علم أو أن يجادل في الحق بعد ما تبين له، فالمراد به: المراء بغير حق. وقد أجمع العلماء – خلافاً لبعض المذاهب الشاذة – أجمعوا على أنه ليس شيء من محظورات الإحرام مفسداً للحج سوى الجماع، فقد أجمعوا على أنه مفسد للحج إن كان قبل التحلل الأول، وأما إذا كان بعد التحلل الأول فلا يفسده اتفاقاً. قال هنا: (وإن جامع المحرم قبل التحلل الأول فسد نسكهما ويمضيان فيه ويقضيانه ثاني عام)
" فسد نسكهما " أي المجامِع والمجامَع، فكل وطءٍ سواء كان وطأً في الأصل مباح كوطء الرجل زوجته، أو محرم كالوطء في قبل أو دبر محرم كل ذلك يدخل في الجماع المفسد للحج. وسيأتي البحث إن شاء الله في النسك الذي يثبت به التحلل الأول وأن أصح أقوال العلماء في ذلك: أن ذلك برمي جمرة العقبة يوم النحر. فعلى هذا القول – وهو الراجح – فإذا جامع قبل رمي الجمار فإن الحج يفسد ولا يجزئه عن حجة الإسلام، ويمضي فيه فيجب عليه الاستمرار فيه وهذا من جنس الاستمرار في الصوم فإن الصائم إذا أفطر بحيث لا يجوز له أن يفطر فإنه يمسك فيما بقي كما تقدم، وهنا كذلك فيمضي في الحج وهو حج فاسد ويجب عليه أن يقضيه في العام المقبل وجوباً على الفور لأنه أصبح فرضاً عليه وحيث كان كذلك وجب عليه أن يحج من العام المقبل ويجب أن ينحر بدنة (بعيراً أو بقرة) . فدليل ذلك آثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وحديث مرسل، أما الآثار فهي عن ابن عباس وابن عمر وابن عمرو، كما ثبت ذلك عنهم في البيهقي: أن ابن عباس: (سئل عن الجماع قبل التحلل الأول؟ فقضى بفساد نسكهما ومضيهما فيه وأن يحجا عاماً آخر وأن يهديا كل واحد منهما بدنة) ونحوه عن ابن عمر وابن عمرو، والإسناد جيد ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعاً. وأما الحديث المرسل فقد رواه ابن وهب بسند جيد إلى سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قضى بذلك) ومراسيل سعيد بن المسيب أصح المراسيل. هذا إن كان قبل التحلل الأول. وأما إذا جامع بعد التحلل الأول: فإن إحرامه يفسد في المشهور من المذهب وعليه شاة. فيفسد إحرامه، فحينئذٍ يذهب إلى التنعيم أو إلى موضع آخر من الحل فيحرم منه إحراماً جديداً ثم يأتي ببقية أعمال الحج، وعليه أن يذبح دماً فيذبح شاة، وهذا المشهور في المذهب.
ونازع بعض الحنابلة في الاكتفاء بإفساده للإحرام وقالوا: بل الواجب عليه أن يعتمر وهو المنصوص عن الإمام أحمد وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام. بمعنى: أنه يجب عليه أن يذهب إلى التنعيم أو موضع آخر من الحل فيهل بعمرة فيطوف ويسعى ويقصر ثم يأتي ببقية أعمال الحج. ونازع الشافعية كونه يكتفي بأن يذبح شاة وقالوا: عليه بدنة. قالوا: لأنه جماع في الحج فأشبه الجماع قبل التحلل الأول وهو ما زال محرماً بالحج ولم يثبت له التحلل التام فحينئذٍ يجب عليه أن ينحر بدنة. وأما الحنابلة فقالوا: إنما أوجبنا عليه شاة لأنه جماع لم يفسد الحج فلم يجب فيه بدنة. والصحيح ما ذهب إليه الشافعية في المسألة الثانية، وما اختاره شيخ الإسلام في المسألة الأولى وهو المنصوص عن الإمام أحمد. ودليل ذلك: ما ثبت في الموطأ بإسناد صحيح: أن ابن عباس سُئل عمن جامع امرأته بعد التحلل الأول فقال: (يعتمر ويهدي) وفي رواية: (يعتمر وينحر بدنة) (1) ولا يعلم له مخالف. فعلى ذلك: الراجح: أن الرجل إذا جامع امرأته - أو جماعاً محرماً - بعد التحلل الأول فيجب عليه أن يعتمر فيذهب إلى الحل فيحرم بعمرة ثم يأتي فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر ثم يأتي بعد ذلك ببقية أعمال الحج وعليه بدنة. وهذا للأثر الصحيح عن ابن عباس الذي لا نعلم له فيه مخالف فإنه قضى على من جامع بعد التحلل أنه يعتمر وظاهر ذلك أنه اعتمار حقيقي تام، وهو الجامع للإحرام من الحل والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة والتقصير. وأما إذا جامع في العمرة:
فإن جامع قبل طوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة ففيه ما تقدم من الجماع قبل التحلل الأول: فعمرته فاسدة وعليه أن يتمها وأن يعتمر من قابل وعليه بدنة كالحج تماماً، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، ولها أحكام الحج بالاتفاق في مسائل المحظورات والفدية وغير ذلك. وأما إذا كان الجماع بعد الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وقبل التقصير فإن العمرة صحيحة وعليه أن يذبح شاة فما فوقها. فقد ثبت في البيهقي بإسناد صحيح: أن ابن عباس قال لمن جومعت قبل أن تقصر أي بعد طوافها بالبيت وسعيها بين الصفا والمروة، قال لها: (أهريقي دماً، فقالت: أي دم؟ فقال: (بدنة أو بقرة أو شاة) قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: (بدنة) فالشاهد أنه قضى بأنه يجزئ عنها أن تذبح شاة فقد خيرها بين أن تنحر بدنة أو بقرة أو أن تهدي شاة ولا يعلم له مخالف. قال: (وتحرم المباشرة) المباشرة هي: الاجتماع مع المرأة أو نحوها بما دون الجماع أي دون الوطء بقبل أو دبر، وهي محرمة اتفاقاً قال تعالى: {فلا رفث} والرفث: هو الجماع أو مقدماته. ولأن الشارع نهى المحرم عن عقد النكاح فالنهي عن المباشرة أولى وهذا باتفاق العلماء. قال: (فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه) فإذا باشر فأنزل فإن الحج لا يفسد، وذلك لأن الأصل في المحظورات أن فاعلها لا يفسد حجه، ولا نص ولا إجماع يدل على الإفساد بالمباشرة. فالإجماع والآثار عن الصحابة إنما دلت على أن الجماع مفسد ولم تدل على المباشرة، والأصل في محظورات الإحرام ألا تفسد النسك. فليست المباشرة بمعنى الجماع ولم ينص عليها ولا إجماع على ذلك، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُفسد نسك من نكح وهو محرم، فكذلك المباشرة. قال: (وعليه بدنة) هذا هو المشهور في المذهب، وهذا من باب القياس على الجماع، فكما أن الجماع تجب فيه بدنة فكذلك المباشرة إذا أنزل فيها فيجب فيها بدنة بجامع الإنزال.
وذهب الشافعية وهو أصح: إلى أنه لا يجب عليه بدنة، بل الواجب عليه فدية الأذى إما أن يذبح شاة أو أن يطعم ستة مساكين أو أن يصوم ثلاثة أيام، وهذا أرجح، فلا دليل على وجوب البدنة، ومحظورات الإحرام لا يجب فيها الدم وإنما يجب فيها الفدية حيث دل الدليل على الفدية فيها، أو كانت بمعنى ما دل عليه الدليل فالأصح مذهب الشافعية وأن من باشر فأنزل فعليه فدية الأذى، وأما البدنة فلا دليل يصار إليه في هذه المسألة، ولم أر آثاراً عن الصحابة يصح في هذا الباب. أما إذا لم ينزل: فقال الحنابلة: عليه أن يذبح شاة. وقال الشافعية: عليه فدية الأذى، وهو أصح ما تقدم. قال: (لكن يحرم من الحل لطواف الفرض) ذِكْر المؤلف لهذا فيه إشكال، فإن المذهب ما تقدم ولا يحضرني كلاماً لهم في أن من باشر فيجب عليه أن يحرم، ولعل هذا إدخال للمسألة التي لم تذكر هنا، وهي إذا ما جامع بعد التحلل الأول فإنه يحرم من الحل لطواف في الفرض في المشهور من المذهب، وتقدم أن الراجح أنه يعتمر اعتماراً تاماً (انظر الدرس الذي بعده) . واعلم أن ما دون المباشرة من القبلة والمس ونحو ذلك للمرأة بشهوة أن ذلك كله محرم ومحظور من محظورات الإحرام - فإن ذلك من مقدمات الجماع – ومقدمات الجماع داخلة في الرفث المنهي عنه. فإن فعل فعليه – في الأصح – فدي الأذى – على القول بإثبات الفدية عليه – فإن الأصح أنه لا يجب عليه دم خلافاً لبعض الحنابلة، والراجح أن عليه فدية الأذى كما هو المشهور عند الشافعية. فعلى ذلك: يدخل في الرفث الجماع والمباشرة وما دونها من القبلة أو المس أو تكرار النظر حتى يمذي أو ينزل أو نحو ذلك فكل ذلك داخل في الرفث المنهي عنه. مسألة: من أفسد عمرته، فهل يهل بها من الحل أو من حيث أهل (1) ؟ أما آثار الصحابة في هذا: فان ابن عباس ذكر – كما في البيهقي -: (أنهما يهلان بها من حيث أهلاَّ)
فالأظهر أنه يهل بها كما وجبت عليه لأن هذا من باب القضاء والقضاء يحكي الأداء. مسألة: إذا كانت المرأة مكرهة على الجماع فهل يفسد حجها؟ الظاهر في المذهب هو فساد نسكها، وأن البدنة على من أكرهها (انظر آخر باب الفدية) [انظر ص67] والراجح في هذه المسألة: أن نسكها لا يفسد لأنها مكرهة، ومن فعل شيئاً من المحظورات مكرها فإنه لا يترتب عليه حكم، بل هو كما لو لم يفعله، فإن المحظور ينهى عنه حيث كان ذلك بتعمد من المكلف أما إن كان من غير تعمد فإنه في حقيقة أمره ليس بمخالف للشرع. فالصحيح أنها إذا أُكرهت فلا شيء عليها ولا يفسد نسكها. والحمد لله رب العالمين. تقدم ذكر محظورات الإحرام وهي تسعة: 1- حلق الشعر ... ... 2- تقليم الأظافر 3- تغطية الرأس والوجه ... …4- لبس المخيط للذكر 5- مس الطيب ... ... 6- قتل الصيد … 7- عقد النكاح ... ... 8- الجماع 9- المباشرة تقدم الإشكال في قول المؤلف: (لكن يحرم من الحل لطواف الفرض) وقد تقدم أن في هذه العبارة نظراً وأنها في مسألة لم يذكرها المؤلف - وهي مسألة الجماع بعد التحلل الأول – ورأيت ذلك مذكوراً في الروض المربع في شرح زاد المستقنع، وأن المؤلف أدخل هذه المسألة على المسألة المذكورة في المتن، وهذا الإدخال عن طريق الوهم أو الخطأ. قال: (وإحرام المرأة كالرجل) إجماعاً فالمرأة فيما يحرم عليها هي كالرجل في كل ما تقدم من المحظورات فليس لها أن تتطيب وليس لها أن تقتل الصيد وليس لها أن يُعقد نكاحاً تكون طرفاً في هذا العقد وكذلك الجماع والمباشرة، فكل ما تقدم من المحظورات ليس مختصاً بالرجل وإنما هو للمرأة أيضاً وهذا بإجماع العلماء، إلا ما سيأتي استثناؤه. قال: (إلا في اللباس) فالمرأة في اللباس ليست كالرجل. فقد تقدم أن الرجل ينهى عن لبس المخيط من قميص وعمامة وسراويل وغير ذلك.
أما المرأة فحكمها بخلاف الرجل فلها أن تلبس من الثياب ما شاءت من المعصفرة أوغيرها من الألوان، فليس حكمها كحكم الرجل في أنها لا يجوز لها أن تلبس المخيط، فعلى ذلك تلبس الخفاف والجوارب والسراويل والقمص ونحو ذلك. وهذا بإجماع العلماء وقد ثبت في البيهقي بإسناد صحيح: أن عائشة قالت: (المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً فيه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تتلثم وإن شاءت أسدلت ثوبها على وجهها) قال: (وتجتنب البرقع والقفازين) والبرقع: مشهور معروف فتتجنبه المرأة، وتجتنب القفازين وهما أيضاً مشهوران، فالبرقع للوجه، والقفازين لليدين. ودليل ذلك: ما ثبت في البخاري من حديث ابن عمر المتقدم وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) (1) والنقاب معروف: وهو غطاء للوجه يكون الاعتماد فيه على الأنف وأولى منه بالحكم البرقع، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما نص على النقاب ليدخل في ذلك بظهور ووضوح فإنه أولى منه في هذا الحكم. إذاً: تجتنب المرأة اللباس المختص بالوجه كالبرقع والنقاب وتجتنب أيضاً اللباس المختص بالكفين وهما القفازان. قال: (وتغطية وجهها) أي تجتنب المرأة المحرمة تغطية الوجه، فليس لها أن تغطي وجهها وإن كان ذلك بغير البرقع والنقاب، كأن تسدل ثوبا على وجهها كما هو مشهور عندنا. فليس لها أن تغطي وجهها إلا أن يكون هناك أجنبي فإنها تغطي وجهها عنه، أما إن لم يكن هناك أجنبي كأن تكون في هودجها، أو خيمتها أو أن يكون معها محارمها فحسب فإنه ليس لها أن تغطي وجهها فإن فعلت فقد فعلت محظوراً من محظورات الإحرام.
ودليل ذلك: - أي تغطية المرأة وجهها إن كان هناك أجانب – فقد ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن أسماء بنت أبي بكر قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال ونمتشط قبل ذلك في الإحرام) وفي موطأ مالك عن فاطمة بنت المنذر قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر) . وفي المسألة أثر مشهور لكن في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف الحديث، وهو ما رواه أبو داود عن عائشة قالت: (كان الركبان ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا حاذونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها فإذا جاوزونا كشفت) (1) وقد تقدم الاستدلال بالأثرين المتقدمين، وكذلك ما تقدم عن عائشة وهو قولها: (فإن شاءت أسدلت ثوبها على وجهها) فهذه آثار عن هاتين الصحابيتين ولا نعلم لهما مخالف في هذه المسألة. أما مسألة: أن المرأة إن لم يكن هناك أجنبي فلا يجوز أن تغطي وجهها ويجب أن تدعه مكشوفاً: فدليل ذلك: عند أهل العلم قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: (ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) قالوا: فهذا الحديث يدل على أن المرأة إحرامها في وجهها، وأنه ليس لها أن تغطي وجهها بالنقاب، وذكر النقاب إشارة إلى غيره مما يغطى به الوجه. وقد صح عن ابن عمر – كما في البيهقي – بإسناد صحيح: أنه قال: (إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه) وهذا المذهب هو مذهب فقهاء الأمصار، حتى قال الموفق: (لا يعلم بين أهل العلم في هذه المسألة خلاف) فهي مسألة متفق عليها عند أهل العلم. ولكن ذهب بعض فقهاء الحنابلة إلى إطلاق جواز السدل، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام، واختيار تلميذه ابن القيم: وأنه يجوز لها أن تسدل جلبابها على وجهها مطلقاً سواء كان ذلك في حضرة الأجانب أم لا.
قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الألبسة المختصة بالوجه كالنقاب والبرقع، وأما مجرد تغطيته بأي شيء كأن تسدل ثوبها على وجهها فإنه لا حرج في ذلك. وأنكر شيخ الإسلام ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (إحرام المرأة في وجهها) وقال: " إنما هو قول لبعض السلف "، وهو كما قال فإنه قد رُفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولا يصح، وأما قول شيخ الإسلام: أنه قول لبعض السلف. فنعم هو لبعض السلف، لكنه ليس كأي أحد من السلف بل هو إلى ابن عمر ممن يحتج بقوله حيث لم يكن له مخالف ولم يخالف السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. إذا علم الخلاف في هذه المسألة: فليعلم أن منشأ الخلاف في هذه المسألة – أي باعث الخلاف – هو: هل الشارع نهى المرأة عن النقاب والبرقع لكون النقاب والبرقع لباساً مختصاً بالوجه [فيشبه القميص في حق الرجل] وحينئذٍ لا يحرم على المرأة إلا اللباس المختص به، أم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النقاب والبرقع لكونه غطاءً للوجه فيحرم عليها كل غطاء وكل تغطية؟ أما الجمهور فقد سلكوا المسلك الثاني. أما شيخ الإسلام في ظاهر قوله، وهو قول ابن القيم ومذهب بعض الحنابلة فقد سلكوا المسلك الأول. قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن اللباس المختص بالوجه وهو النقاب والبرقع، ولم يمنع من تغطية الوجه فأشبه ذلك المحرم فإنه ينهى أن يلبس القميص ويجوز له أن يغطي بدنه بإزار ورداء. وأما الجمهور فقالوا: - كما تقدم – أنه نهى عن التغطية مطلقاً. ومسلك الجمهور أصح مما ذهب إليه بعض الحنابلة.
فإن النساء في اللباس لسن في حكم الرجال، فإن المرأة يجوز لها أن تلبس القمص وأن تغطي رأسها بالألبسة المختصة بالرأس وتلبس الخفاف والجوارب ونحو ذلك، فليست كالرجل، فلا يحرم عليها شيء من الألبسة، ولو كان المقصود من النهي عن البرقع والنقاب أنه لباس لجاز لها كسائر الألبسة، فدل على أن المقصود من ذلك إنما هو تغطية الوجه. ولأن الغالب في النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهن يضعن ألبسة مختصة بتغطية الوجه، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. كما أنه لما سئل عما يلبس المحرم نهى عن العمائم، ولم يكتف بذلك عند أهل العلم بل قالوا: وإن غطى رأسه بخرقة فإنه لا يجوز له ذلك فالمقصود النهي عن تغطية الرأس. ثم إن قول ابن عمر صريح في ذلك، فإنه قال: (إحرام المرأة في وجهها) ولا نعلم أثراً صريحاً يخالف أثره. وأما قول عائشة: (فإن شاءت أسدلت ثوبها على وجهها) فإنه من المعلوم أن المرأة لا تسدل ثوبها على وجهها إلا أن كان هناك أجنبي، وإلا فإنها لا تشاء ذلك أصلاً إلا على أحوال نادرة، على أن هذا ليس صريحاً في المخالفة كما تقدم. إذن: الراجح مذهب جماهير العلماء وقد حكى اتفاقاً أن المرأة إحرامها في وجهها، فإذا غطت وجهها من غير حاجة فإنها تكون فاعلة محظوراً من محظورات الإحرام. فرعٌ: إن غطت المرأة وجهها فهل يجب عليها أن تضع عوداً أو شيئاً من ذلك يمنع مسَّ هذا الثوب لوجهها؟ قال بعض فقهاء الحنابلة وهو القاضي من الحنابلة: يجب عليها ذلك فإن مسَّ هذا الثوب شيئاً من بشرة الوجه فإن عليها الفدية. وأنكر هذا الموفق، وبيَّن أن كلام الإمام أحمد لا يدل عليه، وأن الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على ذلك، وبيَّن رحمه الله أن المسدول في الغالب لابد أن يمس الوجه، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان يدل على اشتراط ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام، وهذا هو الراجح.
قال: (ويباح لها التحلي) فيجوز للمرأة أن تتحلى فتلبس السوار والقرط ونحو ذلك والخاتم ونحو ذلك من الحلي كل ذلك جائز إذ لا دليل يدل على منعه بل إلحاقه باللباس ظاهر، فلا حرج في ذلك. وهنا مسائل فيما يباح للمحرم: المسألة الأولى: يباح للمحرم أن يتاجر في حال إحرامه وأن يصنع ويتكسب ولا خلاف بين العلماء في ذلك، وقد قال تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} . المسألة الثانية: أنه لا بأس بالاغتسال للمحرم، وقد ثبت في الصحيحين أن أبا أيوب الأنصاري: (سئل عن الغسل للمحرم؟ فأمر أن يصب على رأسه الماء فصب على رأسه الماء فجعل يحرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، وقال: هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل) (1) أي وهو محرم. وقد قال ابن عباس – كما في البخاري معلقاً -: (ويدخل المحرم الحمام) (2) أي المغتسل. ولا بأس أن يغتسل بسدر أو صابون - غير مطيب – أو قطمي ونحوه من المنظفات لا بأس بذلك، ودليله ما تقدم في من وقصته راحلته فمات وهو محرم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر) (3) مع كونه نهى أن يخمر وأن يمس طيباً، ومع ذلك فقد أمر أن يغسل بماء وسدر فدل على أن السدر ونحوه من المنظفات ليس من محظورات الإحرام. المسألة الثالثة: أنه لا بأس من أن يحك رأسه أو بدنه، وفي البخاري معلقاً: (ولم ير ابن عمر وعائشة في الحك بأساً) (4) المسألة الرابعة: أنه لا بأس أن يقتل القمل ولا فدية في ذلك وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد. وذهب المالكية إلى أنه يحرم قتله وفيه الفدية.
أما ما ثبت في الصحيحين: من أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الفدية على كعب بن عجرة (1) ، فإن ذلك ليس للقمل الذي في رأسه، وإنما ذلك لحلقه الرأس. وكذلك لأنه مؤذٍ فأشبه ما تقدم مما يقتل في الحل والحرم. المسألة الخامسة: فيما يباح للمحرم: أنه يباح نظر المحرم إلى المرآة ولا يكره ذلك وهو المشهور في المذهب، خلافاً لمن منعه أو كرهه، وفي البخاري معلقاً: (أن ابن عباس جوزه) (2) المسألة السادسة: أنه يجوز للمحرم أن يحتجم، فقد ثبت في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم) (3) وفي رواية: (في وسط رأسه) وفي رواية للبخاري: (من شقيقة كانت به) . وفي قوله: (وسط رأسه) يدل على أنه أخذ شيئاً من رأسه للحجامة. قال الفقهاء: وعليه إن أخذ شيئاً من رأسه الفدية. وفيه نظر، فإن الحديث ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم افتدى ولو افتدى لنقل إلينا ذلك. وهذا يدل على ما تقدم من رجحان خلاف ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن أخذ شيء من الرأس فيما لا يعد حلقاً أنه لا تجب فيه الفدية. فإن أخذ الشيء اليسير للحجامة - شيء يسير - لا تجب فيه الفدية والنبي صلى الله عليه وسلم احتجم في وسط رأسه ولابدّ أنه أخذ شيئاً من الشعر حيث لا يمكن الاحتجام إلا بذلك ولم ينقل لنا أنه افتدى. والنص الوارد إنما هو في حلق الرأس، وهذا ليس بحلق تام له.
فالحجامة جائزة، ومثله الفصد والجرح في الرأس أو سائر البدن أو العمليات الجراحية، وسحب الدم ونحو ذلك، فذلك جائز للمحرم لا حرج عليه في ذلك. المسألة السابعة: فيما يباح للمحرم: يباح للمرأة المحرمة أن تكتحل أو تضع في يديها أو رأسها الحناء، والرجل يجوز له الاكتحال والاختضاب فيما لا يعد تشبهاً. فلا بأس للمرأة والرجل أن يكتحلا ويختضبا، الرجل فيما يختص به والمرأة فيما يختص بها. ولا دليل يدل على المنع عن ذلك للمحرم، والأصل في الأمور الإباحة. مسألة: المرأة يجوز لها أن تغطي يديها بالعباءة ونحوها غطاءً مؤقتاً لكن هل تغطي يديها في غير حضرة أجانب؟ ينبغي لنا مما تقدم أن نقول بالنهي عن ذلك وأن نلتزم به وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب طائفة من أصحابه أن المرأة لا تغطي يديها إلا إذا كان هناك أجنبي فتغطي يديها بثوبها " أي عباءتها " خلافاً للمشهور في المذهب. والحمد لله رب العالمين. باب: الفدية الفدية والفَدي والفَِدَاء بمعنىً. وهو ما يعطى في افتكاك أسير ونحوه، واستعير هنا: في إنقاذ المحرم من تلبسه بمحظورات الإحرام. قال: (يخير بفدية حلق أو تقليم أو تغطية رأس وطيب بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة) فهذه هي الفدية، وقال تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} (1) صيام: صيام ثلاثة أيام. " أو صدقة ": إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من تمر أو أقط أو شعير أو نحوه، فإن كان براً فإنه مدٌ منه - من الحنطة -، ومثل ذلك الأرز فإنهما بدرجة واحدة في القيمة، فيطعم كل مسكين نصف صاع من تمر أو نحوه، أو ربع الصاع من البر أو الأرز أو نحوهما. " أو نسك ": أي ذبح شاة.
وقول المؤلف: " أو ذبح شاة " معطوف على قوله: " أو إطعام " وهو معطوف – أي قوله: " أو إطعام " - على قوله: " بين صيام ". فيخير بين أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من الطعام من التمر ونحوه أو ربع صاع من الأرز أو الحنطة ونحوهما، أو يذبح شاة. والنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآتي ذكره نص على نصف الصاع من التمر وجعل الحنابلة مداً من البر يجزئ عن نصف صاع من التمر وهو كما قالوا، فإن الكفارات ككفارة اليمين وغيرها كذلك يجزئ فيها مد الحنطة عن نصف الصاع من غيره. والخيار الثالث: أن يذبح شاة. أما الآية الكريمة فهي آية مجملة ليس فيها عدد الأيام التي تصام ولا عدد المساكين الذين يطعمون وما هو مقدار إطعامهم، وليس فيها بيان النسك أهو دم شاة أم دم بدنة أم دم بقرة. لكنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن ذلك وهذه من منازل السنة مع القرآن أن يبيَّن مجمله. فقد ثبت في الصحيحين: أن كعب بن عجرة قال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمَّل يتناثر على وجهي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كنت أرى الوجع يبلغ بك ذلك أتجد شاة؟ قلت: لا قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع) (1) وفي رواية: (ثلاثة آصع من تمر) أي لكل مسكين نصف صاع من تمر. وظاهر الحديث وجوب الترتيب بين الدم وبين الإطعام والصيام فإنه قال: (أتجد شاة؟ قال: لا قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين) لكن هذا الترتيب ليس على الإيجاب بل على الاستحباب بدليل ما ثبت في الموطأ بإسناد صحيح: (أي شيء فيها فعلت أجزأ عنك) (2) وهو مذهب جمهور العلماء.
وبدليل التخيير في الآية: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} فأمر النبي صلى الله عليه وسلم له أولاً بذبح شاة لأن ذلك أفضل. والآية القرآنية والحديث النبوي في مشروعية الفدية لمن حلق رأسه معذوراً من مرض ونحوه. وألحق جمهور العلماء في حلق الرأس: تغطية الرأس وتقليم الأظافر والتطيب ولبس المخيط فرأوا أن من فعل أحد هذه الأربع فعليه الفدية الواجبة على من حلق رأسه. هذا أولاً. ثانياً: ألحقوا بالمعذور غيره، فالآية والحديث نص في المعذور فألحق جمهور العلماء في المعذور غيره، فلو فعل ذلك تعمداً بلا عذر عالماً بالحكم أو لبس مخيطاً متعمداً عالماً بالحكم أو نحو ذلك فإن عليه الفدية. واستدلوا: بالقياس. وفي النفس مما ذهب إليه الجمهور شيء. وقد ذهب الظاهرية واختاره الشوكاني: أن ذلك – أي الفدية – خاص بحلق الرأس وهو للمعذور فقط. أما الظاهرية فإنهم لا يرون القياس، وحينئذٍ: فردهم على الجمهور هو إبطال القياس من أصله، ولا شك أن قولهم باطل في لغي القياس، لكن القياس هنا فيه نظر، فإن المحظورات الأربعة لا تشبه حلق الرأس فإنه نسك يتعلق به واجب من واجبات الإحرام وهو الحلق أو التقصير بخلاف بقية المحظورات التي ذكروها فإنه لا يتعلق بها واجب كما يتعلق ذلك بالحلق فهو نسك يوفره المسلم ليقوم بحلقه أو تقصيره في يوم النحر، وعند طوافه وسعيه للعمرة. والقياس مع الفارق غير صحيح. وأما إلحاقهم غير المعذور بالمعذور فهو – أيضاً – قياس مع الفارق فإن المعذور غير عاصٍ لله ولا إثم عليه، بخلاف غير المعذور فإنه قد فعل ما نهى الله عنه على وجه يأثم به، فلا شك أن قياس العاصي على المطيع قياس غير صحيح. ومع ذلك فإن الأحوط في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم وإلا فكما تقدم ففي القياس الذي ذكروه نظر. ما تقدم هو فدية الأذى.
ثم انتقل المؤلف إلى الكلام على جزاء الصيد، وقد تقدم الكلام على الصيد وتحريم قتله للمحرم، وهنا في بيان جزاء الصيد. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره} جزاء الصيد الذي دلت عليه هذه الآية بالخيار أيضاً بين ثلاثة أشياء: الأول: أن ينظر إلى هذا الصيد الذي صاده وما يماثله من النعم من بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، فينظر ما يماثله ويحكم بالمماثلة ذوا عدل من المؤمنين، فيحكمان بأن هذه البهيمة من النعم عدل لهذا الصيد. مثال ذلك: النعامة يماثلها عند أهل العلم الإبل - وسيأتي الكلام على هذا في فصل مفرد إن شاء الله - فحينئذٍ يذبح هذا المثيل ويوزع على فقراء الحرم: {هدياً بالغ الكعبة} هذا هو الخيار الأول. الثاني: {أو كفارة طعام مساكين} بيان ذلك: أنه إن شاء ذبح هذا المثل وجعله هدياً بالغ الكعبة، وإن شاء قوَّم هذا المثل فيشتري بقيمته طعاماً من أرز أو نحوه ثم يوزع على المساكين لكل مسكين نصف صاع. فمثلاً: قومنا – البعير – في المثال المتقدم فوجدناه يساوي ألف ريال فاشترينا بالألف ريال مئة صاع من التمر فإنه يوزعه على 200 مسكين. فالمقوّم إنما هو المثل وليس الصيد هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية. وذهب المالكية إلى أن الذي يقوم هو الصيد نفسه. واستدل المالكية على أن المقوم الصيد: قالوا: لأنه هو الأصل وهو المتلف فيجب ضمانه إما بمثله أو بقيمته وحيث أنا لم نأت بالمثل فعلينا أن نأتي بقيمته نفسه.
واستدل أهل القول الأول على أن المقوم هو المثل قالوا: لأن المقصود من الكفارة أن تكون عدلاً بين هذه الأشياء، فكان ينبغي أن تكون مساوية للمثل لا مساوية للأصل، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: {أو عدل ذلك صياماً} فدل على أن هذه الكفارات الثلاث المخير فيها أن المقصود فيها أن تكون على هيئة متساوية متقاربة. قالوا: ولأن الواجب في الأصل المثل فحسب أما هنا فإنه لما وقع الخيار بين هذه الثلاثة الأشياء، كان التساوي هو الأنسب فيها. وأما ما ذكرتموه أنتم – أي المالكية – فحيث كان ذلك مع العجز عن المثل، لأن الواجب هو المثل، فإن عجز عن المثل انتقل إلى القيمة، وهنا على خلاف ذلك: فإنا نأتي بالقيمة مع قدرتنا على المثل. والأظهر ما ذهب إليه الحنابلة، فإن تعليلهم أظهر. ثم إن الحاجة – فيما يظهر لي – تقتضي ذلك فإن تقويم الصيد فيه مشقة ظاهرة بخلاف بهيمة الأنعام فإنها مشهورة في التقويم عند الناس، فالناس يعرفون أقيامها ويقدرونها تقديراً ظاهراً بخلاف الصيد فإن في تقويمه شيئاً من المشقة، فكان الأنسب أن يعود التقويم إلى المثل، وكما تقدم فإن في قوله تعالى: {أو عدل ذلك صياماً} تنبيهاً إلى المثلية بين هذه الكفارات الثلاث بين المثل وبين الإطعام والصيام. الثالث: {أو عدل ذلك صياماً} ينظر عدد المساكين الذين يمكن إطعامهم، فيصوم بعددهم أياماً. فمثلاً: بلغوا مئتين كما في المثال السابق فيصوم مئتي يوم، {ليذوق وبال أمره} : أي ليذوق نتيجة عدوانه على ما نهى الله عنه من حرمه أو على فعل هذا الأمر المحظور عليه. قال المؤلف – في بيان ذلك -: (وبجزاء صيد بين مثل إن كان أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعام فيطعم كل مسكين مُداً " أي من البر " أو يصوم عن كل مدٍ يوماً) والمقصود بالمد هنا: مدٌ من حنطة، فإن بقي بعض مدٍ فلا يصوم بعض يوم لأن اليوم لا يتجزأ بل يجبره فيصومه تاماً.
وهل يجوز له أن يجمع بين الإطعام والصيام، كأن يطعم بعضاً ويصوم بعضاً؟ لا يجوز له ذلك فإن الكفارات لا يجمع فيها بين شيء وآخر، فليس له أن يصوم بعض الأيام ويطعم بعض المساكين بل الواجب عليه أن يختار شيئاً من هذه الكفارات، كما هو ظاهر القرآن وهكذا في سائر الكفارات. قال: (وبما لا مثل له بين صيام وإطعام) إن كان هذا الحيوان المصيد لا مثل له، يعني قرر أهل العدالة فبينا أنه لا مثل له فحينئذٍ يبقى له خياران تقدم الخيار الأول فيكون ذلك بين الإطعام والصيام، وحينئذٍ فإن المقوم هو الصيد بحسب الاستطاعة، فيقوم الصيد نفسه لأنه لا مثل له فلا يمكن أن نرجع ذلك إلى شيء معدوم فأرجعناه إلى الموجود حينئذٍ للحاجة إلى ذلك ولتعيين ذلك. فيقوّم الصيد ويشترى بقيمته طعاماً يطعم به المساكين لكل مسكين مد من حنطة أو نصف صاع من تمر وغيره، أو يصوم عدل ذلك أياماً. مسألة: لو صاد غزالاً ثم استطاع أن يأتي بغزال مثله فإنه لا يجزئ عنه بل لابد أن يماثله من بهيمة الأنعام لأن هذا من جنس الهدي والهدي لابد أن يكون من بهيمة الأنعام لا غيرها، كالأضاحي وكالدم الذي يكون في الحج لا يكون إلا من جنس بهيمة الأنعام. والحمد لله رب العالمين. * ثبت في البخاري معلقاً أن عائشة أذنت لحاملي هودجها بلبس التُّبّان ولم تر عليهم شيئا. [التُّبّان: بضم المثناة وتشديد الموحدة، سروايل قصير بغير أكمام. فتح الباري لابن حجر: 3/ 465] قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأما دم متعة وقران فيجب الهدي) أي يجب الهدي تعييناً فليس ثمت خيار كما هو في فدية الأذى وفي فدية جزاء الصيد. بل الواجب عليه أن يهدي في التمتع والقران قال تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} وتقدم أن القران داخل في حكم التمتع باتفاق العلماء، كما أن القران تمتع في لغة العرب، وتدل على ذلك آثار الصحابة كما تقدم.
قال: (فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام) إن عدم الهدي فلم يقدر عليه مع قدرته على ثمنه – كأن يكون قادراً على الثمن لكن لم يجد هدياً يشتريه بهذا الثمن – أو كان غير قادر على ثمنه وهذا هو الغالب. والعبرة في قدرته عليه أثناء حجه وتمكنه من ذبحه أو نحره فلو كان قادراً عليه عند رجوعه إلى بلده فهو صاحب قدرة مالية في بلده لكنه أثناء الحج لم يتيسر له ثمن يمكنه أن يشتري به الهدي فإنه في حكم غير القادر أصلاً، فإن العبرة في الواجبات المؤقتة العبرة في القدرة عليها أثناء وقتها وهذه قاعدة في كل واجب مؤقت، فالواجبات المؤقتة العبرة في القدرة عليها أثناء وقتها. ونظير ذلك: غير القادر على الطهارة المائية أثناء وقت الصلاة فإنها تسقط عنه إلى التيمم لعجزه عنها أثناء الوقت وإن كان قادراً عليها بعد خروج الوقت كأن يكون يعلم حضور الماء بعد خروج الوقت، أو يعلم وصوله إلى بلدته بعد خروج الوقت فإن العبرة إنما هي في قدرته على هذا الواجب المؤقت أثناء الوقت وهنا كذلك: فإن العبرة في قدرته على الهدي أثناء الوقت الذي ينحر به الهدي وهو يوم النحر وأيام التشريق. قال: (فصيام ثلاثة أيام والأفضل كون آخرها يوم عرفة) قال تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} فإن كان غير قادر على الهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج، والأفضل كون آخرها يوم عرفة. إذاً: يصوم يوم عرفة ويومين قبله وهما يوم التروية واليوم السابع، هذا هو الأفضل له وفي ذلك آثار عن الصحابة رضي الله عنهم: فمن ذلك ما ثبت عن علي – في مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة – أنه قال في تفسير هذه الآية: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} قال: (قبل يوم التروية يوم، ويوم التروية، ويوم عرفة فمن فاتته هنا فهن أيام التشريق)
ونحوه عن ابن عمر في مصنف عبد الرزاق ابن أبي شيبة وعن عائشة في موطأ مالك: أنها قالت: (الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هدياً ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة فمن فاتته هنا فهن أيام التشريق) فهذه آثار عن علي وابن عمر وعائشة، وفيها أن الأفضل أن يصوم يوم عرفة ويومين قبله. وكره الشافعي صيام يوم عرفة لكراهية النبي صلى الله عليه وسلم واستحب أن يكون آخر الأيام يوم التروية. فعلى ذلك يصوم اليوم السادس والسابع والثامن. والقول الأول أظهر للآثار المتقدمة عن الصحابة. ولما في ذلك من الكلفة على الحاج من أن يتقدم يومين قبل يوم التروية، فإن المشروع في حقه أن يهل يوم التروية بالحج لكن استحب الصحابة أن يتقدم يوماً ليكون صيامه في الحج. أما تقديمه بيومين فإن في ذلك كلفة على الحاج، وموافقة آثار الصحابة أولى وهو المشهور عند الحنابلة. قال: (وسبعة إذا رجع إلى أهله) ويصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله، فالواجب عليه أن يصوم عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإذا رجع إلى بلدته وأقام عند أهله صام سبعة أيام. لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) (1) وهذا بيان للآية المتقدمة: {إذا رجعتم} : أي إذا رجعتم إلى أهلكم كما بينته السنة في الحديث المتفق عليه المتقدم. إذاً: المشروع في حقه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج يكون آخرها يوم عرفة، وأن يصوم سبعة إذا رجع إلى أهله. هذا هو المختار فهو صيام الفضيلة. أما صيام الإجزاء، فقد اختلف أهل العلم في وقت الإجزاء لصيام الثلاثة أيام، وفي وقت الإجزاء لصيام سبعة أيام. أما صيام ثلاثة أيام: فقال الحنابلة: يجوز أن يشرع فيها إذا أحرم بالعمرة.
رجل أراد أن يتمتع بالعمرة إلى الحج أو يقرن وهو غير قادر على الهدي فأحرم في اليوم الرابع من ذي الحجة، فيجوز له أن يشرع بصيام الثلاثة أيام من ذلك اليوم. وإذا تحلل من العمرة فيجوز له أيضاً أن يشتغل بالصيام قالوا: لأنه قد أحرم بأحد نسكي التمتع، فالتمتع له نسكان: عمرة وحج فكما أنه يجوز له أن يشرع بالصيام إذا أهل بالحج اتفاقاً، فالعمرة كذلك لأنها أحد نسكي التمتع. وذهب المالكية والشافعية: إلى أنه لا يجوز له أن يشرع بالصيام إلا إذا أحرم بالحج ولا يجزئه. فعلى ذلك: أثناء إحرامه بالعمرة لا يجزئه الصيام. وأما القارن فإنه لا إشكال على أنه يجوز له لأنه إذا أحرم بالعمرة فإن الحج أيضاً داخل في إحرامه فإنه يحرم بهما جميعاً. واستدلوا: بالآية فإن الله قال فيها: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} فعين الله عز وجل الحج للصيام: ولا يكون في الحج حتى يحرم به. وهذا القول هو الظاهر، وهو الموافق لظاهر الآية الكريمة وأما كون العمرة أحد نسكي التمتع: فإن هذا غير كافٍ في الإجزاء لمخالفة ذلك للآية الكريمة أولاً. ولأنه لا يصدق عليه التمتع حتى يشرع بالحج إهلالاً فإذا أهل به فإنه يصدق عليه أنه قد تمتع بإهلاله بالحج. فالراجح ما ذهب إليه المالكية، والشافعية: وأنه ليس له أن يصوم إلا إذا أحرم بالحج. وهو فيما يظهر لي الموافق للآثار المتقدمة عن الصحابة كما قالت عائشة: (الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد الهدي من أن يهل إلى يوم عرفة) (1) فظاهر ذلك أنه من إهلاله بالحج وهو كما تقدم ظاهر الآية القرآنية. وظاهر الآية القرآنية أنه ليس له أن يصوم بعد ذلك لأن التلبس في الحج ينتهي بيوم النحر، ويوم النحر ليس من أيام الصيام مطلقاً فظاهر الآية: أن الصيام محصور من الإهلال بالحج وينتهي يوم عرفة فإذا فاته يوم عرفة انتهى صيام الثلاثة أيام.
لكن السنة النبوية رخصت في ذلك فقد ثبت في البخاري عن عائشة وابن عمر أنهما قالا: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) (1) وأيام التشريق فيهن أفعال للحج لكن ليس فيهن تلبس بالحج فإنه ينتهي الإهلال بالحج في يوم النحر عند رمي الجمرة وحينئذٍ لا يكون في الحج لكن بقيت أحكام متعلقة بالحج. ولعله لتعلق هذه الأحكام رخص في ذلك. إذاً:أيام التشريق يجوز له أن يصومهن وكونهن لسن من الأيام التي يكون المسلم متلبساً في الحج فيهن، هذا حيث دلالة القرآن وأما السنة النبوية فإنها قد زادت على ما ورد في القرآن. وأيضاً المعنى يدل على ذلك وهو بقاء أفعال للحج ثابتة في أيام التشريق. وأما صيام السبعة الأيام: فالمشروع في حقه كما تقدم أن يصومها إذا رجع إلى أهله. لكن الخلاف في هل يجوز له أن يصوم قبل ذلك كأن يصوم في مكة أو في طريقه؟ قولان لأهل العلم: 1- القول الأول: مذهب الجمهور ومنهم الحنابلة: يجزئه ذلك وحملوا الآية الكريمة على أنها رخصة. وعللوا ذلك بأن السبب قد وجد فسبب الصيام موجود وهو عدم وجود الهدي في وقته، وحيث وجد سببه فإنه يجزئ الصيام وأما الآية القرآنية فهي رخصة. والمعنى يدل على ذلك فكونه يصوم إذا رجع إلى أهله هذا رخصة من الله ليكون ذلك أهون عليه وأسهل في حقه لكن لا مانع أن يصوم قبل ذلك لوجود سبب الحكم وهو عدم الهدي وقالوا: نظير ذلك الصيام للمسافر فإن الله عز وجل قال: {فمن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} فظاهر ذلك أنه إن سافر فلا يصوم ويصوم عدة من أيام أخر، لكن هذه الآية رخصة بدلالة السنة النبوية، بل قد يكون الصيام أفضل كما تقدم في كتاب الصيام. والمقصود أنه يجزئ بلا خلاف أن يصوم في السفر لوجود سبب الحكم وهو رمضان.
2- الشافعية إلى أنه لا يجزئ ذلك – فلا يجزئه أن يصوم في الطريق ولا في مكة – وذلك للآية القرآنية وللحديث النبوي. والأصح: ما تقدم وأن الآية رخصة بدليل وجود سبب الحكم وهو عدم وجود الهدي ثم، ولأن المعنى يقتضي ذلك فلا فائدة من تحديد ذلك برجوعه إلى أهله إلا سهولة ذلك على المحرم أما لو تكلف الصيام فإنه لا حرج عليه في ذلك، وهذا يشبه كما تقدم الصيام في السفر في رمضان. إذن: يجوز له أن يصوم هذه السبعة في مكة أو في طريقه لكن المشروع في حقه وهو الأحوط أيضاً ألا يصوم إلا إذا رجع إلى أهله. واعلم أن الآية القرآنية في صيام الثلاثة أيام والسبعة مطلقة غير مقيدة بتتابع ولا تفريق، فله أن يفرق وله أن يتابع ويجمع ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك لأن الآية مطلقة ليس فيها التقييد بالتتابع ولا التفريق. قال: (والمحصر إذا لم يجد هدياً صام عشرة ثم حل) المحصر: هو من منع من تمام النسك، كأن يختل الأمن في مكة أو نحو ذلك فلا يتم نسكه، وسيأتي الكلام على هذا في باب مفرد. والمحصر عليه الهدي لقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} أي إذا منعتم وحبستم عن المناسك فتحللوا من إحرامكم - بحج أو عمرة، تحللوا منه - بهدي تنحرونه أو تذبحونه فإذا ذبح أو نحر الهدي فإنه حينئذ يتحلل من الإحرام. فإن لم يجد المحصر هدياً: صام عشرة أيام ثم حل قياساً على المتمتع فكما أن المتمتع إن لم يجد هدياً فإنه يصوم عشرة أيام كما تقدم فإن المحصر يصوم عشرة أيام. ولم يقيد المؤلف هنا بالحج أو في غيره؛ لأنه ليس بمتلبس بالحج، فيصوم عشرة أيام ثم يتحلل فليس له أن يتحلل إلا بعد أن يتم الصوم. قالوا: بدل هدي التمتع صيام عشرة أيام، فكذلك بدل هدي الإحصار صيام عشرة أيام أيضاً. وذهب المالكية والأحناف: إلى أنه لا يجب عليه أن يصوم عشرة أيام بل إذا لم يجد الهدي فإنه يتحلل. قالوا: لأن الله لم ينص على ذلك.
قلت: ولأنه أيضاً ليس بمعنى المنصوص. أما قولهم أن الله لم ينص على ذلك: فإن الله قال في الآية الكريمة: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ولم يوجب على غير القادر صياماً بخلاف المتمتع فإنه أوجب عليه الصيام بعد ذلك. لكن هذا القول من المالكية والأحناف يمكن أن يجاب بأن كونه غير منصوص عليه غير كاف في رد الحكم، فإنه – عندنا – بمعنى المنصوص عليه، ولذا قسناه على ذلك، ولذا قلنا: " وهو ليس بمعنى المنصوص " فإن ثمت فارق. والفارق فيما يظهر لي: إن هدي التمتع هدي موجبه فعل المناسك وأما هدي الإحصار فإن موجبه ترك المناسك، ولا شك بالفارق بين الفعل والترك، فإن المحصر تارك للنسك، وأما المتمتع فهو بفعله النسك وجب عليه الهدي وأن يجبره بعد ذلك ببدله إن عجز عنه، وحيث ثبت الفارق فإن القياس لا يصح، فإن المحصر تارك للنسك متحلل منها، وأما المتمتع فهو متحلل من فعلها، فهو ليس بمنصوص عليه ولا بمعنى المنصوص. ثم إن في ذلك – في الصيام – مشقة وكلفة، فإن كوننا ننهاه أن يتحلل حتى ينتهي من صيام عشرة أيام لا شك أن في مثل هذا كلفه ومشقة، وهذا فارق آخر بين المسألتين، فإن المتمتع إذا رجع إلى أهله وهو متحلل يصوم سبعة أيام ولا حرج عليه في ذلك ولا مشقة. أما المحصر فإنه ليس له أن يتحلل حتى ينتهي من هذا الصيام وذلك لأن المسألتين بينهما فارق، فإن هدي التمتع يفعل بعد التحلل، وأما هدي الإحصار فإنه يفعل للتحلل فلا يتحلل حتى يفعله فيشقه الصيام، فليس للمحصر - على قول الحنابلة - أن يتحلل حتى يصوم عشرة أيام وهذا فارق آخر بين المسألتين. فالصحيح ما ذهب إليه المالكية والأحناف من أن هدي الإحصار ليس له بدل بل إذا لم يجد الهدي فإنه يحل ولا شيء عليه. قال: (ويجب بوطء في فرج في الحج بدنة، وفي العمرة شاة) تقدم البحث في هذا في مسألة الجماع (1) . قال: (وإن طاوعته زوجته لزماها)
إن طاوعت الزوجة زوجها على الجماع فإنه يجب عليها البدنة أو الشاة على التفصيل المتقدم في حق الرجل. وذلك لأن كليهما مكلف وقد فعل ما يوجب الكفارة فلم يجزئ كفارة أحدهما عن الآخر، والكفارة لحق الله تعالى، وكلاهما مكلف وقد فعل ما يوجب الكفارة فوجبت في حقه – أي المكلف – وحينئذٍ فيجب في حق المرأة وإن قام الزوج بها عن نفسه لأن المرأة مكلفة وقد فعلت ما يوجب الكفارة. وقد تقدم أثر ابن عباس الذي لا يعلم له مخالف من الصحابة وفيه أنه أوجب الهدي على كليهما – أي على الزوج والزوجة –. الأول نظر، وهذا أثر ابن عباس لا يعلم له مخالف. وظاهر قوله: - أي المؤلف – أن الزوجة إن كانت مكرهة فإن الفدية لا تجب عليها وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة خلافاً للمالكية في هذه المسالة. فالمشهور في المذهب أنه لا فدية عليها – إن كانت مكرهة - قالوا: لأنها مكرهة وقد عفي لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهت عليه. قال الحنابلة: ولا يجب ذلك على المكره وهو الزوج أو غيره، فالمكره لا يجب عليه الفدية. وقال المالكية: بل يجب على زوجها فدية ويجب عليه أن يدفع من ماله ما يحججها به في السنة الأخرى لأنه هو المفسد لحجها. أما قولهم أنه يجب عليه أن يعطيها نفقة للحج، فهذا ظاهر لو قلنا بإفساد الحج؛ لأن هذه الغرامة حق لآدمي فهي امرأة قد فسد حجها بسبب غيرها فواجب على هذا الغير أن يقوم بالنفقة التي تكفيها في الحج لأنه هو المتسبب لذلك. وأما الكفارة فلا لأنها حق الله تعالى يجب على المكلف حيث توفرت الشروط فيه وهي لم يتوفر فيها شروط الإيجاب؛ لأنها مكرهة. فإذاً: مذهب الحنابلة أصح من مذهب المالكية وأنها إذا أكرهت فليس عليها فدية ولا على زوجها فدية. والمذهب على أن المرأة المكرهة يفسد حجها وهو مذهب المالكية كما تقدم في (1) . وذهب الشافعية وهو الراجح إلى أن المرأة إذا أكرهت على الجماع لا يفسد حجها.
وذلك لأنها لإكراهها لا فعل لها فالمكره لا فعل له، وإنما أفسد الحج بالجماع لأنه فعل من المكلف خالف فيه أمر الله أو اقترف فيه نهي الله عز وجل. وحيث كان مكرهاً فإنه لا فعل له فلا يعد مخالفاً، ولأن الله تجاوز عن هذه الأمة ما أكرهت عليه. ولا يجب عليها بدنة لما تقدم، ولأن الكفارة مترتبة على الفعل المتقصد المتعمد وهنا لا تقصد ولا تعمد بل لا ينسب إليها فعل. مسألة: رجل رجع من الحج ولم يصم ثلاثة أيام – وهو لم يجد هدياً – فهل يقضيها إذا رجع إلى أهله؟ قال الجمهور عليه أن يقضيها. واختلف هل عليه دم أم لا دم عليه؟ 2- والذي يظهر لي والله أعلم أنه لا يقضي ويكون آثماً لتفريطه وهذا يرجع إلى مسألة سابقة، وهي إذا أمر الشارع بأمر له وقت محدد فخرج وقته فهل أمره السابق متضمن للقضاء بعد الوقت أم لا؟ قال الجمهور: لا يتضمن ذلك، فأمر الشارع بالشيء المؤقت لا يستلزم قضاءه بعد خروج وقته لفوات مصلحة الشارع، فإن الشارع قد رأى مصلحة في فرضيته في ذلك الوقت فإخراجه عن وقته إلى وقت آخر من باب القضاء هذا يحتاج إلى دليل جديد. لكن جمهور العلماء خالفوا هذه القاعدة التي هم يقولون بها خالفوها لبعض الأدلة كحديث: (دين الله أحق بالقضاء) ونحو ذلك. والذي يظهر البقاء على هذه القاعدة إلا بدليل ظاهر، فإن عليه أن يستغفر ويتوب لكن السبعة الأيام لا تسقط عنه بل ينبغي فعلهن لأن وقتها ما زال، ولا شك أن الأحوط له أن يصوم. والحمد لله رب العالمين. فصل هذا فصل في شيء من أحكام الفدية قال: (ومن كرر محظوراً من جنس ولم يفد فدى مرة) كرر محظوراً من جنس واحد كأن يلبس مخيطاً في اليوم الأول من أيام الحج، ثم يلبسه في اليوم الثاني ولم يفد بينهما. أو أن يتطيب متفرقاً لا متتابعاً بأن يكرر التطيب، ولم يفد بين ذلك، فإنه يفدي مرة، فيكفيه عن هذه الأفعال ذات الجنس الواحد ما لم يتخللها فدية يكفيه فدية واحدة.
قالوا: لأن الله عز وجل أطلق في فدية الأذى ولم يفرق فيمن حلق رأسه متتابعاً، أو فيمن حلقه متفرقاً بأن حلق ثم حلق. وأشبه ذلك إقامة الحدود الشرعية، فإن الرجل إذا تكرر زناه بامرأة أو قذفه لرجل ولم يقم عليه الحد فإنه لا يقام عليه الحد إلا مرة واحدة فهنا كذلك. إذاً: إن فعل فعلاً من محظورات الإحرام من جنس فكرره في نسكه كأن يكرر في حجه لبس المخيط مرتين أو ثلاثاً، أو أن يفعله متتابعاً، فيستمر في نسكه كله لابساً لثوبه أو أن يفعله ثم يخلعه، أو أن يخلعه ثم يلبسه مرة أخرى فإذا لم يتخللها كفارة فإنه لا يفدي إلا مرة واحدة، أشبه ما يكون هذا بإقامة الحدود. وأشبه أيضاً الأيمان فإن حلف يميناً ثم حنث فيها فحنث فحنث فكرر ذلك فإنه لا يكفر إلا مرة واحدة. وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا فدى فإنه يلزمه أن يفدي مرة أخرى وثالثة وهكذا. فلو أن رجلاً لبس ثوبه في يوم التروية ثم فدى (فذبح أو صام أو أطعم) ثم لبسه في المساء أو في الغد فإنه عليه فدية أخرى. قالوا: لأن المحظور الثاني وإن كان من جنس الأول لكنه صادف إحراماً خالياً من فعل محظور تجب فيه الفدية. ففعله للمحظور مرة ثانية أو ثالثة صادف إحراماً خالياً من محظور موجب للفدية فلا موجب حينئذٍ لإسقاطه. إذن: إذا فعل محظوراً من جنس واحد وكرره فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يتخلل ذلك فدية، بمعنى: يفعل المحظور ثم يفدي ثم يفعله مرة ثانية فتجب عليه الفدية مرة أخرى لأن فعله الثاني صادف إحراماً خالياً من فعل موجب للفدية، فلا موجب حينئذٍ لإسقاط الفدية عنه كما لو زنى فأقيم عليه الحد ثم زنى مرة أخرى فإن الحد يقام عليه مرة أخرى. الثاني: ألا يتخلل ذلك فدية، فإنه ليس عليه إلا فدية واحدة لأن الله عز وجل لما أمر بالفدية أطلق فمن فعل هذا المحظور فواجب عليه أن يفدي وظاهر هذا الإطلاق ثبوته بالتفرق كثبوته بالتتابع فأشبه ذلك إقامة الحدود.
هذا إذا كان المحظور المكرر من جنس واحد. أما إذا لم يكن المحظور من جنس واحد فقال المؤلف هنا: (من فعل محظوراً من أجناس فدى لكل مرة بخلاف صيد) " ونعود بعد ذلك إلى الكلام على قول (بخلاف صيد) " رجل فعل محظورات مختلفة الأجناس، كأن يلبس مخيطاً ويتطيب ويغطى رأسه فإنه يجب لكل محظور فدية لأن الأجناس مختلفة. قالوا: وقد دلت الأدلة – وقد تقدم البحث في هذا – على إيجاب الفدية على كل جنس فلا موجب حينئذٍ لإسقاطه باجتماعها. كما لو قذف وزنى وسرق فإن هذه الحدود تقام عليه كلها لاختلاف أجناسها فكذلك هنا. وقد استثني من المسألة الأولى الصيد، فلو أن رجلاً صاد ثم صاد ثم صاد، فيجب عليه لكل صيد جزاؤه، سواء فدى بين ذلك أم لم يفد، بل لو فعله دفعة واحدة فإن عليه الجزاء، وهذا لقوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} ، فظاهر ذلك أن المثلية في نوعه وفي تعدده. فإذا أوجبنا في نعامة بدنة، فظاهر الآية أن في النعامتين بدنتين، وفي الثلاث ثلاثاً، وهكذا، فإنه قال تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} فظاهر هذا أن المثلية ثابتة بالنوع الذي يحكم به ذوا عدلٍ، وثابتة بعدده. فإنه لو ذبح عشراً من الصيد ثم كان الجزاء واحداً فإن المثلية ليست بثابتة حينئذٍ، فلابد للمثلية من النوع والعدد. قال: (رفض إحرامه أو لا) يجب عليه إن تعددت المحظورات من أجناس مختلفة، أو فعل محذوراً واحداً من جنس فيجب عليه الكفارة، وإن قال: أبطلت إحرامي ونويت الخروج من النسك، وهذا المراد بقوله: " رفض إحرامه أو لا " فإذا رفض إحرامه فإن الفدية واجبة عليه وذلك: لأن رفضه لا حكم له، وهذا بخلاف سائر العبادات، فإن الحج لا يبطل بنيته الخروج من النسك، باتفاق العلماء بخلاف سائر العبادات، وهذا من فوارق الحج عن سائر العبادات أنه لا يبطل بقصد المكلف وإرادته إبطال النية.
وذلك لأنه إن فعل مفسداً للحج فإنه لا يخرج من الحج بذلك، فإذا جامع المحرم فإنه – وإن قلنا بفساد النسك – فإنه يبقى مستمراً به لا يخرج منه، فإفساده للحج لا يخرجه من الحج فأولى من ذلك إبطال النية. ورفض الإحرام لا يفسده باتفاق العلماء. ولذا: إذا حدث له جنون أو إغماء في أثناء حجه أو عمرته فإن زوال العقل هذا لا يخرجه من الحج ولا يفسد حجه بذلك، فلو أُغمي عليه يوم عرفة – وسيأتي – فإن وقوفه يصح. قال: (ويسقط بنسيان فدية لبس وطيب وتغطية رأس دون وطء وصيد وتقليم وحلق) هذه المحظورات فرق بينها المؤلف وهو مذهب الحنابلة فقالوا: المحظورات من حيث الفدية قسمان: الأول: نوع يسقط الفدية فيه النسيان والجهل والإكراه. الثاني: لا تسقط الفدية بهذه الثلاثة. وضابط ذلك: أن ما فيه إتلاف كالصيد، والوطء، لأن الوطء قد يكون فيه إتلاف وهو إذهاب بكارة المرأة ويلحق بذلك ما لو كانت ثيباً، والصيد فيه إتلاف الصيد، وحلق الرأس فيه إتلاف الشعر، فما كان فيه إتلاف فإنه لا يسقط بنسيان ولا إكراه ولا جهل. وما لم يكن فيه إتلاف كالطيب، واللبس وتغطية الرأس فإن الفدية تسقط فيه بالجهل والإكراه والنسيان. قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) قالوا: ولما ثبت في الصحيحين من حديث يعلى بن أمية: أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق " أي طيب " فقال: يا رسول الله ما تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اخلع هذه الجبة واغسل عنك أثر هذا الخلوق واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك) قالوا: فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالفدية وقد لبس الجبة وتطيب وذلك لجهله.
قالوا: وإذا ثبت هذا في الجهل فسائر الأعذار كذلك من نسيان وإكراه. وفي الحديث المتقدم لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالفدية لجهله وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فلو كانت الفدية واجبة لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بها. قالوا: وأما ما فيه إتلاف من وطء وصيد وحلاق ونحوه فإنه لوجود الإتلاف فيه يستوي عمده وسهوه، فلا فرق بين نسيان وإكراه وجهل وبين تعمد وعلم وذكر. وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واختاره أيضاً الشيخ عبد الرحمن بن سعدي. قالوا: تسقط الفدية في هذا. ولم أرهم ينصون في اختيارهم على الوطء والظاهر أنه كذلك – اختاروا أن الفدية تسقط وإن كان الإتلاف ثابتاً قالوا: لأن الإكراه والنسيان والجهل عذر ثابت فيهما جميعاً وتفريقكم بين الإتلاف وغيره تفريق غير معتبر، وذلك لأن الإتلاف إنما يستوي عمده وسهوه إذا كان في حق الآدمي أما إذا كان في حق الله عز وجل المبني على المسامحة فإنه لا يستوي عمده وسهوه للمعنى فإن مقصود الشارع من المكلف ترك المحظور وعدم مخالفة الشرع ومشاقته في فعله وحيث فعله على وجه النسيان والإكراه والجهل فإنه ليس هناك مخالفة للشرع سواء كان ذلك بما فيه إتلاف أو لم يكن مما فيه إتلاف. إنما الإتلاف معتبر في حقوق الآدميين حفاظاً لحقوقهم أما حقوق الله عز وجل فهي مبنية على المسامحة. ومما يدل على ذلك: تقييد الله عز وجل إيجاب الجزاء في الصيد بالتعمد فقال تعالى: {ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم} وهذا قيد لابد من اعتباره، ومفهومه أنه إن لم يقتل على وجه التعمد وذلك يكون بالنسيان أو الإكراه أو الجهل فإنه لا حرج عليه في ذلك، والصيد إتلاف فهكذا سائر ما يقع فيه إتلاف، وهذا القول الراجح. فعليه: يشترط لوجوب الفدية لفعل المحظورات كلها سواء كانت فيها إتلاف أم لم يكن فيها إتلاف: يشترط ثلاثة شروط:
العلم: وضده الجهل فإن كان جاهلاً بالحكم أو جاهلاً بنوع الشيء ودخوله في التحريم فإنه لا شيء عليه لجهله. الذِكر: وهو ضد النسيان. التعمد: فلابد أن يكون متعمداً، أما لو كان مكرهاً فإنه لا شيء عليه. قال: (وكل هديٍ أو إطعام فلمساكين الحرم) مساكين الحرم: هم أهل الحرم والواردون إليه ممن تحل لهم الزكاة لفقرهم فكل هديٍ فإنه لمساكين الحرم، قال تعالى: {هدياً بالغ الكعبة} وقال تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} . ومثل ذلك الإطعام فكل إطعام كالإطعام في الصيد مثلاً فإنه يكون لمساكين الحرم. قالوا: قياساً على الهدي بجامع النفع المتعدي للمساكين، فالإطعام نفعه متعدي للمساكين فأشبه الهدي. وقال الجمهور خلافاً للحنابلة: بل الإطعام حيث شاء؛ لأنه قد ورد على هيئة الإطلاق، وما ورد على هيئة الإطلاق فإنه يفعل حيث شاء المكلف، قال تعالى: {أو كفارة طعام مساكين} ولم يقيد ذلك بأن يكون لمساكين الحرم. ويمكن أن يجاب عن قياس الحنابلة بثبوت الفارق، وهو ما في الهدي من نحره وذبحه الذي هو من إظهار شعائر الله فكان ذلك مختصاً في الحرم، ولما كان كذلك كان لمساكينه، ففرق بين الإطعام وبين الذبح، فإن الشارع متشوف إلى فعله في الحرم وحينئذٍ فيكون لمساكينه. ولا شك أن الأولى والأحوط أن يصرف الطعام إلى مساكين الحرم. قال: (وفدية الأذى واللبس ودم الإحصار حيث وجد سببه) رجل وهو في طريقه إلى مكة فعل محظوراً من محظورات الإحرام، فإنه يفعله حيث وجد سببه، فإذا أراد أن يذبح شاة أو يطعم فإنه يتصدق به على المساكين الذين في ذلك الموضع، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كعب بن عجرة أن يذبح شاة أو أن يطعم ستة مساكين وكان ذلك في الحديبية لم يقيد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأن يكون في مساكين الحرم وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وكذلك إطلاق الآية في قوله تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} فالآية أطلقت وظاهر ذلك أنه يفعل حيث وجد سببه لتشوف الشارع إلى المسارعة في فعل الكفارات والفِدى وغيرها. ودم الإحصار كذلك، فإذا أحصر الرجل في موضع وهو ليس في الحرم ومنع من إتمام نسكه قبل أن يدخل الحرم فإنه يذبح الهدي حيث أحصر. ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما أحصروا نحروا في الحديبية. ولإطلاق الآية القرآنية: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ولم يقيد ذلك سبحانه بأن يكون في مكة. وحينئذٍ فالقاعدة أن يقال: الفِدى والهدي الذي له سبب، يفعل حيث وجد سببه، فما كان سببه الإحصار يفعل حيث وجد سببه، والفِدى بأن يفعل حيث وجد سببه. والإطعام في مكة وفي غيرها حيث وجد سببه إلا أن يقيَّد الله عز وجل في كتابه أو يقيد رسوله صلى الله عليه وسلم قيداً يدل على فرضيته في موضع ما كهدي المتمتع والقارن فإن الله أوجبه في الحرم، ومثل ذلك جزاء الصيد فإن الله قيَّده بقوله: {هدياً بالغ الكعبة} قال: (ويجزئ الصوم بكل مكان) الصوم يجزئ في كل مكان، سواء كان صوم جزاء الصيد: {أو عدل ذلك صياماً} أو صوم فدية الأذى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم قالوا: لأنه لا معنى لتخصيص الصوم في مكان معين، وذلك لأن نفعه غير متعدٍ، فلا يتعدى إلى المساكين أو غيرهم، إنما هو خاص بفاعله فلا معنى أن يقيد بمكان ما. والآيات القرآنية الواردة في هذا الباب: قد وردت مطلقة قال تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} فأطلق وقال سبحانه: {أو عدل ذلك صياماً} فأطلق أيضاً، وظاهر ذلك أنه يفعله حيث شاء. قال: (والدم شاة أو سبع بدنة ويجزئ عنها بقرة)
حيث وجب الدم سواء كان ذلك على التخيير كما يكون في فدية الأذى – فإن الواجب دم أو صيام أو إطعام – أو كان ذلك في ترك واجب من واجبات الحج فإنه يجب عليه دم – كما سيأتي ذكره إن شاء الله – فالدم شاة. قال تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} وفسر النبي صلى الله عليه وسلم النسك بقوله في حديث كعب بن عجرة المتفق عليه بقوله: (أو ذبح شاة) وقال تعالى: {فما استيسر من الهدي} فيصدق ذلك على الشاة فالدم شاة أو سبع بدنة ويجزئ عن البدنة بقرة. فالدم شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة. أما الشاة فقد تقدم الاستدلال عليها. وأما البقر والإبل فقد ثبت في مسلم عن جابر قال: (اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة فقيل له: أيشترك في البقرة؟ فقال: ما هي إلا من البدن) (1) وثبت في مسلم عن جابر قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في بدنة) (2) وليس كل بقرة أو بعير أو شاة تجزئ، وسيأتي شروط ما يهدى ويضحى ونحوه. والحمد لله رب العالمين. باب: جزاء الصيد تقدم في درس سابق ذكر بعض مسائل الصيد، وما فيه من الجزاء. وهنا مسألة: - تقدم ذكرها – إذا أشار المحرم أو دل على صيد فهل عليه الجزاء مع ثبوت الإثم أم لا يثبت إلا الإثم؟ في هذه المسألة صورتان: الصورة الأولى: أن يدل المحرم حلالاً. الصورة الثانية: أن يدل المحرم أو يشير إلى محرم مثله. * أما الصورة الأولى: وهي ما إذا دل المحرم حلالاً على صيد فصاده المحل: 1- قال الحنابلة: عليه مع الإثم الجزاء فيجب عليه الجزاء – أي على الدال المحرم -.
قالوا: لأنه قد حرم عليه أن يأكل منه كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ فقالوا: لا قال: فكلوا مما بقي من لحمه) (1) قالوا: فيترتب على تحريم الأكل وجوب الجزاء. وهذا ليس بظاهر، فإنه لا يظهر بترتب الجزاء على تحريم الأكل، فإنه من صيد لأجله يحرم عليه الأكل ولا يترتب على ذلك جزاء اتفاقاً ما لم يكن منه دلالة أو إشارة. قالوا: ولنا دليل آخر، وهو أن الضمان لا يجب على المُحِل وهو المباشر للصيد، فلا يجب عليه الضمان لأنه محل، والضمان إنما يجب على المحرم، ومن باشر الصيد محل فينتقل الضمان إلى المتسبب وهو هذا المحرم الذي دل أو أشار. وهذه قاعدة سيأتي ذكرها في الكلام على الحدود، وهي: أن الضمان يجب على المتسبب إن لم يمكن أن يكون على المباشر. كأن يرمي رجل رجلاً عند أسد فيأكله، فإن الضمان لا يمكن أن يكون على المباشر فحينئذٍ يلزم المتسبب، وهذه قاعدة. قالوا: فهنا كذلك. هذا هو مذهب الحنابلة، وهو مذهب جمهور أهل العلم. 2- وقال الشافعية: لا يجب عليه الجزاء بل عليه الإثم فحسب. قالوا: لأن الله عز وجل إنما رتب الجزاء على قتل الصيد والصيد لم يقتل، لأن فِعل المحل للصيد ليس بقتل للصيد، فقد صاده من غير أن يكون ذلك قتلاً، فهو صيد صحيح، ولذا يجوز للمحل أن يأكله فهو ليس بمقتول، فهو صيد حينئذٍ. وهذا القول أظهر، لأن القاعدة المتقدم ذكرها وإن كانت صحيحة وهي وجوب الضمان على المتسبب إن لم يمكن وجوبه على المباشر فهنا نقول: أصل الضمان لا يترتب، لأن الضمان إنما يترتب على قتل الصيد والصيد لم يقتل وإنما ذبح ذبحاً صحيحاً شرعياً. والقتل إنما هو حيث كان على هيئة غير شرعية، والمحل إذا دله المحرم على صيد فصاده فهو حلال للمحل حرام على المحرم فدل على أنه غير مقتول، وهذا القول هو الأرجح.
* أما الصورة الثانية: وهي فيما إذا دل المحرم محرماً مثله على صيد فقتله: 1- قال الحنابلة: يشتركان في الجزاء أي المتسبب والمباشر. قالوا: لأن كليهما قد فعل المحظور، فهذا قد فعل المحظور بالقتل وهذا قد فعل المحظور بالإشارة والدلالة. 2- وقال المالكية والشافعية: يجب الجزاء على المحرم الذي قتله مباشرة وأما المتسبب فعليه الإثم فحسب. وهذا هو الراجح، لأن الضمان يجب على المباشر ولا يجب على المتسبب إلا إذا لم تمكن إضافته إلى المباشر فإنه حينئذٍ يضاف إلى المتسبب وهنا يمكننا أن نضيفه إلى المباشر فيغلب جانب المباشر على المتسبب. قال تعالى في كتابه الكريم: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم} * جمهور أهل العلم على أن المثلية في الصورة والخلقة، فمن صاد صيداً فعليه مثله صورة وخلقة من النعم وهي بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، وهذا تقريب لا تحقيق، فهو تقريب؛ لأن التحقيق متعذر، فالمسألة مسألة تقريبية. وفي قوله تعالى: {هدياً بالغ الكعبة} هل يشترط في الهدي الذي هو من جزاء الصيد، هل يشترط فيه ما يشترط في الهدي الذي هو واجب على المتمتع من السن ونحو ذلك من الشروط؟ آثار الصحابة تدل على خلاف هذا، فقد فرضوا العناق والجفرة ونحوها وهي لا تجزئ في الهدي ولا في الأضحية، هذا الذي يدل عليه إجماع الصحابة. فهو في حكم الهدي في كونه يكون لمساكين الحرم، ولا يشترط ما يشترط في الهدي من السن ونحوها. وقد قال تعالى قبل ذلك: {يحكم به ذوا عدل منكم} لا خلاف بين أهل العلم أن ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فإنه يجب العمل به. كما قضى النبي صلى الله عليه وسلم: (أن في الضبع كبشاً) (1) كما ثبت هذا في أبي داود وغيره والحديث صحيح.
وجمهور أهل العلم على أن ما حكم به الصحابة كذلك، وهذا راجع إلى الاحتجاج بآثارهم هذا ما لم يعلم لهم مخالف. أما إذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه جزاء في ذلك فإنه يحكم به ذوا عدل من أهل المعرفة والخبرة، فيحكم من أهل العدالة اثنان لهم معرفة وخبرة وفطنة في باب التماثل بين الصيد وبين جزائه من النعم. ولا يشترط أن يكونا علماء بل يكفي كونهم عدولاً ثقات لهم خبرة وعلم بذلك، هكذا طريقة الحكم. وإن لم يكن للصيد ما يماثله كبعض الطير والجراد فإنه يقوَّم ويشترى بقيمته طعاماً ويهدى إلى مساكين الحرم – كما هو مذهب الحنابلة،ومذهب الجمهور أن الإطعام لأهل الحرم وغيرهم، وقد تقدم البحث في ذلك – أو يصوم عدل ذلك. قال: باب جزاء الصيد قال (في النعامة بدنة) النعامة: طير معروف وهي تشبه البعير إلى حد كبير في هيئته وحجمه ففيها بدنة وهي البعير. قضى بذلك عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية كما في سنن البيهقي. والمراد بالبدنة هنا: الإبل. قال: (وحمار الوحش وبقرته والأيَّل والتيتل والوعل بقرة) هذه كلها من الأوعال وهي ما يسمى عندنا بـ تيس الجبل، أو " الْبِدَن " فهذه فيه بقرة. قضى بذلك ابن عباس كما في سنن البيهقي (1) . قال: (والضبع كبش) كما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم كما في سن أبي داود (2) . قال: (والغزالة عنز) حكم بذلك عمر كما في موطأ مالك والبيهقي بإسناد صحيح أنه قضى في الغزالة بعنز وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة. (3) والجفرة: ما له أربعة أشهر من أولاد المعز. والعناق: أكبر من ذلك يصل إلى ستة أشهر إلى دون الحول وهي أنثى المعز. ففي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة.
قال: (والوبر والضب جدي) الضب: قضى به عمر كما في البيهقي. والجدي: ما له ستة أشهر من ذكر المعز. فالضب فيه جدي. قالوا: ويقاس عليه الوبر، أما الأثر فهو وارد في الضب. قال: (واليربوع جفرة) اليربوع معروف: وهو ما نبدل ياءه جيماً (الجربوع) هذا فيه جفرة وهي ما له أربعة أشهر من أولاد المعز وقد تقدم أثر عمر الدال على ذلك. قال: (والأرنب عناق) لأثر عمر المتقدم. قال: (والحمامة شاة) هذا ما قضى به ابن عباس فيما رواه البيهقي ابن عباس: (جعل في حمام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامة شاة) (1) ولكن المماثلة بينهما التي ذكرها أهل العلم فيها شيء من الغرابة قالوا: الحمامة تعُبَّ الماء كما تَعَبُّه الشاة. فالحمامة إذا شربت الماء فإنها تضع منقارها في الماء ثم تمصه مصاً كما تفعل الشاة، بخلاف غيرها من الطيور فإنه يأخذ القطرة ثم يرفع رأسه حتى تنزل ثم يعيده مرة أخرى وهكذا. لكن هذه المماثلة – فيما يظهر لي – لا يترتب عليها مثل هذا الحكم وهو باب المماثلة. لكن يشكل علينا قضاء ابن عباس رضي الله عنه فإنه قد قضى بذلك ولا يعلم له مخالف، لكن ذهب الإمام مالك إلى تفصيل في هذه المسألة فقال: هذا خاصٌ في حمام الحرم، وأما غيره مما يصيده المحرم من الحمام في غير الحرم فإن فيه الثمن أي القيمة. ويعضد ذلك: ما ورد عن ابن عباس في البيهقي في بعض الروايات عنه والسند صحيح قال: (وكل ما سوى حمام الحرم ففيه ثمنه إذا صاده المحرم) فظاهر ذلك أن كلامه المتقدم خاص بحمام الحرم، وأما غيره من الحمام فإنه لا يلحقه هذا الحكم. وهذا قوي لأن المماثلة بين الشاة والحمامة بعيدة جداً، لكن كونها تجب في حمام الحرم قويٌ لعظم الخطأ فتعظم العقوبة فلعل ذلك من ابن عباس من هذا الباب.
فالذي يظهر لي ما ذهب إليه المالكية من التفصيل: أما حمام الحرم فيجب فيه شاة كما قضى بذلك ابن عباس تغليظاً لهذا الفعل، وأما غيره من الحمام فإن صاده المحرم فلا يجب فيه إلا القيمة فيشترى بقيمته طعام ويهدى إلى مساكين الحرم، وتقدم. مسألة: رجل وجبت عليه شاة فأهدى بدنة، فإن ذلك يجزئه لأنه فعل ما يجب وزيادة، فمن تطوع خيراً فهو خير له. مسألة: الظاهر أنه يجوز نقل الهدي ونحوه عن مساكين الحرم إذا كانوا مكتفين. والحمد لله رب العالمين. باب: صيد الحرم أي الحرم المكي: ويتبعه المؤلف أيضاً بذكر حكم صيد الحرم المدني. قال: (يحرم صيده على المحرم والحلال) يحرم صيد الحرم وهذا بالإجماع، فلا يجوز للمسلم - أن يصيد بالإجماع - أن يصيد صيد الحرم محلاً كان أو محرماً. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا البلد حرمه الله لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تُلتقط لقطته إلا لمن عرَّفها ولا يختلى خلاها " وهو العشب الأخضر الرطب " فقال العباس: يا رسول الله: إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم " لقينهم " أي لصانعهم، يوقد به النار لصنعته " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا الإذخر) (1) وهو عشب معروف هناك. فهذا الحديث وغيره يدل على تحريم مكة – وهذا بإجماع العلماء وأن صيدها حرام على المحل والمحرم. قال: (وحكم صيده كصيد المحرم) فحكم صيد الحرم كحكم صيد المحرم، وقد تقدم البحث في مسألة صيد المحرم في تحريم ذلك وأنه يثبت فيه الجزاء قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ... } فعلى ذلك كل ما يثبت من الجزاء فيما تقدم البحث فيه من وجوب المثلية أو القيمة أو الإطعام والصيام كل ذلك ثابت في صيد الحرم للمحرم والمحل، وهذا باتفاق العلماء. ويدل على ذلك الأثر والقياس:
أما الأثر: فهو ما تقدم عن ابن عباس من إيجابه في حمام الحرم شاة على المحرم والمحل، وهو في البيهقي بإسناد صحيح. وأما النظر: فهو قياس صيد الحرم على صيد المحرم بجامع أن الصيد ممنوع لحق الله فيهما. فالصيد ممنوع لحق الله تعالى على المحرم، وممنوع لحق الله أيضاً عليه وعلى المحل في صيد الحرم. فقد اتفق أهل العلم على ثبوت الجزاء في صيد الحرم على التفصيل المتقدم في النعامة بدنة وفي الضبع كبش ... وهكذا. وفي قوله: (وحكم صيده كصيد المحرم) ظاهره أن الصيد المائي في الحرم جائز، كأن يكون في العيون أو المياه التي في الحرم – أن يكون فيها- شيء من صيد الحرم، فظاهر كلام المؤلف جواز اصطياده وهو رواية عن الإمام أحمد، وهذا من باب القياس فكما أن المحرم لا يحرم عليه صيد البحر فكذلك هو والمحل في الحرم. والرواية الثانية عن الإمام أحمد: وهي أصح: أن صيد البحر محرَّم في الحرم أي الصيد المائي في العيون ونحوها. وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا ينفر صيدها) و" صيد " جمع مضاف فيفيد العموم أي كل صيدها، فيدخل في ذلك الصيد المائي. وقياسهم قياس مع الفارق: فإن المحل يجوز له أن يقطع الشجر ويحش الحشيش وأما في الحرم فلا يجوز له ذلك فثبت بينهما الفارق. والقياس مع الفارق غير صحيح. إذاً: أصح قولي العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الصيد المائي لا يجوز صيده في الحرم المكي لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا ينفر صيدها) . قال: (ويحرم قطع شجره وحشيشه الأخضرين إلا الإذخر) يحرم قطع شجر الحرم – أي شجره النابت فيه بغير فعل من الآدميين كالشجر البري، فما ينبت فيه من الشجر البري وليس من صنع الآدميين لا يجوز بالإجماع أن يعضد ولا أن يحش الحشيش الأخضر وذلك للحديث المتقدم في قوله: (ولا يعضد شوكها) . فالشوك مع ما فيه من الأذى لا يجوز أن يعضد فالشجر أولى من ذلك وهذا باتفاق العلماء.
وكذلك الحشيش وهو العشب الأخضر النابت في الحرم مما هو ليس من صنع الآدميين لا يجوز للمحرم أو المحل أن يحتسه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يختلى خلاها) والخلا هو العشب. وهنا قال: (الأخضرين) فيخرج من ذلك اليابسان فيجوز أن تقطع الشجرة اليابسة التي لا حياة فيها، وأن يحتش الحشيش اليابس الذي لا حياة فيه لأنه ميت فلا قيمة له ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يختلى خلاها) والخلا إنما هو الرطب لا اليابس فلا بأس بقطعه ما كان يابساً. ويجوز بلا خلاف بين العلماء أن ينتفع بما يكون من الأغصان الساقطة أو الحشيش المقطوع في الأرض وإن كان رطباً ما دام مقطوعاً لأنه انتفاع بلا قطع، والنهي إنما هو عن قطعه. ولا بأس أيضاً أن يؤخذ ما يكون من احتياجات الناس من النباتات الطبيعية كالسنا أو المساويك أو غير ذلك لا حرج في ذلك لأن الحاجة ثابتة إليه فلا حرج فيه كما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم الإذخر فقد استثناه النبي صلى الله عليه وسلم لحاجة الناس إليه ويقاس عليه ما يحتاج إليه الناس من النباتات الطبيعية وما يحتاج إليه الناس من النبات أو الشجر الذي يقوم به حاجاتهم. والظاهر أن مرادهم بالحاجة ما يلحق الحرج بتركه، فهذا ضابط الحاجة. قال: " إلا الإذخر ": وقد تقدم دليل ذلك في المتفق عليه من قول العباس: إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال: " إلا الإذخر " وتقدم أنه يقاس عليه ما يحتاج إليه الناس من النبات الطبي كالسنا وما يحتاج إليه الناس من السواك ونحوه. واعلم أن الكمْأة: تستثنى من ذلك لأنها ثمرة، ولأنه لا أصل لها في الأرض كالنبات من عشب أو شجر، فعلى ذلك يجوز أخذ الكمأ. واختلف أهل العلم في رعيه، فهل يجوز له أن يطلق غنمه أو إبله ترعى في الحرم أم لا؟ قولان لأهل العلم:
أصحهما جوازه: وذلك لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأرسلت الأتان ترتع) (1) وكان ذلك في منى، ومنى من الحرم؛ ولأن الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يأتون بالهدايا من إبل وبقر وغنم فلم يكونوا يربطون أفواهها أن تأكل من حرم الله عز وجل، ولو كان هذا ثابتاً لنقل إلينا. ولأن الحاجة إليه – أي للرعي – شبيهة بالحاجة إلى الإذخر بل أعظم فعلى ذلك الرعي جائز، لكن لا يجوز له أن يحتش لها بل يطلقها ترعى في الحرم. هل في قطع شجر الحرم واحتشاش حشيشته هل فيه الجزاء؟ قال جمهور الفقهاء: فيه الجزاء. ا) قال الحنابلة والشافعية: الدوحة " وهي الشجرة الكبيرة " فيها بقرة، والشجرة الصغيرة فيه شاة، وما دون ذلك فإنه يقوّم، كالحشيش فإنه بقيمته. واستدلوا: بأثر ابن عباس أنه قال: (في الدوحة بقرة، وفي الجزْلة " وهي الشجرة الصغيرة " شاة) وهذا الأثر قال الألباني في إرواء الغليل (2) : " لم أقف عليه " وهو كما قال، وقد نظرت باحثاً عن هذا الأثر فلم أجده وإلا لو صح لقلنا به فإنه أثر صحابي لا يعلم له مخالف. فعلى ذلك العمل به متوقف على تصحيحه، وتصحيحه متوقف على النظر في سنده، ولم يعزه الحنابلة إلى كتاب من الكتب المشهورة فينظر فيه كما تقدم. ب) وقال الأحناف: جزاؤه قيمته، فيقوم ثم يتصدق بقيمته. ودليل الجمهور على ثبوت الجزاء فيه: القياس على الصيد. قالوا: كما أن الصيد يجب فيه الجزاء فكذلك قطع الشجر واحتشاش الحشيش يجب فيه الجزاء؛ بجامع أن كليهما مما يمنع في الحرم.
2- وذهب المالكية واختار ذلك ابن المنذر إلى أنه لا جزاء فيه وذلك لأن الضمان يحتاج إلى دليل ولا دليل يدل عليه، والأصل براءة ذمة المكلف من أن يلحق به غرامة مالية. والأظهر ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب الضمان قياساً على الصيد بجامع أن كليهما ممنوع في الحرم، ولما سيأتي في الكلام على شجر الحرم المدني من ثبوت السلب فيه، فأولى من ذلك أن يثبت في حرم مكة الجزاء. والأصح من قولي الجمهور: ما ذهب إليه الأحناف من وجوب القيمة فيقوم ما قطع أو احتش. * واعلم أن القطع الذي يترتب عليه الجزاء إنما هو القطع المتلف، وأما إن قطعه ثم نقله إلى موضع آخر فلم يتلف الشجر فإنه لا يترتب عليه الجزاء حينئذٍ. ولا يجوز له أن ينقله إلى خارج الحرم لأن ذلك مظنة لإتلافه. واعلم أن الأغصان تلحق الأصل فلو أن شجرة في طرق الحرم جذرها، وأغصانها تخرج إلى الحل فإنه لا يجوز أن يقطع شيء من أغصانها لأنها تبع لأصلها وأصلها في الحرم (1) . قال: (ويحرم صيد المدينة) صيد المدينة يحرم لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المدينة حرام ما بين عَيْر إلى ثور) (2) وفي مسلم: (لا يقطع عِضاها " وهو الشجر ذو الشوك " ولا يصاد صيدها) (3) وفي مسند أحمد وأبي داود وتمامه لأحمد: والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها ولا يقطع فيها شجرة إلا أن يَعْلِف رجل بعيره) (4)
فالمدينة يحرم صيدها فلا ينفر فضلاً عن أن يقتل، وكذلك حشيشه كل ذلك محرم على التفصيل المتقدم في الكلام على حرم مكة من أن ذلك إنما هو في الأخضر الرطب لا في اليابس الميت، وأن ذلك فيما لم يكن للآدمي فيه فعل بخلاف ما يكون للآدمي فيه فعل فإنه جائز. قال: (ولا جزاء) فمن فعل بأن صاد صيداً أو احتش حشيشاً أو قطع شجرة في حرم المدينة فإنه لا جزاء عليه. قالوا: لأن ثبوت التحريم لا يستلزم ثبوت الجزاء فالأصل براءة الذمة من أن يلحقها شيء من الغرامة المالية، فهو محرم ولا يجب عليه الجزاء. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبين ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولما ذكر حرمها قال: (فمن آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ولم يذكر جزاءً وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، هذا هو المشهور عند الحنابلة وغيرهم من أهل العلم. وعن الإمام أحمد: أن من وجد فاعلاً لذلك فله سلبه، أي فله أن يأخذ ثيابه وما معه من متاع وما معه من آلة صيد وما على يديه من خاتم وساعة ونحو ذلك ولا يبقي عليه إلا ما يستر به عورته وهذا هو الثابت في السنة الصحيحة.
فقد ثبت في مسلم أن سعد بن أبي وقاص: (ذهب إلى البقيع فرأى غلاماً يقطع من شجر الحرم فأخذ سلبه، فأتى أهل الغلام يسألونه سلب غلامهم فقال: والله لا أعطيكم شيئاً نفلنيه النبي صلى الله عليه وسلم) (1) وهو أيضاً في أبي داود بلفظ: (إن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن شجر المدينة وقال: من قطع منه شيئاً فلمن وجده سلبه) (2) إذاً: لا جزاء عليه لكن لمن وجده حاكماً أو محكوماً له سلبه وإنما المحكوم حيث لم يترتب على ذلك مفسدة أما إذا ترتب مفسدة فلا. وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو الراجح من أقوال العلماء. لكن إن لم يؤخذ منه سلبٌ فلا جزاء عليه وعليه الاستغفار والتوبة. قال: (ويباح الحشيش للعلف وآلة الحرث ونحوه) فيباح الحشيش للعلف بأن يحتشه ليعلف دوابه. إذن: يفارق حرم مكة بجواز احتشاش العلف للبهائم. ودليل ذلك: ما تقدم في مسند أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يقطع من شجره إلا أن يعلف رجل بعيره) (3) قال: " وآلة الحرث ونحوه " فيجوز أن يقطع من الشجر ما يستخرج منه الخشب لآلة الحرث التي يحرث بها وهي تحتاج إلى أخشاب كالرحل وغيره.
واستدلوا: بما ذكره صاحب المغني وغيره أن الإمام أحمد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم: لما حرَّم المدينة قالوا: يا رسول الله: إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وليس لنا أرضاً سواها فرخص لنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (القائمتان) وهي مقدمة الرحل ومؤخرته، أي ما يوضع على الناقة مما يتكئ عليه في مؤخرته، وما يستمسك به في مقدمته، (والوسادة والعارضة والمَسَدَّ) (1) والوسادة والمسد خشب يوضع في البكرة التي يستسقى بها الماء " والعارضة: خشب يوضع سقفاً للمحمل " وما سوى ذلك فلا يعضد ولا يؤخذ منه حطباً. والحديث ذكره صاحب المغني – كما تقدم – ناسباً إياه إلى الإمام أحمد ولم أجده في المسند، وهكذا قال المعلق على كتاب المغني أنه لم يجده في المسند والاحتجاج به متوقف على النظر إلى إسناده ولعله في شيء من كتب الإمام أحمد سوى المسند. لكن حاجة الناس من أهل المدينة ثابتة لذلك، فإن حاجتهم إلى ذلك أعظم من حاجة أهل مكة لاحتياجهم إلى الحرم بخلاف أهل مكة فإن الأمر يتسع لهم أعظم من أهل المدينة فيما سوى الحرم. ولأن حرم المدينة مخفف عن حرم مكة كما تقدم من أنه لا جزاء في صيد صيده ولا في احتشاش حشيشه ولا قطع شجره إلا ما ورد من السلب وهو ليس من باب الجزاء على الإطلاق، وإنما قد يقع له، فإن لم يقع فلا جزاء، فلا شك أن حرم المدينة أخف من حرم مكة. فعلى ذلك: إن احتاجوا إلى شيء من الأخشاب أو الحشيش ونحو ذلك فذلك جائز لهم. قال: (وحرمها ما بين عَيْر إلى ثور)
عير: جبل في جهة الميقات، وأما ثور: فهو جبل خلف جبل أحد من جهة الشمال، فهذا " أي ثور " من جهة الشمال، وعير من جهة الجنوب وبينهما نحو أربعة فراسخ وهي تساوي اثنا عشر ميلاً أي نحو عشرين كيلو متراً أو نحو ذلك. هذا من جهة الشمال والجنوب. وأما من جهة الشرق والغرب: فالحرتان، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في مسلم من حديث أنس: (إني أحرم ما بين لابتيها) (1) واللابتان هما الحرتان. فما بين الحرتين من جهة الشرق والغرب، وما بين جبل عير وثور من جهة الشمال والجنوب هذا هو حرم المدينة. فعليه حرم المدينة بريدٌ في بريد أي أربعة فراسخ في أربعة فراسخ أي اثنا عشر ميلاً في اثني عشر ميلاً. وأما حرم مكة فهو ظاهر فالأميال موضحة له ومبينة. مسألة: هل يجوز أخذ سلب الجاهل؟ الجاهل إن صاد الصيد وهو محرم في الحرم فإنه لا جزاء عليه لجهله لقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمداً …ليذوق وبال أمره} فدل على أنه عالم بالحكم فأولى من ذلك هنا، فلا يجوز سلبه. مسألة: حديث: (يا أبا عمير ما فعل النغير) (2) هذا دليل يعارض الحديث المتقدم فإن ظاهره جواز الصيد في الحرم؟ الجواب عن هذا: أن يقال: يحتمل أن يكون هذا قبل الحكم، فعندنا أحاديث ظاهرة ومحكمة في تحريم صيده فلا نتركها لمثل هذا المحتمل، ويحتمل أن يكون ممسكاً خارج الحرم ومحبوساً في الحرم، وهو جائز عند الحنابلة أن يمسك الصيد في الحل ثم يحبس في الحرم فهو جائز وقد تكون حاجة الناس إلى ذلك، فيجوز ذلك لأنه ليس مصيداً في الحرم.
وجعل الحنابلة هذا فارقاً بين صيد الحرم المدني وصيد الحرم المكي، وأن صيد الحرم المكي يجب أن يترك وإن صيد في الحل، فمن دخل الحرم ومعه صيد فيجب أن يفلته. والظاهر أن هذه المسألة كتلك؛ لأنه لا فارق بين المسألتين لأن النهي إنما هو عن صيد الحرم نفسه وهذا ليس صيد الحرم وثبوت الإمساك فيه ليس بصيد ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. فعلى ذلك هذه القصة دليل على ما ذهب إليه الحنابلة من أن إمساكه في الحرم وقد صيد في الحل هذا جائز فيه. ويحتمل ما تقدم وأنه قبل التحريم فإن هذا الطفل قد صيد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر هذا أنس بن مالك. مسألة: ثبت لنا أن المحرم لابد وأن يتوفر فيه الشروط حتى يثبت عليه الجزاء. لكن هل هذا في صيد الحرم؟ قال فقهاء الحنابلة: إذا صيد في الحرم فإنه يثبت الضمان مطلقاً وإن كان صائده كافراً أو صغيراً غير مكلف أو غير عاقل؛ والنظر يقتضي ذلك، لأن التحريم ليس بالنظر إلى المكلف وإنما بالنظر إلى حرمة المصيد وحفظه. فليس هذا بالنظر إلى المكلف كما يكون ذلك في تحريم الصيد على المحرم، فإن الصيد حلال ما دام خارج الحرم لكن حرم على المكلف الذي قد أحرم.أما هذا فهو صيد محرم لمعنى في المكان فهو قد ارتبط بمعنى في المكان خارج عن المكلف فعلى ذلك يجب الضمان مطلقاً وإن كان من صاده صغيراً أو غير مكلف. وقد ذكر الموفق هذه المسألة ولم يذكر خلافاً بين أهل العلم فيها. مسألة: رجل أراد أن يستظل تحت شجرة لها أغصان فاحتاج إلى أن يقطع من أغصانها – وكان ذلك في الحرم – فما الحكم؟ فيه تفصيل: إن كان يلحقه الحرج بترك الاستظلال في هذا المكان فنعم. وإن لم يكن يلحقه حرج فلا. مسألة: الثمار في الحرم يجوز قطعها لأن هذا لا يؤثر في أصلها كما تقدم في المساويك ونحوها. والحمد لله رب العالمين. باب: دخول مكة
هذا الفصل في سياق ما يستحب للمحرم من السنن عند دخول مكة في صفة طوافه بالبيت وبين الصفا والمروة وحلق رأسه أو تقصيره، فقال المؤلف هنا. : (يسن من أعلاها) أي يسن لداخل مكة حاجاً أو معتمراً أن يدخل من أعلاها وهو الحجون وهو كداء، فيستحب أن يدخل منه سواء كان في طريقه أو لم يكن في طريقه فيسن له أن يعدل إليه. ويستحب له أن يخرج من أسفلها وهو كدي وهو في سمت شعب الشاميين، ودليل هذه السنة: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها) (1) وفي الصحيحين عن ابن عمر: قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة من كداء " وهو الحجون " ثم خرج من الثنية السفلي " (2) وهو كدي ") . وظاهر ذلك كما تقدم أنه يستحب له ذلك ولو كان بأعلى مكة أو أسفلها عادلاً جائراً عن طريقه فإنه مستحب له تكلف ذلك. وقال بعض الشافعية: بل لا يستحب ذلك. وإنما كان هذا من النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الاتفاق. وهذا ضعيف، ولذا نظر فيه النووي فقال راداً على هذا القول: إن الآتي من المدينة ليس في طريقه الحجون " كداء " فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عدل إلى أعلاها فليس هذا في سمت طريقه فيكون قد فعله على وجه الاتفاق، بل قد عدل عن طريقه وتكلف الدخول من أعلاها. ثم هذا هو الأصل فيما ينقله الصحابة من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون على وجه الاستحباب لا على وجه الاتفاق. قال: (والمسجد من باب بني شيبة)
أي يسن دخول المسجد من باب بني شيبة: روى ذلك الطبراني عن ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: دخل من باب بني شيبة) (1) وإسناده ضعيف لكن له شواهد يرقي به إلى درجة الحسن. فلذا: يستحب لمن دخل البيت أن يدخله من باب بني شيبة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فينظر فإن كان باب بني شيبة في سمت طريقه أعلى مكة فإنه يقوى أن يكون هذا قد وقع من باب الاتفاق إذ لا مزية لباب بني شيبة على غيره من الأبواب ولا يسن معنى لذلك بخلاف دخوله من أعلاها وأن يأتيها مشرفاً عليها، فإن ذلك أعظم في نفسه، بخلاف الخروج منها فيكون شبيهاً بذهاب الرجل إلى العيد يأتي من طريق ويرجع من طريق آخر. قال: (فإذا رأى البيت رفع يديه وقال ما ورد) يستحب عند فقهاء الحنابلة: إذا دخل البيت فرآه أن يرفع يديه وأن يقول ما ورد وهو قوله: (اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة وزد من شرفه وكرمه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تكريماً وتشريفاً وتعظيماً وبراً) (2) روى هذا الحديث البيهقي في سننه بإسناد ضعيف معضل. فعلى ذلك: لا يستحب لعدم الدليل الصحيح فيه. قال الشافعي: " ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء فلا أستحبه ولا أكرهه) قال البيهقي: (ولعله لم يعتمد عليه لانقطاعه) فعلى ذلك لا يقال بالاستحباب لضعف الحديث. لكن صح عن عمر بن الخطاب كما في البيهقي بإسناد جيد: أنه كان إذا نظر إلى البيت قال: (اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام) (3) . ومعلوم أنه يستحب له ما يستحب للمساجد من تقديم الرجل اليمنى وذكر ما ورد عند الدخول والخروج منه، لأنه مسجد فاستحب له بل هو أولى من غيره باستحباب ذلك. قال: (ثم يطوف مضطبعاً)
صفة الاضطباع: أن يضع وسط رداءه تحت عاتقه الأيمن ويرد طرفيه على عاتقه الأيسر – فحينئذٍ -: ينكشف عاتقه الأيمن، هذا مستحب في طواف القادم وطواف المعتمر. ودليله: ما ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح عن يعلى بن أمية قال: (طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت مضطبعاً ببرد أخضر) (1) وفيه أنه لا حرج في لبس غير الأبيض في الإحرام وإن كان المستحب هو الأبيض. وهو مستحب في الطواف خاصة فلا يشرع في بقية المناسك كالسعي بين الصفا والمروة وغيره لأن هذه الصفة صفة غير معتادة، فوردت في الطواف للقادم والمعتمر وقياس غيره عليه لا يصح؛ لأن هذه الصفة غير معتادة ولم ينقل لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلها في طوافه بين الصفا والمروة لذا لما سُئل الإمام أحمد عن ذلك قال: (ما سمعنا) أي ما سمعنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك في سعيه بين الصفا والمروة، والأصل في العبادات التوقف. فعلى ذلك: إذا طاف سبعاً أعاد إحرامه إلى هيئته الطبيعية، وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عمر أنه قال: (فيم الرملان اليوم والكشف عن المناكب وقد أطَّأ الله " أي ثبت " الإسلام ونفى الكفر وأهله مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم) (2)
ففي هذا الأثر: أن مشروعيته – أي الاضطباع – كانت لإظهار قوة المسلمين أمام الكفار وكان ذلك في عمرة القضية في السنة الثامنة للهجرة، وسميت قضية لأنها كانت قضاءً لعمرة الحديبية التي أحصر عنها النبي صلى الله عليه وسلم " فكان الكفار يقولون: يأتيكم محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب " وكانت يثرب معروفة بالحمى فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يظهر للكفار جلد المسلمين وقوتهم فأمرهم بالرمل في الأشواط الثلاثة وبالكشف عن المناكب في الطواف كله، فإن في ذلك كله إظهاراً للجلد. ومع ذلك قال عمر: (مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) وذلك: لأنه لا مانع أن يستحب الشيء لمصلحة ثم يبقى استحبابه بعد ذلك فإن فيه تذكيراً لنعمة الله عز وجل بعد أن كان المسلمون ضعفاء وينظر إليهم الكفار أنهم ضعفاء فاحتاجوا إلى أن يظهروا قوتهم، وكانوا كذلك – بعد أن كانوا – على ضعف، فيتذكر المسلم كذلك ما كان عليه المسلمون من الضعف السابق لقوتهم. قال: (يبتدئ المعتمر بالطواف للعمرة والقارن والمفرد للقدوم) هذا هو السنة والمستحب للقادم مكة حاجاً أو معتمراً أن يكون أول شروعه بالاشتغال بالطواف فلا يسبق ذلك اشتغال بشيء من العبادات من قراءة قرآن أو ذكر أو تحية مسجد أو نحو ذلك بل يستحب له أن يتعجل بطوافه بالبيت. فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم البيت أن توضأ ثم طاف بالبيت) (1) فالمستحب للمعتمرين أن يشرعوا بطواف عمرتهم ومثل ذلك المتمتع الذي أول نسكه العمرة يشرع بطواف عمرته، والقارن والمفرد طوافهم حينئذٍ طواف القدوم فيطوفون بالبيت طواف القدوم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً فكان طوافه طواف القدوم.
قال: (فيحاذي الحجر الأسود بكله) يقف محاذياً للحجر الأسود بكل بدنه وذلك ليستوعب البدن البيت كله – أي حتى يكون البدن قد طاف على البيت كله -. وحينئذٍ إذا انتهى من الشوط الأول وشرع في الثاني يكون البدن قد طاف على البيت كله. ولا أعلم بين أهل العلم خلافاً في فرضية ذلك، وأن الطواف لا يجزئ إلا بأن يستوعب البيت كله بالطواف. قال: (ويستلمه) إذا حاذى الحجر فإنه يستلمه واستلام الحجر مسحه باليد. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: (لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين) (1) ففيه مشروعية استلام الحجر الأسود ومشروعية استلام الركن اليماني، فالحجر الأسود والركن اليماني هما الركنان اليمانيان لأنهما من جهة اليمين. قال: (ويقبله) لما ثبت في الصحيحين: أن عمر قبَّل الحجر وقال: (إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) (2) فإن استلمه بيده فقبلها فذلك سنة ففي صحيح مسلم: (أن ابن عمر كان يستلم الحجر بيده ثم يقبلها ويقول: ما تركته مذ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله) (3) والأفضل هو تقبيل الحجر لأن ذلك مباشرة للتقبيل لكن حيث كان فيه شيء من الزحام أو لتطبيق هذه السنة أحياناً فإنه يقبل يده، ولذا قال: (فإن شق قبَّل يده) أي قبل يده بعد الاستلام؛ لأنها يد استلمت فاستحب تقبيله، فانتقل ذلك إلى تقبيلها، فاستحب - لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم – أن تقبل.
قال: (فإن شق اللمس أشار إليه) فإن شق استلامه بيده فإنه يشير إليه، فقد ثبت في البخاري عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير فكان كلما مرَّ على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبَّر) (1) ولا يستحب تقبيل هذا الشيء من يد مشيرة أو عصا قد أشير به لأنه لم يمس الحجر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبله، لأنه لم يباشر اللمس وإنما أشير به فحسب. فإذن: إن شق فإنه يشير بيده أو بعصا ونحوه ولا يقبل ذلك لأنه لم يرد، ويكبَّر " يقول: الله أكبر ". ويستحب له أن يستلمه بشيء كأن يكون على بعير أو يكون هناك بعدٌ عن الحرم أو زحام ويمكنه أن يمد إليه شيء فإنه يُمس هذا العصا ونحوه الحجر ويقبله. فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت على بعير فكان يستلم الحجر بمِحْجن " (2) وهو العصا المعكوف. ونحوه في مسلم من حديث أبي الطفيل وفيه: (ويقبل المحجن) فهذه من الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، من تقبيل مباشر أو استلام باليد أو استلام بعصا ونحوه وتقبيله، كل ذلك ثابت عنه عليه الصلاة والسلام. وثبت عن عمر: أنه كان يلتزمه ففي مسلم: (أنه – رضي الله عنه – قبَّله ثم التزمه وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كان بك حفياً " (3) أي معتنياً ")
وإن سجد عليه فحسن فقد صح عن ابن عباس كما في البيهقي: (أنه كان يقبل الحجر ويسجد عليه) (1) فهاتان الصفتان ثابتتان عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. قال: (ويقول: ما ورد) وقد تقدم ورود التكبير في حديث ابن عباس: (أنه كان يشير إلى الحجر بشيء ويكبَّر) (2) أي يقول: " الله أكبر " وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبله ببدنه فالاستقبال بالبدن لا أصل له ولو كان ثابتاً لنقل، بل كان يشير إليه وهو ماشي. ووردت التسمية عن ابن عمر، ففي المسند بإسناد جيد: (أن ابن عمر كان إذا استلم الحجر قال: بسم الله والله أكبر) قالوا: ويستحب له أن يقول: (اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم) رواه البيهقي من حديث عبد الله بن السائب والحديث إسناده ضعيف فلا يحتج به. فإذن: الوارد عند الإشارة أو الاستلام قول: " بسم الله والله أكبر " أما الركن اليماني فلا يستحب فيه إلا الاستلام، فلا يستحب فيه تقبيل اليد ولا تقبيله مباشرة ولا يستحب أن يقول: " بسم الله والله أكبر " لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه. ويستحب له بين الركنين أن يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (3) كما ثبت ذلك في أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقول بين الركنين:: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)
ويشتغل في الطواف بما أحب من ذكر ودعاء وقراءة للقرآن أو صمت أو نحو ذلك، يشتغل بما أحب من التعبد لله بالعبادات القولية، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نوع معين من الدعاء خاصٌ بالطواف أو بشيء من مواضعه سوى ما تقدم من قوله بين الركنين. قال: (ويجعل البيت عن يساره) وهذا بإجماع العلماء ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) (1) ولا يصح الطواف إلا به. قال: (ويطوف سبعاً) لا يجزئه خمساً ولا ستاً، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) قال: (يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثاً ثم يمشي أربعاً) الآفاقي: وهو غير المكي – القادم من الأماكن البعيدة – سوى أهل مكة فالآفاقي يستحب له الرمل في الطواف. والرمل: هو إسراع المشي مع تقارب في الخطا بلا وثب، فلا يستحب له الوثب، والوثب لا أصل له، بل الرمل مشي سريع مع تقارب في الخطا هكذا عرَّفه الموفق وابن مفلح والنووي وغيرهم من أهل العلم وهو المعروف في لغة العرب. والرمل مستحب في الأشواط الثلاثة الأولى كلها إن كان آفاقياً، أما أهل مكة فلا يستحب لهم ذلك؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما شرعه للقادمين فلا يلحق بهم غيرهم. وهو مستحب في طواف العمرة وطواف القدوم فلا يستحب في طواف الإفاضة ولا في غيرها مما يطوفه الحاج، فقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: (لم يرمُل النبي صلى الله عليه وسلم في طوافه الذي أفاض فيه) (2) أي في طواف الإفاضة. والرمل مستحب في الأشواط الثلاثة دون الأربعة الأخيرة، لما ثبت في مسلم عن ابن عباس قال: (رمَل النبي صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثم مشى أربعاً) (3)
فإن قيل فما الجواب عما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة ويمشوا بين الركنين) (1) فالجواب عن هذا: أن يقال: هو في عمرة القضية، وأما حديث ابن عباس فهو في حجة الوداع. فحديث ابن عباس هو [آخر] الأمرين عنه صلى الله عليه وسلم. فإن فاته الرمل في الشوط الأول فعله في الثاني والثالث، وإن فاته في الأول والثاني فعله في الثالث، وإن فاته في الثلاثة لم يفعله في الأشواط الباقية لأنها سنة فات محلها فهي مشروعة عند ابتداء الطواف في الأشواط الثلاثة فإن فاتته فلا يشرع له أن يفعلها في الرابع والخامس.. . قال: (يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة) هذا جواب عن سؤال وهو أن يقال: هل استلام الحجر إنما يستحب في الشوط الأول أم هو مستحب في الأشواط كلها وكذا استلام الركن اليماني؟ فأجاب بقوله: أنه يستحب في كل مرة أي في الأشواط السبعة كلها. ودليل ذلك: ما ثبت في النسائي بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كل طوافه) (2) لكن لا يستلمه عند نهاية الشوط السابع لأنه ينتهي الطواف بوصوله إلى الحجر الأسود. مسألة: في الرمل تستثنى المرأة فلا يشرع لها ذلك لما فيه من منافاة لسترها وكذلك في الإسراع في المسعى بين العلمين الأخضرين لما فيه من منافاة سترها. ورد في المسند: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: (إنك رجل قوي فلا تؤذِ الضعفة أشر إليه وكبر) روى في المسند ورأيت فيه شيئاً من الجهالة لكن المعاني الشرعية تدل على ذلك فإن فيه أذية للضعيف.
ولا سيما إذا كان فيه اختلاط نساء فإن الفضيلة تكون للإشارة حيث كان فيه مشقة. * ظاهر قول عمر: (مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم) (1) فظاهر ذلك أنه قد خفي عليه رمل النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف في حجة الوداع وإن كان الظاهر أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم لكن قد يكون خفي عليه فاجتهد رأيه فأصاب. قاعدة: الرمل والاضطباع خاص للآفاقيين في طواف العمرة والقدوم فقط. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن ترك شيئاً من الطواف … لم يصح) " شيئاً " نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم فإن ترك طوافاً أو بعضه. فإن ترك شيئاً من الطواف ولو كان يسيراً، كأن ينصرف من الطواف قبل خطوات يسيرة من وصوله إلى الحجر الأسود فإن طوافه لا يصح ولا يجزئه؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد طاف بالبيت سبعاً وفعله صلى الله عليه وسلم بيان لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} وما كان من الفعل هكذا فإنه له حكم ما بينه أي حكم المجمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا عني مناسككم) فلا يجزئه إلا أن يطوف بالبيت أسبوعاً – أي سبعاً. قال: (أو لم ينوه) طاف بلا نية فإنه لا يجزئه ذلك لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ولأن الطواف بالبيت صلاة فكما أن الصلاة تشترط فيها النية فكذلك الطواف – هذا مذهب الحنابلة –. واعلم أن الطواف الخارج عن الحج والعمرة وهو طواف التطوع يشترط فيه نية لأن هذا الطواف عبادة والعبادات شرطها النية وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) – ولا نزاع في هذا بين أهل العلم وإنما النزاع بين أهل العلم في شرطية النية لطواف الحج والعمرة سواء كان طواف إفاضة أو طواف قدوم أو طواف عمرة أو طواف وداع، هل يشترط فيه النية أم لا؟ أي هل يشترط له فيه خاصة أم يكتفي فيه بنية الحج العامة؟
قال الحنابلة: أنها شرط، لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) . وذهب الشافعية إلى أن النية ليست بشرط، لكن يشترط ألا ينوي غير نسكه. فإن نوى غير النسك لم يجزئه ذلك كأن يطوف حول البيت بقصد البحث عن أحد من الناس أو نحو ذلك فإنه هنا قد نوى البحث عن هذا الشخص بغير نية للطواف أصلاً أو نية منافية للطواف. واستدلوا: بأن الحج كالصلاة فكما أن الصلاة تكفي نيتها لركوعها وسجودها وقيامها وقعودها فلا يشترط أن يجدد نية لكل ركن من أركانها، فكذلك الحج يكتفي بنيته أي بنية الحج - وهو الدخول في النسك تكفي - عن الطواف والوقوف بعرفة والسعي ونحو ذلك من المناسك. وهذا القول هو الراجح وهو مذهب أكثر العلماء فكما أن الصلاة تكفي نيتها عن نية أفعالها التي أجزاء منها فكذلك الحج فإن نيته وهي نية الدخول في الإحرام تكفي عن أفعال الحج. وبدليل أن أهل العلم أجمعوا على أن الواقف بعرفة الناسي يجزئه وقوفه فكذلك هنا. وتفريق من فرّق بين الوقوف بعرفة وبين الطواف: بأن الوقوف بعرفة مجرد مكث وأما الطواف ففعل، فهو تفريق غير مؤثر لأن الوقوف بعرفة وإن كان مجرد مكث فهو عبادة من العبادات والعبادات لا تصح إلا بنية وإن كانت مجرد مكث. فعلى ذلك: الصحيح ما ذهب إليه أكثر العلماء من أن أفعال النسك. " وأفعال الحج والعمرة " ومن ذلك الطواف لكن بشرط أن [لعل الصواب: ألاّ] ينوي غير نسكه، فإن نوى غير النسك كأن يطوف باحثاً عن غريم أو شخص أو نحوه فإنه لا يجزئه ذلك. فالطواف نية الحج تكفي عنه ولا نقول: إنه لا يحتاج إلى نية أصلاً. قال: (أو نسكه) (1)
ويصح أيضاً: " أو نكَّسه " فإن التنكيس في الطواف لا يصح إجماعاً بل الواجب في طوافه أن يجعل البيت عن يساره فلو جعله عن يمينه لم يصح إجماعاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف جاعلاً البيت عن يساره وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) . وإن لم ينو نسكه، بأن لم يبين النسك، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة وأن من أحرم إحراماً مطلقاً فإنه يجزئه ذلك لكن يجب عليه أن يعينه بعد ذلك إما حجاً وإما عمرة. فلو نوى رجل الدخول في النسك " أي الإحرام المطلق " ولم يعين أهو حج أم عمرة ثم طاف قبل التعيين فإنه لا يجزئه هذا الطواف لأن العمل يجب فيه التعيين وهنا لم يعين فواجب في النية تعيينها أهي للعمرة أم للحج وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فهو لم ينو بعد أنسكه حج أم عمرة وحينئذ لا يجزئه ذلك لأنه لم يعين، وفرض تعيين نية العبادة، لحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) . كأن يكون رجل أحرم مطلقاً نسكه فلم يعينه لأنه غير واجد المال يشتري به هدياً وهو يرجو حصوله قريباً فيحرم إحراماً مطلقاً، فإذا حصل له أهل بعمرة حتى يكون متمتعاً وإلا أفرد. قال: (أو طاف على الشاذروان) الشاذروان: وهو ما فضل من جدار الكعبة وهو ما يحيط بالبيت، فيما يرتقيه بعض الناس عند التزام جدران الكعبة – وهو لا يصل إلى المتر. فلو طاف مضطراً على الشاذروان فهل يجزئه ذلك أم لا؟ 1 – قال المؤلف: لا يجزئه؛ وذلك لأن الشاذروان وهو ما فضل من جدران الكعبة من البيت فهو جزء من البيت، وفرض عليه أن يطوف حول البيت كله، فإذا طاف على الشاذروان أو بعضه فإنه لا يصدق عليه أنه طاف على البيت كله فلم يجزئه ذلك. 2-وقال شيخ الإسلام: بل يجزئه وذلك لأن الشاذروان ليس من البيت بل هو عماد له فلو طاف على الشاذروان فإنه يصدق عليه أنه طاف على البيت لأن الشاذروان ليس من البيت بل هو عماد له.
وما ذكره شيخ الإسلام أظهر، وذلك: لأن الشارع استحب استلام الركنين اليمانيين؛ لأنهما أركان البيت وأطرافه ولم يستحب استلام الركنين الشاميين لأن الحجر من البيت وقد قصرت النفقة الخالصة من الإثم بقريش فلم يدخلوها في بناء الكعبة وإلا فإن حجر إسماعيل من البيت، ولذا لا يستلم الركنان الشاميان لأنهما من البيت وليست بأركان له. فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن الشاذروان ليس من البيت بدليل استحباب استلام الركنين اليمانيين فهما أركان الحرم وأطرافه، ولو كان الشاذروان من البيت لم يكونا أطرافاً له وأركاناً بل كانا منه. ومع ذلك فإن الأحوط هو عدم فعل ذلك لقوة الخلاف في هذه المسألة. واعلم أن الحجر من البيت، فقد ثبت في مسلم أن عائشة: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحِجْر؟ فقال: هو من البيت) (1) . والحِجْر: ما يكون في الجهة الشامية من البيت، وقد قصرت – كما تقدم – النفقة الخالصة من الإثم على قريش فبنوه على هذه الهيئة غير الكاملة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة – كما في الصحيحين -: (لولا حدْثان قومك بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم) (2) فمن طاف على الحِجْر أو فيه فلا يجزئه الطواف لأنه لم يطف بالبيت كله ولذا قال المؤلف. قال: (أو جدار الحجر) لأن جداره من البيت ولذا لم يشرع أن يستلم أركانه من جهة الحِجر ولا أن يستلم جدار الحجر لأنه من البيت وليس ركناً له. قال: (أو عرياناً)
فشرط في الطواف ستر العورة قال تعالى: {يا بني آدم حذوا زينتكم عند كل مسجد (1) } وقد نزلت هذه الآية في الطواف على هيئة غير ساترة كما ثبت في مسلم عن ابن عباس أن المرأة كانت تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: ومن يعيرني ثوباً تجعله على فرجها فنزل قوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} ، وثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (بعث مؤذناً يؤذن في حجة أبي بكر بالناس قبل حجة الوداع: ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) (2) فمن طاف عرياناً فإن طوافه غير صحيح لنهي النبي صلى الله عليه وسلم المقتضي لفساد ذلك. قال: (أو نجساً) . هذه مسألة اختلف فيها العلماء وهي من طاف بالبيت نجساً أو محدثاً حدثاً أكبر أو أصغر فهل يصح طوافه أم لا؟ بمعنى: هل يشترط الطهارة بقسميها: الطهارة من الأحداث والأنجاس في الطواف أم لا؟ 1- ذهب جمهور أهل العلم إلى اشتراطها من الحدث والنجس في الطواف فيشترط كونه طاهراً من الحدثين الأصغر والأكبر ومن النجس فلو طاف جنباً أو غير متوضئ أو عليه نجاسة لم يجزئه ذلك. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم البيت أن توضأ ثم طاف بالبيت) (3) قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا عني مناسككم) واستدلوا: بما رواه النسائي والترمذي وغيرهما: عن ابن عباس مرفوعاً: (الطواف بالبيت صلاة فمن نطق فيه فلينطق بخير) (4)
قالوا: فلما كان الطواف صلاة فيشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة من الأحداث والأنجاس. 2- واختار شيخ الإسلام وهو قول في مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة وهو مذهب طائفة من السلف: إلى أن ذلك ليس بشرط، بل هو مشروع مستحب. واستدل: بالأصل فإن الأصل فيه عدم اشتراط ذلك. وأجاب عن أدلة الجمهور: أما وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) فالوضوء فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب أما قوله: (لتأخذوا عني مناسككم) فإن الوضوء خارج عن المناسك، فأنتم - أي الجمهور – لم توجبوا الاضطباع ولا الرمل ولا غير ذلك مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في طوافه وهما أولى بالإيجاب من الوضوء الخارج عن المناسك. والاضطباع والرمل من سنن الطواف بالإجماع فأولى من ذلك الوضوء الخارج عن الطواف وأما الحديث – حديث ابن عباس - فإنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً بل هو موقوف على ابن عباس، قال شيخ الإسلام: (أهل العلم لا يرفعونه) . قلت: ونحوه عن ابن عمر في النسائي (1) . ولكن هذا الجواب يمكن أن يقال في رده: إنه قول صحابي اشتهر ولا يعلم له مخالف فيكون إجماعاً. والجواب عن ذلك هو ما ذكره شيخ الإسلام وتلميذه – من أن قول الصحابي هنا -: (الطواف بالبيت صلاة) لا يقتضي اشتراط ما ذكرتموه بدليل أن استقبال القبلة ليس بشرط في الطواف، والحركة الكثيرة المبطلة للصلاة لا يبطل الطواف اتفاقاً، وبدليل جواز الأكل والشرب فيه، وبدليل جواز الكلام فيه وغير ذلك مما ينهى عنه في الصلاة.
فكل هذه المنهيات والشروط التي في الصلاة من استقبال قبلة ونحوها ليست ثابتة في الطواف بالاتفاق فيتعين أن يكون مراد الصحابي أنه في حكم الصلاة في الإقبال على الله عز وجل والتعبد له، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم في الماكث ينتظر الصلاة هو: (في صلاة) (1) مع أنه لا يشترط عليه ما يشترط على المصلين وهو مع ذلك في صلاة. أو أن الطواف يجتمع هو والصلاة في كونهما حول البيت فكما أن المصلي يتوجه إلى القبلة فإن الطائف يتعلق طوافه بالبيت وهذا هو الجامع بين الطواف والصلاة، والمفارقات بينهما كثيرة جداً. وحيث كانت كذلك فلا يمكننا أن نلحق ما اشترطه الجمهور والمفارقات على هذه الطريقة وعلى هذه الكثرة. فالراجح: ما اختاره شيخ الإسلام من أن الطهارة من الأحداث والأنجاس ليست شرطاً في الطواف. مسألة: طواف الحائض هل يصح أم لا؟ 1- ذهب جمهور أهل العلم إلى أن طوافها لا يصح. واستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة لما حاضت بسرف وكانت قد أهلت بعمرة فأمرها أن تهل بالحج: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (2) وفي رواية لمسلم: (حتى تغتسلي) قالوا: فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الطواف يقتضي فساده. 2- وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن طواف الحائض صحيح محرم وعليها إن فعلت الدم. قالوا: لأنها إنما نهيت عن ذلك مع جواز سائر الأنساك لها – لكون الطواف بالبيت، والحائض تنهى عن دخول المساجد والمكث فيها فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الحائض من الطواف بالبيت ليس لمعنى الطواف لكن لمعنى المسجد وطوافها في المسجد يلزم منه أن تكون ماكثة ولابد منه ومكثها محرم.
فحينئذ: إن طافت فطوافها صحيح لأن النهي لم يتعلق بالطواف بل تعلق بالمكث في المسجد وهو أمر خارج، فتكون حينئذ آثمة. 3- واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن طواف الحائض لا يصح إلا لضرورة. قالوا: لأن الواجبات تسقط بالعجز عنها كما يسقط عن العريان ستر عورته في الصلاة، فإنه إذا لم يجد ثوباً يستر به عورته فإنه يصلي عرياناً، فكان واجباً عليها ألا تطوف إلا وهي طاهرة فعجزت عن ذلك واضطرت فيجوز لها حينئذ أن تطوف للضرورة. وجمهور أهل العلم: يقولون: إذا خشيت الحائض فوات رفقتها مثلاً فإنها ترجع إلى ديارها محرمة فلا تفعل شيئاً مما يحرم على الحاج ثم تأتي بالطواف بعد ذلك. ولا خلاف بين أهل العلم أن طواف الإفاضة ليس له وقت محدد ينتهي فيه فلو طاف الإفاضة بعد شهر ذي الحجة فإنه يجزئ عنه اتفاقاً. وإنما اختلف أهل العلم في وجوب الدم فيه: فأوجبه المالكية: إذا أخره إلى بعد شهر ذي الحجة. وأوجب الأحناف الدم فيه إذا أخره عن أيام التشريق. وأما الحنابلة والشافعية فلم يوجبوا فيه الدم مطلقاً. فعلى ذلك مذهب الجمهور أنها إذا اضطرت فإنها لا تطوف بالبيت بل ترجع ثم تطوف بعد ذلك ولو كان ذلك بعد سنة أو سنتين. واختار شيخ الإسلام صحة طوافها إذا اضطرت إلى ذلك.
ومما يؤيد صحة طوافها إذا اضطرت إلى ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أسماء بنت عميس: (أنها نفست في ذي الحليفة فأمرها أن تحرم وتغتسل) (1) ولم ينهها النبي صلى الله عليه وسلم عما نهى عنه عائشة من ألا تطوف بالبيت حتى تطهر وذلك لأن ذلك فيه مشقة ظاهرة عليها فإن النفاس في الغالب يطول وهي قد نفست ولم يبق من ذي القعدة إلا أربعة أيام، فلم يبق ليوم النحر إلا نحو أربعة عشر يوماً، والنفساء لا تطهر غالباً في مثل هذه المدة، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بما أمر به عائشة ألا تطوف بالبيت حتى تطهر لمشقة ذلك. وأظهر الأقوال – فيما يتبين لي والعلم عند الله عز وجل - ما ذهب إليه الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: أن طوافها صحيح مطلقاً لكنها آثمة وحينئذ إذا اضطرت فلا إثم. وذلك لأنه لا معنى يقتضي نهيها عن الطواف وهي حائض، وقد فارقنا بين الطواف والصلاة – فلا معنى يقتضي أن تنهى عنه إلا أن الطواف بالبيت وفي المسجد والحائض نهيت عن المكث فيه، والله أعلم. والأظهر ألا دم عليها لعدم الدليل. قال: (ثم يصلي ركعتين) وهما ركعتا الطواف فيستحب له إذا انتهى من طوافه أن يصلي ركعتين. ودليله: ما ثبت في مسلم من حديث جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين بـ {قل هو الله أحد} ، و {قل يا أيها الكافرون} ثم رجع إلى الركن فاستلمه – وفي رواية النسائي: (بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد) – " (2) . والواو لا تفيد الترتيب. واختلف أهل العلم في هاتين الركعتين أهما سنة أم واجبتان؟
1- فذهب جمهور العلماء إلى أنهما سنة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد، وفعله المجرد لا يفيد وجوباً. 2- وذهب الأحناف إلى وجوبهما وبجبران يوم. واستدلوا: بقوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد استظهرها صاحب الفروع. قالوا: هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب. والصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم. أما استدلال الأحناف بالآية ففيه نظر، لإجماع العلماء على أنه لا يجب أن يصلي الركعتين خلف المقام فلا يجب عليه أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى، حكى هذا الإجماع ابن المنذر وغيره، وأن له أن يصليهما في أي موضع شاء، وقد ثبت في البخاري معلقاً: (أن عمر طاف بالبيت فركب فصلى ركعتين بذي طوى) (1) والشاهد من هذا الأثر أنه يجوز له أن يصلي ركعتي الطواف في أي موضع شاء، فثبت لنا أنه لا يجب عليه أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى بالإجماع، فتعين أن يكون الأمر للاستحباب في الآية. إذن: يسن له أن يصلي ركعتين بعد طوافه، ويستحب له أن يقرأ فيهما بقل يا أيها الكافرون وبقل هو الله أحد. * فإن كرر الطواف بأن طاف سبعاً ثم سبعاً فله أن يصلي سنة الطواف لكل أسبوع أن يصليها بعد هذه الأسابيع. بمعنى: طاف أسبوعاً ثم أسبوعاً ثم صلى أربع ركعات ركعتين للأسبوع الأول، وركعتين للأسبوع الثاني، فلا بأس بذلك روى ذلك البيهقي عن عائشة رضي الله عنها ولأنه لا تشترط الموالاة بين الركعتين وبين الطواف بدليل فعل عمر المتقدم فإنه قد صلى بذي طوى. فعلى ذلك: إذا طاف سبعاً ثم سبعاً ثم جمع الركعات بعد الانتهاء من الطواف فصلى لكل أسبوع ركعتين فإن ذلك يجزئه، والمستحب له أن يتبع كل أسبوع ركعتيه. وهل تجزئ المكتوبة عن ركعتي الطواف كأن يطوف سبعاً ثم يصلي مكتوبة فهل يجزئ عن ركعتي الطواف؟
قال الحنابلة: يجزئه كما أنه يجزئه في ركعتي الإحرام الفريضة – وقد تقدم – أن الحنابلة يستحبون ركعتي الإحرام فإذا أحرم فيستحب له أن يصلي ركعتين فإذا صلى الفريضة أجزأت عن ركعتي الإحرام وكلاهما سنة شرعت للنسك، فركعتا الطواف وركعتا الإحرام شرعتا للنسك فتجزئه المكتوبة عن ركعتي الطواف كما تجزئه المكتوبة عن ركعتي الإحرام. وفي هذا نظر، فقد ذهب جمهور العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه: إلى أن المكتوبة لا تجزئه وذلك لأن ركعتي الطواف مقصود لذاتهما فلم يجزئ عنهما المكتوبة أشبه ذلك ركعتي الفجر فإنهما لا يجزئ عنهما قضاء أو فريضة فهما مقصودتان لذاتهما فكذلك هنا. أما ركعتا الإحرام على القول بهما – فإنهما غير مقصودتين لذاتهما بل المقصود هو الصلاة فإذا صلى فريضة أو نافلة مقيدة أو مطلقة فإنه يجزئه لأن المقصود هو الصلاة أما هنا فإن المقصود هو سنة الطواف. فإذاً: لا تجزئه المكتوبة عن ركعتي الطواف كما هو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه وهو مذهب جمهور أهل العلم. قال: (خلف المقام) استحباباً فليس من شرط ركعتي الطواف أن يصليا خلف المقام بل لو صلاهما في موضع آخر أجزأه إجماعاً، وقد تقدم ما رواه البخاري معلقاً في صحيحه: (أن عمر طاف بالبيت ثم ركب فصلى ركعتين بذي طوى) . وهنا مسألتان في الطواف: المسألة الأولى: وأن الموالاة شرط من شروط الطواف عند جمهور أهل العلم. فليس له أن يوجد فاصلاً بين طوافه يثبت أنه قاطع في العرف وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف موالياً وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) . قالوا: فإن حضرت فريضة فإنه يتوقف عن الطواف ويصلي الفريضة ثم يتم طوافه – هذا مذهب جمهور أهل العلم – وخصه المالكية بالفريضة. وعدى الحنابلة والشافعية كل فعل مشروع يخشى فواته كصلاة الجنازة ونحوها. قالوا: لأنه فعل مشروع أثناء الطواف فلم يبطله كاليسير.
وذهب الحسن البصري: إلى أنه إذا قطعه لفريضة أو صلاة جنازة ونحو ذلك أنه يجب عليه أن يستأنف الطواف من جديد. وهذا القول أقيس وأظهر؛ وذلك لأن الواجب في الطواف الموالاة وكونه يكون معذوراً بقطعه لصلاة الفريضة فإن هذا العذر إنما يكون لجواز القطع مع منافاته للموالاة، فكونه يقف لصلاة الفريضة هذا ينافي ما فرض من الموالاة فإنه حينئذ تنقطع الموالاة. وهو إنما يكون معذوراً لخشية فوات الفريضة أما أن يكون هذا العذر يصحح طوافه فلا، فإن ذلك قاطع. فما ذهب إليه الحسن البصري – فيما يظهر لي – أقيس فيجب عليه حينئذ أن يستأنف، لانتفاء الموالاة بصلاة الفريضة أو غيرها فإن الموالاة شرط وقد انتفت حيث قطعها بقاطع سواء كان هذا القاطع مشروعاً على وجه الفريضة أو مشروعاً على وجه الاستحباب أو لم يكن مشروعاً. (وهنا في أثر البخاري معلقاً عن ابن عمر (1) أنه صلى الفريضة ثم أتم طوافه، قال شيخنا: قول المالكية) . وعلى القول بأنه لا يستأنف كما هو مذهب جمهور أهل العلم إذا قطع طوافه فهل يبتدئ بالطواف من الحَجَر أم من الموضع الذي وقف عنده؟ قولان لأهل العلم: المشهور عند الحنابلة أنه يبدأ من الحَجَر. وقال بعض العلماء: بل يبدأ من الموضع الذي وقف فيه، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وهو القول الراجح. وهذا متفرع على الترجيح في المسألة السابقة، فلو رجحنا ما ذهب إليه الجمهور فإن هذا أقيس، لأن الطواف عبادة واحدة فسواء قطع الطواف لأمر لا يوجب الاستئناف من أول الطواف أو من أثنائه فالطواف عبادة واحدة فهذا هو الأقيس والأظهر. المسألة الثانية: أن طواف المحمول والراكب لعذر كمرض ونحوه صحيح بلا خلاف بين العلماء.
ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة قالت: (شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) (1) . أما طواف غير المعذور راكباً أو محمولاً فاختلف فيه أهل العلم على ثلاثة أقوال: هي روايات عن الإمام أحمد: الرواية الأول: أن الطواف لا يجزئه قالوا: لأن الطواف بالبيت صلاة فكما أن الصلاة لا تصح من الراكب غير المعذور فكذلك الطواف لا يصح من الراكب غير المعذور. الرواية الثانية: وهو مذهب المالكية والأحناف: قالوا: يجزئه لكن عليه دم لأن الطواف ماشياً واجب فيجب في تركه الدم. الرواية الثالثة: وهي مذهب الشافعية: يجزئه ولا شيء عليه وهو اختيار ابن المنذر وهذا القول الراجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: (طاف وهو راكب على بعير له) (2) والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معذوراً في ركوبه عذراً يجيز ذلك وإنما مجرد درء مفسدة لا تصل إلى أن تكون عذراً، فقد ثبت في مسلم عن ابن عباس – وهو سبب ركوب النبي صلى الله عليه وسلم - قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد حتى خرجت العواتق من البيوت " أي في محبته " ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه ركب والمشي والسعي أفضل) فالمشي والسعي أفضل لكن إن ركب لغير عذر فإنه يجزئه؛ ذلك لفعل النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. فصل قال: (ثم يستلم الحجر)
إن أتم طوافه بالبيت سبعاً وصلى ركعتي الطواف فيستحب له أن يرجع إلى الركن فيستلمه، وقد تقدم حديث مسلم الدال على ذلك وهو حديث جابر وفيه: (ثم رجع إلى الركن فاستلمه) (1) . قال: (ويخرج إلى الصفا من بابه) وهو باب الصفا وهو باب بني مخزوم وإنما يخرج منه لأنه أقرب الأبواب إلى الصفا فليس هذا لتميزه عن سائر الأبواب بفضله وإنما لكونه أقرب الأبواب إلى الصفا. وقد كانت الصفا والمروة خارج المسجد، وباب بني مخزوم باب يدخل منه إلى المسجد ويخرج منه إلى الصفا والمروة فلم تكن الصفا والمروة في المسجد ومن هنا جاز للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة مع أنها تنهى عن دخول المسجد لأن الصفا والمروة كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم خارج المسجد، فلم يتسع بناء المسجد في عهده عليه الصلاة والسلام، لتدخل فيه الصفا والمروة كما اتسع في الأزمنة المتأخرة فدخلت فيه. قال: (فيرقاه حتى يرى البيت ويكبر ثلاثاً ويقول ما ورد)
يرتقي على الصفا وهو جبل صغير، فيرتقيه حتى يرى البيت، فلا يزال في صعوده حتى يتمكن من رؤية البيت فيستقبل القبلة ويكبر ثلاثاً ويقول ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر قال: (ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من باب الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ابدأُ بما بدأ الله به، فرقي الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله " أي قال: لا إله إلا الله " وكبَّره) وفي النسائي: (وكبره ثلاثاً) ثم قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك، فعل هذا ثلاث مرات) (1) فالذكر الوارد بعد أن يرقى الصفا ويرى البيت ويستقبل القبلة يقول: " لا إله إلا الله " الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) ثم يدعو بما شاء ثم يعيد الذكر مرة ثانية ثم يدعو ثانية بما أحب ثم يعيده ثالثة. قال: (ثم ينزل ماشياً إلى العلم الأول ثم يسعى سعياً شديداً إلى الآخر ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا)
بعد أن يرقى الصفا ينزل ماشياً حتى يأتي العلم الأول وهو العلم الأخضر الذي هو علامة ابتداء بطن الوادي فيسعى سعياً شديداً حتى يصل إلى العلم الثاني وهو علامة انتهاء بطن الوادي فإذا انتهى من ذلك مشى حتى يأتي المروة ويقول ما قاله على الصفا. وتمام القطعة من حديث جابر الذي تقدم سياقها قال: (ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا " أي عن بطن الوادي " مشى حتى أتى المروة ففعل في المروة كما يفعل في الصفا) (1) . وظاهره أنه يجمع بين الذكر الوارد والفعل الوارد فيرقى المروة حتى يرى البيت ويستقبل القبلة ويقول: الذكر الوارد كما في الصفا. وفي النسائي بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقطع الوادي إلا شداً) (2) والمراد هنا بالوادي بطنه وهو ما بين الميلين. ويستحب له أن يقول: ما ورد عن ابن مسعود في البيهقي بإسناد جيد أنه كان يقول بين العلمين: (اللهم اغفر وارحم فإنك أنت الأعز الأكرم) . واعلم أن أهل العلم قد أجمعوا على أن المرأة لا يستحب لها أن تسعى بين الميلين ولا أن ترمل في الأشواط الثلاثة الأولى في الطواف وفي البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: (ليس على النساء سعي في البيت " وهو الرمل " ولا بين الصفا والمروة) . واعلم أن السعي بين الصفا والمروة المجزئ هو ما يكون بين الجبلين " الصفا والمروة " بحيث أنه يستوعبهما أي يستوعب ما بينهما بالسعي من غير اشتراط رقي فإن الرقي مستحب وليس بواجب فالواجب عليه أن يضع عقبه على طرف الصفا ثم يمشي حتى يصل إلى طرف المروة ثم يعود سبعة أشواط.
فالواجب عليه أن يسعى بين الصفا والمروة أما رقيه فهو مستحب وهذا باتفاق أهل العلم. واعلم أنه لو ترك شيئاً فيما بين الصفا والمروة من السعي لم يجزئه، فلو ترك ذراعاً أو نحوه فإن سعيه لا يجزئه لأنه لم يستوعبهما في الطواف بين الصفا والمروة. قال: (ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعل ذلك سبعاً) كذلك في رجوعه من المروة إلى الصفا يمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه فيسعى بين الميلين ويمشي ما بين المروة إلى الميل الأول وما بين الميل الثاني إلى الصفا يمشي كما تقدم في شوطه ما بين الصفا إلى المروة فكذلك في شوطه بين المروة إلى الصفا. قال: (ذهابه سعية ورجوعه سعية) فما بين الصفا والمروة سعية، وما بين المروة والصفا سعية أخرى، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (طاف بين الصفا والمروة سبعاً) (1) فإذن: ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، وإيابه من المروة إلى الصفا شوط – وهذا باتفاق العلماء. قال: (فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول) فلو أنه بدأ من المروة إلى الصفا فإن هذا الشوط لا يحسب ويسقط ولا يجزئ عنه، وذلك لأن الواجب عليه والفرض أن يبدأ من الصفا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) وفعله بيان لمجمل القرآن وفي النسائي: (ابدؤوا بما بدأ الله به) (2) فإذا ابتدأ من الصفا أجزأه، أما إذا ابتدأ من المروة فإنه لا يجزئه الشوط الأول ويحسب له الشوط الثاني الذي هو من الصفا إلى المروة فيجب عليه أن يزيد شوطاً لسقوط الأول وعدم إجزائه.
فإذن: إذا ابتدأ بالمروة فهذا الشوط لا يجزئه لأنه على خلاف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) (1) قال: (وتسن فيه الطهارة والستارة والموالاة) فالطهارة من الأحداث والأنجاس سنة بالاتفاق – في السعي بين الصفا والمروة فلو أنه طاف بين الصفا والمروة جنباً أو محدثاً حدثاً أصغر أو امرأة حائضاً أو كان عليه شيء من الأنجاس في ثوبه فإن سعيه مجزئ بالاتفاق. كذلك الستارة فليس أيضاً شرطاً أن يستر عورته وهذا باتفاق أهل العلم. قال: (والموالاة) فالموالاة سنة وكلام المؤلف هنا موهم فإن المراد بالموالاة هنا الموالاة بين الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فليس شرطاً أن يبادر بالسعي بعد طوافه بالبيت فلو طاف في البيت في أول النهار وسعى في آخره يجزئه اتفاقاً لأنه قد فعل ما أمر الله به من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وإن كان المستحب له أن يوالي بين الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة هذا مستحب له لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وليس واجباً بالاتفاق. وأما الموالاة بين أشواط السعي، فإنها شرط في السعي – وهو مذهب الحنابلة وغيرهم من أهل العلم – فهي شرط من شروط السعي على التفصيل المتقدم في الطواف. قالوا: لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) وقد طاف الأشواط السبعة موالياً، فإن قطعها بفاصل عرفي فإنه يجب عليه أن يستأنف إلا ما تقدم استثناؤه فيما إذا حضرت الصلاة المكتوبة أو فعل مشروع، على خلاف بين أهل العلم كما تقدم.
واشترط الحنابلة أيضاً النية فهي شرط من شروط السعي وتقدم النظر في هذا وأن الراجح أن أفعال الحج كلها لا تجب فيها النية المستقلة بل نية الإحرام في أول الحج تجزئ عن النية لأفعال المناسك كلها. قال: (ثم إن كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره وتحلل) لما ثبت في مسلم قال: (فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي) (1) فالمتمتعون يقصرون ويحلون، وأما القارنون والمفردون فإنهم لا يقصرون ولا يتحللون بل يتحللون في يوم النحر. وفيه أن المستحب للمتمتع أن يقصر رأسه ولا يستحب له حلقه توفيراً للحج ولأن الصحابة هكذا فعلوا، كما في الحديث المتقدم. واعلم أن التقصير المجزئ هو التقصير الشامل كله لعموم الرأس، ولا يقصد من ذلك أن يشتمل كل شعرة فإن هذا لا يسع الناس فعله إذ لا يمكن للشخص أن يعلم دخول كل شعرة في التقصير إلا بالحلق، لكن المقصود أن يقصر من عموم رأسه بحيث يظن ظناً غالباً أن هذا التقصير قد شمل الرأس كله، هذا هو المشهور عند الحنابلة. خلافاً لمذهب الشافعية وأنه يجزئه أن يأخذ من ثلاث شعرات. فالصحيح مذهب الحنابلة، لقوله تعالى: {محلقين رؤوسكم ومقصرين} (2) وقوله: {رؤوسكم} عام للرأس كله، فواجب أن يعم الرأس كله حلقاً أو تقصيراً ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق رأسه كله وفعله بيان للأمر فيعطى حكمه. واعلم أن التقصير المجزئ هو أخذ الشيء من جميع الشعر الذي يصدق عليه أنه تقصير وإن قل سواء كان أنملة أو أقل منها.
والمستحب له أن يبدأ بالجهة اليمنى ثم اليسرى في الحلق والتقصير ففي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحلاق: (خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس) (1) وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه التيامن في شأنه كله. قال: (وإلا حلَّ إذا حج) إذا كان قارناً أو مفرداً فإنه يتحلل إذا حج أي إذا فعل أركان الحج. والمقصود من الكلام هنا: أنه يتحلل إذا رمى الجمرة أي يتحلل في يوم النحر، وإلا فإنه لا يصدق عليه أنه حج حتى يأتي بالطواف، وسيأتي البحث إن شاء الله في المنسك الذي يثبت به التحلل الأول. ويمكن أن يكون مراد المؤلف هنا: التحلل التام، فإنه لا يكون له التحلل التام بحيث أنه تحل له محظورات الإحرام كلها حتى النساء حتى يتم الحج كله أي أركانه وإلا فإنه يبقى شيء من واجباته كالرمي والمبيت ليالي التشريق وسيأتي إن شاء الله في موضعه. قال: (والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية) تقدم البحث في هذا (2) ، وأن الراجح أنه يقطع التلبية إذا دخل الحرم كما هو مذهب ابن عمر. مسألة: السعي كالطواف في باب الركوب، بل أولى بالحكم لما تقدم من أن بعض أهل العلم يرى أن الطواف بالبيت صلاة، بخلاف السعي فإنه لا يقال فيه هذا، وقد ركب النبي صلى الله عليه وسلم في طوافه بين الصفا والمروة لكي يراه الناس كما ثبت ذلك في الصحيحين (3) . مسألة: قراءة الآية: {إن الصفا والمروة..} الظاهر لي أنه لا يستحب له ذلك إلا عند دنوه من الصفا أول مرة من غير أن يكررها في الأشواط الأخرى وأما قول جابر: (ثم فعل على المروة ما فعل على الصفا) فإنه لا يدخل فيه لأن هذا الذكر قاله النبي صلى الله عليه وسلم قبل رقيه على الصفا كما أن المعنى يقتضي ذلك. مسألة:
إذا سعى الشوط السابع فهل يدعو بعد نهايته ويقول الذكر أم لا؟ الأظهر عندي والله أعلم أنه لا يقول ذلك لأنه هناك ينتهي سعيه كما ينتهي الطواف عند الحجر الأسود فلا يشرع له الاستلام ولا الإشارة فالأظهر هنا كذلك لأنه قد رقى المروة ثلاثاً فدعا، وفي الصفا أربعاً فهذه سبع. والمسألة اجتهادية، والقول بأنه يشرع له ذلك له محل من النظر لكن الذي أميل إليه أنه لا يشرع له ذلك. مسألة: هل يجزئ الطواف بين الصفا والمروة قبل الطواف بالبيت أم لا؟ جمهور العلماء على أنه لا يجزئه ذلك لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) والنبي صلى الله عليه وسلم إنما سعى بعد طوافه. وذهب أهل الظاهر وهو مذهب عطاء بن أبي رباح من التابعين وهو مذهب بعض أهل الحديث إلى أنه يجزئه. واستدلوا: بما رواه أبو داود أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله: سعيت قبل أن أطوف فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افعل ولا حرج) (1) وكما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي في البيت حتى تطهري) ويدخل في ذلك السعي فدل على أن السعي لا يشترط لصحته أن يسبق بطواف. وهذا القول فيه قوة، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على الاستحباب، ومن طاف وسعى فقد فعل ما يجب عليه وما تقدم من الحديثين يدلان على أنه يجزئه. ومع ذلك فإن الأحوط له ألا يشتغل بالسعي قبل اشتغاله بالطواف والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. هنا فوائد: الفائدة الأولى: ثبت في البيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه " أي في وقوفه على الصفا والمروة. وظاهر كلام الحنابلة – كما قال صاحب الإقناع – أن رفع اليدين لا يشرع.
واستحبه بعض الحنابلة، قال صاحب الإقناع: وهو الظاهر للخبر. ووهم من عزاه إلى مسلم تبعاً للبيهقي، والبيهقي إنما عزاه إلى مسلم لأن أصل الحديث في مسلم أما لفظة رفع اليدين فإنما هي ثابتة في حديث جابر في سنن البيهقي بسند الإمام مسلم. الفائدة الثانية: أنه ثبت عند النسائي من حديث جابر لفظة: " وحمده " (1) أي وحمد الله عز وجل، ولذا ذكرها الحنابلة في الذكر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظة: " الحمد لله على ما هدانا " أي من الذكر. فيحمد الله عز وجل – كما يهلله ويكبره ويحمده بهذا اللفظ أو غيره من الألفاظ التي هي من الحمد. 3- الفائدة الثالثة: ثبت في حديث جابر في المسند: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ذهب إلى زمزم فشرب منه وصب على رأسه ثم رجع إلى الركن واستلمه) ففيه مشروعية الشرب من ماء زمزم بعد طواف القدوم أو طواف العمرة. الفائدة الرابعة: أنه ثبت في حديث جابر أيضاً في النسائي لفظة: (يحي ويميت) (2) (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير) فهذه الزيادة ثابتة في النسائي من حديث جابر. باب صفة الحج والعمرة قال: (يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية) يوم التروية: هو اليوم الثامن من أيام ذي الحجة، فيستحب للمحلين وهم أهل مكة الذين يريدون الحج أو الآفاقيون الذين أتوا لعمرة وتحللوا منها وهم المتمتعون دون القارنين والمفردين من الآفاقيين فإنهم إنما يحرمون من مواقيتهم كما تقدم، أما أهل مكة ممن أراد منهم الحج أو الآفاقيون الذين تحللوا من عمرتهم يستحب أن يكون إهلالهم بالحج يوم التروية وسمي يوم التروية لتروية الناس المياه فيه استعداداً لبقية أيام الحج.
ودليل استحباب الإهلال يوم التروية من مكة: ما ثبت في مسلم من حديث جابر قال: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج فركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) (1) أي في منى. ولذا قال المؤلف هنا: (قبل الزوال منها) أي قبل الزوال حتى يصلي الظهر بمنى، فقبل زوال الشمس يسن له الإهلال بالحج ليصلي الظهر بمنى، كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (ويجزئ من بقية الحرم) يجزئه أن يهل بالحج من بقية حرم مكة وإن خرج من بنيانها كأن يهل من الأبطح أو من منى فإنها من الحرم فيجزئه ذلك لأن ذلك كله ميقات أهل مكة، فالحرم كله ميقاتهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى أهل مكة من مكة) فلا يجوز له أن يهل بالحج من الحل كأن يهل من التنعيم ونحوه لأنه بحكم أهل مكة وأهل مكة يهلون من مكة من بنيانها أو حرمها. ومما يدل على جواز الإحرام من خارج البنيان مادام في الحرم ما ثبت في مسلم من حديث جابر قال: (فأهللنا من الأبطح) وهو موضع من الحرم خارج بنيان مكة أما إذا أحرم من الحل فلا يجوز له ذلك كما لو أحرم خارج الميقات. قال: (ويبيت بمنى) استحباباً اتفاقاً فهو من المستحبات لحديث جابر المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) (2) فصلى العشاء والفجر بها فقد بات بها – وهو مستحب بالاتفاق لأنه ليس فيه إلا فعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد، وفعله المجرد لا يقتضي إيجاباً كما تقدم. قال: (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة) أي إذا طلعت الشمس من يوم عرفة سار إلى عرفة.
إذاً: يمكث بعد صلاة الفجر حتى إذا طلعت الشمس ارتحل إلى عرفة فقد ثبت في حديث جابر الطويل بعد ذكر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الفجر بمنى قال: (ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس فأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة ثم ارتحل ولا تشك قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم واقف عند المشعر الحرام كما كانت تصنع في الجاهلية فأجاز " أي أجاز المشعر الحرام " حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركبها حتى أتى بطن الوادي " وهو بطن عرنة " فخطب الناس ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة " أي طريق المشاة " بين يديه فاستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس) (1) . قال: (وكلها موقف إلا بطن عرنة) فلا يجزئ الوقوف به، وهو الموضع الذي خطب به النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في ابن ماجه والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل عرفة موقف وارتفعوا عن بطن عرنة وكل مزدلفة موقف وارتفعوا عن وادي محسِّر) (2) وهذا باتفاق العلماء. قال: (ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر) كما تقدم هذا في جمعه بين الظهر والعصر في بطن عرنة، وظاهر الحديث أنه لا يجهر بالقراءة فليست جمعة بل هي ظهر فيسر بالقراءة.
وظاهر الحديث أن الجمع مشروع للمكيين وغيرهم فكل من وقف بعرفة من المكيين وغيرهم فإنه يشرع له الجمع، كما أنه يستحب له أن يتعجل الصلاتين في ذلك اليوم، فقد ثبت في البخاري: أن سالم بن عبد الله بن عمر قال للحَجاج: (إن كنت تريد السنة فقصر في الخطبة وعجل في الصلاة، فقال ابن عمر وكان حاضراً: صدق) (1) فصدقه في أنها سنة. ويستحب له أن يجمع – كما تقدم بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين. قال: (ويقف راكباً عند الصخرات وجبل الرحمة) . كما تقدم في حديث جابر وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أتى الموقف جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات) (2) ولا يشرع بالإجماع – كما حكى الإجماع شيخ الإسلام – أن يصعد الجبل فإنه ليس من السنن بالإجماع. قال: (ويكثر من الدعاء بما ورد) وقد ثبت في الترمذي والحديث حسن لشواهده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الدعاء يوم عرفة وخير ما قلت والنبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) (3) . فإن قيل هذا ثناء وليس بدعاء؟ فالجواب بما قاله سفيان بن عيينة لما سئل عن ذلك: فاستشهد ببيتين لشاعر في هذا المعنى: فأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك إن شيمتك الحياءُ إذا أثنى عليك المرء يوماً * كفاه الثناءُ فهذا الثناء بمعنى الدعاء، أي إنما أثنيت عليك لتكفيني حاجتي فهو تعريض بالدعاء. إذن: يستحب له أن يكثر من قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) .
ويستحب له أن يرفع يديه بالدعاء كما صح ذلك في النسائي عن أسامة بن زيد قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة فرفع يديه) (1) أي في الدعاء. ويستحب له أن يستقبل القبلة في دعائه سواء كان راكباً أو قاعداً كما تقدم في حديث جابر الثابت في مسلم ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم (استقبل القبلة) (2) . ويوم عرفة يوم عظيم يعتق الله فيه من النار أكثر ما يعتق في سائر الأيام ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم فيقول: ماذا أراد هؤلاء) (3) وهو من أعظم الأيام وأحبها إلى الله كما أنه من أيام عشر ذي الحجة ويستحب له أن يغتسل في هذا اليوم كما صح هذا عن علي في سنن البيهقي بإسناد صحيح فهو من الأيام الفاضلة التي يشرع الاغتسال فيها. قال: (ومن وقف ولو لحظة) فمن وقف ولو لحظة أجزأه ذلك. وليس المراد الوقوف الحقيقي بل لو كان قاعداً أو مضطجعاً أو مر مروراً منها أي يجاوزها إلى غيرها فإنه يجزئه لأنه بمعنى الوقوف هنا، إذ الوقوف هنا بذاته ليس بمعتبر فلو مر مروراً منها إلى غيرها فإن هذا المرور يجزئه ولو كان ذلك لحظة. ودليله: ما روى الخمسة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحج عرفة فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج) (4) فظاهره لما يصدق عليه الإدراك وإن قل. في الحديث أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج بل هو الحج فهو ركن الحج الأعظم وقد أجمع أهل العلم على أنه ركن من أركانها. قال: (من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر)
هذا بيان من المؤلف لطرفي الوقوف بعرفة من حيث الوقت، فهو من طلوع الفجر الصادق يوم عرفة ما لم يطلع الفجر من يوم النحر. ودليل ذلك: ما ثبت عند الخمسة من حديث: عروة بن مضرس الطائي: أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله فسأله عن الوقوف بعرفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد صلاتنا هذه " أي صلاة الفجر من يوم النحر بمزدلفة " ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) (1) والشاهد قوله: (ووقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً) وما قبل الزوال يصدق عليه النهار. ووافق جمهور العلماء الحنابلة على الإجزاء ليلاً قبل طلوع الفجر من ليلة النحر. ونازعوا الحنابلة في إجزائه قبل زوال الشمس من يوم عرفة فقالوا: لو وقف ضحى عرفة لم يجزئه ذلك. واستدلوا: بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنما أتى عرفة لما زالت الشمس وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) . والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة لإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ليلاً أو نهاراً) ولأن من وقف ليلاً فإنه فعل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد أفاض من عرفة بعد غروب الشمس فلم يقف ليلاً ومع ذلك يقولون بإجزائه. فالحديث إنما يدل على استحباب ذلك. إذن: يستحب له ألا يقف بعرفة إلا بعد زوال الشمس لكن لو وقف قبل زوالها وبعد طلوع الفجر يوم عرفة فإنه يجزئه ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لعروة: (ووقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً) . وقوله: (أو نهاراً) يصدق على أي جزء من أجزاء النهار من يوم عرفة لكن المستحب له ألا يأتي يوم عرفة إلا بعد زوال الشمس. قال: (وهو أهل له صح حجه وإلا فلا)
فلابد أن يكون أهلاً له، فإن لم يكن أهلاً له كغير البالغ أو غير العاقل ونحوه ممن ليس أهلاً للحج فإنه لا يجزئه عن حجة الإسلام كما تقدم البحث فيه. قال: (ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله فعليه دم) إذن: الواجب عليه أن يقف إلى الغروب، فإذا أتى بعد زوال الشمس أو قبل زوالها فإنه ليس له أن يفيض إلا بعد غروب الشمس. قالوا: لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) هذا مذهب جمهور العلماء بوجوبه. وفي هذا نظر، ولذا سيأتي اتفاقهم على أنه لو وقف ليلاً فإنه ليس عليه شيء من ذلك ولذا قال المؤلف هنا: (ومن وقف ليلاً فقط فلا) رجل لم يأت إلا بعد غروب الشمس فوقف ساعة من الليل ثم رجع فإنه ليس عليه دم – على أن الأول موافقته للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما وقف نهاراً وهذا كذلك فقد وقف نهاراً، أما هذا فلم يقف إلا بالليل ومع ذلك فلا خلاف بين العلماء أنه لا دم عليه. واستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج) (1) قالوا: ولم يوجب عليه النبي صلى الله عليه وسلم دماً. والصحيح أنه إذا أفاض قبل غروب الشمس فلا دم عليه أصلاً وهو رواية عن الإمام أحمد وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه للاستحباب بدليل ما تقدم من أن من وقف بعرفة ليلاً فلا شيء عليه فأولى من ذلك ومن وقف نهاراً وأفاض قبل غروب الشمس هو أولى ألا يوجب عليه الدم ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجبه في حديث عروة لما قال: (ووقف قبل ذلك ليلاً أو نهاراً) (2) . فالصحيح مذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وأن من أفاض قبل غروب الشمس فإنه مع مخالفته للسنة النبوية لكنه لا شيء عليه ويجزئه. ويجزئه الوقوف عند جمهور أهل العلم.
ومذهب المالكية أنه لا يجزئه وهذا أعظم بعداً من القول المتقدم فإن كونه يقف في النهار فنقول لا يجزئه لأنه أفاض قبل غروب الشمس وأما إذا وقف ليلاً فإنه يجزئه هذا أبعد عن الترجيح من القول المتقدم. إذن: إن وقف بعرفة أي ساعة من ليل أو نهاراً أجزأ عنه ذلك للحديث المتقدم لكن إن أفاض قبل غروب الشمس من يوم عرفة فجمهور العلماء على أن عليه دماً. ومذهب المالكية أن وقوفه لا يعتد به. والصحيح هو مذهب الجمهور من الاعتداد به، ومذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه أنه لا دم عليه لسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عنه، ولأنه أولى مما اتفق عليه العلماء من عدم إيجاب ذلك عليه إذا وقف ليلاً. أما إذا خرج من عرفة ثم رجع قبل غروب الشمس، فإنه لا يجب عليه دم، لأنه أدرك الطرف الأخير من النهار وهو غروب الشمس أدركه بعرفة، فكما لو أتى قبل غروب الشمس فوقف إلى غروب الشمس فإنه لا شيء عليه بالاتفاق، فكذلك إذا وقف نهاراً فخرج ثم عاد قبل غروب الشمس فأدرك غروب الشمس فإنه لا شيء عليه. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة) فقد ثبت في حديث جابر الطويل في صحيح مسلم وفيه: (فلم يزل وافقاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص فأردف أسامة بن زيد وشنق للقصواء الزمام) (1) فهنا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض إلى مزدلفة من عرفة بعد أن غربت الشمس وهذا هو المستحب، بل هو الواجب عند جمهور العلماء وقد تقدم أن الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد عدم وجوب ذلك فالمشروع له ألا يفيض إلى مزدلفة حتى تغرب الشمس. قال: (بسكينة ويسرع في الفجوة)
فينبغي أن يكون بسكينة بلا إسراع ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نصَّ) (1) والعنق: هو ما بين الإسراع والإبطاء، " نصَّ " أي أسرع. وفي البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيها الناس السكينة السكينة فإن البر ليس بالإيضاع) (2) أي ليس بالإسراع، وفي مسلم من حديث جابر أنه كان يقول بيده: (أيها الناس السكينة السكينة) (3) فالمستحب أن يكون سيره إلى مزدلفة بسكينة وتؤده إلا أن يجد فجوة فلا بأس أن يسرع. قال: (ويجمع بها بين العشاءين) أي بمزدلفة بين العشائين كما ثبت هذا في حديث جابر في صحيح مسلم قال: (فأتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر) (4) فالمستحب له في ليلة المزدلفة أن يجمع بين المغرب والعشاء. قال: (ويبيت بها) أي بمزدلفة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عن مناسككم) وقد تقدم في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (اضطجع حتى طلع الفجر) . * واختلف أهل العلم في المبيت بمزدلفة هل هو ركن أو واجب أو مستحب؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم: القول الأول: أنه ركن فلا يصح الحج إلا به، فمن لم يبت بمزدلفة فلا حج له.
واستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم لعروة بن مضرس: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) (1) . قالوا: فدل على أن من لم يشهد الصلاة ليلة مزدلفة ولم يقف فإن حجه لا يتم وتفثه لا يقضى. هذا مذهب طائفة من السلف وهو مذهب الأوزعي وابن خزيمة وابن جرير الطبري. القول الثاني: وهو قول جمهور العلماء: أنه واجب يجبر بدم. واستدلوا: بما روى الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج) (2) . قالوا: فدل هذا على أنه يدرك الحج وإن فاته المبيت بمزدلفة فظاهر الحديث أن من أدرك عرفة ليلاً قبل طلوع الفجر بدقائق ثم أذن عليه الفجر وهو بعرفة ثم أفاض إلى مزدلفة فإن حجه يصح. فهذا الحديث ظاهره عدم ركنية المبيت بمزدلفة بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم صحح حج من أدرك عرفه قبل طلوع الفجر ومن أدركها على هذه الهيئة فإنه لابد أن يفوته المبيت بمزدلفة. قالوا: وظاهر الحديث وجوب صلاة الفجر فيه، وأنتم لا تقولون بهذا بل تجيزون للظعن والضعفة وغيرهم أن يفيضوا قبل حطمة الناس قبل أذان الفجر كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ولو كان ركناً من أركان الحج – أي شهود صلاة الفجر – فيه لما قلتم بالترخيص للضعفة من النساء وغيرهن أن يفيضوا قبل طلوع الفجر. وأنتم تقولون: أن من نام عن صلاة الفجر فلم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس فإنه يدرك المبيت وإن لم يصل صلاة الفجر.
فإذن: أنتم لا تقولون بظاهره، فإن ظاهره أن من صلى وشهد صلاة الفجر مع الإمام فهو الذي يصح حجه ويقضي تفثه. القول الثالث: وهو مذهب بعض أهل العلم من الشافعية: إلى أن المبيت بمزدلفة سنة وليس بواجب. قالوا: لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله لا يدل على الوجوب. وأصح الأقوال هو مذهب جمهور أهل العلم أن المبيت بمزدلفة واجب يجبر بدم، وأن من فاته فإن حجه صحيح لكنه يجبر ما فاته بأن يهريق دماً. بدليل ما تقدم من إذن النبي صلى الله عليه وسلم للظعن أن يدفعن من مزدلفة قبل أذان الفجر ورخصته بذلك، ولا شك أن الرخصة والإذن إنما يوجه إلى الواجب إذ لا يقال فيمن أذن له بترك رخصة: رخص له بذلك أو أذن له بذلك، فإن هذا إنما يقابل الواجب. فهذه الأحاديث ترد على من قال بسنية المبيت بمزدلفة، فرخصة النبي صلى الله عليه وسلم وإذنه إنما يتوجهان إلى ما ثبت وجوبه، وأما ما ثبت استحبابه فإن الإذن والترخيص ثابت فيه أصلاً فلا يحتاج إلى إذن وترخيص. قال: (وله الدفع بعد نصف الليل) مطلقاً سواء كان معذوراً كضعفة الرجال وكالنساء ونحوهم من المعذورين الذين يشق عليهم أن يدفعوا مع الناس في حطمتهم، أو كان من الأشداء الذين لا يثقل عليهم ذلك فكلهم لهم الدفع بعد نصف الليل – هذا مذهب الحنابلة، ومذهب الشافعية أيضاً. ومذهب المالكية أوسع من ذلك فإن مذهبهم جوازه إن مكث قدراً يكفيه لصلاة المغرب والعشاء وإنزال رحله وهذا لا يتجاوز الثلث ساعة ولا يصل إلى النصف ساعة فإذا قدر نصف ساعة فإنه يجزئه ذلك وله أن يدفع.
وقال الأحناف: لا يجوز له أن يدفع إلا بعد طلوع الفجر. وهذا القول الراجح إذ لا دليل على ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية فضلاً عما ذهب إليه المالكية. فإن فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) وإذنه وترخيصه للضعفة يدل على وجوب المبيت وعدم الترخيص والأذن للأقوياء. وقياس الأقوياء على الضعفاء: قياس مع الفارق. ولذا قال ابن القيم فيما ذهب إليه الحنابلة: ولا دليل له من كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. قلت: بل الأدلة الشرعية تخالف ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن للظعن، ولغيرهن من الضعفة أن يدفعوا وأما غيرهم فإنهم يبقون على وجوب المبيت، فليس لهم أن يفيضوا أو يدفعوا قبل طلوع الفجر. ثم – أيضاً – الضعفاء من النساء والرجال ممن يجوز دفعهم قبل الفجر لا يجوز دفعهم إلا إذا دخل الثلث الأخير من الليل كما دلت عليه الآثار أيضاً. فمن ذلك: ما ثبت في الصحيحين: أن أسماء بنت أبي بكر قالت: لمولاها (هل غاب القمر) والقمر إنما يغيب ليلة المزدلفة وهي ليلة العاشر من ذي الحجة إنما يغيب في ثلث الليل الأخير فقال: لا، فصلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر فقال: نعم، قالت: فارتحل لي، قال: فارتحلنا حتى أتت الجمرة فرمتها ثم صلت الفجر في منزلها فقلت لها: يا هَنْتاه " أي يا هذه " لقد غلسَّنا " أي بكرنا " فقالت: كلا أي بني، أذن النبي صلى الله عليه وسلم للظعن) (1) أي بما تقدم.
ولا شك أن امتناعها عن الذهاب قبل مغيب القمر يدل على أن الإذن إنما كان عند غيابه وثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (استأذنت سودة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة " أي ثقيلة " فأذن لها، ولأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة فأدفع بأذنه أحب إلي من مفروح به) (1) وفي رواية: (فأصلي الصبح فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس) فدل على أن هذا الدفع يكون بوقت يكفيها أن تصل إلى بيتها أو منزلها بمنى فتصلي فيه الصبح ثم ترمي الجمرة. وفي الصحيحين: أن ابن عمر: كان يقدم ضعفة أهله ليلة مزدلفة فيقفون عند المشعر الحرام فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون " أي يبدؤون السير " قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع فيصلون منى لصلاة الفجر ومنهم من يصل بعد ذلك فإذا قدموا منى رموا الجمرة فيقول ابن عمر: (أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في أولئك) (2) فهؤلاء أيضاً إنما كانوا يدفعون قبل صلاة الفجر في الثلث الأخير من الليل بحيث أنهم منهم من يصل لصلاة الفجر ومنهم من يصل بعد ذلك.
إذن الراجح: أنه ليس للضعفاء ولا للضعفة ممن يجوز لهم أن يدفعوا ليلة المزدلفة، ليس لهم أن يفيضوا إلا في الثلث الأخير من الليل فيصلون الفجر بمنى، كما أنه ليس للأقوياء أن يدفعوا قبل طلوع الفجر على الراجح – إلا من احتاج الضعفة إليه، كأن تكون هناك نسوة يحتجن إلى من يدفع معهن من الرجال فيجوز لمن احتجن إليه من الرجال أن يدفعوا معهن فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (كنت فيمن قدم النبي صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله من جمع بليل) (1) . * متى يكون رمي الجمرة للضعفة ومن معهم من الأقوياء: هل يكون قبل طلوع الفجر أم لا يرمون إلا بعد طلوع الفجر أو لا يرمون إلا بعد طلوع الشمس؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم: القول الأول: أن لهم أن يرموا قبل طلوع الفجر، أي الضعفة ومن معهم من الأقوياء هذا مذهب الحنابلة والشافعية. واستدلوا: بما رواه أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أذن لأم سلمة أن تدفع ليلة المزدلفة وأن ترمي الجمرة قبل طلوع الفجر) (2) لكن الحديث ضعيف مضطرب ولذا أنكره الإمام أحمد وغيره. فقد استدلوا بهذا الحديث على جواز الرمي قبل الفجر للضعفة وبالقياس الأقوياء. القول الثاني: وهو مذهب المالكية والأحناف: أنه ليس للأقوياء ولا للضعفة أن يرموا إلا إذا طلعت الشمس. واستدلوا: بما ثبت عند الخمسة والحديث له طرق وهو حديث صحيح عن ابن عباس قال: (قدمنا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة مزدلفة أُغَيْلمة بني عبد المطلب على جمرات لنا، فجعل يلطخ أفخاذنا " أي يصرفها بلين " ويقول: أي بني لا ترموا حتى تطلع الشمس) (3) .
القول الثالث: هو ما اختاره ابن القيم فقد اختار قولاً جمع فيه بين الأحاديث الثابتة في هذا الباب. فقال: أما الضعفة فيجوز لهم أن يرموا بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وليس لهم قبل طلوع الفجر. واستدل بالآثار المتقدمة بحديث أسماء، وحديث ابن عمر، وحديث عائشة فكل الآثار المتقدمة الثابتة في الصحيحين فيها أنهم كانوا يرمون بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس فإن أسماء رمت ثم صلت الفجر في منزلها وعائشة تقول: (فأصلي الصبح فأرمي الجمر، قبل أن تأتي الناس) (1) وظاهره أن هذا هو ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لسودة. وهكذا أيضاً أثر ابن عمر فإنهم يقدمون لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا – وقدوم أولهم لصلاة الفجر – رموا الجمرة ويقول: (أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في أولئك) (2) قال فهذه الأحاديث تدل على أنه يجوز للضعفة أن يرموا بعد طلوع الفجر ولا شك أن ثمت فارق ظاهر بين طلوع الفجر وبين ما قبله فإن طلوع الفجر ثبت به دخول ليوم النحر الذي من مناسكه رمي جمرة العقبة أما قبل طلوع الفجر فإنه لم يدخل بعد هذا اليوم والرمي إنما هو من مناسك يوم النحر. قال: أما الأقوياء فليس لهم وإن دفعوا مع الضعفة ليس لهم أن يرموا حتى تطلع الشمس لحديث ابن عباس المتقدم فإنه كان من الأقوياء الذين قدمهم النبي صلى الله عليه وسلم مع الضعفة ثم نهاهم وقال: (أي بني لا ترموا حتى تطلع الشمس) وهذا القول هو الراجح وبه يكون الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا الباب. قال: (وقبله فيه دم) . فإذا وقع [لعلها: دفع] قبل نصف الليل فعليه دم. إذن: يخرج على قولنا المتقدم: أن من دفع قبل طلوع الفجر من الأقوياء فإن عليه دم والضعفة إذا دفعوا قبل ثلث الليل الأخير فعليهم دم، لوجوب المبيت بمزدلفة ولا يحصل المبيت إلا بما تقدم قال: (كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله) . هذه مسألة:
إذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر فلم يأت قبل ذلك فعليه دم لفوات المبيت. (لا قبله) : إذا أتى قبل أذان الفجر فإنه لا دم عليه. فإذن: إذا أتى قبل أذان الفجر فلا دم عليه، وأما بعد الأذان فعليه دم. وذلك لأنه قد ترك واجباً من الواجبات، ويلزمه الدم سواء كان معذوراً أم لم يكن معذوراً لأثر ابن عباس وسيأتي. قال: (فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه) إذا صلى الصبح بمزدلفة أتى المشعر الحرام وهو جبل " قَزَح " (1) وهو جبل معروف هناك، وهو ما يسمى بالمشعر الحرام. ومزدلفة كلها يثبت فيها هذا الاسم على وجه العموم كما صح ذلك عن ابن عمر فقد قال: (المشعر الحرام المزدلفة كلها) لكن هذا الجبل يثبت فيه هذا الاسم على وجه الخصوص فيقف عند المشعر الحرام فيدعو الله ويكبره ويهلله ويحمده ويوحده فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (– بعد أن صلى الصبح – ركب القصواء فأتى المشعر الحرام فوقف عنده فاستقبل القبلة فدعاه " أي دعا الله " وكبره وهلله ووحده) (2) وعند أبي داود: (فحمد الله فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً ثم دفع قبل أن تطلع الشمس) (3) لذا قال المؤلف هنا: (فإذا صلى الصبح أتى المشعر فيرقاه) ورقيه ثابت في حديث جابر من رواية أبي داود ولحديثه قال: (فرقي عليه) (4) قال: (أو يقف عنده)
فإذاً: إن وقف عنده أو رقى عليه فكل ذلك حسن لكن المستحب أن يرقى عليه لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم – كما في مسلم -: (نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في بيوتكم ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف) (1) وقوله: " هاهنا " أي عند المشعر الحرام. قال: (ويحمد الله ويكبره ويقرأ: {فإذا أفضتم من عرفات} الآيتين) ولم أجد دليلاً يدل على استحباب قراءة هاتين الآيتين عند الموقف. قال: (ويدعو حتى يسفر) أي حتى يسفر الجو، ثم قبيل طلوع الشمس يدفع إلى منى. قال: (فإذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر) ومحسر: وادي بين مزدلفة ومنى، وسمي محسراً: من حسر، أي أعياه وأتعبه، وسمي بهذا الاسم: لأنه أعيا الفيل وأتعبه فحصل له إعياء في ذلك الموضع فسمي محسراً من حسر، وفيه قوله تعالى: {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير} أي وهو كليل متعب. فإذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر أي يسرع مسافة قدرها رمية حجر – كما صح ذلك عن ابن عمر في موطأ مالك بإسناد صحيح: (أنه كان يسرع فيه رمية من حجر) (2) ، واستحباب الإسراع ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال: (فلما أتى بطن محسر حرك قليلاً) (3) قال: (وأخذ الحصى، وعدده سبعون بين الحمص والبندق)
أي أخذ الحصى في طريقه غداة العقبة وذلك لمصلحة التعجل بالرمي عند الوصول إلى جمرة العقبة، حتى لا ينشغل بجمع الحصى عند الوصول إلى الموضع الذي يرمي فيه، فيستحب له قبيل وصوله المرمى أن يجمع الحصى من أي موضع شاء من مزدلفة أو من غيرها فليس هناك موضع يتعين استحبابه وقد ثبت في النسائي عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة العقبة " أي فجر غداة اليوم الذي ترمي فيه جمرة العقبة ": هلمَّ القط لي قال: فلقطت له حصيات مثل الخذف " وهو الحصى الصغير الذي يمكن وضعه بين السبابتين ليرمي به " فأخذهن من يده ثم قال: بمثل هؤلاء وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) (1) والشاهد أن الحصى كحصى الخذف. ثم قال المؤلف هنا: (بين الحِمَّص والبندق) الحمص: معروف ولعله بنصف أنملة الأصبع الصغرى، والبندق كذلك. فبينهما يكون حصى الخذف. وقوله: (عدده سبعون) : ظاهره أنه يجمع سبعين من ذلك الموضع، وهذا فيه نظر. بل الأظهر أنه يجمع لكل يوم في يومه، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجمع غداة العقبة أي لجمرة العقبة وأما غيرها من الجمرات فيجمع لها في أيامها. وعدد الجمرات التي ترمى في الجمرات كلها على وجه التمام سبعون حصاة. في اليوم الأول (العاشر من ذي الحجة) : سبع. وفي اليوم الحادي عشر: إحدى وعشرون. وفي الثاني عشر كذلك. وفي الثالث عشر كذلك. فيكون مجموعها سبعين حصاة. يجمعها من أي موضع شاء، وهنا النبي صلى الله عليه وسلم قد أمره أن يلقطها في طريقه غداة العقبة وهي بين الحمص والبندق – كما تقدم – والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإذا وصل إلى منى وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة)
ومنى: شعب بين جبلين وهي بين حدين هما: جمرة العقبة ووادي محسر، فجمرة العقبة ووادي محسر ليسا من منى باتفاق العلماء كما نص على ذلك الموفق وابن القيم وغيرهما. والحنابلة ذكروا أن وادي محسر وجمرة العقبة ليسا من منى ولم يذكروا في هذه المسألة خلافاً، وهو المشهور عند أهل العلم وقد ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح أن عمر قال: (لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة) (1) فدل على أن ما وراء العقبة ليس من منى، ولا يعلم لهم مخالف وكذلك وادي محسر. ومما يدل على أنه ليس من منى، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مَّر به حرك قليلاً وهي سنته صلى الله عليه وسلم في الأماكن التي وقع فيها بأس الله عز وجل وعذابه كما فعل ذلك في مروره بديار ثمود، ولا يمكن أن يكون هذا الموضع الذي يسرع فيه ويتعجل – لا يمكن أن يكون منسكاً يتعبد لله به. وأما ما ذكره الشيخ الألباني: أن محسراً من منى استدلالاً برواية في صحيح مسلم في حديث الفضل بن عباس من سياق فعل النبي صلى الله عليه وسلم من قول الفضل وفيه ذكر مروره بوادي محسر قال: (وهو من منى) . والأظهر إن هذا من قول بعض الرواة وليس من قول الفضل بن عباس إذ لا يمكن أن يكون هذا الموضع الذي يشرع الإسراع به والتعجل بمروره لا يمكن أن يكون منسكاً يتعبد الله به. وهذا هو المشهور عند أهل العلم وقد ذكره الأزرقي عن عطاء بن أبي رباح إمام أهل مكة، قال ابن القيم – في وادي محسر: (وهو برزخ بين منى ومزدلفة) وهو – كما تقدم – رمية بحجر أي ثلاثمائة أو أربعمائه متراً ونحو ذلك. فعلى ذلك منى: حداها جمرة العقبة ووادي محسر، وأما من الجهتين الأخريين فتحفها الجبال فيهما. قال: (رماها بسبع حصيات)
كما ثبت في مسلم من حديث جابر قال: (فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة) (1) ويستحب أن يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ويستبطن الوادي – وذلك عند رمي جمرة العقبة – لما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى الجمرة بسبع حصيات وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (2) . قال: (متعاقبات) أي واحدة بعد واحدة، فإن رماها دفعة واحدة لم يجزئه لأنه خلاف فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلاف هديه وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) (3) فلا يجزئه ذلك وكانت له رمية بحصاة واحدة، فالواجب فيها متعاقبات لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: (لتأخذوا عني مناسككم) . * الأظهر أنه يجب ألا يقطع بينها بفاصل، وهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وفي قوله: (فرماها) فيه اشتراط الرمي وأن الإلقاء والطرح لا يجزئ، فلابد أن يفعل ما يصدق عليه أنه رمى، فلو ألقاها إلقاءً أو طرحها طرحاً فإنه لا يجزئه لأن النبي صلى الله عليه وسلم: إنما رماها رمياً فلا يجزئ إلا ما يصدق عليه الرمي وقد قال: (لتأخذوا عني مناسككم) وهذا باتفاق العلماء وإلقاؤها أو طرحها خلاف هديه، وكل ما كان خلاف هديه فهو رد على صاحبه. قال: (يرفع يده حتى يرى بياض إبطه) هكذا ذكر بعض الحنابلة وأن ذلك مستحب أن يرفع يده حتى يرى بياض إبطه ولم أر ما يدل على ذلك من السنة لكن فعل ذلك حسن لأنه أمكن في الرمي وأتم وأما ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا دليل عليه لكن ذلك أعظم في التمكن من الرمي فيستحسن.
إذن: يستحسن له أن يرفع يده ثم يرمي بالحجر ولا نقول إن هذا سنة لا سيما تقييده بأن يرى بياض إبطه لعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (ويكبر مع كل حصاة) لما تقدم في حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يكبر مع كل حصاة) (1) أي يقول الله أكبر. قال: (ولا يجزئ الرمي بغيرها) فلا يجزئه أن يرمي بغير الحصى فلو رمى بغير الحصا كالمدر أو الكحل أو ذهب أو فضة أو نحو ذلك مما ليس بحجر ولا يسمى حجراً فإنه لا يجزئه لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رمى بالحصى، فقد أمر ابن عباس أن يلقط له حصيات، وقال: (بمثل هؤلاء) (2) أي فارموا، فهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وكل فعل يخالف هديه فهو رد. ومثل ذلك لو رمى بحجر كبير فإنه لا يجزئه لأن النبي صلى الله عليه وسلم: رمى بحصى الخذف وقال: (بمثل هؤلاء وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) فهنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرمي بأكبر من حجر الخذف وذكر أنه غلو في الدين، وما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو فاسد، وهو أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد، فالنهي يقتضي الفساد. قال: (ولا بها ثانياً) ليس له ولا لغيره أن يرمي بحصاة قد رمى بها وذلك لأنها استعملت في عبادة، فأشبه ذلك الماء المستعمل في الوضوء فإنه لا يجوز الوضوء به في المشهور من مذهب الحنابلة. وقال الشافعية: له أن يرمي بحصاة قد رمى بها، كأن يأخذ من المرمى حجراً فيرمى به ثانياً.
قالوا: لأنه يصدق عليه اسم الرمي، فهو حصى وقد رمي به وأما كونه يأخذه من المرمى ولا يأخذه ابتداءً من الأرض فهو خلاف الأولى لكنه رمي مجزئ، وأما ما ذكره الحنابلة من قياسه على الماء المستعمل في الوضوء، فالراجح في هذا الأصل: أن الوضوء بالماء المستعمل جائز ولا حرج فيه مع أنه – كما تقدم – خلاف الأولى. فالصحيح أنه لو أخذ حصاة من المرمى قد رمى بها هو أو غيره فإن ذلك يجزئه لكن الأولى له أن يأخذها من الأرض ابتداءً فيرمي بها كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. واعلم أنه لا يجزئه الرمي إلا أن تقع الحصاة في المرمى باتفاق العلماء، وأنه لو رماها فلم تقع في المرمى فإنه لا يجزئه باتفاق العلماء، لأن الواجب هو رمي الجمرة وهنا لم يقع ذلك منه فلم يجزئه. ولو رماها فوقعت على موضع صلب ثم تدحرجت فوقعت في المرمي أو ضربت حائطاً ووقعت في المرمى فإنه يجزئه؛ لأن ذلك فعله، فهذا كله من فعله فقد رماها وكانت نتيجة رميه وقوعها في المرمى فيجزؤه ذلك. أما لو كانت بفعل غيره فإنه لا يجزئه. واعلم أنه لا يجزئ الرمي إلا أن بيقين أو يغلب على ظنه سقوطها في المرمى، أما لو شك في ذلك فإنه لا يجزئه لأن ذمته لا تبرأ إلا بيقين أو غلبة ظن، فالواجب عليه أن يرميها رمياً يتيقن أو يغلب على ظنه سقوطها في المرمي أما إذا شك فإن الأصل عدم وقوعها فيه. واعلم أن الرمي واجب باتفاق العلماء وقد ذهب، بعض العلماء إلى ركنيته، والصحيح هو وجوبه فهو واجب يجبر بدم، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) . قال: (ولا يقف) .
فلا يشرع له أن يقف، بل يرمي ثم يذهب عن جمرة العقبة فلا يقف عندها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف عندها لا في يوم النحر ولا في أيام التشريق، بخلاف الجمرة الصغرى والجمرة الوسطى فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف عندهما كما سيأتي في حديث ابن عمر في البخاري أما جمرة العقبة فلم يقف عندها. فلا يشرع الوقوف ولا الدعاء ولا ذكر، بل ينصرف عنها ولا يقف. قال: (ويقطع التلبية قبلها) أي قبل الرمي، فيقطع التلبية قبل أن يرمي الجمرة وذلك لحديث الفضل وفيه: (فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) (1) فالمشهور عند الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء أنه يقطع التلبية قبل اشتغاله برمي الجمار. وذهب إسحاق إلى أنه يقطعها عند آخر حصاة، لما ثبت في صحيح ابن خزيمة بإسناد حسن من حديث الفضل وفيه: (فقطع التلبية مع آخر حصاة) . والذي يظهر لي هو صحة القول الأول، وأن هذه اللفظة منكرة فإن الثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يكبر مع كل حصاة) (2) وهذا يدل - كما قرر هذا البيهقي والموفق، يدل - على أنه قطع التلبية قبل اشتغاله بالرمي إذ لا يمكنه الجمع بين التكبير والتلبية أثناء الرمي. قال: (ويرمي بعد طلوع الشمس) يرمي جمرة العقبة، لما ثبت في مسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (رمى الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس) (3) أي أيام التشريق كان يرمي بعد الزوال وأما جمرة العقبة فقد رماها ضحى أي بعد طلوع الشمس. قال: (ويجزئ بعد نصف الليل)
أي يجزئه قوياً أو ضعيفاً أن يرمي بعد نصف الليل، وتقدم ضعف هذا القول وأن الراجح أنه إن كان من الأقوياء فلا يرمي إلا بعد طلوع الشمس وإن كان من الضعفاء فبعد طلوع الفجر. واعلم أن أهل العلم قد أجمعوا على أن رمي جمرة العقبة يمتد إلى غروب الشمس حكى الإجماع ابن عبد البر ويدل عليه ما ثبت في البخاري: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر: رميت بعدما أمسيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارم ولا حرج) (1) والمساء: من زوال الشمس إلى أن يشتد الظلام. وقيل: إلى نصف الليل. والمشهور هو الأول. واختلفوا في الرمي ليلاً هل يجزئ أم لا؟ الحنابلة قالوا: لا يجزئ أن يرمي ليلاً، ومن فاته الرمي نهاراً فغربت الشمس ولم يرم، فإنه يرمي من الغد بعد زوال الشمس – أي في اليوم الحادي عشر -. وقال المالكية والشافعية: يجزئه أن يرمي ليلاً إلا أن المالكية قالوا: عليه دم فهو عندهم من باب القضاء لا من باب الأداء وأما الشافعية فهو عندهم من باب الأداء ولا دم عليه. استدل الحنابلة: مما ثبت في البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: (من نسى رمي الجمار إلى الليل فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد) والإسناد إليه صحيح. وأما حجة المالكية والشافعية: فاستدلوا: بحديث البخاري المتقدم ففيه أن السائل لما قال: (رميت بعدما أمسيت قال له: النبي صلى الله عليه وسلم: ارم ولا حرج) قالوا: والمساء يصدق على جزء من الليل كما أنه يصدق على جزء من النهار باتفاق أهل اللغة. فإن ما قبل اشتداد الظلام بعد غروب الشمس هو من المساء اتفاقاً قالوا: والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وأجاب الحنابلة عن استدلال الشافعية بهذا الحديث قالوا: السائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر فثبت لنا أن سؤاله موجه إلى المساء في النهار، وهو ما بعد زوال الشمس إلى غروبها ويوم النحر ينتهي بغروب الشمس والحديث فيه أن السائل سأله يوم النحر، فدل على أنه قد رمى في مساء النهار، فإن المساء قسمان 1- مساء نهار 2- ومساء ليل. فمساء الليل بعد غروب الشمس إلى أن يشتد الظلام، وأما مساء النهار فهو من زوال الشمس إلى غروبها. فالسؤال قد وقع في اليوم الذي يدل على أن السؤال إنما كان في النهار. ويدل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يسأل في ذلك اليوم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (افعل ولا حرج) (1) . وللفارق بين هذين المسائين فإن مساء الليل تبع لليوم الحادي عشر، فإذا غربت الشمس دخلت ليلة إحدى عشرة وأما ما قبل غروب الشمس فهو من الليل العاشر وهو يوم النحر فالأظهر أن في استدلال الشافعية بهذا الحديث نظراً. واستدلوا – أيضاً – بما ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح: أن بنت أخ لصفية بنت أبي عبيد زوج ابن عمر نفست فتخلفت هي وصفية في المزدلفة فأتيتا بعد غروب الشمس فأمرهما ابن عمر أن يرميا ولم ير عليهما شيئاً) (2) فهذا يدل على جواز الرمي ليلاً. والذي يظهر لي – والله أعلم – قوة ما ذهب إليه الشافعية لثبوت هذا الأثر عن ابن عمر صريحاً. وأما أثره السابق: فالذي يظهر لي أن ذلك في أيام منى وأن من نسى رمي الجمار في أيام منى، فإنه لا يرمي ليلاً وإنما يرمي بعد زوال الشمس من الغد – على رأى ابن عمر وسيأتي الكلام عليه في موضعه.
فالجمع بين أثري ابن عمر: أن الأثر الأول في رمي الجمار أيام التشريق وذلك لأن أيام التشريق وقتها واحد، فكلها إذا زالت الشمس رميت، فأُمر بجمعها، وسيأتي الكلام على جمعها ومذاهب أهل العلم في ذلك، فالمراد جمار أيام التشريق بدليل الجمع في قوله: (من نسى رمي الجمار) (1) أي جمرة العقبة والجمرة الوسطى والجمرة الصغرى. وأما أثره الآخر فهو دال على جواز الرمي ليلاً لاسيما للمعذورين وهكذا في ازدحام الناس وحطمتهم فإنه يقال بهذا المذهب. وحينئذ فالأحوط ألا يرمي إلا نهاراً، لكن ينبغي أن يوسع في هذا حيث كانت هناك حطمة وزحام شديد فإنه يوسع في هذا كما تقدم عن ابن عمر في امرأته لما تخلفت وابنة أخيها فإنه أمرهما أن يرميا ليلاً. هناك أثر عن ابن عباس: أن الحجر الذي يرمي فيقبل (2) أنه يرفع وهو ثابت عن ابن عباس لكن هل المراد رفع معنوي أو حقيقي – هذه مسألة أخرى. الجبال التي تحف منى: ما أقبل فهو من منى وما أدبر فليس منها، أما الذي في رأس الجبل لا مقبل ولا مدبر: فالأظهر أنه ليس من منى لأن الحدود في الأصل ليست منها لكن الناس في هذا الوقت لا يمكن إلا أن يخرجوا من منى فهذا باب آخر، لأن الواجبات تسقط بالعجز عنها. ولا شك أن الموضع لا يكفي فيحتاجون أن يكون في مواضع أخرى من المواضع التي تتصل بمنى. فإذا اتصلت المواضع بمنى فقد امتدت فإن لها حكم منى، كما أن الناس إذا صلوا في المسجد فامتدت صفوفهم خارج المسجد فهم في المسجد، فكذلك منى فإذا اتصلت في الخيام ولو كان ذلك خارج منى فإنه يجزئ لأن الواجبات تسقط عند العجز عنها ولأن المشقة تجلب التيسير ولا يتكلفون أيضاً الخروج من خيامهم إلى المبيت في الليل بمنى لما في ذلك من الكلفة عليهم. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله: (ثم ينحر هدياً إن كان معه)
سواء كان الهدي واجباً كهدي التمتع والقران، أو كان هدياً مستحباً كهدي المفرد، فمن كان معه هدي فإذا رمى الجمرة استحب له أن يهدي فالترتيب: أن النحر أو الذبح يكون بعد الرمي. دليل ذلك حديث جابر في مسلم قال – وقد ذكر رميه لجمرة العقبة – قال: (ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده وأعطى علياً ما غبر وأشركه في هديه) (1) . قال: (ويحلق أو يقصر من جميع شعره) السنة في باب الترتيب أن يكون الحلق أو التقصير بعد النحر ففي مسلم من حديث أنس بن مالك قال: (ثم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق خذ …) (2) الحديث ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة أولاً ثم نحر ثانياً ثم حلق ثالثاً. واعلم أن الأفضل بإجماع العلماء هو الحلق، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله قال: اللهم ارحم المحلقين والمقصرين فدعا لهم في الثالثة) (3) ولأن الله قدم الحلق على التقصير في قوله: {محلقين رؤوسكم ومقصرين (4) } فالحلق أفضل من التقصير وقد تقدم الكلام على التقصير وما يجزئ فيه وأن ما يصدق عليه اسم التقصير من تعميم الشعر كله. فالجزء الذي يصدق عليه مسمى التقصير يجزئ عنه سواء كان بقدر أنملة أو أقل من ذلك. واختلف أهل العلم في الحلق أو التقصير هو نسك أم أنه إطلاق من محظور؟
1- فقال جمهور العلماء: هو نسك، ولذا قال المؤلف بعد ذلك: (والحلق والتقصير نسك) فهو نسك من أنساك الحج كالرمي والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى وغير ذلك. ودليل ذلك قوله تعالى: {محلقين رؤوسكم ومقصرين} وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم ارحم المحلقين والمقصرين) فدل ذلك على أنه نسك وعبادة في الحج. ويدل عليه بظهور أيضاً: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان منكم ليس قد أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليتحلل) (1) فدل على أن التحلل مترتب على الحلق أو التقصير وأنهما نسك من أنساك الحج. 2- وقال الإمام أحمد في رواية عنه: هو إطلاق من محظور كالتطيب، فكما أن المحرم يجوز له إذا تحلل أن يتطيب وأن يفعل ما شاء من محظورات الإحرام مما ليس محرماً في الشريعة فكذلك حلق الرأس فهو مجرد إطلاق من محظور من محظورات الإحرام. واستدل الإمام أحمد في هذه الرواية غير المشهورة عنه، بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري والحديث تقدم لفظه: وفيه: أنه أهل بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم قال: " حُل " (2) ولم يذكر حلقاً ولا تقصيراً.
والصحيح هو القول الأول وأن الحلق أو التقصير من مناسك الحج بدليل الأدلة المتقدمة وأما حديث أبي موسى فإن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يأمره بالتقصير صراحة وقد أمر به غيره من الصحابة كما تقدم في حديث ابن عمر ثم أن قوله: " حل " أي افعل ما يترتب عليه التحلل من حلق أو تقصير أي افعل ما تكون به حلالاً ولا يكون حلالاً حتى يحلق رأسه أو يقصر. فالصحيح ما ذهب جمهور العلماء وهي الرواية المشهورة عن الإمام أحمد أن الحلق نسك. قال: (وتقصر منه المرأة أنملة) الأنملة هي: رأس الأصبع من المفصل الأعلى. فالمرأة لا يشرع لها أن تكثر من التقصير بل ينبغي لها أن تقصر أنملة أو نحو ذلك، فلا ينبغي لها أن تبالغ بالتقصير. وتقييد المؤلف هنا بقدر أنملة ليس المراد أن هذا هو الواجب عليها بل المقصود إنها لا تبالغ بل يكون قدر أنملة أو نحو ذلك، لكن لو أخذت نصف أنملة أو أقل من ذلك أو أكثر فإنه يجزؤها. فتقييده بالأنملة لبيان عدم مشروعية المبالغة في أخذ الشعر فإن المرأة المستحب لها هو توفير شعرها لا تقصيره. وأما الحلق فهو محرم بالإجماع ولا يشرع للمرأة في الحج وفي الترمذي وغيره والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى المرأة أن تحلق شعرها) (1) وفي أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على النساء حلق وإنما على النساء التقصير) (2) . قال: (ثم قد حل له كل شيء إلا النساء) إذا رمى الجمرة وحلق – فالنحر ليس في هذا الباب، فإن النحر لا يثبت على المفرد ونحوه، ولأن بدله تمتع من ترتيب التحلل عليه - فإذا رمى وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء. وهنا مسألتان:
المسألة الأولى: أن هذا هو المشهور في المذهب وأن من فعل نسكين من ثلاثة فإنه يتحلل التحلل الأول، فإذا فعل النسك الثالث حل التحلل التام، والأنساك الثلاثة هي الرمي والحلق والطواف. والسعي داخل في هذا الباب مع الطواف وإنما لم يذكروه لأن السعي أيضاً ربما فعله مع طواف القدوم. فإذا فعل نسكين من ثلاثة حل التحلل الأول، فإذا فعل الثالث حل التحلل التام وهذا مذهب الشافعية أيضاً. واستدلوا: بما روى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) (1) قالوا: فذكر النبي صلى الله عليه وسلم هنا نسكين ولا شك أن الطواف أولى منهما، فهما من الواجبات (الحلق والرمي) ، والطواف ركن فهو أولى منهما قالوا: فدل على أنه لو رمى وطاف أو حلق وطاف فكذلك لأن الطواف أولى منهما. وذهب المالكية وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أنه إذا رمى الجمرة فقد حل وإن لم يحلق. واستدلوا: بما روى النسائي عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء) (2) والحديث صحيح، وله شاهد عن ابن الزبير في مستدرك الحاكم. وصحح هذا القول الموفق ابن قدامة. (3) وأجابوا عن دليل أهل القول الأول: بأنه حديث ضعيف فإن فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف الحديث، وهو كما قالوا فإن الحديث ضعيف. فعلى ذلك الراجح: ما ذهب إليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو مذهب الإمام مالك واختاره الموفق – أنه إذا رمى الجمرة فقد حل له كل شيء إلا النساء. فإذا تم له أنساك الحج فحلق وطاف، وسعى المتمتع فإنه يحلل التحلل التام.
والقياس أن يقال أيضاً: أنه لو حلق فقط أو طاف فقط فإنه يحل التحلل الأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب التحلل على رمي الجمرة وهو نسك من أنساك يوم النحر، فالقياس إثباته في أي نسك من أنساكه، فلو حلق فكذلك أو طاف فكذلك أو سعى فكذلك، لكن الأولى ألا يتحلل التحلل الأول حتى يرمي الجمرة وإلا فالقياس أنه لو طاف فحسن أو حلق فكذلك فإنه يحل التحلل الأول بجامع أنها كلها أنساك من أنساك الحج. 2-المسألة الثانية قوله: (إلا النساء) قال الحنابلة: إلا النساء وطأً أو مباشرة أو قبلة أو مساً أو عقداً. وعن الإمام أحمد أنه لا يحرم إلا الوطء من الفرج لأنه أغلظ المحظورات فهو الذي يفسد الحج به وأما مقدماته من مباشرة أو مس ونحوها فإنها لا تحرم. وفي هذا نظر، فإن الشارع إذا نهى عن الشيء نهى عن ذرائعه الموصلة إليه فمقدمات الجماع ينبغي أن ينهي عنها لأنه إذا حرم الشيء حرمت ذرائعه الموصلة إليه. وذكر شيخ الإسلام عن الإمام أحمد – وهو داخل في عموم الرواية المتقدمة – أن عقد النكاح جائز، واختاره رحمه الله وهو مذهب طائفة من أصحاب الإمام أحمد أنه يجوز له عقد النكاح وأن الداخل في ذلك إنما هو الجماع ومقدماته أما مجرد عقد النكاح فإنه لا حرج فيه. وفيما ذهب إليه شيخ الإسلام قوة، إذ قوله (إلا النساء) إدخال العقد فيه بُعد، فإن العقد ليس فيه شيء من مجانسة النساء ولا مباشرتهن ولا جماعهن فيكون كما لو كانت معه امرأته من غير أن يمسها أو يباشرها أو يجامعها. فمجرد العقد الظاهر أنه يدخل في عموم قوله (فقد حل له كل شيء) (1) أما لفظة " إلا النساء " فهي ثابتة في الوطء وأدخلنا مقدمات الوطء لأنها ذرائع موصلة إلى الوطء نفسه. ومع ذلك فإن الأحوط هو الامتناع من العقد أيضاً لا سيما مع قصر الوقت فإنه بتمام المناسك في ذلك اليوم يحل له الوطء والعقد على النساء اتفاقاً.
فإذن: ذهب بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام: استثنوا عقد النكاح ولم يروه داخلاً في قوله: (إلا النساء) ورأوا أن المنهي عنه إنما هو الجماع ومقدماته، وأما عقد النكاح فإنه لا حرج فيه. إذن: الأظهر أنه إذا رمى الجمرة فإنه يحل له كل شيء إلا النساء وطأً أو مباشرة أو قبلة أو مساً وأما العقد فالأظهر عدم دخوله والله أعلم. قال: (والحلق والتقصير نسك) تقدم هذا وأنه هو المشهور في المذهب. قال: (ولا يلزم بتأخيره دم) أي لا يلزم بتأخيره عن أيام منى دم. أما تأخيره في أيام منى فلم أر خلافاً بين أهل العلم في أنه لا يجب عليه الدم. وأراد المؤلف هنا: أن ينبه على اختيار الحنابلة أن تأخير الحلق عن أيام منى كأن يحلق مثلاً في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة أو بعد شهر ذي الحجة فلا يلزمه دم. 1 - هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة قالوا: لأن الله عز وجل قال: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} (1) فأطلق الله عز وجل فذكر ابتداء الحلق وأنه إذا بلغ الهدي محله ولم يذكر – سبحانه – وقت انتهائه فأطلق ذلك فحينئذ يكون لا مدة لانتهائه، كالطواف فكما أنه يجوز له أن يطوف في اليوم الخامس عشر ونحو ذلك ولا شيء عليه فكذلك الحلق. 2-وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن من تأخر في الحلق فلم يحلق حتى فاتته أيام منى فعليه دم.
وهذا القول – فيما يظهر لي – قوي وهو مقتضى كلام الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في مسألة الطواف فإنه نظر في قول الحنابلة وغيره من جواز تأخير الطواف عن أيام منى، وأن ذلك لا يجوز، وذلك لأن أيام منى هي أيام الحج، والحج عبادة مؤقتة {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج} (1) فكون الله عز وجل لم يقيَّد وقتاً لانتهاء الحلق في الآية المتقدمة لكنه سبحانه وقت للحج في قوله: {الحج أشهر معلومات} فالحج له أيامه التي يفعل فيها، ومقتضى ذلك أنه لا يجوز تأخيره عن أيامه. فالراجح أنه لا يجوز تأخيره عن أيام منى وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة وأنه يجب عليه دم وهو مذهب بعض الحنابلة. وعلى ما تقدم من ترجيح مذهب المالكية أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه، فإنه على ذلك إذا أخر الحلق عن شهر ذي الحجة فعليه دم وقبله لا دم عليه، ومع ذلك فالأحوط أنه: إن أخره عن أيام منى فعليه دم لأن أيام التشريق هي آخر أيام الحج في التعبد وفعل المناسك. قال: (ولا بتقديمه على الرمي والنحر) لو أن رجلاً حلق قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن ينحر فلا دم عليه ولا حرج في ذلك. ودليله ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: (يا رسول الله! حلقت قبل أن أذبح فقال: اذبح ولا حرج، فقال رجل: يا رسول الله! ذبحت قبل أن أرمي فقال له صلى الله عليه وسلم: ارم ولا حرج) (2) . وفي مسلم: فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: (افعل ولا حرج) (3) . وحينئذ فإن هذا يكون ترخيصٌ دلت عليه سنة، وإلا فإن ظاهر قوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} أنه لا يجوز له أن يحلق حتى يبلغ الهدي محله وأن الواجب عليه أن يهدي ثم يحلق لكن استثنت السنة هذا في يوم النحر.
واعلم أنه يستحب للإمام أن يخطب الناس يوم النحر، ففي البخاري من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (خطب الناس يوم النحر) (1) . وليس هي خطبة العيد، لأنها إنما تشرع لأهل الحاضرة والمقيمين. ويستحب له أن يعلمهم مناسكهم فيه، ففي سنن أبي داود من حديث عبد الرحمن بن معاذ قال: (خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ففتحت أسماعنا له حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ رمي الجمار فوضع أصبعيه السباحتين " أي بعضهما على بعض " وقال: بحصى الخذف) (2) . ويستحب أن يكون ضحى لما ثبت في أبي داود من حديث رافع المزني قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حتى ارتفع الضحى وهو على ناقته الشهباء وعلي يعبِّر عنه " أي يبلغ عنه " والناس بين قاعد وقائم) (3) . فإذن المستحب للإمام أن يخطب الناس يوم النحر فيعلمهم مناسكهم. وفي ابن خزيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قلم أظافره بعد التحلل) والحمد لله رب العالمين. فصل قال: (ثم يفيض إلى مكة ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة طواف الزيارة) يطوف القارن والمفرد بنية طواف الزيارة. وأما المتمتع فإنه يطوف طواف القدوم ثم طواف الزيارة فيما نص عليه الإمام أحمد. فقد نص – رحمه الله تعالى – على أن المتمتع والقارن والمفرد إن لم يطف طواف القدوم يستحب لهما أن يطوفا طواف القدوم يوم النحر ثم يطوفا طوافاً آخر وهو طواف الزيارة الذي هو ركن الحج.
واستدل رحمه الله تعالى: بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة – وهو القارنون – فلم يطوفوا إلا طوافاً واحداً) (1) فاستفاد - رحمه الله – من هذا الحديث مشروعية طواف القدوم للمتمتعين ثم يطوفون بعده طواف الزيارة. واستحبه للقارنين والمفردين الذين لم يطوفوا للقدوم لما قدموا مكة. قال الموفق رحمه الله تعالى: (ولم يوافق أبا عبد الله أحد على هذا) (2) ، فجمهور العلماء وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه على خلاف هذا القول، وأن المتمتع لا يشرع له في الحج إلا طواف الزيارة وهو طواف الحج الأكبر أما طواف القدوم قبله فلا يشرع له، وكذلك لا يشرع للقارنين الذين طافوا طواف القدوم، لا يشرع لهم أن يطوفوا قبل طواف حجهم طوافاً آخر قالوا: ولم ينقل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، ولأن طواف القدوم يشبه تحية المسجد ومن اشتغل بالفرض سقطت عنه تحية المسجد بل لم تشرع له.
وأما الحديث الذي استدل به الإمام أحمد رحمه الله فقالوا: هو السعي بين الصفا والمروة أي أن المتمتعين لم يكتفوا بالطواف بالبيت يوم الحج الأكبر بل ضموا إلى ذلك السعي بين الصفا والمروة فكان للمتمتعين في ذلك اليوم طوافان طواف بالبيت يشتركون به مع المفردين والقارنين، وطواف آخر تفردوا به وهو الطواف بين الصفا والمروة – ولا شك أن السعي بين الصفا والمروة طواف كما قال تعالى في كتابه الكريم: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} (1) . إذن قالوا: قول عائشة - أن المتمتعين لما رجعوا من منى طافوا طوافاً آخر، قالوا - هو الطواف بين الصفا والمروة وأما طوافهم الأول فهو طوافهم مع القارنين والمفردين وهو الطواف بالبيت. والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء كما تقدم. وقول المؤلف: (بنية الفريضة) : تقدم الكلام على شرطية النية في الطواف وكلام أهل العلم في ذلك. (طواف الزيارة) يسمى طواف الزيارة لأنه زيارة من منى إلى مكة كما أنه يسمى بطواف الإفاضة لأنه يقع بعد الإفاضة من منى ويسمى – أيضاً – بطواف الركن وذلك لأنه ركن من أركان الحج ويسمى طواف الصدر لأنه يفعل بعد الصدور من منى: فهذه أربعة أسماء له. وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج، وقد قال تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق (2) } وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سأل عن صفية أم المؤمنين فقيل له: إنها حائض فقال: أحابستنا هي؟ فقيل له: إنها قد أفاضت يوم النحر " وطافت طواف الإفاضة " فقالوا: اخرجوا) (3) أي اخرجوا من مكة. فظاهر هذا أنها لو لم تطف طواف الإفاضة لحبستهم حتى تطوفه فدل على أنه ركن من أركان الحج ولا خلاف بين أهل العلم في هذا وأنه ركن على المفرد والقارن والمتمتع.
وأما الطواف الآخر الذي استحبه الإمام أحمد فهو إضافة طواف قبله هو طواف القدوم استحبه للمتمتعين مطلقاً وللقارنين والمفردين الذين لم يشتغلوا به عنـ[د] قدومهم مكة. وخالفه جمهور أهل العلم فلم يستحبوا ذلك ولم يوافقه أحد من أهل العلم على مشروعية هذا. قال: (وأول وقته بعد نصف ليلة النحر) هذا هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، وأن طواف الزيارة يبدأ وقته إذا انتصف الليل من ليلة النحر. واستدلوا: بحديث أم سلمة المتقدم وقد تقدم تضعيفه وإنكار الإمام أحمد له. وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة: أنه لا يجوز إلا بطلوع الفجر وهو الراجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طاف يوم النحر وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) ففي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (أفاض النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر) أي طاف طواف الإفاضة ثم رجع إلى منى) (1) . فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما طاف طواف الإفاضة يوم النحر كما في حديث ابن عمر، وحديث غيره كحديث جابر في مسلم (2) ، ولأنه من عبادات يوم النحر فلم يجزئ إلا به وقد تقدم نحو هذا في الرمي. فعلى ذلك من طاف قبل طلوع الفجر فإنه لا يجزئه ذلك سواء كان من الأقوياء أو الضعفة. فالراجح أن أول وقته طلوع الفجر يوم النحر. قال: (ويسن في يومه)
أي المستحب أن يكون في يوم النحر لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم. قال: (وله تأخيره) أي تأخيره مطلقاً. قال جمهور العلماء له تأخيره ما بقى حياً، لأن الله عز وجل قال: {وليطوفوا بالبيت العتيق} ولم يبين وقتاً لانتهائه. وإنما اختلفوا في لزوم الدم بتأخيره. فأوجبه الأحناف إذا ذهبت أيام منى. وأما المالكية فأوجبوه إذا انسلخ شهر ذي الحجة ولم يطف. وأما الحنابلة والشافعية فلم يوجبوا الدم مطلقاً، وتقدم النظر في هذا في الدرس السابق. وما ذهب إليه ابن حزم في هذه المسألة – فيما يظهر لي – قوي جداً فإنه قد ذهب إلى أن أشهر الحج لا تصح أفعال الحج إلا بها، فإذا [خرجت] أشهر الحج فإن أفعال الحج لا تصح ولا تحل، فإذا خرج شهر ذي الحجة فلا يصح الإتيان بالطواف ولا غيره من أركان الحج – وهذا هو ظاهر القرآن فقد قال تعالى: {الحج أشهر معلومات} أي وقت الحج أشهر معلومات، ومعلوم أن العبادة لا تصح بعد خروج وقتها. فما ذهب إليه مذهب قوي والله أعلم. قال: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو غيره ولم يكن سعى مع طواف القدوم) يسعى بين الصفا والمروة يوم الحج الأكبر قسمان من الناس: القسم الأول: المتمتعون، فإنهم مطلقاً يسعون بين الصفا والمروة. القسم الثاني: القارنون والمفردون إذا لم يسعوا عند قدومهم، هذا مذهب جمهور العلماء وأن القارن والمفرد إنما يجب عليه سعي واحد، فإذا سعى عند قدومه أجزأه عن السعي يوم الحج الأكبر، وإن تركه عند قدومه فطافه يوم الحج الأكبر أو بعده فإنه يجزئه ذلك. ودليل هذا حديث عائشة المتقدم وكانت قارنة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (يسعك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة عن حجك وعمرتك) (1) .
وأما المتمتعون فجمهور العلماء على أنه يجب عليهم أن يطوفوا بالصفا والمروة طوافين طواف لعمرتهم وطواف لحجهم: (المالكية والشافعية والأحناف والحنابلة) أي يجب عليهم سعيين سعي لحجهم وسعي لعمرتهم. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة المتقدم وفيها أنها قالت في المتمتعين: إنهم طافوا بعد أن رجعوا من منى طوافاً آخر " (1) تقدم سياقه. واستدلوا: بما رواه البخاري في صحيحه، قال البخاري: قال أبو كامل الفضل بن حسين ثم ساق بسنده إلى ابن عباس وفيه: أن ابن عباس قال: (وأمرنا عشية التروية أن نهل بالحج - فهم متمتعون إذ القارنون والمفردون ما زالوا على إهلالهم المتقدم من ميقاتهم - فإذا فرغنا من المناسك طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي) (2) . وعن الإمام أحمد واختار هذا ونصره شيخ الإسلام: أن المتمتع لا يجب عليه إلا سعي واحد بين الصفا والمروة فإذا سعى للعمرة أجزأ ذلك عن الحج. واستدل رحمه الله بما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر قال: (ولم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً) (3) .
قالوا: وهذا في المتمتعين كما هو في القارنين والمفردين بدليل أن جابر كان من المتمتعين فقد ثبت في مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر أنه قال: (فقربنا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب - أي بعد العمرة - فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا طوافنا الأول بالصفا والمروة) (1) إذن جابر كان من المتمتعين. وأجاب شيخ الإسلام عن حديث عائشة المتقدم بقوله: (قيل: إنه من قول الزهري) أي قوله: (فطاف الذين تمتعوا بعد أن رجعوا من منى طوافاً آخر) فما بعده قيل إنه من قول الزهري. ولا شك أن هذا التعليل لا يصح فإن هذا الحديث ثابت في الصحيحين فلا يرد بمثل هذا، وهو قوله: (قيل إنه من قول الزهري) . كما أن الأسانيد الثابتة في هذا الحديث يرد هذا، والأصل ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعلل بمثل هذا القول المحكي المضعف بقوله " قيل ". فعلى ذلك حديث عائشة حديث صحيح متفق عليه فلا يعلل بمثل هذا. وأما حديث ابن عباس فأعل بأن البخاري لم يسمعه من أبي كامل الفضل بن حسين، فإنه قال في صحيحه (قال أبو كامل) ولم يقل: حدثنا فعلى ذلك هو منقطع. والصحيح أن مثل هذه اللفظة: (قال) أنها إما أن تكون من باب العنعنة كما هو مذهب جمهور العلماء ولذا غلطوا ابن حزم في رده حديث المعازف، فإنه لما ضعف حديث المعارف لقول البخاري: " قال " ردوا مقالته تلك وقالوا: إن هذا من باب العنعنة، وأبو كامل من شيوخ البخاري وقد عاصره معاصرة كثيرة فهو من شيوخه فإذا قال: (قال) فكما لو قال: (عن) والبخاري ليس معروفاً بالتدليس اتفاقاً فعلى ذلك تحمل روايته على السماع. وإنما صرفها إلى مثل هذه العبارة؛ قيل: لأنه أخذ هذا عرضاً أو بمناولة أومذاكرة – فلم يصرح بالتحديث لذلك – هذا أولاً.
ولو سلمنا أنه معلق فإن معلقات البخاري صحيحة حيث جزم بها، فإن القاعدة عند أهل العلم أن ما جزم به البخاري من المعلقات عما كان من الطبقات العليا أنه صحيح إلى من جزم إليه، فكيف إذا كان المجزوم عنه به من شيوخه لا شك أنه أولى بالقبول. على أن الحديث ثبت موصولاً فقد رواه مسلم خارج صحيحه موصولاً ورواه الإسماعيلي في مستخرجه موصولاً، ورواه عنه البيهقي في سننه موصولاً، فالحديث ثابت موصولاً. فعلى ذلك الحديث صحيح ثابت قطعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا وجه لتضعيف الحديث. وأجاب أهل القول عن حديث جابر فإنه مشكل في هذا الباب أجابوا عنه بأن مراده القارنون بدليل ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان قارناً فإنه قال: (لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه إلا طوافاً واحداً) (1) قالوا: فهذا المحكي عن جابر إنما كان في القارنين. وهذا فيه نظر – أي هذا الجواب – لما تقدم من قول جابر في روايته الأخرى قال: (فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا طوافنا الأول بالصفا والمروة) (2) فدل على أنه في المتمتعين. وحينئذ يكون الخروج من هذا بالترجيح لا بالجمع فيقال: عندنا إثبات ونفي فابن عباس يثبت الطواف بالصفا والمروة وكذلك عائشة فإنها تثبته وأما جابر فإنه ينفي ذلك ولا شك أن المثبت مقدم على النافي وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، فحفظت لنا عائشة وابن عباس أن المتمتعين قد طافوا بالصفا والمروة طوافاً آخر، وأما جابر فقد نفى ذلك، ولا شك أن المثبت مقدم على النافي. والوجه الثاني من الترجيح: أن يقال: قد ثبت حديث عائشة في الصحيحين وأما حديث جابر فهو في مسلم ولا شك بترجيح أحاديث الصحيحين على أحاديث مسلم. كما أن حديث ابن عباس ثابت في البخاري فهو مرجح على حديث جابر حيث هو ثابت في مسلم.
الوجه الثالث: أن يقال: إن إثبات السعي بين الصفا والمروة للمتمتعين يوم الحج الأكبر ثابت عن صحابيين ونفى ذلك ثابت عن صحابي واحد ولا شك أن ترجيح ما ثبت عن راويين أولى من ترجيح ما ثبت عن راو واحد. على أن رواية أبي الزبير – وهو نوع آخر من أنواع الترجيح، رواية أبي الزبير - التي فيها أن جابر حكى ذلك عن المتمتعين فيها كلام لبعض أهل العلم حيث وردت بالعنعنة، ونحن وإن كنا لا نقر هذا القول في أحاديث مسلم التي لم يرد ما يخالفها فيقتضي إنكارها لكن في مثل هذا الموضع قد يقال بمثل هذا حيث إن هذه الرواية تخالف ما ثبت في الصحيحين فإن قوله: (فقربنا النساء) قد ورد من حديث أبي الزبير عن جابر بالعنعنة، بخلاف حديثه الأول فقد ورد بالتحديث ولا شك أن قوله: (ولم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً) يمكن حمله - جمعاً بينه وبين حديث ابن عباس وعائشة - على أصحابه القارنين كما تقدم، لكن منعنا هذا سابقاً ورود هذه الرواية، لكن ورودها من حديث أبي الزبير عن جابر بالعنعنة يجعل في النفس شيئاً من هذه الرواية. وهنا وجه آخر من أوجه الترجيح: وهو أن العمرة يثبت بعدها التحلل التام من لبس الثياب ومس النساء ونحو ذلك فانفصلت انفصالاً تاماً عن الحج فوجب للحج سعي آخر حيث هو منسك آخر منفصل عن المنسك الأول وهو العمرة. فعلى ذلك الأرجح مذهب جمهور العلماء خلافاً لإحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وما ذهب إليه الجمهور هو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد كما أن هذا القول أحوط فهو متعلق بركن – على الأرجح – من أركان الحج وهو السعي بين الصفا والمروة. قال: (ثم قد حل له كل شيء)
أي حتى النساء، فإذا طاف بالبيت القارن أو المفرد وطاف وسعى المتمتع فقد حل له كل شيء ففي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (ثم طاف بالبيت – أي النبي صلى الله عليه وسلم – ثم حل له كل شيء حرم عليه) (1) . وأما أن المتمتع لا يحل التحلل التام حتى يسعى فلقول ابن عباس في الحديث المتقدم – في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا فرغنا من المناسك طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا) (2) ففيه أنه لا يتم حجهم إلا بعد السعى بين الصفا والمروة. وإنما تحل النساء بتمام الحج. قال: (ثم يشرب من ماء زمزم) لما ثبت في حديث جابر في سياقه لصفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم أتى بنى عبد المطلب وهم يسقون فناولوه دلواً فشرب) (3) وذلك بعد طوافه للإفاضة. قال: (لما أحب) . لما أحبه من خير الدنيا والآخرة ففي مسند أحمد وسنن ابن ماجه والحديث حسن بشواهده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ماء زمزم لما شرب له) (4) . قال: (ويتضلع منه) أي يشرب حتى يرتوي حتى يبلغ الماء أضلاعه أي ارتواءً. واستدلوا: بما روى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم) (5) لكن الحديث إسناده ضعيف فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (ويدعو بما ورد)
وذكروا في هذا: أنه يقول: (اللهم اجعله لنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً ورياً وشبعاً وشفاء من كل داء اللهم اغسل به قلبي واملأه من حكمتك) ، ولم يرد هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما روى بعضه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنه وإسناده لا يصح. فليس هذا وارداً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن ابن عباس لكن إن دعا به فهو دعاء حسن. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال) أي يرجع من مكة إلى منى. وقد تقدم أنه يفيض إلى مكة ضحى فيطوف بها طواف الزيارة فهل يستحب له أن يصلي الظهر بمنى أو يستحب له أن يصليها بمكة؟ ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى) (1) ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمنى. لكن في حديث جابر الطويل في صحيح مسلم قال: (فصلي الظهر بمكة) (2) . والجمع بين الحديثين فيما ذكره النووي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم: " صلى الظهر بمكة ثم صلاها تطوعاً بأصحابه بمنى " كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف مرتين في حديث تقدم فصلى المكتوبة بطائفة ركعتين ثم صلاها بطائفة أخرى ركعتين. فهنا كذلك وبهذا يجمع بين الحديثين. (فيبيت بمنى ثلاث ليال) : ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر وليلة الثالث عشر أي ليالي التشريق، وهذا لمن تأخر. أما من تعجل فإنه يبيت ليلتين ليلة الحادي عشر والثاني عشر وينفر من منى إذا رمى بعد زوال الشمس من اليوم الثاني عشر.
والمبيت بمنى واجب من واجبات الحج ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم (رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى لأجل سقايته) (1) فترخيص النبي صلى الله عليه وسلم له لعذره يدل على أن من لا عذر له يجب عليه أن يبيت بمنى إذ ضد الرخصة العزيمة: فترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للعباس يدل على أن هذا الحكم وهو المبيت بمنى عزيمة على غيره من الحجاج. قال: (فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخَيْف بسبع حصيات ويجعلها [عن] يساره ويتأخر قليلاً ويدعو طويلاً، ثم يرمي الوسطى مثلها ثم جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها) (فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخَيْف) وهو مسجد مشهور، فيرمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف وهي أبعد الجمار عن مكة، فرميها بسبع حصيات يكبر الله مع كل حصاة. (ويجعلها عن يساره) إذا رماها بسبع جعلها عن يساره أي أخذ ذات اليمين، وليس هذا في الحديث الذي سيأتي ذكره إن شاء الله لكن لعلهم إنما استحبوا ذلك من باب استحباب التيامن فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن. (ويتأخر قليلاً) : أي يسهل فيأخذ مكاناً سهلاً ويتأخر عن الناس وعن حطمتهم وزحامهم. (ويدعو طويلاً) فيدعو الله بدعاء طويل يرفع يديه ويستقبل القبلة. (ثم الوسطى مثلها) فيأتي الجمرة الوسطى فيرميها بسبع حصيات يكبر الله أثر كل حصاة ثم يأخذ ذات الشمال. ففي الجمرة الأولى يأخذ ذات اليمين أما هنا فيأخذ ذات الشمال أي يجعل الجمرة عن يمينه ثم يسهل مستقبل القبلة كما تقدم ويرفع يديه قائماً ويدعو دعاء طويلاً. (ثم جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه) أي يجعل الجمرة عن يمينه ليكون مستقبلاً للقبلة.
(ويستبطن الوادي ولا يقف عندها) أي يكون في بطن الوادي ولا يكون في أعلاه. (ولا يقف عندها) بدعاء ولا غيره. وفي قول المؤلف هنا أنه يجعلها عن يمينه نظر، بل الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم في الصحيحين أن ابن مسعود رمى جمرة العقبة جاعلاً مكة عن يساره ومنى عن يمينه وقال: (هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) (1) . فلا يستحب له أن يستقبل القبلة وليس في ذلك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بل يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ثم يرميها بسبع حصيات يكبر الله أثر كل حصاة. ودليل هذه الصفة في الرمي ما ثبت في البخاري عن ابن عمر: (أنه كان يرمي الجمرة الدنيا - أي القريبة إلى الخيف - بسبع حصيات يكبر الله إثر كل حصاة ثم يسهل (2) - ولم يذكر أنه أخذ ذات اليمين لكن تقدم أنه يمكن القول باستحباب هذا استدلالاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يعجبه التيامن) - فيستقبل القبلة ويقوم طويلاً ويرفع يديه يدعو ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال ثم يسهل فيقوم فيستقبل القبلة فيرفع يديه.. طويلاً يدعو ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف ثم يقول: (هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله " أي الرمي ") وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة عند رمي جمرة العقبة ولا غيرها وثبت كما تقدم في حديث ابن مسعود في الصحيحين أنه رمى جمرة العقبة جاعلاً مكة عن يساره ومنى عن يمينه.
وفي مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: أن ابن عمر (كان يقف عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة) ، وفي موطأ مالك بإسناد صحيح: (أنه كان يذكر الله عند الجمرتين ويكبره ويهلله ويحمده ويدعو) (1) . قال: (يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق) في اليوم الأول من أيام التشريق وهو اليوم الحادي عشر، وفي اليوم الثاني وهو اليوم الثاني عشر وفي اليوم الثالث وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة. قال: (بعد الزوال) لحديث جابر المتقدم وفيه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة ضحى وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس) (2) . وفي البخاري عن ابن عمر قال: (كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا) (3) . هذا هو مذهب جمهور الفقهاء: وأن الرمي لا يصح إلا بعد زوال الشمس لا في اليوم الأول من أيام التشريق، ولا في اليوم الثاني وهو يوم النفر الأول، ولا في اليوم الثالث وهو يوم النفر الثاني، لا يجوز ولا يجزئ الرمي قبل الزوال لأنه يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وكل ما كان على خلاف أمره فهو رد. وقال إسحاق: يجزؤه أن يرمي قبل الزوال في يوم النفر الثاني أي يوم 13. وهو قول أبي حنيفة، وخالفه في ذلك صاحباه، وهو مروي عن ابن عباس عند البيهقي بإسناد ضعيف وهو قول طاووس – أنه يجوز له أن يرمي في اليوم الثالث عشر قبل زوال الشمس. وذلك: لأن يوم النفر الثاني لا يجب في الأصل مبيت ليلته ولا الرمي إلا لمن اختار التأخر فخففوا في ذلك.
ولا شك أن هذا فيه نظر فإنه وإن خفف فيه لكن هذا بالاختيار أصلاً، وحيث اختار فإنه يجب عليه مبيت تلك الليلة ويجب عليه الرمي وحينئذ يجب عليه أن يكون رميه بعد زوال الشمس. - وعن الإمام أحمد وهو رواية عن أبي حنيفة: أنه يجوز له أن يرمي في يوم النفر الأول أيضاً قبل زوال الشمس وأن المتعجل يجوز له أن يرمي قبل زوال الشمس. والمشهور عن الإمام أحمد وفاق جمهور أهل العلم في هذه المسألة وهو القول الراجح إذ لا دليل يدل على هذا القول ففعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) يدل على أنه لا يجزئ الرمي إلا بعد زوال الشمس في الأيام الثلاثة كلها. وهذا هو الصحيح وهو مذهب جمهور العلماء إلا ما تقدم من رواية عن بعضهم وإلا فالمشهور من المذاهب الأربعة أن الرمي لا يجزئ إلا بعد الزوال في الأيام الثلاثة كلها إلا ما تقدم من مذهب أبي حنيفة في اليوم الثاني من أيام النفر وخالفه فيه صاحباه. * وأما آخر وقت الرمي: فينبني على المسألة السابقة وهي هل ينتهي الرمي في يوم النحر إلى غروب الشمس أو يجوز الرمي ليلاً وحيث قلنا بجوازه ليلاً فهل فيه دم أم لا؟ وتقدم أن أقوى المذاهب أن الرمي بالليل جائز وأنه لا شيء على من رمى ليلاً إلا أن الأحوط – كما تقدم – هو عدم ذلك وهو أن يرمي نهاراً، وفي ذلك سعة لكن إن احتاج إلى الرمي ليلاً فلا بأس ولا دم عليه. فالصحيح أن وقت الرمي في أيام التشريق من زوال الشمس ويمتد ليلاً لكن الأحوط ألا يرمي إلا نهاراً. قال: (مستقبل القبلة) أما إذا كان هذا في الدعاء فقد تقدم الحديث.
وأما استقبال القبلة عند رمي الجمار وهو ظاهر قول المؤلف هنا فإنه لا دليل عليه وهو المذهب وهو نص الإمام أحمد وأنه يستحب له عند رمي الجمار كلها أن يستقبل القبلة، ولا دليل يدل على ذلك فلم أر حديثاً يدل على استحباب ذلك، بل تقدم أن جمرة العقبة لا يستحب فيها هذا بل المستحب أن تكون القبلة عن يساره كما في حديث ابن مسعود (1) . فالأظهر هو عدم استحباب ذلك. قال: (مرتباً) فيجب عليه أن يرميها بالترتيب فيرمي الجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة. فإذا نكسها فإنه لا يجزؤه ذلك – إلا في الأولى - لأنه خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأمره وقد قال: (لتأخذوا عني مناسككم) وقال: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) (2) وهديه أنه رمى الجمرة الأولى فالوسطى فالعقبة. قال: (فإن رماه كله في اليوم الثالث أجزأه ويرتبه بنيته) أي رمى جمرة العقبة في يوم النحر (هذه سبع حصيات) ورمي اليوم الحادي عشر (وهذه إحدى وعشرون حصاة) ورمى اليوم الثاني عشر (وهذه إحدى وعشرون حصاة) ورمى اليوم الثالث عشر (وهذه إحدى وعشرون حصاة) – إذا رماها – وهي سبعون حصاة في اليوم الثالث من أيام التشريق أجزأه لكن يجب عليه كما ذكر المؤلف أن يرتبه بنيته. فيبدأ باليوم الأول فيرمي جمرة العقبة ثم يرمي الأولى فالوسطى فالعقبة عن اليوم الأول، ثم يرمي الجمرة الأولى فالوسطى فالعقبة عن الثاني، ثم الجمرة الأولى فالوسطى فالعقبة عن اليوم الثالث، لأن الشارع قد رتب ذلك وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) هذا هو المشهور في المذهب (3) . إذن يجزئه أن يرمي في اليوم الثالث عن الأيام قبله. هذا باتفاق العلماء.
واستدلوا: بما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم (رخص لرعاء الإبل بالبيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد وما بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر) (1) فجمعوا بين اليوم الحادي عشر والثاني عشر. وفي رواية لأبي داود: (يرموا يوماً ويدعوا يوماً) (2) فعلى ذلك: إذا رمى في اليوم الثاني عشر عنه وعن اليوم الحادي عشر مرتباً أجزأه، وإذا رمى في اليوم الثالث عشر عنه وعن الثاني عشر والحادي عشر أجزأه ذلك باتفاق العلماء، لهذا الحديث الثابت. لكن اختلفوا هل هذا من باب القضاء أم من باب الأداء؟ 1- فقال الجمهور: هو من باب الأداء فعلى ذلك لا دم عليه لأنه قد فعل العبادة في وقتها. ويشبه هذا: الوقت الضروري للصلاة، فعند اصفرار الشمس مثلاً يجوز صلاة العصر ويجزئ لأهل الأعذار، وهو وقتها وليس من باب القضاء بل من باب الأداء. وقال الأحناف: هو من باب القضاء فعليه دم. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب على رعاء الإبل وقد جمعوا لم يوجب عليهم دماً، ولأن ابن عمر – كما تقدم (3) – فيمن نسى رمي الجمار حتى غربت الشمس أنه يرمي من بعد الزوال ولم يوجب عليه ابن عمر شيئاً. فعلى ذلك الراجح أنه لا دم عليهم. لكن الأظهر أن ذلك لا يجوز وأن الواجب عليه أن يرمي كل يوم في يومه لأن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: (لتأخذوا عني مناسككم) ويشبه هذا كما تقدم الوقت الضروري للصلاة، فإنه لا يجوز للمسلم أن يؤخر صلاة العشاء حتى ينتصف الليل، لكن إن صلاها بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر فإنه وقت أداء لا وقت قضاء والصلاة تجزئه ولا شيء عليه. فهذا من هذا الباب.
وجمهور العلماء لا يرون جواز الجمع في الرمي إلا تأخيراً فليس له أن يرمي في اليوم الحادي عشر عنه وعن الثاني عشر بل لا يجزئه إلا أن يكون ذلك من باب التأخير. وظاهر الحديث إجزاء ذلك وقد صرح به طائفة من شراح هذا الحديث فإن الحديث قال: (يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين) (1) فأطلق فدل ذلك على أنه يجوز تقديماً وتأخيراً. كما أن هذا مقتضى قولهم – أي إجزاء ذلك – فإنهم قالوا: وقتها وقت واحد، ومقتضى ذلك جواز التقديم كالتأخير، فكما أن صلاة الظهر يجوز أن يصليا تأخيراً لأنه وقت لهما للعذر، فكذلك يجوز أن يصليا تقديماً لأنه وقت لهما.وهذه قاعدة الشريعة في الصلاة فينبغي أن تكون في باب الرمي، فيجوز للعذر تقديم الرمي. وظاهر مذهب الحنابلة أنه يجوز له أن يرمي يوم النحر كذلك أي أن يدخله في هذا، فلو رمى في اليوم الثالث عشر عن يوم النحر وأيام التشريق أجزأه ذلك، هذا مذهب الحنابلة. والأظهر أن يوم النحر يوم مستقل بنفسه، يدل على هذا أنه له وقت يخالف الوقت الذي يشرع فيه الرمي في بقية الأيام فإن وقته ضحى ووقت بقية الأيام إذا زالت الشمس ففارقها في الوقت. ولما تقدم عن ابن عمر في أمره زوجته وبنت أختها أن ترمي ليلاً (2) وأما أيام التشريق فإنه رأى أن ترمي من الغد (3) لتوافق الوقت المشروع للرمي لأن أيام التشريق كاليوم الواحد وأما يوم النحر فهو يوم مستقل بوقته. فالأظهر أن يوم النحر لا يدخل في هذا، وهو مذهب بعض العلماء واختاره الشنقيطي في أضواء البيان، فليس لأحد أن يؤخره إلى الغد فإن أخره فعليه دم. فالصحيح: أن رمى جمرة العقبة في يوم النحر لا يدخل وقتها في وقت الرمي للجمار في أيام التشريق بل وقتها مستقل، بدليل مفارقتها له في أنها ترمى ضحى وأما أيام التشريق فإنه يرمي بعد الزوال ولما تقدم من تفريق ابن عمر.
* واعلم أنه لا يجزئه إلا أن يرمي سبع حصيات كل جمرة من الجمار وهو مذهب جمهور أهل العلم فإن رمى بست أو خمس لم يجزئه ذلك خلافاً للمشهور عند الحنابلة. فالمشهور عند الحنابلة: أنه يجزئه أن يرمي الجمرة خمس حصيات أو ست، فإن أنقص عن السبع حصاة أو حصاتين أجزأه ذلك. وعن الإمام أحمد: أنه يجزؤه إن أنقص حصاة، فإذا رمى ستاً فإنه يجزئه. والمشهور عنه جواز إنقاص الحصاة والحصاتين. ودليل هذا: ما رواه النسائي وأحمد عن سعد قال: (رجعنا في الحجة مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم يقول: رميت بسبع حصيات، وبعضهم يقول رميت بست حصيات فلم يعب بعضهم على بعض) (1) . وأما دليل جمهور العلماء فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع حصيات وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) . وأما هذا فهو أثر عن بعض الصحابة ولم يثبت لنا أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يخالف به سنته – وهذا القول هو الراجح وأنه لا يجزئه إلا أن يرمي كل جمرة سبع حصيات فإن أنقص حصاة لم يجزئه ذلك، فشرط الرمي أن يكون بسبع حصيات. قال: (فإن أخره عنه أو لم يبت بها فعليه دم) (إن أخره عنه) : أي أخر الرمي عن أيام التشريق فقد تقدم أنه يجزئه أن يرمي في اليوم الثالث عشر عن الثاني عشر والحادي عشر عند جمهور العلماء.
لكن إن أخره فرماه بعد أيام التشريق كأن يرميه في الرابع عشر من ذي الحجة فعليه دم؛ لأن العبادة فعلت في غير وقتها فلم يجزئ فيكون تاركاً لشيء من النسك، ومن ترك شيئاً من النسك فعليه دم كما صح ذلك عن ابن عباس في موطأ مالك أنه قال: (من نسي شيئاً من نسكه أو تركه فليهرق دماً) (1) . وهذا هو حجة جمهور العلماء في إيجاب الدماء، فليس في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو أثر عن ابن عباس لكنه حجة لأنه لا يعلم مخالف. فمن ترك من نسكه شيئاً من رمى أو غيره أو نسيه فعليه أن يهريق دماً. قوله: (أو لم يبت بها) : أو لم يبت بمنى بل بات بمكة لغير عذر فعليه دم لما تقدم من ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل بالبيتوتة عن منى (2) قالوا: فترخيصه يدل على إيجاب المبيت، وترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للعباس (3) يدل على العزيمة في المبيت، فهي شيء من النسك ومن ترك شيئاً من النسك فعليه أن يهريق دماً. قال: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) فمن أراد أن يتعجل فيكتفي بالمبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر ورميهما فعليه الخروج من منى قبل غروب الشمس. قال: (وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد) فإلا يخرج قبل غروب الشمس، فغربت عليه الشمس ولم يخرج من منى فإنه يلزمه أن يبيت بمنى تلك الليلة وأن يرمي من الغد بعد زوال الشمس.
ودليل هذه المسألة: قوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه (1) } فجعل اليومين ظرفاً للتعجل واليوم ينتهي بغروب شمسه فإذا غربت الشمس انتهى اليوم ولا شك أنه إذا تعجل وقد غربت الشمس في اليوم الثاني من أيام التشريق فإنه لم يتعجل في اليومين. فإذن: التعجل في اليومين رخصة لمن خرج من منى قبل غروب الشمس أما إذا غربت عليه الشمس ودخل الليل من ليلة الثالث عشر فإنه يجب عليه المبيت والرمي بعيد زوال الشمس، ولما ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح عن ابن عمر: قال: (من غربت عليه الشمس من وسْط أيام التشريق " وهو اليوم الثاني عشر وهو يوم النفر الأول " فلا ينفر ثم ليرم الجمار من الغد) (2) . ولا يعلم له مخالف وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وأن من غربت عليه الشمس فلا يجوز له التعجل بل يجب عليه أن يبيت بمنى تلك الليلة ويرمي الجمار بعد زوال الشمس وذلك لأن التعجل رخصة لمن لم تغرب عليه الشمس. * واعلم أن ما تقدم من إجزاء الرمي - أي الجمع فيه - في اليوم الثالث عشر للمعذورين وأنه لا دم عليه لحديث البيتوتة بمنى لرعاء الإبل وكانوا معذورين في ذلك – يلحق به كل معذور من مريض أو نحو ذلك وخائف فوات مال. وهذا له صور، فإن كثيراً من النساء يشق عليهن أن يرمين في يوم النفر الأول، وهنَّ يرون التأخر إلى اليوم الثالث عشر فلا حرج عليهن ألا يرمين في الثاني عشر ويؤخرنه إلى الثالث عشر للعذر فإن الزحام في ذلك اليوم شديد، ولا شك أن الرمي بعد غروب الشمس محل حرج في النفس فيؤخر ذلك إلى بعد زوال الشمس من الغد.
فالمقصود من ذلك أن هذا الحكم يصدق لرعاء الإبل وغيرهم من المعذورين كالمرضى ومن خاف فوتاً في ماله أو نحو ذلك فإنه يجوز له أن يؤخر في الرمي. ويستحب للإمام أن يخطب الناس في وسط أيام التشريق لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (خطب في وسط أيام التشريق) (1) فيستحب للإمام أن يخطب في الحادي عشر بالناس فيعلمهم المناسك في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر وفي طواف الوداع ونحو ذلك من المسائل. فإذا تعجل أو تأخر فيستحب له أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالأبطح وهو المحصّب ويرقد رقدة ثم يطوف طواف الوداع. فقد ثبت في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة بالمحصب ثم ركب – أي ليلاً – فطاف بالبيت) (2) وهو طواف الوداع. وحكمة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يظهر فيه شعائر الإسلام من إقامة الصلوات في ذلك الموضع الذي تقاسم فيه الكفار على الكفر من مقاطعته عليه الصلاة والسلام ومقاطعة من آمن معه وناصره من بني هاشم في الشعب الذي حوصروا فيه ومنعوا من أن يباع لهم شيء من الأرزاق، فأراد أن يظهر في هذا الموضع هذه الشعائر الإسلامية ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا نحن نازلون غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة " وهو المحصب " حيث تقاسموا على الكفر) (3) والمحصب أقرب إلى منى منه إلى مكة. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع]
إذا أراد الحاج الخروج من مكة فيجب عليه قبل خروجه أن يطوف للوداع، ويسمى طواف الصدر، ويسمى بطواف الوداع؛ لأنه آخر العهد بالبيت، فهو توديع له من جنس توديع القريب أقاربه عند سفره. وسمي بطواف الصدر؛ لأنه يقع عند صدور الناس متوجهين من مكة إلى بلادهم، كما أن طواف الزيارة فيما تقدم يسمى طواف الصدر عند بعض أهل العلم؛ لأنه يفعل عند الصدور من منى إلى مكة. ولا مشاحة في التسمية؛ لوجود العلاقة بين المسمى وتسميته في اللفظين كليهما. وفي قول المؤلف " إذا أراد الخروج " ما يدل على أن من لم يرد الخروج سواء كان مقيما في مكة أو بدت له الإقامة فيها أنه لا يشرع له طواف الوداع، ولا يجب عليه؛ لأنه إنما شرع للمفارقين لا للملازمين، فإن الوداع لا يقع من ملازم مقيم وإنما يقع من مفارق. ودليل طواف الوداع: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض " (1) ، أي آخر عهدهم بالبيت طوافاً، فإن السعي إنما يشرع في حج أو عمرة، وهذا بالإجماع، وأن المراد هنا إنما هو الطواف. ثم إن السعي بين الصفا والمروة لم يكن في البيت، بل هو خارج عنه. ففي هذا الحديث دليل على وجوب طواف الوداع لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قول الصحابي: " أمر الناس ". وفي قوله: " إلا أنه خفف عن الحائض "، ما يدل على وجوبه؛ لأن السنة مخفف فيها أصلاً، فلا تحتاج إلى تخفيف عن طائفة، فدل هذا على أن طواف الوداع واجب.
وليس بركن من أركان الحج، بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سأل عن صفية؟ فقيل: هي حائض، فقال: (أحابستنا هي؟) فقيل: يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر، فقال: (اخرجوا) (1) ، أي اخرجوا من مكة، فدل هذا على أن طواف الوداع ليس بركن، إذ لو كان ركنا لما أمر بخروجها مع الناس مع بقاء هذا الركن عليها. قال: [فإن أقام أو اتجر بعده أعاده] وقت طواف الوداع هو انتهاء الحاج من جميع أموره ومناسكه، بحيث أنه يريد الخروج من مكة ومفارقتها؛ لقول الصحابي: " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم "، فهو إنما يشرع حيث أراد الخروج من مكة وانتهى من جميع أموره، وهذا المعنى الذي تفيده كلمة الوداع، فالوداع إنما يكون عند المفارقة، فإذا أراد المسافر بأن يفارق ودَّع إخوانه وأهله. فعلى ذلك: إذا طاف طواف الوداع ثم أقام أو اتجر بعده، فيجب عليه أن يعيده؛ لأنه واجب توديعاً، وهنا لم يفعله توديعاً، بل قد فعل بعده ما ينافي التوديع من إقامة أو تجارة أو نحو ذلك، وقد قال الصحابي: " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت "، وهذا ليس آخر عهده بالبيت. وقال الأحناف: بل متى فعله في وقته – بعد النفر -، فلو أقام بعده فلا حرج. وهذا خلاف السنة، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما شرعه بحيث يكون آخر العهد، وحيث لم يكن آخر العهد فإنه يجب أن يعاد. فالراجح مذهب الجمهور خلافاً للأحناف. ولا خلاف بين أهل العلم أنه إن وقع له شراء لحاجة أو قضاء حاجة من الحوائج في طريقه فإنه لا يجب عليه أن يعيده، كأن يشتري.. للطريق ونحو ذلك، فإن هذا لا ينافي الوداع، فلا يبطله، ولا يجب عليه أن يعيده؛ لأن هذا في عرف الناس لا ينافي التوديع، فإن المودع ربما اشترى حاجة أو قضى غرضاً في طريقه قبل خروجه. قال: [وإن تركه غير حائض رجع إليه فإن شق أو لم يرجع فعليه دم]
في قوله " غير حائض ": ما يدل على أن الحائض لا يجب عليها طواف الوداع، بل لا يصح منها. ودليل ذلك ما تقدم من قول الصحابي: " إلا أنه خفف عن الحائض "، وفي حديث صفية ما تقدم من قوله (أحابستنا هي) ، فلما قيل له: إنها طافت للزيارة، قال: (اخرجوا) . فدل هذا على سقوط طواف الوداع عن الحائض وأنه لا يجب عليها أن تنتظر حتى تطهر ثم تطوف، بل يسقط عنها، وإن كان طهرها قريبا، فما دام أنها انتهت من حجها ومناسكها وأرادت الخروج، فإنه لا يجب عليها أن تنتظر حتى تطهر، بل قد خفف عنها ذلك. وكذلك النفساء، فأحكام الحائض ثابتة للنفساء مما يجب ومما يسقط، باتفاق العلماء، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لأم سلمة وقد حاضت: " لعلك نفست "، ومن ذلك سقوط طواف الوداع عنها. قوله: " وإن تركه رجع إليه ": فإن تركه ممن يجب عليه، فإنه يرجع إليه؛ لأنه واجب، فيجب عليه أن يفعله، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1) ، وهو مستطيع فلا مشقة عليه في الرجوع. [انظر الكلام في آخر هذا الدرس] قوله: " فإن شق ": فإذا شق عليه ذلك، كأن يكون قد بعد بمسافة قصر أو كان دون مسافة القصر، لكن فيه مشقة عليه، كأن يكون مريضاً يشق عليه تحمل المسافة مرة أخرى، أو أن يكون قصد رفقة يخشى فواتهم، فإنه لا يجب عليه الرجوع. وعندهم المسافة البعيدة هي مسافة القصر فما فوق، وأما القريبة فهي دون مسافة القصر. فإذا شق عليه ذلك، فإنه لا يجب عليه الرجوع ويجب عليه دم، أو كانت المسافة بعيدة، فعليه دم. " أو لم يرجع ": أي كانت المسافة قريبة ولا مشقة عليه في ذلك فلم يرجع، فإنه يجب عليه دم؛ لأنه تارك لشيء من نسكه.
إذاً: من لم يرجع سواء كان معذوراً أم لم يكن معذوراً فعليه دم؛ لعموم قول الصحابي: " من نسي شيئاً من نسكه أو تركه فعليه دم " (1) ، فقوله: " أو تركه " شامل للمعذور وغيره. قال: [وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عنه وداعاً] فإذا أخر طواف الإفاضة بعد النهاية من مناسكه من منى في اليوم الثاني عشر أو في اليوم الثالث عشر، فطاف طواف الإفاضة، فيجزئه عن طواف الوداع. أي يجزئه أن يخرج بعد هذا الطواف الذي هو طواف الإفاضة، يجزئه أن يخرج إلى بلده من غير أن يشتغل بطواف الوداع. فلا يجب عليه شيء ولا يعد تاركاً لشيء من نسكه؛ وذلك لأنه مأمور أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل ذلك، فطواف الوداع ليس مقصوداً لذاته، بل المقصود أن يودع البيت بطواف، وقد ودعه بطواف وهو ركن من أركان الحج، فأجزأ ذلك عنه، لكن بشرط ألا ينوي أن يكون للوداع، فإن نوى أنه للوداع لم يجزئ عن طواف الزيارة؛ لأن طواف الزيارة ركن من أركان الحج، فلابد وألا ينوي بنية تنافيه، وحيث نوى أنه طواف للوداع فإن هذا ينافي كونه للزيارة، وقد تقدم أن نية الحج تجزئ عن الطواف وغيره من مناسك الحج، لكن بشرط ألا ينوي نية تنافي ذلك، وحيث نوى طواف الوداع، فالنية حينئذ تنافي كونه طواف الزيارة، فلا يجزئه. إذاً: إذا نواه طواف زيارة أو اكتفى بنية الحج، فإنه يجزئه طوافاً للزيارة ويسقط عنه طواف الوداع إن خرج من مكة بعد هذا الطواف. أما إذا نواه طوافاً للوداع فإنه لا يسقط عنه طواف الزيارة؛ لأن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج مقصود لذاته فلابد له من نية يختص به أو من نية للحج عامة له ولغيره من غير أن يصدر من المكلف نية تنافيه. قال: [ويقف غير الحائض بين الركن والباب] أما الحائض فلا يجوز لها أن تقف في البيت؛ لأنها ممنوعة من دخول المساجد.
فيشرع أن يقف بين الركن – وهو الحجر الأسود – والباب، وهو ما يسمى بالملتزم، فيستحب له أن يقف عنده فليتزمه واضعاً وجهه وصدره وذراعيه وكفيه عليه التزاماً. لما روى أبو داود في سننه من حديث المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عبد الله بن عمرو استلم الحجر ثم قام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه وبسطهما بسطاً، وقال: " هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعل " (1) . لكن المثنى بن الصباح ضعيف الحديث، لكن للحديث شاهد عند أبي داود من حديث عبد الرحمن بن صفوان وفيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف أيضاً، وله شاهد موقوف عن ابن عباس عند البيهقي وعبد الرزاق في مصنفه وفيه ضعف، فهذه شواهد لعلها ترتقي إلى تحسينه. وهو مشروع عند أهل العلم من الحنابلة والشافعية وغيرهم. إذاً: يستحب له أن يلتزم هذا الموضع وهو ما بين الركن والباب. قال: [داعياً بما ورد] لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم أر هذا يصح عن أحد من الصحابة في هذا الباب، فلم يصح عنهم دعاء مخصوص في هذا الباب. لكن ذكروا عن بعض السلف كما ذكر هذا صاحب المهذب قال: " وقد روي هذا عن بعض السلف ". فذكر الشافعية والحنابلة دعاءً طويلاً في هذا الموضع، وهو مذكور في المغني وفي الروض المربع وفي سائر كتب الحنابلة والشافعية، ومطلعه: " اللهم هذا بيتك وأنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك حملتني وسخرت لي ما خلقت.. " (2) إلى آخره، وهو دعاء طويل. لكن هذا الدعاء لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أصحابه وإنما ذكروه عن بعض السلف، ولا بأس بالدعاء به، فهو من عموم الدعاء الحسن، لكن من غير اعتقاد أنه سنة بألفاظه، بل هو من عامة الدعاء الذي لا بأس أن يدعى به في هذا الموضع وغيره.
فالمقصود من ذلك: أنه يلتزم ويدعو بما شاء. قال: [وتقف الحائض ببابه فتدعو بهذا الدعاء] أي تقف بباب الحرم فتدعو هذا الدعاء، لأن الحائض ممنوعة – محذور – عليها دخول البيت، وحيث كان ذلك، فإنه لا يجوز لها أن تدخل البيت فتلتزم هذا الموضع فتدعو بهذا الدعاء، وحينئذ فتدعو عند بابه. وهذا ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يأمر به صفية ولا غيرها من نساء المؤمنين اللاتي أصبن بالحيض، لم يأمرهن بالوقوف عند الباب ودعاء الله بهذا الدعاء ولا غيره. فالصحيح أنه لا يقال باستحبابه. قال: [وتستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبري صاحبيه] أما إذا كان هذا من غير شد للرحال فنعم، فإن أفضل زيارة لقبر هي زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزيارة قبور أصحابه لاسيما الشيخين، فلا شك بفضلية زيارة القبور وأن أخص القبور بالزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين ومن ذلك أبو بكر وعمر، فعلى ذلك: إن كان ذلك من غير شد رحل، فإنه من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله عز وجل. وأما إن كان بشد رحل، فإنه لا يجوز، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) (1) . فلا يجوز شد الرحال إلى غيرها من المواضع تعبداً، لكنه يقصد المدينة وعبادة الله في حرمها، فإن زار قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبور الصحابة لاسيما الشيخين فهو فعل يتقرب به إلى الله. ومن البدع أن يتمسح بقبره، فقد قال الإمام أحمد: " أهل العلم كانوا لا يمسونه " أي لا يمسون القبر ولا الحجرة الشريفة التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
كما أنه لا يستقبل القبر بالدعاء، فإذا دعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم استقبل البيت. وحكى شيخ الإسلام النهي عن ذلك باتفاق أهل العلم. كما أنه من البدع أن يدعو لنفسه عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عند قبر أحد من الناس، فإن هذا من البدع، كما نص على هذا شيخ الإسلام، وأنه لم يثبت عن أحدٍ من الصحابة، فإن هذا من العبادة، والقبور لا تتخذ معابداً ومساجداً يعبد الله فيها. وإنما يدعى لأهل القبور، فإن دعا عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بالشفاعة والوسيلة، فإن هذا دعاء حسن، ودعا لأبي بكر وعمر برفعة الدرجات ونحو ذلك فهو دعاء حسن، أما أن يدعو لنفسه عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه أو غيرها من القبور فهو من البدع المحدثة. وما يذكره بعض الفقهاء من الأحاديث في هذا الباب لا أصل له، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من حج فزار قبرى بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي وصحبتي) رواه الدارقطني وغيره ولا أصل له، بل هو حديث باطل، وغير ذلك من الأحاديث في هذا الباب هي أحاديث باطلة ضعفها شيخ الإسلام وغيره، فلا أصل لهذه الأحاديث. ولا ارتباط لزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم بالحج. والله أعلم مسألة: من خرج ولم يطف طواف الوداع؟ هل نقول: فات وقته ويلزمه الدم، أو لا نقول: فات وقته، بل هو مطالب به؟ وكوننا نقول: إنه إذا خرج من مكة ولم يطف فإنه قد فات الوقت، وحيث قلنا بوجوب الدماء في ترك شيء من الواجبات، فنقول: بأنه يجب عليك الدم، هذا في الحقيقة قوي؛ لأن العبادات إذا فات وقتها فنحتاج إلى دليل آخر يدل على مشروعية قضائها والوقت هنا هو التوديع، فحيث خرج من مكة من غير أن يفعل هذا، فقد فات الوقت، وحينئذ إن قلنا بالدماء في ترك الواجبات كما هو مذهب ابن عباس وغيره ومذهب الجمهور، فنقول: إنه يجب عليه الدم وإن أمكنه الرجوع.
لكن يقوى القول أنه إن كان معذوراً بجهل أو نسيان أنه يسقط عنه كما أن الحائض يسقط عنها ولا تنتظر لعذرها، فكذلك، فهذا القول قوي ولم أر أحداً من أهل العلم ذكره، فهو فعل قد فات موضعه ومحله ولا دليل على قضائه. إلا أن يصح أثر قد ذكر في هذا الباب في سنن سعيد بن منصور: أن عمر أمر رجلاً أن يرجع لطواف الوداع "، فإن ثبت هذا، فإنه يقوي القول بالرجوع لثبوت هذا الأثر عن عمر. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وصفة العمرة أن يحرم بها من الميقات) فإن كان من أهل المدينة ومن أتى على المدينة فميقاتهم ذو الحليفة وهكذا البلدان الأخرى، ودليل هذا ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة) (1) فهذه المواقيت مواقيت للحج والعمرة. قال: (أو من أدنى الحل من مكي ونحوه) هذا إذا كان مكياً سواء كان مقيماً في مكة من أهلها أو كان من الزائرين لها، فإن ميقاتهم هو أدنى الحل من التنعيم أو الجعرانة أو الحديبية أو غيرها مما هو من الحل، فميقاتهم الحل في العمرة. وأما ميقاتهم للحج فمن مكة كما في الحديث: (حتى أهل مكة من مكة) (2) . قال: (لا من الحرم) فليس للمكيين أو من نزل مكة من غير المقيمين أن يهلوا من الحرم ليس لهم ذلك بالاتفاق لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم كما ثبت ذلك في الصحيحين (3) . فإن أهلّ من الحرم، فكما لو أهلّ بالحج والعمرة من كان من أهل المواقيت من دونها – أي كما لو أهل المدني من المدينة لا من ذي الحليفة فإنه يجزئه ذلك، فالإهلال صحيح مجزئ وعليه دم. وكذلك إن أحرم المكي من الحرم، فعليه دم لأنه لم يحرم من المواقيت فيكون قد ترك واجباً من واجبات العمرة فعليه دم.
ولا يستحب كما قرر هذا شيخ الإسلام ولا يشرع: أن يعتمر المكي أو غيره من النازلين بمكة أن يعتمروا من التنعيم خارجين إليه للعمرة فالعمرة إنما تشرع للقادمين – أي بأن يأتي من خارج مكة قادماً إلى مكة فيعتمر أما أن يتكلف الخروج من مكة للعمرة فليس بمشروع ولا مستحب. ودليل هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم – وقد اعتمر مراراً وحج حجة الوداع لم يتكلف هذا، فلم يخرج من مكة لا إلى التنعيم ولا إلى غيره ليعتمر منه خارجاً من مكة وكذلك أصحابه من المكيين وغيرهم لم يصح عن أحد منهم مع توافر الهمم لنقل ذلك – لم يصح عنهم الخروج من مكة لأجل العمرة لا إلى التنعيم ولا إلى غيره. ومن هنا أسقط العمرة - من أوجبها، أسقطها - عن المكيين كما تقدم، وهو مذهب الإمام أحمد وغيره من أهل العلم ولذا قال ابن عباس – كما في مصنف ابن أبي شيبة وغيره: (يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم الطواف بالبيت) ونحوه عن عطاء إمام أهل زمانه في المناسك فإنه كان يقول: " يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم الطواف بالبيت " رواه ابن أبي شيبة. وقال طاووس – كما رواه سعيد بن منصور كما حكى ذلك شيخ الإسلام قال: " لا أدري الذين يعتمرون من التنعيم أيؤجرون أم يعذبون، قيل: فلم يعذبون؟ قال: لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج أربعة أميال وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتى طواف فكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء ". ولذا لما سئل عطاء وهو إمام أهل مكة – كما روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه: أنه سئل فقيل له: " أأعتمر من الشجرة " أي من الحديبية أي من شجرة الرضوان فقال: لا ".
فالعمرة خروجاً من مكة إلى الحل ليست بمشروعة والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن لعائشة بها تطييباً لخاطرها بعد مراجعة كثيرة منها للنبي صلى الله عليه وسلم – كما ثبت في الصحيحين – فلم يأمرها بها ولم يستحبها لها وإنما استأذنته وأكثرت عليه فأذن لها وكانت تقول في مصنف عبد الرزاق – فيما حكاه شيخ الإسلام: " لأن أصوم ثلاثة أيام أو أتصدق على عشرة مساكين أحب إلى من العمرة التي اعتمرت من التنعيم " وهي عمرة مجزئه لأن النبي صلى الله عليه وسلم - كما تقدم – أذن لعائشة بها لكنها ليست بمستحبة. قال: (فإذا طاف وسعى وقصر حل) إجماعاً فإذا طاف وسعى وقصر أو حلق حل، وهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما تقدم في سياق عمرتهم في حجة الوداع. قال: (ويباح كل وقت) أي في أشهر الحج وغيرها. وأما ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنها لا تشرع في أشهر الحج قد أبطله الإسلام بل عُمر النبي صلى الله عليه وسلم كلها كانت في أشهر الحج، فله أن يعتمر في أشهر الحج وغيرها بل لو اعتمر في يوم عرفة أو في يوم النحر من ليس متلبساً بحج لأجزأه ذلك إذ لا دليل يدل على المنع من ذلك. وأفضلها العمرة في رمضان كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عمرة في رمضان تعدل حجة) (1) وفي مسلم: (تقضى حجة أو حجة معي) .
وله أن يكررها في السنة مراراً، فلو اعتمر في كل شهر أو في كل شهرين فإنه لا بأس بذلك لإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) (1) متفق عليه. فقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقيد. وقال فيما رواه الترمذي: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) (2) فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أن العمرة بعد عمرة أخرى تصح من غير توقيت إلا ما تقدم استثناؤه من أن يعتمر خارجاً من مكة فإن هذه عمرة غير مشروعة، فلو اعتمر بعد أيام يسيرة أجزأ ذلك. إلا أن الإمام أحمد قال: (لابد للعمرة من حلق أو تقصير وفي عشرة أيام يمكن الحلق) وروي هذا عن أنس كما عند الشافعي: " أنه كان إذا حمَّم رأسه - يعني إذا خرج بحيث يمكن حلقه - فإنه يعتمر ". لكن الحديث المتقدم مطلق فله أن يكرر ذلك ما شاء شريطة ألا يقع ذلك منه خروجاً من مكة بحيث يخرج من مكة ليعتمر أما إن اعتمر قادماً من بلدته ثم رجع إلى بلدته فمكث فيها أياماً ثم عاد فاعتمر فلا مانع من هذا. قال: (ويجزئ عن الفرض) يجزئ عمرة التنعيم وعمرة القارن: يجزئ عن الفرض أي يجزئه عن العمرة الواجبة عليه وكذلك العمرة المفردة – فإنها تجزئه عن العمرة الواجبة وقد تقدم ترجيح المذهب أن العمرة واجبة وذلك لأنه عمرة صحيحة فأجزأت عن العمرة الواجبة، فالواجب عليه أن يعتمر وقد اعتمر ففعل ما يجب عليه.
فعمرته مع تمتعه وعمرته مع قرانه أو عمرته من التنعيم وأولى من ذلك عمرته إن أفردها كل ذلك يجزئه عن العمرة الواجبة ومما يدل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وكانت قارنة قال: (طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يجزئك عن حجك وعمرتك) (1) . قال: (وأركان الحج الإحرام والوقوف) الإحرام: تقدم تعريفه وهو نية الدخول في النسك وهو ركن وتقدم دليله وهو حديث: (إنما الأعمال بالنيات) (2) " والوقوف " بعرفة وهو ركن وتقدم دليله. قال: (وطواف الزيارة والسعي) فطواف الزيارة ركن وتقدم دليله وكذلك السعي فإنه ركن. واعلم أن مذهب جمهور العلماء أن السعي ركن من أركان الحج وهو رواية عن الإمام أحمد وهي المشهورة عنه. وذهب الأحناف وهو قول طائفة من الحنابلة كالقاضي والموفق: أنه واجب يجبر بدم، وهو رواية عن الإمام أحمد. أنه سنة وهو رواية عن الإمام أحمد. فعن الإمام أحمد في السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة ثلاث روايات. أما من قال: إنه سنة، فاستدل بقوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} (3) فنفي الجناح يدل على أن الطواف بالصفا والمروة ليس بواجب. وهذا دليل باطل أبطلته عائشة رضي الله عنها – كما في الصحيحين – فقالت لعروة: (بئسما رأيت) (4) عندما استدل بهذه الطريقة ولو لم يكن هذا التفسير باطلاً لما قالت فيه عائشة هذه المقالة. وبيان بطلان هذا التفسير من أوجه:
الأول: أن الله قال: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} فجعله من شعائره، وشعائر الله وشعائر الحج لا يجوزان أن تحل قال تعالى: {لا تحلوا شعائر الله} والطواف بين الصفا والمروة من شعائره ومن شعائر الحج ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. الثاني: أن الله عز وجل لم يقل: {فلا جناح عليه ألا يطوف بهما} كما بينته عائشة في روايتها فإنه قال: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} ولو كان المقصود هو نفي الإيجاب لقال: {ألا يطوف بهما} أي لا إثم عليه ألا يطوف فلا يقال: لا إثم عليه أن يطوف إذ قطعاً السعي بين الصفا والمروة لا إثم فيه، لكن البحث هل يثبت الإثم في تركه وعدم الطواف أم لا؟ فهذا هو محل البحث، ولو كان ذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما. الثالث: إن سبب نزول هذه الآية هو تحرُّج وقع من بعض الأنصار – كما ثبت هذا عن عائشة في روايتها، فكان الجواب لرفع الحرج والجناح، لأن السؤال وقع من أناس تحرجوا ورأوا الجناح في الطواف بالصفا والمروة لاعتقاد كانوا يعتقدونه في الجاهلية فأتى الجواب ينفي الجناح بناءً على سؤالهم وموافقة له كما لو قال قائل: هل من جناح في أداء الصلوات المكتوبة؟ فإن الجواب لا جناح في أدائها. فلا شك ببطلان هذا القول، والأدلة الشرعية تبطله كما سيأتي. وأما دليل من قال بالركنية وهو قول الجمهور.
- ما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (طاف النبي صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون فكانت سنة فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة) (1) والشاهد هنا: أن عائشة أثبتت أن الطواف بين الصفا والمروة سنة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، ورتبت على ذلك بالفاء، وأقسمت على أن الله عز وجل لا يتم حج من لم يطف بالصفا والمروة، وحيث رتبته بالفاء فدل على أن هذا الحكم منها فيترتب على هذه السنة وأنها من السنن المفترضة فيكون قولها له حكم الرفع. - وكذلك ما تقدم من قول ابن عباس: (أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا) (2) فرتب تمام الحج على الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة فدل على أنه لا يتم الحج إلا بهما. - ما ثبت في المسند والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) . - وكذلك قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} وقد تقدم طريقة الاستدلال بهذه الآية. - ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) . أما دليل من قال بالوجوب وهم من الأحناف ومن وافقهم فهي هذه الأدلة لكن قالوا: هي لا تدل إلا على الوجوب. وهذا ضعيف فإن الأدلة أو بعضها تدل على الركنية كما تقدم والصحيح أنها تدل على الركنية فالراجح مذهب جماهير العلماء وهو ركنية السعي في الحج والعمرة. قال: (وواجباته: الإحرام من الميقات المعتبر له، والوقوف بعرفة إلى الغروب) مجرد الوقوف ركن لكن الوقوف إلى الغروب هذا واجب وتقدم أن هناك رواية عن الإمام أحمد عنها أنه سنة.
قال: (والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنى ومزدلفة إلى بعد نصف الليل، والرمي والحلاق والوداع) كل هذا تقدم دليله فهذه واجبات الحج (1) . قال: (والباقي سنن) فالاضطباع والرمل وغيره. ومن ذلك طواف القدوم فهو سنة عند جمهور العلماء. وذهب المالكية إلى وجوبه. والأظهر قول الجمهور. قال: (وأركان العمرة، إحرام وطواف وسعي) قوله: " الإحرام " ليس المراد الموضع، بل المقصود نية الدخول في النسك. قال: (وواجباتها: الحلاق، والإحرام من ميقاتها) فهذه واجبات العمرة. ولم يذكر المؤلف طواف الوداع من واجبات العمرة وهو ظاهر كلام المؤلف وظاهر كلام غيره من الحنابلة أن طواف الوداع ليس بواجب في العمرة. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمر عدة عمر ولم يثبت أنه طاف للوداع ولا أمر به ولو كان ذلك ثابتاً لنقل إلينا ولأن الأصل هو براءة الذمة من أن تتعلق بواجب من الواجبات. - وذهب بعض أهل العلم: إلى أن طواف الوداع واجب في العمرة. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسائل في عمرة الجعرانة: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) (2) قالوا: فهذا يدل على أن كل ما يصنع في الحج فيجب أن يصنع في العمرة.
قالوا: وإنما استثناء الوقوف بعرفة والرمي وغير ذلك من مناسك الحج التي لم نقل بوجوبها في العمرة لأنها بالإجماع لا تشرع في العمرة فأخرجها الإجماع، ولأن العمرة متعلقة بالبيت فحسب ولا تعلق لها بغيره بخلاف الحج فإنه يتعلق بالبيت وبغيره فشرعت له تلك المناسك أما العمرة فإنما يشرع لها ما يتعلق بالبيت مما هو ثابت في الحج وطواف الوداع كذلك. وروى الترمذي في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حج البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت) (1) لكن الحديث فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف الحديث. وهذا الاستدلال فيه قوة. والأقوى – فيما يظهر لي – استدلالاً: أن يقال: إن طواف الوداع لا تعلق له بالحج كما هو اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب الشافعية – فإنه لا تعلق له بالحج أصلاً حتى يختص به دون العمرة بل هو متعلق بالبيت توديعاً له. بدليل: أن من طافه ثم أقام فإنه يبطل ويجب عليه أن يعيده. وبدليل: أنه إنما يشرع له إذا أراد الخروج ولو لم يكن ذلك منه إلا بعد سنين طويلة بخلاف مناسك الحج فإنها مشروعة في أيام الحج بالاتفاق، فإن سائر واجبات الحج وأركانه وسننه إنما تشرع في أيام الحج، وأما طواف الوداع فإنه يشرع عند إرادة الخروج ولو كان ذلك بعد شهر ذي الحجة، فدل على أنه لا ارتباط له بالحج وإنما ارتباطه بتوديع البيت للناسكين، والمعتمر ناسك كما أن الحاج ناسك، وهذا المذهب مذهب قوي فيما يظهر لي وهو اختيار الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (2) والله أعلم (3) . أما إذا اعتمر ثم خرج مباشرة فإنه لا يجب عليه طواف الوداع باتفاق العلماء. قال: (فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه)
رجل لم ينو في حج أو عمرة فإنه لا تنعقد نسكه؛ لأن الأعمال لا تصح إلا بالنيات: (إنما الأعمال بالنيات) (1) فإذا لم ينو الحج أو العمرة فإن حجه أو عمرته لم ينعقدا ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، بل هي من مسائل الإجماع. قال: (وإن ترك ركناً غيره لم يتم نسكه إلا به) أي إن ترك ركناً غير الإحرام من الأركان الأربعة للحج أو الأركان الثلاثة للحج (2) ، فترك الطواف أو السعي في الحج أو العمرة أو ترك الوقوف في الحج لم يتم نسكه إلا به لأنه ركن ولا تصح العبادات ولا تتم إلا بأركانها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – لما قيل له – أن صفية حاضت فقال: (أحابستنا هي) (3) ؟ وهذا أيضاً باتفاق العلماء. قال: (ومن ترك واجباً فعليه دم) من ترك واجباً سواء كان ذلك سهواً أو جهلاً فإن عليه أن يجبره بدم عند جماهير العلماء. ودليل ذلك ما تقدم عن ابن عباس أنه قال: (من نسى من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً) (4) ولا خلاف من أحد من الصحابة لابن عباس فلا يعلم له مخالف، وحيث كان ذلك فقوله حجة، ولأن مثل ذلك له حكم الرفع فإنه لا يعقل أن ابن عباس يوجب الدماء في مسائل كثيرة من مسائل الحج في واجباته من غير أن يكون عن نص من النبي صلى الله عليه وسلم فهو مما لا يدرك بالاجتهاد وحيث كان كذلك فإنه له حكم الرفع وهذا الأثر اشتهر عن ابن عباس ولا يعلم له مخالف فيه فيكون حجة وإجماعاً. فإذن: من ترك واجباً من واجبات الحج ساهياً أو جاهلاً أو متعمداً فإن عليه دم، هذا إن لم يتمكن من الفعل، فإن تمكن فعليه أن يفعل فإن لم يفعل فعليه دم.
أما من ترك واجباً من الواجبات عاجزاً عنه معذوراً شرعاً في تركه كمن لم يتمكن من المبيت بمزدلفة لازدحام الناس أو نحو ذلك فإنه لا شيء عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. إن قال قائل: لم فرقنا بين هذه المسألة ومسألة سابقة وهي مسألة الفدية فقلنا: أن من فعل محظوراً من محظورات الإحرام جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه وهنا نقول من ترك واجباً ناسياً أو جاهلاً فعليه دم؟ فالجواب: أنا فرقنا بمفرق وهو أن هذه واجبات وهذه محرمات فهذه أوامر وهذه نواهي فالأوامر مازال المكلف مطالباً بها وأما النواهي فإنها إن وقعت منه فقد وقع في المنهي عنه فكما لو لم يقع منه حيث كان ناسياً أو جاهلاً، وأما الأوامر فإنه لا يزال مطالباً بها فحينئذ يجبر هذا بالدم. فمن فعل أمراً محرماً منهياً عنه ليس كمن ترك واجباً. ولذا فرقنا في مسألة سابقة بين من صلى وعليه نجاسة فقلنا: صلاته صحيحة، وبين من صلى ولا وضوء عليه فقلنا: صلاته باطلة لأن هذا من باب الأوامر وهذا من باب النواهي. قال: (أو سنة فلا شيء عليه) فمن ترك سنة من السنن كالاضطباع والرمل وغيرهما فإنه لا شيء عليه وهذا باتفاق العلماء. والحمد لله رب العالمين. تقدم في الدرس السابق تقوية ما ذهب إليه بعض أهل العلم من وجوب طواف الوداع في العمرة كوجوبه في الحج، وأن أظهر الأدلة على هذا ما قرره شيخ الإسلام: في أن طواف الوداع ليس من واجبات الحج بل من واجبات البيت توديعاً له وحينئذٍ فلا فرق بين الحاج والمعتمر، بدليل أن من أراد الخروج من مكة شرع له ذلك ولو كان خروجه بعد خروج شهر ذي الحجة. وبقي الحديث عن دليل ما ذهب إليه الحنابلة وغيرهم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمر عمرتين أو ثلاثاً ومع ذلك فإنه لم يطف طواف الوداع ولم يأمر به ولو كان ثابتاً لنقل إلينا.
فالجواب عن هذا: أن طواف الوداع أو الصدر إنما شرع في حجة الوداع كما يدل على ذلك سياق الحديث، فإن الناس كانوا ينصرفون إلى كل جهة فأمروا في حجة الوداع أن يكون آخر عهدهم بالبيت. فدل هذا على أن طواف الوداع إنما شرع في حجة الوداع، فلا يرد ما تقدم بما يستدل للحنابلة به مما تقدم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما شرعه في حجة الوداع. باب: الفوات والإحصار الفوات: مصدر فات أي سبق فلم يُدرك هذا لغة. أما اصطلاح: هو عدم إدراك الوقت بعرفة أي يدخل في يوم النحر ولم يقف بعرفة، فهو لم يدرك عرفة فهذا هو الفوات. أما الإحصار فهو في اللغة: المنع والحبس. وفي الاصطلاح: منع المحرم من إتمام نسكه، كأن يمنع من الوقوف بعرفة أو من طواف الزيارة، أو يمنع من الحج كله أو العمرة كلها، فهذا هو الإحصار. أما الفوات: فهو عدم إدراك عرفة فهو خاص بعرفة. وأما الإحصار: فهو عام في عرفة وغيرها، كما أنه عام في الحج والعمرة فهو شامل لهما. قال: (من فاته الوقوف فاته الحج) من لم يدرك عرفة قبل أذان الفجر يوم النحر فقد فاته الحج، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا. ودليله ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح - وتقدم - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحج عرفة فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج) (1) فمفهوم الحديث أن من لم يدرك عرفة لم يدرك الحج ولا خلاف بين أهل العلم في هذا. قال: (وتحلل بعمرة) فمن فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة. فهو قد نوى النسك ونسكه نسك حج ففاته الوقوف بعرفة فإنه يتحلل بعمرة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر. قال: (ويقضي) أي يقضي من العام القادم. قال: (ويهدي إن لم يكن اشترطه) أي يهدي من العام القادم إن لم يكن اشترطه أي إن لم يكن قد قال: (فمحلي حيث حبستني) فمن اشترط فلا يجب عليه قضاء ولا هدي وإنما الحكم فيمن لم يشترط ذلك.
إذا فاته الوقوف بعرفة فإنه يتحلل بعمرة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر ويجب عليه في العام القادم أن يحج ويهدي مع حجه عن تلك الحجة التي فاته الوقوف بها. ودليل هذا: ما ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح: أن عمر سأله من فاته الوقوف بعرفة فقال: " اصنع كما يصنع المعتمر - وطف واسع وحلق أو قصر - ثم قد حللت فإذا كان من قابل فاحجج واهد ما تيسر من الهدي " (1) ولا يعلم له مخالف بل وافقه زيد بن ثابت كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح – فلا يُعلم لهما مخالف -. وفي قول المؤلف: (ويقضي) إطلاق منه سواء كانت هذه هي حجة فريضة أو حجة تطوع فيجب عليه أن يحج من قابل ويهدي وهذا مذهب جمهور العلماء. وعن الإمام أحمد ومالك لكل منهما رواية أخرى: على أنه لا يجب عليه ذلك في التطوع، فإذا كانت تطوعاً فلا يجب عليه القضاء أما إذا كانت فريضة فيجب عليه الحج من قابل لا من باب القضاء لكنه من باب الأمر الأول المتعلق به فهو ما زال مطالباً بحجة الإسلام ولم يحج بعد حجة صحيحة. فإذن: إن كانت حجة فريضة وفاته الوقوف بعرفة فلا خلاف بين أهل العلم أنه يجب عليه الحج، وذلك لأن حجته تلك لا يجزئ عنه فما زال مطالباً بحجة صحيحة مجزئه. وهل يجب عليه الحج من قابل؟ – على الخلاف بين أهل العلم في هل يجب الحج على الفور أو على التراخي. أما إن كان الحج الذي قد أفسده الفوات إن كان تطوعاً فهل يقضي أم لا؟ قولان: قال الجمهور: يجب عليه القضاء من قابل. وعن الإمام أحمد ومالك: أنه لا يجب عليه القضاء. قال أهل القول الأول:
يجب عليه القضاء لظاهر الآثار فإن أثر عمر المتقدم ظاهره أنه عليه الحج من قابل مطلقاً ولم يستفصل عمر أهي حجة تنفل أو حجة فريضة، فلم يستفصل وأعطى حكماً عاماً فدل على أن الحكم يشمل الحجة التي فات الوقوف فيها وهي تطوع كما أنه شامل للحجة التي فات الوقوف فيها وهي فريضة. قالوا: ولأن الله عز وجل قال: {وأتموا الحج والعمرة لله} (1) فالحج يجب بالشروع فيه، وحيث وجب بالشروع فيه، فإذا فاته الوقوف في هذه السنة فيجب عليه أن يأتي به في سنة أخرى كالنذر. وأما حُجة الإمام أحمد في الرواية غير المشهورة عنه: فهي أن الشارع لم يوجب الحج إلا مرة واحدة، وحيث كان ذلك فلا يوجب عليه حجة أخرى. والراجح هو القول الأول لقوة دليله، فإن الله عز وجل قال: {وأتموا الحج والعمرة لله} وحيث فاته الوقوف وقد شرع في الحج فإن الحج لازم في ذمته واجب عليه، فحيث لم يتمكن منه هذه السنة فإنه يجب عليه في السنة الأخرى. ثم عندنا ذاك الأثر عن عمر ولم يستفصل وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، ولا أثر يخالفه ولا حديث يخالفه عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالراجح أنه يجب عليه القضاء مطلقاً. مسألة: إذا فات رجل الوقوف بعرفة فهل يجوز له أن يختار البقاء على إحرامه إلى السنة القادمة. فيقول: أنا نويت الحج وأريد إبقاءه ولو كان ذلك إلى السنة القادمة. هل يجوز له هذا؟ 1- قال الحنابلة: يجوز له هذا قياساً على العمرة، فكما أن العمرة يجوز أن يبقى محرماً بها السنة والسنتين والثلاث فكذلك الحج. 2- وقال جمهور العلماء وذكره الموفق احتمالاً: لا يجوز ذلك ولا يجزئ بل يجب عليه أن يتحلل منه بعمرة كما تقدم.
قالوا: لأن الحج لا يجزئ إلا بأشهره، فأشهر الحج هي مواضع إحرامه أي حج السنة نفسها، فلابد وأن يحرم في أشهر السنة نفسها. وهنا قد أحرم في أشهر ليست في تلك السنة التي يقع فيها الحج. والعمل والعبادة لا تصح قبل وقتها. ولابد وأن يكون الإحرام – كما تقدم ترجيحه – في أشهر الحج للحجة نفسها. وهذا فرق بين الحج وبين العمرة، فإن العمرة – كما تقدم – تجزئ في كل وقت فله في كل وقت أن يحرم بها. وأما الحج فليس له أن يحرم به إلا في أشهره. ولظاهر الآثار فإن الصحابة – كما تقدم في أثر عمر، أمره أن يتحلل بطواف وسعي وحلق أو تقصير – ظاهر الأمر الوجوب. فالصحيح خلاف الحنابلة في هذه المسألة وأنه إذا فاته الوقوف فليس له أن يبقى محرماً إلى السنة القادمة بل يجب عليه أن يتحلل بعمرة كما هو مذهب جمهور الفقهاء. قال: (ومن صده عدو عن البيت أهدى ثم حل) إن صده عدو عن البيت أهدى " أي نحر أو ذبح هديه " ثم حل أي تحلل. رجل أحرم بحج أو عمرة ثم منع عدوٌ له عن أن يتم نسكه من حج أو عمرة فإنه ينحر الهدي ويتحلل. لقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ولا خلاف بين أهل العلم في هذا. ولم يذكر المؤلف الحلق، وهو أحد القولين في مذهب الحنابلة وأن الحلق أو التقصير لا يجب على المحصر. قالوا: لأن الله لم يشترطه فقد قال تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ولم يذكر حلقاً أو تقصيراً. وقال بعض الحنابلة وهو أحد القولين في المذهب واختاره أكثر أصحابه: يجب عليه الحلق، وهذا هو الراجح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به فقد ثبت في البخاري عن المسور بن مخرمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (حلق بالحديبية في عمرته وأمر أصحابه بذلك، ونحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك) (1)
وذلك لما أحصر كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه) (1) فقد نحر ثم حلق وأمر أصحابه بذلك، والسنة تدل على ما يدل عليه القرآن من فرض أو استحباب أو تحريم أو كراهية أو غير ذلك من الأحكام كما هو باتفاق أهل العلم. فعلى ذلك فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حلق رأسه وأمر بالحلق. فأصح القولين في المذهب وهو اختيار أكثر الحنابلة: أن الحلق واجب فمن أحصر فيجب عليه أن ينحر ثم يحلق وليس له أن يحلق قبل أن ينحر لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} وإنما استثنى ذلك في يوم النحر للحرج فقدم الحلق على النحر وجاز ذلك كما تقدم في الحديث المتفق عليه رفعاً للحرج فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر في ذلك اليوم إلا قال: افعل ولا حرج (2) . أما في المحصر فإن ظاهر الآية الكريمة: أنه ليس له أن يحلق رأسه قبل أن ينحر. وظاهر كلام المؤلف: أنه لا يجب عليه القضاء، فمن أُحصر فالواجب عليه أن ينحر ويحلق ولا يجب عليه الحج في السنة المقبلة، إلا أن تكون هذه الحجة حجة فريضة فيجب عليه الحج من قابل للأمر الأول. وهذا هو المشهور عند الحنابلة وأن المحصر لا يجب عليه القضاء. واستدلوا بطريقتهم السابقة في الاستدلال بالآية في قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ولم يوجب قضاء. وعن الإمام أحمد أن القضاء واجب عليه.
فعن الإمام أحمد روايتان ودليل الرواية الثانية: ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كُسر أو عُرج فليتحلل وعليه الحج من قابل) (1) ولقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} فهذا قد نوى الحج فوجب عليه أن يتمه وحيث لم يمكنه الإتمام في هذه السنة فإن عليه أن يحج في السنة القادمة كما تقدم في استدلالهم في المسألة السابقة. والنص المتقدم ظاهر في هذا والنبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق ولم يفرق بين حجة الفريضة وحجة النافلة. فمن أحصر في فريضة أو نافلة فإن عليه أن يحج من قابل، وهذا هو الأرجح. فالراجح أن المحصر يجب عليه أن يحج من قابل، وهو رواية عن الإمام أحمد. قال: (فإن فقده صام عشرة أيام ثم حل) أي فقد الهدي فإنه يصوم عشرة أيام ثم يحل. فعندهم أنه يسقط عنه الهدي لبدلٍ وهو الصيام - وليس له أن يتحلل حتى يصوم؛ لأنه بدل عن الهدي، ولا يتحلل حتى ينحر الهدي – هذا هو المذهب. وقد تقدم هذا وأن الراجح أنه يسقط عنه الهدي لا إلى بدل كما هو مذهب بعض أهل العلم، فقد تقدم ذكر هذه المسألة في باب سابق. فالراجح: أن من عجز عن الهدي فإنه يسقط عنه لا إلى بدل لأن الله لم يذكر البدل وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وتقدم إبطال قياسهم على هدي التمتع في باب سابق. (انظر باب الفدية) قال: (وإن صد عن عرفة تحلل بعمرة) أي رجل لم يُصدَّ عن البيت فيمكنه أن يطوف ويسعى ولكنه صُد عن عرفة التي هي ركن الحج. فحينئذٍ حكمه: أنه يتحلل بعمرة ولا هدي عليه ولا قضاء. فلو أن رجلاً قال: لبيك حجاً فلما أتى مكة أُحصر عن الوقوف بعرفة فحينئذٍ نقول: اقلب حجك إلى عمرة فطف بالبيت وبالصفا والمروة وحلق أو قصر ولا شيء عليك.
وهذا ظاهرٌ فإنه تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة وقد أهلوا بالحج أمرهم أن يقلبوا إهلالهم بالحج إلى عمرة وحيث جاز هذا بلا إحصار فإنه مع الإحصار أولى. أما إن حبس وصد هذا عن الطواف بالبيت، أي وقف بعرفة ورمى وحلق لكنه منع وصد عن الطواف – عن طواف الإفاضة -. قالوا: يبقى محرماً أبداً حتى يطوف بالبيت. إن منع من الطواف وحبس عنه فإنه لا يمكنه أن يتحلل بعمرة كمن فاته الوقوف وحينئذٍ فليس له أن ينقل النسك وما تقدم قلبٌ للنسك لأنه يمكنه أن يقلبه من حج إلى عمرة، أما هنا فلا يمكنه أن يقلبه إلى عمرة لأن المنع متعلق بالبيت. فحينئذٍ: عليه أن يبقى محرماً أبداً حتى يتمكن من الطواف بالبيت ولو بعد سنوات طويلة. لكن هل له أن يتحلل كما يتحلل المحصرون فيذبح هدياً؟ قالوا: ليس له ذلك. قالوا: لأن الإحصار إنما ورد من الإحرام التام وهو الذي يكون المحرم فيه ممنوعاً من جميع المحظورات وهذا يكون قبل التحلل الأول. قالوا: وهذا هو الإحصار المشروع. أما هنا فإنه ليس بإحرام تام لأنه قد حل التحلل الأول لوقوفه بعرفة ورميه جمرة العقبة ولم يبق محظوراً عليه إلا النساء، والشرع إنما ورد بالتحلل من الإحرام التام أما وقد بقي عليه طواف الزيارة فقد حل التحلل الأول فإنه لم يرد الشرع فيه، هذا مذهب الحنابلة. وهذا لا شك أنه ضعيف. ولذا ذهب الشافعية: إلى أنه يتحلل كما يتحلل المحصرون، فيذبح ثم يحلق. قالوا: لأن الآية عامة: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} فالآية عامة في كل محصر سواء كان الإحصار قبل عرفة أم بعدها. فمن أحصر ومنع سواء كان الإحصار بعد عرفة أو قبلها، بعد التحلل الأول أو قبله، فإن ذلك كله داخل في عموم الآية. والمعنى يقتضي هذا، ثم إن التحلل من الإحرام الناقص أولى من التحلل من الإحرام التام، وهذا القول هو الراجح وفيه ما فيه من رفع الحرج.
فعلى ذلك: الصحيح ما ذهب إليه الشافعية وأن من صُد عن طواف الزيارة فإنه ينحر هديه ثم يحل. فالصحيح أنه إن منع عن شيء من أركان الحج فإنه لا يبقى محرماً بل يتحلل من ذلك. ومثل ذلك المرأة الحائض: لو قلنا أنها ليس لها أن تطوف بالبيت وهي حائض ضرورة كما هو مذهب الجمهور. فالصحيح أنها تتحلل بعد هدي تذبحه وأنها في حكم المحصرين – كما هو مذهب الشافعية. أما أن يمنع عن شيء من واجبات الحج فإن التحلل لا يقع، لأن التحلل إنما يكون لفعل المحظورات إن لم يقع له التحلل التام أو التحلل الناقص – على الراجح – والواجبات تجبر بالدماء فليس محلاً للتحلل وحينئذٍ فمن أحصر عن واجب من الواجبات كأن يحصر عن طواف الوداع كان عليه دماً في المشهور في المذهب. وفي إيجاب الدم – فيما يظهر لي – نظر لأنه عاجز عنه وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، – وهم يقولون بوجوب الوقوف بعرفة من زوال الشمس إلى غروبها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نص على أن من فاته الوقوف بعرفة نهاراً وأدركه بشيء من الليل فمع فوات الواجب الذي هم يقولون به لم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليه دماً فهنا كذلك. فالأظهر أنه لا دم عليه، فمن أحصر عن شيء من مناسك الحج فإنه لا دم عليه ولا شك أن الأحوط هو الدم. إذن: المشهور عند الحنابلة أن من منع من شيء من الواجبات فإنه لا يوجه إليه التحلل المختص بالمحصرين لأن حجه يصح من غير فعل هذا الواجب، فإن ترك الواجبات كرمي أو غيره لا يبطل الحج ويجبر بالدم فليس محلاً لتحلل المحصرين وحينئذٍ: فعليه أن يذبح دماً لتركه لهذا الواجب. قال: (وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرماً إن لم يكن اشترط)
إذا حصره مرض كأن يكسر أو يعرج أو يصاب بشيء من الأمراض أو نفدت نفقته فلم يبق له ما ينفق منه على نفسه أو نحو ذلك من العوائق المانعة من تمام الحج سوى العدو – فقد تقدم أن العدو عند الحنابلة إن أحصر الحاج أو المعتمر فإنه يكون محصراً،وحينئذ ينحر ويحلق أو يقصر -. لكن هنا المسألة: إن كان هذا المعيق ليس عدواً وإنما مرض أو ذهاب نفقة أو نحو ذلك. فقال الحنابلة، وهو مذهب الجمهور: يبقى محرماً ولا يكون له حكم المحصرين. قالوا: لأن الله قال في كتابه: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} وهذه الآية نزلت في منع المشركين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من العمرة فهي قد نزلت في الإحصار من العدو. ولم يلحقوا به غيره. فجعلوا هذه الآية دليلاً على هذه المسألة. وصح عن ابن عباس أنه قال: (لا حصر إلا من عدو) رواه الشافعي بإسناد صحيح، ونحوه عن ابن عمر في الموطأ بإسناد صحيح. - وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول ابن مسعود وقول طائفة من التابعين كمجاهد والحسن وعلقمة، وهو مذهب الظاهرية ومذهب أبي ثور، قالوا: بل الإحصار عام من العدو والمرض وذهاب النفقة وغيرها من العوائق المانعة من الحج أو العمرة. واستدلوا: بما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: (من كسر أو عرج فليتحلل وعليه الحج من قابل) (1) رواه الخمسة وإسناده صحيح، وهو دليل على هذه المسألة ظاهر. فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من كسر أو عرج وهما من الأمراض أعطاهما حكم المحصرين. قالوا: ولأنه داخل في عموم الآية: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ومن منعه مرض أو ذهاب نفقة فهو محصر.
بل قال غير واحد من أهل اللغة: " الإحصار من مرض والحصر من عدو " وعليه حمل ابن القيم مقالة ابن عباس المتقدمة أي من حيث اللغة فهذه اللفظة " الإحصار " هي في المرض أظهر منها في الأعداء، فعلى ذلك يكون اختيارها في هذه الآية الكريمة تنبيهاً على دخول من منعه المرض من باب أولى لأن لفظة الإحصار أخص في منع المرض من منع العدو، وهذا هو اختيار ابن القيم. وأما الجواب على دليلهم فيقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. هذا هو القول الراجح وهو اختيار ابن القيم. إذن: اختلف أهل العلم هل يختص الإحصار بمنع العدو أو يعمه ويعم كل حبس ومنع سواء كان من عدوٍ أو من مرض أو ذهاب نفقة على قولين: الراجح: أنه عام في العدو وفي غيره وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة الشرعية والنظر الصحيح إذ المعنى ثابت فيه كما هو ثابت في إحصار العدو. هذا إن لم يكن اشترط، أما من اشترط فإنه يتحلل ولا شيء عليه فلا دم عليه ولا يبقى محرماً كما ثبت في قوله صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير: (اشترطي أن محلي حيث حبستني) (1) وفي النسائي: (فإن لك على ربك ما استثنيتِ) . فإذا اشترط فقال: (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) فإنه يتحلل ولا شيء عليه لا هدي ولا قضاء وتقدم الكلام على الاشتراط. والمسائل السابقة معروضة فيمن لم يشترط. والحمد لله رب العالمين. باب: الهدي والأضحية (2) الهدي: من الهدية وهو ما يهدى إلى حرم الله تعالى من النعم، وسيأتي الكلام عليه.
الأضحية: فهي ما يذبح يوم النحر وأيام التشريق من النعم تقرباً إلى الله تعالى. وفيها أربع لغات: أضحية: كسر الهمزة، وضمها وتشديد الياء وتخفيفها " (أُضحية – إضحية – أضحيَّة، إضحيّة) وهنا لغة خامسة وهي " ضحيَّة " سيأتي الكلام عليها. قال: (أفضلها إبل ثم بقر ثم غنم) الأفضل في الأضحية الإبل ثم البقر ثم الغنم، والبحث هنا في الأضحية وسيأتي الكلام على الهدي. استدل الجمهور على أن أفضل الأضاحي الإبل ثم البقر ثم الغنم، بالحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من راح يوم الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن) (1) قالوا: فهذا الحديث يدل على أن الإبل هي الأفضل ثم البقر ثم الغنم " من الضأن أو المعز ". وقال المالكية: الأفضل في الأضاحي هو الغنم فهي أفضل من الإبل والبقر. واستدلوا: بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما) (2) والشاهد قوله: " ضحى بكبشين " فالنبي صلى الله عليه وسلم ضحى بالغنم ولما ثبت في الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي أيوب الأنصاري قال: (كان الرجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون ثم تباهى الناس كما ترى) (3) .
وهنا ينكر على التباهي في هذا الباب فدل على أنه خلاف الهدي - وهذا القول فيه قوة – فالنبي صلى الله عليه وسلم قد ضحى بالغنم ولا شك أن فعله أولى في هذا الباب – وبخصوص الأضحية – أولى بالاستدلال من الحديث المتقدم الذي هو ليس مختص بباب الأضاحي. فحديث الحنابلة وغيرهم في تفضيل الإبل هو حديث عام يدل على فضيلة الإبل على البقر والغنم وعلى فضيلة البقر على الغنم. وحديث المالكية يدل على اختصاص الغنم بالفضيلة في باب الأضاحي فالذي يظهر لي أن ما ذهب إليه المالكية أقوى والله أعلم. وأفضل كل جنس أسمنه فأغلاه وسواء كان ذكراً أو أنثى فلا بأس أن يضحي بالأنثى من الإبل أو بالذكر وكذلك في البقر والغنم، وأفضل ذلك أسمنه فاعلاه. ففي البخاري معلقاً عن أبي أمامة معلقاً قال: (كنا نسمِّن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون) (1) ووصله أبو نعيم في مستخرجه. وفي أبي عوانة في مستخرجه من حديث أنس المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ضحى بكبشين أملحين أقرنين) (2) عند أبي عوانة: (سمينين) وفي بلوغ المرام لابن حجر (3) أن عند أبي عوانة: " ثمينين " فلعلها رواية أخرى غير الرواية التي تقدم ذكرها. ولأن هذا من تعظيم شعائر الله، والأضاحي من شعائر الله، وقد قال تعالى: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} فأفضل الأضحية أسمنها فأغلاها. قال: (ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن) الجذع من الضأن يجزئ من الأضاحي لا من المعز، وبينهما فارق فإن الجذع من الضأن يرد على الأنثى فيلقح بخلاف الجذع من المعز. ويعرف الجذع بأنه ينام صوفه على ظهره. وقال الحنابلة: وهو ما له ستة أشهر. وقال الشافعية: ما له سنة.
قال ابن الأعرابي: - وهو من أهل اللغة المشاهير -: " الجذع إن كان من شابين أجذع لستة أشهر، وإن كان من هرمين أجذع لثمانية أشهر إلى عشرة أشهر " فدل هذا على أنه يصح أن يجذع وهو لستة أشهر لكن هذا ليس ثابتاً بل قد يجذع لستة أشهر أو لثمانية أشهر إلى عشرة أشهر، فمتى نام صوفه ويعلم هذا أهل الخبرة من أهل الغنم متى نام صوفه فقد أجذع. فالجذع من الضأن هو المجزئ، ولا يجزئ من غيره إلا المسن، ولذا قال: قال: (وثني سواه) الثني هو المسن فلا يجزئ من غير الضأن إلا المسن، وهو ماله من الإبل خمس سنين ومن البقر سنتان، ومن المعز سنة. لذا قال: (وهو ماله من الإبل خمس سنين ومن البقر سنتان ومن الغنم سنة) فلا يجزئ جذعاً إلا أن يكون من الضأن. ودليل إجزاء الجذع من الضأن ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الجذع يوفي مما توفي من الثنية) (1) ، وثبت في النسائي بإسناد جيد عن عقبة بن عامر قال: (ضحينا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالجذع من الضأن) (2) وهو أيضاً ثابت في الصحيحين نحوه. وأما ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعاً من الضأن) (3) فهذا الحديث يحمل على الاستحباب جمعاً بينه وبين الأحاديث المتقدمة أي: يستحب لكم ألا تذبحوا إلا المسن إلا إن عسر عليكم ذلك فاذبحوا الجذع من الضأن.
إذن: يجزئ الجذع من الضأن وهذا هو مذهب جماهير العلماء، ولا يجزئ من غير الضأن إلا الثنى أو المسن وهو ما له من الإبل خمس سنين ومن البقر سنتان ومن المعز سنة. قال: (والضأن نصفها) أي ستة أشهر، هذا هو المشهور في المذهب وتقدم كلام ابن الأعرابي من أهل اللغة. قال: (وتجزئ الشاة عن الواحد) أي عن الواحد وأهل بيته وعياله. كما تقدم في حديث أبي أيوب في الترمذي وابن ماجه قال: (كان الرجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون) (1) فالشاة لا تجزئ إلا عن الواحد أي وأهل بيته. ويريد المؤلف بقوله " ويجزئ عن الواحد " أي لا يصح الاشتراك فيها بخلاف الإبل والبقر. وأما إجزاؤها عن أهل بيته وعياله فإنها تجزئ عند الحنابلة ودليل هذا قول أبي أيوب المتقدم وله حكم الرفع. وأما الاشتراك فلا، فإنها لا يشترك بها وإنما يجزئ عن الواحد [و] من اتبعه من أهل بيته وعياله. قال: (والبدنة والبقرة عن سبعة) تقدم ما يدل على هذا وهو حديث جابر في مسلم في قوله: (نحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) (2) فإذا اشترك سبعة فأقل من ذلك ببقرة أو بدنة أجزأ ذلك عنهم. قال: (ولا تجزئ العوراء) وهي التي ذهبت إحدى عينيها. قال: (والعجفاء) وهي الهزيلة الضعيفة التي لا مخ في عظامها. قال: [والعرجاء] البين عرجها أي عرجها شديد يُضر بها في الرعي ولحاق الغنم في المرعى.
ويدل على هذا ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها " ودل هذا على أن إحدى العينين إذا كان فيها شيء من البياض من العور الخفيف فإنه لا يؤثر، وإنما المؤثر هو العور البيِّن- والمريضة البيِّن مرضها - أي فيها مرض بيّن مضر ببدنها سواء كان جرباً أو غيره خلافاً لمن قيده من أهل العلم بالجرب فالحديث عام فيه وفي غيره - والعرجاء البيِّن ظلعها - أي عرجها - والكسير - عند النسائي: والعجفاء – - التي لا تنقي) (1) أي التي لا مخ فيها. فهذه الأربع لا تجزئ في الأضاحي، فإذا ضحى بها لم تجزئه. قال: (والهتماء) وهو التي سقطت ثناياها من أصلها. وقال شيخ الإسلام: بل هي التي سقط بعض أسنانها. المشهور عند الحنابلة أن الهتماء لا تجزئ. وذهب بعض الحنابلة وهو أحد الوجهين لمذهب الشافعية واختاره شيخ الإسلام أنها تجزئ وهذا هو الراجح إذ لا دليل يدل على عدم إجزائها. وللحصر المتقدم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حصر غير المجزئ من الضحايا بأربع فدل هذا على أنها إن سقطت ثناياها أو سقط بعض أسنانها فإنه تجزئ خلافاً للمشهور عند الحنابلة. قال: (والجدَّاء) من جدَّ الضرع إذا يبس وهي التي يبس ضرعها فلا لبن فيها، فهذه لا تجزئ. قالوا: لأن هذا أولى من ذهاب شحمة عينها، فإن العوراء قد ذهبت شحمة عينها فهذه أولى منها بعدم الإجزاء. وفي هذا نظر؛ فإن العوراء إنما ورد الشرع بعدم الإجزاء بها لأن عورها يضر برعيها، بخلاف الجداء " التي يبس ضرعها " فإن هذا لا يؤثر في رعيها ولا يؤثر في لحمها والمقصود هو اللحم.
فالأظهر أن الجدَّاء تجزئ التضحية بها مع أن الأولى أن تكون سليمة من ذلك لقوله تعالى: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} وهذا يقتضي اختيار الأفضل. قال: (والمريضة) تقدم أن المريضة بجرب أو نحوه لا تجزئ، والمراد بالمريضة البين مرضها التي فيها مرض ظاهر مضرٍ للحمها فهذه لا تجزئ في الأضحية. قال: (والعضباء) وهي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها – أي أكثر من النصف -. قالوا: لا يجزئ لما روى النسائي والترمذي وصححه عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يضحي بأعضب القرن والأذن) (1) . - وذهب جمهور العلماء وهو اختيار طائفة من الحنابلة كصاحب الإنصاف واستظهره صاحب الفروع واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي: أن ذلك يجزئ. والحديث الذي استدل به الحنابلة يرويه قتادة عن جُري السدوسي عن علي بن أبي طالب، ولم يرو عن جُري إلا قتادة. وقال أبو حاتم: " لا يحتج بحديثه " أي بحديث جُري لأنه لم يرو عنه إلا قتادة. وتعقب الذهبي قول أبي حاتم المتقدم بقوله: " قلت: لكن أثنيَ عليه " فعلى ذلك حديثه لا بأس به. فعلى ذلك الحديث حسن إن شاء الله وقد صححه الترمذي وغيره فقد روى عنه قتادة وتفرد عنه بالرواية لكن أثنى عليه. ومن لم يرو عنه إلا راوٍ واحد لكن وثق سواء كان الموثِّق هو الراوي عنه أو غيره فإن حديثه مقبول.
لكن الحديث لا يظهر الاستدلال به على عدم الإجزاء، بل الظاهر أنه يدل على الكراهية، بدليل أن أهل العلم قد أجمعوا على أن التضحية بالخرقاء والشرقاء والمقابلة والمدابرة، وقد ثبت النهي عنها في حديث صحيح سيأتي أنه يجزئ في الأضاحي مع الكراهية وهنا كذلك فإن هذا لا يعدو إلا أن يكون أثراً في القرن أو الأذن ولا يؤثر هذا في اللحم. وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجزئ بأربع ولم يذكر أعضب الأذن والقرن، فالأظهر حمله على الكراهية. فالراجح من قولي العلماء أن التضحية بأعضب الأذن والقرن مجزئ مع الكراهية. قال: (بل البتراء خلقة) البتراء (1) : هي التي لا أذن لها، وتقييد المؤلف بقوله: " خلقة " موهم أن هذا القيد معتبر عند الحنابلة وليس كذلك بل البتراء عندهم سواء كان ذلك خلقة أو مقطوعاً أنه يجزئ فلو قطعت الأذن كلها أو كان ذلك خلقة فإنه يجزئ في المشهور عند الحنابلة. قال: (والجمَّاء) هي التي لا قرن لها، وهي مجزئة. فالبتراء والجماء تجزئ عندهم ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذا. ولأن هذا لا أثر له على لحمها فأجزأت. ولا شك أن قولهم بإجزاء مقطوع الأذن وعدم إجزاء ما قطع أكثر الأذن أو أكثر القرن منه لا شك أن هذا فيه نظر ظاهر. فعلى ذلك: العيب المتعلق بالأذن أو القرن سواء كان العيب بذهاب شيء يسير من الأذن أو القرن أو بذهاب الشيء الكثير منهما أو بذهابهما كلهما خلقة أو قطعاً أن هذا لا يؤثر في الأضاحي. قال: (وخصي) الخصي: لا خلاف بين أهل العلم أنه يجزئ. وفي أبي داود من حديث أنس المتقدم قال: (موجوءين) (2) من الوجاء وهي الخصاء. فقد ضحى به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل للحم وأطيب وأسمن.
قال: (غير مجبوب) فإن ترتب على الخصاء أنه يُجب عضوه " ذكره " فإنه لا يجزئ في المشهور عند الحنابلة، لأنه قد ذهب شيء من أعضائه وهو ذكره. وذهب بعض الحنابلة إلى أن الخصاء وإن كان معه جب للعضو فإنه يجوز التضحية به. وهذا أظهر، لأنه لا يؤثر في اللحم، لأن عضوه ليس مقصوداً للأكل عادة. فالأظهر أن الخصي وإن ترتب على خصائه أن جب ذكره، أنه يجزئ في التضحية. قال: (وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف) إن كان في أذنه قطع أو قرنه قطع أقل من النصف فإنه يجزئ. وقد تقدم أنه إذا كان القطع أكثر من النصف فهو الأعضب وهو لا يجزئ عند الحنابلة. فإن كان القطع نصفاً فأقل فإنه يجزئ عندهم ولا خلاف بين أهل العلم في هذا كما تقدم، فإن قطع شيء من أذنه أو قرنه ولو كان ذلك النصف فإنه يجزئ لكن مع الكراهية. ودليل الكراهية عندهم: ما ثبت عند أبي داود والترمذي بإسناد صحيح عن علي قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن وألا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء) (1) المقابلة: هي التي قطع شيء من أذنها من جهة مقدم الأذن ويعلق ذلك بها. والمدابرة: نحوها لكن القطع من مؤخر الأذن. الخرقاء: التي في أذنها خرق مستدير وهذا يفعل سمة لها. الشرقاء: التي في أذنها شق سواء مستديراً أو لا. فعلى ذلك: ما كان في أذنها شق أو قطع ولم يصل ذلك إلى أكثر من النصف فإنه عند عامة العلماء أن ذلك لا يؤثر في باب الأضاحي. أما إذا كان أكثر من النصف، فالمشهور في المذهب أنه لا يجزئ وهو الأعضب. والصحيح القول بإجزائه. كل ما كان فيه شيء من النقص والعيب من بهيمة الأنعام فإنه مكروه التضحية به.
* النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العوراء البين عورها) وألحق أهل العلم إجماعاً العمياء بها، والسؤال: هو إذا قام صاحبها بإطعامها – أي العوراء أو العمياء – فهل يجزئ أو لا؟ إذا نظرنا إلى ما تقدم من القاعدة فإننا نقول أنها تجزئ لأنها ذات لحم طيب، وهذا العور أو العمى لم يؤثر في بدنها. وإذا نظرنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (العوراء البين عورها) قلنا أنها لا يجزئ لأن هذا الوصف بها. والذي يظهر لي – والله أعلم – هو القول بالإجزاء لكن مع ذلك الأولى عدم التضحية بها. وذلك لأن الأصل في العوراء أن يؤثر ذلك في رعيها لكن إن قام صاحبها برعيها، فلم يؤثر ذلك في رعيها فإن مثل عورها ليس في الحقيقة مؤثر، فذهاب شحمة في عينها غير مؤثر. ولا شك أنها مكروهة لأن هذا العيب يؤثر فيها كراهية، كما تقدم من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عما هو دون ذلك مما هو مشقوق الأذن فأولى من ذلك العوراء وإن سُمنت. مسألة: هل يُضحي عن الميت؟ هذه ترجع إلى مسألة: هل تصل الأعمال الصالحة إلى الميت أم لا – سوى الصدقة والدعاء فقد أجمعوا على وصولهما -؟ . والذي يظهر لي عدم الوصول، وحينئذٍ هل الأضحية من جنس الصدقات أو لا؟ فإن قلنا إنها من جنس الصدقات قلنا بإجزائها لأن الصدقة تصل إلى الميت. والذي يتبين لي – والله أعلم – أن الأضحية ليست من الصدقات بدليل أن صاحبها لو لم يتصدق بشيء منها بل أكلها وأطعمها جاره وأهدى فإنها تجزئ. فالمقصود من الأضحية إراقة الدم في ذلك اليوم فلما كان الأمر كذلك – وهو أن المقصود إراقة الدم وهو نسك وعبادة – فإنه ليس صدقة ولا من جنس الصدقات. فالأظهر أنه لا يضحى عنه إلا أن يوصي بذلك.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يضحي عن أحد من أهل بيته كخديجة وحمزة مع أن المشهور عند أهل العلم أن الأضاحي شرعت في السنة الثانية للهجرة فالأظهر هو عدم مشروعية ذلك، لكن إن أوصى الميت بذلك فإنه يجوز؛ لأنه تصرف بالمال على وجه صحيح. مسألة: الكبش الأبيض منه أفضل من الأسود كما قال الحنابلة وهو أظهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أملح وهو ما فيه بياض وسواد لكن بياضه أغلب لسواده. فالأظهر أن الأملح أفضل من الأسود – هذا في الأصل لكن لو كان هذا أسمن من هذا أو أغلى ثمناً من هذا فإنه أفضل. مسألة: الأضحية لابد أن تكون كاملة فإن كانت مقطوعة الرجل أو نحو ذلك فإنها لا تجزئ لأنها ليست كاملة تامة. أما إذا كان مما تقدم مما ليس بمقصود في الأكل عادة وإن كان ربما أكل لكن ليس هو المقصود في الأكل فإنه يجزئ. مسألة: لابد أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام لقوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} (1) ولابد وأن يكون مستأنساً ومن أبوين مستأنسين، فلو كان وحشياً أو أحد أبويه وحشي فإنه لا يصدق عليه ذلك ولا يجوز أن يضحي به. والحمد لله رب العالمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والسنة نحر الإبل قائمة معقولةً يدها اليسرى فيطعنها بالحربة في الوَهدة التي بين أصل العنق والصدر) " الوهدة " هو المكان المطمئن. هذه الصفة المستحبة في نحر الإبل أن تكون قائمة قد عقلت يدها اليسرى أي ربطت – فهي قائمة على ثلاثة أطراف – ثم تنحر بحربة في الوهدة التي بين عنقها وبين صدرها. ودليل ذلك قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها (2) } قال ابن عباس كما في البخاري: " {فاذكروا اسم الله عليها صواف} أي قياماً " (3) {فإذا وجبت جنوبها} أي سقطت فهي قائمة.
وثبت في البخاري أن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها فقال: (ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم) (1) وفي مراسيل أبي داود: (معقولة اليسرى) (2) وهو مرسل فإن عقلت اليمنى فلا بأس لكن العمل بأن تكون المقيدة هي اليسرى أولى لثبوت هذا الأثر المرسل. وكونها تنحر في الوهدة فلأن ذلك أسهل لخروج روحها وقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) (3) فهذا الموضع أسهل لخروج روحها فيستحب ذلك. قال: (ويذبح غيرها) غيرها من بقر وغنم، فإنها تذبح ذبحاً لا نحراً. وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح الكبشين الأملحين بيده ووضع رجله على صفاحهما أي على الجنوب. فإذن: تضجع البقرة أو الغنمة على جنبها ثم توضع الرجل على الجنب الذي إلى السماء وذلك إراحة لها لئلا تتحرك فيكون الذبح عليها فيه عسر ومشقة فتوضع الرجل على جنبها وتوجه إلى القبلة استحباباً. قالوا: ويستحب – وهذا باتفاق العلماء – أن تضجع على جنبها الأيسر وذلك من أجل أن يكون الذبح من الذابح باليد اليمنى وهذا أسهل للذبح. وحينئذٍ: فإن كان أيسراً " أي يذبح بيده اليسرى " فإنه إن أضجعها على جنبها الأيمن فإن هذا أسهل. إذن: تضجع إلى القبلة استحباباً ويكون اضجاعها على جنبها الأيسر ليكون ممسكاً بالسكين بيده اليمنى وهذا أسهل لذبحها وفي الحديث: (وليرح ذبيحته)
لكن إن كان الأسهل اضجاعها على جنبها الأيمن فإن هذا حسن ويضع رجله على جنبها البارز عن الأرض لئلا تتحرك البهيمة فيشق عليه الذبح وفي الحديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) . قال: (ويجوز عكسها) فلو ذبح الإبل أو نحر في البقر والغنم فإن ذلك جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المتفق عليه: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) (1) فإذا أنهر الدم بالسكين نحراً أو ذبحاً فإنه يجزئ وإن كان المذبوح محله النحر والمنحور محله الذبح؛ لكنه خلاف المستحب. قال: (ويقول: باسم الله والله أكبر) " باسم الله " وجوباً وسيأتي الكلام على حكم التسمية على الذبيحة في باب الذبائح إن شاء الله تعالى. " والله أكبر " استحباباً، وقد تقدم حديث أنس وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذبح الكبشين الأملحين سمى وكبر) (2) وفي مسلم قال: (باسم الله والله أكبر) قال: (اللهم هذا منك ولك) ثبت هذا في سنن أبي داود من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم هذا منك ولك) (3) والحديث فيه عنعنة محمد بن إسحاق لكن له شاهد عند أبي يعلى من حديث أبي سعيد. وله شاهد آخر عند الطبراني من حديث ابن عباس فالحديث حسن. " هذا منك " أي هذا نعمة منك وفضلاً. " ولك " أي لك تعبداً ورقاً. قال: (ويتولاها صاحبها)
المستحب أن يتولاها صاحبها وقد تقدم في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبحها بيده، (وقد نحر النبي صلى الله عليه وسلم في هديه ثلاثاً وستين بيده وأعطى علياً ما بقي وقد أشركه في هديه) . فهذا يدل على أن المستحب في الأضحية والهدي أن يتولى صاحبها الذبح أو النحر. لكن لو تولاها غيره وكان هذا الغير صحيح الذبح فإن هذا جائز ولذا قال: (أو يوكل مسلماً) التوكيل إن كان لمسلم فلا خلاف بين أهل العلم في إجزائه، واتفقوا على أنه لو وكَّل وثنياً لذبح أضحيته فإنه لا يجوز ولا يجزئ لأن ذبيحته لا تحل. لكن اختلفوا في إجزاء ذبح الكتابي فهل يجوز أن يوكل المسلم كتابياً بأن يضحي له أم لا؟ قولان لأهل العلم: أصحهما وهو المشهور عند الحنابلة ومذهب الجمهور: أن ذلك يجزئ. قال المالكية: لا يجزئ لأنها قربة وعبادة فلا تصح من كافر. والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة، وهو مذهب الجمهور من الإجزاء وذلك لأن الكافر تصح منه القربة عن المسلم أي فعل القربة عن المسلم والقربة تقع للمسلم. بدليل أنه يجوز بناء المساجد عمارة من الكفار فيجوز أن يتولى الكافر عمارة المساجد ونحوها، فهنا لا يعدو الأمر إلا أن يكون توكيلاً فليس من باب العبادة، فهذا الذمي لا يتعبد الله بالذبح بل هو موكل، وإنما الذي يتعبد الله بالذبح هو المؤمن بنيته وبماله الذي دفعه في هذه الأضحية، والذمي يجوز أن يتولى فعل القربة إن كان فعلها ليس على وجه التعبد وهنا فعل القربة ليس على وجه التعبد فإنه لا يعدو إلا أن يكون موكلاً بالذبح وهو صحيح الذبح. فعلى ذلك الصحيح وهو المشهور عند الحنابلة أنه يجوز ذلك، وإن كان عندهم أن ذلك مكروه خروجاً من الخلاف. والأظهر ألا يقال بالكراهية لعدم الدليل على ذلك، والخروج من الخلاف ليس بدليل يقتضي الكراهية. قال: (ويشهدها)
أي يشهدها المسلم أي يستحب للمسلم أن ينظر إليها ذكراً كان أو أنثى واستدلوا بحديث رواه البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: (احضري أضحيتك يغفر لك عند أول قطرة من دمها) (1) والحديث لا يصح، فقد رواه البيهقي وضعفه وهو كما قال. قال: (ووقت الذبح بعد صلاة العيد) دليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان ذبح قبل الصلاة فليعد) (2) فمن ذبح قبل صلاة العيد فإنها لا تجزئه أضحية وإنما هو لحم لأهله للحديث المتقدم. وثبت في الصحيحين من حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ضحَّى قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين) (3) وظاهر هذه الأحاديث أن الوقت مقيَّد بفعل الصلاة نفسها لا بوقتها. فلو أخرت صلاة العيد فلا يجزئ الذبح قبلها وإن ذهب من وقتها ما يكفي لفعلها، وهذا هو ظاهر كلام الإمام أحمد وهو مذهب جمهور العلماء. - وعن الإمام أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة وهو مذهب بعض الحنابلة: أنه إذا ذهب من وقت صلاة العيد قدراً يكفي لفعل الصلاة فإنه يجزئ الذبح. فإذا دخل وقتها – وهو يدخل بارتفاع الشمس قيد رمح – فإذا فات قدر يكفي لصلاة العيد فإنه يجزئ الذبح بعد ذلك وإن لم يصل الناس.
وهذا خلاف ظاهر الأحاديث، فإن الأحاديث المتقدمة ظاهرها أن الوقت مقيد بفعل الصلاة نفسها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان ذبح قبل الصلاة فليعد) فظاهره أن من ذبح قبل الصلاة وإن كان بعد مرور وقت يكفي لفعلها فإنها لا تصح منه وهذا هو ظاهر كلام الإمام أحمد وهو مذهب جمهور العلماء وهو الراجح. لكن إن كان في موضع لا تقام به صلاة العيد فإنه إذا فات قدر ما يكفي لصلاتها بعد دخول وقتها فإنه يجزئ الذبح. كمن يكون في بادية أو في سفر فأول وقت الذبح هو مرور قدر يكفي لصلاة العيد بعد دخول وقتها إذ لا صلاة في حقهم، وقبل ذلك لا يجوز الذبح لأن الصلاة غير مشروعة في حقهم والوقت حينئذٍ يقوم مقام ذلك. لذا قال: (أو قدره) أي أو بعد قدره، و " أو " هنا ليست للتخيير وإنما هي للتفسير فمن كان في الأمصار التي تقام فيها صلاة العيد ولو لم يصل صلاة العيد فإنه لا يجزئه إلا بعد صلاة العيد. وأما إن كان في موقع لا تقام فيه صلاة العيد فقدره أي قدر الوقت الكافي لصلاة العيد. قال: (إلى يومين) هذا آخر وقتها إلى يومين من أيام التشريق، فعلى ذلك أيام النحر والذبح ثلاثة أيام: يوم النحر واليومان الأول والثاني من أيام التشريق، فعلى ذلك لا يجزئه الذبح في اليوم الثالث من أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة هذا هو المشهور عند الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث) (1) وقال الإمام أحمد: " عن خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " أي القول بأن أيام الذبح ثلاثة أيام (وهذه المسألة في الهدي والأضاحي) وذهب الشافعية إلى أن أيام الأضاحي أربعة أيام وأيام التشريق كلها، قالوا: هذه هي أيام النحر.
واستدلوا: بما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أيام التشريق ذبح) (1) قالوا: والحديث إسناده منقطع لكن للحديث شواهد وطرق يرتقي بها إلى الصحة فالحديث صحيح. قالوا: وهو مروي عن علي وجبير بن مطعم، ولأنها – أي هذه الأيام – أيام رمي فكانت أيام ذبح أيضاً وهي من أيام الحج والنحر من مناسك الحج، وهذه المسألة في الهدي والأضاحي. وما ذهب إليه الشافعية هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم. لأن الحديث الوارد في هذا صحيح لشواهده وطرقه، ولأن أيام التشريق كلها أيام رمي وأيام مناسك فكذلك النحر. وأما دليلهم الذي ذكروه فإنه ليس بدليل على هذه المسألة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث) فهذا الحديث إنما هو في أيام الادخار وأنها ثلاثة أيام. فلو ذبح في يوم النحر فليس له أن يدخر إلا في يوم النحر ويومين بعده، ولو نحر في اليوم الثاني من أيام النحر وهو أول أيام التشريق فليس له أن يدخر إلا فيه وفي اليوم الثاني والثالث من أيام التشريق، وهكذا. فالمسألة في النهي عن الادخار، فعليه لو ذبح في اليوم الثالث من أيام التشريق فليس له أن يدخر ثلاثة أيام بل يدخر ذلك لليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. على أن الحديث منسوخ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلوا وتصدقوا وتزودوا وادخروا) (2) . وإنما نهوا عن الادخار فوق ثلاث لحاجة أصابت الناس في سنة من السنوات فنهي عن الادخار ثم نسخ ذلك.
فالمقصود من هذا: أن ما ذكروه لا يصح دليلاً في هذه المسألة. وأما الآثار التي ذكرها الإمام أحمد فإنها معارضة بأثر علي المروي عنه، وبأثر جبير بن مطعم. وبالحديث أيضاً فإن الحديث تقدم تصحيحه وهو حديث: (كل أيام التشريق ذبح) (1) فعلى ذلك: الراجح أن أيام التشريق كلها أيام هدي وأيام أضحية. قال: (ويكره في ليلتهما) أي في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق وفي ليلة اليوم الثاني من أيام التشريق، وأما ليلة يوم النحر فلا يجزئ فيها الذبح كما تقدم. وأما ليلة الأول وليلة الثاني من أيام التشريق فيكره فيها الذبح، وإذا قلنا بجواز الذبح في اليوم الثالث من أيام التشريق فكذلك تكره الأضحية أو الهدي في ليلته. وفي هذه المسألة قولان: الأول، وهو مذهب الجمهور: أن الذبح بالليل يجزئ. قالوا: ولعدم الدليل المانع من ذلك. وإنما كرهناه خروجاً من الخلاف، ولأنه إن ذبح ليلاً فإن اللحم لا يفرق رطباً وإنما يبقى ساعات طويلة ينتظر فيها دخول النهار ليوزع على المساكين أو يهدى على الجيران ونحوهم فكرهوه لذلك. الثاني: وهو مذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد: أن الذبح لا يجزئ ليلاً. قالوا: لأن الله عز وجل قال: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} فجعل وقت الذبح الأيام، والأيام جمع يوم، واليوم هو النهار، فجعل الله الوقت للذبح هو النهار وأما الليل فليس وقتاً – حينئذٍ – للذبح. وروى الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يضحي ليلاً) أجاب أهل القول الأول عن أدلة المالكية: قالوا: أما الآية: فإنها في مثل هذا يدخل في اليوم: الليل والنهار، كقوله تعالى: {فتربصوا في داركم ثلاثة أيام} أي بلياليهن وهنا كذلك. فإذا ذكرت الأيام مجموعة دخل ليلها فيها إلا أن يدل دليل على خروج ذلك.
وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التضحية ليلاً فإن الحديث لا يصح بل هو متروك فإن فيه راوٍ متهم بالكذب فالحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وما ذهب إليه الجمهور أقوى من أن الذبح ليلاً مجزئ. وأما القول بالكراهية خروجاً من الخلاف فقد تقدم رد مثل هذا وأن الخلاف ليس دليلاً على الكراهية، إذ الكراهية حكم شرعي يحتاج إلى دليل مختص به. وأما كونه يوزع رطباً وإذا ذبح ليلاً لا يمكن ذلك، فنعم، وهذا يختلف باختلاف الأزمان فحيث وجد ما يحفظ اللحم ولا يؤثر فيه فإنه لا مانع من ذلك. كما أن هذه العلة لا تقوى على الكراهية. فعلى ذلك الأولى أن يذبح نهاراً لكن إن ذبح ليلاً فإنه يجزئه ذلك على أن الأحوط هو الخروج من الخلاف في هذه المسألة فيضحي نهاراً. وكذلك فإن في التضحية نهاراً إظهاراً لهذه الشعيرة والله أعلم. قال: (فإن فات قضى واجبه) إذا خرج وقت الأضاحي بأذان المغرب من يوم التشريق الثالث - على الراجح – وبأذان المغرب من يوم التشريق الثاني – على المذهب -. فإذا خرج الوقت فلا تخلو الأضحية من: أن تكون واجبة أو مستحبة. فإن كانت التضحية واجبة – وهذا حيث كانت منذورة أو وصية - فإنها تذبح ولو كان ذلك بعد خروج الوقت تحصيلاً لمصلحة تفريقها ويكون ذلك من باب القضاء. أما إن كانت التضحية مستحبة: فإذا ضحى بعد خروج الوقت فهي ليست بأضحية، وإنما هي شاة لحمٍ، فإن فرقها على الفقراء والمساكين فهي صدقة من الصدقات. إذن: إن كانت نذراً ففات وقتها فإنه يضحي بعد خروج الوقت من باب القضاء.أما إن كانت غير واجبة بل هي تطوع فهي سنة فات محلها فإن ذبحها فهي شاة لحم فإن تصدق بلحمها فهي صدقة من الصدقات. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين. فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويتعينان بقوله: هدي أو أضحية)
فالهدي والأضحية يتعينان فيكونان واجبتين بعينهما بقوله: " هذا هدي أو أضحية " فإن هذه البهيمة تتعين هدياً أو أضحية باتفاق العلماء لا بالنية. (لا بالنية) إن نوى أنها هدي أو أضحية فإنها لا تتعين بذلك، وذلك لأن ما أخرجه العبد على وجه القربة لا يثبت إلا بالتلفظ بالتقرب إلى الله عز وجل به لا بالنية المقارنة للشراء، فالنية المقارنة للشراء لا يثبت بها التعيين. وإنما يثبت التعيين فيما أخرج على وجه القربة بالتلفظ بإخراجه كما لو اشترى رقيقاً بنية إعتاقه أو بيتاً بنية إيقافه فإن العبد لا يتحرر بذلك، والبيت لا يكون وقفاً بمجرد شرائه مع النية المقارنة للشراء، فإن قال هو حر أو هذا البيت وقف فإنه حينئذ يتعين العبد حراً والبيت وقفاً. فكذلك هنا مما كان على وجه القربة فالنية المقارنة للشراء لا يثبت بها التعيين بل يثبت ذلك باللفظ فإن تلفظ بلفظ من الألفاظ والتي فيها دلالة على إخراج هذه العين من ملكيته لحق الله تعالى فإنه يثبت بذلك. ومثل التلفظ تقليد الهدي وإشعاره أو ما يقوم مقام هذا في الأضاحي فإنه يثبت به التعيين. والإشعار هو أن تدمى صفحة البعير اليسرى حتى يخرج الدم إظهاراً على أنه هدي، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أشعر بدنه وقلدها) والتقليد هو: أن يوضع فيها على سنة القلادة نعال ونحوها. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أهدى غنماً وقلدها) وإشعار الغنم ليس مشروعاً بالإجماع، وإنما المشروع هو تقليدها هذا في الهدي، وأما الأضحية فلم يرد شيء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا قلد هديه أو أشعره فإن هذا الفعل يقوم مقام التعيين باللفظ وهذا أصح قولي العلماء، ففي هذه المسألة قولان للحنابلة: اختار الموفق أنها إن قلدت أو أشعرت فإنها لا يتعين هدياً إلا باللفظ.
واستظهر صاحب الفروع أنها تتعين بذلك، وهذا هو الراجح، كمن بنى مسجداً وجمع الناس للصلاة فيه، ولم يقل: هذا مسجد، فإن هذا الفعل منه يقوم مقام اللفظ. فهذا المشعر لهديه أو المقلد له يقوم مقام قوله: " هذا هدي " كذلك إن وضع شيء من إشعار أو تقليد في أضحيته – وإن لم نقل بمشروعيته – لكن هذا الفعل يقوم مقام التلفظ فكما لو قال: هذه أضحية. إذن: التعيين لا يثبت إلا باللفظ أو بالفعل الدال عليه كالإشعار والتقليد. قال: (وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها) فإذا تعينت البهيمة هدياً أو أضحية فلا يجوز بيعها، لأنها بتعينها خرجت من ملكه وأصبحت حقاً لله تعالى فليس له التصرف فيها كالوقف وغيره. قال: (إلا أن يبدلها بخير منها) أي له إن اشترى أضحية من الغنم وعينها ثم رأى غيرها خيراً منها فله أن يبدلها خيراً منها. قالوا: لمصلحة ذلك – هذا هو أشهر الوجهين عند الحنابلة. والوجه الثاني وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة قالوا: لا يجوز له ذلك لأنها قد تعينت بلفظه أو فعله فليس له والحالة هذه أن يبدلها ولو كان البدل خيراً منها. وهذا هو مذهب الشافعية – وهذا هو الأرجح فيما يظهر لي – لأنه بتعينه لها قد أخرجها من ملكيته وأصبحت حقاً لله تعالى فليس له أن يبدلها ولو كان هذا البدل خيراً منها. قال: (ويجز صوفها ونحوه إن كان أنفع لها ويتصدق به) إن كان جز الصوف من البهيمة أنفع لها كجزه في وقت الربيع ليكون أخف لها في رعيها فله ذلك لكنه يتصدق به. أما إن كان هذا الجز لغير نفع لها فليس له ذلك لأنها حق لله تعالى فليس [له] أن يتصرف فيه إلا بما ينفعه. مسألة: وهل له أن يركبها؟ قولان لأهل العلم: الأول: وهو مذهب الشافعية وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد: أنه ليس له أن يركبها إلا عند الضرورة إليها بمعنى: أن يلجأ إلى ركوبها فلا يجد ظهراً غيرها يركبه.
الثاني: وهو مذهب المالكية وأحد الوجهين في المذهب: أن له أن يركبها مطلقاً ولو لم يُضطر إلى ركوبها. استدل أهل القول الأول: بما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ركوب الهدي فقال: (اركبها بالمعروف إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهراً) واستدل أهل القول الثاني: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: رأى رجلاً يسوق بدنةً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اركبها) فقال: (إنها بدنة) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اركبها ويلك) في الثانية أو الثالثة. والقول الأول أظهر فإن الحديث فيه أخص وأوضح فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قيَّد هذا بقوله: (إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً) . وهذا الذي قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اركبها) الظاهر أنه كان لا يجد ظهراً غيرها ولذا كان يسوقها. فالأظهر أنه له أن يركبها إن اضطر إليها، وهكذا الأضحية إن تعينت، فإذا تعين بدنة يضحي بها فله أن يركبها إذا اضطر إلى ذلك. ويتبعها ولدها سواء عُينت وهي حامل أو حملت بعد تعيينها فإن ولدها يتبعها فحكمه حكمها هدياً أو أضحية وهو قول علي بن أبي طالب ولا يُعلم له مخالف كما روى ذلك سعيد بن منصور كما في كتاب المغني. وأما شرب لبنها، فإن لم يضر بولدها ولم يضر بلحمها فإنه يجوز وذلك لأنه هو الذي يعلفها ويطعمها ويقوم بشأنها فأشبه المرتهن، فإن المرتهن الذي يقوم بعلف الدابة المرهونة لبن هذه الدابة له مقابل ما ينفق عليها من علف ونحوه فكذلك هنا. قال: (ولا يعطي جازرها أجرته منها)
الجازر لا يعطى أجرته منها، فليس لمن ضَحى له جزار أن يعطيه أجرته من لحمها أو جلدها أو صوفها أو نحو ذلك ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين عن علي قال: (أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه أن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها " وهي ما يوضع على ظهورها " وألا أعطي الجزار منها قال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن نعطيه من عندنا) ولأنه إنما أذن له بالانتفاع بها أكلاً أو غيره وأما البيع فلا. فعليه: لا يجوز أن يُعطي الجزار منها أجرةً لجزارته لكن إن كان الجزار فقيراً مستحقاً فأعطي منها لفقره وأعطي أجرته من غيرها فإن هذا جائز لا بأس به. أو كذلك أعطي لكونه جاراً أو صديقاً ونحو ذلك مع إعطائه أجرته من غيرها فلا بأس. قال: (ولا يبيع جلدها ولا شيئاً منها بل ينتفع به) لما تقدم، فإن الشارع إنما أذن له بأن يأكل منها وينتفع بها وأما أن يبيع جلدها فلا يجوز، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يعطى الجزار شيئاً منها) ومثل ذلك: البيع، فإن هذا دليل بالتنبيه على النهي عن بيع شيء منها. فلا يجوز له أن يبيع جلدها أو صوفها أو نحو ذلك. لكن له أن ينتفع بها، لأنه أجيز له الانتفاع بأكلها فكذلك الانتفاع بجلدها. فله أن ينتفع بجلدها وصوفها أو نحو ذلك لكن ليس له أن يبيعه. قال: (وإن تعيَّبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) صورة هذه المسالة: إذا عيَّن رجل أضحيته وقبل أن يأتي يوم النحر حدث فيها عيب يمنع الإجزاء بها أصلاً كأن يصيبها عرج بيِّن، أو نحو ذلك فإنها تجزئ عنه. ومثل ذلك لو أنه عين هدياً على سبيل التطوع ثم حدث له عطب أو شيء يمنع من الإجزاء فإنه يجزئ عنه ولا يجب عليه أن يهدي غيره ولا أن يضحي بغيره.
وذلك لأنه ليس بواجب عليه فالأضحيه ليست بواجبه في الأصل والهدي – أي هدي التطوع – ليس بواجب وإنما وجب هذا المعين، فالواجب هو هذا المعيَّن، فحيث حدث له تلف أو عيب فإنه لا يجب عليه أن يبدله، فإن الوجوب المتقدم متعين به هو، أما ذمته فهي بريئة من أن يتعلق بها شيء، وإنما التعيين في هذه البهيمة نفسها فإذا حدث بها عيب فإنها تجزئ عنه لأنها تعينت فثبت حقاً لله. فقد خرجت من ملكيته لحق الله تعالى حين عينها، ولا يجب عليه أن يذبح بدلها، لأن ذلك ليس بواجب عليه أصلاً وإنما وجبت هي بنفسها بتعيينها. (إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) فإنه يجب عليه أن يذبح بدلها. رجل معه هدي واجب فكان أن حدث في هذا الهدي الواجب عيب يمنع من الإجزاء وقد عينه بتقليده أو إشعاره أو بقوله: " هذا هدي " حدث فيه عيب يمنع الإجزاء قبل نحره. أو قال هذه أضحية وكان قد نذرها فإنها إن تلفت أو عطبت أو حدث بها ممنع الإجزاء: فإن الواجب لا يسقط عنه وذلك لأن ذمته قد تعلقت بها إيجاب شاة أو نحوها سليمة من العيوب سواء كان ذلك بالنذر أو بالهدي الواجب فقد تعلق في ذمته أن يذبح شاة سليمة من العيوب وحيث لم يفعل ذلك فإن ذمته لا تبرأ بل تبقى مشغولة. وذلك لأن الواجب عليه أن ينحر أو يذبح بهيمة سليمة من العيوب وحيث لم يفعل ذلك فإن ذمته تبقى مشغولة. وحينئذٍ: فهل له التصرف بهذا المعيب أم ليس له التصرف به؟ جمهور أهل العلم أن له التصرف به وهو قول ابن عباس كما رواه سعيد بن منصور في سننه. وذلك لأنه لا يجزئ عنه وقد أوجب الشارع عليه بدله وحيث كان كذلك فإن هذا يكون قد عاد إلى ملكيته وحينئذٍ يكون قد بطل تعيينه. فإذن: حيث أوجبنا عليه غيرها فهذا إبطال لتعيينه المتقدم فله أن يتصرف فيها بما شاء من بيع أو أكل أو نحو ذلك.
وهدي التطوع إن حدث به عطب أو نحو ذلك فإنه ينحر ثم يؤخذ من دمه بالقلائد التي عليه وتلطخ به جوانبه ليعرفه الفقراء، وليس لمن هو سائق لهذه البدن أو رفقته ليس لهم أن يطعمون من ذلك فقد ثبت في مسلم عن دؤيبة أبي قبيصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعثه على البدن فقال له صلى الله عليه وسلم: (إن عطب شيء منها " أي من هذه البدن وكانت على هيئة التطوع " فخشيت عليها موتاً فانحرها ثم اغمس نعلها " وهي القلائد التي على رقبتها " في دمها ثم اضرب على صفحتها " أي على جانبها وهذا من أجل معرفة الفقراء لها " ولا تطعم منها شيئاً ولا أحد من رفقتك) (1) وهذا لسد الذريعة لكي لا يكون سعي في إعطابها ليأكلها فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطعمها سائقها ومن كان معه من رفقة. قال: (والأضحية سنة) لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشرته شيئاً) وفي رواية: (ولا يقلمن ظفراً) قالوا: فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الأضحية بإرادة المكلف والواجبات لا تعلق بإرادته، فلا يقال في الواجبات " من أرادها " فإنها لا تعلق لها بإرادة المكلف بل يجب عليه أن يفعلها مطلقاً، يدل هذا على أنها – أي الأضحية – ليست بواجبة، هذا مذهب جمهور العلماء. وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد: أنها واجبة على الغني. واستدلوا: بما روى أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا) والحديث الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة – قال الحافظ ابن حجر – وقد ذكر تصحيح الحاكم له قال: " ورجح الأئمة غيره وقفه " وهذا هو الراجح فهو موقوف على أبي هريرة.
وهو مخالف لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ففي سنن البيهقي بإسناد صحيح: (أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان مخافة أن يُقتدى بهما) أي مخافة أن يقتدي الناس بهما فيعتقدون أنها واجبة. والقول الأول: هو الراجح، فليس في هذه المسألة إلا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعله لا يدل على الوجوب. وأما الحديث الذي ذكره الأحناف فهو موقوف على أبي هريرة وهو معارض لفعل أبي بكر وعمر، فيبقى فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعله لا يدل على الوجوب. قال: (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها) فذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الصدقة بثمنها ذريعة لترك سنته، والنبي صلى الله عليه وسلم يختار الأضحية على الصدقة بثمنها فكان يضحي - صلى الله عليه وسلم -، فعلى ذلك الأفضل أن يضحي؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (وسن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً) يسن له أن يأكل ثلثها، وأن يتصدق بثلثها وأن يهدي ثلثها. واستدلوا: بأثر عن ابن عمر ذكره الموفق في المغني ولم يعزه وبأثر ابن مسعود ذكره الإمام أحمد فقال الإمام أحمد " نحن نذهب إلى أثر عبد الله) أي ابن مسعود. وحيث لم نقف على الأثر، فالذي يظهر لي هو اتباع الإمام أحمد في العمل بهذا الأثر فهو من أهل الحديث ومعرفة الآثار وحيث أنه احتج به وليس عندنا ما يضعفه فالأولى هو اتباع هذا الأثر الذي استدل به الإمام أحمد. فعليه: المستحب أن يقسم الأضحية أثلاثاً فيتصدق بثلثها ويهدي – أي إلى الجار والقريب – ثلثها، ويدخر لنفسه ثلثها هذا في الأضحية. وأما في الهدي له فالمستحب له أن يأكل شيئاً منه ويتصدق بالباقي، فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر ببضعة من كل بدنة فجعلت في قدر فأكلا منها وشربا من مرقها) أي هو وعلي رضي الله عنه فلم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ثلثها بل أخذ ببضعة من كل واحد منها.
قال: (وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز) إذا وضع الأضحية كلها لبيته ادخاراً أو أكلاً فهو جائز بشرط أن يتصدق بجزء منها ولو كان هذا الجزء يسيراً، للإطلاق فإن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الصدقة والأكل فقال: (كلوا وتصدقوا) وحيث أطلق النبي صلى الله عليه وسلم فأي شيء يصدق عليه أنه صدقة فإنه يجزئ عنه، فلو أخذ بضعة فتصدق بها أجزأ عنه. ولو كان ذلك مقدار أوقية أو أقل منها مما يصدق عليه أنه صدقة. قال: (وإلا ضمنها) إن لم يخرج شيئاً منها، فإنه يضمن هذا الشيء المجزئ فيجب عليه أن يشتري لحماً يتصدق به، وذلك لأن الصدقة فيها واجبة عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا) وحيث أكلها أو تزود بها ولم يتصدق بها فإنها تبقى في ذمته فيجب عليه ضمانها فيخرج شيئاً من ماله يشتري به لحماً يتصدق به. قال: (ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئاً) لا يجوز لمن أراد أن يضحي سواء باشر الأضحية هو أو باشرها غيره أو كان موكلاً غيره، فليس للمضحي أو المضحَى عنه ليس لأحد منهم أن يمس من بشرته ولا من شعره، وذلك للحديث المتقدم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخلت العشر) وذلك يكون من إهلال شهر ذي الحجة وهو ثابت في بعض روايات مسلم فإذا دخلت الليلة الأولى من شهر ذي الحجة فليس له أن يأخذ من شعره ولا من بشرته ولا من ظفره شيئاً للحديث المتقدم: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشرته شيئاً) وفي رواية: (ولا يقلمن ظفراً) . وظاهر الحديث كما قال المؤلف التحريم – فإن نهي النبي صلى الله عليه وسلم ظاهره التحريم إلا أن يدل دليل على الكراهية. وذهب جمهور أهل العلم إلى كراهية ذلك لا تحريمه. الأظهر هو التحريم كما هو مذهب الحنابلة لظاهر الحديث.
واعلم أن من تعينت أضحيته المستحبة وقد تقدم أنه لا يجب عليه أحد إن حدث بها تلف أو عيب يمنع الإجزاء، لا يجب عليه أن يضحي. اعلم أنها إن وقع فيها عيب من فعله فإنه يضمنها لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديه. فهي يد أمينة، فإن حدث في هذه البهيمة شيء من العيوب بغير فعله فلا شيء عليه. وأما إن كان بفعله وتعديه وتفريطه فإنه يلزمه أن يذبح غيرها لأنها تلفت في يده وبتعديه وتفريطه، فهي قد تعينت وتعدى عليها أو فرط في حفظها فوجب عليه أن يضحي ببدلها. مسألة: وهل الأضحية مشروعة للحاج؟ انظر الجواب في مطلع الدرس القادم " بعد هذا الدرس ". والحمد لله رب العالمين. تقدم البحث في حكم الأضحية، واعلم أن مذهب جمهور العلماء مشروعية الأضحية في يوم النحر مطلقاً للحاج وغيره، وأن الحاج يشرع له أن يضحي كغيره من المسلمين. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ضحى في حجة الوداع عن نسائه بالبقر) . قالوا: فدل هذا على مشروعية الأضحية للحاج كغيره.
وقال المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام: أنها لا تشرع للحاج بل يشرع له الهدي واستدل على هذا الشنقيطي في أضواء البيان بقوله تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} قال: فبهيمة الأنعام المذكورة في هذه الآية الكريمة هي الهدي بدليل أن الله عز وجل ذكر الأذان بالحج إليها فقال: {وأذن في الناس} وقال: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} فبين أن العلة من الأذان بالحج أن يشهدوا منافع لهم وأن يذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ومعلوم أن الأضحية لا تحتاج إلى هذا فإن الأضحية تثبت بكل موضع فتبيَّن أن بهيمة الأنعام التي يذكر اسم الله عليها في هذه الآية الكريمة هي الهدايا لا الأضاحي. ويستدل على هذا أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصح عنه ولا عن أصحابه إلا الهدي في حجة الوداع. وأما ما استدل به جمهور العلماء فإن هذه اللفظة وهي لفظة (ضحى) من تصرف بعض الرواة، بدليل أنها وردت في بعض الروايات (نحر) وفي بعضها (أهدى) . ويدل على هذا أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن قارنات فدل هذا على أن هذا الذبح كان لهدي التمتع بالقران، وأن لفظة (ضحى) من تصرف بعض الرواة. فالراجح ما ذهب إليه المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام وأن الهدي هو المشروع للحاج دون الأضحية وأن الأضحية لا تشرع له وإنما يشرع له الهدي فإن أحب استقل من الهدي وإن أحب استكثر كما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر مئة بدنة وأشرك علياً معه في ذلك. وأما الهدي فهو مشروع للحاج وغيره، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الهدايا وهو غير حاج. فصلٌ قال المؤلف رحمه الله تعالى: (تسن العقيقة)
العقيقة من العق وهو القطع، والعقيقة هي الذبيحة تذبح عن المولود، وسميت عقيقة لأنها تقطع أي تذبح، والذبح يكون بقطع الحلقوم وما معه مما تثبت به التذكية فسميت هذه الذبيحة التي تذبح للمولود عند ولادته بالعقيقة. " تسن " فالعقيقة سنة وهو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا على سنيتها بما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين) . أما ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (عق عنهما كبشاً كبشاً) فإن الحديث ضعيف فالصواب أنه مرسل كما رجح ذلك أبو حاتم الرازي وغيره. وفي الترمذي بإسناد صحيح عن عائشة قالت: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة) وإسناده صحيح. ولا تجب – أي العقيقة – كما ثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن العقيقة فقال: (إن الله لا يحب العقوق - وكأنه كره الاسم - فمن ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان مكافئتان " متماثلتان متشابهتان في السن والإجزاء وفي السلامة من العيوب " وعن الجارية شاة) . قالوا: فقد قال صلى الله عليه وسلم: " من أحب أن ينسك " فعلقه بإرادة المكلف ومحبته، وحيث كان ذلك فإن هذا لا يدل على وجوبه وأنه راجع إلى اختيار المكلف، ولا شك أن الأحكام الواجبة ليست براجعة إلى اختيار المكلف، بل ملزم بها.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يحب العقوق) يدل على أن هذا الاسم (العقيقة) : يستحب ألا يداوم عليه، والمداومة عليه مكروهة، وإنما قلنا أن المكروه هو المداومة عليه دون إطلاق التسمية هكذا من غير مداومة – إنما قلنا ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم – فيما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح: (كل غلام رهينة بعقيقته) فسماها – أي هذه الذبيحة – عقيقة، فدل على أن المكروه هو أن تغلب هذه التسمية على أسمائها الأخرى فتكون هي التسمية السائدة الغالبة أما إن تسمى بهذا الاسم من غير أن تكون هذه التسمية غالبة فلا حرج في هذا، وهكذا تسمية المغرب بالعشاء وكتسمية العشاء بالعتمة فإنها إنما تكره إن كانت ثابتة غالبة على غيرها من الأسماء الشرعية فعلى ذلك تسمى بالنسيكة فإن سميت تارة بالعقيقة من غير أن يغلب هذا الاسم على اسمها الشرعي وهو النسيكة، فإنه لا حرج في هذا، وإنما قلت: إنها تمسى نسيكة لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم الفعل المشتق منها، فقد قال صلى الله عليه وسلم وقد كره العقوق: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه) فدل هذا بالإشارة والتنبيه على أن المستحب أن تسميها بالنسيكة. إذن: مذهب جمهور العلماء وهو المشهور عند الحنابلة أن العقيقة سنة وليست بواجبة. وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من أصحابه واختاره أهل الظاهر وهو قول الحسن البصري أن العقيقة واجبة. واستدلوا: بما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل غلام رهينة بعقيقته يذبح يوم سابعه ويحلق ويسمى) والشاهد قوله: " رهينة بعقيقته " قالوا: فهو محبوس مرتهن بعقيقته فلا فكاك له من هذا الحبس وهذا الارتهان إلا بالعقيقة. وكما أن الرهن يجب أن يفك فكذلك يجب أن يفك رهن هذا الغلام فيعق عنه.
واستدلوا: - أيضاً – بحديث عائشة المتقدم: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة) وفي الاستدلال بهذين الدليلين – فيما يظهر لي – نظر. أما الدليل الأول: فإن الله عز وجل لا يوجب على أحد – إلا أن يكون هذا صريحاً – لا يوجب على أحدٍ ما يكون فكاكاً لغيره إلا أن يرد هذا صريحاً كإيجاب صدقة الفطر على الولد أو من تحت اليد ممن ينفق عليه، وأما أن يوجب هذا لفك رهينة على الوالد فإن في هذا نظراً. فالذي يظهر أن هذا لا يقوى على الإيجاب فهو مرتهن ومحبوس بذلك لكن لا يعني ذلك أن هذا واجب على الأب، كما أنه لا يجب على الأب أن يقضي دين ولده الذي توفي وعليه دين مع أنه محبوس بدينه أعظم من هذا الحبس فإن هذا يتعلق بحق الآدمي وأما الأول فغايته أن يكون متعلقاً بحق الله وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة فلا يظهر لي الاستدلال بهذا على وجوب العقيقة. وأما حديث عائشة: فلا يظهر الاستدلال به على الوجوب فالأمر فيه للاستحباب فيما يظهر، بدليل أنه لو عُق عن الغلام بشاة، فإنه ذلك يجزئ كما سيأتي الدليل عليه، فدل هذا على أن الأمر للاستحباب، فإن الحديث فيه الأمر أن يعق عنه بشاتين وقد دلت الأحاديث على أنه لو عق عنه بشاة، فإن ذلك يجزئ. ففي سنن أبي داود بإسناد حسن عن بريدة قال: (كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام نذبح شاة ونلطخ رأسه بدمها فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح الشاة " أي عن الغلام " ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران) فكره الشارع لطخ رأسه بدم العقيقة وشرع حلق رأسه وأن يلطخ بزعفران والشاهد أنه قال: (فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح الشاة) فالظاهر أن الشاة تجزئ لهذا الحديث. فالأقوى ما ذهب إليه جمهور العلماء وأن النسيكة سنة مستحبة وليست بواجبة والله أعلم. قال: (عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة)
لحديث عائشة المتقدم: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة) قال: (يذبح يوم سابعه) استحباباً لحديث سمرة الذي رواه الخمسة وقد تقدم وفيه: (تذبح يوم سابعه) فإن ذبحها قبل سابعه أجزأت عند جمهور العلماء ولم يجزئ عند المالكية. أما جمهور العلماء فاستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: (كل غلام مرتهن بعقيقته) وحيث كان كذلك فإنها إن ذبحت قبل السابع فإنه يفك رهنه كما يفك الرهن بإعطاء الحق قبل أوانه. وقالوا: قوله صلى الله عليه وسلم: (تذبح يوم سابعه) للاستحباب بدليل ما صحَّ مما سيأتي من السنة من جواز ذبحها بعد ذلك في اليوم الرابع عشر وفي اليوم الواحد والعشرين، فإذا ثبت هذا – وسيأتي – فإن هذا يدل على أن قوله صلى الله عليه وسلم: (تذبح يوم سابعه) أنه للاستحباب، ثم إن ذبحها قبل سابعه يحصل به المقصود. وأما المالكية فقد استدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: (تذبح يوم سابعه) قالوا: فقد وقت النبي صلى الله عليه وسلم للنسيكة يوم السابع فلا يجوز أن يقدم عليه كسائر المواقيت. والأظهر ما ذهب إليه الجمهور، لما تقدم، فإن قوله: (تذبح يوم سابعه) للاستحباب بدليل جواز ذبحها بعد يوم السابع ولأن المعنى يقتضي ذلك فالمقصود يحصل بذبحها في اليوم الرابع أو في اليوم الثالث أو في اليوم الأول. لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل غلام رهينة بعقيقته) والرهن يفك متى دفع الحق وإن كان ذلك قبل أجله وأوانه. والله أعلم.
ويستحب في اليوم السابع: أن يحلق رأسه وأن يلطخ رأسه بزعفران وأن يتصدق بوزن شعره من فضة – هذا إن كان غلاماً ذكراً – ففي المسند بإسناد جيد عن أبي رافع قال: (لما ولد الحسن قالت فاطمة للنبي صلى الله عليه وسلم: أعق عنه؟ قال: لا " وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحب أن يعق عنه كما تقدم " ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره من فضة) والحديث في الغلام. وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (كل غلام رهينة بعقيقته) وقال: (ويحلق) ولأن النساء يكره في حقهن الحلق – وهذا هو المشهور عند الحنابلة وأن الحلق واللطخ بالزعفران بعد الحلق، والتصدق بوزن شعره من الفضة – أنه مختص بالذكور دون الإناث، وهو ظاهر الأحاديث الواردة في هذا الباب. وأما التسمية فقد تقدم حديث سمرة وفيه: (ويسمى) وأن ذلك في اليوم السابع، وهذا مذهب بعض الحنابلة. قالوا: يستحب أن تكون التسمية في اليوم السابع. - وذهب بعض الحنابلة إلى أن المستحب في التسمية أن تكون حين ولادته. واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولد لي الليلة ولد فسميته باسم أبي إبراهيم) ولما ثبت عن أنس بن مالك: (أنه ذهب بابن لأبي طلحة حين ولد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه بتمر وسماه عبد الله) وثبت أيضاً في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سمى المنذر بن الأسود المنذر حين ولد) وهذه أحاديث متفق عليها دلت على أن التسمية مشروعة حين الولادة، وكلا الأمرين جائز لكن الأظهر هو استحباب التسمية عند ولادته لأن الأحاديث الواردة فيه أصح، فإن سمي يوم سابعه فلا بأس. قال: (فإن فات ففي أربعة عشر فإن فات ففي إحدى وعشرين)
لما روى الحاكم في مستدركه بإسناد جيد أن امرأة من آل عبد الرحمن بن أبي بكر نذرت إن ولدت امرأة عبد الرحمن نحرت جزوراً، فقالت عائشة: (لا بل السنة عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة تذبح جدولاً " أي أعضاء " ولا يكسر لها عظم وأن يكون ذلك يوم سابعه فإن لم يكن ففي أربعة عشر فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين) وفي قولها: " لا بل السنة " ثم ساقته، ما يدل على أنه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يثبت ذلك سنة فإنه قول الصحابي لا يعلم له مخالف فيكون حجة. فعلى ذلك: إن فات السابع فيستحب له أن يتأخر إلى اليوم الرابع عشر فإن فاته اليوم الرابع عشر فيستحب له أن يتأخر إلى اليوم الحادي والعشرين فإن فات اليوم الحادي والعشرين فإنه يذبحها متى شاء. وظاهر إطلاقهم أنها تذبح عنه ولو كان ذلك بعد بلوغه. وعند الإمام أحمد أنها إنما تكون عن الصغير أي غير البالغ، وهذا هو الأظهر فإن الأحاديث الواردة في ذلك مقيدة بالغلام والجارية وهما من لم يبلغا. فإن بلغا فليس بغلام وليست هي بجارية. فهي مشروعة عن الغلام وعن الجارية وحيث بلغا فهي سنة فات محلها، أما ما رواه الطبراني أن: (النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه) فإنه إسناد لا يثبت وقد أنكره الإمام أحمد. واستحب الحسن وعطاء أن يعق عن نفسه إن لم يعق عنه أبوه وقال الإمام أحمد: " لا أقول به ولا أكرهه ". الأظهر ما تقدم: وأنه إن بلغ فهي سنة فات محلها، وأما من لم يبلغ وقدر أن يعق عن نفسه فإنه يعق. والذي يعق عنه في المشهور عند الحنابلة هو الأب فقط، فلا يجزئ أن يعق عنه غيره. وقال الشافعية: بل كل من ينفق عليه، ممن وجبت عليه النفقة فإنه يعق عنه سواء كان أباً أو أخاً أو عماً. وذهب بعض أهل العلم وهو اختيارالشوكاني إلى أن العقيقة تجزئ من الأب أو من يجب عليه النفقة أو من غيرهما.
فمن عق عنه ولو كان العاق بعيداً عنه لا ينفق عليه فضلاً أن يكون أباً فإن ذلك يجزئ. واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم: (عق عن الحسن والحسين) وأبوهما علي رضي الله عنهم، والنبي صلى الله عليه وسلم لا تلزمه النفقة عليهما وهذا هو القول الراجح. وما ذهب إليه الحنابلة والشافعية لا دليل عليه، فالراجح أنه إن عق عنه فإن ذلك يجزئ من غير نظر إلى فاعل ذلك سواء كان أباً أو غيره منفقاً أو غيره. قال: (تنزع جُدولاً ولا يكسر عظمها) " جدولاً " أي أعضاءً، فلا تكسر عظامها، ولذا قال: " ولا يكسر عظمها " أي تنزع اليد، والرجل، والرقبة هكذا عضواً عضواً ولا تكسر عظامها، للأثر المتقدم عن عائشة قالت: " وتذبح جدولاً ولا يكسر لها عظم ". وقال المالكية: لا بأس أن تكسر عظامها ولا يقال باستحباب ذبحها جدولاً وعدم تكسير عظامها. قالوا: لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك. والراجح القول الأول لصحة الأثر عن عائشة، فإن كان مرفوعاً فكما تقدم وإن كان من قولها فهو قول صاحب لا يعلم له مخالف. ولما في ذلك من التفاؤل بأن يكون هذا الغلام سليمة أعضاؤه من أن يقع فيها شيء من الكسر أو العيب أو نحو ذلك. وقد استحب الحنابلة أن تطبخ لأن ذلك أيسر مؤونة على الفقير، وهو كما قالوا حيث كان الطبخ أيسر لكن إن كان إعطاؤه إياها لحماً من غير طبخ أحب إليه أي لحفظها وتخزينها فإن ذلك أفضل، فيراعى في ذلك مصلحة الفقير من طبخ أو غيره. وفي أثر عائشة المتقدم قالت: (فتأكل وتطعم وتتصدق) أي يأكل صاحب العقيقة فيها ويطعم جاراً أو قريباً ويتصدق على الفقير، فمجراها شبيه بمجرى الأضحية يؤكل منها وتُتصدق ويُهدى. فإن تصدق بها كلها أو أهداها كلها أو وضعها لضيف فإن ذلك يجزئ على أنها عقيقة، لأن المقصود هو ذبحها. وإن تصدق بها على الفقراء فهو الأولى، بل الأولى من ذلك أن يتصدق ويطعم ويهدي لأثر عائشة المتقدم.
قال: (وحكمها كالأضحية) فيشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية من كونها سليمة من العيوب ذات سن مجزية، إن كانت من الإبل فخمس سنين، وإن كانت من البقر فسنتان وإن كانت من المعز فسنة وإن كانت من الضأن فستة أشهر – وهذا من باب القياس – والجامع أن كليهما نسك فقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم نسكاً واستحبها فتقاس – حينئذٍ – على الأضحية. قال: (إلا أنه لا يجزئ فيها شرك في دم) هذا استثناء، فهي في أحكامها كالأضحية لكن لا يجزئ فيها شرك من دم، فليس له أن يشارك غيره في إبل أي في العقيقة فقد تقدم أن السبع من البدن والبقر عن شاة في الأضاحي والهدي. قالوا: أما العقيقة فلا، فلو أن له ثلاثة من البنين فأراد أن يذبح جزوراً فيعق به عنهم فإن ذلك لا يجزئ فلابد وأن يكون لكل واحدٍ منهم دماً سواء كان إبلاً أو بقراً أو غنماً فلا يشارك فيها. قالوا: لأن مجراها مجرى الفداء فهي فداء عن النفس فكانت النفس بالنفس فهي فداء عن نفس هذا الغلام فلا يجزئ فيها إلا نفساً تامة سواء كانت من الإبل والبقر والغنم. وقال جمهور العلماء: بل يجزئ ذلك. وهذا أظهر؛ لأن الشريعة دلت على أن السبع من البدنة أو البقرة يقوم مقام الشاة وحيث كان ذلك، وقد تقدم أن العقيقة مقيسة عند أهل العلم على الأضحية فكذلك هنا، فيجزئ السبع من البقر أو الإبل عن الشاة، ويجزئ السبعان عن الشاتين في العقيقة. هذا القول أظهر. وأما قولهم: إنها فداء عن النفس فكما تقدم، فإن سبع البدن وسبع البقر يقوم مقام الشاة الواحدة.
لكن المستحب له أن يذبح شاتين عن الغلام وشاة واحدة عن الجارية وأنها أفضل من السبع مطلقاً بل الظاهر أنها أفضل من البعير أو البقر كاملاً، لما تقدم من قول عائشة فيمن نذرت جزوراً قالت: (لا بل السنة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة) ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد ذبح عن الحسن والحسين بكبشين كبشين فالأظهر أن الكبش في باب العقيقة أفضل من الإبل والبقر وإن كانت الإبل والبقر تامة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم. * وهل يجزئه أن يضحي ويدخل العقيقة في أضحية فيذبح ذبيحة واحدة في يوم النحر وأيام التشريق وينوي بها العقيقة؟ ثلاثة روايات عن الإمام أحمد: الأولى: الإجزاء وهو المشهور عند الحنابلة. الثانية: عدم الإجزاء. الثالثة: التوقف في هذه المسألة. وأصح هذه الروايات عدم الإجزاء خلافاً للمشهورة في المذهب لأن لكل منهما – أي العقيقة والأضحية – لكل منهما سبب مختلف عن الأخرى، ولكل منهما مقصد فلم يجزئ أحدهما عن الآخر، هذا هو القول الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد. وهم استدلوا بإجزاء النافلة عن تحية المسجد وإجزاء الفريضة عن تحية المسجد. وهذا ضعيف فإن تحية المسجد ليست مقصودة لذاتها فإن المقصود ألا يجلس حتى يصلي سواء صلى فريضة أو نافلة بخلاف العقيقة والأضحية فإن كليهما مقصود لذاته. قال: (ولا تسن الفَرَعة ولا العَتيرة) الفرعة هي ذبح أول ولد الناقة. والقتيرة: هي الرجبية أي الذبيحة تذبح في رجب وهما من سنن الجاهلية وقد أبطلهما الإسلام. ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا فرع ولا عتيرة) قال الحنابلة: نفى الشارع سببهما فلا يكرهان وإنما لا يستحبان.
وفي هذا نظر بل هما مكروهان بل بدعتان وذلك لأن التعبد لله عز وجل بالذبح في أمر لم يشرعه الله بدعة في الدين لكن إن أرادوا أنه إن ذبح أول ولد للناقة للحاجة إلى ذلك لا للتعبد أو ذبح في رجب لا لمعنى رجب وإنما وافق ذلك رجباً كأن يوافق ضيافة أو عقيقة توافق رجباً فيذبحها فلا بأس به وقد صرحوا بذلك، فإن كان هذا مرادهم فنعم. وأما إن كان مرادهم أن التعبد لله بذلك جائز ولا يكره لكنه ليس بمستحب فهذا ليس بصحيح، ولذا قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي:" وظاهر الأحاديث المنع "؛ وذلك لأن العبادات مبناها على التوقف. فعلى ذلك الفرعة والعتيرة بدعة وهما مكروهان في الشريعة لكن إن ذبح أول ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو ذبح في رجب لحاجته إلى ذلك من غير نية التعبد فلا حرج في هذا. مسألة: الجنين لا يظهر أنه مستحب أن يعق عنه، لكن إن عق عنه فلا بأس لكن لا يظهر استحباب ذلك لعدم دخوله وظاهر الأحاديث: (كل غلام) وهو ليس كذلك، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (من ولد له ولد) وأما إن مات قبل سابعه فإن قوله صلى الله عليه وسلم: (من ولد له ولد) وقوله: (كل غلام رهينته بعقيقته) يدخل فيه هذا، وفي قوله: (يذبح عنه يوم سابعه) يخرجه من هذا فإنه لم يبلغ اليوم السابع لكن تقدم إن الذبح يوم سابع للاستحباب وأنه لو ذبح قبل ذلك فإنه يجزئ. فالأظهر أنه متى ولد فإنه تشرع عنه العقيقة وإن مات بعد ذلك لأنه غلام وولد فيدخل في عموم الأحاديث، وكذلك التسمية لأنها تشرع عند الولادة. * الأذان في أذن الصبي، فقد رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة) يعني حين الولادة، والحديث فيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف. وأما الإقامة فقد رواها ابن السُني بإسناد لا يصح فالحديث موضوع في الإقامة أما الأذان فالسنة فيه ضعيفة، لكن قال الترمذي: (والعمل عليه عند أهل العلم) فهو مستحب عند أهل العلم.
وأما التحنيك لا حرج فيه لكن بتمر لا بريق، لكن إن كان بريق مقروء فيه قرآن فقد يقال أنه أمر حسن فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحنك بتمر. فالتحنيك لا بأس به، أما أن يذهب إلى صالح فهذا من التبرك المنهي عنه، لكن إن كان المقصود ذات القرآن بأن يقرأ فيها شيء أو نحو ذلك فيخرج عن التبرك لكن يبقى معنى آخر وهو إدخال القرآن إلى جوفه، هذا لا دليل عليه. ولا تجزئ العقيقة إلا أن تكون من بهيمة الأنعام. وقد أشكل قول بعض الأئمة ولعله الإمام مالك قال: " يعق ولو بعصفور " وإنما مراده بذلك المبالغة أي بأنه يعق ولا يترك العق ولو كان بشيء زهيد. والحمد لله رب العالمين. فهرس الموضوعات حكم الحج والعمرة ... … 1، 2 شروط وجوب الحج ... ... 3، 4 الفورية في الحج ... ... ... 4 إن زال الرق والجنون والصبا بعرفة ... … 6 وفعلهما من الصبي والعبد نفلا ... ... 7 القادر من أمكنه الركوب ... … 8 مسألة الدين ... ... … 11 إن أعجزه كبر أو مرض ... ... 11 ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام ... … 12 مسألة: من حج عن غير ولم يحج عن نفسه … 13 ويشترط لوجوبها على المرأة وجود محرمها ... 14 شروط المحرم ومن هو؟ ... … 15 إن مات من لزمه الحج والعمرة ... … 16 مسألة: التوكيل في حج التطوع مع القدرة … 16 باب المواقيت ... … 17 عمرة أهل مكة ... ... … 19 أشهر الحج ... ... ... 20 مسألة: إذا أهل بالحج قبل أشهره ... … 21 إذا أحرم قبل الميقات المكاني ... … 22 الإحرام لمن لا يريد الحج والعمرة ... … 22 باب الإحرام ... … 23 هل يشترط مع نية الإحرام شيء يدل عليه … 23 سنن الإحرام ... ... ... 24 وإحرام عقب ركعتين ... ... … 26 الاشتراط عند الإحرام ... ... 27 أفضل الأنساك ... ... 28 وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج ... 34 من أهل بالنسك مبهماً ... … 35 حكم التلبية ... ... 38 باب محظورات الإحرام ... … 39 حكم الجماع في الحج والعمرة …. 53 ما يباح للمحرم ... ... 58 باب الفدية ... ... 60 فصل في أحكام الفدية ... … 68
باب جزاء الصيد ... ... 73 باب صيد الحرم ... ... 76 باب دخول مكة ... ... 82 طواف الحائض ... … 92 إن كرر الطواف فله أن يصلي أربعاً ... 94 فصل: ثم يستلم الحجر ... ... 96 فصل: ثم يفيض إلى مكة ... … 121 وقت طواف الزيارة ... ... 123 ثم يرجع فيبيت في منى ثلاث ليال ... 127 فيرمي الجمرة الأولى ... 128 طواف الوداع ... ... 134 وصفة العمرة ... … 139 باب الفوات والإحصار ... 145 ومن صده عدو عن البيت … 148 باب الهدي والأضحية ... … 152 ويتعينان بقوله هدي أو أضحية ... 164 فهرس الأحاديث والآثار أأعتمر من الشجرة … 140 ابدؤوا بما بدأ الله به ... … 98 ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - ... 159 أتاني آت من ربي فقال: صل ... ... … 17، 27 أتاني جبريل فأمرني ... … 38 اجعلوها عمرة ... ... ... …. 29 أحابستنا هي؟ ... ... 122، 135، 144 إحرام المرأة في وجهها ... ... 56 أحسنت ... ... ... ... ... 35 احضرى أضحيتك يغفر لكِ ... … 161 أحل ... ... ... ... ... …. 35، 117 احلقوه كله أو اتركوه كله ... ... 41 أحلوا من إحرامكم بالطواف ... ... 28 اخرجوا ... ... ... 122 اخلع هذه الجبة واغسل عنك ... ... 70 إذا استلم الحجر (ابن عباس) ... ... 37 إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ... … 136 إذا رميتم الجمرة فقد حل ... ... 119 إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم ... … 118 إذا لم يجد إزاراً فليلبس السراويل وإذا لم يجد نعلين … 44 أذن عمر رضي الله عنه لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر حجة … 15 أذن لأم سلمة أن تدفع ليلة المزدلفة وأن ترمي قبل طلوع الفجر … 109 أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء … 155 أرخص في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... 108، 109 ارم ولا حرج ... … 115، 120 استأذنت سودة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة ... … 108، 109 استقبل القبلة ... … 103 اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ... … 142 اشترطي أن محلي حيث حبستني ... 151، 27
اشتركنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة … 72 أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر (ابن عمر) … 20 اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإذا أدركك … 146 اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك ... … 143 اغتسال علي يوم عرفة ... … 103 اغسل الطيب الذي عليك ... ... 25 اغسلوه بماء وسدر ... ... 42، 58 أفاض النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر ... ... 123، 127 أفضل الحج العج والثج ... ... 38 افعل ولا حرج ... … 115، 121، 148 افعلي ما يفعل الحاج غير أنه لا تطوفي ... 92، 100 ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف ... … 6، 90 البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ... … 26 أمر أسماء بنت عميس أن تغتسل عند إحرامها … 24، 93. أمر أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة و … 87 أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ... … 134 أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ... ... 142، 124 أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء … 157 أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك في الإبل والبقر كل ... 72 إن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون ... 127 أن ابن عمر كان يستلم الحجر بيده ثم قبل يده … 85 أن ابن عمر كان يلبي راكباً ونازلاً ... 38 أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يرفعون أصواتهم ... 39 أن بنت أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة ... … 116، 131 إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثر عليه الناس يقولون … 96 أن عبد الله بن عمرو استلم الحجر ثم قام بين الركن والباب ... … 137 أن عمر أمر رجلاً أن يرجع لطواف الوداع ... ... … 139 أن عمر طاف بالبيت فركب فصلى بذي طوى … 94 إنا لم نرد عليك إلا أنا حرم ... ... … 48 إنا نحن نازلون غداً إن شاء الله في بخيف بني كنانة … 134 إن تفصلوا بين الحج والعمرة فتحروا بالعمرة (عمر بن الخطاب) … 30 إن الجذع يوفى مما يُوفي منه الثنية ... … 154
أن رجلاً تزوج وهو محرم فرد عمر نكاحه ... 50 انظروا إلى حذوه (عمر رضي الله عنه) ... 16 إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ و ... ... … 70 إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم … 159 إن الله كتب عليكم الحج ... ... 4 إنما الأعمال بالنيات ... ... 27، 88، 89، 141 إنما الخير خير الآخرة ... ... 36 أن سعد بن أبي وقاص ذهب إلى العقيق فوجد عبداً يقطع ... 80 أن عمر رضي الله عنه أذن لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ... 15 إنك رجل قوي فلا ... …. 88 إن كنت تريد السنة فقصر في الخطبة وعجل في الصلاة ... 102 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم ... ... … 59 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر … 19، 139 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل دبر الصلاة ... ... … 26 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل عند المسجد بعد أن صلى … 26 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب الفدية على كعب ... … 58، 72 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل من باب بني شيبة ... … 83 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بالمدينة أربعاً والعصر.. ركعتين … 26 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف على بعير كلما أتى الحجر أشار ... 85 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها و ... … 82 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل العراق ... ... 16 إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات …. 76، 77، 78 أنه جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ... … 112، 128 أنه كان يسرع رمية حجر ... ... 111 أنه كان يشير إلى الحجر بشيء ويكبر ... … 86 أنه كان يقبل الحجر ويسجد عليه (ابن عباس) ... 86 أنهما يهلان بها من حيث أهلا ... 54 إني أحرم ما بين لابتيها ... … 81 إني لأعلم أن حجر لا تضر ولا ... . 85 إني لست كهيئتم، إنما صيد (عثمان بن عفان) … 48 أهريقي دماً ... … 53 أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - عند المسجد بعد أن صلى ... 26
أهل دبر الصلاة ... ... 26 أول شيء بدأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم مكة ... … 84، 91 أي بني لا ترموا حتى تطلع الشمس ... … 109 أي شيء فيها فعلت ... ... ... 61 أيما صبي حج ثم بلغ الحنث … وأيما عبد ... … 4، 7 أيها الناس، السكينة السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع … 106 بئس ما قلت ... … 141 بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين فإنما ... … 111 بسم الله والله أكبر ... … 86 بل للأبد ... ... … 29، 30 بمثل هؤلاء فارموا وإياكم ... ... 111، 113 بني الإسلام على خمس ... ... … 1 بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - … 36 تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان ... 140 تجرد لإهلاله واغتسل ... ... 25 تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو حلال ... 51 تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو محرم ... 50 تزوجني النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حلال (ميمونة) ... … 51 ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون ... 126 ثم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ... 117 ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ... 124 ثم انصرف إلى المنحر فنحر ... ... 116 ثم خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من باب الصفا ... … 96 ثم رجع إلى الركن فاستلمه ... … 96 ثم طاف بالبيت ثم حل له كل شيء … 126 ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس ... 102 ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه ... … 97 جعل في حمام الحرم (ابن عباس) ... … 75، 77 حتى إذا استوت به راحلته على البيداء ... … 35، 36 حتى أهل مكة من مكة ... ... … 18، 16، 17، 101، 139 حججنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعنا النساء والصبيان … 7 الحج عرفة فمن أدرك ... ... 103، 105، 146 حج عن أبيك واعتمر ... ... ... 2 حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ... … 13 حجي عنه ... ... 11 حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك … 16 حجي واشترطي وقولي: اللهم إن ... 27، 151 حل ... ... 117، 35 حلق بالحديبية في عمرته وأمر أصحابه بذلك … 148
خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ... 99 خرجنا مع رسول - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة لا نذكر إلا حجاً … 29 خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحال كفار قريش دون البيت ... 148 خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن بمنى ففتحت أسماعنا … 121 خطب الناس في وسط أيام التشريق ... 134 خطب الناس يوم النحر ... ... 121 خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ... … 48 خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت و ... 103 دخلت العمرة في الحج ... ... … 1، 3، 29 دخل مكة وعلى رأسه المغفر ... … 22 دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة من كداء و… 82 دعا أن تنقل حمى يثرب ... ... 17 ذهب إلى زمزم ... ... 101 رأيت أسامة بن زيد وبلال (أم الحصين) … 42 رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى.. 121 رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بك حفياً ... ... 86 ربنا آتنا في الدنيا حسنة و ... 86 رجعنا في الحجة مع النبي وبعضنا يقول رميت بسبع حصيات و ... 132 رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ... 130، 133 رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى … 127، 133 رفع القلم عن ثلاثة ... ... 4 رفع يديه ... … 100 ركب النبي - صلى الله عليه وسلم - في سعيه بين الصفا والمروة … 100 رمل النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحجر إلى الحجر ... … 87 رمى الجمرة يوم النحر ضحى ... ... 114 رميت بعدما أمسيت ... … 115 الزاد والراحلة ... ... ... 8 سئل عن الجماع قبل التحلل الأول (ابن عباس) … 52، 67 سئل عن الغسل للمحرم ... ... 58 سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر ... … 44 صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعاً والعصر.. ركعتين … 26 صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر … 102 الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد ... 64 صيد البر لكن حلال وأنتم حرم ما لم ... 48
ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين أقرنين … 152، 153، 160 ضحينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بجذع من الضأن ... 154 ضربت له قبة بنمرة ... … 42 طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطاف المسلمون فكانت سنة فلعمري … 142 طاف بين الصفا والمروة سبعاً ... … 98 طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعير كلما أتى الحجر أشار …. 85، 96 الطواف بالبيت صلاة فمن نطق ... … 91 طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يجزئك عن حجك وعمرتك … 141 طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ... .. 95 عليهن جهاد لا قتال فيه ... ... … 2 العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور … 140 عمرة في رمضان تعدل حجة ... … 140 فأتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء ... ... 106 فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت و ... 126، 124 فأرسلت الأتان ترتع ... ... … 78 فإن لك على بك ما استثنيت ... … 27 فأهللنا من الأبطح ... … 102 فأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد ... … 36 فحجي عنه ... ... . 11 فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - و ... 99 فحمد الله فلم يزل واقفا حتى أسفر جداً ... … 110 فرأيت أسامة بن زيد وبلال (أم الحصين) … 42 فرقي عليه ... ... 110 فرماها بسبع حصيات ... … 112 فصلى بمكة الظهر ... 127 فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا … 121 فقربنا النساء ولبسنا الثياب ... 124 فقطع التلبية مع آخر حصاة ... ... 114 فكلوا مما بقي من لحمه ... ... 47، 73 فلما أتى بطن محسر حرك قليلاً ... … 111 فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول ... 125 فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى ... 101 فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس ... 105 فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ... … 114 فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد ... 106 فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام ... . 64 في صلاة ... … 92
فيم الرملان اليوم والكشف عن ... ... 84، 88 القائمتان والوسادة والعارضة والمسد ... 80 قبل يوم التروية يوم ويوم التروية … 64 قد حللت من حجك وعمرتك ... ... ... … 1 قدمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة أغيلمة ... … 109 قضى ابن عباس في حمار الوحش و.. ببقرة … 75 قضى بذلك ... … 52 قضى عمر في الغزالة بعنز وفي … 75 قضى عمر وعثمان و.. في النعامة بدنة ... 75 قضى عمر في الضب بجدي ... … 75 قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن في الضبع كبشاً ... ... 74، 75 قطع التلبية مع آخر حصاة ... ... 37 قلم أظافره بعد التحلل ... ... … 121 قياماً ... … 159 كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية ... … 37 كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتمرون في أشهر (ابن المسيب) … 30 كان الرجل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته … 152، 154 كان الركبان ونحن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - … 56 كانت المتعة لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ... 29 كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي جمرة العقبة ضحى، وأما ... … 129 كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستلم الركن اليماني والحجر في كل طواف … 87 كان يذكر الله عند الجمرتين ويكبره ويهلله ... … 129 كانوا يرون الاعتمار في أشهر الحج من أفجر ... 28 كانوا يستحبون التلبية في أربعة مواضع ... 38 كانوا يصرخون بها ... ... 38 كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ... … 106 كان يقف عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة ... 129 كان يكبر مع كل حصاة ... ... 113، 114 كفى بالمرء إثماً أن يضيع ... ... … 10 كلا يا بني، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن للظعن ... … 108 كل أيام التشريق ذبح ... … 162، 163 كل عرفة موقف وارتفعوا ... 102 كل عمل ليس عليه أمرنا ... ... 98، 112، 130 كلوا وتصدقوا وتزودوا ... … 163 كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا ... ... 129
كنا نخرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فنضمِّد (عائشة) … 25 كنا نخمر وجوهنا ... … 56 كنا نسمن الأضحية بالمدينة ... 153 كنا نغطي وجوهنا … 56 كنت أطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل (عائشة) ... 24 كنت رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفة فرفع يديه ... … 103 كنت فيمن قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ضعفة أهله ... . 108 لأن أصوم ثلاثة أيام أو أتصدق على عشرة مساكين … 140 لا ... 140 لا أدري الذين يعتمرون من التنعيم أيؤجرون أم يعذبون؟ … 140 لا إلا أن تطوع ... ... 3 لا تحجن امرأة ... … 14 لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة … 154 لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... ... 138 لا حرج ... … 115 لا حصر إلا من عدو ... … 151 لا وأن تعتمر خير لك ... ... 3 لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة ... 112 لا يختلى خلاها ولا ينفر ... … 79، 80 لا يخلون رجل بامرأة ... … 14، 15 لا يدخل مكة أحد (ابن عباس) ... … 22 لا يقطع عضاها ولا ... ... 79 لا يقطع الوادي إلا شداً ... … 97 لا يلبس القميص ولا العمائم ... … 42، 43 لا ينكح المحرم ... … 50 لبيك إله الحق ... ... 36 لبيك حقاً حقاً تعبداً ... … 37 لبيك ذا الفواضل لبيك ذا المعارج ... … 36 لبيك عمرة في حجة ... ... 27 لبيك اللهم لبيك ... … 36 لبيك وسعديك والخير بيديك ... ... 36 لتأخذوا عني مناسككم ... ... 38، 86، 87، 88، 89، 91، 95، 98، 100، 104، 106، 107، 112، 123، 129، 130، 132، 142 لعلك نفست ... … 135 اللهم اجعله علماً نافعاً ورزقاً واسعاً … 127 اللهم ارحم المحلقين ... ... 117 اللهم اغفر وارحم فإنك أنت الأعز … 97 اللهم أنت السلام ومنك السلام ... … 83 اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء ... … 86 اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً و ... 83 اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك حملتني على ما سخرت علي … 137 اللهم هذا منك ولك ... … 160
لما أتى الموقف جعل بطن ناقته القصواء ... 103 لما فتح المصران (ابن عمر رضي الله عنه) ... 16 لم أر النبي - صلى الله عليه وسلم - يستلم من البيت ... … 85 لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا ... 65 لم يرمل النبي - صلى الله عليه وسلم - في السبع الذي أفاض فيه ... 87 لم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبي حتى رمى جمرة العقبة ... … 37 لم يطف النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً … 124، 125، 126 لو اعتمرت في السنة مرتين لجعلت (عمر بن الخطاب) … 30 لولا حدثان قومك بكفر لهدمت الكعبة ... .. 90 ليس على النساء حلق ... ... 118 ليس على النساء سعي ... ... 97 ماء زمزم لما شرب له ... … 126 ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل … 160 ما أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من عند المسجد ... ... .. 35 ما كنت أرى الوجع يبلغ بك ما أرى ... … 60 ما من ملبي يلبي إلا لبي ما عن يمينه وشماله ... 38 ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً ... … 103 المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت ... … 55 المدينة حرام ما بين عير إلى ثور ... … 79 المشعر الحرام المزدلفة كلها ... ... 110 معقولة اليسرى ... … 159 ممن أراد الحج والعمرة ... ... 22، 18 من أحب أن يهل بالحج ... ... … 28، 29، 35 من أراد أن يهل بالحج والعمرة فليفعل ... … 28، 29 من أراد الحج فليتعجل ... ... … 5 من أطاق الحج فلم يحج فسواء ... ... 1 من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى ... 22 من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك ... 22 من حج البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت ... 143 من حج فزار قبري بعد مماتي ... … 138 من ذبح قبل الصلاة فليعد ... … 161 من راح يوم الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة … 152 من السنة أن يغتسل عند إحرامه (ابن عمر) … 24 من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ... … 104، 105، 106 من ضحى قبل الصلاة فإنما هي شاة ... 161
من غربت عليه الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفرن حتى … 133 من قطع منه شيئاً فلمن أخذه سلبه ... ... 80 من كان ذبح قبل الصلاة فليعد ... … 161 من كان منكم ليس قد أهدى ... ... 117 من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج ... 5، 149، 151 من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين … 44 من ملك زاداً وراحلة فلم يحج ... ... 1 من نسي رمي الجمار إلى الليل فلا يرم حتى تزول الشمس … 115، 116، 131 من نسي شيئاً من نسكه أو تركه فليهرق دماً ... … 132، 136، 144 موجوءين ... ... 157 نحرت هاهنا ومنى كلها منحر ... ... 110 نحرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - البدنة عن سبعة والبقرة ... 154 نعم ... ... ... ... 11 نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك … 16 نعم، ولك أجر ... ... 7 نهى أن يضحى بأعضب القرن ... … 156 نهى أن يضحى ليلاً ... … 163 نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث … 162 نهى المرأة أن تحلق شعرها ... ... 118 هديك لسنة نبيك (عمر بن الخطاب رضي الله عنه) … 2 هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ... … 112، 128، 130 هكذا رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ... … 137 هكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ... ... … 58 هل غاب القمر؟ ... 108 هل منكم أحد أمره أو أشار إليه … 73، 47 هن لهن ولمن أتى عليهن ... … 18، 19، 139 هو من البيت ... .. 90 وأمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ... 124 وأن تحج وتعتمر ... ... 3 واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ... … 93 وحمده ... … 101 وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ... ... 18، 17، 19 وكبر ثلاثاً ... … 97 وكل ما سوى حمام الحرم ففيه ثمنه ... … 76 ولا تحجن امرأة إلا ومعها ... … 14 ولا تحنطوه ... … 45 ولا تغطوا وجهه ... ... … 43 ولا تقربوه طيباً ... ... 45 ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا ... . 56 ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأساً ... …. 58
ولم يطف النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحدا … 124، 125، 126 وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين ... 25، 26 ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ... 18، 16، 17 وهو مستقبل القبلة ثم يلبي ... 36 ويدخل المحرم الحمام ... … 58 وينظر في المرآة ... ….. … 59 يا أبا عمير ما النغير ... ... 81 أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنما ... … 139، 140 يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف ... 100 يحيي ويميت … 101 يسعك طوافك لحجك وعمرتك ... ... 34، 124 يعتمر وينحر بدنة ... ... … 53 يعتمر ويهدي ... …. 53 يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر ... ... 37
كتاب الجهاد
كتاب الجهاد * الجهاد: مصدر على زنة فِعال. وهو مصدر فاعل فِعالا، أي جاهد جهادا. وجاهد الذي مصدره جهاد هو المبالغة في قتال العدو، فيقال: جاهد فلان أي بالغ في قتال عدوه.فالجهاد مصدر جاهد من جهد أي بالغ في قتال عدوه. * وهو في الشرع: جهاد الكفار خاصة. فإذن: الجهاد لغة مصدر جاهد إذا جهد عدوه أي بالغ في قتاله. والجُهد بالضم والجَهد بالفتح قيل هما مترادفان وقيل بالفتح يعني المشقة، وبالضم يعني الوسع والطاقة وهو المشهور. فعلى ذلك الجهاد هو: بذل الوسع والطاقة في قتال أعداء الله من الكفار. * فضيلة الجهاد: وفضيلة الجهاد متواترة في كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لا أرى داعيا لذكرها لشهرتها وتواترها في الكتاب والسنة. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وهو فرض على الكفاية] . فالجهاد فرض كفاية. فيجب على الأمة الإسلامية أن تجاهد في سبيل الله فإن قام منها طائفة به على وجه يكفي سقط الإثم عن الباقين. فإن لم تقم طائفة منهم بذلك أو قامت طائفة على وجه لا يكفي فإن الإثم يعمهم. فإذا قامت طائفة بالجهاد في سبيل الله بالنفس والمال هجوما على الكفار ودفاعا عن البلاد الإسلامية فكانت كلمة الله هي العليا وفرض دين الله على العباد سقط الإثم على الباقين. وإلا فإن الأمة كلها آثمة إن فرّطت في هذا. وهذا حيث كانت القدرة. * أما مع العجز بأن كان المسلمون ضعفاء فلا عدد ولا عدة يمكنهم أن يجابهوا بها الكفار فإن الواجبات تسقط مع العجز كما قال الله تعالى: [لا يكلف الله نفسا إلا وسعها] ولكن لاشك أن الأمة إذا فرّطت في الاستعداد وفي التطور المادي وغير ذلك مما يحتاج إليه في مجابهة أعدائها فإذا فرطت في تعاطي الأسباب حتى كانت أمة ضعيفة فلا شك أنها تكون آثمة حينئذٍ. إذن الجهاد فرض كفاية. وعليه فلا يجب على كل مسلم أن يجاهد في سبيل الله بل إذا
قامت طائفة من الأمة بالجهاد في سبيل الله سواء كان ذلك على وجه التبرع منها (1) أو كانوا جندا لهم رَزق من بيت المال فإن الإثم يسقط عن الأمة حيث قامت الكفاية. ضابط الكفاية: والكفاية كما تقدم؛ بأن يترتب على هذا الجهاد ظهور الدين وإعلاء كلمة الله تعالى في الأرض. أدلة وجوب الجهاد: والأدلة كثيرة في كتاب الله على فرضية الجهاد ومن ذلك: 1 ـ قوله تعالى: [كتب عليكم القتال وهو كره لكم] 2 ـ وقوله تعالى: [انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله] فهذه أدلة على فرضية الجهاد. الأدلة على أنه على الكفاية لا العين: وإنما قلت: هو فرض على الكفاية لا فرض عين لأدلة دلت على ذلك: 1 ـ منها قوله تعالى: [لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى] أي وعد المجاهد والقاعد. 2ـ ولقوله تعالى: [وما كان المؤمنون لينفروا كافة] . 3 ـ وعليه عمل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: فإنه كان يبعث السرايا مع مكثه في المدينة وسائر أصحابه ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ. فهذا يدل على: أن الجهاد فرض كفاية وهو مذهب عامة العلماء. شبهة وجوابها: فإن قيل: فما الجواب عن قوله تعالى: [إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم] ؟ فإن هذا يدل على أن من ترك الجهاد فإنه يعذب عذابا أليما، وهذا يدل على أنه فرض عين. الجواب من وجهين:
الأول: أن يقال: إن ذلك حيث استُنفر الإنسان، وقد استنفر في هذه الآية: [يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض] .. إلى قوله تعالى: [إلا تنفروا يعذبكم] فقد ثبت الاستنفار وحيث ثبت الاستنفار فإن القتال يجب علينا. وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} وإذا استنفرتم فانفروا { (1) . الوجه الثاني: أن هذه الآية منسوخة فقد ثبت في سنن أبي داود عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ: [إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا] [وَمَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ] إِلَى قَوْلِهِ [يعْمَلُونَ] نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي تَلِيهَا: [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفرُوا كَافَّةً] (2) . * شروط وجوب الجهاد: ... ... واعلم أن الجهاد لا يجب إلا بسبعة شروط: الشرط الأول: الإسلام. وهو ظاهر. الشرط الثاني: العقل. وهو ظاهر أيضا. الشرط الثالث: البلوغ. ودليله: حديث عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ:} رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ { (3) .
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ: (عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي) (1) . الشرط الرابع: الذكورية. أي أن يكون ذكرا، فلا يجب الجهاد على الأنثى. ودليل ذلك: ماثبت في البخاري عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: (اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ:} جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ {) (2) وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه ـ بإسناد صحيح ـ عنها قالت: (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ:} نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ {) (3) الشرط الخامس: الحرية. الخلاف في هذا الشرط: العلماء في اشتراط الحرية لوجوب الجهاد على قولين: القول الأول: أنه لا يجب على العبد، هذا هو المشهور في المذهب كما ذكر ذلك الموفق ابن قدامة في كتابة المغني وغيره. القول الثاني:
وجوبه على العبد. وهو القول الثاني في المذهب. وهو الراجح لعمومات الأدلة الشرعية الدالة على ذلك.وحيث لا دليل يخصص العبد منها. نعم. يشترط في الجهاد التطوعي أن يستأذن سيده مراعاة لحق السيد. * أما الجهاد العيني فلا دليل يدل على إخراجه من العمومات الدالة على الوجوب على العبد والحر ولا دليل لدى القائلين باستثناء العبد فيصار إليه. وعلى ذلك: فلا نشترط الحرية في فرض العين. أما الجهاد التطوعي فليس للعبد أن يجاهد إلا أن يستأذن سيده لحق السيد عليه. الشرط السادس: السلامة من الضرر. فالأعمى والأعرج والمريض لا يجب عليهم الجهاد في سبيل الله وإن تعين على غيرهم لقوله تعالى: [ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج] والمراد بالعرج: العرج الفاحش، الذي يؤثر عليه في جهاده في ركوبه وغير ذلك. أما مطلق العرج فلا. ومثل ذلك المرض، فالمرض الذي يؤثر عليه ويشق عليه معه الجهاد في سبيل الله. وأما مطلق المرض فلا. وعلى ذلك: إن كان مستطيعا ببدنه فيجب عليه الجهاد، وإلا فلا. فالأعمى والأعرج شديد العرج والمريض شديد المرض لا يستطيعون بأبدانهم الجهاد في سبيل الله. فالشرط السادس هو السلامة من الضرر، وبتعبير آخر: (أن يكون مستطيعا ببدنه الجهاد في سبيل الله) . الشرط السابع: وجود النفقة. أي أن يكون لديه ما ينفقه على نفسه في آلات الحرب وفي زاده، هذا إذا لم تكن هناك نفقة من بيت مال المسلمين. فإن كانت هناك نفقة من بيت المال فيجب عليه أن يجاهد منها. فإن لم يكن هناك نفقة فلا يتعين عليه الجهاد لقوله تعالى: [ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون] في الجهاد [حرج إذا نصحوا لله ورسوله] . إذن الجهاد يشترط في وجوبه: وجود النفقة أي: القدرة أو الاستطاعة المالية. فإن كان معه نفقة تكفيه في جهاده وتفضل عمن يعول وجب عليه الجهاد فعلا.
وعليه: فإن كان معه نفقة لكنها لا تفضل عمن يعول بحيث أنه يضر بأهله فإن الجهاد ـ حينئذٍ ـ لا يجب عليه. *ـ وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ أن العاجز ببدنه عن الجهاد والقادر بماله يجب عليه أن يجاهد بماله. الدليل: ويدل على ذلك قوله تعالى: [جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله] فأمر سبحانه وتعالى بالجهاد بالمال. * وعليه: فيجب على النساء أن يجاهدن بأموالهنّ. * وعليه أيضا: إن احتيج إلى مال الصبي للجهاد في سبيل الله فإنه يؤخذ منه أيضا. فهذا من الجهاد المالي. فإذا احتاج المسلمون إلى أموال الصغار وأموال النساء فإنه يتعين إخراج حاجة المسلمين من أموالهم. ـ وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ أيضا: أنه إذا تعين الجهاد بالمال واحتاج المسلمون إلى المال في الجهاد فإن دفعه إلى القائم على الجهاد مقدم على وفاء الدين. قال: لأنه أولى من النفقة حينئذٍ. ومعلوم أن النفقة الواجبة عليه على ولده وزوجه وغير ذلك مقدمة على وفاء الدين، فهنا أولى من ذلك. ثم إنها ـ حينئذٍ ـ أي إذا احتاج المسلمون إلى المال إنه يعتبر نفقة واجبة مقدمة على وفاء الدين. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وَيَجِبُ إذَا حَضَرَهُ] . أي إذا حضر القتال أي الصف؛ فالمسلمون والكفار صافون للجهاد فقد تعين عليه الجهاد وإن كان في الأصل مستحبا له، لكن إذا حضر الصف فإن الجهاد يكون فرض عين في حقه. الأدلة: 1 ـ لقوله تعالى: [يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا] . 2 ـ وقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره إلا تحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير] * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [أوْ حَصَرَ بَلَدَهُ عَدُوٌّ] .
وهي في الأصل في المقنع (أو حضر) بالضد وضبطها بعض الحنابلة (أو حصر) بالصاد. أي إذا حصر بلده عدو أو حضر بلده عدو. فعلى (حضر) بالضاد يتعين القتال على أهل البلدة وإن لم يحصرهم العدو أي بمجرد ما يحضر العدو لقتال هذه البلدة يتعين على أهلها القتال. وعلى (حصر) أي إذا حصل من الكفار الحصار فأحاطوا ببلدة المسلمين فيجب عندئذ على من فيها أن يقاتلوا في سبيل الله. لذا فالتعبير بلفظة (حضر) بالضاد ـ كما هو المشهور ـ أولى، وذلك لتعليق الحكم بمجرد حضور العدو سواء حصر أم لم يحصر. فبمجرد ما يحضر العدو لقتال المسلمين فإن الجهاد يكون فرض عين على من فيها من المسلمين. فهذه هي الحالة الثانية التي يكون الجهاد فيها فرض عين. وهي أن يحضر العدو بلدا من بلاد المسلمين فيجب على أهل هذه البلد أن يقاتلوا في سبيل الله. أما غيرهم من البلدان فلا يجب عليهم الجهاد وذلك إلا أن لا تقوم الكفاية بقتال أهل تلك البلدة. فإذا احتاج أهل هذه البلدة إلى إخوانهم في البلاد البعيدة فجب على أهل البلاد البعيدة أن يعينوا إخوانهم بمن تقوم بهم الكفاية. ـ ومثل ذلك من احتيج إليه فإن الجهاد يتعين عليه، كمن يُحتاج إليه في معرفة بعض الطرق في تلك البلدان أو يحتاج إليه في القيادة أو نحو ذلك فإن الجهاد حينئذٍ يكون فرض عين عليه لأن الكفاية لا تقوم إلا بحضوره. والدليل: على أن الجهاد فرض عين فيما إذا حضر بلده عدو، أنه لا تحفظ الأديان والأعراض إلا بذلك فيتعين عليهم الجهاد. لأنهم إن لم يقوموا به على هذه الصفة فإن الأموال والأنفس والأعراض التي هي الضرورات لكلها تكون معرضة لأيدي العدو. ولكن ظاهر كلامهم أنه عين على أهل البلد عامة لا على كل شخص من أهل البلد فإنهم يقولون: تَعَيّنّ على أهل البلد. والظاهر أنه لا يجب على كل شخص منهم.
فهو إذن عيني نسبي أي عيني بالنسبة إلى أهل البلدان التي حضرها العدو، فهو متعين على أهل البلدة عن سائر البلدان وأما على كل شخص فإنهم لم يصرحوا بهذا. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [أو استنفر الإمامُ] . فإذا استنفر الإمام فإن الجهاد يتعين على من استنفرهم الإمام. الأدلة: 1 ـ وذلك لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ:} لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا { (1) فيتعين عليكم أي إذا طُلب منكم النفر فعليكم أن تنفروا وليس لكم أن تتخلفوا. 2 ـ وقد تقدمت الآية الكريمة والكلام عليها [يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم: (انفروا في سيبل الله) اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا] فإذا استنفر الإمام طائفة أو خصص شخصا بعينه فإنه يتعين عليهم ذلك. 3 ـ ولأن طاعة الإمام واجبة في مثل ذلك وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ {. (2) ـ ذكر المؤلف ثلاثة أحوال يتعين فيها الجهاد.وبقيت حالة: 4 ـ وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ حالة رابعة: وهي إذا كان من الجند الذين جعل لهم الإمام أرزاقا على أن يجاهدوا في سبيل الله من الشُّرَط وغيرهم. الدليل:
فهؤلاء يتعين عليهم الجهاد لما بينهم وبين الإمام من عقد على ذلك.وقد قال تعالى: [يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود] . فالطائفة التي قد جعل لها الإمام أرزاقا على الجهاد في سبيل الله يتعين عليهم الجهاد حيث كان ذلك في العقد. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وتمام الرباط أربعون يوما] . الرباط: هو الإقامة بالثغور لجهاد الكفار. والثغور: هي الحدود التي تكون بين المسلمين والكفار. والمقصود بها الحدود بين بلدة إسلامية وبلدة كافرة محاربة. أي الأماكن والمواضع التي يخيف المسلمون الكفار فيها ويخيف الكفارُ المسلمين فيها.فهذه هي الثغور. ـ وسمي رباطا لأن الخيل تربط فيه استعدادا للقتال في سبل الله. ـ وأفضل الرباط ما يكون في ثغر هو أشد من غيره خوفا أي احتمال ورود الكفار إلى المسلمين منه أقوى، فهو مخوف أكثر من غيره، ولذلك أي لشدة الحاجة إلى الإقامة فيه فهو أفضل الرباط. فأفضل المواضع التي يرابط فيها ما كان الخوف فيه أشد للحاجة إلى لزومه. * فضل الرباط في سبيل الله: وقد وردت أحاديث نبوية تدل على فضيلة الرباط في سبيل الله. من ذلك: ـ ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:} رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ { (1) أي فتنة القبر وهي سؤال منكر ونكير.فالرباط في سبيل الله من أفضل الأعمال. * وقد ذكر المؤلف هنا أن تمام الرباط أربعون يوما. فهذا تمامه. لكنه يثبت الرباط بالقليل والكثير فلو أقام ساعة إنه يثبت له رباط ساعة ولكن تمامه أربعون يوما.
لما روى الطبراني في الكبير عن أبي هريرة (1) ـ رضي الله عنه ـ مرفوعا:} إن تمام الرباط أربعون يوما {لكن إسناده ضعيف. وإنما يثبت موقوفا على أبي هريرة كما روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه (2) . وعلى ذلك فالمستحب له أن يرابط أربعين يوما لثبوت ذلك عن أبي هريرة وليس ذلك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالحديث ـ كما تقدم ـ ضعيف، لكن هذا لا مجال للرأي فيه وما كان كذلك من أقوال الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ فإن له حكم الرفع، ولذا استحبه الإمام أحمد وغيره.
ـ ولا يستحب لمن رابط أن يحمل نساءه وذريته في المواضع المخوفة لئلا يظفر العدو بذلك الثغر فيستولي على من فيه من نساء المسلمين وذراريهم. فهو موضع مخوف يحتمل في كل وقت أن يظفر فيه العدو. بل إن القول بالتحريم يقوى في تلك المواضع. فلا ينبغي للمسلمين أن يحملوا نساءهم وذراريهم إلى تلك الموضع المخوفة. ويستثنى من ذلك أهل الثغر، أي أهل تلك البلدة فإنه لا قرار لحياتهم إلا بذلك. فهم أهل الثغر وسكانه. أما من يأتي إليهم من المرابطين في سبيل الله فليس لهم أن يحملوا نساءهم وذراريهم. * الحراسة في سبيل الله: ومن الأعمال الفاضلة: الحراسة في سبيل الله. 1 ـ وقد روى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَقُولُ:} عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ { (1) 2 ـ وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنس بن أبي مرثد الغنوي ـ رضي الله عنه ـ وقد بات يحرسهم ليلة:} أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعد ذلك { (2) واعلم أن الجهاد في سبيل الله ـ المشهور من مذهب الإمام أحمد ـ أنه أفضل الأعمال، فهو أفضل من سائر النوافل. الدليل: 1 ـ ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل له: (أي الناس أفضل؟) فقال:} مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ { (3) ولاشك أن تفضيل المتصف بهذه الصفة وجعله أفضل من غيره يدل على أن هذه الصفة أفضل من غيرها من الصفات.
2 ـ وقد ثبت في البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ:} إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ {قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:} الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ {قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:} حَجٌّ مَبْرُورٌ { (1) القول الثاني: وعن الإمام أحمد رواية أخرى: أن تعلّم العلم وتعليمه أفضل من الجهاد في سبيل الله والظاهر أن العلم تعلما وتعليما نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله (2) وأن تفضيل أحد النوعين على الآخر راجع إلى المصلحة العامة. فإذا كان الاشتغال بالعلم أصلح للأمة من الاشتغال بالجهاد ـ كما في هذه الأزمان ـ فإن العلم أفضل. وأما إن كانت الأمة محتاجة إلى الجهاد في سبيل الله وإلى المجاهدين فإن الاشتغال بالجهاد في سبيل الله أفضل من العلم. فهما نوعان من جنس واحد. وكوننا نفضل أحدهما على الآخر على الإطلاق فيه نظر، بل هما في درجة واحدة لكن إن اقتضت المصلحة العامة أحدهما فهو أفضل. القول الثالث: وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: استيعاب العشر الأوائل من ذي الحجة بالصلاة ليلا ونهارا أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا أن يذهب بنفسه وماله ثم لا يرجع من ذلك بشيء.
وهو كما قال وهذا استثناء دلت عليه الأدلة الشرعية فقد ثبت في البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:} مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ {قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ. قَالَ:} وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ { (1) ولذا قيد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ هذا التفضيل بقوله: (إلا ما يذهب فيه النفس والمال) فالجهاد الذي يذهب فيه النفس والمال أفضل من الجهاد في عشر ذي الحجة.إذن استيعاب عشر ذي الحجة بالعمل الصالح من العبادة والصيام والقيام أفضل من الجهاد في سبيل الله الذي لم تذهب فيه النفس والمال ورأى شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ أن الجهاد تعدله أشكال العبادة ليلا ونهارا فمن اجتهد ليلا ونهارا صياما وقياما في غير عشر ذي الحجة فإن عمله يعدله الجهاد في سبيل الله. الدليل:
فقد ثبت في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: (مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟) قَالَ:} لَا تَسْتَطِيعُونَهُ {قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا تَسْتَطِيعُونَهُ وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ:} مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى { (1) فمن كان هذا نصيبه من العبادة لا يفتر من الصيام والقيام قائم قانت بآيات الله قد أسهر ليله في العبادة وأظمأ نهاره بالصيام فإن عمله يعدل عمل المجاهد في سبيل الله. إذن: فاستيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلا ونهار أفضل من الجهاد في سبيل الله الذي لم تذهب فيه النفس والمال بنص حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. واستيعاب سائر السنة بالعبادة يعدل الجهاد في سبيل الله، فإذا كان اثنان أحدهما جاهد شهرا والآخر قد استوعب هذا الشهر بالصيام والقيام فإن عملهما يتعادل بنص حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعا إلا بإذنهما] . إذا كان أبواه: أي والديه مباشرة، الأب المباشر والأم المباشرة. وقوله (مسلمين) قيد يخرج ما إذا كانا كافرين. وقوله (تطوعا) قيد آخر يخرج ما إذا كان الجهاد فرضا. وهي مسألة اتفق العلماء عليها، وأن الجهاد التطوعي لا على المسلم إلا أن يستأذن والديه المسلمين. الدليل:
ودليل ذلك ما ثبت الصحيحين: من حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ:} أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ {قَالَ: نَعَمْ قَالَ:} فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ { (1) فيحب باتفاق أهل العلم استئذان الوالدين المسلمين في الجهاد التطوعي. وأما جهاد الفرض فإن الوالدين لا يستأذنان فيه لأنه فرض فتركه معصية ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. * فرع: فإن كان والداه كافرين لم يستأذنهما كما هو ظاهر كلام المؤلف وهو المشهور في مذهب الحنابلة وغيرهم. قالوا: وعليه عمل الصحابة فإنهم كانوا يجاهدون بغير إذن آبائهم الكفار كأبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وغيره. وقالوا: يستبعد أن يأمر الشارعُ المسلمَ باستئذان الكافر في جهاد أهل ملته أو غيرهم من ملل الكفر مع أنه عدو لله ورسوله. فلا يمكن والحالة هذه أن يستأذن المسلم والده وهو كافر عدو لله ورسوله في الجهاد في سبيل الله. القول الثاني: وقال الثوري: بل يستأذن الوالد الكافر في الجهاد في سبيل الله. أدلته: واستدل بعمومات النصوص كقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} أحي والداك؟ {قال: (نعم) قال:} ففيهما فجاهد {. وجه الاستدلال: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يسأله عن والديه أهما كافران أم مسلمان مع أن ذلك في الآباء كثير في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ـ كما هو مقرر في أصول الفقه. قال: وعلى ذلك يستأذن الوالد وإن كان كافرا. الترجيح: والذي يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن المسألة فيها تفصيل:
وهو أنه إن كان الوالد له ضرورة أو حاجة إلى ولده بحيث يحتاج إليه للقيام بحقه والنظر في شؤونه فإنه لا فرق بين أن يكون الوالد كافرا أو مسلما إلا أنه يستثنى من ذلك أن يكون الوالد محاربا. فإن كان ليس بمحارب كالذمي الذي يعيش في البلاد الإسلامية أو يعيش في بلدة بيننا وبينها أمان لا حرب وكان له حاجة إلى ولده ومضطرا إليه أو محتاجا إليه حاجة تامة وظاهرة فالذي يظهر ـ والله أعلم ـ ما ذهب إليه الثوري من وجوب الاستئذان وذلك لعموم الحديث المتقدم.فإن هذا الحديث يحمل على حاجة الوالدين بدليل قوله:} ففيهما فجاهد {أي فيهما فابذل طاقتك ووسعك، فدل هذا على أنهما محتاجان إلى طاقته ووسعه، والشريعة تأتي ببر الوالدين مطلقا سواء كانا مسلمين أم كافرين كما قال تعالى: [وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا] فالذي يظهر ـ والله أعلم ـ أنه إن كان الوالدان يحتاجان إلى مجاهدة الولد فيهما والقيام بحقوقهما فإنهما يستأمران في ذلك، هذا إذا كانا معصومي الدم، وأما إن كانا حربيين فلا لأن دمهما هدر فما كان فيه حفظ لأبدانهما غير مراعى شرعا. * فرع: في حكم استئذان الوالدين إن كان رقيقين: ... ... … ـ واعلم أن المشهور في المذهب أن الوالدين الرقيقين لا يستأذنان. قالوا: لأنهما لا ولاية لهما، فإن الولاية تنتقل بالرق. القول الآخر: والوجه الثاني في المذهب هو وجوب استئذانهما وإن كانا رقيقين وهذا هو الظاهر. الأدلة عليه: 1 ـ لعمومات النصوص في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} أحي والداك؟ {قال: (نعم) قال:} ففيهما فجاهد {والحديث عام في الأحرار والعبيد. 2 ـ ولأن المقصود من ذلك مراعاة حق الوالد 3 ـ ولئلا يقع في نفسه شيء من الحسرة بفوات نفس ولده أو تعرضه للقتل وهذا ثابت في الرقيق كما هو في الأحرار.
ولأن الولاية لا أثر لها هنا، فإن الابن القائم بنفسه وهو ولي نفسه فيستأذن والده مع أنه لا ولاية للوالد عليه فالابن البالغ الرشيد القائم بشؤون نفسه لا ولاية لوليه عليه وإن كان والده حرا ومع ذلك فإنه يستأذنه. فانتفاء الولاية لا تعلق له بالحكم هنا ولا أثر لها. إذن لا أثر للولاية بدليل أن الأب الحر لا ولاية له على أبنائه البالغين الراشدين، فكون الأب رقيقا لا ولاية له على أولاده هذا ليس بمؤثر في هذه المسألة بل المؤثر كونه والدا، وفي قلبه من الرأفة والرحمة ما يجعل الشارع يراعي ذلك حيث كان الجهاد تطوعيا يمكن أن يُستغنى عن الولد فيه. * فرع: … في استئذان الجد والجدة: ... ... ... ... ... ... ... ... واعلم أن المشهور في المذهب: أن الجد والجدة لا يستأذنان وهذا ظاهر. وذلك لأن الأصل هو تصرف الولد في نفسه فله أن يجاهد من غير أن يرتبط بإذن أحد من الناس هذا هو الأصل وإنما استثنى الوالدان لما لهما من الحق الكبير العظيم. ولما يقع في قلوبهما من الحسرة ونحو ذلك حيث تعرض الولد لأذى أو قتل وهذا لا يساويه ما يقع في قلب الجد أو الجدة ولا قياس مع الفارق. ـ واحتمل صاحب الفروع وجها آخر وهو: أن أب الأب يستأذن. الترجيح: والراجح ما تقدم وأن الجد مطلقا سواء كان أب للأم أم للأب فإنهما لا يستأذنان. وكذا الجدة لأم أو لأب لا يستأذنان. وذلك لأن الأصل هو تصرف الشخص في نفسه من غير أن يرجع في ذلك إلى إذن أحد. ولا يصح إلحاقهما بالوالدين للفارق. * فرع: … في جهاد المدين: ـ قال أهل العلم: ومثل ذلك من عليه دين ولا وفاء له فإنه ليس له أن يجاهد الجهاد التطوعي إلا بإذن غريمه. الدليل: قالوا: لأن الجهاد ذريعة إلى الشهادة، والشهادة تفوت بها النفس، وحيث فاتت النفس فات حق الغريم، فليس له أن يقاتل ويجاهد وعليه دين إلا أن يستأذن غريمه. الاستثناءات:
1 ـ ويستثنى من ذلك ما إذا كان الجهاد فرضا فإنه إذا كان كذلك فلا يعارض بوفاء دين ولاغيره. 2ـ ويستثنى أيضا: إذا كان له وفاء كأن يترك دورا أو عقارا تقابل الدين الذي عليه بحيث إذا استشهد قضي عنه دينه منها. فإذا كان له وفاء فله أن يجاهد الجهاد التطوعي من غير أن يستأذن الدائن. 3 ـ قالوا: كذلك إذا أقام كفيلا أي غارما فإنه يجوز له أن يجاهد من غير استئذان الدائن لكنه يستأذن كفيله الغارم. 4 ـ وكذلك يجوز له ألا يستأذن غريمه إذا وثّق دينه برهن. فإذا كان الدين موثقا برهن فإن له أن يقاتل من غير استئذان. إذن: لا يحل لمسلم أن يجاهد جهادا تطوعيا وعليه دين لا وفاء له مالم يقم كفيلا أو يوثّق دينه برهن أو يكون له وفاء وذلك لئلا يفوت حق الغير. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويتفقد الإمام جيشه عند المسير] . يجب على الإمام أن يتفقد الجيش، أو نائبه، أو يوكّل ثقة ذا خبرة بالجيش فيتفقده، فينظر فيه عددا وعُدة وينظر في حمله وسلاحه ورجاله، فيتفقد الجيش واستعداده وتهيؤه للقتال في سبيل الله. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويمنع المخذل والمرجف] . المخذّل: هو المثبط عن الجهاد في سبيل الله المزهد فيه، فيمنعه الإمام. والمرجف: هو المهوّل قوة العدو والمضعّف قوة المسلمين، الذي يُلقي في قلوب المسلمين الضعف والوهن. فهذا يجب على الإمام منعه من القتال في سبيل الله. وهكذا كل من لا يصلح للقتال. كأن يشهد القتال صبي ضعيف البدن. أو أن يشهده رجل هرم يخشى أن يلقي بنفسه إلى التهلكة أو نحو ذلك. فينظر الإمام في الجيش فيمنع من لا يصلح لشهوده المعركة من مخذل ومرجف أو غيرهمأ.
ـ ويوصي الإمام أميره بتقوى الله في نفسه ويوصيه بالمسلمين خيرا بأن يرفق بهم ولا يلقي بهم في التهلكة ويحثه على الإخلاص واتباع السنة في القتال في سبيل الله والاستعانة بالله عز وجل فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث بريدة ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ:} اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا. وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ.. { (1) الحديث وهو طويل. ويعين الإمام القواد ويعين الألوية هذا واجب على الإمام بنفسه أو نائبه أو أن يوكل ثقة من أهل الخبرة بقوم بذلك. ـ ويستحب أن تكون الغزوة يوم الخميس لما ثبت في البخاري من حديث كعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ (2) .
ـ ويستحب أن يكون لقاء العدو في بكرة النهار أي في أول النهار فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما عند الخمسة (1) بإسناد صحيح من حديث صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا {قَالَ: (وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ) (2) . فإن فاته ذلك فحتى تزول الشمس وتهبّ الرياح فقد ثبت في المسند وعند الثلاثة بإسناد صحيح عن النعمان بن مقرِّن ـ رضي الله عنه ـ قال: (شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ) (3)
أي هو مظنة لنزول النصر حيث نزل النصر عند هبوب الريح يوم الأحزاب. ـ ويستحب للإمام أن يورّي في غزوة بغيرها. فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان قلما يريد غزوة إلا ورّى بغيرها (1) .فإذا أراد الشمال سأل عن الجنوب وطرقها وأوديتها وآبارها وغير ذلك وهو يريد الشمال ليكون قتاله لعدوه في الشمال على حين غرة منه من غير أن يكون عن استعداد لأن العدو يكون له عيون في البلد وقد يُخرج الخبرَ المسلم الغِرّ فكانت التورية فيها مصلحة ظاهرة. قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وله أن ينفل في بدايته الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعده] . النفل: هو الزيادة على سهم القسمة. فالمقاتل في سبيل الله له نصيب من القسمة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهنا للإمام أن يعطي زيادة على القسمة المقررة للمقاتل، فله أن ينفل بالربع بعد الخمس وله أن ينفل الثلث بعد الخمس. بيان هذا: إذا غزا الجيش في سبيل الله فتقدمت سرايا من سرايا المسلمين فأصابت غنيمة، فإذا أخرج الخمس أعطيت هذه السرية الربع زيادة على سهمها الأصلي في القسمة ثم يكون لها سهمها في القسمة،هذا في البدء.
وأما في الرجعة فله أن ينفل السرية الثلث بعد الخمس، بمعنى إذا قفل الجيش راجعا من القتال فذهبت سرية تقاتل بأمر الإمام فأصابت غنيمة فإنه يخرج أولا من هذه الغنيمة الخمس ثم يعطي هذه السرية ثلث الباقي زيادة على سهمها الأصلي من الغنيمة. واختلفت العطيتان لاختلاف الداعي فيهما إلى الإعطاء لأن هذه السرية في البدء والجيش وراءها فهو ظهر لها، وأما في الرجعة فإن الجيش راجع إلى البلاد الإسلامية وهم قد أوغلوا في بلاد الكفار ولاظهر لهم فكان للإمام أن يعطي أكثر مما يعطيهم في البدء.ولأن الرجعة يقع فيها من الكسل ما لايقع في البدء فإنهم في الرجعة يكونون في شوق إلى بلدانهم وأهليهم فيكون في ذلك مشقة أكثر من المشقة التي تكون عليهم في البدء فلذا كان للإمام أن يعطيهم الثلث وليس هذا واجبا لها وهو للإمام. الدليل: ودليل هذا ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح في حديث حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ يَقُولُ: (شَهِدْتُ النَّبِيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ (1) وفي رواية بعد الخمس (2) . فيجوز للإمام أن ينفل السرية في البدأة الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعد الخمس. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويلزم الجيش طاعته والصبر معه] . يلزم الجيش طاعة قائد الجيش أو أميره. الأدلة على لزوم طاعة أمير الجيش: 1 ـ قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ألأمر منكم] .
2 ـ وفي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَالَ:} مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي { (1) . 3 ـ وقد أجمع سلف الأمة كما ذكر ذلك ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية على وجوب طاعة أمير الجيش في مواضع الاجتهاد وأن الرأي يترك لرأيه، وبيّن رحمه الله أن مصلحة الائتلاف والجماعة ومفسدة الاختلاف والفرقة أعظم من مسائل جزئية فلا شك أن المصلحة العامة الحاصلة بالجماعة والائتلاف والمفسدة الناتجة عن الفرقة والاختلاف لا تقابل بمسألة جزئية يقع الاجتهاد فيها. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [والصبر معه] . قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا] فيجب على من معه من المسلمين أن يصبروا معه وألا يخذلوه فإن في ذلك إضعافا للمسلمين وكسرا لهم كما أن فيه قوة للكفار وإظهارا لهم. * مسألة: التجنيد السنوي: واعلم أن المشهور عند الحنابلة والشافعية ـ وهي من المسائل التي محلها الدرس الأول لكن نذكرها هنا لوجود شيء من المناسبة بينها وبين هذه المسألة ـ أن الإمام الأعظم يجب عليه أن يجند المسلمين للجهاد في كل عام مرة. دليلهم: فقد تقدم أن الجهاد فرض كفاية. قالوا: فيجب في كل سنة مرة. قالوا: لأن الجزية تجب في كل سنة مرة، وهي بدل عن القتال فكان القتال واجبا في كل سنة مرة. المناقشة: ولايخفى بعد هذا النظر وعدم الارتباط بين هاتين المسألتين. واختاره في المقنع.
فالأظهر: أن الجهاد في سبيل الله يجب بقدر ما تقع به المصلحة للمسلمين وبقدر ما يحصل به للمسلمين من العلو والظهور ولدينه من العلو والظهور ولدينه أيضا من الحجة والبيان فيجب الجهاد بقدر حصول ذلك. ولا شك أن هذا يختلف من زمان إلى زمان. فإذا ابتدأت الأمة الإسلامية حياتها من جديد فلا شك أنها تحتاج إلى جهاد طويل متكرر في السنة مرات حتى تستعيد مجدها وظهورها في الأرض. بخلاف ما إذا كان لها سلطان ظاهر وقوة ظاهرة في الأرض فإنها قد لا تحتاج إلى الجهاد في السنة بل ربما مضت السنة والسنتان والثلاث من غير أن يحتاجوا إلى قتال وجهاد عام. فالمقصود من ذلك أن فرض الكفاية يجب بقدر الحاجة وبقدر ما يحصل به المقصود ومن ذلك الجهاد في سبيل الله. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا يجوز الغزو إلا بإذنه] . لا يجوز للمسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله وأن يقاتلوا الكفار إلا بإذن الإمام. الدليل: وذلك لأن هذه المهمة موكولة إليه ففعلها دون إذنه افتيات عليه فهي مهمته وهو موكول بها فإن قام بها أجر وإن ترك أثم. أما أن يقوم طائفة من الأمة بالجهاد بغير إذنه فإن ذلك غير جائز لما فيه من الافتيات عليه. ولأن ذلك ذريعة إلى شق عصا الطاعة فقد يدّعي طائفة من الطوائف بأنها قد اجتمعت للقتال في سبيل الله وتعدّ لذلك العدة والعدد فتكون في الظاهر مقاتلة في سبيل الله وهي في الباطن خارجة عن طاعة الإمام شاقة لعصا الطاعة فلهذا وذاك لا يجوز أن تقاتل طائفة إلا بإذن الإمام.
واستثنى المؤلف ما إذا فجأ المسلمين عدو فحينئذ لايجب عليهم أن يستأذنوا الإمام وذلك لتعذر استئذانه حينئذ، ولو تمكن من الاستئذان فإنه تمكنهم يكون بعد فوات المقصود أو كثير منه فلذا إن فاجأهم عدو فلهم أن يقاتلوا من غير أن يستأذنوا السلطان وذلك لتعذر استئذانه في الغالب ولأنهم لو تمكنوا منه فالغالب أن يكون تمكنا بعد فوات المقصود وربما كان هذا بعد استيلاء الكفار على البلاد الإسلامية. * لذا قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [إلا أن يفجأهم عدو يخافون كلبه (1) ] . وهنا مسائل: * المسألة الأولى: في جواز تبييت الكفار وتبييت الكفار: بأن يغير المسلمون عليهم ليلا على حين غفلة منهم. وما يقع من قتل للنساء والذرية حينئذ؛ فما يكون على غير وجه التعمد لا حرج على المسلمين فيه. الدليل: ماثبت في الصحيحين: عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: (مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ:} هُمْ مِنْهُمْ {) (2) * ومثل ذلك: لو تترس الكفار بالنساء والذرية فللمصلحة ودرء المفسدة يجوز للمسلمين أن يرموا هؤلاء الكفار وإن أصابوا من تترس به من النساء والذرية. وأما قتل النساء والذرية على وجه التعمد فلا يجوز. 1 ـ فقد ثبت في الصحيحن عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَخْبَرَهُ: (أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ مَقْتُولَةً فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَان ِ) (3) .
2ـ وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما ثبت في حديث بريدة ـ رضي الله عنه ـ وتقدم سياق أوله وفيه:} ولا تقتلوا وليدا { (1) . والعلة في نهي الشارع عن قتل النساء والذرية مع مافي الشريعة من الرأفة والرحمة أن النساء والذرية لا يقاتلون فلم يقابلوا بالقتل. فقد ثبت في سنن أبي داود ـ بإسناد صحيح ـ عن رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ:} انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ {فَجَاءَ فَقَالَ: (عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ) . فَقَالَ:} مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ {قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ قُلْ لِخَالِدٍ:} لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا {) (2) أي أنها: لِمَ تُقتل؟! فإنها لم تكن لتقاتل. ولذا يقاس على النساء والذرية كل من لا يقاتل من الكفار كالرهبان والشيوخ الهرمين والزمنى وغيرهم ممن لا يمكنهم القتال. فكل من لا يقاتل المسلمين من راهب أو شيخ فان أو مريض شديد المرض عاجز عن القتال فإنه لا يقتل لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} ما كانت هذه لتقاتل {فدل على أن كل من لا يقاتل لا يُقتل. ـ ودل هذا الحديث على أن هؤلاء إن قاتلوا فإنهم يُقتلون فالمرأة أو الصبيان إن رفعوا السيف وقاتلوا فإنهم يُقتلون. ومثل ذلك أيضا من كان لهم رأي ومكيدة في الحرب كما يقع هذا للشيوخ أو غيرهم. * والمسألة الثانية: في جواز نصب النجنيق
فقد روى أبو داود في مراسيله عن مكحول أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نصب المنجنيق في الطائف (1) . وروى البيهقي أنّ عمرو بن العاص نصب المنجنيق في الإسكندرية (2) . وعليه عمل المسلمين في قتالهم. والأثر المتقدم وإن كان مرسلا لكن عليه العمل وهو مذهب جماهير العلماء. ويشبهه القنابل الموجودة في زماننا فهي شبيهة بالمنجنيق فلا بأس برميها على الكفار. تنبيه: أما ما يكون إحراقا لهم يشبه هذه القنابل الذرية التي تحدث إحراقا عاما أو أن يكون إحراقا عاديا بالنار فإن ذلك لا يجوز. الدليل: ما ثبت في البخاري أَنَّ عَلِيًّا ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ُ ـ حَرَّقَ قَوْمًا فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ فَقَالَ: (لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:} لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ {وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ {) (3) فالنار عذاب الله ولا يجوز للمسلمين أن يعذبوا بعذاب الله.
لكن إن لم يكن الاقتدار على الكفار إلا بذلك أي بالنار ونحوها فإن ذلك جائز باتفاق أهل العلم لمصلحة الأمة، وهي مصلحة عامة وفيها درء المفاسد عنهم من تسلط الكفار وغيرهم. * المسألة الثالثة: في ثبوت الرق على النساء والذرية. اعلم أن النساء والذرية وإن أصابهم المسلمون بسبي فإنهم يثبت عليهم الرق بمجرد سبيهم. فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـأن رَسُولُ اللَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتى بني قريظة فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ قَالَ: (فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ) (1) وثبت في الصحيحين ـ من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ النَّبِيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ. (2) فبمجرد ما يحصل السبي للنساء أو الذرية ـ والذرية هم غير البالغين من الذكور والإناث ـ يحصل حينئذٍ عليهم الرقّ. * ومثل ذلك من لايُقتل كالرهبان وغيرهم ممن لايقاتل المسلمين فبمجرد ما يحصل له السبي يحصل حينئذٍ التملك على رقبته فيكون رقيقا حيث يكون من جنس الغنيمة. وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا سبى قوما أوقع الرق عليهم كما تقدم في سبيه نساء بني المصطلق وكانت منهنّ جويرة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. * المسألة الرابعة: خصال المقاتلة. أما المقاتلة فالإمام مخير بين خصال أربع: الخصلة الأولى: القتل.
ـ لقوله تعالى: [فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب] 2 ـ وروى أبو داود في مراسيله عن سعيد بن جبير أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتل يوم بدر ثلاثة صبرا (1) . الخصلة الثانية: المنّ. أي أن يطلق من غير مال. الخصلة الثالثة: الفداء. أي يفدي نفسه بمال. قال تعالى: [فإما منّا بعد وإما فداء] الخصلة الرابعة: الاسترقاق. أي أن يكون رقيقا. وقد اتفق العلماء على ثبوت الرقّ على أهل الكتاب. * مسألة: في ثبوت الخصال الأربع لعبدة الأوثان واختلفوا في عبدة الأوثان، هل هناك خيار رابع في حقهم أم أنه ليس هناك إلا ثلاث خصال. القول الأول: وهو المشهور عند الحنابلة ألا استرقاق في غير أهل الكتاب والمجوس. القول الثاني: وهو قول الشافعية ورواية عن الإمام أحمد أن الرق يقع عليهم كغيرهم من عبدة الأوثان إذ لا فرق بين الكفار فيما يثبت من الأحكام إلا أن يدل دليل على تخصيص طائفة منهم بحكم. قالوا: ولا دليل يصار إليه في هذه المسألة. وهذا القول فيه قوة ـ والله أعلم ـ. فتقع الخصال الأربعة على عامة الكفار سواء كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم فيخير الإمام بين أربع الخصال كما تقدم. وهذا التخيير للإمام ليس على وجه التشهي ولكن على وجه المصلحة العامة. فإن ثبت له أن المصلحة في القتل قتل، وإن ثبت له أن المصلحة في المنّ منّ، وإن رأى أن المصلحة في الفداء فدى، وإن رأى أن المصلحة في الاسترقاق فعل ذلك. * مسألة: إسلام الأسير: فإذا أسلم الأسير فلا يجوز قتله. وهل يثبت عليه الرق أم يبقى للإمام الخيار في الخصال الثلاث؟ أي هل بمجرد إسلامه يكون رقيقا؟ أم يبقى الخيار السابق لكن تسقط خصلة وهي خصلة القتل؟ القول الأول:
قالت الحنابلة بمجرد ما يسلم الأسير فإنه يكون رقيقا وليس للإمام أن يمنّ عليه وليس له أن يقبل منه الفداء. قالوا: لأنه لا يجوز قتله فأشبه النساء. فكما أن النساء لا يجوز قتلهنّ فتعين فيهن الرق فكذلك الأسير إذا أسلم يتعين فيه الرق للمنع من قتله قياسا على النساء والذرية ومن يمنع قتلهم القول الثاني: قالت الشافعية: بل يبقى التخيير لأن تخيير الإمام بين الفداء والمنّ ثابت مع كفره فثبوت ذلك مع إسلامه أولى، فالمسلم أولى أن يمنّ عليه أو يقبل منه فداء من الكافر. وكونه يمنع من قتله ليس هذا للمعنى الموجود في النساء وإنما لثبوت إسلامه. الترجيح: وما ذكروه أظهر، من أن الكافر إذا أسلم وهو أسير عند المسلمين فإن الإمام يخير بين ثلاث خصال إن شاء جعله رقيقا وإن شاء قبل فيه المال فدية وإن شاء منّ عليه هذا كله تحت خيار الإمام على حسب المصلحة التي يراها. * مسألة: هل يصدق الأسير في ادّعاء الإسلام؟ فإن ذلك لا يقبل منه حتى يأتي ببينة لأن الظاهر خلاف قوله. وقد تعلق برقبته حق الرقّ فلم يسقط هذا الحق بمجرد دعواه، فإن رقبته قد تعلق بها حق الرق أو حق الفداء الذي قد يختاره الإمام فتعلق هذا الحق برقبته يمنع من قبول دعواه إلا أن يأتي ببينة. * مسألة: هل يقتل آحاد المسلمين الأسير؟ وإذا أسر مسلم كافرا فليس له أن يقتله إلا أن يضطره إلى ذلك كأن يدافعه الكافر أو يخشى صولة الكفار فينالوا أسيرهم أو أن يأبى هذا الكافر السير معه أو نحو ذلك مما يكون داعيا لقتله. أما إن لم يكن هناك داع لقتله فليس له أن يقتله. وذلك لأنه بمجرد أسره تعلق به حق الإمام فإن شاء الإمام قتل أو منّ أو قبل الفداء وإن شاء أوقع عليه الرق، فقتْله تفويت لحق الإمام فيه فلم يجز له ذلك. * مسألة: في من قتل شيوخ المشركين.
عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ { (1) هنا قسمة ثنائية فقسمهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى شيوخ وشرخ والشرخ هم غير البالغين فدل على أن المراد بالشيوخ هم البالغون فيكون هذا من باب التغليب ولأن الشيوخ يقاتلون ونحن ـ إذ استثنيناه من القتل سابقا ـ إنما قيدناه بالشيخ الهرم الذي لايقاتل أما الشيخ فإنه يقاتل وله رأي ومكيدة في الحرب. * مسألة: في تترس المشركين بأسرانا ـ إذا تترس المشركون بأسرى مسلمين فهل يجوز أن يرموا؟ الجواب: لا يجوز لعصمة دماء هؤلاء المسلمين إلا أن تترتب مصلحة ظاهرة جدا وتترتب على عدم رمي الكفار مفسدة ظاهرة ويُخشى أن يقع في المسلمين من القتل إن لم يقوموا بهذا أكثر مما يقع من القتل لهؤلاء الأسرى الذين هم وهم تحت أيدي العدو مظنة القتل. فعلى ذلك: يُنظر إن كانت هناك مفسدة أكبر فإن المفسدة الصغرى تتلاشى مع وجود المفسدة الكبرى. * مسألة: في الإغارة قبل الدعوة ـ هل للإمام أن يُغِير قبل أن يدعوهم؟ الجواب: ليس للإمام أن يغير قبل أن يدعوهم وهذا شرط تُقيّد به المسألة السابقة. فيقال: يجوز للإمام أن يغير على الأعداء ويبغتهم بشرط وهو: أن يكون قد دعاهم إلى الله عزوجل لقوله تعالى: [وما كنا معذّبين حتى نبعث رسولا] ولقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث بريدة السابق وقد ذكر دعوتهم إلى الله قال:} فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم { (2) فلا تقاتل طائفة من الكفار حتى تدعى إلى الله وتقام عليها الحجة. لقوله تعالى: [وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا] فليس للأمة أن تقاتل حتى تبين لهم الحق فإن أبوا فإنهم يقاتلون.
* قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب] . إذا اقتتل المسلمون والكفار ووضعت الحرب أوزارها وانتهت الوقعة فإن هذه الغنائم يملكها الغانمون وإن كانت الغنائم لم تحز لدار الإسلام وإن كانت لم تقسم فهي ملك لهم. وعليه: فإن مات بعض الغزاة فالحق من بعده لورثته في الغنيمة. قالوا: لأنه بانتهاء الحرب وغلبة المسلمين تكون الغنائم قد زالت ملكية الكفار عنها ووقعت تحت أيدي المسلمين فكانت ملكا لهؤلاء الغزاة. هذا هو المشهور عند الحنابلة. القول الثاني: لاتملك حتى تقسم، هذا إن كانت لم تحز إلى ديار الإسلام. أما إن حيزت فإنها تملك بمجرد حوزها وإن لم تقسم. إذن شرط القسمة أن تكون الغنائم في دار الحرب. القول الثالث: وأطلق ابن القيم فقال: بل تشترط القسمة مطلقا سواء كانت في دار الحرب أو في دار الإسلام فلا تملك الغنيمة إلا بقسمتها مطلقا وهذا هو أصح الأقوال. الدليل: ودليل ذلك ما ثبت في البخاري (1) أن وفد هوازن قدموا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألونه أموالهم ونساءهم وذراريهم فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} إني كنت قد استأنيت لكم {أي أمهلت وفي رواية أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ انتظرهم بعد قفوله من الطائف تسع عشرة ليلة. (استأنيت لكم) أي تمهلت فلم أقسمها لعلكم ترجعون فتأخذون نساءكم وذراريكم وأموالكم وأما الآن وقد قسمت فلا. فدل هذا على أن الغنيمة إنما تملك بعد القسمة لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أمهل هوازن بعد انتهاء الحرب وبعد أن حيزت إلى البلاد الإسلامية لم يقسمها فهذا دليل ظاهر للمسألة. وعلى ذلك: إن مات قبل أن يقسم سواء كانت الغنيمة في ديار الحرب أو في ديار الإسلام فإن الإرث لا يثبت لعدم الملكية. والغنيمة: هي ما أخذ من مال الحرب قهرا بالقتال. مصارف الغنيمة
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال] . فالغنيمة لمن شهد الوقعة من أهل القتال فقد ثبت في البخاري (1) أن أبان بن سعيد بن العاص قدم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد خيبر وقد قسّمت فقال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (اقسم لي) فقال:} اجلس {ولم يقسم له. وثبت في مصنف عبد الرزاق بسند صحيح عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة) (2)
فمن لم يشهدها فلا حظ له منها، لكن من لم يشهدها لمصلحة الجيش كالعين والرسول والدليل ونحوه فإنه يقسم له. دلّ على ذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قسّم لعثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وكان قد جلس في المدينة عند النساء. * فرع: هل يسهم للمرأة؟ وهي لأهل القتال، فعليه المرأة لا سهم لها، لأنها ليست من أهل القتال. وقد ثبت في مسلم أن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: (كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين ـ أي يعطين من الغنيمة ـ أما سهم فلم يضرب لهنّ) (1)
أي يعطين من الغنيمة شيئا دون السهم وهو مايسمى بالرضخ أي يرضخ لهن شيء من الغنيمة دون السهم لشهودهنّ القتال. * فرع: هل يُسهم للعبد؟ ومثل ذلك العبد فهو لايجب عليه القتال فليس في الأصل من أهله وعليه فإنه لا يعطى سهما بل يرضخ له. لذا ثبت في سنن أبي داود أن عميرا قَالَ: (شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَأَمَرَ بِي فَقُلِّدْتُ سَيْفًا فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُ فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ) قَالَ أَبُو دَاوُد: (مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ) (1) أي من متاع الميت فلم يسهم له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. * فرع: هل يُسهم للكافر المشارك. ـ ومثل ذلك الكافر فإن شهد الوقعة مع المسلمين فإنه يرضخ له ولا يعطى سهما كما يعطى الغزاة المسلمون. وذلك قياسا على العبد:فكما أن العبد مع قتاله لا يعطى إلا رضخا لأنه ليس من أهل القتال فكذلك الكافر هذا هو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب الجمهور. القول الثاني: وهو المشهور في المذهب أن الكافر يسهم له، فيُعطى سهمها من القسمة. واستدلوا: بما رواه سعيد بن منصور في سننه أن صفوان بن أمية شهد مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غزوة حنين وهو على شركه فأسهم له. الترجيح: فأصح القولين هو ماذهب إليه الجمهور وهو أحد الوجهين في المذهب: أن الكافر إذا شهد الوقعة فإنه لا يسهم له. * فرع: … هل يُسهم للصبي؟ ومثل ذلك الصبي فإن الصبي يرضخ له ولا يسهم له. الدليل:
1 ـ يدل على ذلك ما ذكره صاحب الغني وعزاه إلى الجوزجاني وأن الجوزجاني رواه بإسناده وقال فيه: (من مشهور حديث مصر وجيده) فقد جوّد سنده أن تميم بن فٍرَع (1) كان من الجيش الذين فتحوا الإسكندرية مع عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ فلم يعطه من الغنيمة شيئا وقال: (غلام لم يحتلم) وكان في القوم أبو نضرة الغفاري وعقبة بن عامر ـ رضي الله عنهما ـ فقالا: (انظروا فإن أشعر ـ أي نبت شعر عانته ـ فاقسموا له) (2) فهذا قول عمرو بن العاص وأبي نضرة الغفاري وعقبة بن عامر رضي الله عنهم ولا يعلم لهم مخالف. 2 ـ وكذلك بالقياس على المرأة بجامع أنهما ليسا من أهل القتال * مسألة: الاستعانة بالمشركين في القتال. وفيها ثلاثة أقوال: القول الأول: وهو المشهور في المذهب: أن الكافر لا يستعان به في القتال في سبيل الله. الدليل:
ما ثبت في الصحيحين (1) : عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أَنَّهَا قَالَتْ: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَوْهُ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ لَا قَالَ:} فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ {قَالَتْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلِقْ (2) القول الثاني: وعن الإمام أحمد أنه يجوز أن يستعان بالمشرك. الدليل: ما تقدم من حديث صفوان بن أمية وفيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ استعان به وكان على شركه وأسهم له. لكن تقدم أن الحديث مرسل ضعيف (3) . القول الثالث: وقال الشافعي وهو ظاهر كلام الخرقي: أنه يجوز عند الحاجة. الترجيح: والقول الثالث أظهر الأقوال.
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} فارجع فلن أستعين بمشرك {هذا حين لم تكن المصحلة ظاهرة في الاستعانة به وأما إذا كانت المصلحة ظاهرة في الاستعانة به وأمن شره فإن الاستعانة به جائزة لا حرج فيها جلبا للمصلحة ودرءا للمفسدة. * وأما عند الضرورة فلا إشكال في جوازه فإن المحرمات تباح عند الضرورة إليها. إذن: الغنيمة تقسم أسهمها على الغزاة إذا كانوا من أهل القتال، أما إذا لم يكونوا من أهل القتال فلا يعطون أسهما، وإنما يرضخ لهم رضخا أي يعطون شيئا من الغنيمة يقدره الإمام لهم باجتهاده لكن يكون دون أسهم الغزاة. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ثم يقسّم باقي الغنيمة للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم؛ سهم له وسهمان لفرسه] . فإذا حضرت القسمة بين يدي الإمام. فقبل الخمس يخرج السلب. والسّلَب: ما يحصله القاتل من مقتوله من أدوات الحرب من مركوب ورحل وسلاح. فيخرج أولا. الدليل:
ما ثبت في الصحيحن (1) من حديث سلمة بن الأكوع قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَوَازِنَ فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَل أَحْمَرَ فَأَنَاخَهُ ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حَقَبِهِ فَقَيَّدَ بِهِ الْجَمَلَ ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ وَجَعَلَ يَنْظُرُ وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ فِي الظَّهْرِ وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأَتَى جَمَلَهُ فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ ثُمَّ أَنَاخَهُ وَقَعَدَ عَلَيْهِ فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ قَالَ سَلَمَةُ وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي الْأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ فَنَدَرَ ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَالَ:} مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ {قَالُوا
: (ابْنُ الْأَكْوَعِ) قَالَ:} لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ (1) { وفي سنن أبي داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ـ رضي الله عنهما ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يُخَمِّسْ السَّلَبَ (2) ـ ويخرج أيضا قبل الخمس: ما تحتاج إليه الغنيمة من أجرة لحملها وحفظها. * مسألة: هل يخرج الرضخ المتقدم قبل الخمس أم بعده؟ قولان لأهل العلم هما وجهان في مذهب أحمد والشافعي. القول الأول: أن الرضخ يخرج قبل أن تخمس الغنيمة. قياسا على أجرة الحامل والحافظ للغنيمة. القول الثاني: أن الرضخ يخرج بعد الخمس. قالوا: لأنه أخذ بسبب حضور الوقعة فأشبه سهام الغانمين. الترجيح: والقول الثاني أقيس وهو أن الرضخ لا يخرج إلا بعد الخمس لأنه قد أخذ بسبب شهود الوقعة فأشبه سهام الغانمين. إذن: إذا حضرت القسمة فيخرج منها ما يحتاج إليه من أجرة حامل وحافظ ونحو ذلك. ثم يخرج منها السلب فلايخمس. ثم تخمس الغنيمة فيخرج خمسها.قال الله تعالى: [واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل] * قوله [فأن لله خمسه] : ليس لله عزوجل سهم، وإنما المراد: أن هذا الخمس يصرف فيما يرضي الله تعالى. وليس المراد أن هناك سهم لله عزوجل ـ كما قال بعض العلماء ـ يصرف إلى الكعبة أو غيرها. ودليل ذلك: ماثبت في سنن البيهقي ـ بإسناد صحيح ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن المغنم فقال:} لله خمسه وأربعة أخماسه للجيش {
وثبت في سنن أبي داود عن عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَعِيرٍ مِنْ الْمَغْنَمِ فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ ثُمَّ قَالَ:} وَلَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ { (1) والوبر هو ما يقابل الشعر من الغنم ونحوه. إذن: الخمس لله والرسول أي فيما يرضي الله تعالى وهو بيد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصرفه فيما يراه من المصالح وكذلك هو بأيدي خلفائه من بعده يصرفونه فيما يرونه من المصالح هذا هو الخمس الأول (خمس الرسول) . إذن: هو لله لأنه يدفع فيما يرضي الله تعالى، وهو للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه تحت يد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو السهم الأول: تحت يده يصرفه في مصالح المسلمين. السهم الثاني:لذوي القربى. أي لقرابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم: بنو هاشم بنو المطلب. السهم الثالث: لليتامى. السهم الرابع:للمساكين. السهم الخامس:لابن السبيل. فهذه خمسة أخماس. يقسم خمس الغنيمة إلى خمسة أخماس؛ سهم يكون بيد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفائه من بعده فيصرفونه في مصالح المسلمين هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية وهو أن الغنيمة تخمس خمسة أخماس لكل صنف من هذه الأصناف الخمسة نصيبه. القول الثاني: ومال الإمام مالك إلى أن يعطى بعض ذوي القربى حقهم منه والباقي يصرفه الإمام فيما يراه من المصالح سواء أنال اليتامى والمساكين وابن السبيل منه نصيب أم لم ينلهم. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وتلميذه ابن القيم. الدليل:
قالوا: لأنه لم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن خلفائه من بعده هذه القسمة، ولو كان ذلك ثابتا لنقل نقلا بينا، فهو ما تقوى الهمم وتقوى الدواعي على نقله. قالوا: ولأن الزكاة قد وجبت في الأصناف الثمانية ولو صرفت لصنف واحد لأجزأت فكذلك هنا. الترجيح: وهذا هو الراجح. فالخمس يوضع في يد الإمام فيعطى ذوي القربى حقهم منه ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. * مسألة: كيفية توزيع سهم ذوي القربى وفيها قولان: القول الأول: أن ذوي القربى يعطون منه ـ في المشهور من المذهب ـ للذكر مثل حظ الأنثيين. قالوا: لأنه نيل بسبب الأب فأشبه الإرث؛ فإن بني هاشم نالوه بسبب هاشم وبني المطلب نالوه بسبب المطلب. القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد أنهم يعطون بالسوية لا يفرق بين ذكر وأنثى ولا صغير ولاكبير. قالوا: لأن الله قد أمرنا بإعطائهم وليس هذا على سبيل الإرث بدليل عدم ثبوت الحجب فيه فإن الابن يأخذ مع وجود أبيه. ثم إن سببه هو القرابة والنصرة في بني هاشم، والنصرة في بني المطلب. القول الثالث: أنهم يعطون بقدر الحاجة وبحسب ما يراه الإمام سواء كان بالتفضيل أو بالسوية. وهو مذهب مالك. الترجيح: والقول الثالث هو الراجح في هذه المسألة وهو اختيار ابن القيم ـ رحمة الله عليه ـ فيعطون على مايراه الإمام، ويعطون قدر حاجاتهم، فيعطى الفقير أكثر من الغني، ويعطى الغني الذي هو صاحب كرم ويجتمع الناس حوله أكثر مما سواه وهكذا.. فهو شامل لفقيرهم وغنيهم. الدليل:
1 ـ ما ثبت في البخاري والنسائي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَتَيْتُهُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِمَكَانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ أَرَأَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَمَنَعْتَنَا فَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (1) . فهذا النبي صلى الله عليه وسلم ـ لما جاءا يسألانه من الفيء لم يعتذر لهما بكونهما أغنياء وإنما اعتذر لهما بأنهما ليسا من بني المطلب وبني هاشم. فدل على أن للغني نصيبه في الغنيمة ثابت كالفقير. 2 ـ وللإطلاق في الآية، فإنها مطلقة لم تقيد سهم ذوي القربى بالفقراء دون الأغنياء. هذا هو الخمس. ـ إذن: إذا أخرج الإمام الخمس فحينئذ يقسم الغنيمة ويخرج منها النفل فإن النفل يخرج بعد الخمس كما تقدم هذا في نفل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الربع بعد الخمس والثلث بعده. وفي مسند أحمد وسنن أبي داود ـ بسند صحيح ـ من حديث معن بن يزيد ـ رضي الله عنه ـ قال سمعت:} لَا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُس ِ { (2)
فالنفل: هو ما يعطيه الإمام لبعض الغزاة زيادة عن سهمهم.إما لتقدم سرية من السرايا، أو لحسن بلائه وشدة بأسه بالكفار كما أعطى سلمة بن الأكوع سهم الراجل وسهم الفارس كما ثبت في صحيح مسلم (1) . ثم يقسم الغنيمة للراجل أي للماشي على رجليه ومثله الراكب على بعير ونحوه يعطى سهما. والفارس وهو الراكب فرسا يعطى ثلاثة أسهم؛ سهما له وسهمين لفرسه. وذلك لما للفرس من مكانة في العدو. الدليل: ماثبت في الصحيحن عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: (قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا) . قَالَ: (فَسَّرَهُ نَافِعٌ فَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ) (2) وفي سنن أبي داود (3) للفارس ثلاثة أسهم سهمين لفرسه وسهم له؟ * فرع: …في سهم الفارس الهجين. ـ وهل هو في كل فرس سواء كان عربيا أم هجينا؟ قال جمهور العلماء: نعم، سواء كان الفرس هجينا وهو غير العربي أو كان عربيا فإن للفرس سهمين. لعموم الحديث.
القول الثاني: وقال الحنابلة في المشهور عندهم:الفرس الهجين أو البرذون له سهم واحد لاسهمان. الدليل: واستدلوا بما رواه أبوداود في مراسيله بإسناد صحيح عن مكحول أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعطى الفرس العربي سهمين والهجين سهما (1) . وله شاهد مرسل من حديث خالد بن معدان في مراسيل أبي دواد (2) وله شاهد عن ابن عباس كما في المجمع. وعليه فالحديث حسن إن شاء الله تعالى. وبه يترجح ما قال الحنابلة لأن الفرس العربي أقوى وأعظم نكاية في العدو من الفرس الهجين. القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الفرس الهجين إذا عمل بعمل الفرس العربي فإن له سهمين وهذا قول قوي ظاهر لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات. إذن الفرس الهجين له سهم، لكن إن عمل كما يعمل الفرس العربي وكان فيه نكاية ظاهرة في العدو فإن له سهمين لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات. ـ هذا إذا كان الفرس قادرا على القتال قويا. أما إذا كان مريضا فإنه لا سهم له لأن السهم إنما أعطي لنكايته في العدو أما إن كان مجرد مركوب ولا نكاية له في العدو فإنه لا فرق بينه وبين الجمل فحينئذ لا يسهم له شيء. * فرع:
… في ما يُسهم للفرسين فأكثر. إذا شارك بأكثر من فرس فهل يسهم لهما؟ فيها قولان: القول الأول: قالت الحنابلة: إن كان له فرسان فله أربعة أسهم. الدليل: ما رواه سعيد بن منصور أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كتب إلى أبي عبيدة ـ رضي الله عنه ـ أنه اقسم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم وللرجل سهما. لكن الأثر منقطع. القول الآخر: قال الجمهور: بل ليس له إلا سهمان لفرس منهما.فليس له إلا نصيب فرس واحد الدليل: قالوا: لأن الفرس الثاني لا يعدو إلا أن يكون نائيا عن الفرس الأول قائما مقامه ... ... فعلى ذلك لا يكون له إلا سهم فرس واحد. وهذا هو القول الراجح. * أما إذا كان معه ثلاثة أفرس أو أربعة فاتفق العلماء على أنه لايأخذ على الثالث ولا على الرابع وغنما الخلاف في الأخذ على الثاني. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويشارك الجيشُ سراياه في ما غنمت ويشاركونه فيما غنم] . فالجيش المنطلق من بلاد الإسلام إلى بلاد الأعداء تخرج منه سرايا فتغنم فله نصيبه من هذه المغانم فهو يشاركها وهي أيضا تشاركه.فقد تخرج بعض السرايا فيما ينال الجيش غنيمة دونها فلها نصيبها من هذه الغنيمة. الدليل: 1 ـ ما تقدم من أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعده للسرايا وهي غنيمة لها دون الجيش ومع ذلك فإن الجيش يشاركها، فإن الثلث أو الربع يخرج بعد الخمس والباقي يشترك فيه بقية الجيش فأشركهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشرك الجيش بما تناله السرية وكذلك العكس. ـ ولأن مقصدهم واحد وكلهم قد خرجوا لقتال العدو وهذا ربما أرسل في سرية وهذا بقي في الجيش للمصلحة العامة فحينئذ تشتركون في الغنيمة جمعيا. مسائل الغلول * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [والغالّ من الغنيمة يُحرّق رحله كله إلا السلاح] الغالّ: هو الكاتم شيئا من المغنم على وجه لا يحل له.
الغلول من كبائر الذنوب. للأدلة التالية: 1 ـ قال تعالى: [ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة] 2 ـ وفي الصحيحن (1) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ: (كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} هُوَ فِي النَّارِ {فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا) (2) . 3 ـ وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي ـ بإسناد صحيح ـ في حديث عبادة ـ رضي الله عنه ـ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:} .. فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ وَأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ وَلَا تَغُلُّوا فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ { (3) . * مسألة: ما يُفعل بمال الغالّ. القول الأول:
وهنا قال المؤلف: (يحرق رحله كله) أي ما على راحلته من أثاث من أوان وزاد وسرج وغير ذلك ويستنثى من ذلك الحيوان وماله روح.ويستثنى كذلك المصحف وكتب العلم وكذلك الأسلحة هذا هو المشهور عند الحنابلة. الأدلة: 1 ـ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:} إِذَا وَجَدْتُمْ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ {قَالَ: فَوَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ مُصْحَفًا فَسَأَلَ سَالِمًا عَنْهُ فَقَالَ بِعْهُ وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ) (1) . والحديث فيه: صالح بن محمد بن زائدة وهو منكر الحديث، وقد ضعف الحديث البخاري والترمذي والدارقطني وغيرهم من أهل العلم. 2ـ وروى أبوداود في سننه: (..قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد وَزَادَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ عَنْ الْوَلِيدِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ وَمَنَعُوهُ سَهْمَهُ) (2) والحديث: ضعيف أيضا فإنه فيه الوليد بن مسلم وهو شامي عن زهير بن محمد، ورواية الشاميين عن زهير بن محمد ضعيفة. والصحيح أنه من قول عمرو بن شعيب فهو مقطوع عليه، كما رجّح ذلك غير واحد من الأئمة فلا يصح شاهدا للحديث الأول. القول الثاني: وذهب جمهور العلماء إلى أن الإمام ليس له أن يحرق رحله.
الدليل: ما رواه أبوداود في سننه ـ بإسناد حسن ـ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ فَيَخْمُسُهُ وَيُقَسِّمُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ) فَقَالَ:} أَسَمِعْتَ بِلَالًا يُنَادِي ثَلَاثًا؟ {قَالَ نَعَمْ قَالَ:} فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟ {فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ:} كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ عَنْكَ { (1) قالوا: فهنا الرجل لم يحرق متاعه. قالوا: ولم يصح في تحريق المتاع حديث كما قرر ذلك الإمام البخاري رحمة الله عليه. القول الثالث: واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وتلميذه ابن القيم: أن تحريق المتاع جائز من باب التعزير لا من باب الحد. أي أنه للإمام أن يعزر بذلك وله أن يعزر بشيء آخر كضربه أو تأنيبه أو غير ذلك كما أنّب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل في القصة المتقدمة.
وهذا مبني على القول الراجح في مسألة جواز التعزير بالمال. كما تقدم في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ـ في زكاة السائمة ـ:} وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ { (1) وغير ذلك من الأدلة الدالة على هذه المسألة وسيأتي الكلام عليها في باب التعزير إن شاء الله تعالى. فالتعزير بالمال جائز وتدخل فيه هذه المسألة فللإمام أن يعزر بتحريق متاعه. فإن قيل: هذا فيه إتلاف للمال وإفساد له فيقال: نعم، لكن لمصلحة راجحة وهي عظم التنكيل وشدة التأنيب فإن في ذلك تنكيلا ظاهرا به. الترجيح: وهذا القول الثالث هو الراجح في هذه المسألة واستظهره صاحب الفروع وصوبه صاحب الإنصاف.فالراجح إذن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وأن تحريق المتاع جائز للإمام إن رأى مصلحة شرعية في ذلك. * مسألة: وهل يمنع من سهم الغنيمة؟ الجواب: لايمنع من سهمه من القسمة كما هو المشهور في مذهب أحمد وغيره. والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يصح عنه أنه منع من غلّ من سهمه أو استرده منه. وهو حق مالي ثابت له فلا يمنع منه بمعصية. القول الثاني: وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن الإمام يمنعه من سهمه. وهذا القول ظاهر في باب التعزير المالي. فللإمام أن يعزره بأن يمنعه سهمه. وله أن يعطيه سهمه ويعزره بباب آخر من أبواب التعزير. إذن: للإمام أن يمنعه من سهمه تعزيرا له. وهذا داخل في مسألة التعزيز بالمال. * مسألة: في توبة الغال.
ـ وقد أجمع أهل العلم على أن الغالّ إن تاب فأراد أن يعيد ما غلّ وكان قبل القسمة والتخميس فإنه يدفعه بيت المال ليخمس ويقسم على الغانمين ليأخذ كل صاحب حق حقه فلبيت المال الخمس وأربعة أخماسه للغانمين. * فرع: أما إن كان ذلك بعد تخميس الغنيمة وتقسيمها: ففيه قولان: القول الأول: قال الحنابلة: يدفع إلى بيت المال الخمس. ويتصدق بأربعة أخماسه عن الغانمين. وذلك لأنه حق لا يمكن أن يعطى صاحبه فقد أخذ الغزاة نصيبهم ولا يمكن أن يقسم عليهم هذا الباقي بعد الخمس فحينئذ يكون كالمال الذي لا يهدى إلى صاحبه فيتصدق عنه به. القول الثاني: قال الشافعية وهو اختيار الآجرّي من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف: أنه يدفع كله إلى بيت المال أي كل ما غُلّ يدفعه إلى بيت المال. الترجيح: والقول الثاني أظهر بناء على المسألة السابقة التي تقدم ذكرها وهي أن الغنيمة لا تملك إلا بعد قسمتها. فالغنيمة حق لبيت المال وملك له حتى تقسم بين الغانمين وهنا لم تقسم الغنيمة التي وقع عليها الغلول فحينئذٍ تكون في بيت المال. هذا هو الأظهر وعليه فيرد ما غلّ إلى بيت المال مطلقا سواء كان ذلك قبل أن تخمس الغنيمة وتقسم أو كان ذلك بعد تخميسها وتقسيمها. الأراضي المفتوحة (المغنومة) الأراضي المفتوحة قسمان: ـ الأول: ما فتح عنوة.الثاني: ما فتح صُلحا. والكلام الآن عن: القسم الأول: ـ وهي ما فتح عنوة. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وإذا غنموا أرضا فتحوها بالسيف خُيّر الإمام بين: قسمها، ووقفها على المسلمين] . إذا افتتح المسلمون قرية بالسيف ـ أي بالقتال ـ فإن الإمام مخير بين أن يقسم هذه الأرض بين الغانمين وبين أن يوقفها على المسلمين. هذا هو القول الأول وهو المشهور في مذهب أحمد وأبي حنيفة. الدليل:
1 ـ ما ثبت في سنن أبي داود ـ بإسناد صحيح ـ: (عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا جَمَعَ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ وَعَزَلَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنْ الْوُفُودِ وَالْأُمُورِ وَنَوَائِبِ النَّاسِ) (1) فهذا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يجعل أربعة أخماسها للغانمين، بل جعل النصف للغانمين، وجعل النصف الآخر للمصالح. 2ـ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ: (لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ) (2) فعمر ـ رضي الله عنه ـ قد أوقف مصر والشام والعراق لمّا فتحت في عهده ـ رضي الله عنه ـ لمصلحة آخر المسلمين ولم يقسمها على الفاتحين. ولم يعلم له مخالف فكان إجماعا. 3 ـ قالوا: فهذه الأدلة السابقة تبين آية الأنفال وتخصصها، تبين أن المراد بالغنائم فيها ماسوى الأرض من الأموال المنقولة كالذهب والفضة والمواشي والثياب وغير ذلك فيه التي تقسم بين الغانمين. وأما الأرض فللإمام في ذلك الخيرة. 4 ـ ومما يدل على أن المراد بالغنائم في الآية ما عدا الأرض أن هذه الأمة قد اختصت بإباحة الغنائم لها، كما في الصحيحين من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي {.
قالوا: والأرض أحلت لمن قبله كما في قوله تعالى: [وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها] فكانوا يرثون الأرض ويغنمونها. فدل على أن المراد بالغنائم في الآية ما سوى الأرض من المنقول كالذهب والفضة والماشية وغيرها. القول الثاني: وذهب المالكية والشافعية إلى أن مجراها مجرى القسمة أي فتخمس وأربعة أخماسها للفاتحين فليس للإمام أن يوقفها كلها بل له الخمس وأما أربعة أخماسها فإنه يقسم في الغانمين الدليل: قوله تعالى: [واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول. قالوا: والأرض غنيمة فيخمسها الإمام وأما أربعة أخماسها فإنه يقسمها على الغانمين. الترجيح: والقول الأول وهو ما ذهب إليه الحنابلة والأحناف هو الراجح لقوة دليلهم ولما أوردوه في الرد على ما استدل به المالكية والشافعية وبه صحت سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسنة أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويضرب عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي بيده] . هذه هي المصلحة: وهي أن الأرض التي قد أوقفت يضرب الإمام عليها خراجا. وهو مال يدفع سنويا ممن الأرض تحت يده. فيدفعه إلى الإمام. والإمام يصرفه في مصالح المسلمين. قوله: (ممن هي في يده) سواء كان مسلما أم ذمّيّا فيؤخذ هذا الخراج كأجرة على من هي بيده. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام] .
فالإمام يجتهد ويحدد قدر الخراج فيحدده بما هو اصلح باجتهاده بالنظر إلى أحوال الناس وبالنظر إلى الأرض في كونها ذات جصّ قوي أو جصّ ضعيف وباختلاف الأزمنة من زمن لآخر فيقدر الإمام ما يراه مناسبا. لأن الشارع لم يرد فيه تحديد فيرجع إليه فيه فالمرجع في ذلك إلى الإمام فيحدد باجتهاده فيما وأصلح كالجزية تماما.هذا في أصح الروايتين عن الإمام أحمد رحمة الله عليه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. كل هذا فيما لو فتحت الأرض عنوة وقهرا. القسم الثاني: وهي ما فتح صُلحا: ـ أما إذا فتحت الأرض صلحا فلا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يصالح الكفار المسلمين على أن تكون الأرض لهم أي للكفار. فحينئذٍ تكون الأرض للكفار ويدفعون خراجها للمسلمين. الحالة الثانية: أن يصالح المسلمون الكفار على أن تكون الأرض للمسلمين، ويشتغل بها الكفار ويدفعون خراجها للمسلمين. فهذه الحالة لها حكم المسألة السابقة أي الحالة الأولى من جهة أن الأرض تبقى بأيديهم ويعملون بها ويدفعون خراجها لبيت مال المسلمين ولم بيعها إلى مسلم أو ذمي ويبقى الخراج ثابتا عليها. أما الحالة الأولى: فحينئذٍ إذا أسلم الكفار أو أسلم بعضهم سقط الخراج عمن أسلم وبقيت الأرض ملكا له لا خراج فيها. فإذا صالح المسلمون الكفار على أن تكون الأرض للكفار فإذا أسلموا أوأسلم بعضهم فإن الخراج يسقط وذلك لعدم ملكية الأرض للمسلمين أولا. ولأن الخراج كالجزية يسقط بالإسلام: فكما أن الجزية تسقط عن الكافر إذا أسلم فكذلك الخراج يسقط عنه فتبقى الأرض على ملكيتها ويسقط عنه الخراج. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ومن عجز عن عمارة أرضه أجبر على إجارتها أو رُفع يده عنها] . رجل له أرض خراجية ولم يعمرها بزرع أو شجر فإنه يجبر على إجارتها أو رفع يده عنها.
أي: إما أن يعمّرها وإما أن يؤجرها، وإما أن نرفع يده عنها أي يتركها تقع في يد الأسبق إليها. وذلك لأن في تركها عاطلة تفويتا لحق بيت المال بالخراج. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويجري فيها الميراث] . بمعنى أنها تورث لأنها حق فتورث كسائر الحقوق فإذا مات الرجل ورثها أقاربه كسائر ماله لأنها حق له فبموته يجري فيها الإرث. بابٌ: الفَيْء الخلاصة: [وما أخذ من مال المشرك بغير قتال كجزية وخراج وعشرٍ ما تركوه فزعا وخمس خمس الغنيمة ففيء يصرف في مصالح المسلمين] . * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وما أخذ من مال المشرك بغير قتال كجزية وخراج وعشرٍ] . العشر: هو مايضرب على تجارة الكفار إذا أدخلوا تجارتهم إلى البلاد الإسلامية. وعلى الذميين نصف العشر. وعلى الحربيين الذين يدخلون بأمان إلى البلاد الإسلامية ليتجروا فيها أو يدخلوا تجارتهم فيها عليهم العشر. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وما تركوه فزعا] . أي لم يقع قتال بين المسلمين والكفار وقد ترك هؤلاء الكفار أموالهم من غير قتال. قال تعالى: [ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب] فهذا يُعتبر فيئا لا يقسم بين الغانمين فليس له حكم القسمة. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وخمس خمس الغنيمة] . تقدم الكلام في هذا عند الكلام على خمس خمس الغنيمة وأنه يكون في يد الإمام يصرفه في مصالح المسلمين. وتقدم ترجيح قول الإمام مالك وأن الخمس كله فيء لمصالح المسلمين إلا ما يحتاج إليه ذوو القربى. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ففيء يصرف في مصالح المسلمين] .
إذن: الجزية والخراج والعشور وما يؤخذ من الكفار بغير قتال وخمس خمس الغنيمة كل هذا فيء يصرف في مصالح المسلمين. فمنه رزق الإمام والقضاء والأمراء والمدرسين وغيرهم وكذا بناء المساجد وإصلاح الطرق وبناء القناطر وغير ذلك من مصالح المسلمين وإغناء الفقراء وغيرها من المصالح والحاجيات للمسلمين. إذن: الفيء يصرفه الإمام في مصالح المسلمين. وهذا في كل مايدخل بيت المال حتى التجارات والمكاسب التي يكتسبها بيت المال ومن ذلك ما في هذه الأزمان من بترول ومعادن وغير ذلك مما يستخرج من الأرض هذا كله فيء يصرف في المصالح الإسلامية. الأدلة: 1 ـ قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كما في سنن البيهقي ـ بإسناد صحيح ـ: (كل المسلمين لهم حق في الفيء) وقال: (لم يبق أحد إلا له حق في هذا المال إلا ما ملكت أيمانكم من أرقائكم فإن عشت إن شاء الله تعالى لم أُبق أحدا من المسلمين إلا سيأتيه حقه حتى الراعي يأتيه حقه منها ولم يعرق فيها جبينه) (1) والأثر إسناده صحيح. 2 ـ وفي سنن أبي داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضي الله عنه ـ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ فَأَعْطَى الْآهِلَ حَظَّيْنِ وَأَعْطَى الْعَزَبَ حَظًّا) (2) * ويبدأ بالأهم فالمهم، فيبدأ مثلا بأرزاق القضاة والأمراء والمقاتلة فهذا أولى من البدء بالغني الذي لا حاجة له في المال. وما يبقى فيصرفه في مصالح المسلمين فهو حق لهم يقسمه بين المسلمين غنيهم وفقيرهم من الأحرار. باب عقد الذمة وأحكامه.. الذمة لغة واصطلاحا: الذمة: لغة، العهد. وفي الاصطلاح: عقد يقيمه الإمام، يقر به الكفار على كفرهم مع إعطائهم الجزية أو التزامهم بأحكام الشريعة في الجملة.
وقوله (يقر به الكفار على كفرهم) أي في حكم الدنيا وإلا فإنهم لا يُقرون عليه في حكم الآخرة. فالمعقود عليه هو الذمي. جماعتهم: الذميون. هذا هو عقد الذمة. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا يعقد لغير المجوس وأهل الكتابين ومن تبعهم] . فلا يجوز هذا العقد إلا لصنفين من الناس. 1 ـ الصنف الأول: أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى. 2 ـ الصنف الثاني: وهم المجوس. أما صنف الكتابين: فدليله قوله تعالى: [قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] فهذا في الجزية على أهل الكتاب. وأما المجوس: فقد ثبت في البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها ـ الجزية ـ من مجوس هجر (1) . هذا هو المشهور من مذهب أحمد والشافعي وأن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس ومن تبعهم أي من تبعهم على دينهم. وإن لم يكن أصلا منهم. ذلك لأن اليهود والنصارى من بني إسرائيل فمن تبعهم من العرب والإفرنج أو غيرهم له هذا الحكم وكذلك ديانة المجوس فإنها في الأصل في الفرس ممن كانوا مجوسا من غير الفرس كبعض مجوسية العرب أو غيرهم فإن الجزية تؤخذ منه ولا تؤخذ الجزية ـ في هذين المذهبين ـ من غير هذه الأصناف فهي خاصة في اليهود والنصارى والمجوس. لأن الله تعالى قال: [من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] وقد أمرنا بقتال الكفار، قال تعالى: [وقاتلوا المشركين كافة] وقال: [وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة] وليس في ذلك ذكر للجزية. قالوا: وأما المجوس فقد ثبت الدليل بأخذ الجزية منهم ماثبت في البخاري وتقدم. قالوا: وإنما فرق بين المجوس وعبدة الأصنام أن لهم كتابا فرفع.
روي ذلك عن علي بن أبي طالب كما في مصنف عبد الرزاق (1) غير أن السند لا يصح كما قرر هذا ابن القيم وغيره. قالوا: فإذا ثبت أن لهم كتابا فرفع فإن فيهم شبهة أهل الكتاب. وعليه: فإن الجزية تؤخذ منهم. القول الثاني: وقال الأحناف والمالكية: تؤخذ الجزية من الكفار عامة، فكل الكفار مخيرون بين ثلاثة خصال:إما الإسلام وإما الجزية وإما القتال. 1 ـ واستدلوا بحديث بريدة الثابت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:} فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال {: وفيه:} فإن أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أجابوا فاقبل منهم {فهنا قد ثبت الحكم على وجه العموم. فإنه قال:} فإن لقيت عدوك من المشركين {قالوا: هذا الحديث عام في كل كافر. 2ـ قالوا: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذها من المجوس وهم عبد النار ولا كتاب لهم. أما ما روي عن علي فإنه لا يصح. ولو صح فإن العبرة بالحال. فإنهم في الحال لا كتاب لهم وهؤلاء عبدة الأصنام من العرب ومن قريش وغيرهم كانوا أتباعا لإبراهيم عليه السلام ومع ذلك فأنتم لم تروا الجزية عليهم مع أنهم لهم رسول وقد اتبعوه واتبعوا ما معه من صحف ومع ذلك قد أخذها الرسول صلى الله عليه وسلم من المجوس ولا فرق بينهم وبين عبدة الأصنام من العرب أو العجم. قالوا: وأما قوله تعالى: [من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية] فإن هذا قيد لبيان الواقع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نزلت عليه هذه الآية وقد فتح الله عليه بلاد العرب وذلك بعد أن أذل الله له عبدة الأصنام وأمر بقتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهذا القيد لبيان الواقع حين شرعته الجزية. الترجيح:
وهذا هو القول الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وتلميذه ابن القيم فكل ملة من الملل تخير بين ثلاث خصال:الإسلام فإن أبوا فالجزية فإن أبوها فالقتال لعموم حديث بريدة المتقدم. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا يعقدها إلا الإمام أو نائبه] . لا يعقد هذا العقد بين المسلمين والكفار إلا الإمام الأعظم أو نائبه أو أحد قواد جيشه ممن خول لهم الإمام ذلك. وذلك لأن عقد الذمّة من الأمور العامة الموكولة للإمام فلا يجوز الافتيات عليه بعقدها دونه وهذا ظاهر. وعليه فلا يجوز ولا يصح أن يعقده إلا الإمام أو نائبه أو من خوله الإمام من قواد الجيش. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أميرا على جيش أو سرية.. الحديث وفيه:} فإن أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أطاعوا فاقبل منهم {فدل على أنّ قائد الجيش يجوز يجوز له أن يعقد هذا العقد دون الإمام إن أذن له الإمام بذلك. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا جزية على صبي ولا امرأة] الجزية لغة: … مأخوذة من الجزاء؛ لأنها جزاء للكافر وجزاء للمسلم؛ جزاء للكافر على كفره فهي عقوبة على الكفر، وجزاء للمسلم على حفظه دم الكافر وصيانة ماله أي ثواب فهي ثواب للمسلم وأجرة على ما يقوم به من حفظ دم الكافر وماله. وهي جزاء على الكافر أي عقوبة له على كفره فإنها إنما تضرب عليه إذا امتنع عن الإسلام. الجزية شرعا: … مال يؤخذ من الكافر على جهة الصغار عليه بسبب عقد الذمة. وقد تقدم تعريف عقد الذمة. * أما الصبي فلقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ فيما رواه الخمسة بإسناد صحيح وقيد ذكره في باب (زكاة البقر) ومنه:} ومن كل حالم دينارا أو عدله معافريا { (1) أي من كل بالغ، فهذا يدل على أن غير الحالم وهو الصبي لا تؤخذ منه الجزية.
وأما المرأة فلما ثبت في البيهقي ـ بإسناد صحيح ـ أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد أن يأخذوا الجزية وألا يأخذوها من النساء والصبيان (1) . وهكذا كل من لا يقاتل المسلمين من الرهبان المعتزلين في صوامعهم لعبادتهم الذين ليس لهم رأي ولا مكيدة في الحرب. وذلك لأن الجزية لصيانة الدم من أن يهدد فإنه يخير بين الإسلام وبين الجزية وبين القتل ومعلوم أن هؤلاء لا يقتلون وعليه فلا تؤخذ منهم الجزية. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا عبد] . لأنه مال كسائر مال سيده فكما أن الكافر لايؤخذ منه على مسكنه وعلى تجارته الجزية، فكذلك لا يؤخذ من رقيقه. ولأن العبد لا مال له فلا تؤخذ من العبد وإن كان سيده كافرا. قد حكى ابن المنذر الإجماع على هذا. ولكن هنا رواية عن الإمام أحمد: أن الجزية تؤخذ من العبد واستدل: بما روى البيهقي في سننه أن عمر بن الخطاب قال: (لا تشتروا رقيق أهل الكتاب فإن عليهم خراجا) (2) لكن السند فيه سفيان العقيلي لم يوثقه سوى ابن حبان. والمشهور عن الإمام أحمد أن العبد لا تؤخذ منه الجزية وهو الراجح. لأنه مال فأشبه سائر مال سيده ولأن العبد لا يجب عليه واجب مالي لأنه لا مال له. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا فقير يعجز عنها] . فالفقير الذي يعجز عن دفع الجزية لا تؤخذ منه قال تعالى: [لا يكف الله نفسا إلا وسعها] وهذا هو مذهب جمهور العلماء للأمة المتقدمة. إذن: تؤخذ الجزية من المكلف الذكر الحر الذي هو من أهل القتال. فأما غير المكلف وهو الصبي والمجنون وغير الحر وهو العبد، وغير الذكر وهي الأنثى ومن ليس من أهل القتال كالأعمى والزمن والراهب المعتزل في صومعته فهؤلاء لا تؤخذ منهم الجزية لأنهم غير مقاتلين، والجزية إنما شرعت لصيانة دمهم. ودمهم مصون في الأصل فلم تجب عليهم الجزية بعد ذلك.
* قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ومن صار أهلا أخذت منه في آخر الحول] . أي بالحساب. صورة هذا: بلغ الصبي في نصف السنة فإنها تؤخذ منه الجزية في آخر الحول بالحساب فلا يؤخذ منه حينئذ إلا نصف الجزية. وذلك لئلا يفرد وحده فيشق. فكوننا ننظر حتى يحول الحول على بلوغه ثم يعطي الجزية منفردا هذا فيه مشقة وذريعة لفوات ذلك إما بإهمال أو نسيان أو غير ذلك. بخلاف ماإذا كان لها وقت واحد تجمع فيه من سائر الكفار فإن هذا مظنة لحصولها وعدم فواتها. ومن أسلم منهم فإنها تسقط عنه. ولو كان ذلك بعد الحول فلو أن رجلا أسلم أثناء الحول أو بعد مضي الحول وما بقي إلا أن يدفعها لعاملها فإنها تسقط عنه. وذلك لأن الجزية تؤخذ مع صغاروالمسلم لا صغار عليه وهي إذلال وعقوبة على الكفر وحيث أسلم فإنه لا يدفعها لأن المسلم لا صغار عليه. ـ ومن مات وقد وجبت عليه فإنها تؤخذ من تركته إذا مضى الحول. فإن لم يتم عليها حول فبحساب ذلك. فتؤخذ من التركة لأنه حق مالي للمسلمين متعلق بالتركة بعد الموت كسائر الحقوق التي تتعلق بالتركة. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ومتى بذلوا الواجب عليهم وجب قبوله وحرم قتالهم] . فإذا بذلوا الجزية فلا يجوز القتال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:} فإنْ هم أجابوا فاقبل منهم {وقد قال تعالى: [حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] فجعل إعطاءهم الجزية غاية فيحث أعطوا الجزية فلا يجوز أن يقاتلوا. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويمتهنون عند أخذها ويطال وقوفهم وتجر أيديهم] . يمتهنون امتهانا بليغا عند أخذها صغارا لهم، فيكون الآخذ جالسا ويكون الدافع قائما مطأطئ الرأس ذليلا. (ويطال وقوفهم) فيقال له: انتظر. ويطال وقوفه كثيرا إذلالا لهم وصغارا. (وتجر أيدهم) أي لا تؤخذ منهم بسهولة بل تجذب يده جذبا شديدا عند أخذ الجزية منه.
قالوا: لقوله تعالى: [حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] أي أذلاء فلا بد وأن يدفعوها على هيئة يكونون فيها أذلاء. هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة. والراجح: خلاف ذلك وأن هذا لا أصل له في كتاب الله ولاسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عمل الصحابة فإن هذا لم ينقل عنهم. وإنما الصغار المذكور في الآية هو مجرد إذلالهم بإعطائهم الجزية. وقبولهم التزام الشريعة الإسلامية في الجملة فهذا إذلال ظاهر لهم. ولذا فإن بني تغلب وكانوا من العرب أبوا أن يعطوا الجزية وقالوا: بل ندفعها صدقة ونقول: هي صدقة. فقبل ذلك منهم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بشرط أن تكون ضعف صدقة المسلمين (1) .كما ثبت هذا في مصنف بن أبي شيبة وغيره.فاستنكف هؤلاء عن دفع الجزية لأن مجرد دفعها صغار وذلة والتزامهم أيضا بشريعة أخرى لا يدينون بها صغار وذلة وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية وقد أنكر هذا القول النووي في روضة الطالبين وبيّن أنه لا أصل له في سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا في عمل خلفائه الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ. وهو كما قال. الترجيح: فالراجح هو خلاف هذا، وأن الجزية تؤخذ منهم برفق وإحسان والشريعة تأمر بالإحسان وفي ذلك دعوة لهم إلى الإسلام. مبحث: في مقدار الجزية: وفيه أقوال: القول الأول: وهو المشهور عند الشافعية أن الجزية دينار.
لحديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ المتقدم، وفيه أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا. القول الثاني: وهو للمالكية: على الغني أربعة دنانير وعلى الفقير دينار. واستدلوا بما ثبت في سنن البيهقي (1) ـ بإسناد صحيح ـ أن عمر ـ رضي الله عنه ـ ضرب الجزية: أربعة دنانير أو أربعين درهما ـ وهي عدل الدنانير من الدراهم. القول الثالث: وهو مذهب الأحناف ورواية عن الإمام أحمد أنه يؤخذ منه ألغني ثمانية وأربعين درهما، ومن المتوسط أربعة وعشرين درهما، ومن الفقير اثني عشر درهما. وفي ذلك أثر رواه البيهقي في سننه. القول الرابع: وهو رواية عن الإمام أحمد وهو الصحيح في المذهب ـ كما قال صاحب الإنصاف ـ وهو مذهب الثوري وأبي عبيد القاسم بن سلام: أنها تؤخذ على حسب ما يراه الإمام؛ فمردّ ذلك إلى الإمام. لأن هذه المسألة تختلف باختلاف الأزمان واختلاف الناس غنى وفقرا واختلاف أراضيهم وأحوالهم فكان مرجع ذلك إلى الإمام. ويدل عليه: اختلاف الآثار المتقدمة. ولذا فإنها ضربت على أهل اليمن دينارا وعلى أهل الشام أربعة دنانير.فإن عمر ـ رضي الله عنه ـ ضربها على أهل الشام أربعة دنانير كما في الأثر المتقدم وضربها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أهل اليمن دينارا، ولذا قال مجاهد كما في البخاري لما سئل: (ما بال أهل الشام تؤخذ منهم الجزية أربعة دنانير وأهل اليمن تؤخذ منهم دينارا؟) فقال: (إنما فعل ذلك من أجل اليسار) أي من أجل الغنى. فلما اختلفوا في الغنى اختلفوا في الجزية. وهذا يدل على أنه ليس هناك مقدار ثابت بل يختلف باختلاف الناس غنا وفقرا وباختلاف أحوالهم وأماكنهم وهذا القول هو الراجح. * مسألة: عقد الذمة عقد باق لا يجوز تغييره. هذا هو المشهور في المذاهب.
وهناك قول آخر اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: وهو أن عقد الذمة يجوز تغييره للمصلحة. وهذا هو الظاهر. فإذا اختلفت المصلحة باختلاف الأزمان فيجوز للإمام أن ينقض هذا العقد معهم ويعلن الحرب ويمهلهم حتى يستعدوا للحرب. وذلك لأن المصلحة قد زالت. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام في النفس والمال والعرض] . يلزم الإمام أخذ الذميين بشرائع الإسلام في النفس وفي المال والعرض؛ في النفس كالقتل والجناية على طرف من الأطراف فالسن بالسن والعين بالعين، فمن قتل ذميا من جنسه قتل به، ومن جنى على ذمي من جنسه اقتص له منه وهكذا.. وكذلك في الأموال في حماية الممتلكات فمن أتلف مالا لآخر فإنه يضمنه. وكذلك في العرض في القذف إذا قذف ذمي ذميا آخر بالزنا أو قذف مسلما فإن حكم الله يقام عليه. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله] . تقام عليهم الحدود. 1 ـ وثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما (1) . 2ـ وفي الصحيحين أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين واعترف فأتي به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمر أن يرض رأسه بين حجرين (2) . 3 ـ وقد قال الله تعالى: [وأن احكم بينهم بما أنزل الله]
وقيده المؤلف هنا بما يعتقدون تحريمه كالزنا والسرقة فإن الحدود تقام على الذميين من قبل الحاكم المسلم إن كانوا يعتقدون التحريم، أما إن كانوا يعتقدون حل الخمر ونكاح المحارم فإن الشريعة لا يُحكم بها عليهم، لكن يُمنعون من إظهاره بين المسلمين لما فيه من أذية المسلمين وإظهار المعصية فإن أظهروه فللإمام أن يعزرهم عقوبة لهم على إظهار المعصية في بلاد الإسلام أما مسائلهم التي هي من شؤونهم الخاصة كالأنكحة والطلاق والظهار وغيرها وما ألحق بها من المسائل الأسرية فإنه لا يحكم عليهم بالشريعة الإسلامية إلا أن يتحاكموا إلينا فإن تحاكموا إلينا فللإمام أن يحكم بينهم بما أنزل الله. وله أن يعرض عنهم. قال تعالى: [فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا] * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويلزمهم التميز عن المسلمين] . فيجب أن يتميزوا عن المسلمين بملابسهم ومراكبهم وأسمائهم وكناهم … فلا يكونوا على هيئة تختلطون فيها بالمسلمين اختلاطا لا يميزون به عنهم. وذلك لأن هذا ذريعة إلى أن يعاملوا معاملة المسلمين، ومعاملتهم معاملة المسلمين محرم،بل لهم معاملة تخصهم ولا يمكن أن يعاملوا المعاملة الشرعية التي تخصهم إلا بأن يكونوا متميزين عن المسلمين، وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب. ويجب على المسلم أن يعاملهم معاملة الكفار ولا يمكن هذا إلا بأن يكونوا على هيئة يتميزون بها عن المسلمين فوجب أن يميزوا. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولهم ركوب غير الخيل بغير سرج بأكاف] . الأكاف: هو كساء يوضع على المركوب. والسرج كذلك لكن السرج فيه زينة. ويركبه أهل الشرف والعلو سواء كان علوا جائزا أم غير جائز. وأما الأكاف فهو مجرد كساء يوضع على الدابة فتركب.
فينهى أهل الذمة عن ركوب الدواب التي فيها علو وشرف فإنها قد تكون طريقا إلى خيلائهم وفخرهم على فقراء المسلمين ولأنها مركوبات علو وشرف، وهم ليسوا بأهل علو وشرف. بل هم أهل ضعة حيث خالفوا شرع الله وقد قال تعالى: [وهم صاغرون] وفي الدارقطني من حديث عائذ بن عمرو والحديث حسن بشواهده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:} الإسلام يعلو ولا يعلى عليه { (1) . فينهون عن ركوب الخيل ويؤذن لهم بالجمل والبغل والحمير وغير ذلك من المركوبات وهنا كذلك في هذه الأزمان فالسيارات الفاخرة يمنعون منها وأما ما يركبه أوساط الناس أو دونهم فإن هذا لا حرج عليهم بركوبه. إذن: ينهون عن ركوب الخيل وعن وضع السرج لما فيه من العلو والشرف وقد يكون فيه استطالة على ضعفة المسلمين. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا يجوز تصديرهم في المجالس] . للعلة المتقدمة فإن المجالس إنما يصدر لها أهل العلو في الدنيا أو أهل الديانة والصلاح أما هؤلاء فليسوا كذلك بل هم صاغرون. ولا شك أن تقديرهم وإكرامهم هذا التقدير والإكرام الزائد حيث يوضعون في صدور المجالس يخالف المقصود. وليس المقصود أن يمتهنوا لكن أن يكونوا في وسط الناس فلا يرفعون على الناس في المجالس فيوضعون في أفضلها بل يجلسون كعامة الناس لأن هذا مجلس شرف وعلو وهم ليسوا كذلك بل هم أهل صغار والإسلام يعلو ولا يعلى عليه. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا القيام لهم] . فإذا قدموا فلا يجوز القيام لهم للتحية بل يحيي وهو جالس لما في القيام لهم من الاحتفاء بهم والإكرام لهم وهذا يناقض ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من عدم إكرامهم الإكرام الذي يعامل به أهل الشرف والمقام العالي.
ولذا ورد في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:} لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ { (1) . فهذا يدل على أنهم لا يعطون شيئا من الإكرام بل يضيق عليهم الطريق. ويقاس على ذلك هذه المسألة وهي أنه لا يقام لهم وكذلك لايصدّرون في المجالس. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا بداءتهم بالسلام] . فلايبدؤون بالسلام للحديث المتقدم} لاتبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام {ولاما يشبه السلام كقوله: (كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟) وغير ذلك من الألفاظ التي قد تكون في النهي أعظم أثرا من السلام فإن السلام يلقى على الخاص والعام أما مثل هذه الأسئلة فإنها توجه إلى الخاص فالمقصود أنه لايبدؤهم بتحية إنما يبدؤون هم بالتحية للحديث المتقدم فإذا ابتدؤوه بالتحية أجابهم. قال تعالى: [وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها] إلا أن يُخشى أن يكون في سلامهم شيء من التعريض كما كان يقع من اليهود في عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه يحييهم بما كان يجيب به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ اليهود فيقول: (وعليكم) . كما ثبت هذا في الصحيحين من حديث عائشة (2) * مسألة: في تهنئة أهل الكتاب: وهل تجوز تهنئتهم بما يجوز أن يهنّأ به المسلمون؟ كمولود أو ربح تجارة..لا بما لايجوز كالتهنئة بأعيادهم فإن التهنئة بها إقرار لهم على باطلهم فهي باطل. لكن إن هنّأهم على أمر جائز في الأصل كتهنئة بمولود أو نحو ذلك أو يعزيهم في مصابهم أو أن يشيع جنائزهم أو يعود مرضاهم، فهل يجوز هذا أولا؟ قولان، هما روايتان، عن الإمام أحمد. الرواية الأولى:
وهي المشهور في المذهب: أن ذلك لايجوز. الرواية الثانية: أن ذلك يجوز لمن رُجي إسلامه.وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وهو الراجح في هذه المسألة لما ثبت في البخاري أن غلاما ليهودي كان يخدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمرض فأتاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعوده فقال له:} أسلم {فأسلم (1) . وثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاد أباطالب كما في الحديث المشهور ودعاه إلى الإسلام. فلا بأس من تهنئتهم بالأشياء الجائزة وعيادة مرضاهم إن رجي إسلامهم أي إن كان في ذلك مصلحة للدعوة. وإلا فإنهم يهجرون في معصيتهم. لكن إن ثبتت المصلحة الشرعية في عيادة مريضهم واتباع جنائزهم وغير ذلك فلا بأس به إن رجي إسلامهم. * قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويمنعون من إحداث كنائس وبيع] . بالإجماع، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيم